######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002748Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطوسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 460 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عدة الأصول (ط.ج) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002748Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2748_عدة-الأصول-(ط.ج)-الشيخ-الطوسي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد رضا الأنصاري القمي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: ذي الحجة 1417 - 1376 ش #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة على خير خلقه محمد، وآله ~~الطيبين. # قد سألتم أيدكم الله، املاء مختصر في أصول الفقه، يحيط بجميع أبوابه على ~~وجه الاختصار والايجاز (1)، على ما تقتضيه مذاهبنا، وتوجبه أصولنا فان من ~~صنف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسالك التي اقتضاها (2) أصولهم، ولم ~~يصنف أحد (3) من أصحابنا في هذا المعنى، إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله ~~رحمه الله (4) في المختصر الذي له في أصول # PageV01P003 # الفقه (1) ولم يستقصيه، وشذ منه أشياء يحتاج إلي استدراكها، وتحريرات غير ~~ما حررها فإن (2) سيدنا الاجل المرتضى (3) قدس الله روحه (4) وإن كثر في ~~أماليه، وما يقر عليه، شرح ذلك، فلم يصنف في هذا المعنى شيئا يرجع إليه، ~~ويجعل ظهرا يستند إليه. # وقلتم: إن هذا فن من العلم، لابد من شدة الاهتمام به، لان] الشريعة كلها ~~مبنية عليه ولا يتم العلم بشئ منها من دون إحكام أصولها، ومن لم يحكم ~~أصولها فإنما يكون حاكيا ومقلدا، ولا يكون عالما وهذا منزلة يرغب أهل الفضل ~~عنها. # وأنا مجيبكم إلى ما سألتم عنه، مستعينا بالله وحوله وقوته وأسأله أن يعني ~~(5) على ما يقرب من ثوابه ويبعد من عقابه. # وأقدم (6) في أول الكتاب فصلا يتضمن ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ~~ترتيب أبوابها وتعلق بعضها ببعض، حتى أن الناظر إذا نظر فيه وقف على الغرض ~~المقصود بالكتاب وتبين من أوله إلى آخره (7). والله تعالى الموفق للصواب. # PageV01P004 # الباب الأول PageV01P005 # فصل NoteV01P007N01 (في ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ترتيب ~~أبوابها) أصول الفقه هي أدلة الفقه، وإذا (1) تكلمنا في هذه الأدلة فقد ~~نتكلم فيما تقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق ~~الجملة وليس يلزم على ذلك (2) أن تكون الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه ~~الكلام فيها كلاما في أصول الفقه (3) لان هذه الأدلة (6) أدلة على تعيين ~~المسائل والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل وليس المراد بذلك، مالا ~~يتم العلم بالفقه الا معه لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون الكلام في حدوث ms001 ~~الأجسام، وإثبات الصانع، والعلم بصفاته، وايجاب عدله، وتثبيت الرسالة، ~~وتصحيح النبوة، كلاما في أصول الفقه، لان العلم به لا يتم من دون العلم ~~بجميع ذلك، وذلك لا يقوله أحد، فعلم بهذه الجملة، ان المراد بهذه العبارة ~~ما قلناه. # والأصل في هذه الأصول الخطاب، أو ما كان طريقا إلى اثبات الخطاب، أو ما ~~كان الخطاب طريقا إليه. # فأما الخطاب فهو الكلام الواقع على بعض الوجوه وليس كل كلام خطابا، # PageV01P007 # وكل خطاب كلام. # والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب، لكونه خطابا لمن هو خطاب ~~له ومتوجه إليه، لأنه قد يوافق الخطاب في جميع صفاته من وجود وحدوث، وصيغة، ~~وترتيب ما ليس بخطاب، فلا بد من أمر زائد، وهو ما قلناه. # والكلام في الخطاب، كلام في بيان أدلة الكتاب، والسنة وذلك ينقسم خمسة ~~أقسام: # أحدها: الكلام في الأوامر والنواهي. # والثاني: الكلام في العموم والخصوص. # والثالث: الكلام في المطلق والمقيد. # والرابع: الكلام في المجمل والمبين. # والخامس: الكلام في الناسخ والمنسوخ. # أما ما هو طريق إلى اثبات الخطاب من هذه الطرق، فهو قسم واحد وهو الكلام ~~في الاخبار، وبيان أقسامها. # وأما ما الخطاب طريق إليه، فهو أيضا قسم واحد، وهو الكلام في أحكام ~~الافعال. # وألحق قوم بهذا القسم الكلام في الاجماع، والقياس، والاجتهاد، وصفة ~~المفتى والمستفتي، والحظر، والإباحة. # وذلك غير صحيح على قاعدة مذاهبنا، لان الاجماع عندنا إذا اعتبرناه، من ~~حيث كان فيه معصوم، لا يجوز عليه الخطأ، ولا يخلو الزمان منه، وطريق ذلك ~~العقل دون السمع، فهو خارج عن هذا الباب. # وأما القياس والاجتهاد (1) فعندنا انهما ليسا بدليلين، بل محظور ~~استعمالهما، # PageV01P008 # # PageV01P009 # ونحن نبين ذلك فيما بعد، ونبين أيضا ما عندنا في صفة المفتى والمستفتي. # وأما الكلام في الحظر والإباحة، فعندنا وعند أكثر من خالفنا طريقه العقل ~~أيضا (1)، فهو - أيضا - خارج من هذا الباب. # والأولى في تقديم هذه الأصول الكلام في الاخبار، وبيان أحكامها، وكيفية # PageV01P010 # أقسامها، لأنها الطريق إلى اثبات الخطاب. ثم الكلام في أقسام الخطاب. ثم ~~الكلام في الافعال لأنها متأخرة عن ms002 العلم بالخطاب. ثم الكلام في تتبع ما ~~عده المخالف أصلا وليس منه. # ولما كان المبتغى (1) بهذه الأصول العلم، فلا بد من أن نبين فصلا يتضمن ~~بيان حقيقته، و (2) الفرق بينه وبين الظن وغيره، وما يصح من ذلك أن يكون ~~مطلوبا، وما لا يصح. # ولا بد أيضا من بيان ما لا يتم العلم الا به: من حقيقة النظر، وشرايط ~~الناظر، وما يجب أن يكون عليه، وبيان معنى الدلالة، وسائر متصرفاته، ~~واختلاف العبارة عنه. # ولما كان الأصل في هذا الباب الخطاب، وكان ذلك كلاما فلا بد من بيان فصل ~~يتضمن معنى الكلام، وبيان الحقيقة منه والمجاز، وانقسام أنواعه. # ولما كان الكلام صادرا من متكلم، فلا بد من بيان من يصح الاستدلال بكلامه ~~ومن لا يصح، ويدخل في ذلك الكلام فيما يجب أن يعرف من صفات الله تعالى وما ~~لا يجب، وصفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفات الأئمة القائمين مقامه ~~الذين يجرى قولهم مجرى قوله عليه السلام. # ونحن نبين جميع ذلك في أبوابه على غاية من الاختصار حسب ما تقتضيه ~~الحاجة، ونقتصر (3) فيما نذكره على الإشارة إلى ذكر ما ينبغي أن يعتمد ~~عليه، ويحصل العلم به دون أن يقرن (4) ذلك بالأدلة المفضية إليه، لان لشرح ~~ذلك موضعا غير هذا، والمطلوب من هذا الكتاب بيان ما يختصه من تصحيح أصول ~~الفقه التي ذكرناها، وبيان الصحيح منها والفاسد، إن شاء الله تعالى. # PageV01P011 # فصل NoteV01P012N02 (في بيان حقيقة العلم، وأقسامه، ومعنى الدلالة، وما ~~يتصرف منها) حد العلم ما اقتضى سكون النفس. # وهذا الحد أولى من قول من قال: (انه اعتقاد للشئ على ما هو به، مع سكون ~~النفس) لان الذي يبين به العلم من غيره من الأجناس هو سكون النفس، دون كونه ~~اعتقادا، لان الجهل أيضا اعتقاد، وكذلك التقليد. # ولا يبين أيضا بقولنا: (للشئ على ما هو به) لأنه يشاركه فيه التقليد ~~أيضا، إذا كان معتقده على ما هو به. والذي يبين به هو سكون النفس، فينبغي ~~أن نقتصر (1) عليه، وليس من حيث إن ms003 ما اقتضى سكون النفس لا يكون الا ~~اعتقادا للشئ على ما هو به، ينبغي أن يذكر في الحد. # كما أنه لا بد من أن يكون عرضا، وموجودا، ومحدثا، وحالا في المحل، ولا ~~يجب ذكر ذلك في الحد من حيث لا يبين به، فكذلك ما قلناه. # ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم بعينه، ولا ~~(2) يجوز # PageV01P012 # أن يحد الشئ بنفسه. # ولا يجوز أن يحد بأنه اثبات، لان الاثبات في اللغة هو الايجاب (1)، ولأجل ~~ذلك يقولون: (أثبت السهم في القرطاس) أي: أوجبته (2) فيه. ويعبر أيضا في ~~الخبر عن وجوب الشئ كما يقال في المجبرة (3) انهم مثبتة. # ثم إن ذلك ينتقض بالتقليد، لأنه أيضا إثبات للشئ على ما هو به، ان أريد ~~بهذه اللفظة الاعتقاد، وان أريد بها العلم فقد حد الشئ بنفسه. # والعلوم على ضربين: ضروري، ومكتسب. # فحد الضروري ما كان من فعل غير العالم به، على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه ~~بشك أو شبهة. # وهذا الحد أولى مما قاله بعضهم من أنه: (ما لا يمكن العالم به دفعه عن ~~نفسه بشك أو شبهة إذا انفرد) (4) * لان ذلك تحرز ممن (5) اعتقد بقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ان زيدا في الدار، ثم شاهده، فإنه لا يمكنه أن ~~يدفع ذلك عن نفسه، و (6) مع هذا فهو اكتساب. # PageV01P013 # وهذا لا يصح عندنا، لان العلم بالبلدان، والوقائع، وما جرى مجراهما، هذا ~~الحد موجود فيه، وعند كثير من أصحابنا مكتسب قطعا، وعند بعضهم هو على ~~الوقف، فلا يصح ذلك على الوجهين معا. # على أن ذلك انما يصح على مذهب من يقول ببقاء العلوم، فأما من قال إن ~~العلم لا يبقى فلا معنى لهذا الكلام عنده، لأنه لا يبقى وقتين، فيصح طرو ~~الشبهة في ذلك أو الشك، فيعتبر صحة انتفائه بهما أولا، وانما يتجدد حالا ~~بعد حال، اللهم الا أن يراد بذلك انه لا يصح أن يمنع منه ابتداءا، فان أريد ~~به ذلك فذلك يوجد في العلم الاستدلالي الذي لم يقارنه ms004 الضروري (1) *، لأنه ~~في حال حصول العلم أيضا لا يمكنه دفعه عن نفسه، وإن لم يكن ضروريا. وانما ~~يصح أن يدخل الشبهة أو الشك عليه فيمنعا من وجود مثله في الثاني، أو يدخلا ~~في طريقه قبل حصوله، فيمنعا من توليده، فأما حال حصوله فلا يصح على حال، ~~فعلم بذلك ان الصحيح ما قلناه. # اللهم [الا] أن يراد بذلك ما أمكن ذلك فيه على وجه، فان أريد ذلك كان ~~صحيحا على مذهبه، ولا يصح ذلك على مذهبنا، لما قلناه من العلم الحاصل ~~بالبلدان والوقايع. # والعلوم الضرورية على ضربين: # ضرب منهما: يحصل في العاقل ابتداءا (2) *، وهو مثل العلم بان الموجود لا ~~يخلو من أن يكون قديما أو غير قديم، وان الجسم الواحد لا يخلو من أن يكون ~~في مكان أو لا يكون فيه، وان الذات لا بد من أن يكون على صفة أو لا يكون ~~عليها، وتعلق # PageV01P014 # الكتابة بالكاتب، والبناء بالباني، وما يجرى مجرى ذلك مما يعد (1) في ~~كمال العقل، وهي كثيرة. # والضرب الثاني: ما يقف على شرط، وهو العلم بالمدركات، لان العلم بها ~~ضروري، الا أنه واقف على شرط، وهو الادراك مع ارتفاع اللبس، وهذا العلم ~~واجب حصوله مع الشرط الذي ذكرناه في العاقل، لأنه مما يدخل به في كونه كامل ~~العقل، ومتى لم يحصل، أخل ذلك بكمال عقله. # وزاد قوم في هذا القسم الذي يقف على شرط - وان لم يكن ذلك واجبا - العلم ~~بالصنائع عند الممارسة، والعلم بالحفظ عند الدرس. # ولنا في ذلك نظر، ليس هذا موضع الكلام فيه. # وذكروا فيه أيضا العلم بمخبر الأخبار المتواترة ونحن نبين ما عندنا فيها ~~(2) عند الكلام في الاخبار إن شاء الله تعالى. # وأما العلم المكتسب: فحده أن يكون فعل من العالم به، وهذا الحد أولى من ~~حد من قال إنه: (ما أمكن العالم به دفعه عن نفسه لشبهة في دليله، أو طريقه ~~إذا انفرد)، لان ذلك لا يصح على مذهبنا، على ما قلناه من العلم باخبار ~~البلدان والوقايع. # والعلم المكتسب على ضربين: # أحدهما: لا ms005 يقع إلا متولدا عن نظر في دليل. # والاخر يفعله العالم في نفسه ابتداءا. # فالقسم الأول على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن ينظر في شئ فيحصل له العلم بغيره، نحو نظرنا في الحوادث لنعلم ~~ان لها محدثا، وهذا الوجه يختص العقليات، لأنها الطريق إلى اثبات ذوات # PageV01P015 # الأشياء، دون الشرعيات التي هي طريق إلى اثبات أحكامها. # وثانيها: أن ينظر في حكم لذات، فيحصل له العلم بصفة لها، وذلك نحو نظرنا ~~في صحة الفعل من زيد، فيحصل لنا العلم بأنه قادر. # وهذا أولى مما قاله قوم: من أنه ينظر في شئ فيحصل له العلم بغيره، ومثل ~~ذلك بالنظر في فعل زيد، فيحصل له العلم بأنه قادر. # وانما قلنا انه أولى، لان الذي يدل على كونه قادرا، صحة الفعل منه على ~~وجه دون وقوعه، فتمثيله بما قلناه أولى. # والضرب الثالث: أن ينظر في حكم لذات، فيحصل لنا العلم بكيفية صفة لها، ~~نحو نظرنا في جواز العدم على بعض الذوات، فيحصل لنا العلم بأنها محدثة. # وهذا الذي ذكرناه أولى مما قاله قوم من انا ننظر في صفه لذات، فيحصل لنا ~~العلم بصفة أخرى لها، لأن جواز العدم ليس هو صفة، وانما هو حكم من أحكامها، ~~وكونها محدثة ليس أيضا بصفة، وانما هو كيفية في الوجود، فعلم بذلك ان ما ~~قلناه أولى. # ومثاله في الشرعيات: ان ننظر في أن شيئا منها واجب، فيحصل لنا العلم بأن ~~له جهة وجوب. # وأما الضرب الثاني من العلوم المكتسبة التي تحصل من غير نظر: فهو ما ~~يفعله المنتبه من نومه، وقد سبق له النظر في معرفة الله تعالى، فحينئذ يعقل ~~(1) العلم عند ذكره الأدلة. # وطريق النظر في الوجوه الثلاثة، التي قدمنا ذكرها. # وقال قوم: في العلوم التي تقع عن نظر ما يسمى استدلالا، وهو ما يكون ~~المستدل به غير المستدل عليه. # ومنه ما يسمى اكتسابا فقط، واطلاق الاكتساب على جميع ذلك لا خلاف فيه. # PageV01P016 # ولا يمتنع أن يسمى أيضا جميع ذلك استدلالا، وانما يختص بتسميته الاكتساب ~~ما يفعله ابتداءا، على ما ms006 بيناه عند الانتباه، فان ذلك لا يجوز أن يسمى ~~استدلالا. # ومن حق العلوم المكتسبة أن تتأخر عن الضرورية، لأنها فرع عليها، أو ~~كالفرع. # وأما الظن: فعندنا وان لم يكن أصلا في الشريعة تستند الاحكام إليه (1)، ~~فإنه تقف أحكام كثيرة عليه، نحو تنفيذ الحكم عند الشاهدين، ونحو جهات ~~القبلة، وما يجرى مجراها، فلا بد أن نذكر (2) حده. # وحده: (ما قوى عند الظان كون المظنون على ما ظنه، ويجوز مع ذلك كونه على ~~خلافه). # وهذا أولى مما قاله قوم من أنه: (ما أوجب كون من وجد في قلبه ظنا) (3)، ~~لأنه بهذا (4) لا يبين (5) من غيره، لأنه يحتاج بعد إلى تفسير، فالأولى ما ~~ذكرناه. # وبما قلناه يبين من العلم، لان العالم لا يجوز كون ما علمه على خلافه. ~~وكذلك به يتميز من الجهل، لان الجاهل يتصور نفسه بصورة العالم فلا يجوز ~~خلاف ما اعتقده، وان كان يضطرب عليه حاله فيما (6) يجهله، من حيث لم يكن ~~ساكن النفس، ولأنه اعتقاد لا على ما هو (7) * به، وليس كذلك الظن. # PageV01P017 # وأما المقلد (1) *: فان كان يحسن الظن بمن قلده (2) * فهو سيظن أن الامر ~~على ما قلده فيه. # وإذا قلد من لا يجوز عليه الخطأ، فكذلك لا يجوز كون ما قلده فيه على خلاف ~~ما قلده. # وإذا قلد من لا يقوى في ظنه حال ما قلده فيه ففارق الظن، لان ذلك يكون قد ~~سبق إلى اعتقاد لا مزية لكونه على ما اعتقده، أو على خلافه (3)، فقد فارق ~~حال الظن. # وأما الشاك: فهو الخالي من اعتقاد الشئ على ما هو به، ولا على ما هو به ~~مع خطوره بباله، وتجويزه كل واحدة من الصفتين عليه. # وأما الدلالة: فهي ما أمكن الاستدلال بها على ما هي دالة (4) عليه، الا ~~أنها لا تسمى بذلك الا إذا قصد فاعلها الاستدلال. # وانما قلنا ذلك لان ما لا يمكن الاستدلال به، لا يكون دلالة ألا ترى ان ~~طلوع الشمس من مشرقها لا يكون دلالة على النبوة، لأنه لا يمكن ذلك فيها من ~~حيث كان ms007 ذلك معتادا، وطلوعها من مغربها يكون دلالة، لامكان ذلك فيه. # وأثر اللص لا يسمى دلالة، وان أمكن الاستدلال به عليه، من حيث لم يقصد ~~بذلك استدلال (5) عليه، وان سمى ذلك دلالة على بعض الوجوه، فعلى ضرب من # PageV01P018 # المجاز، لأنه لو كان حقيقة لوصف بأنه دال وذلك لا يقوله أحد، لأنا نعلم ~~أنه يجتهد في اخفاء أمره، وان لا يعلم به، فكيف يجوز وصفه بأنه دال!، ~~وتستعمل هذه اللفظة في العبارة عن الدلالة، ولهذا يقول أحد الخصمين لصاحبه ~~أعد دلالتك، وانما يريد به كيفية عبارتك عنها، وذلك مجاز. # وانما استعير ذلك من حيث كان السامع لذلك إذا تأمله كان أقرب إلى معرفة ~~المدلول عليه، كما أنه عند النظر في الدلالة كذلك. # وتوصف الشبهة بأنها دلالة مجازا، ولهذا يقال دلالة المخالف. # ومن حق الدلالة أن تكون معلومة للمستدل بها على الوجه الذي تدل على ما ~~تدل عليه، حتى يمكنه الاستدلال بها، ولا فرق بين أن يعلم ذلك ضرورة أو ~~استدلالا. # ولا يجب في الأدلة أن تكون موجودة، ولأجل ذلك صح الاستدلال (1) * بمجئ ~~الشجرة، وحنين الجذع على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبكلامه على ~~الاحكام، وان كان ذلك كله معدوما. # ولا يجب في الأدلة أن يعلم بدلالة أخرى، ويجوز ذلك فيها الا أنها لا بد ~~أن تنتهي إلى دلالة يعلم صفتها ضرورة، والا أدى إلى ما لا يتناهى من ~~الأدلة. # والدال: هو من فعل الدلالة، لأنه مشتق منها، فجرى في ذلك مجرى الضارب في ~~أنه مشتق من الضرب، وعلى هذا يصح أن يقال: ان الله تعالى دلنا على كذا، فهو ~~دال، وكذلك (2) النبي صلى الله عليه وآله وسلم دلنا على كذا وكذا فهو دال. ~~وقد يتجوز في ذلك فيعبر به عن الدلالة فيقولون: قول الله تعالى، وقول النبي ~~(3) دال على كذا وكذا من الاحكام، وان كان الدال في الحقيقة هو الله تعالى ~~والرسول على ما بيناه، # PageV01P019 # وكذلك يتجوز في العبادة عن الدلالة. # والدليل: هو الدال في الأصل قال الشاعر: # إذا الدليل ms008 استاف أخلاف الطرق (1) فوصف الدال على الطريق بأنه دليل، من ~~حيث فعل أشياء استدل بها على الموضع المقصود. وقد يتجوز في ذلك فيستعمل في ~~الدلالة، فيقولون في الأجسام انه دليل على خالقها، وبأن القرآن دليل على ~~الاحكام، ولا يمتنع أن يقال أيضا انه حقيقة فيهما (2) *. # والمدلول: هو الذي نصبت له الدلالة ليستدل (3) بها، وهو المكلف، وقد ~~يتجوز بذلك في المدلول عليه فيقولون: هذا مدلول الدلالة، وذلك مجاز. # والمدلول عليه: هو ما يؤدى النظر في الدلالة إلى العلم به. # والمستدل: هو الناظر، ولا يسمى بذلك الا إذا فعل الاستدلال. # والمستدل به: هو الدلالة بعينها، ولا يسمى بذلك قبل الاستدلال بها. # والمستدل عليه: هو المدلول عليه بعينه، غير أنه لا يسمى بذلك قبل حصول ~~الاستدلال. # والنظر ينقسم إلى: # تقليب الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته. # PageV01P020 # وإلى معنى الانتظار. # وإلى معنى التعطف والرحمة. # وإلى معنى الفكر. # والواجب من ذلك هو الفكر (1) *. # والناظر يعلم نفسه ناظرا ضرورة، ويفصل بين هذا الحال وبين سائر صفاته من ~~كونه معتقدا، وظانا، ومريدا، وغير ذلك من الصفات. # ومن شرط الناظر أن يكون عالما بالدليل على الوجه الذي يدل على ما يدل ~~عليه، حتى يصح أن يولد نظره العلم. # ولأجل ذلك نقول: ان من لا يعلم صحة الفعل من زيد لا يعلمه قادرا، ومن لا ~~يعلم وقوع الفعل محكما منه، لا يمكنه أن يستدل على كونه عالما، لما لم يكن ~~عالما بالجهة التي لكونه عليها يدل، ولهذا نقول: ان من لا يعلم أن قوله ~~تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (2) كلام الله، وان الله تعالى لا ~~يجوز عليه القبيح، ولا التعمية والألغاز في الكلام، لا يمكنه الاستدلال به ~~على وجوب الصلاة ولا الزكاة، ولذلك ألزمنا المجبرة أن لا يمكنهم الاستدلال ~~بكلام الله تعالى من حيث جوزوا (3) * عليه القبائح كلها. # وكذلك من لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق، وانه لا يجوز ~~عليه الكذب، ولا التعمية، والألغاز في الكلام، لا يصح له أن يستدل بقوله ~~صلى الله عليه ms009 وآله وسلم على شئ من الاحكام. # وهذه العلوم التي ذكرناها، شرط في توليد النظر للعلم، لا في صحة وجوده، ~~لان # PageV01P021 # من اعتقد الدليل، أو ظنه على الوجه الذي يدل - وان لم يكن عالما به - جاز ~~منه فعل النظر، وان لم يولد (1) * العلم. وإنما قلنا انه متى لم يكن عالما، ~~لا يولد نظره العلم، لأنه إذا لم يكن عالما بالدليل على الوجه الذي يدل ~~عليه، جوز ألا (2) يكون دليلا (3) على الوجه الذي يدل، فكيف يجوز حصول ~~العلم عن الدليل مع تجويز ما قلناه فيه؟ # والنظر في الدليل من الوجه الذي يدل يوجب العلم، لأنه يكثر بكثرته، ويقل ~~بقلته، ولأنه يقع العلم عنده مطابقا لما يطلبه بالدليل، ألا ترى ان من نظر ~~في صحة العقل من زيد لا يصح أن يقع له العلم بان عمرا قادر، وكذلك من نظر ~~في أحكام الفعل، لا يصح أن يقع له العلم بالهندسة وغيرها، فعلم بوجوب هذه ~~المطابقة انه متولد عن (4) النظر. # والنظر لا يولد الجهل (5) * على وجه، لأنه لو ولده لم يخل أن يكون النظر ~~في الدليل يولده، أو النظر في الشبهة. ولا يجوز أن يولد النظر في الدليل ~~الجهل، لأنا قد بينا ان النظر في الدليل يولد العلم، ولا يجوز في شئ أن ~~يولد الشئ وضده. ولو ولد النظر في الشبهة الجهل، لكان يجب كل من نظر فيها ~~أن يولد له الجهل، كما أن كل من نظر في الدليل ولد له العلم. ونحن نعلم انا ~~ننظر في شبه (6) المخالفين فلا يتولد لنا # PageV01P022 # الجهل، ولأنه لو كان شئ من النظر يولد الجهل، لأدى إلى قبح كل نظر لان ~~الانسان لا يفرق بين النظر الذي يولد العلم، والنظر الذي يولد الجهل، ولا ~~بين الدليل والشبهة، وانما يعلم كون الدليل دليلا إذا حصل له العلم ~~بالمدلول، فاما قبل حصوله، فلا يعلمه دليلا. # وما أدى إلى قبح كل نظر، ينبغي أن يحكم بفساده لأنا نعلم ضرورة حسن نظر ~~كثير من أمر الدين والدنيا معا. # والنظر الذي ذكرناه لا ms010 يصح إلا من كامل العقل (1) *، فلا بد أن نبين ~~ماهية العقل. # والعقل: هو مجموع علوم إذا حصلت كان الانسان عاقلا، مثل أن يجب أن يعلم ~~المدركات إذا أدركها وارتفع عنها اللبس، وأن يعلم أن الموجود لا يخلو من ~~قدم أو حدوث، وأن المعلوم لا يخلو من وجود أو عدم، ويعلم وجوب كثير من ~~الواجبات، وحسن كثير من المحسنات، مثل وجوب رد الوديعة، وشكر النعمة، وحسن ~~الاحسان، ويعلم قبح كثير من المقبحات، مثل الظلم المحض، والكذب العاري من ~~نفع ودفع ضرر، والعبث وغير ما عددناه، ويعلم تعلق الفعل بالفاعل (2) * وقصد ~~المخاطبين، ويمكنه معرفة ما يمارسه من الصنايع، ويمكنه أيضا معرفة مخبر ~~الاخبار، وغير ذلك. # فإذا حصلت هذه العلوم فيه كان كامل العقل يصح منه الاستدلال على الله ~~تعالى، وعلى صفاته، وعلى صدق الأنبياء عليهم السلام. # ووصفت هذه العلوم التي ذكرناها بالعقل لوجهين: # أحدهما: انه لما كان العلم بقبح كثير من المقبحات صارفا له عن فعلها، ~~وعلمه # PageV01P023 # بوجوب (1) كثير من الواجبات، داعيا له إلى فعلها، وصارفا عن الاخلال بها، ~~سمى عقلا تشبيها بعقال الناقة الذي يمنعها (2) من السير. # والثاني: انه لما كانت العلوم الاستدلالية لا تثبت الا مع ثبوت هذه ~~العلوم، سميت عقلا تشبيها أيضا بعقال الناقة، ولأجل ما قلناه لا يصح وصف ~~القديم تعالى بأنه عاقل، لان هذا المعنى لا يصح فيه. # وأما الامارة فليست موجبة للظن، بل يختار الناظر فيها عندها الظن ~~ابتداءا، لأنا نعلم أنه ينظر جماعة كثيرة في امارة واحدة من جهة واحده، فلا ~~يحصل لجميعهم الظن، فلو كانت مولدة لوجب ذلك، كما يجب ذلك في الدليل، ألا ~~ترى ان الجماعة إذا نظرت في الدليل من الوجه الذي يدل، حصل لجميعهم العلم، ~~ولم يحصل لبعضهم دون بعض، وليس كذلك الظن. # PageV01P024 # فصل NoteV01P025N03 (في ذكر أقسام أفعال المكلف) أفعال المكلف (1) * إذا ~~كان عالما بها، أو متمكنا من العلم بها، وهو غير ساه عنها، ولا ملجأ إليها ~~(2) *، لا تخلو من أن تكون حسنة أو قبيحة، وانما قلنا ذلك لان فعل ms011 الساهي ~~والنائم لا يوصف بذلك. # وقال قوم: يوصف بذلك إذا كان فيه جهة الحسن أو القبح. # فالحسن على ضربين: # ضرب منه: ليس له صفة زائدة على حسنه، وذلك يوصف بأنه مباح، إذا دل فاعله ~~على حسنه، ويوصف - أيضا - في الشرع بأنه حلال وطلق وغير ذلك. # PageV01P025 # والضرب الاخر: له صفة زائدة على حسنه، وهو على ضربين: # أحدهما: أن يستحق المدح بفعله، ولا يستحق الذم بتركه (1) *، فيوصف بأنه ~~مرغب فيه، ومندوب إليه، ونفل، وتطوع، وهذا الضرب إذا تعدى إلى الغير سمى ~~بأنه احسان وانعام. # والضرب الثاني: هو ما يستحق الذم بتركه، وهو أيضا على ضربين: # أحدهما: انه متى لم يفعله بعينه استحق الذم، وذلك مثل رد الوديعة، ~~والصلوات المعينة المفروضة، فيوصف بأنه واجب مضيق. # والضرب الثاني: هو ما إذا لم يفعله، ولا ما يقوم مقامه استحق الذم، فيوصف ~~بأنه واجب مخير فيه، وذلك نحو الكفارات في الشريعة، وأداء الصلوات في ~~الأوقات المخير فيها، وقضاء الدين من أي درهم شاء، وما شاكل ذلك. # ومن الواجب ما يقوم فعل الغير مقامه (2) *، وذلك نحو الجهاد والصلاة على ~~الأموات، ودفنهم، وغسلهم، ومواراتهم، فيوصف بأنه فرض على الكفاية. # وأما القبيح: فلا ينقسم انقسام الحسن، بل هو قسم واحد، وهو كل فعل يستحق ~~فاعله الذم على بعض الوجوه، ويوصف في الشرع بأنه محظور، ومحرم إذا دل فاعله ~~عليه أو اعلمه. # وفي الافعال ما يوصف بأنه مكروه، وان لم يكن قبيحا، وهو كل فعل كان ~~الأولى تركه واجتنابه، وان لم يكن قبيحا يستحق بفعله الذم، فيوصف بأنه ~~مكروه. # وفي أفعال الشريعة ما يوجب على غير فاعلها حكما، كفعل الطفل، والمجنون، ~~وما أشبههما، فإنه يلزم المكلف أن يأخذ من مال الطفل والمجنون عوض ما أتلفه ~~ويرده على صاحبه، ويأخذ الزكاة مما يجب فيه من جملة ماله عند من قال بذلك. # PageV01P026 # وفي الافعال ما يوجب على فاعلها أحكاما، وذلك على أقسام: # منها: قولهم (أن الصلاة باطلة)، فمعناه انه يجب علينا (1) اعادتها. # وقولهم: (ان الشهادة باطلة) انه لا يجوز للحاكم تنفيذ الحكم ms012 عندها، وإذا ~~قالوا: # (انها صحيحة) معناه انه يجوز تنفيذ الحكم عندها. # وقول من قال: (ان الوضوء بالماء المغصوب غير جائز) انه يجب عليه اعادته ~~ثانيا بماء مطلق، وعند من قال: (انه جائز) معناه انه وقع موقع الصحيح. # وقولهم: (ان البيع صحيح) معناه ان التمليك وقع به، وقولهم: (انه فاسد) ~~خلاف ذلك، وانه لا يصح التملك به، ولا استباحة التصرف به. # وهذه الألفاظ إذا تؤملت رجع (2) * معناها إلى ما قدمناه من الأقسام، غير ~~أن لها فوائد في الشريعة تكشف عن أسباب أحكامها. # فهذه الجملة كافية في هذا الفصل. # وإذ قد بينا ما أردناه من حقيقة العلم، والنظر، والدليل، وصفة الناظر، ~~وغير ذلك، وحقيقة الافعال، فلا بد من أن نبين حقيقة الكلام ونشرح أقسامه، ~~وما ينقسم إليه من حقيقة أو مجاز. # ثم نبين الأسماء اللغوية، والعرفية، والشرعية، وكيفية ترتيبها. # فإذا فعلنا ذلك بينا صفات من يصح أن يستدل بخطابه ومن لا يصح. # ثم نشرع فيما ذكرناه من ترتيب الأصول على ما قدمنا القول فيه إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P027 # فصل NoteV01P028N04 (في حقيقة الكلام، وبيان أقسامه، وجملة من أحكامه، ~~وترتيب الأسماء) حقيقة الكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف ~~المعقولة، إذا وقع ممن يصح منه، أو من قبيله (1) * الإفادة، وهو على ضربين: # مهمل، ومفيد. # فالمهمل: هو الذي لم يوضع ليفيد في اللغة شيئا. # والمفيد على ضربين: # ضرب منهما: له معنى صحيح وان كان لا يفيد فيما وضع له، (2) * وذلك نحو ~~أسماء الألقاب وغيرها. # والضرب الثاني: يفيد فيما وضع له. وهو على ضربين: حقيقة، ومجاز. # فحد الحقيقة: ما أفيد به ما وضع في اللغة، ومن حقه أن يكون لفظه منتظما # PageV01P028 # لمعناه من غير زيادة، ولا نقصان، ولا نقل إلى غير موضعه، وذلك مثل قوله ~~تعالى: # " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله لا بالحق " (1) إلى ما شاكل ذلك من ~~الحقائق. # وأما المجاز: فهو ما أفيد به ما لم يوضع له في اللغة، ومن حقه أن يكون ~~لفظه لا ينتظم معناه، اما بزيادة، أو ms013 نقصان (2) *، أو بوضعه في غير موضعه. # والمجاز الذي دخلته الزيادة نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شئ " (3) لان ~~معناه ليس مثله شئ، فالكاف زائدة. # والمجاز بالنقصان، نحو قوله تعالى: " وسئل القرية " (4) " واسئل العير " ~~(5)، لان معناه واسئل أهل القرية، وأهل العير، فحذف ذلك اختصارا ومجازا، ~~ونحو قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " (6) * على تأويل من قال إلى ثواب ربها ~~ناظرة. و " جاء ربك " (7) لان معناه، وجاء أمر ربك، وما أشبه ذلك. # والمجاز الثالث، نحو قوله تعالى: " وأضلهم السامري " (8) فنسبة إليه من ~~حيث دعاهم، وان كانوا هم ضلوا في الحقيقة، لا انه فعل فيهم الضلال. # ويجب حمل الحقيقة على ظاهرها، ولا يتوقع في ذلك دليل يدل على ذلك. # والمجاز لا يجوز حمله عليه، الا ان يدل دليل على كونه مجازا. # PageV01P029 # والحقيقة إذا عقلت فائدتها، فيجب حملها على ما عقلت من فائدتها (1) * أين ~~وجدت، ولا يخص به موضع دون آخر، ويطرد ذلك فيها الا لمانع من سمع أو عرف أو ~~غير ذلك، الا أن يكون وضعت (2) لتفيد في معنى جنس دون جنس، فحينئذ يجب أن ~~يخص ذلك الجنس به نحو قولهم: (خل) انه يفيد الحموضة في جنس مخصوص، وقولهم: ~~(بلق) يفيد اجتماع اللونين في جنس دون جنس. وعلى هذا المعنى يقال ان ~~الحقايق يقاس عليها. # واما المجاز فلا يقاس عليه وينبغي أن يقر حيث استعمل، ولذلك لا يقال: (سل ~~الحمير) ويراد مالكها كما قيل: (واسئل القرية)، وأريد أهلها، لان ذلك لم ~~يتعارف فيه. # والحقيقة لا يمتنع أن يقل استعمالها فتصير كالمجاز، مثل قولنا (الصلاة) ~~في الدعاء وغير ذلك. # وكذلك لا يمتنع في المجاز أن يكثر استعماله فيصير حقيقة بالعرف (3) نحو ~~قولنا: (الغائط) في الحدث المخصوص، وقولنا: (دابة) في الحيوان المخصوص، وما ~~هذا حكمه، حكم له بحكم الحقيقة. # والمفيد من الكلام لا يكون الا جملة من اسم واسم، أو فعل واسم، وما ~~عداهما ما لا يفيد الا بتقدير واحد من القسمين فيه ولأجل ذلك قلنا يا زيد ~~في النداء انما يفيد لان معنى (يا) ادعوا فصار ms014 معنى هذا الحرف معنى الفعل، ~~فلأجل ذلك أفاد. # وينقسم (4) ذلك إلى أقسام: # إلى الامر وما معناه معنى الامر (5) من السؤال، والطلب والدعاء. # PageV01P030 # وإلى النهى. # وإلى الخبر، ويدخل في ذلك الجحود، والقسم، والأمثال، والتشبيه وما شاكله، ~~والاستخبار، والاستفهام، والتمني [والترجي] (1) شبيه بالاخبار. # هذا ما قسمه أهل اللغة، وطول كثير من الفقهاء في اقسام الكلام. # وقال قوم: (2) الأصل في ذلك كله الخبر، لان الامر معناه معنى الخبر، لان ~~معناه أريد منك أن تفعل وذلك خبر، والنهى معناه أكره منك الفعل وذلك أيضا ~~خبر، وكذلك القول في سائر الأقسام. # والأسامي المفيدة على ضربين: # اما أن تكون مفيدة لعين واحدة، أو تفيد أكثر من ذلك، فما أفاد الفائدة في ~~عين واحدة فهو أسماء الأجناس. وما أفاد أكثر من ذلك على ضربين: # أحدهما: نحو قولنا: (لون) فإنه لا يفيد في عين واحدة، بل يفيد في أعيان ~~فائدة واحدة. # والضرب الثاني: يفيد معاني مختلفة وهو جميع الأسماء المشتركة نحو قولنا: # (قرؤ) و (جون) و (عين)، وغير ذلك. # وفي الناس من دفع ذلك وقال: ليس في اللغة اسم واحد لمعنيين مختلفين. # وهذا خلاف حادث لا يلتفت إليه، لان الظاهر من مذهب أهل اللغة خلافه. # ويدخل على الجمل (3) حروف تغير معانيها وتحدث فيها فوائد لم تكن قبل # PageV01P031 # ذلك وهي كثيرة قد ذكرها أهل اللغة ولا نحتاج إلى ذكر جميعها، ونحن نذكر ~~منها ما له تعلق بهذا الباب. # فمنها: (الواو) فذهب قوم إلى انها توجب الترتيب، وهو المحكى عن الفراء ~~وأبى عبيدة، واحتج كثير من الفقهاء به (1). # والصحيح انها لا تفيد الترتيب بمقتضى اللغة (2)، ولا يمتنع أن يقال انها ~~تفيد ذلك بعرف الشرع، بدلالة ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه ~~قال لمن خطب فقال: (من يطع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقد هدى ~~ومن يعصهما فقد غوى) " بئس خطيب القوم أنت " فقال: يا رسول الله، كيف أقول؟ ~~فقال عليه السلام قل: " ومن يعص الله ورسوله فقد غوى " (3). # فلولا الترتيب لما كان لهذا الكلام ms015 معنى، ولكان يفيد قوله: " ومن يعصهما ~~ما أفاد " ومن يعص الله ورسوله " عند من قال بأنها تفيد الجمع، وقد علمنا ~~خلاف ذلك. # ومنها ان القائل إذا قال لزوجته التي لم يدخل بها " أنت طالق وطالق "، لا # PageV01P032 # خلاف بين الفقهاء انه لا يقع الا طلقة واحدة (1)، فلو كانت الواو تفيد ~~الجمع لجرى مجرى قوله: (أنت طالق تطليقتين) (2). وقد علمنا خلاف ذلك. # وقال قوم (3): ان الواو تفيد الجمع والاشتراك (4) * وهو الظاهر في اللغة ~~نحو قولهم: " رأيت زيدا وعمرا " ومعناه رأيتهما، وتستعمل بمعنى استئناف ~~جملة من الكلام، وان لم تكن معطوفة على الأول في الحكم نحو قوله تعالى: " ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به " (5) على قول من قال إن المراد به ~~الاخبار عن الراسخين بأنهم يقولون آمنا به، لا أنهم يعلمون تأويل ذلك. # وقد تستعمل بمعنى (أو)، كقوله تعالى في وصف الملائكة: " أولى أجنحة مثنى ~~وثلث ورباع " (6)، وكقوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع ~~" (7)، والمراد بذلك أو. والأشبه في ذلك أن يكون مجازا لأنه لا يطرد في كل ~~موضع. # ومنها: (الفاء) ومعناها الترتيب والتعقيب (8) *، نحو قول القائل: " رأيت ~~زيدا فعمرا، فإنه يفيد ان رؤيته له عقيب رؤيته لزيد مع أنه بعده، ولذلك ~~ادخل الفاء في جواب الشرط لما كان من حق الجزاء أن يلحق (9) بالشرط من غير ~~تراخ. وقلنا: ان قوله # PageV01P033 # تعالى: " انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " (1) ان ظاهر ~~الكلام يقتضى كون المكون عقيب كن لموضع الفاء، وهذا يوجب ان كن محدثة، لان ~~ما تقدم المحدث بوقت واحد لا يكون قديما، وذلك يدل على حدوث الكلام بالضد ~~مما يتعلقون به (2) *. # وذهب المرتضى رحمه الله إلى أنها تفيد الترتيب، وخالف في أنها تفيد ~~التعقيب من غير تراخ، بل قال: ذلك موقوف على الدليل ويجب التوقف فيه، وخالف ~~في جميع ما يمثل به في هذا الباب. # وأما (ثم): فإنها تفيد الترتيب والتراخي، فهي مشاركة للفاء في الترتيب ~~وتضادها في التراخي. وقد استعملت (ثم) بمعنى (الواو) في قوله ms016 تعالى: " ~~فالينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون " (3) لان معناه والله شهيد، ~~وذلك مجاز. # وأما (بعد): فإنها تفيد الترتيب من غير تراخ ولا تعقيب. # وأما (إلى) فهي للحد، وقد يدخل الحد في المحدود تارة، وتارة لا يدخل، فهو ~~موقوف على الدليل، وان كان الأقوى انه لا يدخل فيه. # وأما (من): فلها (4) أربعة أقسام: # أحدها: التبعيض، نحو قولهم: (أكلت من الخبز واللحم)، يعنى أكلت بعضهما، ~~ونحو قولهم: (هذا باب من حديد، وخاتم من فضة) لان المراد به أنه من هذا ~~الجنس. # وثانيها: معنى ابتداء الغاية، نحو قولهم: (هذا الكتاب من فلان إلى فلان)، ~~أي # PageV01P034 # ابتداء غايته منه، وعلى هذا حمل قوله تعالى: " نودي من شاطئ الواد الأيمن ~~في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى " (1) فان (2) معناه ان ابتداء ~~النداء كان من الشجرة، فذلك دليل على حدوث النداء. # وثالثها: أن تكون زائدة مثل قولهم: (ما جائني من أحد) معناه ما جائني ~~أحد. # ورابعها: أن تبين تبيين الصفة، نحو قوله تعالى: " فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان " (3) معناه فاجتنبوا (4) الرجس الذي هو الأوثان، ذكر ذلك أبو على ~~الفارسي النحوي (5). # وقال بعضهم: ان معناها في جميع المواضع ابتداء الغاية، وأنكر ما عدا ذلك ~~من الأقسام وأما (الباء): فتستعمل على وجهين: # أحدهما: التبعيض، وهو إذا استعملت في موضع الذي (6) يتعدى الفعل إلى ~~المفعول به بنفسه، ولأجل هذا قلنا ان قوله تعالى: " وامسحوا برؤوسكم " (7) ~~يقتضى المسح ببعض الرأس، لأنه لو كان المراد مسح الرأس كله لقال: (امسحوا ~~رؤوسكم) لان الفعل يتعدى بنفسه إلى الرؤس. # والثاني: أن تكون للالصاق، وهو إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول بنفسه # PageV01P035 # مثل قولهم: (مررت بزيد)، لأنه لو قال: (مررت زيدا) لم يكن كاملا. # وأما (أو): فالأصل فيها التخيير كقولهم: (جالس الحسن أو ابن سيرين). وعلى ~~هذا حملت آية الكفارة (1). # وتستعمل بمعنى الشك، كقول القائل: (أكلت كذا أو كذا)، ورأيت فلانا أو ~~فلانا، الا أن هذا القسم لا يجوز في كلام الله تعالى. # وقد تستعمل بمعنى (الواو) كما قال تعالى: " وأرسلناه ms017 إلى مائة ألف أو ~~يزيدون " (2) وانما أراد به ويزيدون. # وقد تستعمل بمعنى الابهام، مثل قول القائل: (فعلت كذا وكذا) إذا كان ~~عالما بما فعله، وانما يريد ابهامه على المخاطب به. # وأما (في): فإنها تفيد الظرف نحو قولهم: (زيد في الدار)، وان استعملت في ~~غير ذلك (الموضع) (3) فعلى ضرب من المجاز. # وإذ قد بينا ان الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز فلا بد من اثباته، لان في ~~الناس من دفع أن يكون في الكلام مجاز أصلا (4). وهذا قول شاذ لا يلتفت ~~إليه، لان من # PageV01P036 # المعلوم من دين أهل اللغة ان استعمالهم لفظة الحمار في البليد، والأسد في ~~الشجاع مجاز دون الحقيقة. # وكذا قوله تعالى: " ان الذين يؤذون الله " (1) بمعنى يؤذون أولياء الله، ~~" و: جاء ربك " (2) بمعنى جاء أمر ربك، وقوله: " واسئل القرية " (3) بمعنى ~~أهل القرية، ان كل ذلك مجاز. # فان دفع ذلك استعمالا، فما ذكرناه دلالة عليه. # وان قال: لا أدفعه استعمالا الا أنى أقول إنه حقيقة، كان مخالفا لاستعمال ~~أهل اللغة واطلاقهم، ويحتج عليه بالرجوع إلى الكتب المصنفة في المجاز (4). # والوجه الذي يستعمل عليه المجاز كثير و (لا) ينضبط، وقد ذكر بعضه في ~~الكتب. # ولا يجوز أن يكون مجاز ولا حقيقة له، وانما قلنا ذلك لما بيناه من أن ~~المجاز هو ما استعمل في غير ما وضع له، وإذا لم يكن له حقيقة لم يثبت هذا ~~المعنى فيه. ويجوز # PageV01P037 # أن تكون حقيقة ولا مجاز لها. # ومن حق الحقيقة أن يعلم المراد بها بظاهرها، ومن حق المجاز أن يعلم ~~المراد به بدليل غير الظاهر، والله تعالى قد خاطب بالمجاز كما خاطب ~~بالحقيقة، وكذلك الرسول عليه وآله السلام، ومن دفع ذلك لا يلتفت إلى قوله، ~~وليس ذلك بمؤدى إلى الحاجة، لان الله تعالى استعمل ذلك على عادة العرب في ~~خطابها في استعمال الحقيقة والمجاز، كما استعمل الإطالة تارة والايجاز ~~أخرى، كما استعملت هي، فإذا جاز أحدهما جاز الاخر. # فأما لفظ الاستعارة فالأولى أن لا يطلق على كلام الله تعالى من حيث (1) ~~يوهم ان ms018 فاعلها استعارها لحاجة، وان أريد بذلك ما ذكره بعضهم من أن المخاطب ~~بتلك اللغة يقتضى حسن استعمالها في المجاز كحسن ذلك في الحقيقة فعلى هذا لا ~~يمتنع اطلاق هذه اللفظة على كلام الله تعالى. فإذا (2) ثبت ان الله تعالى ~~خاطب بالحقيقة والمجاز معا فلا بد من أن يدل على الفصل بينهما، والا أدى ~~إلى تكليف ما لا يطاق، كما لا بد من أن يدل على الفصل بين الألفاظ المختلفة ~~لتعرف معانيها. # والفصل بين الحقيقة والمجاز يقع من وجوه: # منها: أن يوجد نص من أهل اللغة، أو دلالة على أنه مجاز. # ومنها: أن يعلم بأنهم وضعوا تلك اللفظة لشئ ثم استعملوها في غيره (3) على ~~وجه التشبيه. # ومنها: أن يعلم أنها تطرد (4) في موضع، ولا تطرد في آخر، ولا مانع فيعلم ~~انها مجاز في الموضع الذي لا تطرد فيه. وانما شرطنا المانع لان الحقيقة قد ~~لا تطرد لمانع # PageV01P038 # عرفي أو شرعي، ألا ترى ان لفظة (الدابة) ووضعت في الأصل لكل ما دب، ثم ~~اختصت في العرف بشئ (1) بعينه، وكذلك لفظة (الصلاة) في الأصل للدعاء، ثم ~~اختصت في الشرع بأفعال بعينها، وكذلك لفظة (النكاح) وما جرى مجرى ذلك، ~~فيعلم أنه حقيقة وان لم تطرد، لما بيناه من العرف والشرع. # ومنها: أن يعلم أن للفظه حكما وتصرفا من اشتقاق، أو تثنية، أو جمع، أو ~~تعلق بالغير (2) *، فإذا استعملت في موضع هذه الأحكام منتفية عنه علم أنه ~~مجازا، ولذلك قلنا: ان لفظة الامر حقيقة في القول ومجاز في الفعل، لان ~~الاشتقاق لا يصح في الفعل ويصح في القول. # ومنها: أن يعلم أن تعلقها بالمذكور لا يصح، فيحكم ان هناك حذفا وان اللفظ ~~مجاز ولذلك قلنا إن قوله: " واسئل القرية " (3) مجاز، وكذلك قوله: " إلى ~~ربها ناظرة " (4) على أحد التأويلات. # ومنها: أن يستعمل في الشئ من حيث كان جزاءا لغيره، نحو قوله تعالى: # " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (5) لان الجزاء في الحقيقة لا يكون سيئة، ~~ولهذا قال أهل اللغة الجزاء بالجزاء، ومعلوم ان الأول ليس جزاء، ولذلك ~~نظائر ms019 كثيرة. # ومنها: ان يستعمل في الشئ لأنه يفضى إلى غيره كقولهم: (حضره الموت) (6) * ~~إذا خيف عليه من مرضه، ونحو قولنا: ان النكاح اسم للوطء، حقيقة ومجاز في ~~العقد لأنه موصل إليه، وان كان بعرف الشرع قد اختص بالعقد كلفظة (الصلاة) ~~وغيرها. # PageV01P039 # وقد يستعمل اللفظ في الشئ لأنه مجاور لغيره، أو هو منه بسبب. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب فإنها تنبه على ما عداها وقد انتقلت ~~أسماء كثيرة مما كانت عليه في اللغة إلى العرف تارة وإلى الشرع (1) أخرى، ~~فما انتقل منه إلى العرف نحو قولنا: (دابة) و (غائط) فان هذا وان كان اسما ~~في اللغة لكل ما يدب و للمكان المطمئن من الأرض منه، صار في العرف عبارة عن ~~حيوان مخصوص وحدث مخصوص، ونظائر ذلك كثيرة لا فائدة في ذكر جميعها وانما ~~أردنا المثال. # واما ما انتقل منه إلى الشرع فنحو قولنا: (الصلاة) فإنها في اللغة موضوعة ~~للدعاء، وقد صارت في الشريعة عبارة عن أفعال مخصوصة، وكذلك (الزكاة) في ~~اللغة عبارة عن النمو، وفي الشريعة عبارة عن أخذ شئ مخصوص، ونظائر ذلك ~~كثيرة. واما لفظة (الايمان) فعند قوم انها منتقلة، وعند آخرين انها على ما ~~كانت عليه (2)، وليس هذا الكتاب موضوعا لأعيان الأسماء التي انتقلت والتي ~~لم تنتقل فان شرح ذلك يطول، وانما كان غرضنا أن نبين ثبوت ذلك. # والسبب في استعمال ذلك أنه حدثت أحكام في الشريعة لم تكن معروفة في ~~اللغة، فلا بد من العبارة عنها، فلا فرق بين أن توضع لها عبارة مبتدأة لا ~~تعرف، وبين أن ينقل بعض الأسماء المستعملة في غير ذلك، كما أن من يرزق ولدا ~~يجوز له أن يضع له اسما لا يعرف، ويجوز أن ينقل بعض الأسماء المستعملة ~~إليه، الا أن (3) الامر وان كان على ما قلناه، فمتى نقل الاسم من مقتضى ~~اللغة إلى شئ لا يعرف فيها لا يكون المتكلم به متكلما باللغة، بل يكون ~~متكلما بالشرع، وان سمى متكلما باللغة يكون مجازا من حيث إنه استعمل ما ~~كانوا استعملوه، ms020 وان كان قد استعملوه في غير ذلك. # ومتى لم نقل ذلك لزم أن يكون من تكلم باللغة المعروفة ووافق بعض أسمائها ~~أسماء # PageV01P040 # العجم أن يكون متكلما بالعجمية، وذلك لا يقوله أحد. فعلم أن الصحيح ما ~~قلناه. # وإذا ثبتت هذه الجملة، فمتى ورد خطاب من الله تعالى أو من الرسول عليه ~~السلام (1) نظر فيه، فان كان استعماله في اللغة والعرف، والشرع سواء، حمل ~~على مقتضى اللغة، وان كان له حقيقة في اللغة، وصار في العرف حقيقة في غيره ~~وجب حمله على ما تعورف في العرف، وكذلك ان كان له حقيقة في اللغة أو العرف ~~وقد صار بالشرع (2) حقيقة لغيره (3)، وجب حمله على ما يعرف (4) بالشرع (5)، ~~وكذلك إذا (6) كانت اللفظة منتقلة عن اللغة إلى العرف ثم استعملت في الشرع ~~على خلاف العرف، وجب حملها على ما تقرر في الشرع، لان خطاب الله تعالى ~~وخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينبغي أن يحملا على ما تقتضيه ~~الشريعة، لأنه المستفاد من هاتين الجهتين. ومتى نقل الله تعالى أو رسوله ~~عليه وآله السلام اسما من اللغة إلى الشرع وجب عليه أن يبينه لمن هو مخاطب ~~به (7) * دون من لم يخاطب به، لان من ليس بمخاطب به لا يجب بيانه له، ولأجل ~~هذا لا يجب أن يبين الله تعالى لنا مراده بالكتب السالفة لما لم نكن ~~مخاطبين بها، وهذا وإن لم يجب فإنه يحسن أن يبين لغير المخاطب كما يبين ~~الله تعالى أحكام الحيض لمن ليس هو مخاطب بها من الرجال، وذلك جائز غير ~~واجب على ما قلناه، وانما قلنا ذلك لأنه كما يجب أن يقدر من ليس بمخاطب به، ~~فكذلك لا يجب أن يعلمه لان القدرة آكد من العلم، لان الفعل يستحيل من دونها ~~أصلا، فإذا لم تجب القدرة فكذلك لا يجب العلم على ما بيناه. # PageV01P041 # فصل NoteV01P042N05 (في ذكر ما يجب معرفته من صفات الله تعالى، وصفات ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفات الأئمة عليهم السلام حتى يصح معرفة ~~مرادهم) اعلم أنه ms021 لا يمكن معرفة المراد بخطاب الله تعالى الا بعد ثبوت ~~العلم بأشياء: # منها: أن يعلم أن الخطاب خطاب له، لأنا متى لم نعلم أنه خطاب له لم يمكنا ~~أن نستدل على معرفة مراده. # ومنها: أن نعلم أنه لا يجوز أن لا يفيد بخطابه شيئا أصلا (1) *. # ومنها: أن نعلم أنه لا يجوز أن يخاطب (2) بخطابه على وجه يقبح. # ومنها: أنه لا يجوز أن يريد بخطابه غير ما وضع له ولا يدل عليه. # فمتى حصلت هذه العلوم صح الاستدلال بخطابه على مراده، ومتى لم يحصل ~~جميعها، أو لم يحصل بعضها لم يصح ذلك، ولذلك ألزمنا المجبرة (3) * الا (4) ~~* # PageV01P042 # يعرفوا بخطابه شيئا ولا مراده أصلا من حيث جوزوا على الله تعالى القبائح. # ولشرح هذه الأشياء موضع غير هذا يحتمل أن نبسط الكلام فيه، غير انا نشير ~~إلى جمل منه موصلة إلى العلم. # انما قلنا: أنه لا يجوز أن يخاطب ولا يفيد بخطابه شيئا أصلا، لان ذلك عبث ~~لا فائدة فيه، تعالى الله عن ذلك. # وليس لاحد أن يقول: يجوز أن لا يفيد بخطابه شيئا أصلا ويكون وجه حسنه ~~المصلحة، لان ذلك يؤدى إلى أن لا يكون طريق إلى معرفة المراد بخطابه أصلا ~~(1) *، لأنه لا خطاب الا وذلك مجوز فيه وذلك فاسد، فجرى ذلك مجرى المعجزات ~~الدالة على نبوة الأنبياء عليهم السلام في أنه لا يجوز أن تفعل للمصلحة (2) ~~* دون التصديق (3)، لان ذلك يؤدى إلى انسداد الطريق علينا من الفرق بين ~~الصادق والكاذب، ولأجل ذلك قلنا: أنه لا يجوز فعل المعجز الا للتصديق (4) * ~~فكذلك القول # PageV01P043 # في الخطاب: انه لا يجوز أن يصدر منه الا للإفادة. # وليس لهم أن يقولوا: أنه تعبد بتلاوته (1)، وذلك لا يمكن الا بخطاب آخر، ~~والكلام في ذلك الخطاب كالكلام فيه. # وذلك يؤدي إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، على أن التعبد بتلاوة ما لا ~~يفهم عبث، لأنه يجرى مجرى التعبد بالتصويب من الصراخ. # ولأن التعبد به انما يجوز إذا كان للمتعبد به طريق إلى معرفة مراده ~~فيدعوه ذلك إلى فعل ms022 الواجب، أو يصرفه عن فعل القبيح، فأما إذا لم يكن كذلك ~~فلا تحسن العبادة بالتلاوة. # أيضا: فلو كان لمجرد التلاوة لم يحسن أن يجعل بعضه أمرا، وبعضه نهيا، ~~وبعضه خبرا، وبعضه وعدا، وبعضه وعيدا، ولا أن يكون خطابا لقوم بأولى من أن ~~يكون خطابا لغيرهم، وكل ذلك يبين انه لا يحسن لما قالوه. # فأما الذي يدل على أنه لا يجوز أن يخاطب على وجه يقبح ما ثبت من كونه ~~عالما بقبحه، ومن انه غنى عنه، ومن هذه صفته لا يجوز أن يفعل القبيح، ألا ~~ترى أن من علم أنه إذا صدق توصل إلى مراده، وكذلك إذا كذب وصل إليه على حد ~~ما كان يفعل إليه لو صدق من غير زيادة لم يجز أن يختار الكذب على الصدق، ~~ولا وجه في ذلك إلا لعلمه بقبح الكذب، وبأنه غنى عنه بالصدق، فكذلك القديم ~~تعالى. # وأما الذي يدل على أنه لا يجوز أن يريد بخطابه غير ما وضع له ولا يدل ~~عليه، فان ذلك يؤدى إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، لأنه لا خطاب الا ~~وذلك يجوز فيه، ولا يمكن أن يدعى العلم بقصده ضرورة في بعض خطابه، لان ذلك ~~يمنع من التكليف وليس لهم أن يقولوا: انه يؤكد ذلك الخطاب فيعلم به مراده، ~~وان كان هذا عاريا منه # PageV01P044 # لان التأكيد أيضا خطاب فيلزم فيه ما لزم في المؤكد، وأن يكون فعل لمثل ما ~~فعل له المؤكد. [زيادة من الأصل....... نفسه، وذلك يؤدي إلى ما قلناه. # ولا لهم أن يقولوا: إنه يخاطبه بخطاب لا يحتمل أصلا، لأنه لا خطاب إلا ~~ويمكن أن يراد به غير ظاهره على وجه التجوز، فإذا جوز أن لا يدل عليه لزم ~~أن لا نفهم بخطابه شيئا أصلا، ولا يلزمنا ذلك فيما نقوله في الأسماء ~~المنقولة إلى الشرع، لأنه قد دللنا على المراد بجميع ذلك، ففارق ذلك ما ~~قالوه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب، لان شرح ذلك يطول ويخرج عن بغية الكتاب. # وإذا ثبت ما قلناه، فمتى ms023 ورد خطاب من الله تعالى وجب حمله على ظاهره فيما ~~تقتضيه اللغة، إلا أن يدل دليل على خلافه. # وأما معرفة مراد الرسول عليه وآله السلام بخطابه فيكون على ضربين: # أحدهما: لمن يشاهده ويضطر إلى قصده بخطابه، فمن هذه صفته أغناه علمه ~~بقصده، ومراده عن اعتبار صفاته. # أما من غاب عنه، ولا يعلم قصده ضرورة، فلا يصح أن يعرف مراده إلا بعد ~~العلم ما شاء. # منها: أن نعلم أنه لا يجوز أن يكذب فيما يؤديه عن الله تعالى. # ومنها: أنه لا يجوز أن يكتم ما يجب أداؤه. # ومنها: أنه لا يؤدي على وجه يقتضي التفسير عنه فيم حصلت له عدة علوم، صح ~~أن يعلم بخطابه مراده. ومتى لم تحصل له لم يصح ذلك. # ولم نذكر في جملة هذه الأقسام العلم بنبوته، لان الكلام في خطاب من ثبت ~~نبوته، دون من لم تثبت نبوته، فذلك خارج عن هذا. # وإنما شرطنا هذه العلوم، لان العلم المعجز إذا دل على صدقه أنه رسول الله ~~- صلى الله عليه وآله - دل على أنه صادق فيما يؤديه عن الله تعالى، لأنه لا ~~يجوز أن يعلمه صادقا في أنه رسول الله صلى الله عليه وآله ويجوز أن يكذب ~~فيما بلغ، لان ذلك يوجب أن يكون الله تعالى أرسله مع علمه أنه لا يؤدي ما ~~حمله من الرسالة على PageV01P045 # وجهها أو يكذب عليه فيها، وهذا لا يجوز لان ذلك مناقضة للغرض يتعالى الله ~~عن ذلك. # وقد أجمعت الأمة على هذا القسم، وأنه لا يجوز على النبي صلى الله عليه ~~وآله الكذب فيما يؤديه عن الله تعالى، فيمكن الاعتماد عليه أيضا. # وإذا ثبت كونه صادقا، دل على أن أوامره أوامر محسن، ونواهيه عن قبيح، ~~لأنهما في المعنى بمعنى الخبر، فلو لم يكونا كذلك لكانا كذبين، وقد بينا ~~خلاف ذلك. # وأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله تعالى، فلا يجوز عليه لأنه يقتضي ~~التنفير عن قبول قوله، وذلك لا يجوز. # وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكتم عنا ما أمر ms024 بأدائه إلينا، لأنه لو جاز ~~ذلك لأدى إلى أن لا يكون لنا طريق يعرف به مصالحنا، فلا يجوز من الحكيم ~~تعالى أن يبعث رسولا غرضه أن يعرفنا مصالحنا، وهو يعلم أنه لا يؤدينا. # ولا يمكن أن يقال: أنه يجوز عليه الكتمان إلا أنه يبعث نبيا آخر فيؤدي ~~به. # لان الكلام في ذلك النبي كالكلام فيه في أنه يجوز عليه أن يكتم عنا ولا ~~يبين ما يجب بيانه، وفي ذلك ما قلناه. # ولا يلزم على ذلك وجوب البيان قبل الحاجة، لان قبل الحاجة ليس يجب عليه ~~تعريفنا في ذلك الحال. # فلو قيل: لو خوف بالقتل عند الحاجة إلى الفعل كان يجوز أن لا يؤدي أم لا؟ # قيل له: إذا دفع إلى ما قدر في السؤال لم يخل حاله من أمرين: # أحدهما: أن يكون الذي يجب أن يبينه وهو صفة ذلك الشئ فقط، وما عدا ذلك قد ~~بينه. # [الثاني] (1): أو لم يجب بيانه عليه على وجه، فإن كان كذلك وجب عليه ~~بيانه وإن قتل دونه. ولا يجوز أن يكتم لان في كتمانه ما قدمنا ذكره. # ولا يلزم على ذلك وجوب إظهار الايمان على المكره على الكفر، لان ذلك لا # PageV01P046 # يتعداه، ففارق حاله حال ما قلناه. # وإن كان مما يلزمه بيان أشياء أخرى في المستقبل ولا يكون في معلوم الله ~~تعالى من يقوم مقامه: فإن الله تعالى يمنع منه ولا يمكن من قبله، فسقط ~~الاعتراض. # وإنما قلناه: إنه لا يجوز أن يؤدي على وجه لا يمكن معرفة مراده، لأنه متى ~~أدى على هذا الوجه لم يمكنا أن نعلم ما هو مصلحة لنا، وذلك بشرائط حسن ~~التكليف..... نهاية الزيادة في الأصل] (1) وليس يمكن أن يقال: انه وان لم ~~نعلم مراده في الحال، فإنه يمكن أن نعلم مراده في المستقبل ضرورة بأن نضطر ~~إلى قصده، لان ذلك لا يخلو اما أن يكون وقت الحاجة إلى ما تضمنه الخطاب، أو ~~لا يكون كذلك فان كان وقت الحاجة فإنه يؤدي إلى ما قلناه. وان لم يكن وقت ms025 ~~الحاجة فلا يجوز أيضا، لان فيه التنفير عن قبول قوله، لأنه متى جوز عليه ~~التعمية والألغاز في كلامه - وان أمكن معرفة المراد في الحالة الأخرى - نفر ~~ذلك عن قبول قوله حالة أخرى، ولا يقبح هذا الوجه للأول بل لما قلناه (2). # فأما ما لا تعلق له بالشريعة فيجوز أن يعمى فيه من مصالحه الدنياوية، ~~وعلى هذا يتأول قوله عليه السلام لما سأله الأعرابي في مسيره إلى بدر: مم ~~أنتم؟ قال مما تورى في نفسه ولم يصرح (3) (4) *، وذلك لا يجوز في الشرعيات، ~~وليس هذا من جواز # PageV01P047 # تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب في شئ على ما نذهب إليه، لان المجمل له ~~ظاهر مقصود مستفاد، ففارق ذلك حال المعمى الذي يوهم (1) به شئ على حال. # وانما قلنا: انه لا يجوز أن يؤدى إلينا على وجه يقتضى التنفير، لان الغرض ~~في بعثه إذا كان القبول منه فما أدى إلى التنفير عن ذلك يجب أن يجنب، ولأجل ~~ما قلناه جنبه الله تعالى الفظاظة والغلظة وفعل القبائح، لما في ذلك من ~~التنفير. # فإذا ثبتت الجملة التي ذكرناها، فمتى ورد من الرسول خطاب، وجب حمله على ~~ظاهره، الا أن يدل دليل على أن المراد به غير ظاهره فيحمل عليه، وعلى هذا ~~يعلم مراد الرسول وأما ما يجب أن يكون الامام - عليه الاسلام - عليه حتى ~~يصح أن يعلم مراده بخطابه فيما لا يعلم الا من جهته، فجميع الشرائط التي ~~شرطناها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من أن تكون حاصلة في ~~الامام، فالطريقة فيهما واحدة فلا معنى لإعادة القول فيه. # PageV01P048 # فصل NoteV01P049N06 (في ذكر الوجه الذي يجب أن يحمل عليه مراد الله ~~بخطابه) إذا ورد خطاب عن الله تعالى، فلا يخلو من أن يكون محتملا أو غير ~~محتمل، فان كان غير محتمل، بأن يكون خاصا أو عاما وجب أن نحمله على ما ~~يقتضيه ظاهره، الا أن يدل على أنه أراد به غير ظاهره دليل، فيحمل عليه. فان ~~دل دليل على أنه أراد بالخاص غيره (1) * وجب ms026 حمله على ما دل عليه، وإن دل ~~على أنه لم يرد الخاص نظر فيه، فان كان ذلك الخاص مما لا يتسع الا في وجه ~~واحد، وجب أن يحمل على أنه مراد به، والا أدى ذلك إلى أن يكون ما أراد ~~بالخطاب شيئا أصلا. وان كان ذلك مما لا يتسع به في وجوه كثيرة وجب التوقف ~~فيه، ولا يقطع على أنه أريد به البعض لعدم الدليل، ولا أنه أريد به الجميع ~~لأنه لا دليل أيضا عليه. # وهذا أولى مما قاله قوم: من أنه يجب حمله على أنه أريد به جميع تلك ~~الوجوه لأنه لا يمتنع أن يكون أراد بعض تلك الوجوه وأخر بيانه إلى وقت ~~الحاجة على ما نذهب إليه في جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. # PageV01P049 # وقولهم: (إنه لو أراد به بعض الوجوه لبينه) ينعكس عليهم بأن يقال: ولو ~~أراد به جميع الوجوه لبينه، وليس أحد القولين أولى من الاخر، فالأولى ~~الوقف. # فان فرضنا ان الوقت وقت الحاجة ولم يبين المراد من تلك الوجوه، وجب حمله ~~على جميعه لأنه ليس حمله على بعضه بأولى من بعض فان دل الدليل على أنه أراد ~~بعض تلك الوجوه وجب حمله عليه والقطع على أنه لم يرد غيره، لأنه لا ظاهر ~~هناك يمكن حمله على جميعه بخلاف ما نقوله في العموم، أو ماله ظاهر. ومتى دل ~~(1) على أنه أراد به الخاص وغيره، وجب القطع على أنه أراد الخاص باللفظ، ~~وما عداه مراد بدليل، وذلك نحو قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء " (2) الآية، فإنه قد علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مراد ~~باللفظ، ومن عداه من الأمة مراد بدليل. # وأما العام: فإذا ورد ينبغي حمله على ظاهره، فان دل الدليل على أنه أراد ~~غير ما اقتضاه الظاهر وجب حمله عليه، وان دل الدليل على أنه أراد جميع تلك ~~الأشياء وجب حمله عليها (3). # وان دل الدليل على أنه ما أراد به بعضها، وجب القطع على أنه مراد، وما ~~عداه يتوقف فيه، ms027 لان كون أحدها مراد لا يمنع من أن يريد به الاخر، على ما ~~سنبينه فيما بعد (4). # وان دل الدليل على أنه لم يرد أحدهما، وكان اللفظ مشتركا بين شيئين وجب ~~القطع على أنه أراد به الاخر، والا خلا الخطاب من أن يكون أريد به شئ أصلا. # PageV01P050 # وان كان مشتركا بين أشياء قطع على أنه لم يرد ما خصه بأنه غير مراد، ~~وتوقف في الباقي وانتظر البيان. # ومتى كان اللفظ مشتركا ولم يقرن به دلالة أصلا وكان مطلقا وجب التوقف فيه ~~وانتظار (1) البيان لأنه ليس بأن يحمل على بعضه بأولى من أن يحمل على ~~جميعه، وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز. # فان كان الوقت وقت الحاجة وأطلق اللفظ، وجب حمله على جميعه لأنه ليس بأن ~~يحمل على بعضه بأولى من بعض، ولو كان أراد بعضه لبينه، لان الوقت وقت ~~الحاجة. # وهذا الذي ذكرناه أولى مما ذهب إليه قوم من أنه إذا أطلق اللفظ وجب حمله ~~على جميعه على كل حال (2) *، لأنه لو أراد بعضه لبينه لان لقائل (3) أن ~~يقول: # لو أراد الجميع لبينه فيجب حمله على بعضه، ويتعارض القولان ويسقطان. # وانما حملهم على هذا قولهم: ان تأخير بيان المجمل لا يجوز عن وقت الخطاب ~~وعندنا ان ذلك جائز على ما نستدل (4) عليه فيما بعد فمتى كان الوقت وقت ~~الحاجة وجب حمل اللفظ على أنه أراد به الجميع، ثم ينظر فيه فان أمكن الجمع ~~بينها وجب القطع على أنه أراد ذلك عن طريق الجمع بينها، وان لم يمكن الجمع ~~بينها وجب القطع على أنه أراد به الجميع على وجه التخيير. # وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يريد من كل مكلف ما يؤديه اجتهاده إليه. # وهذا يتم لمن قال: ان كل مجتهد مصيب، وعندنا ان ذلك باطل، فلا وجه غير ~~التخيير وعلى هذا ينبغي ان تحمل القرائتين المختلفتا (5) المعنى إذا لم يكن ~~هناك # PageV01P051 # دليل على أنه أراد أحدهما، وكذلك القول في الخبرين المتعارضين إذا لم يكن ~~هناك ما يرجح به أحدهما على الاخر، ms028 ولا ما يقتضى نسخ أحدهما للاخر من ~~التاريخ. # وهذا الذي ذكرناه كله فيما يصح أن يراد باللفظ الواحد (1) *. # فأما ما لا يصح أن يراد باللفظ الواحد، فإنه لا بد فيه من اقتران بيان ~~به، لان الوقت وقت الحاجة على ما فرضناه. # ومتى كان اللفظ شرعيا منقولا مما كان عليه في اللغة، وجب حمله على ما ~~تقرر في الشرع، فان دل الدليل على أنه لم يرد به ما وضع له في الشرع نظر ~~فيما عداه، فان كانت (2) الوجوه التي يمكن حمل الخطاب عليها محصورة، وكان ~~الوقت وقت الحاجة وجب حمله على جميعها لأنه ليس حمله على بعضها بأولى من ~~حمله على جميعها ولو كان المراد بعضها لبينه لان الوقت وقت الحاجة. # وان لم يكن الوقت وقت الحاجة، توقف في ذلك إلى أن يراد البيان حسب ما ~~قدمناه في الألفاظ المشتركة سواء. # وان دل الدليل على أنه أراد بعض تلك الوجوه، لم يكن ذلك مانعا من أن يراد ~~به الوجوه الاخر، فان كان الوقت وقت الحاجة وجب حمله على أن المراد به ~~جميعه، وان لم يكن وقت الحاجة يوقف (3) على البيان على ما بيناه. # فاما كيفية المراد باللفظ الواحد للمعاني المختلفة، فالذي ينبغي أن يحصل ~~في ذلك أن نقول: لا يخلو اللفظ من أن يكون يتناول الأشياء على الحقيقة، ~~ويفيد في جميعها معنى واحدا، أو يفيد في كل واحد منها خلاف ما يفيده في ~~الاخر: # فان كان الأول فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يجوز أن يراد باللفظ ذلك ~~(4) * كله. # PageV01P052 # وان كان القسم الثاني فقد اختلف العلماء في ذلك: # فذهب أبو هاشم (1)، وأبو عبد الله (2) ومن تبعهما (3) إلى أنه لا يجوز أن ~~يراد المعنيان المختلفان بلفظ واحد فان دل الدليل على أنه أرادهما جميعا ~~قالوا لا بد من أن نفرض انه تكلم باللفظ مرتين أراد كل مرة منهما معنى ~~واحدا، وعلى هذا حملوا آية القرء بأن قالوا: لما دل الدليل على أنه أرادهما ~~جميعا بحسب ما يؤدى اجتهاد المجتهد (4) * إليه علمنا ms029 أنه تكلم بالآية ~~مرتين، ثم أنزله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا (5) في الحقيقة ~~والمجاز والكناية (6) *، والصريح مثل ذلك، وقالوا: لا يجوز (7) * أن يريد ~~بقوله: " أو لامستم النساء " (8) الجماع، واللمس باليد وبقوله: # PageV01P053 # " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (1) العقد والوطء. # وقال: لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد الاقتصار على الشئ وتجاوزه وقال في ~~قوله تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " (2) ولا يجوز ان يريد به الغسل ~~والوضوء. # وقال أيضا: لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد نفى الاجزاء والكمال. # وقال: في قوله عليه السلام (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) (3) لا ينبئ عن ~~نفى الاجزاء، وانه إذا جاز أن يريد به نفي الاجزاء ونفى الكمال، وثبت ان ~~كليهما لا يصح أن يراد بعبارة واحدة، فيجب أن لا يدل الظاهر على نفى ~~الاجزاء. # وقال: يصح أن يريد عز وجل بقوله: " فلم تجدوا ماءا فتيمموا " (4) الماء ~~والنبيذ، لأنهما يتفقان فيما يفيده هذا الاسم، وان كان أحدهما شرعيا والاخر ~~لغويا. # وقال: قولنا بان النص الدال على أن الفخذ عورة، المراد به الفخذ والركبة ~~لا ينقض هذا، لان ذلك علمناه بغير اللفظ بل بدليل آخر. # واعتل في ذلك بأن قال: لا يصح أن يقصد المعبر باللفظ الواحد استعماله ~~فيما وضع له، والعدول به عن ذلك فكذلك لم يصح أن يريد باللفظ الواحد ~~الحقيقة والمجاز وذكر ان تعذر ذلك معلوم لنا، وان الواحد منا إذا قصده لم ~~يصح منه فدل على أن جميع ذلك غير صحيح (5). # وذهب أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد (6) إلى: أنه (يجب أن تعتبر العبارة، # PageV01P054 # ويعتبر ما به صارت عبارة عنه فان كانت مشتركة بين الشيئين المختلفين، ~~فمتى (1) أراد أحدهما لم يصح ان يريد الشئ (2) الاخر، ويستحيل ذلك فيه قطع ~~به. # وان لم يمنع من ذلك جوز أن يراد به المعنيان معا، لأنه إذا كان المخاطب ~~يصح أن يريد كل واحد منهما بالعبارة، ولا مانع يمنع من أن يريدهما جميعا، ~~فيجب أن يصح أن يريدهما معا. # قال: وقد علمنا أن القائل إذا قال ms030 لصاحبه (لا تنكح ما نكح أبوك) يصح أن ~~يريد بذلك العقد والوطء وارادته لاحد الامرين لا يمنع من ارادته للاخر. # وانما قلنا: انه لا يجوز أن يريد بلفظ الامر، الامر والتهديد، لان ما به ~~يصير أمرا وهي إرادة المأمور به يضاد ما به يصير تهديدا وهي كراهته (3) ~~ويستحيل أن يريد الشئ الواحد، في الوقت الواحد، على وجه واحد، من مكلف ~~واحد، ويكرهه على هذه الوجوه. # وقلنا: انه لا يصح أن يريد بالعبارة الاقتصار على الشئ وتجاوزه، لأنه ~~يتنافى أن يريد الزيادة على ذلك الشئ وألا يريده ولذلك استحال ذلك. # وانما نقول: انه لا يريد بالعبارة ما لم يوضع له على وجه، لأنه لا يصح أن ~~يستعمل العبارة في الشئ الا بأن يفيده في الحقيقة أو المجاز، لا لأنه ~~يتنافى أن يريدهما جميعا لأنه يصح أن يريد بقوله: " ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله " (4) قتل النفس والاحسان إلى الناس، ولا يتنافى ذلك وانما يصح أن ~~يراد ذلك به لان العبارة لم توضع له، وإذا صح ذلك ووجدنا عبارة قد وضعت ~~لمعنيين مختلفين نحو القرء في أنه (5) موضوع للطهر والحيض لا يتنافى من ~~المخاطب أن يريدهما جميعا، فلا وجه # PageV01P055 # لإحالة القول في ذلك. وقد وضع قولنا: (النكاح) للوطء حقيقة، والعقد (1) ~~مجازا، وإرادة أحدهما لا تمنع من إرادة الاخر، فلا مانع من أن يراد جميعا ~~بالنكاح (2). # فان قيل: الذي يمنع من ذلك أنه لا يجوز استعمال العبارة فيما وضعت له ~~والعدول بها عما وضعت له في اللغة، فلذلك منعت من أن يراد جميعا بها، لان ~~ذلك يتنافى استعمالها (في ما وضعت له) (3). # قيل له: ان العبارة تستعمل فيما وضعت له إذا قصد بها إفادة ذلك، وان لم ~~يقصد المعبر إلى (4) ان يستعملها فيما وضعت له. # فان قيل: فان إرادة الوطء والعقد بهذه الكلمة يتعذر، ونجد تعذر ذلك من ~~أنفسنا، فلذلك منعت من أن يرادا جميعا بها! # قيل له: انه ان ما ادعيت تعذره نحن نجده منا مأتيا فلا معنى لتعلقك به. # هذه ألفاظه ms031 بعينها قد سقناها على ما ذكرها في كتاب (5) (العمد) (6). # وهذا المذهب (7) * أقرب إلى الصواب من مذهب أبي عبد الله (8) وأبى هاشم ~~(9)، وما ذكره سديد واقع موقعه. # والقول في الكناية والصريح يجرى أيضا على هذا المنهاج. # وقوله: " أو لامستم النساء " (10) ما كان يمتنع أن يريد به الجماع واللمس ~~باليد، # PageV01P056 # لكن علمنا بالدليل (1) * انه أراد أحدهما وهو الجماع. # وأما ما ذكره أبو عبد الله (2) من قوله عليه السلام: (لا صلاة الا بفاتحة ~~الكتاب) (3) وان ذلك لا يمكن حمله على نفى الاجزاء والكمال من حيث كان نفى ~~أحدهما يقتضى ثبوت الاخر، فليس على ما ذكره لأنه متى نفى الاجزاء، فقد نفى ~~أيضا الكمال، لأنه إذا لم يكن مجزئا كيف يثبت كونها كاملة؟ فكيف يدعى ان في ~~نفى أحدهما اثباتا للاخر؟ وكذلك إذا نفى الكمال لا يمتنع أن ينفى معه ~~الاجزاء أيضا، لأنه ليس في نفيه اثبات الاجزاء، فلا يمكن ادعاء ذلك فيه. ~~وينبغي أن يكون الكلام في ذلك مثل الكلام فيما تقدم. # وأما ما ذكره عبد الجبار (4) من أنه لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد ~~الاقتصار على الشئ وتجاوزه، لأنه يتنافى أن يريد الزيادة وألا يريدها، ~~فالذي يليق بما ذكره من المذهب الصحيح غير ذلك، وهو أن يقال: ان ذلك غير ~~ممتنع لأنه لا يمتنع أن يريد الاقتصار على الشئ ويريد أيضا ما زاد على ذلك ~~على وجه التخيير وليس بينهما تناف، وليس ذلك بأكثر من إرادة الطهر والحيض ~~باللفظ الواحد، وقد أجاز ذلك فكذلك القول في هذا. # ومتى كان اللفظ يفيد في اللغة شيئا، وفي العرف شيئا آخر، وفي الشرع شيئا ~~آخر لا يمتنع أن يريدهما معا، وكذلك القول في الحقيقة، والمجاز، والكناية، ~~والصريح. # فان قيل: إذا كان جميع ما ذكرتموه (5) * غير ممتنع أن يكون مرادا باللفظ، # PageV01P057 # فكيف الطريق إلى القطع على أن الجميع مراد بظاهره (1) * أم بدليل؟ وكيف ~~القول فيه؟. # قيل له: لا يخلو أن (2) يكون اللفظ حقيقة في الامرين، (وحقيقة في أحدهما ~~ومجازا في الاخر فان كان اللفظ حقيقة في ms032 الامرين) (3) فلا يخلو أن (4) يكون ~~وقت الخطاب وقت الحاجة إلى الفعل أو (5) لا يكون كذلك: # فان كان الوقت وقت الحاجة ولم يقترن به ما يدل على أنه أراد أحدهما، وجب ~~القطع على أنه أرادهما باللفظ وان اقترن به ما يدل على أنه أراد أحدهما، ~~قطع به وحكم بأنه لم يرد الاخر. وكذلك ان دل على أنه لم يرد أحدهما قطع على ~~أنه أراد الاخر كل ذلك باللفظ. # وان لم يكن الوقت وقت الحاجة توقف في ذلك، وجوز كل واحد من الامرين ~~وانتظر البيان على ما نذهب إليه من جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. # وان كان اللفظ حقيقة في أحدهما ومجازا في الاخر قطع على أنه أراد ~~الحقيقة، الا أن يدل دليل على أنه أراد المجاز، أو أراد الحقيقة والمجاز، ~~فيحكم بذلك. # فان دل الدليل على أنه أراد المجاز لم يمنع ذلك من أن يكون أراد الحقيقة ~~أيضا فينبغي أن يحمل عليهما الا أن يدل الدليل (6) على أنه (لم يرد الحقيقة ~~أو لا يمكن الجمع بينهما، فيحمل حينئذ على أنه) (7) * أراد المجاز لا غير ~~وكذلك ان كان اللفظ يفيد في اللغة شيئا وفي الشرع شيئا آخر، وجب القطع على ~~أنه أراد ما اقتضاه الشرع الا أن يدل دليل على أنه أراد ما وضع له في اللغة ~~أو أرادهما جميعا (7) *، # PageV01P058 # فيحكم بذلك. # وكذلك القول في الكناية والصريح، ينبغي أن يقطع على أنه أراد الصريح الا ~~أن يدل دليل على أنه أراد الكناية أو أرادهما جميعا. # هذا إذا لم يكن اللفظ حقيقة في الكناية والصريح. فاما إذا كان اللفظ ~~حقيقة فيهما على ما نذهب إليه في فحوى الخطاب ودليل الخطاب، فينبغي أن يكون ~~الحكم حكم الحقيقتين على التفصيل الذي قدمنا. # والقول في الاسم اللغوي والعرفي، أو العرفي والشرعي مثل القول في اللغوي ~~والشرعي على ما قدمنا القول فيه. # واعلم أن الدليل إذا دل على وجوب حكم من الاحكام، ثم يرد نص يتناول ذلك ~~الحكم فلا يخلو من أحد أمرين: # اما أن ms033 يتناوله حقيقة أو مجازا فان كان متناولا له حقيقة وجب القطع على ~~أنه مراد (1) * بالنص لأنه يقتضى ظاهره ولو أراد غيره لبينه فمتى لم يبين ~~وجب القطع على أنه مراد به، والا خلا اللفظ من فائدة ولهذا نقول: إذا دل ~~الدليل على وجوب الصلاة، ثم ورد قوله تعالى: " أقيموا الصلاة " (2) وجب ~~القطع على انها مرادة بالنص لتناول اللفظ لها. # وان كان اللفظ متناولا لذلك الحكم على جهة المجاز لم يجب القطع على أنه ~~مراد (3) * لان الخطاب يجب حمله على ظاهره الا أن يدل دليل على أن المراد ~~به المجاز، وليس ثبوت الدليل على وجوب حكم يتناوله اللفظ على جهة المجاز ~~بموجب للقطع على أنه مراد باللفظ ولذلك قلنا: انه لا يمكن ابطال مذهب # PageV01P059 # الشافعي (1) في تعلقه بقوله تعالى: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا ~~فتيمموا " (2) بأن يقال: لما دل الدليل على أن الحكم المذكور في الآية ~~يتعلق بالجماع، وجب حمل الآية على أنه المراد به دون غيره من وجهين: # أحدهما: انا قد بينا ان اللفظ إذا تناول شيئين فليس في ثبوت كون أحدهما ~~مرادا ما ينافي أن يكون الاخر أيضا مرادا. # والذي يقتضيه عندنا الوقف ان لم يكن الوقت وقت الحاجة، وان كان الوقت وقت ~~الحاجة وجب حمله عليهما جميعا. # والوجه الثاني: ان تسمية الجماع باللمس انما هو على طريق المجاز دون ~~الحقيقة، وقد بينا ان اللفظ يجب حمله على الحقيقة، الا أن يدل دليل على أنه ~~أراد المجاز. ولو دل أيضا الدليل على أنه أراد المجاز، لم يكن ذلك مانعا من ~~أن يريد به ما تقتضيه حقيقته الا أن يدل دليل على أنه لم يرد حقيقته على ما ~~قدمنا القول فيه. # وكذلك القول في قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " (3) ~~ان ثبوت الوطء مراد بالآية لا يمنع من إرادة العقد بها أيضا على ما قدمناه، ~~فينبغي أن يجرى الباب على ما حررناه، فان أعيان المسائل لا تنحصر، وأصولها ~~ما حررناه ونعود الان إلى الترتيب الذي وعدنا ms034 به في أبواب أصول الفقه على ~~ما قررناه إن شاء الله تعالى. # PageV01P060 # الباب الثاني الكلام في الاخبار PageV01P061 # فصل NoteV01P063N01 (في حقيقة الخبر، وما به يصير خبرا، وبيان أقسامه) حد ~~الخبر ما صح فيه الصدق أو الكذب، وهذا أولى مما قاله بعضهم من أنه ما صح ~~فيه الصدق والكذب، لان ذلك محال، لأنه لا يجوز أن يكون خبر واحد صدقا ~~وكذبا، لأنه لا يخلو أن يكون مخبره (1) * على ما تناوله الخبر فيكون صدقا ~~أو لا يكون على ما تناوله الخبر فيكون كذبا. # فاما احتمالهما جميعا فمحال على ما بينا. # ثم لو صح لكان منتقضا، لان ههنا مخبرات كثيرة لا يصح فيها الكذب، ومخبرات ~~كثيرة لا يصح فيها الصدق، نحو الاخبار عن توحيد الله وصفاته، فان جميع ذلك ~~لا يصح فيها الكذب، والاخبار عن ثان ومعه ثالث لا يصح فيها (2) الصدق أصلا، ~~فعلم أن الأولى ما قلناه. # اللهم الا أن يراد بهذه اللفظة: (أن يحتمل الصدق والكذب) انه يحتمل ~~أحدهما فان أريد ذلك كان مثل ما قلناه. # PageV01P063 # وينبغي ان يذكر في اللفظ ما يزيل الابهام، لان الحدود مبنية على الألفاظ ~~دون المعاني. # وقد حد قوم: بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب. # وهذا صحيح غير أن ما ذكرناه أولى من حيث إن التصديق والتكذيب يرجع إلى ~~غير الخبر. وينبغي أن يحد (1) * الشئ بصفة هو عليها، لا بما يرجع إلى غيره. # وتوصف الإشارة والدلالة، بأنهما خبران، وذلك مجاز وانما يدخل في كونه ~~خبرا بقصد المخاطب إلى ايقاع كونه خبرا، وانما قلنا ذلك، لأنه لا توجد ~~الصيغة، ولا يكون خبرا فلا بد من أن يكون هناك أمر خصصه. # ومن الناس من جعل القصد من قبيل الإرادة، ومنهم من جعله من قبيل الداعي، ~~وليس هذا موضع تصحيح أحدهما. # والخبر لا يخلو من أن يكون مخبره (2) * على ما هو به فيكون صدقا، أو لا ~~يكون مخبره على ما هو به فيكون كذبا وهذا أولى مما قاله بعضهم في الكذب أن ~~يكون خبره على خلاف ما هو به، لان ms035 ذلك بعض الكذب وقد يكون الخبر كذبا وان ~~لم يكن متناولا (3) * للشئ على خلاف ما هو به ألا ترى ان القائل إذا قال: ~~(ليس زيد قاعدا) وهو قاعد يكون خبره كذبا وان لم يكن قد أخبر بصفة تخالف ~~كونه قاعدا، فعلم بذلك (4) ان الحد بما ذكرناه أولى لأنه أعم. # وعلى هذا التحرير يكون قول القائل: (محمد بن عبد الله ومسيلمة صادقان أو ~~كاذبان) ينبغي أن يكون كذبا، لأنه في الحالين جميعا ليس مخبره على ما ~~تناوله الخبر # PageV01P064 # لأنه ان أخبر عنهما بالصدق فأحدهما كاذب، وان أخبر عنهما بالكذب فأحدهما ~~صادق فعلى الوجهين جميعا يكون الخبر كذبا. وهذا أولى مما قاله أبو هاشم ~~(1): من أن تقدير هذا الكلام تقدير خبرين: أحدهما يكون صدقا، والاخر يكون ~~كذبا، لان ظاهر ذلك أنه خبر واحد، فتقدير كون الخبرين فيه ترك الظاهر. وليس ~~من شرط كون الخبر صدقا أو كذبا علم المخبر بما أخبر به وانما ذلك شرط في ~~حسن (2) * اخباره به ويفارق ذلك حكم (3) العلم، لان الاعتقاد قد يخلو من أن ~~يكون علما أو جهلا بأن يكون تقليدا ليس معه سكون النفس. # والخبر على ضربين: # أحدهما: يعلم أن مخبره على ما تناوله الخبر. # والاخر: لا يعلم ذلك فيه. وهو على ضربين. # أحدهما: يعلم أنه على خلاف ما تناوله الخبر. والاخر: متوقف فيه. # فأما الخبر الذي يعلم أن مخبره على ما تناوله الخبر فعلى ضربين: # أحدهما: يعلم ذلك، ويجوز أن يكون ضرورة أو اكتسابا. # والاخر: يقطع على أنه يعلم ذلك استدلالا (4). # فالأول: نحو العلم بالبلدان، والوقائع، والملوك، ومبعث النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وهجرته، وغزواته، وما يجرى مجرى ذلك فان كل ذلك (5) من ~~الامرين # PageV01P065 # جائز فيه على ما سنبينه فيما بعد. # فأما (1) ما يعلم مخبره بالاستدلال فعلى ضروب: # منها: خبر الله تعالى، وخبر الرسول، وخبر الامام عليهما السلام. # ومنها: خبر الأمة (2) * إذا اعتبرنا كونها حجة. # ومنها: خبر من أخبر بحضرة جماعة كثيرة لا يجوز على مثلها (3) الكتمان، ~~والتواطؤ، وما يجرى مجرى ذلك، وادعى عليهم ms036 المشاهدة ولا صارف لهم عن ~~تكذيبه، فيعلم ان خبره صدق. # ومنها: خبر المخبر إذا أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادعى ~~عليه العلم بذلك فلم ينكره. # ومنها: خبر المتواترين الذين يعلم خبرهم إذا حصلت الشرائط فيهم. # ومنها: ان تجتمع الأمة أو الفرقة المحقة على العمل بخبر الواحد، وعلم أنه ~~لا دليل على ذلك الحكم الا ذلك الخبر، فيعلم انه صدق. # ومنها: خبر تلقته الأمة أو الطائفة المحقة بالقبول وان كان الأصل فيه ~~واحدا. # وأما (4) ما يعلم أن مخبره على خلاف ما تناوله فعلى ضربين أيضا: # أحدهما: يعلم ذلك من حاله، ويجوز كونه ضروريا ومكتسبا مثل ما قلناه فيما # PageV01P066 # يعلم صحته، وذلك مثل ما يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما، ~~وانه لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبي آخر، ولا أن له هجرة إلى ~~خراسان، وما جرى مجرى ذلك. # والثاني: يعلم أنه على خلاف ما تناوله بضرب من الاستدلال، وهو على ضروب: # منها: أن يعلم بدليل عقلي أو شرعي انه على خلاف ما تناوله. # ومنها: أن يعلم أن مخبره لو كان صحيحا لوجب نقله على خلاف الوجه الذي نقل ~~عليه، بل على وجه تقوم به الحجة، فإذا لم ينقل كذلك علم أنه كذب. # ومنها: أن يكون مخبره مما لو فتش عنه من يلزمه العمل به لوجب أن يعلمه، ~~فإذا لم تكن هذه حاله علم أنه كذب. # ومنها: أن يكون مخبر الخبر حادثة عظيمة مما لو كانت لكانت الدواعي إلى ~~نقلها يقتضى ظهور نقلها إذا لم يكون هناك مانع، فمتى لم ينقل علم أنه كذب. # ومنها: أن يعلم أن نقله ليس كنقل نظيره، والأحوال فيهما متساوية فيعلم ~~حينئذ انه كذب. # وأما ما لا يعلم أن مخبره على ما تناوله، ولا انه على خلافه، فعلى ضربين: # أحدهما: يجب العمل به والاخر لا يجب العمل به. فعلى (1) ضربين: # أحدهما: يجب العمل به عقلا. # والاخر: يجب ذلك فيه سمعا. # فما يجب العمل به عقلا نحو الاخبار المتعلقة ms037 بالمنافع والمضار الدنيوية، ~~فإنه # PageV01P067 # يجب العمل بها عقلا. # وما يجب العمل به شرعا كالشهادات والأخبار الواردة في فروع الدين إذا ~~كانت من طرق (1) مخصوصة ورواها من له صفة مخصوصة. # والضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو ما لا يجب العمل به فعلى ضربين: # أحدهما: يقتضى ظاهره الرد. # والثاني: يجب التوقف فيه، ويجوز كونه كذبا وصدقا على حد واحد، ونحن نبين ~~شرح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P068 # فصل NoteV01P069N02 (في أن الاخبار قد يحصل عندها العلم وكيفية حصوله، ~~وأقسام ذلك) حكى عن قوم يعرفون بالسمنية (1) انهم أنكروا وقوع العلم ~~بالاخبار وعندها، خصوا العلم بالادراكات (2) دون غيرها. وهذا مذهب ظاهر ~~البطلان، لا معنى للتشاغل بإبطاله والاكثار في رده، لان المشكك فيما يحصل ~~من العلم عند الاخبار، كالمشكك فيما يحصل عند المشاهدة وغيرها من ضروب ~~الادراكات من السوفسطائية (3) وأصحاب العنود ومدخل الشبهات في هذا كمدخل ~~الشبهات في ذلك لان نفوسنا تسكن إلى وجود البلدان # PageV01P069 # التي لم نشاهدها، مثل الصين، والهند، والروم، وغير ذلك مما لم نشاهدها، ~~وإلى وجود الملوك وغيرهم، وإلى هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى ~~وقوع المغازي، وحصول الوقائع الحادثة في الأيام الماضية، كما تسكن إلى ~~العلم بالمشاهدات، فمن ادعى فيما يحصل عند الاخبار انه ظن وحسبان، كمن ادعى ~~ذلك في المشاهدات. # وهذا القدر كاف في إبطال هذا المذهب، لأنه ظاهر البطلان. # فأما كيفية حصول هذا العلم، فقد اختلف العلماء في ذلك: # فذهب أبو القاسم البلخي (1) ومن تبعه إلى أن الأخبار المتواترة التي تحصل ~~عندها العلوم لكل عاقل كلها مكتسبة (2). # وإلى ذلك يذهب شيخنا أبو عبد الله (3) رحمه الله. # وذهب أبو علي (4) وأبو هاشم، والبصريون، وأكثر الفقهاء، وأصحاب الأشعري ~~إلى أن العلم بهذه الاخبار يحصل ضرورة من فعل الله تعالى لا صنع للعباد ~~فيها (6). # PageV01P070 # وذهب المرتضى رحمه الله (1) إلى تقسيم ذلك فقال: ان أخبار البلدان ~~والوقائع والملوك وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه وما يجرى ~~هذا المجرى يجوز أن يكون ضرورة من فعل الله تعالى، ويجوز ms038 أن يكون مكتسبة من ~~فعل العباد وأما ما عدا أخبار البلدان وما ذكرناه مثل العلم بمعجزات النبي ~~صلى الله عليه وآله، وكثير من أحكام الشريعة، والنص الحاصل على الأئمة ~~عليهم السلام، فيقطع على أنه مستدل عليه (2). # وهذا المذهب عندي أوضح من المذهبين جميعا وإنما قلنا بهذا المذهب لأنه لا ~~دليل هاهنا يقطع به على صحة أحد المذهبين دون الاخر، فالأدلة فيها ~~كالمتكافئة وإذا كان كذلك وجب الوقف، وتجويز كل واحد من المذهبين. # ونحن نعترض ما استدل به كل فريق من الفئتين، ونبين ما في ذلك. # ولأنه أيضا لا يمتنع أن يكون العالم بهذه الاخبار قد يقدم له على الجملة ~~العلم بصفة الجماعة التي لا يجوز أن يتفق منها الكذب، فلا (3) يجوز على ~~مثلها أيضا التواطؤ، لان علم ذلك مستند إلى العبادة، فجائز أن يكون قد عرف ~~ذلك، وتقرر في نفسه، فلما أخبره عن البلدان وأخبار الملوك والوقائع من هو ~~على تلك الصفة، فعل لنفسه اعتقاد الصدق لهذه الأخبار، وكان ذلك الاعتقاد ~~علما للجملة المتقدمة، فيكون كسبيا لا (4) ضروريا فيه. # وليس لاحد أن يقول: ان ادخال التفصيل في الجملة، إنما يكون فيما له أصل ~~ضروري على سبيل الجملة، كما نقول: (إن من شأن الظلم أن يكون قبيحا) علم على ~~الجملة ضروري فإذا علمنا في ضرر بعينه انه ظلم فعلنا اعتقادا لقبحة وكان ~~علما # PageV01P071 # لمطابقته للجملة المتقررة، وأنتم قد جعلتم علم الجملة مكتسبا والتفصيل ~~كذلك. # وذلك أنه لا فرق بين أن يكون علم الجملة حاصلا بالضرورة أو الاكتساب في ~~جواز ان يبنى عليه التفصيل، لان من علم منا بالاكتساب ان من صح منه الفعل ~~يجب أن يكون قادرا، ثم علم في ذات بعينها، انه يصح منها (1) الفعل فعل ~~اعتقادا لكونها قادرة فيكون ذلك الاعتقاد علما لمطابقته للجملة المتقدمة ~~وإن كانت تلك الجملة مكتسبة. # وكذلك إذا علم بالاكتساب، ان من شأن القادر أن يكون حيا، ثم علم في ذات ~~بعينها انها قادرة فعل اعتقادا لكونها حية فيكون علما لمطابقته للجملة ~~المتقررة. فلا فرق ms039 إذا في ادخال التفصيل في الجملة المتقدمة بين الضروري ~~والمكتسب. # وكما أن ما ذكرناه ممكن، يمكن أيضا أن يكون الله تعالى أجرى العادة، بأن ~~يفعل العلم فينا عند سماع الاخبار عن البلدان وما شاكلها على ما ذهب إليه ~~آخرون، وليس في العقل دليل على أحد القولين، فلا يخل الشك في ذلك بشئ من ~~شرائط التكليف، فيجب أن يجوز كلا الامرين. # ونحن نتتبع أدلة كل فرقة من الفريقين ليتم لنا ما قصدناه: # فما استدل به أبو القاسم البلخي ومن تبعه على أن هذه العلوم مكتسبة أن ~~قال: # (لا يجوز أن يقع العلم الضروري بما ليس بمدرك ومخبر الاخبار عن البلدان ~~أمر غائب عن الادراك، فلا يجوز أن يكون ذلك ضروريا، لأنه لو جاز كون العلم ~~بالغائبات ضروريا، جاز أن يكون العلم بالمشاهدات مستدلا عليه) (2). # واستدل أيضا: (بأن العلم بمخبر الاخبار، انما يحصل بعد تأمل أحوال ~~المخبرين بها وصفاتهم، فدل ذلك على أنه مكتسب) (2). # فيقال له فيما ذكره أولا: لم زعمت أن العلم بالغائب عن الحس لا يكون ~~ضروريا، أو ليس الله تعالى قادرا على فعل العلم بالغائب مع غيبته، فما ~~المنكر من أن # PageV01P072 # يفعل بمجرى العادة عند اخبار جماعة مخصوصة؟ # وليس له أن يدعى: أن ذلك غير مقدور له تعالى، كما يقول: ان العلم بذاته ~~تعالى لا يوصف بالقدرة عليه. لأنه يذهب إلى أن العلم بالمدركات قد يكون من ~~فعل الله تعالى على بعض الوجوه وليس يفعل العلم بذلك الا وهو في مقدورة ~~وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى، لأنه لا يصح وقوعه منه على وجه من ~~الوجوه، وعلى هذا أي فرق بين أن يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه، وبين أن ~~يفعل هذا العلم بعينه عند بعض الاخبار عنه؟. # وانما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلا عليه، لان المشاهد معلوم ضرورة ~~للكامل العقل. # ولا (1) يصح أن يستدل وينظر فيما يعلمه لان من شرط صحة النظر ارتفاع ~~العلم بالمنظور إليه. # وأما الشبهة الثانية فبعيدة عن الصواب، لأنها مبنية على الدعوى لان ms040 خصومه ~~لا يسلمون أن العلم بمخبر الاخبار عن البلدان، وما جرى مجراها يقع عقيب ~~التأمل لصفات المخبرين بل يقولون إنه يقع من غير تأمل لأحوال المخبرين، ~~وانه انما يعلم أحوال المخبرين بعد حصول العلم الضروري له بما أخبروا عنه ~~(2). # وتعلق من (3) ذهب إلى أن هذا العلم ضروري بأشياء: # منها: ان العلم بمخبر هذه الأخبار لو كان مكتسبا وواقعا عن تأمل حال ~~المخبرين وبلوغهم إلى الحد الذي لا يجوز أن يكذبوا، لوجب أن يكون من لم ~~يستدل على ذلك ولم ينظر فيه من العوام والمقلدين وضروب من الناس لا يعلمون # PageV01P073 # البلدان والحوادث العظام ومعلوم ضرورة الاشتراك في ذلك. # ومنها: ان حد العلم الضروري قائم في العلم بمخبر الاخبار، ولأنا لا نتمكن ~~من إزالة ذلك عن نفوسنا ولا التشكيك فيه، وهذا حد العلم الضروري. # ومنها: ان (1) من ذهب إلى أن هذا العلم ضروري صارف عن النظر فيه ~~والاستدلال عليه، فكان يجب أن يكون كل من اعتقد ان هذا العلم ضروري غير ~~عالم بمخبر هذا الاخبار، لان اعتقاده يصرفه عن النظر، فكان يجب خلو جماعتنا ~~من العلم بالبلدان وما أشبهها، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك. # فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: ان طريق اكتساب العلم بالفرق بين الجماعة ~~التي لا يجوز أن تكذب في خبرها وبين من يجوز ذلك عليه قريب لا يحتاج إلى ~~دقيق النظر وطويل التأمل، وكل عاقل يعرف بالعادات الفرق بين الجماعة التي ~~قضت العادات بامتناع الكذب عليها فيما ترويه، وبين من ليس كذلك، والمنافع ~~الدنيوية من التجارات وضروب التصرفات مبنية على حصول هذا العلم فهو مستند ~~إلى العادة ويسير التأمل كاف في ذلك، فلا يجب في المقلدين والعامة ألا ~~يعلموا مخبر هذه الأخبار من حيث لم يكونوا أهل تحقيق وتدقيق لما ذكرناه. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: لا نسلم لكم ان حد العلم الضروري هو ما ~~يمتنع على العالم دفعه عن نفسه، بل حده ما فعله فينا من هو أقدر منا على ~~وجه لا يمكننا دفعه عن أنفسنا، ولا ms041 ينبغي أن يجعلوا ما تفردوا به من الحد ~~دليلا على موضع الخلاف. # ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ان العالم بالفرق بين صفة الجماعة التي ~~لا يجوز عليها الكذب لامتناع التواطؤ عليها، واستحالة الكذب منها كالملجأ ~~عند كمال عقله وحاجته إلى التفتيش والتصرف إلى العلم بذلك والدواعي إليه ~~قوية، والبواعث على فعله متوفرة وقد حصل للعقلاء هذا العلم. وهذا الفرق قبل ~~أن يختص بعضهم # PageV01P074 # بالاعتقاد الذي ذكروه انه صارف لهم، فاذن لا يجب خلو مخالفينا من هذه ~~العلوم لأجل ما ادعى من الاعتقاد. # وقيل: أنه صارف، لأنا قد بينا انه غير ممتنع أن يكون العلم بما قلناه قد ~~سبقه وتقدم عليه ويلزم على هذا الوجه، أن لا يكون أبو القاسم البلخي عالما ~~بأن المحدثات تفتقر إلى محدث، لأنه يعتقد ان العلم بذلك ضروري واعتقاده ذلك ~~صارف له عن النظر فيجب أن لا يكون عالما بذلك، ويجوز أن يكون غير عارف ~~بالله تعالى وصفاته وأحواله! فأي شئ قالوه فيه (1) قلنا مثله فيما تعلقوا ~~به. # وفي الناس من قال: ان العلم الحاصل عند الاخبار متولد عنها، وهو من فعل ~~فاعل الاخبار. # والذي يدل على بطلان هذا المذهب انه لو كان العلم الحاصل عند الاخبار ~~متولدا، لوجب أن يتولد عن خبر آخر المخبرين (2) * لان العلم عند ذلك يحصل، ~~فلو كان كذلك، لوجب أن يكون لو أخبرنا (3) * ابتداءا، أن يحصل لنا العلم ~~بخبره. لان خبره هو الموجب للعلم وكان يجب إذا أخبرنا عما يعلم باستدلال ~~أيضا أن يحصل لنا العلم به كما يحصل لنا العلم بما يعلم ضرورة، لان خبره هو ~~الموجب واختلاف حاله في كونه عالما ضرورة واستدلالا يؤثر في ذلك فإذا بطل ~~ذلك، ثبت ما قلناه. # فان قيل: إذا جوزتم حصول هذا العلم ضرورة فما شرائطه؟ وهل هي التي راعاها ~~البصريون أم لا؟ # قيل: الشرائط التي اعتبروها نحن نعتبرها ونعتبر شرطا آخر لا يعتبرونه ~~فالشرائط التي اعتبروها هي: # PageV01P075 # أن يكون المخبرون أكثر من أربعة، ولا يقطعون على عدد منهم دون عدد. # ومنها: ms042 أن يكونوا عالمين بما يخبرونه ضرورة. # ومنها: أن يكونوا ممن إذا وقع العلم بخبر عدد منهم أن يقع العلم بكل عدد ~~مثلهم. # وأما ما نختص به فهو أن نقول: لا يمتنع أن يكون من شرطه أن يكون من يسمع ~~الخبر لا يكون قد سبق إلى اعتقاد يخالف ما تضمنه الخبر بشبهة أو تقليد ونحن ~~ندل على وجوب جميع ذلك إن شاء الله تعالى. # انما قلنا انه لابد أن يكونوا أكثر من أربعة، لأنه لو جاز أن يقع العلم ~~بخبر أربعة، لكان شهود الزنا إذا شهدوا بالزنا وهم أربعة كان يجب أن يحصل ~~العلم للحاكم بصحة ما شهدوا به انهم كانوا صادقين ومتى لم يحصل له العلم، ~~علم أنهم كاذبون، فكان يجب ان يرد شهادتهم، ويقيم حد القذف عليهم، وان كان ~~ظاهرهم ظاهر العدالة مزكين وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك. # وليس لاحد أن يقول: انهم لا يأتون بلفظ الخبر، فلذلك لا يقع العلم ~~بشهادتهم. # لأنه لا اعتبار عندنا بالألفاظ، لأنه لو أخبر المخبر بالأعجمية (1) أو ~~النبطية، لكان كاخباره بالعربية، بل لو عرف قصد المشير، لكان حاله حال ~~المخبر في وجوب العلم عنده، فما ذكروه لا يصح (2). # وليس لهم أيضا أن يقولوا: ان الشهود يشهدون مجتمعين غير متفرقين، وكونهم ~~كذلك يوجب أن يكونوا في حكم من تواطأ على ما أخبر به، ومن شرط من يقع العلم ~~بخبرهم ألا (3) يتواطؤوا، فلذلك لا نعلم بشهادتهم. # وذلك أن هذا فاسد من وجهين: # PageV01P076 # أحدهما: انا لو فرقنا الشهود - وهو الأفضل عندنا - لما وقع العلم بخبرهم، ~~فكونهم مجتمعين ككونهم متفرقين في انتفاء العلم عند شهادتهم. # والوجه الاخر: انا لا نجعل من شرط من يقع العلم بخبره أن لا يتواطؤوا، ~~فان ذلك انما يشترط (1) في الخبر الذي يستدل على صحة مخبره دون ما يقع ~~العلم عنده ضرورة، ولا فرق فيما يخبرون به بين أن يكونوا مجتمعين، أو ~~متفرقين، أو متواطئين، أو غير ذلك إذا علموا ما أخبروا به ضرورة في وجوب ~~حصول العلم عند خبرهم. ولولا هذا ms043 الدليل لما وقف على أربعة أيضا فكان يجب ~~أن يحصل العلم عند كل عدد دون ذلك كما أن ما زاد على أربعة لم يقف على عدد ~~دون عدد، بل جوزنا أن يحصل العلم عند كل عدد زاد على الأربعة، فنظير هذا أن ~~يجوز حصول العلم عند كل عدد دون الأربعة، لأنه ليس هاهنا دليل على وجوب ~~مراعاة هذا العدد المدعاة فلما لم نقطع على عدد زاد على الأربعة - لفقد ~~الدليل على ذلك - فكذلك هاهنا (2). # وقول من قال: انهم عشرون تعلقا بقوله تعالى " ان يكن منكم عشرون صابرون " ~~(3) وانه لما أوجب الجهاد عليهم، وجب أن يكونوا ممن إذا دعوا إلى الدين علم ~~ما دعوا إليه. # لا يصح من وجهين: # أحدهما: ان البغية بالآية، التنبيه على وجوب ثبات الواحد للعشرة، لا ~~ايجاب الجهاد على هذا العدد. بل قد اتفقت الأمة على وجوب الجهاد على الواحد ~~إذا كان له غنا، ولم يوجب وقوع العلم بخبره. # والوجه الثاني: ان ما يدعون إليه من الدين معلوم باستدلال ونحن نبين ان ~~ما يعلم بالدليل لا يقع العلم بخبرهم وان كثروا، ولابد من أن يكون عالمين ~~به ضرورة. # PageV01P077 # وأما من قال: انهم سبعون مثل عدد الذين أحضرهم موسى عليه السلام عند ~~الميقات، لأنه انما أحضرهم ليقوم بخبرهم حجة على غيرهم (1). # لا يصح أيضا لاخر الوجهين الذين دل ما (2) في الشبهة الأولى أنه (3) لا ~~يمتنع (4) أن يكون من دونهم بمنزلتهم، سيما وخبر موسى عليه السلام عن ربه ~~كان يغنى عن خبرهم فإذا جاز أن يختاروا مع أن خبره يغنى عن خبرهم، فيجب أن ~~يكون اختيار السبعين وان وقع العلم بمن دونهم، أو لم يقع العلم بخبرهم أصلا ~~كذلك، فمن أين ان سبب اختيارهم كان ما ادعاه السائل؟ # فأما من اعتبر الثلاثمائة (5) [وثلاثة عشر] لأنهم العدد الذين جاهد بهم ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر فليس له تعلق بوقوع العلم ~~بخبرهم. # والكلام عليه يقارب الكلام على الوجهين الأولين. # وأما الشرط الثاني: وهو انه يجب أن يكونوا ms044 عالمين بما أخبروا به ضرورة. # فإنما اعتبرناه، لان جماعة من المسلمين يخبرون الملحدة بأن الله تعالى ~~أحد، ويخبرون اليهود والنصارى بنبوة النبي (6) صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فلا يحصل لهم العلم بصحة ذلك. ويخبر بعضهم عن البلدان وما أشبهها فيحصل ~~العلم بخبرهم. # والعلة في ذلك على التقريب ان العلم الضروري لو وقع بذلك، لأدى إلى أن ~~يكون حال المخبر أقوى من حال المخبر وهذا لا يجوز وإذا لم يقع العلم بخبر ~~من يعلم ما أخبر عنه باكتساب فبان لا يقع بخبر من لا يعلم المخبر عنه أصلا ~~من المقلدين # PageV01P078 # والمبختين (1) أولى وأحرى (2). # وأما الشرط الثالث: وهو ان كل عدد وقع العلم عند خبرهم، فيجب أن تطرد ~~العادة فيه، فيقع العلم عند كل عدد مثله إذا ساووهم في الاخبار بما علموه ~~ضرورة. # وانما قلنا ذلك: لأنا لو جوزنا خلاف ذلك لم نأمن أن يكون في الناس من ~~تخبره الجماعة الكثيرة ولا يعلم بخبرها، وهذا يوجب أن يصدق من أخبر عن نفسه ~~مع مخالطته الناس انه لا يعلم أن في الدنيا مكة، بل يجب أن يصدق المقيم في ~~الجانب الشرقي ان لا يعلم الجانب الغربي إذا لم يعبر إليه وذلك سفسطة لا ~~يصير إليه عاقل. # وأما الشرط الذي نختص بمراعاته، فإنما قلنا: انه لا يمتنع (3) (لأنه إذا ~~كان هذا العلم مستندا إلى العادة وليس بموجب عن سبب جاز وقوعه على شروط ~~زائدة وناقصة (4) * بحسب ما يعلمه الله تعالى من المصلحة وأجرى به العادة. # وانما احتجنا إلى زيادة هذا الشرط، لئلا يقال: أي فرق (5) * بين خبر ~~البلدان، والأخبار الواردة بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى ~~القرآن كحنين الجذع (6)، # PageV01P079 # وانشقاق القمر (1)، وتسبيح الحصى (2) وغير ذلك؟ # وأي فرق أيضا بين أخبار البلدان، وبين خبر النص الجلي (3) الذي يتفرد ~~بنقله الامامية؟ وألا أجزتم أن يكون العلم بذلك كله ضروريا كما أجزتموه في ~~أخبار البلدان وما أشبهها؟ # وليس يمتنع أن يكون السبق إلى اعتقاد مانعا من فعل العلم الضروري ~~بالعادة، كما أن السبق إلى الاعتقاد ms045 بخلاف ما يولده النظر عند مخالفينا ~~مانع من توليد النظر والعلم، وإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب فأولى أن يجوز ~~فيما طريقه العادة. # وليس لاحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم (الضروري) (4) لمن سبق ~~إلى اعتقاد لنفي ذلك المعلوم. ويفعل لمن لم يسبق. وهذا يقتضى أن يفعل # PageV01P080 # العلم الضروري بالنص الجلي للشيعة لأنهم لم يسبقوا إلى اعتقاد يخالفه، ~~وكذلك المسلمون في المعجزات التي ذكرناها. وذلك أنه يمكن أن يقال: # ان المعلوم في نفسه إذا كان من باب ما يمكن السبق إلى الاعتقاد لنفيه أما ~~لشبهة أو تقليد، لم يجر الله تعالى العادة بفعل العلم الضروري. وان كان مما ~~لا يجوز أن يدعوا العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه، ولا تعرض لشبهة في مثله، - ~~كالخبر عن البلدان - وجاز أن يكون العمل به ضروريا عند الخبر على ما ~~ذكرناه. # وليس لاحد أن يقول: أجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين ~~للاخبار من سبق إلى اعتقاد منع (1) من فعل العلم الضروري له فإذا أخبركم ~~بأنه لا يعرف بعض البلدان الكبار، والحوادث العظام، مع سماعه الاخبار، ~~وكمال عقله، كان صادقا. # وذلك انا نعلم ضرورة انه لا داعي للعقلاء يدعوهم إلى سبق اعتقاد نفي بلد ~~من البلدان، أو (حادث عظيم من الحوادث، ولا شبهة تدخل في مثل ذلك ففارق هذا ~~الباب) (2) أخبار المعجزات والنص، لان كل ذلك مما يجوز السبق فيه إلى ~~الاعتقادات الفاسدة للدواعي المختلفة) (3). # وليس من شرط المخبرين أن يكونوا مؤمنين، ولا أن يكون فيهم حجة حتى يقع ~~العلم بخبرهم لان الكفار قد يخبرون عن أشياء يعلمونها ضرورة، فيحصل لنا ~~العلم عند خبرهم، فلو (4) كان ذلك شرطا صحيحا لاستحال ذلك. # وليس أيضا من شرط وقوع العلم تصديق جميع الناس لخبرهم لان العلم بتصديقهم ~~كلهم لا يقع الا بمشاهدتهم، وذلك متعذر، أو بالخبر عن حالهم وذلك يوجب وقوع ~~العلم بخبر طائفة وان لم يعلم أن غيرهم مصدقون لهم. # PageV01P081 # وهذه الجملة كافية في جواز أن يعلم مخبر الاخبار ضرورة واكتسابا. # فأما ms046 الاخبار التي نعلم مخبرها استدلالا فقد ذكر سيدنا المرتضى رحمه الله ~~(1) جملة وجيزة في هذا الباب في كتابه (الذخيرة) (2) أنا أذكرها بألفاظه ~~لأنها كافية في هذا الباب والزيادة عليها يطول به الكتاب. # قال: (الخبر إذا لم يكن (3) * من باب ما يجب وقوع العلم عنده واشتراك ~~العقلاء فيه، وجاز وقوع الشبهة فيه، فهو أن يرويه جماعة قد بلغت من الكثرة ~~إلى حد لا يصح معه أن يتفق الكذب منها عن المخبر الواحد فأن (4) يعلم - ~~مضافا إلى ذلك - انه لم يجمعها (5) على الكذب جامع كالتواطؤ وما يقوم مقامه ~~ويعلم أيضا ان اللبس والشبهة زائلان عما خبروا عنه. # هذا إذا كانت الجماعة تخبر بلا واسطة عن المخبر فان كان بينهما واسطة وجب ~~اعتبار هذه الشروط المذكورة في جميع من خبرت (6) عنه من الجماعات، حتى يقع ~~الانتهاء إلى نفس المخبر. # وتأثير هذه الشروط المذكورة في العلم بصحة هذا الخبر ظاهر، لان الجماعة ~~إذا لم تبلغ من الكثرة إلى الحد الذي يعلم معه انه لا يجوز أن يتفق الكذب ~~منها عن المخبر الواحد، لم نأمن أن تكون كذبت على سبيل الاتفاق، كما يجوز ~~ذلك في الواحد والاثنين. # وإذا لم يعلم أن التواطؤ وما يقوم مقامه مرتفع عنها، جوزنا أن يكون الكذب # PageV01P082 # وقع منها على سبيل التواطؤ. # والشبهة أيضا تدعوا إلى الكذب، وتجمع عليه، كأخبار الخلق الكثير من ~~المبطلين عن مذاهبهم الباطلة لأجل الشبهة الداخلة عليهم فيها، وان لم يكن ~~هناك تواطؤ منهم. # ولا فصل فيما اشترطناه من ارتفاع اللبس والشبهة بين أن يكون المخبر عنه ~~مشاهدا أو غير مشاهد في أن الشبهة قد يصح اعتراضها في الامرين ألا ترى ان ~~اليهود والنصارى مع كثرتهم نقلوا صلب المسيح عليه السلام وقتله، لما التبس ~~عليهم الامر فيه (1)، وظنوا ان الشخص الذي رأوه مصلوبا هو المسيح عليه ~~السلام ودخلت الشبهة عليهم، لان المصلوب قد تتغير حليته، وتتبدل صورته، فلا ~~يعرفه كثير ممن كان عارفا به، ولبعد المصلوب أيضا عن التأمل، تقوى الشبهة ~~في أمره. # والوجه (في) (2) اشتراط هذه ms047 الشروط في كل الجماعات المتوسطة بيننا وبين ~~المخبر، لان ذلك لو لم يكن معلوما في جميعهم، جوزنا كون من ولينا من ~~المخبرين صادقا عمن أخبر عنه من الجماعات، وان كان الخبر في الأصل باطلا من ~~حيث لم تتكامل الشرائط في الجميع ومتى تكاملت هذه الشروط، فلابد من كون ~~الخبر صدقا، لأنه لا ينفك عن كونه صدقا أو كذبا ومتى كان كذبا، فلابد أن ~~يكون وقع اتفاقا، أو لتواطؤ، أو لأجل شبهة وإذا قطعنا على فقد ذلك كله ~~فلابد من كونه صدقا. # فأما الطريق إلى العلم بثبوت الشرائط فنحن نبينه: # أما اتفاق الكذب عن المخبر الواحد فلا يجوز أن يقع من الجماعات، والعلم # PageV01P083 # بحال الجماعة، وان ذلك لا يتفق منها، وانها مخالفة للواحد والاثنين ضرورة ~~(1) ولا يدخل على عاقل فيه شبهة، ولهذا أجزنا أن يخبر واحد ممن حضر الجامع ~~يوم الجمعة بأن الامام تنكس على أم رأسه من المنبر كاذبا ولا نجوز أن يخبر ~~عن مثل ذلك على سبيل الكذب جميع من حضر المسجد الجامع أو جماعة منهم كثيرة ~~الا لتواطؤ أو ما يقوم مقامه. # وقد شبه امتناع ما ذكرناه من الجماعات باستحالة اجتماع الجماعة الكثيرة ~~على نظم شعر على صفة واحدة، واجتماعهم على تصرف مخصوص، وأكل شئ معين من غير ~~سبب جامع. # وشبه أيضا بما علمناه من استحالة أن يخبر الواحد أو الجماعة من غير علم ~~عن أمور كثيرة، فيقع الخبر بالاتفاق صدقا. # وجواز اخبار الجماعة الكثيرة (2) بالصدق من غير تواطؤ مفارق لاخبارها ~~بالكذب من غير سبب جامع لان الصدق يجرى في العادة مجرى ما حصل فيه سبب جامع ~~من تواطؤ، أو ما يقوم مقامه، وعلم المخبر بكون الخبر صدقا داع إليه، وباعث ~~عليه وليس كذلك الكذب، لان الكذب لابد في اجتماع الجماعة عليه من أمر جامع ~~لها (3)، ولم يستحل أن يخبروا بذلك وهو صادقون من غير تواطؤ. # وأما الطريق إلى العلم بفقد التواطؤ على الجماعة، فربما كان كثرة ~~الجماعات يستحيل معها التواطؤ عليها مراسلة أو مكاتبة وعلى كل وجه ms048 وسبب ~~لأنا نعلم # PageV01P084 # ضرورة ان جميع أهل بغداد لا يجوز أن يواطئوا جميع أهل الشام لا باجتماع ~~ومشافهة، ولا بمكاتبة أو مراسلة، على أن التواطؤ فيمن يجوز ذلك عليه من ~~الجماعة بمشافهة أو مكاتبة أو مراسلة لابد بمجرى العادة من أن يظهر لمن ~~خالطهم ظهورا يشترك كل من خالطهم في علمه، وهذا حكم مستند إلى العادات لا ~~يمكن دفعه. # وأما ما يقوم مقام التواطؤ من الأسباب الجامعة كتخويف السلطان وما يجري ~~مجراه، فلابد أيضا من ظهوره وعلم الناس به، لان الجماعة لا تجتمع على الامر ~~الواحد لأجل خوف السلطان الا بعد أن يظهر لهم غاية الظهور، وما هذه حاله ~~لابد من العلم به والقطع على فقده إذا لم يعثر عليه. # وأما ما به يعلم ارتفاع اللبس والشبهة عن مخبر الخبر الذي خبرت به ~~الجماعة، فهو أن تخبر الجماعة عن أمر مدرك اما بمشاهدة أو بسماع، ويعلم ~~انتفاء أسباب اللبس والشبهة عن ذلك المخبر، فان أسباب التباس المدركات ~~معلومة محصورة يعلم انتفاؤها حيث ينتفى ضرورة. # وأما (1) ما به يعلم ثبوت الشرائط التي ذكرناها في الطبقات التي تروي ~~الخبر، فهو ان العادات جارية بأن المذاهب أو الأقوال التي تقوى بعد ضعف، ~~وتظهر بعد خفاء، وتوجد بعد فقد لابد أن يعرف ذلك من حالها، ويفرق العقلاء ~~المخالطون لأهلها بين زماني فقدها ووجودها، وضعفها وقوتها، ولهذا علم الناس ~~كلهم ابتداء حال الخوارج (2)، # PageV01P085 # وظهور مقالة الجهمية (1) والنجارية (2) ومن جرى مجراهم، وفرق العقلاء من ~~سامعي الاخبار بين زمان حدوث مقالاتهم وبين ما تقدمها. # وإذا صحت هذه الجملة التي ذكرناها في صفة الخبر الذي لابد أن يكون المخبر ~~به صادقا من طريق الاستدلال) (3) بنينا عليها صحة تلك المعجزات والنصوص على ~~الأئمة عليهم السلام على ما نذهب إليه، وغير ذلك من أحكام الشريعة وغيرها. # فأما خبر الله تعالى، فإنما يعلم صدقه إذا علم أولا انه لا يلغز في ~~أخباره، ولا يريد بها غير ظاهرها ولا يدل عليه وانه لا يجوز عليه الكذب ولا ~~يعلم ذلك من حاله الا ms049 من علم أنه عالم بقبح القبيح وغني عن فعله وانه إذا ~~كان كذلك لا يجوز أن يختار القبيح، وقد بينا جملة من القول فيه. # وأما خبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يعلم به (4) صدقه لان ~~العلم المعجز قد دل على أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز ~~أن يرسل الله من يكذب فيما يؤديه عنه وقد أمرنا بتصديقه في كل أخباره، فيجب ~~أن يكون صدقا، لان تصديق الكذاب قبيح، والله يتعالى عن ذلك، فعلم عند ذلك ~~أن أخباره عليه السلام صدق. # والقول في أخبار الإمام عليه السلام القائم مقامه كالقول في أخباره لان ~~الدليل الدال على وجوب عصمته أمننا من وقوع القبيح من جهته، وفي ذلك أمان ~~من أن # PageV01P086 # يكون خبره كذبا. # وأما خبر الأمة إذا اعتبرناه فإنما يعلم مخبره (1) لما تقدم لنا من العلم ~~بكون المعصوم فيها (2). # وأما خبر الواحد بمحضر من الجماعة الكثيرة وادعاؤه عليهم المشاهدة كنحو ~~من ينصرف من الجامع ويخبر بوقوع الامام من المنبر، ويدعى على جميع ~~المنصرفين من الجامع مشاهدة ذلك، ويعلم انه لا صارف لهم عن تكذيبه، فمتى لم ~~يكذبوه، علمنا أنه صادق لأنه لو لم يكن صادقا لأنكروه على مقتضى العادة. # فأما خبر المخبر [بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشئ، إذا لم ~~ينكر عليه، فان كان هذا المخبر يدعي] (3) المشاهدة لذلك ولم ينكر عليه، ~~فذلك دليل على صدقه وان أطلق الخبر اطلاقا، فإنه لا يدل على ذلك. # فأما الأمة إذا تلفت الخبر بالقبول وصدقت به، فذلك دليل على صحته، لأنه ~~لو لم يكن صحيحا لأدى إلى اجتماعها على خطأ، وذلك لا يجوز مع كون المعصوم ~~فيها. # ومتى تلقت الخبر بالقبول ولم تصدق به فذلك لا يدل على صدقه، لان هذا حكم ~~أكثر أخبار الآحاد. # وأما الخبر إذا روى وعلمت الأمة بأجمعها بموجبه لأجله فعند من قال: لا ~~يجوز العمل بخبر الواحد ينبغي أن يكون دلالة على صحته، لأنه لو لم يكن ~~صحيحا لأدى إلى اجماعهم ms050 على العمل به وهو خطأ وذلك غير جائز عليهم. # وأما من قال: يجوز العمل بخبر الواحد (4) فلا يمكنه أن يقول إن ذلك دلالة ~~على # PageV01P087 # صحته، لأنهم إذا اعتقدوا جواز العمل بخبر الواحد جاز أن يجمعوا عليه وان ~~لم يكن صحيحا في الأصل كما أنهم يجوز أن يجتمعوا (1) على شئ من طريق ~~الاجتهاد عندهم وان لم يكن طريق ذلك العلم (2). # وأما الخبر إذا ظهر بين الطائفة المحقة وعمل به أكثرهم، وأنكروا على من ~~لم يعمل به، فان كان الذي لم يعمل به علم أنه امام، أو الامام داخل في ~~جملتهم، علم أن الخبر باطل. # وان علم أنه ليس بامام، ولا هو داخل معهم، علم أن الخبر صحيح، لان الامام ~~داخل في الفرقة التي عملت بالخبر. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P088 # فصل NoteV01P089N03 (في أن في الاخبار المروية ما هو كذب (1)، والطريق ~~الذي يعلم به ذلك من المعلوم الذي لا يتخالج فيه شك) ان في الاخبار المروية ~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذبا، كما أن فيها صدقا، فمن قال: ان ~~جميعها صدق فقد أبعد القول فيه ومن قال: انها كلها كذب # PageV01P089 # فكذلك، لفقد الدلالة على كلا القولين وقد توعد النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم على الكذب عليه بقوله: " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " ~~(1). وتجنب كثير من أصحابه الرواية نحو الزبير (2) والبراء بن عازب (3) لما ~~تبينوا انه وقع فيها الكذب فروى عن البراء انه قال: سمعنا كما سمعوا لكنهم ~~رووا ما لم يسمعوا) وروى عن شعبة (4) انه قال: (نصف الحديث كذب) (5) ولأجل ~~ما قلنا، حمل أصحاب # PageV01P090 # الحديث نفوسهم على نقد (1) الحديث، وتمييز الصحيح منها من الفاسد (2). # وليس لاحد أن يقول: ان ما يتعلق بالدين إذا لم يقم به الحجة وجب القطع ~~على كذبه كما نعلم كذب المدعى للنبوة إذا لم يظهر عليه المعجز، وذلك أنه لا ~~يمتنع أن يتعبد بالخبر وان لم تقم به الحجة كما تعبد بالشهادات وان لم تعلم ~~صحتها. # ولا يجوز أن يتعبد ms051 بتصديق نبي ولا علم له، أو بتصديق كذاب، فلذلك كذبنا ~~المدعي للنبوة إذا لم يكن له معجزة. وغاية ما في هذا ألا يجب العمل به وليس ~~إذا لم يجب العمل به وجب القطع على كذبه، بل ينبغي أن يتوقف فيه إلى أن يدل ~~دليل عقلي أو شرعي على كذبه أو كذب بعضه. # وأما (3) الطريق الذي به يعلم كذب الخبر فلا يجوز أن يكون الخبر سواء ~~أوجب العلم ضرورة أو اكتسابا. ويفارق الكذب في هذا الباب الصدق، لأنا ~~بالخبر نعلم صدق الخبر ولا نعلم به كذبه، بل العلم بكذبه يحتاج إلى أمور ~~اخر. # والاخبار على ضربين. # أحدهما: يعلم كونه كذبا (ضرورة، وهو أن يعلم) (4)، ضرورة ان مخبره على # PageV01P091 # خلاف ما تناوله فيعلم انه كذب ولذلك قلنا ان المخبر عن كون فيل بحضرتنا ~~يعلم بطلان خبره بالاضطرار (1)، لأنه لو كان هناك فيل لرأيناه. # والضرب الاخر: يعلم كونه كذبا باكتساب، وهو كل خبر نعلم أن مخبره على ~~خلاف ما تناوله بدليل عقلي، أو بالكتاب والسنة أو الاجماع وقد يعلم ذلك بأن ~~يكون لو كان صحيحا لوجب قيام الحجة به على المكلفين أو بعضهم فإذا لم تقم ~~به الحجة علم أنه باطل والعلة في ذلك أن الله تعالى لا يجوز أن يكلف عباده ~~فعلا ولا يزيح علتهم في معرفته، فإذا صح ذلك، وكان ذلك الفعل مما طريقه ~~العلم لا العمل، أو مما علم بالدليل انه مما يجب أن يعلمه المكلف، وان كان ~~طريقه العمل، فيجب ورود الخبر به على وجه يعلم مخبره، إذا لم يعرف (2) من ~~جهة المكلفين، مما يمنع من وروده فإذا لم يكن ذلك حاله علم بطلانه اللهم ~~الا أن يكون هناك طريق آخر يعلم به صحة ما تضمنه ذلك الخبر، فيستغنى بذلك ~~الطريق عن الخبر، ولا يقطع على كذبه ولذلك نقول: ان الخبر إذا صار بحيث لا ~~تقوم به الحجة قام قول الإمام في ذلك مقامه إذا أوجب العلم وصارت الحجة به ~~قوله دون الخبر والعلة في ذلك أن ما تضمنه ms052 الخبر إذا كان من باب الدين ~~ومصلحة المكلف، فلابد من أن يكون للمكلف طريق إلى العلم به فان كان حاصلا ~~من طريق النقل، والا فما ذكرناه من قول الإمام، لأنه ان لم يكن أحد هذين ~~أدى إلى أن لا يكون للمكلف طريق يعلم به ما هو مصلحة له، وذلك لا يجوز. # ومنها: أن يكون المخبر عنه مما لو كان على ما تناوله الخبر لكانت الدواعي ~~تقوى إلى نقله، وقد جرت العادة بتعذر كتمانه فإذا لم ينقل ذلك، نقل مثله ~~علم كذبه وهو أن يخبر المخبر بحادثة عظيمة وقعت في الجامع، ورؤية الهلال ~~والسماء مصحية في أنه إذا لم يظهر النقل فيه علم أنه كذب. # PageV01P092 # ومنها: أن تكون الحاجة في باب الدين إلى نقله ماسة، فإذا لم ينقل نقل ~~نظيره في هذا الباب علم أنه كذب نحو ما نقول ان العرب لو عارضت القرآن لوجب ~~نقله كنقل نظيره، لان الحاجة إلى نقله كالحاجة إلى نقل القرآن، وحالهما في ~~قرب العهد سواء ولذلك نقول: انه لا يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم شرائع اخر لم تنقل إلينا، لأنها لو كانت لنقلت نقل نظيرها لمساواتها ~~لها في الحاجة إليها وقرب العهد بها هذا إذا فرضنا ان الموانع والصوارف عن ~~نقله كلها مرتفعة يجب ذلك. # فأما إذا جوزنا أن يمنع من نقل بعض الاخبار مانع من خوف وما يجرى مجراه ~~فلم يجب القطع على كذب ذلك الخبر، لان هذا الذي ذكرناه حكم أكثر الفضائل ~~المروية لأمير المؤمنين عليه السلام والنص عليه والعلة فيها ما قلناه من ~~اعتراض موانع من خوف وتقية وغير ذلك. # فأما ما يعم البلوى به أو ما وقع في الأصل شائعا ذائعا فيجب (1) نقله على ~~وجه يوجب العلم ما لم يعرض فيه ما يمنع من نقله فمتى لم يعرض هناك ما يمنع ~~من نقله وكان في الأصل شائعا ذائعا علم أنه باطل. # والخبر إذا كان ظاهره يقتضي الجبر والتشبيه، أو أمرا علم بالدليل بطلانه ~~ولا يمكن تأويله على ms053 وجه يطابق الحق غير متعسف ولا بعيد من الاستعمال، وجب ~~القطع على كذبه. فان أمكن تأويله على وجه قريب، أو على ضرب من المجاز ~~(الذي) (2) جرت العادة باستعماله يقطع على كذبه. # فأما ما تكلفه محمد بن شجاع الثلجي (3) من تأويل الأخبار الواردة من ~~الجبر والتشبيه من التعسف والخروج عن حد الاستعمال فلا يحتاج إليه، لأنه لو ~~ساغ ذلك # PageV01P093 # لم يكن لنا طريق نقطع على كذب أحد، وذلك باطل. # والفائدة في نقل ما علم كذبه هو أن ينحصر المنقول من الأحاديث ليعلم ان ~~ما ادخل فيه معمول كما حصر (1) الخلاف في الفقه ليعلم به الخلاف الحادث ~~فيطرح ولا يلتفت إليه. # وليس لاحد أن يقول: ان في تجويزكم (2) الكذب على هذه الأخبار أو في بعضها ~~طعنا على الصحابة، لان ذلك يوجب تعمدهم الكذب. # وذلك أنه: لا يمتنع أن يكون وقع الغلط من بعض الصحابة، لأنه ليس كل واحد ~~منهم معصوما لا يجوز عليه الغلط، وانما يمنع من اجماعهم على الخطأ دون أن ~~يكون ذلك ممتنعا من آحادهم. # وأيضا فإنهم كانوا يسمعون الحديث من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا ~~يكتبونه فيسهون (3) عنه أو عن بعضه فيقع الغلط في نقله (4). # وأيضا: انهم كانوا يحضرونه عليه السلام وقد ابتدأ الحديث فيلحقه بعضهم ~~فينقلونه بانفراده فيتغير معناه لذلك ولذلك كان عليه السلام إذا أحسن برجل ~~داخل ابتدأ الحديث (4)، ولهذا أنكرت عائشة (5) على من روى عن النبي صلى ~~الله عليه وآله # PageV01P094 # وسلم أنه قال: " الشؤم في ثلاث: الفرس، والمرأة، والدار " (1)، وذكرت أنه ~~عليه السلام كان حاكيا لذلك فلم يسمع الراوي أول كلامه وكذلك خطأت من روى ~~عنه عليه السلام أنه قال: (2) " التاجر فاجر " (3) و " ان ولد الزنا شر ~~الثلاثة " (4) وذكرت ان كلامه خرج على تاجر قد دلس، وولد زنا قد سب أمه ~~(5). وعلى هذا الوجه أنكرت وابن عباس (6) جميعا ما رواه ابن عمر (7) ان ~~الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (8) وغير ذلك، فقالا وهل (9) ابن عمر وإنما ~~قال عليه السلام: " ان الميت ليعذب، وإن أهله يبكون ms054 عليه ". # وقد كان منهم من ينقل الحديث بالمعنى دون اللفظ، فيقع الغلط فيه من هذا ~~الوجه. # وهذه الوجوه التي ذكرناها أو أكثرها تنفي الطعن عن ناقل الخبر وان كان ~~كذبا. # PageV01P095 # فأما من تأخر عن زمان الصحابة والتابعين فلا يمنع من أن يكون فيهم من ~~يدخل في الأحاديث الكذب عمدا ويكون غرضه الافساد في الدين كما روى عن عبد ~~الكريم بن أبي العوجاء (1) انه لما صلب (4) وقتل قال: (اما انكم ان ~~قتلتموني لقد أدخلت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة) وهذا واحد من ~~الزنادقة والملحدين، فكيف الصورة في الباقين. # فأما الاخبار التي هي من باب العمل كالاخبار الواردة في فروع الدين ~~فسنذكر القول فيها - إن شاء الله تعالى - في الفصل الذي يليه. # PageV01P096 # فصل NoteV01P097N04 (في ذكر الخبر الواحد وجملة من القول في أحكامه) ~~اختلف الناس في خبر الواحد، فحكى عن النظام (1) انه كان يقول: انه يوجب ~~العلم الضروري إذا قارنه سبب (2). وكان يجوز في الطائفة الكثيرة ألا يحصل ~~العلم بخبرها. # وحكى عن قوم من أهل الظاهر أنه يوجب (3) العلم (4)، وربما سموا ذلك علما # PageV01P097 # ظاهرا. # وذهب الباقون من العلماء، من المتكلمين والفقهاء، إلى أنه لا يوجب العلم ~~(1)، ثم اختلفوا: # فمنهم من قال: لا يجوز العمل به (2). # ومنهم من قال: يجب العمل به (3). # واختلف من قال: لا يجوز العمل به. # فقال قوم: لا يجوز العمل به عقلا (4). # وقال آخرون: انه لا يجوز العمل به، لان العبادة لم ترد به وان كان جائزا ~~في العقل ورودها به (2). وربما قالوا وقد ورد السمع بالمنع من العمل به. # واختلف من قال يجب العمل به: # فمنهم من قال: يجب العمل به عقلا (3) وحكي هذا المذهب عن ابن سريج (5) # PageV01P098 # وغيره. # وقال آخرون: انما يجب العمل به شرعا والعقل لا يدل عليه، وهو مذهب أكثر ~~الفقهاء والمتكلمين ممن خالفنا (1). # ثم اختلفوا: # فمنهم من قال: يجب العمل به ولم يراع في ذلك عددا (2). # ومنهم من راعى في ذلك العدد وهو أن يكون رواته أكثر من واحد (3) وهذا # PageV01P099 # المذهب هو المحكي ms055 عن أبي علي (1). # والذي أذهب إليه (2): ان خبر الواحد لا يوجب العلم (3) *، وانه كان يجوز ~~أن ترد العبادة بالعمل به عقلا وقد ورد جواز العمل به في الشرع، الا أن ذلك ~~موقوف على طريق مخصوص وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص ~~بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها. # وأنا أبتدئ أولا فأدل على فساد هذه المذاهب التي حكيتها ثم أدل على صحة ~~ما ذهبت إليه. # أما الذي يدل على أن خبر الواحد لا يوجب العلم، فهو انه لو أوجب العلم ~~لكان يوجبه كل خبر واحد إذا كان المخبر صادقا وإلى ما أخبر به مضطرا (4). ~~ولو كان كذلك لوجب أن يعلم صدق أحد المتلاعنين وكذب الاخر. # PageV01P100 # وكان يجب أن لا يصح الشك في خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه اسرى ~~به إلى السماء. # وقد علمنا خلاف ذلك لأنا لا نعلم صدق أحد المتلاعنين ونجوز أن تدخل ~~الشبهة في نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يعتقد صحة نبوته، فيشك ~~في خبره عن الاسراء به، ولو كان يوجب العلم الضروري لما صح ذلك، ولكان يجب ~~أيضا أن يحصل لنا العلم بصدق كل رسول ادعى رسالة بعضنا إلى بعض، لان ذلك ~~يعلم ضرورة، فكان يجب حصول العلم به، وقد علمنا خلاف ذلك. # فإذا بطل جميع ذلك، علم أنه لا يوجب العلم. # فأما ما اعتبره النظام من اقتران السبب به (1)، فليس يخلو من: # أن يقول: يقع العلم به وبالسبب جميعا. # أو يقول: ان العلم يقع به بشرط أن يقارنه السبب. # أو يقول: ان العلم يقع به الا أن لا يكون (2) السبب حاصلا (3) *. # وكل هذه الوجوه يبطل، لأنه يوجب أن لا يمتنع أن يخبر الجماعة العظيمة عن ~~الشئ (4) ولا يقترن بها ذلك السبب، فلا يحصل عند خبرها العلم وهذا يؤدي إلى ~~تجويز أن نصدق من يخبرنا عن نفسه بأنه لا يعلم أن في الدنيا مكة مع اختلاطه ~~بالناس ونشوئه بينهم وقد علمنا خلاف ذلك. # فأما ms056 ما يذكره من مشاهدة من رأى مخرق الثياب يلطم (5) على وجهه، وقد كان # PageV01P101 # علم أن له عليلا ويخبر بموته، انا نعلم عند خبره انه ميت، فدعوى (1) لا ~~برهان عليها، لان مثل ذلك قد يفعله العقلاء لأغراض كثيرة، ثم ينكشف الامر ~~عن خلاف ذلك. # فمن أين ان الذي يعتقده عند خبره علم لا يجوز التشكك فيه؟ # فأما من قال: انه لو لم يوجب العلم لما صح أن يتعبد (2) به، لان العبادة ~~لا تصح الا بما نعلمه دون ما لا نعلمه. فإنما (3) كان يدل لو ثبت ان في ~~العقل لا يجوز العبادة بما طريقه الظن، ثم يثبت انه تعبد به، ولم يثبت لهذا ~~القائل واحد من الامرين، فلا يصح التعلق به. # فأما تعلقه بقوله: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (4). # فهو لا يدل على ايجاب خبر الواحد العلم، لان معنى الآية النهي عن الكذب ~~على الله تعالى، وليس من عمل بخبر الواحد يضيف إليه ان الله تعالى قد قال ~~ما تضمنه الخبر، وانما يضيف إليه انه تعبده بالعمل بما تضمنه الخبر، وذلك ~~معلوم عنده بدليل دل عليه، فيسقط بجميع ذلك هذا المذهب. # ولو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما كان اختلاف الناس في قبوله وشكهم في ~~صحته صحيحا. ولا صح التعارض في الاخبار (5) * ولا احتيج إلى اعتبار صفات # PageV01P102 # الراوي، ولا ترجيح بعض الاخبار على بعض، وكل ذلك يبين فساد هذا المذهب. # فأما تسميته من سماه علما ظاهرا (1): فربما عبر عن (الظن) بأنه علم، لان ~~العلم لا يختلف حاله إلى أن يكون ظاهرا وباطنا فان أراد ذلك فهو خلاف في ~~العبارة لا اعتبار به. # فأما من قال لا يجوز العمل به عقلا (2): فالذي يدل على بطلان قوله ان ~~يقال: # إذا تعبد الله تعالى بالشئ فإنما يتعبد به لأنه مصلحة لنا، وينبغي أن ~~يدلنا عليه وعلى صفته التي إذا (3) علمناه عليها كان مصلحة لنا، وصح منا ~~أداؤه على ذلك الوجه. لا يمتنع ان تختلف الطرق التي بها يعلم أن الله ~~سبحانه تعبدنا به، ms057 كما لا يمتنع اختلاف الأدلة التي بها تعلم صحة ذلك فإذا ~~صحت هذه الجملة لم يمتنع أن يدلنا على أنه قد أمرنا بأن نفعل ما ورد به خبر ~~الواحد إذا علمناه على صفة ظننا انه صادق كعلمنا انه تعبدنا بما أنزله من ~~القرآن، وان كان أحدهما قد علق بشرط والاخر لم يعلق به. # وإذا صح هذا، وكان صورة خبر الواحد هذه الصورة، فيجب أن لا يمتنع ورود ~~العبادة بالعمل به. والذي يبين ذلك أيضا ورود العبادة بالشهادات وان لم ~~يعلم صدقهم، وجرى وجوب الحكم بقولهم في أنه معلوم مجرى الحكم بما علمناه ~~بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # وليس لاحد أن يقول: إذا لم يصح ان يتعبد الله تعالى بالقبول من النبي بلا ~~علم معجز يظهر عليه، فبان لا يجوز القبول من غيره أولى. وذلك أن فقد ظهور ~~العلم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي الجهل بالمصالح التي لا ~~تعلم الا من جهته، وليس في فقد الدلالة على صدق خبر الواحد ذلك، لأنه يصح ~~أن يعلم بقول النبي # PageV01P103 # صلى الله عليه وآله وسلم وجوب ما أخبر به الواحد، فيصير في حكم علم قد ~~ظهر عليه، وان جوزنا كونه كاذبا فيه، لأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في ~~العمل به وان كان هو كاذبا كما لا يمتنع أن يكون الواجب علينا ترك سلوك ~~الطريق إذا خوفنا الواحد من سبع فيه أو لص وان كان كاذبا. # ثم هذا يوجب عليه ألا (1) يحكم بشهادة الشهود مع تجويز أن يكونوا كذبة، ~~كما لا تقبل من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشريعة الا بعلم يدل على ~~نبوته. # فان قالوا: ولم لا يجوز ان يعلم أيضا بقول نبي متقدم وجوب تصديق نبي آخر ~~يجئ بعده؟ والعمل بما معه مثل (2) ما قلتموه في خبر الواحد من أنه يعلم ~~وجوب العمل به بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # قيل له: ان كان سؤالك عن وجوب العمل بما يجئ به انسان في المستقبل ms058 فهذا ~~هو معنى قبول خبر الواحد وجواز العمل به بعينه، فذلك جائز وان كان (سؤالك) ~~(3) عن تصديق نبي يجيئ فذلك طريقه العلم لا العمل، فلا يجوز أن يعمل بقوله ~~لأنا بينا ان خبر الواحد لا يوجب العلم. اللهم الا أن يفرض المسألة فيقال: ~~ان النبي المتقدم، ينص على صفة من يدعي النبوة ويقول: " من كان عليها وادعى ~~النبوة فاعلموا انه صادق " فان ذلك جائز، ويكون ذلك نصا على نبوته، وما دل ~~على صدقه دال على تصديق هذا وان كان بواسطة فبطل بهذا التجويز جميع ما تعلق ~~به في هذا الباب. # فان قالوا (4): لو جاز قبول خبر الواحد في الفروع لجاز ذلك في الأصول وفي ~~ثبوت القرآن، لان جميع ذلك من مصالح الدين، فإذا لم يصح ذلك في بعضه، لم ~~يصح في سائره. # PageV01P104 # قيل له: انه ما كان يمتنع ان يتعبد بقبول خبر الواحد في أصول الدين كما ~~تعبدنا الان بقبوله في فروعه، وان كان لابد من قيام الحجة ببعض الشرائع (1) ~~*. # فأما اثبات القرآن، فان كان لم يرد (2) مثل القرآن وعلى صفته في الاعجاز، ~~صح أن يتعبد به، لان كونه على هذه الصفة يوجب العلم. # وان كان ما يرد لا يكون بصفة القرآن في الاعجاز فإنه لا يمتنع أيضا وورد ~~العبادة بالعمل به من غير قطع على أنه قرآن مثل ما قلناه في خبر الواحد. # وكذلك ما كان يمتنع أن يتعبد بتخصيص عموم القرآن ونسخه بخبر الواحد، وان ~~كان لم يقع ذلك أصلا، لان الكلام فيما يجوز من ذلك وما لا يجوز فليس لأحد ~~أن يقول: أوجبوا العمل به كما أجزتموه، لان ايجاب العمل يحتاج إلى دليل ~~منفصل من دليل الجواز. # فأما من ذهب إلى أن العبادة لم ترد به (3): # فان أراد انها لم ترد به بالاطلاق، فهو مذهبنا الذي اخترناه. # وان أراد انها لم ترد على التفصيل الذي فصلناه (4)، فسندل نحن فيما بعد ~~على ورود العبادة به إذا انتهينا إلى الدلالة على صحة ما اخترناه. # وأما من قال: ان العبادة ms059 منعت منه (5) وتعلقهم في ذلك بقوله: " وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون " (6) وبقوله: " ولا تقف ما ليس لك به علم " ~~(7) وما أشبه ذلك # PageV01P105 # من الآيات (1). فقد بينا تأويل الآية الأولى (2). # فأما قوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " فلا يدل على ذلك أيضا، ~~لان من عمل بخبر الواحد، فإنما يعمل به إذا دله دليل (3) * على وجوب العمل ~~به اما من الكتاب أو السنة أو الاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم، وانما ~~الآية مانعة من العمل بغير علم أصلا، وقد بينا انا لا نقول ذلك، لان من علم ~~وجوب العمل بخبر الواحد فهو عالم بما يعمل به، فسقط التعلق بهذه الآية ~~أيضا. # وأما (4) من أوجب العمل به عقلا (5): فالذي يدل على بطلان قوله انه ليس ~~في العقل ما يدل على وجوب ذلك وقد سبرنا (6) أدلة العقل فلم نجد فيها ما ~~يدل على وجوبه فينبغي أن لا يكون واجبا وأن يكون مبقى (7) على ما كان عليه. # وأيضا: فان الشريعة مبنية على المصالح، فإذا لم نجد ما يدل على قبول خبر ~~الواحد في العقل، فينبغي أن يكون مبقى (7) على ما كان عليه في العقل، من ~~الحظر أو الإباحة. # PageV01P106 # وليس لاحد أن يقول (1) *: ان في العقل وجوب التحرز من المضار، وإذا لم ~~نأمن عند خبر الواحد، أن يكون الامر على ما تضمنه الخبر، يجب علينا التحرز ~~منه والعمل بموجبه كما أنه يجب علينا إذا أردنا سلوك طريق أو تجارة وغير ~~ذلك فخبرنا مخبر أن في الطريق سبعا أو لصا، أو يخبرنا بالخسران الظاهر، وجب ~~علينا أن نتوقف عليه ونمتنع من السلوك فيه، فحكم خبر الواحد في الشريعة هذا ~~الحكم. # وذلك أن الذي ذكروه غير صحيح من وجوه: # أحدها: ان الاعتبار الذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدعي النبوة من ~~غير علم يدل على نبوته، لان العلة قائمة فيه، وهي وجوب التحرز من المضار، ~~فأي فرق فرقوا في ذلك، فرقنا بمثله في خبر الواحد. # والثاني: ان الذي ذكروه انما يسوغ ms060 فيما طريقه المنافع والمضار الدنيوية، ~~فأما ما يتعلق بالمصالح الدينية، فلا يجوز أن يسلك فيها الا طريق العلم (2) ~~* ولهذه العلة أوجبنا بعثة الأنبياء واظهار الاعلام (3) * على أيديهم، ~~ولولا ذلك لما وجب ذلك كله. # والثالث: ان خبر الواحد لا يخلو أن يكون واردا بالحظر أو الإباحة. # فان ورد بالحظر لا نأمن أن تكون المصلحة في اباحته وان كونه محظورا يكون ~~مفسدة لنا. # وكذلك ان ورد (بالإباحة) لا نأمن أن تكون المصلحة تقتضي حظره، وأن تكون # PageV01P107 # اباحته مفسدة لنا، فنقدم على ما لا نأمن أن يكون مفسدة لنا، لان الخبر ~~ليس بموجب للعلم، فنقطع به على أحد الامرين، وذلك لا يجوز في العقول. # وليس لاحد أن يقول (1): إذا لم يكن في السمع دلالة على الحادثة الا ما ~~تضمنه خبر الواحد، وجب العمل به بحكم العقل لأنا متى لم نعمل به أدى إلى أن ~~تكون الحادثة لا حكم لها، وذلك لا يجوز لأنه إذا لم يكن في الشرع دليل على ~~حكم تلك الحادثة وجب تبقيتها على مقتضى العقل من الحظر، أو الإباحة، أو ~~الوقف ويحتاج إلى خبر الواحد، فعلم بهذه الجملة بطلان هذا المذهب. # وأما من أوجب العمل (2) به على ما يذهب إليه مخالفونا في الاحكام فالذي ~~يبطله أن نقول: # إذا لم يكن في العقل ما يدل على ذلك فالطريق إلى ايجابه السمع، وليس في ~~السمع دليل على وجوب العمل بخبر الواحد - على ما يذهبون إليه - لان جميع ما ~~يدعونه دليلا ليس في شئ منه دليل على وجه ونحن نذكر شبههم في ذلك ونتكلم ~~عليها بموجز من القول: # أحد ما استدلوا به على وجوب العمل بخبر الواحد قوله تعالى: " فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون " (3). # قالوا: فحث الله تعالى كل طائفة على التفقه، وأوجب عليهم الانذار ~~والطائفة # PageV01P108 # يعبر بها عن عدد قليل لا يوجب خبرهم العلم (1)، فلولا أنه يجب العمل ~~بخبرهم لما أوجب عليهم الانذار، لأنه لا فائدة فيه (2). # وربما قووا ذلك ms061 بأن قالوا: لما أوجب الله تعالى على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الانذار وجب علينا القبول ولو لم يجب علينا القبول لما وجب عليه ~~الانذار (2). # وهذه الآية لا دلالة فيها لان الذي يقتضيه ظاهر الآية وجوب الانذار على ~~الطائفة وليس في وجوب الانذار عليهم وجوب القبول منهم، لأنه غير ممتنع (3) ~~* ان تتعلق المصلحة بوجوب الانذار عليهم ولا تتعلق بوجوب القبول منهم، الا ~~إذا انضاف إليه شئ آخر ألا ترى انه قد يجب التحذير والانذار من ترك معرفة ~~الله ومعرفة صفاته وان لم يجب القبول من المخبر في ذلك، بل يجب الرجوع إلى ~~أدلة العقل وما يقتضيه. وكذلك يجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~الانذار، وان لم يجب القبول منه الا إذا دل العلم المعجز على صدقه، فيجب ~~حينئذ القبول منه. # فكذلك القول في تحذير الطائفة انه يجب عليهم التحذير، ويجب على المنذر ~~الرجوع إلى طرق العلم. # وأيضا: يجب على أحد الشاهدين إقامة الشهادة، ولا يجب على الحاكم تنفيذ ~~الحكم بشهادته، الا إذا انضاف إليه من تتكامل الشهادة به ثم يعتبر أيضا بعد ~~تكاملهم صفاتهم، وهل هم عدول أو لا؟ حتى يجب عليه الحكم بشهادتهم. # وكذلك يجب على آحاد المتواترين النقل فيما طريقه العلم، وان كان لا # PageV01P109 # يحصل العلم بخبره، ولا يجب علينا أن نعتقد صحة ما أخبر به الا بعد أن ~~ينضاف من يتكامل به التواتر إليهم فحينئذ يوجب العلم، ولذلك نظائر كثيرة في ~~العقليات (1) * ألا ترى انه قد يجب على الواحد منا العطية إلى غيره، وان ~~كان ذلك الغير لا يجوز له أخذها، ألا ترى ان من ألجأ غيره ظلما بتخويف ~~القتل إلى اعطائه المال أو الثياب يجب عليه اعطائه بحكم العقل خوفا من ~~القتل، ولا يجوز للظالم الملجئ أخذ ذلك على وجه من الوجوه (2). # وليس لاحد أن يقول: ان هذا يبطل فائدة الانذار، لأنه متى لم يجب القبول ~~فلا وجه لوجوب الانذار عليهم وذلك انا قد بينا انه قد يجب الانذار في مواضع ~~ذكرناها، وان ms062 لم يجب القبول من المنذر لما بيناه، فكذلك القول فيما قالوه. # فأما حملهم (3) * ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذلك دليلنا ~~لأنا قد بينا أنه لا يجب القبول منه الا بعد أن يدل العلم المعجز على صدقه، ~~فحينئذ يجب القول منه. # فنظير هذا أن يدل دليل على وجوب العمل بما أنذروا به حتى يجب علينا العمل ~~به. # وفي هذا القدر كفاية في ابطال التعلق بهذه الآية. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ # PageV01P110 # فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (1). # قالوا: أوجب علينا التوقف عند خبر الفاسق، فينبغي أن يكون خبر العدل ~~بخلافه وأن يجب العمل به وترك التوقف فيه (2). # وهذا أيضا لا دلالة فيه لان هذا أولا استدلال بدليل (3) * الخطاب (4) ومن ~~أصحابنا (5) من قال: ان دليل الخطاب ليس بدليل، فعلى هذا المذهب لا يمكن # PageV01P111 # الاستدلال بالآية. # وأما من قال بدليل الخطاب (1) فإنه يقول لا يصح أيضا الاستدلال بها من ~~وجوه (2) *. # أحدها: ان هذه الآية نزلت في (3) * فاسق (4) أخبر بردة قوم (5) وذلك لا ~~خلاف # PageV01P112 # انه لا يقبل فيه أيضا خبر العدل، لأنه لا يجوز أن يحكم بارتداد أقوام ~~بخبر الواحد العدل. # والثاني: ان تعليل الآية يمنع من الاستدلال بها، لان الله تعالى علل خبر ~~الفاسق فقال: " أن تصيبوا قوما بجهالة " وذلك قائم في خبر العدل، لان خبره ~~إذا كان لا يوجب العلم، فالتجويز في خبره حاصل مثل التجويز في خبر الفاسق. # وليس لاحد أن يقول: اني أمنع من تجويز ذلك في العدل، لأنه لو كان ذلك ~~جائزا لما علق تجويز الجهالة بالفاسق؟ # لان ذلك لا يصح من وجهين: # أحدهما: ان هذا يقتضي أن يقطع على أنه يعلم بخبر العدل، لان الجهل لا ~~يرتفع الا ويحصل العلم، وذلك لا يقوله أحد. # والثاني: انه ليس من يمنع من تجويز الجهالة في خبر العدل من حيث علق ~~الحكم بخبر الفاسق بأولى ممن قال: أنا أمنع بحكم التعليل من دليل الخطاب في ~~تعليق الحكم ms063 بخبر الفاسق، لأنه لا يمتنع ترك دليل الخطاب لدليل، والتعليل ~~دليل، فيسقط على كل حال التعلق بالآية. # واستدل قوم: بقوله تعالى: " ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ~~من بعد ما بيناه " (1) الآية. # وقالوا: حظر الكتمان يقتضي وجوب الاظهار، ووجوب ذلك يقتضي وجوب القبول، ~~والا فلا فائدة في الآية (2). # PageV01P113 # وهذه الآية أيضا لا دلالة فيها من وجوه (1): # منها: ما قدمناه في الآية الأولى من أن هاهنا مواضع كثيرة يجب الانذار ~~فيها والتخويف، وان لم يجب القبول على المنذر الا أن ينضاف إليه امر آخر ~~فكذلك القول في الاظهار. # ومنها: انه ليس في الآية الا تحريم كتمان ما أنزله الله تعالى في الكتاب، ~~وظاهر ذلك يقتضي ان المراد به القرآن وذلك يوجب العلم (1) دون خبر الواحد ~~الذي لا يوجبه. # وليس لاحد أن يقول: فقد قال بعد ذلك " والهدى " فيدخل فيه سائر الأدلة. # لان ذلك لا يصح من وجهين: # أحدهما: انه قال بعد ذلك " من بعد ما بيناه للناس في الكتاب " فقد عاد ~~الامر إلى أنه أراد به الكتاب. # والثاني: انه يقتضي وجوب اظهار ما هو دليل، ويحتاج أن يثبت أولا ان خبر ~~الواحد دليل بغير الآية حتى يتناوله قوله " والهدى " فإذا لم يثبت دليل لا ~~يمكن حمل الآية عليه، وإذا أثبت استغنى عن الاستدلال بالآية. # وقد استدل الخلق منهم من الفقهاء والمتكلمين (2) باجماع الصحابة بأن ~~قالوا: # PageV01P114 # وجدنا الصحابة قد عملت بأخبار الآحاد وشاع ذلك فيما بينهم، نحو ما روي عن ~~عمر انه قبل خبر حمل بن مالك (1) في الجنين وقال: (كدنا أن نقضي فيه ~~برأينا) (2) وخبر الضحاك (3) في توريث المرأة من دية زوجها (4)، وخبر عبد ~~الرحمن في أخذ الجزية من المجوس (5). وكانوا في ذلك بين طائفتين، طائفة ~~تعمل بهذه الاخبار، والأخرى لا # PageV01P115 # تنكر عليهم فلولا ان العمل بها كان صحيحا جائزا والا كانوا قد أجمعوا على ~~الخطأ وذلك لا يجوز. # والاستدلال بهذه الطريقة لا يصح من وجوه. # أحدها: ان هذه الأخبار التي رووها كلها أخبار آحاد، والطريق إلى أنهم ~~عملوا ms064 بها أيضا أخبار آحاد، لأنها لو كانت متواترة لكانت توجب العلم ~~الضروري عندهم (1)، ونحن لا نعلم ضرورة أن الصحابة عملت بأخبار الآحاد، ~~فإذا لا يصح الاعتماد على هذه الأخبار، لان المعتمد عليها يكون أوجب العمل ~~بخبر الواحد وذلك لا يجوز. # ولا خلاف أيضا بين الأصوليين في أن وجوب العمل بأخبار الآحاد طريقة العلم ~~دون الظن واخبار الآحاد قد (2) دللنا على انها لا توجب العلم، فسقط من هذا ~~الوجه الاحتجاج بهذه الطريقة. # والثاني: انا لو سلمنا انهم عملوا بهذه الاخبار، من أين لهم انهم عملوا ~~بها من حيث كانت اخبار آحاد ومن أجلها؟ وما ينكرون على من قال: انهم عملوا ~~لدليل دلهم على صحة ما تضمنته هذه الأخبار؟ أو قرينة اقترنت إليها أوجبت ~~صحتها؟ أو يكون العامل بها كان قد سمع كما يسمع الراوي، فلما روي له ذلك ~~تذكر ما كان نسيه فعمل به لأجل علمه لا لأجل روايته (3). # PageV01P116 # وليس لاحد أن يقول إذا عملوا عند سماع هذه الأخبار، ولم يعملوا قبل ذلك، ~~علم أن عملهم لأجلها دون أمر آخر ويبين ذلك قول عمر في خبر الجنين: (كدنا ~~أن نقضي فيه برأينا) (1) وفي خبر آخر: (لولا هذا لقضينا فيه برأينا (1)). ~~فنبه (2) انه عدل عن الرأي إلى ما عمل به لأجل الخبر لا لأجل علمه أو أمر ~~آخر. # وكذلك روى عنه انه كان ممن يرى المفاضلة في دية الأصابع حتى أخبر عن كتاب ~~عمرو بن حزم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " في كل إصبع عشرة من ~~الإبل " (3) فسوى بين الكل وفي ذلك ابطال قول من قال جوزوا أن يكونوا عملوا ~~بهذه الاخبار لأمر آخر. # وذلك: انه لا يمتنع انهم قبل رواية هذه الأخبار لم يعملوا لأنهم كانوا ~~ناسين لذلك فلما روى لهم الخبر ذكروا ما كانوا نسوه فعملوا به لأجل الخبر. # فأما قول عمر: (كدنا ان نقضي فيه برأينا) (1) فلا يمتنع أيضا أن يكون لما ~~كان نسي الخبر وبعد عهده به أراد أن يقضى برأيه فيه، فلما روى له ms065 الخبر ~~تذكر ما تضمنه الخبر فرجع إلى ما علمه، وأخبر انه لولا هذا الخبر الذي كان ~~سببا لتذكاره كاد أن يقضي برأيه. # وأما رجوعه إلى كتاب عمرو بن حزم في الدية (3)، فان كتاب عمرو بن حزم (4) # PageV01P117 # كان معلوما بين الصحابة، وانه من املاء رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولم يكن طريق ذلك خبر الواحد، فلأجل ذلك رجع إليه. # والثالث: انا لو سلمنا انهم عملوا بهذه الاخبار لأجلها لم يكن أيضا فيه ~~دلالة، لأنه ليس جميع الصحابة عمل بها، وانما عمل بها بعضهم وليس فعل بعضهم ~~حجة، وانما الحجة في فعل جميعهم. # وليس لهم أن يقولوا: انهم بين طائفتين طائفة عملت بها وطائفة لم تنكر ~~عليهم العمل بها، فلو لم يكن صحيحا لكانوا قد أجمعوا على الخطأ (1). # وكذلك (2) ان هذا لا يصح من وجهين: # أحدهما: انه من أين لهم حيث لم ينكروا كانوا راضين بأفعالهم مصوبين لهم ~~ما عملوا؟ وما المانع من أن يكونوا كارهين لذلك منكرين بقلوبهم، ومنع من ~~اظهار ذلك بعض الموانع (3). # وانما يمكن الاعتماد على سكوتهم إذا لم يكن لسكوتهم وجه غير الرضا فحينئذ ~~يحمل عليه فاما ويمكن غير ذلك فينبغي أن لا يقطع به على الرضا. # وأيضا فإنما يجب عليهم انكار ذلك إذا علموا انهم عملوا بهذه الاخبار ~~لأجلها وغير ممتنع أن يكونوا شاكين في حال العاملين بها مجوزين، لأنهم ~~عملوا بها لدليل دلهم على صحة هذه الأخبار أو لتذكرهم، فلأجل ذلك لم ~~ينكروهم. # والوجه الثاني: انهم قد أنكروا أجمع العمل بأخبار (4) الآحاد، ألا ترى ~~إلى ما # PageV01P118 # روى عن أبي بكر انه لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة (1) في الجدة حتى شهد ~~معه محمد بن مسلمة (2). # وما روى عن عمر انه لم يقبل خبر أبي موسى (3) في الاستئذان (4) حتى شهد ~~معه أبو سعيد (5). # وما روى عن علي عليه السلام انه لم يقبل خبر ابن سنان الأشجعي (6) وغير # PageV01P119 # ذلك مما لا يحصى كثرة. # ورد هذه الأخبار ظاهر بينهم كما ظهر بينهم العمل بما ذكروه من الاخبار ms066 ~~فان كان عملهم بما عملوه دليلا على جوازه، فردهم لما ردوه يجب أن يكون ~~دليلا على المنع منه، ولا فرق بينهما على حال. # وليس لاحد أن يقول (1): نحن لا ننكر رد كثير من الاخبار إذا لم يكن شرط ~~وجوب القبول فيه ثابتا. # وذلك: ان هذا التأويل في رد هذه الأخبار انما يسوغ إذا ثبت انهم عملوا ~~بخبر الواحد فاما ولما يثبت ذلك بل نحن في سبر (2) ذلك فلا يمكن تأويل ذلك. # ولا فرق بين من تأول هذه الأخبار وقال: انهم ردوها لبعض العلل، ليسلم له ~~العمل بتلك الأخبار وبين من عكس ذلك فقال: انهم عملوا بتلك الأخبار لقيام ~~دليل دلهم على ذلك غير نفس الاخبار، لتسلم له ظواهر هذه الأخبار ولا فرق ~~بينهما على حال. # على أن هذه الطريقة التي اعتمدوها توجب عليهم وجوب النسخ بخبر الواحد ~~لأنهم نسخوا القبلة بخبر الواحد، لأنه روى أن أهل قباء كانوا في الصلاة # PageV01P120 # متوجهين إلى بيت المقدس فجاءهم مخبر فقال لهم: ان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم حول قبلته إلى الكعبة، فداروا إلى التوجه إلى الكعبة (1)، وكان ~~ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم نجده عليه السلام أنكر عليهم ~~ذلك، فينبغي أن يكون على قانون طريقتهم يجوز النسخ بخبر الواحد، وذلك لا ~~يقوله أحد (2). # وليس لهم أن يقولوا: ان أهل قباء كانوا قد علموا نسخ القبلة بغير ذلك ~~الخبر، فلأجل ذلك عملوا به. # لان عليهم فيما استدلوا به من الاخبار مثله بأن يقال: وانما عملوا بتلك ~~الأخبار لأنه كان سبق لهم العلم بما تضمنته تلك الأخبار، فذكروه عند حصولها ~~كما قلتموه في أهل قباء حذو النعل بالنعل. # واستدلوا أيضا بما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعثه رسله ~~إلى الأطراف، وعماله، وسعاته إلى النواحي وأمره إياهم بالدعاء إلى الله ~~تعالى وإلى رسوله وشريعته، فلولا ان القبول كان واجبا منهم، والا لم يكن ~~لذلك فائدة (3). # وهذا لا يمكن الاعتماد عليه، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms067 كان يبعث ~~برسله ويأمرهم أولا بالدعاء إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولا خلاف ان ذلك طريقة الدليل، وانه لا يجوز قبول خبر الواحد فيه، بل ~~يجب الرجوع # PageV01P121 # في ذلك إلى الأدلة الواضحة فيه فكذلك القول في الأحكام الشرعية. # فان قالوا: إنهم كانوا يدعونهم إلى معرفة الله تعالى وينبهونهم على ما هو ~~مركوز في عقولهم من الأدلة الدالة على توحيده وعدله، وكذلك يدعونهم إلى ~~النبوة والاقرار به، ويقرأون عليهم القرآن الدال على صدقه في دعواه. # قيل لهم: فإذا قد صار لدعائهم إلى ما يدعون إليه فائدة غير وجوب القبول ~~منهم، وإذا جاز ذلك في المعرفة والنبوة، جاز له أن يقول في أحكام الشريعة ~~مثله. بأن يقول إنهم كانوا ينبهونهم على الطرق الدالة على أحكام الشريعة من ~~الكتاب والسنة المتواترة بها ويجب عليهم النظر فيها ليحصل لهم العلم بصحة ~~ما يتضمنه. # ثم يقال لهم: طريق التعبد بخبر الواحد ووجوب العمل به الشرع، لان العقل ~~قد بينا انه لا يدل على ذلك، فمن أين يعلمون انهم قد تعبدوا بوجوب (1) ~~القبول من الرسل والعمال وغيرهم، حتى يجب عليهم القبول منهم؟ # فان أحالوا على جهة من الجهات من تواتر أو غير ذلك، قلنا مثله في سائر ~~الأحكام ، وسقط التعلق بهذه الطريقة. # فان قيل: فما قولكم في المواضع النائية التي يقطع على أنه لا تواتر اتصل ~~بهم بأحكام الشريعة، أليس كان يجب عليهم القبول من الرسل والعمال، وليس ~~هناك طريق يعلمون به أحكام الشريعة. # قيل له: إذا فرضت المسألة في الموضع الذي ذكر في السؤال فلأصحابنا عن ذلك ~~جوابان: # أحدهما: انه لا يجب عليهم القبول منهم، وينبغي أن يكونوا متمسكين بحكم ~~العقل إلى أن ينقطع عذرهم بأحكام الشريعة فحينئذ يجب عليهم العمل به. # والجواب الثاني: انه إذا كان القوم بحيث لم يتصل بهم الشريعة على وجه ~~ينقطع العذر، وكانت المصلحة لهم في العمل بتلك الشريعة، فإنه لا يجوز ان ~~يبعث # PageV01P122 # إليهم الا معصوما لا يجوز عليه التغير والتبديل، ويظهر على يده ms068 علم معجز ~~يستدلون به على صدقه، فإذا علموا صدقه وجب عليهم القبول منه. # وعلى الوجهين جميعا سقط السؤال. # ثم يقال لهم: إذا كان القوم بحيث فرضتم من البعد، من أين يعلمون انهم ~~متعبدون بوجوب قبول قول الرسل والرجوع إلى ما يقولونه في أحكام الشريعة؟ # فلابد لهم من أن يحيلوا على جهة أخرى غير مجرد أقوالهم فنقول لهم مثل ذلك ~~في سائر الأحكام، وسقط السؤال. # واستدلوا أيضا بأن قالوا: لا خلاف في أنه يجب على المستفتي الرجوع إلى ~~المفتي مع تجويزه الغلط عليه، فكذلك أيضا يجب الرجوع إلى خبر الواحد وإن ~~جوز على المخبر الغلط (1). # وهذا أيضا لا يصح الاستدلال به، لان لأصحابنا في هذه المسألة مذهبين. # أحدهما: انه لا يجوز للمستفتي القبول من المفتي، بل يلزمه طلب الدليل كما ~~لزم (2) المفتي، فعلى هذا سقط السؤال. # PageV01P123 # والمذهب الاخر: انه يجوز ذلك. # والجواب عنه: على هذا المذهب (1): ان هذا قياس، ولا خلاف ان هذه المسألة ~~لا تثبت بالقياس لان طريقها العلم. # ولم إذا وجب ذلك في المستفتي والمفتي يجب مثل ذلك في خبر الواحد؟ # فان جمعوا بينهما بعلة انه يجوز على كل واحد منهما الخطأ كان ذلك قياسا، ~~وقد اتفقنا على أن طريق وجوب العمل بخبر الواحد العلم دون القياس. # على أن ذلك انما يمكن أن يستدل به على جواز ورود العبادة بخبر الواحد دون ~~أن يجعل طريقا إلى وجوب ذلك. # وهذه الجملة كافية في ابطال هذه الشبهة. # وقد استدلوا بأشياء يجري مجرى ما ذكرناه مثل حملهم ذلك على الشهادة وغير ~~ذلك (2). # والجملة التي ذكرناها تنبه على طريقة الكلام على جميع ذلك، فلا فائدة في ~~التطويل. # PageV01P124 # فأما من راعى أن يكون الراوي أكثر من واحد (1)، واستدلاله على ذلك بخبر ~~أبي بكر في الجدة (2) وخبر عمر في الاستئذان (3)، وحديث ذي اليدين (4) في ~~سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانه لم يقبل منه حتى سأل غيره من ~~الصحابة وحمله ذلك على الشهادة وغير ذلك. # فما ذكرناه من الكلام على من لم يراع العدد ms069 كلام عليه لأنا اعتبرنا المنع ~~من كل # PageV01P125 # خبر لا يوجب العلم، فلا وجه لاعتبار هذا العدد. # وقلنا: ان هذه الأخبار كلها أخبار آحاد لا يصح التعلق بها. # ومنعنا من أنهم عملوا بها لأجلها ومنعنا أيضا من أن يكونوا كلهم عملوا ~~بها وبينا أيضا انهم أنكروا أيضا العمل باخبار الآحاد في مواضع، فالطريق ~~إلى ابطال ذلك واحد. # فأما ما اخترته من المذهب فهو: # ان خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ~~ذلك مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن واحد من الأئمة عليهم ~~السلام وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله ولم تكن هناك قرينة ~~تدل على صحة ما تضمنه الخبر، لأنه ان كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان ~~الاعتبار بالقرينة، وكان ذلك موجبا للعلم. - ونحن نذكر القرائن فيما بعد - ~~التي جاز العمل بها. # والذي يدل على ذلك: اجماع الفرقة المحقة، فاني وجدتها مجمعة على العمل ~~بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ~~ولا يتدافعونه (1) حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه سألوه من أين ~~قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل (2) مشهور، وكان راويه ثقة لا ~~ينكر حديثه سكتوا وسلموا الامر في ذلك وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيتهم من ~~عهد # PageV01P126 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة عليهم السلام ومن زمن ~~الصادق جعفر بن محمد عليه السلام الذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من ~~جهته، فلولا ان العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ولأنكروه، ~~لان اجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو. # والذي يكشف عن ذلك أنه لما كان العمل بالقياس محظورا في الشريعة عندهم لم ~~يعملوا به أصلا، وإذا شذ منهم واحد (1) عمل به في بعض المسائل، أو استعمله ~~على وجه المحاجة لخصمه، وان لم يعلم اعتقاده تركوا قوله وأنكروا عليه ~~وتبرأوا من قوله، حتى أنهم يتركون تصانيف من وصفناه ورواياته ms070 لما كان عاملا ~~بالقياس (1) فلو كان العمل بخبر الواحد يجرى ذلك المجرى، لوجب أيضا فيه مثل ~~ذلك وقد علمنا خلافه. # فان قيل: كيف تدعون الاجماع على الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد، ~~والمعلوم من حالها انها لا ترى العمل بخبر الواحد، كما أن المعلوم من حالها ~~انها لا ترى العمل بالقياس، فان جاز ادعاء أحدهما جاز ادعاء الاخر. # قيل لهم (2): من حالها الذي لا ينكر ولا يدفع انهم لا يرون العمل بخبر # PageV01P127 # الواحد الذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد ويختصون بطريقه فأما ما يكون ~~راويه منهم وطريقة أصحابهم، فقد بينا ان المعلوم خلاف ذلك، وبينا الفرق بين ~~ذلك وبين القياس أيضا وانه لو كان معلوما حظر العمل بخبر الواحد، لجرى مجرى ~~العلم بحظر القياس وقد علم خلاف ذلك. # فان قيل: أليس شيوخكم لا تزال يناظرون خصومهم في أن خبر الواحد لا يعمل ~~به، ويدفعونهم عن صحة (1) ذلك، حتى أن منهم من يقول: (لا يجوز ذلك عقلا) ~~ومنهم من يقول: (لا يجوز ذلك لان السمع لم يرد به) (2) وما رأينا أحدا منهم ~~تكلم في جواز ذلك، ولا صنف فيه كتابا، ولا أملى فيه مسألة، فكيف تدعون أنتم ~~خلاف ذلك؟ # قيل له: من (3) أشرت إليهم من المنكرين لاخبار الآحاد انما كلموا من ~~خالفهم في الاعتقاد ودفعوهم عن وجوب العمل بما يروونه من الاخبار المتضمنة ~~الاحكام التي يروون هم خلافها، وذلك صحيح على ما قدمناه ولم نجدهم اختلفوا ~~فيما بينهم وأنكر بعضهم على بعض العمل بما يروونه، الا مسائل دل الدليل ~~الموجب للعلم على صحتها، فإذا خالفوهم فيها، أنكروا عليهم لمكان الأدلة ~~الموجبة للعلم، والأخبار المتواترة بخلافه. # فأما من أحال ذلك عقلا (4)، فقد دللنا فيما مضى على بطلان (5) قوله وبينا ~~ان ذلك جائز فمن أنكره كان محجوجا بذلك. # على أن الذين أشير إليهم في السؤال أقوالهم متميزة من بين أقوال الطائفة # PageV01P128 # المحقة، وعلمنا انهم لم يكونوا أئمة معصومين وكل قول علم قائله وعرف نسبه ~~(1) وتميز من أقاويل سائر الفرقة المحقة، لم يعتد بذلك القول ms071 لان قول ~~الطائفة انما كان حجة من حيث كان فيها معصوم فإذا كان القول صادرا من غير ~~معصوم علم أن قول المعصوم داخل في باقي الأقوال، ووجب المسير إليه على ما ~~نبينه في باب الاجماع. # فان قيل: إذا كان العقل يجوز العمل بخبر الواحد، والشرع قد ورد به، ما ~~الذي حملكم على الفرق بين ما ترويه الطائفة المحقة وبين ما يرويه أصحاب ~~الحديث من العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهلا عملتم بالجميع، ~~أو منعتم من الكل؟ # قيل: العمل بخبر الواحد إذا كان دليلا شرعيا فينبغي أن نستعمله بحيث ~~قررته الشريعة، والشرع يرى العمل بما يرويه طائفة مخصوصة فليس لنا أن نتعدى ~~إلى غيرها، كما أنه ليس لنا ان نتعدى من رواية العدل إلى رواية الفاسق. # وان كان العقل مجوزا لذلك أجمع على أن من شرط العمل بخبر الواحد، أن يكون ~~راويه عدلا بلا خلاف وكل من أسند إليه ممن خالف الحق لم تثبت عدالته، بل ~~ثبت فسقه، فلأجل ذلك لم يجيز العمل بخبره. # فان قيل: هذا القول يؤدى إلى أن يكون الحق في جهتين مختلفتين إذا عملوا ~~بخبرين مختلفين، والمعلوم من حال أئمتكم وشيوخكم خلاف ذلك (2). # قيل له: المعلوم من ذلك أنه لا يكون الحق في جهتهم وجهة من خالفهم في ~~الاعتقاد، فاما أن يكون المعلوم انه لا يكون الحق في جهتين إذا كان ذلك ~~صادرا من خبرين مختلفين، فقد بينا ان المعلوم خلافه، والذي يكشف عن ذلك ~~أيضا ان من منع من العمل بخبر الواحد يقول: ان هاهنا أخبارا كثيرة لا ترجيح ~~لبعضها على بعض، والانسان فيها مخير، فلو أن اثنين اختار كل واحد منهما ~~العمل بواحد من الخبرين # PageV01P129 # أليس كانا يكونان مختلفين وقولهما حق على مذهب هذا القائل؟ فكيف يدعى ان ~~المعلوم خلاف ذلك؟ # ويبين ذلك أيضا: انه قد روى عن الصادق عليه السلام انه سئل عن اختلاف ~~أصحابه في المواقيت وغير ذلك؟ فقال عليه السلام: (انا خالفت بينهم) (1) ~~فترك الانكار لاختلافهم، ثم أضاف الاختلاف ms072 إلى أنه أمرهم به، فلولا ان ذلك ~~كان جائزا لما جاز ذلك عنه (2). # فان قيل: اعتباركم الطريقة التي ذكرتموها في وجوب العمل بخبر الواحد يوجب ~~عليكم قبولها فيما طريقه العلم، لان الذين أشرتم إليهم إذا قالوا قولا ~~طريقه العلم من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة وغير ذلك فسألوا عن ~~الدلالة على صحته أحالوا على هذه الأخبار بعينها فان كان هذا القدر حجة ~~فينبغي أن يكون حجة في وجوب قبولهما فيما طريقه العلم، وقد أقررتم بخلاف ~~ذلك. # قيل له (3): لا نسلم ان جميع الطائفة تحيل على أخبار الآحاد فيما طريقه ~~العلم مما عددتموه، وكيف نسلم ذلك وقد علمنا بالأدلة الواضحة العقلية ان ~~طريق هذه الأمور العقل، أو ما يوجب العلم من أدلة الشرع فيما يمكن ذلك ~~فيه؟! # وعلمنا أيضا: ان الامام المعصوم لابد أن يكون قائلا به فنحن لا نجوز أن ~~يكون المعصوم داخلا في قول العاملين في هذه المسائل بالاخبار، وإذا لم يكن ~~قوله داخلا في جملة أقوالهم، فلا اعتبار بها، وكانت أقوالهم في ذلك مطرحة. # وليس كذلك القول في أخبار الآحاد، لأنه لم يدل دليل على أن قول الإمام # PageV01P130 # داخل في جملة أقوال المنكرين لها، بل بينا ان قوله عليه السلام داخل في ~~جملة أقوال العاملين بها، وعلى هذا سقط السؤال. # على أن الذي ذكروه مجرد الدعوى من الذي أشير إليه ممن يرجع إلى الاخبار ~~في هذه المسائل، فلا يمكن اسناد ذلك إلى قوم علماء متميزين، وان قال ذلك ~~بعض غفلة أصحاب الحديث، فذلك لا يلتفت إليه على ما بيناه. # فان قيل: كيف تعملون بهذه الاخبار، ونحن نعلم أن رواتها أكثرهم كما رووها ~~رووا أيضا أخبار الجبر (1) والتشبيه (2)، وغير ذلك من الغلو (3) والتناسخ ~~(4) وغير ذلك من المناكير، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء؟ # قيل لهم: ليس كل الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر في ~~السؤال، ولو صح انه نقله لم يدل على أنه كان معتقدا لما تضمنه الخبر ولا ~~يمتنع أن يكون انما رواه ليعلم ms073 انه لم يشذ عنه شئ من الروايات، لا لأنه ~~يعتقد ذلك. # ونحن لم نعتمد على مجرد نقلهم، بل اعتمادنا على العمل الصادر من جهتهم، ~~وارتفاع النزاع (5) بينهم، فأما مجرد الرواية فلا حجة فيه على حال. # فان قيل: كيف تعولون على هذه الأخبار وأكثر رواتها المجبرة (6)، والمقلدة # PageV01P131 # والغلاة (1) والواقفة (2)، والفطحية (3) وغير هؤلاء من فرق الشيعة ~~المخالفة (4) اعتقادهم للاعتقاد الصحيح. # ومن شرط خبر الواحد أن يكون راويه عدلا عند من أوجب العمل به، وهذا مفقود ~~في هؤلاء. # وان عولتم على عملهم دون روايتهم، فقد وجدناهم عملوا بما طريقه هؤلاء ~~الذين ذكرناهم و (5) ذلك لا يدل على جواز العمل بأخبار الكفار والفساق. # قيل لهم: إنا لا نقول ان جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط ~~نحن نذكرها فيما بعد ونشير ها هنا إلى جملة من القول فيه: # فأما ما ترويه العلماء المعتقدون للحق، فلا طعن على ذلك بهذا السؤال. # وأما ما يرويه قوم من المقلدة فالصحيح الذي اعتقده ان المقلد للحق وان ~~كان مخطئا في الأصل معفو عنه، ولا أحكم فيه بحكم الفساق. فلا يلزم على هذا ~~ترك ما نقلوه. # على أن من أشاروا إليه لا نسلم انهم كلهم مقلدة، بل لا يمتنع أن يكونوا ~~عالمين بالدليل على سبيل الجملة، كما تقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل ~~الأسواق # PageV01P132 # والعامة، وليس من حيث يتعذر عليهم ايراد الحجج في ذلك، ينبغي أن يكونوا ~~غير عالمين، لان ايراد الحجج والمناظرة صناعة، وليس يقف حصول المعرفة على ~~حصولها كما قلناه في أصحاب الجمل. # وليس لاحد أن يقول: أن هؤلاء ليسوا من أصحاب الجمل لأنهم إذا سئلوا عن ~~التوحيد أو العدل أو صفات الله تعالى أو صحة النبوة، قالوا كذا روينا ~~ويروون في ذلك كله الاخبار. # وليس هذا طريقة أصحاب الجمل (1) * وذلك لأنه لا يمتنع أن يكون هؤلاء ~~أصحاب الجمل وقد حصلت لهم المعرفة (2) بالله تعالى، غير أنهم لما تعذر ~~عليهم ايراد الحجج في ذلك، أحالوا على ما كان سهلا عليهم، وليس يلزمهم (3) ~~* أن ms074 يعلموا ان ذلك لا يصح أن يكون دليلا الا بعد أن يتقدم المعرفة بالله ~~تعالى وانما الواجب عليهم أن يكونوا عالمين، وهو عالمون على الجملة كما ~~قررناه (4)، فما يتفرع عليه الخطأ (5) * فيه لا يوجب التكفير ولا التضليل. # وأما الفرق الذين أشاروا إليهم من الواقفة، والفطحية وغير ذلك، فعن ذلك ~~جوابان (6) *. # PageV01P133 # أحدهما: ان ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقات في النقل - وان ~~كانوا مخطئين في الاعتقاد (من القول بالوقف) (1) - إذا علم من اعتقادهم ~~تمسكهم بالدين، وتحرجهم من الكذب ووضع الأحاديث، وهذه كانت طريقة جماعة ~~عاصروا الأئمة عليهم السلام، نحو عبد الله بن بكير (2) وسماعة بن مهران (3) ~~ونحو بني فضال (4) من المتأخرين عنهم وبني سماعة (5) ومن شاكلهم. # فإذا علمنا أن هؤلاء الذين أشرنا إليهم وان كانوا مخطئين في الاعتقاد من ~~القول بالوقف وغير ذلك، كانوا ثقات في النقل فما يكون طريقة هؤلاء جاز ~~العمل به. # والجواب الثاني: ان جميع ما يرويه هؤلاء إذا اختصوا بروايته لا يعمل به ~~وانما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة ~~والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به. فأما إذا انفرد، فلا يجوز ذلك فيه ~~على حال. # PageV01P134 # وعلى هذا سقط الاعتراض. # فأما ما رواه الغلاة، ومن هو مطعون عليه في روايته، ومتهم في وضع ~~الأحاديث، فلا يجوز العمل بروايته إذا انفرد. وإذا انضاف إلى روايته رواية ~~بعض الثقات جاز ذلك، ويكون ذلك لأجل رواية الثقة دون روايته. # وأما المجبرة والمشبهة فأقل (1) ما في ذلك انا لا نعلم أنهم مجبرة ولا ~~مشبهة، وأكثر ما معنا انهم كانوا يروون ما يتضمن الجبر والتشبيه، وليس ~~روايتهم لها دليلا على أنهم كانوا معتقدين لصحتها، بل بينا الوجه في ~~روايتهم (2) لها، وانه غير الاعتقاد لمتضمنها، ولو كانوا معتقدين للجبر ~~والتشبيه كان الكلام على ما يروونه كالكلام على ما ترويه الفرق المتقدم ~~ذكرها وقد بينا ما عندنا في ذلك. # وهذه جملة كافية في ابطال هذا السؤال. # فان قيل: ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم ms075 يعملوا بهذه الاخبار ~~لمجردها (3)؟ بل انما عملوا بها لقرائن اقترنت بها دلتهم على صحتها [و] ~~لأجلها عملوا بها ولو تجردت لما عملوا بها وإذا جاز ذلك لم يكن الاعتماد ~~على عملهم بها. # قيل له: القرائن التي تقترن بالخبر وتدل على صحته أشياء مخصوصة - نذكرها ~~فيما بعد - من الكتاب والسنة، والاجماع، والتواتر. ونحن نعلم أنه ليس في ~~جميع المسائل التي استعملوا فيها أخبار الآحاد ذلك لأنها أكثر من أن تحصى ~~موجودة في كتبهم وتصانيفهم وفتاواهم، لأنه ليس في جميعها يمكن الاستدلال ~~بالقرآن، لعدم ذكر ذلك في صريحه وفحواه، أو دليله ومعناه، ولا في السنة ~~المتواترة لعدم ذلك في أكثر # PageV01P135 # الاحكام (1) * بل لوجودها في مسائل معدودة، ولا في الاجماع لوجود ~~الاختلاف في ذلك فعلم أن ادعاء القرائن في جميع هذه المسائل دعوى محالة. # ومن ادعى القرائن في جميع ما ذكرناه وكان السبر (2) بيننا وبينه بل كان ~~معولا على ما يعلم ضرورة خلافه، مدافعا لما يعلم من نفسه ضده ونقيضه. # ومن قال عند ذلك: اني متى عدمت شيئا من القرائن حكمت بما كان يقتضيه ~~العقل (3) *. يلزمه أن يترك أكثر الاخبار وأكثر الاحكام ولا يحكم فيها بشئ ~~ورد الشرع به. # وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته، لأنه يكون ~~معولا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه. # ومما يدل أيضا على جواز العمل بهذه الاخبار التي أشرنا إليها ما ظهر بين ~~الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها فاني وجدتها مختلفة المذاهب ~~في الاحكام، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من ~~الطهارة إلى أبواب الديات من العبادات، والاحكام، والمعاملات، والفرائض، ~~وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية (4) * في الصوم. # واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا؟ # ومثل اختلافهم في باب الطهارة وفي مقدار (5) * الماء الذي لا ينجسه شئ. # PageV01P136 # ونحو اختلافهم في حد الكر. # ونحو اختلافهم في استئناف (1) * الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين. # واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس. # واختلافهم ms076 في عدد فصول الأذان والإقامة (2) * وغير ذلك في سائر أبواب ~~الفقه حتى أن بابا منه لا يسلم الا (وقد) (3) وجدت العلماء من الطائفة ~~مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوى! # وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الأحاديث المختلفة التي تختص الفقه ~~في كتابي المعروف ب‍ (الاستبصار) (4) وفي كتاب (تهذيب الأحكام) (5) ما يزيد # PageV01P137 # على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك ~~أشهر من أن يخفى حتى انك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على ~~اختلاف (1) * أبي حنيفة (2)، والشافعي، ومالك (3) ووجدتهم مع هذا الاختلاف ~~العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه، ولم ينته إلى تضليله وتفسيقه ~~والبراءة من مخالفته، فلولا ان العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما جاز ذلك، ~~وكان يكون من عمل بخبر عنده انه صحيح يكون مخالفه مخطئا مرتكبا للقبيح ~~يستحق التفسيق بذلك وفي تركهم ذلك والعدول عنه دليل على جواز العمل بما ~~عملوا به من الاخبار. # PageV01P138 # فان تجاسر متجاسر إلى أن يقول: كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع، ~~ومن خالفه مخطئ فاسق! # يلزمه أن يفسق الطائفة بأجمعها! ويضلل الشيوخ المتقدمين كلهم! فإنه لا ~~يمكن أن يدعى على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع، ومن بلغ إلى هذا الحد ~~لا يحسن مكالمته، ويجب التغافل عنه بالسكوت. # وان امتنع من تفسيقهم وتضليلهم، فلا يمكنه الا أن العمل بما عملوا به كان ~~حسنا جائزا خاصه وعلى أصولنا (1) * ان كل خطأ وقبيح كبير (2) فيمكن أن ~~يقال: ان خطأهم كان صغيرا فانحبط (3) على ما تذهب إليه المعتزلة (4) فلأجل ~~ذلك لم يقطعوا الموالاة وتركوا التفسيق فيه والتضليل. # فان قال قائل (5) *: أكثر ما في هذا الاعتبار أن يدل على أنهم غير ~~مؤاخذين بالعمل بهذه الاخبار، وانه قد عفى عنهم، وذلك لا يدل على صوابهم، ~~لأنه لا يمتنع # PageV01P139 # أن يكون من خالف الدليل منهم أخطأ وأثم واستحق العقاب، الا انه عفى له عن ~~خطئه وأسقط عنه ما استحقه من العقاب. # قيل له: الجواب عن ذلك ms077 من وجهين: # أحدهما: ان غرضنا (1) * بما اخترناه من المذهب هو هذا، وان من عمل بهذه ~~الاخبار لا يكون فاسقا مستحقا للعقاب، فإذا سلم لنا ذلك ثبت لنا ما هو ~~الغرض المقصود. # والثاني: (2) * ان ذلك لا يجوز: لأنه لو كان قد عفى لهم عن العمل بذلك مع ~~أنه قبيح يستحق به العقاب وأسقط عقابهم، لكانوا مغيرين بالقبيح وذلك لا ~~يجوز لأنهم إذا علموا انهم إذا عملوا بهذه الاخبار لا يستحقون العقاب لم ~~يصرفهم عن العمل بها صارف فلو كان فيها ما هو قبيح العمل به لما جاز ذلك ~~على حال. # فان قيل: لو كانت هذه الطريقة دالة على جواز العمل بما اختلف من الاخبار ~~المتعلقة بالشرع من حيث لم ينكر بعضهم على بعض ولم يفسق بعضهم بعضا ينبغي ~~أن تكون دالة على صوابهم فيما طريقه العلم فإنهم قد اختلفوا في الجبر، ~~والتشبيه، والتجسيم، والصورة (3) وغير ذلك، واختلفوا في أعيان الأئمة ولم ~~نرهم قطعوا الموالاة، ولا أنكروا على من خالفهم، وذلك يبطل ما اعتمدتموه. # قيل: جميع ما عددتموه من الاختلاف الواقع بين الطائفة، فان النكير واقع ~~فيه من الطائفة والتفسيق حاصل فيه، وربما تجاوزا ذلك أيضا إلى التكفير، ~~وذلك أشهر من أن يخفى، حتى أن كثيرا منهم جعل ذلك طعنا على رواية من خالفه ~~في المذاهب التي ذكرت في السؤال وصنفوا في ذلك الكتب وصدر عن الأئمة عليهم ~~السلام # PageV01P140 # أيضا النكير عليهم، نحو إنكارهم على من يقول بالتجسيم والتشبيه، والصورة، ~~والغلو (1) وغير ذلك وكذلك من خالف في أعيان الأئمة عليهم السلام لأنهم ~~جعلوا ما يختص الفطحية، والواقفة، والناووسية (2) وغيرهم من الفرق المختلفة ~~بروايته لا يقبلونه ولا يلتفتون إليه فلو كان اختلافهم في العمل باخبار ~~الآحاد يجرى مجرى اختلافهم في المذاهب التي أشرنا إليها لوجب أن يجروا فيها ~~ذلك المجرى، ومن نظر في الكتب وسبر أحوال الطائفة وأقاويلها وجد الامر ~~بخلاف ذلك. # وهذه أيضا طريقة معتمدة في هذا الباب. # ومما يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه، انا وجدنا الطائفة ميزت الرجال ~~الناقلة ms078 لهذه الأخبار، ووثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء وفرقوا بين من ~~يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، ~~وذموا المذموم وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان ~~مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي وغير ذلك من الطعون ~~التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا (3) * الرجال من جملة ما رووه ~~من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في اسناده ~~وضعفه بروايته (4). # PageV01P141 # هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم فلولا ان العمل بما يسلم من ~~الطعن ويرويه من هو موثوق به جائز، لما كان بينه وبين غيره فرق، وكان يكون ~~خبره مطروحا (1) مثل خبر غيره، فلا يكون فائدة لشروعهم فيما شرعوا فيه من ~~التضعيف والتوثيق وترجيح الاخبار بعضها على بعض، وفي ثبوت ذلك دليل على صحة ~~ما اخترنا. # PageV01P142 # فصل NoteV01P143N05 (في ذكر القرائن التي تدل على صحة أخبار الآحاد (1) * ~~أو على بطلانها، وما يرجح به الاخبار بعضها على بعض، وحكم المراسيل) ~~القرائن التي تدل على صحة متضمن الاخبار التي لا توجب العلم أربع (2) ~~أشياء. # منها: أن تكون موافقة لأدلة العقل وما اقتضاه، لان الأشياء في العقل إذا ~~كانت اما على الحظر أو الإباحة - على مذهب قوم - أو الوقف على ما نذهب ~~إليه. # فمتى ورد الخبر متضمنا للحظر (3) * أو الإباحة، ولا يكون هناك ما يدل على ~~العمل بخلافه، وجب أن يكون ذلك دليلا على صحة متضمنه عند من اختار ذلك. # وأما على مذهبنا الذي نختاره في الوقف، فمتى ورد الخبر موافقا لذلك، # PageV01P143 # وتضمن وجوب التوقف كان دليلا (1) أيضا على صحة متضمنه، الا أن يدل دليل ~~على العمل بأحدهما فيترك (2) * له الخبر والأصل (3). # ومتى كان الخبر متناولا للحظر ولم يكن هناك دليل يدل على الإباحة، فينبغي ~~أيضا المصير إليه، ولا يجوز العمل بخلافه، الا أن يدل دليل يوجب العمل ~~بخلافه، لان هذا (4) * حكم مستفاد بالعقل، ولا ينبغي أن يقطع (5) على حظر ~~ما تضمنه ذلك الخبر، لأنه خبر واحد لا ms079 يوجب العلم فنقطع به، ولا هو موجب ~~(6) * العمل فنعمل به. # وان كان الخبر متضمنا للإباحة ولا يكون هناك خبر آخر أو دليل شرعي يدل ~~على خلافه، وجب الانتقال إليه والعمل به وترك ما اقتضاه الأصل (7) * لان ~~هذا فائدة العمل باخبار الآحاد، ولا ينبغي أن يقطع على ما تضمنه لما قدمنا ~~من (8) وروده موردا لا يوجب العلم. # ومنها: أن يكون الخبر مطابقا لنص الكتاب (9) * اما خصوصه أو عمومه، أو ~~دليله، أو فحواه فان جميع ذلك دليل على صحة متضمنه الا أن يدل دليل يوجب ~~العلم (10) * يقترن بذلك الخبر يدل على جواز تخصيص العموم به، أو ترك دليل ~~الخطاب فيجب حينئذ المصير إليه. # PageV01P144 # وانما قلنا ذلك لما نبينه فيما بعد من المنع من جواز تخصيص العموم بأخبار ~~الآحاد إن شاء الله تعالى. # ومنها: أن يكون الخبر موافقا للسنة المقطوع بها من جهة التواتر، فان ما ~~يتضمنه الخبر الواحد إذا وافقه مقطوع على صحته أيضا وجواز (1) * العمل به ~~وان لم يكن ذلك دليلا على صحة نفس الخبر لجواز (2) أن يكون الخبر كذبا وان ~~وافق السنة المقطوع بها. # ومنها: أن يكون موافقا لما أجمعت الفرقة المحقة عليه، فإنه متى كان كذلك ~~دل أيضا على صحة متضمنه. # ولا يمكننا أيضا أن نجعل اجماعهم دليلا على صحة نفس الخبر، لأنهم يجوز أن ~~يكونوا أجمعوا على ذلك عن دليل غير هذا الخبر، أو خبر غير هذا الخبر ولم ~~ينقلوه استغناءا باجماعهم على العمل به، ولا يدل ذلك على صحة نفس هذا ~~الخبر. # فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الآحاد، ولا يدل على صحتها ~~أنفسها لما بينا من جواز أن تكون الاخبار مصنوعة وان وافقت هذه الأدلة فمتى ~~تجرد الخبر عن واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضا ثم ينظر فيه فان كان ~~ما تضمنه هذا الخبر هناك ما يدل على خلاف متضمنه من كتاب أو سنة أو اجماع ~~وجب اطراحه والعمل بما دل الدليل عليه وان كان ما تضمنه ليس هناك ما يدل ~~على ms080 العمل بخلافه ولا يعرف فتوى الطائفة فيه نظر فان كان هناك خبر آخر ~~يعارضه مما يجرى مجراه وجب ترجيح أحدهما على الاخر، وسنبين من بعد ما يرجح ~~به الاخبار بعضها على بعض. # وان لم يكن هناك خبر آخر مخالفه (3) وجب العمل به لان ذلك اجماع منهم # PageV01P145 # على نقله. # وإذا (1) أجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه، فينبغي أن ~~يكون العمل به مقطوعا عليه. # وكذلك ان وجد هناك فتاوى مختلفة من الطائفة، وليس القول المخالف له ~~مستندا إلى خبر آخر، ولا إلى دليل يوجب العلم (2) وجب اطراح القول الاخر ~~والعمل بالقول الموافق لهذا الخبر، لان ذلك القول لا بد أن يكون عليه دليل. # فإذا لم يكن هناك دليل يدل على صحته، ولسنا نقول بالاجتهاد (3) والقياس ~~يسند ذلك القول إليه، ولا هناك خبر آخر يضاف إليه، وجب أن يكون ذلك القول ~~مطروحا، ووجب العمل بهذا الخبر، والاخذ بالقول الذي يوافقه. # وأما القرائن التي تدل على العمل بخلاف ما يتضمنه الخبر الواحد، فهو أن ~~يكون هناك دليل مقطوع به من كتاب، أو سنة مقطوع بها، أو اجماع من الفرقة ~~المحقة على العمل بخلاف ما تضمنه، فان جميع ذلك يوجب ترك العمل به. # وانما قلنا ذلك لان هذه الأدلة توجب العلم، والخبر والواحد لا يوجب العلم ~~وانما يقتضى غالب الظن (4) * والظن لا يقابل العلم. # وأيضا فقد روى عنهم عليهم السلام انهم قالوا: (إذا جائكم عنا حديثان ~~فاعرضوهما على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فان وافقهما ~~فخذوا به، وما لم يوافقهما فردوه إلينا) (1) فلأجل ذلك رددنا هذا الخبر، ~~ولا يجب على هذا أن نقطع على بطلانه في نفسه لأنه لا يمتنع أن يكون الخبر ~~في نفسه صحيحا وله وجه # PageV01P146 # من التأويل لا نقف عليه، أو خرج على سبب خفى علينا الحال فيه أو تناول ~~شخصا بعينه، أو خرج مخرج التقية وغير ذلك من الوجوه، فلا يمكننا أن نقطع ~~على كذبه، وانما يجب الامتناع من العمل به حسب ما قدمناه. ms081 # فأما الاخبار إذا تعارضت وتقابلت، فإنه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح، ~~والترجيح يكون بأشياء: # منها: أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنة المقطوع بها والاخر ~~مخالفا لهما، فإنه يجب العمل بما وافقهما وترك العمل بما خالفهما. # وكذلك ان وافق أحدهما اجماع الفرقة المحقة، والاخر يخالفه، وجب العمل بما ~~يوافق اجماعهم ويترك (1) العمل بما يخالفه. # فان لم يكن مع أحد الخبرين شئ من ذلك، وكانت فتيا الطائفة مختلفة، نظر في ~~حال رواتهما، فما كان راويه عدلا وجب العمل به وترك العمل بما لم يروه ~~العدل، وسنبين القول في العدالة المراعاة في هذا الباب. # فان كان رواتهما جميعا عدلين، نظر في أكثرهما رواة عمل به وترك العمل ~~بقليل الرواة. # فان كان رواتهما متساويين في العدد والعدالة، عمل بأبعدهما من قول العامة ~~(2) ويترك العمل بما يوافقهم. # PageV01P147 # وان كان الخبران يوافقان العامة أو يخالفانها جميعا نظر في حالهما: # فان كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالخبر الاخر على وجه من الوجوه ~~وضرب من التأويل، وإذا عمل بالخبر الاخر لا يمكن العمل بهذا الخبر، وجب ~~العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الاخر، لان الخبرين جميعا ~~منقولان مجمع على نقلهما، وليس هناك قرينة تدل على صحة أحدهما، ولا ما يرجح ~~أحدهما به على الاخر فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن ولا يعمل بالخبر الذي ~~إذا عمل به وجب اطراح العمل بالخبر الاخر. # وان لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادهما وتنافيهما وأمكن حمل كل واحد ~~منهما على ما يوافق الخبر (الاخر) (1) على وجه كان الانسان مخيرا في العمل ~~بأيهما شاء. # وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الاخر فهو (2): أن يكون ~~الراوي معتقدا للحق، مستبصرا ثقة في دينه، متحرجا من الكذب غير متهم فيما # PageV01P148 # يرويه. # فأما إذا كان مخالفا في الاعتقاد لأصل المذهب وروى مع ذلك عن الأئمة ~~عليهم السلام نظر فيما يرويه. # فان كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره. # وان لم يكن هناك ما ms082 يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به. # وان لم يكن من الفرقة (1) المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه، ولا يعرف لهم ~~قول فيه، وجب أيضا العمل به، لما روى عن الصادق عليه السلام انه قال: (إذا ~~أنزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روى عنا فانظروا إلى ما رووه عن علي ~~عليه السلام فاعملوا به) (2) ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن ~~غياث (3)، وغياث ابن كلوب (4)، ونوح بن دراج (5)، والسكوني (6)، وغيرهم من ~~العامة عن أئمتنا عليهم # PageV01P149 # السلام فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه. # وإذا (1) كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحية، والواقفة، والناووسية ~~وغيرهم نظر فيما يرويه: # فان كان هناك قرنية تعضده أو خبر آخر من جهة الموثوقين بهم، وجب العمل ~~به. # وان كان هناك خبر آخر يخالفه من طريق الموثوقين، وجب اطراح ما اختصوا ~~بروايته والعمل بما رواه الثقة. # وان كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه، ~~وجب أيضا العمل به إذا كان متحرجا في روايته موثوقا في أمانته، وان كان ~~مخطئا في أصل الاعتقاد. # ولأجل (2) ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير ~~وغيره، وأخبار الواقفة مثل سماعة بن مهران، وعلي بن أبي حمزة (3)، وعثمان ~~بن عيسى (4)، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال وبنو سماعة والطاطريون (5) ~~وغيرهم، فيما لم يكن # PageV01P150 # عندهم فيه خلافه. # وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون وغير هؤلاء، فما يختص الغلاة ~~بروايته، فان كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو، عمل بما رووه في حال ~~الاستقامة، وترك ما رووه في حال خطاءهم (1)، ولأجل ذلك عملت الطائفة بما ~~رواه أبو الخطاب محمد ابن أبي زينب (2) في حال استقامته وتركوا ما رواه في ~~حال تخليطه وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائي (3)، وابن أبي عذاقر (4) ~~وغير هؤلاء. # فأما ما يرويه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كل حال. # وكذلك القول فيما ترويه المتهمون والمضعفون. # وان كان هناك ما ms083 يعضد روايتهم ويدل على صحتها وجب العمل به. # وان لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في اخبارهم، ولأجل ~~(5) ذلك توقف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها ولم يرووها واستثنوها في ~~فهارستهم من جملة ما يروونه من التصنيفات (6). # PageV01P151 # فأما من كان مخطئا في بعض الأفعال أو فاسقا بأفعال (1) الجوارح وكان ثقة ~~في روايته، متحرزا فيها، فان ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به لان ~~العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وانما الفسق بأفعال الجوارح يمنع ~~من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار ~~جماعة هذه صفتهم. # فأما ترجيح أحد الخبرين على الاخر من حيث إن أحدهما يقتضى الحظر والاخر ~~الإباحة والاخذ بما يقتضيه (2) الحظر أولى أو الإباحة (3). # فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه في الوقف، لان الحظر والإباحة ~~عندنا (4) مستفادان بالشرع فلا ترجيح بذلك، وينبغي لنا التوقف فيهما جميعا، ~~أو يكون الانسان فيهما مخيرا في العمل بأيهما شاء. # وإذا كان أحد الراويين يروى الخبر بلفظه والاخر بمعناه ينظر في حال الذي ~~يرويه بالمعنى، فان كان ضابطا عارفا بذلك فلا ترجيح لأحدهما على الاخر، ~~لأنه قد أبيح له الرواية بالمعنى واللفظ معا فأيهما كان أسهل عليه رواه. # وان كان الذي يروى الخبر بالمعنى لا يكون ضابطا للمعنى أو يجوز أن يكون ~~غالطا فيه، ينبغي أن يؤخذ بخبر من رواه باللفظ. # وإذا كان أحد الراويين أعلم وأفقه وأضبط من الاخر، فينبغي أن يقدم خبره ~~على خبر الاخر ويرجح عليه ولأجل ذلك قدمت الطائفة ما يرويه زرارة (5)، ~~ومحمد # PageV01P152 # بن مسلم (1)، وبريد (2)، وأبو بصير (3) والفضيل بن يسار (4) ونظراؤهم من ~~الحفاظ الضابطين على رواية من ليس له تلك الحال. # ومتى كان أحد الراويين متيقظا في روايته والاخر ممن يلحقه غفلة ونسيان في ~~بعض الأوقات، فينبغي أن يرجح خبر الضابط المتيقظ على خبر صاحبه، لأنه لا ~~يؤمن أن يكون قدسها أو دخل عليه شبهة أو غلط في روايته - وان كان عدلا لم ~~يتعمد ذلك - وذلك لا ms084 ينافي العدالة على حال. # وإذا كان أحد الراويين يروى (الخبر) (5) سماعا وقراءة والاخر يرويه ~~إجازة، فينبغي أن يقدم رواية السامع على رواية المستجيز. # اللهم الا أن يروى المستجيز بإجازته أصلا معروفا، أو مصنفا مشهورا، فيسقط ~~حينئذ الترجيح. # وإذا كان أحد الراويين يذكر جميع ما يرويه ويقول إنه سمعه وهو ذاكر ~~لسماعه، والاخر يرويه من كتابه، نظر في حال الراوي من كتابه، فان ذكر ان ~~جميع ما في كتابه سماعه فلا ترجيح لرواية غيره على روايته، لأنه ذكر على ~~الجملة انه سمع جميع ما في دفتره وان لم يذكر تفاصيله، وان لم يذكر انه سمع ~~جميع ما في دفتره وان وجده بخطه أو وجد سماعه عليه في حواشيه بغير خطه، فلا # PageV01P153 # يجوز له أولا أن يرويه ويرجح خبر غيره عليه. # وإذا كان أحد الراويين معروفا والاخر مجهولا، قدم خبر المعروف على خبر ~~المجهول، لأنه لا يؤمن أن يكون المجهول على صفة لا يجوز معها قبول خبره. # وإذا كان أحد الراويين مصرحا والاخر مدلسا، فليس ذلك مما يرجح به خبره، ~~لان التدليس هو: (أن يذكره باسم أو صفة غريبة أو ينسبه إلى قبيلة أو صناعة ~~وهو بغير ذلك معروف) فكل ذلك لا يوجب ترك خبره. # وإذا كان أحد الراويين مسندا والاخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فان كان ~~ممن يعلم أنه لا يرسل الا عن ثقة موثوق به فلا ترجح لخبر غيره على خبره، ~~ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير (1) وصفوان بن يحيى ~~(2)، وأحمد بن محمد ابن أبي نصر (3) وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا ~~يروون ولا يرسلون الا عمن (4) يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا ~~بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم. # فاما إذا انفرد وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به. # PageV01P154 # فاما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه ودليلنا ~~على ذلك: الأدلة التي قدمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد، فان الطائفة ~~كما عملت بالمسانيد ms085 عملت بالمراسيل، فما يطعن في واحد منهما يطعن في الاخر، ~~وما أجاز أحدهما أجاز الاخر، فلا فرق بينهما على حال. # وإذا كان إحدى الروايتين أزيد من الرواية الأخرى، كان العمل بالرواية ~~الزائدة أولى، لان تلك الزيادة في حكم خبر آخر ينضاف إلى المزيد عليه. # فإذا كان مع إحدى الروايتين عمل الطائفة بأجمعها فذلك خارج عن الترجيح بل ~~هو دليل قاطع على صحته وابطال الاخر. # فان كان مع أحد الخبرين عمل أكثر الطائفة، ينبغي أن يرجح على الخبر الاخر ~~الذي عمل به قليل منهم. # وإذا كان أحد المرسلين متناولا للحظر والاخر متناولا للإباحة فعلى مذهبنا ~~الذي اخترناه في الوقف يقتضى التوقف فيهما، لان الحكمين جميعا مستفادان ~~شرعا وليس أحدهما بالعمل أولى من الاخر. # وان قلنا: انه إذا لم يكن هناك ما يترجح به أحدهما على الاخر كنا مخيرين ~~كان ذلك أيضا جائزا كما قلناه في الخبرين المسندين سواء. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P155 # الباب الثالث الكلام في الأوامر PageV01P157 # فصل NoteV01P159N01 (في ذكر حقيقة الامر وما به بصيرا أمرا) الامر عبارة ~~عن قول القائل لمن هو دونه (1): افعل (2). # والفعل لا يسمى أمرا (3) الا على وجه المجاز والاستعارة وهذا مذهب أكثر ~~المتكلمين والفقهاء (4). # PageV01P159 # وقال قوم (1): هو مشترك بين القول وبين الفعل. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: ان أهل اللغة قسموا اقسام الكلام فسموا ~~من جملتها قول القائل لمن هو دونه: (افعل) أمرا فينبغي أن يكون ذلك عبارة ~~عنه ولو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في سائر ما سموه من ~~اقسام الكلام مثل النهى والتخصيص والتمني والسؤال والخبر وغير ذلك فإذا كان ~~جميع ذلك صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله. # وأيضا: فإنهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها أمرا ودعاء ومسألة باعتبار ~~الرتبة بان قالوا: إذا كان القائل فوق المقول له سمى أمرا وان كان دونه سمى ~~سؤالا وطلبا ودعاء فلو جاز المخالفة في تسميته أمرا جاز المخالفة في تسميته ~~سؤالا وطلبا وذلك لا يقوله ms086 أحد. # وليس لاحد ان يقول: ان تسميتهم لذلك بأنه امر لا خلاف فيه بل هو مسلم ~~وانما الخلاف في أن غيره هل يسمى بذلك أم لا؟ # لان من قال: ان (2) هذه الصيغة مشتركة بين القول والفعل يسلم صحة ذلك ~~ويقول إنها تستعمل في الفعل (3) أيضا لأنا ندل على فساد هذه الدعوى فيما ~~بعد انشاء الله تعالى. # والذي يدل على ما قلناه من أن هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل # PageV01P160 # اطرادها في القول ووقوفها في الفعل لأنه ليس كل فعل يسمى أمرا (١) الا ~~ترى انه لا يسمى الأكل والشرب والقيام والقعود بأنه امر وانما يقال لجملة ~~أحوال الانسان انه امر فيقال (امره مستقيم) وأمره مضطرب وأما (٢) تفاصيل ~~الافعال فلا توصف بذلك. # وليس كذلك القول لان كل قول يحصل لمن هو دونه بهذه الصيغة يسمى أمرا ~~فعلمنا بذلك انه حقيقة فيما قلناه ومجاز فيما ذكروه. # وأيضا: فان هذه اللفظة لها اشتقاق لأنها يشتق منها اسم الفاعل فيقال امر ~~واسم المأمور وفعل الماضي والمستقبل وكل ذلك لا يتأتى في الفعل فعلم بذلك ~~انها مجاز في الفعل وحقيقة في القول. # فاما من تعلق بالاستعمال في كون هذه الصيغة مشتركة (٣) وقال: وجدت هذه ~~اللفظة قد استعملت في الفعل كما استعملت في القول فينبغي أن تكون حقيقة ~~فيهما وقد قال الله تعالى: ﴿وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر﴾ (٤) وقال: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (5) وغير ذلك ~~من المواضع. # فان الجواب عنه أن يقال: ان ذلك مجاز وليس لنفس الاستعمال دلالة (6) * ~~على الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل كالحقيقة (7) * ونحن نبين ذلك فيما ~~بعد، # PageV01P161 # وإذا لم يكن ذلك دالا على الحقيقة بطل التعلق به. # وقد أبطلنا أن يكون ذلك على وجه الحقيقة بما ذكرناه من الأدلة. # واما قوله تعالى (١) *: ﴿وأمرنا الا ~~واحدة كلمح بالبصر﴾ (٢) وقوله: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (3) فقد قيل فيه وجهان: # أحدهما: انه لا نسلم ms087 ان ذلك عبارة عن الفعل بل لا يمتنع أن يكون أراد ~~بذلك امره الذي هو قوله: (وما امر فرعون) الذي هو قوله. # ولا يطعن على هذا الوجه مساواة أفعاله في هذا الوصف وفي كونها (كلمح ~~بالبصر) في سرعة تأتيها منه. # لان ذلك يعلم بدليل اخر بخبر اخر وكك يعلم بشئ اخر ان أفعال فرعون مثل ~~أقواله في كونها غير رشيده فلا يمكن التعلق بذلك. # والوجه الاخر: ان ذلك مجاز لما دللنا عليه من قبل (4). # واما من تعلق في ذلك بان أهل اللغة جمعوا (الامر) الذي هو من قبيل ~~الأقوال (أوامر) وجمعوا الامر الذي هو من قبيل الافعال (أمورا) فينبغي أن ~~يكون ذلك دلالة على كونها مشتركة فيهما. # فقوله يبطل لأنه يقال له: الصحيح ان (الامر) لا يجمع (أوامر) فعلا وانما ~~يجمع (أمور) مثل (فلس) و (فلوس) و (زرع) و (زروع) وغير ذلك فاما (أوامر) ~~فخارج عن القياس فان سمع ذلك فإنه يكون على أنه جمع الجمع فكأنه جمع أولا ~~أمورا ثم جمع أمور أوامر وعلى هذا لا يدل على مخالفتهم بين ذلك لاختلاف ~~المعنيين. # وإذا ثبت ما قلناه لا يمكن التعلق بقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن # PageV01P162 # امره) (١) في وجوب اتباع أفعاله عليه السلام لان ذلك غير داخل فيه على ~~وجه الحقيقة. # وكونها مرادة على وجه المجاز يحتاج إلى دليل غير الظاهر فبطل التعلق به ~~على كل حال. # واعلم أن هذه الصيغة التي هي قول القائل (افعل) وضعها أهل اللغة لاستدعاء ~~الفعل (٢) وخالفوا بين معانيها باعتبار الرتبة: # فسموها إذا كان القائل فوق القول له أمرا وإذا كان دونه سؤالا وطلبا ~~ودعاء. # ومتى استعملوها في غير استدعاء الفعل في التهديد نحو قوله: ﴿واستفزز من استطعت﴾ (٣) وقوله: ~~﴿اعملوا ما شئتم﴾ (٤) وفي الإباحة ~~نحو قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ ~~(٥) ونحو قوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض﴾ (6) وفي # PageV01P163 # التحدي نحو قوله: ﴿فأتوا بعشر سور ~~مفتريات﴾ (١) وفي تكوين الشئ نحو قوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ (2) وما أشبه ذلك من الوجوه ~~كانت مجازا خارجة عن باب ما وضعت له وهذا مذهب كثير من الفقهاء والمتكلمين ~~(3). # وقال جماعة من الفريقين (4): ان هذه الصيغة مشتركة بين جميع ذلك حقيقة ~~فيه وانما يختص ببعضها بالقصد فإذا أراد المأمور به كان أمرا وسؤالا بحسب ~~الرتبة وان كره الفعل كان ذلك نهيا وتهديدا. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه (5) * ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة ~~الامر وصيغة النهى وصيغة الخبر فقالوا: # صيغة الامر قول القائل لمن هو دونه: افعل. # وصيغة النهى قول القائل لمن هو دونه: لا تفعل. # والخبر مركب من مبتدأ وخبر ومن فعل وفاعل نحو قولهم: (زيد في الدار) ونحو ~~(قام زيد). # PageV01P164 # ولو كان الامر على ما قالوه لما كان لفرقهم بين هذه الصيغ معنى وقد علمنا ~~أنهم فرقوا. # انما (١) قلنا ذلك لأنه إذا كان الاعتبار بإرادة المأمور على قولهم فلو ~~صادف (٢) ذلك قول القائل (لا تفعل) لكان أمرا (٣) * وكك لو صادف كراهة ذلك ~~لقوله (افعل) لكان نهيا وهذا يؤدى إلى أنه لا فرق بين هذه الصيغ والمعلوم ~~من حال أهل اللغة خلاف ذلك. # ولا يلزمنا مثل ذلك بان يقال: أليس قد استعمل صيغة الخبر في الامر نحو ~~قوله تعالى: ﴿من دخله كان امنا﴾ ~~(٤) ونحو قوله تعالى: ﴿والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن﴾ (5) وما أشبه ذلك. # وكذلك استعمل صيغة الامر في النهى وغيره من الأقسام نحو الإباحة والتحدي ~~والتكوين وغير ذلك. # لأنا نقول انما استعملوا ذلك على وجه المجاز دون الحقيقة. # فان قيل: ظاهر استعمالهم يدل على أنه حقيقة (6) * في الموضعين. # قيل له: لا نسلم ان نفس الاستعمال يدل على الحقيقة لان المجاز أيضا ~~مستعمل وانما يعلم كون اللفظ حقيقة بان ينصوا لنا على انها حقيقة أو نجد ~~اللفظة تطرد في كل موضعين أو غير ذلك من الأقسام التي ms089 قدمنا ذكرها فيما مضى ~~للفرق بين الحقيقة والمجاز وليس مجرد الاستعمال من ذلك. # PageV01P165 # وليس لهم أن يقولوا ان المجاز طار والحقيقة هي الأصل بدلالة انه يجوز أن ~~تكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك ان ~~أصل الاستعمال الحقيقة وذلك أن الذي ذكروه غير مسلم لأنه لا يمتنع أن يكون ~~الواضعون للغة وضعوا اللفظة ونصوا على أنه إذا استعملت في شئ بعينه كانت ~~حقيقة ومتى استعملوها في غيره كانت مجازا. # وان لم يقع استعمال اللفظة (1) في واحد من المعنيين ثم يطرء على الوضع ~~الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة وربما استعملوها أولا في ~~المجاز. # وانما كان يتم ذلك (2) * ان لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة ~~الحقيقة فيجعل ما ابتدئ باستعماله حقيقة قد بينا انا لا نقول ذلك. # فان قيل: أليس القائل إذا قيل لغيره (أريد منك أن تفعل كذا) ناب ذلك مناب ~~قوله: (افعل) فينبغي أن يكون معناهما واحدا (3) *. # قيل له: نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء الفعل لفظة أخرى لأنا ادعينا انه ~~لا لفظة يستدعى بها الفعل الا قول القائل (افعل) بل الذي ادعيناه ان هذه ~~اللفظة يستدعى بها الفعل وان شاركها غيرها في فائدة هذه اللفظة الا أنه متى ~~قال: (أريد ان تفعل كذا) لا يسمى أمرا بل يكون مخبرا والخبر غير الامر. # وليس لهم أن يقولوا: ان السؤال أيضا لا يسمى أمرا وهو لاستدعاء الفعل (4) ~~على ما قررتموه. # لأنا قد بينا ان معناهما (5) * واحد وانما فرقوا بينهما في التسمية لشئ ~~يرجع # PageV01P166 # إلى اعتبار الرتبة (1) * وليس يمكن مثل ذلك في صيغة الخبر لأنهم فرقوا ~~بينها وبين صيغة الامر في أصل الوضع دون اعتبار امر اخر. # فان قيل: أليس القائل إذا قال لغيره: (أريد ان تفعل كذا) وكان دون المقول ~~له يسمى سائلا فينبغي إذا قال ذلك وهو فوقه أن يسمى أمرا. # قيل له: هذا اثبات بالقياس وذلك لا يجوز لأنه ليس إذا كان للسؤال لفظتان ~~يطلق على مستعملهما لفظ السائل ms090 ينبغي أن يكون حكم الامر مثل ذلك ولو جاز ~~ذلك لأدى إلى بطلان ما بيناه من اعتبار أهل اللغة الفرق بين هذه الصيغ ولو ~~لزم ذلك للزم أن يسمى الإشارة أمرا لان المشير قد يشير بما يفهم منه ~~استدعاء الفعل ويسمى سائلا ولا يقول أحد انه امر على حال. # فان قيل: فلو لم يحتج في كونه أمرا إلى إرادة المأمور به جاز ان يكون ~~كارها له وقد علمنا استحالة ذلك. # قيل له: ان أردت بأنه إذا استدعى الفعل لا يجوز أن يكون كارها له بمعنى ~~ان ذلك مستحيل فليس الامر كذلك بل ذلك يمكن. # وان أردت ان ذلك لا يحسن فهو مسلم لأنه متى استدعى الفعل وكان كارها له ~~كان مناقضا لغرضه. # وان فرضنا ان الامر حكيم يدل على حسن المأمور به فلو كرهه لكان مقبحا (2) ~~* وذلك لا يجوز على الحكيم فلأجل ذلك لا يجوز ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ~~جميع ذلك جائز غير مستحيل. # واما حملهم ذلك على النهى بان قالوا: لما كان من شرط النهى أن يكون كارها ~~للمنهي عنه وجب في الامر أن يكون مريدا للمأمور به. # فالجواب عنه: ان الكلام في النهي كالكلام في الامر في أن ذلك ليس # PageV01P167 # بمستحيل ولا يخل بكونه نهيا (1) وانما يقبح لان من نهى عن فعل وكان حكيما ~~دل نهيه على قبح المنهي عنه فلأجل ذلك وجب أن يكون كارها له ولم يحسن منه ~~ان يريده لان إرادة القبيح قبيحة ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ذلك جائز. # فان قيل: فبأي شئ (2) * يدخل في أن يكون مستعملا لما وضعه أهل اللغة ~~حقيقة دون المجاز. # قلنا: بأن يقصد إلى استعماله فيما وضعوه ويطلق (3) القول فإنه إذا كان ~~حكيما فانا نعلم أنه امر لأنه لو أراد غير ما وضع له على وجه التجوز لبينه ~~فمتى لم يفرق به البيان دل على أنه أراد ما وضع له حقيقة. # ومتى لم نعرف ان القائل حكيم لا يفهم (4) مراده الا بقرينة أو يضطر إلى ~~قصده ms091 (5) * لأنه يجوز أن يكون أراد غير ما وضع له وان لم يبين ذلك في الحال ~~لان القبيح غير مأمون منه. # فاما الكلام في القصد وهل هو من قبيل الاعتقادات أو هو جنس مفرد؟ فليس ~~هذا موضع ذكره وبيان الصحيح منه. # ولا يمكن أن يدعى ان الامر أمر بجنسه (6) لأنا نجد من جنسه ما ليس بأمر ~~ما # PageV01P168 # هو في مثل صورته (١) *. # فان ادعى ان ذلك غير ما هو موضوع (٢) * للامر كان ذلك فاسدا من وجهين: # أحدهما: انهما يشتبهان على الحاسة ولا يفصل السامع بينهما من جهة الادراك ~~الا ترى ان السامع لا يفصل بين قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٣) وبين قوله: # ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (4) من حيث الادراك ~~وان كان أحدهما أمرا والاخر تهديدا. # والوجه الثاني: ان ذلك يبطل التوسع والمجاز لان معنى المجاز أن تستعمل ~~اللفظة الموضوعة لشئ في غير ما وضعت له فمتى قيل إن هذه اللفظة ليست تلك ~~بطل هذا الاعتبار. # ولا يمكن أيضا ان يقال: انه يكون أمرا لأنه خطاب ولا انه علم الامر ما ~~امر به ولا انه بصورته لان جميع ذلك يثبت فيما ليس بأمر فبطل اعتبار جميع ~~ذلك. # PageV01P169 # فصل NoteV01P170N02 (في ذكر مقتضى الامر هل هو الوجوب أو الندب أو الوقف ~~والخلاف (1) فيه). # نسب أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وقوم من الفقهاء إلى أن الامر لا ~~يقتضي الايجاب وانما يقتضى ان الآمر أراد المأمور به ثم ينظر فيه فان كان ~~حكيما علم أن المأمور به حسن وليس بقبيح. # PageV01P170 # وان كان قديما علم أن له صفة زائدة على الحسن وهي صفة الندب لان المباح ~~لا يجوز أن يريده الله تعالى. # وان كان الامر غير حكيم لا يعلم بأمره حسن الفعل أصلا لأنه يجوز أن يريد ~~القبيح والحسن جميعا (1). # وذهب قوم من المتكلمين وجل الفقهاء إلى أن الامر يقتضى الايجاب (2). # PageV01P171 # وذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف (1) في ذلك (2) وقالوا: لا نعلم بظاهر ~~اللفظ أحد الامرين ويحتاج في العلم بأحدهما ms092 إلى دليل وهو الذي اختاره سيدنا ~~المرتضى (3) رحمه الله (4) غير أنه وان قال ذلك بمقتضى اللغة فإنه يقول: # (انه استقر في الشرع أوامر الله تعالى وأوامر الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأوامر الأئمة عليهم السلام على الوجوب) (5). # والذي يقوى في نفسي ان الامر يقتضى الايجاب لغة وشرعا ويحتاج أن ينظر في ~~حكم الامر فان كان حكيما علم أن له صفة الوجوب وان لم يكن حكيما لم يعلم ~~بأمره صفة الفعل لأنه يجوز أن يوجب ما هو قبيح وما هو واجب وما ليس بواجب ~~ولا قبيح فظاهر امره لا يدل على أحدهما. # والذي يدل على ذلك: انى وجدت العقلاء بأسرهم يوجهون الذم إلى العبد إذا ~~خالف امر سيده ويوبخونه على ذلك فلولا انهم علموا ان الامر يقتضى الايجاب ~~لما جاز منهم ذمه على حال لأنه ان كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم ~~وان كان مشتركا احتاج إلى بيان المراد فلا يستحق الذم إذا تركه وخالفه وفي ~~علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه. # وليس لاحد ان يعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الامر عقل منها # PageV01P172 # الايجاب ولأجل (1) ذلك ذموه لان ذلك يفسد من وجهين: # أحدهما: (ان العقلاء) (2) إذا ذموه علقوا الذم بمخالفة الامر دون غيره ~~حتى إذا استفسروا عن ذلك عتبوا عليه وقالوا: لأنه خالف امر مولاه. # والثاني: انه لو كان الامر على ذلك لوجب أن لا يذمه الا من عرف تلك ~~القرينة وفي علمنا بذمهم له - وان لم يعلموا أمرا اخر أكثر من مخالفته ~~للامر - دليل على تعليق الذم بذلك حسب ما قلناه. # فاما قول من قال: انه يقتضى إرادة المأمور به فحسب (3) فقد بينا في الفصل ~~الأول ان الامر لا يدل على إرادة المأمور به من حيث كان أمرا وانه إذا دل ~~فإنما دل لأمر اخر غير مطلق الامر فسقط الاعتراض بذلك. # ولا يمكن ان يدعى الاشتراك (3) من حيث وجدت أوامر كثيرة مستعملة في الندب ~~لان ذلك انما يكون كذلك على ضرب من المجاز وقد بينا ms093 ان الاستعمال ليس ~~بدلالة على الحقيقة لأنه حاصل في الحقيقة والمجاز. # فان قيل: ما أنكرتم على من قال: انهم عقلوا هناك قرينة لأجلها ذموا العبد ~~إذا خالف سيده؟ وذلك أنه إذا امره بمنافع نفسه فان فوتها يضربه فلابد أن ~~يكون موجبا عليه وإذا امره بمنافع يعود إلى العبد ولا يستضر هو بفوتها لم ~~يدل على ذلك ولا يذمونه متى خالف. # قيل له: هذا يسقط بالوجهين الذين قدمناهما: # أحدهما: انهم علقوا (4) الذم بمخالفة الاخر دون غيره وكان ينبغي على ما ~~اقتضى هذا السؤال أن يعلقوا الذم بدخول الغرم على السيد أو فوت المنفعة وقد ~~علمنا خلاف ذلك. # PageV01P173 # والاخر: انه يذمه من لا يعلم أن السيد يستضر بمخالفته وانه ينتفع ~~بامتثاله فلو كان الامر على ما قيل لما جاز ان يذمه الا من عرف ذلك وقد ~~علمنا خلاف ذلك. # على انا لا نم ذلك لان السيد قد لا يستبصر بمخالفة عبده ويستحق العبد مع ~~ذلك الذم إذا خالفه الا ترى إلى من قال لغلامه: (اسقني الماء) فلم يسقه ~~وكان هناك غلامه آخر فسقاه فان العقلاء يذمون العبد المخالف وان كان السيد ~~لم يدخل عليه ضرر لأنه قد بلغ غرضه ومراده فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك ~~على حال. # وكذلك يذمونه وان خالف منافع يرجع إلى العبد الا ترى انه لو قال له: ~~(اغسل ثيابك وادخل الحمام وكل الخبز) وما أشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن ~~يؤدبه على ذلك ويذمه فلولا ان ذلك كان يجب عليه والا لم يحسن ذلك. # وليس لهم ان يقولوا: انه إذا خالفه فيما عددتموه عاد ذلك بالضرر عليه ~~فلأجل ذلك حسن ذمه. # وذلك: انه ان كان الامر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع تخصه وبين ~~منافع يرجع إلى السيد لأنهم راموا بذلك ان يفصلوا بين ان يستحق الذم ~~بمخالفة امر سيده لمنافع تعود إليه وبين منافع ترجع إلى العبد وعلى هذا ~~الفرض لا فصل بينهما لان في كلا الحالين (١) يعود إلى الضرر بالمخالفة على ms094 ~~السيد فبطل الفصل. ومن سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم. # ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا لإبليس: ﴿ما منعك الا تسجد إذ أمرتك﴾ (2) ~~فقرعه (3) على مخالفته الامر فلولا ان امره كان يقتضى الايجاب والا لم ~~يستحق التوبيخ. # وليس لهم ان يقولوا: انه انما ذمه لأنه كان قد دله على أن ما امره به ~~واجب # PageV01P174 # بقرينة اقترنت إلى الخطاب لان الذي ذكروه مخالف للظاهر لان الله تعالى ~~انما علق ذمه بمخالفة الامر دون القرينة فمن ادعى قرينة احتاج إلى دلالة. # وليس لهم أن يقولوا: ان قوله: ﴿ما منعك الا تسجد﴾ (١) ليس بتوبيخ وانما هو تقرير ~~على الذي حمله على مخالفه الامر وذلك أن هذا خلاف الاجماع لأنه لا خلاف بين ~~الأمة في أن هذا القول ذم لإبليس فمن قال ليس كذلك سقط قوله. # ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن امره﴾ (2) فحذرنا من ~~مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلولا انها كانت مقتضية ~~للايجاب والا لم يجب الحذر من مخالفته. # فان قالوا: المخالفة ليس هو ان لا يفعل ما اقتضاه الامر بل المخالفة هو ~~رد القول وان يقال: ليس كذلك لان الذي ذكروه ضرب من المخالفة وقد يكون ~~المخالفة ترك المأمور به الا ترى ان القائل إذا قال لغيره (قم أو اقعد) ~~فمضى وقام يقال انه خالفه فكل واحد من الامرين مخالفة ونحن نحمل الآية ~~عليهما جميعا. # وليس لهم ان يقولوا: ان قوله: (فليحذر) قرينة تدل على أن امره على الوجوب ~~دون أن يكون ذلك بمقتضى اللغة لأنه متى لم يكن الامر مقتضيا للايجاب لم ~~يحسن التحذير (3) * من مخالفته الا ترى انه لا يحسن ان يحذرنا من مخالفه ما ~~ندبنا إليه لما لم يكن لها (4) صفة الوجوب ويحسن ذلك فيما يوجبه علينا فعلم # PageV01P175 # بذلك ان التحذير انما يحسن إذا كان الامر مقتضيا للايجاب. # ويدل أيضا على ms095 صحة ما ذهبنا إليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال لبريرة (1) *: (ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك حق). # فقالت يا رسول الله: أتأمرني بذلك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ~~وانما انا شافع) (2) فعدل عن الامر إلى الشفاعة فلولا انه كان يقتضي ~~الايجاب والا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة لان شفاعة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم مرغب في اجابتها فعلم بذلك ان امره كان يقتضي الإيجاب، فلأجل ذلك ~~لم يأمرها لأنه أراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الايجاب. # ويمكن أن يعتمد في أن الامر يقتضى الايجاب على أن يقال: ان الاحتياط ~~يقتضى ذلك لأنه متى امتثل المأمور به فان كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل ~~حال وان كان مشتركا فقد امن الذم والعقاب من مخالفته لو كان واجبا وان كان ~~واجبا فقد امتثل المأمور به فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها. # الا ان هذا وان أمكن فإنما يمكن أن يقال: يحجب عليه ان يفعل المأمور به ~~ولا يعتقد فيه ان له صفة الوجوب لأنه ان اعتقد ذلك وهو لا يامن أن لا يكون ~~كذلك يكون اعتقاده جهلا وانما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به ~~واقتصر على نفس الفعل فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا. # PageV01P176 # ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع المسلمين بأجمعهم من عهد رسول الله ~~(1) إلى زماننا (2) هذا في وجوب الافعال واحتجاجهم في ذلك إلى أوامر الله ~~تعالى وأوامر رسوله الله (3) فلولا انهما يقتضيان الايجاب والا لم يجز ذلك. # وكان للمحتج عليه ان يقول: وأي شئ في ذلك مما يقتضى الايجاب؟ في الامر لا ~~يقتضى الايجاب. # وفي علمنا باجماعهم على ذلك دليل على صحة ما قلناه. # وليس لاحد ان يقول: انهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك. لان هذا دعوى ~~محضة ومن ادعى القرينة فعليه ان يوردها ولم نر المحتجين بأوامر الله تعالى ~~وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذكروها على ms096 حال فهذه أيضا طريقة ~~معتمدة. # ومن الفقهاء والمتكلمين (4) من استدل على أن الامر يقتضى الايجاب بان ~~قالوا: ان الايجاب حكم معقول فلابد من أن يكون أهل اللغة وضعوا له عبارة ~~لان الحاجة إليه ماسة وليس نجد عبارة تستعمل في ذلك الا هذه اللفظة فينبغي ~~أن تكون مفيدة للايجاب. # واعترض على هذا الدليل من خالفهم بان قالوا: هذه محض الاقتراح ولم يجب ~~على أهل اللغة ان يضعوا لذلك عبارة الا انهم قد وضعوا لكل امر معقول عبارة ~~فان ادعيتم ذلك كان الوجوب (5) بخلافه لأنا نعلم أن اختلاف الآراء يبيح ~~أمورا # PageV01P177 # معقولة ولم يضعوا لكل واحد منها عبارة تخصه كما فعلوا ذلك في الألوان وكك ~~لم يضعوا لاختلاف الأكوان (١) اسما كما وضعوا لاختلاف ألوان وأمور كثيره ~~معقولة لم يضعوا لها عبارة فما المنكر من أن يكون حكم الايجاب ذلك الحكم؟ # ولو سلم ذلك لقد وضعوا لذلك وهو قولهم: (أوجبت عليك) و (الزمتك إياه) أو ~~(فرضت عليك) أو متى لم تفعله استحقت الذم والعقاب وهذه عبارات تفيد ما ~~اقترحتموه (٢). # على أن الندب أيضا معنى معقول والإباحة معنى معقولة ولم يضعوا لها عبارة. # فان قلتم: قد وضعوا لهما عبارة وهي قولهم (٣): (ندبتك إليه) أو (أبحتك ~~إياه). # قيل لكم: في الايجاب مثله. # فان قلتم: قولهم: (أوجبت) و (الزمت) انما هو خبر وليس بأمر. # قيل لكم: وكذلك قولهم (٤) (ندبت) و (أبحت) خبر محض وليس بأمر فاستوى ~~القولان. # فاما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (5) على أن أمرهما ~~يقتضيان الايجاب. # فلا يصح لان الآية تضمنت الامر بالطاعة لهما والكلام في الامر وقع هل ~~مقتضاه الايجاب أم لا؟ فالاستدلال بها لا يصح (6). # PageV01P178 # واما قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) إلى قوله: ﴿مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (١) فلا ~~يمكن الاعتماد عليه أيضا في أن الامر يقتضى الايجاب لان القضاء في الآية ~~بمعنى الالزام وليس بمعنى الامر والالزام هو الايجاب (٢). # وكذلك قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (٣) ~~لا يمكن الاعتماد عليه لان القضاء بمعنى الالزام على ما بيناه. # على أن من قال: ان الامر يقتضى الندب لا يقول: ان لهم الخيرة بل يقول: ان ~~الفعل بصفة الندب والأولى فعله والتخيير انما يثبت في المباح المحض وليس ~~ذلك قولا لاحد. # وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله ~~فقد ضل ضلالا مبينا﴾ (٤) لا يمكن أيضا الاعتماد عليه والذي قلناه هو ~~الاعتراض عليه لان العصيان قد يكون بمخالفة المندوب إليه ولأجل هذا حملنا ~~قوله: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ ~~(5) على أنه خالف ما ندب إليه وقد يتجاوز ذلك إلى أن يقال فيمن خالف ~~المشورة بأنه عصى فيقولون: (أشرت عليك فعصيتني) فلا يمكن الاعتماد عليه. # والذي قلناه: هو الاعتراض على قول من قال (6): لو لم يقتض الامر الايجاب ~~لما سمي من خالفه عاصيا لأنا قد بينا أن العصيان قد يطلق على مخالفة ~~المندوب إليه. # PageV01P179 # فاما وصف الله تعالى إبليس بالعصيان فإنه علم أنه فعل قبيحا بتركه السجود ~~المأمور به وقد دللنا على أن الامر يقتضى الايجاب فلم يخرج من بابه. # ومن قال بالندب قال علم ذلك بدليل غير الامر فلا يمكن الاستدلال به. # فاما من اعتمد على أن الامر بالشئ نهى عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك ~~اقتضى الايجاب فلا يمكن الاعتماد عليه لان عندنا ليس الامر بالشئ نهيا عن ~~ضده وسنبين ذلك فيما بعد (1) فلا يمكن الاعتماد على ذلك. # ولا يمكن أيضا ان يعتمد على أن يقال (2): إن الامر يدل على أن الامر مريد ~~للمأمور به وإذا كان كذلك فلابد أن يكون كارها لضده (2) لان ذلك يفسد من ~~وجهين: # أحدهما: انا قد بينا (3) ان الامر لا يقتضى إرادة المأمور به أصلا فلا ~~يصح ذلك ثم لو اقتضى ذلك لم يجب ان يكون كارها لضده. # والوجه الثاني: ان ذلك يقتضى أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة ms098 وقد ~~علمنا أنها ليست مكروهة الضد (4). # ولا يمكن أيضا ان يقال: ان نفس الإرادة للشئ كراهية لضده (5) لان ذلك ~~يفسد من وجهين أيضا: # PageV01P180 # أحدهما: ان الشئ الواحد لا يجوز أن يكون بصفتين ضدين فكيف يمكن أن يدعى ~~ان لإرادة بصفة الكراهة. # والثاني: ان ذلك ينتقض بالنوافل لأنها مرادة وليس مكروهة الضد. # ولا يمكن أيضا ان نعتمد بأن يقال: ان الامر يقتضى المأمور به وليس على ~~جواز تركه دليل. # لان للقائل ان يقول: انه لعمري يقتضى المأمور به ولكن الكلام في أنه كيف ~~يقتضيه هل هو على جهة الوجوب أو جهة الندب؟ # ولا يمكن أيضا ان يقال: ان الامر أراد المأمور به على جهة الايجاب لان ~~ذلك متى لم يشر به إلى ما قلناه من أن الامر يقتضى الايجاب أو ان يقال: انه ~~إذا أراد المراد فلابد من أن يكون كارها لضده أو إرادة الشئ كراهة لضده لا ~~يعقل فان أريد بذلك الوجه الأول [فذلك صحيح وينبغي أن يقتصر على أن يقال ان ~~الامر يقتضى الايجاب] (1) ولا يتعرض في العبارة. # وان أريد به ما عدا ذلك فقد أبطلنا صحة ذلك. # ولا يلزم القائلين بالندب ان يقال لهم: ينبغي على قولكم الا يكون فرق بين ~~الامر بالنوافل والفرائض. # لأنهم يقولون: ان بمجرد الامر لا فرق بينهما وانما علمنا حكم الفرائض ~~وانه يستحق بتركه العقاب بدليل غير الامر. # ولا يلزمهم أيضا ان يقال لهم: ينبغي أن يكون الامر لا يدل على أكثر من ~~حسن المأمور به فقط إذا كان صادر من حكيم ويلزم على ذلك أن يكون الله تعالى ~~مريدا للمباحات (2) * لأنها حسنه. # PageV01P181 # لأنهم يقولون: المباحات (1) * وان كانت حسنة فلا يحس من القديم تعالى ان ~~يريدها في دار التكليف لان ذلك عبث لا فائدة فيه. # فالاعتماد على ما قلناه وأحكمناه. # PageV01P182 # فصل NoteV01P183N03 (في حكم الامر الوارد عقيب الحظر) ذهب أكثر الفقهاء ~~ومن صنف أصول الفقه إلى أن الامر إذا ورد عقيب الحظر اقتضى الإباحة (1) * ~~(2). # وقال قوم (3): ان مقتضى الامر على ما كان عليه ms099 من ايجاب أو ندب أو وقف ~~(4) ولا (5) اعتبار بما تقدم وهذا هو الأقوى عندي. # والذي يدل على ذلك: ان الاعتبار في هذه الألفاظ بظواهرها وموضوعها في ~~اللغة لأنا متى لم نراع ذلك لم يمكننا الاستدلال بشئ من الكلام وإذا ثبت ~~ذلك وكانت صيغة الامر وصورته بعد الحظر كما كانت قبل الحظر وجب أن يكون # PageV01P183 # مقتضاها على ما كان الا أن يدل دليل (١) * على خلاف ذلك فتحمل عليه كما ~~إذا دل دليل ابتداء على خلاف مقتضاها في أصل الوضع حمل مما عليه. # والذي يدل أيضا على ذلك: ان كون الامر واردا عقيب الحظر اللفظي ليس بأكثر ~~من كونه واردا عقيب الحظر العقلي الا ترى ان الصلاة ورمى الجمار وغير ذلك ~~من الشرعيات قبيح بالعقل فعلها ومع ذلك لما ورد الشرع بها وتناولها الامر ~~حمل ذلك على الوجوب أو الندب على الخلاف فيه ولم يكن ما تقدمها من الحظر ~~العقلي موجبا لا باحتها. # وكذلك حكم الامر إذا ورد عقيب الحظر اللفظي ينبغي أن يكون حكمه حكم ما ~~ورد ابتداء ولا يؤثر في تغيير ذلك ما تقدم من الحظر الا بدليل. # فاما تعلقهم في ذلك بان قالوا (٢): الحظر لما كان منعا من الفعل ينبغي أن ~~يكون الامر رافعا لذلك وذلك يفيد الإباحة. # فان الذي يقتضيه هذا الاعتبار انه ينبغي أن يكون الامر مخالفا لحكم الحظر ~~وكذلك نقول وقد يكون مخالفا له بأن يقتضى الوجوب أو الندب أو الإباحة فمن ~~أين ان المراد أحدهما دون الاخر؟ وكل ذلك يزيل حكم الحظر فسقط التعلق بذلك. # فاما تعلقهم في ذلك بان أوامر القران الواردة عقيب الحظر كلها كذلك نحو ~~قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا﴾ (٣) ونحو قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (4) وما جرى مجرى ذلك (5) ~~فينبغي أن يكون حقيقتها ذلك (6). فليس (7) بصحيح لأنا # PageV01P184 # نقول: انما علم ذلك بدليل غير الظاهر ولو خلينا والظاهر لحكمنا في هذه ~~الأوامر ما كنا نحكم فيها ابتداء من غير أن يتقدمها حظر ms100 فالتعلق بذلك لا ~~يصح. # على أنه قد ورد في القران عقيب الحظر الامر وان لم يوجب الإباحة نحو قوله ~~تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدى محله﴾ (1) (2) * وحلق الرأس بعد بلوغ الهدي محله ليس بمباح ~~بل هو نسك وذلك يخالف ما أصلوا القول فيه. # PageV01P185 # فصل NoteV01P186N04 (في أن الامر بالشئ هل هي امر بما لا يتم الا (1) * ~~به أم لا (2) *؟) اعلم أن الامر إذا ورد فلا يخلو من أن يكون متناولا لمن ~~كان على صفة مخصوصة أو يكون مطلقا: # فان كان متناولا لمن كان على صفة وجب أن يكون مقصورا على من كان عليها ~~ومن ليس عليها لا يلزمه ان يجعل نفسه عليها ليتناوله الامر الا أن يدل دليل # PageV01P186 # على وجوب تحصيل تلك الصفة له فحينئذ يلزمه لمكان الدليل وذلك نحو قوله ~~تعالى: ﴿ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (١) فأوجب الحج على من كان مستطيعا فمن ~~ليس بمستطيع لا يلزمه تحصيل الاستطاعة ليدخل تحت الامر وكك لما أوجب الزكاة ~~على من ملك مائتي درهم أو عشرين دينارا فمن ليس معه النصاب لا يلزمه تحصيل ~~النصاب ليدخل تحت الامر. # وان كان الامر مطلقا نظر فيه فان كان لا يصح على وجه ما الا بفعل اخر وجب ~~تحصيل ذلك الشئ ليتم معه المأمور به وذلك نحو الامر بالمسبب وهو لا يحصل ~~الا عن سبب فلابد من أن يكون السبب واجبا عليه الا ترى ان من أوجب على غيره ~~ايلام غيره وذلك لا يحصل الا من ضرب فلابد من أن يلزمه الضرب ليحصل عنده ~~الألم ولهذه الجملة قلنا: ان الكافر إذا كان مخاطبا بالشرائع على ما نبينه ~~يلزمه الاسلام لأنه لا يصح منه ايقاع الفعل على وجه القربة وكونها شرعية ~~وكونه كافر يمنع من ذلك. # وان كان ذلك المأمور يصح على وجه ما حصوله الا انه قد علم بالشرع انه لا ~~يكون شرعيا الا بفعل اخر جرى مجرى الأول ms101 في وجوب تحصيل ذلك الامر حتى يصح ~~المأمور به وذلك نحو قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢) وقد علمنا أن الصلاة لا تصح ~~الا بالطهارة وستر العورة وغير ذلك من الشرائط ولا شرعية الا كذلك وجب عليه ~~تحصيل كل ما لا يتم الصلاة الا بها من الطهارة وغيرها. # وان لم يدل دليل على وجوب فعل اخر غير أنه قيل: (إذا كان امر من الأمور ~~وجب عليك كذا) فإنه لا يجب عليه تحصيل ذلك الامر ليلزم ما أوجب عليه عند ~~حصوله ولذلك قلنا ان قوله تعالى: ﴿واتوا الزكاة﴾ (3) لا يقتضى وجوب تحصيل # PageV01P187 # النصاب لما لم يدل دليل شرعي على ذلك وفرقنا بينه وبين قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (١) على ما ~~بيناه. # فاما استدلال أهل العراق (٢) على أن ستر الركبة واجب لان ستر العورة (٣) ~~* لا يتم إلا به (٤) فبعيد لان ذلك ليس بمستحيل بل يمكن ستر العورة وان لم ~~تستر الركبة إذا سلم لهم ان الفخذ عورة وان كان عندنا الامر بخلافه اللهم ~~إلا (٥) * ان يدل دليل اخر على أن ستر العورة لا يتم الا بستر الركبة ~~فحينئذ يجب عليه الامر بستر العورة. # واما ما قاله الشافعي في قوله: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ (6) في أنه إذا كان بدل كل يوم ~~مدا من طعام فنقص عن المد يجب صوم يوم تام لان صوم بعضه لا يتم الا بصوم ~~جميعه (7) فصحيح لأنا قد علمنا بالشريعة ان بعض اليوم لا يكون صوما فأوجبنا ~~تمام اليوم لذلك وجرى ذلك مجرى الامر بالصلاة وانه لا تكون كذلك الا ~~بالطهارة فأوجبنا الطهارة ولو لم يدل دليل على ذلك لما كنا نوجب عليه إلا ~~ذلك القدر الذي يصيبه. # PageV01P188 # فاما دخول المرفقين في باب وجوب غسلهما أو غسل اليدين فخارج عن هذا الباب ~~لان اسم اليدين (١) واقع على عضوين المرفقان داخلان فيهما فليس ذلك من باب ~~ما لا يتم الشئ الا به فمن ظن ذلك ms102 فقد أبعد. # واما ما يحكى عن ابن عباس في قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (2) انه لما كان ~~الاتمام يقتضى الدخول وجب الدخول الذي لا يصح الاتمام (3) الا به. # فالذي يقوى عندي خلاف ذلك لأنه لا يمتنع ان يكون الامر متناولا لمن كان ~~قد دخل في الحج فحينئذ يلزمه اتمامه واما من لم يدخل فيه فليس يجب عليه ~~الدخول اللهم الا ان يدل دليل على وجوب الدخول غير الامر بالاتمام فحينئذ ~~يجب المصير إليه ولأجل ما قلنا وجب على من دخل في الحج تطوعا اتمامه وان ~~كان الدخول لم يكن واجبا عليه. وحجة الاسلام يجب الدخول فيها واتمامها لما ~~دل الدليل على ذلك. # وهذه جملة كافية ينبغي ان يجرى هذا الباب على هذا المنهاج انشاء الله ~~تعالى. # PageV01P189 # فصل NoteV01P190N05 (في أن الامر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم ~~والحر) ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الكافر مخاطب بالشرائع وكذلك ~~العبد (1). # PageV01P190 # وقال قوم شذاذ ليسوا بمخاطبين بها. # والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك: # ان المراعى في كون المكلف مخاطبا بالشريعة ان يرد الخطاب على وجه متناول ~~(١) ظاهره ويكون متمكنا من ذلك فإذا ثبت هذا فمتى ورد الخطاب يحتاج ان ينظر ~~فيه فان كان خطابا للمؤمنين مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا﴾ (٢) فينبغي ان يكون الخطاب ~~يختصهم ولا يتناول الكافر الا ان يدل دليل على أنهم مخاطبون به مثل ~~المؤمنين فيحكم بذلك لأجل الدليل. # ومتى كان الخطاب متعلقا باسم يتناول الكافر والمسلم مثل قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ (٣) و ﴿لله على الناس﴾ (٤) و ﴿وخذ من أموالهم﴾ (5) وما جرى ~~مجرى ذلك فينبغي ان يحمله على عمومه وشموله في دخول الكافر والمسلم تحته ~~الا ان يدل دليل على خلافه فيحكم به ويخرج من جملة العموم. # وليس لاحد ان يقول: ان الكافر لا يصح منه فعل الصلاة ms103 ولا فعل الحج مع ~~كفره فلا يجوز ان يكون مرادا بالخطاب (6) وذلك أن الذي يجب ان يكون عليه ~~حتى يصح تناول الخطاب له ان يكون على صفة يصح معها أداء ما تناوله الامر أو ~~يكون متمكنا من تحصيلها ويحسن تكليفه في الحالين على حد واحد وإذا ثبت ذلك ~~فالكافر وان لم يكن بصفة الايمان # PageV01P191 # فتصح منه العبادة فهو متمكن من فعل الايمان ويجب عليه تحصيله ليصح منه ~~العبادة لان ايجاب الشئ ايجاب ما لا يتم الشئ الا به على ما بيناه في الفصل ~~الأول في السبب والمسبب والطهارة والصلاة (١) وانه لا فرق بين ان يكون ~~متطهرا في أنه يلزمه فعل الصلاة وبين ان يكون متمكنا منها في أنه يلزمه ~~كذلك وكذلك القول في الكافر. # وليس يجري مجرى من قطع رجل نفسه في سقوط فرض الصلاة عنه قائما لان مع قطع ~~رجلهم يستحيل منه فعل الصلاة قائما فلأجل ذلك سقط عنه وليس كذلك الكافر لان ~~الايمان ممكن فيه ويجرى في هذا الباب مجرى من شد رجل نفسه في أنه يلزمه فعل ~~الصلاة قائما لأنه متمكن من حلها فيتمكن من فعل الصلاة قائما. # ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (٢) فذم الله ~~تعالى المشركين بمنعهم الزكاة فلولا انهم يخاطبون بها والا ما كانوا ~~يستحقون الذم إذا لم يفعلوها. # ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن الكفار: ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ (٣) فلولا انهم مخاطبون ~~بها والا لم يعدوه من جملة ما عوقبوا عليه. # وليس ان يقولوا: انهم عدوا (٤) من جملة ذلك قوله: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ (5) وان كان ذلك غير واجب ~~عليهم. # وذلك أنه لا يمتنع ان يكونوا أرادوا بذلك منع الزكاة عن المساكين أو منع ~~ما وجب عليهم من الكفارات من اطعام المساكين على ما تضمنته الآية الأولى ~~فلأجل ذلك عوده في جملة ما عوقبوا عليه. # PageV01P192 # ويدل ms104 أيضا على ذلك: ما لا خلاف فيه بين المسلمين من وجوب حد الزاني عليهم ~~إذا زنوا ووجوب القطع عليهم إذا سرقوا فلولا انهم مخاطبون بترك الزنا وترك ~~السرقة والا لم يجب عليهم الحد كما لا يجب على المجانين والأطفال لما لم ~~يكن ذلك واجب عليهم. # وتعلق من خالفنا في ذلك بان قال: الصلاة لا تصح منه فينبغي ان لا يكون ~~مخاطبا بها كما أن المقطوع الرجل لم يصح منه فعل الصلاة قائما لم يكن ~~مخاطبا بها. # وقد قلنا ما عندنا في ذلك فأغنى عن الإعادة (1). # وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو كان الكافر مخاطبا بالصلاة لوجب عليه قضاؤها ~~إذا أسلم مثل المسلم إذا لم يصل وجب عليه قضاؤها (2). # وهذا أيضا غير صحيح لان القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل مستأنف وليس ما دل ~~على وجوب الفعل دل على قضائه الا ترى من فاتته الجمعة وصلاة العيدين لا ~~يلزمه قضاؤها وان كان مخاطبا بها في حال الأداء وكك ما دل على وجوب القضاء ~~لا يدل على وجوب المقضى لان الحائض يلزمها قضاء الصوم وان لم يكن ذلك واجبا ~~عليها في حال الحيض. # فان قالوا: الصوم وان لم يجب عليها في حال الحيض فهو واجب عليها على وجه ~~(3) *. # قلنا: ذلك ينتقض بالصلاة فإنها يجب عليها على وجه ومع ذلك لا يلزمها ~~أداؤها في حال الطهر. # PageV01P193 # والكلام في العبد كالكلام في الكافر سواء لا فرق بينهما إذا كان داخلا ~~تحت الاسم. # وليس لهم ان يقولوا: ان العبد لا يملك تصرفه فكيف يجب عليه فعل ذلك (١). # لأنا لا نسلم انه لا يملك تصرفه على كل حال لان الأوقات التي هي أوقات ~~مستثناة من جملة ما يملك منه من الأوقات فسقط الاعتراض بذلك. # واما الصبي الذي ليس بكامل العقل ولا مميز لما يجب عليه وان كان الاسم ~~يتناوله غير مراد لأنا نخصه من ذلك من حيث لا يحسن تكليف من ليس بكامل ~~العقل ومن لا يتمكن من فعل ما كلفه على الوجه الذي كلف. # فاما ما ms105 يتعلق بالأموال فهم داخلون تحت الاسم الذي يوجب ذلك من الزكوات ~~وقيم المتلفات وأروش الجنايات وغير ذلك لان قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) يدخل تحته البالغ والطفل ~~فينبغي ان يجب ذلك وعلى هذا يجرى الباب. # فاما المرأة فان كان الخطاب يختص النساء فلا خلاف انها داخلة تحت الخطاب. # وان كان الخطاب يتناول اسم الجنس مثل قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (3) فكمثله. # وان كان الخطاب يختص بالذكور (4) فمن الناس من قال إن النساء لا يدخلن ~~فيه # PageV01P194 # الا بدليل وهو الظاهر من مذهب الشافعي وعليه كثير من الفقهاء. # وذهب الباقون إلى أنه يدخل مع الرجال لان الرجال والنساء إذا جمعوا في ~~الخطاب غلب حكم التذكير وهو الظاهر على مذهب أهل اللغة فينبغي ان يعتمد ~~عليه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P195 # فصل NoteV01P196N06 (في أن الامر بالشئ هل هو نهى عن ضده أم لا (1)) ذهب ~~أهل العدل من المتكلمين وكثير من الفقهاء إلى أن الامر بالشئ ليس بنهي عن ~~ضده (1). # PageV01P196 # ومنهم من قال: انه نهى عن ضده معنى (1). # والذي اذهب إليه ان الامر بالشئ ليس بنهي عن ضده لفظا واما من جهة المعنى ~~فعلى المذهب الذي اخترناه وهو ان الامر يقتضى الايجاب (1) وإذا كان صادرا ~~من حكيم دل على وجوب ذلك الشئ يقتضى ان تكون تركه قبيحا وسواء كان له ترك ~~واحد أم تروك كثيرة في أنه يجب أن يكون كلها قبيحة إذا كان الامر مضيقا. # وان كان الامر مخيرا فيه بينه وبين ضد له اخر دل على أن ما عدا ذلك قبيح ~~من تروكه. # وان لم يكن له الا ترك واحد فيجب القطع على أنه قبيح إذا لم يدل على أنه ~~واجب مثله مخيرا فيهما. # الا ان مع هذا التفصيل أيضا لا يجوز ان يسمى نهيا عن ضده لان النهى من ~~صفات الأقوال دون المعاني وليس كل ما علم قبحه سمى منهيا عنه الا على ضرب ~~من المجاز. # والذي ms106 يدل على صحة ما اخترناه ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة ~~النهى فقالوا: صيغة الامر لمن دونه (افعل) والنهى قوله: (لا تفعل) وهما ~~يدركان بحاسة السمع وليس يسمع من قوله: (افعل) (لا تفعل) فلا ينبغي ان يكون ~~نهيا من حيث اللفظ لأنه لو كان كذلك لوجب ان يسمعا معا كما يسمع لو جمع بين ~~اللفظين وقد علمنا خلاف ذلك. # PageV01P197 # فاما اقتضاء للنهي من حيث (1) المعنى فقد بينا ما عندنا في ذلك وفيه ~~كفاية وذلك ينبئ على أن الامر يقتضى الايجاب وقد ذللنا عليه فيما مضى (2). # ونبين أيضا صحة ما قلنا: ان الامر بالشئ لو كان نهيا عن ضده لجاز لقائل ~~ان يقول: (ان العلم بالشئ جهل بضده) وذلك جهالة ولا يلزمنا مثل ذلك فيما ~~اخترناه من دلالته على قبح تركه لأنه لا يمتنع ان يدل الشئ على حسن امر ~~وقبح شئ اخر من وجهين وليس ذلك بمتضاد (3) ويستحيل ان يكون العلم جهلا لان ~~الصفتين متضادتان فبان الفرق بينهما (4). # فاما شبهة من خالف في ذلك فهو ان قال: ان الامر يقتضى إرادة المأمور به ~~وإرادة الشئ كراهة ضده والحكمة تقتضي الا يريد الشئ الا ويكره ضده. # فان ذلك يسقط بما قلناه من أن الامر لا يدل على إرادة المأمور به ولو دل ~~لم يكن إرادة الشئ كراهة ضده لان إرادة النوافل حاصلة وليست بكراهة لضدها ~~ومتى بنى على أن الامر يقتضى الايجاب وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوبه ~~وان ما عداه قبيح إذا لم يدل على أنه واجب مخير فيه مثله (5) فهو هو ~~المعتمد عليه على ما بيناه. # PageV01P198 # فصل NoteV01P199N07 (في أن الامر بالشئ يقتضى الفعل مرة أو يقتضى التكرار ~~(1)؟) ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الامر بالشئ لا يقتضى بظاهره ~~أكثر من # PageV01P199 # فعل مرة ويحتاج في زيادته إلى دليل اخر وهو المحكى عن أبي الحسن (1) ~~والظاهر من قول الشافعي (2). # وقال قوم شذاذ ان الامر بظاهره يقتضى التكرار (1). # وذهب قوم إلى الوقف في ذلك وقالوا نقطع أن ms107 إرادة المرة الواحدة مرادة وما ~~زاد عليه فمشكوك فيه متوقف فيه (2). # فالذي اختاره المذهب الأول والذي يدل على ذلك: ان الامر في الشاهد على ~~وتيرة واحدة إذا سبرناه يقتضى الفعل مرة واحدة ولا يفهم من ظاهره الا ذلك ~~الا ترى ان من قال لغلامه (اسقني ماء) لا يعقل منه أكثر من مرة واحدة حتى ~~أنه لو # PageV01P200 # كرر عليه الماء دفعه ثانية لعدوه سفيها. # وليس لاحد ان يقول: ان ذلك عقل بشاهد الحال وبقرينة اقترنت إلى الامر دلت ~~على المرة الواحدة. # وذلك أن ما ذكرناه يعقله من لا يعرف القرينة أصلا ولا تخطر بباله ثم ~~القرينة تحتاج ان تكون معقولة وليس هناك قرينة تدل على ذلك. # فان قالوا: القرينة انه يعلم استكفائه بشربة واحدة وما زاد عليها لا ~~يحتاج إليه [قلنا] (1): لان هذا لا طريق له إلى العلم به لأنه قد لا يكتفى ~~بشربة واحدة ويحتاج في زيادتها إلى تجديد الامر فلو كان ذلك معقولا بالامر ~~الأول لما احتاج إليه. # وإذا ثبت ذلك في الأوامر في الشاهد وجب ان يكون حكم أوامر الله تعالى ذلك ~~الحكم. # ويدل على ذلك أيضا: ان الامر لو اقتضى استغراق الأوقات لا اقتضى استغراق ~~الأحوال والأماكن فلو كان وجب فعله في سائر الأوقات لوجب فعله على سائر ~~الأحوال وفى سائر الأماكن وذلك لا يقوله أحد. # وانما قلنا ذلك لان الأوقات ظروف الزمان فكما ان الفعل لابد له من ذلك ~~فكذلك لابد له من ظروف المكان والأحوال. # ويدل على ذلك أيضا: ما لا خلاف فيه بين الفقهاء من أن الرجل إذا امر ~~وكيله بطلاق زوجته لم يكن له ان يطلقها أكثر من واحدة فلو كان الامر يقتضى ~~التكرار لجاز له أكثر من مرة وذلك خلاف الاجماع. # ويدل على ذلك أيضا: ان الامر بالشئ امر باحداثه فجرى في ذلك مجرى الخبر ~~عن احداثه فكما ان الخبر عن احداثه لا يقتضى أكثر من مرة واحدة فكذلك ~~الامر. # ويدل على ذلك أيضا: ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله ms108 وسلم انه لما قال # PageV01P201 # له سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي (1) (2) في الحج: # ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد؟ # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا بل لعامنا هذا ولو قلت نعم لوجب) (3) ~~فبين صلى الله عليه وآله وسلم ان ما يقتضى الامر لذلك العام وما زاد على ~~ذلك انما يثبت بقوله نعم لو قاله ولو كان الامر يقتضى التكرار لما احتاج ~~إلى ذلك. # فان قيل: إذا كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة فلم استفهمه سراقة وهلا ~~قطع بظاهره على أنه لذلك العام ولا يحتاج إلى الاستفهام؟ # قيل له: انما استفهم عن ذلك لأنه جوز ان يكون ذلك للأبد بدليل غير ظاهر ~~الامر كما وجد مثل ذلك أوامر كثيرة مثل الصلاة والزكاة وغيرهما من أفعال ~~الشرع فلأجل ذلك حسن استفهامه عليه السلام. # وتعلق من خالف في ذلك بأشياء: # منها: انهم حملوه على النهى وقالوا ان النهى لما اقتضى التكرار فكك يجب ~~في الامر لأنه ضده (3). # والجواب عن ذلك: انا نقول في النهى مثل ما نقوله في الامر وان الذي ~~يقتضيه ظاهره ان لا يفعل دفعة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل اخر. ~~ومن # PageV01P202 # الناس من فرق بينهما فقال: في الاستعمال فرق بين الموضعين لان النهى يعقل ~~منه في الشاهد التكرار الا ترى ان من قال لغلامه: (لا تفعل كذا وكذا) يعقل ~~منه الامتناع على كل حال وليس كذلك الامر على ما بيناه. # وقالوا أيضا: ان النهى لما كان يقتضى الكف والكف عن المنهي عنه لا ضيق ~~فيه ولا حرج فاقتضى لذلك الدوام وليس كذلك الامر لأنه لو اقتضى الدوام للحق ~~في ذلك المشقة والضيق. # وقالوا أيضا: ان من انتهى عن الفعل في الأزمان كلها يقال فيه انه انتهى ~~عما نهى عنه وإذا امر بالشئ وفعله ثم فعل مرة أخرى لا يقال انه فعل ما امر ~~به. # والمعتمد هو الأول وبعده الفرق الثاني وهو الرجوع إلى الشاهد. # وتعلقوا أيضا بان قالوا: انه إذا أطلق الامر فليس يقتضى الفعل ms109 في وقت ~~بأولى من أن يقتضى في وقت آخر فيجب ان يحمل على الأوقات كلها. # والجواب عن ذلك: انا نقول: انه يجب عليه ان يفعله في الثاني (1) على ما ~~نذهب إليه في الفور فسقط السؤال. # ومن قال بالتراخي (2) * يقول: هو مخير في الأوقات كلها. # ومن قال بالوقف قال: ينتظر بيان وقت الفعل وليس لاستغراق الأوقات فيه ذكر ~~فيدعى فيه العموم. # وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو لم يقتض التكرار لما صح النسخ لان معنى النسخ ~~هو إزالة مثل الحكم الثابت بالنص الأول في الثاني بنص اخر على وجه لولاه ~~لكان ثابتا به مع تأخره عنه ولو كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة لما صح ~~ذلك على حال. # والجواب عن ذلك: ان النسخ انما يصح إذا دل دليل غير الظاهر على أنه أريد # PageV01P203 # التكرار فاما إذا تجرد عن ذلك فلا يصح فيه النسخ على حال. # وتعلقوا أيضا بان قالوا: وجدنا أوامر القران كلها على التكرار فوجب أن ~~يكون ذلك بمقتضى الامر (1). # والجواب عن ذلك: انا لا نسلم ان أوامر القران كلها على التكرار لان فيها ~~ما يقتضى الفعل مرة واحدة وهو الامر بالحج على ما بيناه فاما ما يقتضى منها ~~التكرار فبدليل غير الظاهر وهو الاجماع فمن أين لهم ان ذلك بمقتضى الامر؟ # فهذه الجملة التي ذكرناها تأتى على جميع ما يتعلق بهذا الباب. # PageV01P204 # فصل NoteV01P205N08 (في أن الامر المعلق بصفة أو شرط (1) هل يتكرر ~~بتكررهما (2) أم لا؟) ذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يتكرر بتكرر ~~الشرط والصفة وانه # PageV01P205 # يقتضى الفعل مرة واحدة عند أول الشرط والصفة (1). # ومنهم من قال: ان ذلك يوجب التكرار (1). # والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك: # ان القائل إذا قال لغلامه: (إذا دخلت السوق اشتر الفاكهة) لو يعقل منه ~~شراء الفاكهة كلما دخل السوق وانما يعقل ذلك مرة واحدة حتى أنه لو فعل دفعة ~~أخرى لاستحق التوبيخ والذم. # ويدل أيضا على ذلك: انه إذا ثبت ان الامر المطلق يقتضى الفعل مرة واحدة ~~فتعليقه بشرط ms110 أو صفة انما يقتضى ايقاع ذلك الفعل عند حصول الشرط أو الصفة ~~وتخصيصه بهما ولو اقتضى ذلك التكرار لاقتضى مطلق الامر وقد دللنا على خلاف ~~ذلك. # ويدل أيضا على ذلك: ان القائل إذا قال لوكيله: (طلقها إذا دخلت الدار) ~~فلا خلاف ان ذلك لا يقتضى جواز طلاقها كلما دخلت الدار وانما يقتضى جواز ~~ايقاع الطلاق عند دخولها الدار أولا. # وإذا ثبت ذلك فأوامر الله تعالى ينبغي أن يكون هذا حكمها لان حقيقة الامر ~~(2) لا تتغير. # وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (1): # PageV01P206 # منها: ان قالوا ان الحكم المعلق بالصفة أو الشرط يجرى مجرى تعليله بالعلة ~~فكما ان الامر بالمعلق بالعلة يقتضى التكرار عند تكرار العلة وكذلك القول ~~في الشرط والصفة (1). # والجواب عن ذلك: ان هذا السؤال ساقط عنا لأنا لا نقول (2) * بالقياس ~~والعلل (3) ومن قال بذلك يقول إن العلة دالة على الحكم فلذلك يتكرر الحكم ~~بتكررها لأنها لا يجوز حصول الدليل مع ارتفاع المدلول لان ذلك يكون نقصا ~~لكونها دلالة والصفة والشرط شرط ولا يجب أن يكون مثل الشرط شرطا في كل موضع ~~كما لا يجب أن يكون دخول الدار شرطا في جواز الطلاق كلما دخلت الدار. # وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو لم يتكرر بتكرر الشرط والصفة لكان إذا لم ~~يفعل مع الشرط الأول وفعل مع الشرط الثاني عد قاضيا (4) * لا مؤديا فلما ~~كان ذلك باطلا علم أنه مراد (5). # والجواب عن ذلك: ان ذلك قضاء في الحقيقة فان منع من اطلاق هذه العبارة ~~عليه في بعض المواضع فلا اعتبار بذلك لان المعول (6) * على المعاني دون ~~العبارات. # PageV01P207 # وتعلقوا أيضا بان قالوا: لما كان النهى المعلق بصفة يقتضى تكرره عند تكرر ~~الصفة فكك القول في الامر (١). # والجواب عن ذلك: ان قولنا في النهي مثل قولنا في الامر في أنه لا يقتضى ~~ذلك بظاهره فسقط الاحتجاج بذلك. # وتعلقوا أيضا بأن قالوا: وجدنا أوامر القران المتعلقة بالصفات والشروط ~~يقتضى التكرار نحو قوله: ﴿أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق ms111 الليل﴾ (٢) ونحو قوله: ﴿وان كنتم جنبا فاطهروا﴾ (٣) و (إذا أقمتم الصلاة ~~فاغسلوا) (٣) وقوله تعالى ﴿الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (4) وغير ذلك (5). # والجواب عن ذلك: ان جميع ذلك عقل بغير الظاهر وبدليل دل على ذلك من ~~الاجماع وغيره. # ومن الناس من فرق بين بعض ذلك وبنى الامر المعلق بالشرط (6) * فقال في ~~قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) وقوله (الزانية والزاني) ان ذلك تعليل ~~لا تعليق بصفة (7) فكأنه قال: (ان كنتم جنبا فاطهروا لأنكم جنب) لما علم ~~أنه لا يمكن أداء الصلاة مع الجنابة وكذلك: (فاجلدوا الزاني والزانية ~~لأنهما زنيا) فصار ذلك تعليلا لا شرطا وإذا كان كذلك جاز حمله على التكرار ~~(5). # ولم يسع ذلك في الامر المعلق بالصفة والشرط على ما بيناه (8). # PageV01P208 # فصل NoteV01P209N09 (في الامر المعلق بوقت متى لم يفعل المأمور به فيه هل ~~يحتاج إلى دليل في ايقاعه في الثاني أم لا؟ (1)) ذهب أكثر الفقهاء ~~والمتكلمين إلى أن الامر المعلق بوقت إذا لم يفعل المأمور # PageV01P209 # به فيه احتياج إلى دليل اخر في وجوب فعله في وقت اخر وكذلك قال في الامر ~~المطلق من ذهب إلى أنه متى لم يفعل في الثاني أو ذلك الوقت يجب عليه فعله ~~في الثالث أو الوقت الاخر فكأنهم قالوا: يقتضى الفعل في الثاني فان لم يفعل ~~في الثاني اقتضى (2) في الثالث ثم كذلك في الرابع إلى أن يحصل المأمور به. # والذي اذهب إليه ما ذكرته أولا والذي يدل على ذلك: هو ان الامر إذا كان ~~معلقا بوقت دل على أن ايقاعه في ذلك الوقت مصلحة فمتى لم يفعل في ذلك الوقت ~~فمن أين يعلم (4) * انه مصلحة في وقت اخر؟ ويحتاج في العلم بذلك إلى دليل ~~اخر وعلى هذا قلنا ان القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل اخر غير الذي دل على ~~وجوب المقضي. # وليس لاحد ان يقول: ان الامر يدل على وجوب المأمور به وانه مصلحة وليس ~~للأوقات (5) * تأثير في ms112 ذلك فينبغي أن يكون ايقاعه مصلحة أي وقت شاء وذلك ~~أنه لا يمتنع أن يكون للأوقات تأثير (5) * في كون الفعل مصلحة فيه حتى إذا ~~فعل في غيره كان مفسدة. # والذي يكشف عن ذلك (6) * ان صلاة الجمعة لا خلاف انها مصلحة وواجبة # PageV01P210 # في وقت بعينه ومن لم يفعلها فإنها تسقط عنه لا يجوز له فعلها في وقت اخر. # وكذلك من قال: (لله على صوم يوم بعينه) فإنه يلزمه صوم ذلك اليوم ولا ~~يجوز له أن يصوم يوما اخر فعلم بذلك ان للأوقات تأثيرا في كون الفعل مصلحة ~~وسقط السؤال. # فاما تسميته قضاء فكلام في عبارة فربما أطلق عليه ذلك وربما امتنع منه ~~لضرب من الابهام. # وليس لهم أن يقولوا: لو اقتضى ايقاع الفعل في ذلك الوقت ولم يقتض ايقاعه ~~في وقت اخر لبطل النسخ. # وذلك انا قد بينا (1) انه لا يصح النسخ إذا كان الفعل مطلقا أو مقيدا ~~بوقت الا أن يدل دليل اخر على أن ما بعده من الأوقات حكمه حكم ذلك الوقت ~~فبطل بذلك أيضا هذا السؤال. # PageV01P211 # فصل NoteV01P212N10 (في أن الامر هل يقتضى كون المأمور به مجزيا أم لا ~~(1)؟) ذهب الفقهاء بأجمعهم وكثير من المتكلمين (1) إلى أن الامر بالشئ ~~يقتضى # PageV01P212 # كونه مجزيا إذا فعل على الوجه الذي تناوله الامر. # وقال كثير من المتكلمين: انه لا يدل على ذلك ولا يمتنع أن لا يكون مجزيا ~~ويحتاج إلى القضاء (1). # والصحيح هو الأول. # والذي يدل على ذلك: ان الامر يدل على وجوب المأمور به وكونه مصلحة إذا ~~فعل على الوجه الذي تناوله الامر فإذا فعل كذلك فلابد من حصول المصلحة (2) ~~* به واستحقاق الثواب عليه لأنه لو لم تكن مصلحة لم يحسن من الحكيم ايجابه ~~ولبطل (3) * كونه مصلحة على ما تناوله الامر. # وليس لهم ان يقولوا: انه لا يمتنع أن يوقع الفعل على الوجه الذي تناوله ~~الامر وتحصل مصلحة ويستحق الثواب عليه الا انه يحتاج إلى أن يقضيه دفعة ~~أخرى كما أن المفسد للحج يلزمه المضي فيه ومع ذلك يلزمه قضائه وكذلك ms113 الظان ~~لكونه متطهرا في اخر الوقت يلزمه الصلاة ثم إذا علم أنه كان غير متطهر ~~يلزمه قضاؤه (4). # وذلك الذي ذكروه لا يدل على أنه غير مجز وانما يدل على أن مثله مصلحة في ~~الثاني ونحن لا نمتنع من ذلك وجرى ذلك مجرى ان يؤمر بالفعل في وقتين فإنه ~~متى فعل المأمور فيهما فلا يقول أحد ان ما فعل في الثاني مجز وما فعل في ~~الأول غير مخبر فكذلك (5) ما يفعل بأمر اخر. # PageV01P213 # فاما تسميته قضاء للأول فكلام في العبارة وقد بينا انه لا اعتبار به (1). # فاما المضي (2) * في الحج الفاسد ووجوب الصلاة على الظان لكونه متطهرا في ~~اخر الوقت فالذي تناوله الامر في هذين اتمام الحج (3) * وأداء تلك الصلاة ~~(4) * وقد فعلهما وأما ما يجب عليه من قضاء تلك الصلاة إذا تيقن انه كان ~~محدثا وإعادة الحج فإنه علم ذلك بدليل اخر وقد بينا انه لا اعتبار بتسميته ~~قضاء (1) فيتعلق بذلك في هذا الباب. # فان قيل: انما أردنا لكونه غير مجز انه لا يعلم إذا فعل انه لا يلزمه ~~مثله في المستقبل. # قيل له: وانما أردنا بكونه مجزيا انه لا يعلم أنه يجب عليه مثله في ~~المستقبل ويسقط حينئذ الخلاف. # ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: انه ثبت ان النهى يقتضى فساد المنهي عنه ~~على ما سندل عليه (5) فينبغي أن يكون الامر يقتضى كونه مجزيا لأنه ضده. # PageV01P214 # فصل NoteV01P215N11 (في حكم الامر إذا تكرر بغير واو العطف (1) وبواو ~~العطف ما القول فيه؟) اعلم أن الصحيح ان الامر إذا تكرر بغير واو العطف ~~تكرر المأمور به ووجب كوجوبه وهو مذهب أكثر المتكلمين والفقهاء. # وقال قوم: انه ينبغي أن يحمل الثاني على الأول وعلى انه تأكيد له. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: ان كل واحد منهما لو انفرد لاقتضى فعل ~~المأمور به اما وجوبا أو ندبا على الخلاف فيه فينبغي أن يكون ذلك حكمه إذا ~~تكرر. # PageV01P215 # وليس ذكره بعد ذكر الأول مقتضيا لحمله على التأكيد (1) * الا أن يدل دليل ~~على أنه ms114 تأكيد فيحمل عليه أو يكون الأول معرفا أو إشارة إلى معهود والثاني ~~مثله فيحمل على ذلك نحو ان يقول الله تعالى: (صلوا صلاة صلوا صلاة) فإنه ~~يجب أن تحمل اللفظة الثانية على صلاة غير الصلاة الأولى. # واما ما يكون معرفا فنحو ما روى عن ابن عباس في قوله (فان مع العسر يسرا ~~* ان مع العسر يسرا) (2) فقال: (لن يغلب عسر واحد يسرين) (3) فحمل العسر ~~على أنه واحد لما كانا معرفين واليسر على أنهما مختلفان لما كانا منكرين. # وقال قوم (4) في تأويل هذه الآية: ان التعريف في العسر ليس بتعريف العهد ~~وانما هو تعريف الجنس فكأنه قال: مع جنس العسر يسرا وكذا مع جنس العسر يسرا ~~وعلى هذا يكون الثاني غير (5) * الأول. # والذي يدل أيضا على ما قلناه: ان الخبرين (6) إذا تكررا اقتضيا مخبرين ~~فوجب أن يكون حكم الامرين مثل ذلك لأنهما في المعنى واحد. # فاما قول القائل لغيره: (اضرب اضرب) فالظاهر من ذلك أن الثاني غير الأول ~~الا أن يدل دليل على أنه أراد تأكيد الأول من شاهد الحال وغير ذلك فيحمل ~~عليه. # PageV01P216 # وأما إذا عطف أحدها على الاخر نظر فيه: # فان كان الثاني يقتضى ما يقتضيه الأول من غير زيادة ولا نقصان فالكلام ~~فيه كالكلام في الأول سواء لأنه لا فرق بين أن يفترق ذلك ويقترن ويصير ذلك ~~بمنزلة أمر واحد بفعلين ولذلك قال الفقهاء (١) في قول القائل لامرأته: (أنت ~~طالق وطالق) على أنه أوقع الثنتين الا أن يدل دليل على أنه أراد تأكيد ~~الأول فيحمل عليه. # وان كان الثاني يقتضى غير ما يقتضيه (٢) * الأول حمل على ظاهره ولا تنافى ~~بينه وبين الأول. # وان كان الثاني يقتضى بعض ما تناوله الأول فالظاهر من الاستعمال أن يحمل ~~على أنه أريد بالثاني غير البعض الذي تناوله الأول لان من حق المعطوف أن ~~يتناول غير ما يتناوله المعطوف عليه ثم ينظر في ذلك فان كان إذا جعل هذا ~~البعض مرادا بالثاني كان هو بعينه يمتنع أن يكون مرادا بالأول أيضا فالواجب ~~ان ms115 يحمل الأول على ما عداه وان كان لا يمتنع ان يراد بالأول ما يقتضيه أيضا ~~حمل الأول على جميعه والثاني على البعض الذي تناوله ولذلك قلنا ان قوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى﴾ (٣) يقتضى ظاهره ان المراد بالصلوات غير الوسطى ليصح عطف ما ~~عطف به عليه. # اللهم إلا أن يدل دليل على أن الثاني ذكر تأكيدا أو تعظيما وتفخيما فان ~~كان كذلك حمل عليه كما قيل في قوله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ ~~(4) ان المراد بذكر جبريل وميكال تعظيم لهما وتفخيم وكذلك قال أكثر أهل ~~العلم (5) في قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) (6). # PageV01P217 # وقال قوم: انه لم يقصد بلفظ الملائكة جبريل وميكال ولا بلفظ الفاكهة ~~النخل والرمان فلأجل ذلك حسن عطف ذلك عليه. وذلك موقوف على الدليل. # فاما إذا كان الثاني أعم من الأول فالقول فيه كالقول إذا كان الأول أعم ~~سواء لا فيما ذكرناه أخيرا من حمله على التعظيم والتفخيم لان ذلك قد يكون ~~نسخا وقد لا يكون كذلك. # ونحن نبين ذلك في الناسخ والمنسوخ إن شاء الله تعالى. # PageV01P218 # فصل NoteV01P219N12 (في ذكر الامر بالأشياء على جهة التخيير كيف القول ~~فيه (1)؟) ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الكفارات الثلاث كلها واجبة مخير ~~فيها وهو # PageV01P219 # المحكى عن أبي علي وأبي هاشم واليه ذهب أصحابهما (1). # وقال أكثر الفقهاء (1): ان الواجب منها واحد لا بعينه وذهب إليه جماعة من ~~المتكلمين (1). # وحكى أبو عبد الله (2) عن أبي الحسن (3) القولين (1). # والذي اختاره شيخنا أبو عبد الله (4) ان الواجب واحد لا بعينه على ما ~~يذهب إليه الفقهاء (1). # وذهب سيدنا المرتضى (رحمه الله) (5) إلى أن ان الثلاث لها صفة الوجوب (6) ~~* على وجه التخيير. # والذي اذهب إليه: ان الثلاثة لها صفة الوجوب الا أنه يجب على المكلف ~~اختيار أحدها. # وهذه المسألة إذا كشف عن معناها ربما زال الخلاف فيها واعلم (7) ان ~~المعنى # PageV01P220 # بقولنا: (ان الثلاثة لها صفة الوجوب) ان الله تعالى قد علم أن ms116 كل واحد ~~منها يقوم مقام صاحبه في كونه مصلحة ولطفا للمكلف فاعلمنا ذلك وخيرنا بين ~~فعلها فالمخالف في ذلك لا يخلو: اما ان يوافق على ذلك ويقول: مع هذا ان ~~الواجب واحد لا بعينه فذلك يكون خلافا في عبارة لا اعتبار به. # وان قال: ان الذي هو لطف ومصلحة واحد من الثلاثة (1) * والثنتان ليس لهما ~~صفة الوجوب فذلك يكون خلافا في المعنى. # والذي يدل على فساد هذا القول: انه لو كان الواحد منها لها صفة الوجوب ~~والباقي ليس له ذلك لوجب أن يدل الله تعالى على ذلك ويعينه لأنه لا (2) ~~طريق للمكلف إلى معرفة ماله صفة الوجوب وتمييزه مما ليس له ذلك ومتى لم ~~يفعل ذلك والامر على ما قلناه يكون قد كلفه ما لا دليل عليه وذلك لا يجوز ~~ولذلك قلنا: انه لا يجوز أن يكلف الله تعالى اختيار الرسل والشرائع ولا ~~ينصب على ذلك دليلا (3) لان ذلك قبيح. # وليس لاحد أن يقول (4): انه يتميز له باختياره لان بعد اختياره قد سقط ~~عنه التكليف وينبغي أن يتميز له في حال ما وجب عليه حتى يصح منه الاقدام ~~عليه وتميزه له من غيره وذلك يكون قبل اختياره. # PageV01P221 # ولا يلزم (1) * على ذلك تعين البيع عند اختيار العقد لان ذلك في الأصل ~~تابع لاختياره دون كونه مصلحة فكان ما يتبع ذلك مثله. # ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان الواحد من ذلك له صفة الوجوب والثاني (2) ~~ليس له ذلك (3) لكان ينبغي أن لو فرضنا ان المكلف اختار غيره انه لا يجزيه ~~وفي ذلك خروج عن الاجماع لأنه لا خلاف بين المسلمين انه لو اختار أي ~~الثلاثة كان أجزأه وفي ذلك بطلان هذا المذهب. # وأيضا: فلو كان الواجب واحدا لا بعينه (3) لما جاز من الحكيم ان يخير ~~المكلف بينه وبين ما ليس له صفة الوجوب كما لا يحسن ان يخيره بين الواجب ~~والمباح. # وليس علمه بأنه لا يختار الا ما هو الواجب بمحسن لذلك لأنه لو كان محسنا ~~له لحسنه إذا خيره بينه ms117 وبين المباح إذا علم أنه لا يختار الا الواجب وقد ~~اتفقنا على خلاف ذلك. # فاما من نصر ما قلناه وقال: نعنى ان الله تعالى أراد كل واحد منها وكره ~~ترك كل واحد منها مع ترك الاخر ولم يكره تركه مع فعل الاخر (3). # فلا يمكننا الاعتماد عليه لأنا قد بينا ان الامر لا يقتضى [إلا] (4) ~~الايجاب لأنه أراد الامر المأمور به وكره تركه وبينا ما عندنا في ذلك (5) ~~مع أن هذا المذهب يكاد لا يتصور ولا يتحقق لأنه لا يخلو ان يكره ترك واحد ~~منها ولا يكره ترك الثاني (2) فان # PageV01P222 # أرادوا ذلك فذلك قول من قال: (ان الواجب واحد لا بعينه) وان قالوا: انه ~~كره تركه وترك الاخر فقد جمعهما للكراهة فينبغي أن يكونا جميعا واجبين على ~~الجمع وذلك لا يقوله أحد. # وقولهم: (ولم يكره ترك واحد مع فعل الاخر) يكاد يستحيل لأنه إذا كرهه مع ~~ترك الاخر فقد حصلت الكراهة له وتعلقت به لنفسها فكيف لا تكون حاصلة إذا ~~قدرنا فعل الاخر؟ # وتعلق من خالف في ذلك بان قال: لو فرضنا انه فعل الثلاث لكان الواجب منها ~~واحدا فكذلك قبل الفعل. # وقالوا أيضا: لو لم يفعل الثلاثة لا يستحق العقاب على واحدة منها فعلم ~~بذلك ان الواجب هو الواحد. # والجواب عن ذلك: ان هذا يسقط بما حررناه لأنه إذا فعل فالذي كان واجبا ~~عليه واحد وان كان الباقي له صفة الوجوب لأنه كان مخيرا فيها فلأجل ذلك ~~استحق ثواب الواحد على جهة الوجوب والثنتان فعلهما تبرعا ولا يمتنع أن يكون ~~الشئ له صفة الوجوب إذا فعل مفردا فإذا فعل مع غيره كان الواحد منها لا ~~يتغير وجه كونه واجبا والباقي (1) يصير ندبا فلأجل ذلك يستحق عليه ثواب ~~الندب وكذلك إذا لم يفعل الثلاث فإنما يستحق العقاب على واحد لان واحدا ~~منها كان واجبا عليه دون الثلاثة. # فان قيل: فأيها يستحق عليه الثواب إذا جمعت وأيها يستحق عليه العقاب إذا ~~لم يفعل شئ منها؟ # قيل له: لا يلزمنا بيان ذلك بل ms118 ما يعلمه الله تعالى من أنه لا يتغير كونه ~~واجبا إذا # PageV01P223 # فعله مع غيره يثيبه عليه ثواب الواجب واستحق العقاب بترك ذلك بعينه. # ومن (1) الناس من قال: انه يستحق الثواب على الأشق ثواب الواجب والعقاب ~~على الأخف. # والأول عندي هو المعتمد. # PageV01P224 # فصل NoteV01P225N13 (في أن الامر هل يقتضى الفور أو التراخي (1)؟) ذهب ~~كثير من المتكلمين والفقهاء إلى أن الامر يقتضى الفور وهو المحكى # PageV01P225 # عن أبي الحسن الكرخي (1). # وذهب كثير منهم إلى أنه على التراخي وهو المحكى عن أبي علي وأبي هاشم ~~(1). # وذهب قوم إلى أنه على الوقف (1) (2) * وقال يحتمل أن يكون مقتضاه الفور ~~أو (3) التراخي ويحتاج إلى الدليل. واختلفوا: # فمن أجاز منهم تأخير البيان عن حال الخطاب في المجمل قال: متى لم يدل ~~دليل (4) في حال الخطاب على أنه أراد الفعل في الثاني قطعت على أنه غير ~~مراد فيه وتوقف في الثالث والرابع وما زاد عليه وكذلك إذا جاء الوقت الثاني ~~ولم يبين له انه مراده في الثالث قطعت على أنه غير مراد فيه ثم على هذا ~~التدريج. # هذا الذي اختاره سيدنا المرتضى (5) رحمه الله (6). # ومن لم يجز تأخير بيان المجمل عن حال الخطاب لم يجوز ذلك (7) *. # PageV01P226 # والذي اذهب إليه هو الأول. # والذي يدل على ذلك: انه قد ثبت بما دللنا عليه ان الامر يقتضى الايجاب ~~فلو لم يقتضى الفعل في الثاني لم ينفصل مما ليس بواجب في هذه الحال لأن ما ~~ليس بواجب هذا حكمه من أنه يجوز تركه وهذا لا حق به وهذا يؤدى إلى نقض كونه ~~موجبا (1) *. # فان قالوا: انه وان جاز تأخيره فلا يجوز ذلك الا إلى بدل وهو العزم. # وربما قالوا: انما يجوز له أن يؤخر بشرط أن يفعل في الثالث وكذلك فيما ~~بعد. # قيل له: على الوجه الأول اثبات العزم يحتاج إلى دليل حتى يصح أن يكون ~~مخيرا بينه وبين الفعل فأما إذا لم يثبت ذلك فكيف يجعل مخيرا بينه وبينه ~~ولا فرق بين من أثبته من غير دليل وبين من أثبت فعلا اخر ms119 وجعله مخيرا بينه ~~وبينه فلما كان هذا فاسدا بلا خلاف كان العزم مثله. # وليس لهم أن يقولوا: نحن لا نثبت العزم الا بدليل وذلك أنه لما ثبت ان ~~الفعل واجب وكانت الأوقات في أدائها متساوية أثبتنا العزم والا انتقض كونه ~~واجبا. # وذلك أن هذا انما يتم إذا ثبت لهم ان الأوقات متساوية في الأداء ودون ذلك ~~خرط القتاد. # وأيضا: فلو كان مخيرا بينه وبين العزم لجاز له أن يقتصر عليه ولا يفعل ~~الواجب لان هذا حكم سائر الابدال وفي ذلك إغراء له بترك الواجب وألا يفعل # PageV01P227 # شيئا منه أصلا ويقتصر على العزم ابدا وفي ذلك خروج عن الدين. # فاما من قال: انه يجوز له تأخيره بشرط أن يفعل في الثالث فقوله يفسد من ~~وجهين. # أحدهما: ان على هذا القول صار مخيرا في الوقت الثاني بين فعله وان لا ~~يفعل وهذه صفة الندب. # والثاني: انه لا يعلم أنه يفعل في الثالث حتى يصح منه تأخيره عن الثاني ~~إليه. # وفي بطلان الوجهين معا ثبوت ما قصدناه. # ومما يدل أيضا على أن الامر يقتضى الفور: ان الامر في الشاهد يعقل منها ~~الفور الا ترى ان من امر غلامه بفعل فلم يفعل استحق الذم فلو (1) كان يقتضى ~~التأخير لجاز له أن لا يفعل ويعتل بذلك ويقول: انا مخير بين الفعل وبين ~~العزم عليه فلم أذم. # وفي علمنا ببطلان هذا لاعتلال دليل على أنه اقتضى الفور. # وليس لهم أن يدعوا قرينة دلت على أنه يقتضى الفور لأجلها ذم وذلك أن ~~القرينة المدعاة غيره معقولة فيحتاجون إلى أن يبينوها. # وأيضا فإنه يذمه من لا يعرف القرينة أصلا. # فعلم أنه انما يذمه لأنه عقل من مقتضى الامر الفور دون التراخي. # ومما يدل أيضا على أن الامر يقتضي الفور: انه لا يخلو من أن يكون المأمور ~~يجوز له تأخير الفعل لا إلى غاية أو إلى غاية فان جاز له تأخيره ابدا لا ~~إلى غاية ففي ذلك إخراج له من كونه واجبا وان كان يجوز له تأخيره إلى غاية ms120 ~~كان ينبغي ان يكون تلك الغاية معلومة وكانت تكون مثل الأوامر الموقتة ومتى ~~لم يعلم ذلك كان مكلفا لايقاع الفعل في وقت لا طريق له إلى معرفته وذلك ~~تكليف بما لا يطاق (2) *. # PageV01P228 # فان ذكروا: انه يكون مخيرا بين الفعل والعزم لا إلى غاية. # كان الكلام عليهم ما تقدم (١) من أن في ذلك افساد (٢) * التكليف وان ~~يقتصر المكلف من فعل الواجبات على العزم فحسب فلا يفعل شيئا منها وذلك خلاف ~~المعقول والدين جميعا. # فاما من قال هربا (٣) * من ذلك: انه يتعين الوقت عليه إذا غلب في ظنه انه ~~متى لم يفعل اخترم أو عجز عنه. # فإنه يقال له: وأي امارة توجب هذا الظن المدعى؟ وذلك لا سبيل له إليه على ~~أنه إذا كان مخيرا بين الفعل والعزم فلو غلب في ظنه فوت الفعل لم يغلب في ~~ظنه فوت العزم فينبغي ان يجوز له الاقتصار عليه. # وفيمن وافقنا على هذا المذهب (٤) من استدل على ذلك بقوله تعالى: # ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ~~(٥) وبقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ ~~(6). # وذلك يضعف الاحتجاج (7) به لان الظاهر من الآية انه امر بالتوبة لأنها هي # PageV01P229 # التي يحصل عندها الغفران وذلك متفق عليه انه على الفور. # فاما الفعل الواجب الذي لم يتقدمه غيره من المعاصي حتى يغفر فكيف يحمل ~~عليه؟ # فان حمل على أن المراد بذلك استحقاق الثواب تصير الآية مجملة (1) * لأنه ~~يستحق الثواب بالواجب والندب وليس الندب واجبا أصلا. # ومنهم من استدل على ذلك بان قال: ان الامر يقتضى ايقاع الفعل في وقت من ~~جهة الحكمة وان لم يكن مذكورا في اللفظ فأشبه ما يقتضيه العقود والايقاعات ~~من الطلاق والعتاق فكما ان ذلك كله على الفور وجب مثله في الامر. # وهذا لا يصح الاستدلال به من وجهين. # أحدهما: ان هذا قياس ونحن لا نقول بالقياس أصلا فكيف يمكننا ان نعتمد على ~~ذلك؟ # ومن قال بالقياس لا يمكنه أيضا ان يعتمد هذه الطريقة لان القياس يوجب ~~غلبة الظن وهذه ms121 المسألة طريقها العلم (2) * فلا يمكن الاعتماد فيها على ~~القياس. # [الثاني] (3): ولو جاز استعمال القياس في ذلك لكان هذا الاستدلال قرينة ~~اقترنت إلى ظاهر الامر والقوم لا يمتنعون من ذلك وانما الخلاف في الأوامر ~~المطلقة الخالية من القرائن فعلم أن المعتمد ما قدمناه. # وإذا ثبت ان الامر على الفور فمتى لم يفعله في الثاني احتاج إلى دليل اخر ~~في وجوبه عليه في الثالث على ما بيناه فيما تقدم (4) وفى ذلك بطلان مذهب ~~(5) من # PageV01P230 # قال: ان بالامر الأول يلزمه الفعل في الثالث والرابع إلى أن يحصل الفعل. # واستدل من قال (1): ان الامر يقتضى التراخي (2) بان قال: ان الامر انما ~~يقتضى كون الفعل واجبا وليس للأوقات ذكر في اللفظ وليس بعضها بان يوجب ~~ايقاعه فيه بأولى من بعض فينبغي ان يكون مخيرا فيه لأنه لو أراد ايقاعه في ~~بعضها لبينه فمتى لم يبينه دل على أنه مخير في ذلك كله (3). # والجواب عن ذلك أن يقال: ان الأوقات وان لم تكن مذكورة في اللفظ فوقت ~~الفعل هو الثاني وهو معلوم بالأدلة التي ذكرناها (4) فيجب المصير إلى ~~مقتضاها. # وقولهم: انه لو أراد ايقاع الفعل في الثالث (5) لبينه. # فعندنا انه بينه بالأدلة التي قدمناها (3). # ثم لأصحاب الوقف ان يقولوا: ولو أراد التراخي لبينه فيجب ان يتوقف في ذلك ~~وينتظر البيان. # ومتى اعتمد ذلك أصحاب الوقف كان الكلام عليهم ما تقدم من أن الدليل قد # PageV01P231 # دل على أنه يقتضى الفعل في الثاني (1). # وان اعتمدوا على أنهم وجدوا الأوامر مستعملة في الفور والتراخي (2). # فقد بينا ان نفس الاستعمال لا يدل على أن ما استعملوه حقيقة (3) وذلك ~~مجاز عندنا إذا استعمل على ما قالوه. # وهذا جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P232 # فصل NoteV01P233N14 (في الامر المؤقت ما حكمه؟ (1)) يجوز ان يرد الامر من ~~الحكيم بعبارة معلقة بوقت يقصر الوقت عن أدائها # PageV01P233 # فيه (1) فان لم يقصر عن ذلك نظر فيه: # فان كان مما يستغرق أداء العبادة فيه وجب أداؤه فيه بلا خلاف (1) وذلك ~~نحو الصوم المعلق بالنهار فإنه يجب أداؤه في ms122 جميعه. # وان كانت العبادة يمكن أداؤها في بعضه فاختلف العلماء في ذلك: # فمنهم من قال: الوجوب متعلق بأول الوقت (1). # ومنهم من قال: يجب أداؤه في اخره (1). # ومنهم: من جعله مخيرا بين أدائه في أوله واخره وفيما بين ذلك فان اخره ~~إلى آخره تضيق عليه الأداء (1) فيه ثم اختلفوا: # فقال قوم منهم: يجب عليه الفعل في أوله فمتى لم يفعل يجب عليه العزم على ~~فعله في اخره (2). # PageV01P234 # ومنهم من قال: هو مخير في الأوقات كلها ولا يجب عليه العزم (1). # ومن العلماء من وقف في ذلك وانتظر البيان وقال: كل ذلك جائز. # والذي يقوى في نفسي: انه إذا وردت العبادة معلقة بوقت له أول واخر من جهة ~~اللفظ فإنه يكون مخيرا بين أدائها في أوله واخره فان لم يفعل في أوله وجب ~~عليه العزم على أدائه في اخره ثم يتضيق في اخر الوقت وذلك نحو ان يقول ~~الله: # (تصدق اليوم بدرهم) (وصم في هذا الشهر يوما) فإنه يكون مخيرا بين ان ~~يتصدق في أول النهار أو وسطه أو اخره وكك يكون مخيرا بين ان يصوم في أول ~~الشهر أو وسطه أو اخره الا ان يقوم دليل على أنه واجب في أوله فيخرج عن هذا ~~الباب. # والذي يدل على ذلك: ان الوقت الثاني مثل الوقت الأول في تناول الامر له ~~بأداء العبادة فيه فليس لنا ان نجعل (2) أحدهما هو الواجب فيه دون الاخر ~~فينبغي ان يكون مخيرا في الأوقات كلها. # وليس لهم ان يقولوا: ان هذا يرجع عليكم في اخر الوقت فإنكم جعلتموه ~~مضيقا! # فان ذلك لابد منه في اخر الوقت لأنه ان لم يفعل (3) ذلك أدى إلى فوات ~~العبادة وليس كذلك الوقت الأول لأنه إذا لم يفعل فيه فالوقت الثاني وقت له. # وليس لاحد ان يقول: ان هذا ينتقض بما ذكرتموه في الباب الأول من أن الامر ~~يقتضى الفور وانه يجب المأمور به عقيبه. # وذلك انا انما قلنا ذلك في الأوامر المطلقة التي لها وقت واحد فحملناه ~~على الفور وحمل مخالفونا على ms123 التراخي لما لم يكن في اللفظ تعيين الوقت وليس ~~كذلك # PageV01P235 # في الامر الموقت لأنه عين (1) فيه الوقت وذكر أوله واخره فقلنا انه مخير ~~فيهما. # فان قيل: فكيف أوجبتم العزم بدلا منه في الوقت الأول ولم يذكر العزم في ~~اللفظ؟ وهلا لزمكم ما ألزمتموه من خالفكم في الامر المطلق وانه يقتضى ~~التراخي وأوجب العزم بدلا منه في كل الأوقات؟ # قيل له: إذا ثبت ان الامر يتناول الوقت الثاني كتناوله الوقت الأول وهو ~~يقتضى الوجوب فمتى لم يثبت العزم بدلا منه في الأول أدى ذلك إلى خروجه عن ~~كونه واجبا فلأجل ذلك أوجباه وليس كذلك في الامر المطلق لأنه لم يثبت للخصم ~~انه يجب في الأوقات ولا ان الامر تناول الأوقات على جهة البدل فيثبت العزم ~~بدلا منه في الأول بل كان الوقت الذي يلزمه أداء الفعل فيه هو الثاني لم ~~يجز ان يثبت العزم بدلا منه واحتاج المخالف في اثبات ذلك إلى دليل. # فاما من قال: انه يجب تأخيره فمتى فعل في الأول كان نفلا (2). # فذلك نقض لاقتضاء الامر الايجاب وانتقال إلى مذهب من يقول إنه يقتضى ~~الندب وذلك خلاف الصحيح على ما دللنا عليه. # فإن قال: لو كان واجبا في أوله لكان متى لم يفعله فيه استحق الذم لان ~~بذلك يتميز الواجب من النفل فلما لم يستحق الذم بالا يفعل في الأول علمت ~~(3) انه نفل فيه. # قيل له: انما يجب ان نقول بسقوط الذم عمن لم يفعل فعلا بعينه على أنه ندب ~~فيه إذا لم يكن هناك امر يسند ذلك إليه الا كونه نفلا فاما إذا كان هناك ~~امر يسند إليه ذلك فلا يصح الا ترى انه إذا فرضنا ان هناك ما يقوم مقامه ~~ويسد مسده من الواجب فمتى لم يفعله وفعل ذلك الامر لم يستحق الذم وانما يتم ~~ذلك في الامر المضيق اما # PageV01P236 # بفعل واحد أو وقت واحد فمتى لم يفعله بعينه أو في ذلك الوقت استحق الذم ~~وقد بينا ان هذه المسألة بخلاف ذلك وان هناك عزما يقوم ms124 مقامه. # فان عادوا إلى أن يقولوا: العزم ليس عليه دليل كرر عليهم الكلام الأول ~~وهو انه إذا تناول الامر الوقت الثاني كتناوله للوقت الأول فلابد - متى لم ~~يفعل في الأول - من عزم والا خرج من كونه واجبا إلى (1) ان يكون نفلا وقد ~~ثبت انه واجب. # فان قالوا: إذا جاز لكم ان تعدلوا من ذلك إلى فعل العزم جاز لنا ان نعدل ~~إلى أنه نفل والا فما الفرق؟ # قيل له: حمله على كونه نفلا نقض لكونه واجبا وليس في ايجاب العزم نقض ~~لكونه واجبا على ما بيناه فكان ذلك فرق بين الموضعين. # فان قيل: فعلى هذا المذهب ما قولكم في صلاة الظهر التي لها وقتان أول ~~واخر وكذا سائر الصلوات؟ # قيل له: اختلف العلماء في ذلك وأصحابنا أيضا: # فمن الفقهاء من جعل الفرض متعلقا باخر ومتى فعل في الأول كان نفلا وربما ~~سماه (موقوفا) على أن يأتي عليه الوقت الأخير وهو على الصفة التي يحب عليه ~~معها فعل الصلاة ويخرج الوقت فيحكم له بالوجوب ومع تسميته نفلا يكون قد ~~أجزأ عن الواجب (2) وهذا هو المحكى عن أبي الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ~~(3). # وذهب باقي الفقهاء إلى أنه مخير في الأوقات كلها ثم اختلفوا: # PageV01P237 # فمنهم من رجح الوقت الأول بالفضل (1). # ومنهم من لم يرجح وسوى بين الأوقات (2). # وأصحابنا اختلفوا: فكان شيخنا أبو عبد الله (3) يذهب إلى أن الوجوب يتعلق ~~بأوله وانه متى لم يفعل استحق الذم والعقاب الا انه متى تلافاه سقط عقابه ~~(4). # وذهب سيدنا المرتضى إلى أنه مخير في الأوقات كلها أولها واخرها غير أن ~~أداؤها في أول الوقت أفضل (5). # وإذا نصرنا المذهب الأول نقول: انما قلنا ذلك لأنه لم يخير على كل حال ~~بين الصلاة في أول الوقت واخر الوقت وانما فرضه الوقت الأول فلا يصح ان ~~يجعل مخير بينه وبين ما لم يجعل له وجرى ذلك مجرى الامر المضيق المعين بوقت ~~متضيق (6). # وليس لهم ان يقولوا: ان ذلك ينقض ان تكون الصلاة لها وقتان. # وذلك انا نقول: إذا ms125 نصرنا هذا المذهب ان لها وقتين في الجملة وبالإضافة ~~إلى مكلفين واما (7) إذا أضفناها إلى كل واحد من المكلفين فان لها وقتا ~~واحدا فيكون الوقت الأول لمن لا عذر له ولا مانع يمنعه من فعل الصلاة فيه ~~من علة أو مرض أو شغل ديني أو دنياوي والوقت الثاني يكون وقت من له بعض هذه ~~الموانع فتكون للصلاة وقتان بالإضافة إلى من وصفناه. # PageV01P238 # فان قالوا: هذا خلاف الاجماع لان الأمة كلها تقول: ان كل صلاة لها وقتان ~~فلا يفصلون هذا التفصيل. # قيل له 6 هذا اجماع مدعى (1) لان من خالف في هذا يخالف فيه ويرجع في ذلك ~~إلى الروايات الصادرة عن أئمة الهدى عليهم السلام. # ومتى نصرنا المذهب الاخر فالمعتمد فيه على ظاهر الامر وان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بين لكل صلاة وقتين وقال: (ما بينهما وقت) (2) ولم يفصل ~~فينبغي ان يكون مخيرا فيها ويقوى ذلك باخبار كثيرة وردت عن أئمة الهدى ~~عليهم السلام متضمنة لذلك وتعارض تلك الأخبار. # والكلام في تعيين هذه المسألة كلام في فرع والذي ذكرناه أولا كلام في ~~الأصل فلا ينبغي ان يخلطهما جميعا (3). # ويمكن ان ينصر المذهب الأول في الصلوات بان يقال: الاحتياط يقتضى أداءها ~~في الأول لأنه إذا تناول الامر ذلك والاخبار تقابلت في جواز تأخيرها عن أول ~~الوقت والمنع من ذلك فينبغي ان يتعارض ويرجع إلى ظاهر الامر في وجوب الصلاة ~~في الوقت الأول. # فان قيل: لو كانت الصلاة واجبة في أول الوقت لا غير لكان متى لم يفعل ~~فيها استحق العقاب وأجمعت (4) الأمة على أنه لا يستحق العقاب ان لم يفعلها ~~في أول الوقت. # فان قلتم: انه أسقط عقابه. # PageV01P239 # قيل لكم: وهذا أيضا باطل لأنه يكون اغراء بالقبيح لأنه إذا علم أنه متى ~~لم يفعل الواجب في الأول - مع أنه يستحق العقاب عليه - سقط عقابه كان ذلك ~~اغراء قيل له: ليس ذلك اغراء لأنه انما علم اسقاط عقابه إذا بقي إلى الثاني ~~وأداها وهو لا يعلم أنه يبقى إلى الثاني حتى ms126 يؤديها فلا يكون مغرا بتركها. # وليس لهم ان يقولوا: فعلى هذا لو مات عقيب الوقت الأول ينبغي ان لا يقطع ~~على أنه غير مستحق للعقاب وذلك خلاف الاجماع ان قلتموه. # وذلك أن هذا الاجماع غير مسلم بل الذي نذهب إليه ان من مات في الثاني ~~مستحق للعقاب وأمره إلى الله تعالى ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فادعاء ~~الاجماع في ذلك لا يصح. # فاما من خير بين الأوقات ولم يوجب العزم في الأول بدلا (1) منه فان ذلك ~~ينقض كونه واجبا لان هذا حكم الندب فما (2) أدى إلى مساواة الواجب للندب ~~ينبغي ان يحكم ببطلانه. # ومن قال: انه نفل في الأول (3) فقوله يبطل بما ثبت من اقتضاء الامر ~~الايجاب فمن خالف في ذلك كان الكلام في مسألة أخرى وقد مضى الكلام فيها ~~(4). # ويدل أيضا على بطلان هذا القول: ان الصلاة في أول الوقت لو كانت نفلا ~~لكان # PageV01P240 # متى نوى بها النفل لكانت تجزئ عن الفريضة لان النية المطابقة للصلاة أولى ~~بأن تجزئ معها الصلاة من النية المخالفة لها وقد اجمعوا على أنه متى نوى ~~بها النفل لم يجزه فبطل بذلك كونها نفلا في الأول. # وأما إذا قال: انها موقوفة فكلامه غير محصل لان الوجوه التي تقع عليها ~~الافعال فتكون واجبة أو ندبا لا تتأخر (1) عن حال الحدوث ولا تكون أمورا ~~منتظرة فان وقعت الصلاة في الوقت الأول على وجه الندب فينبغي ان يكون ندبا ~~- وان خرج الوقت - وقد اجمعوا على خلاف ذلك وان وقعت واجبة فان ذلك يبطل ~~كونها ندبا. # فاما ما يتفرع على هذه المسألة من وجوب القضاء على الحائض إذا طهرت في ~~اخر الوقت أو سقوطه عنها فكلام في الفرع وقد بينا الصحيح من ذلك في كتب ~~المصنفة في الفقه (2) فمن أراد ذلك وقف عليه من هناك. # وهذه جملة كافية كافية في هذا الباب. # PageV01P241 # فصل NoteV01P242N15 (في أن الامر هل يدخل تحت امره أم لا (1)) اعلم أن ~~الصحيح انه لا يجوز ان يدخل الامر تحت امره ويفارق ذلك ms127 الخبر. # والذي يدل على ذلك: ان الامر لا يكون آمرا الا باعتبار الرتبة فيه على ما ~~بيناه # PageV01P242 # فيما تقدم (1) وهي ان يكون الامر فوق المأمور وهذا لا يصح ان يدخل بين ~~الانسان وبين نفسه والخبر ليس كذلك فإنه يجوز ان يخبر الانسان عن نفسه ~~ويجمع بينه وبين غيره في تناول الخبر لهما لان الرتبة غير مراعاة في الخبر. # وليس لهم ان يقولوا: ليس هذا المثال مثالا للامر لأنكم قلتم (لا يحسن ان ~~يأمر الانسان نفسه) ومثل هذا موجود في الخبر لأنه لا يحسن أيضا ان يخبر ~~نفسه فاما الاخبار عنها فليس بمشبه (2) لذلك وذلك أنه انما لا يحسن ان يخبر ~~الانسان نفسه لأنه عبث لان الخبر انما وضع للإفادة فإذا كان عالما بما يخبر ~~به فاخباره نفسه بذلك لا فائدة فيه وكان عبثا. وليس كذلك الامر لأنه انما ~~قبح لفقد الرتبة المراعاة في كونه آمرا. # وكذلك القول إذا أخبر غيره بلفظ فلا يجوز ان يقصد باللفظ اخبار نفسه لما ~~قلناه من أنه عبث وانما قلنا انه يصح ان يخبر عن نفسه ليعلم بذلك ان الرتبة ~~غير مراعاة في الخبر أصلا. # فإذا ثبتت هذه الجملة فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا امر غيره بفعل ~~لا يدل ذلك على أنه مأمور به أيضا الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم به لأجل ~~الدليل ويفارق ذلك أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها بالعكس من أوامره ~~لان أفعاله تختصه ولا يعلم أنها متعدية إلى غيره الا بدليل وأوامره متعدية ~~ولا يعلم تناولها له الا بدليل فاختلف الأمران. # PageV01P243 # فصل NoteV01P244N16 (في ذكر الشروط التي يحسن معها الامر). # اعلم أنه لا يحسن الامر الا بعد أن يكون: # الآمر على صفة. # والمأمور على صفة. # والمأمور به على صفة. # والامر على صفة. # فإذا اجتمع ذلك كله حسن الامر ومتى اختل شئ من ذلك لم يحسن ونحن نبين ~~جميع ذلك. # واما ما يجب ان يكون عليه الآمر: # فان كان ممن يعلم العواقب وهو الله تعالى فلابد من ms128 أن يكون (1): # PageV01P244 # عالما بان المأمور يتمكن من أداء ما امر به (1). # ويعلم ان المأمور به على وجه يحسن (2) الامر به. # ويعلم انه مما يستحق بفعله الثواب (3). # ويكون غرضه وصوله إلى الثواب (4). # وأما إذا كان الآمر ممن لا يعلم العواقب من الواحد منا فإنه يحسن منه ~~الامر إذا ظن في المأمور ما ذكرناه بان يشترط أداؤه ان قدر عليه لأنه إذا ~~لم يعلم العواقب فان الظن يقوم له مقام العلم ولو لم يحسن مع الظن لما حسن ~~من الواحد منا ان يأمر غيره # PageV01P245 # البتة لأنه لا طريق له إلى العلم بأنه يقدر عليه أو لا يقدر عليه في ~~المستقبل. # ولابد ان يعلم حسن المأمور به ويقصد بذلك وجها حسنا ولا يقوم الظن في ذلك ~~مقام العلم والشرط لا يدخل في ذلك كما دخل في كونه قادرا ولأجل هذا لا يحسن ~~منا ان نأمر غيرنا بفعل في الغد الا بشرط ان يكون قادرا عليه في الغد ولا ~~يجوز ان نأمره بفعل لا نعلم حسنه في الحال فبان الفرق بين الامرين. # ولو أن قائلا سوى بين حسن الشرط في الامرين لم يكن ذلك بعيدا لان الواحد ~~منا يأمر غلامه بان يرد وديعة انسان عليه في الغد ولابد من اشتراط كونه ~~قادرا عليه في حال الرد ولابد من شرط كونه حسنا في ذلك الوقت أيضا لأنه لو ~~عرض في حال الرد وجه من وجوه القبح من غصب ظالم لها أو غير ذلك من وجوه ~~الفساد لم يحسن ردها في تلك الحال. # واما القصد بذلك وجها من وجوه الحسن فلابد منه على كل حال. # ومن الناس (1) من جوز في القديم تعالى أيضا (2) ان يأمر المكلف بشرط ان ~~يبقى على كونه قادرا قبل حال الفعل بوقت والا يمنعه منه. # والصحيح الأول لان الشرط انما يصح فيمن لا يعلم العواقب فاما من يعلمها ~~فلا يحسن منه ذلك. # ومتى قيل: انه يحسن ذلك ويكون ذلك الامر لطفا لغير هذا المكلف كان ذلك ~~أيضا فاسدا لأنه لا يخلو من ms129 أن يكون المأمور نفسه ذلك الفعل مصلحة له أو لا ~~يكون كذلك، فإن كان مصلحة له فيجب إقداره عليه والا يمنع منه وان لم يكن ~~مصلحة له فلا يحسن ان يوجب عليه ما هو لطف للغير فلأجل ذلك قلنا ان النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم لابد ان يكون له في تحمله أعباء الرسالة لطف ولولا ~~ذلك لما وجب عليه # PageV01P246 # الأداء فكذلك القول ههنا. # ولابد ان يكون القديم تعالى عالما بان المكلف يفعل ما امر به ولا يعصيه ~~فيه (1) أو يكون في ذلك لطف للغير ان علم أنه يعصى على ما نقوله في قبح ~~تكليف من علم الله انه يكفر إذا لم يكن فيه لطف للغير. # ومن خالف في ذلك لم يشترط هذا الشرط (2). # ومن الناس من شرط في حسن امر الله تعالى ان لا ينهى عنه في المستقبل ~~ومنهم من لا يشترط ذلك ونحن نبين الصحيح في ذلك في باب الناسخ والمنسوخ إن ~~شاء الله. # واما الصفات التي يجب كون المأمور عليه فهي: # ان يكون متمكنا من ايقاع الفعل على الوجه الذي امر به (3) فان كفى في ذلك ~~مجرد القوة (4) اقتصر عليه وفعلت فيه قبل الفعل بحالة واحدة أو قبل ذلك ~~بأحوال (5). # PageV01P247 # وان كان الفعل يحتاج إلى العلم فلابد من حصوله في حال وقوع الفعل فان كان ~~العلم من فعله مكن قبل ذلك من سببه بأوقات يمكنه تحصيل العلم فيها في حال ~~الفعل. # وان كان يحتاج إلى نصب الأدلة نصبت له لينظر فيها فيعلم ما كلف. # وان كان محتاجا إلى آلة مكن منها فان كانت محلا للفعل مثل اللوح في ~~الكتابة والسكين في القطع وغير ذلك أو ما يكون في حكم المحل مكن منها في ~~حال الفعل. # وان كانت الآلة مما يحتاج إلى تقدمها مكن منها قبل الفعل مثل القوس في ~~الرمي. # وان كان الفعل يحتاج إلى آلة (1) في حال الفعل وقبله مكن منها في الحالين ~~على ما قلناه في السكين في القطع وغير ذلك. # وان كان الفعل يحتاج ms130 في ايقاعه على وجه إلى الإرادة (2) مكن فيها ولا يصح ~~منعه منها عند من قال بالإرادة (3). # وما يحتاج إلى النظر والسبب فلابد من تمكينه منهما. # ومن شرائطه أيضا اللازمة: الا يكون ملجئا إلى ما امر به هذه صفته لا يحسن ~~أمره (4) الا ترى انه لا يحسن ان يكلف الانسان ان لا يقتل نفسه لأنه ملجأ ~~إلى # PageV01P248 # ذلك وكذلك الواقف بين يدي السبع لا يحسن ان يكلف العدو. # فاما من قال: لا يحسن ان يكلف الانسان قتل نفسه لأنه ملجأ إلى ذلك فغلط ~~لان الالجاء انما هو إلى أن لا يقتلها فاما إلى قتلها فليس بحاصل. وعلى هذا ~~يحسن ان يكلف قتل نفسه ولهذا أخبر الله تعالى عن قوم فيما مضى انه كلفهم ~~قتل نفوسهم بقوله تعالى: ﴿اقتلوا أنفسكم ~~ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ (1) وكذلك يحسن ان يكلف من شاهد السبع الوقوف ~~لان الالجاء انما هو إلى الهرب لا إلى الوقوف. # واما الصفات التي يجب كون الامر عليها: # فان يكون متقدما على الوقت الذي كلف المأمور ان يفعل فيه (2) لأنه متى لم # PageV01P249 # يتقدم لم يفد الترغيب (١) في الفعل. ولا يصح منه ان يستدل به على وجوبه ~~عليه فيجب تقدمه عليه من هذا الوجه. # فأما قول من قال من المجبرة: إن ما يتقدم يكون إعلاما ومن شرط الأمر أن ~~يقارن الفعل (٢) فغلط لأنه ان أرادوا بقولهم: انه اعلام انه مما يصح ان ~~يعلم به لزوم المأمور به في وقته فهو خلاف في عبارة (٣). # وان قالوا: يعلم به ان الآمر سيحدث في وقته أمرا اخر فليس في الامر ~~المتقدم دلالة على ذلك. # على أن هذا القول من قائله دفع لما يعلم ضرورة خلافه لان الأوامر في ~~الشاهد لا يكون قط الا متقدمة ومتى لم تكن كذلك لم تحسن فكك أوامر الله ~~تعالى الا ترى انه انما يحسن من الواحد منا ان يأمر غلامه ان يسقيه ماء قبل ~~ان يسقيه ويصح (٤) منه ان يسقيه فاما في حال ما ms131 سقاه فلا يحسن ذلك فمن ~~ارتكب حسن ذلك كان دافعا للضرورات. # واما تقدمه قبل وقت الفعل بأوقات (٥) فليس بواجب لكنه يحسن إذا كان فيه ~~معنى نحو ان يكون فيه صلاح لمن خوطب به بان يكلف أداؤه إلى من امر به ممن ~~يوجد في المستقبل نحو أوامر الله تعالى لنا في وقت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم بقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (6) ~~لأنه لا خلاف بين الأمة انه امر لسائر المكلفين وان أهل كل عصر قد كلفوا ~~أداؤه إلى أهل العصر الثاني. # PageV01P250 # ويدل على حسن ذلك أيضا: # انه يحسن في الشاهد ان يأمر الواحد منا غلامه بفعل بعد أوقات كثيرة. # ويحسن من الموصى ان يوصى لولد ولده ولمن يجئ بعدهم من النسل ويأمرهم ان ~~يفعلوا في الوصية ما يريده وهذا لا يدفع حسنه منصف. # وعلى هذا قلنا: انه يحسن امر المعدوم والعاجز بان يفعل الفعل في الوقت ~~الذي قد علم أنه علته ستزاح فيه ويمكن من فعله. # ويبين ذلك أن الفعل الذي امر به لا يحتاج إلى تقدم القدرة في حال الامر ~~لأنها لو وجدت في تلك الحال وعدمت في حال الحاجة إلى الفعل لم يحسن امره ~~فدل على أن الحاجة إليه تقع قبل حال الفعل بحال ولو لم يحسن ذلك (1) لم ~~يحسن من الواحد منا ان يأمر غيره بان يفعل في غد فعلا يحتاج إلى آلة مع ~~عدمها وان علم أنه يتمكن منها في غد حتى يجب الا يحسن منا ان نأمر النجار ~~باصلاح الباب الا والآلة التي بها يصلحه في يده وهذا مما لا يحتاج إلى ~~افساده لأنه معلوم ضرورة خلافه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P251 # الباب الرابع الكلام في النهى PageV01P253 # فصل NoteV01P255N01 (في ذكر حقيقة النهى وما يقتضيه وجملة من أحكامه) (1) ~~النهى هو: (قول القائل لمن دونه: لا تفعل) كما أن الامر قوله له: (افعل) ~~وما دل على أحدهما دل على الاخر فالطريقة واحدة وانما يكون نهيا إذا أكره ~~الناهي المنهي عنه عند ms132 من قال بذلك (2). # والذي أقوله في ذلك: ما قدمت ذكره في باب حقيقة الامر (3) من أن هذه ~~الصيغة وضعها أهل اللغة ليدلوا على ايجاب الامتناع من الفعل ثم ينظر في ذلك ~~فان كان صادرا من حكيم دل على أن ذلك الشئ قبيح لأنه لا يوجب الامتناع مما ~~هو حسن فهو إذا دلالة على القبح. # وقد ترد هذه الصورة ولا تفيد النهى على الحقيقة على ضرب من المجاز مثل ما ~~قلناه # PageV01P255 # في صيغة الامر ولأجل هذا قلنا في قوله تعالى: ﴿لا تقربا هذه الشجرة﴾ (١) ان صورته صورة النهى ~~وليس ما تناوله قبيحا بل الأولى تركه وعبر عن ذلك بأنه نهى بقوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة﴾ ~~(2) مجازا من حيث كانت صورته صورة النهى على الحقيقة الا ان هذا مجاز لا ~~يثبت الا بدليل والأول هو الحقيقة. # والدلالة على ذلك ما دللنا به على صورة الامر سواء (3). # وشرائط حسن النهى تقارب شرائط (4) الامر على السواء. # فاما اقتضائه التكرار أو الامتناع مرة واحدة فأكثر المتكلمين والفقهاء ~~ممن قال: ان الامر يقتضى مرة واحدة ومن قال: انه يقتضى التكرار قالوا في ~~النهى انه يقتضى التكرار (5). # ومنهم من سوى بينهما وقال الظاهر يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على ~~ذلك يحتاج إلى دليل. # ومنهم من وقف في ذلك كما وقف في الامر. # والذي يقوى في نفسي: ان ظاهره يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على ذلك ~~يحتاج إلى دليل وانما قلنا ذلك من حيث إن النهى إذا كان دلالة على قبح ~~المنهي عنه إذا صدر من حكيم انما يدل على أنه قبيح في الثاني لان مقتضاه ~~الفور وما بعد ذلك من الأوقات لا يعلم أن الفعل فيها قبيح بل يحتاج إلى ~~دليل فمن ادعى تساوى الأوقات في ذلك كمن ادعى تساوى الأوقات في اقتضاء ~~الامر الفعل فيها وذلك باطل على ما بيناه (6). # PageV01P256 # وشبهة من قال: انه يقتضى التكرار الرجوع إلى الشاهد وان النهى ms133 يقتضى ذلك ~~وذلك غير مسلم بالاطلاق فان استعمل في ذلك بقرينة من شاهد الحال وغيرهما ~~فلا يمكن ادعاء الحقيقة في ذلك (1) فإذا ثبت ذلك فإنما قلنا انه يقتضى ~~الفور دون التراخي لمثل ما دللنا عليه من أن الامر يقتضى الفور فالأدلة ~~فيها سواء (2). # وأيضا: فلو لم يقتضى ذلك في الثاني لوجب ان يقترن به البيان فمتى لم ~~يقترن به البيان دل على أنه قبيح في الثاني. # فاما النواهي الواردة في القران والسنة وانها تقتضي التأبيد فإنما علمنا ~~ذلك بدليل من اجماع وغيره فلا يمكن الاعتماد على ذلك كما أن بمثل ذلك علم ~~أن الأوامر على التكرار عند الأكثر. # فاما النهى القيد بوقت: فلا خلاف بين المحصلين انه لا يقتضى وجوب ~~الانتهاء في غير ذلك الوقت وانما يعلم ذلك بدليل مثل ما قلنا في الامر ~~المقيد (3). # فاما النهى عن الشئ فليس بأمر ضده (4) لا لفظا ولا معنى لمثل ما قلناه في ~~الامر سواء وانما يدل على أن ما عدا المنهي عنه من أضداده مخالفا له إذا ~~كان صادرا من حكيم لأنه إذا كان دلالة على القبح فما عدا ذلك الشئ لو كان ~~قبيحا مثله لوجب ان ينهى عنه أيضا كما نهى عن ذلك فلما لم ينه عن جميع ~~أضداده ولا عن بعضها دل على أنه مخالف له. # وقد تكون (5) مخالفته له بان تكون واجبة وندبا ومباحا فلا يمكننا ان ~~نقول: انه لو كان في أضداده ما هو واجب أو ندب لوجب بيانه فلما لم يبين دل ~~على انها # PageV01P257 # مباحة فان ذلك يمكن الاعتماد عليه. # هذا إذا كان له اضداد كثيرة ويمكنه الانفكاك من جميعها فاما إذا لم يمكنه ~~الانفكاك عن جميعها ولابد من أن يكون فاعلا لواحد منها فإنه لا يكون أيضا ~~واجبا عليه لأنه انما يجب الشئ إذا كان مما يصح ان يفعل والا يفعل فاما ما ~~لا ينفك عنه فلا يصح وصفه بالوجوب ولأجل هذا قلنا أيضا إذا لم يكن للمنهي ~~عنه إلا ضد واحد ويصح انفكاكه منهما جميعا ms134 فمتى لم يوجب عليه ذلك الشئ أو ~~يندب إليه يجب ان يكون مباحا كما قلناه في الأضداد الكثيرة سواء. # فاما النهى إذا تناول أشياء فلا تخلو من أن يكون متضادة أو مختلفة: # فان كانت متضادة فلا تخلو من أن يصح انفكاكه من جميعها إلى امر اخر أو لا ~~يصح ذلك فيها: # فان كان يصح انفكاكه من جميعها جاز ان ينهى عنها أجمع على جهة التخير ولا ~~يجوز ان ينهى عنها جميعا على وجه الجمع لان كونها متضادة يمنع من صحة الجمع ~~بينها وما لا يصح الجمع بينها لا يصح النهي عنه. # وان كان لا يصح انفكاكه من جميعها فلا يجوز ان ينهى عن جميعها على حال ~~لان ذلك تكليف لما لا يطاق. # وكذلك إذا نهى عن ضدين ولهما ثالث جاز ان ينهى عنهما جميعا على وجه ~~التخيير ولا يجوز ان ينهى عنهما جميعا على الجمع لمثل ما قلناه. # وان كان ما تناوله النهى أشياء مختلفة أو شيئين مختلفين فإنه يصح ذلك على ~~وجه الجمع والتخيير معا. # وقول من قال: لا يصح ذلك على وجه التخير (1) غير صحيح لأنه كما لا يمتنع ~~ان # PageV01P258 # يكون فعلهما مفسدة إذا جمع بينهما فينهى عنهما جميعا على وجه الجمع. # وكذلك لا يمنع ان يكون فعل كل واحد منهما إذا انفرد كان مفسدة وإذا اجتمع ~~مع غيره لا يكون كذلك فيصح ان ينهى عنه على وجه التخيير مثل ما نقوله في ~~الامر فالفرق بين النهى والامر في هذا الباب لا يمكن. # والقول في الامر إذا تناول ضدين مثل القول في النهى سواء لأنه إذا كان ~~لهما ثالث جاز ان يؤمر بهما على التخير فلا يجوز ان يؤمر بالجمع بينهما لان ~~ذلك مستحيل وكذلك ان لم يكن لهما ثالث جاز ان يؤمر بهما على وجه التخير فلا ~~يجوز ان يؤمر بهما على وجه الجمع لما قلناه. # فاما إذا تناول الامر أشياء مختلفة فإنه يجوز ذلك على وجه الجمع والتخيير ~~بلا خلاف وانما الخلاف في أنه تكون الجميع ms135 واجبة أو واحد لا بعينه وقد ~~قلناه ما عندنا في ذلك فأغنى عن الإعادة. # وهذه جملة كافية في هذا الباب وما عدا ما ذكرناه احكام النهى فيه احكام ~~الامر على السواء فلا معنى لتكرار القول فيه. PageV01P259 # فصل NoteV01P260N02 (في أن النهى يدل على فساد المنهي عنه أم لا (1)؟) ~~ذهب أهل الظاهر وكثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة وكثير # PageV01P260 # من المتكلمين إلى أن النهى يدل على فساد المنهي عنه (1). # وذهب أكثر المتكلمين والباقون من الفقهاء إلى أن ذلك لا يدل على كونه غير ~~مجز (2) وهو الذي حكاه أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي وذهب إليه ~~بعض أصحاب الشافعي (1). # وينبغي ان نبين أولا تحقيق الخلاف في ذلك وما المراد به ثم نتكلم في صحة ~~ذلك أو فساده. # فمعنى قولنا: (ان المنهي عنه غير مجز) هو ان الذمة إذا تعلقت بها عبادة ~~يجب أداؤها على شروط فمتى أداها على وجه قبيح منهي عنه فان ذمته لا تبرأ ~~ويجب عليه قضاؤها. # ومن خالف في ذلك يقول: لا يعلم بمخالفته الامر وارتكابه النهى ان ذمته ~~غير بريئة بل لا يمتنع ان تبرأ ذمته بفعل القبيح كما تبرأ بفعل ما هو حسن. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ان كون الشئ مأمورا به يقتضى كونه حسنا ~~ومصلحة للمكلف (3) * وكونه منهيا عنه يدل على أنه مفسدة له ومحال ان يكون ~~ما هو مفسدة يقوم مقام ما هو مصلحة (4) * لان ذلك متضاد. # PageV01P261 # فان قالوا: لكان يمتنع ان يقول الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم: (لا تفعل كيت وكيت ولكن ان فعلته قام ذلك ذلك مقام المصلحة)؟ # قيل له: الذي فرضته في السؤال غير ممتنع لكن ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل ~~والظاهر من النهى انه متى ارتكبه المأمور به لم يحصل وإذا لم يحصل فلم تحصل ~~براءة الذمة. # فان قالوا: وكذلك وجوب القضاء عليه يحتاج إلى دليل. # قيل له: إذا فعل المأمور به على الوجه المنهي عنه يدل على أن ما ms136 امر به ~~لم يفعله وإذا ثبت انه لم يفعل ما امر به فلا خلاف بين الأمة انه يجب عليه ~~قضاؤه لأنه لا فرق بين ان لا يصلى في أنه يجب عليه القضاء وبين ان يصلى ~~بغير طهارة في أنه أيضا يجب عليه القضاء في الحالين معا. # فان قالوا: الطهارة شرط في صحة الصلاة وكل موضع يثبت ان المنهي عنه شرط ~~في صحة العبادة فإنه يدل على أنه غير مجزية وانما الخلاف فيما ليس بشرط في ~~صحة العبادة هل يكونا مجزيا أو لا؟ # قيل له: فعلى هذا ينبغي ان يسقط الخلاف فإنه متى فرضنا ان النهى لا يتعلق ~~بشئ يتعلق بالعبادة ولا بشئ من شرائطها فانا لا نحكم بفساد العبادة لان على ~~هذا التقدير يكون قد أدى العبادة على الوجه الذي امر بها والنهى انما يتعلق ~~بشئ اخر منفصل عنها فلا تعلق بينه وبينها على حال. # فان قيل: لو كان الامر على ما ذكرتم لما قام دليل على أن كثيرا من ~~الأشياء المنهي عنها قام مقام الواجب الحسن مثل الوضوء بالماء المغصوب وغير ~~ذلك من الأشياء التي تقرر في الشرع كونها مجزية. # قيل له: إن الذي نذهب إليه ان جميع ذلك غير مجز ولا محكوم بصحته فان دل ~~دليل على أن بعضه مجز وقام مقام الصحيح صرفا إليه بدليل. # ونحن نبين جميع ذلك فيل بيان PageV01P262 # اما الوضوء بالماء المغصوب فلا يصح (1) لان الوضوء لا يصح عندنا الا بنية ~~القربة وذلك يقتضى كون الفعل حسنا وزيادة وذلك لا يمكن في المغصوب لأنه ~~قبيح فلا يصح التقرب به وإذا ثبت ذلك فلا يصح وضوؤه وإذا لم يصح وضوؤه ~~فكأنه صلى بغير طهارة وإذا صلى بغير طهارة فلا خلاف انه يلزمه قضاؤها. # وليس لهم ان يقولوا: ما كان يمتنع ان يقال ان هذا الفعل وان كان قبيحا ~~فقد قام مقام ما هو حسن. # قيل له: ذلك يحتاج إلى دليل ولو أن قائلا قال ذلك في الصلاة بغير طهارة ~~وانها ما كانت يمتنع ان تقوم ms137 مقام الصلاة بطهارة فما كان جوابكم يكون ~~جوابنا (2) وليس ذلك الا ما قلناه من أن ذلك يحتاج إلى دليل. # وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح لان نية القربة بها لا تصح. # وليس لهم ان يقولوا: ليست الصلاة هي الغصب بل الصلاة تشتمل على أفعال لا ~~تعلق لها بالغصب وهي حسنة تصح القربة فيها. # وذلك أن الصلاة هي الأركان المخصوصة في الدار من القيام والقعود وتلك ~~قبيحة بلا خلاف وليست الصلاة أمرا آخر منفصلا من ذلك وإذا كان كذلك ثبت ما ~~قلناه. # واما الطلاق البدعي فعندنا انه غير واقع أصلا (3) * ومن قال بوقوعه في ~~موضع - وان وافقنا في هذا الأصل - يقول إن ذلك لقيام دليل ولو خليت وظاهر ~~النهى يحكم (4) بأنه غير مجز. # PageV01P263 # واما الوطي في الحيض وما يتعلق به من لحوق الولد وتحليل المرأة للزوج ~~الأول ووجوب المهر كاملا ووجوب العدة وغير ذلك من الاحكام فان جميع ذلك ~~انما يثبت بدليل ولو خلينا وظاهر النهى لما أجزنا شيئا منه على حال. # فاما الذبح بالسكين المغصوبة فيمكن ان يقال: ان القبح هو التصرف في ~~السكين فما يحصل في السكين من الافعال قبيحة وليس الذبح حالا في السكين (1) ~~* ولا يمتنع أن يكون الذبح حسنا وان كان سببه الذي أوجبه قبيحا الا ترى ان ~~من رمى مؤمنا فأصاب كافرا حربيا فان رميه يكون قبيحا وان كان ما حصل عنه من ~~قتل الكافر حسنا فكك القول فيما قلناه. # ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه: رجوع الأمة من عهد الصحابة إلى يومنا ~~هذا في فساد الأمور وبطلانها إلى تناول النهى لها فلولا انهم عقلوا ذلك من ~~النهى والا لم يرجعوا إليه على حال. # وليس لهم ان يقولوا: انهم رجعوا إلى ذلك لدليل دلهم على ذلك. # وذلك أن هذا القول ينقض رجوعهم إلى النهى لأنهم إذا حكموا ببطلان الشئ ~~وفساده لدليل دلهم على ذلك فلا تعلق للنهي بذلك ولا معنى لرجوعهم إليه. # فان نازعوا في رجوعهم إلى ذلك كان ذلك دفعا لما هو معلوم ms138 خلافه وقيل لهم ~~بينوا في شئ من الأشياء انهم رجعوا إلى العمل به لا يمكننا ان نقول في ~~النهى مثله؟ # ويدل على ذلك أيضا: انا قد دللنا على أن الامر يقتضى إجزاء المأمور به ~~فينبغي أن يكون النهى يقتضى كونه غير مجز لأنه ضده. # فان خالفونا في الامر فقد دللنا على ذلك فيما مضى (2) فأغنى عن الإعادة. # PageV01P264 # ويمكن (1) الاستدلال - بما روى عنه عليه السلام من قوله: (من ادخل في ~~ديننا ما ليس منه فهو رد) (2) - على صحة ما ذهبنا إليه لان ارتكاب النهى ~~خلاف الدين بلا خلاف. # فان قالوا: معنى الرد في الخبر انه غير مقبول ولا يستحق عليه الثواب وذلك ~~لما تعلق له بالاجزاء لأنا قد بينا انه مع كونه غير مقبول فلا يستحق عليه ~~الثواب لا يمتنع ان يقع موقع الصحيح. # قيل لهم: ذلك تخصيص للخبر وينبغي ان يحمل الخبر على عمومه وشموله فيحكم ~~بان ذلك لا يقبل ولا يستحق عليه الثواب ولا يقع به الاجزاء فمن ادعى تخصيصه ~~احتاج إلى دلالة. # وليس لهم ان يقولوا: انما يمكن الاستدلال بالخبر إذا ثبت ان ارتكاب النهى ~~ليس من الدين ومن خالف في أن ذلك مجز يقول إنه من الدين. # وذلك أنه لا خلاف في أن ذلك قبيح وما هو قبيح لا يكون من الدين لان كونه ~~من الدين يقتضى كونه حسنا وزيادة وانما الخلاف في أن ذلك وان كان كذلك هل ~~يجوز ان يقوم مقامه ما هو حسن أم لا؟ وذلك يحتاج إلى دليل. # وقد استدل قوم على ذلك أيضا بان قالوا: كونه مجزيا لا يخلو ان يعلم ذلك ~~بلفظ الامر أو الإباحة (3). # فان قلتم بذلك فكونه قبيحا يعلم من كونه مأمورا به ومن كونه مباحا. # PageV01P265 # واعترض من خالف في ذلك بان قال: يعلم ذلك بغير الامر أو الإباحة وهو ان ~~يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تفعل كذا وكذا فان فعلت ذلك فقد ~~أجزأ عنك) وقام مقام الحسن الواجب والمباح (١). # واستدلوا أيضا بان قالوا: قد ثبت ms139 ان النهى عن الربا في القران دل على ~~فساد المنهي عنه فينبغي ان يكون سائر النواهي مثل ذلك (٢). # واعترض من خالف في ذلك بان قال: لم نعلم ذلك بظاهر النهى بل بقرينة وهي ~~قوله: ﴿لا تأكلوا ~~الربوا﴾ (3) فلو كان ذلك مجزيا لما نهى عن اكله (2). # وقالوا: النهى عن ذلك مثل النهى عن تلقى الركبان وعن البيع يوم الجمعة ~~وغير ذلك وكل ذلك لا يدل على فساد المنهي عنه. # ولمن نصر الاستدلال بالآية ان يقول: هذه المواضع لو خليت والظاهر لحكمت ~~بفساد المعنى (4) فيها لكن دل الدليل على أن ذلك جائز فقلت به لمكان ~~الدليل. # فاما من خالف في المذهب الذي ذكرناه من أن النهى يقتضى فساد المنهي عنه ~~وجعل الطريق الذي به يعلم فساد المنهي عنه كونه مجزيا فحكى أبو عبد الله ~~البصري (5) عن أبي الحسن الكرخي انه متى كان وقوع المنهي عنه على الوجه ~~الذي نهى عنه يقتضى انه واقع على غير الشرط الذي اقتضاه الشرع [ف‍] وجب ~~فساده لأنه انما يصح إذا اتى به على شروطه والنهى (6) عنه قد أحل بذلك وما ~~لم تكن هذه حاله من الأشياء المنهي عنها فإنه يكون مجزيا. # PageV01P266 # وذكر عن الشافعي انه ذكر في كتابه (1): ان فيما نهى عنه فاسدا وفيه ما لا ~~يفسد ان كان النهى يقتضى كون جميعه معصية ما لم يكن المراد به التأديب. # فالذي يفسد هو ان يصل إليه من طريق محرم نحو ملك الغير أو الفروج لأنه ~~إذا كان مجزيا فيتوصل إليه بما نهى عنه فيجب الاستباح. # وحكى عنه قول اخر وهو: انه إذا نهى عن الفعل بوجه يختصه فوجب ان يفسد. # وكلما ذكرناه انما هو على مذهب من قال إن النهى لا يدل على فساد المنهي ~~عنه ويحتاج في الفرق بين ما هو فاسد وما ليس كذلك إلى امر اخر. # ومن قال بما قلناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P267 # فصل NoteV01P268N0٣ (فيما يقتضيه الامر ms140 من جمع وآحاد) اعلم أن الواجب ~~اعتبار ظاهر الامر فان اقتضى تناوله جميع المكلفين لزمتهم تلك العبادة وكان ~~ذلك من فروض الأعيان وذلك مثل قوله: ﴿أقيموا الصلاة واتوا الزكاة﴾ (١) وما يجرى مجرى ~~ذلك فان دل الدليل على أن المراد به بعضهم حمل عليه ولأجل هذا قلنا ان ~~قوله: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ ~~(٢) يختص الأئمة عليهم السلام ومن يقوم مقامهم في النيابة عنهم لما دل ~~الدليل على أن ذلك من فروض الأئمة وكذلك قوله: # ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3) حملناه ~~على أن المراد به الأئمة والسعاة من قبلهم لما كان ذلك من فروضهم. # وان دل الدليل على أن المأمور به مشروط بشروط حمل وجوبه على من اجتمعت ~~تلك الشرائط فيه ولهذا قلنا: ان الامر بصلاة الجمعة مخصوص بمن كان على صفات ~~مخصوصة واجتمعت شرائط الجمعة كلها هنا ومن لم يكن كذلك لا يجب عليه. # وان دل الدليل على أن المراد بالامر حصول امر وعلم حصول ذلك الامر # PageV01P268 # ببعض من تناوله الخطاب قلنا: ان ذلك من فروض الكفايات وذلك نحو الجهاد ~~لما كان البغية به حفظ بيضة الاسلام ودفع الأعداء عن المسلمين وكان ذلك ~~يحصل ببعضهم كان ذلك من فروض الكفايات وكذلك القول في الصلاة على الأموات ~~ودفنهم وحملهم إلى المقابر ومتى قام بذلك من يحصل البغية به سقط عن الباقين ~~واجري مجرى ذلك الفقهاء طلب الفقه لان ذلك عندهم من فروض الكفايات لأنهم ~~جوزوا تقليد العلماء والرجوع إليهم ومن لم يجوز ذلك جعله من فروض الأعيان ~~ولم يجعله من فروض الكفايات وكذلك اجرى هذا المجرى اختيار الأئمة من أجاز ~~اختيار الأئمة فاما على مذهبنا فطريقة معرفة الأئمة النص الثابت على ~~أعيانهم على ما ذكرناه في كتب الإمامة. # فهذه الجملة كافية في هذا الباب لأنها تنبه على ما زاد عليها وما يتفرع ~~انشاء الله تعالى. PageV01P269 # الباب الخامس الكلام في العموم والخصوص PageV01P271 # فصل NoteV01P273N01 (في ذكر حقيقة العموم والخصوص وذكر ألفاظه) ms141 اعلم أن ~~معنى قولنا في اللفظ (انه عام) يفيد انه يستغرق جميع ما يصلح له وبهذا الذي ~~ذكرناه يتميز من غيره مما لا يشركه في هذا الحكم كما أن الأمر والنهي وسائر ~~اقسام الكلام يتميز بعضها من بعض بما يفيد كل واحد من الأقسام ولذلك يقال: ~~(عم الله تعالى المكلفين بالخطاب) لما كان متوجها إلى جميعهم (1). # PageV01P273 # فاما استعمال هذه اللفظة في المعاني (1) نحو قولهم: (عمهم البلاء والقحط ~~والمطر) وغير ذلك فالأقرب في ذلك أن يكون مجازا لأنه لا يطرد في سائر ~~المعاني فلو ان قائلا قال: ان ذلك مشترك لم يكن بعيدا (2) * وقد ذهب إليه ~~قوم من الأصوليين. # ومعنى قولنا في اللفظ: (انه خاص) يفيد انه يتناول شيئا مخصوصا دون غيره ~~مما كان يصح ان يتناوله ولذلك يقال: (خص الله تعالى زيدا بالخطاب) لما كان ~~متوجها إليه دون غيره من المكلفين الذين كان يصح ان يتوجه إليهم الخطاب. # فاما ألفاظ التثنية وألفاظ الجموع وألفاظ النكرات وغير ذلك فلا توصف ~~بالعموم لما لم تكن متناولة لها على وجه الاستغراق. # فاما ألفاظ العموم فكثيرة نحن نذكر منها طرفا: # فمنها: (من) في جميع العقلاء (3) إذا كانت نكرة في المجازاة والاستفهام ~~ومتى وقعت معرفة لم تكن للعموم وكانت بمعنى (الذي) وهي خاصة بلا خلاف. # PageV01P274 # ومنها: (ما) في ما لا يعقل إذا وقعت الموقع الذي ذكرناه من المجازاة ~~والاستفهام (١) ومتى كانت معرفة لم تكن مستغرقة كما قلناه في (من) سواء. # ومن الناس من قال: ان (ما) يعم ما يعقل وما لا يعقل وهي أعم من (من) وذلك ~~محكى عن قوم من النحويين (٢). # ومنها (أي) فإنها تستغرق ما يعقل وما لا يعقل وهي أعم من اللفظتين معا ~~ولأجل هذا إذا قال: (أي شئ عندك) يحسن ان يجاب بما يعقل وما لا يعقل الا ~~انها لا تفيد الاستغراق كما تفيد (من) (وما) الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم ~~له بحكم الاستغراق. # ومنها: (متى) في الأوقات لأنها تجرى في تناول جميع الأوقات مجرى (من) في ~~تناولها لجميع ms142 العقلاء وذلك نحو ان يقول القائل: (متى جئتني جئتك) فان ذلك ~~لا يختص وقتا دون وقت بل يتناول جميع الأوقات. # ومنها: (أين) في المكان نحو قول القائل: (أين زيد) يحسن ان يجيبه بذكر كل ~~مكان فعلم أنه متناول له. # ومنها: لفظي النفي إذا دخل على النكرات نحو قول القائل: (ما رأيت أحدا) و ~~(ما جاءني من أحد) فان ذلك يفيد الاستغراق. # ومنها: أسماء الأجناس إذا دخلها الألف واللام ولم يرد بها التعريف نحو ~~قوله تعالى: ﴿والعصر ان الانسان لفي ~~خسر﴾ (3) ونحو قولهم: (أهلك الناس الدنيا والدرهم) لان ذلك يفيد الجنس ~~كله ومتى كان التعريف كان مختصا بما عرف به نحو قول القائل: (رأيت الانسان) ~~يشير به إلى انسان معهود متقدم. # فاما إذا كان خاليا من الألف واللام فإنه يفيد واحدا لا بعينه نحو قول ~~القائل: # PageV01P275 # (رأيت رجلا وإنسانا) وما يجرى مجراه وهذا يسميه أهل اللغة النكرة لأنه لا ~~يخصص واحدا من غيره. # ومنها: الأسماء المشتقة نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ (2) وما يجرى مجرى ~~ذلك فإنه متى كان فيها الألف واللام ولم يكن المراد بهما المعهود والمعرف ~~أفاد الاستغراق ومتى كان العهد أفاد التعريف نحو قول القائل: (رأيت ضاربا ~~وقاتلا) فإنه يفيد واحدا لا بعينه. # ومنها: ألفاظ الجموع إذا دخلها الألف واللام فإنها تفيد الاستغراق نحو ~~قولهم: (رأيت الرجال) وما يجرى مجرى ذلك فان ذلك يفيد جميع الرجال الا ان ~~يراد بذلك التعريف والعهد فيحمل على ذلك. # ومتى خلت ألفاظ الجموع من الألف واللام فإنها تفيد ثلاثة فصاعدا لا ~~بأعيانهم ويكون الثلاثة مقطوعا بهم وما زاد على ذلك مشكوكا فيه مجوزا. # وقد اختلف المتكلمون فيما ذكرناه من ألفاظ الجموع وألفاظ الأجناس فذهب ~~أبو على وأكثر المتكلمين إلى أن هذه الألفاظ إذا كان فيها الألف واللام وجب ~~حملها على الاستغراق إذا لم يكونا للعهد الا أن يدل دليل على أنه أريد بهما ~~البعض ms143 فيحمل عليه (3). # وذهب أبو هاشم إلى أن ذلك لا يفيد الاستغراق وانما يفيد في أسماء الأجناس ~~تعريف الجنس المخصوص وفي أسماء الجموع الثلاثة فقط لان الحكيم لو أراد أكثر ~~من ذلك لبينه (3) ونحن نبين الصحيح من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # واتفق هؤلاء وغير هؤلاء على تناول الجموع الثلاثة فصاعدا حقيقة وان أقل ~~الجمع ثلاثة وذهب قوم إلى أن أقل الجمع اثنان والأول هو مذهب أكثر الفقهاء ~~(4). # PageV01P276 # ومنها لفظ (كلا): إذا دخلت في الكلام فإنها تفيد الاستغراق سواء دخلت ~~للتأكيد أو لغير ذلك واما ما يدخل للتأكيد نحو قول القائل: (رأيت الرجال ~~كلهم) فان ذلك يفيد الاستغراق وما يدخل لغير التأكيد نحو قول القائل: (كل ~~رجل جائني أكرمته) و (كل عبد لي فهو حر) وعلى هذا قوله: ﴿كما ألقى فيها فوج سئلهم خزنتها﴾ (1). # فهذه جملة من الألفاظ المستعملة في العموم ونحن ندل على انها تفيد العموم ~~على ما قلناه ونذكر اختلاف الناس في ذلك والكلام على شبههم في فصل يلي هذا ~~الفصل انشاء الله تعالى. # PageV01P277 # فصل NoteV01P278N02 (في ذكر الكلام على أن العموم (1) * له صيغة في ~~اللغة) ذهب الفقهاء بأسرهم وأكثر المتكلمين إلى أن العموم له صيغة موضوعه ~~في اللغة تختص به (2). # وقال قوم من المرجئة (3) وغيرهم: إنه ليس للعموم صيغة أصلا بل كلما يدعى ~~انه للعموم فهو للخصوص وانما يفيد أقل ما يمكن ان يكون مرادا (4). # وقال أكثر المرجئة: ان هذه الألفاظ مشتركة بين العموم والخصوص حقيقة ~~فيهما معا. # وفي الناس من قال: انه يجب حمل اللفظ على الاستغراق فيما يتعلق بالامر # PageV01P278 # والنهى ولا يجب ذلك في الاخبار. والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ~~ذلك أن (من) إذا استعملت في المجازات يحسن ان يستثنى منها كل واحد من ~~العقلاء فلولا انها مستغرقة لهم والا لم يجز ذلك يبين ذلك انها لما لم يكن ~~متناولة لغير العقلاء لم يحسن ان يستثنى منها من ليس بعاقل ومن دفع حسن ~~الاستثناء في هذا ms144 لا يحسن مكالمته. # فان قيل: انما حسن الاستثناء في هذا الموضع لأنه يصلح ان يكون متناولا ~~لجميع العقلاء وان لم يكن ذلك واجبا وغير العقلاء انما لم يحسن استثناؤهم ~~لان اللفظ لا يصلح ان يتناولهم أصلا. # قيل لهم: لو كان الاستثناء انما حسن للصلاح دون الوجوب لحسن الاستثناء من ~~النكرات وقد علمنا أنه لا يحسن ان يقول القائل: (رأيت رجلا الا زيدا) وان ~~كان لفظ (رجل) يصلح ان يقع على زيد وعلى غيره من الرجال صلاحا لما لم يكن ~~متناولا له على طريق الوجوب. # فان ارتكبوا حسن الاستثناء من لفظ (رجل) لم يحسن كلامهم لان ذلك معلوم من ~~دين أهل اللغة خلافه. # وان قالوا: انما لم يحسن الاستثناء من ذلك لان من شان الاستثناء ان لا ~~يدخل الا على جملة ذات عدد وان لم تكن مستغرقة الا ترى انها تدخل على ألفاظ ~~الجموع التي ليست للاستغراق الا ترى انه إذا قال القائل: (رأيت رجالا) يحسن ~~ان يستثنى منها زيدا وعمروا وخالدا وبكرا ولا يقول أحد: ان ألفاظ الجمع ~~الخالية من الألف واللام مستغرقة لجميع الرجال فبطل ان يكون الاستثناء ~~دلالة على الاستغراق. # قيل لهم: ان قولكم (1) ان من شان الاستثناء ان لا يدخل الا على جملة باطل ~~لأنها تدخل على لفظ الواحد المنفى الا ترى انه يحسن ان يقول القائل: (ما ~~جاءني من أحد) ثم يستثنى كل واحد من العقلاء وليس لفظ (أحد) لفظ جمع. # PageV01P279 # واما ألفاظ الجموع فمن الناس من يقول: انها محمولة على الاستغراق لان ~~المتكلم بها لو أراد أقل الجموع أو جمعا دون جمع لبينه فلما لم يبين ذلك دل ~~على أنه أراد الجميع (1). # ومن قال هذا سقط عنه السؤال ومن لم يقل ذلك ويقول: انها تصلح للثلاثة ~~فصاعدا يقول لا يحسن الاستثناء من ألفاظ الجموع لان من حق الاستثناء ان ~~يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ولما لم يكن ذلك في ألفاظ الجموع ~~لم يحسن. # وربما أكدوا ذلك بان قالوا: لو حسن ذلك لحسن ms145 ان يقول: (رأيت رجالا الا ~~رجلا) يستثنون واحدا منكرا من ألفاظ الجمع فلما لم يحسن ذلك دل على أن حكم ~~المعرف مثله وانما ذلك أبين. # وليس لهم ان يقولوا: انما لم يحسن استثناء المنكر لأنه لا يفيد وذلك أنه ~~لو كان (2) * يحسن لما قالوه لما حسن استثناؤه من ألفاظ الجموع إذا كان ~~فيها الألف واللام وذلك نحو قول القائل: (لقيت الاشراف) فإنه يحسن منه ان ~~يقول: (الا واحدا) وان كان منكرا لما كان لفظ (الاشراف) مستغرقا من حيث ~~كانت فيه الألف واللام فعلم بذلك (3) * انه انما امتنع في الموضع الذي ~~امتنع لمكان الصلاح (4) * لا لعلة # PageV01P280 # أخرى. # فاما من قال: انه انما لم يحسن الاستثناء من لفظ الواحد المنكر في ~~الاثبات من حيث إنه كان من حق الاستثناء ان يميز ذاتا من ذات وإذا قال: ~~(رأيت رجلا) ثم قال: (الا زيدا) فلم يميز ذاتا من ذات لان الذات واحدة ~~وانما ميزها بصفة كأنه قال: # ليس صفتها ان يكون زيدا وذلك ضد حقيقة الاستثناء. # فان ذلك يبطل بما قلناه من لفظ النكرة في النفي وقولهم: (ما جاءني من ~~أحد) فان اللفظ واحد والتميز يقع ها هنا بالتسمية والصفة ومع ذلك فإنه يحسن ~~الاستثناء بلا خلاف على أن الذي ذكروه غير صحيح لان لفظ (رجل) يقع على كل ~~رجل صلاحا فإذا استثنى بعض الرجال فقد ميز ذاتا من غيرها على ما تقتضيه ~~حقيقتها. # فان قالوا: كيف يكون الاستثناء دليلا في هذا الموضع ونحن نعلم أن القائل ~~إذا قال: (من دخل داري أكرمته) لم يحسن ان يقول: (الا الشياطين) وان كانوا ~~من العقلاء؟ # وكذلك إذا قال: (من دخل داري ضربته) لم يحسن ان يقول: (الا الملائكة) وان ~~كانوا من جملة العقلاء؟ # فعلم بذلك ان الاستثناء ليس بدلالة على أن اللفظ متناول لجميع العقلاء. # قيل لهم: ان الذي ذكرتموه لا ينقض استدلالنا لان هذا السؤال يتضمن ان ~~اللفظ قد يشمل على من لم يحسن استثناؤه وذلك لا يضرنا وانما كان ينقض ~~دليلنا لو تبينوا حسن ms146 الاستثناء من لفظ لا يتناول ما استثنى وذلك متعذر على ~~ما بيناه. # على أنه انما لم يحسن استثناء واحد من الفريقين المذكورين في السؤال من ~~حيث علمنا بالعادة انه لم يقصدهما باللفظ فصار الفريقان في حكم ما لم ~~يتناوله اللفظ أصلا ومتى فرضنا ان الكلام صادر من الحكيم تعالى حسن ان ~~يقول: # (من عصاني عاقبته الا إبليس) لما كان اللفظ متناولا له وجاز أن يكون ~~مقصودا به وانما امتنع في الواحد منا لما قلناه. # فان قالوا: لو كان قول القائل: (من دخل داري ضربته) متناولا لجميع ~~العقلاء لم PageV01P281 # يحسن ان يستفهم فيقال: (وان دخلها نبي) أو (وان دخلها أبوك)؟ فلما حسن ~~هذا الاستفهام دل على أن اللفظ مشترك وانما يستفهم عن مراده بها. # قيل لهم: لا نم انه يحسن الاستفهام في هذا الموضع على كل حال وعلى كل وجه ~~وهو انه إذا كان المخاطب عالما باللغة وكان حكيما لا يجوز عليه التعمية ولم ~~يقرن بخطابه ما يدل على أنه أراد بعضه أو تخصيصه وكان المخاطب أيضا عالما ~~باللغة وبموضوعها لم يحسن ان يستفهم وانما يحسن الاستفهام إذا اختلف بعض ~~الشرائط اما بان يكون أحدهما غير عالم باللغة وموضوعها أو مع كونهما عاملين ~~يجوز السامع أن يكون المتكلم أراد به المجاز ولم يبينه في الحال أو غير ذلك ~~من الأمور فان عند ذلك يحسن الاستفهام وإذا خلا من ذلك لم يحسن على ما ~~بيناه. # على أن الاستفهام قد يحسن في المواضع التي ليست للاشتراك الا ترى ان ~~القائل إذا قال: (لقيت الأمير) أو (ضربت أبي) يحسن ان يقال: (ألقيت الأمير ~~نفسه أو بعض أصحابه)؟ وكذلك يقال: (أضربت أباك نفسه)؟ وذلك لا يدل على أن ~~اسم (الأمير) مشترك بينه وبين صاحبه ولا اسم (الأب مشترك) بينه وبين غيره. # فان امتنعوا من حسن الاستفهام ههنا امتنعنا هناك. # وان قالوا: ذلك ليس باستفهام وانما هو استعظام واستكبار. # قيل لهم: وكذلك قول السائل لمن قال: (من دخل داري أهنته وان دخلها نبي أو ~~أبوك) انما ms147 هو استعظام واستكبار وليس باستفهام ولا فرق بينهما على حال. # والذي يدل أيضا على أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ~~تحته لا ما يصلح حسن الاستثناء من الاعداد لان القائل إذا قال: (اعط فلانا ~~عشرة دراهم) يحسن ان يستثنى منه ان يقول: (الا واحدا). # ولا يمكن ان يقال: ان لفظة عشرة مشتركة بين العشرة والتسعة. # فان ارتكبوا ذلك وقالوا: اللفظ مشترك الزموا أن يكون مشتركا بين العشرة ~~والثمانية والسبعة والستة والخمسة والى الواحد لأنه يحسن استثناء جميع ذلك ~~من لفظ العشرة لأنه يحسن بلا خلاف ان يقول: (اعط عشرة دراهم الا خمسة) ~~PageV01P282 # وعلى (1) الصحيح من المذهب وان كان فيه خلاف - ان يقول: (اعط عشرة الا ~~تسعة) وأي الامرين ارتكبوا كان ذلك خلافا لما هو معلوم ضرورة من دين أهل ~~اللغة. # فان قالوا: وما العلة الجامعة بين الاعداد وغيرها؟ ولم إذا ثبت في ~~الاعداد وما قلتم يجب أن يكون حكم غيرها هذا الحكم؟ # قيل لهم: انما جمعنا بينهما من حيث إن حقيقة الاستثناء كان أن يخرج من ~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلما كان هذا حقيقة الاستثناء وجب ذلك في ~~كل موضع. # فان قالوا: الوجوب الذي ثبت في الاعداد امر زائد على الصلاح وإذا كان ~~الامر كذلك عاد الامر إلى أنه انما يحسن الاستثناء فيها للصلاح دون الوجوب. # قيل لهم: الصلاح وان كان حاصلا في الاعداد فإنه لا ينفصل من الوجوب ~~فينبغي أن يكون حقيقة الاستثناء ان يدخل على الصلاح الذي هو الواجب. وكذلك ~~نقول في جميع المواضع التي نقول فيها بالعموم ولا يجب أن يحكم بان هذا ~~الحكم بمجرد الصلاح لان ذلك ليس بحاصل في الاعداد وانما كان يجوز أن لو ثبت ~~الصلاح بمجرده وحسن مع ذلك الاستثناء لزمنا ان نحكم بحسن ذلك الصلاح فاما ~~ولما يثبت ذلك فلا يجوز على حال. # ومما يدل أيضا على ما قلناه: ان القائل إذا قال: (من عندك)؟ مستفهما يحسن ~~ان يجاب بذكر كل عاقل فلولا ان اللفظة مستغرقة لجميع ms148 العقلاء والا لم يحسن ~~ذلك وانما قلنا ذلك لان من شأن الجواب مطابقا للسؤال ولا يكون مطابقا الا ~~بأن يجيب المجيب عما سأل عنه السائل وفي ذلك ثبوت الاستفهام عن جميع ~~العقلاء. # ولأجل ذلك حسن الجواب بذكر كل واحد منهم. # فان قالوا: لا يحسن ان يجيب بذكر كل عاقل بل ينبغي أن يستفهم ويقول: (من ~~الرجال أو من النساء أو من الاشراف أو من العامة) فإذا بين مراده اجابه ~~حينئذ. # PageV01P283 # قيل له: من مذهب أهل اللغة خلاف هذا لأنهم يستحسنون الجواب بذكر العقلاء ~~في الموضع الذي ذكرناه وان لم يستفهموا أصلا فمن أوقف حسن ذلك على ~~الاستفهام كان مكابرا مدافعا للضرورات. # على أن هذا يوجب ان يستفهموا ابدا حتى ينتهى إلى أقل من يمكن أن يكون ~~مرادا لأنه لو قال: (من الرجال) كان ذلك غير مستغرق في الرجال على مذهب ~~الخصم ويحسن أن يستفهم دفعة أخرى فيقال: (امن أهل الاشراف أو من غيرهم أو ~~من شيوخهم أو شبانهم أمن صناعهم أو غيرهم؟) وكذلك ابدا وهذا يؤدى إلى أن لا ~~يحسن الجواب الا بعد ذكر جميع ذلك والمعلوم ضرورة خلاف ذلك. # وليس لهم ان يقولوا: انما حسن الجواب بجواز أن يكون مستفهما عنه لا بوجوب ~~ذلك وذلك أن الصلاح لا يصير الكلام مطابقا للجواب وانما يصير كذلك بالوجوب ~~الا ترى انه إذا سأل سائل (1) المفتى فقال: (هل يجوز وطء المرأة في حال ~~قرئها؟) لم يحسن من المفتى ان يجيب عن ذلك بنعم أو لا بل يحتاج ان يستفهمه ~~فيقول: (ما الذي أردت بالقرء)؟ فان أردت الحيض فلا يجوز ذلك وطئها وان أردت ~~الطهر كان ذلك جائزا والعلة في قبح الجواب بما ذكرناه هو ان السؤال يمكن أن ~~يكون عن كل واحد من المعنيين (2) * ولم يجب أن يكون سؤالا عنهما (3) * ~~فكذلك لو كان ألفاظ العموم من الاستفهام جارية ذلك المجرى لوجب أن لا يحسن ~~الجواب بذكر آحاد العقلاء وقد علمنا خلاف ذلك. # فان قالوا: إذا ثبت ذلك في الاستفهام لم زعمتم ان ms149 حكم غير الاستفهام حكمه ~~في المجازات وغيرها؟ # قيل لهم: غرضنا بهذا الدليل ان يثبت ان ها هنا لفظا موضوعا للاستغراق في # PageV01P284 # اللغة ليبطل به مذهب من قال إنه ليس كذلك أو قال بالاشتراك. # فاما ثبوتها في كل حال فنعلمه بالاجماع (1) وهو ان كل من قال: ان هذه ~~اللفظة مستغرقة في الاستفهام قال: انها كذلك في المجازاة فمن فرق بينهما ~~كان مخالفا للاجماع. # والقول في لفظة (ما) و (متى) و (أين) و (أي) إذا وقعت للمجازاة أو ~~الاستفهام حكم ما ذكرناه في (من) على السواء. # فاما إذا وقعت (من) و (ما) معرفة فلا يدل على الاستغراق بل تكون مصروفة ~~إلى ذلك المعروف بعينه ولأجل هذا يحتاجون إلى صلة كصلة (الذي) لما كانت ~~(الذي) معرفة وذلك نحو قول القائل: (ضربت من عندك) أو (اكلت ما أكلت) وما ~~يجرى مجرى ذلك ولا يتم فائدتهما الا بالصلة على ما بيناه. # ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه: ان أهل اللغة عدوا العموم من اقسام ~~الكلام وكذلك الخصوص وفرقوا بينهما وقالوا هذا الكلام خرج مخرج العموم وهذا ~~الكلام خرج مخرج الخصوص فدل ذلك على أن فائدتهما تختلف. # وعلى مذهب الخصم كلاهما سواء فينبغي أن نحكم ببطلان ذلك وجرى مجرى فصلهم ~~بين صيغة الأمر والنهي والخبر وغير ذلك من اقسام الكلام (2) * فكما ان لكل ~~شئ من ذلك صيغة موضوعة ينبغي أن يكون حكم العموم مثله سواء. # وان نازعوا في جميع ذلك فقد دللنا على ثبوته فيما تقدم فلا فائدة في ~~اعادته. # واستدل كثير من الفقهاء والمتكلمين (3) على ذلك بان قالوا: قد ثبت ان ~~العموم # PageV01P285 # أمر معقول والحاجة إلى استعماله ماسة فلابد أن يكونوا وضعوا لذلك عبارة ~~يلتجئون إليها عند الحاجة إلى ذلك كما أنهم وضعوا لسائر اقسام الكلام وقد ~~قلنا ما عندنا في هذه الطريقة. # واستدلوا أيضا بان قالوا: لا يخلو لفظة (من) أن تكون موضوعة لغير العقلاء ~~أو لبعض العقلاء أو لكل واحد منهم على البدل أو لجميعهم على جهة الاستغراق. # قالوا: ولا يجوز أن ms150 تكون موضوعة لغير العقلاء لان ذلك معلوم خلافه وهو ~~متفق عليه أيضا ولا ان تكون موضوعة لبعضهم لأنه ليس بعضهم بان يتناوله أولى ~~من بعض ولا أن تكون موضوعة لواحد لا بعينه لمثل ما قلناه ولأنه لو كان كذلك ~~لجرى مجرى أسماء النكرات وقد علمنا خلاف ذلك. # وأيضا: فلو كان لواحد لا بعينه لكان السائل إذا استفهم فقال: (من عندك؟) ~~لم يحسن ان يجاب بذكر نفسين أو ما زاد عليهما لان السؤال وقع عن واحد وقد ~~علمنا خلاف ذلك. فلم يبق بعد ذلك الا انها مستغرقة لجميع العقلاء. # وقد استدلوا أيضا على ذلك بأن قالوا: وجدنا العموم قد اكد بلفظ لا يؤكد ~~به الخصوص وكذلك الخصوص أكد بلفظ لا يؤكد به العموم الا ترى انهم يقولون: # (رأيت القوم أجمعين) و (رأيت زيدا نفسه) ولا يحسن ان يقول القائل: (رأيت ~~القوم نفس) ولا (رأيت زيدا أجمعين). # فلما ثبت هذا دل على معنيهما يختلف كما أن تأكيديهما يختلف ولا يختلفان ~~الا بأن يكون أحدهما عاما والاخر يكون خاصا (1). # ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بأن يقال: انما لم يحسن ان يقال: (رأيت ~~زيدا أجمعين) لان زيدا يختص شخصا واحدا فلا يجوز ان يؤكد بما يختص الجماعة ~~وان كانت غير مستغرقة وكذلك انما لم يحسن ان يقال: (رأيت القوم نفسه) لان # PageV01P286 # القوم يفيد جماعة وان لم يفد جميعهم فلا يجوز أن يؤكد بما يؤكد به شخص ~~واحد. # وربما رتبوا دليل الاستفهام على وجه اخر فقالوا: قد علمنا أنهم لما ~~استطالوا ان يستفهموا عن العقلاء بذكر أسمائهم فيقولوا: (أزيد عندك أعمرو ~~عندك أخالد عندك؟) وضعوا لفظة (من) نائبة من تعداد الأسماء لما شق عليهم ~~ذلك فيجب ان تكون مستغرقة لجميعهم كما أنهم لو عدوا ذكر جميعهم على التفصيل ~~- لو أمكن - لكان ذلك شاملا لهم. # ورتبوا مثل هذا في المجازات وقالوا: لما استطالوا ان يقولوا: (ان دخل زيد ~~وعمرو وبكر داري أكرمتهم) وضعوا لفظ (من) عوضا عنه فقالوا: (من دخل داري ~~أكرمته) فينبغي أن تكون مستغرقة. ms151 # وهذه طريقة قريبة غير أنه يمكن أن يقال عليها: لا نسلم انهم وضعوا هذه ~~اللفظة بدلا عن تعداد جميع الأسماء بل لا يمتنع أن يكونوا وضعوها لجماعة لا ~~بأعيانهم. # فان قلنا جوابا عن ذلك، لو كان كذلك لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد من ~~العقلاء كان ذلك رجوعا إلى الطريقة الأولى التي قدمناها. # وقالوا أيضا: لما كان الاستفهام بلفظ الخاص يختص شخصا بعينه ولا يتعدى ~~إلى غيره فينبغي أن يكون الاستفهام بلفظ العموم بالعكس من ذلك وهو ان يتعدى ~~إلى غيره وليس بأن يتعدى إلى قوم أولى من أن يتعدى إلى آخرين فيجب أن يتعدى ~~إلى جميعهم. # وهذا أيضا مثل الأول لأنه يمكن أولا ان يقال: # ان هذا قياس والقياس في اللغة لا يجوز. # والثاني ان يقال: غاية ما في هذا ان يجب ان يتعدى إلى أكثر من لفظ الخاص ~~ولا يجب من ذلك تعدية إلى جميعهم. # فان قلنا: لو لم يجب لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد منهم كان رجوعا إلى ~~الدليل الذي قدمناه. PageV01P287 # وان قلنا: ليس بعضهم بذلك أولى من بعض كان ذلك رجوعا إلى دليل التقسيم ~~الذي قدمناه. # وقد استدل المخالف (١) على صحة مذهبه بأن قال (٢): # وجدت هذه الألفاظ تستعمل في الخصوص كما تستعمل في العموم بل استعمالها في ~~الخصوص أكثر لأنه ليس في جميع ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق الا قوله: ~~﴿والله بكل شئ عليم﴾ (3) فوجب أن ~~تكون اللفظة مشتركة فيهما. # قيل له: قد بينا ان مجرد الاستعمال لا يدل على الاشتراك لان المجاز ~~مستعمل كما أن الحقيقة مستعملة فلا يمكن ان يستدل بالاستعمال على واحد من ~~الامرين ويحتاج في اثبات أحدهما إلى الرجوع إلى امر اخر. # واما قولهم: (انهم لم يجدوا في ألفاظ القران لفظة تفيد الاستغراق الا ~~لفظة واحدة). # فليس إذا قل استعمال الحقيقة فيما هو حقيقة فيه وكثر استعماله في المجاز ~~دل على أنه ليس بحقيقة فيه الا ترى انه لم تجر عادتهم في استعمال لفظة ms152 ~~(الدابة) في كل ما دب بل صار بالعرف لا يستعمل الا في دابة بعينها ولا يدل ~~ذلك على أنهم لم # PageV01P288 # يضعوا هذه اللفظة في الأصل لكل ما يدب. # فعلم بذلك ان قلة الاستعمال لا يدل على أن اللفظة ليس بحقيقة. # وعندنا ان الحكيم تعالى إذا استعمل هذه اللفظة فيما دون الاستغراق فلابد ~~من أن يدل عليه دالا لم يحسن منه ذلك. # واستدلوا أيضا بحسن الاستفهام عن هذه الألفاظ قالوا: فلولا انها مشتركة ~~والا لم يحسن (1). # وقد قلنا ما عندنا في ذلك فيما مضى فأغنى عن الإعادة. # واستدلوا أيضا بان قالوا: لو كان ذلك مفيدا للاستغراق لما حسن أن يؤكد ~~لان المؤكد قد أنبأ عن المراد فتأكيده عبث. # والجواب عن ذلك: انا قد بينا ان التأكيد دليل لمن قال بالاستغراق ولو لزم ~~هذا الاعتبار أن لا يكون اللفظ موضوعا للاستغراق لوجب في ألفاظ الخصوص ~~وألفاظ الاعداد مثله لأنا وجدناهم يؤكدون ألفاظ الخصوص وألفاظ الاعداد كما ~~يؤكدون ألفاظ العموم فأي شئ أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه. # واستدلوا أيضا بان قالوا: لو كانت هذه الألفاظ تفيد الاستغراق لما حسن ~~الاستثناء منها وكانت تكون نقصا لان هذه اللفظة تجرى عندكم مجرى تعداد ~~الأسماء فكما لا يجوز ان تعد الأسماء ثم يستثنى منها فكذلك لفظ العموم لو ~~كان جاريا مجرى ذلك لما حسن الاستثناء منه. # والجواب عن ذلك أن يقال: الاستثناء انما يحسن إذا قصد المتكلم بالخطاب ~~بعض العموم فيحتاج ان يبين من لم يعنه بالخطاب وانما كان يكون نقضا لو قصد ~~به الاستغراق ثم استثنى منها ونحن لا نقول ذلك. # وليس كذلك تعداد الأسماء لأنه إذا عددها فقد قصدها كلها فلا يجوز بعد ذلك ~~أن يستثنى منها لأنه يؤدي إلى نفى ما أثبته بعينه وذلك لا يجوز على حال. # PageV01P289 # وليس كذلك لفظ العموم لأنه يجوز ان يستعمل في بعض ما وضع له على ضرب من ~~المجاز إذا بين معه المراد بذلك وفي ذلك سقوط هذا السؤال. # فاما من فرق بين الأوامر والاخبار ms153 فقوله يبطل بما دللنا عليها من أن هذه ~~الألفاظ تفيد الاستغراق في الاخبار كإفادتها في الأوامر وإذا ثبت ذلك فمتى ~~ورد خطاب من الله تعالى وجب حمله على عمومه سواء كان أمرا أو خبرا الا ان ~~يدل دليل على أن المراد به التخصيص فتحمل عليه ولأجل هذا قلنا: ان ما أخبر ~~الله تعالى به من عقاب العصاة المراد به بعضهم لا جميعهم لما دل الدليل ~~عندنا على ذلك فلا يظن ظان ان في القول بالعموم تركا لهذا المذهب وتصحيحا ~~لمذهب الخصم لان الخصم يدفع ان يكون ها هنا دليل يدل على تخصيص آيات الوعيد ~~ونحن نثبته وإذا ثبت ما ندعيه بطل مذهب الخصم في ذلك. # فاما من فرق بين الامر والخبر بان قال: ان الامر تكليف والخبر ليس كذلك ~~فلا يمتنع أن لا يكون مفيدا للاستغراق وان لم يعلمه فقد أخطأ وذلك أنه لا ~~فرق بينهما في تعلق تعليق التكليف بهما لان الامر يوجب علينا فعل ما تناوله ~~والخبر يوجب علينا اعتقاد ما تضمنه فلابد من أن يكون مفيدا للاستغراق ان ~~كان مطلقا. # وان كان المراد به الخصوص فلابد من أن يقترن به البيان والا أدى ذلك إلى ~~إباحة الجهل والاعتقاد الذي لا نأمن كونه جهلا وكل ذلك منفى عن القديم ~~تعالى. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P290 # فصل NoteV01P291N03 (في ذكر ألفاظ الجمع والجنس وغير ذلك (1)) ذهب أكثر ~~من قال بالعموم إلى أن اسم الجنس إذا دخله الألف واللام اقتضى # PageV01P291 # استغراق الجنس وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والعصر ان الانسان لفي خسر﴾ (١) وكذلك قالوا في ~~ألفاظ الجموع والأسماء المشتقة (٢) نحو قولهم: (رأيت الرجال) وقوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٣) و (ان الفجار ~~لفي جحيم) (٤) و (يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) (٥). # هذا إذا لم يكن هناك ما يدل على أنهما دخلا للعهد فان دل دليل على ذلك ~~حمل اللفظ عليه. # قال أبو على: مثل ذلك في اسم الجنس وأسماء الجموع وامتنع من القول ms154 به في ~~الأسماء المشتقة (٦). # وقال أبو هاشم خاصة (٧): لا يدل في هذه المواضع كلها على الاستغراق بل ~~يدل الألف واللام اما على العهد أو على تعريف الجنس فاما الاستغراق فلا يدل ~~على ذلك الا ان يقترن به دليل يدل عليه نحو قوله ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (8) وقوله: ~~(ان الفجار لفي جحيم) (4) وقوله: (اقتلوا المشركين) (3) ان جميع هذه ~~المواضع المراد بها الاستغراق لان الكلام خرج مخرج الزجر (9) والزجر حاصل ~~في الجميع كما هو حاصل في كل واحد منهم فلأجل ذلك حملته # PageV01P292 # على الجميع (١). # وفي الناس من قال: ان الذي ادعاه أبو هاشم من تعريف الجنس غير معقول أصلا ~~ولا يفهم من الألف واللام الا الاستغراق أو العهد (١). # فهذا جملة الخلاف بين من قال بالعموم في هذه الألفاظ. # فاما من قال بالخصوص أو بالوقف فقولهم في هذه الألفاظ مثل قولهم فيما مضى ~~على السواء (٢). # والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك حسن الاستثناء في جميع هذه ~~الألفاظ (٣) الا ترى انه يحسن ان يقال: (ان الانسان لفي خسر الا زيدا ~~وعمرا) فيستثنى كل واحد من الناس من اللفظ الأول. # وكذلك إذا قال: (رأيت الرجال) يحسن ان يستثنى كل واحد منهم. # وكذلك يحسن الاستثناء من قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (4) وقوله: (ان الفجار لفي جحيم) ~~(5) وقوله: (ويقول الكافر) (6) وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ. # وقد بينا في الباب الأول ان من حق الاستثناء ان يخرج من الكلام ما لولاه ~~لوجب دخوله تحته وفي ذلك اقتضاء هذه الألفاظ الاستغراق. # فان دفعوا حسن الاستثناء في هذه المواضع دفعهم أصحاب الخصوص والوقف عن ~~دخوله فيما مضى من الألفاظ. # PageV01P293 # فان قالوا: يحسن دخوله ولا يدل على الاستغراق. # قال لهم: أصحاب الخصوص والوقف مثل ذلك في (من) و (ما). # وإذا كان الكلام مع أصحاب الخصوص والوقف يكون الكلام على ما رتبناه في ~~(من) و (ما) على حد سواء (1). # فاما الذي اختاره أبو هاشم من أنهما يقتضيان تعريف الجنس (2) فلسنا ms155 نمنع ~~من أن ذلك قد يراد في بعض الأحوال كما لا نمنع من أن يراد بهما المعهود على ~~بعض الأحوال ولا يدل ذلك (3) * على أنه يجب حملها عليه ابدا كما لا يجب ذلك ~~في حمله على العهد ابدا. # فاما من دفع أبا هاشم عن ذلك وقال: ان ذلك غير معقول (4) فباطل لأنا نحن ~~نعلم أن القائل إذا قال: (اكلت اللحم ولبست الجباب (5) أو الثياب أو جاء ~~وقت لبس الجباب) لا يريد بذلك اكله لحما بعينه ولا انه اكل جميع اللحوم ~~وانما أراد تعريف هذا الجنس بعينه وكذلك لا يريد لبس جميع الجباب ولا جبابا ~~بأعيانها وانما يريد تعريف هذا الجنس والكلام في ذلك بين فمن دفعه كان ~~دافعا لما هو معلوم. # ويدل أيضا على ذلك: ان أهل اللغة نصوا فقالوا أسماء الأجناس تدل على ~~القليل والكثير (6) * ولأجل ذلك قالوا: ان لفظ الجنس لا يجوز ان يجمع لأنه ~~بنفسه يدل على القليل والكثير فجمعه عبث وانما يحسن جميعه إذا اختلفت ~~الأجناس # PageV01P294 # ولا يدل بعضهما على بعض فحينئذ يستفاد بالجمع أجناس مختلفة. # فاما في الجنس الواحد فلا يحسن على حال ولا يجب من حيث إن الألف واللام ~~يدخلان للعهد أو لتعريف الجنس - على ما ذهب إليه أبو هاشم (1) - ان لا يفيد ~~الاستغراق كما لا يجب ذلك في (من) و (ما) لأنهما قد يستعملان في المعهود ~~ولا يدل ذلك على أنهما لا يستعملان في الاستغراق على حال. # واستدل أبو علي على أن لفظ الجمع يقتضى الاستغراق إذا لم يدل دليل على ~~أنه أراد البعض بأن قال: انه قد ثبت انه حقيقة في الاستغراق (2) * كما أنه ~~حقيقة في أقل الجمع فإذا كان كذلك - ولا يكون هناك دلالة - وجب حمله على ~~الاستغراق (3). # وقال أيضا: إذا كان الكلام صادرا من حكيم فلو أراد أقل الجمع لبينه فلما ~~لم يبين دل على أنه أراد الاستغراق (4). # واعترض على ذلك أبو هاشم وأصحاب الخصوص والوقف بان قالوا: إذا كان ذلك ~~حقيقة في أقل الجمع كما هو حقيقة في الاستغراق ms156 وجب حمله على الأقل لأنه ~~مقطوع به والاستغراق لا دلالة عليه فوجب أن لا يكون مرادا (5). # وقالوا: إذا كان الكلام صادرا من حكيم ولا يدل على أنه أراد الاستغراق ~~ودل على أنه أراد أقل الجمع وتعارض القولان ووقف الدليل. # PageV01P295 # والمعتمد عندي هو الأول (1) *. # واستدل أبو هاشم على أن لفظ الجمع لا يفيد الاستغراق بان قال: # لو اقتضى ذلك لاقتضى أكثر الاعداد وذلك يوجب أن يكون مقتضيا لما لا ~~يتناهى أو أن يكون حقيقة في كل عدد يوجد الجموع وكل ذلك فاسد (2) (3) *. # والكلام على ذلك أن يقال: أكثر ما في هذا ان يقتضى انه لا يجوز ان يفيد ~~ما لا يتناهى لان ذلك محال ولا يدل على أنه لا يفيد استغراق ما يمكن ولو ~~لزم هذا ها هنا للزمه في (من) و (ما) بأن يقال لو أفاد الاستغراق لتعلقا ~~بما لا يتناهى وذلك باطل. # ولا جواب عن ذلك الا ما قلناه من أنه ينبغي أن يحمل على الاستغراق فيما ~~يمكن فاما ما هو محال فكيف يحمل عليه. # واما استدلاله على أنه حقيقة في الثلاثة من حيث كان أقل الجمع (1) فصحيح ~~لا ينازع فيه وليس ذلك بمانع عند من خالفه من أن يفيد الاستغراق أيضا حقيقة ~~وانما يحمل على أحد الحقيقتين لضرب من الاعتبار (4) *. # واعلم أن الذي اعتبرناه من دليل الاستثناء في ألفاظ الجموع انما يدل على ~~انها تفيد الاستغراق حقيقة ردا على أصحاب الخصوص ولا يمكننا ان نقول انها ~~لا تتناول أقل الجمع أيضا حقيقة لان ذلك يكون مكابرة فإذا ثبت كونها حقيقة ~~في الامرين وصدر الكلام من حكيم ولم يقرن به ما يدل على أنه أراد به أقل ~~الجمع # PageV01P296 # وجب حمله على أنه أراد الكل. # وليس لهم ان يقولوا: اجعلوا فقد دلالة الاستغراق دلالة على أنه أراد أقل ~~الجمع كما جعلتم فقد دلالة الأقل دلالة على أنه أراد الاستغراق ويتعارض ~~القولان وذلك أن هذا انما يمكن ان يقال في ألفاظ الجموع الخالية من الألف ~~واللام فاما إذا كانت فيها الألف ms157 واللام فلا يفيدان الا استغراق لأنه لو ~~أراد أقل الجمع لم يكن لادخالهما في الكلام فائدة وكان اللفظ مع عدمهما ~~يفيد أقل الجمع كما يفيد أكثر الجمع فإذا لابد من حمله على الاستغراق والا ~~كان ذلك لغوا. # فان عادوا إلى أن يقولوا: ان ذلك يفيد العهد أو تعريف الجنس. # قلنا: نحن انما نتكلم في الموضع الذي لا نعلم أنه أريد بهما العهد أو ~~تعريف الجنس فاما إذا علمنا أنه أراد العهد أو تعريف الجنس وجب حمله عليه ~~وذلك لا ينافي ما قلناه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P297 # فصل NoteV01P298N04 (في أن أقل الجمع (1) * ما هو؟ (2)) ذهب المتكلمون ~~وأكثر الفقهاء إلى أن أقل الجمع ثلاثة (3). # PageV01P298 # وقال من شذ منهم ان أقل الجمع اثنان (1). # والصحيح هو الأول. # والذي يدل على ذلك: ان أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع وخصوا كل واحد ~~منهما بأمر لا يشركه فيه الاخر فقالوا: التثنية تكون بالألف والنون والياء ~~والجمع يكون بالواو والألف والتاء كما فرقوا بين الواحد والاثنين فان جاز ~~أن يدعى في التثنية انهما جمع جاز ان يدعى في الواحد انه تثنية أو جمع وقد ~~علمنا خلاف ذلك. # ويدل على ذلك أيضا: انهم يقولون للاثنين (افعلا) إذا أمروهما وللجماعة ~~(افعلوا) وثينون بالألف ويجمعون بالواو وعلى مذهب الخصم كان يجب أن لا يكون ~~بينهما فرق. # ويدل أيضا على ذلك: انهم يفسرون بلفظ الجمع عدد الثلاثة فيقولون: (ثلاثة ~~رجال) ولا يفسرون به الاثنين بل يقولون: (ورجلان) فعلم بجميع ذلك الفرق ~~بينهما. # وأيضا: فان السامع إذا سمع المتكلم يقول: (رأيت رجالا) لا يفهم من ذلك ~~ولا يسبق إلى قلبه الا ثلاثة ولا يسبق إلى قلبه اثنان أصلا فعلم أن الحقيقة ~~ما قلناه. # فاما من خالف في ذلك فإنه يستدل بأشياء. # منها: ان الجمع مأخوذ من ضم شئ إلى شئ وذلك موجود في الاثنين فينبغي أن ~~يكون جمعا. # PageV01P299 # والجواب عن ذلك انا لا ننكر ان يكون أصل الاشتقاق ما ذكروه لكن صار بعرف ~~اللغة ومواضعتهم مخصوصا ببعض ذلك وهو ms158 إذا كانوا ثلاثة منضمين وجرى ذلك مجرى ~~قولهم (دابة) في أنه موضوع في أصل اللغة لكل ما يدب ثم صار بعرف اللغة ~~مخصوصا لدابة بعينها فكك لفظ الجمع على أنه انما نريد بقولنا: أقل الجمع ~~ثلاثة ان احكام الثلاثة لا تجرى على الاثنين واحكام الاثنين لا تجرى على ~~ثلاثة على ما بيناه. # فان سلموا ذلك وقالوا مع ذلك الاثنان من حيث الاشتقاق كان ذلك خلافا في ~~عبارة لا يعتد بمثله. # واستدلوا أيضا: بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: ~~(الاثنان فما فوقهما جماعة) (١) فسماهما جماعة. # والجواب عن ذلك: ان قوله عليه السلام ينبغي ان يحمل على الاحكام لأنها ~~المستفادة من جهته ولا يحمل على الأسماء لأنها مستفادة معلومة باللغة. # وقد قيل في معناه شيئان: أحدهما: انه كان نهى عن خروج الرجل وحده في ~~السفر ثم أباح ذلك في الاثنين فخبر عند ذلك أن حكم الاثنين في جواز السفر ~~حكم الثلاثة وما زاد على ذلك. # والوجه الاخر: انه أراد بذلك فضيلة الجماعة بالصلاة لان حكم الاثنين في ~~انعقاد الجماعة بهما وحصول الفضل لهما حكم الثلاثة وما زاد على ذلك فينبغي ~~أن يحمل الخبر عليهم. # ومنها: قوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم ~~شاهدين﴾ (2) وعنى بذلك داود وسليمان وهما اثنان. # PageV01P300 # ومنها: قوله تعالى: ﴿إذ دخلوا على ~~داود﴾ (١) وانما أراد به الخصمين. # والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما: ان ذلك مجاز وكلامنا في الحقيقة وجرى ~~ذلك مجرى قولنا: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا ~~له لحافظون﴾ (٢) ونحو قوله: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ (٣) ولا خلاف ان لفظ ~~الجماعة في الواحد مجاز فلو لزم ما قالوه للزم أن يكون ذلك حقيقة في الواحد ~~وللزم في قوله: ﴿وهل اتاك نبؤ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب﴾ (٤) لان لفظ (الخصم) لفظ الواحد ومع ذلك قد أخبر عنه ~~بلفظ الجمع وذلك مجاز بلا خلاف. ms159 # والوجه الثاني: ان قوله: (وكنا لحكمهم شاهدين) أراد به داود وسليمان ~~والمحكوم عليه والخصم وهم جماعة فلأجل ذلك أخبر عنهم بلفظ الجمع. # وكذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ (5) انه أراد به جنس الخصمين ~~لان لفظ (الخصم) لفظ المصدر ويقع على الواحد والجماعة والذكر والأنثى على ~~حد واحد لأنهم يقولون: (رجل خصم) و (رجال خصم) و (امرأة خصم) و (نساء خصم) ~~كل ذلك بلفظ واحد. # وإذا ثبت ذلك كان قوله (خصمان) لا يختص بالاثنين دون ما زاد عليهما فلأجل ~~ذلك أخبر عنهما بلفظ الجماعة. # وقووا ذلك بان قالوا: قال في أول الآية: (وهل اتاك نبؤ الخصم إذا تسوروا ~~المحراب) فأخبر عن (الخصم) بكناية الجماعة فعلم بذلك انه أراد الجنس دون ~~الواحد. # وعلى الوجهين جميعا سقط التعلق بالآيات. # PageV01P301 # فصل NoteV01P302N05 (في معنى قولنا ان العموم مخصوص وان الله تعالى يجوز ~~أن يريد بالعام الخاص (1)) معنى قولنا: (العموم مخصوص) هو انه استعمل في ~~بعض ما وضع له دون بعض وذلك مجاز لان حقيقة المجاز ثابتة فيه وشبه ذلك ~~بالمخصوص الذي وضع في الأصل للخصوص وإذا استعمل في بعض ما وضع له في الأصل ~~لا يصير حقيقة فيه لأنا قد دللنا على أن للعموم صيغة فان حقيقتها الاستغراق ~~(2) فمتى استعمل في غير ذلك ينبغي أن يكون مجازا لان حقيقة المجاز هو أن ~~يستعمل اللفظة في غير ما وضعت له وهذا موجود في العموم إذا أريد به الخصوص ~~فينبغي أن يكون مجازا # PageV01P302 # ولهذا لا يقولون لمن خاطب بالعموم وأراد به بعض ما يتناوله: انه مخاطب ~~بالخصوص ولا انه خص الخطاب كما يقولون ذلك في الألفاظ الخاصة فعلم أن ذلك ~~مجاز. # فاما إذا قيل: (فلان خص العموم) فالمراد بذلك انه علم من حالة المخصوص ~~بدليل دله على ذلك. ويقال فيمن اعتقد ذلك أيضا فيه وان لم يكن اعتقاده ~~علما. # وقد استعمل كثير من الفقهاء لفظ التخصيص فيما ليس بعام إذا علم بالدليل ~~انه عام مثل الافعال وغيرها ms160 ونحن نبين ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ويفارق قولنا: (ان العام مخصوص) لقولنا: (ان الخطاب منسوخ) في الحكم ~~والحد جميعا وقد ظن بعضهم انهما سواء وذلك خطأ من وجوه: # لان حد التخصيص: ما دل على أن المراد باللفظ بعض ما يتناوله دون بعض. # وحد النسخ: ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في المستقبل على ~~وجه لولاه لكان ثابتا بالخطاب الأول مع تراخيه عنه. # فحدهما مختلف على ما ترى. # ولأن التخصيص يؤذن بان المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه والنسخ يحقق ان ~~كل ما تناوله اللفظ كان مرادا في حال الخطاب وان كان غير مراد في ما عداه. # وأيضا: فان من حق التخصيص ألا يصح الا فيما تناوله اللفظ والنسخ قد يصح ~~فيما علم بالدليل انه مراد منه وان لم يتناوله اللفظ. # وأيضا: فان النسخ يدخل في النص على عين واحدة والتخصيص لا يدخل فيه. # وأيضا: فالنسخ في الشرع لا يقع بأشياء يقع التخصيص بها نحو أدلة العقل ~~والأدلة المتصلة بالخطاب من الاستثناء وغيرها من اخبار الآحاد والقياس ~~والأدلة المستنبطة عند من أجاز التخصيص بها والتخصيص قد لا يقع ببعض ما يقع ~~به النسخ. # فعلم بجميع ذلك ما مفارقة التخصيص النسخ. PageV01P303 # ولا يجب من حيث شارك التخصيص النسخ في بعض الأحكام ان يكونا بمعنى واحد ~~كما أن مشاركة بيان المجمل للتخصيص في بعض الأحكام لا يدل على أن معناهما ~~واحد. # وكون النسخ في المعنى تخصيصا من حيث إنه تخصيص للأوقات لا يوجب انه تخصيص ~~لأنه أخص منه والتخصيص أعم وكل ذلك يوجب افتراقهما في الحد والحكم. # فإذا ثبت ذلك فالقديم تعالى يجوز أن يريد بالعام الخاص لان أهل اللغة إذا ~~كانوا استجازوا ذلك وتعارفوه وجرت عادتهم باستعماله وكان القديم تعالى ~~متكلما بلغتهم وجب أن يجوز أن يتكلم بذلك ويريد به الخصوص كما أنه يجوز أن ~~يتكلم بالمجاز والحقيقة والإطالة تارة والايجاز أخرى ويؤكد كلامه تارة ولا ~~يؤكد أخرى لما كان ذلك من عادة أهل اللغة وكان ms161 القديم تعالى متكلما بلغتهم ~~فينبغي أن يتكلم على طريقتهم. # الا انه متى تكلم بلفظ العام وأراد به الخاص فلابد من أن يدل عليه ويقرن ~~به ما يدل على تخصيصه والا كان موجبا لاعتقاد الجهل كما أنه إذا أراد ~~بالحقيقة المجاز فلابد من أن يدل عليه. # وأيضا: فإذا جاز أن يتكلم بالعام ويستثنى منه جاز أن يدل عليه دليل غير ~~الاستثناء يعلم به انه أراد الخصوص لان الاستثناء دليل التخصيص كما أن غيره ~~من الأدلة كذلك. # ويدل على جواز ذلك أيضا: ان الله تعالى تكلم في مواضع بلفظ العام وقد ~~علمنا أنه أراد الخصوص فلولا ان ذلك كان حسنا والا لم يحسن منه ذلك. # وليس لاحد أن يقول: كما لا يحسن منه الاخبار الا على القطع والامر الا ~~على الشروط في بعض الوجوه وحسن ذلك فينا فكذلك لا يمتنع استعمال العام في ~~الخاص فينا وان لم يحسن فيه تعالى. # وذلك أن هذا أولا: باطل بما قلناه من وجودنا مواضع كثيرة من القران ~~ظاهرها PageV01P304 # العموم وقد علمنا أنه أراد بها الخصوص بل أكثر القران كذلك. # ثم انه انما حسن منا الاخبار والأوامر بالشروط لما لم يكن لنا طريق إلى ~~العلم بما يمنع من الشروط ولم يحسن ذلك في القديم تعالى العالم بالعواقب ~~ولذلك لا يحسن منا ان نخبر عما نعلمه بشرط لما كان العلم حاصلا لنا. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P305 # فصل NoteV01P306N06 (في أن العموم إذ خص كان مجازا وما به يعلم ذلك وحصر ~~أدلته (1)) ذهب كثير من أصحاب الشافعي (2) وأصحاب أبي حنيفة (2) إلى أن ~~العموم مع الدليل الذي خص به حقيقة فيما عدا ما خص منه سواء كان ذلك الدليل ~~لفظا متصلا أو منفصلا أو غير اللفظ. # وذهب أبو عبد الله البصري (3) إلى أنه: ان كان ذلك الدليل لفظا (4) متصلا ~~من # PageV01P306 # استثناء وغيره (1) كان حقيقة فاما إذا لم يكن متصلا فإنه يصير مجازا (2). # وذهب أبو علي وأبو هاشم ومن تبعهما وأكثر المتكلمين وباقي الفقهاء إلى ~~أنه يصير مجازا بأي ms162 دليل خص (3) وهو الصحيح (4). # والذي يدل على ذلك: انا قد بينا في هذا الكتاب ان حقيقة المجاز ان يستعمل ~~اللفظ في غير ما وضع له فإذا ثبت ذلك - وقد دللنا على أن للعموم صيغة تختصه ~~يفيد الاستغراق (5) - فينبغي (6) * إذا استعملت فيما دون الاستغراق أن يكون ~~مجازا لثبوت حقيقته فيه وهذا يبين أنه يصير مجازا بأي دليل خص سواء كان ~~لفظا متصلا # PageV01P307 # أو منفصلا أو غير لفظ. # وليس لاحد أن يقول: ان العموم إذا خص فلم يتناول غير ما كان يتناوله (1) ~~* بل ما تناوله في حال الخصوص ما تناوله في حال الاستغراق فكيف يكون مجازا؟ ~~(2). # وذلك انا لم نقل انه يصير مجازا لتناوله ما تناوله وانما صار مجازا لأنه ~~لم يتناول ما زاد عليه من الاستغراق فصار في ذلك كأنه استعمل في غير ما وضع ~~له (3) *. # فان قيل: أليس الكلام إذا انضم بعضه إلى بعض تغير معناه ولا يكون ذلك ~~مجازا وذلك نحو الخبر (4) * إذا انضم إلى المبتدأ والحروف الداخلة على ~~الجمل من حرف شرط (5) * أو استفهام أو نفى أو تمن وما أشبه ذلك فقولوا في ~~العموم أيضا مثل ذلك إذا خص انه لا يصير مجازا بما قارنه من الدليل الذي ~~اقتضى تخصيصه. # قيل لهم: أول ما في هذا ان الشبهة توجب أن لا يكون في الكلام مجازا أصلا ~~لأنه يقال: ان اللفظ وما دل على أنه مجاز كلاهما حقيقة فيما أريد به وهذا ~~واضح البطلان. # ثم إن هذه الأمثلة انما يمكن أن تكون شبهة لمن قال إذا خص بدليل لفظي ~~متصل لا يصير مجازا فاما إذا خص بدليل غير مقترن باللفظ أو بدليل منفصل وان ~~كان لفظيا فلا يكون ذلك نظيرا لهذه الأمثلة. # ونحن نجيب عن جميع ذلك ونفصل بينه وبين العموم. # PageV01P308 # اما ما ذكروه من الخبر إذا انضاف إلى المبتدأ فإنما كان كذلك (1) * لان ~~المبتدأ بانفراده لا يفيد شيئا بل يحتاج في الفائدة إلى الخبر الذي تكمل ~~الفائدة به وجرى ذلك مجرى بعض الاسم في أنه لا يفيد حتى ms163 يتكامل جميع حروفه. # ولا يقال: ان انضمام بعض الحروف إلى بعض لتكامل الفائدة مجاز وقبل ~~تكاملها يكون حقيقة. لان ذلك كله فاسد لان الفائدة انما تتم عند اخر حرف ~~منها فكذلك القول في المبتدأ والخبر وليس كذلك القول في العموم (2) * لان ~~لفظ العموم مستقل بنفسه ويفيد فائدته الذي وضع له ولا يحتاج إلى امر اخر ~~وانما دخل عليه ما اقتضى استعماله في غير ما وضع له ينبغي ان يحكم بكونه ~~مجازا. # فاما الحروف الداخلة على الجمل فإنما تحدث فيها معنى من المعاني فتغير ~~معناها ان كانت خبرية ودخل عليها حرف الاستفهام أحدث فيها معنى الاستخبار ~~وكذلك لفظ المتمني وحروف الشرط وغيره لم يغير هذه الحروف احكام الجملة من ~~زيادة إلى نقصان أو نقل إلى غير ما وضع له فلا ينبغي أن يكون مجازا. # وليس كذلك ألفاظ العموم لأنها بعد التخصيص لا تفيد ما كانت تفيده قبل ~~التخصيص فينبغي ان يكون مجازا. # على أن هذا يوجب الا يكون قول القائل: (رأيت سبعا) ثم قال عقيب ذلك: # انى أردت رجلا شجاعا أو قال: (رأيت حمارا أو حائطا) ثم قال: أردت بليدا ~~مجازا لأنه قد وصل بالكلام لفظا دل به على مراده وجرى ذلك مجرى الحروف ~~الداخلة على الجمل حسب ما سئلنا في العموم سواء وهذا لا يقوله أحد. # PageV01P309 # وإذا لم يلزم ذلك فكذلك ما يلزم في العموم إذا خص بدليل متصل به أو منفصل ~~إذا كان لفظا. # فان تعاطوا الفرق بين ذلك فكل شئ أوردوه في ذلك أمكننا ان نورد مثله فيما ~~سئلنا عنه. # فاما ما به يصير العام خاصا: فهو قصد المخاطب لان اللفظ إذا كان موضوعا ~~للاستغراق فإذا أراد استعماله فيها وضع له يحتاج أن يقصد إلى ذلك وكذلك إذا ~~أراد أن يستعمله في بعض ما وضع له يحتاج إلى أن يقصد إلى ذلك وجرى ذلك مجرى ~~اللفظ الموضوع للامر في أنه يحتاج أن يقصد به ما وضع من استدعاء الفعل فإذا ~~أراد استعماله في التهديد أو النهي يحتاج إلى ms164 القصد إلى ذلك. # فإذا ثبت هذه الجملة فالتخصيص في الحقيقة يقع بالقصد لا بالأدلة الدالة ~~على ذلك من الكتاب أو السنة أو العقل لان هذه الأدلة للكشف عن غرض المتكلم ~~بالخطاب وهل قصد العموم أو الخصوص؟ وليست موجبة لذلك. # وانما قلنا ذلك لان التخصيص مضاف إلى المتكلم فيقال: انه مخصص بخطابه ~~فينبغي أن يكون وقع ذلك بشئ من فعله ولا يقع بالدليل الذي ربما كان من فعل ~~غيره وجرى ذلك مجرى قصده إلى استعمال اللفظ فيما وضع له في أن القصد يفيد ~~تعلقه فيما وضع له أو غير ما وضع له في المجاز دون الدليل الدال على ذلك. # وعلى هذا سقط قول من قال: ان من شأن التخصيص الا يقع الا بأمر متصل ~~بالخطاب مجاور له ولا يجوز أن يقع بالأدلة المنفصلة لان على هذا التحرير ~~الذي قلنا: ان التخصيص يقع بالقصد قد أجبنا إلى ما قاله فالقصد (1) مقترن ~~بالخطاب غير منفصل منه. # فاما الأدلة الدلالة على ذلك فلا يجب ذلك فيها لأنها قد تكون متصلة به ~~وقد تكون متقدمة عليه الا ترى ان أدلة العقل يخص بها الخطاب العام على بعض # PageV01P310 # الوجوه ومع هذا فهي متقدمة لحال الخطاب وليست الأدلة الدالة على التخصيص ~~تجرى مجرى نفس التخصيص. # وقد يقال في الأدلة انها هي المخصصة وذلك مجاز والحقيقة ما قلناه وانما ~~يسوغ لهم ذلك من حيث يوصل بها إلى العلم بالخصوص فأطلق عليها انها المخصصة ~~وذلك مجاز على ما بيناه. # فاما الأدلة الدالة التي يعلم بها التخصيص فعلى ضربين: # أحدهما: ما يتصل بالخطاب من الكلام. # والاخر: ما ينفصل منه من الأدلة وما يتصل بالخطاب فينقسم أقساما: # منها: الاستثناء وله حكم نفرد له بابا (1). # ومنها: الشرط وله أيضا احكام سنبينها (2). # ومنها: تقييد الخطاب بالصفات ولذلك أيضا باب مفرد نذكره (3). # وما ينفصل من الخطاب من الأدلة فعلى ضربين: # أحدهما: دليل يوجب العلم من دليل العقل أو الكتاب أو السنة المقطوع بها ~~أو الاجماع. # وهذه الأدلة كلها لا خلاف بين أهل العلم في ms165 جواز تخصيص العموم بها وانما ~~قالوا ذلك لأنه لا يجوز القول بتكافؤ الأدلة فإذا كان العام دليلا على ~~الاستغراق وما دل على الخصوص دالا على تخصيصه فلابد من تخصيص العام به والا ~~أدى إلى اسقاط أحد الدليلين وابطاله أو ابطالهما معا والعدول إلى الاخر وكل ~~ذلك فاسد. # والضرب الاخر: وهو الذي لا يوجب العلم وهو على ضربين. # خبر واحد وقياس. # PageV01P311 # فاما الخبر الواحد فنذكر ما عندنا في ذلك في باب مفرد (1). # واما القياس فلا يجوز العمل به أصلا لا في تخصيص العام ولا غيره من ~~الاحكام ونحن ندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ومن خالفنا من الفقهاء الذين أوجبوا العمل بالخبر الواحد والقياس اختلفوا ~~في جواز تخصيص العموم به وسنذكر اختلافهم من ذلك فيما بعد إن شاء الله ~~تعالى. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P312 # فصل NoteV01P313N07 (في ذكر جمل من احكام الاستثناء (1)) ذهب المتكلمون ~~بأجمعهم والفقهاء المحصلون إلى أن من شرط الاستثناء أن يكون متصلا بالكلام ~~ولا يجوز انفصاله عنه (2). # PageV01P313 # وحكى عن ابن عباس انه كان يذهب إلى أنه يجوز تأخيره عن حال الخطاب وذلك ~~مستبعد من قوله (1). # والذي يدل على صحة ما قلناه: # أولا: ان أهل اللغة لا يعدون ما انفصل عن الكلام استثناء كما لا يعدون ما ~~تقدم كذلك فلو جاز لاحد أن يخالف في المتأخر فيسميه استثناء جاز لغيره أن ~~يخالف في المتقدم فيسميه استثناء! # ويدل أيضا: على أن الاستثناء متى انفصل عن حال الخطاب لا يفيد أصلا فكيف ~~يجوز أن يكون استثناء من الكلام المتقدم؟ # فان قالوا: الاستثناء إذا تأخر ولا يستقل بنفسه فلا يفيد فإنه يجوز أن ~~يقرن به من الكلام ما يدل على أنه متعلق بالكلام الأول فيفيد ويتعلق به. # قيل له: إذا كان لا يفيد بنفسه وانما يتعلق بالكلام الأول بلفظ يقترن به ~~فقد صار المخصص للكلام الأول اللفظ الذي اقترن بالاستثناء وإذا كان كذلك ~~فلا معنى للاستثناء وكان استعماله لغوا. # وليس لهم أن يقولوا: ان القائل إذا قال: ms166 (رأيت القوم) ثم قال بعد زمان: ~~(الا زيدا) وقال أردت بهذا استثناؤه من اللفظ الأول أفاد انه غير داخل في ~~الجملة الأول ولو لم يذكر الاستثناء أصلا واقتصر على هذا القول المقترن به ~~لما أفاد ذلك # PageV01P314 # فعلم بذلك ان التخصيص يقع بلفظ الاستثناء وانما يعلم بالكلام المقترن به ~~تعلقه بالأول. # وذلك أن هذا متى كان على (1) * ما ذكر يفيد غير أنه لا يحسن من وجهين: # أحدهما: ان بيان تخصيص العموم لا يجوز ان يتأخر عن حال (2) * الخطاب على ~~ما نبينه فيما بعد وإذا لم يجز ذلك لم يحسن هذا. # والثاني: انه يؤدي إلى أنه لا يفهم بشئ من الكلام امر أصلا ولا باخبار ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخبر عن نفسه أو اخبار الله تعالى إذا ~~أخبر عما يفعله لأنا لا نأمن أن يأتي بعد ذلك استثناء يدل على أنه أراد ~~المجاز وهذا يؤدى إلى ما قدمناه من أن لا يفهم بالكلام شئ أصلا وذلك فاسد. # على أن الذي ذكروه لو حسن تأخير الاستثناء لحسن تأخير خبر المبتدأ (3) ~~مثلا أن يقول القائل اليوم: (زيد) ويقول غدا: (قائم) ويقرن به من الكلام ما ~~يدل على أنه متعلق بما تكلم به أمس. # فان ارتكبوا ذلك كان قبحه معلوما وان راموا الفصل لم يجدوه. # وإذا ثبت ما قلناه عن وجوب اتصاله بالكلام فمن حقه أن يخرج من الكلام ما ~~لولاه لوجب دخوله تحته وقد دللنا على ذلك في باب (ان (4) العموم له صيغة ~~بما بيناه من أن الاستثناء في الاعداد يفيد ذلك فينبغي ان يكون ذلك حقيقة ~~واستوفينا الكلام فيه. # فاما استثناء الأكثر من اللفظ والأقل: # فذهب أكثر المحصلين من المتكلمين والفقهاء وأهل اللغة إلى أن استثناء # PageV01P315 # الأكثر من اللفظ يجوز (1). # وقال بعضهم: انه انما يحسن استثناء الأقل فاما استثناء الأكثر فلا يجوز ~~لان ذلك لم يوجد مستعملا (2) والذي يدل على صحة ذلك: # ان الاستثناء تخصيص للكلام الأول فكما يجوز أن يخصص اللفظ أو يخرج منه ~~الأكثر فكذلك حكم الاستثناء لأنه ms167 بعض أدلة التخصيص. # وأيضا: إذا كان من حقه ان يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلا ~~فرق بين أن يخرج الأكثر والأقل في أنه على حد واحد. # فاما قول من خالف في ذلك لم يستعمل (3) فلا يبطل ما قلناه لأنه ليس كلما ~~قل استعماله لم يحسن ولو لزم ذلك للزم أن لا يحسن استثناء النصف من الكلام ~~وما يقارب النصف لان ذلك أيضا غير مستعمل وذلك لا خلاف في جوازه. # واما (4) الاستثناء من غير الجنس فلا يمكن دفع استعماله لأنهم قالوا: (ما ~~في الدار أحد الا وتد) وقالوا: وبلدة ليس بها أنيس * الا اليعافير والا ~~العيس (5) # PageV01P316 # و (وتد) ليس من أحد ولا (اليعافير) من جملة الأنيس وغير ذلك. # غير أنه وان كان مستعملا فإنه مجاز وذهب قوم إلى أنه حقيقة (1). # والذي يدل على ما قلنا: انا قد بينا ان من حق الاستثناء أن يخرج من ~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ونحن نعلم أن القائل لو قال: (ما في الدار ~~أحد) ولم يستثن لم يفهم من ذلك الا نفي العقلاء ولا يفهم منه نفي الأوتاد ~~فإذا قال: (الا وتد) فينبغي الا يكون استثناء حقيقة وتكون مجازا لأنه لم ~~يدخل في الكلام الأول (2) * وكذلك لو قال: (وبلدة ليس بها أنيس) وسكت لم ~~يفهم من ذلك الا أنه ليس بها انسان ولم يفهم من ذلك أنه ليس بها بهائم. ~~فكذلك إذا قال: (الا اليعافير والا العيس) يجب أن يكون مجازا وانما حسن ~~عندهم هذا النوع من الاستثناء لأنه فيه معنى من الكلام الأول لأنه إذا قال: ~~(ما في الدار أحد) أفاد انه ليس فيها أحد ثابت فلما كان الوتد ثابتا في ~~الدار حسن أن يستثنى من الثبوت لا من لفظ أحد. # PageV01P317 # وكذلك قالوا في قولهم: (وبلدة ليس بها أنيس) انه نفى كون الناس مقيمين ~~فيها فلما كانت اليعافير والعيس مقيمة فيها حسن أن يستثنيهما من الإقامة. # وقال قوم: انه لم يرد بالأنيس الناس وانما أراد ما يؤنس به ويسكن إليه ms168 ~~ولما كانت اليعافير والعيس مما يسكن إليها على بعض الوجوه ويستأنس بها حسن ~~أن يستثنى منها وعلى هذا الوجه فالاستثناء ما وقع الا من جنسه. # فاما قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون الا إبليس﴾ (١) فقد قيل فيه وجهان: # أحدهما: ان إبليس كان من جملة الملائكة (٢) * الا انه عصى بترك السجود ~~فحسن أن يستثنيه من جملة الملائكة هذا على مذهب من جوز على جنس الملائكة ~~المعاصي. # ومن لم يجوز ذلك عليهم قال: انما استثناه لأنه كان أيضا مأمورا بالسجود ~~كما أنهم كانوا مأمورين كذلك فاستثناه من جملة المأمورين لا من جملة ~~الملائكة ويكون ذلك حملا على (٣) * المعنى (٤). # والوجهان جميعا قريبان. # فاما قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا الا خطأ﴾ (5) فقد قيل فيه: ان المؤمن لا يقتله الا خطأ لأنه لو ~~قتله متعمدا لم يكن مؤمنا لان الفسق يخرج من اطلاق اسم الايمان عليه. # PageV01P318 # ومن قال: الفسق (١) لا يخرج من الايمان قال: قوله (الا خطأ) معناه بمعنى ~~لكنه ان قتل خطأ كان حكمه كذا وكذا (٢). # وكذلك قوله: ﴿لا عاصم اليوم من امر الله ~~الا من رحم﴾ (3) منقطع عن الأول لان (من رحم) معصوم وليس بعاصم يدخل في ~~الكلام الأول. # فاما من خالف في ذلك وحمل الاستثناء على الاقرار وقال: كما يحسن أن ~~يستثنى في الاقرار (4) * من غير جنس ما أقر به فكذلك في الاخبار وغيرها ~~(5). # فقوله يبطل لان هذا طريقة القياس وليس يجوز أن تثبت اللغة واحكام ألفاظها ~~بالقياس. # ثم الصحيح في الاقرار ما نقوله في الاستثناء انه لا يحسن أن يستثنى فيه ~~من غير جنسه فان دل دليل من اجماع وغيره على خلافه حكمنا بجوازه وعلمنا انه ~~استثناء منقطع كما قلناه فيما تقدم من الألفاظ. # فاما إذا تعقب جملا كثيرة فإلى أيها ترجع؟ فسنذكره في باب مفرد انشاء ~~الله وحده. # PageV01P319 # فصل NoteV01P320N08 (في أن الاستثناء إذا تعقب جملا كثيرة هل يرجع إلى ~~جميعها أو ms169 إلى ما يليه؟ (1)) ذهب الشافعي وأصحابه إلى الاستثناء إذا تعقب ~~جملا كثيرة وكان يصح # PageV01P320 # أن يرجع إلى كل واحدة منها بانفرادها يجب أن يرجع إليها كلها (1). # وذهب أبو الحسن الكرخي وأكثر أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يرجع إلى ما يليه ~~من المذكور (1). # وقال سيدنا المرتضى رحمه الله (2): انه يرجع إلى ما يليه قطعا ويجوز مع ~~ذلك رجوعه إلى ما تقدمها من الجمل ويقف ذلك على البيان (3). # ويقوى في نفسي المذهب الأول والذي يدل على ذلك: # ان الكلام إذا عطف بعضه على بعض بالواو الموضوعة للجمع صار كأنه مذكور ~~بلفظ واحد الا ترى انه لا فرق بين أن يقول القائل: (رأيت زيدا وعمرا ~~وخالدا) وبين # PageV01P321 # أن يقول. (رأيتهم) بلفظ يشملهم فإذا صح ذلك فالاستثناء لو ذكر عقيب ~~الجملة المتناولة لجميعهم كان متعلقا بهم فكذلك إذا ذكر عقيب الجمل المعطوف ~~بعضها على بعض لأنها في حكم الجملة الواحدة. # ويدل أيضا على ذلك: ان الشرط إذا تعقب جملا كثيرة ولا خلاف في أنه يرجع ~~إلى جميعها والعلة الجامعة بينهما ان كل واحد منهما لا يستقل بنفسه ويحتاج ~~إلى تعليقه بغيره ليفيد فلما اتفقا في هذا الحكم وجب اتفاقهما في وجوب رجوع ~~كل واحد منهما إلى ما تقدم. # فان قيل: انما وجب ذلك في الشرط لان له صدر الكلام فهو وان ذكر اخر ~~الكلام فكأنه مذكور (1) في أوله فالجمل كلها معطوفة عليه وهو داخل عليها ~~ووجب تعلقه بها كلها فكذلك (2) حكمه إذا تأخر. # قيل لهم: لا نسلم ان له صدر الكلام حتى لا يجوز أن يؤخر بل الموجود ~~بخلافه وانما يستعمل تارة في صدر الكلام وتارة في آخره وليس مخالفته ~~للاستثناء في جواز تقدمه بموجب مخالفته في كل وجه الا ترى انه قد خالف ~~الاستثناء أيضا في أنه لا يدخل الا على أفعال مستقبلة أو ما يقدر فيها ~~الاستقبال وليس كذلك الاستثناء فإنه يدخل على ما كان ماضيا أو مستقبلا أو ~~يكون اسما وليس فيه معنى الفعل أصلا وكل ذلك لا يصح في الشرط ms170 ولم يجب بذلك ~~أن يكون (3) حكم الاستثناء حكمه فكذلك فيما قلناه. # ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: ان الاستثناء بمشية الله (4) * إذا تعقب ~~جملا كثيرة وجب رجوعه إلى جميعها فكذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء الاخر ~~مثله والعلة الجامعة بينهما قدمناها من افتقار كل واحد منهما إلى ما يتعلق ~~به وكونه غير # PageV01P322 # مستقل بنفسه. # واستدل من خالف على صحة ما ذهب إليه بان قال: # ان الاستثناء انما وجب تعليقه بما تقدم لأنه لا يستقل بنفسه ولو استقل ~~بنفسه لما وجب ذلك فيه فإذا علقناه بما يليه فقد أفاد واستقل بنفسه فلا ~~معنى لرده إلى جميع ما تقدم (1) *. # والجواب عن ذلك: ان هذا أولا ينتقض بالشرط والاستثناء بمشيئة الله لأنهما ~~انما علقا بما تقدم لأنهما لا يستقلان بأنفسهما ومع هذا لا يجب تعليقهما ~~بما يليهما فحسب دون ما تقدم فكذلك (2) القول في الاستثناء. # ثم إذا وجب تعليقه بما تقدم لكونه غير مستقل بنفسه فلم صار (3) * بان ~~يعلق بما يليه من أن يعلق بما قبله؟ وإذا لم يكن هناك ما يخصصه بما يليه ~~وجب تعليقه بجميع ما تقدم لفقد الاختصاص. # واستدلوا أيضا بان قالوا: قد ثبت ان الاستثناء من الاستثناء لا يرجع إلا ~~إلى ما يليه ولا يرجع إلى الجملة الأولى فكذلك القول في الجمل الكثيرة يجب ~~أن يكون حكمه ذلك الحكم في رجوعه إلى ما يليه. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: انا انما أوجبنا في الجمل الكثيرة أن يرجع إلى جميعها لما كانت ~~معطوفة بعضها على بعض بواو العطف التي يوجب الاشتراك ويصير الجمل الكثيرة ~~في حكم الجملة الواحدة على ما بيناه وليس هذا موجودا في الاستثناء من ~~الاستثناء لأنه ليس هناك ما يوجب اشتراك الجملة الثانية للجملة الأولى فلا ~~يجب أن يرجع إلى الجملة الأولى. # PageV01P323 # والثاني: انه إنما لم يحسن ذلك لأنه لا يفيد شيئا لان القائل إذا قال: ~~(لزيد عندي عشرة الا ثلاثة) فقد أقر له بالسبعة فإذا قال بعد ذلك: (الا ~~واحدا) فان رددناه إلى الجملتين معا ms171 لكان يجب ان ينقص من الثلاثة واحدا ~~فيصير المستثنى منه ثمانية وكان يجب ان ينقص من الجملة الأولى أيضا واحدا ~~فيرجع إلى السبعة فلا يفيد الا ما أفاد الاستثناء الأول ولا يكون لدخول ~~الاستثناء الثاني فائدة. # قلنا (1): انه لابد أن يكون استثناء من الجملة التي يليها فيصير اقرارا ~~بالثمانية ويكون ذلك مفيدا. # وليس لاحد ان يقول: هلا رددتموه إلى الجملة الأولى فحسب وجعلتم كأنه أقر ~~بستة. # وذلك أن هذا لم يعتبره أحد لان أحدا لم يقل: انه يرجع إلى ما تقدم ولا ~~يرجع إلى ما يليه ومع امكان أن يرجع إليه لان الناس بين قائلين: قائل يقول: ~~انه يرجع إلى ما يليه وهو مقصور عليه وقائل يقول: يرجع إليهما وليس هاهنا ~~من يقول: انه يرجع إلى ما تقدم ولا يرجع إلى ما يليه وذلك باطل بالاتفاق. # ولأن ذلك لو كان مردودا إليها لوجب دخول واو العطف (2) * فيه فيقول: (له ~~عندي عشرة الا ثلاثة والا واحدا) حتى يكون اقرارا بالستة. # وقد أجاب بعض من نصر المذهب الذي اخترناه عن شبهة الاستثناء من الاستثناء ~~بأن قال (3): الاستثناء من الايجاب نفى ومن النفي ايجاب ومحال أن يكون الشئ ~~الواحد مثبتا ومنفيا. # وهذا ليس بصحيح وذلك أن المحال هو أن ينفى الشئ عن الحد الذي # PageV01P324 # أثبت وذلك ليس بموجود هاهنا لان الاستثناء من الجملة الأولى التي هي ~~مثبتة نفى والاستثناء من الجملة المنفية اثبات وهما جملتان متباينتان فلا ~~تنافى بين ذلك فيهما. # والمعتمد ما قلناه من الوجهين (1). # وقد استدل كل واحد من الفريقين (2) بأشياء وجدوها موافقة لما يذهبون إليه ~~اما من رجوع الاستثناء إلى ما يليه أو رجوعه إلى جميع ما تقدم. # [و] لا يمكن الاعتماد عليها لان لقائل أن يقول: ان ذلك انما علم بدليل ~~اخر غير الوجود فالمعول على الوجود (3) * لا يمكن لأنه يعارض الوجود لمخالف ~~له وهذه شبهة من خالف وقال بالوقف في ذلك على ما قلناه فعلم بذلك ان المعول ~~على ما قلناه. # PageV01P325 # فصل NoteV01P326N0٩ (في ذكر جملة من احكام ms172 الشرط وتخصيص العموم به) (١) ~~اعلم أن من حكم (٢) * الشرط الا يدخل الا على المنتظر اما لفظا أو تقديرا ~~لان ما وجد مما قد قضى أو وجد في الحال لا يصح دخول الشرط فيه. # ومن حقه أن يخص المشروط الا أن يقوم دليل على أنه دخل للتأكيد (٣) فيحمل ~~عليه ويخرج في المعنى من أن يكون شرطا. # فاما ما يخص للشروط فنحو قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا﴾ (٤) ونحو قوله: ﴿فمن لم يستطع فاطعام ستين ~~مسكينا﴾ (5). # ولا فرق بين أن يكون الشرط متقدما أو متأخرا في أنه يخصص المشروط. # PageV01P326 # وذهب النحويون إلى أنه متى تأخر فالمراد به المتقدم لان له صدر الكلام. # ويقوى في نفسي انه لا فرق بين تقدمه وتأخره ولا يمتنع أن يجعل الشرط ~~الواحد شرطا في أشياء كثيرة كما لا يمتنع أن يكون الشرط الواحد مشروطا ~~بشروط كثيرة وذلك مثل قول القائل: (من دخل داري واكل طعامي وشرب شرابي فله ~~درهم) فإنه يستحق الدرهم إذا دخل الدار واكل وشرب فاما بواحد منها فلا ~~يستحق ذلك. # وكذلك يصح أن يقول: (ان دخلت الدار فلك خلعة ودراهم وطعام) فإنه متى دخل ~~استحق جميع ذلك. # فتارة يكون الشرط واحد والمشروط أشياء وتارة يكون الشرط أشياء والمشروط ~~واحد وكل ذلك جائز. # وقد الحق بهذا الباب تعليق الحكم بغاية لأنها تصير بمنزلة الشرط في ثبوت ~~ذلك أو نفيه وذلك نحو قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (١) لأنه جعل تعالى نفى ~~التطهير شرطا في حظر قربهن ووجوده مبيحا لذلك. # ونحو قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر) إلى قوله: ~~﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون﴾ (٢) فجعل اعطاء الجزية حدا يجب عنده الكف عن قتالهم وزواله ~~شرطا في ثبوت القتل. # وكذلك قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (3) فجعل طلوع الفجر ~~حدا ms173 يجب عنه الكف عن الطعام والشراب لمن أراد الصوم وعدمه مبيحا لذلك. # ونظائر ذلك كثيرة. # PageV01P327 # وقد يجعل للحكم الواحد غايتان وأكثر وقد يجعل غاية واحدة لاحكام كثيرة ~~كما قلناه في الشرط سواء. # والشرط والغاية جميعا يدخلان في جميع احكام الافعال من واجب وندب ومباح ~~فينبغي أن يجرى الكلام على ما قلناه (إن شاء الله تعالى) (1). # PageV01P328 # فصل NoteV01P329N١٠ (في ذكر الكلام في المطلق والمقيد) التقييد يخص العام ~~ويخص المطلق الذي ليس بعام فمثاله تخصيصه للعام قول القائل: (من دخل داري ~~راكبا أكرمته) و (لقيت الرجل الاشراف). # فقوله: (راكبا) خص لفظة (من) لأنه لو لم يذكره لوجب عليه اكرام كل من ~~يدخل داره سواء كان راكبا أو ماشيا وكذلك لو لم يقيد لفظة (الرجال) ~~بالاشراف لكان متناولا لجميع الرجال سواء كانوا أشرافا أو غير اشراف. # وأما تخصيصه المطلق وان لم يكن عاما فمثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (١). # فقوله: (مؤمنة) قد خص (رقبة) لأنه لو لم يكن يذكر ذلك لكان يجوز تحرير أي ~~رقبة كانت سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة. # وكذلك قوله: ﴿شهرين متتابعين﴾ (2) ~~لأنه لو لم يذكر ذلك لكان يجوز متتابعين وغير متتابعين. # PageV01P329 # والتقييد (1) لا يخلوا من أن يكون متصلا بالمطلق أو منفصلا منه (2) *. # فان كان متصلا فلا خلاف في أنه يخص المطلق. # وإذا كان منفصلا فلا يخلو من أن يكون ما أطلق في موضع هو بعينه (3) * ~~الذي قيد في موضع اخر أو غيره. # فان كان هو هو بعينه فلا خلاف أيضا في أنه يجب تخصيصه به. # وان كان غيره فلا يخلو من أن يكون من جنسه أو من غير جنسه. # فإن كان من غير جنسه فلا خلاف أيضا في أنه لا يجب تخصيصه به وأنه ينبغي ~~أن يحمل المطلق على اطلاقه ويحمل المقيد على تقييده ومثال (4) ذلك أن يرد ~~تحرير الرقبة مقيدا بالايمان في كفارة قتل الخطأ ويرد مطلقا في باب النذر ~~أو # PageV01P330 # العتق المتبرع به فان كل واحد ms174 منهما ينبغي أن يحمل على ظاهره على ما ~~بيناه. # وان كان من جنسه فلا يخلو من أن يكون من جنسه في موضع اخر مقيدا فحسب أو ~~يكون في موضع مقيدا وفي موضع اخر مطلقا. # فان وجد من جنسه مطلقا ومقيدا في موضعين فلا خلاف أيضا في أنه لا ينبغي ~~حمله على أحدهما لأنه ليس أن يقيد لأجل ما قيد من جنسه بأولى من أن يحمل ما ~~على اطلاقه لاطلاق ما أطلق من جنسه ومثاله صوم كفارة اليمين. # قالوا: ليس أن يحمل على ما شرط فيه التتابع من كفارة الظهار بأولى من أن ~~يحمل على ما شرط فيه التفريق من صوم المتمتع (1) * ويجب أن يترك على ظاهره. # وان كان من جنسه ما هو مقيد فحسب نحو اطلاق الله تعالى الرقبة في الظهار ~~وتقييده لها بالايمان في كفارة قتل الخطأ فاختلف العلماء في ذلك: # فمنهم من قال: ان المطلق على اطلاقه لا يؤثر تقييد المقيد فيه وهو مذهب ~~أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. # ومنهم من قال: ان المطلق يصير مقيدا لتقييده ما قيد من جنسه واختلفوا: # فمنهم من قال: يجب حمل المطلق على المقيد لغة وعرفا ولا يحتاج إلى قياس. # ومنهم من قال: ان اللغة لا تقتضي ذلك وانما يحمل عليه قياسا وهو قول ~~جماعة من أصحاب الشافعي. # ومن ذهب إلى القول الأول (2) اختلفوا. # فمنهم من قال: المطلق لا يجوز أن يقيد بأن يقاس على المقيد قالوا: لان ~~ذلك يقتضى زيادة في النص وذلك نسخ ولا يصح النسخ بالقياس وهو المحكى عن # PageV01P331 # المتقدمين من أصحاب أبي حنيفة وعن أبي الحسن. # ومنهم من قال: انه لا يجوز (1) أن يقيد ثم اختلفوا. # فمنهم من قال: يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه. # ومنهم من قال: انه يقتضى الزيادة فيه وجوز الزيادة بالقياس ولم يعده نسخا ~~فهذه جمله الخلاف فيه (2) والوفاق. # والذي اذهب إليه: انه ينبغي أن يحمل المطلق على اطلاقه والمقيد على ~~تقييده ولا يخص أحدهما بالآخر. # وانما قلت ذلك لان حمل أحدهما على ms175 الاخر قياسا انما يسوغ ذلك لمن جوز ~~العمل به فاما على ما نذهب إليه في المنع منه وحظر استعماله فلا يجوز لا في ~~هذا الموضع ولا في غيره. # واما حمل المطلق على المقيد من غير قياس فبعيد والذي يدل على ذلك أن من ~~حق الكلام ان يحمل على ظاهره الا أن يمنع منه مانع وإذا كان المقيد غير ~~المطلق وهما حكمان مختلفان (3) * فكيف يؤثر أحدهما في الاخر؟ # فان قالوا: لان الله تعالى انما أطلق الشهادة في موضع (4) وقيدها ~~بالعدالة في موضع اخر عقل من ذلك تقييدها بالعدالة في الموضع الذي أطلقها ~~فيه فيجب أن يجعل ذلك عبرة في أمثاله. # قيل لهم: ان المطلق من الشهادة انما قيد بالعدالة لدليل دل على ذلك من ~~اجماع أو غيره ولم يجعل بالعدالة شرطا في الشهادة لأنها قيدت في موضع اخر # PageV01P332 # بالعدالة فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة ونحن لو خلينا والظاهر لما قيدنا ~~الشهادة المطلقة وتركناها على اطلاقها. # فان قالوا: القران كله كالكلمة الواحدة وقد روى ذلك عن أمير المؤمنين ~~عليه السلام فيجب أن يكون المقيد وان انفصل من المطلق فكأنه متصل به ويصير ~~ذلك بمنزلة قوله: ﴿والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات﴾ (١) انه مقيد بما تقدم كأنه قال: (والذاكرات الله كثيرا). # قيل لهم: إذا سلمنا ما ذكرته لم يجب ما ذهبت إليه لان المطلق والمقيد لو ~~افترقا لما وجب تقييد المقيد إذا كانا حكمين مختلفين. # يدل على ذلك أنه لو قال: ﴿من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٢) ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون ~~لما قالوا فتحرير رقبة﴾ (3) لما وجب أن يكون الثانية مقيدة لأجل كون ~~الأولى مقيدة فالتعليق بقولهم: ان القران كالكلمة الواحدة لا معنى له. # فاما قوله تعالى: (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) انما حملناه على ~~الأول لأنه لا يستقل بنفسه ولا يفيد شيئا وانما حذف منه لفظ (الله) لدلالة ~~الأول عليه اختصارا. وليس كذلك المطلق لأنه مفيد ومستقل ms176 بنفسه فلا يحتاج ~~إلى حمله على المقيد بل ترك على حاله. # على أنه يلزم من خالف فيما قلناه وجوز تخصيص المطلق لمكان المقيد ان يزيد ~~في كفارة القتل الاطعام لما كان ذلك ثابتا في كفارة الظهار وفي التيمم مسح ~~الرأس والرجلين لما كان ذلك ثابتا في الوضوء وغير ذلك من المواضع وذلك لا ~~يرتكبه أحد. # فاما من حمل أحدهما على الاخر قياسا فعلى مذهب من أوجب القياس # PageV01P333 # قوله أولى من قول من منع من ذلك. # وانما قلنا ذلك لان (الرقبة) المطلقة وان كانت من جهة اللفظ ليست عامة ~~فهي في المعنى عامة لأنها تقتضي دخول جميع الرقاب (١) فيه فإذا علم بالقياس ~~ان من شرطها أن تكون مؤمنة عند من قال بالقياس صار المجزى منها أقل مما كان ~~يقتضيه اطلاقها فصار تخصيصا من هذا الوجه فينبغي أن يسوغ استعمال القياس ~~فيه. # وليس لهم أن يقولوا: ان ذلك زيادة لا تخصيص لان المعقول من (الرقبة) هو ~~الشخص دون الايمان فإذا شرط فيه الايمان فقد شرط فيها ما لا يقتضيه لفظها ~~ومن حق التخصيص أن يكون متناولا لما يتناوله لفظ المخصوص فيجب أن يكون ~~زيادة وذلك أن الايمان وان لم يعقل من (الرقبة) فقد عقل منها المؤمنة ~~والكافرة التي كانت معقولة من الكلام لولا هذا التقييد فصح (٢) ان ذلك ~~تخصيص لا زيادة. # وقد يكون التخصيص على ضروب: # أحدها: أن يكون التخصيص بلفظ المخصوص منه نحو قول القائل: (رأيت الزيدين ~~إلا زيد بن خالد) وما شاكل ذلك. # وقد يكون بخلاف لفظ المخصوص منه وما يتناوله داخل تحت المخصوص منه لفظا ~~نحو قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم الف سنة ~~إلا خمسين عاما﴾ (3). # وقد يكون التخصيص بأن يعلم أن اللفظ يتناول جنسا من غير اعتبار صفته ويخص ~~بعد ذلك بذكر صفة من صفاته نحو قول القائل: (تصدق بالورق إذا كان صحاحا) ~~ويستثنى منه ما ليس بصحاح. # وان كان اللفظ الأول لم يتناول ذلك على التفصيل وقد علم أن الرقبة إذا ~~ذكرت منكرة ms177 لم تختص عينا دون عين فصح تخصيص الكافرة منها وتخصيص ذلك قد ~~يكون بان يقترن إلى الرقبة صفة تقتضي اخراج الكافرة وقد يكون باستثناء # PageV01P334 # الكافرة فلا فصل بين قوله عز وجل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (1) وبين قوله: (الا أن تكون ~~كافرة) وهذا بين. # ولو سلم ان ذلك زيادة لكان لا يمتنع ان يقال به قياسا عند من قال به إذا ~~لم يكن نسخا وليس كل الزيادة (2) * في النص تكون نسخا على ما نبينه في باب ~~الناسخ والمنسوخ وهذه الزيادة مما لا توجب نسخا على ما نبينه. # وقد الزم القائلون بتقييد المطلق قياسا ما ألزمنا من قال ذلك من غير قياس ~~من ايجاب مسح الرأس في التيمم والاطعام في كفارة قتل الخطأ. # وأجابوا عن ذلك بجوابين: # أحدهما: ان ذلك كان جائزا لكنه منع الاجماع منه. # وهذا انما يصح على مذهب من أجاز تخصيص العلة فاما من لم يجز ذلك فلا ~~يمكنه هذا الجواب. # والجواب الثاني: قالوا القياس انما يصح أن يستعمل في اثبات صفة الحكم ~~وتقييده لا في اثبات نفس الحكم لان اثبات عدد الشهود بالقياس لا يجوز وان ~~جاز اثبات عدالتهم قياسا. # واعترض هذا الجواب بان قالوا: ان الامرين واحد في جواز القول بهما قياسا ~~وقد استعمل الشافعي القياس (3) في اثبات عبادات نحو اثبات الصوم بدلا من ~~هدي المحصر وغير ذلك كما استعمله في التقييد وفي اثبات الصفات فلا يمكنه أن ~~ينكر هذا على مذهبه. # فالتعليق بما قالوه بعيد والأولى ما قالوه أولا. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P335 # فصل NoteV01P336N11 (في ذكر ما يدل على تخصيص العموم من الأدلة المنفصلة ~~إلى توجب العلم) (1) تخصيص العموم بأدلة العقل والكتاب والسنة والاجماع ~~صحيح وافعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحيح. # PageV01P336 # وذهب بعضهم إلى أن تخصيص العموم لا يقع بأدلة العقل (١). # والذي يدل على صحة المذهب الأول ان هذه الأدلة التي ذكرناها إذا كانت ~~موجبة للعلم ومقتضية له وجب تخصيص العموم بها والا تناقصت الأدلة وذلك لا ms178 ~~يجوز [و] لهذه الجملة خصصنا قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ (٢) وحملناه على العقلاء ~~لما دل دليل العقل على أن الأطفال (٣) * والمجانين ومن لا عقل له لا يحسن ~~تكليفه. # وكذلك خصصنا قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شئ﴾ (٤) وقلنا: ان المراد به أفعال ~~نفسه لما دل الدليل على أن الواحد منا فاعل ومحدث. # ويدل على ذلك أيضا: ان ظاهر الكتاب وحقيقته يترك إلى المجاز لدليل العقل ~~كما تركنا ظاهر قوله: ﴿وجاء ربك﴾ ~~(٥) وقوله: ﴿هل ينظرون الا أن ~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (6) وقلنا: ان المراد به امر ربك وامر ~~الله لما دل دليل العقل على أن المجيئ لا يجوز على الله. # PageV01P337 # وإذا ثبت ذلك وقد دللنا (1) على أن العموم إذا خص كان مجازا فينبغي أن ~~يجوز ذلك بأدلة العقل لان غاية ما في ذلك أن يترك حقيقة إلى المجاز. # فان قالوا: دليل العقل يجب تقدمه على الكتاب وما هذا حكمه لا يجوز أن يخص ~~به العموم لان ما يقتضى الخصوص يجب أن يكون مقارنا له. # قيل لهم: نحن قد بينا ان الذي يخص العموم هو قصد المخاطب إلى بعض ما ~~تناوله اللفظ وذلك مقارن لحال (2) الخطاب وأدلة العقل انما يتوصل بها إلى ~~معرفة القصد الذي وقع التخصيص به وعلى هذا يسقط هذا السؤال. # وليس لهم أن يقولوا: ان دليل العقل وان دل على قصد فقد تقدمه وذلك لا ~~يجوز (وذلك) (3) أن الذي أنكروه جائز عندنا غير منكر لان الدليل (4) كما ~~يتأخر ويقارن تارة كذلك قد يتقدم على بعض الوجوه فاستبعاد ذلك لا معنى له. # ولأجل ما قلناه علمنا بالعقل ان الله تعالى يثيب المؤمن على طاعته ويعوضه ~~على آلامه وان كان ذلك متقدما له. # ثم يقال لمن خالف في ذلك: ليس يخلو من أن يحملوا قوله تعالى: (يا أيها ~~الناس) على عمومه وشموله حتى يحمله على العقلاء وغير ms179 العقلاء أو يحمله على ~~العقلاء. # فان قال: أحمله على جميعهم ظهر بطلان قوله بما دل الدليل على خلافه. # وان قال: أحمله على العقلاء خاصة غير انى لا اسمى ذلك تخصيصا كان ذلك ~~خلافا في عبارة لا يعتبر بها. ومن الناس من قال (5): أن عموم الكتاب يترتب ~~على أدلة العقل فلا يصح ان # PageV01P338 # يقال انه يخص به وجوز تخصيصه بالكتاب وان تقدمه. # وهذا غير صحيح لان الغرض بقولنا: انه مخصوص بالكتاب هو انه قد دل على أن ~~المراد به الخصوص ولدليل العقل هذا الحظ فكيف لا يقال انه مخصوص به؟ # فان قالوا: لو جاز تخصيص العموم بدليل العقل جاز نسخه بدليل العقل فلما ~~اتفقنا على أن النسخ لا يجوز أن يقع به كان العموم مثله. # قيل لهم: معنى النسخ (١) * يصح عندنا بأدلة العقل لكنه لا يسمى نسخا يدل ~~على ذلك أن الله تعالى إذا امر المكلف بفعل ثم عجز عنه المكلف علمنا أنه قد ~~سقط عنه فرضه كما أنه لو نهاه عنه في أنه يسقط فرضه عنه فمعنى النسخ حاصل ~~لكنه منع من اطلاق هذه التسمية لان حد النسخ ليس بحاصل فيه على ما سنبينه ~~فيما بعد ويسمى تخصيصا لان فائدة التخصيص حاصلة ولا مانع يمنع من اطلاقه. # اما تخصيص الكتاب بالكتاب فيدل على صحته ما دل على صحة تخصيصه بأدلة ~~العقل سواء. # فاما أمثلته فأكثر من أن تحصى نحو قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٢) وقوله: # ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ ~~(٣) ثم قال في موضع اخر: ﴿حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٤) فخص بذلك (٥) * من عدا أهل الكتاب. # ونحو قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات ~~حتى يؤمن﴾ (6) فخص من ذلك (7) * # PageV01P339 # بعضهم في نكاح الدوام عند من خالفنا وعندنا في نكاح المتعة وملك اليمين. # ونحو قوله أيضا: ﴿وأولات الأحمال ~~أجلهن ان يضعن حملهن﴾ (١) فخص بهذا الحكم المطلقات ms180 عندنا وعند بعض ~~الفقهاء خص الآية الأولى بمن عد الحوامل من النساء وله نظائر كثيرة ولو لم ~~يرد له نظير لكنا نعلم أن ذلك جائز لما قدمناه من الدليل. # وليس لاحد أن يقول: ان الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ~~يبين للناس ما نزل إليهم فلا يجوز أن يثبت لغيره (٢). # وذلك أن هذا يسقط من وجهين: # أحدهما: انه ليس في وصفه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يبين للناس ~~ما يمنع من أن يبين هو أيضا بعض كلامه ببعض. # والثاني: انه كما وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا فلا وجه يوجب ~~كون السنة تبيانا للكتاب ومخصصا له الا وهو بعينه يوجب كون الكتاب تبيانا ~~له ومخصصا. # فاما تخصيص الكتاب بالسنة فلا خلاف فيه بين أهل العلم (٣) وقد وقع منه ~~أيضا في مواضع كثيرة لان الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ (4) وقال: # PageV01P340 # ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان﴾ (1) ~~وغير ذلك من آيات المواريث وخصصنا من ذلك القاتل والكافر بقول النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم: (لا يرث القاتل) (2) (ولا يتوارث أهل ملتين) (3) وغير ~~ذلك. # فاما تخصيص بعض السنة ببعض: أيضا جائز لمثل ما قدمناه من الأدلة وقد وجد ~~أيضا في مواضع لا تحصى كثيرة. # وفي الناس من أنكر ذلك وقال: ان الله تعالى جعله صلى الله عليه وآله وسلم ~~مبينا فلا يجوز أن يكون قوله يحتاج إلى بيان فأوجب فيه التعارض وأبطله (4). # وهذا خطأ لان حال السنة مع السنة حال الكتاب مع الكتاب وكونه صلى الله ~~عليه وآله وسلم مبينا يقتضى جواز أن يبين سنته كما يقتضى جواز أن يبين ~~الكتاب وكما لم يمنع ذلك من أن يبين أحكاما مبتدأة فكذلك لا يمنع من أن ~~يبين سنة يحتاج إلى أن يبينها بسنة أخرى. # فاما (5) تخصيص الكتاب بالاجماع (6): فيصحح أيضا لمثل ما قدمناه من ~~الأدلة وقد وقع أيضا في مواضع كثيرة نحو اتفاقهم على ms181 أن العبد لا يرث فخص ~~بذلك اية المواريث ونحو اجماعهم على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد فخص به ~~قوله # PageV01P341 # تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ (1) ~~وغير ذلك. # واما تخصيص الكتاب بأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فصحيح أيضا لان ~~الدليل قد دل على أن فعله كقوله في وجوب الرجوع إليه في معرفة الاحكام فإذا ~~ورد الكتاب بتحريم أشياء ثم وجدناه عليه السلام فاعلا لبعضها علمنا بفعله ~~خصوص الكتاب ولذلك خص قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة) برجمه عليه السلام ماعزا (2). # وتخصيص قوله عليه السلام بفعله صحيح أيضا لمثل ما قلناه وسندل فيما بعد ~~على أن فعله ليس بمقصور عليه وانه كقوله وصحة ذلك يقتضى جواز التخصيص به. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب. # PageV01P342 # فصل NoteV01P343N12 (في ذكر تخصيص العموم باخبار الآحاد) اعلم أن من قال ~~إن خبر الواحد لا يجوز العمل (1) به فقوله خارج عن هذا الباب وانما الخلاف ~~في ذلك من أوجب العمل به (2). # واختلف القائلون باخبار الآحاد في اثبات الاحكام في هذه المسألة: # منهم: من أجاز تخصيص العموم بها على كل حال ما لم يمنع من ذلك مانع وهو ~~مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو الظاهر عن الشافعي وأصحابه وعن أبي ~~الحسين (3) وغيرهما (4). # PageV01P343 # ومنهم من قال: يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذا كان قد خص لأنه قد صار مجملا ~~ومجازا وإذا لم يدخله التخصيص لا يجوز أن يخص بها (1) وهو مذهب عيسى بن ~~ابان (2). # ومنهم من قال: إذا خص العموم بدليل متصل مثل الاستثناء وما جرى مجراه لم ~~يجز تخصيص العموم به لان ذلك حقيقة - على ما حكيناه فيما تقدم (3) - وإذا ~~خص بدليل منفصل جاز تخصيصه باخبار الآحاد لأنه قد صار مجازا (4). # والذي أذهب إليه: أنه لا يجوز تخصيص العموم بها على كل حال سواء خص أو لم ~~يخص بدليل متصل أو منفصل وكيف كان والذي يدل على ذلك: # ان عموم القرآن يوجب العلم وخبر الواحد يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن ms182 يترك ~~العلم للظن على حال فوجب لذلك أن لا يخص العموم به. # فان قيل: إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد كان وجوب # PageV01P344 # التخصيص معلوما (1) - وان كان نفس الخبر مظنونا - ويجرى ذلك مجرى قيام ~~الدلالة على وجوب التنفيذ الحكم عند الشهادة وان كانت الشهادة غير معلومة ~~وكذلك إذا ظن كون القبلة في جهة من الجهات وجب علينا التوجه إليها وان كان ~~ذلك معلوما وان كان كون القبلة فيها مظنونا فما المنكر من أن يكون خبر ~~الواحد مع العموم يجرى هذا المجرى. # والجواب عن ذلك: أن السائل عن هذا السؤال لا يخلو من أن يكون مخالفا لنا ~~في الأصول أو موافقا: # فان كان مخالفا فلا يصح له هذا السؤال لأنه تضمن قيام الدلالة على وجوب ~~العمل بخبر الواحد ونحن قد أفسدنا سائر ما يدعيه مخالفونا من الأدلة على ~~وجوب العمل بخبر الواحد (2) فإذا فسد العمل بها بتلك الأدلة فلا يمكن أن ~~يدعى جواز التخصيص بها وقد مضى الكلام على أدلتهم مستوفى. # على أنه لو سلم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم لم يجز تخصيص ~~العموم به لأنه ليس ما دل على وجوب العمل بها يدل على جواز التخصيص كما أن ~~ما دل على وجوب العمل بها لا يدل على وجوب النسخ بها بل احتاج ذلك إلى دليل ~~غير ذلك فكك التخصيص فلا فرق بينهما. # فان قالوا: إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد فينبغي أن يكون خبر ~~الواحد دليلا في كل موضع الا أن يمنع منه مانع والنسخ الذي ذكرتموه قد كان ~~يجوز أن يقع بخبر الواحد الا أنه منع الاجماع منه فبقى كونه دليلا فيما عدا ~~النسخ. # قيل لهم: خبر الواحد دليل شرعي وليس بعموم يخص منه بعضه ويبقى ما عداه ~~وإذا ثبت ذلك كان الذي يدل على وجوب العمل به من الاجماع انما هو # PageV01P345 # حاصل فيما طريقه العمل فحسب مما لا نص فيه في الكتاب فينبغي أن يحتاج في ~~اثبات كونه دليلا في تخصيص العموم به ms183 إلى دليل. # فان قال (١): الصحابة الذين (٢) عملوا بخبر الواحد عملوا بها وان خص ~~العموم. # قيل لهم: هذا محض الدعوى ما الذي يدل عليها؟ فانا لا نسلم ذلك. # فان ذكروا: انهم خصوا اية المواريث (٣) بالخبر الذي روى: (ان القاتل لا ~~يرث) (٤) وكان خبرا واحدا؟ وكذلك عملوا بخبر أبي هريرة في نكاح المرأة على ~~عمتها وخالتها (٥) وخصوا بذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم ما وراء ذلكم﴾ (6) ونظائر ذلك كثيرة. # قيل لهم: انما تركوا عموم اية الميراث بالخبر الذي تضمن (ان القاتل لا ~~يرث) لأنهم اجمعوا على صحته فلما اجمعوا على صحته وعملوه خصوا العموم به ~~وليس ذلك موجودا في الاخبار التي لا يعلم صحتها. # واما نكاح المرأة على عمتها وخالتها فعندنا يجوز على وجه (7) فلا يخصص ~~العموم به. # ومن أجاز ذلك أيضا انما اجازه لان عنده انهم اجمعوا على صحة هذا الخبر # PageV01P346 # فلما اجمعوا عليه دل ذلك على صحته (1) * وليس هذا موجودا في اخبار الآحاد ~~التي لا يعلم صحتها. # على أن المعلوم من حال الصحابة انهم ردوا اخبارا كثيرة نافت عموم القرآن ~~واقتضت تخصيصه نحو ما روى عن عمر وغيره انهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس (2) في ~~أنه لا نفقة لها ولا سكنى وقالوا: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري ~~صدقت أم كذبت)؟ (3) وهذا تصريح بأنه لا يجوز تخصيص العموم بخبر الواحد. # وليس لهم أن يقولوا: انما ردوا الخبر إذا كان يخالف القرآن لا أنه يخصه ~~وما يخص العموم به لا يقتضى ترك القرآن بل يقتضى القول به فدل ذلك على سقوط ~~ما ذكرتموه. # وذلك أن سقوط نفقة المبتوتة (4) كفاطمة خاصة (5) * تخصيص القرآن لان عموم ~~القرآن اقتضى النفقة لها ولغيرها ومع ذلك لأنهم علموا ان حكم فاطمة وغيرها ~~من النساء حكم واحد وكان ذلك عندهم معلوما ولو قبلوا خبرها لأدى عندهم إلى ~~دفع القران فلذلك ردوه. # PageV01P347 # قيل لهم: هذا محض الدعوى ومن أين انهم علموا أن حكم فاطمة حكم غيرها على ~~حد واحد الا بعموم القران؟ ms184 ولذلك صرح (1) * بهذا التعليل عمر ولو كان ذلك ~~معلوما بغير عموم القران لكان يقول قد علمنا أن حكمك في هذا الباب حكم غيرك ~~من النساء ولا يحتاج ان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري صدقت ~~أم كذبت) وذلك يسقط هذا السؤال. # ثم يقال لهم: أليس قد قيل أهل قبا خبر الواحد (2) فيما طريقة النسخ ~~وانتقلوا بذلك عن القبلة التي كانوا عليها ولم يدل ذلك على جواز النسخ بخبر ~~الواحد؟ # فان قالوا: انما قبلوا ذلك بدليل دلهم على ذلك دون مجرد الخبر. # قيل لهم مثل ذلك في الاخبار التي تعلقوا بها. # فان قالوا: أليس خبر الواحد قد قبل فيما يقتضى العقل خلافه فما المنكر من ~~أن يجوز قبوله فيما يقتضى عموم القران خلافه؟ # قيل لهم: هذا انما يمكن أن يستدل به على من أبى من تخصيص العموم به عقلا ~~فيقال له: إذا جاز الانتقال عما يقتضى العقل خلافه بخبر الواحد جاز أن ~~ينتقل عما يقتضيه العموم بمثل ذلك. # فاما من أجاز ذلك عقلا وانما امتنع منه لفقد (3) الدلالة عليه فهذا ~~السؤال ساقط عنه وانما ينبغي أن يتشاغل بان هاهنا دليلا يدل على جواز تخصيص ~~العموم به وهو نفس المسألة التي اختلفنا فيها. # على أن مثل هذا يمكن أن يقال في جواز النسخ به لان الانتقال عن موجب ~~العقل من حظر إلى إباحة أو من إباحة إلى حظر في معنى النسخ وان لم يسم نسخا # PageV01P348 # فينبغي أن يجوز على موجب ذلك النسخ بخبر الواحد وهذا لا يقوله أحد. # ولا جواب عن ذلك الا ما ذكرناه من أن ذلك دليل على جواز ذلك لا على وجوبه ~~بل وجوبه يحتاج إلى دليل مفرد. # وفي الناس من قال: ان العموم ثبت اجتهادا (1) * فجاز الانتقال عنه بخبر ~~يوجب غلبة الظن. # وهذا القول باطل لان الدليل على القول بالعموم دليل يوجب العلم وليس من ~~باب الاجتهاد في شئ وقد دللنا على ذلك فكيف يجوز أن يترك بما طريقه غلبة ~~الظن. # ثم يقال لهم: لا ms185 خلاف (2) * ان خبر الواحد لا يجوز قبوله فيما طريقه ~~العلم والاعتقاد وإذا ثبت ذلك فخبر الواحد إذا خص العموم اقتضى شيئين. # أحدهما: العمل بمتضمنه وذلك من باب العمل. # والثاني: وجوب الاعتقاد في ظاهر العموم انه مخصوص وذلك لا يجوز لأنه ~~اقدام على مالا نأمن كونه جهلا. # فان قالوا: انا نأمن كونه جهلا بما قام من الدليل على جواز قبوله فيما خص ~~العموم. # فقد مضى الكلام على ذلك وبينا ان ذلك محض الدعوى وصريح الاقتراح. # فاما من قال: لا يجوز تخصيص العموم به الا إذا خص على حسب اختلافهم في ~~ذلك من تخصيصه بدليل متصل أو منفصل أو استثناء وغير ذلك ومتى خص بشئ من ذلك ~~جاز تخصيصه. # فما دللنا به من المنع من جواز تخصيصه بخبر الواحد يبطل هذا الفصل. # PageV01P349 # على أنهم انما أجازوا تخصيصه بخبر الواحد إذا خص لأنه يصير مجملا (1) * ~~ومجازا. # فأما كونه مجازا فنحن نقول به ولا نسلم ما انه يصير مجملا فيما عداه بل ~~ما عدا ما خص منه معلوم. كما أنه لو لم يخص منه شئ كان الجميع معلوما وذلك ~~يبطل ما قالوه. # فاما إذا كان السائل عن السؤال الذي قدمناه من موافقينا وسئل ذلك على ~~طريقتنا التي اعتمدناها من جواز العمل بالاخبار التي تختص بنقلها (2) ~~الطائفة المحققة فالكلام عليهم أيضا مثل ذلك بأن يقال: # ما دل على عمل الطائفة المحقة بهذه الاخبار من اجماعهم على ذلك لم يدل ~~على العمل بما يخص القران ويحتاج في ثبوت ذلك إلى دلالة بل قد ورد عنهم ~~عليهم السلام ما لا خلاف فيه من قولهم: (إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على ~~كتاب الله فان وافق كتاب الله فخذوه وان خالفه فردوه أو فاضربوا به عرض ~~الحائط (3)) على حسب اختلاف الألفاظ فيه وذلك صريح بالمنع من العمل بما ~~يخالف القران. # فان قالوا: أليس قد عملت الطائفة باخبار كثيرة طريقها الآحاد وعموم ~~الكتاب بخلافها فهلا دل ذلك على جواز تخصيص العموم بها على كل حال؟ # قيل لهم (4) *: لا نسلم ان ms186 الطائفة عملت باخبار آحاد يقتضى تخصيص القران ~~وعلى من ادعى ذلك أن يبينه. # على انا قد بينا (5) * ان الاخبار الصادرة من جهتهم عليهم السلام على ~~ضربين. # PageV01P350 # أحدهما: أن يكون خبرا وليس هناك ما يخالفه ويكون فتيا الطائفة به فما هذا ~~حكمه يكون مجمعا على صحته ويجوز العمل به وتخصيص العموم به. # وان كان هناك ما يخالفه من الاخبار فالعمل بما يطابق العموم أيضا أولى ~~لأنه يصير معلوما صحته مثل العموم وبينا ان ذلك وجه يرجح به أحد الخبرين ~~على الاخر. # وان كان خبر لا يعلم فتيا الطائفة أصلا فيه وهناك عموم يقتضى خلافه ~~فالعمل بما يقتضى العموم أولى بما قدمناه من الدلالة. # PageV01P351 # فصل NoteV01P352N13 (في ذكر تخصيص العموم بالقياس) اعلم أن الكلام في هذه ~~المسألة قد سقط عنا لأنا لا نجيز العمل بالقياس لا ابتداء ولا فيما يخص ~~العموم. # وانما الخلاف في ذلك بين من أثبت القياس لان (1) فيهم من أجاز تخصيص ~~العموم به على كل حال إذا صح القياس بشروطه وهو مذهب أكثر الفقهاء وهو مذهب ~~الشافعي والمحكي عن أبي الحسن واليه ذهب أبو هاشم أخيرا (2). # ومنهم من أبي تخصيص العموم به على كل وجه وهو مذهب أبي على وبه قال أبو ~~هاشم أولا وقد قال به بعض الفقهاء (3). # PageV01P352 # ومنهم من قال: يخص بالقياس الجلي ولا يخص بالخفي (1) وهو مذهب بعض أصحاب ~~الشافعي (2). # ومنهم من قال: انه يخص بذلك إذا دخله التخصيص وسوغ فيه الاجتهاد (3) ولا ~~يجوز تخصيصه إذا كان باقيا على عمومه (4). # والأقوى من هذه الأقاويل - إذا فرضنا العبادة بالقياس - قول أبي علي وهو ~~أنه لا يجوز تخصيص العموم به على كل حال. # والذي يدل على ذلك: ان العموم دليل يوجب العلم والقياس عند من قال به ~~يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن ينتقل عما طريقة العلم إلى ما يقتضى غلبة الظن ~~(5). # فليس (5) لهم أن يقولوا: إذا ثبت ان القياس دليل كان تخصيص العموم به ~~معلوما. # PageV01P353 # وذلك انا قد بينا الجواب عن مثل هذا السؤال في الباب الأول ms187 (1) بأن قلنا: ~~خبر الواحد دليل شرعي وكذلك نقول ان القياس دليل شرعي فينبغي أن يثبت في ~~الموضع الذي استعملته الصحابة وقررته الشريعة وانما ثبت عنهم - على زعمهم - ~~استعمل القياس فيما لا نص فيه من احكام الحوادث. # ولا يمكنهم أن يدعوا انهم استعملوه فيما يخص العموم. # لان هذه الدعوى لا برهان عليها ودون ذلك خرط القتاد. # ويدل أيضا على ذلك: ان النسخ قد ثبت انه لا يجوز به فكذلك يجب أن يكون ~~حكمه حكم التخصيص. # وليس لهم ان يقولوا: لا يجوز من الحكيم تعالى أن ينزل نصا ويجعل القول به ~~والعمل بمقتضاه موقوفا على اجتهادنا وانما يسوغ الاجتهاد (2) في صرفه إلى ~~وجه دون وجه. # فان قالوا: هذا الذي ذكرتموه من الجواب عن هذا السؤال يمكن أن يجعل فرقا ~~بين النسخ وتخصيص العموم وسقط بذلك أصل الدليل. # وذلك انهم إذا جعلوا ذلك فرقا بين التخصيص والنسخ. # قيل لهم: لا فرق بين النسخ والتخصيص في المعنى لان التخصيص هو: (اخراج ~~بعض ما يتناوله لفظ العموم من الأعيان منه) والنسخ: (اخراج بعض ما يتناوله ~~دليل النص من الأزمان منه) فهما سواء في المعنى فما منع من أحدهما منع من ~~الاخر. # على أنه لا يمكن أن يجوز النسخ بالقياس الا من يقول بتخصيص العلة ومن لم ~~يجز تخصيص العلة لا يمكنه ارتكابه على حال. # وقد أجاب بعض أصحاب الشافعي (3) عما ألزمناهم: بان النسخ انما لم يصح # PageV01P354 # فيه لان كونه ناسخا للنص ينبئ عن أن النص بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه ~~النص وخصه (1) * فكأن النسخ به يوجب النسخ بقياس فاسد وهذا لا يجوز. # وهذا بعينه يمكن أن يقال في المنع من تخصيص العموم به لان العموم أيضا نص ~~وما يؤدى إلى تخصيصه ينبئ عن أن ظاهره بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه النص ~~وكان التخصيص به يوجب التخصيص بقياس فاسد وهذا ما لا فصل فيه. # ويدل أيضا على ذلك: على أن القياس انما يسوغ (2) * مع عدم النص للاضطرار ~~إليه وعموم الكتاب نص يغنى عنه ولا ms188 يسوغ استعماله وخلافه نص حتى يخص به. # وليس لهم ان يقولوا: انه إذا خص العموم به يكون مستعملا فيما لا نص عليه ~~لأنه قد يبين به انه لم يرد ذلك بالعموم وإذا لم يكن (3) مرادا به فقد ~~استعمل القياس فيما لم يدخل تحت النص. # وذلك أن الذي قالوه غير صحيح لأنه لو لم يستعمل ذلك القياس لكان ما ~~يتناوله داخلا تحت النص فيجب بطلانه لأنه قد استعمل فيما لولاه لدخل تحت ~~النص. # فان قالوا: النص انما يتناول ذلك لو لم يصح القياس فاما إذا صح ذلك ~~القياس لم يدخل تحته فقد حصل ان القياس إذا استعمل فيما يخص به العموم لا ~~يكون مستعملا فيما تناوله. # قيل لهم: ومن سلم ان القياس الذي يوجب تخصيص العموم قياس صحيح؟ # وليس يعلم أن من قال بالمنع من تخصيص العموم به يقول: ان بظاهر العموم ~~احكم بأن كل قياس يؤدى إلى تخصيصه قياس باطل. # ولو سلم ان ذلك قياس صحيح لكان قد سلمت المسألة. # PageV01P355 # فعلم بجميع ذلك صحة ما نصرناه ويدل أيضا على صحة ما قدمناه: خبر معاذ وان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: (بم تقضى؟ قال: ~~بكتاب الله ثم قال: بسنة رسول الله (1). فقال له عليه السلام فان لم تجد؟ ~~قال: اجتهد رأيي) (2) (3) فصوبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك ~~وهذا يقتضى ان القياس انما يسوغ استعماله إذا لم يوجد في الكتاب ما يدل على ~~الحكم الذي يستعمل فيه فمتى وجد فيه بطل استعماله وإذا بطل استعماله لم يصح ~~أن يخص به العموم لان القياس الفاسد لا خلاف انه لا يخص به العموم. # وليس لهم أن يقولوا: ان المراد بذلك ان لم أجد في كتاب الله نصا على ~~المسألة اجتهدت رأيي فاما إذا كان فيه عموم فإنه لا يمتنع اجتهاد الرأي معه ~~لأنه إذا خص بالقياس كان ما استعمل فيه القياس غير موجود في الكتاب. # وذلك أن هذا الذي ذكروه تخصيص للخبر لأنه ms189 انما صوبه في استعمال القياس ~~إذا لم يكن الحكم موجودا في الكتاب والسنة وقد يكون الحكم ثابتا فيهما بنص ~~معين ويكون أيضا موجودا بأن يكون داخلا في العموم فمن خص الخبر بأحدهما ~~احتاج إلى دلالة. # وفي الناس من استدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن قال: القياس فرع على النص ~~من عموم وغيره فمتى اعترض به عليه كان قد اعترض على الأصل بفرعه وهذا لا ~~يجوز (4). # PageV01P356 # وهذا غير صحيح لان لهم ان يقولوا: ان أصل القياس هو الذي ثبت صحته به أو ~~ما يحمل عليه الفرع من الأصول وكلاهما لا يجب الاعتراض بالقياس عليه وانما ~~يجوز أن يقاس ما دخل تحت اية محرمة ما دخل تحت اية محللة فتحلله وتخرجه من ~~جملة ما يقتضى التحريم نحو قياس العقد في الأرز (١) في التحريم ويخص به ~~قوله: ﴿أحل الله البيع﴾ ~~(2) وفي ذلك سقوط الاستدلال بهذه الطريقة. # وقد استدل من خالف ما اخترناه بان قال: الذي دل على اثبات القياس دليل ~~مقطوع عليه وهو اجماع الصحابة (3) فصار العمل بما يقتضيه معلوما وجوبه كما ~~أن. # العمل بما يقتضيه العموم معلوم وجوبه فإذا تساويا في هذا الوجه جاز تخصيص ~~العموم به. # وهذا الذي ذكروه غير صحيح لأنا إذا سلمنا اجماع الصحابة على العمل ~~بالقياس انما نسلمه فيما لا نص فيه من الكتاب من العموم وغيره فاما إذا كان ~~ما يدل عليه (من الكتاب) (4) لا نسلم انهم استعملوا فيه ولا يمكنهم ان ~~يبينوا ان الصحابة استعملت القياس في تخصيص العموم وإذا لم يثبت ذلك لم يجب ~~من حيث استعملوا القياس في موضع أن يجوز استعماله في كل موضع لأنا قد بينا ~~انه دليل # PageV01P357 # شرعي ينبغي أن لا يتجاوز به الموضع الذي قررته الشريعة كما أن ثبوته في ~~الموضع الذي ثبت لا يجوز أن يتجاوز به إلى أن ينسخ به لأنه لم يثبت ذلك فيه ~~ذلك. # وكذلك القول في التخصيص ولا فرق بينهما على حال. # واستدلوا أيضا بأن قالوا: قد ثبت ms190 ان القياس يقبل فيما يقتضى العقل خلافه ~~وان كان دليل العقل يوجب العلم والقياس غلبته الظن وكذلك العمل به فيما يخص ~~الكتاب وان كان يوجب العلم. # يقال لهم: هذا الدليل انما يمكن أن يستدل به على من أبى تخصيص العموم ~~بالقياس عقلا (1) فيقال له إذا جاز العمل به فيما يقتضى العقل خلافه (جاز ~~العمل به فيما يقتضى العموم خلافه). # فاما من جوز ذلك وانما امتنع من القول به لأنه لم يثبت ورود العبادة به ~~فلا يمكن أن يعتمد ذلك في هذا الباب بل يحتاج إلى أن يشتغل بالدلالة على ~~ثبوت ما كان جائزا لأنه ليس كل ما كان جائزا في العقل ثبت العمل به على كل ~~حال فعلم بذلك سقوط هذا الاستدلال. # وفي الناس من اعترض [على] هذا الدليل وقال: انا لا نعمل بالقياس إذا ~~اقتضى العقل خلافه (2) * بل انما نعمل به فيما يجوزه العقل دون ما يقتضى ~~قبحه أو حسنه. # وهذا ليس بشئ لان غرض القوم بذلك ان الفعل إذا كان يقتضى تحليل شئ أو ~~تحريمه ثم ثبت بالقياس في الشرع تحريم ما كان مباحا أو إباحة ما كان محظورا ~~فقد عملوا بخلاف ما كان يقتضيه العقل. # ولا يمكن أن يقال: ان دليل العقل يقتضى إباحة شئ أو حظره بشرط أن لا يدل ~~الشرع بخلافه فالقياس ان يستعمل في خلافه المبين به (3) ان العقل لم يقتضى ~~ما # PageV01P358 # أدى القياس إلى خلافه وليس كذلك العموم لأنه اقتضى تحريم الشئ مطلقا بلا ~~شرط فيه فلو قبل القياس في خلافه لكان فيه اعتراض به عليه. # وهذا لا يجوز لان لهم ان يقولوا: الحال فيهما واحد لان دليل العقل يقتضي ~~تحليل الأنبذة ما لم يقتضى دليل سمعي (1) تحريمه والعموم أيضا يقتضى ذلك ما ~~لم يحصل دليل سمعي على خلافه فهما في هذا الباب من جهة المعنى سواء وانما ~~الخلاف بينهما ان العموم يدل على ما يدل عليه لفظا وليس كذلك دليل العقل ~~وهذا لا يقتضى الفرق بينهما من جهة المعنى. # PageV01P359 # فصل NoteV01P360N14 (في ms191 تخصيص العموم بأقاويل الصحابة وبالعادات وبقول ~~الراوي) (1) القول إذا ظهر بين الصحابة واتفقوا كلهم انه يخص العموم فلا ~~خلاف عن أهل العلم انه يخص به العموم لان ذلك اجماع وقد بينا ان الاجماع ~~يخص به العموم. # PageV01P360 # فاما إذا ظهر القول ولم يعرف له مخالف فمن جعله اجماعا أو في حكم الاجماع ~~خص به أيضا العموم ومن لم يجعله اجماعا من حيث جواز أن يكون الساكت لو ~~استفتى لأفتى بخلافه لجرى ذلك مجرى القول المختلف فيه والقول المختلف فيه ~~بين الصحابة اختلفوا في جواز تخصيص العموم به: # فذهب أبو على إلى أنه يجوز الاخذ بقول بعضهم وان خالفه غيره فيه قال: # (لان بعضهم كان يرجع إلى قول بعض من غير حجاج وهو المحكى عن محمد بن ~~الحسن (1) لأنه حكى عنه انه قال: (ما اجمعوا عليه واختلفوا فيه جاز أن يقاس ~~عليه ويتخذ أصلا تجعل اختلافهم كاجتماعهم في أنه أصل). # وقد حكى عن الشافعي قديما انه كان يقول ذلك ويرتب أقاويل الصحابة فيقدم ~~أقاويل الخلفاء ثم قول أقدمهم في العلم فعلى هذه الوجوه لا يمتنعون من ~~تخصيص الكتاب به لأنه حجة كالقياس وخبر الواحد عندهم. # واما من قال: ان قولهم ليس بحجة فإنه لا يخص العموم به وهو مذهب أكثر ~~الفقهاء (2) وقول الشافعي في الجديد (3) لأنه قدم القول بالعموم على القول ~~بقول الصحابي إذا اختلف فيه. # PageV01P361 # والصحيح عندنا من هذه الأقاويل انه لا يخص العموم الا بما كان اجماعا ~~موجبا للعلم أو يكون قول من دل الدليل على عصمته (1) فان ذلك يخص به العموم ~~وما عدا ذلك لا يجوز تخصيصه به وسنبين فيما بعد أن ما ادعوه اجماعا أو في ~~حكم الاجماع من القول الذي لا يعرف له مخالف ليس باجماع إن شاء الله. # واما العادات فعلى ضربين (2): # ضرب منها: هي من جهة الافعال فما هذا حكمه لا يخص به العموم بل (3) * يجب ~~على المخاطبين أن ينتقلوا عن تلك العادات لأجل العموم واستدلوا به على ~~تركها فكيف يخص به العموم؟ # والضرب الاخر: ms192 ان يكون العادة جارية في استعمال لفظ العموم في بعض ما ~~تناوله فما هذا حكمه ينبغي أن يخص به العموم لأنا قد بينا فيما تقدم ان ~~الخطاب ينبغي أن يحمل على ما تعورف ويترك ما كان موضوعا له لأنه بالعادة قد ~~صار حقيقة فيما اعتيد فيه وقد استوفينا ما يتعلق بذلك فيما مضى (4). # فاما إذا روى الراوي الحديث العام ثم صرفه إلى بعض ما تناوله فمن الناس ~~من قال: يجب حمله على الخصوص لأنه اعرف بمراد الرسول من غيره لمزية ~~المشاهدة التي عندها تعرف المقاصد وهو المحكى عن بعض أصحاب أبي # PageV01P362 # حنيفة لأنه كان يحمل ما رواه أبي هريرة من خبر ولوغ الكلب (1) على أن ~~السبع ليس على الوجوب من حيث كان يذهب إلى جواز الاقتصار على ثلاث. # وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن (2): أن التعلق بظاهر الخبر أولى. # ومنهم من قال: انه يجب أن ينظر فيه فان كان الراوي عدل عن ظاهر ما رواه ~~وجب التمسك بما رواه من اللفظ وان كان قال بأحد محتملاته حملت عليه وهذا ~~الذي يدل عليه ظاهر قول الشافعي واليه يذهب كثير من أصحابه (3) لأنه حمل ما ~~رواه ابن عمر في حديث الافتراق (4) على الافتراق بالبدن لان ابن عمر حمله ~~على ذلك وحمل قوله في حديث الربا: (يدا بيد) (5) ان المراد به أن لا يفترق ~~الا بعد التقابض من حيث حمله ابن عمر على ذلك ولم يصرف قوله: صلى الله عليه ~~وآله وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) (6) إلى الرجال وان كان ابن عباس صرفه ~~إليهم. # والذي يجب أن يقول عليه في ذلك: ان الراوي إذا روى الخبر العام وحمله على ~~بعض ما تناوله وقال: انه علم ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ضرورة وجب حمله على ما ذهب إليه لان وجوب حسن الظن به في نفس الخبر يوجب ~~حسن الظن به في قوله انه علم ذلك ضرورة من قصد الرسول صلى الله عليه # PageV01P363 # وآله وسلم. # وان كان ما ذهب إليه ms193 انما قاله بضرب من الاستدلال أو بخبر اخر أو قياس أو ~~غير ذلك فينبغي أن يتمسك بظاهر الخبر ويترك ما ذهب إليه لأنه يجوز أن يكون ~~أخطأ في جميع ذلك لشبهة دخلت عليه. # ومتى لم يظهر لنا ما حمله عليه وهل فعل ذلك لأنه علم ذلك من قصد الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة أو لوجه آخر من الاستدلال؟ وجب التمسك بظاهر ~~الخبر وان جاز أن يكون في الأصول ما لأجله حمله عليه. # ومتى كان ما رواه مجملا وصرفه إلى أحد الوجهين فمن الناس من قال: انه يجب ~~حمله عليه لان حسن الظن به يوجب ذلك إلا أن يكون قد حصل من الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم بيان يخالف ذلك فيعيد عليه. # ومنهم من قال: ان الجميع بمنزلة سواء في أنه يجب التمسك بقول الرسول ودون ~~قول الراوي بأنه لو عرف قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة لرواه ~~ولأزال عن نفسه ايهام مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وهذا هو الأقوى. PageV01P364 # فصل NoteV01P365N15 (في تخصيص الاجماع وتخصيص قول الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الاجماع لا يخلو من أن يكون على فعل (1) * أو على قول أو على ~~رضا بالشئ. # فان كان الاجماع فعلا التخصيص لا يسوغ فيه كما لا يسوغ في أفعال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك ان كان رضا بالشئ. # وان كان اجماعهم على القول فان كان عاما (2) * نظر فيه: # فان اضطررنا (3) * إلى قصدهم بذلك امتنع أيضا التخصيص فيه. # وان لم نضطر إلى قصدهم جاز التخصيص كما يجوز في عموم الكتاب. # وان كان ذلك القول نصا (4) * فالتخصيص فيه لا يجوز وان كان في حكم # PageV01P365 # العموم من حيث كان حال غير المنصوص عليه حاله. # واما قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: # إذا ورد عنه فاقتضى (1) تحريم أشياء على المكلفين ثم وجد فاعلا لبعضها: # فمن الناس من قال: انه عليه السلام مخصوص بذلك الا أن يدل دليل على خلافه ~~فيخص به العموم لان ms194 الظاهر منه ان حاله كحال غيره الا أن يدل دليل على أنه ~~مخصوص به وهذا هو مذهب الشافعي (2) ولذلك خص به نهيه عليه السلام عن ~~استقبال القبلة لغائط أو بول لقعوده عليه السلام على لبنتين مستقبل بيت ~~المقدس (3). # ويقول: ان فعله صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بالدليل مساواة أمته له ~~فيصير كقول اخر عام في جواز تخصيص القول الأول به والقول الأول يحكى عن بعض ~~أصحاب الشافعي وانه حمل ما روى من تزويج ميمونة (4) وهو محرم على أنه مخصوص ~~به وانه لا يعترض على نهيه عن نكاح المحرم وهو الذي حكاه أبو # PageV01P366 # عبد الله عن أبي الحسن (1) لأنه حمل ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من كشفه فخذه بحضرة بعض أصحابه (2) وما روى أنه استقبل بيت المقدس على ~~أنه مخصوص به فلم يخص قوله به ودل على ذلك بأن قال: ان فعله لا يتعداه الا ~~بدليل ولا يجوز أن يعترض به على القول الذي يقتضى تعديه إلينا. # والصحيح هو الأول لان الدلالة قد دلت على أن حكمنا وحكمه في فعله واحد ~~على ما نبينه فيما بعد فإذا فعل شيئا صار كأنه قال لنا هو مباح وقد علمنا ~~أنه لو قال ذلك لوجب تخصيص العموم به فكذلك يخص بفعله لأنه وقع هذا الموقع ~~(3). # PageV01P367 # فصل NoteV01P368N16 (في أن العموم إذا خرج على سبب خاص لا يجب قصره عليه) ~~اختلف الفقهاء في ذلك: # فمنهم من قال: انه يجب قصره عليه والى ذلك ذهب طائفة من أصحاب الشافعي ~~(1) وان كان كلام الشافعي محتملا له ولغيره (2). # PageV01P368 # وذهب الباقون (1): إلى أن الواجب حمل الكلام على ظاهره دون السبب إذا ~~أمكن ذلك فيه وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي (2) ومذهب أبي الحسن (3). # وقال: انه إذا لم يمكن حمله على ظاهره ولم يفد الا إذا علق به قصر عليه. # والذي نذهب إليه: ان كلامه عليه السلام لا يخلو من أن يكون مطابقا للسبب ~~من غير زيادة عليه أو يكون أعم منه: # فان كان ms195 مطابقا له من غير زيادة فلا خلاف انه يجب حمله عليه. # ومتى كان أعم منه وجب حمله على ظاهره ولا يقصر على سببه وهو على ضربين: # أحدهما: أن يكون أعم منه في الحكم (4) * الذي يسأل عنه نحو ما روى عنه ~~عليه السلام انه سئل عن من ابتاع عبدا فاستغله ثم وجد فيه عيبا فقال عليه ~~السلام: # (الخراج بالضمان) (5) وذلك يتناوله ويتناول كل بيع وكل مضمون. # ومنه ما يكون عاما في ذلك الحكم وفي حكم اخر يسأل عنه نحو ما روى عنه ~~عليه السلام انه سئل عن ماء البحر أيتوضأ به؟ فقال: (هو الطهور ماؤه والحل ~~ميتته) (6) فأجاب بما يقتضى جواز التوضؤ به وبما يقتضى جواز سائر الأحكام ~~من الشراب وإزالة النجاسة وغير ذلك. # فاما إذا كان كلامه متى لم يعلق بالسبب لم يفد وجب تعليقه به على كل # PageV01P369 # حال (1) * وذلك نحو ما روى عنه عليه السلام انه سئل عن بيع الرطب بالتمر ~~فقال: # (أينقص إذا يبس؟) قيل له: نعم فقال: (فلا إذا) (2). # فاما إذا سئل عن أشياء فلا يخلو ان يكون الوقت وقت الحاجة أو لا يكون ~~كذلك: # فان كان وقت الحاجة فلا يجوز الا أن يجيب عن جميعه في الحال وان كان قد ~~تقدم منه بيان اخر يمكن الوصول إليه لان الوقت وقت الحاجة فلا يسوغ منه ~~عليه السلام الا بين له الوجوب عما سئل عنه. الا ترى ان المستفتي إذا ~~استفتى عن شئ مست الحاجة إليه لم يسع إليه الا يفتى فيه؟ فالنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بذلك أولى. # وإذا لم يكن الوقت وقت الحاجة فلا يخلو السائل من أن يكون من أهل ~~الاجتهاد أولا يكون كذلك فان كان ممن يمكنه الوصول إلى ذلك وقد تقدم منه ~~عليه السلام بيان لذلك جاز أن لا يجيب عنه ويحيله على ما تقدم من البيان ~~وكذلك قال عليه السلام لعمر لما سأله عن الكلالة فقال: (تكفيك اية الصيف) ~~(3) وقال له أيضا وقد سئله عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت ms196 بماء ~~ثم مججته (4) * أكان يضرك؟) قال: قال: (ففيم إذا؟) (5) فنبهه على الجواب. # ان كان السائل عاميا يجوز أيضا أن يحيله على بيان ظاهر ويكون في حكم # PageV01P370 # المجيب وذلك في نحو قوله عليه السلام للسائل: (توضأ كما امرك الله تعالى) ~~(1) فاحاله على الآية. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وجوه: # منها: ما ذكره أبو عبد الله البصري (2) وهو: (ان كلامه عليه السلام هو ~~الدلالة على الحكم فيجب أن يعتبر صفته في الدلالة دون صفة غيره فإذا كان ~~عاما دل على حسب دلالة العموم وكذلك ان كان خاصا كما أنه يعتبر صفته في ~~كونه أمرا ونهيا وإباحة). # ومنها: ان العموم لو انفرد عن السبب لوجب حمله على عمومه فكك إذا أخرج ~~عند السبب لان ذلك ممكن فيه لان السبب لم يؤثر فيه لأنه ليس ينافي السبب ~~بيانه عليه السلام لحكم غيره كما لا ينافي بيانه لحكمه فيجب حمله على ~~جميعه. # ومنها: انه لو ابتدأ عليه السلام لكم النهى والسبب حاصل فخاطب بالعموم ~~ولما سئل عنه لوجب حمله عليه فكذلك إذا سئل عنه لان قصده عليه السلام في ~~الحالين لم يختلف وان كان مبتدئا للحكم في أحدهما ومجيبا للاخر وعلى ذلك ~~حمل الفقهاء خطاب الله تعالى في اية اللعان (3) وان خرجت على سب هلال بن ~~أمية العجلاني على كل رام زوجته وآية القذف (4) وردت فيمن تكلم في عائشة ~~وحملت # PageV01P371 # على الجميع وكذلك اية الظهار (1) وردت في سلمة بن صخر (2) وحملت على كل ~~مظاهر وهذا بين وانما حملناه على السبب إذا لم يفد بنفسه لان الظاهر (3) ~~أوجب ذلك فليس يجب حمل ما استقل بنفسه من الجواب على ما لا يستقل بنفسه ~~لمفارقته في علته. # فاما تعلقهم بأنه لو لم يرد السبب لم يكن يتأخر الخطاب إلى وقت حدوثه ~~فلما اخره إلى ذلك الوقت علم أنه المراد فبعيد لأنه لا يمتنع أن يكون ~~الصلاح في تأخيره إلى ذلك الوقت ولا يمتنع ذلك من بيان حكم غير السبب معه ~~ولو وجب ذلك لوجب حمل الكلام ms197 على عين السائل وعلى ذلك الوقت والمكان لهذه ~~العلة وذلك ظاهر الفساد. # وقولهم: ان من حق الجواب ان يطابق السؤال وان ذلك يوجب حمل الكلام على ~~السبب فغلط لان من حق الجواب أن ينتظم بيان ما سئل عنه وانه لا يقتضى غيره ~~غلط لان فيه اخراجه من كونه جوابا. فاما إذا اقتضى بيان حكمه وحكم غيره فقد ~~حصل جوابا له وزاد عليه ولا يمنع هذه الزيادة من كونه جوابا لما لو بين ~~حكمه فقط لكان جوابا لأنه في الحالين حصل به بيان السؤال. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P372 # فصل NoteV01P373N17 (في ذكر ما الحق بالعموم وليس منه وما اخرج منه وهو ~~منه) الافعال لا يصح ادعاء العموم فيها لأنها لا تقع الا على وجه واحد ~~فينبغي أن يراعى (1) الوجه الذي وقع عليه الفعل فان علم صح التعلق به وجرى ~~ذلك مجرى النص على عين واحدة وان لم يعلم الوجه الحق بالمجمل. # وإذا ثبت ذلك فلا يصح ان يتعلق بما روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(قضى بالشاهد واليمين) (2) وقضى (ان الخراج بالضمان) (3) لان ذلك حكاية ~~فعل. # ومن الناس من فرق فقال: إذا روى أنه (قضى بكذا وكذا) لا يصح التعلق به ~~لأنه ينبئ عن الفعل وإذا روى أنه (قضى كذا وكذا فيه كذا وكذا) صح التعلق به ~~لأنه ينبئ عن انه قال ذلك. # ومن الناس من سوى بين اللفظين وقال: لا فرق بينهما في أنه لا يصح التعلق ~~به وقال: لا يمتنع ان يقال في القضاء الذي هو الحكم في القضية المقضى فيها ~~هذا القول. # والأولى عندي أن يكون بينهما فرق لأنه إذا قال: (قضى رسول الله صلى الله # PageV01P373 # عليه وآله وسلم بالشاهد واليمين) فهم منه حكاية فعل لا غير وليس كذلك إذا ~~روى أنه : (قضى ان الخراج بالضمان) (1) (وان الشفعة للجار) (2) لأنه يسبق ~~إلى الفهم انه قال ذلك قولا لا فعلا. # الا أنه وان كان كذلك لا يقتضى صحة التعلق به لأنه لا يعلم أنه قال ms198 ذلك ~~بقول يقتضى العموم أو بقول يقتضى الخصوص ويفيد الحكم في تلك العين وإذا كان ~~كذلك صار مثل الأول في أنه ينبغي أن يلحق بالمجمل. # وإذا ثبت هذه الجملة فلا يصح التعلق بما روى أنه: (قضى بالشاهد واليمين) ~~و (ان الخراج بالضمان) لما قلناه الا أن يدل دليل على الحاق غيره به فيحكم ~~به. # وعلى هذا لا يصح لأصحاب مالك ان يحتجوا فيمن أفطر في شهر رمضان بأي وجه ~~كان فعليه الكفارة بما روى أن رجلا أفطر فأمره صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالكفارة (3) لان الرجل انما سأله عن حكاية فعل ولم يسأله عن حكم من أفطر ~~وأطلق القول فقال عليه السلام (فعليه الكفارة) (3) لأنه لو كان كذلك لكان ~~يصح التعلق به ولكان يجرى مجرى أن يقول: (من أفطر فعليه الكفارة) فإذا قال ~~ذلك أفاد العموم في كل ما يفطر به. # وكذلك لا يصح التعلق بما روى عنه عليه السلام انه جمع بين الصلاتين (4) ~~في السفر في جواز الجمع لان ذلك حكاية فعل. # ولمن خالف في ذلك أن يحمله على جمع مخصوص في بعض الاسفار أو # PageV01P374 # إلى أنه جمع بينهما بعرفة فلا يصح ادعاء العموم فيه. # فاما إذا روى أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر (1) فيصح التعلق به لان ~~ذلك يفيد تكرار ذلك في حال السفر وان ذلك عادته. # فاما من ضعف هذا الوجه بان قال: انما يفيد لفظة (كان) انه فعل ذلك فيما ~~مضى ولا يفيد التكرار فلا يصح التعلق به فغير صحيح لأنه وان أفاد الاخبار ~~عما مضى فإنه يفيد تكرار الفعل مع ذلك الا ترى ان القائل إذا قال: (كان ~~فلان القاضي يحكم بالشاهد واليمين) لا يفهم من ذلك الا أنه كان ذلك عادته ~~في جميع الأحكام؟ # وكذلك إذا قال: (كان أبو حنيفة يقول بتحليل النبيذ وكان الشافعي يقول ~~بتحريمه) لم يفهم من ذلك الا أن ذلك كان عادتهما وقولهما في جميع الأحوال ~~ولا يسبق إلى قلب أحد انهما قالا ذلك دفعه واحدة وانما كانت فيما ms199 مضى فعلم ~~بذلك ان الأولى ما ذكرناه. # وان كان يفيد الحكم فيما يسأل عنه نظر فيما سئل عنه: # فان كان واقعا على وجه واحد فالجواب بحسبه وان كان ذلك غير معلوم من حاله ~~كان الجواب في حكم العموم وذلك نحو ان يسأل عليه السلام عن رجل أفطر في ~~رمضان عليه الكفارة أو لا ولا يعلم بماذا أفطر فمتى أجاب بايجاب الكفارة ~~صار كأنه قال: (كل من أفطر فعليه الكفارة) واقتضى ذلك عموم وجوب الكفارة ~~على كل مفطر. # ومتى كان المعلوم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم انه أفطر بوجه واحد ~~وكان سؤاله ينبئ عن ذلك لفظا أو معنى فجوابه عليه السلام مصروف إليه ولا ~~يتعدى به إلى غيره الا بدليل. # وعلى هذا إذا سئل عليه السلام عمن زنا فامر برجمه كان قوله - وان لم يكن ~~عاما في اللفظ - فهو في حكم العموم في أنه يقتضى رجم كل زان. # PageV01P375 # وقد الحق قوم بهذا الباب اثباته عليه السلام الحكم في عين وتعليله له ~~بعلة يقتضى التعدي إلى غيره (1) نحو قوله عليه السلام في الهرة: (انها من ~~الطوافين عليكم والطوافات) (2) وقالوا: هذا وان لم يمكن أن يدعى فيه العموم ~~فهو في حكمه في أن ذلك الحكم متعلق بكل ما فيه تلك العلة حتى يصير بمنزلة ~~تعليق الحكم باسم يشتمل جميعه. # وهذا انما يمكن ان يعتبره من قال بالقياس فاما على مذهبنا في نفى القياس ~~فلا يمكن اعتبار ذلك أصلا. # على أن فيمن قال بالقياس من منع من ذلك (3) وقال: (ان النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لو نص على العلة في شئ بعينه لم يجب الحاق غيره به الا بعد ~~اثبات التعبد بالقياس فاما قبل العبادة فلا يصح ذلك فيه ولذلك لو قال: ~~(حرمت المسكر لأنه حلو) لم يجب أن يحكم بتحريم كل حلو الا بعد العبادة ~~بالقياس) (4). # وكذلك ينبغي أن يكون قوله فيما ذكرنا. # فاما ما روى عنه عليه السلام من ليس الامر فيه على ما ظن بعضهم (5) من ~~أنه يفيد # PageV01P376 # العموم ms200 من جهة التعليل لأنه دل على أن غرمه انما كان لأجل كونه زعيما ~~فيكون عاما في الحكم وان لم يكن عاما في اللفظ لأنا قد بينا ان ذلك يفيد ~~الاستغراق وكذلك القول في الأسماء المشتقة التي دخل عليها الألف واللام نحو ~~قوله: # ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) ﴿والزانية والزاني﴾ (٢) كل ذلك يفيد ~~الاستغراق على ما بيناه لفظا ولم يفد ذلك تعليلا على ما ذهب إليه قوم. # وإذا روى عنه عليه السلام انه سهى فسجد بان علم أن سجوده كان لأجل السهو ~~كان ذلك جاريا مجرى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (من سهى فليسجد) (٣) لما ~~دل الدليل على أن حكم غيره حكمه في الشرعيات. # ويلحق بهذا الباب فحوى الخطاب ودليل الخطاب في أنهما يفيدان العموم من ~~جهة المعنى وان لم يفيدا ذلك أيضا الا ترى ان قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ (٤) يجرى مجرى قوله ولا تؤذهما؟ # وكذلك قوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ ~~(5) يفهم منه انهم لا يظلمون القناطير فهو وان لم يفد ذلك لفظا فقد أفاد ~~ذلك معنى على أبلغ الوجوه (6) *. # وكذلك إذا قال: (في سائمة الغنم زكاة) (7). # PageV01P377 # ومن قال: ان تعليق الحكم من تحليل أو تحريم إذا علقا (1) بالأعيان اقتضيا ~~(2) العموم في المعنى وان لم يكن عاما من جهة اللفظ فسنبين ما عندنا في ذلك ~~فيما بعد إن شاء الله. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب. # PageV01P378 # فصل NoteV01P379N18 (في ذكر غاية ما يخص العموم إليها) (1) يجوز تخصيص ~~العموم إلى أن لا يبقى من اللفظ الا واحد ولا فرق في ذلك # PageV01P379 # بين ألفاظ الجموع وبين لفظة (من) و (ما) وغير ذلك إذا دل الدليل عليه. # وفي الناس من قال: يجوز أن يخص إلى أن تبقى ثلاثة ثم لا يجوز دخول ~~التخصيص فيه نحو قوله: ﴿اقتلوا ~~المشركين﴾ (١) لا يجوز أن يريد به أقل من ثلاثة وفصل بين ذلك ms201 وبين من ~~قال: جاز تخصيص لفظة (من) إلى أن يبقى منها واحد (٢). # والذي يدل على ما اخترناه: انا قد دللنا (٣) على أن لفظ العموم متى ~~استعمل في غير الاستغراق كان مجازا وإذا كان مجازا فلا فرق بين استعماله في ~~الواحد وبين استعماله فيما هو أكثر منه يبين ذلك أنه لما جاز ذلك في لفظه ~~(من) كان تجويز ذلك في ألفاظ الجمع مثله سواء وقد أجاز أحدهما المخالف ~~فينبغي أن يكون حكم الاخر مثله. # على أن استعمال ذلك لأهل اللغة ظاهر لأنهم استعملوا لفظ العموم في الواحد ~~كما استعملوه في الثلاثة وأكثر من ذلك قال الله تعالى: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون﴾ (4) فأخبر عن ~~نفسه بنون الجمع وبالواو والنون وهو واحد. # وقال الشاعر: # انا وما أعني سوى أني (5). # فعبر عن نفسه بلفظ الجمع. # وقد تجاوزوا ذلك إلى أن عبروا بلفظ الألف عن الواحد كما روى عن عمر انه ~~لما # PageV01P380 # كتب إلى سعد بن أبي وقاص (1) وقد انفذ إليه القعقاع بن شور (2) مع الف ~~رجل: # (قد أنفذت إليك ألفي رجل) (3) فعبر عن القعقاع وحده بعبارة الألف لما ~~اعتقد انه يسد مسد الألف في الحرب وهذا واضح. # PageV01P381 # فصل [19] (في ذكر ما يخص في الحقيقة وما يخص في المعنى وما لا يجوز دخول ~~التخصيص فيه) الأدلة على ثلاثة اضرب: # منها: ما هو عام من جهة اللفظ. # ومنها: ما هو عام من جهة المعنى. # ومنها: ما ليس بعام لا لفظا ولا معنى. # فاما ما هو عام لفظا: فالتخصيص يجوز أن يدخله بجميع الأدلة التي ذكرناها ~~التي يخص بها العموم وذلك لا خلاف فيه. # واما ما هو عام من جهة المعنى فعلى ضربين: # أحدهما: قياس. # والاخر: استدلال. # فاما القياس: فعندنا انه ليس بدليل أصلا ومن قال إنه دليل وأجاز تخصيص ~~العلة جوز تخصيصه ومن لم يجز تخصيص العلة لم يجز ذلك. # فاما الاستدلال: فنحو دليل الخطاب وفحوى الخطاب ونحو ان ينص النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم على حكم ms202 في عين ثم علم بالدليل ان حكم غيره حكمه ~~PageV01P382 # فان التخصيص في جميع ذلك يجوز في المعنى وان لم يسم ذلك تخصيصا. # ومثل ذلك: استدلالنا بجواز وطء أم الولد على أن الملك باق وإذا كان الملك ~~باقيا وجب أن يتبعه جميع أحكامه الا ما يخصه الدليل وغير ذلك من المسائل. # واما ما لا يدخله التخصيص أصلا: لأنه ليس بعام لا لفظا ولا معنى فنحو أن ~~ينص عليه السلام على عين واحدة أو يقدم على فعل واحد ويخصص ذلك العين بذلك ~~الحكم فان معنى التخصيص لا يسوغ فيه وذلك نحو تخصيصه عليه السلام أبا بردة ~~بجواز أضحيته (1) وما شاكله. # فإذا ثبتت هذه الجملة فمتى ورد عام لفظا جاز تخصيصه لفظا بالأدلة التي ~~قدمناها. # وما ليس بعام: فان كان المحتج به يحتج باللفظ منع من التعلق به وان احتج ~~به في المعنى جاز أن يعترض عليه بجميع ما يخص به العموم وان لم يسم ذلك ~~مخصصا وما كان خاصا بعين واحدة لا يتعداه فالتخصيص في المعنى واللفظ لا يصح ~~فيه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV01P383 # فصل NoteV01P384N٢٠ (في أن الشرط والاستثناء إذا تعلقا ببعض ما دخل تحت ~~العموم لا يجب أن يحكم ان ذلك هو المراد بالعموم لا غير) إذا ورد لفظ عام ~~وتعقبه شرط (١) * علم أنه راجع إلى بعضه لا يجب أن يحمل اللفظ العام على ما ~~تعلق به (٢) ذلك الشرط بل لا يمتنع أن يكون العام على عمومه وان ذكر بعده ~~شرط يرجع إلى بعضه وذلك نحو قوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ ~~(٣) فان ذلك عام في الطلاق والمطلقات ثم قال بعد ذلك: # ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (4) ~~وذلك يختص الرجعي (5) * ولا يجب من ذلك # PageV01P384 # حمل أول الآية عليه. # ومثل قوله: ﴿لا جناح عليكم ان ~~طلقتم النساء﴾ (١) ثم قال بعد ذلك ﴿الا أن يعفون﴾ (٢) فكان ms203 أول الآية عاما في جميع ~~النساء وان كان جواز العفو مخصوصا بمن يملك امره منهن ويصح عفوهن دون من لا ~~يصح ذلك منه فلا يجب تخصيص أول الآية بهن بل كان عاما في سائر النساء. # وكذلك إذا ذكرت جملة عامة وعطف عليها جملة خاصة لا يجب من ذلك حمل الأدلة ~~عليها بل يجب حمل الأولى على عمومها والثانية على خصوصها وذلك نحو قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء﴾ (٣) ثم قال بعد ذلك عاطفا على ذلك: (وبعولتهن أحق بردهن) وذلك ~~يختص الرجعيات ولا يجب من ذلك حمل أول الآية عليه بل كان عاما فيهن وفي ~~غيرهن ممن لا يمكن مراجعتهن. # ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم﴾ (4) كان ذلك عاما في جميعهن ثم قال: (وأولات الأحمال ~~أجلهن ان يضعن حملهن) ولا يجب من ذلك حمل أول الآية عليهن ولذلك نظائر ~~كثيرة. # والذي ينبغي ان يحصل في هذا الباب (5) * انه إذا ورد لفظ عام ثم وصف # PageV01P385 # بصفة أو شرط بشرط وعلم أنه لا يصح ذلك الشرط ولا تلك الصفة في جميع ما ~~تناوله اللفظ العام وجب حمل اللفظ العام عليه إذا كان الشرط والصفة متعلقين ~~بجميع اللفظ فإن كان الشرط والصفة متعلقين ببعض ما تناوله اللفظ العام لم ~~يجب ذلك وكان حكمه ما قدمناه في أول الباب. # فاما إذا كان الكلام في جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى فينبغي أن ~~ينظر في الجملة الثانية فلا يخلو أن يكون متناولة لمثل ما تناولته الجملة ~~الأولى أو لا يكون كذلك. # وان كانت متناولة لمثل ما تناولته الأولى فلا يخلو أن يكون موافقة أو ~~مخالفة فان كانت موافقة له في الحكم فان ذلك يكون تأكيدا ويجب حملها على ~~مثل ما حملت عليه الجملة الأولى. # وان كانت الجملة الثانية متناولة لمثل ما تناولته الأولى وكانت مخالفة ~~لها في الحكم فلا تعلق لها بالجملة الأولى وكانت كآية أخرى يجب حملهما على ~~ظاهرهما. # وان ms204 كانت متناولة لمثل ما تناولته الأولى وكانت مضادة (1) لها في الحكم ~~فذلك لا يجوز وقوعه من الحكيم تعالى لأنه يؤدي إلى التناقض والبداء (2) ~~وهما # PageV01P386 # منفيان عنه تعالى. فنظير الجملة المؤكدة ان يقول: (اقتلوا المشركين) ثم ~~يعطف على ذلك فيقول: (واقتلوا الكفار). # ونظير الجملة المخالفة ان يقول: (اقتلوا المشركين وخذوا غنائمهم واسبوا ~~ذراريهم) أوما يجرى مجرى ذلك. # ونظير المتضادة أن يقول: (اقتلوا المشركين ولا تقتلوا الكفار) فان ذلك ~~ينفى ما أثبتته الجملة الأولى وذلك لا يجوز على الحكيم تعالى. # وإذا كانت الجملة الثانية أخص من الجملة الأولى أو أعم منها وان كانت ~~تقتضي مثل حكم الأولة كانت تأكيدا أو ذكر التفخيم ما ذكر في الأولى وعلى ~~ذلك يحمل قوله: ﴿من كان عدوا لله ~~وملائكته ورسله وجبريل﴾ (١) وكذلك قوله: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ (2) فان ذلك اما ان نحمله ~~على التأكيد أو على تفخيم سائر ما أفرد بالذكر. # وعند من قال بدليل الخطاب من أصحاب الشافعي وغيرهم ان افراد بعض ما ~~تناوله لفظ العموم بالحكم يدل على أنه أراد بالعموم الخصوص (3) وعلى هذا ~~حمل # PageV01P387 # قوله: ﴿لا جناح عليكم ان ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع ~~قدره﴾ (1) على أن المتعة إنما يجب لغير المدخول بها إذا لم يسم لها ~~مهرا. # ومن خالفه قال: يجب المتعة لكل مطلقة (2). # وسنذكر ما عندنا في دليل (3) الخطاب فيما بعد [إن شاء الله. # والأقرب على مذهب من يقول بدليل الخطاب] (4) ان يقال: إن الآية تصير ~~مجملة وتفتقر إلى البيان لأنه ليس بأن يقال ان العموم في الأولى يمنع من ~~دليل الخطاب في الثانية بأولى من أن يقال ان دليل الخطاب في الثانية يمنع ~~من حمل الأولى على العموم فإذا (5) تساوى القولان وجب أن يوقف ذلك على ~~البيان ويكون مجملا على ما بيناه. # وان كانت الجملة الثانية مخالفة للأولى في الحكم كانت كآية أخرى لا تعلق # PageV01P388 # لها بالجملة الأولى ms205 على ما بيناه في الجملتين المتماثلتين في العموم. # وان كانت ضدا للجملة الأولى فان كانت الجملة الأولى أعم والثانية أخص ~~وذلك على أنه أراد بالجملة الأولى وما عدا ما ذكر في الجملة الثانية. # وان كانت الجملة الثانية أعم دل ذلك على أنه أراد بالثانية ما عدا ما ذكر ~~في الجملة الأولى. # ونظير الأول ان يقول: (اقتلوا المشركين) ويقول بعده: (ولا تقتلوا اليهود ~~والنصارى) فإن ذلك يفيد أنه أراد بلفظ المشركين ما عدا اليهود والنصارى ~~وإلا كانت مناقضة أو بداء وذلك لا يجوز. # ونظير الثاني ان يقول أولا: (لا تقتلوا اليهود والنصارى) ثم يقول بعده: ~~(اقتلوا المشركين) فان ذلك يدل على أنه أراد بلفظ المشركين في الثانية ما ~~عدا ما ذكر في الجملة الأولى ولولا ذلك لأدى إلى ما قدمناه وأبطلناه. # وليس لاحد أن يقول: هلا حملتم الثانية على انها ناسخة؟ # لان من شان النسخ أن يتأخر عن حال الخطاب على ما نبينه وانما ذلك من أدلة ~~التخصيص التي (1) يجب مقارنتها للخطاب على ما تقدم القول فيه فعلى هذا ~~ينبغي أن يجرى كل ما يرد من هذا الكتاب. # PageV01P389 # فصل NoteV01P390N21 (في جواز تخصيص الاخبار وانها تجرى مجرى الأوامر في ~~ذلك) (1) الصحيح انه يجوز تخصيص الاخبار سواء أكان معناها معنى الامر أو لم ~~يكن كذلك كما يجوز تخصيص الأوامر. # وفي الفقهاء من قال: ان ذلك لا يجوز كما لا يجوز نسخ الاخبار. # PageV01P390 # وأكثر الفقهاء والمتكلمين على المذهب الأول والذي يدل على ذلك: ان ~~التخصيص هو ما دل على مراد المخاطب بالعموم وذلك لا يمتنع في الاخبار كما ~~لا يمتنع في الأوامر لأنه لا يمتنع ان يريد المخاطب بالعموم باللفظ العام ~~بعض ما وضع له كما لا يمتنع ان يأمر باللفظ العام ويريد بعض ما يتناوله ~~فالأمران سواء. # فاما ثبوت ذلك فأكثر من أن يحصى نحو الاخبار المتضمنة للوعيد (١) فإنها ~~خاصة وكك آيات الوعد عند بعضهم. # وقوله تعالى: ﴿والله على كل شئ ~~قدير﴾ (٢) وقد علمنا أنه لا يقدر ms206 على ذات نفسه ولا مقدورات غيره. # وكذلك قوله: ﴿وأوتيت من كل شئ﴾ ~~(3) وقد علمنا أنه ما أوتيت أشياء كثيرة. # وذلك أكثر من أن يحصى. # على انا قد بينا ان الأمر والنهي في معنى الخبر فلا فرق بين أن يأمر ~~بالشئ في انا نعلم وجوبه وبين أن يخبرنا بان له صفة الوجوب في انا نعلم مثل ~~ما علمناه بلفظ الامر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه امتنع ~~من دخول بيت فيه تصاوير وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ان الملائكة لا ~~تدخل بيتا فيه تصاوير) (4) # PageV01P391 # ثم خص ذلك بان دخل بيتا فيه تصاوير توطأ (1). # واما حملهم ذلك على النسخ فالصحيح ان النسخ يجوز أن يدخل في الاخبار ونحن ~~نبين ذلك في باب الناسخ والمنسوخ فبطل بذلك تعلقهم به. # PageV01P392 # فصل NoteV01P393N22 (في ذكر بناء الخاص على العام وحكم العمومين إذا ~~تعارضا) اعلم أنه إذا ورد عام يتناول اثبات حكم وورد خاص يتناول نفى ذلك ~~الحكم عن بعض ما تناوله العام نظر في تاريخهما: # فان كان أحدهما سابقا للاخر كان المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا سواء كان ~~المتقدم عاما في أن الخاص الذي يجئ بعده ويتأخر عنه يكون ناسخا له لان ~~تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب على ما نبينه (1) فيما بعد. # وكذلك لو كان المتقدم خاصا والمتأخر عاما فإنه يكون ناسخا الا أن يدل ~~دليل على أنه أريد به ما عدا ما تقدمه من الخاص وهذا لا خلاف فيه بين أهل ~~العلم. # ومتى لم يعلم تاريخهما فالصحيح انه ينبغي أن يبنى العام على الخاص ويجمع ~~بينهما وهو مذهب الشافعي وأصحابه وأهل الظاهر وبعض أصحاب أبي حنيفة (2). # PageV01P393 # وفي الناس من قال: إذا عدم التاريخ فالواجب ان يرجع في الاخذ بأحدهما إلى ~~دليل ويجريهما مجرى عامين تعارضا (1) وهو مذهب عيسى بن ابان وأبي الحسن ~~الكرخي (2). # والذي يدل على صحة المذهب الأول: ان من حق من ثبتت حكمته أن لا يلغى ~~كلامه إذا أمكن حمله ms207 على وجه يفيد وإذا صح ذلك فمتى أوجبنا استعمال العام ~~لأدى إلى الغاء الخاص ومتى استعملنا الخاص لم يوجب اطراح العام بل يوجب ~~حمله على ما يصح ان يريده الحكم فوجب بهذه الجملة بناء العام على الخاص. # ونظير ذلك: ما روى عنه عليه السلام انه قال: (في الرقة ربع العشر) (3) ~~فكان هذا عاما في قليله وكثيرة ثم قال: (ليس فيما دون خمس أواق من الورقة ~~صدقة) (4) فأوجب هذا ان ما نقص عن خمس أواق ليس فيه (5) صدقة وهو أخص من ~~الأول. # فلو عملنا بموجب الخبر الأول لاحتجنا إلى اسقاط الخبر الأخير ومتى ~~استعملنا الأخير أمكننا استعمال الأول على ما يطابقه. # فان قيل: هلا حكمتم فيهما بالتعارض كالعمومين؟ لان ما تناوله الخاص قد # PageV01P394 # تناوله الخبر العام وانما زاد عليه العام بتناوله شيئا اخر لم يتناوله ~~الخاص فكان الزائد على ذلك في حكم خبر اخر وما تناوله العام مما عارضه ~~الخبر الخاص في حكم خبر اخر فوجب ان يعارض ذلك لما تناوله الخاص ويقف العمل ~~على أحدهما على الدليل (1). # قيل: هذا لا يجوز لأنه يؤدى إلى ابطال أحد الخبرين مع صحة حمله على وجه ~~ممكن وليس كذلك حكم العمومين إذا تعارضا لأنه لا يمكن الجمع بينهما على ~~وجه. # فاما قولهم: ان ما تناوله العام في حكم الخبرين يتناول أحدهما مثل ما ~~تناول الخبر الخاص والاخر يتناول ما زاد على ذلك وانه ينبغي أن يحكم ~~بالتعارض فيهما فليس بصحيح لان العام إذا كان جملة واحدة صح فيه من صرفه ~~إلى أن المراد بعضه ما لا يصح فيه إذا كان خبرين لأنه إذا كان (2) خبرين ~~فمتى قيل إن المراد ما تناوله أحدهما أدى ذلك إلى ابطال ما تناوله الخبرين ~~الذين يتناولان ما تناوله العام. # فان قيل: هلا حملتم أحدهما على أنه ناسخ للاخر؟ وتكونون قد استعملتم ~~الخبرين على وجه الحقيقة ويكون ذلك أولى من بناء العام على الخاص لان ~~استعمال العام في الخاص يكون مجازا. # يقال (3): انما يمكن حمل ذلك على النسخ إذا علمنا ms208 تاريخهما وان أحدهما ~~متقدم والاخر متأخر فيحمل ذلك على النسخ فاما مع عدم التاريخ فلا يمكن حمل ~~ذلك فيه. # PageV01P395 # ويدل على ذلك أيضا (1) *: ان على مذهب الخصم لو ثبت بالقياس (2) * اخراج ~~بعض ما يتناوله العام من عمومه وجب أن يخرج منه وخص به العموم فالخبر الخاص ~~إذا أوجب اخراج بعض ما تناوله (3) العام بذلك أولى لان السنة أقوى (4) من ~~القياس عنده. # ويدل على ذلك أيضا: ان العام والخاص لو وردا معا لعلمنا ان المراد بالعام ~~ما عدا ما تناوله الخاص لان ذلك دليل التخصيص فإذا وردا مفترقين ولا دليل ~~يدل على تقدم أحدهما وتأخر الاخر كانا في حكم ما وردا في وقت واحد ويجرى ~~مجرى الغرقى في أنه وان جاز تقدم أحدهم على الاخر فمتى عدم التاريخ في ذلك ~~حكم بأنهم كانوا ماتوا في حالة واحدة على مذهب الخصم. # واستدل بعض من نصر ما اخترناه بان قال: ما تناوله الخاص مقطوع به وما ~~تناوله العام مشكوك فيه فلا ينبغي أن يزال اليقين بالشك. # وهذا انما يمكن أن يعتمده من قال: ان العموم ليس له صيغة تفيد الاستغراق ~~فاما على ما ثبت عليه من أن له صيغة تفيد ذلك فلا يمكن لان ما تناوله العام ~~عندنا مقطوع به (5) * مثل ما تناوله الخاص فلا فرق بينهما على حال. # وقد استدل بوجوه اخر تضعف (6) وما ذكرناه أقوى ما يستدل به. # فاما المخالف لذلك فإنما عول في ذلك على أن من قال: انما تضمنه العام في ~~حكم ما تضمنه خبران أحدهما تضمن ما تضمنه الخاص والاخر تضمن غيره فكان ما ~~تضمنه الخاص معارضا له. # PageV01P396 # وقد أوردنا في دليلنا ما هو جواب عنه فأغنى عن الإعادة. # وقد تعلق كل فريق (1) منهما لوجود مواضع من العام والخاص بنى أحدهما على ~~الاخر أو حكم فيهما بالتعارض لا يمكن أن يعول (2) عليه لان لمن يخالفه أن ~~يقول انما حكمت بذلك لدليل دل عليه لولا الدليل لما قلت به. # وينبغي أن يكون المعتمد ما قدمناه من الأدلة وفيه كفاية ms209 إن شاء الله. # فاما العمومان إذا تعارضا (3) *: فلا يخلو من أن يكون طريق اثباتهما ~~العلم أو لا يكون كذلك: # فان كان طريق اثباتهما العلم يصح وقوعهما من حكيم على وجه ولا يصح على ~~اخر فما يصح وقوعه منه فوجوه: # أحدها: ان يقترن بهما التاريخ وان أحدهما متقدم والاخر متأخر فيحكم بان ~~المتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ. # والثاني: أن يمكن الجميع بينهما على وجه من التأويل (4) *. # والثالث: أن يكونا وردا مورد التخيير (5) *. # فهذه الوجوه التي يصح أن يقع العمومان المعلومان عليه من الحكيم. # ومتى خلا من ذلك بان يعدم (6) التاريخ ولا يصح الجمع بينهما لتضادهما علم ~~أنه لم يرد التخيير فإنه لا يجوز وقوعهما من حكيم لأنه يؤدى إلى أن يدل # PageV01P397 # الدليل على خلاف ما هو دليل عليه وذلك لا يجوز على حال. # فاما إذا عارض كل واحد من العمومين صاحبه من وجه ولا يعارضه من وجه نحو ~~قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ~~(١) وقوله: ﴿وان تجمعوا بين ~~الأختين﴾ (2) لان أحدهما يقتضى تحليل الجمع بين الأختين (3) والاخر ~~يقتضى حظره ويصح أن يكون المراد باية الجمع ما عدا المماليك ويحتمل أن يراد ~~باية المماليك ما عدا الأختين فقد استويا في التعارض وفي صحة الاستعمال على ~~وجه واحد فما هذه حالة وجب الرجوع في العمل بأحدهما إلى دليل ولذلك روى عن ~~أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: (أحلتهما آية وحرمتهما أخرى وانا انهى ~~عنهما نفسي وولدي) (4) فأخبر ان ظاهرهما يقتضى التعارض وانه عمل بأحدهما ~~لعلمه بذلك وان العمل به هو الواجب وروى عن عثمان انه وقف في ذلك وقال: ~~(أحلتهما اية وحرمتهما أخرى) (5) وحكى انه رجح تحريمها. # فاما إذا كان طريق اثباتهما الآحاد فإنه يرجع في العمل بأحدهما إلى ~~الترجيح وقد قدمنا (6) ما يرجح به أحد الخبرين على الاخر بما يرجع إلى ~~اسناده أو متنه فأغنى عن الإعادة مثال ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم انه قال: (من نام # PageV01P398 # عن ms210 صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها) (1) ونهى عن الصلاة في الأوقات ~~المخصوصة (2). # وكذلك روى عنه عليه السلام انه قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (3) وكان ذلك ~~عاما في الرجال والنساء والصبيان ثم نهى عن قتل النساء والولدان (4). # والطريقة في الكلام على ذلك ما قدمناه من الوقف والرجوع في العمل بأحدهما ~~إلى دليل. # ومن الناس من رجح (5) العمل بأحد هذين الخبرين دون الاخر بأنه خرج على ~~سبب فإذا عارضه الاخر وجب أن يقصر ذلك على سببه ولا يعدى ذلك لان الاخر ~~يمنع منه. # ولنا في عين هذه المسألة نظر وليس ذلك بمانع مما قلناه لان هذا مثال ولو ~~لم يرد هذا المثال لكان ما فرضناه صحيحا. # PageV01P399 # الباب السادس الكلام في البيان والمجمل PageV01P401 # فصل NoteV01P403N01 (في ذكر حقيقة البيان والمجمل وماهية النص وغير ذلك) ~~البيان عبارة عن الأدلة التي تبين بها الاحكام (1). # وعليه يدل كلام أبي على وأبي هاشم (2) واليه ذهب أكثر المتكلمين ~~والفقهاء. # ويعبر عنه بأنه (هداية) وبأنه (دلالة) وبأنه (بيان) كل ذلك يراد به معنى ~~واحد. # وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن البيان: (هو العلم الحادث الذي به يبين # PageV01P403 # الشئ) (1). # وفي الناس من جعل البيان هو: (الأدلة من جهة القول والكلام دون ما عدا ~~ذلك من الأدلة (2). # وذهب الصيرفي (3) إلى أن البيان هو: (ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى ~~التجلي) (4). # وقال الشافعي: (البيان اسم جامع لمعان متشعبة (5) الأصول متشعبة الفروع ~~وأقل ما فيه انه بيان لمن نزل القران بلسانه (6). # وقال من فسر كلامه (7): ان غرض الشافعي بهذا الكلام كان إلى ذكر ما هو ~~بيان في اللغة التي نزل بها القران لا ان يعينه وذكر اقسام ذلك ولذلك قال: ~~انه متشعب. # ثم قال: ان أقل ما فيه انه مما يتبين به من نزل القران بلسانه المراد ~~ويبين بذلك ان فيه ما يكون في باب الدلالة على أن المراد أقوى وأظهر من بعض ~~وان كان جميعه قد اشترك فيما ذكرناه. # وقال: هذا أقرب ما يحمل عليه كلامه. # والذي يدل على ما ms211 ذهبنا إليه: من أنه عبارة عن الدلالة على اختلاف ~~أقسامها ان بالأدلة يتوصل إلى معرف المدلول والبيان هو الذي يصح ان يبين ما ~~هو بيان له # PageV01P404 # ولأجل (1) * ذلك يقال: قد بين الله تعالى الاحكام والمراد بذلك انه دل ~~عليها بان نصب عليها الأدلة فكان بذلك في حكم المظهر لها فكما يقال لما قد ~~ظهر بان فكذلك يقال للمدلول عليه قد بان ويوصف الدال بأنه مبين يعلم بصحة ~~تصرفها في جميع المواضع ان المراد به ما قلناه وتجاوزوا ذلك إلى أن قالوا ~~في الامارات التي تقتضي غلبة الظن انه بيان كما قالوا فيها انها أدلة على ~~ضرب من المجاز. # فان قيل: ما أنكرتم أن يكون البيان عبارة عن العلم الحادث الذي يتبين به ~~الحكم دون الأدلة التي لا يتبين بها الحكم ولأجل ذلك (2) * لا يوصف الله ~~تعالى بأنه متبين لما لم يكن له علم حادث ولا يقال في الواحد منا فيما ~~يعلمه ضرورة انه متبين له لما لم يكن علمه حادثا وانما يوصف بما يتجدد له ~~من العلوم التي تحدث حالا بعد حال. # قيل: لا يجوز أن يكون البيان عبارة عن العمل لأنه لو كان كذلك لكان من ~~فعل هذه العلوم يكون هو المبين كما أن الدال يكون من فعل الدلالة ونحن نعلم ~~انا نصف الله تعالى بأنه قد بين لنا الاحكام فهو مبين كما يقول إنه دلنا ~~فهو دال ويسمى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضا بذلك قال الله تعالى: ~~(لتبين للناس ما نزل إليهم) (3) فجعله عليه السلام المبين لنا الاحكام وعلى ~~ما سأل السائل كان يجب أن يكون نحن المبينين لان العلوم الحادثة فينا هي من ~~فعلنا (4) * وذلك لا يقوله أحد فعلم بذلك ان الأولى ما قلناه. # واما التبين فلا يقع الا بالعلم على ما ذكره السائل (5) * ولأجل ذلك لم ~~نصف الله # PageV01P405 # تعالى بأنه متبين وان كان في الناس من ارتكب ذلك ولم يسلم ان التبين لا ~~يقع الا بالعلم الحادث وحد العالم انه مبين (١) للشئ على ما ms212 هو به واجري ~~ذلك على الله تعالى والواحد منا. # والأولى ما قلناه ولا ينقض ذلك ما نصرناه من أن البيان عبارة عن الأدلة ~~لأنا جعلنا ذلك عبارة عما يمكن الاستدلال به لا ما يقع به التبين وذلك حاصل ~~في الأدلة فينبغي أن يكون عبارة عنها. # وما أوردناه سؤالا هو شبهة أبي عبد الله من أن البيان عبارة عن العلم وقد ~~تكلمنا عليه. # فاما من حد البيان بأنه: (ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى حد التجلي) فقد ~~حد البيان بعبارة هي أشكل منها وينبغي أن يحد الشئ بما هو أظهر منه على أن ~~ما ذكروه انما هو بعض البيان لان البيان قد يكون مبتدأ وان لم يكن هناك ~~مشكل يخرج به إلى التجلي فعلم بذلك ان الأولى ما اخترناه. # وهذه المسألة الكلام فيها (٢) كلام في عبارة فلا معنى للإطالة فيه. # فاما المجمل فيستعمل على ضربين: # أحدهما: ما يتناول جملة من الأشياء وذلك مثل العموم وألفاظ الجموع وما ~~أشبههما ويسمى ذلك مجملا لأنه يتناول جملة من المسميات. # والضرب الاخر: هو ما أنبأ عن الشئ على جهة المجملة دون التفصيل ولا يمكن ~~ان يعلم المراد به على التفصيل نحو قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3) # PageV01P406 # ﴿وفي أموالهم حق معلوم﴾ (١) ~~وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم ~~حصاده﴾ (2) وما أشبه ذلك مما سنبينه فيما بعد. # واما النص: (فهو كل خطاب يمكن أن يعرف المراد به). # وحد الشافعي النص بأنه: (كل خطاب علم ما أريد به من الحكم كان مستقلا ~~بنفسه أو علم المراد به بغيره) (3) وكان يسمى المجمل نصا (3). # والى ذلك ذهب أبو عبد الله البصري. # والذي يدل على صحة ما اخترناه: ان النص انما يسمى نصا لأنه يظهر المراد ~~ويكشف عن الغرض تشبيها (4) بالنص (5) المأخوذ من الرفع نحو قولهم: (منصة ~~العروس) إذا أظهرت ونحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه كان ~~حين أفاض من عرفات ms213 إلى جمع يسير على هينته (6) فإذا وجد فجوة نص (7) يعنى ~~انه بلغ فيه الغاية فعلم بذلك صحة ما قلناه. # واما المفسر: (فهو ما يمكن معرفة المراد به). وهو موضوع في الأصل لما له ~~تفسير لكنه لما كان ما له تفسير يعلم بتفسيره مراده وكان ما يعلم المراد به ~~بنفسه بمنزلته سمى مفسرا. # PageV01P407 # واما المحكم: (فهو ما لا يحتمل الا الوجه الواحد الذي أريد به) ووصف ~~محكما لأنه قد احكم في باب الإبانة عن المراد. # واما المتشابه: فهو ما احتمل من وجهين فصاعدا. # فاما وصف القران بأنه متشابه كله في قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾ (١) فالمراد ~~به انه متماثل في باب الدلالة والهداية والاعجاز وقد وصفه الله تعالى بأنه ~~محكم بقوله: ﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾ ~~(٢) والمعنى بذلك انه أحكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت ويحصل به الغرض ~~المقصود ولذلك وجب حمل المتشابه على المحكم ويجعل المحكم أصلا له. # وقد وصف الله تعالى القرآن بان بعضه محكم وبعضه متشابه بقوله: ﴿هو الذي انزل عليكم الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات﴾ (3) والمعنى بذلك ما قدمناه. # واما الظاهر: (فهو ما يظهر المراد به للسامع) فمن حيث ظهر مراده وصف هو ~~بأنه ظاهر. # وقد بينا فيما تقدم معنى العام والخاص والامر والنهى فأغنى الإعادة إن ~~شاء الله تعالى. # PageV01P408 # فصل NoteV01P409N0٢ (في ذكر جملة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج) ~~الخطاب على ضربين: # أحدهما: يستقل بنفسه ويمكن معرفة المراد به بظاهره وان لم يضف إليه امر ~~اخر. # والاخر: لا يستقل بنفسه ولا يفهم المراد به بعينه الا أن يقترن به بيان ~~يدل عليه. # فاما ما يستقل بنفسه فعلى أربعة اقسام: # أولها: ما وضع في أصل اللغة لما أريد به وكان صريحا فيه سواء أكان عاما ~~أو خاصا أمرا كان أو نهيا فان جميع هذه الألفاظ يمكن معرفة المراد بظاهرها ~~فمتى خاطب الحكيم ms214 بها وأراد به ذلك أمكن أن يعلم مراده بها ونظير ذلك قوله ~~تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله الا بالحق﴾ (١) وقوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (٢) وقوله ﴿والله بكل شئ عليم﴾ (3) وغير ذلك. # PageV01P409 # وثانيها: ما يفهم المراد به بفحواه لا بصريحه وذلك نحو قوله: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ ~~(١) فان فحواه يدل على المنع من أذاهما على كل وجه. # وكذلك قوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ ~~(٢) لأنه يقتضى فحواه نفى الظلم لهم بذلك وما زاد عليه. # وفي الفقهاء من الحق هذا الوجه بالقياس وزعم أن جميع ذلك يفهم بضرب من ~~الاعتبار (٣) وذلك خطأ لان دلالة ما قدمناه من الألفاظ على ما قلناه أقوى ~~من دلالة النص لان السامع لا يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل فهو إذا ~~كالأول. # والذي يكشف عما قلناه انه لو قال: (ولا تقل لهما أف واضربهما أو اقتلهما ~~أو اصفقهما) يعد بذلك مناقضا وكذلك لو قال رجل لغيره: (انا لا أعطيك حبة) ~~ثم قال: (لكني أعطيك الدراهم واخلع عليك) كان ذلك مناقضة ظاهرة. ولو أن ~~قائلا قال: (فلان يؤتمن على قنطار) ثم قال: (ويخون (٤) فيما قدر دانق) كان ~~ذلك مناقضة فعلم بجميع ذلك صحة ما قلناه. # الا انه ربما كان بعضه اخفى (٥) من بعض وبعضه أظهر من بعض حتى يظن فيما ~~ليس منه انه منه وفيما هو منه انه ليس منه ولأجل ذلك اعتقد أكثر الفقهاء في ~~قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام اخر﴾ (6) فقال: انه يعقل منه فأفطر فعدة من أيام ~~اخر. # PageV01P410 # وهذا ليس بصحيح لان عندنا ان وجوب القضاء في هذه الآية يتعلق بنفس السفر ~~والمرض المخصوصين وان لم يفطر الانسان فتقدير (الافطار) لا يحتاج إليه. # ومن قال من الفقهاء: ان وجوب القضاء في هذا الموضع متعلق بالافطار. ms215 # فالمحصلون منهم قالوا: ان ذلك طريقة الدليل وليس هو من باب فحوى الخطاب ~~في شئ. # وثالثها: تعليق الحكم بصفة الشئ فإنه يدل على أن ما عداه بخلافه على ما ~~ندل (١) عليه وان كان فيه خلاف. # ورابعها: ما ذهب إليه كثير من الفقهاء وهو ما تدل فائدته عليه لا صريحه ~~ولا فحواه ولا دليله وهو على ضروب عندهم: # منها: ما يدل عليه تعليله نحو قوله عليه السلام في الهر: (انها من ~~الطوافين عليكم والطوافات) (٢) لان اللفظ لا يتناول ما عدا الهر ولا يعقل ~~ذلك بفحواه ولا بدليله وانما يحكم ذلك بالتعليل. # ومنها: قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ ~~(٣) ﴿والزانية والزاني﴾ (4) انه لما أفاد ~~الزجر بالآيتين أفاد ان القطع تعلق بالسرقة والجلد بالزنا فعلم ذلك في جميع ~~السراق والزناة هذا عند من قال: ان الألف واللام لا يستغرقان. # فاما من قال بذلك فلا يحتاج إلى هذا التمحل بل يوجب ذلك بلفظ العموم. # ومنها: ما قدمناه من أن الامر بالشئ يقتضى الامر بما لم (5) يتم الا به ~~وان فائدة القول يدل على ذلك. # وقد قلنا ما عندنا في جميع هذه الأمثلة بما (6) اغنى عن الإعادة. # PageV01P411 # فاما ما لا يستقل بنفسه في إفادة المراد ويحتاج إلى ما يقترن به من ~~البيان فعلى ضربين: # أحدهما: يحتاج إلى بيان ما لم يرد به مما يقتضى ظاهر كونه مرادا ولا ~~يحتاج إلى بيان ما أريد به بل يعلم ذلك بظاهره وذلك نحو العام إذا علم أنه ~~دخله التخصيص فإنه يحتاج في معرفة ما اخرج منه إلى دليل لا فيما أريد به ~~لان ما أريد به علم ذلك باللفظ المتناول له ويحتاج ان يعلم ما لم يرد به ~~منه وذلك نحو قوله: # ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) ﴿والزاني والزانية﴾ (٢) ﴿واقتلوا المشركين﴾ (3) وانه لما ~~علمنا أن في السراق من لا يجب قطعه مثل أن يكون سارقا من غير حرز أو ms216 سرق ما ~~دون النصاب أو لم يكن عاقلا أو كان هناك شبهة وغير ذلك من الشرائط المراعاة ~~في ذلك احتيج إلى بيان من لا يقطع لان عمومه يقتضى ان يقطع كل سارق من حصلت ~~فيه الصفات التي ذكرناها ومن لم يحصل فإذا دل الدليل على أن من لم تكمل هذه ~~الصفات فيه لا يجب قطعه اخرج من ذلك وقطع الباقون بظاهر (4) الآية. # وكذلك القول في اية الزنا والشرك فالطريقة واحدة. # ومن الناس (5) من الحق هذا الباب بالمجمل الذي يحتاج إلى بيان المراد منه # PageV01P412 # وقال: لا يصح التعلق بظاهره وسنبين ما عندنا في ذلك فيما بعد انشاء الله ~~تعالى. # والضرب الثاني: هو ما يحتاج إلى البيان في معرفة ما أريد به وهو على ~~ضروب: # منها: ما وضع في أصل اللغة ليدل على المراد على طريق (١) الجملة دون ~~التفصيل وذلك نحو قوله: ﴿حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٢) ﴿وفي أموالهم حق معلوم﴾ (٣) وقوله: (وآتوا حقه يوم ~~حصاده (٤) وقوله: ﴿لا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله الا بالحق﴾ (٥) ونحو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: # (عصموا منى دمائهم وأموالهم الا بحقها) (٦) وغير ذلك من الأمثلة: # ومنها: ما وضع في اللغة محتملا لمعان نحو قوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ (٧) لان ~~ذلك يحتمل وكذلك قوله ﴿يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (8) فان ذلك يحتمل الحيض والطهر. # PageV01P413 # ومنها: الأسماء الشرعية لأنها أجمع تحتاج إلى بيان ما أريد به نحو قوله: # ﴿وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة﴾ (١) ~~لأنه قد علمنا بالدليل أنه أراد غير ما وضعت هذه الألفاظ في اللغة له إلا ~~أن ذلك على ضربين: # أحدهما: ما يراد به ما لم يوضع في اللغة له البتة نحو الصلاة والزكاة. # والثاني: ما أريد به بعض ما وضع له في اللغة لكنه جعل اسما في الشرع ms217 لما ~~يقع منه على وجه مخصوص أو يبلغ حدا مخصوصا فصار كأنه مستعمل في غير ما وضع ~~له نحو الصيام والوضوء وغير ذلك. # ومنها: ما وضع في اللغة لينبئ عن المراد به لكنه قد علم أنه لم يرد به ~~بعض ما تناوله من غير تعيين لذلك البعض فهذا لا يعلم المراد به لأنه لا شئ ~~يشار إليه مما يتناوله الا ويجوز أن يكون مخصوصا منه وذلك نحو قوله: ﴿وأوتيت من كل شئ﴾ (٢) فإنه لما ~~علمنا أنها لم تؤت أشياء كثيرة على طريق الجملة احتجنا في معرفة ما أوتيت ~~إلى دليل. # وقد الحق قوم بهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ (3) وقالوا: انه إذا لم يصح ان يريد ~~بذلك جميع الخير لان فيه ما ليس بواجب فالواجب يحتاج إلى بيان أو يراد ~~بالامر الندب. # وهذا ليس بصحيح لان الخير الذي قد علم نفى وجوبه معلوم وذلك هو الذي لم ~~يرد فاما ما عداه فمعلوم وجوب فعله بظاهر اللفظ كما يقول في سائر ألفاظ ~~العموم الذي يخص بعضها. # ومنها: ما وضع في اللغة ليدل على المراد بظاهره الا انه إذا تعقبه شرط أو ~~استثناء مجمل يرجع إليه صار ما تقدمه مجملا وذلك نحو قوله تعالى: (وأحل لكم # PageV01P414 # ما وراء ذلكم) (١) فان ذلك يقتضى إباحة كل ما وراء المحرمات فلما قال ~~بعده (محصنين غير مسافحين) وكان مجملا افتقرت الآية إلى بيان وصارت مجملة. # ومثل ذلك أيضا قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام الا ما يتلى عليكم﴾ (2) لان ما يتلى لما كان مجملا فالأول ~~بمنزلته. # ومنها: لفظ العام إذا ورد واقتضى حكما والمعلوم من حال ذلك الحكم انه لا ~~يتم فعله الا بشئ اخر وذلك الشئ لا يعلم بالظاهر اقتضى ذلك اجمال العام ~~لأنه لا يمكن الاقدام على ذلك مع الجهل بما لا يتم الا به. # فهذه جملة مقنعة في ذكر ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج لان شرح ms218 ذلك ~~طويل. # فاما الذي لأجله قلنا: ان ما يمكن أن يعلم المراد به بظاهره لا يحتاج إلى ~~بيان فهو انه لو احتاج إلى بيان لكان يحتاج إليه فيما يقوم ويسد مسده فإذا ~~كان هو بنفسه مع أنه قام مقامه لا يبين به المراد فكذلك بيانه وفي ذلك ~~اخراج بيانه أيضا من أن يستقل بنفسه وايجاب إلى بيان اخر وذلك يوجب اثبات ~~ما لا يتناهى من البيان وذلك محال. # وانما قلنا: ان القسم الأخير يحتاج إلى بيان لأنه لا يمكن معرفة المراد ~~به فكان ذلك في حكم كل من لم يعرف حاله من الحاجة إلى بيانه ليتبين له ~~المراد وذلك ظاهر. # والله الموفق للصواب (3) # PageV01P415 # العدة في أصول الفقه تأليف شيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن بن ~~الطوسي (رحمه الله) 385 - 460 ه‍ الجزء الثاني تحقيق محمد رضا الأنصاري ~~القمي PageV02P413 # طبع هذا الكتاب على نفقة المحسن الكريم الحاج محمد تقي علاقبنديان، وفقه ~~الله تعالى لكل خير العدة في أصول الفقه لشيخ الطائفة الإمام محمد بن الحسن ~~الطوسي تحقيق: محمد رضا الأنصاري القمي الطبعة الأولى: ذو الحجة 1417 ه‍ ق، ~~1376 ه‍ ش، 3000 نسخة تنضيد الحروف: قسم الكمبيوتر لمؤسسة البعثة الفلم ~~والألواح الحساسة: تيز هوش - قم المطبعة: ستاره - قم. حقوق الطبع محفوظة ~~للمحقق PageV02P414 # العدة في أصول الفقه PageV02P415 # بسم الله الرحمن الرحيم فصل [3] " في ذكر الوجوه التي تحتاج الأشياء فيها ~~إلى بيان، وما به يقع البيان " إذا كان البيان عبارة عن الدلالة - على ما ~~قدمنا القول فيه - فكل وجه لا يعلم كون الشئ عليه ضرورة، فإنه يحتاج إلى ~~بيان، كما أن ذلك يحتاج إلى دلالة، وسواء كان عقليا أو شرعيا. # فأما ما علم كون الشئ عليه ضرورة، فإنه يستغنى بحصول العلم فيه عن بيان ~~ذلك، وكذلك ما يعلم بالدلالة إذا حصل العلم بالمعلوم، فإنه يستغنى بحصول ~~العلم به عن بيان ثان PageV02P417 # فإذا ثبت هذه الجملة، فالعقليات كلما لا يعلم منها ضرورة، و (1) ما يجرى ~~مجرى الضرورة، فلابد فيه من بيان، كما ms219 لابد فيه من دلالة. # والشرعيات بأجمعها تحتاج إلى بيان، كما تحتاج بأجمعها إلى دلالة. # هذا إذا أردنا بالبيان الدلالة، ومتى أردنا ما يرجع إلى الخطاب، والفرق ~~بين ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج، فقد قدمنا القول في ذلك، وقلنا: إن ما ~~يحتاج من ذلك إلى بيان على وجوه: منها ما يحتاج في تخصيصه إذا كان عاما ~~وعلم في الجملة أنه مخصوص، فإنه يحتاج في تعيين ما خص به إلى بيان. # ومنها: ما يحتاج إلى بيان النسخ إذا كان مما ينسخ، لأنه إذا قيل: " ~~افعلوا كذا إلى وقت ما ينسخ عنكم " فإن وقت النسخ يحتاج إلى بيان. # ومنها ما يحتاج إلى بيان أوصافه وشروطه إذا كانت له أوصاف وشروط، كما ~~قلناه في الأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة وغيرها. # وقد يحتاج الفعل أيضا إلى بيان، كما يحتاج القول إليه إذا لم ينبئ بنفسه ~~عن المراد، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. # فأما ما به يتبين الشئ فأشياء: # منها الكتابة، وذلك نحو ما كتب النبي عليه وآله السلام (2) إلى عماله ~~بالأحكام التي بينها لهم ولمن بعدهم، من كتب الصدقات، والديات، وغيرها من ~~الأحكام. # ومنها: القول والكلام، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشريعة ~~أكثرها بذلك. # ومنها: الأفعال، وذلك نحو ما روي عن النبي عليه وآله السلام (3) أنه صلى # PageV02P418 # وحج، وتوضأ، قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (1)، وقال: " خذوا عنى ~~مناسك دينكم (2)، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (3) فأحال ~~جميع ذلك على أفعاله عليه السلام. # ومنها: الإشارة، وذلك نحو ما بين النبي عليه وآله السلام (4) الشهر ~~بأصابعه فقال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابعه العشرة كلها " (5) وأراد ~~بها أن الشهر يكون ثلاثين يوما، ثم قال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض ~~إبهامه في الثالثة " (6) (5) فبين أنه قد يكون تسعة وعشرين يوما. # وألحق بذلك من خالفنا في القياس والاجتهاد أنه قد بين أحكاما كثيرة ~~بالتنبيه على طريقة القياس على ما يذهبون إليه، وذلك عندنا باطل. # وأما بيان الله تعالى فقد يكون ms220 بالكتابة وبالقول، لأنه تعالى كتب في ~~اللوح المحفوظ، وبين ذلك للملائكة، وبين بخطابه، وما أنزل على النبي عليه ~~وآله السلام (4) من القرآن لنا المراد، وبين أيضا بأن دلنا على التأسي ~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بفعله. # فأما الإشارة، فلا يجوز عليه تعالى، لأنها لا تكون إلا بالآلات، والله ~~تعالى ليس بذي آلة، إلا أنه من أوجب علينا الاقتداء بالنبي عليه وآله ~~السلام، وقد # PageV02P419 # بين عليه وآله السلام بالإشارة، لجاز (1) أن يضاف ذلك إلى الله تعالى. # كما أن أفعال الجوارح لا تجوز أيضا عليه، وقد أضفنا إليه تعالى (2) ما ~~بينه النبي عليه السلام (3) بأفعاله من حيث أوجب علينا الاقتداء به فكذلك ~~القول في الإشارة. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV02P420 # فصل [4] " في ذكر جملة ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج من الأفعال " ~~الفعل على ضربين: # ضرب منه: يقع على وجه، من وجوب، أو ندب، أو إباحة، ويعلم وقوعه على ذلك ~~الوجه، فما يكون كذلك لا يحتاج إلى بيان ليعلم به الوجه الذي وقع عليه، لأن ~~ذلك قد حصل العلم به. # والضرب الآخر: أن يعلم مجرد الفعل ولا يعلم الوجه الذي وقع عليه، ويجوز ~~فيه وقوعه واجبا، وندبا، ومباحا على حد واحد، فما يكون كذلك يحتاج إلى بيان ~~يعلم به الوجه الذي وقع عليه. # وجرى الفعل في هذا الباب مجرى القول، لأن القول لما انقسم إلى قسمين: # قسم أنبأ عن المراد بظاهره وصريحه استغنى بذلك عن بيان المراد، والقسم ~~الآخر لم ينبئ عن المراد على التعيين، احتاج في العلم بتعيينه إلى بيان، ~~فساوى القول الفعل من هذا الوجه على ما بيناه. # ونحن وإن ذهبنا إلى أن الأفعال كلها لابد من أن يعرف المراد بها، ويعرف ~~على أي وجه وقعت عليه بدليل، فذلك لا يمنع من أن يكون حالها ما وصفناه، كما ~~أن الأقوال كلها قد علم أنها تحتاج في معرفة ما وضعت له، وأن الحكيم مريد ~~بها ذلك PageV02P421 # إلى الدليل، ومع ذلك انقسمت إلى القسمين اللذين ذكرناهما، فكذلك الفعل ~~(1) على ms221 ما بيناه. # وإذا ثبت ذلك، وكان في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ينبئ ~~بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه، فينبغي أن يستغني ذلك عن البيان، وما كان ~~فيه من أفعاله لا ينبئ بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه، احتاج إلى بيان. # ونظير القسم الأول أنه إذا روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة ~~بأذان وإقامة جماعة، علم بذلك أنها واجبة، لأن ذلك من شعار كون الصلاة ~~واجبة دون كونها نفلا، فما يجري هذا المجرى مما وضع في الشرع لشئ مخصوص فلا ~~يقع على غير ذلك الوجه، فإنه يحتاج إلى بيان. # ومثل ذلك أيضا: إذا شوهد النبي عليه وآله السلام (2) فعل فعلا في الصلاة ~~على طريق العمد، علم بذلك أن ذلك الفعل من الصلاة، ولذلك قلنا: إنه لما ~~شوهد ركع ركوعين وأكثر من ذلك في ركعة واحدة في صلاة الكسوف علم أن ذلك من ~~حكم هذه الصلاة، ونظائر ذلك كثيرة. # وأما ما يقع من أفعاله عليه السلام على وجه الإجمال، ولا يعلم الوجه الذي ~~وقع عليه، فنحو أن يرى عليه السلام (2) يصلي منفردا بنفسه (3)، فإنه يجوز ~~أن تكون تلك الصلاة واجبة، ويجوز أن تكون ندبا، فيقف العلم بوجهها على ~~البيان. # وكذلك إذا قيل: أنه توضأ ومسح على رأسه (4)، احتمل أنه فعل ذلك ببقية ~~النداوة، واحتمل أن يكون بماء جديد، فإذا قيل أنه فعل ذلك ببقية النداوة - ~~على ما # PageV02P422 # نذهب إليه (1) -، أو بماء جديد - على ما يذهب إليه المخالف - كان ذلك ~~بيانا له، فينبغي أن يجري ما يرد من الأفعال على القسمين اللذين ذكرناهما، ~~فليس يخرج عنهما شئ من الأفعال. # PageV02P423 # فصل NoteV02P424N05 " في أن تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره " (1) ~~اختلف العلماء في العموم إذا خص: فذهب عيسى بن أبان البصري إلى أنه متى ~~دخله التخصيص (2) صار مجملا فاحتاج إلى بيان، ولا يصح التعلق بظاهره (3). # PageV02P424 # وذهب الشافعي وأصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يصح التعلق به - وإن ~~خص - على كل حال (١). # وذهب أبو الحسن الكرخي ms222 إلى أنه إذا خص بالاستثناء، أو بكلام متصل صح ~~التعلق به وإذا خص بدليل (٢) لم يصح (٣). # وحكى عبد الجبار بن أحمد (٤) عن أبي عبد الله البصري أنه قال: " يحتاج أن ~~ينظر في ذلك، فإن كان الحكم الذي تناوله العموم يحتاج إلى شروط أو أوصاف لا ~~ينبئ اللفظ عنها جرى في الحاجة إلى بيان مجرى قول الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (5) لأنه يساويه ~~في أن المراد بها لا يصح أن يعرف بالظاهر. # قال: ولا فصل بين ألا يعلم ما لا يتم قطع السارق إلا به من الأوصاف ~~بالظاهر، وبين ألا يعلم الصلاة بالظاهر، لأن الجهل بما يتم الحكم إلا به ~~كالجهل بنفس الحكم، فالحاجة إلى العلم بأحدهما كالحاجة إلى العلم بالآخر. # PageV02P425 # ويقول: كل عام خص وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خص منه، ~~جرى في صحة التعلق به مجرى العموم إذا اتصل به الاستثناء. # قال: والظاهر من كتب أبي علي وأبي هاشم جميعا صحة التعليق بعموم قوله: # ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) وما ~~شاكله، وقد صرحا بأن التخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبئ الظاهر عنها، أنه ~~لا يمتنع من التعلق بالظاهر، وعلى ذلك بينا الكلام في الوعيد لأنهما استدلا ~~به، وإن كان العاصي الذي تعلق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما " (٢). # هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه " العمد " (٣) ~~والذي أذهب إليه: أن العموم إذا خص صح التعلق بظاهره، سواء خص بالاستثناء ~~أو بكلام متصل، أو منفصل، أو دليل وعلى كل حال، إلا أنه يحتاج أن ينظر في ~~ألفاظ العموم الذي يتعلق الحكم بها، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها ~~وعمومها نفذنا الحكم فيما أريد منا وفيما لم يرد، يحتاج إلى أن يبين لنا ما ~~لم يرد منا لنخصه من جملة ما تناوله اللفظ، فأما ما أريد منا فقد علمنا ~~بالظاهر وذلك نحو قوله: # ﴿والسارق والسارقة﴾ (٤)، و ﴿اقتلوا المشركين﴾ (5) وما يجرى ~~مجرى ذلك لأنا لو خلينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحق القطع ومن لا يستحق ~~القطع إذا كان سارقا، لكن لما كان في جملة السراق من لا يجب قطعه وهو من لا ~~يكون عاقلا ويسرق من غير حرز، أو سرق ما دون النصاب، أو كانت هناك شبهة ~~وغير ذلك من الصفات والشروط المراعاة في ذلك، احتاج أن يبين لنا من لا يجب ~~قطعه، فإذا بين ذلك بقى الباقي على عمومه وشموله، وعلمنا حينئذ انه يستحق ~~القطع. وكذلك قوله: (واقتلوا # PageV02P426 # المشركين) (١) وما جرى مجراه. # وإن كانت ألفاظ العموم متى خلينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما ~~أريد منا على وجه، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منا، وذلك نحو ~~قوله: # ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢)، لأنا لو ~~خلينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منا على وجه، فوقف ذلك ~~على البيان. # والذي يدل على صحة ما اخترناه: أن الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلقا باسم ~~معقول في اللغة، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر، إلا أن يدل دليل على ~~أنه لم يرد ما وضع له في اللغة، ولولا ذلك لما صح التعلق بشئ من الخطاب، ~~لأنه يجوز أن يراد بكل خطاب غير ما وضع له، ولا مخص من ذلك إلا بأن يقال لو ~~أريد به غير ما وضع له ليبين، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم، ولا ~~يلزمنا مثل ذلك في قوله ﴿أقيموا ~~الصلاة﴾ (3) لأنا قد علمنا أنه لم يرد بذلك ما وضع له في اللغة، فلذلك ~~وقف على البيان. # والذي يبين أيضا ما ذكرناه: أن ما خص بالاستثناء إنما يصح التعلق به لما ~~قدمناه من أن ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به، وإن كان الاستثناء قد صيره ~~مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى، فيجب مثل ذلك في كل عموم خص بدليل وإن ~~كان منفصلا. # ويدل على ذلك أيضا: أنه لو كان ms224 من شرط صحته التعلق بألفاظ العموم أن لا ~~يكون قد خصت، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، أدى إلى ~~ألا يصح التعلق بشئ من ألفاظ العموم، لأنه ليس هاهنا شئ من ألفاظ العموم ~~إلا وهو إما مخصوص، وإما أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، وذلك ~~يؤدي # PageV02P427 # إلى بطلان ما تعلقت الصحابة ومن بعدهم به، ألا ترى أن أمير المؤمنين عليه ~~السلام تعلق بقوله: ﴿وأن تجمعوا بين ~~الأختين﴾ (١) في تحريم الجمع بين المملوكتين، وكذلك تعلق بقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ (٢)، ومن ثم ~~قال: " أحلتهما آية وحرمتهما أخرى " (٣)، وكذلك حكي عن عثمان (٤). # وتعلق ابن عباس بقوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعتكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (5) حتى رد خبر ابن الزبير (6) لأجله ~~وقال: " إن قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير " (7) وغير ذلك مما لا يحصى ~~كثرة. # وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، وقد جعل ~~مجازا بدخول التخصيص فيه، فعلم بذلك أن صحة التعلق بألفاظ العموم صحيح و إن ~~كان مخصوصا. # PageV02P428 # وأما من نصر خلاف ما ذهبنا إليه، فقد حكى عبد الجبار (١) عن أبي عبد الله ~~البصري: " أنه ربما جمع بين قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ (٢)، وبين قوله: ﴿واقتلوا المشركين﴾ (3)، وقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " الجار أحق بصقبه " (4) " وفيما سقت السماء ~~العشر " (5) في امتناع التعلق بظاهرها مرة، وربما فرق بينهما أخرى، ويقول ~~عند الفصل بينهما: # " إن العشر متعلق بما سقته السماء، والذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا ~~صفته، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنه لا يمنع من التعلق بالظاهر. # وأما (السارق والسارقة) (2)، فالحاجة إنما هي إلى بيان صفته، فهو كالحاجة ~~التي يتعلق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك، فلذلك امتنع التعلق ~~بالظاهر. # ويقول: الصفة المتعلق بها في الشرك هي في إسقاط قتله ms225 لا في إثبات قتله، ~~والصفة المتعلق بها في السارق هي في إثبات قتله، فلذلك افترقا. # وربما يقول في الجميع: إن التعلق بظاهره لا يمكن، وإن الواجب ألا يعترض ~~على الأصول بالفروع، بل يجب بناؤها عليه ". (6) وهذه ألفاظه بعينها ~~ذكرناها. # وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا " في أن قوله: (والسارق ~~والسارقة) (2)، # PageV02P429 # وقوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (1)، ~~أن القطع يتعلق بنفس السرقة، وإنما يحتاج إلى بيان مراعاة الصفات والشروط ~~فيمن لا يجب ذلك، وجرى ذلك مجرى قوله: (اقتلوا المشركين) وأن القتل يتعلق ~~بالشرك، وإنما يحتاج أن يبين صفة من لا يجب قتل من أهل الكتاب وغيرهم من ~~النساء والصبيان. # فأما قوله " الجار أحق بصقبه " فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كل ~~شئ إلا ما يخرجه الدليل، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم، وكذلك قوله: # " وفيما سقت السماء العشر " (3) عام في جميع ذلك، فإن دل الدليل على وجوب ~~اعتبار صفات في الأرض، قلنا به وخصصناه منه وبقينا الباقي على عمومه. # وكلما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى، والطريقة واحدة في الكلام ~~عليه # PageV02P430 # فصل NoteV02P431N06 " في ذكر وقوع البيان بالأفعال " (1) ذهب الفقهاء ~~بأسرهم، والمتكلمون إلى أن البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول (1). # وقال بعض المتأخرين: إن البيان لا يقع بالفعل (1). # والذي يدل على صحة مذهب الأول أشياء: # منها: أنه إذا كان الفعل مما يقع به التبيين كما يقع بالقول، فينبغي أن ~~يجوز وقوعه، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول: " صلوا صلاة أوجبها الله ~~عليكم "، ثم يبين صفتها وكيفيتها بالقول، وبين أن يقوم فيصلى، في أنه يقع ~~في الحالين التبيين على حد واحد. # ولو قيل: أن التبيين يقع بالفعل آكد مما يقع بالقول، لكان ذلك سائغا (2)، # PageV02P431 # ولأجل ذلك رجعت الصحابة في بيان صفة الوضوء إلى كيفية فعل النبي (1) صلى ~~الله عليه وآله، فمن دفع وقوع البيان بالأفعال كان مبعدا، فلا فرق بين قوله ~~في ذلك، وبين من دفع ثبوت الأحكام بالأفعال، وفي ذلك خروج عن الإجماع. ms226 # فإن قال: أليس من حق بيان الكلام أن يكون متصلا به أو في حكم المتصل به، ~~ولا يصح في الفعل مع الوقف، فكيف يصح أن يكون بيانا له؟ # قيل له: لا نسلم أن من حق البيان أن يكون متصلا بالكلام على كل، حال بل ~~يجوز عندنا ان يتأخر البيان عن حال الخطاب إذا لم يكن الوقت وقت الحاجة على ~~ما نبينه (2)، فعلى هذا يصح ان يتأخر البيان ويقع بالفعل، ومتى فرضنا أن ~~الوقت وقت الحاجة، فذلك أيضا لا يمنع من وقوع البيان بالفعل، ألا ترى أنه ~~لا فرق بين أن يقول: " صلوا إذا زالت الشمس صلاة أوجبها الله عليكم " فإذا ~~زالت الشمس بينها وبين كيفيتها وصفاتها، وبين أن يقوم عند الزوال فيصلي ~~صلاة، فإنا نعلم به بيان تلك الصلاة بفعله كما نعلم بقوله لو بينها به. # وليس يلزم من حيث كان الفعل لا يقع إلا في زمان ممتد أن يمنع ذلك من وقوع ~~البيان به كما يمنع ذلك في القول، لأن البيان بالقول أيضا يمتد الزمان فيه ~~كما يقع بالقول الذي لا يمتد الزمان فيه من وجيز الكلام، فليس امتداد ~~أحدهما إلا كامتداد الآخر، وإن كان أحدهما أكثر والآخر أقل. # فإن قيل: كيف يعلم تعلق الفعل بالمبين حتى يعلم أنه بيان له؟، مع تجويز ~~أن يكون ذلك الفعل وقع ابتداء لا بيانا لما تقدم، [و] في هذا ارتفاع ~~التبيين به. # قيل له: إذا خاطب بالمجمل، ولم يكن الوقت وقت الحاجة، جاز أن يقول النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " أبين صفة ما أو أجبت عليكم بالفعل "، فإذا جاء # PageV02P432 # وقت الحاجة فعل فعلا يمكن أن يكون بيانا له، فإنا نعلم بذلك بيان ما ~~خاطبنا به أولا. # وإن كان الوقت وقت الحاجة، ففعل عقيب الخطاب فعلا يمكن أن يكون بيانا له، ~~فإنا نعلم به المراد، ونعلم أنه متعلق به، لأنه لو لم يكن متعلقا به لكان ~~قد أخلى خطابه من بيان مع الحاجة إليه، وذلك لا يصح، ولهذا قلنا إنه لا فرق ms227 ~~بين أن يقول: # " صلوا صلاة الساعة " ثم يتبعها بالقول، وبين أن يقوم فيصلى عقيب هذا ~~القول صلاة، فإنا نعلم تلك الصلاة بيانا لما قدم القول فيه، ولا فرق بين ~~الموضعين. # فإن قيل: إذا قلتم: إنه لا يمتنع أن يقول لنا: " إذا خاطبتكم بالمجمل ~~وفعلت بعده فعلا فاعلموا أنه بيان له "، فقد عدتم إلى أن البيان حصل بالقول ~~ودون الفعل. # قيل له: ليس الأمر على ذلك، بل البيان لا يقع إلا بالفعل في الموضع الذي ~~ذكروه، وإنما يعلم بقوله تعلق فعله بالقول المجمل، وأما بيان صفته فإنه ~~يحصل بالفعل دون القول على ما بيناه. # ويدل على ذلك أيضا: رجوع المسلمين بأجمعهم في عهد الصحابة ومن بعدهم في ~~بيان صفة الصلاة، والحج، والطهارة، إلى أفعال النبي (1) عليه السلام ~~وتبينوا بذلك قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) (2) و (لله على الناس حج البيت) ~~(3)، فلولا أنهم علموا أن ذلك يقع به البيان، وإلا لم يجز الرجوع إليه. # ويدل أيضا على ذلك: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ~~لأصحابه: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4) و " خذوا عنى مناسككم " (5) ~~فأحالهم في بيان (1) صلى الله عليه وآله وسلم. # (2) البقرة: 43. # (3) آل عمران: 97. # (4) المعتبر 2: 227، بحار الأنوار 85: 279، صحيح البخاري: ب 18 كتاب ~~الأذان ح 27، مستند أحمد 5: 53، السنن الكبرى 2: 345. # (5) السنن الكبرى 5: 125، ورواه أيضا مسلم عن جابر، والنسائي بلفظ " يا ~~أيها الناس خذوا عني مناسككم ". PageV02P433 # ذلك على أفعاله، فلولا أن البيان واقع بها وإلا لم يجز أن يحيلهم عليها. # وقد يبين الفعل بالفعل، كما يبين به القول، نحو أن يقنت النبي عليه ~~السلام في الفجر وغيره من الصلوات (1)، ثم نراه يتركه في تلك الصلاة، فيعلم ~~بذلك أنه لم يكن واجبا، لأنه لو كان واجبا لما تركه على حال، ونحو جلسته ~~إلى الركعة الثانية تارة وتركها لها أخرى (2)، فإن ذلك يدل على أنها لم تكن ~~واجبة. # وقد يدل تركه للشئ على حالة له أخرى، نحو أن يترك الصلاة في وقت مخصوص، ~~فإن ذلك يدل على أنها ليست بواجبة، فإن كان قد ms228 تقدم دليل يدل على وجوبها في ~~ذلك الوقت، فإن تركه لها في ذلك الوقت يدل على أنها قد نسخت أو خصت. # ومتى حدثت حادثة ولم يبين الحكم فيها، فإن ذلك يدل على أنها باقية على ~~حكم العقل، لأنه لو كان لها حكم شرعي لبينه أو نبه عليه، فإذا (3) ترك ~~النكير على من أقدم بحضرته على فعل ولم يتقدم منه بيان لقبحه، دل على أنه ~~ليس بقبيح. # فعلى هذه الوجوه تعتبر أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم، لا بأعيان ~~المسائل. # ومتى حصل قول وفعل يمكن أن يكون كل واحدا منهما بيانا للمجمل وجب العمل ~~بالقول، لأنه إنما نلتجئ إلى الفعل ونجعله بيانا للمجمل عند الضرورة، فأما ~~مع وجود البيان بالقول فلا حاجة بنا إلى ذلك. # والبيان من حقه أن يكون في حكم المبين، فإن كان المبين واجبا كان بيانه ~~واجبا، وإن كان ندبا كان بيانه ندبا، وإن كان مباحا كان بيانه مباحا، ولأجل ~~ذلك نقول: # إن أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت ~~واجبة، وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كذلك. # PageV02P434 # والمجمل على ضروب: # منها: ما يكون لازما لجميع المكلفين، فما هذا حكمه يجب أن يكون بيانه في ~~حكمه في الظهور، وذلك مثل الصلاة والطهارة وما أشبههما. # ومنها: ما يختص بفرضه الأئمة عليهم السلام فينبغي أن يكون للأئمة طريق ~~إلى العلم بها، ولا يجب ذلك في غيرهم. # ومنها: ما يختص بالعلماء، فينبغي أن يكون لهم طريق إلى معرفته. # وقد أجاز من خالفنا، وقوع البيان بخبر الواحد والقياس، كما أجازوا العمل ~~بهما (1). # وعندنا أن ذلك غير جائز على ما بينا القول فيه (2). # فأما على المذهب الذي اخترناه (2) من العمل بالأخبار التي تنقلها الطائفة ~~المحقة، فإنه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل، ولذلك رجعت الطائفة في ~~كثير من أحكام الصلاة، والوضوء، وأحكام الزكاة، والصوم، والحج إلى الأخبار ~~التي رووها ودونوها في كتبهم وأصولهم. # ومن قال من أصحابنا: أنه لا يجوز العمل بها إلا إذا كانت معلومة، ms229 ينبغي ~~أن يقول: لا يقع بها البيان أصلا، وهذا خلاف ما عليه عمل الطائفة على ما ~~بيناه (2). # وهذه جملة كافية في هذا الباب # PageV02P435 # فصل NoteV02P436N0٧ " في ما الحق بالمجمل وليس منه، وما اخرج منه وهو ~~داخل فيه " ذهب أبو عبد الله البصري وحكاه أبو الحسن الكرخي إلى أن قوله: ~~﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (١) الآية، ~~وقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ ~~(2) وما أشبههما من الآيات التي علق التحريم فيها بالأعيان مجمل (3). # وذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن ذلك مفهوم من ظاهره وليس بمجمل (4)، وإن ~~كان أبو هاشم ربما ذكر أن ذلك مجاز. # والصحيح هو القول الأخير. # وشبهة من ذهب إلى القول الأول هي أن قال: إن ما يعلق التحريم من الأفعال ~~في الأعيان إذا لم يكن مذكورا في الظاهر لم يجز التعلق بظاهره، فإن ذلك ~~يكون # PageV02P436 # مجازا، وجرى مجرى قوله: ﴿واسئل ~~القرية﴾ (١) وأراد أهلها. # وهذا الذي ذكروه غير صحيح ولا شبهة فيه، وذلك أن التحليل والتحريم وإن ~~استحال تعلقهما بالأعيان من حيث كانت موجودة كافية لا يصح وقوعها، ولا هي ~~في مقدورنا فيصح أن نتعبد بها، وإنما ينصرف إلى الفعل الذي يصح ان يقع منا، ~~فقد صار بعرف الشرع يستعمل في الأعيان ويراد به الأفعال فيها، وقد بينا ~~فيما مضى (٢) أن الاسم إذا انتقل عن أصل الوضع إلى عرف الشرع وجب حمله على ~~ما يقتضيه عرف الشرع، لأن ذلك صار حقيقة فيه، ألا ترى إنه إذا قال: (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) (١) لا يسبق إلى فهم أحد تحريم الذوات، وإنما يفهم من ذلك ~~تحريم الوطء والعقد لا غير، ولا فرق بين من دفع ذلك وبين من دفع أن تكون ~~لفظة " الغائط " منتقلا عما وضع له في اللغة، ويتوصل بذلك إلى أن قول ~~القائل: " أتيت الغائط " لا ينبئ عن الحدث المخصوص، والمعلوم خلاف ذلك. # وإذا ثبت ذلك صار لفظ " التحريم " إذا علق بالعين فهم منه تحريم الفعل ~~فيها، فصار ms230 كفحوى الخطاب الذي يدل على الشئ وإن لم يتناوله لفظا. # ولا فرق بين من دفع الاستدلال بظاهر قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٤) على تحريم الفعل فيها، ~~وبين من دفع الاستدلال بقوله: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ (٥) على تحريم ~~ضربهما وشتمهما. # وليس لهم أن يقولوا: لو كان أمره على ما ذهبتم إليه لما اختلفت فائدة ~~مفهوم ذلك، ألا ترى أن قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (3)، التحريم يتناول هاهنا ~~العقد # PageV02P437 # والوطء، وليس كذلك في قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (١)، بل المراد هاهنا غير ~~المراد هناك، وذلك أنه لا يمتنع أن يتعارف استعمال التحريم المعلق بالعين ~~في أعيان مختلفة بحسب ما جرت العادة بفعلها في الأعيان، ويتعارف عن تحريم ~~الأمهات الاستمتاع، ومن تحريم الميتة الأكل، لأن اللفظة الواحدة لا يمتنع ~~ان يختلف المعقول بها بحسب اختلاف ما تعلق به، ألا ترى أن النظر بالعين لا ~~يعقل منه ما يعقل من النظر بالقلب، فلما جاز أن يختلف المعقول من النظر ~~بحسب اختلاف ما تعلق به من العين والقلب، فكذلك القول في التحريم. # وليس لأحد أن يقول: إذا كان المحرم من الأمهات غير المحرم من الميتة، علم ~~أن اللفظ لا يفيد، إذ لو أفاده لأتفق ما يفيده في الموضعين، أو يكون ذلك ~~مجازا على ما مر في كلام أبي هاشم، وذلك أن الذي يقال في ذلك أنه مجاز في ~~اللغة وإن كان حقيقة في العرف، كما تقول في " الغائط " و " الدابة " وما ~~أشبههما. # وذهب قوم ممن تكلم في أصول الفقه إلى أن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ (3) ~~الآية، وغير ذلك من الآيات التي ذكر فيها المدح أو (4) الذم مجمل، وقالوا: ~~إن القصد بها تعليق الذم بالفعل المذكور فيها أو المدح لا بيان الحكم بها ~~وتفصيله، فالتعلق بها في الحكم وفي ms231 شروطه لا يصح (5). # PageV02P438 # وذهب أكثر من تكلم في أصول الفقه إلى خلاف ذلك، وقالوا: إن ذلك عموم (١)، ~~وهو الصحيح. # والذي يدل على ذلك: أن القصد إلى الوعيد والذم لا يمنع من القصد إلى ~~الحكم وبيانه، فكيف يصح أن يتعلق في بطلان التعلق به ما ذكروه من أن القصد ~~به الوعيد، ولا فرق بين من قال ذلك، وبين من قال: إن الآية إذا قصد بها ~~الزجر لا يصح أن يبين الحكم بها، فيتوصل بذلك إلى إبطال التعلق بآية السرقة ~~والزنا وغير ذلك. # وهذا بعيد من الصواب. # وأيضا: فإن ذكر الذم على الحكم المذكور يؤكد وجوبه ويقوي ثبوت ما ذكر من ~~أوصافه، فكيف يقال إنه يخرج الآية من صحة التعلق بها؟ # وذهب قوم: إلى أن قوله: ﴿وامسحوا ~~برؤسكم﴾ (2) مجمل، وجعلوا بيانه فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~(3). # وامتنع آخرون من ذلك وقالوا: إن الباء تفيد إلصاق المسح بالرأس من غير أن # PageV02P439 # يقتضي مقدارا من المسح، فمن مسح بشئ من رأسه فقد أدى ما يوجبه الظاهر، ~~ولا حاجة به إلى البيان (١). # والذي نقوله في هذه الآية: إن الباء تفيد عندنا التبعيض - على ما بيناه ~~فيما مضى - من أنها إنما تدخل للإلصاق إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول ~~به بنفسه، فيحتاج إلى إدخال الباء ليلصق الفعل به، فأما إذا كان الفعل مما ~~يتعدى بنفسه فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك، فإذا ثبت ذلك فقوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (2) يتعدى ~~بنفسه، لأنه يحسن أن يقول: (امسحوا رؤوسكم) فيجب أن يكون دخولها لفائدة ~~أخرى وهي التبعيض، إلا أن ذلك البعض لما لم يكن معينا، كان مخيرا بين أي ~~بعض شاء، فإن علم بدليل أنه أريد منه موضع معين لا يجوز غيره، وقف ذلك على ~~البيان، وصارت الآية مجملة من هذا الوجه. # ومن الناس من قال: إن قوله: (فاقطعوا أيديهما) (3) يقتضى قطع اليد إلى ~~المنكب لأن ذلك يسمى يدا (4). # وقال آخرون: إنه مجمل لاحتماله له ولغيره ms232 (5). # وقال آخرون: إنه ليس بمجمل، لأن " اليد " في الحقيقة تتناول جملة العضو ~~فيجب حمله عليها، ولو كانت تقع على العضو إلى المنكب والزند جميعا لوجب ~~حمله على أقل ما يتناوله، إلا أن يدل الدلالة على خلافه، فادعاء الإجمال ~~فيه لا # PageV02P440 # يصح (1). # والوجه الآخر أقرب إلى الصواب. # وذهب قوم: إلى أن قول القائل: (أعط فلانا دراهم) مجمل، لأنه يمكن أن يراد ~~به أكثر من ثلاثة. # وقال آخرون: إن هذا غلط، لأن تجويز ذلك لا يمنع من أن يكون ظاهره يقتضى ~~ما قلناه، فسبيل هذا القائل كسبيل من قال: إن لفظ الخاص مجمل، لجواز أن ~~يراد به العام. وهذا الوجه أقرب إلى الصواب. # وذهب قوم: إلى أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " في الرقة ربع العشر " ~~(2) إنما يدل على وجوب ربع العشر في هذا الجنس، ويحتاج إلى بيان القدر الذي ~~يؤخذ منه ذلك (3). وقال آخرون: إن ذلك ليس بمجمل، لأن ظاهره يقتضي ربع ~~العشر في الجنس كله، فلا معنى للتوقف في ذلك، فلولا قوله عليه السلام (4): ~~" ليس فيما دون خمسة أواق صدقة " (5) مخصصا به ذلك العموم، لكان يجب حمله ~~على ظاهره (6)، وهذا هو الصحيح دون الأول. # وذهب قوم: إلى أن ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " لا صلاة ~~إلا # PageV02P441 # بفاتحة الكتاب " (1) " ولا صلاة إلا بطهور " (2)، " ولا نكاح إلا بولي " ~~(3)، مجمل، وقالوا: # إن حرف النفي لا يصح أن يكون داخلا على الفعل مع صحة وقوعه عاريا من هذه ~~الشروط، فيجب أن يكون داخلا على الحكم، والحكم قد يكون الأجزاء، وقد يكون ~~للتمام والفضل، لأنه قد يقال: (لا صلاة كاملة الا بفاتحة الكتاب)، كما ~~يقال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده) (4) وأراد بذلك ما قلنا من نفي ~~الفضل، ولم يرد نفي الأجزاء بالإتفاق، ويمكن أن يريد: (لا صلاة مجزية إلا ~~بفاتحة الكتاب) وإذا لم يكن في اللفظ تصريح بأحديهما وجب أن تكون الآية ~~مجملة. # قالوا: ولا يصح حمله على المعنيين معا، لأن نفى التمام والفضل يقتضي حصول ~~الإجزاء، ms233 ونفى الإجزاء يقتضي أنه لم يحصل ذلك، وذلك ينافي أن يراد بعبارة ~~واحدة (5). # وذهب عبد الجبار بن أحمد (6) إلى أن ذلك ليس بمجمل وقال: " لأن حرف النفي ~~يدخل في الفعل الشرعي، وما يقع منه مع عدم الشرط المذكور لا يكون شرعيا ~~فكأنه قال: " لا صلاة شرعية إلا بطهور "، فإذا وقعت من غير طهور لم تكن ~~شرعية، فحرف النفي قد استعمل في الحقيقة فيما دخل فيه. # لكن ما ذكرناه إنما يصح إذا دخل حرف النفي في الفعل الشرعي، فإما إذا حصل ~~فيما عداه فيجب أن ينظر فيه، فإن دخل على الحكم في الحقيقة قضى بنفيه # PageV02P442 # إذا لم يحصل الشرط المذكور وإن دخل على الفعل، والمعلوم من حاله أنه يقع ~~فعلا صحيحا مع عدم الشرط، فيجب أن يكون مجملا على ما ذكروه. # وكذلك لا يصح التعلق بظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما الأعمال ~~بالنيات " (1) لأنه إذا دخل حرف الشرط على الفعل الذي يصح وقوعه وإن خلا ~~منه، فيجب أن يسند إلى غيره إذا احتج به ". # هذه ألفاظه بعينها ذكرها في كتابه " العمد " (2) وهي قريبة إلى الصواب. # فأما ما الحق بالعموم وهو من المجمل: فنحو ما يتعلق به أصحاب الشافعي ~~بقوله تعالى (أقيموا الصلاة) (3) في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم في التشهد الأخير، وتقول إن ذلك دعاء، وإن هذه اللفظة حقيقة فيه ~~(4). # وهذا بعيد من الصواب، لأن لفظة " الصلاة " وإن كانت موضوعة للدعاء في # PageV02P443 # أصل اللغة، فقد صارت بعرف الشرع موضوعة لأفعال مخصوصة، فالتعلق بذلك فيما ~~وضعت في أصل اللغة لا يصح لما قدمناه. # ومن ذلك أيضا: حملهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من رعف في صلاته ~~فليتوضأ " (١) على غسل اليد. # وهذا أيضا يصح، لأن الوضوء صار بعرف الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة ~~ومسحها، وإنما يمكن حمل اللفظ على غسل العضو إذا علم بدليل أن الرعاف لا ~~ينقض الوضوء، فحينئذ يصرف عن ظاهره ويحمل على موجب اللغة، كما تصرف ألفاظ ~~كثيرة عن حقيقتها إلى ضرب ms234 من المجاز لقيام دليل على ذلك ومن ذلك تعلقهم ~~بقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون﴾ (٢) في أن الرقبة الكافرة لا تجزي في الظهار، وينبغي أن تكون ~~مؤمنة، لأن الكافرة خبيثة (٣). # وهذا أيضا لا يصح، لأن المعني بقوله: (ولا تيمموا الخبيث) أي لا تقصدوا ~~إلى الإنفاق من الخبيث، فالقصد متعلق بالإنفاق، والعتق ليس من الإنفاق في ~~شئ، يبين ذلك أن قوله بعد ذلك: (منه تنفقون) كون المنفق منه (٤) من بعض ما ~~وصفه بأنه خبيث، وذلك لا يتأتى في العتق، وكذلك قوله: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ (٥) إشارة إلى ~~ما تقدم ذكره. # وكل ذلك لا يصح في العتق، فالتعلق به لا يصح. # ومن ذلك تعلقهم بقوله: ﴿لا يستوي أصحاب ~~النار وأصحاب الجنة﴾ (6) في أن المؤمن لا يقتل بكافر، لأن نفى الاستواء ~~إذا أطلق فيما قد ثبت بالدليل أنه متماثل # PageV02P444 # في الذات إنما يعني به في بعض أوصافه، فهو إذا مجمل (١). # ومتى عقب الكلام بشئ فرق بينهما فيه، وجب حمل أوله عليه، وقد ذكر في آخر ~~الآية قوله: ﴿أصحاب الجنة هم ~~الفائزون﴾ (2) فينبغي أن يكون المراد نفي الاستواء في الفوز بالجنة. # ومن ذلك اعتراض من اعترض على قوله عليه السلام: " لا يقتل مؤمن بكافر " ~~(3) وحمل ذلك على الكافر الحربي لما عطف عليه من قوله: " ولا ذو عهد في ~~عهده " فجعل هذا المعطوف عليه مؤثرا في التعلق بما تقدم. # وهذا لا يصح، لأن الجملة الأولى لا يمتنع حملها على ظاهرها وإن خص بعضها ~~بالذكر في الثاني، وأكثر ما في ذلك أن يكون عليه السلام قال: " ولا ذو عهد ~~في عهده يقتل بكافر "، ولو قال ذلك لم (4) يمتنع دخول جميع الكفار تحت ~~قوله: " لا يقتل مؤمن بكافر ". # ولو قال قائل: " لا يقتل عربي بعجمي، ولا البالغ من العجم بالأطفال " لم ~~يوجب تخصيص الكلام الأول. # فأما التعلق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ms235 " رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان " (5)، # PageV02P445 # فلا يصح، لأن المرفوع غير مذكور، ولا جرت العادة باستعمال هذه اللفظة في ~~حكم خطأ مخصوص، وإنما يمكن التعلق به بأن يقال: لا يصح أن يكون نفس الخطأ ~~والنسيان مرفوعا، وذلك محال مع وقوعه، أو يكون المرفوع العقاب والثواب، ~~وذلك معلوم عقلا (1). # فالواجب: حمل الكلام على رفع أحكام الدين لأن قول النبي صلى الله عليه ~~وآله إذا أمكن حمله على ما يستفاد من جهته، كان أولى من حمله على ما قد علم ~~بالعقل. وهذه الجملة تنبه على ما عداها، فينبغي أن يتأمل ليقاس عليها ~~غيرها. # وجملة القول في ذلك: أن ما يتعلق به من الخطاب إنما يصح التعلق به إن كان ~~اللفظ في أصل الوضع يفيد ما يتعلق به فيه، أو فحواه، أو دليله أو يعلم (2) ~~من حال المخاطب أنه لا يخاطب بمثله إلا ويريد ذلك به، وإلا خرج خطابه من أن ~~يكون مفيدا، أو يفيد بالعرف ما استعمل فيه، أو بالشرع، فمتى خرج من هذه ~~الوجوه لم يصح التعلق به، وإنما يختلف حال الخطاب ومواقعه، فربما لطف (3) ~~الوجه الذي لأجله لا يصح التعلق به، وربما ظهر، فالواجب للسامع أن يجتهد في ~~البحث عنه، فإنه لن يعدم الوقوف على ذلك إذا كان قد ضبط الأصول في هذا ~~الباب. # PageV02P446 # فصل NoteV02P447N0٨ " في ذكر جواز تأخير التبليغ (١)، والمنع من جواز ~~تأخير البيان عن وقت الحاجة " (٢) ذهب كثير من الناس إلى أن تأخير التبليغ ~~لا يجوز، ثم افترقوا: # فمنهم: من حمله على تأخير البيان (٢). # ومنهم: من تعلق في ذلك بقوله تعالى ﴿يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك﴾ (3)، ~~وقالوا أمره على الفور (2). # وذهب أكثر المحصلين إلى أن ذلك يجوز (2)، وهو الصحيح. # والذي يدل على ذلك: أنه إنما يجب أن يؤدى بحسب ما يتعبد به من تقديم أو ~~تأخير، فإن تعبد بالتبليغ عاجلا وجب عليه ذلك، وإن تعبد آجلا كان مثل ذلك. # PageV02P447 # فأما تعلقهم في المنع من ذلك بحمله على قبح تأخير ms236 البيان، فعندنا أن ~~تأخير البيان يجوز عن وقت الخطاب، وإنما لا يجوز عن وقت الحاجة، وكذلك نقول ~~في التبليغ، فسقط بذلك ما قالوه. # ومن منع من ذلك في تأخير البيان فرق بينهما بأن قال: إنما قبح تأخير ~~البيان لشئ يرجع إلى حال الخطاب، وإلى أن لا يستفاد به شئ، وذلك وجه قبح ~~(١). # فأما تأخير التبليغ فليس كذلك، لأنه إذا لم يبلغ لا يخاطب أصلا، فكيف ~~يكون ذلك قبيحا؟. # وأيضا: فإذا جاز أن يؤخر الله تعالى خطاب المكلف إلى الوقت الذي يعلم ~~مصلحته فيه، فكذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. # فأما تعلقهم بقوله: ﴿بلغ ما انزل ~~إليك﴾ (2)، فإنما يقتضي وجوب التبليغ على الوجه الذي أمر به، وليس في ~~ذلك منع من جواز التأخير (3). # وأما تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا خلاف أنه لا يجوز والوجه في ذلك، ~~أن تأخيره عن وقت الحاجة يجرى مجرى تكليف ما لا يطاق، لأنه يتعذر عليه فعل ~~ما كلف، وذلك يمنع من صحة الأداء، لأن الأداء لا يصح إلا بعد أن يعرف ~~المكلف ما كلف، أو يتمكن من معرفته، أو معرفة ما يجب عليه من سببه، ويصح ~~أداؤه معه. # وأما تأخير التبين عن وقت الحاجة: فجائز، لأن المكلف يجوز أن يخطأ فلا ~~يتبين ولا يوجب ذلك قبح الخطاب، لأنه لم يؤت في ذلك من قبل المكلف، وإنما ~~أتى من قبل نفسه، وذلك لا يقبح التكليف. # PageV02P448 # فصل NoteV02P449N09 " في ذكر جواز تأخير البيان عن وقت " الخطاب، وذكر ~~الخلاف فيه " (1) ذهب أبو علي، وأبو هاشم، ومن تبعهما من المتكلمين، وأهل ~~الظاهر إلى أن # PageV02P449 # تأخير البيان عن حال الخطاب لا يجوز، لا في العموم ولا في المجمل (1). # وقال كثير من أصحاب الشافعي: إن تأخير بيان المجمل يجوز، وامتنع من تأخير ~~البيان في العموم وسائر ما ينبئ ظاهره عن المراد به، وهو قول أبي الحسن، ~~وكان أبو عبد الله حكى عنه جواز تأخير البيان في المجمل، وخرج على قوله ~~الامتناع من تأخير بيان ms237 العموم (1). # والذي أذهب إليه: أنه لا يجوز تأخير بيان العموم، ويجوز تأخير بيان ~~المجمل، وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى، وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله ~~رحمهما الله (2). # والذي يدل على ذلك: أن العقلاء يستحسنون خطاب بعضهم لبعض بالمجمل، وإن لم ~~يبنوا المراد به في الحال، ألا ترى أن القائل يقول لغلامه: " إذا كان يوم ~~الجمعة ادخل السوق، واشتر الثياب، والفاكهة، وغير ذلك من الحوائج ما أثبته ~~لك في رقعة " وإن لم يكتب الرقعة في الحال، وكذلك يقول بعض الرؤساء لوكيل ~~له: # " اخرج إلى القرية الفلانية أو البلد الفلاني وتول العمل بها، واعمل في ~~جباية الأموال، واستخرج الحقوق ما أكتب لك به تذكرة، وأثبتها لك " ويكون ~~ذلك حسنا، وإن لم يكتب التذكرة في الحال، ويكون الغرض بجميع ذلك أن يعزم ~~المخاطب وينطوي على امتثال جميع ما يأمره به ويبينه فيما بعد، وإذا كان ذلك ~~حسنا في الشاهد وجب # PageV02P450 # أن يكون حسنا في كل خطاب. # فإن قيل: لو جاز أن يخاطب بالمجمل ولا يبين المراد في الحال، لجاز من ~~العربي أن يخاطب غيره بالزنجية وإن لم يفهم منه شيئا أصلا (١). # فإن قلتم: المخاطب بالزنجية لا يفهم منه شيئا أصلا، والمجمل يستفاد منه ~~أمر ما وهو أنه مأمور، ألا ترى أنه إذا قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢)، ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (3)، وغير ذلك، فالمخاطب يستفيد ~~أنه مأمور بأخذ صدقة من ماله وإن جهل مبلغه ووقف ذلك على البيان، وهو مكلف ~~بالعزيمة على ذلك والانطواء عليه حتى يبين له، وكذلك في الصلاة يعلم أنه ~~مكلف بفعل هو صلاة وعبادة، إلا أنه لا يعرف كيفية هذه العبادة، فهو منتظر ~~بيانها، والخطاب بالزنجية بخلاف هذا كله. # قيل لكم: يمكن أنه جميع ما أخرجتموه في المجمل أن يكون في الزنجية، لأن ~~الحكيم إذا خاطب بالزنجية للعربي فلا بد أن يقطع المخاطب على أنه عليه أن ~~يعزم على فعل ما يبين له أنه أمره، به والكف عما لعله ms238 يبين له أنه نهاه ~~عنه، ويوطن نفسه على ذلك وتتعلق مصلحته به، فأي فرق بين الأمرين؟ # فإن فرقتم بين الأمرين بأن الفائدة بالزنجية أقل أو أشد إجمالا، جاز أن ~~يقال لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفائدة، لأنه يحسن من الخطاب ما يخرجه ~~من كونه عبثا، وقليل الفائدة ككثيرها. # والجواب عن ذلك: أن من المعلوم قبح خطاب العربي بالزنجية كما ذكرتم، كما ~~أن من المعلوم الذي لا يختلف العقلاء فيه حسن الخطاب بالمجمل في الموضع ~~الذي ذكرناه، وإذا ثبت ما ذكرناه وقبح ما ذكروه، احتجنا أن ننظر في ذلك ~~ونعلل # PageV02P451 # لم حسن ما ذكرناه، ولم قبح ما قالوه؟ فلا نعلل قبح ما قالوه بعلة توجد في ~~حسن ما ذكرناه، لأن ذلك يؤدى إلى اجتماع وجه والقبح في شئ واحد، وذلك لا ~~يجوز، ولا نعلل أيضا حسن ما ذكرناه بعلة توجد فيما استقبحوه لمثل ذلك. # وإنما قلنا ذلك: لأنا متى عللنا قبح الخطاب بالزنجية، بأنا لا نفهم بها ~~مراد المخاطب، وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من خطاب الملك الخليفة، ~~والواحد منا لغلامه، لأن خليفة الملك ووكيل أحدنا لا يعرف من خطابه المجمل ~~الذي حكيناه مراده الذي أحاله في تفصيله على البيان، وإن عللنا قبحه بأنه ~~مما لا فائدة فيه، فقد بينا أنه يمكن أن يدعى فيه فائدة وأنه لا يعدو أحد ~~أقسام الكلام المعهود، ولابد أن يكون مريدا إذا كان حكيما لبعضها، وإن ~~عللنا حسن الأمثلة التي علمنا حسنها بأنه يفيد فائدة ما أو مما يتعلق ~~بالمخاطب به مصلحة، بأن يعتقد ويعزم على الامتثال عند البيان، ويوطن نفسه ~~على ذلك، فهذا كله قائم في الخطاب بالزنجية، فلابد من التعليل بما لا يقتضي ~~قبح ما علمنا حسنه، ولا حسن ما علمنا قبحه. # ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجية بأنه غير مفهوم منه نوع الخطاب، ولا أي ~~ضرب هو من ضروبه، ألا ترى أنه لا يفصل المخاطب بين كونه أمرا، أو نهيا أو ~~خبرا، أو استخبارا، أو عرضا، أو يمينا، وفي المجمل يفصل ms239 بين هذه الأنواع ~~والضروب، وإنما يلتبس عليه تفصيل ما تعلق الأمر به مما هو واقف به عن ~~البيان، فهذه علة صحيحة في قبح الخطاب بالزنجية لا نجدها فيما علمنا حسنه ~~من الأمثلة، ولا في المجمل الذي يجرى في الحسن مجراه. # وإن شئت ان تقول: العلة في قبح الخطاب بالزنجية أن المخاطب لا يستفيد منه ~~فائدة معينة مفصلة، ولابد في كل خطاب من أن يستفاد منه فائدة مفصلة، وإن ~~جاز أن يقترن بذلك فائدة أخرى مجملة، والخطاب المجمل مستفاد منه فائدة ~~معينة PageV02P452 # مفصله وإن استفاد أخرى مجملة، لأنه إذا قال: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (١) و ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (2) فقد استفاد المخاطب أنه ~~مأمور وقطع على ذلك، وأنه مأمور بعبادة هي صلاة أو صدقة، وإن شك في ~~كيفيتها. # ثم يقال لهم: كيف توجبون أن يعلم المخاطب فائدة جميع ما يخاطب به قبل ~~زمان الحاجة، ومراد المخاطب على جهة التفصيل، وإنكم تجوزون تأخير بيان مدة ~~الفعل المأمور به عن وقت الخطاب، ولا توجبون ذلك وهو من فوائد الخطاب ومراد ~~المخاطب، لأنه إذا قال: " صلوا " فظاهر هذا القول عندكم يتناول كل صلاة وكل ~~زمان بلا حصر، فإذا أراد بذلك مدة معينة وإلى غاية منقطعة، وأخر بيانه في ~~حال الخطاب، فقد أراد في حال الخطاب ما لم يبينه ويفصله، وهذا من هذا الوجه ~~نظير المجمل ومثل الخطاب بالزنجية. # فإن قلتم: ليس يجب أن يبين في حالة الخطاب كل مراد له بالخطاب. # قلنا: أصبتم، فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك، لأن الخطاب بالمجمل ~~يستفاد منه فائدة معينة مفصلة، وإن لم يستفد على سبيل التفصيل جميع فوائده. # وإن قالوا: لا حاجة به إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة التي تخرج ~~بالبلوغ إليها من أن تكون مصلحة، لأن ذلك بيان لما لا يجب أن يفعله، وهو ~~غير محتاج إلى بيان ما لا يجب عليه أن يفعله، وإنما يحتاج في هذه الحال إلى ~~بيان صفة ما يفعله، وكلف الإتيان به. ms240 # قلنا: هذا خروج منكم عن السنن (3) الذي كنا فيه، لأنكم أوجبتم البيان ~~للمراد كله في حال الخطاب لأمر يتعلق بحسن الخطاب، فأوجبتم قبحه متى لم ~~يعلم المخاطب فوائده كلها على التفصيل، فلما ألزمناكم بيان مدة النسخ عدلتم ~~إلى شئ # PageV02P453 # آخر وهو - وإن كان غير صحيح - نقض لعلتكم، وهدم لاعتمادكم، لأنكم توجبون ~~بيان فوائد الخطاب ومراد المخاطب، لأنه يتعلق بحسن الخطاب. وإذا أجزتم ~~تأخير بيان بعض فوائده، نقصتم اعتلالكم على كل حال وعدنا إلى أنكم قد أجزتم ~~حسن ما هو نظير للمجمل الذي أخبرنا حسنه، لأنا لم نجز إلا تأخير بيان بعض ~~فوائد الخطاب، ونراكم أبدا تذكرون في كتبكم أن قبح تأخير البيان لم يكن لشئ ~~يتعلق بإزاحة علة المكلف في الفعل وإنما هو راجع إلى وقوع الخطاب على وجه ~~يقتضي القبح، وهذا ينقض قولكم الآن أنه لا يحتاج في فعل ما كلف إلى معرفة ~~غاية المصلحة، ويحتاج في الفعل إلى العلم بصفته، لأن هذه منكم مراعاة لما ~~به يتمكن من إيقاع الفعل. # ويجب أن يعلم أن فقد القدرة أو الآلة التي لا يقع الفعل إلا بها أقوى ~~وأشد تأثيرا في تعذر الفعل من فقد العلم بصفته، وأنتم تجيزون خطاب من لا ~~يقدر على الفعل ولا يتمكن منه في حال الخطاب إذا كان من يقدر في حال ~~الحاجة، فأجيزوا تأخير بيان صفة الفعل في حال الخطاب، ولا حاجة به في هذه ~~الحال إلى العلم بصفته، كما لا حاجة به إلى القدرة عليه والتمكن بآلات ~~وغيرها منه ثم. # ثم إنكم ليس تخلون من أن توجبوا بيان صفة الفعل المأمور به في حال الخطاب ~~لأمر يتعلق بإزاحة العلة في الفعل، أو لأمر يرجع إلى حسن الخطاب، وأن ~~فوائده ومراد المخاطب به إذا لم يعلم تفصيلا في وقت الخطاب قبح: # فإن كان الأول، لزم عليه أن يكون في حال الخطاب قادرا متمكنا، وليس ~~توجبون ذلك. # وإن كان الثاني، فغاية الفعل من مراد المخاطب ومقصوده من الخطاب، ومع ذلك ~~فلم يبينها في حال الخطاب، وإذا ms241 جاز أن لا يبين بعض المقصود ولا يكون ~~الخطاب قبيحا، جاز في المجمل مثل ذلك بعينه. # ومما يمكن أن يستدل به على جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب ويورد ~~على المخالف على سبيل المعارضة والإلزام: أنه لا خلاف بيننا وبينهم في أنه ~~قد يجوز أن يخاطب في المخاطب بالمجمل وإن لم يقرنه بالبيان، بل يحيله في ~~معرفة البيان على PageV02P454 # الرسول عليه السلام، والرجوع في تفصيل ذلك إليه، وإذا جاز أن يخاطب (1) ~~بما لا يفهمه تعويلا على أنا نعرف المراد من جهة غيره، وإلا جاز أن يخاطبنا ~~بذلك ويعول بنا على الرجوع إليه في معرفة البيان. # فإن فرقوا بين الأمرين بأن يقولوا: إذا كان البيان عند الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم وخاطبنا بالمجمل، فنحن متمكنون من العلم بالمراد. # قلنا: وإذا خاطبنا بالمجمل، وعول بنا على مسألتنا (2) عن بيانه والرجوع ~~إليه في تفصيله، فنحن أيضا متمكنون من العلم بالمراد، ولا فرق بين الأمرين ~~وقد استويا في أن البيان لم يقترن بالخطاب، وإنما التعويل فيه على الرجوع ~~إلى مترجم ومبين، فأي فرق بين أن يكون هذا المبين هو الله تعالى أو رسوله؟ # فإن قال: ما ذكرتموه يقتضي أن يكون ذلك عبثا، لأنه طول زمان المعرفة بغير ~~فائدة، وقد كان قادرا بدلا من أن يخاطبه بالمجمل ثم يلزمه سؤاله عن معناه ~~فيبين له، أن يبتدي ببيان ذلك له. # قلنا: فالآن كان ما ذكرتموه وأجزتموه أيضا عبثا، لأنه كان قادرا على أن ~~يخاطبه مقترنا بالبيان ولا يكلفه الرجوع إلى الرسول عليه السلام ومعرفة ~~المراد، لأنه تطويل للبيان وطريق المعرفة. # فإن قلتم: هذا التطويل يمكن أن يتعلق به مصلحة. # قيل لكم: فيما أنكرتم مثل ذلك؟ # ومما يضيق عليهم الكلام، أنهم يجيرون أن يخاطب بالمجمل ويكون بيانه في ~~الأصول، ويكلف المخاطب الرجوع إلى الأصول فيعرف المراد. # فإذا قيل لهم: ما الذي يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يرجع إلى الأصول ~~فيعرف المراد؟ # PageV02P455 # قالوا: يجب أن يتوقف عن اعتقاد التفصيل، ويعتقد على الجملة أنه يمتثل ms242 ما ~~يبين له، وهذا تطرق عليهم ما قاله: يجوز تأخير بيان المجمل، من وجوب اعتقاد ~~الجملة دون التفصيل وانتظار البيان. # وأي فرق بين أن يكلف زمانا قصيرا من غير فهم المراد - على سبيل التفصيل - ~~الإعتقاد الذي ذكروه ويحسن ذلك، وبين أن يكلف زمانا طويلا مثل ذلك؟ فإذا ~~قال: إذا كان البيان في الأصول فهو يتمكن من معرفة. # قلنا: أو ليس هذا المخاطب إلى أن يتأمل الأصول، ويقف على البيان مكلف ~~الإعتقاد المجمل الذي ذكرتموه على وجه حسن؟ ولابد من زمان مقصود لا يمكنه ~~معرفة المراد فيه، لأن تأمل الأصول والرجوع إليها حتى يعلم حصول البيان ~~فيها أو خلوها منه، لابد فيه من زمان قصر أو طال، وإذا جاز أن يخاطب بما لا ~~يتمكن من معرفة المراد به في قصير الزمان جاز في طويله. # على أنا قد ألزمناهم إذا قالوا إنه متمكن من المراد به بالرجوع إلى ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بتأمل الأصول، أن يجوز وأن يكون متمكنا ~~من ذلك بالرجوع إليه تعالى، ولا فرق بين الأمرين. # وبعد ذلك، فإذا كان الخطاب يحسن بالمجمل وفي الأصول بيانه متى تأمل، ~~وكذلك إذا عول به على بيان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحسن أيضا، فأي ~~فرق بين ذلك وبين خطاب العربي بالزنجية؟ أو ليس الموضعان متساويين في أن ~~المراد في حال الخطاب غير مفهوم؟ # فإن قلتم: الفرق بينهما أن الخطاب بالزنجية لا طريق إلى العلم بالمراد ~~به، وهاهنا إلى العلم بالمراد طريق، أما بالنظر في الأصول ومعرفة البيان ~~منها، أو بالرجوع إلى بيان الرسول. # قلنا لكم: فأجيزوا أن يخاطبه بالزنجية ويعول به على سؤال من يعرف الزنجية ~~في تفسير ذلك وبيان الغرض فيه، أو يعول به على أن يتعلم لغة الزنج، فذلك ~~ممكن له وسهل عليه، كما يخاطبه من المجمل بما لا يفهم المراد به وعول به ~~على تصفح PageV02P456 # الأصول والنظر فيها حتى يعثر على البيان، فإن كان ما قلتموه تمكينا من ~~العلم، فالذي ألزمناكم أيضا تمكين، ولا شبهة ms243 على عاقل في قبح الخطاب ~~بالزنجية لما ذكرنا حاله، وهو نظير ما ذهبوا إلى جوازه. # ومما يدل أيضا: على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ~~قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ~~عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال ~~إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه ~~يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا ~~الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ (1). # ووجه الدلالة من الآية (2): " إنه تعالى أمرهم بذبح بقرة هذه الصفات كلها ~~لها (3)، ولم يبين ذلك في أول الخطاب حتى سئلوا عنه، وراجعوا فيه، ~~واستفهموه، فبين لهم المراد شيئا بعد شئ، وهذا يدل على جواز تأخير البيان ~~(4). # فإن قالوا (5): لم زعمتم أن الصفات المذكورة كلها في البقرة الأولى التي ~~أمروا في الخطاب الأول بذبحها؟ وما أنكرتم أن يكونوا أمروا ان الخطاب الأول ~~بذبح بقرة من عوض البقر من غير اشتراط هذه الصفات؟ فلو (6) ذبحوا بقرة من ~~غير أن تكون # PageV02P457 # بهذه الصفات المذكورة فيما بعد، لكانوا قد فعلوا الواجب، فلما راجعوا (1) ~~تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر من غير مراعاة الصفات ~~الباقية، فلما توقفوا أيضا تغيرت المصلحة في تكليفهم، فأمروا بذبح بقرة ~~صفراء فاقع لونها، فلما توقفوا تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة لها الصفات ~~الأخيرة المذكورة (2)، وإنما يكون ذلك حجة في تأخير البيان لو صح لكم أن ~~الصفات الواردات كلها للبقرة الأولى، وما أنكرتم أن يكون الأمر بخلاف ذلك.؟ # قلنا: هذا تأويل (3) من لا يعرف حكم اللغة العربية وما جرت به عادة أهلها ~~في خطابهم ms244 وكناياتهم، لأن الكناية في قوله تعالى: (ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي) لا يجوز عند محصل (4) أن يكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها ~~وأمروا (5) بذبحها، ولم يجز في الكلام ما يجوز أن تكون هذه الكناية كناية ~~عنه إلا البقرة، و (6) يجري ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه: " أعطني تفاحة " ~~فيقول غلامه: " ما هي بينها لي؟ "، ولا يصرف أحد من العقلاء هذه الكناية ~~إلا إلى التفاحة المأمور بإعطائها إياه. # ثم قال تعالى بعد ذلك: (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ~~ذلك)، وقد علمنا أن الهاء في قوله: (إنه يقول) هي كناية عنه تعالى، لأنه لم ~~يتقدم ما يجوز رد هذه الكناية إليه إلا اسمه تعالى، فكذلك يجب أن يكون ~~قوله: (إنها) كناية عن البقرة المقدم ذكرها، وإلا فما الفرق بين الأمرين؟ # PageV02P458 # وكذلك الكلام في الكناية بقوله: (ما لونها)، وبقوله: (إنها بقرة صفراء ~~فاقع لونها)، والكناية في قوله: (ما هي إن البقرة تشابه علينا)، ثم الكناية ~~في قوله: (إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض). # ولا يجوز أن تكون الكناية في قوله تعالى (إنها) في المواضع كلها عن القصة ~~والحال، لأن الكناية في (إنها) لابد من أن يتعلق بما تعلقت به الكناية في ~~قوله (هي)، ولا شبهة في أن المراد بلفظ (هي) البقرة التي أمروا بذبحها فيجب ~~أن يكون كناية الجواب يعود إلى ما كني عنه بالهاء في السؤال، ولو جاز تعلق ~~(إنها) بالقصة والشأن جاز تعليق (ما هي) بذلك، وجاز أيضا أن تكون الكناية ~~في قوله: # (إنه يقول) عن غير الله تعالى ويكون عن الحال (1) والقصة كما قالوا في " ~~أنه زيد منطلق " وكنوا عن الشأن والقصة. # وكيف قوله (إنها) كذا وكذا كناية عن غير ما كني عنه بما هي، وبما لونها ~~أو ليس ذلك يوجب أن يكون جوابا عن غير ما سئل عنه (2)؟، لأنهم سئلوا عن ~~صفات البقرة التي تقدم ذكرها، وأمرهم بذبحها، فأجيبوا عن غير ذلك. وسواء ~~جعلوا الهاء (في إنها) عن الشأن ms245 والقصة، أو عن البقرة التي أمروا ثانيا ~~وثالثا بذبحها، فكيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدم أمره لهم بذبحه، فيترك ~~ذلك جانبا ويذكر صفة ما لم يتقدم الأمر بذبحه؟ وإنما أمروا أمر مستأنفا به. # ولو كان الأمر على ما قالوه: من أنه تكليف بعد تكليف لكان، الواجب لما ~~قالوا له: (ما هي) وإنما عنوا البقرة التي أمروا ابتداء بذبحها، أن يقولوا ~~لهم أي بقرة شئتم؟ # وعلى أي صفة كانت؟ وما أمرتكم بذبح بقرة لها صفة معينة، والآن تغيرت ~~مصلحتكم فاذبحوا الآن بقرة من (3) صفتها كذا وكذا، فإذا قالوا: (ما لونها)؟ ~~يقول: أي لون # PageV02P459 # شئتم وما أردت لونا بعينه، والآن تغيرت المصلحة، والذي تؤمرون به الآن ~~بقرة صفراء، ولما قالوا في الثالث: (ما هي إن البقرة تشابه علينا)؟ أن يقول ~~لهم: المأمور به بقرة صفراء على صفة كانت وبعد ذلك، وقد تغيرت المصلحة، ~~فاذبحوا بقرة لا ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات، فلما عدل عن ذلك إلى نعت ~~بعد آخر دل على أنه كلها نعوت للبقرة (1) الأولى. # على أنه لو جاز صرف الهاء في قوله: (إنها) إلى الشأن والقصة، - وإن كان ~~المفسرين كلهم قد أجمعوا على خلاف ذلك - فإنهم كلهم قالوا: هي كناية عن ~~البقرة (المتقدم ذكرها) (2)، وقالت المعتزلة بالأسر (3) إنه كناية عن ~~البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بذبحها، ولم يقل أحد إنها للقصة والحال، ~~لكان ذلك يفسد من وجه آخر، وهو أنه إذا تقدم ما يجوز أن يكون هذه الكناية ~~راجعة إليه متعلقة به، ولم يجز للقصة والحال ذكر، فالأولى أن تكون متعلقة ~~بما ذكر، وتقدم الأخبار عنه دون ما لا ذكر لها في الكلام. # وإنما استحسنوا (4) الكناية عن الحال والقصة في بعض المواضع، بحيث تدعو ~~الضرورة إليه، ولا يقع اشتباه، ولا يحصل التباس. # وبعد، فإنما يجوز إضمار القصة والشأن بحيث يكون الكلام مع (5) تعلق ~~الكناية بما تعلقت به مفيدا مفهوما، لأن القائل إذا قال: " إنه زيد منطلق ~~"، و " إنها قائمة هند " فتعلقت الكناية بالحال والقصة، أفاد ما ورد ms246 من (6) ~~الكلام، وصار كأنه قال: " زيد # PageV02P460 # منطلق " و " قايمة هند "، والآيات بخلاف هذا الموضع، لأنا متى جعلنا ~~الكناية في قوله: # (إنها بقرة لا فارض) و (إنها بقرة صفراء)، و (إنها بقرة لا ذلول تثير ~~الأرض) متعلقة بالحال والقصة، بقي معنا في الكلام ما لا فائدة فيه ولا ~~يستقل بنفسه، لأنه لا فائدة في قوله: (بقرة صفراء) و (بقرة لا فارض ولا ~~بكر)، ولابد من ضم كلام إليه حتى يستقل ويفيد، فإن ضممنا إلى (بقرة لا ~~فارض) أو (بقرة صفراء)، (التي أمرتم بذبحها) أفاد لعمري، فتبطل صرف الكناية ~~إلى غير البقرة، ووجب أن تصرف الكناية إلى البقرة حتى لا يحتاج أن يحذف خبر ~~المبتدأ، والاكتفاء بما في الكلام أولى من تأويل يقتضي العدول إلى غيره، ~~وحذف شئ ليس موجودا في الكلام. # ومما يدل على صحة ما اخترناه (1): أن جميع المفسرين للقرآن أطبقوا على أن ~~الصفات المذكورات كلها للبقرة (2)، أعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى ~~ابتياع بقرة لها هذه الصفات كلها بملء ء جلدها ذهبا، ولو كان الأمر على ما ~~قال (3) المخالفون لوجب أن لا يعتبروا (4) فيما يبتاعونه (5) إلا الصفات ~~الأخيرة دون ما تقدمها، ويلغى ذكر الصفراء، والتي ليست بفارض ولا بكر، ~~وأجمعوا على أن الصفات كلها معتبرة وعلم (6) أن البيان تأخر، وأن الصفات ~~كلها للأولى (7) المأمور بذبحها. # فإن قيل: فلم عنفوا على تأخيرهم امتثال الأمر الأول؟، وعندكم أن بيان (8) # PageV02P461 # المراد بالأمر الأول تأخر، فلم قال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ (1)؟. # قلنا: ما عنفوا بتأخير امتثال الأمر الأول، وليس في القرآن ما يشهد بذلك ~~أو يدل عليه، بل كان البيان يأتي شيئا بعد شئ كلما طلبوه واستخرجوه، من غير ~~تعنيف ولا قول يدل على أنهم بذلك عصاة. # فأما قوله في آخر القصة: (وما كادوا يفعلون) فإنما يدل على أنهم كادوا ~~يفرطون في آخر القصة وعند تكامل البيان، ولا يدل على أنهم فرطوا في أول ~~القصة، ويجوز أن يكون ذبحوا بعد تثاقل، ثم فعلوا ما أمروا به، وهذا كله ms247 ~~واضح ". # هذان دليلان ذكرهما سيدنا المرتضى (2) رحمه الله أوردتهما بألفاظه، لأنه ~~لا مزيد عليهما، وفيهما كفاية إن شاء الله. # وقد استدل قوم على صحة هذا المذهب بأن قالوا: أليس في العقل ما يمنع من ~~صحة ذلك ولا في الشرع؟ فينبغي أن يكون ذلك جائزا، فمتى توزعوا في ذلك ~~وأشاروا إلى شئ فيما يدعونه أنه وجه قبح كلموهم بما مضى في تضاعيف الكلام ~~مما يمكن أن يكون جوابا عنه. # واستدلوا أيضا: بما روى أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن مواقيت ~~الصلاة فأخر بيانها. # واعترض المخالف على ذلك بأن قال: إنما أحاله على بيان متقدم. # فمتى قيل لهم: لم ينقل ذلك. # قالوا: يكفي أن يكون ذلك جائزا. # وهذا الدليل لا يمكن الاعتماد عليه، لأن الخبر خبر واحد، وهذه مسألة ~~طريقها العلم، فكيف يمكن الاستدلال على صحتها بخبر واحد.؟ # PageV02P462 # واستدلوا أيضا: بما رووا من أن أهل اليمن سألوا معاذا عن وقص البقر فلم ~~يعرفه (1). وقال المخالف: إن ذلك مما قد بين، لأنه بقي على ما كان عليه من ~~قبل في إسقاط الزكاة عنه (2). # وهذا أيضا نظير الأول في أنه خبر واحد لا يمكن الاعتماد عليه. # ونظائر ذلك لا يمكن الاعتماد على شئ (3) منها، فالمعتمد في هذا الباب ~~الدليلان الأولان. # فأما (4) الذي يدل على أن تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب فهو: # إنا قد دللنا على أن العموم له صيغة تختص به (5) وله ظاهر، فمتى خاطب ~~الحكيم به ينبغي أن يحمل على ظاهره، لأنه لو أراد غير ظاهره، أو أراد بعضه ~~لبينه، وإلا كان قد دل على الشئ بخلاف ما هو به، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز ~~تصديق الكذاب وإظهار المعجز على يده، ولو جاز ذلك لجاز أن يخاطب بألفاظ ~~خاصة ولا # PageV02P463 # يريد حقيقتها ولا ظاهرها، ويريد بها ضربا من المجاز ولا يبين، وذلك يؤدي ~~إلى أن لا نستفيد بالخطاب شيئا أصلا. # فأما من قال: إن لفظ العموم مشترك، فهو يجوز تأخير بيان المراد به، لأنه ~~يكون مجملا ms248 عنده، وقد بينا نحن خلاف ذلك (1). # وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء الله تعالى. # PageV02P464 # فصل NoteV02P465N10 " في أن المخاطب بالعام هل يجوز أن يسمعه وإن لم يسمع ~~الخاص، أو لا يجوز؟ (1) " إعلم أنه يجوز أن يسمع المخاطب العام دون الخاص، ~~ويلزمه طلب الخاص والبحث عنه في الأصول، فإن وجده حمل العام عليه، وإلا ~~اعتقد ظاهره، وهو مذهب النظام، وأحد قولي أبي هاشم، وهو الذي يدل عليه قول ~~الشافعي وغيره من الفقهاء (2). # PageV02P465 # وكان أبو على يقول (1): إن تخصيص الخطاب إذا لم يكن بدليل، ولا كان ~~المخاطب به قد عرفه، فإنه لا يجوز أن يسمع العام ولا يسمع الخاص، بل يصرفه ~~(2) عن سماع العام بضرب من الصرف، وإذا أسمعه، أسمع معه الخاص، وكان يعتل ~~لذلك بأن يقول: " إن خطابه إياه بالعام يبيح له اعتقاد ما لا يقتضيه ظاهره ~~وذلك جهل، ولا يجوز من الحكيم أن يبيح الجهل، فيجب أن لا يحسن دون أن لا ~~يسمعه الخاص، وكان يقول إن ذلك بمنزلة خطاب العربي بالزنجية، لأن المراد به ~~لا يصح أن يعلم في الحال ". وقد قال بهذا أبو هاشم أيضا، وكان يقول في ~~اسماع الناسخ دون المنسوخ مثل ما ذكرناه أيضا (3). والذي يدل على صحة ~~المذهب الأول: إنا قد اتفقنا على أنه يجوز أن يخاطب بالعام وإن كان مخصوصا ~~بدليل العقل، وإن لم يستدل المخاطب على خصوصه، بل يلزمه البحث عنه، وإنما ~~حسن ذلك لأنه متمكن من معرفة ذلك، فيجب أن يحسن أيضا أن يخاطب به، وإذا كان ~~له تخصيص في الأصول لم يسمع، لما كان متمكنا من معرفته بالنظر في الأصول. # وما ذكرناه قد أسقط سائر ما قدمناه (4) لأنه إذا جاز عند من خالف أن ~~يخاطب بالعموم، وإن لم يستدل على خصوصه بالعقل، ولم يوجب ذلك إباحة الجهل، ~~والإجراء مجرى خطاب العربي بالزنجية، فكذلك لا يلزمنا وإن جوزنا ما قدمناه. # PageV02P466 # فصل NoteV02P467N11 " في القول في دليل الخطاب، واختلاف الناس فيه " ~~اختلف أهل العالم في أن الحكم إذا علق بصفة الشئ ms249 هل يدل على أن حاله مع ~~انتفاء ذلك الوصف بخلاف حاله مع وجوده، أم لا يدل، بل يحتاج إلى بيان ودليل ~~سواه؟ # فذهب الشافعي وأكثر أصحابه إلى أن الحكم إذا علق في الموصوف بصفة دل على ~~انتفاء ذلك الحكم إذا زالت تلك الصفة (1)، قاله في مسائل كثيرة (2). # وتجاوز بعضهم إلى أن قال: إن الحكم إذا علق بعين دل على أن غيره # PageV02P467 # بخلافه (1). # ومنهم من قال: إنه لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وهو الذي نصره أبو عبد ~~الله البصري (2)، وحكاه عن أبي الحسن، وهو قول أبي العباس ابن سريج (3)، ~~ومن تبعه من أصحاب الشافعي، كأبي بكر الفارسي (4) وأبي بكر القفال (5) ~~وغيرهما (6). # وذكر أبو العباس: أن الحكم إذا علق بصفة إنما يدل على ما يتناوله لفظه ~~إذا تجرد، وقد تحصل فيه قرائن أو أسباب يدل معها على أن ما عداه بخلافه، ~~نحو قوله # PageV02P468 # تعالى: ﴿إن جائكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن﴾ (٤)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: # " في سائمة الغنم زكاة " (٥). # قال: وقد يقتضي ذلك أن حكم ما عداه مثل حكمه، نحو قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ (٦)، ~~وقوله: تعالى ﴿ولا تقل لهما أف﴾ ~~(٧) وقوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم﴾ (8)، وهذا تصريح منه بأن القول إذا تجرد لم يقتض نفيا ولا ~~إثباتا فيما عدا المذكور، وأن بالقرائن يعلم تارة النفي، ويعلم تارة ~~الإيجاب (9). # وقد أضاف ابن شريج (10) هذا القول إلى الشافعي وتأول كلامه المقتضي ~~بخلافه وبناه عليه، وأكثر أصحاب الشافعي وجلهم وجمهورهم على المذهب الأول ~~(11). # وهذا المذهب - أعني الأخير - هو الذي اختاره سيدنا المرتضى (12)، رحمه ~~الله، # PageV02P469 # وإليه ذهب أبو علي، وأبو هاشم، وأكثر المتكلمين (1)، وكان شيخنا (2) رحمه ~~الله يذهب إلى المذهب الأول. # وأقوى ما نصر ms250 به مذهب من منع من ذلك، ما ذكره سيدنا المرتضى رحمه الله في ~~مسألة له أنا أحكيها على ما وجهها، قال (3): # " قد ثبت أن تعليق الحكم بالاسم اللقب لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وقد ~~ثبت أن الصفة كالاسم في الإبانة والتميز، وإذا ثبت هذان الأمران صح ما نذهب ~~إليه. # والذي يدل على الأمر الأول. أن تعليق الحكم بالاسم لو دل على أن ما عداه ~~بخلافه، لوجب أن يكون قول القائل: " زيد قائم " و " عمرو طويل "، و " السكر ~~حلو " مجازا معدولا به عن الحقيقة، لأنه قد يشارك زيدا وعمروا في القيام ~~والطول غيرهما، ويشارك السكر في الحلاوة غيره، ويجب أيضا أن لا يمكن أن ~~يتكلم بهذه الألفاظ على سبيل الحقيقة، ومعلوم ضرورة (4) من مذهب أهل اللغة ~~أن (5) هذه الألفاظ حقيقة وأنها مما لا يجب أن يكون مجازا، ويلزم على هذا ~~المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازا، لأن الإنسان إذا أضاف إلى نفسه فعلا من ~~قيام، أو قعود، أو أكل، أو تصرف (6)، وما جرى مجراه ليس يضيف إليها إلا ما ~~له فيه مشارك، والإضافة إليه تقتضي بظاهرها - على مذهب من قال بدليل الخطاب ~~- نفى ذلك الأمر عمن عداه فلا تكون هذه الأوصاف (7) في موضع من المواضع إلا ~~مجازا، وهذا يقتضي أن الكلام # PageV02P470 # كله مجاز. # ويدل أيضا على ذلك: أن من المعلوم أنه لا يحسن أن يخبر بأنه " زيدا طويلا ~~" إلا وهو عالم بطوله، (لأن كلامه يقتضي تعليق الطول عليه، فلابد من أن ~~يكون عالما به، وإلا لم يؤمن أن يكون كاذبا) (١)، فلو كان قوله: " زيد طويل ~~" كما يقتضي الإخبار عن طول زيد، يقتضي نفي الطول عن كل من عداه، لوجب أن ~~لا يحسن منه أن يخبر بأن زيدا طويل (على الحقيقة) (١) إلا بعد أن يكون ~~عالما بأن غيره لا يشاركه في الطول، ويجب أن يكون علمه بحال الغير شرطا في ~~حسن الخبر، كما أن علمه بحال المذكور شرط في حسن الخبر، ومعلوم خلاف ذلك ~~عند كل عاقل. # وأيضا: فإن ألفاظ ms251 النفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب، ولا يجوز أن ~~يفهم من لفظ الإثبات النفي، كما لا يفهم من لفظ النفي الإثبات، وقولنا: " ~~زيد طويل " لفظة إثبات، وكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير المذكور وليس هاهنا ~~لفظ نفي؟ # ويمكن أن يستدل بهذه الطريقة خاصة على أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على ~~نفيه عما ليست له، من غير حمل الصفة على الاسم. # ومما (٢) يقوي أيضا ما ذكرناه: أن أحدا من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس ~~الستة في خبر الربا أن تعليق الحكم بها يدل على نفي الربا عن غيرها، لأن ~~العلماء بين رجلين: أحدهما يقول يبقى غير هذه الأجناس على الإباحة، والآخر ~~يقيس غيرها عليها. # فإن تعلق من سوى بين الاسم والصفة، بأن جماعة من أهل العلم استدلوا على ~~أن غير الماء لا يطهر (٣) بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (4) فنفوا الحكم عن ~~غير الماء، وهو معلق بالاسم لا بالصفة. # PageV02P471 # والجواب: أن من فعل ذلك فقد أخطأ في اللغة، وقد حكينا أن في الناس من سوى ~~- مخطئا - بين الاسم والصفة في تعليق الحكم بكل واحد منهما. # ويمكن من استدل بهذه الآية أن يكون إنما عول على أن الاسم فيها يجري مجرى ~~الصفة، لأن مطلق الماء يخالف مضافه، فأجراه مجرى كون الغنم سائمة ومعلوفة ~~(1). # وأما الدلالة على أن الصفة كالاسم في الحكم الذي ذكرناه: فهي أن الغرض في ~~وضع الأسماء في أصل اللغة هو التمييز والتعريف، وليمكنهم أن يخبروا عمن غاب ~~عنهم بالعبارة، كما أخبروا عن الحاضر بالإشارة، فوضعوا الأسماء لهذا الغرض، ~~ولما وقع الاشتراك بالإتفاق في الأسماء، بطل الغرض الذي هو التمييز ~~والتعريف، فاحتاجوا إلى إدخال الصفة (2) وإلحاقها بالاسم (3) ليكون الاسم ~~مع الصفة بمنزلة الاسم ولم يقع اشتراك فيه، ولولا الاشتراك الواقع في ~~الأسماء لما احتيج إلى الصفات، ألا ترى أنه لو لم يكن مسمى بزيد (4) إلا ~~شخصا واحدا، لكفى في الإخبار عنه أن يقال: " قام زيد "، ولم يحتج إلى إدخال ~~الصفة، ms252 فبان بهذه الجملة أن الصفة كالاسم في الغرض وأن الصفات كبعض ~~الأسماء، إذا ثبت ما ذكرناه في الاسم ثبت فيما يجري مجراه ويقوم مقامه. # ومما يبين أن الاسم كالصفة أن المخبر قد يحتاج إلى أن يخبر عن شخص بعينه، ~~فيذكره بلقبه، وقد يجوز أن يحتاج أن يخبر عنه في حال دون أخرى، فيذكره ~~بصفته، فصارت الصفة مميزه للأحوال، كما أن الأسماء مميزة للأعيان فحلا محلا ~~واحدا في الحكم الذي ذكرناه. # ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب: أن اللفظ إنما يدل على ما ~~يتناوله، # PageV02P472 # أو على ما يكون بأن يتناوله أولى، فأما أن يدل على ما لم يتناوله ولا هو ~~بالتناول أولى فمحال، وإذا كان الحكم المعلق بصفة لم يتناول غير المذكور، ~~ولا هو بأن يتناوله أولى لم يدل إلا على ما اقتضاه لفظه. # (فإن قيل: اشرحوا هذه الجملة) (١). # قلنا: قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (٢) معلوم حسا ~~وإدراكا أنه لم يتناول المعلوفة، ولا يمكن الخلاف فيما لا يدخل تحت الجنس ~~(٣)، ولا هو بتناولها أولى، بدلالة أنه لو قال: " في سائمة الغنم الزكاة ~~وفي معلوفتها " لما كان مناقضا (٤)، ومن شأن اللفظ إذا دل على ما [لم] (٥) ~~يتناوله بلفظه لكنه بأن يتناوله أولى، أن يمنع من التصريح بخلافه، ألا ترى ~~أن قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ ~~(6) لما تناول النهي عن التأفف بلفظ، وكان بأن يتناول ساير المكروه أولى لم ~~يجز أن يتبعه ويلحقه بأن يقول: " لا تقل لهما أف واضربهما واشتمهما " لأنه ~~نقض، فبان أن قوله عليه السلام: # " في سائمة الغنم الزكاة " (2) ليس يتناول المعلوفة أولى. # والذي يدل على أن اللفظ لا يدل على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول ~~أولى، أنه لو دل على ذلك لم ينحصر مدلوله، لأن ما لا يتناوله اللفظ لا ~~يتناهى، وليس [بعضه] (7) بأن يدل عليه اللفظ مع عدم التناول بأولى من بعض. # ومما يدل أيضا على ما ذكرناه: حسن استفهام القائل: " ضربت طوال غلماني، # PageV02P473 # ولقيت أشراف (1) جيراني "، فيقال ms253 له: " أضربت القصار من غلمانك أم لم ~~تضربهم؟، ولقيت العامة من جيرانك أم لم تلقهم؟ "، فلو كان تعليق الحكم ~~بالصفة يقتضي وصف الحكم عما ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لما له تلك ~~الصفة، لكان هذا الاستفهام قبيحا، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما تعلق لفظه ~~(2) به، فلو كان الأمران مفهومين من اللفظ لاشتركا في حسن الاستفهام وقبحه. # فإن قيل: إنما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأما من ~~تكلم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب، فإنه (3) لا يستفهم عن ~~مراده إلا على وجه واحد، وهو أن يكون أراد على سبيل المجاز والاستعارة خلاف ~~ما يقتضيه دليل الخطاب، فيحسن استفهامه لذلك. # قلنا: حسن استفهام كل قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، علمنا (4) ~~مذهبه في دليل الخطاب أم لم نعلمه. # فأما تجويزنا أن يكون المخاطب عدل الحقيقة إلى المجاز في الكلام الذي ~~حكيناه، وأن هذا هو علة حسن الاستفهام، فباطل، لأنه يقتضي حسن دخول ~~الاستفهام في كل كلام، لأنه لا كلام نسمعه ونحن نجوز من طريق التقدير (5) ~~أن يكون المخاطب به أراد المجاز ولم يرد الحقيقة، وفي علمنا بقبح الاستفهام ~~في كثير من المواضع دلالة على فساد هذه العلة، على أن المخاطب لنا إذا كان ~~حكيما وأراد المجاز بخطابه، قرن كلامه بما يدل على أنه متجوز به ولم يحسن ~~منه إطلاقه (6). # PageV02P474 # وحكى (١) في هذه المسألة ما استدل به من خالفه، فقال: # واستدل المخالف بأشياء (٢): منها: إن تعليق الحكم بالسوم (٣) لو لم يدل ~~على انتفائه إذا انتفت الصفة، لم يكن لتعليقه بالسوم معنى، وكان عبثا. # ومنها: إن تعليق الحكم بالسوم (٤) يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم ~~مقام قوله: (ليس في الغنم إلا السائمة الزكاة)، فكما أنه لو قال ذلك لوجب ~~أن تكون الجملة المستثنى منها بخلاف حكم الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم ~~بالصفة. # ومنها: إن تعليق الحكم بالشرط إذا دل على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك ~~الصفة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما كالآخر في التمييز والتخصيص، لأنه ms254 ~~لا فرق بين أن يقول: (في سائمة الغنم الزكاة)، وبين أن يقول فيها: (إذا ~~كانت سائمة الزكاة). # ومنها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول قوله تعالى: # ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ (4)، أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: " لأزيدن عن السبعين " (5)، فلو لم يعلم من جهة دليل الخطاب أن ~~ما فوق السبعين بخلافها لم يقل ذلك. # ومنها: تعلقهم بما روي عن عمر بن الخطاب أن يعلى بن أمية (6) سأله فقال: ~~ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ # فقال له عمر: عجبت مما عجبت منه، فسئلت رسول الله صلى الله عليه وآله # PageV02P475 # وسلم عن ذلك (١) فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ". # وتعجبهما من ذلك يدل على أنهما فهما من تعلق القصر بالخوف أن حال الأمن ~~بخلافه. # ومنها: ما روي عن الصحابة كلهم أنهم قالوا: " الماء من الماء منسوخ " (٢) ~~ولا يكون ذلك منسوخا إلا من جهة دليل الخطاب، وأن لفظة الخبر يقتضي نفي ~~وجوب الاغتسال من غير إنزال الماء. # ومنها: أن الأمة إنما رجعت في أن التيمم لا يجب إلا عند عدم الماء إلى ~~ظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا﴾ (3)، وكذلك الصيام في الكفارة وأنه لا يجزي إلا عند عدم ~~الرقبة، إنما رجع فيه إلى الظاهر. # قال (4) والجواب عن الأول: أن في تعليق الحكم بالسوم فائدة، لأنا [به] ~~(5) نعلم وجوب الزكاة في السائمة، وما كنا نعلم ذلك قبله، ويجوز أن يكون ~~حكم المعلوفة في الزكاة حكم السائمة، وإن علمنا بدليل آخر، وليس يمتنع في ~~الحكمين المتماثلين أن يعلمنا بدليلين مختلفين بحسب المصلحة، ألا ترى أن ~~حكم ما يقع النص عليه من الأجناس في الربا حكم المنصوص عليه، ومع ذلك دلنا ~~على ثبوت الربا في الأجناس المذكورة بالنص، ووكلنا في إثباته في غيرها إلى ~~القياس أو غير ذلك من الأدلة (6). # والجواب عن الثاني: أن الاستثناء من العموم ms255 لم يدل بلفظه ونفسه على أن ما # PageV02P476 # لم يتناوله بخلاف حكمه، وإنما دل العموم غلى دخول الكل فيه، فلما أخرج ~~الاستثناء بعض ما يتناوله العموم علمنا حكم المستثنى بلفظ الاستثناء ~~وتناوله لما يتناوله، وعلمنا أن حكم ما لم يتناوله بخلافه بلفظ العموم، ~~مثال ذلك: أن القائل إذا قال: " ضربت القوم إلا زيدا " فإنما يعلم ~~بالاستثناء أن زيدا ليس بمضروب، ويعلم أن عداه من القوم مضروب بظاهر ~~العموم، لا من أجل دليل الخطاب في الاستثناء، وليس هذا موجودا في قوله عليه ~~السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (١)، لأنه عليه السلام ما استثنى من ~~جملة مذكورة، ولو كان لسائمة الغنم اسم يختص بها من غير إضافة إلى الغنم ~~تعلق (٢) الزكاة به، وليس كل شئ معناه معنى الاستثناء له حكم الاستثناء، ~~لأن للاستثناء ألفاظا موضوعة له، فلما (٣) لم يدخل فيه لم يكن مستثنى منه، ~~ولا يكون واردا (٤) إلا على جملة مستقلة بنفسها، وكل هذا إذا أوجبت مراعاته ~~لم يجز أن يجرى قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (٢) مجرى ~~الجمل المستثنى منها. # والجواب عن (٥) الثالث: أن الشرط عندنا كالصفة في أنه لا يدل على أن ما ~~عداه بخلافه، وبمجرد الشرط لا يعلم ذلك، وإنما نعلمه في بعض المواضع بدليل ~~(٦)، لأن تأثير الشرط أن يتعلق الحكم به، وليس يمتنع أن يخالفه وينوب عنه ~~شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج من أن يكون شرطا، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (7) ~~إنما يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينظم إليه الآخر، فانضمام # PageV02P477 # الثاني إلى الأول شرط في القبول، ثم يعلم أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول ~~يقوم مقامه (١)، ثم يعلم بدليل أن ضم اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام ~~الثاني، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى. # والصحيح أن الحكم إذا علق بغاية أو عدد فإنه لا يدل بنفسه على أن ما عداه ~~بخلافه، لأنا إنما نعلم أن ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز، ms256 لأن ~~ما زاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر ~~بدلالة وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل، وهو الحظر. وكذلك إذا ~~قال الرجل لغلامه: " أعط زيدا مائة درهم " فإنه يعلم (٢) حظر الزائد على ~~المذكور بالأصل. # ولو قال: " أعطيت فلانا مائة (٣) " لم يدل لفظا ولا عقلا على أنه لم يعط ~~أكثر من ذلك. # فأما تعليق الحكم بغاية، فإنما يدل على ثبوته إلى تلك الغاية، وما بعدها ~~يعلم انتفائه أو إثباته بدليل، وإنما علمنا في قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ (6) أن ما بعد الغاية ~~بخلافها بدليل، وما يعلم بدليل غير ما يدل اللفظ عليه، كما يعلم أن ما عدا ~~السائمة بخلافها في الزكاة بدليل. # ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلا الدعوى، وهو ~~كالمناقض لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما. # PageV02P478 # فإذا قال: فأي معنى لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (1) إذا كان ما بعد ~~الليل يجوز أن يكون فيه صوم (2)؟ # وأي (3) معنى لقوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة "، والمعلوفة ~~مثلها؟ # فإذا قيل (4): لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في ~~السائمة بهذا النص، ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر. # قلنا: كذلك لا يمتنع فيما علق بغاية حرفا بحرف. # والصحيح أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه على كل حال، ~~بخلاف قول من يقول إنه يدل على ذلك إذا كان بيانا، وإنما قلنا ذلك لأن ما ~~وضع له القول لا يختلف أن يكون مبتدءا، أو بيانا، وإذا لم يدل تعليق الحكم ~~بصفة (5) على نفي ما عداه، فإنما لم يدل على ذلك لشئ يرجع إلى اللفظ، فهو ~~في كل موضع كذلك. # والجواب عن ms257 الرابع: أن ما طريقه العلم لا يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، لا ~~سيما إذا كانت ضعيفة، وهذا الخبر يتضمن أنه عليه السلام استغفر للكفار، ~~وذلك لا يجوز، وأكثر ما فيه أنه عليه السلام عقل (6) أن ما فوق السبعين ~~بخلاف السبعين، فمن أين أنه فهم ذلك من ظاهر الآية من غير دليل (7) يدله؟ # ولقائل أن يقول: إن الاستغفار لهم كان مباحا (8)، فلما ورد النص بحظر # PageV02P479 # السبعين، بقي ما زاد عليه على الأصل وقد روي في هذا الخبر أنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال: " لو علمت أنى إن زدت على السبعين يغفر الله لهم لفعلت ~~" (1) وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر (2). # والجواب عن الخامس: فهو (3) أيضا خبر واحد لا يحتج به في هذا الموضع، ومع ~~ذلك لا يدل على موضع الخلاف، لأنا لا نعلم أن تعجبهما من القصر مع زوال ~~الخوف هو لأجل تعليق القصر بالخوف، ويجوز أن يكون تعجبهما لأنهما عقلا من ~~الآيات الواردات في إيجاب الصلاة وجوب الإتمام في كل حال، واعتقدوا أن ~~المستثنى من ذلك هو حال الخوف، فتعجبا لهذا الوجه. # والجواب عن السادس: أنه إذا صح قولهم: " إن الماء من الماء منسوخ " (4)، ~~من أين لهم أنهم عقلوا من ظاهره نفي وجوب الغسل من غير الماء؟، ولعلهم ~~علموه بدليل سوى اللفظ، لأنهم إذا حكموا بإنه منسوخ فلابد من أن يكونوا قد ~~فهموا أن ما عداه بخلافه، فمن أين لهم أنهم فهموا ذلك اللفظ دون دليل آخر؟ # وقد روى هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه عليه السلام قال: " إنما الماء من ~~الماء " (5) وبدخول لفظ " إنما " يعلم أن ما عداه بخلافه، لأن القائل إذا ~~قال: " إنما لك عندي درهم " يفهم من قوله ": (وليس لك سواه) وعلى الوجه ~~تعلق ابن عباس # PageV02P480 # في نفي الربا عن غير النسية بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما الربا ~~في النسية " (1) وقد روى أيضا هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه عليه السلام ~~قال: " لا ماء إلا من الماء " وعلى هذا اللفظ لا شبهة في ms258 الخبر، على أن ~~الصحابة لم تبين جهة قولها في هذا الخبر أنه منسوخ، وهذا النسخ يتناوله، أو ~~دليله أو ما علم منه بقرينة؟ وقد علمنا أن المذكور من الحكم في اللفظ وهو ~~وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء ليس بمنسوخ، فمن أين النسخ تناول دليل ~~هذا اللفظ دون ما علم منه بقرينة؟ (2) والجواب عن السابع: أن آية التيمم ~~وآية الكفارات بين فيها حكم الأصل وحكم البدل، لأنه تعالى أوجب الطهارة عن ~~وجوب الماء، وأوجب التيمم عند عدمه، وكذلك في الكفارة، لأنه أوجب الرقبة في ~~الأصل وعند عدمها أوجب الصيام، فعلمنا حكم البدل والمبدل جميعا (3)، وليس ~~لدليل الخطاب في هذا مدخل. # هذه المسألة أوردناها على وجهها لأنها مستوفاة، وفيها بيان نصرة كل واحد ~~من المذهبين، وما يمكن الاعتماد عليه لكل فريق. # وفي هذه المسألة نظر. # PageV02P481 # الباب السابع الكلام في الناسخ والمنسوخ PageV02P483 # فصل NoteV02P485N01 " في ذكر حقيقة النسخ، وبيان شرائطه، والفصل بينه ~~وبين البداء " النسخ في اللغة يستعمل على وجهين: # أحدهما: بمعنى الإزالة، كما يقال: " نسخت الشمس الظل " و " نسخت الريح ~~آثارهم ". # والآخر: بمعنى النقل، كما يقال: " نسخت الكتاب ". # وذهب أبو هاشم (1) إلى أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، قال: لأن من ~~نسخ الكتاب لم ينقل ما فيه، وإنما أثبت مثله، فلما كان كذلك فيجب أن يكون ~~مجازا. # والأولى أن يقال إنه حقيقة فيهما، لأنا وجدنا أهل اللغة يستعملون ذلك، ~~لأنهم يعتقدون أن ذلك نقل على الحقيقة وإن كان اعتقادهم فاسدا، ويجري ذلك # PageV02P485 # مجرى تسميتهم الأصنام بأنها آلهة، لما اعتقدوا أنه يستحق العبادة، ~~فتسميتهم لها آلهة كان صحيحا وإن كان اعتقادهم فيها أنها تستحق العبادة ~~فاسدا، فلو لزم هذا للزم أبا هاشم أن لا يكون أيضا حقيقة في الإزالة لأن ~~الريح في الحقيقة لا تزيل شيئا وإنما الله تعالى يزيل بها، وكذلك القول في ~~الشمس. # فان اعتذر من ذلك بأن قال: لما اعتقدوا أن الريح هي التي تزيل في الحقيقة ~~أضافوه إليها. # قيل له مثل ذلك في النقل سواء. # فأما استعمال ms259 هذه اللفظة في الشريعة، فعلى خلاف موضوع اللغة وإن كان ~~بينهما تشبيه، ووجه التشبيه: أن النص إذا دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص ~~المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا صار بمنزل المزيل لذلك الحكم، لأنه ~~لولاه لكان ثابتا، فأجرى استعمال لفظ النسخ فيه مجرى الريح المزيلة للآثار. ~~هذا قول أبي هاشم. # وقال أبو عبد الله البصري: إن هذه التسمية مستعملة على غير طريقة (1) ~~اللغة في الشريعة، فهي لفظة شرعية منقولة عما وضعت له، لأن استعمالها في ~~ذلك غير معقول في اللغة، فهي كسائر الأسماء الشرعية. # فأما حد الدليل الموصوف بأنه ناسخ فهو: " ما دل على أن مثل الحكم الثابت ~~بالمنسوخ، الذي هو النص المتقدم، غير ثابت في المستقبل، على وجه لولاه لكان ~~ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه ". # والموصوف بأنه منسوخ هو النص الأول. # وقد تستعمل هذه اللفظة في أشياء، فيقال في الله تعالى أنه ينسخ الحكم، ~~فهو ناسخ إذا نصب الدلالة على ذلك. # ويقال إن النص الثاني ناسخ للأول، إذا دل من حاله على ما ذكرناه. # PageV02P486 # وقد يقال: إن الحكم الثاني ينسخ الحكم الأول، وهو ناسخ له، من حيث علم ~~سقوط الأول به، كقولهم: " نسخ التوجه إلى الكعبة الاستقبال إلى بيت المقدس ~~". ومثل ما روى أن الزكاة نسخت كل واجب في المال، ونسخ شهر رمضان صوم ~~عاشور. # وقد يتسع أيضا فيقال: " إن فلانا ينسخ كذا كذا "، إذا اعتقد ذلك وذهب ~~إليه، كما يقال الشافعي لا ينسخ القرآن بالسنة (1)، والحنفي ينسخ ذلك (2). # وأما لفظ المنسوخ: فإنه يستعمل في الدليل والحكم دون ما عداهما، والأغلب ~~في استعمال هذه اللفظة " الدلالة " و " الحكم " دون ما عداهما، وإن كان لا ~~يستعمل في الحكم إلا إذا كان ثبوته يقتضي نفي الحكم الأول، أو علم بالدليل ~~ذلك من حاله. # فهذه الوجوه هي جملة ما يستعمل هذه العبارة فيها، وحقيقتها ما ذكرناه. # فأما شرائط النسخ فأشياء: منها: أن الدليل الموصوف بأنه " ناسخ " وبأنه " ~~منسوخ " جميعا يكونان شرعيين. # وإنما قلنا ذلك: لأنه إذا كانت الإباحة ms260 معلومة بالعقل، ثم ورد الشرع ~~بحظره لا يسمى ذلك نسخا، ألا ترى أنه لا يقال: " حظر الخمر نسخ إباحته " ~~لما كانت إباحته معلومة عقلا، فكذلك لا يقال: " إن الجنون، والموت والعجز ~~نسخ واحد منها ما كان واجبا عليه " لما كان زوال ذلك عن المكلف معلوم عقلا. # وهذا الذي ذكرناه إنما يمنع من إطلاق عبارة النسخ عليه، فأما معنى النسخ # PageV02P487 # فحاصل فيه على كل حال، ألا ترى أنه لا فرق في سقوط التكليف بين زوال ~~العقل أو حصول الموت والعجز، وبين ورود النهي عنه، في أن في الحالين جميعا ~~يسقط التكليف؟ وإنما يمنع ذلك من إجراء العبارة عليه على ما قلناه. # ومن شرط الناسخ: أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ، لأنه لو كان ~~مرادا به لدل على البداء، ولاقتضى ذلك كون الأمر أو النهي قبيحا، فعلى هذا ~~يجب أن يكون الناسخ دالا على أن ما تناوله لم يرد قط بالمنسوخ. # وبذلك يبطل قول من حد النسخ بأنه: " زوال الحكم بعد استقراره "، لأن ~~الحكم إذا استقر وثبت أنه مراد، لم يصح أن يرفع، لما يؤدي إليه من الفساد ~~الذي قلناه. # وبمثل ما قلناه يبطل قول من حد ذلك بأنه: " رفع المأمور به بالنهي عنه " ~~لأنه لو كان كذلك لوجب كونه مرادا بالأمر، ومكروها بالنهي، وذلك يؤدي إلى ~~ما قدمناه من الفساد. # ومن شرط الناسخ أيضا: أن يكون منفصلا عن المنسوخ، لأنه إذا كان متصلا به ~~لم يوصف بأنه ناسخ، ألا ترى أنه لا يقال: إن قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله﴾ (1) نسخ للحظر المتقدم، لما كان متصلا ~~به. # ومن شرط المنسوخ: أن لا يكون موقتا بوقت يقتضي ارتفاع ذلك الحكم، لأن ما ~~يكون كذلك لا يوصف بأنه ناسخ، ولذلك لا يقال الإفطار بالليل ناسخ الصوم ~~بالنهار، ولكن الواجب أن ينظر في الغاية، فإن كانت غاية معلومة كالليل، لم ~~يوصف الحكم المتعلق بها بأنه ناسخ، وإن ms261 كانت مما لا يعلم إلا بنص بأن يرد ~~فتبين حاله، ولولاه لوجب إدامة حكم النص الأول، فإنه يوصف بأنه ناسخ، لأنه ~~جار مجرى قوله تعالى: (إفعلوا كذا وكذا أبدا إلى أن أنسخه عنكم)، وقد علم ~~أن ما يرد من الدلالة بعد ذلك يوصف بأنه ناسخ، وإن كان قد قيد به الكلام ~~الأول، وكذلك ما جرى مجراه من # PageV02P488 # الغايات، ولذلك لم يصح ما قاله بعض أصحاب الشافعي من أن قوله تعالى: # ﴿فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ~~أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ (1) لا يجوز أن يكون منسوخا بقوله: " وقد جعل ~~الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة " (2) الحديث، لأن الآية وإن كانت ~~مشروطة بالسبيل، فهي غاية غير معلومة إلا بدليل لولاه لكان الحكم ثابتا ~~فيه. # ويفارق ذلك تعليق الحكم بغاية يجب انقطاعه عندها، كتعليقه بالموت لأن ذلك ~~إنما يزول بحصول ذلك لا بدليل آخر شرعي وهذا ظاهر. # ومن حد الناسخ أن يكون في حكم المنسوخ في وقوع العلم به، أو العمل، على ~~ما سنذكره من أن خبر الواحد لا ينسخ به الكتاب. # ومن شرطه أيضا: أن لا يكون قياسا، ولا ما يجري مجراه من الأدلة المستنبطة ~~عند المخالف، ونحن ندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وليس من شرط الناسخ، أن يكون لفظ المنسوخ متناولا له، لأنه لا يمتنع أن ~~تدل الدلالة على أن المراد بالأمر المطلق تكرار الفعل، فيكون سبيله سبيل ~~الأمر المقيد بما يقتضي التكرار في أن النسخ يصح فيه، وعلى هذا النسخ في ~~الشريعة، لأنه ليس شئ من ألفاظ المنسوخ ظاهره يقتضي التكرار، وإنما علم ذلك ~~من حاله بدليل، وهذا بين لأنه كما لا يمتنع نسخ الفعل وما شاكله من ~~الشرعيات، وإن لم يكن ذلك كلاما، لا يمتنع أن يعلم بدليل أن المراد بالأمر ~~التكرار، فيعترضه النسخ. # ويفارق التخصيص الذي قد بينا إنه لا يصح دخوله إلا فيما يتناوله اللفظ ~~العام من هذا الوجه. # وليس من شرط الناسخ أن لا يتأخر ms262 عن المنسوخ، كما قلنا في تخصيص العام، # PageV02P489 # وبيان المجمل عن وقت الحاجة، بل هو بالعكس من ذلك في وجوب تأخره عن ~~المنسوخ على ما بيناه. # وليس من شرطه أن يكون متناولا لجملة، بل لا لم يمتنع أن يكون متناولا لما ~~يصح نسخ الدليل الشرعي فيه، وإن كان متناولا لحكم في عين واحدة، ويفارق ~~التخصيص في ذلك. # وفي الناس من شرط في ذلك (1) أن لا يكون لفظه مقيدا مقتضيا للتأبيد، ~~فقال: # لو قال الله تعالى: " افعلوا الصلاة أبدا " لما ساغ نسخه، وإنما يجوز إذا ~~أطلق ذلك (2). # وهذا بعيد، لأن لفظ التأبيد عندنا في الأمر لا يقتضي الدوام على ما تعورف ~~استعماله، لأن قول القائل لغيره: " لازم غريمك أبدا "، أو لابنه: " تعلم ~~العلم أبدا " لا يقتضي عندهم الدوام. ويفارق ذلك حال الخبر الذي يتناول ما ~~يصح الإدامة فيه، على أن الصحيح في الخبر أيضا أنه لا يفيد الإدامة، ولأجل ~~ذلك يمنع أصحاب الوعيد (3) من التعلق بآيات الوعيد المتضمنة للفظ التأبيد، ~~وإذا لم يقتض ذلك، فكيف # PageV02P490 # المنع من نسخه في ذلك؟ ولو إنه تناول ما قال لم يمنع ذلك من نسخه، لأنه ~~كان يدل على أنه لم يرد باللفظ ما وضع له، فيجري النسخ في ذلك مجرى ~~التخصيص. # ومن شرط النسخ: ألا يقع إلا في الأحكام الشرعية دون أجناس الأفعال ~~وضروبها، لأنه إنما ينسخ عن الفعل الذي وجب، بأن يبين أن أمثاله ليست ~~بواجبة، والفعل المحظور يبين أن أمثاله غير محظورة. # وليس من شرطه أن يكون للحكم المنسوخ بدل في الأحكام الشرعية، على ما زعم ~~بعضهم (١) وذلك أن ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول ساقط في ~~المستقبل يكون ناسخا له وإن سقط لا إلى حكم آخر، بل عاد حاله إلى ما كانت ~~عليه في العقل، وعلى هذا الوجه نسخ الله تعالى الصدقة بين يدي مناجاة ~~الرسول عليه السلام بقوله: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات﴾ (2) ~~فأسقط لا إلى بدل، فكذلك أسقط ما زاد على ms263 الاعتداد على أربعة أشهر وعشرا عن ~~المتوفى عنها زوجها (3) لا إلى بدل. # ولأن زوال الحكم إلى بدل لم يكن نسخا لأجل البدل، وإنما كان منسوخا ~~لزواله، فلا فصل بين زواله إلى بدل وإلى غير بدل، وكذلك وصف صوم عاشوراء ~~بأنه منسوخ، وإن كان صوم رمضان لا يجوز أن يكون بدلا منه، لجواز وجوبه مع ~~وجوبه وارتفاع التنافي بينهما. # فأما نسخ الحكم ببدل فقد يقع على وجوه: # منها: أن يسقط وجوبه إلى الندب، نحو نسخه ثبات الواحد للعشرة (4)، إلى # PageV02P491 # ثباته للاثنين، لأن ثباته للعشرة مندوب إليه، وكذلك نسخ وجوب قيام الليل ~~فجعله ندبا. # وقد يسقط وجوبه إلى وجوب غيره، وذلك على ضربين: أحدهما: أن يسقط الواجب ~~المخير فيه إلى واجب مضيق، وذلك نحو نسخ التخيير بين الصوم والفدية (١) ~~بحتم الصوم بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه﴾ (2). # وقد يسقط الواجب إلى الإباحة، نحو سقوط ما أوجب الله تعالى من ترك الأكل ~~والمباشرة في ليال الصوم إلى إباحة ذلك (3). # وقد يسقط المحظور إلى المباح، نحو ما روي عنه عليه السلام أنه قال: " ~~نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها " ~~(4)، فعلى هذا يجب أن يجري الباب. # وليس من شرط نسخ الحكم ألا يقع إلا بما هو أخف منه أو مثله، على ما يذهب ~~إليه بعض أهل الظاهر (5). # PageV02P492 # وذلك أن الله تعالى إنما ينسخ الحكم بغيره إذا علم أن صلاح المكلف في ~~الثاني، وقد يجوز أن يكون صلاحه فيما هو أشق من الأول كما يجوز أن يكون ~~صلاحه فيما هو أخف، فإذا صح ذلك، ولم يكن الأمر في التكليف موقوفا على ~~اختيار المكلف، لكنه بحسب المعلوم، فكيف يمنع من جواز نسخ الشئ مما هو أشق ~~منه؟ وهل يذهب ذلك إلا على من لا يعرف أصل هذا الباب؟ # ولا فرق بين من قال هذا، وبين من قال: " لا يجوز أن يكلف الله ابتدا ما ~~يشق " على ما يذهب إليه قوم من التناسخية (1) والقرامطة (2)، وقد ورد ms264 النسخ ~~بذلك، ألا ترى # PageV02P493 # إلى قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين﴾ (١) اقتضى كون المكلف مخيرا في الصوم (٢)، ثم حتم ذلك ~~وألزمه (٣)، مع ما فيه من زيادة المشقة على التخيير، ونسخ عن الزاني المحصن ~~الحد المذكور في القرآن (٤) بالرجم (٥) مع ما فيه من زيادة الألم عند من لم ~~يقل بالجمع بينهما. # على أن ما قالوه يقتضي ضد قولهم في الحقيقة، لأنه متى نسخ الحكم بما هو ~~أشق منه كان مؤديا إلى ثواب زائد على ما يؤدي إليه الأخف، صار في الحقيقة ~~أخف عليه وأنفع له لعظم النفع الذي فيه، ومن منع من ذلك فكأنه منع من أن ~~يعرض الله تعالى المكلف لتكليف زائد يؤديه إلى زيادة ثواب، وهذا جهل. # فأما تعلقهم بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ (6) وأنه ~~نبه على أن من حق النسخ أن يكون تخفيفا، وبأن النسخ مأخوذ من " الإزالة " ~~فكلما # PageV02P494 # ما كان ذهب في الإزالة كان من شرطه، فيجب أن لا ينسخ بما هو أشق منه (١). # فما بيناه من أن النسخ تابع للمصلحة يسقط جميع ذلك، ويعارض قوله تعالى: ~~﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها﴾ (٢) لأن هذه الآية تدل على أن ما يأتي به أشق من الأول، ~~أو في حكم الأشق حتى يصح أن يكون خيرا منها، ولم يمنع ذلك من جواز نسخ الشئ ~~بأخف منه، فكذلك القول فيما تعلقوا به من الآية. # وأما البداء فحقيقته في اللغة هو " الظهور " (٣) ولذلك يقال: " بدا لنا ~~سور المدينة " و " بدا لنا وجه الرأي " وقال الله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا﴾ (٤) و ﴿بدا لهم سيئات ما كسبوا﴾ (5) ويراد بذلك كله: " ظهر ~~". # وقد يستعمل ذلك في العلم بالشئ بعد أن لم يكن حاصلا، وكذلك في الظن. # فأما إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما ms265 يجوز إطلاقه عليه، ~~ومنه ما لا يجوز: # فأما ما يجوز من ذلك، فهو ما أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه على ~~ضرب من التوسع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين عليهما السلام ~~(6) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز ~~عليه، من حصول العلم بعد أن لم يكن، ويكون وجه إطلاق ذلك فيه تعالى ~~والتشبيه هو أنه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ~~ظاهرا لهم، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا لهم، أطلق على ذلك لفظ ~~البداء. # PageV02P495 # وذكر سيدنا الأجل المرتضى رحمه الله (١) وجها آخر في ذلك وهو أن قال: # " يمكن حمل ذلك على حقيقته، بأن يقال: " بدا له تعالى " بمعنى أنه ظهر له ~~من الأمر ما لم يكن ظاهرا له، وبدا من النهي ما لم يكن ظاهرا له، لأن قبل ~~وجود الأمر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين، وإنما يعلم أنه يأمر أو ينهي ~~في المستقبل. # فأما كونه آمرا أو ناهيا، فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر والنهي، ~~وجرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ (2) بأن نحمله ~~على أن المراد به حتى نعلم جهادكم موجودا، لأن قبل وجود الجهاد لا يعلم ~~الجهاد موجودا، وإنما يعلم كذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء " (3). ~~وهذا وجه حسن جدا. وأما ما لا يجوز إطلاقه عليه تعالى، هو أن يأمر تعالى ~~المكلف بنفس ما نهاه عنه، على الوجه الذي نهاه عنه، في الوقت الذي نهاه ~~عنه. وإنما شرطنا هذه الوجوه كلها، لأن المنهي عنه لو كان غير المأمور به ~~لم يمتنع أن تقتضي المصلحة الأمر به والنهي عن مثله، وكان لا مدخل له في ~~البداء: ولأن النهي لو تعلق به على غير الوجه الذي تناوله الأمر كان حسنا، ~~نحو أن يأمر الله بالصلاة على وجه العبادة له تعالى، وينهى عنها على وجه ~~العبادة ms266 للشيطان. وإنما شرطنا الوقت الواحد، لأن المأمور به في وقت لو نفى ~~عنه في وقت آخر وصح وقوعه لكان ذلك حسنا في الحكمة، كما يصح أن يحسن من ~~الله تعالى فعل الجسم في بعض الأوقات، وإن كان لو فعله بعينه في وقت آخر ~~وقد أفناه لم يمتنع أن يكون قبيحا. # PageV02P496 # وإنما يقبح ذلك لا لأنه يدل على البداء، لكن لأنه تكليف ما لا يطاق، ولأن ~~ما يصح أن نفعله في وقت، لا يصح أن نفعله في وقت آخر، لاختصاص مقدور القدر ~~بالأوقات على ما دل عليه الدليل. # وإنما جعلنا المأمور هو المنهي، لأنه لو صح كون المقدور الواحد لقادرين ~~لم يمتنع أمر أحدهما به ونهى الآخر عنه على بعد ذلك. # وإنما قلنا إن ما اجتمعت فيه هذه الشرائط لا يجوز على القديم تعالى، لأنا ~~قد بينا أن الله تعالى إنما يأمر العبد بالشئ لتعلق المصلحة به، وينهاه ~~لتعلق المفسدة به، ومحال في الشئ الواحد، في الوقت الواحد، أن يكون مصلحة ~~ومفسدة. # وأما نسخ الشريعة فمخالف لما قدمناه، لأنا قد بينا في حده أنه إسقاط ~~الحكم الذي تناوله النص المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه ~~عنه، وذلك يقتضي أن المأمور به غير المنهي، عنه وأن وقت المنهي غير وقت ~~المأمور به. # وقد بينا أيضا الفرق بين النسخ والتخصيص (1)، وذكرنا أن تخصيص العموم هو: ~~" ما دل على أنه لم يرد به إلا بعض ما تناوله اللفظ "، وأنه لا يصح دخوله ~~مما لم يتناوله لفظ العموم، والنسخ بخلافه، وبينا أيضا أن شروطهما ~~وأحكامهما تختلف، لأن النسخ يصح فيما لا يصح التخصيص فيه، ويصح التخصيص ~~فيما لا يصح النسخ فيه، وذلك واضح. # والذي يعتمد في هذا الباب أن النسخ والتخصيص جميعا يتناولان الأفعال دون ~~الأعيان والأوقات والأحوال، على خلاف ما يدعيه بعض من يتكلم في هذا الباب، ~~لأن التخصيص يدل على أنه لم يرد بالعموم ما لولاه لكان يدل على أنه مراد، ~~وكذلك النسخ. والذي يريده المخاطب الحكيم هو الأفعال دون ms267 الأعيان والأوقات، ~~لأن الأعيان لا يصح أن تراد، والأوقات لا يحتاج إلى إرادتها، لأنها ليست ~~متعلقة بالتكليف، وكذلك الأحوال، فإذا صح هذا صح ما قلناه. # PageV02P497 # وإنما يقال: إن التخصيص يخص الأعيان، ويراد به أنه أريد بالعموم الفعل من ~~بعض الأعيان دون بعض، أو في بعض الأوقات فيرجع التخصيص في التحقيق إلى ~~الأفعال، لكنها لما كانت تقع من الأعيان في الأوقات وجب أن تذكر، فإن لم ~~تكن هي المراد بالكلام، وهذا هو الذي يجب الاعتماد عليه دون غيره، لأن ~~الكلام على المعاني دون العبارات. PageV02P498 # فصل NoteV02P499N02 " في ذكر ما يصح معنى النسخ فيه من أفعال المكلف، وما ~~لا يصح، وبيان شرائطه " أفعال المتكلف على ضربين: # أحدهما: لا يصح معنى النسخ فيه. # والآخر: يصح ذلك فيه. # فالذي لا يصح معنى النسخ فيه على ضربين: أحدهما: لا يصح ذلك فيه لأن ~~الصفة التي يقع عليها الفعل لا يجوز خروجه عنها، ولا حصول ضدها فيه، وذلك ~~مثل وجوب الإنصاف، وشكر المنعم، وقبح الكذب والجهل، وغير ذلك من الواجبات ~~العقلية (1) التي لا يجوز خروجها عن كونها على تلك الصفة، فما يكون كذلك لا ~~يصح معنى النسخ فيه، لأن من المحال أن يكون الإنصاف مع كونه إنصافا، وشكر ~~النعمة مع كونه (2) شكرا للنعمة يخرجان من كونهما واجبين، وكذلك لا يصح أن ~~يخرج الجهل والكذب عن القبح إلى الحسن، فعلم بذلك أن معنى النسخ (لا يصح في ~~جميع ذلك. # PageV02P499 # وذهب المعتزلة إلى أن معنى النسخ (1) يصح في شكر النعمة، لأنه يجوز أن ~~يفعل المنعم من الإسائة ما يوفي على النعمة، فيبطل الشكر عليها، وذلك يصح ~~على مذهبهم في الإحباط (2) لا على ما نذهب إليه من فساد القول بالإحباط (2) ~~لأن # PageV02P500 # بالإسائة عندنا لا يبطل شكر النعمة، وإنما يستحق بها الذم والعقاب فيمن ~~يصح ذلك فيه لا غير. # والقسم الآخر: لا يصح معنى النسخ فيه لأنه لا يصح خروجه عن كونه لطفا ، ~~وذلك نحو وجوب المعرفة بالله تعالى وصفاته، ونحو وجوب الرياسة التي نوجبها ~~عقلا، فإنه لا يصح خروج ms268 ذلك أجمع عن كونها لطفا، فإذا لا يصح معنى النسخ ~~فيها أصلا. # فأما ما يصح معنى النسخ فيه: فهو كل فعل يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح، ~~فيقع على وجه فيكون حسنا وعلى آخر فيكون قبيحا، ويقع في وقت فيكون حسنا، ~~وفي آخر فيكون قبيحا، ويقع من شخص فيكون حسنا، ومن آخر فيكون قبيحا، وذلك ~~نحو المنافع والمضار، ولا اعتبار في ذلك بجنس الفعل، بل الاعتبار في ذلك ~~بالوجوه التي يقع عليها الفعل، وعلى ذلك جميع الشرعيات لأنها قد تكون واجبة ~~في وقت دون آخر، وعلى شخص دون غيره، وعلى وجه دون آخر ألا ترى أن القعود في ~~موضع مباح قد يكون حسنا ثم يعرض فيه وجه قبح بأن يخاف سبعا أو لصا أو وقوع ~~حائط عليه وما شاكله، فيصير القعود نفسه قبيحا. # ولما ذكرناه اختلفت الشرايع ودخل النسخ فيها، واختص بعض المكلفين بما لم ~~يشركه فيه غيره، وذلك أن الإمساك في السبت كان واجبا في شرع موسى عليه ~~السلام، ثم صار قبيحا في شرع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك من ~~الشرائع. ويجب على الحائض ترك الصلاة والصوم ولا يجب ذلك على غيرها، بل ~~يكون ذلك قبيحا منه، فعلى هذا ينبغي أن يجري هذا الباب. # فأما النسخ في الأخبار: (1) فقد اختلف العلماء في ذلك: # PageV02P501 # فذهب أكثر من تكلم في أصول الفقه من المعتزلة وغيرهم - وهو مذهب أبي علي ~~وأبي هاشم - إلى أن النسخ في الأخبار لا يجوز، وعللوا ذلك بأن قالوا: تجويز ~~ذلك في أخبار الله تعالى يوجب أن يكون أحد الخبرين كذبا، وفصلوا بينه وبين ~~الأمر والنهي (1). # وذهب أبو عبد الله البصري، وصاحب " العمد " (2) وهو الذي اختاره سيدنا # PageV02P502 # المرتضى رحمه الله إلى أن ذلك يجوز، ولا فرق بين الخبر والأمر والنهي في ~~هذا الباب (١). # واعلم (٢) أن الأخبار على ضربين: # أحدهما: يتضمن معنى الأمر والنهي. # والآخر: لا يتضمن ذلك بل يكون خبرا محضا عن صفة الشئ في نفسه. # فما يكون معناه معنى الأمر والنهي، فإنه يجوز ms269 دخول النسخ فيه، لأنه لا ~~فرق بين أن يقول: (صلوا الجمعة يوم الجمعة)، وبين أن يقول، (صلاة الجمعة ~~يوم الجمعة واجبة)، في أنه يجب في الحالين الصلاة، ومع ذلك يجوز معنى النسخ ~~فيه بأن تخرج الصلاة من كونها واجبة، وقد ورد القران بمثل ذلك، قال الله ~~تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٣)، وقال: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٤) وقال: ﴿من دخله كان آمنا﴾ (5)، وقال: (ولله على الناس ~~حج البيت) (6)، وكل ذلك خبر، إلا أنه لما كان معناه معنى الأمر جاز دخول ~~النسخ فيه لجواز تغيره من حسن إلى قبح. # أما ما لا يكون معناه معنى الأمر أو النهي، وهو الذي يتضمن خبرا محضا عن ~~صفة الشئ في نفسه، فهو على ضربين. # PageV02P503 # أحدهما: أن لا يجوز تغير تلك الصفة، عما هو عليه (1)، فما يكون كذلك يجوز ~~معنى النسخ في الأخبار عنه، فأما الانتقال إلى ضده فلا يجوز لأن ذلك جهل ~~وذلك نحو الإخبار عن صفات الله تعالى، ووحدانيته، فإنه يجوز أن نتعبد ~~بالإخبار عن ذلك، وتارة ينسخ عنا الإخبار عنها، ولا يجوز أن نتعبد بالإخبار ~~عن ضدها، لأن ذلك جهل على ما قدمناه. # والضرب الآخر: هو ما يجوز انتقاله عن تلك الصفة، فإنه لا يمتنع أن نتعبد ~~بالإخبار عن تلك الصفة ما دام الموصوف عليها، فإذا انتقل إلى غيرها نتعبد ~~بالنهي عن أن يخبر عما كنا (2) نخبر به، لتغير المخبر في نفسه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب وشرحها يطول، وفيما ذكرناه مقنع إن شاء ~~الله. # فأما شرائط أن يأمر المكلف بنفس ما نهي عنه فهي: إن يأمره به على غير ~~الوجه الذي نهاه عنه، وذلك نحو نهيه تعالى، المكلف أن يصلي الصلاة عبادة ~~للشيطان، وأمره إياه بأن يفعلها عباده له تعالى، ونحو أمره تعالى، بالإخبار ~~عن نبوة نبينا محمد عليه السلام (3) ونهيه عن نبوة غيره. # وإنما قلنا: إن الأمر بالشئ والنهي عنه على هذا الوجه يكون قبيحا، ms270 لأن ~~ذلك يدل على البداء على ما قدمنا القول فيه، ويؤدي إلى أن يكون الأمر به ~~قبيحا إن كان المأمور به قبيحا، وإلى أن يكون النهي عنه قبيحا إن كان الفعل ~~حسنا. وكذلك: لا يجوز أيضا أن يأمر بالشئ وينهاه عنه بعينه في وقتين، لأن ~~ذلك تكليف ما يطاق، لأن مقدور المكلف في أحد الوقتين لا يصح أن يفعله في ~~الوقت الآخر، فمتى نهاه عن الوقت الآخر، فقد نهاه عما لا يقدر عليه، وذلك ~~قبيح. # وكذلك: لا يجوز أن يأمر زيدا بالشئ الذي نهى عنه عمرا، لأن كونه مقدورا ~~لأحدهما يمنع من كونه مقدورا للآخر. # PageV02P504 # وكذلك: لا يحسن أن يأمر بالشئ على وجه يحسن عليه، وينهى عنه على وجه آخر ~~يحسن أيضا عليه، لأن ذلك يقتضي قبح النهي، لأن النهي عن الحسن قبيح. # فأما النهي عن غير المأمور به فلقد يحسن على وجوه: # منها: أن يأمر زيدا بمثل ما نهى عنه عمرو تعالى، لأن ما يقع حسنا من زيد ~~لا يمنع أن يقع من عمرو قبيحا، وذلك أمر الله تعالى الطاهر بالصلاة، ونهيه ~~الحائض عنها، وهذا على ضربين: # أحدهما: أن يقع منهما على وجه واحد. # والآخر: أن يقع منهما على وجهين، والحال فيهما سواء. # ومنها: أن يأمر عز وجل زيدا (1) الثاني بمثل ما نهاه عنه في الأول فيحسن، ~~لأن كونه قبيحا في الأول لا يمنع من وقوعه حسنا في الثاني، ونسخ الشريعة ~~على هذا الوجه، ولا فصل في ذلك بين أن يقع في الوقت الثاني على الوجه الذي ~~وقع عليه في الأول، وبين أن يقع على غير ذلك الوجه. # فأما نهي زيد عن مثل ما أمر به في وقت واحد، فإنما لا يحسن لأنه يبعد أن ~~يكون الفعلان المثلان الواقعان منه على وجه واحد يختلف معهما في الصلاح ~~فيكون أحدهما مصلحة والآخر مفسدة. # وقد يصح الأمر بالشئ والنهي عن غيره على وجوه اخر، وكذلك الأمر بغير ما ~~وقع الأمر به والنهي عن مثل ما وقع النهي عنه، ولم يذكر ذلك ms271 لأن الغرض بيان ~~ما يحسن من ذلك ليبين بذلك أن نسخ الشريعة منها. # وهذه جملة في هذا الباب. # PageV02P505 # فصل NoteV02P506N03 " في ذكر جواز نسخ الشرعيات " الخلاف المعروف في هذه ~~المسألة مع اليهود، وقد حكي حكاية عمن لا يعتد بقوله من أهل الصلاة ~~الامتناع من نسخ الشرائع، وقوله مطروح لا يلتفت إليه (1). # PageV02P506 # واليهود على ثلاث فرق (1): # أحدهما: يمنع من نسخ الشرائع عقلا. # والفرقة الثانية: تجوز النسخ عقلا، وتمنع منه سمعا. # والفرقة الثالثة: تجوز النسخ عقلا وسمعا، وإنما تنكر نبوة نبينا عليه ~~السلام (3) وإذا بين الدلالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ~~بالمعجزات الظاهرة على يده من القرآن وغيره من الآيات التي ظهرت على يده، ~~ودل على وجه الإعجاز منها، ثبتت نبوته عليه السلام (4)، وإذا ثبتت نبوته ~~بطل قول من أنكر نبوته عليه السلام، وإن جاز ذلك عقلا وسمعا. # وكذلك يبطل بصحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم قول من منع من النسخ ~~عقلا، غير إنا نبين أن ما يدعون من الشبهة العقلية باطل، ليعلم بذلك أن ~~الذي تعلقوا بع غير صحيح، وأنه لو لم تثبت نبوة نبينا ولا نبوة أحد من ~~الأنبياء عليهم السلام لكان ما ذكرناه جائزا سائغا. # PageV02P507 # وليس هذا موضع الكلام في النبوة، فكنا ندل عليه وهو مذكور في كتب الأصول ~~مستقصاة. # والذي يدل على جواز النسخ من جهة العقل هو: أنه ثبت أن العبادات الشرعيات ~~تابعة للمصالح، ولكونها ألطافا في الواجبات العقلية، ولولا ذلك لما وجبت ~~(1) على حال. # وإنما قلنا ذلك: لأن الشئ لا يجب بإيجاب موجب، وإنما يجب لصفة هو عليها ~~يقتضي وجوب الشئ وانما يدل ايجاب الحكيم له على أن له صفة الوجوب بان (2) ~~يصبر واجبا بايجابه لان ايجاب ما ليس له صفة الوجوب يجرى في القبح مجرى ~~ايجاب الظلم والقبيح أو اباحتهما، وقد علم قبح ذلك. # وإذا ثبت هذه الجملة فلا يخلو وجه وجوب هذه العبادات ان يكون عقليا أو ما ~~ندعيه من كونها مصالح وألطافا فلو كان وجه وجوبها عقليا لوجب ان ms272 يعلم ~~بالعقل وجوب هذه العبادات، وكما علم وجوب جميع الواجبات العقلية من وجوب ~~هذه الأشياء بيانا في العقل وقد علمنا انا لا نعلم بالعقل وجوب الصلاة ولا ~~الزكاة، ولا الصوم، ولا غير ذلك من العبادات التي جاءت الشرايع بها، بل لا ~~يحسن فعلها بالعقل وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع ان تتغير المصالح، فيصير ما كان ~~داعيا إلى فعل الواجب صارفا عن فعله أو يصير داعيا إلى فعل القبيح وما يكون ~~مصلحة لزيد لا يكون مصلحة لعمرو وما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة في وقت ~~آخر، وذلك يوجب النسخ والا قبح التكليف. # فان قيل: لم لا يجوز ان يكون وجه وجوب هذه العبادات هو ان لنا فيها ثوابا # PageV02P508 # دون كونها ألطافا؟ # قيل: (١) الشئ لا يجب (٢) من حيث كان فيه ثواب لأنه لو كان كذلك، لكانت ~~النوافل كلها واجبة، ولم يكن فرق بينهما وبين الواجبات، فلا بد من القول ~~بما قلناه من أنها انما وجبت لكونها ألطافا وانما قلنا بذلك لان ما يقع ~~عنده الواجب لولاه لم يقع يجب كوجوبه لا محالة وقد ورد القرآن أيضا منبها ~~على ما قلناه قال الله تعالى: ﴿ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (٣) فبين ~~انها انما وجبت من حيث كانت صارفة عن فعل القبيح وقال في تحريم الخمر ﴿انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ (4) ~~فبين ان وجه قبحها كونها صادة عن ذكر الله وموقعة للعداوة والبغضاء وذلك ~~أمرا مطلقا فإذا تغير وجه الحسن فيه إلى وجه القبح نهى عنه. وذلك هو النسخ ~~الذي قلناه. # وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (5). # منها: ان قالوا: ان ذلك يؤدي الس البداء. # ومنها: انه يؤدي إلى كون الحسن قبيحا. # ومنها: انه يقتضى استحقاق الثواب على ما يستحق به العقاب والوعيد على ما ~~يستحق به الوعد. # ومنها: انه يقتضى استحقاق الثواب على ما يستحق بع العقاب والوعيد على ms273 ما ~~يستحق به الوعد. # ومنها: انه إذا أطلق الامر على حسن المأمور به ابدا فلو نهى عنه لانتقضت ~~دلالته على ذلك. # ومنها انه إذا أطلق الامر اقتضى حسن المأمور به ابدا لأنه لو كان حسنا ~~إلى # PageV02P509 # وقت لبين ذلك الوقت كما يجب ان يبين خصوص العام وتفسير المجمل والا كان ~~الخطاب قبيحا، فإذا لم يبين دل على أن الفعل حسن ابدا، وإذا كان حسنا ابدا ~~فالنهي عنه قبيح. # ومنها: انه إذا أطلق الامر بفعل وجب اعتقاد لزوم المأمور له ابدا والعزم ~~على فعله دائما والنهي عنه يقتضي كون العزم والاعتقاد قبيحين. # ومنها: انه إذا أطلق الامر وغرضه في الخطاب إفادة المخاطب، فلولا ان ~~المأمور به يلزم ابدا لبين له ولما أبهم له ما امره به، لان ذلك تلبس. # ومنها: انه إذا امر إذا بالشئ مطلقا دائما، فلو جوزنا النهي عنه لادى إلى ~~الا يوصف بالقدرة على أن لا يخاطبنا بخطاب يقتضى الدوام ويقطع عليه. # فهذه الوجوه أقوى ما يتعلقون به ونحن نجيب عن واحد واحد منها على وجه ~~يزول معه الشك انشاء الله تعالى. # والجواب عن الشبهة الأولى والثانية والثالثة بشئ واحد: وهو انا قد بينا ~~فيما مضى ان النسخ الذي نجيزه هو أن يكون النهى متناولا لمثل ما تناوله ~~الامر لا لعين ما تناوله، وذلك يبطل قولهم: انه يؤدى إلى البداء ويبطل ~~قولهم: انه يؤدى إلى كون الحسن قبيحا، لان الحسن غير القبيح على ما قررناه، ~~ويبطل أيضا قولهم: انه يستحق العقاب بما يستحق به الثواب، لان على التقرير ~~الذي قررناه ما يستحق به الثواب غير الذي يستحق به العقاب. # والجواب عن الشبهة الرابعة: وهي قولهم: " ان الامر باطلاقه يدل على حسن ~~المأمور به ابدا فلو نهى عنه لانتقضت دلالته على ذلك " فهو ان الامر عندنا ~~لا يقتضى التكرار بمجرده وانما يقتضى الفعل مرة واحدة (1)، فعلى هذا سقطت ~~الشبهة. فإن اقترن باللفظ قول الامر " إفعل أبدا " فلفظ التأبيد لا يفيد ~~الدوام على كل حال، لان هذه اللفظة تستعمل فيما ms274 لا يراد الدوام، الا ترى ان ~~القائل يقول " الزم فلانا أبدا " أو " امض # PageV02P510 # في طلب العلم أبدا " أو " أتجر أبدا " وغير ذلك، ونحن نعلم أنه لا يراد ~~بجميع ذلك الدوام، لأنه لا بد من انقطاع المأمور به. # وان اقرن باللفظ دليل يدل على أن المراد بالامر التكرار، فذلك أيضا لا ~~يدل على الدوام، لأنه انما يقتضى تكرار الفعل ما دام مصلحة، فأما إذا تغيرت ~~فلا يقتضيه، لان دلالة السمع تترتب على دلالة العقل ومعلوم بالعقل ان الله ~~تعالى إنما يأمرنا بالفعل ما دام مصلحة لنا، فإذا صار مثله مفسدة وجب أن ~~ينهى عنه ويجري ذلك مجرى ما علم بالعقل انه يأمرنا بالفعل ما دمنا قادرين، ~~فإذا عجزنا عنه سقط التكليف عنا، فإذا ثبت ذلك كان أمره تعالى مرتبا على ~~دليل العقل، ويصير ذلك في حكم المنطوق به. # وإذا ثبت ما قلناه فقولهم: " ان النهي ينقض دلالة الامر " كقول القائل إن ~~العجز المزيل للزوم المأمور به ينقض دلالة الامر، وذلك بين الفساد والجواب ~~عن الشبهة الخامسة، وهي انه إذا أطلق الامر، فلو كان المراد به إلى وقت ~~لبينه كما يجب بين الخصوص والمجمل، فهو: ان الامر انما يجب أن يبين ما قصد ~~بالامر إليه وما لا يصح مع عدم بيانه، إذ المأمور به من المكلف، فاما ما ~~عداه فلا يجب بيانه في، الحال وقد علمنا أن المكلف متى بين له صفة ما امر ~~وأمكنه أداه على الوجه الذي كلفه، وان لم يبين له الوقت الذي يزول وجوب ذلك ~~فيه، ولا يصح منه أداء المأمور به بالخطاب المجمل إلا بعد البيان، وكذلك ~~القول في تخصيص العموم فلذلك ساغ تأخير بيان النسخ عن حال الخطاب، وامتنع ~~ذلك في تخصيص العام وبيان المجمل، والشاهد يشهد بصحة ما قلناه ولأن السيد ~~لو أمر غلامه يأخذ وظيفة له في كل يوم وفي نيته إلى غاية، لم يجب ان يبينها ~~له وان كان لابد من أن يبين له صفة الوظيفة التي امره باخذها، وهذا بين. # والجواب عن ms275 الشبهة السادسة وهي قولهم: إنه إذا أطلق الامر فقد أوجب ~~اعتقاد لزوم المأمور به أبدا، أو العزم على فعله أبدا، والنهى يقتضى كونهما ~~قبيحين فهو: ان الامر إذا ورد فإنما يجب أن يعتقد المأمور فعله ما دام ~~مصلحة، والعزم على PageV02P511 # فعله على هذا الشرط وورود النهى عن أمثاله لا يؤثر في، ذلك هذا إذا كان ~~الخطاب في حال يجوز فيها النسخ، فاما بعد انقطاع الوحي، فيجب أن يعتقد بمثل ~~ذلك ويعزم عليه ما دام على صفة يلزمه ففي الحالين لابد من دخول الشرط في ~~العزم والاعتقاد، وإن كان في أحد الحالين مشترطا لشيئين وفي الحال الأخرى ~~بوجه واحد. # والجواب عن الشبهة السابعة، وهي قولهم: إذا أطلق الامر وغرضه إفادة ~~المخاطب، فلو لم يلزم المأمور به أبدا لبين، لأنه لا يجوز أن يقصد التلبيس، ~~فإذا لم يبين علم دوامه، فهو أن يقال لهم: أليس الامر لم يبين الوقت الذي ~~يزول فيه التكليف؟ فلابد من نعم. # فيقال له: أفتنسبه إلى أنه ليس؟ # فإن قال: نعم، التزم ما أراد إلزامنا. # وان قال: لا، لأنه قد دل من جهة العقل عليه في الجملة. # قيل له: وكذلك قد دل على جواز النسخ من جهة العقل في الجملة. # على أنه انما يقال: ليس إذا يبين ما يجب بيانه ويحتاج المكلف إليه فيما ~~كلف، وأما إذا لم يبين ما ليس هذه حاله، والمعلوم انه سيبينه في حال ~~الحاجة، فالتلبيس زائل. # والجواب عن الشبهة الثامنة، وهي قولهم: إن أمره بالشئ مطلقا لو لم يمنع ~~من النسخ، لما كان موصوفا بالقدرة على أن يدلنا على تأبيد العبادة إلى وقت ~~زوال التكليف، فهو: أنه يصح ان يعرف ذلك بأن يضطر إلى قصد الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيه، كما اضطررنا إلى قصده في أن شرعه دائم، وفي أنه لا نبي ~~بعده. # ويجوز أن يعرف ذلك بانقطاع الوحي أيضا، ويعرف الرسول صلى الله عليه وآله ~~وسلم بأن يعرف أن صلاح أمته في هذا الشرع ما داموا مكلفين. # على أنه لو ms276 لم يصح ان يعرف ذلك على التفصيل، - وقد عرفنا على الجملة - ~~لعلمنا انه ما دام صلاحا لنا، فلابد من أن يلزمنا لما أثر في ما نقوله، على ~~انا نعلم أن PageV02P512 # المأمور به لا يجوز دوام لزومه، لان ما (1) يحسن من الله تعالى إلزامه ~~إنما يقتضي انقطاعه، وهو استحقاق الثواب عليه، ولذلك يعلم أنه إنما يلزم ما ~~دام صلاحا ولا حاجة بنا إلى علم آخر لا يفتقر التكليف إليه وهذا واضح. # وقد استدل الخلق على جواز النسخ بما يفعله القديم تعالى من الأمراض بعد ~~الصحة، والفقر بعد الغنى، وأنه إذا جاز أن يختلف ذلك بحسب مصالح العباد، ~~فكذلك ما يكلفونه. # وهذا قريب، وان كان الأول هو الأصل. # فاما من أبى النسخ من أهل الملة، فما قدمناه يبطل قوله، ويبطله أيضا وقوع ~~النسخ في شريعتنا بلا ارتياب، لأنه لا خلاف بين الأمة أن القبلة كانت إلى ~~بيت المقدس وأنه نسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة، وكذلك نسخ الحول في عدة ~~المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرا، ونسخ أيضا تقديم الصدقة بين يدي ~~نجوى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة ~~بثبات الواحد للاثنين، ونظائر ذلك كثيرة فلا معنى للاكثار فيه. # فهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV02P513 # فصل NoteV02P514N04 " في ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة ~~دون الحكم (1) " جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه، لان التلاوة إذا كانت ~~عبادة، والحكم عبادة أخرى جاز وقوع النسخ في إحداهما مع بقاء الاخر كما يصح ~~ذلك في كل عبادتين، وإذا ثبت ذلك جاز نسخ التلاوة دون الحكم، والحكم دون ~~التلاوة. # فان قيل (2): كيف يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة؟ وهل ذلك إلا نقض؟ # لكون التلاوة دلالة على الحكم، لأنها إذا كانت دلالة على الحكم فينبغي أن ~~تكون دلالة ما دامت ثابتة، وإلا كان نقضا على ما بيناه. # قيل له: ليس ذلك نقضا، لكونها دلالة، لأنها إنما تدل على الحكم ما دام ~~الحكم # PageV02P514 # مصلحة، وأما إذا تغير حال الحكم وخرج ms277 من كونه مصلحة إلى غيره لم تكن ~~التلاوة دلالة عليه. # وليس لهم أن يقولوا: لا فائدة في بقاء التلاوة إذا ارتفع الحكم، وذلك أنه ~~لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بنفس التلاوة وإن لم يقتض الحكم، وإذا لم يمتنع ~~ذلك جاز بقاؤها مع ارتفاع الحكم. # وليس لهم أن يقولوا: إن هذا المذهب يؤدى إلى أنه يجوز أن يفعل جنس الكلام ~~بمجرد المصلحة دون الإفادة، وذلك مما تأبونه. # لأنا إنما نمنع في الموضع الذي أشاروا إليه إذا خلا الكلام من فائدة ~~أصلا، وليس كذلك بقاء التلاوة مع ارتفاع الحكم، لأنها أفادت في الابتداء ~~تعلق الحكم بها وقصد بها ذلك، وانما تغيرت المصلحة في المستقبل في الحكم ~~فنسخ وبقيت (1) التلاوة لما فيها من المصلحة، وذلك يخالف ما سأل السائل ~~عنه. # وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم (2)، فلا شبهة فيه لما قلناه من جواز ~~تعلق المصلحة بالحكم دون التلاوة. # وليس لهم أن يقولوا: أن الحكم قد ثبت بها، فلا يجوز مع زوال التلاوة ~~بقاؤه. # وذلك أن التلاوة دلالة على الحكم، وليس في عدم الدلالة عدم المدلول عليه، ~~الا ترى أن انشقاق القمر ومجئ الشجرة دال على نبوة نبينا صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولا يوجب عدمهما خروجه صلى الله عليه وآله وسلم من كونه نبيا ~~وكذلك القول في التلاوة والحكم، ويفارق ذلك الحكم العلم الذي يوجب عدمه ~~خروج العالم من كونه عالما، لان العلم موجب لا أنه دال. # واما جواز النسخ فيهما، فلا شبهة أيضا فيه لجواز تغير المصلحة فيهما. # PageV02P515 # وقد ورد النسخ بجميع ما قلناه، لان الله تعالى نسخ اعتداد الحول بتربص ~~أربعة أشهر وعشرا، ونسخ التصدق قبل المناجاة، ونسخ ثبات الواحد للعشرة وإن ~~كانت التلاوة باقية في جميع ذلك. # وقد نسخ أيضا التلاوة وبقي الحكم على ما روي من آية الرجم من قول: # " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله " (1) وإن كان ~~ذلك مما أنزله الله والحكم باق بلا خلاف. # وكذلك روي تتابع صيام كفارة اليمين في قراءة عبد الله ms278 بن مسعود (2) لأنه # PageV02P516 # قد نسخ التلاوة والحكم باق عند من يقول بذلك. # واما نسخهما معا، فمثل ما روي عن عائشة أنها قالت: " كانت فيما أنزله ~~تعالى عشرة رضعات يحرمن، ثم نسخت بخمس " (1) فجرت بنسخة تلاوة وحكما. # وانما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال ولو لم يقع شئ منها لما أخل ~~بجواز ما ذكرناه وصحته، لان الذي أجاز ذلك ما قدمناه من الدليل، وذلك كاف ~~في هذا الباب. # PageV02P517 # فصل NoteV02P518N05 " في نسخ الشئ قبل وقت فعله، ما حكمه؟ " (1) اختلف ~~العلماء في ذلك، فذهب طائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم إلى # PageV02P518 # جواز نسخ الشئ قبل وقت فعله (1) وإلى ذلك كان يذهب شيخنا أبو عبد الله. # وذهب المتكلمون من المعتزلة، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي ~~إلى أن ذلك لا يجوز (1)، وهو الذي يختاره سيدنا المرتضى (2) رحمه الله (3)، ~~وهو الذي يقوى في نفسي. # والذي يدل على ذلك أن القول بجواز ذلك يؤدي إلى أن ينهى الله تعالى عن ~~نفس ما أمر به، لأنه إذا أمر بشئ بعينه في وقت بعينه ثم نهاه عنه قبل مجئ ~~الوقت عن ذلك الفعل بعينه، فقد نهاه عن نفس ما أمر به، وذلك قبيح من وجهين: # أحدهما: أن ذلك الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو حسنا، فإن كان قبيحا ~~فالامر به قبيح وان كان حسنا فالنهي عنه قبيح، وهذا يوجب كونه فاعلا للقبح، ~~تعالى الله عن ذلك. # والوجه الاخر: انه يؤدى إلى البداء، لأنه لو كان حال ما أمر به على ما ~~كان عليه قبل الاخر لما نهى عنه، فدل نهيه على أنه قد ظهر له من حاله ما لم ~~يكن ظاهرا، أو استتر عنه ما كان عالما به، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لان ~~البداء إذا لم يجز عليه لم يجز أن يفعل ما يدل على البداء. # فان قيل: إنا إنما نجيز أن ينهى قبل الوقت عن مثل ما أمر به لا عنه ~~بعينه، فلا يلزم ما ذكرتموه قيل له إن الامر الأول اقتضى ms279 فعلا واحدا في هذا ~~الوقت، فإذا نهى عن مثله لم يوصف ذلك بأنه نسخ أصلا. # فان قال (4): لو اقتضى الفعلين جميعا فكيف كان جوابكم؟ # قيل له ان كان أرادهما جميعا بالامر، فإذا نهى عن أحدهما فقد نهى عما أمر # PageV02P519 # به وهذا هو (1) الذي أفسدناه آنفا. # وان كان أراد أحدهما فهو المأمور به دون الاخر، والنهي أنبأ عن أنه لم ~~يرد غير هذا الفعل فقط، وهذا جائز عندنا. # هذا إذا صح الجمع بين الفعلين فأما إن تعذر ذلك فالامر بهما مستحيل إلا ~~على وجه التخيير، ومتى أمر بهما على وجه التخيير فقد أريدا جميعا، والنهي ~~عن أحدهما كالنهي عنهما جميعا في أنه نهي عما أمر به. # فإن قال: أفيجوز عندكم أن يأمر بالشئ في وقت وينهى عنه قبل وقته عن مثله، ~~وإن لم يكن ذلك نسخا؟ # قيل له: إذا كانا مثلين وواقعين على وجه واحد فبعيد أن يكون أحدهما مصلحة ~~والاخر مفسدة، فكذلك لم يحسن النهي عن مثل ما امر به في وقته. # فإن قالوا: إنا نجوز النسخ قبل وقت الفعل، بأن يأمر الله تعالى بالفعل ~~ويريد منا اعتقاده أو العزم عليه، ثم ينهى عن الفعل بعينه فيكون المنهي عنه ~~غير المأمور به. # قيل لهم: إن الاعتقاد يتبع المعتقد، لأنه إنما يتناول الشئ على ما هو به ~~حتى يحسن أن يؤمر به لأنه لو كان على خلاف ما هو به لكان جهلا وذلك قبيح لا ~~يحسن الامر به، فإذا لا بد من أن يكون اعتقادا للشئ على ما هو به وليس يخلو ~~أن يكون متناولا لكون المعتقد واجبا، أو لكونه مرادا، أو مأمورا، أو يكون ~~اعتقادا لان يفعله. # وانما قلنا ذلك، لأنه لابد من أن يكون لهذا الاعتقاد معتقد على صفة، فان ~~كان اعتقادا لوجوبه فلابد أن يكون المعتقد واجبا، والا كان الاعتقاد جهلا، ~~وإذا وجب أن يكون واجبا فالنهي عنه قبيح، وكذلك إن كان اعتقادا لكونه مرادا ~~أو مأمورا به، وإن كان اعتقادا لان يفعله، فيجب أن يقطع على أنه ms280 يفعله لا ~~محالة، وذلك لا يصح من المكلف، لأنه يجوز الاخترام دونه. # فإن قال: إنه أمرا بأن يعتقد كونه واجبا بشرط أن لا ينهى عنه، أو أن ~~يعتقد أنه # PageV02P520 # يفعل ذلك على هذا الشرط. # قيل له: إن تعلقت بذلك فقل مثل ذلك في نفس الفعل، بأن تقول أمر به في ~~الحقيقة بشرط أن لا ينهى عنه، فإذا صح أن يتعلق بمثل ذلك في نفس المأمور ~~به، فأي حاجة بك إلى ذكر الاعتقاد؟ # وهذا قول يدل على أن قائله لا يعرف ماله يتأول الامر على أن المراد به ~~الاعتقاد، وقد بينا من قبل أن الاعتقاد والعزم يتبعان المعتقد في الوجوب، ~~فلا يصح وجوبهما دونه، وفي ذلك إسقاط سؤاله. # فان قيل: إنما نجوز ذلك إذا أمرنا بالشئ وأراد الاختبار، ثم نهى عنه في ~~الحقيقة. # قيل له: القديم تعالى عالم بالعواقب فلا يجوز منه تعالى الاختبار، لان ~~ذلك إنما يجوز على من لم يعرف حال الشئ فيختبر هل يطيع المأمور أم لا؟ ~~والقديم تعالى إنما يأمر العباد بمصالحهم فكيف يأمرهم بها ولا يريدها منهم؟ ~~ولو جاز ذلك لجاز في النهي مثله، فمن أين لهذا القائل ان النهي هو نهي عن ~~الفعل، مع قوله في الامر أنه اختبار؟ # فإن قال: أجوز النسخ قبل الفعل إذا أمر تعالى بالفعل في وقت بشرط تبقية ~~الامر، أو بشرط انتفاء النهي، فإذا نهى عنه فقد زال الشرط، فإذا قد نهى عن ~~الفعل على غير الوجه الذي قد امر به، وهذا كقولهم أنه أمر بالصلاة عبادة ~~لله ونهى عنها عبادة للشيطان في الجواز. # قيل له: إن تبقية الامر لا يجوز أن تكون وجها لحسن المأمور به، ولا ~~انتفاء النهي، فلا يدلان أيضا على كون الفعل على وجه يحسن عليه حتى يقضى ~~بأن في زوالهما خروج الفعل من أن يكون واقعا على ذلك الوجه، فإذا صح ذلك ~~بطل ما سأل عنه وفارق حاله حال الصلاة التي مثل بها. # ومن حق الامر أن يدل على كون المأمور به على وجه يحسن ms281 أمره به، فبقاء ~~الامر وانتفاء النهي أو وجوده لا يخلو كونه على هذه الصفة فإذا صح ذلك ~~فالنهي PageV02P521 # عنه لا يحسن. # فإن قالوا: كما يحسن أن يأمر بالفعل بشرط ألا يمنع منه ولا يخترم دونه، ~~فكذلك يحسن أن يأمر بشرط ألا ينهى عنه. # قيل له: إن الذي جعله أصلا في الفساد مثل ما يثبت عليه، لان الامر بما ~~يمنع منه قبيح، كما يقبح الامر بما لا يطاق، لان مراد الامر عز وجل أن يفعل ~~المأمور ما أمره به من الصلاح، فلو لم يكن هذا مراده لقبح، ولا يصح أن يكون ~~ذلك مقصده ومع ذلك يأمره بما يعلم أنه يمنعه منه. # وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (١). # منها: قوله تعالى ﴿يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت﴾ (٢) فأخبر أنه يمحو ما يشاء، فيجب أن يكون أمره بالشئ ثم ~~ازالته عنه بنهي أو غيره جائزا. # ومنها: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم نسخ عنه قبل ~~الذبح لأنه قال: ﴿يا بني إني أرى في ~~المنام اني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (٣) ثم قال بعد ذلك: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا﴾ (4) فمنعه من الذبح، وفداه بذبح عظيم، وهذا هو نسخ الشئ قبل ~~وقت الفعل. # ومنها: ما روي أن الله تعالى أوجب على نبينا عليه السلام ليلة المعراج ~~خمسين صلاة ثم أزالها إلى خمس قبل وقت الفعل. # قالوا: وقد صالح النبي عليه السلام قريشا على رد النساء، ثم نسخه قبل وقت ~~الفعل. # والجواب عن الأول: أنه ليس في الآية أنه يثبت ما محا، ويمحو ما أثبت، ولا ~~يمتنع عندنا أن يمحو غير ما أثبت ويثبت غير ما محا فأي تعلق لهم بالظاهر؟ # PageV02P522 # وليس المراد بذلك النسخ لان ظاهره لا يقتضي ذلك. # وقد قيل: أنه يمحو ما يشاء مما يثبته الملك الموكل بالعبد في الصحيفة من ~~المباحات، ويثبت ما يشاء مما يستحق عليه ثواب أو عقاب. ms282 # وقد قيل في تأويله غير ذلك مما قد بين في التفاسير (١). # والجواب عما تعلقوا به ثانيا من أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ~~ابنه: # أنه إنما أمر بمقدمات الذبح من الاضجاع، وأخذ الحديد، وشد اليد والرجل، ~~وغير ذلك، وقد يسمى مقدمة الشئ باسمه كما يسمى المريض المدنف بأنه ميت، ~~فجاز أن يقول: ﴿انى أرى في المنام ~~اني أذبحك﴾ (٤) ومراده ما قلناه. # ويدل على صحة ذلك: ما قدمناه من دليل العقل في أنه لا يجوز أن يأمر بالشئ ~~ثم ينسخه قبل وقت الفعل (٢). # ويدل عليه أيضا: قوله ﴿صدقت ~~الرؤيا﴾ (٣) فلو كان المراد به الذبح على الحقيقة لكان لا يكون مصدقا، ~~ولما ذبح، فدل على أن المأمور به ما قدمناه. # وليس لاحد أن يقول: إذا كان الذبح غير مأمور به، فكيف نقول للذبيح: # (فانظر ماذا ترى) (٤) وهذا كلام جزع؟، وكيف قال: ﴿ان هذا لهو البلاء المبين﴾ (5) ومقدمة الذبح ليس ~~فيها كل ذلك، وكيف فدى بذبح عظيم وليس المأمور به الذبح؟ # وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما امر بمقدمات الذبح، وكان في العادة أن ~~مثل ذلك يراد بالذبح، ظن أنه سيؤمر بالذبح، فلذلك قال ما قال، فأما الفداء ~~فلا يمتنع أن يكون ذبحا ويكون فداء عن الذي ظن أنه يؤمر به من الذبح أو عن ~~مقدمة الذبح، لان الفداء لا يجب أن يكون من جنس ما فدى به، ألا ترى أن ~~الهدي يفدى به حلق الرأس # PageV02P523 # وان لم يكن من جنسه. # وقال قوم: إنه أمر بالذبح على الحقيقة وإنه كان يذبح، ثم كان يلتحم ما ~~ذبح إذا تجاوز موضع الذبح، فإذا قد فعل ما امر به، ولم يسقط عنه. # وهذا قريب، والأول أقوى (1) فأما من قال: أنه جعل صفحة عنقه نحاسا فامتنع ~~الذبح عليه! فلا يصح، لأنه يقتضى الامر بما يمنع منه، وذلك قبيح لا يجوز ~~على الله تعالى على ما قدمنا القول فيه. # والجواب عما ms283 تعلقوا به ثالثا من الخبر: فأول ما فيه أنه خبر واحد ولا ~~يجوز أن يتعلق بمثله فيما طريقه العلم به، على أنه فاسد من وجوه: # منها: أنه يوجب نسخ الشئ قبل أن يعلم المكلف أنه مأمور به، لأنه في ~~الحديث أنه نسخ عنهم ذلك تلك الليلة. # ومنها: أنه يوجب نسخ شئ عنهم من حيث أشار به موسى عليه السلام، وسأل ~~محمدا صلى الله عليه وآله أن يخفف عن أمته، والتكليف لا يتعلق باختيار ~~الأنبياء، ولا يؤثر فيه مسألتهم التخفيف فيه. # ومنها: أن في الخبر من التشبيه ما يقتضى أنه موضوع لا أصل له، وان كان ~~فيه ما لا يمتنع أن يكون صدقا. # والجواب عما تعلقوا به رابعا من أنه نسخ وجوب رد النساء على المشركين قبل ~~فعله، فهو أنه عليه السلام لم يكن شرط لهم أن يرد عليهم النساء أبدا ولا ~~إلى وقت بعينه فنسخ قبل ذلك، بل أطلق ذلك اطلاقا، ولا يمتنع أن يكون ~~المصلحة اقتضت امضاء ذلك إلى الوقت الذي نسخه، ولو كان قبل ذلك لم ينسخ ولو ~~هاجرت امرأة قبل ذلك لكان يردها عليهم، وهذا لا ينافي ما قدمناه. # PageV02P524 # فأما من تعلق في هذا الباب بنسخ تقديم الصدقة قبل المناجاة (1) فغلط، ~~لأنه إنما نسخ عز وجل قبل الفعل لا قبل وقته، لأنهم عصوا إلا عليا عليه ~~السلام، فلم يفعلوا ما أمر الله تعالى به في وقته فنسخ عنهم، وهذا جائز ~~عندنا. # وقد يتعلق في هذا الباب بأخبار آحاد لا يصح التعويل عليها في مثل هذه ~~المسائل، أو بشئ ليس بنسخ قبل وقت الفعل، وإنما هو نسخ قبل الفعل فينبغي أن ~~يعرف هذا الباب ويتأمل في ما يرد منه إن شاء الله فإنه لا يختل على من ضبط ~~أصل هذا الباب. # فأما الذي يدل على أن النسخ قبل الفعل يجوز (2) على ما قدمنا القول فيه، ~~فهو: # PageV02P525 # أنه متى امر بالفعل في وقت وتقضى وقته، فغير ممتنع أن ينهى عن أمثاله، ~~كما كان لا يمتنع أن ينهى عن ذلك ms284 لو فعل، لان ما ينهى عنه انما ينهى عنه ~~لأنه مفسدة له في التكليف، فتقدم فعله لما امره به، أو تركه له لا يؤثر في ~~ذلك، ولذلك نسخ تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~عمن أوجب عليه وإن لم يفعلوه وعصوا فيه، وما روي من أن أمير المؤمنين عليه ~~السلام فعله (1) لا يخرج غيره من أن يكون حاله ما وصفناه، فالتعلق بذلك غير ~~صحيح. # وإنما ذكرنا هذا الفصل عقيب المسألة الأولى لان في المتفقهة (2) من يقول: ~~إن النسخ قبل الفعل لا يجوز، ويظن أن ذلك يجرى مجرى النسخ قبل وقت الفعل!، ~~وبينهما من الفرق ما قدمناه. # PageV02P526 # فصل NoteV02P527N06 " في أن الزيادة في النص هل يكون نسخا أو لا؟ " ذهب ~~أبو علي وأبو هاشم إلى أن الزيادة في النص ليست بنسخ على كل حال، # PageV02P527 # وهو مذهب كثير من أصحاب الشافعي (1). ومنهم من قال إنه نسخ إذا كان ~~المزيد عليه قد دل على أن ما عداه بخلافه، مثل أن يكون النص الثمانين في حد ~~القاذف يدل عنده على أن ما فوقه ليس بحد، فإذا زيد عليه كان نسخا من هذا ~~الوجه (1). # وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن الزيادة على النص إذا اقتضت بغير حكم ~~المزيد عليه في المستقبل كان (2) نسخا، وإن لم تقض ذلك لم يكن نسخا (2)، ~~وحكي ذلك عن أبي الحسن. # والذي اختاره سيدنا المرتضى، واليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمهما ~~الله من قبل، وهو الذي ذكره عبد الجبار بن أحمد في " العمد " (3) أن ~~الزيادة على ضربين: # أحدهما: يغير حكم المزيد عليه حتى لو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان ~~يفعل قبل الزيادة لما كان مجزيا، ووجب إعادته فذلك يوجب نسخ المزيد (1). # والاخر: هو الذي لا يغير حكم المزيد عليه، ولو فعل بعد الزيادة على الحد ~~الذي كان يفعل قبلها لكان مجزيا، وانما يجب أن يضاف إليه الزيادة، فما هذا ~~سبيله # PageV02P528 # لا يوجب نسخ المزيد عليه (1) وهذا هو الصحيح. # فمثال القسم الأول: أن ms285 يوجب الله الصلاة ركعتين (2) ثم يضيف إليهما ~~ركعتين اخريين حتى يصير الفرض أربعا، فإن ذلك يوجب نسخ الركعتين، لان بعد ~~هذه الزيادة معلوم من حال الركعتين أنهما لا يجزيان، فمتى لم يضف إليهما ~~الركعتين، وجب إعادة الصلاة من أولها، فكذلك روي عن عائشة أنها قالت " كانت ~~الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر " (3). # وانما قلنا: إن هذا نسخ لان الفعل الأول إذا وقع على الحد الذي كان واجبا ~~قبل الزيادة صار كأنه لم يكن، ومتى فعل مع الزيادة صح، فصار هو مع الزيادة ~~بمنزلة حكم فساد الأول في أنه يجب أن يكون ناسخا له. # واما مثال القسم الثاني: فهو زيادة النفي على حد الزاني للبكر، وزيادة ~~الرجم على حد المحصن، وإنما قلنا إن هذا ليس بنسخ لان الحد المفعول في ~~الحالين لا يختلف وإنما يجب ضم الزيادة ولم يجب استئنافه، لان هذه الزيادة ~~الواردة في حكم زيادة (4) ثانية في أنها لم تؤثر في حال المزيد عليه، الا ~~ترى أنه لو فعل الأول بعد الزيادة على الحد الذي كان يفعله قبلها لكان ذلك ~~مجزيا، وإنما يجب أن يضم إليه الزيادة فحسب، ففارق حكم هذا القسم الأول. # وكذلك لو زيد في حد القاذف عشرون لما أوجب ذلك نسخا لان الثمانين إذا ~~فعلت بعد ما زيد عليه من غير أن يضم الزيادة إليها أجزأ، كما كان يجزى لو ~~فعلت ولما زيد عليها شئ، وانما يجب ضم الزيادة عليها فقط. # فإن قيل: فهذا أوجب ذلك كونه نسخا لان حد الثمانين كان يتعلق به رد # PageV02P529 # الشهادة، فإذا زيد عليه العشرون لم يتعلق به ذلك، فقد تغير حكمه الشرعي ~~فوجب أن يكون نسخا. # قيل له: إن رد الشهادة لا يتعلق عندنا بإقامة الحد وإنما يتعلق بالقذف ~~الذي يوجب التفسيق دون إقامة الحد كما أن رد الشهادة يتعلق بسائر أفعال ~~الفسق دون إقامة الحد الجواب فيه مثل شرب الخمر، واللواط، والسرقة، وغير ~~ذلك، فسقط السؤال. # ولو سلم ان رد الشهادة يتعلق بإقامة الحد ما أوجب ذلك نسخا لان ms286 رد ~~الشهادة عبادة أخرى منفصلة عن إقامة الحد فيه، ألا ترى أن الحد فيه يصح وإن ~~لم يرد الشهادة. # فإذا صح ذلك لم يوجب نسخ المزيد عليه، وصار ذلك بمنزلة إباحة تزويج ~~المعتدة إذا انقضت عدتها في أن عدتها وإن زيد فيها أو نقص منها لا يوجب ~~نسخا لذلك، لأنه حكم اخر يتعلق بانقضاء العدة، طالت العدة أم قصرت، فتغير ~~العبادة لم يوجب نسخه وكذلك لو تغير حكم ستر العورة، والوضوء، والقبلة في ~~الصلاة ما أوجب ذلك نسخ الصلاة، فكذلك القول في رد الشهادة فإن قيل: أليس ~~حد القذف إذا كان ثمانين، فمتى فعل ذلك يكون قد استوفى الحد، فإذا زيد عليه ~~عشرون لم يكن بفعل الثمانين استوفى الحد، فوجب لذلك أن يكون نسخا؟ # قيل له: هذا كلام في عبارة (1) لان تحصيله (2) أنه يجب على الامام أن يضم ~~إلى الثمانين عشرين حتى يكون قد استوفى الحد الواجب، وقد بينا أن ذلك لا ~~يوجب نسخا. # فإن قيل: فيجب على هذا أن تقولوا إن النقصان من العبادة إذا اقتضى ألا ~~تصح # PageV02P530 # العبادة إذا أتى بها على حد ما كان يؤتى بها من قبل أن يكون نسخا؟ # قيل له: كذلك نقول، وسنبينه بعد هذا الفصل انشاء الله تعالى. # فأما زيادة الشرط في بعض العبادات، فإنه لا يوجب النسخ إذا كان منفصلا من ~~العبادة، وتصح من دونه، لأنه إذا كان كذلك صار في حكم عبادة أخرى ويفارق ~~ذلك ما قلناه من الصلاة من أن زيادة ركعة فيها تقتضي النسخ، لان الصلاة بعد ~~الزيادة تصير مع المزيد في حكم الشئ الواحد، فلم يكن ذلك موجبا للنسخ. # وإذا (1) ثبت (2) ما قدمناه، فكل زيادة تصح دون المزيد عليه، أو يصح ~~المزيد عليه دونها، فأحدهما لا يوجب نسخ الاخر، كما أن زيادة صلاة على ما ~~أوجب الله تعالى من الصلوات لا يقتضى نسخا لها فأما الكفارات الثلاث المخير ~~فيها، فمتى فرضنا ان الله تعالى زاد فيها رابعا، فان ذلك يوجب نسخ تحريم ~~ترك الثلاثة، لأنه كان من قبل ms287 يحرم تركها أجمع، والآن لا يحرم، ولكن لا ~~يقتضى ذلك نسخ الكفارات الثلاث، لما قدمناه من أنها لو فعلت على الحد الذي ~~فعلت قبل العبادة بالرابعة لكانت واقعة موقعها فلم توجب ذلك نسخا. # فإن قيل: فما قولكم في الذي تذهبون إليه من وجوب الحكم بالشاهد واليمين، ~~يقتضى ذلك نسخ ما أوجب الله تعالى من الحكم بالشاهدين أو بشاهد وامرأتين؟ # فان قلتم: ذلك قلتم بجواز نسخ القرآن بخبر الواحد، وذلك خلاف مذهبكم، بل ~~هو خلاف الاجماع! # وان قلتم: أن ذلك ليس بنسخ، بينوا القول فيه؟ # قيل له: إن ذلك ليس بنسخ لان القرآن إذا دل على أن الحكم بالشاهد الواحد ~~لا يتم إلا بأن يضاف إليه الثاني، أو تضاف امرأتان لا يمنع من قيام الدلالة ~~على كون غيره شرطا فيه، وقد أجمعت الطائفة المحقة على جواز ذلك، فكان ذلك ~~موجبا # PageV02P531 # للعلم، وخرج من باب خبر الواحد الذي ذكره السائل. وأما تقييد الرقبة ~~الواجبة في الظهار بالايمان فقد تقدم القول فيه (1). # وأما من قال: إن زيادة العشرين في حد القاذف نسخ له، وان تقييد الرقبة ~~بالايمان نسخ، فهو موافق لمن أنكر أن يكون ذلك نسخا في المعنى، لأنهما معا ~~يقولان: ان الدليل الأول يقتضى جواز الكافرة واقتضى كون الحد ثمانين وإن ~~الدليل الثاني دل على أن الحد مائة وأن الرقبة الكافرة لا تجزى وإنما ~~يختلفان في العبارة، وأحدهما يعبر عن ذلك بأنه نسخ، والاخر يعبر عنه بأنه ~~تخصيص، فلا طائل في ذلك. # فإن قيل: من جعله نسخا لا يقبل فيه خبر الواحد، ومن جعله تخصيصا يقبل خبر ~~الواحد فيه والقياس؟ # قيل له: أما على مذهبنا فلا يقبل في الموضعين خبر الواحد ولا القياس على ~~ما مضى القول فيه (2). # ومن أجاز خبر الواحد في التخصيص وأبى قبوله في النسخ، فلخصمه أن يقول له: ~~إذا قلت لا أقبل خبر الواحد فيه لأنه نسخ، ولم يرجع في أن ذلك نسخ إلا إلى ~~ما وافقتك عليه في المعنى الذي ليس بنسخ عندي، فعليك أن تدل على ms288 ذلك، وأنه ~~لا يجوز قبول خبر الواحد فيه! # فإن عنيت بقولك إنه نسخ من حيث إنه لا يقبل فيه خبر الواحد والقياس، كنت ~~بانيا (3) للشئ على نفسه، وذلك غير صحيح. # فأما من يقول إن الزيادة نسخ على كل حال (4)، فيقول فيما ثبت من الزيادة ~~التي علم أنه ليست نسخا أن ذلك اقترن بحال الخطاب فلم يوجب ذلك نسخا، وذلك ~~نحو وجوب النية في الصلاة ونحو كون الرقبة سليمة من العيوب التي تمنع من # PageV02P532 # إجزائها، وغير ذلك من المسائل. # ويقول: ان الزيادة إنما توجب النسخ إذا دل عليها ما يصح النسخ به. # ويقول: إذا دل خبر الواحد أو القياس على نسخ شئ من القرآن، وجب رده لان ~~نسخ القرآن بذلك لا يجوز. # وعلى هذا يبنى المسائل في الفروع كل واحد (1) على ما يذهب إليه (2). # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV02P533 # فصل NoteV02P534N07 " في أن النقصان من النص هل هو نسخ أم لا؟ والخلاف ~~فيه " (1) حكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول: إن ~~العبادة إذا نسخ بعضها لا يكون ذلك نسخا لجميعها ويجرى ذلك مجرى العموم إذا ~~خص أو # PageV02P534 # استثني منه فإن ذلك لا يكون تخصيصا للكل، فكان يعتل لذلك بأن القبلة نسخت ~~بالقبلة، ولم يوجب ذلك نسخا للصلاة وكان يلحق بذلك صيام عاشوراء ونسخه بشهر ~~رمضان ويقول: إن النسخ تناول الوقت لا العبادة، وأن الواجب من الصوم في شهر ~~رمضان هو الذي كان واجبا في عاشوراء وكان يجعل ذلك أصلا في أن الشرط الحاصل ~~للعبادة الأولة يجب أن يكون حاصلا للثانية أيضا ويقول: إذا كان المتقرر في ~~صوم عاشوراء أنه يجوز بنية غير مبنية فكذلك يجب في رمضان لأن صوم رمضان هو ~~صوم عاشوراء وإنما نسخ وقته. # وذهب بعضهم: إلى أن النقصان من العبادة يقتضى النسخ وفي كلام الشافعي ما ~~يدل على ذلك. # ولا خلاف ان النقصان يقتضى نسخ ما أسقط، لأنه كان واجبا في جملة العبادة ~~ثم أزيل وجوبه، وانما الخلاف في أنه يقتضى نسخ ms289 ما بقى من العبادة أم لا؟ # والذي ينبغي أن يعتمد في هذا الباب أن يقال العبادات الشرعية قد تكون ~~جملة ذات شروط كالصلاة، وتكون فعلا واحدا وله شروط، وقد يكون فعلا مجردا عن ~~الشرط. # فإذا كانت العبادة فعلا واحدا، فالنسخ انما يصح فيها بأن يسقط وجوبها، ~~ولا يصح ان ينسخ بعضها لأنه لا بعض لها. # فاما نسخ شروطها، فإنه لا يوجب نسخها، وكذلك نسخ شروط الجملة التي هي ذات ~~شرط لا يوجب نسخها، لان من حق الشروط أن يكون في حكم التابع للمشروط، لأنه ~~يجب لأجله، وليس في نسخه تغيير حال المشروط، وهذا مثل أن ينسخ الطهارة فان ~~ذلك لا يوجب نسخ الصلاة، بل يجب بقاء حكم الصلاة على ما كان عليه من قبل. # فاما إذا نسخ بعض تلك الجملة كنسخ القبلة، أو كنسخ ركوع، أو سجود فان ذلك ~~يوجب نسخ الجملة لان تلك الجملة في المستقبل لو أوقعت على الحد الذي كانت ~~واجبة أو لا لم تجز ووجب اعادتها، فصار نقصان القبلة بمنزلة اخراج الصلاة ~~من PageV02P535 # كونها واجبة وجائزة، فلذلك وجب أن يكون نسخا، وهو بمنزلة الزيادة أيضا في ~~هذا الوجه، فيجب أن يكون مثلها في أنه نسخ فان قيل: ان القبلة إذا نسخت فما ~~بقي من الصلاة هي عبادة مبتدأة لم يكن مثلها (١) من قبل واجبا، فكيف يصح أن ~~يقولوا: انه نسخ؟ # قيل له: وان لم يجب الصلاة من قبل على هذا الوجه، فما كان واجبا من قبل ~~من الصلاة لو فعل الان لم يجز، فوجب أن يكون اسقاط القبلة نسخا له من هذا ~~الوجه. # فاما صوم عاشوراء، فإنما يقال انه نسخ برمضان، بمعنى انه عند سقوط وجوبه ~~امر بصيام رمضان مما نسخ له، لان الحكم انما ينسخ حكما اخر إذا لم يصح ان ~~يجتمعا على وجه، فاما إذا صح وجوب الثاني مع الأول، ويمكن فعلهما جميعا ~~فأحدهما لا يكون ناسخا للاخر ولذلك قلنا: ان قول الله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ ms290 ~~(2) لا يعلم وجوب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، لان اجتماع الوصية ~~والميراث لهما غير منكر، بل هو الصحيح الذي نذهب إليه، ومن خالفنا في ذلك ~~يرجع إلى ما يروى (3) من قول النبي عليه السلام: " لا وصية لوارث " (4) ~~ويدعى ان ذلك مجمع عليه، وعندنا ان هذا خبر واحد لا ينسخ به ظاهر القران. # ولو سلم ان صوم عاشوراء نسخ - في الحقيقة - برمضان (5)، لما صح ان يصرف ~~النسخ إلى الوقت، لان من حق النسخ ان يتناول الافعال الواقعة في الأوقات لا ~~الأوقات نفسها، لأنها ليست من فعل المكلف # PageV02P536 # فصل NoteV02P537N08 " في نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة ونسخ الاجماع ~~والقياس وتجويز القول في النسخ بهما " لا خلاف بين أهل العلم ان نسخ الكتاب ~~بالكتاب يجوز (3)، والعلة في ذلك بينة، وذلك لأنهما في وجوب العلم والعمل ~~سواء، فكما يجوز تخصيص أحدهما بصاحبه، فكذلك يجوز نسخ أحدهما بالآخر. # ولا يلزم على ذلك دليل العقل الذي لا ينسخ الكتاب به، لأنا قد بينا ان من ~~شرط النسخ أن يكون واقعا بدليل شرعي. # فاما معنى النسخ: فقد يقع بدليل العقل، وقد وقع ما قلنا انه، جائز لان ~~الله تعالى نسخ الاعتداد حولا بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا، ونسخ الصدقة قبل ~~المناجاة، ونسخ ثبات الواحد للعشرة، كل ذلك بالكتاب، وان كان المنسوخ به ~~ثابتا. # PageV02P537 # اما السنة: فإنما تنسخ بالسنة أيضا إذا تساويا في الدلالة فان كانت ~~الأولى من اخبار الآحاد، فعلى مذهبنا ذلك ساقط، لأنا لا نعمل بها، وعلى ~~مذهب الفقهاء يجوز نسخها بمثلها، لأنهما إذا كان طريقهما العلم فحكمهما حكم ~~الكتاب. # وان كانا مما طريقهما العمل فحالهما أيضا متساوية فيجب صحة نسخ أحدهما ~~بالأخرى، وقد وقع ذلك أيضا على ما روى أن النبي عليه السلام: " نهى عن ~~ادخار لحوم الأضاحي وزيارة القبور " (1) نسخ ذلك فأباح الزيارة والادخار ~~للحوم الأضاحي (2)، ولا فصل بين نسخ قوله بفعله، أو قوله بقوله، وقد وقع ~~ذلك عند الفقهاء لأنه كان امر عليه السلام - على ما روى - بقتل شارب الخمر ~~في المرة الرابعة، ثم اخذه ms291 وقد شرب رابعة فحده ونسخ به قوله (3). # وعندنا ان هذا الحكم غير منسوخ، بل هو ثابت. # واما نسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب فسنبين القول فيه إن شاء ~~الله (4). # واما الاجماع: فعندنا لا يجوز نسخه، لأنه دليل لا يتغير، بل هو ثابت في ~~جميع الأوقات، لان العقل عندنا يدل على صحة الاجماع، وما هذا حكمه لا يجوز ~~تغيره فيطرق عليه النسخ. # PageV02P538 # وكذلك لا يصح النسخ به، لان من شأن الناسخ أن يكون دليلا شرعيا متأخرا عن ~~المنسوخ، وذلك لا يتأتى في الاجماع على مذهبنا، فجرى ذلك مجرى أدلة العقل ~~التي لا يجوز النسخ بها على ما مضى القول فيه. # واما على مذهب الفقهاء فلا يجوز أيضا نسخه، لأنه دليل قد استقر بعد ~~ارتفاع الوحي، ومعلوم ان بعده لا يصح النسخ، فيجب امتناع النسخ فيه (1). # وكذلك لا يصح النسخ به لمثل ما قلناه نحن، من أن من شأن الناسخ أن يكون ~~متأخرا عن المنسوخ، والحكم إذا كان ثابتا فلا يجوز أن يجمع الأمة بعد ذلك ~~على خلافه، لان ذلك يؤدى إلى بطلان الاجماع (1) فاما إذا اجمعوا على شئ ثم ~~ورد الخبر بخلافه، نحو اجماعهم على أن " لا غسل على من غسل ميتا " (2) على ~~مذهبهم. " ولا وضوء على حامله " (2) وقد وردت السنة به (3)، فإنما يستدل ~~بالاجماع على أن الخبر غير صحيح ولا يجب قبوله. # واما أن يكون منسوخا به فلا (1)، وانما قالوا ذلك: لأنه لو كان صحيحا لما ~~أجمعت الأمة على خلافه، لأنهم يتبعون الأدلة ولا يخالفونها، أو يستدل ~~بالاجماع على أنه نسخ بغيره لا به نفسه. # فان قيل: فهل يجوز أن ينسخ اجماعهم على قولين باجماعهم على أحدهما؟ # PageV02P539 # لان هذ الاجماع قد دل على أن القول الاخر الذي سوغوه من قبل القول به قد ~~حرم القول به، وهذا نسخ للاجماع. # قيل له: هذا يسقط على مذهبنا، لأنهم إذا اجمعوا على أن كل واحد من ~~القولين جائز لا يجوز أن يجمعوا بعد ذلك على أحد القولين، لان ذلك ينقض ~~الاجماع الأول. # وانما ms292 يصح ذلك على مذهب من قال بالاجتهاد (1) بأن يقول: قالوا بقولين من ~~طريق الاجتهاد ثم أداهم الاجتهاد إلى قول واحد، وعلى هذا أيضا لا يكون ذلك ~~نسخا، لأنهم انما سوغوا القول بالأول بشرط أن لا يكون هناك ما يمنع من ~~الاجتهاد، كما أن من غاب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنما يجتهد في ~~المسألة بشرط أن لا يكون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص، فإذا وجد ~~الاجماع على أحدهما عدم الشرط الذي له جوزوا القول بالآخر فخرم القول به ~~لهذه العلة لا لأنه منسوخ. # واما القياس: فعندنا انه غير معمول به في الشرع على ما ندل عليه في ~~المستقبل، فلا يصح نسخه ولا النسخ به. # واما على مذهب من قال بالعمل به، فلا يصح أيضا نسخه (2)، لأنه يتبع ~~الأصول فما دامت الأصول ثابتة فنسخه (3) لا يصح (4). # والنسخ به لا يصح أيضا، لان من شرط صحته أن لا يكون في الأصول ما يمنع # PageV02P540 # منه فلو جوزوا نسخ الأصول به، لجوزوا نسخ الأصول بقياس لم يوجد على الشرط ~~الذي يصح عليه (1). # فاما الاجتهاديات (2) على مذهب الفقهاء: فلا يصح النسخ فيها، لأنه يجوز ~~أن يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ويجوز أن لا يرجع. # وليس يجوز أن يقال: ان أحد القولين ينسخ الاخر، ولذلك قال معاذ: " اجتهد ~~رأيي إذا لم أجد في الكتاب ولا في السنة (3) وكذلك غيره من الصحابة كانوا ~~يتركون اجتهادهم للنصوص. # واما فحوى القول: فلا يمتنع نسخه لان اللفظ يدل عليه كما يدل على ما ~~يتناوله صريحة. # فان قيل: هل يجوز أن ينسخ ما يقتضيه فحوى الخطاب مع ثبوت صريحه؟، كان ~~ينسخ ضرب الوالدين ويبقى تحريم قوله لهما أف. # قيل له لا يمتنع، ويفارق القياس لان نسخه مع ثبات أصله لا يصح، لان بصحة ~~الأصل يصح الفرع، فما دام ثابتا فيجب صحته. # وكذلك لا يجوز بقاء القياس مع نسخ أصله لما ذكرناه من العلة (1). # ومن الناس من منع من ذلك وقال: لا يجوز ان يثبت صريحه ويرتفع ms293 فحواه، لان ~~ذلك مناقضة ويستحيل في العرف، لأنه لا يجوز أن يقال: " فلان لا يظلم مثقال ~~ذرة " وهو يظلم القناطير، أو " فلان لا يأكل رغيفا " ثم يقول: " هو يأكل ~~مائة رطل "، فإذا # PageV02P541 # كان كذلك فدخول النسخ في ذلك لا يصح. # واما النسخ باقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الفعل فسنبين في ~~باب الافعال إن شاء الله. PageV02P542 # فصل (9) " في ذكر نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن " ذهب المتكلمون ~~بأجمعهم من المعتزلة وغيرهم، وجميع أصحاب أبي حنيفة، ومالك، إلى أن نسخ ~~القرآن بالسنة المقطوع بها جائز (1)، واليه ذهب سيدنا المرتضى (2) (رحمه ~~الله). # وذهب الشافعي (3) وطائفة من الفقهاء (4) إلى أن ذلك لا يجوز، وهو الذي # PageV02P543 # اختاره شيخنا أبو عبد الله (1) (رحمه الله). # ولا خلاف بين أهل العلم ان القرآن لا ينسخ باخبار الآحاد، الا أن من أجاز ~~نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها، يقول: كان يجوز نسخه أيضا باخبار الآحاد ~~ولكن الشروع منع منه، وهو الاجماع على أن خبر الواحد لا ينسخ به القران، ~~والا كان ذلك جائزا، كما ثبت عندهم تخصيص عموم القران وبيان مجمله باخبار ~~الآحاد. # ولي في هذه المسألة نظر، الا اني أذكر ما تعلق به كل واحد من الفريقين ~~على ضرب من الايجاز: # فاستدل (2) من قال بجواز ذلك: انه إذا أوجبت السنة المقطوع بها العلم ~~والعمل ساوت الكتاب في ذلك، فيجب جواز حصول نسخها كما يجوز أن يبين بها، ~~ويخص بها، وانما لا يجوز نسخه بخبر الواحد للاجماع الذي ذكرناه والا كان ~~ذلك جائزا. # وقالوا أيضا: النسخ إذا كان واقعا في الاحكام التي هي تابعة للمصالح، ~~وكانت السنة في الدلالة على الاحكام كالقرآن لا يختلفان، فيجب جواز نسخه ~~بها. # قالوا: ومزية القرآن في باب الاعجاز على السنة لا يخرجها من التساوي فيما ~~ذكرناه، يبين ذلك أن نسخ الشريعة انما يصح من حيث كان دلالة على أن الحكم ~~المراد بالأول أريد (3) به إلى غاية وقد علم أن قوله تعالى كذا وإذا كان ~~وحيا ولم يكن قرانا في باب الدلالة على ms294 ذلك كالقرآن، فكذلك حال السنة في ~~ذلك يجب أن يكون حال القرآن في جواز نسخ القرآن به، لان الذي يختص القرآن ~~به من الاعجاز لا تأثير له # PageV02P544 # فيما به يصح النسخ من الدلالة على الحكم، لان نفى كونه معجزا مع كونه ~~قولا له تعالى لا يخرجه من أن يدل على الحكم كهو إذا لم تكن معجزا، الا ترى ~~ان قوله عليه السلام دلالة على الحكم وان لم يكن معجزا، فإذا صح ذلك لم يكن ~~بكون القرآن معجزا اعتبار، فوجب صحة نسخه بالسنة على ما قدمناه. # واستدل من امتنع من جواز نسخه بالسنة بأشياء (١): # منها قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢)، قالوا: # فجعله الله تعالى مبينا للقرآن، فلو نسخه لكان قد ازاله، والإزالة ضد ~~البيان. # واعترض من خالف في ذلك بأن قال: انه إذا نسخه بالسنة فقد بين الوقت الذي ~~تزول فيه العبادة، وهذا في أنه بيان جار مجرى التخصيص، ولو لم يكن ذلك ~~بيانا لم يكن في وصف الله تعالى له بأنه مبين دليل على أنه لا يفعل ما ليس ~~ببيان، كما لا يدل على أنه لا يبتدى بأحكام شرعها. # وقال أبو هاشم: ان معنى قوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، أي لتبلغ ~~وتؤدي لان " الأداء " بيان، ومتى حملنا الآية على هذا وفينا حقها في العموم ~~لأنه مؤد لكل ما انزل الله. # ومتى حملت على البيان الذي هو التفسير حملت على التخصيص، وإذا أمكن حمل ~~الآية على العموم كان أولى من حملها على الخصوص (٣). # واستدلوا أيضا بقوله: ﴿وإذا بدلنا ~~آية مكان آية﴾ (4) قالوا: فتبين انه تبدل الآية بالآية، وذلك يمنع من ~~أن ينسخ بالسنة. # PageV02P545 # واعترض على ذلك من خالف بان قال: ليس فيه بأنه لا يجوز أن يبدل الآية الا ~~بالآية، فالتعلق به لا يصح ولأنه لا يدل على موضع الخلاف من نسخ حكم الآية ~~بالسنة، لأنه انما ذكر ان الآية تبدل بالآية ولم ms295 يذكر الحكم. # واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وقال الذين لا ~~يرجون لقائنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء ~~نفسي﴾ (١) فبين ان تبديله لا يقع الا بالكتاب. # وقال من خالف في ذلك: ان قوله تعالى: (قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء ~~نفسي) يدل على أنه لا تنسخ الآية الا بوحي من الله تعالى قرآنا كان أو غير ~~قرآن، وكذلك نقول لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسخ القرآن من قبل ~~نفسه على حال. # وأقوى ما استدلوا به في هذا الباب قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من اية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ~~(٢)، فاستدلوا بهذه الآية من وجوه: # منها: ما ذكره أبو العباس بن سريج (٣) انه قال: لما قال الله تعالى: (نأت ~~بخير منها أو مثلها) احتمل أن يراد به الكتاب، واحتمل غيره، فلما قال بعده: ~~﴿ألم تعلم أن الله على كل شئ ~~قدير﴾ (4) علم أنه أراد بما تقدم ما يختص هو بالقدرة عليه، وهو القرآن ~~المعجز، فكأنه قال: (نأت بخير منها أو مثلها) مما نختص بالقدرة عليه. # ومنها: انه تعالى قال: (نأت بخير منها أو مثلها) فأضاف ما نسخ به الآية ~~إلى نفسه والسنة لا تضاف إليه تعالى في الحقيقة. # ومنها: ان الظاهر في الاستعمال انه إذا قيل لاحد: " لا آخذ منك ثوبا الا ~~أعطيك خيرا منه " انه يراد به من جنس الأول، وكذلك قوله: (ما ننسخ من آية ~~أو ننسها) لما ذكر في الأول آية فيجب أن يكون هي المراد بقوله: (نأت بخير ~~منها أو مثلها) فكأنه # PageV02P546 # قال: نأت بآية خير منها أو مثلها ومنها: ان الآية انما تكون خيرا من ~~الآية بأن تكون أنفع منها، والمنفعة بالآية تقع بتلاوتها وبامتثال حكمها، ~~فيجب أن يكون ما يأت به يزيد في النفع على ما ينسخه، ولا يكون زائدا عليه ~~الا ويحصل به النفع من ms296 كلا الوجهين، والسنة لا يصح ذلك فيها. # وذكر من خالف هذا المذهب في تأويل هذه الآية وجها قويا وهو المحكي عن أبي ~~هاشم وهو انه قال (1): " ليس في قوله: (نأت بخير منها) دلالة على أن ما ~~يأتي بها هو الناسخ، لأنه لم يقل نأت بخير منها ناسخا، فيجوز أن ينسخ الآية ~~بشئ اخر ثم يأت بخير منها وأجاب من نصر المذهب الأول عن هذا بان قال: إذا ~~ثبت انه لابد أن يأتي بآية أخرى، وكل من قال بذلك قال لأنها تكون ناسخه، ~~وليس في الأمة من قال لابد من أن يأتي بآية أخرى وإن لم يكن ناسخه، لان من ~~جوز نسخ القرآن بالسنة قال: يجوز ان ينسخه بالسنة وان لم يأت بآية أخرى، ~~وكل قول خالف الاجماع وجب اطراحه. # واعترضوا (2) على الاستدلال بالآية أيضا بان قالوا: قوله: (ما ننسخ من ~~اية أو ننسها نأت بخير منها) يقتضى ثبوت النسخ قبل الاتيان بخير منها، فلو ~~كان النسخ بما يأتي به يقع، لما صح حصول نسخ الآية قبل أن يأتي بخير منها. # ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يقول: نأت بخير منها ناسخا ~~وأن تقدم قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها)، كما أن القائل إذا قال: " انا ~~لا أبطل الحركة الا وافعل السكون "، " ولا يعدم السواد عن المحل الا ويطرؤ ~~عليه البياض "، وان كان المبطل للسواد هو البياض الطارئ وكذلك المبطل ~~للحركة السكون الذي يطرأ عليه، فكذلك القول في الآية. # PageV02P547 # واعترض أيضا على الاستدلال بالآية بأن قالوا: ليس في ظاهر الآية نسخ حكم ~~الآية، وهو موضع الخلاف، وهذا أيضا يسقط بالاجماع، لان أحدا لا يفصل بين ~~نسخ الآية وبين نسخ حكمها، فمن فصل بينهما كان مخالفا للاجماع. # وقالوا أيضا: ان نسخ الآية انساؤها إذا حمل على أن المراد به انه ينسيه ~~عن صدور الرجال، فالله تعالى هو الفاعل لذلك فلا يصح وقوع ذلك بالسنة. # ومتى حمل على أن المراد به أن يبين ان تلاوتها ليس بطاعة، فذلك ms297 يصح ~~بالسنة والقرآن جميعا. # ولمن نصر الأول أن يقول: انا احمل الآية على الامرين جميعا، على أنه لا ~~ينسها عن صدور الرجال الا الله، ولا يبين ان تلاوتها ليس بطاعة الا بقرآن ~~آخر خير منه أو مثله، وان ذلك لا يقع بالسنة أصلا، لهذا الظاهر. # واعترضوا أيضا الاستدلال بها بان قالوا: قولنا: " كذا خير من كذا "، ~~يستعمل بمعنى انه أنفع لنا منه، وانه وقد زاد في باب النفع على غيره وإذا ~~ثبت ذلك جاز أن يقال انه نأت بخير منها، أي بأنفع لكم منها، والمنفعة في ~~هذا الموضع هي (1) ما يستحق بالفعل من الثواب، وليس يمتنع أن يكون الثواب ~~بما يدل السنة عليه من الفعل أكثر مما يستحقه على الفعل الذي دلت الآية ~~عليه وعلى تلاوتها، فيجب من هذا الوجه صحة نسخ الآية بالسنة وان يستدل بنفس ~~الآية على ما نقوله. # وأجاب من نصر المذهب الأول عن ذلك بان قال: فكان يجب على هذا التقدير ان ~~يقال بالاطلاق: ان السنة خير من القرآن، ويراد بذلك انه أكثر ثوابا، وفي ~~اطلاق ذلك خروج من الاجماع. # واعترضوا على الوجه الأول من الاستدلال بالآية بان قالوا: قوله: (نأت ~~بخير منها) مضيفا ذلك إلى نفسه لا يدل على ما قالوه، لان عندنا النسخ انما ~~يقع بالوحي الذي إلى الله تعالى، به وان كان بالسنة فنستدل عليه ونعمله، ~~وقد أعطينا الإضافة # PageV02P548 # حقها. # وقالوا أيضا في الوجه الثاني: انه لا يمتنع أن يقول القائل: " آخذ منك ~~كذا وأعطيك ما هو أنفع منه " وان لم يكن من جنسه، لأنه قد يقول الرجل ~~لصاحبه مصرحا: لا آخذ منك كذا ثوبا الا وأعطيك ما هو خير منه من الدنانير ~~"، " ولا آخذ منك دارا الا وأعطيك ما هو أنفع لك منه من البستان " وغير ~~ذلك. # وقالوا في الوجه الثالث من قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير﴾ (١): انما يريد ~~به انه قادر على أن ينسخ الآية بما يعلم أنه أصلح للعباد من ms298 المنسوخ، والذي ~~يختص بذلك هو الله تعالى. # واستدل بعض أصحاب الشافعي على صحة ما ذهبوا إليه بان قالوا (٢): # لا يجوز ذلك من جهة العقل لان في ذلك ارتيابا بالنبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿وإذ بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا ~~انما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون﴾ (3) ثم بين انه ليس يرفع هذا ~~بقوله، وان المبدل هو الله تعالى بما أنزله. # وهذا غلط، لان الله تعالى ذكر انهم نسبوه إلى الافتراء عند تبديله الآية ~~بالآية، ان كان ما يلحقهم من الارتياب قد يمنع من نسخ الآية بالسنة، فيجب ~~أن يمنع من نسخ الآية بالآية أيضا، وكيف يمنع العقل من ذلك؟ ومن علم كون ~~القرآن معجزا يعلم صدقه، وعلمه بصدقه ينفى الارتياب بقوله إذا نسخ الآية ~~بالسنة، وليس نسخه بالسنة نسخا من تلقاء نفسه، بل هو نسخ له بالوحي النازل ~~عليه، فهو في الحكم كأنه نسخ آية بآية. # وفي الناس من قال: ان العقل يجيز ذلك لكن لم يرد ذلك في السنة ولم # PageV02P549 # يثبت (1). # فهذا وجه، الا انه ليس بكلام في هذه المسألة لان صاحبها مقر بجواز ذلك، ~~وانما أنكر وجوده، فالواجب أن يبين له الوجود. # ومن يذهب إلى ذلك فله أشياء يذكرها، فيتعلق بها، ربما ذكرناها ان عرض ما ~~يحتاج إليه، ولا يجوز له إذ يبين ذلك أن يتأوله، لأنه ليس بمستند إلى دليل ~~يصح له التأويل. # واما من قال: انى لا أقول ان نسخ القرآن بالسنة جائز في العقل أو لا ~~يجوز، لان الجواز شك، وقد علمت بالشرع المنع منه، فذهاب عن معنى هذه ~~اللفظة، لان المراد بها ان نسخ القرآن بالسنة من القبيل الذي شك في حاله هل ~~يتعبد الله تعالى به أم لا؟ وانه من حيز ما لا يجوز ذلك فيه؟ # وهذا لا يصح الامتناع منه كما لا يصح الامتناع من أن يقول: كان يجوز أن ~~يتعبد الله تعالى بصلاة سادسة أو لا وان ms299 علمنا بالسمع انه لم يتعبد بها! # وهذا جملة كافية في هذا الباب. # واما نسخ السنة بالكتاب: فالظاهر من مذهب الشافعي (2) المنع منه، وهو ~~الذي صرح به في رسالتيه جميعا، وفي أصحابه من يضيف إليه جواز ذلك (3). # والأول أظهر من قوله، لكنه لما رأى هذه المسألة تضعف على النظر جعل # PageV02P550 # قولا اخر على حسب ما يفعله كثير منهم!! (1) واما الباقون من الفقهاء ~~والمتكلمين فعلى جواز ذلك (2). وتعلق من منع من ذلك بان قال: إذا لم يجز ~~نسخ القرآن الا بقرآن لمساواته له في الرتبة، فكذلك لا تنسخ السنة بالكتاب ~~لمثل ذلك، ولأنه جعل مبينا فلا يجوز أن تنسخ سنة القرآن، لان في ذلك اخراجا ~~له من أن يكون مبينا بل، يجب كون سنته مبينة بالقرآن. # والذي يعتمد في ذلك جواز نسخ السنة بالقرآن، والذي يدل على ذلك أنه قد # PageV02P551 # ثبت ان القرآن أقوى في باب الدلالة من السنة على الاحكام، فإذا كان أقوى ~~منها جاز نسخها (به كما جاز نسخها بالسنة) (١) التي هي دونها في القول. # ومن ذهب إلى المنع من جواز نسخ القران بالسنة، وأجاز نسخ السنة بالقران ~~يقول: لم امنع من ذلك من حيث التساوي في باب الدلالة، بل امتنعت من ذلك ~~للآيات التي دلت على المنع من ذلك، والا كان ذلك جائزا، وان كان بعضه أدون ~~من بعض كما إذا كانا متساويين في باب الدلالة. # ومن ذهب إلى الجواز في الموضعين كانت هذه الشبهة عنه ساقطة. # فان قالوا: ان الله تعالى لو نسخ سنة نبيه عليه السلام باية ينزلها، لأمر ~~نبيه بأن يبين سنة ثانية ينسخ بها سنة الأولى لئلا يلتبس النسخ بالبيان. # قيل له: ان الآية لا تخلو من أن تدل بظاهرها على نسخ السنة أو لا تدل ~~بظاهرها على ذلك: # فان دل على ذلك، فالنسخ بها يقع والسنة تكون مؤكدة. # وان لم يدل الا ببيان السنة جاز القول بالسنة، فان السنة (٢) تنسخ من حيث ~~كانت بها يعلم نسخ السنة الأولى. # وإذا صح ذلك فما الذي يحوج ms300 إلى بيان سنة ثانية، والآية دالة بظاهرها على ~~نسخ السنة الأولى، وكيف يلتبس ذلك بالبيان؟ ومن حق البيان أن يكون بيانا ~~لما لا يعرف المراد به بظاهره، والنسخ بالضد منه، ومن حق الدليل أن لا ~~يتأخر عن المبين، والنسخ مخالف له. # واما قوله: ﴿لتبين للناس ما نزل ~~إليهم﴾ (3) لا يمنع من أن ينسخ سنته بالقران، ولأنه ليس في نسخها به ~~اخراج لها من أن يكون قد بين ما أريد بها، وانما يبنى النسخ # PageV02P552 # على أن نظائر ما أريد بها زال حكمه في المستقبل. # ومما يبين جواز نسخ السنة بالقران وقوع ذلك، وهو ان تأخير الصلاة عن ~~أوقاتها في الخوف كان هو الواجب أولا ثم نسخ ذلك المنع من تأخيرها بقوله ~~تعالى: # ﴿فإذا خفتم فرجالا أو ركابنا﴾ ~~(١). # فاما نسخ الكتاب بالكتاب: فقد وقع أيضا، وقد قدمنا الأمثلة في ذلك، ومن ~~ذلك أنه كان حد الزانية الامساك في البيوت حتى تموت بقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ ~~(٢) الآية، وحد الرجال الأذى، ثم نسخ ذلك بقوله: # ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة﴾ (3). # وذهب من خالفنا في ذلك إلى أن ذلك نسخ عن المحصن بالرجم. # فاما على ما يذهب إليه أصحابنا فإنه تجتمع له الجلد والرجم جميعا، ولا ~~يسلمون أن أحدهما منسوخ. # وهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV02P553 # فصل (١٠) " في ذكر الطريق الذي يعرف به الناسخ والمنسوخ، ومعرفة تاريخهما ~~" يعلم الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا بشيئين: # أحدهما: أن يكون الثاني منبئا عن نسخ الأول لفظا، أو يقتضى ذلك من جهة ~~المعنى. # ولهذين الوجهين تفصيل، واما يقتضيه ذلك لفظا فعلى وجوه: أحدهما: أن يرد ~~الخطاب بأن الثاني قد نسخ الأول، نحو ما روى أن رمضان نسخ عاشورا (١)، وان ~~الزكاة نسخت الحقوق الواجبة في الأموال (٢). # وثانيها: أن يرد بلفظ التخفيف، نحو قوله تعالى: ﴿الان خفف الله عنكم﴾ (٣) في نسخ ms301 ثبات الواحد ~~للعشرة بالواحد للاثنين، ونحو قوله تعالى: ﴿أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقة فان لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ (4) فنبه بذلك على # PageV02P554 # وجوب اسقاط ذلك. # وثالثها: نحو ما روى عنه عليه السلام منن قوله: " كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور الا فزوروها، وعن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها " (1). # وكل ذلك أدلة تقتضي زوال الحكم الثابت بنص متقدم عن نظائر ذلك، على وجه ~~لولاه لكان ثابتا بالأول، فيجب أن يكون ناسخا له والأول منسوخا به، وان ~~اختلف عبارته. # واما ما يعلم ذلك من جهة المعنى: نحو أن يوجب الشئ ثم يوجب ما يضاده على ~~وجه لا يمكن الجمع بينهما بأي وجه علم ذلك من الألفاظ، فيعلم بذلك انه ناسخ ~~للأول، فعلى هذا يجرى هذا الباب. # وقد يعلم أيضا الناسخ ناسخا ببيان إذا كان اللفظ والمعنى لا ينبئان عن ~~ذلك، وذلك نحو ما يقوله الفقهاء من نسخ الوصية للوالدين والأقربين باية ~~المواريث، لان بظاهر الآية لا يعلم نسخ ذلك، وانما يعلم ذلك على تسليم ~~بقوله عليه السلام: " ان الله تعالى قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " ~~(2). # وهذا وان كان عندنا غير صحيح، لان عندنا تصح الوصية للوارث، فإنما ذكرناه ~~لان ذلك وجه كان يمكن أن يقع به النسخ. # واما طاووس (3) فذهب إلى أن الوالدين ثبت لهم الوصية إذا كانا كافرين، ~~فلم ينسخ الآية وانما خصصها بالخبر (4). # PageV02P555 # واما تاريخ الناسخ والمنسوخ فيعرف من وجوه: أحدها: أن يكون في لفظ الناسخ ~~ما يدل على أنه بعده مثل ما قدمنا ذكره (1). # ومنها: أن يكون الناسخ مضافا إلى وقت أو غزاة يعلم أنه بعد وقت المنسوخ. # ومنها: أن يكون المعلوم من حال الراوي لأحدهما انه صحب الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعد ما صحبه الاخر، أو عند صحبته انقطعت صحبة الأول أو ~~المعلوم من حال الحكم الأول انه كان في وقت قبل وقت صحبته الثاني، وذلك نحو ~~ما روى قيس بن طلق انه جاء إلى النبي صلى ms302 الله عليه وآله وسلم وهو يؤسس ~~المسجد، فسأله عن مس (2) الذكر، ومعلوم من حال أبي هريرة انه صحب # PageV02P556 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده وقد يعلم التاريخ بقول الصحابي بأن ~~يقول أو يحكم ان أحد الحديثين كان بعد الاخر. # وليس يجب، من حيث لم يجز أن ينسخ بقول الصحابي الكتاب الا يعرف بقوله ~~التاريخ، لان التاريخ شرط في صحة النسخ، فطرق العلم به الحكاية، فصح الرجوع ~~إلى قوله لأنه لا يقع فيه لبس، كما صح اثبات الاحصان بالشاهدين وان لم يصح ~~بهما الحكم بحد الزنا وليس يجب إذا علمنا التاريخ بقول الصحابي ان نقلده ~~إذا أخبرنا ان: " كذا نسخ كذا "، بل يجب أن ننظر فيما أوصفه بأنه منسوخ، ~~فان علمنا أنه كما قال أخذنا به، والا وقفنا فيه، لان ذلك يجوز دخول الشبهة ~~فيه، ولذلك لم يقبل كثير من الفقهاء قول من قال من الصحابة ان المسح على ~~الخفين نسخ الكتاب (1)، لما علمنا أنه ليس طريقه النسخ، وكذلك لم يقبل قول ~~من قال: " ان الماء من الماء منسوخ " (2). # وأما إذا قال الصحابي " ان كذا وكذا كان حكما ثابتا من قبل وانه قد نسخ " ~~ولم يذكر ما به نسخ، فان أبا عبد الله البصري حكى عن أبي الحسن (3) انه كان ~~يرجع إلى قوله، وذلك نحو قول ابن مسعود (4) حين ذكر له التشهد التحيات ~~الزكيات فقال: # PageV02P557 # " كان أمره (1) مرة ثم نسخ بتشهده " (2). # ونحو ما روى عن ابن عمر، وابن عباس في الرضاع انهما قالا: " كان الواجب ~~التوقيت واما الان فلا " (3). # وذهب غيره (4) إلى أنه لا يرجع إلى قول الصحابي في ذلك، لأنه إذا جاز ~~فيما صرح بأنه ناسخ الا يكون ناسخا في الحقيقة، فان اعتقد هو فيه ذلك فغير ~~ممتنع ان يطلق ذلك اطلاقا ولا يذكر ما لأجله قال إنه منسوخ، ولو ذكره كان ~~مما لا يقع النسخ به (5). # ولو علم من حاله انه انما ذكر أنه منسوخ لأمر لا يلتبس، لوجوب الرجوع إلى ~~قوله. # وقد يعلم التاريخ، بأن يكون أحد ms303 الخبرين يقتضى حكما معلوما بغير شرع، ~~والاخر يقتضى حكما شرعيا، فيكون ذلك هو الطاري على الأول نحو ما ذكر من # PageV02P558 # حديث مس الذكر (1) لان وجوب الوضوء من مسه هو الطارئ فيصح أن ينسخ به ~~حديث قيس. # وقد يعلم ذلك بأن يكون أحد الحديثين يقتضى حكما شرعيا معلوم من حاله انه ~~المبتدأ به في الشرع، والاخر يقتضى حكما ثابتا فيعلم انه بعده. # فالتاريخ لا يعلم الا بهذه الوجوه التي حصرناها أو ما قارنها (2). # فاما إذا عدم التاريخ، فقد بينا القول في ذلك في باب (في) (3) باب ~~الاخبار المتعارضة. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب # PageV02P559 # الباب الثامن الكلام في الافعال PageV02P561 # فصل (1) " في ذكر جملة من احكام الافعال، وما يضاف إليه، واختلاف أحوالهم ~~" إذا أردنا أن نبين احكام الافعال فلابد من أن نبين أولا معنى الفعل وحده ~~ليعلم ذلك، ثم يبين حكمه. # فحد الفعل: ما حدث وقد كان مقدورا قبله، وهو على ضربين: # منه: ما لا صفة له زائدة على حدوثه، نحو كلام الساهي، والنائم، وحركاته ~~التي لا تتعداه. # والضرب الاخر: له صفة زائدة على حدوثه (1)، وهو على ضربين: # PageV02P563 # أحدهما قبيح والاخر حسن. # فحد القبيح: هو كل فعل وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بذلك على وجه ~~كان يمكنه ان لا يفعله، فيستحق به الذم من العقلاء، ولا ينقسم ذلك في كونه ~~قبيحا (1)، وربما انقسمت أسماؤه إلى كفر، وفسق، وكبيرة، وصغيرة عند من قال ~~بذلك (2). # واما الحسن فينقسم ستة اقسام: # أحدها: ما ليس له صفة زائدة على حسنه، وحده ما يتساوى فعله وتركه، فلا ~~يستحق بفعله مدحا ولا بتركه ذما، وهو المسمى " مباحا " و " طلقا " وغير ~~ذلك، الا انه لا يسمى بذلك الا إذا اعلم فاعله ذلك أو دل عليه، ولذلك لا ~~يوصف الفعل القديم تعالى العقاب بالعصاة بأنه مباح وان كان بصفته، لما ~~ذكرناه من أنه لم يعلم ولم يدل عليه، بل هو من عالم به لنفسه. # والثاني: ما له صفة زائدة على حسنه، وحده ما يستحق بفعله المدح، وهو ms304 على ~~ضربين: # أحدهما: لا يستحق بتركه الذم. # والاخر: يستحق بتركه الذم. # فما لا يستحق بتركه الذم هو المسمى ندبا، ومستحبا، ومرغبا فيه، الا أنه ~~لا يسمى بذلك الا إذا أعلم فاعله ذلك بمثل ما قلناه في المباح، وينقسم هذا ~~القسم قسمين: # أحدهما: أن يكون نفعا واصلا إلى غير فاعله، فيسمى بأنه تفضل واحسان، # PageV02P564 # ويتساوى فيه فعل القديم والمحدث في التسمية بذلك والقسم الاخر: لا يتعدى ~~إلى الغير، وهو المسمى بأنه ندب ومستحب على ما قدمناه. # واما الذي يستحق بتركه الذم فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: انه متى لم يفعله ~~الفاعل ولا ما يقوم مقامه استحق الذم، وهو المسمى بأنه واجب مخير فيه، وذلك ~~نحو الكفارات الثلاث وما أشبه ذلك، وقضاء الدين، وغير ذلك والثاني ما إذا ~~لم يفعله بعينه استحق الذم، وهو الموصوف بأنه واجب مضيق، وذلك نحو رد ~~الوديعة، ووجوب رد ما تناوله الغصب بعينه، وغير ذلك. # والثالث: انه إذا لم يفعله من وجب عليه ولا من يقوم فعله استحق الذم، ~~وذلك المسمى من فروض الكفايات نحو الصلاة على الأموات، وتغسيلهم، ودفنهم، ~~ونحو الجهاد، وغير ذلك واما قولنا في الفعل: " انه مفروض وواجب " فعبارتان ~~عن معنى واحد، الا انه لا يسمى فرضا الا إذا اعلم فاعله وجوبه، أو دل عليه ~~كما قلناه في المباح والندب. # وقد يعبر بالفرض عما وقع في الشرع مقدرا، وذلك نحو ما قيل: ان ذلك من ~~فرائض الصدقة والمراد به مقاديرها، ونحو ما روى عنه عليه السلام انه فرض ~~صدقة الفطر صاعا من تمر (1) والمعنى بذلك انه قدرها، ويحتمل أن يكون المراد ~~به انه أوجبها. # واما قولنا في الشئ: " انه سنته " فهو ان النبي عليه السلام قد امر ~~بإدامته إذا كان يديم فعله ليقتدى به، وهو مأخوذ من: سننت الماء، إذا واليت ~~بين صبه (2)، ولا # PageV02P565 # فصل بين أن يكون واجبا أو ندبا، أو مباحا، وربما استعمل (1) الفقهاء هذه ~~اللفظة فيما يكون مندوبا إليه من الشرعيات ليفصلوا بينه وبين الواجب ~~فيقولون " ركعتا الفجر سنة " وصلاة الليل سنة، ms305 وصلاة الغداة (2) فريضة " ~~والأصل ما قدمناه فاما الفعل الحسن: فعلى جميع مراتبه يقع من كل فاعل، ~~قديما كان أو محدثا، الا أنه يمنع من التسمية في بعض الأقسام في أفعال ~~القديم القديم لما قدمناه من الشرط المفقود منه واما القبيح: فإنه يختلف ~~أحوال الفاعلين فيه: فالقديم تعالى لا يجوز أن يقع منه شئ من القبيح لعلمه ~~بقبحه، وبأنه غنى عنه (3). # واما الأنبياء عليهم السلام فكذلك لا يقع منهم شئ من القبيح أصلا (وكذا ~~الرسل) (4) سواء كانوا من البشر أو من الملائكة، وكذلك حكم الأئمة الحافظين # PageV02P566 # لشرع (1) فاما من ليس بنبي أو رسول أو امام، فإنه يجوز أن يقع منه الفعل ~~القبيح، إلا # PageV02P567 # من أخبر الله عنه أنه لا يختار القبيح فيعلم ذلك من حاله وسواء كانوا من ~~البشر أو من الملائكة لا يختلف حالهم في ذلك وقد لا يقع من الأنبياء ~~والمرسلين والأئمة عليهم السلام ما ينفر عن قبول أقوالهم وان لم يكن ذلك ~~قبيحا وأمثلته كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها هاهنا. # وقد يجوز أن تختص الأنبياء بأفعال شرعية دون غيرهم وكذلك يجوز في آحاد ~~الأئمة أن يختص واحد منهم بشئ من الشرع دون غيره. # فهذه جملة كافية في هذا الباب انشاء الله تعالى. PageV02P568 # فصل NoteV02P569N02 " في ذكر معنى التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله، وهل ~~يجب اتباعه عقلا أو سمعا؟ و (1) القول فيه " التأسي لا يكون الا باعتبار ~~شيئين أحدهما: صورة الفعل. # الثاني: الوجه الذي وقع عليه الفعل. # والذي يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لو صلى لم يكن لنا اتباعه ~~والتأسي به بأن نصوم أو نحج أو نعتكف، وانما كان ذلك لمخالفة أفعالنا لفعله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك لو صلى عليه السلام على جهة الندب لم يكن ~~من صلى على جهة الوجوب متبعا له، وكذلك إذا صلى على جهة الوجوب لم يكن من ~~صلى على جهة الندب متبعا له ولا متأسيا به، وانما كان كذلك لمخالفة فعلنا ~~لفعله في الوجه الذي وقع عليه ms306 الفعل، وكذلك لو أخذ من انسان دراهم على جهة ~~الزكاة لم يكن من اخذ الدراهم منه مثلا غصبا، أو عن ثمن مبيع متبعا له، ~~لمخالفة الوجهين على ما قدمناه. بل متى كان فعلنا مخالفا في الوجه، كان ذلك ~~مخالفة له كما لو خالف فعلنا لفعله في الصورة - على ما بيناه - وقد كان يصح ~~من جهة العقل ان يلزمنا جميع أفعاله # PageV02P569 # التي يفعلها، وان لم نراع وجوه ما يفعله، سواء فعله على جهة الوجوب أو ~~الندب، ويكون واجبا علينا ذلك على كل حال، لكن ذلك يحتاج إلى دليل شرعي، ~~ولم يدل دليل على ذلك أصلا، ولو دل الدليل عليه لما كان ذلك اتباعا له ولا ~~تأسيا به، بل يكون واجبا علينا القيام الدلالة على ذلك لأنه إذا فعل الفعل ~~على جهة الوجوب أو الندب أو الإباحة، وفعلناه على غير ذلك الوجه لا نكون ~~متبعين له لما قلناه فإذا ثبت ان معنى التأسي ما قلناه، وجب أن يراعى فيه ~~حصول العلم بصورة الفعل وبالوجه الذي حصل عليه الفعل ليصح لنا التأسي به. # والوجه الذي يقع عليه الفعل على ضربين: أحدهما: يقارن الفعل، نحو نية ~~الوجوب أو الندب أو الإباحة، وهذا هو الذي ينبئ عن هذا اللفظ على الحقيقة ~~والثاني: المعنى الذي له ان يفعله وان لم يصح أن يكون مقارنا، وذلك نحو أن ~~يزيل النجاسة عن ثوبه لأجل الصلاة، وانما يكون الواحد منا متبعا له بان ~~يزيله لما له ازاله، فأما من ازاله تنظيفا فلا يكون متبعا له، وكذلك ان ~~توضأ لإزالة الحدث أو الصلاة، فاتباعه له انما يكون بأن يفعل على هذا ~~الوجه. # فاما موافقته له عليه السلام في الفعل فيطلق على وجهين. # أحدهما: أن يراد به مساواته في صورة الفعل. # والثاني: مساواته في صورته، وفي الوجه الذي وقع عليه الفعل، وهذا أظهر في ~~الاستعمال. # واما مخالفته: فقد يكون في القول والفعل معا: فمخالفته في الفعل: هو أن ~~يعلم بالدليل وجوب التأسي به، فإذا لم يتأسا به كان مخالفا له. # فاما، ms307 ذا لم يدل الدليل على ذلك فان هذه اللفظة لا تستعمل الا على ضرب من ~~المجاز، ولذلك لا يقال ان الحائض خالفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~ترك الصلاة. PageV02P570 # فأما مخالفته في القول: هو أن يأمرنا بفعل فلا نفعله، أو نفعل خلافه ~~فنكون مخالفين له. # واما اتباع المأموم للامام في الصلاة، فعند أكثر الفقهاء (1) جاز على ~~الوجه الذي قدمناه. # ومنهم: أجاز ان يكون الامام مؤديا فرضا، والمأموم أن يكون متنفلا، ولمن ~~قال ذلك أن يقول: # انما قلت ذلك لدليل دل عليه، والا فالظاهر من اتباعه يقتضى خلاف ذلك. # وأيضا أن يقول: إن اتباعه لم يصح بأن يفعل (3) الفعل متقربا به أو بأن ~~نوافق في نية الصلاة فقط دون وجوبها أو ندبها، فليس ذلك نقضا لما قدمناه ~~وقد. # وقد وصف من أنكر جواز التأسي به صلى الله عليه وسلم في أفعاله بأنه ~~مخالف، لكن هذا الخلاف يرجع إلى القول لا إلى الفعل. # واما الذي يدل على أنه لا يجب من جهة العقل التأسي به واتباعه في أفعاله ~~فهو ان مصالح العباد يجوز أن تختلف في الشرعيات كما ثبت في كثير من ذلك، ~~الا ترى ان الحائض يفارق حكمها حكم الطاهر، وحكم الغنى يفارق (4) حكم ~~الفقير في وجوب الحج والزكاة عليه، وكذلك يخالف حكم الصحيح حكم العليل في ~~كيفية أداء الصلاة، وكذلك يخالف حكم المسافر حكم الحاضر، وأمثلة ذلك أكثر ~~من أن تحصى. # وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع أيضا ان تكون مصالح النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم تخصه، ويكون حالنا بخلاف حاله، بل ربما كانت مفسده لنا حتى متى ~~فعلناها # PageV02P571 # كنا مقبحين، فإذا ثبت ذلك وجب الرجوع في مشاركتنا له في ذلك إلى السمع، ~~فان دل الدليل عليه حكم به، والا بقى على الأصل على ما بيناه. # ويفارق أفعاله عليه السلام في هذا الباب أقواله، لأنه بعث ليعرفنا ~~مصالحنا، وتعريفه لنا ذلك يكون بالقول، فلو لم نرجع إلى قوله لادى إلى ~~خروجه من أن يكون رسولا، وليس كذلك فعله. ms308 # ولأنه إذا أمرنا بشئ فقد اراده منا فيجب أن نفعله ان كان واجبا، وان نرغب ~~فيه ان كان ندبا، ولا يجب ان نفعل فعلا رأيناه يفعله لان ذلك لا يدل على ~~أنه اراده منا. # ويدل على ذلك أيضا: ان أفعاله تخصه ولا تتعدى إلى غيره الا بدليل وأقواله ~~تتناول غيره، وانما يعلم أنه داخل فيها بدليل، فعلم بذلك الفرق بين القول ~~والفعل. # فان قيل: ان هذا المذهب يوجب عليكم القول بأن تجوزوا مخالفته في أفعاله ~~الشرعية (1)، وتجويز ذلك يقتضى التنفير عن قبول قوله، فيجب الحكم بفساده. # قيل لهم: لا خلاف ان النبي عليه السلام لو نص لنا على أن لنا مخالفته في ~~أفعاله الشرعية لجاز ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله فكذلك إذا دل العقل ~~على ما ذكرناه يجب القول بجوازه ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله، وكذلك ~~لو خص بجميع أفعاله لم يوجب التنفير عن قبول قوله. # وصحة ما قلناه يبين فساد قول من قال أن أفعاله على الوجوب عقلا (2). # واما الذي يدل على وجوب التأسي به في جميع أفعاله الا ما خص به من جهة ~~السمع: فمما لا خلاف فيه بين الأمة في الرجوع إلى أفعاله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في تعرف الاحكام في الحوادث، كما أنه يرجع إلى أقواله عليه ~~السلام في مثل ذلك، فإذا صح ذلك فكما ان أقواله حجة يجب أن تكون أفعاله ~~أيضا حجة، ولا خلاف في # PageV02P572 # أنه إذا فعل الفعل على وجه الإباحة، وعلم من ذلك من حاله لا يجوز أن ~~نفعله على وجه الوجوب، ولا ان نحكم بوجوبه علينا. # وانما اختلفوا في أفعاله التي لا يعلم على أي وجه وقعت منه، هل نحكم ~~بوجوب مثلها علينا أم لا (1)؟، ولم يختلفوا في أن أفعاله التي هي عبادة نحو ~~الصلاة، والصيام، يجب التأسي به فيها واختلفوا في ما عدا ذلك: # فمنهم من يقول: لا يجب التأسي به الا بدليل يخص ذلك. # ومنهم من يقول: ان ما دل على وجوب التأسي به ms309 في بعضه يدل على التأسي به ~~في سائره فجميع أفعاله سواء في أنه يتأسى به، الا ما استثنى منها. # وما قدمناه يدل على صحة ذلك. # وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (2) وقوله تعالى: # (فاتبعوه) (3) يدلان على أن التأسي به واتباعه فيما يصح اتباعه فيه من ~~قول أو فعل. # وما ظهر من حال الصحابة من رجوعهم إلى أفعاله صلى الله عليه وآله، نحو ما ~~روى عن عمر انه قبل الحجر وقال " اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلك ما قبلتك (4). # ورجوعهم إلى أزواجه عليه السلام في ثبوت ما كان يفعله ليفعلوه (5) يدل، - # PageV02P573 # على ذلك أيضا - ونحو ما روى عن أم سلمة انها سئلت عن القبلة للصائم ~~فأجابت: # " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك " (1)، فرجع السائل ~~إليه وقال: # ان الله غفر لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~وليس سبيله سبيل غيره، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، ~~فأنكر ذلك وقال: # " اني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " (2)، يدل على ذلك أيضا. # واعلم أن التأسي به انما يكون فيما يعلم حكمه بفعله، فاما إذا كان قوله ~~بيانا، أو كان تنفيذا، أو امتثالا لقول متقدم فإنه يفعله ذلك، لان القول قد ~~دل على وجوبه، لا لأنه عليه السلام فعله. # ولا معنى لقول من قال: لنا ان نتأسى به في ذلك، كما انا لا نقول: انا ~~نتأسى به في العقليات، لان ماله يفعل ذلك وبالطريق الذي عرف به عليه السلام ~~وجوب الفعل، به نعرف وجوبه، فحاله كحالنا في ذلك. # PageV02P574 # فصل (3) " في الدلالة على أن أفعاله عليه وآله السلام كلها ليست على ~~الوجوب " (1) ذهب مالك وأصحابه وطائفة من أصحاب الشافعي إلى أن أفعال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كلها على الوجوب. # PageV02P575 # وذهب الباقون إلى انها ليست على الوجوب، واختلفوا: # فقال بعضهم انها على الإباحة. # وقال بعضهم: انها ms310 على الندب. # وقال بعضهم: انها موقوفة على الدليل. # وذهب المتكلمون، وأبو الحسن الكرخي إلى أن أفعاله عليه السلام على اقسام. # فمنها: ما يكون لمجمل، فذلك في حكم المبين، ان كان واجبا فعلى الوجوب، ~~وان كان ندبا فعلى الندب، وان كان مباحا فعلى الإباحة. # ومنها: ما يكون امتثالا للخطاب، وذلك لا مدخل له في هذا الباب، لان ~~الخطاب إذا كان يتناوله ويتناولنا على العموم فعلينا امتثاله كما عليه ذلك. # ومنها: ما يكون فاعلا له على ما يقتضيه العقل، أو يفعله لمصالح الدنيا، ~~وذلك أيضا لا مدخل له في هذا الباب. # ومنها: ما يفعله من الشرعيات، فهذا يجب أن يعلم الوجه الذي عليه وقع فعله ~~عليه السلام فيتبع فيه بأن يفعل ذلك على الوجه، ولا يصح أن يقال في جملتها ~~انها على الوجوب، أو على الندب، أو على الإباحة (1). # والذي يدل على ذلك: انا قد بينا ان ذلك لا يجب من جهة العقل في الفصل ~~الأول (2)، وأدلة السمع خالية من ذلك، فينبغي أن ينتفى كونها على الوجوب. # PageV02P576 # ويدل على ذلك أيضا: ان فعله عليه السلام إذا كان يقع على وجوه كثيرة فليس ~~يخلوا من أن يكون على الوجوب من غير اعتبار ذلك الوجه، فالواجب أن يحكم ~~بوجوب الفعل علينا، وان علمنا أنه فعله على طريق الندب أو الإباحة، وهذا ~~باطل بالاجماع. # وان كانت على الوجوب، بأن يعتبر الوجوه التي عليها يقع، فهذا تناقض لان ~~اعتبار وجوهه ينفي وجوب جميعه. # ويدل على ذلك أيضا: ان بظاهر فعله لا يعلم وجوبه عليه، فبان لا يعلم ~~وجوبه علينا أولى، ويخالف القول في ذلك لان القول منه عليه السلام يعلم به ~~وجوب ما تناوله علينا دونه من حيث كان أمرا لنا ويختص بنا دونه، وليس كذلك ~~فعله، لأنا تبع له فيه، فإذا لم يدل على وجوبه عليه، فبأن يدل على وجوبه ~~علينا أولى. # ويدل على ذلك أيضا: ان فعله عليه السلام لا يدوم في جميع الأحوال، بل قد ~~يتركه أحيانا كما يفعله أحيانا، وإذا صح ذلك ms311 فليس بأن يحكم بوجوبه لأنه ~~فعله بأولى من أن يحكم بوجوب تركه لأنه تركه، إذ القول فعل منه فهو بمنزلة ~~الفعل في ذلك، ويفارق ذلك الامر الذي ليس تركه بمنزلته فيما يختص به. # وهذا معتمد ما نستدل به في هذا الباب دون ما أكثر الناس فيه. # واما من خالف في هذا الباب (1) فليس يخلو خلافه من أن يقول إن ذلك يجب من ~~جهة العقل من حيث كان نبيا، أو من حيث كان في مخالفته تنفير: # فان قال بذلك: فقد بينا في الفصل انه لا يمتنع ان يخالف حالنا لحاله في ~~المصالح، وذلك يبطل ما قالوه. # أو يقول إن ذلك واجب لدليل سمعي دل على ذلك، فالواجب علينا أن نبين ان ما ~~ادعوه دليلا أو تعلقوا به ليس فيه دلالة على حال، لأنا لا ننكر أن يقوم على ~~وجوب ذلك دليل، لكن لم يثبت ذلك. # PageV02P577 # وقد استدل القوم على ذلك بأشياء (١). # منها: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين ~~يخالفون عن امره﴾ (٢). # قالوا: فحذرنا عن مخالفته، والامر يتناول الفعل كما يتناول القول، لان ~~الله تعالى قال: ﴿يدبر الامر من السماء إلى ~~الأرض﴾ (٣)، وقال: ﴿واليه يرجع ~~الامر كله﴾ (٤)، وقال: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (٥)، وإذا ثبت ان الامر يتناول ~~الفعل كما يتناول القول، وجب أن تكون أفعاله عليه السلام على الوجوب، والا ~~لم يجب التحذر من مخالفتها. # والجواب عن ذلك: ان الآية لا تدل على ما قالوه من وجوه: # أحدها: ان لفظ الامر موضوع في الحقيقة للقول بدلالة ما قدمناه في أول ~~الكتاب في باب الأوامر (٦)، وإذا صح ذلك لم تتناول الآية الفعل، وذلك يبطل ~~التعلق بها، وما تقدم من قوله: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ (٧) ~~يدل على أن المراد بالآية القول دون الفعل، وانه أراد ما ندبهم إليه وأمرهم ~~به. # ومنها: انه قيل إن الهاء ms312 في قوله ﴿عن امره﴾ (8) يرجع إلى أقرب المذكورين وهو الله ~~تعالى، وإذا ثبت ذلك فحملها على الرسول عليه السلام ورجوعها إليه حتى يمكن ~~الاستدلال بها لا يصح. # ولا يمكن ان يقال: انها (9) ترجع إليهما، لان الكناية عن واحد، فكيف يحمل # PageV02P578 # على الاثنين؟ # ومنها: ان قوله: (فليحذر الذين يخالفون عن امره) لا يمكن حمله على ~~العموم، ولابد من كون القول مرادا به، وإذا وجب ذلك فلا يجوز أن يراد به ~~الفعل. # وهذا انما يعتمده من ذهب إلى أن العبارة الواحدة لا يراد بها المعنيان ~~المختلفان، وقد بينا ان الصحيح خلاف ذلك، فالمعتمد إذا ما قدمناه. # ويجرى مجرى ذلك أيضا ان يقال: ان التحذير من مخالفة يقتضى وجوب الموافقة، ~~والموافقة له عليه السلام في الفعل تقتضي ان يفعل الفعل على الوجه الذي فعل ~~- على ما قدمناه القول فيه - وذلك يبطل كون أفعاله كلها على والوجوب. # واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: [فاتبعوه] (١)، فأنه أمرنا باتباعه، وأمره ~~تعالى على الوجوب فيجب كون اتباعه في أفعاله واجبا. # فهذا يبطل ما قدمناه من تفسير الاتباع، لأنه قد بينا ان المتبع له انما ~~يكون متبعا إذا فعله على الوجه الذي فعله، ومتى فعله على غير ذلك الوجه لا ~~يكون متبعا بل يكون مخالفا، ويجرى ذلك مجرى ان يفعل فعلا اخر، لان اختلاف ~~الوجهين في الفعل الواحد يجرى مجرى الفعلين (٢). # وقد قال قوم في الجواب عن ذلك: ان المتبع فيه محذوف ذكره، لأنه لا يصح ~~اتباعه في أشياء مختلفة. # وهذا ليس بصحيح، لان لقائل أن يقول: ان الظاهر يقتضى وجوب اتباعه في كلما ~~يصح ان يتبع فيه. # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (3)، وانه ~~إذا جعله أسوة لزمنا التأسي به، سيما وقد قال في سياق الآية: (لمن كان يرجو # PageV02P579 # الله واليوم الآخر) (١) وهذا تهديد لمن ترك التأسي به. # وهذا أيضا يسقط بما قدمناه من معنى التأسي. # وقوله: ﴿لمن ms313 كان يرجو الله ~~واليوم الآخر﴾ (٢) ليس بتهديد ولا وعيد، لان الرجاء انما يكون في ~~المنافع، فكأنه قال تعالى: لمن كان يرجو أثواب الله، والثواب قد يستحق ~~بالندب كما يستحق بالواجب. # وقد قيل في الجواب عن ذلك: ان الله سبحانه لما قال: (لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة (٣) ولم يقل عليكم، دل على أنه يرغبنا في ذلك، وذلك لا ~~يقتضى الوجوب والأول أقوى. # واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) والاستدلال ~~بذلك لا يصح، لان طاعته لا تكون الا بفعل ما امر به، وليس للفعل في ذلك ~~مدخل، الا أن يقترن به قول يقتضى التأسي به. # واستدلوا أيضا: بقوله تعالى ﴿وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (5). # والتعلق بذلك أيضا لا يصح، لان معنى قوله: (وما اتيكم) ما أعطاكم وادى ~~إليكم، وذلك لا يصح الا في القول الذي نسمعه منه ونمتثله لان سمعنا له ~~وحفظنا إياه وامتثالنا له يجرى مجرى ما تناولنا منه. # واستدلوا باخبار رووها في هذا الباب كلها اخبار آحاد لا يصح الاعتماد ~~عليها في هذا الباب، وما قلناه في تأويل الآيات قد نبه على طريق القول ~~فيها، نحو ما روى # PageV02P580 # عنه عليه السلام انه خلع نعله في الصلاة فخلعوا نعالهم (1) وما شاكله ~~(2)، لان ذلك انما يدل على أن ما فعلوه حسن يجوز فعله، ولا يدل على أنه ~~واجب لا يجوز خلافه. # واستدل بعضهم على ذلك بأن قال: ان الفعل اكد من القول، لأنه كان عليه ~~السلام إذا أراد تحقيق امر فعل ذلك ليقتدى به، كذلك فعل في غير شئ من ~~المناسك، والوضوء والصلاة، وغيرها، فبان يكون الفعل على الوجوب أولى وهذا ~~يبطل بما قدمناه لان القول يقتضى انه قد أراد منا ما يقتضيه والفعل بخلافه، ~~وانما يكون فعلا تحقيقا للامر إذا وقع عقيبه فيقع موقع التأكيد، وأما إذا ~~كان مبتداء فلا يصح ذلك فيه واستدل بعضهم بان قال: ان الوجوب أعلى مراتب ~~الفعل، فإذا عدمنا الدليل، على أي حال ms314 فعله وعلى أي وجه أوقعه لزمنا التأسي ~~به فيه فيجب أن نتبعه على الوجه الذي هو أعلا مراتبه. # وهذا كلام ليس تحته فائدة، لان كون الوجوب على ما قاله لا يقتضى ان حالنا ~~كحاله، ولا ان ما فعله واجب علينا، فما في ذلك مما يتعلق به. # واما من قال: ان فعله على الندب أو الإباحة، فقوله يبطل بمثل ما أبطلنا ~~به قول من قال إنه على الوجوب سواء، فلا فائدة ليزداد القول فيه. # وهذه جملة كافية في هذا الباب، والله الموفق للصواب. # PageV02P581 # فصل (4) " في ذكر الوجوه التي تقع عليها أفعاله عليه السلام، وبيان ~~الطريق إلى معرفة ذلك " أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة ~~اقسام: فعل، وترك (1)، واقرار للفاعل على فعله، وهي أجمع على ثلاثة اقسام: ~~واجب، وندب، ومباح. # فما هو له فعل له عليه السلام ينقسم ثلاثة اقسام: # إلى بيان لما هو بيان له، والى امتثال الخطاب والى ابتداء. # فما هو بيان لمبين على ضروب. # منها بيان المجمل. # ومنها تخصيص العموم. # ومنها النسخ. # وينقسم قسمة أخرى. # منها: ما هو قضاء على الغير. # ومنها: ما هو متعلق بالغير. # ومنها: ما لا تعلق له بأحد. # PageV02P582 # وليس يخرج عن هذه الأقسام شئ من أفعاله الشرعية. # فاما ما لا تعلق له بالشرع فلا طائل في ذكره. # ونحن نبين الطريق إلى معرفة كل واحد من هذه الأقسام، لان معرفة طرقها ~~تختلف. # اما الذي به يعلم أن فعله بيان: فهو ان يعلم أن فعله تقدمه ما يحتاج إلى ~~بيان، ويعدم هناك قول يمكن أن يكون بيانا له، فيعلم حينئذ ان الذي يمكن أن ~~يبين ذلك به بيان، والا أدى إلى عدم البيان مع الحاجة إليه. # ومنها: أن يعلم ثبوت ما يحتاج إلى بيان، ونبه على أن ما فعله بيان له ~~بقول أو غيره. # وقد يعلم أن فعله تخصيص العموم، بأن يقتضى رفع ما يقتضيه العام، وقد تقدم ~~القول في ذلك. # وكذلك قد مضى القول فيما يكون من فعله نسخا في موضعه، ويعلم ان ms315 فعله بيان ~~على جهة الإباحة أو الندب أو الوجوب بحسب ما يحصل لنا من العلم بالمبين ~~لأنا بينا ان بيان الشئ في حكمه، وقد مضى القول فيه. # واما (1) ما به يعلم أن فعله امتثال: فهو أن يتقدم علمنا بخطاب يقتضى ~~وجوب ذلك الفعل عليه على (2) الحد الذي فعله، فيعلم به انه امتثال للآية، ~~وكذلك القول إذا اقتضى الندب أو الإباحة. # وأما ما يعلم به ان فعله ابتداء شرع: فهو أن يعلم عدم هذين الوجهين، وانه ~~ليس هناك قول يقتضى ما اقتضاه ذلك الفعل. # واما ما يعلم به فعله من تركه، والفضل بينهما، وبين اقراره غيره على ~~الفعل، فالذي يجب أن يعلم في ذلك حكم تركه واقراره لان ما عداه لا اشكال ~~فيه. # PageV02P583 # اما تركه لما يتركه، فقد يكون تركا لأمر يخصه، وليس لذلك مدخل في هذا ~~الباب. وقد يكون تركا لفعل يقتضى بعض الخطاب وجوبه، فذلك تخصيص له. # وإذا ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع يد سارق أقل من ربع دينار مع ~~أنه لا وجه يقتضى لاسقاط قطعه، علم بذلك أن القدر الذي سرق لا يستحق به ~~القطع. # فاما إذا جوزنا أن يكون ماله ترك قطعه امر آخر، فلا يدل على ذلك. # ولو ترك عليه السلام الفعل في وقت اقتضى القرآن وجوبه فيه، لعد ذلك نسخا ~~أو تخصيصا. # وإذا ترك عليه السلام عند قيامه إلى الثانية الرجوع إلى القعود، دل على ~~أنه ليس من أركان الصلاة. # واما تركه الصلاة في وقت لعذر، فليس يدل على سقوطه، بل يجوز أن يؤخر إلى ~~وقت اخر. # واما اقراره الغير على فعل: فإنه ان كان لم يتقدم منه بيان قبحه، فان ~~اقراره يدل على حسنه، لأنه لو لم يكن حسنا لبينه قبل فعله فضلا عن ذلك في ~~حال فعله. # وان كان قد تقدم بيان قبحه نظر فيه: # فان كان قد علم من حاله انه يظن أنه إذا أنكر ترك المنكر عليه فعله فلم ~~ينكره، دل على حسنه. # وان لم يعلم ذلك من ms316 حاله نظر، فان كان قبح ذلك مستفادا بالشرع لا بالعقل، ~~فإذا لم ينكره ولم يحصل ما يجرى مجرى الانكار دل على حسنه، لأنه إذا كان ~~قبيحا ويعلم قبحه من جهته فاقر عليه، أوهم انه منسوخ، فادى تركه النكير ~~لذلك إلى التنقير عن القبول منه، فعلى هذا يجب أن يجرى اقراره. # واما الطريق الذي يعلم به ان فعله مباح، فوجوه: # : منها انه لو كان قبيحا لما فعله، فيعلم بذلك انه حسن، فإذا عدمنا ~~الدليل على وجوبه أو كونه ندبا علمنا أنه مباح. PageV02P584 # ومنها: أن يعلم قبوله انه مباح بأن ينص عليه. # ومنها: أن يكون فعله بيان لجملة تقتضي فعلا مباحا. # واما الطريق الذي به يعرف (1) كون فعله ندبا فبان يعلم أن ما فعله قربة ~~شرعية، ويعلم ذلك بوجوه: منها: أن يكون بيانا للندب. # ومنها: أن يكون ما يفعله عليه السلام تارة في وقت مخصوص، ويتركه أخرى بلا ~~عذر. # ومنها: أن يعلم أنه قصد إلى فعله في الصلاة مرة ولم يفعله أخرى مع جواز ~~الصلاة. ومنها: أن يعلم أنه قد مدح عليه ولم يذم على تركه ولم ينكر ذلك. # فاما به يعلم أن فعله وقع على جهة الوجوب فأشياء: # منها: أن يكون بيانا لواجب. # ومنها: أن يكون مما لو لم يكن واجبا لما جاز أن يفعله، نحو أن يركع في ~~الصلاة ركوعين على سبيل القصد ومنها: ان يفعله على وجه قد صار امارة ~~للوجوب، نحو أن يؤذن للصلاة، ويأخذ من مال غيره بعد العد والاحصاء. # فبهذه الوجوه وما شاكلها يعلم حال فعله عليه السلام. # واما ما هو قضاء على الغير، فالحال في أنه قضاء على الغير ظاهر ويكون على ~~وجوه، لكن جميعها سواء في أن قضاه يلزم المقتضى عليه، هذا إذا كان حكما. # وأما إذا كان جوابا لسؤال، فقد سوغ ويجب أن يحكم فيه بوجوب أو غيره بحسب ~~الدلالة. # واما ما يتعلق بالغير من فعله، فنحو مدحه، وذمه، وعقابه. # PageV02P585 # أما المدح، فإنه يدل على أن الممدوح عليه ندب. # واما الذم: فإنه يدل ms317 على أن الفعل الذي ذمه عليه قبيح، فان ذمه لأنه لم ~~يفعل الفعل، أو تركه دل على وجوبه. واما عقابه الغير على بعض الأفعال: فإنه ~~يدل على قبحه، ويدل مع ذلك على أنه كبيرة عند من قال بالصغائر (1). # فينبغي أن يجرى مجرى أفعاله عليه السلام على هذه الوجوه، ويتبع فيها على ~~الوجه الذي عليه يقع، وبالله التوفيق # PageV02P586 # فصل (5) " في ذكر أفعاله إذا اختلف، هل يصح فيها التعارض أم لا؟ " لا يصح ~~التعارض في أفعاله عليه السلام لان التعارض انما يقع في فعلين ضدين، أو فعل ~~الشئ وتركه، ونحن نعلم أنه لا يقع منه عليه السلام الفعلان الضدان، ولا ~~الفعل وتركه في حال واحدة، وانما يقع منه الفعل في حال وضده في حال أخرى، ~~وما يقع منه في حالين وان تضادا فإنه يمكن التأسي به فيهما، كما يمكن ~~امتثال الأمر والنهي إذا تضمنا فعلين في حالين، وما هذه حاله لا يصح ~~التعارض فيه، فصار فعله في هذا الباب مخالفا لقوله، ولهذا لا يصح نسخ فعله ~~في الحقيقة، وذلك أن فعله الأول لا ينتظم الأوقات حتى يكون فعله الثاني ~~رافعا ما لولا رفعه له لتناوله الأول على ما بيناه من نسخ القول، لكن الامر ~~وان كان كذلك فان الفعل الأول إذا علم أنه قد أريد به إدامته في المستقبل ~~صح كون ما بعده ناسخا له، وذلك أن الفعل إذا وقع بهذا الموقع جرى مجرى قول ~~يتناول ايجاب الفعل في الأوقات المستقبلة، فكما يصح النسخ بقول هذا حاله ~~فكذلك يصح نسخ الفعل إذا كانت هذه صفته، وقد بينا ان النسخ قد يدخل في غير ~~القول من أدلة الشرع، كما يدخل في القول، فإنه يخالف التخصيص الذي من حقه ~~ان يتناول الفعل إلى غاية فقط. # وليس لاحد أن يعترض ما قدمناه من نسخ الفعل بالفعل بان يقول: كيف يصح نسخ ~~الافعال وليست بأفعال؟ PageV02P587 # لان ما بيناه قد أسقط ذلك. فاما تخصيص الفعل بالفعل: فلا يصح لان الفعل ~~لا يتناول أشياء يخص منها بعضها. # فاما ms318 من جهة المعنى: فان التخصيص في الفعل انما يكون بان يعلم أن المراد ~~بالفعل الأول جميع المكلفين وذلك الفعل واجب، فإذا رأيناه قد أقر بعضهم على ~~تركه أو مدحه عليه، علم أنه مخصوص من جملتهم، وسواء كان المدح والاقرار منه ~~عقيب الفعل الأول أو بعده بزمان متراخ على ما جوزناه من تأخير البيان عن ~~وقت الخطاب. # فاما من أبي ذلك، فإنه لا يجوز ذلك الا إذا كان عقيب الفعل الأول على بعد ~~ذلك عنده. # واما تخصيصه عليه السلام نفسه: فإنه لا يصح لان التخصيص يدل على أن ~~المخصوص من الجملة لم يرد، وفعله عليه السلام قد أنبأ على أنه مراد، ~~فيستحيل تخصيصه نفسه في الحال من هذا الوجه، فاما في المستقبل فإنه لا ~~يمتنع ذلك فيه. واما القول في فعله وأمره إذا تضادا وتعارضا، فإنه يجب أن ~~ينظر فيهما: # فان كان القول متقدما، وقد مضى الوقت الذي يجب فعله فيه، ثم فعل عليه ~~السلام ما يعارض ذلك فهو نسخ، وذلك نحو تركه قتل شارب الخمر في المرة ~~الرابعة بعد قوله: " فان شربها الرابعة فاقتلوه " (1) على ما يرويه ~~مخالفونا، وانما ذكرناه مثلا لو ثبت. # فان فعل ذلك قبل مجيئ الوقت الذي تعبدنا بالفعل فيه، فلا يصح أن يكون ~~نسخا، بل يجب حمله على أنه مخصوص، لان النسخ قبل الوقت لا يجوز. # فاما إذا تقدم الفعل ثم وجد القول يقتضى رفع ما اقتضاه الفعل، فذلك نسخ ~~لا محالة، لأنه متأخر عن حال استقرار الفرض. # PageV02P588 # فإذا لم نعلم المتقدم من المتأخر، وكان قوله يقتضى وجوب الفعل أو حظره، ~~وكان فعله يقتضى خلاف ذلك، فالأخذ بالقول أولى، لأن فعله لا يتعداه الا ~~بدليل، ومن حق قوله ان يتعداه، ولا يصح أن يكون مقصورا عليه، فإذا صح ذلك ~~واجتمعا فالواجب أن يتمسك بقوله ويحمل فعله على أنه مخصوص به، لان قوله لا ~~يصح قصره عليه، ويصح قصر فعله عليه، فإذا اجتمعا فبان يتمسك بالقول الذي من ~~حقه ان يتناولنا أولى من الفعل، سيما وقد أثبت ms319 ان أقواله على الوجوب، وان ~~أفعاله موقوفة على الدلالة، وكل ذلك يوجب ترجيح قوله عليه السلام على فعله. ~~PageV02P589 # فصل NoteV02P590N06 " في أنه عليه السلام هل كان متعبدا بشريعة من كان ~~قبله من الأنبياء أم لا؟ " عندنا ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء، لا قبل النبوة ولا بعدها، وان جميع ما ~~تعبد به كان شرعا له. # ويقول أصحابنا: انه عليه السلام قبل البعثة كان يوحى إليه بأشياء تخصه، ~~وكان يعمل بالوحي لا اتباعا لشريعة قبله. # واما لفقهاء فقد اختلفوا في ذلك والمتكلمون (1): # فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أهل العدل، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم ~~انه لم يكن متعبدا بشريعة من تقدمه، وان جميع ما تعبد به كان شرعا له دون ~~من تقدمه، وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن (2) انه ربما نص هذا وربما نص ~~خلافه. # وفي العلماء من قال: انه كان متعبدا بشريعة من تقدمه، واختلفوا: # PageV02P590 # فمنهم من قال: تعبد بشريعة إبراهيم عليه السلام. # ومنهم من قال: تعبد بشريعة موسى عليه السلام. # واختلف المتكلون في أنه عليه السلام قبل البعثة هل كان متعبدا بشئ من ~~الشرايع أم لا (1)؟ # فمنهم: من [قطع على أنه كان متعبدا بشريعة بعض من تقدمه من الأنبياء. ~~ومنهم: من] (2) قطع على خلافه. # ومنهم: من توقف في ذلك وجوز كلا الامرين. # والذي يدل على ما ذهبنا إليه: اجماع الفرقة المحقة، لأنه لا اختلاف بينهم ~~في ذلك، واجماعها حجة على ما سندل (3) عليه إن شاء الله. # ويدل على ذلك أيضا: ما ثبت بالاجماع من أنه عليه السلام أفضل من سائر ~~الأنبياء، ولا يجوز أن يؤمر الفاضل باتباع المفضول على ما دللنا عليه في ~~غير موضع. # فان قيل: فمن أين يعلم أنه كان قبل النبوة أفضل من ساير الأنبياء؟ # قيل: لم يخص أحد تفضيله على ساير الأنبياء بوقت دون وقت، فيجب أن يكون ~~أفضل في جميع الأوقات، ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان متعبدا بشريعة من ~~تقدمه فإنما ms320 يكون شرعا لذلك المتقدم، ويكون في حكم المؤدى عنه، فكان (4) ~~يجب أن لا يضاف جميع الشرع إليه، كما لا يضاف الشرع إلى من يؤدى عنه عليه ~~السلام لما كان مؤديا عنه عليه السلام، وفي علمنا بإضافة جميع الشرع إليه ~~دليل على أنه لم يكن متعبدا بشرع من تقدمه. # ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان متعبدا بشرع من تقدم لم يخل من أن يكون # PageV02P591 # متعبدا بشريعة موسى أو عيسى عليه السلام، لان شريعة من قبلهما مندرسة، ~~وهي مع ذلك منسوخة بشريعتها. # فان قالوا: كان (1) متعبدا بشريعة موسى عليه السلام. # فان ذلك فاسد من حيث كانت شريعته منسوخة بشريعة عيسى عليه السلام. # وان قالوا: كان متعبدا بشريعة عيسى عليه السلام كان فاسدا (2) من وجهين: # أحدهما: ان شريعته قد انقطعت واندرس نقلها ولم تتصل كاتصال نقل المعجزة ~~الذي تقتضي ما هي عليه نقلها وإذا لم يتصل لم يصح ان تعلم، وفي ذلك اخراج ~~له من أين يكون متعبدا بها. # والثاني: ان القول بذلك يبطل ما يعتمدون عليه من رجوعه عليه السلام إلى ~~التوراة في رجم اليهوديين (3)، لأنه كان يجب أن يرجع إلى الإنجيل دونها. # ويدل على صحة ما قلناه: ان الذي يخالف في ذلك لا يخلو قوله من أنه تعبد ~~بشريعة موسى عليه السلام بأن دعاه موسى إلى شريعته ما لم ينسخ والحجة قائمة ~~عليه بذلك، أو يقول إنه تعبد بشريعة موسى عليه السلام بأن امر بالتمسك بها ~~أمرا مبتدأ، وان كان يحتاج أن يرجع إليهم في تعرف ما يتمسك به من شريعته، ~~أو يقول أنه تعبد بشريعته بان امر بأشياء قد كانت شريعة له وان علمها هو من ~~جهة الله تعالى. # فان ذهبوا إلى ما قلنا أولا، فليس يخلو من أن يقول: انه عليه السلام كان ~~يمكنه أن يعرف شريعتهم من غير جهة الله تعالى، بل بالرجوع إليهم في تعرف ~~ذلك، أو يقول ما كان يصح له ذلك وانما كان يعرف ذلك من قبل الله تعالى. # فان قالوا بالأول: فهو خلاف ms321 في المعنى، والذي يبطل قوله أشياء: # PageV02P592 # منها: ما استدل به أبو علي وأبو هاشم من أنه عليه السلام لو كان متعبدا ~~بشريعة من قبله لكان لا يتوقف في قصة الظهار (1)، وقصة الميراث (2)، وقصة ~~الإفك (3)، على نزول الوحي عليه، لان هذه الحوادث معلوم ان لها أحكاما في ~~التوراة ظاهرة فيما بينهم، فلو كان متعبدا بذلك لرجع إلى التوراة وبحث - ~~بزعمهم - عن الرجم، ولكان توقفه على الوحي يجرى مجرى توقفه في شئ قد بين له ~~على الوحي، وفي فساد ذلك دليل على أنه لم يكن متعبدا الا بما ينزله الله ~~تعالى عليه. وكان يجب أيضا أن يرجع الصحابة في معرفة الاحكام إلى التوراة ~~وأهلها كرجوعهم إلى القران، وفي تركهم ذلك دليل على أنهم لم يتعبدوا بذلك ~~ولا النبي عليه السلام. # ومنها: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوب معاذا في قوله: " اجتهد ~~رائى " (4) عند عدم الكتاب والسنة، فلو كان متعبدا بشريعتهم لعده في جملة ~~ذلك، ولنبه معاذا على خطئه بترك ذلك. # وان أراد القسم الأخير: فليس في ذلك خلاف، ولا يوجب ذلك أن يكون متعبدا ~~بشرع من تقدم، لان الامر بمثل شريعتهم إذا ورد عن الله تعالى وبين المأمور ~~به فذلك تعبد من الله تعالى ابتداء، وليس يجب إذا امر بفعل تعبد به موسى ~~عليه السلام ان يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعبدا بشريعته، لأنه ~~لا فضل بين أن يتعبده بذلك الفعل بأن يذكره ويبين صفته، وبين أن يلزمه ~~ويضيقه إلى موسى عليه السلام، لان في الحالين جميعا هو تعالى المتعبد به. # واما من قال: انه عليه السلام كان متعبدا بشريعة موسى عليه السلام، وقال # PageV02P593 # لأنه لا يصح أن يعرف الشريعة من جهته (1)، فقد ناقض، لان التعبد بشريعة ~~يقتضى صحة العلم بها من جهته فاما (2) من قال: انه تعبد بأشياء من شريعته ~~بأمر مبتدأ وامر ثان يرجع في معرفة ذلك إليهم. # فالذي يدل على بطلان قوله: ما قدمناه من الأدلة، وان كان هذا الوجه لا ~~يقتضى كونه متعبدا بشريعتهم ms322 إذا امر بذلك أمرا مبتدأ، لو صح ما ادعوه، فكيف ~~وذلك لا يصح! # واعلم أنه لولا ما قدمناه من الدليل على كونه أفضل الأنبياء، ما كان ~~يمتنع عقلا أن يتعبد يتعبد بمثل شريعتهم، لان المصالح تختلف وتتفق وكلا ~~الامرين يجوز فيها، فلا يمتنع ان يعلم الله تعالى ان صلاح النبي الثاني ~~وصلاح أمته بخلاف شريعة الأول فيتعبده به، وعلى هذا جرت سنة الله تعالى في ~~أكثر الأنبياء. ولا يمتنع أيضا ان يعلم أن صلاح الثاني وأمته في مثل شريعة ~~الأول فيتعبده بها. # وليس لاحد أن يقول: ذلك لا يجوز، لأنه لو كان كذلك لم يكن في بعثة النبي ~~الثاني واظهار المعجزة عليه فائدة، لان شريعته معلومة من جهة غيره. # وذلك إنا إنما نجوز بعثة النبي الثاني بشريعة النبي الأول إذا كانت تلك ~~الشريعة قد اندرست وصارت بحيث لا يعلم الا من جهة النبي الثاني، أو بأن ~~يكون النبي الأول مبعوثا إلى قوم بأعيانهم ويبعث الثاني إلى غيرهم، أو أن ~~يراد في شريعة الثاني زيادة لا تعلم الا من جهته. فبهذه الوجوه تخرج بعثته ~~من أن تكون عبثا. # فان قيل: كيف يجري (3) هذا التقدير على ما تعتقدون أنتم من أن كل شرع ~~لابد # PageV02P594 # له من حافظ معصوم لا يجوز عليه الغلط؟ وإذا كان لابد من ذلك على مذهبكم ~~فمتى اندرست الشريعة أمكن الرجوع إليه فيها فلا يحتاج إلى نبي اخر. # قيل له: نحن انما نوجب حافظا للشرع معصوما إذا علمنا ارتفاع الوحي ~~وانقطاع النبوة، ونحن نعلم أن التواتر لا يمكن حفظ الشرع به، لأنه يجوز أن ~~يصير آحادا، فإذا لابد لها من حافظ معصوم، وليس كذلك في الشرائع المتقدمة ~~لأنه لا يمتنع أن تكون تلك الشرائع محفوظة بالتواتر، فمتى فرضنا انها صارت ~~آحادا وبحيث لا ينقطع عذر المكلفين بنقلها بعث الله تعالى نبيا اخر يبينها ~~ويستدركها، هذا إذا فرضنا بقاء التكليف بالشريعة الأولة على من يجيئ فيما ~~بعد. # فاما إذا فرضنا انه يجوز أن يكون التكليف للشريعة الأولى إذا صارت آحادا ms323 ~~قد ارتفع ووجب التمسك بما في العقل، فان ذلك لا يجب أيضا معه أن يكون لها ~~حافظ ولا بعث (1) نبي اخر، وكان يجوز أيضا ان يتعبد باخبار الآحاد إذا صارت ~~الشريعة إلى حد لا ينقل الا من جهة الخبر الواحد، وكل ذلك مفقود في ~~شريعتنا، لان الوحي قد ارتفع، والرسالة قد انقطعت، والتكليف باق إلى يوم ~~القيمة، والعمل بخبر الواحد غير صحيح على ما بيناه فيما مضى، فلو لم يكن ~~لها معصوم، والتواتر يجوز أن يصير آحادا، كان ذلك يؤدى إلى أن الشرع غير ~~محفوظ أصلا، وذلك لا يجوز. # واستدل من خالفنا على صحة قوله بأشياء (2). # منها: انه لو لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم لم يذكى قبل بعثته، ولا يأكل ~~اللحم المذكى، ولا كان يحج ويعتمر، ولا كان يركب البهايم ويحمل عليها، لان ~~جميع ذلك يحسن سمعا، وفي علمنا بأنه كان يفعل ذلك دليل على صحة ما قلناه. # وهذا لا يلزمنا على ما قررنا من مذهبنا في هذا الباب (3)، لأنا قلنا: انه ~~قبل بعثته # PageV02P595 # كان موحى (1) إليه بما يخصه، فلأجل ذلك كان يفعل ما يفعله من الأشياء ~~التي ذكروها ان صح منه فعلها . واما من وافقنا في هذا المذهب وخالفنا في ~~هذه الطريقة فإنه يقول: ان تذكية البهائم، وفعله الحج والعمرة لو ثبت لدل، ~~لكن ذلك لم يثبت، وما يروى من ذلك فإنما طريقة اخبار الآحاد لا يعول عليها ~~في هذا الباب. # واما اكله اللحم المذكى فحسن في العقل، وليس فيه دليل على ما قاله ~~السائل، لأنه بمنزلة اكل سائر المباحات، ولم يثبت عنه عليه السلام انه كان ~~يأمر بالتذكية ليأكل اللحم فيسوغ التعلق به. # واما ركوب البهيمة والحمل عليها: فذلك بحسن عند كثير منهم لما لها في ذلك ~~من المنافع التي يوصل إليها من العلف وغير ذلك، ويخالف الذبح لان الذبح ~~يقطعها عن المنافع. # وتعلقوا أيضا: برجوعه عليه وآله السلام إلى التوراة في رجم اليهوديين. ~~(2) وذلك لا يصح، لان ذلك من اخبار الآحاد التي لا تعتمد في هذا ms324 الباب، فلو ~~كان كذلك لرجع إلى التوراة في سائر الأحكام، ولما كان ينتظر الوحي ما ~~بيناه، وفي تركه الرجوع إليها دليل على أنه لم يرجع إليها في الرجم ان صح ~~مما قالوه، فسقط بذلك ما تعلقوا به. # وقد قيل في الجواب عن ذلك: انه انما رجع إليهم لأنه كان قد أخبر ان في ~~التوراة رجم الزاني، فأراد أن يتحقق صدقه ليدلهم على نبوته بالرجوع إليهم، ~~لا انه رجع إليهم ليعرف ثبوت الرجم من جهتهم. # قالوا: ولو كان رجوعه إليهم لما قالوه لرجع في غيره أيضا! ولوجب أن يتعرف ~~هل الرجم في التوراة على كل زان أو هو على محصن فقط؟ ولوجب أن لا يقبل قول # PageV02P596 # اليهود الذين رجع إليهم لان يقول مثلهم، [و] لا يقع العلم ولا هم على صفة ~~يقبل قولهم في الديانات، ولما مدحهم في أن ذلك في التوراة، لأنه قد ظهر ~~تحريفهم لكثير منها، فدل جميع ذلك على بطلان تعلقهم به. # وتعلقوا أيضا: بقوله تعالى [واتبع ملة إبراهيم حنيفا] (1) وبقوله: ~~[فبهداهم اقتده] (2) وبقوله: [انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون] (3) وهو عليه السلام من جملتهم، وذلك يقتضى صحة ما قالوه. # قيل له: اما الملة التي أمرنا باتباعها فهو دين إبراهيم عليه السلام، لأن ~~الملة هي " الدين " لان المراد بذلك التوحيد والعدل، بين ذلك قوله: [ومن ~~يرغب عن ملة إبراهيم الا من سفه نفسه] (4) وقد علمنا أن الملة التي يستحق ~~الراغب عنها هذا الوصف هي العقليات. # واما قوله تعالى: [فبهديهم اقتده] (5) فإنه أراد بذلك أدلتهم التي تدل ~~على العقليات، لان ذلك هو الذي يضاف إليهم. فاما الشريعة فقوله هو الدليل ~~فيها، فالإضافة لا تصح فيها. # واما قوله تعالى: [فيها هدى ونور يحكم بها النبيون] (6): فالمراد به ما ~~قدمناه، يدل على ذلك قوله تعالى: [يحكم بها النبيون] فظاهر ذلك يقتضى ان كل ~~من كان قبل موسى عليه السلام قد حكم بذلك، ولا يصح مع ذلك حمله على ~~الشرعيات. فهذه جملة كافية في هذا الباب. # PageV02P597 # الباب التاسع الكلام ms325 في الاجماع PageV02P599 # الباب التاسع الكلام في الاجماع فصل NoteV02P601N01 " في ذكر اختلاف ~~الناس في الاجماع هل هو دليل أم لا؟ " ذهب المتكلمون بأجمعهم، والفقهاء ~~بأسرهم على اختلاف مذاهبهم " (1) إلى أن الاجماع حجة. # وحكى عن النظام، وجعفر بن حرب (2)، وجعفر بن مبشر (3) انهم قالوا: # PageV02P601 # الإجماع ليس بحجة (1). # واختلف من قال حجة: فمنهم من قال: انه حجة من جهة العقل وهم الشذاذ (1). # وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون ~~العقل (1) ثم، اختلفوا: # فذهب داود (2)، وكثير من أصحاب الظاهر إلى أن اجماع الصحابة هو الحجة دون ~~غيرهم من أهل الاعصار (1). # وذهب مالك ومن تابعه (1) إلى أن الاجماع المراعى هو اجماع أهل المدينة ~~دون غيرهم، غير أنه حجة في كل عصر. # وذهب الباقون (1) إلى أن الاجماع حجة في كل عصر، ولا يختص ذلك بعصر ~~الصحابة ولا باجماع أهل المدينة. # والذي نذهب إليه: ان الأمة لا يجوز أن تجتمع على خطأ، وان ما يجمع عليه ~~لا يكون الا حجة، لان عندنا انه لا يخلو عصر من الاعصار من امام معصوم حافظ ~~للشرع، يكون قوله حجة يجب الرجوع إليه، كما يجب الرجوع إلى قول الرسول عليه ~~السلام، وقد دللنا على ذلك في كتابنا " تلخيص الشافي " (3) واستوفينا كلما ~~يسأل عن ذلك من الأسئلة، وإذا ثبت ذلك، فمتى أجمعت الأمة على قول فلابد من ~~كونها حجة لدخول الامام المعصوم في جملتها. # ومتى قيل: جوزوا أن يكون الامام منفردا عن اجماعهم . # PageV02P602 # قلنا: متى فرضنا انفراد الامام عن الاجماع فان ذلك لا يكون اجماعا، بل لو ~~انفرد واحد من العلماء عند من خالفنا من الاجماع أخل ذلك باجماعهم. فان ~~قيل: إذا كان المراعى في باب الحجة قول الإمام المعصوم فلا فائدة معلومة ~~وهي انه قد لا يتعين لنا قول الإمام في كثير من الأوقات فيحتاج حينئذ إلى ~~اعتبار الاجماع ليعلم باجماعهم ان قول المعصوم عليه السلام داخل فيهم، ولو ~~تعين لنا قول المعصوم الذي هو الحجة لقطعنا على أن قوله هو الحجة، ولم ~~نعتبر سواه ms326 على حال من الأحوال. ومتى فرضنا ان الزمان يخلو من معصوم حافظ ~~للشرع لم يكن الاجماع حجة على وجه من الوجوه. # والذي يدل على ذلك: انه لا دليل على كونهم حجة لا من جهة العقل ولا من ~~جهة الشرع، وإذا لم يكن دليل وجب القطع على نفى كونه حجة، لفقد ما يدل ~~عليه. # ونحن نتبع ما يعتمده الخصوم في هذا الباب من جهة العقل والشرع معا، ونبين ~~انه لا دلالة في شئ من ذلك اعتمد من قال إنهم حجة من جهة العقل، على أنهم ~~مع كثرتهم وانتشارهم في البلاد واختلاف آرائهم وبعد همهم لا يجوز أن يجمعوا ~~على خطأ ولو جاز ذلك لجاز أن يتفقوا على اكل طعام واحد، ولبس لباس واحد، ~~وفعل واحد، ويأتي الشعراء الكثيرون بقصيدة واحدة في معنى واحد وغرض واحد، ~~وكل ذلك يعلم بطلانه ضرورة، وفي صحة ذلك دليل على أنهم لا يجمعون على خطأ. # وهذا ليس بشئ، لان جميع ما ذكروه لا يشبه مسألة الاجماع لان جميعه تابع ~~للدعاوى والآراء واختلاف الهمم، والعادة مانعة من اتفاقهم في الدعاوي ~~والآراء PageV02P603 # في الأمثلة التي ذكروها، وليس (1) مسألة الاجماع من هذا الباب، لأنه يجوز ~~أن تدخل عليهم الشبهة فيعتقدوا فيما ليس بدليل انه دليل فيجمعوا عليه، وقد ~~دخلت الشبهة في مثل أمتنا - وأكثر منهم - فيما يتعلق بباب الديانات، الا ~~ترى ان اليهود والنصارى ومن خالف الاسلام قد اتفقوا على ابطال الاسلام، ~~وتكذيب نبينا عليه السلام وهم أكثر من المسلمين اضعافا مضاعفة، وليس ~~اجماعهم على ذلك دليلا على بطلان الاسلام، لأنهم انما اجمعوا لدخول الشبهة ~~عليهم، وانهم لم يمعنوا النظر في الطرق الموجبة (2) للقول بصحة الاسلام. # فكذلك القول في اجماع الأمة، على أن ذلك إذا دل الدليل على كونه حجة وثبت ~~ذلك، فأما قبل ثبوته فنحن في سبر (3) ذلك، فالمنع منه غير صحيح. # فان قالوا: لو جاز عليهم الخطا فيما يجمعون عليه، لجاز على المتواترين ~~الخطاء فيما يخبرون به، لان الأمة بأجمعها أكثر من قوم متواترين ينقطع ~~بنقلهم الحجة، ms327 ولو جاز ذلك على (4) المتواترين أدى ذلك إلى الا نثق بشئ من ~~الاخبار، ولا نعلم شيئا نقلوه، وذلك يؤدى إلى ما يعلم ضرورة خلافه. # قيل التواتر لم يكن حجة من حيث إنه لا يجوز فيهم الخطاء، وانما كان حجة ~~لأنهم نقلوا نقلا يوجب العلم الضروري عند من قال بذلك، أو علما لا يتخالج ~~فيه الشكوك عند من قال بالاكتساب، فالحجة في نقلهم بحصول العلم بما نقلوه ~~لا بمجرد النقل، وكان يجوز أن لا ينقلوا ما نقلوه اما خطأ أو عمدا، فيخرج ~~خبرهم من أن يكون موجبا للعلم، فيلحق حينئذ بباب الاجماع الذي نحن في ~~اعتبار كونه حجة أم لا، وهذا بين لا اشكال فيه، ولم يعتمد هذه الطريقة الا ~~شذاذ من القائلين بالاجماع، والمحصلون منهم عولوا على أدلة السمع في هذا ~~الباب # PageV02P604 # ونحن نذكر ما اعتمدوه (١) ونتكلم عليه إن شاء الله تعالى أحد ما اعتمدوا ~~عليه: قوله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من ~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا﴾ (2). # قالوا: فتوعد الله تعالى على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما توعد على ~~مشاققة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلولا انهم حجة يجب اتباعهم فيما ~~اجمعوا عليه والا لم يجز ذلك. # والكلام على هذه الآية من وجوه: # أولها: ان في أصحابنا من ذهب إلى أن الألف واللام لا يقتضيان الاستغراق ~~والشمول، بل هما مشتركان لهما ولغيرهما (3)، فإذا كان كذلك كانت الآية ~~كالمجملة تحتاج إلى بيان، ويحتمل أن يكون أريد بها جميع المؤمنين، ويحتمل ~~أن يكون أراد بعضهم، ولا يمكن حملها على الجميع لفقد دلالة الخصوص لان ~~القائل ان يقول: احملها على الأقل لفقد الدليل على أن المراد بها الكل، ~~وإذا جاز ان يكون المراد بها بعضهم فليسوا بان يحمل على بعض المؤمنين بأولى ~~منا إذا حملناها على الأئمة من آل محمد عليهم السلام ويسقط بذلك غرضهم، ~~ونحن نكون أحق من حيث قام الدليل على عصمتهم وطهارتهم، وامنا ms328 وقوع الخطأ من ~~جهتهم. # وثانيها: ان لفظة " سبيل " أيضا محتملة، بل هي تقتضي الوحدة ولا يجب ~~حملها على كل سبيل، فكيف يمكن الاستدلال بها على أن كل سبيل المؤمنين صواب ~~فيجب اتباعه؟ # وليس لهم ان يقولوا: إذا فقدنا دليل الاختصاص حملناها على العموم. # لان القائل أن يقول: إذا فقدنا دلالة العموم حملناها على الخصوص، كما ~~قلناه # PageV02P605 # في الوجه الأول. # وثالثها (1). انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم، وليس في ذلك دلالة ~~على وجوب اتباع سبيلهم، فيجب أن يكون اتباع سبيلهم موقوفا على الدلالة. # وليس لهم أن يقولوا: ان الوعيد لما علقه تعالى باتباع غير سبيلهم حل محل ~~ان يعلقه بالعدول على سبيل المؤمنين وترك اتباعهم، في أنه لا يقتضى لا ~~محالة ان اتباع سبيل المؤمنين صواب، وان الوعيد واجب لتركه ومفارقته. # وذلك أن هذا دعوى محضة (2)، لأنه لا يمتنع أن يكون اتباع غير سبيلهم ~~محرما، واتباع سبيلهم مباحا أو محرما. # أيضا: يبين ذلك أنه لو صرح بما تأولناه حتى يقول: اتباع غير سبيل ~~المؤمنين محظور عليكم، واتباع سبيلهم يجوز أن يكون قبيحا وغير قبيح فاعملوا ~~فيه بحسب الدلالة، أو يقول: اتباع سبيلهم مباح لكم، لساغ هذا الكلام ولم ~~يتناقض، وإذا كان سائغا بطل قول من قال: ان النهى عن اتباع غير سبيلهم موجب ~~لاتباع سبيلهم، وانه يجرى مجرى التحريم، لمفارقة سبيلهم والعدول عنها. # وليس لهم ان يقولوا: ان من لم يتبع غير سبيل المؤمنين فلابد من أن يكون ~~متبعا لسبيلهم، فمن هاهنا حكمنا بان النهي عن أحد الامرين ايجاب للاخر، ~~وذلك أن بين الامرين واسطة، وقد يجوز أن يخرج المكلف من اتباع غير سبيلهم ~~واتباع سبيلهم معا بأن لا يكون متبعا سبيل أحد. # وليس لهم أن يقولوا: ان " غير " هاهنا بمعنى الا، فكأنه قال تعالى: (لا ~~يتبع الا سبيل المؤمنين). # لان أحدنا لو قال لغيره: من (اكل غير طعامي فله العقوبة)، فالمتعارف من ~~ذلك # PageV02P606 # ان اكل طعامه مخالف لذلك، وان العقوبة انما تتعلق بخروجه عن أن يكون اكلا ~~لطعامه لان ms329 " غير " هاهنا ليس بواجب أن يكون بمعنى " الا " الموضوعة ~~للاستثناء، بل جائز أن يكون بمعنى خلاف، فكأنه قال: (لا يتبع خلاف سبيل ~~المؤمنين وما هو غير سبيلهم) ولم يرد لا يتبع الا سبيلهم. # وقول القائل: (من اكل غير طعامي عاقبته) لا يفهم من ظاهر لفظه ومجرده ~~ايجاب اكل طعامه، بل المفهوم حظر اكل كلما هو غير لطعامه، وحال طعامه في ~~الحظر والإباحة موقوفة على الدليل. # وأقل أحوال هذا اللفظ عند من ذهب إلى أن لفظة " غير " مشتركة بين ~~الاستثناء وغيره، وان ظاهرها لا يفيد أحد الامرين، أن يكون محتملا لما ~~ذكرناه من حظر أكل غير طعامه، ومحتملا لايجاب أكل طعامه، ووضع لفظة " غير " ~~مكان لفظة " إلا " وانما يكون في بعض المواضع يفهم عن مستعمل هذه اللفظة ~~ايجاب اكل طعامه لا بمجرد اللفظ، بل بان يعرف قصده إلى الايجاب أو بغير ذلك ~~من دلائل الحال، ولولا ذلك لما حسن أن يقول: القائل: (من اكل غير طعامي ~~عاقبته، ومن اكل طعامي أيضا عاقبته)، وكان يجب أن يكون نقضا، أو جاريا مجرى ~~قوله: (من اكل الا طعامي عاقبته، ومن اكل طعامي عاقبته)، فلما حسن ذلك مع ~~استعمال لفظة " غير " ولم يحسن مع استعمال لفظة " إلا " دل على صحة ما ~~قلناه. # فان قيل: لو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين حجة وصوابا لكان حاله في أنه قد ~~يكون صوابا أو خطأ، بحسب قيام الدلالة على ذلك حال اتباع غير سبيلهم في أنه ~~قد يكون صوابا أو خطأ، ولو كان كذلك لم يصح ان يعلق الوعيد باتباع غير ~~سبيلهم دون اتباع سبيلهم، فكان يبطل معنى الكلام. # قيل له: غير منكر ان يعلق الوعيد باتباع غير سبيلهم، من حيث علم أن ذلك ~~لا يكون الا خطأ، ويكون اتباع سبيلهم مما يجوز أن يكون خطأ وصوابا، ولو لم ~~يكن كذلك وكان الأمران متساويين لجاز أن يعلق الوعيد بأحدهما دون الاخر، ~~ويكون الصلاح للمكلفين ان يعلموا خطر اتباع غير سبيلهم بهذا اللفظ، ويعلموا ~~مساواة اتباع PageV02P607 # سبيلهم له في الحظر ms330 بدليل اخر، كما يقوله أكثر خصومنا: ان قوله عليه ~~السلام " في سائمة الغنم الزكاة " (1) لا يجب أن يفهم منه دفع الزكاة عما ~~ليس بسائم، ومفارقة حاله لحال السائمة، بل يجوز أن يكون الحكم واحدا، ويعلم ~~بالسائمة بهذا القول، وفي غيرها بدليل اخر. # فان قيل: ان ذلك يجرى مجرى قول أحدنا لغيره: (لا تتبع غير سبيل الصالحين) ~~في أنه بعث على اتباع سبيل الصالحين، والا يخرج عن ذلك. # قيل: القول في هذا المثال كالقول فيما تقدم، وظاهر اللفظ واطلاقه لا يدل ~~على وجوب اتباع طريقة الصالحين و يحث عليها، وما يعلم لا من حيث ظاهر اللفظ ~~خارج عما نحن فيه. # ولو أن أحدنا قال بدلا من ذكر الصالحين: (لا يتبع غير طريقة زيد) لم يجب ~~أن يفهم من اطلاقه ايجاب اتباع طريقته. # ولولا أن الامر فيما تقدم على ما قلناه دون ما ادعاه السائل، لوجب فيما ~~قال لغيره: (لا تضرب غير زيد) ثم قال: (ولا زيدا) أن يكون مناقضا في كلامه، ~~من حيث كان قوله: (لا تضرب غير زيد) ايجابا لضربه وقوله: (ولا زيدا) حظر ~~لذلك. # وفي العلم بصحة هذا القول من مستعمله، وانه غير جار مجرى قوله: (اضرب ~~زيدا ولا تضربه) دلالة على استقامة تأويلنا للآية. # ورابعها (2): انه تعالى حذر من مخالفة سبيل المؤمنين وعلق الكلام بصفة من ~~كان مؤمنا، فمن أين لخصومنا انهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين إذا خرجوا عن ~~الايمان خرجوا عن الصفة التي تعلق الوعيد بخلاف من كان عليها؟ # وليس له أن يقول (3): لا يصح أن يتوعد الله تعالى وعيدا (4) مطلقا على ~~العدول # PageV02P608 # عن اتباع سبيل المؤمنين، الا وذلك ممكن في كل حال ولا يصح دخوله في أن ~~يكون ممكنا الا بأن يثبت في كل عصر جماعة من المؤمنين. # يبين ذلك: انه كما توعد على العدول عن اتباع سبيلهم، فكذلك توعد على ~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا وجب في كل حال صحة المشاقة ~~ليصح الوعيد المذكور، فكذلك يجب أن يصح في كل حال ms331 اتباع سبيلهم والعدول ~~عنها، لأنه ليس يجب من حيث توعد تعالى توعدا مطلقا على العدول عن اتباع غير ~~سبيل المؤمنين، ثبوت مؤمنين في كل عصر، انما (1) تقتضي الآية التحذير من ~~العدول عن اتباعهم إذا وجدوا وتمكن من اتباعهم وتركه. # ولسنا نعلم من أي وجه ظن أن التوعد على الفعل يقتضى امكانه في كل حال. # وليس هذا مما يدخل فيه عندنا شبهة على متكلم، ونحن نعلم أن البشارة ~~بنبينا عليه السلام قد تقدم على لسان من سلفت نبوته كموسى عليه السلام ~~وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، وقد امر الله تعالى أممهم باتباعه ~~وتصديقه وأشار لهم إلى صفاته (2) وعلاماته، وتوعدهم على مخالفته وتكذيبه، ~~ولم يكن ما توعد (3) عليه من مخالفته وأوجبه من تصديقه واتباعه ممكنا في كل ~~وقت، ولا مانعا (4) من اطلاق الوعيد. # وقد قال شيخهم أبو هاشم، وتبعه على هذه المقالة جميع أصحابه (5): ان قوله ~~تعالى: [السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله] ~~(6)، # PageV02P609 # ولا يقتضى ثبوت من يستحق القطع على سبيل النكال، ولو لم يقع التمكن ابدا ~~(1)، والوقوف على من هذه حاله لما أخل بفائدة الآية، وعول في قطع من يقطع ~~من السراق المشهود عليهم أو المقرين على الاجماع. # وإذا (2) صح هذا، فكيف يجب من حيث أطلق الوعيد على العدول عن اتباع سبيل ~~المؤمنين، وجود مؤمنين في كل عصر؟ وما المانع من أن يكون الوعيد يتعلق بحال ~~مقدرة كأنه تعالى قال: [ولا تتبعوا غير سبيل المؤمنين] إذا حصلوا ووجدوا؟ # فعلم بذلك بطلان ما تعلق به السائل. # وخامسها: انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم على تسليم عموم المؤمنين ~~والسبيل، فان الآية لا تدل على وجوب اتباعهم في عصر، بل هو كالمجمل المفتقر ~~إلى بيان، فلا يصح التعلق بظاهره. # وليس لاحد أن يقول: انى أحمله على كل عصر من حيث لم يكن اللفظ مختصا بعصر ~~دون عصر. # لان هذه الدعوى نظيره الدعوى المتقدمة التي بينا فسادها. # وليس لاحد أن يقول: انى اعلم وجوب اتباعهم في الاعصار كلها بما ms332 علمت به ~~وجوب اتباع النبي عليه السلام في كل عصر، فما قدح في عموم أحد الامرين قدح ~~في عموم الاخر، لأنا لا نعلم عموم وجوب اتباع الرسول عليه السلام في كل عصر ~~بظاهر الخطاب: بل بدلالة لا يمكن دفعها، فمن ادعى في عموم وجوب اتباع ~~المؤمنين دلالة فليحضرها! # وليس له أن يقول: إذا لم يكن فيها تخصيص وقت وجب حملها على جميع الأعصار. # PageV02P610 # لأن المخالفة أن يقول: وإذا لم يكن فيها دليل على عموم الاعصار، وجب ~~حملها على أهل عصر واحد، وهو حال زمن الصحابة به على ما ذهب إليه داود (1)، ~~والا فما الفصل؟ وسادسها (2): ان قوله تعالى [المؤمنين] لا يخلو ان يريد به ~~المصدقين بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو المستحقين للثواب على الله ~~تعالى (3)، فان كان الأول بطل، لان الآية تقتضي التعظيم والمدح لمن تعلقت ~~به من حيث أوجب اتباعه، ولا يجوز أن يتوجه إلى من لا يستحق التعظيم والمدح، ~~وفي الأمة من يقطع على كفره (4) وانه لا يستحق شئ منها، ولأنه كان يجب لو ~~كان المراد [بالمؤمنين] المصدقين دون المستحقين للثواب أن يعتبر في الاجماع ~~دخول كل مصدق في شرق وغرب، فهذا يعلم تعذره، وعموم القول يقتضيه، وليس يذهب ~~أكثر المخالفين إليه (5). # وان أراد [بالمؤمنين] مستحقي الثواب والمدح والتعظيم، فمن أين ثبوت ~~مؤمنين (6) بهذه الصفة في كل عصر يجب اتباعهم؟ ويجب أيضا: الا يثبت الاجماع ~~الا بعد القطع على أن كل مستحق للثواب في بر وبحر وسهل وجبل قد دخل فيه، ~~لان عموم القول يقتضيه، وهذا يؤدى إلى أن لا # PageV02P611 # يثبت الاجماع ابدا. # وان حمل على بعض المؤمنين، وعلى من عرفناه دون من لم نعرفه، جاز حمله (1) ~~على طائفته من المؤمنين وهم أئمتنا عليهم السلام. وسابعها (2) انا لو ~~تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه، لم يكن في الآية دلالة تتناول الخلاف في ~~الحقيقة، لأنه جاز (3) ان يكون تعالى انما امر (4) باتباع المؤمنين من حيث ~~ثبت بالعقول ان في جملة المؤمنين في كل عصر إماما معصوما لا يجوز ms333 عليه ~~الخطاء، وإذا جاز ما ذكرناه سقط غرضهم في الاستدلال على صحة الاجماع، لأنهم ~~انما اجروا (5) بذلك إلى أن يصح الاجماع، وتنحفظ، الشريعة به ويستغنى به عن ~~الامام، وإذا كان ما استدلوا به على صحة الاجماع يحتمل ما ذكرناه، بطل ~~التعلق به. # وثامنها ان الله تعالى توعد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ~~واتباع غير سبيل المؤمنين على وجه الجمع بينهما، فمن أين انه لو انفرد ~~اتباع غير سبيلهم عن المشاقة استحق به الوعيد. وليس لهم ان يقولوا: ان ~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما كان بانفرادها يستحق بها الوعيد، ~~فكذلك اتباع غير سبيل المؤمنين، ولو جاز أن لا يستحق عليه العقاب ويذكر مع ~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتعلق الوعيد به، لجاز أن يضاف إلى ~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شئ من المباحات مثل الأكل والشرب ~~وغير ذلك، وتعلق الوعيد به، فلما لم يجز ذلك علم أن اتباع غير سبيلهم يجب ~~أن يستحق الوعيد به على الانفراد، وذلك انا لا نعلم بظاهر الآية ان # PageV02P612 # مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستحق بها الوعيد إذا انفردت عن ~~اتباع غير سبيل المؤمنين. # ولو خلينا وظاهر الآية لما علقنا الوعيد الا على من جمع بينها، لكن علمنا ~~بالدليل ان مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بها على الانفراد ~~الوعيد، فلأجل ذلك قلنا به. # فاما ضم المباحات إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنما لم ~~يجز لأنا قد علمنا أن حكم المباحات عند الانضمام حكمها عند الانفراد في أنه ~~لا يستحق بها الوعيد، وقد كان يجوز أن يستحق بها الوعيد إذا انضم إلى ~~المشاقة، ولم يكن ذلك بأبعد من شيئين مباحين على الانفراد، فإذا جمع بينها ~~صار محظورين، الا ترى انه يجوز للحر المسلم العقد على ثلاث من النسوة على ~~الانفراد، وعلى امرأتين أيضا على الانفراد، ولا يجوز له بجمع في عقد واحد ~~ثلاثا وثنتين لان ذلك محظور ولذلك نظائر كثيرة ms334 في الشرع، لكن هذا وان كان ~~جائزا علمنا أنه لم يثبت، لأنا علمنا أن فعل شئ من المباحات من الأكل ~~والشرب وان انضم إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا يستحق ~~به الوعيد، فلأجل ذلك لم يجز ضم ذلك إلى المشاقة. # وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] (1). # قالوا: " والوسط " العدل، ولا يكون هذه حالهم الا وهم خيار، لان الوسط من ~~كل شئ هو المعتدل منه، وقوله تعالى: [قال أوسطهم ألم أقل لكم] (2) المراد ~~به خيرهم، وعلى هذا الوجه يقال: انه عليه السلام من أوسط العرب، يعنى بذلك ~~من خيرهم. # وأيضا: فإنه جعلهم كذلك ليكونوا: [شهداء على الناس] (3) كما أنه عليه # PageV02P613 # السلام شهيد عليهم، فكما انه لا يكون شهيدا الا وقوله حق [وحجة] (1) ~~فكذلك القول فيهم. # وهذه الآية لا تدل أيضا على ما يدعونه، لا يصح ان يكون المراد بها جميع ~~الأمة المصدقة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضها، وقد علمنا أنه لا ~~يجوز أن يريد به جميعها، لان كثيرا منها ليس بخيار، ولا يجوز من الحكيم ~~تعالى أن يصف جماعة بأنهم خيار عدول وفيهم من ليس بعدل، ولا خير (3)، وهذا ~~مما يوافقنا عليه أكثر من خالفنا (4). # وان كان أراد بعضها، لم يخل ذلك البعض أن يكون جميع المؤمنين المستحقين ~~للثواب، ويكون بعضا منهم غير معين: # فان كان الأول: فلا دلالة توجب عمومها في الكل دون حملها على بعض غير ~~معين، لأنه لا لفظ هاهنا من الألفاظ التي تدعى للعموم كما هو في الآية ~~المتقدمة (5). # وان كان المراد بعضا معينا، خرجت الآية من أن تكون فيها دلالة لخصومنا ~~على الخلاف بيننا وبينهم. # ولم يكن بعض المؤمنين بأن يقتضى تناولها [له] (6) أولى من بعض، فساغ (7) ~~لنا ان نقصرها على الأئمة من آل محمد عليهم السلام، ويكون قولنا أثبت في ~~الآية من كل قول لقيام الدلالة على عصمة من عدلنا بها إليه (8) وطهارته، ~~وتمييزه من كل الأمة. # PageV02P614 # فان قيل: اطلاق القول يقتضى دخول كل الأمة فيه، ms335 لولا الدلالة التي دلت من ~~حيث الوصف المخصوص على تخصيص من يستحق (1) المدح منهم والثواب، فإذا خرج من ~~لا يستحقها بدليل وجب عمومها في كل المستحقين للثواب والمدح، لأنه ليس هي ~~بأن تتناول بعضها (2) أولى من بعض. # قيل له: ان اطلاق القول لا يقتضى كل الأمة على أصلنا حتى يلزم إذا أخرجنا ~~من لا يستحق الثواب منه أن لا يخرج غيره، ولو اقتضى ذلك ووجب تعليق الآية ~~بكل من عدا الخارجين من استحقاق الثواب، لوجب القضاء بعمومها في جميع من ~~كان بهذا الصفة في سائر الأعصار، لان ظاهر العموم يقتضيه على مذهب من قال ~~به، فكان لا يسوغ حمل القول على إجماع كل عصر (3) وهذا يبطل الغرض في ~~الاحتجاج بالآية. # وليس لاحد أن يقول: كيف يكون اجتماع جميع أهل الاعصار على الشهادة حجة ~~(4)، ولا يكون اجماع أهل كل عصر حجة وصوابا (5)؟ # فإنه يقال: لهم: كما تقولون: إن إجماع أهل كل عصر حجة، وليس اجماع كل ~~فرقة من فرقها حجة (6). # فان قيل: بأي شئ يشهد جميعهم، وهم لا يصح ان يشاهدوا كلهم شيئا واحدا ~~فيشهدوا به؟ # PageV02P615 # قيل لهم: قد تصح الشهادة بما لا يشاهد من المعلومات، كشهادتنا بتوحيد ~~الله تعالى، وعدله ونبوة أنبيائه، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده. # ولو قيل أيضا: فعلى من تكون الشهادة إذا كان جميع أهل الاعصار هم الشهداء ~~(1)؟ # قلنا: تكون شهادتهم على من لا يستحق ثوابا، ولا يدخل تحت القول من ~~الأمة؟، ويصح أيضا أن يشهدوا على باقي الأمم الخارجين عن الملة، وكل هذا ~~غير مستبعد. # ويمكن أيضا ان يقال في أصل تأويل الآية: ان قوله تعالى: [جعلناكم أمة ~~وسطا] (2) إذا سلم ان المراد به جعلناكم عدولا خيارا، لا يدل أيضا على ما ~~يريد الخصم، لأنه لم يبين هل جعلهم عدولا في كل أقوالهم وافعالهم، أو في ~~بعضها؟ # فالقول محتمل وممكن أن يكون تعالى أراد انهم عدول فيما يشهدون به في ~~الآخرة، أو في بعض الأحوال. # فان رجع راجع إلى أن يقول: اطلاق القول يقتضى العموم ms336 وليس هو بأن يحمل ~~على بعض الأحوال أو الأمور (3) أولى من بعض، فقد مضى الكلام على ما يشبه ~~هذا مستقصى (4). # فاما حملهم " الأمة " على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الشهادة ~~وكونه حجة من فيها، فلم يكن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة من حيث ~~كان شهيدا، بل من حيث كان نبيا ومعصوما، فتشبيه أحد الامرين بالآخر من ~~البعيد. # ومما يسقط التعلق (5) بالآية أيضا: ان قوله تعالى (لتكونوا شهداء على ~~الناس)، يقتضى حصول واحد منهم بهذه الصفة، لان ما جرى هذا المجرى من # PageV02P616 # الأوصاف لابد أن يكون حال الواحد فيه كحال الجماعة، الا ترى انه لا يسوغ ~~ان يقال في جماعة انهم مؤمنون الا وكل واحد منهم مؤمن، وكذلك لا يسوغ أن ~~يقال في جماعة انهم شهداء الا وكل واحد منهم شهيد، لان " شهداء " جمع شهيد، ~~كما أن " مؤمنين " جمع مؤمن، وهذا يوجب أن يكون كل واحد من الأمة حجة ~~مقطوعا على صواب فعله وقوله. # وإذا لم يكون هذا مذهبا لاحد وكان استدلال الخصم بالآية يوجبه، فسد قولهم ~~ووجب صرف الآية إلى جماعة يكون كل واحد منهم شهيدا وحجة، وهم الأئمة عليهم ~~السلام الذين قد ثبت عصمتهم وطهارتهم. # على أن الآية لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه فيها، لا يقتضى كون جميع ~~أقوال الأمة وأفعالها حجة، لأنها غير مانعة من وقوع الصغائر التي لا تسقط ~~العدالة (1) منهم، فان أمكن تمييز الصغائر من غيرها كانوا حجة فيما قطع ~~عليه، وان لم يكن وعلم في الجملة أن الخطاء الذي يكون كبيرا ويؤثر في ~~العدالة مأمون منهم وغير واقع من جهتهم، وان ما عداه مجوز (2) عليهم، فسقط ~~بما ذكرناه تعلق المخالف بالآية في نصرة الاجماع. # وليس لاحد أن يقول (3): ان كونهم عدولا كالعلة والسبب في كونهم شهداء، ~~وانه قد صح في العقل (4) انه لا يجوز أن ينصب للشهادة الا من يعلم عدالته، ~~أو تعرف الامارات (5) التي تقتضي غالب الظن، وصح أن من ينصبه الغالب الظن ~~(6) إذا تولى الله تعالى ms337 نصبه يجب أن يعلم من حاله ما يظنه # PageV02P617 # وإذا ثبت ذلك، لم يخل من أن يكونوا حجة فيما يشهدون أولا يكونوا، فان لم ~~يكونوا حجة (1) بطلت شهادتهم لان من حق الشاهد إذا أخبر عما يشهد به أن ~~يكون خبره حقا، وان لم يجرى مجرى الشهادة، فلابد من أن يكون قولهم صحيحا، ~~ولا يكون كذلك الا وهم حجة، وليس بعض أقوالهم وافعالهم بذلك أولى من بعض، ~~وذلك أنه لو سلم لهم جميع ما ذكروه (2) ولم يلزم أن يكونوا حجة في جميع ~~أقوالهم وافعالهم، لان أكثر ما تدل عليه الآية فيهم أن يكونوا عدولا رشحوا ~~(3) للشهادة، فالواجب أن ينفى عنهم ما جرح شهادتهم واثر في عدالتهم دون ما ~~لم يكن بهذه المنزلة. # وإذا كانت الصغائر على مذهبهم غير مخرجة عن العدالة (4)، لم يجب بمقتضى ~~الآية نفيها عنهم، وبطل قوله: " انه ليس بعض أقوالهم وافعالهم بذلك أولى من ~~بعض " لأنا قد بينا فرق ما بين الافعال المسقطة للعدالة والافعال التي لا ~~تسقطها. # ثم يقال لهم: أليس لرسول صلى الله عليه وآله السلام مع كونه شهيدا لا ~~يمنع من وقوع الصغائر منه، فهلا جاز ذلك في الأمة؟ # PageV02P618 # وليس لهم أن يقولوا (1): ان حالهم مخالفة لحال الرسول (2)، لأنه ما نجوزه ~~عليه من الصغائر لا يخرج ما يؤديه عن الله تعالى مما هو الحجة فيه من أن ~~يكون متميزا، فيصح كونه حجة وليس كذلك لو جوزنا على الأمة الخطاء في بعض ما ~~تقوله وتفعله لان ذلك يوجب خروج كل ما يجمع عليه (3) من أن يكون حجة، لان ~~الطريقة في الجمع (4) واحدة، فيسقط بما ذكرناه، لأنه إذا كان تجويز الصغائر ~~على الرسول (5) لا يخرجه فيما يؤديه من أن يكون حجة ويتميز ذلك للمكلف، ~~فكذلك إذا كانت الآية مما تقتضي كون الأمة عدولا فيجب نفى ما اثر في ~~عدالتهم، والقطع على انتفاء (6) الكبير من المعاصي (7) عنهم، وتجويز ما عدا ~~هذا عليهم، ولا يخرج (8) هذا التجويز من أن يكونوا حجة، فيما لو كان خطأ ~~لكان كبيرا. # وقد يصح تمييز ms338 ذلك على وجه فان في المعاصي ما يقطع على كونها كبائر ولو ~~لم يكن إلى تمييزه سبيل لصح الكلام أيضا من حيث كان الواجب علينا اعتقاد ~~نفي الكبائر عنهم وتجويز الصغائر، وان شهادتهم بما لو لم يكن حقا لكانت ~~الشهادة به كبيرة لا تقع منهم، وان جاز وقوع ما لم يبلغ هذه المنزلة، ويكون ~~هذا الاعتقاد مما يجب علينا على سبيل الجملة، وان تعذر علينا تفصيل أفعالهم ~~(9) التي يكونون فيها # PageV02P619 # حجة من خالفها (1) لا سيما وشهادتهم ليست عندنا، فيجب علينا تمييز خطأهم ~~من صوابهم، وانما هي عند الله تعالى، وإذا كانت عنده جاز أن يكون الواجب ~~علينا هذا الاعتقاد الذي ذكرناه. فان قيل (2): ليس المراد بالآية الشهادة ~~في الآخرة، وانما هو القول بالحق والاخبار بالصدق كقوله تعالى: [شهد الله ~~انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم] وكل من قال حقا وهو شاذ به، ~~وليس هذا من باب الشهادة التي تؤدى أو تتحمل بسبيل، وان كانوا مع شهادتهم ~~بالحق يشهدون في الآخرة باعمال العباد، فيجب في كل ما اجمعوا عليه قولا أن ~~يكون حقا، وفعلهم يقوم مقام قولهم، فيجب أن يكون هذا حاله، لأنهم إذا جمعوا ~~على الشئ وأظهروه اظهار ما يعتقد انه حق حل محل الخبر، وهذا يوجب انه لا ~~فرق بين الصغير والكبير في هذا الباب. # قيل له: هذا غير مؤثر فيما قدحنا به في الاستدلال بالآية، لان التعلق في ~~(4) الآية انما هو بكونهم عدولا لا بلفظ الشهادة، لان التعليق لو كان ~~بالشهادة لم يكن في الكلام شبهة من حيث كانت الشهادة لا تدل بنفسها على ~~كونها حجة كما تدل العدالة. # ولو تعلق متعلق بكونهم شهودا ويذكر شهادتهم، لم نجد بدا من اعتبار ~~العدالة والرجوع إليها، وإذا كانت الصغائر لا تؤثر في العدالة ولا يمتنع ~~وقوعها على مذهب المعتزلة (5) من العدل المقبول الشهادة، فما الموجب من ~~الآية نفيها عن الأمة؟، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكونوا شهداء في الدنيا ~~والآخرة معا، وبين أن يكونوا شهداء # PageV02P620 # في الآخرة ms339 دون الدنيا (1). # واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر] (2). # قالوا: وصف الله تعالى " بأنها " خير الأمة "، وانها " تأمر بالمعروف " " ~~وتنهى عن المنكر "، فلا يجوز أن يقع منها خطأ، لان ذلك يخرجها من كونها ~~خيارا، ويخرجهما أيضا من كونها امرة بالمعروف وناهية عن المنكر، الا أن ~~تكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف، ولا ملجاء من ذلك الا بالامتناع من ~~وقوع شئ من القبائح من جهتهم. # والكلام على هذا الدليل مثل الكلام على الآية التي ذكرناها قبل هذه الآية ~~على حد واحد من المنازعة في أن تكون لفظة " الأمة " تستحق الجمع والشمول. # ومع التسليم انها تشتمل جميع أهل الاعصار دون أهل كل عصر، وفي انها لا ~~يجوز ان يوصفوا بأنهم خيار إلا وكل واحد منهم بهذه الصفة، وفي ان أكثر ما ~~تقتضيه الآية ان لا يقع منهم ما يخرجهم من كونهم خيارا من الكبائر، ولا يجب ~~من ذلك الا يقع منهم الصغير الذي يتحبط (3) عقابه، ولا يخرجهم من كونهم ~~بهذه الصفة فالكلام في الآيتين على حد واحد. # ويمكن أن يقال في هذه الآية وفي التي تقدمت: ان المراد بها قوم معينون ~~لما يتضمنان من حرف الإشارة في المخاطبين، وليس فيهما ما يقتضى لفظ العموم، ~~لان ألفاظ العموم معلومة، وليس فيهما شئ منها. # فان رجعوا إلى أن يقولوا: لو كان المراد به ما دون الاستغراق لبين قيل ~~لهم: ولو كان المراد بها الاستغراق لبين، وإذا تقابل القولان سقط # PageV02P621 # الاحتجاج بالآية. # وكل ما يسأل على هذه الطعون فقد مضى الجواب عنه في الآية المتقدمة فلا ~~وجه لتكراره واستدلوا أيضا بقوله تعالى: [فاتبع سبيل من أناب إلي] (1) ~~قالوا: فأوجب الله تعالى اتباع سبيل من أناب إليه وهم المؤمنون، لأنهم ~~المختصون بهذه الطريقة. # والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية (2) المتقدمة، وأكثر ما اعترضنا ~~به عليها فهو اعتراض على هذه الآية أيضا (3). # ومما يختص بهذه (4) الآية ان " الإنابة " حقيقتها في اللغة هي الرجوع (5) ~~وانما يستعمل في التائب من حيث ms340 رجع عن المعصية إلى الطاعة، وليس يصح ~~اجزاؤها على المتمسك بطريقة واحدة لم يرجع إليها من غيرها على سبيل ~~الحقيقة، ولو استعمل فيمن ذكرناه لكان مستعملها متجوزا عند جميع أهل اللغة. # وإذا كانت حقيقة " الإنابة " في اللغة هي الرجوع لم يصح اجراء قوله ~~تعالى: # [اتبع سبيل من أناب] (6) على جميع المؤمنين حتى يعم بها من كان متمسكا ~~بالايمان وغير خارج عن غيره إليه، ومن رجع إلى اعتقاده وأناب إليه بعد أن ~~كان على غيره، لأنا لو فعلنا ذلك لكنا عادلين باللفظة عن حقيقتها من غير ~~ضرورة، فالواجب أن يكون ظاهرها متناولا للتائبين من المؤمنين الذين أنابوا ~~إلى الايمان وفارقوا غيره، وإذا # PageV02P622 # تناولت هذا (1) لم تكن دلالة على مكان الخلاف بيننا وبين خصومنا في ~~الاجماع (2). # واستدلوا أيضا بقوله تعالى: [فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول] ~~(3). # قالوا: فأوجب علينا الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فيجب إذا ارتفع ~~التنازع الا يجب الرد، ولا يسقط وجوب الرد إليهما الا لكونه حجة. # والكلام على هذه الآية من وجوه: أحدها: ان هذا خطاب لجماعة مواجهين ~~بالخطاب، وليس فيها لفظ يقتضى الاستغراق لجميع الأمة، وإذا لم يكن فيها ذلك ~~لم يكن لاحد أن يحملها على الاستغراق. # وليس لهم ان يقولوا: نحملها على الجمع لفقد الدلالة على أن المراد به ~~الاستغراق. # وثانيها: ان أكثر ما في الآية ان تفيد ان عند وجود التنازع يجب الرد إلى ~~الكتاب والسنة، وليس فيها ذكر ما يرتفع التنازع فيه الا من حيث دليل الخطاب ~~الذي أكثر من خالفنا يبطله، وفرق من فرق بين تعليق الحكم بالصفة وبينه إذا ~~علق بشرط فاسد لما بيناه فيما تقدم من هذا الكتاب. # وثالثها: ان ما يرتفع التنازع فيه لابد من أن يكون مردود إلى الكتاب ~~والسنة، لأنهم لا يجمعون الا عن دليل، ولا يخلو ذلك الدليل من الكتاب ~~والسنة، فكأنهم في حال وجود التنازع يجب عليهم الرد وعند ارتفاعه يكون قد ~~ردوا، فلا فرق بين وجود التنازع وبين ارتفاعه. # PageV02P623 # ورابعها: ان المراد بالآية ms341 انه يجب الرد إلى الكتاب والسنة فيما طريقه ~~العلم، لأنه لو كان فيما طريقة العمل وكان المنازعون مجتهدين فيما تنازعوا ~~فيه لم يجب عليهم الرد، وانما يجب عليهم الرد على كل حال إذا كان ما ~~اختلفوا فيه لا يسوغ الخلاف فيه. # وهذه جملة كافية في ابطال التعلق بهذه الآية. # واستدل بعضهم على صحة الاجماع بقوله: [وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون] (١). # قالوا: فأخبر الله تعالى ان فيمن خلق أمة تهدى بالحق، وهذا يؤمننا من ~~اجتماعهم على ضلال وكفر. # والكلام على هذه الآية أيضا من وجوه: # أحدها: انه أخبر عمن خلق فيما مضى لان قوله: (خلقنا) يفيد المضي في ~~الأزمان، فمن أين لهم ان ذلك حكمهم في المستقبل من الزمان؟ # وليس لهم ان يقولوا: ان قوله: (يهدون بالحق) يفيد الاستقبال. # ذلك أن هذه اللفظة تصلح للحال والاستقبال، وإذا صلحت لذلك فلا يمتنع أن ~~يكون أريد بها الحال، فكأنه قال: (ممن خلقنا أمة هادية بالحق عادلة به). # وثانيها: ان قوله: (أمة) يقع على الواحد وعلى جماعة، ويقع على جميع الأمة ~~على وجه الاستغراق، الا ترى ان الله تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بأنه ~~كان أمة وهو واحد، وقال: ﴿ولما ورد ماء ~~مدين وجد عليه أمة من الناس﴾ (2) أريد به جماعة، وإذا كان الامر على ~~ذلك فمن أين للخصم ان المراد به جميع الأمة؟ # وثالثها: انه لا يمتنع أن يكون أراد تعالى بقوله أمة النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم، أو من يجرى قوله مجرى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~كونه حجة # PageV02P624 # وموجبا للعلم، وإذا احتمل ذلك لم يكن للخصم الاحتجاج بالآية. # واستدلوا أيضا على صحة الاجماع: بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم انه قال: " لا تجتمع أمتي على خطأ "، وبلفظ آخر " لم يكن الله ليجمع ~~أمتي على خطأ " وبقوله: " كونوا مع الجماعة "، و " يد الله على الجماعة " ~~وما أشبه ذلك من الألفاظ. (1) وهذه الأخبار لا يصح التعلق بها، لأنها ms342 كلها ~~اخبار آحاد لا توجب علما، وهذه مسألة طريقها العلم. # وليس لهم أن يقولوا: ان الأمة قد تلقتها بالقبول وعلمت بها لأنا أولا ~~نسلم ان الأمة كلها تلقتها بالقبول. # ولو سلمنا ذلك لم يكن أيضا فيها حجة، لان كلامنا في صحة الاجماع الذي لا ~~يثبت الا بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصح حتى يثبت انهم لا يجمعون على خطأ. # PageV02P625 # وليس لهم أن يقولوا: انه قد عملوا بهذه الاخبار وعولوا في صحة الاجماع ~~عليها في كل زمان. # فقد جرت عادتهم ألا يقبلوا ما جرى هذا المجرى ولا يعملوا به الا إذا كان ~~قاطعا لعذرهم لأنا أولا: # لا نسلم انهم استدلوا على صحة الاجماع بهذه الاخبار، ولا يمتنع ان يكون ~~اعتمدوا في صحة الاجماع على الآيات التي ذكرناها وان كانوا مخطئين في صحة ~~الاستدلال بها، فمن أين انهم استدلوا بها على صحة الاجماع؟ # ولو سلم انهم استدلوا، جاز أن يكونوا مخطئين في الاستدلال بها، ويكونوا ~~اعتقدوا انها قاطعة للعذر، وان لم يكن كذلك لضرب من الشبهة دخلت عليهم. # وقولهم: انه ما جرت عادتهم فيما يجرى هذا المجرى ان يقبلوا الا الصحيح. # فلو سلمنا غاية ما يقترحونه لم يكن فيه أكثر من أن لا يستدلوا الا بما ~~يعتقدون صحته وانه طريقه العلم، فمن أين ان ما اعتقدوه صحيح؟ وذلك لا يثبت ~~الا بعد صحة الخبر أو غيره من الأدلة. # ولو سلم من جميع ذلك، لجاز أن يحمل الخبر على طائفة من الأمة وهم الأئمة ~~من آل محمد عليهم السلام لان لفظة " الأمة " لا يفيد الاستغراق على ما مضى ~~القول فيه، وذلك أولى من حيث دلت الدلالة على عصمتهم من القبايح. # وان قالوا: يجب حمله على جميع الأمة لفقد الدلالة على أن المراد بعض ~~الأمة. # كان لغيرهم أن يقول: انا احمل الخبر على جميع الأمة من لدن النبي إلى أن ~~تقوم الساعة من حيث إن لفظ " الأمة " يشملهم ويتناولهم، فمن أين ان اجماع ~~كل عصر حجة؟ # على أنه قد قيل إن الخبر الأول لا ms343 يمتنع أن يكون رواية سمع من النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مجزوما، ويكون المراد النهى لهم عن أن يجمعوا على خطأ، ~~وليس من عادة أصحاب الحديث ضبط الاعراب فيما يجرى هذا المجرى، وإذا كان ~~PageV02P626 # ذلك محتملا سقط الاحتجاج به. # واما الخبر الثاني: من قوله: " لم يكن الله ليجمع أمتي على خطأ " (1) ~~فصحيح ولا يجئ من ذلك أنه لا يجمعون على خطأ. # وليس لهم أن يقولوا: ان هذا لا اختصاص فيه لامتنا بذلك دون سائر الأمم، ~~لان الله تعالى لا يجمع سائر الأمم على خطأ. # وذلك أنه وان كان الامر على ما قالوه، فلا يمتنع أن يخص هؤلاء بالذكر، ~~ومن عداهم يعلم أن حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن ~~والاخبار. # على أن هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا (2). # فهذه جملة كافية في الكلام على الآيات والاخبار التي اعتمدوها في نصرة ~~الاجماع على ما يذهبون إليه. # PageV02P627 # فصل [2] " في كيفية العلم بالاجماع، ومن يعتبر قوله فيه " إذا كان ~~المعتبر في باب كونهم حجة، قول الإمام المعصوم عليه السلام، فالطريق إلى ~~معرفة قوله شيئان: # أحدهما: السماع منه، والمشاهدة لقوله. # والثاني: النقل عنه بما يوجب العلم، فيعلم بذلك أيضا قوله. # هذا إذا تعين لنا قول الإمام عليه السلام، فإذا لم يتعين لنا قول الإمام ~~ولا ينقل عنه نقلا يوجب العلم، ويكون قوله في جملة أقوال الأمة متميز منها، ~~فإنه يحتاج أن ينظر في أحوال المختلفين: # فكل من خالف ممن يعرف نسبه، ويعلم منشأه، وعرف انه ليس بالامام الذي دل ~~الدليل على عصمته وكونه حجة، وجب إطراح قوله والا يعتد به. # وتعتبر أقوال الذي لا يعرف نسبهم، لجواز أن يكون كل واحد منهم الامام ~~الذي هو الحجة، وتعتبر أقوالهم في باب كونهم حجة. # فان قيل: فعلى هذا التقدير هل تراعون قول من خالفكم في الأصول، أم تراعون ~~قول من وافقكم فيها؟ # قلنا: لا نراعي قول من خالفنا في شئ من الأصول من التوحيد، والعدل، ~~PageV02P628 # والإمامة، والارجاع (1) وغير ms344 ذلك لان جميع ذلك معلوم بالأدلة الصحيحة ~~التي لا يجوز خلافها، ولابد أن يكون الامام قائلا بها، وإذا كان لابد أن ~~يكون قائلا بها فمن خالف الامامية في شئ من هذه الأصول فينبغي أن يكون قوله ~~مطروحا، ويكون ذلك أبلغ من إطراح قول من علمنا نسبه، لان التعيين بخلاف ~~الحق مثل التعيين بالنسب، بل ذلك آكد لأنه معلوم من طريق لا يحتمل خلافه. # فان قيل: ولم لا يجوز أن يكون الامام المعصوم عليه السلام مظهرا لبعض هذه ~~المذاهب المخالفة لمذاهب الامامية لضرب من التقية على ما تجوزون عليه؟ وان ~~كان قوله حقا فيما يرجع إلى الفروع، فلا يجب أن يقطعوا على أن المعتبر قول ~~الإمامية. # قيل: انما يجب إطراح قول من خالف في الأصول إذا علم أنه قائل به تدينا ~~ومعتقدا، فاما إذا جوزنا انه قائل به لضرب من التقية فيجب أن لا يطرح قوله، ~~ويعتبر قوله وقول من جوزنا ذلك فيه مع أقوال المظهرين للحق ليصح لنا العلم ~~بدخول قول الإمام عليه السلام في جملة أقوالهم. # فان قيل: فما قولكم إذا اختلفت الامامية في مسألة، كيف يعلمون ان قول ~~الإمام عليه السلام داخل في جملة أقوال بعضها دون بعض؟ # قلنا: إذا اختلفت الامامية في مسألة نظرنا في تلك المسألة: # فان كان عليها دلالة توجب العلم من كتاب أو سنة مقطوع بها تدل على صحة ~~بعض أقوال المختلفين، قطعنا على أن قول المعصوم موافق لذلك القول ومطابق ~~له. # وان لم يكن على أحد الأقوال دليل يوجب العلم نظرنا في أحوال المختلفين: # فأن كان ممن عرفناه بعينه ونسبه قائلا بقول والباقون قائلون بالقول ~~الاخر، لم # PageV02P629 # نعتبر قول من عرفناه، لأنا نعلم أنه ليس فيهم الامام المعصوم الذي قوله ~~حجة. # فان كان في الفريقين أقوام لا نعرف أعيانهم، ولا أنسابهم وهم مع ذلك ~~مختلفون، كانت المسألة من باب ما نكون فيها مخيرين بأي القولين شئنا أخذنا، ~~ويجرى ذلك مجرى الخبرين المتعارضين الذي لا ترجيح لأحدهما على الاخر على ما ~~مضى القول فيما ms345 تقدم. # وانما قلنا ذلك، لأنه لو كان الحق في أحدهما لوجب أن يكون مما يمكن ~~الوصول إليه، فلما لم يكن دل على أنه من باب التخيير. # ومتى فرضنا أن يكون الحق في واحد من الأقوال، ولم يكن هناك ما يميز ذلك ~~القول من غيره، فلا يجوز للامام المعصوم الاستتار ووجب عليه ان يظهر ويبين ~~الحق في تلك المسألة، أو يعلم بعض ثقاته الذين يسكن إليهم الحق من تلك ~~الأقوال حتى يؤدى ذلك إلى الأمة، ويقترن بقوله علم معجز يدل على صدقه، لأنه ~~متى لم يكن كذلك لم يحسن التكليف. # وفي علمنا ببقاء التكليف وعدم ظهوره، أو ظهور من يجرى مجراه دليل على أن ~~ذلك لم يتفق. # فان قيل: بجواز ان يختلف الامامية على قولين يكون أحد القولين قول الإمام ~~والباقون قولهم على خلافه، ومتى أجزتم ذلك كان في ذلك تعيين الامام وتمييزه ~~وذلك لا تقولونه! وان امتنعتم من ذلك قيل لكم: وما المانع من ذلك؟ # قيل: الذي نقول في ذلك أنه لا يمتنع ما فرض في السؤال على وجه، ويمتنع ~~على وجه، فالجائز من ذلك هو أن يجمع كل من عدا الامام على قول إذا لم ~~نعرفهم كلهم بأسمائهم، ونجوز أن يكون الامام فيهم ومن جملتهم، ونجوز أيضا ~~مع ذلك أن يكون المنفرد الذي قال بالقول الأخير - وهذا لا يؤدى إلى العلم - ~~بعين الامام وتمييزه. # والذي لا يجوز، أن تكون الجماعة الذين خالفوا الواحد معروفين بأسمائهم ~~وأنسابهم، لأنه متى كان كذلك علم به ان الامام هو الاخر، وذلك ينافي غيبته ~~عليه PageV02P630 # السلام. # فان قيل: فإذا اتفق ما أجزتموه من القسمين كيف يكون قولكم فيه؟ # قيل: متى اتفق ذلك وكان على القول الذي انفرد به الإمام عليه السلام دليل ~~من كتاب أو سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور ولا الدلالة على ذلك، لان ما ~~هو موجود من دليل الكتاب والسنة كاف في باب إزاحة التكليف، ومتى لم يكن على ~~القول على الذي انفرد به دليل على ما قلناه وجب عليه ms346 الظهور أو اظهار من ~~يبين الحق في تلك المسألة على ما قد مضى القول فيه، والا لم يحسن التكليف. # ولا ينقض هذا ما قدمناه من اختلاف الطائفة على قولين، ولا يكون لاحد ~~القولين ترجيح على الاخر، ولا دليل على أن المعصوم مع أحدهما، بان قلنا ~~نكون مخيرين في العمل بأي القولين شئنا، لان هذه المسألة مفروضة إذا كان ~~الحق فيما عند الامام دون غيره من الأقوال، ويكون من الأمور المضيقة، وانما ~~يجوز ما قدمناه أولا إذا كان من باب ما يجوز التخيير فيه، ولا تنافى بين ~~المسألتين. # وذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه أخيرا: " انه يجوز أن ~~يكون الحق فيما عند الامام، والأقوال الاخر يكون كلها باطلة، ولا يجب عليه ~~الظهور، لأنه إذا كنا نحن السبب في استتاره، فكلما يفوتنا من الانتفاع به ~~وبتصرفه وبما معه من الاحكام نكون قد اتينا من قبل نفوسنا فيه، ولو أزلنا ~~سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به، وادى إلينا الحق الذي عنده " (1). # وهذا عندي غير صحيح، لأنه يؤدي إلى الا يصح الاحتجاج باجماع الطائفة ~~أصلا، لأنا لا نعلم دخول الامام فيها الا بالاعتبار الذي بيناه، فمتى جوزنا ~~انفراده عليه السلام بالقول ولا يجب ظهوره، منع ذلك من الاحتجاج بالاجماع. # PageV02P631 # فان قيل: كيف تعلمون اجماع الامامية على مسألة وهم منتشرون في أطراف ~~الأرض، وفي البلاد التي يكاد ينقطع خبر أهلها عن البلاد الاخر، وهل هذا الا ~~متعذر مستحيل؟ # قيل له: السائل عن هذا السؤال لا يخلو من أن يريد به الطعن في الاجماع ~~على كل حال، فان ذلك مما لا يصح العلم به على حال أو يريد اختصاص الامامية ~~بهذا السؤال دون غيرهم: # فان أراد الأول: فقوله يسقط، لان من هو في أطراف الأرض وفي البلاد ~~البعيدة، اخبارهم متصلة وخاصة العلماء منهم، لان الدين تراعى أقوالهم هم ~~العلماء دون العامة الذين لا يعتبرون في هذا الباب، ولهذا لا يشك (1) أحد ~~من العلماء في الأرض من يعتقد الفرض في غسل أعضاء الطهارة مرتين مرتين ms347 (2)، ~~بل نعلم (3) اجماع العلماء في جميع المواضع على أن الفرض واحد من الغسلات، ~~وكذلك نعلم أنه ليس في الأمة من يورث المال إذا اجتمع جد وأخ للأخ دون ~~الجد، لان المتقرر بين العلماء والذين اجمعوا عليه القول بان المال اما ~~للجد كله أو بينهما، ولا يقول أحد ان المال للأخ دون الجد، ونظاير ذلك ~~كثيرة جدا من المسائل التي يعلم اجماع العلماء عليها، فمن أراد بهذا السؤال ~~إحالة ذلك فقد أبطل. # وان أراد اختصاص الامامية بالسؤال: فذلك لا يخصهم لان على كل من اعتبر ~~الاجماع مثل هذا السؤال، بل إن كان ذلك محالا في الامامية لانتشارهم في ~~البلدان، كان ذلك في المسلمين كلهم أشد استحالة، لأنهم أكثر وأشد انتشارا، ~~فعلم بذلك ان السؤال ساقط على الوجهين معا فان قيل: من الذي يجب أن يعتبر ~~قوله إذا لم يتميز قول الإمام المعصوم، أم أقول # PageV02P632 # جميع الامامية، أم قول العلماء منهم؟ # قيل: إذا لم يتميز قول المعصوم يجب ان يراعى قول العلماء الذين يعرفون ~~الأصول والفروع دون العامة والمقلدين، وانما قلنا ذلك لان الذي قوله حجة ~~إذا كان هو الامام المعصوم، وكان هو عالما بجميع أحكام الشريعة، ولابد أن ~~يكون عالما بالأصول، ويجب أن يكون المراعى من يشتبه حاله بحاله عليه ~~السلام، ومن لا يعرف الأصول ولا الفروع يعلم منه انه ليس بامام، وإذا علم ~~أنه ليس بامام معصوم وجب اطراح قوله ولا يلتفت إليه. # وليس لاحد أن يقول: ان هذا يؤدى إلى أن أصحاب الحديث والفقهاء الذين لا ~~يعرفون الأصول أن لا يعتد بأقوالهم، وفي ذلك اسقاط قول أكثرهم. # قلنا: لا يلزم ذلك، لان الفقهاء وأصحاب الحديث على ضربين: ضرب منهم: يعلم ~~أنه لا يعرف الأصول، ولا كثيرا من الفروع (1) فان ذلك لا محالة يجب إطراح ~~قوله، لأنه قد علم أنه ليس بامام. # والضرب الاخر منهم: لا يعلم ذلك من حالهم، بل يجوز أن يكونوا مع كونهم ~~متظاهرين بالحديث والفقه قيمين بالأصول وعارفين بها، فإذا شككنا في حالهم ~~وجب اعتبار أقوالهم ms348 لجواز أن يكون الامام في جملتهم. # والذي يجب أن يراعى أقوالهم فيه هو: كل شئ لا يصح أن يعلم الا من جهة ~~السمع، لان ما لا يعلم وجود قبل حصول العلم به لا يصح أن يعلم بقول الأمة ~~التي قول المعصوم داخل فيها وذلك مثل التوحيد، والعدل، وجميع صفات القديم، ~~لان العلم بان هاهنا معصوما يفتقر إلى تقدم هذه العلوم، ومتى لا يقدم لا ~~يمكننا ان نعلم أن هاهنا معصوما، لان ذلك فرع على حكمة الله تعالى وعدله، ~~وانه لابد ان يزيح علة المكلفين بنصب رئيس لهم معصوم، وذلك لا يمكن أن يعلم ~~بالاجماع على حال. # PageV02P633 # واما (1) النبوة فقد كان يصح أن يعلم باجماع الأمة الذين قول المعصوم ~~داخل في جملتها، لان ذلك [لا] يفتقر (2) إلى العلم بالنبوة، لأنا إذا علمنا ~~أن الله تعالى حكيم وعدل لابد أن نعلم أنه يزيح علة المكلفين في التكليف ~~بنصب رئيس معصوم لهم ليكونوا متمكنين مزاحي العلة فيما كلفوه، فإذا علمنا ~~ذلك، وأجمعوا على نبوة شخص، يعلم باجماعهم نبوته. # فان قيل: كيف يصح هذا القول والامام عينه الا بنص الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم، لان الله تعالى يعلمه ذلك بالوحي والامام لا يوحى إليه، فيعلم ~~انه امام، فكيف يدعى انه امام، وكيف يعلم صحة دعواه؟ # قيل له: اما العلم بكونه إماما، فقد يحصل لنا العلم المعجز الذي يظهره ~~الله تعالى على يده، يتضمن تصديقه فيما يدعيه ويدعى هو انه الامام المعصوم ~~الذي لا يخلو الزمان منه، واظهار المعجزات يجوز عندنا على الأئمة والصالحين ~~أيضا، وقد دللنا على ذلك في كتاب " تلخيص الشافعي " (3). # فأما الامام نفسه فإنما يعلم كونه إماما - إذا كان ممن لا يوحى إليه على ~~ما (4) في السؤال - بقول نبي يتقدمه، ثم ينص هو على من بعده، وكذلك في ~~مستقبل الأوقات، فإذا اجمعوا على قول كان معصوم العصر فيه على نبوة نبي آخر ~~علم صحة نبوته، ولا يحتاج إلى علم معجز، بل كان ذلك كافيا في العلم بصدقة. # وقد يجوز أن يكون ms349 الامام الأول نبيا، لأنه لا تنافى بين المنزلتين، بل ~~يصح اجتماعهما، وإذا جاز ذلك فإذا فرضنا ان أول الأئمة نبي جاز أن يعلم ~~امامة من بعده، وكذلك نبوة من يأتي في المستقبل بنص عليه أو باعتبار ~~الاجماع الذي يدخل فيهم. # فان قيل: هذا القول يؤدى إلى أن العقل لا ينفك من السمع، لأنه إذا كان ~~لابد # PageV02P634 # للمكلفين من امام معصوم في كل حال وفي أول حال التكليف، ولابد لهم من ~~امام ولا يعلم كونه إماما الا بنبوته أو بنبوة من تقدمه فينص عليه، فقد صار ~~التكليف لا ينفك من السمع، وذلك يأباه كثير منكم! # قيل: من أصحابنا من قال بذلك، فعلى مذهبه سقط السؤال: # ومن قال: انه لم يجوز أن يخلو العقل من السمع (1)، فإنما يريد بذلك السمع ~~الشرع الذي يتضمن العبادات والاحكام، فاما سمعا يتضمن الدلالة على عين ~~الامام المعصوم فإنه لا يجيز أحد من الطائفة خلو التكليف منه، وعلى هذا ~~المذهب أيضا قد سقط السؤال. # فاما كيفية اجماعهم فيكون على ضروب: # منها: ان يجمعوا على مسألة قولا، فيعلم بذلك صحة المسألة. # ومنها: أن يجمعوا عليها فعلا، فيعلم بذلك أيضا صحتها. # ومنها: ان يجمعوا عليها قولا وفعلا، بأن يقول بعضهم ويفعل بعضهم، فيعلم ~~بذلك أيضا صحتها. # ولابد (2) في هذه الوجوه كلها أن يعلم أنهم لم يجمعوا على ذلك بضروب من ~~التقية، لان ما يوجب التقية يحمل على اظهار القول بغير الحق، وكذلك يحمل ~~على كل فعل وان كان الحق في خلافه، فلذلك شرطنا فيه ارتفاع التقية. # ومنها: أن يعلم رضاهم بالمسألة واعتقادهم بصحتها، فان ذلك أيضا يدل على ~~صحتها. # وهذا الوجه لا يحتاج أن يعلم منه زوال التقية، لان الرضا من أفعال ~~القلوب، والتقية لا تحمل على ذلك، وانما تحمل على أفعال الجوارح. # PageV02P635 # ولا يجوز ان يجمعوا على الذهاب عما يجب ان يعلموه، لان الامام يجب عندنا ~~ان يكون عالما بجميع ما نصب فيه وجعل حاكما فيه، فلا يجوز أن يكون امر يجب ~~أن يعلم فلا يعلمونه كلهم، لان ms350 ذلك يؤدى إلى نقض كون الامام عالما بجميع ~~الاحكام، ويؤدى أيضا إلى نقض كون المعصوم في جملتهم، لان المعصوم لا يجوز ~~أن يخل بما تجب معرفته. # فاما ما لا يجب العلم به، فلا يمتنع ان يذهب عن جميعهم، لأنه ليس هاهنا ~~وجه يوجب علمهم بذلك. # وإذا قلنا: ان المراعى في اجماع الطائفة باجماع العلماء بالأصول والفروع، ~~فلا ينبغي أن يعتبر قول من ليس هو من جملة العلماء. # فان كان هناك من لا يعلم حاله، وهل هو عالم بذلك أم لا؟ ويكون قوله ~~مخالفا لقول الباقين، فينبغي أن يكون خلافه خلافا، لأنا لا نأمن أن يكون ~~ممن يعلم جميع ذلك، وإذا جوزنا أن يكون عالما بجميع ذلك، جوزنا أن يكون ~~إماما، وإذا جوزناه إماما لم يمكن اسقاط خلافه. # واعلم أن الطائفة إذا اختلف على قولين، وجوزنا كون المعصوم داخلا في كل ~~واحد من الفريقين، فان ذلك لا يكون اجماعا. # ولأصحابنا في ذلك مذهبان: # منهم من يقول: إذا تكافأ الفريقان، ولم يكن مع أحدهما دليل يوجب العلم، ~~أو يدل على أن المعصوم داخل معهم فيه، سقطا جميعا، ووجب التمسك بمقتضى ~~العقل من حظر أو إباحة على اختلاف مذاهبهم. # وهذا المذهب ليس بقوي عندي، لأنهم إذا اختلفوا على قولين علم أن قول ~~الإمام موافق لأحدهما لا محالة، لأنه لا يجوز أن يكون قوله خارجا عن ~~القولين، لان ذلك ينقض كونهم مجمعين على قولين، وإذا علمنا دخول قول الإمام ~~في جملة القولين، كيف يجوز اطراحها والعمل بمقتضى العقل؟ ولو جاز ذلك لجاز ~~أن يتعين أيضا قول الإمام، ومع ذلك يجوز لنا تركه والعمل بما في العقل، ~~وذلك باطل بالاتفاق. PageV02P636 # ومنهم من يقول: نحن مخيرون في الاخذ بأي القولين شئنا، ويجرى ذلك مجرى ~~خبرين تعارضا، ولا يكون لأحدهما مزية على الاخر، فانا نكون مخيرين في العمل ~~بهما، وهذا الذي يقوى في نفسي. # ومتى قيل بالمذهب الأول، فمتى فرض اجماعهم بعد ذلك على أحد القولين كان ~~جائزا، ويعلم باجماعهم صحة ذلك القول، وان الاخر لم يكن ms351 صحيحا، ووجب المصير ~~إلى ما اجمعوا عليه. # ومتى قلنا بالمذهب الأخير، لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين، لأنهم لو ~~اجمعوا على أحدهما لدل ذلك على أن القول الاخر باطل، وقد قلنا انهم مخيرون ~~في العمل بأيهما شاءوا، واجماعهم على أحدهما ينقض ذلك. # ولسنا ممن يقول: انهم يقولون بالقولين اجتهادا ثم يؤدى اجتهادهم إلى أحد ~~القولين فيجمعوا عليه، لان ذلك انما يصح على مذهب من يقول بالاجماع، ولم ~~يراع قول المعصوم الذي نراعيه (1). # فاما إذا اجمعوا على قول، فلا يجوز أن يراعى الخلاف الذي يحدث بعده، لان ~~بالاجماع الأول علم قول المعصوم في تلك المسألة، وإذا علم علم أنه هو ~~الحجة، فكل قول يخالفه يجب أن يحكم بفساده. # وكذلك إذا اجمعوا على قولين، فاحداث القول الثالث والرابع ينبغي أن يكون ~~فاسدا، لان قول المعصوم موافق للقولين، والقول الثالث والرابع بخلافه، ~~فينبغي أن يحكم بفساده. # ولا يجوز أن تجمع الأمة على مسألتين مخطئة فيهما، لا على مذهبنا ولا على ~~مذهب من خالفنا: # فاما على مذهبنا: فلانه لابد أن يكون قول الإمام مع أحدهما، ولا يجوز مع ~~ذلك أن يكون خطأ. # PageV02P637 # واما على مذهب مخالفينا: فلا يجوز ذلك، قالوا: لان النبي عليه السلام نفى ~~عنهم الخطأ خطأ عاما، ولم يخص واحدا دون ما زاد عليه، فوجب نفيهما معا. ~~ولأن في ضمن ذلك الاجماع على نفيهما القول بما هو الحق. # مثال ذلك: ان تفترق الأمة فرقتين، فرقة تقول المال للأخ دون الجد، فذلك ~~خطأ لا محالة، والأخرى تقول ان النصف للجد لا محالة على جميع الأحوال، لان ~~في القول بهذين المذهبين خروجا عن الاجماع الذي هو ان المال اما للجد كله ~~أو هو كواحد منهم (1)، وذلك [فاسد] (2) بالاتفاق. # PageV02P638 # فصل NoteV02P639N03 " فيما يتفرع على الاجماع، من حيث كان اجماعا عند من ~~قال بذلك، كيف القول على ما نذهب إليه؟ " فمن ذلك: انهم إذا اجمعوا على ~~الاستدلال بدليل أو دليلين هل يجوز أن يستدل بغير ما استدلوا به أم لا.؟ # فالذي نذهب إليه: انه لا ms352 يستبعد (1) أن يستدل بدليل آخر إذا كان مما يوجب ~~العلم، اما من جهة عقل (2)، أو قران، أو سنة مقطوع بها، وانما قلنا ذلك لان ~~اجماعهم على الاستدلال بدليل انما يدل على صحة ذلك الدليل وكونه موجبا ~~للعلم، وذلك لا يمتنع من أن يكون هناك دليل اخر لم يجمعوا عليه. # اللهم الا أن نفرض المسألة فيقال: فإذا اجمعوا على أنه لا دليل سواه، هل ~~يجوز الاستدلال بدليل آخر؟ فنقول حينئذ: ان ذلك لا يجوز، لان اجماعهم على ~~أنه لا دليل غير ما استدلوا به يوجب العلم، بان ما عدا ذلك الدليل شبهة، ~~فلا يصح الاستدلال بها. # فان قيل: لو كان هناك دليل اخر لما وسع المعصوم الا يبينه ويترك ~~الاستدلال # PageV02P639 # به حتى يستدركه انسان آخر! # قيل له: انما يجب أن يبين المعصوم ما يقف إزاحة العلة عليه، وقد بين ما ~~هو دليل موجب للعلم وهوما اجمعوا عليه، فاما غيره من الأدلة فقد سبق بيانه ~~من الله تعالى ومن الرسول، وجاز أن لا يجدد المعصوم بيانه، وانما يجب عليه ~~بيان ما لا يكون هناك ما يقوم مقامه. # فان قيل: فعلى هذا كان يجوز أن لا يبين أيضا ما قد بينه (1) وأجمعوا ~~عليه، لان هناك ما يقوم مقامه في إزاحة العلة، وهو الذي استدل به من بعد ~~(2). # قيل: كذلك نقول، ولو لم نبين أصلا شيئا إذا هناك طريق للمكلف إلى علم ما ~~كلفه لكان ذلك جائزا سائغا، وانما يجب عليه بيان ما هو موقوف عليه، ولا ~~يكون هناك ما يقوم مقامه. # ومن ذلك: انهم إذا اجمعوا على العمل بخبر هل يقطع على صحة ذلك الخبر أم ~~لا؟ وهل يعلم أنهم قالوا ما قالوه لأجل الخبر أم لا؟ # فالذي نقوله في ذلك انهم إذا اجمعوا على العمل بمخبر خبر، وكان الخبر من ~~اخبار الآحاد - لأنه إذا كان من باب المتواتر فهو يوجب العلم فلا يحتاج إلى ~~الاجماع فيكون قرينه في صحته - فإنه يحتاج أن ينظر في ذلك: # فان اجمعوا على أنهم قالوا ما قالوه ms353 لأجل ذلك الخبر، قطعنا بذلك على أن ~~الخبر صحيح صدق. # وان لم يظهر لنا من أين قالوه، ولا ينصوا لنا على ذلك، فانا نعلم ~~باجماعهم ان ما تضمنه الخبر صحيح، ولا يعلم بذلك صحة الخبر، لأنه لا يمتنع ~~أن يكونوا قالوا بما وافق مخبر الخبر بدليل اخر، أو خبر اخر أقوى منه في ~~باب العلم، أو سمعوه من الامام المعصوم عليه السلام فاجمعوا عليه ولم ~~ينقلوا ما لأجله اجمعوا اتكالا على # PageV02P640 # الاجماع، وكل ذلك جائز فيجب بذلك التوقف في هذا الخبر ولا يقطع على صحته، ~~ويجوز كونه صدقا وكذبا، وان قطعنا على أن مخبره صحيح يجب العمل به. # ومتى فرضنا على أنهم اجمعوا على أنه ليس هناك ما لأجله اجمعوا على ما ~~اجمعوا عليه غير هذا الخبر، فان هذا يوجب القطع على صحة ذلك الخبر، لان ذلك ~~يجرى مجرى ان يقولوا اجمعنا لأجل هذا الخبر، لأنه لا فرق بين ان يسندوا ~~اجماعهم إلى الخبر بعينه فيعلم به صحته، ومن (1) أن ينفوا إسنادهم (2) إلى ~~سواه فان به يعلم أيضا صحته. # فان قيل: كيف يجوز أن يجمعوا على مخبر خبر ثم لا ينقلوه أصلا، وهو أصل ~~لصحة اجماعهم. # قلنا: يجوز ذلك لان اجماعهم أقوى من ذلك، لأنه مقطوع به ولا يحتمل ~~التأويل، ولو نقلوا ذلك الخبر لكان يجوز أن يصير خبرا واحدا فيخرج بذلك من ~~باب كونه دلالة إلى أن يوجب غلبة الظن، فيعلم بذلك أن الاجماع أقوى. # ومن ذلك (3): القول إذا ظهر بين الطائفة ولم يعرف له مخالف، هل يدل ذلك ~~على أنه اجماع منهم على صحة أم لا؟ # فالذي نقول: ان القول إذا ظهر بين الطائفة، ولم يعرف له مخالف، احتاج ان ~~ينظر فيه: # فان جوزنا أن يكون قول من نجوزه معصوما بخلافه، لا ينبغي أن نقطع على ~~صحته. # وان لم نجوز أن يكون قول المعصوم بخلافه، قطعنا على صحة ذلك القول. # فان قيل: وأي طريق لنا إلى أن نعلم أن قول المعصوم يوافقه أو يخالفه؟ # PageV02P641 # قلنا: قد نعلم ذلك ms354 بأن يكون هناك دليل يوجب العلم يدل على صحة ذلك، فيعلم ~~به ان القول موافق لقول المعصوم لمطابقته للدليل الموجب للعلم، وإذا كان ~~هناك دليل يدل على خلاف ذلك القول علمنا أن المعصوم قوله يخالفه، وإذا ~~خالفه وجب القطع على بطلان ذلك القول. # [فان عدمنا الطريقين معا، ولم نجد ما يدل على صحة ذلك القول] (1) ولا على ~~فساده، وجب القطع على صحة ذلك القول، وانه موافق لقول المعصوم، لأنه لو كان ~~قول المعصوم مخالفا له، لوجب أن يظهره والا كان يقبح التكليف الذي ذلك ~~القول لطف فيه (2)، وقد علمنا خلاف ذلك. # PageV02P642 # ومن قال من أصحابنا (1) على ما حكيناه عنهم فيما تقدم: " انه لا يجب على ~~المعصوم اظهار ما عليه من حيث إن من سبب غيبته هو المسبب لفوت ما يتعلق ~~بمصلحته فيكون قد اتى من قبل نفسه، كما أن ما يفوته من الانتفاع بتصرف ~~الامام وأمره ونهيه قد اتى فيه من قبل نفسه " ينبغي أن يقول: يجب أن يتوقف ~~في ذلك القول، ويجوز كونه موافقا لقول الامام ومخالفا له، ويرجع في العمل ~~إلى ما يقتضيه العقل حتى يقوم دليل يدل على وجوب انتقاله عنه. # وقد قلت: ان هذه الطريقة غير مرضية عندي، لأنها تؤدى إلى أن لا يستدل ~~باجماع الطائفة أصلا، لجواز أن يكون قول الإمام مخالفا لها، ومع ذلك لا يجب ~~عليه اظهار ما عنده، وقد علمنا خلاف ذلك. # PageV02P643 # الباب العاشر الكلام في القياس PageV02P645 # فصل NoteV02P647N01 " في ذكر حقيقة القياس، واختلاف الناس في ورود ~~العبادة به " حد القياس: " هو اثبات مثل حكم المقيس عليه في المقيس ". # ولا فرق في ذلك بين أن يكون القياس عقليا أو شرعيا، وانما يختلفان من ~~وجوه آخر سنذكرها، لا تؤثر في أن الحقيقة ما قلناه. # والذي يدل على صحة ما قلناه من الحد: ان الانسان متى أثبت للفرع مثل حكم ~~الأصل كان قايسا ومتى لم يثبت له مثل حكمه وان علم جميع صفاته لا يكون ~~قايسا، فعلم بذلك ان الحقيقة ما قلناه. # " والاثبات " الذي ms355 ذكرناه لأمر يرجع إلى عرف الشرع، عبارة عن العلم وما ~~جرى مجراه من الاعتقاد، ثم الخبر تابع لذلك، وهو في أصل اللغة (1) عبارة عن ~~" الايجاب " كما يقال: " أثبت السهم في القرطاس " أي أوجبته، ثم يعبر عن ~~الاعتقاد، والظن، والخبر (3)، لكن بعرف الشرع يجب أن يقصر على ما قلناه. # PageV02P647 # وفي الناس من قال: حد القياس هو: " اثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلة ~~جامعة بينهما " (1). # وهذا أيضا نظير لما قلناه، غير أن ما قلناه من العبارة أخصر (2) لان، ~~قولنا: # " المقيس والمقيس عليه " يغنى عن ذكر علة جامعة بينهما، لان لفظة المقيس ~~تتضمن انه جمع بينهما بعلة فلا يحتاج ان يذكر في اللفظ، لأنه متى لم يكن ~~جمع بينهما بعلة لا يكون ذلك قياسا. # وقد أكثر الفقهاء والأصوليون في حد القياس (3)، وأحسن الألفاظ ما قلناه. # PageV02P648 # وللقياس شروط وهي: # انه لابد أن يكون الأصل الذي هو المقيس عليه وحكمه معلومين. # ويعلم أيضا الفرع الذي هو المقيس، والشبه الذي الحق أحدهما بالآخر. # وان كان القياس عقليا فلابد من كون العلة في الأصل معلومة كونها علة، وان ~~كان شرعيا اجازه الفقهاء. # ومن أثبت القياس أن تكون مظنونة، ويخالف القياس العقلي السمعي فيما يرجع ~~إلى احكام العلة، لان العلة العقلية موجبة ومؤثرة تأثير الايجاب، والسمعية ~~- عند من قال بها - ليست كذلك، بل هي تابعة للدواعي والمصالح المتعلقة ~~بالاختيار، ولا دخول للايجاب فيما يجري هذا المجرى، وهي في القياس العقلي ~~لا تكون الا معلومة، وفي السمع لا يجب أن تكون معلومة، بل يجوز أن تكون ~~مظنونة، ومتى علمت في العقلي علق الحكم بها، ولم يحتج في تعليق الحكم عليها ~~إلى دليل مستأنف، وليس كذلك علة السمع فإنها عند أكثرهم لا يكفي في تعليق ~~الحكم بها في كل موضع ان تعلم، بل يحتاج فيها إلى التعبد بالقياس. # وعلة السمع قد تكون أيضا مجموع أشياء، وقد يحتاج إلى شروط في كونها علة، ~~وقد يكون علة في وقت دون وقت، وفي عين دون أخرى، والوقت واحد، عند من أجاز ~~تخصيص ms356 العلة، وقد تكون العلة الواحدة علة للأحكام كثيرة. # وكل هذا وأشباهه تفارق فيه علة العقل لعلة الشرع. # [واختلف (1) الناس في القياس في الشريعة، فمنهم من نفاه، ومنهم من أثبته] ~~(2). # PageV02P649 # واختلف من نفاه. # فمنهم: من أحال ورود العبادة به جملة، وأنكر أن يكون طريقا لمعرفة شئ من ~~الاحكام، وربما أحال من حيث تعلق بالظن (1) الذي يخطئ ويصيب، أو من حيث ~~يؤدى إلى تضاد الاحكام وتناقضها. # ومنهم: من أبطله من حيث لا سبيل إلى العلم بماله يثبت الحكم في الأصل، ~~ولا إلى غلبة الظن في ذلك لفقد دلالة وامارة تقتضيه، وهذه الطريقة التي كان ~~ينصرها # PageV02P650 # الشيخ المفيد رحمه الله (1). # ومن الناس: من أجاز التعبد به، ونفاه (2) من حيث وقعت الشريعة على وجه لا ~~يسوغ معه القياس، وهذه الطريقة محكية عن النظام (3). # وذهب بعض أصحاب الظاهر من داود وغيرهم: إلى أنه لا يجوز أن يقتصر الله ~~تعالى بالمكلف على أدون البيانين رتبة مع قدرته على أعلاهما (4) ومنهم: من ~~نفاه مع اجازته ورود العبادة به من حيث لم يثبت التعبد به، أو من حيث ورود ~~السمع بخلافه (5). # فاما من أثبته فاختلفوا: # فمنهم: من أثبته عقلا، وهم شذاذ غير محصلين (6). # ومنهم: من أثبته سمعا وزعم أن العقل لا يدل على ثبوته، وهم المحصلون من ~~مثبتي القياس، وفيهم الكثرة من الفقهاء والمتكلمين (7)، وكلامهم أقوى شبهة. # PageV02P651 # والذي نذهب إليه، وهو الذي اختاره المرتضى رحمه الله (1) في كتابه (2) في ~~ابطال القياس: " ان القياس محظور استعماله في الشريعة، لان العبادة لم تأت ~~به، وهو مما لو كان جائزا في العقل مفتقرا في صحة استعماله في الشرع إلى ~~السمع القاطع للعذر (2). # ويلحق بهذا في القوة الطريقة التي كان ينصرها شيخنا (3) رحمه الله من منع ~~حصول الظن وفقد الامارات التي يحصل عندها الظن. # وذكر المرتضى رحمه الله ان لهذه الطريقة بعض القوة (4). # ونحن نتكلم على هذه المذاهب كلها على وجه الاختصار، ثم نبين نصرة ما ~~اخترناه من بعد انشاء الله. # PageV02P652 # فصل NoteV02P653N02 " في الكلام على من أحال القياس عقلا على اختلاف ms357 ~~عللهم " اما من عقلا (1) من حيث لا يمكن بأن يكون طريقا لمعرفة الاحكام، ~~فنحن إذا بينا ان ذلك ممكن جرى مجرى سائر الأدلة من النصوص وغيرها من ~~الكتاب والسنة والذي يدل على صحة معرفة الاحكام به: انه لا فرق في صحة ~~معرفتنا بتحريم النبيذ المسكر بين أن ينص الله على تحريم المسكر من ~~الأنبذة، وبين أن ينص على تحريم الخمر وينص على أن العلة في تحريمها شدتها، ~~أو يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لهذه العلة، أو ينصب لنا امارة ~~تغلب عند نظرنا فيها ظننا ان تحريمها لهذه العلة، مع ايجاب القياس علينا في ~~الوجوه كلها، لان بكل طريق من هذه الطرق نصل إلى المعرفة بتحريم النبيذ، ~~فمن دفع جواز العبادة بأحدها كمن دفع جواز ورودها بسائرها. # ولما ذكرناه أمثال في العقليات، لأنه لا فرق في العلم بوجوب تجنب سلوك ~~بعض الطرق بين أن نعلم فيه سبعا مشاهدة، وبين أن نعلمه بخبر يوجب العلم، أو # PageV02P653 # خبر يقتضى الظن، والأفضل (من) (1) جميع ذلك في الحكم، الذي ذكرناه، ما ~~(2) بين أن ينص لنا على صفة الطريق الذي فيه السبع، أو ينصب لنا امارة على ~~تلك الصفة. # فاما من أحاله من حيث تعلق بالظن الذي يخطئ ويصيب، فينقض قوله بكثير من ~~الاحكام في العقل والشرع يتعلق بالظن، الا ترى انا نعلم في العقل (3) حسن ~~التجارة عند ظن الربح، ونعلم قبحها عند الظن للخسران (4)، ونعلم قبح سلوك ~~الطريق عند غلبة الظن بان فيه سبعا أو لصا أو ما يجرى مجراهما، ونعلم وجوب ~~النظر (5) في طريق معرفة الله تعالى عند دعا الداعي، أو الخاطر (6) الذي ~~يحصل عنده الظن والخوف، ووجوب معرفة الرسل والنظر في معجزاتهم على هذه ~~الوجه. # فاما تعلق الأحكام الشرعية بالظن فأكثر من أن تحصى، نحو وجوب التوجه إلى ~~القبلة عند الظن بأنها في جهة مخصوصة، وتقدير النفقات، وأرش الجنايات، وقيم ~~المتلفات، والعمل بقول الشاهدين. # ويجب أن يعلم أن الظن وان كان طريقا إلى العلم بوجوب احكام على نحو ما ~~ذكرنا، ms358 وساوى هذا الوجه العلم، لأنه لا فصل بين أن نظن جهة القبلة، وبين أن ~~نعلمها في وجوب التوجه إليها، وكذلك لا فصل بين أن نظن الخسران في التجارة ~~أو نعلمه في قبحها، فإنه لا يساوى العلم من وجوه اخر ولا يقوم فيها مقامه، ~~لان الفعل الذي يلزم المكلف فعله لابد أن يكون معلوما له، أو في حكم ~~المعلوم بأن يكون متمكنا من العلم به، أو يكون سببه معلوما إذا تعذر العلم ~~بعينه. # ولابد أيضا ان يعلم وجوبه ووجه وجوبه اما على جملة أو تفصيل. # PageV02P654 # والظن في كل هذه الوجوه لا يقوم مقام العلم، لأنه متى لم يكن عالما بما ~~ذكرناه أولا، أو متمكنا من العلم به، لم يكن علته مزاحة فيما يعتد به وجرى ~~مجرى الا يكون قادرا، لأنه متى لم يعلم الفعل ويميزه لم يتمكن من القصد ~~إليه بعينه، وبالظن لا يتميز الأشياء، وانما تتميز بالعلم، ومتى لم يكن ~~عالما بوجوب الفعل كان مجوزا كونه غير واجب، فيكون متى أقدم عليه مقدما على ~~ما لا يأمن كونه قبيحا، والاقدام على ذلك في القبح يجرى مجرى الاقدام على ~~ما يعلم قبحه. # ومتى علم كونه واجبا، فلابد من أن يعلم وجه وجوبه على جملة أو تفصيل، ~~لأنه لو كان ظانا لوجه وجوبه كان مجوزا انتفاء وجه الوجوب عنه، ودعا الامر ~~إلى تجويز كونه غير واجب. # وهذه الجملة إذا تؤملت بطل بها قول من أنكر تعلق الاحكام بالظنون. # ومن توهم على من سلك هذه الطريقة انه قد أثبت الاحكام بالظنون فقد أبعد ~~نهاية البعد، لان الاحكام لا تكون الا معلومة ولا تثبت الا من طريق العلم، ~~إلا أن الطريق إليها قد يكون تارة العلم وأخرى الظن، لأنا (1) إذا ظننا في ~~طريق سبعا وجب علينا تجنب سلوكه، فالحكم الذي هو قبيح سلوكه ووجوب تجنبه ~~معلوم لا مظنون. # وان كان الطريق إليه هو الظن، ومتعلق الظن غير متعلق العلم، لان الظن ~~يتعلق بكون السبع في الطريق، والعلم يتعلق بقبح سلوك الطريق، والقول في ~~العلم ms359 بوجوب التوجه إلى جهة القبلة عند الظن بأنها في بعض الجهات يجرى على ~~ما ذكرناه، ويكون الحكم فيه معلوما وان كان الطريق إليه مظنونا. # فاما من منع من القياس من حيث يؤدى إلى تضاد الاحكام، فاعتماده على أن ~~يقول: إذا كان للفرع شبه بأصل محرم واصل محلل، فلابد على مذهب القايسين (2) ~~من رده إليهما جميعا، وهذا يؤدى في العين الواحدة إلى أن يكون محرمة محللة. # PageV02P655 # ومن أثبت القياس يقول في جواب ذلك أن كان الفرع مشتبها لأصل محرم واصل ~~محلل عند اثنين، لزم كل واحد منهما ما أداه اجتهاده إليه، فيلزم التحريم من ~~أشبه عنده الأصل المحرم، والتحليل من أشبه عنده الأصل المحلل، ولا تضاد في ~~ذلك وان (1) أشبه الأصلين المختلفين عند واحد، فهو عند كثير منهم يكون ~~مخيرا بين الامرين، فأيهما اختار لزمه، كما يقال في الكفارات الثلاث، ولا ~~تضاد في ذلك. # وعند قوم منهم: انه لابد في هذا الموضع من ترجيح يقتضى حمل الفرع على ~~أحدهما دون صاحبه. # فاما من أبطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظن في الشريعة - وهي ~~الطريقة التي حكيناها عن شيخنا رحمه الله - فوجه اعتماده عليها ان نقول: من ~~قد علمنا أن القياس لابد فيه من حمل فرع على أصل بعلة أو شبه والعلة التي ~~يتعلق الحكم بها في الأصل لا يصح من أن يكون طريق اثبات كونها علة العلم أو ~~الظن، والعلم لا مدخل له في هذا الباب. # وجميع من أثبت القياس في الشرع - الا الشذاذ منهم - يجعلون العلة ~~المستخرجة المستدل عليها تابعة للظن، وانما يجعلها معلومة من طريق ~~الاستخراج من حيث اعتقد ان العلل الشرعية أدلة توصل إلى العلم كالعقليات، ~~وقول هؤلاء واضح البطلان لا معنى للتشاغل به. # ولأنا إذا بينا ان الظن لا يصح حصوله في علل الشرع، فالأولى ان لا يحصل ~~العلم، وان كان العلة تثبت علة بالظن، فنحن نعلم أن الظن لابد له من امارة ~~وطريق، وإلا كان مبتدأ لا حكم له. # وليس في الشرع امارة على ms360 أن التحريم في الأصل المحرم انما كان لبعض ~~صفاته، فكيف يصح ان يظن ذلك؟ وليس هذا ما لا يزالون يمثلون به من ظن الربح، ~~والخسران، أو التجارة، أو الهلاك، وان القبلة في جهة مخصوصة، وغلبة الظن في ~~قيم # PageV02P656 # المتلفات، وأرش الجنايات التي يستند الظن فيها إلى عادات، وتجارب، ~~وامارات معلومة متقررة، ولهذا نجد من لم يتجر قط ولم يخبره مخبر عن أحوال ~~التجارة لا يصح ان نظر فيها ربحا ولا خسرانا، وكذلك من لم يسافر ولم يخبر ~~عن الطريق لا يظن نجاة ولا عطبا، ومن لم يعرف امارة في القيم يمارسها لا ~~يظن أيضا فيها شيئا. # وجميع ما يغلب فيه الظنون متى تأملته وجدته مستندا إلى ما ذكرناه مما لا ~~يصح دخوله في الشرعيات على وجه ولا سبب. # ولقوة ما أوردناه، ما قال قوم من أهل القياس: ان العلل الشرعية لا تكون ~~الا منصوصا عليها اما صريحا أو تنبيها (1)، ونزل الباقون رتبه فقالوا: لا ~~تثبت الا بأدلة شرعية. # والذي يمكن أن يقرض به على هذه الطريقة ان يقال: من اعتمد هذه الطريقة ~~على هذا التلخيص لابد من أن يكون مجوزا للعبادة به ومعرفة الاحكام من جهته ~~لو حصل الظن الذي منع من حصوله، ولابد من أن يقول: ان الله تعالى لو نص على ~~العلة، أو امر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنص عليها، وتعبد بالقياس ~~لوجب حمل الفروع على الأصول. # بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما (2) يقول: لو نص الله تعالى على العلة في ~~تحريمه مثلا للخمر وذكر انها الشدة، لوجب حملها فيه هذه العلة عليها وان لم ~~يتعبد بالقياس، لأنه يجرى مجرى ان ينص على تحريم كل شديد. # وان كان هذا غير صحيح، لان العلل الشرعية انما تنبئ عن الدواعي إلى # PageV02P657 # الفعل، أو عن وجه المصلحة. # وقد يشترك الشيئان في صفة، فيكون في أحدهما داعية إلى فعله دون الاخر مع ~~ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال ~~دون حال، وعلى وجه ms361 وقدر دون [وجه] (1) وقدر (2) وهذا معروف في الدواعي، ~~ولهذا جاز أن نعطى لوجه الاحسان فقيرا دون فقير، ودرهما دون درهم، وفي حال ~~دون حال، وان كان فيما لم نفعله الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه. # فإذا صحت هذه الجملة، لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي، وجرى ~~النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه، إذ قد بينا ان ماله ~~كان صلاحا وداعيا إلى الفعل لا يمكن ان يشترك فيه المختلفان في هذا الحكم. # وليس لاحد ان يقول: إذا لم يوجب النص على العلة التخطي كان عبثا. # وذلك أنه يفيدنا ما لم نكن نعلمه لولاه، وهو ماله كان الفعل المعين ~~مصلحة. # وفي الناس من فضل بين داعي الفعل وداعي الترك فقال: إذا كان النص على علة ~~الفعل لم يجب القياس الا بدليل مستأنف - وان كان واردا بعلة الترك - وجب ~~التخطي من غير دليل مستأنف، وفصل بين الامرين بان ماله يترك أحدنا الفعل ~~له، يترك غيره إذا شاركه فيه، لأنه لا يجوز أن يترك اكل السكر لحلاوته ~~ويأكل شيئا حلوا، ولا يجب هذا في الفعل لأنه قد يفعل الفعل لأمر يثبت في ~~غيره وان لم يكن فاعلا له. # وهذا صحيح لا شبهة فيه، ومتى كان النص الوارد بالعلة كاشفا عن الداعي ~~ووجه المصلحة، أو عن الداعي فقط، فاما ان كان مختصا بوجه المصلحة لم يجب ~~ذلك لان الدواعي [قد يتفق تارة وتختلف وجوه المصالح وتختلف الدواعي] (2) مع # PageV02P658 # اتفاق وجوه المصالح. # وأقوى ما يدخل على هذه الطريقة ان يقال: قد بينتم استناد الظنون إلى ~~العادات والتجارب، وان الشرع لا يتم ذلك فيه، وهذا صحيح، فلم أنكرتم ان ~~تحصل فيه طريقة يحصل عندها الظن وان لم تكن عادة ولا تجربة؟ # بل يجرى في حصول الظن عندها مجرى ما ذكرتم، وهذا مثل ان نجد العين ~~المسمات خمرا يحصل على صفاته كثيرة، فتكون مباحة غير محرمة، فمتى وجدت فيها ~~الشدة المخصوصة حرمت، ومتى خرجت عن الشدة بأن تصير خلا حلت، فيظن ms362 عند ذلك ~~أن العلة هي الشدة، لان الذي ذكرناه من حالها امارة قوية على كونها علة، ~~فمتى انضم إلى هذا الظن التعبد بالقياس وان يحمل ما حصل فيه علة التحريم من ~~الفروع على الأصول، ساغ القياس وصح ولم يمنع منه مانع. # وهكذا إذا رأينا بعض صفات الأصل هي المؤثرة في الحكم المعلل دون غيره، ~~كانت بان تجعل علة أولى من غيرها، وقوي الظن في أنها العلة. # مثال ذلك: انا إذا أردنا ان نعلل ولاية المرأة على نفسها وملكها لأمرها، ~~ووجدنا بلوغها هو المؤثر في هذا الحكم مع سلامة أحوالها في الحرية والعقل ~~دون كونها مزوجه، لان التزويج متى اعتبر لم يوجد له تأثير في باب الولاية ~~وما يرجع إليها، وللبلوغ التأثير القوى فيها جعلناه العلة دون التزويج. # ويكفي ان يقال لمعتمدي هذه الطريقة: لم زعمتم ان الظن إذا استند في بعض ~~المواضع إلى عادة فإنه لا يقع في كل موضع الا على هذا الوجه، وان العادة لا ~~يقوم مقامها غيرها؟ فإنهم لا يجدون معتصما! # ويمكن أيضا ان يقال لهم: خبرونا عمن ابتداه الله تعالى كاملا في بعض ~~الدور، معه صاحب له، جالس عنده، وهو لا يعرف العادات، ولا سمع الاخبار ~~عنها، الا انه وجد الصاحب (1) الجالس معه حتى دخل إليه (2) بعض الناس، ~~انصرف وخرج # PageV02P659 # عن الدار، وهو مع دخول غيره من الناس لا يفارق مكانه، أليس هذا مع عقله ~~وكماله يصح ان يقوى في ظنه ان علة خروج صاحبه انما هي دخول ذلك الرجل؟ # فان قالوا: لا يصح ان يغلب ما ذكرتم في ظنه، طولبوا بما يمنع منه، ولن ~~يجدوه. # وان أجازوه (1)، بطلت عليهم ذكر العادات والتجارب في باب الظنون، وقيل ~~لهم: فما تنكرون من أن تكون هذه حالة الظنون في الشرع؟ # ويمكن أن يقول من نصر الطريقة التي قدمناها: ان ما فرضتموه من جلوس بعض ~~الناس عند من لم يعرف العادات وانصرافه إذا دخل عليه انسانا اخر وتكرر منه ~~ذلك، وانما يغلب على ظنه كون دخول صاحبه علة الخروج ms363 الاخر، لان ذلك يصير ~~عادة، وليس يلزم فيمن عرف عادة في شئ بعينه ان يعرف العادات كلها، ألا ترى ~~ان العادات تختص البلاد والأزمان ولا تكاد تتفق على حد واحد فكذلك القول ~~فيما فرضتموه في السؤال فاما طعن مثبتي القياس على الطريقة المتقدمة ~~تصحيحهم غلبة الظنون في الشريعة بقولهم: " انا وجدنا أهل القياس والاجتهاد ~~مع كثرتهم وتدينهم يخبرون عن أنفسهم بالظنون ويعلمون عليها، ومثل هؤلاء أو ~~طائفة منهم لا يجوز أن يكذبوا على أنفسهم، فكيف تدفع الظنون وهذه حالها "؟. # فليس بشئ، لان لمن [نفى] (2) الظن أن يقول: ألست اكذب هؤلاء المجتهدين في ~~أنهم يجدون أنفسهم على اعتقاد ما، وانما أكذبهم في قولهم انه ظن وواقع عن ~~امارة، والعلم بالفرق بين الاعتقاد المبتدأ والعلم والظن ليس بضرورة (3)، ~~فكان القوم سبقوا إلى اعتقادات ليست ظنونا، ودخلت عليهم الشبهة، فاعتقدوا ~~ان # PageV02P660 # لها احكام الظنون، وليست كذلك! # على أن هذا يرجع عليهم فيمن يدعى من أهل القياس ان على الاحكام أدلة توجب ~~العلم. # فيقال لهم: كيف يصح على هؤلاء مع كثرتهم أن يدعوا انهم عالمون ويخبرون عن ~~نفوسهم بما يجدونها عليه من السكون، وهم مع ذلك كذبه؟ # وهكذا السؤال عليهم في المخالفين لهم في أصول الديانات، إذا ادعوا العلم ~~بمذاهبهم وسكونهم إلى اعتقاداتهم؟ # فلابد لهم في الجواب مما ذكرناه، من أن القوم لم يكذبوا في أنهم معتقدون، ~~وانما غلطوا في أن تلك الاعتقادات علوم. # فاما طريقة النظام ومن تابعه في ابطال القياس (1): فاعتمادهم على أن ~~الشرعيات واقعة (2) على وجوه لا يمكن معها دخول القياس، فالذي يعولون عليه ~~أن يقولوا: " وجدنا الشرع واردا باختلاف المتفقين واتفاق المختلفين، كايجاب ~~القضاء على الحائض في الصوم، واسقاطه عنها في الصلاة وهي أوكد من الصوم، ~~وايجابه على المسافر القضاء فيما قصر في الصوم واسقاطه عنه فيما قصر من ~~الصلاة، وكايجاب الغسل بخروج الولد والمني، وهما أنظف من البول والغائط ~~اللذين يوجبان الطهارة، وإباحة النظر إلى الأمة الحسناء والى محاسنها، وخطر ~~ذلك من الحرة وان كانت شوهاء. # قالوا: فكيف (3) يسوغ ms364 القياس فيما هذه حاله؟ ومن حقه ان (4) يدخل فيما ~~يتفق فيه احكام المتفقات وتختلف احكام المختلفات ". # وهذا لا يصح اعتماده في نفى القياس، وذلك أن لمثبته ان يقول: # PageV02P661 # اما اطلاق القول بان المتفقين لا يختلفان في الحكم، والمختلفين لا يتفقان ~~في الحكم فغلط، والصحيح أن يقال: # ان المتفقين يتفقان (1) في الحكم يقتضيه اتفاقهما، وكذلك المختلفان لا ~~يتفقان في الحكم الذي يقتضيه اختلافهما، لان المراعى في هذا الباب هو ~~الأسباب والعلل، والاحكام التي يجب اتفاق المتفقات واختلاف المختلفات هي ~~الراجعة إلى صفات الذات، وانما وجب ذلك فيها لان المتفقين قد اشتركا في سبب ~~الحكم وعلته، والمختلفين قد افترقا في ذلك فلابد مما ذكرناه. # فاما إذا لم يكن الحكم راجعا إلى الذوات، فهو موقوف على الدلالة، فان ~~اتفق المختلفان في علته وسببه اتفقا فيه، وان اختلف المتفقان فيما (2) ~~اختلفا فيه، وعلى هذا لا ينكر أن يكون الحيض وان كان سببا لسقوط الصوم ~~والصلاة معا، واتفقا في ذلك أن يختلفا في حكم اخر يوجب في أحدهما الإعادة ~~ولا يوجبها في الاخر، فيكون الاختلاف من وجه الاتفاق من اخر وقد زال ~~التناقض، لان القضاء إذا اختص بعلة غير علة السقوط لم يكن باتفاقهما في علة ~~السقوط معتبر. # وفي العقل مثال ذلك: لأنا نعلم أن النفع المحض إذا حصل في الفعل اقتضى ~~حسنه، وقد يحصل في الكذب النفع فلا يكون الا قبيحا، لان وجه قبحه هو كونه ~~كذبا، فصار اتفاق الكذب مع غيره من الافعال في النفع لا يمنع من اختلافهما ~~في القبح، لان ما اختلفا فيه غير ما اتفقا من اجله. # فان كان ما أورده النظام مانعا من القياس الشرعي، فيجب أن يمنع من القياس ~~العقلي أيضا، على أنه قد اعترف بورود النص باتفاق المختلفين واختلاف ~~المتفقين، ولم يلزمه أن يكون متناقضا، وأن يسوغ القياس (3)، واعتذر له بما ~~يعتذر به # PageV02P662 # للنصوص. # فان قال: انى لم أوجب التناقض في هذه الأحكام فتلزموني ذلك في ورود النص ~~بها، وانما منعت وحالها هذه من التطرق بالقياس إليها. ms365 # قيل: ليس يمتنع ما ظننت امتناعه إذا نصب الله تعالى لقضاء الصوم امارة ~~توجبه، وأخلي قضاء الصلاة من مثلها. # على أن للقوم (1) أن يقولوا: انا لا نثبت القياس في كل حكم وعلى كل أصل، ~~وانما نثبته بحيث يسوغ ويصح، وأكثر ما يقتضيه ما أوردته مما هو بخلاف ~~القياس (أولا) (2)، فلا يسوغ دخوله فيه أن يمتنع فيه من القياس وفيما جرى ~~مجراه، فلم إذا امتنع القياس في هذه الأمور امتنع في غيرها؟ # فاما من نفى القياس واعتمد في نفيه على أن الحكيم لا يجوز أن يقتصر على ~~أدون البيانين رتبة مع قدرته على أعلاهما، وان النصوص أبلغ في البيان من ~~(3) القياس، فيجب أن تكون العبادة في معرفة الاحكام مقصورة عليها (4) ~~والكلام (5) عليه أن يقال له: أول ما في كلامك انه اعتراف بأن القياس يوصل ~~به إلى الاحكام، لأنه لا يجوز أن تقول انه اخفض رتبة في باب البيان من غيره ~~ما التبيين (6) ويقع به، وإذا ثبت كونه بيانا فما الذي يمنع من العبادة به ~~- وان كان أدون رتبة - لما يعلمه الله تعالى من صلاح المكلف فيه، وانه إذا ~~توصل إلى الحكم به ولحقته المشقة في طريق كان أقرب إلى فعله، واستحق عليه ~~من الثواب ما لا يستحقه لو وصل إلى معرفته بالنص؟ # PageV02P663 # على أنه يلزم على هذه العلة أن يكون في جميع التكليف ضروريا، لأنه أقوى ~~في البيان من العلم المكتسب. # ومن يعتمد على هذه الطريقة لابد له من المناقضة، لأنه تعلق كثيرا من ~~الاحكام في الشريعة بالظنون نحو الاجتهاد في جهة القبلة، وتقدير النفقات، ~~وجزاء الصيد، وما أشبه ذلك، فإذا جازت العبادة بالظنون في هذه الأحكام - مع ~~امكان ورود البيان فيها بالنص الموجب للعلم ولم يكن خارجا عن الحكمة - جاز ~~مثله في سائر الأحكام. # فاما من نفى القياس (1) من حيث لم يأت العبادة به، ولم يقطع السمع العذر ~~في صحته، فهو الصحيح الذي نختاره ونذهب إليه، لان القياس متى جاز في العقل ~~ورود العبادة إذا تعلقت به مصلحة في التكليف، ms366 فلابد في جواز استعماله في ~~الشرع من دليل سمعي، لأنه يجرى مجرى سائر الأفعال الشرعية التي إذا جاز في ~~العقل ان تدخل في العبادة لبعض المصالح، فلابد في استعمالها من دليل سمعي. # والذي يلزمنا ان نورد ما يعتمده مثبتوه من الطرق التي ظنوا انها أدلة ~~عليه سمعية، ونبين انها شبة وليست بأدلة ولا موجبة للتعبد به. # فاما من يذهب إلى أن العبادة وردت بما يمنع منه فهو أيضا مذهبنا، ونحن ~~نبين في الفصل الذي يلي هذا الفصل ما عندنا فيه انشاء الله تعالى # PageV02P664 # فصل NoteV02P665N03 " في أن القياس في الشرع لا يجوز استعماله " لنا في ~~المنع من استعمال القياس في الشريعة طريقتان: # أحدهما: انه إذا ثبت جواز العبادة به من جهة العقل، فثبوت العبادة به ~~تحتاج إلى دليل شرعي، وقد علمنا أنه ليس في الشرع دليل على أن القياس دين ~~الله تعالى يجوز استعماله، ولا من جهة الكتاب، ولا من جهة السنة المتواتر ~~بها، ولا من الاجماع. # وانما قلنا ذلك: لأنا قد استقرينا جميع ذلك فعلمنا انه ليس فيه ما يدل ~~على وجوب العمل بالقياس، ونحن نذكر المواضع التي يستدل بها من ظاهر القرآن ~~على وجوب العمل بالقياس، ونبين انه لا دلالة في شئ منها. # والسنة على ضربين متواتر وآحاد. # والتواتر (1): يوجب العلم الضروري على مذهب الخصم (2) وعلى مذهبنا # PageV02P665 # يوجب العلم الذي لا يتخالج (1) فيه الشك، وكان مما يستدل على صحته إذا ~~كان شرط التواتر فيه. # والضرب الاخر: اخبار آحاد. # فالقسم الأول: مفقود في الاخبار التي يستدل بها على صحة العمل بالقياس، ~~لأنها ليست معلومة جملة، لا ضرورة، ولا استدلالا. # والقسم الاخر: لا يجوز استعماله في هذه المسألة، لأنها من باب العلم دون ~~العمل، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، فلا يجوز استعماله فيما طريقه العلم ~~بلا خلاف. # واما الاجماع: فليس فيه أيضا، لان هذه مسألة خلاف، ونحن نبين ما يدعونه ~~من اجماع الصحابة ونتكلم عليه انشاء الله. # والطريقة الثانية: ان نقول: قد ورد الشرع بما يمنع من العمل بالقياس (2)، ~~وأقوى ms367 ما اعتمد في ذلك اجماع الطائفة المحقة، وقد ثبت ان اجماعهم حجة، لأنه ~~يشتمل على قول معصوم لا يجوز عليه الخطأ على ما بيناه فيما تقدم، وقد علمنا ~~أنهم مجمعون على ابطال القياس والمنع من استعماله. # وليس لاحد ان يعارض هذا الاجماع لمن يذهب إلى مذهب الزيدية # PageV02P666 # والمعتزلة، من أهل البيت عليهم السلام وقال مع ذلك بالقياس، لان هؤلاء لا ~~اعتبار بمثلهم، لان من خالف في الأصول الخلاف الذي يوجب التكفير أو التفسيق ~~لا يدخل قوله في جملة من يعتبر اجماعهم ويجعله حجة. # لأنا قد بينا ان كل من علمنا أنه ليس بامام، فانا لا نعتد بخلافه ونرجع ~~إلى الفرقة الأخرى التي نعلم كون الامام في جملتهم. # على انا كما نعلم من مذهب أبي حنيفة، والشافعي القياس، كذلك نعلم أن من ~~مذهب أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام نفى القياس، ~~وتظاهر الاخبار عنهما بالمنع (1) منه، والمناظرة للمخالفين فيه، كتظاهرها ~~عمن ذهب إليه في خلاف ذلك. # وليس يدفع عنهما هذا الا من استحسن المكابرة، وقد علما ان قولهما حجة ~~وقول كل واحد منهما، لأنهما الامامان المعصومان، ولا يجوز عليهما الخطاء في ~~الفعل والاعتقاد. # وقد اعتمد من نصر هذه الطريقة التي ذكرناها على آيات ليس فيها ما يدل على ~~ذلك مما يمكن الاعتماد عليه، وعلى جميعها اعتراض. # فمن ذلك تعلقهم بقوله تعالى: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (2) وأن ~~القياس تقدم بين يدي الله ورسوله. # وهذا غير معتمد، لان للمخالف أن يقول: إذا دلنا الله تعالى على صحة ~~القياس، لم يكن استعماله تقدما بين يدي الله ولا بين يدي رسوله، وصار ذلك ~~بمنزلة ما نص عليه، وانما يكون تقدما بين أيديهما لو قيل به من غير دلالة ~~ولا استناد إلى علم. # وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (3)، وبقوله: (وان # PageV02P667 # تقولوا على الله مالا تعلمون) (١). # وللمخالف ان يقول: ما قلنا بالقياس الا بالعلم وعن العلم، فلم نخالف ظاهر ~~الكتاب، وانما ظننتم علينا ان نعلق الاحكام ms368 بالظنون وليس نفعل ذلك بل الحكم ~~عندنا معلوم وان كان الطريق إليه الظن على الوجه الذي مثلنا به من ~~العقليات. # وتعقلوا: بقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٢)، وقوله: ﴿تبيانا لكل شئ﴾ (٣)، وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (4). # وللمخالف أن يقول: ان القياس إذا دل الله عليه وأوجب العمل به، فقد دخل ~~في جملة ما بين في الكتاب ولم يقع فيه تفريط، لان الكتاب قد دل على صحة ~~اجماع الأمة، ووجوب اتباع السنة، فإذا علمنا بالاجماع والسنة صحة القياس، ~~جاز إضافة هذا العلم والبيان إلى الكتاب، وان كان على سبيل الجملة دون ~~التفصيل، لأنه ليس يمكن أن يدعى ورود الكتاب بكل شئ مفصلا، فصار العامل ~~بالقياس عاملا بما امر الله تعالى به في كتابه وبينه وأكمله (5). # وهذه الجملة تنبه على طريقة الطعن فيما جرى هذا المجرى من الاستدلالات، ~~فإنهم يتعلقون بشئ من هذا الجنس لا فائدة في ذكر جميعه # PageV02P668 # فصل NoteV02P669N04 " في أن العبادة لم ترد بوجوب العمل بالقياس " ~~الذاهبون إلى القول بالقياس في الشرع فريقان: # أحدهما: يوجب العمل به عقلا، وهم الشذاذ على ما ذكرناه (1). # والآخرون: يوجبون العمل به سمعا وان لم يثبتوه عقلا (1). # ونحن نفسد كلا القولين ليتم لنا ما قصدناه. # فاما من أثبته عقلا فالأصل في الكلام عليه ان يقال: ان الفعل الواجب لابد ~~له (2) من أن يكون له وجه وجوب لولاه لم يجب، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن ~~بالوجوب أولى من غيره، وماله يجب الفعل ينقسم قسمين: أحدهما: صفة تختصه ولا ~~تتعداه إلى غيره، وذلك جميع الواجبات العقلية، نحو رد الوديعة، والانصاف، ~~وشكر المنعم. # والاخر: أن يكون وجوبه لتعلقه بغيره على سبيل اللطف، نحو أن يختار المكلف ~~عنده واجبا اخر، أو يمتنع عن قبيح، وليس يكون كذلك الا بعد أن يختص في نفسه ~~بصفة تدعو إلى اختيار ما يختار عنده، وهذا القسم على ضربين: # PageV02P669 # أحدهما: يعلم (١) بالعقل، كوجوب معرفة الله تعالى، لان جهة وجوبها متقررة ms369 ~~في العقل، وهو انا يكون عندها أقرب إلى الفعل الواجب والامتناع من القبيح، ~~وكعلمنا أيضا بان الرسول عليه السلام لا يجوز أن يكون على أحوال تنفر عن ~~القبول منه، نحو الفسق، والأحوال الدنية المستخفة، ومثل ما يلحقه (٢) ~~بالمعرفة من وجوب الرئاسة لكونها لطفا، لأنه مستقر في العقل (٣) وان الناس ~~في الجملة لا يجوز أن يكونوا مع فقد الرؤساء في باب الصلاح والفساد على ما ~~يكونون عليه مع وجودهم. # والضرب الثاني: لا يعلم الا بالسمع لفقد الطرق إليه من جهة العقل وهو ~~جميع الشرعيات. # والسمع الذي به يعلم وجوب ذلك قد يرد تارة بوجه الوجوب، فيعلم عنده ~~الوجوب، وتارة يرد بالوجوب فيعلم عنده وجه الوجوب بأحد (٤) الامرين يقوم ~~مقام الاخر في العلم بالوجوب، [الا أنه إذا ورد بوجوبه لم يعلم وجه الوجوب ~~الا على جهة الجملة، وان ورد بوجه وجوبه مفصلا أو مجملا علمنا وجوبه مفصلا، ~~لان العلم بوجوبه لابد فيه من التفصيل لتنزاح علة المكلف في الاقدام على ~~الفعل. # والعلم بوجه الوجوب قد يكون] (٥) مجملا ومفصلا. ويقوم أحد الامرين مقام ~~الاخر، فلو قال تعالى: ﴿ان الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (6) ولم يوجبها لعلمنا وجوبها، ولو نص على ~~وجوبها بلفظ الايجاب لعلمنا في الجملة انها تنهى عن قبيح أو تدعوا إلى ~~واجب. # فاما ماله قلنا: " إذا علمنا وجوب الفعل، علمنا وجه وجوبه، وإذا علمنا ~~وجه # PageV02P670 # الوجوب، علمناه واجبا "، فهو ان من علم بالعقل رد الوديعة مع المطالبة ~~علم وجوبه، ومتى لم يعلم ذلك لم يعلم وجوبه، وكذلك من علم الفعل ظلما على ~~قبحه، فان شك في كونه ظلما لم يعلم القبح، وكما وجب هذا، فهكذا أيضا متى ~~علم كون الفعل الذي هو رد الوديعة واجبا علمه رد للوديعة، فتعلق كل واحد من ~~الامرين بصاحبه (1) كتعلق صاحبه به. # فان قيل: من أين قلتم: ان الواجبات في الشرع لا تجب الا لكونها ألطافا؟ ~~ثم من أين قلتم: ان ذلك لا يعلم من حالها الا بالسمع ليتم ما ms370 ذكرتموه؟ # قلنا: لان وجوبها إذا ثبت وكان لابد له من وجه لم يخل من القسمين اللذين ~~قدمناهما، وهما اما صفة يختص الفعل ولا يتعداه، أو لتعلقه بغيره على وجه ~~اللطف، وليس يجوز في الشرعيات الوجه الأول، لأنه لو وجبت لصفة تخصها تجري ~~مجرى رد الوديعة في أنه وجه الوجوب، لوجوب أن يعلم (على) (2) تلك الصفة، ~~ويعلم وجوبها متى علمناها، لأنه لا يصح ان يجب لصفة تختص بها ولا تختص بها، ~~ولا يصح أيضا أن يعلم علتها ولا يعلم وجوبها، وقد علمنا أن الصلاة وسائر ~~الشرعيات يعلم بالعقل صفاتها، وان لم يعلم وجوبها، فدل ذلك على بطلان القسم ~~الأول ولم يبق الا الثاني. # وإذا ثبت انها تجب للألطاف، ولم يكن في العقل (3) دليل على أن وقوع بعض ~~الأفعال منا، نختار عنده فعلا آخر، لان العقل لا يدل على ما يختاره الانسان ~~أو لا يختاره، ولأن دلالة العقل أيضا طريقتها واحدة ولم يصح ان يدل على ~~الشئ ونفيه، والحكم وضده - كما تراه في الشرائع - من اختلاف المكلفين، ~~والناسخ والمنسوخ، فلم يبق الا ان الطريق إليها السمع، ولولا ما ذكرناه لما ~~احتيج في معرفة المصالح الشرعية إلى بعثة الأنبياء عليهم السلام. # PageV02P671 # فان قالوا: العقل يقتضى في كل مشتبهين (1) ان حكمهما واحد من حيث اشتبها، ~~فوجب أن يحكم الأرز بحكم البر عقلا وان لم يأت السمع. # قيل لهم: الاشتباه الذي يقتضى المشاركة في الحكم هو فيما يعلم أن الحكم ~~فيه يجب عن ذلك الشبه، أو يكون في حكم الموجب عنه، نحو علمنا بان ما شارك ~~العالم في وجود العلم في قلبه يجب كونه عالما، أو ما شارك رد الوديعة في ~~هذه الصفة كان واجبا، فاما العلل التي هي أمارات فلا يجب بالمشاركة فيها ~~المشاركة في الحكم، لان العقل لا يعلم به كونه علة، ولو علم كونها علة لم ~~يجب فيما شاركه فيها مثل حكمها، لان المصالح الشرعية مختلفة من حيث تعلقت ~~بالاختيار، فلا مدخل للايجاب فيها، ولهذا جاز أن يكون الشئ في الشرع مصلحة ms371 ~~وما هو مثله مفسدة، وجاز اختلاف الأعيان والأوقات في ذلك. # فان قيل (2): إذا حرم الله تعالى الخمرة (3) ورأيت التحريم تابعا للشدة ~~يثبت بثبوتها ويزول بزوالها، علمت أن علة التحريم الشدة، ولا احتياج إلى ~~السمع كما لا يحتاج إليه في العقليات (4). # قيل له: ليس يكون ما ذكرته من الاعتبار (5) بأقوى (6) من أن ينص الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر ان علة تحريمها هي الشدة، وقد بينا ان ~~ذلك لا يوجب التخطي، ولا يقتضى اثبات التحريم في كل شديد الا بعد التعبد ~~بالقياس، لأنه غير ممتنع ان يخالف (7) في المصلحة وان وافقه في الشدة، ~~وبينا ان النص على العلة # PageV02P672 # الشرعية يجرى مجرى النص على الحكم في امتناع التخطي الا بدليل مستأنف. # فأما من زعم أن السمع قد ورد بالتعبد بالقياس (١)، فنحن نذكر قوى ما ~~اعتمده ونتكلم على شئ منه. # أحد ما اعتمدوه قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٢). # قالوا: والاعتبار هو المقايسة، لان الميزان يسمى معيارا من حيث قيس به ~~مساواة الشئ بغيره. # ولما روى عن ابن عباس من قوله في الأسنان: " اعتبروا حالها بالأصابع التي ~~ديتها متساوية " (٣). # وربما استدلوا بالآية على وجه اخر فقالوا: قد دل الله تعالى بهذه الآية ~~على أن المشاركة في العلة تقتضي المشاركة في الحكم، وذلك أنه قال: ﴿هو الذي اخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ~~من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من ~~الله فأتاهم من حيث لا يحتسبون وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (4)، فذكر ما حل بهم، ونبه ~~على علته وسببه ثم امر بالاعتبار، وذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم ~~تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم ما كان لهذا القول معنى! # والكلام على ذلك أن يقال (5) لهم: # ما تنكرون أن يكون لفظ " الاعتبار " لا يستفاد منه الحكم بالقياس، وانما ~~يستفاد به # PageV02P673 # الاتعاظ والتدبر والتفكر، وذلك ms372 هو المفهوم من ظاهره واطلاقه، لأنه لا ~~يقال لمن يستعمل بالقياس العقلي انه معتبر، [كما يقال فيمن يتفكر في معاده، ~~ويتدبر أمر منقلبه ويتعظ بذلك انه معتبر] (1) وكثير الاعتبار، وقد يتقدم ~~بعض الناس في العلوم واثبات الاحكام من طريق القياس، ويقل فكره في معاده ~~وتدبره فيقال انه غير معتبر، أو قليل الاعتبار. # وقد يستوى في المعرفة بحال الشئ واثبات حكمه اثنان، فيوصف أحدهما ~~بالاعتبار دون الاخر على المعنى الذي ذكرناه، ولهذا يقولون عند الامر ~~العظيم: ان في هذا لعبرة، وقال الله تعالى: (وان لكم في الانعام لعبرة). # وما روى عن ابن عباس خبر واحد لا تثبت بمثله اللغة، ولو صح لكان محمولا ~~على المجاز بشهادة الاستعمال الذي ذكرناه. # على انا لو سلمنا جواز استعمال الاعتبار في المقايسة، لم يكن في الآية ~~دلالة الا على ما ذكر منها من امر الكفار، وظنهم ان حصونهم ما نعتهم من ~~الله تعالى، ووقوع ما وقع بهم، فكأنه قال الله تعالى: فاعتبروا بذلك يا ~~أولي الأبصار، وليس يليق هذا الموضع بالقياس في الاحكام (2) الشرعية، لأنه ~~تعالى لو صرح بعقب ما ذكر من حال الكفار بأن يقول: فقيسوا في الأحكام ~~الشرعية واجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، فلا يليق بعضه ببعض. ~~فثبت انه أراد الاتعاظ والتفكر. # على أنه يمكن ان يقال لهم: على تسليم تناول اللفظة للقياس باطلاقها، ما ~~تنكرون انا نستعمل موجب الآية، بان نقيس الفروع على الأصول، في انا نثبت ~~لها الاحكام الا بالنصوص، لان هذا أيضا قياس فقد ساويناكم في التعلق ~~بالآية، فمن أين لكم ان القياس الذي تناولته الآية هو ما تذكرونه دون ما ~~ذكرناه، وكلاهما قياس على # PageV02P674 # الحقيقة؟ # وليس لهم أن يقولوا: نحن نجمع بين الامرين لأنهما يتنافيان، والجمع ~~بينهما لا يصح. # ولا لهم أيضا ان يقولوا: قولنا أرجح خ من حيث كان فيه اثبات للأحكام، ~~وقولكم فيه نفى لها. # وذلك لان الترجيح بما ذكروه انما يصح متى ثبت كلا وجهي القياس، فيصح ~~الترجيح والتفرقة، فاما الخلاف فيهما هل يثبتان ms373 أو يثبت [أحدهما فلا] (١) ~~ترجيح يمكن في ذلك. # ويقال لهم: في تعلقهم بالآية ثانيا: إذا كان الله تعالى قد نبه على ما ~~زعمتم بالآية على أن المشاركة في السبب والعلة تقتضي المشاركة في الحكم، ~~فيجب أن يكون كل من فعل مثل فعل الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية، يحل ~~بهم مثل ما حل بهم. # فان قالوا: هو كذلك. أريناهم بطلان قولهم ضرورة لو جوزنا من يشارك ~~المذكورين في المخالفة والمعصية وان لم يصبه ما أصابهم، وهذا من ضعيف ما ~~يتمسك به. # وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾ ~~(٢)، وقوله تعالى: ﴿وعلى الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره﴾ (٣). قالوا: # والمثلية والمقدار طريقه غالب الظن. # وبقوله: ﴿فان خفتم الا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ (4) قالوا وذلك طريقه غالب الظن. # وهذه الآيات لا تخلو أن يكون المستدل بها يعتمدها في جواز التعبد ~~بالظنون، # PageV02P675 # أو في وجوب التعبد بها: # فان كان الأول، كان ذلك صحيحا، وذلك مما قدمنا جوازه. # وان أراد الثاني، كان ذلك باطلا، لأنه ليس إذا ثبت التعبد في شئ بغالب ~~الظن ينبغي أن يحمل غيره عليه، لان ذلك يصير قياسا، وكلامنا في مسألة ~~القياس، فكيف يستدل بالشئ على نفسه! # على [ان] (1) من أصحابنا من قال إن المثلية والقدر منصوص عليه، فعلى هذا ~~المذهب سقط السؤال. # وتعلقوا أيضا: بأن قالوا: قد ظهر (2) عن الصحابة القول بالقياس، واتفق ~~جميعهم عليه، نحو اختلافهم في مسألة الحرام (3)، والجد (4)، والمشركة (5)، ~~والايلاء، وغير ذلك ورجوع كل منهم في قوله إلى طريقة القياس، لأنهم اختلفوا ~~في الحرام فقالوا بأربعة أقاويل: # أحدها: انه في حكم التطليقات الثلاث، وذلك مروى عن أمير المؤمنين عليه ~~السلام وزيد، وابن عمر (6). # PageV02P676 # والقول الاخر: قول من جعله يمينا يلزم فيهما الكفارة، وهو المحكى عن أبي ~~بكر، وعمر وابن مسعود وعايشة (1) والثالث: قول من جعله ظهارا، وهو المروى ~~عن ابن ms374 عباس وغيره (1). # والرابع: قول من جعله تطليقة واحدة، وهو المروى عن ابن مسعود، وابن عمر ~~وغيرهما (2). # ثم اختلفوا: فمنهم من لغاه، ومنهم من جعلها واحدة رجعية، وبعضهم جعلها ~~بائنة، وكل ذلك تفريع للقول الرابع (2). # وحكى في المسألة قول خامس عن مسروق (3) وهو انه ليس بشئ، لأنه تحريم لما ~~أحله الله تعالى ووجوده كعدمه. (2) واختلافهم أيضا في الجد أيضا ظاهر، ~~وكذلك ما عددناه من المسائل، وانما شرحنا مسألة الحرام لان الخلاف فيها ~~أكثر منه في غيرها قالوا: وقد علمنا أنه لاوجه لأقاويلهم الا طريقة القياس ~~والاجتهاد، لان من جعل الحرام طلاقا ثلثا معلوم انه لم يرد انه طلاق ثلاث ~~على الحقيقة، بل أراد انه كالطلاق الثلاث وجار مجراه وكذلك من جعله يمينا ~~وظهارا محال ان يريد الا الشبه دون أن يكون عنده يمينا أو ظهارا في ~~الحقيقة. # ولأنه قد نقل عنهم النص الصريح في أنهم قالوا بذلك قياسا، لان من ذهب إلى ~~أن الجد بمنزلة الأب نص على أنه مع فقد الأب بمنزلة ابن الابن مع فقد الابن ~~(4)، حتى صرح ابن عباس بأن قال: " الا لا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن ~~الابن ابنا، ولا # PageV02P677 # يجعل أب الأب أبا؟ " (1) وقد علمنا أنه لم يرجع في ذلك إلى نص، لان الحد ~~لا نص عليه في الكتاب، فلم يبق الا سلوكهم فيه طرق التمثيل والمقايسة. # وثبت أيضا: عمن قال بالمقايسة (2) بين الأخ والجد انه شبههما بغصني شجرة ~~وبجدولي نهر، ولهذا يبطل قول من يدعى انهم قالوا ذلك على طريق الصلح والبور ~~(3)، أو لأنه أقل ما قيل فيه، أو حكموا بحكم العقل، أو لنص خفى. # ويبطل ذلك زائدا على ما تقدم، انهم اختلفوا فيما لا يسوغ فيه الصلح ~~لتعلقه بتحريم الفروج وتحليلها كمسألة الحرام والايلاء. # ولأن ما يقال من طريق الصلح لا يفرع عليه ويبنى بحسبه المذاهب. # ولأنهم اختلفوا في مواضع لا يصح أن يقال فيها بأقل ما قيل، ولأنهم قد ~~اختلفوا فيما زاد على أقل ما قيل. # وقالوا أيضا: بأقاويل كلها خارجة ms375 عما في أصل العقل، ولو قالوا أيضا لنص ~~لوجب أن يظهر، لان الدواعي إلى اظهاره قوية. # وإذا ثبت ذلك من حالهم فهم بين قائل بالقياس، ومصوب لقائله غير منكر ~~عليه، فصاروا مجمعين على القول به، واجماعهم حجة، ولا يجوز أن ينعقد على ~~خطأ. # فيقال لهم لنا في الكلام عليكم وجهان: # أحدهما: أن نبين بطلان ما حكمتم به وقطعتم عليه من أن القول في المسائل ~~التي ذكرتموها لم يكن الا بالقياس، ونبين انه يحتمل أن يكون النص اما ~~بظاهره أو دليله، والاحتمال في هذا الموضع يكفي ويأتي على استدلالهم. # والوجه الاخر: ان ننازع فيما ادعيتموه من ارتفاع النكير للقياس، ونبين ~~انه ورد # PageV02P678 # عنهم من ذلك ما في بعضه كفاية، وابطال لقول من يدعى خلافه. # ولنا أيضا: إذا سلمنا انهم قالوا في تلك المسائل بالقياس، وتجاوزنا عن ~~الخلاف في ارتفاع النكير، وفرضنا انه لم يكن ان نقول ارتفاع النكير لا يدل ~~في كل موضع على الرضا والتسليم، وانما يدل على ذلك إذا علمنا أنه لا وجه ~~لارتفاعه الا الرضا، فاما مع تجويز كونه للرضا ولغيره فلا دلالة فيه. # غير أن هذه الطريقة توحش من خالفنا في هذه المسألة لأنها تطرق عليهم فساد ~~أصول هي أهم إليهم من الكلام فيها، وينبغي أن يتجاوز عن هذا الكلام في هذا ~~المعنى ويقتصر على الوجهين الذين قدمناهما، لان الكلام في هذا الوجه له ~~موضوع غير هذا هو أليق به وقد ذكرناه في كتاب " الإمامة " (1) مستوفى. # فيقال لهم: لم زعمتم ان القول في المسائل التي عددتموها انما كان ~~بالقياس؟ # فلم نجدكم اقتصرتم الا على الدعوى المجردة من برهان، ولم إذا اختلفوا ~~وتباينت أقوالهم وجب أن تستند تلك المذاهب إلى القياس، وأنتم تعلمون ان ~~الاختلاف في المذاهب المستندة إلى النصوص ممكن كإمكانه في المستندة إلى ~~القياس؟ # ولم أنكرتم أن يكون كل واحد منهم انما ذهب إلى ما حكى عنه لتمسكه بدليل ~~نص اعتقد انه دال على ما ذهب إليه؟ # فان قالوا: لو كانوا قالوا بذلك للنصوص، لوجب أن ms376 تنتقل تلك النصوص وتشتهر ~~لان الدواعي تقوى إلى نقلها والاحتجاج بها! # قلنا: أول ما نقوله انا لا نلزمكم أن يكونوا اعتمدوا في هذه المسائل ~~نصوصا صريحة استدلوا بها على المذاهب التي اعتقدوها، بل ألزمناكم ان يكونوا ~~اعتمدوا # PageV02P679 # فيها أدلة النصوص التي تحتاج فيها إلى ضرب من الاستدلال والتأول، سواء ~~كانت تلك النصوص على هذه نصوصا ظاهرة للكل معلومة للجميع، أو كانت مختصة، ~~فلا يجب ان تفرضوا كلامنا في غير ما فرضناه فيه. # على انا نقول لهم: ولو كانوا اعتمدوا في ذلك على علة قياسية لوجب نقلها ~~وظهورها، لان الدواعي إلى نقل مذاهبهم تدعو إلى نقل طرقها، وما به احتجوا، ~~وعليه عولوا، وما نجد في ذلك رواية، فان كان فقد ما اعتمدوه من دليل النص ~~وارتفاع روايته دليلا على أنهم قالوا بالقياس، فكذلك يجب أن يكون فقدنا ~~لرواية عنهم تتضمن انهم قالوا بذلك قياسا دليلا على القول به من طريق ~~النصوص! # فان قالوا الفرق بين الامرين ان القياس لا يجب اتباع العالم فيه، والنصوص ~~يجب اتباعه، فوجب نقل النص ولا يجب مثله في القياس. # قلنا: اطلاقكم ان القياس لا يجب فيه الاتباع لا يصح على مذاهبكم، بل يجب ~~فيه الاتباع إذا ظهر وجه القول به وامارات غلبة الظن فيه، وانما لا يجب ~~القول به بارتفاع هذا الشرط، وعلى العالم أن يظهر وجه القول لمن خالفه ~~ليظهر له منه ما يكون فرضه معه الانتقال عما كان عليه. # ولولا هذا ما حسنت مناظرة أصحاب القياس والاجتهاد بعضهم لبعض، ولم ينقل ~~عن الصحابة وجه قولهم في مسألة الحرام (1) التي وقع النص من مخالفينا عليها ~~لقوتها عندهم، ولم يرو عن أحد منهم العلة التي من اجلها جعله طلاقا ثلاثا، ~~أو ظهارا، أو يمينا! # على أنه انما يجب على المعتقد للمذهب أن يظهر وجه قوله عند المناظرة ~~والحاجة الداعية إليه، فاما أن يكون ظهور وجه القول كظهور القول والمذهب ~~فغير واجب فكيف (2)، يقال ذلك ونحن نعلم أن كثيرا من الصحابة والتابعين ومن ~~كان # PageV02P680 # بعدهم قد ظهرت ms377 عنهم مذاهب كثيرة فيما طريقه العلم والدليل القاطع من غير ~~أن يظهر عنه أو ينقل ما كان دليله بعينه لأي طريق قال بذلك المذاهب ~~وأعتقده؟ # فان قالوا: فقد تناظروا ورد بعضهم على بعضهم ولم يذكر عنهم احتجاج بنص. # قلنا: ليس يمكن أن يحكى عنهم في مسألة الحرام وغيرها من المسائل انهم ~~اجتمعوا فيها لمناظرة ومنازعة، وحاج بعضهم بعضا، ورد بعضهم على بعض، ولم ~~يذكروا أدلة النص، ولا وردت بشئ من ذلك رواية! وأكثر ما روى إضافة هذه ~~المذاهب إلى القائلين بها. # على أنهم ان كانوا تناظروا وتنازعوا فلابد من أن يظهر كل واحد منهم وجه ~~قوله، سواء كان نصا أو قياسا، وفي مثل هذه الحال لا يسوغ الاعراض عن ذكر ~~وجه القول وان جاز في غيرها، ولهذا لا نجد أحدا من الفقهاء ينازع خصومه ~~ويرد مذاهبهم عليهم على سبيل المناظرة، ولا يظهر وجه قياسه والعلة التي من ~~اجلها ذهب إلى ما ذهب إليه، بل لابد له من تحرير علله وتهذيبها والاحتراز ~~فيه من النقض، وإذا كنا لم نجد رواية منهم بوجه قياسه وبالعلة التي من ~~اجلها جمع بين الامرين اللذين شبه أحدهما بالآخر، فيجب أن ينفى عنهم القول ~~بالقياس ان كان ما فرضتموه صحيحا. # فان قالوا: من شأن العلماء أن يذكروا النصوص الشاهدة لأقوالهم ومذاهبهم ~~لترتفع عنهم التهمة في الخطاء أو القول بغير دليل. # قلنا: ومن شأنهم أن يذكروا الوجه القياسي المصحح لمذاهبهم، لترتفع عنهم ~~التهمة. # وبعد: فلعل القوم كانوا آمنين من أن يتهموا بالتخيت (1) والاعتقادات ~~المبتدأة فلم يحتاجوا إلى ذلك. # فان قالوا: ليس نجد في نصوص الكتاب والسنة ظاهرا ولا دليلا يدل على هذه ~~المذاهب التي حكينا اختلافهم فيها، الا ان يدعوا نصوصا غير ظاهرة، بان اختص ~~كل # PageV02P681 # واحد منهم بها، فيظهر بطلان قولكم لكل أحد ويلزم حينئذ أن تكون تلك ~~النصوص قد أشيعت وظهرت لتعلم وتعرف، والا طرق ذلك ابطال الشريعة وأكثرها. # قلنا: اما ما ضمنا لكم أن يكون كل واحد من القوم ذهب إلى مذهبه للدليل ~~عليه ms378 من جهة النص، وانما ألزمناكم تجويز سبب كل قابل منهم بوجه اعتقده ~~دليلا قد يجوز أن يكون فيه مخطئا ومصيبا، ولو أخطأت الجماعة في استدلالها ~~على أقوالها الا واحدا فيها لم يضرنا فيما قصدناه، لان الذي امن من اجماعهم ~~على الخطأ لا يؤمن من اجماع أكثرهم، ففقدكم نصوص الكتاب والسنة أدلة لتلك ~~المذاهب لا يدخل على ما قلناه. # اللهم الا أن يريدوا انا فقدنا ما (1) يمكن التعلق به، أو الاعتقاد فيه ~~انه دليل. فهذا إذا ادعيتموه علمتم ما فيه، وقيل لكم: من أين قلتم ذلك؟ ~~وكيف يحاط علما بمثله ويقطع عليه؟ وهل هذا الا الحجر في الشبه طريف! وليس ~~يجب في الشبه ما يجب في الأدلة، فان تلك تنحصر والشبه لا تنحصر. # على انا نقول: وما نجد لقول كل واحد من الجماعة علة تقتضي القول بمذهبه، ~~فيجب أن ينفى اعتمادهم في هذه المذاهب على العلل القياسية. # فان قالوا: انكم لم تجدوا علة يجب عندها الحكم بكل ما حكى من المذاهب، ~~والا فأنتم تجدون ما يمكن ان يجعل علة ويعتقد عنده (2). # قلنا: وكذلك نقول لكم فيما تقدم. # على انا نقول لهم: لم أنكرتم ان يكون من ذهب في الحرام إلى الطلاق ~~الثلاث، انما قال بذلك من حيث جعله ككنايات الطلاق التي هي طلاق على ~~الحقيقة ولها احكام الطلاق عند كثير منهم من غير اختيار الشبه، ورجع في ذلك ~~إلى النص في الطلاق، وادخله في جملة ما يتناوله الاسم؟ ومن قال إنه يمين ~~يرجع أيضا إلى # PageV02P682 # نص الكتاب الذي يرجع إليه القائلون في زماننا بان الحرام يمين، وهو قوله ~~تعالى: # [يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك] (١)، ثم قوله ~~بعد: # ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ ~~(2)، وان النبي صلى الله عليه وآله حرم (3) على نفسه مارية القبطية (4)، أو ~~شرب العسل (5) على اختلاف الرواية في ذلك، فأنزل الله تعالى ما تلوناه ~~وسماه يمينا بقوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فدخل فيما يتناوله ms379 ~~اللفظ. # ومن عجيب الامر انهم يجدون كثيرا من الفقهاء في زماننا يعتمدون ذلك في ~~هذه المسألة، ويعولون على هذا الظاهر ويتعجبون أن يكون بعض الصحابة رجع في ~~شئ من المذاهب التي حكوها إلى النص، ويقطعون على أنه لا مخرج لها في ~~النصوص، وهذا يدل على قلة التأمل. # ويمكن أيضا مثل ذلك: فيمن ذهب إلى أنه ظهار (6)، وأن يكون اجراه مجرى ~~الظهار في تناول الاسم له، وان كان لفظه مخالفا للفظ الظهار، كما كانت ~~كنايات الطلاق مخالفة للفظ الطلاق وأجريت مجراه، وكذلك لفظ الحرام مخالف ~~لليمين واجري في تناول الاسم مجراه. # PageV02P683 # ومن ذهب إلى أنه تطليقة واحدة (1)، كأنه ذهب إلى الطلاق والى أقل ما يقع ~~به. # والذاهب إلى الثلاث ذهب إلى الأكثر والأعم. # وكل هذا ممكن أن يتعلق فيه بالظواهر والنصوص، ويكفي الإشارة إلى ما يمكن ~~أن يكون متعلقا وليس يلزم أن يكون حجة قاطعة ودليلا صحيحا. # فاما قول مسروق (2)، فواضح انه لم يقل (3) قياسا، وانه لما لم يجعل لهذا ~~القول تأثيرا تمسك بالأصل في الحكم أو ببعض الظواهر التي تحظر تحريم ~~المحلل. # قال: قالوا: لو كانوا رجعوا في هذه الأقوال إلى ظواهر النصوص و (4) ~~أدلتها على ما ذكرتم، لوجب أن يخطئ بعضهم بعضا، لان الحق لا يكون الا في ~~أحد الأقوال. # قلنا: لا شئ أبلغ في التخطئة من المجاهرة بالخلاف، والفتوى بخلاف المذهب، ~~وهذا قد كان منهم، وزاد بعضهم عليه حتى انتهى إلى ذكر المباهلة والتخويف من ~~الله. # فاما السباب واللعن والشتم والرجوع عن الولاية، فليس يجب عندنا بكل خطأ، ~~وسنبين القول في ذلك إذا تكلمنا على الطريقة التي نذكرها عنهم من الاستدلال ~~فيما بعد انشاء الله تعالى فاما قولهم في الاستدلال: " انهم جعلوه طلاقا ~~تمثيلا وتشبيها "، فقد بينا انه غير ممتنع أن يكونوا الحقوه بما يتناوله ~~الاسم بناء على أنهم لا يقدرون أن يحكوا عنهم انهم قالوا: قلنا بكذا تشبيها ~~بكذا، وانما روى أنهم جعلوا الحرام طلاقا وحكموا فيه بحكم الطلاق، فاما من ~~أي وجه فعلوا ذلك؟ وهل الحقوه ms380 تمثيلا وتشبيها؟ أو في تناول الاسم له فليس ~~بمنقول على أنه لا يمتنع أن يشبه الشئ بالشئ ويذكر له نظير لا على سبيل ~~المقايسة # PageV02P684 # بل على سبيل التقريب (1) والافهام، فيقول من ينفى القياس مثلا: المصاحفة ~~والمعانقة يجريان مجرى المجامعة في نقض الطهر، وان لم يكن حاملا لهما عليها ~~بالقياس، بل يذهب إلى تناول ظاهر اللفظ للكل، فلو نقل عنهم التصريح ~~بالتمثيل والتشبيه لم يكن فيه دلالة على أن (2) القياس ليس هو ان يقول ~~القائل: الحكم في هذا الشئ التحريم كما كان في غيره مما تناول النص تحريمه، ~~بل القياس هو أن يثبت للمسكوت عن حكمه مثل حكم المنطوق بحكمه لعلة جمعت ~~بينهما، وتكون العلة معلومة متميزة مستدلا على كونها علة من دون سائر صفات ~~الأصل بالدليل، وهذا مما لا يروى عن أحد من الصحابة انه استعمله على وجه من ~~الوجوه، فكيف يدعى مع ذلك التصريح منهم بالقياس؟ # فاما ادعائهم انهم صرحوا بالقياس وتعلقوا في ذلك بما روى عن ابن عباس من ~~قوله: " الا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب ~~أبا " (3)، وما روى من التشبيه بغصني شجرة وبجدولي نهر، فلان تعلق بمثله: ~~لان أول ما فيه انه لا يجب أن يعتمد في ايجاب العلم بالقياس على وجه واحد ~~غير مقطوع به، لان هذه المسألة من المسائل المعلومة التي لا يعتمد فيها الا ~~الأدلة الموجبة للعلم، وما رووه عن ابن عباس وغيره من اخبار الآحاد التي لا ~~يقطع بها، فكيف يستدل بها لو كان فيها دلالة وهي غير معلومة؟ # وليس لاحد أن يدعى الاجماع على صحة الاخبار من حيث تلقوا هذه الأخبار ~~بالقبول، أو يدعوا تواترها وانتشارها. # وذلك انها وان ظهرت بين الفقهاء، وذكرت في كتب الفرائض، فلا شبهة في أنها ~~اخبار آحاد. # PageV02P685 # ولا فرق بين من يدعى تواترها، وبين من يدعى تواتر جميع اخبار الآحاد التي ~~ظهرت بين الفقهاء، وكثر احتجاجهم بها في كتبهم ومناظراتهم وان كانت أصولها ~~آحادا. # فاما الاجماع والتلقي بالقبول، فإنه ms381 غير مسلم، لأنه لم يكن منهم في هذه ~~الأخبار الا ما كان منهم في [خبر الوضوء من] (1) مس الذكر (2)، وقوله " ~~انما الأعمال بالنيات " (3) وما شاكل ذلك من اخبار الآحاد، وقد علمنا أن ~~هذه الأخبار التي ذكرناها وما جرى مجراها ليس مما يوجب الحجة، ولا تثبت ~~بمثله الأصول التي طريقها العلم. # فان قالوا: خبر " مس الذكر " و " الأعمال بالنيات " ما قبلوه من حيث ~~قطعوا على صحته، وانما عملوا به كما يعلمون على اخبار الآحاد. # قلنا: وهكذا خبر غصني الشجرة وما يجرى مجراه، فليس يمكن بين الامرين فرق. # وبعد: فلو سلمنا قيام الحجة بما رووه، وان لم يكن كذلك لم يكن فيه دليل ~~على قولهم، لان أكثر ما في الرواية عن ابن عباس انه أنكر على زيد انه لم ~~يحكم للجد بحكم الأب الأدنى كما حكم في ابن الابن، وليس في الرواية انه ~~أنكر ذلك عليه وجمع بين الامرين بعلة قياسية أوجبت الجمع بينهما! وظاهر ~~نكيره يحتمل أن يكون، لان ظاهرا من القول أوجب عنده اجراء الأب مجرى الجد ~~كما أن ظاهر اخر أوجب اجراء ابن الابن مجرى الابن للصلب، الا ترى انه يحسن ~~من نافى القياس، العامل في مذهبه كله على النصوص أن يقول لمن خالفه في حكم ~~الملامسة: اما تتقى الله توجب انتقاض الطهر بالتقاء الختانين، ولا توجب ~~انتقاضه بالقبلة؟! وهو # PageV02P686 # يذهب الا ان الذي يقتضى الجمع بينهما ظاهر قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ (1) فلا يمنع أن يكون ابن عباس ~~انما دعا زيدا إلى القول بالظاهر، وقال له إذا أجريت ابن الابن مجرى ابن ~~الصلب لوقع اسم الولد عليه وتناول قوله (يوصيكم الله في أولادكم) لهما، ~~فاجر أيضا الحد مجرى الأب لوقوع اسم الأب عليهما، وقد روى عن ابن عباس في ~~ذلك التعلق بالقرآن تصريحا (3)، على أن ظاهر قول ابن عباس يشهد لمذهبنا، ~~لأنه نسب زيدا إلى مفارقة التقوى وخوفه بالله تعالى، فلولا ان زيدا عنده ~~كان في حكم العادل عن النص لم يصح منه ms382 اطلاق ذلك القول، لان من يعدل عن ~~موجب القياس إلى اختلاف مذاهب مثبتيه لا ينسب إلى مفارقة التقوى، لان ~~أكثرهم يقول إنه مصيب، ومن خطاه يقول إنه معذور، ولا يبلغ به إلى هذه ~~الحال. # فاما ذكرهم غصني الشجرة وجدولي النهر، فلا يوجب القول بالقياس، وانما ~~سلكوا ذلك تقريبا للقول من الفهم وتنبيها عليه من غير أن يجعلوا ذلك علة ~~موجبة للحكم، كما يفعل المعلم مع المتعلم من ضرب الأمثال، وتقريب البعيد، ~~وإزالة اللبس عن المشتبه. # وكيف يصح أن يدعى في ذلك أنه على طريق المقايسة، وقد علمنا أن القدر الذي ~~اعتمدوه من ذكر الغصن والجدول لا يصح أن يكون عند أحد أصول (4) في الشريعة ~~يقاس عليها وتثبت الاحكام لها؟ # على أن الوجه في ذكرهم لما حكى ظاهر، وذلك انهم توصلوا بما ذكر عنهم إلى ~~معرفة أقرب الرجلين من المتوفى وألصقهما به نسبا، ثم رجعوا في توريثه إلى ~~الدليل الموجب للأقرب الميراث، وهذا كما يتنازع رجلان في ميراث ميت ويدعى ~~كل واحد منهما انه أقرب، إليه من الاخر، فيصح لمن أراد اعتبار أمرهما ان ~~يعد الاباء # PageV02P687 # بين الميت وبين كل واحد منهما ويحصيهم، ليعلم ان الأقرب هو من قل عدد ~~الآباء بينه وبين الميت، دون من كثر عددهم بينه وبينه وله أيضا ان يوضح ذلك ~~لمن التبس عليه بذكر الامتثال والنظائر، وان كان كل ذلك مما لا يثبت به ~~التوريث، وانما يعرف به الأقرب، والميراث يثبت بالنصوص. # فاما الوجه الثاني من الكلام على استدلالهم هذا ان نقول لهم: لم زعمتم ان ~~النكير مرتفع، وقد روى عن كل واحد من الصحابة - الذين أضفتم إليهم القول ~~بالقياس - ذمة، وتوبيخ فاعله، والأزراء عليه: # فروى عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: " لو كان الدين يؤخذ بالقياس ~~(1) لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره " (2) وهذا تصريح منه عليه السلام ~~بأنه لا قياس في ذلك (3). # وروى عنه عليه السلام انه قال: " من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في ~~الجد برأيه " (4) وهذا اللفظ يروى عن عمر ms383 (5) (6). # وما روى عنه عليه السلام في ذم القياس والذم لفاعله أكثر من أن يحصى (7). # وروي عن أبي بكر انه قال: " أي سماء تظلني وأي ارض تقلني إذا قلت في # PageV02P688 # كتاب الله برأيي " (1). # وعن عمر انه قال: " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم ~~الأحاديث ان يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (2). # وروي عنه انه قال: " إياكم والمكايلة، قيل: وما هي؟ قال: المقايسة " (2). # وروى عن شريح انه قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب - وهو يومئذ من قبله - ~~اقض بما في كتاب الله، فان جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فان جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما ~~أجمع عليه أهل العلم، فان لم تجد فلا عليك الا تقضى " (2). # وروي عن عمر أيضا قال: " أجرأكم على الجد أجرأكم على النار " (3). # وعن عبد الله بن مسعود انه قال: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس ~~رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم " (2). # وعنه انه قال: " إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله ~~وحرمتم كثيرا مما أحلل الله " (2). # وروى عن عبد الله بن عباس انه قال: " ان الله تعالى قال لنبيه: احكم ~~بينهم بما أراك الله (4) ولم يقل بما رأيت (2). # وروي عنه أيضا انه (2) قال: " لو جعل لاحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول تعالى: (وان احكم بينهم بما انزل الله) ~~(5). # وروي عنه أيضا انه قال: " إياكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر # PageV02P689 # بالمقاييس (1). # وروى عن عبد الله بن عمر انه قال: " السنة ما سنه رسول الله صلى الله ~~عليه " وآله وسلم، ولا تجعلوا الرأي سنة للمسلمين " (1). # وقال مسروق: " لا أقيس شيئا بشئ أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها " (1). # وكان ابن سيرين يذم القياس ويقول: " أول من قاس إبليس " (1). # وروي عنه انه كان لا يكاد يقول شيئا برأيه (1). # وقال الشعبي (2) لرجل " لعلك من القايسين " (1). # وقال: " ان أخذتم بالقياس أحللتم الحرام وحرمتم الحلال (1). # وكان أبو سلمة بن عبد ms384 الرحمن (3) لا يفتى برأيه. # وإذا كان القوم قد صرحوا بذم القياس وانكاره هذا التصريح، فكيف يدعى ~~ارتفاع نكيرهم؟، وأي نكير يتجاوز ما ذكرناه ورويناه عنهم؟ # وليس لهم ان يتأولوا الألفاظ التي رويناها ويستكره‍ [وا] التأويل فيها ~~ويتعسفوه، مثل ان يحملوها على انكار بعض القياس دون بعض، أو على وجه دون ~~وجه، ليسلم لهم ما حكوه من قولهم بالرأي والقياس! # لان ذلك انما يسوغ لو كان ما استدلوا به على قولهم بالقياس غير محتمل ~~للتأويل، وكان صريحا في دلالته على ذلك، فانا قد بينا ان جميع ما تعلقوا به ~~من اختلافهم في مسألة الحرام وغيرها من المسائل لا يدل على القياس، ولا له ~~أيضا # PageV02P690 # ظاهر في الدلالة عليه، وسنبين بمشية الله مثل ذلك في تعلقهم بالرأي ~~وإضافة الاحكام إليه، وانه لا ظاهر له في الدلالة على القياس، فضلا عن أن ~~يحتمل التأويل، فلا وجه لتأويلهم ما رويناه من الاخبار، لا سيما وجميعها له ~~ظاهر في نفى القياس لا بدلهم من العدول عنه، إذا صح تأويلهم، فكيف يعدل عما ~~له ظاهر في الدلالة على امر لأجل ما لا ظاهر له؟ # ولو تساوى الأمران في الظاهر أيضا، لم يكن لهم ان يحملوا اخبارنا على ~~التأويلات التي ذكروها لتسلم دلالة ما تعلقوا به على القياس، ولو كانوا ~~بذلك أولى منا إذا تأولنا ما رووه وحملنا على أن القول فيه انما كان ~~بالنصوص وأدلتها ليسلم دلالة ما رويناه على نفي القياس. # وما لا يزالون يتعلقون به في ذلك من قولهم: ان المنكرين لذلك هم ~~المستعملون له، فلابد من حمل النكير على ما يوافق ما ظهر عنهم من استعمال ~~القياس. # فتعلل (1) بالباطل، وذلك أن لا نعلم أنهم استعملوا القياس ضرورة، أو من ~~وجه لا يسوغ فيه التأويل ولا يدخله الاحتمال، وانما ادعى ذلك عليهم وتعلق ~~مدعيه بما لا ظاهر له ولا شهادة فيه بالقول بالقياس، وأحسن أحواله أن يكون ~~محتملا، فكيف يصح ما ذكروه؟ # وهذه الجملة [التي] ذكرناها تسقط قولهم ان الرأي الذي أبوه هو الذي ms385 يصدر ~~عن الهوى، والذي يستعمل في غير موضعه، وان أمير المؤمنين عليه السلام إنما ~~نفى أن يكون جميع الدين يؤخذ قياسا (2)، وكذلك أبو بكر انما استكبر ~~استعماله الرأي في كتاب الله على وجه لا يسوغ فيه (2)، إلى غير ذلك مما ~~يقولونه ويفزعون إليه، لان كل ذلك منهم عدول عن الظاهر، وتخصيص لاطلاقه، ~~وتأول لا يجب المصير إليه الا بعد # PageV02P691 # القطع على صحة القياس، وقول القوم به بما لا يحتمل التأويل. # فاما قول بعضهم (1): انهم فعلوا ذلك تشددا واحتياطا للدين حتى لا يقول ~~الفقهاء على القياس، ويعدلوا عن تتبع الكتاب والسنة. # فظاهر السقوط، وذلك أن التشدد لا يجوز أن يبلغ إلى انكار ما أوجبه الله ~~تعالى، أو فسخ فيه، ولا يقتضى أن يخرجوا انكارهم المخرج الموهم لانكار ~~الحق، ولو كان ذلك غرضهم لوجب أن يصرحوا بذم العدول عن الكتاب والسنة، ~~والاعراض عن تأملهما والتشاغل بغيرهما من غير أن يطلقوا انكار القياس ~~والرأي الذين هما عندكم أصلان من أصول الدين تاليان للكتاب والسنة ~~والاجماع! # على أنه يمكن أن يقال لهم: مع تسليم ارتفاع النكير، لم أنكرتم ان يكون ~~بعض الصحابة الذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة الحرام وغيرها قد رجع في ~~مذهبه إلى القياس، وهو من كان قوله منهم أبعد من أن يتناوله شئ من ظواهر ~~الكتاب والسنة؟ وأن يكون الباقون رجعوا في مذاهبهم إلى النصوص وأدلتها؟ غير ~~أن من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه قوله، ولا علمت الجماعة انه قاله ~~قياسا، ولو علموا بذلك لأنكروه، غير أنهم لا يعلمونه وأحسنوا الظن بالقائل ~~وظنوا انه لم يقل الا عن نص أو طريق يخالف القياس. # وليس يجب أن يكون وجه قول كل واحد منهم على التفصيل معلوما للجماعة، ومتى ~~أوجبوا ذلك وادعوه طالبنا هم بالدليل على صحته ولن يجدوه، وهذا أيضا مما لا ~~انفكاك لهم منه. # واستدلوا أيضا بأن (1) قالوا: قد ظهر عن الصحابة القول بالرأي وإضافة ~~المذاهب إليه، ولفظة " الرأي " إذا أطلقت لم تفد القول بالحكم من طريق ~~النص، لان ms386 ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرأي جليا كان الدليل أو خفيا، ولا ~~يستفاد من ذلك الا القول من طريق القياس والاجتهاد، والأخبار الواردة في ~~ذلك كثيرة: # PageV02P692 # نحو ما روى عن أبي بكر في الكلالة: " أقول فيها برأيي " (1) وقول عمر: " ~~اقض برأيي " (1)، وقوله: " هذا ما رأى عمر " (1)، ونحو قول أمير المؤمنين ~~عليه السلام في أمهات الأولاد: " كان رأيي ورأى عمر ان لا يبعن ثم رأيت ~~بيعهن " (1)، وهذه الجملة لا تدل على القياس والاجتهاد من الوجه الذي ~~ذكرناه في اطلاق لفظة " الرأي " وإضافة المذهب إليه. # ولأنه أيضا: لو كان رجوعهم فيما ذكرناه من اختلافهم إلى طرق العلم، لما ~~صح منهم الرجوع من رأى إلى رأى، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه صوابا وخطاء، ~~ولا ان يمسكوا عن تخطئة المخالف والنكير عليه. # ولأن الأدلة لا تتناقض ولا تختلف، فكيف يجوز أن يرجع كل واحد إلى دليل مع ~~اختلاف أقوالهم.؟ # فيقال لهم: قد ادعيتم في معنى " الرأي " ما لا يصح، لان " الرأي " إذا ~~أطلق تناول كل ما كان متوصلا إليه بضرب من الاستدلال الذي يصح فيه اعتراض ~~الشبهات، واختلاف أهل الاسلام لا يختص ما قيل قياسا دون ما قيل من جهة ~~اعتبار الظواهر والاستدلال بها الا ترى انهم يقولون: " فلان يرى العدل و " ~~فلان يرى القدر " و " فلان يرى الارجاء " وفلان يرى القطع على عقاب الفساق ~~" وان كان ذلك متوصلا إليه بالأدلة الموجبة للعلم. # وكذلك يقولون: " ان أبا حنيفة يرى الوضوء بنبيذ التمر (2) وان ذلك رأيه " ~~كما يقال: " ان ذلك مذهبه " وان كان لا يرجع في ذلك إلى قياس واجتهاد. # ويقال أيضا: " ان القضاء بالشاهد واليمين " رأى الشافعي (3) ومالك (3) ~~وان كان # PageV02P693 # مرجعهما فيه إلى الخبر، وان الأقراء التي تعتبر في العدة على رأي أبي ~~حنيفة الحيض (1) وعلى رأى الشافعي وغيره الأطهار (2) وان كان رجوع كل واحد ~~منهما في ذلك إلى ضرب من الاستدلال يخالف القياس. # وإذا كان معنى " الرأي " والمستفاد به المذهب والاعتقاد على ما ذكرناه، ~~لم يكن في إضافة الصحابة أقوالها إلى الرأي ms387 لأدلة على ما توهمه خصومنا من ~~القياس، لأنهم لم ينصوا على أن الرأي الذي رواه هو الصادر عن القياس دون ~~غيره، وإذا لم ينصوا والقول محتمل لما يقولونه لم يكن للخصم فيه دلالة. # فان قالوا: ان كان القول في " الرأي " على ما ذكرتم فلم لا يقال: ان ~~المسلمين يرون أن التمسك بالصلاة والصوم وما أشبه ذلك من الأمور المعلومة؟ ~~قلنا: انما لا يقال ذلك لما قدمناه من أن لفظ " الرأي " يفيد الأمور ~~المعلومة من الطرق التي يصح أن تعترضها الشبهات ويختلف فيها أهل القبلة، ~~ولهذا لا يضيفون الأمور المعلومة ضرورة من واجبات العقول إلى الرأي، كقبح ~~الظلم، ووجوب الانصاف، ورد الوديعة. ولا يضيفون أيضا إليه العلم بدعاء ~~الرسول عليه السلام لامته إلى صلوات الخمس، وصوم شهر بعينه، لأنه معلوم ~~ضرورة، أو باستدلال لا يدخل فيه شبهة. # وكذلك أيضا: لا يضيفون إليه سائر الأمور المعلومة بالأدلة التي لا يختلف ~~المسلمون فيها، كوجوب التمسك بالصلاة، والصوم، والعلم بنبوة الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وصدق دعوته، وقد بينا انهم يطلقون " الرأي " في القول ~~بالعدل، والقدر وغير ذلك. # فان قالوا: انما صح ان يقول العدلي: " فلان يرى القدر "، ويقول: القدري: ~~" فلان يرى العدل " لان كل واحد منهما ينسب صاحبه إلى القول بغير علم، وان ~~اجتهد، فشبه # PageV02P694 # بالقول بالرأي الذي هو القياس. # قيل لهم: هذا الاطلاق الذي حكيناه ليس يختص بواحد دون اخر، بل العدلي ~~يقول في نفسه وفيمن يقول بقوله انه يرى العدل، وكذلك القدر والارجاء وسائر ~~ما حكيناه من المذاهب، على أن العدلي لا يرى أن القدري قايل بالقدر الا عن ~~تقليد أو شبهة، وليس يرى أنه قائل من اجتهاد يقتضى غلبة الظن حتى يطلق عليه ~~لفظ " الرأي " المختص عندهم بالمذاهب الحاصلة من طريق القياس. # فان قالوا: كيف يصح ان ينازعوا في اختصاص " الرأي " بما ذكرناه؟ ومعلوم ~~ان القائل إذا قال: " هذا مذهب أهل الرأي "، و " قال أهل الرأي كذا " لم ~~يفهم عنه الا القياس دون غيره. # قيل: هذا تعارف حادث في ms388 أهل القياس، لأنه حدث الاختلاف بين الأمة في ~~القياس، فنفاه قوم وأثبته آخرون، وغلب على مثبتيه الإضافة إلى الرأي، ~~ومعلوم ان هذا التعارف لم يكن في زمن الصحابة، فكيف يحمل خطابهم عليه؟ # على أنه ليس معينا عن أحد من الصحابة انه قال: " انا من أهل الرأي " ~~وأكثر ما رووه قولهم " رأينا كذا " و " كان رائى ورأى فلان كذا "! # وليس يمتنع أن يكون في بعض تصرف اللفظة من التعارف ما ليس هو في جميع ~~تصرفها، ويكون الإضافة إلى " الرأي " قد غلب فيها ما ذكروه، وان لم يغلب في ~~قولهم: " رأيت كذا " و " كان كذا من رأي ". # هذا مما لا يمكن دفعه، فإنه لا شبهة على أحد في أن قولهم: " فلان من أهل ~~الرأي " لا يجري في الاختصاص بالإضافة إلى الاجتهاد والقياس مجرى قولهم " ~~رأى فلان كذا " و " كان رأى فلان أن يقول بكذا "، وان الثاني لا تعارف فيه ~~يخصصه وان كان في الأول. # وإذا صح ما ذكرناه، لم يمتنع أن يقول أمير المؤمنين عليه السلام: " كان ~~رائي PageV02P695 # ورأى عمر الا يبعن " (1) اي مذهبي وما أفتي به وكذلك قول أبي بكر: " أقول ~~فيها برأيي " (1) اي ما اعتقده وأداني الاستدلال إليه، وكذلك قول عمر: " ~~أقضي فيها برأيي " (1). # فان قالوا لو كان الامر على ما ذكرتم فلم قالوا ان كان صوابا فمن الله ~~وان كان خطأ فمني ومن الشيطان " (1) والأدلة والنصوص لا يكون فيها خطأ؟ # قيل: قد يخطئ المحتج بالكتاب والسنة والمستدل بأدلتهما، بان يضع ~~الاستدلال في غير موضعه، مثلا يقدم مؤخرا أو يؤخر مقدما، أو يخص عاما أو ~~يعم خاصا، أو يتمسك بمنسوخ، أو يعمل على ما هناك أولى منه، فيكون الخطاء ~~منه أو من الشيطان، فالكتاب والسنة وان لم يكن فيهما خطأ، فالمستدل بهما قد ~~يخطئ من حيث قلنا. # على انا إذا تأملنا المسائل التي قالوا فيها بما قالوه وأضافوه إلى ~~رأيهم، وجدنا جميعها لها مخرجا من أدلة النصوص، فالذاهب (2) إليها متعلق ~~بغير القياس. # اما بيع أم الولد فيمكن أن يعول من ms389 منع منه على ما روى عنه عليه السلام ~~في مارية القبطية لما ولدت إبراهيم: " أعتقها ولدها " (4). # ومن ذهب إلى جواز بيعها أمكنه التعلق بأشياء: # منها: ان أصل الملك جواز التصرف، والولادة غير مزيلة للملك بدلالة ان ~~لسيدها وطؤها بعد الولادة من غير ملك ثان ولا عقد نكاح، وذلك يقتضى بقاء ~~السبب المبيح للوطئ وهو الملك. # ومنها: انه لا خلاف في أن عتقها بعد الولادة جائز، ولو كان الملك زائلا ~~ما جاز العتق. # PageV02P696 # ومنها: قوله تعالى: ﴿أحل الله ~~البيع﴾ (١) ويتعلق بعمومه في كل موضع إلا ما أخرجه (٢) الدليل، فلعل من ~~أجاز البيع في الصدر الأول تعلق ببعض ما أشرنا إليه واعتمده. # ومن تأمل احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في بيع أمهات الأولاد (٣) ~~وجده مخالفا لطريقة القياس، لان المروى عنه عليه السلام انه قال: " سبق ~~كتاب الله بجواز بيعها " (٤)، فأضاف جواز البيع إلى الكتاب دون غيره. # فاما قول أبى بكر وقد سئل عن الكلالة " أقول فيها برأيي، فان كان حقا فمن ~~الله، وان كان خطأ فمني: هو ما عدا الوالد والولد " (٤) فليس يجوز أن يكون ~~الرأي الذي ذكره (٥) هو القياس، لان السؤال وقع عن معنى اسم، والأسماء لا ~~مدخل للقياس فيها، وانما المرجع فيها إلى المواضعة وتوقيف أهل اللسان، ~~وكتاب الله تعالى يدل على معنى الكلالة، لأنه تعالى قال: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ (6)، وما ~~تولى الله تفسيره والفتوى به لم يدخله الرأي والذي هو الاجتهاد والقياس. # ويبين ذلك أيضا: قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر وقد كرر عليه السؤال ~~عن الكلالة " يكفيك اية الصيف " (7) وهذا يدل على أن الآية نفسها تفيد ~~الحكم. # وكذلك ان تعلقوا بما روي عن ابن مسعود وانه " سئل عن امرأة مات عنها ~~زوجها ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها؟ فرد السائل شهرا ثم قال: " أقول ~~فيها برأيي، فان كان حقا فمن الله، وان كان خطأ فمني أو من الشيطان، والله ~~ورسوله منه بريان: ms390 # PageV02P697 # عليها العدة، ولها الميراث، ولها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط " (١) فقال ~~معقل بن يسار: " اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بروع ~~بنت واشق بما قضيت " (١) فسر عبد الله. # وذلك أن لقول عبد الله ظاهرا في كتاب الله يمكن أن يرجع إليه، وهو عموم ~~قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر) وعشرا﴾ (٢)، لان عموم الآية ~~تقتضي العدة على كل زوجة توفى عنها زوجها، ولم يخص بالجملة من لم يسم لها ~~صداقا. # ويمكن أن يكون أوجب الميراث لكل زوجة كقوله (٣) تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ (٤) [ولم يخص] (٥) من لم ~~يطأها زوجها ولم يسم لها صداقا، وأوجب المهر بقوله تعالى: ﴿فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾ (6) ~~وذلك موجب لمهر المثل، لان المسمى لا يتجاوز ولا يعتبر فيه العرف. # وإذا كان لكل أفتى به وجه في الظاهر، فما السبب في القطع على قوله ~~بالقياس؟ # فان قيل: لم رددهم شهرا؟ ولم قال: " وان كان خطأ فمني " (1)؟ فكيف يكون ~~الحكم المأخوذ من ظاهر الكتاب خطأ؟ # قلنا: يجوز أن يكون توقفه وترداده للسائل لطلبه ما عساه يقتضى تخصيص ~~الآيات التي ذكرناها والتماسا لما لعله أن يعثر عليه مما يجب له ترك ~~الظاهر. # ويمكن أن يكون أيضا: انه لم يتعين عليه فرض الفتيا لوجود غيره من علماء ~~الصحابة، فاثر طلب السلامة بالاعراض عن الجواب والفتيا، ثم ألحوا عليه ~~وسألوه أجاب. # PageV02P698 # فاما قوله: " ان كان خطأ فمني " (1) فيمكن لما أن يكون لأنه جوز أن يكون ~~هناك ما هو أولى من الظاهر من دليل يخص، أو رواية تقتضيه من الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم في مثل ما سئل منه يخالف قضيته، أو غير ذلك مما يكون ~~العدول إليه أولى. # على أنهم يقولون: " كل مجتهد مصيب "، فيلزمهم السؤال عن قوله: " أن كان ~~خطأ فمني "، وكيف نسب نفسه إلى الخطأ وهو مجتهد؟ # فلا بد لهم من ms391 الرجوع إلى تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى ~~لظفر به، وما جرى مجرى ذلك. # ومتى تأملت جميع المسائل التي حكي عنهم إضافة القول فيها إلى رأيهم وجدت ~~لها مخرجا في الظواهر وطرقا تخالف القياس! # فاما قولهم: " ولو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم لما صح منهم الرجوع ~~من رأى إلى اخر، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه خطأ وصوابا ". فمن بعيد ما ~~يقال، وذلك أن الرجوع عن المذاهب وأدلتها لا يدل على القول فيها بالقياس ~~والظن، لان ذلك قد يصح فيما طريقه العلم والأدلة، الا ترى ان القائل بالجبر ~~قد يعدل عنه إلى العدل، وكذلك قد يعدل عن القطع على عقاب الفساق من أهل ~~القبلة إلى القول بالارجاء (2)، وسائر مسائل الأصول ذلك ممن فيها، فليس ~~التنقل من رأى إلى اخر # PageV02P699 # دلالة على ما ظنوا (1). # وأما التوقف: فقد يجوز أن يكون طلبا للاستدلال والتأمل، كما يتوقف ~~الناظرون في كثير من مسائل الأصول التي يتوصل إليها بالأدلة المفضية إلى ~~العلم ويتثبتون تحرزا من الغلط، واحتياطا في إصابة الحق. # فاما: " تجويز كونه خطأ وصوابا "، فالوجه فيه ما ذكرناه في خبر ابن ~~مسعود، أو أن ذلك يحسن أن يقال بحيث يكون التجويز لورود ما هو أولى من ~~الظاهر ثانيا، لان الناظر ربما كان متهما نفسه بالتقصير ويجوز أن يكون في ~~المسألة مخصص أو معنى يقتضى العدول إليه لم يمعن النظر في طلبه والفحص عنه. # واما قولهم: " ولا ان يمسكوا عن تخطئة المخالف والنكير عليه، ولأن الأدلة ~~لا تتناقض ولا تختلف، فكيف يجوز أن يرجع كل واحد منهم في قوله إلى دليل "؟ # فقد بينا انا لا نقول ان مع كل واحد دليلا على الحقيقة، وانما قلنا: يجوز ~~أن يكون كل واحد تعلق بطريقة من الظاهر وأدلة النصوص، اعتقدها دليلا لا ~~شبهة في أن الأدلة لا تتناقض، الا أن ما يعتقد بالشبهة دليلا لا يجب ذلك ~~فيه. # فاما الامساك عن النكير (2) والتخطئة، فلم يمسكوا عنهما، والعلم بان ~~بعضهم خطأ بعضا يجرى مجرى العلم ms392 بأنهم اختلفوا، فدافع أحد الامرين كدافع ~~الاخر. # ويدل على ما ذكرناه ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد استفتاه عمر ~~في امرأة وجه إليها، فألقت ما في بطنها، وقد أفتاه كافة من حضره من الصحابة ~~بأن لا شئ عليه، فإنه مؤدب فقال عليه السلام: " ان كان هذا جهد رأيهم فقد ~~أخطأوا، وان كانوا قاربوك فقد غشوك " (3) وهذا تصريح بالتخطئة. # PageV02P700 # والخبر الذي رويناه متقدما عنه عليه السلام يشهد بذلك، وهو قوله عليه ~~السلام: " من أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه " (1). # وروى عن ابن عباس انه قال: " من شاء باهلته ان الذي أحصى رمل عالج ما جعل ~~للمال نصفين وثلثا " (2). # وروي عنه انه قال: " من شاء باهلته ان الجد أب " (3). # وقد رويت المباهلة عن ابن مسعود أيضا في قصة أخرى، وروي عن ابن عباس ~~الخبر الذي تقدم من قوله: " الا يتقى الله زيد بن ثابت " (1).، وهذا أيضا ~~تصريح بالتخطئة وتخويف بالله تعالى في المقام على المذهب. # والخبر الذي رويناه أيضا عن عمر انه قال: " أجرأكم على الجد أجرأكم على ~~النار " (4) واضح في هذا الباب. # وروي عن عائشة انها بعثت إلى زيد بن أرقم، وقد اشترى ما باعه بأقل مما ~~باعه به قبل أن يقبض الثمن: " انك ان لم تثبت فقد بطل جهادك مع النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم " (5). # وقيل لابن المسيب: ان شريحا قضى في مكاتب عليه دين: ان الدين والكتابة ~~بالحصص فقال: " أخطأ شريح ". # PageV02P701 # وفي هذا من الاخبار ما لا يحصى كثرة، وفيما أوردناه كفاية لما أردناه. # فاما ما لا يزالون يستكرهونه ويتعسفونه من تأويل هذه الأخبار التي ~~ذكرناها، مثل قولهم في قصة المجهضة ولدها " ان الخطأ والغش انما أراد به ~~ترك ما هو الأولى في النصح والمذهب " (1)، وان ابن عباس دعا إلى المباهلة ~~لأنه خطئ في اجتهاده، فدعا من خطأه في ذلك - لا في نفس المذهب - إلى ~~المباهلة، وان ذكر جهنم والنار على سبيل التشدد والتحرز، وان ذلك تخويف لمن ~~أقدم عليه من غير فكر ولا ms393 تحفظ. # وفي حديث احباط الجهاد، ان ذلك مشروط بأن يكون ذاكر للخبر المقتضي لخلاف ~~قوله، إلى غير ذلك مما يتناولون به الأخبار الواردة في هذا المعنى، فكله ~~عدول عن ظواهر الاخبار وحملها على ما لم تحتمله، وذلك انما يسوغ إن ساغ، ~~متى ثبت لنا تصويب القوم بعضهم لبعض في مذاهبهم من وجه لا يحتمله التأويل. # فاما ولا شئ نذكر في ذلك الا وهو محتمل للتصويب وغيره على ما ذكرناه ~~وسنذكره، فلا وجه للالتفات إلى تأويلاتهم البعيدة. # فإن قالوا: نحن وان صوبنا المجتهدين، فليس نمنع أن يكون في جملة المسائل ~~ما الحق فيه في واحد، فلا يسوغ في مثله الاجتهاد، وأكثر ما تقتضيه الاخبار ~~التي رويتموها أن يكون الاجتهاد غير سائغ في هذه المسائل بعينها، وهذا لا ~~يدل على أن سائر المسائل كذلك. # قلنا: لا فرق بين هذه المسائل التي روينا فيها الاخبار وبين غيرها، وليس ~~لها صفة تباين بها ما عداها مسائل الاجتهاد، الا يرون انه لا نص في شئ منها ~~يقطع العذر، كما أن ذلك ليس في غيرها من مسائل الاجتهاد، وإذا لم يتميز من ~~غيرها بصفة لم يسغ ما ادعيتموه واشترك الكل في جواز الاجتهاد فيه أو المنع ~~منه. # واستدلوا أيضا بان قالوا ليس تخلو أقوالهم في هذه المسائل التي أضافوها # PageV02P702 # إلى آرائهم وأمثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها من طرق الأدلة الموجبة ~~للعلم، أو من جهة الاجتهاد والقياس. # ولو كان الأول: لوجب أن يكون الحق في واحد من الأقوال دون جميعها، ولوجب ~~أن يكون ما عدا المذهب الواحد الذي هو الحق منها باطلا خطأ، ولو كان كذلك ~~لوجب أن يقطعوا ولاية قائله، ويبرءوا منه، ويلعنوه، ولا يعظموه، الا ترى ~~انهم في أمور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة، ورجعوا عن التعظيم والولاية، لما ~~لم يكن من باب الاجتهاديات، ولو كان الكل واحدا لفعلوا في جميعه فعلا ~~واحدا. # ولو كان الامر على خلاف قولنا، لم يحسن ان يولى بعضهم بعضا مع علمه ~~بخلافه عليه في مذهبه، كما ولى أمير المؤمنين ms394 عليه السلام شريحا مع علمه ~~بخلافه له في كثير من الاحكام، وكما ولى أبو بكر زيدا وهو يخالف في الجد، ~~فلولا اعتقاد المولي أن المولى محق، وان الذي يذهب إليه - وان كان مخالفا ~~لمذهبه - صواب لم يجز ذلك، ولا جاز أيضا ان يسوغ له الفتيا ويحيل عليه بها، ~~وقد كانوا يفعلون ذلك. # وكذلك كان يجب أن ينقض بعضهم على بعض الأحكام التي يخالفه فيها لما تمكن ~~من ذلك، وان ينقض الواحد على نفسه ما حكم به لهم في حال ثم رجع إلى ما ~~يخالفه في أخرى، لان كثيرا منهم قد قضى بقضايا مختلفة ولم ينقض على نفسه ما ~~تقدم، فلولا ان الكل عندهم صواب لم يسغ ذلك! # وأيضا: فقد اختلفوا فيما لو كان خطأ لكان كبيرا، نحو اختلافهم في الفروج، ~~والدماء، والأموال، وقضى بعضهم بإراقة الدم، وإباحة المال والفرج، فلو كان ~~منهم من أخطأ، لم يجر ان يكون خطأه كبيرا، ويكون سبيله سبيل من ابتداء ~~إراقة دم محرم بغير حق، وأخذ مالا عظيما بغير حق، واعطاء من لا يستحقه، وفي ~~ذلك تفسيقه ووجوب البراءة منه. # وفي علمنا بفقد كل ذلك دليل على أنهم قالوا بالاجتهاد وان الجماعة ~~PageV02P703 # مصيبون. # وهذه الطريقة هي عمدتهم في أن كل مجتهد مصيب في أحكام الشريعة. # قيل لهم: ما تنكرون أن يكون الخطأ الواقع ينقسم: # إلى ما يوجب البراءة، وحمل السلاح، واللعن، وقطع الولاية. # والى ما لا يوجب شيئا من ذلك وأن يكون اشتراك الفعلين في كونهما خطأ لا ~~يقتضى اشتراكهما فيما يستحق عليهما ويعامل به فاعلهما، إلا يرى أن (1) ~~الصغيرة تشارك الكبيرة في القبح والخطأ، فلا (2) يدل ذلك على تساويهما فيما ~~يعامل به فاعلهما. والزنا (3) والكفر يشتركان في القبح والمعصية، ولا يجب ~~تساويهما في سائر الأحكام. # وإذا أجاز اشتراك الشيئين في القبح مع اختلافهما فيما يستحق عليهما، لم ~~يمتنع أن يكون الحق في أحد ما قاله القوم، وما عداه خطأ، ولا يجب مساواة ~~ذلك الخطأ لما يوجب من الخطاء والتبري، واللعن، وحمل السلاح، والحرب. # ثم ms395 يقال لهم: أليس الصحابة قد اختلفت قبل العقد لأبي بكر حتى قالت ~~الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير؟ " (4) فإذا اعترفوا به ولابد منه، قيل ~~لهم: أو ليس الذي دعوا إلى ذلك مخطئين لمخالفتهم الخبر المأثور عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الأئمة من قريش " (5) فلا بد من ~~الاقرار بخطئهم؟ # PageV02P704 # فيقال لهم: أفتقولون انهم كانوا فساقا، ضلالا، يستحقون اللعن والبراءة ~~والحرب؟ # فان قالوا: نعم، لزمهم تفسيق الأنصار، ولعنهم، والبراءة منهم. # وهذا أقبح مما يعيبونه على من يرمونه بالرفض! # فان قالوا: انهم لم يصروا على ذلك، بل راجعوا الحق، فلم يستحقوا تفسيقا ~~ولا براءة. # قيل لهم: كلامنا عليهم قبل التسليم وسماع الخبر، وعلى ما قضيتم به يجب أن ~~يكونوا في تلك الحال فساقا يستحقون البراءة واللعن والعدول عن الولاية ~~والتعظيم، وهذا مما لم يقله أحد منهم. # على أن فيهم من لم يرجع بعد سماع الخبر وأقام على امره، فيجب أن يحكموا ~~فيه بكل الذي ذكرناه. # فان قالوا: ان الأنصار لم تفسق بما دعت إليه، وان كان الحق في خلاف ~~قولها، ولا استحقت اللعن والبراءة. # قيل لهم: فما تنكرون أن يكون الحق في أحد ما قالته الصحابة من المسائل ~~التي ذكرتموها دون ما عداه، وأن يكون من خالفه لا يستحق شيئا مما ذكرتم؟ # ويسئلون أيضا: على هذا الوجه في جميع ما اختلفت فيه الصحابة مما الحق فيه ~~في واحد، كاختلافهم في مانعي الزكاة هل يستحقون القتال؟، وغير ذلك من ~~المسائل. # ويقال: يجب إذا كان من فارق الحق في مثل هذه المسائل من الصحابة قد أخطأ، ~~أن يكون في تلك الحال فاسقا، منقطع الولاية، ملعونا، مستحقا للمحاربة. # ويسألون أيضا: عن قضاء عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم، حتى قال ~~(له) (1) أمير المؤمنين عليه السلام: " ان كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك ~~على ما في # PageV02P705 # بطنها " (1). # فيقال لهم: أتقولون ان قضاءه بذلك حق؟ # فان قالوا: نعم، غلطوا وفارقوا ما عليه الأمة، لان الكل يقولون لا يجوز ~~رجمها وهي حامل، وفي رجوع عمر ms396 إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام، وقوله: " ~~لولا علي لهلك عمر " (1)، دلالة على تنبيه الخطاء في قضيته. # فيقال لهم: أتقولون إذا كان قد أخطاء انه مستحق للعن والبراءة والتفسيق، ~~فلا بد لهم من أن ينفوا ذلك، ويجعلوا الخطأ الواقع منه مما لا يقتضى تفسيقا ~~ولا براءة، فيقال لهم في المجتهدين مثله. # فان قالوا: ان الخطاء الذي لم تقم الدلالة على أنه فسق، يجوز أن يكون ~~فسقا، وأن يكون صاحبة صاحبه مستحقا لقطع الولاية واللعن والبراءة، فيقولون ~~في الصحابة مثل ذلك. # قلنا: هكذا يجب أن يقال، وانما منعنا من ايجابكم تفسيقهم والرجوع عن ~~ولايتهم باختلافهم في مسائل الاجتهاد، وأعلمناكم ان ذلك لا يجب في كل خطأ ~~ومعصية، وليس هذا مما يوحش، فان تجويز كون خطئهم في حوادث الشرع كبيرا من ~~حيث لا يعلم، كتجويز كل أحد عليهم أن يكون مستسرا بكبيرة يجب لها قطع ~~الولاية، ويستحق بها البراءة واللعن، غير أن يجوز ذلك عليهم في حوادث الشرع ~~لا يوجب الاقدام على قطع ولايتهم وإسقاط تعظيمهم، كما أن تجويز الكبائر ~~عليهم لا يوجب ذلك، وانما يوجبه تيقن وقوع الكبائر منهم. # وفيمن يوافقنا في كون الحق في هذه المسائل في واحد، من يقول: انى آمن من ~~كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا من حيث الاجماع، والأول امر على النظر. # PageV02P706 # على أن مذهبنا فيمن جمع بين الايمان والمعصية (1) معروف، وعندنا ان معاصي ~~المؤمنين من أهل الصلاة لا تسقط ولايته وتعظيمه، والمعاصي عندنا وان كان ~~جميعها كبيرا، وانها تسمى صغائر بالإضافة، فليس يجوز أن نلعن فاعلها، أو ~~نحاربه، أو نحده، أو نستعمل معه الاحكام التي تستعمل مع العصاة، الا بتوقف ~~على ذلك. # وانما تستعمل هذه الأحكام مع بعض عصاة أهل الصلاة بالتوقيف، وما لم يرد ~~فيه سمع من معاصيهم لا تقدم على المساواة بينه وبين غيره فيما ذكرناه، بل ~~يقتصر على الذم المشروط أيضا ببقاء استحقاق العقاب، لأنا نجوز من اسقاط ~~الله تعالى لعقابهم تفضلا ما يمنع من استحقاقهم الذم، كما منع من استحقاق ~~العقاب. ms397 # فالقول فيما ذكرناه واضح، وما ألزموناه باطل على كل مذهب. # فاما تعلقهم بولاية بعضهم بعضا مع المخالفة في المذهب، وان ذلك يدل على ~~التصويب، فليس على ما ظنوا، وذلك انهم لم يول أحد منهم واليا، لا شريحا ولا ~~زيدا ولا غيرهما، الا على أن يحكم بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وما أجمع عليه المسلمون، ولا يتجافوا (2) الحق في الحوادث، ~~ولا يتعداه، وإذا قلده بهذا الشرط لم يمكن ان يقال انه يسوغ (3) له الحكم ~~بخلاف مذهبه، لأنهم لا يتمكنون من أن يقولوا انه نص له على شئ مما يخافه ~~فيه، وإباحة الحكم فيه بخلاف رأيه. # وجملة ما نقوله: انه ليس لأحد أن يقلد حاكما على أن يحكم بمذهب كذا، أو ~~يقضى برأي فلان بل يقلده على أن يحكم بالكتاب والسنة والاجماع، ولم يول ~~القوم أحدا الا على هذا. # PageV02P707 # فاما تعلقهم بتسويغ الفتيا، وإحالة بعضهم على بعض بها. # فغير صحيح، وذلك انهم يدعون في تسويغ الفتيا ما لا نعلمه، وكيف يسوغون ~~الفتيا على جهة التصويب لها؟ ونحن نعلم أن بعضهم قد رد على بعض وخطأه، ~~وخوفه بالله تعالى من المقام على الهوى، وهذا غاية النكير. # وان أرادوا انهم سوغوها (1) من حيث لم ينقضوها ويبطلوا الاحكام المخالفة ~~لهم. فذلك ليس بتسويغ، وسنتكلم عليه. # وما نعرف أيضا أحدا منهم أرشد في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه، ~~ولا يقدرون على أن يعينوا واحدا فعل ذلك، وانما كانوا يحيلون بالفتيا في ~~الجملة على أهل العلم، والعالمين بالحق، والتفصيل غير معلوم من الجملة. # فاما الزامهم لنا: أن ينقض بعضهم على بعض حكمه، والواحد على نفسه فيما ~~حكم به ورجع (2) عنه. # فغير واجب لان اقرار الحكم وورود العبادة بالامساك عن نقضه لا يوجب كونه ~~صوابا، الا ترى انا قد نقر أهل الذمة على ابتياعاتهم الفاسدة، ومناكحتهم ~~الباطلة إذا أدوا الجزية، ونقتصر على انكاره على اظهار الخلاف، مع انا لا ~~نرى شيئا من ذلك صوابا، فليس مجيئ العبادة باقرار حكم من الاحكام ms398 مع النهى ~~عنه مما يفسد أو يستحيل، وسبيل ذلك سبيل ابتداء العبادة به فكما يجوز ~~ورودها بهذا الحكم ابتداء جاز ورودها باقراره بعد وقوعه وان كان خطأ. # على أنه قد ورد ان شريحا قضى في ابن عم أحدهما أخ لامه بمذهب ابن مسعود ~~فنقض أمير المؤمنين عليه السلام حكمه فقال: " في اي كتاب وجدت ذلك، أو في ~~اي سنة "، وهذا يبطل دعوى من ادعى ان أحدا منهم لم ينقض حكم من خالفه # PageV02P708 # على العموم، والقول في نقض الواحد منهم على نفسه يجرى على الوجه الذي ~~ذكرناه. # فاما تعلقهم بان الخطاء في الدماء والفروج، والأموال، لا يكون الا كبيرا ~~فظاهر البطلان. # لأنا نقول لهم: لم زعمتم ان الحكم بإراقة الدم، وإباحة الفروج، والأموال، ~~لا يكون إلا كبيرا؟ # ولم إذا كان كبيرا في بعض المواضع، ومن بعض الفاعلين، وجب أن يكون كذلك ~~في كل حال ومن كل فاعل؟ # أو لا ترون انه قد يشترك (1) فاعلان في إراقة دم غير مستحق ويكون فعل ~~أحدهما كفرا والاخر غير كفر!، وإذا جاز ذلك لم يمتنع ان يشترك فاعلان أيضا ~~في إراقة دم ويكون من أحدهما فسقا وكبيرا، ولا يكون من الاخر كذلك. # ثم يسئلون عما اختلفت فيه الصحابة وكان الحق فيه في أحد الأقوال ~~كاختلافهم في مانعي الزكاة وهل يستحقون القتال؟ واختلافهم في الإمامة يوم ~~السقيفة؟ # ويقال لهم: يجب أن يكون خطأهم كبيرا، لأنهم مخالفون للنصوص وما الحق، فيه ~~في واحد، ويجب أن يكونوا بمنزلة من ابتداء خلاف النصوص في غير ذلك، فكل شئ ~~يعتذرون به ويفصلون قوبلوا بمثله. # على أنهم يقولون: ان قتلا وقع من موسى عليه السلام صغيرة، ولا يلزمهم ان ~~يكون كل قتل صغيرة، ولا إذا حكموا بكبر القتل منا ان يحكموا بكبره من موسى ~~عليه السلام، فكيف سوغ مع ذلك أن يلزموا مخالفهم في نفى القياس ما اعتمدوه؟ # وتعلقوا أيضا: بما روى من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما انفذ ~~معاذ إلى اليمن قال له: " بماذا تقضى؟ قال: بكتاب ms399 الله، قال: فان لم تجد في ~~كتاب الله؟ قال: # PageV02P709 # بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فان لم تجد؟ قال: اجتهد ~~رأيي (1)، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم " (2). # وبما قد روى عن ابن مسعود مثل ذلك، وهو انه قال له: " اقض بالكتاب والسنة ~~إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما فاجتهد رأيك " (3). # وبما روى عن عمر في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري انه قال: # " قس الأمور برأيك " (3). # والكلام على ما ذكروه من وجوه. # أولها: ان هذه اخبار آحاد لا تقبل في مثل هذه المسألة التي طريق اثباتها ~~العلم المقطوع على صحته! # على أن الأصول لو ثبتت باخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لان ~~رواته مجهولون (4)، وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ، ولم يذكروا. # PageV02P710 # على أن روايته قد وردت مختلفة فجاء في بعضها انه لما قال " اجتهدوا رأيي ~~" قال عليه السلام له: " لا اكتب إلى اكتب إليك " (1)، وهذا يوجب أن يكون ~~الامر فيما لا يجده في الكتاب والسنة موقوفا على ما يكتب إليه لا على ~~اجتهاده. # فان قالوا: الدليل على صحة روايته تلقى الأمة له عصرا بعد عصر بالقبول، ~~ولأن الصحابة إذا ثبت انهم عملوا بالقياس والاجتهاد فلا بد فيه من نص، لان ~~أصل القياس في الشرع لا يستدرك قياسا، ولا نص يدل ظاهره على ذلك الا خبر ~~معاذ أوما خبر معاذ أقوى منه، فيجب من ذلك صحة الخبر. # قلنا: اما تلقى الأمة له بالقبول فغير معلوم (1)، وقد بينا ان قبول الأمة ~~لأمثال هذه الأخبار كقبولهم لخبر مس الذكر (2) وما جرى مجراه مما لا يقطع ~~به ولا يعلم صحته. # PageV02P711 # فاما ادعاؤهم بثبوت عملهم بالقياس، وانه يجب أن يكون لهذا الخبر لأنه لا ~~نص غيره، فبناء على ما لم يثبت ولا يثبت، وقد بينا بطلان ما ظنوه دليلا على ~~اجماعهم على ذلك. # ولو سلم لهم على ما فيه، لجاز أن يكونوا اجمعوا لبعض ما في الكتاب ms400 أو ~~لخبر اخر، على أنهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صح لم يحتج إلى ~~الخبر، ولم يكن دليلا على المسألة، لأنا إذا علمنا اجماعهم على القياس ~~والاجتهاد، فأي فقر بنا إلى تأمل خبر معاذ؟ وكيف يستدل به على ما قد علمناه ~~لغيره؟ # فان قالوا: نعلم باجماعهم صحة الخبر ويصير الخبر دليلا، كما أن اجماعهم ~~دليل، ويكون المستدل مخيرا في الاستدلال بأيهما شاء. # قلنا: لسنا نعلم باجماعهم صحة الخبر الا بعد أن نعلم أنهم اجمعوا على ~~القياس والاجتهاد، وعلمنا بذلك يخرج (1) الخبر من أن يكون دلالة وانما كان ~~يمكن ما ذكروه لو جاز أن يعلم اجماعهم على صحة الخبر من غير أن يعلم ~~اجماعهم على القول بالقياس، وذلك لا يصح. # على انا إذا تجاوزنا ذلك ولم نعرض للكلام في أصل الخبر ووروده، لم يكن ~~فيه دلالة، لأنه قال: " اجتهد رأيي " ولم يقل في ماذا؟ ولا ينكر ان يكون ~~معناه اجتهد رأيي حتى أجد حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب والسنة إذا ~~كان في احكام الله فيهما ما لا يتوصل إليه الا بالاجتهاد ولا يوجد في ظواهر ~~النصوص، فادعاؤهم ان الحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة يستخرجها القياس هو ~~الاجتهاد زيادة في الخبر بما لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه. # فان قالوا: ما يوجد في دليل النص من كتاب أو سنة فهو موجود فيهما، وقوله: ~~" فان لم يجد " يجب أن يحمل على عمومه، وعلى انه لم يجد على كل حال، وإذا ~~حمل على ذلك، فليس وراءه الا الرجوع إلى القياس الذي تقوله. # PageV02P712 # قلنا: ليس يجب حمل الكلام على عمومه عند أكثر أصحابنا، فعلى هذا المذهب ~~سقط هذا الكلام. # على أنهم لا يقولون بذلك، لان القياس والاجتهاد عندهم من المفهوم بالكتاب ~~والسنة وهما لا يدلان عليه، فكيف يصح حمل قوله: " فان تجد " على العموم؟ ~~وهذا يقتضى انهم قائلون في النفي أيضا بالخصوص، فكيف عابوه علينا؟ # وبعد، فان جاز اثبات القياس بمثل خبر معاذ، فان من نفاه يروي ما ms401 هو أقوى ~~منه وأوضح لفظا، نحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " ~~ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور ~~برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام " (1). # والروايات في هذا كثيرة ومن تتبعها وجدها. # فاما خبر ابن مسعود الذي ذكروه، فالكلام كالكلام على خبر معاذ بعينه. # فاما كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري وقوله: " اعرف الأشباه والنظائر وقس ~~الأمور برأيك " فأضعف في باب الرواية من خبر معاذ، وابعد من أن يتعلق به في ~~مثل هذا الباب! # على أنه إذا سلم لم يكن فيه دلالة، وذلك أن القياس الذي دعاه إليه هو ~~الحاق الشئ بشبهة، ولهذا قال: " اعرف الأشباه والنظائر "، والمشابهة ~~الموجبة للقياس وحمل الشئ على نظيره انما هي المشاركة في امر مخصوص به تعلق ~~الحكم، فمن عرف ذلك وحصله وجب عليه الجمع به بين الأصل والفرع، وهذا ~~المقدار لا ينازعون فيه ولكن لا سبيل إلى معرفته. ولو أمكن فيه ما يدعونه ~~من الظن لم يكن في الخبر أيضا دلالة لهم، لأنه ليس فيه الامر بقياس النوع ~~على الأصل إذا شاركه في # PageV02P713 # معنى يغلب على الظن انه علة الحكم. # وللمخالف أن يقول لهم: ان الأرز ليس بمشابه للبر، ولا النبيذ التمري ~~يشابه الخمر، ولا بينهما شبه يوجب التساوي في الحكم، والخبر انما تناول ~~المساواة بين المشتبهين ولا اشتباه هاهنا. # فان قالوا: هاهنا اشتباه مظنون. # قلنا: ليس في الخبر عمل على ما تظنه مشتبها قال: " اعرف الأشباه والنظائر ~~" وذلك يقتضى حصول العلم بالاشتباه. # على الامر الذي يقع به التشابه في الحكم غير مذكور في الخبر، فان جاز لهم ~~ان يدعوا انه عنى المشابهة في المعاني التي يدعيها القايسون كالكيل في البر ~~والشدة في الخمر، جاز لخصومهم أن يدعوا انه أراد المشابهة في اطلاق الاسم ~~واشتمال اللفظ، فيكون ذلك دعامته إلى القول بحمل اللفظ على كل ما تحته من ~~المسميات لتساويها في تناول اللفظ، فكأنه تعالى إذا قال: ﴿والسارق والسارقة ms402 فاقطعوا أيديهما﴾ (1) وعلم أن ~~كل سارق يقع عليه هذا الاسم وشارك سائر السراق في تناول اللفظ، وجب التسوية ~~بين الجميع في الحكم، الا أن تقوم دلالة. # واستدلوا أيضا: بأن قالوا: إذا ثبت في أنه لابد في الفروع الشرعية من ~~حكم، ولا نص ولا دليل على حكم ما يجب أن كون متعبدين فيها بالقياس. # وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه فقالوا: قد ثبت عن الصحابة انهم رجعوا ~~في طلب احكام الحوادث إلى الشرع، فإذا علم ذلك من حالهم في جميع الحوادث ~~على كثرتها واختلافها، وصح انه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره ولا ~~دليله، فليس بعد ذلك الا القياس والاجتهاد، لان التبخيت والقول بما اتفق ~~يمنع منه العقل. # وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى، لأنهم لم يرجعوا في هذا إلى # PageV02P714 # اجماعهم على نفس القول بالقياس والاجتهاد، بل رجعوا إلى اجماعهم في طلب ~~الاحكام من جهة الشرع. # وفي الطريقة الأولى اعتبروا اجماعهم على نفس القول بالقياس. # فيقال لهم: في الحوادث حكم لكنه ما كان في العقل، أو فيها حكم ولم يكلف ~~معرفته، أو لا حكم فيها جمله، فكل ذلك جائز لا مانع منه. # واما تعلقهم بهذه الطريقة على الوجه الثاني، فمبني على أنه لا نص يدل ~~بظاهره ولا دليله على احكام الحوادث، فيجب لذلك الرجوع إلى القياس فيها، ~~ودون ما ظنوه خرط القتاد، لأنا قد بينا ان جميع ما اختلف فيه الصحابة من ~~الاحكام له وجوه في النصوص، وأنما لا يقف على وجه بعينه يمكن ان يكون له ~~وجه، وان القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن بما يستغني عن اعادته. # على أن أكثر ما في هذا أن يكون جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها ~~للأحكام من جهة الشرع لا يدخل حكم العقل فيها، فإنه لابد فيها من حكم شرعي، ~~ثم نقول: انهم ما رجعوا فيما طلبوه من جهة الشرع الا إلى النصوص، وعلى من ~~ادعى خلاف ذلك الحجة. # من أين لهم ان جميع ما يحدث إلى يوم القيمة هذا حكمه؟ وانه ms403 لابد من أن ~~يكون المرجع فيه إلى الشرع؟ ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل؟ ولم إذا كانت ~~الحوادث التي بليت به الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كل حادثة؟ # وهل هذا الا تمن وتحكم.؟ # على أنه قد روى عن بعضهم ما يقتضى انه رجع إلى حكم العقل في مسألة ~~الحرام، وهو مسروق (1) لأنه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من تريد ~~مما يعلم بالعقل اباحته. # واستدل الشافعي وجماعة معه على ذلك بالقبلة، قالوا: لما وجب طلبها بما # PageV02P715 # يمكن طلب به عند عدم العين (1). فكذلك يجب طلب الحكم في الفروع عند عدم ~~النص بما يمكن طلبه به. # يقال لهم: ان ما ذكرتموه ان دل فإنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد في ~~الشرعيات، فاما أن يعتمد في اثبات العبادة به في الشرع فباطل لان معتمد ذلك ~~لابد له من أن يقيس سائر حوادث الفروع في جواز استعمال الاجتهاد فيها على ~~القبلة وذلك منه قياس، والكلام انما هو في اثبات القياس، وهل وردت به ~~العبادة أم لا؟ فكيف يستسلف صحته؟ # ولمن ينفى القياس ان يقول: ان الذي يجب أن أثبت الحكم في القبلة ~~بالاجتهاد لورود النص، واقف عند ذلك ولا أتجاوزه، وهذا بمنزلة أن ترد ~~العبادة بايجاب صلاة فيقيس قايس عليها وجوب أخرى، فكما انه ممنوع من ذلك ~~الا أن يتعبد بالقياس، فكذلك من قاس على القبلة غيرها ممنوع من قياسه، ولما ~~أثبت ورود العبادة بالقياس. # على أن الحكم عند الغيبة ثابت بالنص في الجملة، لان المكلف قد الزم أن ~~يصلى إلى جهتها (2)، فإذا (3) كان الحكم الشرعي ثابتا في الجملة [ولم يكتف ~~المكلف في امكان الفعل في الجملة] (4) وجب أن يجتهد ليمكنه الفعل الواجب ~~عليه في الجملة، فالاجتهاد منه ليس يتوصل به إلى اثبات الحكم الشرعي، وانما ~~يصل به إلى تمييز الحكم المجمل الذي ورد النص به، وتفصيله وعروض ذلك أن يرد ~~النص في الأرز ان فيه ضربا من ضروب الربا، ويكون هناك طريق الاجتهاد في ~~اثباته، فيتصل المكلف إلى ms404 تمييز ذلك الربا وتفصيله لأجل النص المجمل، وهذا ~~مما يثبت لهم. # PageV02P716 # على أنه يقال للمتعلق بهذه الطريقة: أليس انما اجتهدت عند الغيبة في ~~القبلة لما ثبت بالنص حكم لا سبيل لك إلى معرفته الا بالاجتهاد؟ # فإذا اعترف بذلك قيل له: فثبت في الفرع انه لابد فيه من حكم لا يمكن ~~معرفته الا بالاجتهاد حتى يتساوى الأمران؟ ولا سبيل لك إلى ذلك. # وقد علمت أن في نفاة القياس من يقول إن حكم الفرع معلوم عقلا، وفيهم من ~~يقول إنه معلوم بالنصوص اما بظواهرها أو بادلتها، وبعد فليس مثبت القياس ~~بأن يتعلق بالقبلة في اثبات الحكم للفرع قياسا على الأصل بأولى من نافى ~~الناس إذا تعلق بها في حمل الفرع على الأصل، في أنه لا يثبت له حكم الا ~~بالنص. # ومتى قيل له: فاجمع بين الامرين؟ امتنع لتنافيهما. # ومتى قيل له: الاثبات أرجح وادخل في الفائدة. # قال: هذا انما يصح فيما ثبت وصح، لا فيما الكلام واقع فيه. # واستدلوا: بما روى عنه عليه السلام من قوله للخثعمية: " أرأيت لو كان على ~~أبيك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم، قال فدين الله أحق وأولى أن يقضى " (1)، ~~وبقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: " أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه ~~" (2)؟ # وقوله في حديث أبي هريرة حين سأله السائل عن رجل ولد له غلام اسود فقال ~~له: " ألك إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فيها أورق (3)؟ ~~قال: # PageV02P717 # نعم، قال: وانى ذلك؟ قال لعل عرقا نزعه، قال: وهذا لعل عرقا نزعه " (١). # وغير ذلك من الأحاديث لم نذكرها لضعفها وبيان وهنها. # يقال لهم: أول ما في هذا الاخبار انها اخبار آحاد لا توجب علما، وما هذا ~~حكمه لا يثبت به أصل معلوم، وثبوت العبادة بالقياس أصل معلوم عندهم مقطوع ~~على صحته، فلا يجوز اثباته بما يوجب غلبة الظن. # على أن تنبيهه عليه على علة الحكم ليس بأكثر من أن ينص صريحا عليها، ولو ~~نص على العلة لم يجب القياس بهذا العذر (٢) دون أن يدل على ms405 العبادة به ~~بغيره على أنه - عليه السلام - بتنبيهه قد اغنى عن (٣) القياس، فكيف يجعل ~~ذلك دليلا على القياس؟ # ولأنه أيضا: مع التنبيه على العلة قد أثبت الحكم في الفرع والأصل معا، ~~وما هذا حاله لا يدخل القياس في. # على أنه عليه السلام أخبر ان الحج يجرى مجرى الدين في وجوب القضاء، وكذلك ~~ما نبه عليه في باب القبلة، والمولود الأسود، ولم يذكر لأي سبب جرى مجراه؟ ~~وما العلة؟ وهل ظاهر نص أوجب ذلك؟ أو طريقه من القياس؟ # وإذا كان الامر متحملا لم يجز القطع على أحد الوجهين بغير دليل. # على أن اسم الدين يقع على الحج كوقوعه على المال، وإذا كان كذلك دخل في ~~قوله تعالى: ﴿من بعد وصية توصون بها ~~أو دين﴾ (4)] (5). # وهذا القدر كاف من الكلام في هذه الأخبار، وبطلان التعلق بها، فان ~~الاكثار في # PageV02P718 # تأويلاتها لا فائدة فيه. # وقد أثبت في هذه المسألة أكثر ألفاظ المسألة التي ذكرها سيدنا المرتضى ~~رحمه الله في ابطال القياس (1)، لأنها سديدة في هذا الباب، وأضفت إلى ذلك ~~مواضع لم يذكرها، وحذفت أشياء يستغنى عن ايرادها، وفي القدر الذي أوردناه ~~كفاية وتنبيه على كل ما يتعلق به في الباب # PageV02P719 # فصل NoteV02P723N01 الكلام في الاجتهاد اعلم أن كل امر (1) لا يجوز تغيره ~~عما هو عليه من وجوب إلى حظر، و (2) من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل ~~العلم المحصلين ان الاجتهاد في ذلك لا يختلف، وان الحق في واحد، وان من ~~خالفه ضال فاسق، وربما كان كافرا، وذلك نحو القول بأن العالم قديم أو محدث؟ ~~وإذا كان محدثا هل له صانع أم لا؟ والكلام في صفات الصانع، وتوحيده، وعدله، ~~والكلام في النبوة والإمامة وغير ذلك، وكذلك، الكلام في أن الظلم، والعبث، ~~والكذب قبيح على كل حال، وان شكر المنعم، ورد الوديعة، والانصاف حسن على كل ~~حال، وما يجرى مجرى ذلك. # وانما قالوا ذلك: لان هذه الأشياء لا يصح تغيرها في نفسها، ولا خروجها عن ~~صفتها التي هي ms406 عليها، الا ترى ان العالم إذا ثبت انه محدث، فاعتقاد من ~~اعتقد انه قديم لا يكون الا جهلا، والجهل لا يكون الا قبيحا. # وكذلك إذا ثبت ان له صانعا، فاعتقاد من اعتقد انه ليس له صانع لا يكون ~~الا جهلا. # PageV02P723 # وكذلك القول في صفاته، وتوحيده، وعدله. # وكذلك إذا ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق، فاعتقاد من اعتقد ~~كذبه لا يكون الا جهلا. وكذلك المسائل الباقية. # وحكي عن قوم شذاذ لا يعتد بأقوالهم انهم قالوا: ان كل مجتهد فيها مصيب ~~(1). # وقولهم باطل بما قلناه. # واما ما يصح تغييره في نفسه، وخروجه من الحسن إلى القبح، ومن الحظر إلى ~~الإباحة، فلا خلاف بين أهل العلم انه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك ~~فيما تكون حسنا من زيد يكون قبيحا من عمرو، وما يقبح من زيد في حال بعينها ~~يحسن منه في حالة أخرى، ويختلف ذلك بحسب اختلاف أحوالهم وبحسب اجتهادهم. # وانما قالوا ذلك: لان هذه الأشياء تابعة للمصالح والالطاف، وما حكمه هذا ~~فلا يمتنع ان يتغير الحال فيه، ولهذه العلة جاز النسخ، ونقل المكلفين عما ~~كانوا عليه إلى خلافه بحسب ما تقتضيه مصالحهم. # الا أن مع تجويز ذلك في العقل هل ثبت ذلك في الشرع أم لا؟ # فقد اختلف العلماء في ذلك (2): # فذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي # PageV02P724 # الحكم، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم (1)، وأبي الحسن (2)، وأكثر ~~المتكلمين، واليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه فيما حكاه أبو الحسن (2) عنهم، وقد ~~حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة خلافه (3). # وذهب الأصم، وبشر المريسي إلى أن الحق في واحد من ذلك وهو ما يقولون به، ~~وان ما عداه خطأ، حتى قال الأصم: ان حكم الحاكم ينقض به، ويقولون: ان ~~المخطئ غير معذور في ذلك، الا أن يكون خطؤه صغيرا، وان سبيل ذلك سبيل ~~الخطاء في أصول الديانات (3). # وذهب أهل الظاهر فيما عدا القياس من الاستدلال وغيره إلى أن الحق من ذلك ~~في واحد (3). # واما ms407 الشافعي فان كلامه مختلف في كتبه: # فربما قال: ان الحق في واحد، وعليه دليل قائم، وان ما عداه خطأ. # وربما مر في كلامه ان كل مجتهد قد أدى ما كلف. # وربما يقول: انه قد أخطأ خطأ موضوعا عنه (3). # وقد اختلف أصحابه في حكاية مذهبه (3). # فمنهم من يقول: ان الحق في واحد من ذلك، وان عليه دليلا وان لم يقطع على ~~الوصول إليه، وان ما عداه خطأ، لكن الدليل على الصواب من القولين لما غمض ~~ولم يظهر، كان المخطئ معذورا. # ومنهم من يحكي: ان كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم، وان كان أحدهما ~~يقال فيه قد أخطأ، الأشبه عند الله (3). # والذي اذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين، المتقدمين # PageV02P725 # والمتأخرين، وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى (1) قدس الله روحه، واليه كان ~~يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمه الله: " ان الحق في واحد (2) وان عليه دليلا، ~~من خالفه كان مخطئا فاسقا ". # واعلم الأصل في هذه المسألة القول بالقياس والعمل باخبار الآحاد، لان ما ~~طريقه التواتر وظواهر القرآن، فلا خلاف بين أهل العلم ان الحق فيما هو ~~معلوم من ذلك، وانما اختلفت القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه، وقد دللنا ~~على بطلان العمل بالقياس (3)، وخبر الواحد الذي يختص المخالف بروايته (4). # وإذا ثبت ذلك، دل على أن الحق في الجهة التي فيها الطائفة المحقة. # واما على ما اخترته من القول في الاخبار المختلفة المروية من جهة الخاصة، ~~فلا ينقض ذلك لان غرضنا في هذا المكان ان نبين ان الحق في الجهة التي فيها ~~الطائفة المحقة دون الجهة التي خالفها، وان كان حكم ما تختص به الطائفة ~~والاختلاف التي بينها الحكم الذي مضى الكلام عليه في باب الكلام في ~~الاخبار، فلا تنافى بين القولين. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب، وانما لم نتتبع كلام المخالف وطرقهم ~~التي يستدلون بها على صحة ذلك، لان فيما مضى من الكلام في ابطال القياس ~~كلاما عليه، وأكثر شبههم داخلة فيها، فلا معنى للإعادة في هذا الباب. # PageV02P726 # فصل NoteV02P727N02 " في ذكر ms408 صفات المفتى والمستفتي، وبيان أحكامهما " لا ~~يجوز لاحد أن يفتى بشئ من الاحكام الا بعد أن يكون عالما به، لان المفتى ~~يخبر عن حال ما يستفتى فيه، فمتى لم يكن عالما به فلا يأمن أن يخبر بالشئ ~~على غير ما هو به وذلك لا يجوز، فإذا لابد من أن (1) يكون عالما به، ولا ~~يكون عالما الا بعد أمور: # منها: أن يعلم جميع ما لا يصح العلم (2) بتلك الحادثة الا بعد تقدمه، ~~وذلك نحو العلم بالله تعالى، وصفاته، وتوحيده، وعدله. # وانما قلنا ذلك: لأنه متى لم يكن عالما بالله لم يمكنه أن يعرف النبوة، ~~لأنه لا يأمن أن يكون الذي ادعى النبوة كاذبا، ومتى عرفه ولم يعرف صفاته، ~~وما يجوز عليه وما لا يجوز، لم يأمن أن يكون قد صدق الكاذب، فلا يصح أن ~~يعلم ما جاء به الرسول. # فإذا لابد من أن يكون عالما بجميع ذلك، ولابد أن يكون عالما بالنبي الذي ~~جاء بتلك الشريعة، لأنه متى لم يعرفه لم يصح ان يعرف ما جاء به من الشرع. # ولابد من أن يعرف أيضا: صفات النبي، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، ~~لأنه # PageV02P727 # متى لم يعرف جميع ذلك لم يؤمن أن يكون غير صادق فيما يؤديه، أو يكون ما ~~أدى جميع ما بعث به، أو يكون أداه على وجه لا يصح له معرفته. # فإذا لابد من أن يعرف جميع ذلك، وإذا عرف جميع ذلك فلابد أيضا أن يعرف ~~الكتاب لأنه (2) يتضمن كثيرا من الاحكام التي هي المطلوبة. # ولابد من أن يعرف ما لا يتم العلم بالكتاب الا به، وذلك يوجب أن يعرف ~~جملة من الخطاب العربي، وجملة من الاعراب والمعاني، ويعرف الناسخ والمنسوخ، ~~لأنه متى عرف المنسوخ ولم يعرف الناسخ اعتقد الشئ على خلاف ما هو به من ~~وجوب ما لا يجب عليه. # وقد كان يجوز أن يعرف الناسخ وان لم يعرف المنسوخ لان المنسوخ لا يتعلق ~~به فرضه، وان كان له في تلاوته مصلحة، إلى أن ذلك على الكفاية، ms409 غير أنه لو ~~كان كذلك، لم يمكنه ان يعرفه ناسخا الا بعد أن يعرف المنسوخ، اما على ~~الجملة أو التفصيل. # ولابد أن يعرف العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، لأنه متى لم يعلم ذلك لا ~~يأمن أن يكون المراد بالعموم الخصوص، وبالمطلق المقيد. # ولابد أن يكون عالما بأنه ليس هناك دليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز، ~~لأنه متى جوز (3) ذلك لم يكن عالما به. # ولابد أيضا أن يكون عالما بالسنة، وناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها، ~~ومطلقها ومقيدها، وحقيقتها ومجازها، وانه ليس هناك ما يمنع من الاستدلال ~~بشئ من ظواهرها كما قلناه في الكتاب، لأنه متى جوز ذلك لم يكن عالما بها. # ولابد أن يكون عارفا بالاجماع واحكامه، وما يصح الاحتجاج به وما لا يصح. # ولابد أن يكون عارفا بأفعال النبي عليه السلام ومواقعها من الوجوب، # PageV02P728 # والندب، والإباحة، حتى يصح أن يكون عالما بما يفتى به. # فان أخل بذلك أو بشئ منه، لم يأمن أن يكون ما أفتى به بخلاف ما أفتى به، ~~وذلك قبيح. # وقد عد من خالفنا في هذه الأقسام انه لابد أن يكون عالما بالقياس، ~~والاجتهاد، واخبار الآحاد، ووجوه العلل والمقاييس، واثبات الامارات ~~المقتضية لغلبة الظن، واثبات الاحكام (1). # وقد بينا نحن فساد ذلك وانها ليست من أدلة الشرع. # واما المستفتى فعلى ضربين: # أحدهما: أن يكون متمكنا من الاستدلال والوصول إلى العلم بالحادثة مثل ~~المفتي، فمن هذه صورته لا يجوز له أن يقلد المفتى ويرجع إلى فتياه، وانما ~~قلنا ذلك، لان قول المفتى غاية ما يوجبه غلبة الظن، وإذا كان له طريق إلى ~~حصول العلم فلا يجوز له أن يعمل على غلبة الظن على حال. # وأما إذا لم يمكنه الاستدلال ويعجز عن البحث عن ذلك، فقد اختلفت قول ~~العلماء في ذلك. # فحكي عن قوم من البغداديين (2) انهم قالوا: لا يجوز له أن يقلد المفتى، ~~وانما ينبغي أن يرجع إليه لينبهه على طريقة العلم بالحادثة، وان تقليده ~~محرم على كل حال، وسووا في ذلك بين احكام الفروع والأصول. # وذهب البصريون (3)، والفقهاء بأسرهم (4) إلى ms410 أن العامي لا يجب عليه # PageV02P729 # الاستدلال والاجتهاد، وانه يجوز له أن يقبل قول المفتى. # فاما في أصوله وفي العقليات فحكمه حكم العالم في وجوب معرفة ذلك عليه، ~~ولا خلاف بين الناس انه يلزم العامي معرفة الصلاة اعدادها، وإذا صح ذلك ~~وكان علمه بذلك لا يتم الا بعد معرفة الله تعالى، ومعرفة عدله، ومعرفة ~~النبوة، وجب أن لا يصح له أن يقلد في ذلك، ويجب أن يحكم بخلاف قول من قال ~~يجوز تقليده في التوحيد مع ايجابه منه العلم بالصلوات. # والذي نذهب إليه: انه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليد ~~العالم. # يدل على ذلك: انى وجدت عامة الطائفة من عهد أمير المؤمنين عليه السلام ~~والى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الاحكام والعبادات، ~~ويفتونهم العلماء فيها، ويسوغون لهم العمل بما يفتونهم به وما سمعنا أحدا ~~منهم قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما ~~نظرت وتعلم كما علمت، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان منهم الخلق ~~العظيم عاصروا الأئمة عليهم السلام، ولم يحك عن واحد من الأئمة النكير على ~~أحد من هؤلاء ولا ايجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوبونهم في ذلك، فمن خالفه ~~في ذلك كان مخالفا لما هو المعلوم خلافه. # فان قيل: كما وجدناهم يرجعون إلى العلماء فيما طريقة الأحكام الشرعية، ~~وجدناهم أيضا كانوا يرجعون إليهم في أصول الديانات، ولم نعرف أحدا من ~~الأئمة عليهم السلام والعلماء أنكر عليهم، ولم يدل ذلك على أنه يسوغ تقليد ~~العالم في الأصول. # قيل له: لو سلمنا انه لم ينكر أحد منهم ذلك لم يطعن ذلك في هذا ~~الاستدلال، لان على بطلان التقليد في الأصول أدلة عقلية وشرعية من كتاب ~~وسنة وغير ذلك، PageV02P730 # وذلك كاف في النكير. # وأيضا: فان المقلد في الأصول يقدم على ما لا يأمن أن يكون جهلا، لان طريق ~~ذلك الاعتقاد، والمعتقد لا يتغير في نفسه عن صفة إلى غيرها، وليس كذلك ~~الشرعيات لأنها تابعة للمصالح، ولا يمتنع أن ms411 يكون من مصلحتهم تقليد العلم ~~(1) في جميع تلك الأحكام، وذلك لا يتأتى في أصول الديانات. # [على أن الذي يقوى في نفسي: ان المقلد للمحق في أصول الديانات] (2) وان ~~كان مخطئا في تقليده، غير مؤاخذ (3) به، وانه معفو عنه، وانما قلنا ذلك ~~لمثل هذه الطريقة التي قدمناها لأني لم أجد أحدا من الطائفة ولا من الأئمة ~~عليهم السلام قطع موالاة من سمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم، وان لم يسند ~~ذلك إلى حجة عقل أو شرع. # وليس لاحد أن يقول: ان ذلك لا يجوز لأنه يؤدى إلى الاغراء بما لا يؤمن أن ~~يكون جهلا. # وذلك أنه لا تؤدى إلى شئ من ذلك، لان هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم ابتداء ~~ان ذلك سائغ له، فهو خائف من الاقدام على ذلك، ولا يمكنه أيضا ان يعلم سقوط ~~العقاب عنه ويستديم (4) الاعتقاد، لأنه انما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف ~~الأصول وقد فرضنا انه مقلد في ذلك كله، فكيف يعلم اسقاط العقاب؟ فيكون مغرى ~~باعتقاد ما لا يأمن كونه جهلا أو باستدامته. # وانما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالأصول وسبروا ~~أحوالهم، وان العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا أنكروا عليهم، ولم يسغ ذلك ~~لهم الا بعد العلم بسقوط العقاب عنهم، وذلك يخرجه عن باب الاغراء. # وهذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء الله تعالى. # PageV02P731 # وأقوى مما ذكرنا، أن لا يجوز التقليد في الأصول، إذا كان للمكلف طريق إلى ~~العلم إما جملة أو تفصيلا، ومن ليس له قدرة على ذلك أصلا فليس بمكلف، وهو ~~بمنزلة البهائم التي ليست مكلفة بحال (1). # PageV02P732 # فصل NoteV02P733N03 " في أن النبي عليه السلام هل كان مجتهدا في شئ من ~~الاحكام؟ # وهل كان يسوغ ذلك له عقلا أم لا؟ وان (1) من غاب عن الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم في حال حياته هل كان يسوغ له الاجتهاد أو لا؟ وكيف حال من بحضرته ~~في جواز ذلك؟ " اعلم أن هذه المسألة تسقط عن (2) أصولنا، لأنا قد بينا ان ~~القياس ms412 والاجتهاد (3) لا يجوز استعمالها في الشرع، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ولا لاحد من رعيته حاضرا كان أو غايبا، ~~لا حال حياته ولا بعد وفاته استعمال ذلك على حال. # واما على مذهب المخالفين لنا في ذلك فقد اختلفوا (4): # PageV02P733 # فذهب أبو على، وأبو هاشم إلى أنه لم يتعبد في الشرعيات بذلك، ولا وقع منه ~~الاجتهاد فيها، وأوجب (1) كونه متعبدا بالاجتهاد في الحروب (2). # وحكي عن أبي يوسف القول بأن النبي عليه السلام قد اجتهد في الاحكام (3). # وذكر الشافعي في كتاب " الرسالة " ما يدل على أنه يجوز أن يكون في أحكامه ~~ما قاله من جهة الاجتهاد (4). # وادعى أبو علي الاجماع على أنه لم يجتهد النبي عليه السلام في شئ من ~~الاحكام (5): # واستدل أيضا على ذلك بأن قال: لو اجتهد في بعض الأحكام لم يجب ان يجعل ~~أصلا ولا يكفر من رده، بل كان يجوز مخالفته كما يجوز مثل ذلك في أقاويل ~~المجتهدين، فلما ثبت كفر من رد بعض أحكامه وخالفه، وساغ جعل جميعها أصولا ~~دل على أنه حكم به من جهة الوحي (6). # وهذا الدليل ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع أن يقال: ان في أحكامه ما حكم به ~~من جهة الاجتهاد، ومع ذلك لا يسوغ مخالفته من حيث أوجب الله تعالى اتباعه # PageV02P734 # وسوى في اتباعه ذلك بين ما قاله بوحي، وبين ما قاله من جهة الاجتهاد، كما ~~يقول من قال إن الأمة يجوز أن تجمع على حكم من طريق الاجتهاد وان كان لا ~~يجوز خلافه، وإذا ثبت ذلك لم يمكن التعلق بما حكينا. # ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى﴾ (1) فحكم بان ~~جميع ما يقوله وحى يوحى، فينبغي أن لا يثبت بعض ذلك من جهة الاجتهاد. # والمعتمد ما قلناه أولا من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس ~~والاجتهاد في جميع المكلفين، وعلى جميع الأحوال. # واما من حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ms413 فذهب أبو علي إلى أنه لا ~~يجوز أن يجتهد، ويجوز ذلك لمن غاب (2). # ومن الناس من يقول: ان لمن حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا ان ~~يجتهد (2)، ويستدل على ذلك بخبر يروى ان النبي عليه السلام امر عمرو بن ~~العاص وعقبة بن عامر (3) ان يقضيا بحضرته بين خصمين، وقال لهما: " ان ~~أصبتما فلكما عشر حسنات، وان أخطأتما فلكما حسنة " (4). # وهذا خبر ضعيف من اخبار الآحاد التي لا تعتمد في مثل هذه المسألة، لان ~~طريقها العلم. # والمعتمد في هذه المسألة أيضا ما قدمناه من عدم الدليل على ورود العبادة ~~بالقياس والاجتهاد، وذلك عام في جميع الأحوال. # PageV02P735 # الكلام في الحظر والإباحة PageV02P737 # فصل NoteV02P739N01 " في ذكر حقيقة الحظر والإباحة، والمراد بذلك " اعلم ~~أن معنى قولنا في الشئ انه محظور: " انه قبيح لا يجوز له فعله " الا انه لا ~~يسمى بذلك الا بعد أن يكون فاعله اعلم حظره، أو دل عليه، ولأجل هذا لا يقال ~~في أفعال الله تعالى انها محظورة، لما لم يكن اعلم قبحها ولا دل عليه، وان ~~كان في أفعاله ما لو كان (1) فعله لكان (2) قبيحا. # وكذلك (3) لا يقال في أفعال البهائم والمجانين انها محظورة، لما لم يكن ~~هذه الأشياء اعلم قبحها ولا دل عليه. # ومعنى قولنا: " انه مباح " أنه حسن وليس له صفة زائدة على حسنه، ولا يوصف ~~بذلك الا بالشرطين الذين ذكرناهما من اعلام حسن فاعله ذلك أو دلالته عليه، ~~وكذلك لا يقال ان فعل الله تعالى العقاب باهل النار مباح، لما لم يكن اعلمه ~~ولا دل عليه، وان لم يكن لفعله العقاب صفة زائدة على حسنه وهي كونه مستحقا. # وكذلك لا يقال في أفعال البهائم انها مباحة، لعدم هذين الشرطين # PageV02P739 # ولأجل ذلك نقول: أن المباح يقتضي مبيحا، والمحظور يقتضى حاضرا. # وقد قيل في حد المباح: هو ان لفاعله أن ينتفع به ولا يخاف ضررا في ذلك، ~~لا عاجلا ولا اجلا. # وفي حد الحظر: انه ليس له الانتفاع به، وان عليه في ذلك ضررا اما عاجلا ~~أو ms414 اجلا، وهذا يرجع إلى المعنى الذي قلناه. PageV02P740 # فصل [2] " في ذكر بيان الأشياء التي يقال انها على الحظر والإباحة، ~~والفصل بينها وبين غيرها، والدليل على الصحيح من ذلك " أفعال المكلف لا ~~تخلو من أن تكون حسنة، أو قبيحة. # والحسنة لا تخلو من أن تكون واجبة، أو ندبا، أو مباحا. # وكل فعل يعلم جهة قبحه بالعقل على التفصيل، فلا خلاف بين أهل العلم ~~المحصلين في أنه على الحظر، وذلك نحو الظلم، والكذب، والعبث، والجهل، وما ~~شاكل ذلك. # وما يعلم جهة وجوبه على التفصيل، فلا خلاف أيضا انه على الوجوب، وذلك نحو ~~وجوب رد الوديعة، وشكر المنعم، والانصاف، وما شاكل ذلك. # وما يعلم جهة كونه ندبا، فلا خلاف أيضا انه على الندب، وذلك نحو الاحسان ~~والتفضل. # وانما كان الامر في هذه الأشياء على ما ذكرناه، لأنها لا يصح ان تتغير من ~~حسن إلى قبح ومن قبح إلى حسن. # واختلفوا في الأشياء التي ينتفع بها هل هي على الحظر، أو الإباحة، أو على ~~الوقف؟ PageV02P741 # وذهب كثير من البغداديين، وطائفة من أصحابنا الامامية إلى انها على ~~الحظر، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء (1). # وذهب أكثر المتكلمين من البصريين، وهي المحكي عن أبي الحسن وكثير من ~~الفقهاء إلى انها على الإباحة (1)، وهو الذي يختاره (2) سيدنا المرتضى (3) ~~رحمه الله. # وذهب كثير من الناس إلى انها على الوقف (1)، ويجوز كل واحد من الامرين ~~فيه، وينتظر ورود السمع بواحد منهما، وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد ~~الله رحمه الله (4) وهو الذي يقوى في نفسي. # والذي يدل على ذلك: انه قد ثبت في العقول ان الاقدام على مالا يؤمن ~~المكلف كونه قبيحا، مثل اقدامه على ما لم قبحه، الا ترى ان من أقدم على ~~الاخبار بما لا يعلم صحة مخبره، جرى في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأن ~~مخبره على خلاف ما أخبر به على حد واحد، وإذا ثبت ذلك وفقدنا الأدلة على ~~حسن هذه الأشياء قطعا ينبغي أن يجوز كونها قبيحة، وإذا جوزنا ذلك فيها قبح ~~الاقدام ms415 عليها. # فان قيل: نحن نأمن قبحها، لأنها لو كانت قبيحة لم تكن الا لكونها مفسدة، ~~لأنه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل، والظلم، والكذب، والعبث وغير ذلك، ~~ولو كانت لمفسدة لوجب على القديم أن يعلمنا ذلك والا قبح التكليف، فلما لم ~~يعلمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك، وذلك يفيدنا الإباحة. # قيل: لا تمتنع ان تتعلق المفسدة باعلامنا جهة الفعل على التفصيل فيقبح # PageV02P742 # الاعلام، وتكون المصلحة لنا في التوقف في ذلك والشك وتجويز كل واحد من ~~الامرين، وإذا لم يمتنع ان تتعلق المصلحة بشكنا والمفسدة باعلامنا جهة ~~الفعل، لم يلزم اعلامنا على كل حال، وصار ذلك موقوفا على تعلق المصلحة ~~بالأعلام أو المفسدة بالشك، فحينئذ يجب الاعلام، وذلك موقوف على السمع. # وليس لاحد أن يقول: ان هذا الذي فرضتموه يكاد يعلم ضرورة تعذره، لان ~~الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك: # فان كان قبيحا، فلا يكون كذلك الا للمفسدة. وان لم يكن قبيحا، فذلك ~~الحسن. # وهذه قسمة مترددة بين النفي والاثبات، فكيف اخترتم أنتم قسما ثالثا لا ~~يكاد يعقل؟، وذلك أن الفعل كما قالوا لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون ~~كذلك، ولكن لا يمتنع أن يكون للمكلف حالة أخرى تتعلق بها المفسدة والمصلحة، ~~وهي الحالة التي يقطع فيها على جهة الفعل على التفصيل، وإذا كان ذلك جائزا ~~لم ينفعنا تردد الفعل في نفسه بين القبح والحسن، واحتجنا ان نراعي حال ~~المكلف، فمتى وجدنا المصلحة تعلقت باعلامه جهة الفعل وجب ذلك فيه، ومتى ~~تعلقت المفسدة بذلك وجب أن لا يعلم ذلك، وكان فرضه الوقف والشك، وهو الذي ~~لحضناه، ينبغي أن يتأمل جيدا فإنه يسقط معتمد القوم في أدلتهم. # وربما لم يتصور كثيرا من الذين يتكلمون في هذا الباب ما بيناه، ومتى ~~تأمله من يضبط الأصول وقف على وجه الصواب في ذلك. # فان قيل: كيف يمكنكم ان تدفعوا حسن هذه الأشياء ونحن نعلم ضرورة حسن ~~التنفس في الهواء، وتناول ما تقوم به الحياة طول مدة ms416 النظر في حدوث العالم ~~واثبات الصانع، وبيان صفاته؟، وعلى ما قلتموه ينبغي أن يمتنع في هذه ~~الأوقات من الغذاء وغير ذلك، يؤدى إلى تلفه وعطبه (1) ومن ارتكب ذلك علم ~~بطلان قوله ضرورة. # PageV02P743 # قيل له: اما التنفس في الهواء، فالانسان ملجاء إليه مضطر، وما يكون ذلك ~~حكمه فهو خارج عن حد التكليف، فان فرضتموه فيما زاد على قدر الحاجة فلا ~~نسلم ذلك، بل ربما كان قبيحا على جهة القطع، لأنه عبث لا فائدة فيه ولا نفع ~~في ذلك يعقل. # واما أحوال النظر فمستثناة أيضا، لأنه في تلك الأحوال ليس بمكلف أن يعلم ~~حسن هذه الأشياء ولا قبحها، لأنه لا طريق له إلى ذلك، وانما يمكنه ذلك إذا ~~عرف الله تعالى بجميع صفاته، وانه ينبغي أن يعلمنا مصالحنا ومفاسدنا، وإذا ~~علم جميع ذلك حينئذ تعلق فرضه بأن يعلم هذه الأشياء هل على الحظر أو على ~~الإباحة؟ # وفي الأحوال لا يجوز له أن يقدم الا على قدر ما يمسك رمقه ويقوم به ~~حياته. # ومن (1) أصحابنا من قال: ان في هذه الأحوال لابد من أن يعلم الله تعالى ~~ذلك بسمع ببعثه إليه فيعلمه ان ذلك مفسدة يتجنبه، أو مصلحة يجب عليه فعله، ~~أو مباح يجوز له تناوله. # وعلى ما قررته من الدليل لا يجب ذلك، لأنه إذا فرضنا تعلق المصلحة ~~والمفسدة بحال المكلف لم يمتنع أن يدوم ذلك زمانا كثيرا، ويكون فرضه فيه ~~كله الوقف والشك والاقتصار على قدر ما يمسك رمقه وحياته. # وهذا الدليل الذي ذكرناه هو المعتمد في هذا الباب. # والذي يلي ذلك في القوة أن يقال: إذا فقدنا الدلالة على حظر هذه الأشياء ~~وعلى اباحتها، وجب التوقف فيها وتجويز كل واحد من الامرين، وليس يلزمنا ~~أكثر من أن نبين ان ما تعلق به كل واحد من الفريقين ليس بدليل في هذا ~~الباب. # فما استدل به من قال إن الأشياء على الحظر قطعا ان قالوا: قد علمنا أن ~~هذه الأشياء لها مالك، ولا يجوز لنا ان نتصرف في ملك الغير الا باذنه، ms417 كما ~~علمنا قبح التصرف فيما لا نملكه في الشاهد. # واعترض القائلون بالإباحة هذه الطريقة بان قالوا: انما قبح في الشاهد ~~التصرف # PageV02P744 # في ملك الغير لأنه يؤدى إلى ضرر مالكه بدلالة ان ما لا ضرر عليه في ذلك ~~جاز لنا ان نتصرف فيه مثل الاستظلال بفئ داره والاستصباح بضوء ناره، ~~والاقتباس منها واخذ ما يتساقط من حبه عند الحصاد، وغير ذلك من حيث لا ضرر ~~عليه في ذلك، فعلمنا ان الذي قبح من ذلك انما قبح لضرر مالكه لا لكونه ~~مالكا، والقديم تعالى لا يجوز عليه الضرر على حال، فينبغي أن يسوغ لنا ~~التصرف في ملكه. # ولمن نصر هذا الدليل أن يقول: انما حسن الانتفاع في المواضع التي ~~ذكرتموها لا لارتفاع الضرر بل لان هذه الأشياء لا يصح تملكها، لان فيئ ~~الحائط ليس بشئ يملك إذا كان في طريق غير مملوك، ومتى كان الفئ في ملك ~~صاحبه قبح الدخول إليه، وكذلك القول في المصباح. # فاما اخذ ما يتناثر من حبة فلا نسلم انه يحسن، وكيف نسلم وله أن يمنعه من ~~ذلك وان يجمعه لنفسه، ولو كان مباحا لم يجز له منعه منه، على أنه على العلة ~~التي ذكروها من اعتبار دخول الضرر على مالكه كان ينبغي أن لا يسوغ له اخذ ~~ما يتناثر من حبة، لأنا نعلم أن ذلك يدخل عليه فيه ضرر وان كان يسيرا. # وعلى المذهبين جميعا، كان ينبغي أن يقبح ذلك، على أن ذلك لو قبح لضرر - ~~لا لفقد الاذن من مالكه - لكان ينبغي ان لو اذن فيه يحسن ذلك لان الضرر ~~حاصل. # وليس لهم أن يقولوا: انه يحصل له عوض أكثر منه من الثواب أو السرور ~~عاجلا. # وذلك انا نفرض في من لا يعتقد العوض على ذلك من الملاحدة (1) وليس هو ~~أيضا مما يسر به بل ربما شق عليه واغتم به، ومع ذلك حسن التصرف منه إذا اذن ~~فيه. # وليس لاحد أن يقول: ان دليل العقل الدال على إباحة هذه الأشياء يجري مجرى ~~اذن سمعي، فجاز لنا ms418 التصرف فيها. # وذلك أن لمن نصر هذا الدليل أن يقول: لم يثبت ذلك، ولو ثبت لكان الامر ~~على ما قالوه. # ونحن نتبع ما يستدل به أصحاب الإباحة ونتكلم عليه انشاء الله. # PageV02P745 # واستدل كثير من الفقهاء على أن الأشياء ليست على الحظر (١) أو الوقف ~~بقوله تعالى: # (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (٢) وبقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (3). # فقالوا: بين الله تعالى انه لا يستحق أحد العقاب، ولا يكون لله عليهم حجة ~~الا بعد انفاذ الرسل، وذلك يفيد ان من جهتهم يعلم حسن هذه الأشياء أو ~~قبحها. # وهذا لا يصح الاستدلال به من وجوه: # أحدها: ان هاهنا أمورا كثيرة معلومة من جهة العقل وجوبها وقبحها، مثل رد ~~الوديعة، وشكر المنعم والانصاف، وقضاء الدين، وقبح الظلم، والعبث، والكذب، ~~والجهل، وحسن الاحسان الخالص، وغير ذلك، فعلمنا انه ليس المراد بالآية ما ~~ذكروه. # ومتى ارتكبوا دفع كون هذه الأشياء معلومة الا بالسمع، علم بطلان قولهم، ~~وكانت المسألة خارجة عن هذا الباب. # ومنها: ان لله حججا كثيرة غير الرسل من أدلة العقل الدالة على توحيده، ~~وعدله، وجميع صفاته التي من لا يعرفها لا يصح أن يعرف صحة السمع، فكيف ~~يقال: # لا تقوم الحجة الا بعد انفاذ الرسل؟ والمعني في الآيتين ان يحملا على أنه ~~إذا كان المعلوم ان لهم ألطافا ومصالح لا يعلمونها الا بالسمع، وجب على ~~القديم تعالى اعلامهم إياها، ولم يحسن ان يعاقبهم على تركها الا بعد ~~تعريفهم إياها، فلم تقم الحجة عليهم الا بعد انفاذ الرسل، ومتى كان الامر ~~على ذلك وجبت بعثة الرسل، لأنه لا يمكن معرفة هذه الأشياء الا من جهتهم. # واستدل من قال: ان هذه الأشياء على الإباحة بأن قالوا: نحن نعلم ضرورة ان # PageV02P746 # كل ما يصح الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه عاجلا ولا اجلا فإنه حسن كما ~~يعلم أن كل ألم لا نفع فيه عاجلا ولا اجلا قبيح، فدافع أحد الامرين كدافع ~~الاخر، وإذا ثبت ذلك وكانت هذه ms419 الأشياء لا ضرر فيها عاجلا ولا اجلا فيجب أن ~~تكون حسنة. # قالوا: ولا يجوز أن يكون فيها ضرر أصلا، لأنه لو كان كذلك لم يكن الا ~~لكونها مفسدة في الدين، ولو كان كذلك لوجب على القديم تعالى اعلامنا ذلك، ~~فلما لم يعلمنا ذلك علمنا أنه حسنة. # وقد مضى في دليلنا ما يمكن أن يكون كلاما على هذه الشبهة، وذلك انا قلنا: # ان هذه الأشياء لا نأمن أن تكون فيها ضرر اجل، وإذا لم نأمن ذلك قبح ~~الاقدام عليها، كما لو قطعنا ان فيها ضررا. # واجبنا عن قولهم: " لو كان فيها ضررا لكان ذلك لأجل المفسدة، وذلك يجب ~~على القديم اعلامنا إياه " بأن قلنا: لا يمتنع ان تتعلق المفسدة باعلامنا ~~جهة الفعل على وجه التفصيل، ويكون مصلحتنا في الوقف والشك، وتجويز كل واحد ~~من الوجهين في الفعل، وإذ كان ذلك جائزا لم يجب عليه تعالى اعلامنا ذلك، ~~وجاز ان يقتصر بالمكلف على هذه المنزلة. # واستدلوا أيضا بأن قالوا: إذا صح أن يخلق تعالى الأجسام خالية من الألوان ~~والطعوم، فخلقته تعالى للطعم واللون لابد أن يكون فيه وجه حسن، فلا يخلو ~~ذلك من أن يكون لنفع نفسه، أو لنفع الغير، أو خلقها ليضر بها؟ # ولا يجوز أن يخلقها لنفع نفسه، لأنه يتعالى عن ذلك علوا كبيرا. # ولا يحسن أن يخلقها ليضر بها، لان ذلك قبيح الابتداء به، فلم يبق الا أنه ~~خلقها لنفع الغير، وذلك يقتضى كونها مباحة. # والجواب عن ذلك من وجوه: # أحدها: انه انما خلق هذه الأشياء إذا كانت فيها ومصالح، وان لم يجز لنا ~~ان ننتفع بها بالاكل، بل نفعنا بالامتناع منها، فيحصل لنا بها الثواب، كما ~~أنه خلق أشياء كثيرة يصح الانتفاع بها، ومع ذلك فقد حظرها بالسمع مثل شرب ~~الخمر، PageV02P747 # والميتة، والزنا وغير ذلك. # وليس لهم أن يقولوا: ان هذه الأشياء انما حظرها لما كانت مفسدة في الدين ~~واعلمنا ذلك، وليس كذلك ما يصح الانتفاع به ولا يعلم ذلك فيه: # وذلك انا قد بينا انه لا فرق ms420 في أن تتعلق المصلحة باعلامنا جهة الفعل من ~~قبح أو حسن فيجب عليه أن يعلمنا ذلك، وبين أن تتعلق المصلحة بحال لنا جوز ~~معها كل واحد من الامرين فيجب أن يقتصر بنا على تلك الحال، لان المراعى ~~حصول المصلحة، وإذا ثبت ذلك لحق ثبوت ما علمنا قبحه على طريق القطع والثبات ~~في أنه لا يحسن منا الاقدام عليه. # ومنها: ان على مذهب كثير من أهل العدل انما خلق الطعوم والأراييح في ~~والأجسام لأنها لا تصح أن تخلو منها، فجرت في هذا الباب مجرى الأكوان التي ~~لا يصح خلو الجسم منها، وخلق الجسم إذا ثبت انه مصلحة وجب أن يخلق معه جميع ~~ما يحتاج إليه في وجوده. # ومنها: ان الانتفاع بهذه الأشياء قد يكون بالاستدلال بها على الله تعالى ~~وعلى صفاته، فليس الانتفاع مقصورا على التناول فحسب. # وليس لهم أن يقولوا: انه كان يمكن الاستدلال بالأجسام على وحدانية الله ~~تعالى وعلى صفاته، فلا معنى لخلق الطعوم. # وذلك أنه لا يمتنع ان يخلقها لما ذكرناه، وان كان الجسم يصح الاستدلال به ~~ويكون ذلك زيادة في الأدلة (1). # ولسنا ممن يقول: لا يجوز أن ينصب على معرفته أدلة كثيرة، لأنا ان قلنا ~~ذلك أدى إلى فساد أكثر الأدلة التي يستدل بها على وحدانيته تعالى، فإذا ~~ينبغي أن يجوز أن يخلقها للاستدلال بها وذلك يخرجها عن حكم العبث ويدخلها ~~في باب ما خلقت للانتفاع بها. # PageV02P748 # وليس لهم أن يقولوا: إذا صح الانتفاع بها من الوجهين بالاستدلال والتناول ~~فينبغي ان يقصد به الوجهين. # وذلك أن هذا محض الدعوى لا برهان عليها بل الذي يحتاج إليه ان يعلم أنه ~~لم يخلقها الا بوجه، فاما أن يقصد بها جميع الوجوه التي يصح الانتفاع بها ~~لا يجب ذلك. # على انا قد بينا انه لا يمتنع ان يفرض في أحد الوجهين مفسدة في الدين ~~فيحسن أن يخلقها للوجه الاخر، ويعلمنا ان فيها فساد الدين (1) ومتى ~~تناولناها، فيجب علينا أن نمتنع منها. # فان قيل: إذا أمكن خلقها للوجهين، ولم يقصدهما كان ms421 عبثا من الوجه الذي لم ~~يقصد الانتفاع به، وجرى ذلك مجرى فعلين يقصد بهما الانتفاع ولا يقصد بالآخر ~~ذلك، فيكون ذلك عبثا. # قيل له: ليس الامر على ذلك، لان الفعل الواحد إذا كان فيه وجه من وجوه ~~الحكمة خرج من باب العبث، وان كان له وجوه اخر كان يجوز ان يقصد، وليس كذلك ~~الفعلان لأنه إذا قصد وجه الحكمة في أحدهما بقى الاخر خاليا من ذلك وكان ~~عبثا، وليس كذلك الفعل الواحد على ما بيناه. # فان قيل: الانتفاع بالاعتبار بالطعوم لا يمكن الا بعد تناولها، لان الطعم ~~ليس مما يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة، فإذا لابد من تناوله حتى يصح ~~الاعتبار به. # قيل: الاعتبار يمكن بتناول القليل منه وهو قدر ما يمسك الرمق وتبقى معه ~~الحياة، وقد بينا ان ذلك القدر في حكم المباح، وليس الاعتبار موقوفا على ~~تناول شئ كثير من ذلك. # ويمكن أن يقال أيضا: انه يصح أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلف من ~~سائر أجناس الحيوان، فإنه إذا شاهد أجناس الحيوان تتناول تلك الأشياء ويصلح ~~عليها # PageV02P749 # أجسامها أو ينفسد بحسب اختلافها واختلاف طبائعها، جاز معه أن يعتبر بذلك ~~وان لم يتناولها المكلف أصلا. # وبمثل هذا أجاب المخالف من قال بالفرق بين السموم والأغذية، بان قال: # يرجع إلى حال الحيوانات التي ليست مكلفة إذا شاهدها يتناول أشياء ينتفع ~~بها جعلها ذلك طريقا إلى تجربته، وان ذلك ممن ينصلح عليه أيضا جسمه، وذلك ~~مثل ما أجبنا به عن السؤال الذي أوردوه في هذا الباب. # واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق﴾ (١)، وبقوله ﴿وأحل لكم ~~الطيبات﴾ (2)، وما شاكل ذلك من الآيات، وهذه الطريقة مبنية على السمع. # ونحن لا نمتنع ان يدل دليل السمع على أن الأشياء على الإباحة بعد أن كانت ~~على الوقف، بل عندنا الامر على ذلك واليه نذهب، وعلى هذا سقط المعارضة ~~بالآيات. # واستدل كثير من ms422 الناس على أن هذه الأشياء على الحظر أو الوقف، بأن قالوا: # قد علمنا أن التحرز من المضار واجب في العقول، وإذا كان ذلك واجبا لم ~~يحسن منا ان نقدم على تناول ما لا نأمن أن يكون سما قاتلا فيؤدى ذلك إلى ~~العطب، لأنا لا نفرق بين ما هو سم وما هو غذا، وانما ننتظر ذلك اعلام الله ~~تعالى لنا ما هو غذاؤنا، والفرق بينه وبين السموم القاتلة واعترض من خالف ~~في ذلك هذا الاستدلال بأن قال: يمكننا ان نعلم ذلك بالتجربة، فانا إذا ~~شاهدنا الحيوان الذي ليس بمكلف يتناول بعض الأشياء فيصلح عليه جسمه، علمنا ~~أنه غذاء، وإذا تناول شيئا يفسد عليه علمنا أنه مضار، فحينئذ اعتبرنا ~~بأحوالهما. # PageV02P750 # وقال من نصر هذا الدليل: ان الحيوان يختلف طباعه، فليس ما يصلح الحيوان ~~المستبهم يعلم أنه يصلح الحيوان الناطق، لان هاهنا أشياء كثيرة تغذي كثيرا ~~من الحيوان وتصلح عليها أجسامها، وان كان متى تناولها ابن ادم هلك، منها ان ~~الظبايا يأكل شحم الحنظل ويتغذى به، ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في الحال، ~~وكذلك النعامة تأكل النار وتحصل في معدتها، ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في ~~الحال، وكذلك يقال ان الفارة تأكل البيش (1) فتعيش به، ورايحة ذلك تقتل ابن ~~ادم. # فليس طبايع الحيوان على حد واحد، وإذا لم يكن على حد واحد لم يجز أن ~~يعتبر بأحوال غيرنا أحوال نفوسنا. # ولمن خالفهم في ذلك أن يقول: احسب انه لا يمكن أن يعتبر بأحوال الحيوان ~~المستبهم أحوال الحيوان من البشر، أليس لو أقدم واحد منهم على طريق الخطاء ~~أو الجهل على ما يذهبون إليه على تناول هذه الأشياء يعرف بذلك الخطاء ما هو ~~غذا، وفرق بينه وبين السم، فينبغي أن يجوز لغيره أن يعتبر به، ويجوز له بعد ~~ذلك التناول منها، وان لم يرد سمع، لأنه قد امن العطب والهلاك. # فالمعتمد في هذا الباب ما ذكرناه أولا في صدر هذا الباب، فهذه جملة كافية ~~في هذا الباب إن شاء الله. # PageV02P751 # فصل NoteV02P752N03 ms423 " في ذكر النافي، هل عليه دليل أم لا؟ (1)، والكلام ~~في استصحاب الحال " ذهب قوم (1) إلى أن النافي ليس عليه دليل، كما أن من ~~قال لست عالما بالشئ لا دليل عليه، وكما أن المنكر للدعوى ليس عليه بينة، ~~وكما لا دليل على من نفى نبوة المدعى للنبوة. # ومنهم من قال: ان على النافي للأحكام العقلية دليلا، وليس على النافي # PageV02P752 # للأحكام الشرعية ذلك (1). # وذهب المحصلون من المتكلمين والفقهاء إلى أن كل من نفى حكما من الاحكام، ~~عقليا كان أو سمعيا، كان عليه الدليل (1)، واليه اذهب لأنه الصحيح. # والذي يدل على ذلك: ان النافي للحكم مدع (2) للعلم بان ما نفاه منفى، ~~لأنه ان ادعى الشك في ذلك فلا يلزمه الدلالة، لان قوله لا يعد مذهبا ولا ~~يناظر عليه، وإذا كان مدعيا للعلم وقد ثبت ان العلوم المكتسبة لابد لها من ~~أوله وطرق موصلة إلى العلم، فإذا ثبت ذلك فمتى طولب النافي بالدلالة، فإنما ~~يطالب بما أداه النظر إليه إلى نفى ما نفاه، فعليه بيان دلالته، كما يجب ~~على المثبت ذلك، لكن طريق الاستدلال يختلف في ذلك، لان النافي للحكم يستدل ~~بأن يقول: الحكم الشرعي إذا تعبد الله تعالى به فلابد من أن يدل عليه، فإذا ~~عدمت الدلالة على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع وجميع طرق الأدلة علمت أن ~~الحكم منتف، فليستدل بانتفاء التعبد به على نفى لزومه. # وكذلك قد يستدل بانتفاء ظهور العلم المعجز على يد المدعى للنبوة على نفى ~~نبوته بأن يقال: لو كان نبيا لوجب ظهور المعجز على يده، فإذا لم يظهر علمت ~~بانتفائه انتفى كونه نبيا. # وكذلك يستدل بانتفاء احكام الصفات عن الموصوف على نفي الصفات، كما يستدل ~~على نفي المائية (3) على القديم تعالى بانتفاء حكم لها. # ونقول: لو كان له مائية لوجب أن يكون لها حكم، فلما لم نجد لها حكما ~~علمنا انتفاءها. # وكذلك نستدل على انتفاء الصفات الزائدة على الصفات المعقولة في الجواهر # PageV02P753 # والاعراض بان نقول: لو كانت لها صفات أكثر من ذلك لكانت لها احكام معلومة ~~اما ms424 ضرورة أو استدلالا، فلما لم نجدها معلومة من هذين الطريقين علمنا ~~انتفائها وكل هذه أدلة على الحقيقة، لأنا عولنا في نفى ما نفيناه على القول ~~بانا لا نحتاج إلى دليل، فطرق الأدلة تختلف. # وقد طول من تكلم في هذا الباب الكلام فيه، وهذا القدر الذي لخصناه كاف ~~فإنه يأتي على المعتمد من ذلك. # فاما قول من قال (1): " ليس عليه دليل، كما لا بينة على المنكر ". فبعيد، ~~لان طريق ذلك الشرع وليس هو مما عليه دليل عقلي أو سمعي، وما هذا حكمه يحكم ~~فيه بحسب ما ورد الشرع به ويفارق ذلك المذاهب على ما ذكرناه. # على أن المنكر لو كان لا دليل عليه لما وجب عليه اليمين، كما لا يحتاج ~~النافي إلى دليل ولا غيره. # على أنه قد قيل: ان كون الشئ في يده حكم الدلالة، ولذلك لو لم يكن في يده ~~لكان حاله حال المدعى الاخر، فقد ثبت سقوط التعلق بذلك. # فاما من نفى نبوة المتنبي، فقد بينا ان عليه دليلا، وهو ان يقول: لو كان ~~نبيا: لوجب ظهور العلم على يده، فلما لم يظهر علمت أنه ليس بنبي، وانه كاذب ~~في دعواه. # وهذه الجملة التي ذكرناها تبين لنا ان النافي عليه دليل، فان ذلك لا يخص ~~حكما عقليا من حكم شرعي، فيجب القضاء بتساويهما في ذلك. # PageV02P754 # [الكلام في استصحاب الحال] (1) فاما استصحاب الحال فصورته ما يقوله أصحاب ~~الشافعي: " من أن المتيمم إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء، فإنه قد ثبت انه ~~قبل رؤيته للماء يجب عليه المضي # PageV02P755 # في الصلاة بالاتفاق، فإذا حدث رؤية الماء فيجب أن يكون على ما كان عليه ~~من حكم الحال الأولى " وغير ذلك من المسائل. # وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب أكثر المتكلمين، وكثير من الفقهاء من ~~أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى أن ذلك ليس بدليل (1)، وهو الذي ينصره المرتضى ~~(2) رحمه الله (3). # وذهب أكثر أصحاب الشافعي وغيرهم - وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو عبد الله ~~(4) - إلى أن ذلك دليل (1). # وفي ذلك نظر غير أنه ms425 يمكن أن يقال في المثال الذي ذكروه أن يقال: قد ثبت ~~وجوب المضي في الصلاة قبل رؤية الماء، ولم يدل دليل على أن رؤية الماء حدث، ~~ولو كان حدثا لكان عليه دليل شرعي، فلما لم يكن عليه دليل دل على أنه ليس ~~بحدث، ووجب حينئذ المضي في الصلاة، غير أن هذا يخرج عن باب استصحاب الحال ~~ويرجع إلى الطريقة الأولى من الاستدلال بطريقة النفي. # واعترض من نفى استصحاب الحال طريقة من قال به بأن قال (5): الحالة ~~الثانية غير الأولى، بل الحالة الثانية مختلف فيها، والحالة الأولى متفق ~~عليها، فكيف يحكم # PageV02P756 # في أحدهما بحكم الأخرى بلا دليل؟ # ولأنه لا فرق بين من عول في ذلك على ما قالوه، وبين من عول في حمل مسألة ~~على أخرى، على أن قال إنها مثلها من غير أن يبين فيها علة توجب الجمع ~~بينهما، وذلك ظاهر البطلان. # قالوا: والذي يكشف عن ذلك أن الذي لأجله قلنا في الحالة الأولى ما (1) ~~قلناه، انما كان للاتفاق (2) أو لدليل (3) دل على ذلك، وذلك مفقود في ~~الحالة الثانية، [فيجب أن لا يكون حكمها حكم الأولى، بل كان يجب أن لا يقول ~~في الحالة الثانية] (4) الا بما يقوم عليه دليل كما قلناه في الأولى، وذلك ~~يبطل استصحاب الحال. # وقولهم: " انا على ما كنا عليه " ليس بدليل على أن الحالة الثانية حال ~~اجتهاد عند من قال بذلك، والحالة الأولى متفق عليها لا يجوز فيها الاجتهاد. # فان قالوا: ان حدوث الحوادث لا يغير الاحكام الثابتة، ولم يحصل في الحال ~~الثانية الا حدوث حادث، فيجب أن لا يزيل الحكم الأول الا بدليل. # قيل: ان حدوث الحوادث انما لا يؤثر في ثبوت الحكم إذا كان الدليل قد ~~اقتضى دوامه، فاما إذا اقتضى اثباته في في وقت مخصوص فطرو الوقت الثاني ~~يقتضي زوال حكمه لا محاله. # على أن كل الحوادث وان كانت لا تؤثر في الحكم الثابت، فان الحوادث التي ~~اختلفت الناس عند حدوثها في بقاء الحكم الأول عندها مؤثر في ذلك، لان ~~الاتفاق قد ms426 زال عند حدوثه، فعلى من استصحب الحكم الأول دليل مبتدأ، كما أن ~~على المتنقل عنه دليل مبتدأ. # واستدل من نصر استصحاب الحال بما روى عن النبي (ص) انه قال: " ان # PageV02P757 # الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى ~~يسمع صوتا أو يجد ريحا " (1)، فبقاه على الحالة الأولى. # وأيضا: فقد اتفقوا على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث، ان عليه أن ~~يستصحب الحال الأولى، فينبغي أن يجعل ذلك عبرة في نظائره. # واعترض ذلك من نفى القول به بأن قال (2): انما قلنا في هذين الموضعين ~~لقيام دليل وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسويته بين الحالين، ~~وكذلك الاتفاق على أن حال الشك في الحدث مثل حال يقين الطهارة فلا شك معها، ~~فنظير ذلك أن يقوم في كل موضع دليل على أن الحالة الثانية مثل الحالة ~~الأولى حتى يصير إليه. # والذي يمكن أن ينصر به طريقة استصحاب الحال ما أومأنا إليه من أن يقال: ~~لو كانت الحالة الثانية مغيرة للحكم الأول لكان على ذلك دليل، وإذا تتبعنا ~~جميع الأدلة فلم نجد ما فيها ما يدل على أن الحالة الثانية مخالفة للحالة ~~الأولى، دل على أن حكم الحالة الأولى باق على ما كان. # فان قيل: هذا رجوع إلى الاستدلال بطريقة النفي، وذلك خارج عن استصحاب ~~الحال؟ # قيل: الذي نريد باستصحاب الحال هذا الذي ذكرناه، فاما غير ذلك فليس يكاد ~~يحصل غرض القائل به. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب # PageV02P758 # فصل [4] " في ذكر ما يعلم بالعقل والسمع " المعلومات على ضربين: ضرورية، ~~ومكتسبة. # والمكتسبة على ضربين: عقلي وسمعي. # فالعقلي على ضربين: # ضرب منه: لا يصح ان يعلم الا بالعقل. # والضرب الاخر: يصح أن يعقل بالعقل والسمع معا. # فالضروريات نحو العلم بأن الواحد لا يطابق اثنين، وان الجسم الواحد لا ~~يكون في مكانين في حال واحدة، والعلم بوجوب رد الوديعة، وشكر المنعم، ~~والانصاف وقبح الظلم، والكذب، والعبث، وما يجرى مجراه مما هو لازم لكمال ~~العقل. # واما المكتسب الذي لا ms427 يصح أن يعلم الا بالعقل، فهو كل علم لو لم يحصل ~~للمكلف لم يمكنه معرفة السمع، وما لا يتم هذا العلم الا به، وذلك نحو العلم ~~بان هاهنا حوادث لا يقدر عليها أحد من المحدثين، وان لها محدثا، قادرا، ~~عالما، حيا، قديما، لا يشبه الأجسام ولا تشبهه ولا الاعراض، وانه غنى لا ~~يجوز عليه الحاجة، وانه يستحق هذه الصفات لذاته لا لمعان قديمة أو محدثة ~~سواه، وانه لا يفعل الا الحسن، ولا يجوز عليه شئ من القبائح، ولا الاخلال ~~بالواجب. # فمتى علم هذه الجملة صح ان يعلم صحة السمع، متى لم يعلمها أو لم يعلم ~~PageV02P759 # شيئا منها لا يصح أن يعلم صحة السمع. # وإنما قلنا ذلك: لأنه متى لم يعلم ما قلناه، لم نأمن ان يكون الذي فعل ~~المعجز غير الحكيم، وأنه ممن يجوز عليه تصديق الكذاب، فلا نثق بصحة السمع. # وأما ما يصح أن يعلم بالسمع والعقل معا: فنوا ان الله تعالى لا يجوز عليه ~~الرؤية على الحد الذي يجوزها الأشعري وأصحابه (1) عليه، لان نفي ذلك يصح ان # PageV02P760 # يعلم بالسمع كما يصح أن يعلم بالعقل، وغير ذلك مما يقدح فيما قدمناه. # فاما ما لا يعلم الا بالسمع فعلى اضرب: # منها ما تتعلق به الاحكام من سبب أو علة من قال باثبات العلل. # ومنها: ما هي أدلة على الاحكام. # ومنها ما يتعلق بذلك من شروطه وفروعه وأوصافه. # وكل ذلك لا يصح ان يعلم الا بالسمع. # فاما الاحكام: فنحو الإباحة الشرعية، نحو ذبح البهائم وغير ذلك عند من ~~قال إن الأشياء على الإباحة. # فاما على ما نذهب إليه من الوقف، وعلى ما مذهب من قال إنها على الحظر، ~~فجميع المباحات - لان الطريق إلى العلم بها السمع لا غير - وكذلك القبائح ~~الشرعية نحو شرب الخمر، ونحو الاكل في أيام الصوم، ونحو الربا وما شاكلها، ~~فان جميع ذلك لولا السمع لما علم قبحها على طريق القطع. # فاما القتل والظلم: فمعلوم بالعقل قبحه. # واما ما يستفاد بالسمع: نحو ما يحسن من الآلام والقتل، وهو ms428 ما كان قودا ~~أو غيره، ونحو جهاد الكفار وغير ذلك. # واما ما يقبح من البياعات وغيرها: فما يقف التمليك فيها على شروط لا تعرف ~~الا بالشرع فشرعي، وما لم يكن كذلك فهو مما يعلم بالعقل وبالعادة. # وأما ما رغب فيه الشرع (1): فهو كل فعل لولا الشرع لكان قبيحا كالصوم ~~والصلاة وما شاكلهما. # فاما الاحسان: فإنه يعلم بالعقل انه ندب، الا ما ورد الشرع به على أوصاف ~~يرجع إليه أو إلى المعطى. # واما الواجب الشرعي: فهو كل ما لولا دليل السمع لم يعلم وجوبه على الوجه ~~الذي وجب عليه وكان قبيحا، وذلك نحو الصوم، والصلاة، والزكاة. # PageV02P761 # وشروط جميع ذلك وأوصافه، وما يفسد منه، وما يصح، وما يفسده أو يصححه، وما ~~يجزى منه ما لا يجزى ويجب فيه القضاء، وما يفسخ من العقود وما لا يفسخ، ولا ~~يقع به التمليك الا بشروط، أو على أوصاف، وما يجب من نوع الأملاك وغير ذلك، ~~فجميع ذلك يعلم شرعا. # وهذه الجملة تنبه على ما يعلم بالشرع من الاحكام، اختلف الأحوال المحكوم ~~لهم أو عليهم أو اتفق، مختارا كان أو مكرها، مكلفا أو غير مكلف. # واما سبب الاحكام: فكالشهادات وسائر الامارات التي يتعلق الاحكام بها، أو ~~يسوغ للحاكم الحكم لأجلها، وكذلك سائر أسباب المواريث، وكثير من التمليكات ~~من موت، أو غنيمة، وما شاكله، وكثير من الولايات التي هي سبب لتصرف الوالي ~~فيما يتصرف فيه من امارة وقضاء، وولاية على عجوز وغير ذلك، فجميع ذلك وجميع ~~أوصافه وشروطه يعلم بالشرع، ولولاه لم يعلم. # واما علل الاحكام فعباد من قال بالقياس لا يعلم الا بالشرع. # واما الأدلة التي تعلم بالشرع فنحو القياس، والاجتهاد (1) عند من أثبتهما ~~وجوز العمل بهما، وما يتعلق بهما من العلل والامارات والاحكام. # واما على مذهبنا، فنحو الافعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله، لان ~~بالشرع يعلم كونها أدلة على ما تقدم القول فيها. # فاما الأدلة الموجبة للعلم: فبالعقل يعلم كونها أدلة، ولا مدخل للشرع في ~~ذلك، فان كان يتعلق الشرع في بعض الوجوه ms429 لأنا نقول الرسول عليه السلام يعلم ~~أن القرآن كلام الله، وان كان علمنا بما يدل عليه، أو بأنه دلالة يرجع فيه ~~إلى العقل. # واما المباحات: فقد بينا ان طريق العلم بها كلها الشرع على ما مضى القول ~~فيها على مذهبنا في الوقف. # PageV02P762 # قد ذكرنا في هذا الكتاب جملة موجزة في كل باب بأخصر ما حضرنا، ولو شرعنا ~~في شرح ذلك لطال الكتاب، وفيما لخصناه كفاية لمن ضبط هذا الفن، وتنبيه بذلك ~~على ما عداه، ونسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه، وينفعنا بذلك ومن نظر ~~فيه، انه ولي ذلك، والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على ~~رسوله محمد وآله الطاهرين. # * * * تم الكتاب وربنا محمود * وله المكارم والعلى والجود على النبي محمد ~~صلواته * ما ناح قمري وأورق عود وقع الفراغ من كتبه عبد الصمد بن عبد الله ~~بن الحسين بن أحمد في ذي الحجة سنة ثمان عشر وخمس مائة هجرية. حامدا لله ~~ومصليا على نبيه محمد وآله الطاهرين (1). # PageV02P763 ms430