######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022793 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: 458هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 458 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: العدة في أصول الفقه #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 5 أجزاء في ترقيم مسلسل واحد #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022793 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22793 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22793 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية #META# 041.EdNUMBER :: الثانية 1410 هـ - 1990 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: بدون ناشر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [العدة في أصول الفقه] # المؤلف: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء ~~(المتوفى: 458ه) # حققه وعلق عليه وخرج نصه: د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ ~~المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية # الناشر: بدون ناشر # الطبعة: الثانية 1410 ه - 1990 م # عدد الأجزاء: 5 أجزاء في ترقيم مسلسل واحد # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | المقدمة ### | الافتتاحية # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن ~~دعا بدعوته واهتدى بهداه إلى يوم الدين. # وبعد فقد كان لاختيار هذا الموضوع أسبابه ودواعيه، يمكن تلخيصها فيما ~~يلي: ### | 1- # قيمة الكتاب العلمية، شكلا وموضوعا، فهو غزير في مادته حسن في ترتيبه ~~وتبويبه. ### | 2- # واعتماد المؤلف على مصادر أصيلة، في الأصول والفروع واللغة والنحو وغير ~~ذلك، وبخاصة رسائل الإمام أحمد، وكتب أصحابه المتقدمين. ### | 3- # ومؤلف هذا الكتاب هو الإمام أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي ~~الحنبلي، شيخ الحنابلة في عصره، وناشر مذهبهم أصولا وفروعا في وقته، فقد ~~كان له الفضل الأكبر في جمع شتات أصول الحنابلة وتقعيدها، كما كان له الفضل ~~في تفصيل وبيان مسائل الفقه الحنبلي، وكل من جاء بعده فهم عيال عليه في ~~ذلك. # PageV01P007 ### | 4- # ثم إن إخراج هذا الكتاب ونشره، سيغير من الصورة في أذهان طلاب العلم عن ~~أصول الفقه عند الحنابلة، ومدى استقلالها من عدمه، إذ لا يوجد كتاب متداول ~~يمثل رأي الحنابلة بجلاء ووضوح، إذا ما استثنينا كتاب:"روضة الناظر" لابن ~~قدامة، و"شرح الكوكب المنير" لأبي البقاء الفتوحي، اللذين طبعا طباعة سيئة، ~~مليئة بالأخطاء والتحريفات بالإضافة إلى أن المؤلفين من متأخري الحنابلة، ~~الذين لا يضارعون أبا يعلى، لا في الأصول ولا في الفروع. ### | 5- # وبالإضافة إلى ما سبق أريد أن أشارك بإخراج كتاب من روائع تراثنا ~~الإسلامي الضخم، لعلي بذلك أكون قد قمت ببعض الواجب؛ خدمة للعلم، وابتغاء ~~للأجر والمثوبة من الله تعالى. # ومن أول يوم سجلت فيه الموضوع شمرت عن ساعد الجد، ms001 وأول عمل قمت به هو جمع ~~المصادر والمراجع المخطوطة، سواء كانت للمؤلف، أم كانت لغيره مما يتعلق ~~بالبحث، ولو من بعيد. # فبدأت بزيارة مكتبات القاهرة العامة، فزرت دار الكتب المصرية فوجدت فيها ~~إضافة إلى "العدة في أصول الفقه" كتاب "التعليق الكبير في المسائل ~~الخلافية" للقاضي أبي يعلى، ووجدت أيضا كتاب "الفصول" أو "أصول الجصاص" وقد ~~أفدت من هذا الكتاب الأخير في التحقيق؛ لأنه من أهم المراجع التي استعان ~~بها القاضي أبو يعلى في كتابه "العدة". # كما وجدت كتاب "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للمرداوي الحنبلي، الذي ~~عنى كثيرا بتسجيل آراء واختيارات القاضي أبي يعلى. # ثم زرت معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، فوجدت به ~~للمؤلف زيادة على ما ذكر كتاب "الروايتين والوجهين" كما وجدت كتاب "الجدل" ~~لأبي الوفاء بن عقيل تلميذ المؤلف، وجزءا # PageV01P008 # من كتاب "الفصول" له، علاوة على كتاب "الإشراف على مذاهب الأشراف" للوزير ~~يحيى بن هبيرة الشيباني الحنبلي. # وقد قمت بتصوير تلك المخطوطات على ميكرو فيلم، ثم كبرتها بعد ذلك، عدا ~~كتاب"الفصول في أصول الفقه" للجصاص، فلم أصوره، بل رجعت إلى نفس المخطوطة ~~عند الاحتياج إليها. # وبعد ذلك شددت الرحال إلى المملكة العربية السعودية، فزرت مكتبات مكة ~~المكرمة والمدينة المنورة والطائف والرياض، أفتش عن نسخة ثانية للعدة، وعن ~~تراث المؤلف بصفة عامة، فلم أظفر بشيء من ذلك. # ومن المعلوم أن المكتبة الظاهرية تحوي كثيرا من تراث الحنابلة في التفسير ~~والحديث والأصول والفقه وغيرها، لذلك فقد صورت منها على ميكروفيلم "62" ~~مخطوطة مما ألفه علماء الحنابلة في شتى العلوم، سوى بعض كتب قليلة جدا ~~لغيرهم، صورت ضمن المجاميع، ثم كبرت تلك المخطواطات فيما بعد، واخترت منها ~~المخطوطات التي لها صلة بالبحث وهي: # أولا: مؤلفات القاضي أبي يعلى: ### | 1- # الأمالي في الحديث. ### | 2- # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ### | 3- # شرح مختصر الخرقي. ### | 4- # الفوائد الصحاح العوالي والأفراد والحكايات. ### | 5- # كتاب الإيمان. ### | 6- # مختصر المعتمد. # ثانيا: مؤلفات تلاميذه: ### | 1- # التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب الكلوذاني. # PageV01P009 ### | 2- # الواضح في أصول الفقه، لأبي الوفاء بن عقيل البغدادي. # ثالثا: مؤلفات لغير ms002 من ذكر: ### | 1- # الأشربة: للإمام أحمد. ### | 2- # مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله. ### | 3- # مسائل الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، رواية المروزي. ### | 4- # التمام لما صح في الروايتين: لابن أبي يعلى. ### | 5- # شرح الطوفي على مختصر الروضة. ### | 6- # مختصر أصول ابن اللحام. # ومما يستغرب أنه لا يوجد -حسب علمي- في مكتبات بغداد العامة أي مؤلف ~~مخطوط للقاضي أبي يعلى مع أنه بغدادي الولادة والمنشأ والوفاة، اللهم إلا ~~كتاب "العمدة في أصول الفقه"، الذي لم يكتب عليه اسم مؤلفه، ولكن بعد ~~تصويره والاطلاع عليه، ثبت أنه للقاضي أبي يعلى. # وبعد الحصول على المخطوطات والفراغ من تصويرها، استكملت شراء بعض المراجع ~~المطبوعة، لأتمكن من اختصار الزمن والجهد، وبعد ذلك شرعت في العمل مستعينا ~~بالله -تعالى- مواصلا البحث والاطلاع آناء الليل وأطراف النهار، باذلا ~~الغالي والرخيص، ويكفي أنني أفنيت فيه خمس سنين من عمري، حتى خرج على هذا ~~الشكل والمضمون. # وبعد فهذا جهد المقل، فإن أكن قد وفقت فيه فذلك بفضل الله وكرمه، وإن ~~كانت الأخرى -لا سمح الله- فعزائي أنني اجتهدت، ولكل مجتهد نصيب. # ولا أنسى أن أتقدم بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي ~~أتاحت لي الفرصة، وسهلت لي السبيل بابتعاثي على حسابها لمواصلة # PageV01P010 # دراستي، ضارعا إلى الله -تعالى- أن يوفق القائمين عليها لخدمة الإسلام ~~والمسلمين. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # الدكتور: أحمد بن على بن أحمد سير المباركي # القاهرة: الثلاثاء: 30/ رمضان سنة 1397ه، الموافق 14/ سبتمبر سنة 1977م # PageV01P011 ### | التعريف بالمؤلف # *: ### | اسمه، ونسبه # هو العالم العلامة شيخ الحنابلة في عصره الإمام محمد بن الحسين بن محمد ~~بن خلف بن أحمد بن الفراء، القاضي، أبو يعلى، البغدادي، الحنبلي، المعروف ~~في زمانه بابن الفراء، والفراء نسبة إلى خياطة الفراء وبيعها. واشتهر بعد ~~ذلك بالقاضي أبي يعلى1. # هكذا ذكر اسمه واسم أبيه في جميع مراجع ترجمته التي تمكنت من الاطلاع ~~عليها، عدا السمعاني في كتابه: "الأنساب"2، وابن كثير في كتابه: "البداية ~~والنهاية"3، فقد ذكرا أن اسم أبيه الحسن بالتكبير، وهذا خطأ، يدل على ذلك ~~أمور: PageV01P015 # الأول: أن العمدة في ترجمة القاضي ms003 أبي يعلى هما: الخطيب البغدادي وابن ~~أبي يعلى، الأول في "تاريخه"، والثاني في "طبقاته" وقد ذكراه باسم "الحسين" ~~مصغرا، وهما ألصق به وأعرف الناس بشئونه، فالأول تلميذه، والثاني ابنه، ~~وحسبك بالمنزلتين قربا ومعرفة. # الثاني: أن صاحب "اللباب" قد صحح ما أخطأ فيه السمعاني في "أنسابه" فقد ~~ذكره باسم الحسين مصغرا1. # الثالث: أن ابن كثير عندما ترجم لوالد القاضي أبي يعلى في كتابه: ~~"البداية والنهاية"2، ذكره باسم الحسين مصغرا. # الرابع: أن اسمه في الموجود من مؤلفاته: محمد بن الحسين بالتصغير. # الخامس: أن هناك كثيرا ممن ترجموا للقاضي، ذكروا أن اسم أبيه هو "الحسين" ~~بالتصغير منهم ابن الجوزي في كتابه: "المنتظم"3، وفي كتابه: "مناقب الإمام ~~أحمد"4، وابن الأثير في كتابه: "الكامل"5، والذهبي في كتابه: "العبر في خبر ~~من غبر"6، وفي كتابه: "سير أعلام النبلاء"7، وفي كتابه: "دول الإسلام"8، ~~والعليمي في PageV01P016 # كتابه: "المنهج الأحمد"1، وابن العماد في كتابه: "شذرات الذهب"2، ~~والنابلسي في كتابه: "مختصر طبقات الحنابلة"3، والصفدي في كتابه: "الوافي ~~بالوفيات"4، وبروكلمان في كتابه: "تاريخ الأدب العربي"5 والزركلي في كتابه: ~~"الأعلام"6، وابن تغري بردي في كتابه: "النجوم الزاهرة"7. # وقد كانت أسرة أبي يعلى أسرة علم ومعرفة، فأبوه أبو عبد الله الحسين بن ~~محمد الفقيه الحنفي، أحد العلماء الصالحين الموصوفين بالزهد والورع والتقى: ~~أسند الحديث، ودرس الفقه على أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف ~~بالجصاص، وكان من المكرمين عنده، حدث أن مرض أبو عبد الله مائة يوم، زاره ~~الرازي فيها خمسين مرة، ولما بل من مرضه، قال له الرازي معتذرا: مرضت مائة ~~يوم، فعدناك خمسين يوما، وذاك قليل في حقك. # روى عن جماعة، وعنه ابنه أبو خازم محمد بن الحسين، عرض عليه منصب القضاء، ~~فامتنع منه. # قال عنه الذهبي: "كان من أعيان الحنفية، ومن شهود الحضرة". # مات في سنة: 390ه، ولابنه أبي يعلى عشر سنين إلا أياما8. PageV01P017 # وكان جده لأمه: عبيد الله بن عثمان بن يحيى أبا القاسم الدقاق، المعروف ~~بابن "جليقا" بالجيم واللام والمثناة التحتية بعد قاف ممدودة، أو ابن ~~"جنيقا" ms004 بإبدال اللام نونا، نسبة إلى أحد أجداده. # ولد جده المذكور سنة "318ه"، وكان ثقة مأمونا مكثرا. روى عن المحاملي، ~~وعنه العتيقي والأزهري وابن بنته أبو يعلى. # قال عنه أبو الفوارس: "كان ثقة مأمونا، حسن الخلق، ما رأينا مثله في ~~معناه". # وقال ابن الجوزي: "كان صحيح السماع، ثبت الرواية". مات في شهر رجب سنة ~~"390ه"1. # وتقف المصادر التي اطلعت عليها على ما ذكرت من أجداد القاضي أبي يعلى، ~~غير ذاكرة أصله الذي ينتمي إليه، وإنما اكتفت بأنه بغدادي المولد والنشأة ~~والوفاة. PageV01P018 ### | مولده # ولد القاضي أبو يعلى في شهر محرم لتسع وعشرين أو ثمان وعشرين خلون منه، ~~سنة ثمانين وثلاثمائة هجرية. # نقل ذلك الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"1، قال: "حدثني أبو القاسم ~~الأزهري، قال: كان أبو الحسين بن المحاملي يقول: ... سألته -أي القاضي أبا ~~يعلى- عن مولده، فقال: ولدت لتسع وعشرين أو ثمان وعشرين ليلة خلت من المحرم ~~سنة ثمانين وثلاثمائة". PageV01P018 # وهذه الرواية هي التي عول عليها المؤرخون في ذكر مولده، ولم أجد أحدا ~~خالف في ذلك فيما اطلعت عليه من المراجع1. PageV01P019 ### | نشأته وطلبه العلم وأهم أعماله # ولد القاضي أبو يعلى في بغداد كعبة العلم وقبلة العلماء وحاضرة العالم ~~الإسلامي في ذلك العصر، بل حاضرة العالم كله، فقد كانت النهضة العلمية ~~آنذاك مكتملة الأسباب متوفرة الدواعي، ولم تكن تلك النهضة خاصة بعلم دون ~~آخر، بل كانت شاملة للنواحي العملية المتعددة، فكان في كل علم أساتذته ~~وطلابه، كما كان في كل علم مكتبته ورواده. # في هذه البيئة العلمية نشأ أبو يعلى وترعرع. # بالإضافة إلى ذلك فقد توفر لأبي يعلى بيت علمي، يتعاون مع البيئة العلمية ~~العامة، فقد كان أبوه على جانب كبير من العلم والفقه، لذلك حرص على تعليم ~~ابنه وتنشئته تنشئة علمية صالحة، وكان يتولى بنفسه تعليم فتاه. # وكانت مدرسة الحديث آنذاك عامرة بشيوخها، فبدأ الطفل في التلقي والسماع، ~~وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره، وكان أول سماعه من المحدث علي بن معروف1. # لم يمهل والد الغلام، حتى يرى ثمرة غرسه، فتمتد يد ms005 المنون إليه، ~~PageV01P019 # فتخترمه، وذلك في سنة: 390ه، ولغلامه من العمر عشر سنين إلا أياما1. # ويشاء الله -تعالى- أن يعيش الغلام هذه الفترة يتيما، ولعل ذلك سر من ~~أسرار نبوغه وتفوقه، إذ إن كثيرا من العباقرة والأفذاذ ينشئون غالبا يتامى؛ ~~ليتمرنوا على شظف العيش وقسوة الحياة؛ ليخرجوا بعد هذه المعاناة، وهم أشد ~~ما يكونون صلابة عود ومضاء عزيمة. # ولكن أباه قبل أن يفارق الدنيا أوصى بتربية ابنه والقيام بشئونه إلى رجل ~~يعرف بالحربي، كان يسكن بحي في بغداد يقال له: "دار القز"، فانتقل الصبي ~~إلى مكان وصيه بعد أن كان يسكن "باب الطاق" -حي من أحياء بغداد أيضا. # وفي "دار القز" هذا، كان فيه رجل صالح، يعرف: بابن مفرحة المقرئ، كان ~~يقرئ القرآن في مسجد بهذا الحي، ويلقن طلابه بعض العبارات من "مختصر ~~الخرقي" فقصده الصبي، وتلقى عنه ما كان يستطيع ذلك المقرئ أداءه، ولكن ~~التلميذ طلب من معلمه الزيادة فأجابه بأسلوب المتواضع العارف قدر نفسه: ~~"هذا القدر الذي أحسنته، فإن أردت زيادة، فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن ~~حامد، فإنه شيخ هذه الطائفة"2. # وينتهي هذا الطور من حياة هذا الغلام؛ لينتقل إلى الطور الثاني، وهو طور ~~اتصاله بالشيخ أبي عبد الله الحسن بن حامد الحنبلي وتفقهه عليه. # كان الشيخ ابن حامد -رحمه الله تعالى- إمام الحنابلة في عصره في ~~PageV01P020 # بغداد، وكان يدرس بها المذهب الحنبلي أصولا وفروعا، فأمه الغلام أبو ~~يعلى، وصحبه، وتتلمذ عليه، حتى حاز رضا شيخه وإعجابه، وفاق زملاءه وأقرانه، ~~ولذلك لما سئل عمن يقوم بالتدريس أثناء غيابه في الحج، أجاب بقوله: هذا ~~الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى1. # ولم يكن أبو يعلى مقتصرا على تعلم الفقه وأصوله، بل سمع الحديث وأكثر من ~~ذلك، فسمع من أبي القاسم بن حبابة وعلي بن عمر الحربي وأبي القاسم موسى ~~السراج وأبي الحسين السكري وغيرهم2. # كما تعلم علوم القرآن وقرأ بالقرءات العشر3. # وقد رحل في طلب العلم إلى مكة المكرمة ودمشق الفيحاء، وحلب الشهباء، ~~وهناك سمع الحديث من بعض محدثيها4. # وفي سنة "403ه" ms006 يلتحق الشيخ ابن حامد بالرفيق الأعلى، حيث وافته منيته، ~~وهو راجع من الحج5. # ويتلقى التلميذ نبأ الفاجعة بصبر وثبات، ويمضي قدما في إكمال رسالة شيخه، ~~فيتربع على كرسي التدريس والإفتاء على مذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى. # ومن هنا يبدأ الدور الثالث في حياة الرجل، طور النضوج، طور تحمل ~~المسئولية بكل تبعاتها، فيعكف على التأليف والتصنيف في شتى PageV01P021 # العلوم الإسلامية، وبخاصة والرجل قد جمع كثيرا من الكتب، والمسائل التي ~~نقلها الأصحاب عن الإمام أحمد، الأمر الذي جعله على دراية كاملة بأصول ~~وفروع مذهب إمامه. # وفي سنة: 414ه نجده يسافر إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، ثم يعود ~~بعد ذلك إلى بغداد لمواصلة التدريس والتأليف والإفتاء1. PageV01P022 ### | توليه التدريس # أشرنا فيما تقدم أن الشيخ ابن حامد -رحمه الله- كان هو القائم بتدريس ~~الفقه وأصوله على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. # وكان القاضي أبو يعلى يتولى التدريس أثناء غياب شيخه ابن حامد بأمر منه. ~~ولكن لما انتقل ابن حامد إلى جوار ربه، كان لزاما على القاضي أبي يعلى أن ~~يشغل الفراغ الذي تركه شيخه، فيجلس على كرسي التدريس يتصدى للإفتاء. # وتمضي الليالي والأيام، وقافلة الخير تسير بأمر ربها، فليس هناك إلا بحث ~~واطلاع وتدريس وإفادة، فيذيع صوت هذا الشاب، وتتناقل الأخبار عن فتى بغداد ~~الحنبلي، فيدلف الناس إليه زرافات ووحدانا، يسمعون منه، ويقرءون عليه، ~~ويسألونه عما أشكل عليهم. # ويحكي لنا ابنه أبو الحسين ما كان عليه الازدحام على حلقة والده في جامع ~~المنصور ببغداد، فيقول: "وقد حضر الناس مجلسه، وهو يملي حديث رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله ابن ~~إمامنا أحمد -رضي الله عنه- وكان المبلغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة ~~أحدهم: خالي أبو محمد جابر. والثاني: أبو # PageV01P022 # منصور الأنباري، والثالث: أبو علي البرداني. # وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء أنهم سجدوا في حلقة الإملاء ~~على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء"1. # وكانت هذه المدرسة تعج بفطاحل العلماء الأجلاء، الذين ms007 حملوا الراية بعد ~~شيخهم، ومن ألمع هؤلاء أبو الوفاء ابن عقيل وأبو الخطاب الكلوذاني والخطيب ~~البغدادي وغيرهم. # وبذلك يعتبر القاضي أبو يعلى هو الذي نشر مذهب الإمام أحمد في هذه ~~الفترة، وأحيا ما اندرس من معالمه، فقد تخرج على يديه الجم الغفير من ~~الحنابلة، كما ألف في المذهب -أصولا وفروعا- الكتب الكثيرة، التي تعتبر أهم ~~المصادر التي حفظت لنا المذهب الحنبلي بعد المسائل التي دونت عن أحمد ووصلت ~~إلينا، ولذلك لا نجد أحدا بلغ مبلغه فيمن أتى بعده، بل كلهم عيال عليه. ~~PageV01P023 ### | توليه القضاء: # لما برز القاضي أبو يعلى، وعرف الناس قدره ومكانته العلمية وزهده وورعه، ~~قصده الشريف أبو علي بن أبي موسى؛ ليشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله بن ~~ماكولا فامتنع، وأبى ذلك إباء شديدا1. # ثم كرر الطلب، فأجاب بعد إلحاح، وشهد عند قاضي القضاة ابن ماكولا، فقبل ~~شهادته، وذلك في يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة 440ه2، وكان ابن ~~ماكولا يجله ويحترمه. PageV01P023 # ولما توفي رئيس القضاة ابن ماكولا في شهر شوال سنة: "447ه"1، وشغر بذلك ~~منصب القضاء، خوطب القاضي أبو يعلى ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم، ~~فامتنع من ذلك، ثم قبل بعد أن كرر عليه السؤال، واشترط لقبوله شروطا منها: ~~أنه لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار ~~السلطان، وفي كل شهر يقصد "نهر المعلى" يوما، و"باب الأزج" يوما، ويستخلف ~~من ينوب عنه في "الحريم"، فأجيب إلى ذلك2. # وقد قلد القضاء في الدماء والفروج والأموال، وأضيف إليه بعد ذلك قضاء ~~"حران" و"حلوان" فاستناب فيهما. # ولم يكن باستطاعة واحد أن يقوم بالقضاء في كل هذه الجهات، لذلك نجد أبا ~~يعلى قد رد القضاء في عدة أبواب إلى من يثق به، فجعل قضاء "باب الأزج" إلى ~~الجيلي، ولما تبين عدم صلاحيته عزله، وجعل النظر في عقود الأنكحة ~~والمداينات بالباب المذكور إلى تلميذه أبي علي يعقوب، كما جعل النظر في ~~العقار في "باب الأزج" أيضا إلى أبي عبد الله بن البقال. # واستناب بدار الخلافة ms008 و"نهر المعلى" أبا الحسن السيبي. # وظل القاضي أبو يعلى في هذا المنصب الخطير إلى أن انتقل إلى جوار ربه ~~تعالى3. PageV01P024 ### | زهده وورعه وثناء الناس عليه # من الصفات المحمودة في العالم تحليه بالتقوى والزهد والورع مع صبر وتجمل، ~~ومعنى ذلك أن تعرض له الدنيا بمفاتنها وإغراءاتها فينصرف عنها # PageV01P024 # انصراف الزاهد فيها، المكتفي منها بما يسد الرمق، ويقيم الأود، وليس ~~الزاهد الورع الذي لم يمكن من الدنيا، ولو مكن منها لأتى بالعجائب. # وقد كان القاضي أبو يعلى من النوع الأول مع صلابة في الدين، وجرأة في ~~الحق، يزينهما حلم وأناة، ولذلك لم يعرف عنه أنه قبل من حاكم صلة أو عطية، ~~كما لم يعرف منه الوقوف على أبواب الحكام والسلاطين من أجل الدنيا، مع ~~الفقر والحاجة، فقد كان -في بعض الأوقات- يقتات من الخبز اليابس، يبله في ~~الماء ويأكله، حتى لحقه المرض من ذلك1. # ولما عرض عليه منصب القضاء امتنع منه، وبعد إلحاح قبله بشروط: أن لا يحضر ~~أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج في الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان2. # فهذه الشروط الثلاثة تدل دلالة واضحة على ما للرجل من قدم صدق في عدم ~~التهافت على مطامع الدنيا والافتتان بمظاهرها، ولو لم يكن كذلك لما فوت تلك ~~الفرص الذهبية، التي تضفي على أقل الناس منصبا هالة من العظمة والجلال، ~~فكيف بعالم بغداد وقاضيها، ولكنه الطمع فيما عند الله تعالى، والزهد فيما ~~عند الناس، ولقد صدق الجرجاني حيث قال: # ولم أقض العلم، إن كان كلما ... بدا طمع، صيرته لي سلما # وما زلت منجازا بعرضي جانبا ... من الذل، اعتد الصيانة مغنما # إذا قيل: هذا منهل، قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما3 ~~PageV01P025 # مرض الخليفة القائم بأمر الله، فلما عوفي، ذهب أبو يعلى لتهنئته، فلما ~~خرج من عند الخليفة، أتبع بجائزة سنية، وسئل قبولها، فأبى إباء شديدا، ~~وامتنع منها1. # وبزهد القاضي أبي يعلى وورعه وفضله شهد العلماء، فهذا أبو نصر عبيد الله ~~بن سعيد السجزي الحافظ، يكتب للقاضي كتابا يقول فيه: # كتابك سيدي لما أتاني ... سررت ms009 به، وجدد لي ابتهاجا # وذكرك بالجميل لنا جميل ... يقلدنا ولم نخرج مزاجا # جللت عن التصنع في وداد ... فلم نر في توددك اعوجاجا # وقد كثر المداجي والمرائي ... فلا تحفل بمن راءى وداجا # حييت معمرا وجزيت خيرا ... وعشت لدين ذي التقوى سراجا2 # وقال فيه الخطيب البغدادي3: "كتبنا عنه، وكان ثقة"ونقل عن ابن الفراء ~~المحاملي قوله: "ما تحاضرنا أحد من الحنابلة أعقل من أبي يعلى بن الفراء". # وقال ابن الجوزي4: " ... وجمع الإمامة والفقه والصدق وحسن الخلق والتعبد ~~والتقشف والخضوع وحسن السمت والصمت عما لا يعني، واتباع السلف". # وقال الذهبي5: "وكان ذا عبادة وتهجد وملازمة للتصنيف مع الجلالة ~~والمهابة، وكان متعففا نزه النفس كبير القدر ثخين الورع". # وقال أيضا فيما نقله عنه ابن العماد6: "وجميع الطائفة معترفون بفضله، ~~ومغترفون من بحره". PageV01P026 ### | وفاته ورثاء الناس له # بعد حياة حافلة بالعمل والنشاط والانجازت العلمية العظيمة، يسلم القاضي ~~أبو يعلى الروح، وترجع النفس إلى بارئها، في ليلة الاثنين تاسع عشر من شهر ~~رمضان الكريم من عام ثمان وخمسين وأربعمائة هجرية، بمدينة بغداد، وصلى عليه ~~ابنه أبو القاسم يوم الاثنين في جامع المنصور1، ودفن بمقبرة باب حرب2. # وقد عطلت الأسواق، وتبع جنازته جماعة الفقهاء والقضاة والشهود، وخلق لا ~~يحصون، على رأسهم القاضي أبو عبد الله الدامغاني، ونقيب الهاشميين، وأبو ~~الفوارس، ومنصور بن يوسف، وأبو عبد الله بن جردة3. # وكان قد أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، وأن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا ~~يدفن معه في القبر غير ما غزله لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا ~~يقعد لعزاء4. # ولا شك أن وفاته أحدثت ضجة عظيمة، وفراغا كبيرا لدى طلاب العلم والمعرفة، ~~وبخاصة طلابه، وقد عبر تلميذه علي بن أخي نصر عما يجيش في نفسه ونفوس ~~زملائه من لوعة الحزن وألم الفراق، فاسمعه وهو يقول: # أسف دائم وحزن مقيم ... لمصاب به الهدى مهدوم PageV01P027 # مات نجل الفراء أم رجت الأر ... ض أم البدر كاسف والنجوم؟ # لهف نفسي على إمام حوى الفض ... ل وهو بالمشكلات عليم # خلق طاهر ووجه ms010 منير ... وطريق إلى الهدى مستقيم # كان للدين عدة ولأهل الد ... ين في النائبات خل حميم # من يكن للدرس بعدك أم من ... لجدال المخالفين يقوم؟ # من لفهم الحديث والطرق يستو ... ضح منه صحيحه والسقيم # من لفصل القضاء إن أشكل الحك ... م وضجت بالنازلات الخصوم # درست بعده المدارس فالعل ... م طريد وحبله مصروم # هكذا يذهب الزمن ويفنى العل ... م فيه ويجهل المعلوم # إن قبرا حواك يا أيها الطو ... د عجيب رحب الفناء عظيم # إن يكن شخصه محته يد الده ... ر فذكراه في الدهور مقيم # فتحيا بذكره كل وقت ... ومحياه في الترب رميم # آمري بالسلو مهلا ففي القل ... ب غرام مبرح ما يريم # كلما رمت سلوة هيج الحز ... ن صنيع له وفعل كريم # غير أن القضاء جار على الخل ... ق قضاء من ربهم محتوم # فعلى الشامتين خزي مقيم ... وعليه الصلاة والتسليم1 # وقد رثاه أيضا محمد بن المسبح بهذه الأبيات: # مات السدى والندى والمجد المكرم ... والعالم اليقظ المستبصر العلم # مات الإمام أبو يعلى الذي ندبت ... لفقده الكعبة الغراء والحرم # يا أيها العالم الحبر الذي كسفت ... شمس الهدى بعده بل عادها الظلم # لولاك ما كان للدنيا وساكنها ... معنى ولا عرفت طرق الهدى الأمم # ولا روى عن سول الله مأثرة ... ولا قضى بصحيح غير فيك فم # لم يبلغ الحنبلي الحبر مرتبة ... إلا على رأسها من جسمك القدم ~~PageV01P028 # أوضحت سبل الهدى من بعد ما درست ... عن الورى فقدتك العرب والعجم # مادت بنا الأرض وارتجت بساكنها ... لما قبرت وكاد الدين ينهدم1 ~~PageV01P029 ### | أولاده # وقد خلف القاضي أبو يعلى ثلاثة أبناء: ### | 1- # أبو القاسم عبيد الله، العالم الورع العفيف الصين. ولد في يوم السبت ~~السابع من شهر شعبان سنة: 443ه، قرأ القرآن الكريم بالروايات الكثيرة على ~~شيوخ عصره، وكان كثير التلاوة للقرآن مع معرفة بعلومه. # سمع الحديث من والده وجده لأمه جابر بن ياسين وأبي الحسين بن المهتدي ~~وغيرهم. # وتفقه على والده وعلى تلميذ والده الشريف أبي جعفر. # رحل في طلب العلم إلى البصرة والكوفة وواصل وغيرها. # كان يحضر مجالس النظر ms011 ويشارك فيها، كما كان ذا معرفة بالجرح والتعديل ~~وأسماء الرجال والكنى وغير ذلك. # ولما ظهرت البدع في بغداد سنة: 459ه، هاجر إلى البلد الحرام، فتوفي في ~~الطريق في أواخر شهر ذي القعدة من هذه السنة1. ### | 2- # محمد أبو الحسين القاضي الشهيد، فقيه أصولي. ولد ليلة النصف من شهر شعبان ~~سنة: 451ه. PageV01P029 # قرأ على أبي بكر الخياط، وتفقه على الشريف أبي جعفر، وروى الحديث عن أبيه ~~وعبد الصمد وأبي الحسن بن المهتدي وغيرهم. # وسمع منه خلق كثير منهم: ابن ناصر ومعمر بن الفاخر ويحيى بن بوش وابن ~~عساكر وغيرهم. # له مؤلفات كثيرة منها: "المجموع في الفروع"، و" رءوس المسائل" و" ~~المفردات في أصول الفقه" و"طبقات الحنابلة". # مات ببغداد مقتولا على يد لصوص، أرادوا سرقة بيته، في يوم السبت الحادي ~~عشر من شهر محرم سنة: 526ه، ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب1. ### | 3- # محمد أبو خازم، بالخاء والزاي المعجمتين. فقيه، زاهد. ولد في شهر صفر ~~سنة: 457ه، تفقه على القاضي يعقوب، ولازمه وسمع الحديث من أبي جعفر بن ~~المسلمة وجابر بن ياسين، ومن والده أبي يعلى إجازة. # سمع منه جماعة منهم: ابنته نعمة، وأبو المعمر الأنصاري، ويحيى بن بوش. # له مؤلفات مفيدة منها: " التبصرة في الخلاف" وكتاب "رءوس المسائل"، و" ~~شرح مختصر الخرقي". # توفي في بغداد في يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر صفر سنة: 527ه2. ~~PageV01P030 ### | التعريف بالكتاب ### | مدخل # ... # التعريف بالكتاب*: # هناك بعض المعلومات الضرورية عن الكتاب، لا بد من معرفتها لمن أراد أن ~~يطلع على الكتاب، وسوف أتكلم عنها بإيجاز فيما يلي: PageV01P031 ### | اسم الكتاب # هذا الكتاب اسمه: "العدة في أصول الفقه" كما ذكر في آخر الكتاب، وكما ذكر ~~في المصادر التي سنذكرها عند الكلام على ### | نسبة الكتاب إلى المؤلف # ، غير أنني رأيت اسم الكتاب في الورقة الأولى هكذا: "العمدة في أصول ~~الفقه" وهذه التسمية خطأ؛ لما ذكرنا قبل؛ ولأن الكتابة تختلف عن كتابة ~~المخطوطة؛ ولأن هناك كتابا آخر للمؤلف بهذا الاسم، وجدت منه نسخة بالعراق، ~~مخرومة من الأول والأخير. # PageV01P031 ### | نسبة الكتاب إلى المؤلف ms012 # هناك إجماع بأن هذا الكتاب للقاضي أبي يعلى، فلم أجد أحدا نسبه إلى غيره، ~~واسمه مسطور على أول الكتاب وآخره. # PageV01P031 # وممن ذكره منسوبا إلى المؤلف: # ابن أبي يعلى في "طبقاته" "2/ 205" في ترجمة المؤلف. # والطوفي في كتابه: "شرح مختصر الروضة" الجزء الأول، الورقة "16/ أ". # والذهبي في كتابه: "سير أعلام النبلاء" القسم الثاني من المجلد الحادي ~~عشر، الورقة "168". # وآل تيمية في كتابهم: "المسودة" "ص: 58، 59، 177، 180، 186، 196، 241، ~~256، 258، 273". # والمجد بن تيمية في كتابه: "المحرر" "2/ 261". # والمرداوي في كتابه: "الإنصاف" "12/ 46". # والبعلي في كتابه: "القواعد والفوائد الأصولية" "ص: 258". # والعليمي في كتابه: "المنهج الأحمد" "2/ 112". # وابن بدران الحنبلي في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" "ص: 241". # وبروكلمان في كتابه: "تاريخ الأدب العربي" "1/ 502" من النسخة الأصلية. # PageV01P032 ### | وصف مخطوطة الكتاب # توجد لهذا الكتاب -حسب علمي- نسخة فريدة في العالم، وهذه النسخة صمن ~~مخطوطات دار الكتب المصرية بالقاهرة، وتقع تحت رقم: "76" أصول فقه، وقد ~~صورت على "ميكروفيلم" في معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية تحت ~~رقم: "67" أصول فقه. # والكتاب يقع في: "257" ورقة من القطع الكبير مقاس "21×30 سم"، # PageV01P032 # يقع في كل صفحة خمسة وعشرون سطرا، وفي كل سطر ست عشرة كلمة تقريبا. # وقد كتب على الصفحة الأولى ما نصه: "العمدة في أصول الفقه، على مذهب ~~الإمام أحمد بن حنبل، تأليف أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ~~الفراء" ويلاحظ أن الكتابة هذه بقلم غير القلم الذي نسخ به الكتاب. # وفي منتصف الصفحة: "سيف المناظرين، حجة العلماء، أوحد الفضلاء، القاضي ~~أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء الحنبلي -رضي الله عنه. # وبعده كتب اسم السلطان المؤيد أبو النصر شيخ، بخط كبير اتبع بعبارة: "وقف ~~الملك المؤيد شيخ بمدرسة باب زويلة". # أما الصفحة الأخيرة فقد جاء فيها: "تم كتاب العدة في أصول الفقه، ولله ~~الحمد والمنة والفضل على تمامه، ووافق الفراغ من نسخه في يوم السبت سابع ~~عشر شهر رمضان المعظم سنة تسع وعشرين وسبعمائة للهجرة النبوية". # والناسخ مجهول، ولكن التصويبات التي عملها على الهامش، تدل على ما له من ~~مستوى علمي ms013 لا بأس به. # وخط الكتاب نسخ جيد غير مشكول، وقد صرح الناسخ أنه نقل هذه النسخة من ~~نسخة الشيخ الإمام العالم نجم الدين بن حمدان التي نسخها بخط يده. # وهناك ملاحظات على كتابة النص وهوامشه، نوجز أهمها فيما يلي: ### | 1- # في كثير من الأحيان لا يعجم الناسخ الحروف، ولا يضع العلامة # PageV01P033 # الفارقة بين "الكاف" و"اللام" فيرسمها هكذا: "ل". ### | 2- # وهناك كلمات، يرسمها بالياء، وهي بالهمزة مثل: "مسايل" و"قايل"، وقد ~~رسمتها على المشهور من لغة العرب، واتبعت الرسم المعروف في الوقت الحاضر، ~~من غير إشارة إلى ذلك في الهامش. ### | 3- # على أن هناك رسما، له دلالته النحوية، مثل حذف حرف العلة من آخر الفعل ~~المضارع، إذا دخل عليه الجازم، ففي هذه الحالة أرسم الفعل بحذف حرف العلة، ~~وأشير إلى ذلك في الهامش. # ومثل ذلك الأسماء المنكرة المنقوصة في حالتي الرفع والجر، فإنه يرسمها ~~بإثبات الياء في الحالتين، ففي هذه الحالة أرسمها بإثبات الياء في ~~الحالتين، ففي هذه الحالة أرسمها بحذف الياء لإنابة التنوين عنها، كما هو ~~الراجح عند جمهرة النحاة، وعليه الرسم الآن، وأشير إلى ذلك في الهامش. ### | 4- # في هوامش المخطوطة تصويبات، أثبتها الناسخ، إما من نفسه، وإما نقلا عن ~~نجم الذين ابن حمدان، ففي هذه الحالة: أثبت التصويب في صلت الكتاب، وأشير ~~في الهامش على الخطأ، كما أشير إلى التصويب من الناسخ، أو مما نقله عن ابن ~~حمدان. # PageV01P034 ### | منهج المؤلف في هذا الكتاب # لكل مؤلف منهج، صرح به في كتابه، أو أدركه القارئ بطريق الاستقراء ~~والتتبع، والسواد الأعظم من العلماء الأقدمين، لا يصرح بمنهجه ومن هؤلاء ~~القاضي أبو يعلى، لذلك سوف نتلمس منهجه من خلال كتابه، موجزين ذلك فيما ~~يلي: # أولا: نهج المؤلف في كتابه نهج المقارنة بين الآراء الأصولية في # PageV01P034 # كتابه، ولم يقتصر على إيراد المذهب الحنبلي. # ثانيا: حرص المؤلف كل الحرص على بيان المذهب الحنبلي، وبسطه في كل مسألة ~~تعرض لها. # ثالثا: الدقة في عزو الآراء إلى الإمام أحمد، هل ذلك بطريق النص أو بطريق ~~الإشارة، أو بطريق الإيماء. # رابعا: كان ms014 يحاول إشراك القارئ في كيفية استخراج نسبة القول إلى الإمام ~~أحمد، حيث كان يورد اللفظ المنقول عنه، ثم يبين من أين أخذ رأي الإمام ~~أحمد، وكيف أخذه. # خامسا: كان المؤلف لا يأخذ الروايات عن الإمام أحمد عشوائية، بل كان يربط ~~كل رواية بمن نقلها عنه من أصحابه فيقول مثلا: روى صالح، روى عبد الله ... ~~، حتى يعطي القارئ الثقة فيما ينقل. # سادسا: لم يقتصر المؤلف على نقل روايات واحدة في المسألة، بل كان ينقل ~~كثيرا من الروايات، وإن اختلفت، ثم يشرع بعد ذلك في ترجيح الروايات على ~~بعض، مع بيان أن الأخذ بهذه هو الأليق بمذهب الإمام أحمد، وهكذا ... # سابعا: كان من منهج المؤلف مناقشة الآراء، واختيار واحد منها مدعوما ~~بالحجة والبرهان. # ثامنا: عند عرضه لمسألة من المسائل، فإنه يرتب عرضها على الشكل الآتي، ~~ماهية المسألة، الرأي المختار، الآراء الأخرى، أدلة الرأي المختار، ذكر ~~الاعتراضات الواردة على أدلة الرأي المختار والرد عليها، وأدلة الآراء ~~الأخرى والرد عليها. # تاسعا: إذا كانت المسألة متشعبة، فصل القول فيها، وحرر محل # PageV01P035 # النزاع وبينه، حتى يكون الكلام واضحا في المسألة. # عاشرا: إن لم يكن في الخلاف ثمرة، بل كان خلافا لفظيا، بين ذلك المؤلف ~~ووضحه. # حادي عشر: كان استدلال المؤلف في المسائل التي تكلم عنها بالكتاب، ~~والسنة، والإجماع، والقياس، وآثار الصحابة، وما ورد عن العرب شعرا ونثرا، ~~وما نقل عن أئمة اللغة من أقوال. # ثاني عشر: عني المؤلف بإيراد -بالإضافة لأقوال الحنابلة- أقوال الشافعية، ~~والحنفية، والأشعرية والمعتزلة في معظم المباحث التي تكلم فيها، على عكس ما ~~فعل مع المالكية، والظاهرية، فقد كان ورودهما قليلا. # ثالث عشر: يحرص المؤلف على عدم التكرار إلا في النادر، فإذا ما وجد أن ~~الكلام يتماثل في موضعين، أحال الكلام في الأخير على الكلام في الأول، كما ~~فعل في صيغة كل من الأمر، والنهي، والإخبار، وكما صنع في الفورية في النهي، ~~والتكرار فيه، حيث أحال الكلام هنا إلى الكلام في الأمر. # رابع عشر: قد بين المؤلف منشأ الخلاف في مسألة أو أكثر. # خامس ms015 عشر: ربما أعاد المؤلف الكلام في بعض المسائل إلى أصل من الأصول، ثم ~~يأخذ يفصل القول بناء على ذلك الأصل. # سادس عشر: وأولا وأخيرا كان من منهج القاضي في هذا الكتاب وغيره المناقشة ~~الهادئة، بعيدة عن كل ما يخل بآداب البحث والمناظرة. # PageV01P036 ### | مصادر المؤلف في هذا الكتاب ### | مدخل # ... # مصادر المؤلف في هذا الكتاب: # تنوعت مصادر المؤلف في هذا الكتاب، فمنها ما صرح به، ومنها ما لم يصرح ~~به، ولكن استطعنا -بعون الله وتوفيقه- أن نضع أيدينا عليها بطريق البحث ~~والتتبع، ويمكن تصنيف تلك المصادر إلى المجموعات الآتية: # PageV01P037 ### | مصادر في العقيدة # من المعلوم أن هناك أبحاثا في علم الأصول لها علاقة بالعقيدة، أو ما يسمى ~~بعلم الكلام، ولا يسع الأصولي عند الكلام عليها إلا الرجوع إلى مصادرها، ~~وهو ما صنع المؤلف، ونحن هنا نشير إلى أهمها: # أولا: "كتاب الإيمان" للإمام أحمد، نقل المؤلف منه ما يدل على رأي الإمام ~~أحمد في مسألة: إذا روى العدل عن العدل خبرا، ثم نسي المروي عنه الخبر، ~~فأنكره، فهل يقبل ذلك الخبر أو يرد؟ وقد كان رأي الإمام أحمد هو قبول ~~الحديث في مثل تلك الحال، انظر "ص: 963، 964". # ثانيا: "كتاب الرد على أهل الإلحاد" "لأبي بكر ابن الأنباري" رجع المؤلف ~~إلى هذا الكتاب في بحث المحكم والمتشابه، عند # PageV01P037 # تفسير قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون} ~~ص689 # ثالثا: "كتاب القدر" لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر، غلام الخلال، كان من ~~مصادر المؤلف في مسألة صيغة الأمر هل هي للوجوب أو لا عند الاستدلال بأمر ~~الله تعالى لإبراهيم بذبح ولده ص216. # مصادر في التفسير وعلومه: # من المسلمات لدى الأصوليين وغيرهم أن كتاب الله تعالى هو المصدر الأول ~~للتشريع، وقد تعرض العلماء لهذا الكتاب بالشرح والإيضاح، وهو ما نسميه "علم ~~التفسير"، لذلك رجع المؤلف إلى بعض كتب التفسير وعلومه، أشهرها خمسة: # أولا: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة الدينوري مطبوع، لم يصرح المؤلف به ~~في كتابه، وقد أفاد منه في فصل في قيام بعض الحروف ms016 عن بعض، ص208، بل نقل ~~كلام ابن قتيبة بالنص، ولم يزد عليه. # ثانيا: "غريب القرآن" لابن قتيبة الدينوري، رجع المؤلف إلى هذا الكتاب في ~~مسألة: نسخ الحكم قبل التمكين من الفعل، عند تفسير قوله تعالى: {إني أرى في ~~المنام أني أذبحك} ص808. # ثالثا: كتاب التفسير لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر، المعروف بغلام الخلال، ~~أفاد منه المؤلف في عدة مواضع، منها: # أسماء الأشياء، هل حصلت عن توقيف أو عن مواضعة؟ # PageV01P038 # ص192، عند الكلام على تفسير قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} . # إذا ورد الأمر متعربا عن القرائن اقتضى الوجوب ص230 عند الاستدلال بقوله ~~تعالى: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من ~~الساجدين} ، على أن الأمر يقتضي الوجوب، وبناء على ذلك فهل إبليس من ~~الملائكة أو من الجن ... ؟ # مسألة وقوع المجاز في القرآن ص697 عند الكلام على قوله تعالى: {وأشربوا ~~في قلوبهم العجل بكفرهم} هل فيه مجاز أو لا؟ # مسألة: ليس في القرآن شيء بغير العربية ص707، فقد نقل المؤلف هذا الرأي ~~عنه. # مسألة: تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد ص713 عند الكلام في تقسيم التفسير ~~إلى: ما لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، وإلى ما يعلم تأويله كل ذي علم ~~باللسان الذي نزل به القرآن. # مسألة تعليم التفسير ونقله وما في ذلك من الثواب ص 718، حيث نقل المؤلف ~~حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم ~~يجاوزهن ... " من التفسير المذكور. # في مسألة "بيان الكبائر من المعاصي" عند تفسير قوله تعالى: {إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه} ص946. # PageV01P039 # رابعا: "كتاب التفسير" ليحيى بن سلام، أفاد المؤلف منه عند الكلام على أن ~~تعليم التفسير ونقله فيه أجر وثواب "ص: 715"، حيث نقل المؤلف عنه حديث: ~~"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل". # خامسا: "معاني القرآن وإعرابه" "لأبي إسحاق الزجاج" طبع منه جزآن، رجع ~~المؤلف إليه في موضعين: ### | 1- # عند الكلام في مسألة: إذا أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بفعل ~~عبادة، ليس فيه تخصيص، فهل تشاركه أمته ms017 في ذلك، عند الاستدلال بقوله تعالى: ~~{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [ص: 325] . ### | 2- # عند الكلام في مسالة: استثناء الأكثر، عند الاستدلال بقوله تعالى: {فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [ص: 667] . # PageV01P040 ### | مصادر في الحديث وعلومه # وإذا كان كتاب الله تعالى هو المصدر الأول للتشريع، فإن الحديث هو المصدر ~~الثاني فمن البدهيات أن يرجع الأصولي إليه في مصادره وقد حفل الكتاب بكثير ~~من هذه المصادر، أهمها: # أولا: جزء في الإجازة والمناولة والقراءة صنفه "محمد بن مخلد بن حفص ~~العطار" أفاد المؤلف منه في موضعين: ### | 1- # عند كلامه على صيغ التحمل والأداء للحديث "ص: 979"، حيث نقل عنه رواية عن ~~الإمام أحمد في جواز العرض على المحدث. # PageV01P040 ### | 2- # عند كلامه عن الترجيح بين المتعارضين اللذين لم يمكن الجمع بينهما، وهو ~~الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد، ولا إلى المتن، بل إلى شيء غيرهما، ضمن ~~المرجع السادس "ص: 1054". # ثانيا: جزء فيه السنة "لحرب بن إسماعيل الحنظلي" نقل منه المؤلف رواية عن ~~الإمام أحمد تسوي بين "أخبرنا" و"حدثنا" إذا كان سماعا من الشيخ "ص: 977". # ثالثا: الرد على من انتحل غير مذهب أصحاب الحديث "لأبي بكر عبد العزيز بن ~~جعفر" غلام الخلال، رجع إليه المؤلف عندما تكلم على صيغ التحمل والأداء ~~للحديث "ص:980، 985". # رابعا: سنن الدارقطني "لعلي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المعروف ~~بالدارقطني" -مطبوع- نقل المؤلف عنه حديثا ذكره بسنده؛ ليدلل به على عدم ~~جواز نسخ القرآن بالسنة، وأن ذلك لم يوجد"ص: 792". # خامسا: كتاب العلل "لأحمد بن محمد الطائي" المعروف بالأثرم، أفاد المؤلف ~~من هذا الكتاب في مواضع: ### | 1- # في مسألة: إذا روى العدل عن العدل خبرا، ثم نسى المروي عنه الخبر، ~~وأنكره، فهل يقبل الخبر في مثل هذه الحالة أو يرد؟ عندما نقل عن الإمام ~~أحمد ما يدل على قبول ذلك الحديث "ص: 960". ### | 2- # في مسألة: إذا أراد الراوي تجزئة الحديث، بأن ينقل # PageV01P041 # بعضه، ويترك بعضه ص 1016 عندما نقل عن الإمام أحمد ما يدل على جواز ذلك. # سادسا: كتاب العلل "لأحمد بن محمد بن هارون، أبو ms018 بكر الخلال" أفاد منه ~~المؤلف في موضعين: # عند نقل المؤلف لكلام الإمام أحمد في ترجيح بعض المراسيل على بعض، "ص920" ~~حيث نقل عنه المؤلف مما رواه عن أبي الحارث عن الإمام أحمد أنه قال: مرسلات ~~سعيد بن المسيب صحاح، لا يرى أصح من مرسلاته. # في مسألة: إذا أراد الراوي تقطيع الحديث، بأن ينقل بعضه، ويترك بعضه، ~~ص1018 فقد نقل المؤلف عنه قوله: أبو عبد الله لا يرى بأسا باختصار الحديث. # مصادر في الفقه وأصوله: # أما المصادر في الفقه وأصوله، فقد كان لها نصيب الأسد في الكتاب، وهي على ~~قسمين، قسم لم يصرح المؤلف بالرجوع إليه، وقسم صرح بالرجوع إليه: # أما القسم الأول: فقد تمكنت من الاطلاع على مصدرين، كان لهما أكبر الأثر ~~في منهج المؤلف ومادته. # أولا: الفصول أو أصول الجصاص "لأحمد بن علي الرازي، أبو بكر الجصاص" ~~مخطوط، فقد نقل عنه بالنص في ص100، عند الكلام على البيان وأقسامه، كما ~~أفاد منه في مواضع أخرى، أشرنا إليها في حينها. # PageV01P042 # ثانيا: المعتمد في أصول الفقه، "لأبي الحسين البصري"، مطبوع فقد أفاد ~~منها المؤلف في نقل آراء المعتزلة، وأدلتهم، كما أفاد منه في بعض الجوانب ~~المنهجية. # أما القسم الثاني: فقد رجع المؤلف إلى مصادر أهمها: # أولا: جزء فيه مسائل في أصول الفقه "لأبي الحسن الجزري" رجع إليه المؤلف ~~في مسألة تخصيص العموم بالقياس ص563 عندما نقل من هذا الجزء كلام الإمام ~~أحمد: "حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرده إلا مثله". # ثانيا: جزء من شرح مختصر الخرقي "لأبي إسحاق ابن شاقلا"، في مسألة تخصيص ~~العلوم بالقياس ص563 عندما نقل عن أبي إسحاق ما يدل على أن الحنابلة في تلك ~~المسألة على قسمين، قسم يجوز، وقسم يمنع. # ثالثا: كتاب أصول الفقه "لأبي الفضل التميمي"، رجع المؤلف إلى هذا الكتاب ~~في مسألة هل في القرآن مجاز أو لا؟ ص697، حيث نقل المؤلف قوله: "والقرآن ~~ليس فيه مجاز عند أصحابنا". # رابعا: كتاب التقريب في أصول الفقه "لأبي بكر الباقلاني" أفاد منه المؤلف ms019 ~~في مسألة: هل يصح استثناء الأكثر أو لا؟ ص666 حيث نقل المؤلف أنه نصر عدم ~~صحة ذلك في كتابه المذكور. # خامسا: كتاب التنبيه "لأبي بكر عبد العزيز بن جعفر، غلام الخلال"، رجع ~~المؤلف إلى هذا الكتاب في مسألة: إذا ورد العام، فهل يجب العمل به في الحال ~~قبل البحث عن المخصص، # PageV01P043 # أو لا؟ "ص526"، حيث ذكر أن أبا بكر عبد العزيز رأى في كتابه التنبيه أنه ~~يجب العمل بالعموم عند وروده، حتى يأتي المخصص. # سادسا: كتاب "الشافي" " ... " نقل المؤلف منه "ص749" رواية عن الإمام ~~أحمد، تدل على أن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس بواجب. # سابعا: "مسائل الحرزي" أفاد المؤلف من هذا الكتاب في عزو مسألة نسخ الأخف ~~بالأثقل ... إلى الظاهرية "ص785". # ثامنا: "مسائل أبي سفيان الحنفي" رجع المؤلف إلى هذا المصدر في مسألة إذا ~~ورد العموم هل يجب العمل به فور وروده قبل البحث عن دليل يخصصه أولا؟ ~~"ص528". # تاسعا: "مسائل في أصول الفقه" "لأبي الحسن التميمي"، كان هذا الكتاب من ~~مصادر المؤلف في مسألة: هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- متعبدا بشريعة ~~من قبله أو لا؟ "ص756". # عاشرا: مسألة مفردة "لأبي الحسن التميمي" نقل المؤلف من هذه المسألة: أن ~~الإمام أحمد يقول: إن أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- لا تدل على ~~الإيجاب، "ص737"، كما رجع المؤلف إلى هذه المسألة "ص474". # PageV01P044 ### | مصادر لغوية ونحوية # لما كانت اللغة هي أحد المناهل التي ينهل منها الأصولي كان لزاما على ~~المؤلف أن يرجع إلى مصادرها ويفيد منها، وقد فعل المؤلف ذلك حيث رجع إلى ~~مصادر لغوية، أهمها: # أولا: "الجامع في النحو" لابن قتيبة الدينوري، أفاد المؤلف من هذا الكتاب ~~في موضعين: # PageV01P044 ### | 1- # عدم صحة استثناء الأكثر "ص667، 668". ### | 2- # عدم صحة الاستثناء من غير الجنس "ص676". # ثانيا: "جوابات مسائل" لابن قتيبة الدينوري -مطبوع- وقد رجع المؤلف إليه ~~في موضعين: ### | 1- # تعريف الفقه لغة "ص68". ### | 2- # عدم صحة استثناء الأكثر "ص667". # ثالثا: كتاب "الاستثناء والشروط" لابن عرفة النحوي، أفاد المؤلف من هذا ~~المصدر في مسألة: عدم صحة استثناء الأكثر ms020 "ص671، 672". # رابعا: كتاب "غريب المصنف" لأبي عبيد القاسم بن سلام، كان من مراجع ~~المؤلف في مسألة مفهوم المخالفة، هل هو حجة أو لا؟ "ص464". # PageV01P045 ### | مصادر متنوعة # وهناك مصادر غير مختصة بعلم من العلوم. نورد أهمها فيما يلي: # أولا: "أخبار أحمد" لأبي حفص ابن شاهين، رجع إليه المؤلف في نقل رواية عن ~~الإمام أحمد، يقول فيها: "إن العقل في الرأس: "ص89". # ثانيا: "الرسالة" للإمام أحمد، نقل المؤلف من هذه الرسالة ما يدل على أن ~~الإمام أحمد يقول: إن خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري. "ص898". # ثالثا: "شرح السنة" لأبي محمد البربهاري، رجع المؤلف إليه في موضعين: # PageV01P045 ### | تقويم الكتاب # الحقيقة أنه يصعب على الباحث أن يقوم أعمال الآخرين، وبخاصة إذا كان صاحب ~~العمل من الفحول في ذلك. وبعد تردد أقدمت على ذلك حرصا على الإنصاف، وبيانا ~~لما توصلت إليه، وسوف أتكلم بإيجاز، بادئا بالحديث عما للكتاب من محاسن ~~ألخصها فيما يلي: # أولا: إن الكتاب -في نظري- يعد أول كتاب وصل إلينا، جمع شتات أصول ~~الحنابلة ونظمها في أبواب ومسائل وفصول. # ثانيا: والكتاب يعد أيضا مصدرا أصيلا في أصول الحنابلة، لما لمؤلفه من ~~الدراية الكافية بالمذهب الحنبلي، أصولا وفروعا. # ثالثا: ويمتاز الكتاب بأن مصادره أصيلة، وبخاصة ما ينقله المؤلف عن ~~الإمام أحمد من الروايات، وما ينقله عن أصحابه من الآراء. # رابعا: ولم يقتصر المؤلف على إيراد رواية واحدة عن الإمام أحمد، بل كان ~~يسوق كثيرا من الروايات، وبخاصة إذا كانت مختلفة. # خامسا: ولم يترك تلك الروايات على ما هي، بل أخد يرجح بعضها على بعض، ~~ويبين أن الأخذ بهذه الرواية -مثلا- هو الأليق بمذهب أحمد، وهكذا ... ولعمر ~~الحق إنها لمهمة صعبة قام بها المؤلف خير قيام. # PageV01P048 # سادسا: ومما يسجل للمؤلف هنا دقة فهمه لما نقل عن الإمام أحمد، واستخراجه ~~للحكم من تلك الروايات، ودرجة الأخذ، هل كان بطريق النص، أو بطريق الإيماء ~~أو الإشارة أو الاحتمال؟ وهذه المهمة لا تقل عن سابقتها. # سابعا: والكتاب أصول فقه مقارن، عني مؤلفه بنقل المذاهب الأخرى في كل ~~مسألة ms021 تعرض لها، مع إيراد أدلتهم، ومناقشتها والرد عليها إذا خالفت ما ~~اختاره المؤلف. # ثامنا: كانت شخصية المؤلف ظاهرة من أول الكتاب إلى آخره، فقد كان يناقش ~~الأدلة، ويرجج بين الروايات المنقولة عن الإمام أحمد، ويخرج باختيار له في ~~كل مسألة، وهذه ميزة لا تستكثر على عالم فذ كالقاضي أبي يعلى. # تاسعا: كان المؤلف موفقا في الاستدلال على إثبات حكم أو نفيه بالكتاب ~~والسنة والإجماع والقياس وما روي عن الصحابة والتابعين من الآثار، حتى صار ~~ذلك سمة بارزة في الكتاب، على أنه لم يخل من المماحكات العقلية، ولكنها ~~كانت بقدر. # عاشرا: كان المؤلف يربط المسائل بالمدلول اللغوي للنص الذي يستدل به، ~~سواء كان النص المستدل به من الكتاب، أو السنة أو الآثار عن بعض الصحابة، ~~أو أبيات شعرية، أو قطع نثرية، أو أقوال أئمة اللغة، وهذه ميزة أخرى تستحق ~~الثناء. # حادي عشر: إذا كانت المسألة التي تعرض ذات شعب، حرر المؤلف محل النزاع ~~وبينه، حتى يكون الكلام على جزئية معينة، لا لبس فيها، ولا غموض. # PageV01P049 # ثاني عشر: إذا كان الخلاف في المسألة لفظيا، لا ثمرة منه، بين ذلك. # ثالث عشر: إذا تماثلت في مسألتين، فإنه لا يكرر الأدلة في المسألة ~~الثانية، بل يحيل إليها، فمثلا لما جاء على باب: النهي، أحال الكلام في ~~مسألة الفورية، ومسألة التكرار في النهي إلى الكلام في مسألة الفورية ~~والتكرار في الأمر. # رابع عشر: كان المؤلف موفقا إلى حد كبير في ترتيب الأبواب. # خامس عشر: أحسن المؤلف صنعا؛ إذ جعل بابا في أول الكتاب، عرف فيه كثيرا ~~من المصطلحات التي يحتاج الأصولي إلى معرفتها. # PageV01P050 ### | المآخذ التي أخذتها على المؤلف # هناك بعض الملاحظات على المؤلف، يمكن إجمالها في الآتي: # أولا: أفاد المؤلف من بعض الكتب، بل نقل منها بالنص، ولم يشر إليها، وكان ~~الأولى أن يشير إليها، وأشهر هذه الكتب ثلاثة: ### | 1- # أفاد المؤلف من كتاب "الفصول في أصول الفقه" أو "أصول الجصاص" -مخطوط- ~~تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، المتوفى سنة: 370ه، في ~~كتابه "العدة"، ms022 بل نقل عنه بالنص عند كلامه على البيان من "ص: 100- 130". ### | 2- # وأفاد المؤلف أيضا من كتاب: تأويل مشكل القرآن -مطبوع- لابن قتيبة ~~المتوفى سنة: 276ه، وذلك عندما تكلم المؤلف عن نيابة بعض الحروف عن بعض "ص: ~~208"، بل نقل منه بالنص ولم يشر إليه. ### | 3- # كما أفاد من كتاب: المعتمد في أصول الفقه -مطبوع- لأبي الحسين البصري ~~المعتزلي المتوفى سنة: 436ه، وذلك في المنهج العام، وفي بعض الأدلة، وفي ~~نقل آراء المعتزلة وأدلتهم. # ثانيا: استدل المؤلف بالأحاديث الموضوعة كحديث: "تبارك الذي قسم العقل ~~بين عباده واستأثر، إن الرجلين تستوي أعمالهما وبرهما وصلاتهما وصومهما، ~~ويفترقان في العقل، حتى يكون بينهما كالذرة في جنب أحد ... " "ص: 95". # PageV01P051 # وكحديث: "إني خلقت العقل أصنافا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي من ~~ذلك حبة واحدة، وبعضهم الحبتين" "ص: 96". # وكحديث: "خطابي للواحد خطاب للجماعة، وحكمي على الواحد حكم على الجماعة" ~~"ص: 331". # وكحديث: "كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا" "ص: 793، ~~794". # ثالثا: نقله عن بعض رواة اتهموا بالوضع والكذب، كأبي الحسن التميمي وأحمد ~~بن محمد بن مخزوم، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه "ص: 84، 94، 95، 96". # رابعا: استدلاله بالمرسل الضعيف كحديث: "ذهب حقك" "ص: 141- 1035". # خامسا: حصل من المؤلف تناقض في حكمه على قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} و {حرمت عليكم الميتة} حيث قال: إنها مبينة، وذلك عند كلامه عن ~~البيان "ص: 106"، ولما جاء إلى الكلام عن المجمل "ص: 145" قال: إنها مجملة. # كما ذكر آية {حرمت عليكم أمهاتكم} "ص: 513، 518"، وصرح في هذين الموضعين ~~أنها عامة، وهذا ينافي كونها مجملة، كما ذكر آية {حرمت عليكم الميتة} "ص: ~~518" وصرح بأنها عامة، وهذا ينافي كونها مجملة أيضا. # سادسا: يتسم أسلوب المؤلف بالسهولة، وعدم التكلف، ولكن وجد مع هذا عبارات ~~ركيكة، وتركيبات غير مترابطة، وقد أشرنا إلى ذلك في حينه. # أما لغة الكتاب: ففصيحة بشكل عام، يعتورها في بعض الأحيان # PageV01P052 # هنات لغوية، لا تتمشى وفصيح اللغة العربية، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة: ### | 1- # مجيء "أم" بعد "هل" في مثل قوله: أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أم ms023 ~~مواضعة؟ "ص: 190"، و"أم" لا تأتي بعد هل في مثل هذه الصورة على الراجح عند ~~العلماء. ### | 2- # دخول "أل" على "بعض" كما في "ص: 141، 191" وذلك مجاف لفصيح اللغة ~~العربية. ### | 3- # عدم ذكر الفاء في جواب "أما" كما في "ص: 165، 166"، وإن كان قد ورد بعض ~~الشواهد العربية حذفت فيها الفاء في جواب "أما"، ولكن حكم على تلك الشواهد ~~بالشذوذ. ### | 4- # عدم إظهار الحركة على الحرف الأخير، والالتجاء إلى التسكين لآخر الكلمة ~~كما في "ص: 700" في قوله: "بأن هناك مضمر محذوف" وقد صوبناها هكذا: "بأن ~~هناك مضمرا محذوفا" وكما في "ص: 938" في نقله للحديث: "كل الناس أكفاء إلا ~~حائك أو حجام" وقد صوبناه هكذا: "كل الناس أكفاء إلا حائكا أو حجاما" ولعل ~~ذلك من صنع الناسخ. ### | 5- # دخول "أل" على "غير" كما في "ص: 341"، وذلك لم يرد في لغة العرب، وإنما ~~هو تعبير أحدثه الفلاسفة والمتكلمون. # سابعا: من المعلوم أن الكتاب أصول فقه مقارن، عني مؤلفه بنقل الآراء ~~الأصولية، إلا أن هناك آراء عزاها المؤلف، ولم يكن ذلك العزو محررا، ~~والحقيقة أنها كثيرة، لذلك سأقتصر على الإشارة إلى بعضها بذكر الصفحة، فيما ~~يلي: صفحة: "151، 257، 278، 282، 352، 538، 539، 570، 575، 638". وقد حررت ~~العزو في كل مسألة بإعادتها إلى مصادر أصحابها الأصيلة، ولم أر حاجة في ~~إعادة الكلام هنا. # PageV01P053 # ثامنا: يقدم في بعض الأحيان التعريف في الاصطلاح على التعريف في اللغة، ~~كما في تعريف الواجب "ص: 159، 160" وتعريف الفرض "ص: 160، 161" وتعريف ~~المندوب "ص: 162" وهذا خلاف المألوف. # تاسعا: هذا فيما يتعلق بالمنهج العام، ولكن هناك تعقبات تتعلق بمادة ~~الكتاب نفسه، نذكر أهمها فيما يلي: ### | 1- # استدلال المؤلف بكلام الإمام أحمد "ص: 147، 148" على أن قوله تعالى: ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} مجمل وهو استدلال خطأ، لأمور ثلاثة ذكرتها في الموضع ~~المشار إليه. ### | 2 - # من معاني "اللام" التمليك، وقد مثل لها المصنف "ص: 204" بقوله: "دار ~~لزيد" وهذا المثال إنما هو للتملك، أما مثال التمليك فهو: "وهبت المال ~~لزيد". ### | 3- # مثل المؤلف "ص: 256" في مسألة ورود الأمر بعد الحظر، بقوله تعالى: {فإذا ~~طعمتم فانتشروا} وقد تعقبه المجد في: "المسودة" "ص: 17" بأن هذه الآية ms024 ليست ~~مما نحن فيه، ولم يعلل، قلت: لأن الأمر بالانتشار لم يأت بعد حظره. والله ~~أعلم. ### | 4- # ساق المؤلف "ص: 256" في مسألة ورود الأمر بعد الحظر، كلاما للإمام أحمد؛ ~~ليبين أن رأي الإمام في هذه المسألة هو الإباحة، وقد تعقبه المجد في ~~"المسودة" "ص: 17" بأن كلام الإمام أحمد لا يدل على ذلك. ### | 5- # قال المؤلف "ص: 260": قيل لا نسلم أن وجوب قتل المشركين استفيد بقوله: ~~{فاقتلوا المشركين} ، بل استفدناه بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر} وغيرها من الآيات التي لم يتقدمها حظر". # وقد تعقبه المجد في "المسودة" "ص: 19" بقوله: وهذا ضعيف، # PageV01P054 # بل الأمر بعد الحظر يرفع الحظر، ويكون كما كان قبل الحظر، والأمر في هذه ~~الآية كذلك. ### | 6- # حكى المؤلف "ص: 266" الإجماع على أن النهي يقتضي التكرار، وحكاية الإجماع ~~هذه غير صحيحة، وقد بينت ذلك في الموضع المشار إليه. ### | 7- # عقد المؤلف فصلا "ص: 331" في الدلالة على أن الحكم إذا توجه إلى واحد من ~~الصحابة دخل فيه غيره، وفي أثناء ذلك ذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~إذا خص واحدا بحكم بين وجه التخصيص، ثم مثل لذلك بأمثلة منها: تخصيص الزبير ~~بلبس الحرير، وقد لاحظت عليه في هذا أربع ملاحظات: # الأولى: أنه عبر ب "تخصيص" وهو مشعر بأن ذلك الحكم خاص بالزبير -رضي الله ~~عنه- لا يتعداه إلى غيره، وليس الأمر كذلك، بل هو ترخيص له ولكل من أصيب ~~بمرضه. # الثانية: أن الترخيص الوارد في الحديث لاثنين هما: الزبير، وعبد الرحمن ~~بن عوف -رضي الله عنهما- وليس للزبير وحده، كما ذهب إليه المؤلف. # الثالثة: أن الواجب أن يذكر المؤلف علة الترخيص وهي الحكة، حتى يدخل في ~~الحكم من توفرت فيه العلة. # الرابعة: أن الحديث لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنه ترخيص، وليس ~~بتخصيص. ### | 8- # أورد المؤلف "ص: 339- 341" كلاما للإمام أحمد؛ ليبين أنه يرى دخول النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- في الأمر الذي يأمر به أمته، بينا كلام الإمام أحمد ~~لا يدل على ذلك، كما أفاده أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "36/ ب". ms025 # PageV01P055 ### | 9- # ساق المؤلف "ص: 411" كلاما عن الإمام أحمد؛ ليدلل على أن الإمام أحمد يرى ~~أن المكلف إذا زاد على ما يتناوله الاسم كالركوع مثلا أن ذلك واجب، وهو ~~استدلال خطأ، كما قيل في "المسودة": إنه مأخذ غير صحيح، وقال ابن عقيل: إنه ~~مأخذ فاسد، وقال أبو الخطاب: "إنه غلط"، وقد فصلت القول في ذلك في الموضع ~~المشار إليه. ### | 10- # في "ص: 482" خلط المؤلف في كلامه بين مسألتين، الأولى: هل مفهوم الموافقة ~~حجة؟ والثانية: الذين يقولون بمفهوم الموافقة اختلفوا في الدلالة هل هي ~~لفظية أو قياسية؟ ### | 11- # استدل المؤلف "ص: 560" بقوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} على جواز ~~تخصيص العموم بالقياس، وقد تعقب في ذلك بما بينته في موضعه. ### | 12- # نقل المؤلف "ص: 952" عن الإمام أحمد أنه لا يروي الحديث عن أصحاب الرأي، ~~ثم بين المؤلف مراد الإمام أحمد بقوله: وهذا محمول على أهل الرأي من ~~المتكلمين، كالقدرية ونحوهم، وليس الأمر كذلك، كما بين في الموضع المشار ~~إليه. ### | 13- # حكم المؤلف في "ص: 954" بأن التدليس مكروه، ولا يمنع من قبول الخبر، وهذا ~~الكلام ليس على إطلاقه، وقد بسطت الكلام على ذلك في موضعه. ### | 14- # لم يحرر المؤلف محل النزاع "ص: 959" في مسألة: إذا روى العدل عن العدل ~~خبرا، ثم نسي المروي عنه الخبر فأنكره ... وقد حررته في موضعه. ### | 15- # وهم المؤلف "ص: 1033" حيث ذكر اسم الصحابي: قيس بن طلق، والصواب:طلق بن ~~علي؛ لأنه هو الصحابي الراوي لحديث عدم النقض من مس الذكر، كما سبق أن ذكره ~~المؤلف "ص: 832" موافقا لما قلناه، وقد جرى التنبيه على ذلك في موضعه. ~~وبالله التوفيق. # PageV01P056 ### | منهج التحقيق # تعددت مناهج التحقيق بتعدد أغراض المحققين، لذلك رأيت من الأفضل أن أبين ~~المنهج الذي اتخذته؛ ليكون القارئ على بينة من ذلك، وهذا المنهج يتلخص فيما ~~يلي: # أولا: إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه، ووصف المخطوطة، وبيان مكان وجودها. # ثانيا: المحاولة -قدر الإمكان- أن يخرج نص الكتاب على أقرب صورة وضعه ~~عليها المؤلف، وذلك بالمحافظة على شكل النص وموضوعه، إلا في الأمور الآتية: ### | 1- # رسم الكتاب، فقد رسمته بالرسم في العصر ms026 الحاضر، غير مشير إلى ذلك في ~~الهامش. ### | 2- # إعجام ما أهمله المؤلف من الكلمات، ولا أشير إلى ذلك إلا إذا اختلف ~~المعنى بذلك الإعجام. ### | 3- # إصلاح الخطأ، وذلك عند التيقن من أن ما في النص خطأ فأثبت ما اعتقدته ~~صحيحا، بين قوسين معقوفين هكذا: [] ، أما إذا كان الخطأ مشكوكا فيه، فأشير ~~إلى ذلك في الهامش من غير مساس بالنص. # PageV01P057 ### | 4- # زيادة بعض الحروف، أو الكلمات، أو الجمل، إذا اقتضى المقام تلك الزيادة، ~~وأضعها بين قوسين معقوفين هكذا: [] مع الإشارة إلى مصدر تلك الزيادة إن ~~وجد، سواء كان ما صوبه الناسخ في الهامش بنفسه أو نقله عن ابن حمدان، أو ~~وجدته في مراجع أخرى. # ثالثا: تمحيص الآراء وتحرير العزو للآراء التي يذكرها المؤلف، وذلك ~~بإرجاعها إلى مصادرها الأصلية. # رابعا: مناقشة المؤلف في أدلته ووجه الاستدلال منها، مع مناقشته في ردوده ~~على أدلة المخالفين، متى استلزم الأمر ذلك. # خامسا: بيان موضع الآيات من السور، مع الإشارة إلى تفسير الآية إن اقتضى ~~المقام ذلك. # وإذا ورد لفظ الآية مخالفا لما في المصحف العثماني، فلا يخلو الأمر إما ~~أن يكون ذلك قراءة أو لا، فإن كان قراءة أثبتها في النص، وأشير في الهامش ~~إلى أنها قراءة، مع بيان من قرأ بها، ومن قرأ بما في المصحف العثماني مع ~~ملاحظة أن الوارد في الكتاب قراءات سبعية متواترة -وإما أن يكون غير قراءة، ~~بل خطأ فأثبت الصواب مع الإشارة إلى ما ورد من الخطأ في الهامش. # سادسا: تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب والكلام بالتفصيل على الأحاديث ~~الضعيفة والموضوعة، وبيان أقوال علماء الجرح والتعديل في رواة تلك ~~الأحاديث، مع إبداء ملاحظاتي على ذلك. # سابعا: تخريج الآثار الواردة في الكتاب. # ثامنا: عزو الروايات التي ينقلها المؤلف عن الإمام أحمد إلى مصادرها إن ~~وجدت # PageV01P058 # تاسعا: عزو الأبيات الشعرية إلى قائلها، وإرجاعها إلى دواوين أصحابها إن ~~وجدت أو إلى المراجع الأصيلة لشعر الشاعر. # عاشرا: عزو الأمثال مع بيان القائل للمثل والمناسبة التي قيل فيها. # حادي عشر: شرح المفردات اللغوية الغريبة. # ثاني عشر: شرح ms027 المصطلحات الأصولية الغريبة. # ثالث عشر: ربط موضوعات الكتاب بعضها ببعض؛ حتى يتمكن القارئ من التصور ~~الكامل للموضوع الذي يريد بحثه. # رابع عشر: يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب الحنابلة في أصول الفقه، إن لم ~~يكن أهمها؛ لذلك حرصت على ربطه بكتب الحنابلة في الأصول وبخاصة تلميذي ~~المؤلف: أبي الوفاء بن عقيل البغدادي1، وأبي الخطاب الكلوذاني2، فقد اعتمدا ~~على شيخهما كثيرا، وناقشاه في بعض اختياراته، وقصدي من ذلك إتاحة الفرصة ~~للقارئ ليناقش ويقارن، حتى يستطيع تحديد المذهب الحنبلي في القضية التي ~~يبحثها. # خامس عشر: التنبيه على التعبير الذي يرد غير متمش مع فصيح اللغة العربية، ~~كما نبهت على الأخطاء النحوية. # سادس عشر: التعريف بالأعلام، وذلك بإيراد ترجمة قصيرة تتضمن اسم العلم، ~~وولادته، ومذهبه، وبعض كتبه، ووفاته. # سابع عشر: التعريف بالكتب الوارد ذكرها في الكتاب، مع بيان PageV01P059 # المطبوع والمخطوط، ما أمكن ذلك. # ثامن عشر: التعريف بالمدن والبلدان والمواضع الغريبة الوارد ذكرها. # تاسع عشر: التعريف بالطوائف والفرق والمذاهب. # عشرون: وضع الفهارس الفنية العامة، وتشتمل على ما يلي: ### | 1- # فهرس الآيات القرآنية. ### | 2- # فهرس الأحاديث. ### | 3- # فهرس الآثار. ### | 4- # فهرس القوافي وأنصاف الأبيات. ### | 5- # فهرس الأمثال. ### | 6- # فهرس الأعلام. ### | 7- # فهرس الطوائف، والفرق، والمذاهب. ### | 8- # فهرس القبائل والجماعات. ### | 9- # فهرس الأماكن والبلدان. ### | 10- # فهرس الكتب. ### | 11- # فهرس الموضوعات. # وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. # PageV01P060 ### | افتتاحية الكتاب # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # [الحمد لله المتقرب إليه به، حمد الراضي من عباده بشكره، وإياه أسأله ~~التوفيق بمنه، وأن يصلي على محمد خيرته من خلقه، وعلى أهله وأصحابه من ~~بعده، وبه أستعين على ما قصدته من رحمته] 1. ### | ............................ # 2 # [والفقه في اللغة: العلم، يقال: فلان يفقه الخير والشر، ويفقه كلام فلان ~~أي: يفهمه ويعلمه] 3 [وسمي العالم عالما] [2/ أ] بما يتعاطاه من العلوم. ~~PageV01P067 # وذكر ابن قتيبة1 في جوابات مسائل سئل عنها فقال: "الفقه في اللغة: الفهم، ~~يقال: فلان لا يفقه قولي. وقال تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم} 2 أي لا تفهمونه، ثم يقال للعلم، الفقه؛ لأنه عن الفهم ~~يكون، والعالم فقيه؛ لأنه ms028 يعلم بفهمه"3، فهذا موضوعه في اللغة4. # وأما موضوعه عند الفقهاء والمتكلمين فهو: العلم بأحكام أفعال المكلفين ~~PageV01P068 # الشرعية دون العقلية1. نحو التحريم والتحليل والإيجاب والإباحة والندب ~~وصحة العقد وفساده ووجوب غرم وضمان قيمة متلف وجناية. # وإطلاق اسم الفقه لا يجري على العلم بالنجوم والطب والفلسفة، وإنما يجري ~~على العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية2. PageV01P069 # وأما أصول الفقه فهو: عبارة عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها ~~به؛ لأن أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، إما باستخراج أو تنبيه1. فسميت هذه ~~الأصول بهذا الاسم؛ لأن بها يتوصل إلى العلم بغيرها، فتكون أصلا له، فلا ~~يجوز أن يقال: إن [الكلام في] أصول الفقه هو: الكلام في أدلة الفقه؛ لأن من ~~ذكر الدلالة على إثبات صيغة العموم لا يقال: إنه ذكر دليلا في الفقه، وإنما ~~أدلة الفقه: عبارة عن استعمال ألفاظ العموم وطرق الاجتهاد. والكلام في أصول ~~الفقه ما يدل على إثبات مقتضى هذه الأشياء وموجبها وصحتها وفسادها، ولا ~~يجوز أن تعلم هذه الأصول قبل النظر في الفروع؛ لأن من لم يعتد طرق الفروع ~~والتصرف فيها، لا يمكنه الوقوف على ما يبتغي بهذه الأصول من الاستدلال ~~والتصرف في وجوه القياس والمواضع التي يقصد بالكلام إليها، ولهذا يوجد أكثر ~~من ينفرد بعلم الكلام دون الفروع مقصرا في هذا الباب، وإن كان يعرف طرق هذه ~~الأصول وأدلتها2. PageV01P070 # وإذا كان القصد من [2/ ب] 1 وما هو متعلق بها [الذي] 2 يقول: إن أصول ~~الفقه وأدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل، ومفهوم أصل واستصحاب حال. # وقد قيل: إن أصول الفقه وأدلة الشرع على ضربين أحدهما: ما طريقه الأقوال ~~والآخر الاستخراج. # فأما الأقوال: فهي مثل النص والعموم والظاهر ومفهوم الخطاب وفحواه ~~والإجماع. # وأما الاستخراج فهو القياس. # والأول أصح؛ لأنه أعم، وذلك أنه يدخل فيه دليل الخطاب واستصحاب الحال، ~~وتلك أصول عندنا. # ولم أذكر قول الواحد من الصحابة إذا لمن يخالفه غيره؛ لأن الرواية عن ~~الإمام أحمد3 -رحمه الله- مختلفة، ونحن نذكره مفردا إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P071 # فأما الأصل فثلاثة أضرب: ms029 الكتاب والسنة والإجماع. # فأما الكتاب فضربان: مجمل ومفصل، ويأتي شرحهما في باب الحدود1. # وأما السنة فعلى ضربين: # ضرب يؤخذ من النبي -صلى الله عليه وسلم- مشاهدة وسماعا. فهذا يجب على كل ~~أحد قبوله واعتقاده على ما جاء به من وجوب وندب وإباحة وحظر، ومن لم يقبله ~~كفر؛ لأنه كذبه في خبره. # وضرب يؤخذ خبرا عنه، والكلام فيه في موضعين: # أحدهما في إسناده، والآخر في متنه، فأما الإسناد فضربان: # أحدهما متواتر والآخر آحاد. # والمتن على ضربين: قول وفعل وإقرار على قول وفعل، ويأتي شرح ذلك في باب ~~الأخبار2. # وأما الإجماع: فيأتي الكلام في تفصيله في باب الإجماع3. # وأما مفهوم الأصل فذلك على ثلاثة أضرب: مفهوم الخطاب ودليله ومعناه، ~~ويأتي شرح ذلك في باب الحدود4. # وأما استصحاب الحال فذلك على ضربين: # أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الواجب حتى يدل دليل شرعي PageV01P072 # عليه، وهذا صحيح بإجماع أهل العلم، وذلك مثل أن يسأل حنبلي عن الوتر ~~فيقول: ليس بواجب1؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل الشرعي على وجوبه. # والثاني: استصحاب حكم الإجماع، فهو أن تجمع الأمة على حكم ثم تتغير صفة ~~المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه، هل يجب استصحاب حال الإجماع بعد ~~الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أم لا؟ على خلاف بينهم، يأتي الكلام فيه2 إن ~~شاء الله تعالى3. PageV01P073 ### | باب ذكر حدود ### | مدخل # ... # باب ذكر حدود 1: # تحديد2 أصول الفقه من ألفاظها. PageV01P074 # فصل: [ ### | في تعريف الحد # ] : # معنى الحد هو: الجامع لجنس ما فرقه التفصيل، المانع من دخول ما ليس من ~~جملته فيه1. ولذلك سمي البواب حدادا؛ لأنه يمنع من ليس من أهل الدار من ~~الدخول إليها. PageV01P074 # وسموا الحديد بهذا الاسم؛ لأنه يمنع من وصول السلاح إلى المتحصن به. # وسميت حدود الدار والأرض؛ لأنها تمنع أن يدخل في البيع ما ليس [3/ أ] من ~~البيع، وكذا يخرج منه ما ليس هو من المبيع، وسميت العقوبة حدا؛ لما فيها من ~~المنع من مواقعة الفواحش. # ومنه إحداد المرأة في عدتها؛ [لأنها تمتنع به] 1 من الطيب والزنية. # والزيادة في ms030 الحد نقصان في المحدود؛ لأن الحد [متى جمع ذواتا كانت] 2 ~~متفرقة حال التفصيل، فمتى ضم إليه [قدر] 3 زائد على المذكور خرج بعض الذوات ~~من جملة الكلام، فيكون الحد للبعض4، بعد أن كان للجميع. # وقال أبو بكر الباقلاني5: الزيادة فيه على ضربين: PageV01P075 # منها ما هو نقصان منه، ومنها ما هو ليس بنقصان. # فأما التي هي نقصان نحو قولك: حد الواجب أنه في فعله ثواب، وفي تركه ~~عقاب، فهذا يوجب خروج كل ما ليس بصيام عن كونه واجبا، فعادت بالنقصان. # وأما ليس بنقصان نحو قولك: حد الواجب: أنه فرض في فعله ثواب، وفي تركه ~~عقاب، فكل فرض واجب. # وأما النقصان من الحد فإنه أبدا زيادة فيه، نحو قولك: حد الواجب ما كان ~~في فعله ثواب، ولا يقرن به في تركه عقاب، فيدخل النفل في جملة الواجب؛ لأنه ~~مما عليه ثواب. # PageV01P076 # فصل: [ ### | في تعريف العلم # ] : # وحد العلم: معرفة المعلوم على ما هو به1. PageV01P076 # وقيل: تبين المعلوم على ما هو به1. # وقيل: إثبات المعلوم على ما هو به. # وقيل: إدراك المعلوم على ما هو به2؛ لأن جميعه محيط بجميع جملة المحدود، ~~فلا يدخل ما ليس منه، ولا يخرج ما هو منه. # والحد الأول أصح3؛ لأن من حده: "بالتبين"4، يبطل بعلم الله تعالى؛ لأنه ~~لا يوصف بأنه مبين؛ لأن ذلك يستعمل في العلم الذي يحصل عقيب الشك ولا يجوز ~~ذلك عليه، ومع هذا فهو عالم. # ومن يحده "بالإثبات" لا يصح؛ لأن الإثبات هو الإيجاد5، ولهذا يقال: أثبت ~~السهم في القرطاس. # ومن حده "بالإدراك"، لا يصح؛ لأنه يستعمل في أشياء مختلفة على طريق ~~الحقيقة بالإدراكات الخمسة: الرؤية والسمع والشم والذوق والبلوغ، فثبت أنه ~~يستعمل في غير العلم. # ولو قيل: "معرفة المعلوم"، ولم يقل "على ما هو به" كفى، ويكون ذلك ~~تأكيدا؛ لأن العلم لا يصح أن يتعلق بالمعلوم ويكون معرفة إلا على ما هو به، ~~ولو تعلق به على ما ليس به لكان جهلا، وخرج عن كونه PageV01P077 # علما، فلهذا صح أن نقتصر على قوله: ms031 "معرفة المعلوم". # وإنما عدلنا عن القول بأنه: معرفة الشيء، إلى القول بأنه معرفة المعلوم؛ ~~لأن: القول معلوم، أعم من: القول شيء؛ لأن الشيء لا يكون إلا موجودا، ~~والمعلوم يكون معدوما وموجودا، وقد ثبت أن المعدوم ليس بشيء # فإذا قيل: حده أنه: معرفة الشيء، خرج العلم بالمعدوم الذي ليس بشيء عن أن ~~يكون علما وانتقض الحد؛ لأنه علم بما ليس بشيء، فوجبت الرغبة لما ذكرنا عن ~~ذكر "الشيء" إلى ذكر "المعلوم". # والدلالة على أن حده ما ذكرنا أن كل من عرف العلم فقد علم أنه معرفة، ~~وأنه هو الذي لأجله كان العالم عالما، وكل من عرف المعرفة التي صار العالم ~~عالما بها فقد عرف العلم علما، فكان حدا صحيحا [3/ ب] كما أن حد المحدث لما ~~كان هو الموجود عن عدم، كان كل من عرفه موجودا عن عدم، فقد علم أنه محدث. # وقالت المعتزلة1 [حد] 2 العلم: "اعتقاد الشيء على ما هو به فقط". ~~PageV01P078 # وقال بعضهم: اعتقاد الشيء على ما هو به على غير [وجه] 1 الظن والتقليد. # وقال آخرون منهم: حده اعتقاد الشيء على ما هو به، إذا وقع عن ضرورة أو ~~دليل. # وقال آخرون منهم: اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى معتقده. # وكل هذه الحدود باطلة؛ لأن من قال: اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، يوجب ~~أن يكون المخمن والظان -إذا اعتقد الشيء على ما هو به- عالما باعتقاد ذلك ~~الشيء، وهذا باطل؛ للاتفاق على أن العالم2 لا يجوز كونه على غير ما علمه، ~~والظان بكون الشيء يجد من نفسه تجويز كونه على خلاف من ظنه وتوهمه؛ ولأنه ~~يبطل قوله وقول من قال: إذا وقع عن ضرورة أو دليل، وقول من قال: "مع سكون ~~النفس" بعلم الله تعالى؛ لأنه عالم وليس بمعتقد، ولا علمه عن ضرورة ولا عن ~~سكون النفس. # وعلى أن النفس عندهم هي الجملة المحسوسة، وسكون الجملة هو سكون مكان، ~~وذلك يقتضي أن الإنسان إذا كان ساكن الجملة كان عالما، وإذا لم يكن متحركا ms032 ~~فلا يكون عالما، وذلك باطل. # وعلى أن السكون يستعمل في زوال الغم وحصول الأنس، وهذا يقتضي أن يكون ~~الإنسان إذا زال غمه وأنس فهو عالم، وذلك باطل. PageV01P079 # فصل: [ ### | في أقسام العلم # ] : 1 # والعلم على ضربين: قديم ومحدث. # فأما القديم: فهو علم الله تعالى، وهو علم واحد يتعلق بجميع المعلومات ~~على ما هي به، لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه التغيير والبطلان، ولا يوصف ~~بأنه ضروري، ولا بأنه مكتسب، ولا استدلالي؛ لئلا يوهم كونه محتاجا إلى ~~العلم لما يعلمه لدفع ضرر عنه، أو أنه ملجأ ومكره على العلم بما هو عالم ~~به، ومحال ذلك في صفته. # وأما المحدث2 فعلى ضربين: ضروري، ومكتسب. # فأما الضروري فحده: كل علم محدث لا يجوز ورود الشك عليه ويلزم نفس ~~المخلوق3. أو ما لا يمكنه معه الخروج عنه، والانفصال منه، وإنما قلنا: ما ~~لزم نفس المخلوق، ولم نقل: ما لزم نفس العالم؛ لكي يخرج علم القديم سبحانه ~~عن كونه اضطرارا؛ لأن عمله سبحانه بكل معلوم لازم لذاته على الوجه الذي ~~يلزم ذواتنا علوم الضرورات، وليس لأحد أن يقول: إنه مضطر إلى العلم ~~بمعلوماته. PageV01P080 # وإنما سمي ضرورة؛ لأنه مما تمس الحاجة إليه، أو مما يقع الإكراه عليه ~~والإلجاء إليه؛ ولهذا قال تعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} 1، وقال: {فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد} 2. وقالوا في المكره على الطلاق والعتاق: إنه مضطر إليه ~~ومحمول عليه ومكره عليه. # وعلم الضرورة على ضربين3: أحدهما لا يتعلق بسبب سابق، والثاني يتعلق بسبب ~~سابق. # فأما ما لا يتعلق بسبب سابق، فمثل علم الإنسان بأحوال [4/ أ] نفسه، من ~~قيامه وقعوده، وحركاته وسكناته، وما يعرض في نفسه من خير وشرور، وميل ~~ونفور، ولذة وألم، وصحة وسقم، ومثل ذلك علمه باستحالة اجتماع الضدين، ~~والجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، فهذا كله علم مبتدأ في نفسه ~~لا يتعلق بسبب. # وأما ما يتعلق بسبب سابق فعلى ضربين: محسوس، وغير محسوس، فأما المحسوس: ~~فهو العلم الواقع عن الحواس الخمس وهي: البصر PageV01P081 # والسمع والذوق والشم واللمس، ms033 وذلك أن العلم يحصل عن الإدارك بهذه الحواس. # وأما غير المحسوس فهو: العلم الواقع عن الخبر المتواتر، مثل العلم ~~بالبلدان النائية والسير الماضية، فإذا سمع الخبر المتواتر حصل العلم ~~بمخبره. # وأما المكتسب: فحده كل علم يجوز ورود الشك عليه. # وقد قيل: ما وقع عن نظر واستدلال. # ومعنى الكسب: ما وجد بالموصوف به وله عليه قدرة محدثة. # ومعنى النظر والاستدلال: ما يحصل العلم به عن ابتداء نظر وتفكر. # وعلم الكسب على ضربين: عقلي وشرعي: # فأما العقلي: فهو ما لا يفتقر إلى شرع، مثل العلم بحدوث العالم، وإثبات ~~محدثه وصفاته، وصدق من ظهرت المعجزة على يده، وما أشبه ذلك مما لو نظر ~~العاقل فيه وتدبره؛ لحصل له العلم من غير شرع. # وأما الشرعي: فهو العلم الواقع عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والقياس ~~على أحد هذه الأصول الثلاثة. # PageV01P082 # فصل: [ ### | في تعريف الجهل والشك والظن # ] : 1 # وحد الجهل: تبين المعلوم على خلاف ما هو به، ضد العلم2. PageV01P082 # والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. # والظن1: تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر. # وغلبة الظن: قوة الظن، فإن الظن يتزايد، ويكون بعض الظن أقوى من بعض. # والشك: ليس بطريق للحكم في الشرع، ولا يلزم على هذا الصيام يوم الشك؛ ~~لأنه ليس الموجب لصيامه الشك، وإما الموجب قيام الدليل، ألا ترى أنه يوجد ~~الشك ولا يجب الصيام، وهو ما إذا كانت السماء مصحية، لعدم قيام الدليل. # والظن: طريق للحكم، إذا كان عن أمارة مقتضية للظن، ولهذا يجب العمل بخبر ~~الواحد، إذا كان ثقة، ويجب العمل بشهادة الشاهدين وخبر المقومين، إذا كانا ~~عدلين، ويجب العمل بالقياس، وإن كانت علة الأصل مظنونة، ويجب استصحاب حكم ~~الحال السابق في حال الشك، مثل الشك في الحدث بعد الطهارة، والطلاق بعد ~~النكاح، والشك في العتاق بعد الملك؛ لأن الظاهر بقاؤه وعدم حدوث المشكوك ~~فيه. PageV01P083 # فصل: [ ### | في تعريف العقل # ] : 2 # والعقل ضرب من العلوم الضرورية، وهو مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين، ~~وكون الجسم في مكانين، ونقصان الواحد عن الاثنين، والعلم PageV01P083 # بموجب العادات، ms034 فإذا أخبره مخبر بأن الفرات تجري دارهم راضية، لا يجوز ~~صدقه. ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه، وحمل [4/ ب] ثمرة وإدراكها من ساعته، ~~لا ينتظر ذلك ليأكل منها، وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح ~~يقتله، لا يهرب فزعا من ذلك، فإذا حصل له العلم بذلك، كان عاقلا ولزمه ~~التكليف. # وقال أبو الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث1 من أصحابنا في "كتاب ~~العقل": العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور، فهو كالعلم"2. # وقال أبو محمد البربهاري3: وليس العقل باكتساب، وإنما هو PageV01P084 # فضل من الله1. ذكره في "شرح السنة" في جزء وقع إلي # وقال بعضهم: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات. # وقال أبو بكر بن فورك2: هو العلم الذي يتمنع به من فعل القبيح. # وقال بعضهم: ما حسن معه التكليف. # ومعنى ذلك كله متقارب، ولكن ما ذكرناه أولى3؛ لأنه مفسر، وهو قول الجمهور ~~من المتكلمين. # وقال أحمد فيما رواه أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل" عن محمد بن أحمد ~~بن مخزوم4 عن إبراهيم الحربي5 عن أحمد أنه قال: العقل PageV01P085 # غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها ~~عفاف"1. # ومعنى قوله: غريزة، أنه خلق الله تعالى ابتداء، وليس باكتساب للعبد. ~~خلافا لما حكي عن بعض الفلاسفة: أنه اكتساب. # وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض. # وقال قوم: هو مادة وطبيعة. # وقال آخرون: هو جوهر بسيط. # وهذا فاسد؛ لأن الدليل دل على أن الجواهر كلها من جنس واحد، خلافا ~~للملحدة في قولهم: هي مختلفة؛ لأن معنى المثلين: ما سد أحدهما PageV01P086 # مسد صاحبه، وناب منابه، والجواهر على هذا؛ لأن كل واحد منهما متحرك وساكن ~~وعالم، فلو كان العقل جوهرا لكان من جنس العاقل، ولاستغنى العاقل بوجود ~~نفسه في كونه عاقلا عن وجود مثله، وما هو من جنسه، وقد ثبت أنه ليس بعاقل ~~بنفسه، فمحال أن يكون عاقلا بجوهر من جنسه؛ ولأنه لو كان جوهرا لصح قيامه ~~بذاته ووجوده، لا بعاقل ولصح أن يعقل ويكلف؛ لأن ms035 ذلك مما يجوز على الجواهر ~~وفي امتناع ذلك دليل، على أنه ليس بجوهر، فثبت أنه عرض، ومحال أن يكون عرضا ~~غير سائر العلوم؛ لأنه لو كان كذلك لصح وجود العقل مع عدم سائر العلوم، حتى ~~يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشيء من الضرورات؛ إذ ~~لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر. وذلك نهاية الإحالة. # ومحال أن يكون اكتسابا؛ لأنه يؤدي إلى أن الصبي وممن عدمت منه الحواس ~~الخمس ليسوا بعقلاء؛ لأنهم لا نظر لهم ولا استدلال يكتسبون به العقل، وفي ~~الإجماع على حصول العقل منهم دليل على فساد هذا. # ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة؛ لأن العقل يبطل ويزول [5/ أ] ولا يخرج ~~الحي عن كونه حيا، وقد يكون الحي حيا وإن لم يكن عالما بشيء أصلا. # ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية1، ولا العلوم التي تقع عقيب ~~الإدراكات الخمسة؛ لأن هذا يؤدي إلى أن الخرس والطرش2 والأكمه ليسوا ~~بعقلاء؛ لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات PageV01P087 # التي تعلم باضطرار ولا باستدلال1. # ولا يجوز أيضا أن يكون العلم بحسن حسن وقبح قبيح، ووجوب واجب وتحريم محرم ~~من جملة العلوم التي هي عقل؛ لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون ~~قضية العقل، فوجب أن يكون بعض العلوم الضرورية، وهو ما ذكرنا في أول الفصل ~~وما كان في معناه من أن الموجود لا يخلو من أن يكون لوجوده أول، وأن ~~الموجود لا يكون معدوما موجودا في حالة واحدة، وأن المتحرك عن المكان لا ~~يجوز أن يكون ساكنا فيه في حالة واحدة، وأن الذات الواحدة لا تكون حية ~~ميتة، ونحو ذلك من الأوصاف المتضادة2. PageV01P088 # فصل: [في محل العقل] : 1 # ومحل العقل القلب، ذكره أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل"، فقال: الذي ~~نقول به: إن العقل في القلب يعلو نوره إلى الدماغ، فيفيض [منه2] إلى الحواس ~~ما جرى في العقل. # ومن الناس من قال: هو في الدماغ. # وقد نص أحمد -رحمه الله- على مثل هذا القول فيما ذكره أبو ms036 حفص بن شاهين3 ~~في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإسناده عن فضل بن زياد4 وقد سأله رجل عن ~~العقل أين منتهاه من البدن؟ وقال5 سمعت أحمد بن PageV01P089 # حنبل يقول: العقل في الرأس، أما سمعت إلى قولهم: وافر الدماغ والعقل. # واحتج هذا القائل: بأن الرأس إذا ضرب زال العقل؛ ولأن الناس يقولون: ~~"فلان خفيف الرأس، وخفيف الدماغ"، ويريدون به العقل. # وهذا غير صحيح؛ لقوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} 1 وأراد ~~به العقل، فدل على أن القلب محله؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان ~~مجاورا له، أو كان بسبب منه. # واحتج أبو الحسن التميمي بقوله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ~~قلوب يعقلون بها} 2 وقال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} 3. # واحتج أيضا بما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المدائني4، أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والكبد رحمة، والقلب ملك، والقلب مسكن ~~العقل"5. PageV01P090 # وروي أن عمر بن الخطاب1 -رضي الله عنه- كان إذا دخل عليه ابن عباس2 قال: ~~"جاءكم الفتى الكهول له لسان قئول وقلب عقول"3. فنسب العقل إلى القلب. ~~PageV01P091 # وروى عياض بن خليفة1 عن علي كرم الله وجهه2 أنه سمعه يوم صفين3 يقول: "إن ~~العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في PageV01P092 # الطحال، وأن النفس في الرئة"1. # وعن أبي هريرة2 [5/ ب] وكعب3 أنهما قالا: العقل في القلب وأيضا فإن العقل ~~ضرب من العلوم الضرورية، ومحل العلم القلب. # وما ذكروه من زوال العقل بضرب الرأس، فلا يدل على أنه محله، PageV01P093 # كما أن عصر الخصية يزيل العقل والحياة، ولا يدل على أنها محلها. # وقول الناس: إنه خفيف الرأس، وخفيف الدماغ، فهو أن يبس الدماغ يؤثر في ~~العقل، وإن كان في غير محله، كما يؤثر في البصر، وإن كان في غير محله. # PageV01P094 # فصل: [ ### | في ذكر الخلاف في تفاوت العقول # ] : 1 # وذكر أصحابنا أنه يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح. # فقال أبو محمد البربهاري في "شرح السنة": العقل مولود أعطي كل إنسان ms037 من ~~العقل ما أراده الله تعالى، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السموات، ~~ويطالب كل إنسان على قدر ما أعطاه الله تعالى من العقل. # وذكره أبو الحسن التميمي في كتاب "العقل" خلافا للمتكلمين من المعتزلة ~~والأشعرية2 في قولهم: لا يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح. # والدلالة على صحة ذلك: ما روى أبو الحسن في كتاب "العقل" بإسناده عن ~~طاوس3، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قضى بين PageV01P094 # المهاجرين والأنصار: "تبارك الذي قسم العقل بين عباده واستأثر، إن ~~الرجلين تستوي أعمالهما وبرهما وصلاتهما وصومهما، ويفترقان في العقل حتى ~~يكون بينهما كالذرة في جنب أحد"1. # وروى أبو الحسن بإسناده عن أنس2 قال: جاء ابن سلام3 إلى PageV01P095 # النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر الخبر إلى أن [قال] : قال النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: إني خلقت العقل أصنافا شتى كعدد الرمل، ~~فمن الناس من أعطي من ذلك حبة واحدة، وبعضهم الحبتين، والثلاث، والأربع، ~~وبعضهم من أعطي فرقا1، وبعضهم أعطي وسقا2، وبعضهم وسقين، وبعضهم أكثر من ~~ذلك ما شاء الله من التضعيف"3. # وروى4 عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنا معشر الأنبياء أمرنا ~~أن PageV01P096 # نكلم1 الناس على قدر عقولهم"2. وروى يزيد عن أبي زياد3 عن ابن عباس قال: ~~"العقل عشرة أجزاء، تسعة في الأنبياء وواحد في سائر الناس"4. PageV01P097 # وهذه الأخبار كلها تدل على التفاضل في العقول1. # ولأنه إجماع الناس؛ فإنه مستفيض فيهم القول بأن أحد العاقلين أكمل عقلا ~~وأوفر وأرجح من الآخر. قال بعضهم: PageV01P098 # يزين الفتى في الناس كثرة عقله ... وإن لم يكن في أهله بحسيب1 # فإن قيل: إنما يقال ذلك على معنى أنه أكثر استعمالا لعقله وتيقظا وتحذرا. # قلنا: إنما كان أكثر استعمالا؛ لوفور عقله على غيره، ولقلة عقل غيره، أنه ~~لم يكثر استعماله لعقله. # ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "ما وجد من ناقصات العقول والأديان أغلب للرجال 2 ذوي [6/ أ] ~~الرأي 3 على أمورهم من النساء، ms038 قالوا: يا رسول الله، ما نقصان عقلها ~~ودينها؟ قال: أما نقصان عقلها فجعل الله تعالى شهادة امرأتين برجل، وأما ~~نقصان دينها فإنها تمكث الثلاث والأربع لا تصلي لله تعالى فيها سجدة 4 ". ~~وهذا يدل على PageV01P099 # نقصان عقل النساء عن عقول الرجال مع وصفهن بالعقل. # واحتج من منع ذلك: # بأن العقل من العلوم الضرورية، وتلك لا تختلف في حق عاقل. # والجواب: أن تلك العلوم لم يختلف ما يدرك به من النظر والشم والذوق، ~~فلهذا لم تختلف هي في أنفسها، وليس كذلك العقل؛ لأنه يختلف ما يدرك به وهو ~~التمييز والفكر، فيقل في حق بعضهم ويكثر؛ فلهذا اختلف. # واحتج بأنه لو كان أحدهما أكمل من الآخر لم يحصل لغير الكامل الغرض، وهو ~~تأمل الأشياء ومعرفتها؛ لأجل النقصان الذي منه. # والجواب: أنه إنما لا يحصل له الغرض الكامل؛ لأنا نجد أن من لم يكمل عقله ~~لا تكمل أحواله، ولا يبلغ جميع أغراضه، ومن الكامل عقله بلغ أكثر أغراضه ~~وأكمل أكثر أحواله. # PageV01P100 # فصل: [ ### | في تعريف البيان # ] : 1 # وحد البيان2: إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به ~~PageV01P100 # ويشتبه من أجله. كما يقال: "بان الأمر إذا ظهر". # وأصله في اللغة من القطع والفصل، يقال1: "بان منه إذا انقطع" قال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: "ما بان من البهيمة وهي حية، فهو ميتة" 2. # "وبان: إذا فارق" قال جرير3: PageV01P101 # بان الخليط ولو طوعت ما بانا ... وقطعوا من حبال الوصل أقرانا1 # وبانت المرأة من زوجها بينونة، إذا فارقت زوجها وانقطع النكاح بينهما، ~~فسمي إظهار المعنى وإيضاحه بيانا؛ لانفصاله مما يلتبس به من المعاني فيشكل ~~من أجله. # وقد ذكر الشافعي2 البيان ووصفه3 فقال: "البيان اسم جامع PageV01P102 # لمعان1 مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن ~~تكون بيانا2 لمن خوطب ممن نزل القرآن بلسانه3، وإن كان بعضها أشد تأكيد ~~بيان من بعض". ثم جعله على خمسة أوجه4. # واعترض عليه أبو بكر بن داود5، وقال: البيان أبين من التفسير الذي فسره. # واعترض غيره عليه أيضا وقال: لم يصف ms039 البيان؛ لأنه ذكر جملة مجهولة، فكان ~~بمنزلة من قال: البيان اسم يشتمل على أشياء، ثم لم يبين تلك الأشياء ما هي. # واعتذر أصحابه له، وقالوا: لم يقصد به حد البيان وتفسير معناه، وإنما قصد ~~به: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، فهي PageV01P103 # متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى ~~وأبين من بعض؛ لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه من صفة ~~ما [6/ب] يحتاج إلى تفكر وتدبر، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "إن ~~من البيان لسحرا" 1 فأخبر أن بعض البيان أبلغ من بعض. ولأن الله تعالى ~~ورسوله -صلى الله عليه وسلم- خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب ~~وفحواه. وجميع ذلك بيان، وإن اختلفت مراتبها فيه. PageV01P104 # وقال أبو بكر الصيرفي: البيان2: "إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى [حيز] 3 ~~التجلي". وهو اختيار أبي بكر4 من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه ~~مسائل. # وفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو ~~بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه. # فأما الخطاب المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن ~~سائر PageV01P105 # المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بين المراد، فهو بيان صحيح، وإن لم يشتمل ~~عليه هذا الوصف، ألا ترى أن قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} 1 وقوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} 2، و {حرمت عليكم الميتة} 3 قد حصل به البيان، وإن لم يكن ~~قبل ظهور ذلك إشكال أخرجه إلى التجلي، بل قد علمنا: أن الغسل لم يكن واجبا، ~~فبين وجوبه بالآية. # وقال قوم من المتكلمين: البيان، هو الدلالة؛ لأن البيان يقع بها، وهو ~~ظاهر كلام أبي الحسن التميمي؛ فإنه قال في جزء وقع إلي من كلامه: باب في ~~البيان، ثم قال: البيان عن4 الشيء يجري مجرى الدلالة5، وهذا أيضا فيه خلل؛ ~~لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان، كالمجمل ونحوه. # وقال قوم منهم: البيان هو العلم الذي يتبين [به] 6 المعلوم7. PageV01P106 # وإليه ذهب ms040 أبو بكر الدقاق1. # والذي ذكرناه أولى؛ لأن أصله في اللغة كذلك. PageV01P107 # فصل: [ ### | في وجوه البيان # ] : 1 # وأما وجوه البيان. فهو في الشرع على وجوه: # منها: الأحكام المبتدأة. # ومنها: تخصيص العموم الذي يمكن استعماله على ظاهر ما ينتظمه الاسم، فيبين ~~أن المراد البعض. # ومنها: صرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز، وصرف الأمر إلى الندب ~~والإباحة، وصرف الخبر إلى الأمر. # ومنها: بيان الجملة التي لا تستغني عن البيان في إفادة الحكم. وهذا ~~البيان ليس بتخصيص؛ لكنه تفسير مراد بالجملة، كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} 2. فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المراد: العشر ونصف ~~PageV01P107 # العشر1. # ومنها: النسخ، وهو رفع الحكم بعد أن كان في توهمنا وتقديرنا بقاؤه. ~~PageV01P108 # فصل: [ ### | فيما يحتاج إلى البيان # وأما ما يحتاج إلى البيان فكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه، نحو قوله تعالى: ~~{وآتوا حقه يوم حصاده} 1، وقوله: {وفي أموالهم حق معلوم} 2، وقول النبي ~~-صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 3، ونحو قوله: {وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم أن تبتغوا PageV01P108 ### | ........................................................................................... # PageV01P109 # بأموالكم محصنين} 1. # وأما ما يمكن استمعاله على ظاهره وحقيقته، فلا يحتاج إلى البيان، إلا أن ~~يريد به المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته، فيحتاج إلى بيان ~~المراد به، نحو قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} 2، و {وأحل الله البيع} 3 و ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} ، فهذه الألفاظ معانيها معقولة ظاهرة، فهي غير مفتقرة ~~إلى البيان. PageV01P110 # [7/أ] فصل: [ ### | فيما يقع به البيان # ] : # وأما ما يقع به البيان فهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والبيان يقع ~~من الله تعالى بالقول وبالكتاب، فالقول نحو: سائر الفروض المعقول معانيها ~~من ظاهر الخطاب. ويقع بالكتاب أيضا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى. وكتابه في ~~اللوح # PageV01P110 # المحفوظ وفي غيره، فيقع منه البيان بهذين الوجهين، فيكون منه تخصيص ~~العموم، كقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} 1، خص منه المحرمات ~~بالآية الأخرى وهي قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} 2، ونحو بيان الجملة ~~كقوله تعالى: ms041 {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} 3، ثم بينه بقوله ~~تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} 4. # ويكون منه أيضا: بيان مدة الفرض، وهو نسخ [نحو] قوله تعالى: {قد نرى تقلب ~~وجهك في السماء} 5، ثم قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} 6، ونحو قوله: ~~{وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} 7، ثم نسخ منه ما عدا أربعة ~~الأشهر والعشر، بقوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} 8. # وكان حد الزانيين الحبس والأذى بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم} 9، إلى آخره، ثم قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} 10، فنسخ به الحبس PageV01P111 # والأذى المذكورين في الآية الأخرى من غير المحصن. # ويكون البيان من الرسول بالقول. نحو سائر السنن المبتدأة، ونحو تخصيصه ~~لعموم القرآن، عن بيع ما ليس عنده1، وبيع ما لم يقبض2. PageV01P112 # وأحلت لنا ميتتان1. PageV01P113 # ويكون البيان بالكتابة أيضا: كنحو كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم1 في ~~الصدقات والديات وسائر الأحكام2، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر PageV01P114 # الصديق1 في الصدقات2. وقال عبد الله بن عكيم3: ورد علينا PageV01P115 # كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل موته بشهر: "أن لا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب" 1. وقال الضحاك بن سفيان الكلاب2: كتب إلي رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أن أورث امرأة أشيم الضبي من دية زوجها3، فثبت أن ~~الكتابة PageV01P116 # يقع بها البيان كوقوعه بالقول. # ويكون من النبي -صلى الله عليه وسلم- بيان المجمل في الكتاب بهذين ~~الوجهين، نحو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} 1 وقوله: {وآتوا حقه ~~PageV01P117 # يوم حصاده} 1، وقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم ~~من الأرض} 2. # ويكون منه البيان بالفعل، نحو فعله لأعداد الركعات في الصلوات المفروضات ~~وأوصافها، وقع به البيان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} 3. ونحو فعله في ~~المناسك بيان لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} 4. # وقد أكد ذلك بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 5 وقوله: "خذوا PageV01P118 # عني مناسككم"1. وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانا للجملة التي في ~~الكتاب؛ لأنه لو صلى لنفسه، لم يدل ذلك على أنه بيان ms042 لقوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة} 2، ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مرادة بقوله: PageV01P119 # {وآتوا الزكاة} 1. وإنما وجه [7/ ب] البيان: ما يجمع الناس على أنه من ~~المكتوبات؛ لأنه2 ما يفعله في نفسه [و] لم يثبت3 أنه فعله فرضا، فلا يكون ~~فيه دلالة على أنه فعلها بيانا. # ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب، كقوله عليه ~~الصلاة والسلام: "لا وصية لوارث" 4 قد قيل: إنه نسخ به الوصية PageV01P120 # للوالدين والأقربين1. وقوله في الرجم2 نسخ به الحبس والأذى عن ~~PageV01P121 # المحصن1. # [و] في السنة: نحو قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها2". ~~PageV01P122 # "وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادخروا" 1. PageV01P123 # ويكون عنه البيان بالإشارة أيضا كقوله: "الشهر هكذا وهكذا [وهكذا] 1 ~~وأشار بأصابعه العشر" 2 فأفاد أنه ثلاثون يوما ثم قال: "الشهر هكذا وهكذا ~~وهكذا، وخنس الإبهام في الثالثة" 3 فأفاد أنه تسعة وعشرون يوما. ~~PageV01P124 # وقال تعالى لزكريا: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} 1، ثم ~~قال: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} 2 يعني: ~~أشار إليهم، فقامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد. # وحكى الله تعالى عن مريم {فأشارت إليه} 3 فبينت لهم مرادها بالإشارة. # ويكون منه البيان أيضا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص، نحو قوله ~~لفاطمة بنت أبي حبيش4 في دم الاستحاضة: "إنها دم عرق، وليس بالحيضة" 5. فدل ~~على وجوب اعتبار خروج دم العرق في نقض الطهارة. PageV01P125 # وقوله حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما ~~حولها وإن كان مائعا فأريقوه" 1، فدل بتفريقه بين المائع PageV01P126 # والجامد: على أن سائر المائعات تنجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها. وغير ~~ذلك من الوجوه المستنبطة. # وقد يقع من النبي -صلى الله عليه وسلم- بيان الحكم بالإقرار على فعل ~~شاهده من فاعل يفعله على وجه من الوجوه، فترك النكير عليه، فيكون ذلك بيانا ~~في جواز فعل ذلك الشيء على الوجه الذي أقره عليه، أو وجوبه إن كان شاهده ~~يفعله على وجهه [و] لم ms043 ينكره، وذلك نحو علمنا أن عقود الشرك والمضاربات ~~والقروض، وما جرى مجرى ذلك، قد كانت في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وبحضرته مع علمه بوقوع ذلك منهم واستفاضتها فيما بينهم، ولم ينكرها على ~~فاعلها، فدل على إباحة ذلك من إقراره؛ لأنه لا يجوز على النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أن يرى منكرا فلا ينكره؛ إذ كان ذلك من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، وله الحظ الأوفر في ذلك. # وليس لأحد أن يقول: إن ترك النكير لا يدل على الإباحة، لأنه ترك النكير ~~اكتفاء بما تقدم من النهي عنه من جهة النص أو الدلالة، كما أقر اليهود ~~والنصارى على الكفر، ولم يدل ذلك على جوازه عنده، وذلك أن قتاله لهم حتى ~~يعطوا الجزية أشد نكيرا، فجعل أخذ الجزية عقوبة لهم على إقرارهم على الكفر. ~~PageV01P127 # ولأنه لا يجوز أن يقول أحد: إنه كان في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~جائز أن يرى رجلا يزني أو يقتل النفس، فلا ينكر عليه اكتفاء بنهي الله ~~تعالى [8/ أ] عن ذلك؛ ولأن ترك ذلك يؤدي إلى إسقاط فرض الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكرا فليغيره ~~بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" 1. # وقد يقع بيان المجمل بالإجماع، نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على ~~العاقلة، والذي في كتاب الله: {فدية مسلمة إلى أهله} 2، ولم يذكر وجوبها ~~على العاقلة3. PageV01P128 # وكإجماعهم على أن للجدة مع الولد الذكر السدس إذا لم يكن أب، وأن للجدتين ~~إذا اجتمعتا السدس، وهو ما وقع به بيان قوله: {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون} 1، كما بين تعالى بعضه بقوله: {يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين} 2 الآية. وكما بينت السنة بعضه فأعطى النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- للجدة السدس3. # وقد4 يكون بيان الإجماع لحكم مبتدأ، كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة، ~~نحو إجماع السلف على أن حد الخمر ثمانون على ما بيناه في PageV01P129 # غير هذا الكتاب، وإجماعهم على تأجيل امرأة ms044 العنين. # وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع، نحو قوله تعالى: {الزانية والزاني} ~~1، وأجمعت على أن العبد يجلد خمسين. # والإجماع وإن لم يخل من أن يكون عن توقيف أو رأي، فإنه أصل برأسه يجب ~~اعتباره فيما يقع البيان به. # وقد يتعلق بهذا التفصيل: الكلام في جواز تأخير البيان، وذكر الاختلاف ~~فيه، ويأتي الكلام في ذلك2. # وذكر أبو بكر في مجموع فيه مسائل بخطه: البيان على خمسة أوجه: # الأول: هو المؤكد، وهو أعلى ما يفهم به الخطاب وأشده وضوحا. # والثاني: القائم بنفسه، وإن كان التأكيد لم يقع به. # الثالث: الخطاب الذي يحتاج أن يقرر بدليل معه. # الرابع: هو ما انفرد النبي بإيجاب حكمه، أو يزيد بقوله دون أن يكون له ~~أصل في الكتاب. # الخامس: من علم الاستخراج من النصوص3. PageV01P130 # فصل: [ ### | في تعريف الدليل # ] : 1 # الدليل هو: المرشد إلى المطلوب2. # وقيل: هو الموصل إلى المقصود. # ولا فرق بين أن يكون قديما أو محدثا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، وليس ~~بمخلوق، وهو دليل على الأحكام، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دليل ~~على الأحكام، وهو مخلوق محدث. # ولا فرق بين أن يكون موجودا أو معدوما؛ لأن عدم الشرع يدل على براءة ~~الذمة وانتفاء الوجوب، كما يدل وجود الشرع. # ولا فرق بين أن يكون معلوما وبين أن يكون مظنونا. # وحكي عن بعض المتكلمين: أن الدليل اسم لما كان موجبا للعلم، فأما ما كان ~~موجبا للظن فهو أمارة. # وهذا غير صحيح2؛ لأن ذلك اسم لغوي، وأهل اللغة لا يفرقون بينهما. ~~PageV01P131 # وأيضا: فإنه مرشد إلى المطلوب، فوجب أن يكون دليلا كالموجب للعلم. # وأيضا: فإن اعتقاد موجبهما والعمل بهما واجب، فلا فرق بينهما. # ولا فرق بين ما دل بنفسه مثل دلالة [8/ ب] الفعل على الفاعل، والإحكام ~~والإتقان على قصده إليه وعلمه به، وبين ما دل بالمواضعة مثل: الفعل والقول ~~الدالين على ما وضعا له من المعاني. # والرجل الدال على الطريق يسمى دليلا، وهو مجاز؛ لأن شخصه ليس بدليل، ~~وإنما الدليل قوله أو فعله. # والاستدلال: طلب الدليل. # والمستدل هو: ms045 الطالب للدليل. فإذا طالب السائل المسئول بالدليل فهو ~~مستدل؛ لأن السائل يطلبه من المسئول، والمسئول يطلبه من الأصول. # والمستدل عليه هو: الحكم. # والمستدل له يحتمل الحكم، ويحتمل الخصم المطالب بالدليل. # PageV01P132 # فصل: [ ### | تعريف في الدلالة # ] : # وأما الدلالة1: فهي مصدر قولهم: دل يدل دلالة، ويسمى PageV01P132 # الدليل دلالة على طريق المجاز؛ لأنهم يسمون الفاعل باسم المصدر كقولهم: ~~رجل صائم وصوم، وزائر وزور، قال الله تعالى: {أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} ~~1، وأراد به غائرا2. # وأما الدال فقد قيل: هو الدليل، إلا أن فيه ضربا من المبالغة كقولهم: ~~عالم وعليم، وقادر وقدير، وسامع وسميع. # ومنهم من قال: هو الناصب للدليل، وهو الله تعالى الذي نصب أدلة العقل ~~والشرع، وكل من نصب لغيره دليلا على شيء، فهو دال بما نصبه من الدليل. # وأما الحجة والبراهين فذلك اسم للدليل، ولا فرق بين الدليل من الحجة ~~والبرهان. # وقيل: ذلك اسم لما دل على صحة الدعوى، ولهذا سمي بينة المدعي حجته ~~وبرهانه، وليس كل دليل حجة. PageV01P133 # وسمعت أخي أبا حازم1 -رحمه الله- يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن علي بن ~~عبدوس المعدل بالأهواز2 قال: سمعت سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني3 يقول: ~~سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل4 يقول: PageV01P134 # سمعت أبي يقول: قواعد الإسلام أربع: دال ودليل ومبين ومستدل. فالدال: ~~الله تعالى، والدليل: القرآن، والمبين: الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال ~~الله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} 1. والمستدل: أولو الألباب وأولو ~~العلم الذين يجمع المسلمون على هدايتهم، ولا يقبل الاستدلال إلا ممن كانت ~~هذه صفته2. PageV01P135 # فصل: [ ### | في تعريف الأمارة وأقسامها # ] : # وأما الأمارة فهي: الدليل المظنون، كخبر الواحد والقياس، وليس بدليل ~~مقطوع عليه. وهذه عبارة وضعها أهل النظر للفرق بين ما يفضي إلى العلم وبين ~~ما يؤدي إلى غلبة الظن. # والأمارات على ضربين: # أحدهما: ما له أصل يرجع إليه في الشريعة مثل: القياس ووجوه الاستدلال ~~التي نذكرها في الفقه. # والثاني: ما لا أصل له في الشريعة وهذا على وجوه. # منها: ما أمرنا فيه بالرجوع إلى العادة الجارية1 مثل تقويم PageV01P135 # المستهلكات ms046 يعتبر به أمثاله مما تجري فيه المبتاعات، وكأروش الجنايات ~~التي ليس فيها أرش مقدر، يرجع في تقويمه إلى أقرب الشجاج إليه، فصار ما ~~يقرب إليه ويعتبر به كأصول الشريعة الموضوعة في الشرع، وهذا أظهر في ~~الشجاج؛ لأن ما يعتبر به من الشجاج المقدورة أصول [9/ أ] في الشريعة، مثل ~~أصول الحوادث. # وكذلك الاجتهاد في القبلة والاستدلال مما أجرى الله تعالى به العادة كهب ~~الرياح ومطالع النجوم. # ومن ذلك الفرق بين القليل والكثير مما قامت عليه الدلالة، من ذلك: أن ~~الجمعة لا تجب على من هو خارج المصر على بعد، وتجب على من هو قريب منه، ~~فجعلنا الحد الفاصل سماع النداء. # وكذلك الفاصل بين العمل القليل والكثير مما يفسد الصلاة من المشيء وغيره، ~~وما يرفع هيئة الصلاة. # وكذلك الحد الفاصل بين يسير النوم وكثيره ما يلقى معه عن الجهة التي هو ~~عليها1. PageV01P136 # فصل: [ ### | تعريف النص # ] : # فقيل فيه: ما رفع في بيانه إلى أقصى غايته و [منه] سميت منصة العروس؛ لأن ~~العروس ترتفع عليها على سائر النساء، وتنكشف لهن بذلك. قال امرؤ القيس1: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل2 # ومعناه: إذا كشفته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من عرفات، كان يمشي عنقا، فإذا ~~وجد فجوة نص3، يعني: رفع في السير. PageV01P137 # وقيل: كل لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا. # وقيل: ما استوى ظاهره وباطنه. # وقيل: ما عري لفظه عن الشركة، وخلص معناه من الشبهة. # وقيل: ما تأويله يزيله. وهذا فاسد؛ لأن التأويل لا يستعمل إلا في ~~الاحتمال. # والصحيح أن يقال: النص ما كان صريحا في حكم من الأحكام، وإن كان اللفظ ~~محتملا في غيره. # وليس من شرطه أن لا يحتمل إلا معنى واحدا؛ لأن هذا يعز وجوده، إلا أن ~~يكون نحو قوله: {يا أيها النبي} 1، و {قل هو الله أحد} 2، وإنما حده ما ~~ذكرنا. PageV01P138 # ومثل هذا في الشرع أكثر من أن يحصى، فلهذا نقول: إن قوله تعالى: {للذين ~~يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} 1 إنه ms047 نص في قدر المدة، وإن كان محتملا ~~في غيره, وقوله عليه السلام: "في أربع وعشرين من الإبل فما دون الغنم، في ~~كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" 2، ~~وهذا نص في قدر النصب وأسنان الفرض. # ونهيه عن المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرايا3، في أن العرية بيع وليست ~~بهبة، كما قال أصحاب أبي حنيفة. PageV01P139 ### | في تعريف العام والظاهر ### | مدخل # ... # فصل: [في تعريف العام والظاهر] : 1 # والعموم: ما عم شيئين فصاعدا 2. # والظاهر: ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر. # والفرق بين العموم والظاهر: أن العموم ليس بعض ما تناوله اللفظ ~~PageV01P140 # بأظهر من بعض وتناوله للجميع تناول واحد، فيجب حمله على عمومه، إلا أن ~~يخصه دليل أقوى منه. # و [أما] الظاهر فإنه يحتمل معنيين، إلا أن أحدهما أظهر وأحق باللفظ من ~~الآخر، فيجب حمله على أظهرهما، ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه. وكل ~~عموم ظاهر، وليس كل ظاهر عموما؛ لأن العموم يحتمل البعض، إلا أن الكل أظهر. # فالعموم مثل قوله تعالى: {اقتلوا المشركين} 1، [9/ ب] ومثل قوله تعالى: ~~{خذ من أموالهم صدقة} 2 فكانا عامين في جميع ما تناولاه. ومثل ذلك أكثر من ~~أن يحصر. # والظاهر: مثل قوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} 3، فإنه يحتمل ~~الندب، إلا أن ظاهره الوجوب؛ لأنه أمر وظاهر الأمر الوجوب، فسمي ظاهرا ~~لذلك4. # وكذلك كل لفظ محتمل لمعنيين أحدهما أظهر من الآخر من طريق اللغة، أو من ~~طريق الاستدلال. من ذلك ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ~~للمرتهن: "ذهب حقك" 5 فيحتمل أن يكون المراد به الدين، ويحتمل PageV01P141 # حقه من الوثيقة، إلا أن الظاهر حقه من الوثيقة؛ لأنه لم يسأل عن مقدار ~~قيمة الرهن، ومن يسقط الدين فإنما يسقطه بقدر قيمة الرهن، فدل على أن مراده ~~به حقه من الوثيقة. # وكذلك قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه: "هما علي يا رسول الله، وأنا ~~لهما ضامن"1؛ فيحتمل أن يكون إخبارا عن ضمان ms048 سابق، ويحتمل أن يكون ابتداء ~~ضمان، ولكن الظاهر منه ابتداء ضمان؛ لأن حمله على الإخبار يؤدي إلى خطأ ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه ترك الصلاة على من كان قد خلف ضامنا، ~~والضامن بمنزلة الوفاء. PageV01P142 ### | المجمل # : 1 # وأما المجمل2 فهو ما لا ينبئ عن المراد بنفسه، ويحتاج إلى قرينة تفسره. ~~PageV01P142 # أولا يعرف معناه من لفظه، وهو أصح، وذلك مثل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} 1 فإنه مجمل في جنس الحق وفي قدره، ويحتاج إلى دليل يفسره ويبين ~~معناه. # فأما قوله تعالى: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 2 فإن ذلك مجمل3؛ لأن ~~الصلاة في اللغة: دعاء، فكا [ن] كما قال تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت ~~إلا مكاء وتصدية} 4. وفي الشريعة هي: التكبير والقيام والقراءة والركوع ~~والسجود والتشهد والسلام، ولا يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة. # فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينبئ عنه وجب أن يكون مجملا. # وكذلك الزكاة في اللغة: النماء والزيادة، من قولهم: زكا الزرع إذا زاد ~~ونما. والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك، واللفظ لا يدل عليه ولا ينبئ ~~عنه. # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- ذكره في كتاب طاعة الرسول -صلى الله ~~عليه وسلم- PageV01P143 # {أقيموا الصلاة} 1، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدال على إقامتها: ~~إن الفجر ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، والظهر أربع، والعصر أربع، لا يجهر ~~فيهما، والمغرب ثلاث يجهر بالقراءة فيها. # وقوله: {وآتوا الزكاة} 2 هل فسر ذلك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~ثم أصحابه من بعده؟ # ومن أصحاب الشافعي من قال: ليست بمجمل وإن الصلاة في اللغة: دعاء، فكل ~~دعاء يجوز، إلا أن يخصه الدليل. وكذلك يجب إخراج الزيادة من الزكاة، إلا ما ~~خصه الدليل. # وأما قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} 3، فهو مجمل أيضا، ولا يدل ~~على أن الحج الشرعي كما ذكرنا في الصلاة والزكاة. # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- أيضا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [10/ أ] فقالوا: ~~السبيل ms049 الزاد والراحلة4، وحج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووقت المواقيت ~~للإحرام. فيما تقول للمدعي للظاهر من أين تأخذ هذا؟! PageV01P144 # ومن أصحاب الشافعي من قال: الحج هو التردد في القصد، فهو على عمومه إلا ~~ما خصه الدليل. # وأما قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم} 1، و {حرمت عليكم أمهاتكم} 2 ~~فهذا أيضا من المجمل3؛ لأن تحريم الأعيان لا يصح، وإنما يحرم أفعالنا في ~~العين، وليس لأفعالنا ذكر في اللفظ، والمذكور فيه متروك بالإجماع، فوجب ~~التوقف فيه، وطلب دليل يدل على المراد. # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- أيضا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} 4، وقال: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير} 5، فلما نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير"6، دلت أحكام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~على أن الآية ليست على PageV01P145 ### | ...................................................................... # PageV01P146 # ظاهرها، وأنه هو المعبر عما في كتاب الله تعالى، ومن لزم ظاهر الآية لزمه ~~أن يبيح لحم الكلاب والهرر والفيل والفأر والقرد وغير ذلك مما نهى عنه1. # وقال تعالى في سورة النساء: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى قوله: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} 2 كما يقول في البنت من الرضاعة، وبنت الأخ والعمة والخالة من ~~الرضاعة، ولم يذكروا، أليس يرجع إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم؟! وقوله ~~تعالى: {وأحل لكم ما وراء PageV01P147 # ذلكم} أليس الظاهر يدل على أن ما وراء ما حرم مباح؟ فكيف يقول في تزويج ~~المرأة على عمتها أو خالتها؟ أليس يرجع في هذا إلى قول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم؟! 1. # ومن أصحاب الشافعي من قال: المراد به أفعالنا في الأمهات والميتة، والعرب ~~تحذف بعض الكلام إذا كان فيما أبقت دليل على ما ألقت. # وأما قوله: {وأحل الله البيع} 2 فهذا أيضا من المجمل3؛ لأن الله تعالى ~~حكى عنهم -وهم أهل اللسان- أنهم قالوا: {إنما البيع مثل الربا ms050 وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} ، وإذا كان PageV01P148 # كذلك افتقر إلى قرينة تفسره، وتميز بينه وبين الربا. # ومن أصحاب الشافعي من قال: البيع هو الإيجاب والقبول عندهم، فهو على ~~عمومه إلا ما خصه الدليل. # وأما قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 1، فليس من ~~المجمل2، وإنما هو من العموم، ويجوز الاحتجاج به. # وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى هذا في كتاب "طاعة الرسول" فقال: قوله: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ، فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم ~~سارق، وإن قل، فقد وجب عليه القطع، أيستعمل PageV01P149 # الظاهر، أو يستعمل ما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: القطع في ربع ~~دينار1. وفي المجمل دل على [10/ ب] أنه ليس على ظاهرها وأنها على بعض ~~السراق. PageV01P150 # وحكي عن عيسى بن أبان1 أنها من المجمل2، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة3؛ لأن ~~المراد به سارق مخصوص لقدر مخصوص من حرز مخصوص واللفظ لا يدل عليه. # وهذا غير صحيح؛ لأن السارق معلوم في اللغة، وهو من أخذ الشيء مستترا ~~مستخفيا به، فيجب حمله على عمومه إلا ما خصه الدليل، كقوله: {اقتلوا ~~المشركين} 4. PageV01P151 ### | تعريف المفسر # ] : # فأما المفسر: فما ينبئ عن المراد بنفسه، أو يعرف معناه من لفظه ولا يفتقر ~~إلى قرينة تفسره، وهذه صفة النص، وقد ذكرناه 1. PageV01P151 # وحد ذلك: ما بقي حكمه، أو تأبد حكمه. # وقد يعبر به عن المفسر، كما قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} 1، وأراد بالمحكمات المفسرة ~~المستغنية في معرفة معانيها عما يفسرها. # وحد ذلك ما ذكرته، وهو ما ينبئ عن المراد بنفسه، أو يعقل معناه من لفظه. ~~PageV01P152 ### | تعريف المتشابه # ] : # وأما المتشابه فهو: المشتبه المحتمل الذي يحتاج في معرفة معناه إلى تأمل ~~وتفكر وتدبر وقرائن تبينه وتزيل إشكاله. ونعيد ذكره في موضع آخر ونحكي ~~الخلاف فيه1. PageV01P152 ### | تعريف مفهوم الخطاب # ] : 1 # وأما مفهوم الخطاب فهو التنبيه بالمنطوق به على حكم المسكوت عنه، مثل حذف ~~المضاف كقوله: {الحج أشهر معلومات} 2، ومعناه: PageV01P152 # أفعال الحج في أشهر1. وقوله: {فصيام ثلاثة أيام في ms051 الحج} 2، فتقديره: في ~~إحرام الحج3. وقوله: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} 4، ~~ومعناه: فحلق ففدية5، وكقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} 6، فنبه بذلك على ~~تحريم الضرب والشتم؛ لأنه إنما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك في ~~الضرب أعظم، وجب أن يكون بالمنع أولى، ويسمى هذا القسم: فحوى الخطاب. # وقال بعض أهل اللغة: اشتق ذلك من تسميتهم الأبزار فحافحا، ويقال: "فح ~~قدرك يا هذا"، فسمي فحوى؛ لأنه يظهر معنى اللفظ كما تظهر الأبزار طعم ~~الطبيخ ورائحته. # ويسمى أيضا لحن القول؛ لأن لحن القول ما فهم منه بضرب من الفطنة. يقال: ~~لحنت فلانا إذا كلمته بكلام يعلمه ولا يعلمه غيره. ورجلان تلاحنا، إذا فعلا ~~مثل ذلك. ومنه قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} 7.وقال الشاعر: ~~PageV01P153 # منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا1 # وقيل: لحن القول ما دل عليه، وحذف استغناء عنه بدليل الكلام عليه نحو ~~قوله تعالى: {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} 2. ~~فدل على أنه ضرب، فانفجرت. ونحو قوله: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} 3، ولم ~~يذكر أنهما ذهبا، اكتفاء بما حكاه من جواب فرعون لهما حتى4 قال: {فمن ربكما ~~يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} 5. [11/ أ] وأشباه ذلك. ~~PageV01P154 ### | تعريف دليل الخطاب # ] : # وأما دليله فهو دليل الخطاب، وذلك إذا علق بصفة فيدل على أن الحكم فيما ~~عدا الصفة بخلافه. # PageV01P154 # وكذلك إذا علق بعدد، وهذا فصل فيه خلاف، وكلام كثير، يأتي الكلام عليه في ~~موضع آخر1. PageV01P155 ### | في تعريف التخصيص ### | مدخل # ... # فصل: [في تعريف التخصيص] : # وأما التخصيص فهو تمييز بعض الجملة بحكم1. # وقيل: إخراج بعض ما تناوله العموم2. # وقيل: بيان المراد باللفظ العام. # وهذا حد تخصيص العموم، وليس بحد تخصيص مطلق؛ لأنه لا فرق بين أن يكون ~~داخلا في حكم عموم مخالف له وبين أن يكون داخلا فيه؛ لأنا نقول خص الأحرار ~~بأحكام، وخص الرجال بأحكام وخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأحكام وخص ~~ذو القربى بأحكام، ms052 وخص الوالد بالرجوع في الهبة، وخص المستطيع بإيجاب الحج، ~~وخص العلماء بكذا، وخص بلد كذا بكذا، وخص السلطان فلانا بإلاكرام والعطاء. ~~PageV01P155 ### | تعريف النسخ # ] : 1 # وأما النسخ فحده: بيان انقضاء مدة العبادة التي ظاهرها الإطلاق. ~~PageV01P155 # وإن شئت قلت: بيان ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان. # وقد قيل: التخصيص تقليل، والنسخ تبديل. وهذا غير صحيح؛ لأن الردة تبديل، ~~وتغيير العهد والوصية تبديل وليس بنسخ، قال الله سبحانه: {فمن بدله بعد ما ~~سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} 1، وقال تعالى: {رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} 2. # وفيما ذكرنا من الحد احتراز من الحكم المعلق على زمان مخصوص، وأن انقضاءه ~~ليس بنسخ له؛ لأن الحكم لم يكن مطلقا، وذلك مثل قوله تعالى: {أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله ~~لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} 3، وليس انقضاء الليل نسخا للحكم المأذون فيه، ولا ~~انقضاء النهار نسخا للصوم المأمور به فيه. # فإن قيل: قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~4 أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن PageV01P156 # سبيلا} 1 ليس بمطلق، وقد قلتم إنه منسوخ بقوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} 2 قيل: هذه الغاية مشروطة في كل حكم ~~مطلق؛ لأن غاية كل حكم إلى موت المكلف أو إلى النسخ. PageV01P157 ### | تعريف الأمر ### | مدخل # ... # فصل: [تعريف الأمر] : 1 # الأمر اقتضاء الفعل أو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه. # وإنما قلنا: "بالقول"؛ لأن الرموز والإشارات ليست بأمر حقيقة، وإنما سمي ~~أمرا على طريق المجاز. # وقولنا: "ممن هو دونه"؛ لأن قول العبد لربه: اغفر لي، وتجاوز عني، وكفر ~~سيئاتي، فإنه2 ليس بأمر، وإنما هو سؤال [11/ ب] وطلب. وكذلك قول ms053 المملوك ~~لمالكه: أطعمني، واكسني، سؤال وطلب، وليس بأمر؛ولهذا لايجوز أن يقال: إن ~~المالك مأمور، وإنه مطيع بفعله. فإن قيل: قد يأمر بالكلام وتبليغ الرسالة، ~~وهذا أمر، وليس بأمر بالفعل. # قيل: الكلام فعل، وتسميته قولا وكلاما ونطقا، لا يمنع من أن يكون فعلا؛ ~~لأن الكتابة والإشارة والأكل والشرب والقيام والقعود فعل، وإن اختص كل واحد ~~منهما باسم، فإذا كان كذلك، كان الحد حاصرا لجنس الأمر. PageV01P157 # وحكي عن أبي بكر بن فورك أنه قال: الأمر ما يكون المأمور بامتثاله مطيعا. # والأول أصح؛ لأن عبارة الحد يجب أن تكون أظهر من عبارة المحدود؛ لتنفيذ ~~بيانه وتفسيره، فأما إذا كانتا في الإجمال سواء، لم تصح عبارة الحد. # PageV01P158 ### | المندوب مأمور به # ] : 1 # وإذا ثبت هذا فإن مذهب أحمد -رحمه الله- أن المندوب إليه مأمور به. # وقد نص على ذلك في رواية ابن إبراهيم2 فقال: "آمين" أمر من النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-3. وعلى هذا لا يحتاج إلى الزيادة فيما ذكرنا من حد الأمر. # ومنهم من قال: المندوب ليس بمأمور به. # فعلى هذا يجب أن يقال في حد الأمر: اقتضاء الفعل، أو استدعاء الفعل ~~بالقول ممن هو دونه على وجه لا يتضمن التخيير بين فعله وتركه وهذا فصل يأتي ~~الكلام فيه4. PageV01P158 ### | تعريف النهي # ] : 1 # والنهي: اقتضاء أو استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه. # وقيل: المنع من طريق القول. وإنما قيل: من طريق القول؛ لأن من قيد عبده، ~~أو أغلق عليه بابه، فقد منعه، وليس ذلك بنهي. PageV01P159 ### | تعريف الواجب ### | مدخل # ... # فصل: [تعريف الواجب] : # والواجب: ما في فعله ثواب، وفي تركه عقاب. ولا يحتاج إلى ذكر الثواب؛ لأن ~~الندب فيه ثواب. وإنما يبين الواجب عن المستحب والمباح، بما في تركه عقاب. # وقيل الواجب: ما لا يجوز تركه من غير عزم على فعله، وهذا حده الذي يميزه ~~عما ليس بواجب؛ لأن المستحب يجوز تركه من غير عزم على فعله، وكذلك المباح. ~~وأما ما كان واجبا فإنه لا يجوز تركه إذا كان وقته مضيقا، وإن كان وقته ~~موسعا لم يجز تركه ms054 إلا بشرط العزم على فعله في آخر الوقت. # وقيل الواجب: ما لا يجوز تركه إلى غير بدل، فإن كل واجب لا يجوز تركه إلى ~~غير بدل، وتأخيره عن أول الوقت إلى آخره فإنما يجوز بشرط العزم على فعله في ~~الثاني، والعزم بدل من تقديمه في أول الوقت. # وحكي عن أبي بكر بن فورك أنه قال: الواجب ما لا بد من فعله. # وقال كثير من الفقهاء: ما لا يجوز إخراجه عن وقته من غير عذر، أو ما يعصى ~~بإخراجه عن وقته من غير عذر. # PageV01P159 # وفيه احتراز من ترك المسافر صوم رمضان، فإنه يتركه لعذر. # فإن قيل: هذا ليس بخاص لجنس الواجب، وإنما هو تحديد للمؤقت منه. # قيل: كل واجب مؤقت؛ لأنه لا يخلو: إما [12/ أ] أن يكون مؤقتا بوقت معلوم ~~الطرفين مثل الصلاة والصيام، أو يكون على الفور، مثل الزكاة والحج والعمرة، ~~فيكون وقته زمان الإمكان. # والوجوب في اللغة، عبارة عن السقوط، من قولهم: وجبت الشمس، ووجب القمر، ~~ووجب الحائط إذا سقط. # وقال تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} 1 أي سقطت. فسمى ما لا بد من فعله واجبا؛ ~~لأن تكليفه سقط عليه سقوطا لا ينفك منه إلا بفعله2. PageV01P160 ### | تعريف الفرض # ] : 1 # وأما الفرض: فهو عبارة عن أشياء: # فهو في عبارة اللفظ: ما كان في أعلى منازل الوجوب، مثل ما ثبت بنص القرآن ~~وخبر التواتر، والإجماع. PageV01P160 # قال الله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} 1، وأراد أوجب الحج، وقوله تعالى: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} 2، ومعناه: أوجبتم ~~لهن فريضة. # وهو عبارة عن النزول؛ قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى ~~معاد} 3، وأراد: أنزل عليك القرآن. # وهو عبارة عن الإحلال؛ قال تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض ~~الله له} 4، وأراد به: أحل الله له. # وهو عبارة عن البيان؛ قال تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها} 5 وأراد: ~~بيناها. # وهو عبارة عن التقدير؛ يقال: فرض الحاكم على فلان لزوجته كذا وكذا من ~~النفقة. ويراد به قدر. # وهو في اللغة: ms055 عبارة عن التأثير، يقال: فرض القوس، إذا حز طرفيه، وفرضة ~~النهر: الموضع الذي يجتمع فيه الماء. PageV01P161 ### | [معنى الحتم] : # والحتم: عبارة عن الفرض؛ لأنه يعبر به عن الواجب الذي يراد تأكيده، فيقول ~~القائل عند تأكيد المأمور [به] : حتمت عليك كذا. والمكتوب واللازم عبارة عن ~~الفرض أيضا. # PageV01P162 ### | هل هناك فرق بين الفرض والواجب # ؟] : # وقد اختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في الفرض والواجب هل حدهما في ~~الشرع حد واحد، أم بينهما فرق؟ فيه روايتان: # أحدهما: أن حدهما واحد. # والثانية: أن الواجب ما ثبت وجوبه بخبر الواحد والقياس، وما اختلف في ~~وجوبه، والفرض ما ثبت وجوبه من طريق مقطوع به، كالخبر المتواتر، أو نص ~~القرآن، أو إجماع الأمة. # وفي هذا خلاف بين الفقهاء، ويأتي ذكره إن شاء الله فيما بعد1. ~~PageV01P162 ### | تعريف الندب ### | مدخل # ... # فصل: [تعريف الندب] : 1 # الندب اقتضاء الفعل بالقول ممن هو دونه على وجه يتضمن التخيير بين الفعل ~~والترك. وفي اللغة هو: الدعاء إلى الفعل، يقال: ندبه لكذا، إذا دعاه إليه. ~~PageV01P162 # فأما المندوب إليه فقد قيل: ما في فعله ثواب، وليس في تركه عقاب. # وقيل: ما في فعله أجر، وليس في تركه وزر. # PageV01P163 ### | تعريف الطاعة والمعصية # ] : 1 # وأما الطاعة: فهي2 موافقة الأمر. # والمعصية: مخالفة الأمر. # وقالت المعتزلة: الطاعة موافقة المراد، والمعصية مخالفة المراد. # وهذا غلط؛ لأن الله تعالى إذا فعل ما يريده عبيده لا يكون مطيعا لهم وإن ~~كان فعله موافقا لإرادتهم. PageV01P163 ### | تعريف العبادة # ] : 1 # وأما العبادة فكل ما كان طاعة لله تعالى، أو قربة إليه، أو امتثالا ~~لأمره، ولا فرق بين [12/ ب] أن يكون فعلا أو تركا. # فأما الفعل فمثل الوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة، والزكاة، والحج، ~~والعمرة، وقضاء الدين، وما أشبه ذلك. # وأما الترك فمثل: ترك الزنا، وترك أكل المحرم وشربه، وترك القتل ~~PageV01P163 # المحرم، وترك الربا1. وإزالة النجاسة طريقها الترك، فلا تفتقر إلى نية2، ~~وتكون بمنزلة رد المغصوب وإطلاق المحرم الصيد، وغسله الطيب عن بدنه أو ~~ثوبه؛ لأن ذلك كله طريقه الترك، فإن العبادة في تجنبه، فإذا أصابه ولم ~~يمكنه ms056 تركه إلا بالفعل كان طريقه الترك، ويخالف الوضوء؛ لأنه فعل مجرد ليس ~~فيه ترك. # وقال أصحاب أبي حنيفة: الوضوء ليس بعبادة؛ لأنه ليس من شرطها النية3. # والدليل على أنها عبادة قول النبي -صلى الله عليه وسلم: "الوضوء شطر ~~الإيمان" 4. PageV01P164 # والإيمان1 عبادة، فوجب أن يكون شطره عبادة؛ ولأنه طاعة أو قربة فوجب أن ~~يكون عبادة قياسا على ما شرط فيه النية. # ولأن هذا يؤدي إلى أن يكون ترك الزنا والقتل وشرب الخمر عبادة؛ لأن ذلك ~~يصح من غير النية، ويؤدي إلى أن تكون إقامة الحدود عبادة، والكفارة عبادة؛ ~~لأنها تفتقر إلى القصد والنية، ولا تكون الطهارات عبادة، وهذا ظاهر الفساد. # وأما سقوط النية في صحة الفعل المأمور به، لا2 يدل على أنه ليس بطاعة ~~وقربة. PageV01P165 ### | تعريف السنة # ] : # وأما السنة: فما رسم ليحتذى، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "من ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة ~~فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" 1، ولا فرق بين PageV01P165 # أن يكون هذا المرسوم واجبا أو غير واجب. يدل عليه ما روي عن عبد الله بن ~~عباس: أنه صلى على جنازة جهر بقراءة فاتحة الكتاب، وقال: إنما فعلت ذلك ~~لتعلموا أنها سنة1. وقراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة. # وأما الغالب على ألسنة الفقهاء إطلاق2 السنة على ما ليس بواجب، وعلى هذا ~~ينبغي أن يقال: ما رسم ليحتذى استحبابا. PageV01P166 ### | معنى المكتوبة # ] : # والمكتوبة هي الواجبة يدل عليه قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~1، وقوله: {كتب عليكم الصيام} 2، ومعناه: أوجب عليكم. وأصل هذه اللفظة من ~~الكتابة في اللوح المحفوظ، ثم استعملت في الواجب. PageV01P167 ### | تعريف الإباحة ### | مدخل # ... # فصل [تعريف الإباحة] : 1 # الإباحة: مجرد الإذن، يدل عليه أن من أذن لغيره بأن يأكل طعامه، أو يسكن ~~داره، أو يركب دابته، فقد أباحه له، فدل على أن الإباحة هي الإذن. # والمباح: كل فعل مأذون فيه لفاعله، لا ثواب له في فعله، ولا عقاب في ~~تركه، وفيه احتراز من ms057 فعل المجانين والصبيان والبهائم؛ لأنه لا يصح إذنهم ~~وإعلامهم به. ولا يدخل على ذلك أفعال الله تعالى؛ لأنه لا يجوز أن [13/ أ] ~~يوصف بأنه مأذون له في فعله. PageV01P167 ### | [تعريف الحسن والقبيح] : # 1 # وأما الحسن والقبيح فقد قيل في العبارة عنه: الحسن ما له فعله، والقبيح ~~ما ليس له فعله. PageV01P167 # وقال هذا القائل: المباح من جنس الواجب1. # وقيل: الحسن ما مدح به فاعله، والقبيح ما ذم به فاعله. # وقال هذا القائل: لا يوصف المباح بأنه حسن. PageV01P168 ### | [تعريف الجائز] : # 1 # والجائز: ما وافق الشريعة، فإذا قلنا: صلاة جائزة، وصوم جائز وبيع جائز، ~~فإنما نريد أنه موافق للشريعة. # وقد يقول الفقهاء: الوكالة عقد جائز، وكذلك عقد الشركة والمضاربة، يريدون ~~أنه ليس بلازم. ويكون حد ذلك: كل عقد للعاقد فسخه بكل حال، أو لا يئول إلى ~~اللزوم، ولا يدخل على ذلك البيع المشروط فيه الخيار، أو إذا كان في المبيع ~~عيب، فإنه يئول إلى اللزوم، وكذلك الرهن، فإنه من العقود اللازمة؛ لأنه ~~يئول إلى اللزوم. PageV01P168 ### | [معنى الظلم والجور] : # 1 # والظلم مجاوزة الحد. # وقيل: وضع الشيء في غير موضعه. ولهذا قالوا: "من أشبه أباه فما ظلم"؛ أي: ~~لم يضع نسبه في غير موضعه. وتقول العرب: بئر مظلومة، إذا حفرت في أرض ليس ~~فيها محفر. والجور هو: العدول عن الحق، من قوله: جار السهم" إذا عدل عن ~~قصده. PageV01P169 # فصل: [ ### | تعريف الخبر # ] : 1 # الخبر: ما دخله الصدق والكذب، يدل عليه أن من قام وقعد وأكل ومشى وركب ~~لما لم يكن خبرا لم يدخله الصدق والكذب، ولم يحسن أن يقال له فيه: صدقت أو ~~كذبت. # وكذلك القول إذا كان أمرا أو نهيا لم يدخله الصدق أو الكذب، فدل على أن ~~حد الخبر ما ذكرته. # والصدق: كل خبر مخبره على ما أخبر به. # والكذب: كل خبر مخبره على خلاف ما أخبر به. # والآحاد: ما لم تبلغ حد التواتر. # والمرسل: ما انقطع إسناده، وهو أن يكون في رواته من يروي عمن لم يره. # والمسند: ما اتصل إسناده. PageV01P169 # فصل: [ ### | تعريف الإجماع ms058 # ] : 1 # الإجماع: اتفاق علماء العصر على حكم النازلة. # ويعرف اتفاقهم: بقولهم، أو قول بعضهم وسكوت الباقين، حتى ينقرض العصر ~~عليه. # وقيل: هو مأخوذ من العزم على الشيء، يقال: أجمع فلان على كذا ومعناه: عزم ~~عليه. # ومنه قوله تعالى: {فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى} 2 معناه: عزموا ~~عليه. # ومنه قوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يجمع 3 الصيام من الليل" 4، ~~ومعناه: يعزم عليه. PageV01P170 ### | ........................................................................ # PageV01P171 # وقيل: معنى الإجماع والاجتماع مختلف؛ لأن الإجماع يضاف إلى الواحد فيقال: ~~قد أجمعت على كذا، ولا يقال: اجتمعت إلا مع آخر. # والاختلاف مخالفة من هو من أهل الاجتهاد، مثل وجود الاتفاق. # PageV01P172 ### | تعريف الحقيقة والمجاز وأقسامهما ### | مدخل # ... # فصل: [تعريف الحقيقة والمجاز وأقسامهما] : # الحقيقة: تستعمل في شيئين: # أحدهما: في العبارة عن صفة الشيء ومعناه، فيقال: حقيقة العلم كذا، وحقيقة ~~العالم كذا، وحقيقة المحدث كذا. وهذا يرجع إلى حده وحصره، وليس لهذا النوع ~~[13/ ب] من الحقيقة مجاز. # والثاني: حقيقة الكلام وحده: كل لفظ بقي على موضوعه. ولهذه الحقيقة مجاز، ~~وحده: كل لفظ تجوز به عن موضوعه، وصح نفيه عنه، مثل الجد، يصح نفي الأب ~~عنه. # وذلك بأربعة وجوه: # أحدهما: بالزيادة فيه، كقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} 1، PageV01P172 # الكاف زائدة فإنه قال: ليس مثله شيء، ووصفت الزيادة: إنها مجاز؛ لأنها ~~وردت غير مفيدة1. # والثاني: بالنقصان منه، كقوله تعالى: {واسأل القرية} 2، معناه: أهلها ~~فاقتصر على ذكر القرية اكتفاء بدلالته على ما لم يذكره. # والثالث: بالتقديم والتأخير، كقوله: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} 3 ~~تقديره: من بعد دين أو وصية. وقوله: {الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان علمه ~~البيان} 4، وتقديره: الرحمن خلق الإنسان علمه القرآن والبيان؛ لأن تعلمه ~~قبل خلقه لا يصح. # والرابع: بالاستعارة، وهي تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورا له، أو ~~كان فيه سبب، كقوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} 5. والإرادة للآدمي دون ~~الجمادات. وقوله: {لهدمت PageV01P173 # صوامع وبيع وصلوات} 1، ومعناه: مكان الصلوات؛ لأن الهدم يختص المكان دون ~~الفعل. PageV01P174 ### | معنى المجاز # ] : # والمجاز مأخوذ من جاز1؛ لأنه سار به كلام العرب وخطابهم، ms059 والاستعارة أكثر ~~الأنواع في الاستعمال، ثم يليه النقصان. PageV01P174 ### | تعريف القياس ### | مدخل # ... # فصل: [تعريف القياس] : 1 # القياس: رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. # وقيل: حمل الفرع على الأصل بعلة الأصل. # وقيل: موازنة الشيء بالشيء. # وقيل: اعتبار الشيء بغيره. # وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال في ميقات أهل المشرق: "ما ~~حياله من المواقيت؟ فقالوا: قرن، فقال: قيسوا به"2. PageV01P174 # والأول والثاني صحيحان. # وأما الثالث والرابع ففيهما احتمال؛ لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في ~~أحكام الشريعة، والمقصود ها هنا العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية، وهو ~~على التفسير الذي ذكرناه. # وإذا ثبت هذا فإن القياس يستعمل على أربعة أشياء: أصل، وفرع، وعلة، وحكم. # PageV01P175 ### | تعريف الأصل # ] : # فأما الأصل فهو: ما ثبت حكمه بنفسه، ومعناه: أنه ثبت حكمه بلفظ تناوله ~~باسمه. # وقيل الأصل: ما ثبت به حكم غيره. # وهذا صحيح على أصلنا، ولهذا نقول: إن العلة يجب أن تتعدى إلى فرع، ولا ~~تقف1. مثل علتنا في تحريم التفاضل في الذهب والفضة بالوزن؛ لأنها تتعدى، ~~ولا نقول: كونها قيم المتلفات؛ لأنها لا تتعدى. PageV01P175 ### | تعريف الفرع # ] : # وأما الفرع فحده: ما ثبت حكمه بغيره. # PageV01P175 ### | تعريف العلة # ] : # وأما العلة: فهي المعنى الجالب للحكم. # PageV01P175 # وقيل: المعنى الذي تعلق به الحكم. # وقيل: الصفة المقتضية للحكم. # PageV01P176 ### | [تعريف الحكم] : # وأما الحكم: فما جلبته العلة، أو ما اقتضته [14/ ب] العلة، من تحريم ~~وتحليل وصحة وفساد، ووجوب وانتفاء وجوب، وما أشبه ذلك. # والعلة الواقفة: هي التي لا تتعدى إلى فرع. # والعلة المتعدية: هي التي تتعدى إلى فرع أو أكثر. # والمعلول: هو الحكم؛ لأن تأثير العلة فيه. # وقيل: هو الذات التي حلتها العلة، مثل الخمر وسائر الأشربة، والبر ~~والشعير وسائر المكيلات، والذهب والفضة؛ لأن الجسم التعليل، والمعلول هو ~~الذي حلته العلة. # وهذا ليس بصحيح؛ لأن تأثير العلة في الجسم، وههنا في الحكم، فالمعلول ما ~~أثرت فيه العلة. # PageV01P176 ### | تعريف المعتل والمعلل والمعتل به والمعتل له # ] : # والمعتل: هو المحتج بالعلة. # والمعلل: هو المعتل؛ لأنه يقال: اعتل بكذا، أو علل بكذا، فدل على أنهما ~~سواء. ms060 # وقيل: المعتل هو الناصب للعلة، مثل المحرك هو الفاعل للحركة، والمسود هو ~~الفاعل للسواد. # والمعتل به: هو العلة. # والمعتل له: هو الحكم. # PageV01P176 ### | تعريف الطرد والعكس # ] : # والطرد: وجود الحكم بوجود العلة. # والطرد شرط في صحة العلة. وهل هو دليل على الصحة؟ فيه اختلاف. # ونحن نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه1. # والعكس: عدم الحكم لعدم العلة. # فإذا قلنا لا زكاة في الخيل؛ لأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم يجب ~~في إناثه. أصله: البغال والحمير، وعكسه: الإبل والبقر والغنم. # وسبيل العاكس أن يبدأ بموضع العلة، فيقول: فإن الزكاة لما وجبت في ~~ذكورها، وجبت في إناثها. PageV01P177 ### | تعريف النقض # ] : # وأما النقض: فهو وجود العلة مع عدم الحكم. # وقد نقض أبو حنيفة2 علته في تحريم النساء فقال: أحد وصفي علة PageV01P177 # تحريم التفاضل علة لتحريم النساء، ثم أجاز إسلام الدراهم والدنانير في ~~الموزونات مع وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل، وهو الوزن. # PageV01P178 # فصل: [ ### | العلة منطوق بها ومجتهد فيها # ] : # والعلة التي يتعلق بها الحكم على ضربين: منطوق بها ومجتهد فيها. # وقال بعض الخراسانية: مسطورة ومسبورة. # فأما المنطوق بها فهي: التي دل كلام صاحب الشريعة عليها. مثل قوله -صلى ~~الله عليه وسلم: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " 1، وقوله صلى الله عليه وسلم في ~~لحوم الأضاحي: PageV01P178 # "إنما نهيتكم من أجل الدافة" 1. # ومن ذلك قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} 2، فدل على [أن] المنع ~~لأجل الحيض. وقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} 3 قد دل على أن الطهارة ~~لأجل الجنابة. وقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 4. # وقوله عليه السلام: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" 5، ونهيه ~~PageV01P179 # عن بيع ما لم يقبض1، وربح ما لم يضمن2. و "الثيب أحق بنفسها" 3. ~~PageV01P180 # و "ليس للولي مع الثيب أمر" 1 وقوله صلى الله عليه وسلم [14/ ب] : "لا ~~يقضي القاضي وهو غضبان" 2، وما أشبه ذلك مما دل كلام صاحب الشريعة على علة ~~الحكم. # فإذا ثبت هذا، فإنه ينظر فيه. فإن كان مطردا علم أنه كمال العلة، وإن ~~انتقض وجب ضم وصف آخر إليه، وعلم ms061 أن صاحب الشريعة لم ينص على كمال العلة، ~~وإنما نص على بعضها ووكل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم، وهذا جائز؛ لأنه إذا ~~جاز أن يكل الجميع إلى اجتهادهم، جاز أن PageV01P181 # ينص على البعض ويكل الباقي إلى اجتهادهم. # ومثال ذلك ما احتج به أصحاب أبي حنيفة وقالوا: روي عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه قال لبريرة1: "ملكت بضعك فاختاري"2، وهذا يقتضي أن الأمة ~~إذا أعتقت تحت حر كان لها الخيار، فقلنا لهم: إن ثبت هذا اللفظ كان معناه: ~~ملكت بضعك تحت العبد، فضممنا إليه وصفا آخر. # وأما العلة المجتهد فيها، فمثل سائر العلل المستنبطة، وطريق ثبوتها: ~~التأثير، أو شهادة الأصول، ويأتي الكلام على ذلك في باب: العلم الدال على ~~صحة العلة3. PageV01P182 # فصل: [ ### | تعريف السبب # ] : # والسبب: ما يتوصل به إلى الحكم ويكون طريقا لثبوته، سواء كان دليلا أو ~~علة أو شرطا أو سؤالا مثيرا للحكم. # والدليل عليه: أن الله تعالى سمى الطريق سببا، فقال عز من قائل: # PageV01P182 # {فأتبع سببا} 1، أي: طريقا. # وسمي الطريق سببا؛ لأنه يتوصل بسلوكه إلى المقصود. وسمي الباب سببا؛ لأنه ~~يدخل منه إلى المقصود. قال تعالى: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع ~~إلى إله موسى} 2 وأسباب السموات: أبوابها، قال زهير3: # ومن هاب أسباب السماء ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلم4 # وسمي الحبل سببا؛ لأنه يتوصل به إلى الماء وغيره، قال تعالى: {فليمدد ~~بسبب إلى السماء} 5، يعني بحبل. PageV01P183 ### | أقسام النظر ### | مدخل # ... # فصل: [أقسام النظر] : # والنظر ضربان: ضرب هو النظر بالعين فهذا حده: الإدراك بالبصر. # PageV01P183 # والثاني: النظر بالقلب، وهذا حده: الفكر في حال المنظور فيه. # والمنظور فيه: هو الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب. # والمنظور له: هو الحكم؛ لأنه ينظر لطلب الحكم. # والناظر: هو الفاعل للفكر. # PageV01P184 ### | تعريف الجدل # ] : # وأما الجدل: فهو تردد الكلام بين اثنين، إذا قصد كل واحد منهما إحكام ~~قوله ليدفع به قول صاحبه. وهو مأخوذ من الإحكام، يقال: درع مجدولة، إذا ~~كانت محكمة النسج، وحبل مجدول، إذا كان محكم الفتل. والأجدل، هو الصقر ~~عندهم. والجدالة: وجه الأرض، إذا ms062 كان صلبا. # ولا يصح الجدل إلا بين اثنين. ويصح النظر من واحد [15/ أ] . # والسؤال، هو الاستخبار. والجواب: هو الإخبار. فإذا سأل السائل المسئول ~~فقال: ما تقول في كذا؟ فإنه مستخبر عن مذهبه فيما سأله عنه، وإذا أجابه فهو ~~مخبر عنه. # والجدل كله سؤال وجواب. # PageV01P184 ### | تعريف الرأي # ] : # وأما الرأي: فاستخراج صواب العاقبة. # فمن وضع الرأي في حقه، واستعمل النظر في وضعه، سدده إلى الحق المطلوب، ~~كمن قصد الجامع يسلك طريقه ولم يعدل عنه أداه إليه وأورده عليه. # PageV01P184 # وإنما كان كذلك؛ لأن الحق عند أحمد -رحمه الله- في واحد، وما عداه باطل. # وعلى الحق دليل يوصل إليه، فإذا وصل إلى الدليل أوصله إلى الحكم. # PageV01P185 ### | الكلام وأقسامه ### | مدخل # ... # فصل: [الكلام وأقسامه] : # والكلام في اللغة: عبارة عن أصوات وحروف. وقد نص أحمد -رحمه الله- على ~~هذا في كلام الله تعالى، وأن الله تعالى تكلم بصوت، في رواية يعقوب بن ~~بختان1 والمروذي2 وعبد الله3. # وقال الأشعرية: الكلام معنى قائم في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات ~~المقطعة. والكلام في هذا يأتي في باب الأوامر4. PageV01P185 # وإذا ثبت هذا فالكلام على ثلاثة أوجه: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى ليس ~~باسم ولا فعل. # فالاسم: مأخوذ من السمة، وهي العلامة؛ وحقيقته: ما أفاد معنى غير مقترن ~~بزمان مخصوص، والأسماء على وجوه يأتي شرحها. # والفعل -على ما يذكره النحويون- فإنه عبارة عما دل على زمان محدود. # والحرف: هو عبارة عن شيئين: أحدهما معنى، والآخر عبارة. # فالمعنى: هو الحرف الذي هو طرف الشيء ونهايته، ومنه: حرف الوادي. # والثاني: ما يقصد به النحويون، وهو ما أفاد معنى في غيره. # فهذا تقسيم كلام العرب. وقد ذكر بعضهم تقسيمه على المعاني، فحصره بستة ~~عشر وجها، فقال: الأمر وما في معناه، وهو السؤال والطلب والدعاء، ومن ذلك ~~النهي ويدخل فيه الإخبار والجحود والقسم والأمثال والتشبيه وما أشبه ذلك، ~~ومنه الاستخبار، والنهي منه الإخبار والاستفهام1. PageV01P186 # والأسماء على وجوه: منها: أعلام وألقاب وضعت في اللغة للتمييز بين المسمى ~~وغيره، تقوم مقام الإشارة إلى الغير مثل: زيد وعمرو. # ومنها: ما وضع لإفادة ms063 صورة وبنية مخصوصة، مثل: إنسان. # ومنها: ما وضع لإفادة جنس مثل: علم وإرادة. # ومنها: ما وضع لإفادة أمر تعلق بالمسمى مثل: والد وأخ، وفوق وتحت. # والاسم المفيد لمعنى يتعلق بالمسمى، قد يكون على وجه الاشتقاق، مثل ~~قولنا: مقتول ومضروب. ومنه ما هو مشتق مثل قولنا: قاتل وضارب. # وقد يتفق الاسمان في الصورة والدلالة، مثل قولنا: الوطء بالنكاح وبملك ~~اليمين حلال. # وقد يتفق الاسمان في الصورة ويختلفان في المعنى مثل: القرء، يراد به ~~الحيض والطهر. # وقد يختلفان في اللفظ والمعنى مثل قولنا: الخمر محرمة، والخل مباح. # وقد يختلفان في الصورة ويتفقان [15/ ب] في المعنى، مثل زكاة وصدقة. # والأسماء على ضربين: منه ما هو عام، ومنه ما هو خاص. # فالعام على ضربين: منه ما هو عام ليس فوقه ما هو أعم منه. # ومنه ما هو عام بالإضافة إلى ما هو أخص منه، وإن كان خاصا فبالإضافة إلى ~~ما هو فوقه. # فالعام الذي ليس فوقه أعم منه مثل معلوم ومذكور. # والخاص الذي هو عام في نفسه مثل قولنا: عرض، هو عام في # PageV01P187 # جميع الأجناس، وهو خاص بالإضافة إلى قولنا: معلوم ومذكور. # والخاص الذي هو في الحقيقة خاص، مثل أسماء الأعيان. # وإذا كان الاسم عبارة عن شيئين متضادين جاز أن يكون حقيقة فيهما، مثل ~~أسماء الأضداد. # وكذلك إن عبر عن مسمين مختلفين، مثل قولنا للباري تعالى: عالم، وللمحدث: ~~عالم. # والأسماء المشتقة التي هي مقيدة على ضربين: # منها ما هو مشتق من معاني متماثلة، مثل قولنا: أسود. # ومنها: ما هو مشتق من معنى وصفة لا يجب تماثلها، مثل متلون. فالأسماء ~~التي ليست بمشتقة منها: ما يتفق لفظه ومعناه، مثل: سواد وسواد. # ومنها: ما يتفق لفظه ويختلف معناه، مثل جارية للعين المعروفة، وجارية ~~للسفينة. # والمقيد من الأسماء على ضربين: منه ما هو حقيقة في بابه، ومنه ما هو ~~مجاز. # فالحقيقة: هو اللفظ المستعمل في موضعه. # والمجاز: هو اللفظ المعدول عن جهته. # والاسم متى كان مشتركا في أشياء، مفيدا في جميعها فائدة واحدة، حمل على ~~جميعها كاللون. ms064 فإن كان يفيد في أشياء مختلفة، فقد قيل: لا تحمل على جميعها ~~وشبهه بعضهم به إذا قال: "أوصيت لموالي فلان"، وله مولى أعلى ومولى أسفل، ~~لم يحمل عليهما لتنافي معناهما؛ لأن أحدهما منعم، والآخر منعم عليه. # PageV01P188 # ولا يجوز حمل الاسم على معنيين مختلفين أحدهما حقيقة والآخر مجاز، إذ لا ~~يحمل على الصريح والكناية. وهذا إجماع الصحابة حين لم يحملوا اسم القرء على ~~الأمرين، ولو حمل اللفظ عليهما لم يتمنعوا منه من غير دلالة. # PageV01P189 ### | الأسماء الشرعية # ] : # والاسم المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في موضوع اللغة، مثل اسم ~~المؤمن، هو في اللغة: عبارة عن كل مصدق. واختص في الشريعة من آمن بالله، ~~حتى لا يجوز استعماله في غيره. # وكذلك اسم الكافر عبارة: عن كل مغطى، وقد اختص ذلك الاسم في الشرع بمن ~~كان كافرا بالله تعالى. # ومثل اسم الصلاة، فإنه في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: لأفعال حصل معها ~~دعاء. # وكذلك الزكاة في اللغة: عبارة عن النماء. وفي الشريعة: عبارة عن إخراج ~~ماله. # وكذلك الربا، في اللغة: عبارة عن الزيادة. وفي الشريعة عبارة عن أمور قد ~~لا يحصل معها زيادة. # وكذلك الصوم عبارة: عن الإمساك في اللغة. وفي الشريعة: إمساك بصفة، وهو ~~عن الأكل والشرب والجماع مع النية. # وكذلك الاعتكاف، في اللغة: عبارة عن اللبث. وهو في الشرع: لبث في مكان ~~مخصوص متى انضمت إليه النية. # وكذلك الوضوء، هو [16/ أ] عبارة عن: الوضاءة في اللغة، وهو في الشريعة ~~عبارة عن غسل أعضاء مع النية. # PageV01P189 # وكذلك الحج عبارة: عن القصد في اللغة، وهو في الشريعة: عبارة عن أفعال ~~مخصوصة، فهو في الشريعة كما كان في اللغة، وضمت إليه شروط شرعية، ولا نقول: ~~بأنها منقولة من اللغة إلى معاني أحكام الشريعة. # وقالت المعتزلة: هي منقولة ومعدولة عن موجباتها في اللغة. # وهذا قول فاسد؛ لأنه لو نقل الأسماء اللغوية إلى أحكام شرعية كان مخاطبا ~~لهم بغير لغتهم، وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} 1، ~~وقوله: {بلسان عربي مبين} 2. # ولأنه لو ms065 كان منقولا لحصل البيان من النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، ~~كما حصل منه في غيره من الأشياء، ولما لم ينقل ذلك، دل على أنه لم ينقل. ~~PageV01P190 # فصل: ### | في أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أم مواضعة؟ # فقيل في ذلك: يمكن أن يكون عرف ذلك بالتوقيف والوحي من الله تعالى. # ويحتمل أن يكون عرف ذلك بمواضعة أهل اللغة ومواطأتهم على ذلك. # ويمكن أن يكون بعضها مأخوذا عن توقيف، وبعضها بالمواضعة. وبعضها مستعملا ~~بقياس على ما تكلم به أهل اللغة. # ويجوز أن يتفق لأهل اللغة أو لبعضهم: أن يتواطئوا على وضع اسم لشيء قد ~~وقف الله عليه بعض من أعلمه ذلك، فتكون المواضعة منهم موافقة للتوقيف. # PageV01P190 # ويجوز أن يسموا الأشياء بغير الأسماء التي وصفها الله تعالى لها، إذا لم ~~يحصل منه حظر لذلك، فإن حظر ذلك لم يجز مخالفة الاسم، ومتى لم يحظر ذلك كان ~~للشيء اسمان: أحدهما موقف عليه، والآخر متواضع عليه. # وقال قوم: جميع أسماء الأشياء في كل لغة أخذ من جهة توقف الله تعالى ~~لآدم، والتعليم له، إما بتولي خطابه، أو الوحي إليه على لسان من يتولى ~~خطابه وإفهامه. # وقال آخرون: جميع ذلك عرف من جهة مواطأة أهل اللغة. # والذي نختاره: ما ذكرناه أولا، وهو كلام أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا؛ ~~لأنه فسر قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} 1، بما نذكره فيما بعد، ولم ~~يحمل الآية على عمومها. # فالدلالة على فساد قول من قال: إن جميعها توقيف هو: أنهم إذا كانوا أحياء ~~ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحا، ويعرفون المعلومات، البعض منها ~~ضرورة، والبعض منها نظرا وبحثا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب ~~عنهم الحاضر واحتاجوا إلى طلبه، وجب عند ذلك صحة نطقهم للحاجة لمعرفة ذلك، ~~وجرى مجرى اجتماع الخلق على أكل الطعام عند الجوع، وشرب الماء واتقاء الحر ~~والبرد. # فإن قيل: كيف يعرف مراد النطق بالأصوات، وهو لم يسبق له التوقيف بمعرفة ~~ذلك؟ قيل: يعرف ذلك ضرورة عند قوله: رجل وإنسان، إذا تكرر ذلك وأتبعه [16/ ~~ب] ms066 بالإشارة إليه والإقبال عليه. PageV01P191 # ويبين صحة هذا أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين الأصحاء العقلاء أدون ~~من الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم ~~لهم إشارات أخر وقفوا على معناها؛ ولأن الله تعالى إذا أراد توقيفهم ~~للمواضعة على ذلك جمع عليها هممهم، ووفر دواعيهم، وسهل سبيل ذلك لهم. # وأما قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} : فذكر أبو بكر في كتاب ~~التفسير فقال: وأولى بالصواب: أسماء ذريته وأسماء الملائكة، دون أسماء سائر ~~أجناس الخلق، قال: وذلك أن الله تعالى قال: {ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء} يعني بذلك: أعيان المسمين؛ إذ لا تكاد العرب تكني ~~بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، فأما إذا كنت عن أسماء ~~البهائم، وسائر الخلق، سوى من وصفها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو ~~بالهاء والنون، فقالت: "عرضهن"، أو "عرضها". وكذلك تفعل إذا كنت عن أصناف ~~من الخلق والبهائم والطير وسائر أصناف الأمم، وفيها أسماء بني آدم ~~والملائكة، تكني عنها بما وصفنا من الهاء والنون والهاء والألف، لا كل بني ~~آدم نحو قوله تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على رجلين ~~ومنهم من يمشي على أربع} 1، فكنى عنها بالهاء والميم؛ لأنها أصناف مختلفة، ~~فيها الآدمي. # وقيل في جواب ذلك: أن يدل على أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك لا يمنع ~~المواضعة عليها مع تعليم آدم إياها، ومع بدل تعليمه لو ترك ذلك. # وقيل: إنه لم يخبر تعالى أنه وقف جميع الخلق على الأسماء، وإنما أخبر أنه ~~وقف آدم على ذلك، وليس فيه ما يمنع أن يكون قد اتفق لأهل كل اللغة تواضعهم ~~بما في مثل ما وقفه الله عليه أو كثير منه. PageV01P192 # وقيل: يحتمل أن يكون علم آدم الأسماء كلها بلغة من اللغات مبتدأة له لم ~~ينطق بها أحد، وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء ~~لتلك الأشياء وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فتكون لها ~~أسماء وقف الله ms067 آدم عليها، لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد عرفتها ~~الملائكة بطريق التواضع. # وقيل: يحتمل أن يكون الله تعالى علمه اسم كل شيء خلقه ذلك الوقت من ~~الملائكة والسموات وما خلقه في الجنة، ولم يعلمه أسماء ما يحدثه ويخلقه من ~~بعد، ويكون قوله: {كلها} على طريق التأكيد، أو يكون قوله: {كلها} في ذلك ~~الوقت. # وقيل: إنه لم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو أنطقه أو أقدره على النطق وجميع ~~دواعيه على مواضعة الملائكة على دلالة ما ينطبق به، فإذا أقدره على ذلك، ~~وخلق فيه العلم به وجمع همه عليه كان له الأسماء، وإن لم يعلمه ذلك توقيفا. # وهكذا الجواب عن قوله: {تبيانا لكل شيء} 1، و {ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء} 2، معناه سمى بعضه، ودل على بعضه. # والذي يدل على أن الملائكة [17/ أ] كانوا مخاطبين ومتواضعين على تخاطب ~~أسماء يعرفونها قبل خلق آدم؛ قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل ~~في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} 3، الآية، وقوله لما خلقه ~~وأحياه وعلمه: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا} 4، فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء، كيف ~~كانوا يفهمون، ويجيبون، ويقولون؟! PageV01P193 # فصل 1: ### | في حروف تتعلق بها أحكام الفقه، ويتنازع في موجباتها المتناظران # [" ### | الواو # "] : # فمنها "الواو"، وله ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون في العطف مثل قوله سبحانه: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} وهي ~~توجب الجمع على قول أصحابنا، ولهذا قالوا فيمن قال لامرأته التي لم يدخل ~~بها: أنت طالق وطالق، وقع عليها تطليقتان، كما لو قال: أنت طالق طلقتين، ~~وهو قول أصحاب أبي حنيفة. # واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال: إنها توجب ~~الترتيب. # والوجه في أنها لا توجب الترتيب: أنها تستعمل فيما لا يقع فيه الترتيب، ~~وهو قولهم: اشترك فلان وفلان، ولا يجوز أن يقولوا: اشترك فلان ثم فلان. # ولأن قائلا لو قال: رأيت زيدا وعمرا، لم يفهم منه أنه رأى زيدا قبل ~~عمرو3، ولو كان المفهوم منه ms068 الترتيب لوجب إذا رآهما معا أو رأى عمرا قبل ~~زيد، أن يكون كاذبا في خبره، ولوجب إذا قال: رأيت PageV01P194 # زيدا وعمرا معا، أن يكون مناقضا في كلامه، كما لو قال: رأيت زيدا ثم ~~عمرا، كان مناقضا. # وأيضا روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقول: ما شاء الله ~~وشئت، فقال: "أمثلان أنتما؟! قل: ما شاء الله ثم شئت"1، فلو كان الواو توجب ~~الترتيب لكان قوله: وشئت، وقوله: ثم شئت- سواء، وقد فرق النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- بينهما، وأمره بأحدهما ونهاه عن الآخر، فعلم أن أحدهما يوجب ~~الجمع والآخر الترتيب. # واحتج من قال: إنها للترتيب، بما روي عن عدي بن حاتم2 أنه قال: خطب رجل ~~عند رسول الله PageV01P195 # صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ~~غوى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ~~ورسوله" 1، وهذا يدل على أن الواو ترتيب؛ لأن قوله: ومن يعصهما جمع من غير ~~شك، ولا يجوز أن يكون المنهي عنه هو المأمور [به] . # والجواب: أنه إنما أمره بذلك لئلا يجمع بين ذكر الله تعالى وذكر رسوله ~~-صلى الله عليه وسلم- في كتابة واحدة؛ لأن ذلك منهي عنه، ولهذا قال تعالى: ~~{والله ورسوله أحق أن يرضوه} 2، ولم يقل يرضوهما3. # واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال لعبد بني ~~الحسحاس4، لما أنشده [17/ ب] : PageV01P196 # عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا1 # لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، وهذا يدل على أن الواو للترتيب. # والجواب: أنه لم يقل هذا لأجل الترتيب، وإنما قال ذلك؛ لأن البداية يجب ~~أن تكون بالأهم فالأهم والأشرف، والإسلام أهم وأشرف وأولى. # واحتج: بأن من أنفذ رسولين، وكتب بذكرهما كتابا وقال: أنفذت إليك فلانا ~~وفلانا، اعتقد كل عالم باللغة أن المبتدأ بذكره مقدم على الآخر في القدر ~~والمحل. # والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: إن المفهوم من هذا الجمع بينهما في ~~الرسالة. # الحال الثانية من أحوال الواو: ms069 أن يكون في القسم، فيكون بدلا من الباء؛ ~~لأن الأصل في القسم: أحلف، أو أقسم بالله، ثم حذفوا فقالوا: بالله لقد كان ~~كذا، ثم جعلوا "الواو" بدلا من "الباء"؛ لأن مخرجهما من الشفتين، فقالوا: ~~والله. # الحال الثالثة من أحوالها: أن تكون الواو في ابتداء الكلمة مثل قولهم: ~~PageV01P197 # ومهمه مغبرة أرجاؤه1 # وهذه الواو بدل من "رب"، فكأنه قال: رب مهمه، ولا يجوز هذا إلا في الشعر، ~~ولا يجوز في غيره. # وقد تكون بمعنى "أو"، قال تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} 2. PageV01P198 ### | الفاء # ] : # وأما "الفاء" فللتعقيب، قال سيبويه1: إذا قال: رأيت زيدا فعمرا، يجب أن ~~تكون رؤيته لعمرو عقيب رؤيته لزيد، ولأن "الفاء" تدخل في الجزاء والشرط؛ ~~لأن مثل الجزاء أن يكون عقيب الشرط، فلما كان "الفاء" للتعقيب اختص به دون ~~الواو، فقيل: إذا فعل فلان كذا، فافعل كذا، ولا يجوز أن يقال بالواو؛ لأن ~~الواو لا توجب التعقيب2. PageV01P198 ### | ثم # ] : 1 # وأما "ثم" فهو للفصل مع الترتيب2، فإذا قال: رأيت فلانا ثم فلانا، اقتضى ~~أن يكون الثاني متأخرا عن ال ### | أو # ل في الرؤية. # ولهذا يحتج أصحابنا بقوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا} 3، أن ذلك يقتضي أن يكون العود: العزم على الوطء. PageV01P199 ### | أو # ] : 1 # وأما "أو" فله ثلاثة أحوال: # إذا كان في الخبر والاستخبار فهو للشك، تقول: أعندك زيد أو عمرو؟ وتقول: ~~عندي زيد أو عمرو، فيكون المخبر والمستخبر شاكين فيه. PageV01P199 # وإذا كان في الأمر والطلب1 يكون للتخيير2 كقوله تعالى: {فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} 3. # وإذا كان في النهي4 فقد قيل: يكون للجمع كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما ~~أو كفورا} 5. # وقيل: يكون للتخيير؛ لأن النهي أمر بالترك، وأينما تركه كان مطيعا، وهو ~~الصحيح6. # وقد تكون للإباحة، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين. PageV01P200 ### | الباء # ] : 1 # وأما "الباء" فهي للإلصاق2 [18/ أ] فإذا قلت: مررت بزيد، PageV01P200 # فإن الباء تلصق المرور بزيد. وإذا قلت: كتبت بالقلم، فإن الباء تلصق ~~الكتابة بالقلم1. # ولهذا منع أصحابنا ms070 الاحتجاج بقوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} 2 على جواز ~~مسح بعض الرأس، وقالوا: الباء تفيد الإلصاق دون التبعيض؛ لأن الباء تستعمل ~~فيها فيما لا يصلح فيه التبعيض وهو قولهم: استعنت بالله، وتزوجت بامرأة، ~~ولا يجوز أن يقال: "استعنت ببعض الله"؛ لاستحالة ذلك عليه سبحانه، ولا: ~~مررت ببعض امرأة. ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدين" 3، ولا يجوز التبعيض في ذلك. PageV01P201 # ومن أصحاب الشافعي من قال: إذا كان الفعل يتعدى من غير الباء، فلا يحتاج ~~إليها للإلصاق، فوجب حمله على التبعيض1؛ لأن حمل كل حرف من القرآن على ما ~~يفيد أولى، وقد استوفينا الكلام على هذا في غير هذا الموضع2. PageV01P202 ### | من، وإلى # ] : # وأما "من" فهي لابتداء الغاية، و"إلى" لانتهاء الغاية، تقول: سرت من ~~الكوفة إلى البصرة، أي: ابتدأت بالسير من الكوفة وانتهيت إلى البصرة1. # وقد تستعمل من للتبعيض كقوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه} 2، وكقولك: اختر من هؤلاء الرجال، واقبض من هذه الدراهم، وكل ~~من هذا الطعام، واشرب من هذا الماء. # وإذا حلف لا يأكل من هذا الرغيف، ولا يشرب من هذا الماء، حنث بالبعض. ~~PageV01P202 # وتستعمل "إلى" بمعنى "مع" كقوله1: {وأيديكم إلى المرافق} 2 معناه: مع ~~المرافق. وهذا المعنى يحتاج إلى الدليل، ولهذا إذا قال: بعتك كذا على أنك ~~بالخيار إلى الليل، أن الليل لا يدخل في الخيار، خلافا لأبي حنيفة3، وإحدى ~~الروايتين عن أحمد -رحمه الله- أنه يدخل فيه؛ لأن الظاهر من "إلى" لانتهاء ~~الغاية4. PageV01P203 ### | على # ] : # وأما "على" فإنه للإيجاب، فإذا قال رجل: لفلان علي كذا، حكم # PageV01P203 # بوجوبه عليه1. PageV01P204 ### | في # ] : # وأما "في" فهو للظرف1، فإذا قال: لفلان علي ثوب في منديل أو تمر في جراب، ~~لم يدخل الظرف في الإقرار2. PageV01P204 ### | اللام # ] : # و"اللام"1 تكون للتمليك كقولك: دار لزيد2. # وتكون للتعليل كقوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة} 3. # وتكون للعاقبة والصيرورة كقوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا} 4، ومعناه: صار في العاقبة عدوا وحزنا. PageV01P204 # وتكون للجهة؛ قال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} 1 الآية ms071 أحكم2 ~~جهة للمصرف. # والنكرة في النفي تقتضي جميع الجنس، وفي الإثبات بعض الجنس، فإذا قال: ~~والله لا آكل طعاما، كف عن جميع الجنس قليله وكثيره، فأي قدر من الطعام ~~أكل، حنث. وإذا قال: والله لآكلن طعاما، لم يجب أن [18/ ب] يأكل جميع ~~الجنس. وإذا أكل ما يقع عليه اسم الطعام بر في يمينه. PageV01P205 ### | إنما # ] : # و"إنما" للحصر1. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "وإنما لكل امرئ ما ~~نوى" 2 يقتضي أن جميع ما للمرء هو الذي نواه، وأن ما لم ينوه ليس ~~PageV01P205 # له. وكذلك قوله عليه السلام: "إنما الولاء لمن أعتق" 1، يقتضي أن جنس ~~الولاء للمعتق، ومن لم يعتق فليس له ولاء. PageV01P206 ### | ................................................................................ # PageV01P207 # وقال بعض أهل خراسان: "إنما" لإثبات ما اتصل به ونفي ما عداه. # ومنهم من قال: لتحقيق المتصل به، وتمحيق المنفصل عنه. ويرجع معنى الجميع ~~إلى ما ذكرته من الحصر. # PageV01P208 # فصل: ### | في قيام بعض حروف الصفات مقام بعض # قوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} 1، أي: على جذوع النخل. وقال ~~العبد2: # هم صلبوا العبدي3 في جذع نخلة4. PageV01P208 # "الباء" مكان "عن" قوله تعالى: {فاسأل به خبيرا} 1، أي اسأل عنه. قال ~~علقمة بن عبدة2: # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... عليم بأدواء النساء طبيب3 # "عن" مكان "الباء" قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} 4، أي: بالهوى5، ~~والعرب تقول: رميت بالوتر6. PageV01P209 # "اللام" مكان "على" قال تعالى: {ولا تجهروا له بالقول} 1 أي: لا تجهروا ~~عليه بالقول. والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي: على فيه. قال الشاعر: # فخر صريعا لليدين وللفم2 # "إلى" مكان "مع" قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} 3 أي: مع ~~أموالكم. ومثله: {من أنصاري إلى الله} 4. تقول العرب: "الذود إلى الذود ~~إبل" أي: مع الذود. # "اللام" مكان "إلى" قال تعالى: {بأن ربك أوحى لها} 5 أي: إليها. # "على" مكان "من" قال تعالى: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون} 6، ~~أي: من الناس. ومنه قوله تعالى: {الذين استحق PageV01P210 # عليهم الأوليان} 1 أي: استحق منهم. # "من" مكان "الباء" قال تعالى: {يحفظونه من أمر الله} 2، أي: بأمر الله. ms072 # وقال سبحانه: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام} 3، ~~أي: بكل أمر. # "الباء" مكان "من" تقول العرب: شربت بماء كذا، أي: من ماء كذا. # قال تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله} 4. معناه: يشرب منها. قال عنترة 5: # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر6 عن حياض الديلم7 PageV01P211 # والديلم: الأعداء. # وقوله تعالى: {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} 1 أي من2 علم الله. # "من" مكان "في" قوله تعالى: {أروني ماذا خلقوا من الأرض} 3، أي: في ~~الأرض. # "من" مكان "على" قوله تعالى: {ونصرناه من القوم} 4، أي: على القوم. # "عن" مكان "من" قوله تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} 5، أي: من ~~عباده. # "من" مكان "عن" [19/ أ] تقول: من لفلان، أي: عنه. # "على" مكان "عند" قال تعالى: {ولهم علي ذنب} 6 أي: عندي. # "الباء" مكان "اللام" قال تعالى: {ما خلقناهما إلا بالحق} 7، أي: إلا ~~للحق. PageV01P212 # فصل: ### | في بيان أبواب أصول الفقه # من ذلك الأمر والنهي؛ لأنه وضع للإيجاب والإلزام، وهو أبلغ منازل الخطاب؛ ~~ولأن الأمر قد يقع خاصا، وأصل الكلام الخصوص، والعموم داخل عليه، كما أن ~~أصله التخفيف، والتثقيل داخل عليه، وتقديم ما هو أصل الكلام أولى، ثم ~~يليهما العموم، ثم الخصوص، ثم المجمل، ثم المفسر، ثم الناسخ والمنسوخ، ثم ~~الأخبار، ثم بيان الأفعال، ثم الإجماع، ثم القياس والاجتهاد وما يتعلق بذلك ~~من الاستخراج، ثم بيان صفة المفتي والمستفتي، ثم بيان الحظر والإباحة، فكان ~~الواجب تقديم ما هو أهم فيما يقصد بذكر أصول الفقه، وتأخير ما يعود إلى ~~العقول، مثل إثبات حجج العقول وإثبات أحكامها. # والأولى في هذا الباب تقديم الكلام في المعاني؛ لأن أصول الفقه إذا كانت ~~أصول الشرع، والأقوال في الشريعة هي أصول الفقه، والمعاني مفهومة بها، إما ~~باستخراج منها أو تنبيه. # والأولى تقديم الأصل مثل الأمور العقلية إذا وقع الكلام فيها، كان تقديم ~~الكلام في أصولها أولى. # ولا يجوز أن يقال: لما كان الكلام متى وقع في الدليل وجب تقديم المعاني، ~~كذلك في مسألة الأوامر؛ لأن ما يستفاد بالدليل طريقه ms073 النظر والاستدلال، ~~فالواجب أن يعلم أولا، ثم يعبر عنها. فكان الكلام في معنى الدليل الذي هو ~~الأصل أولى من العبارة عنه. كذلك الأصل في المعاني الشرعية، لما كان ~~الأقوال كان تقديمها أولى. # PageV01P213 ### | باب الأوامر # 1 ### | : مسألة [صيغة الأمر] : # للأمر صيغة مبينة له في اللغة تدل بمجردها على كونه أمرا، إذا تعرت عن ~~القرائن. وهي قول القائل لمن دونه: افعل كذا وكذا. # خلافا للمعتزلة في قولهم: الأمر لا يكون أمرا لصيغته، وإنما يكون أمرا ~~بإرادة الآمر له2. # وخلافا للأشعرية في قولهم: الأمر لا صيغة له3، وإنما هو معنى قائم ~~PageV01P214 # في النفس لا يفارق الذات، وهذه الأصوات عبارة عنه. # وخلافا لبعض متأخري أصحاب الشافعي في قوله: الفعل يسمى أمرا في الحقيقة. # وقد نص أحمد -رحمه الله- على هذه الفصول، فقال في رواية حنبل1: "أمر الله ~~-عز وجل- العباد بالطاعة، وكتب عليهم [19/ ب] المعصية؛ لإثبات الحجة عليهم، ~~وكتب الله على آدم أنه يصيب الخطيئة قبل أن يخلقه"، وهذا يدل من قوله على ~~أن الأمر لا يعتبر فيه الإرادة للآمر؛ لأن كتبه المعصية ضد الأمر بالطاعة؛ ~~لأن ما كتبه حتم لا بد من وجوده، فعلم أن ما أمر به من الطاعة لم يكن مريدا ~~له؛ لأنه كتب ضده. # وقال -في رواية يعقوب بن بختان والمروذي وعبد الله: "تكلم ربنا -تبارك ~~وتعالى- بصوت، وهذه الأحاديث كلها جاءت". وذكر حديث PageV01P215 # عبد الله "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء"1، وذكر الحديث. ~~وهذا يدل من قوله على أن الأمر هو الأصوات المسموعة؛ لأنه بين أن كلام الله ~~تعالى الذي هو الأمر والنهي كان بصوت مسموع. # وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم2: "الأمر من النبي سوى الفعل؛ لأن النبي ~~قد يفعل الشيء على جهة القصد، وقد يفعل الشيء هو له خاص، وأمره بالشيء ~~للمسلمين". وهذا يدل من قوله -رضي الله عنه: أن الفعل ليس بأمر؛ لأنه فرق ~~بين فعله وبين قوله الذي هو الأمر، وجعل الأمر مقتضيا للوجوب، والفعل ~~محتملا للخصوص. # والدلالة على أنه يكون أمرا لصيغته لا لإرادة الآمر: ms074 # أن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ولم يرد منه الذبح؛ لأنه لو أراد ~~منه الذبح لم يجز أن يمنعه منه عند المخالف. # وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في آخر "كتاب القدر" قصة إبراهيم، وقال: قد ~~يأمر بما لا يريد أن يكون، أو علم أنه لا يكون، ولا يكون مغلوبا ولا مقهورا ~~مع علمه به أنه لا يكون، وإنما يكون مغلوبا لو لم يعلم أنه لا يكون. # فإن قيل: لم يأمره بالذبح، وإنما كان أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع ~~وغيره. قيل: هذا خلاف نص القرآن؛ لأن الله تعالى أخبر PageV01P216 # عنه بقوله: {يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} 1، فدل ~~على أنه كان مأمورا بذبحه؛ # ولأن الله تعالى قال: {وفديناه بذبح عظيم} 2، ولا يصح الفداء بالذبح إلا ~~أن يكون مأمورا بذبح الابن؛ # ولأنه لو كان مأمورا بمقدمات الذبح، لكان إبراهيم -صلى الله عليه- قد فعل ~~ما أمر به، فلا يكون للفداء معنى؛ # ولأنه ليس في المقدمات بلاء مبين، فلما عظم الله سبحانه البلوى به، فقال ~~تعالى: {إن هذا لهو البلاء المبين} 3، وقال: {ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} ولا يحتاج في الإضجاع إلى الصبر، دل على أن المأمور به كان ~~الذبح. # فإن قيل: نسلم أنه كان مأمورا بالذبح، وقد فعله إبراهيم -صلى الله عليه- ~~ولكنه كلما قطع منه جزءا التحم واندمل، فلم يمت بالذبح. # قيل: لو كان كذلك لم يصح الفداء بالذبح؛ لأنه إذا فعل المأمور به لم يكن ~~له فداء؛ ولأن هذا لو كان صحيحا لوجب أن يكون قد فعل، ويكون له ذكر في ~~القرآن؛ لأنه من الإعجاز، مثل إحياء الموتى، ويكون ذكره أهم من ذكر سائر ما ~~ذكر في [120/ أ] القرآن، فدل على أنه لا أصل له. # وأيضا قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} 4 ~~فمنها دليلان: PageV01P217 # أحدهما: أنه تعالى أخبر أن "كن" بمجردها أمر. # والثاني قوله: {إذا أردناه} وهذا يقتضي أنه قد يوجد أمر بإرادة وغير ~~إرادة، ولولا ذلك ms075 ما كان؛ لقوله: {إذا أردناه} معنى. # وعند المعتزلة: ذكره الإرادة لا تأثير له؛ لأنه لا أمر يوجد إلا بإرادة ~~الآمر. # فإن قيل: المراد بهذه ما ينشأ خلقه، ويستأنف إحداثه وإيجاده، وليس المراد ~~ما اختلفنا فيه. # قيل: هذا عام في الجميع. # وأيضا: قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من حلف، فقال: إن ~~شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك" 1، وهذا يدل على أنه إذا قال: لأقضين ~~دينك غدا -إن شاء الله- ولم يقضه، أنه لا يحنث في يمينه، وكان مأمورا بقضاء ~~دينه، فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به، وجب أن يحنث في يمينه. # وأيضا: فإن استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه أمر، وكل أمر استدعاء، وما ~~ليس باستدعاء من أنواع الكلام فليس بأمر، فدل هذا على أن الأمر إنما كان ~~أمرا لكونه استدعاء، وهذا كما نقول في الخبر: إنما كان خبرا؛ لأنه يدخله ~~الصدق والكذب؛ لأنا وجدنا كل خبر يدخله الصدق أو الكذب. وكلما يدخله الصدق ~~أو الكذب فهو خبر. وما لا PageV01P218 # يدخله الصدق أو الكذب من أنواع الكلام فليس بخبر. كذلك في الأمر يجب ~~إثباته لما ذكرته. # واحتج المخالف: بأن لفظة: الأمر، ترد محتملة لوجوه كثيرة: فمنه ما أريد ~~به الوجوب مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 1. # ومنه الإرشاد إلى الأحوط للعباد مثل قوله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} 2. # ومنه الإباحة: مثل قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} 3، ~~{وإذا حللتم فاصطادوا} 4. # ومنه التقريع والتعجيز، مثل قوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} 5. # ومنه التهديد، مثل قوله: {اعملوا ما شئتم} 6. # ومنه المسألة مثل قوله عز وجل: {ربنا اغفر لنا} 7. # ومنه الندب، مثل قوله تعالى: {فكاتبوهم} 8، وقوله: PageV01P219 # {وافعلوا الخير} 1 وقوله: {وأحسنوا والله يحب المحسنين} 2. # ومنه الحث على الإكرام، مثل قوله: {ادخلوا الجنة لا خوف عليكم} 3. # ومنه ما ورد على وجه الامتنان مثل قوله: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ~~فامشوا في مناكبها} 4 الآية. # وصورة الجميع واحدة من طريق اللفظ، وإنما تختلف بالإرادة؛ لأن الله ms076 تعالى ~~أراد فعل الصلاة والزكاة، ولم يرد فعل الصيد، والانتشار في الأرض. # والجواب: أن الحكم إنما اختلف في هذه المواضع لاختلاف الاستدعاء، فإن ~~أحدهما استدعى الفعل، والآخر أباحه، وبعضه تحذير وتهديد، وليس باستدعاء، ~~وبعضه قام الدليل على أنه ندب [20/ ب] . # ومحصول هذا الجواب: أنه إنما عدل عن الصيغة لقرينة، ومسألة الخلاف في ~~الصيغة إذا تجردت عن القرائن. # وجواب آخر وهو: أن هذا يبطل بأسماء الحقائق، كالأسد والحمار، حقيقة في ~~البهيمة، وإن كان قد يعدل بها إلى الرجل البليد، والشجاع بقرينة، كذلك ~~ههنا. # واحتج بأن الأمر لا يخلو من أن يكون أمرا؛ لأن الآمر أراد إيجاد اللفظ ~~وإحداثه؛ أو لأنه أراد أن يكون خطابا لمن دونه، أو لأنه أراد فعل ~~PageV01P220 # المأمور به منه، ولا يجوز أن يكون القسمين الأولين؛ لأن ذلك موجود فيما ~~ليس بأمر، فدل على صحة القسم الثالث. # والجواب: أن ههنا قسما آخر وهو كونه استدعاء. ومحصول الجواب: أنه أمر ~~لإيجاد اللفظ، والموضع الذي عدل عنه لقرينة. # واحتج: بأن النهي إنما كان نهيا لكراهة الفعل، فوجب أن يكون الأمر أمرا ~~لإرادة الفعل؛ لأن النهي ضد الأمر. # والجواب: أن حد النهي كراهية أن يكون الفعل المنهي عنه حسنا، ولا نقول: ~~إنه كان نهيا لكراهية الفعل، فلم يكن بينهما فرق من هذا الوجه. # وقد قيل: إن حد النهي: المنع عما ينهى عنه من طريق القول، لا للكراهة ~~التي ذكرها المخالف. # واحتج: بأن أهل اللغة أجمعوا على أنه لا فرق بين قول القائل: افعل كذا، ~~وبين أن يقول: أريد أن تفعل كذا، ولهذا نقول: إنه لا فرق بين أن يقول ~~لعبده: اسقني ماء، وبين أن يقول: أريد أن تسقيني ماء، وإذا كان قوله: أريد ~~أن تسقيني ماء، إخبارا عن إرادته، كذلك قوله: افعل، وجب أن يكون إخبارا عن ~~إرادته الفعل. # والجواب: أن قوله: أريد أن تسقيني ماء، إخبار عن إرادته، ولهذا يدخله ~~الصدق أو الكذب، وليس كذلك قوله: افعل، فإنه ليس بخبر، وإنما هو استدعاء ~~واقتضاء، ولهذا لا يحسن أن يقول فيه، ms077 صدقت أو كذبت. # واحتج بأنه لا يخلو إما أن يجعلوا اللفظ أمرا لصيغته، أو لعدم القرينة، ~~وباطل أن يجعل أمرا لصيغته؛ لأن الصيغة موجودة مع القرينة، التي هي التهديد ~~والإباحة، وليس بأمر. وباطل أن يجعل أمرا لعدم القرينة؛ لأن # PageV01P221 # عدم القرينة قرينة، فقد صح أن الأمر إنما يصح أمرا لقرينة. # والجواب: أنا نجعله أمرا لعدم القرينة، وليس عدم القرينة قرينة، كما أن ~~عدم الشيء ليس بشيء، ومثال هذا: أسماء الحقائق: كالحمار والسبع، يستعمل ~~فيما وضعت له حقيقة بمجردها، وهو في البهائم، وقد يستعمل في غيرها بقرينة، ~~وهو في الرجل البليد، والشجاع، ولا يقال: إنها إذا استعملت فيما وضعت له ~~عند عدم القرينة، إنها مستعملة فيه بقرينة، كذلك ههنا. # PageV01P222 ### | الأمر هو الأصوات المسموعة ### | مدخل # ... # فصل: # والدلالة على أن [21/ أ] الأمر هو الأصوات المسموعة: هو أن هذا كلام ~~متعلق باللغة، فوجب أن يرجع فيه إلى أهلها، وقد وجدناهم حدوا الأمر بقول ~~القائل: افعل، إذا حصل على صفة، فلم يجز العدول عما قالوه في لغتهم. # ولا يجوز أن يقال: إن ما ذكرتموه في حد الأمر لم ينقل عن العرب نقل ~~تواتر؛ لأنه أمر أجمع عليه أهل العربية، وهم قوم يقع بخبرهم العلم؛ # ولأن ما طريقه اللغة لو اعتبر فيه النقل المتواتر لم يمكن إثبات غريب ~~القرآن ولا شواذ اللغة. # قيل: علمنا أن السلف كانوا يستشهدون بالبيت من الشعر على ما يحكونه من ~~اللغة دلالة على بطلان هذا القول. # ولأن ما تعم به البلوى من أمر الشريعة لا يعتبر فيه النقل المتواتر، فكيف ~~يصح اعتبار ذلك فيما طريقه اللغة؟! # ولأن الإنسان يسمى آمرا عند وجود القول منه، ومتى انتفى عنه القول # PageV01P222 # لم يسم بهذا الاسم فدل ذلك على اعتبار الأقوال. # واحتج المخالف بقوله تعالى: {ويقولون في أنفسهم} 1 وقوله تعالى: {وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} 2، والعرب تقول: في نفسي كلام ~~أقوله لك3. # والجواب: أن هذا مجاز واتساع، والحقيقة ما ذكرنا. PageV01P223 # فصل: [الفعل لا يسمى أمرا] : # والدلالة على أن ### | الفعل لا ms078 يسمى أمرا: # أن أهل اللغة قد ذكروا في حده قول القائل: افعل إذا كان على صفة، وهو من ~~الأعلى إلى الأدنى، فلم يجز نقله عما حكموا عليه [في] الوضع، كما لا يجوز ~~في سائر اللغات. # ولأنه لو كان حقيقة لم يصح نفيه؛ ولأنه لا يشتق لفاعله أمر، فلو كان ~~حقيقة فيه لصار مثل الأقوال. # واحتج المخالف بأنهم يقولون: أمر فلان سديد، ويريدون به أفعاله وأقواله، ~~ومنه قوله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} 4، ومنه قوله: {وأمرهم شورى بينهم} ~~5، وقول الشاعر: # فقلت لها أمري إلى الله كله ... وإني إليه في الإياب لراغب6 # PageV01P223 # والجواب: أن هذا كله على طريق المجاز، كما قال تعالى: {واسأل القرية} 1، ~~وكما قال الشاعر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة2 # والعين لا تقول. # يبين صحة هذا، وأنه مجاز أنه يصح نفيه، فنقول: فلان لم يأمر اليوم بأمر ~~مع وقوع الفعل منه، وأسماء الحقائق لا تتنافى. # واحتج بأن الأمر مأخوذ من الأمارة، وهي العلامة التي يقتدى بها، والفعل ~~قد يلزم الاقتداء به، فسمي لذلك أمرا. # والجواب: أن هذه الصفة تحصل في الكتاب والإشارة، وإن لم يطلق اسم الأمر ~~عليهما، وليس يمتنع أن يوجد ذلك من العلامة، ويخص بها الأقوال تعريفا لها ~~وتنبيها عليها. PageV01P224 ### | مسألة: [الأمر المطلق يقتضي الوجوب] : # إذا ورد لفظ الأمر متعريا عن القرائن اقتضى وجوب المأمور به. # وهذا ظاهر كلام أحمد [21/ ب]-رحمه الله- في مواضع: # فقال في رواية1 أبي الحارث2: إذا ثبت الخبر عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وجب العمل به. PageV01P224 # وقال أيضا -رحمه الله- في رواية1 مهنا2 -وقد ذكر له قول مالك3 في الكلب ~~يلغ في الإناء لا بأس به- فقال: "ما أقبح هذا من قولة! قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم: "يغسل سؤر الكلب سبع مرات" 4. PageV01P225 # وكذلك نقل1 صالح2 عنه فيمن صلى خلف الصف وحده: يعيد الصلاة، أمر النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- رجلا صلى خلف الصف أن يعيد الصلاة3. وهذا كثير في ~~كلامه. PageV01P226 # وقال -رضي الله عنه- في كتاب طاعة الرسول1: "قوله تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} 2 والظاهر3 يدل على ms079 أنه إذا ابتاع شيئا يشهد4. فلما تأول قوم من ~~العلماء {فإن أمن بعضكم بعضا} 5، PageV01P227 # استقر حكم الآية على ذلك"1. # وقد علق القول في رواية2 الميموني3 وقد سأله عن قول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا" 4، ~~فقال: الأمر أسهل من النهي. # وكذلك نقل5 علي بن سعيد6 فقال: ما أمر به النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو ~~PageV01P228 # عندي أسهل مما نهى عنه. فقد سهل في الأمر وغلظ في النهي. # ولعله قصد بهذا أن الأمر أسهل من النهي على معنى أن جماعة قالوا: إطلاق ~~الأمر يقتضي الندب، وإطلاق النهي يقتضي الحظر، وإطلاق الأمر لا يقتضي ~~التكرار، والنهي يقتضي، وهذا قول جمهور الفقهاء. # وقالت المعتزلة: هو محمول على الندب بإطلاق حتى يدل الدليل على الوجوب. # وقالت الأشعرية: هو على الوقف على ما يبينه الدليل. # وذهب قوم إلى أنه على الإباحة حتى يدل الدليل. # فالدلالة على ما قلنا قوله تعالى: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس لم يكن من الساجدين، قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} 1. # فوجه الدلالة: أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم تبادروا إلى ~~فعله، فعلم أنهم عقلوا من إطلاقه وجوب امتثال المأمور به، ثم لما امتنع ~~إبليس من السجود وبخه وعاقبه وأهبطه من الجنة، فلولا أن ذلك واجب عليه لما ~~استحق العقوبة والتوبيخ بتركه. # فإن قيل: يجوز أن يكون ذلك الأمر معه قرينة دلت على المراد به، فلهذا ~~عاقبه بالمخالفة. # قيل: لم يذكر في الآية إلا أمرا مطلقا، وعلق التوبيخ والعقوبة بتركه، فمن ~~ادعى أن هناك قرينة احتاج إلى دليل، يبين صحة هذا أن قوله: PageV01P229 # {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} مثل قوله: ما يمنعك أن لا تسجد إذ قلت لك: ~~اسجد، فإن الذم يتعلق بمجرد مخالفة القول، كذلك ههنا. فإذا قيل: إنما ~~عاقبه؛ لأنه استكبر وكان من الكافرين، قيل: عاقبه على الأمرين جميعا، على ~~مخالفة الأمر، وعلى الاستكبار والكفر. # فإن قيل: لا يجوز [22/ أ] أن يكون الأمر ms080 لإبليس بالسجود؛ لأن ذلك أمر ~~للملائكة وإبليس ليس منهم، وإنما هو من الجن؛ لقوله: {إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه} 1. # قيل: إبليس من الملائكة. وقد ذكر أبو بكر هذا فيما علقه عنه أبو إسحاق2. # وهو قول ابن عباس فيما ذكره أبو بكر في كتاب التفسير فقال: قال ابن حنبل: ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة التي ~~منهم قبيله، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له ~~سلطان الأرض. # وقال ابن عباس في قوله تعالى: {كان من الجن} إنما سمي الجنان: إنه كان ~~خازنا عليها، كما يقال للرجل عدني، ومكي، وكوفي، وبصري. PageV01P230 # والذي يدل على أنه منهم استثناؤه من جملتهم، وحقيقة الاستثناء أن يكون من ~~جنس المستثنى. ولأنه وبخه وعاقبه على ترك السجود، والأمر بالسجود كان ~~للملائكة، فلولا أنه منهم لم يحصل مخالفة بتركه. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل} 1، ~~فنفي التخيير في الأمر وجعله ضالا مع التخيير، ومن قال: الأمر على الندب أو ~~الإباحة خيره. # فإن قيل: إنما قال هذا فيما قضاه، وما قضاه واجب، وخلافنا فيما أمر به. # قيل: ما قضاه لا صيغة له تدل على أنه واجب ولا ندب وهو دون مرتبة الأمر، ~~ومع هذا فلم يجعل له الخيرة، فأولى أن لا يجعل له ذلك في الأمر، وعلى أن ~~تعلقنا بقوله: {إذا قضى أمرا} فعاد الكلام إلى قوله: {أمرا} . # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} 2، فتوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب، ~~فلولا أن إطلاقه يقتضي الوجوب لم يتوعد عليه. # وحكي عن الحسن البصري3، أنه لم يكن من الملائكة، يعني إبليس. PageV01P231 # وهو ظاهر كلام أبي إسحاق من أصحابنا؛ لأنه قال: سمعت الشيخ يقول: إبليس ~~من الملائكة. فقلت: أجمعنا على أن الملائكة لا تتناكح، ولا ms081 تكون لها ذرية، ~~وإبليس له ذرية قوله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} 1 فدل على ~~أنه من غيرهم. # وهذا لا يدل على أنه لم يكن منهم حين الخطاب؛ لأنه لا يمتنع أن يكون منهم ~~حين الخطاب؛ لأنه لا يمتنع أن تكون حاله تغيرت بعد المخالفة، كما تغيرت حال ~~الملكين الذين نزلا بأرض بابل لما خالفا، فأكلا الطعام وشربا الشراب وحصلت ~~فيهم شهوة النساء، وإن لم تكن هذه صفة الملائكة، كذلك إبليس. # ويدل عليه قوله تعالى: {أفعصيت أمري} 2، فدل على أن مخالفة الأمر معصية، ~~ولم يقل: أعصيت ما دل على وجوب الأمر؟ بل علق المعصية [22/ ب] بمخالفة ~~الأمر، وليس له صيغة غير لفظة: افعل، ألا ترى أن هذه اللفظة هي التي ترك ~~امتثالها إبليس، فذم، وهو قوله للملائكة: {اسجدوا لآدم فسجدوا} فعلم أن هذه ~~صيغة الأمر. # ويدل عليه ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لولا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 3، ومعلوم أن السواك مستحب، فدل على ~~أنه لو أمر به لوجب. PageV01P232 # ويدل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لبريرة: "لو راجعتيه فإنه أبو ~~ولدك، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: إنما أنا شافع" 1 فموضع الدليل: ~~PageV01P233 # أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه شافع، وشفاعته تدل على الندب ومن ~~قال: الأمر على الندب، يقول: هو بمنزلة الشفاعة، فلو كان الأمر والشفاعة ~~سواء ما تبرأ من الأمر. # فإن قيل: فلا دلالة فيه؛ لأنه ما تضمن الأمر، وإنما سألها، وشفع إليها. # قيل: احتجاجنا من قولها: بأمرك، فقال: "إنما أنا شافع"، فتبرأ عن الأمر ~~إلى الشفاعة. # وفي هذا دلالة على من قال بالوقف أيضا؛ لأن قولها: "بأمرك" معناه: ~~فأمتثله. # ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم: أنه مر برجل يصلي ~~فدعاه، فلم يجبه، فلما فرغ من الصلاة قال: "ما منعك أن تجيبني؟ " قال: كنت ~~في الصلاة، فقال عليه السلام1: "أما سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} ms082 2 " وهذا ظاهر، فإن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- عاتبه على مخالفة أمر الله تعالى المطلق، وهو قوله: {استجيبوا لله ~~وللرسول} وإن كان في الإجابة إليه ترك فريضة عليه، هو فيها. PageV01P234 # وأيضا فهو إجماع الصحابة، وذلك أنهم كانوا يرجعون إلى مجرد الأوامر في ~~الفعل والامتناع من غير توقف. مثل احتجاج أبي بكر على عمر -رضي الله عنهما- ~~بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 1. ورجوع ابن عمر2 إلى حديث ~~رافع3 في المساقاة 4. وغير ذلك من القصص المشهورة. PageV01P235 # وما كانوا عليه عند ورود لفظ الأمر، والذي يعلم أنه كان متقررا فيما ~~بينهم أن إطلاق ذلك يقتضي الوجوب والامتثال. # فإن قيل: يحتمل أن يكون رجوعها إلى غير ظاهر الأمر، وإنما رجعوا إلى ~~قرينة اقترن بها دلت على الوجوب. # قيل: الذي ظهر عنهم الاحتجاج بنفس الألفاظ، فلا يجوز حمله على القرائن، ~~وليس هذا إلا مثل من سمع خبرا فصدق المخبر، فالظاهر تعلق تصديقه به دون ~~إخبار مخبر قبله. # وجواب آخر وهو: أن هذا الاعتبار لو صح لبطل حكم اللغة، ألا ترى أن أسامي ~~الأشخاص والأعيان تفيد مسمياتها بأنفسها، ولا طريق إلى إثبات هذا المعنى ~~إلا بالطريق الذي ذكرناه، فلو أن قائلا قال: إن هذه الأسامي إنما يستدل بها ~~على مسمياتها بدلالة غير الظاهر، وكذلك سائر ألفاظ [23/ أ] اللغة، مثل: ~~أوجبت وفرضت وألزمت، وأسماء الأشخاص والأعيان، لم يمكن أن تنفصل عنه بغير ~~ما ذكرنا في لفظ الأمر. # وجواب آخر وهو: أن دلالة الحال ليس بعلة ملازمة للأمر حتى لا تخلو منها، ~~وإنما تقارن بعض الأوامر، فلو كان اللفظ لا يفيده لحصل من جماعة الصحابة ~~سؤال عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال في مدة حياته عليه السلام، لامتناع ~~أن لا يكون حصل له أمر في هذه المدة غير مقترن1 بدلالة. # وجواب آخر وهو: أنه لو كان المفيد لوجوب الفعل دلالة الحال، PageV01P236 # لكان نقلها أولى من لفظ الأمر، ولصار تركها تضييعا لنقل الشريعة، وغير ~~جائز حمل أمر الصحابة على هذا المعنى. # فإن قيل: ما ذكرتموه ليس بلفظ عنهم ms083 يقع الاحتجاج به. # قيل: استعمالهم لذلك دلالة على إثبات لغة العرب، لأنها الأصل في اللغة، ~~يجري مجرى استعمالها للفظ الأمر كاستعمالها لسائر ألفاظ اللغة. # فإن قيل: ما رويتموه عنهم لا يقع به العلم فلم يجز إثبات مثل هذا الحكم ~~الذي هو أصل به. # قيل: هذا القائل يجوز إثبات الأسامي الشرعية من جهة الآحاد، فكان إثبات ~~قول يعرب وقحطان أولى بالإثبات. # فإن قيل: فالصحابة قد كانت تعتقد الإباحة في بعض الأوامر، ولم يدل هذا ~~على أنه ظاهر اللفظ. # قيل: من أثبت غير الوجوب فإنما أثبته بدلالة. # فإن قيل: فقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم: دعى المصلي وهو في ~~صلاته، فلو كان قد اعتقد وجوب الأوامر بقوله تعالى: {استجيبوا لله وللرسول} ~~لم يترك ذلك. # قيل: لا يمتنع أن يكون قد اعتقد وجوب ذلك، وقدم عليه قوله تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة} 1 على إقامتها والمضي فيها، دون تركها والاشتغال بغيرها. # وجواب آخر وهو: أن الأمر في الآية متعلق بشرط، فجائز أن يكون السامع لم ~~يعلم بوجوده، فلذلك أخر الجواب. PageV01P237 # فإن قيل يجوز أن يكون اعتقدوا وجوب أوامر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~لقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 1. # قيل: قد كان تقدمت على هذه الآية أوامر كثيرة، لم يسأل عن مقتضاها، فلو ~~كان اعتقاد الوجوب لأجل هذه الآية لكان السؤال يقع عما تقدم عليها. # وأيضا فإن القائل إذا قال لعبده: افعل كذا وكذا اليوم، فلم يفعل، حسن أن ~~يلومه على ذلك ويعاقبه عليه، فلولا أنه كان قد لزمه واستحق عليه فعله، لما ~~حسن عقوبته على تركه. # فإن قيل: من لم يسلم. # قيل: هذا رفع حكم المشاهدات، ورددناه في ذلك إلى العادات؛ لأن أحدا لا ~~يلوم سيدا ضرب عبده [23/ ب] على مخالفة أمره. # فإن قيل: هناك قرينة اقترنت بالأمر دلت على وجوبه. # قيل: تصور المسألة فيمن أمر عبده بأمر من وراء حجاب. وهو لا يشاهده، ولا ~~هناك ما ينبئ عنه لفظ الأمر، فلا يجوز أن يدعى تعلق الوجوب بعده. # وأيضا: فإن قول ms084 القائل: افعل، موضوع في اللغة للتفعل واستدعاء الفعل، ~~وليس يحصل ذلك إلا بحمله على الوجوب. # فأما من حمله على الوقف فإنه لا يفيد شيئا. وإذا حمل على الندب جوز تركه، ~~وهذا ترك مقتضى ما وضع له. # فإن قيل: لا نسلم هذا. PageV01P238 # قيل: المرجع في ذلك إلى مقتضى اللغة. # وأيضا: فإن النهي يدل على وجوب الترك، كذلك الأمر يجب أن يدل على وجوب ~~الفعل. وهذا الدليل يختص من قال بالندب. وأما من قال بالوقف فإنه يقف في ~~النهي كما يقف في الأمر. # فإن قيل: لفظ النهي يقتضي قبح فعل المنهي عنه، فالقبيح واجب اجتنابه، ~~والأمر يقتضي حسن ما أمر به، وحسنه لا يقتضي وجوب إتيانه، إذ ليس كل حسن ~~يجب إتيانه. # قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن من النهي ما لا يقتضي قبح المنهي عنه، ولا ~~يجب اجتنابه. مثل قوله تعالى: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم} 1، وقوله: {ولا ~~يأب كاتب} 2، ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القران بين التمرتين3، ~~وعن الزجر في الطرقات4، فهو كالمأمور به، منه ما لا يجب فعله، ولا فرق ~~بينهما في مطلق اللفظ. PageV01P239 # فإن قيل: هذا إثبات لغة بقياس. # قيل: إنما استدللنا بما قلنا على موضوع الاسم، وهذا المعنى لا يتوصل به ~~إلا بالاستدلال. # وأيضا: فإن لفظ التخيير يستعمل في الأمر المطلق كما يستعمل في المقيد ~~فيقول: افعل إن شئت، وإن شئت فاترك، كما يقول: أوجبت عليك أو فرضت عليك إن ~~شئت، فلو كان إطلاقه لا يفيد الوجوب واللزوم لم يؤثر فيه التخيير. # يبين صحة هذا أن قول القائل: واجب، يحتمل وجوب الإرشاد، مثل قوله عليه ~~السلام: "غسل يوم الجمعة واجب" 1، وقوله: "السواك PageV01P240 # واجب"1. وإن شئت قلت: لو كان قوله: "افعل" يقتضي التخيير، بطل موضوع ~~التخيير، فلما كان لفظة: التخيير، معقولة، وهو قوله: افعل إن شئت، لم يجز ~~أن تحمل لفظة التجريد على ذلك. # وأيضا: فإن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام: أمر ونهي، وخبر ~~واستخبار. ومن قال بالوقف لا يفرق بين الأمر والنهي؛ لأن كل واحد ms085 منهما لا ~~يدل على شيء، فلا يدل الأمر على إيجاد فعل، ولا النهي على ترك فعل. فإن ~~قيل: ما ذكرتموه من اللغة لا تثبت من جهة الآحاد. # قيل: علم الضرورة قد وقع باستعمال لفظ: افعل، في الأوامر من العرف، ولأنا ~~قد بينا أنه إذا جاز إثبات الأسامي [24/ أ] الشرعية من جهة الآحاد فإثبات ~~كلام العرب أولى. # وأيضا: كل لفظ أفاد معنى في اللغة عند انضمام التأكيد إليه، فإنه يفيد ~~ذلك مع عدمه، مثل قولهم نفسه، فلما أفاد قوله صم: فقد أوجبت عليك وجب أن ~~يفيد إطلاقه ما أفاد التأكيد. # واحتج من قال بالوقف: PageV01P241 # بأن هذه الصيغة ترد مشتركة بين الوجوب، نحو قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة} 1، وبين الندب، نحو قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} 2، ~~وبين التهديد: {اعملوا ما شئتم} 3، فلم يكن حملها على الوجوب بأولى من ~~حملها على الندب، فوجب التوقف فيها، كقوله: لون، لما لم يدل على شيء، وقف ~~حتى يدل على المراد. # والجواب عنه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أن الصيغة التي يختلف فيها لا ترد قط عندنا إلا وهي على الوجوب، ~~وإنما يعدل عنها إلى الندب والتهديد بدليل أو بقرينة. # الثاني: أن هذا يبطل بأسماء الحقائق، وهو الأسد والحمار، فإنه حقيقة في ~~البهيمة، ويراد به الرجل بقرينة، ومع هذا لم يمنع إطلاق4 الحقيقة في ~~البهيمة. # وكذلك: العشرة، حقيقة في العشرة، وتستعمل في الخمسة بقرينة الاستثناء، ~~وهو قوله: عشرة إلا خمسة. # الثالث: يبطل بقوله: فرضت وأوجبت وألزمت، فإن هذا يرد، والمراد به ~~الوجوب، ويرد والمراد به الندب كقوله: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" 5، ~~ومع هذا فإن إطلاقه يحمل على الوجوب، وكذلك: فرضت، تحتمل الوجوب، وتحتمل ~~التقدير، وإطلاقها يحمل على الوجوب. # وكذلك ألفاظ الوعيد تحمل على الوجوب، وإن كانت تستعمل في PageV01P242 # غيره نحو قوله تعالى: {فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم ~~يراءون، ويمنعون الماعون} 1، فتوعدهم على منع الماعون، وهو إعارة قماش ~~البيت كالقر والدلو ونحو ذلك، وكل هذا مندوب. # وكذلك قول النبي -صلى الله عليه ms086 وسلم: "من كان له إبل أو بقر فلم يؤد ~~حقها، بطح يوم القيامة بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما نفذت ~~أخراها عادت أولاها" قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: "إعارة دلوها ~~وإطراق فحلها ومنحة لبنها يوم وردها" 2 فتوعد على هذا وهو مندوب، ومع هذا ~~إطلاقه يقتضي الوجوب. # واحتج: بأن استعمال هذا اللفظ في الندب أكثر منه في الوجوب، فلا يجوز أن ~~يكون الأقل حقيقة والأكثر مجازا. # والجواب: أن هذا إن كان صحيحا فيجب أن يقولوا: إنها حقيقة في PageV01P243 # الندب وموضوعة له، وهم لا يقولون بذلك. # وجواب آخر وهو: أنه قد يكون اللفظ موضوعا لشيء حقيقة، ثم يستعمل في غيره ~~مجازا، ويغلب المجاز على الحقيقة "كالغائط": هو اسم للموضع الواسع من ~~الأرض، ومجاز في: العذرة، وهو [أكثر استعمالا] 1، وكذلك: الوطء، حقيقة في ~~الدوس بالرجل، ومجاز في [24/ ب] الجماع، وهو أكثر استعمالا. # واحتج: بأن اللفظة الواحدة لا تقتضي شيئين مختلفين، وإذا حملتم الأمر على ~~الوجوب اقتضى وجوب فعله، والعقوبة على تركه. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنه باطل بقوله: أوجبت كذا، فإنه يثاب على فعله ويعاقب على تركه. # وجواب آخر وهو: أن الكلمة ما دلت على أمرين؛ لأن موجبها يدل على أنه يثاب ~~على فعلها، ومخالفة موجبها يدل على العقاب، فلم يكن الثواب والعقاب مستفادا ~~بمعنى واحد. # واحتج: بأنها لو كانت موضوعة للوجوب حقيقة لكان إذا استعملت في الندب أن ~~يكون مجازا، كالحمار، لما كان حقيقة في البهيمة لم يكن حقيقة في الرجل ~~البليد، فلما قلتم: إنها حقيقة في الوجوب، حقيقة في الندب بطل أن يكون على ~~الوجوب. # والجواب: أنه إنما لم يكن مجازا في الندب، وكان حقيقة فيه أيضا؛ لأن ~~المجاز هو: أن يحمل اللفظ على غير مقتضاه، كالرجل البليد يسمى حمارا، فأما ~~إذا حمل على بعض مقتضاه فلا يكون، كحمل العموم على الخصوص PageV01P244 # هو حقيقة في الجمع فيما دخله التخصيص وفيما لم يدخله. ووجدنا أن المندوب ~~بعض موجبات الواجب؛ لأنه مندوب إلى فعله كالواجب فهو كبعض موجبات ms087 العموم. # واحتج: بأنه لو كان يقتضي الوجوب لما اختلف باختلاف المخاطبين، ولما كانت ~~هذه اللفظة توجد في العبد لسيده، ولا يكون أمرا، كذلك وجودها من السيد ~~لعبده. # والجواب: أن ذلك لم يختلف باختلاف المخاطبين، وإنما اختلف الحكم لقرينة، ~~وهو: أنهم سموا ذلك من السيد لعبده أمرا، ولم يسموا ذلك من العبد لسيده ~~أمرا. # واحتج: بأنها لو كانت موضوعة للوجوب، لما حسن فيها الاستفهام، فتقول: ~~أمرتني به واجبا [أو] ندبا؟ # والجواب: لا نسلم أنه يحسن الاستفهام إذا تعرى عن قرينة. # وعلى أن هذا باطل بأوجبت وفرضت، فإنه يحسن أن يقول: أوجبته إلزاما أو ~~إجبارا؟ وكذلك أسماء الحقائق، إذا قال: رأيت حمارا أو سبعا. وكأن المعنى ~~فيه أنه يصح استعماله في غير الواجب بدليل أو قرينة، فأراد المخاطب أن يزيل ~~بالاستفهام كل الاحتمال1. # واحتج من قال: إطلاق الأمر يقتضي الندب: # بأن الأمر يدل على حسن المأمور به، وعلى أنه مراد الآمر، وحسن الشيء لا ~~يدل على وجوبه، كالمباحات فإنها حسنة وهي غير واجبة، وكذلك النوافل مرادة ~~له، ولا يدل ذلك على الوجوب، فصار PageV01P245 # الوجوب صفة زائدة على حسن الشيء، وعلى كونه مرادا، فلا يجوز إثباته بنفس ~~الأمر. # والجواب: أن كونه حسنا ومرادا يدل على الوجوب، ما لم [25/ أ] يدل دليل ~~التخيير، وفي التخيير والمباحات قد دل الدليل، فلهذا لم يقتض الوجوب. # وجواب آخر وهو: أنا لا نسلم أن الأمر يدل على حسن المأمور به. وإنما يدل ~~على طلب الفعل واستدعائه من الوجه الذي بينا، وذلك يقتضي الوجوب1، وهذا هو ~~الجواب المعول عليه. # واحتج: بأن حمله على الندب أولى؛ لأنه أقل ما يقتضيه الأمر. # والجواب: أنه يبطل بلفظ العموم، فإنه لا يجب حمله على الخصوص وإن كان أقل ~~ما يقتضيه. # وجواب آخر وهو: أن حمله على الوجوب أولى من وجهين: # أحدهما: أنه يتضمن الندب. # الثاني: أنه أسلم من الغرر والخطر. # واحتج بأن حمله على الوجوب يوجب العقوبة بنفس الأمر، ونفس الأمر لم يتضمن ~~العقوبة. # والجواب: أنه يبطل بالنهي، فإن النهي يتضمن الكف عن ms088 الشيء، وقد أوجبتم ~~العقوبة، وكذلك قوله: أوجبت وفرضت يتضمن الأمر والعقوبة جميعا. # وجواب آخر وهو: أنا لم نعاقبه بالأمر؛ لأن موجبه الإيجاب. وإنما عاقبناه ~~بالترك، والترك لم يتناوله الأمر. PageV01P246 # واحتج: بأن من يقول: هو على الوجوب، يقول: هو نهي عن ضده، وليس في الأمر ~~نهي عن ضده. # والجواب: أنه إذا كان الأمر مضيقا كان نهيا عن ضده، ولكن من حيث المعنى ~~لا من حيث النطق، وعلى أن هذا موجود في قوله: فرضت وأوجبت. # واحتج: بأن هذه اللفظة ترد، والمراد بها الوجوب بقرينة، فإذا كانت على ~~الوجوب مع القرينة، فإذا وردت عرية عن القرينة وجب أن لا يكون على الوجوب. # والجواب: أنا لم نعلم بأنها على الوجوب بالقرينة، ولكن إذا كان معها ~~قرينة تدل على الوجوب كانت تأكيدا. # على أنه باطل بالنهي، فإنه لو ورد مع قرينة الوعيد، كان على الوجوب، ومع ~~هذا إذا تجرد عنها كان على الوجوب. # وباطل بقوله: أوجبت وألزمت وفرضت، فإنها على الوجوب مع القرينة، وإذا ~~تجردت كانت على الوجوب. # واحتج: بأنه لو كان على الوجوب، كان حمله على الندب نسخا له، وإذا أفضى ~~إلى أن يكون حمله على الندب نسخا، بطل أن يكون مطلقه على الوجوب. # والجواب: أن النسخ هو الرفع، وحمله على الندب رفع لبعض ما تناوله اللفظ، ~~وهو الإيجاب والاحتكام، دون الندب والاستحباب، والوجوب قد تضمن المندوب، ~~فرفع الوجوب رفع لبعض ما تناوله، فلا يوجب نسخه. والعموم إذا دخله التخصيص ~~لا يوجب ذلك نسخه؛ لأنه رفع بعض موجباته، كذلك ههنا. # PageV01P247 ### | مسألة إذا لم يرد به الإيجاب ### | مدخل # ... # مسألة: 1 # في الأمر إذا لم يرد به الإيجاب [25/ ب] ، وإنما أريد به الندب: # فهو حقيقة في الندب، كما هو حقيقة في الإيجاب، نص عليه أحمد -رحمه الله- ~~في رواية إبراهيم2، فقال: "آمين" أمر من النبي -صلى الله عليه وسلم، "فإذا ~~أمن القارئ فأمنوا" 3، فهو أمر من النبي -صلى الله عليه وسلم. PageV01P248 # وكذلك نقل الميموني عنه: "إذا زنت الأمة الرابعة، كان عليه أن يبيعها1، ~~وإلا كان تاركا للأمر"2. ms089 # وكذلك نقل حنبل عنه: "يقاد المذبوح قودا رفيقا، وتوارى السكين ولا تظهر ~~[إلا] عند الذبح، أمر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم3". PageV01P249 # وقال أصحاب أبي حنيفة: الكرخي1 والرازي2: لا يكون أمرا في الحقيقة وحقيقة ~~الأمر ما أريد به الوجوب3. # واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم [من] قال مثل قول ~~أصحاب أبي حنيفة. PageV01P250 ### | دليلنا # أن المندوب طاعة، فوجب أن يكون مأمورا به كالواجب. # PageV01P250 # يبين صحة هذا: أن الواجب لم يكن مأمورا به لجنسه ونفسه؛ لأن هذا المعنى ~~موجود في غيره من المباحات، ولم يكن مأمورا به لكونه مرادا للمطاع؛ لأنه قد ~~يريد المباح وما يقع من المحظورات، وليس ذلك مأمورا به، ولم يكن مأمورا به ~~لحصول الثواب؛ لأن المندوب إليه من فعل النوافل مثاب عليه أيضا. # ولأنه لا يجوز أن يكون ذلك أمرا لهذه العلة؛ لأنه قد ثبت أنه لو أمر ~~بطاعاته من الواجبات ولم يضمن عليها ثوابا- وجب أن يكون طاعة؛ لأن الثواب ~~تفضل منه، وترغيب في طاعته، فلم يبق إلا أنه طاعة، لكونه مأمورا به. # فإن قيل: إنما كان طاعة لكونه مطلوبا مرغبا فيه، لا لكونه مأمورا به، ~~والطلب والسؤال والترغيب مخالف للأمر، وهذا كما تقول: إن قول العبد لربه: ~~اغفر لي وتجاوز عني، سؤال وليس بأمر. # قيل: لو كان طاعة لما ذكرته، لوجب أن يكون الله تعالى مطيعا لعبده إذا ~~فعل ما سأله ورغب إليه. # فإن قيل: إنما لم يكن مطيعا لعبده؛ لأن الطاعة تعتبر فيها الرتبة، كما ~~تعتبر في الأمر، فإذا سأل من1 دونه، يقال: أطاعه، ولا يقال لمن فوقه، كما ~~يقول في الأمر. # قيل: فالرتبة ههنا موجودة، وهو استدعاء الفعل من الأعلى إلى الأدنى فيجب ~~أن يكون أمرا. # وأيضا: فإن الطاعة والمعصية مقرونتان2 بالأمر، قال تعالى: PageV01P251 # {أفعصيت أمري} 1، وقال: {ويفعلون ما يؤمرون} 2 وقال الشاعر وهو الحباب بن ~~المنذر3 ليزيد بن المهلب4. # أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما 5 PageV01P252 # وقال آخر1: # ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا ... توان2 من المأمور ms090 في حال أمرك3 # ويقولون: فلان مطاع الأمر، ومعصي الأمر، وأمر فأطيع، وأمر فعصي، فلما ثبت ~~أن المندوب [26/ أ] طاعة، علم أنه مأمور به. # وأيضا: فإن الطاعات لما انقسمت إلى واجب وندب، وكذلك النهي لما انقسم إلى ~~حظر وتنزيه، كذلك4 الأمر. # واحتج المخالف بقوله -صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة" والسواك مستحب مندوب إليه، وقد أخبر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه لم يأمر به. # وقال لبريرة: "لو راجعتيه فإنه أبو ولدك" فقالت: أبأمرك يا رسول الله؟ ~~قال: "لا، إنما أنا شافع" وشفاعته تقتضي طاعته ندبا واستحبابا. PageV01P253 # والجواب: أن قوله: "لولا أن أشق على أمتي" لأمرت أمر إيجاب. # وكذلك قوله لبريرة لم آمر أمر إيجاب بدليل ما ذكرنا، يتبين صحة هذا، وأنه ~~أراد به أمر إيجاب؛ أنه امتنع منه لأجل المشقة، والمشقة إنما تلحق فيما ~~يلزم من فعله. # وكذلك قول بريرة: أبأمرك، تعني الأمر الواجب حتى فعله، وإن كانت كارهة؛ ~~لأنها كانت مبغضة له. # واحتج بأن المسلمين أجمعوا على أن من ترك المستحب لا يجوز أن يقال له: ~~خالف أمر الله تعالى وعصاه، كما لا يجوز أن يقال ذلك لمن فعل المباح. # والجواب: أنه لا يقال خالف أمر الله وعصاه على الإطلاق، لئلا يلتبس ~~بالواجب، فأما مع التقييد فإنه يقول: خالف أمر الله تعالى المندوب. # يبين1 صحة هذا على أصلنا قول أحمد -رضي الله عنه- فيمن ترك الوتر: "هو ~~رجل سوء". فذمه على ترك الوتر مع قوله: "إنه سنة وليس بواجب". # واحتج بأن أهل اللغة يفرقون بين أن يقول القائل لمن دونه: افعل كذا، أو ~~لتفعل كذا، وبين أن يقول: أسألك أن تفعل كذا، وأرغب إليك أن تفعل كذا، ~~ويسمون أحدهما أمرا والآخر سؤالا وطلبا، فدل على أن المندوب إليه غير مأمور ~~به. # والجواب: أن أهل اللغة يفرقون بينهما في باب الإيجاب، فيسمون أحدهما أمر ~~إيجاب والآخر أمر ندب واستحباب، فأما أن يفرقوا 2 بينهما PageV01P254 # في كونه أمرا فلا. # واحتج بأن أسماء الحقائق لا يجوز ms091 نفيها عن مسمياتها، وقد علمنا أن الندب ~~يحسن أن ينتفي عنه اسم الأمر، فتقول: أنا غير مأمور أن أصلي الساعة ركعتين، ~~وإن كان مندوبا إليها، وأنا غير مأمور بصوم يوم الخميس، وإن كان مندوبا ~~إليه، ويحسن أن يقول: أسألك وأرغب إليك ولا آمرك به، وإذا ثبت هذا علمنا أن ~~الندب ليس بمأمور به، ألا ترى أن الواجب لما كان حقيقة في الأمر لم يصح ~~نفيه. # والجواب: أنا لا نسلم أنه يصح نفيه على الإطلاق، وإنما تنفيه بقيد، وهو ~~أن يقول: أنا غير مأمور بصلاة ركعتين، وصيام يوم الخميس أمر إيجاب. # واحتج: بأنه قد ثبت من أصلنا وأصلكم: أن الأمر يجب حمله على الوجوب، ولو ~~كان الندب أمرا لم يجز حمله على غير الوجوب، ووجب التوقف فيه كما قال ~~الأشعري1 [26/ ب] . # والجواب: أن إطلاقه يقتضي الوجوب، وإنما يحمل على الندب بدلالة، وهذا لا ~~يمتنع كونه أمرا فيه. كما أن إطلاق العموم يقتضي الاستغراق، ويحمل على ~~الخصوص بدلالة، ولا يمتنع كونه عموما في الأصل. PageV01P255 # فإن قيل: فلو كان أمرا لاقتضى الفور إلى فعل المندوب كالأمر الواجب، قيل: ~~هكذا نقول: هو على الفور. # PageV01P256 ### | مسألة في ورود الأمر بعد الحظر ### | مدخل # ... # مسألة 1: [في ورود الأمر بعد الحظر] : # صيغة الأمر إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة وإطلاق محظور، ولا يكون ~~أمرا، نحو قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} 2، {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض} 3، {فإذا تطهرن فأتوهن} 4، {فإذا طعمتم فانتشروا} 5، ~~"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها" ونحو ذلك. # وقد نص أحمد -رضي الله عنه- في رواية صالح وعبد الله في قوله تعالى: ~~{وإذا حللتم فاصطادوا} 6، {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} 7، وقال8 ~~"أكثر من سمعنا: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، كأنهم ذهبوا على أنه ليس ~~بواجب، وليس هما على ظاهرهما"9. PageV01P256 # وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه بمنزلة الأمر المبتدأ في أنه يقتضي ~~الوجوب على قول من قال بالوجوب، والندب على قول من قال بالندب1. ~~PageV01P257 ### | دليلنا # أن عرف العادة في خطاب الناس ومحاوراتهم إذا ms092 أمروا بعد الحظر كان على ~~الإباحة، كقوله لغلامه: لا تدخل بستان فلان، ولا تحضر دعوته، ولا تغسل ~~ثيابك، ثم قال له بعد ذلك: ادخل، واحضر، واغسل، كان # PageV01P257 # رفعا لما1 حظر عليه، ولم يكن أمرا، كذلك ههنا. # وكذلك قول الرجل لضيفه: ادخل، ومن أنكر هذا فقد رد المشاهدات # والذي يبين هذا: أنه لا يحسن ضربه وتونيبه2 عند مخالفة ذلك في عرف الناس ~~وعاداتهم. # فإن امتنع من تسليم هذا، كشفنا به إذا نهاه عن فعل شيء فاستأذنه العبد في ~~فعله، فقال له: افعل، إن هذا لا يقتضي الوجوب بلا خلاف. # وقد قيل: إن السيد إنما يحظر على عبده ما تميل نفسه إليه، لا ما تنفر ~~نفسه عنه؛ لأن الحكيم لا يوجب على عبده ما [لا تميل] نفسه إليه، فعلمنا أنه ~~إباحة لا إيجاب. # فإن قيل: العادة غير هذا، ألا ترى أن يقول لعبده: لا تقتل زيدا، فيكون ~~حظرا، فإذا قال: اقتله، بعد هذا كان أمرا على الوجوب. # قيل: إن الأصل حظر قتل زيد، فقوله: لا تقتل زيدا، تأكيد للحظر المتقدم، ~~لا لأنه مستفاد به حظر، وفي مسألتنا حظر وقع بالنهي، ثم رفع النهي، فيجب أن ~~يعود إلى ما كان إليه قبله3. # وأيضا: فإن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بعد [27/ أ] الحظر اقتضى ~~الإباحة نحو ما ذكرناه من قوله تعالى: {وإذا حللتم PageV01P258 # فاصطادوا} 1 {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} 2 {فإذا تطهرن فأتوهن} 3 "كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور"، "وعن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا" و"وزوروا" ~~فيجب أن يحمل ذلك على مقتضى عرف الشرع، وهو الإباحة كما يحمل مطلق الأمر من ~~الأسماء على عرف الشرع، في الصلاة والزكاة والصيام والحج4. # فإن قيل: تلك المواضع حملناها على الإباحة بدليل، كما حملنا ما لم يرد ~~بعد الحظر من أوامر القرآن على غير الواجب بدليل. # قيل: ليس ههنا دليل دل على إباحة ذلك سوى هذه الألفاظ، ولا يجوز أن يقال: ~~الإجماع هو الدليل؛ لأن الإجماع حادث بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~والإباحة مستفادة بهذه ms093 الألفاظ في وقته. # فإن قيل: عرف الشرع في هذا مختلف، ففيه ما يقتضي الوجوب، وهو قوله تعالى: ~~{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} 5، فأمر بقتل المشركين بعد ~~الحظر، وكان على الوجوب، وكذلك قوله عز وجل: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} 6. PageV01P259 # فجعل ذلك غاية للحظر، وأمر به بعد الغاية، فكان واجبا؛ لأن الحلق في وقت ~~النسك واجب. # قيل: لا نسلم أن وجوب قتل المشركين استفيد بقوله: {فاقتلوا المشركين} بل ~~استفدنا [ه] بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ~~1، وغيرها من الآيات التي لم يتقدمها حظر2. # وكذلك الحلاق استفدنا وجوبه من موضع آخر، من قوله تعالى: {ثم ليقضوا ~~تفثهم} 3، ومن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وقوله: "خذوا عني مناسككم". # إنه قد قيل: إن المراد بهذه الآية حلق المحصر. وذلك غير واجب عند [نا] . # وأيضا فإن قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} 4، {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} 5، بمنزلة تعليق الأمر بالغاية، كقوله: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} 6، ونحو ذلك، وتعليق الأمر بالغاية يفيد زوال الحكم عند ~~انقضائها، كذلك تعليق PageV01P260 # حظر الاصطياد والانتشار في الأرض بفعل [غاية] 1 الإحرام والاشتغال ~~بالصلاة يفيد زوال الحظر عند تقضي غاية الأمر. # فإن قيل تعليق الأمر بالحظر أن يقول: امتنعوا من الفعل ما بقي الحظر، ~~فإذا أزلته فافعلوه، هذا 2 صورة الغاية وتعليق الأمر بالحظر. # قيل: تعليق الأمر بالحظر، يفيد ما ذكرته، وما ذكرناه أيضا، كما كان قوله ~~تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} 3، بمثابة قوله: فإذا جاء الليل أزلته. # واحتج المخالف بقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 4، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ولم يفرق. # والجواب: أنا لا نسلم أن هذا أمر، وإنما هو صيغة الأمر، فأما أن يكون ~~أمرا فلا [27/ ب] 5. # واحتج: بأن صيغة الأمر قد وجدت متجردة، فوجب أن يحمل على الوجوب، كما لو ~~لم يكن حظر سابق. # والجواب: أنا لا نسلم أنها متجردة، بل نقول: تقدم الحظر قرينة ~~PageV01P261 # توجب صرفه عن الوجوب. ms094 # فإن قيل: الحظر لا يفيد الإباحة بلفظه ولا بمعناه؛ لأن لفظه يقتضي المنع ~~والتحريم، ومعناه لا يوجب ذلك؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء محرما، ثم يجعل ~~واجبا، فينسخ التحريم بالإيجاب. # قيل: ليس نقول: إن لفظ الحظر أفاد الإباحة، وإنما حصلت الإباحة به وبما ~~بعده من صيغة الأمر، كما إذا استأذنه عبده في فعل شيء، فقال له: افعل، ~~حملناه على الإباحة بالأمرين جميعا: الإذن والاستئذان. # واحتج بأن النهي إذا ورد بعد الأمر اقتضى الحظر، كما لو ورد ابتداء كذلك ~~الأمر إذا ورد بعد الحظر، وجب حمله على الوجوب كما لو ورد ابتداء. # والجواب: أن لفظة النهي المطلقة إذا وردت بعد الأمر، يحتمل أن نقول فيها ~~ما نقول في الأمر بعد الحظر، وأنها تقتضي التخيير دون التحريم، لا أنها ~~تحتمل الندب والحظر، وتحتمل أن نفرق بينهما، ونقول في النهي بعد الأمر ~~يقتضي الحظر، وفي الأمر بعد الحظر لا يقتضي؛ لأن النهي آكد، ولهذا قال ~~مخالفونا: إن النهي يقتضي التكرار، والأمر المطلق لا يقتضي. # ولأن الأمر أحد الطرق إلى الإباحة، فلهذا جاز أن يرد، ويراد به الإباحة، ~~وليس النهي طريقا إلى الإباحة، فلم يجز أن يراد به الإباحة1. # واحتج: بأن الأمر إذا كان مقتضاه الإيجاب، فوروده بعد الحظر لا يؤثر في ~~ذلك، ألا ترى أن وروده بعد الحظر، العقل لا يمنع وجوبه. يبين ذلك: أن فعل ~~الصلاة والصوم من جهة العقل محظور، ثم ورد PageV01P262 # الأمر بهما، لم يمنع من وجوبهما، كذلك الحظر من جهة السمع لا يمنع أن ~~يكون الأمر الوارد بعده على الوجوب. # والجواب: أنا لا نسلم أن العقل يحظر شيئا وعلى أن من قال العقل يحظر، ~~فنقول: إذا ورد الشرع بإباحة شيء، ثبت أن العقل لم يحظره؛ لأن الشرع لا يرد ~~بإباحة ما كان قبيحا في العقل، فورود الشرع بإباحة ذلك منع أن يكون قبيحا ~~محرما، وليس كذلك ههنا، فإن ورود الشرع بإباحة الصيد لم يمنع حصول تحريم ~~سابق، فبان الفرق بينهما. # واحتج بأن الأمر فيما عدا الواجب لا يكون ms095 أمرا على الحقيقة، فلما ثبت أن ~~هذا أمر وجب أن يكون على الوجوب. # والجواب: أن الأمر فيما عدا الواجب يكون أمرا على الحقيقة عندنا، وهو ~~الندب، وقد بينا ذلك. # واحتج بأن الأمر بالمباح لا يحسن؛ لكونه عبثا؛ لأن المأمور لا يستحق عليه ~~الثواب إذا فعله، فلا يجوز أن يكون هذا الأمر مقتضيا للإباحة. # والجواب: أن هذا ليس بأمر [28/ أ] عندنا، وإنما صيغته صيغة الأمر، ومن ~~سماه أمرا فإنما يسميه على طريق المجاز. # واحتج: بأن هذا لا يخرج على قولكم؛ لأن عندكم أن أصل الأشياء على الحظر، ~~فيقتضي أن يكون سائر الأوامر مبيحة لا يثبت بشيء منها إيجاب؛ لأنها كلها ~~ترد بعد حظر. # والجواب: أن المواضع التي حملناها على الوجوب لدليل دل عليها اقتضت ~~الوجوب. # PageV01P263 ### | الأمر المعلق على شرط هل يقتضي التكرار ### | مدخل # ... # فصل: [الأمر المعلق على شرط، هل يقتضي التكرار] ؟: # والدلالة على أن الأمر المعلق بالشرط جار مجرى الأمر المطلق هو: أن ~~الوجوب مستفاد من اللفظ دون الشرط، وإنما يؤثر الشرط في منع تقديم المأمور ~~به عليه، واعتبار وجوده في وقوع الفعل عن الواجب. وإذا كان الحكم مستفادا ~~من اللفظ، والمذكور عقيب الشرط كالمذكور ابتداء من غير شرط، ثم ثبت أن ~~المعلق بالشرط يقتضي التكرار، كذلك المطلق. # وأيضا: فإن ما لا يقتضي التكرار، يستوي فيه المطلق والمعلق بالشرط، بدليل ~~الأوامر فيما بينا، ألا ترى أنه إذا وكل غيره بطلاق امرأته إن خرجت من ~~الدار، لم يجز أن يطلقها إلا مرة واحدة، عند أول خروج يوجد منها، ولو أطلق ~~التوكيل فكذلك. وكذلك لو أمر غلامه أن يشتري طعاما إذا دخل السوق، فاشترى ~~مرة واحدة، لم يجز له أن يشتري كلما دخل السوق، وكذلك لو أطلق. وكذلك الندب ~~الموجب بالشرط، والمطلق لا يوجب التكرار، وهو إذا قال: إن شفى الله مريضي ~~تصدقت بدرهم، # PageV01P275 # فشفي مريضه، لم يتكرر، ولو أطلق فقال: لله علي صدقة درهم، لم يتكرر، وما ~~اقتضى التكرار لا فرق فيه بين المطلق والمعلق بشرط وهو النهي والاعتقاد، ~~فإنه لا فرق ms096 بين أن يقول: لا تكلم زيدا عند دخولك الدار، وبين أن يقول: لا ~~تكلم زيدا، في أن جميع ذلك يقتضي التكرار، وكذلك لا فرق بين أن يقول: إذا ~~زالت الشمس فصل، وبين أن يقول: صل في أن الاعتقاد على الدوام، فلما كان ~~الأمر المعلق منه بالشرط يقتضي التكرار، كذلك المطلق. # واحتج المخالف بأن قوله: صل ركعتين عند الزوال، لما تكرر الزمان الذي ~~تكرر فيه الأمر كان ما قرن يجب أن يتكرر، ويفارق هذا المطلق. # والجواب: أن المطلق يقتضي تكرار الزمان حكما، كما يقتضي تكراره لفظا. # واحتج بأن الأوامر المعلقة بشرط أو صفة في كتاب الله تعالى تقتضي التكرار ~~كقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} 1، وقوله ~~تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} 2. # والجواب: أن الأوامر المطلقة بهذه المثابة، وهو قوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} 3. # واحتج بأن الشرط كالعلة، والحكم المعلق بالعلة يتكرر بتكرار العلة، كذلك ~~المعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط. # والجواب: أن الشرط ليس كالعلة؛ لأن العلة توجب الحكم، والشرط [31/ أ] لا ~~يوجبه، ومثل الشرط لا يكون شرطا، ومثل العلة لا يكون علة، PageV01P276 # يبين هذا: أن ما كان شرطا لطلاق أو نذر لا يكون شرطا لطلاق آخر ونذر آخر؛ ~~ولأن الشرط لا يجب الحكم لوجوده، وإنما يجب عدمه لعدمه، والعلة يجب وجود1 ~~الحكم لوجودها، ويجب عدمه لعدمها، ألا ترى أن الحياة شرط في العلم، فلا يجب ~~لوجود الجسم حيا أن يكون عالما. ويجب عدم العلم لعدم الحياة. والطهارة شرط ~~في صحة الصلاة لوجود الطهارة، ويجب عدمها لعدم الطهارة، وإذا كان وجود ~~الشرط لا يوجب المشروط، وقد وجب التكرار، كذلك عدمه؛ لأن الوجوب يتعلق ~~بالأمر لا بالشرط. PageV01P277 # فصل: # والدلالة على أنه ### | لا يوجب الوقف # أن قوله: افعل، تقديره: أوقع فعلا، فوجب أن يحمل على الإمكان على ما نقول ~~نحن، أو على المرة الواحدة كما يقوله غيرنا، فمتى حملناه على الوقف أسقطنا ~~فائدة الأمر. # واحتج المخالف بأنه لما جاز أن يراد بهذه اللفظة التكرار، ويراد بها ~~المرة الواحدة، لم ms097 يكن للفظ ظاهر1. # والجواب: أن المرة الواحدة معلومة قطعا، فكان يجب الإتيان بها عليه، ويقف ~~فيما زاد عليه، وعلى أن احتماله لما ليس بظاهر منه لا يضر حال الإطلاق، ألا ~~ترى أن اسم الدابة حقيقة لما يدب على وجه الأرض وإن كان حال إطلاق اللفظة ~~لا يحمل عليه، كذلك ههنا، ويأتي الكلام في هذا الفصل مستوفى في المسألة ~~التي بعدها. PageV01P277 ### | إذا تكرر لفظ الأمر فهل يتقضي التكرار # ... # فصل: [إذا تكرر لفظ الأمر فهل يقتضي التكرار] : # واختلف القائلون في أن الأمر لا يقتضي التكرار في لفظ الأمر إذا تكرر، هل ~~يقتضي التكرار1؟ # فقال أصحاب أبي حنيفة: إن ذكر في الثاني ما يوجب تعريف الأول، مثل أن ~~يقول: صلوا ركعتين، ثم يقول: صلوا الصلاة، فلا يقتضي ذلك إلا ذلك الأول2، ~~وإن كان الثاني منكرا كان أمرا آخر غير الأول3. # وقد ذكر أبو حنيفة من أقر لرجل بعشرة، وكرر، أن عليه بكل إقرار مقتضاه. # واختلف أصحاب الشافعي. PageV01P278 # فمنهم من قال1: يكون أمرا ثانيا2. # ومنهم من قال: هو توكيد الأول. # ومنهم من قال: هو [على] الوقف3. # فمن قال: إنه أمر ثان4، فوجهه: أنه لما تكرر المأمور به، كان الظاهر أنه ~~أمر آخر، ألا ترى أنه لو أراد الأول لذكر ما يقتضي رجوعه إليه، والحكم ~~يتعلق بظاهر الأمر، وليس كذلك إذا عرف من الثاني؛ لأنه لا معهود غير الأول، ~~فوجب أن يرد إليه، مثل أن يكون بين المتخاطبين عهد في رجل، فإذا قال ~~أحدهما: كان الرجل كذا، عرف منه المعهود5. # ومن قال: هو توكيد للأول، قال: الأمر الثاني يحتمل أن يراد به إيجاب ~~مستأنف، ويحتمل أن يراد به تأكيد الأول، فلا يجوز تعليق الإيجاب بالشك، ومن ~~قال بالوقف [31/ ب] استدل بهذا، وقال: يحتمل الإيجاب، ويحتمل التأكيد، فوجب ~~الوقف فيه. # ولا حاجة بنا إلى الكلام في هذا الفصل؛ لأن عندنا الأمر الأول اقتضى ~~PageV01P279 # التكرار، والثاني لم يفد غير ما أفاد الأول1، ولكن ذكرناه؛ لنعرف ~~الاختلاف على مذهب غيرنا2. PageV01P280 ### | مسألة الأمر المطلق يقتضي التكرار ### | مدخل # ... # مسألة 1: [الأمر ms098 المطلق يقتضي التكرار] : # الأمر المطلق يقتضي التكرار على الإمكان، سواء كان مقيدا بوقت يتكرر مثل ~~قوله: إذا زالت الشمس فصل، أو كان غير مقيد، مثل قوله: صل2. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية عبد الله3: "قوله تعالى: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} 4، فإن ظاهرها يدل على أنه إذا قام فعليه ما ~~وصف، فلما كان يوم الفتح صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بوضوء واحد 5". ~~فقد نص -رضي الله عنه- على أن الظاهر دل على أن كل قائم عليه PageV01P264 # الوضوء حتى خصه النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله. # خلافا لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم: لا يقتضي التكرار1. وخلافا ~~لبعض الشافعية في قولهم: إن كان معلقا بشرط اقتضى التكرار، فأما المطلق فلا ~~يقتضي التكرار2. # وخلافا للأشعرية في قولهم: هو على الوقف3. PageV01P265 ### | دليلنا # أن الصحابة عقلت من ظاهر قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} 1 أنه يقتضي التكرار، ألا ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ~~جمع عام الفتح بطهارة واحدة بين صلوات، قال له عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه: أعمدا فعلت هذا يا رسول الله؟ فقال: "نعم"، فعقلت من إطلاق الآية ~~التكرار، فلما خالف النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك وجمع بطهارة واحدة ~~سألته عن ذلك واستكشفت عن حاله. # وأيضا: فإن الأمر كالنهي في باب أن النهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر ~~أفاد وجوب فعله، ثم كان النهي أفاد وجوب الترك على الاتصال أبدا، وجب أن ~~يكون الأمر يفيد وجوب الإيجاب على الاتصال أبدا. # وامتنع أبو بكر الباقلاني من تسليم هذا، وقال: يقتضي الكف عن مرة واحدة ~~قدر ما إذا وقع منه من الكف. # قيل: قد [ر] النهي كالأمر سواء، وهذا قول مخالف الإجماع؛ لأن الفقهاء ~~أجمعوا على أن النهي يقتضي التكرار2، وفرقوا بين الأمر والنهي بفروق، ونحن ~~نذكرها، وما خالف الإجماع لا يلتفت إليه. PageV01P266 # فإن قيل: كلامنا في موجب اللغة، وهذا إثبات لموجب اللغة بالقياس، واللغة ~~لا تقاس. # قيل: يجوز إثبات اللغة بالقياس. وقد ذكر هذا في باب القياس، وأنه يجوز ms099 ~~إثبات الأسماء قياسا. # فإن قيل: البر في القسم يقتضي1 التكرار، وهو قوله: والله لا دخلت هذه ~~الدار. فأمسك عن [28/ ب] الدخول ساعة، ثم دخل، حنث. ومن الفعل يقتضي فعل ~~مرة، فإنه إذا قال: والله لأدخلن هذه الدار. فدخلها مرة بر. # قيل: البر والحنث من أحكام الشرع، والخلاف في موجب الأمر وموضعه في ~~اللغة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. # فإن قيل: الشرع ورد باعتبار موجب اللفظ في اللغة فيما يتعلق به من البر ~~والحنث، فإذا جعلناه بارا في الشرع؛ فلأنه فعل ما أوجبه اللفظ من طريق ~~اللغة، وإذا جعلناه حانثا في الشرع، فلأنه خالف ما أوجبه لفظه في اللغة. # قيل: لم يرد باعتبار موجب اللغة بدليل أن الله تعالى لو حرم أكل الرءوس، ~~حمل ذلك على مقتضى اللغة، فيحرم عليه كل ما يسمى رأسا، ولو قال: والله لا ~~أكلت الرءوس، تناول رءوس الأنعام عندهم. # فإن قيل الترك في الخبر يقتضي التكرار، وهو قولهم: "فلان ما صلى"، وفي ~~الفعل يقتضي مرة، وهو قولهم: "فلان صلى" يقتضي صلاة واحدة. PageV01P267 # قيل: الخبر في الفعل إنما اقتضى فعل مرة واحدة؛ لأنه إخبار عن إيقاع فعل ~~في زمان قد شاهده فيه، وهذا لا صيغة له تقتضي العموم، نظيره أن ترد لفظة ~~الأمر قضية في عين، فلا تقتضي الصيغة العموم. # فإن قيل: لو قال: افعل مرة، لم يقتض التكرار. # قيل: لا نسلم هذا، بل نقول: يقتضي الكف مرة، فإذا فعل مرة سقط النهي؛ لأن ~~المنهي عنه قد يكون قبيحا في وقت، حسنا في وقت آخر، كالأمر يكون حسنا في ~~وقت، قبيحا في وقت آخر. يبين صحة هذا: أنه لو قال لعبده: لا تدخل الدار، ~~ولا تكلم زيدا إذا قام عمرو، اقتضى ذلك الكف عند وجود الشرط، كالامر المعلق ~~بشرط يقتضي وجوده عند وجود الشرط، ولو أطلق النهي اقتضى الكف على الدوام ~~كالأمر. # فإن قيل: النهي يقتضي قبح المنهي عنه، فأي وقت فعله كان فاعلا للقبيح، ~~وفعل القبيح يستوجب عليه الذم، والأمر يقتضي حسن المأمور به وإيجاده، فإذا ms100 ~~وجد كان مؤتمرا، وإن حصل تاركا لما عداه. # قيل: قولك: "إن النهي يقتضي قبح المنهي عنه" غير مسلم؛ لأن المنهي عنه قد ~~يكون ندبا وفضلا، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وقد يكون محرما كالأمر يكون ~~ندبا، ويكون موجبا. # وقوله: "إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، فلم يجب تكراره"، غلط؛ لأن الحسن ~~لا يجب فعله متكررا أو مرة واحدة من حدث كان حسنا؛ لأن من الحسن ما يجب ~~الدوام على فعله، كالصلاة، ومنه ما لا يجب كالحج. # فإن قيل: حمل الأمر على الدوام فيه مشقة وتكليف لما لا يطاق، وانقطاع عن ~~المصالح، وترك العبادات والنسل، وليس في حمل النهي على التكرار مشقة، ~~وتكليف لما لا يطاق وانقطاع عن المصالح. # PageV01P268 # قيل: هذا غلط؛ لأننا نقول بمقتضى التكرار على الإمكان [29/ أ] والوسع، ~~على وجه لا يفضي إلى الانقطاع عن الفروض والمصالح. وعندهم يجب فعل مرة ~~واحدة، وإن كان في الطوق والوسع أكثر منها. ثم يبطل به إذا قال: صل على ~~الدوام، لزمه التكرار وإن أفضى إلى ما ذكرت. # وأيضا: فإن الأمر يتضمن ثلاثة أشياء: وجوب الفعل، ووجوب الاعتقاد لوجوبه، ~~ووجوب العزم على فعله. وقد ثبت أن الاعتقاد والعزم يجب تكررهما كذلك الفعل. # وحكى الجرجاني1 عن بعض شيوخه: أنه لا يلزم تكرار الاعتقاد وإنما عليه ~~اعتقاد حكمه والبقاء على ذلك من غير أن يحدث ما ينافيه، وبناه على الفعل، ~~وأنه لا يلزمه تكراره، وشبهه بالإيمان، وأن من اعتقده استحق المداومة عليه، ~~وأن لا يحدث ما ينافيه، وإن لم يكرره. # وهذا القائل إن لم يسلم الاعتقاد، فقد سلم وجوب دوام البقاء على ~~الاعتقاد، وهذا لا خلاف فيه؛ لأنه لو أبيح له ترك اعتقاد وجوب ما كلف ~~وجوبه، لكان قد أبيح له ترك العلم بصدق الله تعالى في أخباره، وإذا ثبت ~~وجوب المدوامة على الاعتقاد وجب المداومة على الفعل؛ لتضمن الأمر لكل واحد ~~منهما2. PageV01P269 # فإن قيل: هذا يبطل بالأمر المقيد بفعل مرة واحدة؛ لأنه إذا قال: حجوا في ~~العمر مرة واحدة، وجب العزم والاعتقاد على التكرار، ms101 ووجوب الفعل مرة. # قيل: إنما كان الاعتقاد في الأمر المقيد بفعل مرة على التكرار؛ لأن الأمر ~~بالاعتقاد فيه على الإطلاق، فاقتضى التكرار، لإطلاق الأمر فيه، وهو في ~~الفعل مقيد بمرة فلم يقتض التكرار، فنظيره أن يقول: اعتقد وجوبه مرة، فلا ~~يقتضي التكرار. # فإن قيل: المأمور1 إذا كان عالما بما أمر به ذاكرا له، لا يمكنه أن يخلو ~~من الاعتقاد والعزم، ولا يخلو من أن يعتقد وجوبه أو غير وجوبه، أو يعزم على ~~فعله أو تركه، ولا يجوز اعتقاد غير الوجوب؛ لأن اللفظ يقتضي وجوب الفعل، ~~فإن كان كذلك، وجب اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل ما دام الفعل واجبا ~~عليه، وليس كذلك الفعل، فإن تركه جائز إلى أن يفعله، فدل على الفرق بينهما. # قيل: قولك: "إنه لا يجوز اعتقاد غير الوجوب؛ لأن اللفظ يقتضي الوجوب" لا ~~يصح؛ لأنه كان يجب أن يعتقده مرة، ثم يقطع الاعتقاد، ولا يكون قطع الاعتقاد ~~في الثاني مانعا من الأول؛ لأن الأول قد صح ومضى، فاعتقاد غيره لا يمنعه ~~طريان النسخ في الثاني، [كما] لا يمنع صحة ما تقدم. # وقولك: "إن ترك الفعل لا يمنع صحة ما تقدم"، فهذا لا يمنع التكرار ~~كالنهي، فإن مخالفته في الثاني لا تمنع صحة ما يدوم من الترك، ومع هذا ~~تكرر. # وأيضا فإن الواحد من أهل اللغة إذا قال لعبده: احفظ هذا الفرس، ~~PageV01P270 # [29/ ب] فحفظه ساعة ثم تلاه، استحسن ذمه وتوبيخه، وكذلك المودع فدل على ~~أن الأمر يقتضي التكرار. وأيضا: فإنه لما لم يتعين بزمان، وجب حمله على ~~العموم في الأزمان في وجوب الفعل، كما أن لفظ العموم يشمل1 جميع الأعيان؛ ~~لأنه لم يخص ببعضها، كذلك الأزمان. # واحتج المخالف: بأن الطاعة والمخالفة في الأمر والنهي بمنزلة البر والحنث ~~في القسم؛ لأن كل واحد منهما يعتبر فيه موافقة موجب اللفظ ومخالفته، فإذا ~~ثبت هذا وكان إذا قال: والله لأصلين، أو لأصومن، أو لأحجن، أو قال لغيره: ~~والله لتصلين، أو لتصومن أو لتحجن، اقتضى فعلا واحدا، فلا يقتضي التكرار، ~~ويكون من فعله ms102 بر في يمنيه [و] وجب أن يكون مطيعا لله تعالى به متمثلا ~~لأمره. ويدل على أنهما سواء أن النهي الذي هو متعلق بالترك والقسم في الترك ~~سواء في أن كل واحد منهما يقتضي التكرار، ويكون مخالفا بفعل مرة واحدة، ~~وكذلك الأمر المقيد بوقت أو بعدد أو بصفة بمنزلة القسم المقيد بذلك، فوجب ~~أن يكون مطلق الأمر بمنزلة مطلق القسم. # والجواب عنه ما تقدم وهو: أن البر والحنث من أحكام الشرع، والخلاف في ~~موجب الأمر وموضوعه في اللغة، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر، والثاني أن ~~التكرار ليس بمراد للحالف. # وجواب آخر وهو: أن الترك في القسم إذا كان معلقا بوقت، وهو أن يقول: ~~والله لا دخلت الدار عند زوال الشمس، لم يقتض التكرار، حتى إنه إذا وجد ~~الترك مرة عند الزوال سقطت اليمين، والترك في ألفاظ صاحب الشريعة إذا علق ~~بوقت اقتضى التكرار2، فإذا قال: لا تزكوا PageV01P271 # إذا زالت الشمس، لم يسقط حكمه بترك مرة. # وجواب آخر: وهو أن اعتقاد الفعل في القسم لا يقتضي الدوام، واعتقاد أداء ~~الفعل في الأمر يقتضي الدوام. # وجواب آخر: وهو أن الترك في اليمين إذا حصلت المخالفة بفعله مرة سقط حكم ~~القسم، على معنى أنه إذا فعل المحلوف على تركه ثانيا، حنث ثانيا، وليس كذلك ~~في ألفاظ صاحب الشريعة؛ لأنها لم يحنث، ولا تسقط بالمخالفة مرة، فبان ~~الفرق. # واحتج: بأنه إذا قال: صلى فلان، اقتضى صلاة واحدة، ولا يقتضي التكرار، ~~وإذا كان لفظ الخبر لا يقتضي التكرار، فكذلك لفظ الأمر؛ لأن الأمر أمر ~~بإيقاع فعل، [و] الخبر خبر عن وقوعه؛ ولأن قوله: صل، بمنزلة: افعل صلاة، ~~ولو قال: افعل صلاة، اقتضى صلاة واحدة، ولا يقتضي التكرار، فإذا قال: صل، ~~وجب أن يقتضي صلاة واحدة. # والجواب عنه ما تقدم من أن الخبر في الفعل إخبار عن إيقاع الفعل في زمان ~~قد شاهده، وهذا لا صيغة له، والأمر المطلق له صيغة؛ ولأنه لا يجب تكرر [30/ ~~أ] الاعتقاد في الخبر. # واحتج: بأن قوله لامرأته: طلقي نفسك، اقتضى طلاقا ms103 واحدا، وكذلك إذا قالت ~~له: طلقني بألف، فطلقها تطليقة واحدة استحق الألف. # وكذلك إذا قال لوكيله: طلق فلانة، اقتضى طلاقا واحدا، ولا يقتضي التكرار، ~~إلا بقرينة تدل عليه. # وكذلك لو قال لعبده: تزوج، لم يملك أن يتزوج إلا امرأة # PageV01P272 # واحدة، نص عليه1 في رواية بن بختان2، وكذلك في سائر الأوامر. # والجواب: أن هذا ثبت بالشرع، والخلاف في موجب الأمر وموضوعه في اللغة. # فإن قيل: أوجب الشرع إثبات موجب اللفظ من طريق اللغة، ألا ترى أنه إذا ~~قال: طلق، وكرر الطلاق أو ما يثبت من العدد، كان له أن يكرره؟ # قيل: قد بينا أنه غير معتبر بموجب اللفظ من طريق اللغة من الوجه الذي ~~بينا؛ ولأن اعتقاد الفعل هناك لا يقتضي الدوام، وفي مسألتنا يقتضي الدوام، ~~وهو من جملة الأوامر كما بينا. # واحتج: بأن قول القائل: صم، وصل، أمر بما يسمى صلاة وصوما، فإذا فعل صوما ~~واحدا، أو صلاة واحدة، فقد أتى بما يتضمنه الأمر. # والجواب: أنه أمر بما يسمى صلاة على التكرار، كما كان قوله: لا تزن، نهي ~~عما يسمى زنا على التكرار، وكما كان قوله: صل، أمرا باعتقاد ما يسمى صلاة ~~على التكرار، كذلك في الفعل. # واحتج: بأن كونه على التكرار يقتضي المناقضة، إذا كان الأمر PageV01P273 # بشيئين مختلفين مثل الحج والجهاد؛ لأنه لا يمكنه أن يواصل كل واحد منهما ~~أبدا. # والجواب: أنا نثبت التكرار على الإمكان، وإذا كان كذلك لم يفض إلى ~~المناقضة. # واحتج: بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن الاستفهام. # والجواب: أنا لا نسلم ذلك، وإن سلمناه فإنما ذلك على طريق الاستثبات، كما ~~يقال له: جاءك الملك، فيقول: جاءني الملك؟ على طريق الاستثبات. # واحتج: بأنه لو اقتضى التكرار لم يحسن تأكيده بالأبد، فيقول: صل أبدا، ~~وصم أبدا. # والجواب: أنا نقلب هذا فنقول: ولو اقتضى مرة لم يحسن تأكيده بمرة واحدة، ~~فنقول: صل مرة واحدة، لم يحسن، وعلى أن هذا يجوز على طريق التأكيد، ولقوله ~~تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} 1، كذلك ههنا. # واحتج بأنه2 لو قال لرجل: كل، ثم ms104 قال: كل، كان أمرا بالأكل مرتين، فلو ~~كان الأمر يقتضي الاتصال أبدا، كان قوله: ثم كل، تأكيدا لا عطفا، فلما قال ~~الكل منهم: إنه عطف أكله على أكله، ثبت أنه لا يقتضي الاتصال. # والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: إن الثاني تأكيد، لا عطف، كما كان قوله: ~~لا تزن، ثم قال: لا تزن، كان الثاني تأكيدا. PageV01P274 # واحتج بأنه لو قال [30/ أ] لعبده: ادخل الدار، فدخل ثم استخبره فقال: قد ~~دخلت؟ صح أن يجيبه عنه بنعم، أو يقول: قد دخلت، فلولا أنه امتثل كل ما أمره ~~به لما صح أن يخبره عنه. # والجواب: أنه لا يمتنع أن يصح خبره في ذلك، ولا يكون ممتثلا للأمر، كما ~~لو قال: ادخل الدار مائة مرة، فدخلها مرة، صح أن يخبر بالدخول ولا يكون ~~ممتثلا، وكذلك الاعتقاد يصح أن يخبر أنه معتقد، وإن كان ذلك على الدوام. # PageV01P275 ### | مسألة الأمر المطلق يتقضي الفور ### | مدخل # ... # مسألة 1: [الأمر المطلق يقتضي الفور] : # الأمر المطلق: يقتضي فعل المأمور به على الفور عقيب الأمر. وهذا ظاهر ~~كلام أحمد -رحمه الله- لأنه يقول: الحج على الفور، وإنما يتصور الخلاف على ~~قولنا إذا دل الدليل على أنه أريد به مرة، فأما PageV01P281 # إذا قلنا على التكرار، فلا يتصور التأخير والتقديم. وهو قول أصحاب أبي ~~حنيفة1. # وقال الأكثر من أصحاب الشافعي: هو على التراخي2. وهو قول المعتزلة3. # وقالت الأشعرية: هو على الوقف. # وكان أبو بكر الباقلاني ينصر أنه على التراخي4. PageV01P282 # وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم1 وقد سئل عن قضاء رمضان يفرق؟ ~~فقال: نعم، قال الله تعالى: {فعدة من أيام أخر} 2. فظاهر هذا أنه لم يحمل ~~الأمر على الفور؛ لأنه لو حمله على الفور منع التفريق، والمذهب: ما حكينا ~~أولا. # واختلف المتكلمون في هذه المسألة: هل معرفة ذلك المعقول أم اللغة؟ # فذهب بعضهم إلى أن طريق ذلك العقل؛ لأن هذا اختلاف في أحكام، فليس بمأخوذ ~~عن أهل اللغة. # وقال آخرون: معرفة ذلك اللغة؛ لأنهم يقولون: فعل ويفعل، فيدل أحدهما على ~~زمان ماض، والآخر على ms105 زمان مستقبل. PageV01P283 ### | دليلنا # أنه لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من أحد أمرين: إما أن يكون له ~~تأخيره أبدا، حتى لا يلحقه التفريط، ولا يستحق الوعيد إن مات قبل فعله. أو ~~يكون مفرطا مستحقا للوعيد إذا تركه حتى مات. # فإن قلنا: لا يكون مفرطا بتركه في حياته، خرج عن حد الواجب، # PageV01P283 # وصار في حد النوافل1؛ لأن ما كان المأمور مخبرا بين فعله وتركه، فهو ~~نافلة أو مباح2. # وإن قلنا: يلحقه الوعيد بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله تعالى ألزمه ~~إتيان عبادة في وقت لم ينصب له عليه دليلا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن ~~تأخيرها عنه، ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يحوز أن ~~يتعبده بعبادة مجهولة، فإذا بطل هذان القسمان، صح ما ذهبنا إليه، وهو كونه ~~على الفور. # ولا يلزم عليه تكليف الوصية عند الموت للأقربين3، وإن كان وقت الموت ~~مجهولا؛ لأن الموت عليه أمارة وعلامة، تتعلق الوصية بحضوره فلا4 يكون ~~تعليقا له بوقت مجهول لا دلالة عليه؛ ولأن الوصية يمكن PageV01P284 # فعلها عند حضور الموت، وفعل العبادات لا يمكن في الغالب عند حضور الموت. # فإن قيل: إن غلب على ظنه في وقت أنه إن أخر عنه فإنه يضيق عليه وقته ~~لزمه1 تعجيله، وإن لم [32/ ب] يغلب على ظنه ومات فجأة، لم يعص، ويفارق هذا ~~النوافل؛ لأنه يجب تعجيلها إذا غلب على ظنه فواتها. # قيل: لا يلغب على الظن ضيق الوقت إلا في وقت لا يمكن فيه أداء العبادة ~~بشرائطها، وهو عند المرض المتلف، وفي تلك الحال لا يمكنه أن يحج بنفسه ولا ~~الصيام. # وأيضا فإن النهي أمر بالترك، والأمر [بالترك] أمر بالفعل، ثم كان النهي ~~على الفور، كذلك الأمر بالفعل. # فإن قيل: النهي يقتضي التكرار والدوام فاقتضى الفور، والأمر يقتضي فعلا ~~واحدا، فلم يقتض الفور. # قيل: ليس إذا لم يقتض التكرار لم يقتض الفور، كالجزاء لا يقتضي التكرار ~~ويقتضي الفور عند وجود شرطه، وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أن مطلق ms106 الأمر ~~يقتضي التكرار، ويقتضي فعل مرة بقرينة، ومثله قد حكينا في النهي. # وأيضا: فإن الأمر بالفعل يتضمن ثلاثة أشياء: الأمر بالفعل، والأمر ~~بالاعتقاد، والأمر بالعزم عليه، ثم ثبت أن الأمر بالعزم، والأمر بالاعتقاد ~~على الفور، كذلك الأمر بالفعل وجب أن يكون على الفور. # فإن قيل: لو [قال له] : صل بعد شهر، كان الاعقتاد والعزم على PageV01P285 # الفور، وإن لم يجب الفعل في هذه الحال، فدل على الفرق بينهما. # قيل: ليس إذا تأخر الفعل بالشرط، تأخر في حال الإطلاق، بدليل الجزاء، لو ~~قال: إذا دخلت الدار فلك درهم، استحق الجزاء عند وجود شرطه وهو الدخول، ولو ~~قال له: لك درهم بعد شهر، تأخر، كذلك الفعل، وعلى أن مثله يقول في ~~الاعتقاد، وأنه يجوز تأخيره بالشرط. # وقد ذكر ابن عبد الجبار1 في شرحه: أن الأمر يتعلق بأول الشروط على قول ~~أصحاب الفور، ويتعلق بجميعها على قول أصحاب التراخي. # فإن قيل: لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد والعزم مع ذكره الأمر، ولا يجوز ~~أن يعتقد غير الواجب، ولا أن يعزم على تركه، فوجب اعتقاد وجوبه والعزم على ~~فعله لما ذكرنا لا باللفظ. # قيل: كما لا يجوز أن يعتقد غير الوجوب، كذلك لا يجوز2 له تأخير الفعل، ~~وإذا لم يجز له [تأ] خيره وجب فعله، كما أنه لما لم يجز اعتقاد غير الوجوب، ~~وجب اعتقاد الوجوب. # وأيضا: فإن الأمر المطلق في الشاهد يقتضي التعجيل، وهو الواحد منا إذا ~~أمر عبده بفعل، فأخره، فإنه يحسن توبيخه، كذلك حكم الأمر في الغائب. # فإن قيل: إنما يحسن توبيخه إذا اقترن بالأمر ما دل على قصد الآمر، فأما ~~إذا لم يقترن به، فلا يحسن توبيخه. # قيل: من يظهر التوبيخ والذم لا يرجع إلى القرينة، وإنما يرجع إلى اللفظ ~~فيقول: آمره بكذا فلم يفعل. PageV01P286 # وأيضا: فإن وقوع ما يفيد الإيجاب مطلقا يفيد الفور، دليله: التمليكات ~~بعقود البياعات والإجارات والأنكحة وجزاء الشرط، فإن الملك يحصل بذلك في ~~الحال [32/ ب] وإنما يتأخر بدليل، وهو شرط الأجل. # واحتج المخالف بقوله تعالى: {لتدخلن المسجد ms107 الحرام إن شاء الله آمنين} 1. # وروي أن عمر قال لأبي بكر وقد صد عام الحديبية: "أليس قد وعدنا الله ~~تعالى بالدخول فكيف صددنا؟ فقال: إن الله تعالى وعد بذلك، ولم يقل في وقت ~~دون وقت"2. # قالوا: وهذا يدل على ما قلناه؛ لأنه خبر عين بوقوع فعل مطلق لا ذكر للوقت ~~فيه، فلم يختص بوقت، فكذلك الأمر؛ لأنه أمر بإيقاع فعل مطلق من غير توقيت، ~~فيجب أن لا يختص بوقت. # والجواب: أن ذلك وعد بالدخول، وليس بأمر، وخلافنا في لفظة الأمر؛ ولأن ~~ذلك تعلق بشرط وهو المشيئة، فمتى لم يوجد الدخول علمنا أن المشيئة لم توجد، ~~وخلافنا في أمر مطلق. # واحتج: أن قول القائل: افعل، استدعاء للفعل، وليس فيه ذكر الوقت، حتى أي ~~وقت فعله يجب أن يكون ممتثلا للأمر، كما أنه لم يكن فيه ذكر الحال، فعلى أي ~~حال فعله قائما أو قاعدا، مستقبلا3 للقبلة أو PageV01P287 # مستدبرها، متطهرا أو محدثا، كان مطيعا، ولذلك لما لم يكن فيه ذكر المكان، ~~ففي أي مكان فعله كان ممتثلا، كذلك الوقت. # والجواب: أن الأمر استدعاء على صفة هي الفور، إلا أنه لم يكن منطوقا فإنه ~~مقدر1 فيه لا من طريق المعنى، كما اقتضى وجوب اعتقاد على صفة هي الفور، ~~وكما اقتضى النهي الكف على صفة هي الفور، وكذلك الجزاء والثمن في المبيع، ~~وليس إذا لم يكن ذكر الحال والمكان مقدرا معينا يجب أن يكون في الزمان ~~مقدرا، كما قلنا في الاعتقاد والنهي والجزاء والأثمان في البياعات. # واحتج: بأن الطاعة والمعصية في الأمر بمنزلة البر والحنث في القسم، ثم ~~ثبت أنه إذا قال: والله لأفعلن كذا، أنه لا يختص بوقت، ولكنه في أي وقت ~~فعله كان بارا في يمينه، كذلك يجب أن يكون مطيعا في الأمر. # والجواب: أن اليمين لا توجب على الحالف شيئا لم يكن واجبا عليه، وإنما هو ~~مخبر بين الوفاء والكفارة، وبين الامتناع والكفارة، وليس كذلك ههنا؛ لأن ~~هذا لفظ إيجاب، فنظيره النذر، وهو: أن ينذر صلاة ركعتين، أو صيام يوم ونحو ms108 ~~ذلك، ولا يمتنع أن يقول: يجب على الفور، كما يقول في مسألتنا، على أن ~~خلافنا في مقتضى الأمر في اللغة، والشرع قد غير النذر عن مقتضى اللغة، ~~ولهذا لو نذر عتق عبد، لم يجزئه2 إلا مسلما، وإن كان مقتضاه في اللغة يعم ~~الجميع، وكذلك لو نذر صلاة أو صياما، اقتضى خلاف موجبه في اللغة. # واحتج: بأنه لو كان الأمر يفيد الفور لما حسن الاستفهام. # والجواب: أنه إذا كان الآمر ممن لا يضع الشيء في [غير] موضعه، لم يحسن ~~منه الاستفهام. PageV01P288 # واحتج: بأنه لو خصه بوقت متأخر، وحب تأخيره [33/ أ] كما إذا خصه بوقت ~~متقدم وجب تقديمه، فإذا لم يكن الوقت مذكورا، فليس هو بالتعجيل أولى منه ~~بالتأخير. # والجواب: أنه ليس من حيث لو خصه بزمان متأخر وجب تأخيره، ما دل على أنه ~~إذا أطلق لا يقتضي التعجيل ألا ترى أن الجزاء إذا شرط تأخره عن الشرط تأخر، ~~وإذا أطلق لزم ذلك عقيب الشرط، وكذلك الأبدال في العقود إذا شرط فهيا ~~التأجيل تأجل، ثم لا يدل ذلك على أنه إذا أطلق لم يكن البدل عقيب العقد، ~~كذلك ههنا. # واحتج: بأن الأمر بالفعل يتضمن إيقاعه في مكان وزمان، ثم ثبت أنه لا يختص ~~بمكان بعينه، كذلك لا يختص بزمان بعينه، وعندكم يختص بزمان بعينه، وهو عقيب ~~الأمر. # والجواب: أن النهي لا يختص بمكان، ويختص بزمان، وهو عقيب النهي، وعلى أنه ~~لا يمتنع أن يقال: يختص بالمكان الذي أمر بالفعل فيه؛ لأنه على الفور. # PageV01P289 ### | فصل: والدلالة على فساد قول من قال بالوقف # أنا نقول لهذا القائل: ما تقول في قول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة} 1، هل يجب أن يتوقفوا ويطلبوا صفات البقرة من الرسول عليه ~~السلام؟!. # فإن قال: لا يجب، فقد سلم المسألة، فإنه لا فرق بين البقرة، وبين سائر ~~الأفعال؛ لأن البقرة لا تخلو من صفة ولون، كما أن الفعل لا يخلو من ~~PageV01P289 # وقت، وإذا لم يجز التوقف لاحتمال صفات البقرة، لم يجب التوقف لاحتمال ~~أوقات الفعل. # فإن قال: ms109 يجب التوقف؛ لأنها تحتمل البكر وهي الصغيرة التي لم تلد والفارض ~~وهي المسنة، تقول العرب: فرضت البقرة، إذا أسنت. والعوان: هي بين الصغيرة ~~والكبيرة، والصفراء الفاقع لونها، والسوداء الحالك لونها، والملمعة والتي ~~لا شية فيها، والذلول البينة الذل، والمسلمة من العمل، والتي [لا] تثير ~~الأرض ولا يستقى عليها، فتسقي الحرث. # قيل: هذا خلاف الشرع؛ لأن الله تعالى خطأ بني إسرائيل في هذا التوقف بطلب ~~هذا البيان، فقال: {فافعلوا ما تؤمرون} 1، وقال: {فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون} 2؛ ولأن موسى -عليه السلام- المنبأ عن الله تعالى لم يسأل عنها، ~~ولو كان ذلك موضع السؤال لسأله. # فإن قيل: فقد سأله، فلو كان هذا خطأ لكان موسى لا يسأل ربه تعالى بعد ~~سؤال بني إسرائيل. # قيل: لم يسأل عنه، وإنما راجع ربه -عز وجل- بما عليه بنو إسرائيل من ~~المخالفة، والوقف في غير موضعه. # ويدل عليه ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "شدد بنو ~~إسرائيل على أنفسهم، فشدد الله عليهم، أما إنهم لو ذبحوا أي بقرة لأجزأت ~~عنهم"3، PageV01P290 # وهذا يدل على خطئهم، وأن صفات البقرة زيدت عليهم [33/ ب] بعد وقفهم، ~~تغليظا عليهم، وتشديدا في التكليف. # ويدل عليه على أن الأمر يقتضي الفعل، وليس فيه ذكر الوقت ولا دليل، فوجب ~~أن يكون الوقت شرطا لما فيه، وإنما لا يمكن الفعل في غير الوقت مع هذه ~~العادة، ولو أمكن الفعل في غيره هذا الوقت كان فعله بهذا الأمر في غيره، ~~ولم يجز أن يجعل شرطا، فإذا كان كذلك وجب الفعل من غير اعتبار الوقت. # ويدل عليه أنه لا يجوز الوقف لاعتبار المكان واعتبار الحال، والمعاني ~~التي لا ذكر لها في لفظ الأمر. # وكذلك إذا قال: امكثوا في المسجد يوما، لزمهم المكث فيه، ولم يجز التوقف ~~عنه، بأن يقولوا: أنمكث صائمين أو مفطرين. مصلين أو غير PageV01P291 # مصلين، قائمين أو قاعدين، مستقبلين أو مستدبرين؟ وما أشبه ذلك. # فإن قيل: يجب التوقف لهذا كله حتى يقع البيان للمأمور من جهة الرسول أو ~~من جهة الدلائل المقررة في الأصول. # قيل: ms110 هذا [مردود] بتخطئة الله -سبحانه- بني إسرائيل في مثله. # وجواب آخر: وهو أن ذلك يؤدي إلى ترك طاعة الله تعالى في أمره وامتثاله؛ ~~لأنه ليس معنى من المعاني إلا ويجوز أن يكون شرطا، وفي طلب بيان ذلك ترك ~~الفعل وامتثال الأمر. # ويدل عليه: أن بني إسرائيل لو سألوا لكان ما تركوه أكثر ما سألوا بيانه ~~وأنهم كان يمكنهم أن يقولوا: ما العوان التي بين البكر والفارض؟ وما الشية ~~التي نفاها؟، وما لونها وقدرها وموضعها؟ وهل تكون سمينة أو هزيلة؟ من ~~العراب أو من أي نتاج البقر؟ ومن يذبحها؟، وبأي آلة؟ وعلى أي جنب؟ وما أشبه ~~ذلك مما لا يتناهى ذكره، ولا ينحصر وصفه، ولا يمكن ضبطه. # واحتج المخالف: بأن اللفظ يحتمل الفور والتراخي بدليل أنه يصلح أن نفسره ~~بكل واحد منهما، فنقول: افعلوا على الفور، أو نقول على التراخي، ونقول ~~افعلوا في كذا، وإذا كان مجملا وجب الوقف فيه1، لاحتماله2، للخصوص والعموم، ~~كذلك ههنا. # والجواب: أنا لا نسلم أن إطلاق الأمر محتمل للتراخي، بل إطلاقه يقتضي ~~الفور على العموم، على أن هذا مخالف له؛ لأن هذا اللفظ محتمل للعموم ~~والخصوص، والأمر لا يحتمل الوقف ولا يقتضيه، فلا يجوز أن PageV01P292 # يجعل شرط فيه إلا بدليل يدل عليه. وعلى أنا لو سلمنا أنه محتمل للفور ~~والتراخي كان على أحدهما دليل1، وهو ما تقدم من لغة العرب، وغير ذلك. ~~PageV01P293 ### | الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته ### | مدخل # ... # مسألة 1: [الأمر المؤقت لا يسقط بفوات وقته] : # إذا كان الأمر مؤقتا بوقت ففات الوقت، لم يسقط الأمر بفواته، ويكون عليه ~~فعله بعد الوقت، بذلك الأمر الأول، ويكون تقديره: افعله في الوقت الأول ولا ~~تؤخره، فإن لم تفعل فافعله في الوقت الثاني، وهكذا تقديره في سائر عمره 2. # وكذلك الأمر المطلق إذا لم يفعل المأمور به عقيب الأمر، لم يسقط وإن شئت ~~عبرت عنها بعبارة أخرى [34/ أ] فقلت: القضاء لا يحتاج إلى دليل. # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية إسحاق بن هانئ في الرجل ينسى ~~الصلاة في الحضر، فيذكرها ms111 في السفر: "يصليها أربعا، تلك وجبت عليه أربعا". ~~فأوجب القضاء بالأمر الأول، الذي به وجبت عليه في الحضر؛ لأنه قال: تلك ~~وجبت عليه أربعا، معناه حين المخاطبة بها. # وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين في الأمر المؤقت: إنه يسقط بفوات ~~PageV01P293 # الوقت، ويجب القضاء بأمر ثان1. # واختلف أصحاب أبي حنيفة في الأمر المطلق إذا لم يفعله المأمور به عقيب ~~الأمر، هل يسقط؟ # فقال الرازي: لا يسقط ويفعله في الزمان الثاني، والثالث، وسائر عمره، ~~بخلاف المؤقت2. # وقال غيره من أصحابه: يسقط، كالأمر المقيد بوقت. PageV01P294 ### | دليلنا # أنه لو سقط بفوات وقته؛ لسقط المأثم بفوات الوقت كما يسقط الوجوب. ولما ~~لم يسقط المأثم كذلك الوجوب. # ولأن الأصل ثبوته في ذمته، فمن زعم إبطاله بخروج الوقت؛ فعليه الدليل. # ولأن النذر المؤقت لا يسقط بفوات وقته، كذلك ما وجب بالشرع. # PageV01P294 # ولأنه حق واجب؛ فلم يسقط بمضي الوقت. دليله الدين المؤجل وهو: إذا باع ~~بثمن مؤجل إلى شهر، ثم انقضى الشهر؛ فإن الحق لا يسقط، كذلك ههنا. # فإن قيل: الأجل المضروب لتأخير المطالبة به والدين1 في ذمته؛ فإذا وجب ~~الأداء فلم يفعل، زال الوقت وصار كالعقد المطلق من غير أجل، فلزمه قضاء ما ~~فات أداؤه في وقته، وليس كذلك إذا أمر الله تعالى بأمر في وقت محدد؛ لأن ~~الوجوب ما لزمه إلا في الوقت الذي تناوله الأمر. # قيل: وكذلك المطالبة بالدين ما لزم إلا عند انقضاء الشهر، ثم تأخيرها عن ~~آخر الشهر لا يوجب إسقاطها، كذلك تأخير العبادة عن وقتها. # فإن قيل: إنما لم يسقط الحق؛ لأن وقت المطالبة موسع. # قيل: وقت الأداء في ذمة من عليه الحق مضيق؛ لأنه إذا لم يؤجل الأجل وجب ~~الأداء على الفور، كما أن وجوب العبادة عليه على الفور إذا وقتها، ثم ثبت ~~أن تأخر الأداء لا يسقط، كذلك العبادة. # وأيضا فإن الوقت شرط من شرائط العبادة؛ ففقدانه لا يوجب إسقاطها. ~~PageV01P295 ### | دليله # الطهارة والستارة والتوجه والقراءة وغير ذلك من الشرائط؛ ولأن الوقت ليس ~~بمقصود، وإنما المقصود نفس العبادة بدليل أنه لا فائدة في ms112 إثبات وقت خال1 ~~عن عبادة، وقد ثبتت العبادة في ذمته من غير قت وهو أنه يؤمر بعبادة مطلقة؛ ~~فلم يكن فواته موجبا للإسقاط. PageV01P295 # ولأن الأمر بالفعل يتضمن الأمر بالفعل والأمر بالاعتقاد، ثم ثبت أن خروج ~~الوقت لا يوجب إسقاط [34/ ب] الاعتقاد، كذلك لا يوجب إسقاط الفعل. # وقد ذكر في المسألة طرق أخر، وهو: أنه لو كان خروج الوقت علما على ~~الإسقاط؛ لكان له أن يسقط الإيجاب عن نفسه بالتأخير إلى آخر الوقت. # ألا ترى أنه لما جعل وجود الفعل علما على سقوط الوجوب، كان له أن يسقط ~~الإيجاب عن نفسه بالفعل؛ فلما لم يجز له التأخير، علمنا أن خروجه غير مسقط. # وقيل أيضا: بأنه لو كان بعد خروج الوقت يجب القضاء بأمر مبتدأ ما سمي ~~قضاء، كالذي يجب بالأمر الأول؛ لأنه مثله في أنه إيجاب فرض مبتدأ. # فإن قيل لو كان هو الفرض لم يسم قضاء. # قيل: قد بينا أن اختلاف النية لا يوجب اختلاف الفرض، بدليل المقصورة ~~والتمام، والجمعة والظهر. # وقيل: لما لم يكن الوقت موجبا؛ وإنما الوجوب واقف على الدليل، لم يكن ~~خروج الوقت مسقطا، بل يقف إسقاطه على الدليل. # وقيل: إن أكثر ما في خروج الوقت: أن العبادة تصير في وقت غير معين، وهذا ~~لا يمنع الوجوب، كما لو أوجب عبادة غير معينة بزمان. # فإن قيل: إن عرف الشرع قد ثبت أن الأمر إذا ورد بفعل عبادة متعلقة بوقت؛ ~~فإنه يجب فعلها قضاء، كالصلاة والصيام والحج وغير ذلك. # والمخالف يجيب عن هذا: بأنني عرفت ذلك بدليل؛ لا بأصل الأمر، # PageV01P296 # مع أن الشرع مختلف في ذلك؛ فإن الجمعة لا تقضى، وكذلك رمي الجمار، وكذلك ~~المحصر إذا تعذر عليه ذبح الهدي في الحرم، جاز ذبحه في الحل ولا قضاء. # وقيل أيضا: بأن فعلها بعد الوقت يطلق1 عليه اسم القضاء، وإذا ثبت هذا، ~~ثبت أنه قضى بعد الوقت ما كان مأمورا به في الوقت. # وهذا لا يلزم أيضا؛ لأنه لا يمتنع أن يقال: قضى بعد الوقت، وإن كان بأمر ~~ثان2 ms113 وفرض مبتدأ. # واحتج المخالف بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها" 3، فأمر بفعلها بعد الوقت، فلو كان الأمر يفيد امتثاله ~~بعد الوقت لم يأمر به ثانيا. # والجواب: أن الخبر حجة لنا؛ لأنه قال: "فليصلها"، وهذا كناية PageV01P297 # عما أمر به بحكم أن الذي يفعله بعد الوقت هو المأمور به في الوقت. مع أنه ~~قصد بهذا رفع الإشكال؛ لئلا يظن ظان أنها تسقط بفوات وقتها. # واحتج: بأن صيغة الأمر تتناول زمانا محصورا؛ فإذا فات الوقت قبل فعله لم ~~يبق زمان أمر يفعله فيه؛ فهو كما لو قيل له: صل في المسجد الفلاني أربعا، ~~ففات فعله فيه، لم يجز فعله في غيره، وكذلك لو قال: أعط زيدا ألفا، فمات ~~زيد، لم يدل على جواز إعطاء غيره. # والجواب: أن [هناك] فرقا بين تعلق الأمر بزمان، وبين فعله بمكان معين، ~~ألا ترى أن حقوق الآدميين المتعلقة بزمان لا تسقط بفوات [35/ أ] الزمان، ~~ولو تعلق بعين ففاتت العين سقطت، ألا ترى أن الرهن إذا تلف سقط حق المرتهن ~~من الوثيقة، وكذلك العبد الجاني، إذا مات سقط الحق؛ فكذلك ههنا. # واحتج بأن القضاء بدل، والبدل لا يجب إلا بدليل، والذي يدل عليه أنه ~~محتاج إلى نية القضاء. # والجواب: أنا لا نسلم أنه بدل، بل هو الواجب عليه بالأمر الأول واختلاف ~~النيتين لا يدل على أنهما غيران، بدليل المقصورة والتامة، والظهر والجمعة، ~~وعلى أن نية القضاء ليس بشرط في صحة الفعل؛ لأن أحمد -رضي الله عنه- قال في ~~الأسير، إذا اشتبهت عليه الأشهر؛ فصام شهرا يريد به رمضان فوافق ما بعده ~~أجزأه، وإن لم يوجد منه نية القضاء؛ وإنما يستحب ذلك للخروج من الخلاف، ~~وعلى أن نية القضاء لا تدل على البدل؛ لأنه قد يجب البدل من غير نية ~~القضاء، كالطهارة إذا أخرها عن وقت وجوبها، والكفارة والحج والزكاة والنذر. # ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل بحيث أطلقتها الشريعة. # PageV01P298 # واحتج بأن المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت الأول؛ فيحتاج ~~وجوب ms114 الفعل في الوقت الثاني إلى دلالة، كما احتاج في وجوبه في الوقت الأول ~~إلى دليل. # والجواب: أنه إنما يقال: المفعول في الوقت الثاني غير المفعول في الوقت ~~الأول إذا وجد منه فعل في الوقت الأول، فيكون الثاني غيره؛ فأما إذا لم ~~يوجد منه فعل، فلا تصح هذه العبادة 1، وقد بينا أن الثاني هو الفرض الأول. # واحتج بأن المصالح تختلف باختلاف الأوقات، وقد علمنا كون الفعل مصلحة في ~~الوقت الذي خص به، ولا نعلم كونه مصلحة في الزمان الثاني، فلا يجوز مع جواز ~~كونه مفسدة. # والجواب: أن هذا لا يصح أن لو كان الأمر متعلقا بما فيه مصلحة، فنكون لا ~~نعلم وجودها في الوقت الثاني. # فأما على قولنا فالأمر غير موقوف على المصالح، وقد يتضمن المصلحة ~~والمفسدة. # فأما من فرق بين المقيد2 والمطلق فلا وجه له؛ لأن المطلق والمقيد سواء في ~~تعلقهما3 بالوقت؛ لأن المطلق يختص أول أوقات الإمكان عنده وعند القائل؛ ~~فإذا لم يسقط أحدهما بمضي وقته وجب أن لا يسقط الآخر. # يبين ذلك: أن ما ثبت من جهة النطق بمنزلة ما ثبت بدليل، ألا ترى أن عقد ~~البيع لما أوجب سلامة المبيع كان شرط المشتري لذلك وسكوته عنه PageV01P299 # بمنزلة في أنه يعتبر صحة المبيع بجميع أجزائه. # واحتج بأن تقيد المأمور به بالوقت يوجب له صفة زائدة على كونه مطلقا؛ إذ ~~لو لم يكن كذلك لم يكن لتقييده بالوقت معنى؛ فإذا كان المطلق كالمقيد في ~~أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الوجوب، لم يجز أن [35/ ب] يختلفا إلا في باب ~~سقوط المقيد منهما بفوات وقته، وبقاء حكم المطلق بعد الوقت الأول. # والجواب: أن نقول بموجب هذا، وأنه قد أوجب له صلة زائدة وهو إنما أفاده ~~تأخيره الوجوب عقيب الخطاب. # PageV01P300 ### | مسألة الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئا ### | مدخل # ... # مسألة: 1 # الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئا، وهو قول جماعة الفقهاء وأكثر ~~المتكلمين والأشعرية وغيرهم2. # وقالت طائفة من المعتزلة3: لا يقتضي ذلك، وأن كونه مجزئا يعلم بدلالة غير ~~الأمر. PageV01P300 ### | دليلنا # إن الأمر ms115 بالعبادة اقتضى وجوب فعلها وإيجاده، فإذا فعل المأمور به فقد ~~امتثل ما اقتضاه الأمر، فخرج عن عهدته، وعاد إلى ما كان عليه قبل # PageV01P300 # الأمر، فبرأت ذمته كما لو أمر السيد عبده بفعله شيء ففعله، لم يبق عليه ~~شيء من ناحية أمرهن، ويبين صحة هذا أنه يصح أن يخبر عن نفسه بأن يقول: قد ~~فعلت كذا وكذا، فلو كان قد بقي عليه شيء من حكم المأمور به، لما صح أن يخبر ~~بذلك. # ولأن جواز الفعل حكم تعلق بالمأمور به، كما أن استحقاق الثواب حكم تعلق ~~به، فإذا كان فعل المأمور به على شرائط يدل على استحقاق الثواب، كذلك يجب ~~أن يدل على جوازه. # ولأنه لا طريق إلى معرفة جوازه إلى وقوعه على الوجه المأمور به، ألا ترى ~~أنه يستحيل أن تكون الدلالة على جوازه وقوعه على غير الوجه المأمور به، فدل ~~ذلك على ما قلناه. # واحتج المخالف: بأن معنى قولنا: يجزئه، أنه لا تجب عليه الإعادة، وقد ~~علمنا أنه غير ممتنع بأن يأمر الحكيم بفعل من الأفعال، ويقول: إذا فعلتموه ~~فقد فعلتم الواجب واستحققتم الثواب، وعليكم الإعادة مع ذلك، ألا ترى أن ~~الحجة الفاسدة مأمور بالمضي فيها، ويستحق الثواب على فعلها، ومع ذلك فعليه ~~الإعادة، وكذلك من ظن أنه على طهارة وهو في آخر الوقت، فأن الصلاة واجبة ~~عليه، وهو مأمور بها1، ومع ذلك فعليه الإعادة إذا علم أنه كان على غير طهر. # والجواب: أنه2 هناك لم يأت بالعبادة على الوجه المأمور به، بل أخل بشرط، ~~فلهذا لم يقع موقع المأمور به، وكلامنا فيما يأتي به على الوجه المأمور به ~~من غير إخلال ببعض شرائطه3. PageV01P301 # واحتج بأن اللفظ تضمن إيجاب الفعل فحسب، ولم يتضمن إجزاءه وسقوط الفرض، ~~فاحتاج في ذلك إلى دليل. # والجواب: أن اللفظ تضمن إيجاده، فإذا أوجده امتثل ما أمره به وبرأت ذمته ~~من1 حكم الأمر، فعاد إلى ما كان عليه قبل توجه الأمر ولم يبق شيء يحتاج فيه ~~إلى دليل. PageV01P302 # مسألة 2: [ ### | الواجب المخير # ] : # إذا ورد الأمر بأشياء على ms116 طريق التخيير، كالكفارات3 الثلاث ونحوها، ~~فالواجب واحد [36/ ب] منها بغير عينه، فيتعين ذلك بفعله، فيصير كأنه الواجب ~~عليه بنفس السبب. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية البغوي4: كل شيء في كتاب الله تعالى ~~"أو" فهو تخيير وهو قول جماعة الفقهاء وأصحاب الأشعري. # وذهب المعتزلة إلى أن الجميع واجب على طريق التخيير5. PageV01P302 # وكان الكرخي مرة ينصر هذا، ومرة ينصر مثل ما حكيناه عن جماعة الفقهاء1. # ومن الناس من قال: هذا خلاف في عبارة، لا في معنى؛ لأنهم وإن قالوا: ~~الجميع واجب، فإنه إذا أتى بواحدة أجزأه. وإذا فعل الجميع في وقت واحد، فإن ~~الواجب منها واحد، والثواب يستحق على واحد، وإذا ترك الجميع استحق العقوبة ~~على واحد. # وهذا القائل يقول: وإن كان كلامنا في عبارة فهو مفيد؛ لأنا نخطئهم في ~~إطلاق اسم الواجب على الجميع. # ومنهم من قال: خلاف في معنى؛ لأن من قال: الواجب منها واحد بغير عينه، ~~فإنه يجعل من حلف أنه لم يجب عليه بالحنث جميع الأشياء الثلاثة بارا في ~~يمينه. # ومن أوجبها جعله حنثا في يمينه. # ولأن من قال: الواجب واحد من الجملة غير معين، فإنه يقول: المراد من ~~المكلف واحد من الجملة، وفي معلوم الباري تعالى أنه لا يعدل عنه إلى غيره. # ومن زعم أن الجميع واجب، فإنه يقول: إنه قد أراد كل واحد من الثلاثة كما ~~أراد الآخر، وكره ترك كل واحد كما لو كره ترك الآخر، وهذا خلاف في المعنى. ~~PageV01P303 # دليلنا على أن الواجب واحد منها أشياء: # منها: أن من قال لآخر: الق زيدا أو عمرا، لم يفهم أحد وجوب لقائهما، ولو ~~قال: تصدق من مالي بدرهم أو دينار، لم يعلم وجوب فعلهما، ولهذا المعنى ~~استحق المأمور أن يذم بإخراج الأمرين من ماله، ولو كانا واجبين لم يستحق ~~الفاعل ذما بفعل الواجب؛ ولأن الأمر بالشيء بمنزلة الإخبار عنه. ثم ثبت أن ~~القائل إذا قال: ضرب زيد عمرا أو خالدا، كان إخبارا عن ضرب واحد، وكذلك ~~الأمر إذا كان على هذا الوجه. # وأيضا لو فعل ms117 الجميع لم يكن الواجب إلا واحدا من الجملة، فلو كان الجميع ~~واجبا قبل الإيقاع، لكان متى تعين بالفعل وقع على الصفة التي كان عليها قبل ~~الإيقاع، ألا ترى الذي تعين فعله لا يجوز أن تخالف صفته حال الإيقاع لما ~~تعلق به الأمر، مثل سائر الواجبات التي ثبتت من غير تخيير، ولما ثبت أن ~~الواحد منها يقع واجبا دل على أن الواجب واحد منها. # فإن قيل: إنما لم يقع جميعها واجبا؛ لأنها كانت واجبة على التخيير. # قيل: المفعول يقع عن1 الواجب كما يقع لو لم يكن مخيرا فيه، ألا ترى أن من ~~خير في تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت، فإنه واجب ~~مخير فيه، ولو فعله لوقع ذلك عن الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرا فيه. # فإن قيل: الثلاث كفارات قبل الإيقاع، [36/ ب] ومتى أوقعها كانت الكفارة ~~واحدة كذلك حكم الوجوب. PageV01P304 # قيل: قولنا: كفارة عبارة عن الواجب، وهذا الاسم لا يصح إطلاقه، وإنما ~~يتجوز بالعبارات، فنقول: إنها كفارات، بمعنى أن كل واحد منها1 يقع به ~~التكفير متى اختاره المكلف. ويجوز أن يسمى الجميع كفارات، ويراد به في حق ~~المكلفين؛ لأن الواحد قد يختار العتق، وآخر الإطعام، فأما حق الواحد فلا ~~يقال ذلك فيه إلا على طريق الاتساع. # وأيضا: فإنه لو ترك الثلاثة استحق العقاب على واحد، فدل: أن الواجب واحد ~~منها، يدل على صحة ذلك: أن فرض الكفاية على التخيير؛ لأن كل واحد منهم إذا ~~فعله أجزأه، ومع ذلك إذا تركه الكل حرجوا وأثموا واستحقوا العقاب، كما إذا ~~كان واجبا على الجميع، وكذلك لو كان له على رجل ألف درهم، فضمنه عنه ضامن، ~~وجب له الألف على كل واحد منهما على التخيير، وإذا تركا جميعا قضاءه استحقا ~~العقوبة، فلو كان جميع الثلاثة واجبا، لوجب أن يستحق تاركها العقاب على ~~جميعها، ولما أجمعنا على أنه يستحق العقاب على واحد منها2، وجب أن يكون ~~الواحد منها3 واجبا. # فإن قيل: إذا فعل الجميع أو واحدا استحال التخيير، فلو قلنا: ms118 إن الجميع ~~واجب؛ لأدى إلى أن يكون واجبا على طريق الجميع، وكذلك إذا ترك الجميع لو ~~قلنا: يعاقب على ترك الجميع أدى إلى هذا المعنى، وهذا غير سائغ، وإنما يسوغ ~~التخيير فيما لم يوجده، وهو قادر على إيجاده. # قيل: قد أجبنا عن هذا فيما تقدم، وقلنا: المفعول في المتروك يقع عن ~~الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرا فيه، ألا ترى أن من خير في PageV01P305 # تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت، فإنه واجب مخير ~~فيه، ولو فعله أو تركه، كان حكمه حكم ما لم يكن مخيرا؟ # فإن قيل: لا يحوز اعتبار الوجوب باستحقاق العقاب؛ لأنه إذا أمكنه فعل كل ~~واحد من الأنواع، فلم يخرج تعلق العقاب بأقلها، وهذا متعين قبل تركها، ~~والواجب منها غير معين، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. # قيل: لا نعين العقاب في واحد منها1. ثم نقول: يستحق على واجب واحد بغير ~~عينه عقابا، هو بقدر أقلها عقابا، فأما أن نعين الاستحقاق في أقلها عقابا ~~فلا. # وأيضا: فإن هذا القول يؤدي إلى أن من وجب عليه مد من طعام وفي ملكه عشرة ~~آلاف2 مد، وهو مخير في إخراج كل واحد منها: أن يكون الواجب عليه عشرة آلاف3 ~~مد، وأن من وجب عليه شراء رقبة للكفارة، وهو يقدر على شراء كل واحدة من ~~رقاب البلد: أن يكون قد وجب عليه أن يشتري للكفارة جميع رقاب البلد. وإذا ~~وجبت عليه خمسة دارهم في مائتي درهم وجب أن يكون قد وجب إخراج جميع [37/ أ] ~~المائتين؛ لأنه مخير في إخراج كل خمسة منها، وهذا خلاف إجماع المسلمين، وكل ~~قول أدى إلى ذلك فهو باطل مردود. # واحتج المخالف: # بأن الأمر يتناول كل واحد كتناوله للآخر، فقد تساويا من هذا الوجه، ~~وتساويا في أن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر، وفي PageV01P306 # أن الآمر أراده، وأنه إذا كفر وقع موقعه، فإذا كان أحدهما واجبا كان ~~الآخر كذلك. # والجواب عن قولهم: أن الأمر تناول كل واحد، وأن ذلك مراد للآمر، فلا ms119 نسلم ~~هذا، بل الأمر تناول واحدا لا بعينه، والآمر أراد واحدا لا بعينه، وعلى أن ~~الأمر والإيجاب لا يدلان على الإرادة عندنا. # وقولهم: إن المصلحة في كل واحد كالمصلحة في الآخر، فهذا لا يدل على أن ~~الوجوب يعمها1، ألا ترى أن الله تعالى قد تعهد بإخراج الصدقات إلى ~~المساكين، وجعل الخيار في وضعها فيهم إلى أرباب الأموال، فيكون له أن يعطي ~~من يشاء من المساكين كالمصلحة في دفعها إلى غيره منهم. # وكذلك يجب عليه في مائتين خمسة دراهم شائعة، ولرب المال إخراج أي خمسة ~~شاء منها، ولا يكون هذا دلالة على إيجاب إخراج كل خمسة منها مع تساويها في ~~المصلحة. # وقولهم: إنه إذا كفر بأحدهما وقع موقعه، كما لو كفر بالآخر، فهذا لا يدل ~~على إيجابهما كما ذكرنا في الدفع إلى أحد الفقراء، الأداء يقع بالدفع إلى ~~كل واحد، ولا يجب الدفع إلى الجميع. وكذلك إخراج خمسة من مائتين كل خمسة من ~~ذلك مساوية للأخرى في الأداء. ولا يجب إخراج الجميع. # واحتج بأنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه دليلا، وميزه عما ليس ~~بواجب، ولهذا يطلبه. # والجواب: أنه إنما يجب هذا إذا كان الواجب معينا قبل الفعل، فينصب عليه ~~دليلا؛ ليتوصل المأمور إلى معرفته، فأما إذا لم يكن معينا وإنما ~~PageV01P307 # يتعين بفعله فلا حاجة به إلى تبين؛ لأن ما يؤدي به فرضه هو الذي يختار ~~فعله منها. # وجواب آخر وهو: أن ما يستحق العقاب على تركه والثواب على فعله واحد، ولم ~~يجب نصب الدليل عليه، فكل جواب لك عنه فهو جوابنا عن الواجب الواحد. # وجواب آخر وهو: أن المستحق عتق عبد من عبيد الدنيا، وإطعام عشرة من فقراء ~~دار الإسلام، وإن لم يدل الأمر على أعيانهم، وكذلك تعتبر الزكاة في خمس من ~~ماله لم يدل عليه، وإن كان هذا القدر هو الواجب عليه. # وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن يكون الواجب واحدا من الجملة، وفي معلوم ~~الله تعالى أن المكلف لا يعدل عنه إلى غيره، فيجوز أن يخيره ms120 في ذلك، ويكون ~~القصد تعريضه للثواب في طلبه لما هو الأولى [37/ ب] والأفضل عنده، ويصير ~~بمنزلة فرض الإمامة أنه يتعلق بواحد والخيار إلى الأمة في اختياره وتعيينه، ~~وإن لم تقم دلالة على عينه، وكذلك العدل من الشهود. # واحتج بأنه لا يجوز أن يقال: إن الواجب واحد من الجملة؛ لأنه لا يعرف ما ~~هو الأصلح. # والجواب: أن الباري -سبحانه- لو نص فقال: أوجبت عليك أيها المكلف واحدا ~~من هذه الجملة، وقد علمت أنك لا تختار إلا ما هو المراد منك والواجب عليك، ~~جاز. # فإن قيل: فيجب أن يخبر الإنسان بين تصديق المنبأ ومن هو متنبئ، قيل: لو ~~لزم هذا للزم المخالف، إذا قال في مقدار الزكاة: الخيار إلى المالك في أن ~~يعينه في أي مال شاء، وكذلك إذا قال: الخيار إليه في تعيين. # PageV01P308 # الدفع إلى أي فقير شاء. وكذلك في اختيار الإمام وتمييزه ممن ليس بإمام. # ومن الناس من أجاز ذلك إذا كان في معلوم الله تعالى: أن المكلف لا يختار ~~إلا الإيمان بمن هو نبي، مثل الإمامة، ومن منع ذلك فرق بين الأمرين: بأن ~~تصديق المتنبئ معصية وكذب، فغير جائز أن يخير بين أن يكذب أو يصدق، وبين أن ~~يطيع أو يعصي، وأما في الأشياء المأمور بها على وجه التخيير فجميعها يجوز ~~أن تجمع في الفعل، فجاز أن يقف على اختياره. # واحتج: بأن التخيير يقع بين الأشياء المتساوية، ومتى لم تكن واجبة زال ~~هذا المعنى. # والجواب: أن الجملة متساوية في أن كل واحد منهما يجزئ عن الواجب متى ~~اختاره المكلف. فإن قيل: المكلف قد يختار واحدا من الجملة ثم يعدل عنه إلى ~~غيره. # قيل: متى اختار تعيين الواجب في واحد وقف حكمه على إيجاده، فإذا أوجد ~~الثاني تبينا أن الذي أريد ذلك دون غيره، مثل أن يعطي زكاة ماله أي فقير، ~~بعد أن أراد تعيينه إلى آخر، وكذلك إذا أرادت الأمة تقليد واحد الإمامة ~~فرأت غيره أحق منه بعد ذلك. # واحتج: بأنه لو كان الواجب واحدا من الجملة، كان إذا فعل ms121 غيره لم يقع ~~موقع الواجب. # والجواب أنا نقول: الواجب غير معين، وهو ما يختاره المكلف، فتعينه بفعله، ~~فيقول القائل: إذا عدل عن غيره أو فعل غيره محال، وإذا كان تعيين الوجوب ~~موقوفا على فعله وتعيينه بطل اعتبار العدول، ولو صح هذا الاعتبار لوجب إذا ~~نذر الواحد عتق عبد من عبيده أن يكون الواجب عليه عتق جميع عبيده، ومن طلق ~~واحدة من نسائه أن يكون # PageV01P309 # الواجب عليه طلاق جميعهن، وكذلك من وجب [عليه] زكاة خمسة دراهم، أن يكون ~~الواجب عليه أن يتصدق بها على جميع فقراء الدنيا، وكذلك من وجبت عليه خمسة ~~دراهم أن يلزمه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن له العدول من بعض إلى بعض، [38/ ~~أ] فسقط ما قالوه. # PageV01P310 ### | الواجب الموسع ### | مدخل # ... # مسألة: [الواجب الموسع] : 1 # العبادة إذا تعلقت بوقت موسع كالصلاة، فإن وجوبها يتعلق بجميع الوقت ~~وجوبا موسعا، وله تأخيرها إلى آخره. # وقد نص أصحابنا على هذا في الصلاة، خلافا لأصحاب أبي حنيفة: يتعلق الوجوب ~~بآخر الوقت. # واختلفوا فيما يفعله في أوله. # فمنهم من قال: إنه تطوع يقع2 الواجب في آخره. # ومنهم من قال: إن ذلك يقع مراعا، فإن جاء آخر الوقت، وهو من أهل تلك ~~العبادة، علمنا أنه فعله واجبا، وإن كان بخلاف ذلك [علمنا] أنه فعله نفلا. # وقال الكرخي: الوجوب يتضمن تأخر الوقت، أو بالدخول في العبادة قبل ذلك3. ~~PageV01P310 # وهذا الخلاف يفيد حكمين، وليس بخلاف في عبارة؛ لأنا لا نجيز له تأخير ~~الفعل عن أول الوقت إلى آخره، إلا بشرط العزم1. # والثاني: أن الفعل إذا كان مما يجب قضاؤه، فإذا دخل الوقت ثم زال التكليف ~~بجنون أو بحيض حتى فات وقته، وجب قضاؤه على قولنا. وعندهم له التأخير بغير ~~عزم، ولا قضاء عليه. # وحكي عن بعض المتكلمين أنه غير متعين2، وإنما يتعين بالفعل كالكفارات. # دليلنا: # أن فعلها في أول الوقت بحكم الأمر، ألا ترى أن ما قبل الوقت وبعده لما لم ~~يتناوله الأمر لم يجز له فعلها فيه بحق الأمر، وإذا كانت مفعولة بحق الأمر ~~وجب أن ms122 يكون الفعل واجبا؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، ولا يلزم عليه فعل ~~الزكاة قبل الحول أنه يجوز، ولا يقتضي الوجوب؛ لأن تحصيلها لم يحصل بحكم ~~الأمر المقتضي للوجوب، وإنما كان بحكم الأمر المقتضي للرخصة، وهو حديث ~~العباس3، لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعجيل الصدقة PageV01P311 # قبل أن تحل، فرخص له في ذلك1، وليس كذلك ههنا، فإنها تفعل في أول الوقت ~~بالأمر الذي يفعل [به] في آخره، وذلك مقتضى الوجوب. # وليس لهم أن يقولوا: إن الأمر بتناول الوقت في باب الجواز، لما بينا، وهو ~~أنه تناول بالأمر الذي تناول آخره، وهو قوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} 2، ~~أو صلاة جبريل في أول الوقت وآخره 3. # ولأن إطلاق الأمر يقتضي الوجوب، وإطلاقه يقتضي الفور عندنا PageV01P312 # وعندهم، وهذا قد وجد في أول الوقت. # وأيضا: فإنها إذا فعلت في أول الوقت لم يخل: إما أن تكون مفعولة في وقت ~~وجوبها الموسع، أو في وقت وجوبها المضيق، كما حكي عن بعض، أو وقعت نفلا، أو ~~قبل الوجوب فيراعى حالها، ولا يجوز أن تكون فعلت في أول وقت الوجوب المضيق؛ ~~لأنه لو كان كذلك لكان يجب أن يجوز فعلها بنية النفل، ويكون ذلك أولى ~~بالجواز من نية الفرض؛ ولأنها لو كانت نفلا لم يسقط بها فرض كمن تصدق عن ~~نافلة لا تسقط زكاته، وكذلك من صلى نافلة في أول الوقت لم يسقط بها الفرض ~~في أول الوقت، [38/ ب] فلا يجوز أن تقع مراعاة؛ لأن عبادات الأبدان ~~المقصودة لا يجوز تقديمها على حالة وجوبها من غير عذر، وإذا بطل هذا ثبت ~~أنها فعلت في وقت وجوبها الموسع، ولا يلزم عليه الطهارة1؛ لأنها غير ~~مقصودة، ولا يلزم عليه الصيام في الكفارة؛ لأنه غير مقصود، ألا ترى أنه لا ~~يثبت حكمه إلا بعد عدم المال؟ PageV01P313 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لو تعلق وجوبها بأول الوقت، لم يجز1 تركها لا إلى بدل؛ لأن هذه صفة ~~الوجوب، وفي اتفاقهم على جواز تأخيرها في الوقت الأول لا إلى بدل دليل على ~~أن الوجوب [لا] ms123 يتعلق بأول الوقت. # والجواب: أنا لا نسلم أنه يجوز تركها لا إلى بدل، بل له أن يؤخرها بشرط ~~أن يعزم على فعلها في الوقت الثاني، فيكون عزمه على ذلك بدلا عنها. # فإن قيل: الأبدال لا يجوز إثباتها من غير دلالة تدل عليها، ألا ترى ~~PageV01P313 # أنه لا يجوز إثبات بدل من الماء غير التيمم، وكذلك سائر العبادات لا يجوز ~~إثبات بدل عنها بغير دلالة. # قيل: الدلالة على ذلك أنا لو قلنا: له التأخير من غير شرط العزم، سوينا ~~بينها وبين النافلة والمباح؛ لأن له تأخيرها من غير شرط العزم، وقد أجمعنا ~~على الفرق بين الواجب وبين النافلة والمباح، فلا يحصل الفرق إلا بما ذكرنا. # فإن قيل: البدل: ما يفعل لتعذر المثل، وفعل الصلاة في أول الوقت ليس ~~بمتعذر، فلا يكون له بدل. # قيل: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، وكذلك المسح على العمامة، ~~ويجوز فعلها مع القدرة على المبدل. # وجواب آخر عن أصل الدليل وهو: أنه منتقض بالمسافر، فإنه مخير بين فعل صوم ~~رمضان وبين تركه لا إلى بدل على ما قرر المخالف، ومع هذا فهو واجب، وكذلك ~~قضاء رمضان يجوز تقديمه وتأخيره، وهو واجب في ذمته، ولأن ترك النافلة جائز، ~~وما خير بين فعله وتركه لا يكون واجبا، وليس كذلك هذا الفعل، فإنه مخير بين ~~تقديمه وتأخيره، ولا يجوز تركه أصلا، فدل على الفرق بينهما. # واحتج: بأنها لو كانت واجبة في أول الوقت لأثم بتأخيرها عنه كتأخير الصوم ~~والزكاة والحج. # والجواب: أنه إنما لم يأثم بتأخيرها عن أول وقتها؛ لأن وجوبها موسع، وتلك ~~العبادات وجوبها مضيق، وعلى أن هذا لو كان صحيحا لوجب أن يثبت الوجوب في ~~الحالة التي يلحقه المأثم، وهو إذا بقي من الوقت قدر ما يصلي فيه الصلاة، ~~وعندهم يأثم بالتأخير عن هذه الحالة، والوجوب متبق1 كذلك ههنا. PageV01P314 # وأما من شبه ذلك بالكفارة، فهو الدليل عليه؛ لأن الكفارة واجبة عليه من ~~حين الحنث في يمينه، وبأي نوع من أنواع الكفارة كفر [39/ أ] كان وجوب ~~الكفارة سابقا ms124 لفعله، وكان مؤديا لما سبق وجوبه، كذلك يجب أن يكون في أول ~~وقت من أوقاته فعل، أن يكون فاعلا لما سبق وجوبه. # PageV01P315 ### | مسألة المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير ### | مدخل # ... # مسألة: [المريض ومن في حكمه يجب عليهم الصيام في وقته مع جواز التأخير] : ~~1 # المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام، وإن جاز لهم تأخيره، وإذا فعلوا ~~بعد زوال العذر كان قضاء عن الواجب الذي لزمهم. # وقد قال أحمد -رضي الله عنه- في رواية الأثرم، وقد سئل عن المجنون يفيق ~~يقضي ما فاته من الصوم؟ فقال: "المجنون غير المغمى عليه، قيل له: لأن ~~المجنون رفع عنه القلم، قال: نعم." فأسقط القضاء عن المجنون، وجعل له فيه ~~رفع القلم، فاقتضى أنه غير مرفوع عن المغمى عليه. # وقال أيضا -رحمه الله- في رواية حنبل في النصراني يسلم في النصف من ~~رمضان، واليهودي، أو الصبي يدرك في آخر الشهر من رمضان؟ فقال: "يصوم ما بقي ~~ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء، إنما حدثت الأحكام عليه." فأسقط ~~القضاء عنهم، وجعل العلة عدم الإيجاب، فاقتضى هذا أن من وجب عليه القضاء، ~~قد كان واجبا عليه. # خلافا لأصحاب أبي حنيفة في قوله: الصوم غير واجب عليهم في PageV01P315 # الحال، وإنما يلزمهم عند زوال العذر 1. # وخلافا للأشعرية في قولهم: المسافر يلزمه الصيام، فإن فعله أجزأه وإن ~~أخره عنه جاز. وأما المريض والحائض فلا يلزمهم قضاء الصيام، إنما يلزمهم2 ~~بعد ذلك. PageV01P316 ### | دليلنا # قوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} 1 وتقدير ~~الآية: فأفطر، فأوجب العدة بالفطر، وعندهم: ما وجبت بالفطر، وإنما وجبت ~~بمعنى آخر، وهذا دلالة على وجوب الصوم على المريض والمسافر. # ولأن العبادة إذا كانت مأمورا بها في وقت محصور، فإذا لم يجب فعلها فيه، ~~لم يجب عليه أن لا يعود وقت مثلها، كالصلاة في حق الحائض، لما لم تجب في ~~وقت، لم تجب حتى يعود وقت مثلها، فلما ثبت في الصوم أنه يجب قبل مجيء وقت ~~مثله2، ms125 ثبت أنه وجب القضاء بالتأخير، فهو كما لو أفطر بغير عذر. # وأيضا: فإنما يأتي به المريض والمسافر والحائض من الصوم بعد زوال العذر، ~~يسمى قضاء، فلولا أنه بدل عن واجب تقدم لما سمي بذلك. # [فإن قيل: إنما سمي بذلك] 3 مجازا. PageV01P316 # قيل: الأصل في كلامهم الحقيقة، فمدعي المجاز يحتاج إلى دليل. # وقد روي عن عائشة1 -رضي الله عنها- أنها قالت: كنا نقضي ما فاتنا من ~~رمضان في شعبان اشتغالا برسول [الله] 2. # وفي خبر آخر: كنا نؤمر بقضاء رمضان"3، وظاهر التسمية الحقيقة. ~~PageV01P317 # ولأن ما فعل بعد زوال العذر يعتبر قدره بقدر الأصل، ويؤتى به على مثاله، ~~فثبت أنه بدل عنه؛ ولأنه يؤمر بنية القضاء. # واحتج المخالف: # بأنه لو كان واجبا لما جاز تركه، ولأثم بتأخيره. # والجواب [39/ ب] أنه إنما جاز تأخيره؛ لأن وجوبه موسع، وعلى أنا قد ~~أبطلنا هذا في المسألة التي قبلها. # واحتج: بأن الحائض لا يتأتى منها فعل الصوم بحال، فلا يجوز أن تؤمر بما ~~لا يتأتى منها. # والجواب: أنه قد يؤمر في الشرع بفعل عبادة، وإن كان في الحال لا يصح منه ~~فعلها، كالمحدث يؤمر بفعل الصلاة، ولا يصح منه الفعل. # PageV01P318 ### | مسألة الأمر للنبي أمر لأمته ### | مدخل # ... # مسألة: [الأمر للنبي أمر لأمته] : 1 # إذا أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بفعل عبادة بلفظ ليس فيه ~~تخصيص، نحو قوله تعالى: {يا أيها المزمل} 2، و {يا أيها النبي} 3، أو فعل ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلا قد عرف أنه واجب أو ندب أو مباح، فإن أمته ~~يشاركونه في حكم ذلك الأمر والفعل، حتى يدل دليل على تخصيصه. # وكذلك الحكم إذا توجه على واحد دخل غيره في حكمه، نحو: PageV01P318 # رجم1 ماعز2، وقطع سارق3 رداء صفوان4 ونحو ذلك. PageV01P319 # وكذلك إذا توجه الخطاب إلى الصحابة -رضي الله عنهم- دخل فيه النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- نحو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} 1، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الله فرض عليكم" 2،ونحو ذلك. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية أبي طالب3 في رجل قال: إن أكلت ms126 هذا ~~الطعام فهو علي حرام، فإن أكله عليه كفارة يمين، حديث عائشة وحفصة4، لما ~~قالتا للنبي -صلى الله عليه وسلم: نشم منك رائحة معافر5، قال: "لا، ~~PageV01P320 # بل شربت عسلا، ولن أعود إليه"، فأنزل الله تعالى: {لم تحرم ما أحل الله ~~لك تبتغي مرضاة أزواجك} 1، وإنما كان شرب عسلا2. # وقال أيضا فيمن حرم أمته: عليه كفارة. # واحتج: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم مارية القبطية3، فأنزل الله ~~تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله} 4. وهذا يدل من PageV01P321 # كلام أحمد رحمه الله: أن النبي إذا أمر بفعل شيء شاركته أمته فيه؛ لأنه ~~احتج في إيجاب الكفارة على من حرم طعامه: بأمر الله تعالى نبيه -صلى الله ~~عليه وسلم- بالكفارة، لما حرم العسل، ولم يجعل ذلك خاصا في حقه؛ لأن الخطاب ~~تناوله. # وقال أيضا في رواية الأثرم: لا يتطوع قبل صلاة العيد ولا بعدها، وذكر ~~الحديث يعني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصل قبلها ولا بعدها1، فجعل ~~فعله حجة على أمته. PageV01P322 # وقال أيضا في رواية محمد بن موسى1، وقد سئل عن قوم ينهون عن رفع اليدين ~~في الصلاة، فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~ذلك2. PageV01P323 # خلافا للأشعرية وبعض الشافعية في قولهم: يختص ذلك بالنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ولمن واجهه بالخطاب، ولا يدخل النبي فيما كان خطابا للصحابة1. # وذكر أبو الحسن التميمي من أصحابنا من جملة مسائل من الأصول: أن الأمر ~~إذا توجه إلى واحد، لم يدخل غيره فيه بإطلاقه. # فالدلالة على أن الصحابة تشارك النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أمر به ~~وفي أفعاله قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} 2 فأخبر أنه زوجه من ~~كانت امرأة من قد تبناه، لكي يقتدي الناس به في ذلك، فلا يمتنعوا من ~~التزويج بنساء من تبنوه، فثبت PageV01P324 # بهذا أنهم مشاركون له فيما فعله1. # واحتج أبو إسحاق الزجاج2 في كتاب المعاني3 بقوله تعالى: {يا أيها النبي ~~إذا ms127 طلقتم النساء} 4، فأول الخطاب مواجه به النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وكان المراد به أمته بقوله: {طلقتم} ، {فطلقوهن} 5. # وأيضا: فإنما اختص به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشريعة ورد فيه ~~بلفظ التخصيص، مثل قوله تعالى: {خالصة لك} 6، و {نافلة لك} 7، فلو كان ~~منفردا بما يتوجه إليه من الشرع، لم يكن لتخصيصه فائدة8. PageV01P325 # ولأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان يسأل عن الأمر فيجيب عن حال ~~نفسه، مثل سؤال الرجل عن القبلة في حال الصوم، فقال: "أنا أفعل ذلك" 1. # ومثل قوله لأم سلمة2 حين سألته عن الاغتسال من الجنابة: "أما أنا فأفيض ~~الماء على رأسي"3، فلو كان مخصوصا بحكم الشرع، لم يكن لهذا الفعل معنى. ~~PageV01P326 # ولأن الصحابة قد كانت ترجع إلى أفعال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~فيما يختلف فيه من أحكام الشرع، مثل ما روي عن اختلافهم في الغسل من التقاء ~~PageV01P327 # الختانين من غير إنزال1، ومثل وجوب الوضوء من المسيس2، فلو PageV01P328 # كان مخصوصا بحكم الشريعة لم يصح رجوعهم إلى فعله، فدل على مساواته بغيره ~~في أحكام الشرع. # فإن قيل: الصحابة صاروا إلى هذين الفعلين بدلالة خاصة مقتضية للأمرين. # قيل: خاص الدلائل يختص بمعرفته بعض الناس، فلو كان الأمر على ما قالوه ~~لذكروها، وسألوا عنها، ولو لم يكن عندها دلالة عامة تشترك الجماعة في العلم ~~بها لسألوا عنها كسؤالهم عن نفس الدلالة. # وأيضا: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أمرني الله بشيء إلا ~~وقد أمرتكم به، ولا نهاني عن شيء إلا وقد نهيتكم عنه"، فدل على أن الأصل ما ~~ذكرنا. PageV01P329 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن لفظ الأمر وقع خاصا، فلم يكن هناك لفظ يتناول غيره، فلا يجوز إثباته. # PageV01P329 # والجواب: أن خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحكم خطاب لأمته؛ لأنه ~~صاحب الشرع ومنه يوجد، ولأنه قد أوجب عليهم اتباعه بقوله: {واتبعوه} 1، ~~وبقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} 2. # واحتج: بأنه لا يمتنع أن يكون مصلحة لعين دون عين، فلا يتعدى إلى غيرها ~~إلا بدلالة. # [40/ ب] والجواب: أنا لا نمنع ms128 أن يكون هذا مصلحة في العقل، وكلامنا فيما ~~يقتضيه الشرع، وقد بينا أن الشرع يقتضي وجوب التأسي في أفعاله. # واحتج: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد كان مخصوصا بأشياء لا يشاركه ~~غيره فيها3، كالموهوبة والعدد وغير ذلك، فلم يجز حمله على المشاركة إلا ~~بدليل. # والجواب: أن الفعل المطلق لا يقع إلا وهو دال على الاشتراك، وإنما يختص ~~ببعض الأفعال بدليل، وكلامنا في الفعل المطلق. # واحتج: بأن لفظ الواحد له صيغة تخالف لفظ الجمع، فإذا حملنا لفظ الواحد ~~على الجمع، خلطنا باب الواحد بباب الجمع، وهذا لا يحوز. # والجواب: أن خطاب الله تعالى لنبيه في حكم خطاب الجماعة؛ لأنه قد أوجب ~~عليهم اتباعه بقوله: {واتبعوه} 4، وقوله: {فليحذر PageV01P330 # الذين يخالفون عن أمره} 1، وكذلك خطاب النبي للواحد من الجماعة بقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "خطابي للواحد خطاب2 للجماعة"3. PageV01P331 ### | فصل: الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره: # والدلالة على أن الحكم إذا توجه إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره قوله ~~تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} 4 فظاهره يفيد أن ما كان من الحكم الخاص لشخص ~~بعينه في القرآن، فجميع الناس منذرون5 به، ولا يكون إلا مع تكليفهم لفظه ~~وإيقاعه. # وكذلك قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} 6، والإرسال يتضمن ما ~~أرسل من الأحكام، ومرسلا إليه، وأكد ذلك بقوله تعالى: {نذيرا} ، والإنذار ~~يقع بالعبادات. # وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خطابي للواحد خطاب ~~للجماعة، وحكمي على الواحد حكم على الجماعة" 7. PageV01P331 # فإن قيل هذا من أخبار الآحاد. # قيل: يجوز الاحتجاج به في مثل ذلك؛ ولأن الأمور التي خص رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بها الواحد، قد بين عن وجه التخصيص فيها، مثل قوله -صلى ~~الله عليه وسلم- لأبي بردة1: "الجذع من الماعز يجزئ عنك، ولا يجزئ عن أحد ~~بعدك" 2، وقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي تزوج بما معه من PageV01P332 # القرآن: "هذا لك، وليس لأحد بعدك" 1، وكذلك تخصيصه PageV01P333 # للزبير1 بلبس الحرير2. PageV01P334 # فبان أن الأصل اشتراك الجماعة في الحكم، حتى يثبت للتخصيص فائدة ms129 في موضعه ~~الذي ورد فيه. # ويدل عليه إجماع الصحابة في أحكام الحوادث، مثل رجوعهم في PageV01P335 # أمر الزنى إلى قصة ماعز 1، وفي الجنين إلى قصة2 حمل بن مالك3، ورجوع ابن ~~مسعود4 في المفوضة إلى PageV01P336 # قصة1 بروع بنت واشق2. ورجوعهم في وضع الجزية على مجوس هجر3. ولم يدع أحد ~~تخصيص الواحد من الجماعة التي خرج عليها الخطاب، فدل على تساوي الجميع في ~~ذلك. PageV01P337 # وذهب [41/ أ] المخالف إلى الذي ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا من الأدلة، ~~وقد أجبنا عنه. # واحتج: بأنه لو كان له عبيد، فقال لواحد منهم: اسقني ماء، لم يدخل فيه1 ~~بقية العبيد، كذلك أوامر صاحب الشريعة إذا توجهت إلى واحد، لا يدخل فيه ~~غيره. # والجواب: أن لفظ صاحب الشريعة أدخل في العموم من لفظ غيره، ألا ترى أنه ~~لو قال الله تعالى لنبيه، أو قال النبي لبعض أمته: صم؛ لأنك صليت، دخل في ~~ذلك كل مصل، اعتبارا بتعليله، وكذلك لو قال: حرمت السكر؛ لأنه حلو، حرم كل ~~حلو، ولو قال السيد لبعض عبيده: اسقني ماء؛ لأنك صليت؛ لم يدخل غيره من ~~عبيده المصلين في ذلك، وكذلك لو قال: والله لا أكلت السكر؛ لأنه حلو، لم ~~يدخل في يمينه غيره من الحلاوات. PageV01P338 ### | مسألة: دخول النبي في أمره لأمته ### | مدخل # ... # مسألة: [دخول النبي في أمره لأمته] : 1 # إذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بأمر، دخل هو في الأمر2. # وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى هذا في مواضع: # فقال في رواية الأثرم، وقد سأله عن حديث أم سلمة: "إذا دخل PageV01P339 # العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره، ولا من أظفاره" 1، كيف هو؟ ~~فذكر إسناده، فقيل له: فحديث عائشة خلاف هذا 2، فقال: لا، ذاك إذا بعث ~~بالهدي وأقام، لم يجتنب شيئا، وهذا إذا أراد PageV01P340 # أن يضحي في مصره، ودخل العشر، لم يمس من شعره ولا من أظفاره، فقد عارض ~~نهيه وهو قوله: "لا يمس من شعره، ولا من بشره" بفعله، وهو أنه ما كان يمتنع ~~عن شيء مما كان عليه، فلو ms130 كان نهيه لغيره مما يختص به الغير، وفعله مما ~~يختص به هو، لم يقابل النهي بالفعل؛ إذ كل واحد منهما لا يلزمه حكم الخطاب ~~الآخر1. # وكذلك قال -رحمه الله- في رواية الميموني وقد سأله رجل: أيتوضأ بالنبيذ؟ ~~فقال: كل شيء غير الماء لا يتوضأ به. فقيل له: فحديث ابن مسعود؟ فقال: ~~يرويه هذا الرجل الواحد ليس بمعروف2، يمنع من الوضوء بالنبيذ. واحتج في ذلك ~~بالآية، فعورض بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو PageV01P341 ### | ............................................................................... # PageV01P342 # حديث ابن مسعود، فتكلم عليه، ولم ينكر على السائل هذه المعارضة، فلولا أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- كان داخلا في عموم الآية لأنكر عليه ذلك، خلافا ~~لأكثر الفقهاء والمتكلمين في قولهم: لا يدخل في الأمر1. PageV01P343 ### | دليلنا # أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أمر الصحابة بالفسخ، قالوا: أتأمرنا ~~بالفسخ وأنت لا تفسخ، فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ~~ولحللت كما تحلون" 1، فلولا أنه داخل في الأمر، لم يستدعوا الفعل منه، ولم ~~يقرهم على ذلك، ويعتذر إليهم بعذر منعه من دخوله فيه. # [و] [41/ ب] رواه الأثرم في مسائله بإسناده عن ابن عمر قال: "لما أمرنا ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نحل بعمرة، قلنا: فما يمنعك يا رسول ~~الله أن تحل معنا؟ قال: "إني أهديت ولبدت، فلا أحل حتى أنحر هديي" 2. ~~PageV01P344 # ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغ عن الله تعالى أمره، فيكون بمنزلة ~~قول الله تعالى: افعلوا كذا، فيجب أن يدخل فيه. # فإن قيل: لو قال الله تعالى: قل لأمتك: افعلوا كذا، لم يدخل هو في ~~الخطاب، ولا فرق بينهما. # قيل له: قد بينا في المسألة التي قبلها فساد هذا، وقلنا: إن تخصيص النبي ~~بالخطاب يوجب دخول أمته، وتخصيص بعض الصحابة يوجب دخول الباقين فيه، كذلك ~~أمره لغيره يوجب دخوله فيه؛ لأن الجميع شرع، فلا يختص به بعض المخاطبين. # فإن قيل: الأمر مضاف إلى الأقوال، قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره} 1، وليس بمضاف إلى الله تعالى. # قيل: إنما أضافه إليه لوجوده من جهته. # فإن قيل: ما ms131 اجتهد فيه النبي هو غير مبلغ فيه عن الله تعالى أمره، فكان ~~يجب أن لا يدخل فيه. # قيل: إذا اجتهد فيه وأقر عليه، فهو مبلغ فيه عن الله تعالى؛ لأن إقراره ~~عليه أمر به. PageV01P345 # فإن قيل: فقد نقل الميموني عن أحمد -رحمه الله- في قوم يقولون: ما كان في ~~القرآن أخذنا به1، ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية؟!. # وهذا من أحمد -رحمه الله- يمنع أن يكون جميع كلام النبي عن الله تعالى. # قيل: هذا يمنع أن يكون جميع كلامه في القرآن، وغير ممتنع أن يكون لله ~~تعالى أمر غير القرآن. PageV01P346 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن النبي آمر، فلا يجوز أن يكون مأمورا به؛ لأنه لا يجوز أن يكون مأمورا ~~به بما هو آمر به، كما لا يحوز أن يكون آمرا بما هو مأمور به؛ ولأنه لا ~~يجوز أن يكون مطلوبا بما هو طالب به، ومسئولا بما هو سائل به، كذلك لا يجوز ~~أن يكون مأمورا بما هو آمر به. # والجواب: أنا لا نسلم أنه أمره، وإنما هو من جهة الله تعالى وهو مخبر ~~عنه. # واحتج: بأنه لا يجوز أن يكون آمرا نفسه بلفظ يخصه، كذلك لا يجوز أن يكون ~~آمرا نفسه بلفظ يعمه وغيره. # والجواب: أنه ليس بآمر نفسه، وإنما الأمر من جهة الله تعالى له ولغيره، ~~على أنه قد قيل: إن ذلك جائز أن يقول لنفسه: افعل، ويريد منها الفعل. # PageV01P346 # واحتج: بأن من شرط الأمر أن يكون الآمر أعلى من المأمور، وهذا الشرط ~~مفقود ههنا؛ لأنه لا يكون أعلى رتبة من نفسه. # والجواب: أن هذا يصح إذا كان هو الآمر، فأما والآمر هو الله تعالى فلا ~~يلزم هذا. # واحتج: [42/ أ] بأن الأمر يتضمن إعلام المأمور به وجوب الفعل، ولا يجوز ~~أن يكون معلما نفسه بلفظه، فلم يجز أن يكون آمرا نفسه. # والجواب: أن الله تعالى هو المعلم له، وليس هو المعلم نفسه. # واحتج: بأن المأمور عليه أن يمتثل الأمر، سواء كان عليه فيه ضرر أو له ~~فيه نفع، والإنسان يتوقى ما ms132 يضره ويأتي ما ينفعه قبل الأمر، فثبت أن الآمر ~~لا يدخل في الأمر. # والجواب: أن هذا يصح لو كان هو الآمر لنفسه. # واحتج: بأن الأمر في اللغة، لاقتضاء الفعل من غيره، ألا ترى إذا قال: ~~افعل كذا، صلح أن يقول له المخاطب: قد فعلت، ويكون امتثالا فلا يصح أن يقول ~~هو: قد فعلت. # ولأنه لو قال لعبده: اسقني ماء، كان الأمر متوجها إلى غلامه، دون نفسه؛ ~~لأنه لا يأمر نفسه أن يسقيه ماء. # والجواب: أنا هكذا نقول، وأن الفعل مقتضاه من غيره، وهو الله سبحانه، ولا ~~يشبه هذا، إذا قال لعبده: اسقني الماء؛ لأن الأمر من جهته صدر، فلا يدخل هو ~~فيه. # فإن قيل: فهل يدخل المخبر تحت الخبر؟ # قيل: لا يدخل؛ لأنه لا فائدة أن يخبر نفسه؛ لأنه ليس يخفى عنه حال المخبر ~~عنه، والأمر بخلافه. # PageV01P347 ### | فهرس موضوعات المقدمة # الموضوع الصفحة # الافتتاحية 7 # التعريف بالمؤلف 15- 30 # اسمه ونسبه 15 # مولده 18 # نشأته، وطلبه العلم، وأهم أعماله 19 # توليه التدريس 22 # توليه القضاء 23 # زهده، وورعه، وثناء الناس عليه 24 # وفاته، ورثاء الناس له 27 # أولاده 29 # التعريف بالكتاب 31- 56 # اسم الكتاب 31 # نسبة الكتاب إلى المؤلف 31 # وصف مخطوطة الكتاب 32 # منهج المؤلف في هذا الكتاب 34 # مصادر المؤلف في هذا الكتاب 37 # PageV01P349 # الموضوع الصفحة # مصادر في العقيدة 37 # مصادر في التفسير وعلومه 38 # مصادر في الحديث وعلومه 40 # مصادر في الفقه وأصوله 42 # مصادر لغوية ونحوية 44 # مصادر متنوعة 45 # تقويم الكتاب 48 # محاسن الكتاب 48 # المآخذ على الكتاب 51 # منهج التحقيق 57 # صورة المخطوطة 61 # PageV01P350 # فهرس موضوعات الكتاب # الموضوع الصفحة # افتتاحية الكتاب 67 # تعريف الأصول في اللغة 67 # تعريف الفقه في اللغة 68 # تعريف الفقه في الاصطلاح 69 # تعريف أصول الفقه في الاصطلاح 70 # وجوب معرفة الفروع قبل الأصول 70 # أدلة الشرع ثلاثة أضرب 71 # تقسيم الأصل إلى ثلاثة أضرب 72 # أقسام المفهوم 72 # أقسام الاستصحاب 72 # باب ذكر الحدود 74- 193 # تعريف الحد 74 # الزيادة في الحد ms133 75 # أقسام الزيادة في الحد عند الباقلاني 75 # تعريف العلم عند المؤلف 76 # PageV01P351 # الموضوع الصفحة # ذكر التعريفات الأخرى ومناقشتها 77 # تقسيم العلم إلى قديم ومحدث 80 # يقسم العلم المحدث إلى ضروري ومكتسب 80 # تعريف العلم الضروري وذكر قسميه 80 # تعريف العلم المكتسب وذكر قسميه 82 # تعريف الجهل 82 # تعريف الشك 83 # تعريف الظن 83 # الظن طريق للحكم بخلاف الشك 83 # تعريف العقل 83 # الخلاف في محل العقل 89 # أدلة من قال: إنه في الرأس 90 # أدلة من قال: إنه في القلب 90 # رد أدلة من قال: إنه في الرأس 93 # تفاوت العقول في بني البشر 94 # ذهب بعض المعتزلة وبعض الأشعرية إلى تساوي العقول 94 # أدلة من قال بالتفاوت 94 # دليل من قال بعدم التفاوت والرد عليه 100 # تعريف البيان في الاصطلاح 100 # تعريف البيان في اللغة 101 # تعريف الإمام الشافعي للبيان 102 # اعتراض ابن داود على تعريف الشافعي 103 # تعريف الصيرفي للبيان والرد عليه 105 # الخطاب المبتدأ الظاهر المعنى يطلق عليه البيان 105 # PageV01P352 # الموضوع الصفحة # تعريف البيان عند المتكلمين 106 # وجوه البيان في الشرع 107 # ما يحتاج إلى البيان 108 # ما يقع به البيان 110 # البيان من الله -تعالى- بالقول وبالكتاب 110 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالقول 112 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالكتابة 114 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالفعل 118 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإشارة 124 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالدلالة # والتنبيه على الحكم من غير نص 125 # البيان من الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإقرار 127 # وقوع بيان المجمل بالإجماع 128 # قسم أبو بكر غلام الخلال البيان إلى خمسة أقسام 130 # تعريف الدليل 131 # معنى الاستدلال 132 # معنى المستدل عليه 132 # معنى المستدل له 132 # معنى الدلالة لغة 132 # معنى الدال 133 # قول أحمد: قواعد الإسلام أربع 135 # تعريف الأمارة 135 # أقسام الأمارة 135 # تعريف النص 137 # PageV01P353 # الموضوع الصفحة # تعريف العموم 140 # تعريف الظاهر 140 # الفرق بين العموم والظاهر 140 ms134 # تعريف المجمل 142 # آية: {وآتوا حقه يوم حصاده} مجملة 143 # آية: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} مجملة 143 # آية: {ولله على الناس حج البيت} مجملة 144 # آية: {حرمت عليكم الميتة} مجملة 145 # آية: {حرمت عليكم أمهاتكم} مجملة 145 # آية: {وأحل الله البيع} مجملة 148 # آية: {السارق والسارقة} ليست بمجملة 149 # تعريف المفسر 151 # تعريف المحكم 151 # تعريف المتشابه 152 # تعريف مفهوم الخطاب 152 # تعريف دليل الخطاب 154 # تعريف التخصيص 155 # تعريف النسخ 155 # تعريف الأمر 157 # المندوب مأمور به حقيقة 158 # تعريف النهي 159 # تعريف الواجب 159 # العبارات التي يطلق عليها "الفرض" 160 # الحتم مرادف للفرض 162 # PageV01P354 # الموضوع الصفحة # هل هناك فرق بين الفرض والواجب 162 # تعريف الندب 162 # تعريف الطاعة والمعصية 163 # تعريف العبادة 163 # تعريف السنة 165 # معنى المكتوبة 167 # تعريف الإباحة 167 # تعريف الحسن والقبيح 167 # تعريف الجائز 168 # معنى الظلم والجور 169 # تعريف الخبر 169 # تعريف الإجماع 170 # تعريف الحقيقة 172 # تعريف المجاز 172 # للإطلاق المجازي أربعة وجوه 172 # تعريف القياس 174 # تعريف الأصل 175 # تعريف الفرع 175 # تعريف العلة 175 # تعريف الحكم 176 # تعريف العلة الواقفة 176 # تعريف العلة المتعدية 176 # ما هو المعلول، الحكم أم الذات التي حلتها العلة؟ 176 # تعريف "المعتل" و"المعلل" و"المعتل به" و"المعتل له" 176 # PageV01P355 # الموضوع الصفحة # تعريف الطرد والعكس 177 # تعريف النقض 177 # انقسام العلة إلى منطوق به ومجتهد بها 178 # تعريف السبب 182 # أقسام النظر 183 # تعريف الجدل 184 # تعريف الرأي 184 # تعريف الكلام 185 # تقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف 186 # ذكر بعض الوجوه التي تأتي عليها الأسماء 187 # الأسماء نوعان: عام وخاص 187 # الأسماء المقيدة المشتقة على قسمين 188 # لا يحمل الاسم على الحقيقة والمجاز معا 188 # الأسماء التي استعملها الشرع غير منقولة خلافا للمعتزلة 189 # ثبوت الأسماء هل كان عن توقيف أو عن مواضعة؟ 190 # الكلام في بعض حروف تتعلق بها الأحكام 194-212 # حرف "الواو" وله ثلاث حالات: 194 # الحالة الأولى: أن تكون عاطفة 194 # الخلاف في ms135 كونها تقتضي الترتيب 194 # الحالة الثانية: أن تكون للقسم 197 # الحالة الثالثة: أن تكون بدل "رب" 197 # قد تأتي الواو بمعنى "أو" 198 # حرف "الفاء" 198 # حرف "ثم" 199 # PageV01P356 # الموضوع الصفحة # حرف "أو" ولها ثلاث حالات: 199 # الحالة الأولى: تكون للشك 199 # الحالة الثانية: تكون للتخيير 200 # الحالة الثالثة: تكون للجمع، على رأي 200 # قد تكون للإباحة 200 # حرف "الباء" 200 # وهي للإلصاق خلافا لبعض الشافعية فيما لو تعدى الفعل بغيرها 200 # حرفا "من، وإلى" 202 # حرف "على" 203 # حرف "في" 204 # حرف "اللام" 204 # حرف "إنما" 205 # قيام بعض الحروف عن بعض 208 # قيام " في" عن "على " 208 # قيام "الباء" مكان "عن" 209 # قيام "عن" مكان "الباء" 209 # قيام "اللام" مكان "على" 210 # قيام "إلى" مكان "مع" 210 # قيام "اللام" مكان "إلى" 210 # قيام "على" مكان "من" 210 # قيام "من" مكان "الباء" 211 # قيام "الباء" مكان "من" 211 # قيام "من" مكان "في" 212 # PageV01P357 # الموضوع الصفحة # قيام "من" مكان "على" 212 # قيام "عن" مكان "من" 212 # قيام "من" مكان "عن" 212 # قيام "على" مكان "عند" 212 # قيام "الباء" مكان "اللام" 212 # بيان أبواب أصول الفقه 213 # باب الأوامر 214-424 # الكلام في صيغة الأمر 214 # الدليل على أن الأمر يكون كذلك لصيغته لا لإرادة الآمر 216 # أدلة من قال: "لا بد من الإرادة في الأمر"، ورد ذلك 219 # الدليل على أن الأمر هو الأصوات المسموعة 222 # الفعل لا يسمى أمرا ودليل ذلك مع ذكر الخلاف 223 # الأمر المتعري عن القرائن للوجوب عند الجمهور 224 # إذا أريد بالأمر: الندب، فهو حقيقة فيه 248 # الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة 256 # الأمر المطلق يقتضي التكرار 264 # الأمر المعلق بالشرط يقتضي التكرار 275 # الأمر المتكرر هل يقتضي التكرار 278 # الأمر المطلق يقتضي الفور 281 # الأمر المؤقت، لا يسقط بفوات وقته 293 # الأمر يقتضي كون المأمور به مجزئا 300 # PageV01P358 # الموضوع الصفحة # الواجب المخير 302 # الواجب الموسع 310 # مسألة: المريض والمسافر والحائض يلزمهم الصيام.. إلخ 315 # الأمر ms136 المطلق للرسول -صلى الله عليه وسلم- يعم أمته # وكذلك الأمر لواحد من الأمة يدخل الرسول # -صلى الله عليه وسلم- في حكمه 318 # إذا أمر النبي أمته بأمر دخل هو في الأمر 339 # PageV01P359 ### | المجلد الثاني ### | باب الأوامر ### | الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره ### | مسألة العبيد يدخلون في الخطاب المطلق ### | مدخل # ... # باب الأوامر: # الحكم على واحد من الصحابة حكم على غيره: # مسألة 1 العبيد يدخلون في الخطاب المطلق: 2 # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد3: تجوز شهادة المملوك، ~~إذا كان عدلا؛ لأن الله تعالى يقول: {ممن ترضون من الشهداء} 4، وقال: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} 5. # وقال أيضا في رواية ابن منصور6: "على العبد إيلاء، وإيلاؤه أربعة أشهر". ~~وإنما قال: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة PageV02P348 # أشهر} 1، ولم يذكر العبيد، ولا اليهود2. # وقال في كتاب طاعة الرسول قوله: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} ~~3، فالظاهر أنه على العبد والحر. # وقال أيضا رحمه الله في رواية الميموني، وقد سأله عن المملوكين أو ~~المملوك وتحته حرة يلاعنها: كل زوجين [يتلاعنان] على ظاهر الآية. # فظاهر كلام أحمد رحمه الله: أنه أدخلهم في عموم قوله تعالى: {للذين 4 ~~يؤلون من نسائهم} ، وفي عموم قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} 5، وهو ~~اختيار أبي بكر الباقلاني وأبي عبد الله الجرجاني6. # وحكى أبو سفيان عن الرازي: أنه ما تعلق بحقوق الآدميين؛ لم يدخل فيه، ~~قال: ولهذا لم يجز أصحابنا شهادة العبد. # واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: يدخل فيه، ومنهم من يمنع7. ~~PageV02P349 ### | دليلنا # أن العبد يصح تكليفه، والخطاب متناول له؛ فوجب دخوله فيه كالحر. # ولأنه يدخل في الخطاب الخاص؛ فوجب أن يدخل في الخطاب العام؛ [42/ب] لأن ~~دخوله في الخاص لتناوله إياه، وهذا المعنى موجود في العام. # ولأن الرق حق يثبت للغير قبله؛ فلا يؤثر ذلك في خطابه، مثل من عليه دين ~~أو قصاص. # PageV02P350 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن رقابهم ومنافعهم كلها مملوكة للمولى؛ فلا يجوز أن يتصرفوا في شيء إلا ~~بإذنهم، وإذا لم يجز ذلك؛ لم ms137 يجز إدخالهم في الخطاب المطلق. # والجواب: أن ذلك لا يمنع من دخوله في الخطاب الخاص، وكل جواب عنه؛ فهو ~~جوابنا عن العام. # ولأن فعل العبادة يصير مستثنى في حق مولاه، كما يكون مستثنى في حق ~~الزوجة، وفي حق1 المستأجر. # واحتج: بأن العبد لا يملك فعل ما هو من حقوق الآدميين؛ لأنه لا يملك شيئا ~~من العقود، ولا الإقرار بالأموال؛ فلم يدخل تحت الخطاب الذي يتضمن حقوقهم؛ ~~لأنه لا يملك فعل ما خوطب عليه2، ويفارق هذا الخطاب الذي يتضمن حقوق الله ~~تعالى كالصوم والصلاة ونحوهما3؛ لأن PageV02P350 # العبد يملك فعل ذلك من نفسه، بدليل أن المولى لا يملكه عليه. # والجواب: أنه إنما لم يملك حقوق الآدميين لدليل دل، وخلافنا في مطلق ~~الأمر الخاص، ويلزم عليه أيضا حقوق الله سبحانه؛ فإن منافعهم مملوكة ~~لغيرهم، وتلزمهم. # PageV02P351 ### | مسألة دخول النساء في جمع الذكور ### | مدخل # ... # مسألة [دخول النساء في جمع الذكور] : 1 # يدخل النساء في جمع الذكور، نحو المؤمنين والصابرين2. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروزي في قوله: "من بدل دينه ~~PageV02P351 # فاقتلوه" 1 على الرجال والنساء2. خلافا لأصحاب PageV02P352 # الشافعي1 والأشعرية2 في قولهم: لا يدخلون في ذلك. PageV02P353 ### | دليلنا # اتفاق أهل اللغة على أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا1 غلب الذكور على ~~الإناث، كما أنه إذا أخرج من يعقل مع ما لا يعقل؛ غلب من يعقل على ما لا ~~يعقل، يبين ذلك قوله تعالى: {قلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} 2، كان ذلك خطابا ~~لآدم وزوجته والشيطان، الذي أزلهما عنه3، فغلب الذكر على الأنثى، وقال ~~تعالى: {والله خالق كل 4 دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي ~~على رجلين} ؛ فغلب من5 يعقل على ما لا يعقل، وهي الحية. # ويقال: رأيت فلانا وفلانة قائمين، وقاعدين، فيغلب اسم التذكير ~~PageV02P353 # حال التثنية، وإذا صح هذا وكان خطاب الله تعالى في صورة "افعلوا" خطابا ~~لجميع الناس؛ لأن هذا خطاب لحاضر، وجب أن يكون متناولا لسائر المكلفين من ~~الرجال والنساء. # فإن قيل: لو كان اللفظ متناولا للذكور والإناث معا لما ms138 غلب أحدهما، بل ~~كانا يتساويان فيه؛ فلما غلب التذكير ثبت أن اللفظ موضوع للذكور، فيجب حمله ~~عند الإطلاق على موضوعه. # قيل: ليس إذا غلب أحدهما كان الخطاب، [42/أ] لأحدهما دون الآخر، كما ~~قلنا: إذا اجتمع من يعقل مع ما لا يعقل، وإذا اجتمع الأيام مع الليالي؛ ~~فإنه يغلب أحدهما واللفظ شامل لهما، كذلك ههنا، وكما يقال: فلان وفلانة ~~قائمان؛ فيغلب التذكير وإن تناولهما. # وأيضا: فإن الآمر إذا قال لمن بحضرته من الرجال والنساء: "قوموا ~~واقعدوا"؛ كان ذلك خطابا لهم جميعا باتفاق أهل اللغة. ولو قال: "قوموا ~~وقمن؛ كان ذلك لكنة وعيا، فعلم أن الخطاب يصلح لهما، ويشتمل عليهما. # فإن قيل: لو كان أوامر الله تعالى بمنزلة أمر الآمر لمن بحضرته؛ لما حق ~~وروده بلفظ الأمر للغائب؛ فلما وجدنا الله تعالى قد أمر الغائب بقوله: ~~{فلينظر الإنسان مم خلق} 1، وقوله تعالى: {فليعبدوا رب هذا البيت} 2 علمنا ~~أن أمره مخالف للآمر يأمر من بحضرته3. # قيل: إن كان لفظ الأمر للغائب؛ فالمراد به الحاضر، كما تقول: "اللهم ~~اغفر"، بمنزلة خطاب الحاضر، وتقول: "غفر الله لي"، بمنزلة PageV02P354 # خطاب الغائب، وهما سواء، كذلك أوامره. # ولأن ألفاظ الأوامر مثل قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 1، ونظائره، ~~وألفاظ الوعد والوعيد، والمدح والذم، والثواب والعقاب، بلفظ المذكر وهي ~~عامة؛ لعلمنا بمراد الله تعالى الفريقين، وليس لأحد أن يقول: عرفنا ذلك ~~بدليل؛ لأنه لم يرد لفظ يختص بالنساء، ولو كان لظهر. PageV02P355 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} 1، وقوله تعالى: {كتب عليكم القتال وهو ~~كره لكم} 2. وأن ذلك مختص بالذكور دون الإناث. # والجواب: أن ذلك اختص الذكور بدلالة الإجماع، ولولا ذلك كان الخطاب ~~للرجال والنساء جميعا. # واحتج: بأن للذكور علامة يتميزون بها من الإناث، كما أن للمؤمنين علامة ~~يتميزون بها من الكافرين؛ فلما كان المؤمن لا يدخل تحت اسم الكافر، ولا ~~الكافر تحت اسم المؤمن؛ كذلك لا يجوز أن تتناول لفظة: "افعلوا"، غير ~~الذكور؛ لأن الواو في ذلك علامة للذكور، والنون في: "افعلن"، علامة للإناث. # والجواب: أنا لا ms139 ننكر أن يكون لكل فريق علامة يميز بها حال الانفراد؛ ~~وإنما الكلام في حال الاجتماع، هل يغلب خطابه بلفظ: "افعلوا"، فيكون خطابا ~~للفريقين، كما يكون حال الاجتماع للمسلمين والكفار خطابا لهم جميعا. ~~PageV02P355 # واحتج بما روي عن أم سلمة؛ أنها قالت: "إن النساء قلن: يا رسول [الله] ما ~~نرى الله يذكر إلا الرجال؛ فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات} 1"، ~~وهذا يدل على أن النساء لا يدخلن في جمع الذكور. PageV02P356 # والجواب: أنهن إنما شكون أن الله تعالى لم يخصهن [43/ب] بالذكر الذي وضع ~~لهن في الأصل، وأردن1 أن يكون لهن في الكتاب2 [أ] لا ترى أنهن كن يصلين ~~ويزكين قبل ذلك بقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 3 فدل ذلك على ما ~~ذكرنا. # فإن قيل: هذا لا يختص به النساء؛ فإن الرجال أيضا ما أفردوا بلفظ يخصهم؛ ~~فإن لفظ التذكير يدخل فيه التأنيث. # قيل: إلا أن علامة التذكير وهي: الواو والنون، قد وردت، وهي دالة على ~~الرجال، ولم ترد علامة التأنيث وهي الألف والتاء4. # واحتج: بأن الآحاد من جميع الذكور لا يدخل فيه الإناث، نحو مؤمن وكافر، ~~وقاتل، كذلك يجب أن لا يدخلن في جمعه؛ لأن الجمع إنما تناوله من يصح تناول ~~آحاده له، ألا ترى أن المؤمن لما لم يصح دخوله في قولك: كافر؛ لم يصح دخوله ~~في قوله: كوافر، وأنها5 لا تدخل في جمع المؤنث، مثل المسلمات والتائبات ~~والصابرات والذاكرات؛ لأنه لا يدخلونه في المسلمة والتائبة والصابرة. # والجواب: أنا إن سلمنا هذا، فليس إذا لم يدخل في آحاد جميع الذكور ما ~~يمنع من دخوله في الجمع، كما قلنا في آحاد الأيام والليالي، PageV02P357 # لا يتبعه الآخر، وفي الجمع يتبع أحدهما الآخر، وكذلك من1 يعقل وما لا ~~يعقل، آحاده لا ينتظم الآخر، وجمعه ينتظم؛ كذلك هذا. # وجواب آخر وهو: أن لفظ الجمع يحتمل المذكر والمؤنث في الخطاب، وإنما غلب ~~المذكر؛ ولفظ الواحد لا يحتمل أن يجتمع فيه المذكر والمؤنث، فغلب فيه وضع ~~اللفظة. # جواب آخر وهو: أنا لو حملنا الواحد على المذكر والمؤنث، ms140 لم يمتز المذكر ~~والمؤنث، وليس كذلك إذا حمل لفظ الجمع عليهما؛ لأنه يحصل الامتياز بينهما ~~في حال أخرى وهو لفظ الواحد. PageV02P358 ### | مسألة دخول الكفار في الأمر المطلق ### | مدخل # ... # مسألة [دخول الكفار في الأمر المطلق] : 1 # الأمر المطلق يتناول الكافر كتناوله المسلم، نحو قوله: {يا أيها الناس} 2 ~~و: {يا أولي الألباب} 3 و: {يا أولي الأبصار} 4، ويكون مخاطبا بالعبادات ~~كالمسلمين في أصح الروايتين. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب في اليهودية والنصرانية تلاعن ~~المسلم: {والذين يرمون أزواجهم} 5، فهي من الأزواج، PageV02P358 # وهي بمنزلة المسلمة المحصنة1. # وظاهر كلامه: أنه جعلها داخلة في عموم قوله: {والذين يرمون أزواجهم} . # وقد صرح بذلك في كتاب "طاعة الرسول"، فقال: قوله: {والذين يرمون أزواجهم ~~ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} ؛ فالظاهر يقع على الأمة واليهودية ~~والنصرانية وغير ذلك2. # وإلى هذا ذهب المتكلمون من الأشعرية والمعتزلة3. # وفيه [44/أ] رواية أخرى: "لا يتناولهم الأمر، ولا هم مخاطبون بالعبادات، ~~وإنما هم مخاطبون بالإيمان والنواهي"4. PageV02P359 # وقد قال أحمد رحمه الله في يهودي أسلم في نصف شهر رمضان: "يصوم ما بقي، ~~ولا يقضي ما مضى؛ لأنه لم يجب عليه شيء من ذلك؛ وإنما وجب عليه الأحكام من ~~الطهر والصلاة بعد ما أسلم"؛ فقد صرح رحمه الله: أنه لم يكن واجبا عليه في ~~حال كفره. # واختلف أصحاب أبي حنيفة: # فذهب الكرخي والرازي وجماعة من أصحابه إلى أنهم مخاطبون بالعبادات. # وذهب الجرجاني: إلى أنهم غير مخاطبين بها؛ وإنما خوطبوا بالنواهي ~~والإيمان1. # واختلف أصحاب الشافعي أيضا: # فمنهم من قال: هم مخاطبون، وهو الأشبه عندهم2. # ومنهم من منع. # فالدلالة على أنهم مخاطبون: # قوله تعالى: {وويل للمشركين 3 الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~كافرون} 4، فتوعد المشركين على شركهم، PageV02P360 # وعلى ترك إيتاء الزكاة؛ فدل [على] أنهم مخاطبون بالإيمان وإيتاء الزكاة؛ ~~لأنه لا يتواعد على ترك ما لا يجب على الإنسان، ولا يخاطب به. # فإن قيل: ليس المراد بالآية أننا لم نؤد الزكاة؛ لأنها ما كان1 يتأتى ~~منهم فعلها؛ وإنما المراد أننا لم نكن ms141 معترفين بالزكاة ولا مقرين، وقد يعبر ~~بالفعل عن الإقرار بالشيء وإلزام حكمه، كقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون} 2، يعني: حتى يضمنوا. # قيل: حقيقة الكلام تقتضي أن الوعيد على ترك إيتاء الزكاة؛ فوجب حمله على ~~الحقيقة. # فإن قيل: ظاهر الكلام يقتضي أنه جعله صفة للمشركين؛ فكأنه قال: فويل ~~للمشركين الذين هم على صفة لا يؤتون الزكاة. # قيل: هما صفتان، وتقديره: فويل للقوم المشركين، وقوله: {الذين لا يؤتون ~~الزكاة} صفة ثانية لهم، ويكون ذلك مثل قوله: فويل للسارقين الذين لا يؤدون ~~المسروق؛ فيكون الوعيد على الصفتين جميعا. # فإن قيل: لو كان كذلك؛ لوجب أن يكون الوعيد على اجتماع الصفتين، وقد ~~أجمعنا على أن المشرك الذي لم يكن له مال متواعد على شركه. # قيل: الوعيد على كل واحد من الصفة بانفرادها دون اجتماعها، كما قال ~~تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} 3، وهذا توعد على كل PageV02P361 # واحد من المشاقة، واتباع غير سبيل المؤمنين. # ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: {ما سلككم في سقر، قالوا لم نك 1 من ~~المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم ~~الدين} 2، وهذا يدل على [44/ب] أنهم دخلوا النار لتركهم إطعام المسكين ~~وتركهم الصلاة. # فإن قيل: المراد به أنا لم نكن من المعتقدين بالصلاة ولا مقرين بها. # قيل: قد أجبنا عن هذا، وقلنا: حقيقة التوعد على ترك الفعل للصلاة ~~والإطعام. # فإن قيل: هذا حكاية عن قول أهل النار؛ فلا حجة فيه. # قيل: إنما حكى ذلك عنهم ردعا وزجرا لغيرهم، ولو لم يكن فيه حجة؛ لم يصح ~~الردع والزجر؛ ولأنه لو يكن صحيحا؛ لوجب أن يعقبه بذم ونكير، كما قال ~~تعالى: {يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} 3. # ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين حتى تأتيهم البينة} إلى قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ~~له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة} 4، وهذا يدل على أن الكفار مأمورون بإقامة ~~الصلاة ms142 وإيتاء الزكاة وسائر العبادات. PageV02P362 # وأيضا: فإن الخطاب متناول لهم بإطلاقه؛ فوجب أن يكونوا داخلين، فيه ~~كالمسلمين، ونريد بالخطاب المطلق نحو قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~1، وقوله: {ولله على الناس حج البيت} 2، ولسنا نريد قوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} 3 و {يا أيها الذين آمنوا اركعوا} 4؛ لأن ذلك ~~خاص في المؤمنين. # وأيضا5 فإن الكفار يدخلون في النواهي؛ لأن الذمي يحد بالزنى والسرقة؛ ~~فوجب أن يدخلوا في الأوامر؛ لأن من دخل في أحد الخطابين؛ دخل في الآخر. # فإن قيل: فلم لا يحد بشرب الخمر كما يحد المسلمون؟ # قيل: لأنه قد أعطي الأمان على أن يقر على شربه، كما أعطي الأمان على أن ~~يقر على اعتقاده الكفر. ثم لا يدل هذا على أنه غير مأمور بالإيمان ومنهي عن ~~الكفر، كذلك لا يدل ترك إقامة حد الشرب على أنه غير منهي عنه. # فإن قيل: إنما كلف النواهي؛ لأنه يصح منهم أن يمتنعوا عن فعل النواهي؛ ~~فلذلك صح أن يخاطبوا بها، ولما لم يصح منهم فعل الأوامر؛ لم يصح أن يخاطبوا ~~بها. PageV02P363 # قيل: الترك يحصل منهم ولا يكون طاعة، ويحصل الفعل كذلك، فلا فرق بينهما. # وأيضا: لما كان مخاطبا بشرط هذه العبادات، وهو الإيمان وجب أن يكون ~~مخاطبا بالمشروط، كما أن من خوطب بالطهارة كان مخاطبا بالصلاة. # فإن قيل: إنما خوطب بالإيمان؛ لأنه يتأتى منه، ولم يخاطب بالعبادات، ~~لأنها [لا] تتأتى منه. # قيل: هذا لا يمنع التكليف، كالمحدث هو مخاطب بالعبادة في حال حدثه وإن لم ~~تصح1 منه. PageV02P364 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لما بعث معاذا1 إلى اليمن قال ~~له: "ادعهم [45/أ] إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أجابوك فأعلمهم: أن ~~لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" 2؛ فلو كان الخطاب يتوجه عليهم ~~بهذا الإيمان لأمره أن يدعوهم إليه. PageV02P364 # والجواب: أنه لم يأمره بأن يدعوهم إلى ذلك؛ لأنه لا يصح منهم فعله في حال ~~كفرهم؛ فبدأ بما يصح فعله، وهو الإيمان. ms143 # واحتج: بأنه كتب إلى كسرى وقيصر1، ودعاهما إلى التوحيد، PageV02P365 # ولم يذكر في كتابه إليهما شيئا من الشرائع؛ فلو كانا1 متعبدين بها ~~لذكرها. # والجواب عنه: ما تقدم. # واحتج بأن الكافر لا يصح منه فعل الصلاة والصيام في حال كفره؛ فإذا أسلم ~~سقطت عنه؛ فلا يتأتى منه الفعل في الحال، ولا في المآل؛ فلو قلنا: إنه ~~مخاطب بها؛ لكان تكليف الزمن فعل الصلاة قائما، والحائض فعل الصلاة في حال ~~حيضها. # والجواب: أنه وإن كان لا يتمكن من فعلها مع الكفر؛ فقد جعل له ~~PageV02P366 # السبيل إلى التوصل إليها؛ بأن يقدم الإيمان ثم يفعل العبادات، كالمحدث ~~الذي لا طريق له إلى فعل الصلاة؛ إلا بأن يقدم الوضوء أو الغسل؛ وإنما الذي ~~يمنع وجوب العبادة أن لا يتمكن من فعلها، ولا يكون له طريق إلى التوصل. # فإن قيل: إنما كان المحدث مخاطبا بفعل الصلاة، والحائض بفعل الصيام، وإن ~~لم يصح الفعل منهما؛ لأن الحدث لا ينفي فعل الصلاة؛ فإنه إذا تطهر لم تسقط ~~عنه الصلاة التي لزمته في حال الحدث، بل يفعلها بعد طهر، وكذلك الحائض. # فأما الكافر فإنه لا يتأتى منه في حال كفره، وفي حال إسلامه يسقط عنه ~~القضاء؛ فلا يتأتى منه الفعل بحال. # قيل: إنما لم يجب القضاء؛ لأن الإسلام جعل مسقطا لما سلف؛ لئلا يكون وجوب ~~القضاء تنفيرا عن الإسلام؛ لأن الكافر ربما أراد الإسلام وهو شيخ؛ فإذا علم ~~أنه يلزمه قضاء ما ترك في عمره من صلاة أو صيام أو زكاة؛ نفره ذلك عن ~~اختيار الإسلام واعتقاده. # ويدل على أنه بهذا المعنى قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} 1، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" ~~2، وهذا يدل على أن الإسلام هو المسقط ما سبقه من الواجب. PageV02P367 # واحتج: بأن الكفر يمنع صحة العبادة، ويمنع قضاءها في الثاني؛ فصار ~~كالجنون. # والجواب: أن الجنون يمنع الخطاب بالنواهي وبالإيمان، والكفر لا يمنع ذلك. # PageV02P368 ### | مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده ### | مدخل # ... # مسألة 1 [الأمر بالشيء نهي ms144 عن ضده] : # الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد ~~كثيرة، وسواء كان مطلقا أو معلقا بوقت مضيق؛ لأن من أصلنا: أن إطلاق الأمر ~~يقتضي الفور2. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب: لا يتنحنح في صلاته فيما ~~نابه3؛ فإن النبي [45/ب] صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم في صلاتكم ~~PageV02P368 # شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" 1، فجعل أمره بالتسبيح نهيا عن ضده ~~الذي هو التصفيق. PageV02P369 # وهو قول أصحاب أبي حنيفة1 وأصحاب الشافعي2. # وقال الأشعرية3: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا بنوه على أصلهم: أن4 ~~الأمر لا صيغة له. # وقالت المعتزلة: الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده؛ لا من جهة اللفظ ولا من ~~طريق المعنى، وبنوا هذا على أصل: أن5 النهي لا يكون نهيا لصيغته، حتى تنضم ~~إليه قرينة، وهي6: إرادة الناهي، وذلك غير معلوم عندهم. # ويفيد الخلاف: توجه المأثم عليه بفعل صلاة بمجرد الأمر. PageV02P370 ### | دليلنا # أن الأمر عندنا يقتضي الوجوب والفور، وقد دللنا على صحة ذلك. # PageV02P370 # وإذا كان كذلك؛ وجب أن يكون تركه محرما، وتركه: فعل ضده؛ فوجب أن يكون ~~فعل ضده منهيا عنه، فكان الأمر باللفظ متضمنا لتحريم فعل ضده. # فإن قيل: يجوز أن يكون تاركا لفعل من غير أن يكون فاعلا لضده؛ لأن السكون ~~معنى يبقى، فلا يكون فاعلا له في حال بقائه. # قيل: السكون لا يبقى، وكل تارك للفعل؛ فإنما هو تارك بفعل ضده، فالتارك ~~للحركة فاعل للسكون، والتارك للسكون فاعل للحركة. # ولأن قولهم: أمر بالقيام، ولا يمكنه فعله إلا بترك القعود، فثبت أنه ~~ممنوع من القعود. # ولأن من أذن لغيره في دخول الدار، ثم قال له: اخرج، تضمن هذا القول منعه ~~من المقام فيها، واللفظ إنما هو أمر بالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام ~~الذي هو ضده. # ولأن السيد إذا قال لعبده: قم، فقعد؛ صلح أن يعاقبه على القعود، فلولا أن ~~أمره تضمن رد ذلك لما صلح توبيخه. # ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن ms145 نهيا عن ضده لصلح أن يبيح له ضده مع الأمر ~~به، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على ما قلناه. # ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهيا عن ضده؛ لما كان الكافر منهيا عن ~~الكفر، وحيث كان مأمورا بالإيمان، وفي اتفاق الجميع على أن كون الكافر ~~منهيا عن الكفر لكونه مأمورا بالإيمان؛ دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ~~ضده. # PageV02P371 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن لفظ النهي قوله: "لا تفعل"، ولفظ الأمر قوله: "افعل"، فلا يجوز أن ~~يجعل الأمر نهيا. # PageV02P371 # والجواب: أنه نهى عن ضده من طريق المعنى دون اللفظ؛ فلا يلزمنا ذلك. وعلى ~~أن اللفظ قد يدل على الشيء، وإن لم يكن عبارة عنه، مثل قوله: {فلا تقل لهما ~~أف} 1، أن هذه الصيغة لا يعبر بها عن الضرب والقتل، وإن كانت دالة2 على ~~نفيهما. # واحتج: بأن النوافل مأمور بها، وضدها وهو الترك غير منهي [46/أ] عنه. # والجواب أنا لا نسلم هذا؛ بل نقول: ضدها منهي عنه، لا يستحب تركه؛ فيكون ~~الأمر الذي هو ندبه يتضمن النهي، وكل أمر يتضمن النهي على حسب الأمر، إن ~~كان الأمر إيجابا؛ كان النهي محرما، وإذا كان الأمر استحبابا؛ كان النهي ~~تنزيها، فسقط ما قاله. # واحتج بأن النهي عن الشيء ليس بأمره بضده3، كذلك الأمر بالشيء؛ ليس بنهي ~~عن ضده. # والجواب: أن هذا على وجهين: إن كان له ضد واحد؛ كان النهي عنه أمر بضده، ~~كالكفر منهي عنه ويتضمن الأمر بضده من جهة المعنى، وهو الإيمان، وكذلك ~~النهي عن الحركة يتضمن الأمر بضدها، وهو السكون. وإن كانت له أضداد كثيرة؛ ~~فهو مأمور بضد من أضداده، يترك به النهي عنه، ويكون مخيرا فيها، مثل النهي ~~عن القيام، له أضداد من النوم والقعود والمشي؛ فهو مأمور بواحد منها4؛ لأنه ~~لا يكون ممتنعا عن المنهي عنه بفعل ضد واحد من أضداده، ولا يكون ممتثلا ~~للمأمور به إلا بترك جميع أضداده، فلا فرق بينهما. PageV02P372 # واحتج بأنه إذا لم يكن العلم بالشيء جهلا بضده، والقدرة على الشيء عجزا ms146 ~~عن ضده، وإرادة الشيء1 كراهة لضده، كذلك الأمر بالشيء؛ وجب أن لا يكون نهيا ~~عن ضده. # والجواب: عن العلم: فهو أنه لا يمتنع أن يكون عالما بالشيء وبضده، ويمتنع ~~أن يكون الشيء واجبا، ولا يكون ضده محرما، أو يكون مستحبا، ولا يكون ترك ~~ضده مستحبا؛ فإذا كان كذلك؛ فبان الفرق2. # وأما القدرة على الشيء؛ فإنها ليست بعجز عن ضده؛ لأن الاستطاعة عندنا مع ~~الفعل، فيكون القادر على الشيء هو الفعل التارك لضده، والتارك للشيء لا ~~يكون عاجزا عنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه لا يجوز أن يكون مأمورا ~~بالفعل؛ إلا وهي منهي عن فعل ضده. # وأما إرادة الشيء؛ فهي كراهية لضده عندنا. # فإن قيل: أليس لو قال لزوجته: أنت طالق إن أمرتك بأمر فخالفتيني، ثم قال: ~~لا تكلمي أباك؛ فكلمته؛ لم يحنث؛ لأنه إنما نهاها ولم يأمرها، فدل على أن ~~الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده. # قيل: الأيمان محمولة على العرف، والعرف في الأمر: صيغة الأمر وهو قوله: ~~افعلي، فلهذا لم تحمل يمينه على صيغة النهي؛ لأنه ليس صيغة النهي صيغة ~~الأمر، ولهذا قلنا: الأمر بالشيء؛ نهي عن ضده من طريق الحكم لا من طريق ~~اللفظ. # فأما من قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ فغير PageV02P373 # صحيح؛ لأن العرب فرقت بين لفظ الأمر والنهي؛ فجعلت لفظ الأمر موضوعا ~~للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل؛ فلم يجز أن يجعل أحدهما ~~الآخر، كما لا يجوز ذلك في الخبر والاستخبار. # فإن قيل: ليس يمنع [46/ب] هذا، ألا ترى أن القائل إذا قال: ائت الشمس من ~~المغرب، عقل منه: أنها تغرب من المشرق. # قيل: إنما عقل هذا من معنى اللفظ، لا من موضوعه وصيغته، ونحن لا نمنع هذا ~~في الأمر؛ وإنما نمنع أن يعقل النهي من نفس اللفظ. # PageV02P374 ### | مسألة المندوب مأمور به حقيقة ### | مدخل # ... # مسألة 1 [المندوب مأمور به حقيقة] : # إذا صرف الأمر عن الوجوب؛ جاز أن يحتج به على الندب والجواز، ويكون حقيقة ~~فيه، ولا يكون مجازا، وهذا بناء ms147 على أصلنا: أن2 المندوب مأمور به حقيقة. # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يحتج به، ويكون مجازا3. # واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال مثل قولنا، ومنهم من قال مثل قولهم4. ~~PageV02P374 ### | دليلنا # أن حقيقة الواجب: ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، وحقيقة # PageV02P374 # الندب: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه؛ فإذا حمل الأمر على الندب؛ ~~فقد حمل على شيء فيه بعض أحكام الواجب، وليس فيه البعض الآخر؛ فكأنه أخرج ~~منه بعض مقتضاه، وحمل على بعض، فكان ذلك حقيقة لا مجازا، كما قلنا في لفظ ~~العموم: "يقتضي استغراق الجنس"؛ فإذا خص، أخرج منه بعض المراد، وبقي البعض، ~~فيكون ذلك حقيقة لا مجازا، وكذلك ههنا. # ولا يشبه هذا الاسم "الأسد" إذا استعمل في الرجل الشديد، واسم "الحمار" ~~إذا استعمل في الرجل البليد، حيث كان مجازا فيهما؛ لأنه يستعمل في شيء، لا ~~يتضمنه ما هو موضوع له بحال؛ فكان اللفظ منقولا عما وضع له إلى غيره؛ فلذلك ~~كان مجازا، وفي هذا الموضع استعمل في بعض مقتضاه، ولم يعدل عن جميعه، فكان ~~ذلك حقيقة لا مجازا، ولأنه لو قال: له علي عشرة إلا واحدا؛ كان ذلك حقيقة ~~في التسعة، كما لو لم يستثن منه، كذلك ههنا. # PageV02P375 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن اللفظ موضوع لإفادة الوجوب دون الجواز، وإنما الجواز تابع للوجوب، ~~وأنه لا يجوز أن يكون واجبا، ولا يجوز فعله؛ فإذا سقط الوجوب؛ وجب أن يسقط ~~الجواز؛ لأنه تابع له. # والجواب: أنا لا نسلم أن الجواز للوجوب، بدليل أنه قد ينفرد الجواز عن ~~الوجوب، فيكون الشيء جائزا، ولا يكون واجبا؛ فلو كان تابعا له لم ينفرد ~~عنه، فهو بمثابة العموم إذا خص بعضه1، كان الباقي حقيقة؛ لأن الباقي ينفرد ~~عن الخصوص، كذلك ههنا. # واحتج: بأن الشيء الواحد لا يكون له حقيقتان. # والجواب: أنه يبطل بالمستثنى منه؛ فإن الاسم حقيقة فيه. PageV02P375 ### | مسألة في الفرق بين الفرض والواجب ### | مدخل # ... # مسألة [في الفرق بين الفرض والواجب] : 1 # فالفرض: ما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به، مثل نص القرآن ms148 [47/أ] المتواتر، ~~وإجماع الأمة2. # والواجب: ما ثبت من طريق غير مقطوع به، كأخبار الآحاد والقياس، وما كان ~~مختلفا في وجوبه كوجوب المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين عند القيام من نوم ~~الليل، والتسبيح في الركوع والسجود وغير ذلك3. # هذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله، ذكره في مواضع: # فقال في رواية أبي داود4 وابن إبراهيم: "المضمضة والاستنشاق PageV02P376 # لا تسمى فرضا؛ ولا يسمى فرضا إلا ما كان في كتاب الله تعالى1". فقد نفى ~~اسم الفرض عن المضمضة والاستنشاق مع كونهما واجبين عنده. # وقال أيضا رحمه الله في رواية المروزي وقد سأله عن صدقة الفطر: أفرض هي؟ ~~فقال: ما أجترئ أن أقول: إنها فرض. # وكذلك نقل الميموني عنه وقد سأله هل يقول: بر الوالدين فرض؟ فقال: لا، ~~ولكن أقول: واجب، ما لم يكن معصية. # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة2. PageV02P377 # ونقل عبد الله وأبو الحارث عن أحمد رحمه الله: كل ما في الصلاة فرض1. # فظاهر هذا أن التسبيح في الركوع والسجود والتشهد الأول والتكبير غير ~~تكبيرة الإحرام وقول سمع الله لمن حمده؛ يسمى فرضا مع كونه مختلفا في ~~وجوبه؛ فعلى هذا لا فرق بين الواجب والفرض والحتم واللازم والمكتوبة، وحد ~~الجميع واحد، وهو قول أصحاب الشافعي. # ونقلت من خط أبي إسحاق2 في تعاليقه: قال أبو عبد الله: لا أقول فرضا؛ إلا ~~في كتاب الله. معنى قوله: إن الذي قاله الرسول سنة، بدلالة قوله: "عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء" 3، وقوله: "إنما أنسى لأسن" 4 PageV02P378 # قال: وقول أبي عبد الله، كما ما في الصلاة فرض؛ أراد بذلك: ما أخذ عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # والوجه للفرق بينهما1: أنا نجد كل مميز يسبق عقله إلى أن صلاة الظهر آكد ~~من صلاة المنذورة، وإن كانتا واجبتين، وكذلك الإيمان بالله تعالى آكد وأبلغ ~~من صدقة خمسة دراهم من مائتي درهم. وكذلك الزكاة آكد من النذر في الصدقة. # فهذه أمور يجدها كل عاقل في نفسه، فوجب أن يفرق ما هو آكد باسم يفارق ما ~~هو دونه، فيجعل اسم الفرض: عبارة عما كان ms149 في أعلى المنازل في الوجوب، ~~والوجوب عما كان دونه، وإن كان اسما عاما في نفسه. # ولأن أهل اللغة فرقوا بين الفرض والوجوب، فقالوا: إن الوجوب مأخوذ في ~~الأصل من السقوط، يقال: وجب الحائط، يعني: سقط. # والفرض عبارة عن التأثير، ومنه فرضة القوس لموضع الحز، أو عين القدر من ~~قولهم: "فرض القاضي النفقة"، بمعنى قدرها. PageV02P379 # والتأثير آكد من السقوط؛ لأن الشيء قد يسقط ولا يؤثر، وكذلك ذكر التقدير ~~في الشيء يدل على الحصر والتعيين1 [47/ب] فيصير كالنذر المضموم إلى ~~الإيجاب. والوجوب لا يفيد هذا المعنى؛ فبان أن الفرض في اللغة آكد من معنى ~~الواجب. # وقد بينا أن الوجوب تتفاوت منازله، فوجب أن يخص اسم الفرض الذي وضع ~~للمبالغة في التأثير: عبارة [عما] كان في أعلى المنازل، وما دونه خص باسم ~~الواجب، فيصير الوجوب الذي هو سقوط التكليف على المأمور به في نفس المكلف؛ ~~لما تضمن من الدعاء إلى إيقاعه والمبادرة إلى فعله، ما لا يؤثر فيه الواجب ~~الذي فرض. # ولأن العبارة2 مختلفة في عادة أهل الشرع أيضا، ألا ترى أنهم يقولون: ~~الواجب في الحكم كذا، ولا يقولون: فرض في الحكم، ويقال في حقوق الآدميين ~~مثل الديون والشفعة: واجبات، ولا يقال: إنها فروض، ويقال: واجب عليك أن ~~تفعل كذا، ولا يقولون: فرض عليك، ويقال: أوجبت على نفسي، ولا يقال: فرضت، ~~ولا يقال في العادة لمن تلزم طاعته: فرضت عليك كذا، فبان أن معنى اللفظين ~~مختلف في اللغة والشريعة. PageV02P380 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} 1 وأراد به أوجب الحج. وقوله: {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد PageV02P380 # فرضتم لهن فريضة} 1. # ومعناه: أوجبتم لهن فريضة. # والجواب: أن الحج ثبت وجوبه من طريق مقطوع به؛ فلهذا أطلق عليه اسم ~~الفرض. وقوله: {فرضتم لهن فريضة} معناه: قدرتم. # واحتج: بأن الفرض؛ إنما سمي فرضا؛ لما فيه من معنى الوجوب دون ما ذكرتموه ~~من ثبوته من طريق يوجب العلم؛ لأن النوافل ثابتة من هذا الطريق، ولا يسمى ~~فرضا. # والجواب: أنه إنما يسمى فرضا ms150 لما فيه من معنى الوجوب من طريق مقطوع به؛ ~~فأما النوافل فإن كان طريقها مقطوعا به، فليس فيها معنى الوجوب؛ فقد وجد ~~أحد الشرطين [وفقد الآخر] . # واحتج: بأن تخصيص الواجب بما ثبت من طريق؛ لا يوجب العلم، وتخصيص الفرض ~~بما ثبت من طريق؛ يوجب العلم دعوى مجردة، لا دليل عليها من لغة ولا شرع، ~~ولا طريق مستنبط منهما2؛ فلم يصح. # والجواب: أنا قد دللنا عليه من جهة الاستنباط، وهو أن أهل اللغة والشرع ~~فرقوا بينهما في العبارة، وقالوا: الفرض عبارة عن التأثير، والوجوب عبارة ~~عن السقوط، و [لما] وجدنا التأثير أبلغ من السقوط؛ جعلنا الفرض عبارة عما ~~ثبت من طريق مقطوع علمه؛ ليكون له مزية. # واحتج: بأن لفظ الوجوب آكد من لفظ الفرض؛ لأنه أقل احتمالا من لفظ الفرض، ~~فكان لفظ الوجوب؛ أحق بما [48/أ] ثبت من طريق PageV02P381 # القطع، يدل عليه قوله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} ~~1، وأراد: ينزل عليك القرآن. # وقال تعالى: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} 2 وأراد به: أحل ~~الله له. # وقال: {سورة أنزلناها وفرضناها} 3، وأراد: بيناها. # ويقال: فرض الحاكم على فلان لزوجته كذا وكذا من النفقة، وأراد به: قدر، ~~ويقال: فرض القوس إذا حز طرفيه. # وأما الوجوب؛ فإنه عبارة عن السقوط، من قوله: وجبت الشمس ووجب القمر، ~~ووجب الحائط، إذا سقط. وقال تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} 4 أي: سقطت، فسمى ما ~~لا بد من فعله واجبا؛ لأن تكليفه سقط عليه سقوطا لا ينفك منه؛ إلا بفعله، ~~فكان احتمال لفظ الفرض أكثر من احتمال لفظ الواجب، وكان الثابت بطريق مقطوع ~~به باسم الواجب؛ أحق منه باسم الفرض. # والجواب: أن لفظ الفرض، وإن كان محتملا لأشياء؛ فجميعها عبارة عن ~~التأثير، والوجوب عبارة عن السقوط، والتأثر آكد من السقوط؛ لأنه قد يسقط؛ ~~فلا يؤثر، فكان ما أثر آكد. # فقوله: {إن الذي فرض عليك القرآن} يعني: أنزله، ونزوله تأثير عندنا. ~~PageV02P382 # وكذلك قوله: {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ms151 له} يعني: أحل له، ~~والإحلال له: تأثير له. # وكذلك قوله: {سورة أنزلناها وفرضناها} أراد: بيناها، والبيان: تأثير ~~فيها. # وكذلك فرض الحاكم يعني: قدر، والتقدير له: تأثير في الحصر والتعيين. # واحتج: بأنه لو كان الفرض عبارة عما كان في أعلى المنازل من الوجوب؛ لوجب ~~أن يختص الاسم بمعرفة التوحيد وتصديق الرسول؛ لأنه أعلى منزلة من غيره. # والجواب: أن الفرض لما كان عبارة عن العبادة التي تؤثر في نفس المكلف في ~~المبادرة إليه والمسارعة إلى فعله، وهذا التأثر موجود في جميع ما علم قطعا ~~أنه مراد منا، مثل الصلوات ونحوها، فوجب أن يكون جميعها فرضا، وإن كان ~~بعضها آكد من بعض، كما أن التأثير الواقع في الشيء يتفاوت، وإن كان الاسم ~~يتناول جميعها، ويفارق ذلك ما لا يقع منه التأثير. # واحتج: بأن الواجب اسم لما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه، والفرض اسم ~~لهذا أيضا؛ فإذا كانا متساويين في هذا المعنى؛ لم يكن لأحدهما مزية لاختلاف ~~اسمهما، كما أن الندب والنفل لما كان معناهما واحد -وهو ما يستحق بفعله ~~ثواب؛ لم يكن لأحدهما مزية على الآخر. # والجواب: أن الواجب وإن ساوى الفرض في الثواب والعقاب؛ فقد خالفه من وجه ~~آخر، وهو: أن ثبوته من طريق مقطوع به، فمنع من المساواة في التسمية، كما أن ~~الندب والمباح تساويا في إسقاط [48/ب] العقاب، واختلفا في التسمية ~~لاختلافهما من وجه، وهو: أن الندب يثاب على فعله، والمباح لا ثواب عليه. # PageV02P383 # واحتج: بأن اختلاف أسباب الوجوب، وقوة بعضها على بعض، لا يوجب اختلاف ~~الشيئين في أنفسهما؛ ألا ترى أن النفل قد ثبت بأخبار متواترة وثبت بأخبار ~~الآحاد، والكل متساو1، وكذلك الفرض قد ثبت بأخبار متواترة وأخبار الآحاد، ~~والكل سواء. # والجواب: أن قوة بعضها على بعض توجب اختلافهما في أنفسهما؛ لأن ما كان ~~معلوما أنه مراد الله تعالى قطعا؛ فإنه مخالف لما كان تجوزا، وكذلك ما يكفر ~~جاحده مخالف ما لا يستحق هذه الصفة، ومتى اختلفت الأشياء في أنفسها ~~وأحكامها؛ اختلفت الأسامي التي تستعمل فيها لاختلاف ما ms152 يستفاد بالعبارة ~~منها. # فإن قيل: فيجب أن تفرقوا في المنهيات، كما فرقتم في المأمورات، فتقولوا: ~~لفظة الحرام عبارة عما ثبت من طريق مقطوع به، وما لم يثبت بذلك لا يطلق ~~عليه ذلك، ويسمى مكروها. # قيل: هكذا نقول، وقد قال أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور في المتعة: ~~لا أقول حرام. # وقال رحمه الله في رواية ابن منصور في الجمع بين الأختين المملوكتين: لا ~~أقول حرام؛ ولكن ينهى عنه. # قال أبو بكر: إنما توقف لوجود الخلاف. فقد منع من إطلاق اسم الحرام مع ~~كونه حراما عنده؛ لأنه مختلف فيه. PageV02P384 ### | مسألة الأمر بفعل الشيء لا يتناول الفعل المكروه ### | مدخل # ... # مسألة [الأمر بفعل الشيء لا يتناول الفعل المكروه] : # أومأ إليه الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح: إذا وطئها وهي # PageV02P384 # حائض؛ لم يحل لها الرجوع بهذا الوطء إلى زوجها الأول؛ لقوله تعالى: ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} 1، وظاهره: أن الوطء في ~~حال الحيض، لما كان منهيا عنه؛ لم يدخل تحت الوطء المأمور به للإباحة. # واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب أبو بكر الرازي2 إلى أنه يتناول المكروه، ~~واحتج في طواف المحدث بقوله: {وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} 3، ~~وقال: جواز الفعل مراد، واللفظ يتناوله، فجاز إثباته، وإن كانت الصفة التي ~~حصل الفعل عليها مكروهة. # واختار أبو عبد الله الجرجاني مثل قولنا. PageV02P385 ### | دليلنا # أن المأمور به ما اقتضاه الأمر وحث عليه: إما واجبا وإما ندبا، والمكروه ~~منهي عن فعله وممنوع منه؛ فهو مضاد للمأمور به؛ فلا يجوز أن يكون اللفظ ~~متضمنا له، كما أن المحذور لما كان ضد الواجب؛ لم يجز أن يكون الأمر ~~متناولا له؛ ولأن المفعول على صفة لم يؤذن فيه بمثابة فعل آخر؛ فصار كمن ~~أمر بالصيام، فأوقع ما يسمى صلاة. # PageV02P385 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الطواف مأمور به، والكراهة تعلقت بفعل آخر، وهو ترك الطهارة. # PageV02P385 # والجواب: أن ترك الطهارة، وإن كان منهيا عنه؛ فإن هذا النهي يعود إلى ~~الفعل الذي هو في الأصل طواف؛ لأنه منع من إيقاعه ms153 على هذا الوجه، ولو كان ~~هذا صحيحا؛ لوجب أن لا يكون السجود للشيطان منهيا، وأن يكون النهي تعلق ~~بإرادة فعله لغير الله تعالى، وكذلك قتل المؤمن لا يكون منهيا عنه؛ وإنما ~~يتعلق النهي بقصده إلى قتل نفس المؤمن دون الكافر، وهذا يوجب أن يكون جميع ~~ما نهي عنه مأمورا به، وهذا فاسد. # PageV02P386 ### | مسألة تعلق الأمر بالمعدوم ### | مدخل # ... # مسألة [تعلق الأمر بالمعدوم] : 1 # الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام ~~الساعة. # ويفيد هذا الخلاف أنه لا يحتاج إلى أمر ثان. # وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية حنبل: "لم يزل الله يأمر بما شاء ~~ويحكم". فقد نص على أنه أمر فيما لم يزل، ولا مأمور. # وقال أيضا -فما خرجه في محبسه-: "لم يزل متكلما إذا شاء"؛ فقد أثبت قدم ~~كلامه، وكلامه أمر ونهي، وهو قول الأشعرية ومن تابعهم من أصحاب الشافعي. # وذهب المعتزلة وجماعة من أصحاب أبي حنيفة فيما ذكره أبو عبد الله ~~الجرجاني2 في أصوله: إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع ~~PageV02P386 # الواردة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بالموجودين في وقته؛ فأما من ~~بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل1. # ثم اختلف القائلون: بأن الأمر يتعلق بالمعدوم: # فمذهبنا: أنه أمر إلزام وإيجاب على الحقيقة بشرط وجوده على صفة من يصح ~~تكليفه، سواء كان في الحال موجودا يتوجه الخطاب إليه، أو لم يكن، وهو ~~اختيار أبي بكر الباقلاني. # ومنهم من قال: إن هذا أمر إعلام، إذا كان كيف يكون، وليس بأمر إيجاب ~~وإلزام. # ومنهم من قال: يتعلق بالمعدوم، إذا كان هناك موجود مخاطب ببلاغة؛ فأما إن ~~لم يكن من يتوجه الخطاب إليه فلا. # والصحيح: ما ذكرنا؛ لأن إعلام المعدوم لا يصح؛ وإنما يعلم المواجه ~~بالخطاب، ويصح الأمر لمن ليس بحاضر ليبلغ ذلك إليه، ولأن هذا القائل قد ~~وافق أن الله سبحانه فيما لم يزل آمرا ناهيا، ولا مخاطب. # والدلالة على توجه الأمر إلى المعدوم قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول ms154 له كن فيكون} 2، وهذا يقتضي أمره بالتكوين قبل وجوده. وكذلك ~~قوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} 3. # ولأن الصحابة والتابعين كانوا يرجعون في إيجاب الحكم إلى الظواهر ~~PageV02P387 # المتضمنة للأمر من الله تعالى ومن نبيه [49/ب] عليه السلام على من يوجد ~~في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد منهم؛ فدل على أن الأمر تناول من كان معدوما ~~حال الخطاب. # فإن قيل: يحتمل أن يكون ورد معها دلالة توجب مشاركة الجميع في هذا الحكم، ~~وإن لم ينقل إلينا. # قيل: لو كان هناك دلالة أو قرينة لنقل؛ لأن ما لم يتم الدليل إلا به؛ لا ~~يسوغ للراوي ترك نقله، وحيث لم ينقل ثبت أنه ما كان، يبين صحة هذا أنه ~~معلوم، أن الجماعة لم تشترك في معرفة القرينة؛ فلو كان موضوع اللفظ لا ~~يفيد؛ لم يقتصروا على نقل اللفظ والتعلق به دون القرينة. # وأيضا: فإنه يصح الأمر بالزكاة مع عدم المال بشرط وجوده، وكذلك الأمر ~~بالفعل للعاجز مع عدم الآلة بشرط وجودها، كذلك المعدوم بشرط وجوده. # فإن قيل: العاجز عاقل مخاطب عالم بالخطاب، والمعدوم بخلاف ذلك. # قيل: لا فرق بينهما وذلك أن المعدوم مأمور بشرط القدرة على ذلك. # وأيضا: فإنه يصح وصية الإنسان إلى من يحدث من أولاده، والقيام بأمر ~~الوقف، وإن كان معدوما في الحال، ويكون أمرا صحيحا لمن يحدث، ويكون الحادث ~~متصرفا بالوصية السابقة في الحقيقة؛ فدل على أن الأمر يتوجه إليه. # وأيضا: قد دلت الدلالة على أن أمر الله تعالى ونهيه هو كلامه، وأنه قديم ~~من صفات ذاته غير محدث، وأنه لم يزل آمرا، ولا حاضر مأمور، فدل على ما ~~ذكرنا. # فإن قيل: هذا أصل فاسد؛ لأن المتكلم بالأمر ولا أحد يواجه # PageV02P388 # ويسمع كلامه هاذ1 سفيه، غير جائز. # قيل: هذا لا يصح لوجوه: # أحدها: أن هذا إن كان صحيحا؛ فإنما يكون فيمن يفعل الكلام ويصح منه تركه؛ ~~فأما من يجب كونه متكلما في أزليته؛ فلا يصح هذا في حقه. # الثاني: أنه لو كان هذيانا، إذا لم يكن سامع2 للخطاب، لوجب أن ms155 يقال إذا: ~~"هذى الطفل والمجنون والمبرسم"، وهناك من يسمع ذلك، أن لا يكون هذيانا، ~~لأجل أن هناك سامعا حاضرا3؛ فلما لم يجب هذا، لم يصح ما قالوه. # الثالث: أنهم لا يجدون كلاما لأحد منا؛ إلا وهناك سامع؛ لأنه لا أحد منا ~~متكلم في سر ولا جهر؛ إلا والله تعالى سامع كلامه. # وجواب آخر وهو: أن معنى الكلام لنفسه الإفهام والتعليم والإشعار بما يريد ~~إفهامه بالكلام، ويكون هذا بمثابة من زعم أنه لو كان عالما قادر بنفسه غير ~~معلم ولا مقدر لأحد، ولا ينتفع بكونه عالما قادرا في قدمه؛ لوجب كونه سفيها ~~عابثا، وإذا لم يجز ذلك لم يجب ما قالوه. # وعلى أن الإنسان منا قد يوصي إلى معدوم وقت الوصية، ويأمره فيها وينهاه ~~في وصيته [50/أ] ولا يكون عبثا، مع أن الذم قد يصح قبل وجود المذموم، بدليل ~~أن الله تعالى ذم إبليس فيما لم يزل قبل خلقه. PageV02P389 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الأمر يتعلق بمأمور، والمعدوم ليس بشيء يصح تعلق الأمر به. # والجواب: أن الأمر تعلق بمأمور وجد في الثاني، كما تعلقت الوصية بمن يحدث ~~في الثاني، وكما تعلق الأمر بالعاجز لقدرة تحدث في الثاني. # واحتج: بأن الأمر إن كان إعلاما يستحيل أن يوجد في المعدوم، وإن كان ~~إلزاما يستحيل أيضا أن يلزم المعدوم الذي ليس بشيء. # والجواب: أنه أمر إلزام لمن يحدث في الثاني، كما قلنا في الوصية في ~~العاجز. # واحتج: بأن الأمر لو تعلق بالمعدوم؛ لوجب أن يتعلق بالصبي والمجنون، ~~لوجودهما، ويكون الأمر متعلقا بالبلوغ والعقل، وفي اتفاق الجميع على امتناع ~~ذلك دليل على امتناعه في المعدوم. # والجواب: أن كل من أجاز تكليف المعدوم بشرط بقائه؛ فإنه يقول: بأن الصبي ~~والمجنون مأموران بشرط البلوغ والعقل، ولا فرق بينهما؛ وإنما معنى قول ~~الأمة: إنهما غير مكلفين، وإن القلم مرفوع عنهما: رفع المأثم عنهما، ورفع ~~الإيجاب المضيق. # ويمكن أن يكون قوله: رفع القلم عنهما بالخطاب والمواجهة؛ لأنه لا يصح ~~مواجهتهما بذلك، لعدم علمهما بذلك، وقد ذكر أبو بكر بن ms156 الباقلاني هذا ~~الجواب وحكاه عمن قال بخطاب المعدوم. # واحتج: بأنه لو جاز أمره الذي هو الإيجاب والإلزام، لجاز ذمه ولعنه ~~وتسميته بأسماء المدح والذم. # والجواب: أنه إنما لم يوصف بذلك؛ لأنه ليس بإيجاب مضيق، وإنما يستحق الذم ~~للتفريط، ويستحق المدح لوجود الفعل؛ فلم يتصفوا بذلك # PageV02P390 # لهذا المعنى، وجرى ذلك مجرى المأمور إذا كان عاجزا بشرط القدرة؛ فإنه لا ~~يوصف بذلك قبل القدرة، وإن كان مأمورا. # واحتج بأن من شرط الأمر وجود المأمور، كما أن من شرط القدرة وجود القادر، ~~فاستحال وجود قدرة بغير قادر، كذا يجب أن يستحيل وجود أمر بغير مأمور. # والجواب: أن نظيره أن من شرط الأمر آمر كما أن من شرط القدرة قادر. # ولأنه إنما لم يصح قدرة بغير قادر، لأن من شرطها وجود القادر بها؛ لأنها ~~إنما كانت قدرة لقيامها بقادر يأتي1 الفعل بها، وليس كذلك الأمر؛ لأن من ~~شرطه وجود الآمر لكونه قائما به، إذ الأمر كلامه، وليس من شرطه وجود ~~المأمور، كما ليس من شرط القدرة وجود المقدور؛ إلا أن يكون مما لا ينفى، ~~ألا ترى أنه يجوز أن يوصي الرجل في وصيته بما يعلمه ولده بعده إذا وجد ~~ومخلفيه، فيكون ما يعمله من يوجد منهم [50/ب] بعده بأمر عند وصيته. # فإن قيل: كيف تصح هذه المسألة على أصولكم، وعندكم أن المعدوم ليس بشيء، ~~وتدللون2 عليه بقوله: {وقد خلقتك من قبل} 3 وقوله: {هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر} 4. PageV02P391 # قيل: يصح على أصلنا من الوجه الذي بينا، وهو أنه أمر بشرط وجوده على صفة ~~من يصلح تكليفه، وعلى أصل المخالف فهو لازم؛ لأن عندهم المعدوم شيء. # فإن قيل: فكيف يصح هذا على أصلكم، وقد قلتم: إن شريعة من قبلنا؛ ليس بشرع ~~لنا؛ فلو كان الخطاب غائيا لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني؟ # قيل: الصحيح من الروايتين أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وعلى ~~الرواية الثانية: ليس بشرع لنا، لقيام الدلالة على نسخه. # وقد ذكر أبو عبد الله الجرجاني: ms157 أن هذا خلاف في عبارة؛ لأنه لا يدعى إلى ~~فعل شيء، ويجب أن تكون فائدته ما ذكرناه من أنه لا يحتاج إلى تكرار الأمر. # PageV02P392 ### | مسألة أمر الله العبد بما يعلم أنه سيحال بينه وبينه جائز ### | مدخل # ... # مسألة 1 [أمر الله العبد بما يعلم أنه سيحال بينه وبينه جائز] : # يجوز الأمر من الله تعالى بما في معلومه أن المكلف لا يمكن منه، ويحال ~~بينه وبينه بكونه مع شرط بلوغه حال التمكن. # وهذا بناء2 على أصلنا في تكليف ما لا يطاق، وتكليف الكفار العبادات. # وهو مذهب الأشعري ومن وافقه من أصحاب الشافعي، وهو اختيار PageV02P392 # أبي بكر الرازي والجرجاني1. # وذهبت المعتزلة إلى أنه لا يجوز ذلك2. PageV02P393 ### | دليلنا # أنه لو لم يكن أمرا؛ لوجب أن لا يصح منه الدخول في العبادة بنية الفرض؛ ~~لأنه لا يعلم هل يحال بينه وبين القدرة على فعلها؛ فلا يكون فرضا، ولما ~~أجمعنا على صحة العزم على نية الفرض مع هذا التجويز؛ علمنا أنه أمر صحيح. # يبين صحة هذا: أنه لا يصح أن ينوي الفرض في ليلة الشك؛ لأنه لا يتحقق ~~الفرض، ولما صح نية الفرض ههنا علم أنه أمر صحيح. # ولأنه يصح الأمر من الله تعالى بالإيمان من يعلم أنه لا يؤمن، كذلك جاز ~~أن يأمر بالفعل من يحول بينه وبينه؛ لتساويهما في تعذر الفعل من جهة ~~المأمور في الموضعين. # فإن قيل: المأمور هناك لم يؤت في ترك الفعل من قبل الله تعالى؛ وإنما أتى ~~في ذلك من قبل نفسه؛ فلم يحصل الأمر عبثا. # قيل: إذا سبق علمه أنه لا يؤمن، فقد تحقق تعذر الفعل من جهة المأمور حين ~~الأمر؛ لأن علمه لا ينقلب؛ لأن ضد العلم الجهل، وهو يتعالى عن ذلك، كذلك ~~ههنا. # ولأن في هذا فوائد، وهو امتحان المكلف واستصلاحه وتوطين النفس # PageV02P393 # على فعل العزم على الطاعة، ومسرة الآمر بأمره وإيثار الإقرار من المأمور ~~بالتزام طاعته والإخبار بالعزم على امتثال أمره إلى غير ذلك. # وأيضا: فإنا وجدنا [51/أ] في الشاهد يحسن أمر المولى عبده بأن يسقيه ms158 ~~الماء عند الحاجة إليه، وإن لم يكن على ثقة من تمكن العبد بما أمر به، وجوز ~~أن يحال بينه وبينه ويخترم دونه، كذلك أوامر الله تعالى يجب أن تكون محمولة ~~على ذلك. # فإن قيل: الله تعالى عالم بالعواقب، فلا يحسن أمره بما يعلم استحالة ~~وقوعه من المكلف؛ فإذا علم أن المكلف سيحال بينه وبين ما كلف؛ لم يحسن أمره ~~به، كما لا يحسن أمره بما علم استحالة حدوثه منه، وليس كذلك الأمر في ~~الشاهد؛ لأنه لا يعلم العواقب، فلا يعتبر فيه ما يعتبر في أمر الله؛ وإنما ~~اعتبر فيه الظن بتمكين المأمور ما أمر به، فإذا ظن ذلك حسن أمره. # قيل: هذا يبطل بأمره بالإيمان من1 يعلم أنه لا يؤمن؛ فإنه يصح، وإن كان ~~عالما بالعواقب أنه لا يؤمن، كذلك ههنا. # ولأن الأمر حال وروده يحصل للمأمور اعتقاد الوجوب وسكون النفس إلى فعله ~~في الثاني، ويصح تعلق الأمر بهذا المعنى، ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى ~~يحصل بمجرد الاعتقاد، وإن لم يقارنه شيء من أفعال الجوارح؟ # ولأن هذا القول لو صح؛ لوجب أن يمنع من إطلاقه القول بأن الإنسان منهي عن ~~الزنا في المستقبل، ومأمور بالإيمان؛ لأنه لا يعرف بقاؤه إلى ذلك الوقت. ~~PageV02P394 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الله تعالى إذا علم من حال المكلف أنه1 سيحال بينه وبين ما أمر به، ~~ولا يمكن من فعله؛ فإن فعله يستحيل وقوعه منه، وما يستحيل وقوعه لم يحسن ~~الأمر به؛ ألا ترى أنه لا يحسن الأمر بصعود السماء، والمشي على الماء، وقلب ~~العصا حية، وما يجري هذا المجرى مما يستحيل وقوعه من المأمور به؟ # والجواب: أنه يبطل الأمر بالإيمان إذا حكم أنه لا يؤمن، فإنه يصح، وإن ~~كان يستحيل وقوعه، كذلك ههنا. # وعلى أن الأمر بذلك لا يحصل فيه فائدة؛ لأن المقصود من الأمر تعريض ~~المكلف لاستحقاق الثواب فيما يوقعه، فمتى علم عجز المكلف عن ذلك؛ لم يحصل ~~له سكون النفس إلى فعل ما أمر به، فصار الأمر عبثا، وهذا حصل من ms159 جهة سكون ~~النفس واعتقاد وجوب الفعل، وتعذره بعد ذلك بسبب من جهة نية الآمر؛ فلهذا ~~فرقنا بينهما. # وفيه فوائد، منها: إظهار أمره بذلك، وإقرار المأمور به بوجوب طاعته إن ~~بقي، ولاعتقاده أن في أمره بذلك استصلاحا له في غير ذلك الفعل، وتوطنة ~~النفس على الطاعة في جميع ما يأمره، وليعرضه بذلك لثواب العزم على طاعته. ~~PageV02P395 ### | مسألة يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المأمور لا يفعله ### | مدخل # ... # مسألة 1 [يجوز الأمر من الله تعالى بما يعلم أن المأمور لا يفعله] : # وقال أحمد رحمه الله في رواية حنبل: علم الله تعالى أن آدم سيأكل ~~PageV02P395 # من الشجرة التي نهاه عنها قبل أن يخلقه. # خلافا [51/ب] للمعتزلة في قوله: لا يجوز1. PageV02P396 ### | دليلنا # أنه أمر إبليس بالسجود لآدم مع علمه أنه لا يفعله، وكذلك أمر الكفار ~~بالإيمان مع علمه أنهم لا يؤمنون. # ولأن أمره مع علمه أن المأمور لا يفعله كأمره مع علمه أنه يحال بين ~~المأمور وبين الفعل، وقد بينا فيما تقدم جوازه. # PageV02P396 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لا يصح أن يريد من المكلف ما يعلم أنه لا يفعله؛ لأنه عبث. # والجواب: أن هذا ليس بعبث؛ لأن الله تعالى قد عرض المأمور بما أمره به ~~إلى النفع إذا أداه، وإظهار1 أمره بذلك وإقرار المأمور به بوجوب طاعته. ~~ولأن هذا يبطل بأمره لإبليس بالسجود مع علمه أنه لا يفعله. PageV02P396 ### | مسألة يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى متعلقا باختيار المأمور ### | مدخل # ... # مسألة 1 [يجوز أن يرد الأمر من الله تعالى متعلقا باختيار المأمور] : # وهذا بناء على أصلنا: أن2 المندوب مأمور به مع كونه مخيرا في فعله وتركه. # خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز ذلك3. PageV02P396 ### | دليلنا # أن الله أرخص لنا القصر في السفر، وأوجب الإتمام في الحضر، وعلق ذلك ~~باختيارنا. # وهكذا القول في اختيار واحد من الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين؛ فإذا ~~كان كذلك؛ لم يمتنع أن يرد الأمر معقودا بشرط اختيار المأمور. # PageV02P397 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لا طريق لنا إلى معرفة ما ms160 هو مصلحة لنا فنختاره؛ فلم نأمن أن تكون ~~المصلحة في غير ما نختاره، فلا يجوز أن يكون ذلك موكولا إلى اختيارنا، ~~وفارق هذا ما يؤديه إليه اجتهادنا أنه مصلحة لنا، وإن كان متعلقا ~~باختيارنا؛ لأن الاجتهاد قد بين لنا طريقه، فجرى مجرى المنصوص عليه؛ فإذا ~~أدانا اجتهادنا إليه وحكمنا به؛ علمنا أنه مصلحة لنا، وما لم يجعل لنا طريق ~~إلى معرفته؛ فلا نعلم عند اختيارنا له أنه مصلحة لنا، بل جائز أن تكون ~~المصلحة في غيره. # والجواب: أنه ليس من شرط صحة الأمر أن يقع على وجه المصلحة لنا، فقد1 ~~يجوز أن يأمر بما لنا فيه مصلحة وما لا مصلحة لنا فيه، ويأتي الكلام فيه ~~على أنه يبطل بما ذكرنا من رخصة القصر والكفارة على طريق التخيير. ~~PageV02P397 ### | مسألة ورود الأمر والنهي بالتكليف دائما ### | مدخل # ... # مسألة 1 [ورود الأمر والنهي بالتكليف دائما] : # يجوز أن يرد الأمر والنهي بالتكليف دائما إلى غير غاية، فيقول: "صلوا في ~~كل يوم أبدا ما بقيتم"، و "صوموا رمضان أبدا ما حييتم"؛ فيقتضي ذلك الدوام ~~مع بقاء التكليف، وهذا مع قولنا: إن الأمر يقتضي التأكيد. # خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز أن يرد بذلك، ومتى ورد اللفظ بهذا لم ~~يقتض الدوام، وإنما هو للحث على التمسك بالفعل. PageV02P398 ### | دليلنا # أنه ليس بأمر بمحال. # ولأنه تصرف في الملك؛ فجاز كتصرف [52/أ] أحدنا في ملكه. # ولأن لفظة التأبيد1 موضوعة في اللغة لدوام الفعل دون انقطاعه، كما أنها2 ~~موضوعة لما لا يعقل؛ فلم يجز إطلاق لفظ التأبيد على ما لا يجب دوامه؛ لأنه ~~يصير وجود هذا اللفظ كعدمه. # ولأنه لو قال: "صلوا أبدا؛ فإنه مصلحة لكم ما بقيتم"؛ لكان ذلك مقتضيا ~~للتأبيد، كذلك إذا أطلق. # ولأن من امتنع من هذا الإطلاق يقول: إن فيه قطع الثواب. # ولأنا نعلم أنه لا بد لها من الانقطاع بالموت والجنون، وهذا لا يصح؛ لأن ~~الثواب غير مستحق على الله تعالى على ما نبينه. # ولأن الأمر ثابت مع بقاء الأمر؛ فلا يدخل فيه حال الجنون والموت؛ ms161 لأنه ~~غير مكلف فيه، والأمر تناول المكلف. PageV02P398 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الثواب واجب عليه على الأعمال دائما غير منقطع؛ فلو دام عليهم ~~التكليف بطل ثواب عملهم، ولو أثابهم في خلال ذلك؛ لم يكن ثوابهم إلا ~~منقطعا. # والجواب: أن أقل نعمة الله تعالى على خلقه يستحق بها عليهم أن يعبدوه؛ ~~فلا يستحق عليه الثواب، ولو كان الثواب على العمل مستحقا؛ لم يستحق الثناء ~~والشكر والحمد والمدح، كما أن قاضي الدين وراد الغصب والوديعة، لما كان ذلك ~~مستحقا عليه؛ لم يستحق الشكر والثناء، وفي إجماعنا على أنه يجب علينا الشكر ~~والثناء والحمد لله على نعمه علينا؛ دليل على أنه غير مستحق عليه. # واحتج: بأن هذه العبادات لا بد لها من الانقطاع؛ لأنه إنما حسن الأمر بها ~~لما فيها من الثواب للمكلف، ودوامها يقطع الثواب؛ فإذا كانت لا بد لها من ~~الانقطاع بالموت؛ كان لفظ التأبيد فيها مستعملا على وجه المجاز؛ فوجب أن ~~يسقط اعتبار الحقيقة فيه، ويكون القصد المبالغة في الحث على التمسك ~~بالعبادة. # والجواب: أن قد بينا أن الثواب غير مستحق، على أن الأمر إنما يتعلق ~~بمأمور مكلف، وهو إنما تكون هذه الصفة ما دام في دار التكليف؛ فإذا خرج من ~~كونه مكلفا بالموت؛ لم يبق عليه حكم الأمر؛ فإذا كان كذلك كانت حقيقة ~~التأبيد ثابتة مع بقاء الأمر، فلا يكون سقوط الأمر دلالة على سقوط حقيقة ~~التأبيد عند الاستعمال. # على أن هذا يبطل به لو قال: افعلوا ذلك أبدا؛ فإنه مصلحة لكم ما بقيتم؛ ~~لكان ذلك مقتضيا للتأبيد. وإن كان لا بد من الانقطاع بالموت، # PageV02P399 # كذلك لفظ التأبيد بهذه المثابة. # واحتج: بأن الآمر منا في الشاهد قد يقرن إلى لفظ الأمر لفظ التأبيد؛ فلا ~~يكون مراده به الدوام، كقول المولى لغلامه: "لازم هذا الغريم أبدا" [52/ب] ~~، يريد به أن لا يفارقه حتى يستوفي الدين، كقول الأب لابنه: "لازم المعلم ~~أبدا1، ولا تفارقه حتى تتعلم منه القرآن ونحوه"؛ فوجب أن تكون أوامر الله ~~محمولة على المتعارف في الشاهد. # والجواب: أن ms162 دلالة الحال تقترن إلى الأمر، فيصير كأنه قال: لازم الغريم ~~والمعلم ما لم تستوف الدين، وما لم تتعلم منه، وهكذا أوامر الله يكون ذلك ~~تقديرها؛ كأنه قال: افعلوا ذلك ما دمتم مكلفين. # واحتج بأن المأمور قد يتخلله الجنون والنوم والإغماء، ولفظة التأبيد تعم ~~ذلك، ومعلوم أن الخطاب لا يتوجه إليه. # والجواب: أنا قد بينا أن الأمر يتعلق بمأمور مكلف، فهذه الأحوال مستثناة ~~لعدم التكليف، ويبطل به إذا قال: "افعلوا أبدا؛ فإنه مصلحة"؛ فإنه يصح وإن ~~كان هذا موجودا. PageV02P400 ### | مسألة من شروط الأمر أن يكون المأمور به معدوما في المستقبل ### | مدخل # ... # مسألة من شروط الأمر أن يكون المأمور به معدوما في المستقبل: 1 # من شرط الأمر أن يكون المأمور به في مستقبل الوقت غير موجود، وحكي عن ~~طائفة من المتكلمين أن الأمر بالموجود جائز. PageV02P400 ### | دليلنا # أن استحالة وقوع ما هو موجود من الملكف كاستحالة الجمع بين # PageV02P400 # الضدين، وجعل الجسم في مكانين في وقت واحد؛ فإذا لم يجز ذلك؛ لم يحسن ~~الأمر بالموجود. # ولأن الموجود قد خرج بوجوده عن كونه مأمورا به؛ لأنه لو لم يكن كذلك؛ ~~لكان لا يخرج عن كونه واجبا؛ لأن الوجوب من مقتضى الأمر، وهذا يوجب بقاء ~~الفرائض على المكلفين بعد فعلهم لها على الوجه المأمور به, وفي بطلان ذلك ~~دليل على امتناع جواز الأمر بالموجود. # ولأنه لما لم يحسن أن يأمر الواحد منا في الشاهد من هو قائم بالقيام ومن ~~هو قاعد بالقعود لكون المأمور [به] موجودا؛ وجب أن يكون أمر الله تعالى ~~محمولا على ذلك؛ فلا يحسن أمره بما هو موجود؛ لأنه إنما يخاطب بما هو ~~متعارف بين أهل اللسان. # PageV02P401 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لو لم يصح الأمر بالموجود؛ لم يصح ذم الكافر على كفره الذي هو فيه ~~في الحال؛ لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجودا، ولوجب أن لا يكون ~~المؤمن مأمورا بالإيمان؛ لأن ما قد وجد منه؛ لا يصح الأمر به على هذه ~~الصفة. # والجواب: أن الكافر إنما يستحق الذم على ما ms163 فعله1 من اعتقاد الكفر ~~والبقاء عليه، فلا يكون في ذلك دلالة على كونه مأمورا بما قد وجد منه. ~~PageV02P401 ### | مسألة يصح أن يتقدم الأمر على وقت الفعل ### | مدخل # ... # مسألة 1 يصح أن يتقدم الأمر على وقت الفعل: # خلافا للطائفة التي تقدم ذكرها في المسألة التي قبلها: أن الأمر [53/أ] ~~لا يكون أمرا إلا في حالة الفعل، وما يتقدمه لا يكون أمرا؛ وإنما هو إعلام. ~~PageV02P401 ### | دليلنا # أن الواحد منا في الشاهد يحسن منه أن يأمر عبده بما يفعله في غد، وفيما ~~بعد بأوقات، ويطلق عليه اسم الأمر، ويسمى قوله ذلك أمرا [ف] وجب أن تكون ~~هذه الصفة جائزة في أمر الله تعالى وأمر رسوله. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ما يتقدم حال الفعل إعلاما وتعريفا، ولا يكون ~~أمرا إلا في حال الفعل، وتكون هذه سبيل أمر المولى عبده فيما يفعله في ~~الثاني. # قيل: قولك: إنه إعلام؛ لا يخلو من أن يكون المراد به حصول العلم للمأمور ~~[أ] وأنه يحصل له به معلوم؛ فإن أردت به حصول العلم كان ذلك باطلا؛ لأن ~~العلم هو الاعتقاد للشيء على ما هو به، والأمر هو حروف منظومة؛ فكيف يجوز ~~وقوع العلم بالأمر؟! # فإن أردت به أن المأمور يحصل له بذلك معلوم بأن يعلم ما أمر به في ~~الثاني؛ فلا يخلو ذلك: من أن يكون يعلم وجوب ما أنبأ عنه لفظ الأمر، أو ~~حدوث أمر مستأنف في الثاني، وكلا الأمرين باطل؛ لأنه إن اعتقد وجوب ما أنبأ ~~عنه القول؛ لم يأمن أن يكون الآمر لم يرد بذلك القول وجوب ما تضمنه؛ وإنما ~~أراد به الندب أو نحوه؛ فإذا اعتقد هو غير ذلك؛ كان اعتقاده جهلا، وكذلك إن ~~اعتقد أن الأمر سيجدد له أمرا في الثاني عند حال الفعل، لم يأمن أيضا أن لا ~~يوجد ذلك من الآمر بأن غيره دونه، فيكون اعتقاد المأمور جهلا، وإذا بطلت ~~هذه الوجوه كلها؛ لم يبق إلا أن يكون ذلك القول أمرا. # PageV02P402 ### | مسألة جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها ### | مدخل ms164 # ... # مسألة [جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها] : 1 # إذا أمر الله [عبده] 2 بعبادة في وقت مستقبل؛ جاز أن يعلمه بذلك قبل مجيء ~~الوقت. # خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يجوز أن يعلمه بذلك قبل الوقت3. PageV02P403 ### | دليلنا # إن إعلامه بذلك لا يفضي إلى الأمر بالمحال، فيجب أن يجوز. # ولأن الأمر إذا جاز تعليقه بوقت وزمان؛ جاز تعليقه بوقت معلوم كالطلاق ~~والوكالة، لما جاز تعليقهما1 بزمان مستقبل صح بوقت معين. # ولأن تعليقه بوقت معين آكد من الإطلاق، يدل على هذا: أنه لو أمر عبده ~~بفعل شيء في وقت غير معين؛ لم يحسن تأديبه على تأخيره، ولو علقه بوقت معين ~~فأخره عنه حسن تأديبه وتوبيخه. PageV02P403 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لو أعلمه بذلك؛ لكان قد علم أنه سيبقى إلى وقت الفعل لا محالة، ولو ~~جاز ذلك؛ لكان إغراء له بالمعاصي؛ لأنه يتكل على التوبة منها، وفي بطلان ~~هذا دليل على أنه لا يجوز أن يعلم المكلف ما أمر به. # والجواب: أنه لا يعلم أنه سيبقى إلى وقت الفعل، للأصل الذي تقدم؛ وإنما ~~يجوز أن يخبر به المكلف قبل الفعل. # وعلى أن هذا لا يمنع من إعلامه بالوقت وإن أفضى إلى ما ذكرت، كما لم يمنع ~~ذلك من صحة التوبة، وإن أفضى ذلك إلى ما ذكرت؛ لأن التوبة تجب ما قبلها من ~~المعاصي؛ فإذا علم بذلك أخلد إلى المعاصي، ثم عقب ذلك بالتوبة، ثم لم يمنع ~~هذا من صحة التوبة؛ كذلك لا يمنع من معرفة الوقت، وليس لهم أن يقولوا: إنه ~~يجوز أن يموت قبل كمال الفعل؛ لأن الموت عليه أمارة في الغالب. # PageV02P404 ### | مسألة [بعض الواجبات أوجب من بعض] : # 1 # يجوز أن يقال: إن بعض الواجبات أوجب من بعض. # كالصلوات الخمس [أوجب] من المنذورات، والزكوات أوجب من النذور، وكذلك ~~الإيمان أوجب من غيره من العبادات، وكذلك الكفر PageV02P404 # أعظم من المعصية من سرقة حبة. # وقد قال أحمد رحمه الله: "ركعتا الفجر آكد من الوتر". # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة1، وذكره أبو بكر بن الباقلاني ms165 أيضا. # ومن الناس من منع ذلك2. # ولسنا نريد بهذا أنه يرجع إلى نفس الأمر وما يتعلق به، وأن الأمر بفعل ~~الإيمان أشد تعلقا به من تعلق الأمر بالصلاة الواجبة؛ لأن الأمر بفعل الشيء ~~متى كان يعود إلى إيقاعه؛ فإن الإيقاع للإيمان كإيقاع غيره. # ولا نريد به أيضا: أن الإيمان أوجب من غيره؛ لأجل أن فعله يقف على أفعال ~~متقدمة مثل النظر والاستدلال؛ لأن سائر الطاعات لا تصح إلا بتقدم غيرها ~~عليها، وهو الإيمان، وكذلك الصلاة والزكاة لا يصحان إلا بالنية المتقدمة، ~~كالإيمان. # وإنما نريد بذلك: أن المستحق من الثواب بأحد الفعلين أعظم مما يستحق ~~بغيره، أو أن أحد الواجبين طريقه القطع والآخر غلبة الظن3. PageV02P405 # ولا يلزم على ما ذكرنا أن يجوز كذب أكذب من كذب، وصدق أصدق من صدق؛ ~~لأنهما أمران يرجعان إلى الخبر، وهو وقوع الشيء على ما أخبر به المخبر أو ~~على خلافه، وهذا لا يوجب اختلاف حال الخبرين في أنفسهما. # ولأن الكذب ليس بكاذب، ولا الصدق صادق؛ فلم يجز أن يقال: أصدق وأكذب، ~~ولأن أصدق1 اسم علم، فلا يستعمل فيه للمبالغة كقولنا: زيد وعمرو، وليس ~~كذلك: صادق أصدق من صادق؛ لأنه يصح أن يقال: إن المراد به أن أحدهما أكثر ~~صدقا من الآخر، وأما حسن أحسن من حسن، فيجوز. # وقد ذكر أصحابنا في الاقتصار على تطليقة واحدة، أنه أحسن من الثلاث2، وإن ~~كانتا جميعا قد اشتركتا في السنة3. # وهذا معنى قول الخرقي4: "وطلاق السنة أن يطلقها طاهرا من PageV02P406 # غير جماع طلقة؛ فإن طلقها ثلاثا في طهر كان أيضا للسنة وكان تاركا ~~للاختيار1". # ويدل على ذلك أن الواجبين الجائزين قد يشتركان في الوجوب، أحدهما أحسن من ~~الآخر، مثل من خفف صلاته، وأداها آخر بركوع وسجود أتم، وكذلك من أعطى زكاة ~~ماله فقيرا، وأعطى الآخر إلى من هو أحوج منه؛ كان ذلك أحسن. # وأما الأولى: فهو على ضربين: منه ما هو آكد، والثاني ما هو دونه. # فالآكد مثل ركعتي الفجر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوم على ms166 ~~فعلها، وحث الناس بوجوه الحث على إيقاعها، ونبه على حكمها بقوله: "صلوهما ~~فإن فيهما الرغائب"2 وقال: "هما خير من الدنيا وما فيها" 3. # وكذلك الوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم داوم على فعله، وحث الناس ~~عليه بقوله: "أوتروا يا أهل القرآن" 4، وقوله: "إن الله زادكم صلاة ~~PageV02P407 # هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الوتر" 1، فلهذا قال أحمد رحمه ~~PageV02P408 ### | ............................................................................................. # PageV02P409 # الله: "من ترك الوتر فهو رجل سوء1". # ومنها ما دون ذلك؛ فيسمى نافلة السنن. PageV02P410 ### | مسألة 1 [حكم الزيادة على الواجب] : # إذا فعل الواجب على المداومة، وزاد على ما يتناوله الاسم كالركوع والسجود ~~إذا داوم عليه المكلف؛ فهل يكون عليه جميعه واجبا؟ # يحتمل أن يقال: الواجب أدنى ما يتناوله الاسم، والزيادة نفل، وهذا اختيار ~~أبي عبد الله الجرجاني، وأبي بكر الباقلاني2. PageV02P410 # وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أن جميعه واجب1، وقال في الركوع إذا داوم عليه ~~المكلف كان جميعه واجبا، وكذلك القراءة إذا طولها. # وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رضي الله عنه؛ لأنه استحب للإمام أن ينتظر على ~~المأموم في الركوع ما لا يشق على المأمومين؛ فلولا أن إطالة الإمام في ~~الركوع يكون جميعه واجبا؛ لم يصح إدراك الركعة معه؛ لأنه يفضي إلى أن يكون ~~المفترض مقتديا بالمتنفل2. # وجه ما ذكرناه3: أن ما زاد على ما يتناوله الاسم مخير بين فعله ~~PageV02P411 # وتركه من غير أن يقيم مقامه غيره، وهذا يمنعه وجوبه، ألا ترى أن النوافل ~~لما كانت بهذه الصفة؛ لم تكن واجبة؟ # ووجه من قال جميعه واجب أن قوله تعالى: {اركعوا} 1 يقتضي ما يتناوله اسم ~~الركوع، وإن جاز الاقتصار على الجزء، كما أن من أذن لآخر في أن يتصدق من ~~ماله بما شاء على زيد، فتصدق عليه بألف؛ جاز، وإن2 كان فاعلا لما أمر به، ~~وإن كان له أن يقتصر على قدر درهم واحد. # وكذلك قوله: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} 3، يعبر عن كل ما تيسر؛ وإن جاز ~~الاقتصار على القليل، مثل من قال: "بع عبدي بما تيسر"؛ جاز بيعه بما كان، ms167 ~~وإن جاز له أن ينقص منه. # ولأن البناء كالابتداء؛ ولهذا لو حلف: لا يأكل ولا يلبس ولا يركب، ~~فاستدام ذلك؛ حنث، كما لو ابتدأ، كذلك في مسألتنا. # والجواب: أن قوله: "اركعوا" يفيد أدنى ما يتناوله الاسم، ألا ترى أنه متى ~~فعل هذا القدر سقط الفرض عن ذمته؛ فلم يجز الزيادة عليه إلا بدلالة، ويفارق ~~هذا قوله لآخر: تصدق على فلان من مالي؛ لأن العادة [54/ب] جارية أنه متى ~~أراد تقدير العطية؛ فإنه يبينه للمأمور، فلما PageV02P412 # ترك ذكره دل أنه جعل الخيار إليه في ذلك، فكان انضمام العادة إلى الأمر ~~هو الموجب لما ذكره دون اللفظ. # ولا يجوز أن يقال: البناء كالابتداء؛ لأن الابتداء إنما وقع واجبا؛ لأنه ~~ممنوع من تركه، ولما كان البناء مأذونا في تركه من غير أن يقيمه مقام غيره ~~لم يكن واجبا. # PageV02P413 ### | مسألة اللفظ المتضمن للندب يدل على وجوب غيره ### | مدخل # ... # مسألة 1 [اللفظ الذي يتضمن الندب يدل على وجوب غيره] : # نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "بالغ في الاستنشاق " 2: أنه يفيد وجوب ~~الاستنشاق، وإن كانت صفة. PageV02P413 # وكذلك قوله صلى الله عليه [وسلم] في السعي بين الصفا والمروة: "اسعوا" 1 ~~يفيد وجوب المشي بين الصفا ... PageV02P414 ### | ................................................................................. # PageV02P415 # والمروة1، وأن نطقه يفيد مشيا على صفة هي السرعة. # وقد استدل أحمد رضي الله عنه على وجوب الاستنشاق بالحديث2 الذي ذكر فيه ~~المبالغة، فقال رضي الله عنه في رواية الميموني وحنبل، واللفظ لحنبل: إذا ~~نسي المضمضة قبل الاستنشاق يعيد الصلاة3؛ لقول PageV02P416 # النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استنشقت فانتثر" 1. # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يدل ذلك على الوجوب، حكاه الجرجاني. ~~PageV02P417 ### | دليلنا # أن الأمر يتناول شيئين أحدهما الاستنشاق، والثاني المبالغة؛ لأن المبالغة ~~لا تحصل إلا بوجود الاستنشاق، وكذلك السعي لا يحصل إلا بوجود المشي؛ فسقوط ~~أحدهما لا يوجب سقوط الآخر، كالعموم إذا خص. # وذهب المخالف إلى أن نفس المنطوق به هو المبالغة، وهو السعي، وذلك غير ~~واجب؛ فلم يجب مدلوله. # والجواب: أنا قد بينا أن الأمر اقتضى أمرين. # PageV02P417 ### | مسألة 1 [المذكور متى جعل ms168 دلالة على نفس عبادة] : # فإن ذلك دلالة على وجوبه فيها. # وذلك مثل قوله تعالى: {وقرآن الفجر} 2، لما دل على صلاة الفجر؛ فهم وجوبه ~~فيها. # وكذلك قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين 3} ~~فلما نبه بذكر الحلق على الإحرام؛ كان ذلك واجبا فيه. وكذلك قوله4: {اركعوا ~~واسجدوا} 5، لما دل على الصلاة؛ كانا واجبين فيها؛ لأن الشيء يجعل دلالة ~~على الغير متى كان مقصودا في نفسه مطلوبا منه، وهذه الأمور مقصودة من هذه ~~العبادات مرادة فيها. # ولأن العادة جارية أن ذكر معظم الشيء يجعل دلالة على باقيه، ولا يجعل ~~الجزء منه دلالة عليه؛ فكان ذكر الشيء على وجه الدلالة على غيره تنبيها على ~~كونه بعضا منه. PageV02P418 ### | مسألة 1 [ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب] : # إذا أمر الله تعالى [عبده] بفعل من الأفعال وأوجبه عيله، وكان المأمور لا ~~يتوصل إلى فعله إلا بفعل غيره؛ وجب [55/أ] عليه كل فعل لا يتوصل إلى فعل ~~الواجب إلا به2. PageV02P419 # وذلك مثل أن يجب عليه أن يتطهر للصلاة، ولا يمكنه أن يتطهر إلا بشراء ~~الرشاء واستقاء الماء؛ فيلزمه الشراء والاستقاء؛ لأنه يلزمه فعل الواجب ~~عليه إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه مع الإمكان، وهو في الحال ~~متمكن على هذا الوجه؛ فلهذا لزمه. # ولهذا قال1 أصحابنا: إذا وجد الماء بأكثر من ثمن مثله، بزيادة لا تجحف ~~بماله؛ لزمه شراؤه2. # فإن قيل: فيجب أن توجبا عليه اكتساب الاستطاعة لفعل الحج، واكتساب النصاب ~~ليؤدي الزكاة. # قيل: ذلك شرط في الوجوب دون الفعل، ولا يجب عليه أن يفعل ما يوجب به ~~العبادة على نفسه، وليس كذلك ههنا، فإنه معنى لا يتوصل إلى أداء الواجب ~~عليه إلا به؛ فلزمه فعله. # ولهذا قال أصحابنا في المفلس: إذا كانت له حرفة؛ لزمه أن يكتسب، ~~PageV02P420 # ويقضي دينه1؛ لأنه يتوصل بذلك إلى أداء الواجب2. PageV02P421 ### | مسألة 1 [هل تتوقف أوامر الله لعباده على المصلحة] : # الأمر لا يقف على المصلحة، وقد يجوز أن يأمر بما لا مصلحة للمأمور فيه؛ ~~ولكن ms169 التكليف منه إنما يقع على وجه المصلحة. # خلافا للمعتزلة في قولهم: يقف على المصلحة2. # والكلام في ذلك مبني على أصول: # أحدها: أنه يجوز أن يأمر بما لا يريد، وما لا يريده لا مصلحة فيه. # وقد دل على هذا الأصل: أمره لإبراهيم بذبح ولده، ولم يرد وجوده منه؛ لأنه ~~نهاه عن فعله، وفداه بالكبش. # الأصل الثاني: أنه لا يجب عليه فعل الأصلح في خلقه، وإذا لم يجب عليه ~~ذلك؛ لم يقف أمره على المصلحة؛ لأنها غير واجبة عليه. # وقد دل على هذا الأصل: أنه لو وجب عليه فعل الأصلح؛ لم يستحق PageV02P421 # الثناء والمدح؛ لأنه فعل ما يجب عليه فعله. ولما أجمعنا على أنه يستحق ~~ذلك؛ علم أنه لا يجب عليه ذلك، وإنما يفعله تفضلا. # والأصل الثالث: أن من قال: يقف الأمر على المصلحة؛ بناه على أصل، وهو: ~~أنه يقبح في العقل أن يأمر بما لا مصلحة فيه. # ونحن نبينه على هذا الأصل، وأن1 العقل لا يقبح ولا يحسن2، وإذا لم يدل ~~ذلك لم يقف على المصلحة؛ إذ ليس هناك ما يمنع من ضد المصلحة. # وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 3 ~~فأخبر أنهم آمنون من العذاب قبل بعثة الرسل إليهم، فعلم أن الله تعالى لم ~~يوجب على العقلاء شيئا من جهة العقل؛ بل أوجب ذلك عند مجيء الرسل. # وقوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون PageV02P422 # للناس على الله حجة بعد الرسل} 1؛ فلو كان العقل حجة عليهم، لما قال: ~~{لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} بل كان الواجب [55/ب] أن يقول: ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد العقل؛ ولما لم يقل هذا؛ ثبت أن العقل لا ~~تأثير له في ذلك. # ويدل على هذه المسألة من غير بناء على أصل: أن الله تعالى أمر إبراهيم ~~بالذبح ومنعه منه قبل وقوع الفعل؛ فلو كان أمره بالذبح مصلحة؛ لم ينهه عن ~~فعله قبل فعله؛ فلما نهاه عنه؛ علمنا أنه لم يكن له مصلحة في ذلك ms170 الأمر. # ويدل عليه أيضا: اتفاق الجميع على أنه قد يأمر من قد سبق في علمه أنه لا ~~يفعل ما أمر به، كأمره للكفار بالإيمان، وقد علم أنهم لا يؤمنون، ومعلوم ~~أنه لا مصلحة لهم في هذا الأمر؛ لأن تركه لا يوجب عليهم مأثما؛ لأنه لا ~~يوجد من جهتهم مخالفة، وبالأمر يحصل منهم مخالفة، فيستحقوا على ذلك العذاب، ~~فكان ترك الأمر أنفع لهم منه. وجرى هذا مجرى من علم من حاله أنه متى دفع ~~إليه سيفا يقاتل به؛ قتل به نفسه؛ فإن المصلحة له أن لا يعطيه شيئا، وكذلك ~~من علم من حاله أنه متى سافر قطع عليه وقتل، ولم يصل إلى ربح، كان الأصلح ~~له ترك ذلك. وهذه طريقة جيدة على هذه المسألة2. PageV02P423 # وقد ذكر بعضهم طريقة في هذا فقال: قد أمر الله تعالى بالدعاء، ولا مصلحة ~~في ذلك على قول المخالف؛ لأن الداعي إن كان عاصيا؛ لم ينفعه دعاؤه؛ لأنه قد ~~استحق الخلود في النار، وإن كان طائعا؛ لم ينفعه دعاؤه؛ لأنه قد استحق ~~الثواب الدائم بالطاعة. # وهذه طريقة لينة؛ لأن الأمر بالدعاء يفيد على قولهم زيادة في الآخرة، كما ~~أن تكليفه عبادة بعد عبادة يفيد زيادة في الآخرة. # وبناء المخالف الكلام في هذه المسألة على الأصول التي ذكرناها. والكلام ~~معه في تلك الأصول. # سؤال: إن قيل: هل يجوز أن يقول: افعل ما أردته منك إن لم أكرهه؟ # قيل: لا يجوز؛ لأنه قد قام الدليل على قدم إرادته، وكونه لم يزل مريدا ~~لما أراده، واستحالة كونه كارها له بعد إرادته؛ فلم يجز اشتراط ذلك، ذكر ~~هذا السؤال أبو بكر، ومنع منه1. PageV02P424 ### | باب النواهي ### | صيغة النهي ### | مدخل # ... # باب النواهي # مسألة 1 [صيغة النهي] : # للنهي صيغة مبنية تدل بمجردها عليه، وهو قول القائل لمن دونه: "لا تفعل"؛ ~~كالأمر سواء. # نص عليه الإمام رضي الله عنه في رواية عبد الله فقال: "ما نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ فمنه أشياء حرام، مثل نهيه أن تنكح المرأة على عمتها وعلى ~~خالتها2، PageV02P425 # ونهى عن ms171 جلود السباع أن تفترش1؛ فهذا حرام. ومنه أشياء نهى عنها نهي ~~أدب". # خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون [56/أ] نهيا لصيغته؛ وإنما يكون نهيا ~~بإرادة الناهي كراهية المنهي عنه. # وخلافا للأشعرية في قولهم: لا صيغة له؛ وإنما هو معنى قائم في النفس. # والكلام في هذا كالكلام في الأمر سواء، وقد دللنا بما فيه كفاية. # ويدل عليه أيضا إجماع الصحابة؛ فإنهم كانوا يرجعون إلى ظواهر النواهي في ~~ترك الشيء. PageV02P426 # من ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه: كنا نخابر أربعين عاما، لا نرى بذلك ~~بأسا، حتى أتانا رافع فقال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المخابرة، فانتهينا بقول رافع"1. وغير ذلك من الظواهر. # ولأن السيد إذا قال لعبده: لا تفعل كذا، ففعل؛ صلح أن يعاقبه عليه. # وقد ورد لفظ: "لا تفعل" في القرآن على وجوه: # منها: ما ورد على وجه الرغبة والسؤال، مثل قوله: {لا تؤاخذنا إن نسينا} ~~2. # ومنها: ما ورد بلفظ التقرير مثل قوله: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا ~~تصاحبني} 3. # وقد ورد على وجه التحذير، مثل قول القائل لعبده: الآن قد أمرتك، لا ~~تفعل4. # وورد على وجه الاستقلال، مثل أن يقول: لا تكلمني، فإنك لست بأهل للكلام5 ~~ولا موضعا له. # ويرد لتسكين النفس مثل قوله: {فلا يحزنك قولهم} 6. # ويرد على وجه الأمان من الخوف، مثل قوله تعالى: {لا تعتذروا اليوم} 7. ~~PageV02P427 # وورد للعظة، مثل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} 1، {ولا تقتلوا ~~أولادكم} 2، {ولا تقربوا الزنى} 3 {لا تفتروا على الله كذبا} 4. ~~PageV02P428 ### | مسألة 1 [النهي المطلق يقتضي الفور والتكرار] : # والنهي يقتضي المبادرة إلى ترك المنهي عنه على الفور، كالأمر، وأنه يقتضي ~~التكرار كالأمر سواء. # وقال أبو بكر ابن الباقلاني: لا يقتضي التكرار، كالأمر، ولا يقتضي الفور. # وما ذكرناه في الأوامر فهو دلالة في النهي، فلا وجه لإعادته. # ولأن الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده: لا تدخل هذه الدار، فترك ~~المأمور دخولها ساعة، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء؛ فدل على أنه ~~يقتضي التكرار. PageV02P428 ### | مسألة النهي عن أشياء ms172 بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها ### | مدخل # ... # مسألة 1 [النهي عن أشياء بلفظ التخيير يقتضي المنع من أحدها] : # النهي إذا تعلق بأحد أشياء بلفظ التخيير، مثل: أن لا تكلم زيدا أو ~~PageV02P428 # عمرا؛ فإنه يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه التخيير، على ظاهر كلام ~~أحمد رضي الله عنه في رواية البغوي: كل ما في كتاب الله تعالى "أو" فهو على ~~التخيير. # خلافا للمعتزلة في قولهم: إنه يقتضي المنع من كليهما1 جميعا2، وهو اختيار ~~الجرجاني. # وقال أبو بكر ابن الباقلاني: يقتضي المنع من كلام أحدهما على وجه ~~التخيير. PageV02P429 ### | دليلنا # أن النهي كالأمر في باب الكف، ثم ثبت أنه لو قال: تصدق بدرهم أو دينار؛ ~~لم يجب الجمع بينهما، كذلك النهي1. PageV02P429 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} 1 [56/ب] معناه: ولا كفورا2. # والجواب: أنا حملناه على الجمع بدليل. PageV02P429 # واحتج: بأنا وجدنا أهل اللغة يقولون: لا تطع زيدا أو عمرا، المعنى: اتق ~~طاعتهما؛ كأنه قال: لا تطع زيدا ولا عمرا. # والجواب: أنا لا نسلم بهذا. # واحتج: بأن في المنع منهما احتياطا، حتى لا يواقع المحظور، ولهذا قلنا ~~فيمن اشتبهت عليه جاريته بجارية1 غيره: أنه لا يطأ واحدة منهما. # والجواب: أنه يلزم عليه التخيير في الواجب؛ لأن فعل كل واحد منهما ~~احتياطا؛ لأنه بفعل أحدهما لا يأمن ترك واجب، ومع هذا لا يجب. # واحتج: بأن ما وجب تركه مع غيره؛ وجب تركه بانفراده. # والجواب: أنه يبطل بالجمع بين الأختين، يجب من ترك كل واحدة منهما مع ~~وجود الأخرى عنده ولا يجب مع عدمها. PageV02P430 ### | مسألة النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده ### | مدخل # ... # مسألة 1 [النهي عن شيء له ضد واحد أمر بضده] : # إذا ورد النهي عن فعل شيء له ضد واحد كان أمرا بضده من جهة المعنى، نحو ~~قوله: {لا تكفر} 2 يكون أمرا بضده، وهو الإيمان. # وإذا كان للمنهي عنه أضداد، تضمن ذلك أمرا بضد واحد من الأضداد، كقوله: ~~لا تسجد. PageV02P430 ### | دليلنا # أنه إذا نهى عن ms173 فعل شيء؛ تضمن ذلك وجوب الكف عنه، ولا يمكنه الكف عنه إلا ~~بفعل واحد من الأضداد؛ فثبت أن النهي عنه تضمن واحدا من أضداده لا محالة، ~~ألا ترى أنه لا يتوصل إلى ترك الحركة إلا بفعل ضدها من السكون؛ فصار كأنه ~~ترك الحركة بالسكون، فتضمن ذلك إيجاب فعله عليه. # ويبين صحة هذا ما ذكرناه: أن الأمر بالشيء؛ أمر بما لا يتم إلا به، ولهذا ~~جعل الأمر بالطهارة والأمر بالكفارة، لكن بطلب ما يتوصل به إليه. # PageV02P431 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن اللفظ يصح وروده مقترنا بذكر إباحة جميع أضداده؛ فلو كان النهي ~~يتناول ذلك؛ لم يجز نفيه بما يقترن به. # والجواب: أنا لا نسلم هذا، وإنما يصح أن يرد بإباحة بعض أضداده، لا ~~جميعها. # PageV02P431 ### | مسألة إطلاق النهي يقتضي الفساد ### | مدخل # ... # مسألة 1 [إطلاق النهي يقتضي الفساد 2] : # وقد قال أحمد رضي الله عنه في رواية3 أبي القاسم إسماعيل بن عبد الله بن ~~ميمون العجلي4 في الشغار5: # يفرق بينهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P432 # قد نهى عنه1، وقال: أرأيت لو تزوج امرأة أبيه؛ أليس قال الله تعالى: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} 2. # وقال رضي الله عنه في رواية أبي طالب وقد سئل عن بيع الباقلا3 [57/أ] قبل ~~أن تحمل وهو ورد، فقال: [نهى] النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى ~~يبدو صلاحها4، هذا بيع فاسد، وهو قول جماعة الفقهاء. PageV02P433 # خلافا للمعتزلة1 والأشعرية في قولهم: لا يقتضي فساد المنهي عنه بإطلاقه2. ~~PageV02P434 ### | دليلنا # ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا؛ فهو رد"، وفي بعض الألفاظ: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه؛ فهو رد". ~~وروى: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" 1. PageV02P434 # فإن قيل: معنى الرد: أنه غير مقبول، والقبول من الله تعالى هو الإثابة ~~عليه، ونحن نقول: إنه لا يثاب على فعله. # قيل: الرد يحتمل ذلك، ويحتمل الإبطال والإفساد، كما يقول: رد فلان على ~~فلان، إذا أبطل قوله ms174 وأفسده، فوجب حمله عليهما. # وأيضا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة إلا بطهور" 1، ~~PageV02P435 # و "لا نكاح إلا بولي" 1 و "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، ومعلوم ~~أنه لم يرد بذلك نفس الفعل؛ لأن الفعل لا يمكن رفعه، وإنما أراد نفي حكمه، ~~فاقتضى ذلك أن الفعل إذا وجد على الصفة المنهي عنها؛ لم يكن له حكم، وكان ~~وجوده كعدمه؛ فيكون الفرض باقيا على حالته؛ فوجب الإتيان به. # وأيضا: فإن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها. # فمن ذلك: احتجاج ابن عمر في فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ~~المشركات} 2. PageV02P436 # وكذلك احتجاجهم في إفساد عقود الربا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير ~~بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، وإلا سواء بسواء عينا بعين ~~يدا بيد" 1. وما أشبه ذلك؛ [فلو] كان إطلاقه لا يفيد الفساد؛ لم يرجعوا إلى ~~ظاهر الكلام. # فإن قيل: إنما رجعوا إلى ذلك لدلالة مقترنة إلى هذه الألفاظ دلت في الحال ~~على ذلك. # قيل: لو كان الذي يفيد الفساد دلالة غير اللفظ لطالب بعضهم من بعض حال ~~ورود المنازعة، ولكانت تنقل ذلك للعصر الثاني والثالث حتى لا يؤدي إلى ~~تضييع الشرع. PageV02P437 # وأيضا: فإن النهي يخرجه عن أن يكون شرعا، والصحة والجواز من أحكام الشرع، ~~فما أخرجه من أن يكون موافقا للشرع وجب أن يخرجه من أن يكون موافقا لحكمه. # ويعبر عن هذا بعبارة أخرى وهو: أن ما يفعل على وجه منهي عنه؛ لا يجوز أن ~~يكون هو المفروض ولا المندوب والمباح؛ لأن المنهي عنه لا يكون مأمورا به ~~ولا مندوبا؛ لاستحالة اجتماع الشيء وضده؛ فإذا لم يكن [57/ب] هو المأمور به ~~لم يؤثر فعله في إسقاط حكم الأمر الآخر، فكان حكمه باقيا عليه؛ فليزمه ~~الإتيان به، وهذا معنى قولنا: النهي يقتضي الفساد، ولهذا قال أصحابنا: ~~النهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه؛ وجب فساد المنهي ms175 عنه أيضا للمعنى ~~الذي ذكرنا. # وأيضا فإن الأمر يدل على الصحة والجواز، فوجب أن يدل النهي على البطلان ~~والفساد؛ لأن النهي ضد الأمر، فما أفاده الأمر في المأمور؛ يجب أن يفيد ~~النهي ضده في المنهي، ولهذا لما أفاد الأمر وجوب الفعل، أفاد النهي وجوب ~~الترك. # وأيضا: فإن النهي متعلق بصفة، وعدمها شرط في الفعل؛ فإذا فعله بطل لعدم ~~الشرط. # وبيان هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح" ~~1. PageV02P438 # ظاهر النهي لأجل إحرامه، ولأن الإحلال شرط في صحة العقد، وهذا على أصلنا ~~في القول بدليل الخطاب؛ لأنه إذا قال: لا ينكح المحرم، يدل على أن المحل ~~ينكح، ويكون الإحلال شرطا في صحته. # فإن قيل: هذا لا يدل على أن عدم الصفة شرط في صحة الفعل؛ وإنما يدل على ~~أنه شرط في إباحة الفعل. # قيل: الأمر والإباحة يدلان على الصحة؛ لأن صاحب الشريعة إذا قال: أمرتك ~~بأن تفعل النكاح في حال الإحلال؛ فإذا عقده؛ دل على أنه صحيح مجزئ؛ لكونه ~~محلا، وكذلك إذا قال: أبحت لك أن تفعل النكاح في حال الإحلال، فإذا عقده؛ ~~كان صحيحا لإحلاله. PageV02P439 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الدليل لا يجوز وجوده وليس معه مدلوله، وقد وجدنا في الشريعة نهيا ~~وتحريما يقارن الصحة والإجزاء؛ فدل على أنه لا يدل على الفساد، # PageV02P439 # وذلك مثل البيع في حال النداء، والطلاق في حال الحيض والوطء فيه، والذبح ~~بالسكين المغصوبة، والصلاة في الدار المغصوبة، وفي السترة المغصوبة، ~~والوضوء بالماء المغصوب، وإقامة الحد بالسوط المغصوب، وما أشبه ذلك؛ فإنه ~~يقع موقع الجائز مع كونه محرما منهيا عنه. # والجواب: أن هذا لا يمنع وجوده، ولا يقتضي الفساد، كما لم يمنع وجوده ولا ~~يقتضي التحريم، وقد ثبت أن إطلاق النهي يقتضي التحريم، وإن دل الدليل على ~~أنه لا يوجب الفساد. # فإن قيل: إن دل الدليل على أنه لا يوجب التحريم؛ خرج من أن يكون نهيا. # قيل: لا يوجب خروجه من أن يكون نهيا، كما لا يجب أن يخرج الأمر بسقوط ms176 ~~وجوبه -بدليل- من أن يكون أمرا، وعلى أن هناك دليلا1 دل على الفساد، ولم ~~يدل الدليل على غيره. # وأجاب [58/أ] بعضهم عن هذا بجواب آخر فقال: المفعول على هذا الوجه في ~~المواضع التي ذكروها؛ لم يتضمنه الأمر الأول، إلا أن الله تعالى أسقط موجب ~~الأمر عن2 المكلف بمثل هذا الفعل، كما يسقط عنه بالعجز. # واحتج بأن الفساد صفة زائدة لا يقتضيها لفظ النهي؛ فلم يجز إثباتها به. # والجواب: أن هذا باطل بالتحريم؛ فإنه صفة زائدة، لا يقتضيها النهي، وقد ~~أثبتها باللفظ. PageV02P440 # ثم لا نسلم أنه لا يقتضيها اللفظ؛ لأنا قد بينا أن النهي متعلق بصفة، ~~وعدمها شرط في الفعل. # واحتج: بأنه لو كان إطلاق النهي يقتضي الفساد؛ لوجب -إذا صرف عن إطلاقه- ~~أن يصير مجازا. # والجواب: أنه إنما لم يصر1 مجازا؛ لأنه قد حمل على بعض موجباته، وهو ~~الكراهة؛ فلهذا لم يصر مجازا، كالعموم إذا خص بعضه، وعلى أن هذا يبطل ~~بالتحريم؛ فإنه إذا صرف عنه لا يصير مجازا، وإن كان الإطلاق يقتضيه. ~~PageV02P441 ### | مسألة النهي إذا تعلق بمعنى في غير النهي عنه دل على الفساد أيضا ### | مدخل # ... # مسألة 1 [النهي إذا تعلق بمعنى في غير المنهي عنه دل على الفساد أيضا] : ~~2 # مثل: النهي عن البيع عند النداء، والصلاة في الدار المغصوبة والثوب ~~المغصوب، والصلاة بماء مغصوب، وهذا ظاهر كلام أصحابنا رحمهم الله في بطلان ~~الصلاة في هذه المواضع، وكذلك اختلافهم في الذبح بسكين غصب. # خلافا لأكثر الفقهاء في قولهم: لا يدل ذلك على الفساد، وهو قول الأشعرية ~~أيضا. PageV02P441 ### | دليلنا # ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو ~~رد". # ولأن النهي عن الفعل على هذه الصفة يخرجه عن أن يكون شرعيا، والصحة ~~والجواز من أحكام الشرع، وهذا الفعل منهي عنه؛ فوجب أن يكون ذلك شرعا. # ولأنه لا فرق بين أن يكون النهي لمعنى في المنهي عنه أو في غيره في توجه ~~البطلان، بدليل أن شراء الصيد في حق المحرم، ونكاح المحرمة؛ باطل، وإن لم ~~يكن ms177 النهي متوجها لمعنى في المنهي عنه، وإنما هو لمعنى آخر وهو الإحرام؛ ~~كذلك لا يمتنع أن تفسد الصلاة في الدار المغصوبة لمعنى في غيرها، وهو تحريم ~~الغصب، وكذلك بيع المحجور عليه منهي عنه لمعنى في العاقد لا في العقد، وهو ~~فاسد. # فإن قيل: ما يختص العاقد والمعقود عليه يتعلق بالعقد ويرجع إليه. # قيل: فيجب أن يفسد بيع الحاضر للبادي؛ لأن النهي عن ذلك لمعنى في ~~المتعاقدين. # PageV02P442 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن النهي لا يرجع إلى المنهي عنه، بدليل: أنه ممنوع من الجلوس في الدار ~~[58/ب] في غير صلاة، وممنوع من لبس القميص وشرب الماء، وإذا لم يرجع النهي ~~إليه؛ لم يؤثر فيها، كما لو صلى وعنده وديعة قد طولب # PageV02P442 # بها، فلم يسلمها مع سعة الوقت، أو طلق في الحيض، أو ذبح بسكين غصب، أو حد ~~بسوط غصب، أو استام على سوم أخيه، أو توضأ بما يملكه في دار مغصوبة؛ فإن ~~الوضوء صحيح، وإن كان ممنوعا في هذه الحال. # والجواب: أنه إذا فرق بين الأمة وولدها في البيع؛ لم يصح عند الشافعي، ~~وإن لم يكن ذلك لمعنى في العقد، وإنما هو لمعنى في المبيع، وهو ما يلحقهما ~~من الحزن بالفراق، ثم هذا لا يصح؛ وذلك أنه ممنوع من الكون في الغصب، وذلك ~~يتنوع أنواعا، بعضه صلاة، وبعضه قعود، وبعضه قيام، وقد استوفيت الكلام على ~~هذا في كتاب الصلاة. # وفي هذه المسألة طريقة أخرى، وهو: أن النهي راجع إلى شرط معتبر في ~~العبادة؛ لأن الصلاة أفعال تفتقر إلى أكوان، وكذلك الحج، الوقوف فيه ركن ~~يفتقر إلى كون في مكان؛ فإذا كان الكون الذي هو شرط: منهي عنه دل على ~~الفساد، كما لو رجع النهي إلى نفسه، ألا ترى أنه لو صلى في ثوب نجس أو في ~~وقت منهي عن الصلاة فيه، لم يصح؛ لأن النهي رجع إلى شرط معتبر، ولم يرجع ~~إلى نفس الفعل الذي هو الاعتمادات، كذلك ههنا، وكذلك القعود لا فرق بين أن ~~يرجع النهي إلى نفسه كأكل الربا، أو ms178 يرجع إلى شرط كالمبيع بشرط خيار مجهول، ~~أو أجل مجهول في أنه باطل في الموضعين. # فإن قيل: الصلاة اعتمادات بفعلها في نفسها1، والنهي انصرف إلى اعتمادات ~~في الأرض كالمنهي عن المأمور؛ فلا يصح؛ لأن الصلاة اعتمادات بفعلها في ~~نفسها في مكان، إذ لا بد لتلك الاعتمادات التي هي PageV02P443 # الركوع والسجود والجلوس من مكان، وما لا يتم الفعل إلا به؛ يحصل مأمورا ~~به. # فإن قيل: هو مأذون له في العرف من جهة صاحب الأرض. # قيل: لو كان كذلك؛ لم يكن مأثوما في تلك الحال، ولوجب أن يحكم له ~~بالثواب، كما إذا صلى فيها بإذن سابق. # فإن قيل: هو منهي عن الامتناع من رد الغصب؛ فهو فعل آخر غير الصلاة ~~المأمور بها. # قيل: يبطل بالصلاة في ثوب نجس؛ فإنه منهي عن الامتناع من ترك النجاسة؛ ~~لأن النجاسة طريقها التروك؛ فهو فعل آخر غير الصلاة المأمور بها على قولهم، ~~ومع هذا فالصلاة باطلة. # فإن قيل: النهي عن القرب يدل على الفساد، ولا يدل على العقود1. # قيل: لا يصح؛ هذا [59/أ] لأنه خلاف إجماع الصحابة، وذلك أنهم استدلوا على ~~فساد العقود بالنهي عنها2. # من ذلك احتجاج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله: {ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} 3. # وكذلك احتجاجهم في فساد عقوبة الربا بقوله: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا ~~الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا التمر بالتمر، ولا PageV02P444 # الشعير بالشعير، ولا الملح بالملح؛ إلا سواء بسواء، عينا بعين، يدا بيد"؛ ~~فلولا أن إطلاقه يفيد فساد العقود، لم يرجعوا إلى ظاهر الكلام. # وكذلك أوجبوا فساد النكاح في العدة، وبيع ما ليس عنده، وإن لم يكن في هذه ~~العقود قرب. # فإن قيل: لم يوجبوا إفساد البيع في وقت النداء. # قيل: روي عن ابن سلام1 في تفسيره بإسناده عن ابن عباس قال: "إذا أذن ~~المؤذن يوم الجمعة حرم البيع". وتحريمه يدل على النهي عنه، والنهي يقتضي ~~فساد المنهي عنه. # فإن قيل: البيع وقت النداء يؤدي إلى فوت الصلاة عن وقتها، وهذا لا يدل ms179 ~~على الفساد. # قيل: بل يدل عليه، ألا ترى أن الصائم منع من القبلة إذا كانت تحرك شهوته؛ ~~لأنه يعود بفساد العبادة؛ فلو وجد تحريك الشهوة والإنزال لفسد الصوم، [ف] ~~كان يجب إذا وجد فوات الجمعة أن يفسد البيع. # فإن قيل: إنما منع من خطبة الرجل على خطبة أخيه؛ لما فيه من وحشة ~~الإخوان، وبيع الحاضر؛ لما فيه من إدخال الضرر على الناس؛ لما فيه من إغلاء ~~الأسعار. # قيل: هذا لا يمنع فساد البيع، بدليل المنع من التفريق بين الوالدة ~~PageV02P445 # وولدها في البيع؛ لما فيه من إدخال الضرر على كل واحد بحصول الوله، لقوله ~~عليه السلام: "لا توله والدة على ولدها" 1. # وكذلك لا يصح الجمع بين الأختين في عقد النكاح؛ لما يحصل بينهما من ~~التباغض والتقاطع. # فأما الطلاق المخالف للسنة؛ فإنما أوقعناه؛ وإن كان منهيا عنه تغليظا على ~~فاعله2. # وإيجابنا قضاء الصلاة في الأرض تغليظا؛ فهما3 في المعنى سواء4. # وأما الجلد بسوط غصب؛ فإنما أجزأ؛ لأنه لو لم يجزئ لأدى إلى الزيادة في ~~الحد، ولا يجوز هذا، وليس كذلك في إعادة الصلاة؛ لأنه غير ممتنع، كما لو ~~نسى صلاة من يوم لا يعلم عينها، فإنه يلزمه قضاء يوم كامل. # وأما بيع الحاضر للبادي فالمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله: PageV02P446 # البطلان؛ لما فيه من الضرر على أهل البلد1. # واختلفت الرواية في البيع على بيع أخيه: فروي عنه ما يدل على البطلان؛ ~~لما فيه من الضرر بأخيه2. PageV02P447 ### | مسألة دليل الخطاب حجة ### | مدخل # ... # مسألة 1 [دليل الخطاب حجة] : # وهو: أن يعلق الحكم بصفة، نحو قوله: "في سائمة الغنم الزكاة 2 ". أو بعدد ~~نحو قوله: "في أربعين شاة شاة" 3. PageV02P448 # [59/ب] أو باسم نحو قوله: "في الغنم الزكاة". # ويعبر عنه: بأن المسكوت عنه يخالف حكم المنصوص عليه بظاهره. # وقد نص أحمد رضي الله عنه على هذا في مواضع: # فقال في رواية صالح: "لا وصية لوارث" دليل أن الوصية لمن لا يرث. # وقال رضي الله عنه في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يحل للمسلمة أن تكشف ~~رأسها ms180 عند نساء أهل الذمة1؛ لأن الله تعالى يقول: {أو نسائهن} 2. ~~PageV02P449 # وقال رحمه الله في رواية محمد بن العباس1 وقد سأله عن الرضاع فقال: عن ~~الني صلى الله عليه وسلم: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان 2 " فأرى الثلاث ~~تحرم3. # وقال رحمه الله في رواية حنبل وقد سئل عن الأكل من منزل المجوسي فقال: ما ~~كان من صيد أو ذبيحة فلا، قال الله تعالى: {وطعام الذين PageV02P450 # أوتوا الكتاب حل لكم} 1 وهؤلاء ليسوا أهل كتاب2. # ونقل عنه أيضا رحمه الله: ليس على المسلم نصح الذمي، قال النبي صلى عليه ~~وسلم: "والنصح لكل مسلم" 3. # ونقل عنه أيضا رحمه الله: يقتل السبع والذئب والغراب ونحوها4 ولا كفارة ~~عليه؛ لأن الله تعالى قال: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} 5. فجعل الجزاء في الصيد، وهذا سبع فلا ~~كفارة فيه. PageV02P451 # وقال في كتاب طاعة الرسول: قوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} 1، ~~يرجع في حليلة الابن من الرضاعة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يحرم ~~من الرضاعة ما يحرم من النسب" 2. PageV02P452 # وقال رضي الله عنه في رواية حنبل: قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه: ~~{يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} 1؟ فثبت أن الله سميع بصير. # وقد احتج في هذه المواضع بدليل الخطاب. # وبهذا قال مالك2 وداود3. # وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس بحجة4. PageV02P453 # واختلفوا: إذا علق الحكم بشرط؛ فمنهم من قال: ما عداه1. # ومنهم من قال: لا يدل، واختاره الجرجاني. # وقال ابن داود والأشعر [ية] 2: دليل الخطاب ليس بحجة3. # واختلف أصحاب الشافعي: فذهب ابن سريج4 والقفال5 إلى أنه ليس PageV02P454 # بحجة1. # وذهب الأكثر منهم إلى أنه إن علق بصفة؛ فهو حجة، وإن علق باسم؛ لم يكن ~~حجة2. # ومنهم من قال: هو حجة، وإن علق باسم مثل قولنا. قال ابن فورك: وهو ~~الصحيح3. # ورأيت في جزء وقع إلي تخريج أبي الحسن التميمي: أن دليل الخطاب؛ ليس ~~بحجة. # فالدلالة على صحة ما قلناه: # أنه تعالى لما أنزل قوله: ms181 {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} 4، قال صلى الله عليه وسلم: "والله لأزيدن ~~على السبعين"، ذكره يحيى5 بن سلام6 PageV02P455 # في تفسيره عن قتادة1 قال: لما نزلت [60/أ] هذه الآية قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "قد خيرني ربي فوالله لأزيدنهم على السبعين". # وفي لفظ آخر: "فلأستغفرن لهم"، فأنزل الله عز وجل في سورة المنافقين: ~~{سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا ~~يهدي القوم الفاسقين} 2. 3. PageV02P456 # وهذا فسوق المشرك؛ فعقل أن ما زاد على السبعين يخالف حكمه حكم السبعين. # فإن قيل: روى عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو علمت إذا زدت ~~على السبعين أن يغفر الله لهم لزدت" 1. # وهذا يمنع التعلق بالدليل، ويوجب التوقف عن الحكم بالدليل. # قيل: قوله: "لو علمت ... لزدت" تعلق بدليل الخطاب، لأنه ما استفاد ~~الزيادة إلا من ناحية الدليل، وعدم العلم بالغفران لهم لا يمنع الاحتجاج؛ ~~لأنا استدللنا به؛ فلا يقطع على العلم به، كما إذا استدللنا بالعموم وأخبار ~~الآحاد. # فإن قيل: الكافر لا يغفر له من جهة السمع؛ فغير جائز أن يخالفه النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ فدل ذلك على بطلان الخبر. # قيل: الحديث قد صح، وليس بمنكر استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم؛ ~~PageV02P457 # لأن مغفرة الله تعالى لهم مما يجوز في العقل، ولا يحيلها، ويصح أن يجاب ~~في ذلك: أفتغفر لهم؟، وهذا قبل التوقيف على أن عذابهم غير منقطع. # فإن قيل: فأنتم تثبتون وجوب الغفران بعد السبعين، والخبر يمنع ذلك. # قيل: لو خلينا وظاهر الخبر لقلنا بوجوبه، لكن لما قال تعالى: {ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} 1 نقلنا عن ظاهره. # فإن قيل: عادة العرب في قول القائل: لا أفعل كذا وإن سألتني سبعين مرة، ~~تأكيد للنفي، وهذا لا يخفى على السامع؛ فلم يجز أن يفهم عنه دليل الإثبات. # قيل: قد فهم النبي منه دليل الإثبات بقوله: {لا ms182 تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة} ؛ فلولا أن اللفظ يقتضي ذلك لم يسأله. # وجواب آخر وهو: أنه لو كان المراد تكثير الاستغفار؛ لم يحسم الطمع في ~~مغفرتهم، فلما لم يفعل ذلك دل على أنه أراد التقدير والتحذير دون التكثير. # فإن قيل: فهذا الخبر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حلف أنه ~~يستغفر للكافر، ولو كان قد حلف على ذلك لكان لا بد من أن يفعله؛ لأن في ~~تركه تركا للوفاء بالعهد، وهو منزه عن ذلك، ولو فعله لكان يجاب دعاؤه، وهذا ~~يؤدي إلى أن الله تعالى يغفر للكافر. # قيل: إنما حلف على ذلك قبل النهي، ثم نهاه عن ذلك بقوله: {ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا} ، وإذا كان كذلك فقد حصل PageV02P458 # منه الوفاء بالعهد، ولم تحصل الإجابة للنهي فيما بعد. # فإن قيل [60/ب] : ليس في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل من الآية ~~ما زاد على السبعين مخالف لحكم السبعين من حيث تخصيص هذا القدر بالذكر؛ بل ~~إنما قال: "والله لأزيدن على السبعين"؛ لأن الاستغفار للكفار كان مباحا ~~عنده في تلك الحال؛ لأن غفران الكافر جائز في طريق العقل؛ فلما حظر الله ~~هذا القدر من الاستغفار؛ بقي ما زاد على السبعين على أصل الإباحة. # قيل: لو كان كذلك ما كان لقوله: "والله لأزيدن على السبعين" معنى، وذلك ~~مباح كله، قاله أو لم يقله، فعلم أن المراد به: أن ما وراء السبعين بخلاف ~~السبعين. # وعلى أنه أي حاجة كانت في الاستغفار للمشركين بعد موتهم، لا سيما والأصل1 ~~الحظر في الأشياء. # فإن قيل: فهذا من أخبار الآحاد، وهذه مسألة أصل؛ فلا يكون دليلها خبر ~~واحد. # قيل: مسألة الأصل تتضمن علما وعملا؛ فيجب أن يثبت العمل فيه بالخبر، ~~ويكون العلم دليله شيء آخر؛ لأن العلم مسألة، والعمل2 به مسألة أخرى. # فإن قيل: فلو صح هذا الخبر؛ فلا حجة فيه؛ لأن من أصحابنا من يقول: إن ~~المحصور بالعدد يدل على أن ما عداه بخلاف حكمه، وهذا مخصوص ms183 بالعدد. ~~PageV02P459 # قيل: تخصيصه بالعدد تنبيه على القول في نظيره وحكمه. # وأيضا: فإنه إجماع الصحابة؛ لأن يعلى بن أمية1 روى أنه قال لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال الله تعالى: {وإذا ~~ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا} 2؟ فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه؛ فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" ~~3، وهذا احتجاج بدليل الخطاب؛ لأن نطق الآية يفيد القصر بشرط الخوف، وسقوطه ~~مع وجود الأمن من جهة الديل. PageV02P460 # وكذلك احتج ابن عباس: في أن الأخوات لا يرثن مع البنات1 بقوله [تعالى] : ~~{إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} 2، فلما ورث الأخت مع ~~عدم الولد؛ ثبت أنها لا ترث مع وجوده، وأقرته الصحابة على هذا الاحتجاج، ~~وعارضته بالسنة. # وهذا احتجاج من دليل الخطاب؛ لأن نطق الآية أفاد ثبوت الإرث مع عدم ~~الولد، فأما سقوطه مع وجود الولد؛ فإنما أفاده الدليل. # وكذلك امتنع من الرد واحتج بقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك} ، فلا يجوز أن تزاد على النصف، والمنع من الزيادة عليه ~~عقله من دليل الخطاب. # وكذلك من قال: لا يجب الغسل من التقاء الختانين، إذا لم يكن معه إنزال؛ ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم [61/أ] : "الماء من الماء" 3، وهذا احتجاج ~~بدليل الخطاب. PageV02P461 # ومن أوجب الغسل قال: هو منسوخ1. # فدل هذا على أن القول بدليل الخطاب إجماع منهم. # فإن قيل على حديث يعلى بن أمية: أن الله تعالى أمر بالإتمام حال الأمن2 ~~بقوله: {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} 3، وخص القصر بحال الخوف، فكان ~~عندهما: أن الإتمام واجب حال زوال الخوف بالآية الأخرى، لا بدليل اللفظ. # قيل: عمر ويعلى رجعا إلى آية القصر دون الآية الأخرى؛ فلم يصح السؤال. ~~PageV02P462 # فإن قيل: من قال: لا يجب الغسل بالتقاء [الختانين] ، يحتمل أن يكون علموا ~~ذلك ms184 بدلالة أخرى لا بدليل اللفظ. # قيل: من ذهب إلى هذا؛ رجع إلى قول النبي: "الماء من الماء"؛ فلم يصح ~~السؤال. # فإن قيل: فقوله: "الماء من الماء" يقتضي الاستغراق؛ فلهذا دل على نفي ما ~~عداه، وخلافنا في تخصيص المحكوم فيه ببعض صفاته. # قيل: المعروف من مذهب المخالف: أنه لا فرق بين ما دخله الألف واللام، أو ~~لم يدخله. # وأيضا: فإن أبا عبيد1 قد قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لي ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته" 2 دليله: أن لي غير الواجد لا يحل عرضه ولا ~~PageV02P463 # عقوبته؛ فصرح بالقول بدليل الخطاب، وهو أوثق من نقل اللغة عن أهلها، فوجب ~~المصير إلى ذلك. # فإن قيل: أبو عبيد لم يحك ذلك بعينه عن العرب، ولا يجوز أن يجعل ظاهر ~~كلامه أنه عن العرب؛ لكونه من أهل اللغة؛ لأنه ممن يتكلم في الأحكام ويختار ~~المذاهب؛ فجاز أن يكون قاله من جهة الحكم، وطلب فائدة اللفظ. # وقد عارض ذلك ما ذكره الأخفش1 في قول القائل: "ما جاءني غير زيد"، أن ذلك ~~لا يدل على مجيء زيد. # قيل: أن أبا عبيد ذكره هذا في كتب اللغة، ولم يذكره في كتب الأحكام، ~~والظاهر: أنه لغة العرب. # وقولهم: ما ذكره عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأن الأخفش لم يكن من ~~أهل اللغة؛ وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد إمام في اللغة، وله غريب ~~المصنف2 وغيره من الكتب في اللغة. PageV02P464 # وأيضا: فإن أهل اللغة لا يضمون الصفة إلى الاسم، ويقيدون الاسم بها إلا ~~للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه. # يبين ذلك: أنهم لا يقولون: اشتر عبدا أسود، أو جارية بيضاء، أو خبزا ~~سميذا1، أو لحما نيئا أو مشويا، ولا يقولون: ادفع هذا المال إلى بني فلان ~~الفقراء منهم، أو الفقهاء منهم، وما أشبه ذلك، إلا لتخصيص الموصوف بهذا ~~الوصف وتمييزه. والمخالفة2 بينه وبين من عداه. # ومن كان عنده جميع الصفات واحدة؛ لم يقيد خطابه بذلك، بل يطلق3 الاسم ~~إطلاقا، ومن قيده مع [61/ب] تساويهما عنده كان ms185 مسقطا في قوله، ملغزا في ~~خطابه؛ فوجب إذا قال صاحب الشريعة: "في سائمة الغنم والزكاة" أن تكون ~~الزكاة مختصة بالسائمة، ولا تكون واجبة في المعلوفة، ولا يلزم على هذا ~~الاسم المجرد إذا ضم الحكم إليه؛ لأنا نقول فيه ما نقوله في الصفة المضمومة ~~إلى الاسم. # وقد صرح بهذا أحمد رضي الله عنه في رواية الميموني وقد سئل عن ~~PageV02P465 # التيمم بالسهلاة1، فقال: كيف يتيمم بهذه الأشياء وليست بصعيد؛ ولكن يتيمم ~~ويعيد جميع ذلك؛ لأن اسم الصعيد لا يتناوله، والآية تضمنت التيمم بما يسمى ~~صعيدا بقوله: "صعيدا" فدل على أن غيره لا يجوز التيمم به. # وكذلك قال في رواية الميموني: لا يتوضأ بماء الورد، هذا ليس بماء، وإنما ~~يخرج من الورد. # وأيضا: فإن اسم الغنم عام في المعلوفة والسائمة؛ فإذا ذكر الصفة معه ~~فقال: في سائمة الغنم، فخص الاسم، فوجب أن يكون مقصورا عليها، كالحكم ~~المعلق على الغاية، والاستثناء إذا تعقب عددا. # وقد قال بعضهم: ينظر الحكم، بماذا اخترل2 عم الحكم؛ فوجب أن يتضمن نفيا ~~وإثباتا؛ كالاسم المقرون بالاستثناء والمقيد بالغاية. # وأيضا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم امتدح بالاختصار بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا" 3. فإذا قلنا: إن ~~قوله: PageV02P466 # "في سائمة الغنم الزكاة"؛ لم يفد ذكر السوم غير ما أفاده الإطلاق؛ حملنا ~~الكلام على الإطالة من غير فائدة، فكان حمله على فائدة أولى. # فإن قيل: فائدة تخصيص المذكور بيان الحكم فيه، ليقف ما سواه على تعريض ~~المجتهد لطلب الثواب. # قيل: هذه الفائدة غير حاصلة من جهة اللفظ؛ بل هي سابقة له؛ لأن المجتهد ~~معرض لطلب الثواب بالاجتهاد، فامتنع أن يكون ورود هذا الفظ أفاد ذلك، ولم ~~يبق إلا أن تكون الفائدة ما ذكرنا. # PageV02P467 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لا يجوز أن يكون لله تعالى دليل على حكم من الأحكام، ويوجد ذلك ~~الدليل عاريا من مدلوله؛ فلما وجدنا الله تعالى قد خص أشياء بذكر بعض ~~أوصافها، وعلق بها أحكاما، ولم يكن تخصيصها بها موجبا للحكم بما ms186 عداها ~~بخلافها، وعلق بها أحكاما، ولم يكن تخصيصها بها موجبا للحكم بما عداها ~~بخلافها، نحو قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} 1؛ فخص النهي عن ~~ذلك بحال خشية الإملاق، ولم يختلف النهي في الحالين. # وقوله تعالى: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} 2، فخص PageV02P467 # النهي عن الظلم لهذه الأشهر، ثم كان الظلم منهيا عنه في سائر الشهور. # وقوله: {إنما أنت منذر من يخشاها} 1، وهو عليه السلام منذر البشر. # وقوله: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} 2. # علمنا: أن تخصيص الشيء ببعض [62/أ] أوصافه وإيجاب الحكم فيه؛ لا يدل على ~~أن ما عداه حكمه بخلافه. # والجواب: أن دليل الخطاب سقط في هذه المواضع؛ لقيام الدلالة عليه. # ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعا في الأصل على ما اعتبرناه، كما أن قيام ~~الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس، لا يدل على أنه غير موضوع في ~~الأصل للاستغراق، نحو قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} 3، ومعلوم أنها لم ~~تؤت مثل فرج الرجل. # وقوله: {الله خالق كل شيء} 4، ومعلوم أنه لم يخلق نفسه سبحانه. # وقوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} 5، ومعلوم أنها لم تدمر السموات والأرض. # فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب؛ كان لأصحاب ~~PageV02P468 # الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع. # فإن قيل: العموم لا يجوز وجوده عاريا عن إيجاب حكم، وههنا يوجد عاريا عن ~~إيجاب حكم. # قيل: بالقياس يوجد عاريا عن إيجاب حكم، وهو إن عارضه نص، ومع هذا لم يدل ~~ذلك على أنه ليس بحجة. # واحتج: بأن ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه اللغة دون غيرها، ~~وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو بالنقل، ولا يجوز أن ~~يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة، ولا يجوز أن يكون بالنقل ~~لأنه لا يخلو: إما أن يكون متواترا أو آحادا، ولا يجوز أن يكون تواترا؛ ~~لأنه لو نقل ذلك من طريق التواتر لعلمنا؛ لأنه لا يجوز أن يختص المخالف ~~بعلم النقل المتواتر، ولا يجوز أن ms187 يكون آحادا؛ لأن هذه المسألة من مسائل ~~الأصول, ولا يجوز إثباتها بخبر الواحد الذي لا يوجب العلم. # والجواب: أنا أثبتناه بالنقل الذي قامت الحجة به، كما يستدل المخالف على ~~إثبات العمل بخبر الواحد وبالإجماع بنقل ليس بمتواتر؛ لقيام الحجة عنده ~~بصحته. # وأثبتناه أيضا بالعقل، وقول المخالف: إن العقل لا مدخل له في إثباته: ليس ~~بصحيح؛ لأن له مدخل في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم وموضوعاتهم، ~~وقد استدللنا بذلك على ما تقدم بيانه. # واحتج: بأنه لو كان يدل على المخالفة؛ لم يجز أن يصرح بالتسوية بينهما؛ ~~فلما جاز أن يقول: في سائمة الغنم وفي معلوفتها زكاة؛ دل على أن تخصيص ~~السائمة بالذكر؛ لا يدل على المخالفة؛ لأنه لو دل على المخالفة؛ لكان ذلك ~~متناقضا. # PageV02P469 # والجواب: أن هذا باطل "بالغاية"؛ فإنها تدل على خلاف ما قبلها، وإن جاز ~~الجمع بينهما نحو قوله: وأيديكم إلى المرافق واغسلوا ما ببعد المرافق. # وكذلك صيغة العموم تدل على الاستغراق، وإن جاز أن يقترن بها [62/ب] دليل ~~الاستثناء، فنقول: اقتلوا المشركين إلا زيدا، ولا يكون هذا مناقضا للفظ. # وجواب آخر: وهو أنه لا يمتنع أن يختلف حكم الاتصال والانفصال؛ فيجوز ~~الجمع بينهما باللفظ المتصل، ولا1 يجمع بينهما في المنقطع، ألا ترى أنه لو ~~قال: "لا إله"، وسكت؛ حكم بكفره، ولو وصل ذلك بقوله: {إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل} 2، ولم يكفر3، وكذلك لو قال لغير مدخول بها: أنت طالق، وسكت؛ ~~طلقت، ولو قال: إن دخلت الدار؛ لم تطلق قبل وجود الصفة، كذلك ههنا. # واحتج: بأن المسموع إيجاب الزكاة في السائمة، ولم يسمع في المعلوفة ذكر ~~حكمي؛ فوجب التوقف، كما أن أصل الأحكام قبل أن يرد السمع على الوقف. # والجواب: أن قبل النطق لم يسمع للمعلوفة حكم بنفي ولا إثبات، وبعد النطق ~~قد علم حكم بعضها سمعا وبعضها مفهوما من السمع من الوجه الذي بينا. # يبين صحة هذا: أن الشرع قد يفهم من حكم اللفظ، كما يفهم PageV02P470 # بالنطق؛ ألا ترى أن الوجوب معقول من الأمر، وليس لفظ الوجوب ms188 مسموعا، ~~وكذلك حكم التعريض معقول، وإن لم ينطق به، كقول القائل: ما أنا بزان، ولا ~~أمي بزانية، في الخصومة، وكذلك قوله: {ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا} 1، وقوله: {فلا تقل لهما أف} 2 معقول أن لا يضربهما. # واحتج: بأنه لو كان تعليقه على صفة يدل على ضد حكمها؛ لم يوضع له عبارة ~~تدل عليه، ولما جاز أن يقول: في السائمة الزكاة ولا زكاة في المعلوفة؛ علم ~~أن ذلك مأخوذ مما وضع له. # والجواب: أن نفي الزكاة في المعلوفة يحصل بالدليل، والنطق يؤكد، كما ~~يقول: "اقتلوا المشركين أجمعين"، ولو لم يقل "أجمعين"؛ لوجب قتل الجميع؛ ~~كذلك ههنا. # واحتج: بأنه لو كان للخطاب دليل؛ لوجب أن يبطل حكم الخطاب ويبقى حكم ~~الدليل، كما جاز3 أن يبطل حكم الدليل ويبقى حكم الخطاب، وهذا مثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها؛ فنكاحها باطل" 4، ~~دليله أنها إذا أذنت أن PageV02P471 # يصح1، وعندكم: لا يصح؛ فيبطل حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب. # وكذلك: قوله: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان"؛ دليله: أن الثالثة تحرم، ~~وعندكم: لا تحرم، فسقط حكم الدليل، ويبقى حكم الخطاب، ولهذا نظائر. # والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: يبطل حكم الخطاب، ويبطل حكم الدليل؛ لأن ~~النطق ودليله يجريان مجرى نطقين، فيجوز أن يسقط أحدهما ويبقى حكم الآخر. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في [63/أ] رواية محمد بن العباس وقد سئل ~~عن الرضاع فقال: "عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحرم الرضعة ولا ~~الرضعتان"؛ فأرى أن الثالثة تحرم"، فأسقط الخطاب في الرضعتين، وبقي حكم ~~الدليل في الثالثة. PageV02P472 # قال أبو بكر بن فورك: وهذا [هو] الصحيح. # ويحتمل: أن الدليل يسقط، ويبقى حكم اللفظ؛ لأن الدليل فرع النطق ونتيجته؛ ~~فلا يصح ثبوت الفرع مع إسقاط الأصل، وهذا هو الأشبه، ويفارق هذا النطقين؛ ~~لأن كل واجب منهما ليس بأصل للآخر. # واحتج: بأنه لو كان للخطاب دليل؛ لوجب أن يكون ضد النطق فقط، لا يكون ضدا ~~لغيره، مثل قوله: ms189 "في سائمة الغنم الزكاة"، كان يجب أن يكون دليله: أن غير ~~سائمة الغنم لا زكاة فيها؛ وقد قلتم: إن دليله في غير السائمة من الإبل ~~والبقر [و] اللفظ لم يتناول ذلك. # والجواب: أنه قد قيل: إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم فحسب؛ لأن ~~الدليل ما كان مضادا للنطق، فيتعلق به ضد ما تعلق بالنطق، ونقطه أفاد ثبوت ~~الزكاة في الغنم حسب؛ فيجب أن يكون دليله سقوط الزكاة عن معلوفة الغنم حسب. # وقيل: إنه يقتضي سقوط الزكاة عن معلوفة الحيوان كله، وهو ظاهر كلام أحمد ~~رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث1؛ لأنه ذكر له حديث بهز بن حكيم2، عن ~~أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "في كل PageV02P473 # إبل سائمة" 1، هل يدخل في هذا أنه لا يكون إلا في السائمة، ولا يكون في ~~العوامل زكاة؟ فقال: أجل، لا يكون في العوامل زكاة، ولا يكون إلا في ~~السائمة؛ فعم سقوط الزكاة في غير السائمة من سائر الحيوان باللفظ المنصوص ~~عليه في الإبل. # قال ابن فورك: هو الظاهر2؛ وذلك لأن السوم يجري مجرى العلة في تعلق الحكم ~~به؛ فوجب كذلك حيث وجد، وعدمه حيث عدم كالشرط المعلق عليه الحكم. # ويلزم هذا القائل: أن يقول: ما عدا السائمة من الغنم لا زكاة فيه من ~~الحيوان وغيره، حتى لو استدل به على أن الزيتون لا زكاة فيه كذلك؛ جاز لأنه ~~ليس بغنم سائمة، وقد لا يلزمه ذلك؛ لأن النطق اقتضى إيجاب الزكاة فيما فيه ~~السوم، فاقتضى إسقاطه فيما لا سوم فيه مما يدخله السوم. # واحتج: بأنه لو كان دليل الخطاب حجة في الإثبات؛ لكان حجة في النفي. # والجواب: أنه حجة في النفي، كما هو حجة في الإثبات، ولا PageV02P474 # فرق بين قوله: "القطع في ربع دينار"، وبين قوله: "لا قطع إلا في ربع ~~دينار". # وقد قال أحمد رحمه الله: قوله: "لا وصية لوارث"؛ [63/ب] دليل على أنها ~~تصح لغير وارث. # PageV02P475 # فصل 1 ### | إذا تعلق الحكم باسم؛ دل على أن ما عداه بخلافه: ms190 # أن2 الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أن الاسم وضع لتمييز ~~المسمى من غيره؛ فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، واشتر لي شاة أو ~~جملا، وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتميز والمخالفة ~~بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة؛ دل [على] أن ما ~~عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم. # فإن قيل: الاسم لا يجوز أن يكون علة للحكم، والصفة يجوز أن تكون علة. # قيل: يجوز أن يكون الاسم علة كالصفة. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الميموني: يتوضأ بماء الباقلا، وماء ~~الحمص؛ لأنه ماء؛ وإنما أضفته إلى شيء لم يفسد، وإنما غير لونه، فقد جعل ~~العلة في جواز الوضوء به وقوع اسم الماء عليه. # فإن قيل: لو قال: أوجبت الزكاة في الغنم، وأوجبتها في البقر؛ لم ~~PageV02P475 # يتنافيا1 ذلك، ولو قال: في سائمة الغنم وفي المعلوفة زكاة؛ تنافيا، وسقط ~~أن يكون الحكم متعلقا بصفة السوم أو بصفة العلف، وصار الوجوب متعلقا بصفة ~~السوم أو بصفة العلف، وصار الوجوب متعلقا2 باسم الغنم فحسب. # ولأنهم يسمون كل واحد من الجماعة باسم مع تساويهم في الحكم؛ فيقولون: أعط ~~زيدا وعمرا وخالدا وبكرا، واشتر لحما وتمرا، ولا يضمون بصفة إلى اسم، ~~والموصوف بالصفة وبضدها سواء عندهم في الحكم؛ فلا يقولون: ادفع إلى رجل ~~فقير أو إلى رجل غني، والفقير والغني سواء عندهم3. # قيل: لا فرق بينهما، وذلك أنهم يضمون صفة إلى اسم الموصوف، كما يضمون ~~اسما إلى اسم، فيقولون: أعط الفقراء والأغنياء. # وعلى أن هذا باطل ب"الغاية"؛ فإن ما بعدها4 مخالف لما قبلها؛ وإن كان ~~الجمع بين ما بعد الغاية وما قبلها، فيقول: اغسلوا أيديكم إلى المرافق، ~~واغسلوا ما فوق المرافق، كذلك لا يمتنع في الحكم إذا علق باسم يجوز الجمع ~~بينه وبين ضده، ومع هذا إطلاقه يدل على خلافه؛ # فإن قيل: لو قال: زيد أكل؛ لم يدل على أن غيره لم يأكل، ألا ترى أنه لو ~~أفاد ذلك لما حسن ms191 أن يخبر من بعد. أن عمرا أكل؛ لأنه يكون متناقضا5 في ~~كلامه، وكذلك لو قال: جاء زيد الطويل، دل على أن ما عداه بخلافه؛ لأن هذه ~~زيادة صفة. # قيل: لا نسلم هذا، بل نقول: قوله: زيد أكل، يدل على أن PageV02P476 # غيره لم يأكل، ثم هذا باطل بالصفة؛ فإنه لو قال: السائمة أكلت، وجاءت ~~السائمة؛ لم يدل ذلك على أن المعلوفة لم تأكل ولم تجئ، ومع هذا تعليق الحكم ~~بها يدل على خلافها. # وما ذكروه من أنه يحسن أن يخبر [64/أ] بعد ذلك أن عمرا قد أكل؛ فإنه يبطل ~~بالصفة، فإنه يصح أن يخبر1 [أن في] السائمة زكاة، ويخبر بعد ذلك في ~~المعلوفة. # فإن قيل: استعمال دليل الخطاب في الاسم يسد باب القياس؛ لأنه إذا قال: لا ~~تبيعوا البر بالبر؛ يجب أن لا يقاس الأرز عليه؛ لأن تخصيص البر بالذكر يوجب ~~إباحة التفاضل في غيره؛ فلما كان مانعا من القياس الثابت وجب اطراحه. # قيل: هذا لا يصح لوجوه: # أحدها: أن الكلام في هذه المسألة في أصل اللغة، وهو للخطاب دليل أم لا؟ ~~والقياس حكم شرعي، فكان يجب أن يثبت له دليل في أصل اللغة وإن منع منه ~~الشرع. # وعلى أن هذا يبطل بالصفة؛ فإنه يمنع القياس فيما عداها، كذلك الاسم يمنع ~~القياس فيما عداه، ولا فرق بينهما. # وعلى أنه كان يجب استعماله ما لم يعترض2 على معنى اللفظ؛ فإذا اعترض3 ~~عليه؛ سقط، كما استعملنا الدليل ما لم يعارض التنبيه، نحو قوله: {فلا تقل ~~لهما أف} 4 دليله: أن غير التأفيف يجوز، لكن لما كان ذلك يسقط معنى اللفظ؛ ~~سقط. PageV02P477 # فصل 1 ### | أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لها دليل # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية حنبل: لا يصلى على القبر بعد شهر، على ~~ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم على قبر أم سعد2 بعد شهر3؛ فجعل صلاته بعد ~~شهر دليلا على المنع فيما زاد عليه؛ لأن الفعل كالقول في أنه يقتضي ~~الإيجاب، ويخصص به4 العموم. PageV02P478 ### | قوله عليه السلام "إنما ms192 الولاء لمن أعتق" ### | مدخل # ... # فصل 1 قوله عليه السلام: "إنما الولاء لمن أعتق": # قوله عليه السلام: "إنما الولاء لمن أعتق"، يقتضي نطقه: إثبات ~~PageV02P478 # الولاء للمعتق، وانتفاء الولاء لغير المعتق مستفاد من ناحية الدليل1. # وقال قوم: النطق أفاد الأمرين معا2، وهو اختيار أبي عبد الله الجرجاني؛ ~~لأنه ذكر هذا الخبر وقال: قد قيل: إن ذلك يدل على نفي غيره، قال: وهو قول ~~محتمل؛ لأنه يستعمل على وجه التأكيد للمذكور وتحقيقه، مثل قوله: {إنما الله ~~إله واحد} 3. # ولأنه يشبه الاستثناء من الجملة؛ لأن هذه إنما يستحق الإلهية إله واحد؛ ~~وإنما الولاء يستحقه الذي يعتق، فأشبه4 النفي والإثبات في الأشياء5. ~~PageV02P479 ### | دليلنا # إن قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، إنما فيه الولاء للمعتق فحسب، وأما ~~النفي؛ فليس في اللفظ ما يقتضيه؛ فلم يجز أن يدعي انتفاء الولاء من نفس ~~اللفظ، وإنما هو مستفاد من الدليل، فلا يشبه هذا قوله: "لا صلاة إلا ~~بطهور". # PageV02P479 # ولأن في اللفظ نفيا وإثباتا، فحكم بأن الأمرين معا استفيدا من نفس اللفظ. # وما ذكروه من أنها تستعمل على وجه التأكيد للمذكور [64/ب] وتحقيقه؛ فهو ~~كما قال، إلا أن المذكور هو إثبات الولاء للمعتق؛ فأما نفيه عن غير المعتق؛ ~~فغير مذكور. # وقوله: يشبه الاستثناء من الجملة، دعوى. # PageV02P480 # فصل 1 [ ### | مفهوم الخطاب والتنبيه واحد # ] : # وهو مثل قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} 2؛ ~~نبه على أنه إذا أمن3 بدينار أداه. # وكذلك قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} 4؛ نبه على المنع من الضرب وهذا ~~مستفاد من فحوى الخطاب ومفهومه، لا من نطقه. # وقد احتج أحمد بمثل هذا في مسائله فقال رحمه الله في رواية أحمد بن ~~سعيد5: لا شفعة لذمي، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا لقيتموهم ~~PageV02P480 # في طريق فألجئوهم إلى أضيقه" 1؛ فإذا كان ليس لهم في الطريق حق، فالشفعة ~~أحرى أن لا يكون لهم فيها حق2. # وقال أيضا في رواية الفضل بن زياد وقد سئل عن رهن المصحف عند أهل الذمة ~~قال: "لا، نهي النبي صلى الله ms193 عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ~~مخافة أن يناله العدو3". # وحكي عن قوم: أنه لا مفهوم للخطاب؛ وإنما دل الخطاب على المنع ~~PageV02P481 # من التأفيف حسب. سمعت أبا القاسم الجزري1 يحكي أنه قول داود. # وحكي عن قوم: أن المنع من التأفيف وسائر أنواع الأذى مستفاد من اللفظ2. # أما من قال: لا مفهوم للخطاب؛ فقول ظاهر الفساد؛ لأنه قال: {فلا تقل لهما ~~أف} 3 واضربه؛ مراد بالأول نفي الأذية عنه، كان ذلك نقضا لموضوع كلامه ~~ومفهوم نطقه؛ فلا يجوز أن يقال: إن اللفظ ما تضمن المنع من الضرب. # وأما من قال: إن اللفظ تضمن ذلك فهو ظاهر الفساد أيضا؛ لأن قوله: {فلا ~~تقل لهما أف} 4 اقتضى نطقه المنع من التأفيف، وليس في لفظه المنع من غيره؛ ~~فلا يجوز أن يكون غير التأفيف ممنوعا بالنطق، لكن لما منع من التأفيف من ~~الأذى، فكان الضرب فيه أكثر من الأذى، كان المعنى الذي يمنع من التأفيف ~~لأجله مجودا في الضرب وزيادة، فكان ممنوعا منه5. PageV02P482 ### | ....................................................................................... # PageV02P483 ### | باب العموم ### | مدخل # ... # باب العموم 1: # العموم 2 على أربعة أضرب 3: # [الأول] : # لفظ الجمع، مثل: المسلمين، والمشركين، والرجال، والجبال، والأبرار، ~~والفجار4. # الثاني: # لفظ الجنس5، مثل الناس، والنساء، والإبل، والحيوان وليس ذلك من ألفاظ ~~الجمع؛ لأنه ليس له من جنسه واحد. PageV02P484 # الثالث: # الألفاظ المبهمة، مثل "من" في العقلاء، و"ما" في غيرهم إذا كان في ~~الاستفهام أو في [65/أ] الشرط والجزاء، و"أي" في الجمع، و"أين" في المكان، ~~و"متى" للزمان. # الرابع: # الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، مثل: الإنسان، والسارق، ~~والزاني، والقاتل، والكافر، والبيع، والصيد، والدينار وما أشبهه1. ~~PageV02P485 ### | صيغة العموم ### | مدخل # ... # [صيغة العموم] : # وله صيغة موضوعة له في اللغة، إذا وردت متجردة عن القرائن دلت على ~~استغراق الجنس، نص على هذا في رواية ابنه عبد الله رحمهما الله، # PageV02P485 # وقد سأله عن الآية إذا جاءت عامة، مثل قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} 1، وأخبره أن قوما يقولون: لو لم يجئ فيها خبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم توقفنا عندها؛ فلم نقطع ms194 حتى يبين الله لنا فيها، أو ~~يخبر الرسول، فقال: قال الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} 2 فكنا نقف ~~عند الولد لا نورثه، حتى ينزل الله تعالى: أن لا يرث قاتل، ولا عبد، ولا ~~مشرك. # وقال في كتاب طاعة الرسول: قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} 3، فالظاهر يدل على أنه من وقع عليه اسم "سارق" وإن قل؛ فقد وجب ~~عليه القطع. وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع في ثمر ولا ~~كثر" 4 دل ذلك PageV02P486 ### | .................................................................................................. # PageV02P487 # [على] 1 أنها ليست على ظاهرها، وأنه على بعض السراق دون بعض. # واحتجاجه في المسائل بالعموم كثير، ورأيت في مجموع لأبي بكر بخطه: قد ~~أبان أبو عبد الله رحمه الله عموم الخطاب؛ فلا يخصه إلا بدليل، واستدل على ~~ذلك بكلام كثير2، وقال بعد ذلك: قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} 3 كقوله: {اقتلوا المشركين} 4؛ فلو لم يجئ بيان من يقتل من ~~المشركين، PageV02P488 # ويقطع من السراق؛ لاقتضى الحكم على العموم، وحكى قول من قال بالوقف. # وبهذا قال جماعة الفقهاء: أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود1. # وذهب أبو الحسن الأشعري وأصحابه: إلى أن العموم لا صيغة له، وأن الألفاظ ~~التي تصلح للعموم والخصوص؛ يجب التوقف فيها إلى أن يدل الدليل على أحدهما، ~~فيحمل عليه2. # وحكي عن محمد بن شجاع الثلجي3 أنه قال: يحمل على الثلاثة، ويتوقف فيما ~~زاد عليه، حتى يقوم الدليل على المراد به، وحكي ذلك عن جماعة من المعتزلة. # ومن الناس من فرق بين الأوامر والأخبار؛ فقال: في الأوامر تحمل على ~~العموم، ووقف في الأخبار. PageV02P489 ### | دليلنا # قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} 1، ~~فروي أن عبد الله بن الزبعري2 قال: لما نزل ذلك لأخاصمن محمدا، وجاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: قد عبدت الملائكة وعبد المسيح ~~أفيدخلون النار؟، فأنزل الله تعالى3: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون} 4 [65/ب] . # فحمل لفظ "ما" على عمومه، وهو حجة في اللغة. # وأكد ذلك: ms195 أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر ذلك عليه، وبين الله ~~تعالى مراده PageV02P490 # فيه، فأنزل قوله سبحانه: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} ، يدل على أن "ما" للعموم. # ثم أسلم عبد الله، واعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة، يقول ~~فيه1: # أيام يأمرني بأغوى خطة ... سهم ويأمرني بها مخزوم # فاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي، ومخطئ هذه محروم # فاغفر فدى لك والدي كلاهما ... ذنبي؛ فإنك راحم مرحوم2 # ويدل عليه قوله تعالى: {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق} 3، فقال الله تعالى: {إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} ؛ فحمل نوح ~~لفظ "الأهل" على عمومه، فلم ينكر الله تعالى عليه ذلك، وإنما بين أن مراده ~~خاص، وهو: المصلح منهم. PageV02P491 # ويدل عليه قوله تعالى: في قصة إبراهيم: {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ~~قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية} 1، علم من ذلك أنهم مهلكون لجميع أهلها، ~~فقال: {إن فيها لوطا} ؛ فأخبرته الملائكة أنهم ينجونه وأهله، واستثنوه من ~~جملة أهل القرية؛ فعلم أن إطلاق اللفظ اقتضى العموم. # فإن قيل: اللفظ يصلح للعموم؛ فلذلك حكم عليه في الآيات التي ذكر فيها. # قيل: لا يجوز حمله عليه بالصلاح له، بل يجب التوقف فيه، ومن فعل ذلك؛ فقد ~~أخطأ عند المخالف، فلا يجوز حمله على الخطأ. # وعلى أن نوحا عليه السلام قد قطع به بقوله: {إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق} ، والصلاح لا يوجب القطع. # وأما قصة إبراهيم فلا يصلح هذا السؤال فيها أيضا؛ لأنه لو كان للصلاح؛ ~~لكان الكلام يخرج مخرج الاستفهام والمسألة، فيقول: ألوط فيهم؟ أتهلكونه ~~فيمن يهلكون؟ فلما ذكر لفظ التخيير والتخويف، يعني لا تهلكوهم، فإن فيهم ~~لوطا؛ علم أنه كان قد عقل من ظاهر اللفظ: أنه مقتض للعموم والشمول. # وأيضا: فإن المسألة إجماع الصحابة رضي الله عنهم. # من ذلك: أن عمر احتج على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في منعه من قتال ~~مانعي الزكاة لعموم قول رسول الله صلى الله ms196 عليه وسلم: # "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إل الله؛ فإذا قالوها؛ عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم"؛ فلم ينكر عليه ذلك؛ وإنما عدل إلى الاستثناء، ~~PageV02P492 # فقال: الزكاة من حقها، وقال النبي: "إلا بحقها". # وكذلك مطالبة فاطمة1 أبا بكر رضي الله عنهما بالميراث2 من النبي صلى الله ~~[66/أ] عليه وسلم، واحتجاجها بقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين} 3؛ فأقرها على العموم، وقابلها بقوله: "ما نورث ما تركنا ~~صدقة" 4. PageV02P493 # وكذلك لما اختلف عثمان1، وعلي رضي الله عنهما [في الجمع بين الأختين بملك ~~اليمين] فقال عثمان: يجوز، واحتج بعموم2 قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم} 3، وقال علي: لا يجوز، واحتج بعموم قوله: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} 4. PageV02P494 # واحتج أيضا من كان يبيح شرب الخمر1 بقوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا} 2، ولم ينكر سائر الصحابة ذلك؛ وإنما بينوا لقائل هذا أنه ~~منسوخ. # وروي عن عثمان3 أنه لما سمع قوله: # وكل نعيم لا محالة زائل4 PageV02P495 # قال: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول، وهذا يدل على أنه يجب حمل اللفظ على ~~عمومه عندهم. # فإن قيل: يحتمل أن يكون مع كل لفظ قرينة تدل على أن المراد بها الجنس، ~~وهو دلالة الحال. # قيل: لو كان لنقل؛ لأن ما لا يتم الدليل [إلا] به لا يسوغ للراوي ترك ~~نقله، وحيث لم ينقل؛ ثبت أنه ما كان، يبين صحة هذا أنه معلوم أن الجماعة لم ~~تشترك في معرفة القرينة؛ فلو كان موضوع اللفظ لا يفيد؛ ما قلنا لم يقتصروا ~~على هذا اللفظ دون القرينة. # فإن قيل: يحتمل أن يكون سكوت الصحابة عن الرد على من احتج بالعموم، لأجل ~~علمها أن هذا الخطأ لا يبلغ بصاحبه المأثم. # قيل: هذا لا يصح؛ لأن ألفاظ العموم جرت في احتجاج بعضها على بعض في ~~الأحكام؛ فلو كان عند المحجوج عليه أن لا دلالة في اللفظ؛ لسأله عما أوجب ~~القول بعمومه، كما سأله عن ms197 حجاج قوله؛ ألا ترى: PageV02P496 # أن من ألزم غيره ما لا حجة فيه؛ لم يلزم، ولم تجر العادة بسكوته عنده، ~~ولأنه لو كان هذا؛ لبطل تعلقنا بإجماع الصحابة في إثبات خبر الواحد ~~والقياس، ولجاز أن يقال: إن سكوت الصحابة في ذلك؛ لأجل ما ذكره هذا القائل، ~~دون تصويب الاجتهاد وقبل خبر الواحد. # فإن قيل: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد؛ فلا يجوز أن يثبت بها أصل يقطع به. # قيل: أكثرها ثبت من جهة الاستفاضة فيما بينهم وانتشر؛ ولكن نقل إلينا نقل ~~آحاد، وفي جملتها ما يقطع على صحته1، فهو مثل ما نقوله في الإخبار عن شجاعة ~~عنترة وسخاء حاتم2، ثم نقل إلينا نقل آحاد، ويجب العمل به؛ لأنه تواتر في ~~المعنى. # وأيضا: فإن أهل اللغة متى أرادوا توكيد العموم؛ أكدوه بلفظ مخصوص لا ~~يؤكدون به الخصوص؛ فقالوا في العموم: رأيت القوم أجمعين، ورأيتهم كلهم، ~~وقالوا في الخصوص: "رأيت زيدا نفسه"؛ فلولا [66/ب] أن للعموم صيغة يتميز ~~بها من الخصوص؛ لما اختلف حكمها في التوكيد. # وقد عبر عن هذا بعبارة أخرى فقيل: لا يستعمل لفظ التأكيد مع اسم العموم ~~إلا في الجنس كله، فيجب أن يكون الاسم موضوعا للجنس، PageV02P497 # وإلا خرج اللفظ المعرف بالاسم من أن يكون تأكيدا؛ لأنه لا يكون تأكيدا ~~إلا أن يكون معناهما واحد. # فإن قيل: قد يؤكد العموم والخصوص بالإشارة، وإن لم يكن لها صيغة يختص بها ~~أحدهما دون الآخر. # قيل: الإشارة لم توضع لتوكيد العموم؛ وإنما هي موضوعة للاستعانة بها1 ~~لينظر بها المخالف إلى قصد المشير2. # فإن قيل: فلو كان للعموم صيغة لاستغنى بها عن التوكيد؛ لأن التأكيد لا ~~يفيد إلا ما أفادته الصيغة؛ فلما حسن توكيد العموم بما ذكرتموه؛ علمنا أن ~~العموم لا صيغة له. # قيل: هذا يبطل بالاسم الخاص؛ لأنه يحسن توكيده بأن يقول: رأيت زيدا نفسه، ~~ثم لا يدل ذلك على أن الخصوص لا صيغة له، وكذلك الأعداد يحسن توكيدها؛ ~~كقولك: عشرة كاملة، ثم لا يدل ذلك على أن "العشرة" ليست موضوعة لعدد مخصوص ~~يفيد ms198 ذلك عند إطلاقه من غير توكيد. # وجواب آخر وهو: أن الشيء الواحد، لما جاز أن يدل عليه بدليلين وثلاثة ~~وأربعة، ثم لا يفيد الدليل الثاني والثالث والرابع إلا ما أفاده الأول، ~~كذلك لا يمتنع أن يؤكد العموم بتأكيد لا يفيد إلا ما أفاده العموم ومع ذلك ~~يكون للعموم صيغة. # وأيضا: فإنا وجدنا أهل اللغة يقولون: هذا اللفظ عموم، وهذا اللفظ ~~PageV02P498 # خصوص، كما يقولون: هذا خبر وهذا استخبار، ويقولون: هذا الاسم واحد، وهذا ~~اسم تثنية و [هذا اسم] جمع؛ فلما كان الاسم الواحد والاثنين والجمع والخبر ~~والاستخبار صيغة تختص بها، كذلك العموم والخصوص1. # وأيضا: فإن قوله: {اقتلوا المشركين} 2 لا يخلو إما أن يحمل على العموم ~~لظاهره، أو على الخصوص، أو يتوقف فيه، ولا يجوز حمله على الخصوص لوجهين: # أحدهما: أن للخصوص لفظا هو أخص به من هذا؛ فلو أراده لعبر عنه باللفظ ~~المختص به. # ولا يصح أن يستثنى منه أكثر من قدر الخصوص3. # ولا يجوز حمله على الوقف؛ لأن اللفظ يتضمن اقتضاء فعل القتل، ومن حمله ~~على الوقف؛ لا يعدوه فعلا؛ بل يخرجه4 عن الإفادة، ويكون وجوده كعدمه، وهذا ~~محال في صفة الحكيم أن يذكر ما لا فائدة فيه؛ فلم يبق إلا حمله على العموم ~~به. # وأيضا: فإن حسن الاستثناء يدل على الصيغة؛ فإنه يقول: "اقتلوا المشركين ~~إلا المعاهدين"، و "ومن وصلني وصلته؛ إلا بني فلان". وحسن PageV02P499 # الاستثناء يدل على أن اللفظ عام في الجنس؛ لأن الاستثناء [67/أ] إخراج ما ~~لولاه لوجب دخوله فيه. # فإن قيل: جواز الاستثناء لصلاح اللفظ له؛ لا لأنه أوجبه. # قيل: هذا لا يصح لوجوه: # أحدها: أنه قد قيل: أن الاستثناء مشتق من قولهم: "ثنيت فلانا عن رأيه، ~~وثنيت إليه عنان فرسي إذا صرفه إليه". # وقيل: إنه سمي استثناء؛ لأنه تثنية الخبر، وأيها كان؛ فإنه يقتضي أن يكون ~~اللفظ عاما فيه متناولا له لو لم يكن الاستثناء1. # وجواب آخر وهو: أن الاستثناء من أسماء العدد يقتضي إخراج بعض ما تناوله ~~اللفظ، كذلك الاستثناء من ألفاظ الجمع، ms199 والألفاظ المبهمة مثل ذلك، ولا فرق ~~بينهما. # وجواب آخر وهو: أنه لو كان دخول الاستثناء فيه، لأنه يصلح؛ لصلح أن ~~يستثنى من جنسه وغير جنسه؛ فنقول: جاء القوم إلا زيدا وإلا حمارا، كان ~~"الناس" يعبر بهم عن الحمير مجازا لأجل البلادة؛ فلما لم يصح هذا، ثبت أن ~~الاستثناء دخل؛ لأن اللفظ أوجبه، لا أنه يصلح له. # وجواب آخر وهو: لو كان لأنه يصلح له، لا أنه أوجبه؛ لما افترق الحال بين ~~أن يقع الاستثناء موصولا أو مفصولا؛ لأنه يخبر عما صلح [له] ؛ فلما ثبت أن ~~الاستثناء لو وقع مفصولا كان تخصيصا، أو نسخا عند من لا يقول بتخصيص ~~العموم؛ بطل أن يكون دخوله فيه؛ لأنه يصلح له، وثبت أن دخوله فيه؛ لأنه ~~يتناوله. # وأيضا: فإنه إذا قال: "اقتلوا رجلا من المشركين"؛ كان الرجل PageV02P500 # شائعا في جنس المشركين، وأي رجل قتلوا منهم كانوا ممتثلين لأمره؛ فإذا ~~قال: "اقتلوا المشركين"؛ وجب أن يقتلوا جميعهم؛ لأن القتل يجب أن يتعلق ~~ههنا بمن يتعلق الرجل الذي أمر بقتله بهم. # وحكي عن أبي بكر بن الباقلاني: أنه كان يسلم هذا. # وإن امتنع ممتنع من تسليمه، قيل له: الدليل: أنه إذا قال: "لا تقتل رجلا ~~من المشركين"؛ وجب أن يكف عن واحد من جنس المشركين، وهذا لا خلاف فيه؛ ~~ولهذا قال أهل اللغة: إن النكرة في النفي تقتضي الجنس، وإذا كان كذلك وجب ~~أن يكون في الإثبات واحد1 من الجنس. # يبين صحة هذا: أنه إذا قال: "والله لا أدخل دارا"؛ اقتضى الجنس، فأي دار ~~دخلها حنث في يمينه، وإذا قال: "لأدخلن دارا"؛ اقتضى دخول دار من الجنس؛ ~~فأي دار دخلها بر في يمينه، والبر والحنث في الإيمان بمنزلة الطاعة ~~والمعصية. # وأيضا: فإن العموم معنى ظاهر تمس الحاجة إلى العبارة عنه والإخبار به في ~~المخاطبة المتعلقة بالمصالح في الدين والدنيا، وقد رأيناهم وضعوا لكل ما ~~تمس الحاجة إلى العبارة عنه من الأشخاص والأفعال اسما يخصه ويميزه2 عن ~~غيره، وجب أن يكون العموم والخصوص بمثابته؛ لأن الداعي إليه ms200 كالداعي إلى ~~[67/ب] سائر ما وضعوا له من العبارات3. # فإن قيل: هذا يبطل بالطعوم والروائح؛ لأنها متغايرة متباينة، ولم يضعوا ~~لكل طعم، ولا لكل رائحة اسما يخصه ويميزه عن غيره مع الحاجة إلى العبارة ~~PageV02P501 # عنه، وكذلك قالوا1 في المواجهة: "فعلت أنت"، و"فعلتما أنتما"، و"فعلتم ~~أنتم"، وكذلك في الإخبار عن الغائب قالوا: "فعل فلان"، و"فعلها"، و"فعلوا"، ~~وقالوا في الإخبار عن نفسه وعن غيره: # "فعلت" و"فعلنا"، ولم يميزوا التثنية من الجمع، وجعلوا اللفظ مشتركا ~~فيهما. # قيل: قد ميزوا بالإضافة، فقالوا: "طعم الخبز"، و"طعم الماء"، و"طعم ~~الفاكهة"، و"حلاوة السكر"، و"حلاوة العسل"، و"حموضة الخل"، و"حموضة المصل"، ~~و"رائحة الكافور"، و"رائحة المسك" كما قالوا: "لحم الغنم"، و"لحم البقر"، ~~و"لحم الجمل"، و"لحم العصافير"؛ فميزوا بينها2 بالإضافة. # وأما التثنية في الإخبار عن نفسه وعن غيره، فهو أنهم وضعوا له لفظا يدل ~~عليه؛ فقالوا: "فعلت أنا وأخي معي أو فلان"، و"إنا فعلنا"، و"فعلت أنا ~~وجماعة معي أو فلان وفلان" و"وإنا فعلنا"؛ وإنما لم يضعوا التثنية من لفظ ~~الواحد؛ لأنهم يثنون اللفظ بنظيره، ولا نظير له في الإخبار عن نفسه وعن ~~غيره؛ لأنه لا يقول: أنا وأنا، كما [لا] يقول أنت وأنت، وهو وهو. # فإن قيل: لفظ الجمع مع الرمز والإشارة ودلالة الحال يدل على قصد المتكلم ~~ومن أحد من الخصوص؛ فاستغنوا بذلك عن اللفظ، كما تقول في قول القائل: "أي ~~شيء يحسن زيد؟ " فإنه يحتمل التكثير والتقليل والاستفهام؛ وإنما يتوصل إلى ~~قصد المتكلم بدلالة الحال. # قيل: لم ننكر أن يكون في اللغة لفظ مشترك يدل دلالة الحال على قصد ~~PageV02P502 # المتكلم به؛ وإنما أنكرنا أن يكون ما تمس الحاجة إلى العبارة عنه في ~~مصالح دينه ودنياه لم يضعوا له لفظه، وهذه المعاني التي يحتملها قوله: "أي ~~شيء يحسن زيد؟ "، وقد وضعوا لها لفظا تميز به عن غيره؛ فقالوا: "علمه قليل ~~أو كثير، وأي شيء يحسن زيد"؟. # وأيضا: فإنه لفظة "من" إذا استعملت في الاستفهام كقوله: "من عندك؟ " و"من ~~كلمت؟ "؛ صلح أن يجيب بذكر كل عاقل، فثبت أن اللفظ يتناول الجميع1. ms201 # وكذلك إذا استعملت في المجازاة كقوله: "من دخل داري أكرمته"؛ صلح ~~استثناؤهم؛ لأن الاستثناء: يخرج من اللفظ ما لولاه كان داخلا فيه، ألا تراه ~~لما لم يتناول غير العقلاء؛ لم يصح استنثاؤهم؟ # فإن قيل: لا نسلم أن صيغة "من" لكل من يعقل؛ لأن ممن يعقل الجن ~~والملائكة، ولا يدخلون فيه. # قيل: الصيغة تناولت كل هؤلاء؛ وإنما خرج ذلك بدليل؛ لأنه إنما يسأله عمن ~~يجوز أن يكون عنده، وعمن يجوز دخوله2. # فإن قيل: إنما كان مجيبا ومستثنيا؛ لأنه [68/أ] أجاب من يصلح له اللفظ. # قيل: هو يصلح له ويصلح لغيره عند المخالف؛ فكان ينبغي أن لا يكون مجيبا ~~حى يعلم مراد المستخبر بقوله: "من عندك؟ "، ولما أجمعوا على أنه يجيب بكل ~~من ذكره من جنس العقلاء؛ بطل السؤال. PageV02P503 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن صيغة العموم لا تخلو من أن تكون ثبتت بالعقل أو بالنقل؛ فلا يجوز أن ~~يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل فيه، ولا يجوز أن يكون بالنقل؛ لأن النقل لا ~~يخلو إما أن يكون تواترا أو آحادا، ولا يجوز أن يكون تواترا؛ لأن التواتر ~~لم يوجد؛ لأنه لو وجد لعلمناه، ولا يجوز أن يكون آحادا؛ لأن نقل الآحاد لا ~~يوجب العلم، ومسألة العموم طريقها العلم والقطع؛ فلم يجز إثباتها بما لا ~~يوجب العلم1. # والجواب عنه من وجوه: # أحدها: أنا أثبتنا ذلك من طريق العقل والنقل، وقد ذكرنا الطريقين جميعا. # الثاني: أنا أثبتنا من طريق ثالث، وهو الاستدلال بمخارج كلامهم على ~~مقاصدهم وإرادتهم مثل ما ذكرته من الاستدلال بالنكرة في الإثبات والنفي ~~والاستفهام والاستثناء، وهذا قسم ثالث لم يذكره المخالف. # جواب ثالث: أنا نقلبه عليهم فنقول: إثباتك إياه مشتركا؛ لا يخلو ذلك من ~~أن يكون [عقلا] أو نقلا، ونذكر القسمين. # وهذا كما قال نفاة القياس: من [أن] إثبات القياس لا يخلو إما أن يكون ~~عقلا أو نقلا، ولا يجوز أن يكون عقلا؛ لأنه لا مدخل له فيه، ولا يجوز أن ~~يكون نقلا على ما ذكره المخالف؛ فقلنا لهم: تحريم القياس لا ms202 يخلو إما أن ~~يكون بالعقل أو بالنقل، وإذا كان جوابنا هناك، فهو جوابنا ههنا. ~~PageV02P504 # واحتج بأن لفظ الجمع يستعمل مرة في البعض ومرة في الكل، واستعماله في ~~البعض أكثر؛ لأنه يقال: "غلق الناس"، و"فتح الناس"، و"جمع التجار إلى دار ~~السلطان"، ويراد به البعض دون الكل، ويقول الواحد: "غسلت ثيابي، وصرمت ~~نخلي"، ويريد به البعض؛ فإذا كان كذلك؛ كان حقيقة في البعض والكل، وكان ~~بمنزلة اللفظ المشترك، مثل: "العين"، و"اللون"، فإنه يحتمل: العين: "عين ~~الذهب"، و"عين الماء"، و"عين الميزان"، و"عين الركبة"، و"عين القوم"، وهو ~~خيارهم، والعين على القوم، وهو: "الجاسوس"، وكذلك "اللون" يحتمل "البياض"، ~~و"الحمرة"، و"السواد"، و"الصفرة"، ولا يجوز حمل اللفظ على بعضها إلا بدليل، ~~كذلك ههنا. # والجواب: أن هذا يبطل بأسماء الأعيان واستعمالها1 في الحقيقة والمجاز، ~~مثل تسميتهم الماء الكثير بحرا، والرجل العالم والجواد بحرا، وكذلك تسمتيهم ~~"البهيمة حمارا"، و"الرجل البليد" حمارا، و"البهيمة أسدا وليثا"، و"الحية ~~شجاعا"، [68/ب] و"الرجل الذي به بأس وشدة شجاع". # ويبطل أيضا باستعمال لفظ الجمع في الواحد، مثل قول الله تعالى: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} 2، وقول الله عز وجل: {الذين قال لهم الناس ~~إن الناس قد جمعوا لكم} 3، فأراد بالأول: "نعيم بن مسعود"4، ومع هذا فلم ~~يدل ذلك على الاشتراك. PageV02P505 # ويفارق هذا: "العين" و"اللون"؛ لأن ذلك يستعمل بنفسه في أشياء مختلفة في ~~كل واحد منها مثل استعماله في الآخر، وليس كذلك PageV02P506 # ههنا، فإنه يستعمل بنفسه عند الإطلاق للعموم والشمول، بدليل ما ذكرنا من ~~الاستدلال بالنكرة في الإثبات والنفي والاستفهام والاستثناء. # واحتج بأن الاستفهام يحسن فيه، ولو كان موضوعا للجنس؛ لم يحسن الاستفهام، ~~كما لا يحسن في الأسماء الموضوعة للعدد، مثل: "العشرة"، و"المائة"، ~~و"الألف". # والجواب: أن الاستفهام يجوز في قوله: "إنا فعلنا"، وقوله: "رأيت بحرا"، ~~و"رأيت حمارا", وتقول: "قلت ذلك ألف مرة"، فيحسن أن يكون قلته على التكثير ~~أو على الوفاء والتكميل، وتقول: "رأيت زيدا" فيقول السامع: "رأيته نفسه"، ~~ولم يدل ذلك على الاشتراك. # وجواب آخر وهو: أنه إنما يحسن الاستفهام فيه؛ لأن اللفظ ms203 وإن كان موضوعا ~~للعموم بإطلاقه؛ فظاهره قد يصلح للخصوص، فيستفهمونه ليتيقن أنه إنما أراد ~~الخصوص؛ ولأنه قد يدخل الاستفهام على طريق التأكيد، كما إذا قال القائل: ~~"اقتل فلانا"، صلح أن يراجعه، فيقول: "أأقتله"؟ تأكيدا واحتياطا؛ لأن اللفظ ~~ما تضمنه. # واحتج: بأن اللفظ قد ورد وأريد به العموم، وورد وأريد به الخصوص؛ فلم يكن ~~حمله على أحدهما أولى من حمله على الآخر؛ فوجب التوقف. # والجواب: أن اللفظ الدال على العموم هو التجرد عن القرائن، وهذا اللفظ لم ~~يرد قط إلا وهو دال على العموم؛ وإنما يدل على الخصوص بقرينة. # واحتج: بأنه لو كان موضوعا للعموم حقيقة؛ لكان إذا حمل على # PageV02P507 # الخصوص أن يصير [مجازا] 1. # والجواب: أنه إذا حمل على الخصوص؛ فقد حمل على بعض ما تناوله اللفظ، فلا ~~يكون مجازا، كما إذا قال: "لفلان عشرة إلا خمسة"، إذا حمل اللفظ على الخمسة ~~حمل على ما تناوله اللفظ، ويكون حقيقة لا مجازا. # واحتج: بأن اللفظ لو كان موضوعا للعموم لما جاز أن يوجد؛ إلا وهو دال ~~عليه، كما لا يجوز أن يوجد الفعل إلا وهو دال على فاعل. # والجواب: أن اللفظ الدال على العموم هو المتجرد عن قرينة، ولا يوجد هذا ~~اللفظ إلا وهو دال على العموم؛ وإنما يدل على الخصوص بقرينة تنضم [69/أ] ~~إليه. # واحتج بأن حمله على العموم يوجب التضاد؛ لأنه يحمل على العموم وعلى ~~الخصوص، وهما ضدان. # والجواب: أن اللفظ الذي يحمل على العموم لا يحمل على الخصوص، والذي يحمل ~~على الخصوص لا يحمل على العموم؛ بل أحدهما مقترن والآخر متجرد. # واحتج: بأنه لو كان اللفظ للعموم؛ لما جاز أن يطلق لفظين عامين متنافيين ~~إلا على وجه النسخ، كالنصين المتنافيين؛ فلما جاز أن يقول: "اقتلوا ~~المشركين"، ثم يقول: "لا تقتلوا أهل الذمة"؛ فلا يكون ذلك نسخا، ثبت أن ~~اللفظ ما دل على العموم بنفسه. # والجواب: أن العمومين إذا وردا متنافيين؛ فهما في معنى النسخ؛ لأن النسخ ~~يختص الأزمان، والتخصيص يختص الأعيان، فهما في المعنى PageV02P508 # سواء، وإن اختلفا في الاسم، ms204 وعلى أن العمومين إذا وردا متنافيين؛ لم يوجد ~~فيهما اللفظ الدال على استغراق الجنس؛ لأنه لم يتجرد لفظ أحدهما عن قرينة ~~تدل على أن المراد به الخصوص. # واحتج: بأنه لو كان اللفظ موضوعا للاستغراق؛ لما جاز تخصيص الكتاب بأخبار ~~الآحاد والقياس؛ فإنه لا يجوز إسقاط حكم بخبر واحد وقياس. # والجواب: أن التخصيص ليس هو إسقاطا لحكم اللفظ كله؛ وإنما يخرج بعضه ~~ويبقى البعض، ويبين به أن هذا هو الذي كان مراعى باللفظ، فلا يكون إسقاطا ~~لحكم الكتاب؛ بل يكون بيانا للمراد به. # PageV02P509 ### | فساد قول من حمل العموم على أدنى الجمع ### | مدخل # ... # فصل: فساد قول من حمل العموم على أدنى الجمع ما تقدم # ولأن الصحابة لم ينقل عن أحد منهم أنه اعتقد في عموم القرآن والسنة أدنى ~~الجمع، والوقف في الباقي، بل حملوا اللفظ على عمومه؛ فدل على أنه ليس ~~بموضوع الكلام، إذ لو كان كذلك لنقل ذلك عنهم. ولاحتج به بعضهم على بعض. # ولأن للخصوص لفظا هو أخص به من لفظ العموم، ولو كان المراد الخصوص1؛ لعبر ~~عنه باللفظ المختص به. # ولأنه يصح أن يستثنى منه أكثر من قدر الخصوص. # ولأنه لو جاز أن يحمل على أقل الجمع لأنه اليقين؛ لجاز أن يحل على ~~الواحد؛ لأنه هو اليقين؛ لأن لفظ الجمع قد يرد والمراد به الواحد ~~PageV02P509 # قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر} 1، وقوله: {ألقيا في جهنم} 2 قيل ~~تقديره: ألق ألق على وجه التأكيد3. # وقول عمر حين كتب إلى سعد4: إني قد وجهت إليك ألفي رجل؛ وإنما أنفذ إليه ~~القعقاع5 ومعه ألف، فسمي الواحد ألفا؛ لأنه يسد مسدها، ولما لم يجز حمله ~~على الواحد؛ لأن الإطلاق لا يتناوله؛ كذلك أقل الجمع. PageV02P510 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الثلاثة متيقن؛ فوجب [69/ب] حمله عليه1. # والجواب: أن هذا يوجب حمله على الواحد؛ لأنه متيقن2 واللفظ قد يعبر به ~~عنه. # ويوجب أيضا: أن يحمل لفظ العشرة على أقل من ذلك، أنها3 قد تستعمل في ~~بعضها بدليل، وهو إذا اقترن به الاستثناء وأجمعنا على ms205 أنها تحمل على الجميع ~~بظاهرها، وعلى أن الثلاثة4 وإن كان متيقنا؛ فإن اللفظ حقيقة فيما زاد عليه؛ ~~فلم يكن حمله على الثلاثة5 بأولى من حمله على الجميع. # واحتج: بأن استعمال لفظ العموم في الخصوص هو الغالب؛ فحمل عليه. # والجواب: أن هذا الغالب لا يختص بثلاثة. # واحتج: بأن العموم مأخوذ من الخصوص، ومنه قولهم: "مطر عام". # والجواب: أن العموم مأخوذ من قولهم: "عممت الشيء أعمه عموما، وعمهم العدل ~~والرخص والغلاء". PageV02P511 ### | فساد قول من فرق بين الأخبار والأوامر في صيغ العموم # ... # فصل: والدلالة على فساد قول من فرق بين الأخبار والأوامر # أن الطريق إلى إثبات أحدهما هو الطريق إلى الآخر؛ فالممتنع من أحد ~~الأمرين؛ يلزمه الامتناع من الآخر، ألا ترى أن استعمال اللغة في الأمرين ~~على وجه واحد، ورجوع الصحابة إلى أوامر الله تعالى وأخباره إلى ظاهر ~~الخطاب، كرجوعهم في الآخر، فدل على أنه لا فرق بينهما. # ولأنه ثبت أن الله إذا أمر بلفظ عام؛ وجب حمله على العموم، كذلك إذا أخبر ~~بلفظ عام؛ لأنه لا يجوز أن يخطابنا ويريد بخطابه غير ما وضع له في اللغة، ~~ومتى لم يرد ذلك؛ دل عليه وبينه. # واحتج من فرق بينهما: # بأن الأوامر تكليف؛ فلو لم يعرف المراد به، لاقتضى تكليف ما لا يطاق، ~~وليس كذلك الخبر عن الوعد والوعيد وغير ذلك؛ لأنه لا يقتضي وجوب شيء يحتاج ~~أن يعلم به. # والجواب: أن الخبر إنما يخاطب به لفائدة كالأمر، وإن كان فائدتهما تختلف؛ ~~ألا ترى أنه يزجر بالوعيد ويرغب بالوعد، وذلك يقتضي العلم بمراده بها، ~~فالحال فيهما واحدة. # ولأن المقصود وإن اختلفت جهاته؛ فلا يوجب التفريق بين الأمرين، مثلا ~~اختلاف المقصود في الأوامر. # فإن قيل: الخبر لا يدخله نسخ ولا تخصيص، والأمر يدخله الأمران. قيل: هذا ~~يؤكد ما قلنا؛ لأن الأمر لما جاز أن يقع فيه النسخ والتخصيص1، PageV02P512 # ومع هذا يحمل على العموم؛ فالخبر مع امتناع وقوع النسخ أولى أن لا نحمله1 ~~على العموم. # فإن قيل: يجوز وقوع الخبر عن مجهول، نحو قوله تعالى: {وكم ms206 أهلكنا من ~~قرية} 2، وقوله: {وقرونا بين ذلك كثيرا} 3 ثم لا يبينه أبدا، ولا يجوز أن ~~يأمر بمجهول، ولا يبينه في الثاني. # قيل: يجوز ذلك بأن يقول: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} 4 [70/أ] ثم لا ~~يبين ذلك، وتكون فائدة الأمر صحة تنزيله ووجوب اعتقاده. PageV02P513 ### | يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني ### | مدخل # ... # فصل: يصح ادعاء العموم في المضمرات والمعاني 1 # فأما المضمرات نحو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} 2، و: {وحرم عليكم ~~صيد البر} 3، معلوم أنه لم يرد نفس العين؛ لأنها فعل الله تعالى؛ وإنما ~~المراد أفعالنا فيها، فيعم تحريمها بالأكل والبيع4. PageV02P513 # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحل المسجد لجنب" 1 ليس المراد ~~عين المسجد؛ وإنما المراد به أفعالنا، فهو عام في الدخول واللبث. # وكذلك قوله عليه السلام: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" 2، PageV02P514 # والنسيان لا يمكن رفعه؛ لأنه قد تقضى، والمراد به حكمه، فهو عام في ~~المأثم والحكم به. # وكذلك قوله: "لا نكاح إلا بولي وشاهدين"؛ عام في الصحة والكمال. # وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية صالح في الرجل يحدث نفسه بما إن ~~سكت عنه يخاف1 أن يكون قد أشرك2، فقال: يروى PageV02P515 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها 1 ما لم تعمل [أو] 2 تتكلم" 3 فاستعمل4 هذا في رفع المأثم، وقد ~~استعمله في رفع الحكم في رواية. # وذهب الأكثر من أصحاب أبي حنيفة والشافعي إلى أنه لا يعتبر العموم في ~~ذلك. PageV02P516 ### | دليلنا # أن قوله: "رفع" قد علم أنه ما أراد به نفس الفعل؛ لأن ذلك لا يمكن رفعه ~~بعد وقوعه. # وكذلك قوله: "لا نكاح؛ إلا بولي" لا يمكن رفعه بعد وقوعه؛ وإنما أريد ما ~~تعلق بذلك الفعل والعقد؛ فصار اللفظ محمولا على ذلك بنفسه، لا بدليل، ويحصل ~~تقديره كأنه قال: "رفع عن أمتي ما تعلق بالخطأ والنسيان؛ فيعم المأثم ~~والحكم، ولا نكاح إلا بولي، يعم الكمال والصحة. # وكذلك: {لا تقل لهما أف} 1، قد علمنا أنه لم ms207 يرد اللفظ2 بل أراد ذلك وما ~~هو أعلى منه؛ فصار كأنه قال: لا تقربهما بسوء. PageV02P517 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن قولنا: عموم، معناه: خطاب موضوع للجنس، ولفظ يعم الجنس، وهذا لا يوجد ~~في المعاني والمضمرات؛ فإن المضمر والمعنى ليس بلفظ. # والجواب: أنا قد بينا أن اللفظ مراد بهذا، من الوجه الذي بينا؛ فإن قيل: ~~فيجب أن يقولوا: إن التخصيص يدخل على المضمرات والمعاني. # قيل: هكذا نقول. # PageV02P517 ### | إذا أضيف التحريم إلى ما لا يصح تحريمه كان عاما في أفعال العين المحرمة ### | مدخل # ... # فصل: 1 لفظ التحريم إذا تعلق بما لا يصح تحريمه؛ فإنه يكون عموما في ~~الأفعال في العين المحرمة # إلا ما خصه الدليل، نحو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} 2، {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} 3. # وحكي عن البصري المعروف بالجعل4: أن هذا اللفظ يكون مجازا، ولا يدل على ~~تحريم الأفعال. PageV02P518 ### | دليلنا # أن قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [70/ب] قد علم أنه ما أريد به تحريم ~~العين نفسها؛ لأن العين فعل1 الله تعالى، لا يتوجه التحريم إليها، وإنما ~~أريد تحريم أفعالنا فيها، فصار اللفظ محمولا على ذلك بنفسه، لا بدليل، وكل ~~ما حمل اللفظ عليه بنفسه كان حقيقة لا مجازا كقوله: "لا صلاة إلا بطهور" ~~حقيقة هذا رفع الفعل؛ فلما استحال رفعه بعد وقوعه؛ كان معناه: حقيقة في رفع ~~حكمه، كذلك ههنا. # ولأن من أراد أن يحرم على عبده أو ولده شيئا؛ فإنه يقول: حرمت عليك هذا، ~~فيفهم منه تحريم تصرفه فيه بنفس اللفظ، فثبت أن اللفظ نفسه دل على ذلك، ~~فكان حقيقة. PageV02P518 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن اللفظ اقتضى تحريم العين نفسها؛ فإذا حمل على الفعل؛ يجب أن يصير ~~مجازا، كقوله: {واسأل القرية} 1. # والجواب: أنه وإن لم يتناول ذلك نطقا؛ فهو المراد من غير دليل، ويفارق ~~هذا دليل القرية ونحوه؛ لأنا لم نعلم أن المراد به أهلها باللفظ، لكن ~~بدليل؛ لأنه لا يستحيل جواب حيطانها في قدرة الله تعالى، واحتيج إلى دليل ~~يعرف به أنه أراد أهلها. PageV02P519 ### | مسألة في الاسم المفرد إذا دخل ms208 عليه الألف واللام ### | مدخل # ... # مسألة: في الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام 1 # مثل: الإنسان، والسارق، والزاني، والقاتل، والكافر، والبيع، والصيد، ~~والدينار، والدرهم، وما أشبه ذلك؛ فهو للجنس. # وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد رضي الله عنه في كتاب طاعة الرسول، فقال: ~~قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 2. فالظاهر يدل على أنه من ~~وقع عليه اسم السارق، وإن قل ذلك؛ فقد وجب عليه القطع، ولما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يقطع في ثمر ولا كثر"، PageV02P519 # دل أنها ليست على ظاهرها، وأنها على بعض السراق دون بعض. فقد صرح بأن ~~إطلاق اللفظ اقتضى العموم في كل سارق. # وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني وحكاه عن أصحابه1. # واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال مثل قوله، ومنهم من قال: هي للعهد2. ~~PageV02P520 ### | دليلنا # أن لفظ الجمع إذا كان منكرا، مثل: مسلمين، ومشركين، ورجال؛ كان لجمع ~~منكر، ولم يكن للجنس، كما قال تعالى: {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار} 1؛ فإذا عرف بالألف واللام كان للجنس، كذلك ههنا. # ولأنه يصح الاستثناء منه بلفظ الجمع، كما قال تعالى: {إن الإنسان لفي ~~خسر، إلا الذين آمنوا} 2، وهذا يدل على أنه للجنس، كألفاظ الجمع3. ~~PageV02P520 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن اللام للتعريف عندهم؛ فإذا قال: دخلت السوق، فرأيت رجلا، ثم عدت إلى ~~السوق فرأيت الرجل؛ كان تعريفا لما تقدم ذكره، ولهذا قال الله تعالى: {كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول} 1. # ويدل عليه [71/أ] قول ابن عباس في قوله تعالى: {فإن مع العسر يسرا، إن مع ~~العسر يسرا} 2 لن يغلب عسر يسرين3. فجعل العسر الثاني هو الأول؛ لما كان ~~معرفا4 بالألف واللام، وليس الثاني PageV02P521 # عين الأول، لما كان منكرا؛ فوجب أن يكون تعريفا لما اقتضاه الاسم، وهو ~~واحد من الجنس، ولا يكون تعريفا للجنس؛ لأن الاسم لا يصلح له، إذا لم يكن ~~فيه الألف واللام؛ فلا يقتضيه، فكان تعريفا لمقتضاه. # والجواب: عن قولهم: إنه تعريف لما يقتضيه الاسم؛ فهو منتقض باسم ms209 الجمع؛ ~~فإنه إذا كان معرفا كان للجنس، وإذا كان منكرا؛ كان لبعض الجنس. # ولأن المنكر لا يصلح إلا للواحد، والمعرف يصلح للجنس، كما قال تعالى: {إن ~~الإنسان لفي خسر} 1، وقال: {قتل الإنسان ما أكفره} 2، [وقال] : {يا أيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} 3، و [قولهم] : أهلك الناس الدرهم ~~والدينار؛ فدل على الفرق بينهما. # وأما قوله: "دخلت السوق فرأيت رجلا، ثم عدت إلى السوق فرأيت الرجل"، فهو ~~أنه ههنا رجع إلى المذكور قبله؛ لأن التعريف إذا تقدمته نكرة؛ كان الظاهر ~~أنه راجع إليه، وتعريف له، وليس كذلك إذا لم يتقدمه نكرة؛ فإنه ليس في ~~الكلام ما يوجب تخصيصه، فوجب حمله على تعريف الجنس4. PageV02P522 ### | الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع ### | مدخل # ... # فصل 1 الجموع المنكرة تحمل على أقل الجمع # ألفاظ الجموع كالمشركين، والمسلمين، والقائلين، إذا لم يدخلها الألف ~~واللام، فقيل: مشركون، ومسلمون، وقائلون، لم يحمل على العموم، ولم يكن ~~للجنس، ويحمل على أقل الجمع، كما قال أصحاب الخصوص والعموم. # وقد أشار أحمد رحمه الله إلى هذا في رواية أبي طالب، إذا قال: ما أحله ~~الله علي حرام -يعني به الطلاق- أجاب: إنه2 يكون ثلاثا، وإذا قال: أعني به ~~طلاقا؛ فهذه واحدة، لأن طلاقا غير الطلاق. # فقد فرق بين دخول الألف واللام على الطلاق في أنه يقتضي الجنس، وبين ~~حذفها في أنه لا يقتضي جنسه. # واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل قولنا، ومنهم من حمله على ~~العموم واستغراق الجنس. # وحكي ذلك عن الجبائي3. # وقد أشار إليه الإمام أحمد في رواية صالح وقد سأله رضي الله عنه: ~~PageV02P523 # عن لبس الحرير؛ فقال: لا، إنما هو للإناث، يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحرير والذهب: "هذان حرامان على ذكور أمتي" 1. # فقد حمل قوله: "ذكور أمتي" على العموم في الصغيرة والكبيرة وإن كان جمعا ~~ليس فيه الألف واللام. PageV02P524 ### | وجه الأول # أن أهل اللغة سموا هذه الألفاظ عند حذف الألف واللام منها نكرة، # PageV02P524 # فلو كانت متناولة لجميع الجنس؛ لما كانت نكرة، بل كانت معرفة؛ لأن جميع ms210 ~~الجنس معرف، ألا ترى أنه إذا دخلها الألف واللام لم تكن نكرة بل تكون ~~معرفة؛ لأنه يصح تأكيدها بلفظة "ما" الدلالة [71/ب] [على] الخصوص فتقول: ~~أقتل مشركين ما، ورأيت رجالا [ما] ، وهذه اللفظة لا يصح دخولها على لفظ ~~العموم، فإنه لا يصح أن تقول: أقتل المشركين [ما] ، ولا رأيت الرجال ما. # PageV02P525 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لما صح دخول الاستثناء عليه، فخرج بعضه؛ ثبت أنه من ألفاظ العموم، ~~كالجمع المعرف. # والجواب: أن الاستثناء يخرج البعض من الكل، ويخرج البعض من البعض، فههنا ~~يخرج البعض من البعض، الذي هو أقل الجمع. # PageV02P525 ### | مسألة إذا ورد لفظ العموم الدال بمجرده على استغراق الجنس ### | مدخل # ... # مسألة: 1 إذا ورد لفظ العموم الدال بمجرده على استغراق الجنس # فهل يجب العمل بموجبه واعتقاد عمومه في الحال قبل البحث عن دليل يخصه أم ~~لا؟ PageV02P525 ### | فيه روايتان # إحداهما يجب العمل بموجبه1 في الحال2، وهذا ظاهر كلام PageV02P525 # أحمد رحمه الله في رواية عبد الله لما سأله عن الآية إذا كانت عامة مثل: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا} 1، وذكر له قوما يقولون: لو لم يجئ فيها بيان ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ توقفنا2، فقال: قوله: {يوصيكم الله في ~~أولادكم} 3، كنا نقف عند ذكر الولد [لا نورثه] 4 حتى ينزل الله، أن لا يرث ~~قاتل ولا عبد5. # وظاهر هذا الحكم به في الحال من غير توقف. # وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا، ذكر6 في أول كتاب التنبيه فقال: وإذا ورد ~~الخطاب من الله تعالى أو من الرسول بحكم عام أو خاص، حكم بوروده على عمومه، ~~حتى ترد الدلالة على تخصيصه أو تخصيص بعضه. # وفيه رواية أخرى: لا يحمل على العموم في الحال، حتى يتطلب دليل التخصيص؛ ~~فإن وجد؛ حمل اللفظ على الخصوص، وإن لم يوجد؛ حمل حينئذ على العموم7. # وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية ابنه صالح وأبي الحارث وغيرهما، ~~فقال في رواية صالح، إذا كان للآية ظاهر، ينظر ما عملت السنة؛ فهو دليل على ~~ظاهرها، ومنه قوله تعالى: {يوصيكم ms211 الله PageV02P526 # في أولادكم} 1؛ فلو كانت على ظاهرها؛ لزم من قال بالظاهر أن يورث كل من ~~وقع عليه اسم ولد، وإن كان قاتلا [أ] ويهوديا. # وقال أيضا فيما كتب به إلى [أبي] 2 عبد الرحيم الجوزجاني3: فأما من تأوله ~~على ظاهر [ه] 4 -يعني القرآن- بلا دلالة من رسول الله، ولا أحد من أصحابه، ~~فهو تأويل أهل البدع؛ لأن الآية قد تكون خاصة، ويكون حكمها حكما عاما، ~~ويكون ظاهرها في العموم، وإنما قصدت لشيء بعينه، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المعبر عن كتاب الله تعالى وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، ~~لمشاهدتهم الأمر، وما أريد بذلك. # وظاهر هذا: أنه لا يجب اعتقاده، ولا العمل به في الحال، حتى يبحث وينظر، ~~هل هناك دليل تخصيص5؟ # واختلف أصحاب الشافعي، فذهب الأكثر منهم إلى التوقف فيه حتى ينظر. # وذهب بعضهم إلى [72/أ] العمل به في الحال. # واختلف أصحاب أبي حنيفة: فحكى أبو عبد الله الجرجاني في PageV02P527 # كتابه: أن السامع متى سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ~~تعليم الحكم؛ فالواجب اعتقاد عمومه. وإن سمعه من غيره؛ لزمه التثبت وطلب ما ~~يقتضي تخصيصه، فإن فقده حمل اللفظ على مقتضاه في العموم. # وحكى أبو سفيان في مسائله: وجوب اعتقاد عمومه من غير توقف، على الإطلاق ~~من غير تفصيل؛ فقال في أثناء الكلام في مسألة العموم: ما تقولون في عموم ~~اللفظ إذا ورد ابتداء هل ترجعون عند سماعه إلى الأصول في طلب دلالة ~~التخصيص، أو تحملوا به على الاستغراق؟ فقال: نحمله على عمومه، ولو كان ~~خصوصا؛ لم يخله الله من بيان عند وروده من غير توقف. # فالدلالة على أنه يجب العمل من غير توقف: أن صيغة العموم إذا ورد متجردا ~~عن قرينة ظاهرة؛ كانت حقيقة في الجنس كله، ووجب المصير إليه قبل البحث كما ~~قلنا في أسماء الحقائق من الأعداد وغيرها، متى وردت وجب المصير إلى موجبها، ~~ولا يجب التوقف على ما يدل على مجازها، كذلك ههنا. # فإن قيل: لا نسلم أنها متجردة عن ms212 القرينة؛ لأن التجرد ما ثبت، وهذا كما ~~يقول: إذا شهد عند الحاكم شاهدان، لا يعرف حالهما، فإنه لا يحكم قبل السؤال ~~عنهما، كذلك ههنا. # قيل: الأصل عدم القرينة؛ فوجب الاعتماد على ذلك الأصل؛ لأن هذا هو ~~الظاهر، وجرى هذا مجرى شاهدين شهدا بحق؛ فإن الحاكم يحكم بشهادتهما، وإن ~~جاز أن يكون قد حصل هناك إبراء من ذلك الحق، أو قضاء للحق وهما لا يعلمان ~~به؛ لأن الظاهر عدم ذلك. # وأما عدالة الشهود: فإن الظاهر يقتضي عدالتهما؛ لأن الأصل العدالة؛ ولكن ~~لم يقتصر في الشهادة على الظاهر، ألا ترى أن الظاهر صدق الشاهد الواحد، ~~ولكن اعتبر فيه العدد، كذلك الظاهر العدالة، لكن # PageV02P528 # اعتبر زيادة معنى، وهو الحث، ويفارق هذا ألفاظ صاحب الشريعة؛ لأن ~~الاعتبار فيها بالظاهرة، ألا ترى أنه يقبل خبر الواحد، ولا يبحث عن عدالته ~~في الباطن. # فإن قيل: لا نسلم لكم أسماء الحقائق، بل نقول: يقف على الطلب؛ فإذا لم ~~يجد ما يدل على المجاز؛ صار إليه. # قيل: إن لم نسلم الأصل فالاستدلال قائم بنفسه، وهو: أن اللفظ قد تجرد عن ~~قرينة ظاهرة؛ لأن الأصل عدمها. # فإن قيل: فإن سلمنا لكم ذلك، ما الفرق بينهما؟ إن في العدول عنها ترك ~~الحقيقة، وليس في تخصيص العموم ترك الحقيقة. # قيل: فيه ترك حقيقة اللفظ؛ لأنه موضوع للاستغراق، [72/ب] فلا فرق بينهما. # وطريقة أخرى، وهي1: أن هذه الصيغة ترد في عموم الأزمان، كما ترد في عموم ~~الأعيان، ثم ثبت أن ما ورد عاما في الأزمان؛ لزم العمل بعمومه قبل البحث عن ~~دليل الخصوص، كذلك ما ورد عاما في الأعيان. # فإن قيل: الفرق بينهما: أن ما يخص الزمان نسخ، والنسخ يرد بعد ورود ~~الصيغة، ولا يصح أن يرد معها ولا قبلها؛ فلهذا ألزم العمل بموجبها، وليس ~~كذلك تخصيص العموم؛ لأن ما يخصه يرد معه أو قبله، فلهذا لم يعتقد وجوبه قبل ~~البحث. # قيل: وقد يرد بعده؛ لأن تأخير البيان جائز؛ فإذا لم تكن هناك قرينة ~~ظاهرة، فالأصل عدمها. # وجواب آخر وهو: أن هذا ms213 يوجب أن يقول: إذا سمع العموم من PageV02P529 # غير النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يلزمه بعمومه في الأزمان؛ لأنه يجوز ~~أن يكون النسخ معه، ولكن الراوي لم يعرفه، ومع هذا فإنه يجب اعتقاده في ~~العموم في الأزمان في الحالين؛ فبطل ما قاله. # ولأن من قال بهذا يلحق بأصحاب الوقف؛ لأنه لا يحكم حتى ينظر دليل ~~التخصيص، كما يفعل أصحاب الوقف. # فإن قيل: [إن] احتاج العبد إلى استعماله؛ فله أن يحمله على الاستغراق، ~~دون بيان زائد، وعندهم: لا يجوز. # قيل: إذا حمله على الاستغراق، قبل أن ينظر دليل التخصيص، كان رجوعا عن ~~المسألة. # والقائل الأول يجيب عن هذا: بأن أهل الوقف يقفون فيه بعد البحث، حتى يرد ~~لفظ صريح، أنه أراد العموم. # وقد ذكر بعض من نصر هذه الطريقة أشياء أخر، لا تلزم المخالف. # منها: أن الأصول غير محصورة؛ فلا يمكن المجتهد أن ينظر في جميعها؛ وإنما ~~ينظر في بعضها، ويجوز أن يكون قد بقي شيء لم يبلغه نظره، ويكون ذلك الباقي ~~فيه ما يدل على التخصيص، فيفضي إلى الوقف في العموم أبدا، ويدخل في وقف ~~الأشعري، وهذا لا يلزم المخالف؛ لأن الحاكم إذا توقف عن الحكم بشهادة ~~الشاهدين حتى يسأل عنهما، وجب أن يتوقف أبدا، كذلك ههنا. # ولأنه لا يمتنع أن يكون النظر الأول مستحقا دون التكرار، ألا ترى أن ~~الحاكم إذا نزلت به نازلة ليس فيها نص ولا إجماع، وجب أن يجتهد، وينظر فما ~~غلب على ظنه حكم به، ولا يجب أن يكرر النظر، كذلك ههنا. # ولا يفضي ذلك إلى مقالة الأشعرية؛ لأن هذا القائل يقول: إذا لم # PageV02P530 # يجد في الأصول ما يخصه، حمله على عمومه، والأشعرية لا تقول ذلك، وتتوقف ~~حتى يدل الدليل على أحدهما دون الآخر. # وذكر أيضا: أن السامع للعموم لا يمكنه أن يخلو من الاعتقاد؛ فإما أن ~~يعتقد عمومه أو خصوصه، ولا يجوز أن يعتقد الخصوص؛ فوجب اعتقاد العموم. # وهذا لا يلزمه [73/أ] أيضا؛ لأن هذا القائل يقول: يعتقد عمومه أن تجرد ~~عما يخصه؛ ms214 فلا يقطع باعتقاد العموم، والمعتمد لنصرة هذا القول: ما ذكرناه. # واحتج من قال بالوقف1: # بأن الدلالة على العموم وجود الصيغة المتجردة عن دليل التخصيص، والتجرد ~~لم يثبت لجواز أن يكون في الأصول لفظ أو معنى يوجب التخصيص، فوجب الوقف. ~~PageV02P531 # والجواب: أنا قد بينا أن الأصل عدم القرينة، وأن الظاهر تجرده، ولأن هذا ~~يلزم عليه الأعداد وغيرها من أسماء الحقائق، ويلزم عليه الزمان؛ فإن هذا ~~الاحتمال موجود فيه من الوجه الذي ذكرنا، ومع هذا يجب العمل بعمومه؛ فبطل ~~هذا. # واحتج: بأن من سمع قول الله: {الله خالق كل شيء} 1، لا يخلو إما أن يقول: ~~يلزمه أن يعتقد عمومه، فأمره باعتقاد خلق القرآن وهذا اعتقاد باطل، وإن ~~قال: انظر في الدلالة، فقد ترك قوله. # والجواب: أن هذا الظاهر مع قرينة ظاهرة من جهة العقل؛ يمتنع اعتقاد عمومه ~~في خلق القرآن وصفات الله تعالى؛ فلهذا لم يجز حمله على عمومه، وخلافنا في ~~عموم خلا عن دلالة ظاهرة عقلا أو شرعا. # وأما أصحاب أبي حنيفة2؛ فإنهم اعتمدوا في الفرق بين أن يسمعه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أو غيره؛ فإنه يجوز أن يكون في أدلة الشرع ما ~~يمنع العموم، فلهذا يوقف حتى ينظر، وإذا سمعه من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على وجه بيان الحكم، [و] لو كان في الشرع ما يمنع حمل اللفظ على ~~العموم لبينه حال خطابه3. # والجواب: أنه يجوز تأخير البيان عندنا. PageV02P532 ### | مسألة العموم إذا دخله التخصيص فهو حقيقة فيما بقي ### | مدخل # ... # مسألة 1 العموم إذا دخله التخصيص؛ فهو حقيقة فيما بقي # ويستدل به فيما خلا المخصوص. # وكلام أحمد رحمه الله يدل على هذا؛ لأنه احتج فيمن ابتاع عبدا أو أمة ~~واستعملت ثم ظهر على عيب، أنه يرده، ويمسك الغلة2؛ لقوله عليه السلام: ~~"الخراج بالضمان" 3، PageV02P533 # وهو مخصوص بلبن المصراة1، فإنه إذا ردها رد قيمة PageV02P534 # اللبن1، وإن كانت مضمونة عليه. # فقال في رواية عبد الله: حديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~أن خراج العبد بضمانه"2، أذهب ms215 إليه، في العبد له وجهه، وفي المصراة له ~~وجهه، لهذا وجه، ولهذا وجه. # واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام3 "في بيع ما ليس عنده" وهو مخصوص بالسلم. # قال رحمه الله في رواية الميموني: لو ضربت بعضها ببعض رددت أحدهما؛ حكيم ~~ببيع شيئا حاضرا، والسلم يبيع بصفة. # واحتج: أيضا رحمه الله بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد ~~العصر PageV02P535 # حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس1" وهو مخصوص عنده بالفوائت2، ~~وبركعتي الطواف3 والصلاة على الجنازة4، PageV02P536 # وإعادة الصلاة في الجماعة1. # وقد صرح بذلك رضي الله عنه في رواية حنبل وصالح فقال: [73/ب] "نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح"، والنهي من النبي ~~جملة، وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها" وقال: "من أدرك ~~من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدركها" 2؛ فكان هذا مخصوصا من ~~جملة نهيه عن الصلاة بعد PageV02P537 # العصر، يستعمل كل خبر منها على وجهه، ولا يضرب أحدهما بالآخر؛ فلهذا وجه ~~لا يبتدأ بصلاة بعد العصر متطوعا بها، ولو أدرك صلاة فائتة، صلاها بعد ~~العصر، لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها"، فقد صرح بالأخذ بالنهي، مع حصول ~~التخصيص فيه. # وبهذا قال أصحاب الشافعي1. # واختلف أصحاب أبي حنيفة: # فحكى أبو عبد الله الجرجاني في كتابه عن عيسى بن أبان: أنه مجاز ~~PageV02P538 # ويمنع من التعلق بظاهره، ولم يفصل بين الدليل المتصل وغيره1. # وحكي عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول: يصير مجازا إذا كان المخصص له ~~منفصلا، ولا يوجب ذلك إذا كان متصلا. # وحكي عن أبي بكر الرازي: أنه حقيقة فيما بقي، إذا كان الباقي جمعا في ~~الحقيقة2. # وحكي عن المعتزلة والأشعرية: أنه يصير مجازا، ولا يحتج به3؛ وإنما يصح ~~هذا على قول الأشعرية، إذا علم أن العموم غير مراد؛ لأن عندهم: لا صيغة ~~للعموم4. PageV02P539 ### | ............................................................................................................ # PageV02P540 # فالدلالة على أنه حقيقة في الباقي: ما روي أن فاطمة رضي الله عنها احتجت ~~بقول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ms216 مثل حظ الأنثيين} 1؛ فلم ~~ينكر أحد احتجاجها بهذه الآية2، وإن كان قد خص منها: الولد الكافر، ~~والرقيق، والقاتل؛ وإنما خصوا منها ميراث النبي صلى الله عليه وسلم بسنة ~~خاصة3، فدل على أن تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به فيما لم يخص منه. # وكذلك روي عن عثمان وعلي رضي الله عنهما: أنهما قالا في الجمع بين ~~الأختين بملك اليمين، أحلتهما آية4، وحرمتهما آية5، وكل واحدة من الآيتين ~~دخلها التخصيص6. PageV02P541 # وأيضا فإن اللفظ فيما عدا الخصوص حقيقة؛ لأن اسم المشركين يقع حقيقة على ~~من بقي بعد التخصيص؛ فوجب أن تكون دلالة اللفظ قائمة بعد التخصيص، كهي قبل ~~التخصيص. # وقيل: بأن دلالة اللفظ سقطت فيما عارضه، وهي فيما عداه باقية؛ لأنه لا ~~معارض فيه؛ فجاز الاحتجاج به. # ولا يلزم على هذا العلة إذا خصت، أنه لا يجوز الاحتجاج بها؛ لأنها إذا ~~خصت؛ كانت منتقضة، ولم تكن علة، كذلك الحكم، وليس كذلك العموم؛ فإنه إذا خص ~~منه شيء كانت دلالته باقية، فيما لم يخص منه لأنه إنما كان دليلا في جميع ~~ما تناوله الخبر؛ لكونه قولا لصاحب الشريعة، لا معارض، وهذا موجود فيما لم ~~يخص منه. # [74/أ] وأيضا: فإن دلالة التخصيص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة؛ فلما ~~كان الاستثناء غير مانع من بقاء دلالة اللفظ فيما بقي، وصارت الجملة مع ~~الاستثناء عبارة عن الباقي بالاتفاق، كذلك لفظ العموم، يصير مع دلالة ~~التخصيص عبارة عما عدا الخصوص. # فإن قيل: إنما كان كذلك في الاستثناء؛ لأن الاستثناء يصير مع الجملة ~~عبارة عن الباقي؛ لأن التسعة لها اسمان: # أحدهما تسعة، والآخر عشرة إلا واحدا؛ فأيهما عبر عنهما؛ كان الاسم حقيقة ~~فيها، كما أنه لا فرق بين أن يقول: اثنان، وبين أن يقول: واحد # PageV02P542 # وواحد، في أن العبارتين تفيدان معنى واحدا، وكذلك: دلالة التخصيص إذا ~~كانت مقارنة، ويفارق المنفصل؛ لأنه لا يجعل كالمتصل، كما لم يفعل ذلك في ~~الاستثناء. # قيل: وكذلك التخصيص المنفصل يصير مع الجملة عبارة عن الباقي، كالتخصيص ~~المتصل، ولا فرق بينهما. # PageV02P543 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: ms217 # بأن اللفظ صار مستعملا في غير ما وقع له؛ فاحتاج إلى دليل يدل على أن ~~المراد به بمنزلة المجمل الذي لا يدل على المراد بلفظه، يحتاج إلى قرينة ~~تفسره وتدل على المراد به. # والجواب: أنا لا نسلم أنه يستعمل في غير ما وضع له؛ لأن هذا اللفظ موضوع ~~للعموم بمجرده، وللخصوص بقرينة، وهذا غير ممتنع في اللغة، ألا ترى أنا ~~أجمعنا: أنه موضوع بمجرده للعموم، وللخصوص بقرينة متصلة به، مثل الاستثناء، ~~وكذلك يقول القائل: خرج زيد، فيكون إخبارا عن خروجه، ويضم إليه "ما" فيكون ~~إخبارا عن ضده، وتضيف إليه ألفا، فيكون استفهاما، وذلك حقيقة، كذلك في ~~مسألتنا. # فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن لا يكون في اللغة مجاز، ويقال: قولنا: "بحر"، ~~موضوع للماء الكثير بمجرده، وللعالم أو الجواد بقرينة، وكذلك: "الأسد"، ~~موضوع للبهيمة بمجرده، وللرجل الشديد بقرينة، و "الحمار" موضوع للبهيمة ~~بمجرده، وللبليد بقرينة. # قيل: إن لزمنا هذا في التخصيص؛ لزمك في الاستثناء، فإن المخالف يقول في ~~الاسثتناء ما نقول نحن في التخصيص. # وجواب آخر وهو: أن هذه المواضع أثبتناها مجازا بالتوقيف من جهة أهل ~~اللغة؛ فليس في تخصيص العموم أنه مجاز توقيف، ولا يشبه # PageV02P543 # هذا المجمل؛ لأن المجمل غير دال بلفظه على شيء، والعموم دال على ما ~~تناوله؛ وإنما خرج بعضه بدليل أقوى منه، وبقي الباقي على موجب اللفظ. # ولا يشبه هذا استعمال اللفظ في الرجل الشجاع سبعا، والبليد حمارا، أنه ~~مجاز؛ لأنه عدل باللفظ عما وضع له في أصل اللغة، وههنا لم يعدل باللفظ فيما ~~بقي عما وضع له؛ لأن اسم المشركين حقيقة [74/ب] فيما بقي. # PageV02P544 ### | مسألة يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد ### | مدخل # ... # مسألة 1: يجوز تخصيص العموم إلى أن يبقى واحد 2 # خلافا لأبي بكر الرازي، فيما حكاه الجرجاني عنه وأبي بكر القفال ~~PageV02P544 # في قولهما: يجوز تخصيص لفظ الجمع، إذا كان الباقي جمعا في الحقيقة، ولا ~~يجوز النقصان منه إلا بما يجوز به النسخ1. PageV02P545 # من عبيد أو دواب فهو لفلان إلا كذا وكذا، حتى يبقى واحد. ms218 # ولأن القرينة المتصلة بمنزلة المنفصلة؛ لأن كلام صاحب الشريعة، وإن تفرق؛ ~~فإنه يجب ضم بعضه إلى بعض، وبناء بعضها على بعض؛ فإذا كان كذلك وكان المتصل ~~صحيحا ما بقي من اللفظ شيء، كذلك التخصيص. # PageV02P546 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن لفظ الجمع موضوع للثلاثة فصاعدا؛ فإخراج اللفظ عن الثلاثة إخراج عن ~~موضوعه وترك الحقيقة، وهذا لا يجوز إلا بما يجوز به النسخ، ويكون بمنزلة ~~إسقاط حكم جميع اللفظ. # والجواب: أنه يجوز عندنا ترك حقيقة اللفظ وصرفه إلى المجاز والاتساع بما ~~يجوز التخصيص به، ولا يكون بمنزلة النسخ؛ وإنما يكون بمنزلة التخصيص، ولهذا ~~نقول في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~1، إن المراد به: موضع الصلاة2، ونحمله على المجاز بضرب من الاستدلال. # وعلى أنه إذا وجب بناء بعض كلامه على بعض، وجب أن تكون PageV02P546 # القرينة المنفصلة بمنزلة المتصلة، وتكون بمنزلة الاستثناء؛ فلا يكون ذلك ~~تركا لموضوع اللفظ وحقيقته. # فإن قيل: أليس من مذهبكم: أنه لا يجوز رفع الأكثر بالاستنثاء وكذلك لا ~~يجوز في التخصيص؟ # قيل: هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يجوز الاستثناء ما بقي من اللفظ ~~شيء، وأما على أصلنا؛ فلا يعتبر أن يبقى لفظ الجمع؛ لأنه لو قال: له علي ~~عشرة إلا ستة؛ فقد1 بقي لفظ الجمع وزيادة، ولا نجيزه؛ وإنما امتنع أن يرفع ~~بالاستثناء الأكثر أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة منعوا من استثناء الأكثر. ~~وسنبين ذلك في مسائل الاستثناء إن شاء الله تعالى2؛ فأما في تخصيص العموم؛ ~~فلم ير عنهم منع ذلك. # وجواب آخر وهو: أن التخصيص أوسع؛ لأنه يصح منفصلا ومتصلا، والاستثناء لا ~~يكون إلا متصلا؛ ولأن التخصيص من جنس ما يرفع الجملة، وهو النسخ؛ لأن ~~التخصيص هو تخصيص الأعيان، والنسخ تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما ~~يرفع [75/أ] الجملة. PageV02P547 ### | مسألة يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل ### | مدخل # ... # مسألة 1: يجوز تخصيص العموم بدلالة العقل # نحو قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} 2، ومعلوم أنه لم PageV02P547 # يخلق نفسه، وقوله: {يا أيها الناس} 1، ولم يدخل ms219 تحته الصبيان والمجانين. # وقد تكلم الإمام أحمد رحمه الله فيما خرجه في محبسه على قوله تعالى: {وهو ~~الله في السموات وفي الأرض} 2 فقال: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة، ليس فيها ~~من عظم الرب شيء، أحشاؤكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والوشي والأماكن ~~القذرة، وقد أخبرنا أنه في السماء، فقال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض} 3. # فقد عارض الظاهر بالعقل والشرع، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال قوم: لا ~~يجوز ذلك4. # دليلنا: أنه يفضي بنا العلم، كالكتاب والسنة المتواتر والإجماع؛ فلما جاز ~~تخصيص العموم بالكتاب والسنة والإجماع، كذلك يجوز تخصيصه بدليل العقل. ~~PageV02P548 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه لو جاز تخصيص العموم بالعقل؛ لجاز نسخه بذلك، كما أن الكتاب والسنة ~~والإجماع لما جاز التخصيص بها جاز النسخ بها. # والجواب: أن القياس يخصص به، ولا ينسخ، وكذلك الإجماع، وعلى أن النسخ ~~إنما لم يجز بالعقل؛ لأن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل يجوز بقاء الحكم من ~~غير زوال؛ فلا يجوز أن يكون له تأثير في إزالة ما يجوز بقاؤه، وليس كذلك ~~التخصيص؛ لأنه بيان مراد المخاطب، وهذا المعنى يصح ثبوته بدليل العقل، ألا ~~ترى أن الله تعالى قال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} 1، وكان مخصوصا في ~~المكلفين، دون الأطفال والمجانين، وكان خصوصه معلوما بدليل العقل. # وجواب آخر وهو: أن دليل العقل له تأثير فيما هو في معنى النسخ، وإن لم ~~يسم نسخا؛ لأن معنى النسخ هو المنع من أن يلزم في المستقبل، مثل ما كان ~~لازما فيما مضى من الوقت، وهذا يثبت بدليل العقل، ألا ترى أن دليل العقل ~~يمنع من لزوم الفرض عند العجز عنه، كما يمنع من ذلك دلالة السمع، إلا أن ~~ذلك لا يطلق عليه اسم النسخ؛ لأن اسم النسخ يختص بما كان ثابتا من جهة ~~السمع دون العقل، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس، لما كان ثابتا من ~~جهة السمع؛ كان زواله نسخا؟ # وأن إباحة شرب الخمر، لما لم تكن ثابتة من جهة السمع، لكن من ms220 جهة العقل؛ ~~لم يسم زوالها نسخا؛ فإذا كان كذلك، وكان سقوط التكليف بدلالة العقل غير ~~ثابت من جهة السمع؛ لم يكن نسخا، ولم تجر عليه هذه التسمية، وإن كانت تجري ~~عليه لو كان [75/ب] متعلقا بدلالة من جهة السمع. PageV02P549 # واحتج بأن دلالة العقل مقدمة على العموم، والتخصيص إنما يكون بما يقارب ~~العموم أو يتأخر عنه. # والجواب: أنه يجوز أن يتقدم دليل الخطاب على العموم؛ لأن الدليل يجوز أن ~~يتقدم عن مدلوله1؛ ألا ترى أن الدليل قد دل على أن الله يثيب المؤمنين ~~بالجنة، ويعاقب الكفار بالنار؟ وإن كان مدلول هذا الدليل متأخرا عن دليله، ~~كذلك لا ينكر أن يسبق دلالة التخصيص لفظ العموم. # واحتج بأن التخصيص بمنزلة الاستثناء، ثم لا يجوز أن يتقدم الاستثناء ~~الجملة، كذلك دليل التخصيص. # والجواب: أن تقدم الاستثناء لا يفيد شيئا، ألا ترى أنه لو قال: "زيدا"؛ ~~لم يكن لهذا الكلام معنى؟ # وأما التخصيص فإن انفراده قد يكون مفيدا؛ ألا ترى أنه لو قال: خطابي إنما ~~يتناول العقلاء دون الأطفال والمجانين؛ لكان هذا كلاما مفيدا، كذلك إذا ~~تقدمت دلالة العقل على هذا المعنى، ثم قال: {يا أيها الناس} 2 كان ذلك ~~مخصوصا بالعقلاء، بدلالة العقل السابقة للخطاب، وهكذا كل عموم هذه صفته؛ ~~فإن دليل العقل يكون مخصصا، لمنع كونه متقدما عليه. PageV02P550 ### | مسألة يجوز تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد ### | مدخل # ... # مسألة 1: يجوز تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد # سواء كان العموم قد PageV02P550 # دخله التخصيص، أو لم يدخله. # نص على هذا رحمه الله في رواية عبد الله في الآية إذا كانت عامة، ينظر ما ~~جاءت به السنة؛ فتكون السنة هي دليلا على ظاهر الآية، مثل قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} 1؛ فلو كانت الآية على ظاهرها؛ ورث كل من وقع ~~عليه اسم ولد، وإن كان يهوديا أو نصرانيا أو عبدا أو قاتلا؛ فلما جاءت ~~السنة أنه لا يرث مسلم كافرا، ولا كافر مسلما، ولا يرث قاتل ولا عبد؛ كانت ~~هي دليلا على ما أراد الله تعالى من ذلك، ونحو ms221 هذا قال في رواية [أبي] عبد ~~الرحيم الجوزجاني. # وهو قول أصحاب الشافعي2. # وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق3؛ جاز ~~تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن دخله التخصيص؛ لم يجز تخصيصه بخبر الواحد4. ~~PageV02P551 # وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يجوز التخصيص بخبر الواحد في الجملة1. # فالدلالة على جوازه في الجملة: # إجماع الصحابة، روي عنهم: أنهم خصوا قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~2، بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "لا تنكح المرأة على ~~عمتها، ولا على خالتها" ... الخبر. # وقبلوا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرث القاتل" 3 وخصوا به ~~آية [76/أ] المواريث، ونظائر ذلك يطول [ذكره] ، وإذا انعقد إجماعهم على ~~ذلك؛ لم يجز مخالفته. # فإن قيل: فقد رد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس4 لما ~~روت: أن النبي صلى الله عليه وسلم "لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"، وقال: ~~PageV02P552 # لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة1. # قيل: عمر لم يمتنع من قبول هذا الخبر؛ لأنه يعارض الظاهر؛ لكن لم يتقبله؛ ~~لأنه عارضه بغيره، فاعتقد خطأ فاطمة وسهوها في الرواية؛ يدل عليه: أنه قال: ~~لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها نسيت أو شبه لها، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لها السكنى والنفقة" 2. PageV02P553 # وأجاب عنه أحمد رحمه الله في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: كان ذلك منه ~~على [وجه] احتياط، وقد كان يقبل من غير واحد قوله وحده. # مع أن هذا الخبر مطرح الظاهر؛ لأن السكنى مخصوصة في حق الصغيرة؛ فإنه لا ~~سكنى لها، وخبر الواحد يخص به الظاهر المخصوص عند أبي حنيفة، فعلم أن الخبر ~~مطرح الظاهر. # فإن قيل: فقد قبلوا خبر الواحد فيما يوجب النسخ بدلالة: أن أهل قباء ~~قبلوا قول المخبر الواحد بتحويل القبلة؛ فكان يجب أن يتبعوهم فيه، كما ~~اتبعوهم في التخصيص بخبر الواحد. # قيل: هكذا نقول: ونتبعهم في النسخ، كما فعلنا في التخصيص. # وقد ms222 نص أحمد رضي الله عنه على هذا في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث في ~~خبر الواحد إذا كان إسناده صحيحا: وجب العمل به، ثم قال: أليس قصة القبلة ~~حين حولت، أتاهم الخبر، وهم في الصلاة فتحولوا نحو الكعبة1؟ PageV02P554 # وخبر الخمر أهراقوها1، ولم ينتظروا غيره؛ فقد أخذ بخبر الواحد. # واحتج: بقصة أهل قباء، وأن الصحابة أخذت بهذا الخبر، وإن كان فيه نسخ. # وأيضا: فإن خبر الواحد يجب العمل به، كما يجب بخبر التواتر، ثم ثبت أنه ~~يجوز التخصيص بخبر التواتر للعموم، الذي دخله التخصيص والذي لم يدخله، كذلك ~~خبر الواحد. # فإن قيل: خبر التواتر يوجب العلم كالعموم؛ فلهذا جاز التخصيص به، وليس ~~كذلك خبر الواحد؛ فإنه لا يوجب العلم. # قيل: هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في باب التخصيص، كما لم يوجب الفرق ~~بينهما في باب العمل، ولأن خبر التواتر وإن أوجب العلم؛ فليس له رتبة ~~العموم؛ لأن الكتاب ينفرد بأنه معجز، وخبر التواتر ليس كذلك. ولأن خبر ~~الواحد وإن لم يوجب العلم؛ فإنه لا يرفع ما هو مقطوع به؛ لأن المقطوع به هو ~~صيغة العموم، والخبر لا يرفعها؛ وإنما يخص ما تناوله [76/ب] من الحكم، وذلك ~~غير مقطوع [به] ، بل يثبت بالتخصيص PageV02P555 # أنه لم يكن مرادا بالعموم. وهذا معنى قول أحمد رضي الله عنه: "إنه دليل ~~على ما أراد الله تعالى من ذلك". # وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن لا يوجب العلم، ويزيل ما يوجب العلم، ~~ألا ترى أن خبر الواحد مقبول فيما يقتضي العقل خلافه، مثل تحريم الربا وشرب ~~الخمر، وما يجري لليقين، وخبر الواحد لا يوجب إلا غلبة الظن، وكذلك لو قال ~~النبي: إن هذه الدار ملك لفلان، ثم قامت بعد ذلك بينة على أن زيدا قد ملك ~~الدار على فلان؛ فإنا نزيل ملكه الثابت من جهة اليقين، بالبينة التي لا ~~توجب إلا غلبة الظن، كذلك ههنا. # وأيضا: فإن صيغة العموم معرضة للتخصيص ومحتملة له، وخبر الواحد غير ~~محتمل؛ فجاز أن يقضي بغير المحتمل على المحتمل، ms223 كالمجمل وتفسيره؛ فإنه يقضي ~~بتفسيره عليه، كذلك ههنا. # وأيضا: فإن خبر الواحد وإن لم يكن مقطوعا به، فإنه يثبت العمل به بأمر ~~مقطوع به، وكذلك شهادة الشاهدين لا يقطع الحاكم بها، ولكن ثبتت بأمر مقطوع ~~به، وما ثبت عن أمر مقطوع به جرى مجراه في العمل؛ ألا ترى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لو قال: إذا زالت الشمس فصليا ركعتين، وما أخبركم به فلان ~~عني؛ فهو شرعي، فإن المقطوع به من قوله كالذي يخبر به عنه، وإن لم يكن ~~مقطوعا به، كذلك ههنا. # PageV02P556 ### | ### | حجة المخالف # 1 # ... # واحتج المخالف: # بأن الكتاب مقطوع عليه، وخبر الواحد محتمل؛ فلا يخص المقطوع به بأمر ~~محتمل. # والجواب عنه: ما تقدم من أن هذا لم يمنع العمل، ومن أن خبر التواتر ليس ~~له رتبة الظاهر، ومع هذا جاز تخصيصه به، ومن أن هذا لا يمتنع -كما قلنا- في ~~الأشياء التي ينتجها العقل، تطرح بخبر الواحد، # PageV02P556 # وبقول الشاهد، ومن أن الصيغة مقطوع عليها، ولسنا نرفعها؛ وإنما نخص ما ~~تناولته من الحكم، وما تناولته1 من الحكم لا يقطع به أنه مراد؛ وإنما يخص ~~ما كان محتملا. # وجواب آخر، وهو: أن السنة -وإن لم يكن مقطوعا بها- فإن حكمها ثبت بأمر ~~مقطوع به. # واحتج: بأن الكتاب أقوى من السنة، بدليل أنهما لو تعارضا؛ أسقطنا الخبر ~~للكتاب2، وإذا كان أقوى منه لم يخص القوي بالضعيف. # والجواب: أنا لا نسقط الكتاب بالسنة، بل نستعمل كل واحد منهما، ولا يمتنع ~~أن يجمع بين القوي وما هو دونه، ألا ترى أن خبر التواتر دون الكتاب؛ لأنه ~~وإن كان كل واحد منهما مقطوعا به؛ فإن الكتاب ينفرد بأنه معجز، ومع هذا يخص ~~بخبر التواتر. # وعلى أن هذا يبطل بما ذكرنا. # وفيما ذكرنا دلالة على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم بين العموم المخصوص ~~والذي لم يخص؛ وذلك [77/أ] أن العموم الذي لم يخص، صيغته معرضة للتخصيص ~~ومحتملة له، وخبر الواحد غير محتمل؛ فجاز أن يقضي به عليه، كخبر التواتر، ~~وكالمجمل والمفسر. # ولأن خبر الواحد وإن لم ms224 يكن مقطوعا به؛ فإنه قد يثبت العمل به بأمر مقطوع ~~به، وما ثبت عن أمر مقطوع جرى مجراه في العمل، كخبر PageV02P557 # التواتر، وكما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا زالت الشمس؛ فصلوا ~~ركعتين، وما أخبركم به عني فلان؛ فهو شرعي؛ فإن المقطوع به من قوله كالذي ~~يخبر به عنه وإن لم يكن مقطوعا. # ولأن ما جاز أن يزاد في تخصيص اللفظ به؛ جاز أن يبتدأ تخصيصه، قياسا على ~~اللفظ الخاص. # ولأنه لما جاز أن يزاد في تخصيصه به لخصوصه ومنافاته لبعض ما شمله اللفظ ~~العام، وهذا المعنى موجود في ابتداء التخصيص. # PageV02P558 ### | حجة المخالف2 # ... # واحتج المخالف: # بأن العموم الذي لم يتفق على تخصيصه مقطوع فيما يتضمنه من المسميات؛ لأن ~~صاحب الشريعة لو قال بخصوصه؛ لذكره مع لفظه، ولو ذكره لنقل، ويفارق هذا ما ~~دخله التخصيص؛ لأنه غير مقطوع على ما تضمنه من المسميات؛ لأنه قد صار مجازا ~~فيما بقي، على قول جماعة من أهل العلم، وإذا كان مقطوعا به؛ لم يجز أن ~~يعترض عليه بما ليس بمقطوع به، كما لا يعترض عليه بالنسخ بخبر1 الواحد. # والجواب: أنا لا نسلم أنه مقطوع [به] فيما يتضمنه من المسميات؛ لأنه ~~محتمل للعموم وللخصوص، والخبر أخص منه؛ فهو مبين له. # وقولهم: لو كان مخصوصا لذكره مع لفظه غير صحيح؛ لأنه يجوز تأخير البيان ~~عندنا. # وأما نسخ الظاهر بخبر الواحد؛ فإنما لم يجز، لا لأجل أنه مقطوع عليه؛ ألا ~~ترى أنه لا يجوز نسخه بخبر التواتر على أصلنا. # وعلى أنه ليس إذا لم ينسخ به لم يخصص به، بدليل القياس مع خبر ~~PageV02P558 # الواحد يخصصه ولا ينسخه، وكذلك قول الصحابي. # وعلى أن هذا يلزم عليه ما ذكرناه على الطائفة الأولى من تلك الوجوه كلها. # وجواب آخر. وهو: التخصيص إزالة بعض الحكم، وجمع بين الدليلين، وليس كذلك ~~النسخ؛ فإنه إزالة حكم جميع اللفظ وإسقاطه بخبر الواحد، وهذا لا يجوز. # ولأن النسخ ابتداءه والزيادة فيه سواء، كذلك يجب أن تستوي الزيادة ~~والابتداء. # PageV02P559 ### | مسألة يجوز تخصيص العموم بالقياس ms225 ### | مدخل # ... # مسألة 1: يجوز تخصيص العموم بالقياس 2 # أومأ إليه الإمام أحمد رضي الله عنه في مواضع: # فقال في رواية بكر بن محمد3: إذا قذفها بعد الثلاث، وله منها ولد، يريد ~~نفيه، يلاعن، فقيل: أليس الله تعالى يقول: {والذين PageV02P559 # يرمون أزواجهم} 1، وهذه ليست بزوجة؟ فاحتج: بأن الرجل يطلق ثلاثا، وهو ~~مريض فترثه؛ لأنه فار من الميراث، وهذا فار من الولد2. # فقد عارض الظاهر بضرب من القياس3. # وكذلك قال -في رواية الأثرم في المرأة: تنفي بغير [77/ب] محرم؛ فقيل له: ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" 4، ~~فقال: هذا أمر قد لزمها، يسافر [بها] 5، فهم يقولون: لو وجب عليها حق، ~~والقاضي على أيام رفعت إلى القاضي، ولو أصابت حدا في البادية؛ جيء بها، حتى ~~يقام عليها. PageV02P560 # وكذلك نقل أبو داود في رجل قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثا؛ فهي ~~واحدة، فقيل1: إسحاق2 يقول: هي ثلاث، ويأخذ بالحديث: "الأعمال بالنيات" 3، ~~فقال: ليس هذا من ذلك، أرأيت إن نوى أن يطلق امرأته ولم يتلفظ، أيكون ~~طلاقا؟! PageV02P561 # وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز فيما وجدته في بعض تعاليق أبي إسحاق بن ~~شاقلا قال: ألزمني الشيخ -يعني أبا بكر- على أن الظاهر يخص بالقياس، أن ~~الله تعالى قد نص على الإماء في قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} 1، والعبيد مقيسون عليهن2. قال أبو إسحاق: نظرت وإذا هذا ليس بحجة. # ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك، ولم يفرق بين عموم الكتاب والسنة وبين ~~أخبار الآحاد أو التواتر، وربما ذهبوا إلى ظاهر كلام أحمد رحمه الله في ~~رواية الحسن بن ثواب3: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرده ~~PageV02P562 # إلا مثله1. وقع إلي جزء فيه مسائل في أصول الفقه، إملاء أبي الحسن ~~الجزري2، وذكره فيه هذه المسألة، وحكى فيها خلافا بين أصحابنا. # واختار أبو الحسن: أنه لا يجوز تخصيصه بالقياس، وذكر فيها كلاما كثيرا. # وذكر أبو إسحاق في جزء وقع إلي من شرح الخرقي فقال: أصحابنا على وجهين: ~~فمنهم ms226 من يرى تخصيص العلة، ومنهم من لا يرى ذلك. # وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان عموما دخله التخصيص باتفاق؛ جاز تخصيصه ~~بالقياس، وإن لم يكن دخله؛ فالحكم في القياس عندهم، كالحكم في الخبر ~~الواحد3. # واختلف أصحاب الشافعي: فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على PageV02P563 # الإطلاق1، ومنهم من منع ذلك على الإطلاق2. # فالدلالة على جوازه: ما تقدم من الكلام في المسألة التي قبلها، وهو: أن ~~القياس وإن لم يكن معلوما؛ فإنه يثبت العمل به بأمر مقطوع به، وما ثبت عن ~~أمر مقطوع جرى مجراه في العمل، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو ~~قال: "إذا زالت الشمس، فصلوا ركعتين، وما أخبركم به عني فلان فهو شرعي؟ فإن ~~"به" من قوله كالذي يخبر به عنه، وإن لم يكن مقطوعا، كذلك ههنا. # ولأن صيغة العموم معرضة للتخصيص محتملة له، والقياس غير محتمل؛ فجاز أن ~~يقضي بغير المحتمل على المحتمل، كالمجمل وتفسير المجمل؛ فإنا نقضي بتفسيره ~~عليه، كذلك ههنا. # ولأن القياس حجة في نفسه إذا انفرد؛ فإذا اجتمع معه غيره وأمكن ~~PageV02P564 # استعمالهما كان أولى، كالمطلق والمقيد. # [78/أ] وأيضا: فإن الاسم الخاص إذا نافى بعض ما شمله الاسم العام، وجب ~~تخصيصه به، كذلك إذا نافاه معناه؛ لأن العلة في الاسم أنه نافى بخصوصه بعض ~~ما شمله الاسم العام. # وبيان ذلك أن الله تعالى1 قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} 2، ولم يفرق بين الحر والرقيق، ثم قال عز من قائل: {ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات} إلى قوله: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} 3، مخصصا به قوله: {الزانية} ، وأخرجنا الإماء منه، ~~وقضينا بالاسم الخاص على الاسم العام، ثم وجدنا أن المعنى الموجب لنقصان ~~الحد في الإماء هو الرق؛ لأنها إذا اعتقت وجب الحد كاملا، ولم يزل بالعتق ~~غير الرق؛ فثبت أن نقصان الحد كان متعلقا به، وهذه العلة موجودة في العبد، ~~فنقصنا حده، وجعلناه خمسين، ms227 وخصصنا بهذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ~~{والزاني} ، وأخرجنا العبيد منه؛ لأن معنى الاسم الخاص نافى بعض ما شمله ~~الاسم العام، كمنافاة الاسم إياه. # فإن قيل: إنما كان كذلك في الاسم الخاص مع الاسم العام؛ لأنهما نطقان، ~~فتساويا في القوة، وانفرد الخاص بقوة الخصوص، وليس كذلك المعنى؛ فإنه ليس ~~بنطق. # قيل: المعنى مثل الاسم، في وجوب العمل به، والمصير إلى موجبه، وتخصيص ~~الاسم العام من العمل بموجبه، فاستويا فيه. PageV02P565 ### | حجة المخالف # ... # واحتج من يمنع ذلك: # بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل: "فإن لم تجد ~~في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو" 1، فدل على أن القياس مع عدم ~~السنة. PageV02P566 # والجواب: أن ما عارضه القياس من العموم؛ فليس من السنة كما أن ما عارضه ~~لفظ السنة من عموم القرآن؛ ليس من القرآن، ووجب القضاء بخاص السنة على عموم ~~القرآن ههنا. # واحتج: بأنه لا يجوز أن ينزع من الاسم معنى يخصه، كذلك لا يجوز أن يخص به ~~اسم غيره. # والجواب: أن الحكم إذا كان مطلقا؛ فإن المطلوب هو على الحكم المطلق؛ فلا ~~يجوز أن تكون مخصصة له مسقطة لإطلاقه؛ لأنها إذا كانت هكذا؛ لم تكن هي ~~المأمور بطلبها، وليس كذلك اسم آخر؛ فإن المطلوب مخالف له؛ فجاز أن يكون ~~مخصصا له، ولأن الاسم لا يجوز أن يخص نفسه؛ كذلك معناه. ويجوز أن يخص اسما ~~آخر، كذلك معناه يجوز أن يخص اسما آخر. # واحتج: [78/ب] بأن العموم أعلى رتبة في الحجة من القياس، ألا ترى أن ~~القياس قد يمنع في كثير من الأصول، والعموم لا يجوز وجوده عاريا عن إيجاب ~~حكم؛ فلم يجز ترك الأقوى بالأضعف. # والجواب: أن هذا يبطل بخبر الواحد، يجوز أن يخص به العموم وإن كان القرآن ~~أعلى رتبة. # على أن امتناع القياس في مواضع فيها نص يعارض القياس، وأما في مواضع فيه ~~عمومه يجوز تخصيصه؛ فلا. # PageV02P567 # واحتج: بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ تخصيص الزمان، والتخصيص يخص ~~الأعيان، ثم ثبت أنه لا يجوز ms228 نسخ العموم به، كذلك لا يجوز التخصيص. # والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد، لا ينسخ، ويخص، وكذلك الإجماع. على أنا ~~قد بينا الفرق بين النسخ وبين التخصيص في التي قبلها. # واحتج: بأن القياس فرع للكتاب؛ فلا يجوز أن يخص الفرع أصله ويسقطه. # والجواب: أنا لا نخص الأصل بفرعه؛ وإنما نخص غير أصله؛ لأن القياس متى ~~استنبط من أصله، يكون مماثلا له في حكمه؛ فلا يخصص به، وإنما يخص أصلا آخر ~~يضاده، وينافيه. # واحتج: بأنه إنما يصح القياس، إذا جرى على الأصول واطرد، وهذا العموم من ~~جملتها، وهو ينافيه؛ فيجب أن لا يصح القياس معه، كما لا يجوز مع وجود ~~الإجماع على ضده؛ لأنه لم يجر على الأصول، كذلك ههنا. # والجواب: أنا لا نسلم أن ما خصصه القياس كان مرادا بالعموم حتى يكون ~~معارضا له ومضادا له؛ بل يتبين بالقياس، أنه لم يكن مرادا ولا داخلا تحته. # واحتج: بأن العموم مقطوع عليه، والقياس مظنون. # والجواب: أن المقطوع عليه هو الصيغة، وذلك لا يرفعها بالقياس؛ وإنما يخص ~~بعض الحكم، وذلك غير مقطوع على أنه مراد، وعلى أنه إن لم يكن مقطوعا عليه؛ ~~فقد ثبت بدليل مقطوع عليه؛ فهو كالحكم بشهادة الشاهدين، غير مقطوع عليه، ~~لكن ثبت بدليل مقطوع عليه. # PageV02P568 # واعتمد أصحاب أبي حنيفة في الفرق بين العموم المخصوص1 وغير المخصوص، بما ~~حكيناه عنه في المسألة التي قبلها، وقد أجبنا عنه بما فيه كفاية. ~~PageV02P569 ### | مسألة 1: يجوز تخصيص عام السنة بخاص القرآن # أومأ إليه أحمد رحمه الله في نسخ السنة بالقرآن؛ فقال في رواية عبد الله، ~~وذكر قصة أبي جندل2 فقال: ذلك صالح على أن يرد من جاءهم مسلما؛ فرد النبي ~~صلى الله عليه وسلم الرجال، ومنع النساء، ونزل3 قوله تعالى: {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} 4 [79/أ] فظاهر هذا أنه أثبت نسخ القصة ~~بالقرآن. # وبهذا قال الجماعة من الفقهاء والمتكلمين. PageV02P569 # وخرج الشيخ أبو عبد الله1 في ذلك وجها آخر: أنه لا يجوز. # أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية حنبل وغيره؛ فقال: ms229 السنة مفسرة ~~للقرآن، ومبينة له. وظاهر هذا: أن البيان بها يقع2. # وقال أيضا في رواية محمد بن أشرس3: "إذا كان الحديث صحيحا معه ظاهر ~~القرآن، وحديثان مجردان في ضد ذلك؛ فالحديثان أحب إلي إذا صحا". # وظاهر هذا أيضا: أنه لم يجعل ظاهر الآية يخص أحد الحديثين ولا يقابله. # وبهذا قال أصحاب الشافعي4. PageV02P570 # والدلالة على جواز التخصيص: # قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} 1. # ولأن الكتاب أقوى من السنة؛ فإنه مقطوع على جميعه، والسنة إنما يقطع على ~~البعض منها. # ولأن فيه إعجازا، والسنة لا إعجاز فيها؛ فإذا جاز تخصيص القرآن بالضعيف؛ ~~فإنه يجوز تخصيص الضعيف بالقوي [من باب] أولى، ألا ترى أن من جوز نسخ ~~الكتاب بالسنة؛ كانت تجويزه لنسخ السنة بالكتاب أولى؟ # واحتج من منع من ذلك: # بقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} 2. PageV02P571 # والجواب: أن المراد بالبيان ههنا: الإظهار لا التخصيص؛ فإن الكلام يقتضي ~~أن يبين جميع المنزل، وجميع المنزل لا يحتاج إلى تخصيص؛ وإنما يحتاج إلى ~~الإظهار. # وعلى أن نحمل الكلام على أن المراد به: لتبين للناس ما يحتاج إلى بيان ~~وهو ما لم يبين بالكتاب؛ فأما ما بين بالكتاب فبيانه مأخوذ منه لا من ~~السنة1. # واحتج: بأنا لو خصصنا السنة بالآية؛ جعلنا السنة أصلا، والقرآن تابعا له ~~ومفسرا، وهذا فيه نقصان منزلته. # والجواب: أنه لا يوجب جعلها أصلا والقرآن تابعا، كما لم يجب ذلك في تخصيص ~~أخبار الآحاد بأخبار التواتر، وقد ثبت جواز ذلك. ولا يقول أحد: إن أخبار ~~الآحاد أصل، وأخبار التواتر تابعة لها ومفسرة لها. PageV02P572 ### | مسألة يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ### | مدخل # ... # مسألة 1: يجوز تخصيص العموم بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم # فإذا وقع من النبي فعل يخالف عموم قول تعلق بسائر المكلفين؛ كان ذلك ~~موجبا لتخصيصه، إن أمكن حمله عليه. # وكذلك الإقرار على فعل، مثل أن يفعل عنده فعل يخالف العموم؛ فأقر عليه؛ ~~فإنه يختص به. # وقد أشار أحمد رحمه الله إلى هذا في مواضع: # فقال في رواية صالح: ms230 قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} 2، ولما ورث النبي صلى الله عليه وسلم [79/ب] ابنتي سعد بن ~~الربيع3 الثلثين4؛ دل على أن الآية إنما قصدت الاثنتين فما فوق. ~~PageV02P573 # وقال أيضا في رواية صالح: قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} 1؛ فلما ~~قالت عائشة وميمونة2: كانت إحدانا إذا حاضت انفردت، ودخلت مع رسول صلى الله ~~عليه وسلم في شعاره3؛ دل على أنه أراد الجماع. PageV02P574 # وهو قول أصحاب الشافعي1 وأصحاب أبي حنيفة2 إلا الكرخي؛ فإن أبا عبد الله ~~الجرجاني حكى عن بعض أصحابه، أنه حكي عنه أنه يحمل فعله عليه السلام على ~~أنه مخصوص به، مثل نهيه عن استقبال القبلة PageV02P575 # واستدبارها1، وما روي من فعله بخلاف ذلك2، لا يجعله تخصيصا. PageV02P576 ### | دليلنا # أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في أحكام الشرع سواء؛ إلا ما دل ~~الدليل على تخصيصه به، ألا تراه إذا فعل شيئا ابتداء، لا على وجه البيان ~~والتخصيص؛ كنا نحن وهو فيه على السواء، حتى يخصه دليل، كذلك هذا الفعل ~~الوارد على وجه البيان والتخصيص، يجب أن يتساويا فيه أيضا. PageV02P577 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأنه يحتمل أن يكون مخصوصا بهذا الفعل، ويحتمل أن يكون هو وغيره فيه ~~سواء، ولا يجوز تخصيص العموم بالشك. # والجواب: أن هذا يدل عليه الفعل الوارد من جهته ابتداء. وعلى أنه ليس ~~ههنا شك، بل ههنا ظاهر يدل على مساواتنا له في أفعال. # PageV02P578 ### | يجوز تخصيص العام بالإجماع # ... # فصل: ويجوز التخصيص بالإجماع 1 # لأن الإجماع حجة مقطوع بها؛ فإذا جاز التخصيص بخبر الواحد والقياس؛ كان ~~بالإجماع أحق. # ويفارق هذا النسخ بالإجماع أنه لا يجوز؛ لأن الإجماع إنما ينعقد بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته انقطع النسخ؛ فلا يصح أن ينسخ به، ~~وليس كذلك التخصيص؛ لأنه يقترن باللفظ دليل يخرج منه ما ليس مرادا؛ فإذا ~~انعقد الإجماع على تخصيصه؛ علم أنه خطاب عام أريد به الخاص، والنسخ ~~بالإجماع على هذا يتصور؛ فإن المسلمين إذا أجمعوا على ترك خبر؛ تبينا ~~بالإجماع: أنه منسوخ، ms231 لا أن2 الإجماع ينسخه. PageV02P578 ### | يجوز تخصيص العام بدليل الخطاب # ... # فصل: ويجوز تخصيص العموم بدليل الخطاب 1 # سواء دل دليل هو مفهومه PageV02P578 # وفحواه، وهو: التنبيه، نحو قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} 1؛ فدل [على] ~~المنع من2 الضرب، فيقع به التخصيص. # أو كان في ضد النطق؛ كقوله: "في سائمة الغنم الزكاة"؛ دل على أنه: لا ~~زكاة في المعلوفة، فيخص به العموم3؛ لأن الدليل خارج مخرج النطق، ومعناه ~~معنى النطق في باب الاحتجاج به، [وقد] ثبت جواز التخصيص بالنطق، كذلك بما ~~هو جار مجراه4. PageV02P579 ### | يجوز تخصيص العام بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه ### | مدخل # ... # فصل: [80/أ] يجوز تخصيص العموم بقول الصحابي إذا لم يظهر خلافه # وكذلك تفسير الآية المحتملة1. # وهذا على الرواية التي تجعل قوله حجة، مقدما على القياس. # وقد نص على هذا في رواية صالح وأبي الحارث: في الآية إذا جاءت تحتمل أن ~~تكون عامة، وتحتمل أن تكون خاصة، نظرت ما عملت عليه السنة؛ فإن لم يكن؛ فعن ~~الصحابة، وإن كانوا على قولين، أخذ بأشبه القولين بكتاب الله تعالى. ~~PageV02P579 # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة1. # واختلف أصحاب الشافعي على القول القديم، الذي يجعلون قوله حجة؛ فمنهم من ~~خص به، ومنهم من لم يخص2. PageV02P580 ### | ودليلنا # أن قول الصحابي أقوى من القياس، بدليل أنه يترك له القياس؛ فيجب أن يخص ~~به الظاهر، كخبر الواحد. # ولأنه مقدم على القياس، والقياس يخص؛ فبأن يخص خبر الواحد أولى وأحرى. # PageV02P580 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الصحابي يترك مذهبه وقول نفسه للعموم، ألا ترى أن ابن عمر قال: "كنا ~~نخابر أربعين سنة، ولا نرى به بأسا، حتى أتانا رافع بن خديج، فأخبر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه؛ فتركناها"1 لقول رافع. # والجواب: أنه يترك قوله للنص؛ فأما العموم فلا؛ لأنه فيما ذهب ~~PageV02P580 # إليه عن دليل، وذلك الدليل لا يخلو إما أن يكون عموما أو خصوصا أو قياسا؛ ~~فإن كان خصوصا أو قياسا؛ فهما يقضيان على هذا العموم، وإن كان عموما؛ فقد ~~عارض هذا لعموم؛ فلا يجب ترك قوله. ms232 # على أن بكر بن محمد سأله: يلتحف الصماء من فوق القميص1؟ فقال: لا يعجبني، ~~يروى عن ابن عباس: أنه كرهه، وإن كان عليه PageV02P581 # قميص، وإن كان حديث النبي: أنه ثوب واحد1، ولكن ابن عباس كرهه، فقدم قول ~~ابن عباس. # واحتج: بأن الخبر حجته؛ فلا تخص حجته بفتياه، كسائر الفقهاء. # والجواب: أن سائر2 الفقهاء قول آحادهم ليس بحجة، وقول الصحابي حجة. # فإن قيل: فما تقولون في تخصيص العموم وتفسيره بقول التابعين؟ # قيل: لا يخص بقوله، ولا يفسر به؛ لأن قوله ليس بحجة. # وهو ظاهر كلام أحمد رحمه الله؛ فإنه رجع في تخصيص الآية إلى ما جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروذي: يوجد العلم بما كان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم يكن، فعن أصحابه؛ فإن لم يكن، فعن التابعين. ~~وإنما قال هذا؛ لأن غالب أقوالهم أنها لا تنفك عن أثر. # وقد صرح بهذا في رواية أبي داود: إذا جاء الشيء عن الرجل [80/ب] من ~~التابعين، لا يوجد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلزم الرجل الأخذ ~~به، ولكن لا يكاد يجيء عن التابعين [شيء] ؛ إلا يوجد فيه عن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقال أيضا: يتبع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، وهو في ~~التابعين مخير. PageV02P582 ### | التفسير ### | مدخل # ... # فصل 1: التفسير # وتفسير الراوي للفظ النبي صلى الله عليه وسلم يجب العمل به، إذا كان ~~مفتقرا إلى التفسير. # وذلك مثل قوله عليه السلام: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" 2. ~~PageV02P583 # فمن الناس من قال: بالتفرق بالقول1، ومنهم من قال: بالتفرق بالبدن2. # وأجمعوا على أن المراد أحدهما؛ فصرنا إلى ما دل تفسير الراوي عليه، فإن ~~عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلا، ثم رجع3. # وكذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك4. PageV02P584 # فمن الناس من قال: هو عام في الغيم والصحو. # ومنهم من قال: المراد به الشك في ms233 الصحو، وهو: إذا تطابق أهل البلد على ~~ترك الترائي للهلال فيه ليلة الثلاثين، فشكوا هل طلع أم لا1؟ فصرنا ~~PageV02P585 # إلى ما دل [عليه] تفسير الراوي، قال ابن عمر1: "كان إذا كان في السماء ~~غيم؛ أصبح صائما، وإن كانت مصحية؛ أصبح مفطرا"2. # وقد صار أحمد رحمه الله إلى تفسير ابن عمر رضي الله عنه في الموضعين ~~جميعا في رواية المروذي. # وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الذهب بالورق ربا إلا ~~هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، ~~والشعير بالشعير ... " 3 ففسره ابن عمر4 على أن المراد بقوله: PageV02P586 # ["هاء وهاء"] : القبض في المجلس. # فروى مالك بن أوس بن الحدثان1 أنه قال: التمست صرفا بمائة دينار، فدعاني2 ~~طلحة بن عبيد الله3، فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم ~~قال: حتى4 يأتي خادمي5 من الغابة وعمر بن الخطاب يسمع؛ فقال: والله لا ~~تفارقه حتى تأخذ منه6. # وروي أنه قال لطلحة: لا تفارقه حتى تعطيه ورقه7، أو ترد عليه PageV02P587 # ذهبه1. # وبهذا قال أصحاب الشافعي. # وذكر أبو سفيان عن الكرخي أنه كان يقول: يجب العمل بظاهر الآية والخبر، ~~ولا يرجع إلى تفسير الصحابي. # وإنما رجعنا إلى تفسيره في ذلك؛ لأن هذا اللفظ مما يفتقر إلى البيان، وهو ~~أعرف به من غيره، لمشاهدته التنزيل؛ فوجب الرجوع إلى تفسيره، كما وجب ~~الرجوع إلى تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية المحتملة. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في رواية أبي طالب: في العبد يتسرى، ~~فقيل له: فمن احتج [81/أ] بقوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} [ {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} ] 2، فأي ملك للعبد؟ فقال: القرآن أنزل على ~~[أصحاب] النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون فيما أنزل، وقالوا: يتسرى ~~العبد. # ويفارق هذا ما لا يفتقر إلى البيان؛ لأن اللفظ غير محتمل؛ فكان هو وغيره ~~في تفسيره سواء. PageV02P588 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الآية والخبر يجب العمل بظاهرهما؛ لكونهما1 حجة، وقول الصحابي ليس ms234 ~~بحجة؛ فلم يرجع إلى تفسيره. # والجواب: أن قوله حجة عندنا وعندهم إذا انفرد، وله2 حكم المنفرد عند ~~احتمال اللفظ. PageV02P589 ### | مخالفة الراوي للفظ النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤثر في إحدى الروايتين عن أحمد ### | مدخل # ... # فصل 1: فإن ترك الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل بخلافه # وجب العمل بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يؤثر فيه مخالفة الراوي له ~~في أصح الروايتين. # قال في رواية الأثرم في الحجام: نحن نعطي كما أعطى، يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم2، ولكن صاحبه لا يأكله، يطعمه الرقيق، ويعلفه الناضح3 ~~PageV02P589 # وقول ابن عباس: لو كان حراما؛ لم يعطه1. فهذا تأويل من ابن عباس. # وظاهر هذا: أنه أخذ بظاهر الخبر، ولم يلتفت إلى تأويله. وهو قول أصحاب ~~الشافعي. # وفيه رواية أخرى: لا يجب العمل به، نص عليه رحمه الله في رواية حرب2؛ ~~فقال: لا يصح الحديث عن عائشة؛ لأنها زوجت بنات أختها، والحديث عنها. # وقال أيضا رضي الله عنه في رواية المروذي: لا يصح الحديث؛ لأنها فعلت ~~بخلافه. PageV02P590 # وقال أيضا رحمه الله في رواية الحسن بن محمد بن الحارث1 وقد سئل عن حديث ~~الزهري2، فقال: الزهري يقول بخلاف هذا. # وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي: أنه قال: هذا على وجهين: # أحدهما: أن يكون الخبر محتملا للتأويل؛ فلا يلتفت إلى عمل الصحابي، كما ~~روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المتبايعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا"، التفرق: يحتمل أن يكون بالقول، ويحتمل أن يكون بالفعل، ثم حمله ~~ابن عمر على التفرق بالأبدان؛ فلا يعمل على تأويله. # والثاني: أن يكون الخبر غير محتمل للتأويل؛ فعمله بخلافه؛ يكون دليلا على ~~أنه قد علم بنسخ الخبر، إن عقل من ظاهر حاله أن مراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ كان غير ما دل عليه ظاهر الخبر من الندب دون الإيجاب. # وكان يحكى ذلك عن الكرخي: أن الأخذ بما رواه أولى مما عمل به من غير ~~تفصيل. PageV02P591 # وجه الرواية الأولى: # أن قول النبي صلى الله ms235 عليه وسلم حجة، وقول الصحابي وفعله على أحد ~~القولين: ليس بحجة، وعلى الرواية الأخرى: هو حجة؛ إلا أن خبر الواحد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقدم عليه، وإذا كان كذلك؛ وجب العمل بالخبر. # وأيضا: فإن [81/ب] أبا حنيفة: قال: ليس بيع الأمة المزوجة طلاقا. # واحتج هو وغيره من الفقهاء بما روى ابن عباس: أن عائشة اشترت بريرة، ~~فأعتقتها، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان بيعها طلاقا لما ~~خيرها. # وخالف ابن عباس هذا الخبر، وكان يقول: بيع الأمة طلاقا، وإن لم يكن ذلك ~~موجبا لترك الخبر. # PageV02P592 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الصحابي لا يخالف الخبر ولا يعانده؛ فإذا رأينا قوله بخلافه؛ ~~استدللنا على نسخ الخبر، وأنه إنما تركه وخالفه عن توقيف. # والجواب: أنه يحتمل أن يكون بسنة، أو تركه بضرب من الاجتهاد في تقديم ~~غيره عليه؛ فيجب أن ينظر فيه ولا يقلده. # واحتج: بأن الصحابي أعرف إذا؛ فإنه شاهد الوحي والتنزيل، وعرف البيان ~~والتأويل، وكانوا أعرف بما يقوله. # والجواب: أنه كذلك فيما يفتقر إلى البيان؛ فأما في مخالفة الخبر بقوله ~~فلا؛ لأنه يحتمل أن يكون تركه للاحتمال الذي ذكرنا. # وجواب آخر، وهو: أنه لو علم مراد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لوجب عليه ~~نقله، كما يجب عليه [نقل] نص النبي على المراد بخطابه؛ فلما لم يبطل ذلك؛ ~~علمنا أنه لم يعلم مراد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حاله في ذلك ~~كحال غيره ممن لم يشاهد الخطاب. # PageV02P592 ### | العادة لا تخصص العموم ### | مدخل # ... # فصل 1: [العادة لا تخصص العموم] # إذا ورد لفظ عام؛ لم يجز تخصيصه بعادة المكلفين، مثل أن يرد تحريم البيع ~~مطلقا، وعادتهم جارية بنوع منه2. PageV02P593 # وكقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} 1، وقد جرت عادتهم بأكل ~~نوع منه. # لأن الحكم يتعلق باللفظ؛ فوجب القضاء به على جميع ما يصح أن يعبر به عنه، ~~اعتبارا بالعموم. # ولأن الظاهر أن الكلام خرج لقطع العادة الجارية، ودفع الأمر الواقع؛ فلم ~~يجز تركه في هذا الوضع بعينه. # فإن قيل: ms236 أليس قد خصصتم الاسم بالعرف، مثل اسم الدابة ونحوها إذا أطلق؛ ~~هلا فعلتم مثل هذا في الحكم؟ # قيل: عرف الاستعمال هناك مقارن للفظ؛ فيصير ذلك هو اللغة الجارية، وهذا ~~معدوم ههنا، مع أن اسم الدابة عام في غير المتعارف مجازا. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية مهنا: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن يعلى ~~بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: أدركت أبناء المهاجرين والأنصار، ~~فكانوا2 يعمون، لا يجعلونها تحت3 الخيل: هو معروف، ولكن الناس على غير هذا، ~~أهل الشارع خاصة لا يعمون PageV02P594 # إلا نجب1 الخيل. وظاهر هذا أنه اطرح الحديث بعادة المكلفين. # قيل: إنما عارض عرفا بعرف، [82/أ] ولم يخصص خبرا بعرف. PageV02P595 ### | مسألة تخصيص الأخبار جائز ### | مدخل # ... # مسألة: 1 [تخصيص الأخبار جائز] : # التخصيص يدخل في نحو قوله: رأيت المشركين؛ كما يدخل في الأوامر. # وقد تكلم أحمد رضي الله عنه على آيات في القرآن وردت بلفظ الخبر، وبين ~~أنها مخصوصة؛ ذكره فيما خرجه في محبسه، فقال: قوله تعالى للريح التي أرسلها ~~على عاد: {تدمر كل شيء بأمر ربها} 2، وقد أتت تلك الريح على أشياء لم ~~تدمرها، منازلهم ومساكنهم والجبال3 التي بحضرتهم -وقال: {خالق كل شيء} 4 لا ~~يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه. وقال لملكة سبأ: {وأوتيت من كل شيء} 5 وقد ~~كان ملك سليمان شيئا لم تؤته. # خلافا لبعضهم في قولهم: لا يدخل التخصيص في الخبر، كما لا يدخله النسخ. ~~PageV02P595 ### | دليلنا # أن التخصيص إنما دخل في لفظ الأمر؛ لأنه يحتمل أن يراد به جميع # PageV02P595 # ما وضع له اللفظ، ويحتمل أن يراد به بعضه، وهذا المعنى موجود في الخبر، ~~كوجوده في الأمر؛ فإنه يصح أن يقول: رأيت المشركين، ويكون قد رأى بعضهم؛ ~~فساوى الأمر الخبر في هذا، ويفارق النسخ؛ لأنه يرفع جميع الحكم ويزيله؛ ~~فيؤدي إلى الكذب فيما أخبر به، والتخصيص لا يرفع جميع الحكم، بل يبقى بعضه؛ ~~فلا يؤدي إلى التكذيب والإبطال. # ويدل عليه وجود ذلك بدليل قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} ومعلوم أن ms237 ذاته ~~لم تدخل فيه، وكذلك: {الله على كل شيء قدير} 1، و {تدمر كل شيء} ، ولم تدمر ~~السموات والأرض، وما أشبه ذلك. PageV02P596 ### | مسألة إذ ورد الخطاب من صاحب الشرع بناء على سؤال سائل ### | مدخل # ... # مسألة: 1 [إذا ورد الخطاب من صاحب الشرع بناء على سؤال سائل] : # نظرت؛ فإن لم يكن مستقلا بنفسه، ومتى أفرد عن السؤال لا يكون مفهوم ~~المراد، مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لأبي بردة بن ~~نيار: "يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك" 2؛ فهذا خرج على قول أبي بردة: لا أجد ~~إلا جذعة من المعز؛ فهو مقصور على السؤال ومضموم إليه، ويكون تقديره: إذا ~~ذبحت جذعة من المعز يجزيك في الأضحية، ولا يجزي أحدا بعدك. # وإن كان مستقلا بنفسه نظرت: # فإن كان مطابقا للسؤال فهو على ضربين: PageV02P596 # ضرب هو سؤال عنه جملة، وجواب عنها. # وضرب هو سؤال عن حكم عين، وجواب عن حكمها. # فالسؤال عن الجملة مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفرض ~~في اليوم والليلة؛ فقال: "خمس صلوات، كتبهن الله على عباده" 1. # وما روي أنه سئل عن صلاة التطوع بالليل والنهار، فقال: "صلاة الليل ~~والنهار مثنى مثنى" 2. PageV02P597 ### | ........................................................................................................................................... # PageV02P598 ### | ................................................................................................................. # PageV02P599 # وما روى أبو سعيد الخدري1: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل ~~المحرم فقال [82/ب] : "الحية والعقرب والفويسقة 2 والغراب والحدأة والكلب ~~العقور والسبع العادي" 3. PageV02P600 # والسؤال عن حكم عين من الأعيان، مثل ما روي: "أن أعرابيا جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهو يضرب نحره، وينتف شعره ويقول: هكلت وأهلكت، فقال: ~~"ماذا فعلت؟ فقال: وقعت على امرأتي في رمضان، PageV02P601 # فقال: أعتق رقبة" 1 حين ذكر له السبب؛ فالظاهر أن الرقبة متعلقة بالوقوع ~~الذي ذكره، تعلق الحكم بالعلة؛ لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره، كما ~~إذا سمع رجلا يقول شيئا؛ فقال له: "استغفر الله"، يدل على أن القول الذي ~~اقتضى الاستغفار، والسبب يكون جميعه، عليه لا يجوز أن يزاد فيه بغير دليل؛ ~~لأن الظاهر الذي اقتضى الحكم هو ms238 الذي ذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأمره بالحكم لأجله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حكم بحكم بسبب ذكر ~~له، يجب أن يكون الحكم جميع موجبه؛ لأن تأخير PageV02P602 # البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ فلو كان للسبب حكم غيره؛ لم يترك بيانه، ~~ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه ~~مقطعه1، وهو متضمخ بالخلوق، فقال: أحرمت وعلي هذا، فقال: "انزع الجبة، ~~واغسل الصفرة" 2، ولم يأمره بالفدية؛ فدل على أن الفدية غير PageV02P603 # واجبه، وتكون العين المنصوص على حكمها1 أصلا، ويكون كل من وجد منه مثل ~~ذلك السبب في حاله2؛ وإنما كان المنصوص عليه أصلا؛ لأنه ثبات حكمه بلفظ ~~تناوله خصوصا، وكان غيره في حاله3؛ لأنه حكم فيه بعلة تعدت إليه منه، كما ~~أن الأرز وسائر المكيلات، فروع للأربعة المنصوص عليها للمعنى الذي ذكرته. # وأما إذا كان الجواب مخالفا للسؤال نظرت: # فإن كان أخص من السؤال، مثل: أن يسأل عن قتل النساء الكوافر؛ فيقول: ~~"اقتلوا المرتدات؛ فيجب قتل المرتدات باللفظ، وغير المرتدات من الحربيات لا ~~يجوز قتلهن من طريقين: أحدهما: من طريق دليل الخطاب، والثاني: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما عدل عن الاسم العام إلى الاسم الخاص؛ دل على أنه قصد ~~المخالفة بين المرتدات، وبين الحربيات. # وهكذا كما قال أصحابنا في خبر حذيفة بن اليمان4 عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: "جعلت لي الأرض مسجدا، وجعل ترابها طهورا" 5، PageV02P604 # فعلق على اسم الأرض كونها مسجدا، وعلى نوع منها كونه طهورا؛ فدل على أنه ~~قصد المخالفة بين المسجد والطهور. # خلافا لأبي حنيفة أن كل أرض مسجد وطهور. # وأما إن كان أعم من السؤال، مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ~~فقيل: إنا نركب أرماثا1 لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن ~~توضأنا به عطشنا، [83/أ] أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، ~~الحل ميتته" 2؛ فسئل عن حال الضرورة، وأجاب بأنه PageV02P605 ### | ................................................................................................................. # PageV02P606 # طهور، ولم يخص حال الضرورة ms239 دون حال الاختيار؛ فيجب عندنا أن يحمل الجواب ~~على عمومه، ويكون الاعتبار بعموم اللفظ، دون خصوص السبب. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الوضوء من ماء ~~البحر؛ فقال: لا بأس به، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ~~ماؤه، الحلال ميتته"؛ فقد احتج بالحديث على العموم، ولم يعتبر السبب الذي ~~ور عليه. # وهو قول أصحاب أبي حنيفة1، وأكثر أصحاب الشافعي2، وأصحاب الأشعري. ~~PageV02P607 # وقال أصحاب مالك1: يقتصر على السؤال، وحكى ذلك2 عن المزني3 وأبي بكر ~~الدقاق4. # إن الدلالة على الحكم هو لفظ صاحب الشريعة، دون سؤال السائل؛ فإذا كان ~~لفظه عاما؛ وجب حمله على عمومه، كما لو ورد ابتداء. # ولأن الاعتبار بلفظه، دون السؤال، بدليل: أن السؤال إذا كان عاما، ~~والجواب خاصا؛ وجب حمله على خصوصه اعتبارا به، كذلك ههنا. # ولأنا نعتبر صفة اللفظ في كونه أمرا ونهيا وإباحة؛ كذلك في كونه عموما ~~وخصوصا. # ولأن المرأة إذا قالت لزوجها: طلق ضرائري؛ فقال: كل امرأة لي PageV02P608 # طالق؛ طلقت السائلة مع ضرائرها؛ لأن لفظ الزوج عام؛ فوجب حمله على عمومه، ~~دون خصوص السؤال، كذلك ههنا. # ولأنه زائد على السؤال؛ فوجب أن يثبت حكمها وتكون شرعا، كما إذا كانت ~~الزيادة منفصلة، مثل قوله: "الحل ميتته". # ولأن العام إنما يخص بما يعارضه وينفيه، والسبب الوارد عليه اللفظ مماثل ~~له ومطابق له في حكمه؛ فلا يجوز تخصيصه. # ولأن الخطاب قد ورد في مكان وزمان، ثم لا يقتصر به على المكان والزمان؛ ~~كذلك لا يقتصر به على السبب. # ولأن خروجه على شخص بعينه، لا يوجب تخصيصه به، مثل آية اللعان، نزلت في ~~شأن هلال بن أمية1. وآية القذف نزلت في PageV02P609 # شأن الإفك1، وآية الظهار في شأن خولة2، كذلك خروجه على مسبب. PageV02P610 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن الجواب والسؤال بمنزلة الجملة الواحدة؛ فيصير كأنه قال: إذا ركبتم ~~البحر، وكان معكم القليل من الماء، وإن توضأتم خفتم العطش؛ فتوضئوا بماء ~~البحر؛ فإنه طهور، ولو كان هكذا؛ لكان مقصورا على حال ms240 الضرورة؛ لأن خوف ~~العطش، يصير شرطا في الوضوء بماء البحر، ويدل على أنهما بمنزلة الجملة ~~الواحدة: أن الجواب مقتضى السؤال. # والجواب: أنا لا نسلم أنه بمنزلة الجملة، ونقول: هما ضمنان؛ لأن السؤال ~~ليس بعلم على الحكم، والجواب [83/ب] علم على الحكم؛ فدل على أنهما جملتان ~~مختلفتان. # وقولهم: إن الجواب مقتضى السؤال؛ فهو وإن كان مقتضاه؛ فيجوز أن يكون ~~زائدا عليه، ويجيب عما يسأل وعما لم يسأل، ولهذا قال: "هو الطهور ماؤه، ~~الحل ميتته". # ويدل عليه قوله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي أتوكأ عليها ~~وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} 1. # واحتج: بأنه يجوز أن يكون الجواب مبهما محالا به على بيان السؤال. # والجواب: أنه يجوز أن يكون جواب النبي صلى الله عليه وسلم مبهما محالا ~~على بيان القرائن، وبيان القياس، ويكون لفظ القرآن محالا على بيان السنة، ~~وإذا كان كذلك؛ لم يدل هذا على أنهما جملة واحدة. # واحتج بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "أعتق رقبة"، مقصور ~~على PageV02P611 # السبب الذي خرج الكلام عليه، ولا يجوز أن يتعدى ذلك حال وقوع الفعل. # والجواب: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعتق رقبة"؛ لا يعم حال ~~الوقوع، وغير حال الوقوع، وليس كذلك: "هو الطهور ماؤه"؛ فإنه عام في جميع ~~الأحوال. وحمله على حال الضرورة، تخصيص له بأمر ما، يدل على ذلك: أنها لو ~~قالت: طلقني، فقال: أنت طالق، كان الظاهر أنه طلقها لسؤالها، وأن قولها هو ~~المقتضى لإيقاع الطلاق عليها. وإذا قالت له: طلق ضرائري، فقال: كل امرأة له ~~طالق؛ حمل قوله على عمومه فيها وفي ضرائرها؛ فدل على ما قلناه. # واحتج: بأن الخطاب لما ورد عقيب السبب، كان الظاهر أنه بيان لحكمه1؛ فإنه ~~لو كان بيانا لحكم غيره2 لذكره قبل حدوثه. # والجواب: أنه لو ذكره قبل ورود السبب؛ لجاز إخراج هذا السبب منه وتخصيصه، ~~وحين ذكره عند وجود السبب؛ أفاد أنه لا بد أن يكون السبب داخلا في حكم ~~الخطاب، وأنه لا يجوز تخصيصه؛ ms241 لكونه منصوصا عليه، وعلى أن هذا يوجب إذا ورد ~~في مكان مخصوص، وزمان مخصوص، وسائل مخصوص أن يقتصر على سؤال السائل، وعلى ~~الزمان والمكان. # وقد أشار أحمد رحمه الله إلى أنه إذا ورد على سبب؛ لم يجز خروج السبب من ~~الخطاب في رواية أبي داود3 وقيل له: إن فلانا قال: قراءة الفاتحة يعني خلف ~~الإمام -مخصوص من قوله: {وإذا قرئ القرآن PageV02P612 # فاستمعوا له وأنصتوا} 1، فقال: من يقول هذا؟! أجمع الناس أن هذه الآية في ~~الصلاة. فقد أنكر تخصيص الآية، وحملها على غير المصلي؛ لأنها واردة في ~~المصلي؛ [فلم] يخرج [بها] عن سببها. # واحتج بأن الجواب إذا كان بلا [أ] ونعم، كان مقصورا على السؤال؛ كذلك إذا ~~كان أعم منه. # والجواب: [84/أ] أن الجواب هناك غير مستقل بنفسه؛ ألا تراه لا يصح تفرده ~~عنه، وهذا بخلافه. # واحتج: بأن السبب كالعلة في الحكم، والعلة لا تدل على أكثر من معلولها. # والجواب: أنه إذا كان الخطاب أعم من السبب، كان السبب كالعلة في قدر ~~حكمه، وما زاد عرف حكمه باللفظ. # واحتج: بأن قصره على سببه وتخصيصه بتلك العين، قد يكون فيه مصلحة؛ فلا ~~يجوز أن يتعدى ذلك. # والجواب: أن قصره على الوقت والمكان، قد يكون فيه مصلحة، ومع هذا فلا يجب ~~ذلك. # واحتج: بأنه لما كانت الأيمان مقصورة على أسبابها، يجب أن تكون ألفاظ ~~صاحب الشريعة كذلك. # والجواب: أنا لا نقصرها على أسبابها، بل يعتبر في تفهم الحكم وزيادته على ~~اللفظ؛ فأما في تخصيص اللفظ بالسبب؛ فلا؛ ولهذا نقول: إذا حلف لا يلبس من ~~غزلها لمنة؛ فانتفع بثمنه، أو بشيء من مالها حنث. # وقد قال أحمد رحمه الله فيمن حلف لا يصيد في نهر؛ لأجل ظلم السلطان؛ فزال ~~الظلم: فإن اصطاد؛ حنث، كذلك ههنا. PageV02P613 ### | إذا كان أول الآية عاما وآخرها خاصا حمل كل واحد منهما على ما ورد ### | مدخل # ... # فصل 1: إذا كان أول الآية عاما وآخرها خاصا: # كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 2 هو عام في البائن ~~والرجعية، وقوله تعالى: {وبعولتهن ms242 أحق بردهن} 2 خاص في الرجعية، فيحمل كل ~~واحد منهما على ما ورد، ولا يخص أولها بآخرها. # وهذا بناء على الأصل الذي تقدم، وأنه لا يقصر اللفظ على سببه ولا على ~~السؤال؛ لأن التخصيص إنما يكون بما يخالفه ويعارضه، وهذا يوافقه؛ لأن قوله: ~~{وبعولتهن أحق بردهن} بعض ما اشتمل عليه قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن} . # ولأن اللفظ الأول يستقل بنفسه؛ ولأن اللفظ الثاني يحتمل أن يكون راجعا ~~إلى جميع ما تقدم، ويحتمل أن يكون راجعا إلى بعضه، ولا يجوز تخصيصه بالشك. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروذي في قوله تعالى: {ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} 3 قال: أول الآية يدل على أن علمه معهم. وقال في ~~سورة أخرى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} 4. # وقال رحمه الله في رواية أبي طالب: يأخذون بأول الآية ويدعون آخرها5. ~~PageV02P614 # وليس هذا من أحمد رضي الله عنه على أنه يجب تخصيص أولها بآخرها؛ وإنما ~~قال ذلك بدليل دل على ذلك، وعضده بما في سياق الآية. # ولو أن قائلا قال: ظاهر الكلام التسوية بين أول الآية وآخرها، كان له وجه ~~في الاعتبار؛ لأن المتكلم متى وضع كلامه على وجه؛ فظاهر أمره أنه يخرجه ~~[84/ب] على ما وضعه عليه، وأنه لم يعدل عنه إلى غيره، ويجري ذلك مجرى ~~الكناية، وسائر ما يعطف بعضه على بعض. # PageV02P615 ### | مسألة تعارض العام والخاص ### | مدخل # ... # مسألة 1: [تعارض العام والخاص] : # إذا تعارضت آيتان أو خبران، وأحدهما عام والآخر خاص، والخاص مناف للعام؛ ~~وجب تخصيص العام، سواء تقدم العام على الخاص أو تأخر، أو جهل التاريخ، مثل ~~قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا} 2 وقال النبي: "لا قطع إلا في ربع ~~دينار". وقوله: {لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} 3، وقوله: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} 4، ونحو هذا. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في مواضع: # فقال في رواية يعقوب بن بختان5 في الخبرين: يجيئان6 عن النبي PageV02P615 # صلى الله عليه وسلم متضادين لكل خبر وجهه. # وقال في رواية المروذي: ms243 لا تضرب الأخبار بعضها ببعض؛ لكل خبر وجهه، مثل: ~~من اشترى شاة مصراة؛ فليرد معها صاعا من تمر، وذكر قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "الخراج بالضمان"، وذكر مع السلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى ~~حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده". # وقال رضي الله عنه في رواية أبي طالب: حديث أم سلمة: "من أراد أن يضحي؛ ~~فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره"، وحديث عائشة1 عام، وحديث أم سلمة مخصوص؛ ~~فهو آكد؛ لأنه قد خص من العام: إذا أراد أن يضحي أمسك؛ وإذا بعث لم يمسك، ~~هذا على وجهه، وهذا على وجهه. # وقال في رواية عبد الله وقد سأله عن الثوب تصيبه الجنابة2 فقال: أذهب إلى ~~الحديثين، حديث سليمان بن يسار3 عن عائشة: "أن النبي PageV02P616 # صلى الله عليه وسلم كان يغسله"1، وحديث الأسود2 عن عائشة: "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فركه"3؛ أذهب إليهما، ولا أرى أحدهما4. PageV02P617 # ولهذا أمثال منه قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ~~ليس عندك" ثم أجاز السلم، والسلم: بيع ما ليس في ملكه؛ وإنما هو على صفة. # ومنه الشاة المصراة، إذا اشتراها الرجل فحلبها، إن شاء ردها وصاعا من ~~تمر، وقول النبي صلى الله عليه [وسلم] : "الخراج بالضمان"؛ فكان ينبغي أن ~~يكون اللبن للمشتري؛ لأنه ضامن بمنزلة العبد، إذا استعمله فأصاب به عيبا ~~رده، فكان عليه ضمانه، تستعمل1 الأخبار حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل ~~الخبر؛ فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به. # وقال في رواية خطاب بن بشر2 وقال له أبو عثمان الشافعي3 تذهب إلى الحديث: ~~"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" 4 فقال: PageV02P618 # قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان له إمام فقراءة الإمام له ~~قراءة" 1؛ فقد بين أنه ... PageV02P619 # يستعملها1، وأنه يقضي بالخاص منهما على العام، ولم يجعل أحدهما ناسخا ~~للآخر. # وقوله: إن الأخير أولى [85/أ] أن يؤخذ به؛ أراد إذا كان جميعا خاصين، وقد ~~تعارضا؛ فيكون الثاني ناسخا للأول؛ فأما ms244 إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا، ~~والخاص ينافي العام؛ فالحكم فيه على ما ذكرناه. # وهو قول أصحاب الشافعي. # وقال أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه الجرجاني: إن كان العام هو المتقدم؛ كان ~~الخاص المتأخر ناسخا لبعضه، وإن كان العام هو المتأخر كان ناسخا لجميع ~~الخاص. # وإن لم يعلم التاريخ؛ فقد ذكره عيسى2 على أربعة أقسام: # فقال: إن كان الناس قد عملوا بهما جميعا؛ وجب استعمالها ويرتب العام على ~~الخاص، مثل نهيه عن بيع ما ليس عنده، ورخص في السلم. # وإن كانوا اتفقوا على استعمال أحدهما؛ فالعمل على ما اتفقوا عليه ~~PageV02P620 # والآخر منسوخ، وذلك مثل قوله: "فيما سقت السماء العشر" 1، وقوله: "ليس في ~~الخضروات صدقة" 2، العام: قد تلقته الأمة PageV02P621 # بالقبول، وخبر الخضروات مختلف في حكمه؛ فلم يجز أن يقضي به على العام. # وإن كانوا اختلفوا في ذلك؛ فعمل بعض الناس بأحد الخبرين، PageV02P622 # وعامة الفقهاء تخالفه وتنكر على الواحد؛ فالعمل1 على ما عليه العام، ~~ويسقط الآخر. # وإن كان الخبران مما يتعلق الحكم بهما، ويسوغ الاجتهاد في الحكم الذي ~~تضمن كل واحد من الخبرين، ولم يظهر من الصحابة العمل بأحد الخبرين؛ ~~فالواجب: المصير إلى الاجتهاد في تقدم أحدهما على الآخر، أو استعمال كل ~~واحد فيما يقتضيه. # ومعنى هذا عندهم: أنهما يسقطان، ويرجع إلى دليل غيرهما. # وحكي عن أبي بكر ابن الباقلاني أنه قال: إذا جهل التاريخ؛ وجب التوقف ~~فيهما. PageV02P623 ### | دليلنا # أن الخاص يتناول ما تناوله بصريحه من غير احتمال، والعام يتناول بظاهره ~~وعمومه، ويحتمل أن يكون المراد به ما عدا ما تناوله الخاص؛ فإذا كان كذلك، ~~وجب القضاء بالخاص، كما يجب أن يقضي بالنص الذي لا يحتمل على اللفظ ~~المحتمل. # ولأنا نجمع بين الخاص والعام، والجمع بين الدليلين أولى من إسقاط أحدهما ~~بالآخر أو وقفهما وإيقاع التعارض بينهما؛ لأن كل واحد يقتضي العمل به ~~والمصير إلى موجبه، فما أدى إلى استعماله؛ كان أولى. # ولأنه يجوز تخصيص العموم بالقياس وبدليل العقل، وإن كان متقدما عليه؛ ~~فجاز تخصيصه بالخبر الخاص وإن كان متقدما عليه. # PageV02P623 ### | حجة المخالف ms245 # ... # واحتج المخالف: # بأنه إذا كان متقدما والخصوص متأخرا؛ فإنما كان ناسخا ببعضه؛ لأن بيان ~~العموم لا يجوز تأخيره عن حال وروده؛ فإذا ورد متأخرا عنه لم # PageV02P623 # يجز أن يقع موقع بيانه؛ فلم يبق إلا أن يكون ناسخا. # والجواب: أن تأخير البيان [85/ب] جائز عندنا، وسيأتي الكلام في ذلك إن ~~شاء الله تعالى. # واحتج بأنه إذا كان الخصوص متقدما؛ أن العام المتأخر ينسخ الخاص: أن ~~العموم يفيد الحكم في جميع ما يصح أن يعبر به عن المسميات بدلالة اتفاقهم ~~إذا كان الخصوص متقدما عليه؛ وإذا كان كذلك؛ صار كل واحد بمنزلة ما ورد ~~منفردا؛ فيصير مقدار ما وقعت المعارضة فيه متنافيا؛ فيقضي بالثاني على ~~الأول، مثل اللفظين إذا وردا بلفظ الخصوص. # والجواب: أن العموم وإن كان يفيد الحكم في جميع المسميات؛ فقد بينا أنه ~~يفيد ذلك من طريق الظاهر، ويحتمل أن يكون المراد ما عدا ما تناوله الخاص، ~~والخاص يتناول ما يتناوله بصريحه من غير احتمال؛ فوجب القضاء عليه. # واحتج: بأنه لو كان أراد استثناء الأقل من العموم الثاني؛ لذكره ونبه ~~عليه، لعلمه باعتقاد أهل اللغة الصيغة؛ فلما لم يبين كان الظاهر ورود ~~الثاني في معارضة الأول؛ فيكون ناسخا له. # والجواب: أنه لم يذكره مع اللفظ؛ لأنه يجوز تأخير بيانه؛ فإذا بينه ~~بالثاني؛ وجب حمله عليه. # واحتج بأن الحكم الذي يفيده العام من المسميات طريقه القطع؛ فجاز إثبات ~~النسخ لما تقدم به كالخاص المنفرد. # والجواب: أنا لا نسلم أنه يفيد جميع المسميات من طريق القطع؛ وإنما يفيد ~~ذلك من طريق الظاهر، ويجوز أن يكون المراد ما عداه. # واحتج بأن ما اتفق على استعماله قد صار مقطوعا عليه؛ فوجب أن يسقط ما ~~طريقه الاجتهاد كما يسقط خبر الواحد إذا عارضه نص التواتر. # PageV02P624 # والجواب عنه من وجوه: # أحدها: أنه لم يخالف في الخضروات، وفيما دون خمسة أوسق، وأهل العلم على ~~خلافه؛ حتى خالفه أصحابه، وإذا كان كذلك؛ وجب القول بالخاص؛ لأن عليه عامة ~~أهل العلم. # ثم لا نسلم أنه متفق على استعماله؛ لأن ms246 ما قابله الخاص غير مستعمل عندنا. # ولأنا أجمعنا على أن قوله: "ليس فيما دون خمس 1 أواق من الورق 2 صدقة" 3 ~~يقضي به على قوله: PageV02P625 # "في الرقة 1 ربع العشر 2"؛ فوجب أن يقضي بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق ~~3 من التمر صدقة" 4 على قوله: "فيما سقت السماء العشر"، على أن أبا حنيفة ~~ناقض فيه؛ لأنه يقضي بالنهي عن أكل الطافي على قوله عليه السلام: "أحلت لنا ~~ميتتان ودمان"، وهذا متفق على استعماله، والنهي عن أكل الطافي مختلف فيه. ~~PageV02P626 ### | مسألة إذا تعارض خبران كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه آخر ### | مدخل # ... # مسألة 1: إذا تعارض خبران [86/أ] كل واحد منهما عام من وجه خاص من وجه ~~آخر: # هما سواء، مثاله: قوله عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها ~~إذا ذكرها"، وقوله: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس"؛ الأول خاص في ~~الفائتة، عام في الأوقات، والثاني خاص في الوقت، عام في الصلوات. # وقد نص على هذا أحمد رحمه الله في رواية حنبل وصالح فقال: "نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح"، والنهي من النبي على ~~الجملة، وقال: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها"؛ فكان هذا ~~مخصوصا من جملة نهيه عن الصلاة بعد العصر، وإن كان على جملته ما صلى أحد ~~بعد العصر صلاة فائتة؛ فيستعمل كل واحد منهما على وجهه. # وهو قول أصحاب الشافعي. # وقال أصحاب أبي حنيفة: يقدم الخبر الذي فيه ذكر الوقت؛ ذكره الجرجاني عن ~~أصحابه؛ لأن الخلاف واقع في الوقت، وجواز فعل الصلاة، فقدم ما فيه ذكر ~~الوقت لتناوله المقصود. PageV02P627 ### | دليلنا # أن كل واحد منهما قد تناول ما وقع الاختلاف فيه؛ فإن الخلاف واقع في ~~الوقت، وجواز فعل الصلاة فيه واقع في جواز فعل الصلاة في الوقت؛ فكل واحد ~~منهما خاص فيما فيه اختلاف من وجه، وعام من وجه، وعام فيما فيه اختلاف من ~~وجه؛ فتساويا. # PageV02P627 ### | مسألة تفصيل القول فيما لو تعارض نصان ms247 أحدهما عام والآخر خاص ### | مدخل # ... # مسألة 1: إذا تعارض آيتان أو خبران أحدهما عام والآخر خاص: # والخاص موافق للعام، أو أحدهما مطلق والآخر مقيد؛ فهل يقضي بالعام على ~~الخاص، والمطلق على المقيد؟ # فهو على أربعة أوجه: PageV02P628 ### | الوجه الأول # ... # أحدهما: # أن يكون الحكم والسبب واحدا، مثل أن يقول: في كفارة القتل مؤمنة، ثم يذكر ~~القتل في موضع آخر؛ فيقول: تحرير رقبة؛ فإنه يبني المطلق على المقيد، ~~ويتعلق الحكم بالزائد، ويكون بمنزلة أن يرد خبران في حكم واحد وسبب واحد، ~~وأحدهما زائد، فالأخذ بالزائد أولى، كما روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دخل البيت، ولم يصل"1 ونقل الآخر: "أنه دخل البيت وصلى"2؛ فكان الأخذ ~~بالزائد أولى. PageV02P628 # فإن كان الحكم والسبب واحدا؛ إلا أن أحدهما خاص والآخر عام، ولم يكن ~~للخاص دليل؛ فإن الخاص داخل في العام، وهو بعض ما شمله العموم، ويكون ما ~~تناوله الخاص ثابتا بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابتا بالعام دون ~~الخاص. # مثاله: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أفطر في رمضان؛ ~~فعليه ما على المظاهر" 1، وقضى في الذي وقع على امرأته بعتق رقبة أو صيام ~~PageV02P629 # شهرين؛ فغلب وجوب الكفارة في حق ذلك الواطئ بالخبرين جميعا، وثبت وجوب ~~الكفارة فيما عدا ذلك الواطئ بالخبر [86/ب] العام. # وإن كان له دليل خطاب؛ فإنه يقضي بدليل خطابه على العام؛ فيخرج منه ما ~~تناوله دليله، وذلك مثل قوله عليه السلام: "في أربعين شاة شاة"، مع قوله: ~~"في سائمة الغنم زكاة" 1؛ لأن دليل الخطاب بمنزلة النطق في وجوب العمل به، ~~والنطق الخاص يقضي به على النطق العام، وكذلك ههنا في قوله عليه السلام: ~~"إذا كان الماء قلتين" 2، PageV02P630 # لم ينجسه شيء1"، مع قوله: "الماء طهور، لا ينجسه إلا ما غير PageV02P631 ### | .............................................................................................................. # PageV02P632 # طعمه أو ريحه" 1؛ فإنه يحمل على القلتين؛ فيقضي بدليل خطابه عليه، فيخرج ~~ما دون القلتين منه. PageV02P633 # فإن قيل: فقد ناقضتم في ذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع ~~ما لم يقبض"، وروي أنه قال: "من ms248 ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه"؛ فكان ~~يجب أن يقضي بدليل خطابه على اللفظ العام، ويخرج منه ما عدا الطعام. # قيل: تخصيص العام بدليل الخطاب واجب، إلا أن يمنع منه دليل أقوى من دليل ~~الخطاب؛ فيسقط ويبقى دليل الخطاب، ويجب حمل العام على عمومه، وهذا دليل ~~أقوى من دليل الخطاب، وهو التنبيه؛ فإن التنبيه آكد من الدليل؛ لأنه مجمع ~~عليه، ودليل الخطاب مختلف فيه، فوجب ترك الدليل للتنبيه، ووجه التنبيه: أن ~~الطعام إذا لم يجز بيعه قبل القبض مع حاجة الناس إليه؛ فلأن لا يجوز غيره ~~أولى. # موجود في حال تلف السلعة، والقياس يترك له دليل الخطاب؛ لأنه يجري مجرى ~~التخصيص؛ لأنه إسقاط بعض حكم اللفظ؛ فإن اللفظ يوجب إثباتا ونفيا؛ فإسقاط ~~أحدهما بالقياس بمنزلة التخصيص بالقياس. PageV02P634 # ولأن القياس يقدم على دليل الخطاب؛ لأن ترك دليل الخطاب يجري مجرى تخصيص ~~اللفظ العام، والقياس يدل على أن غير الطعام بمنزلته؛ لأنه إنما لم يجز بيع ~~الطعام؛ لأنه لم يتعين بالعقد، وهذه العلة موجودة في غير الطعام. # وفي معنى هذا قوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة؛ ~~فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار" 1؛ لم يقض2 بدليل خطابه على عموم ~~قوله: "إذا اختلف المتبايعان؛ فالقول قول البائع" 3 ولم يختص ذلك بقيام ~~السلعة؛ لأن التنبيه مقدم على دليل الخطاب؛ لأنه متفق عليه، ووجه التنبيه: ~~أنه إذا أمر بالتحالف، وهناك سلعة قائمة، يمكن أن يستدل بها على صدق ~~أحدهما؛ فإذا كانت تالفة، لا يمكن الاستدلال على صدق أحدهما أولى. # ولأن القياس يوجب ترك دليل الخطاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر ~~بالتحالف؛ لأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، وهذا المعنى PageV02P635 ### | الوجه الثاني # إذا كان الخبر مختلفا، مثل صيام وإطعام، صيام وصلاة؛ فإنه لا ينبني ~~المطلق على [87/أ] المقيد، سواء كان السبب واحدا، كالكفارة فيها صيام شهرين ~~متتابعين وإطعام مطلق، أو كان مختلفا، مثل الصيام يقيده بالبالغ، والزكاة ~~أطلقها؛ فإنه لا يبنى المطلق على المقيد. # ولهذا قال أحمد رضي الله عنه في رواية ms249 ابن منصور: إذا أخذ في الصوم، ~~فجامع بالليل؛ يستقبل، فإن أطعم بوطء شيء؛ ليس هذا من نحو هذا. # قال أبو بكر من أصحابنا: لأنه لم يشترط في الإطعام المسيس كما شرط في ~~الأولين؛ فما شرطه على شرطه، وما أطلقه على إطلاقه. والوجه في ذلك أنه إنما ~~يحمل المطلق على المقيد، إذا كان الحكم المختلف فيه مذكورا في الموضعين؛ ~~إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في الآخر، وهذا معدوم في الجنسين. # ولأن المقيد مع المطلق بمثابة الخاص مع العام والمفسر مع المجمل، وهناك ~~يجب أن يكون كل واحد من جنس الآخر، كذلك ههنا. # PageV02P636 # و ### | الوجه الثالث # إذا كان الخبر واحدا، والسبب مختلفا؛ لكن [قيد] في موضعين بقيدين ~~مختلفين، وأطلق في الثالث، كالصيام، قيد بالتتابع في الكفارة: فقال: {شهرين ~~متتابعين} 1، وقيل: بالتفريق في التمتع، PageV02P636 # فقال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} 1، وأطلق في كفارة ~~الأيمان، فقال تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} 2، وفي رمضان، فقال: ~~{فعدة من أيام أخر} 3؛ ولهذا المطلق مثلان مقيدان مختلفان؛ فإنما يحمل ~~المطلق على إطلاقه، ولا شيء على واحد منهما؛ لأنه ليس حمله على أحدهما ~~بأولى من حمله على الآخر. # وإنما أوجب أصحابنا التتابع في صيام كفارة اليمين، بدليل، لا أنه4 يحمله ~~على المقيد. # وقد بين أحمد رحمه الله هذا في رواية صالح فقال: "وإن لم يكن فصيام5 ~~ثلاثة أيام متتابعة" في قراءة ابن مسعود. # فبين أنه صار إلى التتابع في ذلك لهذا الدليل، وهي قراءة ابن مسعود6. ~~PageV02P637 ### | الوجه الرابع # إذا كان الجنس واحدا والسبب مختلفا، كالرقبة في كفارة القتل والظهار؛ ~~فالرقبة جنس واحد، قيدت بالإيمان في كفارة القتل، وأطلقت في كفارة الظهار، ~~وهما سببان مختلفان. # وكما قيد الأيدي إلى المرافق في موضع، وهو الغسل، وأطلقها في موضع، وهو ~~المسح في التيمم؛ فهذا على روايتين: # PageV02P637 # إحداهما يبنى المطلق على المقيد من طريق اللغة، وقد أومأ أحمد رحمه الله ~~في رواية أبي طالب فقال: أحب إلي أن يعتق في الظهار مثله. # واحتج من قال بذلك: # بقول1 ms250 الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} 2، وقال في موضع آخر: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} 3، ولم يذكر عدلا، ولا يجوز إلا عدل، كذلك ~~يكونون4 مسلمين، وظاهر هذا أنه بني5 المطلق على المقيد من طريق اللغة، كما ~~بني الإطلاق في العدالة على المقيد منها. # وبهذه الرواية [87/ب] قال أصحاب مالك6. # وفيه رواية أخرى: لا يبنى المطلق على المقيد، ويحمل المطلق على إطلاقه. # أومأ إليه أحمد رضي الله عنه في رواية أبي الحارث فقال: التيمم ضربة ~~للوجه والكفين، فقيل له: أليس التيمم بدلا من الوضوء، والوضوء إلى ~~المرفقين؟ فقال: إنما قال الله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} 7، ولم ~~يقل: إلى المرفقين، وقال في PageV02P638 # الوضوء: {إلى المرافق} 1، وقال: {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} 2 فمن ~~أين تقطع يد السارق؟ من الكف. # وظاهر هذا: أنه لم يبن3 المطلق في التيمم على المقيد في الوضوء، وحمله ~~على إطلاقه. # وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا، ذكره فيما وجدته بخطه معلقا فقال: ~~للمظاهر أن يطأ قبل الإطعام، وليس له ذلك في الصيام والعتق، وقال: # فإن قيل: المطلق يحمل على المقيد. # فقال: # إذا كان المذكور واحدا في حكم واحد، كالشاهدين؛ فأما مثل رقبة القتل، ~~ورقبة الظهار؛ فلأنهما حكمان، كذلك الإطعام والصيام؛ لأنهما جنسان، بلى لو ~~ذكر الإطعام في موضع فأبهمه وذكره في موضع آخر فقيده؛ حملنا المطلق على ~~المقيد. # وهو قول أصحاب أبي حنيفة. # واختلف أصحاب الشافعي: # فمنهم من قال: مثل قولنا، وأنه يبنى المطلق على المقيد من طريق اللغة. # ومنهم من حمل المطلق على المقيد بالقياس عليه؛ لا من جهة اللغة وهو قول ~~الأكثر منهم. وهو اختيار أبي بكر بن الباقلاني. # وهكذا الاختلاف في العام والخاص، نحو قوله: "فيما سقت السماء PageV02P639 # العشر" عام في القليل والكثير، وقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" خاص ~~في المقدار؛ فهل يحمل العام على الخاص، على ما حكينا من الاختلاف في حمل ~~المطلق على المقيد؟ # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية حنبل وصالح: "نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة بعد العصر ms251 وبعد الصبح"؛ فهو جملة1، وقال: "من نام عن صلاة ~~أو نسيها"؛ فكان هذا مخصوصا من جملة نهيه عن الصلاة بعد العصر. PageV02P640 ### | دليلنا # أن العرب تطلق الحكم في موضع، وتقيده في موضع، والمراد بالمطلق المقيد. # يدل عليه قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات} 1. وكذلك قوله تعالى: {والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} 2 وتقديره: والحافظات فروجهن3، والذاكرات ~~الله كثيرا. # وكذلك قوله تعالى: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} 4 وتقديره: عن اليمين ~~قعيد، وعن الشمال قعيد. PageV02P640 # وكذلك قول الشاعر: # [88/أ] # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف1 # يعني: بما عندنا راضون2. # وقال آخر: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير، أيهما يليني3؟ PageV02P641 # يعني: أريد الخير، وأتوقى الشر. # فإن قيل: إنما حملنا المطلق ههنا على المقيد؛ لأن أحد الكلامين غير مستقل ~~بنفسه ولا مفيد؛ لأن قوله تعالى: {والذاكرات} ابتداء لا خبر له وكذلك قوله: ~~"عين اليمين"، وكذلك قوله: {والأنفس والثمرات} ، وليس كذلك في مسألة ~~الخلاف؛ لأن المطلق مقيد1 مستقل بنفسه؛ لأن قوله تعالى: {والذين يظاهرون من ~~نسائهم} 2 يفيد إطلاقه: إخراج ما يتناوله اسم الرقبة. # قيل: لا فصل بينهما؛ وذلك أن قوله: {والذاكرات} مفيد أيضا؛ فإنه يحمل على ~~عمومه في ذكر الله وأنبيائه ورسله، وغير ذلك. # وكذلك قوله: {عن اليمين} يحمل على عمومه في كونه قعيدا3 أو غير قعيد؛ لأن ~~قعيدا صفة زائدة. # وكذلك قوله: {والأنفس والثمرات} يحمل على عمومه في الابتداء بالنفس ~~والنقصان منها. # فإن قيل: إنما وجب حمل4 المطلق هناك على المقيد بالعطف؛ فإن العطف يجعل ~~المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، كما إذا قال: "خرج PageV02P642 # زيد وعمرو"، يكون تقديره: "وخرج عمرو"؛ فأما ههنا؛ فلم يعطف أحدهما على ~~الآخر. # قيل: العطف إنما حمل على المعطوف لإطلاقه، لا لأجل حروف العطف. # يبين صحة هذا: أنه لو قيد العطف بحكم آخر، فقال: والحافظات ألسنتهن؛ لم ~~يجب حمله على المعطوف في حفظ الفرج؛ لأنه مقيد1 بغيره2. وكذلك لو قال: ~~والذاكرات رسل الله؛ لم يجب حمله على ما ms252 قبله من ذكر الله، لأجل تقيده3؛ ~~فلما حمل على ما قبله عند الإطلاق؛ علم أن الموجب لذلك: الإطلاق، لا حرف ~~العطف. # يبين صحة هذا: أنه قد يخالف العطف المعطوف4 عليه في الحكم، قال تعالى: ~~{هو الذي يصلي عليكم وملائكته} 5، معلوم أن صلاة الملائكة غير صلاته. # وقد قيل: إنه لا يجوز أن يكون حمل عليه لهذه العلة، ألا ترى أن العموم ~~يحمل على الخصوص إذا كانا في حكم واحد، نحوه قوله: "فيما سقت السماء العشر" ~~هو عام في القليل والكثير، وقوله: "إذا كان خمسة أوسق" خاص؛ فيحمل عليه، ~~وإن لم يكن عطفا عليه، كذلك ههنا يجب أن يكون الحمل عليه، لا من جهة العطف. ~~PageV02P643 # فإن قيل: لو كان هذا مقتضاه في اللغة؛ لوجب إذا انتفى هذا المعنى بلفظ ~~يفارق المطلق، أن يكون مخرجا له عن حقيقة كالعموم الذي يخرج عن موضوعه ~~بدليل. # قيل: [88/ب] العموم إذا دخله التخصيص؛ لا يصير مجازا عندنا. ويبين صحة ~~هذا: أن الصحابة جعلت القرآن بمنزلة الآية الواحدة، يدل عليه ما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنه أنه قال للخوارج1 -لما احتجوا عليه بآية من القرآن: "من ~~فاتحته إلى خاتمته"، ومعناه: يجب أن يلتزم جميع ما فيه. # وأيضا: فإن في بناء الخاص على العام جمعا بين الخبرين وأخذا بهما؛ فكان ~~أولى من اطراح أحدهما، وفيما ذكرنا دلالة على من قال: لا يحمل المطلق على ~~المقيد، وعلى من قال: يحمل عليه بالقياس. # واحتج من قال: لا يحمل عليه: PageV02P644 # بأنه المطلق المراد به معلوم بظاهره؛ فوجب أن يحمل عليه، ولا يعدل به عنه ~~إلا بدليل، والخاص ليس بدليل؛ لأن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ~~ويعارضه؛ فأما بما يوافقه فلا، والمقيد يوافق المطلق؛ فوجب أن لا يخص به. # والجواب: أن المقيد يخالف المطلق ويعارضه؛ لأن تقييده يدل على أن ما عداه ~~بخلافه، وإذا كان كذلك فقد خصصناه بما عارضه. # وجواب آخر، وهو: أن المطلق وإن كان معلوما؛ فإنه معلوم من حيث الظاهر، ~~والخاص معلوم من حيث القطع؛ فيجب ms253 أن يحمل عليه، كالخاص والعام إذا تعارضا ~~في حكم واحد؛ فإنه يقضى بالخاص عليه؛ لأنه مقطوع عليه، وإن كنا نعلم أن ~~العام معلوم ظاهره؛ فكان يجب أن يتعارضا فيسقطا، أعني: العام والخاص؛ لأن ~~كل واحد منهما معلوم بظاهره، ولما قضي بالخاص على العام، كذلك ههنا. # وقولهم: إن التخصيص إنما يقع بما يخالف الظاهر ويعارضه، وكذا نقول؛ إلا ~~أن دليل الخطاب الخاص يعارض الظاهر عندنا ويخالفه، وقد بينا ذلك فيما تقدم ~~من الكلام في دليل الخطاب. # واحتج: بأن شروط الإيمان في كفارة الظهار زيادة في النص، وذلك نسخ؛ ~~والنسخ لا يجوز بالقياس ولا بخبر الواحد، قالوا: والذي يدل على أنه نسخ: أن ~~النسخ هو حظر ما أباحته الآية، وإباحة ما حظرته؛ فلما كان شرط الإيمان في ~~رقبة الظهار يوجب حظر ما أباحته الآية من جوازها عن الكفارة؛ وجب أن تكون ~~هذه الزيادة نسخا. # والجواب: أن هذين ليس بزيادة؛ وإنما هو تخصيص ونقصان؛ لأن قوله تعالى: ~~{فتحرير رقبة} 1 شائع في الجنس، مؤمنة وكافرة، PageV02P645 # وسليمة ومعيبة. # وقوله: لا تجزي إلا مؤمنة نقصان؛ فهو كما لو قال: أعط درهما من شئت من ~~هؤلاء العشرة؛ فإذا قال: إلا زيدا فلا تعطه؛ هذا نقصان وتخصيص، كذلك ههنا. # وعلى أنها لو كانت زيادة في النص؛ [89/أ] لم تكن نسخا؛ وإنما هي زيادة ~~حكم؛ لأن النسخ هو الإسقاط. # واحتج: بأن الخصوص إنما يرد على الأعيان المنطوق بها، دون المعاني التي ~~لم ينطق بها، وقوله: {فتحرير رقبة} هو المنطوق بها؛ فأما صفاتها مؤمنة ~~وكافرة، وسليمة ومعيبة، فما تناولها. # والجواب: أن التخصيص ما دخل إلا على الأعيان؛ لأن قوله تعالى: {فتحرير ~~رقبة} شائعة في الجنس أي رقبة كانت؛ فإذا قلنا: إلا مؤمنة؛ كان تخصيص ~~الأعيان، فكأنه أخرج من هذا الشائع في جنسه عينا موصوفة، فالتخصيص دل على ~~الأعيان. ومثال هذا: لو قال: أعط درهما من شئت من هؤلاء العشرة إلا الفقيه ~~منهم؛ فإنه قد أخرج منهم واحدا موصوفا، كذلك ههنا، وإذا قال: أعتق رقبة إلا ~~كافرة؛ أخرج رقبة موصوفة. ms254 # واحتج: بأن قياس المنصوصات بعضها على بعض لا يجوز؛ لأنها قد استغنت ~~بدخولها تحت النص على القياس على غيرها، ولهذا لم يجز قياس التيمم على ~~الوضوء في إيجاب مسح الرأس والقدمين، ولا قياس السارق على المحارب في قطع ~~رجله، ولا قياس كفارة القتل على الظهار في إيجاب الإطعام؛ لأن كل واحد من ~~ذلك منصوص عليه، كذلك ههنا. # والجواب: أن هذا ليس بقياس المنصوص عليه على المنصوص؛ وإنما هو حمل ~~المسكوت عنه على المنصوص عليه. # PageV02P646 # وإنما لم يحمل التيمم على الوضوء في إيجاب [مسح] الرأس والقدمين؛ لأنهما ~~غير مذكروين في التيمم؛ وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا كان الحكم ~~المختلف فيه مذكورا في الموضعين إلا أنه مطلق في أحدهما مقيد في الآخر ~~كالرقبة هي مذكورة في الظهار والقتل؛ إلا أنها مقيدة في أحدهما، مطلقة في ~~الآخر، وكذلك الإطعام غير مذكور في كفارة القتل. وكذلك قطع الرجل غير مذكور ~~في قطع السارق؛ وإنما اعتبرنا وجود الحكم المختلف فيه في الموضعين؛ لأن ~~المطلق والمقيد كالفرع والمقيد كالأصل. # واحتج: بأنه ليس حمل المطلق على المقيد بأولى من حمل المقيد على المطلق. # والجواب: أن في بناء المقيد على المطلق إسقاط ما تناوله النص، وبناء ~~المطلق على المقيد تخصيص، والتخصيص جائز، والإسقاط غير جائز؛ فهو كما قلنا ~~في العموم والخصوص: يخص العموم، ولا يسقط الخصوص. # وهكذا الجواب عن أن الرقبة لو كانت مفسرة؛ لم يجز البناء، كذلك إذا كانت ~~مطلقة؛ لأنها إذا كانت مقيدة، كان في البناء إسقاط النص، وهذا معدوم في ~~بناء المطلق على المقيد. # فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا كان أول الآية عاما وآخرها خاصا، أو كان ~~[89/ب] أولها مطلقا وآخرها مفسرا؛ لم تقضوا بآخرها على أولها، نحو [89/ب] ~~قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 1 ثم قال: {وبعولتهن ~~أحق بردهن} 2، حملتم أولها PageV02P647 # على عمومه في البوائن والرجعيات، ولم تخصوه بآخرها في الرجعيات. # قيل: هذا ليس من قبيل1 المطلق والمقيد؛ لما بينا أن من شرطه أن يكون ~~الحكم المختلف فيه مذكورا في ms255 الموضعين، وهذا غير مذكور في آخر الآية، ولا ~~هو أيضا من قبيل الخاص والعام بآيتين؛ لأنه إذا قضينا بآخرها على أولها؛ ~~منعنا2 صيغة العموم في أولها، وإذا كان آيتين؛ لم يمنع العموم من أحدهما. # واحتج: بأن حمل العام على الخاص إهمال العام؛ لأنه يقتضي الاستغراق؛ فإذا ~~خصصناه أهملناه. # والجواب: أنه ليس بإهمال؛ وإنما هو جمع، ولا يمكن إلا على هذا الوجه. # واحتج من قال: يحمل عليه بالقياس. # بأن هذا تخصيص في الحقيقة؛ لأنه إذا قال: أعتق رقبة؛ فإن هذا لفظ شائع ~~عام في الرقاب كلها؛ فإذا قلنا: إن الرقبة الكافرة لا تجزي؛ خصصنا بعض ~~الرقاب، وأخرجناها عن كونها مجزئة؛ فيكون ذلك تخصيصا للعموم، والتخصيص جائز ~~بالقياس. # والجواب: أنه تخصيص كما ذكرت؛ ولكن ليس يجب أن يكون التخصيص بالقياس، بل ~~يجوز أن يكون التخصيص، وبلفظ خاص، كما كان تخصيص العموم بالخصوص إذا تعارضا ~~في حكم واحد. # واحتج: بأن قوله: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة} 3 PageV02P648 # لا يصلح لقوله: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة} 1؛ فلم يجز أن يكون أحدهما قاضيا على الآخر بلفظه: ولا مشاركا له من ~~جهة العطف؛ فوجب اعتبار المعنى. # والجواب: أن قوله: {والذاكرات} 2، لا يصلح، لقوله: {والذاكرين} ومع هذا ~~فقد قضى بأحدهما على الآخر. وكذلك قوله: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} 3. ~~وكذلك قوله: {والأنفس والثمرات} 4 لا يصلح، لقوله: {من الخوف والجوع} ، وقد ~~منعنا أن يكون الموجب لذلك حرف العطف، وبينا أن الموجب لذلك الإطلاق، بدليل ~~أنه لو قيد العطف؛ لم يجز حمله على المعطوف عليه. PageV02P649 ### | مسألة أقل الجمع المطلق ثلاثة ### | مدخل # ... # مسألة 1: أقل الجمع المطلق ثلاثة: # وعلى هذا الأصل قال أحمد رحمه الله في رواية حنبل في رجل وصى أن يكفر عنه ~~فقال: أقل ما يكفر ثلاثة أيمان. # قال الخرقي فيمن قالت له زوجته: "اخلعني على ما في يدي من الدراهم"؛ ~~ففعل، فلم يكن في يدها شيء: لزمها ثلاثة دراهم2. PageV02P649 # وقال رحمه الله في رواية صالح: قوله تعالى: {فإن كان له إخوة ms256 فلأمه ~~السدس} 1؛ فيلزمه أن لا [90/أ] يحجب بالأخوين؛ لأنه قال: {فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس} ، والإخوة ثلاثة. # وبهذا قال مالك2 وأصحاب أبي حنيفة3 وأكثر أصحاب الشافعي4. # وحكى عن أصحاب مالك5، وقوم من النحويين منهم علي بن عيسى6، PageV02P650 # وأبو بكر ابن الباقلاني1، وبعض الشافعية: أقله اثنان2. PageV02P651 ### | دليلنا # إجماع الصحابة، روي عن عبد الله بن عباس أنه قال لعثمان بن عفان رضي الله ~~عنهما: أن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس؛ إنما قال الله تعالى: {فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس} 1، وليس أخوان إخوة في لسان قومك؛ فقال عثمان: لا ~~أستطيع2 أمرا كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار3. # وهذا يدل على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس قاله، وأقره عثمان عليه؛ ~~وإنما صرفه عنه بالإجماع الذي ذكره. PageV02P651 # فإن قيل: فقد روي عن زيد بن ثابت: أقل الجمع اثنان1. # قيل: إن صح هذا؛ فيحتمل أن يكون معناه، أن الاثنين في حكم الجمع في حجب ~~الأم. # وأيضا: فإن أسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها؛ فلو كان اسم الجمع يقع ~~على الاثنين حقيقة؛ لم يحسن أن يقول القائل: ما رأيت رجالا؛ وإنما رأيت ~~رجلين؛ فلما صح نفي ذلك؛ دل على أن الرجلين إذا سميا رجالا كان مجازا، وكان ~~بمنزلة قوله: ما هذا أبي وإنا هو جدي، وما هذا بابني وإنما هو ابن ابني. # وأيضا: فإن أهل اللغة فرقوا بين التوحيد والتثنية والجمع، وجعلوا للإفراد ~~بابا وللتثنية بابا وللجمع بابا، ولا يخلو لهم كتاب من هذا الترتيب، وإذا ~~كان كذلك؛ وجب أن يختص الجمع بما زاد على الاثنين، كما اختصت التثنية بما ~~زاد على الواحد. # وأيضا: فإنهم إذا أرادوا بيان عدد الجمع ومقداره؛ بدءوا من الثلاثة، ~~فقالوا: "ثلاثة رجال"، و"أربعة رجال" ولم يقولوا: "اثنان رجال"، وقالوا: ~~"جماعة رجال"، ولم يقولون: "جماعة رجلين"؛ فدل هذا على ما ذكرنا. ~~PageV02P652 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بقوله تعالى لموسى وهارون: {فاذهبا بآياتنا إنا معكم # PageV02P652 # مستمعون} 1 ولم يقل: معكما؛ فدل على أن معنى اللفظين واحد. # والجواب: أن الله ms257 تعالى إنما أراد بذلك: موسى وهارون، ومن آمن معهما من ~~قومهما. # واحتج: بقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} 2؛ فعبر عن ~~الإخوة بالأخوين. # والجواب: أن المراد به: أيها المؤمنون أنتم إخوة، يعني كل واحد منكم أخ ~~لصاحبه، فأصلحوا بين كل أخ قاتل أخاه. # ويحتمل أن يكون المراد بالأخوين: الطائفتين [و] الجماعتين [90/ب] ~~والقبيلتين لأن اسم الأخوين يقع على ذلك. قال الشاعر: # فالحق بحلفك في قضاعة إنما ... قيس عليك وخندف أخوان3 # فسمى القبيلتين أخوين، فيصير تقدير الآية: أيها المؤمنون أنتم الإخوة، ~~فأصلحوا بين كل طائفتين من المؤمنين اقتتلوا. # وعلى أنه لا حجة في ذلك؛ لأنه عبر عن الإخوة بالأخوين. # واحتج بقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} 4؛ ~~فجعلهما طائفتين، ثم أضاف الفعل إليهما بلفظ الجمع. # والجواب: أن الطائفة اسم للجماعة، بدلالة قوله: {ولتأت PageV02P653 # طائفة أخرى لم يصلوا} 1، ولو كانت الطائفة واحدا، لم يقل: {لم يصلوا} ؛ ~~فصار المراد به: وإن جماعة من المؤمنين اقتتلوا. # واحتج بقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} 2؛ وإنما هما ~~قلبان. # والجواب: أن هذا ليس مما نحن فيه بشيء3؛ لأن كل شيء يكون بعضا لشيء؛ فإن ~~أهل اللسان يعبرون عنه في حال التثنية بلفظ الجمع؛ ليفصلوا به بين ذلك وبين ~~الشيء الذي ليس بعضا من المضاف إليه، يقولون للاثنين: هذه رءوسكما، وهذه ~~وجوهكما؛ ألا ترى أن الشيء إذا لم يكن بعضا من المضاف إليه؛ لم يصح ذلك ~~فيه؛ ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: هذه أثوابكما4، وهذه دوركما، ويريد به ~~ثوبيهما وداريهما، ولكن يقول: هذان ثوباكما وداراكما. # وقيل فيه: إنه لما كان أكثر ما في البدن من الجوارح اثنين اثنين، أقيم ~~القلب أيضا مقام عضوين؛ فصار في التقدير: كما لهما5 أربعة قلوب؛ فلهذا صح ~~أن يقول: {قد صغت قلوبكما} . # واحتج بقوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} 6؛ فأضاف الفعل إليهما ~~بلفظ الجمع. PageV02P654 # والجواب: أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، يقال: رجل خصم، ~~ورجال خصم، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون ذلك عبارة ms258 عن جمعين. # فإن قيل: كان جبريل وميكائيل. # قيل: يجوز أن يكون مع كل واحد منهما ملائكة، وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ~~{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} 1؛ لأنه يجوز أن يكون المراد به ~~الجماعة, وتكلم الواحد منهم، وهو القائل منهم: {هذا أخي له تسع وتسعون ~~نعجة} 2، يبين ذلك قوله: {خصمان بغى بعضنا على بعض} 3، ولو كانا اثنين ~~لقال: بغى أحدنا على الآخر. ولم يقل: بغى بعضنا على بعض؛ لأن ذلك إنما ~~يقال: في الجماعتين والقبيلتين. # واحتج بقوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله: {وكنا ~~لحكمهم شاهدين} 4، فأضاف الفعل إليهما في أول الآية بلفظ التثنية، وفي ~~آخرها [91/أ] بلفظ الجمع. # والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: حكم داود وسليمان وقومهما؛ لأنه ~~تعالى قال: {إذ نفشت فيه غنم القوم} . # ويحتمل أن يكون المراد به: الحكم المشروع لأمة داود، كما يقال: هذا حكم ~~المسلمين، يريد به: الحكم المشروع لهم. # وقيل: المراد به: حكم الأنبياء، والكناية عن جماعتهم. PageV02P655 # وقيل: إنه لا بد من محكوم له، فيكون داود وسليمان والمحكوم له، وهو صاحب ~~الكرم؛ لأن الحكم يضاف إلى الحاكم بفعله، وإلى المحكوم له باستحقاقه؛ ولذلك ~~يجوز له مطالبة الحاكم به، فلهذا قال: {وكنا لحكمهم شاهدين} . # فإن قيل: لم يجر ذكر المحكوم له؛ وإنما جرى ذكر الحاكمين. # قيل: ذكر الحاكمين يتضمن ذكر المحكوم له، فكني عن الجميع. # وقيل: إنه على سبيل التفخيم والتعظيم، كما قال: {وكنا لحكمهم شاهدين} ، ~~وهو واحد لا شريك له، وقال: {مبرءون مما يقولون} 1 وأراد به عائشة رضي الله ~~عنها2. وقال: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم} 3، يعني عائشة. # واحتج بقوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} 4 وكان الاثنان في حكم ~~الثلاثة. # والجواب: أن ظاهر الآية كان يقتضي أن لا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا ~~ثلاثة إخوة؛ إلا أنا عدلنا بالآية عن ظاهرها لقيام الدلالة. # واحتج بقوله تعالى في يوسف وأخيه: {عسى الله أن يأتيني بهم ms259 جميعا} 5. ~~PageV02P656 # والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد به: يوسف وأخوه الذي وجدت السقاية في ~~رحله، والأخ الذي يخالف وقال: {لن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله ~~لي وهو خير الحاكمين} 1. # ويحتمل أن يكون أطلق لفظ الجمع مجازا، كقوله تعالى: {قال رب ارجعون} 2، ~~وقوله: {الذين قال لهم الناس} 3 قيل: إنه كان واحدا. # واحتج بقوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" 4. PageV02P657 # الجواب: أنه قصد به بيان حكم الجمع في الصلاة، وأنه يحصل بالاثنين، وإن ~~لم يكن في اللغة جميعا، ولم يقصد به بيان الجمع؛ لمشاركة الصحابة له في ~~معرفة الأسماء اللغوية. # واحتج: بأن الجمع معناه: الضم؛ فإذا ضم واحد إلى واحد؛ وجد معنى الجمع. # والجواب: أن الاشتقاق لا يدل على حقيقة الاسم؛ لأن اسم الدابة مشتق من دب ~~يدب على الأرض، ولا يسمى الآدمي دابة، وسائر ما يدب على الأرض دابة حقيقة؛ ~~لوجود المعنى الذي اشتق منه. وكذلك سميت الخابية1؛ لما يخبأ فيها، ولا يسمى ~~الصندوق خابية، وإن كان يخبأ فيه. # وجواب آخر، وهو: أن الضم قد يوجد في الأعداد المختلفة، والأجسام ~~المتقاربة، ولم يكن ذلك [91/ب] موجبا لكون جميع ما ضم في حكم الشيء الواحد. # وهكذا الجواب عن قولهم: إن الواو حقيقتها الجمع. PageV02P658 # واحتج: بأن الاثنين قد يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: فعلنا كذا ~~وكذا. # والجواب: أنه باطل بالواحد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع، قال تعالى: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} 1، على أنه إنما يخبر بذلك الاثنان عن ~~أنفسهما؛ لأن الإضافة إليهما كافية في التمييز، يعلم2 بهذا أن هذا اسم ~~للاثنين؛ فأما حالة الإطلاق؛ فليس هناك ما يقع به التمييز لتعرفه بلفظ ~~التثنية والجمع. # ثم نعارض هذا بمثله، فنقول: قد فرقوا بين الاثنين والجماعة في المواجهة؛ ~~فقالوا: أنت وأنتما وأنتم، وكذلك: هو3 وهما وهم، فسقط ما قالوه. ~~PageV02P659 ### | مسائل الإستثناء ### | مدخل # ... # مسائل الاستثناء: 1 # الاستثناء: كلام ذو صيغ2 محصورة، تدل على أن المذكور فيه لم يرد بالقول ~~الأول3. PageV02P659 # ولا يدخل على هذا التخصيص وأدلته المنفصلة، ms260 أنها ليست باستثناء وإن كان ~~هذا المعنى موجودا فيها؛ لأن تلك الأشياء ليست تختص بالقول، ألا ترى أن ~~التخصيص يكون تارة بقول صاحب الشريعة، وتارة يكون بدليل العقول، وليس ذلك ~~بقول؟ # ولا يلزم عليه القول المتصل بلفظ العموم، نحو قولهم: "رأيت المؤمنين، وما ~~رأيت زيدا، ولم أر عمرا وخالدا"؛ لقولنا: "كلام ذو صيغ محصورة". وحروف ~~الاستثناء محصورة، وليس الواو منها. # PageV02P660 ### | مسألة الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام ### | مدخل # ... # مسألة 1: الاستثناء إنما يصح إذا اتصل بالكلام: # فأما إذا انقطع فإنه لا يعمل. # وقد ذكره الخرقي في كتاب الإقرار2 فقال: "ومن أقر بعشرة دراهم وسكت3 ~~سكوتا يمكنه4 الكلام فيه، ثم قال: زيوفا، أو صغارا، أو إلى شهر؛ كانت عشرة ~~وافية جيادا5 حالة". # وقد اختلفت الرواية عنه في الاستثناء في اليمين6. PageV02P660 # فقال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله، وسكت قليلا، ثم قال: إن شاء ~~الله؛ فله استنثاؤه؛ لأنه يكفر. # وكذلك نقل المروزي عنه رضي الله عنه: إذا كان بالقرب ولم يختلط كلامه ~~بغيره. # وظاهر هذا جواز الفصل بزمان يسير ما دام في المجلس. # وقد نقل أبو النصر1 وأبو طالب عن أحمد رحمه الله: ما يدل على أنه لا يصح ~~إذا فصل. # وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: "إذا لم يكن بين اليمين والاستثناء فصل2". # وهو الصحيح. # وبه قال جماعة الفقهاء والمتكلمين. # وحكي عن عبد الله بن عباس: جواز الاستثناء، وإن كان منطقعا. PageV02P661 ### | دليلنا # ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر [92/أ] عن يمينه" 1، ولو PageV02P661 # كان الاستثناء يرفعهما بعد مدة، كان الخلاص به أسهل من الحنث والكفارة؛ ~~فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم خلاصه منها بالحنث والكفارة؛ ثبت أنه لا ~~خلاص له بغير ذلك. # ولأن الاستثناء جار1 مجرى الشرط؛ لأنه إذا انفصل عما قبله لم يعد، ألا ~~ترى أنه إذا قال: اضرب زيدا أو أعطه درهما، ثم قال بعد يوم: إذا قام، أو ~~أكل؛ لم يعد ذلك، ولم ms261 يكن شرطا صحيحا. كذلك قوله: له عشرة، أو قال: والله ~~لا أكلت الخبز، ثم قال بعد شهر: يومي هذا، لم يقبل2 ذلك؛ فلم يكن صحيحا. # ويفارق هذا النسخ والتخصيص؛ لأن لفظ النسخ ولفظ التخصيص PageV02P662 # مقيد بانفراده؛ فلهذا جاز أن يتأخر. # ولأن تصحيحه يفضي إلى أن لا يستقر حكم الخطاب أبدا، ولا يعتقد وجوب ما ~~أمر به الرسول ويتعبد به؛ لجواز أن يعقبه باستثناء يرفعه، وهذا ظاهر ~~الفساد. # ويفارق هذا النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم حال وجوده، بعد أن سبق اعتقاد ~~الحكم وثبت قبل ورود النسخ، فلا يرفع الحكم حال وجوده؛ فلا يرفع حكم الخطاب ~~بكل حال. والاستثناء إذا ورد؛ تبينا أنه لم يثبت للخطاب حكم فيرفعه بكل ~~حال. # ويفارق هذا التخصيص؛ لأنه يجوز تأخيره عن وقت الخطاب1 ولا يجوز تأخيره عن ~~وقت الحاجة؛ فلا يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ على التأبيد، والاستثناء على قول ~~غيره يرد أبدا، فيرفع حكم الخطاب. PageV02P663 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والله لأغزون قريشا"، ثم ~~سكت ساعة ثم قال: "إن شاء الله" 1؛ فلولا صحة الاستثناء لم يذكره. ~~PageV02P663 # والجواب: أن قوله: "إن شاء الله"؛ لم يكن على وجه الاستثناء؛ وإنما كان ~~على معنى أن الأفعال المستقبلة تقع بمشيئة الله تعالى؛ ولهذا قال تعالى: ~~{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله} 1. # واحتج: بأنه معنى يرفع اليمين؛ فجاز أن يقع منفصلا كالكفارة. # والجواب: عن الكفارة ما ذكرناه في النسخ، وهو أن تأخر الكفارة لا يرفع ~~حكم اليمين بكل حال، والاستثناء يرفع حكمها، وإن قاسوا على النسخ وعلى ~~التخصيص؛ فالكلام عليه ما ذكرنا. # وفيما ذكرنا من الخبر والشرط دلالة على من أجاز ذلك في المجلس؛ لأن الشرط ~~والجزاء متى تفرقا بقدر المجلس لم يصح، كذلك الاستثناء. # فإن قيل: المجلس يجري مجرى حال العقد، بدليل قبض رأس مال السلم وثمن ~~الصرف. # قيل: اعتبار هذا بالشرط والجزء أشبه، لما ذكرنا. PageV02P664 ### | يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه # ... # فصل: يجوز أن ms262 يقدم الاستثناء [92/ب] على المستثنى منه # إذا كان متصلا به، نحو قوله: ما جاءني إلا أخاك من أحد، وما مررت إلا ~~إياك بأحد. # PageV02P664 # وقد قال حسان:1 # الناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر2 # فقدم قوله: # إلا السيوف وأطراف القنا ... # وجعله بمثابة قوله: ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا. # وقال الكميت:3 # فما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب4 # فنصبا جميعا بالاستثناء مما هو في موضع النصب والخفض، وقد قال أهل ~~العربية: إن الاستثناء إذا تقدم نصب أبدا المستثنى منه، تقول: ما جاءني إلا ~~إياك أحد، وما مررت إلا إياك أحد، واستشهدوا بهذين البيتين. PageV02P665 ### | يجوز الاستثناء من الاستثناء ### | مدخل # ... # فصل: يجوز الاستثناء من الاستثناء # قال تعالى: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته قدرنا إنها لمن ~~الغابرين} 1. PageV02P666 ### | مسألة لا يصح استثناء الأكثر ### | مدخل # ... # مسألة: لا يصح استثناء الأكثر # ذكره الخرقي في كتاب الإقرار1. # وحكى ذلك عن ابن درستويه النحوي2، ونصره ابن الباقلاني في كتاب التقريب ~~من أصول الفقه. # وذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى جواز ذلك. PageV02P666 ### | دليلنا # أن الاستثناء لغة، وأهل اللغة قد نفوا ذلك وأنكروه. # قال أبو إسحاق الزجاج في كتاب المعاني لما تكلم على قوله تعالى: {فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} 1: ولم يأت في كلام العرب إلا في القليل من ~~الكثير2. # وقال أبو الفتح ابن جني3 ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين، ما كان ~~متكلما بالعربية، وكان كلامه عيا ولكنة. # وقال القتبي4 في جوابات المسائل5، وذكر أيضا في كتاب PageV02P667 # الجامع في النحو1 فقال: يجوز أن يقول: صمت الشهر كله [إلا يوما، ولا يجوز ~~أن يقول: صمت الشهر كله] 2 إلا تسعة وعشرين يوما، ويقول: لقيت القوم جميعا ~~إلا واحدا أو اثنين، ولا يجوز أن يقول: لقيت القوم جميعا إلا أكثرهم، ~~وأنشد: # عداني أن أزورك أن بهمي ... عجاف3 كلها إلا قليلا4 # ولأنه لو جاز استنثاء الأكثر؛ جاز استثناء الكل، ألا ترى أن التخصيص لما ~~جاز في أكثر العموم؛ ms263 جاز في جميعه، وهو النسخ؛ فلما لم يجز في الكل؛ لم يجز ~~في الأكثر؛ لأن الأكثر قد أجري مجرى الكل. # ولأنه استثناء الأكثر؛ فلم يصح، كالراهن إذا استثنى الأكثر في الإقرار. # ولأنه استثنى الأكثر؛ فلم يصح، كما لو قال: أنت طالق، وطالق، PageV02P668 # وطالق؛ إلا طالق طلقتين؛ فإنه لا يصح. # فإن قيل: هناك لو استثنى [93/أ] الأقل، وهو طلقة؛ لم يصح، وكان المعنى ~~فيه أن هناك جملا1؛ فالاستثناء عدد، فرفع جملتين؛ فلم يصح. # قيل: عندنا لو استثنى طلقة صح؛ فلا نسلم هذه المعارضة، وقولهم: إن هناك ~~جملا2؛ فهو يرفع جملتها؛ فلا يصح؛ لأنها في حكم الجملة الواحدة، فالواو ~~تجعل الكلام بمنزلة جملة واحدة، بدليل أن الاسثتناء يرجع إلى الجميع، وكذلك ~~الشرط. PageV02P669 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} 1، ~~وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين} 2، فاستثنى ~~الغاوين من المخلصين، والمخلصين من الغاوين وأيهما كان الأكثر؛ فقد استثنى ~~الأكثر وأبقى الأقل؛ على أن الغاوين أكثر من غير ذلك. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما أن هذا استثناء من جميع الجنس؛ فيجوز أن يقال فيه: إنه يجوز إخراج ~~الأكثر من الأقل؛ فأما استثناء الأكثر من الأعداد المحصورة فلا، ويكون ~~الفرق بينهما: أن اللغة وردت بجواز ذلك في الجنس، وهو ما ذكروه من الآية، ~~ومنعت من ذلك في الأعداد، وهو ما حكيناه عنهم. PageV02P669 # ولأن حمل جميع الجنس على العموم؛ إنما هو بطريق الظاهر، لا من جهة القطع ~~على جميع الجنس، وليس كذلك في الأعداد؛ لأن جميعها منطوق به نصا وصريحا؛ ~~فلهذا فرقنا بينهما. # وجواب آخر عن الآية وهو: أنه يحمل هذا على الاستثناء المنقطع، وهو بمعنى: ~~لكن من اتبعك من الغاوين، كقوله تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} 1 ~~معناه: لكن رب العالمين، وكقوله: {إلا خطأ} 2 يعني: لكن خطأ. # واحتج بقوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد ~~عليه} 3؛ فقد استثنى النصف. # والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في ms264 استثناء النصف. # فالخرقي أجاز ذلك؛ لأنه قال: إذا استثنى منه الكثير، وهو أكثر من النصف4. ~~فعلى هذا يقول بظاهر الآية. # وأبو بكر منع استثناء النصف5؛ فعلى هذا: قوله تعالى: {نصفه} كلام مبتدأ، ~~وليس باستثناء. # واحتج بقول الشاعر: PageV02P670 # أدوا التي نقصت تسعين1 من مائة ... ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا2 # والجواب: أن هذا ليس باستنثناء؛ لأنه لم يأت بحرف الاستثناء؛ وإنما ذكر ~~نقصان الأكثر مما دخل تحت الاسم. # واحتج: بأنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ؛ فصح في الأكثر كما يصح في ~~الأقل، كالتخصيص. # والجواب: أن التخصيص أوسع، ألا ترى أنه يصح بدليل منفصل، والاستثناء لا ~~يصح إلا متصلا، والتخصيص لا يختص بعبارة، والاستثناء [93/ب] يختص بحروف ~~مختصة، والتخصيص يجوز بسائر الأدلة: الشرع والعقل، والاستثناء لا يقع إلا ~~باللفظ. # ولأن من جنس التخصيص ما يرفع الجملة، وهو النسخ؛ لأن التخصيص تخصيص ~~الأعيان، والنسخ تخصيص الزمان، وليس من جنس الاستثناء ما يرفع الجملة. # وقد ذكر هذا ابن عرفة النحوي3 في كتاب الاستثناء PageV02P671 # والشروط1، وأنه لم يخرج مخرج الاستثناء؛ وإنما خرج مخرج الاقتضاء لبقية ~~دية المقتول فيما أنشدوه من البيت، وأعلم أنه أعطى ثلاثين، ونفى سبعين، ~~وأنشد أمام هذا البيت: # إن الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما2 # ثم قال: أدوا التي نقصت. # واحتج: بأنه استثنى إبقاء بعض الجملة؛ فوجب أن يصح، كما إذا أبقى الأكثر. # والجواب: أن الاستثناء للأقل يطابق اللغة، والأكثر يخالف اللغة، وقد ~~بينا: أن الاستثناء لغة؛ فلهذا فرقنا بينهما. # وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن يصح إذا بقي الأكثر دون الأقل، كما قال ~~أصحاب أبي حنيفة: يصح ترك بعض الطواف واللعان إذا أتى بالأكثر، وكذلك قال ~~الجميع: يصح إدراك بعض الركعة مع الإمام إذا فاته الأكثر. PageV02P672 ### | مسألة لا يصح الاستثناء من غير الجنس ### | مدخل # ... # مسألة 1: لا يصح الاستثناء من غير الجنس # وقد ذكر أصحابنا هذا في الإقرار، فقال الخرقي: ومن أقر بشيء واستثنى من ~~غير جنسه؛ كان الاستثناء باطلا2. # وذهب أصحاب أبي حنيفة وأصحاب مالك ms265 إلى جواز ذلك. # وهو اختيار أصحاب الشافعي: فذهب بعضهم إلى جوازه، ومنهم من قال: لا يصح، ~~مثل قولنا. PageV02P673 ### | دليلنا # أن الاستثناء هو إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه ~~غير داخل فيه؛ فلا يصح الاستثناء منه. # والدليل على أن الاستثناء ما ذكرته: أنه مشتق من قولهم: ثنيت فلانا عن ~~رأيه، وثنيت عنان دابتي، إذا رده ومنعه؛ فدل على أن الاستثناء يرد بعض ما ~~يجب دخوله في اللفظ ويثنيه عنه، # وقد قيل: إنه يسمى استثناء لشبه الخبر بعد الخبر، وعلى هذا يجب أن يكون ~~المستثنى منه والاستثناء قد تناولاه جميعا؛ فإذا كان كذلك؛ وجب أن يصح ~~الاستثناء في بعض ما دخل في اللفظ. # وأيضا: فإنه إخراج بعض ما يجب دخوله في اللفظ؛ فوجب أن لا # PageV02P673 # يصح من غيره؛ كالتخصيص. # وأيضا: فإن الاستثناء [94/أ] لا ينفرد1 بنفسه؛ فلا يجوز الابتداء به؛ ~~وإنما يصح إذا كان متصلا بالمستثنى منه؛ فدل على أنه متعلق به، واستنثاؤه ~~لبعض ما شمله اللفظ وتناوله. # وأيضا: فإنه قبيح في الخطاب أن يقول: خرج القوم إلا الحمير، ورأيت الناس ~~إلا الحمير والكلاب. وليس قبحه إلا لما ذكرته. PageV02P674 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن هذا جائز في القرآن وفي أشعار العرب: # قال تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس} 1، وليس إبليس من ~~الملائكة، وقوله تعالى: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} 2 وقوله تعالى: {لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما} 3، وقوله: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} 4. وقال تعالى: ~~{فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا} 5. وقال تعالى: {ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن} 6، والظن ليس بعلم، وقوله: {لا عاصم اليوم من ~~PageV02P674 # أمر الله إلا من رحم} 1، ومعلوم أن من رحم معصوم، وليس بعاصم. # وقال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس2 # فاستثنى من الأنيس ما ليس من جنسه. # وقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب3 ms266 # فاستثنى الفلول من العيب. # وتقول العرب: ما نفع إلا ما ضر، وما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا ~~الحمار، وما جاءني زيد إلا عمرا، ونظائر ذلك. # والجواب عن قوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون PageV02P675 # إلا إبليس} 1؛ فهو أن إبليس من الملائكة. # قال أبو إسحاق2: سمعت الشيخ يعني أبا بكر3، وقد سئل عن إبليس أمن ~~الملائكة؟ فقال: أمر الله بالسجود الملائكة؛ فلولا أن إبليس منهم ما كان ~~مأمورا. # قال أبو إسحاق: فقلت له: أجمعنا على أن الملائكة لا تناكح، ولا يكون لها ~~ذرية، وقد كان لإبليس ذرية؛ دل على أنه من غيرها. # وأما غيره من الآيات: فإنما معناه: لكن، كما قال تعالى: {وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} 4، وأراد: لكن إن قتل خطأ، تقول العرب: "ما لي ابن ~~بنت" و"ما لي نخل إلا شجر"، والمراد به: لكن، ولا "تلق فلانا إلا ما لقيت"، ~~معناه: لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه. # وقال ابن قتيبة في كتاب "الجامع في النحو": ومما يكون فيه "إلا" بمعنى ~~"لكن" قوله تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} 5 أي: لكن من ~~رحم. وكذلك قوله: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم} 6 معناه: لكن قليلا. # وكذلك قوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها [94/ب] PageV02P676 # إيمانها إلا قوم يونس} 1 يعني: لكن. وهذا قول سيبويه2. # وأما قول الشاعر: # إلا اليعافير وإلا العيس # فإنه استثناء من الأنيس وهذا مما يستأنس به. # فأما الفلول في السيوف في البيت الآخر؛ فهو عيب؛ وإنما سببه هو الذي يمدح ~~به. # وما حكوه عن العرب؛ فقد حكينا خلافه. # واحتج: بأنه استثناء لا يرفع الجملة؛ فصح كما لو كان من جنسه، وكما لو ~~استثنى عينا من ورق. # والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الجنس بغيره، كما لم يجز اعتبار التخصيص ~~بغيره، ولأن الاستثناء من الجنس يوجد فيه معنى الاستثناء، وههنا لا يوجد ~~معناه؛ لأن معناه إخراج ما ms267 لولاه لدخل تحت اللفظ. # وأما استثناء العين من الورق: ففيه خلاف بين أصحابنا؛ فأبو بكر يمنع ~~منه3. والخرقي يجيزه4؛ لأنهما أجريا مجرى الجنس الواحد في أشياء، مثل كونها ~~قيم الأشياء والأروض وغير ذلك. PageV02P677 ### | مسألة الاستثناء إذا تعقب جملا عطف بعضها على بعض ### | مدخل # ... # مسألة 1: الاستثناء إذا تعقب جملا عطف بعضها على بعض # وصلح أن يعود إلى كل واحد منها لو انفرد؛ فإنه يعود إلى جميع ما تقدم ~~ذكره. # وذلك مثل قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا ~~الذين تابوا} 2؛ فإنه يرجع الاستثناء إلى نفي الفسق وقبول الشهادة، ونظائر ~~ذلك. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية ابن منصور وقيل له: قوله: "لا يؤم الرجل ~~في أهله، ولا يجلس على تكرمته؛ إلا بإذنه" 3، PageV02P678 # قال: "أرجو أن يكون الاستثناء على كله". # وبهذا قال أصحاب الشافعي1. # وقال أصحاب أبي حنيفة2 وجماعة من المعتزلة3: يعود إلى أقرب مذكور. # وقال أصحاب الأشعري: هو على الوقف على ما يبينه الدليل4. PageV02P679 ### | دليلنا # أن الشرط يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره؛ لأنه لو قال: نساؤه طوالق وعبيده ~~أحرار، وماله صدقة إن شاء زيد، وإن دخلت الدار لم يقع شيء من ذلك قبل ~~مشيئته، وكان الشرط راجعا إلى الجميع، كذلك الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا ~~يستقل بنفسه؛ وإنما هو متعلق بما قبله من الكلام، ويجب أن يكون متصلا به، ~~وإذا انفصل؛ سقط حكمه، والشرط بمثابته في ذلك، فكانا سواء. # فإن قيل: الشرط يؤثر في الجملة، والاستثناء يؤثر في بعضها. # قيل: هذا لا يوجب الفرق بينهما في الجملة الواحدة، ولأن الاستثناء بمشيئة ~~الله يرجع إلى الجميع عندهم؛ يجب أن يكون الاستثناء بغيره [95/أ] كذلك. # ولأن الجملة المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، لأنه لا فرق ~~بين أن يقول: "رأيت رجلا ورجلا"، وبين أن يقول: "رأيت رجلين"، وإذا كان ~~كذلك وجب أن يرجع إلى جميعها، ويكون بمنزلة جملة واحدة. # وهذا صحيح على مذهب أحمد رحمه الله؛ ms268 لأنه قال1: "إذا قال لامرأته التي لم ~~يدخل بها: أنت طالق وطالق وطالق؛ يقع عليها ثلاث، فتكون بمنزلة الجملة ~~الواحدة". # وعلى هذا الأصل إذا قال: أنت طالق وطالق وطالق إلا طلقة؛ تقع PageV02P680 # عليها طلقتان، ويصح الاستثناء؛ لأنه يكون استثناء واحدة من ثلاث ولا يكون ~~استثناؤه واحدة من واحدة. # فإن قيل: الجملة الواحدة ليس بينهما وبين الاستثناء حائل؛ لهذا رفعها، ~~وإذا فرقها فقد جعل بينهما وبينه حائل؛ فلهذا لم يرفعها، وإنما يرفع ما ~~يتعقبه. # قيل: وأول العطف يقتضي الاشتراك، ويجعل الثاني والأول كأنهما معا مذكوران ~~بلفظ واحد؛ فلا يصح أن يكون بينهما حائل في الحكم، وإن كان بينهما حائل في ~~الصورة. # ولأن الاستثناء إذا تعقب جملا، وصلح أن يعود إلى كل واحد منهما؛ فليس ~~عوده إلى بعضها بأولى من البعض؛ فوجب رده إلى الجميع، كالعموم لما لم يكن ~~حمله على بعض مسمياته أولى من بعض؛ حمل على الجميع. # PageV02P681 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن العموم قد ثبت في جملة من الجمل المتقدمة، وعود الاستثناء إلى الجميع ~~مشكوك فيه؛ فلا يجوز أن يزيل العموم بالشك. # والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأن العموم إنما ثبت بوقوع السكوت عن الكلام ~~من غير استثناء، وإذا اتصل به الاستثناء؛ لم يثبت العموم، وعلى هذا يلزم ~~عليه العموم؛ لأنه قد يخص بأمر مقطوع عليه، كالنص، وقد يخص بأمر غير مقطوع ~~عليه، كالقياس، وإن كان العموم قد ثبت في جميع المسميات. # واحتج: بأن الاستثناء لا يستقل بنفسه، ولا يفيد بانفراده؛ فوجب رده إلى ~~ما تقدم ذكره؛ فإذا رد إلى ما يليه، فقد استقل وأفاد؛ فلا تجب الزيادة ~~عليه. # PageV02P681 # والجواب: أنه يبطل بالشرط، ويلزم عليه لفظ العموم؛ فإنه إذا حمل على أقل ~~الجمع أفاد، ومع ذلك لا يقضي عليه، بل يحمل على جميع الجنس، وكذلك ~~الاستثناء إذا تعقب جملة تناولت أشياء؛ فإنه إذا علق ببعض تلك الأشياء ~~أفاد، ومع ذلك فإنه يرد إلى جميعها. # واحتج: بأن الاستثناء إذا تعقب الاستثناء بغير الواو رجع إلى ما يليه، ~~ولا يرجع إليهما، كذلك ms269 ههنا. وبيانه: أن يقول: "له علي عشرة إلا أربعة إلا ~~درهمين1"، إن الاستثناء الثاني يرجع إلى الاستثناء [95/ب] الأول، ولا يرجع ~~إليه وإلى العدد الذي قبله، فيلزمه ثمانية دراهم". # والجواب: أنه إنما رجع إلى ما يليه؛ لأنه لا يصح رجوعه إليهما2؛ فإن ~~أحدهما نفي والآخر إثبات؛ فإذا رجع إليهما تناقض. # واحتج: لو قال: "أنت طالق وطالق وطالق إلا طالق"؛ لم يصح الاستثناء، وهذا ~~يدل على أنه رجع إلى ما يليه؛ فلا يرجع إلى الجميع، إذ لو رجع إلى الجميع؛ ~~لصح الاستثناء؛ لأنه قد رفع الأقل، ولما لم يصح؛ دل على أنه رجع إلى ما ~~يليه، فقد رفع جميعه؛ فلهذا لم يصح. # والجواب: أنه يصح الاستثناء، هذا قياس المذهب؛ لأنه قد قال في غير ~~المدخول بها: "أنت طالق وطالق وطالق، يقع ثلاثا"، وجعل الواو للجمع؛ فحصلت ~~في حكم الجملة الواحدة؛ فعلى قياس هذا يصح الاستثناء؛ لأنها جملة واحدة. # وقد سلم أصحاب الشافعي هذا، وقالوا: لا يصح الاستثناء؛ لأنه يرفع الجملة؛ ~~وإنما يرجع إلى الجميع، إذا لم يرفع جميع الجملة من الجمل المتقدمة. ~~PageV02P682 # وهذا غير صحيح؛ لأن الواو للعطف يجعل الجمل1 كالجملة الواحدة لعطف بعضها ~~على بعض، وإذا جعلت كالجملة الواحدة؛ صح الاستثناء، وكان راجع إلى الجميع. # فأما من قال بالوقف؛ فقوله ظاهر الفساد؛ لأن السلف اختلفوا في هذه ~~المسألة على قولين: منهم من قال: إنه يعود إلى الكل، ومنهم من قال: إنه ~~يعود إلى الأقرب، ولم يقل أحد: إنه موقوف؛ فالقول بالوقف إحداث قول ثالث، ~~لا يجوز إثباته. # وأيضا: فإن الاستثناء يؤثر في الكلام كالشرط، ومعلوم أن الشرط يرجع إلى ~~ما يليه، ولا يتوقف فيه، كذلك الاستثناء. # واحتج المخالف: # بأن الاستثناء يصح أن يعود إلى البعض، ويصح أن يعود إلى الجميع؛ فوجب ~~التوقف فيه. # والجواب: أن عوده إلى الجميع هو الظاهر؛ وإنما يعود إلى الأقرب بقرينة ~~ودليل؛ فلا نسلم لهم تساوي الأمرين. PageV02P683 ### | مسألة: في المحكم والمتشابه # 1 # ظاهر كلام أحمد رحمه الله: أن "المحكم": ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى ~~بيان. ms270 # و"المتشابه": ما احتاج إلى بيان2. # لأنه قال في كتاب "السنة": بيان ما ضلت فيه الزنادقة في القرآن. ~~PageV02P684 # ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان1. # وقال في رواية ابن إبراهيم "المحكم": الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه: ~~الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. # ومعناه: ما ذكرنا؛ لأن قوله: "المحكم": الذي يكون في موضع كذا وفي موضع ~~كذا، معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا؛ لحصول ~~الاختلاف في تأويله، وذلك نحو قوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} 2؛ ~~لأن القرء من الأسماء المشتركة، تارة يعبر عن الحيض، وتارة عن الطهر. ونحو ~~قوله: {وآتوا حقه يوم حصاده} 3. # وهذا قول عامة الفقهاء. # وقد اختلف في ذلك: PageV02P685 # فقال قوم: "المحكم": هو الأمر والنهي، والحلال والحرام، والوعد والوعيد1. # و"المتشابه": ما كان من ذكر القصص والأمثال. # قالوا: لأن "المحكم" ما استفيد الحكم منه، و"المتشابه" ما لا يفيد حكما. # ومنهم من قال: "المحكم" ما وصلت حروفه، و"المتشابه": ما فصلت حروفه، ~~وتفصيلها: أن ينطق بكل حرف كالكلمة، كقوله: {الم} 2، {المص} 3، {الر} 4، و ~~{كهيعص} 5، ونحو ذلك. والموصولة: ما لاينطق بكل حرف وحده، كقوله: {ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه} 6، ونحو ذلك. # وذلك أن "المحكم": ما عرف معناه، و"المتشابه": ما لا يعقل معناه، وهو ~~أوائل السور، بالحروف المقطعة7. # ومنهم من قال: "المحكم": الناسخ، و"المتشابه": المنسوخ8. PageV02P686 # فإن المنسوخ ما لا يستفاد منه حكم؛ وإنما يستفاد من الناسخ. # وذكر أبو الحسين البصري1 عن أصحابه: أن "المحكم" يستعمل على وجهين: # أحدهما: أنها محكمة الصيغة والفصاحة. # والآخر: أنه لا يحتمل تأويلين مشتبهين، وأما "المتشابه": [ف] يستعمل أيضا ~~على وجهين: أحدهما: أنه متشابه ومتساو في الحكمة. # والآخر: يحتمل تأويلين مختلفين مشتبهين احتمالا شديدا2. # والدلالة على ما قلناه: # قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر PageV02P687 # متشابهات} 1، وأم الشيء: هو الأصل الذي لم يتقدمه غيره، فاقتضى ذلك، أن ~~"المحكم": ما كان أصلا بنفسه، مستغنيا عن غيره، لا يحتاج إلى بيان ولا من ~~لفظ قرينة ولا غيره. # و"المتشابه": ما خالف ذلك، وافتقر إلى بيان ودليل ms271 يعرف به المراد. # وإنما يكون هذا فيما ذكرناه من المحتمل، دون ما ذكروه من القصص والناسخ ~~والمنسوخ. # يبين صحة هذا: قوله تعالى في سياق الآية: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله} 2 فثبت أن المتشابه هو الذي يحتاج إلى تأويل وبيان. # يبين صحة هذا: أن المتشابه والقصص يعقل معناها، وكذلك المنسوخ، فكيف يقال ~~متشابه؟! # ثم قال تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا ~~به} اختلفوا في هذه "الواو"، هل هي واو عطف أو ابتداء كلام؟ # فمنهم من قال: الواو للابتداء، وليست للعطف؛ فهذا [96/ب] PageV02P688 # القائل يقول: الله تعالى يعلم تأويل المتشابه وحده، وقوله: {والراسخون في ~~العلم} معناه: يقولون آمنا به؛ فأما أن يعلموا ذلك فلا1. # ومنهم من قال: الواو واو العطف، ويكون معناه: الله يعلم تأويله، وأهل ~~العلم يعلمون ذلك أيضا2. # والوجه الأول أشبه بأصولنا. وقد بينا ذلك في أول كتاب "إبطال التأويل ~~لأخبار الصفات"3. # والوجه فيه" ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري4 في كتاب "الرد على أهل ~~الإلحاد" ما ذهب إليه جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم ~~أبي5 وابن مسعود وابن عباس. PageV02P689 # ففي قراءة عبد الله1: "إن تأويله إلا عند الله والراسخون يقولون2". # وفي قراءة أبي: "ويقول الراسخون في العلم"3. وعن ابن عباس أنه كان يقرأ: ~~"ويقول الراسخون في العلم"4. وكان الفراء5 وأبو عبيدة6 يقولان: الراسخون ~~مستأنفون، والله هو المنفرد؛ لأن الله تعالى PageV02P690 # قال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به} . ومعناه: صدقنا به؛ لأن ~~الإيمان هو التصديق، ولم يقل: "والراسخون في العلم يقولون علمنا به"، وإذا ~~كان كذلك لم يقتض1 العطف المشاركة في العلم، وجرى هذا مجرى قول القائل: ما ~~يعلم ما في هذا البيت إلا زيد، وعمرو يقول: آمنا به، ومعناه: أنه مصدق له، ~~ولا يقتضي مشاركته في العلم بما في البيت، كذلك ههنا. # ووجه من قال: إنها عاطفة احتج: # بقوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} 2، وعلى قولكم، ليس ms272 فيه بيان المشكل. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين، والحرام 3 بين، وبين ذلك ~~أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس" 4؛ فدل على أن القليل PageV02P691 # من الناس يعلمها، وهم العلماء. # ولأنه لو لم يكن ذلك مع العلم؛ لم يكن للراسخين على العامة فضيلة؛ لأن ~~الجميع يقولون: آمنا به. # ولأنه لو لم يكن معلوما؛ أفضى ذلك إلى أن يتعبد بالشيء المجهول, لا يعلم ~~ما هو. # ومن نصر الأول أجاب عن قوله: {تبيانا لكل شيء} 1؛ فلا يقتضي جميع ~~الأشياء، كما قال تعالى: {وأوتيت من كل شيء} 2 ولم تؤت مثل ذكر الذكر ومثل ~~لحيته. وقوله تعالى: {تدمر كل شيء} 3، ولم تدمر السموات والأرض. # وأما قوله: "لا يعلمها4 كثير من الناس"؛ فهو محمول على الأحكام الشرعية؛ ~~لأن الحلال والحرام يرجع إلى ذلك. PageV02P692 # وأما قوله: لو لم يعلموه؛ لم يكن للراسخين فضيلة؛ لأن لهم مزية بمعرفة ~~غيره من الأحكام. # وأما قوله: إنه يفضي إلى أن يتعبد بالشيء المجهول؛ فغير ممتنع مثل هذا، ~~كما تعبدنا بالإيمان بملائكته وكتبه ورسله، وإن لم نعرف ملائكته ورسله وما ~~في كتبه؛ كذلك ههنا. # PageV02P693 ### | فصل جواز ورود القرآن بآيات متشابهة ### | مدخل # ... # فصل 1: يجوز أن يرد القرآن بآيات متشابهة # يدل ظاهرها على التشبيه، وقد ذكر أحمد رحمه الله آيات من المتشابه، وتكلم ~~عليها [97/أ] وبين وجوهها في رواية عبد الله عن أبيه. # فإن قيل: يجب أن لا يجوز هذا؛ لأن في جوازه ما يدل على أنه يشبه الأشياء. # قيل: لا يدل على ذلك؛ لأنه قد نصب لنا أدلة تدلنا على أنه منزه عن ~~التشبيه، وأنه أراد بكلامه التأويل. # فإن قيل: فلو كان الغرض ما ذكرتم، لاقتصر على الدليل المحكم دون ~~المتشابه. # قيل: لا يجب ذلك، كما لم يجب أن يقتصر على رفع الشبه، التي ضل بها ~~الضالون، كإيلام الأطفال وغيره. PageV02P693 # فإن قيل: لا يجب هذا؛ لأن الوصول إلى الحق ممكن مع هذه الشبه؛ وإنما يؤتى ~~المكلف من قبل نفسه، ولا يمتنع أن يكون في إيلام الأطفال مصالح لا نعلمها. ms273 # ولأن وصولنا إلى الحق مع اعتراض الشبه وإمعان الفكر والنظر تخريجا1 ~~للأفهام، وزيادة في الثواب. # قيل: مثله في الآيات المتشابهة. # فإن قيل: فما الفائدة في إنزال بعض القرآن متشابها؟ # قيل: يجوز أن يكون في ذلك فائدة يعلمها الله ولا نعلمها؛ على أنا نذكر في ~~ذلك فوائد، منها: # أنه لو كان كل القرآن محكما دالا ظاهره على التوحيد؛ لاحتج أكثر الناس به ~~في التوحيد، وأعرضوا [عن] الاستدلال بأدلة العقول، لما في طباع أكثره من ~~استثقال الفكر والفحص؛ فكانوا يتوصلون إلى الشيء من غير طريقه؛ لأن صحة ~~القرآن إنما تعرف بعد المعرفة بالتوحيد، وإذا كان بعض القرآن ظاهره يفيد ~~التوحيد، وينفي2 التشبيه، وبعضه يوهم التشبيه؛ لم يكن المكلف بأن يصير إلى ~~أحدهما أولى من أن يصير إلى الآخر فاضطر عند ذلك إلى إعمال عقله، ولو كان ~~كله محكما لم يكن إلى ذلك مضطرا. # ومنها: أن في ذلك زيادة للأذهان، وتخريجا للعقول مع زيادة الدرجات. # ومنها: أن العرب كانت تمنع من استماع القرآن، من أن يستميل PageV02P694 # السامع إلى الإسلام؛ فكان إنزاله محكما ومتشابها يوهم مستمعهم أنه ~~متناقض، ويطعمه في الظفر بمثله من المتناقض عنده، فيدعوه إلى إعمال الإصغاء ~~إليه؛ فإذا تأمله، وطال استماعه، علم أنه لا تناقض فيه، واستماله ودعاه إلى ~~الإسلام بما فيه من الفصاحة وغيرها. # PageV02P695 ### | مسألة في القرآن مجاز ### | مدخل # ... # مسألة: [في القرآن مجاز] : 1 # نص عليه أحمد رحمه الله فيما خرجه في متشابه القرآن في قوله تعالى: {إنا ~~معكم مستمعون} 2 هذا في مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا ~~سنفعل بك خيرا3. # وهو قول الجماعة. # خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا، وطائفة من أهل الظاهر. PageV02P695 ### | دليلنا # أن الله تعالى تكلم بالقرآن على لغة العرب، ووجدناهم تكلموا [97/ب] ~~بالمجاز والحقيقة؛ فوجب أن يجوز ذلك في كلام الله تعالى. # PageV02P695 # ولأن المجاز تارة يكون بزيادة حرف، لو حذف استقل الكلام بحذفه. # وتارة يكون بنقصان حرف، ولا بد من إضمار فيه، وقد وجدا جميعا في القرآن. # أما الزيادة فقال تعالى: {ليس ms274 كمثله شيء} 1، ومعناه ليس مثله شيء. وقوله: ~~{تجري من تحتها الأنهار} 2، وتقديره: تجري تحتها. وقوله: {فبما كسبت ~~أيديكم} 3 وتقديره: بما كسبتم. وهذا نفس المجاز. # والنقصان نحو قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل} 4 معناه: حب العجل؛ ~~فحذف الحب، وأقام ذكر العجل مقامه5. وكذلك قوله: {واسأل القرية} 6 معناه: ~~أهلها7. # وكذلك قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق} 8 معناه: صاحب قول الحق. # وقوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} 9 وتقديره: أولياء PageV02P696 # الله، وأولياء رسوله. # وقوله: {الحج أشهر معلومات} 1 وتقديره: أفعال الحج في أشهر معلومات؛ لأن ~~الأشهر لا تكون حجا2. # ورأيت في كتاب أصول الفقه في كتب أبي الفضل التميمي قوله3: والقرآن ليس ~~فيه مجاز عند أصحابنا، واستدل بأن المجاز لا حقيقة له، ثم قال: فأما قوله: ~~"واسأل القرية ... والعير" فيجوز أن تكلم الجمادات الأنبياء، ثم قال: وسمعت ~~قول الخرزي رحمه الله، وقد قيل: قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل} ، أو حب ~~العجل؟ فقال: قيل: العجل في نفسه، مثل القرية والعير سواء. # وذكر أبو بكر في تفسيره: اختلاف الناس في قوله: {وأشربوا في قلوبهم ~~العجل} ، فقال: حدثنا معمر عن قتادة: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} ~~قال: أشربوا حب العجل بكفرهم4. # وعن أحمد حدثنا هاشم حدثنا أبو جعفر5 عن الربيع6: {وأشربوا PageV02P697 # في قلوبهم العجل} قال: أشربوا العجل في قلوبهم1. # وقال أسباط2 عن السدي3: [لما] 4 رجع موسى5 أخذ العجل الذي وجد قومه قد ~~عبدوه، وهم عاكفون عليه، فذبحه، ثم حرقه، ثم ذراه في اليم؛ فلم يبق بحر ~~يجري يومئذ إلا وقع فيه منه، ثم قال لهم موسى: PageV02P698 # اشربوا منه؛ فشربوا؛ فمن كان يحبه خرج على شاربه؛ فلذلك قوله: {وأشربوا ~~في قلوبهم العجل بكفرهم} 1. # قال أبو بكر2: وأولى التأويلين [تأول] 3 من قال: وأشربوا في قلوبهم حب ~~العجل؛ لأن الماء لا يقال: أشرب فلان في قلبه؛ وإنما يقال ذلك في حب الشيء، ~~كما قال: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} 4 وأنشد ~~قول طرفة بن العبد5: # ألا إنني6 ms275 سقيت أسود كالحا7 PageV02P699 # يعني: سقيت سما1 أسود، فاكتفي بذكر "أسود"، عن2 ذكر "السم" لمعرفة ~~السامع؛ فقد صرح أبو بكر بأن هناك مضمرا محذوفا3. # ويبين صحة هذا أن الموضع المذكور فيه "القرية"، والمراد أهلها، قال ~~تعالى: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا} 4 [98/أ] ، ومعلوم أن المحاسبة والعذاب لم يقعا5 على ~~الجدار. وقال {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة} إلى قوله: {فكفرت ~~بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} 6. # فإن قيل: هناك حذف في الكلام. # قيل: إلا أن هذه الألفاظ لم يوضع لها في صميم اللغة؛ فإن لم تسمها مجازا؛ ~~فذلك منازعة في عبارة، مع تسليم المعنى الموجود في المجاز. # وأيضا: فإن أهل اللغة قد صنفوا في ذلك كتبا؛ فمن منع ذلك؛ فهو كمن دفع أن ~~يكون في اللسان مجاز. PageV02P700 ### | حجة المخالف # ... # واحتج المخالف: # بأن المجاز كذب؛ لأنه يتناول الشيء على خلاف الوضع. # PageV02P700 # والجواب: أن هذا خرق الإجماع؛ لأنهم استحسنوا التكلم بالمجاز مع ~~استقباحهم الكذب، وعلى أن الكذب يتناول الشيء على غير سبيل المطابقة، ~~والمجاز فيه تطابق الخبر من طريق العرف، وإن كان لا يطابق اللغة. # واحتج: بأنه لو تكلم بالمجاز؛ لكان به حاجة إليه. # والجواب: أن هذا يوجب أن لا يتكلم بالحقيقة؛ لأنه يقتضي الحاجة أيضا؛ فإن ~~قيل: إنما يتكلم بالحقيقة لحاجة عبيده، لا لحاجة نفسه، قيل: وكذلك المجاز. # واحتج: بأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للضرورة؛ فلا يجوز وصف الله ~~تعالى بالحاجة والضرورة إليه. # والجواب: أنه يستعمل في غير ضرورة؛ بل ذلك يستحسن في لغتهم، كما تستحسن ~~الحقيقة، كما أن الإطالة قد تستحسن في موضع من كتاب الله تعالى، ولم يدل ~~ذلك على أنه إنما يحتاج إليها من لا يقدر على الإيجاز، كذلك ههنا. # PageV02P701 ### | فصل: يصح الاحتجاج بالمجاز # 1 # والدلالة عليه: أن المجاز يفيد معنى من طريق الوضع، كما أن الحقيقة تفيد ~~معنى من طريق الوضع. ألا ترى أن قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} 2 يفيد ~~المعنى، وإن ms276 كان مجازا؛ لأن الغائط هو المكان PageV02P701 # المطمئن في الأرض، استعمل في الخارج. # وكذلك قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} 1 ومعلوم أنه أراد ~~أعين الوجوه ناظرة؛ لأن الوجوه لا تنظر؛ وإنما العين. # وقد احتج بهذه الآية في وجوب النظر في يوم النظر يوم القيامة، في رواية ~~المروذي، والفضل بن زياد، وأبي الحارث. # وأيضا: فإن المجاز قد يكون أسبق إلى القلب، كقول الرجل لصاحبه: "تعال"، ~~أبلغ من قوله: يمنة ويسرة، وكذلك قوله: لزيد علي درهم، مجاز، وهو أسبق إلى ~~النفس، من قوله: يلزمني لزيد درهم. وإذا كان يقع المجاز أكثر مما يقع ~~بالحقيقة؛ صح الاحتجاج به. PageV02P702 ### | مجاز من وجه آخر # ... # فصل: 1 # [98/ب] قد قيل في المجاز2: لا يقاس عليه؛ لأنه غير موضوع لما تناوله3 في ~~أصل اللغة؛ ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: وأسأل الثوب والقلنسوة، ويريد صاحب ~~الثوب وصاحب القلنسوة، قياسا على قوله: {واسأل القرية} 4 أو يقول: فبما ~~كسبت أرجلكم، كما قال: {فبما كسبت أيديكم} 5، ولا يقول: تحرير صدر، كما ~~قال: # {فتحرير رقبة مؤمنة} 6. PageV02P702 ### | تناول اللفظ الواحد للحقيقة والمجاز فيكون حقيقة من وجه مجازا من وجه آخر # ... # فصل 1: يجوز أن يكون اللفظ الواحد متناولا لموضع الحقيقة والمجاز؛ فيكون ~~حقيقة من وجه، مجازا من وجه آخر: # نحو قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} 2 حقيقة في الوطء؛ بدليل ~~أنه يستعمل في موضع لا يجوز فيه العقد، نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ناكح البهيمة 3، والناكح يده" 4. # وقولهم: "انحكنا الفرا فسنرى"5، ثم استعمل في الموضعين جميعا PageV02P703 # في العقد؛ فيحرم عليه أن يتزوج بمن تزوجها أبوه، وإن لم يوجد منه الوطء. # وكذلك قوله: "أو لمستم النساء" 1، حقيقة في اللمس باليد؛ إلا أنه يطلق ~~على الجماع مجازا؛ فيحمل عليهما جميعا، ويوجب الوضوء منهما جميعا. # والدلالة عليه: # أنه لا تدافع بين الإرادتين2 اللتين تتناول اللفظ بوضع الحقيقة والمجاز؛ ~~فجاز اجتماعهما؛ ليكون اللفظ متناولا لهما جميعا. # يبين صحة هذا: أن قوله تعالى: {فتحرير رقبة} 3 متناول للرقبة الحقيقية ms277 ~~ولغيرها من الأعضاء على طريق المجاز. وكذلك قوله: اشتريت كذا وكذا رأسا من ~~الغنم؛ فيتناول الرأس الذي هو العضو المخصوص وسائر الأعضاء. # ويبين صحة هذا: اشتهار قولهم: "عدل العمرين"، يريدون أبا بكر وعمر، وهو ~~حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وكذلك قولهم: ما لنا طعام إلا الأسودان: ~~التمر والماء. PageV02P704 # وقد نقل مهنا قال: سألت أبا عبد الله رحمه الله من العمران؟ قال: عمر بن ~~الخطاب وعمر بن عبد العزيز1. PageV02P705 # فصل: ### | في وجوه المجاز # : 1 # منها: أن يستعمل اللفظ في غير ما هو موضوع له، نحو اسم "الحمار"، أطلقوه ~~على البليد، واسم "الأسد" أطلقوه على الرجل الشجاع. # ومنها: المستعمل في موضوعه وغير موضوعه، كقوله تعالى: {فتحرير رقبة} 2 ~~يتناول الرقبة وجيمع الذات. وقوله: "اشتريت كذا رأسا من الغنم" يتناول ~~الرأس وسائر الأعضاء. # وكذلك إطلاق اسم الشيء على ضده؛ كإطلاقهم "السليم" على اللديغ، ~~و"المفازة" على المهلكة. PageV02P705 # ومنها: الحذف كقوله: {واسأل القرية} 1 حذف الأهل2: {وأشربوا في قلوبهم ~~العجل} 3 حذف: حب العجل4. ومنها: الصلة [ك] قوله: {فبما كسبت أيديكم} 5 ~~يعني: بما كسبتم. # ومنها: [99/أ] أن يطلق اسم المصدر على المفعول، كقولك: "هذا الدرهم ضرب ~~فلان، والعالم خلق الله"، أي: مخلوقه ومضروبه. # ومنها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول، كقوله: {عيشة راضية} 6، أي مرضية. ~~واسم المصدر على الفاعل، كقولك: "رجل عدل"، أي عادل. # ومنها: أن يطلق اسم الفاعل على المصدر، كقولهم: "لحقتني اللائمة"، يعني: ~~اللوم. # ومنها: أن يطلق اسم المدلول على الدليل، يقال: "سمعت علم فلان"، أي: ~~عبارته عن علمه الدال عليه. # ومنها: أن يطلق اسم المسبب على السبب، كإطلاقهم اسم الرحمة على المطر. # فهذه جملة وجوه المجاز. PageV02P706 ### | مسألة # ليس في القرآن شيء بغير العربية (1) . # ذكر ذلك أبو بكر في أول كتاب التفسير. وهو قول عامة الفقهاء والمتكلمين. # وروي عن ابن عباس وعكرمة (2) : أن في القرآن شيئا بغير العربية (3) نحو ~~قوله تعالى (طه) (4) و (ناشئة الليل) (5) وغير ذلك، فقالوا: هي بالحبشية ~~والسريانية، وغير ذلك من اللغات. PageV03P707 ### | دليلنا: # قوله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا ms278 لعلكم تعقلون) (1) ، وقال في آية ~~أخرى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) (2) ، وآيات كثيرة في هذا المعنى، فثبت أن ~~جميع القرآن عربي لا شيء سواه. # ولأن الله تعالى تحدى العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن وبمثل سورة منه، ~~فلولا أن القرآن كله عربي (3) لما صح أن، يتحداهم بأن يأتوا بما ليس في ~~لسانهم ولا يحسنونه، فثبت أنه كله عربي لا شيء سواه. # واحتج المخالف: # بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى أهل اللغات كلها، فيجب أن ~~يكون في كتابه من سائر اللغات. # والجواب: أن هذا مطرح بالإجماع، فإنه ليس في القرآن من الزنجية، ولا من ~~التركية، ولا من الخوارزمية، وهو كل مبعوث إلى هؤلاء. # وعلى أنه لو اعتبر ما ذكروه لكان يجب أن يكون في القرآن من كل لغة قدر ~~يقع به التبليغ، وإلا فإذا لم يكن فيه ما يقع به التبليغ لم يكن له معنى. # ثم نقول (4) : النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قد بعث إلى الكافة ~~إلا أن المقصود العرب، الذين هم أهل الفصاحة واللسان، وغيرهم تبع لهم، فإذا ~~بلغ العرب دخل الباقون على وجه التبع لهم، كا أن موسى لما أعجز السحرة كان ~~الناس تبعا لهم، وكذلك عيسى مع الطب. PageV03P708 # واحتج: بأنا نجد في القرآن شيئا بغير العربية، نحو قوله: (كمشكاة) (1) ~~قيل: كلمة هندية. و (استبرق) (2) كلمة فارسية، وقوله: (القسطاس) (3) قيل: ~~كلمة رومية. وقوله: (وفاكهة وأبا) (4) الأب: لا يعرف في العربية، [99/ب] ~~فثبت: أنها بغير العربية. # والجواب: أن هذه الأشياء عربية، يجهلها بعض العرب، ويعرفها البعض. # وروي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أعرف كلمات من القرآن بلسان قومي حتى ~~عرفتها من غيرهم. من ذلك قوله (5) : (فاطر السموات) (6) سمعت امرأة تقول: ~~أنا فطرته، يعني ابتدأته، فعلمت أنه أراد مبتدأ السموات ومنشأها (7) . ~~PageV03P709 # ومثل هذا في العجمية، قد يكون ألفاظ يعرفها بعض العجم، ولا يعرفها البعض، ~~فلا يخرجها ذلك عن أن تكون من جملة العجمية. # والذي يبين صحة هذا، وأن هذه عربية: أن الله تعالى أضاف ذلك اليهم، ms279 ~~فاقتضى الظاهر أن الكل لغة لهم. # فصل # تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد غير جائز (1) . # لقوله تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (2) . # وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) (3) فأضاف البيان إليه. وروى أبو ~~بكر بإسناده عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال في ~~القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) (4) ، وروي أيضا بإسناده PageV03P710 # عن جندب (1) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال برأيه ~~فأصاب فقد أخطأ) (2) . PageV03P711 # قال أبو بكر (1) : معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: أنه "أخطأ" في فعله ~~بقيله فيه برأيه، وإن وافق قيله عين الصواب عند الله؛ لأن قيله فيه برأيه ~~ليس فعل عالم (2) ، فإن الذي قال، نهي عنه وحظر عليه (3) . # وبإسناده عن عائشة قالت ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفسر ~~شيئا من القرآن إلا آيا بعدد، علمهن إياه جبريل عليه السلام (4) . # وروي بإسناده عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من ~~النار (5) . # وبإسناده عن سعيد بن المسيب (6) أنه سئل عن آية من القرآن فقال: ~~PageV03P712 # لا أقول في القرآن شيئا (1) . # قال أبو بكر في تفسيره: منه (2) ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد ~~القهار، وذلك مثل (3) الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة ~~والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك. قال الله تعالى: ~~(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها ~~إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة) (4) . # ومنه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك [مثل] ~~إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها ~~والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك ~~كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون ألا إنهم PageV03P713 # هم المفسدون ولكن لا يشعرون) (1) ، لم يجهل أن [100/أ] ، معنى الإفساد هو ~~ما ينبغي تركه مما هو ms280 مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، ~~وإن جهل المعاني التي جعلها الله تعالى [إفسادا، والمعاني التي جعلها الله] ~~(2) صلاحا (3) . # فصل (4) # فأما تعليم التفسير، ونقله عمن قوله حجة، ففيه ثواب وأجر، كتعليم الأحكام ~~من الحلال والحرام. # وقد فسر أحمد رحمه الله آيات كثيرة، رواها المروذي عنه في سور متفرقة، ~~سئل عنها، وقال في قوله تعالى: (إنني معكما) (5) : هو جائز في اللغة، يقول ~~الرجل: سأجري عليك رزقا،، أي: أفعل بك خيرا (6) . # وظاهر هذا أنه أجاز تفسير القرآن على مقتضى اللغة. والدلالة عليه: قوله ~~تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) (7) ~~، وهذا فيه حث على معرفة التنزيل. PageV03P714 # واحتج على ذلك يحيى بن سلام في تفسيره بما رواه عن أبيه عن الخليل ابن ~~مرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا لابن عباس فقال: (اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل) (1) ، قال يحيى: ولولا أن علم التأويل من الحق ما دعا ~~به النبي عليه السلام لابن عباس. PageV03P715 ### | ................................. # PageV03P716 ### | ................................. # PageV03P717 # وروى أبو بكر بإسناده في تفسيره عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا ~~تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن، حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (1) # وبإسناده عن شقيق (2) قال: استعمل علي بن أبى طالب ابن عباس علي الحج، ~~قال: فخطب الناس خطبة لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سورة ~~النور، فجعل يفسرها (3) . # وبإسناده عن سعيد بن جبير (4) قال: من قرأ القرآن، ثم لم يفسره، ~~PageV03P718 # كان كالأعمى أو كالأعرابي (1) # فصل # في تفسير القرآن على مقتضى اللغة هل يجوز أم لا؟ (2) # قد فسر أحمد رحمه الله قوله: (إنني معكما) (3) على مقتضى اللغة، قال: هو ~~جائز في اللغة، يقول الرجل: سأجري عليك رزقا (4) . # وقال أيضا رحمه الله: تفسير روح الله إنما معناها: أنها روح خلقها الله ~~تعالى، كما يقال: عبد الله، وسماء الله، وأرض الله (5) . # ونقل الفضل بن زياد عنه وقد سئل عن القرآن تمثل له الرجال بشيء من ~~PageV03P719 # الشعر، فقال: ما يعجبني. فظاهر هذا يقتضي المنع. # ووجه الجواز: # قوله تعالى: (إنا أنزلناه ms281 قرآنا عربيا) (1) ، وقوله: (بلسان عربي مبين) ~~(2) ، وهذا يفيد أنا إذا تحققنا معنى اللفظ من طريق اللغة، صح حمل القرآن ~~عليه. # ووجه من منع: # قوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) (3) ، فاقتضى ذلك أن البيان من ~~جهته يوجد. # والجواب: أن هذا محمول على بيان الأحكام. # واحتج بقوله: (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله) (4) . # والجواب: أنا لا نحتج بقولهم في الحدود، وإنما نحتج بقولهم [100/ب] في ~~الألفاظ. # واحتج بأنا وجدنا منهم الكفر والكذب، نحو قولهم: إن الله ثالث ثلاثة، ~~وتسميتهم الأصنام آلهة فقال تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها) (5) . # والجواب: أنا نرجع اليهم في الألفاظ المفردة المرسلة، نحو السواد ~~PageV03P720 # والبياض والإنسان لا في الألفاظ المركبة، التي يقع فيها الصدق والكذب. # وفي قولهم: ثالث ثلاثة، في أفراد هذه الألفاظ ليس فيها صدق ولا كذب. # فصل # وأما تفسير الصحابة فيجب الرجوع إليه (1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في مواضع من كتاب طاعة الرسول رواه صالح ~~عن أبيه فقال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل) (2) فلما حكم أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الظبي بشاة (3) ، وفي النعامة ببدنة (4) ، وفي الضبع ~~بكبش (5) ، دل على أنه أراد PageV03P721 # السنة (1) . # وقال: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) (2) فلما استدل ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذبحوا البقرة عن سبعة، دل على أن ~~ذلك أيسر (3) . PageV03P722 # وقال: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) (1) ، فلما قال من قال من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يكون آخر ذلك يوم عرفة، استقر حكم ~~الآية على ذلك (2) . # وقال: لما كان أكثر قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ان ~~الكلالة من لا ولد له ولا والد (3) ، استقر حكم الآية على ذلك. PageV03P723 # والوجه فيه: أنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، فعرفوا ذلك، ولهذا ~~جعلنا قولهم حجة. # فأما تفسير التابعين فلا يلزم. # وقد قال أحمد رحمه الله ms282 في رواية أبي داود: إذا جاء الشيء عن الرجل من ~~التابعين، لا يوجد فيه عن النبي، لا يلزم الأخذ به (1) . # وقال رحمه الله في كل موضع آخر: الاتباع أن يتبع ما جاء عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعن أصحابه، ثم هو بعد في التابعين مخير (2) . # والوجه فيه: أن قول آحادهم ليس بحجة. ويفارق آحاد الصحبة، لأنه حجة. # وقال في رواية المروذي: ينظر ما كان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإن لم يكن فعن أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين. # ويمكن أن يحمل هذا على إجماعهم. ### | ### | مسألة # # لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (3) . # لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبينا تعذر الأداء، فلم يكن بد ~~من البيان. PageV03P724 # وأما تأخيره عن وقت الخطاب وقبل وقت الحاجة: # فقد اختلف أصحابنا: فقال شيخنا أبو عبد الله (1) رحمه الله يجوز ذلك. وهو ~~ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية صالح وعبد الله في [101/أ] الآية ترد ~~عامة، ينظر ما جاءت به السنة، فهو دليل علي ظاهرها، ولا فرق بين تأخير ~~البيان عن المجمل أو عن العموم. # وذلك مثل قوله تعالى: (اقتلوا المشركين) (2) ، (والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما) (3) ، (الزانية والزاني فاجلدوا) (4) ، (وآتوا حقه يوم حصاده) (5) ~~. # وبهذا قالت الأشعرية، إلا أنهم لا يثبتون للعموم صيغة، لكنهم يجوزون ~~تأخير بيان المراد، كاللفظ الذي أراد خلاف ظاهره، وبيان المجمل إلى وقت ~~الفعل. # وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمى: لا يجوز تأخير البيان عن ~~وقت الخطاب. # فقال أبو بكر في أول كتاب التنبيه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت النطق. # وقال في مجموع له بخطه: بيان الرد على من قال بتأخير البيان إلى وقت ~~العمل، وذكر كلاما كثيرا. PageV03P725 # وقال في إثباته: اتفق الفريقان على أن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، ولم ~~يحده إلا وقت التكليف. # وقال أبو الحسن التميمي في بعض مسائله: لا يختلف المسطور عن أحمد رحمه ~~الله: أنه لا يجوز تأخير البيان. # وبهذا قالت المعتزلة (1) ، وأهل الظاهر: داود وشيعته (2) . # وقال أصحاب ms283 أبي حنيفة: يجوز تأخير بيان المجمل، ولايجوز تأخير بيان ~~العموم (3) . # واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب: فذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك على ~~الإطلاق. وقال بعضهم: يجوز في المجمل، ولايجوز في العموم (4) . # فالدلالة على جواز تأخيره في الجملة: # قوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) (5) فأمره أن ~~يتبع قرآنه ويسمعه (6) ، وأخبر أنه يبينه فيما بعد؛ # لأن "ثم" تقتضي مهلة وفصلا. # فإن قيل: معناه: إن علينا إظهاره وإعلانه، ألا ترى أنه اشترط ذلك في جميع ~~القرآن؟ PageV03P726 # قيل: حقيقة البيان هو إظهار الشيء من الخفاء إلى حالة التجلي والإظهار، ~~وهذا إنما يكون فيما يفتقر إلى البيان، فأما ما هو مبين فلا يوجد. # وقولهم: إنه اشترط ذلك في جميع القرآن، فلا يمتنع أن يكون المراد به ~~بعضه، كما قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) (1) ، ~~والمراد بعضه (2) . # وأيضا قوله تعالى في قصة نوح: (إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق) فقال: ~~(إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) (3) فدل على أن الله تعالى قد كان أطلق ~~الأهل، وأراد به المصلحين منهم، دون المفسدين، وأخر بيانه عن وقت الخطاب. # وأيضا: فإن الله تعالى أوجب الصلاة مجملة، فقال: (إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا) (4) ، ثم بينها جبريل [101/ب] عليه السلام بفعله ~~صلاة في أول الوقت وآخره، ثم بينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بفعله، فقال عليه السلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . # وأيضا: فإن تأخير بيان النسخ يجوز عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، كذلك ~~يجوز تأخير بيان التخصيص؛ لأن النسخ تخصيص الأزمان، والتخصيص تخصيص ~~الأعيان؛ لأن قوله: توجهوا إلى بيت المقدس في كل PageV03P727 # صلاة، قام في جميع الأزمان، وقد أراد به بعض الأزمان، وأخر بيانه. # وقوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) (1) عام في ~~جميع أعيان المشركين، وأراد به بعضهم، وأخر بيانه عن وقت الحاجة فلم يكن ~~بينهما فرق. # فإن قيل: تأخير بيان النسخ لا يخل بصحة الأداء، وتأخير بيان التخصيص يخل ~~بصحة الأداء. # قيل: لا ms284 يخل بصحة الأداء، لأنا لا نجوز تأخير البيان عن وقت الفعل. # وجواب [آخر] وهو: أن خطاب العاجز عن الفعل يصح إذا أقدره عليه في حال ~~الفعل، وعدم القدرة يخل بصحة الأداء، ولا يمنع ذلك من صحة الخطاب. # فإن قيل: لا يجوز أن تؤخر القدرة عن وقت الفعل، فلا يخل بصحة الأداء. # قيل: وكذلك لا يجوز أن يؤخر البيان عن وقت الفعل، فلا فرق بينهما. # فإن قيل: الخطاب العام في الأزمان مخالف للخطاب العام في الأعيان في ~~موضوع اللغة، ألا ترى أن رجلا لو قال لعبده أو وكيله: اعط فلانا كل يوم ~~رطلا من خبز، فلما كان بعد مدة منعه من ذلك، كان الخطاب في الأول حسنا عند ~~جميع العقلاء، وإن كان قد أخر بيان وقت المنع إلى وقت الحاجة، ولو قال له: ~~اعطه كل يوم رطلا من تمر، وهو يريد به رطلا من لحم أو خبز، كان الخطاب في ~~قبيحا، فدل على الفرق بينهما. PageV03P728 # قيل: قوله: "اعطه كل يوم رطلا من تمر"، وهو يريد رطلا، من لحم أو خبز لا ~~يفيد المأمور به، فكان عبثا أو لغوا، وليس كذلك إذا قال: "اقتلوا ~~المشركين"، فإن القتل المأمور به معقول معلوم، والخطاب مفيد، وإنما أخر ~~بيان من يوقع القتل فيه، كما أخر في النسخ بيان الزمان الذي يوقعه فيه. # فإن قيل: لا يجوز تأخير بيان النسخ، إلا أن يقترن به بيان النسخ، فيقول: ~~صلوا إلى بيت المقدس، ما لم أنسخه عنكم، وهذا يمنع من عموم الخطاب في جميع ~~الأزمان. وقيل: إن هذا سؤال كان يورده ابن الدقاق (1) . # قيل: هذا خطأ؛ لأن هذا مقرون بكل خطاب، وإن لم ينطق به المخاطب، لأن ~~الدليل قد دل على جواز النسخ، فصار ذاك مقدرا في خطاب صاحب الشرع ومقرونا ~~به، وإن لم يذكره، فوجب [102/أ] أن يكونا سواء، فيجب أن يخبر هذا في بيان ~~العموم، فيقول (2) : اقتلوا المشركين إلا من أبين لكم. # ودليل آخر، وهو: أنه يجوز أن يخاطب العاجز عن الفعل، ويؤخر خلق القدرة له ms285 ~~وإيجاد الآلة التي بها يتمكن من الفعل إلي وقت الفعل؛ لأنه لا حاجة به إلى ~~ذلك قبل الفعل، كذلك البيان لا حاجة به إليه قبل الفعل، ولا فرق بينهما؛ ~~لأن الفعل يفتقر إلى القدرة كما يفتقر إلى البيان. # فإن قيل: تأخير القدرة عن الفعل لا يفضي إلى أن يعتقد المخاطب جهلا؛ لأنه ~~يعلم أنه أريد به حال القدرة، والبيان متى تأخر اعتقد المخاطب جهل ما أمر ~~به. PageV03P729 # قيل: لا يعتقد جهلا؛ لأنه يعتقد قتل المشركين أجمع، ما لم يرد البيان. # واحتج المخالف: # بأن تأخير البيان يؤدي إلى اعتقاد الجهل والعزم على الباطل؛ لأن المخاطب ~~يلزمه اعتقاد عمومه، وهذا اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به، وذلك جهل، ~~ويلزمه أن يعزم على قتل من وصل إلى قتله من المشركين، وهذا عزم على باطل؛ ~~لأن من بذل الجزية أو أمنه (1) مسلم لا يجوز قتله، وإذا أدى إلى هذا، وجب ~~أن لا يجوز تأخيره. # والجواب: أنه لا يؤدي إلى هذا؛ لأنه يعتقد عمومه إذا تجرد عما يخصه ~~ويصرفه عن ظاهره، كما نقول أجمع في النسخ، وكما نقول إذا أسمعه الله العام ~~ولم يسمعه الخاص، وكان بيان الخصوص في الأصول سابقا للعموم، وكان يحتاج إلى ~~الاجتهاد في طلبه، واستقراء الأصول بسببه، فإنه في حال اجتهاده يعتقد ~~العموم إن تجرد عما يخصه عند المخالف، كذلك في مسألتنا يعتقد العموم ~~والظاهر إن تجرد، والخصوص والباطن إن اقترنت به قرينة. # واحتج: بأن العموم والخصوص يفيد كل واحد كل منهما غير ما يفيده الآخر، ~~فلا يجوز أن يعبر بأحدهما عن صاحبه من غير بيان، كما لا يعبر بالصلاة عن ~~الصيام، وإذا كان كذلك، بطل أن يعبر بالعموم عن الخصوص من غير إشعار. # والجواب: أنه باطل بالعموم في الأزمان، فإنه يفيد غير ما يفيده الخصوص، ~~ومع هذا فقد يعبر بأحدهما عن صاحبه كذلك. # ولا يشبه هذا ما قالوه من الأمر بالصلاة، أنه لا يكون عبارة عن ~~PageV03P730 # الصيام، ألا ترى أنها لا تكون عبارة عنها بلفظ مقارن، فلو قال: "صل" ms286 ثم ~~قال عقيبه: أردت بذلك الصيام لم يصح، ولو قال في العموم: "اقتلوا ~~المشركين"، ثم قال متصلا به: "إلا النساء"، صح. # واحتج: بأنه لا سبيل للمخاطب إلى معرفة مراد المخاطب به، فوجب أن يكون ~~قبيحا، كما يقبح أن يخاطب العرب بلغة الزنج ولغة العجم، وكما يقبح أن يقول: ~~"صلوا"، ويريد به: "صوموا"، ويقول: "صوموا" ويريد به: "صلوا". # [102/ب] والجواب: أن ذلك الخطاب غير مفيد؛ وليس كذلك ها هنا؛ لأن هذا ~~الخطاب مفيد؛ لأنه عرف لفظه، وعقل معناه، واعتقد فيه العموم إن بقي على ~~حالته، والخصوص إن دل عليه الدليل. # واحتج: بأن من خوطب بالعموم، فقد ألزم اعتقاده والإخبار به لغيره، فلو ~~كان المراد به الخصوص، وقد أخبر عنه بالعموم لكان قد ألزم الإخبار بالكذب، ~~وهذا لا يجوز تكليفه. # والجواب: أن هذا يبطل بالنسخ، فإن هذا المعنى موجود فيه، ومع هذا فإنه ~~يصح تأخيره. وعلى أنه يعتقده ويخبر عنه إن حكي معه، ولم ينقل عنه، كما قلنا ~~في النسخ. # واحتج: بأن من أطلق كلاما له ظاهر، ثم قال بعد استقراره من غير إشعار ~~بخلاف ذلك استقبح منه، وإن كان متعلقا بحق آدمي لم يقبل منه، وإذا كان ذلك ~~مستقبحا منه، لم يجز أن يرد كلام الله تعالى وكلام رسوله على ذلك. # والجواب: أن هذا المعنى موجود في النسخ، وعلى أنه إنما يقبح ذلك في اللفظ ~~الصريح، فأما المحتمل، فلا. # واحتج: بأن البيان في العام كالاستثناء، فإذا لم يجز تأخير أحدهما، كذلك ~~الآخر. # PageV03P731 # والجواب: أنه لم يجز إلحاق التخصيص بالاستثناء دون إلحاقه بالنسخ، ~~وإلحاقه بالنسخ أولى، لأن لفظ الخصوص إذا انفرد استقل بنفسه، فإنه يقول بعد ~~يوم: لاتقتل أهل الذمة فيفيد حكما بنفسه كلفظ النسخ، فكان إلحاقه به أولى. ~~ويفارق لفظ الاستثناء، فإنه لا يستقل بنفسه، ولا يفيد حكما، فإنه لو قال: ~~اقتلوا المشركين، ثم قال بعد يوم: إلا أهل الذمة لم يفد هذا بمجرده فائدة، ~~لأنه لا ندري هذا الكلام إلى ماذا يرجع. # واحتج: بأن الله تعالى أمر نبيه بالتبليغ على ms287 الفور، فإذا أخر البيان عن ~~وقت الخطاب، لايكون قد بلغ على الفور. # والجواب: أنا لا نسلم أنه أمر بالتبليغ على الفور، بل أمر به على ~~التراخي، وعلى أن البيان مخالف لحكم التبليغ، وذلك لأن التبليغ يجوز أن ~~يتأخر بدليل آخر يدل عليه، والبيان لا يجوز عندهم أن يتأخر بدليل يدل عليه، ~~فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. # واحتج: بأن تأخير البيان يفضي إلى أن يكون اللفظ الوارد في حكم ما لم يرد ~~ويكون المخاطب به بعد وروده بمنزلته قبل وروده؛ لأنه لا ندري المراد به. # والجواب: أنه باطل بالنسخ، فإن لفظ العموم المستغرق للأزمان يرد (1) مع ~~تجويز النسخ، ولا يكون بمنزلة ما لم يرد، وعلى أنه إذا لم يرد، لم يعقل ~~المكلف شيئا، ولا يفيد إلزام حكم عبادة، وليس كذلك [103/أ] ، ها هنا، فإنه ~~يفيد إلزام حكم عبادة واعتقاد العموم، إن عري اللفظ عن دليل التخصيص. # واحتج: بأنه لو جاز تأخير البيان، وأن يكون بيانه من جهة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيخترم النبي قبل بيان المراد به، فيلزم الأمة العمل، ~~كذلك PageV03P732 # الخطاب، وليس المراد به هذا الظاهر، وتكون الأمة قد كلفوا غير المراد. # والجواب: أنه لا يجوز في صفة الحكيم أن يخترم رسوله المبلغ المبين عنه ~~معنى ما أراد، قبل (1) أن يبينه للناس، وإذا كان كذلك لم يفض (2) إلي ما ~~قالوه. # وعلى أنه باطل بالنسخ، لأنه يرد معرضا، ثم قد يخترم النبي قبل بيان ~~الناسخ، كذلك ها هنا. # وعلى أن هذا غير ممتنع في بيان العموم؛ لأنه لإن اخترم قبل البيان تمسك ~~الناس بذلك العموم، وأخذوا بموجبه، إذ ليس عليهم أن يعلموا مراد الله تعالى ~~به من غير الظاهر منه. # فصل # وما ذكرنا من الدلائل، فهو دليل على أصحاب أبي حنيفة في فرقهم بين بيان ~~العموم وبيان المجمل، ومما يخصهم أن بيان المجمل كبيان العموم؛ لأنه ينكشف ~~به المراد باللفظ، ثم جاز ذلك في المجمل، وجب أن يجوز في العموم. # فإن قيل: فرق بينهما، وذلك أن بيان العموم إذا أفاد ms288 إلزام اعتقاد أمر ليس ~~بمراد، وهذا يقبح أن يرد به التكليف، والمجمل يفيد اعتقاد حكمه وبيان صفته ~~حال الحاجه، فيحصل به توطين النفس لفعل المأمور به، وهذا حسن في التكليف. # قيل: يبطل بالنسخ، فإنه يجوز تأخيره، وإن أفضى إلى ما قالوه. PageV03P733 # وعلى أنا قد بينا أنه يعتقد عموم ذلك، ما لم يخص، وينقل عنه، كما يعتقد ~~ذلك في الزمان. ### | مسألة # (1) # أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر فيها، فإن لم يكن على سبيل ~~القربة، كالأكل والشرب واللباس والقيام والقعود ونحو هذا، فإنه يدل على أنه ~~فعل مباح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل المحظور، وإن فعل لم ~~يقر عليه. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن ~~الاضطجاع، فقال: ما فعلته إلا مرة، وليس هو من أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فلم يجعل ذلك حجة؛ لأن الاضطجاع ليس بقربة. # وإن كان على سبيل القربة والطاعة والعبادة، فعلى ثلاثة أضرب: ما كان ~~بيانا، أو امتثالا لأمر، أو ابتداء من غير سبب. # فإن كانت بيانا لم تدل على شيء غير البيان، ويكون حكمها مأخوذا من ~~المبين، فإن كان المبين واجبا، فقد بين الواجب، وإن كان ندبا، فقد بين ~~الندب. # والبيان على ضربين: [بيان] مجمل وتخصيص عموم. # فبيان المجمل نحو قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) (2) ثم أخذ النبي ~~يوم الحصاد العشر، فكان فعله صلى الله عليه بيانا لذلك [103/ب] المجمل، ~~وفعله لا يدل على غير البيان. PageV03P734 # وبيان التخصيص نحو قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (1) ~~هذا عام في كل سارق سرق، قليلا أو كثيرا، من حرز وغير حرز، فإذا حمل إليه ~~سارق من غير حرز وأقل من ربع دينار فلم يقطعه كان (2) هذا بيانا وقع به ~~التخصيص. # وإنما يعلم أن هذا خرج على وجه البيان، إذا تقدم العام. # وإن كانت امتثال أمر، لم تدل (3) أيضا في أنفسها على شيء، غير أن ينظر ~~إلى الأمر، فإن كان على الوجوب، علمنا أنه فعل واجبا ms289 بالأمر، وان كان ندبا، ~~علمنا أنه فعل الندب بالأمر، فأما من فعله، فلا. # وأما إن كان ابتداء من غير سبب مستند إليه ففيه روايتان: إحداهما: أنها ~~على الوجوب، أومأ إليه رحمه الله: في مسائل، فقال في رواية حرب: يمسح رأسه ~~كله، كذا جاء الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مسح الرأس كله" (4) ~~. # وقال أيضا رحمه الله في رواية الأثرم: إذا رمي الجمار، فبدأ PageV03P735 # بالثالثة ثم الثانية ثم الأولى، لم يصح، قد فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الجمار (1) ، وبين فيها سنته (2) . # وقال أيضا في رواية الجماعة: المغمى عليه يقضي، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # أغمي عليه، فقضى (3) . وقد احتج بأفعاله على الوجوب. PageV03P736 # وبهذا قال أصحاب مالك (1) . # وفيه رواية أخرى: أن ذلك لا يقتضي الوجوب، وإنما يقتضي الندب، نص عليه ~~رحمه الله في رواية إسحاق بن ابراهيم فقال: الأمر من النبي سوى الفعل؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل الشيء من جهة الفضل، وقد يفعل الشيء هو ~~له خاص، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين. # وقال في رواية الأثرم: وقيل له: أليس ينبغي أن يستعمل بأن يقول كما يقول ~~المؤذن؟ قال: ويجعل هذا واجبا، إنما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا سمع المؤذن، قال كما يقول (2) ، فهو فضل، ليس على أنه واجب. # وهو اختيار أبي الحسن التميمي فيما وجدته له مسألة مفردة، يقول فيها: ~~انتهى إلي من قول أبي عبد الله: أن أفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليست على الإيجاب، إلا أن يدل دليل، فيكون ذلك الفعل الدليل الذي صار به ~~على الإيجاب. # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عن PageV03P737 # أصحابه (1) ، وأهل الظاهر أيضا (2) . # وذهبت المعتزلة (3) والأشعرية الى أن ذلك على الوقف، ولا يحمل على ~~الوجوب، ولا على الندب إلا بدلالة. # واختلف أصحاب الشافعي على مذاهب: # منهم من قال: هي على الوجوب. # ومنهم من قال: هي على الندب. # ومنهم من قال: هي على الوقف (4) . # فالدلالة [104/أ] على أنها على الوجوب: ms290 # قوله تعالى: (قل يا أيها الناس) إلى قوله: (واتبعوه لعلكم تهتدون) (5) ، ~~فأمر باتباعه، والأمر على الوجوب. PageV03P738 # فإن قيل: الاتباع هو: أن يفعل ذلك على الوجه الذي فعله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإذا لم يعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه، من وجوب أو ندب أو ~~إباحة، لم نكن متبعين له. # قيل: الاتباع يكون في الفعل، وإن اختلف قصد التابع والمتبوع، كالمتنفل ~~يأتم بالمفترض، فيتبعه في صلاته، وإن اختلفا في القصد والاعتقاد وكذلك من ~~خرج للجهاد، فتبعه آخر يريد تجارة، سمي متبعا له في سفره وإن خالفه في ~~قصده. # فإن قيل: في الآية إضمار، وتقديره: واتبعوه في فعله، فيحتاج أن تثبت صفة ~~الفعل على أي وجه وقع حتى يتبع فيه. # قيل: نحن نستدل بالآية على وجوب اتباعه في فعله الواقع منه وفي صورته ~~وصفته، فأما كيفية وقوعه فلا تعرض له. # ويدل عليه قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر) (1) . # فإن قيل: هذا يدل على أن التأسي بالنبي مستحب. # قيل: قوله: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) تهديد (2) يدل على أن ذلك ~~إيجاب وإلزام. # فإن قيل: قوله: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) ليس بتهديد، لأن الرجاء ~~تأميل النفعة. PageV03P739 # قيل: المراد به ها هنا لمن كان يخاف الله واليوم الآخر. قال أبو ذؤيب ~~الهذلي (1) : # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عوامل (2) # يريد: لم يخف لسعها من اشتيار (3) العسل في بيوت النحل. والنوب: ~~PageV03P740 # النحل (1) ، والنوب (2) : القرب. # ويدل عليه قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم) (3) ، وهذا يدل على أن التأسي بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واتباعه واجب. # ومن جهة السنة: # ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي، فخلع نعله، فخلعوا ~~نعالهم، فلما فرغ قال: "لم خلعتم نعالكم؟ " قالوا: رأيناك خلعت نعليك ~~فخلعنا، فقال: "أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرا" (4) . PageV03P741 # فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفهم منهم، فقالوا ~~فعلنا ms291 كفعلك، فلم ينكر عليهم، ولم يقل لا يجوز لكم ذلك، بل أقرهم على ~~اتباعه، وبين لهم السبب الذي فعل لأجله. # فإن قيل: فلو كان اتباعه واجبا لم يستفهم منهم؛ لأنهم فعلوا الواجب. # قيل: يحتمل أن يكون استفهم لينظر هل فعلوا ذلك لاتباعه أم لمعنى آخر؟ ~~فلما أخبروه أنهم فعلوه لأجله، [104/ب] أقرهم عليه، وبين العلة التي خلعها ~~لأجلها. # فإن قيل: لم ينكر عليهم؛ لأنه قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) . # قيل: لا نعلم أن هذا القول قاله قبل هذه القصة أو بعدها، فنقف حتى نعلم ~~كيف كان، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يصلوا كما يصلي، ~~وخلع النعل ليس بصلاة، وإنما هي أفعال أوقعها فيها من غيرها، بدليل: أن هذا ~~لو كثر منه وتكرر بطلت صلاته. # وأيضا: ما روت أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله سألوني عن القبلة للصائم، ~~فقال: "لم لم تقولي لهم: إني أقبل وأنا صائم (1) ؟! ". فعرفها PageV03P742 # شرعه، وأنكر عليها ترك إخبارهم لفعله. فلولا أن فعله يقتدى به لما أمرها ~~بذلك. # ولا معنى لقولهم: إن هذه أخبار آحاد فلا يثبت: بها أصول؛ لأن أخبار ~~الآحاد إذا تلقيت بالقبول، كانت مقطوعا بها كالتواتر. وليس في الأمة أحد ~~يكذب حديث خلع النعلين في الصلاة (1) . # وأيضا: وجوب الغسل بالتقاء الختانين، وذلك أنهم لما اختلفوا في وجوب ~~الغسل بالتقاء الختانين، فقال قوم: يجب. وقال أبي بن كعب: لا يجب ما لم ~~ينزل، وقال (2) : الماء من الماء (3) ، فسألوا عائشة فقالت: إذا التقى ~~الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا (4) [ف] رجعوا إليها ~~وأقروها على ما احتجت به في وجوبه، فثبت أنهم أجمعوا على ذلك. # وروي أن عمر رضي الله عنه قبل الحجر، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع، ولولا أني رأيت حبيبي رسول الله قبلك ما قتلتك (5) . PageV03P743 # وغير ذلك من رجوع الصحابة إلى أفعاله في المسح وغيره. # وأيضا: فإن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - كأقواله، بدليل: أنه يخص ~~به العموم، ويبين به المجمل، فوجب أن ms292 يكون بمنزلته في حمله على الوجوب عند ~~تجرده (1) . # كما أن السنة لما ساوت الكتاب فيما ذكرنا ساوته في حملها على الوجوب عند ~~التجريد. # ولأن الفعل إذا كان منه على سبيل القربة، احتمل أن يكون ندبا واحتمل أن ~~يكون واجبا واحتمل الندب، فحمله على الوجوب أولى لما فيه من الاحتياط؛ لأن ~~الندب يدخل في الواجب، والواجب لا يدخل في الندب. # فإن قيل: فقد يكون واجبا في حقه خاصا له، فلا يلزم غيره. # قيل: إطلاق أفعاله عندنا محمولة على أنها له ولأمته، وإنما بقع منها خاصا ~~بدلالة، وإلا فالأمر بيننا وبينه مشترك. # واحتج من قال يستحب: # بقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (2) ، ومحبته ~~تقتضي الاستحباب دون الإيجاب. PageV03P744 # [105/أ] والجواب: أن قوله: (فاتبعوني) (1) أمر، والأمر يقتضي الإيجاب. ~~فالآية حجة لنا من هذا الوجه. # وقوله: (يحببكم الله) لا يقتضي الاستحباب، لأن المحبة تكون لفعل الواجب ~~والمستحب جميعا. # واحتج: بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (2) ولم يقل ~~عليكم، فدل على أن التأسي به مستحب. # والجواب: أن في سياقها ما يدل على الوجوب، وهو قوله: (ومن يتول فإن الله ~~هو الغني الحميد) (3) فتوعد على المخالفة. # ولأنه قال تعالى: (ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار) (4) معناه: عليهم ~~اللعنة. # واحتج: بأن وجوب أفعال - صلى الله عليه وسلم - لا تخلو من أن تثبت بالعقل ~~أو بالسمع، والعقل لا يقتضي وجوبها؛ لأن المصالح تختلف باختلاف أحوال ~~المكلفين، ولهذا خالفت الحائض الطاهر، والمقيم المسافر، فيجوز أن يكون فعله ~~صلاحا له، ومتى فعلنا مثله كان فسادا لنا، فثبت بهذا أن العقل لا يقتضي ~~وجوب مثل أفعاله علينا، والسمع لم يرد أيضا بذلك ووجوبه. # والجواب: أنها وجبت بالسمع، وقد بينا ذلك من الكتاب والسنة والإجماع. # واحتج: بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه، ~~PageV03P745 # ومعلوم أن المتبوع أوكد حالا من التبع، فإذا كان كذلك، وكان (1) ظاهر ~~فعله لا ينبىء عن وجوبه عليه، فلأن لا يدل على وجوبه علينا أولى. # والجواب: أن هذا ms293 يبطل على أصل المخالف، بالأمر، فإنهم جعلوه دالا على ~~الوجوب في حق غيره، ولا يدل على وجوبه عليه، لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر، ~~فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته كالأمر. # وعلى أنا نقول: إن ظاهر أفعاله تدل على الوجوب في حقه، كما قلنا في ~~أوامره: هي لازمة له وهو داخل تحتها كالمأمور سواء، ولا فرق بينهما. وهذا ~~قياس المذهب. # واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الأفعال في أحوال لا ~~يشاهد فيها، ولا يمكن حضوره والوقوف عليه، وما هذه صفته لا يجوز أن يكون ~~واجبا علينا؛ لأن ما لا طريق لنا إلى معرفته لا نتعبد به، وإذا لم يكن ~~الفعل الذي هذه حاله واجبا علينا، لم يجب أيضا غيره من الأفعال، لأنه ليس ~~بعض أفعاله بالوجوب أولى من بعض. # والجواب: أن ما يفعله في الخلوات يمكنه أن يخبر بها من لم يشاهد، كما أنه ~~يجوز أن يأمر بالفعل من ليس يحضره، ثم يقع لهم بذلك الخبر. # واحتج: بأنه لا يخلو أن يكون [105/ب] المعتبر في هذا الباب بصورة أفعاله ~~التي ظهرت دون الوجوه التي عليها وقعت، أو يكون المعتبر بصورتها مع الوجوه ~~التي وقعت عليها، ولا جائز أن يكون المعتبر بصورتها فقط؛ لأنه لو وجب ذلك ~~لجاز لنا إيقاع مثل الفعل الذي فعله على جهة الإيجاب مع وقوعه منه على جهة ~~الندب أو الإباحة، وهذا باطل بالاتفاق. وإذا وجب PageV03P746 # اعتبار صورة الفعل مع الوجه الذي وقع، فهذا يمنع أن يكون ظهور فعله دلالة ~~على الوجوب. # والجواب: أن المعتبر بصورة الفعل فقط، إذا كان واقعا على وجه القربة. # وقولهم: إنه قد يقع منه على وجه الندب والإباحة، غلط؛ لأن إطلاق أفعال ~~القرب منه يقتضي الإيجاب، وإنما يحمل على الندب بدلالة. # واحتج: بأن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتورها معنيان: أحدهما ~~الفعل و [ثانيهما] الترك؛ لأن الترك أحد قسمي الفعل، فلما لم يكن تركه ~~موجبا علينا ترك الفعل الذي تركه، كذلك فعله، لا يوجب علينا مثل فعله. ms294 # والجواب: أن هذا يبطل بالأمر فإنه يعتوره معنيان: الأمر والترك، وترك ~~الأمر لا يوجب ترك ما ترك الأمر به، وأمره يوجب امتثال ما أمر به. # واحتج: بأن حمله على الندب أولى؛ لأنه متحقق، وما عداه مشكوك فيه. # والجواب: أن حمله على الوجوب أولى، لما فيه من الاحتياط والخروج من ~~الغرر. # واحتج أبو الحسن في مسألته (1) : بأن فعله قد يكون مصلحة له، دون أمته. # والجواب: أنه يبطل بأمره إذا خرج في رجل بعينه قد تكون مصلحة له ولا ~~يختصه. PageV03P747 # وذكر أيضا: بأن الصغائر قد تقع من الأنبياء، قال تعالى: (وعصى آدم ربه ~~فغوى) (1) . # وأخبر عن موسى لما قتل الرجل (هذا من عمل الشيطان) (2) . # وكذلك ما وجد من إخوة يوسف، ومن داود، وإذا ثبت وقوع الخطأ منهم، لم يجب ~~علينا احتذاء أفعالهم. # والجواب: أنا قد بينا أنه إنما يجب ما كان على سبيل القربه والطاعة. # واحتج من قال: إنها على الوقف: # بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويحتمل أن ~~يكون فعله واجبا، ويحتمل أن يكون ندبا، ويحتمل [أن يكون] (3) إباحة، ويحتمل ~~أن يكون مخصوصا دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الاقتداء ~~به. # والجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبا عاما فيه وفي ~~أمته، وإنما يكون ندبا أو خاصا له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في ~~صيغة الأمر إذا وردت [106/أ] متجردة عن القرائن اقتضت الوجوب، وإنما يحمل ~~على الندب بقرينة. # وعلى أنه وإن كان محتملا للوجوب والندب، فحمله على الوجوب أولى، لما فيه ~~من الاحتياط. # وجواب آخر، وهو: أن الاتباع قد يكون في الفعل وإن اختلف PageV03P748 # قصد التابع والمتبوع، فالمتنفل يأتم بالمفترض، فيتبعه في صلاته، وإن ~~اختلفا في القصد والاعتقاد. # وكذلك من خرج للجهاد، فتبعه آخر يريد تجارة، سمي متبعا له في سفره، وإن ~~خالفه في قصده. # ومما يلحق بأول المسألة ما رأيت (1) في آخر كتاب النفقات من كتاب الشافي ~~بخط عتيق: روى محمد بن هبيرة البغوي ms295 (2) عن أحمد بن حنبل رحمه الله قلت له: ~~أليس أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا؟ قال: نعم، إلا أن منه ~~أشد، قلت له: ففعله؟ قال: فعله ليس عليك بواجب، وذلك أنه كان يقوم حتى ترم ~~قدماه (3) ، ويفعل أفعالا لا تجب عليك (4) . # وبهذا قال أصحاب أبى حنيفة. # فصل # وإذا ثبت أن أفعاله على الوجوب، فإن وجوبها من جهة السمع، خلافا لمن قال: ~~تجب بالعقل. PageV03P749 ### | دليلنا: # أن أصل النبوة لما لم يثبت عقلا، وإنما يثبت بدليل، ففعله أولى. # ولأن الأفعال الشرعية، تختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين، بدلالة أن ~~الحائض مخالفة لحال الطاهر، وكذلك المقيم مخالف للمسافر، والغني والفقير، ~~لم يمتنع أن تكون حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لأحوالنا في ~~الفعل، فيكون ما يفعله صلاحا له، ومتى فعلنا مثله كان فسادا لنا، فوجب ~~الرجوع في اتباع أفعاله إلى دلالة أخرى غير الفعل. # واحتج المخالف: # بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل ذلك على وجه القربة كان من ~~مصالحه، فيجب أن يكون من مصالحنا. # والجواب: أن هذا يوجب كون الصلاة مصلحة في حق الحائض، لأنها مصلحة في حق ~~الظاهر، وكذلك الصيام والقصر في حق المقيم، والزكاة في حق الفقير. # واحتج بأن ما أوقعه صواب وحق، فوجب اتباعه. # والجواب: أن هذا يبطل بما كان مخصوصا به من الأشياء، ويبطل بالصلاة في حق ~~الطاهر صواب وحق، وليس ذلك بصواب في حق الحائض. # واحتج: بأن في ترك اتباعه إظهار خلاف عليه ومباينة له، وذلك يوجب التنفير ~~عنه والتصغير لشأنه، فوجب حملها على الوجوب. # والجواب: أن هذا باطل بما كان مخصوصا به. # ويبطل أيضا بأفعاله المباحة من الأكل والشرب واللبس والمشي، # PageV03P750 # فإن ترك اتباعه فيها يفضي إلى ما قالوه، ومع هذا لا يجب اتباعه وعلى ~~[106/ب] أن هذا يوجب المشاقة في حق من لا يوجبها، وعندنا أنه يجب اتباعه ~~فيها، وإنما تختلف في الطريقة التي بها يجب، فلا يصح ماقالوه. ### | ### | مسألة # (1) # يجوز أن يكون النبي الثاني متعبدا بما تعبد به الأول، والعقل ms296 لا يمنع من ~~ذلك؛ لما فيه من المصلحة له، فلما لم يمنع أن يتفق حكم زيد وعمرو فيما هو ~~مصلحة لهما من الشرعيات، ولم يمتنع أيضا أن يختلف حكمهما في ذلك، وجب أن ~~يجوز كون النبي الثاني متعبدا بما تعبد به الأول. # فإن قيل: لو جاز أن يكون الثاني متعبدا بما كان الأول متعبدا به لكان لا ~~فائدة في بعثه وإظهار الإعلام على يده: ولأنه لم يأت بشريعة مبتدأة، وإنما ~~نقل إلى قومه شريعة من تقدمه. # قيل: إنما يحسن إظهار الإعلام على يد النبي الثاني؛ لأنه لا بد من أن ~~يأتي بما لا يعرف إلا من جهته، إما أن يكون ما يأتي به في شريعة مبتدأة، أو ~~يكون ذلك مما كان الأول متعبدا به، إلا أنه قد درس وصار بحيث لا يعرف إلا ~~من جهة النبي الثاني (2) . # فإن قيل: فما أنكرتم أن لا يجوز أن يتعبد الثاني بخلاف ما كان الأول ~~PageV03P751 # متعبدا به؛ لأنه حينئذ يصير رادا لما أتى به الأول ومخالفا له فيه، وهذا ~~لا يجوز، كما لا يجوز أن يخبر الثاني بخلاف ما أخبر به الأول. # قيل: لو كان الثاني متعبدا بما تعبد به الأول [فذلك] لا يوجب أن يكون ~~رادا لما أتى به في الأول؛ لأنه يقول: ما يأتي به الأول حق وصواب، مثل ما ~~أتيت به، وإن كان مخالفا له، كما أن المستشارين إذا أشار أحدهما بخلاف ما ~~يشير به صاحبه، لم يكن أحدهما رادا لرأي الآخر، بل يقول كل واحد منهما: إن ~~ما يراه صاحبي صواب منه، وما رأيت أنا صوابا مني، وليس هذه حال الخبر، لأنه ~~إنما يكون صدقا وكذبا بحال (1) يرجع إليه؛ لأنه إن كان مخبره على ما أخبر ~~به كان صدقا (2) ، وإن كان بخلاف ما أخبر به كان كذبا. # وأما الأفعال الشرعية، فإنها لا تكون حقا وصوابا بحال يرجع إليها، وإنما ~~يكون صوابا، لما فيه من المصلحة، فيكون الفعل الواحد مصلحة في حال، وتكون ~~المصلحة في خلافه في حال أخرى، كالمرأة الطاهر ms297 (3) تكون المصلحة لها في ~~الصلاة والصيام، وإذا حاضت كانت المصلحة لها في ترك ذلك. # وكذلك المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، ولا يمتنع أن تكون المصلحة ~~للنبي الثاني في أن يتعبد بخلاف ما تعبد به الأول. # فإن قيل: كيف يصح هذا على أصلكم، وعندكم أن العقل لا يبيح ولا يحظر؟ # قيل: من أصلنا: أن العقل لا مدخل له في إباحة شيء [107/أ] ولا ~~PageV03P752 # حظره، وكلامنا هاهنا: هل العقل يحيل ذلك؟ ولسنا نمنع وجوب (1) أشياء لا ~~يحيل وجودها العقل كرؤية الله تعالى، وأشياء يحيل العقل وجودها كاجتماع ~~الضدين. ### | مسألة # (2) # إذا ثبت جواز ذلك، فهل كان نبينا متعبدا بشريعة من قبله أم لا؟ # فيه روايتان: # إحداهما: أن كل ما لم يثبت نسخه من شرائع من كان قبل نبينا عليه السلام ~~فقد صار شريعة لنبينا، ويلزمنا أحكامه من حيث إنه قد صار شريعة له، لا من ~~حيث كان شريعة لمن قبله. # وإنما يثبت كونه شرعا لهم بمقطوع عليه، إما الكتاب أو الخبر (3) من جهة ~~الصادق أو بنقل متواتر، فأما الرجوع إليهم وإلى كتبهم فلا. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا، فقال في رواية أبي طالب فيمن حلفت بنحر ~~ولدها، [عليها] كبش (4) ، تذبحه وتتصدق بلحمه، قال الله تعالى: (وفديناه ~~بذبح عظيم) (5) . PageV03P753 # فقد أوجب أحمد رحمه الله كبشا في ذلك، واحتج بالآية عليه، وهي شريعة إلي ~~إبراهيم. # وقال في رواية أبي الحارث والأثرم وحنبل والفضل بن [زياد و] (1) عبد ~~الصمد (2) وقد سئل عن القرعة، فقال: في كتاب الله في موضعين: قال الله ~~تعالى: (فساهم فكان من المدحضين) (3) ، وقال: (إذ يلقون أقلامهم) (4) فقد ~~احتج بالآيتين في إثبات القرعة، وهي في شريعة يونس ومريم. # وقال أيضا في رواية أبي طالب وصالح في قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس) (5) فلما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقتل ~~مؤمن بكافر) (6) ، قيل له: أليس قد قال الله تعالى: (النفس PageV03P754 # بالنفس) ؟ قال: ليس هذا موضعه، علي بن أبي طالب يحكي ما في الصحيفة (لا ~~يقتل مؤمن بكافر) ، وعن ms298 عثمان ومعاوية (1) : "لم يقتلوا مؤمنا بكافر" (2) . ~~PageV03P755 # وهذا أيضا يدل على أن الآية على ظاهرها في المسلمين ومن قبلهم، ولكنه ~~عارضها بحديث الصحيفة، ولو لم يكن كذلك لما عارضها، ولقال: # ذلك خاص لمن قبلنا. # وبهذه الرواية قال أبو الحسن التميمي في جملة مسائل خرجها في الأصول. وهو ~~قول أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن أبي بكر الرازي. # وفيه رواية أخرى أنه لم يكن متعبدا بشيء من الشرائع، إلا ما دل الدليل ~~على ثبوته في شرعه، فيكون: شرعا له مبتدأ. # أومأ إليه رحمه الله في رواية أبي طالب في موضع آخر، فقال: (النفس ~~بالنفس) كتبت على اليهود، وقال: (1) (وكتبنا عليهم فيها) (2) [أي] (3) في ~~التوراة، ولنا (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى) (4) . # وبهذا قالت المعتزلة (5) والأشعرية. PageV03P756 # واختلف أصحاب الشافعي: # فمنهم من قال: ما لم [107/ب] يثبت نسخه شرع لنا. # ومنهم من قال: ليس بشرع لنا. # واختلف القائلون بأنه كان متعبدا: # فقال بعضهم: بشريعة إبراهيم. # وقال قوم: بشريعة موسى إلا ما نسخ. # وقال قوم: بشريعة عيسى؟ لأنها ناسخة لشريعة موسى. # والأشبه: أنه كان متعبدا بكل ماصح من شرع من كان قبله من الأنبياء. # فالدلالة على أنه شرع لنا: # قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) (1) ، فذكر الله تعالى ~~أنبياءه (2) : إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وغيرهم، وأخبر أنه هداهم، وأمر ~~باتباعهم فيما هداهم به، والأمر يقتضي الوجوب. # فإن قيل: إنما أمر باتباعهم في التوحيد وما يدل العقل عليه لوجوه: أحدها: ~~أنه أضاف ذلك إليهم، فاقتضى ما يقطع على كونه شرعا لهم، وهو التوحيد، فأما ~~غيره من الأحكام فغير مقطوع عليه، بل يحكم به من جهة غلبة الظن. # ولأنه قال: (ومن آبائهم وذرياتهم) (3) ، وهدى الذرية هو التوحيد. ~~PageV03P757 # ولأن الله تعالى ذكر من لم يكن نبيا في جملة من أمره بالاقتداء به من ~~آبائهم وذرياتهم وإخوانهم. # ولأن ملة إبراهيم قد كان فيها المنسوخ، ومعلوم أنه لا يتعبد بالمنسوخ. # قيل: الهدي يتناول التوحيد وغيره، فالآية تقتضي وجوب الاتباع في جميعه. # وعلى أن ms299 التوحيد لا يتبع فيه غيره عندهم، وإنما يوحد بما هو مأمور [به] ، ~~والآية تقتضي اتباع غيره. # وجواب آخر وهو: أن التوحيد عندنا وما يدل العقل على صحته يجب بالشرع، ولا ~~يجب بالعقل عبادة موجبة، ولا يصح السؤال. # وقولهم: إننا لا نقطع على أن غير التوحيد هدى لهم، فمتى لم نقطع على ذلك ~~ونعلمه من جهة يقع العلم بها لم يجب اتباعه. # وما ذكروه من الذرية، فقد يكون التوحيد هدى لهم، وقد يكون غيره هدى لهم، ~~فيجب اتباع جميعه. # وأما ذكر من لم يكن نبيا في جملة أمره بالاقتداء به، فغير مانع مما ~~ذكارنا؛ لأن من لم يكن نبيا كانوا على شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم ~~متمسكين بها، بدلالة قوله تعالى: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) ~~(1) وقد قال تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلي) (2) ، وقال: (ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين) (3) ، فلما PageV03P758 # كان سبيل المؤمنين متبعا، لم يمتنع أن يؤمر النبي باتباع ما اتبعه غيره ~~ممن تقدمه. # وقولهم: إن في شريعة إبراهيم منسوخا لا يضر؛ لأنا لما علمنا أنه لا يصح ~~تكليف المنسوخ، علم أن الأمر لم يتناوله. # فإن قيل: لما أمر باتباعهم في هداهم صار ذلك ثابتا بدليل شرعي، ونحن لا ~~نمنع ذلك، وإنما الخلاف في حالة الإطلاق. # قيل: عندكم إذا دل على ذلك دليل شرعي [108/أ] صار حكما مبتدأ، فإذا فعله ~~الإنسان، لم يكن مقتديا بهم ولا متبعا لهم، والآية تقتضي اتباعهم والاقتداء ~~بهم فيه. # ويدل عليه قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) (1) الآية، ~~ولم يأمر بالاتباع، فلو كان الاتباع واجبا بأمر مجدد في شريعته لكان يقترن ~~به، فلما لم يقترن به أمره دل على أنه إذا ثبت أنه شرع لغيره وجب عليه وعلى ~~أمته الاتباع. # ويدل عليه قوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) (2) ، ~~فأمره باتباع ملة إبراهيم، وأمره على الوجوب. # ويدل عليه قوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا) (3) ، ولم يفرق بين نبينا وبين سائر ~~الأنبياء، ms300 قال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، (فأولئك ~~هم الظالمون) PageV03P759 # (فأولئك هم الفاسقون) (1) ، والتوراة مما أنزله وتواعد من لم يحكم بها. # يؤكد هذا ما روي أن الربيع (2) كسرت سن جارية فقال النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -: (كتاب الله القصاص) (3) . والذي في كتاب الله ما حكاه عن التوراة، ~~وأن السن بالسن، ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكى الأحكام عنها، ~~وعمل بها. # فإن قيل: قوله: (كتاب الله القصاص) إشارة إلى قوله: (فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه) (4) ، ولم يرد قوله: (السن بالسن) . # قيل: هذا عام، و (السن بالسن) خاص، فكان رد كلامه إلى ما هو نص أولى من ~~العموم. # وأيضا: فإن الحكم إذا ثبت في الشرع لم يجز تركه، حتى يرد دليل بنسخه ~~وإبطاله، وليس في نفس بعثة النبي ما يوجب نسخ الأحكام التي PageV03P760 # قبله، فإن النسخ إنما يكون عند التنافي، والبعثة إنما تكون بالتوحيد، ~~وليس فيه منافاة لتلك الأحكام، فوجب التمسك بتلك الأحكام والعمل بها حتى ~~يرد ما ينافيها ويزيلها، كما وجب ذلك قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وأيضا: فإنه شرع مطلق، فوجب أن يدخل فيه كل مكلف إلا أن يثبت نسخه، أصله ~~ما ثبت من الشرع المطلق، ولأن نبينا كان قد بعثه متعبدا، فدل على أنه كان ~~مأمورا بشرع من قبله. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (1) ، والشرعة والشريعة ~~واحد، والمنهاج: الطريق الواضح. # والجواب: أنه لا بد أن يكون بين الشريعتين اختلاف من وجه، وهو ما نسخ، ~~وإن كان بينهما اتفاق من وجه، فحصلت الإضافة لهذا المعنى. # واحتج: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (بعثت إلى الأحمر ~~والأصفر، وكل من بعث إلى قومه) (2) فدل على أنهم لم يكونوا مبعوثين [108/ب] ~~إلينا، فلا يكون شرعهم لازما لنا. # والجواب: أن قوله: "بعث" يعني: متبوعا مقصودا إلى قومه، وغير قومه تبع ~~له. PageV03P761 # واحتج بما روي عن عمر بن الخطاب: أنه خرج يوما وبريده قطعة من التوراة، ~~فغضب النبي - صلى الله عليه ms301 وسلم -، وقال: ما هذا؟ جئت بها بيضاء نقية، لو ~~أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي) (1) ، وأنكر حمل التوراة، وأخبر أن موسى ~~لو أدركه لزمه أن يتبعه. # والجواب أنه إنما أنكر عليه، لأن التوراة مبدلة مغيرة، وأكثرها ~~PageV03P762 # منسوخ، فلا يجوز التمسك بها والرجوع إليها، ونحن لا نرجع إلى ما ثبت ~~بالتوراة، وإنما نرجع إلى ما ثبت بدليل مقطوع عليه من قرآن أو خبر متواتر ~~أو سنة متواترة أو وحي نزل به. # وقوله: (لو أدركني موسى لزمه أن يتبعني) ؛ لأنه يقتضي [أن يكون] واحدا من ~~أمته، فيلزمه اتباعه. # فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العلة في نهيه عن النظر في ~~التوراة: أنه لو كان موسى حيا لم يسعه إلا أن يتبعه، فامتنع أن تكون العلة ~~في النهي كونها مغيرة مبدلة. # قيل (1) : # واحتج: بأن شرع من قبلنا لو كان شرعا لنا لم يتوقف عن الجواب في الحادثة ~~حتى ينزل الوحي، فلما توقف ولم يعمل بشرع من قبله، ثبت (2) أنه ليس بشرع ~~له. # والجواب: أنه توقف؛ لأنه لم يكن عنده الحكم، ولا ثبت عنده الحكم في شرع ~~غيره، فلهذا توقف، ألا ترى أن ما ثبت عنده صحته من أحكامهم، مثل استقبال ~~بيت المقدس في الصلاة (3) ، وغير ذلك، لم يتوقف فيه، بل كان يسارع إلى ~~اتباعه والاقتداء به. # واحتج: بأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لأمة نبي في شيء، ومصلحة أمة أخرى ~~في ضدها، فإذا لم يمتنع هذا امتنع (4) أن يكون: شرعهم شرعا لنا. ~~PageV03P763 # والجواب: أنه لا يمتنع أن تكون مصلحة لهم، ويتصل بأمة بعدها، كما أن ~~الصحابة تتعبد بما هو مصلحة لهم، ويكون شرعا ودينا لمن بعدهم من التابعين. # واحتج: بأنه لو وجب علينا اتباع شرعهم لوجب أن نتتبع أدلتهم ونعرفها، كما ~~يجب ذلك في حكم الإسلام، ولوجب علينا حفظ شريعتهم ودراستها. # والجواب: أنه لا يمتنع أن يقال: إنه ثبت عندنا صحة بعض الأدلة بالأوجه ~~التي ذكرناها، فوجب (1) المصير إلى موجبه والعمل به، كما يجب المصير إلى ~~نفس الحكم، ويجب حفظه ودراسته ms302 ما يلزمنا حكمه، وهو ما ثبت عندنا كونه شرعا ~~لهم، فأما ما لم يثبت، وإنما يخبرون هم به، فإنه لا يجب ذلك؛ لأن حكمه لا ~~يلزمنا. # واحتج: بأنه إنما يجب الرجوع إلى أحكام [109/أ] الشرع، إذا عرف جمل ~~أحكامه وتفصيلها، لجواز أن يكون هناك ناسخ أو شيء يخص العام، وهذا غير ممكن ~~في شرعهم. # والجواب: أن ما أخبر الله تعالى به فالظاهر أن حكمه ثابت غير منسوخ ولا ~~مخصوص، لأنه لو كان منسوخا أو مخصوصا، لكان مطرحا، ولم يبين حكمه. # واحتج: بأنه أضاف جميع الشرع إلى موسى وعيسى. # والجواب: أن هذا لا ينفي أن يكون الشيء منه شرعا لغيره، لأننا نقول: إن ~~جميعه مضاف إليه، وإن كان قد يلزم حكمه لغير أهل ملته. PageV03P764 # واحتج: بأنه لو كان شرع من قبلنا شرعا لنا، لوجب أن يبعث نبين في وقت ~~واحد بشريعة واحدة، فلما لم يجز هذا، ثبت أنه ليس شرع من قبلنا شرعا لنا، ~~لأنه يفضي إلى أن يكون شرع نبيين على وجه واحد. # والجواب: أنه يجوز، وقد فعل، بعث إبراهيم وابن أخيه بشريعة واحدة، في وقت ~~واحد، وبعث موسى وهارون بشريعة واحدة، في وقت واحد. # على أنه لو كان الأمر على ما قالوه، فإنما يمتنع هذا لوجود نبيين في وقت ~~واحد، فأما إذا انقرض واحد، وقام غيره بعده، فإن شريعته شريعة نبي واحد. # واحتج: بأن جميع الشريعة مضافة إلى نبينا، فلو كان ما ليس فيها يجب العمل ~~به بشريعة غيره، لم تضف إليه. # والجواب: أن ما يتبعه من شرع غيره، فهو شريعته، ومضاف إليه؛ لأنه لم ~~ينسخه عنا. # فصل (1) # فأما قبل البعث، فإن نبينا عليه السلام كان متعبدا بشريعة من قبله، سواء ~~قلنا: ليس شرع من قبله له بعد البعث، أو قلنا: هو شرع له. # وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية حنبل فقال: من زعم أن PageV03P765 # النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان ~~لا يأكل ما ذبح على النصب؟ # وبه قال ms303 أصحاب الشافعي (1) . # وقال قوم: ذلك على الوقف (2) ، يجوز أن يكون متعبدا، ويجوز أن لا يكون. # وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحابه (3) أنه بعد البعث شرع من قبله قد صار ~~شرعا له، لا من حيث كان شريعة له قبله، فأما قيل أن يبعث، فإنه لم يكن ~~متعبدا بشيء من الشرائع. # والدلالة على أنه كان متعبدا: ما تقدم من قوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن ~~اتبع ملة إبراهيم) (4) ، وغير ذلك من الآيات. # ولأنه قبل البعث كان متبعا لهم، بدليل أنه ركب الحيوان، وأمر بذبح ~~الحيوان، وأكل لحمه، وحج واعتمر مرارا، فقيل: انه حج ثلاثا، وكل هذا لا ~~يوجد [109/ب] بالعقل، وإنما يفعل يشرعا، ثبت أن ما فعله شرع من قبله. # فإن قيل: ركوب الحمار وذبح الحيوان بالعقل. # قيل: الحج والعمرة لا يثبتان (5) بالعقل، وقد فعل ذلك، ثبت أنه ~~PageV03P766 # فعل ذلك بالشرع لا غير. # وكذلك ذبح الحيوان ينافيه العقل، لما فيه من إيلام الحيوان. وكذلك الحصل ~~عليه وركوبه (1) ، طريقه الشرع دون العقل. # واحتج المخالف: بما تقدم لمن منع أن يكون شرع من تقدم شرعا لنا، وقد ~~أجبنا عنه. # واحتج: بأنه لو كان كذلك لوجب ظهور عمله بتلك الشريعة واقتدائه بها، ولو ~~ظهر لنقل، ولم يخف على أهله ومن أتى به. # والجواب: أنه قد ظهر، ونقل مما ذكرناه عنه من صلاته وصيامه وحجه وعمرته ~~وذبحه وركوبه. ن (2) . PageV03P767 ### | باب النسخ # (1) # حقيقة النسخ: هو الرفع والإزالة، ومنه يقال: نسخت الريح التراب والآثار، ~~إذا أزالت ذلك. ونسخت الشمس الظل، إذا أزالته. # وقد يعبر به عن نقل الخط من موضع إلى كل موضع، يقال: نسخ فلان هذا الخبر ~~إذا نقل ما فيه. ومنه قوله تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (2) ، ~~يعني نكتبه وننسخه، وهذا مجاز. # ويفتقر النسخ إلى وجود خمس شرائط: # أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ، فإن كان ملفوظا به معه، فإنه يكون ~~استثناء وتخصيصا. # وأن يكون الحكم المنسوخ قد ثبتت بالشرع، ثم رفع، فأما إن كان الناس فعلوا ~~شيئا بعادة لهم، أقروا عليها، ثم رفع ms304 ذلك، لم يكن نسخا، وكان ابتداء شرع. ~~PageV03P768 # وأن يكون الرافع المزيل دليلا شرعيا، فأما إن زال حكم العبادة من غير ~~دليل، كمن جن أو مات، فإن فرض العبادة يسقط عنه، ولا يكون نسخا. # وأن لا يكون للعبادة المنسوخة مدة معلومة، بل كانت مطلقة فقطع دوامها في ~~الثاني. فأما إن كانت معلقة بمدة معلومة ففي نسخها كلام. # وأن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو مثله، ولا يكون أضعف منه. ### | مسألة # (1) # يجوز نسخ الشرائع عقلا وشرعا. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية صالح وأبي الحارث: قوله تعالى: (ما ننسخ ~~من آية أو ننسأها) (2) أن ذلك لجواز النسخ، وأن الله PageV03P769 # تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب. # وبهذا قالت الجماعة. # وحكي عن أبي مسلم الأصفهاني (1) : أنه كان يمنع وقوع النسخ شرعا ويجيزه ~~عقلا (2) . PageV03P770 # واختلفت [110/أ] اليهود في جواز نسخ الشرائع على مذاهب: # منهم من منع ذلك من طريق العقل. # ومنهم من قال: لا يجوز من جهة السمع. # ومهم من قال: يجوز من جهة السمع والعقل، ولكن لا يؤمن بما جاء به نبينا، ~~ولا يقر بمعجزاته، ولا يقبل شريعته. # والدلالة على جوازه شرعا: # أن التوجه إلى بيت المقدس كان واجبا بلا خلاف، ثم نسخه الله بالتوجه إلى ~~الكعبة، بقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (1) الآية. # وكذلك تقديم صدقة بين يدي نجوى النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان واجبا ~~بقوله تعالى: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) (2) ثم نسخ ~~الله تعالى ذلك (3) . PageV03P771 # وقال تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسأها (1) نأت بخير منها أو مثلها) (2) ~~فأخبر أن فيه ناسخا ومنسوخا. # وقال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) (3) ، ~~فأخبر أنه قد حرم عليهم ما كان حلالا لهم. وهذا هو النسخ. ونظائر ذلك كثير. # والدلالة على جوازه عقلا: # أن الناس في التكليف على قولين: # منهم من قال: لله تعالى أن يكلف عباده بما شاء أن يكلفهم، لمصلحة ولغير ~~مصلحة، ولكن لا يختلف أن التكليف إنما وقع ms305 على وجه المصلحة، كما أن ما يفعل ~~فينا إنما يفعله للمصلحة. # ومنهم من قال: حسن التكليف لما فيه من مصالحهم. # وأيهما كان فإن النسخ يجب أن يكون جائزا، لأنه على القول الأول، النسخ ~~بمنزلة ابتداء التكليف، وعلى القول الثاني لا يمتنع أن يختلف حال المكلف في ~~المصلحة، فيختلف التكليف، ألا ترى أن الرجل قد يكون من مصلحته في وقت البر ~~واللطف، وفي وقت آخر مصلحته التشديد والعنف. # ويبين صحة هذا أن الطاهر تصوم وتصلي، والحائض تمنع منها. # ولأن تأخير بيان المراد باللفظ العام من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة جائز، ~~كتأخير بيان التخصيص، وهو تأخير لبيان المراد باللفظ العام في PageV03P772 # الأعيان، مثل قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) ~~(1) وما أشبه ذلك. # فإن قيل: تخصيص عموم القرآن يجوز بخبر الواحد وبالقياس، ولا يجوز نسخه ~~بهما. # قيل: يجوز ذلك في العقل، كما جاز ذلك في التخصيص، وإنما منعناه (2) شرعا، ~~وهو أن التخصيص لا يرفع الجملة، فجاز أن يقع بما هو دونه، والنسخ يرفع ~~الجملة فلم يقع إلا بما هو أقوى من المنسوخ. # ولأن عندهم أن اعتقاد نبوة موسى عليه السلام، قبل أن بعث وظهرت معجزاته ~~لا يجوز، ولم يجز الإخبار عن الله تعالى في تلك الحال وكان محظورا، فلما ~~ظهرت المعجزة على يده، صار الإخبار بثبوته طاعة، فما أنكرتم أن يكون الشيء ~~عبادة ثم يخرج من [110/ب] أن يكون عبادة. # وأيضا: لما حسن أن ينقلنا من حال إلى حال في الخلقة، فننقل من الصغر إلى ~~الكبر. ومن الشباب إلى الهرم، ومن الصحة إلى السقم، ومن الحياة إلى الممات، ~~حسن أن ينقلنا في التكليف، لأنه لا فرق بين ما يفعله بنا، وبين ما يأمرنا ~~بفعله. # ولأن الله تعالى أمر آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه، وحرم ذلك في ~~شريعة من بعده من الأنبياء. # وأباح العمل في السبت على ألسنة سائر الأنبياء، وحرمه على لسان موسى عليه ~~السلام. # وكذلك إبراهيم عليه السلام ختن نفسه بعد الكبر. وهم يزعمون أن من ~~PageV03P773 # شرع ms306 موسى المبادرة إلى الختان في اليوم الذي في يولد المولود. # وكذلك يزعمون أن يعقوب جمع بين الأختين في وقت واحد، وذلك لا يجوز في ~~شريعة موسى. وهذا يدل على بطلان ما قالته اليهود، لعنهم الله. # واحتج من منع ذلك عقلا: # بأن النسخ يفضي إلى البداء، فإنه قد يكون أمر بشيء وأراده ثم علم من حال ~~المأمور به في الثاني ما لم يكن قد علمه منه في وقت الأمر به، فأوجب النهي ~~عنه، إذ لو لم يكن ذلك لكان بين مدة الفعل في وقت الأمر، وفي حصول الإجماع ~~على بطلان ذلك دليل على فساد قول ما أدى إليه. # والجواب: أنا لا نقول: إنه لما أمر بها أراد بقاءها على الدوام، ثم بان ~~له خلاف ذلك فنسخها، بل نقول: أمر بما أمر به، وهو عالم بما أمر وبما ينهي ~~عنه بعده، ولم يظهر له شيء كان خفيا عنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل ~~نقول: إنه حين أمر بها أمر وهو يريد بقاءها والتعبد بها، إلى أنه معلوم ~~عنده أن فيه مصلحة أو لا مصلحة فيه، وإن لم يطلع عليه، ولا يوجب ذلك أن ~~يكون قد ظهر له منه في حال النهي مالم يكن عالما به، ألا ترى أنه إذا نهى ~~عن فعل من الأفعال ابتداء، فإنه لا يوجب ذلك أن يكون عالما حال النهي ما لم ~~يكن قد علمه قبل ذلك، ثم هذا يبطل بنقل الانسان من حال إلى حال. # وقيل الجواب عن هذا: إنما يقتضي البداء لو أمر بفعل عبادة في وقت، ثم ~~ينهي عنها في ذلك الوقت على جهة واحدة، فأما إذا نهي عن مثل تلك العبادة ~~التي أمر بها، فلا يفضي إلى البداء. # وقد كشف بعض المتكلمين عن هذا الجواب، وقال: إن هذا # PageV03P774 # يجري مجرى ما لو علق الآية بمدة، نحو قوله: "صلوا عشرين سنة"، فإن ما بعد ~~المدة يسقط الأمر على غير وجه البداء، كذلك إذا أمر به مطلقا إلى مدة ~~معلومة عنده، وكذلك أفعال الله تعالى ms307 تجري هذا المجرى بدليل أنه يغني ~~الواحد في وقت، ويفقره في وقت آخر، ويسود الشيء في وقت، ويبيضه في وقت، ~~[111/أ] ويحرك الشيء في وقت، ويسكنه في وقت، ويحييه في وقت، ويميته في وقت. # وكذلك آدم كان يزوج بناته من بنيه، وكان مباحا، ثم حظره الله تعالى ~~عندهم. # وكذلك جميع ما شرعه موسى لم يكن لمن قبله من الأنبياء. # وكذلك اختتان إبراهيم عليه السلام بعد الكبر. # واحتج: بأنه يؤدي إلى التناقض من قبل أنه أمر بعبادة، وكان عملها حسنا، ~~فإذا نهي عنها بعد مدة يصير فعلها مفسدة، بعد أن كان مصلحة. # والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك، لأنا لا نجعل العبادة الواجبة مصلحة ~~ومفسدة، أو حسنة وقبيحة، وإنما نجعل العبادة مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت ~~آخر. ثم إن هذا يبطل بانتقالنا من حال إلى حال. # واحتج: بأن الأمر إذا ورد مطلقا اقتضى فعل المأمور به أبدا، ووجب على ~~المأمور أن يعتقد وجوبه عليه أبدا، ويكون ذلك الاعتقاد حسنا، فلو جاز ورود ~~النهي عن مثل ذلك في المستقبل، لكان ذلك دلالة على البداء؛ لأنه قد نهي عما ~~وقع الأمر به على الوجه الذي أمر به، ولصار الاعتقاد الذي كان محكوما له ~~بالحسن قبيحا. # والجواب: عن قوله: إن الأمر يقتضي فعل المأمور به أبدا، خطأ؛ لأن التكليف ~~قد يسقط بمعان (1) تطرأ على المكلف، مثل الموت والجنون PageV03P775 # والعجز، وما يجري هذا المجرى، فكيف يصح أن يكون الأمر مقتضيا لوجوب ~~المأمور به أبدا. # وقوله: إن ذلك يكون بداء، خطأ؛ لأن النهي ها هنا لا يقع عما وقع الأمر ~~به، وإنما وقع النهي عن مثله في المستقبل، وهذا غير ممتنع؛ لأن الفعلين قد ~~يكونا متماثلين من جنس واحد، مع كون أحدهما حسنا وفيه المصلحة، وكون الآخر ~~قبيحا ولا مصلحة فيه، ألا ترى أن اعتقاد المكلف نبوته، واعتقاده لها يكون ~~مصلحة بعد بعثه الله تعالى إياه، ولا يكون مصلحة قبل أن يبعثه نبيا. # وقولهم: إن عليه أن يعزم على الفعل ويعتقده أبدا، فليس كذلك، وإنما ms308 يعتقد ~~وجوبه إلى ما لم يرفع عنه. # واحتج: بأنه لو جاز ورود النسخ في الشرائع، لجاز مثله في اعتقاد التوحيد. # والجواب: أن الفعل الشرعي يجوز أن يكون مصلحة في وقت، ولا يكون مصلحة في ~~وقت آخر مع بقاء التكليف، ويكون مصلحة لزيد، ولا يكون مصلحة لعمرو. # فاما فعل التوحيد، فلا يخرج عن أن تكون المصلحة فيه لجميع المكلفين وفي ~~جميع الأوقات. # يبين صحة هذا: أنه لايجوز أن يجمع بين الأمر بالفعل الشرعي وبين النهي عن ~~مثله، بأن يقول: "صلوا هذه السنة، ولا تصلوا بعدها"، ولا يجوز أن يجمع بين ~~إيجاب اعتقاد التوحيد وبين النهي [111/ب] عن مثله في المستقبل. # واحتج: بأنه لو جاز ورود النهي عن الفعل بعد ورود الأمر بمثله مطلقا، ~~لكان ذلك مؤديا إلى أن لا يكون ها هنا معنى يدلنا على تأبيد # PageV03P776 # العبادة، وفي ذلك إبطال قدرة الله تعالى على أن يدلنا على تأبيد العبادة ~~إلى وقت زوالها بزوال التكليف. # والجواب: أنه يجوز تأبيد العبادة بأن ينقطع الوحي، أو يضطر إلى قصد (1) ~~الرسول فيه، كما اضطررنا إلى قصده في تأبيد شريعته، وأنه لا نبي بعده. # واحتج من قال منهم بأنه لا يجوز النسخ شرعا: بما روي عن موسى عليه السلام ~~أنه قال: "شريعتي مؤبدة ما دامت السموات والأرض". # والجواب: أن هذا كذب. # وقيل: إن أول من قال هذا لليهود ابن الراوندي (2) بأصبهان (3) ، فإنه أخذ ~~منهم دنانير، وعلمهم ذلك، وقال: قولوا لهم: إن شريعتنا مؤبدة، كما يقولون. ~~PageV03P777 # والدليل على ذلك: أن هذا لو كان صحيحا لوجب أن يكون اليهود قالوا لعيسى ~~ونبينا صلى الله عليهما وسلم مع تصديقهما لموسى عليه السلام ومخالفتهما ~~لشريعته عليهم السلام، فلما لم ينقل أن أحدا قال لهما هذا، مع حرصهم على ~~تكذيبهما والرد عليهما وتنفير الناس عنهما، دل على أنه لا أصل له. # وجواب آخر وهو: أنه لو ثبت لكان معناه إلا أن يدعو صارف إلى تركها وهو من ~~ظهرت المعجزة على يده، وثبتت نبوته، مثل ما ثبتت نبوة موسى، والخبر يجوز ~~تخصيصه ms309 كما يجوز تخصيص الأمر والنهي. # فصل (1) # والنسخ في اللغة عبارة عن شيئين: # أحدهما: الإزالة، فإذا كان في موضع آثار، فزالت، قالوا: "نسخت الآثار"، ~~ويقال: "نسخت الشمس الفيء"، إذا أزالت الفيء. # والثاني: عبارة عن نقل مثل الشيء عن موضعه إلى موضع آخر، ومنه قوله ~~تعالى: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (2) ، معناه ننسخ العمل، وهو باق ~~على ما كان (3) . # وهو في الشرع: عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ العام في الزمان، مع ~~تراخيه عنه. PageV03P778 # وقولنا: مع تراخيه، احتراز من التخصيص، فإنه يكون متراخيا ومقارنا. ولا ~~يبطل هذا بقوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) (1) ، أن زمان العبادة ينقص، ~~وليس بنسخ؛ لأنا قلنا مع تراخيه، والحد مقارن. # وقال قوم من المتكلمين: هو إخراج ما أريد باللفظ. وهذا غلط، لأنه يؤدي ~~إلى البداء على الله تعالى فإنه إذا أراد أن يكون التوجه إلى بيت المقدس ~~واجبا بعد ستة عشر شهرا، ثم لم يرد ذلك، كان بداء، وذك لا يجوز عليه ~~لاستحالة جواز الجهل [112/أ] والنسيان عليه. # فإن قيل: فقد أجزتم نسخ الشيء قبل فعله، وإن كان بداء. # قيل: ليس ذلك بداء؛ لأنه يحمله على أن الأمر اقتضى مقدمات الفعل، ويكون ~~تقديره ما لم أنسخه عنك؛ لأنه ليس من شرط الأمر إرادة المأمور به. # الفرق بين النسخ والتخصيص # والفرق بين النسخ والتخصيص من وجوه: # أحدها: من شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ، فلا يسبقه، ولا يقارنه. وأما ~~التخصيص: فالذي يقع به التخصيص يصح أن يسبق المخصوص ويقارنه ويتأخر عنه. # والثاني: لا يصح النسخ إلا بمثل المنسوخ في القوة، وأقوى منه، والتخصيص ~~يصح بمثل المخصوص وما دونه، وأضعف منه، لأن PageV03P779 # التخصيص لا يرفع كل الخطاب، وإنما يخص بعضه، وترك الباقي على ما هو عليه، ~~فكان أخف من النسخ، فصح التخصيص بأخبار الآحاد والأفعال والقياس، والنسخ ~~أقوى؛ لأنه رفع الخطاب كله، فقوي في بابه، فلا يجوز رفعه إلا بمثله في ~~القوة أو ما هو أقوى. # الثالث: النسخ يرفع كل النطق، والتخصيص يبقي بعض اللفظ (1) . # فصل (2) # والنسخ ms310 على ثلاثة أضرب: نسخ الحكم دون الرسم، ونسخ الرسم دون الحكم، ونسخ ~~الرسم والحكم. # أما نسخ الحكم دون الرسم فجائز، وذلك مثل الوصية للوالدين والأقربين (3) ~~. ومثل عدة الوفاة، فإن ذلك منسوخ، ورسمه في القرآن. # وذلك أن العدة كانت في بدء الأمر حولا، فنسخت إلى أربعة أشهر وعشر، وهما ~~جميعا في القرآن، قال تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول PageV03P780 # غير إخراج) (1) ، نسخ بقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (2) . # وأما نسخ الرسم دون الحكم فجائز أيضا، وذلك مثل آية الرجم، وقد روي عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لولا أن يقال: عمر زاد في كتاب الله، ~~لكتبت في حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم (3) . # وكذلك نسخ التتابع في صوم كفارة اليمين في قراءة عبد الله، وبقي حكمها ~~(4) . PageV03P781 # وقال قوم: لا يجوز نسخ الرسم مع بقاء حكمه. ### | دليلنا: # أن التلاوة لا تفتقر إلى الحكم الشرعي، ولا الحكم الشرعي يفتقر إلى ~~التلاوة، بل يجوز أن ينفصل كل واحد كل منهما عن الآخر؛ لأن الحكم قد يثبت ~~من غير تلاوة، مثل أفعال النبي، فصارت التلاوة مع حكمها بمنزلة عبادتين، ~~فلما جاز نسخ إحدى العبادتين دون الأخرى، كذلك نسخ التلاوة [112/ب] دون ~~الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة. # فإن قيل: لما لم يجز وجود العلم في القلب من غير أن يكون صاحبه عالما، ~~ولا وجوده عالما من غير وجود العلم في قلبه، كذلك لا يجوز وجود الحكم من ~~غير تلاوة. # قيل: قد بينا هذا، وقلنا: إن التلاوة والحكم ينفصل كل واحد منهما، وليس ~~كذلك العلم، لأنه لا يجوز أن ينفصل كونه علما يعلم من العلم الذي صار به ~~عالما. # وأما نسخهما فمثل ما روي عن عائشة رضي الله عنهما أنها قالت: (كان فيما ~~أنزل الله تعالى عشر رضعات معلومات فتوفي (1) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهي مما يقرأ في القرآن) (2) PageV03P782 # فكانت العشر (1) منسوخة الحكم والرسم. ms311 # وقد ينسخ إلى بدل وغير بدل: # فما نسخ إلى غير بدل: العدة حولا إلى أربعة أشهر وعشر، وما زاد على أربعة ~~أشهر لغير بدل. # وما ينسخ إلى بدل فعلى أربعة أضرب: نسخ واجب إلى واجب، وواجب إلى مباح، ~~وواجب إلي ندب، ومحظور إلى مباح. # فأما واجب إلى واجب، فعلى ضربين: # واجب مضيق إلى مثله، كنسخ القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة (2) . # وواجب مخير إلى مضيق، كالصيام، كان المطيق القادر عليه في صدر (3) ~~الإسلام مخيرا بين الصيام والفدية، فنسخ إلى مضيق وحتم (4) ، PageV03P783 # قال الله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) (1) ، ثم قال: ~~(فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (2) . # وأما واجب إلى مباح، فالصدقة عند مناجاة الرسول، كانت واجبة بقوله تعالى: ~~(إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) (3) ، فنسخ ذلك الوجوب إلى ~~جواز تركها وجواز فعلها بقوله [تعالى: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة 000) ] ~~(4) وأما واجب إلى ندب [ف] كالمصابرة في صدر الإسلام، على كل واحد أن يصابر ~~عشرة، فنسخ إلى اثنين، وندب إلى ما زاد بقوله تعالى: PageV03P784 # (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا ~~من الذين كفروا) (1) فنسخ الله هذا رحمة منه لعباده ورخصة بقوله: (الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن ~~يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) (2) فنسخ إلى مصابرة كل واحد اثنين، ~~وندب إلى مصابرة أكثر. # وأما نسخ حظر إلى أمر (3) إباحة، كقوله: (علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (4) فكان ~~الأكل والشرب والمباشرة [113/أ] محظورة، ثم نسخت. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: (كنتم قد نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ~~ولا تقولوا إلا خيرا) ، فأباحه بعد الحظر. ### | مسألة # (5) # يجوز نسخ الشيء بمثله، وأخف منه وأثقل. # وهو قول الجماعة. # واختلف ms312 أهل الظاهر فيما حكاه الحرزي في مسائله: PageV03P785 # فذهب جماعة منهم إلي هذا. # ومنع منه آخرون، وقالوا: لا يجوز نسخ الأخف بالأثقل، وهو قول أبي [بكر ~~بن] (1) داود. ### | دليلنا: # أن الله تعالى أوجب الصوم في أول الإسلام على التخيير. ثم نسخ ذلك وحتمه: ~~والانحتام أغلظ من التخيير. # وهكذا كان حد الزاني في أول الإسلام الحبس (2) بقوله تعالى: (واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يثوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) (3) ثم نسخ ذلك، وجعل حد ~~البكر الجلد والتغريب، والثيب الجلد والرجم. وهذا نسخ شيء إلي ما هو أغلظ ~~منه وأشد، فثبت جواز ذلك. # ولأن حقيقة النسخ: الرفع والإزالة، وإثبات الحكم الثاني طريقه ابتداء ~~شرع، لا أنه من مقتضى الحكم الأول وموجبه، ألا ترى أن الله تعالى لو رفع ~~حكما ولم يثبت مكانه شيئا آخر كان ذلك نسخا، فلم يمتنع أن يزيل حكما ويثبت ~~مكانه أغلظ منه وأشد؟ PageV03P786 # ولأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة في الأغلظ، وفيما مضى من الأخف. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها) (1) ~~ومعلوم أنه لم يرد بقوله: خيرا منها فضيلة الناسخ على المنسوخ؛ لأن القرآن ~~كله متساوي الفضيلة، فعلم أنه إنما أراد بالخير الأخف. # والجواب: أن الشيء إنما يوصف بأنه خير من غيره؛ لأن النفع الذي فيه يكون ~~موفيا على النفع الذي في غيره. ألا ترى أنك تقول: فعل الفرض خير لك من فعل ~~النافلة، تريد (2) أنه أنفع له (3) ، ومعلوم أن النفع في الفعل، إنما يكثر ~~بكثرة المشقة فيه، أو بكثرة انتفاع غير الفاعل به، بدلالة أن القتال في ~~سبيل الله أكثر نفعا في باب الثواب من الصوم؛ لأن المشقة فيه أكثر من ~~المشقة في الصوم، وإن دعوة نبينا إلى دين الله تعالى كانت أعظم ثوابا من ~~دعوة غيره من الأنبياء عليهم السلام. لأنه قد انتفع بها أكثر مما انتفع ~~بدعوة غيره، [113/ب] إذ كان من أجابه إليها أكثر ممن ms313 أجاب إلى دعوة غيره من ~~النبيين، وإن كان فيهم من لحقه من المشقة أكثر مما لحق نبينا عليه السلام، ~~فإذا كان فعل الأشق أنفع من فعل الأخف في باب الثواب وجب أن يكون أنفع منه، ~~فيصح النسخ به. # واحتج بأن النسخ في اللغة هو الإزالة، وإسقاط العبادة، فمقتضاه التخفيف ~~دون التثقيل. PageV03P787 # والجواب: أن الإزالة والإسقاط موجود ها هنا، لأنه رفع ما كان عليه من ~~الحكم السابق. # وقولهم: إن كل مقتضاه التخفيف ليس كذلك؛ لأن الحكم الثانى ابتداء شرع، لا ~~أنه من كل مقتضى الحكم الأول وموجبه. # واحتج بأن الله تعالى نسخ الشيء رحمه للمكلف وطلبا لنفعه، فيجب أن لا ~~ينسخ إلا بما هو أخف منه؛ لأن ذلك أولى بالرحمة. # والجواب: أن من رحمة الله تعالى له أن يكلفه أنفع الأشياء له، وأدعاها ~~إلى عظيم ثوابه، وقد يكون ذلك فيما يشق عليه، كما يكون فيما هو أخف منه، بل ~~قد يكون الأشق أنفع وأجزل لثوابه. # وجواب آخر وهو: أن هذا يوجب أن لا يبتدىء أحدا بتكليف ما يشق عليه، لأن ~~ذلك أخف وأسهل وأدعي إلى الرحمة، ويلزمه أن يكون الله تعالى إذا أسقط ~~عبادة، أسقطها لا إلى بدل أصلا؛ لأن ذلك أخف. ### | مسألة # (1) # لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعا، ولم يوجد ذلك. # نص عليه رحمه الله في روية الفضل بن زياد وأبي الحارث وقد سئل: هل تنسخ ~~السنة القرآن، فقال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة ~~PageV03P788 # تفسر القرآن (1) . وبهذا قال الشافعي (2) . # وقال أبو حنيفة: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (3) . # وحكي ذلك عن مالك (4) والمتكلمين من المعتزلة (5) # واختلف أهل الظاهر في ذلك (6) . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (7) ، ~~وقرىء: (ننسأها) (8) ، والمراد به من PageV03P789 # التأخير، ومنه: بيع النسيئة، وهو البيع إلى أجل، فكأنه قال: أو ننسأه فلا ~~ننسخه إلى مدة، فأخبر الله تعالى أن كل ما ينسخ من القرآن، فإنما ينسخ بخير ~~منه أو بمثله، والسنة ليست بخير من القرآن ولا بمثل له، ms314 فلا يجوز أن يقع ~~نسخ القرآن بالسنة، لأن خبر الله تعالى لا يقع بخلاف مخبره، يبين صحة هذا ~~قوله: (نأت بخير منها) ، وهذا إنما # يتناول القرآن [114/أ] الذي يأتي من عند الله دون السنة التي يأتي بها ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # ويبين صحة ذلك قوله: (إن الله على كل شيء قدير) ، فاقتضى ذلك: أن ما يأتي ~~به مما يختص بالقدرة عليه، وهو القرآن دون السنة التي يتعلق بها قدرة غيره. # فإن قيل: الآية تقتضي أنه إذا نسخ آية يأتي (1) بخير منها أو مثلها، وليس ~~فيه أن ما يأتي به يكون هو الناسخ، بل يجوز أن يكون الناسخ غيره. # قيل: قوله تعالى: (نأت بخير منها) يقتضي أن يكون ما يأتي بدلا (2) عما ~~نسخه، وإنما يكون بدلا عنه إذا كان ناسخا، فأما إذا كانت آية مبتدأة فلا ~~يكون بدلا عنها. # يبين صحة هذا أن قوله: (ما ننسخ من آية) شرط، وقوله: (نأت بخير منها) ~~جزاء، لأن "ما" يجازى بها، كما يجازى "بمن"، ولهذا جزم قوله: (ما ننسخ من ~~آية أو ننسها) ، وقال تعالى في سورة فاطر: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده) (3) ، PageV03P790 # وإذا كان كذلك وجب أن يكون الجزاء متعلقا بالشرط، ولهذا نقول: إذا قال: ~~"ما تصنع أصنع، وما أخذه أعطه مثله"، إن الثاني موجب بالأول ومفعول لأجله، ~~وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ما يأتي به ناسخا. # فإن قيل: فلا خلاف أنه يجوز نسخه بغير قرآن، بأن ينسيه الله تعالى من ~~حفظه ورفعه عن أوهامهم. # قيل: ما ينسيه ويرفعه يجرى مجري القرآن، لأنه من جهة الله تعالى. # فإن قيل: قوله تعالى: (نأت بخير منها) في النفع، وقد يكون ما ثبت بالسنة ~~أنفع لنا في باب المصلحة مما ثبت بالآية المنسوخة. # يبين صحة هذا أن التلاوة لا يكون بعضها خيرا من بعض، وإنما يكون ذلك في ~~النفع، فيكون بعض الأحكام أسهل. # قيل: الآية تقتضي أن تكون خيرا منها في النفع من ms315 القرآن، كما إذا قال ~~القائل: "ما آخذ منك ثوبا إلا أعطك (1) خيرا منه أو مثله، وما آخذ منك ~~درهما إلا أدفع إليك مثله أو خيرا منه"، يقتضي ثوبا مثل ثوبه أو خيرا منه، ~~ودرهما مثل درهمه أو خيرا منه. # وجواب آخر وهو: أن قوله: (نأت بخير منها أو مثلها) يقتضي [الخيرية أو ~~المثلية] من كل وجه، والقرآن المنسوخ فيه معجز، فيجب أن يكون الناسخ معجزا، ~~والسنة ليس فيها معجز، والقرآن في امتثال حكمه ثواب، وفي تلاوته ثواب، وكل ~~واحد منهما عبادة، والسنة: الثواب في جهة واحدة منها، وهو امتثال حكمها، ~~فأما درسها وتلاوتها، فليس بعبادة ولا ثواب، وإذا كان كذلك، لم تكن السنة ~~مثلا # للقرآن، والآية تقتضي أن النسخ بالمثل أو بخير منه. PageV03P791 # فأما قولهم: إن التلاوة لا يكون بعضها خيرا من بعض، فلا يصح؛ لأنه قد ~~يكون [114/ب] بعضها خيرا من بعض، على معنى أنها أكثر ثوابا، مثل سورة "طه" ~~و"يس"، وما أشبه ذلك. # وقد يكون في بعضها من الإعجاز في اللفظ والنظم أكثر مما في البعض وقد ~~كانت العرب تعجب من بعض، ولا تعجب من بعض. # وعلى أنا لو سلمنا أنه لا يجوز في التلاوة تفاضل، فإننا نحمل قوله: (نأت ~~بخير منها) على الحكم، وقوله: (أو مثلها) على التلاوة ولا شك أن المماثلة ~~متأتية في التلاوة، ولا يتأتى أن يقال ذلك في السنة، فإنها ليست مثل ~~القرآن. # ويدل عليه ما روى الدارقطني (1) في سننه في جملة النوادر قال: حدثنا محمد ~~بن مخلد (2) ، حدثنا محمد بن داود القنطري أبو جعفر الكبير (3) . ~~PageV03P792 # حدثنا جبرون بن واقد (1) ببيت المقدس، حدثنا سفيان بن عيينة (2) عن أبي ~~الزبير (3) عن جابر بن عبد الله (4) قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (كلامي لا PageV03P793 # بنسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا) (1) وهذا نص. # فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد. # قيل: قد سبق الجواب عن مثل هذا في غير موضع. # ولا يصح حمله على أخبار الآحاد، لأن تعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يسقطه، ms316 وهو قوله: (كلام الله ينسخ بعضه بعضا) . # وأيضا: فإنه لا يجوز نسخ الأخبار المتواترة بأخبار الآحاد، لضعف الآحاد ~~وقوة التواتر، كذلك لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة، لأن السنة أضعف من الكتاب ~~من وجهين: # أحدهما: أن الكتاب فيه إعجاز، والسنة لا إعجاز فيها. # والكتاب في قراءته ثواب، وليس في قراءة السنة ثواب، فلم يصح نسخ القوي ~~بالضعيف، كما لم يجز نسخ الأخبار المتواترة بالآحاد والقياس. # فإن قيل: هذه القوة في اللفظ، فأما الحكم فهما متساويان فيه. # قيل: الخلاف في نسخ اللفظ ونسخ الحكم واحد، فإنه (2) عند المخالف يجوز أن ~~ترد السنة بنسخ تلاوة القرآن، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا لا ~~تقرأوا هذه الآية. فتصير تلاوتها منسوخة بالسنة. PageV03P794 # وعلى أن الحكم إذا نسخ صار اللفظ منسوخا، وإن كان يتلى، فإنه يقال: هذه ~~آية منسوخة متى كان الحكم مرتفعا. # ولأنه متى نسخ الحكم تعطل اللفظ وخرج عن كونه مفيدا، فكما لا يجوز نسخ ~~اللفظ بالأمر الضعيف، لا يجوز نسخ حكمه أيضا، ألا ترى أنه لما لم يجز نسخ ~~لفظ الكتاب بأخبار الآحاد، لم يجز نسخ حكمه. # فإن قيل: لو كان الاعتبار بما ذكره، لوجب أن يجيزوا نسخ ما لا إعجاز فيه، ~~وهي الآية الواحدة. # قيل: في الآية الواحدة إعجاز، ولو لم يكن فيها إعجاز، فهي من جنس المعجز، ~~وفيها إعجاز وثواب، وليست السنة من جنس المعجز، ولا في تلاوتها ثواب. # فإن قيل: درس السنة وتعليم العلم [115/أ] عبادة، وفيه ثواب. # قيل: يريد بذلك بعد تعلمها وحفظها، فإن تلاوتها لا ثواب فيها، وهذا لا ~~خلاف فيه. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) (1) والنسخ ~~ضرب من البيان، كالتفسير والتخصيص. # والجواب: أنه قد قيل: إن التبيين ها هنا هو التبليغ عن الله تعالى. # وقد قيل: النسخ ليس بيان للمنسوخ، وإنما هو إزالة وإسقاط حكمه. # وعلى أن هذا محمول على التخصيص بدليل ما ذكرنا. # واحتج بأنه دليل مقطوع عليه، فجاز النسخ به كالآية. PageV03P795 # والجواب: أنه يبطل بالإجماع، فإنه بهذه ms317 الصفة، ولا يجوز النسخ به. # وعلى أنه لا يمتنع أن يتفق دليلان في هذه الصفة، ويختلفا في النسخ، كما ~~أن القياس وخبر الواحد يتفقان في أن طريق كل واحد منهما غلبة الظن، ويجوز ~~النسخ بخبر الواحد، ولا يجوز بالقياس، وكذلك الإجماع والسنة يتفقان في ~~العلم بكل واحد منهما، ولا يجوز النسخ بالإجماع، ويجوز بالسنة. # فإن قيل: إذا أجمع أهل عصر على خلاف حكم القرآن، حكمنا بأنه منسوخ. # قيل: الإجماع لا يكون ناسخا؛ لأن الناسخ هو الوحي، والإجماع لا يصح إلا ~~بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوحي قد انقطع بعده، ومتى وجدنا ~~خبر الإجماع على خلافه، تركناه بالإجماع، ولا نقول: نسخ بالإجماع بل يستدل ~~بالإجماع على نسخه؛ لأنه لو كان الخبر ثابتا لما خرج عن الأمة؛ لأن الأمة ~~ضبطوا الأخبار. # فإن قيل: المجمعون لا يقولون: إنا ننسخه، وإذا لم يوجد ذلك منهم، لم ~~يتصور النسخ من جهتهم. # قيل: نقول في السنة كذلك، لأن النسخ لا يوجد من جهة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأن الله تعالى أخبر أن نسخ القرآن لا يكون من جهة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وجواب آخر وهو أن السنة المتواترة، وإن ساوت الكتاب فيما ذكروه، من ~~القطع، فهي مخالفة له في الإعجاز، وفي حصول الثواب في قراءتها، فلم يصح ~~وقوع نسخه بها، وإن ساوته في العلم والعمل، كما لا يجوز نسخه بالإجماع، وإن ~~ساواه في العمل والعلم. # واحتج: بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص # PageV03P796 # الأعيان، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز ~~بالسنة، كذلك النسخ. # والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد وبالقياس، فإن التخصيص بهما [جائز] ، ولا ~~يجوز النسخ بهما، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ ~~كله، والتخصيص يبقي بعضه، ولا يسقط [115/ب] جملته، فافترقا. # واحتج: بأن النسخ إنما يقع في الحكم، والسنة في إثبات الحكم بمنزلة ~~الكتاب، فصح نسخ حكمه بها. # والجواب: أنا قد بينا أنه لا فرق عند المخالف بين نسخ الحكم وبين ms318 نسخ ~~التلاوة. # وعلى أنهما وإن تساويا في إثبات الحكم، فهما مختلفان فيما ثبت به الحكم، ~~فحكم الكتاب ثبت بلفظ معجز، وحكم السنه ثبت بلفظ # غير معجز، فلم يجز نسخ ما ثبت بأمر قوي بما ثبت بأمر ضعيف، وإن تساوى ~~الحكمان، ألا ترى أنه لا يجوز نسخ حكم خبر الواحد بالقياس؛ لقوة الخبر ~~الواحد وضعف القياس، وإن كان حكمهما متساويا، بأن طريقهما معا غلبة الظن. # واحتج: أنه إنما جاز النسخ إلى غير بدل؛ لأننا نجوز أن يكون قد نسخ بما ~~هو مثله أو أقوى منه، وليس يوجب ذلك جواز النسخ إلى بدل هو أضعف منه، ألا ~~ترى أنه يجوز النسخ إلى غير بدل، ولا يجوز النسخ إلى بدل هو خبر واحد أو ~~قياس. # واحتج: بأن ذلك قد ورد في الشرع، وذلك أن الله تعالى أوجب الوصية ~~للوالدين والأقربين، ونسخ ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا وصية ~~لوارث) ، وكذلك نسخ حد الزنا من الحبس والأذى بقوله عليه السلام: # PageV03P797 # (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، ~~والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) (1) . ونسخ قوله تعالى: (ولا تقتلوهم (2) ~~عند المسجد الحرام) (3) بقوله لما قيل له: إن PageV03P798 # ابن خطل (1) متعلق بأستار الكعبة-: (اقتلوه) (2) . # والجواب: أن الوصية منسوخة بآية المواريث، فلهذا قال عليه السلام: (إن ~~الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) . # وأما حد الزنى فمنسوخ بقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا PageV03P799 # كل واحد منهما مائة جلدة) (1) . # وأما في الثيب المحصن، فإنه منسوخ بآية الرجم التي نسخ رسمها. # وقيل: إن آية الحبس لم تنسخ؛ لأن النسخ: أن يرد لفظ عام يتوهم دوامه، ثم ~~يرد ما يرفع بعضه، والآية لم ترد بالحبس على التأبيد، وإنما وردت إلى غاية، ~~وهو أن يجعل الله تعالى لهن سبيلا، فأثبت الغاية، فوجب الحد بعد الغاية ~~بالخبر. # وقيل: إن آية الحبس (2) وآية الأذى في الأبكار، والمراد بالأولى النساء، ~~والثانية الرجال، ونسختهما جميعا آية الحد، فثبت ابتداء بالسنة (3) . # وأما قوله تعالى: (ولا تقتلوهم عند ms319 المسجد الحرام) (4) منسوخ (5) بقوله ~~تعالى: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (6) . PageV03P800 ### | ### | مسألة # (1) # فأما نسخ القرآن بالسنة من جهة العقل، فلا يمتنع جوازه. # واختلف أصحاب الشافعي: [116/أ] فمنهم من أجاز ذلك عقلا. # ومنهم من منعه، وقال: لا يجوز عقلا ولا شرعا. # فالوجه في جوازه عقلا: # أن النسخ تعريف بقضاء مدة العبادة وإعلام سقوط مثل ما كان واجبا ~~بالمنسوخ، وارتفاعه فيما يستقبل من الزمان، والمعرفة بذلك تقع بالسنة كما ~~تقع بالقرآن. # والوجه لمن منع من ذلك: # أنه يؤدي إلى الارتياب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يدل عليه قوله ~~تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر) ~~(2) فلما كان نسخ القرآن بالسنة يزيد في ارتيابهم بالنبي -صلى الله عليه ~~وسلم - لم يجز نسخه: بل ينسخ بقرآن مثله؛ ليكون أقطع لشكوكهم، وأشد إبطالا ~~لدعاويهم. # والجواب: أن المشركين كانوا ينسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~الافتراء إذا بدلت آية بآية مكانها، وهكذا حكى الله عنهم، فلو كان فعلهم ~~ذلك مانعا من جواز نسخ القرآن بالسنة، لمنع أيضا من جواز نسخ القرآن ~~بالقرآن. PageV03P801 ### | مسألة # (1) # يجوز نسخ السنة بالقرآن # أومأ إليه أحمد رحمه الله فقال عبد الله: سألت أبي عن رجل أخذ منه الكفار ~~عهد الله وميثاقه أن يرجع إليهم، قال فيه: خلاف، قلت لأبي: حديث أبي جندل، ~~قال: ذلك صالح على أن يردوا من جاءهم مسلما (2) ، فرد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الرجال، ومنع النساء ونزل فيهم: (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار) (3) . وظاهر هذا أنه أثبت نسخ السنة (4) بقرآن. # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة (5) . # وللشافعي قولان: أحدهما مثل هذا، والثاني: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن (6) ~~. PageV03P802 ### | دليلنا: # قوله تعالى: (ونزلنا عليك (1) الكتاب تبيانا لكل شيء) (2) والنسخ تبيان ~~مدة الحكم، فوجب (3) أن يجوز بالكتاب. # ولأن الكتاب أقوى من السنة، فإن السنة فيها ما يوجب العلم والعمل، وفيها ~~ما يوجب العمل دون العلم، والكتاب كله يوجب العلم. # ولأن في الكتاب إعجازا، وليس في السنة إعجاز، فإذا جاز نسخ السنة بمثلها، ~~فبأن ms320 يجوز نسخها بما هو أقوى منها أولى. ألا ترى أنه لما جاز نسخ خبر ~~الواحد بخبر الواحد، كان جواز نسخه بالمتواتر أولى. # ولأن القرآن ثابت بوحي من عند الله تعالى، كما أن السنة التي بوحي ثابتة ~~من قبله، فإذا كان كذلك، وجاز نسخ السنة بسنة مثلها، وجب أن يجوز بالقرآن. # وأيضا: فإنه قد وجد نسخ السنة بالقرآن في مواضع: # من ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم-[116/ب] صالح من شاء عام ~~الحديبية، على أن يرد إليهم من جاءه كل منهم من المسلمين، وجاءه أبو بصير ~~(4) وأبو PageV03P803 # جندل، فردهما (1) ، ثم جاءت امرأة مهاجرة، فمنع الله تعالى من ردها، ونسخ ~~ذلك بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات) إلى ~~قوله: (فلا ترجعوهن إلى الكفار) (2) ، وهذا نسخ سنة بقرآن (3) . # وكذلك أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة يوم الخندق الظهر والعصر ~~والمغرب حتى بعد المغرب بهوي (4) من الليل، فصلاها (5) ، ثم نسخ تأخيرها ~~بالقرآن، وهو قوله: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) (6) ، وقوله: (فإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة) (7) . PageV03P804 # ومن ذلك نسخ القبلة، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~المدينة صلى ستة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ثم نسخ الله ذلك بقوله: (فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام) (1) ، ومعلوم أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى بيت المقدس لم يكن ثابتا بقرآن، وقد نسخ بالقرآن. # ومن ذلك ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على عبد الله بن أبي ~~بن سلول (2) المنافق (3) ، ثم أنزل الله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات ~~PageV03P805 # أبدا ولا تقم على قبره) (1) . # ونظائر ذلك كثير. # واحتج المخالف: # بقوله: (وأنزلنا إليك الذكر (2) لتبين للناس ما نزل إليهم) (3) فجعل ~~السنة بيانا للقرآن. فلا يجوز أن يكون القرآن بيانا للسنة. # والجواب: أن المراد به التبليغ، يبين صحة ذلك: أنه يجوز تخصيص السنة ~~بالقرآن، وكذلك يجوز تفسير مجمل السنة به. # واحتج: بأنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وجب أن لا يجوز نسخ السنة ~~بالقرآن. # والجواب: أن ms321 القرآن أعلى من السنة، فلم يجز نسخ الأعلى بالأدنى، وجاز نسخ ~~الأدنى بالأعلى، ألا ترى أن ما ثبت بخبر الواحد يجوز نسخه بما ثبت ~~بالتواتر، وما ثبت بالتواتر لا يجوز نسخه بخبر الواحد. # واحتج: بأن القرآن أصل والسنة فرع له؛ لأنها بكتاب الله قبلت، وإذا كانت ~~فرعا، فلو قلنا: القرآن يبين معناها، لجعلناها أصلا، والقرآن فرعا. ~~PageV03P806 # والجواب: أن هذا باطل بالتخصيص، فإن القرآن يخص عموم السنة، ومع هذا فلا ~~يقضي إلى ما قالوا. # واحتج: بأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة؛ لأفضى (1) إلى الاختلاط وهو أن ~~بيانه ببيان الله تعالى، وهذا لا سبيل إليه. # والجواب: أنه لا يختلط؛ لأن بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تخصيص ~~الأعيان، والنسخ: رفع الخطاب في المستقبل، فلا يختلط أحدهما بصاحبه. # واحتج: بأن الشيء إنما ينسخ [117/أ] بجنسه، ألا ترى أن القرآن ينسخ ~~بالقرآن والسنة بالسنة، والقرآن لا ينسخ بالسنة. # والجواب: أن الشيء ينسخ بجنسه، أو بما هو أقوى منه، والقرآن أقوى من ~~السنة، فوجب أن ينسخ به. ### | ### | مسألة # (2) # يجوز نسخ الحكم قبل فعله وبعد دخول وقته. وهذا لا خلاف فيه. # واختلفوا في نسخه قبل وقت فعله: # فقال شيخنا أبو عبد الله (3) : يجوز أيضا. # وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنه قال في رواية صالح ~~PageV03P807 # وأبي الحارث في قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها) (1) أن ذلك لجواز النسخ ~~وأن الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب. وظاهر هذا جواز ~~النسخ في عموم الأحوال. # وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (2) ، وهو قول الأشعرية. # وقال أبو الحسن التميمي من أصحابنا: لا يجوز (3) . وهو قول أصحاب أبي ~~حنيفة (4) ، وأكثر المعتزلة (5) . وبعض الشافعية (6) . # فالدلالة على جوازه: # قوله تعالى في قصة إبراهيم: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) (7) ، ~~وقوله: (إني أرى في المنام أني أذبحك) قال القتبي (8) في "غريب القرآن" (9) ~~: PageV03P808 # معناه: إني سأذبحك. فكأنه أمر بذبحه في ms322 المنام، وكانت رؤيا الأنبياء ~~عليهم السلام وحيا، يجب العمل به، ولهذا قال: (افعل ما تؤمر) ثم نسخه: ~~(بذبح عظيم) ، وهذا نص يدل على جواز نسخ الحكم قبل وقته. # فإن قيل: إبراهيم كان مأمورا بمقدمات الذبح، من الإضجاع وأخذ المدية ونحو ~~ذلك. دون الذبح نفسه، وإنما سمي ذلك ذبحا؛ لأن مقدمة الشيء قد تسمى باسم ~~ذلك الشيء، ألا ترى أنهم يسمون النائحة باكية؛ لأنها تفعل مقدمات البكاء ~~والأسباب التي يبكي عندها. # وكذلك يسمى المريض المخوف عليه ميتا؛ لحصول مقدمات الموت. # قالوا: ويبين هذا قوله تعالى: (قد صدقت الرؤيا) (1) ، ولو كان الواجب ~~عليه الذبح بعينه، لم يكن قد صدق رؤياه وهو لم يذبحه، فعلم بذلك أنه كان ~~مأمورا بمقدمات الذبح. # قيل: هذا لا يصح لوجوه: # أحدها: أنه قال: (إني أرى في المنام) والذبح: اسم للشق والفتح، ولا يعبر ~~به عن مقدماته، لا حقيقة ولا مجازا. ومنه قول الشاعر: # كأن بين فكها والفك ... فأرة مسك ذبحت في سك (2) # يعني به: الفتح والشق. PageV03P809 # الثاني: قوله: (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) ، وليس في مقدمة الذبح ~~ما يحتاج إلى الصبر. # الثالث: أنه قال: (إن هذا لهو البلاء المبين) (1) ، ولا يجوز أن يفخم هذه ~~التفخيم، والمأمور به مقدمة الذبح. # الرابع: قوله: (وفديناه بذبح عظيم) (2) ، ولا يكون [117/ب] الفداء مع ~~الامتثال للأمر. # وأما قوله: (قد صدقت الرؤيا) فقد قيل معناه: التصديق بالقلب؛ لأن حقيقة ~~التصديق بالقلب فكأنه قال: لما صدقت وآمنت واعتقدت وجوبه وعزمت على فعله ~~جزيناك كما نجزي المحسنين، فنسخنا عنك فعل الذبح بذبح كبش. # وقيل فيه جواب آخر: أن النسخ إذا ورد قبل وقت الفعل، تبينا أن المراد به ~~إيجاب مقدمات الفعل، وكل النسخ هكذا؛ لأن النسخ تخصيص الزمان، وبيان لما لم ~~يرد باللفظ، كالتخصيص في الأعيان، ولا نقول: إن الله تعالى نسخ ما أمر به ~~وأوجب علينا فعله؛ لأن ذلك يؤدي إلى البداء على الله تعالى. # وقيل فيه جواب آخر وهو: أنه يحتمل أن يكون الأمر بالذبح أراد به ما لم ~~أنسخه عنك، ومعناه: ms323 افعل في وقت كذا، ما لم أنسخه عنك، فإذا نسخه قبل وقته ~~تبينا أن الذبح لم يكن مأمورا به، وإنما أمره أن يعتقد وجوبه، ويعزم على ~~فعله بهذا الشرط. # والجواب الصحيح عندي هو الأول؛ لأن الثاني والثالث تسليم لما قاله ~~PageV03P810 # المخالف؛ لأن عنده: أن المأمور به أمارات الذبح. وعنده أيضا: أنه يصح ~~تعليق الأمر بشرط التمكن. # فإن قيل: إنما تعبده الله تعالى بذبح لا تبطل الحياة عنده، فكان كلما، ~~قطع جزءا من موضع الذبح ألحمه الله تعالى وأعاده إلى حاله، فكان الفداء ~~واقعا من الذبح الذي تبطل الحياة عنده. # قيل: القرآن يقتضي أن يكون الذى فعله تله للجبين، ثم جاءه النداء ~~والفداء، فلم يجز أن يقال: إنه ذبحه. # ولأن لو كان ذبحه لذكره، وكان ذكره أولى من ذكر تله للجبين. # ولأنه ذلك معجزة عظيمة، وآية كبيرة، فلو كان كما قال، لوجب أن يكون قد ~~ذكرها وتواتر النقل بها. # ولأنه لو كان فعل الذبح لم يكن الذبح فداء، وإنما يكون الذبح فداء، إذا ~~لم يكن فعل الذبح. # فإن قيل: فقد روي أن الله تعالى ضرب على مذبحه صفيحة من نحاس، فكان ~~إيراهيم كلما وضع المدية على الموضع انقلبت ولم يقع بها قطع (1) . # قيل: هذا لا يصح على أصل المخالف لوجهين: # أحدهما: أنه لا يصح تكليف ما لا يطاق. وهذا تكليف ما لا يطاق. # والثاني: لا يكون الأمر أمرا إلا بإرادة الآمر، وإذا حال بينه وبين الفعل ~~لم يرده. # وأيضا: فإن نسخ الفعل بعد التمكين من اعتقاد وجوبه يجوز، أصله الفعل ~~الثاني والثالث. PageV03P811 # يبين صحة هذا أن الأمر يوجب على المكلف أن يعتقد وجوب فعل تلك العبادة ~~عند دخول وقتها والعزم على فعلها، ويصير بذلك مطيعا، فإذا نسخت (1) عنه قبل ~~دخول الوقت، فقد نسخت بعدما صار مطيعا [118/أ] ومثابا شيء تضمنه حكم الأمر، ~~فجاز ذلك، كما لو أمر بفعل عبادات ففعل بعضها، جاز نسخ الثاني، ولا فصل بين ~~الأمرين. والمعتمد على الآية. # واحتج المخالف: # بأن الأمر بالعبادة يقتضي الأمر بالحسن، والنهي يقتضي ms324 القبح، فلو كان ~~الأمر بالفعل قد دل على حسنه كان النهي عنه قبل مجيء وقته نهيا عن حسن، ~~والنهي عن الحسن قبيح، كما أن الأمر بالقبيح قبيح، وهذا لا يجوز في صفات ~~الله تعالى. # والجواب: أن الأمر يقتضي الحسن ما دام الأمر باقيا، فأما بعد زواله، فإنه ~~يقتضي قبحه (2) ، والأمر على هذا الوجه ورد، وهو أن الفعل يكون حسنا مع ~~بقائه، ما لم يرد النسخ به، فإذا ورد خرج الفعل عن كونه حسنا، وليس يمتنع ~~أن يكون الشيء الواحد حسنا إذا فعل على وجه، وغير حسن إذا فعل على وجه آخر ~~كالصلاة إذا فعلت لله تعالى كانت حسنة، [و] إذا فعلت للشيطان كانت قبيحة، ~~وفعلها في الحالين على صورة واحدة. # وقيل في جواب هذا: إن الأمر تعلق بمقدمات الفعل الذي تناوله ظاهر الأمر، ~~كما نقول: إن الله تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، ولم ~~يرد فيما زاد عليها، وإن كان ظاهر الأمر التأبيد، ولا يقال: إنه أراد أن ~~يكون التوجه واجبا عليهم أبدا، ثم نسخه؛ لأنه يكون بداء على الله تعالى. ~~PageV03P812 # واحتج: بأن النهي عن الفعل المأمور به قبل مجيء وقته، يدل على البداء؛ ~~لأن حال المأمور به لو كانت عنده على ما كانت عليه وقت الأمر لما كان (1) ~~يجوز أن ينهي عنه على الوجه الذي أمر به؛ لأن ذلك يكون عبثا، فمتى نهي عنه ~~علمنا أن حال المأمور به يعرف عنده، إما بأن ظهر له ما لم يكن عالما به في ~~حال الأمر، أو خفي عنه ما كان عالما به وقت الأمر. # والجواب: أنه لا يقتضي البداء؛ لأن البداء أن يظهر للإنسان ما لم يكن ~~عالما به، والله تعالى حين أمر بهذه العبادة كان عالما بأن المصلحة في بقاء ~~فرضها إلى وقت النسخ، فلا يكون قد ظهر له ما لم يكن يعلمه، حتى يكون بداء. # وقيل فيه: لا يفضي إلى البداء؛ لأنه كان مأمورا بمقدمات الذبح، وقد وجدت ~~منه، أو كان مأمورا بشرط. # واحتج بأن ms325 النسخ بمنزلة التخصيص، فلما استحال أن يقول: "صلوا إذا زالت ~~الشمس، لا تصلوا إذا زالت الشمس"، لم يصح أن يأمر بالصلاة ثم ينهي عنها قبل ~~مجيء وقتها. # والجواب: أنه إنما لم يصح ذلك؛ لأنه لا يفيد شيئا، فيكون عبثا ولعبا، ~~وليس كذلك إذا كانا في زمانين مختلفين؛ لأنه يتمكن من فعل مقدماته: اعتقاد ~~وجوب المأمور به، والعزم على فعله بشرط، فيكون ذلك طاعة ينال بها الثواب، ~~وإذا كان [118/ب] مفيدا جاز ورود الشرع به. PageV03P813 ### | مسألة # (1) # الزيادة في النص ليس بنسخ. # وهو قول أصحاب الشافعي (2) . # وقال أصحاب أبي حنيفة: هو نسخ (3) . # ويفيد هذا: جواز الزيادة في النص بالقياس، وبخبر الواحد (4) ، مثل: إيجاب ~~النية في الوضوء بالخبر (5) والقياس، وإن كان ذلك زيادة على قوله تعالى: ~~(اغسلوا وجوهكم) (6) . # وكذلك: إيجاب النفي في حد الزنا (7) ، وإن كان زيادة على قوله (فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة) (8) . PageV03P814 # وكذلك: إيجاب شرط الإيمان في كفارة الظهار بالقياس علي كفارة القتل، وإن ~~كان فيه زيادة على قوله: (فتحرير رقبة) (1) . # وكذلك: الحكم بشاهد ويمين جائز بالخبر (2) ، وإن كان فيه زيادة على قوله ~~تعالى: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) (3) . # ونحو هذا، كله يجوز عندنا، وعندهم لا يجوز. # وقال أصحاب الأشعري: إن كانت الزيادة تغير حكم المزيد عليه، مثل: أن يأمر ~~بركعتين، ويجعلها أربعا، كان نسخا. وإن كانت لا تغير حكمه، مثل: أن يزيد ~~عشر جلدات على المائة، لم يكن نسخا. PageV03P815 ### | ### | دليلنا: # # أن النسخ بيان مدة ما لم يرد مما وجب دخوله في إطلاق اللفظ، ويكون الرافع ~~متأخرا عن وقت الفعل المأمور به، وهذان الشرطان مفقودان هاهنا؛ لأن القياس ~~الذي يدل على الزيادة يقترن بالمزيد عليه، غير متأخر عنه، فلم يكن نسخا. # ولأن النسخ هو: رفع الحكم وإزالته، والزيادة لا توجب رفع المزيد عليه، ~~ألا ترى أنه إذا كان في الكيس مائة درهم، فزدت فوقها درهما، أن ذلك لا يوجب ~~رفع شيء مما كان في الكيس، فلا يوجب ضم الزيادة إليه مع بقائه. # وكذلك إذا فرض الله تعالى على ms326 عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، ثم فرض ~~صوم شهر رمضان، فلا يكون فرض الصوم نسخا للصلوات، كذلك هاهنا. # والذي يبين صحة هذا وأن النسخ هو الرفع والإزالة: قولهم: "نسخت الشمس ~~الظل، إذا أزالته"، و"نسخ الريح الأثر، إذا ذهب به وأزاله". # فإن قيل: وقد لا يكون عبارة عن الإزالة ألا ترى أنك تقول: نسخت الكتاب، ~~وإن لم يزل، ما كان فيه من الكتابة؟ # قيل: هذا مجاز واتساع، والحقيقة ما ذكرنا. # والذي يبين صحة هذا أن النسخ عندنا هو الإزالة، وعند مخالفينا هو تغيير ~~الحكم، ونسخ الكتاب لا يوجد فيه شيء من ذلك، فعلم أنه مجاز. # ويدل علي جواز الزيادة بالقياس وبخبر الواحد، فنقول [119/أ] كل جاز تخصيص ~~الحكم به جاز الزيادة فيه، أصله القرآن والخبر المتواتر. # PageV03P816 # وأيضا: فإن التخصيص نقصان مما وجب دخوله في اللفظ، وليس في الزيادة ~~نقصان، فإذا جاز التخصيص، فلأن تجوز الزيادة أولى. # واحتج المخالف: # بأن النسخ هو: أن لا يلزم في المستقبل مثل ما كان لازما فيما مضى وهذا ~~المعنى موجود في الزيادة في النص؛ لأن إيجاب النية في الطهارة، وشرط ~~الإيمان في كفارة الظهار يمنع أن يلزم في المستقبل مثل ما كان لازما فيما ~~مضى، وكذلك إيجاب التغريب مع الجلد، فوجب أن يكون نسخا. # والجواب: أنا لا نسلم أن هذا هو النسخ، وإنما هو ما ذكرنا من الرفع ~~والإزالة، أو بيان ما لم يرد مما وجب دخوله، وهذا معدوم ها هنا. # وعلى أنه يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع ~~الشرع، ثم صارت بعضه، فلم يلزم في المستقبل مثل ما كان لازما فيما مضى، ومع ~~هذا فلم يكن نسخا، وهما سواء؛ لأنه كان لازما فيما مضى عبادة واحدة، فزيد ~~عليها أخرى، وكذلك كان لازما جلد مائة، فزيد عليه التغريب. # واحتج: بأن الزيادة تغير حكما ثابتا في المزيد عليه، فوجب أن يكون نسخا، ~~كما إذا نسخ الحكم الثابت، مثل القبلة، والتقديم (1) ، وحد الزنا، والوصية. # ووجه التغيير: أنه قبل الزيادة كان جميع ms327 الحكم، فصار بالزيادة بعض الحكم. # والجواب: أنا لا نسلم أنها غيرته؛ لأن حكم المزيد ثابت، كما PageV03P817 # كان، ولكن يحتاج إلى زيادة ليقع موقعه، فكأن المائة قد وقعت موقعها، ولكن ~~تحتاج إلي زيادة. # وقولهم: كان جميع الحكم، فصار بعضه، يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر ~~بالصوم، فإن الصلاة كانت جميع الشرع، ثم صارت بعضه، ولا يكون ذلك نسخا. # ثم يبطل هذا بالنقصان فإنه إذا سقط من المائة خمسون، لم يكن نسخا للباقي، ~~وقد صارت كل الحد بعد أن كانت بعضه. # واحتج: بأن النقصان نسخ، فوجب أن تكون الزيادة نسخ. # والجواب: أن النقصان يسقط حكما ثابتا فأوجب دخوله في اللفظ في وقت ~~مستقبل، وليس كذلك الزيادة؛ لأنها لا تسقط حكما، وهذا كما نقول: إنه إذا ~~نسخ صوما أو صلاة، كان نسخا، وإن زاد صوما بعد الصلاة، لم يكن نسخا فدل على ~~الفرق بين النقصان وبين الزيادة. # واحتج: بأنه لا يصح أن يجمع بين الزيادة وبين حكم النص في خطاب واحد، ألا ~~ترى أنه لا يصح أن يقول الله تعالى: إذا غسلتم فى هذه الأعضاء أجزأتكم ~~الصلاة وإن لم تنووا، ثم يقول مع ذلك: إن لم تنووا الطهارة لم تجزئكم ~~صلاتكم، وكذلك [119/ب] لا يقول: قد أوجبت عليكم إذا حكمتم أن تحكموا بشهادة ~~رجل واحد وامرأتين دون غيرهم، ثم يقول مع ذلك: واخترت لكم الحكم في الشاهد ~~واليمين. # وكذلك لا يصح أن يقول: إن جلد مائة جميع حد الزاني، ثم يقول مع ذلك: هو ~~بعض حده، فإذا استحال جمعها (1) في خطاب واحد، وجب أن يكون ورود الزيادة ~~بعد استقرار حكم النص موجبا لنسخه. # والجواب: أن هذا يبطل به إذا أمر بالصلاة، ثم أمر بالصوم، فإنه لا يصح أن ~~يجمع بين الصوم وبين الصلاة في خطاب واحد، فلا PageV03P818 # يصح ان يقول: إذا صليتم برأت ذمتكم من كل عبادة، وإن لم تصوموا، ثم يقول ~~مع ذلك: إن لم تصوموا لم تبرأ ذمتكم، ومع هذا فإيجاب الصيام بعد الصلاة لا ~~يكون نسخا للصلاة، كذلك ها ms328 هنا. # واحتج من قال بأنها إذا غيرت كانت نسخا: # بأن الركعتين قبل الزيادة عليهما (1) كانتا تجزئان عن الفريضة ويصحان ~~بانفرادهما، فلما ضم إليهما (2) ركعتين آخرتين صارتا غير مجزئتين ولا يصحان ~~(3) بانفرادهما، فكان ذلك نسخا لهما. # والجواب: أن الركعتين صحيحتان واقعتان عن الفرض، لكن ضم إليهما شيء آخر، ~~فهو بمنزلة إشتراط ستر العورة فيها واستقبال القبلة ونحو ذلك من الشرائط. # ثم هذا باطل بالزيادة على الحد، فإنه كان قبل الزيادة محرما، وتحصل به ~~الكفارة، وبعد الزيادة لا تجزىء، ولا يكون ذلك نسخا عند هذا القائل، وكذلك ~~مبيحة للنكاح، فإذا زيد فيها، لم تكن مبيحة للنكاح من غير الزيادة، ولا ~~يكون نسخا، كذلك ها هنا. # واحتج: بأنكم قد جعلتم الزيادة على النص نسخا لدليل الخطاب، فيجب (4) أن ~~يكون نسخا للمزيد عليه، وبيانه: إذا أمر الله تعالى بأن يجلد الزاني مائة ~~واستقر ذلك، ثم زاد بعد ذلك عليها زيادة، كان ذلك نسخا لدليل الخطاب، لأن ~~قوله: اجلدوا مائة، دليله: لا يجلد أكثر منها. PageV03P819 # وهذا كما قال الصحابة والتابعون: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(الماء من الماء) منسوخ، وإنما المنسوخ حكم دليل الخطاب منه، دون حكم ~~النطق؛ لأن حكم النطق ثابت لم يتغير. # والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن المزيد عليه لم يتغير حكمه، فهو ~~(1) بعد الزيادة، كهو (2) قبلها، وليس كذلك دليل الخطاب، فإنه قد زال، لأن ~~تقديره: لا تزيدوا على المائة، وقد أوجب الزيادة عليها، فصار المنع من ~~الزيادة منسوخا. # وربما قال قائل: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو جار مجرى التخصيص للعموم، ~~قال: لأن دليل الخطاب من القرآن والسنة المتواترة يجوز تركه بالقياس وبخبر ~~الواحد. # والصحيح: أنه نسخ؛ لأن [120/أ] العموم إذا استقر بتأخير بيان التخصيص كان ~~ما يراد من التخصيص بعده نسخا، كذلك دليل الخطاب إذا استقر كان ما يرد بعده ~~مما يوجب تركه نسخا. # فصل (3) # إذا نص على حكم في عين من الأعيان بمعنى، وقيس عليه كل موضع وجد فيه ذلك ~~المعنى، ثم نسخ الله تعالى حكم ms329 تلك العين صار حكم الفروع منسوخا. ~~PageV03P820 # وقال أصحاب أبي حنيفة: يبقى الحكم في جميع الفروع (1) ، وذكروا ذلك في ~~مسألتين: # إحداهما وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنبيذ الذي كان مع عبد الله ~~بن مسعود (2) . # فقيل لهم: إنه كان نيئا، ولا يجوز عندكم أن يتوضأ بالنبيذ النيء. # فقالوا: إذا ثبت بالنص جواز الوضوء بالنيء، لأنه ثمرة طيبة وماء طهور، ~~وجب جوازه بالمطبوخ، لأن هذا المعنى موجود فيه، وقد نسخ حكم النيء وبقي حكم ~~المطبوخ. # والمسألة الثانية: النية لصوم رمضان بالنهار، فرووا عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه بعث إلى أهل العوالي (3) يوم عاشوراء (4) أن من لم يأكل ~~PageV03P821 # فليصم (1) فأجاز صوم يوم عاشوراء بالنية من النهار، وكانت العلة فيه: أنه ~~صوم مستحق في زمان بعينه، وهذا المعنى موجود في صوم رمضان وغيره، ثم نسخ ~~صوم عاشوراء، وبقي حكمه في غيره. ### | ### | دليلنا: # # أن ما ثبت تابعا لغيره وجب أن يزول بزوال الموجب والمقتضى إذا ~~PageV03P822 # زال، كالحكم المتعلق بالعلة إذا زالت العلة زال الحكم المتعلق بها. # واحتج المخالف: # بأنه لو نسخ ذلك لكان نسخا بالقياس على موضع النص، وهذا لا يجوز ~~بالإجماع. # والجواب: أنه ليس بنسخ بالقياس، وإنما زال الموجب فزال ما تعلق به، كما ~~زالت العلة فزال الحكم المتعلق بها، وإنما النسخ بالقياس: أن ينسخ حكم ~~الفرع بعد استقراره بالقياس على أصل شرع بعد استقراره، وهذا لا يجوز ~~بالإجماع، فأما إزالته بنسخ أصله، فليس ينسخ بالقياس. # فصل (1) # إذا كان الناسخ مع جبريل عليه السلام، ولم يصل إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإنه ليس بنسخ. # وإن وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل يكون نسخا؟ # ظاهر قول أصحابنا: أنه ليس بنسخ إلا عند من بلغه ذلك وعلمه؛ لأنه أخذ ~~بقصة (2) قباء، واحتج بها على إثبات خبر الواحد في رواية أبي الحارث والفضل ~~بن زياد. # واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من قال: مثل هذا، ومنهم من PageV03P823 # قال: يكون نسخا، ولا يعتبر علمهم به (1) . ### | ### | دليلنا: # # أن أهل قباء صلوا ركعة إلى بيت ms330 المقدس، ثم استداروا في الصلاة، ولو كان ~~النسخ ثبت [120/ب] في حقهم لأمروا بالقضاء، فلما لم يؤمروا بالقضاء، دل على ~~أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم. # ولأن الخطاب لا يتوجه إلى من لا علم له به، كما لا يخاطب النائم والمجنون ~~لعدم علمهما وتمييزهما. # ولأنه لا خلاف أنه مأمور بالأمر الأول، ومتى تركه مع جهله بالناسخ كان ~~عاصيا، فدل على أن الخطاب باق عليه. # واحتج المخالف: # بأنه لا يمتنع أن يسقط حكم الخطاب بما لم يعلمه، ألا ترى أنه إذا وكل في ~~بيع سلعة، ثم عزل الوكيل، ولم يعلم بعزله انعزل، وإن باع السلعة بطل بيعه، ~~كذلك ها هنا. # والجواب: أن في تلك المسألة روايتين: # إحداهما: لا ينعزل، ويحكم بصحة بيعه، وكذلك لو مات الموكل، فباع، يصح ~~بيعه، فعلى هذا لا فرق بينهما (2) . # وعلى هذا قال أصحابنا: إذا حلف على زوجته فقال: إن خرجت بغير إذني فأنت ~~طالق، فأذن لها، وهي لا تعلم، وخرجت وقع الطلاق، PageV03P824 # ولم يكن لذلك الإذن حكم. # وفيه رواية أخرى: ينعزل الوكيل وإن لم يعلم (1) . # فعلى هذا الفرق بينهما: أن أوامر الله تعالى ونواهيه مقرنة بالثواب ~~والعقاب، فاعتبر فيها علم المأمور [به] والمنهي عنه فيها، وليس كذلك الإذن ~~في التصرف والرجوع فيه، فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. # فصل (2) # في الخبر هل يصح نسخه أم لا؟ # ينظر فيه: فإن كان لا يصح أن يقع إلا على الوجه المخبر به، فلا يصح نسخه، ~~كالخبر عن الله تعالى بأنه واحد ذو صفات، والخبر بموسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء أنهم كانوا أنبياء موجودين، والخبر بخروج الدجال في آخر الزمان ~~ونحو هذا، فهذا لا يصح نسخه؛ لأن نسخه والرجوع عنه يفضي إلى الكذب، وهذا لا ~~يجوز على الله تعالى، فلم يجز ذلك. # وإن كان مما يصح أن يتغير، ويقع على غير الوجه المخبر عنه، فإنه يصح نسخه ~~كالخبر عن زيد بأنه مؤمن أو كافر، أو عبد أو فاسق، فهذا يجوز نسخه، فإذا ~~أخبر عن زيد بأنه مؤمن، جاز ms331 أن يقول بعد ذلك: هو كافر. وكذلك يجوز أن يقول: ~~الصلاة على المكلف في المستقبل، PageV03P825 # ثم يقول بعد مدة: ليس على المكلف فعل الصلاة؛ لأن نسخ ذلك لا يفضي إلى ~~الكذب في الخبر؛ لأنه يجوز أن تتغير صفته من حال إلى حال، كما يجوز أن ~~يتغير حكم المكلف عن العبادة من زمان إلى زمان. # فصل (1) # في الإجماع لا يصح نسخه؛ لأنه (2) حجة: انعقدت بعد انقطاع علم الوحي؛ ~~لأنه ينعقد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد انقطع الوحي بعد ~~وفاته. # وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا؛ لأن الناسخ هو الوحي، والوحي قد ~~انقطع، فلا نسخ بغيره. # فإن قيل: أليس اذا وجدتم خبر الواحد تركتموه بالإجماع؟ # قيل: يترك بالإجماع، [121/أ] ولا ينسخه به، بل يستدل بالإجماع على نسخه؛ ~~لأنه لو كان الخبر صحيحا لم يخرج عن الأمة؛ لأن الأمة ضبطوا الأخبار، فإذا ~~رأينا خبرا يخالف ما اجماعهم عليه، استدللنا بإجماعهم على نسخه. # فإن قيل: أليس إذا كانت الصحابة على قولين، ساغ الأخذ، بكل واحد منهما، ~~فإذا أجمع التابعون على أحد القولين بدل القول الآخر، فقد نسختم بالإجماع. # قيل: لا يزول القول الآخر بإجماع التابعين، لأن التابعين لو أدركوا ~~PageV03P826 # كلهم عصر الصحابة، وكانوا مع أحد القولين لم يزل الأخذ، فبأن لا يزول ~~بإجماعهم بعد انقراض الصحابة أولى. # وإن قلنا: يزول أحد القولين، لم يكن نسخا بالإجماع، لكنا نقول: إنما ساغ ~~العمل بكل واحد منهما بشرط أن لا يكون مانع منه، فإذا وجد ما يمنع منه، لم ~~يسغ العمل به، كما نقول: يجوز الاجتهاد والعمل به ما لم يعلم النص، فإذا ~~علم زال الاجتهاد لوجود النص، لا أنه نسخ الاجتهاد، كذلك ها هنا. # فصل (1) # فأما القياس فلا ينسخ؛ لأنه يستنبط من أصل، فلا يصح نسخه مع بقاء الأصل ~~المستنبط منه، والأصل باق، فكان القياس باقيا ببقائه. # وإذا لم يصح نسخه لم ينسخ به أيضا؛ لأنه إنما يصح ما لم يعارضه أصل، فإن ~~عارضه أصل سقط في نفسه. فبطل أن ينسخ ms332 الأصل به مثل أن يقول: علة الربا في ~~البر: مكيل جنس، فإن وجد خبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في جواز ~~التفاضل في الأرز، سقط القياس. # ولأن القياس دليل محتمل، وليس بالقوى الذي يقع به النسخ. # فصل (2) # وأما دليل الخطاب وما في معناه من التنبيه، نحو قوله: (فلا تقل ~~PageV03P827 # لهما أف) (1) ، فإنه ينسخ وينسخ به. وهو قول المتكلمين. خلافا لأصحاب ~~الشافعي، فيما حكاه الإسفراييني (2) : أنه لا ينسخ ولا ينسخ به (3) . ### | ### | دليلنا: # # أن المنع من الضرر ثبت نطقا لا قياسا، فصح نسخه، والدليل على ثبوته نطقا: ~~أنهم قالوا: هذا مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه. # ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى أنه لو ~~قال: اقتلوا أهل الذمة؛ لأنهم كفار، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ، وإن ~~لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والتنبيه، كذلك ها ~~هنا. # ولأن القياس: ما يختص بفهم أهل النقل والاستدلال، وما دل عليه فحوى ~~الخطاب، فإنه يستوي فيه العالم والعامي. PageV03P828 # فإن قيل: ما ثبت نطقا؛ لأنا لا ننطق بالمنع من الضرب، ولا سمع منه صيغة ~~الضرب، وإنما عرف ذلك من معنى النطق، ومعنى النطق هو نفس القياس. # قيل: قد بينا أنه ثبت بالنطق من الوجه الذي بينا، وهو أنه يضاف [121/ب] ~~إلى اللفظ. # ولأن الصيغة غير معتبرة من الوجه الذي بينا. # وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في باب القياس، وذكرنا أن الحكم ~~الثابت من طريق التنبيه، لا يسمى قياسا، وإنما هو مفهوم الخطاب وفحواه. # فصل (1) # مما يعلم به النسخ # ويعلم بثلاثة أشياء: # أحدها: النطق كقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا) (2) ~~فنسخ عنهم أن يصابر كل واحد عشرة إلى أن يصابر اثنين نطقا. # وهكذا قال تعالى: (علم الله انتكم كنتم تختانون أئفسكم فتاب عليكم وعفا ~~عنكم فالآن باشروهن PageV03P829 # وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر) (1) ، فكان الأكل والشرب محرما عليهم بغير ms333 القرآن، ~~فنسخ عنهم (2) بالقرآن. # وهكذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ~~فزوروها) و (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا) فنسخ ذلك نطقا. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية الحسن بن علي بن الحسن الإسكافي ~~(3) ، وقد سئل هل في الحديث ناسخ ومنسوخ؟ فقال: نعم، مثل لحوم الأضاحي وما ~~أشبهه. # الثاني: أن يرد خبران متعارضان، ويعلم أن أحدهما يغير الآخر، مثل أن ~~يقول: لا تزوروا القبور، ثم ثبت أنه قال بعد ذلك: زوروها، فيعلم بأن ~~المتأخر عن الأول ناسخ للأول. # وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: (كنت رخصت لكم في جلود الميته، فلا ~~تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (4) ؛ لأن النسخ باللفظ لا يعلم بأنه بعد ~~الأول. PageV03P830 # وهذا قد نزل متأخرأ في التلاوة متقدما في التنزيل، كقوله: (لا يحل لك ~~النساء من بعد) (1) ، هذا منسوخ بقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك ~~أزواجك) (2) الآية، والناسخ متقدم في التلاوة ومتأخر في التنزيل. # وهكذا كانت العدة حولا، فنسخت بأربعة أشهر وعشر، وكان الناسخ متقدما في ~~التلاوة، والمنسوخ متأخرا، وهو قوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (3) ، نسخ بها قوله تعالى: (وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) (4) وهذا متأخر في التلاوة. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية عبد الله: تستعمل الأخبار حتى ~~تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر، فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به. # والثالث: أن يرى خبر الواحد يخالف الإجماع، فيستدل بالإجماع على نسخه، لا ~~أن الإجماع نسخه. # وإذاك ثبت أن العلم بالمتأخر يقع به النسخ، فالمتأخر يعلم بأحد أسباب ~~ثلاثة: # أحدها: النطق، كقوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها) ، (كنت رخصت ~~لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا) ، هذا عرف المتأخر منه لفظا. PageV03P831 # الثاني: أن يخبر الصحابي أن هذه الآية نزلت بعد آية، فيصير إليه [122/أ] ~~، وينسخ بخبره. # الثالث: أن ينقل الراوي خبرا، ثم ينقل غيره ضده، فيعلم أن الأول مات قبل ~~إسلام الراوي الثاني، فإن ms334 نقل الثاني يعلم أنه متأخر عن الأول، # وذلك في مس الذكر، روى طلق بن علي (1) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(لا وضوء من مسه) (2) ، وروى أبو هريرة رضي الله عنه: (وجوب الوضوء ~~PageV03P832 # من مسه) (1) ، وكان خبر أبي هريرة متأخرا؛ لأن أبا هريرة أسلم ~~PageV03P833 # بعد وفاة طلق بن علي، وقبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربع سنين ~~(1) . PageV03P834 # فصل (1) # والنسخ إنما يقع مع التعارض، هو: أن يعارض الناسخ المنسوخ، فأما إذا ورد ~~شرعان لا يتعارضان، فلا ينسخ أحدهما الآخر. وقول من يقول: إن صوم رمضان نسخ ~~صوم عاشوراء، لا يصح؛ لأن فرض رمضان لا ينافي صوم عاشوراء، وإنما وافق نسخ ~~عاشوراء فرض رمضان، فقال الناس: نسخ به، وليس كذلك، بل ينسخ مع فرضه لا به. # فصل (2) # إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة، فإنا لا نصير إلى قوله حتى يخبر ~~بماذا نسخت. # أومأ إليه في رواية صالح فقال: هذا ما خرجه أبي في الحبس فقال في أوله: ~~بعث نبيه، وأنزل عليه كتابه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من باطنه ~~وظاهره، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه. # وهذا يدل على أنه مخصوص بذلك. # ثم ذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم PageV03P835 # ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) (1) ، فمن دل ~~على أنها منسوخة غيرهم. وإنما أراد بذلك الصحابة، وظاهر هذا أنه يصار إلي ~~قوله. # وذكر بعد ذلك بأوراق قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) (2) قال ابن ~~عباس: الفدية ولا قضاء عليه (3) . وقال علقمة (4) وعبيدة (5) : نسختها ~~الآية التي بعدها (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (6) . # وظاهر هذا أنه صار إلى قول التابعين، ثم قال: لا يصير إلى قوله. # وهو قول أصحاب أبي حنيفة والشافعي، لئلا تناول نسخها بما لا PageV03P836 # يجوز نسخها به كأخبار التواتر. # وقد بينا أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز، ولأن أكثر أحواله أن ينقل خبرا ~~من جهته، فلا ينسخ به القرآن. # فأما خبر الواحد إذا أخبر به صحابي، وزعم أنه منسوخ، فإن على قول من يجوز ~~للراوي نقل ms335 معنى الأخبار، يجب أن يثبت به النسخ؛ لأن ظاهر كلامه أنه معنى ~~كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النسخ؛ لامتناع أن يحمل قوله على ~~غير جهته. # وأما على قول من يعتبر اللفظ، فلا ينسخ به؛ لجواز أن يكون ما سمعه ظن أنه ~~ناسخ، ولو أظهره لم يكن ناسخا عندنا. # ويفارق هذا إذا روى الصحابي خبرا وفسره، قبلنا تفسيره، لأنا إنما نقبل ~~تفسيره في الخبر المحتمل، على ما تقدم، بيانه، فجعلنا تفسيره، لمشاهدة ~~التنزيل وحضور التأويل [122/ب] [و] ها هنا اللفظ المنسوخ غير محتمل. # فصل (1) # نسخ بعض العبادة لا يوجب نسخ الباقي وحكي عن بعض الشافعية أن المنقوص إذا ~~لم يكن ثابتا على الوجه الذي كان ثابتا عليه في الابتداء، فإن نقصانه يوجب ~~نسخ جميعه، كنسخ التوجه نسخ (2) لجميع الصلاة (3) . PageV03P837 ### | دليلنا: # أن الله تعالى لما نسخ التوجه إلى بيت المقدس، لم يوجب ذلك نسخ أوصاف ~~الصلاة، فوجب أن يكون على ما كان عليه، وجرى مجرى نسخ منها، كالطهارة ~~والستارة. # ولأن النسخ جار مجرى التخصيص في باب كون كل واحد منهما رافعا لبعض ما ~~تناوله اللفظ، وكان تخصيص بعض ما تضمنه العموم لا يوجب سقوط جميعه، كذلك ~~نسخ بعضه لا يوجب نسخ جميعه. # فصل # يجوز النسخ بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - # وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في التخصيص للعموم بأفعاله. # خلافا لأبي الحسن التميمي من أصحابنا قال: لا يجوز، بناه على أن أفعاله ~~لا تدل على الوجوب. # وذكر هذا في أوراق وقعت إلي فيها النسخ بأفعاله، والتخصيص بأفعاله، وأجاز ~~التخصيص بأفعاله. # والدلالة عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته في أحكام الشرع ~~سواء، إلا ما دل عليه دليل التخصيص. ن PageV03P838 ### | باب الأخبار # (1) # حقيقة الخبر: ما دخله الصدق أو الكذب، كقوله: رأيت زيدا، وضربت عمرا، ~~يحتمل أن يكون صادقا، ويحتمل أن يكون كاذبا. # وقد يدخل في معنى الخبر ما ليس بخبر، كالإيماء والإشارة، مثل أن يقال ": ~~أمر بك العسكر"؟، فيومىء برأسه، أو يشير بيده "لا"، أو"نعم"، فيحتمل الصدق ms336 ~~أو الكذب، وليس بخبر؛ لأن حقيقة الخبر ما كان لفظا أو نطقا. # وليس يعرف كون الخبر صدقا أو كذبا من نفس الأخبار، وإنما يعلم بدليل غيره ~~أنه صدق أو كذب، لا نفس الأخبار، فلهذا المعنى جاء الطلب والاستخبار ~~والتمني خارجا من هذا الحد لكونهما مما لا يصح فيهما الصدق أو الكذب. # ولا يجوز أن يقال: حد الخبر: ما صح أن يدخله الصدق فقط؛ لأن PageV03P839 # الإخبار عن الحال خبر، وإن لم يجر فيه الصدق. # ولا يحد بأنه: ما صح فيه الكذب فقط؛ لأن الخبر عن الواجب خبر، وان لم ~~يدخله الكذب. # ولا يجمع أيضا بين الأمرين لامتناع جوازهما في أخبار الله تعالى وأخبار ~~رسوله، وإن كان [123/أ] خبر صدق لا يجوز أن يكون إلا على صفة واحدة. # ومن الناس من قال: هذا الحد على ما كانت تعرفة العرب من الأخبار، ولا ~~يدخل في ذلك أخبار الله تعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه [وسلم] . ### | ### | مسألة # (1) # للخبر صيغة تدل بمجردها على كونه خبرا كالأمر، ولا يفتقر إلى قرينة يكون ~~بها خبرا، وهو قول القائل: قام زيد، وزيد قام، وضرب زيد، وزيد ضارب. # وقالت المعتزلة: لا صيغة له، وإنما يدل اللفظ عليه بقرينة، وهو قصد ~~المخبر إلى الإخبار، كقولهم في الأمر (2) . # وقالت الأشعرية: الخبر نوع من الكلام، وهو معنى قائم في النفس يعبر عنه ~~بعبارة تدل تلك العبارة على الخبر لا بنفسها، كما قالوا في الأمر والنهي، ~~والكلام في هذه كالكلام في تلك المسألة (3) . PageV03P840 ### | ### | دليلنا: # # ما ذكرنا، وهو أن ما احتمل الصدق والكذب خبر، وما لم يحتمل فليس بخبر، ~~فدل على أن الخبر إنما كان خبرا لما وضع له من كونه محتملا للأمرين، كما ~~قلنا في الأمر، لما كان استدعاء الفعل ممن هو دونه، دل على أن الأمر إنما ~~يكون أمرا لكونه استدعاء. ### | مسألة # (1) # العلم يقع من جهة الأخبار المتواترة، مع اختلاف في صفة التواتر كما يقع ~~من جهة المشاهدات. وهذا ظاهر على أصلنا؛ لأنه أثبت العلم بأخبار الصفات. ~~وهو قول كافة ms337 أهل العلم. # وحكي عن بعض الأوائل -وقيل هم السمنية (2) ، وقيل: هم البراهمة (3) - أنه ~~لا يقع العلم بشيء من الأخبار، وإنما يقع العلم بالمحسوسات والمشاهدات. ~~PageV03P841 ### | دليلنا: # أنا نجد نفوسنا عالمة بالبلدان النائية "كمكة" و"البصرة" و"الصين" وغير ~~ذلك من البلاد والسير الماضية كأيام بني أمية وبني العباس، كما نجدها عالمة ~~بالمشاهدات والمحسوسات. ومنكر هذا كمنكر علم المشاهدات من السوفسطائية (1) ~~، ولا طريق له غير الخبر. # فإن قيل: لو كان العلم بالخبر جاريا مجرى العلم بالمشاهدات، لم يحتج في ~~ذلك إلى تكرار الخبر وتواتره، كما لا يحتاج إلى تكرار المشاهدات ~~والمحسوسات، ولما احتيج في ذلك إلى التواتر، دل على أن العلم لا يقع به. # قيل: إنما اختلفا من هذا الوجه؛ لأن العلم بالمشاهدات من كمال العقل، إذ ~~لا يصح أن يكون كامل العقل يشاهد (2) الشيء ولا بعلمه، وليس كذلك العلم ~~بالأخبار؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في العلم به عند PageV03P842 # التواتر [123/ب] فكان وقوع العلم به تابعا للعادة. # يبين صحة هذا أن الله تعالى قد أجرى العادة ممن يدرس الشيء ليحفظه إذا ~~كرر الدرس، وكذلك أجرى العادة في السكر عند تكرار الشرب. # واحتج المخالف: # بأنه لو كان خبر التواتر يوجب العلم ويقطع العذر لوجب أن لا تنكر نبوة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنكم تعلمونه بنقل تواتر، فلما لم تثبتوا ~~نبوته قطعا بطل أن يكون التواتر موجبا للعلم. # والجواب: أنه إنما لم تثبت نبوته قطعا؛ لأنها لم تثبت ضرورة، وإنما عرفت ~~بالاستدلال القوي، وهو الآيات والمعجزات على يده، ونقل إلينا ذلك نقلا، ~~فلذلك (1) لم تثبت ضرورة، لا لمعنى يعود إلى الأخبار. # وجواب آخر أجود من هذا وهو: أن ردهم للخبر لا يدل على أن العلم لم يقع ~~به، بدليل أنهم شاهدوا معجزاته وعاينوها وردوها، ومعلوم أن العلم يقع ~~بالمشاهدات، ومع هذا فقد ردوها، وكذلك الخبر عنه. # واحتج: بأن اليهود تخبر بأن موسى عليه السلام قال: شريعته مؤبدة، وهم عدد ~~كثير وجم غفير، ولا يقع العلم بخبرهم، والنصارى تخبر بقتل المسيح عليه ~~السلام وصلبه، ولا ms338 يقع العلم بخبرهم. # والجواب: أن النصارى عدد يسير أخبروا بمشاهدة قتله، وكانوا قد شبه لهم. ~~ويجب أن يكون أولهم وآخرهم ووسطهم سواء في النقل، والعدد الكثير إذا رووا ~~عن عدد قليل، فإن العلم لا يقع بصحة المخبر عنه. # وأما خبر اليهود فكذلك أيضأ؛ لأن "بختنصر" (2) قتلهم، فلم PageV03P843 # يكن خبرهم عمن يثبت بنقله التواتر. # [و] قد قيل: إن "ابن الرواندي" (1) لقنهم ذلك بأصبهان، ولا يعرف ذلك إلا ~~من جهته. # والدليل عليه: أنهم لم يقولوا هذا لعيسى ولا لمحمد عليهما السلام، فلو ~~كان صحيحا لوجب من طريق العادة أن يكون ذلك أولى ما يقولونه لهما، ويقصدون ~~بذلك تكذيبهما. # وجواب آخر وهو: أن اليهود لم تكن مجمعة على هذا الخبر، بدلالة أن جماعة ~~منهم آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك النصارى. # ولأن النصارى كانوا يختلفون -وإلى وقتنا هذا- في قتل المسيح، واليهود ~~اختلفوا في آية الرجم. # واحتج: بأنه إذا جاز عليهم الصدق مع كثرتهم، جاز عليهم الكذب أيضا، وما ~~الفرق بينهما؟ # والجواب: أن الصدق له سبب يدعو إلى الإخبار به، وهو علم كل واحد منهم بما ~~شاهده (2) وأدركه، وليس للكذب سبب، وإنما يكذب الكاذب لغرض يخصه [124/أ] ، ~~وأغراض العدد الكثير لا تتفق، وخواطرهم لا تتسق إلا بجامع يجمعها وحامل ~~يحملها على ذلك من رغبة أو رهبة، ولهذا PageV03P844 # إذا دخل غريب "بغداد"، واستدل على "جامع المنصور"، ولم يجز أن يقع من ~~العدد الكثير أن يدلوه على "بيعة"، ويجوز أن يتفق هذا من عدد يسير، ويجوز ~~أن يتفق العدد الكثير على أن يدلوه على المسئول عنه، ويصدقوا فيه، فدل على ~~الفرق بينهما. # واحتج: بأنه لا يخلو إما أن يقع العلم بخبر الأول أو الأخير، ولا يجوز ~~وقوعه بالأول ولا بالأخير؛ لأنه آحاد، فدل على أنه لا يصح أن يقع العلم ~~بالخبر بوجه. # والجواب: أن العلم يقع بخبر جميعهم؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بحصول ~~العلم عند اجتماعهم، ولهذا إذا شككنا فيه مشكك لم نشك، وفي خبر الواحد نشك ~~فقط، فسقط ما قالوه. ### | مسألة # (1) # والعلم الواقع ms339 بالأخبار المتواترة ليس من شرطه # أن يجمع الناس كلهم على التصديق به # وهذا ظاهر على أصلنا؛ لأن أحمد رحمه الله أثبت أخبار الصفات، وهي موجبة ~~للعلم مع اختلاف الناس في قبولها. # خلافا لليهود في قولهم: من شرط وقوع العلم به أن لا يكون في الناس من ~~يكذبه (2) . PageV03P845 ### | دليلنا: # أنه لو كان من شرط (1) العلم به اجتماع الناس على تصديقه، لم يجز وقوع ~~العلم بخبر على وجه من الوجوه، إذ يستحيل من الواحد أن يلق جميع الناس ~~ويسير إليهم أو يسيروا إليه (2) ، ولما أجمعنا على صحة العلم بخبر التواتر، ~~دل على فساد قولهم. # فإن قيل: لا يعتبر العلم بتصديق جميع الناس، وإنما يعتبر أن لا يعلم فيهم ~~من يكذب المخبرين. # قيل: إذا جاز أن يعلم صحة المخبر عنه مع تجويز أن يكون في الناس من ~~يكذبه، لم يكن من شرط (3) وقوع العلم بصحته اجتماع الكافة على التصديق. # فإن قيل: إذا لم أعلم أن فيهم مكذبا علمت أنه لا مكذب فيهم، إذ لو كان ~~فيهم ذلك لكذب المخبرين، وكان تكذيبه حينئذ ينقل إلينا؛ لأن العادة جارية ~~بأن مثل هذا لا يترك نقله. # قيل: إذا كانت العادة جارية أن مثل هذا لا يترك نقله، فالعادة أيضا جارية ~~أن الجماعة الكثيرة التي لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، إذا أخبرت بشيء ~~وقع العلم بخبرهم، ولا فرق بين من منع ذلك وبين من منع ترك نقل تكذيب من ~~يكذب المخبرين. # وأيضا: فإنا نجد أنفسنا ساكنة إلى العلم ببعض البلدان [124/ب] التي ~~أخبرنا بها، وإن كنا نعلم أن في الناس من لم يسمع بذلك ولم يخطر على باله، ~~PageV03P846 # فضلا عن أن يصدق به، فلو كان تصديق جميع الناس شرطا في وقوع العلم بخبر ~~المخبر، لم يصح وقوع العلم لنا بما ذكرنا وفي علمنا بوجود ذلك دليل على ~~فساد ما ذهبوا إليه. # واحتج المخالف: # بأن المسلمين كلهم كالنفس الواحدة، ولا يجوز وقوع العلم بنقلهم معجزات ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنها تكون شاهدة لنفسها. # والجواب: أن هذا ms340 المعنى قائم في اليهود؛ لأنهم كالنفس الواحدة، فيلزمهم ~~أن لا يثبتوا معجزات موسى عليه السلام بنقلهم لها. # فإن قيل: إنما صح وقوع العلم بمعجزات موسى عليه السلام، لأن المسلمين ~~والنصارى قد شهدوا بصحتها. وأما اليهود فلم يشهدوا بصحة معجزات محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلهذا لم يجز وقوع العلم بنقلها. # قيل (1) : المسلمون والنصارى عند اليهود كفار، فكيف تصح شهادتهم؟! بل ~~وجود شهادتهم عند اليهود كعدمها. ### | مسألة # (2) # العلم الواقع بالأخبار المتواترة معلوم من جهة # الضرورة لا من جهة الاكتساب والاستدلال # وهو قول أكثر أهل العلم. # وحكي عن البلخي وغيره من المعتزلة: أن العلم يقع به اكتسابا، ولا يقع ~~اضطرارا. PageV03P847 ### | دليلنا: # أنه لو لم يكن معلوما ضرورة لأدى إلى الشك في النبوات، وهذا لا يجوز. # ولا يلزم على هذا معرفة الله تعالى أنها استدلال. ولا يفضي ذلك إلى الشك؛ ~~لأنه لا طريق إلى معرفة القديم من طريق الإحاطة والإدراك، وليس كذلك ~~المحدثات، لان الإحاطة والإدراك يصدق (1) عليها. # ويبين هذا أن ما جعل طريقا إلى معرفة الضرورات يتطرق على المحدثات، وهو ~~الحواس الخمس، ولا يتطرق ذلك على القديم. # ولأن هذا النوع من العلم علم بمحدث لا يمكن دفعه عن النفس ولا الشك منه ~~ولا الارتياب، فثبت أنه معلوم ضرورة كالمشاهدات، ولو كان مكتسبا لدخل فيه ~~الشك إذا شكك فيه والريبة. # وإنما شرطنا في الدليل: علم بمحدث، لئلا يدخل عليه معرفة الله تعالى، ~~لأنها معلومة على وجه لا يمكن الارتياب والشك فيه، وهي من جهة الكسب؛ لأن ~~ذلك علم بقديم لا بمحدث. # ودليل آخر وهو: أنه لو كان معلوما من جهة الاستدلال [125/أ] والكسب لم ~~يقع إلا لمن هو من أهل التأويل والنظر، فلما وقع ذلك لمن ليس من أهل ~~التأويل والنظر كالصبيان وغيرهم، ثبت أنه معلوم من جهة الضرورة. ~~PageV03P848 # واحتج المخالف: # بأنه لما حسنت المطالبة بالدلالة على أن خبر التواتر يوجب العلم. # وحسنت إقامة الدلالة عليه علمنا أن العلم الواقع عنده اكتساب، وليس هو ~~بضرورة. # والجواب: أن هذا باطل بالعلم بالمشاهدات، فإن السوفسطائية ms341 تطالبنا ~~بالدليل على صحة ذلك؛ لأن ذلك عندهم ظن وحسبان، ومع هذا فقد أجمعنا نحن ~~ومخالفينا على حصول العلم الضروري في ذلك مع حسن الدليل عليه، كذلك فيما ~~حصل من جهة الخبر المتواتر. # واحتج: بأنه لا يقع العلم بخبرهم إلا على صفات تصحبهم يستدل بها على ~~صدقهم، فدل على أنه من جهة الاستدلال، يدل على ذلك أن العلم بحدث الأجسام، ~~لما وقع لأجل الصفات التي عليها الأجسام من اجتماع وافتراق وحركة وسكون كان ~~العلم بها مكتسبا. # والجواب: أن العلم بصدقهم لا يفتقر إلى اعتبار صفاتهم ولا يستدل بذلك على ~~صدقهم، بل نعلم صدقهم، ولهذا يخالف حدوث الأجسام، فإن العلم لا يقع به إلا ~~بعد النظر والاستدلال باختلاف صفات معانيها. # واحتج: بأن العلم الواقع بأخبار الله وأخبار رسوله استدلالا غير ضرورة، ~~كذلك خبر غيرهما. # والجواب: أنا عرفنا الله بأنه واحد صادق بالاستدلال، وإذا ورد الخبر من ~~عنده قطعنا على صدقه استدلالا، وكذلك أخبار رسوله عليه السلام، لأن ثبوت ~~نبوته من حيث الاستدلال وجبت بظهور المعجزات. # PageV03P849 ### | ### | مسألة # (1) # خبر التواتر لا يولد العلم فينا، وإنما العلم الواقع عنده من فعل الله ~~تعالى، يفعله عند الإخبار بالعادة التي أجراها بذلك، وهو قادر على أن يفعل ~~فينا ذلك مع عدم الإخبار، وهو بمنزلة إجرائه تعالى العادة بخلق الولد عند ~~الوطء، وإن كان قادرا على خلقه مع عدم الوطء، هذا بناء على إبطال القول ~~بالتولد. # ومن الناس من يقول: إن العلم بذلك يولد فينا عند خبر المخبرين. ### | دليلنا: # أن هذا العلم لو كان متولدا من (2) الخبر، لوجب أن يكون المخبر الأخير هو ~~الذي ولد خبره فينا العلم؛ لأن العلم حصل عند خبره، ولو كان كذلك لوجب أن ~~يكون خبره يوقع لنا العلم به ابتداء؛ لأنه هو الموجب للعلم، فوجب أن يكون ~~موجبا [125/ب] لذلك في جميع الأحوال كما أن خبر الجماعة الذي يحصل بهم ~~التواتر، لما أوجب العلم كان موجبا لذلك على كل حال، وفي علمنا بأن خبر ~~الأخير لو وقع ابتداء لم يوجب العلم، ms342 علمنا أنه لا يولد العلم على وجه من ~~الوجوه. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الخبر الأخير مولدا للعلم فينا على شرط تقدم ~~الأخبار الأخر له، كما أن الاعتماد يولد اصطكاكا في المحلين على شرط وجود ~~الصلابة فيهما. والنظر مولد للعلم على شرط أن يكون الناظر عالما بالدليل. ~~وإذا كان كذلك لم يكن في امتناع وقوع العلم بالخبر الأخير لو انفرد ما يمنع ~~أن يكون مولدا لعلم، إذا تقدمته أخبار أخر. PageV03P850 # قيل: الشيء إنما جعل شرطا في غيره، إذا كان متعلقا به أو محددا لصفة فيه، ~~ألا ترى أن صلابة المحلين لما كانت شرطا في كون الاعتماد مولدا للاصطكاك، ~~كانت موجبه لتجدد صفة بمحل الاعتماد، وكذلك كون الناظر عالما بالدليل، لما ~~كان شرطا في كون نظره مولدا للعلم، كان موجبا لتجدد صفة له، وإذا كان كذلك ~~لم يكن لكل واحد من الأخبار تعلق بالآخر، ولم يتجدد صفة للخبر الأخير بتقدم ~~الأخبار الأخر له، لم يجز أن يكون تقديم غيره من الأخبار شرطا في توليده ~~العلم. # ولأن الخبر من صفات الحي كالعلم والإرادة والإدراك، ثم ثبت أن تلك الصفات ~~لاتولد شيئا؛ لأن العلم لا يولد المعلوم، والإرادة لا تولد المراد، ~~والإدراك لا يولد المدرك، بل المعلوم والمراد والمدرك خلق الله تعالى، كذلك ~~الخبر يجب أن لا يولد شيئا. # ولأن الأكل والشرب والعلاج وجبر الكسر يطلب به حصول غيره، وهو الشبع ~~والري وزوال المرض، ومع ذلك فهو غير مولد، كذلك الخبر. # واحتج المخالف: # بأن العلم بخبر التواتر، لو كان تابعا للعادة لأجل فعل الله تعالى، لوجب ~~أن تختلف العادة في ذلك، فيقع العلم بخبر الجماعة التي يصح بهم التواتر، ~~ولا يقع بخبر جماعة مثلها، كما أن خلق الولد عند الوطء لما كان من فعل الله ~~تعالى لما أجرى به العادة، جاز أن تختلف فيه العادة، فيخلق الولد عند وطء ~~واحد، ولا يخلق عند وطء آخر، وفي بطلان اختلاف العادات في وقوع العلم ~~بالأخبار دليل على أن العلم فيها ليس من فعل الله ms343 تعالى، وإنما هو توليد. # والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون العلم بالشيء واقعا من فعل الله تعالى، ~~وإن لم تختلف العادة فيه، ألا ترى أنا نعلم أن وجود هذه الأجسام # PageV03P851 # التي نشاهدها ضرورة، لأن العلم [126/أ] بوجودها من كمال العقل، ويكون هذا ~~العلم من فعل الله تعالى فينا، وإن لم تختلف العادة فيه، كذلك لا ننكر أن ~~يكون وقوع العلم بمخبر الخبر المتواتر يجري على طريقة واحدة ويكون مع ذلك ~~من فعل الله تعالى. # واحتج: بأنه لما كان العلم يحصل بوجود الخبر علمنا أنه مولد له. # والجواب: أن الشبع والري يحصلان (1) بالأكل والشرب، وليس هما مولدين لهما ~~(2) . ### | ### | مسألة # (3) # لا يجوز على الجماعة العظيمة كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته. # وزعمت الإمامية (4) أن ذلك قد يجوز على الجماعة لداع يدعو إليه، وعلى هذا ~~بنوا كلامهم في ترك نقل النص [في علي رضي الله عنه] (5) . PageV03P852 # والدليل على فساد هذا القول: # أن كتمان ما يحتاج إلى نقله يجري في القبح مجرى الإخبار عنه بخلاف ما هو ~~به، فلما لم يجز على الجماعة التي يصح بهم التواتر أن يخبروا عن (1) الشيء ~~بخلاف ما هو مع علمهم بحاله، كذلك لايجوز أن يجتمعوا على كتمان ما يحتاج ~~إلى معرفته. # يبين صحة هذا أن رجلا لو دخل بغداد يسأل كل من يلقاه عن جامع المنصور، لم ~~يجز أن يكتموه كلهم ذلك، كما لا يجوز أن يخبروا عنه بالكذب، وكذلك لو حدث ~~في الجامع يوم الجمعة وقت الخطبة حادثة عظيمة هائلة، لم يجز أن يترك جميع ~~من حضرها نقلها، كما لا يجوز أن يخبر جميعهم عنها بالكذب مع علمهم بأنه ~~كذب. # فإن قيل: أليس قد تركت الصحابة نقل شرائع الأنبياء المتقدمين، وإن لم يجز ~~أن يتواطؤوا (2) على الكذب، فما أنكرتم مثله ها هنا. # قيل: إنما تركت نقل ما ذكرت لبعد عهده، ولفقد ما يدعو الى نقله، فأما ما ~~قرب عهده، ووجد الداعي الى نقله، فغير جائز أن يجتمعوا على ترك نقله. # يبين صحة هذا: أن شريعة موسى ms344 عليه السلام لما لم تكن متباعدة العهد، وكان ~~هناك ما يدعو إلى نقلها -وهو بقاء تمسك قوم بها- نقلت. وكذلك شريعة عيسى ~~عليه السلام، ولم تنقل شريعة غيرهما من الأنبياء مثل هود ويونس وأمثالم ~~عليهم السلام؛ لما لم يبق من يتدين بها، وكانت منسوخة. # فإن قيل: النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، ونقلوا إحياءه ~~PageV03P853 # الموتى وإبراءه الأكمه والأبرص مع الحاجة إلى معرفة ذلك وإن كان عهده غير ~~متباعد، فبان بهذا: أن قرب العهد وبعده لا تأثير له في باب النقل. # قيل: إنما لم ينقلوا كلام المسيح في المهد؛ لأنه قد كان ذلك قبل ظهور ~~أمره، وكان إحياؤه [126/ب] الموتى وإبراؤه (1) الأكمه والأبرص بعد ظهوره، ~~فلهذا نقلوا ذلك. # وقد يقوى نقل الشيء لأجل ظهوره، ويترك لأجل خفائه، ألا ترى أن اليهود قد ~~نقلت ما كان ظاهرا من معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم -، مثل إتيانه ~~بالقرآن وتحدي العرب به، ولم ينقلوا ما لم يكن في ظهور ذلك من معجزاته؟ # وكذلك قد اختلف نقل سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في باب الظهور ~~والخفاء، فلم يجر جميعها على طريقة واحدة، ألا ترى أن كثيرا من السنن تذهب ~~على العالم، وإن لم يذهب عليهم ما ظهر منها واشتهر؟ # فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون الصحابة تركت نقل ما يحتاج إليه لداع دعاهم ~~إلى ذلك من تقية أو خوف فتنة أو نحو ذلك. # قيل: كل من يجوز عليه ترك نقل ما يحتاج إليه لما ذكرت، فإنه يجوز عليه ~~الإخبار عن الشيء بالكذب لأجل هذه العلة بعينها، فلما لم يجز هذا على ~~الصحابة رضي الله عنهم، كذلك لا يجوز عليهم ترك نقل ما يحتاج إلى نقله. # فإن قيل: أليس قد تركوا نقل المسح إلا وقت وقوع الخلاف فيه، وتركوا نقل ~~القران والإفراد حتى اختلفوا فيه، وكذلك الرجم، ونظائر ذلك كثير؟. ~~PageV03P854 # قيل: أما المسح، فإنهم لم يتركوا نقله، بل نقلوه نقلا مستقصا، إلا أن من ~~لم ينقله، لم ينقله؛ لأنه جعل القرآن أولى منه، وهكذا ms345 القول في الرجم. # فأما القران والإفراد: فإنه قد كان علمهم المناسك (1) ، فلم يحتاجوا إلى ~~نقله، وإنما اختلفوا في نقله؛ لأن من شاهده وقت التلبية يلبي بالعمرة مع ~~الحج نقل القران، ومن شاهده يلي بالحج من غير ذكر العمرة نقل الإفراد، على ~~حسب ما بينا في المناسك من مسائل الخلاف (2) ، فقد صح بذلك فساد ما تعلقوا ~~به في ذلك. ### | ### | مسألة # (3) # ولا يعتبر في التواتر عدد محصور، وإنما يعتبر ما يقع به العلم على حسب ما ~~جرت به العادة أن النفس تسكن إليه، لا يتأتى منهم التواطؤ على PageV03P855 # الكذب، إما لكثرتهم أو لدينهم وصلاحهم؛ لأنه لا دليل على عددهم من طريق ~~العقل ولا من طريق الشرع، ولكنا نعلم أنه يجب أن يكونوا أكثر من أربعة؛ لأن ~~خبر الأربعة لو جاز أن يكون موجبا للعلم لوجب أن يكون خبر كل أربعة كل ~~موجبا ولو كان هكذا لوجب إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، أن يعلم الحاكم ~~صدقهم ضرورة، ويكون ما ورد به الشرع من السؤال عن عدالتهم باطلا، وإذا كان ~~ذلك صحيحا دل على أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بصدق مخبرهم. # فإن قيل: لا يمتنع [127/أ] أن الله تعالى لم يفعل ذلك عند شهادة الشهود ~~لضرر من المصلحة، وفعل ذلك عند الخبر الذي ليس بشهادة. # قيل: لا فرق بين الخبر الواقع على وجه الشهادة، وبين الواقع على غيرها، ~~بدليل: أن الجماعة التي يقع لنا العلم بخبرهم، لا فرق بين أن يشهدوا عند ~~الحاكم بحق، وبين أن يكون خبرهم بغير شهادة في وقوع العلم بخبرهم، كذلك ~~فيمن دونهم. # وقد حكي عن قوم: أن العلم يقع بخبر اثنين. # وعن آخرين: يقع بخبر أربعة. # وعن آخرين: يقع بخمسة فصاعدا (1) . # وعن آخرين: يقع باثني عشر؛ اعتبارا بعدد النقباء. PageV03P856 # وعن آخرين: يقع بسبعين؛ اعتبارا بعدد أصحاب موسى عليه السلام. # وعن آخرين: يقع بثلاثمائة وكسر، اعتبارا بعدد أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم بدر. # وهذا غير صحيح، لأن الاعتبار بمن يقع العلم بخبرهم، وليس يختص ذلك ms346 بعدد ~~دون عدد؛ لأن العدد الكثير قد يتواطئوا على الكذب، ولا يقع العلم بخبرهم، ~~بل يقع بخبر أقل منهم، إذا لم يتواطئوا على ذلك، فلم يجز أن يشترط في ذلك ~~عدد محصور. # والمواضع التي ذكروها إنما اتفق حصول ذلك العدد، لا أنه اشترط العلم ~~بخبرهم. ### | ### | مسألة # (1) # يجوز ورود التعبد بأخبار الآحاد من طريق العقل ومن الناس من يمنع منه. ### | دليلنا: # أنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في العمل بما يخبرنا به الواحد، وإن ~~جاز أن يكون غير صادق، ألا ترى أن من خوفنا سلوك طريق نربد سلوكه، فإن ~~الواجب علينا: أن نقبل منه، وأن نتوقف فيما أردنا من سلوك ذلك الطريق، وإن ~~جاز أن يكون كاذبا في خبره، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا أن يتعبدنا الله ~~تعالى بقبول خبر الواحد في باب الديانات. PageV03P857 # فإن قيل: فيلزمكم على هذا: أن تجيزوا ورود التعبد بالعمل لما يخبر به ~~الواحد، وإن كان فاسقا، كما يجب علينا قبول خبر الفاسق إذا خوفنا من سلوك ~~بعض الطرق. # قيل: العقل لا يمنع من ذلك، وإنما نرجع في المنع منه إلى السمع. # وأيضا: فإن الله تعالى قد تعبد الحاكم بقبول قول الشهود للعمل به، وإن ~~جاز أن يكونوا غير صادقين. # وكذلك تعبد الله المستفتى بالعمل على قول المفتي، مع جواز كونه كاذبا ~~فيما يفتي به، كذلك لا يمتنع أيضا: أن يتعبد الله تعالى بالعمل بما يخبر به ~~الواحد مع جواز كونه غير صادق. # فإن قيل: فيلزمكم أن تجيزوا ورود التعبد بصدق النبي، وإن لم يكن معه ما ~~يدل على صدقه من الإعلام بالمعجزة، وأن تجيزوا [127/ب] العمل بخبر الواحد ~~في إثبات القرآن وأصول الدين. # قيل: أما العمل بخبر النبي، فإنما لم يجب ما لم يكن معه ما يدل على صدقه؛ ~~لأن العمل بخبر الواحد، إنما يجب علينا إذا ورد السمع بذلك، فما لم تقم ~~الحجة بأصل الشريعة فإنا لا نعلم أنا قد تعبدنا بالعمل بخبر الواحد في ~~الشرعيات، فإذا كان كذلك، كانت الحجة إنما ms347 تقوم بأصل الشريعة، إذا أقام ~~الله تعالى الإعلام بالمعجزة على من تعبدنا على لسانه، ليدلنا بذلك على ~~صدقه، ويؤمننا من غلطه فيما هو الحجة فيه، لم يجز لنا القبول منه، ما لم ~~يعلم صدقه، وليست هذه حال خبر الواحد؛ لأن تجويزنا لكذبه لا يمنع من أن ~~يلزمنا العمل به من جهة النبي، بأن يوجب علينا العمل بما يخبرنا الواحد. # وأما خبر الواحد في إثبات القرآن، فإنه لا يمتنع أن يتعبد بقبول خبره ~~فيه، فيدل على ما تضمنه من الحلال والحرام، ولا يقطع على أنه من القرآن، ~~وإنما منع الشرع منه. # PageV03P858 ### | مسألة # (1) # يجب العمل بخبر الواحد، إذا كان على الصفة التي يجوز معها قبول خبره. # نص عليه رحمه الله في مواضع: # فقال في رواية أبي الحارث: إذا كان الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صحيحا ونقله الثقات، فهو سنة، ويجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا ~~يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس. # وقال أيضا رحمه الله في رواية أبي الحارث في موضع آخر: إذا جاء خبر ~~الواحد، وكان إسناده صحيحا وجب العمل به، ثم قال: أليس قصة القبلة حين ~~حولت، أتاهم الخبر وهم يصلون، فتحولوا نحو الكعبة. # وخبر الخمر أهراقوها، ولم ينتظروا غيره؟ # وقال أيضا رحمه الله في رواية الفضل بن زياد: خبر الواحد صحيح، إذا كان ~~إسناده صحيحا، وذكر قصة القبلة حين حولت، وقصة الخمر لما حرمت. # وقال أيضا رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث: إن قوما دفعوا خبر ~~الواحد: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل قول ذي اليدين (2) حتى ~~سأل غيره (3) . PageV03P859 # وليس هذا حجة، ذو اليدين جاء إلى يقين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يزيله، فلم يقبل منه، وهذا جاءه خبر لم يكن عنده خلافه. فلم يقبله. # وقال أيضا رحمه الله في رواية الميموني: من الناس من يحتج في رد خبر ~~الواحد: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنع بقول ذي اليدين، وليس هذا ~~شبيه ذاك، ذو اليدين أخبر بخلاف يقينه (1) ، ونحن ms348 ليس عندنا علم نرده، ~~وإنما هو علم يأتينا به. # ونحو هذا قال في رواية أحمد بن الحسين (2) الترمذي (3) . PageV03P860 # وبهذا قال [128/أ] جمهور الفقهاء والمتكلمين. # وقال قوم من أهل البدعة: لا يجوز العمل به، ولا يجوز ورود التعبد به. # وقال القاشاني (1) وأبو بكر بن داود: لا يجوز العمل به من طريق الشرع، ~~وكان يجوز ورود التعبد به. # وقال الجبائي: لا يقبل في الشرعيات أقل من اثنين. ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (2) . # وقوله: (فلولا) معناه: فهلا نفروا. # وقوله: (فرقة) معناه جماعة، أقلها ثلاثة. # وقيل: قد يقع هذا الاسم على واحد بدليل قوله تعالى: (وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ) (3) ، إلى قوله. (بين أخويكم) ، ~~وقوله. (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (4) ، قيل أقلها واحد. ~~PageV03P861 # وقال محمد بن كعب (1) في قوله: (إن نعف عن طائفة منكم) (2) ، كان هذا ~~رجلا واحدا (3) . # وقوله: (منهم) يعني من المسلمين. # وقوله: (طائفة) معناه: جماعة، أقلها واحد. # وإذا ثبت هذا فمن الآية دليلان: # أحدهما: قوله: (لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) فلولا أن الإنذار قد يقع ~~بالآحاد ما حث عليه ولا أمر به. # والثاني: قوله: (لعلهم يحذرون) فلولا أن خبر الواحد يوجب العمل لما وقع ~~به الحذر. # فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الإنذار، وليس فيها وجوب الرجوع إلى قول ~~المنذر، بل يجوز أن يرجع المنذر إلى أمر آخر، وليس من حيث وجب الإنذار وجب ~~الرجوع إليه، فإنه يجب على الإمام أن يخبر غيره بمعرفة الله تعالى ~~ووحدانيته، ولا يجب على المخبر الرجوع إلى قوله، بل يرجع إلى دليل آخر. ~~ولهذا نظائر. PageV03P862 # قيل: في الإية تحذير من المخالفة بقوله: (لعلهم يحذرون) والتحذير لا يكون ~~إلا في الأمر الواجب. وعلى أن الظاهر يقتضي وجوب الرجوع إلى قول المنذر حيث ~~أمر هو بالإنذار، وإلا بطل فائدة الأمر بذلك، وإنما لم يلزم الرجوع إلى ما ~~ذكروه من الأخبار عن معرفة الله سبحانه وما أشبه ذلك، لقيام (1) دليل عليه، ~~وهو: أنه ms349 يجب العلم بتلك الأشياء ومعرفتها قطعا. # فإن قيل: المراد بالآية: أنهم يرجعون إلى قومهم فيفتونهم ويؤخذ بقولهم في ~~الفتيا. # قيل: الآية عامة في الأمرين معا. وعلى أن الإنذار في الظاهر إنما يعتبر ~~به عن الإخبار عن الشيء دون الفتيا. # فإن قيل: الحذر هو: أن ينظر ويعمل بما دل عليه الدليل. # قيل: الطائفة إذا قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من لم ~~يفعل كذا أحرق [128/ب] بالنار، أو من فعل كذا أحرق بالنار، كان الحذر منه ~~بالقبول والعمل بما أخبره، ومن لم يقبله ولم يعمل بذلك، لم يكن حاذرا ما ~~أنذر به. # ويدل عليه قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة) (2) فدل على أن العدل إذا جاء بنبأ، لا نتبين ولا نتثبت فيه، من ~~طريق دليل الخطاب، فلو كانا سواء لم يكن لتخصيصه بالفاسق بالتثبت معنى. # ويدل عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث لتبليغ شرعه ~~وأحكامه إلى النواحي والقبائل والبلاد آحادا، فبعث أبا بكر أميرا على ~~الحاج، وبعث PageV03P863 # عمر ساعيا على الصدقة، وبعث عليا قاضيا إلى اليمن، وبعث. معاذا جابيا ~~للصدقات إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد (1) إلى مكة واليا، وبعث مصعب بن ~~عمير (2) إلى المدينة، وأمر مناديا بتحريم الخمر، وتحريم صيام أيام منى، ~~وغير ذلك مما يكثر نقله، فلولا أن خبر الواحد يوجب العمل ما بعث إليهم ما ~~لا يجب العمل عليهم بقوله. # وكذلك أيضا بعث الكتب، فكتب إلى كسرى كتابا، وكتب إلى قيصر كتابا، وبعث ~~به مع واحد، فدل على ما قلناه. # فإن قيل: هذه أخبار آحاد، فلا يحتج بها في إثبات خبر الواحد. # قيل: وإن كانت آحادا في اللفظ فهي متواترة في المعنى بمجموعها؛ لأن الأمة ~~تلقتها بالقبول، وتطابقت على العمل بها. # فإن قيل: فما ينكر أن يكون قد تقدم علمهم بالأحكام، كما قلتم: إنه يقدم ~~علمهم بوجوب العمل بأخبار الآحاد. PageV03P864 # قيل: الأحكام لم يوجد فيها الخبر المتواتر، ولو وجد ذلك لعلمناه، كما ~~علمنا سائر ما تواتر به الخبر. ms350 # وأما وجوب العمل بها: فقد كان يتواتر به الخبر، وعلم (1) المسلمون ~~والكفار ذلك من فعله وقوله، كما علمناه. # فإن قيل: أليس قد كان يبعث الدعا [ة] إلى الإيمان بالله وبالرسول وهذا لم ~~يكن معلوما من جهة الداعي. فما ينكر ذلك للأحكام. # قيل: وجوب ذلك عندنا بالشرع دون العقل، ولا فرق بينهما، وعند المخالف: ~~وجوبه من طريق العقل، فبعث من ينبههم على ما في عقولهم، وليس كذلك سائر ~~الأحكام؛ فإنه لا طريق لهم إليها إلا من جهة خبر من بعثه إليهم. # وأيضا: فإن الصحابة أجمعت على العمل بخبر الواحد، لأنا نعلم أن بعضهم كان ~~يقبل من بعض، ولا يطالبه بالتواتر والاستفاضة، وهذا معلوم من أحوالهم ~~ضرورة. # فروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عمل بخبر المغيرة (2) ومحمد ~~PageV03P865 # ابن مسلمة (1) في ميراث الجدة (2) . # وعمل عمر رضي الله عنه بخبر عبد الرحمن بن عوف (3) [129/أ] في أخذ الجزية ~~من المجوس. # وعمل بخبر حمل في مالك بن النابغة في غرة عبد أو أمة في الجنين، وقال: ~~كدنا أن نقضي فيه برأينا. # وعمل بخبر الضحاك بن سفيان في توريث النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة ~~أشيم الضبابى من دية زوجها. # وقال عبد الله بن عمر: كنا نخابر أربعين سنة، فلا نرى بذلك بأسا حتى ~~أخبرنا رافع بن خديج، فتركناها لقول رافع. PageV03P866 # وعمل عثمان رضي الله عنه بخبر فريعة بنت مالك (1) في سكنى المتوفى عنها ~~[زوجها] (2) . # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: ما حدثني أحد بحديث إلا PageV03P867 # استحلفته إلا أبا بكر، وصدق أبو بكر (1) . # ورجع ابن عباس عن قوله: إنما (2) الربا في النسيئة (3) ، بخبر أبي سعيد ~~الخدري (4) . PageV03P868 # وعملوا بخبر عائشة في التقاء الختانين. # وعمل زيد بن ثابت برواية امرأة من الأنصار: أن الحائض تنفر بلا وداع (1) ~~. # ورجيع أهل قباء إلى خبر الواحد في تحويل القبلة. # وكذلك رجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد. # ومثل هذا كثير، يطول شرحه، فدل على إجماعهم. # فإن قيل: طريق ذلك كله من طريق الآحاد، فلا يجوز إثبات ms351 خبر الواحد بمثله. ~~PageV03P869 # قيل: هذا متواتر من طريق المعنى، وقد بيناه. # وعلى أنه مع كثرته، لا يجوز أن يكون جميعه باطلا، كما لا يجوز أن يقال: ~~جميع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجوز أن يكون خطأ، وكما لا ~~يجوز أن يقال: إن الجماعة الكثيرة من المسلمين لا يجوز أن يكون جميعهم كذبة ~~في خبرهم، مع اعتقادهم الإسلام. # فإن قيل: يجوز أن يكون حكموا بهذه الأخبار مع سبب قارنها أوجب العلم ~~بصدقها. # قيل: لم يرد غير الأخبار ورجوعهم إليها، فدل على أنه كان سببها. # ولأنه لا يجوز أن ينقل الخبر ويترك السبب الذي لأجله حكموا به. # وعلى أن ابن عمر قال: فتركناها لقول رافع. # وقال عمر: لو لم نسمع هذا؛ لقضينا برأينا. فدل على أن القضاء بالخبر حصل. # فإن قيل: فقد روي عنهم: أنهم ردوا خبر الواحد ولم يقبلوه حتى انضاف إلى ~~المخبر غيره. # فروي عن أبي بكر في قصة الجدة: فيكم من سمع من رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] شيئأ، فأخبره المغيرة بن شعبة: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أطعمها السدس) (1) فقال أبو بكر: من يشهد معك؟ فقال: محمد بن مسلمة: أنا، ~~فلما كملا شاهدين عمل بقولهما. PageV03P870 # وعن عمر أن أبا موسى (1) استأذن عليه ثلاثا، فلم يؤذن له، فانصرف، فراسله ~~عمر فقال: لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~(إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا، فلم يؤذن له، فلينصرف) (2) ، فقال: من ~~يشهد لك؟ فمضى أبو موسى [128/ب] إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا أبي ~~سعيد الخدري فمضى، فسمع عمر منهما. PageV03P871 # وعن علي أنه كان ما يسمع الخبر حتى يستحلف عليه (1) . # فثبت: أنهم ما قبلوا خبر الواحد بانفراده. # قيل: يحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك احتياطا، ولهذا روي عن عمر أنه لما فعل ~~ذلك قال: خفت أن يجترأ على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فكأنه احتاط، ~~فأما أن يكون فعله على الوجوب فلا. # وكذلك ما كان علي يفعله من اليمين، كان ms352 على طريق الاحتياط، ولهذا قبل قول ~~أبي بكر بغير يمين. ولأن من لا يقبل خبر الواحد، لا يقبله مع اليمين أيضا. # وأيضا: فقد ثبت الرجوع إلى قول المفتي وشهادة الشهود، وإن لم يكن ذلك ~~أمرا مقطوعا عليه، وإنما يحكم به من جهة غلبة الظن والاستدلال، كذلك الرجوع ~~إلى قول المخبر، فإنه في معنى ذلك، بل الرجوع إلى المخبر أولى، فإن المفتي ~~يخبر عن اجتهاد، والمخبر يخبر عن مشاهدة وسماع، فحاله أقوى من حال المفتي، ~~فكان بالقبول أولى. # ولأنه لو لم يقبل إلا المتواتر أفضى إلى بطلان العمارات وخراب الدنيا، ~~لتشاغلهم بالنقل عنها، وإذا قلنا: يتشاغلون بالعمارات، حفظوا الدنيا، ~~وضيعوا الشريعة، فلا بد من ترك أحدهما، فحفظنا المعاش بتشاغلهم بها، وحفظنا ~~السنة بقبول خبر الواحد، فكان حفظهما معا أولى من تعطيل أحدهما. # وهذا كالشهادات لا بد للناس منها، فلو لم يقبل في الشهادات غير المتواتر ~~أفضي إلى تشاغل الناس بحفظ ذلك وخراب الدنيا، وإذا قبلنا شهادة PageV03P872 # الآحاد حفظنا الحقوق والدنيا معا، فكان حفظهما أولى من تضييع أحدهما، ~~كذلك الأخبار. # فإن قيل: قولكم: لا بد من قبول خبر الواحد، غير مسلم، فإن منه ألف بد، ~~وذلك أن العمل في أحكامنا على ما ثبت قطعا، وهو القرآن وخبر المتواتر، وما ~~لم نجده فيهما بنيناه على الأصل في العقل. # قيل: فعلكم هذا ترك للشريعة. # وعلى أن في الأحكام ما لا يعرف بالعقل ولا بالعمل على ما كان في الأصل، ~~كالدية على العاقلة، ونحو هذا، فبطل أن لا يعمل على خبر الواحد. # ولأن خبر الواحد لو كان مما لا يوجب العمل، لوجب أن ينكر على من يحفظه ~~ويكتبه ويدونه؛ لأنه لا فائدة فيه، كمن كتب ما لا يفهم، ويحفظ ما لا ينفع، ~~فإن كل واحد ينكر عليه ويسفهه، فلما [لم] نجد أحدا من سلف هذه الأمة وغيرهم ~~أنكر هذا، ثبت أنهم إنما أقروا عليه لهذه الفائدة التي ذكرنا. # فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ويكتبونها، ولا يستفاد منها حكم. # [130/أ] قيل: لا ينقل إلا لفائدة، وهو ms353 يتأدب بها ويعرف، وكذلك الخبر لا ~~فائدة في نقله غير العمل بموجبه والمصير إلى حكمه. # ويختص من اعتبر رواية اثنين بأنه خبر عن حكم شرعي، فوجب أن لا يعتبر في ~~العدد قياسا على الفتيا، وما لا يشثرط في قبول قول المفتي لا يشترط في قبول ~~[قول] النبي، أصله: الذكورية والحرية والنسب. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1) ، وقوله PageV03P873 # تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (1) . # والجواب: أن وجوب العمل به معلوم؛ لأن الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ~~موجب للعلم قاطع للعذر، كما يقول المخالف في حكم الحاكم بالشاهدين، وغير ~~ذلك مما ذكرته من (2) نظائره. # وجواب آخر وهو: أن هذا ينقلب عليهم في إبطالهم القول بخبر الواحد، فإنهم ~~حكموا بذلك، وهو غير معلوم عندهم. # واحتج: بقوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) (3) . # والجواب: أن المراد به الظن الذي لا دليل على العمل به (4) ، مع أنه ~~ينقلب عليهم في ترك القول بخبر الواحد. # واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل خبر ذي اليدين حتى ~~انضاف إليه غيره. # والجواب: أن من لم يقبل خبر الواحد لم يقبل خبر الاثنين أيضا، فلا حجة له ~~في ذلك. # على أنا نقول بظاهر الخبر، ولا يقبل في مثل ذلك أقل من اثنين؛ لأن قول ~~المأمومين، الواحد منهم ليس بأقوى من ظنه، فلم ينصرف عن ظنه بقوله. ~~PageV03P874 # فأما إن سبح به اثنان، كان قولهما أولى من ظنه، وليس كذلك أخبار ~~الديانات؛ لأنه ليس عنده ما يخالف خبره، فلهذا وجب قبوله. # واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في الإشهاد على عقوده ~~على (1) اثنين، فدل على أن الواحد غير مقبول. # والجواب: أنه لم يشهد على عقوده النساء والعبيد، ولم يدل ذلك على امتناع ~~قبول خبرهم. # واحتج: بأنه لا يقبل قول من ادعى أنه نبي إلا بحجة توجب العلم. # والجواب: أنه إنما لم يقبل قوله؛ لأنه لا دليل معه على وجوب قبول قوله ~~والعمل به، وليس كذلك ms354 خبر الواحد في الأحكام، فإن عليه دليلا يوجب قبول ~~قوله والعمل به. # واحتج: بأنه لا يقبل في أصول الديانات، كذلك في فروعها. # والجواب: أن هذا يبطل بشهادة الشاهدين، وبقول المفتي يقبل في فروع الدين، ~~وإن لم يقبل في أصوله. # [130/ب] وعلى أنه يعمل بخبر الواحد في كل حكم لا دليل عليه يوجب العلم ~~ويقطع العذر. # وأما الحكم الذي عليه دليل موجب للعلم، فلا يعمل فيه بخبر الواحد لأنه ~~إذا أمكن الوصول إليه من طريق العلم، لم يجز من طريق الظن، وليس كذلك في ~~هذه الأحكام الشرعية، فإنه لا طريق إليها من جهة العلم، ففرض علينا الحكم ~~بخبر العدل الذي ظاهره الصدق، كما يقول المخالف في الحكم بالشهاة والفتيا، ~~ولأن ذلك يتضمن نقل ملة إلى أمة (2) ، فاحتاج إلى معرفة ذلك قطعا. ~~PageV03P875 # واحتج: بأن طريق العمل به هو الشرع، وقد طلبنا الشرع، فلم نجد. # والجواب: أنه يجوز عليك الخطأ في طلبه والعدول عن طريقه. # واحتج: بأن الأصول قد تهذبت وتجهزت، فلا يترك اليقين بالشك. # والجواب: أنه باطل بالشهادات، فإن الأصل: أن الحق في الذمة، وإذا شهد ~~اثنان على أصل القضاء والإبراء، تركنا اليقين لغالب الظن. # وباطل بالفتيا؛ فإن الإنسان على يقين من عقد النكاح، وفي شك من وقوع ~~الفرقة، ومع هذا ترك اليقين بقول المفتي. # واحتج: بأنه لما لم يجز تقليد العالم للعالم؛ لأنه لا يقطع بصحته، كذلك ~~لا يجب الرجوع إلى خبر الواحد. # والجواب: أنه إنما لم يقلده؛ لأن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم، فلم يرجع ~~إليه فيه، وليس كذلك الخبر؛ لأن المخبر ليس معه من آلة الحكم ما مع المخبر، ~~فلهذا قبل قوله فيه [ولا يمنع] (1) هذا أن يقلد العامي العالم، فإنه جائز؛ ~~لأنه ليس معه آلة يقع له العلم بها. # واحتج: بأن في إيجاب العمل به ما يفضي إلى ترك العمل به؛ لأن الأخبار في ~~الشريعة كثيرة، لا تحصى، ولا يأتي عليها حصر، وفيها الناسخ والمنسوخ، ~~والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، فإذا أوجبنا عليه العمل بخبر الواحد، ~~لزمه أن ms355 يستوفي كل ما ورد منها؛ لأنه قد يكون فيما لم يبلغه ناسخ ما بلغه. # ولأن العمل به يفضي إلى التوقف في عمومات القرآن؛ لأنا نخص عموم القرآن ~~به، ونرد (2) به الظاهر عن ظاهره، فإذا لزم هذا، لزم PageV03P876 # البحث عن الأخبار؛ لئلا يكون هناك ما يخص به هذا العموم، والإحاطة به. # والجواب: أن المفتي لا يصح منه الفتيا، حتى يكون من أهل الاجتهاد، بأن ~~يعرف جمل الشريعة: الكتاب والسنة، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، ~~والعام والخاص، والمجمل والمفسر، كل هذا يعلمه، ويبني بعض الكلام على بعض، ~~ولكن فيما انتهى إليه وعرفه، [131/أ] فأما فيما لم يتصل به، ولا يعرفه، فلا ~~يلزمه التوقف فيما بلغه، لجواز أن يكون هناك مالم يبلغه، ألا ترى أن الحاكم ~~إذا شهد عنده بالقتل اثنان، قضى بشهادتهما، وهو يجوز أن يكونا فاسقين، وأن ~~يكون القول ساقطا عن المشهود عليه، كذلك ها هنا. # واحتج من قال: لا يقبل الخبر، حتى ينقله اثنان: # بأنه لما لم تقبل الشهادة إلا من اثنين، كذلاث الخبر، يجب أن يكون مثله. # والجواب: أن الشهادة قد تقبل من واحد في رؤية الهلال، وفي شهادة القابلة. # وعلى أن هذا موجب أن لا يقبل الخبر فيما يوجب الحد إلا من أربعة، كما لا ~~يقبل في الزنا أقل من أربعة. # وعلى أن الشهادة مؤكدة بما لم يؤكد به الخبر، وهو أنها لا تسمع حتى يبحث ~~عن حال الشهود، ويقبل الخبر ممن ظاهره العدالة، من غير بحث عنه. # ويقبل خبر العنعنة، وهو قول الراوي عن فلان كذلك إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وشهادة العنعنة لا تقبل حتى ينقل اللفظ، فيقول: أشهدني فلان ~~على شهادته بكذا، واللفظ يعتبر في الشهادة دون الخبر. # PageV03P877 # وتقبل فيه النساء، ولا تقبل في كثير من الشهادات، فكانت الشهادات أقوى، ~~فاعتبر فيها العدد، ولم يعتبر في الخبر، وإنما كان كذلك؛ لأن حكم الخبر ~~يستوي فيه المخبر والمخبر، والشهادة لا يستوي فيها الشاهد والمشهود له، ~~فلهذا قبلنا الواحد في هلال رمضان؛ لأنه يستوي فيه الشاهد والمشهود ms356 له، ~~فبان الفرق بينهما. ### | مسألة # (1) # ما يعم فرضه يقبل فيه خبر الواحد # كما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمن لم ~~يذكر اسم الله عليه) (2) . PageV03P878 # وكما روي في رفع اليدين في الركوع (1) ، وما يضارع ذلك من الأخبار. ~~PageV03P879 # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل فيه خبر الواحد (1) . ### | دليلنا: # أن الصحابة اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال وهذا ~~مما يعم فرضه، فأرسلوا إلى عائشة يسألونها، فقالت: (إذ التقى الختانان وجب ~~الغسل، فعلته أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاغتسلنا) ، فصاروا ~~إلى ما روت. # وكذلك ميراث الجدة، مما يعم فرضه، أثبتوه بخبر الواحد؛ لأن الجدة جاءت ~~أبا بكر، فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا. فروى له المغيرة: (أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أطعمها السدس) وتابعه محمد بن مسلمة، فعمل ~~PageV03P880 # به أبو بكر. وغير ذلك. # ولأن خبر الواحد مما قد دل دليل قاطع على ثبوته والعمل به، [131/ب] يجري ~~مجرى الآية المقطوع على وجوب الرجوع إليها. # ولأن خبر الواحد أصل القياس، فإنه منه يستنبط ويتفرع، فإذا جاز إثبات هذه ~~الأحكام بالقياس مع ضعفه، كان جواز ذلك بخبر الواحد أولى. # ولأنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع، مما لا طريق فيه للعلم، ولا يعارضه ~~مثله، فوجب العمل به قياسا على ما لا يعم فرضه. # واحتج المخالف: # بأن ما يعم فرضه سائر المكلفين، لا بد من توقيف من النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] للكافة على حكمه؛ لأنه غير جائز ترك تعريف ما لا يعرف إلا من جهته، ~~ومتى وقف الكافة عليه، فإن نقله يكون عاما مستفيضا، فإذا رواه الآحاد علمنا ~~أنه غير صحيح في الأصل أو منسوخ. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن ما يعم فرضه، ليس من شرطه توقيف من النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] لهم، بل يجوز أن يتعبد في ذلك بالظن، ورجوع العامة إلى اجتهاد أهل ~~العلم [في] لقى حكمه إلقاء خاصا، فلا يظهره، ويكون من بلغه خبره يلزمه ~~حكمه، ومن لم ms357 يبلغه خبره مأمورا بالاجتهاد، وطلب ذلك الحكم من جهة الخبر. # وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا ذلك، فإن النقل لا يجب أن يكون على حسب ~~البيان؛ فإن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة، وكان بعضهم لا يرى الرواية، وكان ~~يؤثر الاشتغال بالجهاد على الرواية. # PageV03P881 # وقال السائب بن يزيد (1) : صحبت سعد بن أبي وقاص زمانا، فما سمعت منه ~~حديثا، إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # (لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، والخليطان: ما اجتمعا في الحوض ~~والفحل والراعي) (2) . PageV03P882 # ويبين صحة هذا: أنه بين الحجة، بيانا عاما، ونقل من جهة الآحاد، واختلف ~~الناقلون له فيه. # وكذلك رجم ماعز، وأشياء كثيرة من هذا الجنس. # واحتج: بأن عموم فرضه للكافة، يقتضي ظهور فعله فيهم، وما يظهر فعله في ~~الكافة، لا يقبل فيه خبر الأفراد، ألا ترى أنه لا يقبل خبر الأفراد في حدوث ~~فتنة عظيمة في الجامع يوم الجمعة وقت صعود الخطيب المنبر؟ لأن ما هذا حاله ~~يشترك فيه الجماعات، ولهذا لم يقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر ذي ~~اليدين، حين أخبره بالسهو في صلاته، حتى أخبره معه جماعة؛ لأنه أخبر بأمر ~~ظهر للجماعة، فلم يقبل فيه خبره. # والجواب: [132/أ] أنا قد، بينا: أن عموم فرضه لا يقتضي ظهور فعله فيهم. # وقولهم: إن ما يظهر فعله لا يقبل فيه الأفراد، كالفتنة في يوم الجمعة، لا ~~يشبه (1) أخبار الديانات؛ لأن العادة في مثل ذلك: أنه إذا جرى مثل ذلك، ~~سارع الناس الى روايته، والهمم والطباع مجبولة على ذلك فإذا انفرد به ~~الواحد لم يقبل (2) ، وليس كذلك أخبار الديانات؛ لأنه ليس العادة أن يتطابق ~~الكل على نقله، بل قد بينا: أن أحوال الصحابة في ذلك مختلفة، فمنهم من كان ~~لا يتشاغل بذلك. # واحتج: بأنكم قلتم: إن قول الرافضة (3) -: إن علي بن أبي طالب ~~PageV03P883 # رضي الله عنه منصوص على إمامته بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~باطل؛ لأنه لو كان كذلك، لوجب أن ينقل نقلا مستفيضا، كذلك ها ms358 هنا. # والجواب: أنا أنكرناه؛ لأن عندهم أنه من فرض كل واحد أن يعلمه ومثله لا ~~ينقل خاصا، وليس كذلك ما يعم فرضه، فإنا كلفنا الحكم فيه بالظن، فافترقا. # واحتج: بأن قبول خبر الواحد في مثل هذا الحكم يفضي إلى التوقف في أحكام ~~الكتاب، لجواز أن يكون نسخت، ولم ينقل نسخها. # والجواب: أن النسخ لا يجري هذا المجرى؛ لأنه رفع حكم وإسقاط، فإذا كان ~~ذلك الحكم ثابتا من جهة الاستفاضة، فلا يجوز أن ينقل إسقاطه (1) من جهة ~~الآحاد، وهذا إثبات حكم مبتدأ، فيجوز ذلك بالأمر المقطوع عليه والمظنون. # واحتج: بأنه، لما لم يجز إثبات القرآن بخبر الواحد، لأنه ما يعم فرضه، ~~كذلك في هذا الحكم. # والجواب: أن القرآن قد أخذ علينا معرفته قطعا ويقينا، فلا يجوز ~~PageV03P884 # إثباته بخبر الواحد المظنون، وهذا الحكم طريقه غلبة الظن، فجاز إثباته ~~بأمر مظنون، وقد أثبتنا قرآنا من جهة الحكم بخبر واحد، نحو قراءة ابن ~~مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وغير ذلك. ### | ### | مسألة # (1) # ما تعم البلوى به يقبل فيه خبر الواحد # مثل ما روي من الوضوء في مس الذكر (2) ومس المرأة (3) ، وما يجري هذا ~~المجرى. # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل فيه خبر الواحد (4) . ### | دليلنا: # ما نقدم في المسألة التي قبلها. # ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الصلاة والوضوء من الخارج من غير ~~السبيلين، والمشي مع الجنازة، وبيع رباع مكة وإجارتها، ووجوب الوتر ونحوه، ~~أثبته المخالف بخبر الواحد، وهو مما يعم به البلوى. PageV03P885 # [32/ب] وذهب المخالف إلى ما حكيناه عنه في ال ### | مسألة # التي قبلها، وقد أجبنا عنه. # مسألة (1) # يقبل خبر الواحد في إثبات الحدود. # وقد أثبت أحمد رحمه الله اجتماع الجلد والرجم على الزاني المحصن بخبر ~~عبادة (2) . وأثبت النفي والجلد على الزاني البكر بخبر العسيف (3) ، وغير ~~ذلك. PageV03P886 # وهو قول أصحاب الشافعي (1) . # واختلف أصحاب أبي حنيفة: # فحكى أبو سفيان عن أبي يوسف (2) : أنه يقبل. وهو اختيار أبي بكر الرازي. # وحكى عن الكرخي: أنه لا يقبل فيه، ولا فيما يسقط بالشبهة (3) . ### | دليلنا: # أنه خبر عدل ms359 فيما يتعلق بالشرع مما لا طريق فيه للعلم، ولا يعارضه مثله، ~~فوجب العمل به، قياسا على غير الحدود. PageV03P887 # ولأن خبر الواحد يوجب غلبة الظن، كما أن شهادة الشاهدين توجب غلبة الظن، ~~ثم ثبت أن الحد يجب بشهادتهم، فالخبر كذلك. # يبين صحة هذا: أن الحكم بالشهادة ثابت من طريق موجب للعلم وهو الإجماع ~~ونص القرآن وخبر الواحد، كذلك الحكم به ثابت من طريق موجب للعلم، وهو ~~الإجماع والقرآن. # واحتج المخالف: # بأن الحدود موضوعة في الأصل على أن الشبهة تسقطها، وخبر الواحد لا يوجب ~~العلم، وإنما يوجب غلبة الظن، فيصير ذلك بمنزلة حصول شبهة، فيمتنع من ~~ثبوته. # والجواب: أن هذا يوجب أن لا يحكم بالحد بشهادة الشهود؛ لأن العلم لا يحصل ~~مع شهادتهم، وقد أجمعنا على ثبوته بقولهم، فبطل ما ذكروه. ### | مسألة # (1) # خبر الواحد مقدم على القياس # وهذا ظاهر على أصله، فإنه أخذ بحديث الأقرع (2) : (لا يتوضأ الرجل بفضل ~~وضوء المرأة) (3) ، وترك القياس فيه. PageV03P888 # وكذلك إيجاب غسل اليدين عند القيام من النوم، وخالف بين نوم الليل ونوم ~~النهار. # وكذلك القرعة بين العبيد، قدم الخبر على القياس؛ لأن القياس يمنع جمع عتق ~~في ستة إلى اثنين، وغير ذلك. # وهو قول أصحاب الشافعي (1) . # وقال أصحاب أبي حنيفة: إن خالف الأصول أو معنى الأصول لم يحتج به، ويقبل ~~إذا خالف قياس الأصول (2) . # وحكي عن مالك: أن القياس أولى من خبر الواحد. ### | دليلنا على أنه مقدم على القياس: # إجماع الصحابة، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه PageV03P889 # ترك القياس بخبر حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين. # وكان يفاضل بين ديات [133/أ] الأصابع، ويقسمها على قدر منافعها، فلما روي ~~له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (في كل أصبع مما هنالك عشر من ~~الإبل) (1) رجع عنه إلى الخبر، وكان بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، فلم ~~ينكر ذلك منكر، ولم يخالفه فيه مخالف، فدل على أنه إجماع عنهم. # وأيضا: لو كان القياس والقول الخاص مسموعين من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم ms360 -، PageV03P890 # لوجب تقديم القول الخاص. # مثاله: أن يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا زنت الأمة ~~جلدت خمسين لرقها، وإذا زنى العبد جلد مائة، فيكون نصه على العبد أولى من ~~القياس. # وكذلك إذا كان كل واحد منهما مجتهدا فيه، وجب أن يكون الخاص أولى من ~~القياس. # وأيضا: فإن القياس يفتقر إلى الاجتهاد في موضعين: أحدهما: في ثبوت العلة ~~في الأصل. والثاني: في الحكم في الفرع؛ لأن من الناس من قال: إذا ثبتت ~~العلة في الأصل لا يجب الحكم بها في الفرع، إلا أن يحصل الأمر بالقياس، ~~والاجتهاد في خبر الواحد في ثبوت صدق الراوي، فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب ~~الظن، وجب المصير إليه، ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى اجتهاد فيه؛ ولأن طريق ~~ثبوت صدقه في الظاهر أجل من طريق ثبوت العلة؛ لأنه يدل عليه عادته في ~~الزمان الطويل في اتباع الطاعات وتحرز الصدق وتجنب الإثم، فدل هذه العادة ~~على أنه مختار للصدق فيما حدث به، فيكون أولى من طريق العلة. # وأيضا: فإن الخبر أصل بنفسه، وليس بمقيس على غيره، كما أن الأصول المنصوص ~~عليها والمتفق على حكمها، أصول بأنفسها، غير مقيسة على أغيارها، فإذا كان ~~كذلك، كان (1) موجب الأصل المجمع عليه أقوى من موجب القياس، كذلك موجب خبر ~~الواحد، يكون أقوى من موجب القياس. وليس لهم أن يقولوا: إن العلم وقع لنا ~~بموجب تلك الأصول؛ لأنه لا معتبر بوقوع العلم فيما ذكر؛ لأن موجب العقل في ~~باب الإبا حة ونحوها يدفعه القياس وخبر الواحد، وإن كان موجب PageV03P891 # العقل ثابتا من جهة توجب العلم. # وأيضا: فإن الخبر مما يؤدي إلى العلم، إذا أكثر من يخبر به، والقياس لا ~~يؤدي إلى العلم، وإن كثرت وجوه الشبه فيه، فكان ما يؤدي إلى العلم أقوى مما ~~لا يؤدي إلى ذلك. # واحتج المخالف: # بأن القياس يتعلق [133/ب] بفعله، وهو استدلاله على صحة العلة في الأصل، ~~وصدق الراوي في خبره مغيب عنه، غير متعلق بفعله وثقته، فما هو متعلق بفعله ~~أكثر تنبيها مما ms361 هو متعلق بغيره، فوجب أن يكون أولى. # والجواب: أن هذا يبطل بعلم الحاكم، فإنه أكثر تنبيها من قول الشهود. ~~وعندنا وعند مالك: لا يحكم بعلمه، ويحكم بشهادة الشهود، على أنهما سواء؛ ~~لأنه يستدل على صدق الراوي بما يعلمه من أفعاله الدالة على صدقه، كما أن ~~القياس يستدل [به] على أن صاحب الشريعة حكم في الأصل لمعنى من المعاني، ~~وقصده يكون ثبوت قصد صاحب الشريعة بالنظر في الأمارات الدالة عليه، كثبوت ~~صدق الراوي، ولا فرق بينهما. # واحتج: بأن خبر الواحد يجوز فيه مما يمنع العمل به أربعة أوجه، وهي: كونه ~~منسوخا، وكونه كذبا، وكون المخبر به فاسقا، وكونه خطأ، والقياس لا يجوز فيه ~~ما يمنع العمل به، إلا وجه واحد، وهو كونه خطأ. # والجواب: أن ما يوجب فساد الشيء، لا يعتبر فيه بالقلة والكثرة، ألا ترى ~~أن كون الراوي مغفلا، لما كان مانعا من قبول خبره، لم يختلف فيه وجود الفسق ~~مع الغفلة وعدم الفسق معها، وإن كان أحد الوجهين أقوى في باب الفسق من ~~الآخر، فإذا كان [كذلك] لم يجز أن يرجح القياس على # PageV03P892 # الخبر لوجود كثرة وجوه الخطأ في الخبر، وقلتها في القياس، وليس هذا ~~بمنزلة ما اعتبرناه من كثرة وجوه الشبه في القياس، أنها توجب ترجيحه على ما ~~قلت وجوه الشبه فيه لأن ما يوجب صحة الشيء وثباته، فإنه يقوى بكثرة وجوه ~~الإثبات، ألا ترى أن كثرة الرواة يقوى بها الخبر، ويحصل له بها المزية على ~~ما قلت رواته، لما كانا موجبين للثبات والصحة، وإن لم يرجع أحد الخبرين على ~~الآخر في باب الفساد، لكثرة وجوه الفساد. # وجواب آخر وهو: أنه لو كان على الاعتبار بما ذكره، لوجب أن يكون خبر ~~الواحد أولى من القياس المستنبط من الخبر؛ لأنه قد اجتمع فيه خمسة أوجه من ~~جواز ما يمنع العمل به، أربعة منها ما ذكره المخالف في الخبر، والوجه ~~الخامس ما ذكره في القياس، فقد بان بهذا: أن ما اعتبره يؤدي إلى كون الخبر ~~أولى من القياس على القضية ms362 التي صار إليها. # واحتج: بأن القياس لا يصح فيه معنى الحقيقة والمجاز والاحتمال، ويصح ذلك ~~في الخبر. # والجواب: أن هذا كله موجود في نص القرآن والسنة المقطوع [134/أ] بها. # واحتج: بأنه يجوز أن يقع الإجماع على موجب القياس، ولا يمنع أن يجمعوا ~~على العمل بخبر الواحد؛ لأن إجماعهم على العمل بموجب الخبر يخرجه عن كونه ~~خبر واحد، ويجعله في حيز التواتر عندكم، لأنهم لا يجمعون إلا على ما قامت ~~به الحجة في الأصل، وعلموا مخبره، وإن ضعف نقله. # والجواب: أن الإجماع إنما يحصل على الحكم الثابت بالقياس، ولا يحصل ~~الإجماع على القياس نفسه، فكيف يكون ذلك موجبا له، إن صح القياس على خبر ~~الواحد؟ # PageV03P893 # فصل # وأما أصحاب أبي حنيفة فإن قالوا: يرد خبر الواحد إذا خالف الأصول التي هي ~~نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع، فنحن نوافق على ذلك، إلا أنهم ~~يقولون هذا في المصراة والتفليس والقرعة، وليس فيها شيء من ذلك. # فإن قالوا: يرد إذا خالف قياس الأصول ومعناها. وقولهم بمنزلة قول أصحاب ~~مالك. وقد بينا فساد ذلك. # على أن هذا ليس بمذهب أبي حنيفة (1) ؛ لأنه قال: إذا أكل ناسيا لم يفطر، ~~وكان القياس أن يفطر، ولكن ترك القياس بخبر أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: (الله أطعمك وسقاك) (2) . # وأوجب الوضوء من نبيذ التمر بخبر عبد الله بن مسعود (3) ، وخالف ~~PageV03P894 # معنى الأصول. # وكذلك انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة (1) . PageV03P895 # وكذلك القسامة حكموا فيها بخلاف القياس بما ذكروه (1) من الأثر. # وعلى أن الخبر الوارد في بعض الأصول، لا يكون إلا مخالفا للأصول. # ولأن خبر الواحد أصل كغيره من الأصول، فلئن جاز أن تترك الأصول، جاز أن ~~تترك الأصول له، لمساواتها. # فإن قالوا: ما خالف الأصول: أن يكون نفس ما ورد به الخبر موجودا في ~~الأصول، ومعناه فيه، ولا حكم له، مثل: ترك استعمال القرعة في الحرية في حر ~~وعبد، في أن تنقل الحرية من أحدهما إلى الآخر، لمعنى أن الحرية لا يلحقها ~~الفسخ. # وما خالف قياس الأصول: أن يكون ms363 ما ورد به الأثر غير موجود مثله في ~~الأصول، ومن جنسه، ولا حكم له، مثل: نبيذ التمر المطبوخ، الذي ورد الخبر ~~فيه، أو القهقهة في الصلاة، على ما ورد فيه الأثر، غير موجب للوضوء. وإنما ~~يقيس مخالفنا على نبيذ الزبيب، أو يقيس القهقهة على غيرها من المعاني، التي ~~لا تؤثر في الطهارة خارج الصلاة، فيرد به الأمر، فيكون الخبر مقدما عليه. ~~PageV03P896 # والوجواب: أنه لا فرق بينهما، وذلك أن خبر القرعة، وخبر [134/ب] المصراة ~~وخبر المفلس، خالف قياس الأصول على ما قالوه، كما خالف خبر النبيذ والقهقهة ~~لقياس الأصول. فأما أن يكون أحدهما مخالفا للأصول فلا؛ لأن الأصول هي: ~~الكتاب والسنة والاجماع، وليس واحد منهما يعارض أحد هذه الأخبار، فلا فرق ~~بينهما. # وقد نص أحمد رحمه الله على أن الحديث إذا عارض الأصول سقط. # فقال في رواية يوسف بن موسى (1) في الخبر الواحد: "نستعمله إذا صح الخبر، ~~ولم يخالفه غيره". # فقد نص على استعماله بشرط أن لا يخالفه غيره، فدل على أنه إذا خالفه غيره ~~لم يستعمل، وليس هاهنا ما يطرح له الخبر سوى الأصول الثلاثة، فأما القياس ~~فهو مقدم عليه. # وكذلك قال في رواية أبي الحارث: إذا جاء الحديث الصحيح الإسناد، يقال: هو ~~سنة، إذا لم يكن له شيء يدفعه أو يخالفه. # وكذلك قال في رواية عبد الله: يقال له: سنة، إذا لم يكن له مضاد يخالفه، ~~ولم يكن شيء يدفعه. PageV03P897 ### | مسألة # (1) # خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري # وقد رأيت في كتاب معاني الحديث جمع أبي بكر الأثرم بخط أبي حفص العكبري ~~(2) رواية أبي حفص عمر بن بدر (3) قال: الأقراء الذي يذهب إليه أحمد بن ~~حنبل رحمه الله: أنه إذا طعنت في الحيضة الثالثة، فقد برىء منها وبرئت منه. # وقال: إذا جاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد صحيح، فيه ~~حكم أو فرض، عملت بالحكم والفرض، وأدنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال ذلك. فقد صرح القول بأنه لا يقطع به. # ورأيت ms364 في كتاب "الرسالة" (4) لأحمد رحمه الله رواية أبي العباس ~~PageV03P898 # حمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي (1) عنه بخط أحمد بن سعيد الشيحي (2) ~~وسماعه فقال: "ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا ~~لكبيرة (3) أتاها، إلا أن يكون ذلك في حديث، كما جاء على ما [روي] ، (4) ، ~~نصدقه (5) ، ونعلم (6) أنه كما جاء ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه ~~في الجنة بصالح عمله ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء، على ~~ما روي، ولاننص الشهادة". # وقوله: "ولا ننص الشهادة"، معناه عندي: -والله أعلم- لا يقطع على ذلك. # وقد نقل أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: ها هنا إنسان يقول: إن ~~الخبر يوجب عملا، ولا يوجب علما فعابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!. # وظاهر هذا أنه سوى فيه العلم والعمل. PageV03P899 # وقال في رواية حنبل في أحاديث الرؤية: نؤمن بها، ونعلم أنها حق. # فقطع على العلم بها. # وذهب إلى ظاهر هذا الكلام جماعة من [135/أ] ، أصحابنا، وقالوا: خبر ~~الواحد إن كان شرعا أوجب العلم. وهذا عندي: محمول على وجه صحيح من كلام ~~أحمد رحمه الله، وأنه يوجب العلم من طريق الاستدلال، لا من جهة الضرورة. # والاستدلال يوجب العلم من أربعة أوجه: # أحدها: أن تتلقاه الأمة بالقبول، فدل ذلك على أنه حق؛ لأن الأمة لا تجتمع ~~على الخطأ، ولأن قبول الأمة يدل على أن الحجة قد قامت عندهم بصحته؛ لأن ~~عادة خبر الواحد الذي لم تقم الحجة به، لا (1) تجتمع الأمة على قبوله، ~~وإنما يقبله قوم ويرده قوم، كما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~"طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن ~~يطوف بالبيت" (2) . PageV03P900 # والثاني: أن يخبر الواحد، ويدعي على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~سمعه منه، فلا ينكره، فيدل على أنه حق، فيصدق؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يقر على الكذب. # الثالث: أن يخبر النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وهو واحد، فيقطع ms365 بصدقه؛ ~~لأن الدليل قد دل على عصمته وصدق لهجته صلى الله عليه [وسلم] . # الرابع: أن يخبر الواحد، ويدعي على عدد كثير أنهم سمعوه منه، فلا ينكر ~~منهم أحد، فيدل على أنه صدق؛ لأنه لو كان كذبا، لم تتفق دواعيهم على السكوت ~~عن تكذيبه؛ لأن الله تعالى خالف بين الطباع وباين بين الهمم. # والعلم الواقع عن ذلك كله مكتسب؛ لأنه واقع عن نظر واستدلال. # وقال إبراهيم النظام (1) : خبر الواحد يجوز أن يوجب العلم الضروري إذا ~~قارنه أمارة (2) . ### | دليلنا: # أن خبر الواحد لو كان موجبا للعلم؛ لأوجبه على أي صفة وجد، من المسلم ~~والكافر، والعدل والفاسق، والحر والعبد، والصغير والكبير، كما أن خبر ~~المتواتر لما أوجب العلم، لم يختلف باختلاف صفات المخبرين، بل استوى في ذلك ~~الكفار والمسلمون، والصغار والكبار، والعدول والفساق، فلما ثبت أن خبر ~~الكافر والفاسق والصغير غير موجب PageV03P901 # للعلم، دل أن هذا من النوع الذي لا يوجب العلم. # ولأنه لو كان موجبا للعلم لكان الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم وقع العلم بما ~~يخبرون به، واستغنوا عن إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولكان لا يحتاج ~~في الشهادات إلى عدد، بل كان الشاهد الواحد إذا أخبر الحاكم بشيء، وقع ~~للحاكم علم ذلك ومعرفته، ولكان المدعي على غيره عند الحاكم حقا أن يصدقه؛ ~~لأن العلم يقع بقوله، وفي كون الأمر بخلاف ذلك دليل (1) على أن خبر الواحد ~~لا يوجب العلم. # فإن قيل: إنما لم يوجب العلم ها هنا [135/ب] ؛ لأنه ليس من الشرعيات ~~وإنما نقول: إنه يوجب العلم فيما كان شرعا لنا. # قيل: فالشهادة شرع، لأن على الشاهد أن يشهد بما عنده، قال الله تعالى: ~~(ولا تكتموا الشهادة) (2) ، وعلى المشهود عنده: العمل بذلك، ومع هذا شهادة ~~الشاهدين لا توجب العلم. # وأيضا: لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لوجب أن لا يشكك نفسه عنده، كما لا ~~يشككها عند خبر التواتر، فلما ثبت أنه يشكك نفسه عنده، ويجوز عليه الصدق ~~والكذب، ثبت أنه لا يوجب العلم. # ولأنه لو كان يوجب العلم لوجب أن لا ينكر ms366 عليه قريش حين أخبرهم: أن الله ~~تعالى قد أسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة، وأنه عرج به إلى السماء؛ ~~لأن العلم قد وقع لهم بما أخبرهم به، فلما أنكروا عليه، وردوا قوله، حتى ~~أتى أبو بكر فأخبروه بما يقول، فقال لهم: إن كان قد قال هذا، فقد صدق. ثبت: ~~أن خبر الواحد لا يوجب العلم. # والمعتزلة: تنكر حديث المعراج، وتقول: إنه منام، ولو كان على ما ~~PageV03P902 # قالوه، لما أنكروا عليه أنه رأى في المنام هذا، ولأن (1) كل أحد يرى في ~~منامه أعظم من هذا، فلما أنكروا عليه، ثبت: أنه إنما قال لهم ذلك في ~~اليقظة. # وأيضا: فإن الواحد يجوز أن يكذب لغرض له أو شهوة، أو يخطىء. # فيخبر به، وهذا التجوز يمنع وقوع العلم بصدقه؛ لأنه لا يجتمع التجويز ~~لكذبه [لغرض] ، أو شهوة، والقطع على صدقه. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (2) ، دل على أنه لا يقفو ما ~~ليس بعلم، فلما ثبت أنه يقفو خبر الواحد، ثبت أنه متعلق بما هو علم. # وهكذا قال: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) (3) ومعلوم أن الله تعالى ~~تعبدنا بنقل خبر الواحد، وتعبدنا بالعمل به إذا ورد، فلما لزم نقله، ولزم ~~العمل به، ثبت: أنه أوجب العلم. # والجواب عن الآية أن التعلق بها من دليل الخطاب، وهذا لا يوجب العلم، على ~~أنا نحملها على العلم الظاهر، أو على مسائل الأصول بدليل ما ذكرنا. # وأما قولهم: لما أوجب على السامع نقله، وعلى المنقول إليه العمل به، ثبت ~~أنه يوجب العلم، فهو باطل بالشهادة، فإنها على هذا الوصف، ومع هذا فلا توجب ~~العلم. # واحتج: بأن الشريعة محفوظة بقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا PageV03P903 # الذكر وإنا له لحافظون) (1) ، وهذا يمنع من دخول الكذب والسهو فيها. # والجواب: أن هذا إشارة إلى القرآن، وذلك مقطوع على صحته. # فأما غيره من الأخبار الشرعية فلا، يدل على ذلك قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: (من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده [136/أ] من النار) (2) ، ~~فلولا خوفه ms367 من دخول الكذب، لم يتوعد عليه. # واحتج: بما روي عن علي أنه قال: "ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته، إلا ~~أبا بكر، وصدق أبو بكر" (3) . فقد قطع على صدقه وهو واحد. # والجواب: أن الخبر حجة على هذا القائل؛ لأن عنده أن أبا بكر PageV03P904 # وسائر الصحابة سواء في قبول قولهم، وقد أخبر أنه كان يستحلفه، فلو كان ~~العلم يقع به لقول الواحد، لم يستحلفه. # وأما قوله: "وصدق أبو بكر"، فإنما فرق بينه وبين غيره؛ لأن جنبته أقوى؛ ~~لأن صدقه منصوص عليه، فإنه سمي صديقا. # واحتج النظام: بأنه قد يخبر الرجل بموت أمه وأبيه أو بعض أهله فيقع العلم ~~بصدقه. وقد تخبر القابلة بولادة امرأته، فيقع له العلم بصدقها. # وقد يخبر الإنسان بموت زيد، وهناك أسباب تقتضي مثل ذلك، مثل رؤية المغتسل ~~والجنازة على باب الدار، فيقع العام بذلك، كما يقع بخبر الجماعة الكثيرة ~~(1) . # والجواب: أنا لا نسلم ذلك؛ لأنه قد يخبر الواحد بذلك على سبيل اللعب ~~والمجون والمبايعة على عوض، وقد وجد ذلك بالبصرة وبخوارزم (2) مع بعض ~~الحكام، وفعله رجل باليمن، لدفع أذية السلطان. # وكذلك الولادة مثل ذلك؛ لأن المرأة قد تستعير الولد وتلتقطه وتدعيه، رغبة ~~في الزوج وفي ماله، يبين صحة هذا: أنه لو شككنا فيه مشكك، وقفنا في ذلك. # واحتج: بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد، لم يقع العلم به وإن انظم إليه ~~غيره من الجماعة الكثيرة؛ لأن ما يجوز على الأول من الغلط والكذب ~~PageV03P905 # والسهو، يجوز على الثاني والثالث والرابع، ولما حصل العلم بانضمام ~~الجماعة، وجب أن يحصل العلم به. # والجواب: أن الخبر إذا تكرر قوي في قلوبنا وغلب في ظنوننا صدق المخبرين ~~به، فحينئذ وقع العلم به، وهذا معدوم في الخبر الواحد. # وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن لا يوجبه حال الانفراد، ويوجبه حال ~~الاجتماع، كالشهادة، ولا يقبل شهادة كل واحد من الشاهدين حال الانفراد، ~~ويقبل حال الاجتماع، وكذلك الشاهد واليمين. ### | مسألة # الخبر المرسل حجة ويجب العمل به (1) # وصورته: أن يترك الراوي رجلا في الوسط، ms368 مثل أن يروي التابعي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أو يروى تابعي التابعي عن صحابي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وهكذا إذا ذكر المروى [عنه] ، ولكنه ذكر لا يعرف به، [136/ب] وهو أن ~~يقول: أخبرني الثقة عن فلان، أو أخبرني رجل من بني فلان عن فلان، في إحدى ~~الروايتين. # نص عليه رحمه الله في رواية الأثرم قال: إذا قال الرجل من التابعين: ~~حدثني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسمه، فالحديث صحيح. ~~قيل له: فإن قال يرفع الحديث فهو عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، قال: فأي ~~شيء؟!. # ونقل الميموني أيضا: كان يعجب أبو عبد الله رضي الله عنه ممن يكتب ~~PageV03P906 # الإسناد ويدع المنقطع، وقال: ربما كان المنقطع أقوى إسنادا، قد يكون ~~الإسناد متصلا، وهو ضعيف، فيكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يوقفه، وقد ~~كتبه على أنه متصل. # وقال في رواية الفضل بن زياد: مرسلات سعيد في المسيب أصح المرسلات، ~~ومرسلات إبراهيم (1) لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن ~~وعطاء بن أبي رباح (2) ؛ فإنهما يأخذان عن كل. PageV03P907 # وقال في رواية عبد الله: آخذ بحديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة (1) وعمرو ~~بن دينار (2) عن النبي [صلى الله عليه وسلم] في العبد الآبق إذا جيء به ~~دينار (3) . PageV03P908 # وبهذا قال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (1) ، ومالك (2) والمعتزلة (3) . # وفيه رواية أخرى: ليس بحجة إلا مرسل الصحابة. # أومأ إليه في رواية إسحاق بن إبراهيم، وقد سئل عن حديث عن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] مرسل برجال ثبت، أحب، إليك، أو حديث عن الصحابة متصل برجال ~~ثبت؟ فقال: عن الصحابة أعجب إلي. # وهذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة، إذ لو كان حجة، لم يقدم عليه قول ~~الصحابي؛ لأن من جعله حجة قدمه على قول الصحابي. # وقال مهنا: سألت أحمد رحمه الله عن حديث ثوبان (4) : (أطيعوا قريشا ما ~~استقاموا لكم) (5) ، قال: ليس بصحيح، سالم بن أبي الجعد (6) لم يلق ثوبان. ~~PageV03P909 # فقد حكم ببطلان الحديث، لأجل أنه ms369 مرسل. وبهذا قال الشافعي. # وجه الرواية الأولى: # قوله تعالى: (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) (1) ، ولم يفرق بين من ~~أنذر بمرسل أو بمسند. # ولأن من عادة التابعين إرسال الأخبار، من ذلك ما روي عن الأعمش (2) أنه ~~قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلت لك: حدثني فلان عن عبد ~~الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: قال عبد الله، فقد حدثني جماعة عنه. # وروي ذلك عن الحسن وسعيد بن المسيب والشعبي (3) ، وإذا كان PageV03P910 # معروفا من عاداتهم، فلو كان عندهم أنها غير مقبولة، كانوا قد ضيعوا سنن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا الفعل، وهذا لا يجوز. # ولأن المرسل للخبر مثبت لعدالة راويه من وجهين: # أحدهها: أنه لا يجوز [137/أ] أن يحدثه، ويكتم اسمه، ثم يحدث به غيره، ~~فيلزمه قبوله. # والثاني: أنه لو أرسل عن غير ثقة، كان قد قطع على رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] ، بقول من هو كذاب عنده، وهذا فعل ممنوع منه وإذا كان ذلك ~~تعديلا له، لم يعتبر جواز أن يجرحه غيره لو ظهر اسمه، يدلل عليه: أن من ~~زكاه الحاكم، فله أن يقضي بشهادته، ولا يراعي جواز جرحه أن لو نادى في ~~البلد باسمه، أو كاتب به إلى البلدان التي تقرب منه، فبان أن تعديله، موجب ~~قبول خبره، ولهذا جعل أحمد رحمه الله رواية العدل عن غيره تعديلا للغير، ~~فقال في كتاب العلل للأثر [م] : إذا روى عبد الرحمن (1) عن رجل، فروايته ~~عنه حجة. PageV03P911 # وقال أيضا في رواية أبي زرعة الدمشقي (1) : مالك بن أنس إذا روي، يعني عن ~~رجل لا يعرف، فهو حجة. # فإن قيل: هذا لا يدل على عدالته، كما لم يدل شاهدي الفرع على [عدالة] ~~شاهدي الأصل. # قيل: الفرق بين الشهادة والخبر باق (2) . # فإن قيل: يحتمل أن يعرف جرحه غيره، فوجب تسميته؛ ليقف عليه. # قيل: فيجب أن يلزم الحاكم تسمية الشاهدين الذين حكم بهما، لهذا المعنى، ~~ولأن حاكما لو حكم بشهادة شاهدين لم يسمهما، لم يجز لأحد أن يعترض على ~~حكمه؛ لأجل ms370 تركه تسمية الشهود، وكان أمرهم محمولا على الجواز والعدالة في ~~الشهادة، فلأن يكون كذلك فيما طريقه الاخبار أولى؛ لأن الأمر فيها أوسع. # ولأن مرسل الصحابي مقبول، وكل معنى منع من قبول مرسل التابعين ~~PageV03P912 # فهو مأخوذ في مرسل الصحابة، وقد ثبت أن الصحابي أو التابعي لو قال: ~~أخبرني بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كذا، فهو ~~بمنزلة المسند، وكذلك إذا قال التابعي: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~يجب أن يكون مثله. # وقد قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل ~~من أصحاب رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فالحديث صحيح؟ قال: نعم. # فإن قيل: الصحابي معلوم عدالته، بأن الله تعالى عدله وزكاه وأخبر عن ~~إيمانه، ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه. # قيل: قد شهد النبي [صلى الله عليه وسلم] للتابعين، كما شهد للصحابة فقال: ~~(خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (1) ، ~~وليس من شرط قبول الخبر أن يكون ممن يقطع على عدالته، وإنما تعتبر عدالته ~~في الظاهر، وهذا المعنى موجود في التابعين ومن بعدهم، فيجب أن يتساووا في ~~النقل. # وأيضا: فإن الشافعي قد قال: إن كان الظاهر من حال المرسل الثقة من ~~التابعين، أن ما يرسله مسندا عند غيره، قبل منه. # وهذا لا معنى له [137/ب] لأن القبول منه: إن كان لأجل إسناد PageV03P913 # غيره فالمرجع إلى المسند، وما سماه مرسلا، فليس بمرسل في الحقيقة. # وإن كان يقول: إن إسناد غيره يوجب قبول مرسله، مع جواز أن يكون مرسلا، ~~فهو قول بعيد، إذا كان يمنع قبول المراسيل، ويلزمه أن لا يعتبر ظاهر أمره ~~مع الجواز، كما لا يعتبر ظاهر تعديله مع جواز أن يكون غير عدل. # وقال أيضا: المرسل مقبول، فيمن وجد أكثر مراسيله أصول في الأسانيد. # وهذا أيضا ليس بشيء؛ لأن وجود ذلك في أكثر مراسيله، لا يمنع أن يكون قد ~~أرسل، فالواجب: أن يعتبر ذلك في كل خبر بعينه. # وقال أيضا: المراسيل تقبل، إذا عمل ms371 بها بعض الصحابة. # وهذ ليس بشيء؛ لجواز أن يكون القائل قد سمعه بنفسه، أو يكون من مذهبه ~~قبول المراسيل. # وقال أيضا: المرسل يعمل به إذا أفتى به عوام العلماء. # وهذا أيضا ليس بشيء؛ لأنه أراد جميع الأمة، وأن إجماعها على قبول المرسل، ~~لا ركون مع اختلافهم في حكمه، وإنما الواجب: أن يكون بعضهم قبله؛ لصحة ~~المراسيل عنده، والباقون، لأنه مسند عندهم، فيخرج أن يكون مرسلا في ~~الحقيقة. # فإن أرادوا (1) به أكثر العلماء، فإن خلاف الواحد معتد به، فلم يجز أن ~~يستدل به على صحة قبول الخبر. # ولأنه قد قال في مراسيل ابن المسيب: إنها مقبولة، لأنه وجد مراسيله ~~مسانيد، وهذا صحيح فيما قد وقف على أنه مسند، فأما ما لم يوقف على ~~PageV03P914 # حاله، فلا يجوز أن يحكم به؛ لأنه وجد إسنادا لغيره، وكان التجويز فيه ~~موجودا، ولا يجوز أن يقال: إنه خص مرسل ابن المسيب؛ لأنه لا يرسل إلا عن ~~ثقة؛ لأن هذا الاعتقاد في حسن الظن بابن المسيب معتبر في غيره. # فإن قيل: ما ذكرتموه، إنما أراد به الشافعي قوته في الترجيح، لا إثبات ~~الحكم به. # قيل: الترجيح لا يجوز بما لا يثبت به حكم، فإن كان يريد إثبات الحكم ~~بالمرسل الذي قاربه قياس أو قول صحابي، فالحكم عنده للقياس لا للاستدلال. # واحتج المخالف: # بأن هذا خبر عمن شرطت عدالته في في قبوله، والعدالة مجهولة، فلم يجز ~~قبوله والعلم به، قياسا على شاهدي [الفرع] إذا لم يسميا شاهدي الأصل. # والجواب: أنا لا نسلم أن العدالة مجهولة؛ لما بينا: أن رواية العدل عنه ~~تدل (1) على عدالته. # ثم الفرق بين الخبر والشهادة من وجوه: # أحدها: أن الشهادة على الشهادة تفتقر إلى الاسترعاء، وهو أن يقول شاهد ~~(2) الأصل لشاهدي الفرع: اشهدا على شهادتي [138/أ] فلما افتقرت إلى ~~الاسترعاء، افتقرت إلى تسمية الأصل، وليس كذلك الإخبار؛ لأنه لا يفتقر إلى ~~استرعاء، بل إذا سمع منه حديثا، جاز نقلة والعمل عليه، وإن لم يقل: اسمع ~~مني. PageV03P915 # ولأن المشهود على شهادته يكون كالمحكوم عليه، ألا ms372 ترى أن من الفقهاء من ~~يوجب عليه الضمان، ولما لم يجب الحكم على من ليس بمعين، لم يجز قبول شهادة ~~شهود الفرع، حتى يذكروا أسماء شهود الأصل، ولما كان هذا المعنى معدوما في ~~الخبر، وأنه لا تعلق للخبر الثاني بالأول، لم يجز أن يحمل الخبر على ~~الشهادة. # ولأن الشهادة أكدت باعتبار العدد والحرية والذكورية، وأن يكون ذاكرا لما ~~شهد به، فجاز أن تعتبر تسمية شهود الأصل؛ لتأكيد الأمر فيها، والخبر بخلاف ~~ذلك. # ولأنه لو قال نفسان من التابعين: أشهدنا اثنان من الصحابة على شهادتهما، ~~لم يجز حتى يعيناهما، وفي الخبر يجوز عند الجميع، فدل على الفرق بينهما. # فإن قيل: أليس مع افتراقهما من هذه الوجوه قد تساويا في اعتبار العدالة ~~في كل واحد منهما؟ # قيل: فالعدالة موجودة مع الإرسال من الوجه الذي بينا، وهو أن إرسال ~~التابعي له، تزكيه له. # وعلى أن تساويهما في العدالة لم يمنع افراقهما من الوجوه التي ذكرناها، ~~فدل على أن الشهادة آكد. وإنما كان حكم الشهادة آكد من الخبر من الوجوه ~~التي ذكرناها: أن الشهادة حكم على الغير، فالتهمة تلحق، والخبر يشترك فيه ~~المخبر والمخبر، فالتهمه لا تلحق. # واحتج: بأن الجهل بعين الراوي أكثر من الجهل بصفته؛ لأن من جهلت عينه، ~~جهلت عينه وصفته، ثم ثبت: أنه لو كان معروف العين مجهول الصفة، مثل أن ~~يقول: أخبرني فلان، ولا أعرف أثقة هو أم غير ثقة؟ لم يقبل خبره، فبأن لا ~~يقبل خبره، إذا لم يذكره أصلا أولى. # PageV03P916 # والجواب: أنا لا نسلم أن صفته مجهولة؛ لأن رواية العدل عن رجل تعديل له؛ ~~لما بينا، وهو أنه لا يجوز في حقه أن يروى عن فاسق. # وقد قيل: إنه إذا كان فلان معروفا بالإسلام، فإنه يقبل خبره؛ لأن ظاهر ~~أمره العدالة وترك مواقعة المحظور، وجواز أن كون فعل ما يوجب جرحا في ~~شهادته غير معلوم، فلم يكن في معرفة عدالته أكثر من عدم العلم بجرحه. # فإن قيل: تقبل شهادته، وإن لم يبحث عن عدالته للمعنى الذي ذكرت. # قيل: ms373 تقبل شهادته في إحدى الروايتين، فعلى هذا لا فرق، ولا نقبلها في ~~الأخرى احتياطا للشهادة، كما احتطنا لها من الوجوه التي ذكرنا. # واحتج: [138/ب] بأن الخبر ضربان: آحاد وتواتر، ثم ثبت أن الراوي لو روى ~~حديثا، وذكر أنه من أخبار التواتر، لم يقبل قوله: إنه متواتر، حتى يعرف أنه ~~متواتر، كذلك إذا قال: أخبرني الثقة أن لا يقبل خبره، حتى تعلم ثقته؛ لجواز ~~أن لا يكون ثقة عند المخبر. # والجواب: أن الخبر المتواتر ما استوى طرفاه ووسطه في عدد يقع العلم ~~بخبرهم، وتسكن النفس إليهم في العادة، وهذا لا يؤخذ بقول الواحد: هذا ~~متواتر، وليس كذلك أخبار الآحاد، فإن طريقها يقبل العدل عن العدل، وهذا ~~موجود ها هنا. # فصل (1) # إذا ثبت أن المرسل حجة، فلا فرق بين مرسل عصرنا ومن تقدم. # هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني؛ لأنه قال: ربما كان PageV03P917 # المنقطع أقوى إسنادا من المتصل، ولم يفرق (1) . # وحكي عن عيسى بن أبان أنه قال: ومن أرسل من أهل عصرنا حديثا، فإن كان من ~~الأئمة الذين حمل عنهم أهل العلم، فإن مرسله مقبول، كما يقبل مسنده، ومن ~~حمل الناس عنه المسند دون المرسل، فإن مرسله موقوف (2) . # وقال أبو سفيان: مذهب أصحابنا: مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ~~مقبولة. # وحكي عن الكرخي: أنه لم يفرق بين أهل سائر الأعصار (3) . وهو اختيار ~~الجرجاني. PageV03P918 ### | ### | دليلنا: # # أن المرسل إذا كان ثقة، فظاهره أن الذي أرسل عنه عدل، وهذا المعنى موجود ~~في أهل الأعصار. # ولأن الناقل إذا ثبتت عدالته، فهو كالعدل من العصر الأول في قبول خبره، ~~فيجب أن يكون فيما يرسله كذلك. # ولأنه لا معنى لاعتبار حمل الناس عنه؛ لأن توقفهم في النقل عنه إن كان ~~بمعنى يعود إلى عدالته، فإن مرسله ومسنده واحد، وإن كان بمعنى ركود إلى ~~إرسال الخبر، فإن وقوف من لا يرى نقل المراسيل فيه، لا يوجب التوقف فيمن ~~يرى ذلك، كالشافعي. # واحتج المخالف: # بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثنى على القرون الثلاثة، فحالتهم أوكد ~~ممن بعدهم (1) ، فقد ms374 قال: (إن الكذب يفشو فيهم) (2) ، فوجب التوقف في ~~مرسله، إلا أن ينضم إليه نقل أهل العصر له. # والجواب: أن ثناءه على التابعين وتابعيهم، لم يوجب لهم القطع، ~~PageV03P919 # ولم ينف عنهم في تجويز الفسق، بخلاف الصحابة، ومع هذا فقد جاز قبول ~~إرسالهم بعد التهم في الظاهر، كذلك من بعدهم؛ لأن الخبر إنما يعتبر فيه ~~العدالة في الظاهر. [139/أ] # فصل # فيه كلام الإمام أحمد رحمه الله في ترجيح المراسيل بعضها على بعض. # نقلته من كتاب "العلل" للخلال من الجزء الحادي والسبعين منه، فقال في ~~رواية أبي الحارث: مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا يرى أصح من مرسلاته، ~~فأما الحسن وعطاء، فليس بذلك، هو أضعف المرسلات (1) ، كأنهما كانا يأخذان ~~من كل. # وقال في رواية الفضل بن زياد [أما] مرسلات عطاء، ففيها شيء (2) . # وأما ابن سيرين فما أحسن كل مخرجه أيضا. ومرسلات سعيد بن المسيب أصح. # المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها. وليس في المرسلات أضعف من ~~مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، كأنهما كانا يأخذان من كل. # وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات ~~عطاء؟ قال: مرسلات سعيد بن جبير أقرب، وهي أحب إلى من مرسلات عطاء. # وسأله عن مرسلات سعيد بن جبير أحب إليك أم مرسلات مجاهد (3) ؟ ~~PageV03P920 # فقال: مرسلات سعيد. # وسأله عن مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات عطاء؟ فقال: مرسلات مجاهد، لأن ~~عطاء روى عمن هو دونه، ومجاهد لم يرو عمن هو دونه. # وقال في رواية أبي الحارث: مرسلات عطاء فيها شيء. # وقال في رواية مهنا وقد سأله عن مرسلات طاوس أحب إليك أو مرسلات أبي ~~إسحاق (1) ؟ قال: مرسلات طاوس. # وسأله عن مرسلات إسماعيل بن أبي خالد (2) أحب إليك أم مرسلات PageV03P921 # عمرو بن دينار؟ فقال: إسماعيل بن أبي خالد لا يبالي (1) عمن حدث، عن أشعث ~~بن سوار (2) وعن مجاهد، وعمرو، بن دينار لا يروي إلا عن ثقة، مرسلات عمرو ~~أحب إلي. # وسأله أيما أحب إليك، إبراهيم عن علي، أو مجاهد عن علي؟ ms375 قال: إبراهيم عن ~~علي؛ لأن هذا كان مقيما، وكان مجاهد إنما تقع إليهم الأخبار إلى الكوفة. # وقال في رواية أبي الحارث وقد سأله عن مرسلات النخعي، قال: ما أصلحها ليس ~~بها بأس، أصلح من مرسلات الحسن. # وسأله مهنا: لم كرهت مرسلات الأعمش؟ قال: كان الأعمش لا يبالي عمن حدث. ~~قيل له: فإن له رجلا ضعيفا (3) غير إسماعيل بن مسلم (4) ويزيد الرقاشي (5) ~~؟ قال: نعم، كان يحدث عن عتاب بن إبراهيم. PageV03P922 # وسأله أيضا عن مرسلات الأعمش، وسليمان النخعي (1) ، ويحيى ابن أبي كثير ~~(2) ؟ قال: مرسلات يحيى بن أبي كثير أحب إلي. # وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم وقد سأله عن مراسيل يحيى بن أبي كثير؟ ~~فقال: لا تعجبني؛ لأنه يروي عن رجال صغار ضعاف. # وقال في رواية أبي طالب [139/ب] ، وقد سأله عن رجل ما قال الحسن: قال ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، وجدناه من حديث أبي هريرة وعائشة وسمرة ~~(3) ، قال. صدق. PageV03P923 # وقال في رواية مهنا، وقد سأله: هل شيء يجيء عن الحسن؟ قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هو صحيح، ما نكاد نجدها إلا صحيحة. # وقال في رواية أبي الحارث: مرسلات ابن سيرين صحاح حسنة المخرج. # وقال في رواية مهنا. وقد سأله عن مرسلات سفيان (1) ، فقال: كان سفيان لا ~~يبالي عمن روي. # وسأله عن مرسلات مالك بن أنس، قال: هي أحب إلي. # فصل # ولا يقبل الخبر حتى في تجتمع في ناقله شرائط خمس: # أحدها: أن يكون عاقلا، ليعرف ما ينقل، ويميز خبر الرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] وخبر غيره. PageV03P924 # والثاني: أن يكون عدلا في الظاهر؛ لقوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) (1) الآية، إذا لم يكن عدلا، لا يؤمن أن ~~يكذب فيما ينقل؛ لأن من ارتكب الفاحشة ارتكب أن يكذب فيما ينقله. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أحمد بن الحسين (2) : لا يكتب الحديث ~~عمن يسكر. # وقال في رواية إبراهيم وسندي (3) ، واللفظ لسندي، في الرجل يعرف بالكذب ~~في الشيء، يحدث به القوم، فليس ms376 نعرف منه الكذب في الرواية: كيف يؤمن هذا ~~على الرواية، أن يكذب فيها، إذا عرف منه الكذب في شيء؟!. # وإذا ثبت: أن العدالة شرط، فإن كل من أتي بكبيرة، فهو فاسق، حتى يتوب. ~~وكل من أتي بصغيرة، ليس بفاسق، ومن تتابعت منه الصغائر، وكثرت، رد خبره ~~وشهادته. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي الصقر (4) في الصلاة خلف آكل الربا: ~~إن كان أكثر طعامه الربا، لم تصل خلفه. فاعتبر الكثرة في ذلك؛ PageV03P925 # لأنا لو لم نقبل إلا من محض الطاعة، لم يقبل أحد؛ لأن أحدا لا يمحض ~~الطاعات، حتى لا يشق بها المعصية. يدل عليه قوله تعالى: (وعصى آدم ربه ~~فغوى) (1) ، وأراد بالغي: وضع الشيء في غير موضعه. قال تعالى -في قصة ~~داود-: (أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) (2) ، فأخطأ، وتاب الله ~~عليه. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما من أحد إلا عصى أو هم بمعصيه إلا ~~يحيى بن زكريا) (3) ، فثبت: أن الأنبياء لم يسلموا من الخطأ والمعاصي، ولو ~~قبلنا كل عاص، لم نرد أحدا، وقد أمرنا برد الفاسق، وإنفاذ العدل، فلم يكن ~~بد من تفصيل بينهما، فكان الفصل بينهما ما ذكرنا. # فأما من ثبت كذبه، فإنه يرد خبره وشهادته، وإن لم يتكرر ذلك منه. ~~PageV03P926 # وهذا ظاهر كلام أحمد رحمه الله في رواية علي بن سعيد (1) في الرجل يكذب ~~كذبة واحدة: لا يكون في موضع العدالة، الكذب شديد. # وكذلك نقل ابن منصور: أنه قال لأبي عبد الله [140/أ] : متى يترك حديثه؟ ~~قال: إذا كان الغالب عليه الخطأ، قال له: الكذب من قليل وكثير؟ قال: نعم. # ونقل أحمد بن أبي عبيدة (2) عنه في الرجل يكذب، فقال: إن كثر كذبه، لم ~~تصل خلفه. # وظاهر هذا: أنه لا يخرج من العدالة بكذبة واحدة. # وهذا على ظاهره فيما سئل عنه من صحة إمامته [أما] في الخبر والشهادة فلا؛ ~~لأن الحاجة في الخبر إلى صدق المخبر ومن ظهر منه ذلك أولى بالرد ممن جعلت ~~(3) أمارة رده المعاصي، التى يسمى بها فاسقا. # ويدل ms377 عليه ما روى إبراهيم الحربي في كتاب النهي عن الكذب بإسناده عن موسى ~~الجندي قال: رد النبي [صلى الله عليه وسلم] شهادة رجل في كذبة كذبها. # وبإسناده عن يحيى بن سالم (4) قال: اطلع رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~، من وافد PageV03P927 # قوم على كذبة فقال له: (لولا سخاء فيك، ومدحك الله عليه؛ لشردتك من وافد ~~قوم) . # ولقد نقلة له أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد الحلبي (1) قال: سألت أحمد ~~بن حنبل رحمه الله عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع، قال: توبته فيما ~~بينه وبين الله تعالى، ولا يكتب عنه حديث أبدا (2) . # وسألت قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني (3) [عن ذلك] فقال: يقبل حديثه ~~المردود وغيره، بخلاف الشهادة، إذا ردت، ثم تاب، لم يقبل PageV03P928 # في تلك الشهادة خاصة، قال: لأن هناك حكما (1) من جهة الحاكم بردها، فلا ~~يقبل؛ لأن فيه نقضا للحاكم، ورد الخبر ممن روى له ليس بحكم؛ لأنه ليس ~~بحاكم. # وسألت أبا بكر الشامي (2) [عنه] فقال: لا يقبل خبره فيما رد، ويقبل في ~~غيره اعتبارا بالشهادة. ### | ### | دليلنا: # # أن من أقدم على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، استدل على ~~زندقته؛ لأنه لا يقدم علي ذلك -مع ما فيه من الوعيد- إلا زنديق، وتوبة ~~الزنديق غير مقبولة في ظاهر الحكم على الرواية المشهورة أحمد. # ويفارق هذا الشهادة؛ لأن الكذب لا يدل على ذلك؛ لأنه يجوز أن يحمله علي ~~ذلك الرغبة في الرشوة وقضاء الحق، فلهذا قبلت شهادته فيما لم يرد. # وكذلك إذا رد خبره بغير الكذب في الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه ~~[وسلم] ، أنه لا يدل على زندقته؛ لأنه يحتمل فعل تلك الأشياء المحظورة رغبة ~~في إزالتها وحصول الأغراض. PageV03P929 # وقد روى أبو إسحاق في تعاليقه عن أبي بكر النقاش (1) عن محمد بن سعيد (2) ~~عن محمد بن سهل بن عسكر (3) سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: "إذا سمعت ~~أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، وإذا سمعتهم ~~يقولون: ms378 هذا حديث لاشيء، فاعلم أنه صحيح". # أما قوله: إذا قالوا: "غريب أو فائدة"، فاعلم أنه خطأ، فذلك لأنهم لا ~~يستغربون إلا الحديث الشاذ، الذي بمشهور، ولا رواه أئمة أصحاب الحديث، وما ~~هذا سبيله يجوز عليه [140/ب] الغلط والسهو. # وقوله: "إذا سمعتهم يقولون: هذا حديث لا شيء، فاعلم أنه صحيح"، فذلك ~~لأنهم يقولون هذا في الحديث المشهور، الذي تواتر طريقه، وعرف لفظه، ~~فيقولون: لاشيء، يعني أنه ما أفادنا شيئا؛ لاشتهاره PageV03P930 # وتكرره ومعرفتنا له، وما هذا سبيله ينتفي عنه السهو والغلط، فيحكم بصحته. # فصل # ولا يقبل الجرح إلا مفسرا # وليس قول أصحاب الحديث: "فلان ضعيف"، و"فلان ليس بشيء" مما يوجب جرحه ورد ~~خبره (1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد (2) رحمه الله في رواية المروذي؛ لأنه قال له عن ~~يحيى بن معين (3) : سألته عن الصائم يحتجم، فقال: لا شيء عليه، ليس يثبت ~~فيها خبر (4) ، فقال أبو عبد الله: هذا كلام مجازفة. فلم يقبل مجرد الجرح ~~من يحيى. PageV03P931 # وكذلك نقل مهنا عنه قلت لأحمد: حديث خديجة (1) : كان أبو [ها] ، ما يرغب ~~أن يزوجه (2) ، فقال أحمد رحمه الله: الحديث معروف سمعته من غير واحد، قلت: ~~إن الناس ينكرون هذا، قال: ليس هو منكر. فلم يقبل مجرد إنكارهم. ~~PageV03P932 # ونقل عنه المروذي ما يدل على أنه يقبل، فقال: قريء على أبي عبد الله رحمه ~~الله: حديث عائشة كانت تلبي: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن ~~الحمد والنعمه لك) (1) فقال أبو عبد الله: كان فيه: و"الملك لا شريك لك"، ~~فتركته؛ لأن الناس خالفونا، وقوله: تركت روايته، لأجل ترك الناس، وإن لم ~~يظهر العلة. # وجه الأول: # أن الناس اختلفوا فيما يفسق به، ولا بد من ذكر سببه؛ لينظر هل هو فسق أم ~~لا، وعلى هذا لو شهد رجلان: أن هذا الماء نجس، لم تقبل شهادتهما، حتى يبينا ~~سبب النجاسة؛ لأن الناس اختلفوا فيما ينجس به الماء (2) . # ووجه الثاني: # أن المعاني التي في يختلف في تأثيرها في الخبر معروفة (3) ، فالواجب حمل ~~أمر المزكي على الصحة، وأنه لا يحمل (4) للقاضي ms379 ما يعلم أنه لو فسره، لم ~~يؤثر عنده. # إذا تقرر هذا، فإن صرح عدلان بما يوجب الجرح، ثبت الجرح. PageV03P933 # فإن صرح أحدهما بما يوجب الجرح، ثبت الجرح أيضا، وهذا قياس قوله في ~~التعديل: إنه يثبت بقول الواحد، على ما نذكره. # والوجه فيه: أن العدد ليس بشرط في قبول الخبر، فلم يكن شرطا في جرح ~~الراوي، ويخالف الشهادة؛ لأن العدد شرط في قبول الشهادة والحكم بها، فلهذا ~~لم يقبل جرح الواحد. # فأما تعديل الواحد فيقبل، كما يقبل جرحه. # قال في روارية الأثرم: إذا روى الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن رجل، فهو ~~حجة، وهذا يدل على أن رواية العدل عن غيره تعديل له، ويدل أيضا على: أن ~~تعديل الواحد مقبول. # وكذلك نقل أبو زرعة قال سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: مالك (1) بن ~~أنس إذا روي عن رجل لا يعرف [141/أ] فهو حجة. # وقد نقل مهنا عنه ما يدل على أن رواية العدل [لا] تكون تعديلا، ويجب ~~السؤال عنه، فقال سألت أحمد رحمه الله عن رباح بن عبيد الله بن عاصم بن عمر ~~بن الخطاب (2) ؟ فقال: مدني، PageV03P934 # روى عنه عبد الرزاق (1) . قلت: كيف هو؟ قال: ضعيف. وظاهر هذا أنه لم يجعل ~~رواية العدل تعديلا. # وهو قول أصحاب الشافعي. # فالدلالة على أن تعديل الواحد مقبول: # لأنه يقبل جرحه من الوجه الذي ذكرنا، فقبل تعديله. # وقد نقل إسماعيل بن سعيد قال: قلت لأحمد: تعديل الرجل الواحد، إذا كان ~~مشهورا: بالصلاح؟ قال: يقبل ذلك. ذكرها الخلال في كتاب "الشهادات". # فظاهر هذا: [أن] تعديل الواحد للشاهد مقبول. # والدلالة على أن روايته تعديل له: PageV03P935 # ما تقدم في ### | مسألة # خبر المرسل، وهو: أنه لا يجوز أن يحدث عن فاسق لمن لا يعرفه، ويكتم ذلك، ~~فيلزمه قبوله. # ولأنه لو روي عن غير ثقة كان قد قطع على رسول الله صلى الله عليه [وسلم] ~~، بقول من هو كذاب عنده، وهذا ممنوع منه. # والوجه لمن قال: لا يكون تعديلا: # بأنه يجوز أن يروي عمن لا يعرف عدالته، وإذا لم ms380 يحرم ذلك، لم تكن روايته ~~تعديلا، اللهم إلا أن يروي عنه ويعدله بقوله أو بعمل [لا] يحرم فيكون ~~تعديلا. # فصل # ولا يقبل خبر من لم تعرف عدالته وإن عوف إسلامه وقد قال أحمد رحمه الله ~~في رواية الفضل بن زياد، وقد سأله عن أبي حميد يروي عن مشايخ لا يعرفهم، ~~وأهل البلد يثنون عليهم؟ فقال: إذا # أثنوا عليهم، قبل ذلك منهم، هم أعرف بهم. # وظاهر هذا: أنه لا يقبل خبره إذا لم تعرف عدالته؛ لأنه اعتبر تعديل أهل ~~البلد لهم. # وحكي عن أبي حنيفة: أنه يقبل خبر من لم تعرف عدالته، إذا عرف إسلامه. ### | دليلنا: # أن كل خبر لم يقبل من الفاسق، كان من شرطه معرفة عدالة المخبر، كالشهادة، ~~ولا يلزم عليه الخبر المرسل أنه مقبول، وإن لم تعرف عدالته؛ لأنه غير مجهول ~~العدالة، لما بينا: أن رواية العدل عن غيره # PageV03P936 # تعديل له؛ لأنه لا يجوز أن يروي عن فاسق. # والذي روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة الأعرابي في رؤية ~~الهلال لما علم إسلامه بقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" (1) وذلك لأنه ~~يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم -، عرف من حال الشاهد أنه عدل ~~ثقة، فلذلك حكم بشهادته. # وليس من شرطه معرفة العدالة الباطنة؛ لأن اعتبارها يشق. ويفارق الشهادة؛ ~~لأن اعتبارها لا يشق؛ لأن لها معتبرا، وهو الحاكم، والاعتبار إليه، وليس كل ~~من سمع الحديث حاكما. PageV03P937 # فصل (1) # [141/ب] وقد أطلق أحمد رحمه الله القول بالأخذ بالحديث الضعيف. # فقال مهنا (2) : قال أحمد: الناس كلهم أكفاء إلا الحائك والحجام والكساح ~~(3) ، فقيل له: تأخذ بحديث (كل الناس أكفاء إلا حائكا (4) أو حجاما) (5) ~~وأنت تضعفة؟ فقال: إنما نضعف إسناده، لكن العمل عليه. PageV03P938 # وكذلك قال في رواية ابن مشيش (1) وقد سأله: عمن تحل له الصدقة وإلى أي ~~شيء يذهب في هذا؟ فقال: إلى حديث، حكيم بن جبير (2) ، فقلت: وحكيم بن جبير ~~(3) ثبت عندك في الحديث (4) ؟ قال: ليس هو عندي ثبتا في الحديث. ~~PageV03P939 # وكذلك قال مهنا: سألت أحمد رحمه الله: ms381 عن حديث معمر عن الزهري عن سالم ~~(1) عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن غيلان (2) أسلم وعنده ~~عشر نسوة (3) ، قال: ليس بصحيح، والعمل عليه، كان عبد الرزاق يقول: عن معمر ~~عن الزهري مرسلا. PageV03P940 # [و] معنى قول أحمد: "ضعيف": على طريقة أصحاب الحديث؛ لأنهم يضعفون بما لا ~~يوجب تضعيفه عند الفقهاء، كالإرسال والتدليس والتفرد بزيادة في حديث لم ~~يروها الجماعة، وهذا موجود في كتبهم: تفرد به فلان وحده، فقوله: "هو ضعيف"، ~~على هذا الوجه وقوله: "والعمل عليه" معناه: على طريقة الفقهاء. # وقد ذكر أحمد رحمه الله جماعة ممن يروي عنه مع ضعفه. فقال في رواية إسحاق ~~بن إبراهيم: قد يحتاج أن يحدث الرجل عن الضعفاء مثل عمرو ابن مرزوق (1) ، ~~وعمرو بن حكام (2) ، ومحمد بن معاوية (3) وعلي بن PageV03P941 # الجعد (1) ، وإسحاق بن أبي إسرائيل (2) ، ولا يعجبني أن يحدث عن بعضهم. # وقال أيضا في رواية ابن القاسم (3) في ابن لهيعة (4) : ما كان حديثه ~~PageV03P942 # بذلك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، أنا قد أكتب حديث الرجل ~~كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد. # وقال في رواية المروزي: كنت لا أكتب حديثه -يعني جابر الجعفي (1) - ثم ~~كتبته أعتبر به. # فقال له مهنا: لم تكتب عن أبي بكر بن أبي مريم (2) ، وهو PageV03P943 # ضعيف؟ قال: أعرفه. # والوجه في الرواية عن الضعفاء: أن فيه فائدة، وهو أن يكون الحديث قد روي ~~من طريق صحيح. فيكون برواية الضعيف ترجيحا، أو ينفرد الضعيف بالرواية، ~~فيعلم ضعفة؛ لأنه لم يرد إلا من الطريق الضعيف فلا يقبل. # فصل # في بيان الكبائر من المعاصي # فروى أبو بكر بإسناده في كتابه عن عبيد بن عمير (1) عن أبيه (2) عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (الكبائر تسع: الإشراك بالله، وقتل النفس ~~المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال ~~اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد بالبيت الحرام) (3) . ~~PageV03P944 # وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن (1) عن [142/أ] أبي هريرة قال [قال] رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: (الكبائر ms382 سبع: أولهن الإشراك بالله عز وجل، ~~وقتل النفس بغير حق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبروا، وفرار ~~(2) من الزحف، وزنا بالمحصنات، وانقلاب إلى الأعراب بعد PageV03P945 # الهجرة) (1) ، ويجب أن يكون من جملتها السرقة؛ لأن القطع أعظم من الجلد ~~في الزنا، وكذلك شرب الخمر. # وقد حد أحمد رحمه الله الكبائر: بما يوجب حدا في الدنيا ووعيدا في ~~الآخرة، فقال في رواية جعفر بن محمد (2) : سمعت سفيان بن عيينة يقول في ~~قوله تعالى: (إلا اللمم) (3) قال: ما بين حدود الدنيا والآخرة. # قال أبو عبد الله: حدود الدنيا مثل السرق والزنا، وعد أشياء، وحد الآخرة: ~~مايحد في الآخرة، واللمم: الذي بينهما. # قال أبو بكر في تفسيره لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون) (4) ، ~~قد روي أنها سبع. PageV03P946 # وروى عبد الله بن أنيس الجهني (1) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~(إن من الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس) (2) ، قال: ~~فما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه [وسلم] الشرك بالله. وعقوق ~~الوالدين، وقتل النفس المحرم قتلها، وقول الزور، وقد يدخل في قتل النفس ~~المحرمة: قتل الرجل ولده، من أجل أنه يطعم معه، والفرار من الزحف، والزنا ~~بحليله الجار. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (هي سبع) ، يكون معنى قوله: ~~(سبع) على التفصيل، ويكون معنى قوله في الخبر الذي روي عنه أنه قال: (وهي ~~الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور) (3) على الإجمال، ~~إذا كان قوله: (وقول الزور) يحمل (4) على معان شتى، وإن جمع ذلك قول الزور، ~~فأما أبو بكرة (5) ومن جلد معه، فلا يرد خبرهم؛ لأنهم جاؤوا مجيء ~~PageV03P947 # الشهادة، وليس بصريح في القذف، وقد اختلفوا في وجوب الحد، ويسوغ فيه ~~الاجتهاد، ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد. # ولأن نقصان العدد معنى من جهه غيره، فلا يكون سببا في رد شهادته. # عدنا إلى ذكر الشرائط التي يقبل معها الخبر، وقد ذكرنا منها شرطين أحدهما ~~العقل والثاني العدالة. # الثالث: أن لا يكون مبتدعا يدعو إلى بدعة. # لأنه إذا ms383 دعى إلى بدعة، لا يؤمن أن يضع لما يدعو إليه حديثا يوافقه. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الأثرم، وقد ذكر له: أن فلانا أمر (1) ~~بالكتب عن سعد العوفي (2) ، فاستعظم ذلك، وقال: جهمي، ذاك امتحن فأجاب قبل ~~أن يكون ترهيب. # وقال في رواية أبي داود: احتملوا من المرجئة الحديث، ويكتب عن القدري، ~~إذا لم يكن داعية. # الرابع: [142/ب] أن يكون ضابطا لما ينقله. # لأنه متى لم يضبط، غير اللفظ والمعنى. PageV03P948 # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية المروذي: لا ينبغي للرجل إذا لم يعرف ~~الحديث أن يحدث به، ثم قد صار الحديث يحدث به من لا يعرفه. # وقال في الكبير لا يعرف الحديث ولا يعقل: إذا كتب، فلا بأس أن يرويه. # الخامس: أن يكون بالغا: # لأن من لم يبلغ لا رغبة له في الصدق، ولا حذر عليه في الكذب؛ لأنه لا ~~عقاب عليه، فحاله دون حال الفاسق؛ لأن الفاسق قد يرجو ثوابا، ويتجنب ذنوبا ~~يخشى العقاب عليها، ولا يقبل خبر الفاسق، فالصبي أولى. # ولأنا لما نقبل إقراره على نفسه، لم نقبله على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فأما تحمله الخبر، إذا كان عاقلا مميزا، ورواه بعد، بلوغه، فجائز لإجماع ~~السلف على عملهم بخبر ابن عباس، وابن الزبير (1) ، والنعمان بن بشير (2) ، ~~وغيرهم من أحداث الصحابة. PageV03P949 # ولأنه، لما جاز أن يتحمل الشهادة قبل بلوغه، ويؤديها بعد بلوغه، مع ضيق ~~الشهادة، فأولى أن يتحمل الخبر ويؤديه بعد بلوغه، مع سعة الخبر. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية إبراهيم بن الحارث، والمروذي وحنبل: يصح ~~سماع الصغير إذا عقل وضبط. # وقد روى البخاري (1) في صحيحه عن محمد بن يوسف (2) عن أبي مسهر (3) ~~PageV03P950 # عن محمد بن حرب (1) عن الزبيدي (2) عن الزهري عن محمود بن الربيع (3) ~~قال: (عقلت من النبي - صلى الله عليه وسلم - مجة مجها في في، وأنا ابن خمس ~~سنين) (4) ، وهذا يدل على أن ابن خمس يعقل ويضبط، فيصح سماعه. # فأما الذكورية: فلا تعتبر؛ لأن النساء نقلن الحديث عن النبي - صلى الله ms384 ~~عليه وسلم -. # ولا تعتبر الحرية؛ لأن الحديث موضوع على حسن الظن بالراوي، لأنه يروي ما ~~يشترك فيه المخبر والمخبر. PageV03P951 # ولا يعتبر فيه البصر، لأن الشهادة مع تأكدها، يصح تحملها وأداؤها من ~~الضرير على أصلنا، فأولى أن يصح الخبر مع سعته. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية عبد الله في سماع الضرير البصير: إذا ~~كان يحفظ من المحدث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا، وقال: الأمي بهذه ~~المثابة إلا ما حفظ من الحديث. # [حكم الرواية عن أصحاب الرأي] # قال أحمد رحمه الله في رواية أصحاب الرأي: لا يروى عنهم الحديث (1) . # وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين، كالقدرية ونحوهم (2) . # [حكم الرواية عن الجندي] # وقال في رواية المروذي وقد سأله: يكتب عن الرجل، إذا كان جنديا؟ فقال: ~~أما نحن فلا نكتب عنهم. # وكذلك قال في رواية إبراهيم بن الحارث: إذا كان الرجل في الجند، لم أكتب ~~عنه. # وهذا محمول على طريق الورع؛ لأن الجندي لا يتجنب المحرمات في الغالب. ~~PageV03P952 # [حكم الرواية عمن أجاب في المحنة] # وقال في رواية محمود بن غيلان (1) : [لا] أحب أن أحدث عمن أجاب، يعني في ~~[143/أ] المحنة (2) . # وقال في رواية حجاج الشاعر (3) : أما أنا فلا أكتب عمن أجاب في المحنه. # وهذا على ظاهره؛ لأن من أجاب من غير إكراه كان مختارا للبدعة. # [حكم الرواية عمن يبيع العينة أو يأخذ الأجرة على الحديث] # وقال في رواية سندي الخواتيمي: لا يعجبني أن يكتب الحديث عن معين (4) . ~~يعني يبيع هذه العينة. PageV03P953 # وقد قال في رواية حبيش (1) وسلمة بن شبيب (2) : لا نكتب عن هؤلاء الذين ~~يأخذون الدراهم على الحديث ويحدثون، ولا كرامة. # وهذا على طريق الورع؛ لأن بيع العينة، وأخذ الأجرة على رواية الحديث، مما ~~يسوغ فيه الاجتهاد، وما يسوغ فيه الاجتهاد لم يفسق فاعله. # [التدليس] # فأما التدليس (3) فإنه يكره (4) ، ولكن لا يمنع من قبول الخبر. ~~PageV03P954 # وصورته: أن ينقل عمن لم يسمع منه، يوهم أنه قد سمع منه، مثل أن يكون عاصر ~~الزهري، ولم يسمع منه، لكنه سمع عن رجل ms385 عنه، فأتي بلفظ يوهم أنه سمعه من ~~الزهري بلا واسطة، فيقول: روى الزهري أو قال الزهري: عروة (1) ، أو عن ~~عروة، فكل من سمع هذا يذهب إلى أنه سمعه من الزهري بلا واسطة (2) ~~PageV03P955 # وكذلك إذا سمع الخبر من رجل معروف بعلامة مشهورة، فعدل عنها إلى غيرها من ~~أسمائه، مثل أن يكون مشهورا بكنية، فيروي عنه باسمه، أو كان مشهورا باسمه، ~~فيروي عنه بالكنية، حتى لا يعلم من الرجل (1) ؟. PageV03P956 # فكل هذا مكروه، نص عليه في رواية حرب فقال: أكره التدليس، وأقل شيء فيه: ~~أنه يتزين للناس (1) ، أو يتزيد (2) شك حرب. # وكذلك نقل الميموني عنه: لا يعجبني التدليس، هو من الريبة. # وكذلك نقل مهنا عنه: التدليس عيب. # وإنما كان مكروها؛ لأنه يوهم أنه كان سمع منه، وما كان سمع، ولأنه يفعل ~~ذلك كراهيه التواضع في الحديث أوله (3) ، ومن كره التواضع في الحديث فقد ~~أساء، وهذا معنى قول أحمد رحمه الله: "يتزين". # [حكم الحديث المدلس] # وإذا ثبت أنه مكروه، فإنه لا يمنع من قبول الخبر، نص عليه في رواية مهنا ~~وقيل له: كان شعبة (4) يقول: التدليس كذب، فقال أحمد رحمه الله: لا، قد دلس ~~قوم نحن نروي عنهم. PageV03P957 # وقال عبد الله: سمعت أبي وذكر يعني عمر بن علي بن مقدم (1) فأثنى عليه ~~خيرا، وقال: كان يدلس. # وذهب قوم من أصحاب الحديث: إلى أنه لا يقبل خبره؛ لأنه يروي عمن لم يسمع، ~~فهو كما لو قال: قال الزهري، وما سمع منه. # وهذا غلط؛ لأنه ما كذب فيما نقل، بل كان ما قاله صدقا في الباطن، إلا أنه ~~أوهم [في خبره و] (2) من أوهم في خبره لم يرد خبره، كمن قيل له: حججت؟ ~~فقال: لا مرة ولا مرتين، يوهم أنه حج أكثر، وحقيقته أنه ما حج أصلا، فلا ~~يكون كذبا. # ويفارق هذا إذا حدث عمن لم يسمع منه، فقال: حدثني؛ لأنه كذب فيما قال، ~~ومن كذب في الحديث سقط حديثه، فلهذا لم يسمع [143/ب] حديثه. # وقال محمد بن مخلد: حدثنا حمدان بن علي الوراق (3) قال: سمعت ms386 PageV03P958 # أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: كان حجاج بن أرطاة (1) يقول لهم: لا تقولوا ~~من حدثك؟ ولكن من أخبرك؟ قولوا: من ذكره يا أبا (2) أرطاة. # فصل # فإن روي العدل عن العدل خبرا، ثم نسي (3) المروي عنه الخبر، فأنكره، لم ~~يجب اطراح الخبر، ووجب العمل به في إحدى الروايتين. # وهو قول أصحاب الشافعي (4) . PageV03P959 # وفيه رواية أخرى: يرد الخبر، ولا يجوز العمل به. # وقد نص أحمد رحمه الله على الروايتين في إنكار الزهري روايته حديث عائشة ~~في الولي (1) ، فقال في رواية الأثرم، فيما ذكره في كتاب "العلل": قلت لأبي ~~عبد الله: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: إن حدث الرجل الثقة بالحديث عن ~~الرجل، فيسأل عنه فينكره ولا يعرفة؟ فقال: لا، ما يضعف عندي بهذا، فقلت: ~~مثل حديث الولي، ومثل حديث اليمين مع الشاهد، فقال: قد كان معمر يروي عن ~~ابنه عن نفسه عن عبد الله بن عمر. # وكذلك نقل الميموني عنه لما ذكر له حديث الزهري وما قاله، فقال: كان ابن ~~عيينة يحدث بأشياء (2) ، ثم قال: ليس من حديثي ولا أعرفه، وقد (3) يحدث ~~الرجل ثم ينسى. # وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال: يجوز أن يكون الزهري حدث به ثم نسيه، ~~فقد نص على قبوله (4) . # ونقل عنه خلاف هذا، فقال أبو الجود (5) : قلت لأبي عبد الله: أيما امرأة ~~زوجت بغير ولي؟ فقال: لا أحسبه صحيحا؛ لأن إسماعيل قال: PageV03P960 # [قال] (1) ابن جريج: لقيت الزهري وسألته [عنه] (2) ؟ فقال: لا أعرفه. # وكذلك نقل حرب عنه: أنه سئل عن حديث الولي، فقال: لا يصح؛ لأن الزهري سئل ~~عنه فأنكره. # فالدلالة على وجوب العمل به: # أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (3) روي عن سهيل بن أبي صالح (4) عن أبيه (5) ~~عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه قضى باليمين مع ~~الشاهد) (6) ، ثم PageV03P961 # نسيه سهيل، فكان يقول: حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ويروي هكذا، ولا ينكره أحد من التابعين، ولا ~~يخالفه مخالف منهم، فدل على جوازه. # ولأن ms387 المروي عنه غير عالم ببطلان روايتة، والراوي عنده ثقة، فوجب تصديقه ~~والعمل بخبره، كما يجب على سائر الناس، إذا لم ينس المروي عنه، فيكون ~~المروي عنه في هذه الحالة بمنزلة سائر الناس. # ولأن النسيان الطاريء عليه لم يقدح في عدالته حال روايته، ولا أثر فيها، ~~فلم يوجب رد خبره، وإن خرج عن كونه ذاكرا له، كما لو طرأ عليه جنون أو مرض. # واحتج المخالف: # بأنه لو شهد شاهدان على شهادة شاهدين، فقال شاهدا الأصل: لا نذكر ولا ~~نحفظه، لم يجز للحاكم أن [144/أ] يحكم بشهادتهما. وكذلك الخبر. # وكذلك الحاكم إذا ادعى رجل أنه قضي له بحق على فلان، ولم يذكر القاضي، ~~فأحضر المدعي بينه على حكمه، لم يرجع إليها، كذلك ها هنا. # والجواب: أنا لا نسلم هذا في القاضي، بل نقول: يرجع. # وأما شهود الفرع، فإنما لم تسمع شهادتهم؛ لما ذكرنا من أن الشهادة أغلظ ~~حكما، وأضيق طريقا من الخبر، وقد بينته فيما مضى. # واحتج: بما روي أن عمارا (1) قال لعمر بن الخطاب في باب جواز PageV03P962 # التيمم للجنب: أما تذكر أنا كنا في الإبل، فأجنبت، فتمعكت بالتراب، ثم ~~سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك) (1) ~~فلم يقبل عمر من عمار، مع كونه عدلا ثقة. # والجواب: أن عمر قبل قول الهرمزان أنه أمنه، لما شهد له بذلك أنس وغيره ~~(2) . # نقل من كتاب "الإيمان" تصنيف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال عبد ~~الله: سمع أبي يقول: سمعت حمادا (3) يقول: عمير بن PageV03P963 # يزيد (1) ليس فيه عن أبيه، فقلت: إنك حدثتتي عن أبيه عن جده، فقال: أحسب ~~أنه عن أبيه، وهذا يدل على أنه رجع إلى رواية أبيه عنه. # وجملة ما ذكرناه مما رد به الخبر، فهو لأجل المخبر، وهو أن ينقله ثقة عن ~~ثقة، فإنه يرد بأحد خمسه أشياء: # أحدها: أن يخالف موجبات العقول، كقوله: إن الله خلق نفسه. # الثاني: أن يخالف نص كتاب الله أو سنة متواترة، فإنه يرد؛ لأنه دليل ~~مقطوع به، فلا يعارضه ما ms388 هو غير مقطوع به. # الثالث: أن يكون بخلاف الإجماع؛ لأن الإجماع دليل مقطوع [به] ؛ ولأنه إذا ~~خالف الإجماع كان دليلا على نسخه؛ لأنه لو كان ثابتا لما خرج عن الأمة. # الرابع: أن يروي ما يجب على الكافة علمه، مثل أن يروي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عهد إلى أبي بكر أو إلى عثمان أو إلى علي، فإذا انفرد ~~الواحد بنقل مثل هذا كان مردودا. PageV03P964 # فإن قيل: أليس ما يعم به البلوى يفتقر إليه كل أحد، ومع هذا يثبت بخبر ~~الواحد؟ # قيل: كل أحد مفتقر إلى العمل به، لا إلى علمه، فلهذا ثبت بخبر الواحد، ~~وليس كذلك ثبوت الخلافة والعهد إلى واحد؛ لأن على كل واحد أن يعرفه ويعلمه ~~نطقا، فلهذا لم يثبت بخبر الواحد. # الخامس: أن ينفرد بما جرت العادة في نقلة بالتواتر، مثل أن ينفرد بنقل أن ~~الخطيب سقط يوم الجمعة من المنبر، فالعادة جرت بأن الواحد لا ينفرد بنقله، ~~فإذا انفرد هو به علمناه بخلاف العادة، فرددناه. # وهذا في العلل التي رد لها خبر الواحد. # فأما الأسباب الموهمة التي لا يرد لأجلها خبر الواحد: # منها: أن تلحقه غفلة في وقت، فإن خبره لا يرد؛ لأن [144/ب] أحدا لا ينفك ~~عن أن تلحقه غفلة (1) في وقت، بل إن روى خبرا في حال غفلته، لم يثبت خبره. # وقد قال عبد الله: قلت لأبي: إن بشر بن عمر (2) زعم أنه سأل مالكا عن ~~صالح مولى التوأمة (3) ، فقال: ليس بثقة. قال أبي: مالك أدرك PageV03P965 # صالحا وقد اختلط، وهو كبير، ما أعلم به بأسا، من سمع منه قديما، قد روى ~~عنه أكابر أهل المدينة، نقلت ذلك من كتاب أبي بشر محمد بن أحمد الدولابي ~~(1) . # ومنها: أن يضطرب بعض حديثه، فلا يرد خبره؛ لأن كل أحد لا يقدر علي ضبط ما ~~سمعه كله، بل يكون ببعضه أضبط من بعض. # ومنها: أن ينفرد (2) بنقل حديث واحد، لا يروي غيره، فلا يرد حديثه، ~~لجواز، أن ينفرد به عن كل واحد، كأنه حدثت له حادثة، فسأل ms389 رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأجابه عنها. # ومنها: أن لا تعرف له مجالسه مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يرد ~~خبره؛ لأنه قد يجالسه، فلا، يعرف ذلك منه، وقد يأخذ الحديث عنه من غير ~~مجالسة. # ومنها: أن يروي حديثا، وفعل رسول الله صلى الله عليه [وسلم] يخالفه، مثل ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ينكح المحرم ولا ينكح) (3) ثم يروي عنه ~~ابن عباس: أنه PageV03P966 # نكح ميمونة، وهو محرم (1) ؛ فلا يرد به خبره، لأن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] ، قد يفعل ما هو خاص له دون أمته، فلا يستدل به على رد خبره. # ومنها: أن يروي حديثا يخالفه فيه أكثر الصحابة، فلا يرد لذلك، لجواز أن ~~يخفي عليهم ما عرفه، فيكون الحق معه دونهم. # ومنها: أن يكون معروفا باللقب، وقد اختلف اسمه، كالحذا (2) PageV03P967 # ونحو ذلك، فلا يرد خبره؛ لأنه متفق عليه، وإنما وقع الاختلاف فيما لا ~~يكون به كل مجهولا. # ومنها: أن ينسى بعض حديثه، فذكر فعاد إليه، فلا يرد حديثه لذلك؛ لأن ~~الإنسان قد ينسى الشيء، ثم إذا ذكر تذكر، بلى إن روى حديثا، لا أصل له، ~~وقال: نقلته على بصيرة مني بذلك، فهو مردود الحديث لأنه قد أخبر عن نفسه ~~بالكذب على رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . # فإن روى حديثا، لا أصل له، وقال: سهوت فيه، أو أخطأت، قبل خبره؛ لأنه قد ~~يجوز عليه السهو والغلط. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية حرب: في الرجل إذا سها في ~~الإسناد، فأخطأ فيه، ولا يتعمد ذلك: أرجو أن لا يكون به بأس. ### | مسألة # (1) # [رواية الحديث بالمعنى] # والمستحب رواية الحديث بألفاظه، فإن نقله على المعنى، وأبدل اللفظ بغيره ~~بما يقوم مقامه، من غير شبهة ولا لبس على سامعه، جاز، إذا كان عارفا ~~بالمعنى، كالحسن ونحوه، مثل أن يقول بدل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(صبوا PageV03P968 # عليه ذنوبا من ماء) (1) : أريقوا عليه ذنوبا (2) من ماء. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية حرب والميموني ms390 والفضل ابن زياد ~~[145/أ] وأبي الحارث ومهنا، كل عنه: تجوز الرواية على المعنى وقال: ما زال ~~الحفاظ يحدثون بالمعنى. # وحكي عن ابن سيرين وجماعة من السلف: أنه يجب نقل اللفظ على صورته، وحكاه ~~أبو سفيان عن أبي بكر الرازي. ### | دليلنا: # ما حدثنا أبو محمد الخلال (3) بإسناده عن ابن مسعود قال: سأل رجل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنك تحدثنا حديثا، لا نقدر أن ~~نسوقه، كما نسمعه، فقال: (إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث) (4) ، وهذا نص. ~~PageV03P969 # ورأيت بخط عتيق: أنبأنا مسند (1) عن مكحول (2) قال: دخلنا على واثلة بن ~~الأسقع (3) فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه تقديم وتأخير، فغضب، وقال: لا بأس ~~إذا قدمت أو أخرت، إذا أصبت المعنى (4) . # ولأن المقصود من السنة حكمها دون له لفظها، فإذا أتى بمعناها جاز الإخلال ~~باللفظ، فلو سمع إقرار رجل بالفارسية جاز له أن ينقل إقراره إلى الحاكم ~~بالعرب، وكذلك المترجم بالمعنى. PageV03P970 # فإن قيل: إنما جاز ذلك؛ لأن الحاكم يمكنه أن يتثبت ذلك، ويتعرف ما نقله ~~إليه الشاهد والمترجم [و] لا يمكن ذلك في خبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # قيل: فيجب أن يخبر الرواة على المعنى في خبرهم (1) للنبي [صلى الله عليه ~~وسلم] ؛ لأنه يتوصل إلى معرفة ذلك، وعندك لا يجوز. # وأيضا: لما كان نقل الحديث من غير النبي [صلى الله عليه وسلم] بلفظ آخر، ~~كذلك في الرواية عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، ألا ترى أنهما اتفقا في ~~منع الروية على وجه لا يأمن المخبر أن يكون كاذبا فيه؟ # فإن قيل: الكذب على النبي [صلى الله عليه وسلم] يعظم ما لا يعظم على ~~غيره. # قيل: إن اختلفا من هذا الوجه، فلم يختلفا في قبح الكذب عليهما، ~~واختلافهما في عظم المأثم لا يوجب اختلافهما في الجواز، كما أن المعصية ~~الصغيرة والكبيرة لا يختلفان في المنع، وإن اختلفا فيما يستحق عليهما من ~~العقاب. # واحتج المخالف: # بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (رحم الله امرءا سمع ~~مقالتي فوعاها، وأداها كما سمعها) ms391 (2) . PageV03P971 # والجواب: أن المقصود به الاستحباب. # واحتج: بأنه لما كان لفظ القرآن والأذان في التشهد شرطا، كذلك لفظ ~~الحديث. # والجواب: أن القرآن لفظه مقصود لما فيه من الإعجاز، ولما يستحق في قراءته ~~من الثواب، فكذلك لم يجز الإخلال به، وكذلك الأذان، القصد منه الإعلام. [و] ~~إذا أخل بلفظه، لم يحصل المقصود وإن قاسوا عليه، إذا لم يكن الراوي ضابطا، ~~فالمعنى فيه أنه ربما غير الحكم. [145/ب] . # فصل (1) # نقلت من خط أبي حفص البرمكي (2) تعليقا مما كان على مسائل صالح ~~PageV03P972 # سمعت عمر المغازلي (1) يقول: قال أحمد بن حنبل: قال رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] . وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] واحد، فألزمه بعض أصحابنا ~~حديث البراء ابن عازب (2) : (ورسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي ~~أرسلت) (3) قال: هذا لا يلزم؛ لأنه كان نبيا ثم أرسل، فقال: "ونبيك الذي ~~أرسلت"، ولم يقل: "وبرسولك الذي أرسلت"، لأنه لا تكون رسالة بعد رسالة، ~~وإنما أراد رسالة بعد نبوة، فقد [أجاز] (4) عمر بن PageV03P973 # بدر (1) : أن التابعي إذا سمع رجلا، من أصحاب النبي صلى الله عليه [وسلم] ~~يقول: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وروي عنه قال: قال النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] ، أو سمعه يقول: قال النبي [صلى الله عليه وسلم] ، فقال: ~~قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، أن ذلك جائز؛ لأن القصد من الرواية ~~أن يعلم أن هذا الخبر مرفوع عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وهذا المعنى ~~يحصل بكل واحد من اللفظين، والرسول والنبي في هذا المعنى واحد. # ويبين صحة جواز رواية الخبر على المعنى، وهذا موجود ها هنا، وقد أجاب (2) ~~عمر بن بدر عن الحديث المروي عن النبي [صلى الله عليه وسلم] ، (آمنت بكتابك ~~الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت) وأنه لا يجعل مكان نبيك رسولك؛ لأن المعنى ~~يختلف، وذلك أن الرسالة تطرأ على النبوة، ولا تطرأ رسالة على رسالة، فلهذا ~~لم يجعل موضع النبي: الرسول. ### | مسألة # (3) # إذا وجد سماعه في كتاب، ولم يذكر أنه سمعه، جاز روايته. # أومأ إليه الإمام ms392 أحمد رحمه الله في مواضع: # فقال في روارية مهنا: إذا كان يحفظ الشيء، وفي الكتاب شيء فالكتاب أحب ~~إلي. # فقد اعتبر ما في الكتاب، وإن كان حفظ غيره. # وكذلك في رواية الحسين بن حسان في الرجل يكون له السماع مع الرجل، فلا ~~بأس أن يأخذه بعد سنين، إذا عرف الخط. # وكذلك نقل الحسين بن محمد بن الحارث عنه: إذا عرف خطه فلا PageV03P974 # يشهد عليه إلا ما يحفظه، إلا أن يكون منسوخا عنده في حرزه، فكأنه إذا كان ~~عنده مكتوبا في حرزه، شهد به وإن لم يحفظه، ثم قال: كتاب العلم أيسر (1) ، ~~يعني يشهد عليه، قيل له (2) : إذا أعار (3) كتاب العلم، فقال: [لا] بد من ~~أن يفعل ذلك، إذا أعاره من يثق به، قيل له: فإن لم يثق به: كل ذاك أرجو أن ~~لا يحدث فيه، فإن الزيادة في الحديث ليس تكاد تخفي، وكأنه رأى ذلك أوسع من ~~الشهادة. # وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد (4) . # وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يرويه، إذا لم يذكر سماعه. ### | دليلنا: # [146/أ] : أن الأخبار مبني أمرها على حسن الظن والمسامحة ومراعاة الظاهر ~~من الحال، ألا ترى أنه لا يشترط فيها العدالة في الباطن ويقبل فيها قول ~~العبيد والنساء وحديث العنعنة، والظاهر من حال السماع الموجود الصحة، فجاز ~~العمل عليه. PageV03P975 # وأيضا: رجوع الصحابة إلى كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - والعمل عليها ~~من أدل الدليل على الرجوع إلى الخط والكتاب. # واحتج المخالف: # بأنه، لما لم يجز أن يؤدي الشهادة معتمدا على خطه من غير ذكره، كذلك ~~الحديث، والمعنى فيه: أن الشاهد يحتاج إلى ذكر المشهود به، كما أن المخبر ~~يحتاج إلى ذكر المخبر به. # والجواب: أن الشهادة مبنى أمرها على التأكيد والتغليظ، فكذلك إذا وجد ~~خطه، ولم يذكر، لم يشهد به. على أن الحسين بن محمد بن الحارث نقل عنه: أنه ~~أجاز الشهادة، إذا عرف الخط، ولم يخرج عن يده، ولكن المذهب المشهور عنه: ~~أنه لا يجوز، لما بينا. # واحتج: بأن الإخبار بما لا نأمن المخبر. ms393 أن يكون كاذبا فيه، يجري مجرى ~~الإخبار بالكذب في القبح، فإذا لم يذكر أنه سمعه يحدث به، لم نأمن أن يكون ~~كاذبا، وجب أن لا يجوز أن يحدث به، كما لا يجوز له ذلك لو علم أنه كاذب ~~فيه. # والجواب: أن هذا يوجب أن لا يجوز خبر الضرير فيما سمع؛ لأنه لا يأمن أن ~~يكون كاذبا فيه؛ لأن الصوت قد يشبه الصوت، فيخبر عن رجل لم يسمع منه، وأنه ~~شبه له صوته، وكذلك السماع من وراء حجاب، وقد أجازوا رواية الضرير، كذلك ها ~~هنا، وقد نص أحمد رحمه الله على جواز رواية الضرير، وحكيناه فيما تقدم. # فإن قيل: هناك يمكنه أن يشترط ما يأمنان الكذب فيه، بأن يخبرا عن ظنهما، ~~فلا يقطعان على ما يحدثان به عن فلان. # قيل: فاشترط مثل هذا في مسألتنا. # PageV03P976 # فصل # في كيفية رواية الحديث بعد سماعه # إذا قرأ المحدث عليه، قال: سمعته، وحدثني، وأخبرني، وقرأ علي؛ لأنه قد ~~أخبره وحدثه وسمع منه وقرأ عليه، ولا فرق بين أن يقول له بعد ذلك: إروه ~~عني، أو لا يقول. # وكذلك إن أملى عليه المحدث، فالحكم فيه على ما مضى، ويزيد أملى علي. # وقد نص على هذا رحمه الله فيما رأيته في آخر جزء فيه السنة لحرب، فقال: ~~حدثه عبد الله بن أحمد بن معدان قال: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ~~قال: حدثنا معمر، فقيل له: يا أبا عبد الله إن عبد الرزاق كان لا يقول: ~~حدثنا، فقال [146/ب] أحمد: حدثنا وأخبرنا عندنا واحد، إن كان سماعا من ~~الشيخ. # وإن قرأ هو على المحدث فلم يسمع، أو قرأ عليه فأقر به، قال: قرئ على فلان ~~أو قرأت علي فلان، ولا يجوز أن يقول: سمعت فلانا، ولا أملى علي. # وهل يجوز أن يقول: حدثني وأخبرني أو لا؟ فيه روايتان: # إحدهما: لا يجوز، نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم قال: سألته، وأنا ~~أقرأ عليه شيئا من الأحاديث أقول: حدثني أحمد؟ فقال: إن قال، فما أرى به ~~بأسا: ms394 ولكن يقول: قرأت عليه، أحب إلي، أريد به الصدق. فقد نص على جوازه، ~~واختار أن يحكي الحال كما جرت. # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي. # PageV03P977 # وفيه رواية أخرى: لا يجوز أن يقول: أخبرني ولا حدثني، ولكن يقول قرئ ~~عليه، أو قرأت عليه، نص عليه رحمه الله في رواية حنبل: وقيل له: سأل عوف ~~الحسن فقال له: أقرأ عليك فأقول: حدثنا الحسن؟ قال: نعم، قال حنبل: سألت ~~أحمد عن ذلك، فقال: لا، ولكن يقول: قرأت. وبهذا قال بعضهم. # ولا فرق بين أن يقول: هو كما قرأته عليك؟ فيقر به، وبين أن يقول: أرويه ~~عنك؟ فيقول: أروه عني وأنه على الخلاف الذي حكينا. # وذكر أبو إسحاق (1) في تعاليقه في كتاب "العلل": سمعت أبا محمد عبد ~~الخالق بن الحسن بن محمد بن نصر السقطي (2) يقول: سألت ابن منيع (3) فيما ~~يقرأه على الناس، ويقرأ عليه، فقال لى: سألت أحمد ابن حنبل عما سألتني عنه، ~~فقال لي: إذا قرأ عليك، فقل: حدثنا، وإذا قرئ عليه [فقل] : حدثنا، فلان ~~قراءة عليه. # وظاهر هذا يقتضي جواز القول فيما قرئ عليه، لكن بشرط أن يقرر قراءة عليه. ~~PageV03P978 # وذكر أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص العطار في جزء صنفه في الإجازة ~~والمناولة والقراءة فقال: حدثنا سليمان بن الأشعث أبو داود قال: سمعت أحمد ~~-يعني ابن محمد حنبل- يقول: أرجو أن يكون العرض لا بأس به، يعني قراءة ~~الحديث على المحدث، قيل لأحمد: فكيف يعجبك أن يقول؟ قال: يعجبني أن يقول ~~كما يفعل: إن قرأ يقول: قرأت (1) . # قال: وسمعت أبا داود وسليمان بن الأشعث يقول: قلت لأحمد يعني ابن حنبل: ~~كأن "أخبرنا" أسهل من "حدثنا"؟ قال: نعم، "حدثنا" شديد (2) . # فإذا قلت: أيجوز أن يقول: أنبأنا وحدثنا؟ فتوجيهه أن إقراره بما قرىء ~~عليه جواب عن الاستفهام، والجواب في الاستفهام "بنعم"، يقوم مقام خبره به، ~~ألا ترى أن الحاكم إذا سأل المدعى عليه عن دعوي المدعي: هل عليك الحق الذي ~~ادعاه عليك؟ فقال المدعى عليه: نعم، جاز للقاضي أن [147/أ] ms395 يقول: أقر فلان ~~عندي بكذا، فيكون قوله: "نعم" مقام إقراره بالحق الذي ادعى عليه. # وكذلك إن قرأ الشاهد الكتاب على المشهود عليه، ثم قال له: أشهد عليك بما ~~في هذا الكتاب؟ فقال المشهود عليه: نعم، جاز للشاهد أن يقول: أشهدني فلان ~~على نفسه بكذا، فإذا كان كذلك، وثبت أن يكون قول المقروء عليه الحديث: نعم، ~~بمنزلة إخباره (3) بما قرىء عليه وحدث به. PageV03P979 # ورأيت بخط أبي حفص البرمكي تعليقا على ظهر جزء، فيه "الرد على من انتحل ~~غير مذهب أصحاب الحديث"، قال عبد العزيز: فقال: قراءتك على العالم، وقراءة ~~العالم عليك سواء. # واحتج من قال لا يجوز ذلك: # بأن قول حدثني وأخبرني، ينبغي أن يكون المقروء عليه قد فعل الحديث ~~والإخبار، وإذا لم يوجد منه ذلك، لم يجز للقارئ أن يقول: حدثني وأخبرني. # والجواب: أنا قد بينا أن قوله: "نعم" بمنزلة فعله الإخبار والحديث في ~~الأصول. # واحتج: بأن جوابه في الاستئذان لأن يحدث عنه بنعم، أمر له بالحديث عنه، ~~والأمر لا يكون خبرا عن المأمور به. # والجواب: أنه لا فرق عند هذا القائل بين أن يكون جوابه في الرواية عنه، ~~وبين أن يكون جوابا في الاستفهام عن صحة ما قرىء عليه. # وقد بينا أن الجواب في الاستفهام بنعم، يقوم مقام الخبر به، إذا ثبت في ~~أحد الموضعين أنه خبر وليس بأمر، ثبت في الموضع الآخر، لأن أحدا ما فرق ~~بينهما. # فإن قرأ عليه وهو ساكت لم يقر به، فالظاهر أنه إقرار؛ لأن سكوته مع سماع ~~القراءة رضى منه بما قرأه وأمضاه، فجاز أن يقول: أخبرني وحدثني، كما لو أقر ~~به، والأحوط أن يقول له: هو كما قرأته عليك، أو قرئ عليك؟ فإذا قال: نعم، ~~حدث به عنه. # فإن قال المحدث: أخبرنا فلان فهل يجوز للمستمع أن يروي عنه فيقول: قال ~~حدثنا فلان، فيجعل مكان أخبرنا حدثنا، ومكان حدثنا أخبرنا؟ فيه روايتان: # PageV03P980 # إحداهما: لا يجوز؛ لأنه يحكي عنه خلاف اللفظ الذي سمعه منه. # وقد نص على هذا في رواية حنبل فقال: إذا ms396 قال الشيخ: حدثنا قلت حدثنا، ~~تتبع لفظ الشيخ، إنما هو خبر، ولا تقول لأخبرنا: حدثنا، ولا لحدثنا: ~~أخبرنا، على لفظ الشيخ. # وفيه رواية أخرى: يجوز؛ لأن المعنى فيهما واحد؛ لأن المحدث له هو مخبر له ~~في التحقيق، وكذلك المخبر هو محدث في الحقيقة. # وقد نص على هذا فيما حدثنا به أبو محمد الحسن بن محمد (1) قال: سمعت محمد ~~بن رزق قال: سمعت جعفر بن هارون النحوي يقول: سمعت عبد الله بن أحمد ~~الكسائي قال: سمعت أحمد بن [147/ب] عبد الجبار (2) يقول: سمعت أحمد بن حنبل ~~رحمه الله يقول: حدثنا وأخبرنا واحد. # وهو اختيار أبي بكر الخلال؛ لأنه لما ذكر رواية حدثنا في المنع، قال: قد ~~سهل أبو عبد الله في هذا المعنى على جواز رواية الحديث علي المعني. # فإن قال له: قد أجزت لك أن تروي هذا الحديث عني، أو ما صح عندك من حديثي، ~~جاز أن يقول: أجاز لي فلان، وأخبرني فلان إجازة فيما صح عنده من سماعه، ولا ~~يقول: حدثني ولا أخبرني مطلقا؛ لأنه لم يخبره؛ وإنما أجازه إجازة. # وكذلك إذا ناوله كتابا فيه حديث، وقال له: قد أجزت لك أن PageV03P981 # تؤدي عني ما فيه من الحديث، جاز أن يقول: ناولني فلان، أو أخبرني فلان ~~مناولة. # وكذلك إذا كتب إليه بحديث جاز أن يقول: كتب إلي فلان، أو أخبرني فلان ~~مكاتبة. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا فقال في رواية المروذي: إذا أعطيتك كتابي، ~~وقلت لك: اروه عني، وهو من حديثى، فلا تبال سمعته أو لم تسمعه. # وقال أبو بكر الخلال (1) : أخبرني أبو المثنى العنبري أن أبا داود حدثهم: ~~أن أبا عبد الله قال: لم أسمع من أبي توبة (2) شيئا (3) ، [وإنما] كتب إلي ~~بأحاديث. PageV03P982 # قال أبو بكر الخلال: وكان محمد بن عوف الحمصي (1) يحدثنا كثيرا، فيكثر ~~فيما نسمع منه من المسند خاصة، فيقول: أخبرني أبو ثور (2) في كتابه إلي. # وقال عبد الله: رأيت عبد الرحمن المتطبب (3) جاء الى أبي، فقال: يا أبا ~~عبد الله أخبرني هاذين الكتابين، ms397 فقال له: ضعهما، فأخذهما أبي، فعارض بهما ~~حرفا حرفا، فلما جاء دفعهما اليه، وقال: قد أجزت لك هذه بهذا. # وبهذا قال أصحاب الشافعي. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف -فيما حكاه أبو سفيان عنهما-: لا PageV03P983 # تجوز الرواية بالإجازة والمناولة والمكاتبة، سواء قال حدثني به إجازة أو ~~مناولة أو مكاتبة، أو لم يقل ذلك. # وحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي أنه قال: إن قال الراوي لرجل: قد أجزت ~~لك أن تروي عني جميع ما في هذا الكتاب، فاروه عني، فإن كانا علما ما فيه ~~جاز له أن يروي عنه، فيقول: حدثني فلان، وأخبرني فلان، كما أن رجلا لو كتب ~~صكا، والشهود يرونه، ثم قال لهم: اشهدوا على بجميع ما في هذا الكتاب، جاز ~~لهم إقامة الشهادة عليه بما فيه. # وأما إذا لم يعلم الراوي ولا السامع ما فيه، فإن الذي يجب على مذهبنا: لا ~~يجوز له أن يقول: أخبرني فلان، كما قالوا في الصك، إذا أشهدهم وهم لا ~~يعلمون ما فيه لم تصح الشهادة، وكذلك إذا قال له: قد أجزت لك ما يصح عندك ~~من صك فيه إقراري، فاشهد به على، لم يصح. # قال: وإن علم المكتوب إليه أن هذا كتاب فلان إليه، جاز له أن يقول: ~~أخبرني [148/أ] فلان، يعني الكاتب، ولا يقول حدثنا. ### | دليلنا على جواز الرواية في الإجازة والمناولة والمكاتبة على الوجه الذي ذكرنا: # أنه ليس فيه أكثر من أنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، وهذا لا يمنع ~~الرواية عنه، كما لو قرئ عليه الحديث فأقر به، فإنه لم يوجد منه فعل ~~الحديث، ومع هذا فإنه تصح الرواية عنه، كذلك ها هنا. # فإن قيل: هناك وجد منه ما هو في حكم الحديث، وهو إقراره به. # قيل: إقراره به ليس من فعل الحديث من جهته، وإنما هو إقراره بأنه سماعه، ~~وهذا المعنى موجود ها هنا. # ولأن أمر الأخبار مبنى، على حسن الظن والظاهر، ولهذا قبل فيها # PageV03P984 # العبيد والنساء وقول الواحد، والظاهر من حال الخط أنه صحيح لا يشتبه ms398 ~~[فيه] ، فجازت الرواية به. # واحتج المخالف: # بأنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما هو في حكم الحديث؛ لأنه لم ~~يحدث به، ولا قرئ عليه، فلم يجز أن يقول: حدثني ولا أخبرني. # والجواب: أنه يبطل به، إذا قرئ عليه، فأقر به. # واحتج: بأن الشهادة على الشهادة لا تقبل في مثل هذا؛ لأنه لو كتب شاهدان ~~إلى شاهدين: اشهدا على شهادتنا لم يجز، كذلك الأخبار. # والجواب: أن الأخبار (1) أمرها مبني على حسن الظن. # فإن كانت الإجازة مطلقة لجميع من أراد، جاز. # وقد رأيت ذلك بخط أبي حفص البرمكي، أو بخط والده أحمد بن إبراهيم البرمكي ~~(2) في حاشيه الورقة الأولى من جزء خرجه أبو بكر عبد العزيز ترجمه: "الرد ~~على من انتحل [غير] (3) مذهب أصحاب الحديث"، فقال: سمعت هارون بن موسى (4) ~~وأجازه الشيخ معي جميع PageV03P985 # ما خرج عنه لجميع من أراده، وذلك أن الراوية بالإجازة إنما تصح لما صح ~~عنده من حديثه، وهذا المعنى موجود في المطلقة والمقيدة. # فإن روى حديثا عن غيره فقال: حدثني فلان عن فلان، حمل على أنه سمع ذلك ~~منه من غير واسطة، ويكون خبرا متصلا. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي الحارث وعبد الله: ما رواه الأعمش ~~عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~[ثابت] (1) ، وما رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وداود عن أشعث عن علقمة عن ~~عبد الله، ثابت. # وبهذا قال أصحاب الشافعي. # ومن الناس من قال: حديث العنعنة غير صحيح؛ لأن قول عبد الرزاق عن معمر، ~~يحتمل: أن يكون غير معمر، وهو عنه على ما روى، ولكن لا لأنه سمعه منه. # وهذا غلط؛ لأن الظاهر من حال الراوي إذا قال: حدثني فلان عن فلان، أن كل ~~واحد منهم سمع ذلك من [148/ب] الذي روى عنه من غير واسطة، فإنه لو كان ~~واسطة لذكره وما أدرجه، فحمل الأمر على ذلك، ووجب العمل بالخبر. ### | مسألة # إذا روى صحابي عن صحابي خبرا عن النبي - صلى الله عليه ms399 وسلم -، لزمه ~~العمل به، PageV03P986 # فإن لقي المروي له النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك، لم يلزمه أن ~~يسأله عن الخبر، بل يقتصر على السماع الأول. # وقال بعض الناس: يلزمه أن يسأله عن ذلك. # وهذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث العمال والسعاة ~~والمعلمين والحكام إلى البلاد، وكان الناس يرجعون إلى قولهم ويتعلمون منهم، ~~ويقدمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يسألونه عن شيء من ذلك، بل ~~يقتصرون على ما عرفوه من جهة رسله، فثبت: أنه لا يجب الرجوع إليه ومساءلته. # واحتج المخالف: # بأن لهم طريقا إلى معرفة الحكم من جهة الرسول قطعا، ومعرفته من جهة ~~الصحابي غير مقطوع عليه، فلم يجز ترك القطع والاقتصار على غلبة الظن. # والجواب: أنه ليس يمنع مثل هذا في أحكام الشرع، ألا ترى أن الإنسان يجوز ~~له ترك التوضؤ بالماء من وسط النهر، ويتوضأ من ماء في إناء على طرف النهر. # فصل # فيمن يقع عليه اسم الصحابي # ظاهر كلام أحمد رحمه الله: أن اسم الصحابي مطلق على من رأى النبي عليه ~~السلام، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه الحديث؛ لأنه قال في ~~رواية عبدوس بن مالك العطار (1) : أفضل الناس PageV03P987 # بعد أهل بدر القرن الذي بعث (1) فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ~~ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، فقد أطلق اسم ~~الصحبة على من رآه، وإن لم يختص به. # وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه: أن اسم الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي ~~صلى الله عليه [وسلم] واختص به اختصاص الصاحب بالمصحوب سواء روى الحديث أو ~~لم يروه، وأخذ العلم أو لم يأخذه، فاعتبر تطاول الصحبة في العادة. # وذكر أبو سفيان عن أبي سفيان عمرو بن بحر: أن هذا الاسم إنما يسمى به من ~~طالت صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - واختلاطه به، وأخذ العلم، وهذا ~~القائل اعتبر طول الصحبة ونقل العلم. # وحكى الإسفراييني: أن الصحبة ms400 في العرف: عبارة عمن صحب غيره، فطالت صحبته ~~له ومجالسته معه. ### | ### | دليلنا: # # أن الصحبة في اللغة: من صحب غيره قليلا أو كثيرا، ألا ترى أنه يقال: صحبت ~~فلانا، وصحبته ساعة؟ # ولأن ذلك الاسم مشتق من الصحبه (2) ، وذلك يقع على القليل والكثير، ~~[149/أ] كالضارب مشتق من الضرب، والمتكلم مشتق من الكلام، وذلك يقع على ~~القليل والكثير، كذلك ها هنا. PageV03P988 # ولأنه ليس يحتاج في إطلاق هذا الاسم إلى من قد روى الحديث عنه صلى الله ~~عليه [وسلم] وأخفى العلم عنه؛ لأن جماعة من الصحابة قد امتنعوا من رواية ~~الحديث، ولم يكن ذلك مانعا من إجراء هذا الاسم عليهم. # يبين صحة هذا: أن دواعيهم كانت مختلفة، وكان بعضهم لا يرى الرواية، ~~وكانوا يؤثرون الاشتغال بالجهاد على الرواية. # قال السائب بن يزيد: صحبت سعد بن أبي وقاص زمانا، فما سمعت منه حديثا، ~~إلا أني سمعته ذات يوم يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ~~يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل ~~والراعي) . # وكذلك أخذ العلم منه لا يكون شرطا في استحقاق هذه التسمية؛ لأن من اختص ~~بغيره فإنه يطلق عليه أنه صاحب فلان، وان لم يأخذ منه العلم. # واحتج المخالف: # بأن عادة الأمة جارية بإطلاق هذا الاسم على من اختص بالنبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ، والمنع من إطلاقه على من لم يختص به، وإن كان قد رآه وسمع ~~منه، كمن ورد عليه من الوفود والرسل (1) ومن يجري مجراهم، وإذا كان كذلك ~~وجب أن يكون هذا الاسم جاريا على من اختص به الاختصاص الذي ذكرناه. # ويبين صحة هذا: أن العالم إذا كان له أصحاب يصحبونه ويلازمونه كانوا هم ~~أصحابه، وإن كان في البلد من يلقاه ويستفتيه، فلا يكون من أصحابه، كذلك ~~النبي صلى الله عليه [وسلم] أصحابه من صحبه دون من لقيه مرة. # والجواب: أن من يرد عليه من الوفود والرسل إن كانوا مؤمنين به ~~PageV03P989 # انطلق عليهم الاسم، وإن كانوا كفارا لم ينطلق عليهم الاسم؛ لأنهم ms401 غير ~~تابعين له. # وأما من صحب غيره من العلماء على وجه التبع له في العلم ينطلق عليه الاسم ~~وإن قل، ويقال: فلان صاحب فلان، وكذلك من صحب فلانا يوما على وجه الخدمة، ~~يقال: هذا صاحب فلان، وأما من مشى معه في الطريق إذا استفتاه، فلا ينطلق ~~عليه الاسم؛ لأنه لم يحصل تابعا له في صحبته. # ومن كان في وقت النبي صلى الله عليه [وسلم] كان تابعا له، فأما من يجوز ~~الإخبار عنه بأنه صحابي، فهو من يخبر عنه الصحابي. # وحكى أبو سفيان عن بعض شيوخه: أنه لا يجوز الإخبار عنه بأنه صحابي إلا ~~بعد أن يقع لنا العلم بذلك، إما اضطرارا أو اكتسابا. ### | دليلنا: # أنه لو أخبر عن نفسه بأنه صحابي، قبل منه باتفاق منا ومن هذا القائل، ~~فإذا أخبر عن غيره، يجب أن يقبل منه. # يبين صحة الجمع بينهما: أن [149/ب] فسقه لما كان مانعا من قبول خبره بذلك ~~عن نفسه، كان فسق غيره مانعا من قبول خبره. # ولأنه لما وجب العمل بخبر الواحد، كذلك جاز الحكم بخبر الواحد في إثبات ~~الصحبة. # وذهب المخالف إلى أنه لا يجوز لنا أن نخبر فلانا من أن يكون الخبر عنه ~~كذبا، كما لا يجوز لنا أن نخبر بالكذب، فإذا كان كذلك وكنا لا نأمن في ~~الإخبار عن زيد بأنه صحابي، أن يكون حديثا كذبا، وجب أن لا يجوز لنا ~~الإخبار بذلك عنه. # والجواب: أن هذا موجود في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبر ~~الواحد، فإنا نجوز أن يكون كاذبا فيه، ومع هذا يجب العمل بخبره، كذلك ها ~~هنا، # PageV03P990 # ويلزم عليه أيضا إخباره عن نفسه، فإن أخبرنا عن نفسه بأنه صحابي، جاز ~~قبول خبره، كما يقبل خبر غيره. # وحكي عن بعض الناس: أنه لا يقبل خبره، وإنما يعمل على خبر غيره. ### | ### | دليلنا: # # أنه لما قبل خبر غيره عنه بأنه صحابي، كذلك يجوز قبول خبره عن نفسه بذلك. # يبين صحة هذا وتساويهما: أن العدالة معتبرة فيما يخبر غيره عنه، وفيما ~~يخبر ms402 هو عن نفسه. # فإن قيل: لا يمتنع أن يقبل قول غيره له، ولا يقبل قوله لنفسه، كما تقبل ~~شهادة غيره له، ولا يقبل إقراره لنفسه؛ لأنه يجر إلى نفسه منفعة، وهذا ~~موجود ها هنا. # قيل: هذا لا يمنع خبره لنفسه، ألا ترى أن من روى خبرا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل منه وإن كان نفعه يعود بالمخبر؟ كذلك قوله: أنا صحابي ~~لا يمنع، وإن عاد نفعه إليه ويفارق هذا الشهادة والدعوى؛ لأن حصول النفع ~~يمنع قبول ذلك. # وأيضا: فإن العقل لا يمنع من قبول خبره بذلك، والسمع لم يرد بالمنع، فجاز ~~قبوله. ### | مسألة # (1) # إذا قال الصحابي: من السنة كذا، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ~~من السنة أن لا يقتل حر بعبد (2) . اقتضى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. PageV03P991 # وكذلك إذا قال التابعي: من السنة كذا، كان بمنزلة المرسل، فيكون حجة على ~~الصحيح من الروايتين، كما قال سعيد بن المسيب: من السنة إذا أعسر الرجل ~~بنفقة امرأته أن يفرق بينهما (1) . # وكذلك إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فإنه يرجع إلى أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه. # وكذلك إذا قال: رخص لنا في كذا. # وقد نقل أبو النضر العجلي عن أحمد رحمه الله: في جراحات النساء مثل ~~جراحات الرجال. حتى تبلغ الثلث، فإذا زاد فهو على النصف من جراحات الرجل، ~~قال: هو قول [150/أ] زيد بن ثابت (2) ، وقول علي PageV03P992 # كله على النصف (1) . قيل له: كيف لم تذهب إلى قول علي؟ قال: لأن هذا ~~-يعني قول زيد- ليس بقياس، قال سعيد بن المسيب: هو السنة (2) . # وهذا يقتضي أن قول التابعي: من السنة، أنها سنة النبي صلى الله عليه ~~[وسلم] ؛ لأنه قدم قوم زيد على قول علي؛ لأنه وافق قول سعيد: إنما هي ~~السنة، وبين أنه ليس بقياس. # وقد رأيت بعض أصحابنا، ويغلب على ظني أنه أبو حفص البرمكي (3) ذكره في ~~مسائل البرزاطي (4) ، لما روى الحديث عن ابن عمر أنه قال: PageV03P993 # مضت السنة أن ما ms403 أدركت الصفقة حيا (1) مجموعا فهو من مال المبتاع (2) ، ~~فقال بعد هذا: صار الحديث مرفوعا بقوله: مضت السنة، ويدخل في المسند (3) . # واختلف أصحاب أبي حنيفة في ذلك: فحكى أبو سفيان عن أبي بكر الرازي: أنه ~~لا يضيف ذلك، وحكى عن غيره من أصحابه: أنه يضاف إلى النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] . # واختلف أصحاب الشافعي أيضا: فذهب الصيرفي (4) إلى أنه لا يضاف إلى النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ، وذهب غيره: إلى أنه يضاف إليه. ### | دليلنا: # أن السنة المطلقة في أحكام الشرع ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإذا أطلق وجب رجوع ذلك إليه؛ لأنه إذا أريد بها سنة غيره فإنها لا ~~تطلق، بل تضاف إلى صاحبها. # يبين صحة هذا: أن الناس يقولون: عليكم بالقرآن والسنة، فلا يعقلون من ذلك ~~إلا اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV03P994 # ولأن إطلاق الأمر في الشريعة يرجع إلى صاحب الشريعة، ولهذا كان أنس بن ~~مالك يقول: أمر بلال (1) أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (2) ويحدث به هكذا، ~~ولا يقول له أحد: من الآمر به؟ فدل على ما قلناه. PageV03P995 # وكذلك عبد الله بن عمر قال: رخص للمتمتع في صيام أيام التشريق (1) ولا ~~يقول أحد: من رخص للمتمتع في صيامها (2) ؟ # وقد احتج بعضهم في ذلك: # بأن الأمر إنما يحسن لكون المأمور به مصلحة، توجب أن يكون في إضافته إلى ~~من يعلم المصالح أولى من إضافته إلى من لا يعلم، والرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] أعلم بذلك دون غيره. # واحتج المخالف: # بأن الأمر والنهي والسنة لا يختص بالنبي دون غيره، قال تعالى: (أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (3) فأمر باتباع أمر الولاة، كما ~~أمر باتباع أمره عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه [وسلم] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من [150/ب] سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم ms404 القيامة) ، فأثبت لغيره سنة كما أثبت ذلك لنفسه. # وكذلك روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جلد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في PageV03P996 # الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة (1) . # فسمى رأيهم في أيام عمر سنة. # والجواب عن قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم) : يحتمل ما أخبروا به عن الله ~~عز وجل ورسوله [- صلى الله عليه وسلم -] . # وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) ~~يحتمل ما رووه عن النبي صلى الله عليه [وسلم] ، فكأنه قال: عليكم ما ~~سمعتموه مني، وبما حدثكم به خلفائي عني. # وكذلك قوله: (من سن سنة حسنة) معناه: ما رواه عن النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] . # وقوله: (ومن سن سنة سيئة) فليس شيئا مما نحن فيه؛ لأن خلافنا في السنة ~~الشرعية، والسيئة ليست بشرعية، فلا يتناولها الإطلاق. # وجواب آخر وهو: أن الخلاف في إطلاق السنة، وها هنا مقيدة منسوبة إلى ~~الخلفاء إلى غير النبي [صلى الله عليه وسلم] . # وأما قول علي: "وكل سنة"، فهو أنا نحمله على سنة النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] ؛ لأن الزيادة عندنا حد، وقد ثبت الحد بالسنة، وقال علي ابن أبي طالب ~~لقنبر: ما إخال أن أحدا يعلمنا السنة، وأراد منه النبي صلى الله عليه ~~[وسلم] . PageV03P997 ### | ### | مسألة # (1) # إذا قال الصحابي أو التابعي: كانوا يفعلون كذا، حمل ذلك على الجماعة دون ~~الواحد منهم. وهو قول أصحاب أبي حنيفة. # وذلك نحو قول عائشة رضي الله عنها: كانوا لا يقطعون في الشيء، التافه (2) ~~. # وقول إبراهيم النخعي: كانوا يحذفون التكبير حذفا. فيكون هذا عن جماعتهم؛ ~~لأن الصحابي والتابعي إذا قال: كانوا يفعلون كذا، فإنما يقول ذلك على وجه ~~الدلالة على صحة ما فعلوا، فإذا كان كذلك، وكانت الجماعة التي فعلها وقولها ~~حجة، هي الأمة وجب أن يكون قول القائل منهم راجعا إليهم. # فإن قيل: يجوز أن يكون المراد به فعل بعض الصحابة؛ لأن فعل بعضهم يكون ~~حجة. # قيل: الواحد لا يقع عليه اسم الجماعة. PageV03P998 # فإن قيل: فيجب ms405 أن لا يسوغ خلاف ذلك؛ لأنه حينئذ يكون خلاف الإجماع، فلما ~~ساغ، دل على أن ذلك لم يقتض الإجماع. # قيل: إنما سوغنا الخلاف فيما هذا سبيله، لأنا نعلم أنهم أجمعوا عليه، ~~وإنما استدللنا عليه بخبر الواحد، وخبر الواحد لا يوجب العلم بما تضمنه. ### | ### | مسألة # # إذا قال الصحابي: [151/أ] قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : كذا ~~وكذا، حكم بأنه سمع ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويصير كما لو ~~قال: سمعت رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، أو حدثني رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] . # وحكي عن أبي بكر ابن الباقلاني قال: لا أحكم بأنه سمع ذلك منه، بل يجوز ~~أن يكون بينهما واسطة. ### | دليلنا: # أنه لما قال [قال] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا، أضاف ~~القول إليه، وقطع على أنه قال، والظاهر من حال الإنسان أنه لا يقطع على ~~الشيء ويطلقه إلا بعد أن يتحققه ويسمعه شفاها من قائله، فوجب حمل الأمر على ~~ذلك، والحكم به. # واحتج المخالف: # بأنه قد يخبره بذلك العدد الكبير: فيقطع عليه، وإن لم يسمعه منه. # والجواب: أنه لو كان كذلك لكان بين الواسطه، ولا يطلق إضافة القول إليه، ~~فلما أطلق كان الظاهر سماعه منه. # PageV03P999 ### | مسألة # إذا قال الصحابي: أمر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، بكذا، ونهى رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] عن كذا، أو قال: فرض رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] كذا، أو أباح، أو حرم، فإن الحكم يثبت بذلك ويحكم به بالأمر والنهي. # وقد احتج أحمد رحمه الله على فرض زكاة الفطر: بقول ابن عمر: فرض رسول ~~الله (1) [صلى الله عليه وسلم] . # وحكى عن القاضي أبي الحسن الجزري (2) أنه قال: مذهب داود: أن لا يثبت ~~بذلك، ولا يحكم به. PageV03P1000 # وحكى عن ابن بيان القصار خلاف هذا، وكان على مذهب داود وأنكر ذلك، وقال: ~~يجوز الاحتجاج به. ### | دليلنا: # أن تصديق الراوي واجب فيما ينقله ويرويه، فإذا قال: زنى ماعز فرجمه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم ms406 -، وسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد، ~~وجب تصديقه، ويكون بمنزلة قوله - صلى الله عليه وسلم - زني ماعز فرجمته، ~~وسهوت فسجدت، فإذا كان كذلك وجب أن يكون قوله: أمر رسول الله [صلى الله ~~عليه وسلم] ، ونهى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] بمنزلة قوله صلى الله ~~عليه [وسلم] : أمرتكم ونهيتكم، وقد كان النبي صلى الله عليه [وسلم] يقول ~~مثل ذلك، فروي عنه صلى الله عليه [وسلم] أنه قال: (آمركم بأربع، وأنهاكم عن ~~أربع) (1) . PageV03P1001 # ويدل عليه أن الصحابة اقتصروا على هذا اللفظ، وعولوا عليه، واحتجوا به، ~~ولا يجوز في حقهم أن يعولوا على ما لا تقوم به الحجة. من ذلك قولهم: أمر ~~رسول الله صلى الله عليه [وسلم] برجم ماعز ورجم الغامدية، وأمر بالمضمضة ~~والاستنشاق، وقول ابن عمر: كنا لا نرى بالمخابرة بأسا، حتى أخبرنا رافع بن ~~خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة، فترك القول ~~بالمخابرة بما نقل عنه من قوله: نهى عن المخابرة، فلولا أن الحجة تقوم به ~~لم يرجعوا إليه. # ويدل [151/ب] عليه قول موسى لقومه: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (1) ~~وقد أظهر من إعناتهم واستفهامهم وكثرة سؤالهم ما قد اشتهر، ولم يقولوا ~~لموسى: عرفنا ما يأمر الله لنقف على لفظه، فدل على أنه يستغنى بذلك عن ذكره ~~ما بين أمره ولفظه. فإن قيل، ليس قولهم مما يجب الانقياد إليه. # قيل: قد لزم ذلك، ألا ترى أنهم لما سألوا أي بقرة هي أجابهم وإن كان ذبح ~~ما يقع عليه الاسم يجزئ، فلولا أنه يجب الانقياد (2) ، لم يحسن التوقيف فيه ~~ولا الجواب عنه. # ويدل عليه أنه قد ثبت من مذهب الصحابة: أن ما تنازعوا في مفهومه نقلوا ~~لفظه، ولم يقتصروا على ما أمر النبي صلى الله عليه [وسلم] . PageV03P1002 # من ذلك: ابن عمر لما روى أن النبي صلى الله عليه [وسلم] قال: (المتبايعان ~~بالخيار ما لم يتفرقا) ، ثم بين اعتقاده: أنه افتراق الأبدان. # وكذلك عمر في قوله: [هاء وهاء] وكذلك قول أبي هريرة في الولوغ. ms407 # ويدل عليه: أن المجمعين إذا أجمعوا على شيء من طريق الحجة، نقلوا إجماعهم ~~في الفتيا، ولم ينقلوا الحجة؛ لأنهم قد علموا أن الإجماع تقوم به الحجة، ~~فاستغنوا عن نقل ما به أجمعوا. # ويدل عليه: أن الصحابة إذا قالت: أخبر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ~~ثبت، ولم نطالبه بما قد علم الخبر، كذلك الأمر؛ لأنهم يعلمون ما به يعلم ~~الخبر، والأمر في اللغة والشرع، وفي الخبر خلاف، كما في لفظ الأمر على قول ~~الواقفة للاحتمال. # ويدل عليه: أن الصحابة من أهل الفصاحة، وقد شاهدوا التنزيل وحضروا ~~التأويل، فإذا رووا عن النبي [صلى الله عليه وسلم] أنه أمر ونهى وجب أن ~~يحمل ذلك على حقيقته، ولا يكون ### | ....... # (1) عرف بذلك منهم. # واحتج المخالف: # بأن الناس اختلفوا في الأمر، فمنهم من قال: هو الإيجاب، ومنهم من قال: ~~الندب والإيجاب جميعا أمر، ومنهم من قال: الإباحة أيضا مأمور بها (2) ، ~~وإذا كان كذلك، وجب نقل لفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والجواب: أن قوله: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتضي إطلاقه ~~أمرا مطلقا، PageV03P1003 # والأمر المطلق من النبي - صلى الله عليه وسلم - يقتضي الوجوب، وإنما يصرف ~~عنه إلى الندب بدليل. # جواب آخر: هو أنه معرفتهم (1) بذلك أكثر من معرفتنا، فإذا سمعوا ما لا ~~تنازع فيه نقلوه، وما كان فيه نزاع بينوه، بدليل ما قدمنا من قول ابن عمر ~~في الافتراق. ### | مسألة # (2) # إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد أحدهم بزيادة لا تخالف المزيد ~~عليه. # مثل أن يقولوا: إن النبي صلى الله عليه [وسلم] دخل البيت، وانفرد أحدهم ~~بزيادة، فقال: [152/أ] دخل البيت وصلى، ثبتت تلك الزيادة بقوله، كالمنفرد ~~بحديث مفرد عنهم. # وهكذا لو أرسلوه كلهم، فرفعه واحد إلى النبي صلى الله عليه [وسلم] يثبت ~~مسندا بروايته. # وهكذا لو وقفوه كلهم على صحابي، فرفعه واحد منهم إلى النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ، ثبت هذا المرفوع، ولم يرد. # وقد نص أحمد رحمه الله على الأخذ بالزائد في مواضع: # فقال أحمد بن القاسم (3) : سألت أبا عبد ms408 الله رحمه الله عن PageV03P1004 ### | مسألة في فوات الحج # ، فقال: فيها روايتان: إحداهما: فيها (1) زيادة دم، قال أبو عبد الله: ~~والزائد أولى أن يؤخذ به (2) ، قال: ومذهبنا في الأحاديث: إذا كانت الزيادة ~~في أحدهما، أخذنا بالزيادة. # ونقل الميموني عنه أنه قال: نقل أن النبي صلى الله عليه [وسلم] دخل ~~الكعبة ولم يصل (3) ، ونقل [أنه] صلى (4) ، فهذا يشهد أنه صلى. وابن عمر ~~يقول: لم يقنت في الفجر (5) ، وغيره يقول: قنت (6) ، PageV03P1005 # فهذه شهادة عليه أنه قنت. وحديث أنس: لم يأن لرسول الله صلى الله عليه ~~[وسلم] أن يخضب (1) ، وقوم يقولون: قد خضب (2) ، فهذه شهادة على الخضاب، ~~فالذي شهد على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو أوكد. وبهذا قال جماعة ~~الفقهاء والمتكلمين. PageV03P1006 # وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن ما انفرد به الواحد منهم كان مردودا، ~~وهذا أبدا في كتبهم: تفرد به فلان وحده، يعنون الرد بذلك. # وقد روي عن أحمد رحمه الله نحو هذا في رواية الأثرم وإبراهيم ابن الحارث ~~والمروذي: إذا تبايعا فخير أحدهما صاحبه بعد البيع، فهل يجب؟ فقال: هكذا في ~~حديث ابن عمر، قيل له: أتذهب إليه؟ قال: لا أنا أذهب إلى الأحاديث الباقية، ~~الخيار لهما ما لم يتفرقا، ليس فيها شيء من هذا. # فقد اطرح رواية ابن عمر بزيادتها؛ لأن الجماعة ما نقلوها، وإنما تفرد بها ~~ابن عمر. # وقال في رواية أبي طالب: كان الحجاج بن أرطاة من الحفاظ، قيل له: فلم هو ~~عند الناس ليس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، ما يكاد له ~~حديث إلا فيه زيادة. ### | دليلنا: # أن الجماعة إذا نقلت حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة لا تخالف المزيد ~~عليه، كان كالمنفرد بحديث سواه ولو انفرد بحديث سواه كان مقبولا فوجب أن ~~تقبل هذه الزيادة. # فإن قيل: فقد رد أحمد رحمه الله مثل هذا، فإنه روى أن النبي صلى الله ~~عليه [وسلم] قال: (من اعتق شركا له في عبد، قوم عليه نصيب شريكه، ثم يعتق) ~~(1) ، فانفرد سعيد بن PageV03P1007 # أبي عروبة (1) فروى: (من أعتق ms409 شركا له في عبد، استسعى العبد غير مشقوق ~~عليه) ، فقال أحمد رضي الله عنه في رواية الميموني في حديث أبي هريرة في ~~الاستسعاء (2) : يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة PageV03P1008 # وهشام (1) الدستوائي (2) فلم يذكروا، لا أذهب إلى الاستسعاء. # [152/ب] فقد امتنع من الأخذ بها. # قيل: هذا باب آخر، وهو أن الزيادة تخالف المزيد عليه، فيكون كأنه تفرد ~~بضد ما نقلته الجماعة، فينتقل الكلام إلى جنس آخر، وهو أن تقدم ما كثرت ~~رواته على ما قلت رواته، وكذلك فيما نقل عن النبي عليه السلام في زكاة ~~الفطر، نصف صاع من بر (3) ، وروي صاع من PageV03P1009 # بر (1) فهذه الزيادة تخالف المزيد عليه، فيقدم أحدهما بكثرة الرواة، فأما ~~في خبرنا فلا يخالف المزيد عليه، فلهذا قبلناه. # فإن قيل: فهذا الواحد قد يسهو، إذ لو كان صحيحا لسمعوا كما سمع، ونقلوا ~~كما نقل، فلما لم ينقلوا ثبت أنه سهو. # قيل: النبي صلى الله عليه [وسلم] قد يكرر الأصل مرارا فيضبط، ويذكر ~~الزيادة مرة فيضبطها واحد، وقد تنسى الجماعة ويذكره هو وحده وقد تنصرف ~~الجماعة قبل إكماله الحديث. ويثبت هو حتى يكمله فينفرد بالزيادة. # وأيضا: فان الخبر كالشهادة وكل شهادة خبر، وليس كل خبر شهادة، ثم ثبت أنه ~~لو شهد ألف على إقراره بألف، وشهد شاهدان على إقراره بألفين، ثبتت الزيادة ~~بقولهما، وإن كانا قد انفردا عن الجماعة، كذلك في الخبر مثله. # فإن قيل: يجوز أن يقر مرتين. # قيل: ويجوز أن يقوله النبي [صلى الله عليه وسلم] مرتين. # ولأنه لا خلاف أن القرآن نقل نقلا متواترا، وانفرد الشواذ لما خالفوا فيه ~~الجمهور، كقراءة ابن مسعود وأبي، فنقل كل واحد، ولم ينكر [و] ه، ولم يقولوا ~~لما انفرد بالزيادة كان كل مردودا، كذلك الخبر مثله. PageV03P1010 # ولأن الواحد إذا انفرد بالزيادة غلب على الظن صدقه، فإنه لا ينقل إلا ما ~~سمعه وعرفه، والجماعة إذا لم ينقلوا جاز أن يحمل ذلك على سهو ونسيان، وذلك ~~يجوز عليهم، ولا يجوز على الواحد الثقة نقل ما لم يسمعه، فوجب أن يقبل قوله ms410 ~~فيما تفرد به. # واحتج المخالف: # بأنه إذا نقله الكل وانفرد واحد بالزيادة، كان ما تفرد به سهوا، لأنهم ما ~~حفظوه حين قاله النبي [صلى الله عليه وسلم] مرارا سمعوه كلهم فلو كان ما ~~تفرد به صحيحا لقال الزيادة، كما قال المزيد عليه، ولو قال سمعوه كما سمع ~~ونقلوه كما نقل. # والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه يجوز أن يكون نسوا وسهوا، وذكر هو، وسمعوا ~~بعض الحديث، وسمع هو جميعه. # ويحتمل أن يكون أحدهم أقرب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآخر ~~أبعد، فسمع لقربه ما خفي على الأبعد. # ولأنه يبطل بالشهادة على الإقرار، إذا انفرد بعضهم بالزيادة. # واحتج: بأن الأصل متحقق والزيادة مشكوك فيها؛ فلا تترك الحقيقة بالمشكوك ~~فيه. # والجواب: أنا لا [153/أ] نسلم أنها مشكوك فيها؛ لأن غالب الظن فيه الصدق ~~فيما تفرد به للاحتمال الذي ذكرنا. # ولأنه يبطل بالشهادة، ويبطل به إذا انفرد بخبر، عمل عليه [و] لا يقال: ~~كيف نقل هذا؟ وحفاظ الصحابة وعلماؤهم ما نقوله. # واحتج: بأنه إذا خالف الكل هنا انفرد، فقد خالف أهل الصنعة، فكان ما نقله ~~كل مردودا، كخبر الواحد إذا خالف الإجماع يرد، لأنه خالف أهل الصنعه. # PageV03P1011 # والجواب: أنه ما خالفهم، لأنه واحد منهم، وإنما خالف بعض أهل الصنعة، ~~وليس هذا كالإجماع، لأنه خالف الكل فلهذا ترك. # ولأن خبر الواحد يسقط بالإجماع، لأنه في ضد ما أجمعوا عليه وهاهنا ما ~~خالف ما نقلوا، بل نقل ما نقلوا، بل لو خالف ما نقلوا رجحنا بكثرة الرواة. # واحتج: بأن الراوي قد يفسر الحديث فيتأوله، فيسمعه بعض الرواة مطلقا ~~فيرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كثير، روي عن ابن عباس وأبي ~~هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يغسل الإناء من ولوغ الكلب ~~سبعا) (1) ، وقال أبو هريرة وابن عباس: "والهر" (2) . PageV03P1012 # وروي ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام قبل أن ~~يستوفى، قال ابن عباس: ولا أحسب غير الطعام الا كالطعام (1) فأدرجه بعض ~~الرواة، فرفعه للنبي - صلى الله ms411 عليه وسلم -. # وهكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا زادت الإبل على مائة ~~وعشرين استؤنفت الفريضة) (2) ، قال الراوي: في كل خمس شاة، فأدرجه بعض ~~الرواة فرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV03P1013 # فإذا كان هذا جاريا معتادا، وجب التوقف في الزيادة التي انفرد بها لئلا ~~يكون في هذا المعنى. # والجواب: أنه قد يدرج الراوي ما يفسره الصحابي، ولكن الظاهر إذا قال: قال ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أنه كله مضاف إلى الرسول (1) [صلى الله ~~عليه وسلم] ، مسموع منه، منقول كله عنه، حتى يبين خلاف هذا، فلا يترك ~~الظاهر من الحال بأمر متوهم مظنون. # واحتج: بأن مقومين لو قوموا المتلف بدرهم، وقوم آخران بدرهمين لكان، ~~الواجب هو الأقل ولم تجب الزيادة، كذلك ها هنا. # والجواب: أن شهادتهما متعارضة في الزيادة؛ لأنهم قد اتففقوا على ~~PageV03P1014 # صفه المتلف واختلفوا في قدر القيمة بالسعر القائم في السوق فوجب (1) أن ~~يكون اللذان أثبتا الزيادة واللذان نفيا الزيادة مخطئين. # وقيل فيه: بأن من قومه بدرهم يقول: عرفت صفة المتلف وسعر السوق في وقت ~~الإتلاف، فكانت قيمته درهما، ومن قومه بدرهمين (2) يقول: عرفت تلك الصفة ~~بعينها وسعر [153/ب] السوق، تعارضت شهادتهما في الزيادة، فلم تثبت، وليس ~~كذلك رواية من لم يروا الزيادة؛ لأنه لا ينفيها على ما ذكرت. ### | مسألة # إذا سمع خبرا، فأراد أن ينقل بعضه ويترك بعضه، نظرت، فإن كان بعض متعلقا ~~ببعض، بحيث إذا ترك البعض أخل ببعض حكم المنقول، لم يجز ذلك. # وإن كان لا يتعلق به، بل كان يشتمل علي حكمين، لا يتعلق أحدهما بالآخر، ~~كان له نقل أحد الحكمين وترك الآخر؛ لأنه إذا كان بعضه متعلقا ببعض كان ترك ~~بكل بعضه تغييرا لخبر الرسول [صلى الله عليه وسلم] وزوال المقصود، ولا يجوز ~~ذلك، وإذا اشتمل على الحكمين منفردين حصل بمنزلة حديثين منفردين، ومن كان ~~عنده خبران جاز أن يروي أحدهما دون الآخر. # وقد نص أحمد رحمه الله على جواز ذلك، فقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد ~~الله أسأله عن ms412 تقطيع الأحاديث، إذا أراد الرجل منه كلمة والحديث طويل، ~~فقال: إذا كان يحتاج من الحديث إلى حرف، يريد أن PageV03P1015 # يقتصر لطوله، فأرجو أن لا يكون عليه شيء، قال: ورأيت أبا عبد الله قد ~~أخرج أحاديث، أخرج منها حاجته من الحديث وترك الباقي، يخرج من أول الحديث ~~شيئا، ومن آخره شيئا، ويدع الباقي. # وذكر الأثرم في كتاب "العلل" قال: ذكر أبو عبد الله حديث طلق ابن علي في ~~المسكر الذي ذكر فيه: لا يشربه رجل ابتغاء لذة سكر، ربما يذكر (1) ذكت هذه ~~الكلمة: ابتغاء لذة سكر (2) ، مخافة أن يتأولوها على غير تأويلها، ونقل ~~هذا. # ونقلت من مسائل إسحاق بن إبراهيم من باب الرأي والعلم، قال: سألتة عن ~~الرجل يسمع الحديث، وهو إسناد واحد، فيقطعه ثلاثة أحاديث قال: قال: لا ~~يلزمه كذب، وينبغي أن يحدث كما سمع فلا يغيره. # قال أبو بكر الخلال: قد حكى اختصار الحديث عن أبي عبد الله جماعة، وبين ~~عنه أبو الحارث، وذكر عنه الفضل بن زياد وأبو أمية الطرسوسي (3) اختصارا لا ~~يكون شيء أبين ولا أحسن اختصارا (4) من PageV03P1016 # حديث الإسراء وحديث النعمان بن بزرج (1) ، وهذان الحديثان كل (2) واحد ~~منهما في أوراق. # وحكى أبو بكر في الباب حكاية فقال: أخبرنى يزيد بن عبد الله الأصفهاني ~~(3) قال: سمعت إسماعيل بن محمد الغزال (4) من حملة العلم قال: سمعت نعيم بن ~~حماد (5) يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال لي: أنت ~~الذي تميز حديثي؟ فقلت: إن حديثك ربما دخل في أبواب، فسكت عني. ~~PageV03P1017 # وذكر أبو بكر الخلال في باب غسل الحائض من كتاب "العلل" عن المروذي، وذكر ~~لأحمد حديث ابن أبي شيبة (1) عن وكيع (2) ، كأنه اختصره، فقال: ويحك، يحل ~~له أن يختصر؟ قال أبو بكر [154/أ] الخلال: أبو عبد الله لا يرى بأسا ~~باختصار الحديث وابن أبي شيبة اختصر في غير موضع الاختصار. # واختلف الناس في هذا، فمن قال: لا يجوز نقل الحديث على المعنى وعلى ~~الراوي نقل لفظه بعينه قال ها هنا: لا يجوز أن ينقل بعضه ms413 (3) ويترك بعضه. # واحتج بما تقدم من قوله: (رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها ~~كما سمعها) . PageV03P1018 # ومن قال: يجوز نقل الحديث على المعنى، قال ها هنا: يجوز على الصفة التي ~~ذكرناها، والكلام في هذا الأصل قد تقدم. # وقد أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال بإسناده عن نعيم بن حماد قال: ~~رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فقال لي: أنت الذي تقطع ~~حديثي؟ قال: قلت يا رسول الله: إنه يبلغنا الحديث عنك فيه ذكر الصلاة وذكر ~~الصيام وذكر الزكاة، فيجعل ذا في ذا وذا في ذا؟ قال: نعم إذن. # فصل (1) # في ترجيحات الألفاظ # إذا تعارض لفظان من الكتاب والسنة، فلم يمكن الجمع بينهما، أو أمكن الجمع ~~بينهما من وجهين مختلفين، وتعارض الجمعان، وجب تقديم أحدهما على الآخر بوجه ~~من وجوه الترجيح التي أذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإنما وجب ~~التقديم بالترجيح؛ لأنه يدل على قوته، ويجب تقديم الأقوى، وإذا ثبت هذا ~~فالترجيح يقع تارة بما يرجع إلى إسناد الخبر، وتارة إلى متنه، وتارة إلى ~~غيرهما. # فأما ما يرجع إلى الإسناد فمن وجوه: # أحدها: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة، فيجب تقديمه. # وقد قال أحمد رحمه الله في رواية الأثرم فيما روي عن علي رضي الله عنه في ~~امرأة المفقود، هي امرأته حتى يعلم أحي أم ميت (2) ؟ فقال: PageV03P1019 # أبو عوانة (1) تفرد بهذا، لم يتابع عليه. # وقال أيضا في رواية الميموني، وقد ذكر له حديث بلال بن الحارث (2) في فسخ ~~الحج لنا خاصة (3) ،: لو عرف بلال أن أحد عشر رجلا من PageV03P1020 # أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يروون ما يروون (1) [من الفسخ] ، أين ~~يقع بلال بن الحارث؟ (2) . # وبهذا قال أصحاب [الشافعي] . # واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب الجرجاني وأبو سفيان السرخسي إلى أنه يرجح ~~بكثرة الرواة. # وحكى أبو سفيان عن الكرخي: أنه لا يرجح بذلك. ### | دليلنا: # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يرجع إلى قول ذي اليدين ~~حتى أخبره بذلك غيره، فرجع إلى قولهم، ms414 وكذلك أبو بكر الصديق لما روي له ~~المغيرة: أن النبي صلى الله عليه [وسلم] . أطعم الجدة السدس، فطلب ~~PageV03P1021 # أبو بكر الزيادة، فشهد له محمد بن مسلمة، فقضى به، فدل على أن للزيادة في ~~العدد قوة في [154/ب] العمل بالخبر. # ولأن الشيء بين الجماعة الكثيرة أحفظ منه بين الجماعة اليسيرة، ولهذا قال ~~الله تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (1) فإذا كان كذلك كان ~~خبر الجماعة أولى بالحفظ والضبط. # ولأن خبر لأعلم الأتقن أولى بالتقديم عندهم؛ لأن مع الأعلم من الضبط ما ~~ليس مع غيره، كذلك يجب تقديم خبر الجماعة لهذا المعنى. # ولأن الخبر إذا كان أكثر رواة، فهو أقرب إلى الصواب وأبعد من الخطأ، ~~وأشبه بالثواب، فوجب تقديمه والأخذ به. # ولأن كثرة العدد لها تأثير (2) في إيجاب العلم؛ لأن المخبرين إذا بلغوا ~~عددا مخصوصا وقع العلم بمخبرهم، وإذا كانت كثرة العدد طريقا إلى العلم، وجب ~~أن يكون الخبر الذي حصلت هذه المزية له أقوى من الخبر الذي لم يحصل فيه ~~ذلك. # ولأن كثرة وجوه الشبه لما كانت موجبة لقوة ما يثبت من طريق الشبه وجب أن ~~يكون كثرة رواة الخبر موجبا لقوة ما ثبت بالخبر؛ لأن طريق الحكم بالقياس هو ~~من جهة السنة، كما أن الحكم بالخبر هو من جهة الخبر. # واحتج المخالف: # بأن خبر الواحد وخبر الجماعة التي لا يقع بها العلم سواء؛ لأن طريق كل ~~واحد منهما غلبة الظن. PageV03P1022 # والجواب: أن خبر الجماعة أقوى في الظن، فكان تقديم الأقوى أولى، ويبطل ~~بكثرة وجوه الشبه في أحد القياسين. # واحتج: بأن شهادة الشاهدين وشهادة الأربعة فأكثر سواء، ولا فرق بينهما، ~~كذلك خبر الواحد وخبر الجماعة يجب أن يكونا سواء. # والجواب: أن الشهادة مخالفة للخبر؛ لأن شهادة الأعلم والأتقن وشهادة ~~غيرهما سواء، والخبر يرجح بعلم الراوي وإتقانه. # ولأن العدد في الشهادة منصوص عليه، فكان ذلك وما زاد سواء، وليس كذلك ~~الخبر، فإنه منصوص على العدد فيه، فكان الأكثر في العدد أولى؛ لأنه أقوى في ~~الظن. # واحتج: بأن كثرة عدد المجتهدين، لا ms415 يوجب قوة اجتهادهم، كذلك كثرة عدد ~~الرواة. # والجواب: أن العلم لا يقع باجتهاد المجتهدين أبدا دائما، وإنما يقع العلم ~~إذا أجمعوا على الحكم المجتهد فيه بإجماعهم دون اجتهادهم والعلم الواقع ~~بخبر التواتر إنما يقع بخبر العدد المخصوص دون معنى سواه. # الثاني: أن يكون أحد الروايين أتقن وأعلم، فتكون روايته أولى؛ لأنه أولى ~~بالضبط والحفظ من غيره، ومثاله أن مالكا وسفيان أعلم وأتقن من زائدة (1) ~~وعبد العزيز بن أبي حازم (2) ، ومثل هذا كثير. PageV03P1023 # وقد قال عبد الله بن أحمد [155/أ] : حدثني صالح بن علي النوفلي (1) قال: ~~سمعت أحمد بن حنبل يقول (2) : المثبتون في الحديث أربعة شعبة وسفيان وزائدة ~~وزهير (3) . # وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: المشهور بالرواية أولى. # الثالث: أن يكون أحد الراويين مباشرا لما رواه؛ لأن المباشر أعرف بالحال، ~~ومثاله ما قلناه في رواية أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نكح ~~ميمونة وهو PageV03P1024 # حلال) (1) أنه أولى من رواية ابن عباس: (أنه نكحها وهو حرام) (2) ؛ لأن ~~أبا رافع كان السفير بينهما، والقابل لنكاحها لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب القصة، كميمونة، قدمنا قولها: تزوجني ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ونحن حلالان (3) ، على [قول] ابن عباس؛ ~~لأنها المعقود عليها، فهي أعرف بوقت عقدها من غيرها لاهتمامها به ومراعاتها ~~لوقته. # ومنع الجرجاني: أن يكون هذا ترجيحا، وقال: هذا الحكم لا يعود إلى صاحب ~~القصة، وإنما يعود إلى النبي [صلى الله عليه وسلم] ، PageV03P1025 # وقد يكون الغير أقرب إليه، وأعرف بأحواله في نفسه من المرأة. # والصحيح ما ذكرنا؛ لأن صاحب القصة أعرف بذلك من غيره. # الخامس: أن يكون موضعه أقرب من النبي - صلى الله عليه وسلم -. فيكون أسمع ~~لقوله وأعرف به، وقد شبهوا ذلك بحديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أفرد الحج (1) ، قدمناه على رواية أنس: أنه قرن (2) ؛ لأنه روي عن ~~ابن عمر قال: كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه [وسلم] فسال علي ~~لعابها. # السادس: أن يكون أحدهما من كبار الصحابة، ms416 والآخر من صغارهم فإن الكبار ~~كانوا (3) أقرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله عليه السلام: ~~(ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) (4) . PageV03P1026 # السابع: أن يكون أحدهما سمع بغير حجاب: فيقدم على من سمع دون حجاب؛ لأنه ~~أقرب إلى الضبط، ومثاله: أن حديث عروة بن الزبير والقاسم بن محمد (1) عن ~~عائشة رضي الله عنهم: أن بريرة أعتقت وكان زوجها عبدا (2) ، فقدم على حديث ~~الأسود عن عائشة: أن زوجها PageV03P1027 # كان حرا (1) ؛ لأنهما سمعا منها من غير حجاب؛ لأنها خالة عروة وعمة ~~القاسم. # فإن كان أحدهما سمع بغير كتاب، والآخر يرويه عن كتاب، فهما سواء. ~~PageV03P1028 # وقد عارض أحمد رحمه الله أخبار الدباغ بحديث ابن عكيم (1) ، وهو عن كتاب؛ ~~لأن ناقل الكتاب جار (2) مجرى راوي اللفظ؛ لأنه إما أن يقول: قرأه علينا ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ، أو يقول: هذا كتابه: كما يقول: سمعت رسول ~~الله [صلى الله عليه وسلم] ، وما يتطرق على أحدهما يتطرق على الآخر مثله من ~~التغيير. # وقال الجرجاني: ما [155/ب] سمعه أولى مما روي عن كتاب؛ لأن التغيير يجوز ~~على الكتاب، ولا يجوز ذلك فيما سمعه. # قيل: لا يجوز مثل هذا عليه؛ لأن الرسول صحابي؛ ولأنه إن جاز التغيير على ~~الكتاب، جاز التغيير فيما يحكيه لفظا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثامن: أن يكون أحدهما أمس سياقا للحديث، وأشد تقصيا، فيكون أولى؛ لأنه ~~يدل على حفظه وضبطه، ومثاله ما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أفرد الحج (3) ، وقد وصف خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة ~~مرحلة مرحلة ودخوله مكة، ومناسكه على ترتيبه، وانصرافه إلى المدينة. # التاسع: أن يكون أحد الراويين لم يضطرب لفظه، والآخر قد اضطرب لفظه، ~~فيقدم خبر من لم يضطرب لفظه؛ لأنه يدل علي حفظه PageV03P1029 # وضبطه، وسوء حفظ صاحبه، ومثاله: ما روى عبد الله بن عمر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رفع اليدين في ثلاثة مواضع (1) ، فيقدم على ما روى البراء ~~ابن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ms417 إذا افتتح الصلاة رفع ~~يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود (2) ، قال سفيان بن عيينة: كان يزيد بن ~~أبي PageV03P1030 # زياد (1) يروي هذا الحديث، ولا يذكر: "ثم لا يعود"، ثم دخلت الكوفة، ~~فرأيت يزيد بن أبي زياد يرويه، وقد زاد فيه: "ثم لا يعود"، وكان قد لقن ~~فتلقن. # العاشر: أن لا تختلف الرواية عن أحدهما، فتقدم روايته على رواية من ~~اختلفت الرواية عنه؛ للمعنى الذي ذكرنا. PageV03P1031 # ومنهم من قال: تتعارض الروايتان عنه. ويسقطان، ويعمل برواية من لم تختلف ~~الرواية عنه. # الحادي عشر: أن يكون أحدهما مسندا والآخر مرسلا، فالمسند أولى. # قال أبو بكر الأثرم: رأيت أبا عبد الله إذا كان الحديث عن النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] في إسناده شيء يأخذ به، إذا لم يجد خلافه أثبت منه، مثل ~~حديث عمرو بن شعيب (1) ، ومثل حديث إبراهيم الهجري (2) ، وربما أخذ بالحديث ~~المرسل، إذا لم يجيء خلافه، وذلك لأن من الناس من قال: إن المرسل لا يحتج ~~به. # ولأن المسند عدالة راويه معلومة من جهة الظاهر، لمعرفتنا به، والمرسل ~~عدالة الراوي مستدل عليها من جهة أنه لا يروي إلا عن عدل عنده، فكان ~~المعلوم أولى من المستدل عليه. # وقال الجرجاني: المرسل أولى من المسند؛ لأن المرسل شاهد على رسول ~~PageV03P1032 # الله صلى الله عليه [وسلم] قاطع لإضافة الحكم إليه، فصار أولى منه. # وهذا فاسد؛ لأنه غير قاطع فيما يرسله ويسنده، وإنما تجوز له الرواية عمن ~~عرف عدالته في الظاهر، فلا فرق بين أن يظهره أو يكتمه، في أن الرواية عن كل ~~واحد منهما [156/أ] جائزة، فأما من تأخر إسلامه، فإنه لا يوجب ذلك تأخير ~~خبره عن خبر من تقدم إسلامه. # وذهب بعض الشافعية إلى أن ذلك يوجب تأخير خبره، وسووا في ذلك خبر قيس بن ~~طلق (1) مع خبر أبي هريرة في الوضوء من مس الذكر (2) . # والدلالة عليه: أن كفر الكافر لا يمنع صحة سماعه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإذا جاز أن يكون الراوي قد سمع كما رواه في حالة كفره من ms418 ~~النبي PageV03P1033 # [صلى الله عليه وسلم] ، ثم رواه بعد إسلامه، لم يكن في تأخير إسلامه دليل ~~على تأخير خبره. # وأما الترجيح الذي يعود إلى متنه # فمن وجوه: # أحدها: أن يكون أحدهما قد جمع النطق ودليله، كما قدمنا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: (الشفعة فيما لم يقسم، وإذا وقعت الحدود فلا شفعة) (1) ؛ ~~لأن جمعه بينهما أشد تيقظا للبيان. # والثاني: أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا؛ لأن القول أبلغ في البيان. # الثالث: أن يكون أحدهما قولا وفعلا، والآخر قولا، فيكون اجتماعهما أولى. ~~PageV03P1034 # الرابع: أن يكون أحدهما لم يدخله التخصيص، والآخر دخله التخصيص، فيكون ما ~~لم يدخله التخصيص أولى؛ لأنه أقوى؛ لأن دخول التخصيص يضعف اللفظ، ومن الناس ~~من قال: يصير مجازا. # الخامس: أن يكون قد قضى بأحدهما على الآخر في موضعه، واختلفا في غيره، ~~فيكون القضاء به أولى. # السادس: أن يكون أحدهما مطلقا، والآخر واردا على سبب، فإنه يقضي على ~~سببه، ويقدم المطلق عليه، لأن الوارد على سبب قد ظهرت فيه أمارة التخصيص، ~~فيكون أولى بإلحاق التخصيص به. مثاله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~(من بدل دينه فاقتلوه) (1) ، فإنه يقدم على نهيه عن قتل النساء؛ لأنه وارد ~~في الحربية. # السابع: أن يكون أحدهما قصد به بيان الحكم المختلف فيه: فيكون أولى، كما ~~قدمنا قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين) (2) على قوله: (أو ما ملكت أيمانكم) ~~(3) في تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ لأن قوله: (أو ما ملكت ~~أيمانكم) قصد به الزوج دون بيان الحكم. # الثامن: أن يكون أحد المعنيين أظهر في الاستعمال، كما قدمنا الحمرة في ~~الشفق. # التاسع: أن يكون أحد التأويلين موافقا لفظه من غير إضمار، كما قلنا في ~~قوله عليه السلام للمرتهن: (ذهب حقك) (4) يعني من الوثيقة دون PageV03P1035 # الدين؛ لأن (1) حمله على الدين يحتاج إلى إضمار، فيقول: ذهب حقك: دينك ~~إذا كان مثل قيمة الرهن. # والعاشر: أن يكون أحد التأويلين لا يتضمن تخطئة النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] في الباطن، والآخر يتضمن تخطئة، كما يقول [156/ب] في ضمان علي بن ms419 أبي ~~طالب عن الميت، وقوله: (هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن) (2) ابتداء ~~ضمان، وليس بإخبار عن ضمان سابق؛ لأنه لو كان إخبارا عن ضمان، لكان الميت ~~قد خلف وفاء، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بامتناعه عن الصلاة يكون ~~مخطئا في الباطن. # والحادي عشر: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا، فيكون الإثبات أولى، ~~كما قدمنا رواية بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت، وصلى (3) ~~، على رواية أسامة (4) : أنه لم يصل (5) ؛ لأن من رآه يصلي، معه زيادة علم. # وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على هذا في رواية الميموني فقال: الذي ~~يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة ولم يصل، وهذا يقول: ~~صلى، فهذا يشهد أن النبي [صلى الله عليه وسلم] صلى. وابن عمر [يقول] : ~~PageV03P1036 # لم يقنت النبي [صلى الله عليه وسلم] (1) ، وغيره يقول: قنت (2) ، فهذه ~~شهادة عليه أنه قنت. # وحديث أنس: لم يأن لرسول الله [صلى الله عليه وسلم] أن يخضب (3) وغيره ~~(4) يقول قد خضب (5) ، فهذه شهادة على الخضاب، والذي يشهد على النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] ليس بمنزلة من لم يشهد. # الثاني عشر: أن يكون أحدهما زائدا، كما قدمنا خبر التكبير سبعا في صلاة ~~العيد (6) على غيره أنه كبر ### | .............................. # PageV03P1037 ### | ................................. # PageV03P1038 # أربعا (1) ، وكما قدمنا في صدقة الفطر رواية ### | ...................... # PageV03P1039 # الصاع (1) على من روى نصف صاع (2) . # والثالث عشر: أن يكون أحدهما متأخرا؛ لأن ابن عباس قال: كنا نأخذ من ~~أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأحدث فالأحدث. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في رواية عبد الله؛ تستعمل الأخبار حتى ~~تأتي دلالة، فإن الخبر قبل الخبر، فيكون الأخير أولى أن يؤخذ به. # والرابع عشر: أن يكون أحدهما فيه احتياط للفرض وتبرئة للذمة بيقين، أو ~~يكون احتياطا للفعل المقصود، مثل الاحتياط للحرب في صلاة الخوف. ~~PageV03P1040 # والخامس عشر: أن يتقابل لفظ القرآن ولفظ السنة ويكون بناء كل واحد منهما ~~على الآخر ممكنا، فظاهر كلام أحمد: تقديم السنة وترتيب القرآن عليها (1) ، ~~وقال: السنة بيان القرآن؛ لأن الله تعالى ms420 يقول: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم) (2) . # وقال في رواية أبي الحارث: السنة تفسر القرآن وتبينه، والسنة تعرف ~~الكتاب. # وقال في رواية أبي داود: السنة تفسر القرآن. # وفي رواية عبد الله: السنة تدل على معنى القرآن. # ويحتمل أن يقدم القرآن وترتب السنة عليه؛ لأنه مقطوع بطريقه، ومثاله: أن ~~يبيح أكل كلب الماء وخنزيره بقوله عليه السلام: (هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته) (3) ويعارض هذا الخصم بقوله تعالى: (أو لحم خنزير) (4) ، وهذا ينبني ~~على نسخ السنة بالقرآن، وقد ذكرنا جواز ذلك. # السادس عشر: أن يكون أحدهما حاظرا، والآخر مبيحا، [157/أ] فالحاظر أولى؛ ~~لأن في الحظر احتياطا؛ لأن ترك المباح لا إثم فيه، وفعل المحظور إثم، فكان ~~تركه أولى من الفعل ها هنا. # ولأنه إذا اجتمع ما يبيح وما يحظر، وجب تغليب الحظر، كما نقول ~~PageV03P1041 # في المتولد من بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وبين من يباح مناكحتهم ومن ~~يحرم، والمذكي بمن تباح ذكاته ومن لا تباح. # وقد أومأ أحمد رحمه الله إلى هذا في رواية إسماعيل بن سعيد في الأمر ~~المختلف فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعلم ناسخه من ~~منسوخه: نصير في ذلك إلى قول علي نأخذ بالذي هو أهنأ وأهدى وأبقى. # واختلف أصحاب أبي حنيفة: فذهب الكرخي والرازي إلى مثل قولنا. # وذهب عيسى بن أبان: إلى أنه لا يرجح بمثل هذا، ويتعارضان ويسقطان ويصيران ~~كأنهما لم يردا، ويرجع في حكم الحادثة إلى غير هذا الخبر. # واختلف أصحاب الشافعي أيضا على نحو ما ذكرنا من الاختلاف. # ومن قال: لا يرجح بالحظر احتج: # بأن تحريم المباح كإباحة المحظور، فلم يكن لأحدهما على الآخر مزية. # والجواب: أنه يبطل بالأصول التي ذكرناها، وهو المتولد من بين المباح ~~والمحظور، فإن الحظر غلب الإباحة، وإن كان هذا المعنى الذي ذكره موجودا (1) ~~؛ فلأن تحريم المباح كإباحة المحظور فيما تثبت إباحته، وها هنا ما ثبتت ~~إباحته. # ولأن للحظر مزية، ألا ترى أنه يحكم به، وإن كان لم تكمل شرائط الحظر، ~~والمباح لا ms421 يحكم به، حتى تكتمل جميع شرائطه، وبيان هذا: PageV03P1042 # أن البيع يحرم بوجود شرط واحد ويفسده، وإباحته لا تحصل إلا بعد كمال ~~شرائط الإباحة. # واحتج: بأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون محظورا على الواحد في وقت مباحا ~~له في ذلك الوقت، كما يستحيل أن يكون الواحد بمكة وبغداد في يوم واحد، وقد ~~ثبت أن أربعة لو شهدوا على رجل أنه رئي يوم النحر بمكة، وشهد أربعة آخرون ~~أنه رئي في ذلك اليوم ببغداد، أو شهد عليه شاهدان أنه قتل زيدا يوم النحر ~~بمكة، وشهد آخران أنه قتل عمرا ذلك اليوم ببغداد، أن شهادة الجميع تسقط، ~~كذلك إذا ورد خبر بحظر شيء، وورد آخر بإباحة ذلك الشيء في وقت واحد، وجب أن ~~يسقط الخبران. # والجواب: أن الشهادة كانت على حقيقة الفعل، فلهذا استحال وجود الفعل منه ~~بمكة وببغداد في يوم واحد، وكذلك يستحيل قتله لزيد يوم النحر، و [قتله ~~لعمرو في ذلك اليوم ب] بغداد، تهادرت البينتان، وليس كذلك الخبران بإباحة ~~الشيء وحظره؛ لأنهما يوجبان ذلك [157/ب] الشيء من طريق الحكم، ويجوز أن ~~يكون الشيء مباحا في الأصل، ثم يحظره النبي [صلى الله عليه وسلم] ويخفي ~~علينا الباقي، ونظير هذا من الشهادة أن يتعارضا في الملك المطلق وأحدهما ~~خارج، فإنما تقدم بينة الخارج. # واحتج: بأنه لو أخبر بطهارة الماء واحد. وأخبر غيره بنجاسة ذلك الماء، ~~ولم يكن لأحد المخبرين مزية على الآخر، ولا كان للمخبر رأي يعمل على الغالب ~~منه، أنهما يسقطان، ويبقي الماء على أصل الطهارة وكذلك لو أن رجلين أخبر ~~أحدهما بأن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، وأن هذا الشراب خالطه خمر، وأخبر آخر أن ~~ذلك حلال طاهر، ولم يكن للمخبر رأي يعمل على ما يغلب في رأيه: أن الخبرين ~~يسقطان، ويبقى الطعام والشراب على أصل الإباحة، كذلك إذا عدم التاريخ بين ~~خبري الحظر والإباحة، يجب أن # PageV03P1043 # يسقطا، ويبقى الشيء على حكم الإباحة في الأصل. # والجواب عنه: ما تقدم من الوجه الذي بينا. وهو أن الشيء يكون مباحا في ~~الأصل، ثم ms422 يحظره النبي [صلى الله عليه وسلم] ، وغير جائز أن يكون الماء ~~نجسا، ثم يصير طاهرا، أو الطعام نجسا فيصير طاهرا. # السابع عشر: أن يتعارض خبران في الحد، فإنه لا يقدم المسقط للحد، ولهذا ~~أخذ أحمد رحمه الله بحديث عبادة في اجتماع الجلد والرجم (1) ، ولم يقدم ~~عليه حديث ماعز (2) وأنيس (3) في إسقاط الجلد. # ومن أصحاب الشافعي من قدم المسقط للحد؛ لقوله عيه السلام: (ادرؤوا الحدود ~~بالشبهات وادرؤوا ما استطعتم) (4) . PageV03P1044 # وهذا غير صحيح؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعا، ألا ترى أنه يثبت بخبر ~~الواحد والقياس مع وجود الشبهة فرضا؟ # الثامن عشر: أن يكون في أحدهما إلحاق النقض بالصحاح، كخبر القهقهة (1) . # التاسع عشر: أن يرجح بالقرائن. مثاله قوله تعالى: (أو لامستم النساء) (2) ~~حمله على لمس اليد أولى من الجماع؛ لأنه قرن ذلك بالمجيء من الغائط، وذلك ~~يوجب الطهارة الصغرى. # العشرون: أن يرجح باستعمال مثله في نظير لفظه، مثاله: أن يقضي بقوله عليه ~~السلام: (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) على قوله: (فيما سقت ~~السماء العشر) ، كما قضى بقوله: (ليس فيما دون PageV03P1045 # خمس أواق من الورقة صدقة) على قوله: (في الرقة ربع العشر) . # الحادي والعشرون: أن يكون أحدهما يجمع بينهما، والآخر يسقط أحدهما، فيكون ~~الجمع بينهما أولى من إسقاط أحدهما بالآخر. # وأما الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن وإنما هو إلى غيرهما فمن ~~وجوه: # أحدها: أن يكون أحدهما موافقا لظاهر القرآن، أو موافقا لسنة أخرى، فيقدم ~~بذلك، ومثاله: حدث التغليس (1) يقدم على حديث الإسفار (2) ؛ لأنه يوافق قول ~~الله تعالى: PageV03P1046 # (حافظوا على الصلوات) (1) . # وقوله تعالى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم) (2) ، ويوافقه أيضا قول النبي ~~صلى الله عليه [وسلم] : (أول الوقت رضوان الله) (3) ، PageV03P1047 # وقوله: (أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها) (1) ، ومثل قوله: (لا نكاح ~~إلا بولي) ، فيرجح على قوله: (ليس للولي مع الثيب أمر) ، بحديث عائشة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها ~~باطل) . # فإن كان مع أحدهما ظاهر القرآن، ومع الآخر ظاهر سنة أخرى، ms423 فأيهما أولى؟ # فنقل محمد بن أشرس: أن أحمد رحمه الله سئل عن الحديث إذا كان صحيح ~~الإسناد، ومعه ظاهر القرآن، ثم جاء حديثان صحيحان PageV03P1048 # خلافه، أيما أحب إليك؟ فقال: الحديثان أحب إلي إذا صحا. # وهذا مبني على أصل قد تقدم، وهو إذا تقابل لفظ القرآن ولفظ السنة، ويمكن ~~بناء كل واحد منهما على الآخر، هل تقدم السنة أو القرآن؟ # فقد حكينا خلافا في المذهب، فكذلك ها هنا. # الثاني: أن يروى معنى أحدها بألفاظ مختلفة من وجوه أخر، مثل ما قدمنا ~~حديث لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أول الوقت رضوان ~~الله، وآخره عفو الله) ، وقوله: (أفضل [الأعمال] الصلاة في أول وقتها) ، ~~وقوله: (إن أحدكم ليصلي الصلاة، وقد ترك من أول الوقت ما هو خير له من أهله ~~وماله) (1) . # الثالث: أن يكون أحدهما موافقا للقياس، مثل قوله عليه السلام: (ليس على ~~المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (2) ، فيقدم على حديث PageV03P1049 # فورك السعدي؛ لأن ما لا تجب الزكاة في ذكوره لا تجب في إناثه، قياسا على ~~الحمير والبغال وسائر الحيوانات التي لا زكاة فيها. # الرابع: أن يكون مع أحدهما حديث مرسل؛ لأن مجيئه من طريق مسند ومرسل أقوى ~~له. # الخامس: أن يكون أحدهما عمل به الأئمة الأربعة، كما قدمنا رواية من روي ~~في تكبيرات العيدين سبعا وخمسا (1) على رواية من روى أربعا، كأربع الجنائز ~~(2) ؛ لأنه عمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. # وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في مواضع: PageV03P1050 # فقال في رواية صالح: روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (توضؤوا ~~مما مست النار) (1) ، وروي أنه نهس (2) عظما وصلى ولم يتوضأ (3) ، فنظر إلى ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لم يتوضئوا مما مست النار، فقد تكافأت (4) ~~الرواية فيه. PageV03P1051 # وكذلك نقل أبو الحارث عنه في الحديثين المختلفين، وهما جميعا بإسناد صحيح ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ينظر إلى ما عمل به الأئمة الأربعة، ~~فيعمل به. # وكذلك نقل الفضل بن زياد في الحديثين ms424 بإسناد صحيح: ينظر إلى ما عمل أو ما ~~قال الخلفاء بعده [158/ب] ، يعني: أبا بكر وعمر. # فإن اقترن بأحدهما عمل أهل المدينة، لم يقدم به، خلافا لأصحاب الشافعي في ~~قولهم: يقدم به، وذكروا ذلك في حديث الترجيع (1) في الأذان (2) ، وأنه يقدم ~~على غيره؛ لأنه عمل به أهل المدينة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~PageV03P1052 # وكذلك إن اقترن به عمل الكوفة، لم يقدم به، خلافا لأصحاب أبي حنيفة، فيما ~~حكاه الجرجاني في أصوله: أنه يقدم بعمل أهل الكوفة إلى زمن أبي حنيفة، قبل ~~ظهور البدع؛ لأن أمراء بني مروان غلبوا على المدينة والكوفة، وكان فيهم ~~تغير شيء من الشريعة، وإنما لم نرجح بذلك؛ لأنه بلد من البلاد، فلم يرجح ~~نقل أهله كسائر البلاد. # السادس: أن يقترن، بأحدهما تفسير الراوي، كما قدمنا ما روى جابر عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها ~~للذي يعطاها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه اعطى عطاء ووقعت (1) فيه ~~المواريث) (2) على رواية (من أعمر عمرى فهي له، ولعقبه، يرثها من يرثه من ~~عقبه) (3) ، كما روى معمر عن الزهري عن PageV03P1053 # أبي سلمة (1) عن جابر بن عبد الله أنه قال: (إنما العمرى التي أجازها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما اذا قال: هي ~~لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) (2) . # وكذلك حملنا التفرق على التفرق بالبدن، لما روي عن ابن عمر أنه كان إذا ~~اراد أن يوجب البيع مشى قليلا ثم رجع، وقال أبو بردة: لا أراكما تفرقتما. # وكذلك رجع أحمد رحمه الله الى تفسير ابن عمر في قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: (فاقدروا له، وأنه كان يتراءى الهلال، فإن كانت السماء ذات ~~غيم أصبح صائما، وإن كانت ذات صحو أصبح مفطرا، إذا لم ير الهلال) (3) . # قال أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار في الجزء الذي فيه المناولة ~~والإجازة حدثنا العباس بن محمد بن حاتم بن واقد الدوري (4) حدثنا روح ~~PageV03P1054 # ابن عبادة (1) حدثنا ms425 داود بن قيس (2) عن محمد بن عمرو بن عطاء (3) قال ~~كان موسى بن يسار (4) جالسا معنا، فقال له ابن عمر: يا موسى بن ~~PageV03P1055 # يسار إذا فرغت من حديثك، فسلم، فإنك في صلاة. قال: وحدثنا العباس بن محمد ~~الدوري أيضا قال: حدثنا موسى بن داود (1) حدثنا ابن لهيعة عن حنين بن أبي ~~حكيم (2) عن نافع (3) عن ابن عمر قال: من أراد حفظ الحديث فليردده ثلاثا ~~(4) . PageV03P1056 ### | باب الإجماع # الإجماع (1) في اللغة: ما اجتمع القوم عليه، سواء كانوا ممن تثبت الحجة ~~بقولهم أو لا تثبت (2) . # وهو في الشرع: عبارة عمن تثبت الحجة بقوله (3) . # وسمي إجماعا؛ لاجتماع الأقوال المتفرقة [159/أ] والآراء المختلفة. ~~PageV04P1057 # وقيل: سمي بذلك من القطع وإمضاء الرأي وتنفيذه، ومنه قوله تعالى: ~~(فأجمعوا أمركم (1)) أي: اعزموا (2) . ### | مسألة # (3) # الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته (4) ، ولا ~~يجوز أن تجتمع الأمة على الخطأ. PageV04P1058 # وقد نص أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث: "في ~~الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من ~~أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي (1) أن يخرج من أقاويل ~~الصحابة إذا اختلفوا" (2) . # وقد علق القول في رواية عبد الله فقال: "من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل ~~الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي (3) والأصم (4) ، ولكن [يقول] : لا ~~نعلم، [لعل] الناس اختلفوا ولم يبلغه" (5) . PageV04P1059 # وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: "كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا إذا ~~سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم لهم مخالفا جاز" (1) . # وكذلك نقل أبو طالب عنه: أنه قال: "هذا كذب، ما علمه (2) أن الناس ~~مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس". # وكذلك نقل أبو الحارث: "لا ينبغي لأحد أن يدعي الإجماع، لعل الناس ~~اختلفوا" (3) . # وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال ~~هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه. # أو قال هذا في حق من ليس ms426 له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة ~~الإجماع في رواية عبد الله وأبي الحارث (4) . # وادعى الإجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: "أذهب في التكبير من غداة ~~يوم PageV04P1060 # عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإجماع (1) ~~PageV04P1061 # عمر (1) وعلي (2) وعبد الله بن PageV04P1062 # مسعود (1) ، وعبد الله بن عباس" (2) . # وهذا قول جماعة الفقهاء والمتكلمين (3) . PageV04P1063 # وحكي عن إبراهيم النظام (1) : أن الإجماع ليس بحجة، وأنه يجوز اجتماع ~~الأمة على الخطأ (2) . # وحكي عن الرافضة: أن الإجماع ليس بحجة، وأن قول الإمام وحده حجة (3) . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا) (4) . فوجه الدلالة: أن ~~الله تعالى توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فدل على أن أتباع سبيلهم ~~واجب. # فإن قيل: هذا احتجاج من دليل الخطاب، ونحن لا نقول به. # قيل: دليل الخطاب عندنا حجة، ونحن نبني فروعنا على أصولنا. PageV04P1064 # وعلى أن هذا ليس بدليل الخطاب (159/ب) ، وإنما هو احتجاج بتقسيم عقلي؛ ~~لأنه ليس بين اتباع غير سبيلهم (1) وبين اتباع سبيلهم قسم ثالث، وإذا حرم ~~الله تعالى اتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم. # فإن قيل: (سبيل المؤمنين) في الأقوال مجاز، وإنما السبيل هو: الطريق. # قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة، وقد استعمل فيهما، فوجب أن يكون حقيقة ~~فيهما (2) . # وعلى أنه لو كان مجازا، لكان إذا كثر الاستعمال فيه، جرى مجرى الحقيقة. ~~PageV04P1065 # والاستعمال في القول مثل الاستعمال في الطريق إذا كثر، قال الله تعالى ~~(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) (1) ، وقال: (من هو أهدى سبيلا) ~~(2) ، (وأضل سبيلا) (3) ، (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (4) ~~، ويقال: سبيل المعروف، وسبيل الوقوف، وما أشبه هذا مما يكثر PageV04P1066 # تعداده. وهذا بمنزلة المذهب الذي هو حقيقة في الطريق وفي القول والاعتقاد ~~(1) . # فإن قيل: الذي تعلق بمشاقة الرسول وباتباع غير سبيل المؤمنين، فثبت أنه ~~لا يتعلق بأحدهما على الانفراد. # قيل: مشاقة الرسول محرمة بانفرادها، وإن لم يكن هناك مؤمن، فدل ms427 على أن ~~التوعد على كل منهما بانفراده، وهذا مثل قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما) (2) ، فجمع بين هذه الأفعال في الوعيد، وكان منصرفا ~~إلى كل واحد منهما (3) . PageV04P1067 # وجواب آخر، وهو: أن (1) اتباع غير سبيل المؤمنين لو لم يكن محرما ~~بانفراده لم يحرم مع مشاقة الرسول كسائر المباحات، ألا ترى أنه لا يجوز ~~الجمع بين القبيح والمباح في باب الوعيد، فلما جمع تعالى بين مشاقة الرسول ~~وبين ترك اتباع سبيل المؤمنين في الوعيد علم أن كل واحد منهما يقتضي ~~الوعيد. # فإن قيل: فالمؤمنون لا يعرفون بأعيانهم؛ فلا يصح الاحتجاج به. # قيل: إذا أجمع الكل دخل المؤمنون فيهم؛ لأن من أظهر الإيمان وجب أن يحكم ~~بإيمانه، ولا اعتبار بما غاب عنا من اعتقاده، فإذا كان كذلك سقط السؤال. # فإن قيل: ذكر (المؤمنين) بالألف واللام، فاقتضى جنس المؤمنين إلى يوم ~~القيامة. # قيل: لا يجوز أن يريد به جميعهم، لأن التكليف في ذلك يكون يوم القيامة ~~ولا تكليف في الآخرة، فعلم أن المراد به بعض المؤمنين، وإذا كان المراد به ~~البعض، فقد أجمعوا على أنه لم يرد ما زاد على أهل العصر، فكان (2) المراد ~~به أهل العصر. # ولأن من [160/أ] لم يخلق لا يسمى مؤمنا، ومن خلق ومات فلا يسمى مؤمنا ~~حقيقة، وإنما كان مؤمنا. # جواب آخر، وهو: أن الآية أريد بها بعض المؤمنين؛ لأنه توعد من خالف ~~سبيلهم، فاقتضى ذلك أن يكون هناك متوعد غير الذين يخالف سبيلهم. # فإن قيل: الوعيد على ترك سبيل المؤمنين فيما صاروا به مؤمنين، وهو ~~PageV04P1068 # التوحيد وفعل الإيمان (1) . # قيل: هذا تخصيص لعموم الآية بغير دليل. # وعلى أنه لا اعتبار في ذلك بالاتباع، وإنما يجب العمل فيه بموجب الدليل، ~~PageV04P1069 # فوجب حمله على غيره من أحكام الشرع. # فإن قيل: اتباع سبيل المؤمنين: أن ينظر، ويجتهد، ويثبت الحكم من الطريق ~~الذي أثبتوه، وإذا كان كذلك فتكون الآية حجة عليكم. # قيل: النظر المؤدي إلى ms428 قولهم لا يمنع منه، وإنما يمنع من النظر المؤدي ~~إلى خلاف قولهم؛ لأن من فعل ذلك يكون تاركا لسبيلهم ومخالفا لهم. # وكذلك من دخل مصرا من أمصار المسلمين جاز له أن يجتهد، فإذا أدى اجتهاده ~~إلى صحة محاريبهم (1) صلى إليها، ولا يجوز مخالفتها. # فإن قيل: الوعيد إنما هو على اتباع غير سبيل المؤمنين، وأنتم تطلقون ~~الوعيد لترك السبيل. # قيل: إذا لحقه الوعيد باتباع غيرهم والعدول عنهم، ثبت أنه قد ترك واجبا، ~~فلحقه الوعيد بالعدول عنه (2) . # وطريقة أخرى: قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس) (3) والوسط: العدل الخيار (4) . PageV04P1070 # وهذا كما قال في آية أخرى (1) (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) (2) ~~يعنى: أعدلهم وخيرهم (3) PageV04P1071 # وكما قال الشاعر: # هم وسط يرضى الإله (1) بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالى بمعظم (2) # ويقال: ميزان وسط، إذا لم يكن فيه ميل. # وإذا أخبر الله تعالى أن الأمة عدل، لم يجز عليهم الضلالة؛ لأنه لا عدالة ~~مع الضلالة، وجعلهم شهداء على الناس، كما جعل الرسول شهيدا عليهم، فلما كان ~~قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حجة، كذلك قول الأمة. # فإن قيل: إنما جعلتم شهداء عليهم في الآخرة. # يبين صحة هذا: قوله (3) : (شهداء على الناس) ولا يمكن شهادتهم على الجميع ~~إلا في الآخرة. PageV04P1072 # قيل: هذا خرج مخرج المدح لهم في الدنيا، فلو كانوا شهداء في الآخرة لم ~~يكن مدحا لهم في الدنيا. وعلى أنه جعلهم شهداء على الناس كما جعل الرسول، ~~فلما كان المراد شهادة النبي في الدنيا، كذلك في الأمة (1) . # فإن قيل: [160/ب] كونهم شهداء لا يمنع وقوع الخطأ منهم، كما لا يمنع وقوع ~~ذلك من الشاهدين. # قيل: لأن الله تعالى لم ينص على شاهدين بأعيانهما حتى [يكون] ذلك مانعا ~~من وقوع الخطأ والكذب منهما، ولو نص على شاهدين لامتنع ذلك منهما كالأمة ~~(2) . # وطريقة أخرى، وهو: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة) . PageV04P1073 # وروي: (على خطأ) (1) . PageV04P1074 ### | ................................. # PageV04P1075 # وروي: (ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون ms429 قبيحا، ~~فهو عند الله قبيح) (1) . PageV04P1076 # وروي: (من فارق الجماعة (1) قيد شبر، فقد خلع PageV04P1077 # ربقة (1) الإسلام من عنقه) (2) . PageV04P1078 # (ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية) (1) . PageV04P1079 # وروي: (عليكم بالسواد (1) الأعظم) (2) . # وروي: (ثلاث لا يغل (3) عليهن (4) قلب مؤمن (5) : إخلاص العمل لله ~~والمناصحة لولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين) (6) . PageV04P1080 # وروي عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الشذوذ، وقال: (من شذ ~~(1) شذ فى النار) (2) . # وهذا كله يدل على أن اتباع المجمعين فيما أجمعوا عليه واجب (3) . # فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة. # قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريق ~~تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع. # وجواب آخر، وهو: أنه تواتر في المعنى من وجهين: PageV04P1081 # أحدهما: أن الألفاظ الكثيرة إذا وردت من طرق مختلفة، ورواة شتى، لم يجز ~~أن يكون جميعها كذبا، ولم يكن بد من أن يكون بعضها صحيحا. # ألا ترى أن الجمع الكثير إذا أخبروا بإسلامهم، وجب أن يكون فيهم صادق (1) ~~قطعا. # ولهذا نقول: لا يجوز أن يقال: جميع ما روي عن النبى - صلى الله عليه وسلم ~~- يجوز أن يكون كذبا موضوعا. # ولهذا أثبتنا كثيرا من معجزات رسول الله، وأثبتنا وجوب العمل بخبر الواحد ~~بما روي عن الصحابة -رضى الله عنهم- من العمل به في قضايا مختلفة. # والثاني: أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد أنه رده، ~~ولهذا نقول: إن قول النبى - صلى الله عليه وسلم - (نحن معشر الأنبياء لا ~~نورث، ما تركنا صدقة) (2) ، لما اتفقوا على العمل به، دل على أنه صحيح ~~عندهم. PageV04P1082 # فإن قيل: نحمل قوله: (لا تجتمع أمتي على الخطأ) (1) يعنى: على كفر. # قيل: هذا محمول على الأمرين جميعا (2) . # وعلى أن الخطأ إنما يعبر به عن المعاصى والآثام، دون الكفر. # فإن قيل: قوله: (لا تجتمع على ضلالة) معناه: لا يجمعهم الله على الضلال. # قيل: الخبر عام، لا يجمعهم الله ولا يجتمعون. # فإن [161/أ] قيل: قوله: (لا تجتمع أمتي) ، وإن كان لفظه لفظ الخبر، ~~فالمراد به: النهي، وتقديره: لا ms430 تجتمعوا على ضلال؛ لأنه لو كان خبرا لوقع ~~بخلاف مخبره؛ لأنا نجد في الأمة اجتماعها على الضلال. # قيل: قوله: (لا تجتمع على ضلالة) (3) خبر، وقوله: "يقع بخلاف مخبره" غلط؛ ~~لأنا لم نجد اجتماع الأمة على ضلالة، وإنما يوجد بعضهم، والخبر اقتضى ~~اجتماعهم. # فإن قيل: فهذه الأخبار يعارضها ما روي عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن (لا تقوم الساعة إلا على أشرار (4) الناس) (5) ، وكيف يكون اجتماع ~~الناس حجة؟ PageV04P1083 # قيل: أراد به الغالب، فهم الشرار، وهذا سائغ إطلاقه. # وأيضا: فإنه لا خلاف أن نصب الزكاة والمقادير الواجبة فيها ثابتة مقطوع ~~بها، في خمس من [الإبل] شاة، وفي عشرين [دينارا] نصف دينار، وفي خمس وعشرين ~~من الإبل بنت مخاض (1) ، وفي ثلاثين من البقر تبيع" (2) ، وأربعين مسنة (3) ~~، و [في] ، أربعين (4) [شاة] ، شاة، وفي مائتين [من الدراهم] ، خمسة دراهم ~~(5) . # وكذلك أركان الصلاة مقطوع بها، ومعلوم: أنه ما ثبت فيها خبر تواتر، وإنما ~~نقل فيها أخبار آحاد: ابن عمر وأنس وغيرهما، عدد معروف، فلما اتفقوا عليها، ~~وقطعوا على ثبوتها، علمنا أن ثبوتها قطعا من حيث الإجماع، لا من حيث أخبار ~~PageV04P1084 # الآحاد، بل من ناحية أن الأمة تلقتها بالقبول، فصارت الأخبار فيها ~~كالمتواترة. # واحتج بعضهم فيها بطريق عقلي، فقال: كان سائر الأمم إذا أتفقت على باطل، ~~وأجمعت على تغيير وتبديل، بعث الله إليهم نبيا، فردهم إلى الحق والصواب، ~~ونبينا - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء، ولا نبي بعده، فجعلت أمته ~~معصومة، لتكون عصمتها عوضا عن بعثة النبي. # واحتج المخالف: # بقوله: (ونزلنا عليك (1) الكتاب تبيانا لكل شىء (2)) ثبت أنا لا نفتقر ~~معه إلى غيره. # وقال: (وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله) (3) يبين أن لا حكم ~~لغيره. # وقال تعالى: (فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول) (4) . # وأشباه هذه الظواهر. # والجواب: عن قوله: (تبيانا لكل شىء) فهكذا نقول، فقد بين الله تعالى عن ~~الإجماع بقوله: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين) (5) . # وأما قوله: (وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه ms431 إلى الله) وقوله: (فردوه إلى ~~الله والرسول) معناه: إلى كتاب الله، وكذا نقول، وفي الكتاب والسنة أن ~~الإجماع حجة. PageV04P1085 # واحتج: بما روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: (بم تحكم إذا ~~عرض لك قضاء؟ فقال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله قال: بسنة ~~رسول الله [161/ب] قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيى، ولا ~~آلو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يرضاه) (1) فذكر الأدلة، ولم يذكر فيها الإجماع. # والجواب: أنه لا حجة فيه؛ لأن الإجماع إنما يعتبر بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأنه لا يجوز أن ينعقد الإجماع في حياته دونه، وقوله بانفراده ~~عنه لا يفتقر إلى قول غيره، فلم يكن في عصره اعتبار بالإجماع. # واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة الوداع: ~~(لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) (2) . PageV04P1086 # وروي عنه أنه قال: (لتركبن سنن (1) من كان قبلكم، حذو القذة (2) بالقذة) ~~(3) . وهذا يدل على أن ذلك جائز على الأمة. PageV04P1087 # والجواب: أن هذا خطاب لبعض الأمة، وقوله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) خاص ~~في حال الإجماع، والخاص يجب أن يقضى به على العام. # واحتج: بأن كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ بانفراده، فإذا اجتمع مع ~~غيره كان بمنزلة المنفرد؛ لأنه مجتهد برأيه المعرض للخطأ. # والجواب أن عصمة الأمة في حال الاجتماع أثبتناه بالشرع دون العقل، ولا ~~يمتنع أن يعلم الله تعالى: أنهم لا يختارون الخطأ في حالة الاجتماع، ولا ~~يقع ذلك منهم، فإذا أخبر بذلك وجب المصير إليه والعمل به. # وجواب آخر، وهو: أن هذا باطل بأخبار التواتر، فإنها توجب العلم عند كثرة ~~المجتهدين، وإن كان كل واحد منهم لو انفرد لم يوجب خبره العلم، وهكذا ~~PageV04P1088 # الجماعة تحمل الحجر العظيم، وإن كان الواحد لو انفرد به لم يطق حمله. ~~وكذلك الطعام إذا كثر أشبع، والماء إذا كثر روى، وإن كان اليسير منهما لا ms432 ~~يشبع ولا يروي. # واحتج: بأن الآية لا تحصر، ولا يمكن سماع أقاويلهم، وما لا سبيل إلى ~~معرفته، فلا يجوز أن يجعله صاحب الشريعة دليلا على شريعته. # والجواب: أن الإجماع ينعقد عندنا باتفاق العلماء، وإذا اتفقوا جملة كانت ~~العامة تابعة لهم. # ويمكن معرفة اتفاق أهل العلم؛ لأن من اشتغل بالعلم حتى صار من أهل ~~الاجتهاد فيه، لم يخف أمره على أهل بلده وجيرانه، ولم يخف حضوره وغيبته، ~~ويمكن الإمام أن يبعث إلى البلاد، ويتعرف أقاويل الممتنع. # فإن قيل: يجوز أن يكون قد أسر في الغزو رجل من أهل العلم، وهو في مطمورة ~~(1) المشركين. # قيل: لا يخفى ذلك، وإذا جرى ذلك لم ينعقد الاجماع إلا بالوقوف على مذهبه. # وأجاب بعضهم عن هذا: بأنا نسمع أقاويل الحاضرين [162/أ] ، والخبر عن ~~الغائبين. PageV04P1089 ### | ### | مسألة # # إجماع أهل كل عصر حجة، ولا يجوز إجماعهم على الخطأ (1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية المروذي، وقد وصف أخذ العلم ~~فقال: "ينظر ما كان عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن، فعن ~~أصحابه، فإن لم يكن فعن التابعين". # وقد علق القول في رواية أبي داود فقال: "الاتباع: أن تتبع ما جاء عن ~~النبى - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه، وهو بعد في التابعين مخير" (2) . # وهذا محمول من كلامه على آحاد التابعين، لا على جماعتهم. # وقد بين هذا في رواية المروذي فقال: "إذا جاءك الشىء عن الرجل من ~~التابعين، لا يوجد فيه عن النبي، لا يلزم الأخذ به" (3) . # وبهذا قال جماعة الفقهاء (4) والمتكلمين (5) . PageV04P1090 # وقال أهل الظاهر: داود وأصحابه: الإجماع: إجماع الصحابة دون غيرهم (1) . # ويدل عليه أيضا: قوله: (لا تجتمع متي على ضلالة) و (على الخطأ) . # وقوله (ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا، ~~فهو عند الله قبيح) . # وقوله: (من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية، ومن فارق الجماعة قيد شبر خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه) . # ونحو ذلك من الأخبار التى تقدم ذكرها، وهو عام في الصحابة. [وفي غيرهم] . # فإن قيل: الأمة عبارة عن ms433 الجماعة، وحقيقة ذلك الموجود حال (2) حصول هذا ~~القول منه (3) دون عصر من يوجد. # قيل: هو حقيقة في الكل. # ولأن غير الصحابة أكثر عددا من الصحابة، ومنهم من أهل [162/ب] الاجتهاد ~~أكثر منهم، فإذا وجب الرجوع إلى قول الصحابة مع قلتهم، فالرجوع إلى قول ~~الأكثر أولى. # واحتج المخالف: PageV04P1091 # بقوله: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (1) . # والجواب: أن معناه: فردوه إلى أدلة الله ورسوله، والإجماع من أدلته، فقد ~~رددناه إليه. # واحتج بقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر) (2) وهذا خطاب مواجهة للصحابة، فلا يدخل فيهم غيرهم (3) . # وكذلك قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (4) . # والجواب: أن هذا عام في الصحابة وغيرهم من الوجه الذي بينا. # وأن ذلك جار مجرى قوله: (أقيموا الصلاة) (5) ، و (حجوا) (6) و (جاهدوا) ، ~~(7) PageV04P1092 # وأنه على العموم. # واحتج: بأنا قد علمنا من ناحية العقول: أنه لا فصل بين هذه الأمة وبين من ~~تقدمها في جواز الخطأ وتعمد الباطل في الأخبار: بالكذب فيها (1) ، وإنما ~~انفصلت الصحابة ممن تقدمها من الأمم لورود الخبر بذلك، وبقي غيرهم على موجب ~~الدليل في المنع من قولهم. # والجواب: أن قولك: لا فرق بين هذه الأمة وبين من تقدمها غلط؛ لأن من ~~تقدمها إذا كذبت في الإخبار عن نبيها وأخطأت فيما يتعلق بالدين، علم خطؤها ~~وكذبها من جهة من يرد عليها من بعد نبيها من الأنبياء، وليس كذلك أمة ~~نبينا؛ لأنها إذا ضلت وأخطأت لم يرد من بعد من يعرف من جهته ضلالتها، فحرس ~~الله تعالى من أجل ذلك هذه الأمة من الضلالة والكذب والخطأ في الدين. # وجواب آخر، وهو: أن كل دليل ورد بعصمة جميع الصحابة، فهو دليل على أعصمة، ~~غيرهم، وعام فيهم وفي غيرهم. # واحتج: بأن الصحابة لها مزية كل غيرهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ندب إلى اتباعهم بقوله: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) (2) . ~~PageV04P1093 # ولأنهم مقطوع على عدالتهم، وشاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل. # والجواب: أنهم وإن خصوا بهذه المزية، فلم يكن قولهم حجة لهذه المعاني، ~~وإنما كان لأجل أنهم ms434 من أهل الاجتهاد، وهذا موجود في غيرهم كوجوده فيهم. ~~PageV04P1094 ### | ### | مسألة # # انقراض العصر معتبر في صحة الإجماع واستقراره (1) . # فإذا أجمعت الصحابة على حكم من الأحكام، ثم رجع بعضهم أو جميعهم انحل ~~الإجماع. # وإن أدرك بعض التابعين عصرهم -وهو من أهل الاجتهاد- اعتد بخلافه، إذا ~~قلنا: إنه يعتد بخلافه معهم. # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية عبد الله فقال: "الحجة على من ~~زعم أنه إذا [163/أ] ، كان أمرا مجمعا عليه، ثم افترقوا، ما نقف على ما ~~أجمعوا عليه حتى يكون إجماعا. إن أم الولد كان حكمها حكم الأمة بإجماع، ثم ~~أعتقهن عمر، وخالفه علي بعد موته، ورأى (2) أن تسترق (3) . فكان الإجماع في ~~الأصل: أنها أمة. PageV04P1095 # وحد الخمر: ضرب أبو بكر أربعين، ثم ضرب عمر ثمانين، وضرب علي في خلافة ~~عثمان أربعين، فقال: ضرب أبو بكر أربعين، وكملها عمر ثمانين، وكل سنة (1) . # والحجة عليه في الإجماع في الضرب أربعين، ثم عمر خالفه، فزاد أربعين، ثم ~~ضرب على أربعين". # وظاهر هذا: أنه اعتبر انقراض العصر؛ لأنه اعتد بخلاف على بعد عمر في أم ~~الولد. وكذلك اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر. PageV04P1096 # وذهب المتكلمون من المعتزلة (1) والأشعرية (2) وأصحاب أبي حنيفة (3) ~~-فيما حكاه أبو سفيان- إلى أن انقراض العصر غير معتبر في صحة الإجماع. # واختلف أصحاب الشافعي: # فمنهم من قال مثل قولنا (4) . # ومنهم من قال مثل قولهم (5) . # ومنهم من قال: إن كان الإجماع مطلقا لم يعتبر انقراض العصر عليه، وإن كان ~~بشرط، وهو: إن قالوا: هذا قولنا، ويجوز أن يكون الحق في غيره، فإذا وضح ~~PageV04P1097 # صرنا إليه، لم يكن إجماعا (1) . # وفائدة الخلاف: من قال: لا يعتبر انقراض العصر عليه، يقول: لا يسوغ أن ~~يرجع الكل عما أجمعوا عليه، وإن رجع واحد منهم ساغ رجوعه، لكنه محجوج بقول ~~الباقين. وإذا حدث من التابعين من هو من أهل الاجتهاد فخالفهم لم يكن خلافه ~~خلافا. # ومن قال: يعتبر انقراض أهل العصر، يقول: يجوز أن يرجع الكل عن ذلك القول ~~إلى غيره، ويرجع الواحد منهم عن القول ms435 معهم، فيكون خلافه خلافا ويسوغ ~~للتابعين مخالفتهم، فيكون خلافهم (2) خلافا. # والدلالة على اعتبار انقراض العصر: # قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا) (3) . # فوجه الدلالة: أنه جعلهم شهداء على غيرهم، ولم يجعلهم شهداء على أنفسهم. # ومن قال لا يعتبر انقراض العصر لا يجوز رجوعهم عما أجمعوا عليه، فيكون ~~قولهم حجة على أنفسهم. # فإن قيل: ليس في الآية ما يمنع كونهم شهداء على أنفسهم، وإنما فيها إثبات ~~كونهم شهداء على غيرهم. # قيل: لما غاير بينهم وبين غيرهم، فجعلهم شهداء على غيرهم، وجعل الرسول ~~شهيدا عليهم، ثبت أن حكمهم مخالف لحكم غيرهم. PageV04P1098 # فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم. # قيل: من كان شهيدا وحجة على غيره، فليس بحجة على نفسه، كالشاهد هو شاهد ~~على غيره [163/ب] ، ولا يكون شاهدا على نفسه، وإنما يكون مقرا، وقول النبى ~~حجة على غيره، وليس حجة على نفسه. # فإن قيل: إذا كانوا شهداء على غيرهم، فيجب أن يكونوا شهداء على أنفسهم؛ ~~لأن الحجة لا تختص بقوم دون قوم ولا بعصر دون عصر. # قيل: قد بينا اختصاص الحجة بجهة دون جهة. # وعلى أن الموضع الذي نجعله حجة على غيره نجعله حجة في نفسه في الفتيا ~~لغيره. فأما إذا رجع فليس بحجة على غيره ولا على نفسه. # وأيضا: ما احتج به أحمد من إجماع الصحابة، وذلك أنه روي عن علي أنه قال: ~~(كان رأيي مع أمير المؤمنين عمر: أن لا تباع أمهات الأولاد، وأرى (1) الآن ~~أن يبعن، فقال له عبيدة السلماني (2) : رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك ~~وحدك) (3) . # فعلى أظهر الخلاف بعد الإجماع، فأقر عليه. فلو كان انقراض العصر غير ~~معتبر ما ساغ له الخلاف. PageV04P1099 # فإن قيل: ما خالف الإجماع؛ لأنه كان قوله وقول عمر على ذلك وحدهما، فخالف ~~عمر فقط. # وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (والله ما هن إلا بمنزلة بعيرك وشاتك) ~~(1) . # وكان عبد الله بن الزبير: يبيح بيع أمهات الأولاد (2) . # فدل على ms436 أنهم لم يجمعوا. # قيل: قول عبيدة له: (رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) ، يدل على ~~(3) أن الجماعة كانت مع عمر، ومعه على، أن لا يبعن (4) . PageV04P1100 # ويدل عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال قولا: أعتبر انقراضه ~~عليه؛ لأنه قد يرجع عنه، ويتركه، فإذا جاز هذا في حق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فبأن يجوز في حق المجمعين أولى. # فإن قيل: الرسول لا يرجع عما كان عليه؛ لأنه لا يتبين له الخطأ، وإنما ~~يرجع بأن يقول: كنت على صواب، ولكن قد نسخ عني ذلك، وأمرت بغيره، فلهذا جاز ~~أن يرجع عما كان عليه، وليس كذلك المجمعون؛ لأنهم لا يرجعون عما كانوا ~~عليه؛ لأنه قد يبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه. # قيل: هذا تعليل بجواز الرجوع عما كان عليه بعد صحة الجمع بينهما فلا يضر ~~الفرق (1) . PageV04P1101 # وأيضا: فإن كل واحد من المجمعين إنما قال ما قاله عن دليل صحيح عنده من ~~قياس أو اجتهاد واستدلال، وهو يجوز على نفسه الخطأ فيما أفتى به، فإذا صح ~~له الفساد لدليله، لزمه الرجوع عن قوله واعتقاد غيره، فإذا لزمه الرجوع عما ~~كان عليه لفساد دليله عنده بطل الإجماع. # فإن قيل: لا يسوغ رجوعه؛ لأنه كان مصيبا في القول، مخطئا في الدليل. # قيل: إنما كان على الصواب في قوله؛ لأجل دليله. ألا ترى أنه لو لم ~~[164/أ] ، يكن من أهل الأدلة والاجتهاد لم يعتد بقوله، فإذا فسد عنده ~~الدليل بطل قوله عن ذلك الدليل. # وأيضا: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف ~~وجواز القول بكل واحد من القولين، وانعقد الإجماع على ذلك، ثم إذا رجعت ~~إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى صارت المسألة إجماعا، وزال ما أجمعوا عليه ~~من تسويغ الخلاف، فلو كان الإجماع قد انعقد بنفسه من غير اعتبار انقراض ~~العصر، لما جاز رجوعهم عما أجمعوا عليه من تسويغ الخلاف. # وهذه طريقة مفيدة. # فإن قيل: إنما جاز الإجماع بعد الخلاف؛ لأن التابعين لو أجمعوا على أحد ~~القولين صارت ms437 المسألة إجماعا. # قيل: لا يصير إجماعا عندنا. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (1) ولم يشترط انقراض العصر. # وقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) و (لا ~~تجتمع على خطأ) . # والجواب عن قوله: (ويتبع غير سبيل المومنين) فهو: أنه إذا رجع واحد ~~PageV04P1102 # منهم صار سبيل بعض المؤمنين. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تجتمع أمتي على خطأ) فلا نسلم أن ~~الإجماع يستقر حكمه ويلزم إلا بعد انقراض العصر، فلا يتناوله الاسم. # وليس الاعتبار بالإجماع اللغوي، الذي طريقه الاجتماع، وإنما الاعتبار ~~بالإجماع الشرعي، الذي هو: القطع والعزيمة. وهذا لا يكون إلا بعد انقراض ~~العصر. وإذا لم يتناول الاسم، لم نسلم أنه متبع غير سبيل المؤمنين ولا ~~مخالف الإجماع. # واحتج: بأن التابعين احتجوا بإجماع الصحابة في عصر الصحابة: # فروي [عن] الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة، وأنس بن مالك [حي] (1) ~~، فلو كان انقراض العصر شرطا ما احتج بذلك قبل انقراضه. # والجواب: أنا لا نعرف هذا عن التابعين، وما ذكروه عن الحسن، فيجب أن ينقل ~~لفظه، حتى ينظر كيف وقع ذلك منه. # وعلى أنه لو كان منقولا لم يكن فيه حجة؛ لأن من الناس من قال: قول ~~الصحابي وحده حجة. وهو الصحيح من الروايتين لنا، فإذا كان كذلك احتمل أن ~~يكون الحسن احتج بقول الواحد منهم، لا بإجماعهم (2) . # واحتج: بأن قول النبي حجة بوجوده، ولا يقف على انقراضه، كذلك قول ~~المجمعين. PageV04P1103 # والجواب: أنا قد جعلناه حجة لنا، وقد بينا أنه يعتبر في ذلك انقراضه، ~~لأنه قد يرجع عنه، ويتركه. # على أن قوله لا يقف العمل به على انقراضه؛ لأنه بالنسخ لا يبين الخطأ ~~فيما كان عليه، بل يرجع عما كان عليه مع كونه صوابا في ذلك الوقت، وليس ~~كذلك رجوع المجمعين [164/ب] ؛ لأنه عن خطأ يبين لهم. # واحتج: بأنه يؤدي إلى أنه لا يوجد إجماع؛ لأن اتفاقهم لو لم يكن إجماعا ~~حتى ينقرضوا، لوجب إذا حدث قوم معهم من أهل الاجتهاد: أن يعتبر اتفاقهم ~~معهم وانقراضهم، ولو ms438 وجب هذا لم يحصل الإجماع أبدا؛ لأن كل عصر مندرج في ~~عصر بعده، ويحدث فيه أهل الاجتهاد من أهل العصر الثاني قبل انقراض العصر ~~الذي قبله، ويدخلون معهم في الاجتهاد، ويجب اعتبار رضاهم بقول من قلتم ~~وموافقتهم لهم فيه، وهذا يمنع وجود الإجماع أبدا. # والجواب: أن هذا مبني على أصل: أن (1) التابعى إذا أدرك عصر الصحابة هل ~~يعتد بخلافه ووفاقه؟ فيه روايتان: # إحداهما: لا يعتد، وإذا لم يعتد به لم يفض إلى ما قالوه من أنه: لا يحصل ~~الإجماع. # والرواية الثانية: يعتد به، فعلى هذا لا يفضي إلى ما قالوه أيضا؛ لأن ~~الصحابة إذا كانت على قول، فحدث تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، فهو وهم من ~~أهل الاجتهاد في ذلك العصر، فإذا انقرضت الصحابة، وبقي ذلك التابعي، فحدث ~~تابعي، وصار من أهل الاجتهاد، لم يسغ له الخلاف؛ لأنه ما عاصر الصحابة، ~~وإنما عاصر من عاصرهم، وإنما يسوغ الخلاف لمن عاصرهم، فأما من عاصر من ~~عاصرهم فلا، وإذا كان كذلك لم يفض إلى ما قالوه. PageV04P1104 # واحتج: بأنه لو جاز أن يجمعوا على حكم لم يرجعوا عنه كان إجماعا على خطأ، ~~والأمة لا تجتمع على خطأ. # والجواب: أن الأمة لا تجتمع على خطأ، إذا انقرض عصرهم عليه، فأما قبل ~~انقراضه، فإنهم يجمعون على الخطأ، ويتبين لهم الصواب فيصيرون إليه. # فإن قيل: الذي يعتبر: انقراض العصر في انعقاد الإجماع، وليس ذلك قولا ولا ~~فعلا. # قيل: هو وإن لم يكن قولا ولا فعلا، فإنه يستقر به حكم القول والفعل فجاز ~~اعتباره. ### | مسألة # إذا اختلف الصحابة على قولين، ثم أجمع التابعون على أحد القولين لم يرتفع ~~الخلاف، وجاز الرجوع إلى القول الآخر والأخذ به (1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية يوسف بن موسى: "ما اختلف فيه ~~علي وزيد ينظر أشبهه بالكتاب والسنة، يختار". # وكذلك نقل المروذي عنه: "إذا اختلف [الصحابة] (2) ينظر إلى أقرب القولين ~~(3) إلى الكتاب والسنة". # وكذلك نقل أبو الحارث: " [ينظر] (4) إلى أقرب الأقوال (5) وأشبهها ~~بالكتاب والسنة". PageV04P1105 # وظاهر هذا: أنه رجع في ذلك ms439 إلى موافقة الدليل، ولم يرجع إلى إجماع ~~التابعين على أحد القولين (1) . [165/أ] . # وبهذا قال أبو الحسن الأشعري. # وقال أصحاب أبي حنيفة (2) -فيما حكاه أبو سفيان- والمعتزلة (3) : يرتفع ~~الخلاف و [لا] ، يجوز الرجوع إلى القول [الآخر] . # وإنما قال هذا إذا كان إجماع التابعين على أحد القولين بعد انقراض أهل ~~أحد القولين. # واختلف أصحاب الشافعي: # فمنهم من قال مثل قولنا (4) . # ومنهم من قال مثل قولهم (5) . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (6) . # وظاهر هذا: يقتضي أنه إذا تنازع [أهل] العصر الذي بعد التابعين المجمعين ~~PageV04P1106 # على أحد القولين في شىء أن يردوه إلى الله ورسوله، وعلى قولهم يلزمهم رده ~~إلى ما أجمع عليه التابعون. # وإلى هذا المعنى أشار أحمد بقوله: "إذا اختلف الصحابة، رجع إلى الكتاب ~~والسنة". # يدل عليه أيضا: ما روى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (1) في كتاب ~~الشريعة (2) بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: (أصحابى مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم) (3) . # وظاهر هذا يقتضي: الرد إلى كل واحد من الصحابة بكل حال، مع الإجماع على ~~قول بعضهم، ومع الاختلاف. # فإن قيل: كيف يحتجون بهذا الحديث، وقد قال إسماعيل بن سعيد: "سألت أحمد - ~~رضي الله عنه - عمن احتج بقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: (أصحابي ~~بمنزلة النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم) قال: لا يصح هذا الحديث". # قيل: قد احتج به أحمد -رحمه الله- واعتمد عليه في فضائل الصحابة. # فقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: "أخبرني عبد الله بن حنبل بن ~~PageV04P1107 # إسحاق بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول في الغلو في ~~ذكر أصحاب محمد لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (الله الله في ~~أصحابي، لا تتخذوهم غرضا) (1) وقال: (إنما هم بمنزلة النجوم بمن اقتديتم ~~منهم اهتديتم) ". # فقد احتج بهذا اللفظ، فدل على صحته عنده. # وأيضا: فإن الصحابة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت على تسويغ الخلاف في ~~المسألة، والأخذ بكل واحد من القولين، فإذا أجمع التابعون على ms440 أحد القولين ~~لم يجز رفع إجماع الصحابة بإجماعهم؛ لأن إجماع الصحابة أقوى من إجماعهم، ~~كما لو أجمعت على قول واحد، ثم أجمع التابعون على خلافه، وهذه طريقة ~~معتمدة. # فإن قيل: إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل قاطع، فإذا طرأ دليل ~~قاطع على أحد القولين وجب اتباعه، وحرم الاجتهاد فيه. ولا يمتنع أن يقع ~~الإجماع بشرط، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يجمعوا على جواز الصلاة بالتيمم ما ~~لم يجد الماء، فإذا وجد الماء بطلت صلاته [165/ب] ولا يكون ذلك مخالفا لما ~~أجمعوا عليه. PageV04P1108 # قيل: إن جاز أن يقال: إن إجماعهم على تسويغ الخلاف مشروط بعدم دليل قاطع، ~~جاز أن يقال: إن إجماعهم على قول واحد إذا انعقد عن قياس أنه مشروط بعدم ~~دليل قاطع، فإذا طرأ دليل قاطع وجب اتباعه. # وجواب آخر، وهو: أن الإجماع لا يجوز أن يقع مشروطا؛ لأن وجود الشرط فيه ~~يفضي إلى أن تعرى الحادثة عن حكم الله تعالى. ولا يجوز أن يعرى العصر عن ~~ذلك؛ لأن الله تعالى لم يخل وقتا من حق، وكونه مشروطا يفضي إلى هذا؛ لأن كل ~~قائل من القولين يقول: الحق في قول، ما لم يجمع على خلافه، فلا يقطع على حق ~~فيه. # ويفارق هذا التيمم؛ لأن الشرط في الحكم المجمع عليه، لا في أصل الإجماع، ~~فلا يفضي إلى ما ذكرنا. # فإن قيل: هم وإن أجمعوا على تسويغ الخلاف والقول بكل واحد من القولين، ~~فالتابعون أيضا قد أجمعوا على القول بأحدهما دون الآخر. # قيل: لا نسلم أن هذا إجماع؛ لأن من شرط صحة الإجماع: أن لا يرفع إجماعا ~~قبله. # فإن قيل: فإذا كانت الصحابة على قولين، فكل واحد من أهل القولين يجوز على ~~نفسه الخطأ فيما ذهب إليه. # قيل: هذا هو العلة التى بها جوزوا القول بكل واحد من القولين، وهو تحقيق ~~إجماعهم على تجويز القول بكل واحد من القولين. # وطريقة أخرى، وهو: أن من قال قولا ومات، فحكم قوله باق، بدليل أن الصحابة ~~إذا أجمعت على شىء، ثم انقرضوا، ms441 لم يصح أن يجمع التابعون على خلافه. # وكذلك إذا كانت الصحابة على قولين، فإذا انقرض أهل أحد القولين # PageV04P1109 # كلهم، وبقي أهل القول الآخر، لم يزل قول المنقرضين بانقراضهم. ويكون ~~الخلاف باقيا، وإذا ثبت أن حكم قول الميت باق ما زاد، فمن أسقط حكمه، كان ~~كمن أسقط قولهم مع بقائهم، وهذا لا يجوز. # ولأن أعلى مراتب التابعين أن يلحقوا بعصر الصحابة، ويكونوا من أهل ~~الاجتهاد قبل انقراضهم. وأدنى مراتبهم أن ينقرض الصحابة قبل أن يلحقوا بهم، ~~فكان قولهم إذا خالفوهم دون قولهم إذا عاصروهم وخالفوهم، ثم ثبت أن ~~التابعين لو لحقوا بالصحابة والصحابة على قولين، وأجمعوا على أحد القولين ~~لم يسقط القول الآخر بما أجمعوا عليه، وقد أجمع معهم أهل القول الثاني، ~~فبأن لا يسقط القول الآخر بعد انقراض الصحابة أولى. # فإن قيل: إنما لم يسقط القول الثاني إذا أجمعوا مع أهل [القول] الآخر؛ ~~لأنهم حينئد بعض أهل العصر، وليس كذلك إذا أجمعوا [166/أ] عليه بعد انقراض ~~الصحابة؛ لأنهم حينئذ كل أهل الاجتهاد في العصر. # قيل: في زمان الصحابة بعض أهل العصر، وبعد انقراض العصر بعض الأمة؛ لأن ~~حكم القول الذي خالفوه ثابت، لا يزول ولا يرتفع بما بينا. ولأن من قال: ~~إجماع التابعين يزيل الخلاف السابق ويصير قولهم إجماعا، يفضى قوله إلى أن ~~الإجماع ينعقد بموت واحد. # وبيانه: إذا كانت الصحابة على قولين، فانقرضوا، وبقي واحد من الصحابة، ~~وهو من أهل أحد القولين، ثم أجمع التابعون على قول من لم يبق منهم أحد، لم ~~يكن إجماعا؛ لبقاء واحد من أهل القول الذي خالفوه، وإذا هلك هذا الواحد صار ~~ما أجمع عليه التابعون إجماعا بانقراض هذا الواحد وهلاكه، وموت الإنسان ليس ~~بقول ولا حجة، فكيف يكون الإجماع منعقدا بموت واحد. # PageV04P1110 # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المومنين) (1) والتابعون هم المؤمنون. # وقول النبي: (أمتي لا تجتمع على الخطأ) . # والجواب: أن الآية مشتركة الدلالة؛ لأنها إن كانت حجة على ما أجمع عليه ~~التابعون، ms442 فهى حجة على ما أجمعت عليه الصحابة من تجويز القول بكل واحد ~~منهما. # وكذلك الجواب عن الخبر. # واحتج: بأن هذا إجماع تعقب خلافا، فوجب أن يزيل حكم الخلاف، كما لو ~~اختلفوا الصحابة، ثم أجمعت على أحد القولين، وقد وجد مثل هذا؛ لأنهم ~~اختلفوا في قتال ما نعي الزكاة، ثم اتفقوا عليه. # وقول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير (2) . # وإجماعهم على ترك قسمة السواد بعد اختلافهم فيها (3) . # والجواب: أنه إذا رجعت إحدى الطائفتين إلى قول الأخرى، فلم يبق هناك خلاف ~~باق [و] صارت المسألة إجماعا، وليس كذلك إجماع التابعين على أحد القولين؛ ~~لأن الخلاف لم يرتفع، فلم تصر المسألة إجماعا. # واحتج: بأن إجماعهم يقطع الخلاف فيما بعد، فوجب أن يرتفع الخلاف ~~PageV04P1111 # المتقدم. ألا ترى أن سنة النبي -عليه السلام- لما منعت الخلاف، قطعت ~~الخلاف، بدليل أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لو غاب عن الصحابة، ~~واختلفوا -وهو غائب- في الحكم على قولين، ثم قدم النبى - صلى الله عليه ~~وسلم -فأخبروه (1) بما كانوا عليه، فأخبرهم بالحق في واحد منهما (2) ، زال ~~الخلاف، كذلك إجماع التابعين. # والجواب: أنه يبطل بالإجماع من إحدى الطائفتين بعد موت الطائفة الأخرى، ~~فإنه يقطع الخلاف في المستقبل، ولا يرفع الخلاف [166/ب] المتقدم. # وأما الفصل بين إجماع التابعين وسنة النبى فظاهر، وذلك أن الاجتهاد في ~~زمن النبى - صلى الله عليه وسلم - مختلف فيه: # فمنهم من أجازه، وقال: لا يستقر. # ومنهم من قال: لا يسوغ، لأن النص مقدور عليه. # وإذا كان كذلك لم يثبت ما اختلفوا فيه في زمان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فإذا جاءت سنة لم يرفع ما كان باقيا، وإنما ثبت الحق، وإجماع ~~التابعين ها هنا يتضمن إسقاط إجماع الصحابة. # واحتج: بأن إجماع التابعين حجة، وقول واحد من الطائفتين ليس بحجة. # والجواب: إنما يكون حجة مقطوعا عليها، إذا لم يتقدمه اختلاف الصحابة فأما ~~مع تقدم ذلك، فإنه يخرج عن كونه حجة. PageV04P1112 ### | ### | مسألة # # إذا اختلفت الصحابة على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث (1) . # نص عليه في رواية عبد الله وأبي الحارث: ms443 "يلزم من قال: يخرج من أقاويلهم ~~إذا اختلفوا، أن يخرج من أقاويلهم إذا أجمعوا". # وقال أيضا في رواية الأثرم: "إذا اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يختر (3) من أقاويلهم، ولا يخرج عن قولهم إلى من بعدهم" # وهو قول الجماعة. خلافا لبعض الناس في قوله: "يجوز إحداث قول ثالث" (3) . ### | دليلنا: # أن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على ~~واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما. # واحتج المخالف: # بأن النظر، الاجتهاد سائغ فيها، فهى بمنزلة ما لم يتكلم فيها. ~~PageV04P1113 # والجواب: أن الاجتهاد يجوز في طلب الحق من القولين دون ما عداهما، لأن ~~بطلان ما عداهما ثابت بالإجماع، ولا يسوغ الاجتهاد في المجمع عليه، وهذا ~~بمنزلة ما لو ثبت بطلان ما عداهما بالنص، فيسوغ الاجتهاد في القولين دون # غيرهما. # واحتج: بأن الصحابة إذا أثبتوا حكما من طريقين، جاز إثباته من طريق ثالث، ~~كذلك ها هنا. # والجواب: أن الطريق مخالف للحكم، ألا ترى أنهم إذا أجمعوا على شىء من نص ~~القرآن، جاز إثباته من طريق السنة والإجماع، وإذا أجمعوا على حكم واحد، من ~~يجز إحداث قول ثان؛ لأن في الخروج عن القولين مخالفة للإجماع وليس في إثبات ~~ما أجمعوا عليه من غير طريقهم مخالفة الإجماع؛ لأن إثبات الحكم من طريق لا ~~يتضمن نفي غيره، والإجماع على حكم يتضمن نفي غيره ولهذا إذا أجمعوا على قول ~~واحد، لم يجز إحداث قول ثان. # واحتج: [167/أ] بأن التابعين قد خالفوا في هذا، وأحدثوا قولا ثالثا فيما ~~كانت الصحابة فيه على قولين، فأقروا التابعين على ذلك، ولم ينكروه (1) . # من ذلك: أن الصحابة اختلفوا في امرأة وأبوين، وزوج وأبوين، على قولين: ~~ابن عباس -وحده- يقول: للأم الثلث [من] ، أصل المال. # والباقون قالوا: للأم ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج والزوجة (2) . # ففرق ابن سيرين بينهما، وقال بقول ابن عباس في امرأة وأبوين، وبقول ~~الباقين في زوج وأبوين، فلم ينكر عليه منكر. PageV04P1114 # وكذلك اختلفت الصحابة في قوله: "أنت على حرام"، على ستة مذاهب ms444 فأحدث ~~مسروق (1) قولا سابعا (2) ، فقال: "لا يتعلق به حكم"، وقال: "ما أبالي ~~أحرمها (3) ، أو قصعة (4) من ثريد" (5) ، فأقروه على هذا، ولم ينكروا عليه. ~~PageV04P1115 # والجواب: أنه ليس معنا أن التابعين عرفوا هذا، فأقروه. عليه، ورضوا به، ~~فلا يثبت إجماعا بالشك، وإذا لم يكن إجماعا منهم، لم يؤثر إقرار بعضهم. # على أن مسروقا عاصر الصحابة، وكان من أهل الاجتهاد قبل انقراضهم، فكان ~~كأحدهم، فالذي يخالف فيه يحتمل أن يكون قبل استقرار ما اختلفوا فيه، فلا ~~يكون هذا إحداث قول آخر. ### | ### | مسألة # (1) # وإن قالت طائفة من الصحابة في مسألتين قولين متفقين مخالفين لقول الطائفة ~~الأخرى، فهل يجوز لأحد أن يقول في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي الأخرى ~~بقول الطائفة الأخرى؟ # ينظر فيه: # فإن لم يصرحوا بالتسوية بين (2) المسألتين جاز (3) . # وإن صرحوا بالتسوية بينهما لم يجز على قول أكثرهم. # وعلى قول بعضهم يجوز (4) ؛ لأن التسوية بينهما في حكمين مختلفين، فلم ~~يحصل في واحد منهما إجماع. PageV04P1116 ### | ### | مسألة # # إذا خالف الواحد أو الاثنان الجماعة لم يكن إجماعا (1) . # ويمنع (2) خلاف الواحد المعتد به انعقاد الاجماع في أصح الروايتين. # أومأ إليه -رحمه الله- في رواية المروذي: "إذا اختلفت أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ~~ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة". PageV04P1117 # وهو قول الجماعة. # وفيه رواية أخرى: لا يعتد بخلاف الواحد، ولا يمنع انعقاد الإجماع. # أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية ابن القاسم: في المريض يطلق، وذكر ~~قول زيد (1) ، فقال: "زيد وحده، هذا عن أربعة من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد، وابن عمر" (2) . # وقال في رواية الميموني: "في فسخ الحج أحد عشر رجلا من أصحاب النبي يروون ~~ما يروون، أين يقع بلال بن الحارث منهم" (3) . # وظاهر هذا: أنه لم يعتد [167/ب] بخلاف زيد في مقابلة الجماعة ولا مخالفة ~~بلال في مقابلة الجماعة (4) . PageV04P1118 # وحكي ذلك عن ابن جرير الطبري (1) صاحب التاريخ (2) . # وحكاه أبو سفيان عن أبى بكر الرازي (3) . # قال ms445 أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في ذلك للواحد، ~~خلافه معتدا به، مثل خلاف ابن عباس في العول (4) ، وإن أنكرت PageV04P1119 # الجماعة على الواحد لم يعتد بخلافه، مثل قول ابن عباس في المتعة (1) ~~PageV04P1120 # والصرف (1) . PageV04P1121 # والدلالة على أنه يمنع انعقاد الإجماع: # قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (1) والتنازع ~~موجود، فوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة. # وقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله) (2) وقد وجد ~~الاختلاف، فوجب الرجوع إلى كتاب الله تعالى. # وأيضا: فإن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - خالف الصحابة -رحمهم الله- ~~في قتال مانعي الزكاة (3) . # وخالف ابن مسعود وابن عباس في مسائل في الفرائض سائر الصحابة، فلم ينكروا ~~عليهما، ولم يقولوا: إن الواحد محجوج بالإجماع، وإنه يلزمه اتباعهم. # ولأن العقل يجوز الخطأ على هذه الأمة، كما يجوز الخطأ على سائر الأم، ~~وإنما نفينا عنهم الخطأ بالشرع، وقد وجد الشرع بذلك في حال الاجتماع دون ~~الاختلاف فإذا وجد الاختلاف بقي الحكم على مقتضى العقل. PageV04P1122 # واحتج المخالف: # بما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أنه] قال: (عليكم بالسواد ~~الأعظم) . # وقوله عليه السلام: (عليكم بالجماعة) . # والجواب: أن المراد به أهل الاجتهاد من أهل العصر، فهو السواد الأعظم وهو ~~الجماعة. # واحتج: بأن ابن عباس لما خالف الجماعة في بيع الدرهم بالدرهمين نقدا ~~وإباحة المتعة، أنكر عليه ابن الزبير المتعة (1) ، وأنكر غيره عليه بيع ~~الدرهم بالدرهمين (2) ، فلو كان خلافه للجماعة سائغا، لما أنكروا عليه ما ~~ذهب إليه. # والجواب: أنهم ما أنكروا عليه ما ذهب إليه، من حيث إنهم على خلاف # قوله باجتهادهم، وإنما أنكروا عليه، لأنه خالف الخبر المنقول عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم - في بيع الدرهم بالدرهمين، وهو قوله عليه السلام: ~~(الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما) (2) . وكذلك قوله في ~~المتعة: (إن النبي حرمها إلى يوم القيامة) (3) . # واحتج: بأن خبر الجماعة أولى من خبر الواحد والاثنين، كذلك قول الجماعة ~~أولى من قول الواحد والاثنين. # والجواب: أن خبر الجماعة لو كان موجبا [168/أ] للعلم كان ms446 ما خالفه ~~PageV04P1123 # كذبا أو خطأ أو منسوخا (1) ، فلا يجوز العمل به، وإن كان خبر الجماعة لا ~~يوجب العلم، وإنما يغلب على الظن، فإنه أولى، لأن خبر الجماعة أقوى في الظن ~~من خبر الواحد. # يدل على ذلك: أن الشىء من الجماعة أحوط منه من الواحد (2) والاثنين، ~~ولهذا قال الله تعالى: (أن تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى) (3) . # فأما اجتهاد الأكثر فلا يوجب العلم وقوة الظن، فلا تأثير له في الاجتهاد؛ ~~لأنه لا يجوز للعالم أن يقلد عالما، وإن كان أقوى اجتهادا منه في نفسه، ~~وإنما يجب قبول اجتهاد غيره، والعمل به مع القطع بصحته، فبان الفرق بينهما. # واحتج: بأنه لما جاز أن يكون في أهل العصر من لم يبلغه ما أجمعت عليه ~~الجماعة، أو بلغه فلم يظهر الخلاف وأسره، صح انعقاده مع ذلك، كذلك انعقاده ~~مع خلاف الواحد. # والجواب: أن الإجماع إنما يصح إذا انتشر ما أجمعت عليه الجماعة انتشارا ~~ظاهرا يقف عليه الكافة، فإذا ظهر انتشاره ولم يظهر خلاف من أحد، علمنا أن ~~الكافة قد أطبقت عليه بنفي ما يمنع انعقاد الإجماع، وإذا خالف واحد واثنان ~~فقد تيقنا حصول ما يمنع أنعقاد الإجماع. PageV04P1124 ### | ### | مسألة # # يجوز انعقاد الإجماع من طريق الاجهاد (1) خلافا لابن جرير (2) ونفاة ~~القياس (3) . ### | دليلنا: # طريقان: أحدهما وجوده. # والثاني: جواز وجوده. # فأما وجوده فهو أن الناس أجمعوا على إمامة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه ~~- من طريق الاجتهاد. # فمنهم من قال: (رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة، وهي عماد ~~الدين، ومن رضيه رسول الله لديننا وجب أن نرضاه لدنيانا) (4) . ~~PageV04P1125 # ومنهم من احتج بقوله: (إن تولوا أبا بكر تجدوه قويا في دين الله ضعيفا في ~~بدنه) (1) . # ومنهم من رضيه، فعقد له. PageV04P1126 # كما أن المسلمين أمروا خالد بن الوليد (1) في مؤتة (2) باجتهادهم. فصوب ~~ذلك منهم، وأقرهم عليه (3) . # وهذا كله اجتهاد منهم. # وكذلك اتفقوا على قتال مانعي الزكاة من طريق الاجتهاد والتراجع (4) فيه ~~والتحاجج عليه، والقصة منه ظاهرة، ومناظرتهم مشهورة. # ويدل عليه: # أن الأمة اتفقت على أن الأمة في التقويم ms447 بمنزلة العبد، إذا أعتق شخصا. ~~وأن السنور إذا ماتت في السمن بمنزلة الفأرة. وأن الشحم الذائب ~~PageV04P1127 # بمنزلة السمن. وأن الغائط في الماء بمنزلة البول. وأن غير فاطمة بنت أبي ~~حبيش من المستحاضات [168/ب] بمنزلة فاطمة. وأن غير الأعرابي في كفارة الفط ~~بمنزلته. وليس طريقه إلا القياس، فدل على ما قلناه. # والطريق الثاني في جواز وجوده، والدليل عليه: أن القياس وما يجري مجراه ~~أمارة ظاهرة، فجاز اجتماع العدد الكثير على الحكم من جهتها، أصله: القرآن ~~والسنة. # فإن قيل: لفظ القرآن والسنة مسموع، والجماعة تشترك في سماعه، فيجوز أن ~~يقفوا على حكمه، وليس كذلك الاجتهاد، فإنه رأي، ولا يجوز أن ينظر العدد ~~الكثير فيتفق رأيهم. # قيل: الاجتهاد يستند إلى أمارة ثابتة صحيحة، وهى تأثيرات الأصول وشهادتها ~~الدالة على المعاني، وظهورها كظهور لفظ القرآن والسنة، [فإذا] جاز (1) أن ~~يجمع العدد الكثير عن الشبهة، مثل اتفاق اليهود والنصارى والمجوس على تكذيب ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنكار نبوته، وعلى قتل عيسى - صلى الله ~~عليه وسلم - وصلبه، كان اتفاقهم على الحجة أولى. # واحتج المخالف: (2) # بأن القياس باطل، فلا يجوز انعقاد الإجماع عليه. # والجواب: أن القياس عندنا صحيح ودليل من دلائل الشرع. ويأتي الكلام على ~~ذلك إن شاء الله تعالى. # واحتج: بأن نفس القياس لما كان مختلفا فيه، وكان في المجمعين من لا ~~PageV04P1128 # يقول به، بطل أن يكون إجماعهم صادرا عن القياس؛ لأن ذلك يوجب كون الشىء ~~مجمعا عليه ومختلفا فيه. # والجواب: أن الإجماع عند داود إجماع الصحابة، ولا نسلم أنه كان منهم من ~~لا يقول بالاجتهاد، ولا في التابعين. # وما روي من ذم القياس عن بعضهم (1) ، فإنما أراد به مع وجود النص المخالف ~~للقياس. # وقد أجيب عنه بأن النافي للاجتهاد قد تناقض، فيثبت الحكم من طريق ~~الاجتهاد، ويخفى عليه وجهه، كما ادعينا على داود أنه أثبت أحكاما من طريق ~~الاجتهاد مع مخالفته فيه. # وجواب آخر، وهو: أنه باطل بخبر الواحد والعموم، فإنه لا يخلو عصر إلا ~~وفيه من ينفى خبر (2) الواحد، ويمنع صحة العموم، ومع ms448 هذا فلا خلاف أن ~~الإجماع ينعقد بكل واحد منهما. # واحتج: بأن العدد الكثير لا يتفق اختيارهم لأمر واحد، واستحسانهم له؛ لأن ~~الله تعالى باين بين الطباع، وخالف بين الدواعي والهمم، ولهذا لا يصح ~~اتفاقهم على وضع كذب، وانتحال (3) شعر، واختيار كلام. # والجواب: أن هذا خطأ؛ لما بينا من اتفاق رأيهم على ما ذكرنا. ~~PageV04P1129 # وعلى أن اتفاقهم على وضع كذب [169/أ] وانتحال (1) شعر، واختيار لفظ، إنما ~~لم يجز؛ لأنه لا أمارة عليه تدعو إليه، وليس كذلك الحكم الشرعي فإن عليه ~~أمارة تدعو إليه، وتدل عليه، فجاز أن تجمع خواطر العدد الكثير على اعتقاد ~~صحته، والحكم به. ويدل عليه أنه يجوز اتفاقهم على الصدق، وإن كان لا يجوز ~~اتفاقهم على وضع الكذب؛ لأن الكذب لا داعي له يعمهم، وللصدق داع يعمهم، ~~ويجمعهم، كذلك للحكم دليل يعمهم، ويجمعهم، فافترقا. # واحتج: بأن من نفى القياس وخالفه لا يفسق، ومن خالف الإجماع فسق، فكيف ~~ينعقد الإجماع الذي يفسق من خالفه عن قياس لا يفسق من خالفه. # والجواب: أنه إنما يفسق إذا لم يتأيد (2) بالإجماع عليه، فأما إذا تأيد ~~(3) # بالإجماع عليه، قوي بالمصير إليه، ففسق جاحده، وهذا كما قلنا في خبر ~~الواحد: من جحده لا يفسق، ومع هذا إذا انعقد الإجماع فسق مانعه. # وهكذا من منع صيغة العموم لا يفسق، فإذا انعقد الإجماع به فسق مانعه ~~ومخالفه، وكذلك القياس مثله. # واحتج: بأن القياس فرع والإجماع أصل، فكيف ينعقد الأصل عن فرعه. # والجواب: أنه ليس بفرع للإجماع، وإنما هو فرع لأصله الذي استنبط منه وذلك ~~الأصل آية أو حديث (4) فإذا صح انعقاده عن أصل القياس صح انعقاده عن فرع ~~ذلك الأصل. PageV04P1130 # واحتج: بأن القياس أمر خفي، يفتقر إلى استخراج واستنباط، وليس كل من كان ~~من أهل الاجتهاد يقدر عليه. # والجواب: أنه كذاك، ولكن إذا كان خفيا كان الاهتمام به أشد والعناية به ~~أؤكد، فكان الإجماع عنه (1) أولى. # ألا ترى أن معرفة صيغة العموم أمر خفي، وكذلك الجمع بين الخبرين، ~~واستخراج الحكم من بينهما، من حيث بناء أحدهما ms449 محلى الآخر، وهو أخفى من ~~القياس وأدق، ومع هذا ينعقد الإجماع عنه ويصح، فانعقاده بالقياس أولى. # واحتج: بأن كل واحد منهم إذا قال في الحادثة قولا عن قياس فهو يقول: يجوز ~~لغيري أن يخالفني فيه. فإذا أجمعوا عليه، فقد أجمعوا على تجويز مخالفتهم، ~~وإذا أجمعوا على تجويز مخالفهم بعد قول من قال: لا يسوغ خلافهم. # والجواب: أن كل واحد منهم يعتقد جواز مخالفته، ما لم يستقر إجماعهم على ~~ذلك، فإذا استقر إجماعهم عليه، لم تسغ المخالفة، ولن يمتنع أن يخالف كل ~~واحد منهم إذا انفرد، وإذا اجتمعوا لم يجز. # ألا ترى أن خبر الواحد تسوغ مخالفته، كذلك ها هنا، وإذا ثبت هذا وأنه ~~[169/ب] ينعقد من طريق الاجتهاد، فإنه ينعقد عن القياس الجلي (2) ، وعن ~~القياس الخفي (3) . # أما الجلي (4) [ف] نحو قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (5) نص على التأفيف ~~PageV04P1131 # ونبه على الضرب. # وكذلك قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (1) ، (ولا يظلمون نقيرا) ~~(2) ، ونحو ذلك. # وأما الخفي: فهو قياس غلبة (3) الشبه، وبيانه: أن تحدث حادثة، وليس هناك ~~إلا أصلان، أصل حظر، وأصل إباحة، وأصل الحظر له خمسة أوصاف، وأصل الإباحة ~~له خمسة أوصاف، والحادثة لا تجمع أوصاف أحدهما، بل فيها من الإباحة أربعة ~~أوصاف، ومن أوصاف، الحظر ثلاثة، فإذا كان كذلك ألحقناه بالذي كثرت أوصافه ~~فيه. # وهذا يقع في الصفات والأحكام. # أما الصفات فمعروفة، و [أما] الأحكام فكالعبد (4) ، أخذ شبها من الحر: ~~بأنه مكلف مخاطب، وأخذ شبها من البهائم: بأنه (5) مملوك، يورث، ويباع، ~~ويوهب، فلم يجتمع معنى أحد الأصلين، فألحقناه بكل واحد بما هو أشبهه، ~~فأطرافه أشبه بأطراف الحر، فأوجبنا فيها مقدرا، والجناية على غير أطرافه ~~بالبهائم أشبه، فألحقناه بها، فالقياس ينعقد عليه؛ لأنه كغيره من أنواع ~~القياس في باب العمل به، فوجب أن يكون كغيره في انعقاد الإجماع عليه. ~~PageV04P1132 ### | مسألة # الاعتبار في الإجماع بقول أهل العلم، ولا يعتبر بخلاف العامة لهم (1) . # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية ابن القاسم، وقد ذكر له عن شريح (2) ~~وابن سيرين - فقال: "هؤلاء ms450 لا يكونون حجة على من كان مثلهم من التابعين، ~~فكيف على من قبلهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -". # وحكي عن قوم من المتكلمين: إذا خالفهم رجل من العامة، لم يكن إجماعا (3) ~~. ### | ### | دليلنا: # # أن العامي ليس من أهل الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأنه لا يجوز أن يعمل ~~باجتهادة، ولا يجوز لغيره أن يعمل به، فهو بمنزلة الصبيان والمجانين. # فإن قيل: لا حكم لقول الصبيان والمجانين. PageV04P1133 # قيل: لا حكم لقولهم في أحكام الشريعة، كما لا حكم لقول الصبيان والمجانين ~~ووجوده وعدمه سواء. # فإن قيل: العامة مكلفون، والصبيان والمجانين غير مكلفين. # قيل: العامة لم يكلفوا الاجتهاد في الأحكام، بل منعوا منه، فلا فرق بينهم ~~في ذلك. # ولأن العامة محجوجة بقول أهل العلم، فوجب أن لا يعتبر رضاهم به، كما أن ~~الأمة لما كانت محجوجة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتبر رضاهم ~~به، وكذلك أهل [170/أ] العصر الثاني مع أهل العصر الأول. # ولأنهم يلزمهم الرضا بما اتفق أهل العلم عليه، وما وجب الرضا به، لم يكن ~~لعدم الرضا حكم، وكان وجوده وعدمه سواء. # واحتج المخالف: # بقول النبي -عليه السلام- (لا تجتمع أمتي على ضلالة) : و (لا تجتمع على ~~الخطأ) ، والعامة من الأمة، فوجب أن يعتبر إجماعهم مع أهل العلم. # والجواب: أن المراد به أهل العلم والاجتهاد، ولا مدخل للعامة فيه، وإن ~~كانوا من الأمة، كما لا يدخل الصبيان، وإن كانوا من الأمة. # وقد قيل: إن هذا لا يوجد؛ لأن عامة المسلمين يتبعون الأئمة من أهل العلم، ~~ولكل فريق منهم إمام، يتبعونه، ويعتقدون (1) قوله، فلا يجوز أن يخالف أحد ~~منهم فيما اتفقوا الجميع (2) . PageV04P1134 # فإن قيل: أليس قد اعتبرتم إجماع العامة فيما يشاركون العلماء فيه؟! مثل ~~الطهارة، والصلاة، وعدد ركعاتها، والزكاة، والصيام، والحج، وتحريم الربا، ~~والسرقة، ونحو ذلك، هلا اعتبرتم إجماعهم فيما يختص به العلماء، مثل فروع ~~الطهارة وفروع الصلاة، ونحو ذلك. # قيل: لأن السبب الذي عرف به هذه الأشياء، هو (1) النقل المستفيض، وذلك ~~يشترك (2) في معرفته (3) العامة والخاصة، فأما غير ذلك ms451 فطريقه الاجتهاد، ~~فلا معرفة لهم به. PageV04P1135 # فصل # فيمن كان منتسبا إلى العلم، كأصحاب الحديث والكلام في الأصول (1) ، إلا ~~أنه لا علم له بأحكام الفقه وفروعه وطرق المقاييس والرياضة بوجوه اجتهاد ~~الرأى، فإنه لا يعتد بخلافه أيضا (2) . # وقد قال أحمد -رحمه الله، في رواية أبي الحارث-: "لا يجوز الاختيار إلا ~~لرجل عالم بالكتاب والسنة، ممن إذا ورد عليه أمر، نظر الأمور وشبهها ~~بالكتاب والسنة" (3) . # وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه لا يصح الإجماع إلا بأن يجتمع عليه جميع ~~أهل العلم والمنتسبين إلى العلم (4) . PageV04P1136 ### | ### | دليلنا: # # أن من لا مدخل له في طرق الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول، فإنه يجري في ~~أحكام الشرع مجرى العامي، فلما لم يعتد بالعامة فيما لا علم لهم به، لأنهم ~~تبع للعلماء، منقادون لهم، وجب أن لا يعتبر أيضا في الإجماع من ليس من أهل ~~النظر والاجتهاد. # ويبين صحة هذا: أن من لا مدخل له في تقويم الثوب وما يجري مجراه، فإنه لا ~~يرجع إلى قوله فيه، ولا يعتد بقوله إذا احتيج إلى تقويم الثوب ونحوه، وكذلك ~~من لا مدخل له في النظر بطرق الاجتهاد في أحكام الحوادث. # ولأن القول يتبع العلم [170/ب] بالقول، والعمل يتبع العلم بالمعمول به، ~~فلم يجز أن يعتد في الإجماع على الشيء بمن لا علم له به. # ولأن المجتهد في الإجماع هو من كان معه آلة الإجماع التى يتوصل بها إلى ~~معرفة الحكم، بأن يعرف القياس وأحكام المسائل وعللها، حتى يقيس نظائرها ~~عليها، ويرد الفروع إلى الأصول التى تشبهها، ومن لا يعرف أحكام الفروع لا ~~يتمكن من هذا الذي ذكرنا، فلم يكن من أهل الاجتهاد إذا كان عارفا بأشياء ~~أخر، كمن عرف الحساب واللغة وغير ذلك من أنواع العلوم. # فإن قيل: إذا عرف أصول الفقه أمكنه رد فروعه إليه. # قيل: ليس الأمر على هذا، لأنه إنما يمكن رد الفروع إلى الأصول، إذا عرف ~~معانيها ونظائرها، حتى يقيس عليها. # ويبين هذا: أنه لو كان هذا من أهل الاجتهاد لا يحتمل قوله في الحادثة ms452 ~~وتوقيفه على الحكم، وما اقتصر على مجرد سكوته. PageV04P1137 # ومن يخالف في هذه المسألة يقول: # إذا أجمع أهل الاجتهاد على شيء، ورضي المتكلمون بذلك في الجملة، ولم ~~يعرفوا غير الحكم، ولا اجتهدوا، انعقد الإجماع. # وهذا يدل على أنهم بمنزلة العامة، وأنهما خارجون من جملة أهل الاجتهاد. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (1) وهؤلاء من جملة المؤمنين. # وقول النبى - صلى الله عليه وسلم - (لا تجتمع أمتي على الخطأ) ولم يخص. # والجواب: أن المراد بذلك من هو من أهل الاجتهاد، ألا ترى أنه لم يرد به ~~العامة. # واحتج: بأن من عرف أصول الفرائض، ولم يعرف الغامض فيه [يعتبر قوله في ~~ذلك] (2) . # والجواب: بأن من عرف أصول الفرائض، يمكنه بناء فروعها عليها بالحساب ~~والقياس، ومن عرف أصول الفقه لا يمكنه بناء أحكام فروعه عليه؛ لأن الفروع ~~تختص بأدلة لا يشاركها الأصول فيها (3) . PageV04P1138 # فصل # ولا يعتبر في صحة انعقاد الإجماع بأهل الضلال والفسق، وإنما الإجماع ~~إجماع أهل الحق، الذين لم يثبت فسقهم وضلالهم (1) . # وقد قال أحمد -رحمه الله-، في رواية بكر بن محمد عن أبيه: "لا يشهد عندي ~~رجل، ليس هو عندي بعدل، وكيف أجوز حكمه؟! يعنى: الجهمي" (2) . # وبهذا قال الرازي (3) والجرجاني (4) . PageV04P1139 # وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يعتد في الإجماع بمن يخالف الحق، كما يعتد ~~بأهل الحق، سواء عظمت معصية المخالف للحق أو لم تعظم. # وهو اختيار أبي سفيان الحنفي. # وذكر الإسفراييني (1) : إن ارتكب بدعة كفر بها لم يعتد بقوله، وإن فسق ~~بها، أو أتى كبيرة يعتد به (2) [171/أ] . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) (3) ~~فجعلهم شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به، لكونهم وسطا. # والوسط في اللغة: هو العدل (4) ، فلما لم يكن أهل الفسق والضلال بهذه ~~الصفة، لم يجز أن يكونوا من الشهداء على الناس، فلا يعتد بهم في الإجماع. # ويدل عليه أيضا: قوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (5) فلما لم يكن سبيل ~~أهل الفسق والضلال سبيل المؤمنين، لم يجز أن يكون سبيلهم مأمورا باتباعه. # ولأنه ms453 قد يجوز أن يعصي فيما يعتد به فيه من الإجماع، كما يعصي في غيره، ~~PageV04P1140 # فلا يجوز الاعتداد به. # فإن قيل: قد لا يختار المعصية فيما يدخل به في جملة المجمعين، وإن كان قد ~~يختار ذلك في غير باب الإجماع، ألا ترى أن الدلالة قد دلت على امتناع وقوع ~~الخطأ من الأنبياء عليهم السلام فيما هم حجة فيه، وإن كان يجوز وقوع الخطأ ~~الصغير منهم في غير ما يؤدونه إلينا. # قيل: فيجب أن يقبل خبر الكذاب؛ لأنه يجوز أن لا يختار الكذب فيما يرويه، ~~وإن كان يختار ذلك في غير باب الأخبار، ولا يشبه هذا الأنبياء؛ لأنهم ~~معصومون في الرسالة. # وأيضا: فإن كونهم في جملة المجمعين يقتضي مدحهم وتعظيمهم، وكونهم من أهل ~~الفسق والضلال يقتضي ذمهم والاستخفاف [بهم] ، فلما لم يجز أن يكونوا ~~استحقوا الذم والمديح في حالة واحدة، لم يجز أن يكونوا داخلين في جملة من ~~يعتد بهم في الإجماع مع كونهم من أهل الفسق. # ويدل عليه قوله تعالى: (واتبع سبيل من أناب إلى) (1) . # وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف) (2) والفاسق ~~يأمر بالمنكر، ويمنع المعروف. # ولأن من لا تقبل شهادته في حق خاص لم يعتد به فيما يلزم الجماعة. # ولأنه إخبار بأمر من أمور الدين، فلا يدخل فيه الفاسق، مثل (3) أخبار ~~الآحاد. # واحتج المخالف: # بقوله عليه السلام: (أمتي لا تجتمع على الخطأ) فلما كان أهل الفسق ~~والضلال من جملة الأمة وجب أن يعتد بهم في جملة الإجماع. # والجواب: أن المراد بذلك العدول منهم، كما كان المراد به العلماء منهم. ~~PageV04P1141 # واحتج: بأنهم قادرون على الصواب كقدرتهم على الخطأ، فلم يمتنع أن يدل ~~الدليل على أنهم لا يختارون إلا الصواب فيما يعتد به بهم في جملة المجمعين، ~~وإن جاز أن يختاروا مثل ذلك في غير باب الإجماع، وقد دل الدليل على ذلك، ~~وهو قوله عليه السلام: (أمتي لا تجتمع على الخطأ) . # والجواب: أن الفاسق قادر على الصدق في خبره، ومع هذا فلا يقبل خبره. # واحتج: [171/ب] بأن أخبار التواتر ms454 تسمع من العدل والفاسق، كذلك الإجماع. # والجواب: أن ذلك يقع من كل فرقة، والإجماع يختص بفرقة. ### | مسألة # أهل المدينة وغيرهم في الإجماع سواء، فإذا قالوا قولا، ووافقهم غيرهم ~~عليه صار إجماعا، وإن خالفهم غيرهم من أهل الأمصار لم يكن إجماعا. ولا يكون ~~قولهم أولى من قول غيرهم (1) . # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية أيى داود: "لا يعجبنى رأي مالك ولا ~~رأي أحد" (2) . # وقال -في رواية مهنا-: "لا ينبغي لرجل أن يضع كتابا على أهل المدينة في ~~بعض أقاويلهم التي (3) يذهبون إليها، ويأخذون بها عن عمر والصحابة ~~والتابعين". PageV04P1142 # وظاهر هذا [عدم] جواز الوضع فيما انفردوا به. # وحكي عن مالك أنه قال: "إذا أجمع أهل المدينة على شىء، صار إجماعا مقطوعا ~~عليه، وإن خالفهم فيه (1) غيرهم" (2) . # وقال قوم من أصحابه: إنه أراد إجماعهم (3) فيما طريقه النقل. وهذا فرار ~~من ال ### | مسألة # وقال آخرون: أراد بذلك اجتماعهم في زمن الصحابة والتابعين ومن يليهم (4) ~~. ### | دليلنا: # قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (5) وأهل المدينة ليس هم جميع ~~المؤمنين. # وكذلك قوله تعالى: (أمة وسطا) (6) وذلك لا يختص بأهل المدينة؛ لأنهم ~~بعضنا. PageV04P1143 # وقوله تعالى: (فإن تنازغتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (1) فمن قال: ~~يرد إلى أهل المدينة، فقد ترك الظاهر. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم) ، ولم يفصل بين أن يكونوا بالمدينة أو بغيرها. # وقوله: (أمتي لا تجتمع على خطأ) وظاهر الخبر يفيد كل الأمة إلى يوم ~~القيامة، لكن علمنا أنه لم يرد ذلك، فثبت (2) أنه أراد الأمة من كل عصر، ~~وليس أهل المدينة أمته في العصر. # ولأنهم بعض الأمة، والخطأ جائز عليهم كما هو جائز على غير أهل المدينة. # ولأن حكم الإجماع لا يخلو أن يعود إلى فضيلة البقاع أو فضيلة الرجال في ~~العلم، فإن اعتبرتم فيه فضيلة البقاع، فأهل مكة أحق به، وإن عاد إلى العلم، ~~فعلي بن أبي طالب وابن مسعود وثلاثمائة ونيف من الصحابة انتقلوا إلى العراق ~~من أهل العلم والدين، وليس من أقام بالمدينة بأعلم منهم. ms455 # ولأن ما قالوه يفضي إلى أن يكون قولهم حجة ما داموا في المدينة، فإذا ~~خرجوا منها وغابوا إلى الشام والكوفة وغير ذلك من البلاد لا يكون حجة، وما ~~أفضى إلى هذا سقط في نفسه؛ لأن الاعتبار بأقوال المجتهدين، لا بمكانهم. # ولأن ما كان حجة لله تعالى لا يختلف باختلاف الأزمان بدليل الكتاب ~~والسنة، وقد ثبت [172/أ] أن إجماع أهل المدينة في هذا الوقت ليس بحجة (3) ، ~~فلم (4) يجز أن يكون حجة فيما مضى. PageV04P1144 # واحتج المخالف: # بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الإيمان ليأرز (1) ~~إلى المدينة كما تأرز الحية (2) [إلى جحرها] ) (3) . # والجواب: أن كلامه خرج على زمان الهجرة في رجوع الناس إلى المدينة هربا ~~من الكفار، ومعونة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لا ينفي كون ~~المؤمنين بغيرها، وجواز الخطأ على أهلها. # وجواب آخر، وهو: أنه يفضي إلى أن جميع الإسلام إذا عاد إليها، وحصل فيها، ~~لم يجز خلافه. # واحتج: بقوله -عليه السلام-: (اللهم حبب إلينا المدينة، وبارك لنا في ~~صاعها ومدها) (4) . PageV04P1145 # والجواب: أن هذا لا ينفي وقوع الخطأ من أهلها كما لو دعا (1) مثل هذا ~~الدعاء لغيرهم (2) لم ينف وقوع الخطأ منهم (3) ، وقد دعا لعلي ولغيره من ~~الصحابة، ولم يدل على أن قول كل واحد منهم بانفراده حجة. # واحتج: بما روي عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الدجال لا ~~يدخلها، وأن على كل باب منها ملكا شاهرا سيفه) (4) . # والجواب: أن هذا يفيد صيانتها من دخول الدجال، ترغيبا في المقام بها، ~~وهذا لا ينفى الخطأ من المقيمين بها. PageV04P1146 # واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفها بحفوف الملائكة بها. # والجواب: أنه يحتمل أن يكون أراد صيانة المهاجرين والأنصار، وتسكينا ~~لروعهم من الكفار. # واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن المدينة ~~تنفى خبثها كما تنفي النار خبث الحديد) (1) . PageV04P1147 # والجواب: أنه أراد بذلك في زمانه، بدلالة كثرة الخبث بها بعده، ومخبره لا ~~يقع بخلاف ما أخبر به. # ويحتمل: أن يكون أراد ms456 بالخبث الكفر والشرك عنها ظاهرا، فأما أهل الاجتهاد ~~إذا خرجوا منها فلا. # واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يصبر على لأواء ~~(1) المدينة وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا يوم القيامة) (2) . # والجواب: أنه ترغيب للمقام بها من غير أن يعتبر نفي الخطأ عنهم فيما ~~طريقه الشريعة. # واحتج: بما روي عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يكيد أحد أهل ~~المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء) (3) . PageV04P1148 # والجواب: أنه مقيد بما يفعله الله تعالى بمن أراد سوء بالمدينة، والخطأ ~~فيما يتفقون عليه في أمر الدين ليس من هذا في شىء، ومن ذمهم أو رد عليهم، ~~فإنه لا يريد سوء بالمدينة. # ولا يجوز حمله على الأهل من غير دلالة. # ولأن الفسق عبارة [172/ب] عن الفعل المذموم، ومن أنكر عليهم في خطئهم فقد ~~دعاهم إلى خير، وأراده منهم. # وعلى أن المكايدة هى المباينة بغير حق، وخلافنا في الخلاف فيما هو حق، ~~ويسوغ فلا يتناول الخبر موضع الخلاف. # وجواب آخر، وهو: أن الخبر حجة لنا، فإنه يتناول أهل المدينة حيث كانوا ~~فيها أو في غيرها، فيجب إذا كانوا بالكوفة وغيرها من البلاد لا يخالفون. # واحتج: بأن أهل المدينة شاهدوا الرسول وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل. # والجواب: أن الصحابة الذين هذه صفتهم قولهم حجة، وإنما الخلاف فيه: إذا ~~كان بعضهم بالمدينة وبعضهم خارجا عنها، هل يكون قول البعض الذين بالمدينة ~~حجة على غيرهم؟ وليس فيما ذكروه ما يدل على ذلك. # فأما من قال: إن إجماع أهل المدينة حجة فيما طريقه التواتر فقد أبعد، لأن ~~خبر التواتر، لا يختص بطائفة، وقد يقع ذلك ببعض أهل المدينة. # ولا يجوز أن يحمل قول مالك على تجويز الخطأ في تواتر غير أهل المدينة، ~~وترجيح تواتر أهل المدينة، لأنهم عرفوا أواخر فعل النبي -عليه السلام- لأن ~~من نقل الأخبار إلى غير أهل المدينة هم الصحابة الذين عرفوا أواخر فعله ~~PageV04P1149 # وأوائله (1) ، فلا يختص معرفة ذلك بالمقيمين بالمدينة. # ولأن آحاد غير أهل المدينة قد يكونون (2) أحفظ بالخبر من ms457 آحادهم. وقد روى ~~رافع بن خديج (3) : النهي عن المزارعة لأهل المدينة، فرجعوا إلى خبره (4) . ~~PageV04P1150 # ولا يجوز أن يحمل ذلك على عمل أهل المدينة إذا ظهر، مثل نقلهم للصاع، لأن ~~هذا إن كان عن خبر مستفيض فلا يخفى، وإن كان عن اجتهاد فاجتهادهم لا يلزم ~~غيرهم. # ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقديم اجتهاد أهل المدينة على اجتهاد غيرهم؛ ~~لأن ذلك إن كان يجب لمشاهدتهم لأقاويل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ونزول آي القرآن فإن ذلك حصل من الصحابة الذين انتقلوا إلى البصرة والكوفة، ~~فلا معنى للتفريق. # ولو وجب ما ذكروه لصار قول أهل مكة أولى في المناسك، لمشاهدتهم (1) رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلها عندهم، ولوجب (2) على ما قالوه أن ~~يكونوا (3) أكثر الأمة إجماعا (4) ، لأنهم أعلم. # وأن يرجح قول المهاجرين لكثرة مشاهدتهم بطول صحبتهم. # وأن يرجح [قول] ، المهاجرين لهذا المعنى، وقول شيوخ الصحابة على الأحداث ~~(5) . PageV04P1151 ### | مسألة # في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة، وهو من أهل الاجتهاد لم يعتد بخلافه ~~PageV04P1152 # في أصح الروايتين (1) . # أومأ إليها في [173/أ] مواضع. # فقال في رواية أبي الحارث، وقد سأله: "إلى أي شىء ذهبت في ترك الصلاة بين ~~التراويح (2) ؟ فقال: ضرب عليها عقبة بن عامر (3) ونهى عنها (4) عبادة بن ~~الصامت، فقيل له: يروى عن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة بين ~~التراويح (5) فقال: أقول لك: أصحاب رسول [الله] ، وتقول: التابعين! ". ~~PageV04P1153 # وسأله أيضا عن عدد قتلوا رجلا؟ "قال: يقادون (1) به، يروى عن عمر (2) ~~PageV04P1154 # وعلي (1) ، فقيل له: يروى عن بعض التابعين (2) : أنه لا يقتل اثنان بواحد ~~(3) ، PageV04P1155 # فقال: ما يصنع بالتابعين؟ ". # وكذلك نقل أبو عبد الله القواريري (1) - كاتب أبي هاشم - قال: "سمعت أحمد ~~يذاكر رجلا، فقال له الرجل: قال عطاء، فقال: أقول لك: قال ابن عمر، تقول: ~~قال عطاء، من عطاء، ومن أبوه؟ ". # وظاهر هذا (2) : أنه لم يعتبر بقوله (3) . # وبهذا قال طائفة من أصحاب الشافعى (4) . PageV04P1156 # وفيه رواية أخرى: يعتد بخلافه (1) . # أومأ إليه (2) -رحمه الله- في رواية أبي الحسن بن هارون (3) ، قال: "لا ~~ينظر العبد إلى شعر مولاته، واحتج ms458 بقول سعيد" (4) . # وكذلك نقل عبد الله عن أبيه: "لا ينظر إلى شعر مولاته، وقال: قد روي عن ~~ابن عباس أنه قال: لا بأس أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وتأول الآية (5) . ~~وقال سعيد: لا تغرنكم هذه الآية التي في سورة النور: (أو ما ملكت أيمانهن) ~~(6) إنما عنى بها الإماء، لا ينبغي أن ينظر إلى شعرها" (7) . # وكذلك نقل أبو طالب عنه: "لا ينظر إلى شعر مولاته، وذكر قول سعيد: لا ~~تغرنكم هذه الآية، ولم نسمع إلا حديث السدي عن ابن مالك (8) عن ~~PageV04P1157 # ابن عباس (1) ، فأما التابعون فقد نهى عنه غير واحد". # فظاهر هذا: أنه اعتد بقول سعيد خلافا على ابن عباس. # قال أبو بكر الخلال في كتاب "غض البصر" من "الجامع" (2) : "إنما صار أحمد ~~-رحمه الله- إلى هذا، وترك قول ابن عباس؛ لأنه ضعيف. ومذهب أبي عبد الله: ~~إذا صح عنده عن أحد من أصحاب رسول الله شىء (3) لم يجاوزه إلى من بعده من ~~التابعين". PageV04P1158 # وليس الأمر على ما ذكر أبو بكر الخلال، لأن أحمد -رحمه الله- لم يترك ~~حديث ابن عباس؛ لأنه لم يثبت عنده. # يبين صحة هذا: ما رواه الأثرم قال: "قلت: السدي عن ابن مالك عن ابن عباس؟ ~~فقال لي: نعم، قلت: أليس هو إسنادا؟! (1) ، فقال: ليس به بأس". # وهذا يمنع ضعف الحديث عنده. # وكذلك قوله في رواية أبي طالب: "لم أسمع إلا حديث السدى، والتابعون غير ~~واحد، فيرجح قول التابعين لكثرتهم لا لضعفه". # وبهذا قال المتكلمون (2) وأكثر الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب ~~الشافعى. # إلا أن أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن كان من أهل الاجتهاد [173/ب] عند ~~الحادثة كان خلافه خلافا، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد عند الحادثة لكنه صار ~~من أهله قبل انقراض العصر، فأظهر الخلاف، لم يكن خلافا (3) ، على ما حكاه ~~أبو سفيان. PageV04P1159 # وأصحاب الشافعى (1) يجعلونه خلافا إذا صار من أهل الاجتهاد قبل انقراض ~~عصر الصحابة. # فالدلالة على أنه لا يعتد بقوله مع الصحابة: قوله -عليه السلام-: (اقتدوا ~~باللذين من بعدي: أبي بكر عمر) (2) . PageV04P1160 # وقوله: (عليكم ms459 بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها ~~بالنواجذ) (1) فلما أمر بالاقتداء بهم، والاتباع لهم دل على وجوب اتباع ~~التابعي لهم، لم يجز خلافه. # فإن قيل: هذا لا يمنع خلافهم، كما لم يمنع خلاف غير الأئمة من الصحابة ~~للأئمة. # قيل: ظاهر الخبر يقتضى وجوب اتباعهم، وترك مخالفتهم من الصحابة وغيرهم، ~~لكن قام الدليل هناك، وبقي ما عداه على ظاهره. # وأيضا: قد ثبت أن قول الصحابي إذا انفرد حجة مقدم على القياس في الصحيح ~~من قول أصحابنا وقول أصحاب أبي حنيفة وبعض الشافعية. ومن كان قوله حجة على ~~غير أهل عصره لم يجز لمن كان من أهل العصر مخالفته. PageV04P1161 # يدل عليه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان قوله حجة، لم يجز ~~لأهل عصره مخالفته. # فإن قيل: فالنبي حجة مقطوع عليه، والصحابي غير مقطوع عليه. # قيل: خبر الواحد والقياس غير مقطوع عليهما، ويجب اتباعهما. # فإن قيل: الذي قدمنا به قول الصحابي معرفته بأحوال التنزيل وطريق الأخبار ~~ومشاهدتها، وهذا المعنى يتساويان فيه، فلا يلزم أحدهما متابعة الآخر. # قيل: فكان يجب أن لا يكون قول الصحابي حجة على غيره من بعده من العلماء، ~~وأن يكون قوله أيضا (1) كقول الصحابة لمساواته في الطريق، ولما لم يقل هذا، ~~لم يصح، لما ذكرته. # فإن قيل: إنما يكون حجة، إذا لم يظهر من أحد من نظرائه خلافه، فإذا ظهر ~~خرج عن أن يكون حجة، كما أن الإجماع ينعقد إذا لم يظهر ممن يعتد بقوله ~~خلاف، فإذا ظهر لم ينعقد. # قيل: لا نسلم أن التابعي نظير للصحابى في الاجتهاد، لوجوه: # أحدها: أن قول الصحابي حجة على من بعده، والتابعي بخلاف ذلك. # والثاني: أن الصحابي معه مزية ليست مع التابعي من مشاهدة التنزيل وحضور ~~التأويل. # والثالث: أنه منصوص عليه، لقوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) ~~وقوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) . # وهذا المعنى معدوم في [174/أ] التابعين. # ونجعل هذه طريقة في المسألة فنقول: للصحابي مزية على غيره من التابعين ~~ومن بعدهم. PageV04P1162 # لأنه لا يخلو ما قاله أن ms460 يكون عن توقيف أو اجتهاد، فإن كان عن توقيف فهو ~~أولى، وإن كان عن اجتهاد فاجتهاده أولى بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل. # ولأنه منصوص عليه بقوله: (بأيهم اقتديتم اهتديتم) وإذا كانت له هذه ~~المزية على غيره كان الاعتبار بقوله دون غيره، كما قلنا في القياس مع خبر ~~الواحد، لما كان للخبر مزية كان مقدما على القياس، وإن كان مساويا له في ~~أنه حجة، طريقها: غلبة الظن. # وللمخالف على هذا الدليل اعتراضات، نذكرها في قول الصحابي إذا انفرد به: ~~أنه حجة، إن شاء الله تعالى. # واحتج المخالف: # بأنه قد ثبت أن الصحابة سوغت للتابعين الاجتهاد معها، وكانوا يفتون مع ~~الصحابة، مثل سعيد بن المسيب وشريح القاضي، الحسن البصري ومسروق وأبي وائل ~~(1) والشعبي وغيرهم. # ألا ترى: أن عمر وعليا -رضي الله عنهما- وليا شريحا القضاء، ولم ينقضا ~~أحكامه بالفسخ مع إظهاره الخلاف عليهما في كثير من المسائل. # وكتب عمر إليه: (إن لم تجد في السنة فاجتهد رأيك) (2) . ولم يأمره ~~بالرجوع، ولا الحكم بقوله. PageV04P1163 # وخاصم علي - رضي الله عنه - إلى شريح، ورضي بحكمه حين حكم عليه بخلاف ~~رأيه (1) . PageV04P1164 # وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: تذاكر أنا وابن عباس وأبو ~~هريرة في عدة المتوفى عنها زوجها: # فقال ابن عباس: أبعد الأجلين. # وقلت أنا: عدتها: أن تضع حملها. # وقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. PageV04P1165 # فسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه، وتبعه أبو هريرة (1) . # وذكر إبراهيم (2) عن مسروق أنه قال: (كان ابن عباس إذا قدم عليه أصحاب ~~عبد الله (3) صنع لهم طعاما ودعاهم، قال: فصنع لنا مرة طعاما، فجعل يسأل ~~ويفتي، فكان يخالفنا، فما يمنعنا أن نرد عليه إلا أنا على طعامه) (4) . # وسئل ابن عمر عن فريضة، فقال: (سلوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها مني) ~~(5) . PageV04P1166 # وسئل أنس عن مسألة فقال: (سلوا مولانا الحسن) (1) . # وإذا ثبت أنها قد سوغت لهم ذلك، لم يكن بينهم في هذا المعنى فرق. # والجواب: أنه يحتمل أن يكونوا سوغوا الاجتهاد للتابعين فيما كانوا ~~مختلفين فيه، ليجتهدوا في ms461 أخذ أقوالهم، فسوغوا ذلك، ولم يثبت عنهم أنهم ~~سوغوا خلاف الواحد فيما قال. # ولهذا قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، يعنى: أبا سلمة. # يبين صحة هذا: أنه روي أن عليا - رضي الله عنه - نقض على شريح حكمه في ~~ابني عم، أحدهما أخ لأم، لما جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم (2) ، ~~[174/ب] . PageV04P1167 # وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لأبي سلمة ابن عبد الرحمن: ~~(مثلك مثل الفروج، يسمع الديك يصيح، فصاح بصياحه) . # وذلك إنكار منها عليه في مناظرة عبد الله بن عباس والدخول معه في ~~الاجتهاد (1) . PageV04P1168 # واحتج: بأن معه آلة الاجتهاد، فكان متعبدا به، ولم يجز له تقليد غيره. # والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون معه آلة الاجتهاد، ويكون متعبدا بغيره، ~~كما كان متعبدا نحو الواحد إذا عارضه القياس. # واحتج: بأنهم من أهل الاجتهاد في وقت حدوث النازلة، فوجب أن لا ينعقد ~~الإجماع إلا بموافقتهم، أصله: الصحابة. # والجواب: أن الصحابة قد تساووا في المزية والاجتهاد، وليس ذلك في ~~التابعين، فإنهما وإن ساووا الصحابة في الاجتهاد، فللصحابة مزية عليهما من ~~الوجه الذي بينا، فلهذا لم يعتد بخلافهم عليهم. # واحتج بأن الاعتبار بالعلم دون الصحبة، يدل عليه: أن الصحابي إذا لم يكن ~~عالما وجب عليه تقليد أهل العلم من التابعين، فإذا كان كذلك، وقد شاركهم ~~التابعي في العلم، وجب أن يكون بمنزلتهم. # والجواب: أن الاعتبار بالعلم والصحبة لما فيهما من المزية، فإذا لم يكن ~~الصحابي عالما فقد عدم أحد الوصفين، فلهذا لم يعتد بقوله. وإذا كان من أهل ~~الاجتهاد فقد وجد معنيان، والتابعي يوجد فيه أحدهما. PageV04P1169 ### | مسألة # [الإجماع السكوتي] # إذا قال بعض الصحابة قولا، وظهر للباقين، وسكتوا عن مخالفته والإنكار ~~عليه حتى انقرض العصر، كان إجماعا (1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية الحسن بن ثواب، قال: "أذهب في ~~التكبير غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شىء تذهب؟ ~~قال: بالإجماع: عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس" (2) . # وظاهر هذا: أنه جعله ms462 (3) إجماعا، لانتشاره عنهم، ولم يظهر خلافه (4) . # وقد صرح به أبو حفص البرمكي، فيما رأيته بخطه على ظهر الجزء الرابع من ~~شرح مسائل الكوسج، فقال: "قال أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - في رواية محمد ~~بن عبيد الله بن المنادي (5) : "أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم- PageV04P1170 # على هذا المصحف (1) ". # قال أبو حفص: فبان بهذا أن الصحابة إذا ظهر الشىء من بعضهما، ولم يظهر من ~~الباقين خلافهم: أنه عنده إجماع. # وبهذا قال الأثرم (2) من أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان السرخسى ~~والجرجاني (3) . # وهو أيضا قول الأكثر من أصحاب [175/أ] الشافعي (4) . # ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: يكون حجة، إلا أنه لا يكون إجماعا. # حكاه الجرجاني (5) . # ومن أصحاب الشافعي من قال: يكون حجة مقطوعا بها، ولا يكون إجماعا (6) ؛ ~~لأن الشافعي قال: "لا ينسب إلى ساكت قول" (7) . PageV04P1171 # وقال قوم من المتكلمين: لا يكون حجة (1) . # وحكي عن قوم من المعتزلة (2) والأشعرية (3) . # وحكي ذلك عن داود (4) . ### | ### | دليلنا: # # أن الصحابي إذا قال قولا، وانتشر في الصحابة، فسكتوا عنه، فلا يخلو من ~~خمسة أحوال: # إما أن [لا] يكونوا قد اجتهدوا. # أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شىء يجب عليهم اعتقاده. # أو أدى إلى خلاف القول الذي ظهر، أو إلى وفاقه. # أو كانوا في تقية. # ولا يجوز أن لا يكونوا قد اجتهدوا؛ لأن العادة إذا نزلت بهم نازلة أن ~~PageV04P1172 # يرجعوا إلى الظن والاجتهاد. # ولأن هذا يؤدي إلى خروج الحق عن أهل العصر، وهذا لا يجوز؛ لأنهم لا ~~يجتمعون على خطأ، ولأنه يؤدي إلى خلو العصر من قائم لله بحجة. وهذا لا ~~يجوز؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يخلو عصر من ~~الأعصار من قائم لله بحجة) (1) . # وقوله -عليه السلام-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم ~~من ناوأهم) (2) . PageV04P1173 # ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فلم يؤد [اجتهادهم] إلى شىء يجب اعتقاده ~~في مدة العصر؛ لأن العادة بخلافه، ولأن طرق الحق ظاهرة، ولأن ذلك يؤدي إلى ~~خطأ الجميع في ms463 الاجتهاد، وعدولهم عن طريق الصواب وهذا لا يجوز. # ولأنهم إذا كانوا بهذه الصفة، فليس لهم قول في الحادثة، بل هم بمنزلة ~~العامة فيها، فلا يعتد بقولهم وبخلافهم. # ولا يجوز أن يكونوا في تقية وفزع (1) : لأنه إذا كان الأمر على هذا، فانه ~~لا يحكم بانعقاد الإجماع، وإنما يحكم بذلك إذا سكتوا عمن لا يخالفونه ولا ~~يتقونه. # ولا يجوز أن يكونوا قد اجتهدوا، فأدى [اجتهادهم] إلى خلافه، فلم يظهروه؛ ~~لأن إظهار الحق واجب، والحق في واحد، فيكون ذلك إجماعا على خطأ؛ لأن القائل ~~عندهم مخطىء، والمقر على الخطأ مخطىء ولا يجوز أن يجتمعوا على خطأ. ~~PageV04P1174 # ولا يجوز أن يقال: سكتوا مع اعتقادهم أن كل مجتهد مصيب؛ لأن المسألة ~~مبنية على أن الحق في واحد، وعلى أن العادة جارية بأن من له مذهب، وسمع ~~خلافه، أظهر مذهبه، ودعا إلى قوله، وناظر عليه، وإن كان يعتقد أن كل مجتهد ~~مصيب، كما فعل أبو حنيفة ومالك وغيرهما من الأئمة، وإذا جاز ذلك ثبت أن ~~سكوتهم كان لرضا منهم بقوله [175/ب] . # واحتج المخالف: # بأن سكوتهم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا في مهلة النظر، ولم ينكشف لهم ~~الصواب. # ويحتمل أن يكونوا معتقدين أن كل مجتهد مصيب. وأن الإنكار والمخالفة لا ~~يجب. # ويحتمل أن يكون ذلك لهيبة قائله، كما قال عبد الله بن عباس: (أول من أعال ~~الفرائض عمر بن الخطاب، وأيم الله لو قدم من قدمه الله، وأخر من أخره الله ~~ما عالت الفرائض. # فقال زفر بن أوس (1) : فما منعك (2) أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: ~~هبته) . # وإذا احتمل السكوت ما ذكرناه، لم يجز حمله على الرضا والاتفاق. # والجواب: أن مهلة [النظر] لا تمتد إلى آخر العصر؛ لأن طرق الحق واضحة، ~~ومن نظر فيها من أهل الاجتهاد، فلا بد من أن يصل إلى الحق. PageV04P1175 # وقولهم: يحتمل أن يسكتوا لاعتقادهم أن كل مجتهد مصيب: لا يصح؛ لأنه لم ~~يكن في الصحابة -رضوان الله عنهم- من يعتقد ذلك، ونحن نبينه في موضعه إن ~~شاء الله تعالى؛ لأنهم لو اعتقدوا ms464 ذلك لوجب أن يظهر منهم خلافه، كما نشاهد ~~ذلك في زماننا، وسمعناه من حال من تقدمنا من الاختلاف والمناظرة. # وقولهم: يحتمل أن يكون للهيبة: لا يصح؛ لأن الهيبة لا تمنع من إظهاره ~~لغيره، كما أظهره عبد الله بن عباس. # فصل (1) # ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون القول فتيا أو حكما. # وقال بعض الشافعية، وهو ابن أبي هريرة (2) : إن كان حكما، لم يكن إجماعا، ~~ولم يحتج به؛ لأنا نحضر مجالس الحكام، وهم يحكمون بخلاف ما نعتقده، فلا ~~ننكر عليهم، فإذا كان فتيا، أفتى كل واحد منا بما يعتقده (3) . ### | دليلنا: # أن الحاكم يستحب له أن يستشير ويعرف ما عند أهل العلم فيما يريد أن يحكم ~~به، فيكون الحكم المسكوت عنه أولى بالإجماع. PageV04P1176 # ولأن الصحابة لم يكن عادتهم كما ذكر ابن أبي هريرة، وكان من عنده حق ~~أظهره ورد عليه. # وقالت امرأة لعمر بن الخطاب - لما نهى عن المغالاة في المهور-: (أو ~~يعطينا الله، وتمنعنا يا عمر؟) . # وروي: (يا ابن الخطاب، قال الله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا ~~تأخذوا منه شيئا) (1) # فقال عمر: امرأة خاصمت (2) عمر فخصمته) (3) . PageV04P1177 ### | مسألة # إذا قال بعض الصحابة قولا ولم يظهر في الباقين، ولم يعرف له مخالف، فإن ~~كان القياس يدل عليه: وجب المصير إليه والعمل به (1) . # وإن كان القياس يخالفه، فإن كان مع قول الصحابي قياس أضعف منه كان قول ~~الصحابي مع أضعف القياسين أولى؛ لأنه لا يمتنع أن يكون كل واحد منهما حجة ~~حال الانفراد، ثم يصير حجة [176/أ] بالاجتماع، كاليمين مع الشاهد؛ لأن ~~اليمين حجة ضعيفة في جنبة المدعي؛ لأن مقتضاها أن يكون في جنبة المدعي ~~عليه، ومع هذا: فقد قويت بانضمام الشاهد إليها. # وكذلك كل واحد من الشاهدين ليس بحجة في نفسه، ويصير حجة مع غيره. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية الأثرم: "ربما كان الحديث عن النبى - ~~صلى الله عليه وسلم- في إسناده شىء، فيؤخذ به إذا لم يجيء خلافه أثبت منه، ~~مثل: حديث عمرو بن شعيب (2) ، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالمرسل إذا لم ms465 ~~يجيء خلافه". PageV04P1178 # وقال -في رواية أبي طالب-: "ليس في النبق (1) حديث صحيح (2) ، ~~PageV04P1179 ### | ................................. # PageV04P1180 # ما يعجبنى قطعه؛ لأنه على حال قد جاء فيه كراهة" (1) . # وإن لم يكن مع قول الصحابي قياس: ففيه روايتان: # -إحداهما: أنه حجة، مقدم على، القياس؛ ويجب تقليده. # وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى هذا في مواضع من مسائله: # فقال في رواية أبي طالب "في أموال المسلمين إذا أخذها الكفار، ثم ظهر ~~عليه المسلمون، فأدركه صاحبه فهو أحق به، وإن أدركه وقد قسم فلا حق له (2) ~~، كذا قال عمر (3) ، ولو كان القياس كان له. ولكن كذا قال عمر". ~~PageV04P1181 # وكذلك قال في رواية المروذي: "أكره شراء أرض الخراج. فقيل له: كيف أشتري ~~في السواد ولا أبيع؟! فقال: الشراء خلاف البيع. فقيل له: كيف أشتري ممن لا ~~يملك؟! فقال: القياس كما تقول، وليس هو قياسا، وإنما هو استحسان. # واحتج: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رخصوا في شراء المصاحف، ~~وكرهوا بيعها" (1) . # وكذلك نقل أبو الحارث عنه: "ترك الصلاة بين التراويح، واحتج: بما روي عن ~~عبادة وأبي الدرداء. فقيل له: فعن سعيد والحسن: أنهما كانا يريان الصلاة ~~بين التراويح (2) . فقال: أقول لك: أصحاب النبي، وتقول: التابعون". # وكذلك نقل أبو طالب عنه في رجل يصوم شهرين من كفارة، فتسحر بعد طلوع ~~الفجر وهو لا يعلم، ثم علم: "يقضي يوما مكانه، وإن أكل ناسيا بالنهار، فليس ~~عليه شىء. # فقيل: فإذا لم يعلم، فهو كالناسي؟. PageV04P1182 # فقال: كذا في القياس، ولكن عمر (1) أكل في آخر النهار يظن أنه ليل، قال: ~~اقض يوما مكانه" (2) . # وكذلك نقل أبو طالب عنه: "لا يجوز هبة المرأة، حتى يأتي عليها في بيت ~~زوجها سنة أو تلد، مثل قول عمر" (3) . # وهذا كتب (4) في مسائله. # وفي رواية أخرى: القياس مقدم عليه. # أومأ إليه -رحمه الله- في مواضع من مسائله فقال -في رواية أبي داود-: ~~"ليس أحد إلا آخذ برأيه وأترك ما خلا النبى" (5) . # وكذلك نقل المروذي عنه: "ابن عمر يقول: على قاذف أم الولد الحد (6) . ~~PageV04P1183 # وأنا لا أجترئ على ذلك، إنما هى أمة، أحكامها ms466 أحكام الإماء". # وكذلك نقل الميموني: و [قد] قيل: إن قوما يحتجون في النخل بفعل أبي بكر ~~وقوله جربته. فقال: "هذا فعل ورأي من أبي بكر [176/ب] ، ليس هذا عن النبي". # وهذا صريح من كلامه في أن أقواله ليست بحجة. # وكذلك نقل مهنا عنه فيمن ركب دابة، فأصابت إنسانا: "فعلى الراكب الضمان. ~~فقيل له: علي يقول: إذا قال: الطريق، فأسمع، فلا ضمان (1) . فقال: أرأيت ~~إذا قال: الطريق، فكان الذي يقال له أصم؟ ". # وكذلك نقل الميموني عنه و [قد] سأله: يمسح على القلنسوة؟ فقال ليس فيه عن ~~النبي شىء، وهو قول أبي موسى (2) ، وأنا أتوقاه" (3) . # وكذلك نقل ابن القاسم عنه: "يروى عن ابن عمر من غير وجه -يعني في حد ~~البلوغ- وهو صحيح، ولكن لا أرى هذا يستوي في الغلمان، قد يكون منهم الطويل، ~~وبعضهم أكثر من بعض، ولا ينضبط، والحد عندي في البلوغ الثلاثة". ~~PageV04P1184 # واختلف أصحاب أبي حنيفة، فذهب البردعى (1) والرازي (2) والجرجاني: إلى ~~أنه حجة، يترك له القياس. # وحكى الرازي (3) عن الكرخى أنه قال: "أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب"، ~~وكان لا يرى قول الصحابي فيما يسوغ فيه الاجتهاد حجة. # واختلف أصحاب (4) الشافعي، فقال في القديم: هو حجة. # وقال في الجديد: ليس بحجة (5) . # وبه قال عامة المتكلمين من المعتزلة والأشعرية (6) . # فالدلالة على أنه حجة، يترك له القياس: # قوله عليه السلام: (أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم) ، فأخبر أن ~~PageV04P1185 # الاقتداء بهم. # وقوله عليه السلام: (اقتدوا باللذين من بعدي، أبي بكر وعمر) . # وقوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) (1) ~~وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. # فإن قيل: هذا محمول على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبى - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قيل: هذا عام في الرواية والفتيا. # وعلى أن هذا يسقط فائدة التخصيص بالصحابة؛ لأن رواية التابعين ومن بعدهم ~~يجب الاقتداء بها. # فإن قيل: المراد به العامة دون أهل العلم. # بدليل: أنه خير في الاقتداء بأيهم شاؤا. وهذا حكم العامة إذا اختلفت ~~أقاويلهم، فأما العالم فإنه لا يخير في هذا الموضع. # قيل: قوله: (بأيهم ms467 اقتديتم اهتديتم) المراد حال الانفراد من كل واحد منهم ~~بالقول، وليس المراد: (بأيهم اقتديتم) إذا اختلفوا في الحادثة، ويكون فائدة ~~ذلك: أن الاقتداء لا يتخصص بقول بعضهم دون بعض، فزال (2) الإشكال، فإنه ~~ربما ظن ظان أن الاقتداء يجب بقول الأئمة دون غيرهم، فلما قال: (بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم) دل على أن كل واحد منهم إذا انفرد كان قوله حجة. # وأيضا: من جاز أن يقدم قوله على القياس الصحيح إذا كان معه قياس ضعيف جاز ~~أن يقدم عليه وإن لم يكن معه [177/أ] ، قياس. # أصله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (3) . PageV04P1186 # وأيضا: فإن قول الصحابي لا يخلو إما أن يكون توقيفا أو اجتهادا، فإن كان ~~توقيفا وجب اتباعه. # وإن كان اجتهادا فاجتهاده أولى من اجتهاد غيره؛ لأنه شاهد الرسول وسمع ~~كلامه، والسامع أعرف بالمقاصد ومعاني الكلام. # ولأنه منصوص عليه بقوله: (عليكم بسنتي) . # وإذا كان كذلك كان أولى من غيره كخبر الواحد مع القياس. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون توقيفا؛ إذ لو كان توقيفا لكان يظهر على ممر ~~الأيام واختلاف الأحوال، ولكان لا يدعه من أن ينسبه إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم- ويرويه عنه، ولكان يجب علينا اتباعه على أنه توقيف؛ لأنه إذا لم ~~يخبر به عنه، ولم يسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجب علينا ~~فرضه. # وأما الاجتهاد فلا يوجب اتباعه؛ لأجل أن مشاهدة الرسول وسماعه لا يوجب ~~عصمته من الخطأ في الاجتهاد، وإنما يحصل حسن الظن وكونه أقرب إلى الصواب، ~~وذلك لا يوجب اتباعه، كالعالم لا يجوز له اتباع من هو أعلم منه، وإن كان ~~اجتهاد الأعلم أقرب إلى الصواب. # ولأن هذا يقتضي أن يكون قول الصحابي إذا طالت صحبته أولى من غيره، وكبار ~~الصحابة أولى من صغارهم. # ولأن هذا يصح إذا علم أنه قاس على ما سمعه واضطر إلى قصده، فإنه ليس كل ~~سامع للكلام يجب أن يضطر إلى قصد المتكلم، وإنما هو على حسب قيام دلالة ~~الحال. # قيل: أما قولكم: إنه لو كان توقيفا لظهر ونقل، ms468 فلا يصح لوجهين: # أحدهما: أنه لا يلزم الصحابي الرواية، بل هو مخير في ذكرها وتركها، وإنما ~~يتعين عليه الفتيا، فهو كالمفتي مخير بين أن يذكر الدليل أو يذكر الحكم. # PageV04P1187 # والثاني: أنه يحتمل أن لا يرويه تورعا؛ لأنه لم يقم على حفظ اللفظ فأفتى ~~بمعناه. # وقولهم: إنه لا يجب علينا اتباعه إذا لم يخبر به، لا يصح أيضا؛ لأن ~~الصحابي إذا قال قولا مخالفا للقياس، فالظاهر أنه لا يقوله إلا عن توقيف، ~~فتكون فتياه أمارة على الخبر عن النبي فوجب العمل به، كما وجب العمل بخبر ~~الواحد، وإن لم يقطع على صدقه؛ لأن الظاهر صدق الراوي. # وقولهم: إن مشاهدة الرسول لا توجب عصمته لعمري (1) ، إلا أنه يوجب له ~~مزية من الوجه الذي ذكرنا، فوجب تقديمه، كما وجب تقديم خبر الواحد على ~~القياس وإن لم يكن مقطوعا به. # وقولهم: إن العالم لا يجب عليه اتباع من هو أعلم منه، وكذلك صغار الصحابة ~~لا يلزمهم اتباع أكابرهم، فلا يصح، لأن العالمين تساويا في طريق الاجتهاد. ~~وكذلك الصحابة تساووا في مشاهدة التنزيل وحضور التأويل والنص عليهم، فمزية ~~أحدهما (2) [177/ب] على الآخر في الحكم المشترك لا توجب التقديم، كالبينتين ~~إذا تعارضتا وأحدهما أعدل وأدين وأزهد، فإنه لا يرجح بها لمساواة الأخرى ~~لها في العدالة، كذلك ها هنا. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (3) وقد وجد ~~التنازع فوجب الرد إلى الكتاب والسنة. PageV04P1188 # والجواب: أن معناه إلى كتاب الله وسنة رسوله، وفي سنة رسول الله ما يقتضي ~~الاقتداء بالصحابي من الوجه الذي بينا. # واحتج بقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (1) . # والجواب: أن الرجوع إلى قول الصحابي -وفي المعلوم أن اجتهاده أولى من ~~اجتهادنا- ضرب من الاعتبار والنظر. # واحتج: بما جاء في القرآن من ذم التقليد واتباع الأهواء في الكفر والأمر ~~المذموم. # و [الجواب: أن] هذا محمول على غير مسألتنا. # واحتج: بأنه لو كان حجة لم يكن لأهل عصره خلافه. # وقد روي أن أبا سلمة بن عبد الرحمن خالف ابن عباس في عدة ms469 المتوفى عنها، ~~وأقره ابن عباس على ذلك (2) . # وكذلك أصحاب عبد الله (3) قالوا: (ما كان يمنعنا أن نرد على ابن عباس إلا ~~أنا على طعامه) ، فدل هذا على جواز مخالفته. # والجواب عنه: ما تقدم في التابعي إذا أدرك عصر الصحابة هل يعتد بخلافه؟ ~~(4) . # وبينا أن عائشة أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن (5) . # وأن عليا نقض حكم شريح في ابني عم (6) . PageV04P1189 # على أن هذا مذهب لأبي سلمة ولأصحاب عبد الله، والخلاف معهم كالخلاف معكم. # واحتج: بأنه علم (1) على الحكم، فوجب أن يكون مقدما على قول الصحابي ~~قياسا على عموم القرآن ونص خبر الواحد. # والجواب: أنا نخص به عموم القرآن، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم (2) . # وأما نص الخبر فإنما قدم عليه؛ لأن مزية الصحابة حصلت بمشاهدة النبي، فلا ~~يجوز أن تقدم عليه، وليس كذلك القياس؛ لأن طريقه الاجتهاد وغلبة الظن. # وكذلك قول الصحابة ومعه مزية من الوجه الذي بينا، فكان أولى. # وعلى أنه ليس إذا لم يقدم على الخبر لم يكن حجة في نفسه، كالقياس لا يقدم ~~على الخبر، وهو حجة. # واحتج: بأن الصحابي يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد، والإقرار عليه، فوجب أن ~~لا يكون قوله حجة. أصله: قول كل واحد من أهل العلم. # والجواب: أن تجويز الخطأ لا يمنع الاحتجاج به، كخبر الواحد والقياس. # ولأنه لا مزية لقول بعضهم على بعض، وهذا بخلافه. # واحتج: بأن الصحابي وكل عالم من العلماء يشتركان في آلة الاجتهاد، فلا ~~يجوز لأحدهما تقليد الآخر. أصله: العالمان من [178/أ] ، غير الصحابة. # والجواب: أنهما متساويان في الاجتهاد، وكذلك الصحابي مع غيره؛ لأن له ~~مزية من الوجه الذي ذكرنا. # واحتج: بأن الصحابي لم يدع الناس إلى تقليده فيما يقول: ألا ترى إلى ما ~~روي عن عمر: أنه سئل عن مسألة، فأجاب فيها، فقال له رجل: أصبت PageV04P1190 # الحق، أو كلاما نحو هذا، فقال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ، ~~ولكن لم آل (1) عن الحق) (2) . # وقال زيد بن ثابت في قضية قضى بها في الجد: (ليس رأيي حقا على ms470 المسلمين) ~~(3) أو كلاما نحو هذا. # والجواب: أن هذا لا يمنع تقليده -كالعامى-، وإن لم يدعه الصحابي إلى ~~قوله. # وعلى أن عبد الرحمن بن عوف دعا عثمان إلى متابعة سنة الإمامين، فقال له ~~-لما عرض البيعة عليه-: (على أن يحكم بكتاب الله وسنة رسول الله وسنة ~~الخليفتين بعده) (4) ، فقبل ذلك بمحضر الصحابة من غير خلاف. # والذي روي عن الصحابة من النهي عن التقليد: فهو محمول على النهي عن ~~التقليد فيما كانوا يختلفون فيه، ولم يثبت عنهم أنهم منعوا تقليد الواحد ~~منهم فيما قاله. # واحتج: بأنه لا يجوز للانسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة يختص بها لا ~~يشاركه فيها أحد. مثل: النبي الذي اختص بالعصمة. وكذلك الأمة اختصت ~~بالعصمة. # والعالم مع العامي: اختص بآلة الاجتهاد ومعرفة الطريق. PageV04P1191 # فأما إذا لم يكن لأحدهما على الآخر مزية، لم يجز للآخر اتباعه. # والجواب: أنا قد بينا مزية الصحابي على غيره. # فإن قيل: فيجب إذا استدل الصحابي بدلالة على حكم أن لا يستدل عليه بدلالة ~~أخرى. # قيل: إن اتفقوا على أن لا دليل لله تعالى غيره، لم يجز أن يستدل عليه ~~بدلالة أخرى، وإن لم يتفقوا على ذلك جاز؛ لأنه يجوز أن يخفى عليه دليل؛ لأن ~~عبادتهم القول بحكم الله تعالى، فأما أن يعلموا كل دليل لله تعالى في ذلك ~~أو يظهروه، فإن ذلك غير واجب، وكان تعلق علمهم بالحق ببعض الأدلة يسقط عنهم ~~فرض الاستدلال بكل دليل. # ومن الناس من قال: لا يجوز أن يستدل عليه بدلالة أخرى؛ لأنه (1) دليل ~~الصحابة، فمن طلب دليلا آخر عليه، فهو كمن طلب المقايسة في مسائل الإجماع ~~وأخبار الآحاد مما هو مقطوع به من العقول، وهذا غير ممتنع على وجه من ~~الترجيح من غير أن يقصد إلى بيان الحكم به بعد ثبوته، لما بينا. # فإن قيل: فما تقولون إذا ثبت الحكم لعلة، فهل يجوز للصحابة تعليله بعلة ~~أخرى؟ # قيل: يجوز ذلك؛ لأنه يجوز تعليل الأصل بعلتين، كما يستدل على شىء ~~بدليلين، وهذا في علتين إذا كان [178/ب] موجبهما ms471 واحدا، فأما إذا تنافت فلا ~~يجوز ذلك. # ومن الناس من منع ذلك؛ لأن تعليله بأخرى يبطل فائدة تعليق الحكم بالأولى ~~(2) ، فلا يجوز، كما لا يجوز ذلك في العقليات، وأنه لا يكون حكم (3) العقل ~~معللا بعلتين. PageV04P1192 # إذ قال الصحابي قولا مخالفا للقياس (1) . # كما روي عن عمر: (أنه قضى في عين الدابة بربع قيمتها) (2) . # وروي عنه فيمن فقأ عين نفسه: (تحمله عاقلته له) (3) . # وروي عن عثمان: (أنه قضى فيمن ضرب رجلا فأحدث: بثلث الدية) (4) . # وعن ابن عباس (فيمن نذر ذبح ولده: شاة) (5) . PageV04P1193 # وقول عائشة: (أبلغى زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله) (1) . ~~PageV04P1194 ### | ................................. # PageV04P1195 # فإنما يحمل ذلك على أنه قاله على جهة التوقيف (1) . # وهو قول أصحاب أبي حنيفة (2) . # وقال أصحاب الشافعي: لا يحمل على التوقيف، وإنما هو اجتهاده (3) . ### | دليلنا: # أن هذه الأشياء لما لم يكن لها وجه في القياس، وقد أثبتها الصحابي، وكان ~~طريقها الاتفاق أو التوقيف علمنا أنه لم يثبت ذلك الأمر إلا من جهة ~~التوقيف. # فإن قيل: يحتمل أن يكون ذهب في إثباتها إلى قياس فاسد. # قيل: يجب أن يحسن الظن فيه، ويحمل قوله على الصواب، لما قد ثبت له من ~~المزية وهو مشاهدته للتنزيل، وحضور التأويل، ونص النبي عليه. # فإن قيل: لو وجب أن يحمل ذلك على التوقيف، لوجب إذا خالفه صحابي آخر، ~~وقال قولا يطابق القياس أن لا يعتد بخلافه. # قيل: هكذا نقول؛ لأنه إذا طابق قوله القياس احتمل أن يكون توقيفا، واحتمل ~~أن يكون قياسا، وقول من خالف القياس ليس له وجه إلا التوقيف PageV04P1196 # فلا يعارض التوقيف بقول صحابي. # فإن قيل: لو وجب أن يحمل قوله على التوقيف، لوجب إذا عارضه خبر متصل عن ~~النبي مخالف له في الحكم أن يتعارضا، كما يتعارض الخبران المتصلان، فلا ~~يقدم المتصل عليه. # قيل: إنما قلنا: إن قول الصحابي توقيف من طريق غلبة الظن والظاهر، ~~والمتصل أقوى في الظن في الاتصال، فجاز تقديمه عليه، كما قلنا في الخبرين ~~إذا تعارضا وأحدهما أكثر رواة: إنه يقدم؛ لأنه يغلب على الظن صحته. # وقد يخرج ms472 على هذا إذا قال بعض الصحابة بظاهر آية، وقال الآخر بخلاف ~~ظاهرها، فقول التارك للظاهر أولى إذا لم يعين لنا أصلا قاس عليه؛ لعلمنا ~~أنه إنما تركه لتوقيف. # ويحتمل أن يقدم قول من معه الظاهر؛ لأن جنبته أقوى [179/أ] . # PageV04P1197 ### | مسألة # [إجماع الأئمة الأربعة] # لا يعتد بإجماع الأئمة الأربعة إذا خالفهم غيرهم من الصحابة (1) في إحدى ~~الروايتين. # وهو ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية المروذي عنه قال: "إذا اختلفت ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم ~~إلا على اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة" (2) . # وظاهر هذا أنه لم يقدم قول الأئمة على غيرهم من الصحابة (3) . # وهو اختيار الجرجاني. # وفيه رواية أخرى يعتد به (4) . # وهو ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد ~~- رضي الله عنه - عمن زعم أنه لا يجوز أن يخرج من قول الخلفاء إلى من بعدهم ~~من الصحابة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (عليكم بسنتى وسنة ~~الخلفاء الراشدين) . PageV04P1198 # قال: فناظرني في بعض ما قال الصحابة، ثم رأيته قد قنع بهذا القول، وقال: ~~"ما أبعد هذا القول أن يكون كذلك" (1) . # وهو اختيار أبي حازم (2) من أصحاب أبي حنيفة، و [لأجل هذا المذهب] (3) لم ~~يعتد (4) بخلاف زيد بن ثابت في توريث ذوي الأرحام (5) ، وحكم برد الأموال ~~التي حصلت في بيت مال المعتضد، وجعل ذوي الأرحام أولى من بيت المال، فقبل ~~ذلك منه المعتضد (6) ، وأمر بردها على ذوي الأرحام، وكتب PageV04P1199 # بذلك إلى الآفاق (1) . # وجه الرواية الأولة: # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أصحابي كالنجوم، بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم) ، فجعل الاقتداء بكل واحد منهم هدى، كما أمر باتباع سنة ~~الخلفاء الراشدين من بعده. # فإن قيل: يحمل هذا على ما إذا قال كل واحد منهم قولا، ولم يخالفه غيره ~~فيه. # قيل: إذا لم يخالفه (2) غيره صار إجماعا منهم، والخبر يقتضي الأخذ بقول ~~الواحد منهم. # فإن قيل: نحمله إذا اختلفوا، فإنه يجوز الاقتداء بكل واحد منهم. # قيل: إذا ms473 كان هناك اختلاف، فالاقتداء يحصل بالدليل؛ لأنه يجتهد في أحد ~~القولين من طريق الدليل. # ولأن الإمامة لا تأثير لها في تقديم القول، كما لا تأثير لكون الواحد من ~~الأمراء أو رسله. # ولأن الأربعة يجوز الخطأ في قولهم، كما يجوز في حق كل أربعة. ~~PageV04P1200 # واحتج بعضهم: # بأن القياس العقلي ينفي الإجماع بدلالة أنه لا فرق بين هذه الأمة ومن ~~تقدم من الأمم، وإنما ترك ذلك للسمع، وهو قوله تعالى: (ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين) (1) والآية ليست لجميع المؤمنين. # وقال تعالى: (كنتم خير أمة) (2) وهذا الاسم لا يختص الأئمة. # واحتج المخالف: # بما روي [179/ب] (3) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (عليكم ~~بسنتى وسنة الخلفاء من بعدي) فأمر بذلك، والأمر على الوجوب. # والجواب: أنه يعارضه قوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) . # ولأنا نحمل (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي) إذا لم يظهر خلافهم في ~~الصحابة. # ونحمل قوله (وسنة الخلفاء) أن يريد به الفتيا، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أعلم ~~من غيرهم في وقتهم وزمانهم. PageV04P1201 # فصل # فأما قول أحد الأئمة فليس بحجة إذا خالفه غيره (1) رواية واحدة (2) . # نص عليه -رحمه الله- في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأل أحمد -رحمه الله- ~~عمن قال: "ليس لنا أن نخرج من قول أبي بكر إلى قول عمر، ولا من قول عمر إلى ~~قول عثمان، ولا من قول عثمان إلى قول علي، فتعجب من ذلك، وقلت له: إننى ~~أنكرت عليه، وقلت له: إن كان قولهم سنة فبأي قول أخذت أو اخترت من أقاويلهم ~~فلك (3) ذلك، فأعجبه ذلك". # وبهذا قالت الجماعة (4) . # وحكي عن بعض الشافعية: أنه حجة، لا يجوز لنا مخالفته، وإن خالفه غيره من ~~الصحابة (5) . # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية ابن القاسم فقال: "يروى عن ابن ~~عباس أنه كان يقول: (إذا انقطع الدم في الحيضة الثالثة فقد بانت منه) (6) . ~~PageV04P1202 # وهو أصح في النظر. فقيل له: فلم لا تقول به؟! قال: قد قال عمر وعلي وابن ~~مسعود، فأنا أتهيب أن أخالفهم، يعنى: باعتبار الغسل" (1) . # ونقل ابن منصور ما هو أصرح ms474 من هذا، فقال ابن منصور: قلت: "قول ابن عباس ~~فى أموال (2) أهل الذمة العفو؟ (3) . # قال أحمد -رحمه الله-: عمر جعل عليهم ما قد بلغك (4) . كأنه لم ير ما ~~قاله ابن عباس". # قا أبو حفص البرمكي في شرح مسائل ابن منصور: "إنما لم ير ما قال ~~PageV04P1203 # ابن عباس؛ لأن أحد الخلفاء إذا روي عنه شىء، وروي عن غير الخلفاء ضده، ~~فالذي يلزم اتباعه ما جاء عن أحد الخلفاء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) . # قيل: إنها آخر الأضراس. # وقيل: إنها الضرس الذي بعد الناب. ### | دليلنا: # أنه لو كان حجة لم يجز لمن بعده أن (1) يخالفه فيه، كما إذا أجمعوا على ~~حكم لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم فيه. # وقد روي من خلاف عمر لأبي بكر في التسوية في العطاء (2) . PageV04P1204 # وخلاف علي في بيع أمهات الأولاد. # وغير ذاك مما اختلفوا فيه علمنا: أن قول واحد منهم بانفراده لا يكون حجة. # واحتج المخالف: # بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال [180/أ] : (عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، فأمر باتباع سنة كل واحد منهم. # والجواب عنه: ما تقدم (1) . PageV04P1205 ### | ### | مسألة # # إذا عقد أحد الأئمة الأربعة عقدا، لم يجز لمن بعده من الأئمة فسخه (1) ، ~~نحو ما عقده عمر من صلح بني تغلب (2) ومن خراج السواد (3) . والجزية، وما ~~يجري هذا المجرى؛ لأنه صادف اجتهادا سالفا. # وذلك أنه لما وضع الخراج على الأرضين، والجزية على الرقاب، وضاعف الحقوق ~~على بني تغلب، لم يكن في ذلك إسقاط حق القبض لمن بعده من الأئمة، وإنما نقل ~~حق القبض من موضع إلى موضع؛ لأنه ترك قسمة أرض السواد، فنقل ذلك الحق إلى ~~الخراج، وحق الأئمة بعده، قائم في قبضه. # وكذلك الجزية وما يؤخذ من بني تغلب، فإن حق القبض فيه إلى الإمام، ~~PageV04P1206 # فلهذا لم يكن لمن بعده فسخه. # فإن قيل: أليس قد جاز للإمام إبطال حق الغانمين من القسمة؟. # قيل: الإمام إنما كان له إبطال حق ms475 الغانمين من القسمة؛ لأنه كان يجوز له ~~إبطال حقوقهم من الغنائم بأن تقتل الرقاب، فبطل حق الغانمين فيها (1) . # فإن قيل: أليس قد جاز أن يزيد على جزية عمر وينقص منها، وهذا تغيير ~~لفعله. # قيل: اختلفت الرواية في ذلك. # فروي عنه: أنه لا يجوز (2) . # وروى عنه: الجواز (3) . PageV04P1207 # وذلك أنه ليس فيه فسخ للعقد، وإنما هو موقع بعده على حسب الطاقة. # لأن عمر - رضي الله عنه - عقده على هذا الوجه؛ لأنه قال لعثمان بن حنيف ~~(1) لعلك حملت الأرض ما لا تطيق (2) . فاعتبر الطاقة، وهذا يختلف باختلاف ~~الأوقات. ### | مسألة # إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين، ولم ينكر بعضهم على بعض، لم ~~يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة على صحة قول ~~الصحابي (3) . # نص عليه -رحمه الله- في رواية المروذي فقال: "إذا اختلف أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم- لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ~~ينظر PageV04P1208 # أقرب القول إلى الكتاب والسنة" (1) . # وحكى أبو سفيان السرخسي عن بعض شيوخه: "أنه إذا أظهر هذا القول ولم ينكره ~~منكر جاز الأخذ به" واختار ذلك. # وحكى عن قوم من المتكلمين أن ذلك القول (2) إن كان حادثا في الصحابة قبل ~~وقوع الفرقة بينهم واختلاف الديار بهم جاز أن يؤخذ به من غير اجتهاد في ~~صحته. # وإن كان حادثا بعد وقوع الفرقة بينهم لم يجز الأخذ إلا أن يدل دليل على ~~صحته غير قول الصحابي (3) . [180/ب] . ### | دليلنا: # أن الصحابة مختلفون فلم يجز لمن هو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم ~~من غير دلالة. # أصل ذلك: إذا أنكر بعضهم على بعض. # فإن قيل: إذا أنكر بعضهم على بعض فلم يحصل منهم الإجماع على كونه صوابا، ~~وليس كذلك إذا تركوا الانكار؛ لأنه يدل على كونه صوابا؛ لأنه لو كان خطأ لم ~~يجز لهم أن يتركوا إنكاره، وإذا ثبت أنه صواب كان المتمسك به مصيبا. # قيل: ترك الإنكار لا يدل على كونه صوابا عند المخالف له؛ لأن ما يسوغ فيه ~~الاجتهاد لا ms476 يجب إنكاره. PageV04P1209 # وقد نص أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية بكر بن محمد فقال: "على الرجل ~~أن يجتهد، ولا يقول لمخالفه: إنه مخطىء". # وأيضا: لما لم يجز لأحد المجتهدين أن يأخذ بقول الآخر حتى تدل دلالة على ~~صحة قوله، كذلك مثله في الصحابة. # فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه ليس في قول المجتهد الآخر حجة، ولا نعلم ~~أنه صواب، وأما قول الصحابي فإنه حجة. # قيل: إنما يكون حجة إذا انفرد ولم يعارضه غيره، فأما إذا خالفه غيره فليس ~~بحجة. # وأيضا: فإن قول كل واحد منهما ضد الآخر، وليس أحدهما بأولى بالتقديم من ~~صاحبه، وإذا كان كذلك وجب أن يتعارضا فيسقطا، وإذا سقطا وجب الرجوع إلى ~~الاجتهاد في ذلك. # واحتج المخالف: # بما تقدم، وهو: أنه إذا لم يحصل منهم الإنكار دل على كونه صوابا؛ لأنه لو ~~كان خطأ لم يترك الإنكار. # والجواب عنه: ما تقدم. # واحتج: بأن الصحابة قد رجع بعضهم إلى قول بعض مع كون الجميع من أهل ~~الاجتهاد. # كما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قبل قول معاذ في ترك رجم المرأة ~~الحامل (1) . PageV04P1210 # وكما روي عن عثمان أنه استن فيهم سنة أبي بكر وعمر، وقبل البيعة على ذلك، ~~ولم ينكر على من قبل قول غيره منهم، وإن كان من أهل الاجتهاد. # والجواب: أنه يحتمل أن يكون من رجع منهم إلى قول غيره؛ لأنه ذكر الوجه ~~الذي لأجله قال بما قال به، فاستدل بما ذكره على صحة قوله إذا علم صحة قوله ~~من غير أن يذكر له الوجه الذي لأجله قال بما قال عند سؤاله. ### | مسألة # الشيء المجمع عليه إذا تغيرت حاله جاز تركه بدلالة غير الإجماع (1) . # وهو قول أصحاب أبي حنيفة (2) . # خلافا لما حكي عن بعض الشافعية: أن ما ثبت بالإجماع ألا يجوز تركه إلا ~~بإجماع مثله. PageV04P1211 # وهذا مثل المتيمم إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء. # وما يجري هذا المجرى من المسائل [181/أ] . ### | دليلنا: # أن غير الإجماع قد يكون حجة مثل الإجماع، ألا ترى أن الإجماع إنما ms477 (1) ~~صار حجة بالخبر الوارد فيه، والخبر إنما صار حجة لقيام دلالة العقل على أن ~~الخير به لا يكذب، وإذا كان كذلك وجاز ترك المجمع عليه إذا تغيرت حاله وجب ~~أن يجوز أيضا تركه بغير إجماع. # واحتج المخالف: # بأنه لو جاز ترك المجمع عليه بغير الإجماع لأدى ذلك إلى قيام الدلالة على ~~خلاف الإجماع، وهذا لا يجوز. # والجواب: أنه إذا تغيرت صفته، فليس هو المجمع عليه، بل هو غيره، فلا يكون ~~في تركه بغير الإجماع إزالة ما ثبت بالإجماع بدلالة أخرى. # وجواب آخر، وهو: أنه لو لم يجز ترك ما ثبت بالإجماع إذا تغيرت صفته ~~بدلالة غير الإجماع، لم يجز أيضا تركه بالإجماع؛ لأن الإجماع على خلاف ~~الإجماع لا يجوز، كما لا يجوز خلاف الإجماع، فلما لم يمتنع تركه بالإجماع ~~لم يمتنع أيضا تركه بغير إجماع. # واحتج: بأنه لما لم يكن غير الإجماع من جنس ما ثبت به الحكم، لم يجز ~~إزالة الحكم، كما لا يجوز إزالة ما ثبت بنص الكتاب بدلالة القياس. # والجواب: أنه قد يجوز أن يثبت الشيء بدلالة، ثم ينتقل عنها بدلالة أخرى ~~من غير جنسها، ألا ترى أنه يجوز ترك ما ثبت بالعقل بدلالة من جهة السمع وإن ~~كانت من غير جنس دلالة العقل. PageV04P1212 ### | ### | مسألة # # يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد (1) . # قال أبو سفيان: وهو مذهب شيوخنا (2) . # وقال: قال بعض شيوخنا: لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد (3) . ### | دليلنا: # أن العمل بخبر الواحد ثابت، فوجب عموم العمل به ما لم يمنع منه دليل. # ولأن الإجماع حجة، كما أن كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. حجة، وقول ~~النبي يثبت بقول الواحد. # وذهب المخالف: # إلى أن الإجماع حجة توجب العلم، فلا يجوز إثباتها لا يوجب العلم. # والجواب: أنا نجيز وقوع الإجماع من طريق الاجتهاد والقياس، وإن كان ~~القياس والاجتهاد لا يوجبان العلم. # وكذلك يجور إثبات التأريخ الموجب للنسخ بخبر الواحد، وإن كان النسخ بخبر ~~الواحد لا يجوز. # وكذلك يجوز إثبات الإحصان بشهادة رجلين، وإن لم يجز إثبات الزنا الموجب ~~للرجم ms478 به، كذلك ها هنا لا يمتنع أن يثبت الإجماع بخبر الواحد، وإن كان ~~الإجماع موجبا للعلم. PageV04P1213 ### | مسألة # في الحادثة إذا حدثت [181/ب] بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يحكم فيها بشىء، جاز لنا أن نحكم في نظيرها (1) . # وذهب بعض المتكلمين: إلى أن ترك النبي للحكم في الحادثة يدل على وجوب ترك ~~الحكم في نظيرها، وقال هذا كرجل شج رجلا شجة، فلا يحكم رسول الله فيها ~~بحكم، فنعلم بتركه ذلك: أن لا حكم لهذه الشجة في الشريعة. ### | دليلنا: # أن بيان الحكم يقع من قبل الله تارة ومن قبل تبيين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تارة أخرى، فلما اتفقوا على أن عدم نص الله تعالى في الحادثة على ~~حكم لا يوجب ترك الحكم في نظيرها، كذلك ترك رسول الله الحكم في الحادثة لا ~~يوجب ترك # الحكم في نظيرها. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يكلنا إلى النظر والاستدلال والبحث ~~عن أدلة الأصول (2) . PageV04P1214 # ألا ترى إلى ما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الكلالة، فلم يجبه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~(يكفيك آية الصيف) (1) فوكله إلى البحث والنظر. # وذهب المخالف: # إلى أنه لو كان لهذه الحادثة حكم في الشريعة لم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ليترك بيانه مع عدم نص الله تعالى. # والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أنه قد يترك البيان، ويكلنا إلى النظر ~~والبحث، فلا يكون ذلك موجبا لترك الحكم في نظير الحادثة. PageV04P1215 ### | باب التقليد # التقليد (1) : قبول القول بغير دليل (2) . # واشتقاقه من القلادة (3) ؛ لأنها تكون في رقبة الإنسان، فاشتق التقليد ~~منها؛ لأنه إذا قبل قوله فيما سأله، فقد قلد رقبته ذلك (4) . # وليس المصير إلى الإجماع تقليد المجمعين، ولكن نفس الإجماع حجة لله تعالى ~~كالآية والخبر، فإذا صار إلى الحكم بدليل الإجماع، كان دليله على الحكم ~~الإجماع. # وكذلك يقبل قول الرسول، ولا يقال: تقليد؛ لأن قوله وفتواه حجة ودليل على ~~الحكم، والنبى لا يقلد؛ لأن قوله حجة؛ لأنه إذا أفتى بفتيا ms479 لم يحتج أن يدل ~~على الحكم بآية من كتاب الله ولا غيره، بل مجرد نطقه عنه. # ويفارق فتيا الفقيه؛ لأن قوله ليس بحجة ولا دليل على الحكم؛ لأنه يفتقر ~~إلى دليل تعلق الحكم به. PageV04P1216 # فدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقلد أبدا. # وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أبي الحارث: "من قلد الخبر رجوت ~~أن يسلم إن شاء الله" (1) . # فقد أطلق أحمد - رضي الله عنه - اسم التقليد على من صار إلى الخبر، وإن ~~كان حجة في نفسه. # يمكن أن يحمل قوله: "قلد" بمعنى صار إلى [182/أ] الخبر. # [ما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ] # وإذا ثبت حد التقليد. فالكلام فيما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ فيه (2) ~~. # جملته: أن العلوم ضربان: # ما يسوغ فيه التقليد. # وما لا يسوغ فيه التقليد. # فما لا يسوغ فيه التقليد: معرفة الله تعالى، وأنه واحد، ومعرفة صحة ~~الرسالة (3) . PageV04P1217 # وإنما قلنا: لا يقلد في هذا، بل على الكل معرفة ذلك بغير تقليد: لقوله ~~(1) تعالى: (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شىء إنهم لكاذبون) (2) . # وهذا أعلى منازل التقليد: أن يضمن (3) المقلد للمقلد درك ما قلده فيه، ~~وأن يتحمل عنه إثمه، فقد ذمة الله تعالى عليه وكذبه فيه: ثبت أن التقليد ~~فيه لا يجوز. # ولأن كل واحد يمكنه معرفة الله تعالى؛ لأنه يشترك فيها العامي والعالم، ~~لا نبينه فيما بعد. # ولأن التقليد لا يفضي إلى المعرفة، ولا يقع به العلم. # فصل # [معرفة الله لا تجب قبل السمع] # ولا يجب عليه معرفة الله تعالى قبل السمع مع القدرة على معرفة الله تعالى ~~بالدلائل (4) . # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية عبدوس (5) بن مالك العطار: ~~PageV04P1218 # "ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك (1) بالعقول، إنما ~~هو الاتباع". # خلافا للمعتزلة في قولهم: عليه أن يعرف ذلك قبل أن يرد السمع، فإن لم ~~يفعل، فهو كافر معاند (2) . # وقالوا: المراهق إذا بلغ حدا يميز ويعقل وجب عليه أن ms480 يعرف الله تعالى، ~~فإن لم يفعل، فهو كافر معاند. ### | دليلنا: # قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (3) . # وقال تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل) (4) فدل ذلك على أن الله تعالى لا يعرف قبل أن يبعث الرسل. # وقال تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم ~~آياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون) (5) . # وقال تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت رسولا فنتبع ءاياتك ونكون من المؤمنين) (6) وقال الله تعالى: (ولولا ~~أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى) (7) . PageV04P1219 # وهذا كله يدل على ما ذكرناه. # وأيضا: ما روى سليمان بن بريدة (1) عن أبيه، قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا بعث أميرا على سرية أمره بتقوى الله تعالى في خاصة ~~نفسه ومن معه من المسلمين، وقال: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم [إلى ~~إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها، فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم] (2) ~~إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا، [فادعهم إلى ~~إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا] (3) فاستعن بالله ~~عليهم وقاتلهم) (4) . فأمر بقتالهم بعد الدعاء والامتناع. # وإذا ثبت وجوبها بالسمع فالطريق إليها أدلة يشترك فيها العالم والعامي، ~~وهى أمور عقلية. PageV04P1220 # [بم تحصل المعرفة] # وهي كسبية مختارة للعبد، وموهبة من الله تعالى، ولا تقع ضرورة. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية المروذي: "معرفة الله تعالى في القلب ~~تتفاضل فيه وتزيد" (1) . # وهذا يدل على أنها كسبية؛ لأنها تزيد بزيادة الأدلة، ولو كانت ضرورة لم ~~تزد، كما لم يزد (2) علم الضرورات. # خلافا لمن قال: المعرفة موهبة، تقع ضرورة، ولا يتوصل إليها بأدلة العقول ~~(3) . وربما يذهب إلى هذا قوم من أصحابنا (4) . # والمذهب على ما ذكرنا (5) . PageV04P1221 # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية حمدان بن علي: "المرجئة تقول: إذا عرف ~~ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه. وهذا ms481 كفر إبليس، قد عرف ربه، فقال: (رب بما ~~أغويتني") (1) . # فقد نص على حصول (2) المعرفة لإبليس، ولو كانت موهبة لم تحصل له (3) ، ~~لأنه كافر معاند. # والدلالة عليه: # أن الله تعالى أجرى العادة بحصول المعرفة عند النظر والاستدلال، كما أجرى ~~العادة بذلك بحصول الطعم عقيب الذوق، والسمع عقيب الاستماع، ولم يجز أن ~~يقال: إن الطعم يحصل بغير ذوق، والسمع بغير استماع. PageV04P1222 # ولأن الله تعالى حث على النظر والاستدلال، فلولا أن العلم يقع به لم يكن ~~فيه فائدة، فقال تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل، كيف خلقت) (1) . # وقال: (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) (2) . # وقال: (فلينظر الإنسان مم خلق) (3) . # وقال: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب) (4) ~~الآية. # واحتج من قال بأنها موهبة: # بما أخبر الله سبحانه عن عيسى وقوله في التمهيد: (إنى عبد الله ءاتاني ~~الكتاب وجعلنى نبيا) (5) ، ولم يك من أهل النظر: الاستدلال. # وكذلك لما استخرج الذرية من ظهر آدم، (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى) (6) .. ولم يكونوا من أهل النظر والاستدلال. # والجواب: أن كلام عيسى في التمهيد كان معجزة (7) له وبراءة لأمه. # ويحتمل أن يكون كلفه في تلك الحال، كما أنطقه في المهد صبيا بلسان ~~الحكمة. # وأما الذرية فإن الله تعالى كلفهم حين أوجدهم؛ لأنه أخذ إقرارهم، وإنما ~~يكون هذا حجة على من كلف. PageV04P1223 # فأما الدلالة التي يتوصل بها فهو: أنه رفع السماء بغير عمد، وأجرى فيها ~~الكواكب والشمس والقمر دائبين، قائمة على الهواء بغير عمد، ولا يظهر فيها ~~شق ولا فطور، قال تعالى: (فارجع البصر هل ترى من فطور) (1) . # وسطح الأرض، وهي تراب على وجه الماء، والبناء على الماء حال (2) [183/1] ~~لا يقدر عليه أحد، فلما فعل هذا اضطربت على الماء فثبتها بالجبال الرواسي ~~حجرا واحدا، ومعلوم أن أحدا من البشر لا يقدر عليه، ثبت أن لها خالقا غير ~~البشر. # وكذلك جعل فيك دلالة عليه، فإنه خلق الإنسان من ماء مهين، وجعله نطفة في ~~الرحم، ثم يغير من حال إلى حال، حتى يظهر ms482 من بطن أمه وليدا لا يعقل، فلم ~~يزل حتى كبر، وعقل، وفهم، وعلم، وأنت تعلم أنه لو انقطع منه شعرة لم يمكن ~~أحد أن يضعها كما كانت أبدا، ثبت بهذا أن له صانعا يخالف البشر. # وإذا ثبت أن لها صانعا، علمناه قطعا أنه واحد لا شريك له بانتظام الأمر ~~على محكم الصنعة من غير تغير ولا اختلاف، ولو كان إله غيره لجاز عليهما ~~الاختلاف على ما نعهده في الملوك، فلما اتسعت الصنعة على وجه واحد من غير ~~اختلاف، علم قطعا أن الصانع واحد لا شريك له. # [معرفة النبوة] # وأما معرفة النبوة فظهور المعجزات عند التحدي والحاجة إليها على يديه، ~~كانشقاق القمر، وكلام الضب، وحنين الجذع، والقرآن القاطع المعجز، وكاليد ~~البيضاء، والعصا، وإحياء الموتى، وتنزيل المائدة من السماء، فإذا ظهر على ~~[يد] نذير هذا عند التحدي علمنا أنه رسول الله قطعا؛ لأن المعجزات لا تظهر ~~على يد الكذابين. PageV04P1224 # [الفرق بين العجزة والكرامة] # ويفارق هذا كرامات الأولياء، لأنها تقع اتفافا، ولا يمكنه إظهارها ~~والتحدي بها، فإذا وجد على يدي رجل، ثبت أنه نبي قطعا، وكان قبول قوله فرضا ~~(1) . # وفي معنى هذا مما لا يسوغ التقليد فيه: ما ثبت بخبر التواتر، كالصلوات ~~الخمس، وصيام شهر رمضان والزكاة والحج، كل هذا يعرف بأخبار التواتر، فيقع ~~العلم بها بالسمع، والعالم والعامي في طريق ثبوتها على وجه واحد، فلهذا لم ~~يسغ التقليد فيه. # [ما يسوغ فيه التقليد] # وأما الذي يسوغ فيه التقليد، فهذه المسائل التي هي فروع الدين، كالنكاح، ~~والبيوع، والطلاق، والعتق، والتدبير، والكتابة، وسجود السهو، فالناس فيه ~~على ضربين: عالم، وعامي. # فالعامي له أن يقلد أهل العلم، ويعمل بفتواهم، لقوله تعالى: (فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون) (2) . # وقال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (3) . # وقال تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين ~~PageV04P1225 # يستنبطونه منهم) (1) . # ولأنه لا خلاف أن طلب الفقه من فرائض الكفايات، فلو كلف الكل لكان من ms483 ~~فرائض الأعيان. # ولأن كل أحد لا يتمكن أن يعرف ذلك؛ لأنه يتشاغل [183/ب] عن عمارة الدنيا ~~بالزرع والمعاش والكسب به، فلما كان فيه قطع لعمارة الدنيا لم يكن واجبا ~~على الكل. # [للعامي أن يقلد من شاء من المجتهدين] # وإذا ثبت أن له التقليد، فليس عليه أن يجتهد في أعيان المقلدين، بل يقلد ~~من شاء، لأنه لما لم يكن عليه الاجتهاد في طلب الحكم كذلك في المقلد. # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- فيما رواه الحسين (2) بن بشار المخرمي ~~(3) قال: "سألت أحمد -رحمه الله- عن مسألة في الطلاق، فقال: إن فعل كذا ~~حنث. فقلت له: فإن أفتاني إنسان: لا أحنث، فقال: تعرف حلقة المدنيين؟ قلت: ~~فإن أفتوني أدخل (4) ؟ قال: نعم". # فلم يكله الإمام أحمد - رضي الله عنه - إلى اجتهاده في المستفتى، وإنما ~~PageV04P1226 # أفتاه بقوله، وأرشده إلى غيره. # [إذا استفتى المقلد عالمين] # وإن استفتى عالمين: فإن اتفقا على الجواب عمل بما قالاه، وإن اختلفا، ~~فقال أحدهما: مباح، والآخر محظور. # مثل إن استفتاه في صريح الطلاق إذا نواه ثلاثا، فقال له حنبلي: طلقت ~~واحدة. # وقال (1) له شافعي: طلقت ثلاثا، فإنه يقلد من شاء منهما، ولا يلزمه أن ~~يأخذ بقول من غلظ عليه. # وهذا ظاهر ما رواه الحسين (2) بن بشار عن أحمد؛ لأنه استفتاه في مسألة ~~الطلاق، فقال له أحمد - رضي الله عنه -: "إن فعل حنث، وقال: إن إفتاك مدني: ~~لا تحنث، فافعل". # فقد سوغ له الأخذ بقول المدني بالإباحة، ولم يلزمه الأخذ بالحظر. # فإن قيل: هلا قلتم: يلزمه أن يأخذ بقول من غلظ، كما قلتم: إذا تقابل في ~~الحادثة دليلان: أحدهما حاظر والآخر مبيح: إنه يقدم الحظر على الإباحة. ~~PageV04P1227 # قيل: الفرق بينهما: أن ذلك من الأصول مبناه على التأكيد، ولهذا طريق ~~ثبوته دليل مقطوع عليه. # وهذا من الفروع مبناه على التخفيف، ولهذا يثبت بغلبة الظن. # [يكفي في الفتوى مترجم واحد] # فإن كان المقلد يعرف لسان المفتي سمع منه، وعمل بقوله عليه. وإن كان لا ~~يعرف لسانه أجزأه مترجم واحد؛ لأنه نقل خبر إليه، وخبر الواحد ms484 يوجب العمل. # ويفارق هذا الترجمة عن الشاهد؛ لأنها (1) إثبات شهادة، فلهذا افتقرت ~~الترجمة إلى عدد. # [على العامي أن يستفتي في كل حادثة تقع] # وإن استفتى عامي عالما في حكم وأفتاه، ثم حدث حكم آخر مثل ذلك، فعليه أن ~~يكرر الاستفتاء، ولا يقتصر على الأول. # وكذلك الحاكم إذا اجتهد في حادثة فقضى بها، ثم حدثت ثانيا، فإنه يحدث لها ~~اجتهادا. # وكذلك إذا اجتهد فصلى إلى جهة، ثم حضرت صلاة أخرى أحدث لها اجتهادا؛ لأن ~~الاجتهاد الأول غير مقطوع [184/أ] عليه، وإنما هو غلبة ظن فهذا حكم العامي. ~~PageV04P1228 # فصل # [تقليد العالم لعالم مثله] # وأما العالم فلا يجوز أن يقلد عالما مثله، سواء كان الزمان واسعا أو ضيقا ~~(1) . # وهذا ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد: ~~"لا تقلد أمرك واحدا منهم، وعليك بالأثر" (2) . # وذكر ابن بطة (3) في مسألة أفردها: أن الخلوة تكمل الصداق، بإسناده عن ~~الفضل بن زياد قال: قال أحمد -رحمه الله-: "يا أبا العباس لا تقلد ~~PageV04P1229 # دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا" (1) . # فقد منع من التقليد، وندب إلى الأخذ بالأثر. وإنما يكون هذا فيمن له ~~معرفة بالأثر والاجتهاد. # وبهذا قال الشافعي (2) وأبو يوسف (3) . PageV04P1230 # وقال أبو حنيفة (1) ومحمد (2) : يجوز للعالم تقليد العالم، حكاه أبو ~~سفيان عنه في مسائله، ولم يفرق بين أن يكون الزمان واسعا أو ضيقا. # وذهب ابن سريج إلى جواز ذلك مع ضيق الوقت (3) . # والدلالة على أبي حنيفة: # قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (4) ولم يقل ~~إلى عالم مثلك. # وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله) (5) وهذا يدل على ~~أن لا يقلد غيره. # وأيضا: فإن معه آلة يتوصل بها إلى المطلوب، فوجب أن لا يجوز له التقليد ~~فيه. PageV04P1231 # أصله: التقليد في التوحيد. # وهذا نكتة المسألة. # ولا يلزم عليه قول الصحابي؛ لأن الرجوع إليه ليس بتقليد؛ لأنه حجة كقول ~~النبي. # فإن قيل: الأمور العقلية طريقها العلم، وتقليد الغير أكثر أحواله أن يوجب ~~غلبة الظن، فلم يجز له تقليده، وأمور ms485 الشرع طريقها الاجتهاد، وتقليده لمن ~~هو أعلم منه وأقوى اجتهادا ضرب من الاجتهاد، فوجب أن يكون ذلك دلالة. # قيل: ليس هذا ضربا من الاجتهاد ولا دلالة، وإنما هو اجتهاد من التقليد، ~~وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه، ويقف على دليله. # ولأنه لا يجوز للإنسان أن يتبع قول غيره إلا بصفة تختص به، لا يشاركه ~~فيها أحد، مثل الرسول اختص بالعصمة (1) وكذلك الأمة. # وكذلك قول الصحابي اختص بمشاهدة التنزيل وحضور التأويل. # والعالم مع العامي اختص بالاجتهاد. # فأما إذا لم يكن لأحدهما مزية لم يكن له اختصاص بصفة فلم يجز للآخر ~~اتباعه في قول. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم) (2) . # والجواب [184/ب] : أن المراد به العامة، يدل عليه قوله تعالى: (لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم) علم أنه أراد المقلد؛ لأنه إذا كان عالما فهو من أهل ~~الاستنباط. PageV04P1232 # واحتج: بما روي أن عبد الرحمن بن عوف لما تردد بين عثمان وعلي، قال ~~لعثمان: (هل أنت متابعي (1) على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين؟. ~~فقال: اللهم نعم، فبايعه) (2) . # وإنما دعاه عبد الرحمن إلى اتباع أبي بكر وعمر لاعتقادهما (3) أن أبا بكر ~~وعمر كانا أعلم من عثمان. # وروي عن عمر أنه قال: (إني رأيت في الجد رأيا، فاتبعوني، فقال له عثمان: ~~إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذو الرأي كان) (4) . # وروي (أن امرأة ذكرت عند عمر بالفاحشة، فوجه إليها، فأجهضت ذا بطنها من ~~الفزع، فاستشار الصحابة، فقال عثمان وعبد الرحمن: إنك مؤدب، ولا شىء عليك، ~~وعلى ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانا قد اجتهدا ~~فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك، عليك الدية، فقال عمر: عزمت عليك ~~لتقسمنها على قومك) (5) . PageV04P1233 # فقلد عليا. # والجواب عن قول عبد الرحمن لعثمان: هل أنت متابعي على سيرة الشيخين من ~~وجوه: # أحدهما: أنا نحمل ذلك على السيرة في حماية البيضة. والقيام بالمصالح، ~~والتزيد في بلاد الإسلام والفتوح والنكاية في العدو، ولم يرد في أحكام ms486 ~~الفقه. # يدل على صحة هذا: أن أحكامهما (1) مختلفة في كثير من المسائل، فكيف يجوز ~~اتباعهما؟. # فإن قيل: لو كان المراد به السيرة لم يمتنع علي من ذلك. # قيل (2) . # وجواب ثان، وهو: أنه يجوز أن يكون عثمان أجابه إلى ذلك؛ لأنه سمع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) فحمله ~~على عمومه. # وجواب ثالث، وهو: أن علي بن أبى طالب خالفهما في ذلك، فقال لعبد الرحمن ~~لما قال له: (هل أنت متابعي على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة PageV04P1234 # الشيخين؟ فقال له علي: لا، إلا على جهدي وطاقتي) . فخالفهما في ذلك. # فإن قيل: ليس هذا بخلاف؛ لأنه يجوز أن يكون عنده أنه أعلم منهما، فلهذا ~~لم يتبعهما؛ وكان عند عثمان أنهما أعلم منه، فأجاب إلى اتباعهما. # قيل: الخلاف قد ظهر منهما، وما ذكره المخالف من هذا الاحتمال يحتاج إلى ~~دليل. # وأما قول عمر: (إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني) ، فلا حجة فيه؛ لأنه ~~إنما يصح التعلق به إذا ثبت أن عمر دعاهم إلى اتباعه؛ لاعتقاده أنه أعلم ~~منهم. # وهذا المعنى ليس في الخبر [185/أ] # وعلى أن معناه: اتبعوني بالدليل الذي قام عندي. # وقول عثمان: (إن نتبع رأيك فرأيك رشيد) ، أي: [له] وجه في الأصول وتعلق ~~بها (وإن نتبع رأي من قبلك، فنعم ذو (1) الرأي) ، لما دل عليه من الدليل، ~~فإذا احتمل هذا لم يجز حمله على التقليد. # وأما قول عمر لعلي: (عزمت عليك لتقسمنها على قومك. إنما قاله؛ لأن ~~اجتهاده أدى إلى صحة ما قاله، فكان ذلك قولا بالدليل. # واحتج: بأن العالم إذا رأى اجتهاد غيره أقوى من اجتهاد نفسه كان تقليده ~~إياه ضربا من الاجتهاد، فلما كان له أن يحكم في الحادثة بما يؤديه إليه ~~اجتهاده، كذلك يجوز له أن يقلد غيره فيها (2) إذا كان اجتهاده أوثق عنده من ~~اجتهاد نفسه. # والجواب: أنه لو كان جواز تقليده مما ذكرته من أن اجتهاد غيره أقوى لوجب ~~أن لا يجوز له أن يترك تقليده، ولا يعمل على ms487 اجتهاد نفسه، كما أنه ~~PageV04P1235 # إذا رأى الحادثة بأحد الأصلين أشبه منها بالأصل الآخر لم يجز له أن يردها ~~إلى الأصل الذي هو أشبه به، فلما أجزتم له أن يمضي اجتهاد نفسه علمنا أنه ~~لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين. # وجواب آخر وهو: أن قولهم: إن رجوعه إلى قول غيره ضرب من الاجتهاد لا يصح؛ ~~لأنه اجتهاد في التقليد، وكلامنا في اجتهاده ليعلم ذلك بعلمه ووقوفه على ~~دليله. # واحتج: بأن الأعلم لما كان يعرف مالا يعرفه الآخر كان له أن يصير إلى من ~~هو فوقه، مثل العامي يسمع خبرا أو آية عامة، فإن عليه الرجوع إليه (1) ، ~~يقلده (2) لجواز أن يكون عند العالم ما يقضي على الخبر الذي يسمعه. # كذلك اجتهاد من هو أدون منه في الفقه لما جاز أن يكون عند العالم ما يقضي ~~على اجتهاده لزمه المصير إلى قوله. # والجواب: أنه لو كان كالعامي لوجب الرجوع إلى قوله، ولم يجز لى أن يعمل ~~على ما عنده، ولما جاز له العمل على ما عنده لم يصح اعتباره به. # ولأن العامي ليس معه آلة الاجتهاد، وهذا بخلافه. PageV04P1236 # [لا يجوز التقليد للعالم وإن ضاق الوقت] # والدلالة على منع التقليد مع ضيق الوقت أيضا ما تقدم. # ولأنه من أهل الاجتهاد، فلم يجز له تقليد غيره. ### | دليله: إذا لم يضق وقته. # ولأن اجتهاده شرط في صحة فرضه، فلا يسقط بخوف الفوت قياسا على سائر ~~الشروط، مثل: الطهارة وستر العورة وغير ذلك. # ولأن العامي فرضه السؤال والتقليد، والعالم فرضه في الاجتهاد، فلما لم ~~يسقط عن العامي فرض السؤال لخوف الوقت لم يسقط عن العالم فرض الاجتهاد ~~[185/ب] . # واحتج المخالف (1) : # بأنه لا يمكنه أداء فرضه باجتهاده، فكان فرضه التقليد قياسا على العامي. # والجواب: أن العامى عاجز عن الاجتهاد، والعالم متمكن منه، فلم يجز اعتبار ~~أحدهما بالآخر، ألا ترى أنه لا يجوز اعتبار من لا يجد الماء والسترة بمن ~~يقدر عليهما (2) ، ولكنه يخاف فوات الوقت إن استعملهما (3) . # واحتج: بأنه لما جاز للعالم تقليد الصحابي جاز له تقليد ms488 غير الصحابي. # والجواب: أنه لما جاز له تقليد الصحابة لزمه ذلك، ولم يجز له مخالفتهم ~~(4) ،فجرى ذلك مجرى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس كذلك ها هنا، ~~فإن العالم لا PageV04P1237 # يلزمه تقليد العالم، بل هو مخير عندهم في تقليده وفي تركه والعمل على ما ~~عنده، فبان الفرق. ### | مسألة # [حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع] # الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع اختلف الناس فيها (1) . # فذكر شيخنا (2) -رحمه الله- أنها على الحظر إلا أن يرد الشرع بإباحتها. # وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى معنى هذا في رواية صالح ويوسف موسى (3) : ~~"لا يخمس السلب، ما سمعنا أن النبي خمس السلب" (4) . PageV04P1238 # وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السلب؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شرع فيه، فبقي على أصل الحظر (1) . # وكذلك نقل الأثرم وابن بدينا (2) في الحلي يوجد لقطة (3) ، قال: "إنما ~~جاء الحديث في الدراهم والدنانير" (4) . # فاستدام أحمد -رحمه الله- التحريم، ومنع [الملك] (5) على الأصل؛ لأنه ~~PageV04P1239 # لم يرد شرع في غير الدراهم (1) . # وبهذا قالت المعتزلة البغداديون (2) والإمامية (3) وابن أبى هريرة (4) من ~~أصحاب الشافعي. # وقال البصريون من المعتزلة الجبائي وابنه (5) : إنها على الإباحة. # وبه قال أصحاب أو حنيفة (6) فيما حكاه السرخسي. # وحكي عن جماعة من أصحاب الشافعي ابن سريج [وأبي حامد] (7) المروذي (8) . # وهو قول أهل الظاهر (9) . PageV04P1240 # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية أبي طالب وقد سأله عن قطع ~~النخل، قال: "لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئا، قيل له: فالنبق قال: ~~ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبنى قطعه، قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح فلم ~~لا يعجبك؟ قال: لأنه على [كل] (1) حال قد جاء فيه كراهة (2) ، والنخل لم ~~يجيء فيه شىء". # فقد استدام أحمد -رحمه الله- الإباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع ~~يحظره (3) . # وهو ظاهر كلام أبي الحسن التيمي (4) ؛ لأنه نصر جواز الانتفاع قبل وجود ~~الإذن من الله تعالى. PageV04P1241 # وقال أصحاب الأشعري (1) : هي على الوقف لا يقال: إنها مباحة ولا محظورة، ~~إلا أن [186/أ] يرد الشرع ms489 بذلك. # وهو قول أبي الحسن الجزري (2) من أصحابنا، ذكره في جزء فيه مسائل، فقال: ~~"الأشياء قبل مجيء الشرع موقوفة على دلائلها، فما ورد النص به عمل به، وما ~~لم يرد به النص رد إلى ما فيه النص، ومن قال: إنها على الإباحة، فقد أخطأ" ~~(3) . # وبهذا قال جماعة من أصحاب الشافعي: الصيرفي وأبو علي الطبري (4) . # والقائل بالوقف موافق لمن قال بالإباحة في التحقيق (5) ؛ لأن من قال ~~بالوقف يقول: لا يثاب على الامتناع منه، ولا يأثم بفعله. # وإنما هو خلاف في عبارة. PageV04P1242 # واعلم أنه لا يجوز إطلاق هذه العبارة؛ لأن من الأشياء مالا يجوز أن يقال: ~~إنها على الحظر، كمعرفة الله تعالى، ومعرفة وحدانيته. # ومنها مالا يجوز أن يقال: إنها على الإباحة، كالكفر بالله، والجحد له، ~~والقول بنفي التوحيد. # وإنما يتكلم في الأشياء التي يجوز في العقول حظرها وإباحتها، كتحريم ~~الخنزير، وإباحة لحم الأنعام (1) . # وتتصور هذه المسألة في شخص خلقه الله تعالى في برية، لا يعرف شيئا من ~~الشرعيات، وهناك فواكه وأطعمة، فهل تكون تلك الأشياء في حقه على الحظر أم ~~على الإباحة، حتى يرد الشرع بالدلالة؟ # فالدلالة على الحظر (2) : # أن جميع المخلوقات ملك لله تعالى، لأنه خلقها وأنشأها وبرأها، ولا يجوز ~~الانتفاع بملك العبد إلا بإذنه، يدل على ذلك أن أملاك الآدميين لا يجوز ~~لأحد منهم أن ينتفع بملك غيره بغير إذنه. # فإن قيل: قولكم: لا يجوز الانتفاع بملك الغير بغير إذنه، لا يخلو: إما أن ~~يريدوا به أنه لا يجوز من طريق العقل [أ] والشرع. # فإن أردتم من طريق العقل لم يسلم لكم هذا؛ لأن العقل عندنا مما لا يحل ~~ولا يحرم. # وإن أردتم به من طريق الشرع فصحيح، إلا أنه لم يرد شرع، ولهذا توقفنا حتى ~~يرد الشرع بحظره أو إباحته. PageV04P1243 # وهذا دليل من قال بالوقف، والكلام يأتي عليه في أدلتهم. # فإن قيل: فالآدمي إنما حرم ملكه بغير إذنه لما يلحق فيه من الضرر، ألا ~~ترى أن مالا ضرر عليه فيه، مثل المشي في ضوئه والوقوف في ظله، وما ms490 أشبه ذلك ~~أغير محرما، والله تعالى لا يستضر بالانتفاع بملكه. فلم يحرم تناوله. # وهذا دليل من قال بالإباحة والكلام يأتي عليه في أدلتهم، إن شاء الله ~~تعالى. # فإن قيل: من الأملاك ما يتصرف فيها الغير بغير إذن مالكها، وهو مال الصبي ~~والمجنون وأهل الحرب. # وكذلك [186/ب] المضطر إلى مال الغير فإنه يأكل منه بغير إذن مالكه. # قيل: هناك إذن من جهة العقل والشرع. # ودليل آخر وهو: أن تناول ذلك واستباحته ترك للاحتياط وركوب الغرر؛ لأنه ~~يمكن أن يكون على الإباحة فلا يأثم، ولا يحرج، ويمكن أن يكون على الحظر ~~فيكون ملوما في فعله مأثوما في تناوله، فإذا أمكن هذا وهذا وجب بدليل العقل ~~الامتناع منه لئلا يركب الحظر والغرر، كمن قيل له: هذا طريق مأمون، وهذا ~~طريق مخوف، وجب بدليل العقل ترك المخوف، وإذا ركبه كان قبحا في العقل، فكان ~~الاحتياط الترك. # فإن قيل: لا نسلم أن تناولها ترك الاحتياط، بل الاحتياط في الانتفاع بها؛ ~~لأن في ذلك تلف النفس، ونحن ممنوعون من ذلك. # وهذا دليل من قال بالإباحة. والكلام يأتي عليه إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: اعتقاد الحظر فيما هو مباح لا يجوز، كما لا يجوز اعتقاد الإباحة ~~فيما هو محظور، فلا يكون لأحدهما في هذا الوجه على الآخر مزية، وحصل ~~للانتفاع بها مزية من جهة أن فيه إحياء النفس. # قيل: قد أجبنا عن هذا السؤال في ترجيح الأخبار بما فيه كفاية (1) . ~~PageV04P1244 # وبينا أن هذا يبطل بالمتولد من بين ما يباح أكله وما لا يباح أكله، وما ~~يباح نكاحه وما لا يباح، فإنه يغلب الحظر فيه، ولا يقال: إن تحريم ما يباح ~~بمثابة إباحة ما هو حرام. # فإن قيل: لا يصح حظر ما يتوهم وجوبه وحظره، وإنما يصح ذلك فيما عرف حكمه، ~~وإن جاز الحظر لزم أن يقال: يجب على كل أحد أن يصلي طول دهره ويصوم طول ~~أيامه قبل الشرع، لجوار أن يرد الشرع بوجوب ذلك. # قيل: ولا يجوز إباحة ما يتوهم إباحته، وإنما يصح ذلك فيما ms491 عرف حكمه ~~[فكان] استعمال الحظر أولى، لما بينا. # ويفارق هذا ما ذكروه من الصيام، والصلاة؛ لأنه لا يعقل معناها قبل ورود ~~الشرع، واجتناب هذه الأشياء يعقل (1) معناه، وهو تركه. # وقد اعتمد من نصر هذا القول على طريقة أخرى، فقال: العقل لا ينفك من شرع؛ ~~لأنه لو انفرد عن شرع لم يجز الإقدام على المنافع ولا الإحجام عنها، لجواز ~~كون كل واحد منهما مفسدة. # وإذا كان انفكاك العقل من سمع يؤدي إلى هذا الفساد لم يجز أن ينفك من ~~سمع، وإذا لم ينفك من سمع فالسمع قد حظر الانتفاع والتصرف في ملك الغير ~~بغير إذنه، ومن قال بالإباحة أباح التصرف في ملك الغير بغير إذن. # وهذه الطريقة إذا صحت [187/أ] حصل الاحتجاج بالشرع دون العقل. # واحتج من قال بالإباحة: # بأن الله لما خلق هذه الأشياء لم تخل من ثلاثة أحوال: # إما أن يكون خلقها لينتفع هو بها، أو لينتفع بها غيره، أو ليضر بها غيره. ~~PageV04P1245 # ولا يجوز أن يكون خلقها لينتفع هو؛ لأنه تعالى غني أن تلحقه المنافع ~~والمضار. # ولا جائز أن يكون خلقها ليضر بها؛ لأن ذلك قبيح، إذ لم يكن في حال خلقه ~~إياها من يستحق العقوبة، فلم يبق إلا أنه خلقها لينتفع عباده. # والجواب: أن هذا ينقلب عليهم فيما خلقه الله تعالى وحرمه على عباده، مثل ~~الخمر والخنزير. ونقسم ذلك عليهم مثل تقسيمهم حرفا بحرف. # وعلى أنا نقول: يجوز أن يكون خلقها ليمتحن عباده بالكف عنها، ويثيبهم على ~~ذلك، وليستدلوا بها على خالقها. # وهذا وجه يخرجه من حد العبث والضرر بهم، فسقط ما قالوه. # واحتج: بأنه لا يقبح في العقل (1) أن ينتفع بملك الغير على وجه لا يستضر ~~الغير به، بدليل التنفس في الهواء والانتقال في الجهات، بدليل أن له أن ~~يمشي في ظل (2) حائطه ويتكىء على حائطه، ويمشى معه في طريقه يأنس بكونه في ~~صحبته، وينظر في مرآة المزين (3) إذا علقها على وجه لا يتنفس فيها، أو كان ~~على حائطه قرآن مكتوب، كمن كتب على حائطه آية ms492 الكرسي كان لكل أحد أن يتلقن ~~ذلك منه، كذلك في بقية الأشياء؛ لأن الله تعالى [منزه] عن أن يستضر بشىء. # والجواب: أنه إن لم يكن على المالك ضرر فعلى المتصرف ضرر؛ لأنه يجوز أن ~~يحظر عليه، فيجب أن يؤثر ذلك في المنع، كارتكاب المعاصى، لا ضرر على الله ~~تعالى بفعلها، ومع هذا فإنه يمنع العبد منها لما عليه فيها من الضرر في ~~الآخرة. PageV04P1246 # وجواب آخر وهو: أنه لا يمتنع أن لا يكون عليه ضرر من ذلك ويمنع منه، لعدم ~~الإذن، بدليل: أن من يملك القناطر من المال لا ضرر عليه بأخذ درهم منها، ~~ومع هذا لا يجوز إلا بإذنه. # وأما التنفس في الهواء والانتقال في الجهات فينظر وقته، فإن كان لحاجة ~~جاز؛ لأن الأول قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى طعام الغير، ~~فيباح له؛ لأن العقل لا يمتنع من هذا، كما لا يمنع الشرع من ذلك عند ~~الحاجة، وإن لم يكن به حاجة منعناه. # وأما الاستيضاء بنار غيره، والظل بحائطه، والنظر في المرآة، فهذه الأشياء ~~ليست بملك لأحد، فلهذا جاز التصرف فيها. # يبين صحة هذا: أنه يصح المنع منها بغير حاجة، وإنما يملك المنع فيها ~~لحاجة وهو [187/ب] أن يكون محتاجا إلى فناء حائطه. # وقد قيل بأن التنفس في الهواء لا يؤدي إلى استهلاك الهواء، فلا يؤثر فيه ~~وكذلك النظر في مرآته والاستيضاء بناره. # وليس كذلك أكل الطعام وشرب الشراب، فإنهما يؤثران في الطعام والشراب، ~~ويؤديان إلى استهلاكهما، وهما ملك للغير، فلا يجوز بغير إذنه. # واحتج: بأن الأشياء كلها ملك لله تعالى، الحيوان وغيره، والأحسن إحياء ~~الملك بالملك. ويقبح إهلاك الملك مع القدرة لما فيه من الفساد. # والجواب: إنما يبيح أن تتناول هذه الأشياء عند الحاجة وجود (1) التلف؛ ~~لأن الإذن قد حصل فيه من جهة العقل، فنظيره أن يضطر إلى أكل طعام الغير، ~~فإنه يباح لهذه العلة. # وعلى أن هذا يوجب أن تقول إذا أكره على القتل: أن يجوز، لينجي نفسه، ~~PageV04P1247 # ولا يقتل به؛ لأن في ms493 ذلك إحياء الملك بالملك، وقد قلت: إنه لا يقتل، وإن ~~قتل قتل، كذلك هاهنا. # واحتج من قال بالوقف: # بأنه قد ثبت من الأصلين أن العقل لا يبيح ولا يحظر، وأن المباح: ما أعلم ~~صاحب الشرع أنه لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. # والمحظور: ما أعلم أن في فعله عقابا، فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما، وجب ~~أن لا يكون محظورا ولا مباحا، ويكون حكمه موقوفا على ورود الشرع. # والجواب: أنا إنما علمنا أن العقل لا يبيح ولا يحظر بالشرع، وكلامنا في ~~هذه المسألة قبل ورود الشرع، ولا يمتنع أن نقول قبل ورود الشرع: إن العقل ~~يبيح ويحظر إلى أن ورد الشرع بمنع ذلك، إذ ليس قبل ورود الشرع ما يمنع من ~~ذلك. # وقد قيل: إنا علمنا ذلك من طريق شرعي، وهو: إلهام من الله تعالى لعباده ~~بحظر ذلك أو إباحته (1) . # كما ألهم أبا بكر أن قال: الذي في بطن أم عبد جارية (2) . # وكما ألهم عمر أشياء ورد الشرع بموافقتها. # واحتج: بأن كونه على الحظر أو على الإباحة إنما يعرف على قولكم قبل ورود ~~الشرع بالعقل، وما علم حكمه بدليل العقل لا يجوز أن يرد الشرع PageV04P1248 # بخلافه، مثل شكر المنعم، واستقباح الظلم، يجب في العقل شكر المنعم ~~واستقباح الظلم، فلما ثبت أنه يجوز أن يرد الشرع بخلاف ما اقتضاه العقل بطل ~~أن يكون ذلك بالعقل حاظرا أو مبيحا. # والجواب: أنه كذلك فيما يعرف ببدائه العقول وضرورات المعقول، كالتوحيد، ~~وشكر المنعم، وقبح الظلم، فأما ما يعرف بثواني العقول استنباطا واستدلالا ~~فلا يمنع أن [188/أ] يرد الشرع بخلافه؛ لأنا قلنا [هي] على الحظر، وجوزنا ~~أن يكون على الإباحة أو على الوقف، ولكن كان هذا عندنا أظهر، فصرنا إليه، ~~فإذا ورد الشرع كان أولى مما (1) عرفناه استدلالا مع تجويز غيره. # يبين صحة هذا: أن ذبح الحيوان يحظره العقل، وقد ورد الشرع بإباحته. # والزنا يبيحه العقل كالنكاح، والشرع قد حظره. # وعلى أن ورود الشرع بالإباحة إذن في التصرف، وحصول الإذن في الثاني لا ms494 ~~يمنع حظرا متقدما، بدليل طعام الغير هو محرم عليه، وإذا أذن فيه أبيح، ولم ~~يمنع ذلك من حظر قبله، كذلك ها هنا. # واحتج بأن كونه حراما لا يخلو إما أن يكون لعينه، أو لمعنى. # فبطل أن يكون لعينه؛ لأنه لو كان ذلك لعينه لما انقلب عنه إلى غيره. # وبطل أن يكون لمعنى؛ لأن الشرع يرد بإباحته، فلا يجوز أن يحظره. مع بقاء ~~معنى الإباحة. # فإذا بطل الأمران ثبت أنه لا يصح أن يقال: مباح. # والجواب: أنه محظور لمعنى لا لعينه، ولا يمتنع ورود الشرع بخلافه، فيزول ~~ذلك المعنى، كما قلنا في فروع الدين واجتهاد الأنبياء، يجتهدون في الحكم، ~~ثم (2) PageV04P1249 # يرد النص عن الله تعالى بخلافه. ويقولون في الحادثة قولا، ثم ينسخ ذلك من ~~بعد. # فإذا صح مثل هذا في العبادات صح مثله في مسألتنا. # وقد قال بعض من تكلم في هذه المسألة: إن الكلام فيها تكلف؛ لأن الأشياء ~~قد عرف حكمها واستقرارها بالشرع. # وقال آخرون: الوقت ما خلا من شرع قط؛ لأن الله تعالى لا يخلي الوقت من ~~شرع يعمل عليه؛ لأنه أول ما خلق آدم قال له: (اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها (1) رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة) (2) فأمرهما ونهاهما عقيب ~~ما خلقهما. # وكذلك كل زمان، وإذا كان كذلك بطل أن يقال: ما حكمها قبل ورود الشرع؟ ~~والشرع ما أخل بحكمها قط. # فعلى هذا لا يتصور الخلاف إلا في تقدير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع ما ~~حكمها؟ # فالحكم عندنا على الحظر. # وعند قوم على الإباحة. # وعند آخرين على الوقف. # وهذه الطريقة ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- لأنه قال في رواية عبد الله ~~فيما أخرجه في محبسه: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا ~~من أهل العلم" (3) . PageV04P1250 # فأخبر أن كل زمان فيه قوم من أهل العلم. # وهذه طريقة أبي الحسن الجزري ذكرها أمام قوله: إن الأشياء على الوقف، ~~فقال: # "لم تخل الأم قط من حجة تلزمهم أمر أو نهي". # واستدل عليه بقوله تعالى: ms495 (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) (1) والسدى: الذي ~~لا يؤمر ولا ينهى (2) . # وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) (3) . # وقال تعالى: (وإن من أمة [188/ب] إلا خلا فيها نذير) (4) . # وأن الله تعالى لما خلق آدم أمره ونهاه في الجنة، فقال: لا تقرب هذه ~~الشجرة. # وقال قوم: هذه المسألة لا تفيد في الفقه شيئا، وإنما ذلك كلام يقتضيه ~~العقل. # وليس كذلك؛ لأن لها فائدة في الفقه، وهو أن من حرم شيئا أو أباحه فقول: ~~طلبت دليل الشرع فلم أجد، فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل يصح ~~ذلك أم لا؟ # وهل يلزم خصمه احتجاجه بذلك أم لا؟ # وهذا مما يحتاج إليه الفقيه وإلى معرفته والوقوف على حقيقته. # وحكي أن بعض أصحاب داود احتج على إباحة استعمال أواني الذهب PageV04P1251 # والفضة في غير الشراب (1) : بأن الأصل فيها الإباحة، وقد ورد الشرع ~~بتحريم الشرب، فوجب أن يبقى ما عداه على التحليل. # فقيل له: مذهب داود: أن هذه الأشياء في العقل موقوفة على ما يرد به الشرع ~~(2) . # فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق. # ولا تكون إباحتها لعدم دليل شرعي أولى من حظرها. # ونظرت في هذه المسألة لبعض شيوخ الكرامية، وذكر فيها كلاما لخصته على ما ~~أذكره، واختار أن الأشياء على الإباحة قبل ورود الشرع وبعد وروده. # واستدل (3) على أنها على الإباحة قبل الشرع بأشياء: # منها: أن العبد محتاج إلى هذه المنافع، وله فيها نفع من غير ضرر يلحقه ~~عاجلا ولا آجلا، فوجب أن يكون ذلك مباحا له. PageV04P1252 ### | دليله: ما بعد الشرع. # فإن قيل: من أين لك أنه لا ضرر عليه، ولعله يرد الشرع بحظر ما كان قد ~~استباحه. # قيل: ما لم يرد الشرع بالحظر فلا ضرر عليه فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (1) . # دليل ثان: أن الله تعالى قد أحوج العاقل إلى الانتفاع بما قد أظهره من ~~المنافع وأحضرها إياه، ولم يمنع عنها مانع، فكانت مباحة مأذونا فيها. # ألا ترى: أن من أحضر قوما، ms496 مائدة عليها ألوان الطعام محتاجين إليها، ولم ~~يضع هناك مانعا من ذلك، فإن ذلك يجري مجرى الإذن في الإباحة، كذلك هاهنا. # فإن قيل: فهذا المعنى موجود في الخمر والخنزير. # قيل: قد كان قبل ورود الشرع على الإباحة، وبعد الشرع حرام؛ لورود الشرع ~~بمنعه. # دليل ثالث: أن الله تعالى خلق هذه الأشياء على وجه يمكننا الانتفاع بها، ~~وهو سبحانه يتعالى عن الانتفاع بها، فوجب أن يكون الغرض أن ينتفع بها (2) ~~العبد. # فإن قيل: ما أنكرت على من قال: إنه أحضر هذه الأشياء للاعتبار [189/أ] ~~بها، لا للانتفاع بها. # قيل: بل أحضرها للانتفاع بها، كما قلنا فيمن أحضر طعامه لجماعة بهم حاجة ~~إليه، فإنه إذن وإباحة. كذلك ها هنا. # وجواب آخر وهو: أنا نقول: خلقها للأمرين جميعا، للانتفاع، والاعتبار بها. ~~PageV04P1253 # وجواب ثالث وهو: أنه لو كان الغرض هذا لوجب أن يقتصر على خلق الجواهر ~~والأعراض التي تتضمنها الأكوان والاجتماع والافتراق، دون الطعام؛ لأن ~~الاستدلال يتم بهذه الأشياء. # جواب آخر وهو: أنه إن كان الغرض منها الاستدلال، فإنه لا يمكن الاستدلال ~~بما في هذه الجواهر من الطعوم والمجسمات (1) الخشنة واللينة إلا بإدراكها، ~~وإذا أدركها فقد انتفع بها (2) . # جواب آخر وهو: أنه إذا كان الغرض منها الاستدلال فلا يتم ذلك إلا بقوام ~~أبنيتهم، ولا تقوم أبنيتهم إلا بهذه المنافع كانت مقصودة بخلق المنافع، ولو ~~امتنعوا عن ذلك [لأدى] إلى هلاكهم، فيكون ذلك خارجا عما أجرى الله عليه (3) ~~العالم (4) من الغرض، وهذا لا يجوز كما لا يجوز أن يحظر عليهم التنفس في ~~الهواء والتقلب من جانب إلى جانب. # والدلالة على أنها على الإباحة بعد الشرع: # قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) (5) . # وقوله: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (6) . # وقوله: (قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا) (7) فثبت أن ما يحرم بالوحى يحرم. PageV04P1254 # احتج من قال: إنها على الحظر قبل الشرع: # بأنها ملك للغير، ولا يجوز التصرف في ms497 ملكه بغير إذنه. # والجواب: أنا نقول له: من أين تعلم أن التصرف في ملك الغير قبيح. # وعلى أن نفس هذا القائل ملك لمالك هذه الأشياء، فله أن ينتفع بالمائع ~~لبقاء النفس. # كما أن من كان عنده طعام من جهة مالك، وعنده غلمان المالك، وفي منع ~~الطعام عنهم هلاكهم، لم يكن له أن يمنع. # واحتج: بأنه لا يأمن هذا القائل أن يكون فيما يقدم عليه سم يهلكه. # والجواب: أنه قد استقر أيضا أنه إن لم يقدم عليه يهلك. # وعلى أنا قد نجد البهائم تقدم على ذلك ولا تهلك. # واحتج: بأنه يجوز أن تكون مخلوقة لمن يأتي بعدهم، كما أن الحور العين ~~والملائكة لا ينتفعون بها في الجنة؛ لأن الله خلقها لبني آدم. # والجواب: أنه لو كان كذلك لدل عليه، فلما لم يدل عليه لم يصح هذا. # واحتج: بأنه لو كان العقل يبيحه لكان الشرع واردا بخلاف العقل. # والجواب: [189/ب] أن هذا عائد عليكم في التوقف. # وهذا الخلاف مع من يجوز أن يخلي الله عباده عن دلالات السمع. # واحتج من قال: بأنها على الحظر بعد الشرع: # بقوله تعالى: (أم لهم شركاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (1) ~~فأنكر على من أثبت حكما، أو استحل شيئا بغير إذن الله تعالى. # والجواب: أن هذا عائد عليكم، إذ (2) قلتم بالتحريم. # على أنا حملناه على الإباحة بدليل ما ذكرنا. PageV04P1255 # فصل # والدلالة على فساد قول من قال بالوقف من وجوه: # أحدها: أنا لا نقول له: هل تعلم التوقف مباح أم لا؟ # فإن قال: بلى، فقد استباح شيئا بعقله دون الشرع. # وإن قال: لا أعلم استباحته، ثم قدم عليه. # قيل له: فهلا كان هذا حالك مع سائر المنافع؟ # ونقول له: هل تعلم وجوب التوقف عليك أم لا؟ # فإن قال: لا أعلم، وجب أن لا يلزمك الإقدام عليه، أعنى: الاقدام على ~~التوقف. # وإن قال: بلى. # قيل له: إذا جاز أن تعلم الوجوب بعقلك، فلم لا يجوز أن تعلم الحظر ~~والإباحة؟ # ونقول له: إذا جاز أن تعلم ms498 جواز ترك الإباحة والحظر بالعقل، فهلا يجوز أن ~~تعلم جواز الإقدام على المنافع أو جواز حظرها؟ وما الفرق بينهما؟ # فإن قيل: الفرق بينهما: أنه لعله في الإقدام عليه مفسدة. # قيل: فيجب أن تقول بحظره؛ لأنه لا مفسدة فيه. # وعلى أنه يجوز أن يكون في التوقف (1) مفسدة أيضا. # ويقال له: ليس تخلو الأشياء من إباحة أو حظر، فلا معنى للتوقف (1) ، إذ ~~ليس تخلو من أحد هذين القسمين. # فإن قيل: هو وإن كان هذا حالها، فلا أدري أيهما حكم الله تعالى. ~~PageV04P1256 # قيل: ولا ندرى أن حكم الله تعالى الوقف. # واحتج بقوله تعالى: (فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون) (1) ، فأنكر على من أحل شيئا أو حرمه بغير إذنه. # والجواب: أنه إنما أنكر على من استبد من ذات نفسه تحليل شىء أو تحريمه ~~وأما من أسنده إلى دليل، فلم يلحقه هذا الذم. # ثم هذا يلزمكم في القول بالوقف؛ لأنه لم يرد أمره به. # واحتج: بأن القول بالإباحة والحظر طريقه العقل، والعقل لا مجال له في ~~إباحة ولا حظر. # والجواب: أن هذا يلزم عليه القول بالوقف؛ لأن العقل لا يوجب ذلك وقد ~~أثبته. # وعلى أنا علمنا أن العقل لا مجال له في إباحة ولا حظر بالشرع. # فصل # وذكر أبو الحسن [190/أ] التيمي في جزء وقع إلى بخطه فيما خرجه من أصول ~~الفقه. # فقال: الأفعال قبل مجيء السمع تنقسم قسمين: # فمنها حسن. # ومنها قبيح. # فما كان في العقل منها قبيحا، فهو محظور، ولا يجوز الإقدام [عليه] كالكذب ~~والظلم، وكفر نعمة المنعم، وما جرى مجرى ذلك؛ لأنه يكتسب بفعله الذم ~~واللوم. PageV04P1257 # وأما الحسن في العقل فينقسم إلى قسمين: # منه ما يجب فعله. # ومنه ما لا يجب فعله. # أما الذي يجب فعله، فهو مثل: شكر نعمة المنعم، والعدل، والإنصاف، وما جرى ~~مجرى ذلك مما في معناه من الحسن، فإنه واجب لا يجوز الانصراف عنه. # ومن الحسن ما لا يجب فعله، وإن كان حسنا، مثل: التفضل، وبر الوالدين، ~~وقرى الضيف، وإطعام الطعام (1) . # فصل ms499 # [لا يحظر السمع ما أوجبه العقل ولا يبيح ما حظره] # قال (2) : ولا يجوز أن يرد السمع بحظر ما كان في العقل واجبا، نحو شكر ~~المنعم، والعدل، والإنصاف، ونحوه. # وكذلك لا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا نحو الكذب، والظلم، ~~وكفر نعمة المنعم، ونحوه، وإنما يرد بإباحة ما كان في العقل محظورا على شرط ~~المنفعة، نحو: إيلام بعض الحيوان -يعني بالذبح- لما فيه من المنفعة كما جاز ~~لنا إدخال الآلام علينا بالفصد والحجامة، وشرب الأدوية الكريهة للمنفعة، ~~وإن لم يجز ذلك لغير منفعة، وما أعطيناه من أموالنا بغير استحقاق للفقراء ~~وغيرهم ممن يطلب بدفعه إليهم الثواب من الله تعالى، أو الحمد من الناس ~~والثناء الجميل؛ فإن هذا وما أشبهه من مجرى الآلام التي يطلب بها المنافع ~~من الفصد، والحجامة، وشرب الأدوية. PageV04P1258 # وقد يرد الشرع بحظر ما لم يكن له في العقل منزلة في القبح، نحو الأكل ~~والشرب، والتصرف الذي لا ضرر على فاعله في فعله في ظاهر أمره، فالواجب أن ~~تجري أحكام الأفعال على منازلها في العقل. # فإما أن يكون قبيحا في العقل، فيمتنع منه. # أو يكون واجبا في العقل، فيلزم أمره، ويجب فعله. # أو أن يكون حسنا ليس بواجب، فيكون الإنسان مخيرا بين أن يفعله وبين أن لا ~~يفعله، من [نحو] (1) اكتساب المنافع بالتجارات وما في معناها. # فإذا ورد السمع فيما الإنسان فيه مخير كشف السمع عن حاله، وبين أمره، ~~فإما أن يدخله في جملة الحسن الذي يجب فعله، أو في جملة القبيح الذي لا ~~يجوز فعله (2) . # وهذا من كلام أبي الحسن يقتضي أن العقل يوجب ويقبح. # وقد ذكرنا في الجزء الأول من المعتمد (3) خلاف هذا، وحكينا [في] هذه ~~المسألة خلاف المعتزلة. # وبينا قول أحمد -رحمه الله- في رواية عبدوس بن مالك: "ليس [في] السنة ~~قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، إنما هو [190/ب] الاتباع". ~~PageV04P1259 # وقد استوفينا الكلام هناك ولكن نشير إليه فنقول: # قال الله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (1) . # ولأنه لو كان في العقل ms500 حسن وقبيح وواجب ومحظور لم يخل ذلك من أن يكون ~~معلوما ببدائه العقول وأول فيها؛ لأنه لو كان كذلك لوجب اشتراك العقلاء ~~أجمع في ذلك، ولما جاز أن يخالف في ذلك قوم من العقلاء الذين (2) بهم يثبت ~~التواتر علم أنه ليس بمعلوم ضرورة. # يبين صحة هذا: أن استحالة وجود الجسم الواحد في مكانين متباعدين في حالة ~~واحدة كما كان معلوما بضرورة العقل وأول فيه، لم يجز مخالفة قوم يثبت بهم ~~التواتر. # وكذلك جميع ما يعلم بضرورة العقل وأول فيه وفي العلم بخلاف أكثر العلماء ~~في ذلك الذين ببعضهم يثبت التواتر دليل على أنه ليس بمعلوم ضرورة. # فصل # [الحظر للأفعال دون الأعيان] # وقال أبو الحسن: والحظر والإباحة، والحلال والحرام، والحسن والقبيح، ~~والطاعة والمعصية، وما يجب وما لا يجب، كل ذلك راجع إلى أفعال الفاعلين دون ~~المفعول به، فالأعيان والأجسام لا تكون محظورة ولا مباحة، ولا تكون ~~PageV04P1260 # طاعة ولا معصية. # وهذا كما قال أبو الحسن؛ لأن الأعيان فعل الله تعالى وخلق له، فلا يجوز ~~أن ينصرف الوعيد إلى أفعاله، وإنما ينصرف ذلك إلى أفعالنا. # قال أبو الحسن: وقد يطلق ذلك في المفعول توسعا واستعارة، فيقال العصير ~~حلال مباح ما لم يفسد، فإذا فسد وصار خمرا كان حراما ومحظورا. # والمذكى (1) حلال ومباح، والميتة محظورة وهى حرام، والحرير حرام، وما في ~~معنى ذلك. # يريدون أن شرب العصير حلال ومباح ما لم يشتد، فإذا اشتد وصار خمرا كان ~~شربه حراما محظورا، وأكل المذكى حلال ومباح، وأكل الميتة محظور وحرام، ~~فيطلقون ذلك والمراد به: أفعالهم (3) . PageV04P1261 ### | مسألة # في استصحاب الحال (1) # وهو على ضربين (2) : # أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه. # وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم، والاحتجاج به سائغ. # وقد ذكره أصحاب أبى حنيفة. PageV04P1262 # وسماه أبو يوسف: عدم الدليل دليل (1) . # وذكره القاضي أبو الطيب الطبري (2) . # ومثال ذلك أن يسأل حنبلي عن الوتر (3) فيقول: ليس بواجب، فيطالب بدليله، ~~فيقول: لأن طريق وجوبه الشرع، وقد طلبت الدليل الموجب من جهة الشرع [191/أ] ~~فلم أجد، فوجب ms501 أن لا يكون واجبا، وأن تكون ذمته بريئة منه كما كانت. # وكذلك إذا احتج بذلك على نفي وجوب الأضحية، ونفي وجوب زكاة الخيل والحلي ~~والخضروات، وما أشبه ذلك. # وإلى هذا المعنى أومأ أحمد -رحمه الله- في رواية صالح ويوسف إن موسى: "لا ~~يخمس السلب، ما سمعنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمس السلب". # فجعل عدم الدليل الشرعي مبقيا (4) على الأصل في منع التخميس ونفي ~~PageV04P1263 # الاستحقاق. # وكذلك نقل الأثرم وابن بدينا في الحلي يوجد لقطة: "إنما جاء الحديث في ~~الدراهم والدنانير". # فمنع من تملك الحلي، واستدام الأصل، وهو عدم الملك في اللقطة؛ لأنه لم ~~يرد دليل، وإنما ورد في الدراهم والدنانير. # وحكى أبو سفيان عن بعض الفقهاء أنه يأبى هذه الطريقة في الاستدلال. # والدلالة على صحتها: أن الحكم الشرعي إنما يلزم المكلف إذا تعبده الله ~~تعالى به، ولا يجوز أن يتعبده الله تعالى به من غير أن يدله عليه، وإذا كان ~~كذلك وجب أن يكون عدم الدلالة على أنه لم يتعبد به. # يبين صحة هذا: أنه لما لم يجز أن يبعث الله تعالى رسولا دون أن يظهر عليه ~~الأعلام المعجزة، كان عدم ظهور ذلك على مدعي النبوة دلالة على انتفاء ~~ثبوته. # فإن قيل: ما ينكر أن يكون الدليل موجودا وأنت مخطىء في الطلب، وتارك ~~للدليل الموجب. # قيل: لا يجب علينا أكثر من الطلب، وإذا لم نجد لزمنا تبقية الذمم على ~~البراءة كما كانت. # وهذا كما يستدل بعموم، فيقول الخصم (1) ما ينكر أن يكون ذلك خاصا، وقد ~~خفي عليك دليل التخصيص. # فيقول: طلبنا الدليل المخصص فلم نجد، فلزمنا حمله على عمومه، ومن ادعى ~~دليل التخصيص يجب عليه إبرازه، كذلك ها هنا، ما لم نجد دليل الايجاب يجب أن ~~تبقى الذمم على البراءة على حكم دليل العقل المقتضي لبراءة الذمم حتى يرد ~~الشرع. PageV04P1264 # الضرب الثاني: في استصحاب حكم الإجماع. # وهو: أن تجمع الأمة على حكيم، ثم تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون ~~فيه، فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه ms502 الدليل أم ~~لا؟. # فذهب الجماعة من أصحاب أبي حنيفة (1) وأصحاب الشافعي (2) إلى أن ذلك لا ~~يجوز، ويجب طلب الدليل في موضع الخلاف. # وهو الصحيح عندي. # وذهب داود (3) وأصحابه والصيرفي (4) من أصحاب الشافعي إلى أنه يجب ~~استصحابه كما يجب استصحاب براءة الذمم. # وهو اختيار أبي إسحاق (5) [191/ب] من أصحابنا (6) ، ذكره في الجزء الأول ~~من شرح الخرقي فقال "أجمعوا على طهارة الماء إذا لم يشرب منه مالا يؤكل ~~لحمه، واختلفوا إذا شرب، فالإجماع حجة، والاختلاف رأي، والحجة أولى". # فقد استصحب أبو إسحاق حكم الإجماع. # ومثاله أن نقول: المتيمم إذا رأى الماء في صلاته لا تبطل؛ لأنا أجمعنا ~~على PageV04P1265 # صحتها، فمن ادعى بطلانها فعليه الدليل. # وأن ملك المسلم ثابت بالإجماع، وإذا ارتد اختلفوا في زواله، فمن ادعى ~~زواله فعليه الدليل. # وإذا اصطاد الحلال، ثم أحرم لم يزل ملكه؛ لأنا قد أجمعنا على ثبوت ملكه ~~قبل إحرامه، فمن ادعى زواله فعليه الدليل. # وإذا وقعت النجاسة في الماء ولم تغيره أجمعنا على طهارته قبل وقوعها، ~~فمدعي النجاسة يحتاج إلى دليل. # وفي بيع أمهات الأولاد أجمعنا على جواز بيعها قبل الاستيلاد، فمدعي المنع ~~بعد ذلك عليه الدليل. # وما يجري هذا المجرى من المسائل. # ودليلنا على ذلك: # أن الإجماع دلالة على الحكم كسائر الأدلة، فوجب اعتباره في الموضع الذي ~~تناوله، والإجماع لم يتناول صحتها بعد (1) وجود الماء، وقد زال في الموضع ~~المختلف فيه، فلم يجز التمسك به في مواضع الخلاف، وصار كالنص متى تناول ~~موضعا لم يجز حمله على غيره. # وقد قال بعضهم (2) : إن داود أنكر القياس ثم صار إليه من غير علته، فكأنه ~~أنكر القياس الصحيح، وقال بالقياس الفاسد؛ لأنه قياس بغير علة. # فإن قيل: نحن لا نستدل بالقياس، وإنما نستدل بالإجماع في موضع الخلاف. # قيل: الاستدلال بالإجماع لا يصح بعد زواله، وإنما يصح الاحتجاج به مع ~~بقائه؛ لأن الدليل إذا زال، زال الحكم المتعلق به. # وقد قرر هذا الدليل من وجه آخر، وهو: أنه إذا شرك بين الحالين في ~~PageV04P1266 # وجوب الوضوء، لاشتراكهما فيما دل على ms503 وجوب الوضوء، فليس باستصحاب الحال، ~~وإنما هو احتجاج بدليل دل على وجوب الوضوء وإن اشترك بينهما في الحكم ~~لاشتراكهما في علته، فهو قياس، وليس باستصحاب الحال. # واحتج المخالف: # بأن قول المجمعين حجة، كما أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة، ~~فلما وجب استصحاب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن ينقل عنه ~~الدليل، وجب استصحاب قول المجمعين إلا أن ينقل عنه الدليل. # والجواب: أن هذا دليل لنا؛ لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان ~~خاصا لم يجز أن يحتج به في غيره إلا بالقياس عليه، كذلك قول المجمعين خاص؛ ~~لأنهم إنما أجمعوا على صحة صلاة في [192/أ] حال عدم الماء، ولم يجمعوا على ~~صحتها في حال وجوده، فكان قول النبي دليلا على المخالف. # واحتج: بأن استصحاب حكم العقل في براءة الذمم واجب حتى يقوم الدليل على ~~الوجوب، كذلك ها هنا. # والجواب: أن دلالة العقل في براءة الذمم قائمة في حال الخلاف، وليس كذلك ~~الإجماع فإنه زائد، فلم يجز الاحتجاج به. # واحتج: بأنه قد ثبت أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك ~~في الطهارة، أو تيقن النكاح وشك في الطلاق، أو تيقن الملك وشك في العتاق، ~~أو شك في فعل الصلاة: "أن اليقين لا يزول بالشك" ويكون حكم اليقين السابق ~~مستداما في حال الشك، كذلك ها هنا. # والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن الإجماع الذي هو دليل الحكم قد ~~تيقن زواله، فوجب أن يزول حكمه، والطهارة لا يتيقن زوالها، وإنما هو مشكوك ~~فيه، فلم يجز أن يزول اليقين بالشك، وكذلك النكاح والملك، والصلاة، فوزان ~~مسألتنا أن يتيقن الطهارة ثم يتيقن الحدث، فلا يجوز استدامة # PageV04P1267 # حكم الطهارة. # وعلى أنه يعارضه: أن المدعى عليه يحتاج إلى اليمين، ولا يكفى في إسقاط ~~دعوى المدعى بغير [بينة] براءة ذمة المدعى عليه، فبطل الاحتجاج به. # واعلم أن هذه الطريقة لا تسلم من أن يقدر على قائلها. # فإذا قال: قد صح دخوله في الصلاة بالتيمم بالاتفاق، فلا يزول ms504 عنه بغير ~~دليل، فيقال له: قد تيقنا ثبوت الفرض (1) عليه، فلا يسقط عنه إلا بدليل. # وكذلك إذا قال: قد اتفقنا على طهارة الماء اليسير قبل وقوع النجاسة فيه، ~~فمن ادعى نجاسته فعليه الدليل، فيقال له: قد اتفقنا على وجوب فرض الصلاة، ~~فمن اسقط عنه فعلها بهذه الطهارة، فعليه الدليل. # وكذلك إذا قال في بيع أمهات الأولاد: أجمعنا على بيعها قبل الإيلاد، فمن ~~منع فعليه الدليل. # فيقال: أجمعنا على تحريم بيعها ما دامت حاملا، فمن أجاز بيعها بعد وضع ~~الحمل فعليه الدليل. # فصل # [القول بأقل ما قيل] # فأما القول بأقل ما قيل فيه (2) . # فيجوز الاحتجاج به، ويرجع معناه إلى استصحاب حكم العقل في براءة الذمة. ~~PageV04P1268 # ومثاله: دية اليهودي والنصراني، فإنها ثلث الدية عند الشافعي (1) . وإحدى ~~الروايتين لأحمد - رحمه الله. # والأخرى نصف الدية (2) ، وهو قول مالك (3) . # وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم (4) . # فكان الثلث أقل ما قيل فيه، فيجب ذلك بالإجماع، وما زاد على ذلك فلا يجب؛ ~~لأن الأصل براءة الذمة منه، ووجوبه يحتاج [192/ ب] ، إلى دليل شرعي ولم نجد ~~دليلا يدل عليه، فوجب تبقية الدية على البراءة. # ومثله: أن مسح الرأس يجب مقدار ما يقع عليه اسم المسح عند الشافعي (5) . ~~PageV04P1269 # وعند أبي حنيفة: الربع (1) . # وعندنا -في إحدى الروايتين (2) - وعند مالك: الجميع (3) . # فيقال: ما زاد على الاسم يحتاج إلى دليل. # ومثل ذلك في قدر الصاع وغيره. # والطريق في الجميع ما بينته (4) . # فصل # [النافى للحكم هل عليه دليل؟] # النافي للحكم عليه الدليل (5) . # ذكره أبو الحسن التميمي في مسألة أفردها. PageV04P1270 # ومن الناس من قال: لا دليل عليه في العقليات والشرعيات (1) . # ومنهم من قال: إن كان الحكم عقليا فعلى النافي دليل، وإن كان شرعيا فليس ~~عليه دليل (2) . ### | دليلنا: # أن النافي للحكم معتقد لكون ما نفاه متيقنا، كما أن المثبت للحكم معتقد ~~لكون ما أثبته ثابتا. واتفقوا على أن من أثبت حكما كان عليه الدليل. كذلك ~~من نفاه. # ولأن من نفى قدم الأجسام كان عليه الدليل، كما يكون عليه ذلك لو أثبت ~~قدمها، وهذا متفق عليه، ms505 كذلك في غيره. # ولأن من نفاه لا يخلو إما أن يكون نفاه بعلم مكتسب، أو علم ضروري، إذ ~~نفيه بغير علم جهل، وإذا كان كذلك، وكانت العلوم الضرورية والمكتسبة لا ~~تخلو من دليل عليها؛ لأنها إذا خلت من ذلك لم تكن علوما، وجب أن لا يسقط ~~الدليل عن نفى الحكم العقلي أو الشرعي. PageV04P1271 # واحتج المخالف: # بأن من ادعى النبوة وجب عليه إقامة الدليل، ومن أنكرها ونفاها من الناس ~~لم يجب عليه الدليل؛ لأن المدعي للنبوة مثبت (1) والمنكر ناف. # وهكذا ورد الشرع، فإنه جعل على المدعي البينة دون المدعي عليه؛ لأن ~~المدعي مثبت، والمدعي عليه ناف. # والجواب: أن النافي للنبوة ينظر فيه: # فإن كان نافيا لعلمه بأن يقول: أنا لا أعلم صدقه ولا كذبه، ويجوز أن يكون ~~صادقا، ويجوز أن يكون كاذبا، فهذا لا دليل عليه، لأنه شاك غير مدع نفيا ولا ~~إثباتا. # وإن كان يقطع بنفيه وتكذيبه في دعواه، وجب عليه إقامة الدليل. # وطريق الدليل فيه: أن يقول: لا يبعث الله رسولا إلا بمعجزة تدل على نبوته ~~وحجة تكشف عن صدقه، فإذا لم تكن معجزة تدل على ما يدعيه دل على كذبه وبطلان ~~دعواه. # وأما المدعى عليه فإنه يقطع بالنفي وعليه الدليل، ولهذا يلزمه اليمين ~~بالله تعالى، إلا أن المدعى عليه معه ظاهر يدل على صدقه من براءة الذمة إن ~~كان المدعى عليه دينا، ومن ثبوت يده وتصرفه إن كان المدعى عليه عينا، فجعل ~~[193/أ] ، في جنبة المدعي أقوى السببين؛ لأنه لا ظاهر معه يدل على صدقه. ن ~~(2) . PageV04P1272 ### | باب الكلام في القياس ### | ### | مسألة # # [حجية القياس العقلي] # القياس العقلي (1) حجة، يجب القول به، والعمل عليه (2) . # ويجب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع. # ولا يجوز التقليد (3) . # وقد احتج أحمد -رحمه الله- بدلائل العقول في مواضع، فيما خرجه ~~PageV04P1273 # في الرد على الزنادقة والجهمية (1) ، رواية عبد الله عنه، فقال: "إذا ~~قلنا لم يزل الله تعالى بصفاته كلها، إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته. ~~وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس ms506 لها جذع وكرب ~~(2) وليف وسعف (3) وخوص (4) وجمار (5) ؟! سميت نخلة بجميع (6) صفاتها، كذلك ~~الله تعالى، وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد (7) . # وقلنا للجهمية (8) : زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، وهو نور، فلم ~~لايضيء البيت المظلم من النور الذي هو فيه؟! إذ زعمتم أن الله تعالى في كل ~~مكان، وما بال السراج إذا دخل البيت يضيء؟! ". # وقال (9) "لو أن رجلا كان في يده قدح من قوارير صاف، وفيه شىء ~~PageV04P1274 # صاف، أن يصير (1) ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في ~~القدح، فالله له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شىء من ~~خلقه". # وهذا صريح من أحمد -رحمه الله- في الاحتجاج بدلائل العقول. # وإلى هذا ذهب جماعة الفقهاء والمتكلمين من أهل الإثبات (2) . # وذهب المعتزلة إلى وجوب النظر والاستدلال بالعقل قبل ورود الشرع، وإذا ~~ورد الشرع كذلك كان مؤكدا له (3) . # وذهب قوم إلى أن حجج العقول باطلة، والنظر حرام، والواجب هو التقليد (4) ~~. PageV04P1275 # فالدلالة على وجوب ذلك بعد السمع: # هو أن إبطال ذلك إبطال للنبوات والشرائع، وذلك أنه لا طريق لنا إلى معرفة ~~صدق النبي من كذب المتنبىء إلا النظر والاستدلال؛ لأن صورة الكذب كصورة ~~الصدق، فمتى ظهرت علامات المعجزة على النبي علمنا بالنظر فيها أنها من قبل ~~الله تعالى، لأن غيره لا يقدر على إظهاره، ومتى علمنا أنها من قبل الله ~~تعالى علمنا بالنظر أيضا أن من ظهرت عليه هذه الأعلام صادق غير كاذب؛ لأن ~~الله تعالى لا يظهر الأعلام على الكذابين، ولولا النظر والاستدلال لم يكن ~~لنا طريق إلى معرفة شىء من ذلك، فكان يؤدي إلى إبطال الشرائع، وإفساد ~~النبوات وترك التخيير بين الصادق [193/ب] والكاذب، والنبي والمتنبىء. # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون العلم بما ذكرتموه من قبل الله تعالى وقبل ~~رسوله قد وقع ضرورة لا استدلالا ونظرا. # قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت لكان يشترك في ذلك العلم جميع العقلاء، ~~لأن العلم الضروري لا يختص به بعض العقلاء دون بعض ms507 إذا أشتركوا في طرقه، ~~وفي علمنا بوجود جماعات كثيرة لم يقع لهم العلم بالله تعالى وبنبوة رسوله، ~~مثل الملاحدة وأضرابهم من الكفار، لأنه لو وقع لهم العلم به ضرورة لم يصح ~~اجتماعهم على نفيه، كما لا يصح اجتماع الجماعات العظيمة على نفي وقوع العلم ~~بالبلدان وبوجود المحسوسات من الأجسام، وفي بطلان ذلك دليل على فساد ذلك. # ولأنه لو جاز وقوع العلم بالله تعالى في حال التكليف ضرورة لكان العلم ~~PageV04P1276 # بنبوة الرسول -عليه السلام- أولى أن يقع ضرورة، ولو جاز ذلك لم يكن ~~لإظهار الأعلام معنى، بل كان (1) يكون ذلك عبثا. # ويدل عليه أيضا: # أننا نجد كل عاقل إذا نابته نائبة من أمور دينه ودنياه، فإنه يفزع إلى ~~عقله ليتحرز به من ضرر، أو ليتوصل به إلى نفع، ألا ترى أنه إذا رأي في ~~الطريق أثر سبع امتنع من سلوكه. وإذا رأى أثرا لماء وبه عطش أسرع في طلبه، ~~فلولا أن النظر والاستدلال طريق إلى العلوم العقلية لم يفزع العاقل إليها ~~في جر المنافع ودفع المضار، كما لا يفزع في إدراك السماع إلى آلة الشم، وفي ~~إدراك الشم إلى آلة البصر، وإذا كان كذلك ثبت أن النظر من طريق العقل واجب ~~بعد السمع. # ويدل على بطلان التقليد: # أن الذى قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ما قلده فيه قد علمه بالاستدلال ~~والنظر، أو أخذه تقليدا من غيره، ولا جائز أن يكون قد علمه ضرورة كما دللنا ~~عليه، فإن علمه استدلالا ونظرا فقد بطل التقليد، وإن أخبره تقليدا كان ~~الكلام ممن قلده إياه كالكلام فيه، فيؤدي إلى إثبات مالا نهاية له من ~~المقلدين، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان القول بالتقليد. # ويدل عليه أيضا: أن الذي قلده المقلد لا يخلو من أن يكون ممن يجوز عليه ~~الضلال، أو لا يجوز ذك عليه، وبطل أن يكون ممن لا يجوز عليه ذلك؛ لأن هذا ~~لا يجوز أن يحكم به إلا لمن يشهد له به النبي، فإذا كان ممن يجوز عليه ~~الضلال لم يأمن المقلد ms508 له أن يكون مبطلا في تقليده إياه، وإذا لم يأمن ذلك ~~لم يجز تقليده. PageV04P1277 # فإن قيل: أليس قد جاز له تقليد النبي فيما يأمره به؟ ويجوز للعامي أن ~~يقلد المفتي فيما يفتيه به. # ولأن أول من قاس إبليس (1) ، فكان (194/أ) قياسه كفرا. # قيل: ما يأخذه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكون على وجه ~~التقليد؛ لأن الله تعالى قد دلنا على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى أنه لا يأمرنا إلا بالحق، والتقليد المحظور هو ما يأخذه المقلد من ~~غيره من غير أن يدل عليه عنده دلالة على صحته، أو يعلم في الجملة أن فرضه ~~تقليد المفتي فيما يفتيه به، فلهذا افترق الأمران. # وقوله: [أول] من قاس إبليس، وكان كافرا، فإنه يقابل بمن قال: # أول من قاس الملائكة، وكان قياسهم صوابا. PageV04P1278 # على أنك قد صرت إلى القياس حيث حملت قياس غير إبليس على قياس إبليس في ~~باب الفساد. # وعلى أن خطأ القائسين إذا كان مبطلا للقياس في الأصل عندك، فهلا كان خطأ ~~بعض المقلدين دليلا على بطلان التقليد؟!؛ لأن الله تعالى قد حكى تقليد ~~الكفار إياهم بقوله تعالى: (قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مهتدون) (1) . # فإن قيل: أليس قد منع أحمد - رضي الله عنه - من النظر والكلام. # فقال في رواية عبدوس بن مالك العطار: "لا يكون صاحب الكلام -وإن أصاب ~~بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدال" (2) . # قيل: إنما نهى عن الجدال الذي هو المراء، ألا ترى أن أبا بكر المروذي ~~سأله عن الرجل يشتغل بالصوم والصلاة ويعتزل، ويسكت عن الكلام في أهل البدع، ~~فقال: "إذا صام وصلى واعتزل إنما هو لنفسه، وإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم ~~أفضل". # وروى حنبل أنه قال لأحمد -رحمه الله-: "إن يعقوب بن شيبه (3) ~~PageV04P1279 # وزكريا ابن عمار (1) أخبرا عنك الوقف، فقال: قد كنا نأمر بالسكوت، فلما ~~دعينا إلى أمر ما كان بد لنا من أن ندفع ونبين". # وهذا صريح منه بالقول بالنظر. ### | ### | مسألة # # [جواز التعبد بالقياس ms509 عقلا وشرعا] # القياس الشرعي يجوز التعبد به، وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل ~~والشرع (2) . # نص على (3) هذا -رحمه الله- في رواية بكر بن محمد عن أبيه فقال: "لا ~~يستغني أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإمام يرد عليه الأمر أن يجمع له (4) ~~الناس، ويقيس، ويشبه، كما كتب عمر إلى شريح: أن قس الأمور" (5) . ~~PageV04P1280 # وقد استعمل هذا في كثير من مسائله (1) . # فقال في رواية ابن القاسم: "لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا (2) ، قياسا ~~على الذهب والفضة". # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية الميموني: "يجتنب المتكلم في الفقه ~~هذين الأصلين: المجمل، والقياس" (3) . # وهذا محمول على استعمال القياس في معارضة السنة، فإنه لا يجوز (4) . ~~PageV04P1281 # وقد كشف عن هذا في رواية أبي الحارث [194/ب] فقال: "ما تصنع بالرأي ~~والقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه". # وبهذا قال أكثر الفقهاء والمتكلمين (1) . # وذهب قوم من المعتزلة البغداديين (2) : إلى أنه لا يجوز التعبد به من جهة ~~PageV04P1282 # العقل، ويجوز من جهة الشرع، مثل ابن يحيى الإسكافي (1) . وجعفر بن مبشر ~~(2) ، وجعفر بن حرب (3) ، وإبراهيم النظام (4) . # وذهب قوم إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلا ولا شرعا، ذهب إليه داود (5) ، ~~PageV04P1283 # والنهرياني (1) ، والمغربي (2) ، والقاشاني (3) . # فالدلالة على جوازه عقلا: # أن العقل لا يمنع أن يقول صاحب الشرع: إذا علمتم أو غلب على ظنكم أن ~~الحكم تابع لمعنى ومتعلق به، فقيسوا عليه كلما وجدتم فيه ذلك المعنى، كما ~~قال: إذا زالت الشمس وعلمتم ذلك، أو غلب على ظنكم فصلوا، وإذا علمتم طلوع ~~الفجر، أو غلب على ظنكم ذلك فصوموا، وإذا شهد شاهدان، وعلمتم عدالتهما، أو ~~غلب على [ظنكم] ذلك، فاحكموا بما شهدا به، وإذا رأيتم البيت الحرام، وعلمتم ~~ذلك، أو غلب على ظنكم فصلوا إليه، وما أشبه ذلك كثير، كذلك القياس؛ لأنه ~~جعل دخول الوقت شرطا لفعل العبادة، PageV04P1284 # كذلك جعل غلبة الظن شرطا في تعلق الأحكام بها عند وجودها، ولا فرق ~~بينهما. # فإن قيل: لا يحصل العلم ولا الظن بالنظر في هذه الأصول، وليس فيها طريق ~~لذلك. # قيل: هذا غلط؛ لأن الفقهاء على كثرة عددهم واختلاف مذاهبهم ms510 من أصحاب أحمد ~~-رحمه الله- وأبى حنيفة ومالك والشافعي وسائر [الفقهاء] يذكرون أنهم يظنون ~~فيها، والعلم الضروري يحصل بخبر بعضهم، فإذا كان كذلك كان معلوما من طريق ~~الضرورة، وكان الجاحد لذلك مبطلا، كما إذا أنكر الظن، وكما ينكر النفور، ~~والسكون، والغم، والذوق. # فإن قيل: قد يظنون، ولكن ظنهم فاسد؛ لأنه واقع عن طريق يقتضي الظن، وهو ~~بمنزلة من ظن أن البناء الصحيح الجديد يقع عليه، أو رأى ثورا فظنه سبعا، ~~وفزع منه. # قيل: للظن طريق فيها، ولا نسلم ما قاله المخالف، فإن دل على دعواه بأن ~~الظن لا يقع إلا عن عادة، فإن رأى الغيم كثيفا منيعا خشى مجيء المطر، وغلب ~~على ظنه ذلك، لما سبق من العادة، فليس بيننا وبين الله تعالى في هذه ~~الأحكام عادة، فلا يجوز أن يكون فيها طريق للظن. # قيل: طريق الظن هو وجود الشىء في الاكثر من نظائره، ولهذا يغلب على الظن ~~وقوع الحائط إذا انشق [195/أ] ، عرضا، ويغلب على الظن إذا عرض غيم أسود مسف ~~(1) أنه يكون منه مطر؛ لأن الغالب من مثله مجيء المطر، وإنما PageV04P1285 # يتخلف في النادر، فيتبع ظن العاقل الغالب دون النادر، وإذا كان كذلك، كان ~~هذا الظن في الأحكام الشرعية كثيرا؛ لأن النظائر والشواهد فيها تتكرر ~~وتكثر، فيغلب على ظن المجتهد فيها أن موضع الخلاف بمنزلتها، وطريق العلم ~~بالنظر في هذه الأصول، هو الثابت الذى يدل على تعلق الحكم بمعنى واتباعه ~~له، مثل العصير الحلو يكون حلالا، وإذا حدثت فيه الشدة المطربة حرم، ويعلم ~~أنه لم يحدث غيرها، فإذا زالت الشدة المطربة حل، ونعلم أنه لم يزل غيرها، ~~فلو قدرنا عود الشدة المطربة وحدها لقدرنا عود التحريم، فيدل هذا على أن ~~التحريم تابع للشدة، وأن النبيذ يجب أن يكون حراما لوجود الشدة المطربة ~~فيه. # ومثل هذا كثير. # فإن قيل: يجوز أن يكون هذا تابعا للاسم يزول بزوالها، ويعود بعودها. # قيل: لا يتبع الاسم؛ لأنه لو طبخ العصير وحدثت الشدة المطربة فيه كان ~~حراما وإن كان لا يسمى خمرا؛ لأن الخمر ms511 عندهم هو العصير الذى قد اشتد وقذف ~~زبده، وكذلك نقيع التمر والزبيب حرام؛ لوجود الشدة المطربة، ولا يسمى خمرا، ~~فثبت بهذا أنه يتبع الشدة المطربة دون اسم الخمر. # وطريقة أخرى وهو: أن الحكيم لا يجوز في صفته أن يكلف حكما ويوجب عبادة ~~إلا ويجعل إلى معرفة ذلك سبيلا بوجه، بدليل أنه كلف استقبال الكعبة، وجعل ~~إلى التوجه إليها سبيلا؛ من كان قريبا بالمعاينة، ومن كان بعيدا بالاستدلال ~~حسب الاجتهاد بالأدلة المنصوبة على القبلة من النجوم والجبال والرياح ~~والشمس والقمر، فكان فرض التوجه إليها بالاجتهاد. # وهكذا نص على دية الحر بالمقدر، وعلى بعض الجراحات كالموضحة (1) ~~PageV04P1286 # والمأمومة (1) والجائفة (2) ، وأطلق ما بقى، فكان المرجع فيها إلى الظن ~~والاجتهاد. # وكذلك قيم المتلفات، والمهور في الأنكحة، والنفقات، والمتعة كل ذلك غير ~~منصوص عليه، وإنما يعتبر بغيره. # فإذا صح أن ترد باقي هذه الأحكام إلى النظر والاجتهاد، كان غيرها (3) من ~~الأحكام بمنزلتها (4) . # واحتج المخالف: # بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولم يكن لنا طريق ~~إلى معرفة المصالح، وكان القياس من فعلنا لم يجز أن يكون القياس طريقا إلى ~~معرفة الأحكام الشرعية. # والجواب: أن ليس من شرط التكليف أن يكون [195/ب] مصلحة للمكلف. # وهذا أصل لنا خلاف المعتزلة. # ولو سلمنا هذا لم يصح؛ لأن ما يتوصل به إلى معرفة الأحكام الشرعية هو من ~~قبل من يعلم المصالح والعواقب وهو الله تعالى؛ لأنه قد نصب لنا أدلة على ~~صحة رد الفروع إلى الأصول، فلا يكون إثبات الحكم الشرعى إثباتا له بفعله، ~~ألا ترى أن الحكم المنصوص عليه يكون ثابتا من فعل الله تعالى وإن ~~PageV04P1287 # كان لا بد لنا من تفكر فيه، وذلك فعلنا. # واحتج: بأنه يلزمكم أن تخبروا على هذه الأخبار عما يحدث في مستقبل ~~الأيام، وعن الأجنة التي في الأرحام بغير نص، ولما لم يجز ذلك، كذلك ها ~~هنا. # والجواب: أنا إنما جوزنا إثبات الحكم الشرعي؛ لأن الله تعالى قد نصب لنا ~~أدلة على جواز القياس، ولم ينصب لنا أدلة على ما يحدث في ms512 المستقبل، فلهذا ~~لم يجز الإخبار به. # ونظيره: أن ينصب لنا أدلة على الخبر بما يحدث في المستقبل، فيجوز حينئذ ~~لنا الإخبار به. # واحتج: بأن النظر والاستدلال يختصان العقل، ودلالة العقل توجب الحكم ~~للأشياء المختلفة بالأحكام المختلفة دون المتفقة، وتوجب الحكم للأشياء ~~المتفقة بالأحكام المتفقة دون المختلفة، فإذا كان كذلك، وكان الشرع قد ورد ~~بالحكم في الأشياء المتفقة بالأحكام المختلفة وفي الأشياء المختلفة ~~بالأحكام المتفقة، بدلالة أنه أوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، وإن ~~كان الحيض منافيا لهما، وفرق بين المني والمذي في الحكم وإن كانا شقيقين، ~~علمنا أن النظر والاستدلال لا مدخل لهما في إثبات الأحكام الشرعية. # والجواب: أن العقل يمنع من الجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في ~~الصفات النفسية كالسواد والببياض، وأن يفرق بين المثلين فيما تقابلا فيه من ~~صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجرى مجرى ذلك، فأما ما عدا ذلك فإنه ~~لا يمتنع أن يجمع بين المختلفين في الحكم الواحد، ألا ترى أن السواد ~~والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجرى مجراها من الألوان، وأن ~~القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد ~~يكون قبيحا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفر عليه، وإن كان القعود في ذلك ~~الموضع متفقا، وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون # PageV04P1288 # في كل واحد منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين. # على أن هذا يؤكد [196/أ] صحة القياس، وذلك لأن المثلين في العقليات إنما ~~وجب تساوي حكمهما؛ لأن كل واحد منهما قد ساوى الآخر فيما لأجله وجب له ~~الحكم، إما لذاته كالسوادين، أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين، وهكذا القول في ~~المختلفين. # وعلى هذه الطريقة بعينها يجرى القياس؛ لأنا إنما نحكم للفرع (1) بحكم ~~الأصل إذا شاركه علة الحكم؛ لأن الله تعالى إنما نص على حكم واحد في ~~الشيئين إذا اشتركا فيما له وجب الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه. # واحتج: بأن الفرع الشرعي قد يكون ms513 مشبها لأصل يقتضي التحريم، ولأصل يقتضي ~~التحليل، فلا يكون أحدهما بالرد إليه أولى من الآخر، ولا يصح الحكم فيه ~~بحكم الأصلين لتضادهما، فيمتنع القياس، فلا يصح الرد إلى شىء من هذه ~~الأصول؛ لأن أحدا لم يفصل بين الفرع المشبه لأصلين هذه حالهما وبين الفرع ~~المشبه للأصل الواحد. # والجواب: أن الفرع لا يرد إلى أحد الأصلين لكونهما شبها له، وإنما يرد ~~لكونه أشبه منه بالآخر. # وعلى مذهب من يجيز أن يعتدل الأمر عند المستدل في شبه الفرع بالأصلين لا ~~يلزمه ذلك؛ لأنه إذا اعتدل شبهه بهما كان المستدل مخيرا في رده إلى أيهما ~~شاء كالمكفر هو مخير في أن يختار أى الكفارات شاء. # واحتج: بأنه لو جاز حمل الفرع على المنصوص عليه لوجود الشبه بينهما لوجب ~~أن يجوز ذلك في سائر الأوقات، كما أن الفعل لما كان دلالة على كون الفاعل ~~قادرا كان دلالة على ذلك في جميع الأوقات، وإذا كان كذلك وكان هذا الشبه ~~بين المنصوص وبين ما لم ينص عليه موجودا قبل النص ولم يجز القياس عليه ~~علمنا أنه لا يصح رده إليه بحال. PageV04P1289 # والجواب: أن القياس إنما يصح إذا حصل هناك أصل منصوص عليه، كما أن ~~الاستدلال على القدرة إنما يصح إذا وجد الفعل، فلما لم يصح أن يستدل على ~~القدرة قبل وجود الفعل، كذا لا يصح القياس قبل وجود الأصل المنصوص عليه. # واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحا لم يخل المنصوص عليه إذا نسخ وقد قيس ~~عليه فروع أن يبقى الحكم في فروعه، أو ينسخ الحكم فيها بنسخ حكم الأصل. # فإن قلتم: إن الحكم في فروعه يصير منسوخا كان ذلك مبطلا لمذهبكم في أن ~~نسخ ما تناوله النص لا يوجب نسخ جميعه. # وإن قلتم: إن الحكم في فروعه يكون باقيا كان فيه كبقية الحكم في الفروع ~~مع نسخ حكم الأصل [196/ب] ، وهذا باطل. # والجواب: أنه لا يمتنع عندنا أن يبقى الحكم في الفروع مع نسخ حكم الأصل، ~~كما أن نسخ الحكم في الأصل لا يوجب ارتفاع ما ms514 حكم في الحوادث بموجب النص ~~قبل ورود النسخ. # واحتج: بأنه لو جاز إثبات حكم بالقياس لجاز إثبات الأصول به، وهذا باطل. ~~والجواب: أنه إن أريد به إثبات الأصول بعد ثبوت أصل واحد، فهذا غير ممتنع ~~عندنا، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نص على بعض الأشياء ~~المنصوص على تحريم التفاضل فيها، وأمرنا بقياس غيره عليه كنا نقيس أغياره ~~من الأشياء الستة ومن غيرها، فإن أراد به إثبات الأصول ابتداء من غير أن ~~يكون هناك أصل ثابت فإن ذلك لا يتأتى؛ لأن القياس لا بد له من أصل يرد ~~إليه، [و] إذا لم يكن هناك أصل لم يصح معنى القياس. # واحتج: بأنه لو كان القياس صحيحا لوجب أن تكون علته موجبة للحكم # PageV04P1290 # قبل ورود الشرع كالعلة العقلية. # والجواب: أن علة القياس هي أمارة للحكم، وإنما تصير أمارة إذا ورد الشرع ~~بذلك، وتجرى العلة الشرعية في هذا الباب مجرى الأسماء على ما يأتي بيانه إن ~~شاء الله تعالى، فلهذا لم تكن أمارة للحكم قبل ورود الشرع. # فصل # والدلالة على جواز التعبد به من جهة الشرع: # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (1) . # وحقيقة الاعتبار في اللغة (2) : حمل الشىء على غيره واعتبار حكمه به، إما ~~في حكمه، أو قدره، أو صفته. # ومنه يقال: اعتبر هذه الدراهم بهذه الصنجة. # ويقال: أخذ السلطان الخراج العام على العام الماضي (3) . # وإذا كان حقيقة الاعتبار ما ذكرنا، وهو محض القياس اقتضت الآية وجوب ذلك، ~~والأمر به، والمصير إليه. # فإن قيل: المراد بذلك النظر إلى ما فعلنا بهم. # قيل: لو كان كذلك لم يخص أهل الأبصار بذلك، والاعتبار والنظر الذى ذكروه ~~لا يختص أهل البصيرة، فإنه يدرك بالحس والمشاهدة، فيشترك PageV04P1291 # فيه من له بصيرة ومن لا بصيرة له؛ ولأنه حذر المخالفة وتوعد عليها بقوله: # (ذلك بانهم شاقوا الله) (1) ، فثبت أن المراد ما ذكرنا من الامتناع من ~~الاقدام على مثل أفعالهم (2) . # وأيضا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ بن جبل: ~~(كيف تقضي إن عرض ms515 لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب ~~الله، أو قال: فإن لم تجد في [197/أ] ، كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله، ~~قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، أو قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ ~~قال: اجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره ~~وقال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله) (3) . # فإن قيل: هذا الخبر لا يصح إسناده؛ لأنه يرويه الحارث بن عمرو (4) ، ابن ~~أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال ذلك، وأناس من أهل حمص مجاهيل، فلا يصح التعلق به. # قيل: هو خبر صحيح رواه أبو داود في سننه (5) ، وأبو عبيد (6) في أدب ~~PageV04P1292 # القضاء وابن المنذر (1) . # وقوله (2) : "أناس من أصحاب معاذ" يدل على شهرته وكثرة رواته، وقد عرف ~~دينه (3) ، والظاهر من أصحابه (4) الدين، والثقة، والزهد، والصلاح. # وعلى أنه روى (5) وسمي رجل (6) منهم، وهو ثقة معروف، فروى عبادة ابن نسى ~~(7) عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن PageV04P1293 # غنم ثقة مشهور (1) . # فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد، فلا يصح أن يحتج به في هذه المسألة التي ~~هي أصل. # قيل: هذا أشهر وأثبت من قوله: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وقد احتج به ~~المخالف في الإجماع، فكان [هذا] (2) أولى (3) . # وجواب آخر وهو: أنه إذا جاز أن تثبت الأحكام الشرعية بخبر الواحد، ~~PageV04P1294 # مثل تحليل وتحريم، وإيجاب وإسقاط، وتصحيح وإبطال، وإقامة حق وحد، بضرب ~~وقطع وقتل، واستباحة الفروج، وما أشبه ذلك، كان يثبت القياس به أولى؛ لأن ~~القياس طريق لهذه الأحكام، وهى المقصودة دون الطريق (1) . # فإن قيل: الذى يثبت به المخالف الأحكام ظاهر القرآن وخبر الواحد والاجماع ~~المروى من طريق الآحاد المحتمل للتأويل واستصحاب حكم العقل. # قيل: الشرع الذى يغيره ورود الشرع، وهذا كله من أدلة مسائل الفروع، فلم ~~يصح ما ادعوه. # فإن قيل: معناه: اجتهد رأيي حتى آخذ ms516 حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب ~~والسنة إذ كان في أحكام الله تعالى من الأمور مالا يتوصل إليه إلا ~~بالاجتهاد. # قيل: الرجوع إلى الكتاب والسنة لا يسمى اجتهادا، وإنما القياس يسمى ~~اجتهادا. # وعلى أن معاذا رتب ما يقع به الحكم وما يقتضي الحكم، فيجب أن يكون كل ~~واحد منهما غير صاحبه. # ويدل عليه أيضا: ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه [197/ب] ~~قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر) (2) ~~. وهذا يدل على جواز الحكم باجتهاده ورأيه. PageV04P1295 # فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد. # قيل: قد أجبنا عن هذا (1) . # فإن قيل: الاجتهاد في تأويل لفظ، وبناء لفظ على لفظ. # قيل: هو عام في الجميع إلا ما خصه الدليل. # وأيضا ما روى أبو عبيد في أدب القضاء بإسناده عن أم سلمة قالت: (كنت عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد ~~درست، فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما أقضي بينكما برأيي ~~فيما لم ينزل علي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحجته ~~فاقتطع بها قطعة ظلما فإنما يقطع بها قطعة من نار) (2) . # وهذا نص، فإنه أخبر أنه يقضي برأيه واجتهاده. PageV04P1296 # ويدل عليه إجماع الصحابة من وجهين. # أحدهما: من جهة النقل. # والثاني: من جهة الاستدلال. # أما النقل: فقد روى عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: (أقول في ~~الكلالة برأيي) (1) . # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري في كتابه ~~PageV04P1297 # المشهور: (الفهم فيما أدلي (1) إليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قس ~~الأمور عند ذلك واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى ~~الله تعالى وأشبهها بالحق) (2) . PageV04P1298 # وهذا كتاب تلقته الأمة بالقبول، وفيه أمر صريح بالقياس. # وقال عمر لعثمان -رضي الله عنهما-: (إذا رأيت في الجد رأيا فاتبعوني، ~~فقال عثمان: إن نتبع رأيك فرأيك رشيد، وإن نتبع رأى من كان قبلك فنعم ذو ~~الرأى كان) (1) . PageV04P1299 # وقال ms517 زاذان (1) : تذاكروا الخيار (2) عند علي - رضي الله عنه - فقال: (إن ~~أمير المؤمنين عمر قد سألني عنه، فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة، وزوجها ~~أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة، فقال: ليس كذلك، ولكن إن ~~اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها، فتابعت (3) أمير المؤمنين، فلما خلص ~~الأمر إلي عرفت أني أسأل عن التزويج (4) عدت إلى ما كنت أرى، فقلنا: والله ~~لأمر جامعت عليه أمير المؤمنين، وتركت رأيك أحب إلينا من أمر تفردت به، ~~فضحك، وقال: أما إنه قد أرسل (5) [إلى] ، زيد بن ثابت، فخالفني وإياه، ~~فقال: وما قال زيد؟، قال: إن اختارت زوجها فهي واحدة، وزوجها أحق بها، وإن ~~اختارت نفسها فهي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره) (6) . PageV04P1300 # وروى عن علي أنه قال: (استشارني عمر في أمهات الأولاد فأجمعت أنا وهو على ~~عتقهم [198/أ] ثم رأيت بعد أن أرقهم. فقال له عبيدة (1) : رأى ذوى عدل أحب ~~إلينا من رأي عدل وحده) (2) . # وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قصة بروع بنت واشق (3) : # (أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان) (4) . PageV04P1301 # وقال عبد الله بن عباس -رضي الله [عنهما]- في ديات الأسنان لما قسمها عمر ~~على اختلاف منافعها (1) : (اعتبروها بالأصابع؛ عقلها سواء وإن اختلفت ~~منافعها) (2) . # وقال عبد الله بن عباس: (ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ~~ولا يجعل أب الأب أبا؟!) (3) . PageV04P1302 # وروى عن ابن عباس: (أنه كان إذا سئل عن شىء فكان في كتاب الله تعالى قال ~~به، وإن لم يكن في كتاب الله، وحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا حدث به عن رسول الله وأخبر به عن أبي ~~بكر وعمر قال به، فإن لم يكن في كتاب الله ولا حدث به عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا أخبر به عن أبي بكر وعمر اجتهد وقال برأيه) (1) . # وهذا يدل على صحة القول ms518 بالرأي والاجتهاد. # فإن قيل: من حكيتم عنه القول بالقياس قد روي عنه بطلانه. # من ذلك ما روي عن أبي بكر أنه قال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا ~~قلت في كتاب الله (2) برأيي؟!) . # وعن عمر أنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم ~~الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) (3) . PageV04P1303 # وروي عنه أنه قال: (إياكم والمكايلة، قيل: وما المكايلة؟، قال: المقايسة) ~~(1) . # وروي عن شريح قال: كتب إلي عمر بن الخطاب وهو يومئذ من قبله: (اقض بما في ~~كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول الله، فإن ~~جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد ~~فلا عليك ألا تقضي) (2) . # وعن على أنه قال: (لو كان الدين قياسا لكان باطن الخف أحق بالمسح من ~~ظاهره، ولكن رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهرها) (3) . # وعن ابن مسعود أنه قال: (إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم ~~PageV04P1304 # الله تعالى، وحرمتم كثيرا مما حلله الله) (1) . # وعن ابن عباس: (أن الله تعالى قال لنبيه: (احكم بينهم بما أنزل الله) (2) ~~، ولم يقل بما رأيت) (3) . # وعنه أنه قال: (لو جعل لأحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) (4) . # وروي عنه أنه قال: (إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس) ~~(5) . # وعن عبد الله بن عمر أنه قال: (السنة ما سنه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -[198/ب] لا يجعل الرأي سنة للمسلمين) (6) . PageV04P1305 # وقال الزبرقان (1) : (نهاني أبو وائل (2) أن أجالس أصحاب الرأي) (3) . # وقال مسروق: (لا أقيس شيئا بشىء، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها) (4) . # قيل: أما قول أبي بكر: (أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي) ، فلا ~~حجة فيه؛ لأنا نمنع القول في كتاب الله تعالى [بالرأي] . # وقول عمر: (إياكم والرأي) فالمراد به: الرأي المخالف للحديث؛ لأنه قال: ~~(أعيتهم الأحاديث أن يعوها) . # وقال: (إياك ms519 وأصحاب الرأي. فإنهم أعداء السنن) والرأي المخالف لذلك فهو ~~ضلال وإضلال. # وكذلك قول علي: (لو كان الدين بالرأي) فالمراد به مع مخالفة السنة. # والدليل على ذلك: ما روي عنهم من القول بالرأي والعمل به. PageV04P1306 # وعلى هذا كل ما روي عن الصحابة وعن أبي وائل ومسروق من ذم الرأي والقياس. # والدليل على ذلك ما رويناه من إجماع الصحابة. # والطريقة الثانية في الإجماع من جهة الاستدلال: # فهو أن الصحابة اختلفت في الحوادث اختلافا متباينا. # فاختلفوا في قوله: أنت علي حرام. # فقال بعضهم: يمين، تكفر. # ومنهم من قال: فيها كفارة يمين، وليست بيمين. # ومنهم من قال: طلاق رجعي. # ومنهم من قال: طلاق ثلاث. # ومنهم من قال: ظهار (1) . # وهكذا اختلفوا في الجد: # فمنهم من لم يقاسم بينه وبين الاخوة، وقالوا: الجد أب، [وهم] عشرة من ~~الصحابة، منهم أبو بكر وابن عباس. # ومنهم من قال: يقاسمهم إلى الثلث. # ومنهم من قال: إلى السدس. # ومنهم من قال: إلى نصف السدس (2) . # فأقر بعضهم بعضا على ما ذهب، فإما أن يقولوا باجتهاد، أو بنص. # فإن كان هناك نص لم يخل من ثلاثة أحوال: PageV04P1307 # إما أن يكون خفي عليهم. # أو علموه، وتركوه. # أو علم به بعضهم دون بعض. # فبطل أن يكون هناك نص خفي عليهم؛ لأنه يفضي أن يجمعوا على خطأ، وأن يخرج ~~الأمر عن أيديهم. # وبطل أن يقال: علموا به وتركوه؛ لأن هذا عناد. # وبطل أن يقال: علم به بعضهم دون بعض؛ لأنه لو كان كذلك لأظهره الذى علمه، ~~ورواه، وذكره. # فلما لم يكن شىء من هذا ثبت أن القوم قالوا فيها باجتهادهم. # ويؤيد هذا: أن القوم قاسوا الجد على غيره، واعتبره علي بالبحر، والأب ~~بالنهر، والإخوة بالأنهار (1) . # واعتبره زيد بالشجرة، والأب بالغصن، والإخوة بالأفنان (2) . PageV04P1308 # ثبت أن القوم أجمعوا على القياس، وعملوا به، وأقر بعضهم بعضا على ذلك. # وحكي عن داود أنه قيل له: إذا لم يكن الدليل عندك إلا نفس كتاب أو سنة، ~~أو قياس لا يحتمل إلا معنى واحدا (1) . فلم اختلفت الصحابة؟! قال: خذل (2) ~~القوم (3) . # وهذا ms520 أعظم (4) ، فإنه لم يكفهم منع [199/أ] القياس حتى خطئوا الصحابة. # وأيضا: فإن الله تعالى كلف المجتهد معرفة أحكام الحوادث ليعمل بها لنفسه، ~~أو ليفتي بها، أو يحكم بها بين الناس، فلابد أن ينصب هنا أدلة تعرف أحكام ~~الحوادث بها. # وذلك الدليل: إما أن يكون نصا أو غيره؛ # فبطل أن يكون نصا؛ لأن الله تعالى ما نص على حكم كل حادثة، ولابد من ~~معرفة حكمها، ثبت أن معرفة حكمها بالاجتهاد والاعتبار. # فإن قيل: قد نص على حكم كل حادثة؛ إما نصا أو دليل الخطاب. # قيل: إذا اختلف المتبايعان، فقال كل واحد منهما: لا أدفع ما علي حتى أقبض ~~مالي، فليس في تقديم واحد منهما دليل من جهة النص. # وكذلك: إذا اختلفا والسلعة قائمة، تحالفا، وليس في تقديم أحدهما نص ولا ~~دليل خطاب. # وكذلك قوله لزوجته: أنت علي حرام؛ # منهم من قال: طلاق. PageV04P1309 # ومنهم من قال: ظهار. # ومنهم من قال: يمين. # وليس في هذا دليل. # فإن قيل: إن لم يكن هناك نص صرنا إلى حكمها بدليل العقل. # والناس في هذا على مذاهب؛ # منهم من قال: الأشياء على الحظر. # ومنهم من قال: على الإباحة. # ومنهم من قال: على الوقف. # فيبنى حكم الحادثة على هذا. # قيل: في الحوادث ما يقف قياس العقل فيها، وهو ما ذكرنا من اختلاف ~~المتبايعين في الإقباض، وغير ذلك. # وكذلك قوله: أنت علي حرام، ليس للعقل في هذا مجال، في تقديم بعضهم على ~~بعض. # فإن قيل: يصير في ذلك إلى استصحاب الحال. # قيل: ولا يمكن أيضا استصحاب الحال فيما حكينا من المسائل؛ لأن الحال قد ~~زالت. # فإن قيل: فبالإجماع يقضي فيها. # قيل: منها ما لم يجمعوا عليه، بل اختلفوا فيه. # وعلى أنكم وإن صرتم إلى الإجماع، فالإجماع لا ينعقد على الحكم فيها إلا ~~بدليل، وذلك الدليل ينقسم على ما قلناه في أول المسألة، فلابد لهم من نص أو ~~اعتبار. # وهذه الطريقة معتمدة في المسألة. # وأيضا: فإن الله تعالى ذكر أحكاما ونص على معانيها، فقال: (من أجل # PageV04P1310 # ذلك كتبنا على بني ms521 إسرائيل) (1) . # وقال في الفيء: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (2) يعني نصصت على ~~حكمه لهذا. # وكذلك قال: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين ~~حرج في أزواج أدعياءهم إذا قضوا منهن وطرا) (3) . # وكذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما فعلت ذلك من أجل ~~الدافة) (4) . # وقال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (5) . # فإذا نص الله ورسوله على الأحكام وذكر معانيها، ثبت أنه إنما نص على ~~PageV04P1311 # المعنى حتى إذا عرف الحق به [199/ب] ، ما وجد فيه ذلك المعنى. # فإن قيل: إنما نص على معنى الحكم ليعرف معناه. # قيل: لا فائدة في معرفة معناه، وقد عرف معناه بالنظر. # وطريقة أخرى وهو: أن القياس مفهوم كلام العرب ومعقولها، بدليل من له ~~ابنان، ضرب كل واحد منهما زوجة نفسه، ثم إن أباهما ضرب أحدهما، فقيل له: لم ~~ضربته؟. # فقال: لأنه ضرب زوجته. # وإذا قيل له: فالآخر أيضا قد ضرب زوجته، فلم لم تضربه؟! # فمتى لم يأت باعتذار في هذا سقط كلامه، وبان نقصه (1) . # فثبت أن القياس مأخوذ من مفهوم كلامهم. # وأيضا: فإن الاجتهاد في طلب القبلة عند الخفاء واجب، وإنما يستدل عليها ~~بالعلامات، كالشمس والقمر والنجوم والجبال والرياح، وهذا محض القياس؛ لأنه ~~يقيس القبلة على هذا النجم وعلى طلوع الشمس وغروبها، ويهدى إليها بها. # فإن قيل: إنما لزمه الاجتهاد في طلب القبلة؛ لأن الشرع ورد بالطلب. # قيل: قد سلمتم أنه ورد بالعمل على القياس. # فإن قيل: القبلة واحدة، وشخص واحد كلف طلبه، فليس كذلك حكم الأرز؛ لأنه ~~كلف حكمه، وحكمه يختلف. # قيل: لا فرق بينهما وذلك أن له في الأرز حكما طلبناه من البر، كما أن له ~~في الكعبة حكما طلبناه من هذه الأدلة، فالبر في حكم الأرز، كهذه الأدلة ~~PageV04P1312 # في طلب القبلة. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (ولا تقف ماليس لك به علم) (1) . # وقوله تعالى: "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" (2) . # والجواب: أن هذه حجة عليهم في نفيهم القياس بأمور محتملة غير مقطوع بها، ~~ولا معلومة، فقد ms522 قالوا على الله ما لا يعلمون. # على أن ذلك محمول على منع القول بما ليس بعلم، فلا يجرى مجراه من القياس ~~والاجتهاد، بدلالة قوله: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (3) ، وحديث معاذ. # وجواب آخر، وهو: أن الحكم بالقياس معلوم، ويكون ذلك بمنزلة الحكم بشهادة ~~الشاهدين، إذا غلب على ظن الحاكم صدقهما وعدالتهما، والتوجه إلى القبلة إذا ~~غلب على ظنه أنها في جهة، فإن وجوب الحكم بها وفعل الصلاة إليها معلوم، ~~وإذا كان كذلك، فلم نقف ما ليس لنا به علم. # واحتج بقوله تعالى: (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) (4) . PageV04P1313 # والجواب: أن المراد به الظن الذي هو تخمين وحدس، لم يقع عن طريق صحيح. ~~فأما الظن (1) الواقع عن أمارة وطريق صحيح، فهو جار مجرى العلم في وجوب ~~العمل به، كما يقول المخالف في الحكم بقول الشاهدين، وبقول المقومين، وقبول ~~قول زوجته في حيضها وطهرها [200/أ] ، وقبول قول القصاب في ذبيحته، والتوجه ~~إلى القبلة باجتهاده. # واحتج بقوله تعالي: (وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله) (2) . # وقال تعالى: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (3) . # والجواب: أنه لم يرد به إلى ذات الله وذات رسوله، وإنما المراد إلى حكم ~~كتاب الله وسنة رسوله، والرد إلى القياس رد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإنه ~~عليهما يحمل، ومنهما (4) تستنبط المعاني ويقاس عليها. # واحتج بما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ستفترق أمتي ~~على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، ~~فيحرمون الحلال ويحللون الحرام) (5) . PageV04P1314 # والجواب: أن المراد بذلك الرأي المخالف للكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فقد ~~ضل، ودخل تحت الوعيد (1) . # واحتج بأنه لو كان العمل بالقياس واجبا لم يخل العمل بذلك من أن يكون ~~ضرورة أو استدلالا، وليس يسوغ ادعاء العلم الضروري في وجوب ذلك؛ لأنا لا ~~نجد نفوسنا مضطرة إلى العلم بذلك ولا تتعرى من الشكوك. # وإن كان العلم بوجوده استدلالا لم يخل إما أن يكون الاستدلال عقلا أو ~~شرعا. # والعقل لا مدخل له في إيجاب ms523 ذلك؛ لأن العلم بأصول الأشياء التي يقاس ~~عليها لا يقع من ناحية العقول، ولا يجوز أن يفرق الله تعالى بين الخمر ~~وسائر الأشربة في الحكم، فيحرم الخمر ويبيح غيرها مع تساويها (2) في ~~الإسكار، والعقل يسوى بينهما. # ولو كان ثبوته شرعا لظهر، وليس في وجوب ذلك خبر. PageV04P1315 # وتحرير هذه الدلالة: أن العلم بوجوبه، إذا لم يكن من ناحية المعقول، ولا ~~شرع ورد بذلك لم يجز القضاء به. # والجواب: أنا نقلب هذا الدليل فنقول: لو كان القول بالقياس باطلا، لم يخل ~~العلم ببطلانه من أن يكون ضرورة أو استدلالا. # ولا يمكن ادعاء الضرورة لما يعترينا في بطلانه من الشك، والعقول لا مجال ~~لها في بطلانه. # ولأن نفاة القياس يجوزون أن يتعبد الله تعالى بإلحاق سائر الأضربة ~~المسكرة # بالخمر من طريق القياس، فلو بطل الحكم بالقياس لم يبطل إلا شرعا، والشرع ~~هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله، ولا خبر بذلك، فلم يجز الحكم ببطلانه. # وجواب آخر: وهو أنا أثبتنا ذلك بالشرع، وقد ظهر ذلك بقوله تعالى: ~~(فاعتبروا يا أولى الأبصار) (1) وبحديث معاذ، وإجماع الصحابة. # فإن قيل: ما ذكرتموه من الشرع غير معلوم؛ لأنه خبر واحد، فلا يجوز إثبات ~~مسائل الأصول بخبر الواحد. # قيل [200/ب] : لم نذكر ما يوجب العلم ويقطع العذر، وإذا لم يكن فيه دليل ~~حال ثبوته بخبر الواحد على أنا قد ذكرنا الآية، وهي مقطوع بها، والخبر الذى ~~ذكرنا متلقى بالقبول، وإجماع الصحابة مقطوع به. # واحتج: بأن، القياس حمل الفرع على الأصل بعلة وشبه (2) ، وأجمعوا أن ذلك ~~لا يقف على شهوة المعلل واقتراحه، بل يكون تابعا للدليل، وليس يخلو الدليل ~~من أن يكون عقلا أو شرعا. # والعقل لا يدل على ذلك؛ إذ ليس بعض صفات المعلل أولى بذلك من بعض. ~~PageV04P1316 # وحكم الأصل أيضا لم يعلم عقلا. # ولأنه لا وجه يدعي الخصم أنه علة إلا وهو يجوز أن يرد الخبر بأن العلة ~~سواه، فبطل أن يكون للعقل مجال في ذلك. # ولا يجوز أن يكون العلم بالعلة قياسا على النص لوجهين: # أحدهما: ms524 أن ذلك القياس لابد له من علة، ولا بد في تعريف تلك العلة من ~~قياس يأتي، والكلام في ذلك كالكلام في الذي قبله، وهذا يفضى إلى ما لا ~~نهاية له، فلم يبق إلا النص. # وإذا كانت العلل منصوصا عليها، جاز حمل غير المنصوص عليه على ما تناوله ~~النص عند كثير من أهل الظاهر. # ولا يجوز أن يكون ما تذكرونه من وجود الحكم في الأصل المعلل عند وجود ~~الصفة وعدمها عند عدمه، دلالة على كونها علة يجب القياس عليها لوجود الحكم ~~في كثير من المواضع، موجود عند وجود شيء ومعدوم عند عدمه، مع اعترافنا بأنه ~~ليس بعلة. # ألا ترى أنا نجد العصير حلالا قبل حدوث الشدة فيه لا يكفر مستحله، فإذا ~~حدثت الشدة صار حراما يكفر مستحله، ثم إذا ارتفعت الشدة عنه صار حلالا، ولم ~~يكفر مستحله، ولم يجب من أجل ذلك أن تكون الشدة علة للتكفير؛ لأنا لا نكفر ~~مستحل كل شديد. # والجواب: أن القياس هو: حمل الفرع على الأصل بعلة وشبه، قد دل الدليل على ~~صحتها، وذلك يحصل من خمسة أوجه: # أحدها: لفظ صاحب الشريعة بنصه، أو تنبيهه (1) ، أو إجماع الأمة، أو ~~تأثيرها، وهو يوجد الحكم بوجود المعنى، ويعدم بعدمه أو شهادة PageV04P1317 # الأصول، أو قيام الدليل على بطلان ما سواها، وقد شرحنا ذلك في الخبر الذى ~~بعده. # وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالوه؛ لأن قولهم: ليس بعض الصفات أولى من بعض ~~غلط؛ وذلك أنه إذا تعارض فيه أمارتان، عرضناهما على الأصول، فأيهما كان أشد ~~اطرادا وانعكاسا وتأثيرا، كان أولى. # وقولهم: إنه يجوز أن يرد الخبر بأن الحكم سواه، فهذا لا يتصور بعد وفاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما في حياته فإنه ما من [201/أ] حكم ثبت ~~بالنص إلا ويجوز أن يرد نص بخلافه، ثم لم يمنع ذلك كونه دليلا. # وقولهم: إن مستحل النبيذ والنقيع لا يكفر، وإن كانت علة الكفر موجودة فيه ~~وهي الشدة غلط؛ لأن العلة في كفر مستحل الخمر الإجماع على تحريمه، فليس ~~العلة في ms525 كفره الشدة. وذلك الإجماع لا يوجد في غيره مما تحله الشدة، فلهذا ~~لم نكفره. # وقولهم: يحتاج في تعريف العلة إلى علة أخرى إلى ما لا نهاية له غلط، لأنا ~~(1) . # واحتج: بأن القياس لا يصح إلا بثبوت علة الأصل، وأنهم يدعون علة الأصل، ~~ولا يمكنهم إقامة الدليل عليها، فلم يصح القياس بعلة مدعاة لا دليل عليها. # والجواب: أنا لا نقيس إلا بعد ثبوت علة الأصل، وإنما نبين فيما بعد ~~ثبوتها، والأمارة الدالة عليها، إن شاء الله تعالى. # واحتج: بأن علة الأصل إذا ثبتت لا يجب أن يتعدى الحكم إلى كل موضع توجد ~~فيه علة الأصل، ولهذا إذا قال رجل: اعتقت عبدي؛ لأنه أسود، لا PageV04P1318 # يوجب ذلك أن يعتق كل عبد له أسود. # والجواب: أن العلة إذا ثبتت وجب الحكم بها في كل موضع وجدت؛ لأنها أمارة ~~على الحكم، وإذا وجدت الأمارة والدلالة وجب الحكم بها. # وأما قول الرجل: أعتقت عبدي؛ لأنه أسود، فإنه لا يعتق سائر عبيده ~~السودان؛ لأن المناقضة جائزة عليه، وليس كذلك صاحب الشريعة، فإنه لا يجوز ~~التناقض في قوله، فوجب طرد تعليله. # واحتج: بأن القصد بالقياس طلب الحكم فيما لا نص فيه ولا توقيف، فليس ~~عندنا حكم إلا وقد تناوله نص وتوقيف، فلم يكن للقياس معنى. # والجواب: أنا نعلم أحكاما كثيرة لا نص فيها، من ذلك: # جواز قتل الزنبور في الحل والحرم، وليس فيه نص، وإنما قيس على العقرب. # وإذا تعمد ترك الصلاة يجب قضاؤها، وليس في ذلك نص، وإنما قيس على من ~~نسيها أو نام عنها (1) . PageV04P1319 # وإذا ماتت فأرة في غير السمن (1) . # وإذا ماتت سنور في السمن (2) وما أشبه ذلك كثير. # ومن المسائل الغامضة فأكثر من أن تحصى. # وجواب آخر: وهو: أنه ليس من شرط القياس أن يكون النص معدوما، وإنما شرطه ~~أن لا يكون مخالفا للنص، فإذا لم يكن مخالفا للنص صح القياس، مع وجود النص، ~~ومع عدمه. # واحتج: بأن حكم الفرع لا يخلو أن يوجد من الاسم والمعنى، أو من الاسم دون ~~المعنى، أو من ms526 المعنى [201/ب] دون الاسم. # فإن أخذ من الاسم والمعنى، فقد أخذ بالنص بلا قياس. # وكذلك إن أخذ من الاسم، ثبت نصا، ولا يجوز أن يكون متعلقا بالمعنى؛ لأن ~~هذا كان موجودا فيه ولا حكم، وهو قبل معرفة أحكام الشريعة، فلم يبق إلا أن ~~يكون باطلا. # والجواب: أن الاعتبار بالاشتراك في المعنى، إلا أنه يجوز القياس عند ~~الأمر به، وقبل ورود الشرع لم يكن هناك أمر بالقياس، فلذلك امتنع القول به. # واحتج: بأن القياس: حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من الشبه، ~~وما من شىء يشبه شيئا من وجه إلا ويفارقه من وجه آخر، كموضع الافتراق. # والجواب: أن القياس إنما يجب عند اجتماعهم في معنى الحكم واشتراكهما فيه. ~~والافتراق الذي يذكرونه هو افتراق في غير معنى الحكم، لا يؤثر في جواز ~~PageV04P1320 # الجمع، ولو أنهما افترقا في معنى الحكم لامتنع القياس. # واحتج: بأن القياس حمل الشيء على غيره في بعض أحكامه بضرب من الشبه، وليس ~~يخلو: # إما أن يعلموا ذلك بالنص أو بالقياس. # فإن قلتموه نصا، صار حكم الفرع منصوصا عليه. # وإن قلتموه قياسا، فقد أثبتم قياسا بقياس. # والجواب: أن هذا يلزمهم في نفي القول بالقياس؛ فإنه لا نص لهم دال عليه، ~~ولا يجوز أن يقولوا ذلك قياسا. # على أننا علمنا وجوب ذلك بالأصول التي دلت عليه من الكتاب والإجماع، حسب ~~ما بينا. # واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن يكون المعنى المستنبط مماثلا له، أو أنقص ~~منه، أو أزيد. # ولا يجوز أن يكون مثله؛ لأن ذلك يوجب تساويهما، ولا يكون في القياس ~~فائدة. # وباطل أن يكون أنقص؛ لأنه يفضي إلى تخصيص الأصل وإسقاط بعض حكمه. # وباطل أن يكون أعم؛ لأن المدلول لا يكون أعم من الدليل. # فإذا بطلت هذه الأقسام، بطل القياس. # والجواب: أن الأقسام الثلاثة كلها جائزة في القياس، ولا يفضي إلى ما ~~ذكروه، فإنه قد يكون المعنى مماثلا للفظ، كقوله في الرضاع: (يحرم من الرضاع ~~ما يحرم من النسب) ، وتكون فائدة القياس معرفة معنى النص، والفرق بينه وبين ms527 ~~المنصوص الذي لا يعرف معناه. # وقد يكون المعنى أخص من اللفظ، مثل قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا # PageV04P1321 # أيديهما) (1) والمعنى فيه: أن يسرق نصابا من حرز مثله، لا شبهة له فيه. # ولا يكون هذا تخصيص اللفظ؛ لأنا لا نخصه بهذا القياس، فإنه مماثل في ~~حكمه، وإنما نخصه بلفظ آخر. # وقد يكون [202/أ] المعنى أعم من اللفظ، مثل المعنى المستنبط في مثل خبر ~~عبادة بن الصامت في علة الربا (2) ، فإن الأصل البر، وحكمه مقصور عليه ~~لفظا، وفزعه أعم من لفظه، فإن معناه مكيل، فاكتفى به كل مكيل لأنا عقلنا ~~الحكم بمعناه، ومعناه أعم من لفظه. # وقد يكون المدلول أعم من الدليل، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، ~~فنهى عنه) . # وهذه العلة موجودة في سائر ما ينقص من الرطب وغيره. # واحتج: بأن تجويز القياس يفضي إلى أن يكون الشيء فرعا لأصل، ويكون أصلا ~~لغيره، فإنه قد يقاس غيره عليه. # والجواب: أن هذا غير ممتنع، وهو موجود في المشاهدة، فإن النخلة (3) قد ~~تكون فرعا لنخلة أخرى وأصلا لغيرها، والمكيال قد يكون فرعا لمكيال وأصلا ~~لمكيال. # وهذا في العقليات، وفي الشرعيات يجوز أن يكون الشيء أصلا لغيره في حكمه، ~~وفرعا لغيره في حكم آخر، فأما في حكم واحد فلا يتصور. PageV04P1322 # واحتج: بأن العلل الشرعية لو كانت دالة (1) على الحكم وموجبة له لكانت ~~تطرد وتنعكس، فلا توجد إلا والحكم موجود معها، ولا يوجد حكمها إلا عند ~~وجودها، كالعلل العقلية. # والجواب: أن هذه العلل ليست عللا في الحقيقة، ولا موجبة الأحكام، وإنما ~~هي أمارات وعلامات نصبها الله تعالى لهذه الأحكام أدلة عليها، فهي تجري ~~مجرى الأساس، فتدل على الحكم في الموضع الذي نصب دون غيره. # وجواب آخر، وهو: أنه لا يمتنع أن تكون بهذه الصفة، وإن لم تطرد وتنعكس، ~~لأن العلل العقلية على ضربين: تطرد وتنعكس، كالحركة في التحرك، وعلة لا ~~تنعكس، وإنما يوجد الحكم عند وجودها فحسب، كقول الرجل: اضرب [من] ، في ms528 ~~الحبس، واضرب من هو خارج من الحبس، وإذا كان الرجل في الحبس ضرب لكونه في ~~الحبس، وإذا كان خارجا ضرب لكونه خارجا. # وكذلك الجواب عن قولهم: لو كانت علة في الحقيقة لما اختصت بزمان دون ~~زمان، كالعلة العقلية، يتعلق الحكم بها قبل الشرع وبعده، وذلك أنا نقول: ~~ليست بعلة في الحقيقة موجبة للأحكام، وإنما هي أمارة عليها (2) كالأسماء. # ثم نقول: لا فرق بينهما، وذلك أن سبب تلك العلل العقل، والعقل لا يختص ~~بزمان دون زمان، بل هو عام في جميع الزمان، فكان علته أيضا عامة فيها. # والعلة الشرعية سببها الشرع، والشرع يختص ببعض الأزمنة دون بعض. # واحتج: [202/ب] بأنه لو كان دليلا على بعض الأحكام لكان دليلا في جميعها. ~~PageV04P1323 # والجواب: أن القياس يحتاج إلى شرائط، وليس توجد تلك الشرائط في سائر ~~الأحكام حتى يصح استعمال القياس فيها، على أن الأحكام قد تختلف في أدلتها، ~~فيكون الشيء دليلا في بعضها دون بعض، كخبر الواحد، يدل على ثبوت الأحكام في ~~الفروع ولا يدل على إثبات الأصول (1) . # واحتج: بأن أهل اللغة لايستعملون القياس في كلامهم، فإن القائل لو قال ~~لوكيله: اشتر لي سلنجبينا فإنه يصلح للصفراء، لم يصلح أن يشتري له رمانا، ~~وإن كان يصلح للصفراء. # والجواب: أن السلنجبين يختص بمعان لا توجد في الرمان، فلذلك لم يجز أن ~~يشتريه. # وقد ورد عن أهل اللغة ما يوجب القول بالقياس، فإن رجلا لو كان له ابنان، ~~فضرب أحدهما، فقيل له: لم ضربته؟ قال: لأنه ضرب أمه. وكان الآخر قد ضرب ~~أمه، فإن يصلح أن يرد عليه، فنقول: والآخر ضرب أمه أيضا، فلم لم تضربه؟!. # وكذا لو قال: لا تعط فلانا إبرة لكي لا يعتدي بها، فلا يصلح أن يعطه ~~سكينا؛ لأن معناهما واحد، فثبت أنهم يقولون بالقياس، ويعملون عليه. # على أنا نقول بالقياس في المواضع التي دل الدليل الشرعي عليه وكلفنا إياه ~~وفي تلك المواضع لم يدل الدليل الشرعي عليه، فلم يجب القول به. ~~PageV04P1324 # فصل # [أقسام القياس] # وإذا ثبت الأصل في القياس، فالكلام في ms529 أقسامه (1) . # وجملته: أن القياس على ضربين: # واضح، وخفي. # فالواضح: ما وجد معنى الأصل في الفرع بكماله (2) ، كعلة الربا، نص النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - على الربا في البر، فحملنا الأرز عليه؛ لأن فيه ~~معنى البر (3) من الكيل والجنس. # وقد استعمل أحمد -رحمه الله- هذا القياس في رواية ابن القاسم فقال: ~~"لايجوز الحديد والرصاص متفاضلا، قياسا على الذهب والفضة" (4) . # والثاني: القياس الخفي: وهو قياس غلبة الشبه (5) ، وصورته: أن يتجاذب ~~الحادثة أصلان، حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف خمسة، PageV04P1325 # والحادثة لا تجمع أوصاف واحد منهما، غير أنها بأحد الأصلين أكثر شبها، ~~مثل أن كانت بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة أوصاف، ففي هذا ~~روايتان: # إحداهما: ليس هذا بقياس أصلا، والقياس ما وجد في الفرع أوصاف الأصل ~~بكمالها، فإذا وجد بعضها في الفرع، لم يكن قياسا. # نص عليه أحمد - رضي الله عنه - في رواية أحمد بن الحسين بن حسان فقال: ~~"القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، [203/أ] فأما ~~إذا أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه، فهذا خطأ، قد خالفه ~~في بعض أحواله ووافقه في بعض، فإذا كان مثله في كل أحواله فأقبلت به وأدبرت ~~به، فليس في نفسي منه شيء" (1) . # والرواية الثانية: أنه قياس صحيح، وتلحق الحادثة بأكثرهما، ولا يؤخر (2) ~~حكمها. # وقد نبه أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية حرب في يهودي قذف يهودية ~~يتلاعنا؟ # قال: "ليس لهذا وجه؛ لأنه ليس عدلا، واللعان إنما هو شهادة، وليس بعدل ~~فتجوز شهادته". كأنه لم ير بينهما اللعان (3) . PageV04P1326 # فقد قاس اللعان على الشهادة في امتناعه من الكافر، مع قلة شبهه بالشهادة ~~وكثرة (1) شبهه بالأيمان. # فدل هذا من قوله على جوازه مع كثرة الشبه. # وقد نقل ابن منصور عنه الفرق بينهما فقال: "لو كان معناه معنى الشهادة، ~~فقذفها وهو فاسق، لم يلاعن. ولو كان معناه معنى اليمين (2) لكان يشهد هو، ~~وتشهد هي". # فإن قلنا: إنه ليس بقياس صحيح. وقد حكي ذلك عن أصحاب أبي حنيفة (3) . # فوجهه: أنه ms530 إذا كانت علة الأصل ذات أوصاف ثلاثة، وعلة (4) الفرع ذات ~~وصفين، لم يوجد في الفرع معنى الأصل بكماله، فلا يكون علة. # ولو كان الوصفان علة لكان الحكم يتعلق بها، فلما لم يكن علة ثبت أنه لا ~~يجوز تعليق الحكم بها. # وإذا قلنا: إنه قياس صحيح، وهو قول أصحاب الشافعي (5) ، فوجهه: ان ~~الحادثة لا بد لها من حكم، فإذا لم يدل على حكمها كتاب ولا سنة ولا ~~PageV04P1327 # إجماع وجب الاجتهاد في طلب حكمها بالقياس على الأصول، فإذا لم يكن لها ~~شبه إلا بهذين الأصلين، انقطع حكمها عن سواها، ولم يجز أن يعلق حكم الأصلين ~~معا بها؛ لأنها متناقضة. فلم يكن بد من إلحاقها بأحدهما، فكان إلحاقها (1) ~~بالأشبه أولى؛ لأنها به أشبه، فغلبنا حكم الأكثر؛ لأن الأصول على هذا، قال ~~الله تعالى: (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه ~~فأمه هاوية) (2) فغلب الأكثر. # وكذلك قلنا في الماء المطلق، إذا خالطه مائع طاهر، كالورد، ونحوه: إن كان ~~الغالب الماء، فالحكم له، وإن كان الغالب الورد، فالحكم له. # وكذلك قلنا في الشهادات: إن كان الغالب الطاعات، فهو عدل مقبول الشهادة، ~~وإن كان الأغلب المعاصي، فهو فاسق مردود الشهادة. # وقد قال أحمد - رضي الله عنه - في رواية أحمد بن أبي عبدة في الرجل يكذب: ~~"إن كثر كذبه لم يصل خلفه" (3) . # فأما قولهم: إذا لم يوجد في الفرع أوصاف الأصل بكماله، فليس هناك [علة] . # والجواب: أنه كذلك، ولكن ألحقنا حكم الحادثة بهذا الأصل، من حيث إنه به ~~أشبه. # فأما أن نقول [203/ب] : الوصفان في (4) الفرع علة، فلا نقول هذا. # فإن قيل: فيحكم في الحادثة بغير دليل؟ # قيل: يحكم بغير قياس، ولكن بأنه أشبه بهذا الأصل من سائر الأصول. # إذا تقرر هذا، وأن قياس غلبة الشبه حجة، فهو على ضربين: PageV04P1328 # أحدهما: أن يكون الشبه بالأوصاف. # والثاني: بالأحكام (1) . # فالأوصاف: أن يتجاذبها أصلان، حاظر ومبيح، فالحاظر أسود، والمبيح أبيض، ~~والحادث سواد وبياض فنعتبره بهما، فبأيهما أشبه ألحقناه. # وأما الشبه بالأحكام: كالعبد أخذ شبها من ms531 الأحرار، لأنه مخاطب مكلف، وأخذ ~~شبها من الأموال؛ لأنه يباع ويورث، فننظر بأيهما أكثر شبها نلحقه به. # فصل # [قياس الأصول] # فأما قياس الأصول: فأن تكون الحادثة لها أصل في الحظر، وأصول في الإباحة، ~~فكان ردها إلى أصول كثيرة، أولى من ردها إلى أصل واحد (2) . # مثال ذلك: إذا أبان زوجته بطلقة، فتزوجت من أصابها وطلقها، ثم تزوجها ~~الأول، عادت معه على ما بقي معه من الطلاق (3) . PageV04P1329 # خلافا (1) لأبى حنيفة في قوله: دخول الثاني يعدم ما بقي من الطلاق (2) ، ~~وذهبوا إلى أنها رجعت إليه بعد زوج وإصابة، أشبه المطلقة ثلاثا، فقاسه على ~~أصل واحد، وقسناه على ثلاثة أصول، فقلنا: إصابة ليست بشرط في الاباحة، أشبه ~~وطء السيد أمته، والوطء في النكاح الفاسد، ووطء زوج ثالث. # [قياس الجنس] # وأما قياس الجنس فهو أولى (3) ، مثل أن تكون الحادثة من الطهارة، فكان ~~PageV04P1330 # ردها إلى الطهارة، أولى من ردها إلى الصلاة. # أو تكون من الصلاة، ويمكن ردها إلى الزكاة وإلى الصلاة، فكان ردها إلى ~~الصلاة أولى؛ لأنها من جنسها. # فصل # [تقديم العلة لقلة أوصافها] # فإن تقابلت علتان (1) ، إحداهما ذات وصفين والأخرى ذات ثلاثة أوصاف، لم ~~يخل إما أن تكونا (2) من أصل واحد، أو من أصلين. # فإن كان أصلهما واحدا، كعلة الربا، الفرع الأرز، والأصل البر، فعلتنا: ~~مثل، مكيل، جنس (3) . # وعلة مالك: مطعوم، مقتات، جنس (4) . PageV04P1331 # وعلة الشافعي في القديم: مطعوم، مكيل، جنس (1) . # فالتي قلت أوصافها أولى من وجهين: # أحدهما: أن التي قلت أوصافها أكثر فروعا، والتي كثرت أوصافها أقل فروعا، ~~فكان ما كثرت فروعها (2) أولى. # ولأن التي قلت أوصافها يسهل الاجتهاد فيها ويقرب، والتي كثرت أوصافها ~~يصعب الاجتهاد فيها ويبعد. # فكانت الأقل أوصافا أولى. # هذا إذا كانت العلتان من أصل واحد. # فأما إن كانتا (3) من [204/أ] أصلين، أحدهما يدل على الحظر، والآخر يدل ~~على الإباحة. # وكانت علة أحد الأصلين ذات أوصاف خمسة، وعلة الأصل الآخر ذات أوصاف ~~أربعة، وكانت [في] كل واحد من الأصلين بكمالها موجودة في الفرع، كان رده ~~إلى ما كثرت الأوصاف فيه أولى؛ لأنه ms532 به أشبه. # فها هنا هما علتان، إلا أن التي هي بأحد الأصلين أكثر أوصافا أولى. # ويفارق هذا قياس غلبة الشبه؛ لأنه (4) ليس بقياس صحيح على إحدى الروايتين ~~(5) ؛ لأن معنى الأصل غير موجود بكماله في الفرع، فلهذا لم يكن علة. ~~PageV04P1332 # وها هنا أوصاف الأصل بكماله موجودة في الفرع، فلهذا كان علة. # فإذا هذا القياس استوفى أوصاف أصله. # وقياس غلبة الشبه ما استوفى أوصاف أصله. ### | مسألة # [دلالة مفهوم الموافقة] # فأما الحكم الثابت من طريق التنبيه فلا يسمى قياسا (1) ، وإنما هو مفهوم ~~PageV04P1333 # الخطاب وفحواه، نحو قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (1) إن الضرب ونحوه من ~~الإضرار بالوالدين ممنوع [منه] بمعنى اللفظ. # وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أربع لا تجوز في الضحايا، ~~العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها ... ) (2) فلما نص على العوراء، ~~كانت العمياء مثلها في المعنى لمعنى اللفظ. PageV04P1334 # وكذلك لما نص على العرجاء، كانت المقطوعة الأربع في معناها وزيادة من ~~طريق اللفظ. # وكذلك قوله: (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (1) ونص ~~في الإماء على النصف (2) ، كان العبد مثلها على النصف من طريق اللفظ لوجود ~~المعنى (3) . # وكذلك قوله عليه السلام، (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان) ، كان ~~الجوع والعطش ونحوهما في معناه بمعنى اللفظ لوجود معناه، وهو [ما] يغير ~~خلقه وفهمه. # وكذلك قوله -في الفأرة تقع في السمن-: (إن كان جامدا فألقوها وما حولها، ~~وإن كان مائعا فأريقوه) . # فكانت العصفورة في معنى الفأرة، والشحم الجامد في معنى السمن الجامد، ~~PageV04P1335 # والشحم الذائب كالسمن الذائب، وكذلك الزيت والشيرج (1) . # وكذلك قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل) (2) . # وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم ~~الأضاحي لأجل الدافة، ألا فادخروا ما بدا لكم) . # كل هذا من معنى اللفظ. # وقد أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان فقال: ~~"إنما القياس أن يقيس الرجل على أصل، فأما أن يجيء إلى أصل فيهدمه فلا". # فحد (3) القياس بما كان على أصل مستنبط. # وكذلك قال في رواية ms533 الميموني: "سألت الشافعي عن القياس فقال: عند ~~الضرورة، وأعجبه ذلك" [204/ب] . # ومعنى قوله: "عند الضرورة". إذا لم يجد دليلا غيره من كتاب أو سنة، ~~والاحتجاج بالتنبيه يجوز مع وجود دليل غيره. # وقال في رواية الميموني: "بر الوالدين واجب، ما لم يكن معصية، قال تعالى: ~~(فلا تقل لهما أف) . # فاحتج على وجوب برهما بقوله: (فلا تقل لهما أف) (4) فدل على أنه مستفاد ~~من جهة اللفظ. PageV04P1336 # وهو قول أصحاب أبي حنيفة (1) . # وقال أصحاب الشافعي: ذلك مستفاد من جهة القياس، لكنه قياس جلي لا يحتاج ~~إلى فكر وتأمل (2) . # وهو اختيار أبي الحسن الجزري من أصحابنا. ذكره في جزء فيه مسائل ~~PageV04P1337 # الأصول، في موضعين منه، فقال: مفهوم النص هو القياس (1) . ### | دليلنا: # أن القياس ما يختص بفهمه أهل النظر والاستدلال، فيفتقرون في إثبات الحكم ~~به إلى ضرب من النظر والاستدلال والتأمل بحال الفرع والأصل. # فأما ما دل عليه فحوى الخطاب الذي ذكرناه، فإنه يستوي فيه العالم والعامي ~~العاقل (2) الذي لم يدر ما القياس، فكيف يجوز إجراء اسم القياس عليه؟!. # وأيضا: فإن أهل اللغة لا يختلفون أن من نهي عن التأفيف لوالديه، عقل منه ~~تحريم الشتم والضرب، كما أن من أمر بتعظيم زيد، عقل منه ترك الاستخفاف به. # وكما أن من وصف (3) بالعجز عن حمل شىء يسير، عقل منه عجزه عن حمله ما هو ~~فوقه. ومن، حمل نفسه على دفع ذلك لم يكن في حد من يناظر. # وإذا كان هذا من اللفظ لم يجز إطلاق اسم القياس عليه. # ولأن ذلك يضاف إلى الخطاب، فيقولون: مفهوم الخطاب وفحواه وتنبيهه يدل على ~~ثبوته نطقا. # ولأن ما ثبت باللفظ ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ألا ترى أنه لو ~~قال: اقتلوا أهل الذمة لأنهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان بهذا اللفظ، وإن ~~لم يتناولهم اللفظ من طريق الصيغة، لكن من طريق العلة والشبه، فكذلك هاهنا. ~~PageV04P1338 # واحتج المخالف: # أن الحكم المستفاد بالنص ما كان ثابتا بالاسم واللفظ، وقوله: (فلا تقل ~~لهما أف) إنما تناول لفظه المنع من التأفيف، ms534 فأما المنع من الضرب، فلم ~~يتناوله اللفظ، ولا استفيد منه، وإنما استفيد من (1) الاسم بمعنى، وهو أنه ~~لما منع من التأفيف لأجل الأذى، وكان الأذى موجودا في الضرب وزيادة، منع ~~منه، فثبت أنه مستفاد بالقياس لا باللفظ. # ويوضحه قول (2) النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقضي القاضي بين اثنين ~~وهو غضبان) ، لا يفهم أنه لا يقضي بينهما في حال الجوع والعطش، فإذا لم يكن ~~هذا مستفادا من اللفظ ولا [205/أ] معقولا منه ثبت أنه مستفاد من معناه ~~ومقيس (3) عليه. # والجواب: أنه وإن لم يكن الضرب منصوصا عليه، فقد بينا أن اللفظ قد دل ~~عليه، وأنه يقع في فهم السامع، كذلك تحريم الضرب والشتم، فثبت أن اللفظ دل ~~عليه من مفهومه وفحواه. # وإذا كان كذلك، لم يصح تسميته قياسا؛ لأن القياس يقتضي معنى آخر، وهو أنه ~~يختص بعلمه أهل النظر، ويحتاج إلى تأمل الأصل والفرع، وهذا لا يحتاج إليه ~~هاهنا. # ولأنا قد بينا أن ما ثبت باللفظ، ليس من شرطه أن توجد صيغة اللفظ فيه، ~~كقوله: اقتلوا أهل الذمة لكونهم كوافر، جاز قتل عبدة الأوثان وإن لم ~~تتناولهم صيغة اللفظ. PageV04P1339 ### | مسألة # [التعليل بالاسم] # يجوز أن تجعل الأسماء عللا للأحكام (1) ، سواء في ذلك الأسماء المشتقة، ~~كقولك: قائم، وقاعد، وشاتم، وضارب. وأسماء الألقاب كقولك: زيد، وعمرو، ~~وحمار، وحائط، وماء، وتراب. # وقد نص عليها أحمد -رحمه الله- فقال في رواية الميموني: "يجوز التوضؤ ~~بماء الباقلاء والحمص؛ لأنه ماء، إنما أضفته إلى شىء لم يفسده" (2) . # فقاس الماء المضاف على المطلق، وهو اسم علم ولقب. # وقال أيضا في رواية الميموني في نصراني محصن أسلم ثم زنا بعد إسلامه: ~~"يرجم بذلك الإحصان، لأنه زان، ارجمه بإحصانه" (3) . # فعلق الحكم بالزنا والإحصان، وهو اسم مشتق. # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني (4) . PageV04P1340 # وأصحاب الشافعي فيما حكاه الإسفراييني (1) . # وحكي عن قوم أنه لا يصح أن يكون الاسم علة، لقبا كان أو مشتقا (2) ، ~~وإنما تصح العلة إذا كانت صفة، مثل قولنا: شدة مطربة، ومطعوم جنس، وولادة، ~~وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. ms535 # أو تكون حكما، مثل قولنا: [طهارة] (3) وكفارة، ونحو ذلك. # ومنهم من قال: يصح أن يكون الاسم المشتق علة، ولا يصح أن يكون اللقب علة ~~(4) . ### | دليلنا: # أن ما جاز أن يرد به الشرع نطقا؛ جاز أن يكون مستنبطا، كالصفة ~~PageV04P1341 # والحكم، ولا خلاف أنه لا يمتنع أن يجعل صاحب الشريعة الاسم علة على الحكم ~~وأمارة عليه، كما يجعل الصفة والحكم علة، فيقول: حرمت الخمر؛ لأنها مسماة ~~خمرا. # وإن شئت قلت: ما جاز أن يكون منصوصا عليه، جاز أن يكون مجتهدا فيه، إذ ما ~~جاز إظهاره جاز إضماره، أو ما جاز إبداؤه جاز إخفاؤه، أو ما جاز إطلاعه جاز ~~إبداعه. # وأيضا: فإن ما دل على صحة العلة، فإنه يدل على أنه يصح أن يكون الاسم ~~علة، وهو التأثير، وشهادة الأصول. وإذا دل على صحة ذلك، جاز أن يكون علة، ~~كالصفة والحكم [205/ب] . # ولأن علل الشرع علامات على الحكم، والأسامي علامات لتمييز الأعيان، بل ~~الاسم قد يكون أدل على تعريفه من صفة من صفاته. # فإذا جاز تعلق الحكم بالصفة، جاز ذلك بالاسم أولى. # واحتج المخالف: # بأن الأسامى لا تكون عللا في العقليات، كذلك في الشرعيات. # والجواب: أن علل العقل موجبة، والأسامي ... (1) أن لا يطلق (2) عليه أهل ~~اللغة فخرج الاسم عن أن يكون علة (3) . # واحتج بأن الاسم سبق الحكم؛ لأن هذه الأسماء كانت موجودة قبل الحكم. # فلو قلنا: تكون علة للحكم، لسبقت العلة الحكم. # والجواب: أنه باطل بالصفة، فإنها سابقة للحكم؛ لأن الأشياء كانت مأكولة ~~مكيلة قبل ثبوت الربا، ومع هذا فهي علل، وإنما لا يصح أن تتأخر ~~PageV04P1342 # العلة عن الحكم. # فإذا قال: لأنه مختلف في (1) ، سبق الحكم العلة، فلا يصح. # فأما أن تسبق العلة الحكم، فلا يمتنع، وإنما لم يوجد الحكم بوجودها قبل ~~الحكم، لأنها علل مجعولة، فلما جاز الحكم، وجعلت علة، ثبتت علة له. # واحتج: بأن العلة إنما تصح من أحد وجهين؛ إما بالسبر والاستنباط، ~~كالمطعوم والمأكول، أو بأن ينبه صاحب الشرع عليها، كقوله: (أينقص الرطب إذا ~~يبس) ؟ (وإنما فعلت ذلك لأجل الدافة) ms536 . # فأما بالاسم فلا يصح؛ لأن حكم الاسم ثابت بالنص، ومعروف به. # فقوله: إنما حرمت البر متفاضلا، ثابت بالنص. # والجواب: أن الاسم الذي نقول إنه علة: ما ثبت بالسبر والاستنباط والخبر، ~~وأثر، وشهدت له الأصول. # فإن قولنا: "بول الآدمي نجس" اختبرناه، فوجدناه يؤثر، فألحقنا به بول كل ~~حيوان لا يؤكل لحمه. # ولو قلنا: "بول مالا يؤكل لحمه نجس"، لم يكن هذا علة؛ لأنه عرف حكمها ~~بالنص. # وإنما الخلاف في الاسم المختبر، الذي عرض على الأصول، فلم ترده. # ألا ترى أنه لو قال: "الخارج من السبيلين نجس"، كان باطلا بالمني. # فإذا قال: بول، لم يبطل بشىء، وهو خارج من مخرج الحدث. # واحتج: بأن الاسم إذا كان مشتقا، كان تحته معنى، فإن قوله: قاتل، معناه: ~~أنه قتل، فإذا صح أن يعلق الحكم على معناه كذلك صح أن يعلق به. # ويفارق هذا إذا كان الاسم علما ولقبا؛ لأنه لا يشتمل على معنى، فلهذا ~~PageV04P1343 # لم يكن علة. # والجواب: أنه كذلك، لكن الحكم ما علق بالمعنى الذي تضمنه، وإنما علق بنفس ~~الاسم. فإذا صح تعليقه بالاسم الذي يتضمن معنى، فتكون العلة الاسم دون ~~معناه، كذلك جاز [206/أ] أن يكون اللقب علة للحكم، وإن لم يكن متضمنا ~~للمعنى. # فإذا تقرر هذا، فكل معنى من معاني الأصل، أو صفة، مثل قولنا: # شدة مطربة، وطعم في جنس (1) ، وولادة، وتعصيب، وقرابة، وما أشبه ذلك. # أو حكما شرعيا، مثل قولنا: طهارة، وكفارة، ومن وجب في ماله زكاة الفطر، ~~وجبت زكاة المال، أو من وجب العشر في ماله، وجب نصف العشر، ومن صح طلاقه، ~~صح ظهاره، وما أشبه ذلك. # ولا فرق بين أن يكون بلفظ الإثبات، مثل قولنا: طهارة من حدث، فوجب أن ~~يكون في شرطها النية، وما افتقر بدله إلى النية، افتقر مبدله إلى النية، ~~كالعتق في الكفارات، وفيه شدة مطربة، فكان حراما كالخمر، ومن صح طلاقه صح ~~ظهاره، وما أشبه ذلك. # أو كان بلفظ النفي، مثل قولنا: ليس بماء، ولا يقع عليه اسم الماء المطلق، ~~فلا يجوز أن يتوضأ به، ms537 كسائر الأنبذة، وليس بتراب، ولا يقع عليه اسم ~~التراب، فلا يجوز التيمم به، قياسا على الدريرة (2) والخزف المدقوق، ~~والسدر، PageV04P1344 # والخطمي (1) والأشنان المطحون (2) . # وقد نص أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية الميموني: "لا يتوضأ بماء ~~الورد (3) ، هذا ليس بماء، وإنما يخرج من الورد". # وقال في رواية الميموني: "السهلاة والرماد ليس بصعيد، ويتيمم، ويصلي، ~~ويعيد" (4) . # فقد جعل النفي علة، وعلق الحكم عليه. # وكذلك قال في رواية أبي الحارث: "ليس في العنبر واللؤلؤ والمسك شىء، فإنه ~~ليس بركاز ولا معدن" (5) . # وكذلك ما لا تجب الزكاة في ذكوره، لا تجب في إناثه، كالبغال والحمير. ~~PageV04P1345 # ويجوز أن يجعل نفي الحكم علة لثبوت حكم آخر، وثبوت حكم علة لنفي حكم آخر، ~~فيوجد الإثبات من النفي، والنفي من الإثبات. # ويجوز أن يكون الإثبات في حالة علة النفي في حالة أخرى، كقولنا: معنى: ~~يفطر الصائم إذا تعمده، فلا يفطره إذا كان مغلوبا عليه، ولم يتعلق به ~~كفارة، كالقيء (1) . # والأصل في ذلك، ما ذكرناه من أن ما جاز أن يرد الشرع به نطقا، جاز أن ~~يكون مستنبطا. # ولأن ما دل الدليل على أنه أمارة من طريق الباري وشهادة الأصول، وجب أن ~~يحكم بصحته. # ولأن ما كان عقليا فجائز أن يجعله علة بلفظ النفي، كذلك الشرعي. ### | مسألة # [إثبات الأسماء بالقياس] # يجوز إثبات الأسماء بالقياس (2) ، فنسمي النبيذ خمرا، قياسا على الخمر، ~~ونسمي النباش سارقا، قياسا على السارق، ونسمي اللوطي زانيا، قياسا على ~~الزاني. # أومأ إليه أحمد -رحمه الله- في رواية الأثرم، وقد ذكر له حديث: (الخمر ما ~~خامر العقل) (3) "أي شىء يعني به؟ قال: ما غير العقل. PageV04P1346 # قيل له [206/ب] : كل نبيذ غير العقل فهو خمر؟ قال: نعم" (1) . # وبهذا قال أصحاب الشافعي (2) . # وقال أصحاب أبي حنيفة (3) ، وأكثر المتكلمين: (4) لا يثبت. ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (5) والاعتبار رد الشىء إلى ~~نظيره، PageV04P1347 # بضرب من الشبه. # ومنه قيل: اعتبر الدراهم. معناه: اجعل الصنجة في كفة، والدراهم في كفة ~~أخرى. # وقولهم: اعتبر (1) السلطان الخراج على غيره، عام أول. # وإذا كان هذا هو الاعتبار في ms538 إثبات الأحكام، كذلك في إثبات الأسماء. # وأيضا: فإن أهل اللغة قد استعملوا القياس في الأسماء عند وجود معنى ~~المسمى في غيره، وأجروا على الشىء اسم الشىء، إذا وجد بعض معناه فيه، فسموا ~~الرجل البليد حمارا، لوجود البله فيه. # ويقولون للرجل الشجاع: سبعا: لوجود الشدة فيه. ونظائر ذلك. # وعلى هذا ما روي عن عمر أنه قال: (الخمر ما خامر العقل) (2) . # وعن ابن عباس أنه قال: ( [كل] (3) مخمر خمر، وكل خمر حرام) (4) . # فإن قيل: هذه التسمية منهم مجاز. # قيل: قد ثبت عنهم أنهم فعلوا ذلك، فلا يضر أن يكون أحد الاسمين مجازا، ~~والآخر حقيقة. PageV04P1348 # على أنهم إنما سموا الأبله حمارا مجازا، لوجود بعض معانيه، فلما لم توجد ~~فيه كل معانيه كان مجازا. # وأما النبيذ، فتوجد فيه معاني الخمر كلها. # وكذلك اللواط، توجد فيه معاني الزنا كلها. # وكذلك النباش (1) . # فلهذا كان حقيقة. # فإن قيل: فالعرب قد منعت أن يسمى النبيذ خمرا. # ومنه قول [أبي] الأسود (2) : # فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها (3) # يعنى إن لم يكن النبيذ هو الخمر أو الخمر هو النبيذ، فإن النبيذ أخوها، ~~فنفى أن يكون النبيذ خمرا، وأثبت أنه أخوها. # قيل: هذا حجة لنا، لأن الشاعر توقف فيما ذكره، فلم يعلم هل النبيذ خمر أم ~~لا؟ فلما أشكل عليه الأمر قال: فإن لم يكن النبيذ خمرا، فإنه أخوها. ~~PageV04P1349 # فبطل أن يكون مانعا من الاسم. # ولأنهم سموا أعيانا شاهدوها إنسانا، وفرسا، وأسدا، وغير ذلك من الأعيان ~~المسماة بأسمائها، وقالوا: قائم، وقاعد، وآكل، وشارب، وواهب، وضارب، وحاضر، ~~وغائب، ثم انقرضت تلك الأعيان وانقرض الذين (1) . وضعوا الأسماء، وحدثت ~~أمثالها من الأعيان، فاتفق الناس على تسميتها بأسمائها. # ولا يجوز أن يكون ذلك إلا بالقياس عليها، لوجود معانيها فيها. # فإن قيل: إنما وضعوا هذه [207/أ] الأسماء لها، ولما يولد منها من ~~أمثالها. # ونعلم ذلك ضرورة. # قيل: هذا لم يسمع منهم، ولم ينقل عنهم أنهم نطقوا به، فلم يكن طريق تسمية ~~الأعيان الحادثة (2) ، إلا من طريق القياس. # ولا تصح دعوى العلم به ms539 ضرورة؛ لأنه لو كان كذلك، لشاركناهم في العلم به. ~~ولما لم نعلم ذلك ضرورة، بطل ما قالوه. # وأيضا: فإن كل فاعل مرفوع، وكل مفعول منصوب. ولم يسمع ذلك من أهل اللغة. ~~وإنما استدلوا باستقراء كلامهم ومخارجه على قصدهم، أنهم قصدوا بالنصب كونه ~~مفعولا، وبالرفع كونه فاعلا، وقاسوا ذلك على كل فاعل مفعول، لم يسمع من ~~العرب النطق به..0 # وكذلك صغروا الاسم الذي بني على ثلاثة أحرف، فقالوا (3) : فعيل، مثل: ~~جميل، وعديل، وما أشبه ذلك. # وأجمعوا على أن كل اسم بني على ثلاثة أحرف لم ينطقوا به، يكون تصغيره ~~PageV04P1350 # هكذا، قياسا على المسموع منه. فدل على جواز القياس. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) (1) . فلم يبق اسم يثبت بالقياس. # والجواب: أنه ليس فيه أنه علمه جميع ذلك نصا. # بل يجوز أن يكون علم البعض نصا، والبعض استنباطا وقياسا. # وعلى أن الآية اقتضت أنه علم آدم الأسماء كلها، وليس فيها أنه علمنا ذلك. # ونحن إنما نثبت الأسماء قياسا فيما بيننا. # ويجوز أن يكون آدم عرف ذلك نصا، وعرفناه قياسا. # واحتج: بأن ما من شىء إلا وله في اللغة اسم، فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر ~~من ناحية القياس، فيكون الاسمان مختلفين. كما لا يجوز أن يثبت للشىء حكم ~~بتوقيف، وحكم آخر بالقياس. # والجواب: أنه ليس يمتنع أن يكون للشىء الواحد اسمان مختلفان، أحدهما ثابت ~~بالنص، والآخر ثابت بالقياس، فإنه لا منافاة في ذلك، ولا تضاد. # ولا يشبه هذا الأحكام؛ لأن الشىء الواحد لا يجوز أن يكون له حكمان ~~متضادان. فلم يجز أن يجعل له حكم آخر بالقياس، وله حكم آخر يخالفه، ثابت ~~بالنص؛ لأن في ذلك نصا. # ألا ترى أنه يجوز للشىء الواحد أسماء مختلفة، كلها ثابتة بالتوقيف، ~~كالسيف، والخمر، وغير ذلك، ولا يجوز أن يكون للشىء الواحد أحكام مختلفة ~~ثابتة من جهة التوقيف والنص. # واحتج: بأنه لما لم يجز إثبات الاسم اللقب قياسا، كذلك الاسم المشتق. ~~PageV04P1351 # والجواب: أن الاسم اللقب ليس له معنى يوجد في غيره حتى يلحق ms540 به ويجري ~~عليه اسمه، والاسم المشتق له معنى، ويوجد في غيره، فجاز إجراء اسمه عليه. # واحتج: بأن القياس [207/ب] لا يثبت في اللغة إلا بأن يثبت أن أهل اللغة ~~وضعوها على المعاني، وأذنوا في القياس فيها. ولم يثبت واحد منها عنهم، فلم ~~يصح القياس. # والجواب: إن لم يثبت ذلك فيه، لم يصح القياس. وإنما يصح فيما ثبت أنهم ~~وضعوه على الشىء. وهذا كما نقول في الشرع: إن ما ثبت له موضوع على المعنى ~~يوجب القياس عليه. # فإن قيل: بأي طريق تثبت أنهم وضعوه على المعنى؟ # قيل: يعلم ذلك باستقراء كلامهم والاستدلال على مقاصدهم بمخارج كلامهم، ~~فإذا قيل رأينا الاسم أو الإعراب تابعا لمعنى على استقرار واطراد، استدللنا ~~على أنهم جعلوه تابعا له ومتعلقا به، كما يستدل على قصد صاحب الشريعة بمثل ~~ذلك. # وقد حكي عن سيبويه أنه قال: استقرأنا كلامهم، فوجدناهم يرفعون كل فاعل، ~~وينصبون كل مفعول. فدل ذلك على أنهم اعتبروا هذين المعنيين. وإذا وجدناهم ~~يقولون: فاعل من فعل، ومنفعل من أفعل. ويصيرون الاسم الثلاثي "تفعيل"، على ~~استقرار، من غير مخالفة، دلنا ذلك على قصدهم. # وكذلك إذا سموا عصير العنب إذا وجدت فيه الشدة خمرا. وإذا زالت لم يسموها ~~خمرا، وإن عادت الشدة المطربة في سموها بتلك، دلنا على أنهم جعلوا الاسم ~~تابعا لهذا المعنى، وسمينا النبيذ خمرا لوجوده. # وقولهم: "إنهم لم يأذنوا في القياس، على ما وضعوه على المعنى" فهو أن ~~وضعهم على المعنى إذن في القياس، لأنه لا فرق عندنا بين أن يقولوا: # PageV04P1352 # سميناه خمرا للشدة المطربة، وبين أن يقولوا: كل شديد مطرب خمر، وأحد ~~اللفظين قائم مقام الآخر. # ولأنه لو قال: سميناه خمرا لما فيه من الشدة الطربة، صارت الشدة المطربة ~~علامة ودلالة على كونه خمرا. فكل موضع وجدت هذه الدلالة، يجب أن يتبعها ~~الاسم. # ولأن تسميتهم لجميع ما حدث من الأعيان بأسامي أمثالها، دلالة على أن ~~القياس مأذون فيها. # واحتج: بأنهم لم يضعوها على القياس؛ لأنهم سموا الفرس الأبيض: أشهب، ولا ~~يسمون الحمار الأبيض: أشهب. ms541 وسموا الفرس الأسود: أدهم، ولا يسمون الحمار ~~الأسود: أدهم، فقد شاركه في معناه. # وكذلك الحموضة، إذا كانت في عصير العنب سموه خلا، وإذا وجدت في اللبن ~~وغيره لم يسموه خلا. # وقالوا للفرس: أبلق، لاجتماع اللونين، والآدمي أبيض، وللغراب أبقع، ~~وللجلد ملمعا. # والجواب: أنهم اعتبروا الجنس مع الصفة في ذلك. فكانت العلة ذات وصفين، ~~ولم يمكن القياس عليه؛ لعدم أحد الوصفين، وهو الجنس [208/أ] فتكون العلة ~~واحدة. # واحتج أبو سفيان (1) : # بأن الأسماء اللغوية طريقها اصطلاح أهل اللغة عليها. # ألا ترى أن إنسانا لو سمى الماء خبزا، والخبز ماء، والفرس حائطا، والحائط # فرسا، لم يصر ذلك اسما لما سماه في اللغة، بل كان منسوبا إلى الهذيان، ~~PageV04P1353 # ومتجاهلا عند أهل اللسان. فلم يكن للقياس حظ في إثبات الأسماء اللغوية. ~~والجواب: أنه إنما لم يجز القياس هاهنا؛ لأنه يخالف نص اللغة، فلهذا لم ~~يجز. # كما لم يجز القياس إذا خالف نص الكتاب والسنة. وليس كذلك فيما اختلفنا ~~فيه؛ لأن قياس اللغة يقتضيه فجاز، كما جاز في الشرع. # واحتج الجرجاني: # بأن الأخفش قال: الأسماء توجد توقيفا، وهم ينقلون هذا عن أهل اللغة. # والجواب: أن هذا يعارضه ما حكينا عن أهل اللغة من حمل الاسم على غيره إذا ~~وجد فيه معناه اعتبر ذلك. ### | مسألة # [ضوابط رد الفرع إلى الأصل] # لا يجوز رد الفرع إلى الأصل حتى تجمعهما علة معينة تقتضي إلحاقه به (1) . # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية [أحمد بن] (2) الحسين بن حسان: "إنما ~~يقاس الشىء على الشىء، إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال ~~وخالفه في حال فلا" (3) . PageV04P1354 # وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لا تعتبر في ذلك علة معينة. ويجوز ~~الاقتصار على ضرب من الشبه (1) . PageV04P1355 ### | دليلنا: # قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل) (1) . # وقال: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (2) . # وقال في تحريم الخمر (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) (3) . # فنص على علة الحكم في ذلك. # وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما منعتكم من ms542 أجل الدافة) . # وقال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) . # فنص على العلة. # وقال في بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا ~~إذا) . # وقال لابن مسعود حين أتاه بحجرين وروثة، فأخذهما وألقى الروثة وقال: ~~(إنها رجس) (4) . PageV04P1356 # فإن قيل: فلسنا نمنع المنصوص عليها. # قيل: إذا ثبت أن الله تعالى ورسوله نصا على العلة، وعلقا الحكم بها، ثبت ~~أن استنباطها، وتعليق الحكم بها شرط. PageV04P1357 # وأيضا: فإنه لو لم يفتقر الجمع بينهما إلى معنى معين يجمع بينهما، لما ~~افتقر إلى تفكر، وتأمل، واجتهاد؛ لأن العامي والعالم يشتركان في رد الفرع ~~إلى الأصل. # ولأنه لا خلاف أنه لايجمع بينهما بغير شبه. وإذا لم يكن بد من الشبه ~~بينهما، فهو الذي نقوله، فزال الخلاف. # واحتج المخالف: # بأن الصحابة ما اعتبرت في إيجاب الفرع بالأصل علة معينة، وإنما اعتبرنا ~~مجرد [208/ب] الشبه. # فقال أبو بكر: (أقول في الكلالة برأيي) . ولم يذكر معنى. # وقال عمر: (هذا ما أرى الله عمر) (1) . # وكتب إلى أبي موسى الأشعري: (قس الأمور بعضها ببعض) . ولم ينص له على ~~معنى. PageV04P1358 # والجواب: أنهم قد نصوا على علة معينة، وصرحوا بذلك. منه: قول عمر لأبي ~~بكر: (رضيك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا) ~~(1) . # ولما استشار عمر الصحابة في حد الشارب، قال علي: (إنه إذا شرب سكر، وإذا ~~سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحده حد المفتري) (2) . PageV04P1359 # وقال عبد الرحمن بن عوف لعمر بن الخطاب في التي أرسل إليها عمر، وقد ذكرت ~~عنده بسوء، فأجهضت ذا بطنها، (إنما أنت مؤدب، ولا شىء عليك) . # وقال علي: (إن اجتهدوا (1) فقد أخطأوا، وإن عمدوا فقد غشوك، عليك الدية) ~~. PageV04P1360 # فعبد الرحمن قال: (إنما أنت مؤدب) ، فرفع الضمان عنه لهذه العلة. # والقصص في هذا كثيرة. فثبت أنهم أجمعوا على اعتبار العلة. ### | مسألة # [القياس على ما ثبت بالقياس] # ما ثبت بالقياس، يجوز القياس عليه (1) ، مثل حمل الذرة على الأرز. ~~PageV04P1361 # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: "لا بأس ~~بدفع الثوب إلى من يعمله ms543 بالثلث والربع، كالمزارعة" (1) . # وقال في رواية المروذي: "لا يجوز بيع أرض السواد، ويجوز شراؤها كالمصاحف" ~~(2) . PageV04P1362 # فقد قاس الفرع على أصل مختلف فيه. # وهو قول الرازي (1) والجرجاني من أصحاب أبي حنيفة. وقول أصحاب الشافعي. # وذهب قوم إلى أنه لا يجوز القياس إلا أن يثبت حكم الأصل بدليل مقطوع عليه ~~من كتاب أو سنة أو إجماع. # وقال الكرخي: لا يجوز حمل الذرة على الأرز، ويكون حملهما جميعا على البر ~~أولى، وليس أن يحمل أحدهما على الآخر بأولى من حمل الآخر عليه لتساويهما في ~~أن حكمهما يعرف من جهة واحدة (2) . ### | ### | دليلنا: # # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) (3) . وهذا عام في جميع الأصول. # ولأن عمر قال لأبي بكر: (رضيك رسول الله لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا) ، ~~فاعتبر المعنى. PageV04P1363 # ولأن الحكم ثبت ابتداء في الشرع بدليل مقطوع عليه، ودليل غير مقطوع ~~[عليه] ، وطريقه غلبة الظن، وهو خبر الواحد، في أن استعمال القياس في ~~الموضع المقطوع عليه، وفيما طريقه غلبة الظن. # ولأن العلة تصير علة؛ لقيام الدلالة على صحتها، لا لوجودها في أصل متفق ~~عليه، بدلالة أن ما دل على صحتها لا يفرق بين عين دون عين، وإذا اعتبرت ~~العلة، فلا فرق بين حمل فرع على نظيره، وبين اعتبارهما جميعا [209/أ] ؛ لأن ~~ما ثبت بدليل، يجوز أن يجعل أصلا، يرد إليه غيره، وإن لم يكن ثابتا ~~بالاتفاق. # وقول الكرخي: إنهما تساويا في أن حكمهما يعرف من جهة واحدة، فهو صحيح. ~~وله أن يقيس كل واحد على صاحبه، كالأمرين إذا تساويا، فتساويهما لا يوجب ~~سقوطهما، وإنما يخير المجتهد فيهما. # فصل # [عدم اشتراط الاتفاق على تعليل الأصل] # ويجوز القياس على أصل بعلة، وإن لم يتفق على تعليله (1) ، مثل قياس ~~النبيذ على الخمر لعلة وجود الشدة المطربة (2) . # فإن أبا حنيفة يمنع من أن تكون الخمر معللة (3) ، ويقيس غير المأكول عليه ~~PageV04P1364 # في الربا (1) . # وهو ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في المسألة التي قبلها. # خلافا لما حكي عن بشر بن غياث في قوله: "إذا لم يكن الأصل منصوصا عليه، ~~أو مجمعا على ms544 تعليله، لم يجز قياس الفرع عليه" (2) . PageV04P1365 ### | ### | دليلنا # : # ما تقدم في التي قبلها من قوله تعالى: (فاعتبرو يا أولي الأبصار) (1) ، ~~وهذا عام في جميع الأصول. # ولأن طريق إثبات العلل، دلالة الأصول عليها، وقد توجد دلالتها في تعليل ~~أصل مجمع عليه، كما تدل على تعليله، مع الخلاف، فوجب اعتبار دلالة الأصول ~~عليها. # ولأنه لما أمكن استخراج المعنى فيه، ورد الفرع إليه، لم يعتبر بالاتفاق ~~فيه، كخبر PageV04P1366 # الواحد، متى أمكن أن يستفاد منه حكم، حمل عليه، وإن لم يتفق على قبوله. # واحتج المخالف: # بأن الأصول، لما كان فيها ما هو معلل، وفيها ما ليس بمعلل، وجب أن يكون ~~طريق (1) التفريق بينهما الإجماع الدال عليه، إذا لم يكن طريق إليه (2) غير ~~ذلك. # والجواب: أن الأصل هو تعليل الأصول. وإنما ترك تعليلها نادر، فصار الأصل ~~هو العام الظاهر، دون غيره (3) . # واحتج: بأنه لما لم يجز القياس على الصلوات الخمس؛ لكونها غير متفق على ~~تعليلها وعدم ورود النص بذلك فيها، كذلك كل ما هذه حاله. # والجواب: أن الصلوات إنما لم يجز القياس عليها، لحصول الإجماع على أن ذلك ~~لا يجوز. وقد عدم هذا المعنى في غيرها، فلم يجز أن يكون بمثابتها. # فصل # [جواز القياس فيما لم ينص على حكمه] # ويجوز القياس فيما لم ينص على حكمه، مثل قياسنا على تشبيهه بظهر الأم في ~~أنه ظهار (4) . PageV04P1367 # خلافا لبعض المتكلمين (1) أن القياس لا يجوز إلا فيما نص على حكمه في ~~الجملة، وقال: لو لم ينص الله تعالى على ميراث الأخ في الجملة، لم أجوز ~~إثبات مشاركته مع الجد بالمقايسة، ويكون حظ القياس في الإبانة عن تفصيله، ~~والكشف عن موضعه (2) . ### | دليلنا # [209/ب] : # أن القياس لما كان طريقا إلى معرفة الأحكام بخبر الواحد، لم يعتبر أن ~~يكون الحكم الذي ثبت في أحدهما منصوصا عليه في الجملة، كما لا يعتبر في ~~الآخر. # ولأن الصحابة قد تكلمت في مسائل من جهة القياس، وإن لم يكن منصوصا عليها ~~في الجملة. # واستدل عمر على إمامة أبي بكر بضرب من الاستدلال (3) ، وإن لم يكن ms545 ~~PageV04P1368 # ذلك منصوصا عليه، كذلك هاهنا. # وكذلك تكلموا في ### | مسألة # الحرام (1) ، والبتة، والخلية، والبرية (2) ، والتسوية والتفاضل في ~~العطاء (3) . # مسألة # [كل مقيس كل الأصل النصوص على علته مراد بالنص] # جميع ما يحكم به من جهة القياس على أصل منصوص عليه، فهو مراد بالنص الذي ~~أوجب الحكم في الأصل (4) . PageV04P1369 # خلافا لبعض المتكلمين في قولهم: لا يصح أن يحكم في جميع ذلك أنه مراد ~~بالنص (1) . ### | دليلنا: # أن ما يحكم به المجتهد من طريق الاجتهاد مراد منه، إذ لو لم يكن كذلك، لم ~~يكن مطيعا لله تعالى فيه. ولا خلاف أنه مطيع لله تعالى فيما يحكم به مما ~~يؤديه اجتهاده إليه. فإذا كان كذلك، وكان الحكم في الأصل المنصوص عليه ~~مرادا (2) بالنص، وجب أن يكون الحكم في الفرع مثله. # فإن قيل: فهذه العلة بعينها موجودة فيما يحكم به من طريق القياس على أصل ~~غير منصوص عليه؛ لأن المجتهد مطيع لله تعالى فيه، ومع ذلك فلا يحكم ~~PageV04P1370 # بأن ما حكم به مراد بالنص، كذلك هاهنا. # قيل: إنما وجب ذلك فيما ذكرت؛ لأنه لا نص (1) هنا يوجب الحكم في الأصل، ~~وإنما أوجب الحكم فيه بالإجماع، أو ما يجري مجراه من الأدلة، مثل فحوى ~~الخطاب كقوله عليه السلام في السمن الذي ماتت فيه الفأرة: (إن كان جامدا، ~~فألقوها وما حولها، وإن كان معائعا، فأهريقوه) ، وليست هذه سبيل الأصل ~~المنصوص عليه، لأن الحكم إنما وجب فيه بالنص الوارد به. # يبين صحة ذلك، أن الحكم المجمع عليه، إذا كان له ذكر في الكتاب أو في ~~السنة، صار الإجماع صادرا عن ذلك النص، وإن كان لو لم يكن له ذكر فيهما لم ~~يكن الإجماع صادرا عن نص، كذلك القياس، إذا كان على أصل منصوص عليه، صار ~~الحكم الذي حكم به من طريق القياس، مرادا بذلك النص. وإن لم يجب أن يكون ~~مرادا بالنص، لو لم يكن الأصل منصوصا عليه. # واحتج المخالف: # بأنه لما لم يجز أن يراد بالعبادة الواحدة، معنيين مختلفين في حالة ~~واحدة، وكان الحكم المحكوم به من طريق القياس ms546 مخالفا في المعنى لحكم الأصل ~~[210/أ] المنصوص عليه، كقياس الجص على البر، والزعفران والقطن على الذهب ~~والفضة، لم يجز أن يحكم بأنه مراد بالنص الموجب لحكم الأصل. # والجواب: أن المعنيين إذا كانا مختلفين، جعل النص كأن الله تعالى أمر به ~~في وقتين، فأراد به أحد المعنيين في وقت، والمعنى الآخر في الوقت الآخر. # كما قلنا في آية الصلاة: أنه أريد بها الفرض والنافلة، فقدرناها على هذا ~~الوجه. PageV04P1371 ### | مسألة # [طريق الإلحاق بالعلة المنصوص عليها] # إذا ورد النص بحكم شرعي معللا، وجب الحكم في غير المنصوص عليه، إذا وجدت ~~فيه العلة المذكورة في النص سواء ورد النص بذلك قبل ثبوت حكيم القياس أو ~~بعد ثبوته، مثل قوله: حرم الخمر لحموضته، وأبحت السكر لحلاوته (1) . # وإلى هذا أومأ أحمد -رحمه الله- في رواية الميموني فقال: "إذا كانت ~~الثمرة واحدة فلا يجوز رطب بيابس" واحتج بالرطب بالتمر لحديث النبي (2) . # فجعل أحمد -رحمه الله- العلة عامة في جميع ما توجد فيه تلك العلة. وبهذا ~~قال إبراهيم بن سيار (3) PageV04P1372 # [و] القاشاني (1) ، والنهريون (2) . PageV04P1373 # قال أبو سفيان: وإلى هذا كان يشير شيخنا أبو بكر، يعني الرازي في احتجاجه ~~بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما هو دم عرق، وليست الحيضة، فتوضئي ~~لكل صلاة) في إيجاب الوضوء من الرعاف ونحوه. ويجعله بمنزلة أمر النبي عليه ~~السلام بالوضوء من كل دم عرق (1) . # وكان يحكيه عن الكرخي (2) . ولم يفرق بين ورود النص بذلك قبل ثبوت حكم ~~القياس، أو بعد ثبوته. # وقال أبو سفيان: وذهب بعض شيوخنا (3) إلى أنه لا يجب أن يحكم فيما وجدت ~~فيه تلك العلة بحكم المنصوص عليه، قبل ثبوت حكم القياس. # واختار أبو سفيان ذلك (4) . PageV04P1374 # هو قول جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر (1) . # واختلف أصحاب الشافعي. فمنهم من قال مثل قولنا. # ومنهم من قال: لا يجب الحكم بذلك فيما وجدت فيه تلك العلة. وهو اختيار ~~الاسفراييني (2) . ### | دليلنا: # ان النص معلل، فوجب الحكم في غير المنصوص عليه إذا وجدت علته. # أصله: إذا ورد النص بعد ثبوت حكم القياس. # ولا يلزم عليه قوله ms547 تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ... ) (3) . # ولم يكن النص موجبا لحمل غيرها عليها مما ينهى (4) ؛ لأننا لو تركنا ~~وظاهر هذه الآية لقلنا: أي موضع وجدت هذه العلة، تعلق الحكم بها، لكن منع ~~منه [210/ب] الدليل في الموضع الذي لا يجب. # فإن قيل: إنما وجب الحمل هناك لأجل أنه أمر بالقياس، فإذا نص على العلة، ~~وجب القياس عليها، وهذا معدوم قبل ورود التعبد بالقياس. PageV04P1375 # قيل: لو كان الحمل هناك، كما ذكرت، لوجب أن يختص التعدي هناك بهذه العلة، ~~ولجاز أن يتعدى الحكم إلى غير السكر بعلة هو غير الحلاوة؛ لأن الأمر ~~بالقياس يعم هذه العلة وغيرها. ولما قالوا بأن التعدي يحصل بهذه العلة، دل ~~على أن التعدي كان لأجلها، لا لأجل الأمر بالقياس. # وأيضا: فإن قوله: "حرمت السكر" قد أفاد الحكم [و] قوله بعد هذا: "لأنه ~~حلو" إنما ذكره (1) لفائدة، وليس فائدته إلا القياس عليها. فلو قلنا: لا ~~يقاس عليها بطلت فائدتها، وهذا لايجوز. # فإن قيل: فائدتها بيان العلة التي ثبت الحكم لأجلها، ولو لم يذكر العلة ~~لكان يكون الحكم ثابتا بغير علة. # قيل: لو كان التعليل لا يفيد إلا إفادة النص أو الإجماع، كان وجوده ~~كعدمه، لا يفيد فائدة، فوجب تعديته لتحصل الفائدة. # فإن قيل: فائدته (2) علمنا بالوجه الذي لأجله صار الفعل مصلحة للمكلف، ~~وإن لم يجب حمل غيره عليه إذا شاركه في العلة. # قيل: فلا فائدة في معرفة ذلك إذا لم يتعد إلى غيره؛ لأنا قد استفدنا ~~الحكم بالنص، وإنما يستفيد المكلف معرفة الوجه بالمصلحة ليعمل عليه، فإذا ~~كان مقصورا لم يفد؛ لأن ذلك مستفاد بالنص، وهذه طريقة أجود شىء في المسألة. # وأيضا: فإن العلة وضعت للحكم تنبيها على غيره من الأحكام، كالنهي عن ~~الأدنى، تنبيها على المنع من الأعلى، نحو قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) ~~(3) ، كان فيه تنبيه على المنع من الضرب، ونحو ما يجب أن يكون ذكر العلة ها ~~هنا تنبيها على نظيره قبل ورود التعبد بالقياس وبعده، كما قلنا ذلك ~~PageV04P1376 # في لفظ التنبيه. # فإن قيل: ms548 لا نسلم أن العلة وضعت للتنبيه على غيرها من الأحكام. # قيل: لا خلاف أنها بعد ورود التعبد بالقياس [تكون] تنبيها على غيرها، ~~فيجب أن تكون قبله تنبيها كالتنبيه باللفظ. # فإن قيل: إنما كان النهي عن التأفيف موجبا لما ذكرت؛ لأن هذه اللفظة ~~موضوعة في اللغة لذلك، فليست هذه حال التعليل؛ لأن تعليل الحكم غير موضوع ~~في اللغة يحمل غيره عليه. # قيل: بل هو موضوع يحمل غيره عليه بدليل بعد ورود التعبد بالقياس. # واحتج [211/أ] المخالف: # بأن هذه الشرعيات، إنما حسن التعبد بها، لما فيه من المصلحة الداعية، وقد ~~بين الله تعالى ونبه على ذلك بقوله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) . ~~فإذا كان كذلك، وكان ما يدعو إلى فعل الشىء قد لا يدعو إلى فعل أمثاله، ~~بدلالة أن العاقل إذا أكل شيئا لأنه حلو، لم يأكل جميع ما يشاركه في ~~الحلاوة في تلك الساعة. فلا يمنع أيضا أن يكون الحكم المنصوص عليه مصلحة ~~للمكلف، ولا يكون ما شاركه في تلك العلة مصلحة له. # والجواب: أن حسن التعبد لا يقف عندنا على ما فيه وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وعلى أن العلة هاهنا موجودة ممن هو عالم بالمصالح، فوجب تقديمها لوجود ~~المصلحة فيها. # واحتج: بأن مجرد الوصف لا يدل على شىء. ألا ترى أن الحلاوة كانت موجودة ~~في السكر قبل (1) أن ينص على تحريمه، ولم تكن دلالة على التحريم. ~~PageV04P1377 # فلما نص على تحريمه، وذكر العلة، فقد ذكر علة خاصة تقتضي ثبوت الحكم في ~~الأصل المذكور وتعلقه به. وقد تكون العلة خاصة فيه، وقد تكون علة فيه وفي ~~غيره، فلم يكف مجرد ذكرها في وجوب رد غيرها إليها، بل احتيج في ذلك إلى ~~دليل. # والجواب: أن هذا باطل بجميع العلل الشرعية، فإن أوصافها كانت موجودة قبل ~~التعبد بالقياس، ولا يتعلق بها حكم، وبعد التعبد بالقياس تعلق بها الحكم، ~~كذلك هاهنا لما ورد النص بها وجب أن يتعلق الحكم بها وإن لم يتعلق بها قبل ~~ذلك. # وقولهم: إن العلة قد تكون خاصة، فوجب ms549 التوقف حتى يدل الدليل على التعدي، ~~فلا نسلمه؛ لأنه ليس عندنا علة مقصورة غير متعدية. # وهذا أصل، يأتي الكلام عليه إن شاء الله. # واحتج: بأنه لا يجوز أن يقول: حرمت السكر لحلاوته، وأحللت غيره مما (1) ~~توجد فيه الحلاوة، فلا يكون ذلك تناقضا. فلو كان النص على العلة يوجب أن ~~يكون كل ما يوجد فيه مشاركا، لما جاز أن ينص على ثبوت الحكم في بعض ما يوجد ~~فيه العلة، وعلى ضده في بعضها، بل يكون ذلك ضربا من المناقضة. # فلما جاز هذا، ثبت؛ لأن مجرد النص على العلة والحكم لا يوجب إلحاق الغير ~~به إلا بدليل. # والجواب، أنا لا نسلم هذا، وهذا على أصلنا ظاهر. و (2) أن تخصيص العلة لا ~~يجوز، وفي هذا تخصيص لها. PageV04P1378 # وفي الجملة يجوز أن تكون أحكام صاحب الشرع متناقضة (1) . فأما تعليله فلا ~~يجوز أن يتناقض. # واحتج: بأن الاعتبار باللفظ دون [211/ب] المعنى. بدليل أنه لو حلف فقال: ~~"والله لا أكلت السكر لأنه حلو"، لم يحنث بأكل ما عداه. # كذلك ألفاظ صاحب الشريعة. # والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: # أحدهما: أن صاحب الشريعة لا تجوز عليه المناقضة، وغيره تجوز عليه ~~المناقضة. # والثاني: أن صاحب الشريعة قد أمر بالقياس، فإذا نص على العلة وجب القياس ~~عليها، وغيره لم يأمر بذلك. فلو قال لنا قائل: "قيسوا كلامي بعضه على بعض"، ~~ثم قال: "لا أكلت السكر لأنه حلو"، شركه فيه كل حلو. ### | مسألة # [العلة القاصرة] # العلة الشرعية إذا كانت مقصورة على موضع الوفاق لم تكن صحيحة وكان وجودها ~~كعدمها (2) . PageV04P1379 # وهو قول أصحاب أبي حنيفة (1) . # وقال أصحاب الشافعي: هي علة صحيحة كعلة الذهب والفضة (2) . العلة في ~~تحريم التفاضل فهما عندهم كونها قيم المتلفات فلا تتعدى (3) . ### | دليلنا: # أن المتفق على حكمه إنما يجب لأعيانه التي تقاس عليه؛ لأن PageV04P1380 # الأصل قد استغنى بدخوله تحت الإجماع عن التعليل. ألا ترى أن جميع الأحكام ~~لو كانت مجمعا عليها، أو منصوصا عليها لم يحتج مع ذلك إلى القياس. # فإذا كان التعليل بما لا يتعدى الأصل لا ms550 يفيد إلا ما أفاده النص أو ~~الإجماع وجب أن يكون وجوده وعدمه سواء. # وقد يعبر عن هذا بعبارة أخرى، فيقال: الأصل معلوم من طريق القطع، فتعليله ~~بما لا يتعدى لا يستفاد به معرفة الأصل؛ لامتناع أن يعلم بما طريقه غلبة ~~الظن، الأمر الذي علم من جهة القطع، وصار كمن قاس القياس الشرعي في الأمور ~~العقلية التي طريقها العلم، أو طلب أخبار آحاد، ليعلم بها ما علم من طريق ~~القطع. وإذا بطل أن يعلم بها حكم الأصل، ولم يجز أن نعرف بها حكم فرع آخر، ~~سقط اعتبارها. # فإن قيل: هذا يبطل بالعلة العقلية والعلة النصوص (1) عليها، فإنها صحيحة ~~وإن كانت مقصورة واستغنى الأصل عنها، فإن العلة العقلية يجوز أن تكون ~~مقصورة، وهو قوله: "لا تسلك طريقا تهلك فيه إلا أن يكون لك فيه نفع في ~~الآخرة، كالأمر بالمعروف"، والعامة نحو قوله في الظلم: "لا يجوز لكونه ~~قبيحا" فهذه عامة في كل قبيح. # وكذلك العلة المنصوص عليها، يجوز أن تكون مقصورة، وهو أن يقول الله تعالى ~~أو رسوله: حرمت التفاضل في الدراهم والدنانير لأنها قيم [212/أ] الأشياء. # قيل: لا يبطل ما ذكرنا. وذلك أن العلة العقلية يستفاد الموجب بها منها. # وهذا المعنى يحصل بالمتعدية (2) وغيرها، فكان لطلب كل واحد من الأمرين ~~PageV04P1381 # فائدة. # فأما الشرعيات فهي علامات، ومعلوم أنها ليست بعلامة لمعرفة حكم الأصل، ~~وإنما علامتها السمع الوارد. فإذا لم يعلم منها فائدة كانت كعدمها. # أما العلة المنصوص عليها، فإنه يحمل الأمر فيها على أنها بيان لعلة ~~المصلحة التي لأجلها أبيح أو حظر. وعلل المصالح لا تعلم بالاستخراج، وإنما ~~تعلم بالتوقيف، وكلامنا في العلة التي تستخرج من علل الأحكام، وليست ~~بمتعدية. # وجواب آخر، وهو: أن قول أصحاب الشريعة يوجب هذا المعنى، فيحصل (1) ~~بالمتعدية (2) وغيرها، تجرى مجرى العلة العقلية، وهذا المعنى معدوم في ~~تعليلنا. # فإن قيل: فيها فائدة، وإن كانت مقصورة، و [هي] أن يعلم معنى الحكم (3) ، ~~وأنه ليس مما استأثر الله بعلمه. # قيل: لا فائدة في معرفة معنى الحكم إذا لم يتعد إلى ms551 غيره، لأنه لا يفيد ~~إلا ما أفاده النص. وقد بينا هذا في التي قبلها. # فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن نعلم علة المصلحة به. # قيل: علة المصالح لا طريق إلى معرفتها، إلا من جهة التوقيف. ألا ترى أن ~~موسى عليه السلام، أنكر ما حصل من صاحبه من خرق السفينة، وقتل الغلام، ~~وإقامة الحائط الذي أراد أن ينقض، ولم يعرف وجه المصلحة في ذلك حتى # وقف عليه، فلم يكن للتعليل حظ في معرفة علة المصلحة. # وعلى أن الأصل إنما يعلل لطلب علة الحكم دون علة المصلحة؛ لأن علة ~~PageV04P1382 # الحكم فيما يكون عليه الأصل من الأوصاف، وعلة المصلحة إنما هي في ~~المعبدين # دون الحكم، من حيث إن الله تعالى قد علم أنه لو لم يتعبد المكلف بما ~~يتعبده به فسد، فكانت مصلحته في التعبد. # فإن قيل: فيه فائدة أخرى، وهو أن يمنع رد غير المنصوص عليه إلى المنصوص ~~عليه، ويعلم أن الحكم مقصور عليه لا يتعداه. # ويفيد أن الحكم ثبت في المنصوص عليه لهذه العلة. فربما حدث ما يوجد فيه ~~تلك العلة فيقاس عليه. # قيل: الشرع ورد في تعليل الأصول ليقاس عليها، لا للمنع من القياس، فلم ~~يصح أن يقال: إن الفائدة منع رد غير المنصوص علمه إلى المنصوص عليه. # فإن قيل: إنما يعلم أن العلة متعدية أو مقصورة بعد استنباطها، وثبوتها، ~~وصحتها. وقبل [212/ب] ذلك لا يعلم. والخلاف في صحتها في الأصل. # وهل يجوز استنباطها وجعلها (1) علة، فكيف يجوز أن يستدل على جواز ~~استنباطها وجعلها علة، ما لم تثبت بعد استنباطها وثبوتها؟! # قيل: يجوز أن يطلق على العلة الفساد قبل استنباطها، للعلم بفسادها من جهة ~~الشرع، كما يطلق الصحة [عليها] قبل استنباطها، وكما يطلق عليها الفساد قبل ~~استنباطها لعدم الوصف أو الأصل، كذلك هاهنا. # فإن قيل: لا يمتنع أن تكون علة صحيحة، وإن كانت [دالة] على ما دل عليه ~~النص. كما أن خبر الواحد يكون دالا على ما دل عليه نص القرآن، ويكون صحيحا. # قيل: نص القرآن وخبر الواحد، كل ms552 واحد منهما يدل على نفس الحكم، وما ~~اختلفنا فيه يدل على علته، وعلة الحكم من شأنها أن تكون متعدية مفيدة. # بدليل علة الربا، النص ورد على ستة أشياء، فلما طلبنا علة الحكم وجب ~~تعديها، PageV04P1383 # فالمخالف يعديها إلى كل مطعوم. ونحن نعديها إلى كل مكيل. كذلك هاهنا. # ولهذا رجحوا علتهم بأنها أعم فروعا. # وجواب آخر، وهو: أن الآية مع الآية، والخبر مع الخبر، كل واحد منهما دليل ~~مقطوع عليه، بدليل أنه لا يسقط أحد الأجناس. فجاز أن يكون كل واحد منهما ~~دليلا مع الآخر. والقياس مع الخبر بخلاف ذلك؛ لأنه غير مقطوع عليه؛ لأنه ~~يسقط مع الخبر، فلم يكن حجة معه. # يبين صحة هذا: أنه لو أقر، ثم أقر، ثبت الحق بهما جميعا، إلا أنهما سواء ~~في المدعي (1) ، والبينة لم تسمع؛ لأن الاقرار مقطوع به، والبينة غلبة ~~الظن، كذلك هاهنا. # واحتج المخالف: # بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة، كالنص، يكون عاما # كقوله: (اقتلوا المشركين) ، ويكون خاصا كقوله: "اقتلوا المرتد". # والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص؛ لأنه يفيد في الموضعين ~~جميعا إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه. وليس كذلك في مسألتنا، فإنها ~~تفيد في العموم، ولا تفيد في الخصوص من الوجه الذى بينا. # واحتج: بأن كل معنى يجوز أن يكون منطوقا به، جاز أن يكون مستنبطا كالعلة ~~المتعدية. # وبيانه: أن صاحب الشرع لو نص على العلة المقصورة جاز، كذلك المستنبطة. ~~والجواب عن العلة المنصوص عليها ما ذكرنا، وهو أنها أفادت علة المصلحة، ~~وذلك لا يعلم بالاستخراج، وإنما يعلم بالتوقيف. # وكلامنا في العلل التي تستخرج من الأحكام. [213/أ] . PageV04P1384 # واحتج: بأن العلة الشرعية أوسع من العقلية؛ لأن الشرعية يوجد الحكم ~~بوجودها وليس من شرطها أن يعدم بعدمها. والعقلية تحتاج أن يوجد الحكم ~~بوجودها ويعدم بعدمها. فلما ثبت أن العلة العقلية يجوز أن تكون متعدية، ~~وتكون مقصورة، فالشرعية أولى. # والجواب عنه تقدم، وهو أن العلة العقلية يستفاد الحكم الموجب بها منها. # وهذا يحصل بالمتعدي منها وغيره. # والشرعيات علامات، والمقصورة ليست ms553 بعلامة لمعرفة حكم الأصل. وإنما ~~علامتها السمع، فإذا لم تعلم بها فائدة كانت كعدمها. # واحتج: بأن القياس (1) اختلفوا في الدليل على صحة العلة: # فقال بعضهم: سلامتها على الأصول. # وقال بعضهم: التأثير والملاءمة. # وكل دليل ذكرته طائفة، فهو موجود في العلة المقصورة. # والجواب: أن أحد الأدلة على صحتها، كونها مفيدة، وذلك معدوم هاهنا (2) . ~~PageV04P1385 ### | مسألة # [تخصيص العلة الشرعية] # لا يجوز تخصيص العلة الشرعية (1) . وتخصيصها نقضها (2) . # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان "القياس: أن ~~يقاس على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله. فأما إذا أشبهه في حال، وخالفه ~~في حال، فهذا خطأ" (3) . PageV04P1386 # وهذا الكلام يمنع تخصيصها عنده. # وذكر أبو إسحاق (1) في جزء وقع إلي من شرح الخرقي فقال: أصحابنا على ~~وجهين: # منهم من يرى تخصيص العلة. # ومنهم من لا يرى ذلك (2) . # وقد ذكر أبو الحسن الجزري (3) في جزء فيه مسائل من الأصول قال: لا يجوز ~~تخصيصها. # وهو قول الشافعي (4) ، وجماعة من المتكلمين (5) . PageV04P1387 # وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز تخصيصها (1) . # وحكي ذلك عن مالك (2) . # وقال أحمد -رحمه الله- في القياس: يقتضي أن لا يجوز شري أرض السواد؛ لأنه ~~لا يجوز بيعها (3) ليس بموجب لتخصيص العلة، لأن تخصيص العلة ما منع من ~~جريانها في حكم خاص. # وما ذكره أحمد -رحمه الله- إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم ~~العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر. ### | دليلنا: # أن هذه علة يجب وجود الحكم بوجودها. فوجب أن يكون تخصيصها PageV04P1388 # نقضا لها، قياسا على العلة العقلية. مثل الحركة والسكون، والقدرة والعجز ~~والسواد والبياض، وغير ذلك مما هو علة في العقل للحكم الذي موجبه المحل ~~الذي توجد فيه، فإن تخصيصها [213/ب] يكون نقضا لها. # كذلك العلة الشرعية. # فإن قيل: العلة العقلية موجبة لما توجبه بنفسها. ألا ترى أنه لا يجوز ~~وجودها في وقت من الأوقات غير موجبة لما توجبه. والشرعية أمارة للحكم ~~بدلالة وجودها قبل الشرع، من غير أن يتعلق بها حكم. # قالوا: يبين صحة هذا: أنه يجوز أن ينص الله تعالى على أن العلة ms554 الشرعية ~~هي علة للحكم في موضع دون موضع، ولا يجوز أن ينص على أن العلة العقلية [هي ~~علة] لما توجبه في بعض المواضع دون بعض. # قيل: الشرعية بعد جعلها علة، قد صارت بمنزلة العقلية في اقتضائها للحكم ~~وإيجابها له، ووجوب وجوده بوجودها، وكونها موجبة في زمان دون زمان لا يدل ~~على كونها علة في مكان دون مكان؛ لأنه يجوز أن لا تكون علة ثم تصير (1) ~~علة، فلا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون علة في مثله؛ لأن وجودها مع ~~زوال الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة تخص ذلك الموضع ~~الذي هي علة فيه، فبان الفرق بين الزمانين والمكانين. # وقد قيل في جواب هذا: إن العلة العقلية سبب كونها علة العقل، وذلك السبب ~~يوجد على الاتصال في جميع الأوقات، فلا يخرج عن كونها علة مع وجود سببها. # والعلة الشرعية سببها الشرع. وذلك السبب يختص ببعض الأوقات دون بعض فكانت ~~علة في بعض الأزمنة دون بعض. PageV04P1389 # ونحن إنما اعتبرنا إحداهما بالأخرى، مع وجود سببها، وهما متساويان في هذه ~~الحالة، وإن اختلفا في غيرها. # واعترض المخالف على هذا وقال: العلل العقلية لم تصر عللا بالعقل، وإنما ~~هي علل بأنفسها. # ألا ترى أنها قد كانت عللا، وإن لم يكن هناك ذو عقل. # وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يصح وجود العلة العقلية قبل وجود العقل، لأنها به ~~صارت عامة. وإنما يصح وجودها مع عدم ذي عقل؛ لأن ذلك ليس بعلة لها، وإنما ~~علتها (1) العقل، وهو موجود. # فإن قيل: العلل الشرعية، لما لم تكن موجبة لهذه الأحكام قبل ورود الشرع ~~لم يجز أن يرد الشرع بكونها موجبة. والعلل العقلية لما كانت موجبة لم يجز ~~أن يرد الشرع بكونها غير موجبة. # قيل: لما كانت هذه العلل قبل ورود الشرع غير أمارات للأحكام، ثم لم يمتنع ~~أن يرد الشرع بكونها أمارات [214/أ] لم يمتنع أيضا أن تكون غير موجبة قبل ~~الشرع ثم يرد الشرع بكونها موجبة لما تعلق بها من الأحكام. # وقد ms555 قيل: إن القول بتخصيص العلة يقتضي سد باب الاستدلال على صحة العلة. ~~فإنه لا تثبت العلة إلا بأمارة تدل على صحتها فإن وجد الحكم لوجودها، دلت ~~الأمارة على صحتها. وإن لم يوجد الحكم لوجودها لم تكن تلك الأمارة دلالة ~~على صحتها، فتكون علة تارة، ولا تكون علة أخرى، وتكون بعض العلة، فيجب ضم ~~وصف آخر إليها حتى لا تنتقض. # فثبت أنها لم تكن علة مع عدم الوصف الزائد. # وقد قيل في المسألة: إن تخصيص العلة يؤدي إلى تكافئ الأدلة؛ لأن من ~~PageV04P1390 # قال: يحل شرب النبيذ، لأنه مائع يشتهى (1) شربه، فوجب أن يكون حلالا، ~~كالماء وسائر الأشربة، وقال: قام الدليل في الخمر فخصصها، لم ينفصل ممن ~~قال: إنه مائع يشتهى (2) شربه فوجب أن يكون حراما كالخمر. # وقد قام الدليل على الماء وسائر الأشربة فخصصها. # وهذه الطريقة أصح، إذا لم يكن المعلل دل على صحة علته. # فأما إذا دل على صحة علته بالتأثير لم يصبح القلب؛ لأن التأثير لا يوجب ~~العلة في الحكمين جميعا، ولا يجوز أن يؤثر إلا في أحدهما. # وقيل أيضا: بأنه لو جاز تخصيص العلة لم يوجد في شىء من العلل مناقضة؛ لأن ~~كل واحد من أوصاف علته مع ارتفاع حكمها يمكنه أن يخصصها. # ولا يلزم النقض أبدا، إذ في اتفاقنا على أن من العلل الشرعية ما يتوجه ~~عليها النقض دليل على امتناع جواز تخصيص العلة. # وهذا لا يلزم المخالف؛ لأنه يقول: جواز تخصيص العلة بشرائط وهى: # أن يكون مدلولا على صحتها في الأصل. # ولا تكون مدعاة. # وأن يكون الموضع الذي خص العلة فيه من المواضع التي دلت الدلالة على ~~تخصيص هذه العلة منها. # ومتى أخل المستدل بشىء من هذه الشرائط، ثم أوجد العلة بجميع أوصافها مع ~~عدم الحكم، كان دليلا على نقضها (3) . # ولأنه لا يخلو إما أن يجب إجراء العلة في الفروع لنفسها أو بدليله. فإن ~~PageV04P1391 # وجب إجراء الحكم بها لنفسها، لم يجز تخصيصها، لأن نفسها موجودة فيما ~~امتنعت من الحكم بها فيه. # وإن احتاج إلى دليل في ms556 تعليق الحكم بها في كل فرع استغنى عن العلة، وصار ~~الدليل على الحكم في كل فرع دليلا على الحكم في العلة. # واحتج [214/ب] المخالف: # بقوله تعالى: (إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه) (1) . # قالوا: وكيف يأخذ أحدهم مكانه، وأبوه أيضا شيخ كبير، لولا جواز القول ~~بتخصيص العلة. # والجواب: أن مضمونه أن أباه يخاف عليه؛ لأنه مأخوذ في جناية، وهو إذا أخذ ~~أخوه لم يكن خائفا (2) . # واحتج: بأن العلل الشرعية أمارة على الأحكام، وليست بموجبة لها. ألا ترى ~~أنها كانت موجودة قبل الشرع غير موجبة. # وإذا جاز أن تكون أمارة في حال دون حال، جاز أن تكون أمارة في موضع دون ~~موضع. # والجواب عنه تقدم، وهو أنه يجوز أن لا تكون علة، وتصير علة. # ولا يجوز أن تكون علة في مكان ولا تكون في مثله؛ لأن وجودها مع زوال ~~الحكم يدل على أنه نقض للعلة، وأنها مقيدة بصفة زائدة تختص ذلك الموضع الذي ~~هي علة (3) فيه. فبان الفرق بين الزمانين والمكانين. # واحتج: بأن هذه العلل، لما كانت أمارات الأحكام، وجب أن يجوز ~~PageV04P1392 # تخصيصها، كما يجوز في أسماء العموم. لما كانت الأسماء أمارات لما علق بها ~~من الأحكام جاز تخصيصها. # يبين صحة هذا: أن العموم في الأسماء آكد حالا وأعلا مرتبة من العلة؛ لأن ~~رد العموم يوجب التكفير، ورد العلة المقتضية لا يوجب ذلك. # فإذا جاز تخصيص العموم، فلأن يجوز تخصيص العلة التي هي دونه في الرتبة ~~أولى. # والجواب: أن تخصيصه لا يسقط دلالته، ولا يسقط شرطه؛ لأنه إنما كان دليلا ~~على الحكم لكونه قولا لمن تجب طاعته، فإذا خص منه شىء كان ما يتناوله اللفظ ~~مما عداه داخلا في اللفظ. فوجب إثبات حكم اللفظ فيه، وليس كذلك في مسألتنا. ~~فإنه إذا وجدناها مع عدم الحكم تبينا أنها ليست كمال العلة، وأن الحكم ليس ~~بتابع لها وإنما هو تابع لها تبع زيادة صفة يجب إضافتها إليها. # واحتج: بأن العلة المنصوص عليها، وهي علة صاحب الشرع يجوز تخصيصها كذلك ~~المستنبطة. # والجواب: أن ms557 العلة المنصوص عليها لا يجوز تخصيصها. # وإذا وجدناها مع عدم الحكم، تبينا أنها بعض العلة، وأن الله تعالى نص على ~~بعض العلة، ووكل الباقي إلى اجتهاد أهل العلم. # وإذا كان كذلك، لم يكن بين المنصوص عليها وبين المستنبطة فرق. # وقد قيل: يجب أن تكون منتقضة، ولا يقدح ذلك فيها؛ لأن الدليل على صحتها ~~كونها منصوصا [215/أ] عليها، وذلك موجود. # واحتج: بأنه يجوز أن يوجد الحكم بوجود العلة، ثم تزول هذه العلة والحكم ~~باق بدليل آخر وعلة أخرى. فإذا صح أن يبقى الحكم ولا هذه العلة، صح أن توجد ~~هذه العلة ولا حكم. # والجواب: أنه إذا وجد الحكم ولا علة لم يمنع أن يجري، دليل صحة العلة # PageV04P1393 # على معلولها. فلهذا صح أن يوجد الحكم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا ~~العلة ولا حكم، منع أن يجري هاهنا؛ لأنا إذا وجدنا العلة ولا حكم، منع أن ~~يجري دليل صحة العلة في معلولاتها. ولأنه إذا وجد الحكم ولا علة لم يفض إلى ~~تكافؤ الأدلة، وإيجاب الحكم وضده بعلة واحدة في مسألتنا يفضي إلى ذلك، فبان ~~الفرق بينهما. # فإن قيل: أليس قد قال أحمد -رحمه الله- في رواية المروذي، وقد قيل: "كيف ~~تشتري ممن لا يملك (1) ؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان". # واحتج: بأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخصوا في شري ~~المصاحف، وكرهوا بيعها (2) . وهذا يدل على تخصيص العلة. # قيل: تخصيص العلة ما يمنع من جريانها في حكم خاص. # وما ذكره أحمد -رحمه الله- إنما هو اعتراض النص على قياس الأصول في الحكم ~~العام، وقد يترك قياس الأصول للخبر (3) . # ولأنهم قد يعدلون في الاستحسان عن قياس، فامتنع أن يكون معناه تخصيصا (4) ~~بدليل. PageV04P1394 # فصل # [الطرد شرط في صحة العلة] # وهذا الكلام في الطرد وأنه شرط في صحة العلة (1) . # فأما العكس فليس بشرط في صحة العلة. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية ابن القاسم (2) ، وسندي: "رطل حديد ~~برطلين، لا يجوز، قياسا على الذهب والفضة" (3) . # فقد اعتبر الطرد وإن لم ينعكس؛ لأن علتها ما لا ms558 يوزن، ومع هذا قد يجري ~~فيه الربا في المكيلات. # وإنما كان كذلك؛ لأن العلة إذا صحت بما تقدم ذكره من لفظ صاحب ~~PageV04P1395 # الشريعة، نصا وظاهرا وتنبيها، ومن التأثير وشهادة الأصول، جاز أن تجتمع ~~علتان في حكم، فتزول إحداهما، ويبقى الحكم ببقاء العلة الأخرى، كالمحرمة ~~إذا حاضت حرم وطؤها لحيضها ولإحرامها، فإذا طهرت من حيضها واغتسلت (1) لم ~~يحل وطؤها لبقاء إحرامها. # وقد تخلف العلة العلة فيبقى الحكم بالعلة التي خلفتها، كالنكاح يزول ~~وتخلفه العدة، فتمنعها العدة من عقد النكاح كما منعها النكاح. # وكذلك الردة علة لإباحة الدم، والزنا مع [215/ب] الإحصان، فإذا اجتمعا ~~تعلقت الإباحة بهما، وإذا أسلم من الردة لم تزل الإباحة للزنا. # فإذا كان كذلك، دل على أن ليس من شرط العلة العكس، هذا إذا كان التعليل ~~لغير الجنس. # فأما إذا كان التعليل للجنس وجب أن تنعكس؛ لأن تعليل جنس الحكم يقتضي حصر ~~الجنس، ويجري مجرى الحدود، فإذا لم ينعكس لم يكن حاصرا للجنس، ولم يكن علة ~~له. # ألا ترى أنه إذا قال: الردة علة لجنس إباحة الدم لم يصح؛ لأن الزنا مع ~~الإحصان يبيحه، وقتل النفس بغير النفس يبيحه. فلا تكون الردة علة لجنس ~~إباحة الدم، لأنها لا توجب نوعين من الإباحة اللذين يوجبهما الزنا والقتل. # ومتى كانت العلة للجنس أوجب جميع أنواع ذلك الجنس، فانعكست، ألا ترى إذا ~~قلت: البلوغ والعقل علة لجنس التكليف انعكست. PageV04P1396 ### | مسألة # [القياس على المخصوص من جملة القياس] # المخصوص من جملة القياس يقاس عليه، ويقاس على غيره (1) . # أما القياس عليه، فإن أحمد -رحمه الله- قال في رواية ابن منصور: "إذا نذر ~~أن يذبح نفسه، يفدي نفسه بذبح كبش" (2) . # فقاس من نذر ذبح نفسه على من نذر ذبح ولده. وإن كان ذلك مخصوصا من جملة ~~القياس، وإنما ثبت بقول ابن عباس (3) . PageV04P1397 # وأما قياسه على غيره، فإن أحمد -رحمه الله- قال في رواية المروذى: "يجوز ~~شري أرض السواد، ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف اشتري ممن لا يملك؟! فقال: ~~القياس: كما تقول، ولكن استحسان" (1) . # واحتج بأن أصحاب ms559 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخصوا في شري المصاحف، ~~وكرهوا بيعها. # وهذا يشبه ذلك (2) . # فقد قاس مخصوصا من جملة القياس على مخصوص من جملة القياس. # وبهذا قال أصحاب الشافعي (3) . # وقال أصحاب أبي حنيفة: المخصوص من جملة القياس لا يقاس على غيره. # ولا يقاس غيره عليه، إلا أن يكون معللا أو مجمعا على جواز القياس عليه ~~(4) . PageV04P1398 # أما المعلل كقوله عليه السلام في الهر (1) : (إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات) (2) . # فقاسوا عليه كل ما وجدت فيه هذه العلة من ساكني البيوت، مثل الفأرة، ~~والحية، ونحو ذلك. PageV04P1399 # وأما المجمع على جواز القياس عليه، فمثل التحالف (1) في الإجارة عند ~~الاختلاف على إثباته في التبايعات (2) ؛ لاتفاق الناس الذين أوجبوا التحالف ~~(3) في البيع أن حكم الإجارة حكم البيع (4) . # وما عدا ذلك لا يجوز القياس عليه، ولا قياسه على غيره. # مثل إيجاب الوضوء من [216/أ] القهقهة في الصلاة، فلا تقاس عليه القهقهة ~~في صلاة الجنازة، وفي سجود التلاوة؛ لأن الأثر ورد بإيجاب الوضوء من ~~القهقهة في صلاة لها ركوع وسجود (5) . PageV04P1400 # ومثل إسقاط الكفارة في استدعاء القيء، فلا يقاس عليه الأكل (1) . # ومثل جواز الوضوء بنبيذ التمر، فلا يقاس عليه غيره من الأنبذة للأثر ~~الوارد (2) . # ومثل جواز البناء على الصلاة، إذا سبقه الحدث فيها (3) ، لا يقاس عليه من ~~احتلم في صلاته، وفكر فأمنى (4) ونحو ذلك. PageV04P1401 ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (1) . وهذا عام في كل موضع إلا ~~ما خصه الدليل. # وأيضا: فإنا إذا قسنا على الخصوص قسنا الخصوص على غيره. وحملنا النبيذ ~~على غيره من المائعات، والقهقهة على الكلام. # فإن مخالفنا يعترف بصحة القياس، وأنه يجب حمل النبيذ على غيره من ~~المائعات، والقهقهة على الكلام، ويدعي أنه استحسن تركه لما هو أولى منه (2) ~~. # وهذا غير صحيح من وجهين: # أحدهما: أنه يلزمه أن يبين الأولى، وإلا حكم القياس متوجه عليه، وهذا كما ~~لو قال: إن القرآن يدل على كذا، ولكن تركته للسنة، فتكون حجة القرآن لازمة ~~له ما لم يبين السنة التي هي أقوى من القرآن. # ولا يكفى في ms560 ذلك مجرد دعواه. # والثاني: أنه يدعي أن الاستحسان أقوى من القياس، فلهذا تركه. # والقياس إذا عارضه دليل أقوى منه كان القياس باطلا، ولم يكن له حكم كما ~~لو عارضه نص كتاب أو سنة أو إجماع. ولما حكم بصحة القياس هاهنا امتنع أن ~~يكون عارضه أقوى منه ومانع من استعماله. # وأيضا: فإن المخصوص من جملة العموم يقاس عليه، فالمخصوص من جملة قياس ~~الأصول أولى أن يقاس عليه؛ لأن حكم العموم أقوى من قياس الأصول ~~PageV04P1402 # له (1) ، ولهذا ترك القياس له (2) # وأيضا: فإن ما ورد به الأثر قد صار أصلا بنفسه، فوجب القياس عليه، كسائر ~~الأصول (3) . وليس رد هذا الأصل لمخالفة تلك الأصول بأولى من رد الأصول ~~لمخالفة هذا الأصل، فوجب إعمال كل واحد منهما في مقتضاه وإجراؤه على حكمه. # وأيضآ: فإن القياس يجري مجرى خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت ~~بغالب الظن، ثم ثبت أنه يصح أن يرد مخالفا لقياس الأصول، كذلك القياس قبله. # وأيضا: لما جاز القياس على الخصوص من جملة القياس إذا [216/ب] كان معللا ~~بتعليل صاحب الشرع جاز وإن لم يكن معللا. ### | دليله: سائر الأصول. # فإن قيل: إذا ورد معللا، فإن كل ما وجدت فيه تلك العلة يصير كالمنصوص ~~عليه، كأن النبي امر بالقياس عليه، ويصير [القياس] عليه أولى من ~~PageV04P1403 # قياس الأصول، وليست هذه حال المخصوص العاري عن علة؛ لأنه لا يوجد فيه ما ~~يبطل قياس الأصول. # قيل: لو كان الحكم عندك في المعلل لما ذكرت، لوجب أن تقيس النبيذ على ~~الخمر في التحريم لوجود علة الخمر (1) بقوله تعالى (إنما يريد الشيطان أن ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة) (2) . # وهذه العلة موجودة في النبيذ، ومع هذا فلم تقيسوا النبيذ على الخمر. # وكذلك كان يجب قياس الخل على النبيذ في جواز الوضوء -كما حكي عن الأصم ~~(3) جواز الوضوء بسائر المائعات- لوجود العلة في النبيذ بقوله عليه السلام: ~~(ثمرة طيبة، وماء طهور) (4) ، وهذه العلة موجودة في الخل. # وكذلك كان يجب أن تقيسوا الآكل ms561 والشارب في رمضان لمرض، على الناسي في ~~إسقاط القضاء لوجود العلة فيه، وهو قوله: (الله آطعمك وسقاك) (5) . # وهذا التعليل موجود في المريض. وليس لهم أن يقولوا: هذا التعليل لاسقاط ~~PageV04P1404 # المأثم، بل هو تعليل لإسقاط القضاء؛ لأنه روي في بعض الألفاظ (إنما هو ~~رزق ساقه الله تعالى إليه، فلا قضاء عليه) رواه الدارقطنى (1) . # فجعل هذه علة في إسقاط القضاء، ومع هذا فلم يقيسوا عليه غيره (2) . # وكذلك أيضا قاسوا المجامع ناسيا على الآكل ناسيا، وإن لم يكن الأصل ~~معللا، ولا مجمعا على قياسه عليه (3) ؛ لأن أصحابنا منعوا من ذلك، وقالوا ~~في الآكل ناسيا: لا يفطر (4) ، وفي المجامع يفطر (5) ، فامتنع أن تكون ~~العلة في PageV04P1405 # جواز القياس على المعلل ما ذكروه، وإنما العلة فيه ما ذكرنا. # وأيضا: لما جاز القياس على ما ورد بخلاف القياس العقلي، وهو الطواف ~~والسعي ورمي الجمار والوضوء (1) ، فإن العقل يخالف هذه، ومع هذا يقاس ~~عليها. # فلأن يجوز القياس على ما ورد بخلاف القياس الشرعي أولى. # فإن قيل: الشرع لا يرد بما يمنع العقل منه، وإنما يرد بما يجوزه العقل. # فنظيره أن يرد الأثر بما لا تمنع منه الأصول، فيجوز القياس عليه. # قيل: قد ثبت أن الشرع قد ورد بما يمنع العقل منه فلا يصح هذا (2) . # فإن قيل: القياس الشرعي وخبر الواحد قد ثبت [217/أ] حكمهما في خلاف قياس ~~العقل ولا يجوز ثبوت حكمهما (3) في خلاف قياس النص، فإذا كان كذلك لم يمتنع ~~أيضا أن يختلف حكم القياس العقلي والقياس الشرعي في باب جواز القياس على ~~المخصوص من جملة أحدهما، وامتناع جواز ذلك في المخصوص من جملة الآخر. ~~PageV04P1406 # قيل: لا نسلم هذا؛ لأنه قد ثبت الحكم بخبر الواحد في خلاف قياس النص، ~~ولهذا حكمنا بخبر التصرية (1) والفلس (2) وغير ذلك مما يرده (3) أصحاب أبي ~~حنيفة (4) . # وكذلك قياس النص لا يقدم على غيره من قياس، الاصول التي ليست بمنصوص على ~~أصولها. PageV04P1407 # واحتج المخالف # بأن إثبات الشىء لا يصح مع وجود ما ينافيه، فلما كان القياس مانعا مما ~~ورد به الأثر لم يجز ms562 لنا استعمال القياس فيه؛ لأنه لو جاز ذلك لم يكن فرق ~~بينه وبين سائر الأصول التي يمنع قياسها منه، فكان يخرج حينئذ من كونه ~~مخصوصا من جملة القياس. # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أنا لا نسلم أن هاهنا ما ينافيه؛ لأن المنافاة تكون بدليل خاص، ~~وما يذكرونه في هذه المسائل ليس بدليل خاص لما نذكره من التأويل. # والثاني: أن المنافاة إنما تحصل بقياسه على غيره في إسقاط حكم النص، فأما ~~قياس غيره فلا ينافيه، لأنه لا يسقط حكم النص، وعندهم لا يصح القياس عليه. # واحتج: بأن قياس الأصول أولى من قياس ما ورد به الأثر، وذلك لأن قياس ما ~~ورد به الأثر يختلف فيه، وقياس الأصول متفق عليه، والمتفق عليه أولى من ~~المختلف فيه (1) . ولهذا كان ما ثبت بخبر التواتر أولى مما ثبت بخبر ~~الواحد. وما شهد له أصلان أولى مما شهد له أصل واحد، فلما كان قياس الأصول ~~يشهد له جميع الأصول، وكان قياس ما ورد به الأثر لا يشهد له إلا أصل واحد، ~~وهو الأثر، كان قياس الأصول أولى بالاعتبار من قياس ما ورد به الأثر. # والجواب: أن هذه المزية موجودة في مقابلة خبر الواحد، ومع هذا فإنه مقدم ~~على قياس الأصول. # وكذلك القياس الشرعي مقدم على مقتضى القياس العقلي، وإن كان للعقل مزية. # ويفارق هذا خبر الواحد مع التواتر؛ لأن أحدهما مقطوع عليه. PageV04P1408 ### | مسألة # يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال بالقياس (1) . # ويجوز قياسها على المواضع التي أجمع على ثبوت ذلك فيها. # وقد قال أحمد -رحمه الله- في رواية الميموني، فيمن سرق من الذهب أقل من ~~ربع دينار: "أقطعه. قيل: ولم؟ قال: لأنه لو سرق عروضا قومتها بالدراهم، ~~كذلك إذا سرق ذهبا أقل من ربع دينار قومته بالدراهم" (2) . فقد أثبت القطع ~~بالقياس. # وكذلك نقل الميموني عنه في النصراني إذا زنا وهو محصن: "يرجم. قيل له: ~~لم؟ قال: لأنه زان بعد إحصانه" (3) . # وكذلك نقل جعفر بن محمد النسائي أبو محمد عن أحمد -رحمه الله- في يهودي ~~مر بمؤذن وهو [يؤذن] (4) فقال: ms563 كذبت، قال: "يقتل، PageV04P1409 # لأنه شتم" (1) . # وهو قول أصحاب الشافعي (2) . # وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يثبت ذلك بالقياس (3) . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (4) وهذا عام. # وحديث معاذ، لما قال: (أجتهد رأيي) (5) ، صوبه النبي عليه السلام، ولم ~~يفرق بين هذه الأحكام وبين غيرها، فوجب حمله على عمومه. # ولأنه إجماع الصحابة، قال عمر: (إن الناس قد تتابعوا في شرب الخمر ~~واستحقروا حدها، فما ترون فيه؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، ~~وإذا هذى افترى، حده حد المفترين) . # فأجمعت الصحابة على إلحاقه بالقاذف قياسا (6) . PageV04P1410 # وأيضا: فإنه حكم لم يثبت بما يوجب العلم ويقطع العذر، فجاز إثباته ~~بالقياس. # أصله: سائر الأحكام. # ولأن ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز إثباته بالقياس. # أصله: ما ذكرنا. # يبين صحة هذا: أن القياس بمنزلة خبر الواحد، بدليل أن كل واحد منهما يثبت ~~بالاستدلال. ثم الحدود تثبت بخبر الواحد، كذلك القياس. ولأن ما جاز أن يثبت ~~به غير هذه الأحكام جاز أن يثبت به هذه الأحكام. # أصله: الكتاب والسنة والإجماع. # ولأن القياس [على] ما أثر على الأصول، فإذا وجد هذا المعنى في مسألتنا ~~يجب أن يحكم بصحته. # واحتج المخالف: # بأن موجب القياس هو حصول الشبهة من الفرع، ومن بعض الأصول (1) . # وهذا العنى متى حصل في الوطء (2) سقط الحد. ألا ترى أن الوطء إذا حصل فيه ~~الشبهة بالوطء المباح والشبهة (3) بالوطء الحرام، كوطء أحد الشريكين ~~الجارية التي بينهما، صار ذلك موجبا لسقوط الحد فلما كان مقتضى القياس ~~[218/أ] مؤثرا PageV04P1411 # في سقوط الحد، لم يجز أن يكون له مدخل في إثبات الحدود. # والجواب: أن الشبهة التي أسقطت الحد هناك معدومة هاهنا؛ لأن هناك الشبهة ~~في الفعل أو الفاعل أو المفعول فأسقطت الحد، وهذه الشبهة معدومة في ~~مسألتنا، وأكثر ما فيه أنه دليل غير مقطوع عليه. # وهذا يبطل بإثباته بخبر الواحد؛ لأن ما فيه من تجويز (1) الخطأ والسهو ~~والعمد الكذب، لا يصير شبهة في درء الحد وإسقاط الكفارة. # وكذلك يجوز إثباته بشهادة شاهدين، وما فيها من تجويز ذلك على ms564 الشاهدين، ~~لا يكون شبهة في الإسقاط. # ولأنه إذا وجب إلحاقه بأحد الأصلين، لقوته ورجحانه، سقط حكم الأصل الآخر، ~~وكان وجوده كعدمه. # واحتج: بأن الحد حق لله تعالى مقدر كالصلاة والزكاة ونحوها، فلما لم يجز ~~إثبات أعداد الركعات والنصاب في الزكوات بالقياس، كذلك لا يجوز إثبات ~~الحدود به (2) . # والجواب: أنا لو وجدنا معنى القياس جاريا في ذلك الموضع أثبتناه. # واحتج: بأن مقادير العقوبات على الأجرام لا تعلم إلا من طريق التوقيف، ~~لأن العقوبات إنما تستحق على الأجرام بحسب ما يحصل بها من كفران النعمة. # ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عباده لا يعلمها (3) إلا الله ~~تعالى، وكان الحد عقوبة مستحقة على الفعل، ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة ~~مقدار العقوبة على ذلك الفعل إلا من جهة التوقيف، لم يجز له إثبات الحد ~~بالقياس (4) . PageV04P1412 # والجواب: أن الحدود يثبت قدرها بالشرع لأجرام معلومة، فإذا وجدنا معنى ~~ذلك الجرم موجودا في غيره ألحقناه به، قياسا عليه؛ لأن المعنى قد ثبت ~~بالدليل، وما دل عليه الدليل فهو بمنزلة التوقيف. # وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب الكفارة ~~على المفطر بالأكل والشرب قياسا على المجامع (1) . # وقالوا: الحد يجب على الردء (2) في المحاربة (3) قياسا على المباشر على ~~قتال المشركين (4) . PageV04P1413 ### | مسألة # [قياس العكس] # الاستدلال بالشىء من طريق العكس صحيح، كالاستدلال به على وجه الطرد (1) . # وهو مثل استدلالنا على طهارة دم السمك بأنه يؤكل دمه، فدل ذلك على ~~[218/ب] طهارته. # ألا ترى أن سائر الحيوانات التي كانت دماؤها نجسة لم تؤكل بدمائها. # ومثل استدلالنا على قراءة السورة غير مسنون في الأخريين، أنه لو كان من ~~سنة القراءة فيها قراءة السورة لوجب أن يكون من سنته الجهر بها. # ألا ترى أن الأوليين لما كان من سنتها قراءة السورة كان من سنتها الجهر. # ومثل استدلالنا على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - غير ~~مسنون في التشهد الأول، أنه لو كان من سنته الصلاة لكان من سنته الدعاء. ~~ألا ترى أن التشهد الأخير، لما كان من ms565 سنته الصلاة، كان من سنته الدعاء. # وقال أصحاب الشافعي: الاستدلال بالعكس غير صحيح (2) . ### | ### | دليلنا: # # أن الأصل ليس بدليل على صحة العلة، وإنما (3) الدليل على صحتها الكتاب ~~PageV04P1414 # والسنة وشهادة الأصول والتأثير، ودليل العكس قد أثر في الأصول فوجب أن ~~يكون صحيحا. # ولأن عكسه يدل على صحته، يدل عليه العلة العقلية، لما اطردت وانعكست كان ~~ذلك دليلا على صحتها، كذلك هاهنا وجب أن يكون العكس دليلا على صحته. # ولأنه لا خلاف أنه لو عارض في الأصل بعلة ولم يعكسها، وإنما عكس بغيرها، ~~لم يلزم الكلام على علة الأصل؛ لأنهما (1) قد اتفقا على صحتها، وإنما يلزم ~~الكلام على علة الفرع، فدل هذا على أن العكس حجة. # فصل # [التقسيم] # والاستدلال بالتقسيم صحيح، وهو أن يكون في المسألة قسمان أو أكثر فيدل ~~المستدل على إبطال الجميع إلا واحدا منها ليحكم بصحته، ولا يطالب بالدلالة ~~على صحته بأكثر مما ذكره (2) . PageV04P1415 # مثاله: أن نقول: لا يخلو إما أن يكون تحريم التفاضل في البر متعلقا بكونه ~~مكيلا، أو مأكولا، أو مقتاتا. فلا يجوز أن يكون مأكولا ولا مقتاتا لوجود ~~التفاضل فيهما والعقد صحيح، وهو إذا باع مكوكا بمكوك (1) ، وأحدهما أخف من ~~الآخر، فإن التفاضل في القوت والطعم موجود والعقد صحيح، ولو تساويا في ذلك ~~وتفاضلا في الكيل لم يصح العقد. # فعلم أن التحريم متعلق بالكيل. # ومثله ما قلنا في الإيلاء، لا يخلو إما أن يكون صريحا في الطلاق أو ~~كناية، فلا يجوز أن يكون صريحا؛ لأنه لو كان كذلك، لوقع الطلاق به منجزا ~~حالا كما يقع بصريحه (2) . ولا يجوز أن يكون كناية؛ لأنه (219/أ) لو كان ~~كذلك لافتقر إلى النية، كسائر الكنايات. # فلما بطل القسمان، امتنع أن يكون طلاقا. # ومثله ما نقوله في اللعان: لا يخلو إما أن يكون يمينا أو شهادة، فلا يجوز ~~أن يكون شهادة؛ لأنه يصح من فاسق ومن أعمى، وشهادتهما لا تصح (3) . # لم يبق إلا أنه يمين؛ لأن أيمان هؤلاء تسمع. PageV04P1416 # ومثله ما نقوله في تحريم الخمر: لا يخلو إما أن يكون الاسم ms566 أو الشدة ~~المطربة. # ولا يجوز أن يكون للاسم؛ لأن العصير المطبوخ يحرم عندهم إذا حصلت فيه ~~[الشدة] ، وإن لم يقع عليه اسم الخمر. # وكذلك نقيع التمر والزبيب محرمان عند مخالفنا، وإن (1) لم يتناولهما ~~الاسم. # فعلم أن التحريم يعلق لوجود الشدة المطربة، وهذا موجود في النبيذ. # ومثل هذا كثير. # والدلالة على صحة هذا: أنه لابد في الحادثة من حكم، فإذا بطل الجميع إلا ~~واحدا، وجب أن يكون ما بقى صحيحا؛ لأنه لا يجوز أن يبطل الكل. # وأما إذا دل الدليل على صحة كل واحد منها بطلت سائر الأقسام؛ لأن الحق ~~واحد، وما عداه باطل، فإذا صح الواحد منها، وجب أن يحكم ببطلان الباقي. # فصل # [الاستدلال بالأولى] # والاستدلال بالأولى صحيح (2) ، إذا بين أن حكم الأصل في الفرع يجب أن ~~يكون آكد. PageV04P1417 # مثاله: ما نقول في أن التيمم إذا لم يجز مع وجود الماء لفوت صلاة الجمعة ~~فلأن لا يجوز لفوت صلاة الجنازة مع الإمام أولى؛ لأن صلاة الجنازة فرض على ~~الكفاية. # وكذلك ما نقول في جريان القصاص بين الرجل والمرأة، وبين العبدين في ~~الأطراف، لما جرى بينهم في النفس مع عظم حرمتها وضمانها بالكفارة، فأولى أن ~~يجري في الطرف مع خفة حرمته. # وكذلك نقول في قطع الأطراف بطرف، لما قتل الجماعة بالواحد مع عظم حرمة ~~الأنفس، فأولى أن يفعل ذلك في الأطراف مع خفة حرمتها. # وقد احتج أحمد -رحمه الله- بهذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه "لا يقتل ~~الحر بالعبد" (1) . PageV04P1418 # وأصحاب أبي حنيفة يقولون: يقتل (1) ، ولا يجعلون بين الحر والعبد قصاصا ~~في الجراح، والنفس أعظم من الجراح (2) ، فهذا يدخل عليهم. # والدليل على صحة ذلك: # أن أحد أقسام الدلالة على صحة العلة التأثير وشهادة الأصول. وهذا المعنى ~~موجود في الأولى؛ لأنه قد أثر. # ولأن الأولى فيه ضرب من التنبيه، والتنبيه حجة في الشرع. وقد دل على ذلك ~~الكتاب في قوله: (فلا تقل لهما أف) (3) نبه على تحريم الضرب. # وكذلك قوله: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) (4) تنبيه على ~~الزيادة على ms567 ذلك. PageV04P1419 # فصل # [الاستدلال بالقران] # الاستدلال بالقران يجوز (1) وهو: أن يذكر الله تعالى أشياء في لفظ واحد ~~ويعطف بعضها على بعض. # نحو قوله تعالى: (أوجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) (2) ، ~~فيكون اللمس هاهنا يوجب الوضوء؛ لأنه عطف على المجيء من الغائط. # وقد استدل أحمد -رحمه الله- بالقرينة في باب التخصيص، فلولا أنها حجة له ~~لم يخصص اللفظ بها، فقال في قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم) (3) : "المراد به العلم. قال: لأنه افتتح الخبر بالعلم فقال: (ألم ~~تر (4) أن الله يعلم) ، وختمه بالعلم فقال: (إن الله بكل شىء عليم) " (5) . # وقال في رواية حرب في قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) (6) فإذا أمنه ~~فلا بأس أن لا يشهد. انظر إلى آخر الآية (فإن أمن بعضكم بعضا) (7) . ~~PageV04P1420 # واختلف أصحاب الشافعي: # فذهب المزنى إلى جواز الاستدلال بذلك (1) . # وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز الاستدلال به (2) . ### | دليلنا: # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يفرق بين مجتمع) (3) . # وما روي عن أبي بكر في مانعي الزكاة: (لا أفرق بين ما جمع الله) (4) . # وقول ابن عباس لما استدل على وجوب العمرة بكونها قرينة الحج [في] كتاب ~~الله، وتلا قوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) (3) . PageV04P1421 # ولأن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فيجب أن يعطى الثاني حكم الأول. # ولأن صيغة الأمر تناولتهما. # واحتج المخالف: # بأن جمع لفظ صاحب الشريعة بينهما في حكم من الأحكام لا يدل على اجتماعهما ~~في غيره. ألا ترى أن العلة إذا جمعت الأصل والفرع في حكم، لا يجب أن يجمع ~~بينهما في غيره. # والجواب: أن العلة إذا جمعت بين الأصل والفرع قد أفادت حكما شرعيا وهو ~~إلحاق الفرع بالأصل في ذلك الحكم، يجب أن يقال مثل هذا في جميع لفظ صاحب ~~الشريعة أن يفيد، وعندهم القرينة هاهنا ما أفادت (1) شيئا بحال. # واحتج: بأنه يجوز اقتران المتضادين في الأمر والنهي، كقوله: (فاعتزلوا ~~النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث) (2) ~~وأمر بوطئهن ولم يكن واجبا، كما كان ms568 النهي واجبا. PageV04P1422 # وكذلك قوله: (كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده) (1) # والأكل غير واجب [220/أ] . # والجواب: أنا لم نقرن (2) هاهنا لدليل منع من ذلك. (*) PageV04P1423 ### | باب العلة # الدال على صحة العلة (1) والاعتراض عليها PageV05P1423 # والدلالة على صحتها (1) من وجوه خمسة: # أحدها: # لفظ صاحب [الشريعة] بنص (2) أو ظاهر أو تنبيه، فإنه يدل على صحة العلة ~~كما يدل على صحة الحكم، فلا فرق بينهما. # وذلك ضربان: أحدهما الكتاب. والآخر السنة. # فأما الكتاب: # فمثل قوله تعالى في تحريم الخمر: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون) (3) وهذا عبارة عن الإسكار الذي يحدث هذه الأشياء التي ذكرها الله ~~تعالى. # وقوله: (وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكما ميثاقا ~~غليظا) (4) . والإفضاء هاهنا الوطء. فدل على أنه يقرر المهر ويمنع من سقوط ~~نصفه بالطلاق. PageV05P1424 # وقوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء) (1) ~~. # والدولة: ما يتداوله الناس. # فقد جعل لهؤلاء المذكورين حقا في الفيء كيلا يتداول المال الأغنياء دون ~~الفقراء. # وقوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) (2) وهذا يدل على ~~تعلق الاستئذان بالبلوغ. # وقوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ~~(3) . # وقوله: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) (4) يدل على تعلق القصر بالضرب في ~~الأرض، وصلاة الخوف بالخوف. # كما إذا قال لعبده: إذا فعلت كذا فأنت حر، ولزوجته: إذا كان كذا فأنت ~~طالق، فيدل على تعلق الحرية والطلاق بالمعنى الذي ذكره (5) . # وكذلك قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) (6) يدل على ~~تعلق إباحة الميتة بالضرورة. # وقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (7) والمراد ~~PageV05P1425 # به: الحرائر. # وهذا يدل على اعتبار الحرية في الحلال وأن نكاح الأمة الكتابية لا يجوز؛ ~~لأن ذكر الصفة في الحكم تعليل ms569 للحكم بها، ودليل على تعلقه بها. # ومن ذلك قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) (1) . # وقوله: [220/ب] والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (2) . # و (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهمآ مائة جلدة) (3) . # لأن تخصيص صفة أو فعل في الحكم يدل على تعلقه بها. # ولهذا قال أحمد -رحمه الله-: "إنه يدل على أن ما عداه بخلافه". # وأما السنة: # فمثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن بيع الرطب بالتمر ~~فقال: (أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذا) . # وقوله عليه السلام: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد ~~إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق) (4) . PageV05P1426 # ونهيه عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن (1) ، وعن بيع الطعام بالطعام ~~إلا مثلا بمثل (2) . # وقوله: (إنما هو دم عرق) . # وقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) . # وقوله: (لا تمسوه طيبا؛ فإنه ييعث يوم القيامة ملبيا) (3) . PageV05P1427 # و (إنما نهيتكم من أجل الدافة) يعني الجماعة الذين وفدوا (1) . # وقوله للمحرمين (2) : (هل أشرتم؟ هل أعنتم؟) (3) . # وقول الرواي: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد. # وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال الأعرابي: (هلكت وأهلكت) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اعتق ~~رقبة) . # وهذا يدل على تعلق (4) الحكم بالسبب المذكور. # وقالت عائشة: عتقت بريرة فخير [ها] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان زوجها عبدا (5) . وذلك يدل على تعلق التخيير برق الزوج. # ومثل ذلك في السنة أكثر. PageV05P1428 # وإذا ثبت التعليل بلفظ صاحب الشريعة، أو بلفظ الراوي عنه، فإنه ينظر فيه. # فإن كان مطردا لم يجز أن يزاد فيه، وإن انتقض أضيف إليه وصف آخر يؤثر في ~~ذلك الحكم، وعلم بانتقاضه أنه نص على بعض العلة، وجعل الباقي إلى اجتهاد ~~أهل العلم. # وهنا كما روى بعض المخالفين (1) : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لبريرة: (ملكت بضعك فاختاري) (2) . # وهذا يدل على أنها إذا اعتقت تحت الحر يكون لها الخيار. # فأجبنا عنه: بأن هذا اللفظ غير محفوظ (3) . # وقد استقصى ms570 الدارقطنى في [سننه] طرق هذا الحديث وألفاظه، ولم يذكر هذا ~~اللفظ فيها (4) . # ولو ثبت لكان تقديره، ملكت بضعك تحت العبد فاختاري. وهذا متزن. # وقد أضاف إليه بعضهم مصراعا آخر فقال: # ملكت بضعك تحت العبد فاختاري ... وبدلي الدار إن احببت بالدار (5) ~~PageV05P1429 # الثاني: إجماع الأمة # فهو حجة مقطوع بها. فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب المصير إليه ~~والعمل به. # ومثاله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) ~~أجمعوا على أن النبي عليه السلام نهى عن ذلك؛ لأن الغضب [221/أ] يشغل قلبه، ~~ويغير طبعه، ويمنعه من التوفير على النظر والاجتهاد، فكان كل داخل على قلب ~~الإنسان من حزن وفرح، وجوع وعطش، ونوم ومرض بمنزلة الغضب. # وقد يتفق الخصمان على علة، فيلزمهما حكما في النظر لاعترافهما بصحة ما ~~اتفقا عليه. # وقد يتفق الخصمان على أحد وصفى العلة، ويختلفان في الآخر، فيجب المصير ~~إلى مادل المعلل عليه. # منها أن المعللين اتفقوا على اعتبار الجنس في تحريم التفاضل، واختلفوا في ~~ضم الوصف الآخر إليه. # وقال بعض أهل العلم: البيع لا ينقل الملك في زمان الخيار؛ لأنه إيجاب غير ~~لازم، إذا لم ينضم إليه القبول (1) . PageV05P1430 # فيقول خصمه: المعنى في الأصل أن الإيجاب لم يصادفه القبول، وفي مسألتنا ~~إيجاب صادفه القبول، فخالفه في الوصف الثاني، وقال: إيجاب غير لازم منتقض ~~بمن اشترى عبدا على أنه صائغ فلم يكن صائغا، فإن الإيجاب غير لازم، وقد ~~انتقل الملك وكذلك إذا وجد به عيبا. # وقد يختلفان في وصف، فيزيده أحدهما وينقصه الآخر. # مثاله: إذا اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا لم يكن له رد أحدهما. # وقال أبو حنيفة: يجوز (1) . # وعلة من منع رد أحدهما: أن [فيه] تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه ~~(2) ، فوجب أن لا يجوز قياسا على ما قبل القبض (3) . # فإن قال: المعنى في الأصل أنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير رضاه في ~~الإتمام (4) ، وليس كذلك في الفرع، فإنه تبعيض الصفقة على العاقد من غير ~~PageV05P1431 # رضاه في الفسخ، والتبعيض في الفسخ يجوز وفي ms571 الإتمام لا يجوز. # فإذا كان كذلك وجب على الزائد أن يقيم عليه الدليل؛ لأن العلة إذا استقلت ~~بما اتفقا عليه فلا تجوز الزيادة، إنما بحسب الحاجة إليها يجب أن يبينها. # الثالث: التأثير # وهو أن يوجد الحكم بوجود معنى ويعدم لعدمه، فيدل ذلك على أن الحكم متعلق ~~به وتابع له، وهذا هو العكس. # وقد بينا فيما تقدم أنه ليس بشرط في صحة العلة، لكنه دليل على صحتها. # وقد صرح أحمد - رحمه الله - بهذا في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان: ~~"إذا أقبل به وأدبر فكان مثله في كل أحواله، فهذا ليس في نفسي منه شىء". # فقد صرح بأن وجود الحكم بوجوده وعدمه بعدمه دليل واضح على صحة القياس. # وهذا مثل ما نقول: إن عصير العنب حلال، فإذا وجدت فيه الشدة المطربة حرم، ~~وإذا زالت الشدة حل. فلو قدرنا عود الشدة لقدرنا عود التحريم. # وهذا يدل [221/ب] على [أن] صحة التحريم تابع للشدة المطربة، ولأن النبيذ ~~حرام لوجود هذه العلة فيه. # وكذلك قوله: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب) (1) والعلة في نقصان أحدهما هو الرق، بدلالة أنه PageV05P1432 # يوجد بوجوده ويعدم بعدمه، فإن الرق ما دام موجودا كان حدها خمسين. # فإذا اعتقت وزال رقها كملت الحد. ولم يعدم بالعتق سوى الرق. فإذا ثبت أن ~~نقصان الحد متعلق بالرق وجب أن يكون حد العبد على النصف قياسا على الأمة ~~لوجود علة النقصان فيه. # ومثل ما نقول في سفر المعصية، إذا كان معصية (1) : إنه معنى يتعلق به ~~تخفيف الصلاة، فإذا كان معصية لم يتعلق به كالقتال (2) وتأثيره في الأصول ~~أنه إذا كان طاعة أو مباحا جازت صلاة الخوف، وصلاة شدة الخوف مخرجة عن ~~المعصية، فدل على أن الحكم تابع لذلك. # ومثل ما قلنا: إن العلة في تحريم الربا التفاضل في الكيل دون الطعم، ~~بدليل أن المكيلين متى تساويا من طريق الكيل جاز البيع فيهما وإن كانا ~~مختلفين في الأكل. # وحكى أبو سفيان السرخسي وأبو عبد الله الجرجاني عن أبي ms572 الحسن الكرخي أنه ~~كان يمنع أن يكون وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها دلالة على صحتها (3) ، ~~وخالفاه على ذلك. PageV05P1433 # والدليل على أن ذلك دلالة على صحتها: # أنه دلالة على صحة العلل العقلية، وأن المعنى الموجب لكون المحل أسود (1) ~~وجود السواد فيه وارتفاعه بارتفاعه. # وإذا كان ذلك دلالة العقليات مع كون العلل فيها موجبة، فاولى أن يجري ذلك ~~في الشرعيات مع كونها غير موجبة (2) . # فإن قيل: تكفير المستحل للخمر قد وجد بوجود الشدة وعدم بعدمها، ولم يدل ~~على أنها العلة في التكفير (3) . # قيل: هذا لا يدل على بطلان هذا الأصل؛ لأن العلل الشرعية وما هو دلالة ~~عليها، ليست بموجبة لما يتعلق بها من الأحكام. فغير ممتنع أن يدل على شىء ~~ولا يدل على نظيره، كخبر الواحد يجوز إثبات الحكم به فيما لم يرد القرآن ~~بخلافه، ولا يجوز قبوله (4) فيما يخالف القرآن، والنقل فيهما على وجه واحد ~~(5) # فإن قيل: لو جاز ذلك لوجب أن تصح علل القائسين في تحريم التفاضل في ~~الأشياء المنصوص عليها؛ لأن كلا منهم يمكنه أن يبين وجود الحكم بوجود علته، ~~وعدمه بعدمها. ولا خلاف أن جميع عللهم غير صحيحة (6) . PageV05P1434 # قيل: الجواب عنه ما تقدم. # وعلى أن [222/أ] ذلك دليل على صحتها ما لم يمنع مانع، كالعموم يدل على ~~الحكم ما لم يمنع مانع، وقد منع هناك مانع. # الرابع: شهادة الأصول # فمثل قولنا: لا تجب الزكاة في إناث الخيل؛ لأنها لا تجب في ذكورها، ~~كالبغال والحمير والفيلة وغير ذلك من الحيوانات، وعكسه الإبل والبقر ~~والغنم. # وإذا كانت الأصول مرتبة على التسوية بين الذكور والإناث في وجوب الزكاة ~~وسقوطها، ووجدنا الخيل لا زكاة في ذكورها إذا انفردت بالاجماع، لم تجب في ~~إناثها. وكان ذلك طريقا يقتضي غلبة الظن؛ لأن الظن يمنع وجود الحكم في ~~الغالب. # ولهذا نقول: إذا ثبت من عادة الواحد أنه إذا أعطى بناته شيئا من أمواله ~~أعطى بنيه مثله، وتكرر ذلك من فعله، ثم سمع أنه أعطى بناته شيئا غلب على ظن ~~من سمع ذلك ممن علم عادته ms573 أنه أعطى بنيه. # ومن ذلك: من صح طلاقه صح ظهاره. # وما جاز بيعه جاز رهنه. # ومن لزمه العشر لزمه ربع العشر. # وما حرم فيه [التفاضل] حرم فيه التفرق قبل التقابض. # ومثل ذلك كثير. # الخامس: قيام الدلالة على بطلان ما سواها # مثاله: اختلاف الفقهاء في علة فساد البيع حالة التفاضل، مع اتفاقهم أن ~~الأصل يبطل بتعليله بإحدى العلل المذكورة. # فمتى قامت الدلالة على بطلان جميعها إلا واحدا تعين الحق في الحرية في ~~الآخر، كما لما لم يكن هناك من يستحق الحرية غيره. # PageV05P1435 # فصل # [الطرد لا يدل على صحة العلة] # وأما الطرد فليس بدليل على صحتها، لكنه شرط في صحتها (1) . # وقد تقدم الكلام في ذلك، أن الطرد شرط في صحتها، وأن تخصيصها نقض لها. # وهذا ظاهر قول أحمد - رحمه الله - وأن الطرد ليس بدليل على صحتها؛ لأنه ~~قال في رواية [أحمد بن] الحسين بن حسان: "القياس: أن يقاس على الشىء إذا ~~كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر". # وقال أيضا - رضي الله عنه - في رواية الأثرم، مذكور في كتاب الصيام: ~~"إنما يقاس الشىء على الشىء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا شبهته به ~~فأشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فقد أخطأت، قد يوافقه في ~~بعض أحواله ويخالفه في بعض، فإذا خالفه في بعض أحواله فليس هو مثله". # وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة: الجرجاني والسرخسي (2) ، وأكثر أصحاب الشافعي ~~(3) والمتكلمين. PageV05P1436 # وقال بعض الشافعية: الطرد دليل على صحتها (1) . ### | دليلنا: # أن الطرد لو كان دليلا على العلة لجاز [222/ب] أن يقتصر على ذكر العلة في ~~الفرع من غير ذكر الأصل وتكون العلة صحيحة لوجود الطرد على أصله. # مثل: أن يسأل عن تحريم النبيذ فيقول: إنه شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن ~~يكون حراما. # والدليل على أن الشدة المطربة دليل على تحريمه: أن ذلك مطرد فيه، لا ~~ينتقض على أصل. فلما أجمعوا على أنه ليس بدليل، وأنه دعوى لا دليل عليها، ~~دل على أن الطرد ليس بدليل على صحة العلة. ms574 # يدل على ذلك أن كل ما هو دليل على صحة العلة فلا فرق بين أن يذكر في ~~الفرع أو في الأصل، مثل قول صاحب الشريعة ونطقه به. # ولأنه إذا لم يكن ذلك دليلا في الفرع وجب أن لا يكون دليلا إذا رده إلى ~~الأصل؛ لأن دعواه للطرد فيهما جميعا واحدة، ولا فرق بينهما. # ولأن جريانها في معلولاتها ليس فيه أكثر من أنها جامعة لفروعها، وهذه ~~الفروع قوله ودعواه، فيكون جامعا بين دعوتين، فلا يكون من ذلك دليلا على ~~صحة علته. PageV05P1437 # وقد قيل: الطرد زيادة في الدعوى؛ لأنه يقال له: ما الدليل على أن العلة ~~ما ذكرته في الأصل؟ # قال: لأني أطردها ولا أنقضها في موضع من المواضع. وهو يطالب بالدليل على ~~صحة ما فعله في جميع المواضع، فلا يجوز أن تصح الدعوى بزيادة الدعوى. # وأيضا: فإن الطرد لو كان دليلا على صحة العلة لم يجز وجوده مع الفساد. # والعلة الفاسدة تطرد كما تطرد الصحيحة. # مثل ذلك: أن يعلل فيما يخالف الإجماع بعلة تطرد. # ومثال ذلك في إزالة النجاسة بالمائعات: مائع لا يعقد على جنسه القناطر، ~~أو لا تبنى عليه القناطر، أو الجسور (1) ، أو لا تكون فيه السباحة، أو لا ~~يصطاد فيه السمك، فوجب أن لا تزال به النجاسة، كاللبن والدهن والمرق، ولا ~~ينتقض بالماء، فإنه يعقد على جنسه الجسور وتبنى عليه القناطر. # أو يقول: كلب، فوجب أن يكون نجسا كالميت. # ويقول: مس ذكره، كما لو مس ذكره وبال. # أو يقول في وطء الثيب: شرع في نافذ، فلا يمنع الرد بالعيب، كما لو مشى في ~~الشارع وأخرج رأسه من الروزنة (2) . # ولا ينتقض بالبكر، فإنه إذا وطأها لم يشرع في نافذ. # ويقول فيه: أدخل المدخل في المدخل، فلا يمنع من الرد. # أصله: إذا أدخل رأسه في القلنسوة وأدخل رجله في الخف. # وقال بعضهم في القهقهة: اصطكاك الأجرام العلوية، فلا تنقض الطهارة ~~كالرعد. PageV05P1438 # ولا تنتقض بالضراط؛ لأنه احتكاك الأجرام السفلية [223/أ] . # وهذا مع فساده متناقض فيه إذا منعته امرأته فصفعها (1) ، فإن ذلك اصطكاك ms575 ~~الأجرام العلوية، وهو ناقض لطهارته (2) . # وقال بعضهم في مس الذكر: إنه مس آلة الحرث، فلا ينتقض طهره، كما لو مس ~~الفدان (3) . # وقال: إنه طويل مشقوق، فأشبه البوق والقلم والمنارة. # وقال في السعي بين الصفا والمروة: إنه سعى بين جبلين، فوجب أن لا يكون ~~ركنا في الحج كالسعي بين جبلى نيسابور (4) . ولا يشك عاقل أن هذا فاسد. # ووجه فساده ظاهر؛ لأن المائعات لا تبنى عليها القناطر؛ لأنها لا تكون في ~~طرق الناس. ولا تمنع الاستطراق والاجتياز، والماء الكثير يجعل (5) في ~~الطريق ويمنع جواز الناس، فاحتاجوا إلى بناء القناطر عليه، فلم [يكن] لذلك ~~تعلق بالتطهير، وكذلك لمس الفدان سواء كان يصلح لآلة الحرث أو لم يصلح، ~~وكان البوق على صفته، أو كان قصيرا، أو كان مصمتا لا شق فيه، لا يثبت ~~الوضوء بمسه، فلم يكن له تعلق بالحكم الذي علته عليه. PageV05P1439 # وفي ذلك تنبيه على فساد جميع ما يجانسه إذا كان ذلك فاسدا، وكان مع ذلك ~~مطردا، دل على أن الطرد ليس بدليل على الصحة. # واحتج المخالف: # بأن عدم الطرد يفسد العلة، فوجب أن يكون وجوده دالا على صحتها. # ألا ترى أن عدم التأثير عند المخالف، لما كان دالا على فسادها كان ~~التأثير دالا على صحتها. # والجواب: أن الطرد شرط في صحة العلة، وليس بدليل على الصحة. وفقد شرط من ~~شروط الحكم يبطله، ووجوده لا يدل على صحته. # كالطهارة، فقدها يوجب بطلان الصلاة، ووجودها لا يدل على صحتها. # واحتج: بأنها إذا اطردت فقد عدم ما يفسدها، فوجب أن لا تكون فاسدة. # وإذا لم تكن فاسدة وجب أن تكون صحيحة؛ لأنه لا قسم بين الصحيح والفاسد، ~~كما أنه إذا لم يكن قديما وجب أن يكون محدثا. # والجواب: أنه قد وجد ما يفسده (1) ، وهو عدم الدليل على صحته. وعدم ما ~~يصححه دليل على فساده. # يدل على ذلك: أن من ادعى النبوة، وقال: الدليل على صحة قولي عدم ما ~~يفسده. وإذا لم يكن ما يفسده وجب أن يكون صحيحا. # قلنا: قد وجد ما يفسده، وهو ms576 عدم ما يصححه. # وكذلك من قال في كل حكم سئل عن صحته: ليس هاهنا ما يفسده. # وعدم ما يفسده دليل على أنه ليس بفاسد. وإذا لم يكن فاسدا وجب أن يكون ~~صحيحا. # كان الجواب عنه: أن عدم ما يصححه دليل على فساده. [223/ب] . PageV05P1440 # فصل # [ذكر الوصف للاحتراز من النقض] # فإذا ثبت أن الطرد ليس بدليل على صحتها، (1) فإن علق الحكم بوصف، ولم يكن ~~له تأثير في الأصل، لكن دخل للاحتزاز: # فمن قال: الطرد لا يدل على صحتها، قال: لا يجوز تعليق الحكم به. # ومن قال: يدل على صحتها، قال: يجوز ذلك (2) . # والدليل على أنه لا يجوز: # أن العلة إنما تستنبط من الأصل ويعلق (3) الحكم عليها، وإنما يعلم أن ~~الوصف علة للحكم في الأصل، فلم يجز تعليق الحكم عليه، ورد الفرع إليه. # واحتج المخالف: # بأن الأوصاف تحتاج أن تكون مؤثرة ومحترزة، فلما جاز تعليق الحكم على ~~المؤثر جاز تعليقه على المحترز [به] . # والجواب: أن المؤثر فيه تأثير واحتراز، فلوجود الشرطين جعل علة، والوصف ~~المتحرز فقد فيه أحد الشرطين، فلم يصح لتعليق الحكم عليه. PageV05P1441 # فصل # [في الاعتراض الفاسد على العلة] # وذلك من وجوه: # أحدها: أن يقول المخالف: لو كان الادخار علة في وجوب العشر لوجب أن يكون ~~علة في الربا، فلما لم يكن علة في الربا لم يكن علة في وجوب العشر (1) . # وهذا غير صحيح؛ لأنه لا يجب إذا لم يكن علة في حكم أن لا يكون علة في حكم ~~آخر مخالف له؛ لأن الأحكام المختلفة تختلف عللها، فإنه قد يكون في أحدها ~~مانع من ضمها ولا يكون في الآخر. # ألا ترى أن نصه في الربا على الملح منع من أن يكون القوت علة في الربا، ~~وليس هذا المانع في وجوب العشر. # فإن قيل: فقد قلتم: إن ما لا يزيل الحدث لا يزيل الخبث. وإن مالا يصح ~~الوضوء به لا يصح إزالة النجاسة [به] ، وهذه مناقضة لما قلتم (2) ، لأنهما ~~حكمان مختلفان. # قيل: المقصود بهما الطهارة التي تستباح بها الصلاة، فكان طريقا واحدا. ms577 # فالمانع الذي لا يصح به أحدهما لا يصح به الآخر، وليس كذلك العشر والربا، ~~فإنهما حكمان مختلفان متباينان يقصد بكل واحد منهما غير ما يقصد به الآخر. ~~PageV05P1442 # ولهذا قلنا للمخالف: إن ما ليس من جنس الأثمان لما لم يدل على جواز النسأ ~~فيه لم يدل على جواز التفرق قبل التقابض؛ لأن معناهما واحد، وإذا جاز ~~أحدهما جاز الآخر، وإذا حرم أحدهما حرم الآخر. # اعتراض ثان: # على قياس الوضوء على التيمم في وجوب [224/أ] النية بأن الوضوء شرع قبل ~~التيمم، فلا يجوز أن يكون المتأخر أصلا للمتقدم (1) . # وهذا فاسد (2) ؛ لأن ذلك إنما لا يجوز إذا لم يكن لوجوب النية في الوضوء ~~طريق غير التيمم، فلا يجوز أن يكون وجوب النية في الوضوء سابقا للتيمم الذي ~~هو طريق ثبوتها. # فأما إذا جاز أن تكون نية الوضوء ثابتة من غير جهة التيمم من آية أو سنة ~~أو قياس على غير التيمم، ثم شرع التيمم وأوجبت النية فيه، وأودع فيه معنى ~~يوجد في الوضوء صار طريقا لثبوت النية ودليلا عليها، وتأخره عنه لا يمنع ~~صحته؛ لأن الدليل يجوز أن يرد بعد الدليل، وتتجدد الطريق بعد الطريق. # ولهذا نقول: إن الحكم إذا ثبت بقرآن ثم ورد بعده قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دالا عليه، كان كل واحد منهما طريقا لثبوته، وكان المستدل ~~بالخيار، إن شاء استدل بالقرآن، وإن شاء استدل عليه بالسنة. PageV05P1443 # وكذلك معجزات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ظهرت في أوقات مختلفة من ~~نزول القرآن عليه، وتسبيح الحصى في يديه (1) ، وحنين الجذع PageV05P1444 # إليه (1) ونبع الماء من بين أصابعه (2) وكلام الذراع (3) وغير ذلك. وكل ~~واحد منها دليل على صدقه، وطريق ثبوت نبوته. PageV05P1445 # اعتراض ثالث: # على القياس في العقد الموقوف (1) بأنه نكاح لا تتعلق به الأحكام المختصة ~~به، أو لا ببعضه استباحة، فكان باطلا، كما لو تزوجها في العدة، فإن موضوعه ~~فاسد؛ لأن العقد متبوع والأحكام تابعة، ولا يجوز أن يستدل بعدم التابع على ~~عدم المتبوع، وإنما يستدل بعدم المتبوع على عدم التابع. # وهذا فاسد؛ ms578 لأن الشريعة قد تقررت، والأصول قد ترتبت على أن النكاح إذا ~~كان صحيحا تتبعه أحكامه، وإذا كان فاسدا لا تتبعه الأحكام. # فإذا كان كذلك، ووجدنا عقد النكاح لا تتبعه أحكامه، وجب أن يكون (2) ~~فاسدا. # ولأنهم (3) ناقضوا في ذلك، وقالوا: لا يصح ظهار الذمي؛ لأنه لا يصح ~~PageV05P1446 # منه التكفير بالصوم، والتكفير من أحكامه (1) . # اعتراض رابع: # أن نفرق بين الأصل والفرع مع وجود العلة الموجبة للمنع بينهما (2) . # مثل: أن نقيس النبيذ على الخمر في التحريم لوجود الشدة المطربة. # فيقول الخصم (3) : لا يجوز اعتبار النبيذ بالخمر؛ لأن الخمر؛ يكفر ~~مستحلها ويفسق شارب قليلها، ولا يكفر مستحل النبيذ ولا يفسق شارب قليله. # وهذا فاسد؛ لأن افتراقهما [224/ب] في حكم لا يوجب افتراقهما في حكم آخر. ~~واجتماعهما في علة الحكم يوجب اشتراكهما في الحكم. فكان الفرق في مقابلة ~~الجمع بالعلة بمنزلة معارضة الدليل بما ليس بدليل. # اعتراض خامس: # أن يبدل لفظ العلة بغيره، ثم يفسده (4) . # نحو قولنا في الصائم - إذا أكره على الفطر بالأكل والشرب -: إن ما لا ~~يفسد الصوم سهوه لم يفسده إذا كان مغلوبا عليه. أصله: القيء. # فنقول: ليس في كونه مغلوبا عليه أكثر من أنه معذور، والعذر لا يمنع ~~PageV05P1447 # الإفطار، الدليل عليه: المريض والمسافر إذا أكلا. # وهذا فاسد؛ لأن العذر غير (1) الغلبة، ومعناهما يختلف؛ لأن العذر ~~[بالمرض] (2) لا يسلب الاختيار. والغلبة تسلب الاختيار، وإذا نقل لفظ العلة ~~إلى لفظ آخر لا يفيد معنى لفظ العلة، ثم أفسده لم ينفعه إفساده إياه، ولم ~~يكن إفسادا للعلية. # ويدل على ذلك: أن الصائم إذا استقاء عامدا لمرض به كان معذورا وأفطر ~~بذلك. فإذا ذرعه القيء لم يفطر. فدل هذا على الفرق بين المغلوب وبين ~~المعذور والمختار. # اعتراض سادس: # قول القائل: لا يجوز أن يوجد النفي من الإثبات، والإثبات من النفي (3) . # مثاله: قول أصحاب أبي حنيفة (4) : عبد تجب في رقبته زكاة التجارة فلا تجب ~~عليه (5) زكاة الفطر، كالعبد الكافر (6) . PageV05P1448 # فقال بعض من لا يحصل: لا يجوز أن يؤخذ الحكم من ضده ونقيضه. # وهذا فاسد. وقد ورد ms579 الشرع بمثل ذلك، قال النبي - عليه السلام -: (لا وصية ~~لوارث) فجعل ثبوت الميراث علما على نفي الوصية. # ونهى عن مهر البغي (1) فجعل كونها بغيا علة لنفي المهر. # وقول النبي -عليه السلام-: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم) . # ومثل ذلك كثير. # ولأن علل الشرع أمارات بقصد صاحب الشرع وجعله إياها أمارات. # فإذا كان كذلك جاز أن يجعل النفي علة للإثبات، والإثبات علة للنفي، كما ~~يجوز أن يجعل الإثبات علة للإثبات، والنفي علة للنفي، ولا فرق بينهما. ~~PageV05P1449 # فصل # إذا علل المسؤول، فنقض الحكم عليه، ففسر لفظ علته بما يدفع النقض، نظر ~~(1) : # فإن كان التفسير مطابقا للفظ العلة قبل منه، وإن كان مخالفا للفظ علته لم ~~يقبل منه. # وأما التفسير المطابق فمثل أن يقول (2) في المتولد بين الغنم والظباء: لا ~~زكاة فيها؛ لأنها متولدة من أصلين أحدهما لا زكاة فيه (3) . فوجب أن لا تجب ~~فيه زكاة. أصله: [225/أ] إذا كان الأمهات من الظباء، وهذا على [قول] أبي ~~حنيفة (4) . # فأما على قولنا، فإن الزكاة تجب (5) . # فيقول الخصم (6) : هذا ينتقض بالأولاد المتولدة من المعلوفة والسائمة. # فقال: أردت به لا زكاة فيها بحال. والمعلوفة فيها الزكاة بحال، وهي إذا ~~سمنت (7) . PageV05P1450 # وهذا التفسير يقبل؛ لأن ظاهر قوله: لا زكاة فيه، أنه لا زكاة فيها بحال. # أما التفسير المخالف، فهو أن يقول: مكيل، فوجب أن يحرم فيه التفاضل. # أصله: الأربعة المنصوص عليها. # فيناقض بالجنسين (1) . # فيقول: أردت به إذا كان جنسا واحدا، فلا يقبل منه؛ لأن لفظه عام في جنس ~~واحد وجنسين، فيريد أن يجىء بلفظه زيادة، يضيفها إليه ليخرج موضع النقض من ~~لفظ العلة، وهذا لا سبيل له إليه بعد انتقاض ما تناوله لفظ علته. # وقال بعضهم: إذا جاز لصاحب الشريعة أن يطلق لفظا عاما ثم يخصه جاز ذلك ~~لمعلل. # وهذا فاسد؛ لأن من يقول: لا يجوز تأخير البيان لا يجوز ذلك إلا أن يكون ~~البيان سابقا، ليكون دليل التخصيص بمنزلة القرينة. # ومن يجوز تأخير البيان، فإنما يجوزه إلى وقت الحاجة، ولا يجوز تأخير ~~البيان عن وقت ms580 الحاجة. والمعلل قد أخر بيانه عن وقت الحاجة وهذا [غير] جائز ~~(2) . # وجواب آخر: وهو أن لصاحب الشريعة النسخ، وله ذكر بعض العلة وترك الباقي. # وهذا لا يجوز للمسؤول القاصد إلى تثبيت الحكم بعلته. # فأما إذا نازعه الحكيم في وصف علته، وامتنع من تسليمه، ففسره بما يوافقه، ~~ويسلم له، وكان اللفظ محتملا لما فسره به، وتستقل العلة بذكره قبل منه. # مثاله أن يقول: الحج لا يسقط بالموت؛ لأنه فعل تدخله النيابة، استقر عليه ~~في حال الحياة، فلا يسقط بالموت، كالدين. PageV05P1451 # فيقول الخصم: الحج لا تدخله النيابة، ويكون الحج للحاج دون المحجوج عنه. # فيقول المعلل: أردت بالنيابة أن للمحجوج عنه أن يأمره بفعله، ويجوز ~~للفاعل أن يقصد بقلبه أنه يفعله له، أو يجب عليه ذلك. # وهذا يسلمه الخصم، وهو ضرب من النيابة. # فصل # إذا كانت العلة للجواز فلا تنتقض بأعيان المسائل (1) . # مثاله أن يقول: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لأن من وجب في ماله ~~العشر، جاز أن يجب في ماله ربع العشر. # فقال: هذا ينتقض بما دون المائتين، وببنات البدن والحمير والبغال وسائر ~~الأموال التي لا تجب الزكاة فيها. # أو قال [في الصبي والمجنون] : حر مسلم، فجاز [225/ب] أن تجب الزكاة في ~~ماله قياسا على البالغ العاقل. # فقال: ينتقض بالأموال التي ذكرناها. # وهذا ليس ينتقض؛ لأن النقض وجود العلة مع عدم الحكم، وليس حكم هذه العلة ~~وجوب ربع العشر أو وجوب الزكاة في كل ماله، وإنما حكمها وجوب ربع العشر أو ~~وجوب الزكاة في مال غير معين. # فإذا وجبت الزكاة في مال من الأموال وأسقطها عن غيره كان حكم العلة ~~موجودا، ولم يكن النقض داخلا على العلة. PageV05P1452 # فصل # [التسوية بين الفرع والأصل تدفع النقض] # إذا انتقضت علة المعلل، فقال: قصدت التسوية بين الأصل والفرع (1) ، جاز ~~(2) . # وهو قول أصحاب أبي حنيفة (3) . # وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز ذلك (4) . # ومثاله: أن نقول في المسح على العمامة: عضو يسقط في التيمم، فجاز المسح ~~على حائله كالقدمين. # فيقول المخالف: هذا ينتقض به في الغسل من الجنابة ms581 (5) . PageV05P1453 # فنقول: قصدنا التسوية بين الرأس والقدمين، والرأس والقدمان ينقضان في غسل ~~الجنابة. # وكذلك السلم، موجود عند المحل، فصح السلم فيه كما لو كان موجودا حين ~~العقد. # ولا يلزم عليه الجواهر؛ لأنها لو كانت موجودة حين العقد لم يجز السلم ~~فيها. # ومثاله ما قاله الحنفي: من صح قبوله البيع صح قبوله النكاح. # أصله: الحلال. # فقيل له: ينتقض بمن له أربع نسوة، فإنه يصح قبوله للبيع، ولا يصح قبوله ~~للنكاح. # فقال: قصدت التسوية بين المحرم والمحل، والمحرم والحلال يتفقان في ذلك. # أو قال: مائع فجاز إزالة النجاسة به كالماء. # فقال خصمه: ينتقض بالمائع النجس. # فقال: قصدت التسوية بين المائع والماء، والنجس لا يجوز إزالة النجاسة به ~~فيهما. # والدلالة عليه: # أن القصد بالعلة التسوية بين الأصل والفرع، فإذا استويا في الحكم وفي ~~ضده، دل ذلك على قوة الشبه بينهما، وجرى ذلك مجرى قوله: بنو (1) بكر زرق ~~كبني تميم، فبان (2) أن في بني بكر أشهل، وفي بني تميم أشهل، لم يمتنع ذلك ~~من صحة الشبه، كذلك هاهنا. # وأيضا: فإن الكسر كالنقض، بدليل أن كل واحد منهما يمنع الاحتجاج بالعلة. ~~PageV05P1454 # ثم ثبت أن التسوية في الكسر بين الأصل والفرع يمنع لزومه، كذلك النقض. # ومثاله ما قاله المخالف فيمن وطىء ليلا في كفارة الظهار: إن وطأه لم ~~يصادف صوما فلم يفسد، كالوطء في كفارة القتل. # فقيل له: لا يمتنع أن لا يصادف الصوم ويفسد، كما لو نوى صيام تطوع أو ~~قضاء، فإن التتابع يفسد، وإن لم يفسد [266/أ] الصوم. # فيقول المخالف في الأصل مثله، وهو كفارة القتل، وأن ذلك يفسد، كذلك في ~~الظهار، فيكون ذلك جوابا سديدا، كذلك هاهنا. # وأيضا: فإنه ليس من شرط العلة جريانها في جميع المعلول. # بدليل أنه لو كان الخلاف في فصلين، فنصب العلة على أحدهما كانت صحيحة، ~~فإذا لزم على العلة نقضا، فقال في الأصل مثله، فأكثر ما فيه أنها لم تجر في ~~جميع المعلومات، وذلك جائز. # واحتج المخالف: # بأن النقض، وجود العلة مع عدم حكمها. # وحكم هذه العلة صحة قبول ms582 النكاح دون التسوية. وقد وجدت العلة، وحكمها ~~معدوم. # والجواب: أن النقض وجود العلة مع عدم حكمها، مع اختلاف الأصل والفرع في ~~ذلك. فأما مع اتفاقهما، فليس هذا حد النقض وصفته. # واحتج: بأن هذا القائل يسقط الأصل؛ لأن حكم العلة إذا كان التسوية بين ~~الأصل والفرع وجب أن يقيس الحلال على ما ليس بحلال لصحة قبوله للبيع، ويكون ~~حكمهما مساويا لحكم الحلال، وهذا لا تجده بحال. # والجواب: أنه لا يسقط الأصل؛ لأن الأصل مجمع على حكمه، ولا حاجة بنا إلى ~~قياسه على غيره. والفرع مختلف فيه، فبنا حاجة إلى قياسه # PageV05P1455 # على غيره. # فبان أن الأصل لا يسقط، ووجود [علة] النص فيهما يدل على تأكيد شبهه به في ~~الحكم وضده (1) . # واحتج: بأن وجود التسوية إقرار بالنقض في الأصل والفرع. # والجواب: أن هذا إقرار بالأصل والفرع لم يجريا في جميع المعلول. # وقد بينا أن جريانهما في جميعه ليس بشرط. ثم هذا يلزم عليه التسوية بين ~~الأصل والفرع في الكسر. # واحتج: بأن ما أفسد إذا لم يمكن التسوية أفسد وإن أمكن التسوية، يدل عليه ~~الممانعة وعدم التأثير. # والجواب: أنه إذا لم يمكن التسوية، فالعلة لم تجر في شىء من المعلول، ~~فإذا أمكن جرت في شىء مثله. ثم يلزم عليه الكسر، فإنه يفسد إذا لم يمكن ~~التسوية، ولا يفسد إذا أمكن. ### | مسألة # لا يجوز للمسؤول أن ينقض السائل بأصل نفسه (2) . PageV05P1456 # وحكي عن الجرجاني أنه كان يستعمله (1) . # وسئل أبو بكر الباقلاني (2) عن ذلك فقال: له وجه في الاحتمال (3) . # ومثاله، أن يقول: مهر المثل يتنصف بالطلاق قبل الدخول؛ لأنه مهر يستقر ~~بالدخول؛ فوجب أن يتنصف بالطلاق قبله. أصله: المسمى في العقد. # فيقول المسؤول من أصحاب أبي حنيفة: هذا ينتقض على أصلي بالمسمى بعد ~~العقد، فإنه يستقر بالوطء، ولا يتنصف بالطلاق قبله، وإنما يسقط جميعه يسقط ~~جميع مهر المثل (4) . [266/ب] . # أو يقول: لا يجب للمتوفى عنها زوجها السكنى؛ لأنه لا نفقة لها، قياسا على ~~الموطوءة بشبهة (5) . # فيقول المسؤول من أصحاب الشافعي: هذا ينتقض على أصلي بالمطلقة البائن ~~الحائل ms583 (6) ، فإنه لا نفقة لها، ويجب لها السكنى (7) . PageV05P1457 ### | دليلنا: # أن علل المعلل حجة عليه في المواضع التي ينقض عليه بها لوجود علة فيها. ~~ولا يجوز أن يدفع الحجة بدعواه. # ولا يجوز أن يقول: أنا أدل عليه بدليل أقوى من القياس؛ لأنه انتقال من ~~موضع فرض الكلام فيه إلى غيره، وهذا لا يجوز له. ويكون ذلك انتقالا منه، ~~كما لا يجوز إذا فرض الكلام في الدليل من الخبر أن ينقله إلى القياس، أو من ~~القياس إلى الخبر. # وإذا لم يجز للسائل أن ينقل الكلام عن الموضع الذي فرضه المسؤول؛ لأنه ~~تابع للمسؤول، فلأن لا يجوز للمسؤول أن ينقله عن الموضع الذي فرض الكلام ~~فيه باختياره أولى. # ويخالف هذا في الابتداء، فإن للمسؤول أن يبني على أصله؛ لأنه لم يتعين ~~عليه الكلام في موضع بعينه. # ألا ترى أن له الاختيار في الاحتجاج بما اختار من أنواع الأدلة، فإذا فرض ~~الكلام في شىء منه وعينه لم يجز أن ينتقل عنه، وإذا انتقل كان منقطعا. فدل ~~على الفرق بينهما. # وأما نقضها على أصل المعلل فصحيح؛ لأنه يعلمه أنها منتقضة على أصله، ~~لوجود علته مع عدم حكمها على أصله. # وإذا بين له ذلك كانت العلة منتقضة باعتراف المعلل، فلزمه النقض. # واحتج المخالف: # بأن المسؤول له أن يبني على أصله في الابتداء، فيقول: إن سلمت موضع النقض ~~فقد انتقضت العلة، وإن لم تسلم، دللت على صحته (1) . PageV05P1458 # ولأنه إذا كان للمسؤول أن ينقض علة السائل على أصل السائل، وإن كان ~~المسؤول لا يقول به، كذلك يجوز على أصل نفسه، وإن كان السائل لا يقول به. # والجواب: ما ذكرنا (1) . # فصل # ولا يجوز لأحد أن يلزمه خصمه ما لا يقول به إلا النقض (2) . # فأما غير النقض، من دليل الخطاب أو القياس أو المرسل أو غير ذلك، فلا ~~يجوز له التزامه؛ لأنه يكون محتجا بما لا يقول به، ومثبتا للحكم بما ليس ~~بدليل. # ويخالف الناقض؛ لأنه غير محتج بالنقض، ولا مثبت للحكم به. وإنما يعلم ~~المعلل أصله وينبهه على وجود علته ms584 فيه مع عدم حكمها، وهو معروف أن ذلك نقض ~~لعلته وإبطال [227/أ] لها. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يقول دليل خطابه يلزمك على أصلك؛ لأنك ~~PageV05P1459 # تعتقد صحته، وأنه طريق لإثبات الحكم؟ # قيل: لايجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يطالب خصمه بإثبات الحكم من طريق ~~فاسد عند نفسه [ف] كما لا يجوز أن يثبته من طريق فاسد لا يجوز أن يطالب ~~خصمه بذلك. # ولأن له أن يقول: أنت لا تقول بدليل الخطاب، وإنما تركته لما هو أقوى ~~منه، فكان تركه في هذا الموضع مجمعا عليه (1) . # ومثال ذلك، أن يحتج على بطلان النكاح من غير ولي بما روت عائشة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل) . # فيقول خصمه: يجب إذا نكحت بإذن وليها أن يجوز من طريق دليل الخطاب. # والجواب عنه بما ذكرنا. # فصل # إذا لم يسلم النقض، فقال الناقض: أنا (2) أدل على صحته، لم يجز ذلك (3) ؛ ~~لأنه يريد أن ينقل الكلام عن موضع فيه إلى غيره، وهذا لا يجوز، كما لا يجوز ~~الانتقال من دليل إلى دليل، وإن لم يدل عليه، ولكنه إن أراد أن يكشف عن أصل ~~المعلل يلغى (4) من ذلك ولم يجز للمعلل منعه منه. PageV05P1460 # مثاله: إذا قال أصحاب أبي حنيفة فيمن تيمم لشدة البرد وصلى: لا يعيد؛ ~~لأنه مأمور بالصلاة، فوجب أن لا يؤمر بقضائها، قياسا على الصلاة بالوضوء ~~(1) . # أو المريض إذا تيمم، فنقض ذلك عليه بالمحبوس في المصر عن الماء، فإنه ~~يتيمم، ويصلي، ويعيد. # فقال: لا يعيد في إحدى الروايتين. # فقال له: هذا مذهب زفر (2) وليس هذا بمذهب أبي حنيفة (3) . # وذكره الطحاوي (4) في اختلاف الفقهاء (5) . # فصل # إذا نقض على خصمه، ثم رجع إلى مناكرتها لم يقبل منه (6) . PageV05P1461 # مثاله ما قاله بعضهم في فرقة اللعان: إنها فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج ~~تختص النكاح، فوجب أن تكون طلاقا. أصله: فرقة الطلاق. # فقال له خصمه: إنه منتقض بمن زوج ابن أخيه وهو صغير، فإن له خيارا [عند] ms585 ~~بلوغه، وليس بطلاق. # فقال: قد قلت لا يختص النكاح؛ لأنه يثبت مثل ذلك في إجازة المولى عليه؛ ~~لأن الصغير إذا أجره أبوه أو وليه ثم بلغ كان له فسخ الاجارة، فلا يختص ~~بالنكاح. # فقال له خصمه: وكذلك عندي لا يختص اللعان بالنكاح؛ لأنه يجوز أن يلاعن في ~~نكاح فاسد ووطء شبهة، إذا كان لها ولد يريد نفيه. # وهذا مناكرة بعد مناقضة. # وإنما لا يقبل منه؛ لأن النقض تسليم للعلة واعتراف بوجودها، فإذا أنكرها ~~بعد الاعتراف بها لم يقبل رجوعه عما اعترف به. # فصل # القول بموجب (1) العلة يبطل احتجاج العلل به (2) . PageV05P1462 # لأنه إذا قال بموجبها كانت العلة في موضع الإجماع، ولا تكون متناولة ~~لموضع الخلاف. # ومثاله أن يقول في الاعتكاف: لبث في مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قربة ~~بمجرده، قياسا على الوقوف بعرفة. # فيقول خصمه: عندنا لا يكون اللبث بمجرده قربة حتى تقترن به النية. # فيكون الحكم الذي علله مجمعا عليه. # وكذلك إذا قال: لا تجتمع زكاة الفطر وزكاة التجارة؛ لأنهما زكاتان ~~مختلفتان، فلا تجتمعان في مال واحد، كزكاة السوم وزكاة التجارة. # فيقول خصمه: أقول بموجبه؛ لأنهما لا تجتمعان في مال واحد؛ لأن زكاة الفطر ~~تجب عن بدن العبد، وزكاة التجارة تجب في قيمته، وهما مختلفتان. # وأما إذا كان حكم علته عاما، فقال بموجبها في بعض معلولاتها، لم يصح. # مثاله: أن يقول: [القيام] ركن من أركان الصلاة، فلا يكون لركوب السفينة ~~تأثير في سقوطه، كالركوع والسجود. # فيقول الخصم: أقول بموجب العلة؛ لأن عندنا لا تأثير له في سقوطه إذا ~~PageV05P1463 # كانت السفينة واقفة، فإنه لا يجوز أن يترك القيام، وإنما يجوز إذا كانت ~~سائرة. # فيقال: إلا أن له تأثيرا في حال السير، والعلة عامة في حال الوقوف والسير ~~جميعا، فلم يكن قائلا بموجبها. وكانت العلة حجة عليه في حال السير. # وإذا ادعى أنه يقول بموجب العلة، ففسره بغير موجب العلة لم يصح، ووجب على ~~المعلل بيانه، فإذا بينه سقط السؤال. # وبيانه أن يقول في الحلي: مال تتكرر الزكاة فيه، أو تجب ms586 الزكاة فيه بشرطي ~~النصاب والحول. فوجب أن يكون له حالان: # حال وجوب، وحال سقوط، أصله: الماشية. # فيقول خصمه، إني أقول بموجب العلة؛ لأن لها حال سقوط، وهو إذا كان لصبي ~~أو مجنون. # فيقول المعلل: ليس ذلك حال المال، وإنما حال المالك. فليس ذلك قولا بموجب ~~العلة. # وإن قال: أقول بموجب العلة فيما دون النصاب لم يصح أيضا؛ لأن الحال يجب ~~أن يكون في النصاب مع الحول، كما يكون للماشية، فلم يكن قولا بموجب العلة ~~(1) [228/أ] . PageV05P1464 ### | باب أقسام السؤال والجواب والمعارضات # السؤال (1) على أربعة أضرب (2) ، يقابل كل ضرب من PageV05P1465 # الجواب (1) من جهة المسؤول. # أحدهما: السؤال عن المذهب، فيقول السائل: ما تقول في كذا؟ فيقابله جواب ~~من جهة المسؤول، فيقول: هكذا. # والثاني: السؤال عن الدليل بأن يقول: ما دليلك عليه؟ فيقول المسؤول: كذا. # والثالث: السؤال عن وجه الدليل، فيبينه المسؤول. # الرابع: السؤال (2) على سبيل الاعتراض والقدح فيه، فيجيب المسؤول عنه، ~~ويبين بطلان اعتراضه وصحة ما ذكره من وجه دليله. # فإذا ثبت هذا، فإذا سأل سائل عن حكم مطلق، نظر المسؤول فيما سأله ~~PageV05P1466 # عنه، فإن كان مذهبه موافقا لما سأل عنه من غير تفصيل فيه أطلق الجواب ~~عنه. # وإن كان عنده فيه تفصيل، كان بالخيار بين أن يفصله في جوابه وبين أن يقول ~~للسائل: هذا مختلف عندي، فمنه كذا، ومنه كذا، فعن أيهما تسأل؟ # فإذا ذكر أحدهما أجاب عنه، وإن أطلق الجواب كان مخطئا (1) . # مثاله: أن يسأل حنبلي عن مس النساء هل ينقض الوضوء؟ # وعنده إن كان لشهوة نقض، وإن كان لغير شهوة لم ينقض (2) . # فيقول للسائل هذا التفصيل. # وإن شاء قال: منه ما ينقض ومنه ما لا ينقض. [فعن أيهما تساءل] ؟ # ومثل: أن يسأل شافعي عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟ # وعند المسؤول أن جلد الكلب والخنزير لا يطهر، وكذلك ما تولد منهما أو من ~~أحدهما، ويطهر ما عدا ذلك (3) . PageV05P1467 # فيقول للسائل هذا التفصيل. # وإن شاء قال: منه ما يطهر بالدباغ ومنه ما لا يطهر. فعن أيهما تسأل؟ # فأما إذا أطلق الجواب ms587 وقال: يطهر بالدباغ كان مخطئا (1) . # وإذا صح الجواب من جهة المسؤول قال السائل: ما الدليل عليه؟ وهو السؤال ~~الثاني. # فإذا ذكر المسؤول الدليل، فإذا كان السائل يعتقد أن ما ذكره ليس بدليل. # مثل: أن يكون قد احتج بدليل الخطاب، والسائل حنفي لا يقول بدليل الخطاب، ~~أو بالقياس، والسائل ظاهري لا يقول بالقياس فقال للمسؤول: هذا ليس بدليل. # فإن المسؤول يقول له: هذا عندي دليل، وأنت بالخيار بين أن تسلمه وبين أن ~~تنقل الكلام إليه [288/ب] فأدل على صحته. # فإن قال السائل: لا أسلم لك ما احتججت به، ولا أنقل الكلام إلى أصل كان ~~معنتا ومطالبا بما لا يجب عليه؛ لأن المسؤول لا يلزم أن يثبت مذهبه إلا بما ~~هو دليل عنده، ومن نازعه في دليله، دل على صحته وقال بنصرته. # فإذا فعل ذلك فقد قام بما يجب عليه فيه، وإن عدل إلى دليل غيره لم يكن ~~منقطعا؛ لأن ذلك لعجز السائل عن الاعتراض على ما احتج به وقصوره عن القدح ~~فيه. # هذا إذا كان الدليل الذي احتج به أصلا جليا مشهورا. فأما إن كان دليلا ~~خفيا، فنازعه السائل فيه، وامتنع من تسليمه فهو بمنزلة الجلي المشهور. ~~PageV05P1468 # وقال أبو علي الطبري (1) صاحب "الإفصاح" (2) : يكون المسؤول منقطعا، ولا ~~يجوز أن يستدل بأصل خفي إلا بعد أن يستسلمه منه. فإن سلمه احتج به، وإن لم ~~يسلمه دل عليه. # فأما إذا احتج به، ثم نازعه السائل ولم يسلمه له لم يكن له تبيينه، ويكون ~~ذلك انتقالا من جهته وانقطاعا منه، ويخالف الأصل المشهور؛ لأن شهرته تغنيه ~~عن استسلامه وتبيينه (3) . # مثاله: أن يسأل حنبلي عن الحج هل يسقط بالموت؟ فيقول: لا يسقط؛ لأنه حق ~~تدخله النيابة (4) ، استقر عليه حال الحياة، فلم يسقط بالموت كالدين (5) . # فيقول السائل: لا أسلم أن النيابة تدخل الحج. # فقال له المسؤول: إما أن تسلمه، وإما أن تنقل الكلام إلى النيابة فأدل ~~على جوازها، فيكون المسؤول مصيبا إلا على قول صاحب "الإفصاح" (6) ؛ لأنه لا ~~PageV05P1469 # يلزمه أن يثبت مذهبه إلا بما هو دليل ms588 عنده، ومن نازعه فيما هو دليل عنده ~~لا يلزمه أكثر من إقامة الدليل على صحته. # وإذا فعل هذا فقد قام بما وجب عليه، فهو بمنزلة المحتج بدليل جلي مشهور ~~نازعه السائل فيه. # ولأن المسؤول لا يلزمه معرفة مذهب السائل؛ لأنه لا تضره مخالفته؛ ولا ~~تنفعه موافقته، وإنما المعول على الدليل يدل على صحة العلة وأوصافها. # فإذا كان كذلك فخالفه السائل في أوصافها لا يدل على تفريطه إذا أمكنه ~~إقامة الدليل على صحتها ووجوب اعتبارها، فلم يجز أن يكون سببا لانقطاعه ~~ومنسوبا إلى التقصير لأجله. # وأما السائل إذا عارضه بما هو دليل عنده، وليس بدليل عند المسؤول، مثل: ~~أن يعارض خبره المسند بخبر مرسل، أو خبر المعروف بخبر المجهول، وما أشبه ~~ذلك. # وقال المسؤول: إما أن تسلم ذلك لي فيكون معارضا لما رويته، وإما أن تنقل ~~[229/أ] الكلام إلى مسألة المرسل والمجهول. فهذا ليس للسائل أن يقوله ~~ويخالف المسؤول فيه؛ لأن السائل تابع للمستدل فيما يورده المسؤول ويحتج به؛ ~~لأنه لما سأله عن دليله الذي دله على صحة مذهبه والطريق الذي أداه إلى ~~اعتقاده لزمه أن ينظر معه فيما يورده، فإن كان فاسدا بين فساده، وإن لم ~~[يكن] فاسدا صار إليه وسلمه له. # ولهذا المعنى جاز للمسؤول: أن يفرض المسألة حيث أجازه، وكان السائل تابعا ~~له. ولم يجز للسائل أن ينقله إلى جنبة أخرى ويفرضها فيه (1) . PageV05P1470 # السؤال الثالث: # وهو السؤال عن وجه الدليل وكيفيته: # فإنه ينظر فيه فإن كان الدليل -الذي استدل به المسؤول- غامضا يحتاج إلى ~~بيان وجب السؤال عنه. # فإن تجاوزه إلى غيره كان مخطئا؛ لأنه لا يجوز تسليمه (1) إلا بعد أن ~~ينكشف وجه الدليل منه من جهة المسؤول على ما سأله عنه. # وإن كان ظاهرا جليا (2) لم يجز هذا السؤال، وكان السائل عنه متعنتا أو ~~جاهلا. # مثاله: أن يسأل سائل عن جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟ # فيقول: لا يطهر، لقوله:- (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (3) ~~(وبجلد ولا عصب) (4) . PageV05P1471 # فيقول السائل: ما وجه الدليل فيه؟ فيكون مخطئا لظهور ما ms589 سأله، عن بيانه ~~ووضوحه. # وإذا قصد بيانه لم يزده على لفظه (1) . # السؤال الرابع: # وهو السؤال على سبيل الاعتراض والقدح في الدليل. # فإن ذلك يختلف على حسب اختلاف الدليل. # [الاعتراضات على الاستدلال بالقرآن] # فإن كان دليله من القرآن كان الاعتراض عليه من ثلاثة أوجه (2) : # أحدها: أن ينازعه في كونه محكما، ويدعي أنه منسوخ. # مثاله: أن يحتج الحنبلي (3) بقوله، تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء حتى ~~تضع PageV05P1472 # الحرب أوزارها) (1) . # فيدعى المخالف (2) أنه منسوخ بقوله تعالى: (اقتلوا المشركين) (3) . # فيقول المسؤول: إذا أمكن الجمع بينهما لم يجز حمله على النسخ (4) . ~~PageV05P1473 # والثاني: أن ينازعه في مقتضى لفظه. # مثل أن يحتج الحنبلي على وجوب الإيتاء (1) من مال الكتابة بقوله تعالى: ~~(وآتوهم (2) من مال الله الذي آتاكم) (3) . # فيقول المخالف (4) : إنه إيتاء من الزكاة دون مال الكتابة (5) . ~~PageV05P1474 # فيقول المسؤول: هو خطاب للسادات؛ لأنه قال: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم) فلا يصلح لإيتاء الزكاة (1) . # وقد يحتج على أن لولي المقتول أن يعفو على مال بقوله تعالى: (فمن عفي له ~~من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) (2) . # فيقول [229/ب] المخالف (3) : العفو هاهنا هو البذل من القاتل، فكأنه أمر ~~بأخذ المال إذا بذله القاتل. # فيحتاج (4) أن يبين أن المراد به عفو الولي بأن يقول: حقيقة العفو هو: ~~الترك دون البذل (5) . PageV05P1475 # الثالث: أن يعارضه بغيره. # فيحتاج إلى أن يجيب عنه بأن يبين أنه لا يعارضه، أو يرجح دليله على ما ~~عارضه به. # مثاله: أن يحتج بقوله تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج (1)) وهذا يقتضى أن يكون جميعها مواقيت للناس [والحج] (2) . # فيعارضه المخالف (3) بقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) (4) والمراد به: ~~إحرام الحج في أشهر معلومات. # أو يحتج على تحريم الجمع بملك اليمين بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين ~~الأختين) (5) . # فيعارضه بقوله تعالى: (أو ماملكت أيمانكم) (6) . # أو يعارضه بالسنة. ويكون جواب المسؤول ما ذكرته (7) . PageV05P1476 # [الاعتراضات على الاستدلال بالسنة] # وإن كان دليله من السنة فالاعتراض عليه من خمسة أوجه: # أحدها: أن يطالبه بإسناده (1) . # والثاني: القدح في إسناده. # والثالث: الاعتراض على متنه. ms590 # والرابع: أن يدعى نسخه. # والخامس: أن يعارضه. # فأما المطالبة بإسناده: فهي [صواب] (2) ؛ لأنه لا حجة فيه إذا لم يثبت ~~إسناده. # وقد جرت عادة المتأخرين من أهل العلم ترك المطالبة بالإسناد، وهذا لا بأس ~~به في الألفاظ المشهورة المتداولة بين الفقهاء. # فأما الغريب الشاذ فإنه يجب المطالبة بإسناده. # وذلك مثل ما احتج به أصحاب أبي حنيفة فقالوا: روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وبين أهل الحرب في دار الحرب) ~~(3) . PageV05P1477 # وقال: (المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة) (1) . PageV05P1478 # وقال: (لا قصاص إلا بالسيف) (1) . وما أشبه ذلك. PageV05P1479 ### | ................................. # PageV05P1480 # [الاعتراض على الإسناد] # الاعتراض الثاني هو القدح في الإسناد فمن ثلاثة أوجه: # أحدها: رجوع الراوي عنه. # والثاني: عدم عدالته. # والثالث: كونه مجهولا. # فأما رجوع الراوي عنه فمثل حديث الحسن بن عمارة (1) PageV05P1481 # روى حديث نبيشة (1) (حج عن نبيشة، ثم حج عن نفسك) (2) . # ثم رجع إلى الصواب، وهو حديث شبرمة: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة) (3) . ~~PageV05P1482 # والثاني: عدم عدالته مثل: بركة بن محمد الحلبي (1) ، روى عن يوسف ابن ~~أسباط (2) عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين (3) عن أبي # هريرة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ~~ثلاثا فريضة، PageV05P1483 # مسنونتان في الوضوء) (1) . PageV05P1484 # قال أصحاب الحديث: بركة الحلبي كذاب يضع الحديث (1) . # الثالث: كونه مجهولا: وهو مثل حديث ابن مسعود [230/أ] في الوضوء بالنبيذ، ~~يرويه أبو زيد عن أبي فزارة، و"أبو زيد" مجهول و"أبو فزارة" ضعيف (2) . # فإن سألنا المخالف عن هذا السؤال لزمنا أن نجيب عنه بما يتبين أنه معروف، ~~وهو أن نبين أنه روى عنه رجلان عدلان، فيخرج بذلك عن حد الجهالة على شرط ~~أصحاب الحديث (3) . # ومثال ذلك: ما روى خالد بن أبي الصلت (4) عن عراك PageV05P1485 # ابن مالك (1) عن عائشة أنها قالت: (بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن ناسا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم، فقال: أو قد فعلوها؟ حولوا ~~مقعدي إلى القبلة) (2) . PageV05P1486 # فقال المخالف: "خالد بن أبي الصلت" مجهول (1) . # وحكى أبو بكر بن المنذر (2) في ms591 كتابه (3) هذا عن أبي ثور (4) . ~~PageV05P1487 # وأجاب عنه فقال: هذا ليس بصحيح؛ لأن أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - قال: ~~"مخرج هذا الحديث حسن" (1) . # وفال غيره (2) : [خالد معروف] (3) روى [عنه (3) ] خالد الحذاء ومبارك بن ~~فضالة (4) وواصل مولى أبي (5) عيينة (6) ، وهؤلاء ثقات، فوجب أن يكون خالد ~~ابن أبي الصلت معروفا. PageV05P1488 # وكذلك حديث ابن أبي عياش (1) عن سعد (2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟) (3) . # فقال المخالف: "زيد أبو عياش (4) " مجهول (5) . # فيجيب عنه بأن الثقات رووا عنه (6) . PageV05P1489 # فأما الإرسال فلا يعترض به على الحديث؛ لأنا قد بينا أن المذهب الصحيح ~~جواز الاحتجاج به، فإذا اعترض به المخالف علينا لم نقبله. # وكذلك لا يصح أن يعترض عليه به. # [الاعتراض على المتن] # الاعتراض الثالث، وهو الاعتراض على متنه: فمن ثمانية أوجه: # أحدها: أن ينازعه في مقتضى لفظه وموجبه، ويدعي أنه لا يتناول موضع ~~الخلاف. # مثاله: أن يحتج حنبلي على أن العشر لا يجب في الخضروات (1) بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: (ليس في الخضروات زكاة) (2) . # فقال المخالف: لا يسمى العشر زكاة عندنا، فلا يتناوله الخبر. # فيجاب عنه: بأن هذا خطأ، لما روى عتاب بن أسيد عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: (يخرص الكرم كما يخرص النخل، ثم يؤدى زكاته زبيبا، كما ~~يؤدى زكاة النخل تمرا) (3) . PageV05P1490 ### | ................................. # PageV05P1491 # وهذا يدل على أن العشر ليس يسمى زكاة (1) . # الثاني: أن يكون المتن جوابا عن سؤال والجواب مستقل بنفسه، فيدعي المخالف ~~قصره على السؤال. # ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الاعتبار بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دون سؤال السائل وقد مضى بيانه في موضعه (2) . # مثاله: أن يحتج حنبلي على وجوب الترتيب في الوضوء (3) بقوله -عليه ~~السلام-: (ابدأوا بما بدأ الله به) (4) PageV05P1492 ### | ................................. # PageV05P1493 # فيقول المخالف: إنه خارج عن البداءة بالصفا (1) . PageV05P1494 # فيقول المسؤول: إنه عام في جميع ما بدأ الله به (1) . # الثالث: أن يكون الجواب غير مستقل بنفسه، ويكون مقصورا على السؤال، ويكون ~~السؤال عن فعل خاص يحتمل موضع الخلاف وغيره، فيلزم السائل المسؤول التوقف ms592 ~~فيه حتى يقوم الدليل على المراد به. # مثاله: ما احتج به أصحابنا في وجوب الكفارة على الوطء ناسيا في رمضان (2) ~~بحديث الأعرابى لما قال للنبى - صلى الله عليه وسلم - وقعت على امرأتي. ~~قال: (اعتق رقبة) (3) . # فيقول المخالف: يحتمل أن يكون عمدا بدليل أنه قال: (هلكت وأهلكت) . # ويكون الجواب عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل وأطلق، فوجب ~~أن يكون وجود الوطء موجبا للكفارة على أي وجه كان. # وقوله: (هلكت وأهلكت) لا يمنع النسيان؛ لأنه يحصل هالكا، فوجب ~~PageV05P1495 # القضاء والكفارة وإن لم يكن آثما. # الرابع: ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: (أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر ~~الإقامة) (1) . # قال المخالف: ليس فيه ذكر الآمر من هو، ويحتمل أن يكون أمر به بعض أمراء ~~بني أمية. # وهذا غلط؛ لأنه لا يجوز أن يأمره بعض الأمراء بتغيير إقامة فعلها بأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - زمانا طويلا وبين يدي أبي بكر وعمر، فلو أمره ~~بذلك أحد لم يقبله بلال، ولو قبله لم يرض به سائر الصحابة -رضي الله عنهم-. ~~PageV05P1496 # وعلى أنه روى عبد الوهاب (1) الثقفي وإسماعيل بن علية (2) وابن لهيعة (3) ~~أن أنس بن مالك قال: (أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يشفع ~~الأذان ويوتر الإقامة) (4) ، وهذا نص. PageV05P1497 # الخامس: ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال: (أما بعد: فإن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع (1) ~~PageV05P1498 # وقال المخالف: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن الاستحباب يسمى أمرا. وقد ~~اختلف الناس في ذلك، فيجوز أن يكون سماه أمرا على اعتقاده. # ويجاب عنه: بأنه يجب حمله على الوجوب عندنا. وقد تقدم بيانه (1) . # السادس: أن يدعى المخالف أن المتن متردد بين النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وبين غيره، فلا يجوز أن ينسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير ~~دليل. # مثاله: ما روي عن سهل بن سعد الساعدي (2) أنه قال: (مضت السنة: أن يفرق ~~بين المتلاعنين) (3) . PageV05P1499 # فقال المخالف: السنة قد تكون ms593 لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي) . # فيجاب عنه: بأن السنة إذا أطلقت اقتضت سنة [231/أ] النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد تقدم بيانه (1) . # السابع: أن يدعي المخالف أن بعض لفظ الحديث من قول الراوي، أدرجه (2) في ~~لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا حجة فيه. # مثاله: ما يحتج به على أن فرقة اللعان فسخ بما روى عبد الله بن عباس بقصة ~~هلال بن أمية (3) إلى أن قال: (ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو ~~رمى ولدها فعليه الحد. وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت، من أجل أنهما ~~يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها زوجها (4)) . PageV05P1500 # وقال المخالف: هذا من قول عبد الله بن عباس أدرجه في قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهذا نص في أن فرقة اللعان ليست بطلاق. # ويجاب عنه: بأن ظاهره أنه من قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه ~~عطفه على ما قبله من قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثامن: أن يكون المتن فعلا جرى في حياة النبي. # فيقول المخالف: يحتمل أن لا يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه، فلا ~~يكون حجة. # مثاله: ما روى أبو سعيد قال: (كنا نخرج على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صاعا من تمر، صاعا من شعير، صاعا من دقيق) (1) . PageV05P1501 # فقال مخالفنا: يحتمل أن يكون فعلوا ذلك بغير علم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بإخراجهم الدقيق. # فنجيب عنه: بأنه لا يجوز أن يخفى ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لأن الصدقات كانت تحمل إليه. # ولأن هذا إخبار عن دوام الفعل فيقتضي زمانا طويلا. # ومن جوز أن يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، فقد ادعى ~~خلاف ما جرت به العادة. # ولأنه لا يجوز أن يسقطوا فرضا وجب عليهم بآرائهم. # الاعتراض الرابع وهو ms594 دعوى النسخ # مثل ما روي عن النبي -عليه السلام- أنه قال: (هل هو إلا بضعة منك، أو ~~مضغة منك) (1) . PageV05P1502 # فيقول: إنه منسوخ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أفضى أحدم ~~بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شىء فليتوضأ) (1) . لأنه رواه أبو هريرة وهو ~~متأخر. # قال أبو هريرة: (صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنوات) (2) ~~. # وقوله: (هل هو إلا بضعة منك) متقدم. # فإن قيس بن طلق روى عن أبيه (3) أنه قال: (قدمت على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو يؤسس مسجد المدينة (4) . # فوجب أن ينسخ المتقدم بالمتأخر. # وكذلك قوله: (يستأنف الفريضة) (5) . منسوخ بقوله: (فإذا زادت الإبل ~~PageV05P1503 # على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) (1) ؛ لأنه ~~عمل به أبو بكر [231/ب] وعمر- رضي الله عنهما-. فدل على أنه غير منسوخ، ~~فوجب نسخ الاستئناف لذلك. # ومثل هذا كثير. # الاعتراض الخامس وهو معارضته بغيره # ويكون الجواب عنه بأن يسقط معارضته، أو يرجح خبره على ما تقدم بيانه. ~~PageV05P1504 # [الاعتراض على الاستدلال بالإجماع] # فإن كان دليله الإجماع فالاعتراض عليه بثلاثة أوجه: (1) # أحدها: بأن يطالبه ببيان ظهور القول لكل مجتهد من الصحابة. # ومثاله: ما روي عن عمر أنه كتب إلى عماله في خمور أهل الذمة (ولوهم ~~بيعها، وخذوا منهم عشر أثمانها) (2) . # فيحتج به أصحاب أبي حنيفة على أن الخمر مال في حق أهل الذمة، يصح ~~PageV05P1505 # بيعهم لها، وتملكهم لثمنها (1) . # فإن كان الاحتجاج بإجماعهم على ذلك طولبوا بظهور هذا القول من عمر ~~وإنتشاره حتى عرفه كل مجتهد منهم، وسكت عن مخالفته. وإذا لم يتمكنوا من ذلك ~~بطل دعوى الإجماع. # الثاني: أن يبين ظهور خلاف بعضهم للقائل. # وإذا اختلفوا وجب الرجوع إلى الدليل. # وذلك مثل: دعوى المخالف إجماع الصحابة على منع صيام يوم الشك، فروي ~~تحريمه عن علي وعائشة وابن عباس خلاف ذلك (2) وأن بعضهم قال: (لأن أصوم ~~يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان) (3) . PageV05P1506 # الثالث: أن يعترض على قول المجمعين أن يكونوا صرحوا بالحكم بمثل ما يعترض ~~على ms595 لفظ السنة. # [الاعتراض على الاستدلال بالقياس] # وإذا كان دليله الذي احتج به هو القياس، فإن الاعتراض عليه من اثني عشر ~~(1) وجها: # أحدها: إنكار علة الأصل على مذهب نفسه، أو على مذهب المعلل. # الثاني: إنكار علة الفرع. # الثالث: إنكار العلة فيهما (2) . # الرابع: إنكار حكم الأصل. # الخامس: أن لا يتعدى حكم الأصل إلى الفرع. PageV05P1507 # السادس: أن يطالب بتصحيح العلة في الأصل. # السابع: أن يقول بموجب العلة. # الثامن: أن ينقض علته. # التاسع: أن يطالب بتفسير علته. # العاشر: أن يقول: إنه مخالف للقرآن أو السنة أو الإجماع أو قول الصحابي ~~على قول من يقدمه على القياس، وإذا كان يوجب زيادة في النص. # الحادي عشر: أن يقلب علته. # والثاني عشر: أن يعارضه بعلة أخرى من أصله أو بقياس مبتدأ على أصل غيره. # فأما إنكار علة الأصل، فمثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في وجوب إخراج زكاة ~~الفطر عن العبد الكافر. أصله: زكاة التجارة (1) . # والعلة في الأصل غير مسلمة؛ لأن زكاة التجارة لا يجب إخراجها عن العبد، ~~وإنما يجب إخراجها عن قيمته [232/أ] . # ألا ترى أن قيمته لو كانت في متاع التجارة لوجب عليه إخراج الزكاة عليها. ~~PageV05P1508 # وإن قال: يجب إخراجها بسبب العبد. # قيل: لا يجب بسبب العبد وإنما يجب بسبب قيمته. # وأما عدم العلة في الأصل على مذهب المعلل فإنه يقل وجوده. # وذلك مثل قول أصحاب أبي حنيفة في تحريم اللعان: فرقة يختص بالقول، فوجب ~~أن لا يتأبد تحريمه. أصله: الطلاق (1) . # وعلة الأصل معدومة عنده؛ لأن عند المخالف الطلاق لا يختص بالقول، فإنه ~~يقع بالكتابة مع النية ممن هو ناطق متمكن من القول. # وهذا الإنكار على الأصلين جميعا؛ لأن عندنا أن الطلاق لا يختص بالقول، ~~ويقع بالكتابة من غير نية. # وأما إنكار العلة في الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة في القارن إذا قتل ~~الصيد: إنه أدخل النقص على إحرامين بقتل الصيد، فلزمه جزاءان (2) . # أصله: إذا قتل صيدا في إحرام الحج، ثم قتل صيدا في إحرام العمرة. # فالعلة معدومة في الفرع؛ لأن القارن محرم بإحرام ms596 واحد، ويكون ذلك بمنزلة ~~من باع عبدين بثمن واحد، فيكون البيع واحدا وإن كان المبيع اثنين، وكذلك ~~إذا عقد إحراما واحدا (3) ، وإن كان المعقود عليه اثنين. PageV05P1509 # وأما إنكار العلة في الأصل والفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة: إذا لم ~~يصم المتمتع في الحج سقط الصوم (1) ؛ لأنه بدل موجب، فوجب أن يسقط بفوات ~~وقته. أصله: الجمعة. # وعلة الأصل غير مسلمة؛ لأن الجمعة ليست ببدل عن الظهر، وإنما الظهر بدل ~~عن الجمعة؛ لأن البدل ما وجب الانتقال إليه لتعذر غيره. # وكذلك علة الفرع غير مسلمة؛ لأن صوم الثلاثة بدل غير مؤقت؛ لأنه مأمور في ~~الحج دون الزمان، والمؤقت ما حصر فعله بوقت بعينه. # ومثل قولهم في إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر: عبد يجب إخراج زكاة ~~التجارة عنه، فوجب إخراج زكاة الفطر عنه. أصله: العبد المسلم (2) . # ووجوب زكاه التجارة عن العبد المسلم وعن العبد الكافر غير مسلم. # وأما إنكار الحكم في الأصل، مثل: أن يقول أصحاب أبي حنيفة في جلد الكلب: ~~بأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فيطهر جلده بالدباغ (3) . أصله: ~~ما يؤكل لحمه. PageV05P1510 # الحكم غير مسلم في الأصل؛ لأن ما يؤكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغ عندنا ~~(1) . # وأما حكم الأصل إذا لم يتعد إلى الفرع، فمثل: قول أصحاب أبي حنيفة ~~[232/ب] في ضم الذهب إلى الورق: إنهما قيم المتلفات، فوجب ضم أحدهما إلى ~~الآخر (2) قياسا على الصحاح والمكسرة، والضم في الأصل بالأجزاء، والضم ~~عندهم بالقيمة (3) ، وهما ضمان مختلفان، ولا يجوز أن يثبت في الفرع غير حكم ~~(4) الأصل؛ لأن علة الأصل تتعدى إلى الفرع، فيتعدى بها الحكم المتعلق بها، ~~وهذا على أصلنا يصح؛ لأن الضم يحصل في الأصل والفرع بالأجزاء (5) . ~~PageV05P1511 # وأما المطالبة بتصحيح العلة في الأصل فنقضها والقول بموجبها. وقد سبق ~~الكلام عليه في باب العلم الدال على صحة العلة والاعتراض عليها. # وأما المطالبة بتفسير لفظ العلة، فمثل: قول أصحاب الشافعي في صوف الميتة: ~~متصل بذي روح ينمو بنمائه، فوجب أن ينجس بنجاسته بموته (1) . # قلنا لهم: قولك: "بموته" إما أن ms597 تريد به موت الأصل أو موت الشعر. # فإن أردت به موت الشعر، لم نسلمه؛ لأن الشعر لا حياة فيه فيموت. # وإن أردت به موت الأصل لم يصح على أصلك؛ لأن عندك إنما ينجس بمفارقة ~~الروح، كما ينجس العضو بمفارقة الروح له، لا بمفارقة الجملة. # فكانت المطالبة به صحيحة، والإجابة واجبة. # وأما إذا كان مخالفا لنص القرآن أو نص السنة أو الإجماع فإنه غير صحيح؛ ~~لأن ذلك كله أقوى من القياس وأولى به، فوجب تقديمها عليه، وإذا كان كذلك ~~كان نقضا للعلة. # وأما إذا كان موجبا للزيادة في النص، فإنه لا يصح على مذهب أبي حنيفة؛ ~~لأن الزيادة في النص نسخ، فلا يجوز النسخ بالقياس (2) . PageV05P1512 # ومثاله: أن بعضهم سئل عن سهم ذوي القربى فقال: سهم من الخمس، فوجب أن ~~يستحق بالحاجة والفقر قياسا على سائر السهام (1) . # فقيل له: فهذا يوجب الزيادة في قوله: (ولذى القربى) (2) . # والزيادة في النص نسخ عندك، ولا يجوز نسخ القرآن بالقياس. # وكذلك إذا كان قياسه مخالفا لقول الصحابي. # وأما قلب العلة على المعلل فيأتي بيانه، وكذلك بيان المعارضة من أصله ومن ~~غير أصله، إن شاء الله تعالى. # وهذا الذي ذكرنا جميع الاعتراضات الصحيحة. # فأما الاعتراضات الفاسدة فقد تقدم ذكرها في باب الاعتراضات. # [المعارضة] # وأما المعارضة (3) فعلى أربعة أضرب: # معارضة النطق بالنطق. PageV05P1513 # ومعارضة العلة بالعلة. # ومعارضة النطق بالعلة. # ومعارضة العلة بالنطق. # فأما معارضة [233/أ] النطق بالنطق فقد سبق الكلام عليه في باب الخصوص ~~والعموم ويقيده (1) ، وذلك لا يخلو من أمرين: # إما أن يكونا سواء في العموم والخصوص، أو كان أحدهما عاما والآخر خاصا. # فإن كانا سواء نظر، فإن أمكن استعمالهما وجب ذلك. # وإن استعمل المسؤول على وجه، واستعمل السائل على وجه آخر، وتعارضا في ~~الظاهر، وجب على المسؤول أن يرجح استعماله، فإن عجز عنه كان منقطعا. # وذلك (2) مثل أن يحتج على المنع من الجمع بين الأختين بملك اليمين بقوله ~~تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) (3) ويعارضه المخالف بقوله تعالى: (أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) (4) . PageV05P1514 # فيقول المسؤول: معناه: ms598 أو ما ملكت أيمانهم في غير الجمع بين الأختين في ~~غير ملك اليمين. # فيحتاج المسؤول أن يرجح استعماله، ويقدمه على استعمال خصمه، بأن يقول: ~~روي عن عثمان أنه قال: (حرمتهما آية، وأحلتهما آية) والتحريم أولى. # ولأن قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين) قصد به بيان التحريم، وليس كذلك ~~قول: (أو ما ملكت أيمانهم) فإنه قصد به مدح قوم. فكان ما قصد به بيان ~~التحريم وبيان الحكم أولى بالتقديم، فيجب حمله على ظاهره وترتيب الآية ~~الأخرى عليه. # وإن تعذر استعمالهما، فإن عرف التاريخ وجب تقديم المتأخر منهما لما روى ~~ابن عباس أنه قال: (كنا نأخذ من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالأحدث فالأحدث) (1) . PageV05P1515 # ولأن المتأخر أقوى من المتقدم؛ لأن المتقدم يجوز أن يكون منسوخا ~~بالمتأخر، ولا يجوز أن يكون المتأخر منسوخا بالمتقدم، فوجب تقديم المتأخر. # وإن جهل التاريخ وجب تقديم أحدهما على الآخر بضرب من ضروب الترجيحات التي ~~ذكرناها في باب ترجيحات الأخبار. وقد تقدم ذلك (1) . # وأما إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا فلا يخلو الخاص من أحد أمرين: # إما أن يكون موافقا للعام أو منافيا له. # فإن كان منافيا له وجب تخصيص العام به، سواء تقدم العام على الخاص، أو ~~تأخر عنه، أو جهل التاريخ. # وذلك مثل قوله: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) (2) وقوله: # (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) (3) وقوله: (والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما) (4) وقول النبي -عليه السلام-: (لا قطع إلا في ~~ربع دينار) وقد حكينا الخلاف في ذلك فيما تقدم (5) . # وإن كان الخاص موافقا للعام فلا يخلو من أحد أمرين: # إما أن يكونا في حكمين، أو في حكم واحد. PageV05P1516 # فإن كانا في حكمين: مثل قوله في كفارة الظهار: (فتحرير رقبة) (1) مع قوله ~~تعالى في كفارة القتل: (فتحرير رقبة مؤمنة) (2) . فإنه يحمل المطلق على ~~المقيد من طريق اللغة وقد حكينا أيضا الخلاف في ذلك (3) . # وإن كانا في حكم واحد فلا يخلو الخاص من أحد أمرين: # إما أن يكون له دليل خطاب، أو لا دليل له. # فإن لم ms599 يكن له دليل خطاب كان الخاص داخلا في العام، وكان ذكرا لبعض ما ~~شمله العموم، فيكون ما تناوله الخاص ثابتا بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ~~ثابتا بالعام دون الخاص. # مثاله: ما روي عن النبي -عليه السلام- أنه قال: (من أفطر في رمضان فعليه ~~ما على المظاهر) . # وقضى في الذي وقع على امرأته بتحرير رقبة (4) فثبتت الكفارة بالخبر. # وإن كان له دليل خطاب، فإنه يقضى بدليل خطابه على العام، فيخرج ما تناوله ~~منه دليله. # وقد ذكرنا مثال ذلك، والوجه فيه ما تقدم في باب الخصوص والعموم بما فيه ~~كفاية (5) . # ومثاله: قوله: (في أربعين شاة شاة) مع قوله: (في سائمة الزكاة) فتخرج ~~المعلوفة من قوله: (في أربعين شاة شاة) . PageV05P1517 # وأما معارضة النطق بالعلة ومعارضة العلة بالنطق: # فإنه ينظر في النطق: فإن كان نصا لا يحتمل إلا معنى واحدا، فإنه يجب ترك ~~القياس له، سواء كان النطق من القرآن أو من السنة المتواترة أو من خبر ~~الواحد. # وقد حكينا خلاف أصحاب مالك وأن القياس مقدم على خبر الواحد (1) . # وإن كان النطق عاما أو ظاهرا: فقد حكينا اختلاف الروايتين، واختلاف ~~الفقهاء، وأن منهم من قال: يجب ترك القياس. # ومنهم من قال: يخص العام به، ويصرف الظاهر عن ظاهره. وذكرنا الوجه في ذلك ~~(2) . # وأما معارضة العلة بالعلة: # فلا يخلو من أحد أمرين: # إما أن تكون من أصلين، أو من أصل واحد. # فإن كانت من أصلين: مثل أن يقول أصحاب أبي حنيفة: طهارة بالماء، فوجب أن ~~لا تفتقر إلى النية قياسا على إزالة النجاسة. # ونعارضه، فنقول: طهارة من خبث، فلا يصح بغير نية. أصله: التيمم. # ومثل ذلك كثير. # والجواب عن ذلك: أن [نبطل] قياس المخالف بوجه من وجوه الإفساد التي ~~ذكرناها، أو يرجح قياسه بوجه من وجوه الترجيحات التي نذكرها فيما بعد إن ~~شاء الله تعالى. # وإن كانت من أصل واحد فلا يخلو: من أن تكون بعلة غير علته أو بعلته، وإن ~~تعلق عليها غير حكمها. PageV05P1518 # فإن كانت بعلة أخرى فلا يخلو من أحد أمرين: # إما ms600 أن يكون بعلة [234/أ] واقفة، أو علة متعدية. # فإن كانت واقفة، مثل أن يقول: يصح ظهار (1) الذمي؛ لأنه زوج يصح طلاقه، ~~فوجب أن يصح ظهاره كالمسلم. # فيقول الخصم: المعنى في الأصل أنه يصح تكفيره بالصوم فصح ظهاره، وليس ~~كذلك الذمي، فإنه لا يصح تكفيره بالصوم فلا يصح ظهاره. # فإن المبتدىء بالعلة ينظر فيه، فإن كان المعارض لا يقول بعلة واقفة لم ~~تصح المعارضة؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بما لا يقول به. # والمعارض يقول: ليست العلة التي نصبها الله تعالى وعلق حكمه عليها ما ~~ذكره المبتدىء بالعلة، وإنما هي غيرها، فلا يجوز أن يذكر ما يقر هو بفساده. # وإن كان المعارض يقول بالعلة الواقفة: قد قيل إن المبتدىء بالعلة يقول: ~~أنا أقول بالعلتين جميعا؛ لأنهما لا يتعارضان، فإن موجب العكس في الأصل ~~واجب في الفرع، يوجد أحدهما وهي المتعدية، ولا يوجد الأخرى وهي الواقفة، ~~فيجب أن يحكم بالمتعدية إليه، ولا تعارضه الواقفة؛ لأنها غير موجودة فيه. # وقيل: لا ينبغي أن يقول: أقول بالعلتين؛ لأنه إقرار بصحة علة الخصم ~~والشهادة لها. ولا حاجة به إلى ذلك. ولكنه يقول: علتك لا تعارض علتي لما ~~قدمته، وهو أن موجبهما أصل واحد، وفي الفرع توجد المتعدية، ولا توجد ~~الواقفة، فلا يجوز أن يتعارضا في الأصل ولا في الفرع، فلا يكون الخصم بهذه ~~العلة معارضا. # فإن قيل: العلة الواقفة تعارض المتعدية في الفرع؛ لأن زوال العلة يوجب ~~PageV05P1519 # زوال الحكم، فيوجب أن يكون الذمي لا يصح ظهاره. # قيل: زوال العلة يوجب زوال الحكم المتعلق بها ولا يوجب ضد حكمها. # فإذا كان الحكم متعلقا بعلتين فزالت إحداهما زال الحكم المتعلق بها، وبقي ~~الحكم متعلقا بالعلة الأخرى لا تعارضها العلة الزائلة، ولا يوجب ضد حكمها. # ألا ترى أن الحائض والمحرمة بالحج يحرم وطؤها لحيضها ولإحرامها، فإذا ~~انقطع حيضها بقي تحريم وطئها متعلقا بالإحرام. # وإن عارضه بعلة متعدية فلا يخلو من أحد أمرين: # إما أن تكون داخلة في علته أو غير داخلة فيها. # فإن كانت داخلة في علته: مثل ms601 تعليل مالك تحريم التفاضل بالقوت (1) ، مع ~~تعليل أحمد -رحمه الله- بالكيل. # والجواب عنه كالجواب عن العلة الواقفة؛ لأن القوت داخل في الكيل. # وإن كانت خارجة عن علته ومتعدية إلى فروع لا يقول بها، لأنها (2) تتعدى ~~إلى فروع لا يجري فيها (3) الربا عند مالك (4) والشافعي (5) مثل الخضر ~~وغيرها (6) . # فإذا [234/ب] كان كذلك كان الجواب عنه إفساد علته أو يرجح (7) علته على ~~علة خصمه، كما قلنا في العلة المعارضة من غير أصلها. PageV05P1520 # وأما معارضة العلة بتلك العلة بعينها (1) ، فإنها تسمى قلبا (2) وتسمى ~~المشاركة في الدليل. # ومثاله: أن يقول: صلاة فرض لا تقضى في السفر، فوجب أن ينفصل وقتها عن وقت ~~الصلاة التي بعدها قياسا على صلاة الصبي. # فيقول له: وجب أن يكون لها وقتان أو وقت ممتد قياسا على صلاة الصبح. # أو يقول المخالف: لبث في مكان مخصوص، فلا يكون قربة بنفسه قياسا على ~~الوقوف بعرفة. # فيقال له: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم قياسا على الوقوف بعرفة. # ومثل هذا كثير. # فهو صحيح (3) . # ومن أصحاب الشافعي من قال: لا يصح (4) . PageV05P1521 # والدلاله على صحته: أن هذه معارضة صحيحة؛ لأن المبتدىء بالعلة لا يمكنه ~~أن يجمع بينهما ويعلقهما على علته. وإذا كان كذلك كانا متعارضين، وكان ذلك ~~بمنزلة المعارضة من أصل آخر. فإنه لما تعذر الجمع بين حكم الأصلين في الفرع ~~كانا متعارضين، كذلك هاهنا. # وأيضا: فإن المخالف استدل على المنع من نقض البناء في مسألة الساجة (1) ~~بقوله -عليه السلام-: (لا ضرر ولا إضرار في الإسلام) (2) وفي نقض بنائه ~~إضرار به؛ لأنه إفساد لآلته، وإبطال لنفقته، فوجب أن يمنع منه. ~~PageV05P1522 ### | ................................. # PageV05P1523 # فقال أصحاب الشافعي وجب رد ساجته وما غصبه من آلته؛ لأن في منع ذلك منه ~~إضرارا (1) به. # وإذا كان هذا صحيحا كان القلب صحيحا؛ لأنه يشاركه في دليله. # واحتج المخالف: # بأنها معارضة في غير الحكم الذي علله، فلا يلزمه الجواب عنه. # ألا ترى أنه إذا استأنف قياسا في حكم آخر لم يصح لهذا المعنى، كذلك لا ~~يصح القلب. # والجواب: أنه يبطل بالمشاركة في دلالة ms602 الخبر على ما بيناه في مسألة ~~الساجة، فإنه معارضة في غير حكمه وقد صح. # وعلى أن مثل هذا جائز للمعارض، وإن كان من أصل آخر؛ لأنه في معنى ضد ~~حكمه؛ لأنه لا يمكنه الجمع بينهما كما (2) لا يمكنه الجمع بين PageV05P1524 # الحكم وضده. # واحتج بأن أوصاف علة المعلل لا تصلح للحكم الذي نقلتها فيه، فلا تكون ~~مؤثرة في وجوده، فلم يصح القلب. # والجواب أن هذا في بعضه دون بعض. # ألا ترى أنه إذا قال (1) : عضو من أعضاء الوضوء، فلا يجوز في إيصال الماء ~~إليه ما يقع الاسم عليه (2) . # فقلبه الخصم على أبي حنيفة [235/أ] وقال: وجب أن لا يقدر بالربع (3) ، ~~كانت العلة في الحكمين سواء، ولم يكن فرق بين أن يجعل عضوا من أعضاء الوضوء ~~علة لإجزاء اليسير وبين أن يجعل علة لنفي التقدير. # وفي القلب نوع أحسن، وهو الذي يسمى قلب التسوية (4) . # مثاله: أن يقول المخالف (5) : إيقاع طلاق من مكلف مالك للطلاق، موجب أن ~~يقع الطلاق. أصله: المختار. # فيقلبه الخصم عليه فيقول: وجب أن يكون حكم الإيقاع والإقرار سواء قياسا ~~على المختار. PageV05P1525 # وهو صحيح (1) . # ومن أصحاب الشافعي من منع صحته (2) . # والدلالة على صحته: أن الجمع بين الحكم المبتدىء بالعلة وبين حكم القالب ~~لا يصح، فكان بمنزلة القلب الأول. # فعلى هذا حكم الفرع موافق لحكم الأصل؛ لأن الحكم هو الاستواء، وهذا في ~~الأصل والفرع واحد. وإنما يختلفان في كيفية الاستواء، والكيفية حكم غير ~~الاستواء. # ألا ترى أن النبي -عليه السلام- لو قال: حكم الإيقاع والإقرار سواء، كانت ~~التسوية واجبة بالنص، وكيفية التسوية غير منصوص عليها، فإذا دل الدليل على ~~أنهما يستويان في الأصل في الصحة وفي الفرع في البطلان كانت الكيفية مجتهدا ~~فيها، والاستواء منصوصا عليه. # فعلى هذا يجوز قياس أصحاب أبي حنيفة: مالان من جنس الأثمان، فوجب ضم ~~أحدهما إلى الآخر قياسا على ضم المكسرة والصحاح، وإن كان الضم في الأصل في ~~الأجزاء وفي الفرع في القيمة على قولهم (3) . # ومن قال: لا يصح هذا القلب لا يجوز هذا القياس؛ لأنهما يختلفان، ms603 ويجب أن ~~يكون الفرع موافقا لحكم الأصل. # واحتج في ذلك: بأن حكم الفرع في ذلك مخالف لحكم الأصل؛ لأن PageV05P1526 # الاستواء [في الأصل] في الصحة وفي الفرع في البطلان عند القالب. ويجب أن ~~يكون حكم الفرع مثل حكم الأصل؛ لأن حكم الأصل يجب أن يتعدى إلى الفرع لتعدي ~~علة الأصل عليه. # والجواب عنه ما ذكرنا، وهو أن الجمع بين حكم المبتدىء بالعلة وبين حكم ~~القالب لا يصح، فلم يجب اعتبارهما في القلب. # نوع ثالث: # وهو أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا (1) . # والمراد بالمعلول هو الحكم، فكأنه يجعل حكم المبتدىء بالعلة علة وعلته ~~حكما. # مثاله: أن يقول (2) : زوج يصح طلاقه، فوجب أن يصح ظهاره (3) قياسا على ~~المسلم. # فيقول المخالف: ما ينكر على من قال: إنما صح طلاق المسلم؛ لأنه صح ظهاره. # قيل له: هذا القلب بمنزلة المعارضة بعلة واقفة وأصل عليه. # ويكون الجواب عنه ما ذكرنا من القول بهما. أو قوله: إنهما لا يتعارضان، ~~فلا يصح القلب. # وقد قيل: يصح هذا القلب؛ لأنه لا يجوز [235/ب] أن يثبت الحكم لما ~~PageV05P1527 # هومثبت له. # فإذا كان ثبوت الظهار لثبوت الطلاق في الأصل لم يجز أن يكون كل واحد ~~منهما أمارة على الآخر من الأمارات الشرعية (1) . # فيقول (2) صاحب الشريعة: إذا وجدتم صحة الطلاق فاحكموا بصحة الظهار، وإذا ~~وجدتم صحة الظهار فاحكموا بصحة الطلاق، فيكون كل واحد منهما أمارة على ~~الآخر. # وقد وجد مثل ذلك؛ لأن صاحب الشريعة أمرنا إذا أعطينا الابن عطية أن نعطي ~~الابنة، وإذا أعطينا الابنة عطية أن نعطي الابن أيضا (3) ، فصارت (4) عطية ~~كل واحد منهما أمارة على عطية الآخر. PageV05P1528 # فصل # [في ترجيحات العلل] # فأما ترجيحات العلل (1) فمن وجوه: # أحدها: أن ترجح إحدى العلتين على الأخرى بأن تكون موافقة لكتاب الله ~~تعالى. # والثاني: بأن تكون موافقة للخبر عن رسول - صلى الله عليه وسلم -. # والثالث: بأن تكون موافقة لأثر عن الصحابة. # والرابع: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى مستنبطة. # والخامس: بأن تشهد لإحداهما الأصول. # والسادس: بأن تكون إحداهما مطردة منعكسة، فيدل ذلك على تعليق ms604 الحكم بهذه ~~العلة. # والسابع: بأن تكون إحداهما مؤثرة في أصلها، فيوجد الحكم بوجودها ويرتفع ~~بارتفاعها، والأخرى تؤثر في غير أصلها. # الثامن: أن يكون الفرع موجودا بإحدى العلتين في جنسه وشكله فتكون أولى. # التاسع: بأن تكون إحداهما مردودة إلى ما يكثر شبهه به، مثل اللعان، يرد ~~إلى اليمين، فإن شبهه بها أكثر من شبهه بالشهادة. PageV05P1529 # العاشر: بأن تكون إحداهما لا تخص الاسم المنهي عنه منه، والأخرى تخصه ~~كتعليل أبي حنيفة تحريم التفاضل بالكيل، ويبيح تمرة بتمرتين وبرة ببرتين ~~(1) ، ونحن لا نخص الاسم، ويجرى الربا في القليل، والكثير (2) فيكون الذي ~~لا يخصه أولى؛ لأن العموم يشهد لها. # ويمكن أن لا يكون ذلك من الترجيح، وتكون العلة باطلة؛ لأن المطلوب علة ~~الحكم الذي دل عليه الاسم، فلا يجوز إسقاط شىء منه بالعلة. ويخالف تخصيص ~~اسم آخر؛ لأنه إنما يخصه بخصوص الاسم الذي انتزعت العلة منه بذلك، فيكون ~~القضاء بالعلة عليه نقضا للاسم الخاص عليه. # والحادي عشر: بأن يكون حكم إحداهما (3) سابقا لها، وحكم الأخرى غير سابق ~~لها، فالتي لا يسبقها حكمها أولى؛ لأن ذلك يدل على تأثيرها، كقولنا: بائن ~~[236/أ] فلا نفقة لها كالمطلقة قبل الدخول (4) . # وقال المخالف (5) : معتدة من طلاق، فوجب أن تكون لها النفقة كالرجعية؛ ~~لأن النفقة سابقة للعلة في الأصل والفرع، وعلتنا غير سابقة؛ لأن العلة هي ~~البينونة، ولم تسبق سقوط النفقة. PageV05P1530 # الثاني عشر: أن تكون إحداهما صفة ثابتة في الحال والأخرى توجد في الثاني، ~~كقولنا [في رهن المشاع] (1) : عين يصح بيعها فصح رهنها كالمفرد (2) . # وقولهم (3) : قارن العقد معنى يوجب استحقاق [رفع] (4) يده في الثاني، فهو ~~تجوز (5) غير موجود (6) . # الثالث عشر: أن تكون إحداهما صفة محسوسة، والأخرى حكما شرعيا، فتكون ~~الصفة المحسوسة [أولى] لقوة وجودها (7) . # الرابع عشر: أن تكون إحداهما إثبات صفة، والأخرى نفيها، فيكون إثبات ~~الصفة أولى. # الخامس عشر: أن تكون إحداهما حكما متفقا عليه، والأخرى حكما مختلفا فيه، ~~وإن كان الخصمان قد اتفقا عليه. # السادس عشر: أن تكون إحداهما مردودة إلى أصل ثابت بكتاب أو سنة متواترة ~~أو ms605 إجماع أو نص صريح، والأخرى بخلاف ذلك، فتكون أولى؛ لأن الفرع يقوى بقوة ~~الأصل. PageV05P1531 # السابع عشر: أن تكون إحداهما مفسرة، والأخرى مجملة، فتكون المفسر [ة] ~~أولى، كقولنا (1) : أفطر بغير مباشرة. # وقول أصحاب أبي حنيفة (2) : أفطر بأعلى ما في جنسه أو بممنوع نوعه (3) . # الثامن عشر: أن يكون في إحداهما احتياط للغرض فتكون أولى. # التاسع عضر: أن تكون إحداهما ناقلة عن العادة والأخرى مبقية، كانت ~~الناقلة عن العادة أولى؛ لأنها تفيد حكما شرعيا. # وقال بعضهم (4) : المبقية على حكم ما قبله [أولى] (5) ؛ لأن النفي أمر ~~(6) [معتبر] عند اعتراض الشك بالبناء على ما قبله. # وهذا لا يشبه ما ذكرنا؛ لأن البقاء هناك احتياط للعبادة، وأن لا يحكم ~~PageV05P1532 # ببراءة ذمته بالشك. والاحتياط هاهنا في الانتقال؛ لأنه يفيد حكما شرعيا. # العشرون: أن تكون إحداهما تزيد في الحكم، مثل أن توجب إحداهما، وتندب ~~الأخرى، أو تندب إحداهما، وتبيح الأخرى، فتكون: الزائد [ة] أولى. # وكذلك إذا كانت إحداهما تزيد في القدر. # الحادي والعشرون: أن تكون إحداهما حاظرة، فتكون أولى. # وقد بينا ذلك في ترجيح الأخبار. # الثاني والعشرون: أن تكون إحداهما تستوعب معلولها، كقولنا (1) : من جرى ~~بينهما القصاص في النفس جرى بينهما القصاص في الأطراف كالحرين الرجلين، ~~وهذا يستوعب [236/ب] جميع المعلول. # وقولهم (2) : التكافؤ معتبر في الأطراف، ولا يوجد ذلك بين الرجل والمرأة ~~لعدم التساوي في البدل. وهذا لا يعم المعلول؛ لأن العبدين لا يجري بينهما ~~عنده، وإن تساويا في البدل (3) . # الثالث والعشرون: أن تكون إحداهما من باب الأولى فيجب تقديمها. # الرابع والعشرون: أن تكون إحداهما متعدية إلى فرع مختلف فيه، والأخرى غير ~~متعدية، فتكون المتعدية أولى، ولهذا تركنا علة الأثمان في الربا؛ لأنها لا ~~تنعقد (4) . PageV05P1533 # الخامس والعشرون: أن يكون أصل إحداهما ما يعارضها، وهو القلب. # فأما كون إحداهما أعم من الأخرى فلا تكون أولى. # وحكي عن بعض الشافعية أن الأعم أولى (1) . # ولهذا قالوا: العلة الطعم؛ لأنها أعم من الكيل، فإنها تجري فيما لا يكال. ### | دليلنا: # أن أحد العمومين إذا اشتمل على مسميات أكثر من المسميات التي اشتمل عليها ms606 ~~العموم الآخر، لم يكن أكثرهما عددا في المسميات أولى بالاستعمال من أقلهما ~~(2) عددا، كذلك هاهنا. # يبين صحة هذا: أنه ليس في كون إحداهما (3) أكثر من كون فروعها أكثر، وهذا ~~لا يوجب ترجيحها، كما لم يوجب ذلك في العمومين. # على أنهم قد ناقضوا في ذلك، فإنهم لم يجعلوا العلة في تحريم التفاضل في ~~الذهب: الوزن، مع كونها أعم من الأثمان. # وهذه الترجيحات قد كانت تستعمل في المناظرات، وقد عدل عنها في هذا الزمان ~~إلى معان وتأثيرات، وهو أولى؛ لأنه طريق الفقه واستخراج الأمارات الظاهرة ~~المغلبة على الظن المميزة بين الصحيح منها وبين الفاسد. # فإذا ثبت ما ذكرنا، فإن من عجز عن ترجيح دليله على ما عارضه خصمه به، أو ~~إفساده بما يفسده فإنه منقطع. PageV05P1534 # [معنى الانقطاع] # والانقطاع في المناظرة (1) هو: العجز عن بلوغ الغرض المطلوب بالمناظرة ~~(2) . وذلك مأخوذ من قولهم: انقطع في السفر: إذا عجز عن السير وبلوغ الغاية ~~المقصودة به (3) . # [انقطاع المسؤول] # وانقطاع المسؤول بسبعة أشياء: # أحدها: العجز عن بيان المذهب. # والثاني: العجز عن بيان الدليل. # والثالث: العجز عن الانفصال عن المعارضة. # والرابع: بجحده مذهبه. # والخامس: بجحده ما ثبت بإجماع أو نص. # والسادس: بالانتقال. # والسابع: بتخليط كلامه بما لا يفهم. PageV05P1535 # [انقطاع السائل] # وانقطاع السائل بثمانية أشياء. # [الأول] : بالعجز عن بيان السؤال. # والثاني: بالعجز عن المطالبة [237/أ] بالدليل. # والثالث: بالعجز عن المطالبة بتقرير الدليل. # والرابع: بالعجز عن المعارضة. # والخامس: بالعجز عن المنع من الترجيح. # والسادس: بالانتقال عما شرع فيه قبل إتمامه. # والسابع: بجحد ما ثبت بنص أو إجماع. # والثامن: بتخليط كلامه على وجه لا يفهم (1) . ### | مسألة # لا يجوز أن يعتدل قياسان على أصل واحد مع كون أحدهما موجبا للحظر وكون ~~الآخر موجبا للإباحة (2) ، ولابد من وجود المزية في أحدهما. وقد ~~PageV05P1536 # تظهر تلك المزية وقد تخفى. # فإذا خفيت وجب أن يجتهد في طلب ترجيح أحدهما والوقف إلى أن يتبين ذلك. # وكذلك الأخبار، لا يجوز أن يرد خبران متعارضان من جميع الوجوه، ليس مع ~~أحدهما ترجيح يقدم به. # وقد قال أبو بكر الخلال ms607 في كتاب العلم: "لم أجد عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حديثا متضادا إلا وله وجهان، أحدهما إسناد جيد، والآخر إسناد ~~ضعيف". # وإلى هذا ذهب الكرخي من أصحاب أبي حنيفة (1) وأبي سفيان. # وحكاه الإسفراييني عن أصحابه أيضا (2) . # وذهب الرازي إلى جواز ذلك وقال: إذا اعتدل قياسان في نفس المجتهد، ~~وأحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة، فإن المجتهد يكون مخيرا في أن ~~يحكم بأيهما شاء (3) . # وبه قال قوم من المتكلمين (4) . # وإليه ذهب الجرجاني أيضا (5) ، وحكى قول الكرخي وقال: # هذا خلاف ما قاله أبو حنيفة في سؤر الحمار: إن دليل الحظر والإباحة ~~PageV05P1537 # تساويا، فتوقف فيه (1) . ### | دليلنا: # اتفاقهم على أن الحكم في الحادثة يتبع كونها ببعض الأصول أشبه منها ~~بغيره. # وإذا كان كذلك لم يجز أن تكون الحادثة بكل واحد من الأصلين أشبه منها ~~بالآخر. # فلم (2) يجز أن يعتدل قياسان، ولابد من وجود الرجحان في أحدهما. # ولأن كل واحد من القياسين لو انفرد لم يوجب التخيير، كذلك إذا اجتمعا؛ ~~لأن التخيير معنى زائد، فلا يجوز إثباته إلا بدلالة. # وإذا سقط اعتبار التخيير لم يجز للمجتهد أن يقيس الفرع عليهما، ويلزمه أن ~~يجتهد في طلب ترجيح أحدهما، والوقف إلى أن يتبين ذلك. # كما لو لم يعرف في الابتداء أصلا يقيس الفرع عليه لزمه التوقف. # ولأن هذا يوجب تكافؤ الأدلة وتعارضها، وهذا خلاف موضوع الشريعة. # واحتج المخالف: # بأنه لا يستحيل في العقل تكافؤ (237/ب) جهات القياس بدلالة أنه قد يصح أن ~~تتساوى جهات القبلة عند الخطأ. PageV05P1538 # وإذا كان ذلك جائزا وجب أن يكون المجتهد بالخيار في حمل الفروع على أي ~~الأصلين شاء كالمكفر عن يمينه، لما استوت الأشياء الثلاثة في جواز التكفير، ~~فبأيها شاء كان له أن يكفر بما شاء منها. # والجواب: أن [هناك] فرقا بين القبلة وبين مسألتنا، وذلك أنه لا يجوز ~~للمجتهد أن يعدل عن حمل الحادثة على الأصل الذي هي أشبه به منها بغيره على ~~وجه من الوجوه، ويجوز ذلك في جهات القبلة عند المسايفة (1) والراحلة. # وأما الأشياء الثلاثة في كفارة ms608 اليمين، فإنما كان المكفر مخيرا فيها؛ لأن ~~كلا منها منصوص عليه على طريق التخيير، وليس بينها (2) تضاد. # ألا ترى أنه يجوز ورود العبادة بوجوب التكفير بهما جميعا، ولا يجوز ورود ~~التعبد باعتبار الحظر والإباحة في الشىء الواحد على المكلف الواحد. # واحتج: بأن القياس طريق إلى إثبات الحكم كالنص، فلما جاز ورود النص ~~بحكمين مختلفين، كذلك القياس. # والجواب: أنه لا يجوز أن يرد النص بحكمين متضادين في الشىء الواحد في ~~الوقت الواحد على المكلف الواحد، كما قلنا في القياس فلا فرق بينهما. ~~PageV05P1539 ### | باب الاجتهاد ### | ### | مسألة # # المصيب واحد من المجتهدين في أصول الديانات. (1) . # وقد نص أحمد -رحمه الله- في مواضع على تكفير جماعة من المتأولين، ~~كالقائلين بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال (2) . # وهذا يمنع إصابتهم في اجتهادهم. # وهو قول الجماعة (3) . # وحكي عن عبيد الله العنبري (4) : أن المجتهدين من أهل القبلة مصيبون مع ~~PageV05P1540 # اختلافهم (1) . # وهذا غلط؛ لأن إباحة الاجتهاد تجوز فيما جوزنا ورود الشرع، وغير جائز أن ~~يرد الشرع بالأمرين المتضادين في صفات الباري سبحانه، وما يجوز عليه وما لا ~~يجوز، فإنه لا يجوز أن يكون يراد لا يراد، خالق لأفعال العباد غير خالق، ~~والنبي صادق وليس بصادق. # ولا يشبه هذا أحكام الفروع؛ لأن قد كان يرد بإباحة عين في حق واحد، ~~وحظرها في حق آخر، في حال واحدة. # كالحائض [238/أ] يحل لها الأكل في رمضان، ولا تجب عليها الصلاة. # والطاهر لا يحل لها الأكل في رمضان، وتجب عليها الصلاة # فجاز أن يكون كل مجتهد مصيبا. # [الحق في أحكام الفروع] # فأما أحكام الفروع: فالحق فيها في واحد عند الله تعالى (2) . # وقد نصب الله على ذلك دليلا إما غامضا أو جليا، وكلف المجتهد طلبته ~~وإصابته بذلك الدليل. فإذا اجتهد وأصابه كان مصيبا عند الله تعالى وفي ~~الحكم، وله أجران: # أحدهما على إصابته. # والآخر على اجتهاده. PageV05P1541 # وإن أخطأ كان مخطئا عند الله تعالى وفي الحكم، وله أجر على اجتهاده، ~~والخطأ موضوع عنه. # والحكم بالاصابة والخطأ من طريق غلبة الظن، لا من طريق القطع. # نص على ms609 هذا -رحمه الله- في رواية بكر بن محمد عن أبيه، فقال: "إذا اختلفت ~~الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ رجل بأحد الحديثين، وأخذ آخر ~~بحديث آخر ضده، فالحق عند الله في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يقول ~~لمخالفه: إنه مخطىء" (1) . # فقد نص على أن الحق في واحد عند الله. # وقوله: "لا يقول لمخالفه إنه مخطىء". يريد به: لا يقطع على خطئه؛ لأن ~~الله تعالى ما نصب دليلا قاطعا، وإنما نصب دليلا خفيا، أو ما هو أمارة على ~~الحكم. # والذى يدل على أنه أراد بذلك ما قلنا: أنه قال بعد ذلك في رواية بكر: ~~"وإذا اختلف أصحاب محمد (2) ، فأخذ رجل بقول بعضهم، وأخذ آخر عن ~~PageV05P1542 # رجل منهم، فالحق في واحد، وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم ~~أخطأ. # وكذلك قال عمر: (والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ) . فقد نص على أنه ~~يجوز الخطأ على المجتهد. # وكذلك قال في رواية أبي طالب فيمن يقول: لا شفعة إذا لم يكن طريقهما ~~واحدا، "إذا قدموه إلى هؤلاء، وحلف ماله شفعة، إنما هذا اختيار، وقد اختلف ~~الناس فيها" (1) . # وقال في رواية بكر بن محمد -في حاكم حكم في المفلس أنه أسوة الغرماء-: ~~"رد حكمه" (2) . # وإنما قال هذا؛ لأنه يعتقد أنه خالف النص في ذلك، لا أنه يقطع على إصابة ~~المجتهد وخطئه. # وقد علق القول في رواية أبي داود فيمن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس ~~الذكر، وقد علم أنه قد مس: "يصلى خلفه" (3) . PageV05P1543 # وكذلك نقل الأثرم عنه فيمن صلى خلف من احتجم ولم يتوضأ: "فإن كان ممن ~~يتدين بهذا وأنه لا وضوء فيه لا يعيد، وإن كان يعلم أنه لا يجوز فيعمد ~~يعيد" (1) . # وكذلك نقل الأثرم وإبراهيم بن الحارث فيمن صلى خلف من عليه جلود الثعالب، ~~فإن تأول: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) [238/ب] "يصلى خلفه". # قيل له: أفتراه جائزا؟ قال: "لا، ولكن إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلى ~~خلفه". # قيل له: كيف وهو مخطىء في ms610 تأويله؟! فقال: "وإن كان مخطئا في تأويله ليس ~~هو كمن لم يتأول". # ثم قال: "من يرى الوضوء من الدم فلا يصل خلف سعيد بن المسيب ومالك، ومن ~~سهل في الدم [قال] بل يصلى (2) ". # وكذلك نقل ابن مشيش عنه في جلود الثعالب. # وهذا لا يخالف ما رواه بكر بن محمد عنه. PageV05P1544 # وإنما أجاز الصلاة خلف المتأولين؛ لأنه لم يقطع على خطئهم، ولا يقطع على ~~أن الحق في جهته، وإنما يحكم بالخطأ والصواب من طريق غلبة الظن. # وهذا فصل يجىء الكلام فيه في أثناء المسألة. # ويحتمل أن يكون أجاز صلاتهم؛ لأن المأموم (1) معذور فيما جهل حالة الإمام ~~فيه، ولهذا قلنا: إذا صلى بهم محدثا صحت صلاتهم (2) . # ويحتمل وجها آخر وهو: أنه أجاز صلاتهم؛ لأن طريق هذه المسائل خفية، يعذر ~~الجاهل فيها. # ولهذا أجاز الصلاة خلف المبتدع إذا كان عاميا، ولم يجزها خلف العالم (3) ~~؛ لأن طريق هذه المسائل خفية، فأجازه لذلك، لا لأن الحق مع كل واحد. # يبين هذا ما قاله في رواية محمد بن أحمد بن واصل (4) ومهنا "لا يصلى ~~PageV05P1545 # خلف من يقول: (الماء من الماء) " (1) . # وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه في إمام صلى ولم يقرأ فاتحة الكتاب: "يعيد ~~الصلاة" (2) . # "وكذلك إذا لم يقرأ في الركعتين الأخيرتين" (3) . # وكذلك قال في القبلة: "إذا اجتهد نفسان في طلبها، واختلف اجتهادهما لم ~~يتبع أحدهما الآخر في الصلاة" (4) . # وكذلك قال في رواية أبي داود فيمن كان يتدين بحديث عقبة بن عامر في المسح ~~أكثر من ثلاثة أيام (5) ثم ترك؟ "يعيد ما كان صلى وقد مسح أكثر ~~PageV05P1546 # من ثلاث؛ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى (1) من قول عقبة بن ~~عامر" (2) . # وهذا كله يدل على أن الحق في أحدهما، والآخر مخطىء لا يتبع في اجتهاده. # وبهذا قال أكثر أصحاب الشافعي (3) . # ومنهم من قال -وهو القاضي أبو الطيب الطبري- إنني أعلم بإصابتنا ~~PageV05P1547 # للحق، وأقطع بخطأ من يخالفنا، وأمنعه من الحكم باجتهاده غير أنني لا ~~أنقضه (1) . # وحكي مثل مذهبنا عن بشر المريسي والأصم وابن علية (2) . # وقال أبو الحسن الكرخي ms611 -فيما حكاه أبو سفيان السرخسي عنه-: # مذهب أصحابنا جميعا: أن كل مجتهد مصيب لما كلف من حكم الله تعالى، والحق ~~في واحد من أقاويل المجتهدين (3) . PageV05P1548 # قال: ومعنى ذلك أن الأشبه واحد عند الله تعالى إلا أن المجتهد لم يكلف ~~[239/أ] إصابته. # قال: وهكذا حكي عن عيسى بن أبان أن كان يقول: لابد من مطلوب هو أشبه ~~الأشياء بالحادثة، إلا أن المجتهد لم يكلف إصابته، وإنما يبعد أن يحكم فيها ~~بحكم الأصل الذي هو أشبه به في غالب ظن المجتهد. # ونحو هذا حكى أبو عبد الله الجرجاني، وفسر الأشبه بأنه شبه الحادثة ببعض ~~الأصول أقرب عند الله تعالى، وأنه لو أنزل ذلك الحكم لكان ينزله بأحد ~~الوجهين. # وذهبت المعتزلة: إلى أن كل مجتهد مصيب (1) . # واختلفوا: هل هناك أشبه مطلوب أم لا؟. # فمنهم من قال: هذا أشبه مطلوب، إلا أنه لم يكلف إصابته، كما قال أصحاب ~~أبي حنيفة. # ومنهم من قال: ليس هناك أشبه، ولا عند الله في الحادثة حكم، وإن فرض كل ~~واحد ما يغلب على ظنه، وأدى إليه اجتهاده (2) . # حكي ذلك عن أبي هاشم (3) . # واختلفت الأشعرية # فقال الأكثر منهم مثل قول [ابن فورك و] (4) أبي إسحاق الإسفراييني ~~PageV05P1549 # وغيرهما: مثل قولنا (1) . # وقال أبو بكر بن الباقلاني: لأبي الحسن الأشعري في ذلك قولان (2) . # واختار (3) أن كل مجتهد مصيب، وأن فرض كل واحد ما يغلب على ظنه، ويؤديه ~~إليه اجتهاده. وليس هناك أشبه مطلوب (4) . # والكلام في فصول # أحدهما: الدلالة على أن الحق في واحد من القولين. # ودليله: الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والاستدلال. # [الدليل من الكتاب] : # أما الكتاب فقوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) إلى قوله: ~~(ففهمناها سليمان وكلاءاتينا حكما وعلما) (5) . # فموضع الاستدلال أن داود قضى باجتهاده، وسليمان قضى باجتهاده؛ لأن لو كان ~~هناك نص ما اختلفا في الحكم. PageV05P1550 # فأخبر الله تعالى أنه فهم الحكم لسليمان. # فثبت أنه كان أصاب في الحكم، وداود لم يصب. وعلى قولهم، هما جميعا (1) ، ~~مصيبان (2) . # فإن قيل: قوله: (ففهمناها سليمان) لا يدل على أنه لم يفهم داود؛ ms612 لأن ~~تخصيص الشىء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه. # ومن قوله تعالى: (ولقدءاتينا داود وسليمان علما) (3) ولم يدل على نفي ~~العلم عن غيرهما من الأنبياء. # وكذلك قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) ~~(4) لا يدل على أنه لم يرض عن غيرهم من المؤمنين الذين لم يبايعوه تحت ~~الشجرة # قيل له: تخصيص الشىء بالذكر يدل على نفي ما عداه. وهذا أصل قد سبق الكلام ~~فيه (5) . # فإن قيل: قد روي أنهما كانا حكما في الحرث بالنص، ثم نسخ الله تعالى ~~PageV05P1551 # الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل على لسان سليمان، فيحتمل أنه فهمه ~~الناسخ، ولم يفهم ذلك داود (1) . # قيل: قوله: (ففهمناها سليمان) يقتضي: في تلك الحكومة. # وعندهم أنه لم يخص سليمان بالفهم في تلك الحكومة. # فإن قيل: فقد روي أنهما كانا قد حكما من طريق الاجتهاد (2) ، إلا أن ~~سليمان -على نبينا وعليه السلام- قد أصاب حقيقة الأشبه المطلوب عند الله، ~~وداود لم يصب ذلك، فلم يخرجا بذلك من كونهما مصيبين الحق. # قيل: جماعة من خالفنا في هذه المسألة لا تقول: إن هناك أشبه، وإنما فرضه ~~الاجتهاد وحده. فلا يصح هذا التأويل منه. # ومن قال: إن هناك أشبه قال: بأنه لم يكلفه، وإذا لم يكلفه يجب أن لا يؤثر ~~وجوده وعدمه في حق أحدهما. # وعلى أنه لولا أنه يجب طلب الأشبه لم يمدح سليمان بفهمه. # وعلى أنه الآية وردت في القضية في الحكم، ولم ترد في طلب الأشبه، فوجب أن ~~يكون سليمان مخصوصا بإصابة الحكم. # وجواب آخر وهو أنه روي في الحديث: أن سليمان نقض حكمه. ولو كان داود ~~مصيبا لم ينقض سليمان حكمه (3) . PageV05P1552 # فإن قيل: فقد قال تعالى: (وكلاءاتينا حكما وعلما) ، وهذا يدل على أنهما ~~جميعا كانا مصيبين. # قيل: لم يرد أنهما أوتيا الحكم والعلم في هذه المسألة؛ لأنه لو كان كذلك ~~لما خص بالفهم أحدهما، وإنما أراد أنهما أوتيا ذلك في الجملة. # فإن قيل: يجوز أن يكون في المسألة نص خفي، وقف عليه سليمان ولم يقف عليه ms613 ~~داود. # قيل: لو كان هناك نص لما جاز الحكم بالاجتهاد. # على أن من مذهبهم: أنه إذا كان هناك نص خفي فحكم به حاكم باجتهاده، لم ~~يكن مخطئا في حكمه. # فإن قيل: كيف يجوز الخطأ على الأنبياء؟!. # قيل: يجوز عليهم، كما يجوز على غيرهم. # ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أنسى لأسن) . # وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ، ونحن نقر عليه. ~~PageV05P1553 # [الدليل من السنة] : # وأيضا: ما روى أبو هريرة وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وغير [هم] عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -[240/أ] أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر) . # وهذا يدل على أن المجتهدين بين الإصابة والخطأ. # فإن قيل: هذا خبر واحد. # قيل: وإن كان خبر واحد فقد تلقته الأمة بالقبول، وأجمعوا على صحته ~~وتأويله، فصار بمنزلة المتواتر، فوجب المصير إليه. # فإن قيل: معناه: إذا أصاب الأشبه المطلوب، فله أجران، وإن أخطأ الأشبه ~~كان له أجر واحد. # قيل: عندك لم يكلف طلب الأشبه ولا إصابته، وإنما فرضه ما يغلب على ظنه. # وإذا كان الأشبه وغيره واحدا لم يختلفا في الثواب والأجر. # فإن قيل: أراد بالإصابة: إصابة النص أو الإجماع، وبالخطأ: خطأ النص أو ~~الإجماع. # قيل: هذا عام بما فيه نص أو إجماع وغيره، فوجب أن يحمل على عمومه. # على أن استحقاق الأجر لا يختص بإصابة النص والإجماع، بل ما فيه النص ~~والإجماع، ومالا نص فيه ولا إجماع في الأجر والثواب سواء. # وعلى أنه لو وجب حمل الخبر على هذا لوجب تفسيق من خالفه وتأثيمه. # ولما حكم له النبي بأجر، لم يصح حمله على ما قالوه. # وقد قيل في جوابه: إن المجتهد إذا استقصى في طلب النص فلم يجد، فهو مصيب ~~عندكم؛ لأنه لا يلزمه أن يحكم بما لم يبلغه. ولا يسمى من لم يبلغه النص ~~مخطئا، كما لا يسمى من لم تبلغه شريعة النبي أنه مخطىء. # PageV05P1554 # فإن قيل: كيف يستحق الأجر وقد أخطأ في الحكم وفي الاجتهاد؟ ms614 # قيل: هو مصيب فيما فعله من الاجتهاد مخطيء في تركه للزيادة على ما فعله، ~~فهو مأجور على ما فعله، مغفور له ترك ما ترك من الاجتهاد. # فإن قيل: فقد أغري إذا بالترك؛ لأنه قد علم أنه لا مضرة عليه في الفعل. # قيل: ليس هذا بإغراء؛ ألا ترى أنه من بشره النبي بالجنة لا يحس ضرر النار ~~فيما يفعله؛ لأنه علم أن إما أن يسقط عنه العقاب بالتوبة، وإما بالمغفرة، ~~ومع ذلك ليس مغرى. # وعلى أن المجتهد لا يكون مغرى؛ لأنه لا يعرف المرتبة التي إذا انتهى ~~إليها من النظر غفر له تركه النظر فيما بعد. إنما ذلك شيء يعرفه الله تعالى ~~وحده، فجرى ذلك مجرى صغائرنا التي لا يعرفها إلا الله وحده. # وأيضا: ما روي أن -النبي عليه السلام- كان إذا بعث جيشا قال لهم: (إذا ~~حاصرتم [240/ب] أهل حصن أو مدينة فأرادوا منكم أن تنزلوهم على حكم الله ~~تعالى فلا تنزلوهم على حكم الله تعالى، فإنكم لا تدرون ما حكم الله فيهم) ~~(1) . # وهذا ينفي أن يكون حكم الله تعالى في الحادثة ما يؤدي إليه اجتهاد ~~المجتهد. # فإن قيل: يجوز أن يكون قال لهم: لا تنزلوهم على حكم الله؛ لأنكم لا ~~تأمنون ورود النسخ على الحكم الثابت. # [قيل: هذا] لا يمنع وجوب العمل به قبل العلم بالنسخ. PageV05P1555 # ألا ترى أنه لا جائز أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم: لا تصلوا ~~ولا تصوموا؛ لأنكم لا تأمنون أن يكون قد يصح ورود نسخ ذلك من الله تعالى. # [الاستدلال بالإجماع] # وأيضا: فإن المسألة إجماع الصحابة. # فإنه قد ظهر منهم اختلاف في مسائل خطأ بعضهم بعضا فيها، وأنكر بعضهم على ~~بعض. فلو كان كل مجتهد في ذلك مصيبا لم يخطىء بعضهم بعضا. # بل كان يقول بعضهم لبعض: أنا مصيب وأنت مصيب. # فمن ذلك ما روي عن عمر أنه أرسل إلى امرأة فأفزعها ذلك، فأجهضت. # فاستشار الصحابة، فقالوا: (لاشىء عليك، إنما أنت مؤدب) . وكان علي: في ~~القوم ساكتا، فقال عمر: (عزمت عليك يا أبا ms615 الحسن لتخبرني، فقال علي إن كان ~~هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قاربوك (1) فقد غشوك. أراك قد ضمنت ~~الدية. فقبل قوله) . # فقد أطلق اسم الخطأ عليهم، وإن كانوا مجتهدين. # وقال عمر في قضية قضى بها: (لا أدري أصبت أم أخطأت، ولكن لم آل عن الحق) ~~. # وقال ابن عباس: (من شاء باهلته، أن الفرائض لا تعول) . PageV05P1556 # وقال: (ألا يتقى الله زيد: يجعل ابن الابن بمنزلة الابن، ولا يجعل أبا ~~الأب بمنزلة الأب) . # وقال: (من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن الجد أب) (1) . # وقال ابن مسعود: (من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى (2) نزلت بعد قوله ~~تعالى: (أربعة أشهر وعشرا) (3) . # وقالت عائشة: (أبلغي زيد بن أرقم أن الله أبطل جهاده مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إن لم يتب) . # فإن قيل: يحمل قول علي: (أخطؤوا) (4) حقيقة الأشبه المطلوب. PageV05P1557 # وكذلك قول ابن عباس: (من شاء باهلته) ثقة من نفسه أنه أصاب الأشبه. # قيل: قد أجبنا عن هذا وقلنا: # إن عندك لم يكلف طلب الأشبه ولا إصابته، وإنما فرضه ما يغلب على ظنه، ~~فحكمه وحكم غيره سواء. # ولا يجوز حمل ذلك على أنه كان هناك نص؛ لأن القوم صرحوا بالرجوع إلى ~~الرأي. فقال علي: (إن اجتهدوا فقد أخطؤوا) . # وكذلك [241/أ] ابن عباس (ألا يتقى الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل ~~أبا الأب أبا) . # وهذا رجوع إلى الرأي. # فإن قيل: لا يجوز أن يكون عدوله عما ثوابه أكثر إلى شىء ثوابه أقل من ~~الشيطان. وقد أضافت الصحابة الخطأ في ذلك إلى الشيطان. # وأيضا فإنهم إذا اختلفوا على قولين متضادين مثل تحريم وتحليل، وتصحيح ~~وإفساد، وإيجاب واسقاط، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: # إما أن يكونا صحيحين، أو فاسدين، أو أحدهما صحيحا والآخر فاسدا. # ولا يجوز أن يكونا فاسدين؛ لأنه يؤدي إلى إجماع الأمة على خطأ فاسد، وهذا ~~لا يقوله أحد. # ولا يجوز أن يكونا صحيحين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشىء الواحد حراما ~~حلالا، واجبا غير واجب، وصحيحا باطلا. # ولهذا قلنا في ms616 الفروج، وهو إذا تزوج حنبلي امرأة من وليها، بعد أن تزوجها ~~حنفي بغير ولي، فالحنبلي يقول: الأول باطل ونكاحي صحيح، وهي حلال لي دونه. # PageV05P1558 # والحنفي يقول: نكاحي صحيح، والثاني باطل. # فلو كان كل مجتهد مصيبا كانت حلالا لكل واحد منهما. وهذا لا يجوز ~~بالإجماع. # فإذا بطل هذان القسمان، ثبت أن أحدهما صحيح والآخر فاسد. # فإن قيل: إنما لم يصح استباحتها لشخصين؛ لأن الإجماع دال على أنه لا يجوز ~~الجمع بينهما. # قيل: الإجماع يحصل على أن أحدهما مباح والآخر حرام. # فإن قيل: المجتهدان (1) إذا أفتى أحدهما بحظر الوطء، والآخر بإباحته، ~~وتساوى فتواهما عند المستفتي، فإن المستفتي يكون مخيرا في الأخذ بأي ~~القولين شاء. # فإذا اختار الأخذ بأحدهما تعين (2) عليه الحكم الذي اختاره من حظر أو ~~إباحة، فلا يكون قد اجتمع الحظر والإباحة في الوطء الواحد. # كما يقول في المكفر عن يمين: هو مخير بين الأشياء الثلاثة، فإذا اختار ~~أحدها (3) تعين (4) عليه ما اختاره. # قيل: لو كان هذا يجري مجرى الكفارة لجاز لأحد المجتهدين أن يقول له أنت ~~مخير بين الحظر والإباحة، كما يقول له: أنت مخير بين العتق والإطعام. # فإن قيل: الحكم بصحتها لا يؤدي إلى التضاد في حق شخص (5) ، إنما ~~PageV05P1559 # يؤدي إلى ذلك في حق شخص واحد في وقت واحد، فأما على شخصين أو فريقين فلا ~~يستحيل، كما ورد الشرع بإيجاب الصلاة على الطاهر، وأسقطها عن الحائض. # ووجوب الإتمام على المقيم، والرخصة في القصر (1) للمسافر. # قيل: [241/ب] الأدلة إذا كانت عامة لم يجز أن يكون مدلولها خاصا، ~~والدلالة على كل واحد منهما عامة في الجميع؛ فلا يجوز أن يكون حكمها خاصا. ~~وإذا كانت عامة ثبت التضاد ولم يجز أن يكون الجميع صحيحا (2) . # فإن قيل: الأمارة على الحكم خاصة وليست بعامة؛ لأن الأمارة على الحكم ظن ~~المجتهد، وذلك يخصه، فكان الحكم خاصا فيه. # يدل على ذلك: أن الأمارات التي فيها متكافئة ليس بعضها أقوى من بعض فلا ~~طريق أولى من طريق. # قيل [طريق] الاحكام هو الكتاب والسنة، دون الظن، وذلك عام. ms617 # يدل على صحة هذا قوله: (فإن تنازعتم في شىء فردوه إلى الله والرسول) (3) ~~والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دون الظن. # فإن قيل: فالقياس طريق الأحكام، وهو ظن القياس. # قيل: القياس يرجع إليهما؛ لأن القياس يقع على ما ثبت بالكتاب والسنة، ~~ويتعدى الحكم من الأصل الثابت بالكتاب والسنة (4) . # وجواب آخر وهو: أن المجتهد يرجع إلى أدلة من الكتاب والسنة والقياس. # وقوله: "إن الأمارة هي الظن" مخالف لإجماع الأمة (5) PageV05P1560 # جواب آخر وهو أنه لو كان الظن (1) هو الأمارة لوجب إذا كانت أمارات ~~المجتهدين متكافئة، فظن بعضهم أن بعضهما أولى من بعض أن يكون خطأ، كمن ظن ~~أن الثور سبع، والحدأة باز، والحمار بغل. # وقد علمنا أن أهل العلم فريقان في هذه المسائل (2) فيعتقد فريق قوة أمارة ~~التحليل. والآخر قوة أمارة التحريم فيجب أن يكون الكل على خطأ (3) ، ولا ~~يجوز أن تجتمع الأمة على خطأ (4) . # وجواب [آخر] وهو أنه لو كانت الأمارة هي الظن، وأنه لا طريق له لوجب أن ~~يشاركهم العامة في ذلك؛ لأن العامي يظن كما يظن العالم. # ألا ترى أن العامة لما شاركت أهل العلم في العقليات في طريق الظن وجب ~~عليهم أن يعلموا منه ما يعلم أهل العلم، ويجب عليهم التقليد (5) ، لم يصح ~~ما قالوه. # وجواب آخر وهو: أن الظن يتبع وجود الشىء في الأكثر الأغلب، كما نقول في ~~الغيم الأسود يغلب على الظن وجود المطر معه. # وكذلك التنفق (6) في عرض الحائط يغلب على الظن وقوعه. PageV05P1561 # وكذلك إذا كان لرجل عادة في الجلوس بالغداة للتدريس، أو في يوم من ~~الأسبوع لمجلس النظر، واستمرت عادته على ذلك [242/أ] في الأغلب الأكثر غلب ~~على ظن كل من عرف ذلك منه في وقته. # وكذلك إذا كانت عادة الإنسان تفرقة صدقاته في شهر رمضان، وكثر ذلك من ~~فعله واتصل، غلب على ظن كل من عرف ذلك أنه يفعل ذلك إذا أهل (1) شهر رمضان. # وكذلك إذا كانت عادة الرجل أنه إذا أعطى ابنه أعطى ابنته، ثم ثبت بخبر ms618 ~~الصادق أنه أعطى ابنه، غلب على ظن السامع أنه أعطى بنته. # وإذا كان الظن يتبع وجود الشىء في الأغلب، تميز الحق من الباطل من طريق ~~العلم وطريق الظن. # وعلى قولهم: الأمارات متكافئة (2) . # فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت، وأن الأمارة في الاجتهاد في ترتيب ~~الأدلة لوجب أن يعلم أو يظن مخالفك إذا نظر (3) [و] اجتهد فيما نظرت فيه. # قيل: ويجب إذا نظر مخالفك في مسائل الكلام أن يعلم مثل ما تذكر علمته أو ~~ظننته. # فإن قيل: لم ينظر فيما نظرت فيه، ولا رتب الدليل على ما رتبته عليه. # قيل: وكذلك مخالفنا لم يرتب الدليل على وجهه ولم يضعه في حقه. ~~PageV05P1562 # وجواب آخر وهو: أنه قد ينظر في دليل وفيما نظرت فيه على ممر الأيام في ~~مجالس النظر والتدريس والقراءة من كتابك، أو سمعه من لفظك فلم يصح قولك: ~~"إنه لم ينظر فيما نظرت فيه". # فإن قيل: تسبق إلى اعتقاده الشبهة فيمنعه ذلك، ويسوغ العلم بالدليل ~~ومعرفة الطريق الصحيح. # قيل: وكذلك مخالفنا في هذه المسائل، فلا فرق بينهما. # وأيضا: لو كان كل مجتهد مصيبا لكانت المناظرة بين أهل العلم خطأ وهوسا؛ ~~لأن كل واحد منهم عند صاحبه على حق، فلم يكن لمناظرتهم معنى، وكان بمنزلة ~~مناظرة المتفقين فيما اتفقا فيه. # فلما وجدنا أهل العلم في كل عصر يتناظرون، ويحتج بعضهم على بعض دل على أن ~~ليس كل مجتهد مصيبا. # فإن قيل: إنما يتناظرون حتى يغلب على ظن مخالفة ما (1) أدى إليه اجتهاده، ~~فرجع إلى قوله. # قيل: لا فائدة في رجوعه من حق. وكونه على ما هو فيه وانتقاله إلى ظن آخر ~~سواء، بل في ذلك محمل الكلفة والعبث (2) والتنازع والتخاصم، وليس هذا من ~~عمل العقلاء. # فإن قيل: إنما حسنت المناظرة في طلب الأشبه. # قيل: عندك لم يكلف طلب، فلا فائدة في المناظرة فيما لم يكلف طلبه. # وأيضا: فإنه لا خلاف [242/ب] أن المجتهد في الحادثة كلف الاجتهاد ~~PageV05P1563 # في حكمها ليميز الجائز من غير الجائز والصحيح من الفاسد. فلو كان ms619 الصواب ~~في الجهتين لم يحتج إلى ذلك، فعلمنا أن هناك جائزا (1) وغير جائز وصحيحا ~~وفاسدا (2) . # فإن قيل: إنما يجتهد ليطلب النص أو الإجماع. # قيل: إذا كان هناك نص أو إجماع سقط الاجتهاد. # وأيضا فإنه لا يخلو: إما أن يكون كلف الاجتهاد لطلب الحكم، أو لأن فرضه ~~الاجتهاد. # ولا يجوز أن يقال: كلف الاجتهاد. لأن فرضه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا ~~يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره؛ لأن الانسان لا يكلف الاجتهاد ليصير مجتهدا. # فثبت أن الاجتهاد لطلب الحكم. # وإذا ثبت أن هناك حكما مطلوبا (3) صح قولنا، وبطل قولهم: إن فرضه ~~الاجتهاد فقط، وليس هناك حكم مطلوب. # ولا يصح قول من قال بالأشبه: إنه كلف الاجتهاد لإصابة الأشبه لما بينا، ~~وهو: أنه لم يكلف طلب الأشبه، ولا إصابته، فلا معنى للاجتهاد في طلبه. # فإن قيل: إنه كلف الاجتهاد ليغلب على ظنه أن الحكم بهذا أولى من غيره. # قيل: من كلف طلب شىء يحتاج أن يكون ما كلفه (4) موجودا حال الطلب، فلا ~~يكلف طلب شىء ربما حدث بعد الطلب، وربما لم يحدث. PageV05P1564 # ألا ترى أن من كلف طلب عبد آبق أو جمل شارد فإنه يصح؛ لأن ما كلفه موجود. # وما يذهبون إليه من غلبة الظن أمر يحدث بعد الطلب، فلا يصح أن يكون الأمر ~~بالاجتهاد لأجله. # واحتج المخالف: بقوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله) (1) . # فأخبر أن القطع والترك جميعا من الله، وأحدهما ضد الآخر. # والجواب: أن هذه الآية وردت على سبب، وهو: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قطع نخل بني النضير وحرقها، قالت بنو النضير لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا ~~وتحرقها؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبرهم أن ما قطع أو ترك فبأمر ~~الله تعالى (2) . # وهذا يدل على أن الأمر في ذلك كان على التخيير في القطع والترك، فيجري ~~مجرى التخيير في الكفارات، والحق في كل واحد منها. # واحتج بقول النبي - صلى الله ms620 عليه وسلم -: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم) وهذا عام في حال الانفراد والاختلاف. # والجواب: أنا نحمله على أن كل [243/أ] واحد حجة حال الانفراد، ويكون ~~القصد به أن قول الواحد حجة. # واحتج: بأن الصحابة اختلفوا ولم ينكر بعضهم على بعض، بل أقره عليه، ~~PageV05P1565 # وسوغ للعامي أن يستفتيه ويعمل بقوله. # من ذلك: # اختلافهم في الجد، هل يقاسم؟ (1) . # وفي المشركة (2) ، وغير ذلك. # وقال عكرمة: (بعثني ابن عباس إلى زيد بن ثابت ليسأله عن زوج وأبوين فقال: ~~للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقى، وما بقى للأب. قال: فأتيت ابن عباس فأخبرته ~~بذلك، فقال ابن عباس: عد إليه فقل له: للجد (3) في كتاب الله تعالى ثلث ما ~~بقي؟! فمن أعطى ثلث جميع المال أخطأ؟! قال: فأتيته، فقلت له. فقال لم ~~يخطىء، ولكنه شىء رأيناه وشىء رآه) (4) . PageV05P1566 # وقيل لعمر بن الخطاب في المشركة (1) : لم تشرك عام أول، وشركت العام؟ ~~فقال: (ذاك على ما فرضناه، وهذه على ما فرضنا) (2) . # ولأن بعضهم ولى بعضا مع اختلافهم في الأحكام. فروي عن أبي بكر أنه ولى ~~زيد بن ثابت القضاء، وكان يخالفه في الجد وغيره. وولى عمر أبي بن كعب ~~وشريحا القضاء، وكانا يخالفانه. # وكذلك ولى علي شريحا وابن عباس. # والجواب عن قولهم: "إنه لم يخطىء بعضهم بعضا" غلط؛ لما روينا عن علي في ~~قصة المرأة التي أجهضت ذا بطنها: (إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأا) . # وقول ابن عباس: ألا يتقي (3) الله زيد. # وجواب آخر وهو: أنه لم يخطىء بعضهم بعضا؛ لأن الخاطىء فيه معذور، له على ~~قصد الصواب أجر، وقد ورد الشرع بذلك. # جواب آخر وهو: أنه إنما لم ينكر بعضهم على بعض لوجهين: # أحدهما: أن الشرع منع من ذلك، وهو أنه ليس على هذه الأحكام PageV05P1567 # أدلة مقطوع (1) عليها، وإنما طريقها غالب الظن. # والثاني: أن الإنكار في ذلك ربما أفضى إلى الفتنة والفساد والاختلاف. # وقولهم: "إن بعضهم ولى بعضا"، فلا يلزم: # [أولا] : لأنه يبطل بكل عصر بعد الصحابة، فإنهم فعلوا هذا، ومنهم من يذهب ~~إلى أن الحق في ms621 واحد من القولين. # الثاني: أنه وإن كان على خلاف مذهبه، فإنه لا يعلم أنه يبقى على اعتقاده ~~إلى حين الحكم لجواز أن يغلب على ظنه حين الحكم في الحادثة على موافقة (2) ~~. # الثالث: أنه وإن كان مخالفا له، فإنه لا يقطع على خطئه، بل يجوز على نفسه ~~الخطأ والصواب لصاحبه، فلهذا استخلفه ورضي بحكمه. # واحتج: بأنه لو كان الحق في واحد من القولين، وقد نصب الله تعالى عليه ~~دليلا، وجعل إليه (3) طريقا، وكلف المجتهدين [243/ب] إصابته، لوجب أن يكون ~~المصيب عالما به قاطعا (4) بخطأ من خالفه. # ويكون المخالف آثما فاسقا، ويمنع من العمل بما أدى اجتهاده إليه، ووجب ~~نقص حكمه إذا حكم به، وأن لا يسوغ للعامي أن يقلد من شاء من المجتهدين، ~~ويكون بمنزلة من خالف الإجماع والنص ودليل مسائل الأصول من الصفات ~~PageV05P1568 # والقدر والإمامة ونصب إمامين ونصب إمام من غير قريش، وما أشبه ذلك. # ولما أجمعوا على أن المصيب غير عالم فلا قاطع بخطأ من خالفه، ولا إثم ~~عليه فيه، ولا ينقض حكمه إذا حكم به، ويخير العامي في تقليد من شاء، دل على ~~أن كل مجتهد مصيب. # والجواب: أنا إنما لم نعلم إصابته للحق، ونقطع بخطأ من خالفنا؛ لأن ~~الدليل على الأحكام غير مقطوع عليه، وإنما هو بأن [يكون] مقطوعا (1) عليه، ~~كنص القرآن ونص السنة المتواترة والإجماع. # وبأن يكون غلبة الظن بخبر الواحد والقياس وشهادة الأصول فما (2) كان ~~دليله مقطوعا عليه: علمنا إصابته، وقطعنا بخطأ من خالفنا، ونقضنا حكمه، ~~وحكمنا بإثمه، ولم نخير العامي في تقليده. # وما كان غلبة ظن: لم نقطع بإصابة الحق وخطأ من خالفنا؛ لأن دليله غير ~~مقطوع عليه. # فإن قيل: فكان يجب أن ينصب عليه دليلا مقطوعا عليه ليتوصل به إلى الحق، ~~كما نصب على مسائل الأصول. # قيل: لا يجب هذا كما لم يجب في حكم الحاكم بشهادة شاهدين، فإنه يحكم به، ~~وإن لم يقطع على صدقهما. # وكالقبلة، كلف الاجتهاد في طلبها، وإن لم يكن دليلا قاطعا عليها. # وقد قيل: إن الله تعالى دلنا ms622 على الحكم بدلالة قاطعة، وإن لم يدلنا على ~~علة الحكم في الأصل؛ لأنه كلفنا العمل على أولى العلل وأقواها، وقد جعل لنا ~~طريقا نقطع معه. PageV05P1569 # فإن إحدى العلتين أولى أن يتعلق الحكم بها وأنها موجودة في الأصل والفرع، ~~وأنه يلزمنا العمل بها في الفرع. # والطريق إلى ذلك هو وجوه الترجيح، وهي محصورة، فإذا وجدها أو أكثرها أو ~~أقواها تختص إحدى العلتين، قطعنا على أنها أولى بأن تكون علة الحكم في ~~الأصل من غيرها. # كما أنا إذا رأينا أمارات الغيم الرطب، في بعض الغيوم، نحو كونه في ~~الشتاء، وكونه كثيفا قطعنا على أنه أولى أن يكون مطرا. # وأما التأثيم والتفسيق: فلا يجوز عليه ما ذكرنا، وهو أنا لا نقطع على ~~خطئه، ولأن الشرع ورد بالعفو عن ذلك [244/أ] ، كما ورد بالعفو عن الخاطىء ~~والناسي والمكره. # يدل عليه قول الله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) إلى قوله: ~~(ففهمناها سليمان) ولم يؤثم داود. # وكذلك قال النبي -عليه السلام-: (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر) فلم ~~يؤثمه، بل جعل له الأجر مع الخطأ. # وأما منعه من العمل بما أدى اجتهاده إليه فلا يمنع منه؛ لأن فرضه أن يحكم ~~باجتهاده وبما يصح عنده، فلا يصح منعه منه. # ولكن نقول إذا تزوج بغير ولي: "إنه نكاح فاسد". وإذا اشترى النبيذ "إنه ~~شراء فاسد". وإذا شرب النبيذ: "إنه شرب حراما"، وما أشبه ذلك من طريق غلبة ~~الظن والظاهر. # وأما إذا حكم باجتهاده فإننا لا ننقض حكمه لما بينا، وهو: أن الدليل غير ~~مقطوع عليه، فلا يجوز نقضه. PageV05P1570 # وقد قيل: إن في نقض الحكم فسادا؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكام بعضهم ~~على بعض، فلا يشاء حام يكون في قلبه من حاكم شىء إلا وتعقب حكمه بنقض، فلا ~~يستقر حكم، ولا يصح لأحد ملك، وفي ذلك فساد عظيم. # وقد قيل: لا يمتنع أن يمنع من الحكم، وإذا حكم لم ينقض. # كما منع من البيع عند النداء، والسوم على سوم أخيه، والصلاة في الدار ~~المغصوبة، ومع هذا ms623 فلا يبطل العقد (1) والصلاة (2) . # والجواب الصحيح على أصولنا: ما ذكرناه أولا، وأنه غير مقطوع عليه. # وأما تسويغ العامي تقليد من يشاء من المجتهدين فلعمري انه كذلك. # وهو ظاهر كلام أحمد -رحمه الله- في رواية الحسين بن بشار المخرمي وقد ~~سأله عن مسألة من الطلاق فقال: "إن فعل حنث. فقال له: يا أبا عبد الله إن ~~أفتاني إنسان، يعني: لا يحنث؟ فقال له: تعرف حلقة المدنيين بالرصافة؟ قال ~~له: فإن أفتوفي يحل؟ قال نعم" (3) . # وهذا يدل على أنه لا يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتيين؛ لأنه أرشده إلى ~~حلقة المدنيين، ولم يأمره بالاجتهاد في ذلك. PageV05P1571 # ويدل أيضا على أن العامي إذا سأل عالمين، فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر ~~بالإباحة أنه يجوز له أن يأخذ بقول من أفتاه بالإباحة. # وكذلك نقل ابن القاسم الحنبلي (1) أنه قال لأحمد -رحمه الله-: ربما اشتد ~~علينا الأمر من جهتك فمن نسأل؟ فقال: "سلوا عبد الوهاب" (2) . # وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحارث عن أحمد -رحمه الله- أنه سئل عن مسألة ~~فقال: "سل إسحاق بن راهويه" (3) . [244/ب] . # وكذلك نقل أحمد بن محمد البراثي (4) عن أحمد أنه سئل عن مسألة فقال: "سل ~~غيرنا، سل العلماء، سل أبا ثور". PageV05P1572 # وكأن المعنى في ذلك أنه لا سبيل له إلى معرفة الحق والوقوف على طريقه. # وكل واحد من المجتهدين يفتيه بما أدى اجتهاده إليه، فيؤدي ذلك إلى حيرته، ~~فجعل له أن يقلد أوثقهما في نفسه. # ويخالف المجتهد؛ لأنه يمكن موافقته على طريق الحق ومناظرته فيه. # واحتج: بأنه لو أداه اجتهاد [ه] في وقت إلى جواز النكاح بلا ولي فقضى به، ~~ثم أداه اجتهاده في وقت آخر إلى خلافه لزمه أن يقضي بذلك، فلو كان الثاني ~~خطأ ما لزمه الحكم به. # والجواب: أنه (1) حينما أداه اجتهاده إلى الحكم بجوازه كان يعتقد أن ضده ~~خطأ، وإنما صار صوابا في وقت آخر، فما (2) اجتمع الجواز وضده في وقت واحد. # واحتج: بأن اختلاف الفقهاء في مسائل الحوادث كاختلاف القراء في الحروف، ~~ثم ثبت أن كل من قرأ بحرف فهو ms624 مصيب، كذلك في الأحكام. # والجواب: أن اختلاف القراء لا يفضي إلى مناقضة. # ألا ترى أن كل من خالف في قراءة جاز له أن يقرأ بحرف غيره، فلهذا كان ~~الكل صوابا، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه اختلاف في أحكام، ومن ذهب إلى أن ~~كل مجتهد مصيب أفضى إلى المناقضة. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يأخذ بالقولين معا، فبان الفرق بينهما. ~~PageV05P1573 # فصل # [الدلالة على أن ذلك غير مقطوع به] # والدلالة على أن ذلك غير مقطوع عليه (1) أنه لو كان مقطوعا عليه لم يلزمه ~~أن يجتهد دفعة ثانية في تلك الحادثة، ولا يجتهد في صلاة ثانية في الجهة. # ولما أجمعنا على أنه يحدث اجتهادا علمنا أنه غير مقطوع عليه. # وليس لأحد أن يمتنع من هذا ويقول: إنه لا يلزمه أن يجتهد ثانيا؛ لأن هذا ~~مخالف الإجماع السابق، ولأنه لو كان مقطوعا عليه لوجب أن ينقض بحكم الحاكم ~~إذا خالفه، كما ينقض بمخالفة النص. # وليس لهم أن يقولوا: إنما لم ينقض؛ لأنه يكون ذريعة إلى تسليط الحكام ~~بعضهم على بعض؛ لأن هذا لا يمتنع، كما لم يمتنع عند مخالفة النص والإجماع. # فإن قيل: أحد الحكمين يتميز عن الآخر بالتأثير الموجب للعلة وبكثرة ~~الأصول. # قيل: فيجب أن يؤثر في نقض الحكم [245/أ] وإسقاط الاجتهاد دفعة ثانية، كما ~~كان ذلك في المنصوص عليه. # فإن قيل: قد وجدنا أن الحكم يتعلق بالعلة الشرعية كتعلقه بالعلة العقلية، ~~فإنه ما دام عصيرا هو مباح، فإذا حدثت الشدة حرم، فإذا زالت أبيح، فإذا ~~عادت حرم، فدل على أنها موجبة، كما أن الحركة لما كانت دلالة على كون ~~المتحرك متحركا [كانت موجبة] . PageV05P1574 # قيل: وجود الحكم بوجودها وعدمه بعدمها لا يدل على أنها معلومة، كالنبيذ ~~والاجتهاد في طلب القبلة، فإن ثبوت الحق يحصل لوجود [الشدة في] النبيذ ~~ويعدم بعدمها، وليس شهادتهم مقطوعا عليها، وكذلك الاجتهاد في القبلة غير ~~مقطوع على إصابته. # فصل # [الدلالة على أن هناك حكما مطلوبا] # والدلالة على أن هناك حكما مطلوبا (1) خلاف (2) من قال: ليس هناك شىء سوى ms625 ~~ما يغلب على ظنه: ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحد من القولين، ~~فلولا أن هناك حكما مطلوبا (3) لم يكن الحق في أحدهما. # وأيضا: لما كان مأمورا بالاجتهاد وجب أن يكون هناك حكم مطلوب، كالاجتهاد ~~في طلب النص، والاجتهاد في طلب القبلة، والاجتهاد في عدالة الشهود. # فإن قيل: القبلة يجوز ترك التوجه إليها مع العلم بها في الخوف وفي السفر، ~~ولا يجوز مثل ذلك في أحكام الحوادث، مثل الطلاق والعتق والنكاح. # قيل: حال الخوف والسفر هو غير مأمور بالتوجه إلى القبلة، وإنما جاز تركها ~~مع العلم للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى ترك النص في غيرها من الأحكام. ~~PageV05P1575 # فإن كان هناك ضرورة جاز، كاستباحة طعام الغير للضرورة. # فإن قيل: القبلة عين متوصل إليها، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأن المطلوب ~~ليس بعين. # قيل: في حال الغيبة لا يتوصل إليها، ويجري حكمها مجرى سائر الأحكام. # وأيضا: قد بينا أن المجتهد كلف الاجتهاد، والاجتهاد لا يراد لنفسه، وإنما ~~يراد لغيره. # ولأن الاجتهاد في طلب ما ليس بشىء ليحققه: لا يصح. # ألا ترى أنه لا يصح أن يقول المجتهد: في غالب ظن هو مصيب للظن، وإنما ~~يقول [في] غالب ظن: إنه مصيب الحقيقة. # فعلم أن هناك مطلوبا (1) غير الظن. # يبين هذا: أن الظن لابد أن يتعلق بمظنون ثابت على الحقيقة. # فصل # [إذا ثبت أن هناك حكما مطلوبا فإنه قد كلف إصابته] # وإذا ثبت أن هناك حكما مطلوبا (2) [245/ب] فإنه قد كلف إصابته (3) خلاف ~~من قال: هناك أشبه مطلوب، لكن لم يكلف إصابته. # والدلالة عليه: # ما تقدم من الدلائل على أن الحق في واحد، وأن أحد المجتهدين مخطىء. ~~PageV05P1576 # وإذا ثبت خطؤه علمنا أن هناك معنى قد كلف إصابته، فأخطأه. # فإن كان ذلك المعنى الحكم على ما نقوله نحن فيجب طلبه. # وإن كان الأشبه (1) بالحادثة فيجب أيضا طلبه. # ولأن الأشبه لا يراد لنفسه، وإنما يراد لغيره، وهو إثبات الحكم الحادث، ~~فعلم أن هناك حكما مطلوبا (2) . # فإن قيل: لا يمتنع أن يكون هناك مطلوب ولم ms626 يكلف إصابته، كالقبلة والفقر ~~ويوم عرفة. # قيل: هناك كلف الإصابة، ولكن سقطت الإعادة لدلائل شرعية، ذكرناها في ~~مواضعها، وهو: أن جهات القبلة تثبت بالاجتهاد. # فإذا اجتهد ثم أخطأ، فلو أمرناه بالإعادة لنقضنا اجتهاد [ه] أولا باجتهاد ~~[ه] ، آخر، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. # وكذلك الفقر ثبت بالاجتهاد والغنى أيضا، فلو قلنا: يعيد نقضنا الاجتهاد ~~بالاجتهاد. # وعرفة لا نأمن أن يخطىء في القضاء كما أخطأ في الأداء. # وغير ذلك مما يذكر [في] مواضعه. # يبين صحة هذا: أن في الشرع مواضع إذا أخطأها أعاد. # مثل: أن يصلي ثم يتبين أن الوقت لم يدخل. # أو توضأ بماء يظنه طاهرا فبان نجسا. # وغير ذلك. PageV05P1577 # لأنه لم يدل الدليل على سقوط الإعادة، فثبت أن القبلة وعرفة والفقر كلف ~~إصابته، وإنما سقطت إصابته لدليل. ### | مسألة # قد كان يجوز لنبينا -عليه السلام- الاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع عقلا ~~وشرعا (1) . # وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة (2) هذا فيما كتب به إلى أبي إسحاق بن شاقلا ~~في جوابات مسائل، وقال: # الدليل على أن سنته وأوامره قد كانت (3) بغير وحي وأنها كانت بآرائه ~~واختياره: أنه قد عوتب على بعضها، ولو أمر بها لما عوتب عليها. # من ذلك: حكمه في أسارى بدر، وأخذ الفدية، فقيل له: (ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الأرض) (4) . # ومنه: إذنه في غزوة تبوك للمخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له، حتى قيل ~~له: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) (5) . PageV05P1578 # ومنه: قوله: (وشاورهم في الأمر) (1) . فلو كان وحيا لم يشاورهم فيه (2) ~~وقد أومأ أحمد -رحمه الله- إلى صحة ما قاله [246/أ] أبو عبد الله بن بطة في ~~رواية الميموني لما قيل له: "ها هنا قوم يقولون: ما كان في القرآن أخذنا ~~به، [قال] (3) : ففي القرآن تحريم لحوم الأهلية؟! والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) (4) وما علمهم بما أوتي". ~~PageV05P1579 # وذكر أبو حفص (1) في الجزء السابع من البيوع في باب التسعير: حدثنا ~~بإسناده عن أبي فضلة (2) قال: أصاب الناس على ms627 عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سنة. # فقالوا: يا رسول الله سعر لنا. فقال: (لا يسألني الله عن سنة أحدثتها ~~فيكم (3) لم يأمر الله تعالى بها) (4) . # قال أبو حفص: هذا دليل على أن كل سنة سنها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأمته فبأمر الله تعالى، بقوله: (لا يسألني الله عن سنة أحدثتها) . # واعلم أنه لا يحدث سنة إلا بأمر الله (5) ، وبهذا نطق القرآن، فقال: (وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (6) . # والأول أصح، وبه قال أصحاب أبي حنيفة، فيما حكاه الجرجاني والسرخسي (7) . ~~PageV05P1580 # واختلف أصحاب الشافعي: # فمنهم من قال بهذا (1) . # ومنهم من منع من ذلك (2) . # وهو قول المتكلمين من المعتزلة (3) ، والأشعرية (4) . ### | دليلنا: # قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (5) . فأمر أهل البصائر ~~بالاعتبار، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى أهل البصائر رتبة ~~وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى. PageV05P1581 # وقوله -عليه السلام-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران) . وهو حاكم، ~~فوجب أن يكون داخلا فيه. # وذكر أبو عبيد (1) في "كتاب أدب القضاء" بإسناده عن الشعبي قال: (كان - ~~صلى الله عليه وسلم - تنزل به القضية، وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان ~~قضى، فيمضي ما كان قضى على حاله، ويستقبل ما نزل به القرآن) (2) . # ولأن ما يستنبط من المعاني طريق لأمته في الحكم، فوجب أن يكون طريقا له، ~~أصله القرآن ظاهره وعمومه. # ولأن الاجتهاد طاعة لله تعالى وقربة ينال بها رضاه وثوابه، فوجب أن يكون ~~للنبي -عليه السلام- فيه مدخل، قياسا على سائر الطاعات. # ولأن المجتهد إنما سوغ له الاجتهاد متى كان عالما بالأصول وطرق القياس، ~~فيجتهد فيما لا نص فيه ليعرف حكمه بالوجود (3) ، ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أعلى المنازل لمعرفة الأصول وطرق القياس، فهو أولى ~~بالاستعمال. # ولأن جواز الاجتهاد لا يخلو أن يتعلق بعدم النص حال وجود الحادثة، أو ~~عدمه [246/ب] في الثاني. # ولا يجوز اعتبار الثاني؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز الاجتهاد فيما يجوز أن ~~يحصل عليه إجماع وأمر قاطع، فبقي أن يعتبر عدمه في الحال. ms628 # وهذا الشرط يوجد مما يعرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحوادث ~~ولا نص أنزل عليه فيها من قبل. PageV05P1582 # وقد استدل أبو عبد الله بن بطة بدليلين (1) جيدين: # أحدهما: قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (2) ، فلو كان ذلك عن وحي لم ~~يحتج إلى مشاورتهم. # والثاني: أنه قد حكم باجتهاده في مواضع، بدليل أنه عوتب عليها. # من ذلك: # أخذ الفدية من أسارى بدر، [كما في] قوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض) (3) . # وغير ذلك مما ذكرنا في رأس المسألة. # وربما احتج من نصر جواز الاجتهاد بأشياء منها: # أن السنة مضافة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحقيقة الإضافة تقتضي ~~أنها من قبله. # والجواب: أنه إنما أضيف إليه؛ لأنها بقوله وجبت، وهو السفير. # ولهذا يضاف إليه جميع السنن، ومعلوم أن ليس جميعها باختياره. # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مكة: (ولا يختلى خلاها) ~~(4) قال العباس: PageV05P1583 # (إلا الإذخر) (1) فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إلا الإذخر) ، ~~ومعلوم أن الوحي لم يرد في تلك الحال. # والجواب: أنه قد قيل: إن "الإذخر" ليس من الخلا، وإنما استثناه العباس ~~تأكيدا (2) . # أو لأنه لا يمتنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد استثناءه، ~~فسبق العباس إلى سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك. # ومنها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لو قلت نعم لوجبت) يعني الحج، ~~فعلق وجوبها بقوله. # الجواب: أنه لو قال: (نعم لوجبت) من حيث كان قوله دليلا على وجوبه، وليس ~~في الكلام ما يدل على أن قوله صادر عن اختياره أو من وحي. # ومنها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة) . # وقوله: (لولا أن أخشى أن يفرض السواك لاستكت) (3) فبين أن أمره بالسواك ~~موقوف على اختياره. # والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون عنى أنه (لولا أن أشق لأمرتهم) على طريق ~~التنظيف. # ولا يمتنع أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه لا ينبغي أن يأمرهم به لأجل ms629 ~~المشقة. PageV05P1584 # ومنها قولهم: إن موسى -عليه السلام- أثبت الأحكام من جهته إلا تسع آيات ~~أنزلها الله عليه. # والجواب: [247/أ] أنا لا نعلم ذلك، ولو علمنا ذلك لم نعلم أن ما عدا تسع ~~آيات لم يوح إليه. # ومنها قوله -عليه السلام-: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) . # والجواب: أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه؛ لأنه هو الذي يتولى أخذها، وهو ~~الذي لم يأخذها الآن، وإن كان ذلك بوحي. # ومنها: أن الصحابة قد حكمت في الحوادث وأضافت ذلك إلى اجتهادها، ولو كان ~~ذلك عن دلالة لما أضيف ذلك إليها، وقد قالوا في حكمهم: (إن كان صوابا فمن ~~الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان) (1) ، ولو كان عن دليل لم يقولوا ذلك. # والجواب: أنه لو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به لما شكوا في ~~كونه صوابا، على أن من يقول الحق في واحد يقول: يجوز أن يخطئوا. # واحتج المخالف: # بقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (2) . # والجواب: أن الاجتهاد ليس من الهوى، وإنما هو من الوحي الذي أوحي إليه؛ ~~لأن الله تعالى أمره به كما أمر أمته، وقوله: (إن هو إلا وحي يوحى) ، وكذا ~~نقول؛ لأن القول بالقياس عن وحي وتنزيل. PageV05P1585 # وأجاب أبو عبد الله بن بطة عن هذه الآية: بأن المراد به القرآن؛ لأن كفار ~~قريش قالوا: قد ضل محمد عن دين قريش وغوى، وما يأتى به من هذا القرآن من ~~تلقاء نفسه. وأقسم الله تعالى بنجوم القرآن ونزوله في أوقاته، فقال: ~~(والنجم إذا هوى) من السماء (إن هو إلا وحي يوحى) . # وقد ذكر أحمد -رحمه الله- هذا فيما خرجه في الرد على الزنادقة في متشابه ~~القرآن (1) . # واحتج: بأن الاجتهاد يؤدي إلى غلبة الظن، وهو قادر على الحكم بالعلم من ~~طريق الوحي، وإنما يجوز الحكم بغالب الظن إذا تعذر طريق العلم. # والجواب: أن النص من الله تعالى مفقود في الحال. # وعلى أنه يجوز أن يحكم بالنص، وأن يوقع نصا ينسخه، وكذلك يجوز لغيره أن ~~يحكم باجتهاده، وإن ms630 يئس من انعقاد الإجماع الذي هو في معنى النص، على أنه ~~معصوم في اجتهاده كالأمة، فلا نقول: إن طريقه غالب الظن. # واحتج: بأن من رد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر، فلو جاز أن يحكم ~~بالاجتهاد لم يجز تكفيره؛ لأن الاجتهاد حكم من طريق الظن، وهذا لا يجوز ~~لإجماع المسلمين على كفره، فدل على أنه لا يجوز أن [247/ب] يكون في حكمه ما ~~هو اجتهاد. # والجواب: أنه يكفر لكونه مكذبا للرسول في خبره. # وقولهم: إن الاجتهاد يؤدي إلى غالب الظن، فلا يصح؛ لأن النبي معصوم في ~~اجتهاده من الخطأ والزلل، مقطوع بإصابة الحق ودرك الصواب. # واحتج: بأن الاجتهاد رد الفرع إلى الأصل بضرب من الشبه، ومتى فعل ~~PageV05P1586 # هذا وقاله صار نصا، فإذا صار الاجتهاد نصا ثبت أن لا يتصور فيه الاجتهاد. # والجواب: أنه يصير نصا بعد حصول الاجتهاد، وخلافنا في اجتهاده. ### | ### | مسألة # # يجوز أن يقول الله تعالى لنبيه: احكم بما ترى، أو بما شئت، فإنك لا تحكم ~~إلا بصواب (1) . # وهذه مبنية على المسألة التي قبلها، وأنه كان يجوز أن يجتهد فيما يتعلق ~~بالشرع. # وهو اختيار الجرجاني (2) . # وامتنع من ذلك جماعة من المعتزلة (3) . # وهو اختيار أبي سفيان السرخسي (4) . ### | دليلنا: # أنه لا يخلو إما أن يتعين الخلاف فيما يحكم فيه باجتهاد واستدلال، أو ~~يتعين فيما يقوله إذا خطر بباله من غير اجتهاد. # فإن كان ذلك باجتهاد، فقد تقدم الكلام عليه ودليلنا على جوازه. # وإن كان فيما يخطر بباله من غير اجتهاد، فإنه غير ممتنع، إذا علم الله ~~تعالى أنه يصيب ما هو عند الله تعالى؛ لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي ~~أنه مخير PageV05P1587 # في تقليد من شاء من العلماء، ويكون ذلك حكم الله تعالى عليه من غير أنه ~~يرجع إلى أصل يستدل به. # وكذلك ورود التعبد في الاجتهاد لإحدى الكفارات الثلاث (1) . # وكذلك خير في طعام عشرة مساكين غير معينين، وصرف خمسة دراهم من مائتين ~~إلى فقير، وفقراء الدنيا تعني عينه (2) . # ولأن الله تعالى قد قال: (إلا ما حرم إسرائيل ms631 على نفسه) (3) . فأضاف ~~التحريم إليه، فدل ذلك على جواز ذلك. # قال أبو بكر (4) في تفسير: (كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل ... من قبل ~~أن تنرل التوراة) لكن إسرائيل حرم على نفسه - من قبل أن تنزل التوراة بعض ~~ذلك (5) . # واحتج المخالف: # بأن الشرعيات إنما يحسن تكليفها لما فيها من المصالح، ولا طريق لأحد إلى ~~معرفة المصالح سوى الله تعالى، فلم يجز أن يقول: احكم بما ترى فإنك لا تحكم ~~إلا بصواب. # والجواب: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشرعيات لا يقف (6) تكليفها على ~~المصلحة. PageV05P1588 # ويبين [248/أ] صحة هذا، و (1) أنه ليس من شرط جواز الحكم أن يكون الحاكم ~~به عالما بالمصلحة فيه. # ألا ترى أن الحاكم في الحادثة من طريق الاجتهاد، لا يعلم أن ما حكم به ~~صواب ومصلحة، بل يتبع حكمه في ذلك غالب الظن، ومع هذا قال: حكمه به كان ~~جائزا، ويحسن التعبد به، كذلك هاهنا. # وكذلك في الكفارات وإطعام المساكين، كل ذلك مردود إلى اختيار المكلف. # واحتج: بأن اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا، كذلك اتفاق الصواب. # والجواب: أنه غير ممتنع أن يقع في الأمرين، كما تتفق أمور كثيرة على طريق ~~واحدة، كما تتفق في العلوم. # واحتج: بأنه لو كان ذلك جائزا لجاز أن يبعث الله تعالى رسولا، ويجعل إليه ~~أن يشرع الشريعة كلها. # والجواب: أنه لا يمتنع ذلك فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي ~~إذا علم الله تعالى أن المصلحة فيه، كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء، إذا ~~علم أنه لا يحتاج أكل الحرام. # واحتج: بأنه لا يجوز أن يقع التعبد بما ذكر تموه؛ لأن المخبر لا يأمن ~~الكذب فيما يخبر به. # والجواب: أنه متى عرف أنه لا يقول إلا الصواب، زال هذا المعنى وأمن وقوع ~~الخطأ. PageV05P1589 ### | ### | مسألة # # [الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -] # يجوز الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن كان غائبا عنه، ~~أو كان حاضرا (1) معه. # وحكي عن قوم: أنه لا يجوز ذلك لمن ms632 كان بحضرته (2) . # وحكى الجرجاني عن أصحابه: إن كان بإذنه جاز، وإن كان بغير إذنه لم يجز ~~(3) . ### | دليلنا على جوازه في الجملة: # قوله تعالى (فاعتبروا يا أولى الأبصار) (4) ، ولم يفصل بين أنه يكون ~~حاضرا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غائبا، في حياته أو بعد وفاته، ~~بإذنه وبغير إذنه. # وقوله -عليه السلام-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران) ولم يفرق. # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل إلى عمرو بن العاص قضية، فقال: ~~أجتهد يا رسول PageV05P1590 # الله وأنت حاضر؟! (فقال: نعم. إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر) (1) ~~. PageV05P1591 # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل إلى أبي موسى وإلى رجل معه ~~قضية، وقال: (إن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما خمس (1)) . # وروي أن النبي عليه السلام - حكم سعدا (2) في بنى قريظة قال: فكنا نكشف ~~عن [248/ب] مؤتزرهم فكل من أنبت قتله، ومن لم ينبت جعلناه في الذاري. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات) (3) ~~. # فإن قيل: إنما جاز؛ لأنه كان بإذن النبي - عليه السلام. PageV05P1592 # قيل: المأذون فيه الحكم، فأما الاجتهاد فغير مأذون فيه؛ لأن الإذن في ~~الحكم ليس بإذن في الاجتهاد. # ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن لعمرو بالقضاء بين يديه ~~أستأذنه في الاجتهاد # بحضرته، فلم يفهم الاجتهاد من الإذن بالقضاء، تبت أن الإذن بالقضاء ليس ~~بإذن في الاجتهاد. # ولأنه ليس في الاجتهاد بحضرته أكثر من الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة ~~على القطع واليقين، وهذا جائز بحضرته؛ لأنه لو كان حاضرا في مجلس رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فروى بعض الحاضرين عنه خبرا جاز له العمل به، وهو ~~عمل بغالب ظن مع القدرة على القطع واليقين؛ لأنه كان يمكنه أن يرجع فيما ~~أخبره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه منه قطعا. # فلما جاز هذا ولم يرجع فيه إليه، ثبت ما قلناه. # ولأن ما جاز الحكم به في غيبة النبي - صلى الله عليه وسلم ms633 -، جاز الحكم ~~به في حضرته كالخبر. # واحتج المخالف: # بأنه لا يجوز الرجوع إلى غالب الظن مع القدرة على القطع واليقين، فإذا ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضرا فهو قادر على معرفة الحكم من جهته ~~قطعا، فلا معنى للاجتهاد. # والجواب: أنه باطل بما ذكرناه من قبول خبر الواحد ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حاضر. # ولأنه إذا اجتهد والنبي حاضر، فإن (1) كان صوابا فذاك، وإن أخطأ لم يقره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، كمن اجتهد ثم بان له أنه خالف النص. ~~PageV05P1593 ### | ### | مسألة # # في صفة المفتي في الأحكام الذي يحرم عليه التقليد. # منها (1) : # أن يكون عارفا بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومجمله ومحكمه، وعامه وخاصه، ~~ومطلقه ومقيده. # وهو المعرفة، بما قصد به بيان الأحكام الحلال والحرام. # فأما ما قصد به أخبار الأولين وقصص النبيين والوعد والوعيد، فلا حاجة به ~~إليه. # وإنما قلنا هذا؛ لأنه قد يكون الأصل الذي يرد الفرع إليه من القرآن، فإذا ~~لم يعرفه لم يمكنه الاجتهاد فيها. # ويحتاج أن يعرف من السنة جملها التي [249/أ] تشتمل الأحكام عليها. # ويعرف أيضا المتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، ~~والمجمل والمفسر، والعام والخاص للمفتي الذي ذكرناه. # ويحتاج أن يعرف إجماع أهل الأعصار عصرا بعد عصر؛ لأنه [قد] يكون الأصل ما ~~أجمعوا عليه، فيرد الفرع إليه. # ويحتاج أن يعرف من لغة العرب والإعراب ما يفهم عن الله تعالى وعن رسوله ~~معنى خطابهما. # وأن يكون عارفا باستنباط معاني الأصول والطرق الموصلة إليها ليحكم في ~~الفروع بحكم أصولها. PageV05P1594 # ويكون عارفا بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه منها. # وإذا كان بهذه الصفة وجب عليه أن يعمل في الأحكام باجتهاده، وحرام عليه ~~تقليد غيره، إلا أن يكون حكما يجب له أو لغيره، فيحتاج في فصله إلى حاكم ~~يحكم بينهما باجتهاد. # وإذا صار من أهل الاجتهاد بما ذكرنا، لم يجب قبول قوله فيما يفتي به إلا ~~أن يكون ثقة مأمونا في دينه. # فإذا كان بهذه الصفة وجب على العامة الرجوع إلى قوله وقبول فتياه. # وقد نقل عن أحمد -رحمه ms634 الله- ألفاظ في المفتي (1) ترجع إلى ما ذكرنا. # فقال في رواية صالح: "ينبغي على الرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون ~~عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن" (2) . # وكذلك نقل أبو الحارث عنه: "لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب ~~والسنة" (3) . # وكذلك نقل حنبل عنه: "ينبغي لمن أفتاه أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا ~~فلا يفتي" (4) . # وكذلك نقل يوسف بن موسى: "واجب أن يتعلم كل ما يكلم الناس فيه (5) ". # وقد ذكر أبو حفص بن شاهين في "الجزء الثامن من أخبار أحمد"، فقال: ~~PageV05P1595 # حدثنا إسماعيل بن علي (1) حدثنا عبد الله سألت أبي عن الرجل يريد أن يسأل ~~عن الشىء من أمر دينه مما يبتلى به، من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره ~~من أصحاب الرأي، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف، ~~ولا الإسناد القوي فمن يسأل؟ لأصحاب الرأي أو لهؤلاء؟ أعني أصحاب الحديث ~~على ما كان من قدر معرفتهم، قال: "يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب ~~الرأي، ضعيف الحديث خير من رأي أبي حنيفة" (2) . # وظاهر هذا أنه أجاز تقليدهم، وإنه لم تكمل فيهم الشرائط التي ذكرنا. # وذكر أبو حفص في "تعاليقه" فقال: حدثنا يحيى بن سهل، حدثنا بعض أصحابنا ~~[249/ب] ، حدثنا أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد الأطروش، قال: سمعت ~~أبا الحسن أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي (3) يقول: سألت ~~جدي كم كان يحفظ يحيى ابن معين؟ قال: "زهاء مائتي ألف. # قلت فعثمان أخوه؟ (4) قال: مائة ألف" PageV05P1596 # وسألت عن أحمد بن حنبل فقال: "سمعت رجلا يسأله إذا حفظ الرجل مائة ألف ~~حديث يكون فقيها؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ ~~(1) قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرك يده. فقلت: كم كان ~~يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب عن ستمائة ألف" (2) . # وظاهر هذا الكلام منه أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث ~~هذا القدر الكثير الذي ذكره. # وهذا محمول على الاحتياط ms635 والتغليظ في الفتيا. # ويحتمل أن يكون أراد بذلك وصف أكمل الفقهاء، فأما ما لابد منه فالذي ~~وصفنا. # قال أبو حفص (3) : قال أبو إسحاق (4) : لما جلست في جامع المنصور للفتيا ~~ذكرت هذه المسألة فقال لي رجل: "فأنت هو ذا تحفظ هذا المقدار حتى هو ذا ~~تفتي الناس؟! فقلت له: عافاك الله، إن كنت أنا لا أحفظ هذا المقدار، # فإني هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه" (5) . # وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلد أحمد فيما يفتي ~~PageV05P1597 # به؛ لأنه قد نص في بعض "تعاليقه" على كتاب "العلل" الدلالة على منع ~~الفتيا بغير علم: # قوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1) . وقوله: (فلم تحاجون فيما ~~ليس لكم به علم) (2) . # وذكر ابن بطة في مكاتباته إلى البرمكي "لا يجوز له أن يفتي بما يسمع ممن ~~(3) يفتى، إنما يجوز أن يقلد نفسه، فأما أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا" (4) ~~. # وذكر أبو حفص في "تعاليقه" قال: "سمعت أبا علي الحسن (5) بن عبد الله ~~النجاد (6) يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار (7) يقول: ما أعيب على رجل يحفظ ~~لأحمد خمس مسائل، يستند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناس بها" (8) . ~~PageV05P1598 # وهذا منه مبالغة (1) . # وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الرد على من أفتى في الخلع" أنبأنا ~~أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء، حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة (2) ، حدثنا ~~العباس بن الحسين العيطوي حدثنا محمد بن الحجاج قال: كتب أحمد بن حنبل ~~-رحمه الله- عني كلاما، قال العباس وأملاه علينا قال: "لا ينبغى للرجل أن ~~ينصب نفسه، يعني للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال. # أما أولها: أن تكون له نية، فإنه إن لم تكن له نية [250/أ] لم يكن على ~~كلامه نور، ولم يكن عليه نور. # وأما الثانية: فيكون له حلم ووقار وسكينة. # وأما الثالثة: فيكون قويا على ما هو فيه، وعلى معرفته. # وأما الرابعة: فالكفاية، وإلا مضغه الناس. # والخامسة: فمعرفة الناس" (3) # ورأيت في أخبار ms636 بشر بن الحارث رواية أبي عبد الله محمد بن مخلد ~~PageV05P1599 # العطار (1) قال: حدثني عيسى بن جعفر أبو موسى الوراق (2) قال: سمعت أبا ~~عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله- وذاكره دحيم (3) بالأصول عن النبي -عليه ~~السلام- قال أحمد - رضي الله عنه -: "أما الأصول التي يدور عليها العلم عن ~~النبي فينبغي أن تكون ألفا أو ألفا ومائتين" (4) . # وهذه الرواية تؤيد صحة التأويل لقول أحمد -رحمه الله- "لا يفتي [إلا] وقد ~~حفظ مائة ألف ومائتي ألف"، على طريق الاحتياط؛ لأنه قد حرر الأخيار التي ~~يدور عليها العلم، يعني الحلال والحرام، بألف أو ألف ومائتين. PageV05P1600 # فصل # وأما صفة المستفتي # فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد (1) . # وذكر أبو حفص في كتاب "أخبار أحمد" -رحمه الله- عن إسماعيل ابن علي عن ~~عبد الله قال: "سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر ~~بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما ~~شاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتى به ويعمل به، قال: لا يعمل حتى يسأل ما ~~يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم" (2) . # وظاهر هذا أن فرضه التقليد والسؤال، إذا لم تكن له معرفة بالكتاب والسنة. # وقال قوم من المعتزلة البغداديين: لا يجوز للعامي أن يقلد في دينه، ويجب ~~عليه أن يقف على طريق الحكم. وإذا سأل العالم، فإنما يسأله أن يعرفه طريق ~~PageV05P1601 # الحكم، وإذا عرفه ووقف عليه عمل به (1) . # وهذا غير صحيح؛ لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر) (2) . # وقول النبي -عليه السلام-: (ألا تسألوا إذ لم تعلموا، فإنما شفاء العي ~~السؤال) (3) . PageV05P1602 # ولأنه ليس من أهل الاجتهاد، فكان فرضه التقليد كالأعمى في القبلة؛ فإنه ~~لما لم يكن معه آلة الاجتهاد في القبلة، كان عليه تقليد البصير فيها. # والحاكم إذا لم يكن معه حكم القيافة وقيم المتلفات، قلد فيها من هو من ~~أهل العلم والبصر فيها. # فأما قولهم ms637 [250/ب] إنه يقف على طريق الحكم. # فالجواب: أنه لا سبيل إلى الوقوف على ذلك إلا بعد أن يتفقه سنين. # ونرى من تفقه المدة الطويلة، ولا يتحقق طريق القياس، ولا يعلم ما يصححه ~~وما يفسده، وما يوجب تقديمه على غيره. # وفي تكليف ذلك العامة تكليف ما لا يطيقونه، ولا سبيل لهم إليه. ~~PageV05P1603 ### | ### | مسألة # # [الاستحسان] # قد أطلق أحمد -رحمه الله- القول بالاستحسان في مسائل (1) . # فقال في رواية صالح في المضارب، إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب ~~المال: "فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله، إلا أن يكون الربح يحيط ~~بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت" (2) . # وقال في رواية الميموني: "استحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه ~~بمنزلة الماء حتى يحدث، أو يجد الماء" (3) . # وقال في رواية المروذي: "يجوز شري أرض السواد، ولا يجوز بيعها، فقيل له: ~~كيف يشترى ممن لا يملك؟! فقال: القياس كما تقول، ولكن هو. PageV05P1604 # استحسان. # واحتج: بأن أصحاب النبي -عليه السلام- "رخصوا في شري المصاحف، شري ~~المصاحف، وكرهوا بيعها" (1) . # وهذا يشبه ذلك. # وقال في رواية بكر بن محمد -فيمن غصب أرضا فزرعها-: "الزرع لرب الأرض ~~وعليه النفقة، وليس هذا بشىء يوافق القياس، استحسن أن يدفع إليه نفقته" (2) ~~. # ونقل أبو طالب عن أحمد -رحمه الله- أنه قال: "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا ~~شيئا خلاف القياس، قالوا: نستحسن هذا وندع القياس، فيدعون الذي (3) يزعمون ~~أنه الحق بالاستحسان، وأنا أذهب إلى كل حديث جاء، ولا أقيس عليه" (4) . # وظاهر هذا: إبطال القول بالاستحسان. # وقد أطلقه أصحاب أبي حنيفة في مسائل (5) . # واعترض عليهم أصحاب الشافعي، وحملوا ذلك على أنهم قالوا ذلك على طريق ~~الشهوة والهوى، من غير حجة (6) . PageV05P1605 # ونحن نبين صحة هذه العبارة، ونوضح الغرض منها، ونقيم الحجة عليها. # فالدليل (1) على صحة هذه العبارة: وجود استعمالها في الكتاب والسنة ~~وإطلاق من تقدم من علماء السلف وفقهاء الأمصار. # أما الكتاب: فقوله تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) (2) . # والسنة: ما ms638 روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما رآه ~~المسلمون حسنا، فهو [251/أ] عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا، كان عند ~~الله سيئا) . # وروي مثله عن ابن مسعود (3) . # وأما إطلاق ذلك من السلف وفقهاء الأمصار: فما روي عن إياس بن معاوية (4) ~~أنه كان يقول: "قيسوا للقضاء ما صلح الناس، فإذا فسدوا فاستحسنوا" (5) . ~~PageV05P1606 # وكتب مالك بن أنس مشحونة بذكر الاستحسان في المسائل (1) . # وقد قال الشافعي "استحسن أن تكون المتعة ثلاثين درهما" (2) . # فإذا كان كذلك وجب أن تكون هذه العبارة صحيحة. # وأما الغرض في إطلاق هذه العبارة فهو: ترك الحكم إلى حكم هو أولى منه (3) ~~. # وقيل: هو أولى القياسين. # والحجة التي يرجع إليها في الاستحسان فهي الكتاب تارة، والسنة أخرى، ~~والإجماع ثالثة. # والاستدلال يرجح شبه بعض الأصول على بعض. PageV05P1607 # فمما قلنا بالاستحسان فيه لاتباع الكتاب: شهادة أهل الكتاب على المسلمين ~~في الوصية في السفر إذا لم نجد مسلما لقوله تعالى: (شهادة بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أوءاخران من غيركم إن أنتم ~~ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت) (1) الآية. # ومما قلنا فيه بالاستحسان بالسنة: فيمن غصب أرضا وزرعها، فالزرع لرب ~~الأرض، وعلى صاحب الأرض النفقة لصاحب الزرع، لحديث رافع بن خديج عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: (من زرع في أرض قوم، فالزرع لرب الأرض، وله نفقته) ~~(2) PageV05P1608 # وإن كان القياس أن يكون الزرع لزارعه. # ومما قلنا فيه بذلك للإجماع: جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات، ~~وبأن القياس أن لا يجوز ذلك، لوجود الصفة المضمومة إلى الجنس، وهي الوزن، ~~إلا أنهم استحسنوا فيه الإجماع. # فإن قيل: فما الفرق بين المستحسن وبين المشتهى؟ وهلا أجزتم إطلاق المشتهى ~~على ما سميتموه مستحسنا؟. # قيل: الفرق بينهما: أن الشهوة لا تتعلق بالنظر والاستدلال. # ألا ترى أنها لا تختص من كمل عقله وعرف الأصول وطرق الاجتهاد في أحكام ~~الشريعة، دون من ليست هذه صفته. # وأما الاستحسان: فإنه يختص النظر والاستدلال على حسب ما بينا. # يبين صحة الفرق بينهما: أنه قد ms639 يصح وصف الشىء بأنه مستحسن عند الله، ولا ~~يصح وصفه بأنه مشتهى عنده، تعالى الله على أن يوصف بذلك. PageV05P1609 # فإن قيل: لا يخلو القول بالاستحسان من أن يكون عن حجة أو عن غير حجة. # فإن كان عن [251/ب] حجة، فلا فرق إذا بينه وبين القياس. # وإن كان عن غير حجة فهو مردود. # قيل: قد بينا أنه قول بحجة، وأنه أولى القياسين، إلا أنهم سموه استحسانا، ~~ليفصلوا بهذه التسمية بينه وبين ما لم يكن معدولا إليه لكونه أولى مما عدل ~~إليه عنه. # فإن قيل: فإذا كان الاستحسان أقوى الدليلين، فيجب أن يكون مذهبكم كله ~~استحسانا؛ لأن كل ### | مسألة # فيها خلاف بين الفقهاء، فإنه قد ذهبتم فيه إلى أقوى الدليلين عندكم. # قيل: الاستحسان أقوى الدليلين فيما حكمنا فيه بصحة كل واحد من الدليلين، ~~ومسائل (1) الخلاف بين الفقهاء لا نحكم بصحة أدلة مخالفنا، بل نعتقد ~~فسادها؛ فلهذا لم نطلق اسم الاستحسان على جميع ذلك. # مسألة # لا يجوز أن يقال في الحادثة الواحدة بقولين في وقت واحد (2) . # وما نقوله من ذكر الروايتين، فهو محمول على أنه قاله (3) في وقتين، ~~كالخبرين، على ما نبينه. # وقد أطلق الشافعي القولين في المسألة الواحدة في وقت واحد في مواضع ~~PageV05P1610 # من كتبه (1) . # فالدلاله على منع هذا الإطلاق أشياء، منها: # أن الصحابة تكلمت بالفقه، وكثرت، فلم تحك عن واحد منهم أن المسألة على ~~قولين؛ فمن أحدث هذا فقد خالف الإجماع. # فإن قيل: فالصحابة لم يفرعوا (2) ، كما فرع (3) غيرهم. # قيل: قد فرعوا (5) . # قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: (أرأيت لو رأيت رجلا على فاحشة، أكنت تقيم ~~عليه الحد؟ قال: لا، حتى يكون معي غيري) (5) . # وهذا تفريع؛ لأنه سأله عما لم يوجد. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: (بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. ~~قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي ~~ولا آلو) . # وهذا تفريع. # ولأن قوله: فيها قولان، لا يخلو: إما أن يحكي مذهب غيره، أو مذهب نفسه.، ~~أو أن الدليل ما ms640 دل إلا على هذين القولين، وما عداهما باطل. # فبطل أن يحكي مذهب غيره لوجوه: PageV05P1611 # أحدهما: أن قول غيره أكثر من قولين، فما استوفى الخلاف. # ولأنه لو كان حاكيا مذاهب الغير لزمه أن يسمى كتابه كتاب الخلاف، وما ~~سماه بذلك. # ولأنه إذا كان حاكيا مذهب غيره فما أضاف مذهبا إلى نفسه، فلا قول له ~~فيها، وما قصد هذا. # ولأنه حكى قولين فيما لم يعرف فيه قول لغيره، فبطلت الحكاية. # وبطل أن يحكيهما قول نفسه؛ لأن الشىء الواحد لا يكون في [252/أ] حالة ~~واحدة حلالا حراما، ولا موجودا معدوما، ولا واجبا ندبا. # وبطل أن يقال: ما دل الدليل إلا على هذين؛ لأن الدليل الذي دل عليها لا ~~يخلو من أحد أمرين: # إما أن يتقاوم الدليلان عنده ويتقابلا، أو يرجح أحدهما. # فبطل التقاوم؛ لأن أدلة الشرع لا تتقاوم؛ لأن في تقاومها [ما] يفيد إحلال ~~حرام. PageV05P1612 # وبطل أن يرجح أحدهما؛ لأنه إذا رجح سقط الآخر، فلا يكون فيها قولان. # فلم يبق إلا أن القول بالقولين باطل. # ولأن القول بالقولين لا يخلو من ثلاثة أحوال: # إما أن يكونا صحيحين، أو باطلين، أو أحدهما صحيحا والآخر باطلا. # فبطل أن يكونا صحيحين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشىء الواحد حلالا حراما. # وبطل أن يكونا عنده باطلين؛ لأنهما لو كان كذلك ما حكاهما. # وبطل أن يكون أحدهما صحيحا؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لما حكى قولين. # وإذا بطل الكل، بطل القول بالقولين. # ولأنه إذا قال: فيها قولان، لا يخلو من أحد أمرين: # أما أن يعلم أن أحدهما صحيح، أو يجهل ذلك. # فإن كان يعلم أن الصحيح أحدهما، فلا يحل له أن يكتمه لقوله تعالى: (إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (1) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم ~~القيامة بلجام من نار) (2) . PageV05P1613 # وإن كان جاهلا بذلك، فما كان يحل له أن يحكيه لقوله تعالى: (ولا تقف ما ~~ليس ms641 لك به علم) (1) . # وقال تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (2) . # فلم يبق إلا أن القول باطل. # فإن قيل: ذكر القولين ليعلم أصحابه طرق الاجتهاد، واستخراج العلل، وبيان ~~ما يصححها ويفسدها؛ لأنه يحتاج إلى أن يبين طريق الأحكام، فكانت فائدة ذكر ~~القولين هذا، دون أن يكون القولان مذهبا له. # قيل: لو كان كذلك لوجب أن يحكي جميع الخلاف في ذلك، فيحصل التحريض ~~والتجريح، وقد حكى في مسألة قولين وفيها أقوال. # فإن قيل: أراد التخيير بين القولين؛ لأنه لم يظهر له مزية لأحدهما على ~~الآخر. # قيل: هذا يفضي إلى أن يتقاوم الدليلان ويتقابلا، وأدلة الشرع لا تتقاوم؛ ~~لأن في تقاومها [ما] يفيد إحلال حرام، وهذا لا يجوز. # فإن قيل: إذا ذكر القولين ولم يبين الحق منهما، فقد أفاد بذكرهما أن ما ~~عداهما باطل عنده، وأن الحق أحدهما. PageV05P1614 # قيل: [252/ب] فإذا كان الحق أحدهما، فلا يجوز أن يطلق القول فيهما؛ لأن ~~الإطلاق يمنع تعلق الحق في أحدهما، ولا يجوز أن يطلق لفظا من غير معنى ~~[فذلك] فاسد، وإن لم يرد به ما يقتضيه ظاهره، كما لا يجوز أن يعتقد صحة ذلك ~~المعنى. # ألا ترى أن من ليس في تقية، لا يجوز له أن يظهر كلمة الكفر، وإن لم يرد ~~بها ما يقتضيه ظاهرها، كما لا يجوز له أن يعتقد ما يبين ظاهرها عنه. # وإذا كان كذلك، واتفقنا على فساد اعتقاد ما أطلقه من القولين المتضادين ~~في المسألة الواحدة في الوقت الواحد، وجب أن يكون إطلاقه ذلك فاسدا، وإن لم ~~يرد به ما يقتضيه ظاهره. # فإن قيل: فالخبر عما هو متوقف فيه حسن مفيد. # قيل: الخبر عما هو متوقف فيه حسن إذا كان اللفظ لا ينبىء عن معنى فاسد، ~~وقد بينا أن هذا ينبىء إطلاقه عن معنى فاسد، فلم يصح. # فإن قيل: أمور الناس محمولة على الصحة والسلامة، فوجب أن يحمل ما ذهب ~~إليه الشافعي في ذلك على وجه يجوز حمله عليه دون ما لا يجوز. # قيل: لو جاز هذا الاعتبار لوجب ms642 أن تحمل كل لفظة منكرة الظاهر على وجه يصح ~~حملها عليه، ولا يكون المتكلم بها ممنوعا من إطلاقها. # فكان يجوز للقائل أن يقول "لا إله" ويسكت على ذلك، فيكون ذلك محمولا على ~~أنه إنما أراد به "لا إله إلا الله". # وكذلك، إذا قال: (ويل للمصلين) (1) وسكت عليه يجب أن يحمل على أنه إنما ~~أراد به (المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) . PageV05P1615 # فإن قيل: أليس قد جعل عمر - رضي الله عنه - الأمر شورى في ستة (1) ، ولم ~~ينص على واحد مما أنكرتم مثله هاهنا. # قيل: عمر لم يقل إن الإمام فلان وفلان، كما قال الشافعي -رحمه الله- في ~~المسألة قولان وأكثر من ذلك، فكيف يشتبهان؟!. # فإن قيل: فقد دخل أحمد -رحمه الله- فيما أنكرتموه على الشافعي، فإنه روي ~~عنه في مس الذكر روايات (2) ، وفي غيرها الروايتان والثلاث (3) . # قيل: الروايتان لم يقلهما أحمد في حال واحد، فيؤدي ذلك إلى أن يكون ~~PageV05P1616 # الشىء الواحد حلالا حراما، وإنما قال ذلك في وقتين مختلفين، رجع عن الأول ~~منهما. # ولو علمنا المتأخر منهما صرنا إليه، وجعلناه رجوعا عن الأول. # فلما لم نعرف المتقدم من المتأخر، جعلنا الحكم فيها مختلفا [253/أ] ؛ ~~لأنه ليس تقديم أحدهما أولى من تأخيره؛ ولهذا قلنا -في مسائل عرفنا الثاني ~~من قوله فيها-: إنه رجوع عن الأول. # من ذلك قوله في رواية ابن إبراهيم: "إذا رأى الماء في الصلاة يمضي فيها، ~~ثم تبينت، فإذا الأخبار: إذا رأى الماء يخرج من صلاته" (1) . # ونقل أبو زرعة (2) عنه: "كنت أتهيب أن أقول: لا تبطل صلاة من لم يصل على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تبينت، فإذا الصلاة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - واجبة، فمن تركها أعاد الصلاة" (3) . PageV05P1617 # وقال قوران (1) رجع أبو عبد الله عن هذه المسألة وقال: "يعطى كل واحد ~~منهم نصف صاع" (2) ، وقال: لا يحكى عن أبي عبد الله. # وقال إسحاق بن إبراهيم: رجع أبو عبد الله عن هذه المسألة في الزكاة وقال: ~~"يضم الذهب إلى الفضة وتزكى" (3) . و"كذلك الحنطة إلى الشعير" (4) . # وهذا ظاهر كلام أبي ms643 بكر الخلال وصاحبه أبي بكر عبد العزيز، وأن ذلك رجوع ~~عن الأول، وذكرا ذلك في مواضع من كتبهما. # فمن ذلك: # ما رواه مهنا عنه أنه كره العقيقة يوم سابعه، فقال: "ذلك قول قديم، ~~والعمل على ما رواه حنبل عنه وغيره" (5) . PageV05P1618 # ونقل أبو الحارث: (إذا لم يجد إلا الثلج مسح به أعضاء الوضوء، ولا يعيد) ~~. # فقال: كان ذلك من أبي عبد الله في ذلك الوقت، والعمل على ما رواه المروذي ~~(1) . # فهذا كلام أبي بكر الخلال. # وكذلك لصاحبه أبي بكر عبد العزيز في مواضع منها: # ما رواه ابن منصور عن أحمد -رحمه الله- "يستحلف في حد القذف"، فقال: قول ~~قديم، والعمل على ما رواه حرب وصالح: "لا يمين في شىء من الحدود" (2) . ~~PageV05P1619 # ونقل المروذي عنه فيمن قال: "يا لوطي، يسأل عما أراد، فإن قال: إنك من ~~قوم لوط حد، فهو قول قديم، والعمل على ما رواه مهنا وغيره: أن عليه الحد" ~~(1) . # ومن أصحابنا من حمل ذلك على ظاهره، ولم يسقط أحدهما بالآخر؛ لأنه لا يعلم ~~المتقدم منهما إلا بالتاريخ (2) . # فإن قيل: فقد قال في موضع واحد في المسألة الواحدة قولين. # نقل ذلك أبو الحارث عنه: "إذا أخرت المرأة الصلاة في آخر وقتها، فحاضت ~~قبل خروج الوقت ففيها قولان: # أحدهما (3) : لا قضاء عليها؛ لأن لها أن تؤخر إلى آخر الوقت. ~~PageV05P1620 # والقول الآخر: أن الصلاة قد وجبت عليها بدخول وقتها فعليها القضاء، وهو ~~أعجب القولين إلي". # وكذلك نقل الفضل بن زياد عنه في هذه المسألة. # ونقل أبو داود عنه [253/ب] في البكر إذا استحيضت: عندنا فيه قولان: أن ~~تقعد أدنى الحيض يوما، ثم تغتسل وتصوم وتصلي. # أو تقعد أكثر حيض النساء ستا أو سبعا. # قلت لأحمد -رحمه الله-: فما تختار أنت؟ قال: "من قال يوما، فهو احتياط" ~~(1) . PageV05P1621 # وكذلك نقل المروذي عنه هذه المسألة. # قيل: أحمد -رحمه الله- لم يطلق القولين حتى ينبئ عن اختياره، والصحيح ~~منهما، فقال في مسألة أبي الحارث: "أعجب القولين إلي القضاء". # وكذلك في مسألة أبي داود: "من قال يوما هو احتياط". # فصل ms644 # في معنى اللفظ المحتمل من كلام أحمد رحمه الله تعالى # [جوابه بأخشى] # إذا سئل عن حكم فقال: أخشى أن يكون كذا، أو أخشى أن لا يكون كذا، فهو مثل ~~قوله: يجوز، ولا يجوز ذلك (1) . # فدل في رواية صالح وقد سئل عن صلاة الجماعة فقال: "أخشى أن تكون فريضة" ~~(2) . PageV05P1622 # وكذلك نقل مهنا عنه فيمن حلف لا يلبس من غزلها، فلبس ثوبا فيه من غزلها ~~الثلث: "أخشى أن يكون قد حنث" (1) . # وكذلك نقل الأثرم عنه في إعطاء القيم لكل مسكين في الزكاة: "أخشى أن لا ~~يجزىء" (2) . # وكذلك نقل ابن إبراهيم فيمن قال: حلفت، ولم يحلف: "أخشى أن يكون قد حنث" ~~(3) . PageV05P1623 # وكل ذلك قد ورد عند النص الصريح بالحكم الذي ذكرنا (1) ؛ لأن هذا اللفظ ~~يستعمل في الامتناع من فعل (2) الشىء خوف الضرر منه (3) ، ومنه قوله تعالى: ~~(يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) (4) معناه: نخاف. # وكذلك قوله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (5) . # [جوابه بأخاف] # وكذلك إذا قال: أخاف أن لا يكون أو يكون، فإن يجري مجرى الصريح (6) . ~~PageV05P1624 # وقد قال في رواية الميموني: "إذا أعطى القيمة، أخاف أن لا يجزىء" (1) . # فنقل مهنا: إذا قال لعبده: لا ملك لي عليك،: "أخاف أن يكون قد عتق" (2) . # وقد نقل صالح في ذلك الحكم الذي ذكرنا، والمعنى فيه ما ذكرنا، وهو: أنها ~~تستعمل في الامتناع. # ومنه قوله تعالى، (إني أخاف إن عصيت ربي) (3) معناه: إنني أمتنع خوفا من ~~ربي. # وقوله تعالى: (فأخاف أن يقتلون) (4) . # [جوابه بأن هذا يشنع عند الناس] # وكذلك إذا قال: "هذا شنع عند الناس، فإن يقتضى المنع (5) . PageV05P1625 # قال في رواية الميموني في شهادة العبيد في الحدود: "كأنه شنع، وإنما ذلك ~~عنده أتهيب الناس" (1) . # وهذا ظاهر كلام أبي بكر عبد العزيز؛ لأنه لما ذكر هذه المسألة قال: "لا ~~يختلف القول عنه أن شهادته في الحدود لا تجوز" (2) . # وخرج شيخنا أبو عبد الله (3) وجها آخر: أنه لا يقتضي المنع؛ لأنه امتنع ~~من الصلاة قبل المغرب [154/أ] لأجل أن العامة تشنع ذلك، ولم يقتض ذلك ~~التحريم؛ لأن هذه اللفظة ms645 محتملة؛ لأنها تستعمل في الامتناع فيما يخرج عن ~~العادة، وتستعمل فيما كان قبيحا عند الله (4) . PageV05P1626 # [جوابه بأحب ولا أحب] # فإن قال: أحب إلي كذا، ولا أحب كذا (1) ، فإطلاق هذا يقتضي الاستحباب دون ~~الإيجاب (2) ؛ لأن هذا هو المعهود في عرف التخاطب. # ومن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله يحب العطاس ويكره ~~التثاؤب) (3) . # وقوله: (ليس حلال أحب إلى الله من العتاق) (4) . PageV05P1627 # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) ~~(1) . # وقد نقل عنه ما يدل على ذلك، فقال في رواية أبي طالب: "يذبح إلى القبلة ~~أحب إلي" (2) . # وكذلك نقل صالح: "يذهب إلى الجمعة ماشيا أحب الي" (3) . # وقال في موضع: "وأحب إلي أن يعلن بالنكاح، ويضرب عليه بالدف" (4) . # ونقل عنه في مواضع أخر هذه اللفظة، والمراد بها الإيجاب (5) . # ونقل أبو طالب: "الأجل في السلم أحب إلي" (6) ، لقول PageV05P1628 # النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) . # ونقل حنبل عنه: "إذا قال: أكفر بالله، أحب إلي أن يكفر" (2) . # وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحارث: "فيمن له مائة وعليه مائة، أحب إلي ~~أن يكفر" (3) . PageV05P1629 # وكذلك نقل علي بن سعيد: "إذا جعل على نفسه صيام سنة، فأحب إلي أن يفطر في ~~الفطر والأضحى ويكفر ويقضى" (1) . # [جوابه بالكراهة] # وأما الكراهة (2) فقد روي عنه ألفاظ تقتضي التنزيه، وألفاظ اقتضت ~~التحريم. # أما التحريم: فنقل الأثرم عنه: تكره جلود الثعالب" (3) . PageV05P1630 # وكذلك نقل عنه: "إذا حلف لا يلبس من غزلها، أكره أن يعطى أجرة القصار ~~والخياط (1) ". # ونقل المروذي: "أكره الصلاة في المقابر (2) ". # ونقل ابن منصور: "أكره المتعة (3) ". PageV05P1631 # والمراد بذلك التحريم. # ونقل ابن منصور: "كراهية الصلاة في ثياب أهل الذمة (1) ". # ونقل المروذي: "كراهية قراءة حمزة (2) ". PageV05P1632 # ونقل ابن منصور: "أكره النفخ (1) في اللحم (2) ". # ونقل المروذي: "أكره الخبز الكبار (3) ". # وهذا يقتضي التنزيه. # ويجب أن يقال في جوابه بأحب وأكره، إذا نقل عنه في مسألة صريح القول ~~بالتحريم، أجاب فيها بأكره، حمل على التحريم، فيبنى مطلق كلامه على مقيده. # وإذا لم يكن عنه صريح القول حمل على التنزيه؛ لأن هذه اللفظة تستعمل ms646 في ~~التحريم وفي التنزيه. # قال تعالى: (ولكن كره الله انبعاثهم (4)) ولم يرد تحريمه. # وقوله تعالى: (وكرهوا أن يجاهدوا (5) ... ) معناه: امتنعوا. PageV05P1633 # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره ~~[254/ب] سفسافها (1)) . # وقال تعالى: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (2)) معناه: محرما. # [جوابه بأعجب إلي] # فإن قال: أعجب إلي (3) أن لا يكون أو يكون؛ فالمنصوص عنه أن ذلك ~~PageV05P1634 # لا يقتضي الوجوب في التحريم والمنع، وإنما هو على طريق الاختيار. # نقل الأثرم عنه أن سئل عن المكان يصيبه البول، فيبسط عليه بارية (1) وهو ~~جاف يصلى عليه؟ أعجب إلي أن يتوقى. # فقال له الهيثم (2) بن خارجة: هذا جاف وعليه بارية، أي شىء تكره من هذا؟ ~~قال: "إنما قلت لك: أعجب إلي أن يتوقاه". # وهذا صريح من كلامه أنه لا يقتضي التحريم. [ (3) ] # ويجب أن يكون الحكم في قوله: "يعجبني" مثل قوله: "أكره وأحب". # وأنه نقل عنه في مسألة صريح القول بالتحريم، ثم أجاب "بأعجبني" أن ~~PageV05P1635 # يحمل على التحريم؛ لأن هذه اللفظة تستعمل في مستحسن غير واجب (1) . # تم كتاب العدة في أصول الفقه # ولله الحمد والمنة والفضل على تمامه # ووافق الفراغ من نسخة في يوم السبت # سابع عشر شهر رمضان المعظم سنة تسع وعشرين # وسبعمائة للهجرة النبوية على صاحبها # أفضل الصلاة والسلام (2) PageV05P1636 ### | كلمة أخيرة # وبعد: # فلله الحمد والشكر على ما من به على -ومننه كثيرة- بإنجاز كتاب العدة في ~~أصول الفقه للعالم المحقق الفقيه الأصولي القاضي أبي يعلى الحنبلي ~~البغدادي. # والكتاب يعتبر أول كتاب في أصول فقه الحنابلة يصل إلينا، فهو بحق العمدة ~~في بابه، وقد توخيت في تحقيقه الأصول المرعية في تحقيق المخطوطات. # وعلم الله أننى لم أبخل عليه بوقت ولا بجهد. # وإنني لأرجو أن يكون عملا صالحا، ولوجهه خالصا، وأن يجزيني عليه أحسن ~~الجزاء، فإنه ولي ذلك والقادر عليه. # وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم ~~الدين. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. PageV05P1637 ms647