######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010786 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن شرف القيرواني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن شرف القيرواني (المتوفى : 460هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 460 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مسائل الانتقاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مسائل الانتقاد #META# 030.LibURI :: JK_010786 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # نص الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # رب أعن برحمتك # قال أبو عبد الله محمد بن شرف القيرواني: هذه أحاديث صنعتها مختلفة ~~الأنواع، مؤتلفة في الأسماع؛ عربيات المواشم، غريبات التراجم، واختلفت فيها ~~أخبارا فصيحات الكلام، بديعات النظام؛ لها مقاصد ظراف، وأسانيد طراف؛ يروق ~~الصغير معناها، والكبير مغزاها. وعزوتها إلى أبي الريان الصلت بن السكن، من ~~سلامات، وكان شيخا هما في اللسان، وبدرا تما في البيان؛ قد بقي أحقابا، ~~ولقي أعقابا؛ ثم ألقته إلينا من باديته الأزمات، وأوردته علينا المعجزات، ~~فمتحنا من علمه بحرا جاريا، وقدحنا من فهمه زندا واريا؛ وأدرنا من بره ~~طرفا، واجتنينا من ثمره طرفا؛ ونحن إذ ذاك والشباب مقتبل، وغفلة الزمان ~~تهتبل؛ واحتذيت فيما ذهبت إليه، ووقع تعريضي عليه؛ من بث هذه الأحاديث ما ~~رأيت الأوائل قد وضعتهن في كتاب كليلة ودمنة، فأضافوا حكمه إلى الطير ~~الحوائم، ونطقوا به على ألسنة الوحش والبهائم، لتتعلق به شهوات الأحداث، ~~وتستعذب بسمره ألفاظ الحداث. وقد نحا بذا النحو سهل بن هارون الكاتب في ~~تأليفه كتاب " النمر والثعلب " . وهو مشهور الحكايات، بديع المراسلات، مليح ~~المكاتبات. وزور أيضا بديع الزمان الحافظ الهمذاني، وهو الأستاذ أبو الفضل ~~أحمد بن الحسين مقامات كان ينشئها بديها في أواخر مجالسه وينسبها إلى رواية ~~رواها له يسميه عيسى بن هشام، وزعم أنه حدثه بها عن بليغ يسميه أبا الفتح ~~الإسكندري، وعددها، فيما يزعم رواتها، عشرون مقامة. إلا أنها لم تصل ه0ذه ~~العدة إلينا، وهي متضمنة معاني مختلفة، ومبنية على معاني شتى غير مؤتلفة؛ ~~لينتفع بها من الكتاب المحاضرين من صرفها من هزل إلى جد، ومن ند إلى ضد. # فأقمت من هذا النحو عشرين حديثا، أرجو أن يتبين فضلها، ولا تقصر عما ~~قبلها. ولعمري ما أشكر من نفسي، ولا أثني على شيء من حسي، إلا ظفري بالأقل ~~مما حاولته، على ما أضرمته نيران الغربة من قلب، وثلمته صعقات الفتنة من ~~لبي؛ وقطعت أهوال البر والبحر من خواطري، وأضعفت الوحشة من غرائزي وبصائري. ~~لكن نية القاصد وسعة المقصود، أعانا ذا ms01 الود على إتحاف المودود. والله أسأل ~~توفيقا، ينهج لنا إلى الرشد طريقا. فمنها: قال محمد: وجاريت أبا الريان في ~~الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم، واستكشفته عن مذهبه فيهم، ~~ومذاهب ءبقته في قديمهم وحديثهم. فقال: الشعراء أكثر من الإحصاء، وأشعارهم ~~أبعد من شقة الاستقصاء. فقلت: لا أعنتك بأكثر من المشهورين، ولا أذاكرك إلا ~~في المذكورين؛ مثل الضليل، والقتيل؛ ولبيد، وعبيد، والنوابغ والعشي، ~~والأسود بن يعفر وصخر الغي؛ وابن الصمة دريد، والراعي عبيد، وزيد الخيل، ~~وعامر بن الطفيل، والفرزدق وجرير، وجميل بن معمر وكثير، وابن جندل وابن ~~مقبل، وجرول والأخطل؛ وحسان في هجائه ومدحه، وغيلان في ميته وصيدحه؛ ~~والهذلي بن ذؤيب، وسحيم ونصيب؛ وابن حلزة الوائلي، وابن الرقاع العاملي، ~~وعنترة العبسي، وزهير المري، وشعراء فزارة، ومفلقي بن زرارة، وشعراء تغلب، ~~ويثرب. وأمثال هذا النمط الأوسء كالرم÷اح، والطرماح؛ والطثري والدميني، ~~والكميت الأسدي؛ وحميد الهلالي، وبشار العقيلي؛ وابن ابي حفصة الأموي، ~~ووالبة الأسدي، وابن جبلة الحلمي، وأبي نواس الحكمي؛ وصريع الأنصاري، ودعبل ~~الخزاعي؛ وابن جهم القرشي، وحبيب الطائي، والوليد البحتري، وابن المعتز ~~العباسي؛ وعلي بن العباس الرومي، وابن رغبان الحمصي، ومن الطبقة المتأخرة ~~في الزمان، المتقدمة في الإحسان، كأبي فراس بن حمدان، والمتنبي بن عبدان؛ ~~وابن جدار المصري، وابن الأحنف الحنفي، وكشاجم الفارسي، والصنوبري الحلي؛ ~~ونصر الخبزرزي، وابن عبد ربه القرطبي؛ وابن هانيء الأندلسي، وعلي بن العباس ~~الإيادي التونسي، والقسطلي. PageV01P001 قال أبو الريان: لقد سميت مشاهير، ~~وأبقيت الكثير قلت: بلى، ولكن ما عندك فيمن ذكرت؟ قال: أما الضليل مؤسس ~~الأساس، وبنيانه عليه الناس؛ كانوا يقولون )أسيلة الخد(، حتى قال )أسيلة ~~مجرى الدمع(، وكانوا يقولون )تامة القامة( و)طويلة القامة( و " جيدآء " و " ~~تامة العنق " وأشباه هذا حتى قال: " بعيدة مهوى القرط " . وكانوا يقولون في ~~الفرس السابق: " يلحق الغزال والظليم " وشبهه، حتى قال: " قيد الأوابد " . ~~ومثل هذا له كثير. ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره. ~~فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج، فبقيت هذه جددا وتلك نواهج؛ وكل ~~شعر بعد، ما خلاها فغير ms02 رائق النسج، وإن كان النهج. # وأما طرفة فلو طال عمره، لطال شعره، وعلا ذكره. ولقد خص بأوفر نصيب من ~~الشعر، على أيسر نصيب من العمر؛ فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة، ~~وأوصاف من علو الهمة والطبع، معلم حاذق، وجواد سابق. # وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة، عن جنان الأصالة، فلا ~~تسمع له إلا كلاما فصيحا، ومعنى مبينا صريحا؛ وإن كان شيخ الوقار، والشرف ~~والفخار؛ لبادئات في شعره وهي دلائله، قبل أن يعلم قائله. # وأما العبسي فمجيد في أشعاره، ولا كمعلقته فقد انفرد بها انفراد سهيل، ~~وغبر في وجوه الخيل؛ وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة، ورقة الغزل وغلظة ~~البسالة؛ وأطال وأستطال، وأمن السآمة والكلام. # وأما زهير فأي زهير، بين لهوات زهير؛ حكم فارس، ومقامات الفوارس؛ ومواعظ ~~الزهاد، ومعتبرات العباد؛ ومدح يكسب الفخار، ويبقى بقاء الأعصار؛ ومعاتبات ~~مرة تحسن، ومرة تخش؛ وتارة تكون هجوا، وطورا تكاد تعود شكرا. # وأما ابن حلزة فسهل الحزون، قام خطيبا بالموزون؛ والعادة أن يسهل شرح ~~الشعر بالنثر، وهذا أسهل بالوعر؛ وذلك مثل قوله: # أبرموا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء # من مناد ومن مجيب ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء # فلو أجتمع كل خطيب ناثر، من أول وآخر؛ يصفون سفرا نهضوا بالأسحار، وعسكرا ~~تنادى بالنهوض إلى طلب الثار: ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه، ولم ~~يقصروا عنه. وسائر قصيدته في هذا السلك شكاية وطلاب نصفة، وعتاب في عزة ~~وأنفة؛ وهو من شعراء وائل، وأحد أسنة هاتيك القبائل. # وأما ابن كلثوم فصاحب واحدة بلا زيادة؛ أنطقه بها عز الظفر، وهزه فيها جن ~~الأشر؛ فقعقعت رعوده في أرجائها، وجعجعت رحاه في أثنائها؛ وجعلتها تغلب ~~قبلتها التي تصلي إليها، وملتها التي تعتمد عليها؛ فلم يتركوا إعادتها، ولا ~~خلعوا عبادتها؛ إلا بعد قول القائل: # ألهي بنى تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم # على أنها من القصائد المحققات، وإحدى المعلقات. # أما النابغة زياد، فأشعاره الجياد، لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى ms03 ~~نضجها، ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسجها، لم تهلهلها ميعة الشباب، ~~ولا وهاء الأسباب، ولا لؤم الاكتساب فشعره وسائط سلوك، وتيجان ملوك. # وأما النابغة الجعدي، فنقي الكلام، شاعر الجاهلية والإسلام؛ واستحسن شعره ~~أفصح الناطقين، ودعا له أصدق الصادقين؛ وكان شاعرا في الافتخار والثناء، ~~قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء؛ وكان مغلوبا فيه في الجاهلية، وطريد ~~ليلى الأخيلية. # وأما العشى بأجمعهم فكلهم شاعر، ولا كميمون بن قيس شاعر المدح والهجاء، ~~واليأس والرخاء؛ والتصرف في الفنون، والسعي في السهول والحزون؛ نفق مدحه ~~بنات المحلق وكان في فقر ابن المذلق وأبكى هجوه علقمة، كما تبكي الأمة. # وأما الأسود بن يعفر فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت، أو بكى حالة حالت؛ ~~أو وصف ربعا خلا بعد عمران، أو دارا درست بعد سكان؛ فإذا سلك هذا السبيل، ~~فهو من حشو هذا القبيل؛ كعمرو وزيد، وسعد وسعيد. # وأما حسان، فقد أجتث بواكر غسان؛ ثم جاء الإسلام. وانكشف الإظلام؛ فحاجج ~~عن الدين، وناضل عن خاتم النبيين؛ فشعر وزاد، وحسن وأجاد؛ إلا أن الفضل في ~~ذلك لرب العالمين، وتسديد الروح الأمين. # وأما دريد بن الصمة، فصمة صمم، وشاعر جشم، وغزل عرم؛ وأول من تغزل في ~~رثاء، وهزل في حزن وبكاء؛ فقال في معبد أخيه، قصيدته المشهورة يرثيه: أرث ~~جديد الخل من أم معبد PageV01P002 وهي من شاجيات النوائح، وباقيات المدائح. # وأما الراعي عبيد فجبل على وصف الإبل فصار بالرعي يعرف، ونسي ماله من ~~الشرف. # وأما زيد الخيل فخطيب سجاعة، وفارس شجاعة؛ مشغول بذلك، عما سواه من ~~المسالك. # وأما عامر بن الطفيل فشاعرهم في الفخار، وفي حماية الجار؛ وأوصفهم ~~لكريمة، وأبعثهم لحميد شيمة. # وأما ابن مقبل فقديم شعره، وصليب نجره؛ ومغلي مدحه، ومعلي قدحه. # وأما جرول فخبيث هجاؤه، شريف ثناؤه؛ رفع شعره من الثرى، وحط من الثريا، ~~واعاد بلطافة فكره، ومتانة شعره؛ قبيح الألقاب، فخرا يبقى على الأحقاب، ~~ويتوارث في الأعقاب. # وأما أبو ذؤيب فشديد، أمير الشعر حكيمه، شغله فيه التجريب حديثه وقديمه؛ ~~وله المرثية النقية السبك، المتينة ms04 الحبك؛ بكى فيها بنيه السبعة، ووصف ~~الحمار فطول، وهي التي أولها: أمن المنون وريبها تتوجع وأما الأخطل فسعد من ~~سعود بني مروان، صفت لهم مرآة فكره، وظفروا بالبديع من شعره؛ وكان باقعة من ~~حاجاه، وصاعقة من هاجاه. # وأما الدرامي همام فجوهر كلامه، وأغراض سهامه، إذا افتخر بملك ابن حنظلة، ~~وبدارم في شرف المنزلة. وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اختيار جرير عليه ~~بقليله على كثيره، وبصغيره على كبيره؛ فإنه يصادمه حينئذ ببحر ماد، ويقاومه ~~بسيف حاد. # وأما ابن الخطفى فزهد في غزل، وحجر في جدل؛ يسبح أولا في ماء عذب، ويطمح ~~آخرا في صخر صلب؛ كلب منابحة، وكبش مناطحة؛ لا تفل غرب لسانه مطاولة ~~الكفاح، ولا تدمى هامته مداومة النطاح؛ جارى السوابق بمطية، وفاخر غالب ~~بعطية؛ وبلغته بلاغته إلى المساواة، وحملته جرأته على المجاراة، والناس ~~فيهما فريقان، وبينهما عند قوم فرقان. # وأما القيسان وطبقتهما فطبقة عشقة وتوقة، استحوذت الصبابة على أفكارهم، ~~واستفرغت دواعي الحب معاني أشعاره؛ فكلهم مشغول بهواه، لا يتعداه إلى سواه. # وأما كثير، فحسن النسيب فصيحه، نظيف العتاب مليحه، شجي الأغتراب قريحه؛ ~~جامع إلى ذلك رقائق الظفراء، وجزالة مدح الخلفاء. # وأما الكميت والرماح، ونصيب والطرماح، فشعراء معاصرة، ومناقضات ومفاخرة؛ ~~فنصيب أمدح القوم، والطرماح أهجاهم؛ والرماح أنسبهم نسيبا، والكميت أشبهم ~~تشبيها. # وأما بشار بن برد، فأول المحدثين، وآخر المخضرمين؛ وممن لحق الدولتين. ~~عاشق سمع، وشاعر جمع؛ وشعره ينفق عند ربات الحجال، وعند فحول الرجال؛ فهو ~~يلين حتى يستطعف، ويقوى حتى يستنكف؛ وقد طال عمره، وكثر شعره، وطما بحره، ~~ونقب في البلاد ذكره. # وأما ابن ابي حفصة فمن شعراء الدولتين، وممن حظي بالنعمتين، ووصل إلى ~~الغنى بالصلتين، وكان درب المغول، ذرب المقول؛ والد شعراء ومنجب فصحاء. # وأما أبو نواس، فأول الناس في خرم القياس، وذلك أنه ترك السيرة الأولى، ~~ونكب عن الطريقة المثلى؛ وجعل الجد هزلا، والصعب سهلا؛ فهلهل المسرد، وبلبل ~~المنضد، وخلخل المنجد؛ وترك الدعائم، وبنى على الطامي والعائم؛ وصادف ~~الأفهام قد نكلت. وأسباب العربية قد تخلخلت وانحلت؛ والفصاحات ms05 الصحيحة قد ~~سئمت وملت؛ فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه. فتهادوا ~~شعره، وأغلوا سعره؛ وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه. وكان ساعده أقوى، وسراجه ~~أضوى، لكنه عرض الأنفق، وأهدى الأوفق؛ وخالف فشهر وعرف، وأغرب فذكر ~~واستظرف. والعوام تختار هذه الأعلاق، وأسواقهم أوسع الأسواق؛ فشعر أبي ~~نواس، نافق عند هذه الأجناس، كاسد عند أنقد الناس. وقد فطن إلى استضعافه، ~~وخاف من استخفافه؛ فاستدر بفصيح طروده، طرفا حد اللسان وحدوده. وهو محدود ~~في كثرة التظاهر، على من غض منه بالحق الظاهر، ليس إلا لخفة روح المجون، ~~وسهولة الكلام الضعيف الملحون؛ على جمهور العوام، لا على خواص الأنام. # وأما صريع فكلامه مرصع، ونظامه مصنع، وجملة شعره صحيحة الأصول، مصنعة ~~الفصول، قليلة الفضول. # وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه، وبمعزل عما سهواه؛ دفع نفسه عن ~~المدح والهجاء، ووضعها بين يدي هواه من النسا؛ قد رقق الشغف كلامه، وثقفت ~~قوة الطبع نظامه؛ فله رقة العشاق، وجودة الحذاق. # وأما دعبل، فمد يد مقبل؛ اليوم مدح، وغدا قدح؛ يجيد في الطريقتين، ويسيء ~~في الخليقتين؛ وله أشعار في العصبية. وكان شاعر علماء، وعالم شعراء. ~~PageV01P003 وأما علي بن الجهم، فرشيق الفهم، راشق السهم: استوصل بشعره ~~الشرفاء، ونادم الخلفا؛ وله في الغزل الرصافية، وفي العتاب الدالية؛ ولو لم ~~يكن له سواهما، لكان أشعر الناس بهما. # وأما الطائبي حبيب، فمتكلف إلا أنه يصيب، ومتعب، لكن له من الراحة نصيب، ~~وشغله المطابقة والتجنيس، وحبذا ذلك أو بيس؛ جزل المعاني، مرصوص المغاني؛ ~~ومدحه ورثاؤه، لا غزله وهجاؤه؛ طرفا نقيض، وخطب سماء وحضيض؛ وفي شعره علم ~~جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب؛ وطارت له أمثال، وحفظت له أقوال؛ ~~وديوانه مقروء، وشعره متلو. # قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية، ولا ~~تعلقت بذيلها عصبية، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة واعتمدها ملة؛ فما لام ~~من أدب وإن أوجع، ولا سب من صدق وإن أقذع. # وأما البحتري فلفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدى ms06 ~~منهاج؛ يسبقه شعره، إلى ما يجيش به صدره؛ يسر مراد، ولين قياد؛ إن شربته ~~أرواك، وإن قدحته أوراك؛ طبع لا تكلف يعييه، ولا العناد يثنيه؛ لا يمل ~~كثيره ولا يستكلف غزيره، ولم يهف أيام الحلم، ولم يصف زمن الهرم. # وأما ابن المعتز فملك النظام، كما ملك الأنام؛ له التشبيهات المثلية، ~~والاستعارات الشكلية؛ والإشارات السحرية، والعبارات المجرية؛ والتصاريف ~~الصوفية، والطرائق الفنونية؛ والافتخارات الملوكية، والهمات العلوية، ~~والغزل الرائق، والعتاب الشائق؛ والوصف الحسن الفائق: # وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيد # وأما ابن الرومي فشجرة الإختراع، وثمرة الإبتداع؛ وله في الهجاء، ما ليس ~~له في الإطراء؛ فتح فيه أبوابا، ووصل منه أسبابا، وخلع منه أثوابا، وطوق ~~فيه رقابا، يبقين أعمارا وأحقابا؛ يطول عليها حسابه، ويمحق بها ثوابه؛ ولقد ~~كان واسع العطن، لطيف الفطن، إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة، وقوة المرة. # وأما كشاجم فحكيم شاعر، وكاتب ماهر؛ له في التشبيهات غرائب، وفي ~~التأليفات عجائب، يجيد الوصف ويحققه، ويسبك المعنى فيرققه ويروقه. # وأما الصنوبري ففصيح الكلام غريبه، مليح التشبيه عجيبه؛ مستعمل لشواذ ~~القوافي، يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي؛ فتجلو وتدق، وتعذب وترق؛ وهو ~~وحيد جنسه في صفة الأزهار، وأنواع الأنوار. وكان في بعض أشعاره يتخالع، وفي ~~بعضها يتشاجع؛ وقد مدح وهجا، ونثر وشجا؛ وأعجب شعره وأطرب، وشرق وغرب؛ ومدح ~~من أهل إفريقية أمير الزاب، جعفر بن علي منفق سوق الآداب؛ فوصله بألف ~~دينار، بعثها إليه مع ثقات التجار. # وأما الخبزرزي فخليع الشعر ماجنه، رائق اللفظ بائنه؛ كثيرة محاسنه، صحيحة ~~أصوله ومعادنه؛ رائقة البزة، مائلة إلى العزة؛ تسليه عن الحب الخيانة، ~~ويروقه الوفاء والصيانة؛ وله على خشونة خلقه، وصعوبة خلقه؛ اختراعات لطيفة، ~~وابتداعات ظريفة؛ في ألفاظ كثيفة. وفصول قليلة الفضول نظيفة؛ حتى إن بعض ~~كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه، واهتضم طرفا من معانيه؛ وهو من ~~معاصريه، فقل من فطن لمراميه. # وأما أبو فراس بن حمدان، ففارس هذا الميدان؛ إن شئت ضربا وطعنا، أو لفظا ~~ومعنى؛ ملك زمانا، وملك أوانا. وكان أشعر الناس ms07 في المملكة، وأشعرهم في ذل ~~الملكة. وله الفخريات التي لا تعارض، والأسريات التي تناقض. # وأما المتنبي فقد شغلت به الألسن، وسهرت في أشعاره العيون الأعين؛ وكثر ~~الناسخ لشعره، والآخذ لذكره، والغائص في بحره؛ والمفتش في قعره، عن جمانه ~~ودره؛ وقد طال في الخلف، وكثر عنه الكشف. وله شيعة تغلو في مدحة، وعليه ~~خوارج تتعايا في جرحه. والذي أقول: إن له حسنات وسيئات، وحسناته أكثر عددا، ~~وأقوى مددا؛ وغرائبه طائرة، وأمثاله سائرة؛ وعلمه فسيح، وميزه صحيح؛ يروم ~~فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر. # قال أبو الريان: هذا ما عندي من شعراء المشرق، وقد سميت لي من متأخري ~~شعراء المغرب من لعمري لا يبعد عن معاصرهم، ولا يقصر عن سابقهم. # فأما ابن عبد ربه القرطبي، وإن بعدت عنك دياره، فقد صاقبتنا أشعاره. ~~وقفنا على أشعار صبوته الأنيقة، وتكفيرات توبته الصدوقة؛ ومدائحه ~~المروانية، ومطاعنه في العباسية. وهو في كل ذلك فارس ممارس، وطاعن مداعس؛ ~~واطلعنا في شعره على علم واسع، ومادة فهم مضيء ناصع؛ ومن تلك الجواهر نظم ~~عقده، وتركه لمن يتجمل به بعده. PageV01P004 وأما ابن هانيء محمد الأندلسي ~~ولادة، القيرواني وفادة وإفادة؛ فرعدي الكلام، سردي النظام؛ متين المباني، ~~غير مكين المثاني؛ تجفو بعطنها عن الأوهام، حتى تكون كنقطة النظام؛ إلا أنه ~~إذا ظهرت معانيه، في جزالة مبانيه؛ رمى عن منجنيق؛ إلا أنه إذا ظهرت ~~معانيه، في جزالة مبانيه؛ رمى عن منجنيق، يؤثر في النيق؛ وله غزل قفري، لا ~~عذري؛ لا يقنع فيه بالطيف، ولا يشفع فيه بغير السيف؛ وقد نوه به ملك الزاب، ~~وعظم شأنه بأجزل الثواب؛ وكان سيف دولته في إعلاء منزلته؛ من رجل يستعين ~~على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة عقله، ورقة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل ~~لم تضق عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليها بالكفر. # وأما القسطلي فشاعر ماهر؛ عالم بما يقول، تشهد له العقول، بأنه المؤخر ~~بالعصر، المقدم في الشعر؛ حاذق بوضع الكلام في مواضعه؛ لا سيما إذا ذكر ما ~~أصابه في الفتنة، وشكا ما داهاه في أيام المحنة. ms08 وبالجملة فهو أشعر أهل ~~مغربه، في أبعد الزمان وأقربه. # وأما علي التونسي فشعره المورد العذب، ولفظه اللؤلؤ الرطب، وهو بحتري ~~الغرب؛ يصف الحمام، فيروق الأنام، ويشبب، فيعشق ويحبب؛ ويمدح، فيمنح أكثر ~~ما يمنح. # هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين، على احتقار المعاصر، واستصغار ~~المجارر، فحاش الله من الأوصاف، بقلة الإنصاف؛ للبعيد والقريب، والعدو ~~والحبيب. # قلت: يا أبا الريان، أكثر الله مثلك في الإخوان، ووقاك محذور الزمان، ~~ومرور الحدثان؛ فلقد سبكت فهما، وحشيت علما. # قال محمد: قلت لأبي الريان في مجلس، عقيب هذا المجلس: يا أبا الريان، لقد ~~رأيت لك نقدا مصيبا، ومرمى عجيبا، ولقد أرغب في أن أنال منه نصيبا. # قال: النقد هبة الموالد وفيه زيادة طارف إلى تالد؛ ولقد رايت علماء ~~بالشعر ورواة له ليس لهم نفاذ في نقده، ولا جودة فهم في ردية وجيدة؛ وكثير ~~ممن لا علم له يفطن إلى غوامضه، وإلى مستقيمه ومتناقضه. # قلت: أنا شديد الرغبة إلى فضلك، في أن تفهمني من ميزك وعقلك؛ ما أستهدي ~~بسراجه، على مستقيم منهاجه؛ فأقف من سرائره على بعض ما وقفت، وأعرف من ~~مفاخره ومعانيه جزء مما عرفت. # قال: نعم: أول ما عليه تعتمد؛ وإياه تعتقد، أن لبا تستعجل باستحسان ولا ~~باستقباح، ولا باستيراد ولا باستملاح، حتى تنعم النظر، وتستخدم الفكر. ~~وأعلم أن العجلة في كل شيء موطيء زلوق، ومركب زهوق؛ فإن من الشعر ما يملأ ~~لفظه المسامع، ويرد على السامع منه فقاقع؛ فلا يرعك شماخة مبناه، وانظر إلى ~~ما في سكناه من معناه؛ فإن كان في البيت ساكن، فتلك المحاسن؛ وإن كان ~~خاليا، فأعدده جسما باليا. وكذلك إذا سمعت ألفاظا مستعملة، وكلمات مبتذلة، ~~فلا تعجل باستضعافها، حتى ترى ما في أضعافها؛ فكم من معنى عجيب، في لفظ ~~غريب، والمعاني هي الأرواح، والألفاظ هي الأشباح؛ فإن حسنا فذلك الحظ ~~الممدوح، وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح. # قال: وتحفظ عن شيئين: أحدهما أن يحملك إجلال القديم المذكور على العجلة ~~باستحسان ما تستمع له؛ والثاني أن يحملك إصغارك المعاصر المشهود على ms09 ~~التهاون بما أنشدت له؛ فإن ذلك جور في الأحكام، وظلم مع الحكام؛ حتى تمحص ~~قولهما، فحينئذ تحكم لهما أو عليهما. وهذا باب في اغتلافه استصعاب، وفي صرف ~~العامة وبعض الخاصة عنه إتعاب. وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبث القلوب ~~بسيرة القديم، ونفارها من المحدث الجديد، فقال حاكيا لقولهم: )إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة(. وقال: )لن نعبد إلا ما وجدنا عليه آباءنا(. وقد قلت أنت: # أغري الناس بامتداح القديم ... وبذم الجديد غير ذميم # ليس إلا لأنهم حسدوا الحي ورقوا على العظام الرميم وقلت في هذا المعنى: # قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما # إن ذاك القديم كان جديدا ... وسيغدو هذا الجديد قديما # فلا يرعك أن تجرى على منهاج الحق، في جميع الخلق؛ فيه قامت السموات ~~والأرض، وبه أحكم الإبرام والنقض، وسأمثل لك في ذلك مثالا، وأملأ أسماعك ~~مقالا، وفهمك عدلا واعتدالا: PageV01P005 هذا أمرؤ القيس، أقدم الشعراء ~~عصرا، ومقدمهم شعرا وذكرا؛ وقد اتسعت الأقوال في فضله، اتساعا لم يفز غيره؛ ~~حتى إن العامة تظن بل توقن أن جواد شعره لا يكبو، وحسام نظمه لا ينبو؛ ~~وهيهات من البشر الكمال، ومن الآدميين الاستواء والاستدلال؛ يقول في قصيدته ~~المقدمة، ومعلقته المفخمة: # ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي # فما كان أغناه عن الإقرار بهذا، وما أشك غفلته عما أدركه من الوصمة به ~~وذلك أن فيه أعدادا كثيرة النقص والبخس؛ منها دخوله متطفلا على من كره ~~دخوله عليه، ومنها قول عنيزة له )لك الويلات(؛ وهي قولة لا تقال إلا لخسيس، ~~ولا يقابل بها رئيس. فإن احتاج محتاج بأنها كانت أرأس منه. قيل له: لم يكن ~~ذلك، لأن الرئيسة لا تركب بعيرا يدرج أو )يموت( إذا ازداد عليه ركوب راكب، ~~بل هو بعير فقير حقير. فإن احتج له بأنه صبر على القول من أجل أنها معشوقة، ~~قيل له وكيف يكون عاشقا لها من يقول لها: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذي تمائم محول # وإنما المعروف للعاشق الانفراد بمعشوقته ms10 واطراح سواها، كالقيسين في ليلى ~~ولبنى، وغيلان بمية، وجميل بثينة، وسواهم كثير. فلم يكن لها عاشقا، بل كان ~~فاسقا. ثم أهجن هجنة عليه، وأسخن سخنة لعينيه، إقراره بإتيان الحبلى ~~والمرضع؛ فأما الحبلى فقد جبل الله النفوس على الزهد في إتيانها، والإعراض ~~عن شأنها؛ منها أن الحبل علة وأشبه العلل بالاستسقاء، ومع الحبل كمود ~~اللون، وسوء الغذاء، وفساد النكهة، وسوء الخلق، وغير ذلك. ولا يميل إلى هذا ~~من له نفس سوقي، دع نفس ملوكي. وأعجب من هذا أن البهائم كلها لا تنظر إلى ~~ذوات الحمل من أجناسها، ولا تقرب منها حتى تضع أحمالها، أو تفارق فصلانها. ~~ثم لم يكفه أن يذكر الحبلى حتى افتخر بالمرضع، وفيها من التلويث بأوضار ~~رضيعها، ومن اهتزالها واشتغالها عن أحكام اغتسالها. وقد أخبر أن ذا التمائم ~~المحول متعلق بها بقوله )فألهيتها عن ذي تمائم محول(، وأخبر أنها ظئر ~~ولدها، لا ظئر له ولا مرضع سواها، فدل بذلك على أنها حقيرة وقيرة، ومثل هذه ~~لا يصبو إليها من له همة. وهذه الصفات كلها تستقذرها نفس الصعلوك والمملوك. # وقد قال أيضا في موضع آخر من هذا الباب من قصيدة أخرى: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فقالت لحاك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي # فأخبر هاهنا أنه هين القدر عند النساء وعند نفسه برضاه قولها )لحاك ~~الله(. فحصل على )لحاك الله( من هذه و)لك الويلات( من تلك. فشهد على نفسه ~~أنه مكروه ومطرود، غير مرغوب في مواصلته، ولا محروص على معاشرته، ولا مرضي ~~بمشاكلته. ثم أخبر عن نفسه أنه رضي بالحنث والفجور، وهذه أخلاق لا خلاق ~~لها. ثم أقر في مكان آخر من شعره بما يكتمه الأحرار، ولا ينم بفتح إلا ~~الأوضاع الأشرار، فقال: # ولما دنوت تسديتها ... فثوبا نسيت وثوبا أجر # وأي فخر في الإقرار بالفضيحة على نفسه وعلى حبه وأين هذا من قول أبي ~~يعقوب الخزيمي: # ولا ms11 أسأل الولدان عن وجه جارتي ... بعيدا ولا أرعاه وهو قريب # وإنما سهل عليه كل هذا حرصه على ما كان ممنوعا منه، وذلك أنه كان مبغضا ~~إلى النساء جدا، مفروكا ممن ملك عصبتها لأسباب كثيرة ذكرت. وكل من حرص على ~~نيل شيء فمنع منه فعلا، ادعاه قولا. وله أشباه فيما أتاه، يدعون ما ادعاه؛ ~~إفكا وزورا، وكذبا وفجورا. منهم الفرزدق، وهو القائل: # هما دلياني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فهذا أول كذبة، ولو قال: )من ثلاثين قامة( لكان كاذبا، لتقاصر الأرشية عن ~~ذلك. وقد قرعه جرير هذا في قوله: # تدليت تزني من ثمانين قامة ... وقصرت عن باع العلى والمكارم PageV01P006 ~~وكان مغرما بالزنا مدعيا فيه، وقد بلي بموانع تصدفه عنه، منها ما شهر به من ~~النميمة بمن ساعده، والادعاء على من باعده؛ ومنها دمامته، ومنها اشتهاره، ~~والمشهور يصل إلى شهوة يتبعها ريبة، فكان يكثر في شعره من ادعاء الزنا، ~~واستدعاء النساء؛ وهن أغلظ عليه من كبد بعير، وأبغض فيه وأهجى له من جرير. ~~وخذ أطرف هؤلاء الأجناس، وهو سحيم عبد بني الحسحاس؛ أسيود في شملة، دنسة ~~قملة؛ لا يواكله الغرثان، ولا يصاليه الصرد العريان، وهو مع ذلك يقول: # وأقبلن من أقصى البيوت يعدنني ... نواهد لا يعرفن خلقا سوائيا # يعدن مريضا هن هيجن ما به ... ألا إنما بعض العوائد دائيا # توسدني كفا وتحنو بمعصم ... علي وترمي رجلها من ورائيا # فأنت تسمع هذا الأسود الشن وادعاءه، وتعلم أن الله لو أخلى الأرض، فلم ~~يبق رجلا في الطول ولا في العرض؛ لم يكن هذا الزنمة الزلمة عند أدراك ~~السودان إلا كبعرة بعير، في مغر عير؛ والممنوع من الشيء حريص عليه، مدع ~~فيه؛ والمعتد بما يهواه، كاتم له مستغن ببلوغ مناه؛ ودليل على ذلك أن ~~المرقش الأكبر كان من أجمل الرجال، وكانت للنساء فيه رغبة، وشدة محبة؛ وكان ~~كثير الاجتماع بهن، والوصول إليهن؛ وله في ذلك أخبار مروية، ولم يكن في ~~أشعاره صفة شيء من ذلك. فحسبك بذلك صحة على ما قلناه. ms12 # فإن قال قائل: إنما وصفت عن امرئ القيس عيوبا من خلقه لا في شعره، قلنا: ~~هل أراد بما وصف في شعره إلا الفخر؟ فإن قال: لم يرد ذلك وإنما أراد إظهار ~~عيبه. قلنا: فأحمق الناس إذا هو، ولم يكن كذلك. وإن قال: نعم، الفخر. قلنا: ~~فقد نطق شعره بقدر ما أراد، وترجم عنه قريضه بأقبح الأوصاف. فأي خلل من ~~خلال الشعر أشد من الانعكاس والتناقض. وكل ما يخزي من الشعر فهو أشد عيوبه. # قال: ومن كلام امريء القيس المخلخل الأركان الضعيف الاستكمان، المتزلزل ~~البنيان، قوله: # أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر # وشاقذ بين الخليط الشطر ... وممن أقام من الحي هر # وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر # فأنت تسمع هذا الكلام الذي لا يتناسب، ولا يتواصل ولا يتقارب، ولا يحصل ~~منه معنى ولا فائدة، سوى أن السامع يدري أنه يذكر فرقة من أحباب، لكن ذلك ~~عن ترجمة معجمة، مضطربة منقلبة. سأل عن الخيام: أمرخ هي أم عشر؟ وليست ~~الخيام مرخا ولا عشرا، وإنما هما عودان. فإن أراد في مكان هذين الخيام، فقد ~~نقض عمدة الكلام، لأن مرخه وعشره أتي بها نكرتين فأشكل بذلك. وإنما يجوز لو ~~جعلهما معرفة بالألف واللام، والوزن لا يساعده على ذلك، ثم قال: أم القلب ~~في إثرهم منحدر وليس هذا السؤال من السؤال الأول في شيء إلا من بعد بعيد، ~~واحتيال شديد. وقال بعد هذا: # وشاقذ بين الخليط الشطر ... وممن أقام من الحي هر # فأتى بكثير كلام لا يفيد إلا قليل معنى. وذلك القليل لا غريب ولا عجيب، ~~وهو كله ذكر فراق. ثم رجع إلى أن )هر( فقيمة تصيد قلبه وقلب غيره، فأبطل ~~بإقامتها كل ما قال من أخبار الفراق ونقضه، وجعل بكاءه المتقدم لغير شيء. ~~ثم قال: وأفلت منها ابن عمرو حجر فحسن عنده أن يخبر أن الناس قد صادت هر ~~قلوب جميعهم إلا قلب حجر أبيه. وهذا من الأحاديث الركيكة، والأخبار التي ما ~~بأحد حاجة إليها. ومع هذا فقد ms13 أورد أصحاب الأخبار أن )هر( هذه كانت زوجة ~~أبيه حجر، فانظر ما في جملة هذه الأبيات من الركاكات، وقلة الإفادات؛ فإنها ~~لا تفيد قلامة، ولا تهز ثمامة. ولسنا ننكر بهذه العيوب ونزارتها، ما أقررنا ~~له به من الفضائل وندارتها؛ وستجد من لا يصدق معاصرا، ولا يصدق على متقادم ~~متأخرا؛ يبنى على ضعف أسه، ويفديه من الجهل والعيب بنفسه. فإذا اعترضك من ~~هذا النمط متعرض، فأعرض عنه ودعه على أخلاقه، مستمتعا بخلاقه، واتبع المسلك ~~الذي أوضحته لك. # قال أبو الريان: وفضلاء الشعراء كثير ولكل سقطات، وسأقفك على بعضها لعظيم ~~المؤونة في الإحاطة بها ليس إلا، لأوضح بذكرها منهجا من مناهج النقد، لا ~~حرصا على بعض الفصحاء، ولا قصدا إلى تهجين الصرحاء، وأية رغبة لنا في ذلك ~~وهم جرثومة فروعنا، وبهم أفتخار جميعنا. PageV01P007 قال: زهير بن ابي سلمى ~~على ما وصفناه به ووصفه غيرنا، من العلو والرفعة، في هذه الصنعة، من مذهبته ~~الحكمية، ومعلقته العلمية: # رأيت المنايا يا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # وقد غلط في وصفها بخبط العشواء، على أننا لا نطالبه بحكم ديننا، لأنه لم ~~يكن على شرعنا، بل نطلبه بحكم العقل فنقول: إنما يصح قوله لو كان بعض الناس ~~يموت وبعضهم ينجو، وقد علم هو وعلم العالم، حتى البهائم، ان سهام المنايا ~~لا تخطيء شيءا من الحيوان حتى يعمها رشقها، فكيف يوصف بخبط العشواء رام لا ~~يقصد غرضا من الحيوان إلا أقصده حتى يستكمل رمياته، في جميع رمياته. وإنما ~~أدخل الوهم على زهير موت قوم عبطة وموت قوم هرما، وظنوا طول العمر إنما ~~سببه إخطاء المنية، وسبب قصره إصابتها. وهيهات الصواب من ظنه لم يؤخر الهرم ~~إلا أنها قصدته فحين قصدته أصابته. ولو أن الرماة تهتدي كاهتدائها، لملأت ~~أيديها بأقصى رجائها. # وقال زهير أيضا في مذهبته: # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم # وقد تجاوز هذا الحق الباطل، وبني قولا لا ينقصه جريان العادة، وشهادة ~~المشاهدة؛ وذلك أن الظلم وعرة ms14 مراكبه، مذمومة عواقبه، في جاهليته وإسلامنا. ~~فحرض في شعره عليه، وإن كان إنما أشار في شعره إلى أن الظالم يرهب فلا ~~يظلم، فهذا قياس ينفسد، واصل ليس يطرد، لكن يرهبه من هو أضعف منه، وربما ~~انتقم منه بالحيلة والمكيدة. وقد يظلم الظالم من يغلبه فيكون ذلك سبب هلاكه ~~مع قباحة السمة بالظلم. والمثل إنما يضرب بما لا ينخرم، وقد كانت له مندوحة ~~واتساع في أن يقول: )يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم( فهذا أصح وأسلم من من ~~لا يظلم ويظلم. # قال أبو الريان: وقال زهير أيضا، وهو من أطيب شعره وأملحه عند العامة، ~~وكثير من الخاصة، فهاهنا تحفظ وتأمل، ولا يهلك ذلك منهم، الحق أبلج. قال: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # مدح بها شريفا أي شريف، فجعل سروره بقاصده كسروره بمن يدفع شيءا من عرض ~~الدنيا إليه. وليس من صفات النفوس العارفة السامية، والهمم الشريفة ~~العالية، إظهار السرور إلى أن تهلل وجوههم وتسر نفوسهم بهبة الواهب، ولا ~~شدة الابتهاج بعطية المعطي، بل ذلك عندهم سقوط همة وصغر نفس. وكثير من ذوي ~~النفوس النفيسة، والأخلاق الرئيسية، لا يظهر السرور متى رزق مالا عفوا بلا ~~منة منيل، ولا يد معط مستطيل؛ لأنه عند نفسه أكبر منه، ولأن قدر المال يقصر ~~عنه؛ فكيف يمدح ملك كبير كثير القدر، عظيم الفخر، بأنه يتهلل وجهه ويمتلئ ~~سرورا قلبه، إذا أعطى سائله مالا. هذا نقض البناء، ومحض الهجاء، والفضلاء ~~يفخرون بضد هذا، قال بعضهم: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جزع من صرفه المتقلب # وإنما غر زهيرا وغر المستحسن بيته هذا ما جبلوا عليه من حب العطاء، وما ~~جرت به عاداتهم من الرغبة في الهبات والاستجداء؛ وليس كل الهمم تستحسن ذلك، ~~ولا كل الطباع تسلك هذا المسالك. # قال أبو الريان: وقال زهير أيضا يمدح سادة من الناس فذمهم بأنواع الذم، ~~وأكثر الناس على استحسان ما قال، بل أظن كلهم على ذلك، وهو قوله: # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة ms15 والبذل # فأول ما ذمهم به إخباره أن فيهم مكثرين ومقلين. فلو كان مكثروهم كرماء ~~لبذلوا لمقليهم الأموال، حتى يستووا في الحال، ويشبهوا في الكرم والحال، ~~الذين قال فيهم حسان: # الملحقين فقيرهم بغنيهم ... والمشفقين على اليتيم المرمل # المرمل: القليل المال، وأرمل الرجل: إذا قل زاده. وكما قال غيره: # الخالطين فقيرهم بغنيهم؟ ... حتى يعود فقيرهم كالكافي # وكما قالت الخرنق: # الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر # وكما قالت الخرنق: # الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر # فهذا كله، وأبيك، غاية المدح، النقي من القدح. ثم استمع ما في هذا البيت ~~سوى هذا من الخلل والزلل. قال: # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل PageV01P008 ~~ففي هذا القسم الأول عيوب على المكثرين منهم، منها أنهم ضيعوا القريب كما ~~قدمنا، ورعوا حق الغريب، وصلة الرحم أولى ما بديء به. ومن مكارم العرب ~~حميتها لذوي أنسابها، وذبها عن أحسابها؛ والأقرب فالأقرب، وما فضل عن ذلك ~~فللأبعد. ثم أخبر أن المكثيرين ليس يسمحون بأكثر من الاستحقاق في قوله: على ~~مكثريهم حق من يعتريهم ومن أعطى الحق فإنما أنصف ولم يتفضل بما وراء ~~الإنصاف، والزيادة على الإنصاف أمدح. ثم أخبر في البيت أن المقلين على قدر ~~قصور أيديهم أكرم طباعا من مكثريهم على قدرهم في قوله: وعند المقلين ~~السماحة والبذل والبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار، والسماحة أعطاء غير ~~اللازم، فمدح بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل، وذم الذين يرجو منهم جزيل ~~النائل؛ وهذا غاية الغلط في الاختيار، وفي ترتيب الأشعار. ولزهير غير هذا ~~من السقطات لولا كلفة الاسقتصاء. هذا على اشتهاره بأنه أمدح الشعراء، وأجزل ~~الوافدين على الأشراف والأمراء؛ وسيتعامى المتعصب له عن وضوح هذا البيان، ~~وسينكر جميع هذا البرهان؛ ويجعل التفتيش عن غوامض الخطأ والصواب استقصاء ~~وظلما، ومطالبة وهضما، وزعم أن جميع الشعر لو طلب هذه المطالبة لبطل صحيحه، ~~وانعجم فصيحه، والباطل الذي زعم، والمحال الذي به تكلم؛ فالسليم سليم، ~~والكليم كليم، وإنما سمع المسكين أن أملح الشعر ما قلت عباراته، ms16 وفهمت ~~إشاراته؛ ولمحت لمحه، وملحت ملحه؛ ورققت حقائقه، وحققت رقائقه؛ واستغني فيه ~~بلمحه الدالة، عن الدلائل المتطاولة؛ وأمثال هذا الكلام، في استعمال ~~النظام. فتوهم أن خلل الشعر وزلله وضعف أركانه، وتناقض بنيانه، وانقلاب ~~لفظه لغو، وانعكاس مدحه عجو؛ إذا خلا مما قدمنا من الأوصاف المستحسنة، من ~~لمح إشاراته، وملح عباراته، فعامل هذا الصنف، بعطفك عنهم للعطف، ورفعك ~~عليهم الأنف، وأعرض عنهم بالفكر والذكر، كبرا وإن لم تكن من أهل الكبر. # وفيما أطلعتك عليه من شعر هذين الفحلين، والمتقدمين القديمين، ما يغني عن ~~التفتيش على سقطات سواهما، فقس على ما لم تره بما ترى، واعلم أن كل الصيد ~~في جوف الفرا. # قال أبو الريان: ومن عيوب الشعر اللحن الذي لا تسعه فسحة العربية، كقول ~~الفرزدق: # وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلف # فرفع )مجلفا( وحقه النصب. وقد تحيل له بعض النحويين بكلام كالضريع، لا ~~يسمن ولا يغني من جوع، وكقول جرير بن الخطفى: # ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا # فنصب )الكلاب( بغير ناصب. وقد تحيل أيضا بعض النحويين على وجه، الإقفاء ~~أحسن منه، فاحذر هذا ومثله. وإياك وما يعتذر منه بفسيح من العذر، فكيف بضيق ~~ضنك. # قال: ومما يعاب به الشعر، ويستهجنه النقد، خشونة حروف الكلمة، كقول جرير: # وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # وهذا البيت في قصيدة من أحلى قصائد جرير وأملحها، وأجزلها وأفصحها، فثقلت ~~القصيدة كلها بهذه اللفظة. # وللفرزدق أيضا لفظات خشنة الحروف كهذه تجدها في شعره. قال: ويكره النقاد ~~تعقيد الكلام في الشعر وتقديم آخره وتأخير أوله، كقول الفرزدق: # ؟وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يناسبه # يمدح به إبراهيم بن هشام المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك. فمعنى هذا ~~الكلام أن إبراهيم بن هشام ما مثله في الناس حي إلا مملك. يعني هشاما أبا ~~أمه، أي جد هشام لأمه أبو إبراهيم هذا الممدوح، فهو خاله أخو أمه، فهو ~~يشبهه في ms17 الناس لا غير، وهذا غاية التعقيد والتنكيد، وليس تحته شيء سوى أنه ~~شريف كابن أخته شريف. # قال أبو الريان: ومن شر عيوب الشعر كلها الكسر، لأنه يخرجه عن نعته شعرا، ~~وليس مما يقع لمن نعت بشاعر. فأما الإقواء، والإبطاء، والسناد، والإكفاء، ~~والزحاف، وصرف ما لا ينصرف، فكل ذلك يستعمل، إلا أن السالم من جميع ذلك ~~أجمل وأفضل. # قال: ومن عيوبه المذمومة مجاورة الكلمة ما لا يناسبها ولا يقاربها، مثل ~~ول الكميت: حتى تكامل فيها الدل والشنب وكما قال بعض المتأخرين في رثاء: # فإنك غيبت في حفرة ... تراكم فيها نعيم وحور PageV01P009 وإن كان النعيم ~~والحور من مواهب أهل الجنة، فليس بينهما في النفوس تقارب. ولا لفظة )تراكم( ~~مما يجمع بين )الحور( ولا )النعيم(. # ومثله قول بعضهم: # والله لولا أنيقال تغيرا ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا # لأعاد تفاح الخدود بنفسجا ... لثمي وكافور الترائب عنبرا # فالتفاح ليس من جنس البنفسج، لأن التفاح ثمرة والبنفسج زهرة. وقد أجاد في ~~جمعه بين الكافور والعنبر، لأنهما من قبيل واحد. ولو قال: # لأعاد ورد الوجنتين بنفسجا ... لثمي وكافور الترائب عنبرا # لأجاد الوصف، وأحسن الرصف، لكون الورد من قبيل البنفسج. فهذا النوع ~~فافتقد، وهذا الشرع فاعتمد. # قال أبو الريان: ولفضلاء المولدين سقطات مختلفات في أشعارهم، أذاكرك منها ~~في أشياء، لتستدل بها على أغراضك، لا لطلب الزلات، ولا لاقتفاء العثرات: ~~كان بشار تتباين طبقات شعره، فيصعد ]صغيرها[ كبيرها، ويهبط قليلها كثيرها. ~~وكذلك كان حبيب بن أوس الطائي. فإذا سمعت جيدهما، كذبت أن رديهما لهما؛ ~~وإذا صح عندك أن ذلك الردي لهما، أقسمت أن جيدهما لغيرهما. # قال: ومما يعاب من الشعر الافتتاحات الثقيلة. مثل قول حبيب أول قصيدة: # هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك الشأوطالبه # ومثل قول ديك الجن أول قصيدة: # كأنها يا كأنه خلل الخلة ... وقف الهلوك إذ بغما # فابتدأ هو وحبيب بمضمرات على غير مظهرات قبلها، وهو رديء. # قال: ويعاب أيضا الافتتحات المتطير بها، والكلام المضاد للغرض، كابتداء ~~قصيدة أبي نواس التي أنشدها الفضل بن يحيى بن ms18 خالد البرمكي يهنئه ببنيانه ~~الدار الجديدة، فدخل إليه عند كمالها وقد جلس للهناء والدعاء، وعنده وجوه ~~الناس، فأنشده: # أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي # فتطير الفضل من ذلك ونكس رأسه، وتناظر الناس بعضهم إلى بعض، ثم تمادى ~~فختم الشعر بقوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادي # فكمل جهله، وتم خطؤه؛ وزاد القلوب المتوقعة للخطوب سرعة توقع، واضاف ~~للنفوس المتوجعة بذكر الموت شدة توجع؛ وأراد أن يمدح فهجا، ودخل ليسر فشجا. # قال: وقريب من هذا ما وقع للمتنبي في أول شعر أنشده كافورا: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فهذا خطاب بالكاف بفتح ولا سيما في أول لقيه، وفي ابتداء واستعطاف ورقية. ~~وفي هذا البيت غير هذا من العيوب سنذكره بعد. # ووق مثل هذا من قبح الاستفتاح في عصرنا، وذلك أن بعض الشعراء أنشد بعض ~~الأمراء في يوم المهرجان فقال: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... وجه من أهوى ووجه المهرجان # فأمر بإخراجه، واستطار بافتتاحه، وحرمه إحسانه. # قال أبو الريان: ولو كان هذا الشاعر حاذقا لكان إصلاح هذا الفساد أيسر ~~الأشياء عليه، وذلك بأن يعكس البيت فيقول: # وجه من أهوى ووجه المهرجان ... أي بشرى هي لا بل بشريان # قال: ويقبح جدا الإتيان بكلمة القافية معجمة لا ترتبط بما قبلها من ~~الكلام، وإنما هي مفردة لحشو القافية، كقول بعضهم: # فبلغت المنى برغم أعادي ... ك وأبقالك سالما رب هود # فأنت ترى غثاثة هذه القافية، والله تعالى رب جميع الخلق وكل شيء، فخص ~~هودا عليه السلام وحده لضعف نقده وعجزه عن الإتيان بقافية تليق وتحسن. # قال: ويقبح أيضا الجفاء في النسب على الحبيب والتضجر ببعده، وغلظة العتاب ~~على صده، كقول أبي نواس: # أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير # فإن كنت لا خلا ولا أنت زوجة ... فلا برحت منا عليك ستور # وجاورت قوما لا تزاور بينهم ... ولا قرب إلا أن يكون نشور PageV01P010 ~~فلم أسمع بأوحش من هذا النسيب، ms19 ولا أخشن من هذا التشبيب، وذلك قوله: إن لم ~~تكوني لي زوجة ولا صديقة فلا برحت منا ستور للتراب عليك، ولا كان جارك ما ~~عشنا نحن إلا الموتى الذين لا يتزاورون ولا يتواصلون إلى يوم النشور. على ~~أن كلامه يشهد عليه بأنه شاك، وإنما المعروف في أهل الرقة والظرف، والمعهود ~~من أهل الوفاء والعطف؛ أن يفدوا أحبابهم بالنفوس، من كل مكروه وبوس؛ فأين ~~ذهبت ولادته البصرية، وآدابه البغدادية؛ حتى اختار الغدر على الوفاء، وبلغت ~~به طباعه إلى أجفى الجفاء؟ فاعلم هذا وإياك أن تعمل به. # قال: ومن عيوب الشعر السرق. وهو كثير الأجناس، في شعر الناس. فمنها سرقة ~~ألفاظ، ومنها سرقة معان؛ وسرقة المعاني أكثر لأنها أخفى من الألفاظ. ومنها ~~سرقة المعنى كله، ومنها سرقة البعض، ومنها مسروق باختصار في اللفظ وزيادة ~~في المعنى، وهو أحسن المسروقات، ومنها مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى، ~~وهو أقبحها؛ ومنها سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص. والفضل في ذلك للمسروق منه ~~ولا شيء للسارق، كسرقة أبي نواس في هذه القصيدة التي ذكرنا معنى أبي الشيص ~~بكماله. قال أبو الشيص: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # فسرقه الحسن بكماله فقال: # فما حازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير # فهذا هذا، على أن بيت أبي الشيص أحلى وأطبع، ومع حلاوته جزالة. وقد ذكر ~~عن الحسن أنه قال: ما زلت أحسد أبا الشيص على هذا البيت حتى أخذته منه. ~~وسرقة المعاصر سقوط همة. وبهذه القصيدة يناضل أصحاب الحسن عنه ويخاصمون ~~خصماءه مقرين بأن ليس له افضل منها، ولا لهم إلى سوى القصيدة معدل عنها. ~~فقس بفهمك، وأعمل فكرك، على ما وصفناه من أبواب السرق ما وجدته في أشعار لم ~~أذكرها، يظهر لك جميع ما وصفناه، ويبدو لك جمي ما رسمناه. # قال: ومما يقع في عيوب الشعرن ويغفل الشاعر عنه، ويجوزه الأمر فيه، لصغر ~~جرم العيب، وسلامة اللفظ الذي احتبى فيه، ثم يكون ذلك سبب غفلة النقاد أيضا ~~عنه ms20 مثل قول المتنبي: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا فضع هذا الكلام على ~~أنه إنما شكا داءه ووصفه بالعظم فعاد شاكيا نفسه، وجعلها أعظم الداء، لأنه ~~أراد كفى بدائك داء فغلط، وقال: كفى بك داء. فصار: كفى بالسلامة داء. ~~فالسلامة هي الداء. يريد: طول البقاء سبب للفناء. وقال الله تعالى: )وكفى ~~بنا حاسبين( فالله هو أعظم شهيد: فجعل المتنبي نفسه أعظم الداء، ولم يرد ~~إلا استعظام دائه. وإصلاح هذا الفساد، وبلوغه إلى المراد، أن يقول: # كفى بالمنايا أن تكن أمانيا ... وحسبك داء أن ترى الموت شافيا # فيعود الداء المستعظم كما أراد، وتزول خشونة ابتدائه، وشدة جفائه، إذ ~~خاطب الممدوح بالكاف فجعله داء عظيما في أول كلمة سمعها منه. # وقد تأدب خواص الناس وكثير من عوامهم في مثل هذا المكان، فهم يقولون عند ~~مخاطبات بعضهم بعضا بما يخشن ذكره: قلت للأبعد، ويا كذا أو كذا للأبعد. ~~PageV01P011 ومن عيوب هذا القسم أيضا أن قائله قصد إلى سلطان جديد، وإلى ~~مكان يحتاج فيه إلى التعظيم والتفخيم، وقد صدر عن ملك نوه به، أعني سيف ~~الدولة، وأغناه بعد فقره، وشرفه ورفعه، وأدنى موضعه. فورد على كافور هذا في ~~مرتبة شريفة، وخطة منيفة؛ فجعل بجهله يصفه في أول بيت لقيه به أنه في حالة ~~لا يرى منها المنية، أو يرى المنية أعظم أمنية. وعلم كافور بذكائه ووصول ~~أخبار الناس إليه أنه في حالة خلاف ما قال، وأنه كفر النعمة من المنعم ~~عليه، وأراه أن جميع ما عامله به من الجاه الواسع، والغنى القاطع، حقير ~~لديه، صغير في عينيه. فعلم كافور في هذا الوقت أنه ممن لا تزكو لديه ~~الصنيعة وإن عظمت، ولا تكبر في عينيه المواهب وإن جسمت؛ ولم يكن في خلق ~~كافور من الصبر على اتساع البذل، ولا من الرغبة في أهل الآداب والفضل، ما ~~عند سيف الدولة من ذلك، فزهد فيه بعد رغبة، وعلله بالقليل، وشاوقه بالجزيل. ~~ورأى المتنبي أن الأسود ليس له في قلبه من الحب والقرى ما له عند سيف ms21 ~~الدولة، فلم يدل عليه، ولا كثر من التعتب والعتاب ما يعطفه عليه؛ فأضاع ~~وضاع، وكان يتوقع الإيقاع؛ ولكفران النعم نقم، ثم نجاه ركوب ظهر الهرب، ~~وأقبل يعترف لسيف الدولة بالذنوب. وكان لحنه وشعره شريفين، وعقله ودينه ~~ضعيفين. ومع ذلك فسقطاته كثيرة إلا أن محاسنه أكثر وأوفر، والمرء يعجز لا ~~محالة. وكان يمل إلى تعقيد الكلام، ويعتمد على علمه بقبحه، فيقول من ذلك ما ~~يصف به ناقته: # فتبيت تسئد مسئدا في نيها ... إسآدها في المهمه الأنضاء # يقول في المدح: # أني يكون ابا البرية آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد # ويقول في بيت آخر من قصيدة آخرى يمدح بها، والبيت لا يتعلق بشيء مما قبله ~~فيما يظهر ولا فيما بعده بشيء: # كأنك ما جاودت من بان جوده ... عليك ولا قاومت من لم تقاوم # ومثل هذا كثير، وهذه الأجناس من أبيات وإن ظهرت معانيها بعد استقصاء، ~~وأطاعت غوامضها بعد استعصاء؛ فهي مذمومة السلك، وإن اطلعت منها على أجزل ~~الإفادة، فكيف إذا حصلت منها على السلامة بلا زيادة. وكان أيضا يغفل عن ~~إصلاح أشياء من كلامه على قرب ذلك الإصلاح من الفهم، مثل قوله يرثي أخت سيف ~~الدولة: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب # فجعل )يا أخت خير( و)بنت خير( كناية عن أشرف النسب، والكناية لا تكون إلا ~~لعلل تتسع فيها التهم، لأن الكناية ستر وتعمية، فما بال شرف النسب يورى عند ~~تورية المعايب، ويكنى عنه والتصريح به من المفاخر والمناقب. وقد غفل عن ~~إصلاح هذا بلفظ فصيح، ومعنى صحيح؛ قد كاد يبرز من الجنان، إلى طرف اللسان، ~~وهو لو فطن إليه: # يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... غنى بهذا وذا عن أشرف النسب # قال أبو الريان: وهذه الجملة التي أثبت لك فيها ما دخل على الشعراء ~~المجيدين من التقصير والغفلة والغلط وغير ذلك، كافية ومغنية عن إيراد سوى ~~ذلك؛ وإن لقيتها بجودة بحث وصحة قياس، ولم تحتج إلى كشف عيوب أشعار الناس. # ولعل قائلا يقول: ms22 مال على هؤلاء وترك سواهم لميله على من بكت، ولتفضيله ~~من عنه سكت. فقل لمن قال ذلك الأمر: على خلاف ما ظننت لم أذكر إلا الأفضل ~~فالأفضل، والأشهر فالأشهر، إذ كانت أشعارهم هي المروية، فالحجة بهم وعليهم ~~هي القوية؛ فقد نقلته على من ميلى عليهم، إلى ميلى الحق إليهم. # قال أبو الريان: فأما نقد المستحسن فتمثيله لك يعظم ويتسع لكثرته، فلا ~~يسعنا ايراده ولكن ما سلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز السالم، ثم تتسع ~~طبقات الجودة فيه، وأحسن منه ما اعتدل مبناه، وأغرب معناه، وزاد في محمودات ~~الشعر على سواه، ثم يمدح الأدون فالأدون، بمقدار انحطاطه إلى حيز السلامة، ~~ثم لا مدح ولا كرامة. # قال محمد: فقلت: لله درك يا أبا الريان، فما ألين جانبك، وما أقرب غائبك، ~~وما ألحح طالبك، وما أسعد صاحبك. فقال. أنجح الله مطالبك، وقضى مآربك، وصفى ~~من القذى مشاربك، وبث في الحواضر والبوادي مناقبك. # تمت المقامة المعروفة بمسائل الانتقاد بلطف الفهم والاقتصاد. # والحمد لله أولا وآخرا، وصلاته على نبيه سيدنا محمد وآله وسلامه. ~~PageV01P012 ms23