######OpenITI# #META# العنوان: دعوة الأطباء #META# Title (EN): The Doctors’ Dinner Party #META# المؤلف: ابن بطلان #META# Author: Ibn Buṭlān #META# المحقق: فيليب كبنبدي #META# Editor: Philip F. Kennedy #META# المحقق: جيرمي فيريل #META# Editor: Jeremy Farrell #META# Publisher: New York University Press #META# Place of publication: New York #META# Witness: أ: Notre Dame, Indiana, USABiblioteca Ambrosiana Collection, Hesburgh Libraries, University of Notre Dame S.P.67 bis #META# Witness: و: LondondḤaddād Collection, Wellcome Institute MS Arabic 471 #META# Editorial declaration: LAL Arabic texts are based upon original manuscript research. For each text, a base manuscript is selected, and notable variants from other consulted manuscripts provided. Details of the manuscripts are provided in the source Desc; the first manuscript listed therein in the base. Arabic ḥarakāt other than shaddah are only provided for disambiguation of possible readings or for unusual words; however all shaddahs except those arising from the assimilation of the definite article are included. Orthography may be standardized to modern style. #META# Editorial declaration: Texts are divided into numbered sections, which in the bilingual version are used to align the Arabic text with the English translation. The majority of manuscripts will not, of course, have been written with modern paragraph structures: the division of the text into such is for readability and to align with the translation, and is entirely the choice of the editor(s). #META# Editorial declaration: This edition of Daʿwat al-aṭibbāʾ is based on the manuscript in the Wellcome Institute’s Ḥaddād Collection, a digital reproduction of which is freely available through a Creative Commons 4.0 license, supplemented with one in the Ambrosiana Library of the University of Notre Dame. #META# Editorial declaration: In general, conflicting readings between the two manuscripts are resolved in favor of establishing the correct meter for poetry, and of preserving a lectio ardua or instances of sajʿ. Some conflicting readings are resolved in favor of the text of the Ambrosiana MS in order to preserve parallelism, especially in matching the conclusion of the text with its introduction; and clarity of syntax, as when single words have been dropped from the Wellcome Ḥaddād MS. In keeping with Library of Arabic Literature style, we provide lexical shaddahs and full vocalization of poetry, as well as uncommon materia medica or medical devices, and unfamiliar personal names. We have retained so-called Middle Arabic features of the text, including the orthography of hamzahs, e.g., رؤس for رؤوس or مسئلة for مسألة, and lexical anomalies, as with the use of زبون as a plural. #META#Header#End# ### | 0 [0.1] # هذه رسالة دعوة الأطباء على مذهب كليلة ودمنة تشتمل على مزح يبسم عن جد ~~وباطل ينطق عن حق وخير القول ما أغنى جده وألهى هزله صنفها أبو الحسن ~~المختار بن الحسن بن بطلان للأمير نصر الدولة أبي نصر أحمد بن مروان من ~~أمثال الحكماء وكلام البلغاء ونوادر الفلاسفة ليجد العالم فيها ما يوافق ~~طريقته وينقاد المتعلم بسهلها إلى تسهيل عويصها فيقرب على يد تناوله ويظهر ~~للقارئ فضل الأطباء المهرة وعجز الممخرقين بهذه الصناعة. [0.2] # وهي اثنى عشر قسما. # * الأول منها في فاتحة الكتاب ومدح بغداد وذم ميافارقين لما فيها من الكساد # * الثاني في ذكر مجلس الطعام وإيراد الحجج التي تحمي عن الأكل فيما تقدم ~~من الألوان # * الثالث في نعت مجلس الشراب واللذة وذكر ما جرى من المسائل # * الرابع في اعتبار الطبائعي بمسائل توضح فضله وتظهر جهله # * الخامس في سؤال الكحال عما لا يسعه جهله # * السادس في اعتبار الجرائحي بمعرفة التشريح والمنافع # * السابع في امتحان الفاصد بما يحتاج إلى معرفته من المنافع # * الثامن في اعتبار الصيادلة بمعرفة العقاقير والأدوية # * التاسع في غيرة الأطباء وتغايرهم على المرضى # * العاشر في اعتذار الطبيب المصروف وذم الصارف له # * الحادي عشر في استهانة العامة بالصناعة الطبية والرد عليهم # * الثاني عشر في خاتمة الكتاب وذكر سبب انقطاع الزيارة والاجتناب # [0.3] # ونسأل الله أن يوفقنا لدرك الأغراض الصحيحة والألفاظ الفصيحة ليكون ما ~~نأتي به مالكا لرضى من حث على نظم منتثره وجمع منتشره إنه جواد مجيد قريب مجيب. ### | 1 [1.1] # قال بعضهم لما دخلت ميافارقين سألت عمن بها من المتطببين فأرشدت إلى دكة ~~في العطارين عليها شيخ من أبناء السبعين مرهف الشمائل حلو الدعابة عذب ~~الفكاهة حسن المعارضة متميز عن أضرابه متشبث بأذيال الأدب ذو براعة في ~~صناعة الطب فملت نحوه مسلما فرد علي السلام وأوسع لي المكان وتلقاني ~~بالإكرام والإعظام. [1.2] # وقال من أنت قلت غريب رمت به الأقدار إلى هذه الديار قال وما صناعتك قلت ~~طبيب قال أنفع الصنائع وأربح البضائع ومن أين أقبلت ms01 قلت من بغداد قال بغداد ~~سرة الدنيا وقطب الأرض وعرصة الأدب ومعدن الفضل ودار السلام وحضرة الإمام ~~وقبة الإسلام وأنشد المتقارب # أحب الحلول بتلك الطلول %~% وجر الذيول بذاك المقام [1.3] # دخلتها قديما لطلب العلم وزمانها كالربيع الممرع وأيامها كالأعياد والجمع ~~وترابها اثمد تكتحل به الأحداق وحصاها درة تقلد به الأعناق وبضائع العلماء ~~قيامة المواسم والأسواق ولقيت بها ابن الخمار وابن عبدان ونظيف بن يمن القس ~~وابن بكس وأبا الوفاء المهندس قلت له لم رحلت عنها أمللت المقام بها فأنشد الطويل # لعمرك ما فارقتها عن قلى بها %~% وإني بشطي جانبيها لعارف # قلت فكيف سمحت نفسك بمفارقة هؤلاء الفضلاء وهم كانوا لك الغرض الأقصى ~~فقال والله يا سيدي ما صعدت إلى هذه البلد وقد بقي من القوم أحد قلت ثم ~~ماذا قال الكامل # ثم انقضت تلك السنون وأهلها %~% فكأنها وكأنهم أحلام [1.4] # ويعز علي ما فعل الدهر بأولئك الأنجم الزهر فقد فقد والله العلم لفقدهم ~~ومات الفضل بموتهم ولعلهم يا سيدي لو عاشوا إلى زماننا هذا لماتوا قبل ~~أوانهم قل الطالب وزهد الراغب وصارت الكتب تباع على العطارين للحوائج وعلى ~~الذهبيين للسفائح وعلى الملاحين للمزاود هذه والله صناعة دثرت وخمدت نارها ~~وطفئت وصار المتعرض لها غرضه التكسب لا التطبب وقد قيل إنه بالحكمة تطب ~~الأبدان وبالدراهم تمرض الحكماء فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فمتى ~~يداوي غيره الوافر # وهل يرجى لذي سقم شفاء %~% إذا ما كان مسقمه الطبيب # ثم قال لي فأنت لم لم تقم ببغداد فقلت الطويل # يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم %~% وترمي النوى بالمعسرين المراميا # أما سمعت قول الشاعر البسيط # بغداد دار لأهل المال طيبة %~% وللمفاليس دار الضنك والضيق # ظللت حيران أمشي في أزقتها %~% كأني مصحف في بيت زنديق [1.5] # قال صدقت ولكن عرفني لم قصدت هذه الديار قلت لزيارة عمر زعفران ونيتي ~~الارتسام بالطب إن طابت لي هذه البلاد فاضطرب لعزيمتي وقال هيهات يا هذا ~~لأن تسمع بمعيدي خير من أن تراه خاب والله سعيك وكبا زندك وليتني كنت ms02 مثلك ~~خالي العذار فاهرب من هذه الديار فما يتأتى بها مقام لأنني وردت إليها وبها ~~قوم يحسن عليهم الثناء ويقبح عند تقريظهم الاستثناء إن اجتمعوا أحسبتهم ~~جوهرا منظوما وإذا تفرقوا خلتهم لؤلؤا منثورا البسيط # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم %~% مثل النجوم التي يسري بها الساري [1.6] # قلت فما فعل الدهر بهم قال ماتوا والله وأولادهم وغلمانهم ولكن بعدما ~~أتبعوا خاطري وأسهروا ناظري في علاجهم إلى أن قضى الله بموتهم فلله درهم ~~وسقى صوب الغمام قبورهم فإنهم كانوا كفوئي مؤنة الزمان مدة حياتهم وكنت في ~~تضاعيف برهم لا أخلو من صبية تفطم أو غلام يختن أو مفصود أؤول فصاده أو ~~مريض أدخله الحمام دع هدايا الأعياد والنواريز وما يتحصل من زبون الدكان ~~فالله ما كان يموت لي مريض إلا وقد مرض لي عوضه اثنان فأنا في تضاعيف ذلك ~~في فلك من العجب في التجمل كأنني قرواش بن المقلد أو ملك ميافارقين والله ~~واليوم إذا انقطع الوتر فصدنا عرقين بدانق ولولا أن عندي بقية موسم سنة ~~الخوانيق أترمق بها وإلا كنت من الهالكين. [1.7] # وأظرف من هذا جميعه أنه كان في كل خريف تكثر الأمراض وفي كل خمس سنين ~~يعرض وباء وموت فمنذ يوم ملك ابن مروان هذه الديار كسدت الصناعة وباهت ~~البضاعة وصحت الأجسام وانكشف الوباء عن هذه البلاد وانقطعت علة الخوانيق ~~وكانت قلما فارقت الحلوق وبطلت الأمراض الخريفية وكان موسما مألوفا فصرنا ~~لا نرى مريضا إلا في كل حين ولا نشاهد جنازة إلا في كل زمان بعيد ولا نسمع ~~صراخا إلا في كل دهر مديد حتى كأن إقبال الأمير قد عصم الأبدان من الأسقام ~~وحصن الأعضاء من الآلام أو كأنه من بني آل مروان قد أخذ للخلق من الدهر ~~الأمان فما في الناس من ينشد فيه شعر الحسن بن هانئ الطويل # علقت بحبل من حبال محمد %~% أمنت به من طارق الحدثان # تغطيت من دهري بظل جناحه %~% فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو قيل للأيام ما اسمي ما درت %~% وأين ms03 مكاني ما عرفن مكاني [1.8] # يا سيدي ما أسعده على نفسه والناس وما أثقل رجليه علينا منذ يوم ولي ~~ديارنا ما يفكر أحد فينا ولا يحتاج إلينا ولا يلتفت نحونا بعد أن كان ~~الطبيب في هذه البلد أعز من جبهة الأسد اليوم جمهور الحفارين والحمالين قد ~~بعدوا عن هذه الديار وتشتتوا في القرى والأمصار واشتغل أكثرهم بالروزجار ~~وسوق العجل والفدان ونقل الجبصين من رؤس الجبال إلى البلدان وربما يلقاني ~~البطال منهم فأسكن منه ويقول ربما عاد ذلك الزمان مجزوء الوافر # عسى الأيام أن يرجعن قوما %~% كما كانوا على أقصى المراد [1.9] # يا سيدي عن أي شيء أخبرك من تلك الأيام والله لقد كانت تخرج الجنائز إلى ~~المقابر بالثياب الديباج كأنهم زهر البستان ولو عد في يوم من أيام الوباء ~~ما قد خرج من باب واحد من الجنائز فكان مائتي جنازة ممن كنت أطبه أنا سوى ~~من كان يطبه هذا الطبيب الذي في جواري وكانت تقف كل يوم على باب داري خمسون ~~بغلة من بغال الجند والكتاب سوى رسل التجار ومن تلك السنة صرت أتيه من ~~عمارة بن حمزة وأعز من عمرو بن معديكرب فمن لنا بذلك الموسم وأنشد المنسرح # قد ذقت منه ما ليس يقلعه %~% أبو الحسين القلاع من ضرسي [1.10] # يا أخي أين كنت وأهل هذه البلاد لا ترى فيهم صحيح المزاج ولا من مستغن عن ~~التداوي والعلاج والجنائز تجلي كالعرائس وتحط على المقابر كالنجوم الزواهر ~~وأصوات الصوائح في المؤتمر والنوائح كترنم المزاهر واصطخاب الآلات والمزامر ~~ومغسلو الموتى لا يصل إليهم إلا بالملاطفات والأطباء يتزاحم على دكاكينهم ~~بالمهادي والبغلات اليوم وحقك الناس متشاغلون بتصفية الأقداح والقناني ~~واختيار الملاهي والغواني والضرب على المثالث والمثاني والغناء بشعر الحسن ~~بن هانئ الخفيف # قد علقنا من الأمير حبالا %~% أمنتنا طوارق الحدثان [1.11] # يا سيدي أي شيء تعمل في هذه البلد والله إني أبقى اليوم والشهر لا يسألني ~~إنسان حاجة ولا تجتاز بي جنائز وإذا سهل الله وجاءنا مريض كان كما قال ~~المثل إذا ms04 كسد أصحاب القلانس جاءهم زبون معوجو الرؤس وقد والله يا سيدي ~~سئمت نفسي هذه البلد وملني أهلها لأن الماء إذا وقف ظهر نتنه وإذا كثر لبثه ~~ظهر خبثه ولقد حدثتني نفسي دفعات بالخروج منه ثم أقول إلى أين أخرج ولمن ~~أقصد وأين أتغرب وما بقي أقل مما مضى ومع اليوم غد وما يقعدني إلا الإلف ~~والزمان كلما مر جاء إلى خلف كل هذا غرضه أن يبغض لي المقام. [1.12] # ثم قال حدثني ما تعمل في عمر زعفران قلت يا سيدي اعلم أنني سمعت جالينوس ~~يقول إن قياس طب الهياكل إلى طبنا كقياس طبنا إلى طب الطرقات وأنا رجل ضعيف ~~المعدة ناقص الشهوة وما أبقيت دواء إلا شربته وما نفعني وقد وصف لي أن في ~~هذا العمر رجلا من فضلاء الرهبان الذين رأوا الدنيا بعين الحقيقة فأطرحوها ~~عن خبرة بها فأنا أمضي للقائه والتبرك بدعائه. # فضحك الشيخ مني حينا وقال ما أشبه هذا منك إلا برجل رمدت عيناه فلقيه ~~صديق فقال له أرى وجع عينيك قد طال فبماذا تعالجهما قال بدعاء الوالدة فقال ~~له لو أضفت إليه قليل أنزروت لكان أسرع في الإجابة وكذاك أنت لو اعتضت عن ~~دعاء الرهبان بمعجون الزامهران كان أبلغ في تقوية المعدة وتنبيه الشهوة ~~وهذا دواء هندي عملته لنفسي وأنا أواسيك منه بما تنتفع به هات عرفني كيف ~~هضم معدتك للطعام وكم مقدار غذائك في هذه الأيام قلت أما شهوتي فعلى غاية ~~التقصير وغذائي فنزر يسير. [1.13] # فلما نظر الشيخ مني إلى ضعف المعدة وقلة الشهوة قال أتقوم إلى البيت يا ~~فديتك لنأكل شيئا ونتحدث فقد أنست بك لأنك ليس من أهل هذا البلد فتخرج ~~حديثنا إلى أحد وقلما أنست بإنسان وما أنا مع الإخوان والأصحاب إلا كلمع ~~السراب وأنشد الوافر # عدوك من صديقك مستفاد %~% فلا تستكثرن من الصحاب # لأن الداء أكثر ما تراه %~% يكون من الطعام أو الشراب # فتمنعت وحلفت له أني قد أكلت فألح علي فقمت إلى داره. ### | 2 [2.1] # وجلسنا ساعة نتحدث وإذا ms05 الغلام قد أتى بطبق عليه منديل وفوقه خبز وخل ~~وبقل فلما وضعه بين أيدينا قال الطويل # وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى %~% ولكنما وجه الكريم خصيب # أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله %~% ويخصب عندي والمحل جديب # ثم قال يا سيدي نحتاج أن نعتذر فالعامة تقول مجزوء الكامل # إذا طرقت فما حضر %~% وإذا دعوت فلا تذر # ولكن الأيام طوال [2.2] # وأخذ رغيفا وقال رحم الله العجوز لقد كان لها عناية حسنة بالخبز هي علمت ~~هذا الغلام أن يخبز هذا الخبز كل يا سيدي فإنه مغسول الحنطة مختمر العجين ~~معتدل الملح خلنجي الظهر مورد الوجه علك المضغ سريع الهضم ملائم للجسم ثم ~~أخذ طاقة هندباء وقال اعلم يا سيدي أن الهندباء أنواع أجودها الرقيقة فإنها ~~خير من غيرها وأصلح في إصلاح الكبد وأسرع في تفتيح السدد وكثيرا ما سقي ~~ماؤها مع الرواند انظر يا سيدي إلى عرض ورقها وصفاء خضرتها وتطعم عذوبة ~~طعمها ورطوبتها وبردها لا سيما إذا أكلت أخير أن تؤكل مع هذا الخل الثقيف ~~انظر إليه فما معولي في دفع الصفراء إلا عليه ولكن لا حيا الله هذا الغلام ~~فإنه غلظ علي منذ أيام وقدم إلي منه شيئا قليل المزاج فأكلت منه شيئا على ~~اغترار به فما أن حصل منه يسير على لساني حتى طار إلى حلقي ورأسي فبادر ~~رعافي وسالت دموعي واتصل بي السعال وبقيت متألما عدة أيام ثم قال كل منه واحذر. [2.3] # فلما هممت بالأكل قال ألست على نية في الحمية قلت لعلي أختار يوما لذلك ~~قال أعظم من الذنب اليأس من الرحمة وأشد من الخطيئة الممالطة بالتوبة وأشر ~~من المرض التسويف بالحمية وقد قيل إن الشفيع المتخلف عدو طالب الحاجة ~~والطبيب المتهجم رسول ملك الموت والمريض المخلط كدودة القز التي كلما ~~ازدادت نسجا ازدادت عن الحياة بعدا قلت يا سيدي أنا والله كاره للحمية فقال ~~لعمري إن الحمية صعبة ولكن أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس وفيتاغورس ~~يقول من ساس معدته فقد قرب جميع الأعضاء من الاعتدال ms06 وأنت تحكم الصناعة ما ~~كنت أظنك تحتاج إلى بعض هذا فإنه قبيح بالطبيب أن يرى مخلطا كما أنه قبيح ~~بالفقيه أن يكون فاسقا فاستخر الله وأمض العزيمة في الحمية وانظر إلى ~~الغذاء بصورته إذا استحال في غده فما أحسن ما قال سقراط وقد اجتاز على كساح ~~قد أخرج من حش كساحة يا أهل أتينا هذا الذي كنتم تغلقون عليه أبوابكم ~~وتقيمون لحفظه الخزان وكانت شهواتكم تستخدم عقولكم في إعداده اليوم نفوسكم ~~آنفة منه وطباعكم نافرة عنه وحواسكم مع هذا أيضا تروم مثل ما كان هذا عنه ~~ثم قال كل وتدبر بما قد سمعت فإن هذه النصيحة ملتقاة بالتحية وهذه الموعظة ~~موشحة بالحكمة. [2.4] # فلما بدأت بالأكل أمسك يدي وقال اسمع كلاما ينفعك فيما شكوت ويقرب عليك ~~صحتك اعلم أن أول مداواة الأمراض ضبط الشفتين والرفق باليدين وأخذ المريض ~~نفسه بموجب العقل لا بدواعي الهوى والجهل فإن العقل يلتمس من الأغذية ~~أنفعها والهوى يطلب من الأطعمة أشهاها وألذها وقلما يجتمع في الشيء النفع ~~واللذاذة فإن النفع قلما يكون في الغذاء واللذاذة قلما توجد في الدواء ~~فإياك أن تتلذذ لحلاوة الغذاء فتتنغص بمرارة الدواء وأنشد الوافر # فإن المر حين يسر حلو %~% وإن الحلو حين يضر مر # فخذ مرا تصادف منه نفعا %~% ولا تعدل إلى حلو يضر # وإياك أن تؤثر لذة عاجلة فإنها على المرء مضرة آجلة لا سيما وأنت مريض ~~وقد امتلأت من الغذاء قلت يا سيدي قد انهضم وأنا مشته للطعام فقال جوع كذاب ~~وشهوة كالسراب وأنشد البسيط # وللهضوم مواقيت مقدرة %~% وكل شيء له حد وميزان # ولا تكن عجلا في الأمر تطلبه %~% فليس يحمد قبل النضج بحران [2.5] # قلت فما رأيك في التقدير قال الرأي التوقف فإن الداء الدوي إدخال الطعام ~~على الطعام وهو الذي أفنى البرية وقتل السباع في البرية فإن التخمة إذا ~~بقيت أتلفت وإذا تجللت أضعفت وبقراط يقول لا تغتر بأمر جرى على غير القياس ~~مثل جوع يجده المريض قبل النقاء قلت يا سيدي أما تعلم أن القدماء ms07 يقولون إن ~~القوت للمريض كالزاد للمسافر والمرض كالمسافة وهذا يجب أن لا يهمل الطبيب ~~أمر القوت خوفا من سقوطها قبل منتهى المرض قال وما علمت أن بقراط يقول إن ~~الأبدان غير النقية كلما غذوتها زدتها شرا قلت صدقت ولكن القدماء أيضا ~~يقولون مل مع المريض في بعض شهواته فإن الطعام الشهي وإن ضر خير من غير ~~الشهي وإن نفع قال الشيخ هذا صحيح إلا أن القدماء أيضا يذكرون أن الأبدان ~~المملوءة بالفضول تحيل الأغذية وإن كانت جيدة إلى طباعها قلت وقد قالوا ~~أيضا اطرح العلاج بالدواء ما أمكن التدبير بالغذاء قال الشيخ الذي أعلم أنك ~~رجل معدتك رديئة وأحشاؤك ليست نقية فما آمن عليك إن دنوت من الطعام أن تقع ~~في بلية قلت يا سيدي أنا آكل وأستعين بالله قال الشيخ لا حول ولا قوة إلا ~~بالله إذا انقضت المدة كانت الحيف في المعدة. [2.6] # فأضربت عن كلامه صحفا ثم هممت بالأكل فقال الشيخ مهلا مهلا اعلم شفاك ~~الله أن صورة العلم عند العقل كصورة الغذاء عند الجسم إلا أن برداءة الغذاء ~~يهلك الجسم ويهبط هو والنفس إلى أسفل السافلين وبحقيقة العلم تصفو النفس ~~وتستصحب معه الجسم إلى عليين ومقر الروحانيين ومقام العز ومعدن البهاء ~~والفوز وبقراط يقول ليس بالخبز يحيى الإنسان بل بكل كلمة طيبة وسقراط يقول ~~إن أحببت أن تأكل فلا تأكل حتى تأكل وأفلاطون يقول إنما آكل لأعيش لا أعيش ~~لآكل فإياك أن تهجم على الأكل لكن تأن وتمهل وكن كالخياط الفاره الذي يقدر ~~ألف مرة حتى يقطع فما في العجلة خير وخذ بقول الأول البسيط # قد يدرك المتأني بعض حاجته %~% وقد يكون مع المستعجل الزلل # قلت له ولم لا آخذ بقول الثاني البسيط # وربما فات قوما جل أمرهم %~% من التأني وكان الحزم لو عجلوا [2.7] # قال فإذا عزمت على الأكل فصغر اللقم وقطعها بالثنايا وكسرها بالأنياب ~~واطحنها بالأضراس وقلبها باللسان وابلع سحيقها وأعد إلى طحن الأضراس جريشها ~~وقدم البقول على الثرائد وإذا اكتفيت بالثرائد فلا تعدل ms08 إلى التوابل وأنشد الكامل # فالنفس راغبة إذا رغبتها %~% وإذا ترد إلى قليل تقنع # وإياك واللحمان فسقراط يقول لا تجعلوا بطونكم مقبرة للحيوان وجالينوس ~~يقول أجهل الناس من ملأ بطنه من كل ما يجده واعتمد على مقاومة الصفراء ~~بالأشياء الحامضة والبلغم بالطعوم المالحة والسوداء بالثرائد الدسمة واعلم ~~أن الصفراء كالصبي الصغير ترضيه التمرة وتسخطه الكلمة والسوداء كالثور ~~يسوقه الصبي والمرأة وإذا غضب لم يضبط والبلغم كالسبع إن قتل وإلا قتل ~~فاقهر البلغم قهرك عبدك واخضع الصفراء خضوعك لمن فوقك وسالم الدم مسالمتك ~~صديقك وجاهد السوداء مجاهدتك عدوك واحتذر يا سيدي من كثرة الألوان المختلفة ~~الطبائع فتحتار المعدة في هضمها وتعجز القوة عن إحالتها ولا تأكل ما يكد ~~أسنانك في مضغه فتعجز معدتك عن هضمه واجعل يا سيدي ما يرد الحشا أثلاثا ~~ثلثا طعاما وثلثا شرابا وثلثا نفسا واحترز من الغذاء فما يساوي الدنيا ~~التردد إلى بيت الخلاء لأن الطعام إذا بدأ ينضج ربا وانتفخ لم يجد في تجويف ~~المعدة متسعا أعقب الكظة وقلل من شرب الماء البارد في تضاعيف الغذاء وغلب ~~العقل على الهوى فإنه قل من غلب هواه على عقله فلم يعطب وقل من حرص على ~~النساء فلم يفتضح وقل من ابتلي بوزير السوء فلم يهلك وقل من أكثر من الطعام ~~والشراب فلم يسقم وجعل الشيخ يمر في ضرب من هذا الفن ليشغلني عن الأكل. [2.8] # فلما طال كلامه واتسع في الهذيان ميدانه أضربت عن كلامه صفحا وأقبلت على ~~الأكل فأمعنت في الخل والبقل وهو لا يستزيد إداما ولا يستدعي طعاما حتى خيل ~~له أنني قد شبعت وتصور أنني من الخل والبقل قد قنعت فقال لغلامه ارفع هذا ~~عنا وقرب الشواء منا فقدم الغلام حملا مشويا فمددت يدي إلى الأكتاف فقال ~~إياك وإياها فإنها تقبل من القلب الفضلات فملت نحو الزور فقال لا تتعرض له ~~فإنه بطيء الهضم فعدلت إلى الكلى فقال هذه معدن البول ومائية الدم فأومأت ~~إلى الأفخاذ فقال إنها مجاورة للمعاء والبراز فاستأذنت في الألية فقال الله ms09 ~~الله في نفسك فإنها وخمة رديئة تميت الشهوة وتحدث الهيضة فقلت فعلى ماذا ~~أعتمد قال على الأطراف من العضد فهي ألطف ما في الخروف لا سيما من هذا ~~الرضيع المعلوف فأومأت إلى طرف كان قريبا مني فقال تأخذ من الأطراف المؤخرة ~~والمقاديم أشرف وتأخذ اليمنى منها واليسرى ألطف لقربها من القلب والحرارة ~~الغريزية وبعدها من الزبل والفضلات الرديئة خذ ما أعطيك ودع ما سواه فإنه يؤذيك. [2.9] # ثم فرك أحد الأطراف اليابسة وقال هاك هذه اليمنى فإن الاعتماد كان عليها ~~في الرعي والسعي فهلم نحوها يا ابن أخي فأخذتها ثم قال لغلامه ارفعه عني ~~عسى أن نكفي غائلته ونأمن برداءته وبليته فلبلوغ الشهوات توافق مهلاكات ~~وعوارض مؤلمات فرب أكلة قد حرمت أكلات وهات ما عندك فقدم مضيرة بلحم بقر ~~فبدأت آكل فقال اعلم وفقك الله أن الأكل يستمرئ الأطعمة الموافقة له ولا ~~يستمرئ الأطعمة المخالفة لطبعه وهذه مضيرة بلحم بقر والقدماء ينهون عنها ~~لمن به ما بك وعن الجمع بين لحم البقر واللبن كما ينهون عن الجمع بينه وبين ~~السمك وهذه والله معدن وجع المفاصل والنقرس واللقوة والقولنج والفالج فالله ~~أن تحملك الشهوة على الاستصرار لهذه المضيرة ثم قال لغلامه ارفعها عنا ففي ~~رفعها الخيرة لنا فإني لا آمن أن ينقاد بزمام الهوى إلى مناخ الشهوة فيقع ~~من هذه المضيرة في أمراض صعبة. [2.10] # فرفعت وقدمت أرزة بلبن قد عملت تحت الحمل فتصورت أنه لا شيء يرجى بعدها ~~فدعت الضرورة إلى الشبع منها فحين رآني فيها ممعنا وعلى أكلها مقبلا تبين ~~الغضب في وجهه فأومأ إلى الغلام برفع الطبق فظن الغلام أنه يستدعي منه ~~الحلوى فقدم جاما فيه فالوذج صبغ اللون محكم العقد فازداد غيظه وكان يرمي ~~الجام بمتطاير دموعه وقال أعوذ بالله من سوء ما جرت به المقادير اعلم يا ~~سيدي أنه ليس الآمر بالخير بأسعد من المطيع له ولا الناصح أولى بالنصيحة من ~~المنصوح له فاسمع نصيحتي واعلم أن الحلوى مضرة بالأسنان مبثرة للفم واللسان ~~لا سيما إذا ms10 اتبعت بالماء البارد فإن المأمون شكا وجع أسنانه إلى طبيبه ~~جبريل فقال يا أمير المؤمنين امتنع من الماء البارد بعد الرطب والسكر فقال ~~ويحك يا جبريل لولا هما لما أردتك وأي لذة تبقى للسان إذا امتنع الإنسان من ~~الماء البارد والحلو وخالف جبريل فيما وصف فكان من أسنانه ما قد عرف. [2.11] # وأنا أستنزلك عن هذا الجام فإن العاقل لا يؤثر اللذة على الصحة فعرفني ~~على ماذا عزمت قلت على الأكل والاتكال على الله فقال كأنك إن تركت الحلوى ~~لا تتكل على الله ثم قال اعلم أن الطبيب واسطة بين الله والمريض والوسط فيه ~~ما في الطرفين ففيه من صفات الله رحمة ومنحة ومن المريض سؤال ورغبة فغرضه ~~العافية ودأبه إهداء النصيحة والتوصل إلى صلاح كل نسمة وأنشد السريع # لو غضبت روح على جسمها %~% أصلح بين الروح والجسم # كأنه من لطف أفكاره %~% يحول بين االلحم والعظم [2.12] # فلا تسيء في الظن وتنسبني في هذا القول والفعل إلى البخل فإنه لا بد من ~~النصيحة لك فلا يثقل ذلك عليك فبالله أنني أشتهي كثيرا اللون اللذيذ وأؤثره ~~ثم أخاف غائلته فأنهي نفسي عنه وربما غلبتني الشهوة فلا أزال أذكر نفسي ~~الآلام والأوجاع وأحضر بين يدي آلات العلاج ثم قال لغلامه ارفع الحلوى وهات ~~ما عندك فما شككت إلا أنه جام آخر ولون قد تأخر وإذا طبق فيه كلبات الأضراس ~~ومكاوي الطحال والرأس وكلابات العلق ونشاب وصنانير السبل والظفرة وزراقات ~~القولنج والذكر وقاتاطير التبويل وملزم البواسير ومخرط المناخير ورصاص ~~التثقيل ومنجل النواصير ومخالب التشمير ومحك الجرب ومنشار القطع ومهت القدح ~~ومجرفة الأذن وورد السلع وقمادين الجرب وخشبة الكتف وحبال الورك ومفتاح ~~الرحم ونوار النسا ومكمدة الحشا وقدح الشوصة ودرج المكامل ومرهمدان المراهم ~~ودست المباضع. [2.13] # فلما نظرت إليه تنغصت بالأكل وتصورت البلاء والسقم فقال لي يا سيدي يجب ~~على الإنسان الشكر لله على الصحة ويسأله دوام العافية أليس هذا جميعه لأجل ~~الأكل والمضغ أعد لهذا الجسد وأنشد المنسرح # كم أكلة دخلت حشا شره ms11 %~% فأخرجت روحه من الجسد # لا بارك الله في الطعام إذا %~% كان هلاك النفوس بالمعد # ثم قال لغلامه اعفنا عن الطعام وأعد بنا إلى الطشت والأشنان فغسلنا ~~أيدينا وأخذ مخدة واتكأ وقال هات يا سيدي نتحدث فإن أبا علي نظيفا كأنه ~~ينشدنا دائما مجزوء الكامل # ولقد سئمت مآربي %~% وكأن أطيبها خبيث # إلا الحديث فإنه %~% مثل اسمه أبدا حديث [2.14] # وبدأ الشيخ يتعمل للحديث ويتشجع ويتكلف للنشاط ويتصنع وينشد الكامل # وتجلدي للشامتين أريهم %~% أني لريب الدهر لا أتضعضع # فقلت يا سيدي قد تعلقت بذلك المعجون ما دمت على الحمية فعرفني متى آخذه ~~وكم مقداره وما أتناول منه فقال ما هذا حجر يحتاج قبل الطحن إلى النقر ~~ولأنت إلى ما يقطع بعض شهواتك أحوج مما يقوي معدتك فاعرض عن هذا وهات حدثني ~~أي شيء تحفظ من النوادر قلت أخبار بنان قال ومن الشعر قلت قصيدة في التطفيل ~~قال ومن الأبيات في الأمثال السائرة قلت قول الشاعر البسيط # نزوركم لا نؤاخذكم بزورتكم %~% إن الكريم إذا لم يستزر زارا # يقرب الشوق دارا وهي نازحة %~% من عالج الشوق لم يستبعد الدارا # قال فأي شيء عانيت من المهن قلت الطبيخ قال فما الذي قرأت من الطب قلت ~~تدبير الناقه قال فما العلة التي أدتك إلى ضعف المعدة قلت الشهوة الكلبية ~~قال فأي شيء أخرجك من بغداد قلت كان بها غلاء ولحقني بها ضر فاغتاظ ونهض ~~وكان متكئا فجلس وينشد الطويل # بذا قضت الأيام ما بين أهلها %~% مصائب قوم عند قوم فوائد # قلت يا سيدي إذا كنت أيستني من الدواء فتأذن لي أن أسألك عن شيء مما أجده ~~قال قل وأرجو أن يكون سؤالا مباركا قلت ما السبب في أنني لا أقدر على شرب ~~الشراب ولا يلائم معدتي في حال من أحوال فأعجبه ما سمع من قولي وقال هذه ~~عادة طريفة أن تكون المعدة قوية على الأكل وعن الشراب ضعيفة. ### | 3 [3.1] # فلما أنس إلى قولي ضحك واعتقد أن باطن القول كظاهره فقال لغلامه هات ~~نبيذا فأحضر طبقا ms12 ونقلا وخمرا فأخذ القدح وغسله وقال انظر حسن هذا القدح ~~فإنه حصل لي من نهب قصر الإمارة أيام الفتنة وكان عندي أحسن منه ولقلة ~~المعيشة في هذه الشتوة احتجت فبعته وقال الطويل # وقد تخرج الحاجات يا أم مالك %~% كرائم من رب بهن ضنين # ولكن أيام المشمش لا بد أن تأتي ونرد عوضه لا سيما وشتاؤنا كان كثير ~~الجنائب والمطر وربيعنا هذا شديد الاختلاف والتغير وأظنها إن شاء الله سنة ~~وبائية. [3.2] # ثم ملأ قدحه وقال هذه الخمرة التي كنا زمانا نشتهيها وبقراط يقول إنها ~~تسكن العطش وتشفي من ألم الجوع وفيها عشر منافع خمس منها تتعلق بالجسد وخمس ~~بالنفس فأما التي تتعلق بالجسم فإنها تجود الهضم وتدبر البول وتحسن اللون ~~وتطيب النكهة وتزيد في الباه وأما التي تتعلق بالنفس فأنها تسر للنفس وتقرب ~~الأمل وتشجع القلب وتحسن الخلق وتقاوم البخل. [3.3] # ثم شرب وقال لغلامه امض إلى تلميذي أبي جابر الفاصد وادعه ومعه عوده وجز ~~بصديقنا أبي أيوب الكحال وأبي سالم الجرائحي وقل لأبي موسى الصيدلاني ~~بحياتي عليك إلا جعلتنا في هذا اليوم من أحد زبونك فما كانت هنيهة حتى حضر ~~القوم فسلموا فرددنا عليهم السلام وسألوا عني فأخبرهم بحالي ثم بدأ القوم ~~يشكون ما يقاسونه من المعيشة ويتذاكرون ما بقي من الصيدلة فرأيت قوما قد ~~لاذوا بالأدب إلا أن السوقية عليهم أغلب فسكتوا ساعة ثم أخذوا في الكلام في ~~مسئلة فقال الشيخ اليوم خمر وغدا أمر فما فينا اليوم قراءة ولا تدريس لأن ~~العلم الدائم يكد النفوس وجالينوس يقول إن العلماء محتاجون إلى أن يتركوا ~~التفكر وقتا ما لئلا ينهك قواهم وأجسامهم فإن الأجسام آلة القوى والأفعال. [3.4] # ثم ملأ القدح وقال لتلميذه اعلم أن القدماء يقولون إن العود مبني على ~~الطبائع الأربع وأن الضرب من المغني يجري مجرى المبضع من الفاصد والأوتار ~~كالعروق ووجه العود كالأعصاب فإياك أن تضرب ضربا يقع إيقاعه خارج الأوتار ~~واعتمد ما سمعت مني وهات غنني بشعر أبي نواس في أستاذنا جبريل الطبيب فضرب ms13 ~~الغلام واندفع يغني نشيدا الوافر # سألت أخي أبا عيسى %~% وجبريل له فضل # فقلت الراح تعجبني %~% فقال كثيرها قتل # فقلت له فقدرها %~% فقال وقوله فضل # وجدت طبائع الإنسا %~% ن أربعة هي الأصل # فأربعة لأربعة %~% لكل طبيعة رطل # ثم بسطه الخفيف # اعدلاني عن دارسات الطلول %~% ووقوفي في المربع المجهول # واسقياني على تصاخب أوتا %~% ر قضى بينهن خفق الطبول # ثم جس الأوتار ويك بلطف %~% جس بقراط نابضات العليل [3.5] # فطربوا وشربوا كلهم إلا أنا فلما أيست من الشراب بدأت أعمل في أكل النقل ~~فقلت له إن أنفع الأنقال لي ما هو يا سيدي فقال إن المتوكل سأل جبريل عن ~~أنفع الأنقال فقال له نقل أبي نواس يا أمير المؤمنين فقال وما هو قال قوله ~~المنسرح # ما لي في الناس كلهم مثل %~% مائي خمر ونقلي القبل # هذا قاله جبريل للمتوكل وهو صحيح ما به ما بك قلت صدقت إلا أن هذا يصفه ~~جبريل للمتوكل وفي مقاصيره اثنى عشر ألف جارية فأنا يا سيدي على ما أعتمد ~~في هذا النقل أعلى الشيخ أبي أيوب الكحال أم على أبي سالم الجرائحي. # فغاظه هذا القول مني وقال أليس ذكرت أنك طبيب قلت بلى ثم قال أي شيء ~~تعاني من إجراء الطب قلت الطبائع. ### | 4 [4.1] # قال أسألك عن مسئلة قلت افعل فبدأ وأنشد الوافر # أعذني رب من حصر وعي %~% ومن نفس أعالجها علاجا # ومن زلات نفسي فاغفرها %~% فإني لا أطيق لها علاجا [4.2] # ثم عاد وقال أسألك عن مسئلة قلت افعل فقال الشيخ لا تظن أني أسألك لم صار ~~الحبشة والصقالبة وبلادهم مختلفة وطبائعهم متضادة يغتذي كل منهم بالأغذية ~~الحارة اليابسة ويشربون الخمور ويتغلفون بالمسك والعنبر ووجب أن يجري الأمر ~~فيهم على خلاف ذلك التدبير هذا مما لا أسألك عنه لأنه مقبول على أن ليس ~~بالجواب أن الحبشة يستعملونه دواء والصقالبة يأخذونه غذاء لئلا يلزم أن ~~تستعمل أنت مثل ذلك في الصيف والشتاء ولا أسألك أيضا عن الخنزير وهو من ~~أعدل الحيوانات وغذاؤه يجب أن يكون أعدل ms14 النباتات ونراه يغتذي بأخبث فضلات ~~الإنسان لأن هذا من المسطور المذكور ولا أسألك أيضا عن القدماء لم قسموا ~~البلغم من طعومه ولم جعلوا الزجاجي والمسيخ أحد أقسامه وليس له طعم كأحد ~~أصنافه ولم قالوا أيضا أنه بارد وهو أحر من الدم في الهضم الثالث ولا أسألك ~~عن الولادة هل هي طبيعة وقد جمعت أجناس الأمراض الثلاثة أم هي ليس بطبيعة ~~وهي أصل الأفعال الطبيعية والإنسانية. [4.3] # لكني أسألك وأقول لك ربما نام الإنسان وهو حاقن فرأى كأنه يبول فلا يبول ~~فانتبه وقد حفزه البول للخروج فنهض وبال قلت نعم قال وربما رأى ذلك الإنسان ~~في منامه كأنه يجامع فلا يتمالك حتى ينزل وينتبه وقد أفرغ منية في ثوبه قلت ~~نعم قال فما الذي منع البول من الخروج مع حدته وأمهله إلى الانتباه على ~~كثرته وأرسل المنى على قلته وحفزه في المنام ولم يمهله إلى الانتباه وهما ~~جميعا فضلتان قلت لا أعلم قال فمن لا يتأتي له الكلام في بوله يهجم على ~~أنقال الناس ويأكلها. [4.4] # ثم التفت إلى الحاضرين وقال صدق أنه لا يعلم لأن البطنة تذهب الفطنة ~~والله لو أكل ما أكله بقراط لأضحى يعتقد أن القوة العقلية في المعدة ثم قال ~~لي يا مبارك الناصية إذا لم يتشاغل الطبيب بمسائل الأطباء وتواريخ القدماء ~~والبحث عن غوامض الكتب البقراطية وتفاسير الست العشرية وعلل البحارين ~~الشمسية والقمرية وعن النماء هل هو من خواص الأعضاء المتشابهة الأجزاء أم ~~الألية وعن النبض غير المنتظم في نبضة واحدة وفي نبضات كثيرة وإلا فماذا ~~يشغل نفسه بأخبار المخنثين والمغنين وطيب لحن ابن سريج وترنم معبد ونوادر ~~بدعة الكبيرة وأهزاج سريرة الرائقية وإيقاع مزاحم الرقاص وإذا لم يرض نفسه ~~في كتب النسخ والدساتير وتحرير الأدوية على موجب القوانين وإلا فبأي شيء ~~يعتني بكتب رقعة تتعلق بالعاشق والمعشوق ووصف القدود والخدود والعيون وكسر ~~الجفون والحنين والأنين وفرقة القرين ولوعة الحزين وطيب التلاقي وشكوى ~~الفراق وحلاوة الوصل ومرارة البين وما لحق قيسا مع لبنى والمجنون بليلى ~~وجميل ms15 في بثينة. # قلت يا سيدي أنا لست طبائعيا قال فأنت ماذا قلت أنا كحال فقال هذا شيء ~~يتعلق بشيخنا أبي أيوب. ### | 5 [5.1] # فقال لأبي أيوب اشرب هذا القدح واسأله ثم أخذ القدح وتأمله ورفعه وقال ~~هذه والله كما قال الشاعر الخفيف # فكأن الزجاج قطرة ماء %~% جمدت والعقار شعلة نار # هات بالله يا سيدي غنني صوت أستاذنا أبي إسرائيل الكحال فاندفع وغنى البسيط # قالوا اشتكت عينه فقلت لهم %~% من شدة القتل مسها الوصب # حمرتها من دماء من قتلت %~% والدم في النصل شاهد عجب # ثم هزجه المتقارب # مريض الجفون بلا علة %~% ومكتحل الطرف لم يكتحل # شكا حسنه قبح أفعاله %~% فأثر في وجنتيه الخجل [5.2] # فشربت الجماعة كلهم دوني ثم قال لي أبو أيوب لو أن رجلا برخشيا كحل عين ~~حمارك بدواء على غير علم منك فأعماها وادعى أن بها سدة ثم شارطك على برءها ~~فكحلها بدواء أعاد بصرها به أتعرف الدواء الذي يغشى طبقات العين ورطوباتها ~~ويمنع النظر بها والدواء الذي يزيل ذلك الداء في الحال عنها فقلت لا. [5.3] # فقال صاحب الدار يا رمد البصيرة اعتقدت أنه يسألك عن الظفرة متى تكون ~~مرضا ومتى تكون سببا أو عن جالينوس لم ذم العين الصغيرة ومدح الحدقة الضيقة ~~اللهم غفرا يا سيدي في أي شيء أفنيت أيام الحداثة أظنك قضيت الزمان في صحبة ~~الصبوح والغبوق ومعاشرة الإخوان وتخدير القيان ومعرفة أسماء الخمر وتعديل ~~السرنايات بالطبل وتعيية المجالس وإصلاح المشآم وتفريغ الأترنج وحسو اللفاح ~~وترتيب الأوتار وشد أزيرة العيدان على مقادير الألحان وإصلاح الطبقات في ~~ثقيل الأول وخفيفه والرمل وخفيفه والهزج بالوسطى والسبابة والبنصر يا سيدي ~~ما هذا والله مما ينفع الطبيب في طبه ولا المريض المسكين في إزالة مرضه. [5.4] # قلت ما أنا كحال قال أراك تدعي صناعة وتجحد أخرى كأنك تقدم غضارة وتبعد ~~أخرى هات عرفني أي شيء أنت قلت أنا جرائحي قال هذا شيء يتعلق بشيخنا أبي سالم. ### | 6 [6.1] # ثم قال لأبي سالم اشرب هذا الدور واسأله ثم التفت ms16 إلى الساقي وقال له ~~ناوله فأعطى لأبي سالم فشرب وأنشد المديد # جد بماء المزن والعنب %~% كاشفات الهم والكرب # قهوة لو إنها انتسبت %~% ساجلت قحطان في العرب # فهي تكسو كف شاربها %~% دستبانات من الذهب # فملأ الساقي القدح وأعطاه فقال لأبي جابر غن لي صوت أستاذنا أبي الحسين ~~بن نفاخ فاندفع يغني المنسرح # كل جريح ترجى سلامته %~% إلا فؤادا دهته عيناها # تبل خدي كلما ابتسمت %~% من مطر برقته ثناياها # فشربوا ثم ملؤوا الأقداح فهزجه السريع # تأوهى من حر نار الهوى %~% قتل حتى لم يجد مقتلا # تأوهى من جسدي كله %~% فصل مني مفصلا مفصلا # أرى المعافى يعذل المبلى %~% يا رب ذا العاذل ما يبتلى [6.2] # فشربت الجماعة ثم أومأ إلي وقال يحتاج الجرائحي أن يكون عالما بالتشريح ~~ومنافع الأعضاء ومواطنها ليجتنب في فتح المواد وقطع الأعصاب وأطراف العضل ~~والأوتار والألياف ثم قال كيف معرفتك بالتشريح قلت على غاية الكمال قال كم ~~هي ألياف المعدة قلت ثلاثة قال وما هي قلت واحد موضوع طولا به تجذب الغذاء ~~وآخر يمضي عرضا به تمسك الغذاء وآخر ورابا وبه تدفع الغذاء قال فإن قال ~~قائل لا بل الدفع بالموضوع عرضا والمسك بالموضوع طولا والجذب بالماضي ورابا ~~بماذا تجيبه أترى هذا مما يقوم لك عليه برهان أو تظهر لك صحته من العقل ~~والتأثير قلت لا. [6.3] # فقال صاحب الدار إنا والله نظلمه من أكل ذلك الأكل لا يجيب عن هذه ~~المسائل قال أبو سالم أحسبك أنك اعتقدت أنني أسألك عن الجراحات المدورة في ~~المفاصل المتحركة لم لا تلتحم بسرعة وعن الفرق بين أعضاء الذكر والأنثى وعن ~~علة الضرس النابت في سن الشيخوخة ما هذه مسائل تضيق أفاضل العلماء عن ~~جوابها ثم الفتت إلى الحاضرين وقال قد حصلنا من هذه الصناعة على تدوير ~~العمامة وتحرير الشابورة وسعة الدراعة وعظم الخاتم والفشر عند العامة إذا ~~غاب الفضلاء وقول السوقة يا فلان أما ترى ذا من أين مثل هذا ومتى يسمع من ~~غيره هكذا لا سيما إذا أخذ الكتاب بيده وفتل ms17 شدقيه وأمال رأسه وأومأ بيده ~~عند قراءته فمن الحواريين في إقامة الموتى وإبراء الزمنى ومن بقراط في طبه ~~وارشيميدس في حيله واقليدس في هندسته وإذا فاتحته بالعلم وجدته عاريا مما ~~انتحله عاطلا مما تحلى به وانتمى إليه وعول بالمعيشة عليه فهو كما قال ~~الشاعر الرمل # فإذا سألته عن علمه %~% قال علمي يا خليلي في سفط # في كراريس جياد أحكمت %~% وبخط أي خط أي خط # فإذا قلت له هات إذا %~% حك لحيته جميعا وامتخط # وإذا أخبر عن شيء ترى %~% فاتحا فكا ومنه قد ضرط [6.4] # لا سيما الواحد منهم إذا شد العضد وفصد ومسح الميل وكحل ونظر إلى ~~القارورة وحرك رأسه فقد وفى الصناعة حقها وعرف علمها وعملها وقال لقد ~~أحكمتها والصواب التشاغل بعلم غيرها وينسى قول بقراط العمر قصير والصناعة ~~طويلة هذا والساعات طائرة والحركات دائمة والفرص بروق تتألق والأوطار في ~~غرضها تجتمع وتفترق والنفوس على غوايتها تذوب وتحترق فإن اتفق لهذا الجاهل ~~أن يحضر مع طبيب قد أسهر ليله وكد نفسه فما يحتاج في مناظرته إلى أكثر من ~~المهاترة والمكابرة والاعتضاد عليه بالنساء والعامة والشفاعة إلى المريض ~~برقاع الأصدقاء إلى أن يصرف ذلك الطبيب ثم لا يزال معه في طبه ماضيا على ~~سنته إلى أن ينبت المرعى على دمنته. [6.5] # فإذا سئل عنه بعد موته قال ما كان يمكن أن يعيش لأن المرض كان مهلكا ~~فالقوة ساقطة وما على الطبيب إلا الاجتهاد وليس في قوة الصناعة شفاء كل ~~مريض ولو كان كل مريض إذا استطب برأ لما مات أحد ولكن الآجال مقسومة فما ~~الحيلة ولا حيلة في الموت ولا قدرة لنا أن نزيد في الأجل ولعمري إنه كان ~~حرا ويعز علي والله فقده ولكن الأنبياء ماتوا وما يبقى أحد ويخرج في فتاوى ~~أحمد بن حنبل ويستطرد بمخالفة المريض وغلط الطبيب الأول فإن سئل عما تجدد ~~له تنهد وأنشد البسيط # أخنى عليه الذي أخنى على لبد %~% # وإن قدر أن يأتي له برء قال لقد خلصته من فك الأسد ورددته من ms18 شفير القبر ~~ويرى أنه حل العصابة من لحيته ونزع يد الغاسل عن يده وجذب ناصيته من منكر ~~ونكير وقد بدآ بمسائلته. [6.6] # ثم قال ما لي أراك مطرقا مليا قلت لأني لست جرائحيا فاغتاظ من تنقلي في ~~الصنائع وقال الوافر # أظنك من بقية آل موسى %~% فهم لا يصبرون على طعام # قلت صدقت يا سيدي عادتي أغتذي ثلاث دفعات في اليوم قال دع هذا عنك فما ~~هذا أردت هات عرفني أي شيء أنت قلت فاصد قال هذا شيء يتعلق بفتانا أبي جابر ~~فالنوبة معه. ### | 7 [7.1] # فقال أبو جابر لصاحب الدار يا أستاذ أسألك أن تنوب عني في مسائلته وأنا ~~أعوضك عن ذلك بأن أغني لك شعر شاجي لما أهدت جاريتها للمتوكل يوم فصاده قال ~~افعل فاندفع الغلام وغنى السريع # فصدت عرقا تبتغي صحة %~% ألبسك الله حلى العافيه # فاشرب بهذا الكأس يا سيدي %~% مستمتعا لهذه الجاريه # واجعل لمن أهداكها زورة %~% تحظى بها في الليلة الثانيه # فصاح وطرب وشرب ثم ملؤوا الأقداح فهزجه بسيط # ويح الطبيب الذي جست يداه يدك %~% ما كان أجسره فيما به اعتمدك # لو أن ألحاظه كانت مباضعه %~% وقد نحاك بها من رقة فصدك [7.2] # فلما شربوا سكتت الجماعة فقال الشيخ كان لملوك اليونان عادة وذلك أنهم لا ~~يعلمون صناعة لإنسان إلا بعد تأمل مولده لأن المطبوع في كل امرئ هو الذي ~~يكون دليل ذلك الشيء قويا في مولده والذين لا مولد لهم يدخلونهم إلى بيت ~~فيه صور الصنائع فما تحركت إليه طباعهم اشرأبت نحوه نفوسهم واستراحت إليه ~~قلوبهم أخذوهم بتعلمه لقوله الطويل # وكل امرئ يصبو إلى ما تجانس # وجالينوس يستدل على همة الصبي من لعبه مع أقرانه في الملعب وهل يؤثر أن ~~يكون ملكا عليهم أو خادما لهم فإن الشخص تسمو نفسه في ذلك الوقت بحسب ~~الغالب عليه في طباعه إذ كانت الروية مغمورة بالطبائع الحيوانية. [7.3] # ولما فسد هذا النظام صار كل عطار يتصدي لنظر القوارير والكلام على ~~الطبائع وتنفيق ما كسد عنده من الحوائج لا سيما ms19 إذا أضاف إلى طبه قرطاسا ~~فيه نوشادر وخضاب وغسول وكلكون وحب العروس وإن شعثاء تحلف لسكينة بالمصحف ~~أن ليس في العالم أحسن من طبه وهو مع هذا ربما طبخ ماء الشعير وانكب على ~~نفخ الدخان ولا يعلم المسكين أن الفاصد يحتاج أن يعني بعينيه بمداومة ~~الأكحال الجالية وشرب الحبوب المنقية تالله إنني ما أعلم من المرحوم الفاصد ~~المدفوع إلى ما ليس من عمله أم المفصود المغرور الذي يوقع يده بيده فيتحكم ~~في عرقه وعضده. [7.4] # ثم قال لي أسألك قلت سل عما بدا لك قال ولا تظن أنني أسألك عن العلة التي ~~من أجلها صار بعض العروق يفصد طولا وبعضها عرضا وبعضها ورابا فذلك معروف ~~ولا أسألك أيضا لم صار منفعة فصد الأسيلم في بعض الأمراض أكثر من الباسليق ~~وهو طرفه وشبعة منه ولا عن الشروط التي تلزم الفاصد وقت فصاده وقبله وبعده ~~ولا عن العروق التي حصلت معرفتها بالقياس والعروق التي عرفت بالتجربة والتي ~~أدركت على جهة الوحي في المنام فذلك مما يعرفه فأر البيمارستان ولا أسألك ~~عن عرق الجبهة أين يطلب في الصبيان وعرق اليافوخ أين يوجد في الرجال ولا ~~أسألك عن الدم الأحمر الذي إذا طرح عليه الماء اسود والأسود يحمر. [7.5] # بل أسألك عن العلة التي من أجلها يكره الاستفراغ بالفصد في امتلاء القمر ~~والدم من استهلاله إلى إبداره في أبدان الحيوان أغزر منه في زمان محاقه ~~أتعلم ذلك قلت لا قال أفتعرف الفوائد الثلاث في شد العضد قبل الفصاد قلت لا ~~قال ولا تعرف أول من نبه على الفصاد والاختيار لمداواة الأمراض قلت لا. [7.6] # قال فأنت من عمرك تنتهك أعراض الموائد وتحبب الناس بالأكل وتأكل وتنام ~~وتتلوى في المسائل كأنك عرق زوال تحت مبضع فصد وقد حصلنا من هذا الفصد معكم ~~على شق العروق وأخذ الفضة وشهادة العامة أن فلانا فصده طيب ويده خفيفة ~~والواحد منكم لا يعلم أنه إن ضرب شريانا نزف الدم الذي يتبعه الموت وإن ضرب ~~عصبا أبطل الحركة والحس وشنج ms20 اليد وإن ضرب عضلة جذب المواد الخبيثة إلى ~~العضو بطلت والله هذه الصناعة وصار الحذق في الفصد مسك العضد عوض الشد وعصر ~~العروق حتى يهارق الدم وعص العصابة وتربيع الرفادة وترك المبضع تحت العمامة ~~فما يعرفون غير إهراق الدماء وأخذ الكراء فلو أن إنسانا ضاعت حمارته أو ~~وقعت درجته لما أشرتم عليه إلا بفصده وإهراق دمه. [7.7] # ثم قال لي أرني مباضعك فأخرجت إليه دست المباضع فتأمله وقال أين المدورات ~~والشفرات والمزوريات والحربات وأين فأس الجبهة وصنارة الصدغ والدواء القاطع ~~للدم قلت ما معي من هذا كله شيء قال فأرني لطف أناملك فلما أخرجت يدي قال ~~ما هذه أنامل تصلح لجس العروق ولا هذا زند يقدح جواب هذه المسائل. # قلت لست فاصدا قال فأنت ماذا قلت صيدلاني قال هذا يلزم شيخنا أبا موسى. ### | 8 [8.1] # فقال لأبي موسى اشرب هذا القدح واسأله فملؤوا الأرطال ورفع أبو موسى قدحه ~~وقال ما أحسن ما قال فيها ابن المعتز المتقارب # وراح من الشمس مخلوقة %~% وبدت لك في قدح من نهار # هواء ولكنه راكد %~% وماء ولكنه غير جار # ثم التفت إلى الغلام وقال بالله غنني صوت أستاذنا أحمد بن قرابة فاندفع ~~يغني البسيط # لما ألممت بأصحابي وقد هجعوا %~% حسبت وسط رحال القوم عطارا # فقلت من ذا المحيى وانتبهت له %~% قالوا الحبيب الذي تهواه قد زارا # قلت انزلوا نعمت دار بقربكم %~% أهلا وسهلا بكم من زائر زارا [8.2] # فلما شربوا قال أبو موسى لست أسألك عن الأدوية التي تستعمل لوقتها والتي ~~تستعمل لشهرها والتي يؤمن استبقاؤها وإن تقادم عهدها لأن هذا معروف ولا ~~أسألك عن الدواء التفه الذي إذا طرح على الخل حلا ولا عن الدواء الذي إذا ~~طرح على الحلو حمض ولا عن الشيء اليابس الذي إذا ألقي عليه الربوب أماعها ~~ولا عن المائع الذي إذا طرح عليه الماء جمده فذاك معروف. [8.3] # بل أسألك عن الحجر الذي إذا أدنى إلى ضوء السراج يضمحل وعن البذور ~~القمرية وعن الغبيراء الصيني والساذج الهندي والتوتياء الحشري ms21 وعن منابت ~~العقار بحسب فصول الأزمان أفتعرف ذلك قلت لا قال أفتعرف الحنظل قلت نعم قال ~~أفتعرف الأنثى من الذكر قلت لا قال أفتعرف ما منه دواء نافع فتأخذه وما منه ~~سم ناقع فتطرحه قلت لا قال أفتعرف الأسفنج ليس البحري ولكن النباتي قلت لا ~~قال أفتعلم متى يؤخذ زبل الذئب وبعر الضب قلت لا قال أفتعرف الشيء الذي ~~تغيرت الطبيعة طعمه وتبقى عليه لونه والشيء الذي تغير لونه وتبقى طعمه ~~والشيء الذي تغير طعمه ولونه وبالضد قلت لا قال أفتعرف الحجر الذي يراه ~~الناظر أبيض فإذا أدام النظر رآه أحمر فإن أدامه جدا رآه بنفسجيا فإن زاد ~~النظر رآه أسود مظلما قلت لا قال أفتعرف الدواء البسيط الذي يجد اللسان منه ~~حلاوة ومرارة وحموضة وملوحة معا قلت لا. [8.4] # قال الشيخ يا يبروح صنمي ما هذه من مقاماتك هذه من مقامات ديسقوريدس الذي ~~قد بدلنا منها بقطاعي الشوك وباعة الفتونج ها أنتم تلعبون بمهج الناس تعز ~~علي هذه الصناعة قل الواصف لها وعدم العارف بها فتحامي التجار جلب العقار ~~وبقينا من صناعة الصيدلة على البراني المصففة والصواني المزوقة والدكاكين ~~المزخرفة والألواح المرندجة والموازين والمكاييل والمصافي والطيافير وصارت ~~العناية كلها بالحناء الجيد وماء الورد الطيب والخضاب الحلك والغسول الأحمر ~~والقلى والنوشادر والحادور ودخنة مريم وإن تقول شعثاء لعاتكة ما في الدنيا ~~مثل دخنة أبي حسين العطار وتقول علية القابلة ومن أين مثل قشوته وتقول ~~سكينة الماشطة إن عنده من دهن العافية شيء ما في الدنيا مثله وتحلف أن ما ~~في العالم مثل حوائجه لا سيما إذا قالت له كم بثمن خمس دراهم قشار فيعطيها ~~ويزيدها ويحلف أنه لا يأخذ ثمنه منها ويرسلها وقد جعلها شبكة من شباك ~~المعيشة فلا يبقى حمام ولا مجلس قاض ولا سوق غزل ولا دكان قطان إلا والحديث ~~كله صفة أبي الحسين العطار. [8.5] # فلما استوفى كلامه عجزت عن الجواب ورأيت أن المسالمة من الصواب فقلت يا ~~سيدي الحكماء يقولون إن لكل فضل زكاة فزكاة المال ms22 الصدقة على الفقير ~~المحتاج وزكاة القوة المدافعة عن الضعيف المظلوم وزكاة البلاغة القيام بحجة ~~من عجز عن حجته وزكاة الجاه أن يعين به من لا جاه له وزكاة العلم التعليم ~~لمن قصر علمه وإذا وجب على المال زكاة وهو ينقصه الإنفاق فهي أوجب على ~~العلم الذي يزيده الإنفاق وقد قيل إن العلم كالشعر الذي كلما حلقته كان ~~أقوى لنمائه فإن لم تحلقه فإن له مقدارا محدودا وإن قص عاد إليه وإن ترك لم ~~يزد عليه فهل لك أن تعرفني جواب هذه المسائل. [8.6] # قال الشيخ من يمنع الحكمة طلابها كالذي يمنع الظمآن الماء البارد العذب ~~ومن يعرض الحكمة على غير طلابها كالذي يعرض على الريان الماء الحار المالح ~~وأنا أعرفك جواب هذه المسائل بعد أن تعرفني أي شيء تنتحل من الصنائع فبالله ~~إنني أورد عليك كلاما كالوشي المحبوك والذهب المسبوك قلت أنا رجل جئت بكتب ~~إلى أهل هذه البلد قال أنت من طب الرقاع والرسائل والتفت إلى القوم وقال ~~هذا مثل فتانا قلت من هو. ### | 9 [9.1] # قال فتى حدث نشأ عندنا يعرف بجاروف أبي الوفاء أمسى في بعض الليالي معافى ~~وأصبح يدعي أنه حكيم البسيط # قال له الله كن طبيبا %~% تقضي على الناس بالذهاب # تأخذ مال العليل قهرا %~% ثم توالي إلى التراب # أعاذنا الله وإياكم من سوء ما تجري به المقادير على يده فهو الآن يلبس ~~الدبيقي المقلم والمقصب المذهب والخواتيم البلخش والفيروذج ومع هذا فوالله ~~إنني أرحمه المتقارب # وحسبك من حادث بامرئ %~% ترى حاسديه له راحمينا # لأن هذا اللباس يبغضه إلى الناس ويحملهم على غيبته حتى يتكلمون فيه بما ~~أنا أحلف أنه لا يتجاسر عليه ولا يمد يده إليه ولكنه لا يرضى لنفسه أن يكون ~~مثلنا المياشيم الذين رضينا من الثياب ما ناب مناب الريش للطائر ومن شماشك ~~ما ناب للحيوان مناب الحافر هذا أنفع وذاك أطيب ولكن اللعب إلى آخره يا ~~سيدي هذه عادة مشايخ القدماء وزهاد الأطباء وكل ما لا يشبه أربابه مسروق ~~ونحن أعزك الله ms23 أصحاب ثردة وعافية وما علينا من غيرنا ولكن إذا رأى البائس ~~الفقير طبيبا كأنه وزير فكيف يتجاسر عليه أو يمد يده إليه و يجسر أن يريه ~~نفثه وبوله وبرازه ولكن هو بعد حدث ما يحسن يداري عيشه. [9.2] # ومن المعلوم أن ذا العقل لا تبطره منزلة أصابها وإن عظم أمره كالجبل الذي ~~لا يتزلزل وإن اشتدت به الريح والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذي تحركه ~~أدنى ريح فإن الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا كالنار التي ~~تزيد كل ذي بصر بصرا وتزيد الخفاش عماء. [9.3] # بالله إنني أعجب إذا قالوا إن فلانا قد صار طبيبا وكنت أعهده يتيما فلما ~~ترعرع ماشى كسيرا وعويرا وشهوا إليه الجندي والركوب والفروسية إلى أن مضى ~~على ذلك برهة فما أحسست بشيء حتى تصدر بعمامة وصقل أطرافه وقص أظفاره ووسع ~~أردانه والتحق بالرؤساء وانتمى إلى خدمة الأولياء وبدأ يتعلم ويكتب ويقرأ ~~ويتشور بأخبار الأطباء. [9.4] # ولعهدي به يوما وقد حكى لبعض الرؤساء حكاية أساء فيها الرواية فقال إن ~~بعض سراري الملوك شكت إلى جبريل بخرا كان بمولاها وإن جبريل أشار عليها أن ~~تأمر الخياطين أن يفتقوا دروزها ويملؤوها مسكا حتى إذا ضاجعها مولاها تعتمد ~~أن تشم الدروز وإذا قويت عليها الرائحة تواصل شم الدروز فكانت تجمع الدرز ~~والدرزين والثلاثة وتشمها فاندفع الناس يضحكون من مخاطبته لصاحب المجلس ~~بهذا ومن أنه المسكين لا يعلم أن التاء في الفعل المضارع تصلح للمؤنثة ~~الغائبة والمذكر الحاضر. [9.5] # وشتان ما بين هذه الحكاية وما جرى بين إسحاق بن حنين وبين القاسم بن عبيد ~~الله وزير المعتضد وذلك أن القاسم بلغه أن أبا يعقوب إسحاق شرب دواء مسهلا ~~فأحب مداعبته وكان صديقا له فكتب إليه الهزج # أبن لي كيف أمسيت %~% وكم كان من الحال # وكم سارت بك الناقة %~% نحو المنزل الخالي # فكتب إليه إسحاق الهزج # بخير كنت مسرورا %~% رخيا ناعم البال # وأما السير والناقة %~% ثم المربع الخالي # فإجلالك أنسانيه %~% يا غاية أمالي # وما أبعد شبهة المسكين أيضا ببعض ms24 ظراف الأطباء وقد أنفذه صاحبه في جيش ~~فلما عاد سأله عن الوقعة على جهة المداعبة فقال التفت الفتيان في موضع ~~كرحبة البيمارستان فلو ألقي مبضع لما وقع إلا علي فيقال فما كانت إلا هنيهة ~~بمقياس عشر نبضات حتى أبحر أعداؤنا بحرانا مهلكا وعدنا في صحة مطلقة ~~بإقبالك يا معتدل المزاج. [9.6] # ثم قال الشيخ يعز علي والله بهؤلاء الأطباء مات الناس وباد جهابذة ~~الصنائع ونقاد العلوم فانقلعت عين الفضل ووهى عمودها وانكسر فقارها فلا ثغر ~~للحكمة إلا وهو مستباح ولا جانب للفضل إلا وهو منثلم فالمصيبة عامة والعزاء ~~خاص لأن المريض مستغيث والطبيب عاجز وبينه وبين مداواته سجاف قاطع مانع ~~وهذا عيان يغني عن البرهان. [9.7] # ثم ملؤوا الأرطال واستدعى أبو سالم كأسا كبيرة فلما ملأها رفعها بيده ~~وقال ما أحسن ما قال فيه أبو نواس الخفيف # في كؤوس كأنهن نجوم %~% باديات بروجها أيدينا # طالعات مع السقاة علينا %~% فإذا ما غربن يغربن فينا # ثم قال لأبي جابر يا ولدي غنني أحد أصواتي فاندفع وغنى البسيط # عين الزمان أصابتنا فلا نظرت %~% وعذبت بعذاب الهجر ألوانا # قد كنت أشفق من دمعي على بصري %~% واليوم كل عزيز بعدكم هانا # فطربوا وصاحوا وشربوا وملؤوا الأقداح واقترح صاحب الدار على الصبي فغناه الكامل # مرضت فجئت أعودها فترنمت %~% فهي الصحيحة والمريض العائد # والله لو قست القلوب كقلبها %~% ما رق للولد الضعيف الوالد [9.8] # فشربوا وحيا بعضهم بعضا وأكثروا من الثناء على صاحب الدعوة فلما سكتوا ~~قلت يا سيدي من هذا الطبيب الذي هذه صفاته فضحك وقال صبي كنت أعرفه ببغداد ~~وهو إذا مص الثماد ناب عنده مناب الماء الغزير اليوم قد تعلم يأكل الباقلى ~~المقشر والبادنجان المقمع فهو كما قال الأول الطويل # كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى %~% ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا # ولم يك في بؤس إذا بات ليلة %~% يناجي غزالا ساجي الطرف أكحلا # غير أنه قد دخل فيما ليس من عمله وتصدى لمقعد ليس من أهله فالنعمة نافرة ~~عنه والرياسة غريبة منه ms25 وأنشد الخفيف # نعمة الله لا تعاب لكن %~% ربما استقبحت على أقوام [9.9] # فواصلته ظنا بأن الزمان يصلحه فوجدته يتوصل إلى الكسب بكل وجه ويتحيل في ~~جذب الدرهم بكل ضرب فهو مع الجند في فن ومع التجار في فن يصف للشباب سنونا ~~للفم وللنساء دواء للشحم وللمشايخ جلاء للعين وللعجائز خضابا للشعر وهو ~~تارة يتطبب وتارة يتنجم ودورا يدلل ويسمسر وإذا أدخل في شيء يحل ويربط ~~ويحسن البحث ادعى أنه عبد الله بن هلال ومع هذا يتجر في الأكفان ويستعمل ~~التوابيت ويكري ثياب الجنائز ويرابي نوائح ويغمز إلى أصحاب المواريث وإذا ~~دخل القوم دارا فارقها بخزي وأبقى بعدها عارا سعادته بمناخس المرضى ومناخسه ~~بسلامتهم من يده الشلاء أعداؤه جميع الأمم وأصدقاؤه الحفارين والرخم البسيط # قد عود الطير عادات وثقن بها %~% فهن يتبعنه في كل مرتحل [9.10] # وإذا حضر أيام الربيع اجتمع مع عطار له وشارطه على نصف أثمان الأدوية ~~ويمضي هو فيقصد الرؤساء في دورهم ويلقي التجار في دكاكينهم ويهدد الناس في ~~الربيع بهجوم الحر وفي الخريف بورود الشتاء ويلقى هندا فيقول لها يا ستي ~~أراك قد تغيرت والله إن عينا أصابتك فتقول يا أبي وأيش بقي من الغم ما حصل ~~لي فيقول لها لأجل ماذا فتقول لأجل ما أقاسيه من والد أبي الفضل استودعه ~~الله لولا أنني أطرح الأشياء عن قلبي وإلا كنت من الهالكين فيقول لها يا ~~ستي قد فسد عقله وصار مخلطا ولكنه مطمئن القلب منك بحمد الله ولو بلي بما ~~بلي أهل هذا الزمان لكان يعرف مقدارك أتراه أراد أحسن منك وهل يلاقي مثلك ~~على كل حال أنا أدخل دور الناس وأرى ما فيها فما رأيت أحسن منك ويتكلم معها ~~في هذا وما أشبهه فيعلمها الخيانة ويرشدها إلى الزنا ويحملها على صفع زوجها ~~ومضاجرته ثم يقول لها يا ستي لعن الله الدنيا وما يساوي الغبن لحظة عين ~~وينشد الرمل # إنما دنياي نفسي فإذا %~% تلفت نفسي فلا عاش أحد # ليت أن الشمس بعدي غربت %~% ثم لم تطلع على ms26 أهل البلد [9.11] # يا ستي تقبلين مني فتقول له نعم يا أبي ولا أخالفك فيقول الصواب أن تشربي ~~ماء الجبن فإنه يخصب الجسم ويسمن الهزال ويبيض اللون ويحمر الوجه ويرق ~~البشرة ويشهي الأكل ويجود الاستمراء ويطيب النكهة ويزيل الكلف وينظر إن ~~كانت ممن يرجى لها ولد قال ونضيف إليه شيئا حتى يجيئنا ولد يشتغل به القيسي ~~يعني زوجها وربما ضمن لها أن يكون ذكرا ولا يفارقها حتى يقرر في نفسها أن ~~ماء الجبن يخصب جسمها ويحيلها ويرد قلب زوجها إليها ولا يبرح إلا حتى يكتب ~~لها أدوية غريبة ويقول امضوا إلى فلان العطار وإنه غث صعب السكة ولكن ~~حوائجه جيدة فلا تفكري في الثمن ويقول للغلام يستأمر عليك عشرين درهما ~~وينقصك خمسة اجتهد في عشرة وإن باعك وما أظن فليست بغالية وإلا فاعمل برأيك ~~ولا ترجع إلا بقضاء حاجته لأن القمر غدا في العقرب وصبحه عني وقل أنا أعوضك ~~في شربة أخرى ويجوز أن لا تربح علينا في هذه فإنها لصديق. # فإن مضى الغلام وأخذها من غيره فإنك تراه كالأسد الذي قد فاتته الفريسة ~~وهو جائع لأنه يتأملها ويقول أين الاهليلج الأسود والترنجبين الأبيض ~~والأمير باريس الحديث الأحمر ملتم والله إلى الرخص أما تعلمون أن الحكماء ~~يقولون إذا كان الطبيب حاذقا والمريض موافقا والغلام مشفقا والدواء جيدا ~~فما أقل لبث العلة لا والله لا أعطيت في الحق غشوة ولا قبلت على الطب رشوة ~~ولا استعملت إلا حوائج جيدة إن أردتم من ينصحكم وإلا فما تتقون ممن يغشكم ~~كل هذا يفعله وهو يشكو البطالة وضيق المعيشة. [9.12] # فقلت قد شعلت قلبي بهذا الرجل فقال والله ما ذكرت من أموره إلا أحسنها ~~وأنشد الطويل # وأعرض عن أشياء لو شئت قلتها %~% ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا # ولولا أنني لا أؤثر الشر إلا وجازيته على قبيح ما فعله معي في هذه الأيام ~~قلت وما الذي فعل بك قال نشرب هذا الدور وأعرفك. ### | 10 [10.1] # فملؤوا الأقداح واندفع الغلام وغنى البسيط # جس الطبيب يدي ms27 جهلا فقلت له %~% إليك عني فهذا يوم بحراني # فقال لي ما الذي تشكو فقلت له %~% أشكو إليك هوى من بعض جيراني # فقام يعجب من قولي وقال لهم %~% إنسان سوء فداؤه بإنسان # ثم هزجه الوافر # وما بك علة تشكى لطب %~% ولكن المليح له دلال [10.2] # فلما شربوا قال الشيخ اسمع يا سيدي حديثه كان لي مريض يهمني أمره فكنت ~~ألازمه وأساهره وأراصد الطبيعة في أفعاله وأراعي إنذاراتها وبحارينها ~~وأقايس بين قويها وضعيفها وبين العلامات الرديئة عليها والجيدة لها وأقابل ~~بين القوارير وأنظر بين رسوب هذه مع رسوب هذه وقوام هذه مع قوام هذه ولون ~~هذه مع لون هذه لأعلم آخر الابتداء والتزايد وأول الانتهاء والانحطاط في ~~المرض خوفا من استعمال دواء في غير وقته فأكون في طريقة والطبيعة في أخرى ~~فيتطرق على ما تطرق من قلاع الأضراس الذي قلع الضرس الصحيح وترك السقيم. [10.3] # كنت أراعي الأدوية والأشربة والأضمدة وصلاح الأهوية لأن الطبيب إذا دخل ~~على المريض يحتاج أن يكون كالشجاع الذي يدخل الحرب وقد أعد جميع ما يقيه ~~ويقاتل به فإنه لا يعلم أي خصم يثور إليه وبأي سلاح يأتيه وبأي حيلة يأخذه ~~وكذلك الطبيب يحتاج إذا دخل على المريض أن يكون عارفا بتركيب البدن ومزاج ~~أعضائه والأمراض الحادثة فيها وأسبابها وأعراضها وعلاجاتها والأدوية ~~النافعة فيها والاعتياض عما لا يوجد منها والوجه في استخراجها وطرق ~~مداواتها ليساوي بين الأمراض والأدوية في كمياتها ويخالف بينها وبين ~~كيفياتها فما زال يثقل على المريض بسؤال العواد ورقاع الأصدقاء حتى صرفني ~~واستطب فوالله فقد وجدت بذلك راحة واستراح مني خدامه والصيادلة. [10.4] # وبالله أنني ما أحسده لكن إن قلت لك إنني لست مغتاظا منه فلا تصدقني لأن ~~المثل يقول أشد الناس غما الذي نزل غيره في مكان الذي هو أحق به منه ولكن ~~اعلم أن هذا داء قد بلي به الإخوان على قديم الزمان فإن السبب الذي به يدرك ~~العاجز بغيته هو السبب الذي يحول بين الحازم وطلبته على أنه قد قيل إن طيب ms28 ~~النفس حسن الانصراف عما لا سبيل إليه فأحق ما صبر عليه ما لا يوجد إلى ~~تغيره سبيل وقد فقد الصبر الطويل # ومن أين لي صبر وفي كل ساعة %~% أرى حسناتي في موازين أعدائي [10.5] # الساعة أنا أصدق أن هذا الطبيب الجديد مثل طبيب سنته خمس وتسعين سنة ما ~~دبر قط مريضا بهذا التدبير أو عرف هذه القوانين أو جرب هذه الأمراض أو دبر ~~هذا التدبير أو حرث هذه الأرض أو رقم هذا البز أو جهز بهذا العلاج للمرضى ~~أو ظن به أنه مما يتعامل به الأطباء أو سمع به أو عمله أو خطر بباله حتى ~~أنه يستعمله فإن اعتقدت هذا فإني أظلمه وقد بلغني أن هذا المشكاحل غير هذا ~~التبدير بعدي ولم يمض على قانوني وأراد أن يظهر صنعة أخرى لا جرم أن المريض ~~في صورة قبيحة ولكن خيره ما يصلح لأصحاب هذا الزمان إلا مثله لأنه متمحل ~~وله تعيسه. [10.6] # وبلغني أنه لا يكلم أحدا إلا بالميزان أين هو منا الذين نعتقد في المرضى ~~أنهم أولادنا وإخواننا بالله لو أنك شاهدتني في صلاتي لرأيت منظرا عجيبا ~~فإن الناس كما قد علمت واحد يسأل في صلاته سعة الرزق وآخر خاتمة خير وأنا ~~أمد يدي وأسأل في رسوب أبيض ونفث أملس وعرق كثير وبول غزير ومجلس كبير ~~وأقول في تهجدي يا رب عبدك فلان هي ليلة بحرانه جد عليه بعرقه وفلان به ~~نقرس جد عليه بنومه. [10.7] # قلت يا سيدي سل الله أن يرزقك ما يغنيك عن هذا فضحك الشيخ وقال إن كان ~~مثلك إلا مثل من ضربه القولنج فبقي طول ليلته يسأل الله سبحانه أن يفرج عنه ~~بريح فلم يكن فلما أيس من الحياة قال يا رب ارزقني الجنة فقيل له أنت طول ~~الليلة تسأله في ريح ما أجابك أفتسأله في جنة عرضها السموات والأرض ولكن ~~كان يجب أن تشير علي بهذا لو كان دعائي مستجابا والله ما دعوت لأحد قط ~~فأفلح وإن الذي دعوت له بالإسهال قد ضربه القولنج ms29 والذي سألت له في عرقه ~~الحمى عليه مطبقة وسبب ذلك أن القوم لا يعطونا بيضة ونحن لا ندعو لهم ~~بخالصة. [10.8] # نعوذ بالله من كساد الأطباء ونفاق المرضى على أن لي مع هذا الوغد مقامات ~~يعرفها وأمورا لا ينكرها من ذلك أني سألته يوما على جهة المداعبة لم صار ~~خروء الكلب ينفع في الدباغة وأخثاء البقر في القصارة وزبل الذئب يحل الذبحة ~~وبعر الضب يجلو أثر القرحة فكأني ألقمته بهذه المسائل حجرا ثم رأيت أن ~~أغيظه بمسئلة أخرى فقلت له لم النجو عند الاستنجاء على ما به من الكراهة ~~تتنظف منه اليد بالماء ولما كان الغذاء طيبا لا يزول عنها رائحته إلا بماء ~~فيه عطرية وجلاء كالسعد والأشنان قال لا أعلم قلت لم صار البول على الأكثر ~~إذا برد ثخن وتكدر وكل العصارات إذا بردت رقت وصفت. [10.9] # فقاطعني ومضى يقرع سنه على ما فات من زمانه أيام الحداثة حيث كان العود ~~رطبا والطين لينا ويتأسف بأسف الغلام الذي ذكره جالينوس قلت وما قصة هذا ~~الغلام فقال قال جالينوس إن الصبي الذي يشغله حسنه عن العلم في أيام ~~الحداثة إذا هجره أحباؤه وهو خال من فضيلة قال يا ليت حسني لم يكن لي قلت ~~يا سيدي هذا الذي بينكما لا ينصلح قال ليس كل الأمراض تستطب كم من مرة رام ~~الرؤساء اتفاقنا وخلع الورك مع ثلم الإفريز لا ينصلح هيهات أن يعود إلى ما ~~كان عليه وكم يجتهد المرضى في صلاح ذات بيننا من غير علم منهم بباطن أمرنا ~~فيخيطون ناحية من الدمل فلا ينفع ذلك الاجتهاد لأن الذي بيننا جرح له غور ~~إن لم يكشف فلم يصل إليه دواء وربما التحم على فساد فيبقى قليلا وينتقض ~~والنكسة أشد من المرض فنبقى مدة متقاطعين ثم يعاود كلامي على دغل منه الوافر # إنه مرتد للصلح يوما %~% فلم ينجح بذاك الارتياد # فإن الجرح ينفر بعد حين %~% إذا كان البناء على فساد [10.10] # وكم أتغاضى على كثير من الأشياء وأتناسى كل ما جرى ms30 وأقول لعل وعسى وكم ~~أتأول وأقول وقد قال الأول البسيط # لعل عتبك محمود عواقبه %~% فربما صحت الأجسام بالعلل # فرجع إلى قبيحه الأول فأهجره فيعود معرضا بالسلام ملتمسا للمودة ولا يعلم ~~أن من الحمق التماس الإخوان بغير الوفاء ومودة النساء بالغلظة والجفاء الوافر # فإما أن تكون أخي بحق %~% فأعرف منك غثي من سميني # وإلا فاطرحني واتخذني %~% عدوا أتقيك وتتقيني [10.11] # فأسمع وأسكت وأتغافل عنه أنا وأشتغل فلا أشعر به إلا وقد ضربني في مفصل ~~ولا يعلم أن الفؤس تقطع الشجر فترجع وتنبت والمبضع يقطع اللحم فيندمل ~~واللسان لا يندمل جرحه ولا يلتئم والنصل من النشابة يغيب في الجوف ثم ينتزع ~~وأشباه النصال في القول إذا وصلت إلى القلب لم تنتزع ولم تستخرج ولكل حريق ~~مطفئ للنار الماء وللسم الدواء وللحزن الصبر وللعشق السلوة ونار الحقد لا ~~تخبو وقد غرس هذا الرجل بيننا شجرة العداوة ولولا أنه قليل الحياء كثير ~~العناء لكان اشتغاله بنفسه وشروعه في مداواة مرضه أنفع له وأعود إليه فإن ~~المثل يقول إذا كان في جوارك جنازة وليس في ديارك دقيق وصبيانك جياع فلا ~~تمض وتعزي جيرانك فمصيبتك أعظم من مصيبتهم. [10.12] # قلت أي شيء به قال اضرب عن هذا واستعذ بالله من مصائب الزمان والله لولا ~~أنه عندي كالولد ولا أحب غيبته وإلا عرفتك من مقابحه ما لا يظن ولا يتوهم ~~ويمنع الناس من مخالطته لكنا نقطع حديثه لئلا نكون كالمغتابين له قلت يا ~~سيدي حاشاك من الغيبة لكن بقي لي شيء واحد أسألك عنه قال قل قلت على من قرأ ~~هذا الفتى قال على أجل من وطئ الحصى ممن تعرض لعلوم القدماء لكن ماذا ينفع ~~حضور العلة الفاعلة إذا لم توجد مادة قابلة كالكاتب على الماء كلما خط ~~انمحى على أنه والله قد تعب وأتعب بإكثار القراءة والدراسة. [10.13] # لكن يجب أن تعلم أن مراتب المتخالفين في هذه الصناعة ثلاث واحد يقرأ ~~كثيرا ولا ينطبع فيه كالناقه الذي يظن أنه بكثرة الغذاء يخصب ولا يعلم أنه ~~بقبول ms31 الأعضاء للغذاء والتصاقه يسمن لا بكثرته فهو كلما أكل أكثر لم ينم ~~جسده ولم يتزيد وآخر يقرأ كثيرا ويفهم فهما رديئا فهذا يجري مجرى المبطون ~~الذي شأن غذائه أن يستحيل ورما فيضعف قواه ويثقل أعضاءه والجهال في هذه ~~الرتبة اثنان واحد يعرف قدر رتبته ولا يتعدى وظيفته لعلمه أنه من المقصرين ~~فلا يتعدى وصف البزور والسكنجبين وآخر يزهو بجهله على غير علم كالوارم الذي ~~يتظاهر بالشحم وهو لشدة ما يقاسيه في جهد مجهد وأنشد المتقارب # وقد يلبس المرء حر الثياب %~% ومن دونها حالة مضنيه # كما يكتسي خده حمرة %~% وعلتها ورم في الرئه [10.14] # ولهذا قال جالينوس الجهل بالجهل جهل مضاعف وهب سلمنا له العلم ماذا ينفعه ~~بلا عمل فإنه يقال ليس شيء أهلك للمريض من طبيب يحسن القول ولا يحسن العمل ~~فإن صاحب العمل وإن قصر به القول في مستقبل الأمر فسيبين فضله عند الخبرة ~~وعاقبة الأمر وصاحب القول وإن أعجب ببديهته وحسن صنعته لا يحمد غب أمره وإن ~~الطبيب الذي يعول في مداواة الأمراض والمرضى على تنميق الكلام وإقامة ~~المعاذير عند هلاك المريض من دون التدبير السديد كالذي يشرب السم اتكالا ~~على ما عنده من الترياق فقد بان أن حسن العلم لا يتم إلا بالعمل فإن المريض ~~الذي قد علم دواء مرضه إذا هو لم يتداو به لم يغنه علمه به في صحته ولم يجد ~~له راحة ولا خفة وبالضد. [10.15] # ثم التفت إلى تلميذه وقال قد شغلنا عن لذتنا بنبيذ من ذكره هات قدحي ~~فملؤوا الأقداح واقترح على الفتى الخفيف # قال لي أحمد ولم يدر ما بي %~% أتحب الحياة عتبة حقا # فتنفست ثم قلت لعمري %~% قد جرى في العروق عرقا فعرقا # قد لعمري مل الطبيب ومل ال %~% أهل مني مما أقاسي وألقى # ليتني مت واسترحت فإني %~% أبدا ما حييت فيها ملقا # فغنى وشربوا وطربوا وضرب العود الغلام هزجا في الأبيات الكامل # يا ممرضي بمغيبه %~% ومعذبي برقيبه # يا مانعي بصدوده %~% حلو المنام وطيبه # لم لا تجود لعاشق %~% أسرفت في ms32 تعذيبه # أعيا الطبيب دواءه %~% فبكته عين طبيبه [10.16] # فصاح صاحب الدار وقال هذا وملجم الخروق ومجري الدم في العروق لو كتب ~~بالإبر على البصر لرؤي أحسن منظر فنهضت الجماعة وشربت قياما وسارا لصاحب ~~الدعوة فتقدمت إليه منتهزا للفرصة وقد هزته الأريحية وقلت هل لك يا سيدي أن ~~تسقيني قدحا أدفع عني به المضرة وتشركني والجماعة في هذه المسرة فقال إن ~~كنت مستحقا له قلت وبماذا أكون مستحقا له قال بأن تخبرني عقيب أي حركة ~~التنفس تشربه أعقيب حركة الانبساط أم عقيب حركة الانقباض فإذا شربته أي ~~حركة يتحرك القلب بعدها أضد ما قطعت عندها أم مثلها فذهبت أمسك نفسي لأنظر ~~ما هو الجواب فقال لي ما أشبه هذا منك إلا بما حكاه ابن قتيبة في أدب ~~الكاتب عن الذين لما سئلوا عن عدد الأسنان جعلوا أيديهم في أفواههم ~~ليعدوها. [10.17] # ثم قال هذا وما سألتك متى يكون نبض الجنين موافقا لنبض الحامل ومتى لم ~~يكن موافقا ولا عن الانقباض أهو أقدم من الانبساط ولا عن العلة التي من ~~أجلها إذا فتح الإنسان شفتيه نفخ نفخا حارا فأسخن الأشياء الباردة وإذا ~~ضمهما نفخ نفخا باردا فبرد الأشياء الحارة ولا عن العلة في أن النفخ البارد ~~يلهب النار الكثيرة ويطفئ النار القليلة ولم صارت حركة الشرايين والقلب ~~واحدة وحركتها وحركة التنفس مختلفة ثم قال لي أتعلم شيئا من ذلك قلت لا قال ~~أفتعلم أن منفعة الانبساط بالذات إدخال الهواء البارد وبالعرض مص الأشياء ~~المائعة كالماء والشراب والمرق والنقاع والتنخع وشم الروائح الطيبة قلت لا ~~قال أفتعلم أن منفعة الانقباض بالذات إخراج الهواء الحار وإعداد الهواء ~~للترويح وبالعرض تصويت الحيوان والكلام والسعال والزمر والبوقات والنفخ ~~للنار والجشاء وبالبصاق والفواق ودفع الروائح الكريهة ولاستنشار وبجمعهما ~~يتم التثاؤب والضحك والبكاء والتنهد وتنفس الصعداء والتأفف والعطاس قلت لا ~~قال فاشرب قدحا واحدا على جهة الرحمة لك. [10.18] # فملأت قدحا إلى رأسه فقال جودت هذا كأنه خط العلماء بلا هامش قلت يا سيدي ~~هذا إلى الخط فاغتاظ ms33 وقال يا غبي المستدير لا يكون عليه خط مستقيم لكن إما ~~دائرة أو قوس وأخذ القدح من يدي فشربه وقال مجالسة الجاهل حمى الروح وأنشد الكامل # لا أنس إلا في مجالس تلتقي %~% بفنائها الأشكال والنظراء # إن الجهول تضرني أخلاقه %~% ضرر السعال لمن به استسقاء # ومثل ذلك قول المتنبي الخفيف # واحتمال الأذى ورؤية جاني %~% ه غذاء تضوى به الأجسام # وما أحسن ما قال حكيم الفرس مقاطعة الجاهل توازي صلة العاقل. [10.19] # وبدأ وقد هزته الأريحية وقال أترى من لهذا الأمر بعدي ذهبت والله الصناعة ~~البقراطية والعلوم الطبية وانقبضت أطرافها وتقطعت أهدابها فشخصها مأووف ~~وطرفها مطروف وصار الطبيب إذا دخل على المريض فهو بين أن يفصده إن بعد عهده ~~ويمنعه الفصد إن قرب عهده به ويسهله إن وقف طبعه ويحبسه إن سهل ويبرده إن ~~سخن ويسخنه إن برد وينعاه إذا رآه قلقا ويبشر بصحته إذا رآه ساكنا هادئا كل ~~هذا لأنه المسكين لا يعلم أن كثيرا ما يكون القلق أصلح من السكون والاختلاط ~~أصلح من التيقظ وسواد الأطراف أجود من بياضها وأن كثيرا ما يستعمل الطبيب ~~الدواء المسهل فيمن طبيعته مطلقة ليمسكها والممسك فيمن طبيعته ممسكة ~~ليسهلها وأن كثيرا ما يعالج الحار بالحار والبارد بالبارد ويستعمل مع المرض ~~ما يضعف الأحساس والقوة. ### | 11 [11.1] # ولعجز الأطباء عن هذه الأمور ما استهان بها الجمهور واستدلوا على نقضها ~~من أراجيز الشعراء وأقوال العامة فضربوا لها الأمثال وسحبوا عليها أذيال ~~المقال فواحد يقول الكامل # ما للطبيب يموت بالداء الذي %~% قد كان يشفي غيره فيما مضى # هلك المداوي والمداوى والذي %~% جلب الدواء وباعه ومن اشترى # وآخر ينشد الكامل # والناس يلحون الطبيب وإنما %~% غلط الطبيب إصابة الأقدار [11.2] # وآخر يجرد ويقول هذا كله هذيان والذي أعلم أن ابن ثلاثين سنة لا يموت ابن ~~عشرين ولا يعلم أن هذه قضية قد قتلت مائة ألف قتيل وآخر يقول الموت سبيل لا ~~بد منه وإنما الطبيب مطيب للقلوب وهذا كأنه جواب لمن قال إن الطبيب ضامن ~~درك الحياة وإن الطبيب ms34 يشفي سائر الأمراض وآخر يقول ما لي أعذب نفسي ~~بالحمية ها فلان الطبيب ما يزداد بالحمية إلا صفارا ومرضا ولا يعلم الغبي ~~أنه لو لم يحتم لمات وواحد يقول أنا آكل وأشرب وأترك التداوي وأتكل على ~~الله وقائل ذلك إذا مرض له حمار قبل فيه بمشورة البيطار وكان يجب بحسب رأيه ~~أن يتركه ويتكل على الله على أن الطبيب لا يأمر بالتدواي ونهى عن التوكل ~~على الله وآخر يقول كم مرضت وبرأت بلا دواء ولا يعلم أنه لو استطب لكان ~~أسرع في برءه وأنه سيأتي عليه وقت لا تفي فيه القوة لدفع المرض ولا يجد من ~~الطبيب معاونة فيهلك وآخر يقول كم قد تداويت واحتميت فلما خلطت برأت ولا ~~يعلم أن التخليط صادف بالاتفاق فناء مادة المرض فبرأ وأن أناسا كثيرين ~~خلطوا قبل فناء هذه المادة فهلكوا وأنشد البسيط # عاب الطبيب أناس لا عقول لهم %~% وما عليه إذا عابوه من ضرر # ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة %~% أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر [11.3] # وهذه الطوائف الجاحدة لفضل صناعة الطب إذا سمعت الطبيب يقول هذا الغذاء ~~يضر كذا يقولون كم قد أكلناه وما ضرنا وما يعلمون أن الطبيعة تحامي ما ~~أمكنها عن نفسها وتعجز عن المحاماة فتعطب ويقولون ما دام للإنسان خبز عند ~~الخباز فما يضره شيء فإذا جاء أبو ضابط ما ينفعه شيء ويسمون الخبز الحياة ~~ومعطي الحياة الخباز ويكنون الموت أبا ضابط وإذا قيل لهم إن الترياق ينفع ~~السموم قالوا ها الترياق وها الأفعى من ادعى فليبرهن وإذا ذكر النبض لهم ~~قالوا هاتان إمرأتان إحداهما حامل والأخرى عاقر عرفنا إحداهما من الأخرى من ~~نبضهما يريدون من الطبيب أن يعلم من كل شخص ما هو معلوم الله منه على الحد ~~الذي لا مزيد فيه ولا نقص منه. [11.4] # ولا يقنعون بما لاح لعينه ويجلي لبصيرته لأنهم لا يفهمون أن هذه صناعة ~~تجيء بالممكن وإذا عضدت بالتوفيق كانت كالضروري فليس لأن أحكامها ليست ~~مدركة ومحاطا بها في كل ms35 شخص يجب أن لا تكون مرذولة مطروحة بل تكون متوسطة ~~بين إدراك البغية وعدمها وليس لأن بعض المرضى هلك لا ينبغي أن ينظر في الطب ~~ولا بسبب أن بعض المرضى برئ بالطب وجب أن يقول عليها في البروء أبدا ~~والحكمة توجب توسط هذا الأمر حتى يشكر من ينجو أو تسلم نفسه من الهلاك ~~ولهذا استصعب بقراط القضاء والبث بما يؤول إليه أمر المرضى. # وإن رأوا طبيبا يقرأ في كتاب قالوا له مستهزئين به أفي هذا دواء للموت ~~فإذا قال لا قالوا ما هذه الكتب إلا خرافات صدرت من عجائز خرافات وما يزيد ~~في أجل العالم علمه ولا ينقص في عمر الجاهل جهله وما الأمر إلا كما قال ابن ~~غسان الطبيب الخفيف # حكم كأس المنون أن يتساوى %~% احتساها الغبي والألمعي # ويحل االبليد تحت ثرى الأر %~% ض كما حل تحتها اللوذعي # أصبحا رمة تزايل عنها %~% فصلها الجوهري والعرضي # وتلاشى كيانها الحيواني %~% وتوارى تقويمها المنطقي [11.5] # وهذا الكلام من الإلحاد على غاية الاضمحلال والفساد فليس يساوي الناس في ~~الموت والفناء حجة في عدم البقاء والمراتب في الدار الآخرة والناس قد ~~يتساوون في السفر إلى المدينة ويتزينون إذا وصلوا إلى المستقر بحسب المنزلة ~~وما صحبهم عن الذخائر والأمتعة هذا بيان بحسب الاختصار وفيه كفاية ويعظمون ~~البيطرة على الطب لأنسهم بالبهائم وشبههم بها وينظرون بالمحبرة ويسمونها ~~خرزة الشؤم ومحرفة الحرفة وإذا رأوا طبيبا مكبا على العلم قالوا مقرون ~~بالحدق ضيق الرزق وإذا تكلم ودقق في مسئلة قالوا سوداوي اعتقادا أن العلم ~~يخرج إلى الجنون فإن لم يفهموا ما يقول قالوا هذه زندقة فإن نظره فريق منهم ~~أنشد الفريق الآخر الطويل # وما ينفع الآداب والعلم والحجى %~% وصاحبها بعد الكمال يموت [11.6] # ولا يقولون في الأغذية حارة وباردة لكن هذا غذاء ميال يريدون مستحيلا ~~كالبطيخ وهذا بطبع الموت أي أنه بارد يابس ويسمون الرطب لينا ويقولون إن ~~المشمش بطبع الحمى والبلوط قولنج وهذا كله قريب وإنما المصيبة العظمى ~~اعتقادهم في الكافور والثلج أنهما حاران وفي الرازيانج والحناء ms36 أنهما ~~باردان وأن ماء الشعير بطبع الصفراء كل هذا من عجز الأطباء وقلة خبرتهم ~~بكتب القدماء فانقرضت الصناعة ووهى نظام سلكها وأخلق جديدها وتفرق أيدي سبأ ~~عديدها فهانت في النفوس ودثرت عند الناس وخلت من الفضلاء فصار الآن ~~يتعاطاها القوابل وقوام الهياكل ويقتادون في صفات الأطباء فذهب رونقها ~~وأخلقت بهجتها وصارت كالفضل الذي لا يحتاج إليه وبطل الطب البقراطي وظهر طب ~~لم يأمر الله سبحانه على ألسنة أصفيائه بشيء منه. [11.7] # فبينما هو في الكلام إذ طرق الباب مريض فأذن له في الدخول فلما حضر سلم ~~وجلس واستأذن في وصف ما يجده فأذن له فقال يا سيدي إنني أجد نشفا في فمي ~~ورياحا في حشاي واعتقالا في طبعي وبصاقا وبلاغم في معدتي ورطوبات تسيل على ~~مخدتي وإذا شربت البارد ازداد لهبا وإذا شربت الحار سكن في الحال أكثر ما ~~أجد ومع هذا بينما تراني ضاحكا حتى عدت باكيا أمالي قصيرة وأفراحي يسيرة ~~هضمي قليل وغذائي كثير حشاي يحترق وبولي أبيض كاليقق وإذا شكوت ما بي إلى ~~الأطباء نسبني بعضهم إلى الكذب ولم يزدني آخرون على تحريك الرأس والعجب. [11.8] # قال الشيخ هذا مما كنا فيه قد صدقت في جميع ما ذكرت وهذا مرض ينفع فيه ~~علاج بالأشياء الحارة ولكل ما ذكرت أسباب واضحة يحتاج شرحها إلى زمان ممد ~~وتفريغ قلب وعقل جيد فعول على الحمية وعد إلي دفعة ثانية فودعنا وانصرف ~~فأومأ الشيخ إلى تلميذه وقال غنني صوتا فاندفع يغني الخفيف # منة للكرى وطيف الخيال %~% جددت بيننا عهود الوصال # كان قد ساعد الرقيب بها %~% لولا فضول السوار والخلخال [11.9] # فالتفت إليه مغضبا وقال أين نذهب بك أهذا من اقتراحات الأطباء وأصوات ~~الحكماء أما علمت أنه قبيح بالمغني أن يغني في تموز الهزج # قفي بالله يا مطر %~% فكثرة ما يجيء ضرر # وقبيح أن يغني بالعشي الطويل # تصبح بوجه الراح والطالع السعد %~% # وقبيح أنه يغني في العرس السريع # أحسن ما كنا تفرقنا %~% وخاننا الدهر وما خنا # وقبيح أن يغني لشريف الخفيف # لك ms37 عيد الصليب تلعب فيه %~% ولنا المهرجان والنيروز [11.10] # ثم قال غنني أحد أصواتي التي اقترحتها في مبدأ سكري فاندفع وغنى بشعر ~~العباس بن الأحنف رملا مطلقا في مجرى البنصرالرمل # زعموا إلى أنها باتت تحم %~% ابتلى الله بهذا من زعم # اشتكت أكمل ما كانت كما %~% يشتكي البدر إذا ما قيل تم # ليت بي شكواك يا سيدتي %~% ولك الأجر وإن طال السقم # فشربوا وملؤوا الأقداح وهزجه في شعره أيضا السريع # يا أيها المحموم نفسي فداك %~% ما لي من الدنيا سرور سواك # قد كان بي سقم وقد زادني %~% سقمك سقما وبلاني بلاك # يا ليتني حملت عنك الذي %~% تلقى لكي يجمع هذا وذاك [11.11] # فطرب أبو أيوب الكحال وقال اسمعوا يا إخوان الصفاء وبقية العلماء فوحق ~~منشئ الطبائع ومبدئ البدائع لو كتب هذا بالمباضع في المسامع وقع أجل ~~المواقع فشرب القوم وطربوا وزاد الشيخ في حد الانتشاء فلما دبت فيه حميا ~~الكأس وانتشرت منه في المفاصل والرأس أخذ في هذيانه وبث أشجانه قال يا أخي ~~قد تعبت في جمع العلم وكددت نفسي في قراءة الكتب وما بلغت بصناعة الطب غرضي ~~من الكسب وسبب ذلك أن مروات الناس قد سقطت ونفوسهم قد خست وصغرت وقد مضى ~~العمر وكبر السن وأنا ماض وما أخلف ولدا يحيي ذكري ولا حميما يبكي على قبري ~~وتمثل بقول الأول الطويل # تذكرت من يبكي علي فلم أجد %~% سوى مجلسي في الطب والكتب باكيا # ثم أرخى عينيه ساعة بالبكاء وانصرف القوم. ### | 12 [12.1] # وبقي أبو جابر تلميذه فالتفت إلى الغلام وقال اسقني قدحا وقال غنني بقول ~~الشاعر السريع # يموت راعي الضأن في جهله %~% ميتة جالينوس في طبه # وربما زاد على عمره %~% وزاد في الأمن على سربه [12.2] # ثم مال على جنبه نائما فنهضت على رجلي قائما فلما هممت بالانصراف قال لي ~~الغلام تمضي يا سيدي وتتركني وهذا المسكين الذي قد كد يومه وغنى حتى بح ~~حلقه جائعين فقلت وما سبب جوعكما وفي الدار طعام فقال متى انصرفت لم أتجاسر ~~على تشعيثه ولم ms38 أقدر على التعرض به وإن أقمت احتججت بك ودخلت أنا وهذا ~~الفتى في غمارك فصغت نفسي إلى إطعامهما وسقيهما غيظا عن شحه ومكافاة على ~~بخله فأعاد الحمل وقدم الطبق فلم نبق ولم نذر وعدلنا إلى الفالوذج وانثنينا ~~على بقيته وملنا نحو الشراب فشربنا فضلته وغنى ذلك الفتى الكامل # أنبئت أن النار بعدك أضرمت %~% فأنشدت بعدك يا كليب المجلس # وتحدثوا في أمر كل عظيمة %~% لو كنت شاهدهم بها لم تيأس [12.3] # وطاب الوقت واتصل الشرب بيننا فبينما نحن على هذه الحال إذ رفع الشيخ ~~رأسه متيقظا فلما رأى وقد تفرغ الجام من الحلوى وابيضت عظام الشواء قال ما ~~هذا التبسط في منزلي وتحكم في مطعمي ومشربي قلت تذكرت قولك قال وما هو قلت الطويل # أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله %~% فيخصب عندي والمحل جديب # قال الأشرار يتبعون مساوي الناس الأخيار كما يتبع الذباب المواضع الفاسدة ~~من البدن قلت يا سيدي ما تناولنا منه إلا القليل وكنا قادرين على الكثير ~~قال صدق افلاطون في قوله لا تصحبوا الأشرار فإنهم يمنون عليكم بالسلامة ~~منهم أما تعلم أن كحل إصفهاني يأتي على جمال ويغنى بالأميال قلت يا سيدي ~~أنت دعوتني إلى منزلك وعرضت علي طعامك وشرابك فما زرت مثقلا ولا حضرت ~~متطفلا قال قد فعلت ما هو أقبح من التطفيل وأصعب من التثقيل لأنك غررتني من ~~نفسك وزعمت أنك لا تقدر على شرب الراح وأراك تكرع منه بالأرطال والأقداح ~~والذنب لي في الاغترار بك والانخداع لك ثم استوفى على نفسه اليمين الغموس ~~أنه لا يضيف غريبا بقية عمره ولا يأذن في دخول منزله. [12.4] # فنهضت من عنده وغبت عنه عدة أيام وعاودت داره فإذا به مراعيا للطريق من ~~شباك فلما نظرني صاح يا غلام احفظ الباب والممرق فقد ورد الغرار المملق ~~وأخاف أن يلج الدار ويتسلق فلما رأيته بدأته بالسلام وغمرته بالإعظام ~~والإكرام فأعرض ولم يرد السلام فأنشدت الطويل # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا %~% أنيس ولم يسمر بمكة سامر # قال الشيخ الطويل # بلى ms39 نحن كنا أهلها فأبادنا %~% صروف الليالي والطبيب المسافر # ثم قاطعني وأغلق باب الشباك فكان آخر عهدي به. ### | 13 [13.1] # قد وفينا بما ضمنا بقدر ما جادت به القريحة وساعدت عليه العبارة وجعلنا ~~الهزل طريقا إلى الجد إذ كان الإنسان مترددا بين الحس والعقل وذكرنا أسماء ~~غير دالة على أشخاص معروفة ليصل إلى القارئ العلم بهم على جهة المجاورة ~~ووسعنا الكلام لأن اللسان إذا وجد مسرحا لم يقف والخاطر إذا أصاب سنحا لم ~~يكف على أننا لو أردنا فرش الكلام لتعرضنا لحدوث الملال والسآم. # ونرجو أن يكون ما أتينا به مالكا لرضى من حث على نظم منتثره وجمع منتشره ~~ونسأل الله أن يخرجنا من هذا الفناء المحشو من العناء بعد العناء إلى حضرة ~~القدس ومقر الأنس مع مراد النفس في ملكوت السماء حيث لا يتعذر مطلوب ولا ~~يفقد محبوب إنه سميع مجيب. PageV01P000 ms40