######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_002748Vols
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطوسي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 460
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: عدة الأصول (ط.ج)
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه عند الشيعة
#META# 022.BookVOLS :: 2
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_002748Vols
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2748_عدة-الأصول-(ط.ج)-الشيخ-الطوسي-ج-1
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: محمد رضا الأنصاري القمي
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: ذي الحجة 1417 - 1376 ش
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده، والصلاة على خير خلقه محمد، وآله
~~الطيبين.
# قد سألتم أيدكم الله، املاء مختصر في أصول الفقه، يحيط بجميع أبوابه على
~~وجه الاختصار والايجاز (1)، على ما تقتضيه مذاهبنا، وتوجبه أصولنا فان من
~~صنف في هذا الباب سلك كل قوم منهم المسالك التي اقتضاها (2) أصولهم، ولم
~~يصنف أحد (3) من أصحابنا في هذا المعنى، إلا ما ذكره شيخنا أبو عبد الله
~~رحمه الله (4) في المختصر الذي له في أصول
# PageV01P003
# الفقه (1) ولم يستقصيه، وشذ منه أشياء يحتاج إلي استدراكها، وتحريرات غير
~~ما حررها فإن (2) سيدنا الاجل المرتضى (3) قدس الله روحه (4) وإن كثر في
~~أماليه، وما يقر عليه، شرح ذلك، فلم يصنف في هذا المعنى شيئا يرجع إليه،
~~ويجعل ظهرا يستند إليه.
# وقلتم: إن هذا فن من العلم، لابد من شدة الاهتمام به، لان] الشريعة كلها
~~مبنية عليه ولا يتم العلم بشئ منها من دون إحكام أصولها، ومن لم يحكم
~~أصولها فإنما يكون حاكيا ومقلدا، ولا يكون عالما وهذا منزلة يرغب أهل الفضل
~~عنها.
# وأنا مجيبكم إلى ما سألتم عنه، مستعينا بالله وحوله وقوته وأسأله أن يعني
~~(5) على ما يقرب من ثوابه ويبعد من عقابه.
# وأقدم (6) في أول الكتاب فصلا يتضمن ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية
~~ترتيب أبوابها وتعلق بعضها ببعض، حتى أن الناظر إذا نظر فيه وقف على الغرض
~~المقصود بالكتاب وتبين من أوله إلى آخره (7). والله تعالى الموفق للصواب.
# PageV01P004
# الباب الأول PageV01P005
# فصل NoteV01P007N01 (في ماهية أصول الفقه وانقسامها وكيفية ترتيب
~~أبوابها) أصول الفقه هي أدلة الفقه، وإذا (1) تكلمنا في هذه الأدلة فقد
~~نتكلم فيما تقتضيه من إيجاب وندب وإباحة وغير ذلك من الأقسام على طريق
~~الجملة وليس يلزم على ذلك (2) أن تكون الأدلة الموصلة إلى فروع الفقه
~~الكلام فيها كلاما في أصول الفقه (3) لان هذه الأدلة (6) أدلة على تعيين
~~المسائل والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل وليس المراد بذلك، مالا
~~يتم العلم بالفقه الا معه لأنه لو كان كذلك لزم أن يكون الكلام في حدوث ms001
~~الأجسام، وإثبات الصانع، والعلم بصفاته، وايجاب عدله، وتثبيت الرسالة،
~~وتصحيح النبوة، كلاما في أصول الفقه، لان العلم به لا يتم من دون العلم
~~بجميع ذلك، وذلك لا يقوله أحد، فعلم بهذه الجملة، ان المراد بهذه العبارة
~~ما قلناه.
# والأصل في هذه الأصول الخطاب، أو ما كان طريقا إلى اثبات الخطاب، أو ما
~~كان الخطاب طريقا إليه.
# فأما الخطاب فهو الكلام الواقع على بعض الوجوه وليس كل كلام خطابا،
# PageV01P007
# وكل خطاب كلام.
# والخطاب يفتقر في كونه كذلك إلى إرادة المخاطب، لكونه خطابا لمن هو خطاب
~~له ومتوجه إليه، لأنه قد يوافق الخطاب في جميع صفاته من وجود وحدوث، وصيغة،
~~وترتيب ما ليس بخطاب، فلا بد من أمر زائد، وهو ما قلناه.
# والكلام في الخطاب، كلام في بيان أدلة الكتاب، والسنة وذلك ينقسم خمسة
~~أقسام:
# أحدها: الكلام في الأوامر والنواهي.
# والثاني: الكلام في العموم والخصوص.
# والثالث: الكلام في المطلق والمقيد.
# والرابع: الكلام في المجمل والمبين.
# والخامس: الكلام في الناسخ والمنسوخ.
# أما ما هو طريق إلى اثبات الخطاب من هذه الطرق، فهو قسم واحد وهو الكلام
~~في الاخبار، وبيان أقسامها.
# وأما ما الخطاب طريق إليه، فهو أيضا قسم واحد، وهو الكلام في أحكام
~~الافعال.
# وألحق قوم بهذا القسم الكلام في الاجماع، والقياس، والاجتهاد، وصفة
~~المفتى والمستفتي، والحظر، والإباحة.
# وذلك غير صحيح على قاعدة مذاهبنا، لان الاجماع عندنا إذا اعتبرناه، من
~~حيث كان فيه معصوم، لا يجوز عليه الخطأ، ولا يخلو الزمان منه، وطريق ذلك
~~العقل دون السمع، فهو خارج عن هذا الباب.
# وأما القياس والاجتهاد (1) فعندنا انهما ليسا بدليلين، بل محظور
~~استعمالهما،
# PageV01P008
#
# PageV01P009
# ونحن نبين ذلك فيما بعد، ونبين أيضا ما عندنا في صفة المفتى والمستفتي.
# وأما الكلام في الحظر والإباحة، فعندنا وعند أكثر من خالفنا طريقه العقل
~~أيضا (1)، فهو - أيضا - خارج من هذا الباب.
# والأولى في تقديم هذه الأصول الكلام في الاخبار، وبيان أحكامها، وكيفية
# PageV01P010
# أقسامها، لأنها الطريق إلى اثبات الخطاب. ثم الكلام في أقسام الخطاب. ثم
~~الكلام في الافعال لأنها متأخرة عن ms002 العلم بالخطاب. ثم الكلام في تتبع ما
~~عده المخالف أصلا وليس منه.
# ولما كان المبتغى (1) بهذه الأصول العلم، فلا بد من أن نبين فصلا يتضمن
~~بيان حقيقته، و (2) الفرق بينه وبين الظن وغيره، وما يصح من ذلك أن يكون
~~مطلوبا، وما لا يصح.
# ولا بد أيضا من بيان ما لا يتم العلم الا به: من حقيقة النظر، وشرايط
~~الناظر، وما يجب أن يكون عليه، وبيان معنى الدلالة، وسائر متصرفاته،
~~واختلاف العبارة عنه.
# ولما كان الأصل في هذا الباب الخطاب، وكان ذلك كلاما فلا بد من بيان فصل
~~يتضمن معنى الكلام، وبيان الحقيقة منه والمجاز، وانقسام أنواعه.
# ولما كان الكلام صادرا من متكلم، فلا بد من بيان من يصح الاستدلال بكلامه
~~ومن لا يصح، ويدخل في ذلك الكلام فيما يجب أن يعرف من صفات الله تعالى وما
~~لا يجب، وصفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفات الأئمة القائمين مقامه
~~الذين يجرى قولهم مجرى قوله عليه السلام.
# ونحن نبين جميع ذلك في أبوابه على غاية من الاختصار حسب ما تقتضيه
~~الحاجة، ونقتصر (3) فيما نذكره على الإشارة إلى ذكر ما ينبغي أن يعتمد
~~عليه، ويحصل العلم به دون أن يقرن (4) ذلك بالأدلة المفضية إليه، لان لشرح
~~ذلك موضعا غير هذا، والمطلوب من هذا الكتاب بيان ما يختصه من تصحيح أصول
~~الفقه التي ذكرناها، وبيان الصحيح منها والفاسد، إن شاء الله تعالى.
# PageV01P011
# فصل NoteV01P012N02 (في بيان حقيقة العلم، وأقسامه، ومعنى الدلالة، وما
~~يتصرف منها) حد العلم ما اقتضى سكون النفس.
# وهذا الحد أولى من قول من قال: (انه اعتقاد للشئ على ما هو به، مع سكون
~~النفس) لان الذي يبين به العلم من غيره من الأجناس هو سكون النفس، دون كونه
~~اعتقادا، لان الجهل أيضا اعتقاد، وكذلك التقليد.
# ولا يبين أيضا بقولنا: (للشئ على ما هو به) لأنه يشاركه فيه التقليد
~~أيضا، إذا كان معتقده على ما هو به. والذي يبين به هو سكون النفس، فينبغي
~~أن نقتصر (1) عليه، وليس من حيث إن ms003 ما اقتضى سكون النفس لا يكون الا
~~اعتقادا للشئ على ما هو به، ينبغي أن يذكر في الحد.
# كما أنه لا بد من أن يكون عرضا، وموجودا، ومحدثا، وحالا في المحل، ولا
~~يجب ذكر ذلك في الحد من حيث لا يبين به، فكذلك ما قلناه.
# ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم بعينه، ولا
~~(2) يجوز
# PageV01P012
# أن يحد الشئ بنفسه.
# ولا يجوز أن يحد بأنه اثبات، لان الاثبات في اللغة هو الايجاب (1)، ولأجل
~~ذلك يقولون: (أثبت السهم في القرطاس) أي: أوجبته (2) فيه. ويعبر أيضا في
~~الخبر عن وجوب الشئ كما يقال في المجبرة (3) انهم مثبتة.
# ثم إن ذلك ينتقض بالتقليد، لأنه أيضا إثبات للشئ على ما هو به، ان أريد
~~بهذه اللفظة الاعتقاد، وان أريد بها العلم فقد حد الشئ بنفسه.
# والعلوم على ضربين: ضروري، ومكتسب.
# فحد الضروري ما كان من فعل غير العالم به، على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه
~~بشك أو شبهة.
# وهذا الحد أولى مما قاله بعضهم من أنه: (ما لا يمكن العالم به دفعه عن
~~نفسه بشك أو شبهة إذا انفرد) (4) * لان ذلك تحرز ممن (5) اعتقد بقول النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم ان زيدا في الدار، ثم شاهده، فإنه لا يمكنه أن
~~يدفع ذلك عن نفسه، و (6) مع هذا فهو اكتساب.
# PageV01P013
# وهذا لا يصح عندنا، لان العلم بالبلدان، والوقائع، وما جرى مجراهما، هذا
~~الحد موجود فيه، وعند كثير من أصحابنا مكتسب قطعا، وعند بعضهم هو على
~~الوقف، فلا يصح ذلك على الوجهين معا.
# على أن ذلك انما يصح على مذهب من يقول ببقاء العلوم، فأما من قال إن
~~العلم لا يبقى فلا معنى لهذا الكلام عنده، لأنه لا يبقى وقتين، فيصح طرو
~~الشبهة في ذلك أو الشك، فيعتبر صحة انتفائه بهما أولا، وانما يتجدد حالا
~~بعد حال، اللهم الا أن يراد بذلك انه لا يصح أن يمنع منه ابتداءا، فان أريد
~~به ذلك فذلك يوجد في العلم الاستدلالي الذي لم يقارنه ms004 الضروري (1) *، لأنه
~~في حال حصول العلم أيضا لا يمكنه دفعه عن نفسه، وإن لم يكن ضروريا. وانما
~~يصح أن يدخل الشبهة أو الشك عليه فيمنعا من وجود مثله في الثاني، أو يدخلا
~~في طريقه قبل حصوله، فيمنعا من توليده، فأما حال حصوله فلا يصح على حال،
~~فعلم بذلك ان الصحيح ما قلناه.
# اللهم [الا] أن يراد بذلك ما أمكن ذلك فيه على وجه، فان أريد ذلك كان
~~صحيحا على مذهبه، ولا يصح ذلك على مذهبنا، لما قلناه من العلم الحاصل
~~بالبلدان والوقايع.
# والعلوم الضرورية على ضربين:
# ضرب منهما: يحصل في العاقل ابتداءا (2) *، وهو مثل العلم بان الموجود لا
~~يخلو من أن يكون قديما أو غير قديم، وان الجسم الواحد لا يخلو من أن يكون
~~في مكان أو لا يكون فيه، وان الذات لا بد من أن يكون على صفة أو لا يكون
~~عليها، وتعلق
# PageV01P014
# الكتابة بالكاتب، والبناء بالباني، وما يجرى مجرى ذلك مما يعد (1) في
~~كمال العقل، وهي كثيرة.
# والضرب الثاني: ما يقف على شرط، وهو العلم بالمدركات، لان العلم بها
~~ضروري، الا أنه واقف على شرط، وهو الادراك مع ارتفاع اللبس، وهذا العلم
~~واجب حصوله مع الشرط الذي ذكرناه في العاقل، لأنه مما يدخل به في كونه كامل
~~العقل، ومتى لم يحصل، أخل ذلك بكمال عقله.
# وزاد قوم في هذا القسم الذي يقف على شرط - وان لم يكن ذلك واجبا - العلم
~~بالصنائع عند الممارسة، والعلم بالحفظ عند الدرس.
# ولنا في ذلك نظر، ليس هذا موضع الكلام فيه.
# وذكروا فيه أيضا العلم بمخبر الأخبار المتواترة ونحن نبين ما عندنا فيها
~~(2) عند الكلام في الاخبار إن شاء الله تعالى.
# وأما العلم المكتسب: فحده أن يكون فعل من العالم به، وهذا الحد أولى من
~~حد من قال إنه: (ما أمكن العالم به دفعه عن نفسه لشبهة في دليله، أو طريقه
~~إذا انفرد)، لان ذلك لا يصح على مذهبنا، على ما قلناه من العلم باخبار
~~البلدان والوقايع.
# والعلم المكتسب على ضربين:
# أحدهما: لا ms005 يقع إلا متولدا عن نظر في دليل.
# والاخر يفعله العالم في نفسه ابتداءا.
# فالقسم الأول على ثلاثة أضرب:
# أحدها: أن ينظر في شئ فيحصل له العلم بغيره، نحو نظرنا في الحوادث لنعلم
~~ان لها محدثا، وهذا الوجه يختص العقليات، لأنها الطريق إلى اثبات ذوات
# PageV01P015
# الأشياء، دون الشرعيات التي هي طريق إلى اثبات أحكامها.
# وثانيها: أن ينظر في حكم لذات، فيحصل له العلم بصفة لها، وذلك نحو نظرنا
~~في صحة الفعل من زيد، فيحصل لنا العلم بأنه قادر.
# وهذا أولى مما قاله قوم: من أنه ينظر في شئ فيحصل له العلم بغيره، ومثل
~~ذلك بالنظر في فعل زيد، فيحصل له العلم بأنه قادر.
# وانما قلنا انه أولى، لان الذي يدل على كونه قادرا، صحة الفعل منه على
~~وجه دون وقوعه، فتمثيله بما قلناه أولى.
# والضرب الثالث: أن ينظر في حكم لذات، فيحصل لنا العلم بكيفية صفة لها،
~~نحو نظرنا في جواز العدم على بعض الذوات، فيحصل لنا العلم بأنها محدثة.
# وهذا الذي ذكرناه أولى مما قاله قوم من انا ننظر في صفه لذات، فيحصل لنا
~~العلم بصفة أخرى لها، لأن جواز العدم ليس هو صفة، وانما هو حكم من أحكامها،
~~وكونها محدثة ليس أيضا بصفة، وانما هو كيفية في الوجود، فعلم بذلك ان ما
~~قلناه أولى.
# ومثاله في الشرعيات: ان ننظر في أن شيئا منها واجب، فيحصل لنا العلم بأن
~~له جهة وجوب.
# وأما الضرب الثاني من العلوم المكتسبة التي تحصل من غير نظر: فهو ما
~~يفعله المنتبه من نومه، وقد سبق له النظر في معرفة الله تعالى، فحينئذ يعقل
~~(1) العلم عند ذكره الأدلة.
# وطريق النظر في الوجوه الثلاثة، التي قدمنا ذكرها.
# وقال قوم: في العلوم التي تقع عن نظر ما يسمى استدلالا، وهو ما يكون
~~المستدل به غير المستدل عليه.
# ومنه ما يسمى اكتسابا فقط، واطلاق الاكتساب على جميع ذلك لا خلاف فيه.
# PageV01P016
# ولا يمتنع أن يسمى أيضا جميع ذلك استدلالا، وانما يختص بتسميته الاكتساب
~~ما يفعله ابتداءا، على ما ms006 بيناه عند الانتباه، فان ذلك لا يجوز أن يسمى
~~استدلالا.
# ومن حق العلوم المكتسبة أن تتأخر عن الضرورية، لأنها فرع عليها، أو
~~كالفرع.
# وأما الظن: فعندنا وان لم يكن أصلا في الشريعة تستند الاحكام إليه (1)،
~~فإنه تقف أحكام كثيرة عليه، نحو تنفيذ الحكم عند الشاهدين، ونحو جهات
~~القبلة، وما يجرى مجراها، فلا بد أن نذكر (2) حده.
# وحده: (ما قوى عند الظان كون المظنون على ما ظنه، ويجوز مع ذلك كونه على
~~خلافه).
# وهذا أولى مما قاله قوم من أنه: (ما أوجب كون من وجد في قلبه ظنا) (3)،
~~لأنه بهذا (4) لا يبين (5) من غيره، لأنه يحتاج بعد إلى تفسير، فالأولى ما
~~ذكرناه.
# وبما قلناه يبين من العلم، لان العالم لا يجوز كون ما علمه على خلافه.
~~وكذلك به يتميز من الجهل، لان الجاهل يتصور نفسه بصورة العالم فلا يجوز
~~خلاف ما اعتقده، وان كان يضطرب عليه حاله فيما (6) يجهله، من حيث لم يكن
~~ساكن النفس، ولأنه اعتقاد لا على ما هو (7) * به، وليس كذلك الظن.
# PageV01P017
# وأما المقلد (1) *: فان كان يحسن الظن بمن قلده (2) * فهو سيظن أن الامر
~~على ما قلده فيه.
# وإذا قلد من لا يجوز عليه الخطأ، فكذلك لا يجوز كون ما قلده فيه على خلاف
~~ما قلده.
# وإذا قلد من لا يقوى في ظنه حال ما قلده فيه ففارق الظن، لان ذلك يكون قد
~~سبق إلى اعتقاد لا مزية لكونه على ما اعتقده، أو على خلافه (3)، فقد فارق
~~حال الظن.
# وأما الشاك: فهو الخالي من اعتقاد الشئ على ما هو به، ولا على ما هو به
~~مع خطوره بباله، وتجويزه كل واحدة من الصفتين عليه.
# وأما الدلالة: فهي ما أمكن الاستدلال بها على ما هي دالة (4) عليه، الا
~~أنها لا تسمى بذلك الا إذا قصد فاعلها الاستدلال.
# وانما قلنا ذلك لان ما لا يمكن الاستدلال به، لا يكون دلالة ألا ترى ان
~~طلوع الشمس من مشرقها لا يكون دلالة على النبوة، لأنه لا يمكن ذلك فيها من
~~حيث كان ms007 ذلك معتادا، وطلوعها من مغربها يكون دلالة، لامكان ذلك فيه.
# وأثر اللص لا يسمى دلالة، وان أمكن الاستدلال به عليه، من حيث لم يقصد
~~بذلك استدلال (5) عليه، وان سمى ذلك دلالة على بعض الوجوه، فعلى ضرب من
# PageV01P018
# المجاز، لأنه لو كان حقيقة لوصف بأنه دال وذلك لا يقوله أحد، لأنا نعلم
~~أنه يجتهد في اخفاء أمره، وان لا يعلم به، فكيف يجوز وصفه بأنه دال!،
~~وتستعمل هذه اللفظة في العبارة عن الدلالة، ولهذا يقول أحد الخصمين لصاحبه
~~أعد دلالتك، وانما يريد به كيفية عبارتك عنها، وذلك مجاز.
# وانما استعير ذلك من حيث كان السامع لذلك إذا تأمله كان أقرب إلى معرفة
~~المدلول عليه، كما أنه عند النظر في الدلالة كذلك.
# وتوصف الشبهة بأنها دلالة مجازا، ولهذا يقال دلالة المخالف.
# ومن حق الدلالة أن تكون معلومة للمستدل بها على الوجه الذي تدل على ما
~~تدل عليه، حتى يمكنه الاستدلال بها، ولا فرق بين أن يعلم ذلك ضرورة أو
~~استدلالا.
# ولا يجب في الأدلة أن تكون موجودة، ولأجل ذلك صح الاستدلال (1) * بمجئ
~~الشجرة، وحنين الجذع على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبكلامه على
~~الاحكام، وان كان ذلك كله معدوما.
# ولا يجب في الأدلة أن يعلم بدلالة أخرى، ويجوز ذلك فيها الا أنها لا بد
~~أن تنتهي إلى دلالة يعلم صفتها ضرورة، والا أدى إلى ما لا يتناهى من
~~الأدلة.
# والدال: هو من فعل الدلالة، لأنه مشتق منها، فجرى في ذلك مجرى الضارب في
~~أنه مشتق من الضرب، وعلى هذا يصح أن يقال: ان الله تعالى دلنا على كذا، فهو
~~دال، وكذلك (2) النبي صلى الله عليه وآله وسلم دلنا على كذا وكذا فهو دال.
~~وقد يتجوز في ذلك فيعبر به عن الدلالة فيقولون: قول الله تعالى، وقول النبي
~~(3) دال على كذا وكذا من الاحكام، وان كان الدال في الحقيقة هو الله تعالى
~~والرسول على ما بيناه،
# PageV01P019
# وكذلك يتجوز في العبادة عن الدلالة.
# والدليل: هو الدال في الأصل قال الشاعر:
# إذا الدليل ms008 استاف أخلاف الطرق (1) فوصف الدال على الطريق بأنه دليل، من
~~حيث فعل أشياء استدل بها على الموضع المقصود. وقد يتجوز في ذلك فيستعمل في
~~الدلالة، فيقولون في الأجسام انه دليل على خالقها، وبأن القرآن دليل على
~~الاحكام، ولا يمتنع أن يقال أيضا انه حقيقة فيهما (2) *.
# والمدلول: هو الذي نصبت له الدلالة ليستدل (3) بها، وهو المكلف، وقد
~~يتجوز بذلك في المدلول عليه فيقولون: هذا مدلول الدلالة، وذلك مجاز.
# والمدلول عليه: هو ما يؤدى النظر في الدلالة إلى العلم به.
# والمستدل: هو الناظر، ولا يسمى بذلك الا إذا فعل الاستدلال.
# والمستدل به: هو الدلالة بعينها، ولا يسمى بذلك قبل الاستدلال بها.
# والمستدل عليه: هو المدلول عليه بعينه، غير أنه لا يسمى بذلك قبل حصول
~~الاستدلال.
# والنظر ينقسم إلى:
# تقليب الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته.
# PageV01P020
# وإلى معنى الانتظار.
# وإلى معنى التعطف والرحمة.
# وإلى معنى الفكر.
# والواجب من ذلك هو الفكر (1) *.
# والناظر يعلم نفسه ناظرا ضرورة، ويفصل بين هذا الحال وبين سائر صفاته من
~~كونه معتقدا، وظانا، ومريدا، وغير ذلك من الصفات.
# ومن شرط الناظر أن يكون عالما بالدليل على الوجه الذي يدل على ما يدل
~~عليه، حتى يصح أن يولد نظره العلم.
# ولأجل ذلك نقول: ان من لا يعلم صحة الفعل من زيد لا يعلمه قادرا، ومن لا
~~يعلم وقوع الفعل محكما منه، لا يمكنه أن يستدل على كونه عالما، لما لم يكن
~~عالما بالجهة التي لكونه عليها يدل، ولهذا نقول: ان من لا يعلم أن قوله
~~تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (2) كلام الله، وان الله تعالى لا
~~يجوز عليه القبيح، ولا التعمية والألغاز في الكلام، لا يمكنه الاستدلال به
~~على وجوب الصلاة ولا الزكاة، ولذلك ألزمنا المجبرة أن لا يمكنهم الاستدلال
~~بكلام الله تعالى من حيث جوزوا (3) * عليه القبائح كلها.
# وكذلك من لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق، وانه لا يجوز
~~عليه الكذب، ولا التعمية، والألغاز في الكلام، لا يصح له أن يستدل بقوله
~~صلى الله عليه ms009 وآله وسلم على شئ من الاحكام.
# وهذه العلوم التي ذكرناها، شرط في توليد النظر للعلم، لا في صحة وجوده،
~~لان
# PageV01P021
# من اعتقد الدليل، أو ظنه على الوجه الذي يدل - وان لم يكن عالما به - جاز
~~منه فعل النظر، وان لم يولد (1) * العلم. وإنما قلنا انه متى لم يكن عالما،
~~لا يولد نظره العلم، لأنه إذا لم يكن عالما بالدليل على الوجه الذي يدل
~~عليه، جوز ألا (2) يكون دليلا (3) على الوجه الذي يدل، فكيف يجوز حصول
~~العلم عن الدليل مع تجويز ما قلناه فيه؟
# والنظر في الدليل من الوجه الذي يدل يوجب العلم، لأنه يكثر بكثرته، ويقل
~~بقلته، ولأنه يقع العلم عنده مطابقا لما يطلبه بالدليل، ألا ترى ان من نظر
~~في صحة العقل من زيد لا يصح أن يقع له العلم بان عمرا قادر، وكذلك من نظر
~~في أحكام الفعل، لا يصح أن يقع له العلم بالهندسة وغيرها، فعلم بوجوب هذه
~~المطابقة انه متولد عن (4) النظر.
# والنظر لا يولد الجهل (5) * على وجه، لأنه لو ولده لم يخل أن يكون النظر
~~في الدليل يولده، أو النظر في الشبهة. ولا يجوز أن يولد النظر في الدليل
~~الجهل، لأنا قد بينا ان النظر في الدليل يولد العلم، ولا يجوز في شئ أن
~~يولد الشئ وضده. ولو ولد النظر في الشبهة الجهل، لكان يجب كل من نظر فيها
~~أن يولد له الجهل، كما أن كل من نظر في الدليل ولد له العلم. ونحن نعلم انا
~~ننظر في شبه (6) المخالفين فلا يتولد لنا
# PageV01P022
# الجهل، ولأنه لو كان شئ من النظر يولد الجهل، لأدى إلى قبح كل نظر لان
~~الانسان لا يفرق بين النظر الذي يولد العلم، والنظر الذي يولد الجهل، ولا
~~بين الدليل والشبهة، وانما يعلم كون الدليل دليلا إذا حصل له العلم
~~بالمدلول، فاما قبل حصوله، فلا يعلمه دليلا.
# وما أدى إلى قبح كل نظر، ينبغي أن يحكم بفساده لأنا نعلم ضرورة حسن نظر
~~كثير من أمر الدين والدنيا معا.
# والنظر الذي ذكرناه لا ms010 يصح إلا من كامل العقل (1) *، فلا بد أن نبين
~~ماهية العقل.
# والعقل: هو مجموع علوم إذا حصلت كان الانسان عاقلا، مثل أن يجب أن يعلم
~~المدركات إذا أدركها وارتفع عنها اللبس، وأن يعلم أن الموجود لا يخلو من
~~قدم أو حدوث، وأن المعلوم لا يخلو من وجود أو عدم، ويعلم وجوب كثير من
~~الواجبات، وحسن كثير من المحسنات، مثل وجوب رد الوديعة، وشكر النعمة، وحسن
~~الاحسان، ويعلم قبح كثير من المقبحات، مثل الظلم المحض، والكذب العاري من
~~نفع ودفع ضرر، والعبث وغير ما عددناه، ويعلم تعلق الفعل بالفاعل (2) * وقصد
~~المخاطبين، ويمكنه معرفة ما يمارسه من الصنايع، ويمكنه أيضا معرفة مخبر
~~الاخبار، وغير ذلك.
# فإذا حصلت هذه العلوم فيه كان كامل العقل يصح منه الاستدلال على الله
~~تعالى، وعلى صفاته، وعلى صدق الأنبياء عليهم السلام.
# ووصفت هذه العلوم التي ذكرناها بالعقل لوجهين:
# أحدهما: انه لما كان العلم بقبح كثير من المقبحات صارفا له عن فعلها،
~~وعلمه
# PageV01P023
# بوجوب (1) كثير من الواجبات، داعيا له إلى فعلها، وصارفا عن الاخلال بها،
~~سمى عقلا تشبيها بعقال الناقة الذي يمنعها (2) من السير.
# والثاني: انه لما كانت العلوم الاستدلالية لا تثبت الا مع ثبوت هذه
~~العلوم، سميت عقلا تشبيها أيضا بعقال الناقة، ولأجل ما قلناه لا يصح وصف
~~القديم تعالى بأنه عاقل، لان هذا المعنى لا يصح فيه.
# وأما الامارة فليست موجبة للظن، بل يختار الناظر فيها عندها الظن
~~ابتداءا، لأنا نعلم أنه ينظر جماعة كثيرة في امارة واحدة من جهة واحده، فلا
~~يحصل لجميعهم الظن، فلو كانت مولدة لوجب ذلك، كما يجب ذلك في الدليل، ألا
~~ترى ان الجماعة إذا نظرت في الدليل من الوجه الذي يدل، حصل لجميعهم العلم،
~~ولم يحصل لبعضهم دون بعض، وليس كذلك الظن.
# PageV01P024
# فصل NoteV01P025N03 (في ذكر أقسام أفعال المكلف) أفعال المكلف (1) * إذا
~~كان عالما بها، أو متمكنا من العلم بها، وهو غير ساه عنها، ولا ملجأ إليها
~~(2) *، لا تخلو من أن تكون حسنة أو قبيحة، وانما قلنا ذلك لان فعل ms011 الساهي
~~والنائم لا يوصف بذلك.
# وقال قوم: يوصف بذلك إذا كان فيه جهة الحسن أو القبح.
# فالحسن على ضربين:
# ضرب منه: ليس له صفة زائدة على حسنه، وذلك يوصف بأنه مباح، إذا دل فاعله
~~على حسنه، ويوصف - أيضا - في الشرع بأنه حلال وطلق وغير ذلك.
# PageV01P025
# والضرب الاخر: له صفة زائدة على حسنه، وهو على ضربين:
# أحدهما: أن يستحق المدح بفعله، ولا يستحق الذم بتركه (1) *، فيوصف بأنه
~~مرغب فيه، ومندوب إليه، ونفل، وتطوع، وهذا الضرب إذا تعدى إلى الغير سمى
~~بأنه احسان وانعام.
# والضرب الثاني: هو ما يستحق الذم بتركه، وهو أيضا على ضربين:
# أحدهما: انه متى لم يفعله بعينه استحق الذم، وذلك مثل رد الوديعة،
~~والصلوات المعينة المفروضة، فيوصف بأنه واجب مضيق.
# والضرب الثاني: هو ما إذا لم يفعله، ولا ما يقوم مقامه استحق الذم، فيوصف
~~بأنه واجب مخير فيه، وذلك نحو الكفارات في الشريعة، وأداء الصلوات في
~~الأوقات المخير فيها، وقضاء الدين من أي درهم شاء، وما شاكل ذلك.
# ومن الواجب ما يقوم فعل الغير مقامه (2) *، وذلك نحو الجهاد والصلاة على
~~الأموات، ودفنهم، وغسلهم، ومواراتهم، فيوصف بأنه فرض على الكفاية.
# وأما القبيح: فلا ينقسم انقسام الحسن، بل هو قسم واحد، وهو كل فعل يستحق
~~فاعله الذم على بعض الوجوه، ويوصف في الشرع بأنه محظور، ومحرم إذا دل فاعله
~~عليه أو اعلمه.
# وفي الافعال ما يوصف بأنه مكروه، وان لم يكن قبيحا، وهو كل فعل كان
~~الأولى تركه واجتنابه، وان لم يكن قبيحا يستحق بفعله الذم، فيوصف بأنه
~~مكروه.
# وفي أفعال الشريعة ما يوجب على غير فاعلها حكما، كفعل الطفل، والمجنون،
~~وما أشبههما، فإنه يلزم المكلف أن يأخذ من مال الطفل والمجنون عوض ما أتلفه
~~ويرده على صاحبه، ويأخذ الزكاة مما يجب فيه من جملة ماله عند من قال بذلك.
# PageV01P026
# وفي الافعال ما يوجب على فاعلها أحكاما، وذلك على أقسام:
# منها: قولهم (أن الصلاة باطلة)، فمعناه انه يجب علينا (1) اعادتها.
# وقولهم: (ان الشهادة باطلة) انه لا يجوز للحاكم تنفيذ الحكم ms012 عندها، وإذا
~~قالوا:
# (انها صحيحة) معناه انه يجوز تنفيذ الحكم عندها.
# وقول من قال: (ان الوضوء بالماء المغصوب غير جائز) انه يجب عليه اعادته
~~ثانيا بماء مطلق، وعند من قال: (انه جائز) معناه انه وقع موقع الصحيح.
# وقولهم: (ان البيع صحيح) معناه ان التمليك وقع به، وقولهم: (انه فاسد)
~~خلاف ذلك، وانه لا يصح التملك به، ولا استباحة التصرف به.
# وهذه الألفاظ إذا تؤملت رجع (2) * معناها إلى ما قدمناه من الأقسام، غير
~~أن لها فوائد في الشريعة تكشف عن أسباب أحكامها.
# فهذه الجملة كافية في هذا الفصل.
# وإذ قد بينا ما أردناه من حقيقة العلم، والنظر، والدليل، وصفة الناظر،
~~وغير ذلك، وحقيقة الافعال، فلا بد من أن نبين حقيقة الكلام ونشرح أقسامه،
~~وما ينقسم إليه من حقيقة أو مجاز.
# ثم نبين الأسماء اللغوية، والعرفية، والشرعية، وكيفية ترتيبها.
# فإذا فعلنا ذلك بينا صفات من يصح أن يستدل بخطابه ومن لا يصح.
# ثم نشرع فيما ذكرناه من ترتيب الأصول على ما قدمنا القول فيه إن شاء الله
~~تعالى.
# PageV01P027
# فصل NoteV01P028N04 (في حقيقة الكلام، وبيان أقسامه، وجملة من أحكامه،
~~وترتيب الأسماء) حقيقة الكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف
~~المعقولة، إذا وقع ممن يصح منه، أو من قبيله (1) * الإفادة، وهو على ضربين:
# مهمل، ومفيد.
# فالمهمل: هو الذي لم يوضع ليفيد في اللغة شيئا.
# والمفيد على ضربين:
# ضرب منهما: له معنى صحيح وان كان لا يفيد فيما وضع له، (2) * وذلك نحو
~~أسماء الألقاب وغيرها.
# والضرب الثاني: يفيد فيما وضع له. وهو على ضربين: حقيقة، ومجاز.
# فحد الحقيقة: ما أفيد به ما وضع في اللغة، ومن حقه أن يكون لفظه منتظما
# PageV01P028
# لمعناه من غير زيادة، ولا نقصان، ولا نقل إلى غير موضعه، وذلك مثل قوله
~~تعالى:
# " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله لا بالحق " (1) إلى ما شاكل ذلك من
~~الحقائق.
# وأما المجاز: فهو ما أفيد به ما لم يوضع له في اللغة، ومن حقه أن يكون
~~لفظه لا ينتظم معناه، اما بزيادة، أو ms013 نقصان (2) *، أو بوضعه في غير موضعه.
# والمجاز الذي دخلته الزيادة نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شئ " (3) لان
~~معناه ليس مثله شئ، فالكاف زائدة.
# والمجاز بالنقصان، نحو قوله تعالى: " وسئل القرية " (4) " واسئل العير "
~~(5)، لان معناه واسئل أهل القرية، وأهل العير، فحذف ذلك اختصارا ومجازا،
~~ونحو قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " (6) * على تأويل من قال إلى ثواب ربها
~~ناظرة. و " جاء ربك " (7) لان معناه، وجاء أمر ربك، وما أشبه ذلك.
# والمجاز الثالث، نحو قوله تعالى: " وأضلهم السامري " (8) فنسبة إليه من
~~حيث دعاهم، وان كانوا هم ضلوا في الحقيقة، لا انه فعل فيهم الضلال.
# ويجب حمل الحقيقة على ظاهرها، ولا يتوقع في ذلك دليل يدل على ذلك.
# والمجاز لا يجوز حمله عليه، الا ان يدل دليل على كونه مجازا.
# PageV01P029
# والحقيقة إذا عقلت فائدتها، فيجب حملها على ما عقلت من فائدتها (1) * أين
~~وجدت، ولا يخص به موضع دون آخر، ويطرد ذلك فيها الا لمانع من سمع أو عرف أو
~~غير ذلك، الا أن يكون وضعت (2) لتفيد في معنى جنس دون جنس، فحينئذ يجب أن
~~يخص ذلك الجنس به نحو قولهم: (خل) انه يفيد الحموضة في جنس مخصوص، وقولهم:
~~(بلق) يفيد اجتماع اللونين في جنس دون جنس. وعلى هذا المعنى يقال ان
~~الحقايق يقاس عليها.
# واما المجاز فلا يقاس عليه وينبغي أن يقر حيث استعمل، ولذلك لا يقال: (سل
~~الحمير) ويراد مالكها كما قيل: (واسئل القرية)، وأريد أهلها، لان ذلك لم
~~يتعارف فيه.
# والحقيقة لا يمتنع أن يقل استعمالها فتصير كالمجاز، مثل قولنا (الصلاة)
~~في الدعاء وغير ذلك.
# وكذلك لا يمتنع في المجاز أن يكثر استعماله فيصير حقيقة بالعرف (3) نحو
~~قولنا: (الغائط) في الحدث المخصوص، وقولنا: (دابة) في الحيوان المخصوص، وما
~~هذا حكمه، حكم له بحكم الحقيقة.
# والمفيد من الكلام لا يكون الا جملة من اسم واسم، أو فعل واسم، وما
~~عداهما ما لا يفيد الا بتقدير واحد من القسمين فيه ولأجل ذلك قلنا يا زيد
~~في النداء انما يفيد لان معنى (يا) ادعوا فصار ms014 معنى هذا الحرف معنى الفعل،
~~فلأجل ذلك أفاد.
# وينقسم (4) ذلك إلى أقسام:
# إلى الامر وما معناه معنى الامر (5) من السؤال، والطلب والدعاء.
# PageV01P030
# وإلى النهى.
# وإلى الخبر، ويدخل في ذلك الجحود، والقسم، والأمثال، والتشبيه وما شاكله،
~~والاستخبار، والاستفهام، والتمني [والترجي] (1) شبيه بالاخبار.
# هذا ما قسمه أهل اللغة، وطول كثير من الفقهاء في اقسام الكلام.
# وقال قوم: (2) الأصل في ذلك كله الخبر، لان الامر معناه معنى الخبر، لان
~~معناه أريد منك أن تفعل وذلك خبر، والنهى معناه أكره منك الفعل وذلك أيضا
~~خبر، وكذلك القول في سائر الأقسام.
# والأسامي المفيدة على ضربين:
# اما أن تكون مفيدة لعين واحدة، أو تفيد أكثر من ذلك، فما أفاد الفائدة في
~~عين واحدة فهو أسماء الأجناس. وما أفاد أكثر من ذلك على ضربين:
# أحدهما: نحو قولنا: (لون) فإنه لا يفيد في عين واحدة، بل يفيد في أعيان
~~فائدة واحدة.
# والضرب الثاني: يفيد معاني مختلفة وهو جميع الأسماء المشتركة نحو قولنا:
# (قرؤ) و (جون) و (عين)، وغير ذلك.
# وفي الناس من دفع ذلك وقال: ليس في اللغة اسم واحد لمعنيين مختلفين.
# وهذا خلاف حادث لا يلتفت إليه، لان الظاهر من مذهب أهل اللغة خلافه.
# ويدخل على الجمل (3) حروف تغير معانيها وتحدث فيها فوائد لم تكن قبل
# PageV01P031
# ذلك وهي كثيرة قد ذكرها أهل اللغة ولا نحتاج إلى ذكر جميعها، ونحن نذكر
~~منها ما له تعلق بهذا الباب.
# فمنها: (الواو) فذهب قوم إلى انها توجب الترتيب، وهو المحكى عن الفراء
~~وأبى عبيدة، واحتج كثير من الفقهاء به (1).
# والصحيح انها لا تفيد الترتيب بمقتضى اللغة (2)، ولا يمتنع أن يقال انها
~~تفيد ذلك بعرف الشرع، بدلالة ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه
~~قال لمن خطب فقال: (من يطع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقد هدى
~~ومن يعصهما فقد غوى) " بئس خطيب القوم أنت " فقال: يا رسول الله، كيف أقول؟
~~فقال عليه السلام قل: " ومن يعص الله ورسوله فقد غوى " (3).
# فلولا الترتيب لما كان لهذا الكلام ms015 معنى، ولكان يفيد قوله: " ومن يعصهما
~~ما أفاد " ومن يعص الله ورسوله " عند من قال بأنها تفيد الجمع، وقد علمنا
~~خلاف ذلك.
# ومنها ان القائل إذا قال لزوجته التي لم يدخل بها " أنت طالق وطالق "، لا
# PageV01P032
# خلاف بين الفقهاء انه لا يقع الا طلقة واحدة (1)، فلو كانت الواو تفيد
~~الجمع لجرى مجرى قوله: (أنت طالق تطليقتين) (2). وقد علمنا خلاف ذلك.
# وقال قوم (3): ان الواو تفيد الجمع والاشتراك (4) * وهو الظاهر في اللغة
~~نحو قولهم: " رأيت زيدا وعمرا " ومعناه رأيتهما، وتستعمل بمعنى استئناف
~~جملة من الكلام، وان لم تكن معطوفة على الأول في الحكم نحو قوله تعالى: "
~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به " (5) على قول من قال إن المراد به
~~الاخبار عن الراسخين بأنهم يقولون آمنا به، لا أنهم يعلمون تأويل ذلك.
# وقد تستعمل بمعنى (أو)، كقوله تعالى في وصف الملائكة: " أولى أجنحة مثنى
~~وثلث ورباع " (6)، وكقوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع
~~" (7)، والمراد بذلك أو. والأشبه في ذلك أن يكون مجازا لأنه لا يطرد في كل
~~موضع.
# ومنها: (الفاء) ومعناها الترتيب والتعقيب (8) *، نحو قول القائل: " رأيت
~~زيدا فعمرا، فإنه يفيد ان رؤيته له عقيب رؤيته لزيد مع أنه بعده، ولذلك
~~ادخل الفاء في جواب الشرط لما كان من حق الجزاء أن يلحق (9) بالشرط من غير
~~تراخ. وقلنا: ان قوله
# PageV01P033
# تعالى: " انما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " (1) ان ظاهر
~~الكلام يقتضى كون المكون عقيب كن لموضع الفاء، وهذا يوجب ان كن محدثة، لان
~~ما تقدم المحدث بوقت واحد لا يكون قديما، وذلك يدل على حدوث الكلام بالضد
~~مما يتعلقون به (2) *.
# وذهب المرتضى رحمه الله إلى أنها تفيد الترتيب، وخالف في أنها تفيد
~~التعقيب من غير تراخ، بل قال: ذلك موقوف على الدليل ويجب التوقف فيه، وخالف
~~في جميع ما يمثل به في هذا الباب.
# وأما (ثم): فإنها تفيد الترتيب والتراخي، فهي مشاركة للفاء في الترتيب
~~وتضادها في التراخي. وقد استعملت (ثم) بمعنى (الواو) في قوله ms016 تعالى: "
~~فالينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون " (3) لان معناه والله شهيد،
~~وذلك مجاز.
# وأما (بعد): فإنها تفيد الترتيب من غير تراخ ولا تعقيب.
# وأما (إلى) فهي للحد، وقد يدخل الحد في المحدود تارة، وتارة لا يدخل، فهو
~~موقوف على الدليل، وان كان الأقوى انه لا يدخل فيه.
# وأما (من): فلها (4) أربعة أقسام:
# أحدها: التبعيض، نحو قولهم: (أكلت من الخبز واللحم)، يعنى أكلت بعضهما،
~~ونحو قولهم: (هذا باب من حديد، وخاتم من فضة) لان المراد به أنه من هذا
~~الجنس.
# وثانيها: معنى ابتداء الغاية، نحو قولهم: (هذا الكتاب من فلان إلى فلان)،
~~أي
# PageV01P034
# ابتداء غايته منه، وعلى هذا حمل قوله تعالى: " نودي من شاطئ الواد الأيمن
~~في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى " (1) فان (2) معناه ان ابتداء
~~النداء كان من الشجرة، فذلك دليل على حدوث النداء.
# وثالثها: أن تكون زائدة مثل قولهم: (ما جائني من أحد) معناه ما جائني
~~أحد.
# ورابعها: أن تبين تبيين الصفة، نحو قوله تعالى: " فاجتنبوا الرجس من
~~الأوثان " (3) معناه فاجتنبوا (4) الرجس الذي هو الأوثان، ذكر ذلك أبو على
~~الفارسي النحوي (5).
# وقال بعضهم: ان معناها في جميع المواضع ابتداء الغاية، وأنكر ما عدا ذلك
~~من الأقسام وأما (الباء): فتستعمل على وجهين:
# أحدهما: التبعيض، وهو إذا استعملت في موضع الذي (6) يتعدى الفعل إلى
~~المفعول به بنفسه، ولأجل هذا قلنا ان قوله تعالى: " وامسحوا برؤوسكم " (7)
~~يقتضى المسح ببعض الرأس، لأنه لو كان المراد مسح الرأس كله لقال: (امسحوا
~~رؤوسكم) لان الفعل يتعدى بنفسه إلى الرؤس.
# والثاني: أن تكون للالصاق، وهو إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول بنفسه
# PageV01P035
# مثل قولهم: (مررت بزيد)، لأنه لو قال: (مررت زيدا) لم يكن كاملا.
# وأما (أو): فالأصل فيها التخيير كقولهم: (جالس الحسن أو ابن سيرين). وعلى
~~هذا حملت آية الكفارة (1).
# وتستعمل بمعنى الشك، كقول القائل: (أكلت كذا أو كذا)، ورأيت فلانا أو
~~فلانا، الا أن هذا القسم لا يجوز في كلام الله تعالى.
# وقد تستعمل بمعنى (الواو) كما قال تعالى: " وأرسلناه ms017 إلى مائة ألف أو
~~يزيدون " (2) وانما أراد به ويزيدون.
# وقد تستعمل بمعنى الابهام، مثل قول القائل: (فعلت كذا وكذا) إذا كان
~~عالما بما فعله، وانما يريد ابهامه على المخاطب به.
# وأما (في): فإنها تفيد الظرف نحو قولهم: (زيد في الدار)، وان استعملت في
~~غير ذلك (الموضع) (3) فعلى ضرب من المجاز.
# وإذ قد بينا ان الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز فلا بد من اثباته، لان في
~~الناس من دفع أن يكون في الكلام مجاز أصلا (4). وهذا قول شاذ لا يلتفت
~~إليه، لان من
# PageV01P036
# المعلوم من دين أهل اللغة ان استعمالهم لفظة الحمار في البليد، والأسد في
~~الشجاع مجاز دون الحقيقة.
# وكذا قوله تعالى: " ان الذين يؤذون الله " (1) بمعنى يؤذون أولياء الله،
~~" و: جاء ربك " (2) بمعنى جاء أمر ربك، وقوله: " واسئل القرية " (3) بمعنى
~~أهل القرية، ان كل ذلك مجاز.
# فان دفع ذلك استعمالا، فما ذكرناه دلالة عليه.
# وان قال: لا أدفعه استعمالا الا أنى أقول إنه حقيقة، كان مخالفا لاستعمال
~~أهل اللغة واطلاقهم، ويحتج عليه بالرجوع إلى الكتب المصنفة في المجاز (4).
# والوجه الذي يستعمل عليه المجاز كثير و (لا) ينضبط، وقد ذكر بعضه في
~~الكتب.
# ولا يجوز أن يكون مجاز ولا حقيقة له، وانما قلنا ذلك لما بيناه من أن
~~المجاز هو ما استعمل في غير ما وضع له، وإذا لم يكن له حقيقة لم يثبت هذا
~~المعنى فيه. ويجوز
# PageV01P037
# أن تكون حقيقة ولا مجاز لها.
# ومن حق الحقيقة أن يعلم المراد بها بظاهرها، ومن حق المجاز أن يعلم
~~المراد به بدليل غير الظاهر، والله تعالى قد خاطب بالمجاز كما خاطب
~~بالحقيقة، وكذلك الرسول عليه وآله السلام، ومن دفع ذلك لا يلتفت إلى قوله،
~~وليس ذلك بمؤدى إلى الحاجة، لان الله تعالى استعمل ذلك على عادة العرب في
~~خطابها في استعمال الحقيقة والمجاز، كما استعمل الإطالة تارة والايجاز
~~أخرى، كما استعملت هي، فإذا جاز أحدهما جاز الاخر.
# فأما لفظ الاستعارة فالأولى أن لا يطلق على كلام الله تعالى من حيث (1)
~~يوهم ان ms018 فاعلها استعارها لحاجة، وان أريد بذلك ما ذكره بعضهم من أن المخاطب
~~بتلك اللغة يقتضى حسن استعمالها في المجاز كحسن ذلك في الحقيقة فعلى هذا لا
~~يمتنع اطلاق هذه اللفظة على كلام الله تعالى. فإذا (2) ثبت ان الله تعالى
~~خاطب بالحقيقة والمجاز معا فلا بد من أن يدل على الفصل بينهما، والا أدى
~~إلى تكليف ما لا يطاق، كما لا بد من أن يدل على الفصل بين الألفاظ المختلفة
~~لتعرف معانيها.
# والفصل بين الحقيقة والمجاز يقع من وجوه:
# منها: أن يوجد نص من أهل اللغة، أو دلالة على أنه مجاز.
# ومنها: أن يعلم بأنهم وضعوا تلك اللفظة لشئ ثم استعملوها في غيره (3) على
~~وجه التشبيه.
# ومنها: أن يعلم أنها تطرد (4) في موضع، ولا تطرد في آخر، ولا مانع فيعلم
~~انها مجاز في الموضع الذي لا تطرد فيه. وانما شرطنا المانع لان الحقيقة قد
~~لا تطرد لمانع
# PageV01P038
# عرفي أو شرعي، ألا ترى ان لفظة (الدابة) ووضعت في الأصل لكل ما دب، ثم
~~اختصت في العرف بشئ (1) بعينه، وكذلك لفظة (الصلاة) في الأصل للدعاء، ثم
~~اختصت في الشرع بأفعال بعينها، وكذلك لفظة (النكاح) وما جرى مجرى ذلك،
~~فيعلم أنه حقيقة وان لم تطرد، لما بيناه من العرف والشرع.
# ومنها: أن يعلم أن للفظه حكما وتصرفا من اشتقاق، أو تثنية، أو جمع، أو
~~تعلق بالغير (2) *، فإذا استعملت في موضع هذه الأحكام منتفية عنه علم أنه
~~مجازا، ولذلك قلنا: ان لفظة الامر حقيقة في القول ومجاز في الفعل، لان
~~الاشتقاق لا يصح في الفعل ويصح في القول.
# ومنها: أن يعلم أن تعلقها بالمذكور لا يصح، فيحكم ان هناك حذفا وان اللفظ
~~مجاز ولذلك قلنا إن قوله: " واسئل القرية " (3) مجاز، وكذلك قوله: " إلى
~~ربها ناظرة " (4) على أحد التأويلات.
# ومنها: أن يستعمل في الشئ من حيث كان جزاءا لغيره، نحو قوله تعالى:
# " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (5) لان الجزاء في الحقيقة لا يكون سيئة،
~~ولهذا قال أهل اللغة الجزاء بالجزاء، ومعلوم ان الأول ليس جزاء، ولذلك
~~نظائر ms019 كثيرة.
# ومنها: ان يستعمل في الشئ لأنه يفضى إلى غيره كقولهم: (حضره الموت) (6) *
~~إذا خيف عليه من مرضه، ونحو قولنا: ان النكاح اسم للوطء، حقيقة ومجاز في
~~العقد لأنه موصل إليه، وان كان بعرف الشرع قد اختص بالعقد كلفظة (الصلاة)
~~وغيرها.
# PageV01P039
# وقد يستعمل اللفظ في الشئ لأنه مجاور لغيره، أو هو منه بسبب.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب فإنها تنبه على ما عداها وقد انتقلت
~~أسماء كثيرة مما كانت عليه في اللغة إلى العرف تارة وإلى الشرع (1) أخرى،
~~فما انتقل منه إلى العرف نحو قولنا: (دابة) و (غائط) فان هذا وان كان اسما
~~في اللغة لكل ما يدب و للمكان المطمئن من الأرض منه، صار في العرف عبارة عن
~~حيوان مخصوص وحدث مخصوص، ونظائر ذلك كثيرة لا فائدة في ذكر جميعها وانما
~~أردنا المثال.
# واما ما انتقل منه إلى الشرع فنحو قولنا: (الصلاة) فإنها في اللغة موضوعة
~~للدعاء، وقد صارت في الشريعة عبارة عن أفعال مخصوصة، وكذلك (الزكاة) في
~~اللغة عبارة عن النمو، وفي الشريعة عبارة عن أخذ شئ مخصوص، ونظائر ذلك
~~كثيرة. واما لفظة (الايمان) فعند قوم انها منتقلة، وعند آخرين انها على ما
~~كانت عليه (2)، وليس هذا الكتاب موضوعا لأعيان الأسماء التي انتقلت والتي
~~لم تنتقل فان شرح ذلك يطول، وانما كان غرضنا أن نبين ثبوت ذلك.
# والسبب في استعمال ذلك أنه حدثت أحكام في الشريعة لم تكن معروفة في
~~اللغة، فلا بد من العبارة عنها، فلا فرق بين أن توضع لها عبارة مبتدأة لا
~~تعرف، وبين أن ينقل بعض الأسماء المستعملة في غير ذلك، كما أن من يرزق ولدا
~~يجوز له أن يضع له اسما لا يعرف، ويجوز أن ينقل بعض الأسماء المستعملة
~~إليه، الا أن (3) الامر وان كان على ما قلناه، فمتى نقل الاسم من مقتضى
~~اللغة إلى شئ لا يعرف فيها لا يكون المتكلم به متكلما باللغة، بل يكون
~~متكلما بالشرع، وان سمى متكلما باللغة يكون مجازا من حيث إنه استعمل ما
~~كانوا استعملوه، ms020 وان كان قد استعملوه في غير ذلك.
# ومتى لم نقل ذلك لزم أن يكون من تكلم باللغة المعروفة ووافق بعض أسمائها
~~أسماء
# PageV01P040
# العجم أن يكون متكلما بالعجمية، وذلك لا يقوله أحد. فعلم أن الصحيح ما
~~قلناه.
# وإذا ثبتت هذه الجملة، فمتى ورد خطاب من الله تعالى أو من الرسول عليه
~~السلام (1) نظر فيه، فان كان استعماله في اللغة والعرف، والشرع سواء، حمل
~~على مقتضى اللغة، وان كان له حقيقة في اللغة، وصار في العرف حقيقة في غيره
~~وجب حمله على ما تعورف في العرف، وكذلك ان كان له حقيقة في اللغة أو العرف
~~وقد صار بالشرع (2) حقيقة لغيره (3)، وجب حمله على ما يعرف (4) بالشرع (5)،
~~وكذلك إذا (6) كانت اللفظة منتقلة عن اللغة إلى العرف ثم استعملت في الشرع
~~على خلاف العرف، وجب حملها على ما تقرر في الشرع، لان خطاب الله تعالى
~~وخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينبغي أن يحملا على ما تقتضيه
~~الشريعة، لأنه المستفاد من هاتين الجهتين. ومتى نقل الله تعالى أو رسوله
~~عليه وآله السلام اسما من اللغة إلى الشرع وجب عليه أن يبينه لمن هو مخاطب
~~به (7) * دون من لم يخاطب به، لان من ليس بمخاطب به لا يجب بيانه له، ولأجل
~~هذا لا يجب أن يبين الله تعالى لنا مراده بالكتب السالفة لما لم نكن
~~مخاطبين بها، وهذا وإن لم يجب فإنه يحسن أن يبين لغير المخاطب كما يبين
~~الله تعالى أحكام الحيض لمن ليس هو مخاطب بها من الرجال، وذلك جائز غير
~~واجب على ما قلناه، وانما قلنا ذلك لأنه كما يجب أن يقدر من ليس بمخاطب به،
~~فكذلك لا يجب أن يعلمه لان القدرة آكد من العلم، لان الفعل يستحيل من دونها
~~أصلا، فإذا لم تجب القدرة فكذلك لا يجب العلم على ما بيناه.
# PageV01P041
# فصل NoteV01P042N05 (في ذكر ما يجب معرفته من صفات الله تعالى، وصفات
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفات الأئمة عليهم السلام حتى يصح معرفة
~~مرادهم) اعلم أنه ms021 لا يمكن معرفة المراد بخطاب الله تعالى الا بعد ثبوت
~~العلم بأشياء:
# منها: أن يعلم أن الخطاب خطاب له، لأنا متى لم نعلم أنه خطاب له لم يمكنا
~~أن نستدل على معرفة مراده.
# ومنها: أن نعلم أنه لا يجوز أن لا يفيد بخطابه شيئا أصلا (1) *.
# ومنها: أن نعلم أنه لا يجوز أن يخاطب (2) بخطابه على وجه يقبح.
# ومنها: أنه لا يجوز أن يريد بخطابه غير ما وضع له ولا يدل عليه.
# فمتى حصلت هذه العلوم صح الاستدلال بخطابه على مراده، ومتى لم يحصل
~~جميعها، أو لم يحصل بعضها لم يصح ذلك، ولذلك ألزمنا المجبرة (3) * الا (4)
~~*
# PageV01P042
# يعرفوا بخطابه شيئا ولا مراده أصلا من حيث جوزوا على الله تعالى القبائح.
# ولشرح هذه الأشياء موضع غير هذا يحتمل أن نبسط الكلام فيه، غير انا نشير
~~إلى جمل منه موصلة إلى العلم.
# انما قلنا: أنه لا يجوز أن يخاطب ولا يفيد بخطابه شيئا أصلا، لان ذلك عبث
~~لا فائدة فيه، تعالى الله عن ذلك.
# وليس لاحد أن يقول: يجوز أن لا يفيد بخطابه شيئا أصلا ويكون وجه حسنه
~~المصلحة، لان ذلك يؤدى إلى أن لا يكون طريق إلى معرفة المراد بخطابه أصلا
~~(1) *، لأنه لا خطاب الا وذلك مجوز فيه وذلك فاسد، فجرى ذلك مجرى المعجزات
~~الدالة على نبوة الأنبياء عليهم السلام في أنه لا يجوز أن تفعل للمصلحة (2)
~~* دون التصديق (3)، لان ذلك يؤدى إلى انسداد الطريق علينا من الفرق بين
~~الصادق والكاذب، ولأجل ذلك قلنا: أنه لا يجوز فعل المعجز الا للتصديق (4) *
~~فكذلك القول
# PageV01P043
# في الخطاب: انه لا يجوز أن يصدر منه الا للإفادة.
# وليس لهم أن يقولوا: أنه تعبد بتلاوته (1)، وذلك لا يمكن الا بخطاب آخر،
~~والكلام في ذلك الخطاب كالكلام فيه.
# وذلك يؤدي إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، على أن التعبد بتلاوة ما لا
~~يفهم عبث، لأنه يجرى مجرى التعبد بالتصويب من الصراخ.
# ولأن التعبد به انما يجوز إذا كان للمتعبد به طريق إلى معرفة مراده
~~فيدعوه ذلك إلى فعل ms022 الواجب، أو يصرفه عن فعل القبيح، فأما إذا لم يكن كذلك
~~فلا تحسن العبادة بالتلاوة.
# أيضا: فلو كان لمجرد التلاوة لم يحسن أن يجعل بعضه أمرا، وبعضه نهيا،
~~وبعضه خبرا، وبعضه وعدا، وبعضه وعيدا، ولا أن يكون خطابا لقوم بأولى من أن
~~يكون خطابا لغيرهم، وكل ذلك يبين انه لا يحسن لما قالوه.
# فأما الذي يدل على أنه لا يجوز أن يخاطب على وجه يقبح ما ثبت من كونه
~~عالما بقبحه، ومن انه غنى عنه، ومن هذه صفته لا يجوز أن يفعل القبيح، ألا
~~ترى أن من علم أنه إذا صدق توصل إلى مراده، وكذلك إذا كذب وصل إليه على حد
~~ما كان يفعل إليه لو صدق من غير زيادة لم يجز أن يختار الكذب على الصدق،
~~ولا وجه في ذلك إلا لعلمه بقبح الكذب، وبأنه غنى عنه بالصدق، فكذلك القديم
~~تعالى.
# وأما الذي يدل على أنه لا يجوز أن يريد بخطابه غير ما وضع له ولا يدل
~~عليه، فان ذلك يؤدى إلى أن لا نعلم بخطابه شيئا أصلا، لأنه لا خطاب الا
~~وذلك يجوز فيه، ولا يمكن أن يدعى العلم بقصده ضرورة في بعض خطابه، لان ذلك
~~يمنع من التكليف وليس لهم أن يقولوا: انه يؤكد ذلك الخطاب فيعلم به مراده،
~~وان كان هذا عاريا منه
# PageV01P044
# لان التأكيد أيضا خطاب فيلزم فيه ما لزم في المؤكد، وأن يكون فعل لمثل ما
~~فعل له المؤكد. [زيادة من الأصل....... نفسه، وذلك يؤدي إلى ما قلناه.
# ولا لهم أن يقولوا: إنه يخاطبه بخطاب لا يحتمل أصلا، لأنه لا خطاب إلا
~~ويمكن أن يراد به غير ظاهره على وجه التجوز، فإذا جوز أن لا يدل عليه لزم
~~أن لا نفهم بخطابه شيئا أصلا، ولا يلزمنا ذلك فيما نقوله في الأسماء
~~المنقولة إلى الشرع، لأنه قد دللنا على المراد بجميع ذلك، ففارق ذلك ما
~~قالوه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب، لان شرح ذلك يطول ويخرج عن بغية الكتاب.
# وإذا ثبت ما قلناه، فمتى ms023 ورد خطاب من الله تعالى وجب حمله على ظاهره فيما
~~تقتضيه اللغة، إلا أن يدل دليل على خلافه.
# وأما معرفة مراد الرسول عليه وآله السلام بخطابه فيكون على ضربين:
# أحدهما: لمن يشاهده ويضطر إلى قصده بخطابه، فمن هذه صفته أغناه علمه
~~بقصده، ومراده عن اعتبار صفاته.
# أما من غاب عنه، ولا يعلم قصده ضرورة، فلا يصح أن يعرف مراده إلا بعد
~~العلم ما شاء.
# منها: أن نعلم أنه لا يجوز أن يكذب فيما يؤديه عن الله تعالى.
# ومنها: أنه لا يجوز أن يكتم ما يجب أداؤه.
# ومنها: أنه لا يؤدي على وجه يقتضي التفسير عنه فيم حصلت له عدة علوم، صح
~~أن يعلم بخطابه مراده. ومتى لم تحصل له لم يصح ذلك.
# ولم نذكر في جملة هذه الأقسام العلم بنبوته، لان الكلام في خطاب من ثبت
~~نبوته، دون من لم تثبت نبوته، فذلك خارج عن هذا.
# وإنما شرطنا هذه العلوم، لان العلم المعجز إذا دل على صدقه أنه رسول الله
~~- صلى الله عليه وآله - دل على أنه صادق فيما يؤديه عن الله تعالى، لأنه لا
~~يجوز أن يعلمه صادقا في أنه رسول الله صلى الله عليه وآله ويجوز أن يكذب
~~فيما بلغ، لان ذلك يوجب أن يكون الله تعالى أرسله مع علمه أنه لا يؤدي ما
~~حمله من الرسالة على PageV01P045
# وجهها أو يكذب عليه فيها، وهذا لا يجوز لان ذلك مناقضة للغرض يتعالى الله
~~عن ذلك.
# وقد أجمعت الأمة على هذا القسم، وأنه لا يجوز على النبي صلى الله عليه
~~وآله الكذب فيما يؤديه عن الله تعالى، فيمكن الاعتماد عليه أيضا.
# وإذا ثبت كونه صادقا، دل على أن أوامره أوامر محسن، ونواهيه عن قبيح،
~~لأنهما في المعنى بمعنى الخبر، فلو لم يكونا كذلك لكانا كذبين، وقد بينا
~~خلاف ذلك.
# وأما الكذب في غير ما يؤديه عن الله تعالى، فلا يجوز عليه لأنه يقتضي
~~التنفير عن قبول قوله، وذلك لا يجوز.
# وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكتم عنا ما أمر ms024 بأدائه إلينا، لأنه لو جاز
~~ذلك لأدى إلى أن لا يكون لنا طريق يعرف به مصالحنا، فلا يجوز من الحكيم
~~تعالى أن يبعث رسولا غرضه أن يعرفنا مصالحنا، وهو يعلم أنه لا يؤدينا.
# ولا يمكن أن يقال: أنه يجوز عليه الكتمان إلا أنه يبعث نبيا آخر فيؤدي
~~به.
# لان الكلام في ذلك النبي كالكلام فيه في أنه يجوز عليه أن يكتم عنا ولا
~~يبين ما يجب بيانه، وفي ذلك ما قلناه.
# ولا يلزم على ذلك وجوب البيان قبل الحاجة، لان قبل الحاجة ليس يجب عليه
~~تعريفنا في ذلك الحال.
# فلو قيل: لو خوف بالقتل عند الحاجة إلى الفعل كان يجوز أن لا يؤدي أم لا؟
# قيل له: إذا دفع إلى ما قدر في السؤال لم يخل حاله من أمرين:
# أحدهما: أن يكون الذي يجب أن يبينه وهو صفة ذلك الشئ فقط، وما عدا ذلك قد
~~بينه.
# [الثاني] (1): أو لم يجب بيانه عليه على وجه، فإن كان كذلك وجب عليه
~~بيانه وإن قتل دونه. ولا يجوز أن يكتم لان في كتمانه ما قدمنا ذكره.
# ولا يلزم على ذلك وجوب إظهار الايمان على المكره على الكفر، لان ذلك لا
# PageV01P046
# يتعداه، ففارق حاله حال ما قلناه.
# وإن كان مما يلزمه بيان أشياء أخرى في المستقبل ولا يكون في معلوم الله
~~تعالى من يقوم مقامه: فإن الله تعالى يمنع منه ولا يمكن من قبله، فسقط
~~الاعتراض.
# وإنما قلناه: إنه لا يجوز أن يؤدي على وجه لا يمكن معرفة مراده، لأنه متى
~~أدى على هذا الوجه لم يمكنا أن نعلم ما هو مصلحة لنا، وذلك بشرائط حسن
~~التكليف..... نهاية الزيادة في الأصل] (1) وليس يمكن أن يقال: انه وان لم
~~نعلم مراده في الحال، فإنه يمكن أن نعلم مراده في المستقبل ضرورة بأن نضطر
~~إلى قصده، لان ذلك لا يخلو اما أن يكون وقت الحاجة إلى ما تضمنه الخطاب، أو
~~لا يكون كذلك فان كان وقت الحاجة فإنه يؤدي إلى ما قلناه. وان لم يكن وقت ms025
~~الحاجة فلا يجوز أيضا، لان فيه التنفير عن قبول قوله، لأنه متى جوز عليه
~~التعمية والألغاز في كلامه - وان أمكن معرفة المراد في الحالة الأخرى - نفر
~~ذلك عن قبول قوله حالة أخرى، ولا يقبح هذا الوجه للأول بل لما قلناه (2).
# فأما ما لا تعلق له بالشريعة فيجوز أن يعمى فيه من مصالحه الدنياوية،
~~وعلى هذا يتأول قوله عليه السلام لما سأله الأعرابي في مسيره إلى بدر: مم
~~أنتم؟ قال مما تورى في نفسه ولم يصرح (3) (4) *، وذلك لا يجوز في الشرعيات،
~~وليس هذا من جواز
# PageV01P047
# تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب في شئ على ما نذهب إليه، لان المجمل له
~~ظاهر مقصود مستفاد، ففارق ذلك حال المعمى الذي يوهم (1) به شئ على حال.
# وانما قلنا: انه لا يجوز أن يؤدى إلينا على وجه يقتضى التنفير، لان الغرض
~~في بعثه إذا كان القبول منه فما أدى إلى التنفير عن ذلك يجب أن يجنب، ولأجل
~~ما قلناه جنبه الله تعالى الفظاظة والغلظة وفعل القبائح، لما في ذلك من
~~التنفير.
# فإذا ثبتت الجملة التي ذكرناها، فمتى ورد من الرسول خطاب، وجب حمله على
~~ظاهره، الا أن يدل دليل على أن المراد به غير ظاهره فيحمل عليه، وعلى هذا
~~يعلم مراد الرسول وأما ما يجب أن يكون الامام - عليه الاسلام - عليه حتى
~~يصح أن يعلم مراده بخطابه فيما لا يعلم الا من جهته، فجميع الشرائط التي
~~شرطناها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد من أن تكون حاصلة في
~~الامام، فالطريقة فيهما واحدة فلا معنى لإعادة القول فيه.
# PageV01P048
# فصل NoteV01P049N06 (في ذكر الوجه الذي يجب أن يحمل عليه مراد الله
~~بخطابه) إذا ورد خطاب عن الله تعالى، فلا يخلو من أن يكون محتملا أو غير
~~محتمل، فان كان غير محتمل، بأن يكون خاصا أو عاما وجب أن نحمله على ما
~~يقتضيه ظاهره، الا أن يدل على أنه أراد به غير ظاهره دليل، فيحمل عليه. فان
~~دل دليل على أنه أراد بالخاص غيره (1) * وجب ms026 حمله على ما دل عليه، وإن دل
~~على أنه لم يرد الخاص نظر فيه، فان كان ذلك الخاص مما لا يتسع الا في وجه
~~واحد، وجب أن يحمل على أنه مراد به، والا أدى ذلك إلى أن يكون ما أراد
~~بالخطاب شيئا أصلا. وان كان ذلك مما لا يتسع به في وجوه كثيرة وجب التوقف
~~فيه، ولا يقطع على أنه أريد به البعض لعدم الدليل، ولا أنه أريد به الجميع
~~لأنه لا دليل أيضا عليه.
# وهذا أولى مما قاله قوم: من أنه يجب حمله على أنه أريد به جميع تلك
~~الوجوه لأنه لا يمتنع أن يكون أراد بعض تلك الوجوه وأخر بيانه إلى وقت
~~الحاجة على ما نذهب إليه في جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.
# PageV01P049
# وقولهم: (إنه لو أراد به بعض الوجوه لبينه) ينعكس عليهم بأن يقال: ولو
~~أراد به جميع الوجوه لبينه، وليس أحد القولين أولى من الاخر، فالأولى
~~الوقف.
# فان فرضنا ان الوقت وقت الحاجة ولم يبين المراد من تلك الوجوه، وجب حمله
~~على جميعه لأنه ليس حمله على بعضه بأولى من بعض فان دل الدليل على أنه أراد
~~بعض تلك الوجوه وجب حمله عليه والقطع على أنه لم يرد غيره، لأنه لا ظاهر
~~هناك يمكن حمله على جميعه بخلاف ما نقوله في العموم، أو ماله ظاهر. ومتى دل
~~(1) على أنه أراد به الخاص وغيره، وجب القطع على أنه أراد الخاص باللفظ،
~~وما عداه مراد بدليل، وذلك نحو قوله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم
~~النساء " (2) الآية، فإنه قد علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مراد
~~باللفظ، ومن عداه من الأمة مراد بدليل.
# وأما العام: فإذا ورد ينبغي حمله على ظاهره، فان دل الدليل على أنه أراد
~~غير ما اقتضاه الظاهر وجب حمله عليه، وان دل الدليل على أنه أراد جميع تلك
~~الأشياء وجب حمله عليها (3).
# وان دل الدليل على أنه ما أراد به بعضها، وجب القطع على أنه مراد، وما
~~عداه يتوقف فيه، ms027 لان كون أحدها مراد لا يمنع من أن يريد به الاخر، على ما
~~سنبينه فيما بعد (4).
# وان دل الدليل على أنه لم يرد أحدهما، وكان اللفظ مشتركا بين شيئين وجب
~~القطع على أنه أراد به الاخر، والا خلا الخطاب من أن يكون أريد به شئ أصلا.
# PageV01P050
# وان كان مشتركا بين أشياء قطع على أنه لم يرد ما خصه بأنه غير مراد،
~~وتوقف في الباقي وانتظر البيان.
# ومتى كان اللفظ مشتركا ولم يقرن به دلالة أصلا وكان مطلقا وجب التوقف فيه
~~وانتظار (1) البيان لأنه ليس بأن يحمل على بعضه بأولى من أن يحمل على
~~جميعه، وتأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.
# فان كان الوقت وقت الحاجة وأطلق اللفظ، وجب حمله على جميعه لأنه ليس بأن
~~يحمل على بعضه بأولى من بعض، ولو كان أراد بعضه لبينه، لان الوقت وقت
~~الحاجة.
# وهذا الذي ذكرناه أولى مما ذهب إليه قوم من أنه إذا أطلق اللفظ وجب حمله
~~على جميعه على كل حال (2) *، لأنه لو أراد بعضه لبينه لان لقائل (3) أن
~~يقول:
# لو أراد الجميع لبينه فيجب حمله على بعضه، ويتعارض القولان ويسقطان.
# وانما حملهم على هذا قولهم: ان تأخير بيان المجمل لا يجوز عن وقت الخطاب
~~وعندنا ان ذلك جائز على ما نستدل (4) عليه فيما بعد فمتى كان الوقت وقت
~~الحاجة وجب حمل اللفظ على أنه أراد به الجميع، ثم ينظر فيه فان أمكن الجمع
~~بينها وجب القطع على أنه أراد ذلك عن طريق الجمع بينها، وان لم يمكن الجمع
~~بينها وجب القطع على أنه أراد به الجميع على وجه التخيير.
# وذهب قوم إلى أنه يجوز أن يريد من كل مكلف ما يؤديه اجتهاده إليه.
# وهذا يتم لمن قال: ان كل مجتهد مصيب، وعندنا ان ذلك باطل، فلا وجه غير
~~التخيير وعلى هذا ينبغي ان تحمل القرائتين المختلفتا (5) المعنى إذا لم يكن
~~هناك
# PageV01P051
# دليل على أنه أراد أحدهما، وكذلك القول في الخبرين المتعارضين إذا لم يكن
~~هناك ما يرجح به أحدهما على الاخر، ms028 ولا ما يقتضى نسخ أحدهما للاخر من
~~التاريخ.
# وهذا الذي ذكرناه كله فيما يصح أن يراد باللفظ الواحد (1) *.
# فأما ما لا يصح أن يراد باللفظ الواحد، فإنه لا بد فيه من اقتران بيان
~~به، لان الوقت وقت الحاجة على ما فرضناه.
# ومتى كان اللفظ شرعيا منقولا مما كان عليه في اللغة، وجب حمله على ما
~~تقرر في الشرع، فان دل الدليل على أنه لم يرد به ما وضع له في الشرع نظر
~~فيما عداه، فان كانت (2) الوجوه التي يمكن حمل الخطاب عليها محصورة، وكان
~~الوقت وقت الحاجة وجب حمله على جميعها لأنه ليس حمله على بعضها بأولى من
~~حمله على جميعها ولو كان المراد بعضها لبينه لان الوقت وقت الحاجة.
# وان لم يكن الوقت وقت الحاجة، توقف في ذلك إلى أن يراد البيان حسب ما
~~قدمناه في الألفاظ المشتركة سواء.
# وان دل الدليل على أنه أراد بعض تلك الوجوه، لم يكن ذلك مانعا من أن يراد
~~به الوجوه الاخر، فان كان الوقت وقت الحاجة وجب حمله على أن المراد به
~~جميعه، وان لم يكن وقت الحاجة يوقف (3) على البيان على ما بيناه.
# فاما كيفية المراد باللفظ الواحد للمعاني المختلفة، فالذي ينبغي أن يحصل
~~في ذلك أن نقول: لا يخلو اللفظ من أن يكون يتناول الأشياء على الحقيقة،
~~ويفيد في جميعها معنى واحدا، أو يفيد في كل واحد منها خلاف ما يفيده في
~~الاخر:
# فان كان الأول فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يجوز أن يراد باللفظ ذلك
~~(4) * كله.
# PageV01P052
# وان كان القسم الثاني فقد اختلف العلماء في ذلك:
# فذهب أبو هاشم (1)، وأبو عبد الله (2) ومن تبعهما (3) إلى أنه لا يجوز أن
~~يراد المعنيان المختلفان بلفظ واحد فان دل الدليل على أنه أرادهما جميعا
~~قالوا لا بد من أن نفرض انه تكلم باللفظ مرتين أراد كل مرة منهما معنى
~~واحدا، وعلى هذا حملوا آية القرء بأن قالوا: لما دل الدليل على أنه أرادهما
~~جميعا بحسب ما يؤدى اجتهاد المجتهد (4) * إليه علمنا ms029 أنه تكلم بالآية
~~مرتين، ثم أنزله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا (5) في الحقيقة
~~والمجاز والكناية (6) *، والصريح مثل ذلك، وقالوا: لا يجوز (7) * أن يريد
~~بقوله: " أو لامستم النساء " (8) الجماع، واللمس باليد وبقوله:
# PageV01P053
# " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " (1) العقد والوطء.
# وقال: لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد الاقتصار على الشئ وتجاوزه وقال في
~~قوله تعالى: " وان كنتم جنبا فاطهروا " (2) ولا يجوز ان يريد به الغسل
~~والوضوء.
# وقال أيضا: لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد نفى الاجزاء والكمال.
# وقال: في قوله عليه السلام (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) (3) لا ينبئ عن
~~نفى الاجزاء، وانه إذا جاز أن يريد به نفي الاجزاء ونفى الكمال، وثبت ان
~~كليهما لا يصح أن يراد بعبارة واحدة، فيجب أن لا يدل الظاهر على نفى
~~الاجزاء.
# وقال: يصح أن يريد عز وجل بقوله: " فلم تجدوا ماءا فتيمموا " (4) الماء
~~والنبيذ، لأنهما يتفقان فيما يفيده هذا الاسم، وان كان أحدهما شرعيا والاخر
~~لغويا.
# وقال: قولنا بان النص الدال على أن الفخذ عورة، المراد به الفخذ والركبة
~~لا ينقض هذا، لان ذلك علمناه بغير اللفظ بل بدليل آخر.
# واعتل في ذلك بأن قال: لا يصح أن يقصد المعبر باللفظ الواحد استعماله
~~فيما وضع له، والعدول به عن ذلك فكذلك لم يصح أن يريد باللفظ الواحد
~~الحقيقة والمجاز وذكر ان تعذر ذلك معلوم لنا، وان الواحد منا إذا قصده لم
~~يصح منه فدل على أن جميع ذلك غير صحيح (5).
# وذهب أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد (6) إلى: أنه (يجب أن تعتبر العبارة،
# PageV01P054
# ويعتبر ما به صارت عبارة عنه فان كانت مشتركة بين الشيئين المختلفين،
~~فمتى (1) أراد أحدهما لم يصح ان يريد الشئ (2) الاخر، ويستحيل ذلك فيه قطع
~~به.
# وان لم يمنع من ذلك جوز أن يراد به المعنيان معا، لأنه إذا كان المخاطب
~~يصح أن يريد كل واحد منهما بالعبارة، ولا مانع يمنع من أن يريدهما جميعا،
~~فيجب أن يصح أن يريدهما معا.
# قال: وقد علمنا أن القائل إذا قال ms030 لصاحبه (لا تنكح ما نكح أبوك) يصح أن
~~يريد بذلك العقد والوطء وارادته لاحد الامرين لا يمنع من ارادته للاخر.
# وانما قلنا: انه لا يجوز أن يريد بلفظ الامر، الامر والتهديد، لان ما به
~~يصير أمرا وهي إرادة المأمور به يضاد ما به يصير تهديدا وهي كراهته (3)
~~ويستحيل أن يريد الشئ الواحد، في الوقت الواحد، على وجه واحد، من مكلف
~~واحد، ويكرهه على هذه الوجوه.
# وقلنا: انه لا يصح أن يريد بالعبارة الاقتصار على الشئ وتجاوزه، لأنه
~~يتنافى أن يريد الزيادة على ذلك الشئ وألا يريده ولذلك استحال ذلك.
# وانما نقول: انه لا يريد بالعبارة ما لم يوضع له على وجه، لأنه لا يصح أن
~~يستعمل العبارة في الشئ الا بأن يفيده في الحقيقة أو المجاز، لا لأنه
~~يتنافى أن يريدهما جميعا لأنه يصح أن يريد بقوله: " ولا تقتلوا النفس التي
~~حرم الله " (4) قتل النفس والاحسان إلى الناس، ولا يتنافى ذلك وانما يصح أن
~~يراد ذلك به لان العبارة لم توضع له، وإذا صح ذلك ووجدنا عبارة قد وضعت
~~لمعنيين مختلفين نحو القرء في أنه (5) موضوع للطهر والحيض لا يتنافى من
~~المخاطب أن يريدهما جميعا، فلا وجه
# PageV01P055
# لإحالة القول في ذلك. وقد وضع قولنا: (النكاح) للوطء حقيقة، والعقد (1)
~~مجازا، وإرادة أحدهما لا تمنع من إرادة الاخر، فلا مانع من أن يراد جميعا
~~بالنكاح (2).
# فان قيل: الذي يمنع من ذلك أنه لا يجوز استعمال العبارة فيما وضعت له
~~والعدول بها عما وضعت له في اللغة، فلذلك منعت من أن يراد جميعا بها، لان
~~ذلك يتنافى استعمالها (في ما وضعت له) (3).
# قيل له: ان العبارة تستعمل فيما وضعت له إذا قصد بها إفادة ذلك، وان لم
~~يقصد المعبر إلى (4) ان يستعملها فيما وضعت له.
# فان قيل: فان إرادة الوطء والعقد بهذه الكلمة يتعذر، ونجد تعذر ذلك من
~~أنفسنا، فلذلك منعت من أن يرادا جميعا بها!
# قيل له: انه ان ما ادعيت تعذره نحن نجده منا مأتيا فلا معنى لتعلقك به.
# هذه ألفاظه ms031 بعينها قد سقناها على ما ذكرها في كتاب (5) (العمد) (6).
# وهذا المذهب (7) * أقرب إلى الصواب من مذهب أبي عبد الله (8) وأبى هاشم
~~(9)، وما ذكره سديد واقع موقعه.
# والقول في الكناية والصريح يجرى أيضا على هذا المنهاج.
# وقوله: " أو لامستم النساء " (10) ما كان يمتنع أن يريد به الجماع واللمس
~~باليد،
# PageV01P056
# لكن علمنا بالدليل (1) * انه أراد أحدهما وهو الجماع.
# وأما ما ذكره أبو عبد الله (2) من قوله عليه السلام: (لا صلاة الا بفاتحة
~~الكتاب) (3) وان ذلك لا يمكن حمله على نفى الاجزاء والكمال من حيث كان نفى
~~أحدهما يقتضى ثبوت الاخر، فليس على ما ذكره لأنه متى نفى الاجزاء، فقد نفى
~~أيضا الكمال، لأنه إذا لم يكن مجزئا كيف يثبت كونها كاملة؟ فكيف يدعى ان في
~~نفى أحدهما اثباتا للاخر؟ وكذلك إذا نفى الكمال لا يمتنع أن ينفى معه
~~الاجزاء أيضا، لأنه ليس في نفيه اثبات الاجزاء، فلا يمكن ادعاء ذلك فيه.
~~وينبغي أن يكون الكلام في ذلك مثل الكلام فيما تقدم.
# وأما ما ذكره عبد الجبار (4) من أنه لا يجوز أن يريد باللفظ الواحد
~~الاقتصار على الشئ وتجاوزه، لأنه يتنافى أن يريد الزيادة وألا يريدها،
~~فالذي يليق بما ذكره من المذهب الصحيح غير ذلك، وهو أن يقال: ان ذلك غير
~~ممتنع لأنه لا يمتنع أن يريد الاقتصار على الشئ ويريد أيضا ما زاد على ذلك
~~على وجه التخيير وليس بينهما تناف، وليس ذلك بأكثر من إرادة الطهر والحيض
~~باللفظ الواحد، وقد أجاز ذلك فكذلك القول في هذا.
# ومتى كان اللفظ يفيد في اللغة شيئا، وفي العرف شيئا آخر، وفي الشرع شيئا
~~آخر لا يمتنع أن يريدهما معا، وكذلك القول في الحقيقة، والمجاز، والكناية،
~~والصريح.
# فان قيل: إذا كان جميع ما ذكرتموه (5) * غير ممتنع أن يكون مرادا باللفظ،
# PageV01P057
# فكيف الطريق إلى القطع على أن الجميع مراد بظاهره (1) * أم بدليل؟ وكيف
~~القول فيه؟.
# قيل له: لا يخلو أن (2) يكون اللفظ حقيقة في الامرين، (وحقيقة في أحدهما
~~ومجازا في الاخر فان كان اللفظ حقيقة في ms032 الامرين) (3) فلا يخلو أن (4) يكون
~~وقت الخطاب وقت الحاجة إلى الفعل أو (5) لا يكون كذلك:
# فان كان الوقت وقت الحاجة ولم يقترن به ما يدل على أنه أراد أحدهما، وجب
~~القطع على أنه أرادهما باللفظ وان اقترن به ما يدل على أنه أراد أحدهما،
~~قطع به وحكم بأنه لم يرد الاخر. وكذلك ان دل على أنه لم يرد أحدهما قطع على
~~أنه أراد الاخر كل ذلك باللفظ.
# وان لم يكن الوقت وقت الحاجة توقف في ذلك، وجوز كل واحد من الامرين
~~وانتظر البيان على ما نذهب إليه من جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.
# وان كان اللفظ حقيقة في أحدهما ومجازا في الاخر قطع على أنه أراد
~~الحقيقة، الا أن يدل دليل على أنه أراد المجاز، أو أراد الحقيقة والمجاز،
~~فيحكم بذلك.
# فان دل الدليل على أنه أراد المجاز لم يمنع ذلك من أن يكون أراد الحقيقة
~~أيضا فينبغي أن يحمل عليهما الا أن يدل الدليل (6) على أنه (لم يرد الحقيقة
~~أو لا يمكن الجمع بينهما، فيحمل حينئذ على أنه) (7) * أراد المجاز لا غير
~~وكذلك ان كان اللفظ يفيد في اللغة شيئا وفي الشرع شيئا آخر، وجب القطع على
~~أنه أراد ما اقتضاه الشرع الا أن يدل دليل على أنه أراد ما وضع له في اللغة
~~أو أرادهما جميعا (7) *،
# PageV01P058
# فيحكم بذلك.
# وكذلك القول في الكناية والصريح، ينبغي أن يقطع على أنه أراد الصريح الا
~~أن يدل دليل على أنه أراد الكناية أو أرادهما جميعا.
# هذا إذا لم يكن اللفظ حقيقة في الكناية والصريح. فاما إذا كان اللفظ
~~حقيقة فيهما على ما نذهب إليه في فحوى الخطاب ودليل الخطاب، فينبغي أن يكون
~~الحكم حكم الحقيقتين على التفصيل الذي قدمنا.
# والقول في الاسم اللغوي والعرفي، أو العرفي والشرعي مثل القول في اللغوي
~~والشرعي على ما قدمنا القول فيه.
# واعلم أن الدليل إذا دل على وجوب حكم من الاحكام، ثم يرد نص يتناول ذلك
~~الحكم فلا يخلو من أحد أمرين:
# اما أن ms033 يتناوله حقيقة أو مجازا فان كان متناولا له حقيقة وجب القطع على
~~أنه مراد (1) * بالنص لأنه يقتضى ظاهره ولو أراد غيره لبينه فمتى لم يبين
~~وجب القطع على أنه مراد به، والا خلا اللفظ من فائدة ولهذا نقول: إذا دل
~~الدليل على وجوب الصلاة، ثم ورد قوله تعالى: " أقيموا الصلاة " (2) وجب
~~القطع على انها مرادة بالنص لتناول اللفظ لها.
# وان كان اللفظ متناولا لذلك الحكم على جهة المجاز لم يجب القطع على أنه
~~مراد (3) * لان الخطاب يجب حمله على ظاهره الا أن يدل دليل على أن المراد
~~به المجاز، وليس ثبوت الدليل على وجوب حكم يتناوله اللفظ على جهة المجاز
~~بموجب للقطع على أنه مراد باللفظ ولذلك قلنا: انه لا يمكن ابطال مذهب
# PageV01P059
# الشافعي (1) في تعلقه بقوله تعالى: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا
~~فتيمموا " (2) بأن يقال: لما دل الدليل على أن الحكم المذكور في الآية
~~يتعلق بالجماع، وجب حمل الآية على أنه المراد به دون غيره من وجهين:
# أحدهما: انا قد بينا ان اللفظ إذا تناول شيئين فليس في ثبوت كون أحدهما
~~مرادا ما ينافي أن يكون الاخر أيضا مرادا.
# والذي يقتضيه عندنا الوقف ان لم يكن الوقت وقت الحاجة، وان كان الوقت وقت
~~الحاجة وجب حمله عليهما جميعا.
# والوجه الثاني: ان تسمية الجماع باللمس انما هو على طريق المجاز دون
~~الحقيقة، وقد بينا ان اللفظ يجب حمله على الحقيقة، الا أن يدل دليل على أنه
~~أراد المجاز. ولو دل أيضا الدليل على أنه أراد المجاز، لم يكن ذلك مانعا من
~~أن يريد به ما تقتضيه حقيقته الا أن يدل دليل على أنه لم يرد حقيقته على ما
~~قدمنا القول فيه.
# وكذلك القول في قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء " (3)
~~ان ثبوت الوطء مراد بالآية لا يمنع من إرادة العقد بها أيضا على ما قدمناه،
~~فينبغي أن يجرى الباب على ما حررناه، فان أعيان المسائل لا تنحصر، وأصولها
~~ما حررناه ونعود الان إلى الترتيب الذي وعدنا ms034 به في أبواب أصول الفقه على
~~ما قررناه إن شاء الله تعالى.
# PageV01P060
# الباب الثاني الكلام في الاخبار PageV01P061
# فصل NoteV01P063N01 (في حقيقة الخبر، وما به يصير خبرا، وبيان أقسامه) حد
~~الخبر ما صح فيه الصدق أو الكذب، وهذا أولى مما قاله بعضهم من أنه ما صح
~~فيه الصدق والكذب، لان ذلك محال، لأنه لا يجوز أن يكون خبر واحد صدقا
~~وكذبا، لأنه لا يخلو أن يكون مخبره (1) * على ما تناوله الخبر فيكون صدقا
~~أو لا يكون على ما تناوله الخبر فيكون كذبا.
# فاما احتمالهما جميعا فمحال على ما بينا.
# ثم لو صح لكان منتقضا، لان ههنا مخبرات كثيرة لا يصح فيها الكذب، ومخبرات
~~كثيرة لا يصح فيها الصدق، نحو الاخبار عن توحيد الله وصفاته، فان جميع ذلك
~~لا يصح فيها الكذب، والاخبار عن ثان ومعه ثالث لا يصح فيها (2) الصدق أصلا،
~~فعلم أن الأولى ما قلناه.
# اللهم الا أن يراد بهذه اللفظة: (أن يحتمل الصدق والكذب) انه يحتمل
~~أحدهما فان أريد ذلك كان مثل ما قلناه.
# PageV01P063
# وينبغي ان يذكر في اللفظ ما يزيل الابهام، لان الحدود مبنية على الألفاظ
~~دون المعاني.
# وقد حد قوم: بأنه ما احتمل التصديق والتكذيب.
# وهذا صحيح غير أن ما ذكرناه أولى من حيث إن التصديق والتكذيب يرجع إلى
~~غير الخبر. وينبغي أن يحد (1) * الشئ بصفة هو عليها، لا بما يرجع إلى غيره.
# وتوصف الإشارة والدلالة، بأنهما خبران، وذلك مجاز وانما يدخل في كونه
~~خبرا بقصد المخاطب إلى ايقاع كونه خبرا، وانما قلنا ذلك، لأنه لا توجد
~~الصيغة، ولا يكون خبرا فلا بد من أن يكون هناك أمر خصصه.
# ومن الناس من جعل القصد من قبيل الإرادة، ومنهم من جعله من قبيل الداعي،
~~وليس هذا موضع تصحيح أحدهما.
# والخبر لا يخلو من أن يكون مخبره (2) * على ما هو به فيكون صدقا، أو لا
~~يكون مخبره على ما هو به فيكون كذبا وهذا أولى مما قاله بعضهم في الكذب أن
~~يكون خبره على خلاف ما هو به، لان ms035 ذلك بعض الكذب وقد يكون الخبر كذبا وان
~~لم يكن متناولا (3) * للشئ على خلاف ما هو به ألا ترى ان القائل إذا قال:
~~(ليس زيد قاعدا) وهو قاعد يكون خبره كذبا وان لم يكن قد أخبر بصفة تخالف
~~كونه قاعدا، فعلم بذلك (4) ان الحد بما ذكرناه أولى لأنه أعم.
# وعلى هذا التحرير يكون قول القائل: (محمد بن عبد الله ومسيلمة صادقان أو
~~كاذبان) ينبغي أن يكون كذبا، لأنه في الحالين جميعا ليس مخبره على ما
~~تناوله الخبر
# PageV01P064
# لأنه ان أخبر عنهما بالصدق فأحدهما كاذب، وان أخبر عنهما بالكذب فأحدهما
~~صادق فعلى الوجهين جميعا يكون الخبر كذبا. وهذا أولى مما قاله أبو هاشم
~~(1): من أن تقدير هذا الكلام تقدير خبرين: أحدهما يكون صدقا، والاخر يكون
~~كذبا، لان ظاهر ذلك أنه خبر واحد، فتقدير كون الخبرين فيه ترك الظاهر. وليس
~~من شرط كون الخبر صدقا أو كذبا علم المخبر بما أخبر به وانما ذلك شرط في
~~حسن (2) * اخباره به ويفارق ذلك حكم (3) العلم، لان الاعتقاد قد يخلو من أن
~~يكون علما أو جهلا بأن يكون تقليدا ليس معه سكون النفس.
# والخبر على ضربين:
# أحدهما: يعلم أن مخبره على ما تناوله الخبر.
# والاخر: لا يعلم ذلك فيه. وهو على ضربين.
# أحدهما: يعلم أنه على خلاف ما تناوله الخبر. والاخر: متوقف فيه.
# فأما الخبر الذي يعلم أن مخبره على ما تناوله الخبر فعلى ضربين:
# أحدهما: يعلم ذلك، ويجوز أن يكون ضرورة أو اكتسابا.
# والاخر: يقطع على أنه يعلم ذلك استدلالا (4).
# فالأول: نحو العلم بالبلدان، والوقائع، والملوك، ومبعث النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم، وهجرته، وغزواته، وما يجرى مجرى ذلك فان كل ذلك (5) من
~~الامرين
# PageV01P065
# جائز فيه على ما سنبينه فيما بعد.
# فأما (1) ما يعلم مخبره بالاستدلال فعلى ضروب:
# منها: خبر الله تعالى، وخبر الرسول، وخبر الامام عليهما السلام.
# ومنها: خبر الأمة (2) * إذا اعتبرنا كونها حجة.
# ومنها: خبر من أخبر بحضرة جماعة كثيرة لا يجوز على مثلها (3) الكتمان،
~~والتواطؤ، وما يجرى مجرى ذلك، وادعى عليهم ms036 المشاهدة ولا صارف لهم عن
~~تكذيبه، فيعلم ان خبره صدق.
# ومنها: خبر المخبر إذا أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادعى
~~عليه العلم بذلك فلم ينكره.
# ومنها: خبر المتواترين الذين يعلم خبرهم إذا حصلت الشرائط فيهم.
# ومنها: ان تجتمع الأمة أو الفرقة المحقة على العمل بخبر الواحد، وعلم أنه
~~لا دليل على ذلك الحكم الا ذلك الخبر، فيعلم انه صدق.
# ومنها: خبر تلقته الأمة أو الطائفة المحقة بالقبول وان كان الأصل فيه
~~واحدا.
# وأما (4) ما يعلم أن مخبره على خلاف ما تناوله فعلى ضربين أيضا:
# أحدهما: يعلم ذلك من حاله، ويجوز كونه ضروريا ومكتسبا مثل ما قلناه فيما
# PageV01P066
# يعلم صحته، وذلك مثل ما يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما،
~~وانه لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبي آخر، ولا أن له هجرة إلى
~~خراسان، وما جرى مجرى ذلك.
# والثاني: يعلم أنه على خلاف ما تناوله بضرب من الاستدلال، وهو على ضروب:
# منها: أن يعلم بدليل عقلي أو شرعي انه على خلاف ما تناوله.
# ومنها: أن يعلم أن مخبره لو كان صحيحا لوجب نقله على خلاف الوجه الذي نقل
~~عليه، بل على وجه تقوم به الحجة، فإذا لم ينقل كذلك علم أنه كذب.
# ومنها: أن يكون مخبره مما لو فتش عنه من يلزمه العمل به لوجب أن يعلمه،
~~فإذا لم تكن هذه حاله علم أنه كذب.
# ومنها: أن يكون مخبر الخبر حادثة عظيمة مما لو كانت لكانت الدواعي إلى
~~نقلها يقتضى ظهور نقلها إذا لم يكون هناك مانع، فمتى لم ينقل علم أنه كذب.
# ومنها: أن يعلم أن نقله ليس كنقل نظيره، والأحوال فيهما متساوية فيعلم
~~حينئذ انه كذب.
# وأما ما لا يعلم أن مخبره على ما تناوله، ولا انه على خلافه، فعلى ضربين:
# أحدهما: يجب العمل به والاخر لا يجب العمل به. فعلى (1) ضربين:
# أحدهما: يجب العمل به عقلا.
# والاخر: يجب ذلك فيه سمعا.
# فما يجب العمل به عقلا نحو الاخبار المتعلقة ms037 بالمنافع والمضار الدنيوية،
~~فإنه
# PageV01P067
# يجب العمل بها عقلا.
# وما يجب العمل به شرعا كالشهادات والأخبار الواردة في فروع الدين إذا
~~كانت من طرق (1) مخصوصة ورواها من له صفة مخصوصة.
# والضرب الثاني من الضربين الأولين، وهو ما لا يجب العمل به فعلى ضربين:
# أحدهما: يقتضى ظاهره الرد.
# والثاني: يجب التوقف فيه، ويجوز كونه كذبا وصدقا على حد واحد، ونحن نبين
~~شرح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# PageV01P068
# فصل NoteV01P069N02 (في أن الاخبار قد يحصل عندها العلم وكيفية حصوله،
~~وأقسام ذلك) حكى عن قوم يعرفون بالسمنية (1) انهم أنكروا وقوع العلم
~~بالاخبار وعندها، خصوا العلم بالادراكات (2) دون غيرها. وهذا مذهب ظاهر
~~البطلان، لا معنى للتشاغل بإبطاله والاكثار في رده، لان المشكك فيما يحصل
~~من العلم عند الاخبار، كالمشكك فيما يحصل عند المشاهدة وغيرها من ضروب
~~الادراكات من السوفسطائية (3) وأصحاب العنود ومدخل الشبهات في هذا كمدخل
~~الشبهات في ذلك لان نفوسنا تسكن إلى وجود البلدان
# PageV01P069
# التي لم نشاهدها، مثل الصين، والهند، والروم، وغير ذلك مما لم نشاهدها،
~~وإلى وجود الملوك وغيرهم، وإلى هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى
~~وقوع المغازي، وحصول الوقائع الحادثة في الأيام الماضية، كما تسكن إلى
~~العلم بالمشاهدات، فمن ادعى فيما يحصل عند الاخبار انه ظن وحسبان، كمن ادعى
~~ذلك في المشاهدات.
# وهذا القدر كاف في إبطال هذا المذهب، لأنه ظاهر البطلان.
# فأما كيفية حصول هذا العلم، فقد اختلف العلماء في ذلك:
# فذهب أبو القاسم البلخي (1) ومن تبعه إلى أن الأخبار المتواترة التي تحصل
~~عندها العلوم لكل عاقل كلها مكتسبة (2).
# وإلى ذلك يذهب شيخنا أبو عبد الله (3) رحمه الله.
# وذهب أبو علي (4) وأبو هاشم، والبصريون، وأكثر الفقهاء، وأصحاب الأشعري
~~إلى أن العلم بهذه الاخبار يحصل ضرورة من فعل الله تعالى لا صنع للعباد
~~فيها (6).
# PageV01P070
# وذهب المرتضى رحمه الله (1) إلى تقسيم ذلك فقال: ان أخبار البلدان
~~والوقائع والملوك وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه وما يجرى
~~هذا المجرى يجوز أن يكون ضرورة من فعل الله تعالى، ويجوز ms038 أن يكون مكتسبة من
~~فعل العباد وأما ما عدا أخبار البلدان وما ذكرناه مثل العلم بمعجزات النبي
~~صلى الله عليه وآله، وكثير من أحكام الشريعة، والنص الحاصل على الأئمة
~~عليهم السلام، فيقطع على أنه مستدل عليه (2).
# وهذا المذهب عندي أوضح من المذهبين جميعا وإنما قلنا بهذا المذهب لأنه لا
~~دليل هاهنا يقطع به على صحة أحد المذهبين دون الاخر، فالأدلة فيها
~~كالمتكافئة وإذا كان كذلك وجب الوقف، وتجويز كل واحد من المذهبين.
# ونحن نعترض ما استدل به كل فريق من الفئتين، ونبين ما في ذلك.
# ولأنه أيضا لا يمتنع أن يكون العالم بهذه الاخبار قد يقدم له على الجملة
~~العلم بصفة الجماعة التي لا يجوز أن يتفق منها الكذب، فلا (3) يجوز على
~~مثلها أيضا التواطؤ، لان علم ذلك مستند إلى العبادة، فجائز أن يكون قد عرف
~~ذلك، وتقرر في نفسه، فلما أخبره عن البلدان وأخبار الملوك والوقائع من هو
~~على تلك الصفة، فعل لنفسه اعتقاد الصدق لهذه الأخبار، وكان ذلك الاعتقاد
~~علما للجملة المتقدمة، فيكون كسبيا لا (4) ضروريا فيه.
# وليس لاحد أن يقول: ان ادخال التفصيل في الجملة، إنما يكون فيما له أصل
~~ضروري على سبيل الجملة، كما نقول: (إن من شأن الظلم أن يكون قبيحا) علم على
~~الجملة ضروري فإذا علمنا في ضرر بعينه انه ظلم فعلنا اعتقادا لقبحة وكان
~~علما
# PageV01P071
# لمطابقته للجملة المتقررة، وأنتم قد جعلتم علم الجملة مكتسبا والتفصيل
~~كذلك.
# وذلك أنه لا فرق بين أن يكون علم الجملة حاصلا بالضرورة أو الاكتساب في
~~جواز ان يبنى عليه التفصيل، لان من علم منا بالاكتساب ان من صح منه الفعل
~~يجب أن يكون قادرا، ثم علم في ذات بعينها، انه يصح منها (1) الفعل فعل
~~اعتقادا لكونها قادرة فيكون ذلك الاعتقاد علما لمطابقته للجملة المتقدمة
~~وإن كانت تلك الجملة مكتسبة.
# وكذلك إذا علم بالاكتساب، ان من شأن القادر أن يكون حيا، ثم علم في ذات
~~بعينها انها قادرة فعل اعتقادا لكونها حية فيكون علما لمطابقته للجملة
~~المتقررة. فلا فرق ms039 إذا في ادخال التفصيل في الجملة المتقدمة بين الضروري
~~والمكتسب.
# وكما أن ما ذكرناه ممكن، يمكن أيضا أن يكون الله تعالى أجرى العادة، بأن
~~يفعل العلم فينا عند سماع الاخبار عن البلدان وما شاكلها على ما ذهب إليه
~~آخرون، وليس في العقل دليل على أحد القولين، فلا يخل الشك في ذلك بشئ من
~~شرائط التكليف، فيجب أن يجوز كلا الامرين.
# ونحن نتتبع أدلة كل فرقة من الفريقين ليتم لنا ما قصدناه:
# فما استدل به أبو القاسم البلخي ومن تبعه على أن هذه العلوم مكتسبة أن
~~قال:
# (لا يجوز أن يقع العلم الضروري بما ليس بمدرك ومخبر الاخبار عن البلدان
~~أمر غائب عن الادراك، فلا يجوز أن يكون ذلك ضروريا، لأنه لو جاز كون العلم
~~بالغائبات ضروريا، جاز أن يكون العلم بالمشاهدات مستدلا عليه) (2).
# واستدل أيضا: (بأن العلم بمخبر الاخبار، انما يحصل بعد تأمل أحوال
~~المخبرين بها وصفاتهم، فدل ذلك على أنه مكتسب) (2).
# فيقال له فيما ذكره أولا: لم زعمت أن العلم بالغائب عن الحس لا يكون
~~ضروريا، أو ليس الله تعالى قادرا على فعل العلم بالغائب مع غيبته، فما
~~المنكر من أن
# PageV01P072
# يفعل بمجرى العادة عند اخبار جماعة مخصوصة؟
# وليس له أن يدعى: أن ذلك غير مقدور له تعالى، كما يقول: ان العلم بذاته
~~تعالى لا يوصف بالقدرة عليه. لأنه يذهب إلى أن العلم بالمدركات قد يكون من
~~فعل الله تعالى على بعض الوجوه وليس يفعل العلم بذلك الا وهو في مقدورة
~~وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى، لأنه لا يصح وقوعه منه على وجه من
~~الوجوه، وعلى هذا أي فرق بين أن يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه، وبين أن
~~يفعل هذا العلم بعينه عند بعض الاخبار عنه؟.
# وانما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلا عليه، لان المشاهد معلوم ضرورة
~~للكامل العقل.
# ولا (1) يصح أن يستدل وينظر فيما يعلمه لان من شرط صحة النظر ارتفاع
~~العلم بالمنظور إليه.
# وأما الشبهة الثانية فبعيدة عن الصواب، لأنها مبنية على الدعوى لان ms040 خصومه
~~لا يسلمون أن العلم بمخبر الاخبار عن البلدان، وما جرى مجراها يقع عقيب
~~التأمل لصفات المخبرين بل يقولون إنه يقع من غير تأمل لأحوال المخبرين،
~~وانه انما يعلم أحوال المخبرين بعد حصول العلم الضروري له بما أخبروا عنه
~~(2).
# وتعلق من (3) ذهب إلى أن هذا العلم ضروري بأشياء:
# منها: ان العلم بمخبر هذه الأخبار لو كان مكتسبا وواقعا عن تأمل حال
~~المخبرين وبلوغهم إلى الحد الذي لا يجوز أن يكذبوا، لوجب أن يكون من لم
~~يستدل على ذلك ولم ينظر فيه من العوام والمقلدين وضروب من الناس لا يعلمون
# PageV01P073
# البلدان والحوادث العظام ومعلوم ضرورة الاشتراك في ذلك.
# ومنها: ان حد العلم الضروري قائم في العلم بمخبر الاخبار، ولأنا لا نتمكن
~~من إزالة ذلك عن نفوسنا ولا التشكيك فيه، وهذا حد العلم الضروري.
# ومنها: ان (1) من ذهب إلى أن هذا العلم ضروري صارف عن النظر فيه
~~والاستدلال عليه، فكان يجب أن يكون كل من اعتقد ان هذا العلم ضروري غير
~~عالم بمخبر هذا الاخبار، لان اعتقاده يصرفه عن النظر، فكان يجب خلو جماعتنا
~~من العلم بالبلدان وما أشبهها، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك.
# فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: ان طريق اكتساب العلم بالفرق بين الجماعة
~~التي لا يجوز أن تكذب في خبرها وبين من يجوز ذلك عليه قريب لا يحتاج إلى
~~دقيق النظر وطويل التأمل، وكل عاقل يعرف بالعادات الفرق بين الجماعة التي
~~قضت العادات بامتناع الكذب عليها فيما ترويه، وبين من ليس كذلك، والمنافع
~~الدنيوية من التجارات وضروب التصرفات مبنية على حصول هذا العلم فهو مستند
~~إلى العادة ويسير التأمل كاف في ذلك، فلا يجب في المقلدين والعامة ألا
~~يعلموا مخبر هذه الأخبار من حيث لم يكونوا أهل تحقيق وتدقيق لما ذكرناه.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: لا نسلم لكم ان حد العلم الضروري هو ما
~~يمتنع على العالم دفعه عن نفسه، بل حده ما فعله فينا من هو أقدر منا على
~~وجه لا يمكننا دفعه عن أنفسنا، ولا ms041 ينبغي أن يجعلوا ما تفردوا به من الحد
~~دليلا على موضع الخلاف.
# ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ان العالم بالفرق بين صفة الجماعة التي
~~لا يجوز عليها الكذب لامتناع التواطؤ عليها، واستحالة الكذب منها كالملجأ
~~عند كمال عقله وحاجته إلى التفتيش والتصرف إلى العلم بذلك والدواعي إليه
~~قوية، والبواعث على فعله متوفرة وقد حصل للعقلاء هذا العلم. وهذا الفرق قبل
~~أن يختص بعضهم
# PageV01P074
# بالاعتقاد الذي ذكروه انه صارف لهم، فاذن لا يجب خلو مخالفينا من هذه
~~العلوم لأجل ما ادعى من الاعتقاد.
# وقيل: أنه صارف، لأنا قد بينا انه غير ممتنع أن يكون العلم بما قلناه قد
~~سبقه وتقدم عليه ويلزم على هذا الوجه، أن لا يكون أبو القاسم البلخي عالما
~~بأن المحدثات تفتقر إلى محدث، لأنه يعتقد ان العلم بذلك ضروري واعتقاده ذلك
~~صارف له عن النظر فيجب أن لا يكون عالما بذلك، ويجوز أن يكون غير عارف
~~بالله تعالى وصفاته وأحواله! فأي شئ قالوه فيه (1) قلنا مثله فيما تعلقوا
~~به.
# وفي الناس من قال: ان العلم الحاصل عند الاخبار متولد عنها، وهو من فعل
~~فاعل الاخبار.
# والذي يدل على بطلان هذا المذهب انه لو كان العلم الحاصل عند الاخبار
~~متولدا، لوجب أن يتولد عن خبر آخر المخبرين (2) * لان العلم عند ذلك يحصل،
~~فلو كان كذلك، لوجب أن يكون لو أخبرنا (3) * ابتداءا، أن يحصل لنا العلم
~~بخبره. لان خبره هو الموجب للعلم وكان يجب إذا أخبرنا عما يعلم باستدلال
~~أيضا أن يحصل لنا العلم به كما يحصل لنا العلم بما يعلم ضرورة، لان خبره هو
~~الموجب واختلاف حاله في كونه عالما ضرورة واستدلالا يؤثر في ذلك فإذا بطل
~~ذلك، ثبت ما قلناه.
# فان قيل: إذا جوزتم حصول هذا العلم ضرورة فما شرائطه؟ وهل هي التي راعاها
~~البصريون أم لا؟
# قيل: الشرائط التي اعتبروها نحن نعتبرها ونعتبر شرطا آخر لا يعتبرونه
~~فالشرائط التي اعتبروها هي:
# PageV01P075
# أن يكون المخبرون أكثر من أربعة، ولا يقطعون على عدد منهم دون عدد.
# ومنها: ms042 أن يكونوا عالمين بما يخبرونه ضرورة.
# ومنها: أن يكونوا ممن إذا وقع العلم بخبر عدد منهم أن يقع العلم بكل عدد
~~مثلهم.
# وأما ما نختص به فهو أن نقول: لا يمتنع أن يكون من شرطه أن يكون من يسمع
~~الخبر لا يكون قد سبق إلى اعتقاد يخالف ما تضمنه الخبر بشبهة أو تقليد ونحن
~~ندل على وجوب جميع ذلك إن شاء الله تعالى.
# انما قلنا انه لابد أن يكونوا أكثر من أربعة، لأنه لو جاز أن يقع العلم
~~بخبر أربعة، لكان شهود الزنا إذا شهدوا بالزنا وهم أربعة كان يجب أن يحصل
~~العلم للحاكم بصحة ما شهدوا به انهم كانوا صادقين ومتى لم يحصل له العلم،
~~علم أنهم كاذبون، فكان يجب ان يرد شهادتهم، ويقيم حد القذف عليهم، وان كان
~~ظاهرهم ظاهر العدالة مزكين وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك.
# وليس لاحد أن يقول: انهم لا يأتون بلفظ الخبر، فلذلك لا يقع العلم
~~بشهادتهم.
# لأنه لا اعتبار عندنا بالألفاظ، لأنه لو أخبر المخبر بالأعجمية (1) أو
~~النبطية، لكان كاخباره بالعربية، بل لو عرف قصد المشير، لكان حاله حال
~~المخبر في وجوب العلم عنده، فما ذكروه لا يصح (2).
# وليس لهم أيضا أن يقولوا: ان الشهود يشهدون مجتمعين غير متفرقين، وكونهم
~~كذلك يوجب أن يكونوا في حكم من تواطأ على ما أخبر به، ومن شرط من يقع العلم
~~بخبرهم ألا (3) يتواطؤوا، فلذلك لا نعلم بشهادتهم.
# وذلك أن هذا فاسد من وجهين:
# PageV01P076
# أحدهما: انا لو فرقنا الشهود - وهو الأفضل عندنا - لما وقع العلم بخبرهم،
~~فكونهم مجتمعين ككونهم متفرقين في انتفاء العلم عند شهادتهم.
# والوجه الاخر: انا لا نجعل من شرط من يقع العلم بخبره أن لا يتواطؤوا،
~~فان ذلك انما يشترط (1) في الخبر الذي يستدل على صحة مخبره دون ما يقع
~~العلم عنده ضرورة، ولا فرق فيما يخبرون به بين أن يكونوا مجتمعين، أو
~~متفرقين، أو متواطئين، أو غير ذلك إذا علموا ما أخبروا به ضرورة في وجوب
~~حصول العلم عند خبرهم. ولولا هذا ms043 الدليل لما وقف على أربعة أيضا فكان يجب
~~أن يحصل العلم عند كل عدد دون ذلك كما أن ما زاد على أربعة لم يقف على عدد
~~دون عدد، بل جوزنا أن يحصل العلم عند كل عدد زاد على الأربعة، فنظير هذا أن
~~يجوز حصول العلم عند كل عدد دون الأربعة، لأنه ليس هاهنا دليل على وجوب
~~مراعاة هذا العدد المدعاة فلما لم نقطع على عدد زاد على الأربعة - لفقد
~~الدليل على ذلك - فكذلك هاهنا (2).
# وقول من قال: انهم عشرون تعلقا بقوله تعالى " ان يكن منكم عشرون صابرون "
~~(3) وانه لما أوجب الجهاد عليهم، وجب أن يكونوا ممن إذا دعوا إلى الدين علم
~~ما دعوا إليه.
# لا يصح من وجهين:
# أحدهما: ان البغية بالآية، التنبيه على وجوب ثبات الواحد للعشرة، لا
~~ايجاب الجهاد على هذا العدد. بل قد اتفقت الأمة على وجوب الجهاد على الواحد
~~إذا كان له غنا، ولم يوجب وقوع العلم بخبره.
# والوجه الثاني: ان ما يدعون إليه من الدين معلوم باستدلال ونحن نبين ان
~~ما يعلم بالدليل لا يقع العلم بخبرهم وان كثروا، ولابد من أن يكون عالمين
~~به ضرورة.
# PageV01P077
# وأما من قال: انهم سبعون مثل عدد الذين أحضرهم موسى عليه السلام عند
~~الميقات، لأنه انما أحضرهم ليقوم بخبرهم حجة على غيرهم (1).
# لا يصح أيضا لاخر الوجهين الذين دل ما (2) في الشبهة الأولى أنه (3) لا
~~يمتنع (4) أن يكون من دونهم بمنزلتهم، سيما وخبر موسى عليه السلام عن ربه
~~كان يغنى عن خبرهم فإذا جاز أن يختاروا مع أن خبره يغنى عن خبرهم، فيجب أن
~~يكون اختيار السبعين وان وقع العلم بمن دونهم، أو لم يقع العلم بخبرهم أصلا
~~كذلك، فمن أين ان سبب اختيارهم كان ما ادعاه السائل؟
# فأما من اعتبر الثلاثمائة (5) [وثلاثة عشر] لأنهم العدد الذين جاهد بهم
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر فليس له تعلق بوقوع العلم
~~بخبرهم.
# والكلام عليه يقارب الكلام على الوجهين الأولين.
# وأما الشرط الثاني: وهو انه يجب أن يكونوا ms044 عالمين بما أخبروا به ضرورة.
# فإنما اعتبرناه، لان جماعة من المسلمين يخبرون الملحدة بأن الله تعالى
~~أحد، ويخبرون اليهود والنصارى بنبوة النبي (6) صلى الله عليه وآله وسلم،
~~فلا يحصل لهم العلم بصحة ذلك. ويخبر بعضهم عن البلدان وما أشبهها فيحصل
~~العلم بخبرهم.
# والعلة في ذلك على التقريب ان العلم الضروري لو وقع بذلك، لأدى إلى أن
~~يكون حال المخبر أقوى من حال المخبر وهذا لا يجوز وإذا لم يقع العلم بخبر
~~من يعلم ما أخبر عنه باكتساب فبان لا يقع بخبر من لا يعلم المخبر عنه أصلا
~~من المقلدين
# PageV01P078
# والمبختين (1) أولى وأحرى (2).
# وأما الشرط الثالث: وهو ان كل عدد وقع العلم عند خبرهم، فيجب أن تطرد
~~العادة فيه، فيقع العلم عند كل عدد مثله إذا ساووهم في الاخبار بما علموه
~~ضرورة.
# وانما قلنا ذلك: لأنا لو جوزنا خلاف ذلك لم نأمن أن يكون في الناس من
~~تخبره الجماعة الكثيرة ولا يعلم بخبرها، وهذا يوجب أن يصدق من أخبر عن نفسه
~~مع مخالطته الناس انه لا يعلم أن في الدنيا مكة، بل يجب أن يصدق المقيم في
~~الجانب الشرقي ان لا يعلم الجانب الغربي إذا لم يعبر إليه وذلك سفسطة لا
~~يصير إليه عاقل.
# وأما الشرط الذي نختص بمراعاته، فإنما قلنا: انه لا يمتنع (3) (لأنه إذا
~~كان هذا العلم مستندا إلى العادة وليس بموجب عن سبب جاز وقوعه على شروط
~~زائدة وناقصة (4) * بحسب ما يعلمه الله تعالى من المصلحة وأجرى به العادة.
# وانما احتجنا إلى زيادة هذا الشرط، لئلا يقال: أي فرق (5) * بين خبر
~~البلدان، والأخبار الواردة بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى
~~القرآن كحنين الجذع (6)،
# PageV01P079
# وانشقاق القمر (1)، وتسبيح الحصى (2) وغير ذلك؟
# وأي فرق أيضا بين أخبار البلدان، وبين خبر النص الجلي (3) الذي يتفرد
~~بنقله الامامية؟ وألا أجزتم أن يكون العلم بذلك كله ضروريا كما أجزتموه في
~~أخبار البلدان وما أشبهها؟
# وليس يمتنع أن يكون السبق إلى اعتقاد مانعا من فعل العلم الضروري
~~بالعادة، كما أن السبق إلى الاعتقاد ms045 بخلاف ما يولده النظر عند مخالفينا
~~مانع من توليد النظر والعلم، وإذا جاز ذلك فيما هو سبب موجب فأولى أن يجوز
~~فيما طريقه العادة.
# وليس لاحد أن يقول: فيجب على هذا أن لا يفعل العلم (الضروري) (4) لمن سبق
~~إلى اعتقاد لنفي ذلك المعلوم. ويفعل لمن لم يسبق. وهذا يقتضى أن يفعل
# PageV01P080
# العلم الضروري بالنص الجلي للشيعة لأنهم لم يسبقوا إلى اعتقاد يخالفه،
~~وكذلك المسلمون في المعجزات التي ذكرناها. وذلك أنه يمكن أن يقال:
# ان المعلوم في نفسه إذا كان من باب ما يمكن السبق إلى الاعتقاد لنفيه أما
~~لشبهة أو تقليد، لم يجر الله تعالى العادة بفعل العلم الضروري. وان كان مما
~~لا يجوز أن يدعوا العقلاء داع إلى اعتقاد نفيه، ولا تعرض لشبهة في مثله، -
~~كالخبر عن البلدان - وجاز أن يكون العمل به ضروريا عند الخبر على ما
~~ذكرناه.
# وليس لاحد أن يقول: أجيزوا أن يكون في العقلاء المخالطين لنا السامعين
~~للاخبار من سبق إلى اعتقاد منع (1) من فعل العلم الضروري له فإذا أخبركم
~~بأنه لا يعرف بعض البلدان الكبار، والحوادث العظام، مع سماعه الاخبار،
~~وكمال عقله، كان صادقا.
# وذلك انا نعلم ضرورة انه لا داعي للعقلاء يدعوهم إلى سبق اعتقاد نفي بلد
~~من البلدان، أو (حادث عظيم من الحوادث، ولا شبهة تدخل في مثل ذلك ففارق هذا
~~الباب) (2) أخبار المعجزات والنص، لان كل ذلك مما يجوز السبق فيه إلى
~~الاعتقادات الفاسدة للدواعي المختلفة) (3).
# وليس من شرط المخبرين أن يكونوا مؤمنين، ولا أن يكون فيهم حجة حتى يقع
~~العلم بخبرهم لان الكفار قد يخبرون عن أشياء يعلمونها ضرورة، فيحصل لنا
~~العلم عند خبرهم، فلو (4) كان ذلك شرطا صحيحا لاستحال ذلك.
# وليس أيضا من شرط وقوع العلم تصديق جميع الناس لخبرهم لان العلم بتصديقهم
~~كلهم لا يقع الا بمشاهدتهم، وذلك متعذر، أو بالخبر عن حالهم وذلك يوجب وقوع
~~العلم بخبر طائفة وان لم يعلم أن غيرهم مصدقون لهم.
# PageV01P081
# وهذه الجملة كافية في جواز أن يعلم مخبر الاخبار ضرورة واكتسابا.
# فأما ms046 الاخبار التي نعلم مخبرها استدلالا فقد ذكر سيدنا المرتضى رحمه الله
~~(1) جملة وجيزة في هذا الباب في كتابه (الذخيرة) (2) أنا أذكرها بألفاظه
~~لأنها كافية في هذا الباب والزيادة عليها يطول به الكتاب.
# قال: (الخبر إذا لم يكن (3) * من باب ما يجب وقوع العلم عنده واشتراك
~~العقلاء فيه، وجاز وقوع الشبهة فيه، فهو أن يرويه جماعة قد بلغت من الكثرة
~~إلى حد لا يصح معه أن يتفق الكذب منها عن المخبر الواحد فأن (4) يعلم -
~~مضافا إلى ذلك - انه لم يجمعها (5) على الكذب جامع كالتواطؤ وما يقوم مقامه
~~ويعلم أيضا ان اللبس والشبهة زائلان عما خبروا عنه.
# هذا إذا كانت الجماعة تخبر بلا واسطة عن المخبر فان كان بينهما واسطة وجب
~~اعتبار هذه الشروط المذكورة في جميع من خبرت (6) عنه من الجماعات، حتى يقع
~~الانتهاء إلى نفس المخبر.
# وتأثير هذه الشروط المذكورة في العلم بصحة هذا الخبر ظاهر، لان الجماعة
~~إذا لم تبلغ من الكثرة إلى الحد الذي يعلم معه انه لا يجوز أن يتفق الكذب
~~منها عن المخبر الواحد، لم نأمن أن تكون كذبت على سبيل الاتفاق، كما يجوز
~~ذلك في الواحد والاثنين.
# وإذا لم يعلم أن التواطؤ وما يقوم مقامه مرتفع عنها، جوزنا أن يكون الكذب
# PageV01P082
# وقع منها على سبيل التواطؤ.
# والشبهة أيضا تدعوا إلى الكذب، وتجمع عليه، كأخبار الخلق الكثير من
~~المبطلين عن مذاهبهم الباطلة لأجل الشبهة الداخلة عليهم فيها، وان لم يكن
~~هناك تواطؤ منهم.
# ولا فصل فيما اشترطناه من ارتفاع اللبس والشبهة بين أن يكون المخبر عنه
~~مشاهدا أو غير مشاهد في أن الشبهة قد يصح اعتراضها في الامرين ألا ترى ان
~~اليهود والنصارى مع كثرتهم نقلوا صلب المسيح عليه السلام وقتله، لما التبس
~~عليهم الامر فيه (1)، وظنوا ان الشخص الذي رأوه مصلوبا هو المسيح عليه
~~السلام ودخلت الشبهة عليهم، لان المصلوب قد تتغير حليته، وتتبدل صورته، فلا
~~يعرفه كثير ممن كان عارفا به، ولبعد المصلوب أيضا عن التأمل، تقوى الشبهة
~~في أمره.
# والوجه (في) (2) اشتراط هذه ms047 الشروط في كل الجماعات المتوسطة بيننا وبين
~~المخبر، لان ذلك لو لم يكن معلوما في جميعهم، جوزنا كون من ولينا من
~~المخبرين صادقا عمن أخبر عنه من الجماعات، وان كان الخبر في الأصل باطلا من
~~حيث لم تتكامل الشرائط في الجميع ومتى تكاملت هذه الشروط، فلابد من كون
~~الخبر صدقا، لأنه لا ينفك عن كونه صدقا أو كذبا ومتى كان كذبا، فلابد أن
~~يكون وقع اتفاقا، أو لتواطؤ، أو لأجل شبهة وإذا قطعنا على فقد ذلك كله
~~فلابد من كونه صدقا.
# فأما الطريق إلى العلم بثبوت الشرائط فنحن نبينه:
# أما اتفاق الكذب عن المخبر الواحد فلا يجوز أن يقع من الجماعات، والعلم
# PageV01P083
# بحال الجماعة، وان ذلك لا يتفق منها، وانها مخالفة للواحد والاثنين ضرورة
~~(1) ولا يدخل على عاقل فيه شبهة، ولهذا أجزنا أن يخبر واحد ممن حضر الجامع
~~يوم الجمعة بأن الامام تنكس على أم رأسه من المنبر كاذبا ولا نجوز أن يخبر
~~عن مثل ذلك على سبيل الكذب جميع من حضر المسجد الجامع أو جماعة منهم كثيرة
~~الا لتواطؤ أو ما يقوم مقامه.
# وقد شبه امتناع ما ذكرناه من الجماعات باستحالة اجتماع الجماعة الكثيرة
~~على نظم شعر على صفة واحدة، واجتماعهم على تصرف مخصوص، وأكل شئ معين من غير
~~سبب جامع.
# وشبه أيضا بما علمناه من استحالة أن يخبر الواحد أو الجماعة من غير علم
~~عن أمور كثيرة، فيقع الخبر بالاتفاق صدقا.
# وجواز اخبار الجماعة الكثيرة (2) بالصدق من غير تواطؤ مفارق لاخبارها
~~بالكذب من غير سبب جامع لان الصدق يجرى في العادة مجرى ما حصل فيه سبب جامع
~~من تواطؤ، أو ما يقوم مقامه، وعلم المخبر بكون الخبر صدقا داع إليه، وباعث
~~عليه وليس كذلك الكذب، لان الكذب لابد في اجتماع الجماعة عليه من أمر جامع
~~لها (3)، ولم يستحل أن يخبروا بذلك وهو صادقون من غير تواطؤ.
# وأما الطريق إلى العلم بفقد التواطؤ على الجماعة، فربما كان كثرة
~~الجماعات يستحيل معها التواطؤ عليها مراسلة أو مكاتبة وعلى كل وجه ms048 وسبب
~~لأنا نعلم
# PageV01P084
# ضرورة ان جميع أهل بغداد لا يجوز أن يواطئوا جميع أهل الشام لا باجتماع
~~ومشافهة، ولا بمكاتبة أو مراسلة، على أن التواطؤ فيمن يجوز ذلك عليه من
~~الجماعة بمشافهة أو مكاتبة أو مراسلة لابد بمجرى العادة من أن يظهر لمن
~~خالطهم ظهورا يشترك كل من خالطهم في علمه، وهذا حكم مستند إلى العادات لا
~~يمكن دفعه.
# وأما ما يقوم مقام التواطؤ من الأسباب الجامعة كتخويف السلطان وما يجري
~~مجراه، فلابد أيضا من ظهوره وعلم الناس به، لان الجماعة لا تجتمع على الامر
~~الواحد لأجل خوف السلطان الا بعد أن يظهر لهم غاية الظهور، وما هذه حاله
~~لابد من العلم به والقطع على فقده إذا لم يعثر عليه.
# وأما ما به يعلم ارتفاع اللبس والشبهة عن مخبر الخبر الذي خبرت به
~~الجماعة، فهو أن تخبر الجماعة عن أمر مدرك اما بمشاهدة أو بسماع، ويعلم
~~انتفاء أسباب اللبس والشبهة عن ذلك المخبر، فان أسباب التباس المدركات
~~معلومة محصورة يعلم انتفاؤها حيث ينتفى ضرورة.
# وأما (1) ما به يعلم ثبوت الشرائط التي ذكرناها في الطبقات التي تروي
~~الخبر، فهو ان العادات جارية بأن المذاهب أو الأقوال التي تقوى بعد ضعف،
~~وتظهر بعد خفاء، وتوجد بعد فقد لابد أن يعرف ذلك من حالها، ويفرق العقلاء
~~المخالطون لأهلها بين زماني فقدها ووجودها، وضعفها وقوتها، ولهذا علم الناس
~~كلهم ابتداء حال الخوارج (2)،
# PageV01P085
# وظهور مقالة الجهمية (1) والنجارية (2) ومن جرى مجراهم، وفرق العقلاء من
~~سامعي الاخبار بين زمان حدوث مقالاتهم وبين ما تقدمها.
# وإذا صحت هذه الجملة التي ذكرناها في صفة الخبر الذي لابد أن يكون المخبر
~~به صادقا من طريق الاستدلال) (3) بنينا عليها صحة تلك المعجزات والنصوص على
~~الأئمة عليهم السلام على ما نذهب إليه، وغير ذلك من أحكام الشريعة وغيرها.
# فأما خبر الله تعالى، فإنما يعلم صدقه إذا علم أولا انه لا يلغز في
~~أخباره، ولا يريد بها غير ظاهرها ولا يدل عليه وانه لا يجوز عليه الكذب ولا
~~يعلم ذلك من حاله الا ms049 من علم أنه عالم بقبح القبيح وغني عن فعله وانه إذا
~~كان كذلك لا يجوز أن يختار القبيح، وقد بينا جملة من القول فيه.
# وأما خبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه يعلم به (4) صدقه لان
~~العلم المعجز قد دل على أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يجوز
~~أن يرسل الله من يكذب فيما يؤديه عنه وقد أمرنا بتصديقه في كل أخباره، فيجب
~~أن يكون صدقا، لان تصديق الكذاب قبيح، والله يتعالى عن ذلك، فعلم عند ذلك
~~أن أخباره عليه السلام صدق.
# والقول في أخبار الإمام عليه السلام القائم مقامه كالقول في أخباره لان
~~الدليل الدال على وجوب عصمته أمننا من وقوع القبيح من جهته، وفي ذلك أمان
~~من أن
# PageV01P086
# يكون خبره كذبا.
# وأما خبر الأمة إذا اعتبرناه فإنما يعلم مخبره (1) لما تقدم لنا من العلم
~~بكون المعصوم فيها (2).
# وأما خبر الواحد بمحضر من الجماعة الكثيرة وادعاؤه عليهم المشاهدة كنحو
~~من ينصرف من الجامع ويخبر بوقوع الامام من المنبر، ويدعى على جميع
~~المنصرفين من الجامع مشاهدة ذلك، ويعلم انه لا صارف لهم عن تكذيبه، فمتى لم
~~يكذبوه، علمنا أنه صادق لأنه لو لم يكن صادقا لأنكروه على مقتضى العادة.
# فأما خبر المخبر [بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الشئ، إذا لم
~~ينكر عليه، فان كان هذا المخبر يدعي] (3) المشاهدة لذلك ولم ينكر عليه،
~~فذلك دليل على صدقه وان أطلق الخبر اطلاقا، فإنه لا يدل على ذلك.
# فأما الأمة إذا تلفت الخبر بالقبول وصدقت به، فذلك دليل على صحته، لأنه
~~لو لم يكن صحيحا لأدى إلى اجتماعها على خطأ، وذلك لا يجوز مع كون المعصوم
~~فيها.
# ومتى تلقت الخبر بالقبول ولم تصدق به فذلك لا يدل على صدقه، لان هذا حكم
~~أكثر أخبار الآحاد.
# وأما الخبر إذا روى وعلمت الأمة بأجمعها بموجبه لأجله فعند من قال: لا
~~يجوز العمل بخبر الواحد ينبغي أن يكون دلالة على صحته، لأنه لو لم يكن
~~صحيحا لأدى إلى اجماعهم ms050 على العمل به وهو خطأ وذلك غير جائز عليهم.
# وأما من قال: يجوز العمل بخبر الواحد (4) فلا يمكنه أن يقول إن ذلك دلالة
~~على
# PageV01P087
# صحته، لأنهم إذا اعتقدوا جواز العمل بخبر الواحد جاز أن يجمعوا عليه وان
~~لم يكن صحيحا في الأصل كما أنهم يجوز أن يجتمعوا (1) على شئ من طريق
~~الاجتهاد عندهم وان لم يكن طريق ذلك العلم (2).
# وأما الخبر إذا ظهر بين الطائفة المحقة وعمل به أكثرهم، وأنكروا على من
~~لم يعمل به، فان كان الذي لم يعمل به علم أنه امام، أو الامام داخل في
~~جملتهم، علم أن الخبر باطل.
# وان علم أنه ليس بامام، ولا هو داخل معهم، علم أن الخبر صحيح، لان الامام
~~داخل في الفرقة التي عملت بالخبر.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P088
# فصل NoteV01P089N03 (في أن في الاخبار المروية ما هو كذب (1)، والطريق
~~الذي يعلم به ذلك من المعلوم الذي لا يتخالج فيه شك) ان في الاخبار المروية
~~عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذبا، كما أن فيها صدقا، فمن قال: ان
~~جميعها صدق فقد أبعد القول فيه ومن قال: انها كلها كذب
# PageV01P089
# فكذلك، لفقد الدلالة على كلا القولين وقد توعد النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم على الكذب عليه بقوله: " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "
~~(1). وتجنب كثير من أصحابه الرواية نحو الزبير (2) والبراء بن عازب (3) لما
~~تبينوا انه وقع فيها الكذب فروى عن البراء انه قال: سمعنا كما سمعوا لكنهم
~~رووا ما لم يسمعوا) وروى عن شعبة (4) انه قال: (نصف الحديث كذب) (5) ولأجل
~~ما قلنا، حمل أصحاب
# PageV01P090
# الحديث نفوسهم على نقد (1) الحديث، وتمييز الصحيح منها من الفاسد (2).
# وليس لاحد أن يقول: ان ما يتعلق بالدين إذا لم يقم به الحجة وجب القطع
~~على كذبه كما نعلم كذب المدعى للنبوة إذا لم يظهر عليه المعجز، وذلك أنه لا
~~يمتنع أن يتعبد بالخبر وان لم تقم به الحجة كما تعبد بالشهادات وان لم تعلم
~~صحتها.
# ولا يجوز أن يتعبد ms051 بتصديق نبي ولا علم له، أو بتصديق كذاب، فلذلك كذبنا
~~المدعي للنبوة إذا لم يكن له معجزة. وغاية ما في هذا ألا يجب العمل به وليس
~~إذا لم يجب العمل به وجب القطع على كذبه، بل ينبغي أن يتوقف فيه إلى أن يدل
~~دليل عقلي أو شرعي على كذبه أو كذب بعضه.
# وأما (3) الطريق الذي به يعلم كذب الخبر فلا يجوز أن يكون الخبر سواء
~~أوجب العلم ضرورة أو اكتسابا. ويفارق الكذب في هذا الباب الصدق، لأنا
~~بالخبر نعلم صدق الخبر ولا نعلم به كذبه، بل العلم بكذبه يحتاج إلى أمور
~~اخر.
# والاخبار على ضربين.
# أحدهما: يعلم كونه كذبا (ضرورة، وهو أن يعلم) (4)، ضرورة ان مخبره على
# PageV01P091
# خلاف ما تناوله فيعلم انه كذب ولذلك قلنا ان المخبر عن كون فيل بحضرتنا
~~يعلم بطلان خبره بالاضطرار (1)، لأنه لو كان هناك فيل لرأيناه.
# والضرب الاخر: يعلم كونه كذبا باكتساب، وهو كل خبر نعلم أن مخبره على
~~خلاف ما تناوله بدليل عقلي، أو بالكتاب والسنة أو الاجماع وقد يعلم ذلك بأن
~~يكون لو كان صحيحا لوجب قيام الحجة به على المكلفين أو بعضهم فإذا لم تقم
~~به الحجة علم أنه باطل والعلة في ذلك أن الله تعالى لا يجوز أن يكلف عباده
~~فعلا ولا يزيح علتهم في معرفته، فإذا صح ذلك، وكان ذلك الفعل مما طريقه
~~العلم لا العمل، أو مما علم بالدليل انه مما يجب أن يعلمه المكلف، وان كان
~~طريقه العمل، فيجب ورود الخبر به على وجه يعلم مخبره، إذا لم يعرف (2) من
~~جهة المكلفين، مما يمنع من وروده فإذا لم يكن ذلك حاله علم بطلانه اللهم
~~الا أن يكون هناك طريق آخر يعلم به صحة ما تضمنه ذلك الخبر، فيستغنى بذلك
~~الطريق عن الخبر، ولا يقطع على كذبه ولذلك نقول: ان الخبر إذا صار بحيث لا
~~تقوم به الحجة قام قول الإمام في ذلك مقامه إذا أوجب العلم وصارت الحجة به
~~قوله دون الخبر والعلة في ذلك أن ما تضمنه ms052 الخبر إذا كان من باب الدين
~~ومصلحة المكلف، فلابد من أن يكون للمكلف طريق إلى العلم به فان كان حاصلا
~~من طريق النقل، والا فما ذكرناه من قول الإمام، لأنه ان لم يكن أحد هذين
~~أدى إلى أن لا يكون للمكلف طريق يعلم به ما هو مصلحة له، وذلك لا يجوز.
# ومنها: أن يكون المخبر عنه مما لو كان على ما تناوله الخبر لكانت الدواعي
~~تقوى إلى نقله، وقد جرت العادة بتعذر كتمانه فإذا لم ينقل ذلك، نقل مثله
~~علم كذبه وهو أن يخبر المخبر بحادثة عظيمة وقعت في الجامع، ورؤية الهلال
~~والسماء مصحية في أنه إذا لم يظهر النقل فيه علم أنه كذب.
# PageV01P092
# ومنها: أن تكون الحاجة في باب الدين إلى نقله ماسة، فإذا لم ينقل نقل
~~نظيره في هذا الباب علم أنه كذب نحو ما نقول ان العرب لو عارضت القرآن لوجب
~~نقله كنقل نظيره، لان الحاجة إلى نقله كالحاجة إلى نقل القرآن، وحالهما في
~~قرب العهد سواء ولذلك نقول: انه لا يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم شرائع اخر لم تنقل إلينا، لأنها لو كانت لنقلت نقل نظيرها لمساواتها
~~لها في الحاجة إليها وقرب العهد بها هذا إذا فرضنا ان الموانع والصوارف عن
~~نقله كلها مرتفعة يجب ذلك.
# فأما إذا جوزنا أن يمنع من نقل بعض الاخبار مانع من خوف وما يجرى مجراه
~~فلم يجب القطع على كذب ذلك الخبر، لان هذا الذي ذكرناه حكم أكثر الفضائل
~~المروية لأمير المؤمنين عليه السلام والنص عليه والعلة فيها ما قلناه من
~~اعتراض موانع من خوف وتقية وغير ذلك.
# فأما ما يعم البلوى به أو ما وقع في الأصل شائعا ذائعا فيجب (1) نقله على
~~وجه يوجب العلم ما لم يعرض فيه ما يمنع من نقله فمتى لم يعرض هناك ما يمنع
~~من نقله وكان في الأصل شائعا ذائعا علم أنه باطل.
# والخبر إذا كان ظاهره يقتضي الجبر والتشبيه، أو أمرا علم بالدليل بطلانه
~~ولا يمكن تأويله على ms053 وجه يطابق الحق غير متعسف ولا بعيد من الاستعمال، وجب
~~القطع على كذبه. فان أمكن تأويله على وجه قريب، أو على ضرب من المجاز
~~(الذي) (2) جرت العادة باستعماله يقطع على كذبه.
# فأما ما تكلفه محمد بن شجاع الثلجي (3) من تأويل الأخبار الواردة من
~~الجبر والتشبيه من التعسف والخروج عن حد الاستعمال فلا يحتاج إليه، لأنه لو
~~ساغ ذلك
# PageV01P093
# لم يكن لنا طريق نقطع على كذب أحد، وذلك باطل.
# والفائدة في نقل ما علم كذبه هو أن ينحصر المنقول من الأحاديث ليعلم ان
~~ما ادخل فيه معمول كما حصر (1) الخلاف في الفقه ليعلم به الخلاف الحادث
~~فيطرح ولا يلتفت إليه.
# وليس لاحد أن يقول: ان في تجويزكم (2) الكذب على هذه الأخبار أو في بعضها
~~طعنا على الصحابة، لان ذلك يوجب تعمدهم الكذب.
# وذلك أنه: لا يمتنع أن يكون وقع الغلط من بعض الصحابة، لأنه ليس كل واحد
~~منهم معصوما لا يجوز عليه الغلط، وانما يمنع من اجماعهم على الخطأ دون أن
~~يكون ذلك ممتنعا من آحادهم.
# وأيضا فإنهم كانوا يسمعون الحديث من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا
~~يكتبونه فيسهون (3) عنه أو عن بعضه فيقع الغلط في نقله (4).
# وأيضا: انهم كانوا يحضرونه عليه السلام وقد ابتدأ الحديث فيلحقه بعضهم
~~فينقلونه بانفراده فيتغير معناه لذلك ولذلك كان عليه السلام إذا أحسن برجل
~~داخل ابتدأ الحديث (4)، ولهذا أنكرت عائشة (5) على من روى عن النبي صلى
~~الله عليه وآله
# PageV01P094
# وسلم أنه قال: " الشؤم في ثلاث: الفرس، والمرأة، والدار " (1)، وذكرت أنه
~~عليه السلام كان حاكيا لذلك فلم يسمع الراوي أول كلامه وكذلك خطأت من روى
~~عنه عليه السلام أنه قال: (2) " التاجر فاجر " (3) و " ان ولد الزنا شر
~~الثلاثة " (4) وذكرت ان كلامه خرج على تاجر قد دلس، وولد زنا قد سب أمه
~~(5). وعلى هذا الوجه أنكرت وابن عباس (6) جميعا ما رواه ابن عمر (7) ان
~~الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " (8) وغير ذلك، فقالا وهل (9) ابن عمر وإنما
~~قال عليه السلام: " ان الميت ليعذب، وإن أهله يبكون ms054 عليه ".
# وقد كان منهم من ينقل الحديث بالمعنى دون اللفظ، فيقع الغلط فيه من هذا
~~الوجه.
# وهذه الوجوه التي ذكرناها أو أكثرها تنفي الطعن عن ناقل الخبر وان كان
~~كذبا.
# PageV01P095
# فأما من تأخر عن زمان الصحابة والتابعين فلا يمنع من أن يكون فيهم من
~~يدخل في الأحاديث الكذب عمدا ويكون غرضه الافساد في الدين كما روى عن عبد
~~الكريم بن أبي العوجاء (1) انه لما صلب (4) وقتل قال: (اما انكم ان
~~قتلتموني لقد أدخلت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة) وهذا واحد من
~~الزنادقة والملحدين، فكيف الصورة في الباقين.
# فأما الاخبار التي هي من باب العمل كالاخبار الواردة في فروع الدين
~~فسنذكر القول فيها - إن شاء الله تعالى - في الفصل الذي يليه.
# PageV01P096
# فصل NoteV01P097N04 (في ذكر الخبر الواحد وجملة من القول في أحكامه)
~~اختلف الناس في خبر الواحد، فحكى عن النظام (1) انه كان يقول: انه يوجب
~~العلم الضروري إذا قارنه سبب (2). وكان يجوز في الطائفة الكثيرة ألا يحصل
~~العلم بخبرها.
# وحكى عن قوم من أهل الظاهر أنه يوجب (3) العلم (4)، وربما سموا ذلك علما
# PageV01P097
# ظاهرا.
# وذهب الباقون من العلماء، من المتكلمين والفقهاء، إلى أنه لا يوجب العلم
~~(1)، ثم اختلفوا:
# فمنهم من قال: لا يجوز العمل به (2).
# ومنهم من قال: يجب العمل به (3).
# واختلف من قال: لا يجوز العمل به.
# فقال قوم: لا يجوز العمل به عقلا (4).
# وقال آخرون: انه لا يجوز العمل به، لان العبادة لم ترد به وان كان جائزا
~~في العقل ورودها به (2). وربما قالوا وقد ورد السمع بالمنع من العمل به.
# واختلف من قال يجب العمل به:
# فمنهم من قال: يجب العمل به عقلا (3) وحكي هذا المذهب عن ابن سريج (5)
# PageV01P098
# وغيره.
# وقال آخرون: انما يجب العمل به شرعا والعقل لا يدل عليه، وهو مذهب أكثر
~~الفقهاء والمتكلمين ممن خالفنا (1).
# ثم اختلفوا:
# فمنهم من قال: يجب العمل به ولم يراع في ذلك عددا (2).
# ومنهم من راعى في ذلك العدد وهو أن يكون رواته أكثر من واحد (3) وهذا
# PageV01P099
# المذهب هو المحكي ms055 عن أبي علي (1).
# والذي أذهب إليه (2): ان خبر الواحد لا يوجب العلم (3) *، وانه كان يجوز
~~أن ترد العبادة بالعمل به عقلا وقد ورد جواز العمل به في الشرع، الا أن ذلك
~~موقوف على طريق مخصوص وهو ما يرويه من كان من الطائفة المحقة، ويختص
~~بروايته، ويكون على صفة يجوز معها قبول خبره من العدالة وغيرها.
# وأنا أبتدئ أولا فأدل على فساد هذه المذاهب التي حكيتها ثم أدل على صحة
~~ما ذهبت إليه.
# أما الذي يدل على أن خبر الواحد لا يوجب العلم، فهو انه لو أوجب العلم
~~لكان يوجبه كل خبر واحد إذا كان المخبر صادقا وإلى ما أخبر به مضطرا (4).
~~ولو كان كذلك لوجب أن يعلم صدق أحد المتلاعنين وكذب الاخر.
# PageV01P100
# وكان يجب أن لا يصح الشك في خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه اسرى
~~به إلى السماء.
# وقد علمنا خلاف ذلك لأنا لا نعلم صدق أحد المتلاعنين ونجوز أن تدخل
~~الشبهة في نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يعتقد صحة نبوته، فيشك
~~في خبره عن الاسراء به، ولو كان يوجب العلم الضروري لما صح ذلك، ولكان يجب
~~أيضا أن يحصل لنا العلم بصدق كل رسول ادعى رسالة بعضنا إلى بعض، لان ذلك
~~يعلم ضرورة، فكان يجب حصول العلم به، وقد علمنا خلاف ذلك.
# فإذا بطل جميع ذلك، علم أنه لا يوجب العلم.
# فأما ما اعتبره النظام من اقتران السبب به (1)، فليس يخلو من:
# أن يقول: يقع العلم به وبالسبب جميعا.
# أو يقول: ان العلم يقع به بشرط أن يقارنه السبب.
# أو يقول: ان العلم يقع به الا أن لا يكون (2) السبب حاصلا (3) *.
# وكل هذه الوجوه يبطل، لأنه يوجب أن لا يمتنع أن يخبر الجماعة العظيمة عن
~~الشئ (4) ولا يقترن بها ذلك السبب، فلا يحصل عند خبرها العلم وهذا يؤدي إلى
~~تجويز أن نصدق من يخبرنا عن نفسه بأنه لا يعلم أن في الدنيا مكة مع اختلاطه
~~بالناس ونشوئه بينهم وقد علمنا خلاف ذلك.
# فأما ms056 ما يذكره من مشاهدة من رأى مخرق الثياب يلطم (5) على وجهه، وقد كان
# PageV01P101
# علم أن له عليلا ويخبر بموته، انا نعلم عند خبره انه ميت، فدعوى (1) لا
~~برهان عليها، لان مثل ذلك قد يفعله العقلاء لأغراض كثيرة، ثم ينكشف الامر
~~عن خلاف ذلك.
# فمن أين ان الذي يعتقده عند خبره علم لا يجوز التشكك فيه؟
# فأما من قال: انه لو لم يوجب العلم لما صح أن يتعبد (2) به، لان العبادة
~~لا تصح الا بما نعلمه دون ما لا نعلمه. فإنما (3) كان يدل لو ثبت ان في
~~العقل لا يجوز العبادة بما طريقه الظن، ثم يثبت انه تعبد به، ولم يثبت لهذا
~~القائل واحد من الامرين، فلا يصح التعلق به.
# فأما تعلقه بقوله: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (4).
# فهو لا يدل على ايجاب خبر الواحد العلم، لان معنى الآية النهي عن الكذب
~~على الله تعالى، وليس من عمل بخبر الواحد يضيف إليه ان الله تعالى قد قال
~~ما تضمنه الخبر، وانما يضيف إليه انه تعبده بالعمل بما تضمنه الخبر، وذلك
~~معلوم عنده بدليل دل عليه، فيسقط بجميع ذلك هذا المذهب.
# ولو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما كان اختلاف الناس في قبوله وشكهم في
~~صحته صحيحا. ولا صح التعارض في الاخبار (5) * ولا احتيج إلى اعتبار صفات
# PageV01P102
# الراوي، ولا ترجيح بعض الاخبار على بعض، وكل ذلك يبين فساد هذا المذهب.
# فأما تسميته من سماه علما ظاهرا (1): فربما عبر عن (الظن) بأنه علم، لان
~~العلم لا يختلف حاله إلى أن يكون ظاهرا وباطنا فان أراد ذلك فهو خلاف في
~~العبارة لا اعتبار به.
# فأما من قال لا يجوز العمل به عقلا (2): فالذي يدل على بطلان قوله ان
~~يقال:
# إذا تعبد الله تعالى بالشئ فإنما يتعبد به لأنه مصلحة لنا، وينبغي أن
~~يدلنا عليه وعلى صفته التي إذا (3) علمناه عليها كان مصلحة لنا، وصح منا
~~أداؤه على ذلك الوجه. لا يمتنع ان تختلف الطرق التي بها يعلم أن الله
~~سبحانه تعبدنا به، ms057 كما لا يمتنع اختلاف الأدلة التي بها تعلم صحة ذلك فإذا
~~صحت هذه الجملة لم يمتنع أن يدلنا على أنه قد أمرنا بأن نفعل ما ورد به خبر
~~الواحد إذا علمناه على صفة ظننا انه صادق كعلمنا انه تعبدنا بما أنزله من
~~القرآن، وان كان أحدهما قد علق بشرط والاخر لم يعلق به.
# وإذا صح هذا، وكان صورة خبر الواحد هذه الصورة، فيجب أن لا يمتنع ورود
~~العبادة بالعمل به. والذي يبين ذلك أيضا ورود العبادة بالشهادات وان لم
~~يعلم صدقهم، وجرى وجوب الحكم بقولهم في أنه معلوم مجرى الحكم بما علمناه
~~بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
# وليس لاحد أن يقول: إذا لم يصح ان يتعبد الله تعالى بالقبول من النبي بلا
~~علم معجز يظهر عليه، فبان لا يجوز القبول من غيره أولى. وذلك أن فقد ظهور
~~العلم على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقتضي الجهل بالمصالح التي لا
~~تعلم الا من جهته، وليس في فقد الدلالة على صدق خبر الواحد ذلك، لأنه يصح
~~أن يعلم بقول النبي
# PageV01P103
# صلى الله عليه وآله وسلم وجوب ما أخبر به الواحد، فيصير في حكم علم قد
~~ظهر عليه، وان جوزنا كونه كاذبا فيه، لأنه لا يمتنع أن تكون المصلحة لنا في
~~العمل به وان كان هو كاذبا كما لا يمتنع أن يكون الواجب علينا ترك سلوك
~~الطريق إذا خوفنا الواحد من سبع فيه أو لص وان كان كاذبا.
# ثم هذا يوجب عليه ألا (1) يحكم بشهادة الشهود مع تجويز أن يكونوا كذبة،
~~كما لا تقبل من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الشريعة الا بعلم يدل على
~~نبوته.
# فان قالوا: ولم لا يجوز ان يعلم أيضا بقول نبي متقدم وجوب تصديق نبي آخر
~~يجئ بعده؟ والعمل بما معه مثل (2) ما قلتموه في خبر الواحد من أنه يعلم
~~وجوب العمل به بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
# قيل له: ان كان سؤالك عن وجوب العمل بما يجئ به انسان في المستقبل ms058 فهذا
~~هو معنى قبول خبر الواحد وجواز العمل به بعينه، فذلك جائز وان كان (سؤالك)
~~(3) عن تصديق نبي يجيئ فذلك طريقه العلم لا العمل، فلا يجوز أن يعمل بقوله
~~لأنا بينا ان خبر الواحد لا يوجب العلم. اللهم الا أن يفرض المسألة فيقال:
~~ان النبي المتقدم، ينص على صفة من يدعي النبوة ويقول: " من كان عليها وادعى
~~النبوة فاعلموا انه صادق " فان ذلك جائز، ويكون ذلك نصا على نبوته، وما دل
~~على صدقه دال على تصديق هذا وان كان بواسطة فبطل بهذا التجويز جميع ما تعلق
~~به في هذا الباب.
# فان قالوا (4): لو جاز قبول خبر الواحد في الفروع لجاز ذلك في الأصول وفي
~~ثبوت القرآن، لان جميع ذلك من مصالح الدين، فإذا لم يصح ذلك في بعضه، لم
~~يصح في سائره.
# PageV01P104
# قيل له: انه ما كان يمتنع ان يتعبد بقبول خبر الواحد في أصول الدين كما
~~تعبدنا الان بقبوله في فروعه، وان كان لابد من قيام الحجة ببعض الشرائع (1)
~~*.
# فأما اثبات القرآن، فان كان لم يرد (2) مثل القرآن وعلى صفته في الاعجاز،
~~صح أن يتعبد به، لان كونه على هذه الصفة يوجب العلم.
# وان كان ما يرد لا يكون بصفة القرآن في الاعجاز فإنه لا يمتنع أيضا وورد
~~العبادة بالعمل به من غير قطع على أنه قرآن مثل ما قلناه في خبر الواحد.
# وكذلك ما كان يمتنع أن يتعبد بتخصيص عموم القرآن ونسخه بخبر الواحد، وان
~~كان لم يقع ذلك أصلا، لان الكلام فيما يجوز من ذلك وما لا يجوز فليس لأحد
~~أن يقول: أوجبوا العمل به كما أجزتموه، لان ايجاب العمل يحتاج إلى دليل
~~منفصل من دليل الجواز.
# فأما من ذهب إلى أن العبادة لم ترد به (3):
# فان أراد انها لم ترد به بالاطلاق، فهو مذهبنا الذي اخترناه.
# وان أراد انها لم ترد على التفصيل الذي فصلناه (4)، فسندل نحن فيما بعد
~~على ورود العبادة به إذا انتهينا إلى الدلالة على صحة ما اخترناه.
# وأما من قال: ان العبادة ms059 منعت منه (5) وتعلقهم في ذلك بقوله: " وأن
~~تقولوا على الله ما لا تعلمون " (6) وبقوله: " ولا تقف ما ليس لك به علم "
~~(7) وما أشبه ذلك
# PageV01P105
# من الآيات (1). فقد بينا تأويل الآية الأولى (2).
# فأما قوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " فلا يدل على ذلك أيضا،
~~لان من عمل بخبر الواحد، فإنما يعمل به إذا دله دليل (3) * على وجوب العمل
~~به اما من الكتاب أو السنة أو الاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم، وانما
~~الآية مانعة من العمل بغير علم أصلا، وقد بينا انا لا نقول ذلك، لان من علم
~~وجوب العمل بخبر الواحد فهو عالم بما يعمل به، فسقط التعلق بهذه الآية
~~أيضا.
# وأما (4) من أوجب العمل به عقلا (5): فالذي يدل على بطلان قوله انه ليس
~~في العقل ما يدل على وجوب ذلك وقد سبرنا (6) أدلة العقل فلم نجد فيها ما
~~يدل على وجوبه فينبغي أن لا يكون واجبا وأن يكون مبقى (7) على ما كان عليه.
# وأيضا: فان الشريعة مبنية على المصالح، فإذا لم نجد ما يدل على قبول خبر
~~الواحد في العقل، فينبغي أن يكون مبقى (7) على ما كان عليه في العقل، من
~~الحظر أو الإباحة.
# PageV01P106
# وليس لاحد أن يقول (1) *: ان في العقل وجوب التحرز من المضار، وإذا لم
~~نأمن عند خبر الواحد، أن يكون الامر على ما تضمنه الخبر، يجب علينا التحرز
~~منه والعمل بموجبه كما أنه يجب علينا إذا أردنا سلوك طريق أو تجارة وغير
~~ذلك فخبرنا مخبر أن في الطريق سبعا أو لصا، أو يخبرنا بالخسران الظاهر، وجب
~~علينا أن نتوقف عليه ونمتنع من السلوك فيه، فحكم خبر الواحد في الشريعة هذا
~~الحكم.
# وذلك أن الذي ذكروه غير صحيح من وجوه:
# أحدها: ان الاعتبار الذي اعتبروه يوجب عليهم قبول خبر من يدعي النبوة من
~~غير علم يدل على نبوته، لان العلة قائمة فيه، وهي وجوب التحرز من المضار،
~~فأي فرق فرقوا في ذلك، فرقنا بمثله في خبر الواحد.
# والثاني: ان الذي ذكروه انما يسوغ ms060 فيما طريقه المنافع والمضار الدنيوية،
~~فأما ما يتعلق بالمصالح الدينية، فلا يجوز أن يسلك فيها الا طريق العلم (2)
~~* ولهذه العلة أوجبنا بعثة الأنبياء واظهار الاعلام (3) * على أيديهم،
~~ولولا ذلك لما وجب ذلك كله.
# والثالث: ان خبر الواحد لا يخلو أن يكون واردا بالحظر أو الإباحة.
# فان ورد بالحظر لا نأمن أن تكون المصلحة في اباحته وان كونه محظورا يكون
~~مفسدة لنا.
# وكذلك ان ورد (بالإباحة) لا نأمن أن تكون المصلحة تقتضي حظره، وأن تكون
# PageV01P107
# اباحته مفسدة لنا، فنقدم على ما لا نأمن أن يكون مفسدة لنا، لان الخبر
~~ليس بموجب للعلم، فنقطع به على أحد الامرين، وذلك لا يجوز في العقول.
# وليس لاحد أن يقول (1): إذا لم يكن في السمع دلالة على الحادثة الا ما
~~تضمنه خبر الواحد، وجب العمل به بحكم العقل لأنا متى لم نعمل به أدى إلى أن
~~تكون الحادثة لا حكم لها، وذلك لا يجوز لأنه إذا لم يكن في الشرع دليل على
~~حكم تلك الحادثة وجب تبقيتها على مقتضى العقل من الحظر، أو الإباحة، أو
~~الوقف ويحتاج إلى خبر الواحد، فعلم بهذه الجملة بطلان هذا المذهب.
# وأما من أوجب العمل (2) به على ما يذهب إليه مخالفونا في الاحكام فالذي
~~يبطله أن نقول:
# إذا لم يكن في العقل ما يدل على ذلك فالطريق إلى ايجابه السمع، وليس في
~~السمع دليل على وجوب العمل بخبر الواحد - على ما يذهبون إليه - لان جميع ما
~~يدعونه دليلا ليس في شئ منه دليل على وجه ونحن نذكر شبههم في ذلك ونتكلم
~~عليها بموجز من القول:
# أحد ما استدلوا به على وجوب العمل بخبر الواحد قوله تعالى: " فلولا نفر
~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم
~~لعلهم يحذرون " (3).
# قالوا: فحث الله تعالى كل طائفة على التفقه، وأوجب عليهم الانذار
~~والطائفة
# PageV01P108
# يعبر بها عن عدد قليل لا يوجب خبرهم العلم (1)، فلولا أنه يجب العمل
~~بخبرهم لما أوجب عليهم الانذار، لأنه لا فائدة فيه (2).
# وربما قووا ذلك ms061 بأن قالوا: لما أوجب الله تعالى على النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم الانذار وجب علينا القبول ولو لم يجب علينا القبول لما وجب عليه
~~الانذار (2).
# وهذه الآية لا دلالة فيها لان الذي يقتضيه ظاهر الآية وجوب الانذار على
~~الطائفة وليس في وجوب الانذار عليهم وجوب القبول منهم، لأنه غير ممتنع (3)
~~* ان تتعلق المصلحة بوجوب الانذار عليهم ولا تتعلق بوجوب القبول منهم، الا
~~إذا انضاف إليه شئ آخر ألا ترى انه قد يجب التحذير والانذار من ترك معرفة
~~الله ومعرفة صفاته وان لم يجب القبول من المخبر في ذلك، بل يجب الرجوع إلى
~~أدلة العقل وما يقتضيه. وكذلك يجب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
~~الانذار، وان لم يجب القبول منه الا إذا دل العلم المعجز على صدقه، فيجب
~~حينئذ القبول منه.
# فكذلك القول في تحذير الطائفة انه يجب عليهم التحذير، ويجب على المنذر
~~الرجوع إلى طرق العلم.
# وأيضا: يجب على أحد الشاهدين إقامة الشهادة، ولا يجب على الحاكم تنفيذ
~~الحكم بشهادته، الا إذا انضاف إليه من تتكامل الشهادة به ثم يعتبر أيضا بعد
~~تكاملهم صفاتهم، وهل هم عدول أو لا؟ حتى يجب عليه الحكم بشهادتهم.
# وكذلك يجب على آحاد المتواترين النقل فيما طريقه العلم، وان كان لا
# PageV01P109
# يحصل العلم بخبره، ولا يجب علينا أن نعتقد صحة ما أخبر به الا بعد أن
~~ينضاف من يتكامل به التواتر إليهم فحينئذ يوجب العلم، ولذلك نظائر كثيرة في
~~العقليات (1) * ألا ترى انه قد يجب على الواحد منا العطية إلى غيره، وان
~~كان ذلك الغير لا يجوز له أخذها، ألا ترى ان من ألجأ غيره ظلما بتخويف
~~القتل إلى اعطائه المال أو الثياب يجب عليه اعطائه بحكم العقل خوفا من
~~القتل، ولا يجوز للظالم الملجئ أخذ ذلك على وجه من الوجوه (2).
# وليس لاحد أن يقول: ان هذا يبطل فائدة الانذار، لأنه متى لم يجب القبول
~~فلا وجه لوجوب الانذار عليهم وذلك انا قد بينا انه قد يجب الانذار في مواضع
~~ذكرناها، وان ms062 لم يجب القبول من المنذر لما بيناه، فكذلك القول فيما قالوه.
# فأما حملهم (3) * ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذلك دليلنا
~~لأنا قد بينا أنه لا يجب القبول منه الا بعد أن يدل العلم المعجز على صدقه،
~~فحينئذ يجب القول منه.
# فنظير هذا أن يدل دليل على وجوب العمل بما أنذروا به حتى يجب علينا العمل
~~به.
# وفي هذا القدر كفاية في ابطال التعلق بهذه الآية.
# واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ
# PageV01P110
# فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (1).
# قالوا: أوجب علينا التوقف عند خبر الفاسق، فينبغي أن يكون خبر العدل
~~بخلافه وأن يجب العمل به وترك التوقف فيه (2).
# وهذا أيضا لا دلالة فيه لان هذا أولا استدلال بدليل (3) * الخطاب (4) ومن
~~أصحابنا (5) من قال: ان دليل الخطاب ليس بدليل، فعلى هذا المذهب لا يمكن
# PageV01P111
# الاستدلال بالآية.
# وأما من قال بدليل الخطاب (1) فإنه يقول لا يصح أيضا الاستدلال بها من
~~وجوه (2) *.
# أحدها: ان هذه الآية نزلت في (3) * فاسق (4) أخبر بردة قوم (5) وذلك لا
~~خلاف
# PageV01P112
# انه لا يقبل فيه أيضا خبر العدل، لأنه لا يجوز أن يحكم بارتداد أقوام
~~بخبر الواحد العدل.
# والثاني: ان تعليل الآية يمنع من الاستدلال بها، لان الله تعالى علل خبر
~~الفاسق فقال: " أن تصيبوا قوما بجهالة " وذلك قائم في خبر العدل، لان خبره
~~إذا كان لا يوجب العلم، فالتجويز في خبره حاصل مثل التجويز في خبر الفاسق.
# وليس لاحد أن يقول: اني أمنع من تجويز ذلك في العدل، لأنه لو كان ذلك
~~جائزا لما علق تجويز الجهالة بالفاسق؟
# لان ذلك لا يصح من وجهين:
# أحدهما: ان هذا يقتضي أن يقطع على أنه يعلم بخبر العدل، لان الجهل لا
~~يرتفع الا ويحصل العلم، وذلك لا يقوله أحد.
# والثاني: انه ليس من يمنع من تجويز الجهالة في خبر العدل من حيث علق
~~الحكم بخبر الفاسق بأولى ممن قال: أنا أمنع بحكم التعليل من دليل الخطاب في
~~تعليق الحكم ms063 بخبر الفاسق، لأنه لا يمتنع ترك دليل الخطاب لدليل، والتعليل
~~دليل، فيسقط على كل حال التعلق بالآية.
# واستدل قوم: بقوله تعالى: " ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى
~~من بعد ما بيناه " (1) الآية.
# وقالوا: حظر الكتمان يقتضي وجوب الاظهار، ووجوب ذلك يقتضي وجوب القبول،
~~والا فلا فائدة في الآية (2).
# PageV01P113
# وهذه الآية أيضا لا دلالة فيها من وجوه (1):
# منها: ما قدمناه في الآية الأولى من أن هاهنا مواضع كثيرة يجب الانذار
~~فيها والتخويف، وان لم يجب القبول على المنذر الا أن ينضاف إليه امر آخر
~~فكذلك القول في الاظهار.
# ومنها: انه ليس في الآية الا تحريم كتمان ما أنزله الله تعالى في الكتاب،
~~وظاهر ذلك يقتضي ان المراد به القرآن وذلك يوجب العلم (1) دون خبر الواحد
~~الذي لا يوجبه.
# وليس لاحد أن يقول: فقد قال بعد ذلك " والهدى " فيدخل فيه سائر الأدلة.
# لان ذلك لا يصح من وجهين:
# أحدهما: انه قال بعد ذلك " من بعد ما بيناه للناس في الكتاب " فقد عاد
~~الامر إلى أنه أراد به الكتاب.
# والثاني: انه يقتضي وجوب اظهار ما هو دليل، ويحتاج أن يثبت أولا ان خبر
~~الواحد دليل بغير الآية حتى يتناوله قوله " والهدى " فإذا لم يثبت دليل لا
~~يمكن حمل الآية عليه، وإذا أثبت استغنى عن الاستدلال بالآية.
# وقد استدل الخلق منهم من الفقهاء والمتكلمين (2) باجماع الصحابة بأن
~~قالوا:
# PageV01P114
# وجدنا الصحابة قد عملت بأخبار الآحاد وشاع ذلك فيما بينهم، نحو ما روي عن
~~عمر انه قبل خبر حمل بن مالك (1) في الجنين وقال: (كدنا أن نقضي فيه
~~برأينا) (2) وخبر الضحاك (3) في توريث المرأة من دية زوجها (4)، وخبر عبد
~~الرحمن في أخذ الجزية من المجوس (5). وكانوا في ذلك بين طائفتين، طائفة
~~تعمل بهذه الاخبار، والأخرى لا
# PageV01P115
# تنكر عليهم فلولا ان العمل بها كان صحيحا جائزا والا كانوا قد أجمعوا على
~~الخطأ وذلك لا يجوز.
# والاستدلال بهذه الطريقة لا يصح من وجوه.
# أحدها: ان هذه الأخبار التي رووها كلها أخبار آحاد، والطريق إلى أنهم
~~عملوا ms064 بها أيضا أخبار آحاد، لأنها لو كانت متواترة لكانت توجب العلم
~~الضروري عندهم (1)، ونحن لا نعلم ضرورة أن الصحابة عملت بأخبار الآحاد،
~~فإذا لا يصح الاعتماد على هذه الأخبار، لان المعتمد عليها يكون أوجب العمل
~~بخبر الواحد وذلك لا يجوز.
# ولا خلاف أيضا بين الأصوليين في أن وجوب العمل بأخبار الآحاد طريقة العلم
~~دون الظن واخبار الآحاد قد (2) دللنا على انها لا توجب العلم، فسقط من هذا
~~الوجه الاحتجاج بهذه الطريقة.
# والثاني: انا لو سلمنا انهم عملوا بهذه الاخبار، من أين لهم انهم عملوا
~~بها من حيث كانت اخبار آحاد ومن أجلها؟ وما ينكرون على من قال: انهم عملوا
~~لدليل دلهم على صحة ما تضمنته هذه الأخبار؟ أو قرينة اقترنت إليها أوجبت
~~صحتها؟ أو يكون العامل بها كان قد سمع كما يسمع الراوي، فلما روي له ذلك
~~تذكر ما كان نسيه فعمل به لأجل علمه لا لأجل روايته (3).
# PageV01P116
# وليس لاحد أن يقول إذا عملوا عند سماع هذه الأخبار، ولم يعملوا قبل ذلك،
~~علم أن عملهم لأجلها دون أمر آخر ويبين ذلك قول عمر في خبر الجنين: (كدنا
~~أن نقضي فيه برأينا) (1) وفي خبر آخر: (لولا هذا لقضينا فيه برأينا (1)).
~~فنبه (2) انه عدل عن الرأي إلى ما عمل به لأجل الخبر لا لأجل علمه أو أمر
~~آخر.
# وكذلك روى عنه انه كان ممن يرى المفاضلة في دية الأصابع حتى أخبر عن كتاب
~~عمرو بن حزم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " في كل إصبع عشرة من
~~الإبل " (3) فسوى بين الكل وفي ذلك ابطال قول من قال جوزوا أن يكونوا عملوا
~~بهذه الاخبار لأمر آخر.
# وذلك: انه لا يمتنع انهم قبل رواية هذه الأخبار لم يعملوا لأنهم كانوا
~~ناسين لذلك فلما روى لهم الخبر ذكروا ما كانوا نسوه فعملوا به لأجل الخبر.
# فأما قول عمر: (كدنا ان نقضي فيه برأينا) (1) فلا يمتنع أيضا أن يكون لما
~~كان نسي الخبر وبعد عهده به أراد أن يقضى برأيه فيه، فلما روى له ms065 الخبر
~~تذكر ما تضمنه الخبر فرجع إلى ما علمه، وأخبر انه لولا هذا الخبر الذي كان
~~سببا لتذكاره كاد أن يقضي برأيه.
# وأما رجوعه إلى كتاب عمرو بن حزم في الدية (3)، فان كتاب عمرو بن حزم (4)
# PageV01P117
# كان معلوما بين الصحابة، وانه من املاء رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم ولم يكن طريق ذلك خبر الواحد، فلأجل ذلك رجع إليه.
# والثالث: انا لو سلمنا انهم عملوا بهذه الاخبار لأجلها لم يكن أيضا فيه
~~دلالة، لأنه ليس جميع الصحابة عمل بها، وانما عمل بها بعضهم وليس فعل بعضهم
~~حجة، وانما الحجة في فعل جميعهم.
# وليس لهم أن يقولوا: انهم بين طائفتين طائفة عملت بها وطائفة لم تنكر
~~عليهم العمل بها، فلو لم يكن صحيحا لكانوا قد أجمعوا على الخطأ (1).
# وكذلك (2) ان هذا لا يصح من وجهين:
# أحدهما: انه من أين لهم حيث لم ينكروا كانوا راضين بأفعالهم مصوبين لهم
~~ما عملوا؟ وما المانع من أن يكونوا كارهين لذلك منكرين بقلوبهم، ومنع من
~~اظهار ذلك بعض الموانع (3).
# وانما يمكن الاعتماد على سكوتهم إذا لم يكن لسكوتهم وجه غير الرضا فحينئذ
~~يحمل عليه فاما ويمكن غير ذلك فينبغي أن لا يقطع به على الرضا.
# وأيضا فإنما يجب عليهم انكار ذلك إذا علموا انهم عملوا بهذه الاخبار
~~لأجلها وغير ممتنع أن يكونوا شاكين في حال العاملين بها مجوزين، لأنهم
~~عملوا بها لدليل دلهم على صحة هذه الأخبار أو لتذكرهم، فلأجل ذلك لم
~~ينكروهم.
# والوجه الثاني: انهم قد أنكروا أجمع العمل بأخبار (4) الآحاد، ألا ترى
~~إلى ما
# PageV01P118
# روى عن أبي بكر انه لم يقبل خبر المغيرة بن شعبة (1) في الجدة حتى شهد
~~معه محمد بن مسلمة (2).
# وما روى عن عمر انه لم يقبل خبر أبي موسى (3) في الاستئذان (4) حتى شهد
~~معه أبو سعيد (5).
# وما روى عن علي عليه السلام انه لم يقبل خبر ابن سنان الأشجعي (6) وغير
# PageV01P119
# ذلك مما لا يحصى كثرة.
# ورد هذه الأخبار ظاهر بينهم كما ظهر بينهم العمل بما ذكروه من الاخبار ms066
~~فان كان عملهم بما عملوه دليلا على جوازه، فردهم لما ردوه يجب أن يكون
~~دليلا على المنع منه، ولا فرق بينهما على حال.
# وليس لاحد أن يقول (1): نحن لا ننكر رد كثير من الاخبار إذا لم يكن شرط
~~وجوب القبول فيه ثابتا.
# وذلك: ان هذا التأويل في رد هذه الأخبار انما يسوغ إذا ثبت انهم عملوا
~~بخبر الواحد فاما ولما يثبت ذلك بل نحن في سبر (2) ذلك فلا يمكن تأويل ذلك.
# ولا فرق بين من تأول هذه الأخبار وقال: انهم ردوها لبعض العلل، ليسلم له
~~العمل بتلك الأخبار وبين من عكس ذلك فقال: انهم عملوا بتلك الأخبار لقيام
~~دليل دلهم على ذلك غير نفس الاخبار، لتسلم له ظواهر هذه الأخبار ولا فرق
~~بينهما على حال.
# على أن هذه الطريقة التي اعتمدوها توجب عليهم وجوب النسخ بخبر الواحد
~~لأنهم نسخوا القبلة بخبر الواحد، لأنه روى أن أهل قباء كانوا في الصلاة
# PageV01P120
# متوجهين إلى بيت المقدس فجاءهم مخبر فقال لهم: ان النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم حول قبلته إلى الكعبة، فداروا إلى التوجه إلى الكعبة (1)، وكان
~~ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم نجده عليه السلام أنكر عليهم
~~ذلك، فينبغي أن يكون على قانون طريقتهم يجوز النسخ بخبر الواحد، وذلك لا
~~يقوله أحد (2).
# وليس لهم أن يقولوا: ان أهل قباء كانوا قد علموا نسخ القبلة بغير ذلك
~~الخبر، فلأجل ذلك عملوا به.
# لان عليهم فيما استدلوا به من الاخبار مثله بأن يقال: وانما عملوا بتلك
~~الأخبار لأنه كان سبق لهم العلم بما تضمنته تلك الأخبار، فذكروه عند حصولها
~~كما قلتموه في أهل قباء حذو النعل بالنعل.
# واستدلوا أيضا بما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعثه رسله
~~إلى الأطراف، وعماله، وسعاته إلى النواحي وأمره إياهم بالدعاء إلى الله
~~تعالى وإلى رسوله وشريعته، فلولا ان القبول كان واجبا منهم، والا لم يكن
~~لذلك فائدة (3).
# وهذا لا يمكن الاعتماد عليه، لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms067 كان يبعث
~~برسله ويأمرهم أولا بالدعاء إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وآله
~~وسلم ولا خلاف ان ذلك طريقة الدليل، وانه لا يجوز قبول خبر الواحد فيه، بل
~~يجب الرجوع
# PageV01P121
# في ذلك إلى الأدلة الواضحة فيه فكذلك القول في الأحكام الشرعية.
# فان قالوا: إنهم كانوا يدعونهم إلى معرفة الله تعالى وينبهونهم على ما هو
~~مركوز في عقولهم من الأدلة الدالة على توحيده وعدله، وكذلك يدعونهم إلى
~~النبوة والاقرار به، ويقرأون عليهم القرآن الدال على صدقه في دعواه.
# قيل لهم: فإذا قد صار لدعائهم إلى ما يدعون إليه فائدة غير وجوب القبول
~~منهم، وإذا جاز ذلك في المعرفة والنبوة، جاز له أن يقول في أحكام الشريعة
~~مثله. بأن يقول إنهم كانوا ينبهونهم على الطرق الدالة على أحكام الشريعة من
~~الكتاب والسنة المتواترة بها ويجب عليهم النظر فيها ليحصل لهم العلم بصحة
~~ما يتضمنه.
# ثم يقال لهم: طريق التعبد بخبر الواحد ووجوب العمل به الشرع، لان العقل
~~قد بينا انه لا يدل على ذلك، فمن أين يعلمون انهم قد تعبدوا بوجوب (1)
~~القبول من الرسل والعمال وغيرهم، حتى يجب عليهم القبول منهم؟
# فان أحالوا على جهة من الجهات من تواتر أو غير ذلك، قلنا مثله في سائر
~~الأحكام ، وسقط التعلق بهذه الطريقة.
# فان قيل: فما قولكم في المواضع النائية التي يقطع على أنه لا تواتر اتصل
~~بهم بأحكام الشريعة، أليس كان يجب عليهم القبول من الرسل والعمال، وليس
~~هناك طريق يعلمون به أحكام الشريعة.
# قيل له: إذا فرضت المسألة في الموضع الذي ذكر في السؤال فلأصحابنا عن ذلك
~~جوابان:
# أحدهما: انه لا يجب عليهم القبول منهم، وينبغي أن يكونوا متمسكين بحكم
~~العقل إلى أن ينقطع عذرهم بأحكام الشريعة فحينئذ يجب عليهم العمل به.
# والجواب الثاني: انه إذا كان القوم بحيث لم يتصل بهم الشريعة على وجه
~~ينقطع العذر، وكانت المصلحة لهم في العمل بتلك الشريعة، فإنه لا يجوز ان
~~يبعث
# PageV01P122
# إليهم الا معصوما لا يجوز عليه التغير والتبديل، ويظهر على يده ms068 علم معجز
~~يستدلون به على صدقه، فإذا علموا صدقه وجب عليهم القبول منه.
# وعلى الوجهين جميعا سقط السؤال.
# ثم يقال لهم: إذا كان القوم بحيث فرضتم من البعد، من أين يعلمون انهم
~~متعبدون بوجوب قبول قول الرسل والرجوع إلى ما يقولونه في أحكام الشريعة؟
# فلابد لهم من أن يحيلوا على جهة أخرى غير مجرد أقوالهم فنقول لهم مثل ذلك
~~في سائر الأحكام، وسقط السؤال.
# واستدلوا أيضا بأن قالوا: لا خلاف في أنه يجب على المستفتي الرجوع إلى
~~المفتي مع تجويزه الغلط عليه، فكذلك أيضا يجب الرجوع إلى خبر الواحد وإن
~~جوز على المخبر الغلط (1).
# وهذا أيضا لا يصح الاستدلال به، لان لأصحابنا في هذه المسألة مذهبين.
# أحدهما: انه لا يجوز للمستفتي القبول من المفتي، بل يلزمه طلب الدليل كما
~~لزم (2) المفتي، فعلى هذا سقط السؤال.
# PageV01P123
# والمذهب الاخر: انه يجوز ذلك.
# والجواب عنه: على هذا المذهب (1): ان هذا قياس، ولا خلاف ان هذه المسألة
~~لا تثبت بالقياس لان طريقها العلم.
# ولم إذا وجب ذلك في المستفتي والمفتي يجب مثل ذلك في خبر الواحد؟
# فان جمعوا بينهما بعلة انه يجوز على كل واحد منهما الخطأ كان ذلك قياسا،
~~وقد اتفقنا على أن طريق وجوب العمل بخبر الواحد العلم دون القياس.
# على أن ذلك انما يمكن أن يستدل به على جواز ورود العبادة بخبر الواحد دون
~~أن يجعل طريقا إلى وجوب ذلك.
# وهذه الجملة كافية في ابطال هذه الشبهة.
# وقد استدلوا بأشياء يجري مجرى ما ذكرناه مثل حملهم ذلك على الشهادة وغير
~~ذلك (2).
# والجملة التي ذكرناها تنبه على طريقة الكلام على جميع ذلك، فلا فائدة في
~~التطويل.
# PageV01P124
# فأما من راعى أن يكون الراوي أكثر من واحد (1)، واستدلاله على ذلك بخبر
~~أبي بكر في الجدة (2) وخبر عمر في الاستئذان (3)، وحديث ذي اليدين (4) في
~~سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانه لم يقبل منه حتى سأل غيره من
~~الصحابة وحمله ذلك على الشهادة وغير ذلك.
# فما ذكرناه من الكلام على من لم يراع العدد ms069 كلام عليه لأنا اعتبرنا المنع
~~من كل
# PageV01P125
# خبر لا يوجب العلم، فلا وجه لاعتبار هذا العدد.
# وقلنا: ان هذه الأخبار كلها أخبار آحاد لا يصح التعلق بها.
# ومنعنا من أنهم عملوا بها لأجلها ومنعنا أيضا من أن يكونوا كلهم عملوا
~~بها وبينا أيضا انهم أنكروا أيضا العمل باخبار الآحاد في مواضع، فالطريق
~~إلى ابطال ذلك واحد.
# فأما ما اخترته من المذهب فهو:
# ان خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان
~~ذلك مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن واحد من الأئمة عليهم
~~السلام وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله ولم تكن هناك قرينة
~~تدل على صحة ما تضمنه الخبر، لأنه ان كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان
~~الاعتبار بالقرينة، وكان ذلك موجبا للعلم. - ونحن نذكر القرائن فيما بعد -
~~التي جاز العمل بها.
# والذي يدل على ذلك: اجماع الفرقة المحقة، فاني وجدتها مجمعة على العمل
~~بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك
~~ولا يتدافعونه (1) حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه سألوه من أين
~~قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف، أو أصل (2) مشهور، وكان راويه ثقة لا
~~ينكر حديثه سكتوا وسلموا الامر في ذلك وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيتهم من
~~عهد
# PageV01P126
# النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة عليهم السلام ومن زمن
~~الصادق جعفر بن محمد عليه السلام الذي انتشر العلم عنه وكثرت الرواية من
~~جهته، فلولا ان العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ولأنكروه،
~~لان اجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو.
# والذي يكشف عن ذلك أنه لما كان العمل بالقياس محظورا في الشريعة عندهم لم
~~يعملوا به أصلا، وإذا شذ منهم واحد (1) عمل به في بعض المسائل، أو استعمله
~~على وجه المحاجة لخصمه، وان لم يعلم اعتقاده تركوا قوله وأنكروا عليه
~~وتبرأوا من قوله، حتى أنهم يتركون تصانيف من وصفناه ورواياته ms070 لما كان عاملا
~~بالقياس (1) فلو كان العمل بخبر الواحد يجرى ذلك المجرى، لوجب أيضا فيه مثل
~~ذلك وقد علمنا خلافه.
# فان قيل: كيف تدعون الاجماع على الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد،
~~والمعلوم من حالها انها لا ترى العمل بخبر الواحد، كما أن المعلوم من حالها
~~انها لا ترى العمل بالقياس، فان جاز ادعاء أحدهما جاز ادعاء الاخر.
# قيل لهم (2): من حالها الذي لا ينكر ولا يدفع انهم لا يرون العمل بخبر
# PageV01P127
# الواحد الذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد ويختصون بطريقه فأما ما يكون
~~راويه منهم وطريقة أصحابهم، فقد بينا ان المعلوم خلاف ذلك، وبينا الفرق بين
~~ذلك وبين القياس أيضا وانه لو كان معلوما حظر العمل بخبر الواحد، لجرى مجرى
~~العلم بحظر القياس وقد علم خلاف ذلك.
# فان قيل: أليس شيوخكم لا تزال يناظرون خصومهم في أن خبر الواحد لا يعمل
~~به، ويدفعونهم عن صحة (1) ذلك، حتى أن منهم من يقول: (لا يجوز ذلك عقلا)
~~ومنهم من يقول: (لا يجوز ذلك لان السمع لم يرد به) (2) وما رأينا أحدا منهم
~~تكلم في جواز ذلك، ولا صنف فيه كتابا، ولا أملى فيه مسألة، فكيف تدعون أنتم
~~خلاف ذلك؟
# قيل له: من (3) أشرت إليهم من المنكرين لاخبار الآحاد انما كلموا من
~~خالفهم في الاعتقاد ودفعوهم عن وجوب العمل بما يروونه من الاخبار المتضمنة
~~الاحكام التي يروون هم خلافها، وذلك صحيح على ما قدمناه ولم نجدهم اختلفوا
~~فيما بينهم وأنكر بعضهم على بعض العمل بما يروونه، الا مسائل دل الدليل
~~الموجب للعلم على صحتها، فإذا خالفوهم فيها، أنكروا عليهم لمكان الأدلة
~~الموجبة للعلم، والأخبار المتواترة بخلافه.
# فأما من أحال ذلك عقلا (4)، فقد دللنا فيما مضى على بطلان (5) قوله وبينا
~~ان ذلك جائز فمن أنكره كان محجوجا بذلك.
# على أن الذين أشير إليهم في السؤال أقوالهم متميزة من بين أقوال الطائفة
# PageV01P128
# المحقة، وعلمنا انهم لم يكونوا أئمة معصومين وكل قول علم قائله وعرف نسبه
~~(1) وتميز من أقاويل سائر الفرقة المحقة، لم يعتد بذلك القول ms071 لان قول
~~الطائفة انما كان حجة من حيث كان فيها معصوم فإذا كان القول صادرا من غير
~~معصوم علم أن قول المعصوم داخل في باقي الأقوال، ووجب المسير إليه على ما
~~نبينه في باب الاجماع.
# فان قيل: إذا كان العقل يجوز العمل بخبر الواحد، والشرع قد ورد به، ما
~~الذي حملكم على الفرق بين ما ترويه الطائفة المحقة وبين ما يرويه أصحاب
~~الحديث من العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهلا عملتم بالجميع،
~~أو منعتم من الكل؟
# قيل: العمل بخبر الواحد إذا كان دليلا شرعيا فينبغي أن نستعمله بحيث
~~قررته الشريعة، والشرع يرى العمل بما يرويه طائفة مخصوصة فليس لنا أن نتعدى
~~إلى غيرها، كما أنه ليس لنا ان نتعدى من رواية العدل إلى رواية الفاسق.
# وان كان العقل مجوزا لذلك أجمع على أن من شرط العمل بخبر الواحد، أن يكون
~~راويه عدلا بلا خلاف وكل من أسند إليه ممن خالف الحق لم تثبت عدالته، بل
~~ثبت فسقه، فلأجل ذلك لم يجيز العمل بخبره.
# فان قيل: هذا القول يؤدى إلى أن يكون الحق في جهتين مختلفتين إذا عملوا
~~بخبرين مختلفين، والمعلوم من حال أئمتكم وشيوخكم خلاف ذلك (2).
# قيل له: المعلوم من ذلك أنه لا يكون الحق في جهتهم وجهة من خالفهم في
~~الاعتقاد، فاما أن يكون المعلوم انه لا يكون الحق في جهتين إذا كان ذلك
~~صادرا من خبرين مختلفين، فقد بينا ان المعلوم خلافه، والذي يكشف عن ذلك
~~أيضا ان من منع من العمل بخبر الواحد يقول: ان هاهنا أخبارا كثيرة لا ترجيح
~~لبعضها على بعض، والانسان فيها مخير، فلو أن اثنين اختار كل واحد منهما
~~العمل بواحد من الخبرين
# PageV01P129
# أليس كانا يكونان مختلفين وقولهما حق على مذهب هذا القائل؟ فكيف يدعى ان
~~المعلوم خلاف ذلك؟
# ويبين ذلك أيضا: انه قد روى عن الصادق عليه السلام انه سئل عن اختلاف
~~أصحابه في المواقيت وغير ذلك؟ فقال عليه السلام: (انا خالفت بينهم) (1)
~~فترك الانكار لاختلافهم، ثم أضاف الاختلاف ms072 إلى أنه أمرهم به، فلولا ان ذلك
~~كان جائزا لما جاز ذلك عنه (2).
# فان قيل: اعتباركم الطريقة التي ذكرتموها في وجوب العمل بخبر الواحد يوجب
~~عليكم قبولها فيما طريقه العلم، لان الذين أشرتم إليهم إذا قالوا قولا
~~طريقه العلم من التوحيد والعدل والنبوة والإمامة وغير ذلك فسألوا عن
~~الدلالة على صحته أحالوا على هذه الأخبار بعينها فان كان هذا القدر حجة
~~فينبغي أن يكون حجة في وجوب قبولهما فيما طريقه العلم، وقد أقررتم بخلاف
~~ذلك.
# قيل له (3): لا نسلم ان جميع الطائفة تحيل على أخبار الآحاد فيما طريقه
~~العلم مما عددتموه، وكيف نسلم ذلك وقد علمنا بالأدلة الواضحة العقلية ان
~~طريق هذه الأمور العقل، أو ما يوجب العلم من أدلة الشرع فيما يمكن ذلك
~~فيه؟!
# وعلمنا أيضا: ان الامام المعصوم لابد أن يكون قائلا به فنحن لا نجوز أن
~~يكون المعصوم داخلا في قول العاملين في هذه المسائل بالاخبار، وإذا لم يكن
~~قوله داخلا في جملة أقوالهم، فلا اعتبار بها، وكانت أقوالهم في ذلك مطرحة.
# وليس كذلك القول في أخبار الآحاد، لأنه لم يدل دليل على أن قول الإمام
# PageV01P130
# داخل في جملة أقوال المنكرين لها، بل بينا ان قوله عليه السلام داخل في
~~جملة أقوال العاملين بها، وعلى هذا سقط السؤال.
# على أن الذي ذكروه مجرد الدعوى من الذي أشير إليه ممن يرجع إلى الاخبار
~~في هذه المسائل، فلا يمكن اسناد ذلك إلى قوم علماء متميزين، وان قال ذلك
~~بعض غفلة أصحاب الحديث، فذلك لا يلتفت إليه على ما بيناه.
# فان قيل: كيف تعملون بهذه الاخبار، ونحن نعلم أن رواتها أكثرهم كما رووها
~~رووا أيضا أخبار الجبر (1) والتشبيه (2)، وغير ذلك من الغلو (3) والتناسخ
~~(4) وغير ذلك من المناكير، فكيف يجوز الاعتماد على ما يرويه أمثال هؤلاء؟
# قيل لهم: ليس كل الثقات نقل حديث الجبر والتشبيه وغير ذلك مما ذكر في
~~السؤال، ولو صح انه نقله لم يدل على أنه كان معتقدا لما تضمنه الخبر ولا
~~يمتنع أن يكون انما رواه ليعلم ms073 انه لم يشذ عنه شئ من الروايات، لا لأنه
~~يعتقد ذلك.
# ونحن لم نعتمد على مجرد نقلهم، بل اعتمادنا على العمل الصادر من جهتهم،
~~وارتفاع النزاع (5) بينهم، فأما مجرد الرواية فلا حجة فيه على حال.
# فان قيل: كيف تعولون على هذه الأخبار وأكثر رواتها المجبرة (6)، والمقلدة
# PageV01P131
# والغلاة (1) والواقفة (2)، والفطحية (3) وغير هؤلاء من فرق الشيعة
~~المخالفة (4) اعتقادهم للاعتقاد الصحيح.
# ومن شرط خبر الواحد أن يكون راويه عدلا عند من أوجب العمل به، وهذا مفقود
~~في هؤلاء.
# وان عولتم على عملهم دون روايتهم، فقد وجدناهم عملوا بما طريقه هؤلاء
~~الذين ذكرناهم و (5) ذلك لا يدل على جواز العمل بأخبار الكفار والفساق.
# قيل لهم: إنا لا نقول ان جميع أخبار الآحاد يجوز العمل بها، بل لها شرائط
~~نحن نذكرها فيما بعد ونشير ها هنا إلى جملة من القول فيه:
# فأما ما ترويه العلماء المعتقدون للحق، فلا طعن على ذلك بهذا السؤال.
# وأما ما يرويه قوم من المقلدة فالصحيح الذي اعتقده ان المقلد للحق وان
~~كان مخطئا في الأصل معفو عنه، ولا أحكم فيه بحكم الفساق. فلا يلزم على هذا
~~ترك ما نقلوه.
# على أن من أشاروا إليه لا نسلم انهم كلهم مقلدة، بل لا يمتنع أن يكونوا
~~عالمين بالدليل على سبيل الجملة، كما تقوله جماعة أهل العدل في كثير من أهل
~~الأسواق
# PageV01P132
# والعامة، وليس من حيث يتعذر عليهم ايراد الحجج في ذلك، ينبغي أن يكونوا
~~غير عالمين، لان ايراد الحجج والمناظرة صناعة، وليس يقف حصول المعرفة على
~~حصولها كما قلناه في أصحاب الجمل.
# وليس لاحد أن يقول: أن هؤلاء ليسوا من أصحاب الجمل لأنهم إذا سئلوا عن
~~التوحيد أو العدل أو صفات الله تعالى أو صحة النبوة، قالوا كذا روينا
~~ويروون في ذلك كله الاخبار.
# وليس هذا طريقة أصحاب الجمل (1) * وذلك لأنه لا يمتنع أن يكون هؤلاء
~~أصحاب الجمل وقد حصلت لهم المعرفة (2) بالله تعالى، غير أنهم لما تعذر
~~عليهم ايراد الحجج في ذلك، أحالوا على ما كان سهلا عليهم، وليس يلزمهم (3)
~~* أن ms074 يعلموا ان ذلك لا يصح أن يكون دليلا الا بعد أن يتقدم المعرفة بالله
~~تعالى وانما الواجب عليهم أن يكونوا عالمين، وهو عالمون على الجملة كما
~~قررناه (4)، فما يتفرع عليه الخطأ (5) * فيه لا يوجب التكفير ولا التضليل.
# وأما الفرق الذين أشاروا إليهم من الواقفة، والفطحية وغير ذلك، فعن ذلك
~~جوابان (6) *.
# PageV01P133
# أحدهما: ان ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقات في النقل - وان
~~كانوا مخطئين في الاعتقاد (من القول بالوقف) (1) - إذا علم من اعتقادهم
~~تمسكهم بالدين، وتحرجهم من الكذب ووضع الأحاديث، وهذه كانت طريقة جماعة
~~عاصروا الأئمة عليهم السلام، نحو عبد الله بن بكير (2) وسماعة بن مهران (3)
~~ونحو بني فضال (4) من المتأخرين عنهم وبني سماعة (5) ومن شاكلهم.
# فإذا علمنا أن هؤلاء الذين أشرنا إليهم وان كانوا مخطئين في الاعتقاد من
~~القول بالوقف وغير ذلك، كانوا ثقات في النقل فما يكون طريقة هؤلاء جاز
~~العمل به.
# والجواب الثاني: ان جميع ما يرويه هؤلاء إذا اختصوا بروايته لا يعمل به
~~وانما يعمل به إذا انضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة
~~والاعتقاد الصحيح، فحينئذ يجوز العمل به. فأما إذا انفرد، فلا يجوز ذلك فيه
~~على حال.
# PageV01P134
# وعلى هذا سقط الاعتراض.
# فأما ما رواه الغلاة، ومن هو مطعون عليه في روايته، ومتهم في وضع
~~الأحاديث، فلا يجوز العمل بروايته إذا انفرد. وإذا انضاف إلى روايته رواية
~~بعض الثقات جاز ذلك، ويكون ذلك لأجل رواية الثقة دون روايته.
# وأما المجبرة والمشبهة فأقل (1) ما في ذلك انا لا نعلم أنهم مجبرة ولا
~~مشبهة، وأكثر ما معنا انهم كانوا يروون ما يتضمن الجبر والتشبيه، وليس
~~روايتهم لها دليلا على أنهم كانوا معتقدين لصحتها، بل بينا الوجه في
~~روايتهم (2) لها، وانه غير الاعتقاد لمتضمنها، ولو كانوا معتقدين للجبر
~~والتشبيه كان الكلام على ما يروونه كالكلام على ما ترويه الفرق المتقدم
~~ذكرها وقد بينا ما عندنا في ذلك.
# وهذه جملة كافية في ابطال هذا السؤال.
# فان قيل: ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم ms075 يعملوا بهذه الاخبار
~~لمجردها (3)؟ بل انما عملوا بها لقرائن اقترنت بها دلتهم على صحتها [و]
~~لأجلها عملوا بها ولو تجردت لما عملوا بها وإذا جاز ذلك لم يكن الاعتماد
~~على عملهم بها.
# قيل له: القرائن التي تقترن بالخبر وتدل على صحته أشياء مخصوصة - نذكرها
~~فيما بعد - من الكتاب والسنة، والاجماع، والتواتر. ونحن نعلم أنه ليس في
~~جميع المسائل التي استعملوا فيها أخبار الآحاد ذلك لأنها أكثر من أن تحصى
~~موجودة في كتبهم وتصانيفهم وفتاواهم، لأنه ليس في جميعها يمكن الاستدلال
~~بالقرآن، لعدم ذكر ذلك في صريحه وفحواه، أو دليله ومعناه، ولا في السنة
~~المتواترة لعدم ذلك في أكثر
# PageV01P135
# الاحكام (1) * بل لوجودها في مسائل معدودة، ولا في الاجماع لوجود
~~الاختلاف في ذلك فعلم أن ادعاء القرائن في جميع هذه المسائل دعوى محالة.
# ومن ادعى القرائن في جميع ما ذكرناه وكان السبر (2) بيننا وبينه بل كان
~~معولا على ما يعلم ضرورة خلافه، مدافعا لما يعلم من نفسه ضده ونقيضه.
# ومن قال عند ذلك: اني متى عدمت شيئا من القرائن حكمت بما كان يقتضيه
~~العقل (3) *. يلزمه أن يترك أكثر الاخبار وأكثر الاحكام ولا يحكم فيها بشئ
~~ورد الشرع به.
# وهذا حد يرغب أهل العلم عنه، ومن صار إليه لا يحسن مكالمته، لأنه يكون
~~معولا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه.
# ومما يدل أيضا على جواز العمل بهذه الاخبار التي أشرنا إليها ما ظهر بين
~~الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها فاني وجدتها مختلفة المذاهب
~~في الاحكام، يفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من
~~الطهارة إلى أبواب الديات من العبادات، والاحكام، والمعاملات، والفرائض،
~~وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية (4) * في الصوم.
# واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا؟
# ومثل اختلافهم في باب الطهارة وفي مقدار (5) * الماء الذي لا ينجسه شئ.
# PageV01P136
# ونحو اختلافهم في حد الكر.
# ونحو اختلافهم في استئناف (1) * الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين.
# واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس.
# واختلافهم ms076 في عدد فصول الأذان والإقامة (2) * وغير ذلك في سائر أبواب
~~الفقه حتى أن بابا منه لا يسلم الا (وقد) (3) وجدت العلماء من الطائفة
~~مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوى!
# وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الأحاديث المختلفة التي تختص الفقه
~~في كتابي المعروف ب (الاستبصار) (4) وفي كتاب (تهذيب الأحكام) (5) ما يزيد
# PageV01P137
# على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها وذلك
~~أشهر من أن يخفى حتى انك لو تأملت اختلافهم في هذه الأحكام وجدته يزيد على
~~اختلاف (1) * أبي حنيفة (2)، والشافعي، ومالك (3) ووجدتهم مع هذا الاختلاف
~~العظيم لم يقطع أحد منهم موالاة صاحبه، ولم ينته إلى تضليله وتفسيقه
~~والبراءة من مخالفته، فلولا ان العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما جاز ذلك،
~~وكان يكون من عمل بخبر عنده انه صحيح يكون مخالفه مخطئا مرتكبا للقبيح
~~يستحق التفسيق بذلك وفي تركهم ذلك والعدول عنه دليل على جواز العمل بما
~~عملوا به من الاخبار.
# PageV01P138
# فان تجاسر متجاسر إلى أن يقول: كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع،
~~ومن خالفه مخطئ فاسق!
# يلزمه أن يفسق الطائفة بأجمعها! ويضلل الشيوخ المتقدمين كلهم! فإنه لا
~~يمكن أن يدعى على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع، ومن بلغ إلى هذا الحد
~~لا يحسن مكالمته، ويجب التغافل عنه بالسكوت.
# وان امتنع من تفسيقهم وتضليلهم، فلا يمكنه الا أن العمل بما عملوا به كان
~~حسنا جائزا خاصه وعلى أصولنا (1) * ان كل خطأ وقبيح كبير (2) فيمكن أن
~~يقال: ان خطأهم كان صغيرا فانحبط (3) على ما تذهب إليه المعتزلة (4) فلأجل
~~ذلك لم يقطعوا الموالاة وتركوا التفسيق فيه والتضليل.
# فان قال قائل (5) *: أكثر ما في هذا الاعتبار أن يدل على أنهم غير
~~مؤاخذين بالعمل بهذه الاخبار، وانه قد عفى عنهم، وذلك لا يدل على صوابهم،
~~لأنه لا يمتنع
# PageV01P139
# أن يكون من خالف الدليل منهم أخطأ وأثم واستحق العقاب، الا انه عفى له عن
~~خطئه وأسقط عنه ما استحقه من العقاب.
# قيل له: الجواب عن ذلك ms077 من وجهين:
# أحدهما: ان غرضنا (1) * بما اخترناه من المذهب هو هذا، وان من عمل بهذه
~~الاخبار لا يكون فاسقا مستحقا للعقاب، فإذا سلم لنا ذلك ثبت لنا ما هو
~~الغرض المقصود.
# والثاني: (2) * ان ذلك لا يجوز: لأنه لو كان قد عفى لهم عن العمل بذلك مع
~~أنه قبيح يستحق به العقاب وأسقط عقابهم، لكانوا مغيرين بالقبيح وذلك لا
~~يجوز لأنهم إذا علموا انهم إذا عملوا بهذه الاخبار لا يستحقون العقاب لم
~~يصرفهم عن العمل بها صارف فلو كان فيها ما هو قبيح العمل به لما جاز ذلك
~~على حال.
# فان قيل: لو كانت هذه الطريقة دالة على جواز العمل بما اختلف من الاخبار
~~المتعلقة بالشرع من حيث لم ينكر بعضهم على بعض ولم يفسق بعضهم بعضا ينبغي
~~أن تكون دالة على صوابهم فيما طريقه العلم فإنهم قد اختلفوا في الجبر،
~~والتشبيه، والتجسيم، والصورة (3) وغير ذلك، واختلفوا في أعيان الأئمة ولم
~~نرهم قطعوا الموالاة، ولا أنكروا على من خالفهم، وذلك يبطل ما اعتمدتموه.
# قيل: جميع ما عددتموه من الاختلاف الواقع بين الطائفة، فان النكير واقع
~~فيه من الطائفة والتفسيق حاصل فيه، وربما تجاوزا ذلك أيضا إلى التكفير،
~~وذلك أشهر من أن يخفى، حتى أن كثيرا منهم جعل ذلك طعنا على رواية من خالفه
~~في المذاهب التي ذكرت في السؤال وصنفوا في ذلك الكتب وصدر عن الأئمة عليهم
~~السلام
# PageV01P140
# أيضا النكير عليهم، نحو إنكارهم على من يقول بالتجسيم والتشبيه، والصورة،
~~والغلو (1) وغير ذلك وكذلك من خالف في أعيان الأئمة عليهم السلام لأنهم
~~جعلوا ما يختص الفطحية، والواقفة، والناووسية (2) وغيرهم من الفرق المختلفة
~~بروايته لا يقبلونه ولا يلتفتون إليه فلو كان اختلافهم في العمل باخبار
~~الآحاد يجرى مجرى اختلافهم في المذاهب التي أشرنا إليها لوجب أن يجروا فيها
~~ذلك المجرى، ومن نظر في الكتب وسبر أحوال الطائفة وأقاويلها وجد الامر
~~بخلاف ذلك.
# وهذه أيضا طريقة معتمدة في هذا الباب.
# ومما يدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه، انا وجدنا الطائفة ميزت الرجال
~~الناقلة ms078 لهذه الأخبار، ووثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء وفرقوا بين من
~~يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم،
~~وذموا المذموم وقالوا فلان متهم في حديثه، وفلان كذاب، وفلان مخلط، وفلان
~~مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فطحي وغير ذلك من الطعون
~~التي ذكروها وصنفوا في ذلك الكتب، واستثنوا (3) * الرجال من جملة ما رووه
~~من التصانيف في فهارستهم، حتى أن واحدا منهم إذا أنكر حديثا نظر في اسناده
~~وضعفه بروايته (4).
# PageV01P141
# هذه عادتهم على قديم الوقت وحديثه لا تنخرم فلولا ان العمل بما يسلم من
~~الطعن ويرويه من هو موثوق به جائز، لما كان بينه وبين غيره فرق، وكان يكون
~~خبره مطروحا (1) مثل خبر غيره، فلا يكون فائدة لشروعهم فيما شرعوا فيه من
~~التضعيف والتوثيق وترجيح الاخبار بعضها على بعض، وفي ثبوت ذلك دليل على صحة
~~ما اخترنا.
# PageV01P142
# فصل NoteV01P143N05 (في ذكر القرائن التي تدل على صحة أخبار الآحاد (1) *
~~أو على بطلانها، وما يرجح به الاخبار بعضها على بعض، وحكم المراسيل)
~~القرائن التي تدل على صحة متضمن الاخبار التي لا توجب العلم أربع (2)
~~أشياء.
# منها: أن تكون موافقة لأدلة العقل وما اقتضاه، لان الأشياء في العقل إذا
~~كانت اما على الحظر أو الإباحة - على مذهب قوم - أو الوقف على ما نذهب
~~إليه.
# فمتى ورد الخبر متضمنا للحظر (3) * أو الإباحة، ولا يكون هناك ما يدل على
~~العمل بخلافه، وجب أن يكون ذلك دليلا على صحة متضمنه عند من اختار ذلك.
# وأما على مذهبنا الذي نختاره في الوقف، فمتى ورد الخبر موافقا لذلك،
# PageV01P143
# وتضمن وجوب التوقف كان دليلا (1) أيضا على صحة متضمنه، الا أن يدل دليل
~~على العمل بأحدهما فيترك (2) * له الخبر والأصل (3).
# ومتى كان الخبر متناولا للحظر ولم يكن هناك دليل يدل على الإباحة، فينبغي
~~أيضا المصير إليه، ولا يجوز العمل بخلافه، الا أن يدل دليل يوجب العمل
~~بخلافه، لان هذا (4) * حكم مستفاد بالعقل، ولا ينبغي أن يقطع (5) على حظر
~~ما تضمنه ذلك الخبر، لأنه خبر واحد لا ms079 يوجب العلم فنقطع به، ولا هو موجب
~~(6) * العمل فنعمل به.
# وان كان الخبر متضمنا للإباحة ولا يكون هناك خبر آخر أو دليل شرعي يدل
~~على خلافه، وجب الانتقال إليه والعمل به وترك ما اقتضاه الأصل (7) * لان
~~هذا فائدة العمل باخبار الآحاد، ولا ينبغي أن يقطع على ما تضمنه لما قدمنا
~~من (8) وروده موردا لا يوجب العلم.
# ومنها: أن يكون الخبر مطابقا لنص الكتاب (9) * اما خصوصه أو عمومه، أو
~~دليله، أو فحواه فان جميع ذلك دليل على صحة متضمنه الا أن يدل دليل يوجب
~~العلم (10) * يقترن بذلك الخبر يدل على جواز تخصيص العموم به، أو ترك دليل
~~الخطاب فيجب حينئذ المصير إليه.
# PageV01P144
# وانما قلنا ذلك لما نبينه فيما بعد من المنع من جواز تخصيص العموم بأخبار
~~الآحاد إن شاء الله تعالى.
# ومنها: أن يكون الخبر موافقا للسنة المقطوع بها من جهة التواتر، فان ما
~~يتضمنه الخبر الواحد إذا وافقه مقطوع على صحته أيضا وجواز (1) * العمل به
~~وان لم يكن ذلك دليلا على صحة نفس الخبر لجواز (2) أن يكون الخبر كذبا وان
~~وافق السنة المقطوع بها.
# ومنها: أن يكون موافقا لما أجمعت الفرقة المحقة عليه، فإنه متى كان كذلك
~~دل أيضا على صحة متضمنه.
# ولا يمكننا أيضا أن نجعل اجماعهم دليلا على صحة نفس الخبر، لأنهم يجوز أن
~~يكونوا أجمعوا على ذلك عن دليل غير هذا الخبر، أو خبر غير هذا الخبر ولم
~~ينقلوه استغناءا باجماعهم على العمل به، ولا يدل ذلك على صحة نفس هذا
~~الخبر.
# فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الآحاد، ولا يدل على صحتها
~~أنفسها لما بينا من جواز أن تكون الاخبار مصنوعة وان وافقت هذه الأدلة فمتى
~~تجرد الخبر عن واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضا ثم ينظر فيه فان كان
~~ما تضمنه هذا الخبر هناك ما يدل على خلاف متضمنه من كتاب أو سنة أو اجماع
~~وجب اطراحه والعمل بما دل الدليل عليه وان كان ما تضمنه ليس هناك ما يدل
~~على ms080 العمل بخلافه ولا يعرف فتوى الطائفة فيه نظر فان كان هناك خبر آخر
~~يعارضه مما يجرى مجراه وجب ترجيح أحدهما على الاخر، وسنبين من بعد ما يرجح
~~به الاخبار بعضها على بعض.
# وان لم يكن هناك خبر آخر مخالفه (3) وجب العمل به لان ذلك اجماع منهم
# PageV01P145
# على نقله.
# وإذا (1) أجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه، فينبغي أن
~~يكون العمل به مقطوعا عليه.
# وكذلك ان وجد هناك فتاوى مختلفة من الطائفة، وليس القول المخالف له
~~مستندا إلى خبر آخر، ولا إلى دليل يوجب العلم (2) وجب اطراح القول الاخر
~~والعمل بالقول الموافق لهذا الخبر، لان ذلك القول لا بد أن يكون عليه دليل.
# فإذا لم يكن هناك دليل يدل على صحته، ولسنا نقول بالاجتهاد (3) والقياس
~~يسند ذلك القول إليه، ولا هناك خبر آخر يضاف إليه، وجب أن يكون ذلك القول
~~مطروحا، ووجب العمل بهذا الخبر، والاخذ بالقول الذي يوافقه.
# وأما القرائن التي تدل على العمل بخلاف ما يتضمنه الخبر الواحد، فهو أن
~~يكون هناك دليل مقطوع به من كتاب، أو سنة مقطوع بها، أو اجماع من الفرقة
~~المحقة على العمل بخلاف ما تضمنه، فان جميع ذلك يوجب ترك العمل به.
# وانما قلنا ذلك لان هذه الأدلة توجب العلم، والخبر والواحد لا يوجب العلم
~~وانما يقتضى غالب الظن (4) * والظن لا يقابل العلم.
# وأيضا فقد روى عنهم عليهم السلام انهم قالوا: (إذا جائكم عنا حديثان
~~فاعرضوهما على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فان وافقهما
~~فخذوا به، وما لم يوافقهما فردوه إلينا) (1) فلأجل ذلك رددنا هذا الخبر،
~~ولا يجب على هذا أن نقطع على بطلانه في نفسه لأنه لا يمتنع أن يكون الخبر
~~في نفسه صحيحا وله وجه
# PageV01P146
# من التأويل لا نقف عليه، أو خرج على سبب خفى علينا الحال فيه أو تناول
~~شخصا بعينه، أو خرج مخرج التقية وغير ذلك من الوجوه، فلا يمكننا أن نقطع
~~على كذبه، وانما يجب الامتناع من العمل به حسب ما قدمناه. ms081
# فأما الاخبار إذا تعارضت وتقابلت، فإنه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح،
~~والترجيح يكون بأشياء:
# منها: أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنة المقطوع بها والاخر
~~مخالفا لهما، فإنه يجب العمل بما وافقهما وترك العمل بما خالفهما.
# وكذلك ان وافق أحدهما اجماع الفرقة المحقة، والاخر يخالفه، وجب العمل بما
~~يوافق اجماعهم ويترك (1) العمل بما يخالفه.
# فان لم يكن مع أحد الخبرين شئ من ذلك، وكانت فتيا الطائفة مختلفة، نظر في
~~حال رواتهما، فما كان راويه عدلا وجب العمل به وترك العمل بما لم يروه
~~العدل، وسنبين القول في العدالة المراعاة في هذا الباب.
# فان كان رواتهما جميعا عدلين، نظر في أكثرهما رواة عمل به وترك العمل
~~بقليل الرواة.
# فان كان رواتهما متساويين في العدد والعدالة، عمل بأبعدهما من قول العامة
~~(2) ويترك العمل بما يوافقهم.
# PageV01P147
# وان كان الخبران يوافقان العامة أو يخالفانها جميعا نظر في حالهما:
# فان كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالخبر الاخر على وجه من الوجوه
~~وضرب من التأويل، وإذا عمل بالخبر الاخر لا يمكن العمل بهذا الخبر، وجب
~~العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الاخر، لان الخبرين جميعا
~~منقولان مجمع على نقلهما، وليس هناك قرينة تدل على صحة أحدهما، ولا ما يرجح
~~أحدهما به على الاخر فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن ولا يعمل بالخبر الذي
~~إذا عمل به وجب اطراح العمل بالخبر الاخر.
# وان لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادهما وتنافيهما وأمكن حمل كل واحد
~~منهما على ما يوافق الخبر (الاخر) (1) على وجه كان الانسان مخيرا في العمل
~~بأيهما شاء.
# وأما العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الاخر فهو (2): أن يكون
~~الراوي معتقدا للحق، مستبصرا ثقة في دينه، متحرجا من الكذب غير متهم فيما
# PageV01P148
# يرويه.
# فأما إذا كان مخالفا في الاعتقاد لأصل المذهب وروى مع ذلك عن الأئمة
~~عليهم السلام نظر فيما يرويه.
# فان كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره.
# وان لم يكن هناك ما ms082 يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به.
# وان لم يكن من الفرقة (1) المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه، ولا يعرف لهم
~~قول فيه، وجب أيضا العمل به، لما روى عن الصادق عليه السلام انه قال: (إذا
~~أنزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روى عنا فانظروا إلى ما رووه عن علي
~~عليه السلام فاعملوا به) (2) ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن
~~غياث (3)، وغياث ابن كلوب (4)، ونوح بن دراج (5)، والسكوني (6)، وغيرهم من
~~العامة عن أئمتنا عليهم
# PageV01P149
# السلام فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه.
# وإذا (1) كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحية، والواقفة، والناووسية
~~وغيرهم نظر فيما يرويه:
# فان كان هناك قرنية تعضده أو خبر آخر من جهة الموثوقين بهم، وجب العمل
~~به.
# وان كان هناك خبر آخر يخالفه من طريق الموثوقين، وجب اطراح ما اختصوا
~~بروايته والعمل بما رواه الثقة.
# وان كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه،
~~وجب أيضا العمل به إذا كان متحرجا في روايته موثوقا في أمانته، وان كان
~~مخطئا في أصل الاعتقاد.
# ولأجل (2) ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير
~~وغيره، وأخبار الواقفة مثل سماعة بن مهران، وعلي بن أبي حمزة (3)، وعثمان
~~بن عيسى (4)، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال وبنو سماعة والطاطريون (5)
~~وغيرهم، فيما لم يكن
# PageV01P150
# عندهم فيه خلافه.
# وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون وغير هؤلاء، فما يختص الغلاة
~~بروايته، فان كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو، عمل بما رووه في حال
~~الاستقامة، وترك ما رووه في حال خطاءهم (1)، ولأجل ذلك عملت الطائفة بما
~~رواه أبو الخطاب محمد ابن أبي زينب (2) في حال استقامته وتركوا ما رواه في
~~حال تخليطه وكذلك القول في أحمد بن هلال العبرتائي (3)، وابن أبي عذاقر (4)
~~وغير هؤلاء.
# فأما ما يرويه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كل حال.
# وكذلك القول فيما ترويه المتهمون والمضعفون.
# وان كان هناك ما ms083 يعضد روايتهم ويدل على صحتها وجب العمل به.
# وان لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في اخبارهم، ولأجل
~~(5) ذلك توقف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها ولم يرووها واستثنوها في
~~فهارستهم من جملة ما يروونه من التصنيفات (6).
# PageV01P151
# فأما من كان مخطئا في بعض الأفعال أو فاسقا بأفعال (1) الجوارح وكان ثقة
~~في روايته، متحرزا فيها، فان ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به لان
~~العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وانما الفسق بأفعال الجوارح يمنع
~~من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار
~~جماعة هذه صفتهم.
# فأما ترجيح أحد الخبرين على الاخر من حيث إن أحدهما يقتضى الحظر والاخر
~~الإباحة والاخذ بما يقتضيه (2) الحظر أولى أو الإباحة (3).
# فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه في الوقف، لان الحظر والإباحة
~~عندنا (4) مستفادان بالشرع فلا ترجيح بذلك، وينبغي لنا التوقف فيهما جميعا،
~~أو يكون الانسان فيهما مخيرا في العمل بأيهما شاء.
# وإذا كان أحد الراويين يروى الخبر بلفظه والاخر بمعناه ينظر في حال الذي
~~يرويه بالمعنى، فان كان ضابطا عارفا بذلك فلا ترجيح لأحدهما على الاخر،
~~لأنه قد أبيح له الرواية بالمعنى واللفظ معا فأيهما كان أسهل عليه رواه.
# وان كان الذي يروى الخبر بالمعنى لا يكون ضابطا للمعنى أو يجوز أن يكون
~~غالطا فيه، ينبغي أن يؤخذ بخبر من رواه باللفظ.
# وإذا كان أحد الراويين أعلم وأفقه وأضبط من الاخر، فينبغي أن يقدم خبره
~~على خبر الاخر ويرجح عليه ولأجل ذلك قدمت الطائفة ما يرويه زرارة (5)،
~~ومحمد
# PageV01P152
# بن مسلم (1)، وبريد (2)، وأبو بصير (3) والفضيل بن يسار (4) ونظراؤهم من
~~الحفاظ الضابطين على رواية من ليس له تلك الحال.
# ومتى كان أحد الراويين متيقظا في روايته والاخر ممن يلحقه غفلة ونسيان في
~~بعض الأوقات، فينبغي أن يرجح خبر الضابط المتيقظ على خبر صاحبه، لأنه لا
~~يؤمن أن يكون قدسها أو دخل عليه شبهة أو غلط في روايته - وان كان عدلا لم
~~يتعمد ذلك - وذلك لا ms084 ينافي العدالة على حال.
# وإذا كان أحد الراويين يروى (الخبر) (5) سماعا وقراءة والاخر يرويه
~~إجازة، فينبغي أن يقدم رواية السامع على رواية المستجيز.
# اللهم الا أن يروى المستجيز بإجازته أصلا معروفا، أو مصنفا مشهورا، فيسقط
~~حينئذ الترجيح.
# وإذا كان أحد الراويين يذكر جميع ما يرويه ويقول إنه سمعه وهو ذاكر
~~لسماعه، والاخر يرويه من كتابه، نظر في حال الراوي من كتابه، فان ذكر ان
~~جميع ما في كتابه سماعه فلا ترجيح لرواية غيره على روايته، لأنه ذكر على
~~الجملة انه سمع جميع ما في دفتره وان لم يذكر تفاصيله، وان لم يذكر انه سمع
~~جميع ما في دفتره وان وجده بخطه أو وجد سماعه عليه في حواشيه بغير خطه، فلا
# PageV01P153
# يجوز له أولا أن يرويه ويرجح خبر غيره عليه.
# وإذا كان أحد الراويين معروفا والاخر مجهولا، قدم خبر المعروف على خبر
~~المجهول، لأنه لا يؤمن أن يكون المجهول على صفة لا يجوز معها قبول خبره.
# وإذا كان أحد الراويين مصرحا والاخر مدلسا، فليس ذلك مما يرجح به خبره،
~~لان التدليس هو: (أن يذكره باسم أو صفة غريبة أو ينسبه إلى قبيلة أو صناعة
~~وهو بغير ذلك معروف) فكل ذلك لا يوجب ترك خبره.
# وإذا كان أحد الراويين مسندا والاخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فان كان
~~ممن يعلم أنه لا يرسل الا عن ثقة موثوق به فلا ترجح لخبر غيره على خبره،
~~ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير (1) وصفوان بن يحيى
~~(2)، وأحمد بن محمد ابن أبي نصر (3) وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا
~~يروون ولا يرسلون الا عمن (4) يوثق به وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا
~~بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.
# فاما إذا انفرد وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به.
# PageV01P154
# فاما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه ودليلنا
~~على ذلك: الأدلة التي قدمناها على جواز العمل بأخبار الآحاد، فان الطائفة
~~كما عملت بالمسانيد ms085 عملت بالمراسيل، فما يطعن في واحد منهما يطعن في الاخر،
~~وما أجاز أحدهما أجاز الاخر، فلا فرق بينهما على حال.
# وإذا كان إحدى الروايتين أزيد من الرواية الأخرى، كان العمل بالرواية
~~الزائدة أولى، لان تلك الزيادة في حكم خبر آخر ينضاف إلى المزيد عليه.
# فإذا كان مع إحدى الروايتين عمل الطائفة بأجمعها فذلك خارج عن الترجيح بل
~~هو دليل قاطع على صحته وابطال الاخر.
# فان كان مع أحد الخبرين عمل أكثر الطائفة، ينبغي أن يرجح على الخبر الاخر
~~الذي عمل به قليل منهم.
# وإذا كان أحد المرسلين متناولا للحظر والاخر متناولا للإباحة فعلى مذهبنا
~~الذي اخترناه في الوقف يقتضى التوقف فيهما، لان الحكمين جميعا مستفادان
~~شرعا وليس أحدهما بالعمل أولى من الاخر.
# وان قلنا: انه إذا لم يكن هناك ما يترجح به أحدهما على الاخر كنا مخيرين
~~كان ذلك أيضا جائزا كما قلناه في الخبرين المسندين سواء.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P155
# الباب الثالث الكلام في الأوامر PageV01P157
# فصل NoteV01P159N01 (في ذكر حقيقة الامر وما به بصيرا أمرا) الامر عبارة
~~عن قول القائل لمن هو دونه (1): افعل (2).
# والفعل لا يسمى أمرا (3) الا على وجه المجاز والاستعارة وهذا مذهب أكثر
~~المتكلمين والفقهاء (4).
# PageV01P159
# وقال قوم (1): هو مشترك بين القول وبين الفعل.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: ان أهل اللغة قسموا اقسام الكلام فسموا
~~من جملتها قول القائل لمن هو دونه: (افعل) أمرا فينبغي أن يكون ذلك عبارة
~~عنه ولو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في سائر ما سموه من
~~اقسام الكلام مثل النهى والتخصيص والتمني والسؤال والخبر وغير ذلك فإذا كان
~~جميع ذلك صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله.
# وأيضا: فإنهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها أمرا ودعاء ومسألة باعتبار
~~الرتبة بان قالوا: إذا كان القائل فوق المقول له سمى أمرا وان كان دونه سمى
~~سؤالا وطلبا ودعاء فلو جاز المخالفة في تسميته أمرا جاز المخالفة في تسميته
~~سؤالا وطلبا وذلك لا يقوله ms086 أحد.
# وليس لاحد ان يقول: ان تسميتهم لذلك بأنه امر لا خلاف فيه بل هو مسلم
~~وانما الخلاف في أن غيره هل يسمى بذلك أم لا؟
# لان من قال: ان (2) هذه الصيغة مشتركة بين القول والفعل يسلم صحة ذلك
~~ويقول إنها تستعمل في الفعل (3) أيضا لأنا ندل على فساد هذه الدعوى فيما
~~بعد انشاء الله تعالى.
# والذي يدل على ما قلناه من أن هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل
# PageV01P160
# اطرادها في القول ووقوفها في الفعل لأنه ليس كل فعل يسمى أمرا (١) الا
~~ترى انه لا يسمى الأكل والشرب والقيام والقعود بأنه امر وانما يقال لجملة
~~أحوال الانسان انه امر فيقال (امره مستقيم) وأمره مضطرب وأما (٢) تفاصيل
~~الافعال فلا توصف بذلك.
# وليس كذلك القول لان كل قول يحصل لمن هو دونه بهذه الصيغة يسمى أمرا
~~فعلمنا بذلك انه حقيقة فيما قلناه ومجاز فيما ذكروه.
# وأيضا: فان هذه اللفظة لها اشتقاق لأنها يشتق منها اسم الفاعل فيقال امر
~~واسم المأمور وفعل الماضي والمستقبل وكل ذلك لا يتأتى في الفعل فعلم بذلك
~~انها مجاز في الفعل وحقيقة في القول.
# فاما من تعلق بالاستعمال في كون هذه الصيغة مشتركة (٣) وقال: وجدت هذه
~~اللفظة قد استعملت في الفعل كما استعملت في القول فينبغي أن تكون حقيقة
~~فيهما وقد قال الله تعالى: ﴿وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر﴾ (٤) وقال: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (5) وغير ذلك
~~من المواضع.
# فان الجواب عنه أن يقال: ان ذلك مجاز وليس لنفس الاستعمال دلالة (6) *
~~على الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل كالحقيقة (7) * ونحن نبين ذلك فيما
~~بعد،
# PageV01P161
# وإذا لم يكن ذلك دالا على الحقيقة بطل التعلق به.
# وقد أبطلنا أن يكون ذلك على وجه الحقيقة بما ذكرناه من الأدلة.
# واما قوله تعالى (١) *: ﴿وأمرنا الا
~~واحدة كلمح بالبصر﴾ (٢) وقوله: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (3) فقد قيل فيه وجهان:
# أحدهما: انه لا نسلم ms087 ان ذلك عبارة عن الفعل بل لا يمتنع أن يكون أراد
~~بذلك امره الذي هو قوله: (وما امر فرعون) الذي هو قوله.
# ولا يطعن على هذا الوجه مساواة أفعاله في هذا الوصف وفي كونها (كلمح
~~بالبصر) في سرعة تأتيها منه.
# لان ذلك يعلم بدليل اخر بخبر اخر وكك يعلم بشئ اخر ان أفعال فرعون مثل
~~أقواله في كونها غير رشيده فلا يمكن التعلق بذلك.
# والوجه الاخر: ان ذلك مجاز لما دللنا عليه من قبل (4).
# واما من تعلق في ذلك بان أهل اللغة جمعوا (الامر) الذي هو من قبيل
~~الأقوال (أوامر) وجمعوا الامر الذي هو من قبيل الافعال (أمورا) فينبغي أن
~~يكون ذلك دلالة على كونها مشتركة فيهما.
# فقوله يبطل لأنه يقال له: الصحيح ان (الامر) لا يجمع (أوامر) فعلا وانما
~~يجمع (أمور) مثل (فلس) و (فلوس) و (زرع) و (زروع) وغير ذلك فاما (أوامر)
~~فخارج عن القياس فان سمع ذلك فإنه يكون على أنه جمع الجمع فكأنه جمع أولا
~~أمورا ثم جمع أمور أوامر وعلى هذا لا يدل على مخالفتهم بين ذلك لاختلاف
~~المعنيين.
# وإذا ثبت ما قلناه لا يمكن التعلق بقوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن
# PageV01P162
# امره) (١) في وجوب اتباع أفعاله عليه السلام لان ذلك غير داخل فيه على
~~وجه الحقيقة.
# وكونها مرادة على وجه المجاز يحتاج إلى دليل غير الظاهر فبطل التعلق به
~~على كل حال.
# واعلم أن هذه الصيغة التي هي قول القائل (افعل) وضعها أهل اللغة لاستدعاء
~~الفعل (٢) وخالفوا بين معانيها باعتبار الرتبة:
# فسموها إذا كان القائل فوق القول له أمرا وإذا كان دونه سؤالا وطلبا
~~ودعاء.
# ومتى استعملوها في غير استدعاء الفعل في التهديد نحو قوله: ﴿واستفزز من استطعت﴾ (٣) وقوله:
~~﴿اعملوا ما شئتم﴾ (٤) وفي الإباحة
~~نحو قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾
~~(٥) ونحو قوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة
~~فانتشروا في الأرض﴾ (6) وفي
# PageV01P163
# التحدي نحو قوله: ﴿فأتوا بعشر سور
~~مفتريات﴾ (١) وفي تكوين الشئ نحو قوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ (2) وما أشبه ذلك من الوجوه
~~كانت مجازا خارجة عن باب ما وضعت له وهذا مذهب كثير من الفقهاء والمتكلمين
~~(3).
# وقال جماعة من الفريقين (4): ان هذه الصيغة مشتركة بين جميع ذلك حقيقة
~~فيه وانما يختص ببعضها بالقصد فإذا أراد المأمور به كان أمرا وسؤالا بحسب
~~الرتبة وان كره الفعل كان ذلك نهيا وتهديدا.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه (5) * ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة
~~الامر وصيغة النهى وصيغة الخبر فقالوا:
# صيغة الامر قول القائل لمن هو دونه: افعل.
# وصيغة النهى قول القائل لمن هو دونه: لا تفعل.
# والخبر مركب من مبتدأ وخبر ومن فعل وفاعل نحو قولهم: (زيد في الدار) ونحو
~~(قام زيد).
# PageV01P164
# ولو كان الامر على ما قالوه لما كان لفرقهم بين هذه الصيغ معنى وقد علمنا
~~أنهم فرقوا.
# انما (١) قلنا ذلك لأنه إذا كان الاعتبار بإرادة المأمور على قولهم فلو
~~صادف (٢) ذلك قول القائل (لا تفعل) لكان أمرا (٣) * وكك لو صادف كراهة ذلك
~~لقوله (افعل) لكان نهيا وهذا يؤدى إلى أنه لا فرق بين هذه الصيغ والمعلوم
~~من حال أهل اللغة خلاف ذلك.
# ولا يلزمنا مثل ذلك بان يقال: أليس قد استعمل صيغة الخبر في الامر نحو
~~قوله تعالى: ﴿من دخله كان امنا﴾
~~(٤) ونحو قوله تعالى: ﴿والمطلقات
~~يتربصن بأنفسهن﴾ (5) وما أشبه ذلك.
# وكذلك استعمل صيغة الامر في النهى وغيره من الأقسام نحو الإباحة والتحدي
~~والتكوين وغير ذلك.
# لأنا نقول انما استعملوا ذلك على وجه المجاز دون الحقيقة.
# فان قيل: ظاهر استعمالهم يدل على أنه حقيقة (6) * في الموضعين.
# قيل له: لا نسلم ان نفس الاستعمال يدل على الحقيقة لان المجاز أيضا
~~مستعمل وانما يعلم كون اللفظ حقيقة بان ينصوا لنا على انها حقيقة أو نجد
~~اللفظة تطرد في كل موضعين أو غير ذلك من الأقسام التي ms089 قدمنا ذكرها فيما مضى
~~للفرق بين الحقيقة والمجاز وليس مجرد الاستعمال من ذلك.
# PageV01P165
# وليس لهم أن يقولوا ان المجاز طار والحقيقة هي الأصل بدلالة انه يجوز أن
~~تكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك ان
~~أصل الاستعمال الحقيقة وذلك أن الذي ذكروه غير مسلم لأنه لا يمتنع أن يكون
~~الواضعون للغة وضعوا اللفظة ونصوا على أنه إذا استعملت في شئ بعينه كانت
~~حقيقة ومتى استعملوها في غيره كانت مجازا.
# وان لم يقع استعمال اللفظة (1) في واحد من المعنيين ثم يطرء على الوضع
~~الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة وربما استعملوها أولا في
~~المجاز.
# وانما كان يتم ذلك (2) * ان لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة
~~الحقيقة فيجعل ما ابتدئ باستعماله حقيقة قد بينا انا لا نقول ذلك.
# فان قيل: أليس القائل إذا قيل لغيره (أريد منك أن تفعل كذا) ناب ذلك مناب
~~قوله: (افعل) فينبغي أن يكون معناهما واحدا (3) *.
# قيل له: نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء الفعل لفظة أخرى لأنا ادعينا انه
~~لا لفظة يستدعى بها الفعل الا قول القائل (افعل) بل الذي ادعيناه ان هذه
~~اللفظة يستدعى بها الفعل وان شاركها غيرها في فائدة هذه اللفظة الا أنه متى
~~قال: (أريد ان تفعل كذا) لا يسمى أمرا بل يكون مخبرا والخبر غير الامر.
# وليس لهم أن يقولوا: ان السؤال أيضا لا يسمى أمرا وهو لاستدعاء الفعل (4)
~~على ما قررتموه.
# لأنا قد بينا ان معناهما (5) * واحد وانما فرقوا بينهما في التسمية لشئ
~~يرجع
# PageV01P166
# إلى اعتبار الرتبة (1) * وليس يمكن مثل ذلك في صيغة الخبر لأنهم فرقوا
~~بينها وبين صيغة الامر في أصل الوضع دون اعتبار امر اخر.
# فان قيل: أليس القائل إذا قال لغيره: (أريد ان تفعل كذا) وكان دون المقول
~~له يسمى سائلا فينبغي إذا قال ذلك وهو فوقه أن يسمى أمرا.
# قيل له: هذا اثبات بالقياس وذلك لا يجوز لأنه ليس إذا كان للسؤال لفظتان
~~يطلق على مستعملهما لفظ السائل ms090 ينبغي أن يكون حكم الامر مثل ذلك ولو جاز
~~ذلك لأدى إلى بطلان ما بيناه من اعتبار أهل اللغة الفرق بين هذه الصيغ ولو
~~لزم ذلك للزم أن يسمى الإشارة أمرا لان المشير قد يشير بما يفهم منه
~~استدعاء الفعل ويسمى سائلا ولا يقول أحد انه امر على حال.
# فان قيل: فلو لم يحتج في كونه أمرا إلى إرادة المأمور به جاز ان يكون
~~كارها له وقد علمنا استحالة ذلك.
# قيل له: ان أردت بأنه إذا استدعى الفعل لا يجوز أن يكون كارها له بمعنى
~~ان ذلك مستحيل فليس الامر كذلك بل ذلك يمكن.
# وان أردت ان ذلك لا يحسن فهو مسلم لأنه متى استدعى الفعل وكان كارها له
~~كان مناقضا لغرضه.
# وان فرضنا ان الامر حكيم يدل على حسن المأمور به فلو كرهه لكان مقبحا (2)
~~* وذلك لا يجوز على الحكيم فلأجل ذلك لا يجوز ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان
~~جميع ذلك جائز غير مستحيل.
# واما حملهم ذلك على النهى بان قالوا: لما كان من شرط النهى أن يكون كارها
~~للمنهي عنه وجب في الامر أن يكون مريدا للمأمور به.
# فالجواب عنه: ان الكلام في النهي كالكلام في الامر في أن ذلك ليس
# PageV01P167
# بمستحيل ولا يخل بكونه نهيا (1) وانما يقبح لان من نهى عن فعل وكان حكيما
~~دل نهيه على قبح المنهي عنه فلأجل ذلك وجب أن يكون كارها له ولم يحسن منه
~~ان يريده لان إرادة القبيح قبيحة ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ذلك جائز.
# فان قيل: فبأي شئ (2) * يدخل في أن يكون مستعملا لما وضعه أهل اللغة
~~حقيقة دون المجاز.
# قلنا: بأن يقصد إلى استعماله فيما وضعوه ويطلق (3) القول فإنه إذا كان
~~حكيما فانا نعلم أنه امر لأنه لو أراد غير ما وضع له على وجه التجوز لبينه
~~فمتى لم يفرق به البيان دل على أنه أراد ما وضع له حقيقة.
# ومتى لم نعرف ان القائل حكيم لا يفهم (4) مراده الا بقرينة أو يضطر إلى
~~قصده ms091 (5) * لأنه يجوز أن يكون أراد غير ما وضع له وان لم يبين ذلك في الحال
~~لان القبيح غير مأمون منه.
# فاما الكلام في القصد وهل هو من قبيل الاعتقادات أو هو جنس مفرد؟ فليس
~~هذا موضع ذكره وبيان الصحيح منه.
# ولا يمكن أن يدعى ان الامر أمر بجنسه (6) لأنا نجد من جنسه ما ليس بأمر
~~ما
# PageV01P168
# هو في مثل صورته (١) *.
# فان ادعى ان ذلك غير ما هو موضوع (٢) * للامر كان ذلك فاسدا من وجهين:
# أحدهما: انهما يشتبهان على الحاسة ولا يفصل السامع بينهما من جهة الادراك
~~الا ترى ان السامع لا يفصل بين قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٣) وبين قوله:
# ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (4) من حيث الادراك
~~وان كان أحدهما أمرا والاخر تهديدا.
# والوجه الثاني: ان ذلك يبطل التوسع والمجاز لان معنى المجاز أن تستعمل
~~اللفظة الموضوعة لشئ في غير ما وضعت له فمتى قيل إن هذه اللفظة ليست تلك
~~بطل هذا الاعتبار.
# ولا يمكن أيضا ان يقال: انه يكون أمرا لأنه خطاب ولا انه علم الامر ما
~~امر به ولا انه بصورته لان جميع ذلك يثبت فيما ليس بأمر فبطل اعتبار جميع
~~ذلك.
# PageV01P169
# فصل NoteV01P170N02 (في ذكر مقتضى الامر هل هو الوجوب أو الندب أو الوقف
~~والخلاف (1) فيه).
# نسب أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وقوم من الفقهاء إلى أن الامر لا
~~يقتضي الايجاب وانما يقتضى ان الآمر أراد المأمور به ثم ينظر فيه فان كان
~~حكيما علم أن المأمور به حسن وليس بقبيح.
# PageV01P170
# وان كان قديما علم أن له صفة زائدة على الحسن وهي صفة الندب لان المباح
~~لا يجوز أن يريده الله تعالى.
# وان كان الامر غير حكيم لا يعلم بأمره حسن الفعل أصلا لأنه يجوز أن يريد
~~القبيح والحسن جميعا (1).
# وذهب قوم من المتكلمين وجل الفقهاء إلى أن الامر يقتضى الايجاب (2).
# PageV01P171
# وذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف (1) في ذلك (2) وقالوا: لا نعلم بظاهر
~~اللفظ أحد الامرين ويحتاج في العلم بأحدهما ms092 إلى دليل وهو الذي اختاره سيدنا
~~المرتضى (3) رحمه الله (4) غير أنه وان قال ذلك بمقتضى اللغة فإنه يقول:
# (انه استقر في الشرع أوامر الله تعالى وأوامر الرسول صلى الله عليه وآله
~~وسلم وأوامر الأئمة عليهم السلام على الوجوب) (5).
# والذي يقوى في نفسي ان الامر يقتضى الايجاب لغة وشرعا ويحتاج أن ينظر في
~~حكم الامر فان كان حكيما علم أن له صفة الوجوب وان لم يكن حكيما لم يعلم
~~بأمره صفة الفعل لأنه يجوز أن يوجب ما هو قبيح وما هو واجب وما ليس بواجب
~~ولا قبيح فظاهر امره لا يدل على أحدهما.
# والذي يدل على ذلك: انى وجدت العقلاء بأسرهم يوجهون الذم إلى العبد إذا
~~خالف امر سيده ويوبخونه على ذلك فلولا انهم علموا ان الامر يقتضى الايجاب
~~لما جاز منهم ذمه على حال لأنه ان كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم
~~وان كان مشتركا احتاج إلى بيان المراد فلا يستحق الذم إذا تركه وخالفه وفي
~~علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه.
# وليس لاحد ان يعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الامر عقل منها
# PageV01P172
# الايجاب ولأجل (1) ذلك ذموه لان ذلك يفسد من وجهين:
# أحدهما: (ان العقلاء) (2) إذا ذموه علقوا الذم بمخالفة الامر دون غيره
~~حتى إذا استفسروا عن ذلك عتبوا عليه وقالوا: لأنه خالف امر مولاه.
# والثاني: انه لو كان الامر على ذلك لوجب أن لا يذمه الا من عرف تلك
~~القرينة وفي علمنا بذمهم له - وان لم يعلموا أمرا اخر أكثر من مخالفته
~~للامر - دليل على تعليق الذم بذلك حسب ما قلناه.
# فاما قول من قال: انه يقتضى إرادة المأمور به فحسب (3) فقد بينا في الفصل
~~الأول ان الامر لا يدل على إرادة المأمور به من حيث كان أمرا وانه إذا دل
~~فإنما دل لأمر اخر غير مطلق الامر فسقط الاعتراض بذلك.
# ولا يمكن ان يدعى الاشتراك (3) من حيث وجدت أوامر كثيرة مستعملة في الندب
~~لان ذلك انما يكون كذلك على ضرب من المجاز وقد بينا ms093 ان الاستعمال ليس
~~بدلالة على الحقيقة لأنه حاصل في الحقيقة والمجاز.
# فان قيل: ما أنكرتم على من قال: انهم عقلوا هناك قرينة لأجلها ذموا العبد
~~إذا خالف سيده؟ وذلك أنه إذا امره بمنافع نفسه فان فوتها يضربه فلابد أن
~~يكون موجبا عليه وإذا امره بمنافع يعود إلى العبد ولا يستضر هو بفوتها لم
~~يدل على ذلك ولا يذمونه متى خالف.
# قيل له: هذا يسقط بالوجهين الذين قدمناهما:
# أحدهما: انهم علقوا (4) الذم بمخالفة الاخر دون غيره وكان ينبغي على ما
~~اقتضى هذا السؤال أن يعلقوا الذم بدخول الغرم على السيد أو فوت المنفعة وقد
~~علمنا خلاف ذلك.
# PageV01P173
# والاخر: انه يذمه من لا يعلم أن السيد يستضر بمخالفته وانه ينتفع
~~بامتثاله فلو كان الامر على ما قيل لما جاز ان يذمه الا من عرف ذلك وقد
~~علمنا خلاف ذلك.
# على انا لا نم ذلك لان السيد قد لا يستبصر بمخالفة عبده ويستحق العبد مع
~~ذلك الذم إذا خالفه الا ترى إلى من قال لغلامه: (اسقني الماء) فلم يسقه
~~وكان هناك غلامه آخر فسقاه فان العقلاء يذمون العبد المخالف وان كان السيد
~~لم يدخل عليه ضرر لأنه قد بلغ غرضه ومراده فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك
~~على حال.
# وكذلك يذمونه وان خالف منافع يرجع إلى العبد الا ترى انه لو قال له:
~~(اغسل ثيابك وادخل الحمام وكل الخبز) وما أشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن
~~يؤدبه على ذلك ويذمه فلولا ان ذلك كان يجب عليه والا لم يحسن ذلك.
# وليس لهم ان يقولوا: انه إذا خالفه فيما عددتموه عاد ذلك بالضرر عليه
~~فلأجل ذلك حسن ذمه.
# وذلك: انه ان كان الامر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع تخصه وبين
~~منافع يرجع إلى السيد لأنهم راموا بذلك ان يفصلوا بين ان يستحق الذم
~~بمخالفة امر سيده لمنافع تعود إليه وبين منافع ترجع إلى العبد وعلى هذا
~~الفرض لا فصل بينهما لان في كلا الحالين (١) يعود إلى الضرر بالمخالفة على ms094
~~السيد فبطل الفصل. ومن سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم.
# ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا لإبليس: ﴿ما منعك الا تسجد إذ أمرتك﴾ (2)
~~فقرعه (3) على مخالفته الامر فلولا ان امره كان يقتضى الايجاب والا لم
~~يستحق التوبيخ.
# وليس لهم ان يقولوا: انه انما ذمه لأنه كان قد دله على أن ما امره به
~~واجب
# PageV01P174
# بقرينة اقترنت إلى الخطاب لان الذي ذكروه مخالف للظاهر لان الله تعالى
~~انما علق ذمه بمخالفة الامر دون القرينة فمن ادعى قرينة احتاج إلى دلالة.
# وليس لهم أن يقولوا: ان قوله: ﴿ما منعك الا تسجد﴾ (١) ليس بتوبيخ وانما هو تقرير
~~على الذي حمله على مخالفه الامر وذلك أن هذا خلاف الاجماع لأنه لا خلاف بين
~~الأمة في أن هذا القول ذم لإبليس فمن قال ليس كذلك سقط قوله.
# ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن امره﴾ (2) فحذرنا من
~~مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فلولا انها كانت مقتضية
~~للايجاب والا لم يجب الحذر من مخالفته.
# فان قالوا: المخالفة ليس هو ان لا يفعل ما اقتضاه الامر بل المخالفة هو
~~رد القول وان يقال: ليس كذلك لان الذي ذكروه ضرب من المخالفة وقد يكون
~~المخالفة ترك المأمور به الا ترى ان القائل إذا قال لغيره (قم أو اقعد)
~~فمضى وقام يقال انه خالفه فكل واحد من الامرين مخالفة ونحن نحمل الآية
~~عليهما جميعا.
# وليس لهم ان يقولوا: ان قوله: (فليحذر) قرينة تدل على أن امره على الوجوب
~~دون أن يكون ذلك بمقتضى اللغة لأنه متى لم يكن الامر مقتضيا للايجاب لم
~~يحسن التحذير (3) * من مخالفته الا ترى انه لا يحسن ان يحذرنا من مخالفه ما
~~ندبنا إليه لما لم يكن لها (4) صفة الوجوب ويحسن ذلك فيما يوجبه علينا فعلم
# PageV01P175
# بذلك ان التحذير انما يحسن إذا كان الامر مقتضيا للايجاب.
# ويدل أيضا على ms095 صحة ما ذهبنا إليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم قال لبريرة (1) *: (ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك حق).
# فقالت يا رسول الله: أتأمرني بذلك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا
~~وانما انا شافع) (2) فعدل عن الامر إلى الشفاعة فلولا انه كان يقتضي
~~الايجاب والا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة لان شفاعة النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم مرغب في اجابتها فعلم بذلك ان امره كان يقتضي الإيجاب، فلأجل ذلك
~~لم يأمرها لأنه أراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الايجاب.
# ويمكن أن يعتمد في أن الامر يقتضى الايجاب على أن يقال: ان الاحتياط
~~يقتضى ذلك لأنه متى امتثل المأمور به فان كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل
~~حال وان كان مشتركا فقد امن الذم والعقاب من مخالفته لو كان واجبا وان كان
~~واجبا فقد امتثل المأمور به فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها.
# الا ان هذا وان أمكن فإنما يمكن أن يقال: يحجب عليه ان يفعل المأمور به
~~ولا يعتقد فيه ان له صفة الوجوب لأنه ان اعتقد ذلك وهو لا يامن أن لا يكون
~~كذلك يكون اعتقاده جهلا وانما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به
~~واقتصر على نفس الفعل فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا.
# PageV01P176
# ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع المسلمين بأجمعهم من عهد رسول الله
~~(1) إلى زماننا (2) هذا في وجوب الافعال واحتجاجهم في ذلك إلى أوامر الله
~~تعالى وأوامر رسوله الله (3) فلولا انهما يقتضيان الايجاب والا لم يجز ذلك.
# وكان للمحتج عليه ان يقول: وأي شئ في ذلك مما يقتضى الايجاب؟ في الامر لا
~~يقتضى الايجاب.
# وفي علمنا باجماعهم على ذلك دليل على صحة ما قلناه.
# وليس لاحد ان يقول: انهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك. لان هذا دعوى
~~محضة ومن ادعى القرينة فعليه ان يوردها ولم نر المحتجين بأوامر الله تعالى
~~وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ذكروها على ms096 حال فهذه أيضا طريقة
~~معتمدة.
# ومن الفقهاء والمتكلمين (4) من استدل على أن الامر يقتضى الايجاب بان
~~قالوا: ان الايجاب حكم معقول فلابد من أن يكون أهل اللغة وضعوا له عبارة
~~لان الحاجة إليه ماسة وليس نجد عبارة تستعمل في ذلك الا هذه اللفظة فينبغي
~~أن تكون مفيدة للايجاب.
# واعترض على هذا الدليل من خالفهم بان قالوا: هذه محض الاقتراح ولم يجب
~~على أهل اللغة ان يضعوا لذلك عبارة الا انهم قد وضعوا لكل امر معقول عبارة
~~فان ادعيتم ذلك كان الوجوب (5) بخلافه لأنا نعلم أن اختلاف الآراء يبيح
~~أمورا
# PageV01P177
# معقولة ولم يضعوا لكل واحد منها عبارة تخصه كما فعلوا ذلك في الألوان وكك
~~لم يضعوا لاختلاف الأكوان (١) اسما كما وضعوا لاختلاف ألوان وأمور كثيره
~~معقولة لم يضعوا لها عبارة فما المنكر من أن يكون حكم الايجاب ذلك الحكم؟
# ولو سلم ذلك لقد وضعوا لذلك وهو قولهم: (أوجبت عليك) و (الزمتك إياه) أو
~~(فرضت عليك) أو متى لم تفعله استحقت الذم والعقاب وهذه عبارات تفيد ما
~~اقترحتموه (٢).
# على أن الندب أيضا معنى معقول والإباحة معنى معقولة ولم يضعوا لها عبارة.
# فان قلتم: قد وضعوا لهما عبارة وهي قولهم (٣): (ندبتك إليه) أو (أبحتك
~~إياه).
# قيل لكم: في الايجاب مثله.
# فان قلتم: قولهم: (أوجبت) و (الزمت) انما هو خبر وليس بأمر.
# قيل لكم: وكذلك قولهم (٤) (ندبت) و (أبحت) خبر محض وليس بأمر فاستوى
~~القولان.
# فاما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (5) على أن أمرهما
~~يقتضيان الايجاب.
# فلا يصح لان الآية تضمنت الامر بالطاعة لهما والكلام في الامر وقع هل
~~مقتضاه الايجاب أم لا؟ فالاستدلال بها لا يصح (6).
# PageV01P178
# واما قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) إلى قوله: ﴿مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (١) فلا
~~يمكن الاعتماد عليه أيضا في أن الامر يقتضى الايجاب لان القضاء في الآية
~~بمعنى الالزام وليس بمعنى الامر والالزام هو الايجاب (٢).
# وكذلك قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن
~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ (٣)
~~لا يمكن الاعتماد عليه لان القضاء بمعنى الالزام على ما بيناه.
# على أن من قال: ان الامر يقتضى الندب لا يقول: ان لهم الخيرة بل يقول: ان
~~الفعل بصفة الندب والأولى فعله والتخيير انما يثبت في المباح المحض وليس
~~ذلك قولا لاحد.
# وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله
~~فقد ضل ضلالا مبينا﴾ (٤) لا يمكن أيضا الاعتماد عليه والذي قلناه هو
~~الاعتراض عليه لان العصيان قد يكون بمخالفة المندوب إليه ولأجل هذا حملنا
~~قوله: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾
~~(5) على أنه خالف ما ندب إليه وقد يتجاوز ذلك إلى أن يقال فيمن خالف
~~المشورة بأنه عصى فيقولون: (أشرت عليك فعصيتني) فلا يمكن الاعتماد عليه.
# والذي قلناه: هو الاعتراض على قول من قال (6): لو لم يقتض الامر الايجاب
~~لما سمي من خالفه عاصيا لأنا قد بينا أن العصيان قد يطلق على مخالفة
~~المندوب إليه.
# PageV01P179
# فاما وصف الله تعالى إبليس بالعصيان فإنه علم أنه فعل قبيحا بتركه السجود
~~المأمور به وقد دللنا على أن الامر يقتضى الايجاب فلم يخرج من بابه.
# ومن قال بالندب قال علم ذلك بدليل غير الامر فلا يمكن الاستدلال به.
# فاما من اعتمد على أن الامر بالشئ نهى عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك
~~اقتضى الايجاب فلا يمكن الاعتماد عليه لان عندنا ليس الامر بالشئ نهيا عن
~~ضده وسنبين ذلك فيما بعد (1) فلا يمكن الاعتماد على ذلك.
# ولا يمكن أيضا ان يعتمد على أن يقال (2): إن الامر يدل على أن الامر مريد
~~للمأمور به وإذا كان كذلك فلابد أن يكون كارها لضده (2) لان ذلك يفسد من
~~وجهين:
# أحدهما: انا قد بينا (3) ان الامر لا يقتضى إرادة المأمور به أصلا فلا
~~يصح ذلك ثم لو اقتضى ذلك لم يجب ان يكون كارها لضده.
# والوجه الثاني: ان ذلك يقتضى أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة ms098 وقد
~~علمنا أنها ليست مكروهة الضد (4).
# ولا يمكن أيضا ان يقال: ان نفس الإرادة للشئ كراهية لضده (5) لان ذلك
~~يفسد من وجهين أيضا:
# PageV01P180
# أحدهما: ان الشئ الواحد لا يجوز أن يكون بصفتين ضدين فكيف يمكن أن يدعى
~~ان لإرادة بصفة الكراهة.
# والثاني: ان ذلك ينتقض بالنوافل لأنها مرادة وليس مكروهة الضد.
# ولا يمكن أيضا ان نعتمد بأن يقال: ان الامر يقتضى المأمور به وليس على
~~جواز تركه دليل.
# لان للقائل ان يقول: انه لعمري يقتضى المأمور به ولكن الكلام في أنه كيف
~~يقتضيه هل هو على جهة الوجوب أو جهة الندب؟
# ولا يمكن أيضا ان يقال: ان الامر أراد المأمور به على جهة الايجاب لان
~~ذلك متى لم يشر به إلى ما قلناه من أن الامر يقتضى الايجاب أو ان يقال: انه
~~إذا أراد المراد فلابد من أن يكون كارها لضده أو إرادة الشئ كراهة لضده لا
~~يعقل فان أريد بذلك الوجه الأول [فذلك صحيح وينبغي أن يقتصر على أن يقال ان
~~الامر يقتضى الايجاب] (1) ولا يتعرض في العبارة.
# وان أريد به ما عدا ذلك فقد أبطلنا صحة ذلك.
# ولا يلزم القائلين بالندب ان يقال لهم: ينبغي على قولكم الا يكون فرق بين
~~الامر بالنوافل والفرائض.
# لأنهم يقولون: ان بمجرد الامر لا فرق بينهما وانما علمنا حكم الفرائض
~~وانه يستحق بتركه العقاب بدليل غير الامر.
# ولا يلزمهم أيضا ان يقال لهم: ينبغي أن يكون الامر لا يدل على أكثر من
~~حسن المأمور به فقط إذا كان صادر من حكيم ويلزم على ذلك أن يكون الله تعالى
~~مريدا للمباحات (2) * لأنها حسنه.
# PageV01P181
# لأنهم يقولون: المباحات (1) * وان كانت حسنة فلا يحس من القديم تعالى ان
~~يريدها في دار التكليف لان ذلك عبث لا فائدة فيه.
# فالاعتماد على ما قلناه وأحكمناه.
# PageV01P182
# فصل NoteV01P183N03 (في حكم الامر الوارد عقيب الحظر) ذهب أكثر الفقهاء
~~ومن صنف أصول الفقه إلى أن الامر إذا ورد عقيب الحظر اقتضى الإباحة (1) *
~~(2).
# وقال قوم (3): ان مقتضى الامر على ما كان عليه ms099 من ايجاب أو ندب أو وقف
~~(4) ولا (5) اعتبار بما تقدم وهذا هو الأقوى عندي.
# والذي يدل على ذلك: ان الاعتبار في هذه الألفاظ بظواهرها وموضوعها في
~~اللغة لأنا متى لم نراع ذلك لم يمكننا الاستدلال بشئ من الكلام وإذا ثبت
~~ذلك وكانت صيغة الامر وصورته بعد الحظر كما كانت قبل الحظر وجب أن يكون
# PageV01P183
# مقتضاها على ما كان الا أن يدل دليل (١) * على خلاف ذلك فتحمل عليه كما
~~إذا دل دليل ابتداء على خلاف مقتضاها في أصل الوضع حمل مما عليه.
# والذي يدل أيضا على ذلك: ان كون الامر واردا عقيب الحظر اللفظي ليس بأكثر
~~من كونه واردا عقيب الحظر العقلي الا ترى ان الصلاة ورمى الجمار وغير ذلك
~~من الشرعيات قبيح بالعقل فعلها ومع ذلك لما ورد الشرع بها وتناولها الامر
~~حمل ذلك على الوجوب أو الندب على الخلاف فيه ولم يكن ما تقدمها من الحظر
~~العقلي موجبا لا باحتها.
# وكذلك حكم الامر إذا ورد عقيب الحظر اللفظي ينبغي أن يكون حكمه حكم ما
~~ورد ابتداء ولا يؤثر في تغيير ذلك ما تقدم من الحظر الا بدليل.
# فاما تعلقهم في ذلك بان قالوا (٢): الحظر لما كان منعا من الفعل ينبغي أن
~~يكون الامر رافعا لذلك وذلك يفيد الإباحة.
# فان الذي يقتضيه هذا الاعتبار انه ينبغي أن يكون الامر مخالفا لحكم الحظر
~~وكذلك نقول وقد يكون مخالفا له بأن يقتضى الوجوب أو الندب أو الإباحة فمن
~~أين ان المراد أحدهما دون الاخر؟ وكل ذلك يزيل حكم الحظر فسقط التعلق بذلك.
# فاما تعلقهم في ذلك بان أوامر القران الواردة عقيب الحظر كلها كذلك نحو
~~قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة
~~فانتشروا﴾ (٣) ونحو قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (4) وما جرى مجرى ذلك (5)
~~فينبغي أن يكون حقيقتها ذلك (6). فليس (7) بصحيح لأنا
# PageV01P184
# نقول: انما علم ذلك بدليل غير الظاهر ولو خلينا والظاهر لحكمنا في هذه
~~الأوامر ما كنا نحكم فيها ابتداء من غير أن يتقدمها حظر ms100 فالتعلق بذلك لا
~~يصح.
# على أنه قد ورد في القران عقيب الحظر الامر وان لم يوجب الإباحة نحو قوله
~~تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى
~~يبلغ الهدى محله﴾ (1) (2) * وحلق الرأس بعد بلوغ الهدي محله ليس بمباح
~~بل هو نسك وذلك يخالف ما أصلوا القول فيه.
# PageV01P185
# فصل NoteV01P186N04 (في أن الامر بالشئ هل هي امر بما لا يتم الا (1) *
~~به أم لا (2) *؟) اعلم أن الامر إذا ورد فلا يخلو من أن يكون متناولا لمن
~~كان على صفة مخصوصة أو يكون مطلقا:
# فان كان متناولا لمن كان على صفة وجب أن يكون مقصورا على من كان عليها
~~ومن ليس عليها لا يلزمه ان يجعل نفسه عليها ليتناوله الامر الا أن يدل دليل
# PageV01P186
# على وجوب تحصيل تلك الصفة له فحينئذ يلزمه لمكان الدليل وذلك نحو قوله
~~تعالى: ﴿ولله على الناس حج
~~البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (١) فأوجب الحج على من كان مستطيعا فمن
~~ليس بمستطيع لا يلزمه تحصيل الاستطاعة ليدخل تحت الامر وكك لما أوجب الزكاة
~~على من ملك مائتي درهم أو عشرين دينارا فمن ليس معه النصاب لا يلزمه تحصيل
~~النصاب ليدخل تحت الامر.
# وان كان الامر مطلقا نظر فيه فان كان لا يصح على وجه ما الا بفعل اخر وجب
~~تحصيل ذلك الشئ ليتم معه المأمور به وذلك نحو الامر بالمسبب وهو لا يحصل
~~الا عن سبب فلابد من أن يكون السبب واجبا عليه الا ترى ان من أوجب على غيره
~~ايلام غيره وذلك لا يحصل الا من ضرب فلابد من أن يلزمه الضرب ليحصل عنده
~~الألم ولهذه الجملة قلنا: ان الكافر إذا كان مخاطبا بالشرائع على ما نبينه
~~يلزمه الاسلام لأنه لا يصح منه ايقاع الفعل على وجه القربة وكونها شرعية
~~وكونه كافر يمنع من ذلك.
# وان كان ذلك المأمور يصح على وجه ما حصوله الا انه قد علم بالشرع انه لا
~~يكون شرعيا الا بفعل اخر جرى مجرى الأول ms101 في وجوب تحصيل ذلك الامر حتى يصح
~~المأمور به وذلك نحو قوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢) وقد علمنا أن الصلاة لا تصح
~~الا بالطهارة وستر العورة وغير ذلك من الشرائط ولا شرعية الا كذلك وجب عليه
~~تحصيل كل ما لا يتم الصلاة الا بها من الطهارة وغيرها.
# وان لم يدل دليل على وجوب فعل اخر غير أنه قيل: (إذا كان امر من الأمور
~~وجب عليك كذا) فإنه لا يجب عليه تحصيل ذلك الامر ليلزم ما أوجب عليه عند
~~حصوله ولذلك قلنا ان قوله تعالى: ﴿واتوا الزكاة﴾ (3) لا يقتضى وجوب تحصيل
# PageV01P187
# النصاب لما لم يدل دليل شرعي على ذلك وفرقنا بينه وبين قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (١) على ما
~~بيناه.
# فاما استدلال أهل العراق (٢) على أن ستر الركبة واجب لان ستر العورة (٣)
~~* لا يتم إلا به (٤) فبعيد لان ذلك ليس بمستحيل بل يمكن ستر العورة وان لم
~~تستر الركبة إذا سلم لهم ان الفخذ عورة وان كان عندنا الامر بخلافه اللهم
~~إلا (٥) * ان يدل دليل اخر على أن ستر العورة لا يتم الا بستر الركبة
~~فحينئذ يجب عليه الامر بستر العورة.
# واما ما قاله الشافعي في قوله: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ (6) في أنه إذا كان بدل كل يوم
~~مدا من طعام فنقص عن المد يجب صوم يوم تام لان صوم بعضه لا يتم الا بصوم
~~جميعه (7) فصحيح لأنا قد علمنا بالشريعة ان بعض اليوم لا يكون صوما فأوجبنا
~~تمام اليوم لذلك وجرى ذلك مجرى الامر بالصلاة وانه لا تكون كذلك الا
~~بالطهارة فأوجبنا الطهارة ولو لم يدل دليل على ذلك لما كنا نوجب عليه إلا
~~ذلك القدر الذي يصيبه.
# PageV01P188
# فاما دخول المرفقين في باب وجوب غسلهما أو غسل اليدين فخارج عن هذا الباب
~~لان اسم اليدين (١) واقع على عضوين المرفقان داخلان فيهما فليس ذلك من باب
~~ما لا يتم الشئ الا به فمن ظن ذلك ms102 فقد أبعد.
# واما ما يحكى عن ابن عباس في قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (2) انه لما كان
~~الاتمام يقتضى الدخول وجب الدخول الذي لا يصح الاتمام (3) الا به.
# فالذي يقوى عندي خلاف ذلك لأنه لا يمتنع ان يكون الامر متناولا لمن كان
~~قد دخل في الحج فحينئذ يلزمه اتمامه واما من لم يدخل فيه فليس يجب عليه
~~الدخول اللهم الا ان يدل دليل على وجوب الدخول غير الامر بالاتمام فحينئذ
~~يجب المصير إليه ولأجل ما قلنا وجب على من دخل في الحج تطوعا اتمامه وان
~~كان الدخول لم يكن واجبا عليه. وحجة الاسلام يجب الدخول فيها واتمامها لما
~~دل الدليل على ذلك.
# وهذه جملة كافية ينبغي ان يجرى هذا الباب على هذا المنهاج انشاء الله
~~تعالى.
# PageV01P189
# فصل NoteV01P190N05 (في أن الامر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم
~~والحر) ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الكافر مخاطب بالشرائع وكذلك
~~العبد (1).
# PageV01P190
# وقال قوم شذاذ ليسوا بمخاطبين بها.
# والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك:
# ان المراعى في كون المكلف مخاطبا بالشريعة ان يرد الخطاب على وجه متناول
~~(١) ظاهره ويكون متمكنا من ذلك فإذا ثبت هذا فمتى ورد الخطاب يحتاج ان ينظر
~~فيه فان كان خطابا للمؤمنين مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين امنوا﴾ (٢) فينبغي ان يكون الخطاب
~~يختصهم ولا يتناول الكافر الا ان يدل دليل على أنهم مخاطبون به مثل
~~المؤمنين فيحكم بذلك لأجل الدليل.
# ومتى كان الخطاب متعلقا باسم يتناول الكافر والمسلم مثل قوله: ﴿يا أيها الناس﴾ (٣) و ﴿لله على الناس﴾ (٤) و ﴿وخذ من أموالهم﴾ (5) وما جرى
~~مجرى ذلك فينبغي ان يحمله على عمومه وشموله في دخول الكافر والمسلم تحته
~~الا ان يدل دليل على خلافه فيحكم به ويخرج من جملة العموم.
# وليس لاحد ان يقول: ان الكافر لا يصح منه فعل الصلاة ms103 ولا فعل الحج مع
~~كفره فلا يجوز ان يكون مرادا بالخطاب (6) وذلك أن الذي يجب ان يكون عليه
~~حتى يصح تناول الخطاب له ان يكون على صفة يصح معها أداء ما تناوله الامر أو
~~يكون متمكنا من تحصيلها ويحسن تكليفه في الحالين على حد واحد وإذا ثبت ذلك
~~فالكافر وان لم يكن بصفة الايمان
# PageV01P191
# فتصح منه العبادة فهو متمكن من فعل الايمان ويجب عليه تحصيله ليصح منه
~~العبادة لان ايجاب الشئ ايجاب ما لا يتم الشئ الا به على ما بيناه في الفصل
~~الأول في السبب والمسبب والطهارة والصلاة (١) وانه لا فرق بين ان يكون
~~متطهرا في أنه يلزمه فعل الصلاة وبين ان يكون متمكنا منها في أنه يلزمه
~~كذلك وكذلك القول في الكافر.
# وليس يجري مجرى من قطع رجل نفسه في سقوط فرض الصلاة عنه قائما لان مع قطع
~~رجلهم يستحيل منه فعل الصلاة قائما فلأجل ذلك سقط عنه وليس كذلك الكافر لان
~~الايمان ممكن فيه ويجرى في هذا الباب مجرى من شد رجل نفسه في أنه يلزمه فعل
~~الصلاة قائما لأنه متمكن من حلها فيتمكن من فعل الصلاة قائما.
# ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (٢) فذم الله
~~تعالى المشركين بمنعهم الزكاة فلولا انهم يخاطبون بها والا ما كانوا
~~يستحقون الذم إذا لم يفعلوها.
# ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن الكفار: ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾ (٣) فلولا انهم مخاطبون
~~بها والا لم يعدوه من جملة ما عوقبوا عليه.
# وليس ان يقولوا: انهم عدوا (٤) من جملة ذلك قوله: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ (5) وان كان ذلك غير واجب
~~عليهم.
# وذلك أنه لا يمتنع ان يكونوا أرادوا بذلك منع الزكاة عن المساكين أو منع
~~ما وجب عليهم من الكفارات من اطعام المساكين على ما تضمنته الآية الأولى
~~فلأجل ذلك عوده في جملة ما عوقبوا عليه.
# PageV01P192
# ويدل ms104 أيضا على ذلك: ما لا خلاف فيه بين المسلمين من وجوب حد الزاني عليهم
~~إذا زنوا ووجوب القطع عليهم إذا سرقوا فلولا انهم مخاطبون بترك الزنا وترك
~~السرقة والا لم يجب عليهم الحد كما لا يجب على المجانين والأطفال لما لم
~~يكن ذلك واجب عليهم.
# وتعلق من خالفنا في ذلك بان قال: الصلاة لا تصح منه فينبغي ان لا يكون
~~مخاطبا بها كما أن المقطوع الرجل لم يصح منه فعل الصلاة قائما لم يكن
~~مخاطبا بها.
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك فأغنى عن الإعادة (1).
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو كان الكافر مخاطبا بالصلاة لوجب عليه قضاؤها
~~إذا أسلم مثل المسلم إذا لم يصل وجب عليه قضاؤها (2).
# وهذا أيضا غير صحيح لان القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل مستأنف وليس ما دل
~~على وجوب الفعل دل على قضائه الا ترى من فاتته الجمعة وصلاة العيدين لا
~~يلزمه قضاؤها وان كان مخاطبا بها في حال الأداء وكك ما دل على وجوب القضاء
~~لا يدل على وجوب المقضى لان الحائض يلزمها قضاء الصوم وان لم يكن ذلك واجبا
~~عليها في حال الحيض.
# فان قالوا: الصوم وان لم يجب عليها في حال الحيض فهو واجب عليها على وجه
~~(3) *.
# قلنا: ذلك ينتقض بالصلاة فإنها يجب عليها على وجه ومع ذلك لا يلزمها
~~أداؤها في حال الطهر.
# PageV01P193
# والكلام في العبد كالكلام في الكافر سواء لا فرق بينهما إذا كان داخلا
~~تحت الاسم.
# وليس لهم ان يقولوا: ان العبد لا يملك تصرفه فكيف يجب عليه فعل ذلك (١).
# لأنا لا نسلم انه لا يملك تصرفه على كل حال لان الأوقات التي هي أوقات
~~مستثناة من جملة ما يملك منه من الأوقات فسقط الاعتراض بذلك.
# واما الصبي الذي ليس بكامل العقل ولا مميز لما يجب عليه وان كان الاسم
~~يتناوله غير مراد لأنا نخصه من ذلك من حيث لا يحسن تكليف من ليس بكامل
~~العقل ومن لا يتمكن من فعل ما كلفه على الوجه الذي كلف.
# فاما ما ms105 يتعلق بالأموال فهم داخلون تحت الاسم الذي يوجب ذلك من الزكوات
~~وقيم المتلفات وأروش الجنايات وغير ذلك لان قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢) يدخل تحته البالغ والطفل
~~فينبغي ان يجب ذلك وعلى هذا يجرى الباب.
# فاما المرأة فان كان الخطاب يختص النساء فلا خلاف انها داخلة تحت الخطاب.
# وان كان الخطاب يتناول اسم الجنس مثل قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (3) فكمثله.
# وان كان الخطاب يختص بالذكور (4) فمن الناس من قال إن النساء لا يدخلن
~~فيه
# PageV01P194
# الا بدليل وهو الظاهر من مذهب الشافعي وعليه كثير من الفقهاء.
# وذهب الباقون إلى أنه يدخل مع الرجال لان الرجال والنساء إذا جمعوا في
~~الخطاب غلب حكم التذكير وهو الظاهر على مذهب أهل اللغة فينبغي ان يعتمد
~~عليه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P195
# فصل NoteV01P196N06 (في أن الامر بالشئ هل هو نهى عن ضده أم لا (1)) ذهب
~~أهل العدل من المتكلمين وكثير من الفقهاء إلى أن الامر بالشئ ليس بنهي عن
~~ضده (1).
# PageV01P196
# ومنهم من قال: انه نهى عن ضده معنى (1).
# والذي اذهب إليه ان الامر بالشئ ليس بنهي عن ضده لفظا واما من جهة المعنى
~~فعلى المذهب الذي اخترناه وهو ان الامر يقتضى الايجاب (1) وإذا كان صادرا
~~من حكيم دل على وجوب ذلك الشئ يقتضى ان تكون تركه قبيحا وسواء كان له ترك
~~واحد أم تروك كثيرة في أنه يجب أن يكون كلها قبيحة إذا كان الامر مضيقا.
# وان كان الامر مخيرا فيه بينه وبين ضد له اخر دل على أن ما عدا ذلك قبيح
~~من تروكه.
# وان لم يكن له الا ترك واحد فيجب القطع على أنه قبيح إذا لم يدل على أنه
~~واجب مثله مخيرا فيهما.
# الا ان مع هذا التفصيل أيضا لا يجوز ان يسمى نهيا عن ضده لان النهى من
~~صفات الأقوال دون المعاني وليس كل ما علم قبحه سمى منهيا عنه الا على ضرب
~~من المجاز.
# والذي ms106 يدل على صحة ما اخترناه ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة
~~النهى فقالوا: صيغة الامر لمن دونه (افعل) والنهى قوله: (لا تفعل) وهما
~~يدركان بحاسة السمع وليس يسمع من قوله: (افعل) (لا تفعل) فلا ينبغي ان يكون
~~نهيا من حيث اللفظ لأنه لو كان كذلك لوجب ان يسمعا معا كما يسمع لو جمع بين
~~اللفظين وقد علمنا خلاف ذلك.
# PageV01P197
# فاما اقتضاء للنهي من حيث (1) المعنى فقد بينا ما عندنا في ذلك وفيه
~~كفاية وذلك ينبئ على أن الامر يقتضى الايجاب وقد ذللنا عليه فيما مضى (2).
# ونبين أيضا صحة ما قلنا: ان الامر بالشئ لو كان نهيا عن ضده لجاز لقائل
~~ان يقول: (ان العلم بالشئ جهل بضده) وذلك جهالة ولا يلزمنا مثل ذلك فيما
~~اخترناه من دلالته على قبح تركه لأنه لا يمتنع ان يدل الشئ على حسن امر
~~وقبح شئ اخر من وجهين وليس ذلك بمتضاد (3) ويستحيل ان يكون العلم جهلا لان
~~الصفتين متضادتان فبان الفرق بينهما (4).
# فاما شبهة من خالف في ذلك فهو ان قال: ان الامر يقتضى إرادة المأمور به
~~وإرادة الشئ كراهة ضده والحكمة تقتضي الا يريد الشئ الا ويكره ضده.
# فان ذلك يسقط بما قلناه من أن الامر لا يدل على إرادة المأمور به ولو دل
~~لم يكن إرادة الشئ كراهة ضده لان إرادة النوافل حاصلة وليست بكراهة لضدها
~~ومتى بنى على أن الامر يقتضى الايجاب وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوبه
~~وان ما عداه قبيح إذا لم يدل على أنه واجب مخير فيه مثله (5) فهو هو
~~المعتمد عليه على ما بيناه.
# PageV01P198
# فصل NoteV01P199N07 (في أن الامر بالشئ يقتضى الفعل مرة أو يقتضى التكرار
~~(1)؟) ذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن الامر بالشئ لا يقتضى بظاهره
~~أكثر من
# PageV01P199
# فعل مرة ويحتاج في زيادته إلى دليل اخر وهو المحكى عن أبي الحسن (1)
~~والظاهر من قول الشافعي (2).
# وقال قوم شذاذ ان الامر بظاهره يقتضى التكرار (1).
# وذهب قوم إلى الوقف في ذلك وقالوا نقطع أن ms107 إرادة المرة الواحدة مرادة وما
~~زاد عليه فمشكوك فيه متوقف فيه (2).
# فالذي اختاره المذهب الأول والذي يدل على ذلك: ان الامر في الشاهد على
~~وتيرة واحدة إذا سبرناه يقتضى الفعل مرة واحدة ولا يفهم من ظاهره الا ذلك
~~الا ترى ان من قال لغلامه (اسقني ماء) لا يعقل منه أكثر من مرة واحدة حتى
~~أنه لو
# PageV01P200
# كرر عليه الماء دفعه ثانية لعدوه سفيها.
# وليس لاحد ان يقول: ان ذلك عقل بشاهد الحال وبقرينة اقترنت إلى الامر دلت
~~على المرة الواحدة.
# وذلك أن ما ذكرناه يعقله من لا يعرف القرينة أصلا ولا تخطر بباله ثم
~~القرينة تحتاج ان تكون معقولة وليس هناك قرينة تدل على ذلك.
# فان قالوا: القرينة انه يعلم استكفائه بشربة واحدة وما زاد عليها لا
~~يحتاج إليه [قلنا] (1): لان هذا لا طريق له إلى العلم به لأنه قد لا يكتفى
~~بشربة واحدة ويحتاج في زيادتها إلى تجديد الامر فلو كان ذلك معقولا بالامر
~~الأول لما احتاج إليه.
# وإذا ثبت ذلك في الأوامر في الشاهد وجب ان يكون حكم أوامر الله تعالى ذلك
~~الحكم.
# ويدل على ذلك أيضا: ان الامر لو اقتضى استغراق الأوقات لا اقتضى استغراق
~~الأحوال والأماكن فلو كان وجب فعله في سائر الأوقات لوجب فعله على سائر
~~الأحوال وفى سائر الأماكن وذلك لا يقوله أحد.
# وانما قلنا ذلك لان الأوقات ظروف الزمان فكما ان الفعل لابد له من ذلك
~~فكذلك لابد له من ظروف المكان والأحوال.
# ويدل على ذلك أيضا: ما لا خلاف فيه بين الفقهاء من أن الرجل إذا امر
~~وكيله بطلاق زوجته لم يكن له ان يطلقها أكثر من واحدة فلو كان الامر يقتضى
~~التكرار لجاز له أكثر من مرة وذلك خلاف الاجماع.
# ويدل على ذلك أيضا: ان الامر بالشئ امر باحداثه فجرى في ذلك مجرى الخبر
~~عن احداثه فكما ان الخبر عن احداثه لا يقتضى أكثر من مرة واحدة فكذلك
~~الامر.
# ويدل على ذلك أيضا: ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله ms108 وسلم انه لما قال
# PageV01P201
# له سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي (1) (2) في الحج:
# ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد؟
# فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا بل لعامنا هذا ولو قلت نعم لوجب) (3)
~~فبين صلى الله عليه وآله وسلم ان ما يقتضى الامر لذلك العام وما زاد على
~~ذلك انما يثبت بقوله نعم لو قاله ولو كان الامر يقتضى التكرار لما احتاج
~~إلى ذلك.
# فان قيل: إذا كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة فلم استفهمه سراقة وهلا
~~قطع بظاهره على أنه لذلك العام ولا يحتاج إلى الاستفهام؟
# قيل له: انما استفهم عن ذلك لأنه جوز ان يكون ذلك للأبد بدليل غير ظاهر
~~الامر كما وجد مثل ذلك أوامر كثيرة مثل الصلاة والزكاة وغيرهما من أفعال
~~الشرع فلأجل ذلك حسن استفهامه عليه السلام.
# وتعلق من خالف في ذلك بأشياء:
# منها: انهم حملوه على النهى وقالوا ان النهى لما اقتضى التكرار فكك يجب
~~في الامر لأنه ضده (3).
# والجواب عن ذلك: انا نقول في النهى مثل ما نقوله في الامر وان الذي
~~يقتضيه ظاهره ان لا يفعل دفعة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل اخر.
~~ومن
# PageV01P202
# الناس من فرق بينهما فقال: في الاستعمال فرق بين الموضعين لان النهى يعقل
~~منه في الشاهد التكرار الا ترى ان من قال لغلامه: (لا تفعل كذا وكذا) يعقل
~~منه الامتناع على كل حال وليس كذلك الامر على ما بيناه.
# وقالوا أيضا: ان النهى لما كان يقتضى الكف والكف عن المنهي عنه لا ضيق
~~فيه ولا حرج فاقتضى لذلك الدوام وليس كذلك الامر لأنه لو اقتضى الدوام للحق
~~في ذلك المشقة والضيق.
# وقالوا أيضا: ان من انتهى عن الفعل في الأزمان كلها يقال فيه انه انتهى
~~عما نهى عنه وإذا امر بالشئ وفعله ثم فعل مرة أخرى لا يقال انه فعل ما امر
~~به.
# والمعتمد هو الأول وبعده الفرق الثاني وهو الرجوع إلى الشاهد.
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: انه إذا أطلق الامر فليس يقتضى الفعل ms109 في وقت
~~بأولى من أن يقتضى في وقت آخر فيجب ان يحمل على الأوقات كلها.
# والجواب عن ذلك: انا نقول: انه يجب عليه ان يفعله في الثاني (1) على ما
~~نذهب إليه في الفور فسقط السؤال.
# ومن قال بالتراخي (2) * يقول: هو مخير في الأوقات كلها.
# ومن قال بالوقف قال: ينتظر بيان وقت الفعل وليس لاستغراق الأوقات فيه ذكر
~~فيدعى فيه العموم.
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو لم يقتض التكرار لما صح النسخ لان معنى النسخ
~~هو إزالة مثل الحكم الثابت بالنص الأول في الثاني بنص اخر على وجه لولاه
~~لكان ثابتا به مع تأخره عنه ولو كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة لما صح
~~ذلك على حال.
# والجواب عن ذلك: ان النسخ انما يصح إذا دل دليل غير الظاهر على أنه أريد
# PageV01P203
# التكرار فاما إذا تجرد عن ذلك فلا يصح فيه النسخ على حال.
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: وجدنا أوامر القران كلها على التكرار فوجب أن
~~يكون ذلك بمقتضى الامر (1).
# والجواب عن ذلك: انا لا نسلم ان أوامر القران كلها على التكرار لان فيها
~~ما يقتضى الفعل مرة واحدة وهو الامر بالحج على ما بيناه فاما ما يقتضى منها
~~التكرار فبدليل غير الظاهر وهو الاجماع فمن أين لهم ان ذلك بمقتضى الامر؟
# فهذه الجملة التي ذكرناها تأتى على جميع ما يتعلق بهذا الباب.
# PageV01P204
# فصل NoteV01P205N08 (في أن الامر المعلق بصفة أو شرط (1) هل يتكرر
~~بتكررهما (2) أم لا؟) ذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يتكرر بتكرر
~~الشرط والصفة وانه
# PageV01P205
# يقتضى الفعل مرة واحدة عند أول الشرط والصفة (1).
# ومنهم من قال: ان ذلك يوجب التكرار (1).
# والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك:
# ان القائل إذا قال لغلامه: (إذا دخلت السوق اشتر الفاكهة) لو يعقل منه
~~شراء الفاكهة كلما دخل السوق وانما يعقل ذلك مرة واحدة حتى أنه لو فعل دفعة
~~أخرى لاستحق التوبيخ والذم.
# ويدل أيضا على ذلك: انه إذا ثبت ان الامر المطلق يقتضى الفعل مرة واحدة
~~فتعليقه بشرط ms110 أو صفة انما يقتضى ايقاع ذلك الفعل عند حصول الشرط أو الصفة
~~وتخصيصه بهما ولو اقتضى ذلك التكرار لاقتضى مطلق الامر وقد دللنا على خلاف
~~ذلك.
# ويدل أيضا على ذلك: ان القائل إذا قال لوكيله: (طلقها إذا دخلت الدار)
~~فلا خلاف ان ذلك لا يقتضى جواز طلاقها كلما دخلت الدار وانما يقتضى جواز
~~ايقاع الطلاق عند دخولها الدار أولا.
# وإذا ثبت ذلك فأوامر الله تعالى ينبغي أن يكون هذا حكمها لان حقيقة الامر
~~(2) لا تتغير.
# وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (1):
# PageV01P206
# منها: ان قالوا ان الحكم المعلق بالصفة أو الشرط يجرى مجرى تعليله بالعلة
~~فكما ان الامر بالمعلق بالعلة يقتضى التكرار عند تكرار العلة وكذلك القول
~~في الشرط والصفة (1).
# والجواب عن ذلك: ان هذا السؤال ساقط عنا لأنا لا نقول (2) * بالقياس
~~والعلل (3) ومن قال بذلك يقول إن العلة دالة على الحكم فلذلك يتكرر الحكم
~~بتكررها لأنها لا يجوز حصول الدليل مع ارتفاع المدلول لان ذلك يكون نقصا
~~لكونها دلالة والصفة والشرط شرط ولا يجب أن يكون مثل الشرط شرطا في كل موضع
~~كما لا يجب أن يكون دخول الدار شرطا في جواز الطلاق كلما دخلت الدار.
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: لو لم يتكرر بتكرر الشرط والصفة لكان إذا لم
~~يفعل مع الشرط الأول وفعل مع الشرط الثاني عد قاضيا (4) * لا مؤديا فلما
~~كان ذلك باطلا علم أنه مراد (5).
# والجواب عن ذلك: ان ذلك قضاء في الحقيقة فان منع من اطلاق هذه العبارة
~~عليه في بعض المواضع فلا اعتبار بذلك لان المعول (6) * على المعاني دون
~~العبارات.
# PageV01P207
# وتعلقوا أيضا بان قالوا: لما كان النهى المعلق بصفة يقتضى تكرره عند تكرر
~~الصفة فكك القول في الامر (١).
# والجواب عن ذلك: ان قولنا في النهي مثل قولنا في الامر في أنه لا يقتضى
~~ذلك بظاهره فسقط الاحتجاج بذلك.
# وتعلقوا أيضا بأن قالوا: وجدنا أوامر القران المتعلقة بالصفات والشروط
~~يقتضى التكرار نحو قوله: ﴿أقم الصلاة
~~لدلوك الشمس إلى غسق ms111 الليل﴾ (٢) ونحو قوله: ﴿وان كنتم جنبا فاطهروا﴾ (٣) و (إذا أقمتم الصلاة
~~فاغسلوا) (٣) وقوله تعالى ﴿الزانية والزاني
~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ (4) وغير ذلك (5).
# والجواب عن ذلك: ان جميع ذلك عقل بغير الظاهر وبدليل دل على ذلك من
~~الاجماع وغيره.
# ومن الناس من فرق بين بعض ذلك وبنى الامر المعلق بالشرط (6) * فقال في
~~قوله تعالى: (وان كنتم جنبا فاطهروا) وقوله (الزانية والزاني) ان ذلك تعليل
~~لا تعليق بصفة (7) فكأنه قال: (ان كنتم جنبا فاطهروا لأنكم جنب) لما علم
~~أنه لا يمكن أداء الصلاة مع الجنابة وكذلك: (فاجلدوا الزاني والزانية
~~لأنهما زنيا) فصار ذلك تعليلا لا شرطا وإذا كان كذلك جاز حمله على التكرار
~~(5).
# ولم يسع ذلك في الامر المعلق بالصفة والشرط على ما بيناه (8).
# PageV01P208
# فصل NoteV01P209N09 (في الامر المعلق بوقت متى لم يفعل المأمور به فيه هل
~~يحتاج إلى دليل في ايقاعه في الثاني أم لا؟ (1)) ذهب أكثر الفقهاء
~~والمتكلمين إلى أن الامر المعلق بوقت إذا لم يفعل المأمور
# PageV01P209
# به فيه احتياج إلى دليل اخر في وجوب فعله في وقت اخر وكذلك قال في الامر
~~المطلق من ذهب إلى أنه متى لم يفعل في الثاني أو ذلك الوقت يجب عليه فعله
~~في الثالث أو الوقت الاخر فكأنهم قالوا: يقتضى الفعل في الثاني فان لم يفعل
~~في الثاني اقتضى (2) في الثالث ثم كذلك في الرابع إلى أن يحصل المأمور به.
# والذي اذهب إليه ما ذكرته أولا والذي يدل على ذلك: هو ان الامر إذا كان
~~معلقا بوقت دل على أن ايقاعه في ذلك الوقت مصلحة فمتى لم يفعل في ذلك الوقت
~~فمن أين يعلم (4) * انه مصلحة في وقت اخر؟ ويحتاج في العلم بذلك إلى دليل
~~اخر وعلى هذا قلنا ان القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل اخر غير الذي دل على
~~وجوب المقضي.
# وليس لاحد ان يقول: ان الامر يدل على وجوب المأمور به وانه مصلحة وليس
~~للأوقات (5) * تأثير في ms112 ذلك فينبغي أن يكون ايقاعه مصلحة أي وقت شاء وذلك
~~أنه لا يمتنع أن يكون للأوقات تأثير (5) * في كون الفعل مصلحة فيه حتى إذا
~~فعل في غيره كان مفسدة.
# والذي يكشف عن ذلك (6) * ان صلاة الجمعة لا خلاف انها مصلحة وواجبة
# PageV01P210
# في وقت بعينه ومن لم يفعلها فإنها تسقط عنه لا يجوز له فعلها في وقت اخر.
# وكذلك من قال: (لله على صوم يوم بعينه) فإنه يلزمه صوم ذلك اليوم ولا
~~يجوز له أن يصوم يوما اخر فعلم بذلك ان للأوقات تأثيرا في كون الفعل مصلحة
~~وسقط السؤال.
# فاما تسميته قضاء فكلام في عبارة فربما أطلق عليه ذلك وربما امتنع منه
~~لضرب من الابهام.
# وليس لهم أن يقولوا: لو اقتضى ايقاع الفعل في ذلك الوقت ولم يقتض ايقاعه
~~في وقت اخر لبطل النسخ.
# وذلك انا قد بينا (1) انه لا يصح النسخ إذا كان الفعل مطلقا أو مقيدا
~~بوقت الا أن يدل دليل اخر على أن ما بعده من الأوقات حكمه حكم ذلك الوقت
~~فبطل بذلك أيضا هذا السؤال.
# PageV01P211
# فصل NoteV01P212N10 (في أن الامر هل يقتضى كون المأمور به مجزيا أم لا
~~(1)؟) ذهب الفقهاء بأجمعهم وكثير من المتكلمين (1) إلى أن الامر بالشئ
~~يقتضى
# PageV01P212
# كونه مجزيا إذا فعل على الوجه الذي تناوله الامر.
# وقال كثير من المتكلمين: انه لا يدل على ذلك ولا يمتنع أن لا يكون مجزيا
~~ويحتاج إلى القضاء (1).
# والصحيح هو الأول.
# والذي يدل على ذلك: ان الامر يدل على وجوب المأمور به وكونه مصلحة إذا
~~فعل على الوجه الذي تناوله الامر فإذا فعل كذلك فلابد من حصول المصلحة (2)
~~* به واستحقاق الثواب عليه لأنه لو لم تكن مصلحة لم يحسن من الحكيم ايجابه
~~ولبطل (3) * كونه مصلحة على ما تناوله الامر.
# وليس لهم ان يقولوا: انه لا يمتنع أن يوقع الفعل على الوجه الذي تناوله
~~الامر وتحصل مصلحة ويستحق الثواب عليه الا انه يحتاج إلى أن يقضيه دفعة
~~أخرى كما أن المفسد للحج يلزمه المضي فيه ومع ذلك يلزمه قضائه وكذلك ms113 الظان
~~لكونه متطهرا في اخر الوقت يلزمه الصلاة ثم إذا علم أنه كان غير متطهر
~~يلزمه قضاؤه (4).
# وذلك الذي ذكروه لا يدل على أنه غير مجز وانما يدل على أن مثله مصلحة في
~~الثاني ونحن لا نمتنع من ذلك وجرى ذلك مجرى ان يؤمر بالفعل في وقتين فإنه
~~متى فعل المأمور فيهما فلا يقول أحد ان ما فعل في الثاني مجز وما فعل في
~~الأول غير مخبر فكذلك (5) ما يفعل بأمر اخر.
# PageV01P213
# فاما تسميته قضاء للأول فكلام في العبارة وقد بينا انه لا اعتبار به (1).
# فاما المضي (2) * في الحج الفاسد ووجوب الصلاة على الظان لكونه متطهرا في
~~اخر الوقت فالذي تناوله الامر في هذين اتمام الحج (3) * وأداء تلك الصلاة
~~(4) * وقد فعلهما وأما ما يجب عليه من قضاء تلك الصلاة إذا تيقن انه كان
~~محدثا وإعادة الحج فإنه علم ذلك بدليل اخر وقد بينا انه لا اعتبار بتسميته
~~قضاء (1) فيتعلق بذلك في هذا الباب.
# فان قيل: انما أردنا لكونه غير مجز انه لا يعلم إذا فعل انه لا يلزمه
~~مثله في المستقبل.
# قيل له: وانما أردنا بكونه مجزيا انه لا يعلم أنه يجب عليه مثله في
~~المستقبل ويسقط حينئذ الخلاف.
# ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: انه ثبت ان النهى يقتضى فساد المنهي عنه
~~على ما سندل عليه (5) فينبغي أن يكون الامر يقتضى كونه مجزيا لأنه ضده.
# PageV01P214
# فصل NoteV01P215N11 (في حكم الامر إذا تكرر بغير واو العطف (1) وبواو
~~العطف ما القول فيه؟) اعلم أن الصحيح ان الامر إذا تكرر بغير واو العطف
~~تكرر المأمور به ووجب كوجوبه وهو مذهب أكثر المتكلمين والفقهاء.
# وقال قوم: انه ينبغي أن يحمل الثاني على الأول وعلى انه تأكيد له.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه: ان كل واحد منهما لو انفرد لاقتضى فعل
~~المأمور به اما وجوبا أو ندبا على الخلاف فيه فينبغي أن يكون ذلك حكمه إذا
~~تكرر.
# PageV01P215
# وليس ذكره بعد ذكر الأول مقتضيا لحمله على التأكيد (1) * الا أن يدل دليل
~~على أنه ms114 تأكيد فيحمل عليه أو يكون الأول معرفا أو إشارة إلى معهود والثاني
~~مثله فيحمل على ذلك نحو ان يقول الله تعالى: (صلوا صلاة صلوا صلاة) فإنه
~~يجب أن تحمل اللفظة الثانية على صلاة غير الصلاة الأولى.
# واما ما يكون معرفا فنحو ما روى عن ابن عباس في قوله (فان مع العسر يسرا
~~* ان مع العسر يسرا) (2) فقال: (لن يغلب عسر واحد يسرين) (3) فحمل العسر
~~على أنه واحد لما كانا معرفين واليسر على أنهما مختلفان لما كانا منكرين.
# وقال قوم (4) في تأويل هذه الآية: ان التعريف في العسر ليس بتعريف العهد
~~وانما هو تعريف الجنس فكأنه قال: مع جنس العسر يسرا وكذا مع جنس العسر يسرا
~~وعلى هذا يكون الثاني غير (5) * الأول.
# والذي يدل أيضا على ما قلناه: ان الخبرين (6) إذا تكررا اقتضيا مخبرين
~~فوجب أن يكون حكم الامرين مثل ذلك لأنهما في المعنى واحد.
# فاما قول القائل لغيره: (اضرب اضرب) فالظاهر من ذلك أن الثاني غير الأول
~~الا أن يدل دليل على أنه أراد تأكيد الأول من شاهد الحال وغير ذلك فيحمل
~~عليه.
# PageV01P216
# وأما إذا عطف أحدها على الاخر نظر فيه:
# فان كان الثاني يقتضى ما يقتضيه الأول من غير زيادة ولا نقصان فالكلام
~~فيه كالكلام في الأول سواء لأنه لا فرق بين أن يفترق ذلك ويقترن ويصير ذلك
~~بمنزلة أمر واحد بفعلين ولذلك قال الفقهاء (١) في قول القائل لامرأته: (أنت
~~طالق وطالق) على أنه أوقع الثنتين الا أن يدل دليل على أنه أراد تأكيد
~~الأول فيحمل عليه.
# وان كان الثاني يقتضى غير ما يقتضيه (٢) * الأول حمل على ظاهره ولا تنافى
~~بينه وبين الأول.
# وان كان الثاني يقتضى بعض ما تناوله الأول فالظاهر من الاستعمال أن يحمل
~~على أنه أريد بالثاني غير البعض الذي تناوله الأول لان من حق المعطوف أن
~~يتناول غير ما يتناوله المعطوف عليه ثم ينظر في ذلك فان كان إذا جعل هذا
~~البعض مرادا بالثاني كان هو بعينه يمتنع أن يكون مرادا بالأول أيضا فالواجب
~~ان ms115 يحمل الأول على ما عداه وان كان لا يمتنع ان يراد بالأول ما يقتضيه أيضا
~~حمل الأول على جميعه والثاني على البعض الذي تناوله ولذلك قلنا ان قوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة
~~الوسطى﴾ (٣) يقتضى ظاهره ان المراد بالصلوات غير الوسطى ليصح عطف ما
~~عطف به عليه.
# اللهم إلا أن يدل دليل على أن الثاني ذكر تأكيدا أو تعظيما وتفخيما فان
~~كان كذلك حمل عليه كما قيل في قوله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾
~~(4) ان المراد بذكر جبريل وميكال تعظيم لهما وتفخيم وكذلك قال أكثر أهل
~~العلم (5) في قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) (6).
# PageV01P217
# وقال قوم: انه لم يقصد بلفظ الملائكة جبريل وميكال ولا بلفظ الفاكهة
~~النخل والرمان فلأجل ذلك حسن عطف ذلك عليه. وذلك موقوف على الدليل.
# فاما إذا كان الثاني أعم من الأول فالقول فيه كالقول إذا كان الأول أعم
~~سواء لا فيما ذكرناه أخيرا من حمله على التعظيم والتفخيم لان ذلك قد يكون
~~نسخا وقد لا يكون كذلك.
# ونحن نبين ذلك في الناسخ والمنسوخ إن شاء الله تعالى.
# PageV01P218
# فصل NoteV01P219N12 (في ذكر الامر بالأشياء على جهة التخيير كيف القول
~~فيه (1)؟) ذهب كثير من المتكلمين إلى أن الكفارات الثلاث كلها واجبة مخير
~~فيها وهو
# PageV01P219
# المحكى عن أبي علي وأبي هاشم واليه ذهب أصحابهما (1).
# وقال أكثر الفقهاء (1): ان الواجب منها واحد لا بعينه وذهب إليه جماعة من
~~المتكلمين (1).
# وحكى أبو عبد الله (2) عن أبي الحسن (3) القولين (1).
# والذي اختاره شيخنا أبو عبد الله (4) ان الواجب واحد لا بعينه على ما
~~يذهب إليه الفقهاء (1).
# وذهب سيدنا المرتضى (رحمه الله) (5) إلى أن ان الثلاث لها صفة الوجوب (6)
~~* على وجه التخيير.
# والذي اذهب إليه: ان الثلاثة لها صفة الوجوب الا أنه يجب على المكلف
~~اختيار أحدها.
# وهذه المسألة إذا كشف عن معناها ربما زال الخلاف فيها واعلم (7) ان
~~المعنى
# PageV01P220
# بقولنا: (ان الثلاثة لها صفة الوجوب) ان الله تعالى قد علم أن ms116 كل واحد
~~منها يقوم مقام صاحبه في كونه مصلحة ولطفا للمكلف فاعلمنا ذلك وخيرنا بين
~~فعلها فالمخالف في ذلك لا يخلو: اما ان يوافق على ذلك ويقول: مع هذا ان
~~الواجب واحد لا بعينه فذلك يكون خلافا في عبارة لا اعتبار به.
# وان قال: ان الذي هو لطف ومصلحة واحد من الثلاثة (1) * والثنتان ليس لهما
~~صفة الوجوب فذلك يكون خلافا في المعنى.
# والذي يدل على فساد هذا القول: انه لو كان الواحد منها لها صفة الوجوب
~~والباقي ليس له ذلك لوجب أن يدل الله تعالى على ذلك ويعينه لأنه لا (2)
~~طريق للمكلف إلى معرفة ماله صفة الوجوب وتمييزه مما ليس له ذلك ومتى لم
~~يفعل ذلك والامر على ما قلناه يكون قد كلفه ما لا دليل عليه وذلك لا يجوز
~~ولذلك قلنا: انه لا يجوز أن يكلف الله تعالى اختيار الرسل والشرائع ولا
~~ينصب على ذلك دليلا (3) لان ذلك قبيح.
# وليس لاحد أن يقول (4): انه يتميز له باختياره لان بعد اختياره قد سقط
~~عنه التكليف وينبغي أن يتميز له في حال ما وجب عليه حتى يصح منه الاقدام
~~عليه وتميزه له من غيره وذلك يكون قبل اختياره.
# PageV01P221
# ولا يلزم (1) * على ذلك تعين البيع عند اختيار العقد لان ذلك في الأصل
~~تابع لاختياره دون كونه مصلحة فكان ما يتبع ذلك مثله.
# ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان الواحد من ذلك له صفة الوجوب والثاني (2)
~~ليس له ذلك (3) لكان ينبغي أن لو فرضنا ان المكلف اختار غيره انه لا يجزيه
~~وفي ذلك خروج عن الاجماع لأنه لا خلاف بين المسلمين انه لو اختار أي
~~الثلاثة كان أجزأه وفي ذلك بطلان هذا المذهب.
# وأيضا: فلو كان الواجب واحدا لا بعينه (3) لما جاز من الحكيم ان يخير
~~المكلف بينه وبين ما ليس له صفة الوجوب كما لا يحسن ان يخيره بين الواجب
~~والمباح.
# وليس علمه بأنه لا يختار الا ما هو الواجب بمحسن لذلك لأنه لو كان محسنا
~~له لحسنه إذا خيره بينه ms117 وبين المباح إذا علم أنه لا يختار الا الواجب وقد
~~اتفقنا على خلاف ذلك.
# فاما من نصر ما قلناه وقال: نعنى ان الله تعالى أراد كل واحد منها وكره
~~ترك كل واحد منها مع ترك الاخر ولم يكره تركه مع فعل الاخر (3).
# فلا يمكننا الاعتماد عليه لأنا قد بينا ان الامر لا يقتضى [إلا] (4)
~~الايجاب لأنه أراد الامر المأمور به وكره تركه وبينا ما عندنا في ذلك (5)
~~مع أن هذا المذهب يكاد لا يتصور ولا يتحقق لأنه لا يخلو ان يكره ترك واحد
~~منها ولا يكره ترك الثاني (2) فان
# PageV01P222
# أرادوا ذلك فذلك قول من قال: (ان الواجب واحد لا بعينه) وان قالوا: انه
~~كره تركه وترك الاخر فقد جمعهما للكراهة فينبغي أن يكونا جميعا واجبين على
~~الجمع وذلك لا يقوله أحد.
# وقولهم: (ولم يكره ترك واحد مع فعل الاخر) يكاد يستحيل لأنه إذا كرهه مع
~~ترك الاخر فقد حصلت الكراهة له وتعلقت به لنفسها فكيف لا تكون حاصلة إذا
~~قدرنا فعل الاخر؟
# وتعلق من خالف في ذلك بان قال: لو فرضنا انه فعل الثلاث لكان الواجب منها
~~واحدا فكذلك قبل الفعل.
# وقالوا أيضا: لو لم يفعل الثلاثة لا يستحق العقاب على واحدة منها فعلم
~~بذلك ان الواجب هو الواحد.
# والجواب عن ذلك: ان هذا يسقط بما حررناه لأنه إذا فعل فالذي كان واجبا
~~عليه واحد وان كان الباقي له صفة الوجوب لأنه كان مخيرا فيها فلأجل ذلك
~~استحق ثواب الواحد على جهة الوجوب والثنتان فعلهما تبرعا ولا يمتنع أن يكون
~~الشئ له صفة الوجوب إذا فعل مفردا فإذا فعل مع غيره كان الواحد منها لا
~~يتغير وجه كونه واجبا والباقي (1) يصير ندبا فلأجل ذلك يستحق عليه ثواب
~~الندب وكذلك إذا لم يفعل الثلاث فإنما يستحق العقاب على واحد لان واحدا
~~منها كان واجبا عليه دون الثلاثة.
# فان قيل: فأيها يستحق عليه الثواب إذا جمعت وأيها يستحق عليه العقاب إذا
~~لم يفعل شئ منها؟
# قيل له: لا يلزمنا بيان ذلك بل ms118 ما يعلمه الله تعالى من أنه لا يتغير كونه
~~واجبا إذا
# PageV01P223
# فعله مع غيره يثيبه عليه ثواب الواجب واستحق العقاب بترك ذلك بعينه.
# ومن (1) الناس من قال: انه يستحق الثواب على الأشق ثواب الواجب والعقاب
~~على الأخف.
# والأول عندي هو المعتمد.
# PageV01P224
# فصل NoteV01P225N13 (في أن الامر هل يقتضى الفور أو التراخي (1)؟) ذهب
~~كثير من المتكلمين والفقهاء إلى أن الامر يقتضى الفور وهو المحكى
# PageV01P225
# عن أبي الحسن الكرخي (1).
# وذهب كثير منهم إلى أنه على التراخي وهو المحكى عن أبي علي وأبي هاشم
~~(1).
# وذهب قوم إلى أنه على الوقف (1) (2) * وقال يحتمل أن يكون مقتضاه الفور
~~أو (3) التراخي ويحتاج إلى الدليل. واختلفوا:
# فمن أجاز منهم تأخير البيان عن حال الخطاب في المجمل قال: متى لم يدل
~~دليل (4) في حال الخطاب على أنه أراد الفعل في الثاني قطعت على أنه غير
~~مراد فيه وتوقف في الثالث والرابع وما زاد عليه وكذلك إذا جاء الوقت الثاني
~~ولم يبين له انه مراده في الثالث قطعت على أنه غير مراد فيه ثم على هذا
~~التدريج.
# هذا الذي اختاره سيدنا المرتضى (5) رحمه الله (6).
# ومن لم يجز تأخير بيان المجمل عن حال الخطاب لم يجوز ذلك (7) *.
# PageV01P226
# والذي اذهب إليه هو الأول.
# والذي يدل على ذلك: انه قد ثبت بما دللنا عليه ان الامر يقتضى الايجاب
~~فلو لم يقتضى الفعل في الثاني لم ينفصل مما ليس بواجب في هذه الحال لأن ما
~~ليس بواجب هذا حكمه من أنه يجوز تركه وهذا لا حق به وهذا يؤدى إلى نقض كونه
~~موجبا (1) *.
# فان قالوا: انه وان جاز تأخيره فلا يجوز ذلك الا إلى بدل وهو العزم.
# وربما قالوا: انما يجوز له أن يؤخر بشرط أن يفعل في الثالث وكذلك فيما
~~بعد.
# قيل له: على الوجه الأول اثبات العزم يحتاج إلى دليل حتى يصح أن يكون
~~مخيرا بينه وبين الفعل فأما إذا لم يثبت ذلك فكيف يجعل مخيرا بينه وبينه
~~ولا فرق بين من أثبته من غير دليل وبين من أثبت فعلا اخر ms119 وجعله مخيرا بينه
~~وبينه فلما كان هذا فاسدا بلا خلاف كان العزم مثله.
# وليس لهم أن يقولوا: نحن لا نثبت العزم الا بدليل وذلك أنه لما ثبت ان
~~الفعل واجب وكانت الأوقات في أدائها متساوية أثبتنا العزم والا انتقض كونه
~~واجبا.
# وذلك أن هذا انما يتم إذا ثبت لهم ان الأوقات متساوية في الأداء ودون ذلك
~~خرط القتاد.
# وأيضا: فلو كان مخيرا بينه وبين العزم لجاز له أن يقتصر عليه ولا يفعل
~~الواجب لان هذا حكم سائر الابدال وفي ذلك إغراء له بترك الواجب وألا يفعل
# PageV01P227
# شيئا منه أصلا ويقتصر على العزم ابدا وفي ذلك خروج عن الدين.
# فاما من قال: انه يجوز له تأخيره بشرط أن يفعل في الثالث فقوله يفسد من
~~وجهين.
# أحدهما: ان على هذا القول صار مخيرا في الوقت الثاني بين فعله وان لا
~~يفعل وهذه صفة الندب.
# والثاني: انه لا يعلم أنه يفعل في الثالث حتى يصح منه تأخيره عن الثاني
~~إليه.
# وفي بطلان الوجهين معا ثبوت ما قصدناه.
# ومما يدل أيضا على أن الامر يقتضى الفور: ان الامر في الشاهد يعقل منها
~~الفور الا ترى ان من امر غلامه بفعل فلم يفعل استحق الذم فلو (1) كان يقتضى
~~التأخير لجاز له أن لا يفعل ويعتل بذلك ويقول: انا مخير بين الفعل وبين
~~العزم عليه فلم أذم.
# وفي علمنا ببطلان هذا لاعتلال دليل على أنه اقتضى الفور.
# وليس لهم أن يدعوا قرينة دلت على أنه يقتضى الفور لأجلها ذم وذلك أن
~~القرينة المدعاة غيره معقولة فيحتاجون إلى أن يبينوها.
# وأيضا فإنه يذمه من لا يعرف القرينة أصلا.
# فعلم أنه انما يذمه لأنه عقل من مقتضى الامر الفور دون التراخي.
# ومما يدل أيضا على أن الامر يقتضي الفور: انه لا يخلو من أن يكون المأمور
~~يجوز له تأخير الفعل لا إلى غاية أو إلى غاية فان جاز له تأخيره ابدا لا
~~إلى غاية ففي ذلك إخراج له من كونه واجبا وان كان يجوز له تأخيره إلى غاية ms120
~~كان ينبغي ان يكون تلك الغاية معلومة وكانت تكون مثل الأوامر الموقتة ومتى
~~لم يعلم ذلك كان مكلفا لايقاع الفعل في وقت لا طريق له إلى معرفته وذلك
~~تكليف بما لا يطاق (2) *.
# PageV01P228
# فان ذكروا: انه يكون مخيرا بين الفعل والعزم لا إلى غاية.
# كان الكلام عليهم ما تقدم (١) من أن في ذلك افساد (٢) * التكليف وان
~~يقتصر المكلف من فعل الواجبات على العزم فحسب فلا يفعل شيئا منها وذلك خلاف
~~المعقول والدين جميعا.
# فاما من قال هربا (٣) * من ذلك: انه يتعين الوقت عليه إذا غلب في ظنه انه
~~متى لم يفعل اخترم أو عجز عنه.
# فإنه يقال له: وأي امارة توجب هذا الظن المدعى؟ وذلك لا سبيل له إليه على
~~أنه إذا كان مخيرا بين الفعل والعزم فلو غلب في ظنه فوت الفعل لم يغلب في
~~ظنه فوت العزم فينبغي ان يجوز له الاقتصار عليه.
# وفيمن وافقنا على هذا المذهب (٤) من استدل على ذلك بقوله تعالى:
# ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾
~~(٥) وبقوله: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾
~~(6).
# وذلك يضعف الاحتجاج (7) به لان الظاهر من الآية انه امر بالتوبة لأنها هي
# PageV01P229
# التي يحصل عندها الغفران وذلك متفق عليه انه على الفور.
# فاما الفعل الواجب الذي لم يتقدمه غيره من المعاصي حتى يغفر فكيف يحمل
~~عليه؟
# فان حمل على أن المراد بذلك استحقاق الثواب تصير الآية مجملة (1) * لأنه
~~يستحق الثواب بالواجب والندب وليس الندب واجبا أصلا.
# ومنهم من استدل على ذلك بان قال: ان الامر يقتضى ايقاع الفعل في وقت من
~~جهة الحكمة وان لم يكن مذكورا في اللفظ فأشبه ما يقتضيه العقود والايقاعات
~~من الطلاق والعتاق فكما ان ذلك كله على الفور وجب مثله في الامر.
# وهذا لا يصح الاستدلال به من وجهين.
# أحدهما: ان هذا قياس ونحن لا نقول بالقياس أصلا فكيف يمكننا ان نعتمد على
~~ذلك؟
# ومن قال بالقياس لا يمكنه أيضا ان يعتمد هذه الطريقة لان القياس يوجب
~~غلبة الظن وهذه ms121 المسألة طريقها العلم (2) * فلا يمكن الاعتماد فيها على
~~القياس.
# [الثاني] (3): ولو جاز استعمال القياس في ذلك لكان هذا الاستدلال قرينة
~~اقترنت إلى ظاهر الامر والقوم لا يمتنعون من ذلك وانما الخلاف في الأوامر
~~المطلقة الخالية من القرائن فعلم أن المعتمد ما قدمناه.
# وإذا ثبت ان الامر على الفور فمتى لم يفعله في الثاني احتاج إلى دليل اخر
~~في وجوبه عليه في الثالث على ما بيناه فيما تقدم (4) وفى ذلك بطلان مذهب
~~(5) من
# PageV01P230
# قال: ان بالامر الأول يلزمه الفعل في الثالث والرابع إلى أن يحصل الفعل.
# واستدل من قال (1): ان الامر يقتضى التراخي (2) بان قال: ان الامر انما
~~يقتضى كون الفعل واجبا وليس للأوقات ذكر في اللفظ وليس بعضها بان يوجب
~~ايقاعه فيه بأولى من بعض فينبغي ان يكون مخيرا فيه لأنه لو أراد ايقاعه في
~~بعضها لبينه فمتى لم يبينه دل على أنه مخير في ذلك كله (3).
# والجواب عن ذلك أن يقال: ان الأوقات وان لم تكن مذكورة في اللفظ فوقت
~~الفعل هو الثاني وهو معلوم بالأدلة التي ذكرناها (4) فيجب المصير إلى
~~مقتضاها.
# وقولهم: انه لو أراد ايقاع الفعل في الثالث (5) لبينه.
# فعندنا انه بينه بالأدلة التي قدمناها (3).
# ثم لأصحاب الوقف ان يقولوا: ولو أراد التراخي لبينه فيجب ان يتوقف في ذلك
~~وينتظر البيان.
# ومتى اعتمد ذلك أصحاب الوقف كان الكلام عليهم ما تقدم من أن الدليل قد
# PageV01P231
# دل على أنه يقتضى الفعل في الثاني (1).
# وان اعتمدوا على أنهم وجدوا الأوامر مستعملة في الفور والتراخي (2).
# فقد بينا ان نفس الاستعمال لا يدل على أن ما استعملوه حقيقة (3) وذلك
~~مجاز عندنا إذا استعمل على ما قالوه.
# وهذا جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P232
# فصل NoteV01P233N14 (في الامر المؤقت ما حكمه؟ (1)) يجوز ان يرد الامر من
~~الحكيم بعبارة معلقة بوقت يقصر الوقت عن أدائها
# PageV01P233
# فيه (1) فان لم يقصر عن ذلك نظر فيه:
# فان كان مما يستغرق أداء العبادة فيه وجب أداؤه فيه بلا خلاف (1) وذلك
~~نحو الصوم المعلق بالنهار فإنه يجب أداؤه في ms122 جميعه.
# وان كانت العبادة يمكن أداؤها في بعضه فاختلف العلماء في ذلك:
# فمنهم من قال: الوجوب متعلق بأول الوقت (1).
# ومنهم من قال: يجب أداؤه في اخره (1).
# ومنهم: من جعله مخيرا بين أدائه في أوله واخره وفيما بين ذلك فان اخره
~~إلى آخره تضيق عليه الأداء (1) فيه ثم اختلفوا:
# فقال قوم منهم: يجب عليه الفعل في أوله فمتى لم يفعل يجب عليه العزم على
~~فعله في اخره (2).
# PageV01P234
# ومنهم من قال: هو مخير في الأوقات كلها ولا يجب عليه العزم (1).
# ومن العلماء من وقف في ذلك وانتظر البيان وقال: كل ذلك جائز.
# والذي يقوى في نفسي: انه إذا وردت العبادة معلقة بوقت له أول واخر من جهة
~~اللفظ فإنه يكون مخيرا بين أدائها في أوله واخره فان لم يفعل في أوله وجب
~~عليه العزم على أدائه في اخره ثم يتضيق في اخر الوقت وذلك نحو ان يقول
~~الله:
# (تصدق اليوم بدرهم) (وصم في هذا الشهر يوما) فإنه يكون مخيرا بين ان
~~يتصدق في أول النهار أو وسطه أو اخره وكك يكون مخيرا بين ان يصوم في أول
~~الشهر أو وسطه أو اخره الا ان يقوم دليل على أنه واجب في أوله فيخرج عن هذا
~~الباب.
# والذي يدل على ذلك: ان الوقت الثاني مثل الوقت الأول في تناول الامر له
~~بأداء العبادة فيه فليس لنا ان نجعل (2) أحدهما هو الواجب فيه دون الاخر
~~فينبغي ان يكون مخيرا في الأوقات كلها.
# وليس لهم ان يقولوا: ان هذا يرجع عليكم في اخر الوقت فإنكم جعلتموه
~~مضيقا!
# فان ذلك لابد منه في اخر الوقت لأنه ان لم يفعل (3) ذلك أدى إلى فوات
~~العبادة وليس كذلك الوقت الأول لأنه إذا لم يفعل فيه فالوقت الثاني وقت له.
# وليس لاحد ان يقول: ان هذا ينتقض بما ذكرتموه في الباب الأول من أن الامر
~~يقتضى الفور وانه يجب المأمور به عقيبه.
# وذلك انا انما قلنا ذلك في الأوامر المطلقة التي لها وقت واحد فحملناه
~~على الفور وحمل مخالفونا على ms123 التراخي لما لم يكن في اللفظ تعيين الوقت وليس
~~كذلك
# PageV01P235
# في الامر الموقت لأنه عين (1) فيه الوقت وذكر أوله واخره فقلنا انه مخير
~~فيهما.
# فان قيل: فكيف أوجبتم العزم بدلا منه في الوقت الأول ولم يذكر العزم في
~~اللفظ؟ وهلا لزمكم ما ألزمتموه من خالفكم في الامر المطلق وانه يقتضى
~~التراخي وأوجب العزم بدلا منه في كل الأوقات؟
# قيل له: إذا ثبت ان الامر يتناول الوقت الثاني كتناوله الوقت الأول وهو
~~يقتضى الوجوب فمتى لم يثبت العزم بدلا منه في الأول أدى ذلك إلى خروجه عن
~~كونه واجبا فلأجل ذلك أوجباه وليس كذلك في الامر المطلق لأنه لم يثبت للخصم
~~انه يجب في الأوقات ولا ان الامر تناول الأوقات على جهة البدل فيثبت العزم
~~بدلا منه في الأول بل كان الوقت الذي يلزمه أداء الفعل فيه هو الثاني لم
~~يجز ان يثبت العزم بدلا منه واحتاج المخالف في اثبات ذلك إلى دليل.
# فاما من قال: انه يجب تأخيره فمتى فعل في الأول كان نفلا (2).
# فذلك نقض لاقتضاء الامر الايجاب وانتقال إلى مذهب من يقول إنه يقتضى
~~الندب وذلك خلاف الصحيح على ما دللنا عليه.
# فإن قال: لو كان واجبا في أوله لكان متى لم يفعله فيه استحق الذم لان
~~بذلك يتميز الواجب من النفل فلما لم يستحق الذم بالا يفعل في الأول علمت
~~(3) انه نفل فيه.
# قيل له: انما يجب ان نقول بسقوط الذم عمن لم يفعل فعلا بعينه على أنه ندب
~~فيه إذا لم يكن هناك امر يسند ذلك إليه الا كونه نفلا فاما إذا كان هناك
~~امر يسند إليه ذلك فلا يصح الا ترى انه إذا فرضنا ان هناك ما يقوم مقامه
~~ويسد مسده من الواجب فمتى لم يفعله وفعل ذلك الامر لم يستحق الذم وانما يتم
~~ذلك في الامر المضيق اما
# PageV01P236
# بفعل واحد أو وقت واحد فمتى لم يفعله بعينه أو في ذلك الوقت استحق الذم
~~وقد بينا ان هذه المسألة بخلاف ذلك وان هناك عزما يقوم ms124 مقامه.
# فان عادوا إلى أن يقولوا: العزم ليس عليه دليل كرر عليهم الكلام الأول
~~وهو انه إذا تناول الامر الوقت الثاني كتناوله للوقت الأول فلابد - متى لم
~~يفعل في الأول - من عزم والا خرج من كونه واجبا إلى (1) ان يكون نفلا وقد
~~ثبت انه واجب.
# فان قالوا: إذا جاز لكم ان تعدلوا من ذلك إلى فعل العزم جاز لنا ان نعدل
~~إلى أنه نفل والا فما الفرق؟
# قيل له: حمله على كونه نفلا نقض لكونه واجبا وليس في ايجاب العزم نقض
~~لكونه واجبا على ما بيناه فكان ذلك فرق بين الموضعين.
# فان قيل: فعلى هذا المذهب ما قولكم في صلاة الظهر التي لها وقتان أول
~~واخر وكذا سائر الصلوات؟
# قيل له: اختلف العلماء في ذلك وأصحابنا أيضا:
# فمن الفقهاء من جعل الفرض متعلقا باخر ومتى فعل في الأول كان نفلا وربما
~~سماه (موقوفا) على أن يأتي عليه الوقت الأخير وهو على الصفة التي يحب عليه
~~معها فعل الصلاة ويخرج الوقت فيحكم له بالوجوب ومع تسميته نفلا يكون قد
~~أجزأ عن الواجب (2) وهذا هو المحكى عن أبي الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة
~~(3).
# وذهب باقي الفقهاء إلى أنه مخير في الأوقات كلها ثم اختلفوا:
# PageV01P237
# فمنهم من رجح الوقت الأول بالفضل (1).
# ومنهم من لم يرجح وسوى بين الأوقات (2).
# وأصحابنا اختلفوا: فكان شيخنا أبو عبد الله (3) يذهب إلى أن الوجوب يتعلق
~~بأوله وانه متى لم يفعل استحق الذم والعقاب الا انه متى تلافاه سقط عقابه
~~(4).
# وذهب سيدنا المرتضى إلى أنه مخير في الأوقات كلها أولها واخرها غير أن
~~أداؤها في أول الوقت أفضل (5).
# وإذا نصرنا المذهب الأول نقول: انما قلنا ذلك لأنه لم يخير على كل حال
~~بين الصلاة في أول الوقت واخر الوقت وانما فرضه الوقت الأول فلا يصح ان
~~يجعل مخير بينه وبين ما لم يجعل له وجرى ذلك مجرى الامر المضيق المعين بوقت
~~متضيق (6).
# وليس لهم ان يقولوا: ان ذلك ينقض ان تكون الصلاة لها وقتان.
# وذلك انا نقول: إذا ms125 نصرنا هذا المذهب ان لها وقتين في الجملة وبالإضافة
~~إلى مكلفين واما (7) إذا أضفناها إلى كل واحد من المكلفين فان لها وقتا
~~واحدا فيكون الوقت الأول لمن لا عذر له ولا مانع يمنعه من فعل الصلاة فيه
~~من علة أو مرض أو شغل ديني أو دنياوي والوقت الثاني يكون وقت من له بعض هذه
~~الموانع فتكون للصلاة وقتان بالإضافة إلى من وصفناه.
# PageV01P238
# فان قالوا: هذا خلاف الاجماع لان الأمة كلها تقول: ان كل صلاة لها وقتان
~~فلا يفصلون هذا التفصيل.
# قيل له 6 هذا اجماع مدعى (1) لان من خالف في هذا يخالف فيه ويرجع في ذلك
~~إلى الروايات الصادرة عن أئمة الهدى عليهم السلام.
# ومتى نصرنا المذهب الاخر فالمعتمد فيه على ظاهر الامر وان النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم بين لكل صلاة وقتين وقال: (ما بينهما وقت) (2) ولم يفصل
~~فينبغي ان يكون مخيرا فيها ويقوى ذلك باخبار كثيرة وردت عن أئمة الهدى
~~عليهم السلام متضمنة لذلك وتعارض تلك الأخبار.
# والكلام في تعيين هذه المسألة كلام في فرع والذي ذكرناه أولا كلام في
~~الأصل فلا ينبغي ان يخلطهما جميعا (3).
# ويمكن ان ينصر المذهب الأول في الصلوات بان يقال: الاحتياط يقتضى أداءها
~~في الأول لأنه إذا تناول الامر ذلك والاخبار تقابلت في جواز تأخيرها عن أول
~~الوقت والمنع من ذلك فينبغي ان يتعارض ويرجع إلى ظاهر الامر في وجوب الصلاة
~~في الوقت الأول.
# فان قيل: لو كانت الصلاة واجبة في أول الوقت لا غير لكان متى لم يفعل
~~فيها استحق العقاب وأجمعت (4) الأمة على أنه لا يستحق العقاب ان لم يفعلها
~~في أول الوقت.
# فان قلتم: انه أسقط عقابه.
# PageV01P239
# قيل لكم: وهذا أيضا باطل لأنه يكون اغراء بالقبيح لأنه إذا علم أنه متى
~~لم يفعل الواجب في الأول - مع أنه يستحق العقاب عليه - سقط عقابه كان ذلك
~~اغراء قيل له: ليس ذلك اغراء لأنه انما علم اسقاط عقابه إذا بقي إلى الثاني
~~وأداها وهو لا يعلم أنه يبقى إلى الثاني حتى ms126 يؤديها فلا يكون مغرا بتركها.
# وليس لهم ان يقولوا: فعلى هذا لو مات عقيب الوقت الأول ينبغي ان لا يقطع
~~على أنه غير مستحق للعقاب وذلك خلاف الاجماع ان قلتموه.
# وذلك أن هذا الاجماع غير مسلم بل الذي نذهب إليه ان من مات في الثاني
~~مستحق للعقاب وأمره إلى الله تعالى ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فادعاء
~~الاجماع في ذلك لا يصح.
# فاما من خير بين الأوقات ولم يوجب العزم في الأول بدلا (1) منه فان ذلك
~~ينقض كونه واجبا لان هذا حكم الندب فما (2) أدى إلى مساواة الواجب للندب
~~ينبغي ان يحكم ببطلانه.
# ومن قال: انه نفل في الأول (3) فقوله يبطل بما ثبت من اقتضاء الامر
~~الايجاب فمن خالف في ذلك كان الكلام في مسألة أخرى وقد مضى الكلام فيها
~~(4).
# ويدل أيضا على بطلان هذا القول: ان الصلاة في أول الوقت لو كانت نفلا
~~لكان
# PageV01P240
# متى نوى بها النفل لكانت تجزئ عن الفريضة لان النية المطابقة للصلاة أولى
~~بأن تجزئ معها الصلاة من النية المخالفة لها وقد اجمعوا على أنه متى نوى
~~بها النفل لم يجزه فبطل بذلك كونها نفلا في الأول.
# وأما إذا قال: انها موقوفة فكلامه غير محصل لان الوجوه التي تقع عليها
~~الافعال فتكون واجبة أو ندبا لا تتأخر (1) عن حال الحدوث ولا تكون أمورا
~~منتظرة فان وقعت الصلاة في الوقت الأول على وجه الندب فينبغي ان يكون ندبا
~~- وان خرج الوقت - وقد اجمعوا على خلاف ذلك وان وقعت واجبة فان ذلك يبطل
~~كونها ندبا.
# فاما ما يتفرع على هذه المسألة من وجوب القضاء على الحائض إذا طهرت في
~~اخر الوقت أو سقوطه عنها فكلام في الفرع وقد بينا الصحيح من ذلك في كتب
~~المصنفة في الفقه (2) فمن أراد ذلك وقف عليه من هناك.
# وهذه جملة كافية كافية في هذا الباب.
# PageV01P241
# فصل NoteV01P242N15 (في أن الامر هل يدخل تحت امره أم لا (1)) اعلم أن
~~الصحيح انه لا يجوز ان يدخل الامر تحت امره ويفارق ذلك ms127 الخبر.
# والذي يدل على ذلك: ان الامر لا يكون آمرا الا باعتبار الرتبة فيه على ما
~~بيناه
# PageV01P242
# فيما تقدم (1) وهي ان يكون الامر فوق المأمور وهذا لا يصح ان يدخل بين
~~الانسان وبين نفسه والخبر ليس كذلك فإنه يجوز ان يخبر الانسان عن نفسه
~~ويجمع بينه وبين غيره في تناول الخبر لهما لان الرتبة غير مراعاة في الخبر.
# وليس لهم ان يقولوا: ليس هذا المثال مثالا للامر لأنكم قلتم (لا يحسن ان
~~يأمر الانسان نفسه) ومثل هذا موجود في الخبر لأنه لا يحسن أيضا ان يخبر
~~نفسه فاما الاخبار عنها فليس بمشبه (2) لذلك وذلك أنه انما لا يحسن ان يخبر
~~الانسان نفسه لأنه عبث لان الخبر انما وضع للإفادة فإذا كان عالما بما يخبر
~~به فاخباره نفسه بذلك لا فائدة فيه وكان عبثا. وليس كذلك الامر لأنه انما
~~قبح لفقد الرتبة المراعاة في كونه آمرا.
# وكذلك القول إذا أخبر غيره بلفظ فلا يجوز ان يقصد باللفظ اخبار نفسه لما
~~قلناه من أنه عبث وانما قلنا انه يصح ان يخبر عن نفسه ليعلم بذلك ان الرتبة
~~غير مراعاة في الخبر أصلا.
# فإذا ثبتت هذه الجملة فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا امر غيره بفعل
~~لا يدل ذلك على أنه مأمور به أيضا الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم به لأجل
~~الدليل ويفارق ذلك أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها بالعكس من أوامره
~~لان أفعاله تختصه ولا يعلم أنها متعدية إلى غيره الا بدليل وأوامره متعدية
~~ولا يعلم تناولها له الا بدليل فاختلف الأمران.
# PageV01P243
# فصل NoteV01P244N16 (في ذكر الشروط التي يحسن معها الامر).
# اعلم أنه لا يحسن الامر الا بعد أن يكون:
# الآمر على صفة.
# والمأمور على صفة.
# والمأمور به على صفة.
# والامر على صفة.
# فإذا اجتمع ذلك كله حسن الامر ومتى اختل شئ من ذلك لم يحسن ونحن نبين
~~جميع ذلك.
# واما ما يجب ان يكون عليه الآمر:
# فان كان ممن يعلم العواقب وهو الله تعالى فلابد من ms128 أن يكون (1):
# PageV01P244
# عالما بان المأمور يتمكن من أداء ما امر به (1).
# ويعلم ان المأمور به على وجه يحسن (2) الامر به.
# ويعلم انه مما يستحق بفعله الثواب (3).
# ويكون غرضه وصوله إلى الثواب (4).
# وأما إذا كان الآمر ممن لا يعلم العواقب من الواحد منا فإنه يحسن منه
~~الامر إذا ظن في المأمور ما ذكرناه بان يشترط أداؤه ان قدر عليه لأنه إذا
~~لم يعلم العواقب فان الظن يقوم له مقام العلم ولو لم يحسن مع الظن لما حسن
~~من الواحد منا ان يأمر غيره
# PageV01P245
# البتة لأنه لا طريق له إلى العلم بأنه يقدر عليه أو لا يقدر عليه في
~~المستقبل.
# ولابد ان يعلم حسن المأمور به ويقصد بذلك وجها حسنا ولا يقوم الظن في ذلك
~~مقام العلم والشرط لا يدخل في ذلك كما دخل في كونه قادرا ولأجل هذا لا يحسن
~~منا ان نأمر غيرنا بفعل في الغد الا بشرط ان يكون قادرا عليه في الغد ولا
~~يجوز ان نأمره بفعل لا نعلم حسنه في الحال فبان الفرق بين الامرين.
# ولو أن قائلا سوى بين حسن الشرط في الامرين لم يكن ذلك بعيدا لان الواحد
~~منا يأمر غلامه بان يرد وديعة انسان عليه في الغد ولابد من اشتراط كونه
~~قادرا عليه في حال الرد ولابد من شرط كونه حسنا في ذلك الوقت أيضا لأنه لو
~~عرض في حال الرد وجه من وجوه القبح من غصب ظالم لها أو غير ذلك من وجوه
~~الفساد لم يحسن ردها في تلك الحال.
# واما القصد بذلك وجها من وجوه الحسن فلابد منه على كل حال.
# ومن الناس (1) من جوز في القديم تعالى أيضا (2) ان يأمر المكلف بشرط ان
~~يبقى على كونه قادرا قبل حال الفعل بوقت والا يمنعه منه.
# والصحيح الأول لان الشرط انما يصح فيمن لا يعلم العواقب فاما من يعلمها
~~فلا يحسن منه ذلك.
# ومتى قيل: انه يحسن ذلك ويكون ذلك الامر لطفا لغير هذا المكلف كان ذلك
~~أيضا فاسدا لأنه لا يخلو من ms129 أن يكون المأمور نفسه ذلك الفعل مصلحة له أو لا
~~يكون كذلك، فإن كان مصلحة له فيجب إقداره عليه والا يمنع منه وان لم يكن
~~مصلحة له فلا يحسن ان يوجب عليه ما هو لطف للغير فلأجل ذلك قلنا ان النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم لابد ان يكون له في تحمله أعباء الرسالة لطف ولولا
~~ذلك لما وجب عليه
# PageV01P246
# الأداء فكذلك القول ههنا.
# ولابد ان يكون القديم تعالى عالما بان المكلف يفعل ما امر به ولا يعصيه
~~فيه (1) أو يكون في ذلك لطف للغير ان علم أنه يعصى على ما نقوله في قبح
~~تكليف من علم الله انه يكفر إذا لم يكن فيه لطف للغير.
# ومن خالف في ذلك لم يشترط هذا الشرط (2).
# ومن الناس من شرط في حسن امر الله تعالى ان لا ينهى عنه في المستقبل
~~ومنهم من لا يشترط ذلك ونحن نبين الصحيح في ذلك في باب الناسخ والمنسوخ إن
~~شاء الله.
# واما الصفات التي يجب كون المأمور عليه فهي:
# ان يكون متمكنا من ايقاع الفعل على الوجه الذي امر به (3) فان كفى في ذلك
~~مجرد القوة (4) اقتصر عليه وفعلت فيه قبل الفعل بحالة واحدة أو قبل ذلك
~~بأحوال (5).
# PageV01P247
# وان كان الفعل يحتاج إلى العلم فلابد من حصوله في حال وقوع الفعل فان كان
~~العلم من فعله مكن قبل ذلك من سببه بأوقات يمكنه تحصيل العلم فيها في حال
~~الفعل.
# وان كان يحتاج إلى نصب الأدلة نصبت له لينظر فيها فيعلم ما كلف.
# وان كان محتاجا إلى آلة مكن منها فان كانت محلا للفعل مثل اللوح في
~~الكتابة والسكين في القطع وغير ذلك أو ما يكون في حكم المحل مكن منها في
~~حال الفعل.
# وان كانت الآلة مما يحتاج إلى تقدمها مكن منها قبل الفعل مثل القوس في
~~الرمي.
# وان كان الفعل يحتاج إلى آلة (1) في حال الفعل وقبله مكن منها في الحالين
~~على ما قلناه في السكين في القطع وغير ذلك.
# وان كان الفعل يحتاج ms130 في ايقاعه على وجه إلى الإرادة (2) مكن فيها ولا يصح
~~منعه منها عند من قال بالإرادة (3).
# وما يحتاج إلى النظر والسبب فلابد من تمكينه منهما.
# ومن شرائطه أيضا اللازمة: الا يكون ملجئا إلى ما امر به هذه صفته لا يحسن
~~أمره (4) الا ترى انه لا يحسن ان يكلف الانسان ان لا يقتل نفسه لأنه ملجأ
~~إلى
# PageV01P248
# ذلك وكذلك الواقف بين يدي السبع لا يحسن ان يكلف العدو.
# فاما من قال: لا يحسن ان يكلف الانسان قتل نفسه لأنه ملجأ إلى ذلك فغلط
~~لان الالجاء انما هو إلى أن لا يقتلها فاما إلى قتلها فليس بحاصل. وعلى هذا
~~يحسن ان يكلف قتل نفسه ولهذا أخبر الله تعالى عن قوم فيما مضى انه كلفهم
~~قتل نفوسهم بقوله تعالى: ﴿اقتلوا أنفسكم
~~ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ (1) وكذلك يحسن ان يكلف من شاهد السبع الوقوف
~~لان الالجاء انما هو إلى الهرب لا إلى الوقوف.
# واما الصفات التي يجب كون الامر عليها:
# فان يكون متقدما على الوقت الذي كلف المأمور ان يفعل فيه (2) لأنه متى لم
# PageV01P249
# يتقدم لم يفد الترغيب (١) في الفعل. ولا يصح منه ان يستدل به على وجوبه
~~عليه فيجب تقدمه عليه من هذا الوجه.
# فأما قول من قال من المجبرة: إن ما يتقدم يكون إعلاما ومن شرط الأمر أن
~~يقارن الفعل (٢) فغلط لأنه ان أرادوا بقولهم: انه اعلام انه مما يصح ان
~~يعلم به لزوم المأمور به في وقته فهو خلاف في عبارة (٣).
# وان قالوا: يعلم به ان الآمر سيحدث في وقته أمرا اخر فليس في الامر
~~المتقدم دلالة على ذلك.
# على أن هذا القول من قائله دفع لما يعلم ضرورة خلافه لان الأوامر في
~~الشاهد لا يكون قط الا متقدمة ومتى لم تكن كذلك لم تحسن فكك أوامر الله
~~تعالى الا ترى انه انما يحسن من الواحد منا ان يأمر غلامه ان يسقيه ماء قبل
~~ان يسقيه ويصح (٤) منه ان يسقيه فاما في حال ما ms131 سقاه فلا يحسن ذلك فمن
~~ارتكب حسن ذلك كان دافعا للضرورات.
# واما تقدمه قبل وقت الفعل بأوقات (٥) فليس بواجب لكنه يحسن إذا كان فيه
~~معنى نحو ان يكون فيه صلاح لمن خوطب به بان يكلف أداؤه إلى من امر به ممن
~~يوجد في المستقبل نحو أوامر الله تعالى لنا في وقت النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم بقوله: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (6)
~~لأنه لا خلاف بين الأمة انه امر لسائر المكلفين وان أهل كل عصر قد كلفوا
~~أداؤه إلى أهل العصر الثاني.
# PageV01P250
# ويدل على حسن ذلك أيضا:
# انه يحسن في الشاهد ان يأمر الواحد منا غلامه بفعل بعد أوقات كثيرة.
# ويحسن من الموصى ان يوصى لولد ولده ولمن يجئ بعدهم من النسل ويأمرهم ان
~~يفعلوا في الوصية ما يريده وهذا لا يدفع حسنه منصف.
# وعلى هذا قلنا: انه يحسن امر المعدوم والعاجز بان يفعل الفعل في الوقت
~~الذي قد علم أنه علته ستزاح فيه ويمكن من فعله.
# ويبين ذلك أن الفعل الذي امر به لا يحتاج إلى تقدم القدرة في حال الامر
~~لأنها لو وجدت في تلك الحال وعدمت في حال الحاجة إلى الفعل لم يحسن امره
~~فدل على أن الحاجة إليه تقع قبل حال الفعل بحال ولو لم يحسن ذلك (1) لم
~~يحسن من الواحد منا ان يأمر غيره بان يفعل في غد فعلا يحتاج إلى آلة مع
~~عدمها وان علم أنه يتمكن منها في غد حتى يجب الا يحسن منا ان نأمر النجار
~~باصلاح الباب الا والآلة التي بها يصلحه في يده وهذا مما لا يحتاج إلى
~~افساده لأنه معلوم ضرورة خلافه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P251
# الباب الرابع الكلام في النهى PageV01P253
# فصل NoteV01P255N01 (في ذكر حقيقة النهى وما يقتضيه وجملة من أحكامه) (1)
~~النهى هو: (قول القائل لمن دونه: لا تفعل) كما أن الامر قوله له: (افعل)
~~وما دل على أحدهما دل على الاخر فالطريقة واحدة وانما يكون نهيا إذا أكره
~~الناهي المنهي عنه عند ms132 من قال بذلك (2).
# والذي أقوله في ذلك: ما قدمت ذكره في باب حقيقة الامر (3) من أن هذه
~~الصيغة وضعها أهل اللغة ليدلوا على ايجاب الامتناع من الفعل ثم ينظر في ذلك
~~فان كان صادرا من حكيم دل على أن ذلك الشئ قبيح لأنه لا يوجب الامتناع مما
~~هو حسن فهو إذا دلالة على القبح.
# وقد ترد هذه الصورة ولا تفيد النهى على الحقيقة على ضرب من المجاز مثل ما
~~قلناه
# PageV01P255
# في صيغة الامر ولأجل هذا قلنا في قوله تعالى: ﴿لا تقربا هذه الشجرة﴾ (١) ان صورته صورة النهى
~~وليس ما تناوله قبيحا بل الأولى تركه وعبر عن ذلك بأنه نهى بقوله تعالى: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة﴾
~~(2) مجازا من حيث كانت صورته صورة النهى على الحقيقة الا ان هذا مجاز لا
~~يثبت الا بدليل والأول هو الحقيقة.
# والدلالة على ذلك ما دللنا به على صورة الامر سواء (3).
# وشرائط حسن النهى تقارب شرائط (4) الامر على السواء.
# فاما اقتضائه التكرار أو الامتناع مرة واحدة فأكثر المتكلمين والفقهاء
~~ممن قال: ان الامر يقتضى مرة واحدة ومن قال: انه يقتضى التكرار قالوا في
~~النهى انه يقتضى التكرار (5).
# ومنهم من سوى بينهما وقال الظاهر يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على
~~ذلك يحتاج إلى دليل.
# ومنهم من وقف في ذلك كما وقف في الامر.
# والذي يقوى في نفسي: ان ظاهره يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على ذلك
~~يحتاج إلى دليل وانما قلنا ذلك من حيث إن النهى إذا كان دلالة على قبح
~~المنهي عنه إذا صدر من حكيم انما يدل على أنه قبيح في الثاني لان مقتضاه
~~الفور وما بعد ذلك من الأوقات لا يعلم أن الفعل فيها قبيح بل يحتاج إلى
~~دليل فمن ادعى تساوى الأوقات في ذلك كمن ادعى تساوى الأوقات في اقتضاء
~~الامر الفعل فيها وذلك باطل على ما بيناه (6).
# PageV01P256
# وشبهة من قال: انه يقتضى التكرار الرجوع إلى الشاهد وان النهى ms133 يقتضى ذلك
~~وذلك غير مسلم بالاطلاق فان استعمل في ذلك بقرينة من شاهد الحال وغيرهما
~~فلا يمكن ادعاء الحقيقة في ذلك (1) فإذا ثبت ذلك فإنما قلنا انه يقتضى
~~الفور دون التراخي لمثل ما دللنا عليه من أن الامر يقتضى الفور فالأدلة
~~فيها سواء (2).
# وأيضا: فلو لم يقتضى ذلك في الثاني لوجب ان يقترن به البيان فمتى لم
~~يقترن به البيان دل على أنه قبيح في الثاني.
# فاما النواهي الواردة في القران والسنة وانها تقتضي التأبيد فإنما علمنا
~~ذلك بدليل من اجماع وغيره فلا يمكن الاعتماد على ذلك كما أن بمثل ذلك علم
~~أن الأوامر على التكرار عند الأكثر.
# فاما النهى القيد بوقت: فلا خلاف بين المحصلين انه لا يقتضى وجوب
~~الانتهاء في غير ذلك الوقت وانما يعلم ذلك بدليل مثل ما قلنا في الامر
~~المقيد (3).
# فاما النهى عن الشئ فليس بأمر ضده (4) لا لفظا ولا معنى لمثل ما قلناه في
~~الامر سواء وانما يدل على أن ما عدا المنهي عنه من أضداده مخالفا له إذا
~~كان صادرا من حكيم لأنه إذا كان دلالة على القبح فما عدا ذلك الشئ لو كان
~~قبيحا مثله لوجب ان ينهى عنه أيضا كما نهى عن ذلك فلما لم ينه عن جميع
~~أضداده ولا عن بعضها دل على أنه مخالف له.
# وقد تكون (5) مخالفته له بان تكون واجبة وندبا ومباحا فلا يمكننا ان
~~نقول: انه لو كان في أضداده ما هو واجب أو ندب لوجب بيانه فلما لم يبين دل
~~على انها
# PageV01P257
# مباحة فان ذلك يمكن الاعتماد عليه.
# هذا إذا كان له اضداد كثيرة ويمكنه الانفكاك من جميعها فاما إذا لم يمكنه
~~الانفكاك عن جميعها ولابد من أن يكون فاعلا لواحد منها فإنه لا يكون أيضا
~~واجبا عليه لأنه انما يجب الشئ إذا كان مما يصح ان يفعل والا يفعل فاما ما
~~لا ينفك عنه فلا يصح وصفه بالوجوب ولأجل هذا قلنا أيضا إذا لم يكن للمنهي
~~عنه إلا ضد واحد ويصح انفكاكه منهما جميعا ms134 فمتى لم يوجب عليه ذلك الشئ أو
~~يندب إليه يجب ان يكون مباحا كما قلناه في الأضداد الكثيرة سواء.
# فاما النهى إذا تناول أشياء فلا تخلو من أن يكون متضادة أو مختلفة:
# فان كانت متضادة فلا تخلو من أن يصح انفكاكه من جميعها إلى امر اخر أو لا
~~يصح ذلك فيها:
# فان كان يصح انفكاكه من جميعها جاز ان ينهى عنها أجمع على جهة التخير ولا
~~يجوز ان ينهى عنها جميعا على وجه الجمع لان كونها متضادة يمنع من صحة الجمع
~~بينها وما لا يصح الجمع بينها لا يصح النهي عنه.
# وان كان لا يصح انفكاكه من جميعها فلا يجوز ان ينهى عن جميعها على حال
~~لان ذلك تكليف لما لا يطاق.
# وكذلك إذا نهى عن ضدين ولهما ثالث جاز ان ينهى عنهما جميعا على وجه
~~التخيير ولا يجوز ان ينهى عنهما جميعا على الجمع لمثل ما قلناه.
# وان كان ما تناوله النهى أشياء مختلفة أو شيئين مختلفين فإنه يصح ذلك على
~~وجه الجمع والتخيير معا.
# وقول من قال: لا يصح ذلك على وجه التخير (1) غير صحيح لأنه كما لا يمتنع
~~ان
# PageV01P258
# يكون فعلهما مفسدة إذا جمع بينهما فينهى عنهما جميعا على وجه الجمع.
# وكذلك لا يمنع ان يكون فعل كل واحد منهما إذا انفرد كان مفسدة وإذا اجتمع
~~مع غيره لا يكون كذلك فيصح ان ينهى عنه على وجه التخيير مثل ما نقوله في
~~الامر فالفرق بين النهى والامر في هذا الباب لا يمكن.
# والقول في الامر إذا تناول ضدين مثل القول في النهى سواء لأنه إذا كان
~~لهما ثالث جاز ان يؤمر بهما على التخير فلا يجوز ان يؤمر بالجمع بينهما لان
~~ذلك مستحيل وكذلك ان لم يكن لهما ثالث جاز ان يؤمر بهما على وجه التخير فلا
~~يجوز ان يؤمر بهما على وجه الجمع لما قلناه.
# فاما إذا تناول الامر أشياء مختلفة فإنه يجوز ذلك على وجه الجمع والتخيير
~~بلا خلاف وانما الخلاف في أنه تكون الجميع ms135 واجبة أو واحد لا بعينه وقد
~~قلناه ما عندنا في ذلك فأغنى عن الإعادة.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب وما عدا ما ذكرناه احكام النهى فيه احكام
~~الامر على السواء فلا معنى لتكرار القول فيه. PageV01P259
# فصل NoteV01P260N02 (في أن النهى يدل على فساد المنهي عنه أم لا (1)؟)
~~ذهب أهل الظاهر وكثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة وكثير
# PageV01P260
# من المتكلمين إلى أن النهى يدل على فساد المنهي عنه (1).
# وذهب أكثر المتكلمين والباقون من الفقهاء إلى أن ذلك لا يدل على كونه غير
~~مجز (2) وهو الذي حكاه أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي وذهب إليه
~~بعض أصحاب الشافعي (1).
# وينبغي ان نبين أولا تحقيق الخلاف في ذلك وما المراد به ثم نتكلم في صحة
~~ذلك أو فساده.
# فمعنى قولنا: (ان المنهي عنه غير مجز) هو ان الذمة إذا تعلقت بها عبادة
~~يجب أداؤها على شروط فمتى أداها على وجه قبيح منهي عنه فان ذمته لا تبرأ
~~ويجب عليه قضاؤها.
# ومن خالف في ذلك يقول: لا يعلم بمخالفته الامر وارتكابه النهى ان ذمته
~~غير بريئة بل لا يمتنع ان تبرأ ذمته بفعل القبيح كما تبرأ بفعل ما هو حسن.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ان كون الشئ مأمورا به يقتضى كونه حسنا
~~ومصلحة للمكلف (3) * وكونه منهيا عنه يدل على أنه مفسدة له ومحال ان يكون
~~ما هو مفسدة يقوم مقام ما هو مصلحة (4) * لان ذلك متضاد.
# PageV01P261
# فان قالوا: لكان يمتنع ان يقول الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم: (لا تفعل كيت وكيت ولكن ان فعلته قام ذلك ذلك مقام المصلحة)؟
# قيل له: الذي فرضته في السؤال غير ممتنع لكن ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل
~~والظاهر من النهى انه متى ارتكبه المأمور به لم يحصل وإذا لم يحصل فلم تحصل
~~براءة الذمة.
# فان قالوا: وكذلك وجوب القضاء عليه يحتاج إلى دليل.
# قيل له: إذا فعل المأمور به على الوجه المنهي عنه يدل على أن ما ms136 امر به
~~لم يفعله وإذا ثبت انه لم يفعل ما امر به فلا خلاف بين الأمة انه يجب عليه
~~قضاؤه لأنه لا فرق بين ان لا يصلى في أنه يجب عليه القضاء وبين ان يصلى
~~بغير طهارة في أنه أيضا يجب عليه القضاء في الحالين معا.
# فان قالوا: الطهارة شرط في صحة الصلاة وكل موضع يثبت ان المنهي عنه شرط
~~في صحة العبادة فإنه يدل على أنه غير مجزية وانما الخلاف فيما ليس بشرط في
~~صحة العبادة هل يكونا مجزيا أو لا؟
# قيل له: فعلى هذا ينبغي ان يسقط الخلاف فإنه متى فرضنا ان النهى لا يتعلق
~~بشئ يتعلق بالعبادة ولا بشئ من شرائطها فانا لا نحكم بفساد العبادة لان على
~~هذا التقدير يكون قد أدى العبادة على الوجه الذي امر بها والنهى انما يتعلق
~~بشئ اخر منفصل عنها فلا تعلق بينه وبينها على حال.
# فان قيل: لو كان الامر على ما ذكرتم لما قام دليل على أن كثيرا من
~~الأشياء المنهي عنها قام مقام الواجب الحسن مثل الوضوء بالماء المغصوب وغير
~~ذلك من الأشياء التي تقرر في الشرع كونها مجزية.
# قيل له: إن الذي نذهب إليه ان جميع ذلك غير مجز ولا محكوم بصحته فان دل
~~دليل على أن بعضه مجز وقام مقام الصحيح صرفا إليه بدليل.
# ونحن نبين جميع ذلك فيل بيان PageV01P262
# اما الوضوء بالماء المغصوب فلا يصح (1) لان الوضوء لا يصح عندنا الا بنية
~~القربة وذلك يقتضى كون الفعل حسنا وزيادة وذلك لا يمكن في المغصوب لأنه
~~قبيح فلا يصح التقرب به وإذا ثبت ذلك فلا يصح وضوؤه وإذا لم يصح وضوؤه
~~فكأنه صلى بغير طهارة وإذا صلى بغير طهارة فلا خلاف انه يلزمه قضاؤها.
# وليس لهم ان يقولوا: ما كان يمتنع ان يقال ان هذا الفعل وان كان قبيحا
~~فقد قام مقام ما هو حسن.
# قيل له: ذلك يحتاج إلى دليل ولو أن قائلا قال ذلك في الصلاة بغير طهارة
~~وانها ما كانت يمتنع ان تقوم ms137 مقام الصلاة بطهارة فما كان جوابكم يكون
~~جوابنا (2) وليس ذلك الا ما قلناه من أن ذلك يحتاج إلى دليل.
# وكذلك الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح لان نية القربة بها لا تصح.
# وليس لهم ان يقولوا: ليست الصلاة هي الغصب بل الصلاة تشتمل على أفعال لا
~~تعلق لها بالغصب وهي حسنة تصح القربة فيها.
# وذلك أن الصلاة هي الأركان المخصوصة في الدار من القيام والقعود وتلك
~~قبيحة بلا خلاف وليست الصلاة أمرا آخر منفصلا من ذلك وإذا كان كذلك ثبت ما
~~قلناه.
# واما الطلاق البدعي فعندنا انه غير واقع أصلا (3) * ومن قال بوقوعه في
~~موضع - وان وافقنا في هذا الأصل - يقول إن ذلك لقيام دليل ولو خليت وظاهر
~~النهى يحكم (4) بأنه غير مجز.
# PageV01P263
# واما الوطي في الحيض وما يتعلق به من لحوق الولد وتحليل المرأة للزوج
~~الأول ووجوب المهر كاملا ووجوب العدة وغير ذلك من الاحكام فان جميع ذلك
~~انما يثبت بدليل ولو خلينا وظاهر النهى لما أجزنا شيئا منه على حال.
# فاما الذبح بالسكين المغصوبة فيمكن ان يقال: ان القبح هو التصرف في
~~السكين فما يحصل في السكين من الافعال قبيحة وليس الذبح حالا في السكين (1)
~~* ولا يمتنع أن يكون الذبح حسنا وان كان سببه الذي أوجبه قبيحا الا ترى ان
~~من رمى مؤمنا فأصاب كافرا حربيا فان رميه يكون قبيحا وان كان ما حصل عنه من
~~قتل الكافر حسنا فكك القول فيما قلناه.
# ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه: رجوع الأمة من عهد الصحابة إلى يومنا
~~هذا في فساد الأمور وبطلانها إلى تناول النهى لها فلولا انهم عقلوا ذلك من
~~النهى والا لم يرجعوا إليه على حال.
# وليس لهم ان يقولوا: انهم رجعوا إلى ذلك لدليل دلهم على ذلك.
# وذلك أن هذا القول ينقض رجوعهم إلى النهى لأنهم إذا حكموا ببطلان الشئ
~~وفساده لدليل دلهم على ذلك فلا تعلق للنهي بذلك ولا معنى لرجوعهم إليه.
# فان نازعوا في رجوعهم إلى ذلك كان ذلك دفعا لما هو معلوم ms138 خلافه وقيل لهم
~~بينوا في شئ من الأشياء انهم رجعوا إلى العمل به لا يمكننا ان نقول في
~~النهى مثله؟
# ويدل على ذلك أيضا: انا قد دللنا على أن الامر يقتضى إجزاء المأمور به
~~فينبغي أن يكون النهى يقتضى كونه غير مجز لأنه ضده.
# فان خالفونا في الامر فقد دللنا على ذلك فيما مضى (2) فأغنى عن الإعادة.
# PageV01P264
# ويمكن (1) الاستدلال - بما روى عنه عليه السلام من قوله: (من ادخل في
~~ديننا ما ليس منه فهو رد) (2) - على صحة ما ذهبنا إليه لان ارتكاب النهى
~~خلاف الدين بلا خلاف.
# فان قالوا: معنى الرد في الخبر انه غير مقبول ولا يستحق عليه الثواب وذلك
~~لما تعلق له بالاجزاء لأنا قد بينا انه مع كونه غير مقبول فلا يستحق عليه
~~الثواب لا يمتنع ان يقع موقع الصحيح.
# قيل لهم: ذلك تخصيص للخبر وينبغي ان يحمل الخبر على عمومه وشموله فيحكم
~~بان ذلك لا يقبل ولا يستحق عليه الثواب ولا يقع به الاجزاء فمن ادعى تخصيصه
~~احتاج إلى دلالة.
# وليس لهم ان يقولوا: انما يمكن الاستدلال بالخبر إذا ثبت ان ارتكاب النهى
~~ليس من الدين ومن خالف في أن ذلك مجز يقول إنه من الدين.
# وذلك أنه لا خلاف في أن ذلك قبيح وما هو قبيح لا يكون من الدين لان كونه
~~من الدين يقتضى كونه حسنا وزيادة وانما الخلاف في أن ذلك وان كان كذلك هل
~~يجوز ان يقوم مقامه ما هو حسن أم لا؟ وذلك يحتاج إلى دليل.
# وقد استدل قوم على ذلك أيضا بان قالوا: كونه مجزيا لا يخلو ان يعلم ذلك
~~بلفظ الامر أو الإباحة (3).
# فان قلتم بذلك فكونه قبيحا يعلم من كونه مأمورا به ومن كونه مباحا.
# PageV01P265
# واعترض من خالف في ذلك بان قال: يعلم ذلك بغير الامر أو الإباحة وهو ان
~~يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تفعل كذا وكذا فان فعلت ذلك فقد
~~أجزأ عنك) وقام مقام الحسن الواجب والمباح (١).
# واستدلوا أيضا بان قالوا: قد ثبت ms139 ان النهى عن الربا في القران دل على
~~فساد المنهي عنه فينبغي ان يكون سائر النواهي مثل ذلك (٢).
# واعترض من خالف في ذلك بان قال: لم نعلم ذلك بظاهر النهى بل بقرينة وهي
~~قوله: ﴿لا تأكلوا
~~الربوا﴾ (3) فلو كان ذلك مجزيا لما نهى عن اكله (2).
# وقالوا: النهى عن ذلك مثل النهى عن تلقى الركبان وعن البيع يوم الجمعة
~~وغير ذلك وكل ذلك لا يدل على فساد المنهي عنه.
# ولمن نصر الاستدلال بالآية ان يقول: هذه المواضع لو خليت والظاهر لحكمت
~~بفساد المعنى (4) فيها لكن دل الدليل على أن ذلك جائز فقلت به لمكان
~~الدليل.
# فاما من خالف في المذهب الذي ذكرناه من أن النهى يقتضى فساد المنهي عنه
~~وجعل الطريق الذي به يعلم فساد المنهي عنه كونه مجزيا فحكى أبو عبد الله
~~البصري (5) عن أبي الحسن الكرخي انه متى كان وقوع المنهي عنه على الوجه
~~الذي نهى عنه يقتضى انه واقع على غير الشرط الذي اقتضاه الشرع [ف] وجب
~~فساده لأنه انما يصح إذا اتى به على شروطه والنهى (6) عنه قد أحل بذلك وما
~~لم تكن هذه حاله من الأشياء المنهي عنها فإنه يكون مجزيا.
# PageV01P266
# وذكر عن الشافعي انه ذكر في كتابه (1): ان فيما نهى عنه فاسدا وفيه ما لا
~~يفسد ان كان النهى يقتضى كون جميعه معصية ما لم يكن المراد به التأديب.
# فالذي يفسد هو ان يصل إليه من طريق محرم نحو ملك الغير أو الفروج لأنه
~~إذا كان مجزيا فيتوصل إليه بما نهى عنه فيجب الاستباح.
# وحكى عنه قول اخر وهو: انه إذا نهى عن الفعل بوجه يختصه فوجب ان يفسد.
# وكلما ذكرناه انما هو على مذهب من قال إن النهى لا يدل على فساد المنهي
~~عنه ويحتاج في الفرق بين ما هو فاسد وما ليس كذلك إلى امر اخر.
# ومن قال بما قلناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P267
# فصل NoteV01P268N0٣ (فيما يقتضيه الامر ms140 من جمع وآحاد) اعلم أن الواجب
~~اعتبار ظاهر الامر فان اقتضى تناوله جميع المكلفين لزمتهم تلك العبادة وكان
~~ذلك من فروض الأعيان وذلك مثل قوله: ﴿أقيموا الصلاة واتوا الزكاة﴾ (١) وما يجرى مجرى
~~ذلك فان دل الدليل على أن المراد به بعضهم حمل عليه ولأجل هذا قلنا ان
~~قوله: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾
~~(٢) يختص الأئمة عليهم السلام ومن يقوم مقامهم في النيابة عنهم لما دل
~~الدليل على أن ذلك من فروض الأئمة وكذلك قوله:
# ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3) حملناه
~~على أن المراد به الأئمة والسعاة من قبلهم لما كان ذلك من فروضهم.
# وان دل الدليل على أن المأمور به مشروط بشروط حمل وجوبه على من اجتمعت
~~تلك الشرائط فيه ولهذا قلنا: ان الامر بصلاة الجمعة مخصوص بمن كان على صفات
~~مخصوصة واجتمعت شرائط الجمعة كلها هنا ومن لم يكن كذلك لا يجب عليه.
# وان دل الدليل على أن المراد بالامر حصول امر وعلم حصول ذلك الامر
# PageV01P268
# ببعض من تناوله الخطاب قلنا: ان ذلك من فروض الكفايات وذلك نحو الجهاد
~~لما كان البغية به حفظ بيضة الاسلام ودفع الأعداء عن المسلمين وكان ذلك
~~يحصل ببعضهم كان ذلك من فروض الكفايات وكذلك القول في الصلاة على الأموات
~~ودفنهم وحملهم إلى المقابر ومتى قام بذلك من يحصل البغية به سقط عن الباقين
~~واجري مجرى ذلك الفقهاء طلب الفقه لان ذلك عندهم من فروض الكفايات لأنهم
~~جوزوا تقليد العلماء والرجوع إليهم ومن لم يجوز ذلك جعله من فروض الأعيان
~~ولم يجعله من فروض الكفايات وكذلك اجرى هذا المجرى اختيار الأئمة من أجاز
~~اختيار الأئمة فاما على مذهبنا فطريقة معرفة الأئمة النص الثابت على
~~أعيانهم على ما ذكرناه في كتب الإمامة.
# فهذه الجملة كافية في هذا الباب لأنها تنبه على ما زاد عليها وما يتفرع
~~انشاء الله تعالى. PageV01P269
# الباب الخامس الكلام في العموم والخصوص PageV01P271
# فصل NoteV01P273N01 (في ذكر حقيقة العموم والخصوص وذكر ألفاظه) ms141 اعلم أن
~~معنى قولنا في اللفظ (انه عام) يفيد انه يستغرق جميع ما يصلح له وبهذا الذي
~~ذكرناه يتميز من غيره مما لا يشركه في هذا الحكم كما أن الأمر والنهي وسائر
~~اقسام الكلام يتميز بعضها من بعض بما يفيد كل واحد من الأقسام ولذلك يقال:
~~(عم الله تعالى المكلفين بالخطاب) لما كان متوجها إلى جميعهم (1).
# PageV01P273
# فاما استعمال هذه اللفظة في المعاني (1) نحو قولهم: (عمهم البلاء والقحط
~~والمطر) وغير ذلك فالأقرب في ذلك أن يكون مجازا لأنه لا يطرد في سائر
~~المعاني فلو ان قائلا قال: ان ذلك مشترك لم يكن بعيدا (2) * وقد ذهب إليه
~~قوم من الأصوليين.
# ومعنى قولنا في اللفظ: (انه خاص) يفيد انه يتناول شيئا مخصوصا دون غيره
~~مما كان يصح ان يتناوله ولذلك يقال: (خص الله تعالى زيدا بالخطاب) لما كان
~~متوجها إليه دون غيره من المكلفين الذين كان يصح ان يتوجه إليهم الخطاب.
# فاما ألفاظ التثنية وألفاظ الجموع وألفاظ النكرات وغير ذلك فلا توصف
~~بالعموم لما لم تكن متناولة لها على وجه الاستغراق.
# فاما ألفاظ العموم فكثيرة نحن نذكر منها طرفا:
# فمنها: (من) في جميع العقلاء (3) إذا كانت نكرة في المجازاة والاستفهام
~~ومتى وقعت معرفة لم تكن للعموم وكانت بمعنى (الذي) وهي خاصة بلا خلاف.
# PageV01P274
# ومنها: (ما) في ما لا يعقل إذا وقعت الموقع الذي ذكرناه من المجازاة
~~والاستفهام (١) ومتى كانت معرفة لم تكن مستغرقة كما قلناه في (من) سواء.
# ومن الناس من قال: ان (ما) يعم ما يعقل وما لا يعقل وهي أعم من (من) وذلك
~~محكى عن قوم من النحويين (٢).
# ومنها (أي) فإنها تستغرق ما يعقل وما لا يعقل وهي أعم من اللفظتين معا
~~ولأجل هذا إذا قال: (أي شئ عندك) يحسن ان يجاب بما يعقل وما لا يعقل الا
~~انها لا تفيد الاستغراق كما تفيد (من) (وما) الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم
~~له بحكم الاستغراق.
# ومنها: (متى) في الأوقات لأنها تجرى في تناول جميع الأوقات مجرى (من) في
~~تناولها لجميع ms142 العقلاء وذلك نحو ان يقول القائل: (متى جئتني جئتك) فان ذلك
~~لا يختص وقتا دون وقت بل يتناول جميع الأوقات.
# ومنها: (أين) في المكان نحو قول القائل: (أين زيد) يحسن ان يجيبه بذكر كل
~~مكان فعلم أنه متناول له.
# ومنها: لفظي النفي إذا دخل على النكرات نحو قول القائل: (ما رأيت أحدا) و
~~(ما جاءني من أحد) فان ذلك يفيد الاستغراق.
# ومنها: أسماء الأجناس إذا دخلها الألف واللام ولم يرد بها التعريف نحو
~~قوله تعالى: ﴿والعصر ان الانسان لفي
~~خسر﴾ (3) ونحو قولهم: (أهلك الناس الدنيا والدرهم) لان ذلك يفيد الجنس
~~كله ومتى كان التعريف كان مختصا بما عرف به نحو قول القائل: (رأيت الانسان)
~~يشير به إلى انسان معهود متقدم.
# فاما إذا كان خاليا من الألف واللام فإنه يفيد واحدا لا بعينه نحو قول
~~القائل:
# PageV01P275
# (رأيت رجلا وإنسانا) وما يجرى مجراه وهذا يسميه أهل اللغة النكرة لأنه لا
~~يخصص واحدا من غيره.
# ومنها: الأسماء المشتقة نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ (2) وما يجرى مجرى
~~ذلك فإنه متى كان فيها الألف واللام ولم يكن المراد بهما المعهود والمعرف
~~أفاد الاستغراق ومتى كان العهد أفاد التعريف نحو قول القائل: (رأيت ضاربا
~~وقاتلا) فإنه يفيد واحدا لا بعينه.
# ومنها: ألفاظ الجموع إذا دخلها الألف واللام فإنها تفيد الاستغراق نحو
~~قولهم: (رأيت الرجال) وما يجرى مجرى ذلك فان ذلك يفيد جميع الرجال الا ان
~~يراد بذلك التعريف والعهد فيحمل على ذلك.
# ومتى خلت ألفاظ الجموع من الألف واللام فإنها تفيد ثلاثة فصاعدا لا
~~بأعيانهم ويكون الثلاثة مقطوعا بهم وما زاد على ذلك مشكوكا فيه مجوزا.
# وقد اختلف المتكلمون فيما ذكرناه من ألفاظ الجموع وألفاظ الأجناس فذهب
~~أبو على وأكثر المتكلمين إلى أن هذه الألفاظ إذا كان فيها الألف واللام وجب
~~حملها على الاستغراق إذا لم يكونا للعهد الا أن يدل دليل على أنه أريد بهما
~~البعض ms143 فيحمل عليه (3).
# وذهب أبو هاشم إلى أن ذلك لا يفيد الاستغراق وانما يفيد في أسماء الأجناس
~~تعريف الجنس المخصوص وفي أسماء الجموع الثلاثة فقط لان الحكيم لو أراد أكثر
~~من ذلك لبينه (3) ونحن نبين الصحيح من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# واتفق هؤلاء وغير هؤلاء على تناول الجموع الثلاثة فصاعدا حقيقة وان أقل
~~الجمع ثلاثة وذهب قوم إلى أن أقل الجمع اثنان والأول هو مذهب أكثر الفقهاء
~~(4).
# PageV01P276
# ومنها لفظ (كلا): إذا دخلت في الكلام فإنها تفيد الاستغراق سواء دخلت
~~للتأكيد أو لغير ذلك واما ما يدخل للتأكيد نحو قول القائل: (رأيت الرجال
~~كلهم) فان ذلك يفيد الاستغراق وما يدخل لغير التأكيد نحو قول القائل: (كل
~~رجل جائني أكرمته) و (كل عبد لي فهو حر) وعلى هذا قوله: ﴿كما ألقى فيها فوج سئلهم خزنتها﴾ (1).
# فهذه جملة من الألفاظ المستعملة في العموم ونحن ندل على انها تفيد العموم
~~على ما قلناه ونذكر اختلاف الناس في ذلك والكلام على شبههم في فصل يلي هذا
~~الفصل انشاء الله تعالى.
# PageV01P277
# فصل NoteV01P278N02 (في ذكر الكلام على أن العموم (1) * له صيغة في
~~اللغة) ذهب الفقهاء بأسرهم وأكثر المتكلمين إلى أن العموم له صيغة موضوعه
~~في اللغة تختص به (2).
# وقال قوم من المرجئة (3) وغيرهم: إنه ليس للعموم صيغة أصلا بل كلما يدعى
~~انه للعموم فهو للخصوص وانما يفيد أقل ما يمكن ان يكون مرادا (4).
# وقال أكثر المرجئة: ان هذه الألفاظ مشتركة بين العموم والخصوص حقيقة
~~فيهما معا.
# وفي الناس من قال: انه يجب حمل اللفظ على الاستغراق فيما يتعلق بالامر
# PageV01P278
# والنهى ولا يجب ذلك في الاخبار. والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على
~~ذلك أن (من) إذا استعملت في المجازات يحسن ان يستثنى منها كل واحد من
~~العقلاء فلولا انها مستغرقة لهم والا لم يجز ذلك يبين ذلك انها لما لم يكن
~~متناولة لغير العقلاء لم يحسن ان يستثنى منها من ليس بعاقل ومن دفع حسن
~~الاستثناء في هذا ms144 لا يحسن مكالمته.
# فان قيل: انما حسن الاستثناء في هذا الموضع لأنه يصلح ان يكون متناولا
~~لجميع العقلاء وان لم يكن ذلك واجبا وغير العقلاء انما لم يحسن استثناؤهم
~~لان اللفظ لا يصلح ان يتناولهم أصلا.
# قيل لهم: لو كان الاستثناء انما حسن للصلاح دون الوجوب لحسن الاستثناء من
~~النكرات وقد علمنا أنه لا يحسن ان يقول القائل: (رأيت رجلا الا زيدا) وان
~~كان لفظ (رجل) يصلح ان يقع على زيد وعلى غيره من الرجال صلاحا لما لم يكن
~~متناولا له على طريق الوجوب.
# فان ارتكبوا حسن الاستثناء من لفظ (رجل) لم يحسن كلامهم لان ذلك معلوم من
~~دين أهل اللغة خلافه.
# وان قالوا: انما لم يحسن الاستثناء من ذلك لان من شان الاستثناء ان لا
~~يدخل الا على جملة ذات عدد وان لم تكن مستغرقة الا ترى انها تدخل على ألفاظ
~~الجموع التي ليست للاستغراق الا ترى انه إذا قال القائل: (رأيت رجالا) يحسن
~~ان يستثنى منها زيدا وعمروا وخالدا وبكرا ولا يقول أحد: ان ألفاظ الجمع
~~الخالية من الألف واللام مستغرقة لجميع الرجال فبطل ان يكون الاستثناء
~~دلالة على الاستغراق.
# قيل لهم: ان قولكم (1) ان من شان الاستثناء ان لا يدخل الا على جملة باطل
~~لأنها تدخل على لفظ الواحد المنفى الا ترى انه يحسن ان يقول القائل: (ما
~~جاءني من أحد) ثم يستثنى كل واحد من العقلاء وليس لفظ (أحد) لفظ جمع.
# PageV01P279
# واما ألفاظ الجموع فمن الناس من يقول: انها محمولة على الاستغراق لان
~~المتكلم بها لو أراد أقل الجموع أو جمعا دون جمع لبينه فلما لم يبين ذلك دل
~~على أنه أراد الجميع (1).
# ومن قال هذا سقط عنه السؤال ومن لم يقل ذلك ويقول: انها تصلح للثلاثة
~~فصاعدا يقول لا يحسن الاستثناء من ألفاظ الجموع لان من حق الاستثناء ان
~~يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ولما لم يكن ذلك في ألفاظ الجموع
~~لم يحسن.
# وربما أكدوا ذلك بان قالوا: لو حسن ذلك لحسن ms145 ان يقول: (رأيت رجالا الا
~~رجلا) يستثنون واحدا منكرا من ألفاظ الجمع فلما لم يحسن ذلك دل على أن حكم
~~المعرف مثله وانما ذلك أبين.
# وليس لهم ان يقولوا: انما لم يحسن استثناء المنكر لأنه لا يفيد وذلك أنه
~~لو كان (2) * يحسن لما قالوه لما حسن استثناؤه من ألفاظ الجموع إذا كان
~~فيها الألف واللام وذلك نحو قول القائل: (لقيت الاشراف) فإنه يحسن منه ان
~~يقول: (الا واحدا) وان كان منكرا لما كان لفظ (الاشراف) مستغرقا من حيث
~~كانت فيه الألف واللام فعلم بذلك (3) * انه انما امتنع في الموضع الذي
~~امتنع لمكان الصلاح (4) * لا لعلة
# PageV01P280
# أخرى.
# فاما من قال: انه انما لم يحسن الاستثناء من لفظ الواحد المنكر في
~~الاثبات من حيث إنه كان من حق الاستثناء ان يميز ذاتا من ذات وإذا قال:
~~(رأيت رجلا) ثم قال: (الا زيدا) فلم يميز ذاتا من ذات لان الذات واحدة
~~وانما ميزها بصفة كأنه قال:
# ليس صفتها ان يكون زيدا وذلك ضد حقيقة الاستثناء.
# فان ذلك يبطل بما قلناه من لفظ النكرة في النفي وقولهم: (ما جاءني من
~~أحد) فان اللفظ واحد والتميز يقع ها هنا بالتسمية والصفة ومع ذلك فإنه يحسن
~~الاستثناء بلا خلاف على أن الذي ذكروه غير صحيح لان لفظ (رجل) يقع على كل
~~رجل صلاحا فإذا استثنى بعض الرجال فقد ميز ذاتا من غيرها على ما تقتضيه
~~حقيقتها.
# فان قالوا: كيف يكون الاستثناء دليلا في هذا الموضع ونحن نعلم أن القائل
~~إذا قال: (من دخل داري أكرمته) لم يحسن ان يقول: (الا الشياطين) وان كانوا
~~من العقلاء؟
# وكذلك إذا قال: (من دخل داري ضربته) لم يحسن ان يقول: (الا الملائكة) وان
~~كانوا من جملة العقلاء؟
# فعلم بذلك ان الاستثناء ليس بدلالة على أن اللفظ متناول لجميع العقلاء.
# قيل لهم: ان الذي ذكرتموه لا ينقض استدلالنا لان هذا السؤال يتضمن ان
~~اللفظ قد يشمل على من لم يحسن استثناؤه وذلك لا يضرنا وانما كان ينقض
~~دليلنا لو تبينوا حسن ms146 الاستثناء من لفظ لا يتناول ما استثنى وذلك متعذر على
~~ما بيناه.
# على أنه انما لم يحسن استثناء واحد من الفريقين المذكورين في السؤال من
~~حيث علمنا بالعادة انه لم يقصدهما باللفظ فصار الفريقان في حكم ما لم
~~يتناوله اللفظ أصلا ومتى فرضنا ان الكلام صادر من الحكيم تعالى حسن ان
~~يقول:
# (من عصاني عاقبته الا إبليس) لما كان اللفظ متناولا له وجاز أن يكون
~~مقصودا به وانما امتنع في الواحد منا لما قلناه.
# فان قالوا: لو كان قول القائل: (من دخل داري ضربته) متناولا لجميع
~~العقلاء لم PageV01P281
# يحسن ان يستفهم فيقال: (وان دخلها نبي) أو (وان دخلها أبوك)؟ فلما حسن
~~هذا الاستفهام دل على أن اللفظ مشترك وانما يستفهم عن مراده بها.
# قيل لهم: لا نم انه يحسن الاستفهام في هذا الموضع على كل حال وعلى كل وجه
~~وهو انه إذا كان المخاطب عالما باللغة وكان حكيما لا يجوز عليه التعمية ولم
~~يقرن بخطابه ما يدل على أنه أراد بعضه أو تخصيصه وكان المخاطب أيضا عالما
~~باللغة وبموضوعها لم يحسن ان يستفهم وانما يحسن الاستفهام إذا اختلف بعض
~~الشرائط اما بان يكون أحدهما غير عالم باللغة وموضوعها أو مع كونهما عاملين
~~يجوز السامع أن يكون المتكلم أراد به المجاز ولم يبينه في الحال أو غير ذلك
~~من الأمور فان عند ذلك يحسن الاستفهام وإذا خلا من ذلك لم يحسن على ما
~~بيناه.
# على أن الاستفهام قد يحسن في المواضع التي ليست للاشتراك الا ترى ان
~~القائل إذا قال: (لقيت الأمير) أو (ضربت أبي) يحسن ان يقال: (ألقيت الأمير
~~نفسه أو بعض أصحابه)؟ وكذلك يقال: (أضربت أباك نفسه)؟ وذلك لا يدل على أن
~~اسم (الأمير) مشترك بينه وبين صاحبه ولا اسم (الأب مشترك) بينه وبين غيره.
# فان امتنعوا من حسن الاستفهام ههنا امتنعنا هناك.
# وان قالوا: ذلك ليس باستفهام وانما هو استعظام واستكبار.
# قيل لهم: وكذلك قول السائل لمن قال: (من دخل داري أهنته وان دخلها نبي أو
~~أبوك) انما ms147 هو استعظام واستكبار وليس باستفهام ولا فرق بينهما على حال.
# والذي يدل أيضا على أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله
~~تحته لا ما يصلح حسن الاستثناء من الاعداد لان القائل إذا قال: (اعط فلانا
~~عشرة دراهم) يحسن ان يستثنى منه ان يقول: (الا واحدا).
# ولا يمكن ان يقال: ان لفظة عشرة مشتركة بين العشرة والتسعة.
# فان ارتكبوا ذلك وقالوا: اللفظ مشترك الزموا أن يكون مشتركا بين العشرة
~~والثمانية والسبعة والستة والخمسة والى الواحد لأنه يحسن استثناء جميع ذلك
~~من لفظ العشرة لأنه يحسن بلا خلاف ان يقول: (اعط عشرة دراهم الا خمسة)
~~PageV01P282
# وعلى (1) الصحيح من المذهب وان كان فيه خلاف - ان يقول: (اعط عشرة الا
~~تسعة) وأي الامرين ارتكبوا كان ذلك خلافا لما هو معلوم ضرورة من دين أهل
~~اللغة.
# فان قالوا: وما العلة الجامعة بين الاعداد وغيرها؟ ولم إذا ثبت في
~~الاعداد وما قلتم يجب أن يكون حكم غيرها هذا الحكم؟
# قيل لهم: انما جمعنا بينهما من حيث إن حقيقة الاستثناء كان أن يخرج من
~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلما كان هذا حقيقة الاستثناء وجب ذلك في
~~كل موضع.
# فان قالوا: الوجوب الذي ثبت في الاعداد امر زائد على الصلاح وإذا كان
~~الامر كذلك عاد الامر إلى أنه انما يحسن الاستثناء فيها للصلاح دون الوجوب.
# قيل لهم: الصلاح وان كان حاصلا في الاعداد فإنه لا ينفصل من الوجوب
~~فينبغي أن يكون حقيقة الاستثناء ان يدخل على الصلاح الذي هو الواجب. وكذلك
~~نقول في جميع المواضع التي نقول فيها بالعموم ولا يجب أن يحكم بان هذا
~~الحكم بمجرد الصلاح لان ذلك ليس بحاصل في الاعداد وانما كان يجوز أن لو ثبت
~~الصلاح بمجرده وحسن مع ذلك الاستثناء لزمنا ان نحكم بحسن ذلك الصلاح فاما
~~ولما يثبت ذلك فلا يجوز على حال.
# ومما يدل أيضا على ما قلناه: ان القائل إذا قال: (من عندك)؟ مستفهما يحسن
~~ان يجاب بذكر كل عاقل فلولا ان اللفظة مستغرقة لجميع ms148 العقلاء والا لم يحسن
~~ذلك وانما قلنا ذلك لان من شأن الجواب مطابقا للسؤال ولا يكون مطابقا الا
~~بأن يجيب المجيب عما سأل عنه السائل وفي ذلك ثبوت الاستفهام عن جميع
~~العقلاء.
# ولأجل ذلك حسن الجواب بذكر كل واحد منهم.
# فان قالوا: لا يحسن ان يجيب بذكر كل عاقل بل ينبغي أن يستفهم ويقول: (من
~~الرجال أو من النساء أو من الاشراف أو من العامة) فإذا بين مراده اجابه
~~حينئذ.
# PageV01P283
# قيل له: من مذهب أهل اللغة خلاف هذا لأنهم يستحسنون الجواب بذكر العقلاء
~~في الموضع الذي ذكرناه وان لم يستفهموا أصلا فمن أوقف حسن ذلك على
~~الاستفهام كان مكابرا مدافعا للضرورات.
# على أن هذا يوجب ان يستفهموا ابدا حتى ينتهى إلى أقل من يمكن أن يكون
~~مرادا لأنه لو قال: (من الرجال) كان ذلك غير مستغرق في الرجال على مذهب
~~الخصم ويحسن أن يستفهم دفعة أخرى فيقال: (امن أهل الاشراف أو من غيرهم أو
~~من شيوخهم أو شبانهم أمن صناعهم أو غيرهم؟) وكذلك ابدا وهذا يؤدى إلى أن لا
~~يحسن الجواب الا بعد ذكر جميع ذلك والمعلوم ضرورة خلاف ذلك.
# وليس لهم ان يقولوا: انما حسن الجواب بجواز أن يكون مستفهما عنه لا بوجوب
~~ذلك وذلك أن الصلاح لا يصير الكلام مطابقا للجواب وانما يصير كذلك بالوجوب
~~الا ترى انه إذا سأل سائل (1) المفتى فقال: (هل يجوز وطء المرأة في حال
~~قرئها؟) لم يحسن من المفتى ان يجيب عن ذلك بنعم أو لا بل يحتاج ان يستفهمه
~~فيقول: (ما الذي أردت بالقرء)؟ فان أردت الحيض فلا يجوز ذلك وطئها وان أردت
~~الطهر كان ذلك جائزا والعلة في قبح الجواب بما ذكرناه هو ان السؤال يمكن أن
~~يكون عن كل واحد من المعنيين (2) * ولم يجب أن يكون سؤالا عنهما (3) *
~~فكذلك لو كان ألفاظ العموم من الاستفهام جارية ذلك المجرى لوجب أن لا يحسن
~~الجواب بذكر آحاد العقلاء وقد علمنا خلاف ذلك.
# فان قالوا: إذا ثبت ذلك في الاستفهام لم زعمتم ان ms149 حكم غير الاستفهام حكمه
~~في المجازات وغيرها؟
# قيل لهم: غرضنا بهذا الدليل ان يثبت ان ها هنا لفظا موضوعا للاستغراق في
# PageV01P284
# اللغة ليبطل به مذهب من قال إنه ليس كذلك أو قال بالاشتراك.
# فاما ثبوتها في كل حال فنعلمه بالاجماع (1) وهو ان كل من قال: ان هذه
~~اللفظة مستغرقة في الاستفهام قال: انها كذلك في المجازاة فمن فرق بينهما
~~كان مخالفا للاجماع.
# والقول في لفظة (ما) و (متى) و (أين) و (أي) إذا وقعت للمجازاة أو
~~الاستفهام حكم ما ذكرناه في (من) على السواء.
# فاما إذا وقعت (من) و (ما) معرفة فلا يدل على الاستغراق بل تكون مصروفة
~~إلى ذلك المعروف بعينه ولأجل هذا يحتاجون إلى صلة كصلة (الذي) لما كانت
~~(الذي) معرفة وذلك نحو قول القائل: (ضربت من عندك) أو (اكلت ما أكلت) وما
~~يجرى مجرى ذلك ولا يتم فائدتهما الا بالصلة على ما بيناه.
# ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه: ان أهل اللغة عدوا العموم من اقسام
~~الكلام وكذلك الخصوص وفرقوا بينهما وقالوا هذا الكلام خرج مخرج العموم وهذا
~~الكلام خرج مخرج الخصوص فدل ذلك على أن فائدتهما تختلف.
# وعلى مذهب الخصم كلاهما سواء فينبغي أن نحكم ببطلان ذلك وجرى مجرى فصلهم
~~بين صيغة الأمر والنهي والخبر وغير ذلك من اقسام الكلام (2) * فكما ان لكل
~~شئ من ذلك صيغة موضوعة ينبغي أن يكون حكم العموم مثله سواء.
# وان نازعوا في جميع ذلك فقد دللنا على ثبوته فيما تقدم فلا فائدة في
~~اعادته.
# واستدل كثير من الفقهاء والمتكلمين (3) على ذلك بان قالوا: قد ثبت ان
~~العموم
# PageV01P285
# أمر معقول والحاجة إلى استعماله ماسة فلابد أن يكونوا وضعوا لذلك عبارة
~~يلتجئون إليها عند الحاجة إلى ذلك كما أنهم وضعوا لسائر اقسام الكلام وقد
~~قلنا ما عندنا في هذه الطريقة.
# واستدلوا أيضا بان قالوا: لا يخلو لفظة (من) أن تكون موضوعة لغير العقلاء
~~أو لبعض العقلاء أو لكل واحد منهم على البدل أو لجميعهم على جهة الاستغراق.
# قالوا: ولا يجوز أن ms150 تكون موضوعة لغير العقلاء لان ذلك معلوم خلافه وهو
~~متفق عليه أيضا ولا ان تكون موضوعة لبعضهم لأنه ليس بعضهم بان يتناوله أولى
~~من بعض ولا أن تكون موضوعة لواحد لا بعينه لمثل ما قلناه ولأنه لو كان كذلك
~~لجرى مجرى أسماء النكرات وقد علمنا خلاف ذلك.
# وأيضا: فلو كان لواحد لا بعينه لكان السائل إذا استفهم فقال: (من عندك؟)
~~لم يحسن ان يجاب بذكر نفسين أو ما زاد عليهما لان السؤال وقع عن واحد وقد
~~علمنا خلاف ذلك. فلم يبق بعد ذلك الا انها مستغرقة لجميع العقلاء.
# وقد استدلوا أيضا على ذلك بأن قالوا: وجدنا العموم قد اكد بلفظ لا يؤكد
~~به الخصوص وكذلك الخصوص أكد بلفظ لا يؤكد به العموم الا ترى انهم يقولون:
# (رأيت القوم أجمعين) و (رأيت زيدا نفسه) ولا يحسن ان يقول القائل: (رأيت
~~القوم نفس) ولا (رأيت زيدا أجمعين).
# فلما ثبت هذا دل على معنيهما يختلف كما أن تأكيديهما يختلف ولا يختلفان
~~الا بأن يكون أحدهما عاما والاخر يكون خاصا (1).
# ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بأن يقال: انما لم يحسن ان يقال: (رأيت
~~زيدا أجمعين) لان زيدا يختص شخصا واحدا فلا يجوز ان يؤكد بما يختص الجماعة
~~وان كانت غير مستغرقة وكذلك انما لم يحسن ان يقال: (رأيت القوم نفسه) لان
# PageV01P286
# القوم يفيد جماعة وان لم يفد جميعهم فلا يجوز أن يؤكد بما يؤكد به شخص
~~واحد.
# وربما رتبوا دليل الاستفهام على وجه اخر فقالوا: قد علمنا أنهم لما
~~استطالوا ان يستفهموا عن العقلاء بذكر أسمائهم فيقولوا: (أزيد عندك أعمرو
~~عندك أخالد عندك؟) وضعوا لفظة (من) نائبة من تعداد الأسماء لما شق عليهم
~~ذلك فيجب ان تكون مستغرقة لجميعهم كما أنهم لو عدوا ذكر جميعهم على التفصيل
~~- لو أمكن - لكان ذلك شاملا لهم.
# ورتبوا مثل هذا في المجازات وقالوا: لما استطالوا ان يقولوا: (ان دخل زيد
~~وعمرو وبكر داري أكرمتهم) وضعوا لفظ (من) عوضا عنه فقالوا: (من دخل داري
~~أكرمته) فينبغي أن تكون مستغرقة. ms151
# وهذه طريقة قريبة غير أنه يمكن أن يقال عليها: لا نسلم انهم وضعوا هذه
~~اللفظة بدلا عن تعداد جميع الأسماء بل لا يمتنع أن يكونوا وضعوها لجماعة لا
~~بأعيانهم.
# فان قلنا جوابا عن ذلك، لو كان كذلك لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد من
~~العقلاء كان ذلك رجوعا إلى الطريقة الأولى التي قدمناها.
# وقالوا أيضا: لما كان الاستفهام بلفظ الخاص يختص شخصا بعينه ولا يتعدى
~~إلى غيره فينبغي أن يكون الاستفهام بلفظ العموم بالعكس من ذلك وهو ان يتعدى
~~إلى غيره وليس بأن يتعدى إلى قوم أولى من أن يتعدى إلى آخرين فيجب أن يتعدى
~~إلى جميعهم.
# وهذا أيضا مثل الأول لأنه يمكن أولا ان يقال:
# ان هذا قياس والقياس في اللغة لا يجوز.
# والثاني ان يقال: غاية ما في هذا ان يجب ان يتعدى إلى أكثر من لفظ الخاص
~~ولا يجب من ذلك تعدية إلى جميعهم.
# فان قلنا: لو لم يجب لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد منهم كان رجوعا إلى
~~الدليل الذي قدمناه. PageV01P287
# وان قلنا: ليس بعضهم بذلك أولى من بعض كان ذلك رجوعا إلى دليل التقسيم
~~الذي قدمناه.
# وقد استدل المخالف (١) على صحة مذهبه بأن قال (٢):
# وجدت هذه الألفاظ تستعمل في الخصوص كما تستعمل في العموم بل استعمالها في
~~الخصوص أكثر لأنه ليس في جميع ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق الا قوله:
~~﴿والله بكل شئ عليم﴾ (3) فوجب أن
~~تكون اللفظة مشتركة فيهما.
# قيل له: قد بينا ان مجرد الاستعمال لا يدل على الاشتراك لان المجاز
~~مستعمل كما أن الحقيقة مستعملة فلا يمكن ان يستدل بالاستعمال على واحد من
~~الامرين ويحتاج في اثبات أحدهما إلى الرجوع إلى امر اخر.
# واما قولهم: (انهم لم يجدوا في ألفاظ القران لفظة تفيد الاستغراق الا
~~لفظة واحدة).
# فليس إذا قل استعمال الحقيقة فيما هو حقيقة فيه وكثر استعماله في المجاز
~~دل على أنه ليس بحقيقة فيه الا ترى انه لم تجر عادتهم في استعمال لفظة ms152
~~(الدابة) في كل ما دب بل صار بالعرف لا يستعمل الا في دابة بعينها ولا يدل
~~ذلك على أنهم لم
# PageV01P288
# يضعوا هذه اللفظة في الأصل لكل ما يدب.
# فعلم بذلك ان قلة الاستعمال لا يدل على أن اللفظة ليس بحقيقة.
# وعندنا ان الحكيم تعالى إذا استعمل هذه اللفظة فيما دون الاستغراق فلابد
~~من أن يدل عليه دالا لم يحسن منه ذلك.
# واستدلوا أيضا بحسن الاستفهام عن هذه الألفاظ قالوا: فلولا انها مشتركة
~~والا لم يحسن (1).
# وقد قلنا ما عندنا في ذلك فيما مضى فأغنى عن الإعادة.
# واستدلوا أيضا بان قالوا: لو كان ذلك مفيدا للاستغراق لما حسن أن يؤكد
~~لان المؤكد قد أنبأ عن المراد فتأكيده عبث.
# والجواب عن ذلك: انا قد بينا ان التأكيد دليل لمن قال بالاستغراق ولو لزم
~~هذا الاعتبار أن لا يكون اللفظ موضوعا للاستغراق لوجب في ألفاظ الخصوص
~~وألفاظ الاعداد مثله لأنا وجدناهم يؤكدون ألفاظ الخصوص وألفاظ الاعداد كما
~~يؤكدون ألفاظ العموم فأي شئ أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه.
# واستدلوا أيضا بان قالوا: لو كانت هذه الألفاظ تفيد الاستغراق لما حسن
~~الاستثناء منها وكانت تكون نقصا لان هذه اللفظة تجرى عندكم مجرى تعداد
~~الأسماء فكما لا يجوز ان تعد الأسماء ثم يستثنى منها فكذلك لفظ العموم لو
~~كان جاريا مجرى ذلك لما حسن الاستثناء منه.
# والجواب عن ذلك أن يقال: الاستثناء انما يحسن إذا قصد المتكلم بالخطاب
~~بعض العموم فيحتاج ان يبين من لم يعنه بالخطاب وانما كان يكون نقضا لو قصد
~~به الاستغراق ثم استثنى منها ونحن لا نقول ذلك.
# وليس كذلك تعداد الأسماء لأنه إذا عددها فقد قصدها كلها فلا يجوز بعد ذلك
~~أن يستثنى منها لأنه يؤدي إلى نفى ما أثبته بعينه وذلك لا يجوز على حال.
# PageV01P289
# وليس كذلك لفظ العموم لأنه يجوز ان يستعمل في بعض ما وضع له على ضرب من
~~المجاز إذا بين معه المراد بذلك وفي ذلك سقوط هذا السؤال.
# فاما من فرق بين الأوامر والاخبار ms153 فقوله يبطل بما دللنا عليها من أن هذه
~~الألفاظ تفيد الاستغراق في الاخبار كإفادتها في الأوامر وإذا ثبت ذلك فمتى
~~ورد خطاب من الله تعالى وجب حمله على عمومه سواء كان أمرا أو خبرا الا ان
~~يدل دليل على أن المراد به التخصيص فتحمل عليه ولأجل هذا قلنا: ان ما أخبر
~~الله تعالى به من عقاب العصاة المراد به بعضهم لا جميعهم لما دل الدليل
~~عندنا على ذلك فلا يظن ظان ان في القول بالعموم تركا لهذا المذهب وتصحيحا
~~لمذهب الخصم لان الخصم يدفع ان يكون ها هنا دليل يدل على تخصيص آيات الوعيد
~~ونحن نثبته وإذا ثبت ما ندعيه بطل مذهب الخصم في ذلك.
# فاما من فرق بين الامر والخبر بان قال: ان الامر تكليف والخبر ليس كذلك
~~فلا يمتنع أن لا يكون مفيدا للاستغراق وان لم يعلمه فقد أخطأ وذلك أنه لا
~~فرق بينهما في تعلق تعليق التكليف بهما لان الامر يوجب علينا فعل ما تناوله
~~والخبر يوجب علينا اعتقاد ما تضمنه فلابد من أن يكون مفيدا للاستغراق ان
~~كان مطلقا.
# وان كان المراد به الخصوص فلابد من أن يقترن به البيان والا أدى ذلك إلى
~~إباحة الجهل والاعتقاد الذي لا نأمن كونه جهلا وكل ذلك منفى عن القديم
~~تعالى.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P290
# فصل NoteV01P291N03 (في ذكر ألفاظ الجمع والجنس وغير ذلك (1)) ذهب أكثر
~~من قال بالعموم إلى أن اسم الجنس إذا دخله الألف واللام اقتضى
# PageV01P291
# استغراق الجنس وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والعصر ان الانسان لفي خسر﴾ (١) وكذلك قالوا في
~~ألفاظ الجموع والأسماء المشتقة (٢) نحو قولهم: (رأيت الرجال) وقوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٣) و (ان الفجار
~~لفي جحيم) (٤) و (يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) (٥).
# هذا إذا لم يكن هناك ما يدل على أنهما دخلا للعهد فان دل دليل على ذلك
~~حمل اللفظ عليه.
# قال أبو على: مثل ذلك في اسم الجنس وأسماء الجموع وامتنع من القول ms154 به في
~~الأسماء المشتقة (٦).
# وقال أبو هاشم خاصة (٧): لا يدل في هذه المواضع كلها على الاستغراق بل
~~يدل الألف واللام اما على العهد أو على تعريف الجنس فاما الاستغراق فلا يدل
~~على ذلك الا ان يقترن به دليل يدل عليه نحو قوله ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (8) وقوله:
~~(ان الفجار لفي جحيم) (4) وقوله: (اقتلوا المشركين) (3) ان جميع هذه
~~المواضع المراد بها الاستغراق لان الكلام خرج مخرج الزجر (9) والزجر حاصل
~~في الجميع كما هو حاصل في كل واحد منهم فلأجل ذلك حملته
# PageV01P292
# على الجميع (١).
# وفي الناس من قال: ان الذي ادعاه أبو هاشم من تعريف الجنس غير معقول أصلا
~~ولا يفهم من الألف واللام الا الاستغراق أو العهد (١).
# فهذا جملة الخلاف بين من قال بالعموم في هذه الألفاظ.
# فاما من قال بالخصوص أو بالوقف فقولهم في هذه الألفاظ مثل قولهم فيما مضى
~~على السواء (٢).
# والذي اذهب إليه هو الأول والذي يدل على ذلك حسن الاستثناء في جميع هذه
~~الألفاظ (٣) الا ترى انه يحسن ان يقال: (ان الانسان لفي خسر الا زيدا
~~وعمرا) فيستثنى كل واحد من الناس من اللفظ الأول.
# وكذلك إذا قال: (رأيت الرجال) يحسن ان يستثنى كل واحد منهم.
# وكذلك يحسن الاستثناء من قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (4) وقوله: (ان الفجار لفي جحيم)
~~(5) وقوله: (ويقول الكافر) (6) وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ.
# وقد بينا في الباب الأول ان من حق الاستثناء ان يخرج من الكلام ما لولاه
~~لوجب دخوله تحته وفي ذلك اقتضاء هذه الألفاظ الاستغراق.
# فان دفعوا حسن الاستثناء في هذه المواضع دفعهم أصحاب الخصوص والوقف عن
~~دخوله فيما مضى من الألفاظ.
# PageV01P293
# فان قالوا: يحسن دخوله ولا يدل على الاستغراق.
# قال لهم: أصحاب الخصوص والوقف مثل ذلك في (من) و (ما).
# وإذا كان الكلام مع أصحاب الخصوص والوقف يكون الكلام على ما رتبناه في
~~(من) و (ما) على حد سواء (1).
# فاما الذي اختاره أبو هاشم من أنهما يقتضيان تعريف الجنس (2) فلسنا ms155 نمنع
~~من أن ذلك قد يراد في بعض الأحوال كما لا نمنع من أن يراد بهما المعهود على
~~بعض الأحوال ولا يدل ذلك (3) * على أنه يجب حملها عليه ابدا كما لا يجب ذلك
~~في حمله على العهد ابدا.
# فاما من دفع أبا هاشم عن ذلك وقال: ان ذلك غير معقول (4) فباطل لأنا نحن
~~نعلم أن القائل إذا قال: (اكلت اللحم ولبست الجباب (5) أو الثياب أو جاء
~~وقت لبس الجباب) لا يريد بذلك اكله لحما بعينه ولا انه اكل جميع اللحوم
~~وانما أراد تعريف هذا الجنس بعينه وكذلك لا يريد لبس جميع الجباب ولا جبابا
~~بأعيانها وانما يريد تعريف هذا الجنس والكلام في ذلك بين فمن دفعه كان
~~دافعا لما هو معلوم.
# ويدل أيضا على ذلك: ان أهل اللغة نصوا فقالوا أسماء الأجناس تدل على
~~القليل والكثير (6) * ولأجل ذلك قالوا: ان لفظ الجنس لا يجوز ان يجمع لأنه
~~بنفسه يدل على القليل والكثير فجمعه عبث وانما يحسن جميعه إذا اختلفت
~~الأجناس
# PageV01P294
# ولا يدل بعضهما على بعض فحينئذ يستفاد بالجمع أجناس مختلفة.
# فاما في الجنس الواحد فلا يحسن على حال ولا يجب من حيث إن الألف واللام
~~يدخلان للعهد أو لتعريف الجنس - على ما ذهب إليه أبو هاشم (1) - ان لا يفيد
~~الاستغراق كما لا يجب ذلك في (من) و (ما) لأنهما قد يستعملان في المعهود
~~ولا يدل ذلك على أنهما لا يستعملان في الاستغراق على حال.
# واستدل أبو علي على أن لفظ الجمع يقتضى الاستغراق إذا لم يدل دليل على
~~أنه أراد البعض بأن قال: انه قد ثبت انه حقيقة في الاستغراق (2) * كما أنه
~~حقيقة في أقل الجمع فإذا كان كذلك - ولا يكون هناك دلالة - وجب حمله على
~~الاستغراق (3).
# وقال أيضا: إذا كان الكلام صادرا من حكيم فلو أراد أقل الجمع لبينه فلما
~~لم يبين دل على أنه أراد الاستغراق (4).
# واعترض على ذلك أبو هاشم وأصحاب الخصوص والوقف بان قالوا: إذا كان ذلك
~~حقيقة في أقل الجمع كما هو حقيقة في الاستغراق ms156 وجب حمله على الأقل لأنه
~~مقطوع به والاستغراق لا دلالة عليه فوجب أن لا يكون مرادا (5).
# وقالوا: إذا كان الكلام صادرا من حكيم ولا يدل على أنه أراد الاستغراق
~~ودل على أنه أراد أقل الجمع وتعارض القولان ووقف الدليل.
# PageV01P295
# والمعتمد عندي هو الأول (1) *.
# واستدل أبو هاشم على أن لفظ الجمع لا يفيد الاستغراق بان قال:
# لو اقتضى ذلك لاقتضى أكثر الاعداد وذلك يوجب أن يكون مقتضيا لما لا
~~يتناهى أو أن يكون حقيقة في كل عدد يوجد الجموع وكل ذلك فاسد (2) (3) *.
# والكلام على ذلك أن يقال: أكثر ما في هذا ان يقتضى انه لا يجوز ان يفيد
~~ما لا يتناهى لان ذلك محال ولا يدل على أنه لا يفيد استغراق ما يمكن ولو
~~لزم هذا ها هنا للزمه في (من) و (ما) بأن يقال لو أفاد الاستغراق لتعلقا
~~بما لا يتناهى وذلك باطل.
# ولا جواب عن ذلك الا ما قلناه من أنه ينبغي أن يحمل على الاستغراق فيما
~~يمكن فاما ما هو محال فكيف يحمل عليه.
# واما استدلاله على أنه حقيقة في الثلاثة من حيث كان أقل الجمع (1) فصحيح
~~لا ينازع فيه وليس ذلك بمانع عند من خالفه من أن يفيد الاستغراق أيضا حقيقة
~~وانما يحمل على أحد الحقيقتين لضرب من الاعتبار (4) *.
# واعلم أن الذي اعتبرناه من دليل الاستثناء في ألفاظ الجموع انما يدل على
~~انها تفيد الاستغراق حقيقة ردا على أصحاب الخصوص ولا يمكننا ان نقول انها
~~لا تتناول أقل الجمع أيضا حقيقة لان ذلك يكون مكابرة فإذا ثبت كونها حقيقة
~~في الامرين وصدر الكلام من حكيم ولم يقرن به ما يدل على أنه أراد به أقل
~~الجمع
# PageV01P296
# وجب حمله على أنه أراد الكل.
# وليس لهم ان يقولوا: اجعلوا فقد دلالة الاستغراق دلالة على أنه أراد أقل
~~الجمع كما جعلتم فقد دلالة الأقل دلالة على أنه أراد الاستغراق ويتعارض
~~القولان وذلك أن هذا انما يمكن ان يقال في ألفاظ الجموع الخالية من الألف
~~واللام فاما إذا كانت فيها الألف ms157 واللام فلا يفيدان الا استغراق لأنه لو
~~أراد أقل الجمع لم يكن لادخالهما في الكلام فائدة وكان اللفظ مع عدمهما
~~يفيد أقل الجمع كما يفيد أكثر الجمع فإذا لابد من حمله على الاستغراق والا
~~كان ذلك لغوا.
# فان عادوا إلى أن يقولوا: ان ذلك يفيد العهد أو تعريف الجنس.
# قلنا: نحن انما نتكلم في الموضع الذي لا نعلم أنه أريد بهما العهد أو
~~تعريف الجنس فاما إذا علمنا أنه أراد العهد أو تعريف الجنس وجب حمله عليه
~~وذلك لا ينافي ما قلناه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P297
# فصل NoteV01P298N04 (في أن أقل الجمع (1) * ما هو؟ (2)) ذهب المتكلمون
~~وأكثر الفقهاء إلى أن أقل الجمع ثلاثة (3).
# PageV01P298
# وقال من شذ منهم ان أقل الجمع اثنان (1).
# والصحيح هو الأول.
# والذي يدل على ذلك: ان أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع وخصوا كل واحد
~~منهما بأمر لا يشركه فيه الاخر فقالوا: التثنية تكون بالألف والنون والياء
~~والجمع يكون بالواو والألف والتاء كما فرقوا بين الواحد والاثنين فان جاز
~~أن يدعى في التثنية انهما جمع جاز ان يدعى في الواحد انه تثنية أو جمع وقد
~~علمنا خلاف ذلك.
# ويدل على ذلك أيضا: انهم يقولون للاثنين (افعلا) إذا أمروهما وللجماعة
~~(افعلوا) وثينون بالألف ويجمعون بالواو وعلى مذهب الخصم كان يجب أن لا يكون
~~بينهما فرق.
# ويدل أيضا على ذلك: انهم يفسرون بلفظ الجمع عدد الثلاثة فيقولون: (ثلاثة
~~رجال) ولا يفسرون به الاثنين بل يقولون: (ورجلان) فعلم بجميع ذلك الفرق
~~بينهما.
# وأيضا: فان السامع إذا سمع المتكلم يقول: (رأيت رجالا) لا يفهم من ذلك
~~ولا يسبق إلى قلبه الا ثلاثة ولا يسبق إلى قلبه اثنان أصلا فعلم أن الحقيقة
~~ما قلناه.
# فاما من خالف في ذلك فإنه يستدل بأشياء.
# منها: ان الجمع مأخوذ من ضم شئ إلى شئ وذلك موجود في الاثنين فينبغي أن
~~يكون جمعا.
# PageV01P299
# والجواب عن ذلك انا لا ننكر ان يكون أصل الاشتقاق ما ذكروه لكن صار بعرف
~~اللغة ومواضعتهم مخصوصا ببعض ذلك وهو ms158 إذا كانوا ثلاثة منضمين وجرى ذلك مجرى
~~قولهم (دابة) في أنه موضوع في أصل اللغة لكل ما يدب ثم صار بعرف اللغة
~~مخصوصا لدابة بعينها فكك لفظ الجمع على أنه انما نريد بقولنا: أقل الجمع
~~ثلاثة ان احكام الثلاثة لا تجرى على الاثنين واحكام الاثنين لا تجرى على
~~ثلاثة على ما بيناه.
# فان سلموا ذلك وقالوا مع ذلك الاثنان من حيث الاشتقاق كان ذلك خلافا في
~~عبارة لا يعتد بمثله.
# واستدلوا أيضا: بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال:
~~(الاثنان فما فوقهما جماعة) (١) فسماهما جماعة.
# والجواب عن ذلك: ان قوله عليه السلام ينبغي ان يحمل على الاحكام لأنها
~~المستفادة من جهته ولا يحمل على الأسماء لأنها مستفادة معلومة باللغة.
# وقد قيل في معناه شيئان: أحدهما: انه كان نهى عن خروج الرجل وحده في
~~السفر ثم أباح ذلك في الاثنين فخبر عند ذلك أن حكم الاثنين في جواز السفر
~~حكم الثلاثة وما زاد على ذلك.
# والوجه الاخر: انه أراد بذلك فضيلة الجماعة بالصلاة لان حكم الاثنين في
~~انعقاد الجماعة بهما وحصول الفضل لهما حكم الثلاثة وما زاد على ذلك فينبغي
~~أن يحمل الخبر عليهم.
# ومنها: قوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم
~~شاهدين﴾ (2) وعنى بذلك داود وسليمان وهما اثنان.
# PageV01P300
# ومنها: قوله تعالى: ﴿إذ دخلوا على
~~داود﴾ (١) وانما أراد به الخصمين.
# والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما: ان ذلك مجاز وكلامنا في الحقيقة وجرى
~~ذلك مجرى قولنا: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا
~~له لحافظون﴾ (٢) ونحو قوله: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ (٣) ولا خلاف ان لفظ
~~الجماعة في الواحد مجاز فلو لزم ما قالوه للزم أن يكون ذلك حقيقة في الواحد
~~وللزم في قوله: ﴿وهل اتاك نبؤ الخصم إذ
~~تسوروا المحراب﴾ (٤) لان لفظ (الخصم) لفظ الواحد ومع ذلك قد أخبر عنه
~~بلفظ الجمع وذلك مجاز بلا خلاف. ms159
# والوجه الثاني: ان قوله: (وكنا لحكمهم شاهدين) أراد به داود وسليمان
~~والمحكوم عليه والخصم وهم جماعة فلأجل ذلك أخبر عنهم بلفظ الجمع.
# وكذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ (5) انه أراد به جنس الخصمين
~~لان لفظ (الخصم) لفظ المصدر ويقع على الواحد والجماعة والذكر والأنثى على
~~حد واحد لأنهم يقولون: (رجل خصم) و (رجال خصم) و (امرأة خصم) و (نساء خصم)
~~كل ذلك بلفظ واحد.
# وإذا ثبت ذلك كان قوله (خصمان) لا يختص بالاثنين دون ما زاد عليهما فلأجل
~~ذلك أخبر عنهما بلفظ الجماعة.
# وقووا ذلك بان قالوا: قال في أول الآية: (وهل اتاك نبؤ الخصم إذا تسوروا
~~المحراب) فأخبر عن (الخصم) بكناية الجماعة فعلم بذلك انه أراد الجنس دون
~~الواحد.
# وعلى الوجهين جميعا سقط التعلق بالآيات.
# PageV01P301
# فصل NoteV01P302N05 (في معنى قولنا ان العموم مخصوص وان الله تعالى يجوز
~~أن يريد بالعام الخاص (1)) معنى قولنا: (العموم مخصوص) هو انه استعمل في
~~بعض ما وضع له دون بعض وذلك مجاز لان حقيقة المجاز ثابتة فيه وشبه ذلك
~~بالمخصوص الذي وضع في الأصل للخصوص وإذا استعمل في بعض ما وضع له في الأصل
~~لا يصير حقيقة فيه لأنا قد دللنا على أن للعموم صيغة فان حقيقتها الاستغراق
~~(2) فمتى استعمل في غير ذلك ينبغي أن يكون مجازا لان حقيقة المجاز هو أن
~~يستعمل اللفظة في غير ما وضعت له وهذا موجود في العموم إذا أريد به الخصوص
~~فينبغي أن يكون مجازا
# PageV01P302
# ولهذا لا يقولون لمن خاطب بالعموم وأراد به بعض ما يتناوله: انه مخاطب
~~بالخصوص ولا انه خص الخطاب كما يقولون ذلك في الألفاظ الخاصة فعلم أن ذلك
~~مجاز.
# فاما إذا قيل: (فلان خص العموم) فالمراد بذلك انه علم من حالة المخصوص
~~بدليل دله على ذلك. ويقال فيمن اعتقد ذلك أيضا فيه وان لم يكن اعتقاده
~~علما.
# وقد استعمل كثير من الفقهاء لفظ التخصيص فيما ليس بعام إذا علم بالدليل
~~انه عام مثل الافعال وغيرها ms160 ونحن نبين ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# ويفارق قولنا: (ان العام مخصوص) لقولنا: (ان الخطاب منسوخ) في الحكم
~~والحد جميعا وقد ظن بعضهم انهما سواء وذلك خطأ من وجوه:
# لان حد التخصيص: ما دل على أن المراد باللفظ بعض ما يتناوله دون بعض.
# وحد النسخ: ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في المستقبل على
~~وجه لولاه لكان ثابتا بالخطاب الأول مع تراخيه عنه.
# فحدهما مختلف على ما ترى.
# ولأن التخصيص يؤذن بان المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه والنسخ يحقق ان
~~كل ما تناوله اللفظ كان مرادا في حال الخطاب وان كان غير مراد في ما عداه.
# وأيضا: فان من حق التخصيص ألا يصح الا فيما تناوله اللفظ والنسخ قد يصح
~~فيما علم بالدليل انه مراد منه وان لم يتناوله اللفظ.
# وأيضا: فان النسخ يدخل في النص على عين واحدة والتخصيص لا يدخل فيه.
# وأيضا: فالنسخ في الشرع لا يقع بأشياء يقع التخصيص بها نحو أدلة العقل
~~والأدلة المتصلة بالخطاب من الاستثناء وغيرها من اخبار الآحاد والقياس
~~والأدلة المستنبطة عند من أجاز التخصيص بها والتخصيص قد لا يقع ببعض ما يقع
~~به النسخ.
# فعلم بجميع ذلك ما مفارقة التخصيص النسخ. PageV01P303
# ولا يجب من حيث شارك التخصيص النسخ في بعض الأحكام ان يكونا بمعنى واحد
~~كما أن مشاركة بيان المجمل للتخصيص في بعض الأحكام لا يدل على أن معناهما
~~واحد.
# وكون النسخ في المعنى تخصيصا من حيث إنه تخصيص للأوقات لا يوجب انه تخصيص
~~لأنه أخص منه والتخصيص أعم وكل ذلك يوجب افتراقهما في الحد والحكم.
# فإذا ثبت ذلك فالقديم تعالى يجوز أن يريد بالعام الخاص لان أهل اللغة إذا
~~كانوا استجازوا ذلك وتعارفوه وجرت عادتهم باستعماله وكان القديم تعالى
~~متكلما بلغتهم وجب أن يجوز أن يتكلم بذلك ويريد به الخصوص كما أنه يجوز أن
~~يتكلم بالمجاز والحقيقة والإطالة تارة والايجاز أخرى ويؤكد كلامه تارة ولا
~~يؤكد أخرى لما كان ذلك من عادة أهل اللغة وكان ms161 القديم تعالى متكلما بلغتهم
~~فينبغي أن يتكلم على طريقتهم.
# الا انه متى تكلم بلفظ العام وأراد به الخاص فلابد من أن يدل عليه ويقرن
~~به ما يدل على تخصيصه والا كان موجبا لاعتقاد الجهل كما أنه إذا أراد
~~بالحقيقة المجاز فلابد من أن يدل عليه.
# وأيضا: فإذا جاز أن يتكلم بالعام ويستثنى منه جاز أن يدل عليه دليل غير
~~الاستثناء يعلم به انه أراد الخصوص لان الاستثناء دليل التخصيص كما أن غيره
~~من الأدلة كذلك.
# ويدل على جواز ذلك أيضا: ان الله تعالى تكلم في مواضع بلفظ العام وقد
~~علمنا أنه أراد الخصوص فلولا ان ذلك كان حسنا والا لم يحسن منه ذلك.
# وليس لاحد أن يقول: كما لا يحسن منه الاخبار الا على القطع والامر الا
~~على الشروط في بعض الوجوه وحسن ذلك فينا فكذلك لا يمتنع استعمال العام في
~~الخاص فينا وان لم يحسن فيه تعالى.
# وذلك أن هذا أولا: باطل بما قلناه من وجودنا مواضع كثيرة من القران
~~ظاهرها PageV01P304
# العموم وقد علمنا أنه أراد بها الخصوص بل أكثر القران كذلك.
# ثم انه انما حسن منا الاخبار والأوامر بالشروط لما لم يكن لنا طريق إلى
~~العلم بما يمنع من الشروط ولم يحسن ذلك في القديم تعالى العالم بالعواقب
~~ولذلك لا يحسن منا ان نخبر عما نعلمه بشرط لما كان العلم حاصلا لنا.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب. PageV01P305
# فصل NoteV01P306N06 (في أن العموم إذ خص كان مجازا وما به يعلم ذلك وحصر
~~أدلته (1)) ذهب كثير من أصحاب الشافعي (2) وأصحاب أبي حنيفة (2) إلى أن
~~العموم مع الدليل الذي خص به حقيقة فيما عدا ما خص منه سواء كان ذلك الدليل
~~لفظا متصلا أو منفصلا أو غير اللفظ.
# وذهب أبو عبد الله البصري (3) إلى أنه: ان كان ذلك الدليل لفظا (4) متصلا
~~من
# PageV01P306
# استثناء وغيره (1) كان حقيقة فاما إذا لم يكن متصلا فإنه يصير مجازا (2).
# وذهب أبو علي وأبو هاشم ومن تبعهما وأكثر المتكلمين وباقي الفقهاء إلى
~~أنه يصير مجازا بأي ms162 دليل خص (3) وهو الصحيح (4).
# والذي يدل على ذلك: انا قد بينا في هذا الكتاب ان حقيقة المجاز ان يستعمل
~~اللفظ في غير ما وضع له فإذا ثبت ذلك - وقد دللنا على أن للعموم صيغة تختصه
~~يفيد الاستغراق (5) - فينبغي (6) * إذا استعملت فيما دون الاستغراق أن يكون
~~مجازا لثبوت حقيقته فيه وهذا يبين أنه يصير مجازا بأي دليل خص سواء كان
~~لفظا متصلا
# PageV01P307
# أو منفصلا أو غير لفظ.
# وليس لاحد أن يقول: ان العموم إذا خص فلم يتناول غير ما كان يتناوله (1)
~~* بل ما تناوله في حال الخصوص ما تناوله في حال الاستغراق فكيف يكون مجازا؟
~~(2).
# وذلك انا لم نقل انه يصير مجازا لتناوله ما تناوله وانما صار مجازا لأنه
~~لم يتناول ما زاد عليه من الاستغراق فصار في ذلك كأنه استعمل في غير ما وضع
~~له (3) *.
# فان قيل: أليس الكلام إذا انضم بعضه إلى بعض تغير معناه ولا يكون ذلك
~~مجازا وذلك نحو الخبر (4) * إذا انضم إلى المبتدأ والحروف الداخلة على
~~الجمل من حرف شرط (5) * أو استفهام أو نفى أو تمن وما أشبه ذلك فقولوا في
~~العموم أيضا مثل ذلك إذا خص انه لا يصير مجازا بما قارنه من الدليل الذي
~~اقتضى تخصيصه.
# قيل لهم: أول ما في هذا ان الشبهة توجب أن لا يكون في الكلام مجازا أصلا
~~لأنه يقال: ان اللفظ وما دل على أنه مجاز كلاهما حقيقة فيما أريد به وهذا
~~واضح البطلان.
# ثم إن هذه الأمثلة انما يمكن أن تكون شبهة لمن قال إذا خص بدليل لفظي
~~متصل لا يصير مجازا فاما إذا خص بدليل غير مقترن باللفظ أو بدليل منفصل وان
~~كان لفظيا فلا يكون ذلك نظيرا لهذه الأمثلة.
# ونحن نجيب عن جميع ذلك ونفصل بينه وبين العموم.
# PageV01P308
# اما ما ذكروه من الخبر إذا انضاف إلى المبتدأ فإنما كان كذلك (1) * لان
~~المبتدأ بانفراده لا يفيد شيئا بل يحتاج في الفائدة إلى الخبر الذي تكمل
~~الفائدة به وجرى ذلك مجرى بعض الاسم في أنه لا يفيد حتى ms163 يتكامل جميع حروفه.
# ولا يقال: ان انضمام بعض الحروف إلى بعض لتكامل الفائدة مجاز وقبل
~~تكاملها يكون حقيقة. لان ذلك كله فاسد لان الفائدة انما تتم عند اخر حرف
~~منها فكذلك القول في المبتدأ والخبر وليس كذلك القول في العموم (2) * لان
~~لفظ العموم مستقل بنفسه ويفيد فائدته الذي وضع له ولا يحتاج إلى امر اخر
~~وانما دخل عليه ما اقتضى استعماله في غير ما وضع له ينبغي ان يحكم بكونه
~~مجازا.
# فاما الحروف الداخلة على الجمل فإنما تحدث فيها معنى من المعاني فتغير
~~معناها ان كانت خبرية ودخل عليها حرف الاستفهام أحدث فيها معنى الاستخبار
~~وكذلك لفظ المتمني وحروف الشرط وغيره لم يغير هذه الحروف احكام الجملة من
~~زيادة إلى نقصان أو نقل إلى غير ما وضع له فلا ينبغي أن يكون مجازا.
# وليس كذلك ألفاظ العموم لأنها بعد التخصيص لا تفيد ما كانت تفيده قبل
~~التخصيص فينبغي ان يكون مجازا.
# على أن هذا يوجب الا يكون قول القائل: (رأيت سبعا) ثم قال عقيب ذلك:
# انى أردت رجلا شجاعا أو قال: (رأيت حمارا أو حائطا) ثم قال: أردت بليدا
~~مجازا لأنه قد وصل بالكلام لفظا دل به على مراده وجرى ذلك مجرى الحروف
~~الداخلة على الجمل حسب ما سئلنا في العموم سواء وهذا لا يقوله أحد.
# PageV01P309
# وإذا لم يلزم ذلك فكذلك ما يلزم في العموم إذا خص بدليل متصل به أو منفصل
~~إذا كان لفظا.
# فان تعاطوا الفرق بين ذلك فكل شئ أوردوه في ذلك أمكننا ان نورد مثله فيما
~~سئلنا عنه.
# فاما ما به يصير العام خاصا: فهو قصد المخاطب لان اللفظ إذا كان موضوعا
~~للاستغراق فإذا أراد استعماله فيها وضع له يحتاج أن يقصد إلى ذلك وكذلك إذا
~~أراد أن يستعمله في بعض ما وضع له يحتاج إلى أن يقصد إلى ذلك وجرى ذلك مجرى
~~اللفظ الموضوع للامر في أنه يحتاج أن يقصد به ما وضع من استدعاء الفعل فإذا
~~أراد استعماله في التهديد أو النهي يحتاج إلى ms164 القصد إلى ذلك.
# فإذا ثبت هذه الجملة فالتخصيص في الحقيقة يقع بالقصد لا بالأدلة الدالة
~~على ذلك من الكتاب أو السنة أو العقل لان هذه الأدلة للكشف عن غرض المتكلم
~~بالخطاب وهل قصد العموم أو الخصوص؟ وليست موجبة لذلك.
# وانما قلنا ذلك لان التخصيص مضاف إلى المتكلم فيقال: انه مخصص بخطابه
~~فينبغي أن يكون وقع ذلك بشئ من فعله ولا يقع بالدليل الذي ربما كان من فعل
~~غيره وجرى ذلك مجرى قصده إلى استعمال اللفظ فيما وضع له في أن القصد يفيد
~~تعلقه فيما وضع له أو غير ما وضع له في المجاز دون الدليل الدال على ذلك.
# وعلى هذا سقط قول من قال: ان من شأن التخصيص الا يقع الا بأمر متصل
~~بالخطاب مجاور له ولا يجوز أن يقع بالأدلة المنفصلة لان على هذا التحرير
~~الذي قلنا: ان التخصيص يقع بالقصد قد أجبنا إلى ما قاله فالقصد (1) مقترن
~~بالخطاب غير منفصل منه.
# فاما الأدلة الدلالة على ذلك فلا يجب ذلك فيها لأنها قد تكون متصلة به
~~وقد تكون متقدمة عليه الا ترى ان أدلة العقل يخص بها الخطاب العام على بعض
# PageV01P310
# الوجوه ومع هذا فهي متقدمة لحال الخطاب وليست الأدلة الدالة على التخصيص
~~تجرى مجرى نفس التخصيص.
# وقد يقال في الأدلة انها هي المخصصة وذلك مجاز والحقيقة ما قلناه وانما
~~يسوغ لهم ذلك من حيث يوصل بها إلى العلم بالخصوص فأطلق عليها انها المخصصة
~~وذلك مجاز على ما بيناه.
# فاما الأدلة الدالة التي يعلم بها التخصيص فعلى ضربين:
# أحدهما: ما يتصل بالخطاب من الكلام.
# والاخر: ما ينفصل منه من الأدلة وما يتصل بالخطاب فينقسم أقساما:
# منها: الاستثناء وله حكم نفرد له بابا (1).
# ومنها: الشرط وله أيضا احكام سنبينها (2).
# ومنها: تقييد الخطاب بالصفات ولذلك أيضا باب مفرد نذكره (3).
# وما ينفصل من الخطاب من الأدلة فعلى ضربين:
# أحدهما: دليل يوجب العلم من دليل العقل أو الكتاب أو السنة المقطوع بها
~~أو الاجماع.
# وهذه الأدلة كلها لا خلاف بين أهل العلم في ms165 جواز تخصيص العموم بها وانما
~~قالوا ذلك لأنه لا يجوز القول بتكافؤ الأدلة فإذا كان العام دليلا على
~~الاستغراق وما دل على الخصوص دالا على تخصيصه فلابد من تخصيص العام به والا
~~أدى إلى اسقاط أحد الدليلين وابطاله أو ابطالهما معا والعدول إلى الاخر وكل
~~ذلك فاسد.
# والضرب الاخر: وهو الذي لا يوجب العلم وهو على ضربين.
# خبر واحد وقياس.
# PageV01P311
# فاما الخبر الواحد فنذكر ما عندنا في ذلك في باب مفرد (1).
# واما القياس فلا يجوز العمل به أصلا لا في تخصيص العام ولا غيره من
~~الاحكام ونحن ندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# ومن خالفنا من الفقهاء الذين أوجبوا العمل بالخبر الواحد والقياس اختلفوا
~~في جواز تخصيص العموم به وسنذكر اختلافهم من ذلك فيما بعد إن شاء الله
~~تعالى.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P312
# فصل NoteV01P313N07 (في ذكر جمل من احكام الاستثناء (1)) ذهب المتكلمون
~~بأجمعهم والفقهاء المحصلون إلى أن من شرط الاستثناء أن يكون متصلا بالكلام
~~ولا يجوز انفصاله عنه (2).
# PageV01P313
# وحكى عن ابن عباس انه كان يذهب إلى أنه يجوز تأخيره عن حال الخطاب وذلك
~~مستبعد من قوله (1).
# والذي يدل على صحة ما قلناه:
# أولا: ان أهل اللغة لا يعدون ما انفصل عن الكلام استثناء كما لا يعدون ما
~~تقدم كذلك فلو جاز لاحد أن يخالف في المتأخر فيسميه استثناء جاز لغيره أن
~~يخالف في المتقدم فيسميه استثناء!
# ويدل أيضا: على أن الاستثناء متى انفصل عن حال الخطاب لا يفيد أصلا فكيف
~~يجوز أن يكون استثناء من الكلام المتقدم؟
# فان قالوا: الاستثناء إذا تأخر ولا يستقل بنفسه فلا يفيد فإنه يجوز أن
~~يقرن به من الكلام ما يدل على أنه متعلق بالكلام الأول فيفيد ويتعلق به.
# قيل له: إذا كان لا يفيد بنفسه وانما يتعلق بالكلام الأول بلفظ يقترن به
~~فقد صار المخصص للكلام الأول اللفظ الذي اقترن بالاستثناء وإذا كان كذلك
~~فلا معنى للاستثناء وكان استعماله لغوا.
# وليس لهم أن يقولوا: ان القائل إذا قال: ms166 (رأيت القوم) ثم قال بعد زمان:
~~(الا زيدا) وقال أردت بهذا استثناؤه من اللفظ الأول أفاد انه غير داخل في
~~الجملة الأول ولو لم يذكر الاستثناء أصلا واقتصر على هذا القول المقترن به
~~لما أفاد ذلك
# PageV01P314
# فعلم بذلك ان التخصيص يقع بلفظ الاستثناء وانما يعلم بالكلام المقترن به
~~تعلقه بالأول.
# وذلك أن هذا متى كان على (1) * ما ذكر يفيد غير أنه لا يحسن من وجهين:
# أحدهما: ان بيان تخصيص العموم لا يجوز ان يتأخر عن حال (2) * الخطاب على
~~ما نبينه فيما بعد وإذا لم يجز ذلك لم يحسن هذا.
# والثاني: انه يؤدي إلى أنه لا يفهم بشئ من الكلام امر أصلا ولا باخبار
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخبر عن نفسه أو اخبار الله تعالى إذا
~~أخبر عما يفعله لأنا لا نأمن أن يأتي بعد ذلك استثناء يدل على أنه أراد
~~المجاز وهذا يؤدى إلى ما قدمناه من أن لا يفهم بالكلام شئ أصلا وذلك فاسد.
# على أن الذي ذكروه لو حسن تأخير الاستثناء لحسن تأخير خبر المبتدأ (3)
~~مثلا أن يقول القائل اليوم: (زيد) ويقول غدا: (قائم) ويقرن به من الكلام ما
~~يدل على أنه متعلق بما تكلم به أمس.
# فان ارتكبوا ذلك كان قبحه معلوما وان راموا الفصل لم يجدوه.
# وإذا ثبت ما قلناه عن وجوب اتصاله بالكلام فمن حقه أن يخرج من الكلام ما
~~لولاه لوجب دخوله تحته وقد دللنا على ذلك في باب (ان (4) العموم له صيغة
~~بما بيناه من أن الاستثناء في الاعداد يفيد ذلك فينبغي ان يكون ذلك حقيقة
~~واستوفينا الكلام فيه.
# فاما استثناء الأكثر من اللفظ والأقل:
# فذهب أكثر المحصلين من المتكلمين والفقهاء وأهل اللغة إلى أن استثناء
# PageV01P315
# الأكثر من اللفظ يجوز (1).
# وقال بعضهم: انه انما يحسن استثناء الأقل فاما استثناء الأكثر فلا يجوز
~~لان ذلك لم يوجد مستعملا (2) والذي يدل على صحة ذلك:
# ان الاستثناء تخصيص للكلام الأول فكما يجوز أن يخصص اللفظ أو يخرج منه
~~الأكثر فكذلك حكم الاستثناء لأنه ms167 بعض أدلة التخصيص.
# وأيضا: إذا كان من حقه ان يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلا
~~فرق بين أن يخرج الأكثر والأقل في أنه على حد واحد.
# فاما قول من خالف في ذلك لم يستعمل (3) فلا يبطل ما قلناه لأنه ليس كلما
~~قل استعماله لم يحسن ولو لزم ذلك للزم أن لا يحسن استثناء النصف من الكلام
~~وما يقارب النصف لان ذلك أيضا غير مستعمل وذلك لا خلاف في جوازه.
# واما (4) الاستثناء من غير الجنس فلا يمكن دفع استعماله لأنهم قالوا: (ما
~~في الدار أحد الا وتد) وقالوا: وبلدة ليس بها أنيس * الا اليعافير والا
~~العيس (5)
# PageV01P316
# و (وتد) ليس من أحد ولا (اليعافير) من جملة الأنيس وغير ذلك.
# غير أنه وان كان مستعملا فإنه مجاز وذهب قوم إلى أنه حقيقة (1).
# والذي يدل على ما قلنا: انا قد بينا ان من حق الاستثناء أن يخرج من
~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ونحن نعلم أن القائل لو قال: (ما في الدار
~~أحد) ولم يستثن لم يفهم من ذلك الا نفي العقلاء ولا يفهم منه نفي الأوتاد
~~فإذا قال: (الا وتد) فينبغي الا يكون استثناء حقيقة وتكون مجازا لأنه لم
~~يدخل في الكلام الأول (2) * وكذلك لو قال: (وبلدة ليس بها أنيس) وسكت لم
~~يفهم من ذلك الا أنه ليس بها انسان ولم يفهم من ذلك أنه ليس بها بهائم.
~~فكذلك إذا قال: (الا اليعافير والا العيس) يجب أن يكون مجازا وانما حسن
~~عندهم هذا النوع من الاستثناء لأنه فيه معنى من الكلام الأول لأنه إذا قال:
~~(ما في الدار أحد) أفاد انه ليس فيها أحد ثابت فلما كان الوتد ثابتا في
~~الدار حسن أن يستثنى من الثبوت لا من لفظ أحد.
# PageV01P317
# وكذلك قالوا في قولهم: (وبلدة ليس بها أنيس) انه نفى كون الناس مقيمين
~~فيها فلما كانت اليعافير والعيس مقيمة فيها حسن أن يستثنيهما من الإقامة.
# وقال قوم: انه لم يرد بالأنيس الناس وانما أراد ما يؤنس به ويسكن إليه ms168
~~ولما كانت اليعافير والعيس مما يسكن إليها على بعض الوجوه ويستأنس بها حسن
~~أن يستثنى منها وعلى هذا الوجه فالاستثناء ما وقع الا من جنسه.
# فاما قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم
~~أجمعون الا إبليس﴾ (١) فقد قيل فيه وجهان:
# أحدهما: ان إبليس كان من جملة الملائكة (٢) * الا انه عصى بترك السجود
~~فحسن أن يستثنيه من جملة الملائكة هذا على مذهب من جوز على جنس الملائكة
~~المعاصي.
# ومن لم يجوز ذلك عليهم قال: انما استثناه لأنه كان أيضا مأمورا بالسجود
~~كما أنهم كانوا مأمورين كذلك فاستثناه من جملة المأمورين لا من جملة
~~الملائكة ويكون ذلك حملا على (٣) * المعنى (٤).
# والوجهان جميعا قريبان.
# فاما قوله: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل
~~مؤمنا الا خطأ﴾ (5) فقد قيل فيه: ان المؤمن لا يقتله الا خطأ لأنه لو
~~قتله متعمدا لم يكن مؤمنا لان الفسق يخرج من اطلاق اسم الايمان عليه.
# PageV01P318
# ومن قال: الفسق (١) لا يخرج من الايمان قال: قوله (الا خطأ) معناه بمعنى
~~لكنه ان قتل خطأ كان حكمه كذا وكذا (٢).
# وكذلك قوله: ﴿لا عاصم اليوم من امر الله
~~الا من رحم﴾ (3) منقطع عن الأول لان (من رحم) معصوم وليس بعاصم يدخل في
~~الكلام الأول.
# فاما من خالف في ذلك وحمل الاستثناء على الاقرار وقال: كما يحسن أن
~~يستثنى في الاقرار (4) * من غير جنس ما أقر به فكذلك في الاخبار وغيرها
~~(5).
# فقوله يبطل لان هذا طريقة القياس وليس يجوز أن تثبت اللغة واحكام ألفاظها
~~بالقياس.
# ثم الصحيح في الاقرار ما نقوله في الاستثناء انه لا يحسن أن يستثنى فيه
~~من غير جنسه فان دل دليل من اجماع وغيره على خلافه حكمنا بجوازه وعلمنا انه
~~استثناء منقطع كما قلناه فيما تقدم من الألفاظ.
# فاما إذا تعقب جملا كثيرة فإلى أيها ترجع؟ فسنذكره في باب مفرد انشاء
~~الله وحده.
# PageV01P319
# فصل NoteV01P320N08 (في أن الاستثناء إذا تعقب جملا كثيرة هل يرجع إلى
~~جميعها أو ms169 إلى ما يليه؟ (1)) ذهب الشافعي وأصحابه إلى الاستثناء إذا تعقب
~~جملا كثيرة وكان يصح
# PageV01P320
# أن يرجع إلى كل واحدة منها بانفرادها يجب أن يرجع إليها كلها (1).
# وذهب أبو الحسن الكرخي وأكثر أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يرجع إلى ما يليه
~~من المذكور (1).
# وقال سيدنا المرتضى رحمه الله (2): انه يرجع إلى ما يليه قطعا ويجوز مع
~~ذلك رجوعه إلى ما تقدمها من الجمل ويقف ذلك على البيان (3).
# ويقوى في نفسي المذهب الأول والذي يدل على ذلك:
# ان الكلام إذا عطف بعضه على بعض بالواو الموضوعة للجمع صار كأنه مذكور
~~بلفظ واحد الا ترى انه لا فرق بين أن يقول القائل: (رأيت زيدا وعمرا
~~وخالدا) وبين
# PageV01P321
# أن يقول. (رأيتهم) بلفظ يشملهم فإذا صح ذلك فالاستثناء لو ذكر عقيب
~~الجملة المتناولة لجميعهم كان متعلقا بهم فكذلك إذا ذكر عقيب الجمل المعطوف
~~بعضها على بعض لأنها في حكم الجملة الواحدة.
# ويدل أيضا على ذلك: ان الشرط إذا تعقب جملا كثيرة ولا خلاف في أنه يرجع
~~إلى جميعها والعلة الجامعة بينهما ان كل واحد منهما لا يستقل بنفسه ويحتاج
~~إلى تعليقه بغيره ليفيد فلما اتفقا في هذا الحكم وجب اتفاقهما في وجوب رجوع
~~كل واحد منهما إلى ما تقدم.
# فان قيل: انما وجب ذلك في الشرط لان له صدر الكلام فهو وان ذكر اخر
~~الكلام فكأنه مذكور (1) في أوله فالجمل كلها معطوفة عليه وهو داخل عليها
~~ووجب تعلقه بها كلها فكذلك (2) حكمه إذا تأخر.
# قيل لهم: لا نسلم ان له صدر الكلام حتى لا يجوز أن يؤخر بل الموجود
~~بخلافه وانما يستعمل تارة في صدر الكلام وتارة في آخره وليس مخالفته
~~للاستثناء في جواز تقدمه بموجب مخالفته في كل وجه الا ترى انه قد خالف
~~الاستثناء أيضا في أنه لا يدخل الا على أفعال مستقبلة أو ما يقدر فيها
~~الاستقبال وليس كذلك الاستثناء فإنه يدخل على ما كان ماضيا أو مستقبلا أو
~~يكون اسما وليس فيه معنى الفعل أصلا وكل ذلك لا يصح في الشرط ms170 ولم يجب بذلك
~~أن يكون (3) حكم الاستثناء حكمه فكذلك فيما قلناه.
# ويدل أيضا على ما ذهبنا إليه: ان الاستثناء بمشية الله (4) * إذا تعقب
~~جملا كثيرة وجب رجوعه إلى جميعها فكذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء الاخر
~~مثله والعلة الجامعة بينهما قدمناها من افتقار كل واحد منهما إلى ما يتعلق
~~به وكونه غير
# PageV01P322
# مستقل بنفسه.
# واستدل من خالف على صحة ما ذهب إليه بان قال:
# ان الاستثناء انما وجب تعليقه بما تقدم لأنه لا يستقل بنفسه ولو استقل
~~بنفسه لما وجب ذلك فيه فإذا علقناه بما يليه فقد أفاد واستقل بنفسه فلا
~~معنى لرده إلى جميع ما تقدم (1) *.
# والجواب عن ذلك: ان هذا أولا ينتقض بالشرط والاستثناء بمشيئة الله لأنهما
~~انما علقا بما تقدم لأنهما لا يستقلان بأنفسهما ومع هذا لا يجب تعليقهما
~~بما يليهما فحسب دون ما تقدم فكذلك (2) القول في الاستثناء.
# ثم إذا وجب تعليقه بما تقدم لكونه غير مستقل بنفسه فلم صار (3) * بان
~~يعلق بما يليه من أن يعلق بما قبله؟ وإذا لم يكن هناك ما يخصصه بما يليه
~~وجب تعليقه بجميع ما تقدم لفقد الاختصاص.
# واستدلوا أيضا بان قالوا: قد ثبت ان الاستثناء من الاستثناء لا يرجع إلا
~~إلى ما يليه ولا يرجع إلى الجملة الأولى فكذلك القول في الجمل الكثيرة يجب
~~أن يكون حكمه ذلك الحكم في رجوعه إلى ما يليه.
# والجواب عن ذلك من وجوه:
# أحدها: انا انما أوجبنا في الجمل الكثيرة أن يرجع إلى جميعها لما كانت
~~معطوفة بعضها على بعض بواو العطف التي يوجب الاشتراك ويصير الجمل الكثيرة
~~في حكم الجملة الواحدة على ما بيناه وليس هذا موجودا في الاستثناء من
~~الاستثناء لأنه ليس هناك ما يوجب اشتراك الجملة الثانية للجملة الأولى فلا
~~يجب أن يرجع إلى الجملة الأولى.
# PageV01P323
# والثاني: انه إنما لم يحسن ذلك لأنه لا يفيد شيئا لان القائل إذا قال:
~~(لزيد عندي عشرة الا ثلاثة) فقد أقر له بالسبعة فإذا قال بعد ذلك: (الا
~~واحدا) فان رددناه إلى الجملتين معا ms171 لكان يجب ان ينقص من الثلاثة واحدا
~~فيصير المستثنى منه ثمانية وكان يجب ان ينقص من الجملة الأولى أيضا واحدا
~~فيرجع إلى السبعة فلا يفيد الا ما أفاد الاستثناء الأول ولا يكون لدخول
~~الاستثناء الثاني فائدة.
# قلنا (1): انه لابد أن يكون استثناء من الجملة التي يليها فيصير اقرارا
~~بالثمانية ويكون ذلك مفيدا.
# وليس لاحد ان يقول: هلا رددتموه إلى الجملة الأولى فحسب وجعلتم كأنه أقر
~~بستة.
# وذلك أن هذا لم يعتبره أحد لان أحدا لم يقل: انه يرجع إلى ما تقدم ولا
~~يرجع إلى ما يليه ومع امكان أن يرجع إليه لان الناس بين قائلين: قائل يقول:
~~انه يرجع إلى ما يليه وهو مقصور عليه وقائل يقول: يرجع إليهما وليس هاهنا
~~من يقول: انه يرجع إلى ما تقدم ولا يرجع إلى ما يليه وذلك باطل بالاتفاق.
# ولأن ذلك لو كان مردودا إليها لوجب دخول واو العطف (2) * فيه فيقول: (له
~~عندي عشرة الا ثلاثة والا واحدا) حتى يكون اقرارا بالستة.
# وقد أجاب بعض من نصر المذهب الذي اخترناه عن شبهة الاستثناء من الاستثناء
~~بأن قال (3): الاستثناء من الايجاب نفى ومن النفي ايجاب ومحال أن يكون الشئ
~~الواحد مثبتا ومنفيا.
# وهذا ليس بصحيح وذلك أن المحال هو أن ينفى الشئ عن الحد الذي
# PageV01P324
# أثبت وذلك ليس بموجود هاهنا لان الاستثناء من الجملة الأولى التي هي
~~مثبتة نفى والاستثناء من الجملة المنفية اثبات وهما جملتان متباينتان فلا
~~تنافى بين ذلك فيهما.
# والمعتمد ما قلناه من الوجهين (1).
# وقد استدل كل واحد من الفريقين (2) بأشياء وجدوها موافقة لما يذهبون إليه
~~اما من رجوع الاستثناء إلى ما يليه أو رجوعه إلى جميع ما تقدم.
# [و] لا يمكن الاعتماد عليها لان لقائل أن يقول: ان ذلك انما علم بدليل
~~اخر غير الوجود فالمعول على الوجود (3) * لا يمكن لأنه يعارض الوجود لمخالف
~~له وهذه شبهة من خالف وقال بالوقف في ذلك على ما قلناه فعلم بذلك ان المعول
~~على ما قلناه.
# PageV01P325
# فصل NoteV01P326N0٩ (في ذكر جملة من احكام ms172 الشرط وتخصيص العموم به) (١)
~~اعلم أن من حكم (٢) * الشرط الا يدخل الا على المنتظر اما لفظا أو تقديرا
~~لان ما وجد مما قد قضى أو وجد في الحال لا يصح دخول الشرط فيه.
# ومن حقه أن يخص المشروط الا أن يقوم دليل على أنه دخل للتأكيد (٣) فيحمل
~~عليه ويخرج في المعنى من أن يكون شرطا.
# فاما ما يخص للشروط فنحو قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا﴾ (٤) ونحو قوله: ﴿فمن لم يستطع فاطعام ستين
~~مسكينا﴾ (5).
# ولا فرق بين أن يكون الشرط متقدما أو متأخرا في أنه يخصص المشروط.
# PageV01P326
# وذهب النحويون إلى أنه متى تأخر فالمراد به المتقدم لان له صدر الكلام.
# ويقوى في نفسي انه لا فرق بين تقدمه وتأخره ولا يمتنع أن يجعل الشرط
~~الواحد شرطا في أشياء كثيرة كما لا يمتنع أن يكون الشرط الواحد مشروطا
~~بشروط كثيرة وذلك مثل قول القائل: (من دخل داري واكل طعامي وشرب شرابي فله
~~درهم) فإنه يستحق الدرهم إذا دخل الدار واكل وشرب فاما بواحد منها فلا
~~يستحق ذلك.
# وكذلك يصح أن يقول: (ان دخلت الدار فلك خلعة ودراهم وطعام) فإنه متى دخل
~~استحق جميع ذلك.
# فتارة يكون الشرط واحد والمشروط أشياء وتارة يكون الشرط أشياء والمشروط
~~واحد وكل ذلك جائز.
# وقد الحق بهذا الباب تعليق الحكم بغاية لأنها تصير بمنزلة الشرط في ثبوت
~~ذلك أو نفيه وذلك نحو قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ (١) لأنه جعل تعالى نفى
~~التطهير شرطا في حظر قربهن ووجوده مبيحا لذلك.
# ونحو قوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر) إلى قوله:
~~﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
~~صاغرون﴾ (٢) فجعل اعطاء الجزية حدا يجب عنده الكف عن قتالهم وزواله
~~شرطا في ثبوت القتل.
# وكذلك قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى
~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ (3) فجعل طلوع الفجر
~~حدا ms173 يجب عنه الكف عن الطعام والشراب لمن أراد الصوم وعدمه مبيحا لذلك.
# ونظائر ذلك كثيرة.
# PageV01P327
# وقد يجعل للحكم الواحد غايتان وأكثر وقد يجعل غاية واحدة لاحكام كثيرة
~~كما قلناه في الشرط سواء.
# والشرط والغاية جميعا يدخلان في جميع احكام الافعال من واجب وندب ومباح
~~فينبغي أن يجرى الكلام على ما قلناه (إن شاء الله تعالى) (1).
# PageV01P328
# فصل NoteV01P329N١٠ (في ذكر الكلام في المطلق والمقيد) التقييد يخص العام
~~ويخص المطلق الذي ليس بعام فمثاله تخصيصه للعام قول القائل: (من دخل داري
~~راكبا أكرمته) و (لقيت الرجل الاشراف).
# فقوله: (راكبا) خص لفظة (من) لأنه لو لم يذكره لوجب عليه اكرام كل من
~~يدخل داره سواء كان راكبا أو ماشيا وكذلك لو لم يقيد لفظة (الرجال)
~~بالاشراف لكان متناولا لجميع الرجال سواء كانوا أشرافا أو غير اشراف.
# وأما تخصيصه المطلق وان لم يكن عاما فمثل قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (١).
# فقوله: (مؤمنة) قد خص (رقبة) لأنه لو لم يكن يذكر ذلك لكان يجوز تحرير أي
~~رقبة كانت سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة.
# وكذلك قوله: ﴿شهرين متتابعين﴾ (2)
~~لأنه لو لم يذكر ذلك لكان يجوز متتابعين وغير متتابعين.
# PageV01P329
# والتقييد (1) لا يخلوا من أن يكون متصلا بالمطلق أو منفصلا منه (2) *.
# فان كان متصلا فلا خلاف في أنه يخص المطلق.
# وإذا كان منفصلا فلا يخلو من أن يكون ما أطلق في موضع هو بعينه (3) *
~~الذي قيد في موضع اخر أو غيره.
# فان كان هو هو بعينه فلا خلاف أيضا في أنه يجب تخصيصه به.
# وان كان غيره فلا يخلو من أن يكون من جنسه أو من غير جنسه.
# فإن كان من غير جنسه فلا خلاف أيضا في أنه لا يجب تخصيصه به وأنه ينبغي
~~أن يحمل المطلق على اطلاقه ويحمل المقيد على تقييده ومثال (4) ذلك أن يرد
~~تحرير الرقبة مقيدا بالايمان في كفارة قتل الخطأ ويرد مطلقا في باب النذر
~~أو
# PageV01P330
# العتق المتبرع به فان كل واحد ms174 منهما ينبغي أن يحمل على ظاهره على ما
~~بيناه.
# وان كان من جنسه فلا يخلو من أن يكون من جنسه في موضع اخر مقيدا فحسب أو
~~يكون في موضع مقيدا وفي موضع اخر مطلقا.
# فان وجد من جنسه مطلقا ومقيدا في موضعين فلا خلاف أيضا في أنه لا ينبغي
~~حمله على أحدهما لأنه ليس أن يقيد لأجل ما قيد من جنسه بأولى من أن يحمل ما
~~على اطلاقه لاطلاق ما أطلق من جنسه ومثاله صوم كفارة اليمين.
# قالوا: ليس أن يحمل على ما شرط فيه التتابع من كفارة الظهار بأولى من أن
~~يحمل على ما شرط فيه التفريق من صوم المتمتع (1) * ويجب أن يترك على ظاهره.
# وان كان من جنسه ما هو مقيد فحسب نحو اطلاق الله تعالى الرقبة في الظهار
~~وتقييده لها بالايمان في كفارة قتل الخطأ فاختلف العلماء في ذلك:
# فمنهم من قال: ان المطلق على اطلاقه لا يؤثر تقييد المقيد فيه وهو مذهب
~~أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي.
# ومنهم من قال: ان المطلق يصير مقيدا لتقييده ما قيد من جنسه واختلفوا:
# فمنهم من قال: يجب حمل المطلق على المقيد لغة وعرفا ولا يحتاج إلى قياس.
# ومنهم من قال: ان اللغة لا تقتضي ذلك وانما يحمل عليه قياسا وهو قول
~~جماعة من أصحاب الشافعي.
# ومن ذهب إلى القول الأول (2) اختلفوا.
# فمنهم من قال: المطلق لا يجوز أن يقيد بأن يقاس على المقيد قالوا: لان
~~ذلك يقتضى زيادة في النص وذلك نسخ ولا يصح النسخ بالقياس وهو المحكى عن
# PageV01P331
# المتقدمين من أصحاب أبي حنيفة وعن أبي الحسن.
# ومنهم من قال: انه لا يجوز (1) أن يقيد ثم اختلفوا.
# فمنهم من قال: يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه.
# ومنهم من قال: انه يقتضى الزيادة فيه وجوز الزيادة بالقياس ولم يعده نسخا
~~فهذه جمله الخلاف فيه (2) والوفاق.
# والذي اذهب إليه: انه ينبغي أن يحمل المطلق على اطلاقه والمقيد على
~~تقييده ولا يخص أحدهما بالآخر.
# وانما قلت ذلك لان حمل أحدهما على ms175 الاخر قياسا انما يسوغ ذلك لمن جوز
~~العمل به فاما على ما نذهب إليه في المنع منه وحظر استعماله فلا يجوز لا في
~~هذا الموضع ولا في غيره.
# واما حمل المطلق على المقيد من غير قياس فبعيد والذي يدل على ذلك أن من
~~حق الكلام ان يحمل على ظاهره الا أن يمنع منه مانع وإذا كان المقيد غير
~~المطلق وهما حكمان مختلفان (3) * فكيف يؤثر أحدهما في الاخر؟
# فان قالوا: لان الله تعالى انما أطلق الشهادة في موضع (4) وقيدها
~~بالعدالة في موضع اخر عقل من ذلك تقييدها بالعدالة في الموضع الذي أطلقها
~~فيه فيجب أن يجعل ذلك عبرة في أمثاله.
# قيل لهم: ان المطلق من الشهادة انما قيد بالعدالة لدليل دل على ذلك من
~~اجماع أو غيره ولم يجعل بالعدالة شرطا في الشهادة لأنها قيدت في موضع اخر
# PageV01P332
# بالعدالة فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة ونحن لو خلينا والظاهر لما قيدنا
~~الشهادة المطلقة وتركناها على اطلاقها.
# فان قالوا: القران كله كالكلمة الواحدة وقد روى ذلك عن أمير المؤمنين
~~عليه السلام فيجب أن يكون المقيد وان انفصل من المطلق فكأنه متصل به ويصير
~~ذلك بمنزلة قوله: ﴿والذاكرين الله كثيرا
~~والذاكرات﴾ (١) انه مقيد بما تقدم كأنه قال: (والذاكرات الله كثيرا).
# قيل لهم: إذا سلمنا ما ذكرته لم يجب ما ذهبت إليه لان المطلق والمقيد لو
~~افترقا لما وجب تقييد المقيد إذا كانا حكمين مختلفين.
# يدل على ذلك أنه لو قال: ﴿من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (٢) ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون
~~لما قالوا فتحرير رقبة﴾ (3) لما وجب أن يكون الثانية مقيدة لأجل كون
~~الأولى مقيدة فالتعليق بقولهم: ان القران كالكلمة الواحدة لا معنى له.
# فاما قوله تعالى: (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات) انما حملناه على
~~الأول لأنه لا يستقل بنفسه ولا يفيد شيئا وانما حذف منه لفظ (الله) لدلالة
~~الأول عليه اختصارا. وليس كذلك المطلق لأنه مفيد ومستقل ms176 بنفسه فلا يحتاج
~~إلى حمله على المقيد بل ترك على حاله.
# على أنه يلزم من خالف فيما قلناه وجوز تخصيص المطلق لمكان المقيد ان يزيد
~~في كفارة القتل الاطعام لما كان ذلك ثابتا في كفارة الظهار وفي التيمم مسح
~~الرأس والرجلين لما كان ذلك ثابتا في الوضوء وغير ذلك من المواضع وذلك لا
~~يرتكبه أحد.
# فاما من حمل أحدهما على الاخر قياسا فعلى مذهب من أوجب القياس
# PageV01P333
# قوله أولى من قول من منع من ذلك.
# وانما قلنا ذلك لان (الرقبة) المطلقة وان كانت من جهة اللفظ ليست عامة
~~فهي في المعنى عامة لأنها تقتضي دخول جميع الرقاب (١) فيه فإذا علم بالقياس
~~ان من شرطها أن تكون مؤمنة عند من قال بالقياس صار المجزى منها أقل مما كان
~~يقتضيه اطلاقها فصار تخصيصا من هذا الوجه فينبغي أن يسوغ استعمال القياس
~~فيه.
# وليس لهم أن يقولوا: ان ذلك زيادة لا تخصيص لان المعقول من (الرقبة) هو
~~الشخص دون الايمان فإذا شرط فيه الايمان فقد شرط فيها ما لا يقتضيه لفظها
~~ومن حق التخصيص أن يكون متناولا لما يتناوله لفظ المخصوص فيجب أن يكون
~~زيادة وذلك أن الايمان وان لم يعقل من (الرقبة) فقد عقل منها المؤمنة
~~والكافرة التي كانت معقولة من الكلام لولا هذا التقييد فصح (٢) ان ذلك
~~تخصيص لا زيادة.
# وقد يكون التخصيص على ضروب:
# أحدها: أن يكون التخصيص بلفظ المخصوص منه نحو قول القائل: (رأيت الزيدين
~~إلا زيد بن خالد) وما شاكل ذلك.
# وقد يكون بخلاف لفظ المخصوص منه وما يتناوله داخل تحت المخصوص منه لفظا
~~نحو قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم الف سنة
~~إلا خمسين عاما﴾ (3).
# وقد يكون التخصيص بأن يعلم أن اللفظ يتناول جنسا من غير اعتبار صفته ويخص
~~بعد ذلك بذكر صفة من صفاته نحو قول القائل: (تصدق بالورق إذا كان صحاحا)
~~ويستثنى منه ما ليس بصحاح.
# وان كان اللفظ الأول لم يتناول ذلك على التفصيل وقد علم أن الرقبة إذا
~~ذكرت منكرة ms177 لم تختص عينا دون عين فصح تخصيص الكافرة منها وتخصيص ذلك قد
~~يكون بان يقترن إلى الرقبة صفة تقتضي اخراج الكافرة وقد يكون باستثناء
# PageV01P334
# الكافرة فلا فصل بين قوله عز وجل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (1) وبين قوله: (الا أن تكون
~~كافرة) وهذا بين.
# ولو سلم ان ذلك زيادة لكان لا يمتنع ان يقال به قياسا عند من قال به إذا
~~لم يكن نسخا وليس كل الزيادة (2) * في النص تكون نسخا على ما نبينه في باب
~~الناسخ والمنسوخ وهذه الزيادة مما لا توجب نسخا على ما نبينه.
# وقد الزم القائلون بتقييد المطلق قياسا ما ألزمنا من قال ذلك من غير قياس
~~من ايجاب مسح الرأس في التيمم والاطعام في كفارة قتل الخطأ.
# وأجابوا عن ذلك بجوابين:
# أحدهما: ان ذلك كان جائزا لكنه منع الاجماع منه.
# وهذا انما يصح على مذهب من أجاز تخصيص العلة فاما من لم يجز ذلك فلا
~~يمكنه هذا الجواب.
# والجواب الثاني: قالوا القياس انما يصح أن يستعمل في اثبات صفة الحكم
~~وتقييده لا في اثبات نفس الحكم لان اثبات عدد الشهود بالقياس لا يجوز وان
~~جاز اثبات عدالتهم قياسا.
# واعترض هذا الجواب بان قالوا: ان الامرين واحد في جواز القول بهما قياسا
~~وقد استعمل الشافعي القياس (3) في اثبات عبادات نحو اثبات الصوم بدلا من
~~هدي المحصر وغير ذلك كما استعمله في التقييد وفي اثبات الصفات فلا يمكنه أن
~~ينكر هذا على مذهبه.
# فالتعليق بما قالوه بعيد والأولى ما قالوه أولا.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P335
# فصل NoteV01P336N11 (في ذكر ما يدل على تخصيص العموم من الأدلة المنفصلة
~~إلى توجب العلم) (1) تخصيص العموم بأدلة العقل والكتاب والسنة والاجماع
~~صحيح وافعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحيح.
# PageV01P336
# وذهب بعضهم إلى أن تخصيص العموم لا يقع بأدلة العقل (١).
# والذي يدل على صحة المذهب الأول ان هذه الأدلة التي ذكرناها إذا كانت
~~موجبة للعلم ومقتضية له وجب تخصيص العموم بها والا تناقصت الأدلة وذلك لا ms178
~~يجوز [و] لهذه الجملة خصصنا قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ (٢) وحملناه على العقلاء
~~لما دل دليل العقل على أن الأطفال (٣) * والمجانين ومن لا عقل له لا يحسن
~~تكليفه.
# وكذلك خصصنا قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شئ﴾ (٤) وقلنا: ان المراد به أفعال
~~نفسه لما دل الدليل على أن الواحد منا فاعل ومحدث.
# ويدل على ذلك أيضا: ان ظاهر الكتاب وحقيقته يترك إلى المجاز لدليل العقل
~~كما تركنا ظاهر قوله: ﴿وجاء ربك﴾
~~(٥) وقوله: ﴿هل ينظرون الا أن
~~يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ (6) وقلنا: ان المراد به امر ربك وامر
~~الله لما دل دليل العقل على أن المجيئ لا يجوز على الله.
# PageV01P337
# وإذا ثبت ذلك وقد دللنا (1) على أن العموم إذا خص كان مجازا فينبغي أن
~~يجوز ذلك بأدلة العقل لان غاية ما في ذلك أن يترك حقيقة إلى المجاز.
# فان قالوا: دليل العقل يجب تقدمه على الكتاب وما هذا حكمه لا يجوز أن يخص
~~به العموم لان ما يقتضى الخصوص يجب أن يكون مقارنا له.
# قيل لهم: نحن قد بينا ان الذي يخص العموم هو قصد المخاطب إلى بعض ما
~~تناوله اللفظ وذلك مقارن لحال (2) الخطاب وأدلة العقل انما يتوصل بها إلى
~~معرفة القصد الذي وقع التخصيص به وعلى هذا يسقط هذا السؤال.
# وليس لهم أن يقولوا: ان دليل العقل وان دل على قصد فقد تقدمه وذلك لا
~~يجوز (وذلك) (3) أن الذي أنكروه جائز عندنا غير منكر لان الدليل (4) كما
~~يتأخر ويقارن تارة كذلك قد يتقدم على بعض الوجوه فاستبعاد ذلك لا معنى له.
# ولأجل ما قلناه علمنا بالعقل ان الله تعالى يثيب المؤمن على طاعته ويعوضه
~~على آلامه وان كان ذلك متقدما له.
# ثم يقال لمن خالف في ذلك: ليس يخلو من أن يحملوا قوله تعالى: (يا أيها
~~الناس) على عمومه وشموله حتى يحمله على العقلاء وغير ms179 العقلاء أو يحمله على
~~العقلاء.
# فان قال: أحمله على جميعهم ظهر بطلان قوله بما دل الدليل على خلافه.
# وان قال: أحمله على العقلاء خاصة غير انى لا اسمى ذلك تخصيصا كان ذلك
~~خلافا في عبارة لا يعتبر بها. ومن الناس من قال (5): أن عموم الكتاب يترتب
~~على أدلة العقل فلا يصح ان
# PageV01P338
# يقال انه يخص به وجوز تخصيصه بالكتاب وان تقدمه.
# وهذا غير صحيح لان الغرض بقولنا: انه مخصوص بالكتاب هو انه قد دل على أن
~~المراد به الخصوص ولدليل العقل هذا الحظ فكيف لا يقال انه مخصوص به؟
# فان قالوا: لو جاز تخصيص العموم بدليل العقل جاز نسخه بدليل العقل فلما
~~اتفقنا على أن النسخ لا يجوز أن يقع به كان العموم مثله.
# قيل لهم: معنى النسخ (١) * يصح عندنا بأدلة العقل لكنه لا يسمى نسخا يدل
~~على ذلك أن الله تعالى إذا امر المكلف بفعل ثم عجز عنه المكلف علمنا أنه قد
~~سقط عنه فرضه كما أنه لو نهاه عنه في أنه يسقط فرضه عنه فمعنى النسخ حاصل
~~لكنه منع من اطلاق هذه التسمية لان حد النسخ ليس بحاصل فيه على ما سنبينه
~~فيما بعد ويسمى تخصيصا لان فائدة التخصيص حاصلة ولا مانع يمنع من اطلاقه.
# اما تخصيص الكتاب بالكتاب فيدل على صحته ما دل على صحة تخصيصه بأدلة
~~العقل سواء.
# فاما أمثلته فأكثر من أن تحصى نحو قوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٢) وقوله:
# ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾
~~(٣) ثم قال في موضع اخر: ﴿حتى يعطوا
~~الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٤) فخص بذلك (٥) * من عدا أهل الكتاب.
# ونحو قوله: ﴿ولا تنكحوا المشركات
~~حتى يؤمن﴾ (6) فخص من ذلك (7) *
# PageV01P339
# بعضهم في نكاح الدوام عند من خالفنا وعندنا في نكاح المتعة وملك اليمين.
# ونحو قوله أيضا: ﴿وأولات الأحمال
~~أجلهن ان يضعن حملهن﴾ (١) فخص بهذا الحكم المطلقات ms180 عندنا وعند بعض
~~الفقهاء خص الآية الأولى بمن عد الحوامل من النساء وله نظائر كثيرة ولو لم
~~يرد له نظير لكنا نعلم أن ذلك جائز لما قدمناه من الدليل.
# وليس لاحد أن يقول: ان الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه
~~يبين للناس ما نزل إليهم فلا يجوز أن يثبت لغيره (٢).
# وذلك أن هذا يسقط من وجهين:
# أحدهما: انه ليس في وصفه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يبين للناس
~~ما يمنع من أن يبين هو أيضا بعض كلامه ببعض.
# والثاني: انه كما وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا فلا وجه يوجب
~~كون السنة تبيانا للكتاب ومخصصا له الا وهو بعينه يوجب كون الكتاب تبيانا
~~له ومخصصا.
# فاما تخصيص الكتاب بالسنة فلا خلاف فيه بين أهل العلم (٣) وقد وقع منه
~~أيضا في مواضع كثيرة لان الله تعالى قال: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ (4) وقال:
# PageV01P340
# ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان﴾ (1)
~~وغير ذلك من آيات المواريث وخصصنا من ذلك القاتل والكافر بقول النبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم: (لا يرث القاتل) (2) (ولا يتوارث أهل ملتين) (3) وغير
~~ذلك.
# فاما تخصيص بعض السنة ببعض: أيضا جائز لمثل ما قدمناه من الأدلة وقد وجد
~~أيضا في مواضع لا تحصى كثيرة.
# وفي الناس من أنكر ذلك وقال: ان الله تعالى جعله صلى الله عليه وآله وسلم
~~مبينا فلا يجوز أن يكون قوله يحتاج إلى بيان فأوجب فيه التعارض وأبطله (4).
# وهذا خطأ لان حال السنة مع السنة حال الكتاب مع الكتاب وكونه صلى الله
~~عليه وآله وسلم مبينا يقتضى جواز أن يبين سنته كما يقتضى جواز أن يبين
~~الكتاب وكما لم يمنع ذلك من أن يبين أحكاما مبتدأة فكذلك لا يمنع من أن
~~يبين سنة يحتاج إلى أن يبينها بسنة أخرى.
# فاما (5) تخصيص الكتاب بالاجماع (6): فيصحح أيضا لمثل ما قدمناه من
~~الأدلة وقد وقع أيضا في مواضع كثيرة نحو اتفاقهم على ms181 أن العبد لا يرث فخص
~~بذلك اية المواريث ونحو اجماعهم على أن العبد كالأمة في تنصيف الحد فخص به
~~قوله
# PageV01P341
# تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ (1)
~~وغير ذلك.
# واما تخصيص الكتاب بأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فصحيح أيضا لان
~~الدليل قد دل على أن فعله كقوله في وجوب الرجوع إليه في معرفة الاحكام فإذا
~~ورد الكتاب بتحريم أشياء ثم وجدناه عليه السلام فاعلا لبعضها علمنا بفعله
~~خصوص الكتاب ولذلك خص قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما
~~مائة جلدة) برجمه عليه السلام ماعزا (2).
# وتخصيص قوله عليه السلام بفعله صحيح أيضا لمثل ما قلناه وسندل فيما بعد
~~على أن فعله ليس بمقصور عليه وانه كقوله وصحة ذلك يقتضى جواز التخصيص به.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P342
# فصل NoteV01P343N12 (في ذكر تخصيص العموم باخبار الآحاد) اعلم أن من قال
~~إن خبر الواحد لا يجوز العمل (1) به فقوله خارج عن هذا الباب وانما الخلاف
~~في ذلك من أوجب العمل به (2).
# واختلف القائلون باخبار الآحاد في اثبات الاحكام في هذه المسألة:
# منهم: من أجاز تخصيص العموم بها على كل حال ما لم يمنع من ذلك مانع وهو
~~مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو الظاهر عن الشافعي وأصحابه وعن أبي
~~الحسين (3) وغيرهما (4).
# PageV01P343
# ومنهم من قال: يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذا كان قد خص لأنه قد صار مجملا
~~ومجازا وإذا لم يدخله التخصيص لا يجوز أن يخص بها (1) وهو مذهب عيسى بن
~~ابان (2).
# ومنهم من قال: إذا خص العموم بدليل متصل مثل الاستثناء وما جرى مجراه لم
~~يجز تخصيص العموم به لان ذلك حقيقة - على ما حكيناه فيما تقدم (3) - وإذا
~~خص بدليل منفصل جاز تخصيصه باخبار الآحاد لأنه قد صار مجازا (4).
# والذي أذهب إليه: أنه لا يجوز تخصيص العموم بها على كل حال سواء خص أو لم
~~يخص بدليل متصل أو منفصل وكيف كان والذي يدل على ذلك:
# ان عموم القرآن يوجب العلم وخبر الواحد يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن ms182 يترك
~~العلم للظن على حال فوجب لذلك أن لا يخص العموم به.
# فان قيل: إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد كان وجوب
# PageV01P344
# التخصيص معلوما (1) - وان كان نفس الخبر مظنونا - ويجرى ذلك مجرى قيام
~~الدلالة على وجوب التنفيذ الحكم عند الشهادة وان كانت الشهادة غير معلومة
~~وكذلك إذا ظن كون القبلة في جهة من الجهات وجب علينا التوجه إليها وان كان
~~ذلك معلوما وان كان كون القبلة فيها مظنونا فما المنكر من أن يكون خبر
~~الواحد مع العموم يجرى هذا المجرى.
# والجواب عن ذلك: أن السائل عن هذا السؤال لا يخلو من أن يكون مخالفا لنا
~~في الأصول أو موافقا:
# فان كان مخالفا فلا يصح له هذا السؤال لأنه تضمن قيام الدلالة على وجوب
~~العمل بخبر الواحد ونحن قد أفسدنا سائر ما يدعيه مخالفونا من الأدلة على
~~وجوب العمل بخبر الواحد (2) فإذا فسد العمل بها بتلك الأدلة فلا يمكن أن
~~يدعى جواز التخصيص بها وقد مضى الكلام على أدلتهم مستوفى.
# على أنه لو سلم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم لم يجز تخصيص
~~العموم به لأنه ليس ما دل على وجوب العمل بها يدل على جواز التخصيص كما أن
~~ما دل على وجوب العمل بها لا يدل على وجوب النسخ بها بل احتاج ذلك إلى دليل
~~غير ذلك فكك التخصيص فلا فرق بينهما.
# فان قالوا: إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد فينبغي أن يكون خبر
~~الواحد دليلا في كل موضع الا أن يمنع منه مانع والنسخ الذي ذكرتموه قد كان
~~يجوز أن يقع بخبر الواحد الا أنه منع الاجماع منه فبقى كونه دليلا فيما عدا
~~النسخ.
# قيل لهم: خبر الواحد دليل شرعي وليس بعموم يخص منه بعضه ويبقى ما عداه
~~وإذا ثبت ذلك كان الذي يدل على وجوب العمل به من الاجماع انما هو
# PageV01P345
# حاصل فيما طريقه العمل فحسب مما لا نص فيه في الكتاب فينبغي أن يحتاج في
~~اثبات كونه دليلا في تخصيص العموم به ms183 إلى دليل.
# فان قال (١): الصحابة الذين (٢) عملوا بخبر الواحد عملوا بها وان خص
~~العموم.
# قيل لهم: هذا محض الدعوى ما الذي يدل عليها؟ فانا لا نسلم ذلك.
# فان ذكروا: انهم خصوا اية المواريث (٣) بالخبر الذي روى: (ان القاتل لا
~~يرث) (٤) وكان خبرا واحدا؟ وكذلك عملوا بخبر أبي هريرة في نكاح المرأة على
~~عمتها وخالتها (٥) وخصوا بذلك قوله تعالى: ﴿أحل لكم ما وراء ذلكم﴾ (6) ونظائر ذلك كثيرة.
# قيل لهم: انما تركوا عموم اية الميراث بالخبر الذي تضمن (ان القاتل لا
~~يرث) لأنهم اجمعوا على صحته فلما اجمعوا على صحته وعملوه خصوا العموم به
~~وليس ذلك موجودا في الاخبار التي لا يعلم صحتها.
# واما نكاح المرأة على عمتها وخالتها فعندنا يجوز على وجه (7) فلا يخصص
~~العموم به.
# ومن أجاز ذلك أيضا انما اجازه لان عنده انهم اجمعوا على صحة هذا الخبر
# PageV01P346
# فلما اجمعوا عليه دل ذلك على صحته (1) * وليس هذا موجودا في اخبار الآحاد
~~التي لا يعلم صحتها.
# على أن المعلوم من حال الصحابة انهم ردوا اخبارا كثيرة نافت عموم القرآن
~~واقتضت تخصيصه نحو ما روى عن عمر وغيره انهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس (2) في
~~أنه لا نفقة لها ولا سكنى وقالوا: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري
~~صدقت أم كذبت)؟ (3) وهذا تصريح بأنه لا يجوز تخصيص العموم بخبر الواحد.
# وليس لهم أن يقولوا: انما ردوا الخبر إذا كان يخالف القرآن لا أنه يخصه
~~وما يخص العموم به لا يقتضى ترك القرآن بل يقتضى القول به فدل ذلك على سقوط
~~ما ذكرتموه.
# وذلك أن سقوط نفقة المبتوتة (4) كفاطمة خاصة (5) * تخصيص القرآن لان عموم
~~القرآن اقتضى النفقة لها ولغيرها ومع ذلك لأنهم علموا ان حكم فاطمة وغيرها
~~من النساء حكم واحد وكان ذلك عندهم معلوما ولو قبلوا خبرها لأدى عندهم إلى
~~دفع القران فلذلك ردوه.
# PageV01P347
# قيل لهم: هذا محض الدعوى ومن أين انهم علموا أن حكم فاطمة حكم غيرها على
~~حد واحد الا بعموم القران؟ ms184 ولذلك صرح (1) * بهذا التعليل عمر ولو كان ذلك
~~معلوما بغير عموم القران لكان يقول قد علمنا أن حكمك في هذا الباب حكم غيرك
~~من النساء ولا يحتاج ان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري صدقت
~~أم كذبت) وذلك يسقط هذا السؤال.
# ثم يقال لهم: أليس قد قيل أهل قبا خبر الواحد (2) فيما طريقة النسخ
~~وانتقلوا بذلك عن القبلة التي كانوا عليها ولم يدل ذلك على جواز النسخ بخبر
~~الواحد؟
# فان قالوا: انما قبلوا ذلك بدليل دلهم على ذلك دون مجرد الخبر.
# قيل لهم مثل ذلك في الاخبار التي تعلقوا بها.
# فان قالوا: أليس خبر الواحد قد قبل فيما يقتضى العقل خلافه فما المنكر من
~~أن يجوز قبوله فيما يقتضى عموم القران خلافه؟
# قيل لهم: هذا انما يمكن أن يستدل به على من أبى من تخصيص العموم به عقلا
~~فيقال له: إذا جاز الانتقال عما يقتضى العقل خلافه بخبر الواحد جاز أن
~~ينتقل عما يقتضيه العموم بمثل ذلك.
# فاما من أجاز ذلك عقلا وانما امتنع منه لفقد (3) الدلالة عليه فهذا
~~السؤال ساقط عنه وانما ينبغي أن يتشاغل بان هاهنا دليلا يدل على جواز تخصيص
~~العموم به وهو نفس المسألة التي اختلفنا فيها.
# على أن مثل هذا يمكن أن يقال في جواز النسخ به لان الانتقال عن موجب
~~العقل من حظر إلى إباحة أو من إباحة إلى حظر في معنى النسخ وان لم يسم نسخا
# PageV01P348
# فينبغي أن يجوز على موجب ذلك النسخ بخبر الواحد وهذا لا يقوله أحد.
# ولا جواب عن ذلك الا ما ذكرناه من أن ذلك دليل على جواز ذلك لا على وجوبه
~~بل وجوبه يحتاج إلى دليل مفرد.
# وفي الناس من قال: ان العموم ثبت اجتهادا (1) * فجاز الانتقال عنه بخبر
~~يوجب غلبة الظن.
# وهذا القول باطل لان الدليل على القول بالعموم دليل يوجب العلم وليس من
~~باب الاجتهاد في شئ وقد دللنا على ذلك فكيف يجوز أن يترك بما طريقه غلبة
~~الظن.
# ثم يقال لهم: لا ms185 خلاف (2) * ان خبر الواحد لا يجوز قبوله فيما طريقه
~~العلم والاعتقاد وإذا ثبت ذلك فخبر الواحد إذا خص العموم اقتضى شيئين.
# أحدهما: العمل بمتضمنه وذلك من باب العمل.
# والثاني: وجوب الاعتقاد في ظاهر العموم انه مخصوص وذلك لا يجوز لأنه
~~اقدام على مالا نأمن كونه جهلا.
# فان قالوا: انا نأمن كونه جهلا بما قام من الدليل على جواز قبوله فيما خص
~~العموم.
# فقد مضى الكلام على ذلك وبينا ان ذلك محض الدعوى وصريح الاقتراح.
# فاما من قال: لا يجوز تخصيص العموم به الا إذا خص على حسب اختلافهم في
~~ذلك من تخصيصه بدليل متصل أو منفصل أو استثناء وغير ذلك ومتى خص بشئ من ذلك
~~جاز تخصيصه.
# فما دللنا به من المنع من جواز تخصيصه بخبر الواحد يبطل هذا الفصل.
# PageV01P349
# على أنهم انما أجازوا تخصيصه بخبر الواحد إذا خص لأنه يصير مجملا (1) *
~~ومجازا.
# فأما كونه مجازا فنحن نقول به ولا نسلم ما انه يصير مجملا فيما عداه بل
~~ما عدا ما خص منه معلوم. كما أنه لو لم يخص منه شئ كان الجميع معلوما وذلك
~~يبطل ما قالوه.
# فاما إذا كان السائل عن السؤال الذي قدمناه من موافقينا وسئل ذلك على
~~طريقتنا التي اعتمدناها من جواز العمل بالاخبار التي تختص بنقلها (2)
~~الطائفة المحققة فالكلام عليهم أيضا مثل ذلك بأن يقال:
# ما دل على عمل الطائفة المحقة بهذه الاخبار من اجماعهم على ذلك لم يدل
~~على العمل بما يخص القران ويحتاج في ثبوت ذلك إلى دلالة بل قد ورد عنهم
~~عليهم السلام ما لا خلاف فيه من قولهم: (إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على
~~كتاب الله فان وافق كتاب الله فخذوه وان خالفه فردوه أو فاضربوا به عرض
~~الحائط (3)) على حسب اختلاف الألفاظ فيه وذلك صريح بالمنع من العمل بما
~~يخالف القران.
# فان قالوا: أليس قد عملت الطائفة باخبار كثيرة طريقها الآحاد وعموم
~~الكتاب بخلافها فهلا دل ذلك على جواز تخصيص العموم بها على كل حال؟
# قيل لهم (4) *: لا نسلم ان ms186 الطائفة عملت باخبار آحاد يقتضى تخصيص القران
~~وعلى من ادعى ذلك أن يبينه.
# على انا قد بينا (5) * ان الاخبار الصادرة من جهتهم عليهم السلام على
~~ضربين.
# PageV01P350
# أحدهما: أن يكون خبرا وليس هناك ما يخالفه ويكون فتيا الطائفة به فما هذا
~~حكمه يكون مجمعا على صحته ويجوز العمل به وتخصيص العموم به.
# وان كان هناك ما يخالفه من الاخبار فالعمل بما يطابق العموم أيضا أولى
~~لأنه يصير معلوما صحته مثل العموم وبينا ان ذلك وجه يرجح به أحد الخبرين
~~على الاخر.
# وان كان خبر لا يعلم فتيا الطائفة أصلا فيه وهناك عموم يقتضى خلافه
~~فالعمل بما يقتضى العموم أولى بما قدمناه من الدلالة.
# PageV01P351
# فصل NoteV01P352N13 (في ذكر تخصيص العموم بالقياس) اعلم أن الكلام في هذه
~~المسألة قد سقط عنا لأنا لا نجيز العمل بالقياس لا ابتداء ولا فيما يخص
~~العموم.
# وانما الخلاف في ذلك بين من أثبت القياس لان (1) فيهم من أجاز تخصيص
~~العموم به على كل حال إذا صح القياس بشروطه وهو مذهب أكثر الفقهاء وهو مذهب
~~الشافعي والمحكي عن أبي الحسن واليه ذهب أبو هاشم أخيرا (2).
# ومنهم من أبي تخصيص العموم به على كل وجه وهو مذهب أبي على وبه قال أبو
~~هاشم أولا وقد قال به بعض الفقهاء (3).
# PageV01P352
# ومنهم من قال: يخص بالقياس الجلي ولا يخص بالخفي (1) وهو مذهب بعض أصحاب
~~الشافعي (2).
# ومنهم من قال: انه يخص بذلك إذا دخله التخصيص وسوغ فيه الاجتهاد (3) ولا
~~يجوز تخصيصه إذا كان باقيا على عمومه (4).
# والأقوى من هذه الأقاويل - إذا فرضنا العبادة بالقياس - قول أبي علي وهو
~~أنه لا يجوز تخصيص العموم به على كل حال.
# والذي يدل على ذلك: ان العموم دليل يوجب العلم والقياس عند من قال به
~~يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن ينتقل عما طريقة العلم إلى ما يقتضى غلبة الظن
~~(5).
# فليس (5) لهم أن يقولوا: إذا ثبت ان القياس دليل كان تخصيص العموم به
~~معلوما.
# PageV01P353
# وذلك انا قد بينا الجواب عن مثل هذا السؤال في الباب الأول ms187 (1) بأن قلنا:
~~خبر الواحد دليل شرعي وكذلك نقول ان القياس دليل شرعي فينبغي أن يثبت في
~~الموضع الذي استعملته الصحابة وقررته الشريعة وانما ثبت عنهم - على زعمهم -
~~استعمل القياس فيما لا نص فيه من احكام الحوادث.
# ولا يمكنهم أن يدعوا انهم استعملوه فيما يخص العموم.
# لان هذه الدعوى لا برهان عليها ودون ذلك خرط القتاد.
# ويدل أيضا على ذلك: ان النسخ قد ثبت انه لا يجوز به فكذلك يجب أن يكون
~~حكمه حكم التخصيص.
# وليس لهم ان يقولوا: لا يجوز من الحكيم تعالى أن ينزل نصا ويجعل القول به
~~والعمل بمقتضاه موقوفا على اجتهادنا وانما يسوغ الاجتهاد (2) في صرفه إلى
~~وجه دون وجه.
# فان قالوا: هذا الذي ذكرتموه من الجواب عن هذا السؤال يمكن أن يجعل فرقا
~~بين النسخ وتخصيص العموم وسقط بذلك أصل الدليل.
# وذلك انهم إذا جعلوا ذلك فرقا بين التخصيص والنسخ.
# قيل لهم: لا فرق بين النسخ والتخصيص في المعنى لان التخصيص هو: (اخراج
~~بعض ما يتناوله لفظ العموم من الأعيان منه) والنسخ: (اخراج بعض ما يتناوله
~~دليل النص من الأزمان منه) فهما سواء في المعنى فما منع من أحدهما منع من
~~الاخر.
# على أنه لا يمكن أن يجوز النسخ بالقياس الا من يقول بتخصيص العلة ومن لم
~~يجز تخصيص العلة لا يمكنه ارتكابه على حال.
# وقد أجاب بعض أصحاب الشافعي (3) عما ألزمناهم: بان النسخ انما لم يصح
# PageV01P354
# فيه لان كونه ناسخا للنص ينبئ عن أن النص بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه
~~النص وخصه (1) * فكأن النسخ به يوجب النسخ بقياس فاسد وهذا لا يجوز.
# وهذا بعينه يمكن أن يقال في المنع من تخصيص العموم به لان العموم أيضا نص
~~وما يؤدى إلى تخصيصه ينبئ عن أن ظاهره بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه النص
~~وكان التخصيص به يوجب التخصيص بقياس فاسد وهذا ما لا فصل فيه.
# ويدل أيضا على ذلك: على أن القياس انما يسوغ (2) * مع عدم النص للاضطرار
~~إليه وعموم الكتاب نص يغنى عنه ولا ms188 يسوغ استعماله وخلافه نص حتى يخص به.
# وليس لهم ان يقولوا: انه إذا خص العموم به يكون مستعملا فيما لا نص عليه
~~لأنه قد يبين به انه لم يرد ذلك بالعموم وإذا لم يكن (3) مرادا به فقد
~~استعمل القياس فيما لم يدخل تحت النص.
# وذلك أن الذي قالوه غير صحيح لأنه لو لم يستعمل ذلك القياس لكان ما
~~يتناوله داخلا تحت النص فيجب بطلانه لأنه قد استعمل فيما لولاه لدخل تحت
~~النص.
# فان قالوا: النص انما يتناول ذلك لو لم يصح القياس فاما إذا صح ذلك
~~القياس لم يدخل تحته فقد حصل ان القياس إذا استعمل فيما يخص به العموم لا
~~يكون مستعملا فيما تناوله.
# قيل لهم: ومن سلم ان القياس الذي يوجب تخصيص العموم قياس صحيح؟
# وليس يعلم أن من قال بالمنع من تخصيص العموم به يقول: ان بظاهر العموم
~~احكم بأن كل قياس يؤدى إلى تخصيصه قياس باطل.
# ولو سلم ان ذلك قياس صحيح لكان قد سلمت المسألة.
# PageV01P355
# فعلم بجميع ذلك صحة ما نصرناه ويدل أيضا على صحة ما قدمناه: خبر معاذ وان
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: (بم تقضى؟ قال:
~~بكتاب الله ثم قال: بسنة رسول الله (1). فقال له عليه السلام فان لم تجد؟
~~قال: اجتهد رأيي) (2) (3) فصوبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك
~~وهذا يقتضى ان القياس انما يسوغ استعماله إذا لم يوجد في الكتاب ما يدل على
~~الحكم الذي يستعمل فيه فمتى وجد فيه بطل استعماله وإذا بطل استعماله لم يصح
~~أن يخص به العموم لان القياس الفاسد لا خلاف انه لا يخص به العموم.
# وليس لهم أن يقولوا: ان المراد بذلك ان لم أجد في كتاب الله نصا على
~~المسألة اجتهدت رأيي فاما إذا كان فيه عموم فإنه لا يمتنع اجتهاد الرأي معه
~~لأنه إذا خص بالقياس كان ما استعمل فيه القياس غير موجود في الكتاب.
# وذلك أن هذا الذي ذكروه تخصيص للخبر لأنه ms189 انما صوبه في استعمال القياس
~~إذا لم يكن الحكم موجودا في الكتاب والسنة وقد يكون الحكم ثابتا فيهما بنص
~~معين ويكون أيضا موجودا بأن يكون داخلا في العموم فمن خص الخبر بأحدهما
~~احتاج إلى دلالة.
# وفي الناس من استدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن قال: القياس فرع على النص
~~من عموم وغيره فمتى اعترض به عليه كان قد اعترض على الأصل بفرعه وهذا لا
~~يجوز (4).
# PageV01P356
# وهذا غير صحيح لان لهم ان يقولوا: ان أصل القياس هو الذي ثبت صحته به أو
~~ما يحمل عليه الفرع من الأصول وكلاهما لا يجب الاعتراض بالقياس عليه وانما
~~يجوز أن يقاس ما دخل تحت اية محرمة ما دخل تحت اية محللة فتحلله وتخرجه من
~~جملة ما يقتضى التحريم نحو قياس العقد في الأرز (١) في التحريم ويخص به
~~قوله: ﴿أحل الله البيع﴾
~~(2) وفي ذلك سقوط الاستدلال بهذه الطريقة.
# وقد استدل من خالف ما اخترناه بان قال: الذي دل على اثبات القياس دليل
~~مقطوع عليه وهو اجماع الصحابة (3) فصار العمل بما يقتضيه معلوما وجوبه كما
~~أن.
# العمل بما يقتضيه العموم معلوم وجوبه فإذا تساويا في هذا الوجه جاز تخصيص
~~العموم به.
# وهذا الذي ذكروه غير صحيح لأنا إذا سلمنا اجماع الصحابة على العمل
~~بالقياس انما نسلمه فيما لا نص فيه من الكتاب من العموم وغيره فاما إذا كان
~~ما يدل عليه (من الكتاب) (4) لا نسلم انهم استعملوا فيه ولا يمكنهم ان
~~يبينوا ان الصحابة استعملت القياس في تخصيص العموم وإذا لم يثبت ذلك لم يجب
~~من حيث استعملوا القياس في موضع أن يجوز استعماله في كل موضع لأنا قد بينا
~~انه دليل
# PageV01P357
# شرعي ينبغي أن لا يتجاوز به الموضع الذي قررته الشريعة كما أن ثبوته في
~~الموضع الذي ثبت لا يجوز أن يتجاوز به إلى أن ينسخ به لأنه لم يثبت ذلك فيه
~~ذلك.
# وكذلك القول في التخصيص ولا فرق بينهما على حال.
# واستدلوا أيضا بأن قالوا: قد ثبت ms190 ان القياس يقبل فيما يقتضى العقل خلافه
~~وان كان دليل العقل يوجب العلم والقياس غلبته الظن وكذلك العمل به فيما يخص
~~الكتاب وان كان يوجب العلم.
# يقال لهم: هذا الدليل انما يمكن أن يستدل به على من أبى تخصيص العموم
~~بالقياس عقلا (1) فيقال له إذا جاز العمل به فيما يقتضى العقل خلافه (جاز
~~العمل به فيما يقتضى العموم خلافه).
# فاما من جوز ذلك وانما امتنع من القول به لأنه لم يثبت ورود العبادة به
~~فلا يمكن أن يعتمد ذلك في هذا الباب بل يحتاج إلى أن يشتغل بالدلالة على
~~ثبوت ما كان جائزا لأنه ليس كل ما كان جائزا في العقل ثبت العمل به على كل
~~حال فعلم بذلك سقوط هذا الاستدلال.
# وفي الناس من اعترض [على] هذا الدليل وقال: انا لا نعمل بالقياس إذا
~~اقتضى العقل خلافه (2) * بل انما نعمل به فيما يجوزه العقل دون ما يقتضى
~~قبحه أو حسنه.
# وهذا ليس بشئ لان غرض القوم بذلك ان الفعل إذا كان يقتضى تحليل شئ أو
~~تحريمه ثم ثبت بالقياس في الشرع تحريم ما كان مباحا أو إباحة ما كان محظورا
~~فقد عملوا بخلاف ما كان يقتضيه العقل.
# ولا يمكن أن يقال: ان دليل العقل يقتضى إباحة شئ أو حظره بشرط أن لا يدل
~~الشرع بخلافه فالقياس ان يستعمل في خلافه المبين به (3) ان العقل لم يقتضى
~~ما
# PageV01P358
# أدى القياس إلى خلافه وليس كذلك العموم لأنه اقتضى تحريم الشئ مطلقا بلا
~~شرط فيه فلو قبل القياس في خلافه لكان فيه اعتراض به عليه.
# وهذا لا يجوز لان لهم ان يقولوا: الحال فيهما واحد لان دليل العقل يقتضي
~~تحليل الأنبذة ما لم يقتضى دليل سمعي (1) تحريمه والعموم أيضا يقتضى ذلك ما
~~لم يحصل دليل سمعي على خلافه فهما في هذا الباب من جهة المعنى سواء وانما
~~الخلاف بينهما ان العموم يدل على ما يدل عليه لفظا وليس كذلك دليل العقل
~~وهذا لا يقتضى الفرق بينهما من جهة المعنى.
# PageV01P359
# فصل NoteV01P360N14 (في ms191 تخصيص العموم بأقاويل الصحابة وبالعادات وبقول
~~الراوي) (1) القول إذا ظهر بين الصحابة واتفقوا كلهم انه يخص العموم فلا
~~خلاف عن أهل العلم انه يخص به العموم لان ذلك اجماع وقد بينا ان الاجماع
~~يخص به العموم.
# PageV01P360
# فاما إذا ظهر القول ولم يعرف له مخالف فمن جعله اجماعا أو في حكم الاجماع
~~خص به أيضا العموم ومن لم يجعله اجماعا من حيث جواز أن يكون الساكت لو
~~استفتى لأفتى بخلافه لجرى ذلك مجرى القول المختلف فيه والقول المختلف فيه
~~بين الصحابة اختلفوا في جواز تخصيص العموم به:
# فذهب أبو على إلى أنه يجوز الاخذ بقول بعضهم وان خالفه غيره فيه قال:
# (لان بعضهم كان يرجع إلى قول بعض من غير حجاج وهو المحكى عن محمد بن
~~الحسن (1) لأنه حكى عنه انه قال: (ما اجمعوا عليه واختلفوا فيه جاز أن يقاس
~~عليه ويتخذ أصلا تجعل اختلافهم كاجتماعهم في أنه أصل).
# وقد حكى عن الشافعي قديما انه كان يقول ذلك ويرتب أقاويل الصحابة فيقدم
~~أقاويل الخلفاء ثم قول أقدمهم في العلم فعلى هذه الوجوه لا يمتنعون من
~~تخصيص الكتاب به لأنه حجة كالقياس وخبر الواحد عندهم.
# واما من قال: ان قولهم ليس بحجة فإنه لا يخص العموم به وهو مذهب أكثر
~~الفقهاء (2) وقول الشافعي في الجديد (3) لأنه قدم القول بالعموم على القول
~~بقول الصحابي إذا اختلف فيه.
# PageV01P361
# والصحيح عندنا من هذه الأقاويل انه لا يخص العموم الا بما كان اجماعا
~~موجبا للعلم أو يكون قول من دل الدليل على عصمته (1) فان ذلك يخص به العموم
~~وما عدا ذلك لا يجوز تخصيصه به وسنبين فيما بعد أن ما ادعوه اجماعا أو في
~~حكم الاجماع من القول الذي لا يعرف له مخالف ليس باجماع إن شاء الله.
# واما العادات فعلى ضربين (2):
# ضرب منها: هي من جهة الافعال فما هذا حكمه لا يخص به العموم بل (3) * يجب
~~على المخاطبين أن ينتقلوا عن تلك العادات لأجل العموم واستدلوا به على
~~تركها فكيف يخص به العموم؟
# والضرب الاخر: ms192 ان يكون العادة جارية في استعمال لفظ العموم في بعض ما
~~تناوله فما هذا حكمه ينبغي أن يخص به العموم لأنا قد بينا فيما تقدم ان
~~الخطاب ينبغي أن يحمل على ما تعورف ويترك ما كان موضوعا له لأنه بالعادة قد
~~صار حقيقة فيما اعتيد فيه وقد استوفينا ما يتعلق بذلك فيما مضى (4).
# فاما إذا روى الراوي الحديث العام ثم صرفه إلى بعض ما تناوله فمن الناس
~~من قال: يجب حمله على الخصوص لأنه اعرف بمراد الرسول من غيره لمزية
~~المشاهدة التي عندها تعرف المقاصد وهو المحكى عن بعض أصحاب أبي
# PageV01P362
# حنيفة لأنه كان يحمل ما رواه أبي هريرة من خبر ولوغ الكلب (1) على أن
~~السبع ليس على الوجوب من حيث كان يذهب إلى جواز الاقتصار على ثلاث.
# وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن (2): أن التعلق بظاهر الخبر أولى.
# ومنهم من قال: انه يجب أن ينظر فيه فان كان الراوي عدل عن ظاهر ما رواه
~~وجب التمسك بما رواه من اللفظ وان كان قال بأحد محتملاته حملت عليه وهذا
~~الذي يدل عليه ظاهر قول الشافعي واليه يذهب كثير من أصحابه (3) لأنه حمل ما
~~رواه ابن عمر في حديث الافتراق (4) على الافتراق بالبدن لان ابن عمر حمله
~~على ذلك وحمل قوله في حديث الربا: (يدا بيد) (5) ان المراد به أن لا يفترق
~~الا بعد التقابض من حيث حمله ابن عمر على ذلك ولم يصرف قوله: صلى الله عليه
~~وآله وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) (6) إلى الرجال وان كان ابن عباس صرفه
~~إليهم.
# والذي يجب أن يقول عليه في ذلك: ان الراوي إذا روى الخبر العام وحمله على
~~بعض ما تناوله وقال: انه علم ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
~~ضرورة وجب حمله على ما ذهب إليه لان وجوب حسن الظن به في نفس الخبر يوجب
~~حسن الظن به في قوله انه علم ذلك ضرورة من قصد الرسول صلى الله عليه
# PageV01P363
# وآله وسلم.
# وان كان ما ذهب إليه ms193 انما قاله بضرب من الاستدلال أو بخبر اخر أو قياس أو
~~غير ذلك فينبغي أن يتمسك بظاهر الخبر ويترك ما ذهب إليه لأنه يجوز أن يكون
~~أخطأ في جميع ذلك لشبهة دخلت عليه.
# ومتى لم يظهر لنا ما حمله عليه وهل فعل ذلك لأنه علم ذلك من قصد الرسول
~~صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة أو لوجه آخر من الاستدلال؟ وجب التمسك بظاهر
~~الخبر وان جاز أن يكون في الأصول ما لأجله حمله عليه.
# ومتى كان ما رواه مجملا وصرفه إلى أحد الوجهين فمن الناس من قال: انه يجب
~~حمله عليه لان حسن الظن به يوجب ذلك إلا أن يكون قد حصل من الرسول صلى الله
~~عليه وآله وسلم بيان يخالف ذلك فيعيد عليه.
# ومنهم من قال: ان الجميع بمنزلة سواء في أنه يجب التمسك بقول الرسول ودون
~~قول الراوي بأنه لو عرف قصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة لرواه
~~ولأزال عن نفسه ايهام مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
# وهذا هو الأقوى. PageV01P364
# فصل NoteV01P365N15 (في تخصيص الاجماع وتخصيص قول الرسول صلى الله عليه
~~وآله وسلم) الاجماع لا يخلو من أن يكون على فعل (1) * أو على قول أو على
~~رضا بالشئ.
# فان كان الاجماع فعلا التخصيص لا يسوغ فيه كما لا يسوغ في أفعال النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك ان كان رضا بالشئ.
# وان كان اجماعهم على القول فان كان عاما (2) * نظر فيه:
# فان اضطررنا (3) * إلى قصدهم بذلك امتنع أيضا التخصيص فيه.
# وان لم نضطر إلى قصدهم جاز التخصيص كما يجوز في عموم الكتاب.
# وان كان ذلك القول نصا (4) * فالتخصيص فيه لا يجوز وان كان في حكم
# PageV01P365
# العموم من حيث كان حال غير المنصوص عليه حاله.
# واما قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
# إذا ورد عنه فاقتضى (1) تحريم أشياء على المكلفين ثم وجد فاعلا لبعضها:
# فمن الناس من قال: انه عليه السلام مخصوص بذلك الا أن يدل دليل على خلافه
~~فيخص به العموم لان ms194 الظاهر منه ان حاله كحال غيره الا أن يدل دليل على أنه
~~مخصوص به وهذا هو مذهب الشافعي (2) ولذلك خص به نهيه عليه السلام عن
~~استقبال القبلة لغائط أو بول لقعوده عليه السلام على لبنتين مستقبل بيت
~~المقدس (3).
# ويقول: ان فعله صلى الله عليه وآله وسلم قد علم بالدليل مساواة أمته له
~~فيصير كقول اخر عام في جواز تخصيص القول الأول به والقول الأول يحكى عن بعض
~~أصحاب الشافعي وانه حمل ما روى من تزويج ميمونة (4) وهو محرم على أنه مخصوص
~~به وانه لا يعترض على نهيه عن نكاح المحرم وهو الذي حكاه أبو
# PageV01P366
# عبد الله عن أبي الحسن (1) لأنه حمل ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم من كشفه فخذه بحضرة بعض أصحابه (2) وما روى أنه استقبل بيت المقدس على
~~أنه مخصوص به فلم يخص قوله به ودل على ذلك بأن قال: ان فعله لا يتعداه الا
~~بدليل ولا يجوز أن يعترض به على القول الذي يقتضى تعديه إلينا.
# والصحيح هو الأول لان الدلالة قد دلت على أن حكمنا وحكمه في فعله واحد
~~على ما نبينه فيما بعد فإذا فعل شيئا صار كأنه قال لنا هو مباح وقد علمنا
~~أنه لو قال ذلك لوجب تخصيص العموم به فكذلك يخص بفعله لأنه وقع هذا الموقع
~~(3).
# PageV01P367
# فصل NoteV01P368N16 (في أن العموم إذا خرج على سبب خاص لا يجب قصره عليه)
~~اختلف الفقهاء في ذلك:
# فمنهم من قال: انه يجب قصره عليه والى ذلك ذهب طائفة من أصحاب الشافعي
~~(1) وان كان كلام الشافعي محتملا له ولغيره (2).
# PageV01P368
# وذهب الباقون (1): إلى أن الواجب حمل الكلام على ظاهره دون السبب إذا
~~أمكن ذلك فيه وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي (2) ومذهب أبي الحسن (3).
# وقال: انه إذا لم يمكن حمله على ظاهره ولم يفد الا إذا علق به قصر عليه.
# والذي نذهب إليه: ان كلامه عليه السلام لا يخلو من أن يكون مطابقا للسبب
~~من غير زيادة عليه أو يكون أعم منه:
# فان كان ms195 مطابقا له من غير زيادة فلا خلاف انه يجب حمله عليه.
# ومتى كان أعم منه وجب حمله على ظاهره ولا يقصر على سببه وهو على ضربين:
# أحدهما: أن يكون أعم منه في الحكم (4) * الذي يسأل عنه نحو ما روى عنه
~~عليه السلام انه سئل عن من ابتاع عبدا فاستغله ثم وجد فيه عيبا فقال عليه
~~السلام:
# (الخراج بالضمان) (5) وذلك يتناوله ويتناول كل بيع وكل مضمون.
# ومنه ما يكون عاما في ذلك الحكم وفي حكم اخر يسأل عنه نحو ما روى عنه
~~عليه السلام انه سئل عن ماء البحر أيتوضأ به؟ فقال: (هو الطهور ماؤه والحل
~~ميتته) (6) فأجاب بما يقتضى جواز التوضؤ به وبما يقتضى جواز سائر الأحكام
~~من الشراب وإزالة النجاسة وغير ذلك.
# فاما إذا كان كلامه متى لم يعلق بالسبب لم يفد وجب تعليقه به على كل
# PageV01P369
# حال (1) * وذلك نحو ما روى عنه عليه السلام انه سئل عن بيع الرطب بالتمر
~~فقال:
# (أينقص إذا يبس؟) قيل له: نعم فقال: (فلا إذا) (2).
# فاما إذا سئل عن أشياء فلا يخلو ان يكون الوقت وقت الحاجة أو لا يكون
~~كذلك:
# فان كان وقت الحاجة فلا يجوز الا أن يجيب عن جميعه في الحال وان كان قد
~~تقدم منه بيان اخر يمكن الوصول إليه لان الوقت وقت الحاجة فلا يسوغ منه
~~عليه السلام الا بين له الوجوب عما سئل عنه. الا ترى ان المستفتي إذا
~~استفتى عن شئ مست الحاجة إليه لم يسع إليه الا يفتى فيه؟ فالنبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم بذلك أولى.
# وإذا لم يكن الوقت وقت الحاجة فلا يخلو السائل من أن يكون من أهل
~~الاجتهاد أولا يكون كذلك فان كان ممن يمكنه الوصول إلى ذلك وقد تقدم منه
~~عليه السلام بيان لذلك جاز أن لا يجيب عنه ويحيله على ما تقدم من البيان
~~وكذلك قال عليه السلام لعمر لما سأله عن الكلالة فقال: (تكفيك اية الصيف)
~~(3) وقال له أيضا وقد سئله عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت لو تمضمضت ms196 بماء
~~ثم مججته (4) * أكان يضرك؟) قال: قال: (ففيم إذا؟) (5) فنبهه على الجواب.
# ان كان السائل عاميا يجوز أيضا أن يحيله على بيان ظاهر ويكون في حكم
# PageV01P370
# المجيب وذلك في نحو قوله عليه السلام للسائل: (توضأ كما امرك الله تعالى)
~~(1) فاحاله على الآية.
# والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وجوه:
# منها: ما ذكره أبو عبد الله البصري (2) وهو: (ان كلامه عليه السلام هو
~~الدلالة على الحكم فيجب أن يعتبر صفته في الدلالة دون صفة غيره فإذا كان
~~عاما دل على حسب دلالة العموم وكذلك ان كان خاصا كما أنه يعتبر صفته في
~~كونه أمرا ونهيا وإباحة).
# ومنها: ان العموم لو انفرد عن السبب لوجب حمله على عمومه فكك إذا أخرج
~~عند السبب لان ذلك ممكن فيه لان السبب لم يؤثر فيه لأنه ليس ينافي السبب
~~بيانه عليه السلام لحكم غيره كما لا ينافي بيانه لحكمه فيجب حمله على
~~جميعه.
# ومنها: انه لو ابتدأ عليه السلام لكم النهى والسبب حاصل فخاطب بالعموم
~~ولما سئل عنه لوجب حمله عليه فكذلك إذا سئل عنه لان قصده عليه السلام في
~~الحالين لم يختلف وان كان مبتدئا للحكم في أحدهما ومجيبا للاخر وعلى ذلك
~~حمل الفقهاء خطاب الله تعالى في اية اللعان (3) وان خرجت على سب هلال بن
~~أمية العجلاني على كل رام زوجته وآية القذف (4) وردت فيمن تكلم في عائشة
~~وحملت
# PageV01P371
# على الجميع وكذلك اية الظهار (1) وردت في سلمة بن صخر (2) وحملت على كل
~~مظاهر وهذا بين وانما حملناه على السبب إذا لم يفد بنفسه لان الظاهر (3)
~~أوجب ذلك فليس يجب حمل ما استقل بنفسه من الجواب على ما لا يستقل بنفسه
~~لمفارقته في علته.
# فاما تعلقهم بأنه لو لم يرد السبب لم يكن يتأخر الخطاب إلى وقت حدوثه
~~فلما اخره إلى ذلك الوقت علم أنه المراد فبعيد لأنه لا يمتنع أن يكون
~~الصلاح في تأخيره إلى ذلك الوقت ولا يمتنع ذلك من بيان حكم غير السبب معه
~~ولو وجب ذلك لوجب حمل الكلام ms197 على عين السائل وعلى ذلك الوقت والمكان لهذه
~~العلة وذلك ظاهر الفساد.
# وقولهم: ان من حق الجواب ان يطابق السؤال وان ذلك يوجب حمل الكلام على
~~السبب فغلط لان من حق الجواب أن ينتظم بيان ما سئل عنه وانه لا يقتضى غيره
~~غلط لان فيه اخراجه من كونه جوابا. فاما إذا اقتضى بيان حكمه وحكم غيره فقد
~~حصل جوابا له وزاد عليه ولا يمنع هذه الزيادة من كونه جوابا لما لو بين
~~حكمه فقط لكان جوابا لأنه في الحالين حصل به بيان السؤال.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P372
# فصل NoteV01P373N17 (في ذكر ما الحق بالعموم وليس منه وما اخرج منه وهو
~~منه) الافعال لا يصح ادعاء العموم فيها لأنها لا تقع الا على وجه واحد
~~فينبغي أن يراعى (1) الوجه الذي وقع عليه الفعل فان علم صح التعلق به وجرى
~~ذلك مجرى النص على عين واحدة وان لم يعلم الوجه الحق بالمجمل.
# وإذا ثبت ذلك فلا يصح ان يتعلق بما روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
~~(قضى بالشاهد واليمين) (2) وقضى (ان الخراج بالضمان) (3) لان ذلك حكاية
~~فعل.
# ومن الناس من فرق فقال: إذا روى أنه (قضى بكذا وكذا) لا يصح التعلق به
~~لأنه ينبئ عن الفعل وإذا روى أنه (قضى كذا وكذا فيه كذا وكذا) صح التعلق به
~~لأنه ينبئ عن انه قال ذلك.
# ومن الناس من سوى بين اللفظين وقال: لا فرق بينهما في أنه لا يصح التعلق
~~به وقال: لا يمتنع ان يقال في القضاء الذي هو الحكم في القضية المقضى فيها
~~هذا القول.
# والأولى عندي أن يكون بينهما فرق لأنه إذا قال: (قضى رسول الله صلى الله
# PageV01P373
# عليه وآله وسلم بالشاهد واليمين) فهم منه حكاية فعل لا غير وليس كذلك إذا
~~روى أنه : (قضى ان الخراج بالضمان) (1) (وان الشفعة للجار) (2) لأنه يسبق
~~إلى الفهم انه قال ذلك قولا لا فعلا.
# الا أنه وان كان كذلك لا يقتضى صحة التعلق به لأنه لا يعلم أنه قال ms198 ذلك
~~بقول يقتضى العموم أو بقول يقتضى الخصوص ويفيد الحكم في تلك العين وإذا كان
~~كذلك صار مثل الأول في أنه ينبغي أن يلحق بالمجمل.
# وإذا ثبت هذه الجملة فلا يصح التعلق بما روى أنه: (قضى بالشاهد واليمين)
~~و (ان الخراج بالضمان) لما قلناه الا أن يدل دليل على الحاق غيره به فيحكم
~~به.
# وعلى هذا لا يصح لأصحاب مالك ان يحتجوا فيمن أفطر في شهر رمضان بأي وجه
~~كان فعليه الكفارة بما روى أن رجلا أفطر فأمره صلى الله عليه وآله وسلم
~~بالكفارة (3) لان الرجل انما سأله عن حكاية فعل ولم يسأله عن حكم من أفطر
~~وأطلق القول فقال عليه السلام (فعليه الكفارة) (3) لأنه لو كان كذلك لكان
~~يصح التعلق به ولكان يجرى مجرى أن يقول: (من أفطر فعليه الكفارة) فإذا قال
~~ذلك أفاد العموم في كل ما يفطر به.
# وكذلك لا يصح التعلق بما روى عنه عليه السلام انه جمع بين الصلاتين (4)
~~في السفر في جواز الجمع لان ذلك حكاية فعل.
# ولمن خالف في ذلك أن يحمله على جمع مخصوص في بعض الاسفار أو
# PageV01P374
# إلى أنه جمع بينهما بعرفة فلا يصح ادعاء العموم فيه.
# فاما إذا روى أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر (1) فيصح التعلق به لان
~~ذلك يفيد تكرار ذلك في حال السفر وان ذلك عادته.
# فاما من ضعف هذا الوجه بان قال: انما يفيد لفظة (كان) انه فعل ذلك فيما
~~مضى ولا يفيد التكرار فلا يصح التعلق به فغير صحيح لأنه وان أفاد الاخبار
~~عما مضى فإنه يفيد تكرار الفعل مع ذلك الا ترى ان القائل إذا قال: (كان
~~فلان القاضي يحكم بالشاهد واليمين) لا يفهم من ذلك الا أنه كان ذلك عادته
~~في جميع الأحكام؟
# وكذلك إذا قال: (كان أبو حنيفة يقول بتحليل النبيذ وكان الشافعي يقول
~~بتحريمه) لم يفهم من ذلك الا أن ذلك كان عادتهما وقولهما في جميع الأحوال
~~ولا يسبق إلى قلب أحد انهما قالا ذلك دفعه واحدة وانما كانت فيما ms199 مضى فعلم
~~بذلك ان الأولى ما ذكرناه.
# وان كان يفيد الحكم فيما يسأل عنه نظر فيما سئل عنه:
# فان كان واقعا على وجه واحد فالجواب بحسبه وان كان ذلك غير معلوم من حاله
~~كان الجواب في حكم العموم وذلك نحو ان يسأل عليه السلام عن رجل أفطر في
~~رمضان عليه الكفارة أو لا ولا يعلم بماذا أفطر فمتى أجاب بايجاب الكفارة
~~صار كأنه قال: (كل من أفطر فعليه الكفارة) واقتضى ذلك عموم وجوب الكفارة
~~على كل مفطر.
# ومتى كان المعلوم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم انه أفطر بوجه واحد
~~وكان سؤاله ينبئ عن ذلك لفظا أو معنى فجوابه عليه السلام مصروف إليه ولا
~~يتعدى به إلى غيره الا بدليل.
# وعلى هذا إذا سئل عليه السلام عمن زنا فامر برجمه كان قوله - وان لم يكن
~~عاما في اللفظ - فهو في حكم العموم في أنه يقتضى رجم كل زان.
# PageV01P375
# وقد الحق قوم بهذا الباب اثباته عليه السلام الحكم في عين وتعليله له
~~بعلة يقتضى التعدي إلى غيره (1) نحو قوله عليه السلام في الهرة: (انها من
~~الطوافين عليكم والطوافات) (2) وقالوا: هذا وان لم يمكن أن يدعى فيه العموم
~~فهو في حكمه في أن ذلك الحكم متعلق بكل ما فيه تلك العلة حتى يصير بمنزلة
~~تعليق الحكم باسم يشتمل جميعه.
# وهذا انما يمكن ان يعتبره من قال بالقياس فاما على مذهبنا في نفى القياس
~~فلا يمكن اعتبار ذلك أصلا.
# على أن فيمن قال بالقياس من منع من ذلك (3) وقال: (ان النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم لو نص على العلة في شئ بعينه لم يجب الحاق غيره به الا بعد
~~اثبات التعبد بالقياس فاما قبل العبادة فلا يصح ذلك فيه ولذلك لو قال:
~~(حرمت المسكر لأنه حلو) لم يجب أن يحكم بتحريم كل حلو الا بعد العبادة
~~بالقياس) (4).
# وكذلك ينبغي أن يكون قوله فيما ذكرنا.
# فاما ما روى عنه عليه السلام من ليس الامر فيه على ما ظن بعضهم (5) من
~~أنه يفيد
# PageV01P376
# العموم ms200 من جهة التعليل لأنه دل على أن غرمه انما كان لأجل كونه زعيما
~~فيكون عاما في الحكم وان لم يكن عاما في اللفظ لأنا قد بينا ان ذلك يفيد
~~الاستغراق وكذلك القول في الأسماء المشتقة التي دخل عليها الألف واللام نحو
~~قوله:
# ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) ﴿والزانية والزاني﴾ (٢) كل ذلك يفيد
~~الاستغراق على ما بيناه لفظا ولم يفد ذلك تعليلا على ما ذهب إليه قوم.
# وإذا روى عنه عليه السلام انه سهى فسجد بان علم أن سجوده كان لأجل السهو
~~كان ذلك جاريا مجرى قوله صلى الله عليه وآله وسلم (من سهى فليسجد) (٣) لما
~~دل الدليل على أن حكم غيره حكمه في الشرعيات.
# ويلحق بهذا الباب فحوى الخطاب ودليل الخطاب في أنهما يفيدان العموم من
~~جهة المعنى وان لم يفيدا ذلك أيضا الا ترى ان قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ (٤) يجرى مجرى قوله ولا تؤذهما؟
# وكذلك قوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾
~~(5) يفهم منه انهم لا يظلمون القناطير فهو وان لم يفد ذلك لفظا فقد أفاد
~~ذلك معنى على أبلغ الوجوه (6) *.
# وكذلك إذا قال: (في سائمة الغنم زكاة) (7).
# PageV01P377
# ومن قال: ان تعليق الحكم من تحليل أو تحريم إذا علقا (1) بالأعيان اقتضيا
~~(2) العموم في المعنى وان لم يكن عاما من جهة اللفظ فسنبين ما عندنا في ذلك
~~فيما بعد إن شاء الله.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P378
# فصل NoteV01P379N18 (في ذكر غاية ما يخص العموم إليها) (1) يجوز تخصيص
~~العموم إلى أن لا يبقى من اللفظ الا واحد ولا فرق في ذلك
# PageV01P379
# بين ألفاظ الجموع وبين لفظة (من) و (ما) وغير ذلك إذا دل الدليل عليه.
# وفي الناس من قال: يجوز أن يخص إلى أن تبقى ثلاثة ثم لا يجوز دخول
~~التخصيص فيه نحو قوله: ﴿اقتلوا
~~المشركين﴾ (١) لا يجوز أن يريد به أقل من ثلاثة وفصل بين ذلك ms201 وبين من
~~قال: جاز تخصيص لفظة (من) إلى أن يبقى منها واحد (٢).
# والذي يدل على ما اخترناه: انا قد دللنا (٣) على أن لفظ العموم متى
~~استعمل في غير الاستغراق كان مجازا وإذا كان مجازا فلا فرق بين استعماله في
~~الواحد وبين استعماله فيما هو أكثر منه يبين ذلك أنه لما جاز ذلك في لفظه
~~(من) كان تجويز ذلك في ألفاظ الجمع مثله سواء وقد أجاز أحدهما المخالف
~~فينبغي أن يكون حكم الاخر مثله.
# على أن استعمال ذلك لأهل اللغة ظاهر لأنهم استعملوا لفظ العموم في الواحد
~~كما استعملوه في الثلاثة وأكثر من ذلك قال الله تعالى: ﴿انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون﴾ (4) فأخبر عن
~~نفسه بنون الجمع وبالواو والنون وهو واحد.
# وقال الشاعر:
# انا وما أعني سوى أني (5).
# فعبر عن نفسه بلفظ الجمع.
# وقد تجاوزوا ذلك إلى أن عبروا بلفظ الألف عن الواحد كما روى عن عمر انه
~~لما
# PageV01P380
# كتب إلى سعد بن أبي وقاص (1) وقد انفذ إليه القعقاع بن شور (2) مع الف
~~رجل:
# (قد أنفذت إليك ألفي رجل) (3) فعبر عن القعقاع وحده بعبارة الألف لما
~~اعتقد انه يسد مسد الألف في الحرب وهذا واضح.
# PageV01P381
# فصل [19] (في ذكر ما يخص في الحقيقة وما يخص في المعنى وما لا يجوز دخول
~~التخصيص فيه) الأدلة على ثلاثة اضرب:
# منها: ما هو عام من جهة اللفظ.
# ومنها: ما هو عام من جهة المعنى.
# ومنها: ما ليس بعام لا لفظا ولا معنى.
# فاما ما هو عام لفظا: فالتخصيص يجوز أن يدخله بجميع الأدلة التي ذكرناها
~~التي يخص بها العموم وذلك لا خلاف فيه.
# واما ما هو عام من جهة المعنى فعلى ضربين:
# أحدهما: قياس.
# والاخر: استدلال.
# فاما القياس: فعندنا انه ليس بدليل أصلا ومن قال إنه دليل وأجاز تخصيص
~~العلة جوز تخصيصه ومن لم يجز تخصيص العلة لم يجز ذلك.
# فاما الاستدلال: فنحو دليل الخطاب وفحوى الخطاب ونحو ان ينص النبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم على حكم ms202 في عين ثم علم بالدليل ان حكم غيره حكمه
~~PageV01P382
# فان التخصيص في جميع ذلك يجوز في المعنى وان لم يسم ذلك تخصيصا.
# ومثل ذلك: استدلالنا بجواز وطء أم الولد على أن الملك باق وإذا كان الملك
~~باقيا وجب أن يتبعه جميع أحكامه الا ما يخصه الدليل وغير ذلك من المسائل.
# واما ما لا يدخله التخصيص أصلا: لأنه ليس بعام لا لفظا ولا معنى فنحو أن
~~ينص عليه السلام على عين واحدة أو يقدم على فعل واحد ويخصص ذلك العين بذلك
~~الحكم فان معنى التخصيص لا يسوغ فيه وذلك نحو تخصيصه عليه السلام أبا بردة
~~بجواز أضحيته (1) وما شاكله.
# فإذا ثبتت هذه الجملة فمتى ورد عام لفظا جاز تخصيصه لفظا بالأدلة التي
~~قدمناها.
# وما ليس بعام: فان كان المحتج به يحتج باللفظ منع من التعلق به وان احتج
~~به في المعنى جاز أن يعترض عليه بجميع ما يخص به العموم وان لم يسم ذلك
~~مخصصا وما كان خاصا بعين واحدة لا يتعداه فالتخصيص في المعنى واللفظ لا يصح
~~فيه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV01P383
# فصل NoteV01P384N٢٠ (في أن الشرط والاستثناء إذا تعلقا ببعض ما دخل تحت
~~العموم لا يجب أن يحكم ان ذلك هو المراد بالعموم لا غير) إذا ورد لفظ عام
~~وتعقبه شرط (١) * علم أنه راجع إلى بعضه لا يجب أن يحمل اللفظ العام على ما
~~تعلق به (٢) ذلك الشرط بل لا يمتنع أن يكون العام على عمومه وان ذكر بعده
~~شرط يرجع إلى بعضه وذلك نحو قوله: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾
~~(٣) فان ذلك عام في الطلاق والمطلقات ثم قال بعد ذلك:
# ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (4)
~~وذلك يختص الرجعي (5) * ولا يجب من ذلك
# PageV01P384
# حمل أول الآية عليه.
# ومثل قوله: ﴿لا جناح عليكم ان
~~طلقتم النساء﴾ (١) ثم قال بعد ذلك ﴿الا أن يعفون﴾ (٢) فكان ms203 أول الآية عاما في جميع
~~النساء وان كان جواز العفو مخصوصا بمن يملك امره منهن ويصح عفوهن دون من لا
~~يصح ذلك منه فلا يجب تخصيص أول الآية بهن بل كان عاما في سائر النساء.
# وكذلك إذا ذكرت جملة عامة وعطف عليها جملة خاصة لا يجب من ذلك حمل الأدلة
~~عليها بل يجب حمل الأولى على عمومها والثانية على خصوصها وذلك نحو قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة
~~قروء﴾ (٣) ثم قال بعد ذلك عاطفا على ذلك: (وبعولتهن أحق بردهن) وذلك
~~يختص الرجعيات ولا يجب من ذلك حمل أول الآية عليه بل كان عاما فيهن وفي
~~غيرهن ممن لا يمكن مراجعتهن.
# ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من
~~المحيض من نسائكم﴾ (4) كان ذلك عاما في جميعهن ثم قال: (وأولات الأحمال
~~أجلهن ان يضعن حملهن) ولا يجب من ذلك حمل أول الآية عليهن ولذلك نظائر
~~كثيرة.
# والذي ينبغي ان يحصل في هذا الباب (5) * انه إذا ورد لفظ عام ثم وصف
# PageV01P385
# بصفة أو شرط بشرط وعلم أنه لا يصح ذلك الشرط ولا تلك الصفة في جميع ما
~~تناوله اللفظ العام وجب حمل اللفظ العام عليه إذا كان الشرط والصفة متعلقين
~~بجميع اللفظ فإن كان الشرط والصفة متعلقين ببعض ما تناوله اللفظ العام لم
~~يجب ذلك وكان حكمه ما قدمناه في أول الباب.
# فاما إذا كان الكلام في جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى فينبغي أن
~~ينظر في الجملة الثانية فلا يخلو أن يكون متناولة لمثل ما تناولته الجملة
~~الأولى أو لا يكون كذلك.
# وان كانت متناولة لمثل ما تناولته الأولى فلا يخلو أن يكون موافقة أو
~~مخالفة فان كانت موافقة له في الحكم فان ذلك يكون تأكيدا ويجب حملها على
~~مثل ما حملت عليه الجملة الأولى.
# وان كانت الجملة الثانية متناولة لمثل ما تناولته الأولى وكانت مخالفة
~~لها في الحكم فلا تعلق لها بالجملة الأولى وكانت كآية أخرى يجب حملهما على
~~ظاهرهما.
# وان ms204 كانت متناولة لمثل ما تناولته الأولى وكانت مضادة (1) لها في الحكم
~~فذلك لا يجوز وقوعه من الحكيم تعالى لأنه يؤدي إلى التناقض والبداء (2)
~~وهما
# PageV01P386
# منفيان عنه تعالى. فنظير الجملة المؤكدة ان يقول: (اقتلوا المشركين) ثم
~~يعطف على ذلك فيقول: (واقتلوا الكفار).
# ونظير الجملة المخالفة ان يقول: (اقتلوا المشركين وخذوا غنائمهم واسبوا
~~ذراريهم) أوما يجرى مجرى ذلك.
# ونظير المتضادة أن يقول: (اقتلوا المشركين ولا تقتلوا الكفار) فان ذلك
~~ينفى ما أثبتته الجملة الأولى وذلك لا يجوز على الحكيم تعالى.
# وإذا كانت الجملة الثانية أخص من الجملة الأولى أو أعم منها وان كانت
~~تقتضي مثل حكم الأولة كانت تأكيدا أو ذكر التفخيم ما ذكر في الأولى وعلى
~~ذلك يحمل قوله: ﴿من كان عدوا لله
~~وملائكته ورسله وجبريل﴾ (١) وكذلك قوله: ﴿فيها فاكهة ونخل ورمان﴾ (2) فان ذلك اما ان نحمله
~~على التأكيد أو على تفخيم سائر ما أفرد بالذكر.
# وعند من قال بدليل الخطاب من أصحاب الشافعي وغيرهم ان افراد بعض ما
~~تناوله لفظ العموم بالحكم يدل على أنه أراد بالعموم الخصوص (3) وعلى هذا
~~حمل
# PageV01P387
# قوله: ﴿لا جناح عليكم ان
~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع
~~قدره﴾ (1) على أن المتعة إنما يجب لغير المدخول بها إذا لم يسم لها
~~مهرا.
# ومن خالفه قال: يجب المتعة لكل مطلقة (2).
# وسنذكر ما عندنا في دليل (3) الخطاب فيما بعد [إن شاء الله.
# والأقرب على مذهب من يقول بدليل الخطاب] (4) ان يقال: إن الآية تصير
~~مجملة وتفتقر إلى البيان لأنه ليس بأن يقال ان العموم في الأولى يمنع من
~~دليل الخطاب في الثانية بأولى من أن يقال ان دليل الخطاب في الثانية يمنع
~~من حمل الأولى على العموم فإذا (5) تساوى القولان وجب أن يوقف ذلك على
~~البيان ويكون مجملا على ما بيناه.
# وان كانت الجملة الثانية مخالفة للأولى في الحكم كانت كآية أخرى لا تعلق
# PageV01P388
# لها بالجملة الأولى ms205 على ما بيناه في الجملتين المتماثلتين في العموم.
# وان كانت ضدا للجملة الأولى فان كانت الجملة الأولى أعم والثانية أخص
~~وذلك على أنه أراد بالجملة الأولى وما عدا ما ذكر في الجملة الثانية.
# وان كانت الجملة الثانية أعم دل ذلك على أنه أراد بالثانية ما عدا ما ذكر
~~في الجملة الأولى.
# ونظير الأول ان يقول: (اقتلوا المشركين) ويقول بعده: (ولا تقتلوا اليهود
~~والنصارى) فإن ذلك يفيد أنه أراد بلفظ المشركين ما عدا اليهود والنصارى
~~وإلا كانت مناقضة أو بداء وذلك لا يجوز.
# ونظير الثاني ان يقول أولا: (لا تقتلوا اليهود والنصارى) ثم يقول بعده:
~~(اقتلوا المشركين) فان ذلك يدل على أنه أراد بلفظ المشركين في الثانية ما
~~عدا ما ذكر في الجملة الأولى ولولا ذلك لأدى إلى ما قدمناه وأبطلناه.
# وليس لاحد أن يقول: هلا حملتم الثانية على انها ناسخة؟
# لان من شان النسخ أن يتأخر عن حال الخطاب على ما نبينه وانما ذلك من أدلة
~~التخصيص التي (1) يجب مقارنتها للخطاب على ما تقدم القول فيه فعلى هذا
~~ينبغي أن يجرى كل ما يرد من هذا الكتاب.
# PageV01P389
# فصل NoteV01P390N21 (في جواز تخصيص الاخبار وانها تجرى مجرى الأوامر في
~~ذلك) (1) الصحيح انه يجوز تخصيص الاخبار سواء أكان معناها معنى الامر أو لم
~~يكن كذلك كما يجوز تخصيص الأوامر.
# وفي الفقهاء من قال: ان ذلك لا يجوز كما لا يجوز نسخ الاخبار.
# PageV01P390
# وأكثر الفقهاء والمتكلمين على المذهب الأول والذي يدل على ذلك: ان
~~التخصيص هو ما دل على مراد المخاطب بالعموم وذلك لا يمتنع في الاخبار كما
~~لا يمتنع في الأوامر لأنه لا يمتنع ان يريد المخاطب بالعموم باللفظ العام
~~بعض ما وضع له كما لا يمتنع ان يأمر باللفظ العام ويريد بعض ما يتناوله
~~فالأمران سواء.
# فاما ثبوت ذلك فأكثر من أن يحصى نحو الاخبار المتضمنة للوعيد (١) فإنها
~~خاصة وكك آيات الوعد عند بعضهم.
# وقوله تعالى: ﴿والله على كل شئ
~~قدير﴾ (٢) وقد علمنا أنه لا يقدر ms206 على ذات نفسه ولا مقدورات غيره.
# وكذلك قوله: ﴿وأوتيت من كل شئ﴾
~~(3) وقد علمنا أنه ما أوتيت أشياء كثيرة.
# وذلك أكثر من أن يحصى.
# على انا قد بينا ان الأمر والنهي في معنى الخبر فلا فرق بين أن يأمر
~~بالشئ في انا نعلم وجوبه وبين أن يخبرنا بان له صفة الوجوب في انا نعلم مثل
~~ما علمناه بلفظ الامر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه امتنع
~~من دخول بيت فيه تصاوير وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ان الملائكة لا
~~تدخل بيتا فيه تصاوير) (4)
# PageV01P391
# ثم خص ذلك بان دخل بيتا فيه تصاوير توطأ (1).
# واما حملهم ذلك على النسخ فالصحيح ان النسخ يجوز أن يدخل في الاخبار ونحن
~~نبين ذلك في باب الناسخ والمنسوخ فبطل بذلك تعلقهم به.
# PageV01P392
# فصل NoteV01P393N22 (في ذكر بناء الخاص على العام وحكم العمومين إذا
~~تعارضا) اعلم أنه إذا ورد عام يتناول اثبات حكم وورد خاص يتناول نفى ذلك
~~الحكم عن بعض ما تناوله العام نظر في تاريخهما:
# فان كان أحدهما سابقا للاخر كان المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا سواء كان
~~المتقدم عاما في أن الخاص الذي يجئ بعده ويتأخر عنه يكون ناسخا له لان
~~تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب على ما نبينه (1) فيما بعد.
# وكذلك لو كان المتقدم خاصا والمتأخر عاما فإنه يكون ناسخا الا أن يدل
~~دليل على أنه أريد به ما عدا ما تقدمه من الخاص وهذا لا خلاف فيه بين أهل
~~العلم.
# ومتى لم يعلم تاريخهما فالصحيح انه ينبغي أن يبنى العام على الخاص ويجمع
~~بينهما وهو مذهب الشافعي وأصحابه وأهل الظاهر وبعض أصحاب أبي حنيفة (2).
# PageV01P393
# وفي الناس من قال: إذا عدم التاريخ فالواجب ان يرجع في الاخذ بأحدهما إلى
~~دليل ويجريهما مجرى عامين تعارضا (1) وهو مذهب عيسى بن ابان وأبي الحسن
~~الكرخي (2).
# والذي يدل على صحة المذهب الأول: ان من حق من ثبتت حكمته أن لا يلغى
~~كلامه إذا أمكن حمله ms207 على وجه يفيد وإذا صح ذلك فمتى أوجبنا استعمال العام
~~لأدى إلى الغاء الخاص ومتى استعملنا الخاص لم يوجب اطراح العام بل يوجب
~~حمله على ما يصح ان يريده الحكم فوجب بهذه الجملة بناء العام على الخاص.
# ونظير ذلك: ما روى عنه عليه السلام انه قال: (في الرقة ربع العشر) (3)
~~فكان هذا عاما في قليله وكثيرة ثم قال: (ليس فيما دون خمس أواق من الورقة
~~صدقة) (4) فأوجب هذا ان ما نقص عن خمس أواق ليس فيه (5) صدقة وهو أخص من
~~الأول.
# فلو عملنا بموجب الخبر الأول لاحتجنا إلى اسقاط الخبر الأخير ومتى
~~استعملنا الأخير أمكننا استعمال الأول على ما يطابقه.
# فان قيل: هلا حكمتم فيهما بالتعارض كالعمومين؟ لان ما تناوله الخاص قد
# PageV01P394
# تناوله الخبر العام وانما زاد عليه العام بتناوله شيئا اخر لم يتناوله
~~الخاص فكان الزائد على ذلك في حكم خبر اخر وما تناوله العام مما عارضه
~~الخبر الخاص في حكم خبر اخر فوجب ان يعارض ذلك لما تناوله الخاص ويقف العمل
~~على أحدهما على الدليل (1).
# قيل: هذا لا يجوز لأنه يؤدى إلى ابطال أحد الخبرين مع صحة حمله على وجه
~~ممكن وليس كذلك حكم العمومين إذا تعارضا لأنه لا يمكن الجمع بينهما على
~~وجه.
# فاما قولهم: ان ما تناوله العام في حكم الخبرين يتناول أحدهما مثل ما
~~تناول الخبر الخاص والاخر يتناول ما زاد على ذلك وانه ينبغي أن يحكم
~~بالتعارض فيهما فليس بصحيح لان العام إذا كان جملة واحدة صح فيه من صرفه
~~إلى أن المراد بعضه ما لا يصح فيه إذا كان خبرين لأنه إذا كان (2) خبرين
~~فمتى قيل إن المراد ما تناوله أحدهما أدى ذلك إلى ابطال ما تناوله الخبرين
~~الذين يتناولان ما تناوله العام.
# فان قيل: هلا حملتم أحدهما على أنه ناسخ للاخر؟ وتكونون قد استعملتم
~~الخبرين على وجه الحقيقة ويكون ذلك أولى من بناء العام على الخاص لان
~~استعمال العام في الخاص يكون مجازا.
# يقال (3): انما يمكن حمل ذلك على النسخ إذا علمنا ms208 تاريخهما وان أحدهما
~~متقدم والاخر متأخر فيحمل ذلك على النسخ فاما مع عدم التاريخ فلا يمكن حمل
~~ذلك فيه.
# PageV01P395
# ويدل على ذلك أيضا (1) *: ان على مذهب الخصم لو ثبت بالقياس (2) * اخراج
~~بعض ما يتناوله العام من عمومه وجب أن يخرج منه وخص به العموم فالخبر الخاص
~~إذا أوجب اخراج بعض ما تناوله (3) العام بذلك أولى لان السنة أقوى (4) من
~~القياس عنده.
# ويدل على ذلك أيضا: ان العام والخاص لو وردا معا لعلمنا ان المراد بالعام
~~ما عدا ما تناوله الخاص لان ذلك دليل التخصيص فإذا وردا مفترقين ولا دليل
~~يدل على تقدم أحدهما وتأخر الاخر كانا في حكم ما وردا في وقت واحد ويجرى
~~مجرى الغرقى في أنه وان جاز تقدم أحدهم على الاخر فمتى عدم التاريخ في ذلك
~~حكم بأنهم كانوا ماتوا في حالة واحدة على مذهب الخصم.
# واستدل بعض من نصر ما اخترناه بان قال: ما تناوله الخاص مقطوع به وما
~~تناوله العام مشكوك فيه فلا ينبغي أن يزال اليقين بالشك.
# وهذا انما يمكن أن يعتمده من قال: ان العموم ليس له صيغة تفيد الاستغراق
~~فاما على ما ثبت عليه من أن له صيغة تفيد ذلك فلا يمكن لان ما تناوله العام
~~عندنا مقطوع به (5) * مثل ما تناوله الخاص فلا فرق بينهما على حال.
# وقد استدل بوجوه اخر تضعف (6) وما ذكرناه أقوى ما يستدل به.
# فاما المخالف لذلك فإنما عول في ذلك على أن من قال: انما تضمنه العام في
~~حكم ما تضمنه خبران أحدهما تضمن ما تضمنه الخاص والاخر تضمن غيره فكان ما
~~تضمنه الخاص معارضا له.
# PageV01P396
# وقد أوردنا في دليلنا ما هو جواب عنه فأغنى عن الإعادة.
# وقد تعلق كل فريق (1) منهما لوجود مواضع من العام والخاص بنى أحدهما على
~~الاخر أو حكم فيهما بالتعارض لا يمكن أن يعول (2) عليه لان لمن يخالفه أن
~~يقول انما حكمت بذلك لدليل دل عليه لولا الدليل لما قلت به.
# وينبغي أن يكون المعتمد ما قدمناه من الأدلة وفيه كفاية ms209 إن شاء الله.
# فاما العمومان إذا تعارضا (3) *: فلا يخلو من أن يكون طريق اثباتهما
~~العلم أو لا يكون كذلك:
# فان كان طريق اثباتهما العلم يصح وقوعهما من حكيم على وجه ولا يصح على
~~اخر فما يصح وقوعه منه فوجوه:
# أحدها: ان يقترن بهما التاريخ وان أحدهما متقدم والاخر متأخر فيحكم بان
~~المتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ.
# والثاني: أن يمكن الجميع بينهما على وجه من التأويل (4) *.
# والثالث: أن يكونا وردا مورد التخيير (5) *.
# فهذه الوجوه التي يصح أن يقع العمومان المعلومان عليه من الحكيم.
# ومتى خلا من ذلك بان يعدم (6) التاريخ ولا يصح الجمع بينهما لتضادهما علم
~~أنه لم يرد التخيير فإنه لا يجوز وقوعهما من حكيم لأنه يؤدى إلى أن يدل
# PageV01P397
# الدليل على خلاف ما هو دليل عليه وذلك لا يجوز على حال.
# فاما إذا عارض كل واحد من العمومين صاحبه من وجه ولا يعارضه من وجه نحو
~~قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾
~~(١) وقوله: ﴿وان تجمعوا بين
~~الأختين﴾ (2) لان أحدهما يقتضى تحليل الجمع بين الأختين (3) والاخر
~~يقتضى حظره ويصح أن يكون المراد باية الجمع ما عدا المماليك ويحتمل أن يراد
~~باية المماليك ما عدا الأختين فقد استويا في التعارض وفي صحة الاستعمال على
~~وجه واحد فما هذه حالة وجب الرجوع في العمل بأحدهما إلى دليل ولذلك روى عن
~~أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: (أحلتهما آية وحرمتهما أخرى وانا انهى
~~عنهما نفسي وولدي) (4) فأخبر ان ظاهرهما يقتضى التعارض وانه عمل بأحدهما
~~لعلمه بذلك وان العمل به هو الواجب وروى عن عثمان انه وقف في ذلك وقال:
~~(أحلتهما اية وحرمتهما أخرى) (5) وحكى انه رجح تحريمها.
# فاما إذا كان طريق اثباتهما الآحاد فإنه يرجع في العمل بأحدهما إلى
~~الترجيح وقد قدمنا (6) ما يرجح به أحد الخبرين على الاخر بما يرجع إلى
~~اسناده أو متنه فأغنى عن الإعادة مثال ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم انه قال: (من نام
# PageV01P398
# عن ms210 صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها) (1) ونهى عن الصلاة في الأوقات
~~المخصوصة (2).
# وكذلك روى عنه عليه السلام انه قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (3) وكان ذلك
~~عاما في الرجال والنساء والصبيان ثم نهى عن قتل النساء والولدان (4).
# والطريقة في الكلام على ذلك ما قدمناه من الوقف والرجوع في العمل بأحدهما
~~إلى دليل.
# ومن الناس من رجح (5) العمل بأحد هذين الخبرين دون الاخر بأنه خرج على
~~سبب فإذا عارضه الاخر وجب أن يقصر ذلك على سببه ولا يعدى ذلك لان الاخر
~~يمنع منه.
# ولنا في عين هذه المسألة نظر وليس ذلك بمانع مما قلناه لان هذا مثال ولو
~~لم يرد هذا المثال لكان ما فرضناه صحيحا.
# PageV01P399
# الباب السادس الكلام في البيان والمجمل PageV01P401
# فصل NoteV01P403N01 (في ذكر حقيقة البيان والمجمل وماهية النص وغير ذلك)
~~البيان عبارة عن الأدلة التي تبين بها الاحكام (1).
# وعليه يدل كلام أبي على وأبي هاشم (2) واليه ذهب أكثر المتكلمين
~~والفقهاء.
# ويعبر عنه بأنه (هداية) وبأنه (دلالة) وبأنه (بيان) كل ذلك يراد به معنى
~~واحد.
# وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن البيان: (هو العلم الحادث الذي به يبين
# PageV01P403
# الشئ) (1).
# وفي الناس من جعل البيان هو: (الأدلة من جهة القول والكلام دون ما عدا
~~ذلك من الأدلة (2).
# وذهب الصيرفي (3) إلى أن البيان هو: (ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى
~~التجلي) (4).
# وقال الشافعي: (البيان اسم جامع لمعان متشعبة (5) الأصول متشعبة الفروع
~~وأقل ما فيه انه بيان لمن نزل القران بلسانه (6).
# وقال من فسر كلامه (7): ان غرض الشافعي بهذا الكلام كان إلى ذكر ما هو
~~بيان في اللغة التي نزل بها القران لا ان يعينه وذكر اقسام ذلك ولذلك قال:
~~انه متشعب.
# ثم قال: ان أقل ما فيه انه مما يتبين به من نزل القران بلسانه المراد
~~ويبين بذلك ان فيه ما يكون في باب الدلالة على أن المراد أقوى وأظهر من بعض
~~وان كان جميعه قد اشترك فيما ذكرناه.
# وقال: هذا أقرب ما يحمل عليه كلامه.
# والذي يدل على ما ms211 ذهبنا إليه: من أنه عبارة عن الدلالة على اختلاف
~~أقسامها ان بالأدلة يتوصل إلى معرف المدلول والبيان هو الذي يصح ان يبين ما
~~هو بيان له
# PageV01P404
# ولأجل (1) * ذلك يقال: قد بين الله تعالى الاحكام والمراد بذلك انه دل
~~عليها بان نصب عليها الأدلة فكان بذلك في حكم المظهر لها فكما يقال لما قد
~~ظهر بان فكذلك يقال للمدلول عليه قد بان ويوصف الدال بأنه مبين يعلم بصحة
~~تصرفها في جميع المواضع ان المراد به ما قلناه وتجاوزوا ذلك إلى أن قالوا
~~في الامارات التي تقتضي غلبة الظن انه بيان كما قالوا فيها انها أدلة على
~~ضرب من المجاز.
# فان قيل: ما أنكرتم أن يكون البيان عبارة عن العلم الحادث الذي يتبين به
~~الحكم دون الأدلة التي لا يتبين بها الحكم ولأجل ذلك (2) * لا يوصف الله
~~تعالى بأنه متبين لما لم يكن له علم حادث ولا يقال في الواحد منا فيما
~~يعلمه ضرورة انه متبين له لما لم يكن علمه حادثا وانما يوصف بما يتجدد له
~~من العلوم التي تحدث حالا بعد حال.
# قيل: لا يجوز أن يكون البيان عبارة عن العمل لأنه لو كان كذلك لكان من
~~فعل هذه العلوم يكون هو المبين كما أن الدال يكون من فعل الدلالة ونحن نعلم
~~انا نصف الله تعالى بأنه قد بين لنا الاحكام فهو مبين كما يقول إنه دلنا
~~فهو دال ويسمى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضا بذلك قال الله تعالى:
~~(لتبين للناس ما نزل إليهم) (3) فجعله عليه السلام المبين لنا الاحكام وعلى
~~ما سأل السائل كان يجب أن يكون نحن المبينين لان العلوم الحادثة فينا هي من
~~فعلنا (4) * وذلك لا يقوله أحد فعلم بذلك ان الأولى ما قلناه.
# واما التبين فلا يقع الا بالعلم على ما ذكره السائل (5) * ولأجل ذلك لم
~~نصف الله
# PageV01P405
# تعالى بأنه متبين وان كان في الناس من ارتكب ذلك ولم يسلم ان التبين لا
~~يقع الا بالعلم الحادث وحد العالم انه مبين (١) للشئ على ما ms212 هو به واجري
~~ذلك على الله تعالى والواحد منا.
# والأولى ما قلناه ولا ينقض ذلك ما نصرناه من أن البيان عبارة عن الأدلة
~~لأنا جعلنا ذلك عبارة عما يمكن الاستدلال به لا ما يقع به التبين وذلك حاصل
~~في الأدلة فينبغي أن يكون عبارة عنها.
# وما أوردناه سؤالا هو شبهة أبي عبد الله من أن البيان عبارة عن العلم وقد
~~تكلمنا عليه.
# فاما من حد البيان بأنه: (ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى حد التجلي) فقد
~~حد البيان بعبارة هي أشكل منها وينبغي أن يحد الشئ بما هو أظهر منه على أن
~~ما ذكروه انما هو بعض البيان لان البيان قد يكون مبتدأ وان لم يكن هناك
~~مشكل يخرج به إلى التجلي فعلم بذلك ان الأولى ما اخترناه.
# وهذه المسألة الكلام فيها (٢) كلام في عبارة فلا معنى للإطالة فيه.
# فاما المجمل فيستعمل على ضربين:
# أحدهما: ما يتناول جملة من الأشياء وذلك مثل العموم وألفاظ الجموع وما
~~أشبههما ويسمى ذلك مجملا لأنه يتناول جملة من المسميات.
# والضرب الاخر: هو ما أنبأ عن الشئ على جهة المجملة دون التفصيل ولا يمكن
~~ان يعلم المراد به على التفصيل نحو قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (3)
# PageV01P406
# ﴿وفي أموالهم حق معلوم﴾ (١)
~~وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم
~~حصاده﴾ (2) وما أشبه ذلك مما سنبينه فيما بعد.
# واما النص: (فهو كل خطاب يمكن أن يعرف المراد به).
# وحد الشافعي النص بأنه: (كل خطاب علم ما أريد به من الحكم كان مستقلا
~~بنفسه أو علم المراد به بغيره) (3) وكان يسمى المجمل نصا (3).
# والى ذلك ذهب أبو عبد الله البصري.
# والذي يدل على صحة ما اخترناه: ان النص انما يسمى نصا لأنه يظهر المراد
~~ويكشف عن الغرض تشبيها (4) بالنص (5) المأخوذ من الرفع نحو قولهم: (منصة
~~العروس) إذا أظهرت ونحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه كان
~~حين أفاض من عرفات ms213 إلى جمع يسير على هينته (6) فإذا وجد فجوة نص (7) يعنى
~~انه بلغ فيه الغاية فعلم بذلك صحة ما قلناه.
# واما المفسر: (فهو ما يمكن معرفة المراد به). وهو موضوع في الأصل لما له
~~تفسير لكنه لما كان ما له تفسير يعلم بتفسيره مراده وكان ما يعلم المراد به
~~بنفسه بمنزلته سمى مفسرا.
# PageV01P407
# واما المحكم: (فهو ما لا يحتمل الا الوجه الواحد الذي أريد به) ووصف
~~محكما لأنه قد احكم في باب الإبانة عن المراد.
# واما المتشابه: فهو ما احتمل من وجهين فصاعدا.
# فاما وصف القران بأنه متشابه كله في قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها﴾ (١) فالمراد
~~به انه متماثل في باب الدلالة والهداية والاعجاز وقد وصفه الله تعالى بأنه
~~محكم بقوله: ﴿الر كتاب أحكمت آياته﴾
~~(٢) والمعنى بذلك انه أحكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت ويحصل به الغرض
~~المقصود ولذلك وجب حمل المتشابه على المحكم ويجعل المحكم أصلا له.
# وقد وصف الله تعالى القرآن بان بعضه محكم وبعضه متشابه بقوله: ﴿هو الذي انزل عليكم الكتاب منه آيات
~~محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات﴾ (3) والمعنى بذلك ما قدمناه.
# واما الظاهر: (فهو ما يظهر المراد به للسامع) فمن حيث ظهر مراده وصف هو
~~بأنه ظاهر.
# وقد بينا فيما تقدم معنى العام والخاص والامر والنهى فأغنى الإعادة إن
~~شاء الله تعالى.
# PageV01P408
# فصل NoteV01P409N0٢ (في ذكر جملة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج)
~~الخطاب على ضربين:
# أحدهما: يستقل بنفسه ويمكن معرفة المراد به بظاهره وان لم يضف إليه امر
~~اخر.
# والاخر: لا يستقل بنفسه ولا يفهم المراد به بعينه الا أن يقترن به بيان
~~يدل عليه.
# فاما ما يستقل بنفسه فعلى أربعة اقسام:
# أولها: ما وضع في أصل اللغة لما أريد به وكان صريحا فيه سواء أكان عاما
~~أو خاصا أمرا كان أو نهيا فان جميع هذه الألفاظ يمكن معرفة المراد بظاهرها
~~فمتى خاطب الحكيم ms214 بها وأراد به ذلك أمكن أن يعلم مراده بها ونظير ذلك قوله
~~تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس
~~التي حرم الله الا بالحق﴾ (١) وقوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (٢) وقوله ﴿والله بكل شئ عليم﴾ (3) وغير ذلك.
# PageV01P409
# وثانيها: ما يفهم المراد به بفحواه لا بصريحه وذلك نحو قوله: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾
~~(١) فان فحواه يدل على المنع من أذاهما على كل وجه.
# وكذلك قوله: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾
~~(٢) لأنه يقتضى فحواه نفى الظلم لهم بذلك وما زاد عليه.
# وفي الفقهاء من الحق هذا الوجه بالقياس وزعم أن جميع ذلك يفهم بضرب من
~~الاعتبار (٣) وذلك خطأ لان دلالة ما قدمناه من الألفاظ على ما قلناه أقوى
~~من دلالة النص لان السامع لا يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل فهو إذا
~~كالأول.
# والذي يكشف عما قلناه انه لو قال: (ولا تقل لهما أف واضربهما أو اقتلهما
~~أو اصفقهما) يعد بذلك مناقضا وكذلك لو قال رجل لغيره: (انا لا أعطيك حبة)
~~ثم قال: (لكني أعطيك الدراهم واخلع عليك) كان ذلك مناقضة ظاهرة. ولو أن
~~قائلا قال: (فلان يؤتمن على قنطار) ثم قال: (ويخون (٤) فيما قدر دانق) كان
~~ذلك مناقضة فعلم بجميع ذلك صحة ما قلناه.
# الا انه ربما كان بعضه اخفى (٥) من بعض وبعضه أظهر من بعض حتى يظن فيما
~~ليس منه انه منه وفيما هو منه انه ليس منه ولأجل ذلك اعتقد أكثر الفقهاء في
~~قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو
~~على سفر فعدة من أيام اخر﴾ (6) فقال: انه يعقل منه فأفطر فعدة من أيام
~~اخر.
# PageV01P410
# وهذا ليس بصحيح لان عندنا ان وجوب القضاء في هذه الآية يتعلق بنفس السفر
~~والمرض المخصوصين وان لم يفطر الانسان فتقدير (الافطار) لا يحتاج إليه.
# ومن قال من الفقهاء: ان وجوب القضاء في هذا الموضع متعلق بالافطار. ms215
# فالمحصلون منهم قالوا: ان ذلك طريقة الدليل وليس هو من باب فحوى الخطاب
~~في شئ.
# وثالثها: تعليق الحكم بصفة الشئ فإنه يدل على أن ما عداه بخلافه على ما
~~ندل (١) عليه وان كان فيه خلاف.
# ورابعها: ما ذهب إليه كثير من الفقهاء وهو ما تدل فائدته عليه لا صريحه
~~ولا فحواه ولا دليله وهو على ضروب عندهم:
# منها: ما يدل عليه تعليله نحو قوله عليه السلام في الهر: (انها من
~~الطوافين عليكم والطوافات) (٢) لان اللفظ لا يتناول ما عدا الهر ولا يعقل
~~ذلك بفحواه ولا بدليله وانما يحكم ذلك بالتعليل.
# ومنها: قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾
~~(٣) ﴿والزانية والزاني﴾ (4) انه لما أفاد
~~الزجر بالآيتين أفاد ان القطع تعلق بالسرقة والجلد بالزنا فعلم ذلك في جميع
~~السراق والزناة هذا عند من قال: ان الألف واللام لا يستغرقان.
# فاما من قال بذلك فلا يحتاج إلى هذا التمحل بل يوجب ذلك بلفظ العموم.
# ومنها: ما قدمناه من أن الامر بالشئ يقتضى الامر بما لم (5) يتم الا به
~~وان فائدة القول يدل على ذلك.
# وقد قلنا ما عندنا في جميع هذه الأمثلة بما (6) اغنى عن الإعادة.
# PageV01P411
# فاما ما لا يستقل بنفسه في إفادة المراد ويحتاج إلى ما يقترن به من
~~البيان فعلى ضربين:
# أحدهما: يحتاج إلى بيان ما لم يرد به مما يقتضى ظاهر كونه مرادا ولا
~~يحتاج إلى بيان ما أريد به بل يعلم ذلك بظاهره وذلك نحو العام إذا علم أنه
~~دخله التخصيص فإنه يحتاج في معرفة ما اخرج منه إلى دليل لا فيما أريد به
~~لان ما أريد به علم ذلك باللفظ المتناول له ويحتاج ان يعلم ما لم يرد به
~~منه وذلك نحو قوله:
# ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) ﴿والزاني والزانية﴾ (٢) ﴿واقتلوا المشركين﴾ (3) وانه لما
~~علمنا أن في السراق من لا يجب قطعه مثل أن يكون سارقا من غير حرز أو ms216 سرق ما
~~دون النصاب أو لم يكن عاقلا أو كان هناك شبهة وغير ذلك من الشرائط المراعاة
~~في ذلك احتيج إلى بيان من لا يقطع لان عمومه يقتضى ان يقطع كل سارق من حصلت
~~فيه الصفات التي ذكرناها ومن لم يحصل فإذا دل الدليل على أن من لم تكمل هذه
~~الصفات فيه لا يجب قطعه اخرج من ذلك وقطع الباقون بظاهر (4) الآية.
# وكذلك القول في اية الزنا والشرك فالطريقة واحدة.
# ومن الناس (5) من الحق هذا الباب بالمجمل الذي يحتاج إلى بيان المراد منه
# PageV01P412
# وقال: لا يصح التعلق بظاهره وسنبين ما عندنا في ذلك فيما بعد انشاء الله
~~تعالى.
# والضرب الثاني: هو ما يحتاج إلى البيان في معرفة ما أريد به وهو على
~~ضروب:
# منها: ما وضع في أصل اللغة ليدل على المراد على طريق (١) الجملة دون
~~التفصيل وذلك نحو قوله: ﴿حتى يعطوا
~~الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٢) ﴿وفي أموالهم حق معلوم﴾ (٣) وقوله: (وآتوا حقه يوم
~~حصاده (٤) وقوله: ﴿لا تقتلوا النفس التي
~~حرم الله الا بالحق﴾ (٥) ونحو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
# (عصموا منى دمائهم وأموالهم الا بحقها) (٦) وغير ذلك من الأمثلة:
# ومنها: ما وضع في اللغة محتملا لمعان نحو قوله: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾ (٧) لان
~~ذلك يحتمل وكذلك قوله ﴿يتربصن
~~بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (8) فان ذلك يحتمل الحيض والطهر.
# PageV01P413
# ومنها: الأسماء الشرعية لأنها أجمع تحتاج إلى بيان ما أريد به نحو قوله:
# ﴿وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة﴾ (١)
~~لأنه قد علمنا بالدليل أنه أراد غير ما وضعت هذه الألفاظ في اللغة له إلا
~~أن ذلك على ضربين:
# أحدهما: ما يراد به ما لم يوضع في اللغة له البتة نحو الصلاة والزكاة.
# والثاني: ما أريد به بعض ما وضع له في اللغة لكنه جعل اسما في الشرع ms217 لما
~~يقع منه على وجه مخصوص أو يبلغ حدا مخصوصا فصار كأنه مستعمل في غير ما وضع
~~له نحو الصيام والوضوء وغير ذلك.
# ومنها: ما وضع في اللغة لينبئ عن المراد به لكنه قد علم أنه لم يرد به
~~بعض ما تناوله من غير تعيين لذلك البعض فهذا لا يعلم المراد به لأنه لا شئ
~~يشار إليه مما يتناوله الا ويجوز أن يكون مخصوصا منه وذلك نحو قوله: ﴿وأوتيت من كل شئ﴾ (٢) فإنه لما
~~علمنا أنها لم تؤت أشياء كثيرة على طريق الجملة احتجنا في معرفة ما أوتيت
~~إلى دليل.
# وقد الحق قوم بهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ (3) وقالوا: انه إذا لم يصح ان يريد
~~بذلك جميع الخير لان فيه ما ليس بواجب فالواجب يحتاج إلى بيان أو يراد
~~بالامر الندب.
# وهذا ليس بصحيح لان الخير الذي قد علم نفى وجوبه معلوم وذلك هو الذي لم
~~يرد فاما ما عداه فمعلوم وجوب فعله بظاهر اللفظ كما يقول في سائر ألفاظ
~~العموم الذي يخص بعضها.
# ومنها: ما وضع في اللغة ليدل على المراد بظاهره الا انه إذا تعقبه شرط أو
~~استثناء مجمل يرجع إليه صار ما تقدمه مجملا وذلك نحو قوله تعالى: (وأحل لكم
# PageV01P414
# ما وراء ذلكم) (١) فان ذلك يقتضى إباحة كل ما وراء المحرمات فلما قال
~~بعده (محصنين غير مسافحين) وكان مجملا افتقرت الآية إلى بيان وصارت مجملة.
# ومثل ذلك أيضا قوله: ﴿أحلت لكم بهيمة
~~الأنعام الا ما يتلى عليكم﴾ (2) لان ما يتلى لما كان مجملا فالأول
~~بمنزلته.
# ومنها: لفظ العام إذا ورد واقتضى حكما والمعلوم من حال ذلك الحكم انه لا
~~يتم فعله الا بشئ اخر وذلك الشئ لا يعلم بالظاهر اقتضى ذلك اجمال العام
~~لأنه لا يمكن الاقدام على ذلك مع الجهل بما لا يتم الا به.
# فهذه جملة مقنعة في ذكر ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج لان شرح ms218 ذلك
~~طويل.
# فاما الذي لأجله قلنا: ان ما يمكن أن يعلم المراد به بظاهره لا يحتاج إلى
~~بيان فهو انه لو احتاج إلى بيان لكان يحتاج إليه فيما يقوم ويسد مسده فإذا
~~كان هو بنفسه مع أنه قام مقامه لا يبين به المراد فكذلك بيانه وفي ذلك
~~اخراج بيانه أيضا من أن يستقل بنفسه وايجاب إلى بيان اخر وذلك يوجب اثبات
~~ما لا يتناهى من البيان وذلك محال.
# وانما قلنا: ان القسم الأخير يحتاج إلى بيان لأنه لا يمكن معرفة المراد
~~به فكان ذلك في حكم كل من لم يعرف حاله من الحاجة إلى بيانه ليتبين له
~~المراد وذلك ظاهر.
# والله الموفق للصواب (3)
# PageV01P415
# العدة في أصول الفقه تأليف شيخ الطائفة الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن بن
~~الطوسي (رحمه الله) 385 - 460 ه الجزء الثاني تحقيق محمد رضا الأنصاري
~~القمي PageV02P413
# طبع هذا الكتاب على نفقة المحسن الكريم الحاج محمد تقي علاقبنديان، وفقه
~~الله تعالى لكل خير العدة في أصول الفقه لشيخ الطائفة الإمام محمد بن الحسن
~~الطوسي تحقيق: محمد رضا الأنصاري القمي الطبعة الأولى: ذو الحجة 1417 ه ق،
~~1376 ه ش، 3000 نسخة تنضيد الحروف: قسم الكمبيوتر لمؤسسة البعثة الفلم
~~والألواح الحساسة: تيز هوش - قم المطبعة: ستاره - قم. حقوق الطبع محفوظة
~~للمحقق PageV02P414
# العدة في أصول الفقه PageV02P415
# بسم الله الرحمن الرحيم فصل [3] " في ذكر الوجوه التي تحتاج الأشياء فيها
~~إلى بيان، وما به يقع البيان " إذا كان البيان عبارة عن الدلالة - على ما
~~قدمنا القول فيه - فكل وجه لا يعلم كون الشئ عليه ضرورة، فإنه يحتاج إلى
~~بيان، كما أن ذلك يحتاج إلى دلالة، وسواء كان عقليا أو شرعيا.
# فأما ما علم كون الشئ عليه ضرورة، فإنه يستغنى بحصول العلم فيه عن بيان
~~ذلك، وكذلك ما يعلم بالدلالة إذا حصل العلم بالمعلوم، فإنه يستغنى بحصول
~~العلم به عن بيان ثان PageV02P417
# فإذا ثبت هذه الجملة، فالعقليات كلما لا يعلم منها ضرورة، و (1) ما يجرى
~~مجرى الضرورة، فلابد فيه من بيان، كما ms219 لابد فيه من دلالة.
# والشرعيات بأجمعها تحتاج إلى بيان، كما تحتاج بأجمعها إلى دلالة.
# هذا إذا أردنا بالبيان الدلالة، ومتى أردنا ما يرجع إلى الخطاب، والفرق
~~بين ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج، فقد قدمنا القول في ذلك، وقلنا: إن ما
~~يحتاج من ذلك إلى بيان على وجوه: منها ما يحتاج في تخصيصه إذا كان عاما
~~وعلم في الجملة أنه مخصوص، فإنه يحتاج في تعيين ما خص به إلى بيان.
# ومنها: ما يحتاج إلى بيان النسخ إذا كان مما ينسخ، لأنه إذا قيل: "
~~افعلوا كذا إلى وقت ما ينسخ عنكم " فإن وقت النسخ يحتاج إلى بيان.
# ومنها ما يحتاج إلى بيان أوصافه وشروطه إذا كانت له أوصاف وشروط، كما
~~قلناه في الأسماء الشرعية من الصلاة والزكاة وغيرها.
# وقد يحتاج الفعل أيضا إلى بيان، كما يحتاج القول إليه إذا لم ينبئ بنفسه
~~عن المراد، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
# فأما ما به يتبين الشئ فأشياء:
# منها الكتابة، وذلك نحو ما كتب النبي عليه وآله السلام (2) إلى عماله
~~بالأحكام التي بينها لهم ولمن بعدهم، من كتب الصدقات، والديات، وغيرها من
~~الأحكام.
# ومنها: القول والكلام، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشريعة
~~أكثرها بذلك.
# ومنها: الأفعال، وذلك نحو ما روي عن النبي عليه وآله السلام (3) أنه صلى
# PageV02P418
# وحج، وتوضأ، قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (1)، وقال: " خذوا عنى
~~مناسك دينكم (2)، وقال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (3) فأحال
~~جميع ذلك على أفعاله عليه السلام.
# ومنها: الإشارة، وذلك نحو ما بين النبي عليه وآله السلام (4) الشهر
~~بأصابعه فقال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابعه العشرة كلها " (5) وأراد
~~بها أن الشهر يكون ثلاثين يوما، ثم قال: " الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض
~~إبهامه في الثالثة " (6) (5) فبين أنه قد يكون تسعة وعشرين يوما.
# وألحق بذلك من خالفنا في القياس والاجتهاد أنه قد بين أحكاما كثيرة
~~بالتنبيه على طريقة القياس على ما يذهبون إليه، وذلك عندنا باطل.
# وأما بيان الله تعالى فقد يكون ms220 بالكتابة وبالقول، لأنه تعالى كتب في
~~اللوح المحفوظ، وبين ذلك للملائكة، وبين بخطابه، وما أنزل على النبي عليه
~~وآله السلام (4) من القرآن لنا المراد، وبين أيضا بأن دلنا على التأسي
~~بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بفعله.
# فأما الإشارة، فلا يجوز عليه تعالى، لأنها لا تكون إلا بالآلات، والله
~~تعالى ليس بذي آلة، إلا أنه من أوجب علينا الاقتداء بالنبي عليه وآله
~~السلام، وقد
# PageV02P419
# بين عليه وآله السلام بالإشارة، لجاز (1) أن يضاف ذلك إلى الله تعالى.
# كما أن أفعال الجوارح لا تجوز أيضا عليه، وقد أضفنا إليه تعالى (2) ما
~~بينه النبي عليه السلام (3) بأفعاله من حيث أوجب علينا الاقتداء به فكذلك
~~القول في الإشارة.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV02P420
# فصل [4] " في ذكر جملة ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج من الأفعال "
~~الفعل على ضربين:
# ضرب منه: يقع على وجه، من وجوب، أو ندب، أو إباحة، ويعلم وقوعه على ذلك
~~الوجه، فما يكون كذلك لا يحتاج إلى بيان ليعلم به الوجه الذي وقع عليه، لأن
~~ذلك قد حصل العلم به.
# والضرب الآخر: أن يعلم مجرد الفعل ولا يعلم الوجه الذي وقع عليه، ويجوز
~~فيه وقوعه واجبا، وندبا، ومباحا على حد واحد، فما يكون كذلك يحتاج إلى بيان
~~يعلم به الوجه الذي وقع عليه.
# وجرى الفعل في هذا الباب مجرى القول، لأن القول لما انقسم إلى قسمين:
# قسم أنبأ عن المراد بظاهره وصريحه استغنى بذلك عن بيان المراد، والقسم
~~الآخر لم ينبئ عن المراد على التعيين، احتاج في العلم بتعيينه إلى بيان،
~~فساوى القول الفعل من هذا الوجه على ما بيناه.
# ونحن وإن ذهبنا إلى أن الأفعال كلها لابد من أن يعرف المراد بها، ويعرف
~~على أي وجه وقعت عليه بدليل، فذلك لا يمنع من أن يكون حالها ما وصفناه، كما
~~أن الأقوال كلها قد علم أنها تحتاج في معرفة ما وضعت له، وأن الحكيم مريد
~~بها ذلك PageV02P421
# إلى الدليل، ومع ذلك انقسمت إلى القسمين اللذين ذكرناهما، فكذلك الفعل
~~(1) على ms221 ما بيناه.
# وإذا ثبت ذلك، وكان في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ينبئ
~~بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه، فينبغي أن يستغني ذلك عن البيان، وما كان
~~فيه من أفعاله لا ينبئ بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه، احتاج إلى بيان.
# ونظير القسم الأول أنه إذا روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة
~~بأذان وإقامة جماعة، علم بذلك أنها واجبة، لأن ذلك من شعار كون الصلاة
~~واجبة دون كونها نفلا، فما يجري هذا المجرى مما وضع في الشرع لشئ مخصوص فلا
~~يقع على غير ذلك الوجه، فإنه يحتاج إلى بيان.
# ومثل ذلك أيضا: إذا شوهد النبي عليه وآله السلام (2) فعل فعلا في الصلاة
~~على طريق العمد، علم بذلك أن ذلك الفعل من الصلاة، ولذلك قلنا: إنه لما
~~شوهد ركع ركوعين وأكثر من ذلك في ركعة واحدة في صلاة الكسوف علم أن ذلك من
~~حكم هذه الصلاة، ونظائر ذلك كثيرة.
# وأما ما يقع من أفعاله عليه السلام على وجه الإجمال، ولا يعلم الوجه الذي
~~وقع عليه، فنحو أن يرى عليه السلام (2) يصلي منفردا بنفسه (3)، فإنه يجوز
~~أن تكون تلك الصلاة واجبة، ويجوز أن تكون ندبا، فيقف العلم بوجهها على
~~البيان.
# وكذلك إذا قيل: أنه توضأ ومسح على رأسه (4)، احتمل أنه فعل ذلك ببقية
~~النداوة، واحتمل أن يكون بماء جديد، فإذا قيل أنه فعل ذلك ببقية النداوة -
~~على ما
# PageV02P422
# نذهب إليه (1) -، أو بماء جديد - على ما يذهب إليه المخالف - كان ذلك
~~بيانا له، فينبغي أن يجري ما يرد من الأفعال على القسمين اللذين ذكرناهما،
~~فليس يخرج عنهما شئ من الأفعال.
# PageV02P423
# فصل NoteV02P424N05 " في أن تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره " (1)
~~اختلف العلماء في العموم إذا خص: فذهب عيسى بن أبان البصري إلى أنه متى
~~دخله التخصيص (2) صار مجملا فاحتاج إلى بيان، ولا يصح التعلق بظاهره (3).
# PageV02P424
# وذهب الشافعي وأصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يصح التعلق به - وإن
~~خص - على كل حال (١).
# وذهب أبو الحسن الكرخي ms222 إلى أنه إذا خص بالاستثناء، أو بكلام متصل صح
~~التعلق به وإذا خص بدليل (٢) لم يصح (٣).
# وحكى عبد الجبار بن أحمد (٤) عن أبي عبد الله البصري أنه قال: " يحتاج أن
~~ينظر في ذلك، فإن كان الحكم الذي تناوله العموم يحتاج إلى شروط أو أوصاف لا
~~ينبئ اللفظ عنها جرى في الحاجة إلى بيان مجرى قول الله تعالى: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (5) لأنه يساويه
~~في أن المراد بها لا يصح أن يعرف بالظاهر.
# قال: ولا فصل بين ألا يعلم ما لا يتم قطع السارق إلا به من الأوصاف
~~بالظاهر، وبين ألا يعلم الصلاة بالظاهر، لأن الجهل بما يتم الحكم إلا به
~~كالجهل بنفس الحكم، فالحاجة إلى العلم بأحدهما كالحاجة إلى العلم بالآخر.
# PageV02P425
# ويقول: كل عام خص وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خص منه،
~~جرى في صحة التعلق به مجرى العموم إذا اتصل به الاستثناء.
# قال: والظاهر من كتب أبي علي وأبي هاشم جميعا صحة التعليق بعموم قوله:
# ﴿والسارق والسارقة﴾ (١) وما
~~شاكله، وقد صرحا بأن التخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبئ الظاهر عنها، أنه
~~لا يمتنع من التعلق بالظاهر، وعلى ذلك بينا الكلام في الوعيد لأنهما استدلا
~~به، وإن كان العاصي الذي تعلق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما " (٢).
# هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه " العمد " (٣)
~~والذي أذهب إليه: أن العموم إذا خص صح التعلق بظاهره، سواء خص بالاستثناء
~~أو بكلام متصل، أو منفصل، أو دليل وعلى كل حال، إلا أنه يحتاج أن ينظر في
~~ألفاظ العموم الذي يتعلق الحكم بها، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها
~~وعمومها نفذنا الحكم فيما أريد منا وفيما لم يرد، يحتاج إلى أن يبين لنا ما
~~لم يرد منا لنخصه من جملة ما تناوله اللفظ، فأما ما أريد منا فقد علمنا
~~بالظاهر وذلك نحو قوله:
# ﴿والسارق والسارقة﴾ (٤)، و ﴿اقتلوا المشركين﴾ (5) وما يجرى
~~مجرى ذلك لأنا لو خلينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحق القطع ومن لا يستحق
~~القطع إذا كان سارقا، لكن لما كان في جملة السراق من لا يجب قطعه وهو من لا
~~يكون عاقلا ويسرق من غير حرز، أو سرق ما دون النصاب، أو كانت هناك شبهة
~~وغير ذلك من الصفات والشروط المراعاة في ذلك، احتاج أن يبين لنا من لا يجب
~~قطعه، فإذا بين ذلك بقى الباقي على عمومه وشموله، وعلمنا حينئذ انه يستحق
~~القطع. وكذلك قوله: (واقتلوا
# PageV02P426
# المشركين) (١) وما جرى مجراه.
# وإن كانت ألفاظ العموم متى خلينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما
~~أريد منا على وجه، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منا، وذلك نحو
~~قوله:
# ﴿أقيموا الصلاة﴾ (٢)، لأنا لو
~~خلينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منا على وجه، فوقف ذلك
~~على البيان.
# والذي يدل على صحة ما اخترناه: أن الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلقا باسم
~~معقول في اللغة، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر، إلا أن يدل دليل على
~~أنه لم يرد ما وضع له في اللغة، ولولا ذلك لما صح التعلق بشئ من الخطاب،
~~لأنه يجوز أن يراد بكل خطاب غير ما وضع له، ولا مخص من ذلك إلا بأن يقال لو
~~أريد به غير ما وضع له ليبين، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم، ولا
~~يلزمنا مثل ذلك في قوله ﴿أقيموا
~~الصلاة﴾ (3) لأنا قد علمنا أنه لم يرد بذلك ما وضع له في اللغة، فلذلك
~~وقف على البيان.
# والذي يبين أيضا ما ذكرناه: أن ما خص بالاستثناء إنما يصح التعلق به لما
~~قدمناه من أن ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به، وإن كان الاستثناء قد صيره
~~مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى، فيجب مثل ذلك في كل عموم خص بدليل وإن
~~كان منفصلا.
# ويدل على ذلك أيضا: أنه لو كان ms224 من شرط صحته التعلق بألفاظ العموم أن لا
~~يكون قد خصت، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، أدى إلى
~~ألا يصح التعلق بشئ من ألفاظ العموم، لأنه ليس هاهنا شئ من ألفاظ العموم
~~إلا وهو إما مخصوص، وإما أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، وذلك
~~يؤدي
# PageV02P427
# إلى بطلان ما تعلقت الصحابة ومن بعدهم به، ألا ترى أن أمير المؤمنين عليه
~~السلام تعلق بقوله: ﴿وأن تجمعوا بين
~~الأختين﴾ (١) في تحريم الجمع بين المملوكتين، وكذلك تعلق بقوله: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ (٢)، ومن ثم
~~قال: " أحلتهما آية وحرمتهما أخرى " (٣)، وكذلك حكي عن عثمان (٤).
# وتعلق ابن عباس بقوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي
~~أرضعتكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (5) حتى رد خبر ابن الزبير (6) لأجله
~~وقال: " إن قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير " (7) وغير ذلك مما لا يحصى
~~كثرة.
# وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها، وقد جعل
~~مجازا بدخول التخصيص فيه، فعلم بذلك أن صحة التعلق بألفاظ العموم صحيح و إن
~~كان مخصوصا.
# PageV02P428
# وأما من نصر خلاف ما ذهبنا إليه، فقد حكى عبد الجبار (١) عن أبي عبد الله
~~البصري: " أنه ربما جمع بين قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ (٢)، وبين قوله: ﴿واقتلوا المشركين﴾ (3)، وقول النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم: " الجار أحق بصقبه " (4) " وفيما سقت السماء
~~العشر " (5) في امتناع التعلق بظاهرها مرة، وربما فرق بينهما أخرى، ويقول
~~عند الفصل بينهما:
# " إن العشر متعلق بما سقته السماء، والذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا
~~صفته، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنه لا يمنع من التعلق بالظاهر.
# وأما (السارق والسارقة) (2)، فالحاجة إنما هي إلى بيان صفته، فهو كالحاجة
~~التي يتعلق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك، فلذلك امتنع التعلق
~~بالظاهر.
# ويقول: الصفة المتعلق بها في الشرك هي في إسقاط قتله ms225 لا في إثبات قتله،
~~والصفة المتعلق بها في السارق هي في إثبات قتله، فلذلك افترقا.
# وربما يقول في الجميع: إن التعلق بظاهره لا يمكن، وإن الواجب ألا يعترض
~~على الأصول بالفروع، بل يجب بناؤها عليه ". (6) وهذه ألفاظه بعينها
~~ذكرناها.
# وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا " في أن قوله: (والسارق
~~والسارقة) (2)،
# PageV02P429
# وقوله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (1)،
~~أن القطع يتعلق بنفس السرقة، وإنما يحتاج إلى بيان مراعاة الصفات والشروط
~~فيمن لا يجب ذلك، وجرى ذلك مجرى قوله: (اقتلوا المشركين) وأن القتل يتعلق
~~بالشرك، وإنما يحتاج أن يبين صفة من لا يجب قتل من أهل الكتاب وغيرهم من
~~النساء والصبيان.
# فأما قوله " الجار أحق بصقبه " فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كل
~~شئ إلا ما يخرجه الدليل، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم، وكذلك قوله:
# " وفيما سقت السماء العشر " (3) عام في جميع ذلك، فإن دل الدليل على وجوب
~~اعتبار صفات في الأرض، قلنا به وخصصناه منه وبقينا الباقي على عمومه.
# وكلما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى، والطريقة واحدة في الكلام
~~عليه
# PageV02P430
# فصل NoteV02P431N06 " في ذكر وقوع البيان بالأفعال " (1) ذهب الفقهاء
~~بأسرهم، والمتكلمون إلى أن البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول (1).
# وقال بعض المتأخرين: إن البيان لا يقع بالفعل (1).
# والذي يدل على صحة مذهب الأول أشياء:
# منها: أنه إذا كان الفعل مما يقع به التبيين كما يقع بالقول، فينبغي أن
~~يجوز وقوعه، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول: " صلوا صلاة أوجبها الله
~~عليكم "، ثم يبين صفتها وكيفيتها بالقول، وبين أن يقوم فيصلى، في أنه يقع
~~في الحالين التبيين على حد واحد.
# ولو قيل: أن التبيين يقع بالفعل آكد مما يقع بالقول، لكان ذلك سائغا (2)،
# PageV02P431
# ولأجل ذلك رجعت الصحابة في بيان صفة الوضوء إلى كيفية فعل النبي (1) صلى
~~الله عليه وآله، فمن دفع وقوع البيان بالأفعال كان مبعدا، فلا فرق بين قوله
~~في ذلك، وبين من دفع ثبوت الأحكام بالأفعال، وفي ذلك خروج عن الإجماع. ms226
# فإن قال: أليس من حق بيان الكلام أن يكون متصلا به أو في حكم المتصل به،
~~ولا يصح في الفعل مع الوقف، فكيف يصح أن يكون بيانا له؟
# قيل له: لا نسلم أن من حق البيان أن يكون متصلا بالكلام على كل، حال بل
~~يجوز عندنا ان يتأخر البيان عن حال الخطاب إذا لم يكن الوقت وقت الحاجة على
~~ما نبينه (2)، فعلى هذا يصح ان يتأخر البيان ويقع بالفعل، ومتى فرضنا أن
~~الوقت وقت الحاجة، فذلك أيضا لا يمنع من وقوع البيان بالفعل، ألا ترى أنه
~~لا فرق بين أن يقول: " صلوا إذا زالت الشمس صلاة أوجبها الله عليكم " فإذا
~~زالت الشمس بينها وبين كيفيتها وصفاتها، وبين أن يقوم عند الزوال فيصلي
~~صلاة، فإنا نعلم به بيان تلك الصلاة بفعله كما نعلم بقوله لو بينها به.
# وليس يلزم من حيث كان الفعل لا يقع إلا في زمان ممتد أن يمنع ذلك من وقوع
~~البيان به كما يمنع ذلك في القول، لأن البيان بالقول أيضا يمتد الزمان فيه
~~كما يقع بالقول الذي لا يمتد الزمان فيه من وجيز الكلام، فليس امتداد
~~أحدهما إلا كامتداد الآخر، وإن كان أحدهما أكثر والآخر أقل.
# فإن قيل: كيف يعلم تعلق الفعل بالمبين حتى يعلم أنه بيان له؟، مع تجويز
~~أن يكون ذلك الفعل وقع ابتداء لا بيانا لما تقدم، [و] في هذا ارتفاع
~~التبيين به.
# قيل له: إذا خاطب بالمجمل، ولم يكن الوقت وقت الحاجة، جاز أن يقول النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم: " أبين صفة ما أو أجبت عليكم بالفعل "، فإذا جاء
# PageV02P432
# وقت الحاجة فعل فعلا يمكن أن يكون بيانا له، فإنا نعلم بذلك بيان ما
~~خاطبنا به أولا.
# وإن كان الوقت وقت الحاجة، ففعل عقيب الخطاب فعلا يمكن أن يكون بيانا له،
~~فإنا نعلم به المراد، ونعلم أنه متعلق به، لأنه لو لم يكن متعلقا به لكان
~~قد أخلى خطابه من بيان مع الحاجة إليه، وذلك لا يصح، ولهذا قلنا إنه لا فرق ms227
~~بين أن يقول:
# " صلوا صلاة الساعة " ثم يتبعها بالقول، وبين أن يقوم فيصلى عقيب هذا
~~القول صلاة، فإنا نعلم تلك الصلاة بيانا لما قدم القول فيه، ولا فرق بين
~~الموضعين.
# فإن قيل: إذا قلتم: إنه لا يمتنع أن يقول لنا: " إذا خاطبتكم بالمجمل
~~وفعلت بعده فعلا فاعلموا أنه بيان له "، فقد عدتم إلى أن البيان حصل بالقول
~~ودون الفعل.
# قيل له: ليس الأمر على ذلك، بل البيان لا يقع إلا بالفعل في الموضع الذي
~~ذكروه، وإنما يعلم بقوله تعلق فعله بالقول المجمل، وأما بيان صفته فإنه
~~يحصل بالفعل دون القول على ما بيناه.
# ويدل على ذلك أيضا: رجوع المسلمين بأجمعهم في عهد الصحابة ومن بعدهم في
~~بيان صفة الصلاة، والحج، والطهارة، إلى أفعال النبي (1) عليه السلام
~~وتبينوا بذلك قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) (2) و (لله على الناس حج البيت)
~~(3)، فلولا أنهم علموا أن ذلك يقع به البيان، وإلا لم يجز الرجوع إليه.
# ويدل أيضا على ذلك: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال
~~لأصحابه: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (4) و " خذوا عنى مناسككم " (5)
~~فأحالهم في بيان (1) صلى الله عليه وآله وسلم.
# (2) البقرة: 43.
# (3) آل عمران: 97.
# (4) المعتبر 2: 227، بحار الأنوار 85: 279، صحيح البخاري: ب 18 كتاب
~~الأذان ح 27، مستند أحمد 5: 53، السنن الكبرى 2: 345.
# (5) السنن الكبرى 5: 125، ورواه أيضا مسلم عن جابر، والنسائي بلفظ " يا
~~أيها الناس خذوا عني مناسككم ". PageV02P433
# ذلك على أفعاله، فلولا أن البيان واقع بها وإلا لم يجز أن يحيلهم عليها.
# وقد يبين الفعل بالفعل، كما يبين به القول، نحو أن يقنت النبي عليه
~~السلام في الفجر وغيره من الصلوات (1)، ثم نراه يتركه في تلك الصلاة، فيعلم
~~بذلك أنه لم يكن واجبا، لأنه لو كان واجبا لما تركه على حال، ونحو جلسته
~~إلى الركعة الثانية تارة وتركها لها أخرى (2)، فإن ذلك يدل على أنها لم تكن
~~واجبة.
# وقد يدل تركه للشئ على حالة له أخرى، نحو أن يترك الصلاة في وقت مخصوص،
~~فإن ذلك يدل على أنها ليست بواجبة، فإن كان قد ms228 تقدم دليل يدل على وجوبها في
~~ذلك الوقت، فإن تركه لها في ذلك الوقت يدل على أنها قد نسخت أو خصت.
# ومتى حدثت حادثة ولم يبين الحكم فيها، فإن ذلك يدل على أنها باقية على
~~حكم العقل، لأنه لو كان لها حكم شرعي لبينه أو نبه عليه، فإذا (3) ترك
~~النكير على من أقدم بحضرته على فعل ولم يتقدم منه بيان لقبحه، دل على أنه
~~ليس بقبيح.
# فعلى هذه الوجوه تعتبر أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم، لا بأعيان
~~المسائل.
# ومتى حصل قول وفعل يمكن أن يكون كل واحدا منهما بيانا للمجمل وجب العمل
~~بالقول، لأنه إنما نلتجئ إلى الفعل ونجعله بيانا للمجمل عند الضرورة، فأما
~~مع وجود البيان بالقول فلا حاجة بنا إلى ذلك.
# والبيان من حقه أن يكون في حكم المبين، فإن كان المبين واجبا كان بيانه
~~واجبا، وإن كان ندبا كان بيانه ندبا، وإن كان مباحا كان بيانه مباحا، ولأجل
~~ذلك نقول:
# إن أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت
~~واجبة، وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كذلك.
# PageV02P434
# والمجمل على ضروب:
# منها: ما يكون لازما لجميع المكلفين، فما هذا حكمه يجب أن يكون بيانه في
~~حكمه في الظهور، وذلك مثل الصلاة والطهارة وما أشبههما.
# ومنها: ما يختص بفرضه الأئمة عليهم السلام فينبغي أن يكون للأئمة طريق
~~إلى العلم بها، ولا يجب ذلك في غيرهم.
# ومنها: ما يختص بالعلماء، فينبغي أن يكون لهم طريق إلى معرفته.
# وقد أجاز من خالفنا، وقوع البيان بخبر الواحد والقياس، كما أجازوا العمل
~~بهما (1).
# وعندنا أن ذلك غير جائز على ما بينا القول فيه (2).
# فأما على المذهب الذي اخترناه (2) من العمل بالأخبار التي تنقلها الطائفة
~~المحقة، فإنه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل، ولذلك رجعت الطائفة في
~~كثير من أحكام الصلاة، والوضوء، وأحكام الزكاة، والصوم، والحج إلى الأخبار
~~التي رووها ودونوها في كتبهم وأصولهم.
# ومن قال من أصحابنا: أنه لا يجوز العمل بها إلا إذا كانت معلومة، ms229 ينبغي
~~أن يقول: لا يقع بها البيان أصلا، وهذا خلاف ما عليه عمل الطائفة على ما
~~بيناه (2).
# وهذه جملة كافية في هذا الباب
# PageV02P435
# فصل NoteV02P436N0٧ " في ما الحق بالمجمل وليس منه، وما اخرج منه وهو
~~داخل فيه " ذهب أبو عبد الله البصري وحكاه أبو الحسن الكرخي إلى أن قوله:
~~﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (١) الآية،
~~وقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾
~~(2) وما أشبههما من الآيات التي علق التحريم فيها بالأعيان مجمل (3).
# وذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن ذلك مفهوم من ظاهره وليس بمجمل (4)، وإن
~~كان أبو هاشم ربما ذكر أن ذلك مجاز.
# والصحيح هو القول الأخير.
# وشبهة من ذهب إلى القول الأول هي أن قال: إن ما يعلق التحريم من الأفعال
~~في الأعيان إذا لم يكن مذكورا في الظاهر لم يجز التعلق بظاهره، فإن ذلك
~~يكون
# PageV02P436
# مجازا، وجرى مجرى قوله: ﴿واسئل
~~القرية﴾ (١) وأراد أهلها.
# وهذا الذي ذكروه غير صحيح ولا شبهة فيه، وذلك أن التحليل والتحريم وإن
~~استحال تعلقهما بالأعيان من حيث كانت موجودة كافية لا يصح وقوعها، ولا هي
~~في مقدورنا فيصح أن نتعبد بها، وإنما ينصرف إلى الفعل الذي يصح ان يقع منا،
~~فقد صار بعرف الشرع يستعمل في الأعيان ويراد به الأفعال فيها، وقد بينا
~~فيما مضى (٢) أن الاسم إذا انتقل عن أصل الوضع إلى عرف الشرع وجب حمله على
~~ما يقتضيه عرف الشرع، لأن ذلك صار حقيقة فيه، ألا ترى إنه إذا قال: (حرمت
~~عليكم أمهاتكم) (١) لا يسبق إلى فهم أحد تحريم الذوات، وإنما يفهم من ذلك
~~تحريم الوطء والعقد لا غير، ولا فرق بين من دفع ذلك وبين من دفع أن تكون
~~لفظة " الغائط " منتقلا عما وضع له في اللغة، ويتوصل بذلك إلى أن قول
~~القائل: " أتيت الغائط " لا ينبئ عن الحدث المخصوص، والمعلوم خلاف ذلك.
# وإذا ثبت ذلك صار لفظ " التحريم " إذا علق بالعين فهم منه تحريم الفعل
~~فيها، فصار ms230 كفحوى الخطاب الذي يدل على الشئ وإن لم يتناوله لفظا.
# ولا فرق بين من دفع الاستدلال بظاهر قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (٤) على تحريم الفعل فيها،
~~وبين من دفع الاستدلال بقوله: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ (٥) على تحريم
~~ضربهما وشتمهما.
# وليس لهم أن يقولوا: لو كان أمره على ما ذهبتم إليه لما اختلفت فائدة
~~مفهوم ذلك، ألا ترى أن قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ (3)، التحريم يتناول هاهنا
~~العقد
# PageV02P437
# والوطء، وليس كذلك في قوله: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (١)، بل المراد هاهنا غير
~~المراد هناك، وذلك أنه لا يمتنع أن يتعارف استعمال التحريم المعلق بالعين
~~في أعيان مختلفة بحسب ما جرت العادة بفعلها في الأعيان، ويتعارف عن تحريم
~~الأمهات الاستمتاع، ومن تحريم الميتة الأكل، لأن اللفظة الواحدة لا يمتنع
~~ان يختلف المعقول بها بحسب اختلاف ما تعلق به، ألا ترى أن النظر بالعين لا
~~يعقل منه ما يعقل من النظر بالقلب، فلما جاز أن يختلف المعقول من النظر
~~بحسب اختلاف ما تعلق به من العين والقلب، فكذلك القول في التحريم.
# وليس لأحد أن يقول: إذا كان المحرم من الأمهات غير المحرم من الميتة، علم
~~أن اللفظ لا يفيد، إذ لو أفاده لأتفق ما يفيده في الموضعين، أو يكون ذلك
~~مجازا على ما مر في كلام أبي هاشم، وذلك أن الذي يقال في ذلك أنه مجاز في
~~اللغة وإن كان حقيقة في العرف، كما تقول في " الغائط " و " الدابة " وما
~~أشبههما.
# وذهب قوم ممن تكلم في أصول الفقه إلى أن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ (3)
~~الآية، وغير ذلك من الآيات التي ذكر فيها المدح أو (4) الذم مجمل، وقالوا:
~~إن القصد بها تعليق الذم بالفعل المذكور فيها أو المدح لا بيان الحكم بها
~~وتفصيله، فالتعلق بها في الحكم وفي ms231 شروطه لا يصح (5).
# PageV02P438
# وذهب أكثر من تكلم في أصول الفقه إلى خلاف ذلك، وقالوا: إن ذلك عموم (١)،
~~وهو الصحيح.
# والذي يدل على ذلك: أن القصد إلى الوعيد والذم لا يمنع من القصد إلى
~~الحكم وبيانه، فكيف يصح أن يتعلق في بطلان التعلق به ما ذكروه من أن القصد
~~به الوعيد، ولا فرق بين من قال ذلك، وبين من قال: إن الآية إذا قصد بها
~~الزجر لا يصح أن يبين الحكم بها، فيتوصل بذلك إلى إبطال التعلق بآية السرقة
~~والزنا وغير ذلك.
# وهذا بعيد من الصواب.
# وأيضا: فإن ذكر الذم على الحكم المذكور يؤكد وجوبه ويقوي ثبوت ما ذكر من
~~أوصافه، فكيف يقال إنه يخرج الآية من صحة التعلق بها؟
# وذهب قوم: إلى أن قوله: ﴿وامسحوا
~~برؤسكم﴾ (2) مجمل، وجعلوا بيانه فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم
~~(3).
# وامتنع آخرون من ذلك وقالوا: إن الباء تفيد إلصاق المسح بالرأس من غير أن
# PageV02P439
# يقتضي مقدارا من المسح، فمن مسح بشئ من رأسه فقد أدى ما يوجبه الظاهر،
~~ولا حاجة به إلى البيان (١).
# والذي نقوله في هذه الآية: إن الباء تفيد عندنا التبعيض - على ما بيناه
~~فيما مضى - من أنها إنما تدخل للإلصاق إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول
~~به بنفسه، فيحتاج إلى إدخال الباء ليلصق الفعل به، فأما إذا كان الفعل مما
~~يتعدى بنفسه فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك، فإذا ثبت ذلك فقوله: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (2) يتعدى
~~بنفسه، لأنه يحسن أن يقول: (امسحوا رؤوسكم) فيجب أن يكون دخولها لفائدة
~~أخرى وهي التبعيض، إلا أن ذلك البعض لما لم يكن معينا، كان مخيرا بين أي
~~بعض شاء، فإن علم بدليل أنه أريد منه موضع معين لا يجوز غيره، وقف ذلك على
~~البيان، وصارت الآية مجملة من هذا الوجه.
# ومن الناس من قال: إن قوله: (فاقطعوا أيديهما) (3) يقتضى قطع اليد إلى
~~المنكب لأن ذلك يسمى يدا (4).
# وقال آخرون: إنه مجمل لاحتماله له ولغيره ms232 (5).
# وقال آخرون: إنه ليس بمجمل، لأن " اليد " في الحقيقة تتناول جملة العضو
~~فيجب حمله عليها، ولو كانت تقع على العضو إلى المنكب والزند جميعا لوجب
~~حمله على أقل ما يتناوله، إلا أن يدل الدلالة على خلافه، فادعاء الإجمال
~~فيه لا
# PageV02P440
# يصح (1).
# والوجه الآخر أقرب إلى الصواب.
# وذهب قوم: إلى أن قول القائل: (أعط فلانا دراهم) مجمل، لأنه يمكن أن يراد
~~به أكثر من ثلاثة.
# وقال آخرون: إن هذا غلط، لأن تجويز ذلك لا يمنع من أن يكون ظاهره يقتضى
~~ما قلناه، فسبيل هذا القائل كسبيل من قال: إن لفظ الخاص مجمل، لجواز أن
~~يراد به العام. وهذا الوجه أقرب إلى الصواب.
# وذهب قوم: إلى أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " في الرقة ربع العشر "
~~(2) إنما يدل على وجوب ربع العشر في هذا الجنس، ويحتاج إلى بيان القدر الذي
~~يؤخذ منه ذلك (3). وقال آخرون: إن ذلك ليس بمجمل، لأن ظاهره يقتضي ربع
~~العشر في الجنس كله، فلا معنى للتوقف في ذلك، فلولا قوله عليه السلام (4):
~~" ليس فيما دون خمسة أواق صدقة " (5) مخصصا به ذلك العموم، لكان يجب حمله
~~على ظاهره (6)، وهذا هو الصحيح دون الأول.
# وذهب قوم: إلى أن ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " لا صلاة
~~إلا
# PageV02P441
# بفاتحة الكتاب " (1) " ولا صلاة إلا بطهور " (2)، " ولا نكاح إلا بولي "
~~(3)، مجمل، وقالوا:
# إن حرف النفي لا يصح أن يكون داخلا على الفعل مع صحة وقوعه عاريا من هذه
~~الشروط، فيجب أن يكون داخلا على الحكم، والحكم قد يكون الأجزاء، وقد يكون
~~للتمام والفضل، لأنه قد يقال: (لا صلاة كاملة الا بفاتحة الكتاب)، كما
~~يقال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في مسجده) (4) وأراد بذلك ما قلنا من نفي
~~الفضل، ولم يرد نفي الأجزاء بالإتفاق، ويمكن أن يريد: (لا صلاة مجزية إلا
~~بفاتحة الكتاب) وإذا لم يكن في اللفظ تصريح بأحديهما وجب أن تكون الآية
~~مجملة.
# قالوا: ولا يصح حمله على المعنيين معا، لأن نفى التمام والفضل يقتضي حصول
~~الإجزاء، ms233 ونفى الإجزاء يقتضي أنه لم يحصل ذلك، وذلك ينافي أن يراد بعبارة
~~واحدة (5).
# وذهب عبد الجبار بن أحمد (6) إلى أن ذلك ليس بمجمل وقال: " لأن حرف النفي
~~يدخل في الفعل الشرعي، وما يقع منه مع عدم الشرط المذكور لا يكون شرعيا
~~فكأنه قال: " لا صلاة شرعية إلا بطهور "، فإذا وقعت من غير طهور لم تكن
~~شرعية، فحرف النفي قد استعمل في الحقيقة فيما دخل فيه.
# لكن ما ذكرناه إنما يصح إذا دخل حرف النفي في الفعل الشرعي، فإما إذا حصل
~~فيما عداه فيجب أن ينظر فيه، فإن دخل على الحكم في الحقيقة قضى بنفيه
# PageV02P442
# إذا لم يحصل الشرط المذكور وإن دخل على الفعل، والمعلوم من حاله أنه يقع
~~فعلا صحيحا مع عدم الشرط، فيجب أن يكون مجملا على ما ذكروه.
# وكذلك لا يصح التعلق بظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما الأعمال
~~بالنيات " (1) لأنه إذا دخل حرف الشرط على الفعل الذي يصح وقوعه وإن خلا
~~منه، فيجب أن يسند إلى غيره إذا احتج به ".
# هذه ألفاظه بعينها ذكرها في كتابه " العمد " (2) وهي قريبة إلى الصواب.
# فأما ما الحق بالعموم وهو من المجمل: فنحو ما يتعلق به أصحاب الشافعي
~~بقوله تعالى (أقيموا الصلاة) (3) في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم في التشهد الأخير، وتقول إن ذلك دعاء، وإن هذه اللفظة حقيقة فيه
~~(4).
# وهذا بعيد من الصواب، لأن لفظة " الصلاة " وإن كانت موضوعة للدعاء في
# PageV02P443
# أصل اللغة، فقد صارت بعرف الشرع موضوعة لأفعال مخصوصة، فالتعلق بذلك فيما
~~وضعت في أصل اللغة لا يصح لما قدمناه.
# ومن ذلك أيضا: حملهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من رعف في صلاته
~~فليتوضأ " (١) على غسل اليد.
# وهذا أيضا يصح، لأن الوضوء صار بعرف الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة
~~ومسحها، وإنما يمكن حمل اللفظ على غسل العضو إذا علم بدليل أن الرعاف لا
~~ينقض الوضوء، فحينئذ يصرف عن ظاهره ويحمل على موجب اللغة، كما تصرف ألفاظ
~~كثيرة عن حقيقتها إلى ضرب ms234 من المجاز لقيام دليل على ذلك ومن ذلك تعلقهم
~~بقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه
~~تنفقون﴾ (٢) في أن الرقبة الكافرة لا تجزي في الظهار، وينبغي أن تكون
~~مؤمنة، لأن الكافرة خبيثة (٣).
# وهذا أيضا لا يصح، لأن المعني بقوله: (ولا تيمموا الخبيث) أي لا تقصدوا
~~إلى الإنفاق من الخبيث، فالقصد متعلق بالإنفاق، والعتق ليس من الإنفاق في
~~شئ، يبين ذلك أن قوله بعد ذلك: (منه تنفقون) كون المنفق منه (٤) من بعض ما
~~وصفه بأنه خبيث، وذلك لا يتأتى في العتق، وكذلك قوله: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ (٥) إشارة إلى
~~ما تقدم ذكره.
# وكل ذلك لا يصح في العتق، فالتعلق به لا يصح.
# ومن ذلك تعلقهم بقوله: ﴿لا يستوي أصحاب
~~النار وأصحاب الجنة﴾ (6) في أن المؤمن لا يقتل بكافر، لأن نفى الاستواء
~~إذا أطلق فيما قد ثبت بالدليل أنه متماثل
# PageV02P444
# في الذات إنما يعني به في بعض أوصافه، فهو إذا مجمل (١).
# ومتى عقب الكلام بشئ فرق بينهما فيه، وجب حمل أوله عليه، وقد ذكر في آخر
~~الآية قوله: ﴿أصحاب الجنة هم
~~الفائزون﴾ (2) فينبغي أن يكون المراد نفي الاستواء في الفوز بالجنة.
# ومن ذلك اعتراض من اعترض على قوله عليه السلام: " لا يقتل مؤمن بكافر "
~~(3) وحمل ذلك على الكافر الحربي لما عطف عليه من قوله: " ولا ذو عهد في
~~عهده " فجعل هذا المعطوف عليه مؤثرا في التعلق بما تقدم.
# وهذا لا يصح، لأن الجملة الأولى لا يمتنع حملها على ظاهرها وإن خص بعضها
~~بالذكر في الثاني، وأكثر ما في ذلك أن يكون عليه السلام قال: " ولا ذو عهد
~~في عهده يقتل بكافر "، ولو قال ذلك لم (4) يمتنع دخول جميع الكفار تحت
~~قوله: " لا يقتل مؤمن بكافر ".
# ولو قال قائل: " لا يقتل عربي بعجمي، ولا البالغ من العجم بالأطفال " لم
~~يوجب تخصيص الكلام الأول.
# فأما التعلق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ms235 " رفع عن أمتي الخطأ
~~والنسيان " (5)،
# PageV02P445
# فلا يصح، لأن المرفوع غير مذكور، ولا جرت العادة باستعمال هذه اللفظة في
~~حكم خطأ مخصوص، وإنما يمكن التعلق به بأن يقال: لا يصح أن يكون نفس الخطأ
~~والنسيان مرفوعا، وذلك محال مع وقوعه، أو يكون المرفوع العقاب والثواب،
~~وذلك معلوم عقلا (1).
# فالواجب: حمل الكلام على رفع أحكام الدين لأن قول النبي صلى الله عليه
~~وآله إذا أمكن حمله على ما يستفاد من جهته، كان أولى من حمله على ما قد علم
~~بالعقل. وهذه الجملة تنبه على ما عداها، فينبغي أن يتأمل ليقاس عليها
~~غيرها.
# وجملة القول في ذلك: أن ما يتعلق به من الخطاب إنما يصح التعلق به إن كان
~~اللفظ في أصل الوضع يفيد ما يتعلق به فيه، أو فحواه، أو دليله أو يعلم (2)
~~من حال المخاطب أنه لا يخاطب بمثله إلا ويريد ذلك به، وإلا خرج خطابه من أن
~~يكون مفيدا، أو يفيد بالعرف ما استعمل فيه، أو بالشرع، فمتى خرج من هذه
~~الوجوه لم يصح التعلق به، وإنما يختلف حال الخطاب ومواقعه، فربما لطف (3)
~~الوجه الذي لأجله لا يصح التعلق به، وربما ظهر، فالواجب للسامع أن يجتهد في
~~البحث عنه، فإنه لن يعدم الوقوف على ذلك إذا كان قد ضبط الأصول في هذا
~~الباب.
# PageV02P446
# فصل NoteV02P447N0٨ " في ذكر جواز تأخير التبليغ (١)، والمنع من جواز
~~تأخير البيان عن وقت الحاجة " (٢) ذهب كثير من الناس إلى أن تأخير التبليغ
~~لا يجوز، ثم افترقوا:
# فمنهم: من حمله على تأخير البيان (٢).
# ومنهم: من تعلق في ذلك بقوله تعالى ﴿يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك﴾ (3)،
~~وقالوا أمره على الفور (2).
# وذهب أكثر المحصلين إلى أن ذلك يجوز (2)، وهو الصحيح.
# والذي يدل على ذلك: أنه إنما يجب أن يؤدى بحسب ما يتعبد به من تقديم أو
~~تأخير، فإن تعبد بالتبليغ عاجلا وجب عليه ذلك، وإن تعبد آجلا كان مثل ذلك.
# PageV02P447
# فأما تعلقهم في المنع من ذلك بحمله على قبح تأخير ms236 البيان، فعندنا أن
~~تأخير البيان يجوز عن وقت الخطاب، وإنما لا يجوز عن وقت الحاجة، وكذلك نقول
~~في التبليغ، فسقط بذلك ما قالوه.
# ومن منع من ذلك في تأخير البيان فرق بينهما بأن قال: إنما قبح تأخير
~~البيان لشئ يرجع إلى حال الخطاب، وإلى أن لا يستفاد به شئ، وذلك وجه قبح
~~(١).
# فأما تأخير التبليغ فليس كذلك، لأنه إذا لم يبلغ لا يخاطب أصلا، فكيف
~~يكون ذلك قبيحا؟.
# وأيضا: فإذا جاز أن يؤخر الله تعالى خطاب المكلف إلى الوقت الذي يعلم
~~مصلحته فيه، فكذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
# فأما تعلقهم بقوله: ﴿بلغ ما انزل
~~إليك﴾ (2)، فإنما يقتضي وجوب التبليغ على الوجه الذي أمر به، وليس في
~~ذلك منع من جواز التأخير (3).
# وأما تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا خلاف أنه لا يجوز والوجه في ذلك،
~~أن تأخيره عن وقت الحاجة يجرى مجرى تكليف ما لا يطاق، لأنه يتعذر عليه فعل
~~ما كلف، وذلك يمنع من صحة الأداء، لأن الأداء لا يصح إلا بعد أن يعرف
~~المكلف ما كلف، أو يتمكن من معرفته، أو معرفة ما يجب عليه من سببه، ويصح
~~أداؤه معه.
# وأما تأخير التبين عن وقت الحاجة: فجائز، لأن المكلف يجوز أن يخطأ فلا
~~يتبين ولا يوجب ذلك قبح الخطاب، لأنه لم يؤت في ذلك من قبل المكلف، وإنما
~~أتى من قبل نفسه، وذلك لا يقبح التكليف.
# PageV02P448
# فصل NoteV02P449N09 " في ذكر جواز تأخير البيان عن وقت " الخطاب، وذكر
~~الخلاف فيه " (1) ذهب أبو علي، وأبو هاشم، ومن تبعهما من المتكلمين، وأهل
~~الظاهر إلى أن
# PageV02P449
# تأخير البيان عن حال الخطاب لا يجوز، لا في العموم ولا في المجمل (1).
# وقال كثير من أصحاب الشافعي: إن تأخير بيان المجمل يجوز، وامتنع من تأخير
~~البيان في العموم وسائر ما ينبئ ظاهره عن المراد به، وهو قول أبي الحسن،
~~وكان أبو عبد الله حكى عنه جواز تأخير البيان في المجمل، وخرج على قوله
~~الامتناع من تأخير بيان ms237 العموم (1).
# والذي أذهب إليه: أنه لا يجوز تأخير بيان العموم، ويجوز تأخير بيان
~~المجمل، وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى، وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله
~~رحمهما الله (2).
# والذي يدل على ذلك: أن العقلاء يستحسنون خطاب بعضهم لبعض بالمجمل، وإن لم
~~يبنوا المراد به في الحال، ألا ترى أن القائل يقول لغلامه: " إذا كان يوم
~~الجمعة ادخل السوق، واشتر الثياب، والفاكهة، وغير ذلك من الحوائج ما أثبته
~~لك في رقعة " وإن لم يكتب الرقعة في الحال، وكذلك يقول بعض الرؤساء لوكيل
~~له:
# " اخرج إلى القرية الفلانية أو البلد الفلاني وتول العمل بها، واعمل في
~~جباية الأموال، واستخرج الحقوق ما أكتب لك به تذكرة، وأثبتها لك " ويكون
~~ذلك حسنا، وإن لم يكتب التذكرة في الحال، ويكون الغرض بجميع ذلك أن يعزم
~~المخاطب وينطوي على امتثال جميع ما يأمره به ويبينه فيما بعد، وإذا كان ذلك
~~حسنا في الشاهد وجب
# PageV02P450
# أن يكون حسنا في كل خطاب.
# فإن قيل: لو جاز أن يخاطب بالمجمل ولا يبين المراد في الحال، لجاز من
~~العربي أن يخاطب غيره بالزنجية وإن لم يفهم منه شيئا أصلا (١).
# فإن قلتم: المخاطب بالزنجية لا يفهم منه شيئا أصلا، والمجمل يستفاد منه
~~أمر ما وهو أنه مأمور، ألا ترى أنه إذا قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (٢)، ﴿وأقيموا الصلاة﴾ (3)، وغير ذلك، فالمخاطب يستفيد
~~أنه مأمور بأخذ صدقة من ماله وإن جهل مبلغه ووقف ذلك على البيان، وهو مكلف
~~بالعزيمة على ذلك والانطواء عليه حتى يبين له، وكذلك في الصلاة يعلم أنه
~~مكلف بفعل هو صلاة وعبادة، إلا أنه لا يعرف كيفية هذه العبادة، فهو منتظر
~~بيانها، والخطاب بالزنجية بخلاف هذا كله.
# قيل لكم: يمكن أنه جميع ما أخرجتموه في المجمل أن يكون في الزنجية، لأن
~~الحكيم إذا خاطب بالزنجية للعربي فلا بد أن يقطع المخاطب على أنه عليه أن
~~يعزم على فعل ما يبين له أنه أمره، به والكف عما لعله ms238 يبين له أنه نهاه
~~عنه، ويوطن نفسه على ذلك وتتعلق مصلحته به، فأي فرق بين الأمرين؟
# فإن فرقتم بين الأمرين بأن الفائدة بالزنجية أقل أو أشد إجمالا، جاز أن
~~يقال لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفائدة، لأنه يحسن من الخطاب ما يخرجه
~~من كونه عبثا، وقليل الفائدة ككثيرها.
# والجواب عن ذلك: أن من المعلوم قبح خطاب العربي بالزنجية كما ذكرتم، كما
~~أن من المعلوم الذي لا يختلف العقلاء فيه حسن الخطاب بالمجمل في الموضع
~~الذي ذكرناه، وإذا ثبت ما ذكرناه وقبح ما ذكروه، احتجنا أن ننظر في ذلك
~~ونعلل
# PageV02P451
# لم حسن ما ذكرناه، ولم قبح ما قالوه؟ فلا نعلل قبح ما قالوه بعلة توجد في
~~حسن ما ذكرناه، لأن ذلك يؤدى إلى اجتماع وجه والقبح في شئ واحد، وذلك لا
~~يجوز، ولا نعلل أيضا حسن ما ذكرناه بعلة توجد فيما استقبحوه لمثل ذلك.
# وإنما قلنا ذلك: لأنا متى عللنا قبح الخطاب بالزنجية، بأنا لا نفهم بها
~~مراد المخاطب، وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من خطاب الملك الخليفة،
~~والواحد منا لغلامه، لأن خليفة الملك ووكيل أحدنا لا يعرف من خطابه المجمل
~~الذي حكيناه مراده الذي أحاله في تفصيله على البيان، وإن عللنا قبحه بأنه
~~مما لا فائدة فيه، فقد بينا أنه يمكن أن يدعى فيه فائدة وأنه لا يعدو أحد
~~أقسام الكلام المعهود، ولابد أن يكون مريدا إذا كان حكيما لبعضها، وإن
~~عللنا حسن الأمثلة التي علمنا حسنها بأنه يفيد فائدة ما أو مما يتعلق
~~بالمخاطب به مصلحة، بأن يعتقد ويعزم على الامتثال عند البيان، ويوطن نفسه
~~على ذلك، فهذا كله قائم في الخطاب بالزنجية، فلابد من التعليل بما لا يقتضي
~~قبح ما علمنا حسنه، ولا حسن ما علمنا قبحه.
# ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجية بأنه غير مفهوم منه نوع الخطاب، ولا أي
~~ضرب هو من ضروبه، ألا ترى أنه لا يفصل المخاطب بين كونه أمرا، أو نهيا أو
~~خبرا، أو استخبارا، أو عرضا، أو يمينا، وفي المجمل يفصل ms239 بين هذه الأنواع
~~والضروب، وإنما يلتبس عليه تفصيل ما تعلق الأمر به مما هو واقف به عن
~~البيان، فهذه علة صحيحة في قبح الخطاب بالزنجية لا نجدها فيما علمنا حسنه
~~من الأمثلة، ولا في المجمل الذي يجرى في الحسن مجراه.
# وإن شئت ان تقول: العلة في قبح الخطاب بالزنجية أن المخاطب لا يستفيد منه
~~فائدة معينة مفصلة، ولابد في كل خطاب من أن يستفاد منه فائدة مفصلة، وإن
~~جاز أن يقترن بذلك فائدة أخرى مجملة، والخطاب المجمل مستفاد منه فائدة
~~معينة PageV02P452
# مفصله وإن استفاد أخرى مجملة، لأنه إذا قال: ﴿أقيموا الصلاة﴾ (١) و ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (2) فقد استفاد المخاطب أنه
~~مأمور وقطع على ذلك، وأنه مأمور بعبادة هي صلاة أو صدقة، وإن شك في
~~كيفيتها.
# ثم يقال لهم: كيف توجبون أن يعلم المخاطب فائدة جميع ما يخاطب به قبل
~~زمان الحاجة، ومراد المخاطب على جهة التفصيل، وإنكم تجوزون تأخير بيان مدة
~~الفعل المأمور به عن وقت الخطاب، ولا توجبون ذلك وهو من فوائد الخطاب ومراد
~~المخاطب، لأنه إذا قال: " صلوا " فظاهر هذا القول عندكم يتناول كل صلاة وكل
~~زمان بلا حصر، فإذا أراد بذلك مدة معينة وإلى غاية منقطعة، وأخر بيانه في
~~حال الخطاب، فقد أراد في حال الخطاب ما لم يبينه ويفصله، وهذا من هذا الوجه
~~نظير المجمل ومثل الخطاب بالزنجية.
# فإن قلتم: ليس يجب أن يبين في حالة الخطاب كل مراد له بالخطاب.
# قلنا: أصبتم، فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك، لأن الخطاب بالمجمل
~~يستفاد منه فائدة معينة مفصلة، وإن لم يستفد على سبيل التفصيل جميع فوائده.
# وإن قالوا: لا حاجة به إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة التي تخرج
~~بالبلوغ إليها من أن تكون مصلحة، لأن ذلك بيان لما لا يجب أن يفعله، وهو
~~غير محتاج إلى بيان ما لا يجب عليه أن يفعله، وإنما يحتاج في هذه الحال إلى
~~بيان صفة ما يفعله، وكلف الإتيان به. ms240
# قلنا: هذا خروج منكم عن السنن (3) الذي كنا فيه، لأنكم أوجبتم البيان
~~للمراد كله في حال الخطاب لأمر يتعلق بحسن الخطاب، فأوجبتم قبحه متى لم
~~يعلم المخاطب فوائده كلها على التفصيل، فلما ألزمناكم بيان مدة النسخ عدلتم
~~إلى شئ
# PageV02P453
# آخر وهو - وإن كان غير صحيح - نقض لعلتكم، وهدم لاعتمادكم، لأنكم توجبون
~~بيان فوائد الخطاب ومراد المخاطب، لأنه يتعلق بحسن الخطاب. وإذا أجزتم
~~تأخير بيان بعض فوائده، نقصتم اعتلالكم على كل حال وعدنا إلى أنكم قد أجزتم
~~حسن ما هو نظير للمجمل الذي أخبرنا حسنه، لأنا لم نجز إلا تأخير بيان بعض
~~فوائد الخطاب، ونراكم أبدا تذكرون في كتبكم أن قبح تأخير البيان لم يكن لشئ
~~يتعلق بإزاحة علة المكلف في الفعل وإنما هو راجع إلى وقوع الخطاب على وجه
~~يقتضي القبح، وهذا ينقض قولكم الآن أنه لا يحتاج في فعل ما كلف إلى معرفة
~~غاية المصلحة، ويحتاج في الفعل إلى العلم بصفته، لأن هذه منكم مراعاة لما
~~به يتمكن من إيقاع الفعل.
# ويجب أن يعلم أن فقد القدرة أو الآلة التي لا يقع الفعل إلا بها أقوى
~~وأشد تأثيرا في تعذر الفعل من فقد العلم بصفته، وأنتم تجيزون خطاب من لا
~~يقدر على الفعل ولا يتمكن منه في حال الخطاب إذا كان من يقدر في حال
~~الحاجة، فأجيزوا تأخير بيان صفة الفعل في حال الخطاب، ولا حاجة به في هذه
~~الحال إلى العلم بصفته، كما لا حاجة به إلى القدرة عليه والتمكن بآلات
~~وغيرها منه ثم.
# ثم إنكم ليس تخلون من أن توجبوا بيان صفة الفعل المأمور به في حال الخطاب
~~لأمر يتعلق بإزاحة العلة في الفعل، أو لأمر يرجع إلى حسن الخطاب، وأن
~~فوائده ومراد المخاطب به إذا لم يعلم تفصيلا في وقت الخطاب قبح:
# فإن كان الأول، لزم عليه أن يكون في حال الخطاب قادرا متمكنا، وليس
~~توجبون ذلك.
# وإن كان الثاني، فغاية الفعل من مراد المخاطب ومقصوده من الخطاب، ومع ذلك
~~فلم يبينها في حال الخطاب، وإذا ms241 جاز أن لا يبين بعض المقصود ولا يكون
~~الخطاب قبيحا، جاز في المجمل مثل ذلك بعينه.
# ومما يمكن أن يستدل به على جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب ويورد
~~على المخالف على سبيل المعارضة والإلزام: أنه لا خلاف بيننا وبينهم في أنه
~~قد يجوز أن يخاطب في المخاطب بالمجمل وإن لم يقرنه بالبيان، بل يحيله في
~~معرفة البيان على PageV02P454
# الرسول عليه السلام، والرجوع في تفصيل ذلك إليه، وإذا جاز أن يخاطب (1)
~~بما لا يفهمه تعويلا على أنا نعرف المراد من جهة غيره، وإلا جاز أن يخاطبنا
~~بذلك ويعول بنا على الرجوع إليه في معرفة البيان.
# فإن فرقوا بين الأمرين بأن يقولوا: إذا كان البيان عند الرسول صلى الله
~~عليه وآله وسلم وخاطبنا بالمجمل، فنحن متمكنون من العلم بالمراد.
# قلنا: وإذا خاطبنا بالمجمل، وعول بنا على مسألتنا (2) عن بيانه والرجوع
~~إليه في تفصيله، فنحن أيضا متمكنون من العلم بالمراد، ولا فرق بين الأمرين
~~وقد استويا في أن البيان لم يقترن بالخطاب، وإنما التعويل فيه على الرجوع
~~إلى مترجم ومبين، فأي فرق بين أن يكون هذا المبين هو الله تعالى أو رسوله؟
# فإن قال: ما ذكرتموه يقتضي أن يكون ذلك عبثا، لأنه طول زمان المعرفة بغير
~~فائدة، وقد كان قادرا بدلا من أن يخاطبه بالمجمل ثم يلزمه سؤاله عن معناه
~~فيبين له، أن يبتدي ببيان ذلك له.
# قلنا: فالآن كان ما ذكرتموه وأجزتموه أيضا عبثا، لأنه كان قادرا على أن
~~يخاطبه مقترنا بالبيان ولا يكلفه الرجوع إلى الرسول عليه السلام ومعرفة
~~المراد، لأنه تطويل للبيان وطريق المعرفة.
# فإن قلتم: هذا التطويل يمكن أن يتعلق به مصلحة.
# قيل لكم: فيما أنكرتم مثل ذلك؟
# ومما يضيق عليهم الكلام، أنهم يجيرون أن يخاطب بالمجمل ويكون بيانه في
~~الأصول، ويكلف المخاطب الرجوع إلى الأصول فيعرف المراد.
# فإذا قيل لهم: ما الذي يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يرجع إلى الأصول
~~فيعرف المراد؟
# PageV02P455
# قالوا: يجب أن يتوقف عن اعتقاد التفصيل، ويعتقد على الجملة أنه يمتثل ms242 ما
~~يبين له، وهذا تطرق عليهم ما قاله: يجوز تأخير بيان المجمل، من وجوب اعتقاد
~~الجملة دون التفصيل وانتظار البيان.
# وأي فرق بين أن يكلف زمانا قصيرا من غير فهم المراد - على سبيل التفصيل -
~~الإعتقاد الذي ذكروه ويحسن ذلك، وبين أن يكلف زمانا طويلا مثل ذلك؟ فإذا
~~قال: إذا كان البيان في الأصول فهو يتمكن من معرفة.
# قلنا: أو ليس هذا المخاطب إلى أن يتأمل الأصول، ويقف على البيان مكلف
~~الإعتقاد المجمل الذي ذكرتموه على وجه حسن؟ ولابد من زمان مقصود لا يمكنه
~~معرفة المراد فيه، لأن تأمل الأصول والرجوع إليها حتى يعلم حصول البيان
~~فيها أو خلوها منه، لابد فيه من زمان قصر أو طال، وإذا جاز أن يخاطب بما لا
~~يتمكن من معرفة المراد به في قصير الزمان جاز في طويله.
# على أنا قد ألزمناهم إذا قالوا إنه متمكن من المراد به بالرجوع إلى
~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بتأمل الأصول، أن يجوز وأن يكون متمكنا
~~من ذلك بالرجوع إليه تعالى، ولا فرق بين الأمرين.
# وبعد ذلك، فإذا كان الخطاب يحسن بالمجمل وفي الأصول بيانه متى تأمل،
~~وكذلك إذا عول به على بيان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحسن أيضا، فأي
~~فرق بين ذلك وبين خطاب العربي بالزنجية؟ أو ليس الموضعان متساويين في أن
~~المراد في حال الخطاب غير مفهوم؟
# فإن قلتم: الفرق بينهما أن الخطاب بالزنجية لا طريق إلى العلم بالمراد
~~به، وهاهنا إلى العلم بالمراد طريق، أما بالنظر في الأصول ومعرفة البيان
~~منها، أو بالرجوع إلى بيان الرسول.
# قلنا لكم: فأجيزوا أن يخاطبه بالزنجية ويعول به على سؤال من يعرف الزنجية
~~في تفسير ذلك وبيان الغرض فيه، أو يعول به على أن يتعلم لغة الزنج، فذلك
~~ممكن له وسهل عليه، كما يخاطبه من المجمل بما لا يفهم المراد به وعول به
~~على تصفح PageV02P456
# الأصول والنظر فيها حتى يعثر على البيان، فإن كان ما قلتموه تمكينا من
~~العلم، فالذي ألزمناكم أيضا تمكين، ولا شبهة ms243 على عاقل في قبح الخطاب
~~بالزنجية لما ذكرنا حاله، وهو نظير ما ذهبوا إلى جوازه.
# ومما يدل أيضا: على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة،
~~قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن
~~تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين *
~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر
~~عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال
~~إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك
~~يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه
~~يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا
~~الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ (1).
# ووجه الدلالة من الآية (2): " إنه تعالى أمرهم بذبح بقرة هذه الصفات كلها
~~لها (3)، ولم يبين ذلك في أول الخطاب حتى سئلوا عنه، وراجعوا فيه،
~~واستفهموه، فبين لهم المراد شيئا بعد شئ، وهذا يدل على جواز تأخير البيان
~~(4).
# فإن قالوا (5): لم زعمتم أن الصفات المذكورة كلها في البقرة الأولى التي
~~أمروا في الخطاب الأول بذبحها؟ وما أنكرتم أن يكونوا أمروا ان الخطاب الأول
~~بذبح بقرة من عوض البقر من غير اشتراط هذه الصفات؟ فلو (6) ذبحوا بقرة من
~~غير أن تكون
# PageV02P457
# بهذه الصفات المذكورة فيما بعد، لكانوا قد فعلوا الواجب، فلما راجعوا (1)
~~تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر من غير مراعاة الصفات
~~الباقية، فلما توقفوا أيضا تغيرت المصلحة في تكليفهم، فأمروا بذبح بقرة
~~صفراء فاقع لونها، فلما توقفوا تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة لها الصفات
~~الأخيرة المذكورة (2)، وإنما يكون ذلك حجة في تأخير البيان لو صح لكم أن
~~الصفات الواردات كلها للبقرة الأولى، وما أنكرتم أن يكون الأمر بخلاف ذلك.؟
# قلنا: هذا تأويل (3) من لا يعرف حكم اللغة العربية وما جرت به عادة أهلها
~~في خطابهم ms244 وكناياتهم، لأن الكناية في قوله تعالى: (ادع لنا ربك يبين لنا ما
~~هي) لا يجوز عند محصل (4) أن يكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها
~~وأمروا (5) بذبحها، ولم يجز في الكلام ما يجوز أن تكون هذه الكناية كناية
~~عنه إلا البقرة، و (6) يجري ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه: " أعطني تفاحة "
~~فيقول غلامه: " ما هي بينها لي؟ "، ولا يصرف أحد من العقلاء هذه الكناية
~~إلا إلى التفاحة المأمور بإعطائها إياه.
# ثم قال تعالى بعد ذلك: (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين
~~ذلك)، وقد علمنا أن الهاء في قوله: (إنه يقول) هي كناية عنه تعالى، لأنه لم
~~يتقدم ما يجوز رد هذه الكناية إليه إلا اسمه تعالى، فكذلك يجب أن يكون
~~قوله: (إنها) كناية عن البقرة المقدم ذكرها، وإلا فما الفرق بين الأمرين؟
# PageV02P458
# وكذلك الكلام في الكناية بقوله: (ما لونها)، وبقوله: (إنها بقرة صفراء
~~فاقع لونها)، والكناية في قوله: (ما هي إن البقرة تشابه علينا)، ثم الكناية
~~في قوله: (إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض).
# ولا يجوز أن تكون الكناية في قوله تعالى (إنها) في المواضع كلها عن القصة
~~والحال، لأن الكناية في (إنها) لابد من أن يتعلق بما تعلقت به الكناية في
~~قوله (هي)، ولا شبهة في أن المراد بلفظ (هي) البقرة التي أمروا بذبحها فيجب
~~أن يكون كناية الجواب يعود إلى ما كني عنه بالهاء في السؤال، ولو جاز تعلق
~~(إنها) بالقصة والشأن جاز تعليق (ما هي) بذلك، وجاز أيضا أن تكون الكناية
~~في قوله:
# (إنه يقول) عن غير الله تعالى ويكون عن الحال (1) والقصة كما قالوا في "
~~أنه زيد منطلق " وكنوا عن الشأن والقصة.
# وكيف قوله (إنها) كذا وكذا كناية عن غير ما كني عنه بما هي، وبما لونها
~~أو ليس ذلك يوجب أن يكون جوابا عن غير ما سئل عنه (2)؟، لأنهم سئلوا عن
~~صفات البقرة التي تقدم ذكرها، وأمرهم بذبحها، فأجيبوا عن غير ذلك. وسواء
~~جعلوا الهاء (في إنها) عن الشأن ms245 والقصة، أو عن البقرة التي أمروا ثانيا
~~وثالثا بذبحها، فكيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدم أمره لهم بذبحه، فيترك
~~ذلك جانبا ويذكر صفة ما لم يتقدم الأمر بذبحه؟ وإنما أمروا أمر مستأنفا به.
# ولو كان الأمر على ما قالوه: من أنه تكليف بعد تكليف لكان، الواجب لما
~~قالوا له: (ما هي) وإنما عنوا البقرة التي أمروا ابتداء بذبحها، أن يقولوا
~~لهم أي بقرة شئتم؟
# وعلى أي صفة كانت؟ وما أمرتكم بذبح بقرة لها صفة معينة، والآن تغيرت
~~مصلحتكم فاذبحوا الآن بقرة من (3) صفتها كذا وكذا، فإذا قالوا: (ما لونها)؟
~~يقول: أي لون
# PageV02P459
# شئتم وما أردت لونا بعينه، والآن تغيرت المصلحة، والذي تؤمرون به الآن
~~بقرة صفراء، ولما قالوا في الثالث: (ما هي إن البقرة تشابه علينا)؟ أن يقول
~~لهم: المأمور به بقرة صفراء على صفة كانت وبعد ذلك، وقد تغيرت المصلحة،
~~فاذبحوا بقرة لا ذلول تثير الأرض، إلى آخر الصفات، فلما عدل عن ذلك إلى نعت
~~بعد آخر دل على أنه كلها نعوت للبقرة (1) الأولى.
# على أنه لو جاز صرف الهاء في قوله: (إنها) إلى الشأن والقصة، - وإن كان
~~المفسرين كلهم قد أجمعوا على خلاف ذلك - فإنهم كلهم قالوا: هي كناية عن
~~البقرة (المتقدم ذكرها) (2)، وقالت المعتزلة بالأسر (3) إنه كناية عن
~~البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بذبحها، ولم يقل أحد إنها للقصة والحال،
~~لكان ذلك يفسد من وجه آخر، وهو أنه إذا تقدم ما يجوز أن يكون هذه الكناية
~~راجعة إليه متعلقة به، ولم يجز للقصة والحال ذكر، فالأولى أن تكون متعلقة
~~بما ذكر، وتقدم الأخبار عنه دون ما لا ذكر لها في الكلام.
# وإنما استحسنوا (4) الكناية عن الحال والقصة في بعض المواضع، بحيث تدعو
~~الضرورة إليه، ولا يقع اشتباه، ولا يحصل التباس.
# وبعد، فإنما يجوز إضمار القصة والشأن بحيث يكون الكلام مع (5) تعلق
~~الكناية بما تعلقت به مفيدا مفهوما، لأن القائل إذا قال: " إنه زيد منطلق
~~"، و " إنها قائمة هند " فتعلقت الكناية بالحال والقصة، أفاد ما ورد ms246 من (6)
~~الكلام، وصار كأنه قال: " زيد
# PageV02P460
# منطلق " و " قايمة هند "، والآيات بخلاف هذا الموضع، لأنا متى جعلنا
~~الكناية في قوله:
# (إنها بقرة لا فارض) و (إنها بقرة صفراء)، و (إنها بقرة لا ذلول تثير
~~الأرض) متعلقة بالحال والقصة، بقي معنا في الكلام ما لا فائدة فيه ولا
~~يستقل بنفسه، لأنه لا فائدة في قوله: (بقرة صفراء) و (بقرة لا فارض ولا
~~بكر)، ولابد من ضم كلام إليه حتى يستقل ويفيد، فإن ضممنا إلى (بقرة لا
~~فارض) أو (بقرة صفراء)، (التي أمرتم بذبحها) أفاد لعمري، فتبطل صرف الكناية
~~إلى غير البقرة، ووجب أن تصرف الكناية إلى البقرة حتى لا يحتاج أن يحذف خبر
~~المبتدأ، والاكتفاء بما في الكلام أولى من تأويل يقتضي العدول إلى غيره،
~~وحذف شئ ليس موجودا في الكلام.
# ومما يدل على صحة ما اخترناه (1): أن جميع المفسرين للقرآن أطبقوا على أن
~~الصفات المذكورات كلها للبقرة (2)، أعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى
~~ابتياع بقرة لها هذه الصفات كلها بملء ء جلدها ذهبا، ولو كان الأمر على ما
~~قال (3) المخالفون لوجب أن لا يعتبروا (4) فيما يبتاعونه (5) إلا الصفات
~~الأخيرة دون ما تقدمها، ويلغى ذكر الصفراء، والتي ليست بفارض ولا بكر،
~~وأجمعوا على أن الصفات كلها معتبرة وعلم (6) أن البيان تأخر، وأن الصفات
~~كلها للأولى (7) المأمور بذبحها.
# فإن قيل: فلم عنفوا على تأخيرهم امتثال الأمر الأول؟، وعندكم أن بيان (8)
# PageV02P461
# المراد بالأمر الأول تأخر، فلم قال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ (1)؟.
# قلنا: ما عنفوا بتأخير امتثال الأمر الأول، وليس في القرآن ما يشهد بذلك
~~أو يدل عليه، بل كان البيان يأتي شيئا بعد شئ كلما طلبوه واستخرجوه، من غير
~~تعنيف ولا قول يدل على أنهم بذلك عصاة.
# فأما قوله في آخر القصة: (وما كادوا يفعلون) فإنما يدل على أنهم كادوا
~~يفرطون في آخر القصة وعند تكامل البيان، ولا يدل على أنهم فرطوا في أول
~~القصة، ويجوز أن يكون ذبحوا بعد تثاقل، ثم فعلوا ما أمروا به، وهذا كله ms247
~~واضح ".
# هذان دليلان ذكرهما سيدنا المرتضى (2) رحمه الله أوردتهما بألفاظه، لأنه
~~لا مزيد عليهما، وفيهما كفاية إن شاء الله.
# وقد استدل قوم على صحة هذا المذهب بأن قالوا: أليس في العقل ما يمنع من
~~صحة ذلك ولا في الشرع؟ فينبغي أن يكون ذلك جائزا، فمتى توزعوا في ذلك
~~وأشاروا إلى شئ فيما يدعونه أنه وجه قبح كلموهم بما مضى في تضاعيف الكلام
~~مما يمكن أن يكون جوابا عنه.
# واستدلوا أيضا: بما روى أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن مواقيت
~~الصلاة فأخر بيانها.
# واعترض المخالف على ذلك بأن قال: إنما أحاله على بيان متقدم.
# فمتى قيل لهم: لم ينقل ذلك.
# قالوا: يكفي أن يكون ذلك جائزا.
# وهذا الدليل لا يمكن الاعتماد عليه، لأن الخبر خبر واحد، وهذه مسألة
~~طريقها العلم، فكيف يمكن الاستدلال على صحتها بخبر واحد.؟
# PageV02P462
# واستدلوا أيضا: بما رووا من أن أهل اليمن سألوا معاذا عن وقص البقر فلم
~~يعرفه (1). وقال المخالف: إن ذلك مما قد بين، لأنه بقي على ما كان عليه من
~~قبل في إسقاط الزكاة عنه (2).
# وهذا أيضا نظير الأول في أنه خبر واحد لا يمكن الاعتماد عليه.
# ونظائر ذلك لا يمكن الاعتماد على شئ (3) منها، فالمعتمد في هذا الباب
~~الدليلان الأولان.
# فأما (4) الذي يدل على أن تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب فهو:
# إنا قد دللنا على أن العموم له صيغة تختص به (5) وله ظاهر، فمتى خاطب
~~الحكيم به ينبغي أن يحمل على ظاهره، لأنه لو أراد غير ظاهره، أو أراد بعضه
~~لبينه، وإلا كان قد دل على الشئ بخلاف ما هو به، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز
~~تصديق الكذاب وإظهار المعجز على يده، ولو جاز ذلك لجاز أن يخاطب بألفاظ
~~خاصة ولا
# PageV02P463
# يريد حقيقتها ولا ظاهرها، ويريد بها ضربا من المجاز ولا يبين، وذلك يؤدي
~~إلى أن لا نستفيد بالخطاب شيئا أصلا.
# فأما من قال: إن لفظ العموم مشترك، فهو يجوز تأخير بيان المراد به، لأنه
~~يكون مجملا ms248 عنده، وقد بينا نحن خلاف ذلك (1).
# وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
# PageV02P464
# فصل NoteV02P465N10 " في أن المخاطب بالعام هل يجوز أن يسمعه وإن لم يسمع
~~الخاص، أو لا يجوز؟ (1) " إعلم أنه يجوز أن يسمع المخاطب العام دون الخاص،
~~ويلزمه طلب الخاص والبحث عنه في الأصول، فإن وجده حمل العام عليه، وإلا
~~اعتقد ظاهره، وهو مذهب النظام، وأحد قولي أبي هاشم، وهو الذي يدل عليه قول
~~الشافعي وغيره من الفقهاء (2).
# PageV02P465
# وكان أبو على يقول (1): إن تخصيص الخطاب إذا لم يكن بدليل، ولا كان
~~المخاطب به قد عرفه، فإنه لا يجوز أن يسمع العام ولا يسمع الخاص، بل يصرفه
~~(2) عن سماع العام بضرب من الصرف، وإذا أسمعه، أسمع معه الخاص، وكان يعتل
~~لذلك بأن يقول: " إن خطابه إياه بالعام يبيح له اعتقاد ما لا يقتضيه ظاهره
~~وذلك جهل، ولا يجوز من الحكيم أن يبيح الجهل، فيجب أن لا يحسن دون أن لا
~~يسمعه الخاص، وكان يقول إن ذلك بمنزلة خطاب العربي بالزنجية، لأن المراد به
~~لا يصح أن يعلم في الحال ". وقد قال بهذا أبو هاشم أيضا، وكان يقول في
~~اسماع الناسخ دون المنسوخ مثل ما ذكرناه أيضا (3). والذي يدل على صحة
~~المذهب الأول: إنا قد اتفقنا على أنه يجوز أن يخاطب بالعام وإن كان مخصوصا
~~بدليل العقل، وإن لم يستدل المخاطب على خصوصه، بل يلزمه البحث عنه، وإنما
~~حسن ذلك لأنه متمكن من معرفة ذلك، فيجب أن يحسن أيضا أن يخاطب به، وإذا كان
~~له تخصيص في الأصول لم يسمع، لما كان متمكنا من معرفته بالنظر في الأصول.
# وما ذكرناه قد أسقط سائر ما قدمناه (4) لأنه إذا جاز عند من خالف أن
~~يخاطب بالعموم، وإن لم يستدل على خصوصه بالعقل، ولم يوجب ذلك إباحة الجهل،
~~والإجراء مجرى خطاب العربي بالزنجية، فكذلك لا يلزمنا وإن جوزنا ما قدمناه.
# PageV02P466
# فصل NoteV02P467N11 " في القول في دليل الخطاب، واختلاف الناس فيه "
~~اختلف أهل العالم في أن الحكم إذا علق بصفة الشئ ms249 هل يدل على أن حاله مع
~~انتفاء ذلك الوصف بخلاف حاله مع وجوده، أم لا يدل، بل يحتاج إلى بيان ودليل
~~سواه؟
# فذهب الشافعي وأكثر أصحابه إلى أن الحكم إذا علق في الموصوف بصفة دل على
~~انتفاء ذلك الحكم إذا زالت تلك الصفة (1)، قاله في مسائل كثيرة (2).
# وتجاوز بعضهم إلى أن قال: إن الحكم إذا علق بعين دل على أن غيره
# PageV02P467
# بخلافه (1).
# ومنهم من قال: إنه لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وهو الذي نصره أبو عبد
~~الله البصري (2)، وحكاه عن أبي الحسن، وهو قول أبي العباس ابن سريج (3)،
~~ومن تبعه من أصحاب الشافعي، كأبي بكر الفارسي (4) وأبي بكر القفال (5)
~~وغيرهما (6).
# وذكر أبو العباس: أن الحكم إذا علق بصفة إنما يدل على ما يتناوله لفظه
~~إذا تجرد، وقد تحصل فيه قرائن أو أسباب يدل معها على أن ما عداه بخلافه،
~~نحو قوله
# PageV02P468
# تعالى: ﴿إن جائكم فاسق بنبأ
~~فتبينوا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿واشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى
~~يضعن حملهن﴾ (٤)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:
# " في سائمة الغنم زكاة " (٥).
# قال: وقد يقتضي ذلك أن حكم ما عداه مثل حكمه، نحو قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ (٦)،
~~وقوله: تعالى ﴿ولا تقل لهما أف﴾
~~(٧) وقوله تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن
~~أنفسكم﴾ (8)، وهذا تصريح منه بأن القول إذا تجرد لم يقتض نفيا ولا
~~إثباتا فيما عدا المذكور، وأن بالقرائن يعلم تارة النفي، ويعلم تارة
~~الإيجاب (9).
# وقد أضاف ابن شريج (10) هذا القول إلى الشافعي وتأول كلامه المقتضي
~~بخلافه وبناه عليه، وأكثر أصحاب الشافعي وجلهم وجمهورهم على المذهب الأول
~~(11).
# وهذا المذهب - أعني الأخير - هو الذي اختاره سيدنا المرتضى (12)، رحمه
~~الله،
# PageV02P469
# وإليه ذهب أبو علي، وأبو هاشم، وأكثر المتكلمين (1)، وكان شيخنا (2) رحمه
~~الله يذهب إلى المذهب الأول.
# وأقوى ما نصر ms250 به مذهب من منع من ذلك، ما ذكره سيدنا المرتضى رحمه الله في
~~مسألة له أنا أحكيها على ما وجهها، قال (3):
# " قد ثبت أن تعليق الحكم بالاسم اللقب لا يدل على أن ما عداه بخلافه، وقد
~~ثبت أن الصفة كالاسم في الإبانة والتميز، وإذا ثبت هذان الأمران صح ما نذهب
~~إليه.
# والذي يدل على الأمر الأول. أن تعليق الحكم بالاسم لو دل على أن ما عداه
~~بخلافه، لوجب أن يكون قول القائل: " زيد قائم " و " عمرو طويل "، و " السكر
~~حلو " مجازا معدولا به عن الحقيقة، لأنه قد يشارك زيدا وعمروا في القيام
~~والطول غيرهما، ويشارك السكر في الحلاوة غيره، ويجب أيضا أن لا يمكن أن
~~يتكلم بهذه الألفاظ على سبيل الحقيقة، ومعلوم ضرورة (4) من مذهب أهل اللغة
~~أن (5) هذه الألفاظ حقيقة وأنها مما لا يجب أن يكون مجازا، ويلزم على هذا
~~المذهب أن يكون أكثر الكلام مجازا، لأن الإنسان إذا أضاف إلى نفسه فعلا من
~~قيام، أو قعود، أو أكل، أو تصرف (6)، وما جرى مجراه ليس يضيف إليها إلا ما
~~له فيه مشارك، والإضافة إليه تقتضي بظاهرها - على مذهب من قال بدليل الخطاب
~~- نفى ذلك الأمر عمن عداه فلا تكون هذه الأوصاف (7) في موضع من المواضع إلا
~~مجازا، وهذا يقتضي أن الكلام
# PageV02P470
# كله مجاز.
# ويدل أيضا على ذلك: أن من المعلوم أنه لا يحسن أن يخبر بأنه " زيدا طويلا
~~" إلا وهو عالم بطوله، (لأن كلامه يقتضي تعليق الطول عليه، فلابد من أن
~~يكون عالما به، وإلا لم يؤمن أن يكون كاذبا) (١)، فلو كان قوله: " زيد طويل
~~" كما يقتضي الإخبار عن طول زيد، يقتضي نفي الطول عن كل من عداه، لوجب أن
~~لا يحسن منه أن يخبر بأن زيدا طويل (على الحقيقة) (١) إلا بعد أن يكون
~~عالما بأن غيره لا يشاركه في الطول، ويجب أن يكون علمه بحال الغير شرطا في
~~حسن الخبر، كما أن علمه بحال المذكور شرط في حسن الخبر، ومعلوم خلاف ذلك
~~عند كل عاقل.
# وأيضا: فإن ألفاظ ms251 النفي مفارقة لألفاظ الإثبات في لغة العرب، ولا يجوز أن
~~يفهم من لفظ الإثبات النفي، كما لا يفهم من لفظ النفي الإثبات، وقولنا: "
~~زيد طويل " لفظة إثبات، وكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير المذكور وليس هاهنا
~~لفظ نفي؟
# ويمكن أن يستدل بهذه الطريقة خاصة على أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على
~~نفيه عما ليست له، من غير حمل الصفة على الاسم.
# ومما (٢) يقوي أيضا ما ذكرناه: أن أحدا من العلماء لم يقل في ذكر الأجناس
~~الستة في خبر الربا أن تعليق الحكم بها يدل على نفي الربا عن غيرها، لأن
~~العلماء بين رجلين: أحدهما يقول يبقى غير هذه الأجناس على الإباحة، والآخر
~~يقيس غيرها عليها.
# فإن تعلق من سوى بين الاسم والصفة، بأن جماعة من أهل العلم استدلوا على
~~أن غير الماء لا يطهر (٣) بقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ (4) فنفوا الحكم عن
~~غير الماء، وهو معلق بالاسم لا بالصفة.
# PageV02P471
# والجواب: أن من فعل ذلك فقد أخطأ في اللغة، وقد حكينا أن في الناس من سوى
~~- مخطئا - بين الاسم والصفة في تعليق الحكم بكل واحد منهما.
# ويمكن من استدل بهذه الآية أن يكون إنما عول على أن الاسم فيها يجري مجرى
~~الصفة، لأن مطلق الماء يخالف مضافه، فأجراه مجرى كون الغنم سائمة ومعلوفة
~~(1).
# وأما الدلالة على أن الصفة كالاسم في الحكم الذي ذكرناه: فهي أن الغرض في
~~وضع الأسماء في أصل اللغة هو التمييز والتعريف، وليمكنهم أن يخبروا عمن غاب
~~عنهم بالعبارة، كما أخبروا عن الحاضر بالإشارة، فوضعوا الأسماء لهذا الغرض،
~~ولما وقع الاشتراك بالإتفاق في الأسماء، بطل الغرض الذي هو التمييز
~~والتعريف، فاحتاجوا إلى إدخال الصفة (2) وإلحاقها بالاسم (3) ليكون الاسم
~~مع الصفة بمنزلة الاسم ولم يقع اشتراك فيه، ولولا الاشتراك الواقع في
~~الأسماء لما احتيج إلى الصفات، ألا ترى أنه لو لم يكن مسمى بزيد (4) إلا
~~شخصا واحدا، لكفى في الإخبار عنه أن يقال: " قام زيد "، ولم يحتج إلى إدخال
~~الصفة، ms252 فبان بهذه الجملة أن الصفة كالاسم في الغرض وأن الصفات كبعض
~~الأسماء، إذا ثبت ما ذكرناه في الاسم ثبت فيما يجري مجراه ويقوم مقامه.
# ومما يبين أن الاسم كالصفة أن المخبر قد يحتاج إلى أن يخبر عن شخص بعينه،
~~فيذكره بلقبه، وقد يجوز أن يحتاج أن يخبر عنه في حال دون أخرى، فيذكره
~~بصفته، فصارت الصفة مميزه للأحوال، كما أن الأسماء مميزة للأعيان فحلا محلا
~~واحدا في الحكم الذي ذكرناه.
# ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب: أن اللفظ إنما يدل على ما
~~يتناوله،
# PageV02P472
# أو على ما يكون بأن يتناوله أولى، فأما أن يدل على ما لم يتناوله ولا هو
~~بالتناول أولى فمحال، وإذا كان الحكم المعلق بصفة لم يتناول غير المذكور،
~~ولا هو بأن يتناوله أولى لم يدل إلا على ما اقتضاه لفظه.
# (فإن قيل: اشرحوا هذه الجملة) (١).
# قلنا: قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (٢) معلوم حسا
~~وإدراكا أنه لم يتناول المعلوفة، ولا يمكن الخلاف فيما لا يدخل تحت الجنس
~~(٣)، ولا هو بتناولها أولى، بدلالة أنه لو قال: " في سائمة الغنم الزكاة
~~وفي معلوفتها " لما كان مناقضا (٤)، ومن شأن اللفظ إذا دل على ما [لم] (٥)
~~يتناوله بلفظه لكنه بأن يتناوله أولى، أن يمنع من التصريح بخلافه، ألا ترى
~~أن قوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾
~~(6) لما تناول النهي عن التأفف بلفظ، وكان بأن يتناول ساير المكروه أولى لم
~~يجز أن يتبعه ويلحقه بأن يقول: " لا تقل لهما أف واضربهما واشتمهما " لأنه
~~نقض، فبان أن قوله عليه السلام:
# " في سائمة الغنم الزكاة " (2) ليس يتناول المعلوفة أولى.
# والذي يدل على أن اللفظ لا يدل على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول
~~أولى، أنه لو دل على ذلك لم ينحصر مدلوله، لأن ما لا يتناوله اللفظ لا
~~يتناهى، وليس [بعضه] (7) بأن يدل عليه اللفظ مع عدم التناول بأولى من بعض.
# ومما يدل أيضا على ما ذكرناه: حسن استفهام القائل: " ضربت طوال غلماني،
# PageV02P473
# ولقيت أشراف (1) جيراني "، فيقال ms253 له: " أضربت القصار من غلمانك أم لم
~~تضربهم؟، ولقيت العامة من جيرانك أم لم تلقهم؟ "، فلو كان تعليق الحكم
~~بالصفة يقتضي وصف الحكم عما ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لما له تلك
~~الصفة، لكان هذا الاستفهام قبيحا، كما يقبح أن يستفهمه عن حكم ما تعلق لفظه
~~(2) به، فلو كان الأمران مفهومين من اللفظ لاشتركا في حسن الاستفهام وقبحه.
# فإن قيل: إنما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب، فأما من
~~تكلم بما ذكرتموه من الذاهبين إلى دليل الخطاب، فإنه (3) لا يستفهم عن
~~مراده إلا على وجه واحد، وهو أن يكون أراد على سبيل المجاز والاستعارة خلاف
~~ما يقتضيه دليل الخطاب، فيحسن استفهامه لذلك.
# قلنا: حسن استفهام كل قائل أطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة، علمنا (4)
~~مذهبه في دليل الخطاب أم لم نعلمه.
# فأما تجويزنا أن يكون المخاطب عدل الحقيقة إلى المجاز في الكلام الذي
~~حكيناه، وأن هذا هو علة حسن الاستفهام، فباطل، لأنه يقتضي حسن دخول
~~الاستفهام في كل كلام، لأنه لا كلام نسمعه ونحن نجوز من طريق التقدير (5)
~~أن يكون المخاطب به أراد المجاز ولم يرد الحقيقة، وفي علمنا بقبح الاستفهام
~~في كثير من المواضع دلالة على فساد هذه العلة، على أن المخاطب لنا إذا كان
~~حكيما وأراد المجاز بخطابه، قرن كلامه بما يدل على أنه متجوز به ولم يحسن
~~منه إطلاقه (6).
# PageV02P474
# وحكى (١) في هذه المسألة ما استدل به من خالفه، فقال:
# واستدل المخالف بأشياء (٢): منها: إن تعليق الحكم بالسوم (٣) لو لم يدل
~~على انتفائه إذا انتفت الصفة، لم يكن لتعليقه بالسوم معنى، وكان عبثا.
# ومنها: إن تعليق الحكم بالسوم (٤) يجري مجرى الاستثناء من الغنم، ويقوم
~~مقام قوله: (ليس في الغنم إلا السائمة الزكاة)، فكما أنه لو قال ذلك لوجب
~~أن تكون الجملة المستثنى منها بخلاف حكم الاستثناء، فكذلك تعليق الحكم
~~بالصفة.
# ومنها: إن تعليق الحكم بالشرط إذا دل على انتفائه بانتفاء الشرط، فكذلك
~~الصفة، والجامع بينهما أن كل واحد منهما كالآخر في التمييز والتخصيص، لأنه ms254
~~لا فرق بين أن يقول: (في سائمة الغنم الزكاة)، وبين أن يقول فيها: (إذا
~~كانت سائمة الزكاة).
# ومنها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول قوله تعالى:
# ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن
~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ (4)، أنه صلى الله عليه وآله
~~وسلم قال: " لأزيدن عن السبعين " (5)، فلو لم يعلم من جهة دليل الخطاب أن
~~ما فوق السبعين بخلافها لم يقل ذلك.
# ومنها: تعلقهم بما روي عن عمر بن الخطاب أن يعلى بن أمية (6) سأله فقال:
~~ما بالنا نقصر وقد أمنا؟
# فقال له عمر: عجبت مما عجبت منه، فسئلت رسول الله صلى الله عليه وآله
# PageV02P475
# وسلم عن ذلك (١) فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
# وتعجبهما من ذلك يدل على أنهما فهما من تعلق القصر بالخوف أن حال الأمن
~~بخلافه.
# ومنها: ما روي عن الصحابة كلهم أنهم قالوا: " الماء من الماء منسوخ " (٢)
~~ولا يكون ذلك منسوخا إلا من جهة دليل الخطاب، وأن لفظة الخبر يقتضي نفي
~~وجوب الاغتسال من غير إنزال الماء.
# ومنها: أن الأمة إنما رجعت في أن التيمم لا يجب إلا عند عدم الماء إلى
~~ظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء
~~فتيمموا﴾ (3)، وكذلك الصيام في الكفارة وأنه لا يجزي إلا عند عدم
~~الرقبة، إنما رجع فيه إلى الظاهر.
# قال (4) والجواب عن الأول: أن في تعليق الحكم بالسوم فائدة، لأنا [به]
~~(5) نعلم وجوب الزكاة في السائمة، وما كنا نعلم ذلك قبله، ويجوز أن يكون
~~حكم المعلوفة في الزكاة حكم السائمة، وإن علمنا بدليل آخر، وليس يمتنع في
~~الحكمين المتماثلين أن يعلمنا بدليلين مختلفين بحسب المصلحة، ألا ترى أن
~~حكم ما يقع النص عليه من الأجناس في الربا حكم المنصوص عليه، ومع ذلك دلنا
~~على ثبوت الربا في الأجناس المذكورة بالنص، ووكلنا في إثباته في غيرها إلى
~~القياس أو غير ذلك من الأدلة (6).
# والجواب عن الثاني: أن الاستثناء من العموم ms255 لم يدل بلفظه ونفسه على أن ما
# PageV02P476
# لم يتناوله بخلاف حكمه، وإنما دل العموم غلى دخول الكل فيه، فلما أخرج
~~الاستثناء بعض ما يتناوله العموم علمنا حكم المستثنى بلفظ الاستثناء
~~وتناوله لما يتناوله، وعلمنا أن حكم ما لم يتناوله بخلافه بلفظ العموم،
~~مثال ذلك: أن القائل إذا قال: " ضربت القوم إلا زيدا " فإنما يعلم
~~بالاستثناء أن زيدا ليس بمضروب، ويعلم أن عداه من القوم مضروب بظاهر
~~العموم، لا من أجل دليل الخطاب في الاستثناء، وليس هذا موجودا في قوله عليه
~~السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (١)، لأنه عليه السلام ما استثنى من
~~جملة مذكورة، ولو كان لسائمة الغنم اسم يختص بها من غير إضافة إلى الغنم
~~تعلق (٢) الزكاة به، وليس كل شئ معناه معنى الاستثناء له حكم الاستثناء،
~~لأن للاستثناء ألفاظا موضوعة له، فلما (٣) لم يدخل فيه لم يكن مستثنى منه،
~~ولا يكون واردا (٤) إلا على جملة مستقلة بنفسها، وكل هذا إذا أوجبت مراعاته
~~لم يجز أن يجرى قوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " (٢) مجرى
~~الجمل المستثنى منها.
# والجواب عن (٥) الثالث: أن الشرط عندنا كالصفة في أنه لا يدل على أن ما
~~عداه بخلافه، وبمجرد الشرط لا يعلم ذلك، وإنما نعلمه في بعض المواضع بدليل
~~(٦)، لأن تأثير الشرط أن يتعلق الحكم به، وليس يمتنع أن يخالفه وينوب عنه
~~شرط آخر يجري مجراه، ولا يخرج من أن يكون شرطا، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (7)
~~إنما يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينظم إليه الآخر، فانضمام
# PageV02P477
# الثاني إلى الأول شرط في القبول، ثم يعلم أن ضم امرأتين إلى الشاهد الأول
~~يقوم مقامه (١)، ثم يعلم بدليل أن ضم اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام
~~الثاني، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن يحصى.
# والصحيح أن الحكم إذا علق بغاية أو عدد فإنه لا يدل بنفسه على أن ما عداه
~~بخلافه، لأنا إنما نعلم أن ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز، ms256 لأن
~~ما زاد على ذلك محظور بالعقل، فإذا وردت العبادة بعدد مخصوص خرجنا عن الحظر
~~بدلالة وبقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الأصل، وهو الحظر. وكذلك إذا
~~قال الرجل لغلامه: " أعط زيدا مائة درهم " فإنه يعلم (٢) حظر الزائد على
~~المذكور بالأصل.
# ولو قال: " أعطيت فلانا مائة (٣) " لم يدل لفظا ولا عقلا على أنه لم يعط
~~أكثر من ذلك.
# فأما تعليق الحكم بغاية، فإنما يدل على ثبوته إلى تلك الغاية، وما بعدها
~~يعلم انتفائه أو إثباته بدليل، وإنما علمنا في قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط
~~الأسود من الفجر﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ (6) أن ما بعد الغاية
~~بخلافها بدليل، وما يعلم بدليل غير ما يدل اللفظ عليه، كما يعلم أن ما عدا
~~السائمة بخلافها في الزكاة بدليل.
# ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه إلا الدعوى، وهو
~~كالمناقض لفرقه بين أمرين لا فرق بينهما.
# PageV02P478
# فإذا قال: فأي معنى لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ (1) إذا كان ما بعد
~~الليل يجوز أن يكون فيه صوم (2)؟
# وأي (3) معنى لقوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة "، والمعلوفة
~~مثلها؟
# فإذا قيل (4): لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكاة في
~~السائمة بهذا النص، ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل آخر.
# قلنا: كذلك لا يمتنع فيما علق بغاية حرفا بحرف.
# والصحيح أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه على كل حال،
~~بخلاف قول من يقول إنه يدل على ذلك إذا كان بيانا، وإنما قلنا ذلك لأن ما
~~وضع له القول لا يختلف أن يكون مبتدءا، أو بيانا، وإذا لم يدل تعليق الحكم
~~بصفة (5) على نفي ما عداه، فإنما لم يدل على ذلك لشئ يرجع إلى اللفظ، فهو
~~في كل موضع كذلك.
# والجواب عن ms257 الرابع: أن ما طريقه العلم لا يرجع فيه إلى أخبار الآحاد، لا
~~سيما إذا كانت ضعيفة، وهذا الخبر يتضمن أنه عليه السلام استغفر للكفار،
~~وذلك لا يجوز، وأكثر ما فيه أنه عليه السلام عقل (6) أن ما فوق السبعين
~~بخلاف السبعين، فمن أين أنه فهم ذلك من ظاهر الآية من غير دليل (7) يدله؟
# ولقائل أن يقول: إن الاستغفار لهم كان مباحا (8)، فلما ورد النص بحظر
# PageV02P479
# السبعين، بقي ما زاد عليه على الأصل وقد روي في هذا الخبر أنه صلى الله
~~عليه وآله وسلم قال: " لو علمت أنى إن زدت على السبعين يغفر الله لهم لفعلت
~~" (1) وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر (2).
# والجواب عن الخامس: فهو (3) أيضا خبر واحد لا يحتج به في هذا الموضع، ومع
~~ذلك لا يدل على موضع الخلاف، لأنا لا نعلم أن تعجبهما من القصر مع زوال
~~الخوف هو لأجل تعليق القصر بالخوف، ويجوز أن يكون تعجبهما لأنهما عقلا من
~~الآيات الواردات في إيجاب الصلاة وجوب الإتمام في كل حال، واعتقدوا أن
~~المستثنى من ذلك هو حال الخوف، فتعجبا لهذا الوجه.
# والجواب عن السادس: أنه إذا صح قولهم: " إن الماء من الماء منسوخ " (4)،
~~من أين لهم أنهم عقلوا من ظاهره نفي وجوب الغسل من غير الماء؟، ولعلهم
~~علموه بدليل سوى اللفظ، لأنهم إذا حكموا بإنه منسوخ فلابد من أن يكونوا قد
~~فهموا أن ما عداه بخلافه، فمن أين لهم أنهم فهموا ذلك اللفظ دون دليل آخر؟
# وقد روى هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه عليه السلام قال: " إنما الماء من
~~الماء " (5) وبدخول لفظ " إنما " يعلم أن ما عداه بخلافه، لأن القائل إذا
~~قال: " إنما لك عندي درهم " يفهم من قوله ": (وليس لك سواه) وعلى الوجه
~~تعلق ابن عباس
# PageV02P480
# في نفي الربا عن غير النسية بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما الربا
~~في النسية " (1) وقد روى أيضا هذا الخبر بلفظ آخر، وهو أنه عليه السلام
~~قال: " لا ماء إلا من الماء " وعلى هذا اللفظ لا شبهة في ms258 الخبر، على أن
~~الصحابة لم تبين جهة قولها في هذا الخبر أنه منسوخ، وهذا النسخ يتناوله، أو
~~دليله أو ما علم منه بقرينة؟ وقد علمنا أن المذكور من الحكم في اللفظ وهو
~~وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء ليس بمنسوخ، فمن أين النسخ تناول دليل
~~هذا اللفظ دون ما علم منه بقرينة؟ (2) والجواب عن السابع: أن آية التيمم
~~وآية الكفارات بين فيها حكم الأصل وحكم البدل، لأنه تعالى أوجب الطهارة عن
~~وجوب الماء، وأوجب التيمم عند عدمه، وكذلك في الكفارة، لأنه أوجب الرقبة في
~~الأصل وعند عدمها أوجب الصيام، فعلمنا حكم البدل والمبدل جميعا (3)، وليس
~~لدليل الخطاب في هذا مدخل.
# هذه المسألة أوردناها على وجهها لأنها مستوفاة، وفيها بيان نصرة كل واحد
~~من المذهبين، وما يمكن الاعتماد عليه لكل فريق.
# وفي هذه المسألة نظر.
# PageV02P481
# الباب السابع الكلام في الناسخ والمنسوخ PageV02P483
# فصل NoteV02P485N01 " في ذكر حقيقة النسخ، وبيان شرائطه، والفصل بينه
~~وبين البداء " النسخ في اللغة يستعمل على وجهين:
# أحدهما: بمعنى الإزالة، كما يقال: " نسخت الشمس الظل " و " نسخت الريح
~~آثارهم ".
# والآخر: بمعنى النقل، كما يقال: " نسخت الكتاب ".
# وذهب أبو هاشم (1) إلى أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، قال: لأن من
~~نسخ الكتاب لم ينقل ما فيه، وإنما أثبت مثله، فلما كان كذلك فيجب أن يكون
~~مجازا.
# والأولى أن يقال إنه حقيقة فيهما، لأنا وجدنا أهل اللغة يستعملون ذلك،
~~لأنهم يعتقدون أن ذلك نقل على الحقيقة وإن كان اعتقادهم فاسدا، ويجري ذلك
# PageV02P485
# مجرى تسميتهم الأصنام بأنها آلهة، لما اعتقدوا أنه يستحق العبادة،
~~فتسميتهم لها آلهة كان صحيحا وإن كان اعتقادهم فيها أنها تستحق العبادة
~~فاسدا، فلو لزم هذا للزم أبا هاشم أن لا يكون أيضا حقيقة في الإزالة لأن
~~الريح في الحقيقة لا تزيل شيئا وإنما الله تعالى يزيل بها، وكذلك القول في
~~الشمس.
# فان اعتذر من ذلك بأن قال: لما اعتقدوا أن الريح هي التي تزيل في الحقيقة
~~أضافوه إليها.
# قيل له مثل ذلك في النقل سواء.
# فأما استعمال ms259 هذه اللفظة في الشريعة، فعلى خلاف موضوع اللغة وإن كان
~~بينهما تشبيه، ووجه التشبيه: أن النص إذا دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص
~~المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتا صار بمنزل المزيل لذلك الحكم، لأنه
~~لولاه لكان ثابتا، فأجرى استعمال لفظ النسخ فيه مجرى الريح المزيلة للآثار.
~~هذا قول أبي هاشم.
# وقال أبو عبد الله البصري: إن هذه التسمية مستعملة على غير طريقة (1)
~~اللغة في الشريعة، فهي لفظة شرعية منقولة عما وضعت له، لأن استعمالها في
~~ذلك غير معقول في اللغة، فهي كسائر الأسماء الشرعية.
# فأما حد الدليل الموصوف بأنه ناسخ فهو: " ما دل على أن مثل الحكم الثابت
~~بالمنسوخ، الذي هو النص المتقدم، غير ثابت في المستقبل، على وجه لولاه لكان
~~ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه ".
# والموصوف بأنه منسوخ هو النص الأول.
# وقد تستعمل هذه اللفظة في أشياء، فيقال في الله تعالى أنه ينسخ الحكم،
~~فهو ناسخ إذا نصب الدلالة على ذلك.
# ويقال إن النص الثاني ناسخ للأول، إذا دل من حاله على ما ذكرناه.
# PageV02P486
# وقد يقال: إن الحكم الثاني ينسخ الحكم الأول، وهو ناسخ له، من حيث علم
~~سقوط الأول به، كقولهم: " نسخ التوجه إلى الكعبة الاستقبال إلى بيت المقدس
~~". ومثل ما روى أن الزكاة نسخت كل واجب في المال، ونسخ شهر رمضان صوم
~~عاشور.
# وقد يتسع أيضا فيقال: " إن فلانا ينسخ كذا كذا "، إذا اعتقد ذلك وذهب
~~إليه، كما يقال الشافعي لا ينسخ القرآن بالسنة (1)، والحنفي ينسخ ذلك (2).
# وأما لفظ المنسوخ: فإنه يستعمل في الدليل والحكم دون ما عداهما، والأغلب
~~في استعمال هذه اللفظة " الدلالة " و " الحكم " دون ما عداهما، وإن كان لا
~~يستعمل في الحكم إلا إذا كان ثبوته يقتضي نفي الحكم الأول، أو علم بالدليل
~~ذلك من حاله.
# فهذه الوجوه هي جملة ما يستعمل هذه العبارة فيها، وحقيقتها ما ذكرناه.
# فأما شرائط النسخ فأشياء: منها: أن الدليل الموصوف بأنه " ناسخ " وبأنه "
~~منسوخ " جميعا يكونان شرعيين.
# وإنما قلنا ذلك: لأنه إذا كانت الإباحة ms260 معلومة بالعقل، ثم ورد الشرع
~~بحظره لا يسمى ذلك نسخا، ألا ترى أنه لا يقال: " حظر الخمر نسخ إباحته "
~~لما كانت إباحته معلومة عقلا، فكذلك لا يقال: " إن الجنون، والموت والعجز
~~نسخ واحد منها ما كان واجبا عليه " لما كان زوال ذلك عن المكلف معلوم عقلا.
# وهذا الذي ذكرناه إنما يمنع من إطلاق عبارة النسخ عليه، فأما معنى النسخ
# PageV02P487
# فحاصل فيه على كل حال، ألا ترى أنه لا فرق في سقوط التكليف بين زوال
~~العقل أو حصول الموت والعجز، وبين ورود النهي عنه، في أن في الحالين جميعا
~~يسقط التكليف؟ وإنما يمنع ذلك من إجراء العبارة عليه على ما قلناه.
# ومن شرط الناسخ: أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ، لأنه لو كان
~~مرادا به لدل على البداء، ولاقتضى ذلك كون الأمر أو النهي قبيحا، فعلى هذا
~~يجب أن يكون الناسخ دالا على أن ما تناوله لم يرد قط بالمنسوخ.
# وبذلك يبطل قول من حد النسخ بأنه: " زوال الحكم بعد استقراره "، لأن
~~الحكم إذا استقر وثبت أنه مراد، لم يصح أن يرفع، لما يؤدي إليه من الفساد
~~الذي قلناه.
# وبمثل ما قلناه يبطل قول من حد ذلك بأنه: " رفع المأمور به بالنهي عنه "
~~لأنه لو كان كذلك لوجب كونه مرادا بالأمر، ومكروها بالنهي، وذلك يؤدي إلى
~~ما قدمناه من الفساد.
# ومن شرط الناسخ أيضا: أن يكون منفصلا عن المنسوخ، لأنه إذا كان متصلا به
~~لم يوصف بأنه ناسخ، ألا ترى أنه لا يقال: إن قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا
~~تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله﴾ (1) نسخ للحظر المتقدم، لما كان متصلا
~~به.
# ومن شرط المنسوخ: أن لا يكون موقتا بوقت يقتضي ارتفاع ذلك الحكم، لأن ما
~~يكون كذلك لا يوصف بأنه ناسخ، ولذلك لا يقال الإفطار بالليل ناسخ الصوم
~~بالنهار، ولكن الواجب أن ينظر في الغاية، فإن كانت غاية معلومة كالليل، لم
~~يوصف الحكم المتعلق بها بأنه ناسخ، وإن ms261 كانت مما لا يعلم إلا بنص بأن يرد
~~فتبين حاله، ولولاه لوجب إدامة حكم النص الأول، فإنه يوصف بأنه ناسخ، لأنه
~~جار مجرى قوله تعالى: (إفعلوا كذا وكذا أبدا إلى أن أنسخه عنكم)، وقد علم
~~أن ما يرد من الدلالة بعد ذلك يوصف بأنه ناسخ، وإن كان قد قيد به الكلام
~~الأول، وكذلك ما جرى مجراه من
# PageV02P488
# الغايات، ولذلك لم يصح ما قاله بعض أصحاب الشافعي من أن قوله تعالى:
# ﴿فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت
~~أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ (1) لا يجوز أن يكون منسوخا بقوله: " وقد جعل
~~الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة " (2) الحديث، لأن الآية وإن كانت
~~مشروطة بالسبيل، فهي غاية غير معلومة إلا بدليل لولاه لكان الحكم ثابتا
~~فيه.
# ويفارق ذلك تعليق الحكم بغاية يجب انقطاعه عندها، كتعليقه بالموت لأن ذلك
~~إنما يزول بحصول ذلك لا بدليل آخر شرعي وهذا ظاهر.
# ومن حد الناسخ أن يكون في حكم المنسوخ في وقوع العلم به، أو العمل، على
~~ما سنذكره من أن خبر الواحد لا ينسخ به الكتاب.
# ومن شرطه أيضا: أن لا يكون قياسا، ولا ما يجري مجراه من الأدلة المستنبطة
~~عند المخالف، ونحن ندل على ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
# وليس من شرط الناسخ، أن يكون لفظ المنسوخ متناولا له، لأنه لا يمتنع أن
~~تدل الدلالة على أن المراد بالأمر المطلق تكرار الفعل، فيكون سبيله سبيل
~~الأمر المقيد بما يقتضي التكرار في أن النسخ يصح فيه، وعلى هذا النسخ في
~~الشريعة، لأنه ليس شئ من ألفاظ المنسوخ ظاهره يقتضي التكرار، وإنما علم ذلك
~~من حاله بدليل، وهذا بين لأنه كما لا يمتنع نسخ الفعل وما شاكله من
~~الشرعيات، وإن لم يكن ذلك كلاما، لا يمتنع أن يعلم بدليل أن المراد بالأمر
~~التكرار، فيعترضه النسخ.
# ويفارق التخصيص الذي قد بينا إنه لا يصح دخوله إلا فيما يتناوله اللفظ
~~العام من هذا الوجه.
# وليس من شرط الناسخ أن لا يتأخر ms262 عن المنسوخ، كما قلنا في تخصيص العام،
# PageV02P489
# وبيان المجمل عن وقت الحاجة، بل هو بالعكس من ذلك في وجوب تأخره عن
~~المنسوخ على ما بيناه.
# وليس من شرطه أن يكون متناولا لجملة، بل لا لم يمتنع أن يكون متناولا لما
~~يصح نسخ الدليل الشرعي فيه، وإن كان متناولا لحكم في عين واحدة، ويفارق
~~التخصيص في ذلك.
# وفي الناس من شرط في ذلك (1) أن لا يكون لفظه مقيدا مقتضيا للتأبيد،
~~فقال:
# لو قال الله تعالى: " افعلوا الصلاة أبدا " لما ساغ نسخه، وإنما يجوز إذا
~~أطلق ذلك (2).
# وهذا بعيد، لأن لفظ التأبيد عندنا في الأمر لا يقتضي الدوام على ما تعورف
~~استعماله، لأن قول القائل لغيره: " لازم غريمك أبدا "، أو لابنه: " تعلم
~~العلم أبدا " لا يقتضي عندهم الدوام. ويفارق ذلك حال الخبر الذي يتناول ما
~~يصح الإدامة فيه، على أن الصحيح في الخبر أيضا أنه لا يفيد الإدامة، ولأجل
~~ذلك يمنع أصحاب الوعيد (3) من التعلق بآيات الوعيد المتضمنة للفظ التأبيد،
~~وإذا لم يقتض ذلك، فكيف
# PageV02P490
# المنع من نسخه في ذلك؟ ولو إنه تناول ما قال لم يمنع ذلك من نسخه، لأنه
~~كان يدل على أنه لم يرد باللفظ ما وضع له، فيجري النسخ في ذلك مجرى
~~التخصيص.
# ومن شرط النسخ: ألا يقع إلا في الأحكام الشرعية دون أجناس الأفعال
~~وضروبها، لأنه إنما ينسخ عن الفعل الذي وجب، بأن يبين أن أمثاله ليست
~~بواجبة، والفعل المحظور يبين أن أمثاله غير محظورة.
# وليس من شرطه أن يكون للحكم المنسوخ بدل في الأحكام الشرعية، على ما زعم
~~بعضهم (١) وذلك أن ما دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول ساقط في
~~المستقبل يكون ناسخا له وإن سقط لا إلى حكم آخر، بل عاد حاله إلى ما كانت
~~عليه في العقل، وعلى هذا الوجه نسخ الله تعالى الصدقة بين يدي مناجاة
~~الرسول عليه السلام بقوله: ﴿أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات﴾ (2)
~~فأسقط لا إلى بدل، فكذلك أسقط ما زاد على ms263 الاعتداد على أربعة أشهر وعشرا عن
~~المتوفى عنها زوجها (3) لا إلى بدل.
# ولأن زوال الحكم إلى بدل لم يكن نسخا لأجل البدل، وإنما كان منسوخا
~~لزواله، فلا فصل بين زواله إلى بدل وإلى غير بدل، وكذلك وصف صوم عاشوراء
~~بأنه منسوخ، وإن كان صوم رمضان لا يجوز أن يكون بدلا منه، لجواز وجوبه مع
~~وجوبه وارتفاع التنافي بينهما.
# فأما نسخ الحكم ببدل فقد يقع على وجوه:
# منها: أن يسقط وجوبه إلى الندب، نحو نسخه ثبات الواحد للعشرة (4)، إلى
# PageV02P491
# ثباته للاثنين، لأن ثباته للعشرة مندوب إليه، وكذلك نسخ وجوب قيام الليل
~~فجعله ندبا.
# وقد يسقط وجوبه إلى وجوب غيره، وذلك على ضربين: أحدهما: أن يسقط الواجب
~~المخير فيه إلى واجب مضيق، وذلك نحو نسخ التخيير بين الصوم والفدية (١)
~~بحتم الصوم بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم
~~الشهر فليصمه﴾ (2).
# وقد يسقط الواجب إلى الإباحة، نحو سقوط ما أوجب الله تعالى من ترك الأكل
~~والمباشرة في ليال الصوم إلى إباحة ذلك (3).
# وقد يسقط المحظور إلى المباح، نحو ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "
~~نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها وادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروها "
~~(4)، فعلى هذا يجب أن يجري الباب.
# وليس من شرط نسخ الحكم ألا يقع إلا بما هو أخف منه أو مثله، على ما يذهب
~~إليه بعض أهل الظاهر (5).
# PageV02P492
# وذلك أن الله تعالى إنما ينسخ الحكم بغيره إذا علم أن صلاح المكلف في
~~الثاني، وقد يجوز أن يكون صلاحه فيما هو أشق من الأول كما يجوز أن يكون
~~صلاحه فيما هو أخف، فإذا صح ذلك، ولم يكن الأمر في التكليف موقوفا على
~~اختيار المكلف، لكنه بحسب المعلوم، فكيف يمنع من جواز نسخ الشئ مما هو أشق
~~منه؟ وهل يذهب ذلك إلا على من لا يعرف أصل هذا الباب؟
# ولا فرق بين من قال هذا، وبين من قال: " لا يجوز أن يكلف الله ابتدا ما
~~يشق " على ما يذهب إليه قوم من التناسخية (1) والقرامطة (2)، وقد ورد ms264 النسخ
~~بذلك، ألا ترى
# PageV02P493
# إلى قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه
~~فدية طعام مسكين﴾ (١) اقتضى كون المكلف مخيرا في الصوم (٢)، ثم حتم ذلك
~~وألزمه (٣)، مع ما فيه من زيادة المشقة على التخيير، ونسخ عن الزاني المحصن
~~الحد المذكور في القرآن (٤) بالرجم (٥) مع ما فيه من زيادة الألم عند من لم
~~يقل بالجمع بينهما.
# على أن ما قالوه يقتضي ضد قولهم في الحقيقة، لأنه متى نسخ الحكم بما هو
~~أشق منه كان مؤديا إلى ثواب زائد على ما يؤدي إليه الأخف، صار في الحقيقة
~~أخف عليه وأنفع له لعظم النفع الذي فيه، ومن منع من ذلك فكأنه منع من أن
~~يعرض الله تعالى المكلف لتكليف زائد يؤديه إلى زيادة ثواب، وهذا جهل.
# فأما تعلقهم بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ (6) وأنه
~~نبه على أن من حق النسخ أن يكون تخفيفا، وبأن النسخ مأخوذ من " الإزالة "
~~فكلما
# PageV02P494
# ما كان ذهب في الإزالة كان من شرطه، فيجب أن لا ينسخ بما هو أشق منه (١).
# فما بيناه من أن النسخ تابع للمصلحة يسقط جميع ذلك، ويعارض قوله تعالى:
~~﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير
~~منها أو مثلها﴾ (٢) لأن هذه الآية تدل على أن ما يأتي به أشق من الأول،
~~أو في حكم الأشق حتى يصح أن يكون خيرا منها، ولم يمنع ذلك من جواز نسخ الشئ
~~بأخف منه، فكذلك القول فيما تعلقوا به من الآية.
# وأما البداء فحقيقته في اللغة هو " الظهور " (٣) ولذلك يقال: " بدا لنا
~~سور المدينة " و " بدا لنا وجه الرأي " وقال الله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا﴾ (٤) و ﴿بدا لهم سيئات ما كسبوا﴾ (5) ويراد بذلك كله: " ظهر
~~".
# وقد يستعمل ذلك في العلم بالشئ بعد أن لم يكن حاصلا، وكذلك في الظن.
# فأما إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما ms265 يجوز إطلاقه عليه،
~~ومنه ما لا يجوز:
# فأما ما يجوز من ذلك، فهو ما أفاد النسخ بعينه، ويكون إطلاق ذلك عليه على
~~ضرب من التوسع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين عليهما السلام
~~(6) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى، دون ما لا يجوز
~~عليه، من حصول العلم بعد أن لم يكن، ويكون وجه إطلاق ذلك فيه تعالى
~~والتشبيه هو أنه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن
~~ظاهرا لهم، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا لهم، أطلق على ذلك لفظ
~~البداء.
# PageV02P495
# وذكر سيدنا الأجل المرتضى رحمه الله (١) وجها آخر في ذلك وهو أن قال:
# " يمكن حمل ذلك على حقيقته، بأن يقال: " بدا له تعالى " بمعنى أنه ظهر له
~~من الأمر ما لم يكن ظاهرا له، وبدا من النهي ما لم يكن ظاهرا له، لأن قبل
~~وجود الأمر والنهي لا يكونان ظاهرين مدركين، وإنما يعلم أنه يأمر أو ينهي
~~في المستقبل.
# فأما كونه آمرا أو ناهيا، فلا يصح أن يعلمه إلا إذا وجد الأمر والنهي،
~~وجرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم﴾ (2) بأن نحمله
~~على أن المراد به حتى نعلم جهادكم موجودا، لأن قبل وجود الجهاد لا يعلم
~~الجهاد موجودا، وإنما يعلم كذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء " (3).
~~وهذا وجه حسن جدا. وأما ما لا يجوز إطلاقه عليه تعالى، هو أن يأمر تعالى
~~المكلف بنفس ما نهاه عنه، على الوجه الذي نهاه عنه، في الوقت الذي نهاه
~~عنه. وإنما شرطنا هذه الوجوه كلها، لأن المنهي عنه لو كان غير المأمور به
~~لم يمتنع أن تقتضي المصلحة الأمر به والنهي عن مثله، وكان لا مدخل له في
~~البداء: ولأن النهي لو تعلق به على غير الوجه الذي تناوله الأمر كان حسنا،
~~نحو أن يأمر الله بالصلاة على وجه العبادة له تعالى، وينهى عنها على وجه
~~العبادة ms266 للشيطان. وإنما شرطنا الوقت الواحد، لأن المأمور به في وقت لو نفى
~~عنه في وقت آخر وصح وقوعه لكان ذلك حسنا في الحكمة، كما يصح أن يحسن من
~~الله تعالى فعل الجسم في بعض الأوقات، وإن كان لو فعله بعينه في وقت آخر
~~وقد أفناه لم يمتنع أن يكون قبيحا.
# PageV02P496
# وإنما يقبح ذلك لا لأنه يدل على البداء، لكن لأنه تكليف ما لا يطاق، ولأن
~~ما يصح أن نفعله في وقت، لا يصح أن نفعله في وقت آخر، لاختصاص مقدور القدر
~~بالأوقات على ما دل عليه الدليل.
# وإنما جعلنا المأمور هو المنهي، لأنه لو صح كون المقدور الواحد لقادرين
~~لم يمتنع أمر أحدهما به ونهى الآخر عنه على بعد ذلك.
# وإنما قلنا إن ما اجتمعت فيه هذه الشرائط لا يجوز على القديم تعالى، لأنا
~~قد بينا أن الله تعالى إنما يأمر العبد بالشئ لتعلق المصلحة به، وينهاه
~~لتعلق المفسدة به، ومحال في الشئ الواحد، في الوقت الواحد، أن يكون مصلحة
~~ومفسدة.
# وأما نسخ الشريعة فمخالف لما قدمناه، لأنا قد بينا في حده أنه إسقاط
~~الحكم الذي تناوله النص المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه
~~عنه، وذلك يقتضي أن المأمور به غير المنهي، عنه وأن وقت المنهي غير وقت
~~المأمور به.
# وقد بينا أيضا الفرق بين النسخ والتخصيص (1)، وذكرنا أن تخصيص العموم هو:
~~" ما دل على أنه لم يرد به إلا بعض ما تناوله اللفظ "، وأنه لا يصح دخوله
~~مما لم يتناوله لفظ العموم، والنسخ بخلافه، وبينا أيضا أن شروطهما
~~وأحكامهما تختلف، لأن النسخ يصح فيما لا يصح التخصيص فيه، ويصح التخصيص
~~فيما لا يصح النسخ فيه، وذلك واضح.
# والذي يعتمد في هذا الباب أن النسخ والتخصيص جميعا يتناولان الأفعال دون
~~الأعيان والأوقات والأحوال، على خلاف ما يدعيه بعض من يتكلم في هذا الباب،
~~لأن التخصيص يدل على أنه لم يرد بالعموم ما لولاه لكان يدل على أنه مراد،
~~وكذلك النسخ. والذي يريده المخاطب الحكيم هو الأفعال دون ms267 الأعيان والأوقات،
~~لأن الأعيان لا يصح أن تراد، والأوقات لا يحتاج إلى إرادتها، لأنها ليست
~~متعلقة بالتكليف، وكذلك الأحوال، فإذا صح هذا صح ما قلناه.
# PageV02P497
# وإنما يقال: إن التخصيص يخص الأعيان، ويراد به أنه أريد بالعموم الفعل من
~~بعض الأعيان دون بعض، أو في بعض الأوقات فيرجع التخصيص في التحقيق إلى
~~الأفعال، لكنها لما كانت تقع من الأعيان في الأوقات وجب أن تذكر، فإن لم
~~تكن هي المراد بالكلام، وهذا هو الذي يجب الاعتماد عليه دون غيره، لأن
~~الكلام على المعاني دون العبارات. PageV02P498
# فصل NoteV02P499N02 " في ذكر ما يصح معنى النسخ فيه من أفعال المكلف، وما
~~لا يصح، وبيان شرائطه " أفعال المتكلف على ضربين:
# أحدهما: لا يصح معنى النسخ فيه.
# والآخر: يصح ذلك فيه.
# فالذي لا يصح معنى النسخ فيه على ضربين: أحدهما: لا يصح ذلك فيه لأن
~~الصفة التي يقع عليها الفعل لا يجوز خروجه عنها، ولا حصول ضدها فيه، وذلك
~~مثل وجوب الإنصاف، وشكر المنعم، وقبح الكذب والجهل، وغير ذلك من الواجبات
~~العقلية (1) التي لا يجوز خروجها عن كونها على تلك الصفة، فما يكون كذلك لا
~~يصح معنى النسخ فيه، لأن من المحال أن يكون الإنصاف مع كونه إنصافا، وشكر
~~النعمة مع كونه (2) شكرا للنعمة يخرجان من كونهما واجبين، وكذلك لا يصح أن
~~يخرج الجهل والكذب عن القبح إلى الحسن، فعلم بذلك أن معنى النسخ (لا يصح في
~~جميع ذلك.
# PageV02P499
# وذهب المعتزلة إلى أن معنى النسخ (1) يصح في شكر النعمة، لأنه يجوز أن
~~يفعل المنعم من الإسائة ما يوفي على النعمة، فيبطل الشكر عليها، وذلك يصح
~~على مذهبهم في الإحباط (2) لا على ما نذهب إليه من فساد القول بالإحباط (2)
~~لأن
# PageV02P500
# بالإسائة عندنا لا يبطل شكر النعمة، وإنما يستحق بها الذم والعقاب فيمن
~~يصح ذلك فيه لا غير.
# والقسم الآخر: لا يصح معنى النسخ فيه لأنه لا يصح خروجه عن كونه لطفا ،
~~وذلك نحو وجوب المعرفة بالله تعالى وصفاته، ونحو وجوب الرياسة التي نوجبها
~~عقلا، فإنه لا يصح خروج ms268 ذلك أجمع عن كونها لطفا، فإذا لا يصح معنى النسخ
~~فيها أصلا.
# فأما ما يصح معنى النسخ فيه: فهو كل فعل يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح،
~~فيقع على وجه فيكون حسنا وعلى آخر فيكون قبيحا، ويقع في وقت فيكون حسنا،
~~وفي آخر فيكون قبيحا، ويقع من شخص فيكون حسنا، ومن آخر فيكون قبيحا، وذلك
~~نحو المنافع والمضار، ولا اعتبار في ذلك بجنس الفعل، بل الاعتبار في ذلك
~~بالوجوه التي يقع عليها الفعل، وعلى ذلك جميع الشرعيات لأنها قد تكون واجبة
~~في وقت دون آخر، وعلى شخص دون غيره، وعلى وجه دون آخر ألا ترى أن القعود في
~~موضع مباح قد يكون حسنا ثم يعرض فيه وجه قبح بأن يخاف سبعا أو لصا أو وقوع
~~حائط عليه وما شاكله، فيصير القعود نفسه قبيحا.
# ولما ذكرناه اختلفت الشرايع ودخل النسخ فيها، واختص بعض المكلفين بما لم
~~يشركه فيه غيره، وذلك أن الإمساك في السبت كان واجبا في شرع موسى عليه
~~السلام، ثم صار قبيحا في شرع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك من
~~الشرائع. ويجب على الحائض ترك الصلاة والصوم ولا يجب ذلك على غيرها، بل
~~يكون ذلك قبيحا منه، فعلى هذا ينبغي أن يجري هذا الباب.
# فأما النسخ في الأخبار: (1) فقد اختلف العلماء في ذلك:
# PageV02P501
# فذهب أكثر من تكلم في أصول الفقه من المعتزلة وغيرهم - وهو مذهب أبي علي
~~وأبي هاشم - إلى أن النسخ في الأخبار لا يجوز، وعللوا ذلك بأن قالوا: تجويز
~~ذلك في أخبار الله تعالى يوجب أن يكون أحد الخبرين كذبا، وفصلوا بينه وبين
~~الأمر والنهي (1).
# وذهب أبو عبد الله البصري، وصاحب " العمد " (2) وهو الذي اختاره سيدنا
# PageV02P502
# المرتضى رحمه الله إلى أن ذلك يجوز، ولا فرق بين الخبر والأمر والنهي في
~~هذا الباب (١).
# واعلم (٢) أن الأخبار على ضربين:
# أحدهما: يتضمن معنى الأمر والنهي.
# والآخر: لا يتضمن ذلك بل يكون خبرا محضا عن صفة الشئ في نفسه.
# فما يكون معناه معنى الأمر والنهي، فإنه يجوز ms269 دخول النسخ فيه، لأنه لا
~~فرق بين أن يقول: (صلوا الجمعة يوم الجمعة)، وبين أن يقول، (صلاة الجمعة
~~يوم الجمعة واجبة)، في أنه يجب في الحالين الصلاة، ومع ذلك يجوز معنى النسخ
~~فيه بأن تخرج الصلاة من كونها واجبة، وقد ورد القران بمثل ذلك، قال الله
~~تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن
~~بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (٣)، وقال: ﴿الطلاق مرتان﴾ (٤) وقال: ﴿من دخله كان آمنا﴾ (5)، وقال: (ولله على الناس
~~حج البيت) (6)، وكل ذلك خبر، إلا أنه لما كان معناه معنى الأمر جاز دخول
~~النسخ فيه لجواز تغيره من حسن إلى قبح.
# أما ما لا يكون معناه معنى الأمر أو النهي، وهو الذي يتضمن خبرا محضا عن
~~صفة الشئ في نفسه، فهو على ضربين.
# PageV02P503
# أحدهما: أن لا يجوز تغير تلك الصفة، عما هو عليه (1)، فما يكون كذلك يجوز
~~معنى النسخ في الأخبار عنه، فأما الانتقال إلى ضده فلا يجوز لأن ذلك جهل
~~وذلك نحو الإخبار عن صفات الله تعالى، ووحدانيته، فإنه يجوز أن نتعبد
~~بالإخبار عن ذلك، وتارة ينسخ عنا الإخبار عنها، ولا يجوز أن نتعبد بالإخبار
~~عن ضدها، لأن ذلك جهل على ما قدمناه.
# والضرب الآخر: هو ما يجوز انتقاله عن تلك الصفة، فإنه لا يمتنع أن نتعبد
~~بالإخبار عن تلك الصفة ما دام الموصوف عليها، فإذا انتقل إلى غيرها نتعبد
~~بالنهي عن أن يخبر عما كنا (2) نخبر به، لتغير المخبر في نفسه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب وشرحها يطول، وفيما ذكرناه مقنع إن شاء
~~الله.
# فأما شرائط أن يأمر المكلف بنفس ما نهي عنه فهي: إن يأمره به على غير
~~الوجه الذي نهاه عنه، وذلك نحو نهيه تعالى، المكلف أن يصلي الصلاة عبادة
~~للشيطان، وأمره إياه بأن يفعلها عباده له تعالى، ونحو أمره تعالى، بالإخبار
~~عن نبوة نبينا محمد عليه السلام (3) ونهيه عن نبوة غيره.
# وإنما قلنا: إن الأمر بالشئ والنهي عنه على هذا الوجه يكون قبيحا، ms270 لأن
~~ذلك يدل على البداء على ما قدمنا القول فيه، ويؤدي إلى أن يكون الأمر به
~~قبيحا إن كان المأمور به قبيحا، وإلى أن يكون النهي عنه قبيحا إن كان الفعل
~~حسنا. وكذلك: لا يجوز أيضا أن يأمر بالشئ وينهاه عنه بعينه في وقتين، لأن
~~ذلك تكليف ما يطاق، لأن مقدور المكلف في أحد الوقتين لا يصح أن يفعله في
~~الوقت الآخر، فمتى نهاه عن الوقت الآخر، فقد نهاه عما لا يقدر عليه، وذلك
~~قبيح.
# وكذلك: لا يجوز أن يأمر زيدا بالشئ الذي نهى عنه عمرا، لأن كونه مقدورا
~~لأحدهما يمنع من كونه مقدورا للآخر.
# PageV02P504
# وكذلك: لا يحسن أن يأمر بالشئ على وجه يحسن عليه، وينهى عنه على وجه آخر
~~يحسن أيضا عليه، لأن ذلك يقتضي قبح النهي، لأن النهي عن الحسن قبيح.
# فأما النهي عن غير المأمور به فلقد يحسن على وجوه:
# منها: أن يأمر زيدا بمثل ما نهى عنه عمرو تعالى، لأن ما يقع حسنا من زيد
~~لا يمنع أن يقع من عمرو قبيحا، وذلك أمر الله تعالى الطاهر بالصلاة، ونهيه
~~الحائض عنها، وهذا على ضربين:
# أحدهما: أن يقع منهما على وجه واحد.
# والآخر: أن يقع منهما على وجهين، والحال فيهما سواء.
# ومنها: أن يأمر عز وجل زيدا (1) الثاني بمثل ما نهاه عنه في الأول فيحسن،
~~لأن كونه قبيحا في الأول لا يمنع من وقوعه حسنا في الثاني، ونسخ الشريعة
~~على هذا الوجه، ولا فصل في ذلك بين أن يقع في الوقت الثاني على الوجه الذي
~~وقع عليه في الأول، وبين أن يقع على غير ذلك الوجه.
# فأما نهي زيد عن مثل ما أمر به في وقت واحد، فإنما لا يحسن لأنه يبعد أن
~~يكون الفعلان المثلان الواقعان منه على وجه واحد يختلف معهما في الصلاح
~~فيكون أحدهما مصلحة والآخر مفسدة.
# وقد يصح الأمر بالشئ والنهي عن غيره على وجوه اخر، وكذلك الأمر بغير ما
~~وقع الأمر به والنهي عن مثل ما وقع النهي عنه، ولم يذكر ذلك ms271 لأن الغرض بيان
~~ما يحسن من ذلك ليبين بذلك أن نسخ الشريعة منها.
# وهذه جملة في هذا الباب.
# PageV02P505
# فصل NoteV02P506N03 " في ذكر جواز نسخ الشرعيات " الخلاف المعروف في هذه
~~المسألة مع اليهود، وقد حكي حكاية عمن لا يعتد بقوله من أهل الصلاة
~~الامتناع من نسخ الشرائع، وقوله مطروح لا يلتفت إليه (1).
# PageV02P506
# واليهود على ثلاث فرق (1):
# أحدهما: يمنع من نسخ الشرائع عقلا.
# والفرقة الثانية: تجوز النسخ عقلا، وتمنع منه سمعا.
# والفرقة الثالثة: تجوز النسخ عقلا وسمعا، وإنما تنكر نبوة نبينا عليه
~~السلام (3) وإذا بين الدلالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم
~~بالمعجزات الظاهرة على يده من القرآن وغيره من الآيات التي ظهرت على يده،
~~ودل على وجه الإعجاز منها، ثبتت نبوته عليه السلام (4)، وإذا ثبتت نبوته
~~بطل قول من أنكر نبوته عليه السلام، وإن جاز ذلك عقلا وسمعا.
# وكذلك يبطل بصحة نبوته صلى الله عليه وآله وسلم قول من منع من النسخ
~~عقلا، غير إنا نبين أن ما يدعون من الشبهة العقلية باطل، ليعلم بذلك أن
~~الذي تعلقوا بع غير صحيح، وأنه لو لم تثبت نبوة نبينا ولا نبوة أحد من
~~الأنبياء عليهم السلام لكان ما ذكرناه جائزا سائغا.
# PageV02P507
# وليس هذا موضع الكلام في النبوة، فكنا ندل عليه وهو مذكور في كتب الأصول
~~مستقصاة.
# والذي يدل على جواز النسخ من جهة العقل هو: أنه ثبت أن العبادات الشرعيات
~~تابعة للمصالح، ولكونها ألطافا في الواجبات العقلية، ولولا ذلك لما وجبت
~~(1) على حال.
# وإنما قلنا ذلك: لأن الشئ لا يجب بإيجاب موجب، وإنما يجب لصفة هو عليها
~~يقتضي وجوب الشئ وانما يدل ايجاب الحكيم له على أن له صفة الوجوب بان (2)
~~يصبر واجبا بايجابه لان ايجاب ما ليس له صفة الوجوب يجرى في القبح مجرى
~~ايجاب الظلم والقبيح أو اباحتهما، وقد علم قبح ذلك.
# وإذا ثبت هذه الجملة فلا يخلو وجه وجوب هذه العبادات ان يكون عقليا أو ما
~~ندعيه من كونها مصالح وألطافا فلو كان وجه وجوبها عقليا لوجب ان ms272 يعلم
~~بالعقل وجوب هذه العبادات، وكما علم وجوب جميع الواجبات العقلية من وجوب
~~هذه الأشياء بيانا في العقل وقد علمنا انا لا نعلم بالعقل وجوب الصلاة ولا
~~الزكاة، ولا الصوم، ولا غير ذلك من العبادات التي جاءت الشرايع بها، بل لا
~~يحسن فعلها بالعقل وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع ان تتغير المصالح، فيصير ما كان
~~داعيا إلى فعل الواجب صارفا عن فعله أو يصير داعيا إلى فعل القبيح وما يكون
~~مصلحة لزيد لا يكون مصلحة لعمرو وما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة في وقت
~~آخر، وذلك يوجب النسخ والا قبح التكليف.
# فان قيل: لم لا يجوز ان يكون وجه وجوب هذه العبادات هو ان لنا فيها ثوابا
# PageV02P508
# دون كونها ألطافا؟
# قيل: (١) الشئ لا يجب (٢) من حيث كان فيه ثواب لأنه لو كان كذلك، لكانت
~~النوافل كلها واجبة، ولم يكن فرق بينهما وبين الواجبات، فلا بد من القول
~~بما قلناه من أنها انما وجبت لكونها ألطافا وانما قلنا بذلك لان ما يقع
~~عنده الواجب لولاه لم يقع يجب كوجوبه لا محالة وقد ورد القرآن أيضا منبها
~~على ما قلناه قال الله تعالى: ﴿ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (٣) فبين
~~انها انما وجبت من حيث كانت صارفة عن فعل القبيح وقال في تحريم الخمر ﴿انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم
~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ (4)
~~فبين ان وجه قبحها كونها صادة عن ذكر الله وموقعة للعداوة والبغضاء وذلك
~~أمرا مطلقا فإذا تغير وجه الحسن فيه إلى وجه القبح نهى عنه. وذلك هو النسخ
~~الذي قلناه.
# وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (5).
# منها: ان قالوا: ان ذلك يؤدي الس البداء.
# ومنها: انه يؤدي إلى كون الحسن قبيحا.
# ومنها: انه يقتضى استحقاق الثواب على ما يستحق به العقاب والوعيد على ما
~~يستحق به الوعد.
# ومنها: انه يقتضى استحقاق الثواب على ما يستحق بع العقاب والوعيد على ms273 ما
~~يستحق به الوعد.
# ومنها: انه إذا أطلق الامر على حسن المأمور به ابدا فلو نهى عنه لانتقضت
~~دلالته على ذلك.
# ومنها انه إذا أطلق الامر اقتضى حسن المأمور به ابدا لأنه لو كان حسنا
~~إلى
# PageV02P509
# وقت لبين ذلك الوقت كما يجب ان يبين خصوص العام وتفسير المجمل والا كان
~~الخطاب قبيحا، فإذا لم يبين دل على أن الفعل حسن ابدا، وإذا كان حسنا ابدا
~~فالنهي عنه قبيح.
# ومنها: انه إذا أطلق الامر بفعل وجب اعتقاد لزوم المأمور له ابدا والعزم
~~على فعله دائما والنهي عنه يقتضي كون العزم والاعتقاد قبيحين.
# ومنها: انه إذا أطلق الامر وغرضه في الخطاب إفادة المخاطب، فلولا ان
~~المأمور به يلزم ابدا لبين له ولما أبهم له ما امره به، لان ذلك تلبس.
# ومنها: انه إذا امر إذا بالشئ مطلقا دائما، فلو جوزنا النهي عنه لادى إلى
~~الا يوصف بالقدرة على أن لا يخاطبنا بخطاب يقتضى الدوام ويقطع عليه.
# فهذه الوجوه أقوى ما يتعلقون به ونحن نجيب عن واحد واحد منها على وجه
~~يزول معه الشك انشاء الله تعالى.
# والجواب عن الشبهة الأولى والثانية والثالثة بشئ واحد: وهو انا قد بينا
~~فيما مضى ان النسخ الذي نجيزه هو أن يكون النهى متناولا لمثل ما تناوله
~~الامر لا لعين ما تناوله، وذلك يبطل قولهم: انه يؤدى إلى البداء ويبطل
~~قولهم: انه يؤدى إلى كون الحسن قبيحا، لان الحسن غير القبيح على ما قررناه،
~~ويبطل أيضا قولهم: انه يستحق العقاب بما يستحق به الثواب، لان على التقرير
~~الذي قررناه ما يستحق به الثواب غير الذي يستحق به العقاب.
# والجواب عن الشبهة الرابعة: وهي قولهم: " ان الامر باطلاقه يدل على حسن
~~المأمور به ابدا فلو نهى عنه لانتقضت دلالته على ذلك " فهو ان الامر عندنا
~~لا يقتضى التكرار بمجرده وانما يقتضى الفعل مرة واحدة (1)، فعلى هذا سقطت
~~الشبهة. فإن اقترن باللفظ قول الامر " إفعل أبدا " فلفظ التأبيد لا يفيد
~~الدوام على كل حال، لان هذه اللفظة تستعمل فيما ms274 لا يراد الدوام، الا ترى ان
~~القائل يقول " الزم فلانا أبدا " أو " امض
# PageV02P510
# في طلب العلم أبدا " أو " أتجر أبدا " وغير ذلك، ونحن نعلم أنه لا يراد
~~بجميع ذلك الدوام، لأنه لا بد من انقطاع المأمور به.
# وان اقرن باللفظ دليل يدل على أن المراد بالامر التكرار، فذلك أيضا لا
~~يدل على الدوام، لأنه انما يقتضى تكرار الفعل ما دام مصلحة، فأما إذا تغيرت
~~فلا يقتضيه، لان دلالة السمع تترتب على دلالة العقل ومعلوم بالعقل ان الله
~~تعالى إنما يأمرنا بالفعل ما دام مصلحة لنا، فإذا صار مثله مفسدة وجب أن
~~ينهى عنه ويجري ذلك مجرى ما علم بالعقل انه يأمرنا بالفعل ما دمنا قادرين،
~~فإذا عجزنا عنه سقط التكليف عنا، فإذا ثبت ذلك كان أمره تعالى مرتبا على
~~دليل العقل، ويصير ذلك في حكم المنطوق به.
# وإذا ثبت ما قلناه فقولهم: " ان النهي ينقض دلالة الامر " كقول القائل إن
~~العجز المزيل للزوم المأمور به ينقض دلالة الامر، وذلك بين الفساد والجواب
~~عن الشبهة الخامسة، وهي انه إذا أطلق الامر، فلو كان المراد به إلى وقت
~~لبينه كما يجب بين الخصوص والمجمل، فهو: ان الامر انما يجب أن يبين ما قصد
~~بالامر إليه وما لا يصح مع عدم بيانه، إذ المأمور به من المكلف، فاما ما
~~عداه فلا يجب بيانه في، الحال وقد علمنا أن المكلف متى بين له صفة ما امر
~~وأمكنه أداه على الوجه الذي كلفه، وان لم يبين له الوقت الذي يزول وجوب ذلك
~~فيه، ولا يصح منه أداء المأمور به بالخطاب المجمل إلا بعد البيان، وكذلك
~~القول في تخصيص العموم فلذلك ساغ تأخير بيان النسخ عن حال الخطاب، وامتنع
~~ذلك في تخصيص العام وبيان المجمل، والشاهد يشهد بصحة ما قلناه ولأن السيد
~~لو أمر غلامه يأخذ وظيفة له في كل يوم وفي نيته إلى غاية، لم يجب ان يبينها
~~له وان كان لابد من أن يبين له صفة الوظيفة التي امره باخذها، وهذا بين.
# والجواب عن ms275 الشبهة السادسة وهي قولهم: إنه إذا أطلق الامر فقد أوجب
~~اعتقاد لزوم المأمور به أبدا، أو العزم على فعله أبدا، والنهى يقتضى كونهما
~~قبيحين فهو: ان الامر إذا ورد فإنما يجب أن يعتقد المأمور فعله ما دام
~~مصلحة، والعزم على PageV02P511
# فعله على هذا الشرط وورود النهى عن أمثاله لا يؤثر في، ذلك هذا إذا كان
~~الخطاب في حال يجوز فيها النسخ، فاما بعد انقطاع الوحي، فيجب أن يعتقد بمثل
~~ذلك ويعزم عليه ما دام على صفة يلزمه ففي الحالين لابد من دخول الشرط في
~~العزم والاعتقاد، وإن كان في أحد الحالين مشترطا لشيئين وفي الحال الأخرى
~~بوجه واحد.
# والجواب عن الشبهة السابعة، وهي قولهم: إذا أطلق الامر وغرضه إفادة
~~المخاطب، فلو لم يلزم المأمور به أبدا لبين، لأنه لا يجوز أن يقصد التلبيس،
~~فإذا لم يبين علم دوامه، فهو أن يقال لهم: أليس الامر لم يبين الوقت الذي
~~يزول فيه التكليف؟ فلابد من نعم.
# فيقال له: أفتنسبه إلى أنه ليس؟
# فإن قال: نعم، التزم ما أراد إلزامنا.
# وان قال: لا، لأنه قد دل من جهة العقل عليه في الجملة.
# قيل له: وكذلك قد دل على جواز النسخ من جهة العقل في الجملة.
# على أنه انما يقال: ليس إذا يبين ما يجب بيانه ويحتاج المكلف إليه فيما
~~كلف، وأما إذا لم يبين ما ليس هذه حاله، والمعلوم انه سيبينه في حال
~~الحاجة، فالتلبيس زائل.
# والجواب عن الشبهة الثامنة، وهي قولهم: إن أمره بالشئ مطلقا لو لم يمنع
~~من النسخ، لما كان موصوفا بالقدرة على أن يدلنا على تأبيد العبادة إلى وقت
~~زوال التكليف، فهو: أنه يصح ان يعرف ذلك بأن يضطر إلى قصد الرسول صلى الله
~~عليه وآله وسلم فيه، كما اضطررنا إلى قصده في أن شرعه دائم، وفي أنه لا نبي
~~بعده.
# ويجوز أن يعرف ذلك بانقطاع الوحي أيضا، ويعرف الرسول صلى الله عليه وآله
~~وسلم بأن يعرف أن صلاح أمته في هذا الشرع ما داموا مكلفين.
# على أنه لو ms276 لم يصح ان يعرف ذلك على التفصيل، - وقد عرفنا على الجملة -
~~لعلمنا انه ما دام صلاحا لنا، فلابد من أن يلزمنا لما أثر في ما نقوله، على
~~انا نعلم أن PageV02P512
# المأمور به لا يجوز دوام لزومه، لان ما (1) يحسن من الله تعالى إلزامه
~~إنما يقتضي انقطاعه، وهو استحقاق الثواب عليه، ولذلك يعلم أنه إنما يلزم ما
~~دام صلاحا ولا حاجة بنا إلى علم آخر لا يفتقر التكليف إليه وهذا واضح.
# وقد استدل الخلق على جواز النسخ بما يفعله القديم تعالى من الأمراض بعد
~~الصحة، والفقر بعد الغنى، وأنه إذا جاز أن يختلف ذلك بحسب مصالح العباد،
~~فكذلك ما يكلفونه.
# وهذا قريب، وان كان الأول هو الأصل.
# فاما من أبى النسخ من أهل الملة، فما قدمناه يبطل قوله، ويبطله أيضا وقوع
~~النسخ في شريعتنا بلا ارتياب، لأنه لا خلاف بين الأمة أن القبلة كانت إلى
~~بيت المقدس وأنه نسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة، وكذلك نسخ الحول في عدة
~~المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرا، ونسخ أيضا تقديم الصدقة بين يدي
~~نجوى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة
~~بثبات الواحد للاثنين، ونظائر ذلك كثيرة فلا معنى للاكثار فيه.
# فهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV02P513
# فصل NoteV02P514N04 " في ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة
~~دون الحكم (1) " جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه، لان التلاوة إذا كانت
~~عبادة، والحكم عبادة أخرى جاز وقوع النسخ في إحداهما مع بقاء الاخر كما يصح
~~ذلك في كل عبادتين، وإذا ثبت ذلك جاز نسخ التلاوة دون الحكم، والحكم دون
~~التلاوة.
# فان قيل (2): كيف يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة؟ وهل ذلك إلا نقض؟
# لكون التلاوة دلالة على الحكم، لأنها إذا كانت دلالة على الحكم فينبغي أن
~~تكون دلالة ما دامت ثابتة، وإلا كان نقضا على ما بيناه.
# قيل له: ليس ذلك نقضا، لكونها دلالة، لأنها إنما تدل على الحكم ما دام
~~الحكم
# PageV02P514
# مصلحة، وأما إذا تغير حال الحكم وخرج ms277 من كونه مصلحة إلى غيره لم تكن
~~التلاوة دلالة عليه.
# وليس لهم أن يقولوا: لا فائدة في بقاء التلاوة إذا ارتفع الحكم، وذلك أنه
~~لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بنفس التلاوة وإن لم يقتض الحكم، وإذا لم يمتنع
~~ذلك جاز بقاؤها مع ارتفاع الحكم.
# وليس لهم أن يقولوا: إن هذا المذهب يؤدى إلى أنه يجوز أن يفعل جنس الكلام
~~بمجرد المصلحة دون الإفادة، وذلك مما تأبونه.
# لأنا إنما نمنع في الموضع الذي أشاروا إليه إذا خلا الكلام من فائدة
~~أصلا، وليس كذلك بقاء التلاوة مع ارتفاع الحكم، لأنها أفادت في الابتداء
~~تعلق الحكم بها وقصد بها ذلك، وانما تغيرت المصلحة في المستقبل في الحكم
~~فنسخ وبقيت (1) التلاوة لما فيها من المصلحة، وذلك يخالف ما سأل السائل
~~عنه.
# وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم (2)، فلا شبهة فيه لما قلناه من جواز
~~تعلق المصلحة بالحكم دون التلاوة.
# وليس لهم أن يقولوا: أن الحكم قد ثبت بها، فلا يجوز مع زوال التلاوة
~~بقاؤه.
# وذلك أن التلاوة دلالة على الحكم، وليس في عدم الدلالة عدم المدلول عليه،
~~الا ترى أن انشقاق القمر ومجئ الشجرة دال على نبوة نبينا صلى الله عليه
~~وآله وسلم، ولا يوجب عدمهما خروجه صلى الله عليه وآله وسلم من كونه نبيا
~~وكذلك القول في التلاوة والحكم، ويفارق ذلك الحكم العلم الذي يوجب عدمه
~~خروج العالم من كونه عالما، لان العلم موجب لا أنه دال.
# واما جواز النسخ فيهما، فلا شبهة أيضا فيه لجواز تغير المصلحة فيهما.
# PageV02P515
# وقد ورد النسخ بجميع ما قلناه، لان الله تعالى نسخ اعتداد الحول بتربص
~~أربعة أشهر وعشرا، ونسخ التصدق قبل المناجاة، ونسخ ثبات الواحد للعشرة وإن
~~كانت التلاوة باقية في جميع ذلك.
# وقد نسخ أيضا التلاوة وبقي الحكم على ما روي من آية الرجم من قول:
# " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله " (1) وإن كان
~~ذلك مما أنزله الله والحكم باق بلا خلاف.
# وكذلك روي تتابع صيام كفارة اليمين في قراءة عبد الله ms278 بن مسعود (2) لأنه
# PageV02P516
# قد نسخ التلاوة والحكم باق عند من يقول بذلك.
# واما نسخهما معا، فمثل ما روي عن عائشة أنها قالت: " كانت فيما أنزله
~~تعالى عشرة رضعات يحرمن، ثم نسخت بخمس " (1) فجرت بنسخة تلاوة وحكما.
# وانما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال ولو لم يقع شئ منها لما أخل
~~بجواز ما ذكرناه وصحته، لان الذي أجاز ذلك ما قدمناه من الدليل، وذلك كاف
~~في هذا الباب.
# PageV02P517
# فصل NoteV02P518N05 " في نسخ الشئ قبل وقت فعله، ما حكمه؟ " (1) اختلف
~~العلماء في ذلك، فذهب طائفة من أصحاب الشافعي وغيرهم إلى
# PageV02P518
# جواز نسخ الشئ قبل وقت فعله (1) وإلى ذلك كان يذهب شيخنا أبو عبد الله.
# وذهب المتكلمون من المعتزلة، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي
~~إلى أن ذلك لا يجوز (1)، وهو الذي يختاره سيدنا المرتضى (2) رحمه الله (3)،
~~وهو الذي يقوى في نفسي.
# والذي يدل على ذلك أن القول بجواز ذلك يؤدي إلى أن ينهى الله تعالى عن
~~نفس ما أمر به، لأنه إذا أمر بشئ بعينه في وقت بعينه ثم نهاه عنه قبل مجئ
~~الوقت عن ذلك الفعل بعينه، فقد نهاه عن نفس ما أمر به، وذلك قبيح من وجهين:
# أحدهما: أن ذلك الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو حسنا، فإن كان قبيحا
~~فالامر به قبيح وان كان حسنا فالنهي عنه قبيح، وهذا يوجب كونه فاعلا للقبح،
~~تعالى الله عن ذلك.
# والوجه الاخر: انه يؤدى إلى البداء، لأنه لو كان حال ما أمر به على ما
~~كان عليه قبل الاخر لما نهى عنه، فدل نهيه على أنه قد ظهر له من حاله ما لم
~~يكن ظاهرا، أو استتر عنه ما كان عالما به، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لان
~~البداء إذا لم يجز عليه لم يجز أن يفعل ما يدل على البداء.
# فان قيل: إنا إنما نجيز أن ينهى قبل الوقت عن مثل ما أمر به لا عنه
~~بعينه، فلا يلزم ما ذكرتموه قيل له إن الامر الأول اقتضى ms279 فعلا واحدا في هذا
~~الوقت، فإذا نهى عن مثله لم يوصف ذلك بأنه نسخ أصلا.
# فان قال (4): لو اقتضى الفعلين جميعا فكيف كان جوابكم؟
# قيل له ان كان أرادهما جميعا بالامر، فإذا نهى عن أحدهما فقد نهى عما أمر
# PageV02P519
# به وهذا هو (1) الذي أفسدناه آنفا.
# وان كان أراد أحدهما فهو المأمور به دون الاخر، والنهي أنبأ عن أنه لم
~~يرد غير هذا الفعل فقط، وهذا جائز عندنا.
# هذا إذا صح الجمع بين الفعلين فأما إن تعذر ذلك فالامر بهما مستحيل إلا
~~على وجه التخيير، ومتى أمر بهما على وجه التخيير فقد أريدا جميعا، والنهي
~~عن أحدهما كالنهي عنهما جميعا في أنه نهي عما أمر به.
# فإن قال: أفيجوز عندكم أن يأمر بالشئ في وقت وينهى عنه قبل وقته عن مثله،
~~وإن لم يكن ذلك نسخا؟
# قيل له: إذا كانا مثلين وواقعين على وجه واحد فبعيد أن يكون أحدهما مصلحة
~~والاخر مفسدة، فكذلك لم يحسن النهي عن مثل ما امر به في وقته.
# فإن قالوا: إنا نجوز النسخ قبل وقت الفعل، بأن يأمر الله تعالى بالفعل
~~ويريد منا اعتقاده أو العزم عليه، ثم ينهى عن الفعل بعينه فيكون المنهي عنه
~~غير المأمور به.
# قيل لهم: إن الاعتقاد يتبع المعتقد، لأنه إنما يتناول الشئ على ما هو به
~~حتى يحسن أن يؤمر به لأنه لو كان على خلاف ما هو به لكان جهلا وذلك قبيح لا
~~يحسن الامر به، فإذا لا بد من أن يكون اعتقادا للشئ على ما هو به وليس يخلو
~~أن يكون متناولا لكون المعتقد واجبا، أو لكونه مرادا، أو مأمورا، أو يكون
~~اعتقادا لان يفعله.
# وانما قلنا ذلك، لأنه لابد من أن يكون لهذا الاعتقاد معتقد على صفة، فان
~~كان اعتقادا لوجوبه فلابد أن يكون المعتقد واجبا، والا كان الاعتقاد جهلا،
~~وإذا وجب أن يكون واجبا فالنهي عنه قبيح، وكذلك إن كان اعتقادا لكونه مرادا
~~أو مأمورا به، وإن كان اعتقادا لان يفعله، فيجب أن يقطع على أنه ms280 يفعله لا
~~محالة، وذلك لا يصح من المكلف، لأنه يجوز الاخترام دونه.
# فإن قال: إنه أمرا بأن يعتقد كونه واجبا بشرط أن لا ينهى عنه، أو أن
~~يعتقد أنه
# PageV02P520
# يفعل ذلك على هذا الشرط.
# قيل له: إن تعلقت بذلك فقل مثل ذلك في نفس الفعل، بأن تقول أمر به في
~~الحقيقة بشرط أن لا ينهى عنه، فإذا صح أن يتعلق بمثل ذلك في نفس المأمور
~~به، فأي حاجة بك إلى ذكر الاعتقاد؟
# وهذا قول يدل على أن قائله لا يعرف ماله يتأول الامر على أن المراد به
~~الاعتقاد، وقد بينا من قبل أن الاعتقاد والعزم يتبعان المعتقد في الوجوب،
~~فلا يصح وجوبهما دونه، وفي ذلك إسقاط سؤاله.
# فان قيل: إنما نجوز ذلك إذا أمرنا بالشئ وأراد الاختبار، ثم نهى عنه في
~~الحقيقة.
# قيل له: القديم تعالى عالم بالعواقب فلا يجوز منه تعالى الاختبار، لان
~~ذلك إنما يجوز على من لم يعرف حال الشئ فيختبر هل يطيع المأمور أم لا؟
~~والقديم تعالى إنما يأمر العباد بمصالحهم فكيف يأمرهم بها ولا يريدها منهم؟
~~ولو جاز ذلك لجاز في النهي مثله، فمن أين لهذا القائل ان النهي هو نهي عن
~~الفعل، مع قوله في الامر أنه اختبار؟
# فإن قال: أجوز النسخ قبل الفعل إذا أمر تعالى بالفعل في وقت بشرط تبقية
~~الامر، أو بشرط انتفاء النهي، فإذا نهى عنه فقد زال الشرط، فإذا قد نهى عن
~~الفعل على غير الوجه الذي قد امر به، وهذا كقولهم أنه أمر بالصلاة عبادة
~~لله ونهى عنها عبادة للشيطان في الجواز.
# قيل له: إن تبقية الامر لا يجوز أن تكون وجها لحسن المأمور به، ولا
~~انتفاء النهي، فلا يدلان أيضا على كون الفعل على وجه يحسن عليه حتى يقضى
~~بأن في زوالهما خروج الفعل من أن يكون واقعا على ذلك الوجه، فإذا صح ذلك
~~بطل ما سأل عنه وفارق حاله حال الصلاة التي مثل بها.
# ومن حق الامر أن يدل على كون المأمور به على وجه يحسن ms281 أمره به، فبقاء
~~الامر وانتفاء النهي أو وجوده لا يخلو كونه على هذه الصفة فإذا صح ذلك
~~فالنهي PageV02P521
# عنه لا يحسن.
# فإن قالوا: كما يحسن أن يأمر بالفعل بشرط ألا يمنع منه ولا يخترم دونه،
~~فكذلك يحسن أن يأمر بشرط ألا ينهى عنه.
# قيل له: إن الذي جعله أصلا في الفساد مثل ما يثبت عليه، لان الامر بما
~~يمنع منه قبيح، كما يقبح الامر بما لا يطاق، لان مراد الامر عز وجل أن يفعل
~~المأمور ما أمره به من الصلاح، فلو لم يكن هذا مراده لقبح، ولا يصح أن يكون
~~ذلك مقصده ومع ذلك يأمره بما يعلم أنه يمنعه منه.
# وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء (١).
# منها: قوله تعالى ﴿يمحو الله ما
~~يشاء ويثبت﴾ (٢) فأخبر أنه يمحو ما يشاء، فيجب أن يكون أمره بالشئ ثم
~~ازالته عنه بنهي أو غيره جائزا.
# ومنها: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم نسخ عنه قبل
~~الذبح لأنه قال: ﴿يا بني إني أرى في
~~المنام اني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ (٣) ثم قال بعد ذلك: ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت
~~الرؤيا﴾ (4) فمنعه من الذبح، وفداه بذبح عظيم، وهذا هو نسخ الشئ قبل
~~وقت الفعل.
# ومنها: ما روي أن الله تعالى أوجب على نبينا عليه السلام ليلة المعراج
~~خمسين صلاة ثم أزالها إلى خمس قبل وقت الفعل.
# قالوا: وقد صالح النبي عليه السلام قريشا على رد النساء، ثم نسخه قبل وقت
~~الفعل.
# والجواب عن الأول: أنه ليس في الآية أنه يثبت ما محا، ويمحو ما أثبت، ولا
~~يمتنع عندنا أن يمحو غير ما أثبت ويثبت غير ما محا فأي تعلق لهم بالظاهر؟
# PageV02P522
# وليس المراد بذلك النسخ لان ظاهره لا يقتضي ذلك.
# وقد قيل: أنه يمحو ما يشاء مما يثبته الملك الموكل بالعبد في الصحيفة من
~~المباحات، ويثبت ما يشاء مما يستحق عليه ثواب أو عقاب. ms282
# وقد قيل في تأويله غير ذلك مما قد بين في التفاسير (١).
# والجواب عما تعلقوا به ثانيا من أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح
~~ابنه:
# أنه إنما أمر بمقدمات الذبح من الاضجاع، وأخذ الحديد، وشد اليد والرجل،
~~وغير ذلك، وقد يسمى مقدمة الشئ باسمه كما يسمى المريض المدنف بأنه ميت،
~~فجاز أن يقول: ﴿انى أرى في المنام
~~اني أذبحك﴾ (٤) ومراده ما قلناه.
# ويدل على صحة ذلك: ما قدمناه من دليل العقل في أنه لا يجوز أن يأمر بالشئ
~~ثم ينسخه قبل وقت الفعل (٢).
# ويدل عليه أيضا: قوله ﴿صدقت
~~الرؤيا﴾ (٣) فلو كان المراد به الذبح على الحقيقة لكان لا يكون مصدقا،
~~ولما ذبح، فدل على أن المأمور به ما قدمناه.
# وليس لاحد أن يقول: إذا كان الذبح غير مأمور به، فكيف نقول للذبيح:
# (فانظر ماذا ترى) (٤) وهذا كلام جزع؟، وكيف قال: ﴿ان هذا لهو البلاء المبين﴾ (5) ومقدمة الذبح ليس
~~فيها كل ذلك، وكيف فدى بذبح عظيم وليس المأمور به الذبح؟
# وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما امر بمقدمات الذبح، وكان في العادة أن
~~مثل ذلك يراد بالذبح، ظن أنه سيؤمر بالذبح، فلذلك قال ما قال، فأما الفداء
~~فلا يمتنع أن يكون ذبحا ويكون فداء عن الذي ظن أنه يؤمر به من الذبح أو عن
~~مقدمة الذبح، لان الفداء لا يجب أن يكون من جنس ما فدى به، ألا ترى أن
~~الهدي يفدى به حلق الرأس
# PageV02P523
# وان لم يكن من جنسه.
# وقال قوم: إنه أمر بالذبح على الحقيقة وإنه كان يذبح، ثم كان يلتحم ما
~~ذبح إذا تجاوز موضع الذبح، فإذا قد فعل ما امر به، ولم يسقط عنه.
# وهذا قريب، والأول أقوى (1) فأما من قال: أنه جعل صفحة عنقه نحاسا فامتنع
~~الذبح عليه! فلا يصح، لأنه يقتضى الامر بما يمنع منه، وذلك قبيح لا يجوز
~~على الله تعالى على ما قدمنا القول فيه.
# والجواب عما ms283 تعلقوا به ثالثا من الخبر: فأول ما فيه أنه خبر واحد ولا
~~يجوز أن يتعلق بمثله فيما طريقه العلم به، على أنه فاسد من وجوه:
# منها: أنه يوجب نسخ الشئ قبل أن يعلم المكلف أنه مأمور به، لأنه في
~~الحديث أنه نسخ عنهم ذلك تلك الليلة.
# ومنها: أنه يوجب نسخ شئ عنهم من حيث أشار به موسى عليه السلام، وسأل
~~محمدا صلى الله عليه وآله أن يخفف عن أمته، والتكليف لا يتعلق باختيار
~~الأنبياء، ولا يؤثر فيه مسألتهم التخفيف فيه.
# ومنها: أن في الخبر من التشبيه ما يقتضى أنه موضوع لا أصل له، وان كان
~~فيه ما لا يمتنع أن يكون صدقا.
# والجواب عما تعلقوا به رابعا من أنه نسخ وجوب رد النساء على المشركين قبل
~~فعله، فهو أنه عليه السلام لم يكن شرط لهم أن يرد عليهم النساء أبدا ولا
~~إلى وقت بعينه فنسخ قبل ذلك، بل أطلق ذلك اطلاقا، ولا يمتنع أن يكون
~~المصلحة اقتضت امضاء ذلك إلى الوقت الذي نسخه، ولو كان قبل ذلك لم ينسخ ولو
~~هاجرت امرأة قبل ذلك لكان يردها عليهم، وهذا لا ينافي ما قدمناه.
# PageV02P524
# فأما من تعلق في هذا الباب بنسخ تقديم الصدقة قبل المناجاة (1) فغلط،
~~لأنه إنما نسخ عز وجل قبل الفعل لا قبل وقته، لأنهم عصوا إلا عليا عليه
~~السلام، فلم يفعلوا ما أمر الله تعالى به في وقته فنسخ عنهم، وهذا جائز
~~عندنا.
# وقد يتعلق في هذا الباب بأخبار آحاد لا يصح التعويل عليها في مثل هذه
~~المسائل، أو بشئ ليس بنسخ قبل وقت الفعل، وإنما هو نسخ قبل الفعل فينبغي أن
~~يعرف هذا الباب ويتأمل في ما يرد منه إن شاء الله فإنه لا يختل على من ضبط
~~أصل هذا الباب.
# فأما الذي يدل على أن النسخ قبل الفعل يجوز (2) على ما قدمنا القول فيه،
~~فهو:
# PageV02P525
# أنه متى امر بالفعل في وقت وتقضى وقته، فغير ممتنع أن ينهى عن أمثاله،
~~كما كان لا يمتنع أن ينهى عن ذلك ms284 لو فعل، لان ما ينهى عنه انما ينهى عنه
~~لأنه مفسدة له في التكليف، فتقدم فعله لما امره به، أو تركه له لا يؤثر في
~~ذلك، ولذلك نسخ تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
~~عمن أوجب عليه وإن لم يفعلوه وعصوا فيه، وما روي من أن أمير المؤمنين عليه
~~السلام فعله (1) لا يخرج غيره من أن يكون حاله ما وصفناه، فالتعلق بذلك غير
~~صحيح.
# وإنما ذكرنا هذا الفصل عقيب المسألة الأولى لان في المتفقهة (2) من يقول:
~~إن النسخ قبل الفعل لا يجوز، ويظن أن ذلك يجرى مجرى النسخ قبل وقت الفعل!،
~~وبينهما من الفرق ما قدمناه.
# PageV02P526
# فصل NoteV02P527N06 " في أن الزيادة في النص هل يكون نسخا أو لا؟ " ذهب
~~أبو علي وأبو هاشم إلى أن الزيادة في النص ليست بنسخ على كل حال،
# PageV02P527
# وهو مذهب كثير من أصحاب الشافعي (1). ومنهم من قال إنه نسخ إذا كان
~~المزيد عليه قد دل على أن ما عداه بخلافه، مثل أن يكون النص الثمانين في حد
~~القاذف يدل عنده على أن ما فوقه ليس بحد، فإذا زيد عليه كان نسخا من هذا
~~الوجه (1).
# وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن الزيادة على النص إذا اقتضت بغير حكم
~~المزيد عليه في المستقبل كان (2) نسخا، وإن لم تقض ذلك لم يكن نسخا (2)،
~~وحكي ذلك عن أبي الحسن.
# والذي اختاره سيدنا المرتضى، واليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمهما
~~الله من قبل، وهو الذي ذكره عبد الجبار بن أحمد في " العمد " (3) أن
~~الزيادة على ضربين:
# أحدهما: يغير حكم المزيد عليه حتى لو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان
~~يفعل قبل الزيادة لما كان مجزيا، ووجب إعادته فذلك يوجب نسخ المزيد (1).
# والاخر: هو الذي لا يغير حكم المزيد عليه، ولو فعل بعد الزيادة على الحد
~~الذي كان يفعل قبلها لكان مجزيا، وانما يجب أن يضاف إليه الزيادة، فما هذا
~~سبيله
# PageV02P528
# لا يوجب نسخ المزيد عليه (1) وهذا هو الصحيح.
# فمثال القسم الأول: أن ms285 يوجب الله الصلاة ركعتين (2) ثم يضيف إليهما
~~ركعتين اخريين حتى يصير الفرض أربعا، فإن ذلك يوجب نسخ الركعتين، لان بعد
~~هذه الزيادة معلوم من حال الركعتين أنهما لا يجزيان، فمتى لم يضف إليهما
~~الركعتين، وجب إعادة الصلاة من أولها، فكذلك روي عن عائشة أنها قالت " كانت
~~الصلاة ركعتين فزيد في صلاة الحضر " (3).
# وانما قلنا: إن هذا نسخ لان الفعل الأول إذا وقع على الحد الذي كان واجبا
~~قبل الزيادة صار كأنه لم يكن، ومتى فعل مع الزيادة صح، فصار هو مع الزيادة
~~بمنزلة حكم فساد الأول في أنه يجب أن يكون ناسخا له.
# واما مثال القسم الثاني: فهو زيادة النفي على حد الزاني للبكر، وزيادة
~~الرجم على حد المحصن، وإنما قلنا إن هذا ليس بنسخ لان الحد المفعول في
~~الحالين لا يختلف وإنما يجب ضم الزيادة ولم يجب استئنافه، لان هذه الزيادة
~~الواردة في حكم زيادة (4) ثانية في أنها لم تؤثر في حال المزيد عليه، الا
~~ترى أنه لو فعل الأول بعد الزيادة على الحد الذي كان يفعله قبلها لكان ذلك
~~مجزيا، وإنما يجب أن يضم إليه الزيادة فحسب، ففارق حكم هذا القسم الأول.
# وكذلك لو زيد في حد القاذف عشرون لما أوجب ذلك نسخا لان الثمانين إذا
~~فعلت بعد ما زيد عليه من غير أن يضم الزيادة إليها أجزأ، كما كان يجزى لو
~~فعلت ولما زيد عليها شئ، وانما يجب ضم الزيادة عليها فقط.
# فإن قيل: فهذا أوجب ذلك كونه نسخا لان حد الثمانين كان يتعلق به رد
# PageV02P529
# الشهادة، فإذا زيد عليه العشرون لم يتعلق به ذلك، فقد تغير حكمه الشرعي
~~فوجب أن يكون نسخا.
# قيل له: إن رد الشهادة لا يتعلق عندنا بإقامة الحد وإنما يتعلق بالقذف
~~الذي يوجب التفسيق دون إقامة الحد كما أن رد الشهادة يتعلق بسائر أفعال
~~الفسق دون إقامة الحد الجواب فيه مثل شرب الخمر، واللواط، والسرقة، وغير
~~ذلك، فسقط السؤال.
# ولو سلم ان رد الشهادة يتعلق بإقامة الحد ما أوجب ذلك نسخا لان ms286 رد
~~الشهادة عبادة أخرى منفصلة عن إقامة الحد فيه، ألا ترى أن الحد فيه يصح وإن
~~لم يرد الشهادة.
# فإذا صح ذلك لم يوجب نسخ المزيد عليه، وصار ذلك بمنزلة إباحة تزويج
~~المعتدة إذا انقضت عدتها في أن عدتها وإن زيد فيها أو نقص منها لا يوجب
~~نسخا لذلك، لأنه حكم اخر يتعلق بانقضاء العدة، طالت العدة أم قصرت، فتغير
~~العبادة لم يوجب نسخه وكذلك لو تغير حكم ستر العورة، والوضوء، والقبلة في
~~الصلاة ما أوجب ذلك نسخ الصلاة، فكذلك القول في رد الشهادة فإن قيل: أليس
~~حد القذف إذا كان ثمانين، فمتى فعل ذلك يكون قد استوفى الحد، فإذا زيد عليه
~~عشرون لم يكن بفعل الثمانين استوفى الحد، فوجب لذلك أن يكون نسخا؟
# قيل له: هذا كلام في عبارة (1) لان تحصيله (2) أنه يجب على الامام أن يضم
~~إلى الثمانين عشرين حتى يكون قد استوفى الحد الواجب، وقد بينا أن ذلك لا
~~يوجب نسخا.
# فإن قيل: فيجب على هذا أن تقولوا إن النقصان من العبادة إذا اقتضى ألا
~~تصح
# PageV02P530
# العبادة إذا أتى بها على حد ما كان يؤتى بها من قبل أن يكون نسخا؟
# قيل له: كذلك نقول، وسنبينه بعد هذا الفصل انشاء الله تعالى.
# فأما زيادة الشرط في بعض العبادات، فإنه لا يوجب النسخ إذا كان منفصلا من
~~العبادة، وتصح من دونه، لأنه إذا كان كذلك صار في حكم عبادة أخرى ويفارق
~~ذلك ما قلناه من الصلاة من أن زيادة ركعة فيها تقتضي النسخ، لان الصلاة بعد
~~الزيادة تصير مع المزيد في حكم الشئ الواحد، فلم يكن ذلك موجبا للنسخ.
# وإذا (1) ثبت (2) ما قدمناه، فكل زيادة تصح دون المزيد عليه، أو يصح
~~المزيد عليه دونها، فأحدهما لا يوجب نسخ الاخر، كما أن زيادة صلاة على ما
~~أوجب الله تعالى من الصلوات لا يقتضى نسخا لها فأما الكفارات الثلاث المخير
~~فيها، فمتى فرضنا ان الله تعالى زاد فيها رابعا، فان ذلك يوجب نسخ تحريم
~~ترك الثلاثة، لأنه كان من قبل ms287 يحرم تركها أجمع، والآن لا يحرم، ولكن لا
~~يقتضى ذلك نسخ الكفارات الثلاث، لما قدمناه من أنها لو فعلت على الحد الذي
~~فعلت قبل العبادة بالرابعة لكانت واقعة موقعها فلم توجب ذلك نسخا.
# فإن قيل: فما قولكم في الذي تذهبون إليه من وجوب الحكم بالشاهد واليمين،
~~يقتضى ذلك نسخ ما أوجب الله تعالى من الحكم بالشاهدين أو بشاهد وامرأتين؟
# فان قلتم: ذلك قلتم بجواز نسخ القرآن بخبر الواحد، وذلك خلاف مذهبكم، بل
~~هو خلاف الاجماع!
# وان قلتم: أن ذلك ليس بنسخ، بينوا القول فيه؟
# قيل له: إن ذلك ليس بنسخ لان القرآن إذا دل على أن الحكم بالشاهد الواحد
~~لا يتم إلا بأن يضاف إليه الثاني، أو تضاف امرأتان لا يمنع من قيام الدلالة
~~على كون غيره شرطا فيه، وقد أجمعت الطائفة المحقة على جواز ذلك، فكان ذلك
~~موجبا
# PageV02P531
# للعلم، وخرج من باب خبر الواحد الذي ذكره السائل. وأما تقييد الرقبة
~~الواجبة في الظهار بالايمان فقد تقدم القول فيه (1).
# وأما من قال: إن زيادة العشرين في حد القاذف نسخ له، وان تقييد الرقبة
~~بالايمان نسخ، فهو موافق لمن أنكر أن يكون ذلك نسخا في المعنى، لأنهما معا
~~يقولان: ان الدليل الأول يقتضى جواز الكافرة واقتضى كون الحد ثمانين وإن
~~الدليل الثاني دل على أن الحد مائة وأن الرقبة الكافرة لا تجزى وإنما
~~يختلفان في العبارة، وأحدهما يعبر عن ذلك بأنه نسخ، والاخر يعبر عنه بأنه
~~تخصيص، فلا طائل في ذلك.
# فإن قيل: من جعله نسخا لا يقبل فيه خبر الواحد، ومن جعله تخصيصا يقبل خبر
~~الواحد فيه والقياس؟
# قيل له: أما على مذهبنا فلا يقبل في الموضعين خبر الواحد ولا القياس على
~~ما مضى القول فيه (2).
# ومن أجاز خبر الواحد في التخصيص وأبى قبوله في النسخ، فلخصمه أن يقول له:
~~إذا قلت لا أقبل خبر الواحد فيه لأنه نسخ، ولم يرجع في أن ذلك نسخ إلا إلى
~~ما وافقتك عليه في المعنى الذي ليس بنسخ عندي، فعليك أن تدل على ms288 ذلك، وأنه
~~لا يجوز قبول خبر الواحد فيه!
# فإن عنيت بقولك إنه نسخ من حيث إنه لا يقبل فيه خبر الواحد والقياس، كنت
~~بانيا (3) للشئ على نفسه، وذلك غير صحيح.
# فأما من يقول إن الزيادة نسخ على كل حال (4)، فيقول فيما ثبت من الزيادة
~~التي علم أنه ليست نسخا أن ذلك اقترن بحال الخطاب فلم يوجب ذلك نسخا، وذلك
~~نحو وجوب النية في الصلاة ونحو كون الرقبة سليمة من العيوب التي تمنع من
# PageV02P532
# إجزائها، وغير ذلك من المسائل.
# ويقول: ان الزيادة إنما توجب النسخ إذا دل عليها ما يصح النسخ به.
# ويقول: إذا دل خبر الواحد أو القياس على نسخ شئ من القرآن، وجب رده لان
~~نسخ القرآن بذلك لا يجوز.
# وعلى هذا يبنى المسائل في الفروع كل واحد (1) على ما يذهب إليه (2).
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV02P533
# فصل NoteV02P534N07 " في أن النقصان من النص هل هو نسخ أم لا؟ والخلاف
~~فيه " (1) حكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي أنه كان يقول: إن
~~العبادة إذا نسخ بعضها لا يكون ذلك نسخا لجميعها ويجرى ذلك مجرى العموم إذا
~~خص أو
# PageV02P534
# استثني منه فإن ذلك لا يكون تخصيصا للكل، فكان يعتل لذلك بأن القبلة نسخت
~~بالقبلة، ولم يوجب ذلك نسخا للصلاة وكان يلحق بذلك صيام عاشوراء ونسخه بشهر
~~رمضان ويقول: إن النسخ تناول الوقت لا العبادة، وأن الواجب من الصوم في شهر
~~رمضان هو الذي كان واجبا في عاشوراء وكان يجعل ذلك أصلا في أن الشرط الحاصل
~~للعبادة الأولة يجب أن يكون حاصلا للثانية أيضا ويقول: إذا كان المتقرر في
~~صوم عاشوراء أنه يجوز بنية غير مبنية فكذلك يجب في رمضان لأن صوم رمضان هو
~~صوم عاشوراء وإنما نسخ وقته.
# وذهب بعضهم: إلى أن النقصان من العبادة يقتضى النسخ وفي كلام الشافعي ما
~~يدل على ذلك.
# ولا خلاف ان النقصان يقتضى نسخ ما أسقط، لأنه كان واجبا في جملة العبادة
~~ثم أزيل وجوبه، وانما الخلاف في أنه يقتضى نسخ ms289 ما بقى من العبادة أم لا؟
# والذي ينبغي أن يعتمد في هذا الباب أن يقال العبادات الشرعية قد تكون
~~جملة ذات شروط كالصلاة، وتكون فعلا واحدا وله شروط، وقد يكون فعلا مجردا عن
~~الشرط.
# فإذا كانت العبادة فعلا واحدا، فالنسخ انما يصح فيها بأن يسقط وجوبها،
~~ولا يصح ان ينسخ بعضها لأنه لا بعض لها.
# فاما نسخ شروطها، فإنه لا يوجب نسخها، وكذلك نسخ شروط الجملة التي هي ذات
~~شرط لا يوجب نسخها، لان من حق الشروط أن يكون في حكم التابع للمشروط، لأنه
~~يجب لأجله، وليس في نسخه تغيير حال المشروط، وهذا مثل أن ينسخ الطهارة فان
~~ذلك لا يوجب نسخ الصلاة، بل يجب بقاء حكم الصلاة على ما كان عليه من قبل.
# فاما إذا نسخ بعض تلك الجملة كنسخ القبلة، أو كنسخ ركوع، أو سجود فان ذلك
~~يوجب نسخ الجملة لان تلك الجملة في المستقبل لو أوقعت على الحد الذي كانت
~~واجبة أو لا لم تجز ووجب اعادتها، فصار نقصان القبلة بمنزلة اخراج الصلاة
~~من PageV02P535
# كونها واجبة وجائزة، فلذلك وجب أن يكون نسخا، وهو بمنزلة الزيادة أيضا في
~~هذا الوجه، فيجب أن يكون مثلها في أنه نسخ فان قيل: ان القبلة إذا نسخت فما
~~بقي من الصلاة هي عبادة مبتدأة لم يكن مثلها (١) من قبل واجبا، فكيف يصح أن
~~يقولوا: انه نسخ؟
# قيل له: وان لم يجب الصلاة من قبل على هذا الوجه، فما كان واجبا من قبل
~~من الصلاة لو فعل الان لم يجز، فوجب أن يكون اسقاط القبلة نسخا له من هذا
~~الوجه.
# فاما صوم عاشوراء، فإنما يقال انه نسخ برمضان، بمعنى انه عند سقوط وجوبه
~~امر بصيام رمضان مما نسخ له، لان الحكم انما ينسخ حكما اخر إذا لم يصح ان
~~يجتمعا على وجه، فاما إذا صح وجوب الثاني مع الأول، ويمكن فعلهما جميعا
~~فأحدهما لا يكون ناسخا للاخر ولذلك قلنا: ان قول الله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ ms290
~~(2) لا يعلم وجوب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، لان اجتماع الوصية
~~والميراث لهما غير منكر، بل هو الصحيح الذي نذهب إليه، ومن خالفنا في ذلك
~~يرجع إلى ما يروى (3) من قول النبي عليه السلام: " لا وصية لوارث " (4)
~~ويدعى ان ذلك مجمع عليه، وعندنا ان هذا خبر واحد لا ينسخ به ظاهر القران.
# ولو سلم ان صوم عاشوراء نسخ - في الحقيقة - برمضان (5)، لما صح ان يصرف
~~النسخ إلى الوقت، لان من حق النسخ ان يتناول الافعال الواقعة في الأوقات لا
~~الأوقات نفسها، لأنها ليست من فعل المكلف
# PageV02P536
# فصل NoteV02P537N08 " في نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة ونسخ الاجماع
~~والقياس وتجويز القول في النسخ بهما " لا خلاف بين أهل العلم ان نسخ الكتاب
~~بالكتاب يجوز (3)، والعلة في ذلك بينة، وذلك لأنهما في وجوب العلم والعمل
~~سواء، فكما يجوز تخصيص أحدهما بصاحبه، فكذلك يجوز نسخ أحدهما بالآخر.
# ولا يلزم على ذلك دليل العقل الذي لا ينسخ الكتاب به، لأنا قد بينا ان من
~~شرط النسخ أن يكون واقعا بدليل شرعي.
# فاما معنى النسخ: فقد يقع بدليل العقل، وقد وقع ما قلنا انه، جائز لان
~~الله تعالى نسخ الاعتداد حولا بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا، ونسخ الصدقة قبل
~~المناجاة، ونسخ ثبات الواحد للعشرة، كل ذلك بالكتاب، وان كان المنسوخ به
~~ثابتا.
# PageV02P537
# اما السنة: فإنما تنسخ بالسنة أيضا إذا تساويا في الدلالة فان كانت
~~الأولى من اخبار الآحاد، فعلى مذهبنا ذلك ساقط، لأنا لا نعمل بها، وعلى
~~مذهب الفقهاء يجوز نسخها بمثلها، لأنهما إذا كان طريقهما العلم فحكمهما حكم
~~الكتاب.
# وان كانا مما طريقهما العمل فحالهما أيضا متساوية فيجب صحة نسخ أحدهما
~~بالأخرى، وقد وقع ذلك أيضا على ما روى أن النبي عليه السلام: " نهى عن
~~ادخار لحوم الأضاحي وزيارة القبور " (1) نسخ ذلك فأباح الزيارة والادخار
~~للحوم الأضاحي (2)، ولا فصل بين نسخ قوله بفعله، أو قوله بقوله، وقد وقع
~~ذلك عند الفقهاء لأنه كان امر عليه السلام - على ما روى - بقتل شارب الخمر
~~في المرة الرابعة، ثم اخذه ms291 وقد شرب رابعة فحده ونسخ به قوله (3).
# وعندنا ان هذا الحكم غير منسوخ، بل هو ثابت.
# واما نسخ الكتاب بالسنة، ونسخ السنة بالكتاب فسنبين القول فيه إن شاء
~~الله (4).
# واما الاجماع: فعندنا لا يجوز نسخه، لأنه دليل لا يتغير، بل هو ثابت في
~~جميع الأوقات، لان العقل عندنا يدل على صحة الاجماع، وما هذا حكمه لا يجوز
~~تغيره فيطرق عليه النسخ.
# PageV02P538
# وكذلك لا يصح النسخ به، لان من شأن الناسخ أن يكون دليلا شرعيا متأخرا عن
~~المنسوخ، وذلك لا يتأتى في الاجماع على مذهبنا، فجرى ذلك مجرى أدلة العقل
~~التي لا يجوز النسخ بها على ما مضى القول فيه.
# واما على مذهب الفقهاء فلا يجوز أيضا نسخه، لأنه دليل قد استقر بعد
~~ارتفاع الوحي، ومعلوم ان بعده لا يصح النسخ، فيجب امتناع النسخ فيه (1).
# وكذلك لا يصح النسخ به لمثل ما قلناه نحن، من أن من شأن الناسخ أن يكون
~~متأخرا عن المنسوخ، والحكم إذا كان ثابتا فلا يجوز أن يجمع الأمة بعد ذلك
~~على خلافه، لان ذلك يؤدى إلى بطلان الاجماع (1) فاما إذا اجمعوا على شئ ثم
~~ورد الخبر بخلافه، نحو اجماعهم على أن " لا غسل على من غسل ميتا " (2) على
~~مذهبهم. " ولا وضوء على حامله " (2) وقد وردت السنة به (3)، فإنما يستدل
~~بالاجماع على أن الخبر غير صحيح ولا يجب قبوله.
# واما أن يكون منسوخا به فلا (1)، وانما قالوا ذلك: لأنه لو كان صحيحا لما
~~أجمعت الأمة على خلافه، لأنهم يتبعون الأدلة ولا يخالفونها، أو يستدل
~~بالاجماع على أنه نسخ بغيره لا به نفسه.
# فان قيل: فهل يجوز أن ينسخ اجماعهم على قولين باجماعهم على أحدهما؟
# PageV02P539
# لان هذ الاجماع قد دل على أن القول الاخر الذي سوغوه من قبل القول به قد
~~حرم القول به، وهذا نسخ للاجماع.
# قيل له: هذا يسقط على مذهبنا، لأنهم إذا اجمعوا على أن كل واحد من
~~القولين جائز لا يجوز أن يجمعوا بعد ذلك على أحد القولين، لان ذلك ينقض
~~الاجماع الأول.
# وانما ms292 يصح ذلك على مذهب من قال بالاجتهاد (1) بأن يقول: قالوا بقولين من
~~طريق الاجتهاد ثم أداهم الاجتهاد إلى قول واحد، وعلى هذا أيضا لا يكون ذلك
~~نسخا، لأنهم انما سوغوا القول بالأول بشرط أن لا يكون هناك ما يمنع من
~~الاجتهاد، كما أن من غاب عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنما يجتهد في
~~المسألة بشرط أن لا يكون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص، فإذا وجد
~~الاجماع على أحدهما عدم الشرط الذي له جوزوا القول بالآخر فخرم القول به
~~لهذه العلة لا لأنه منسوخ.
# واما القياس: فعندنا انه غير معمول به في الشرع على ما ندل عليه في
~~المستقبل، فلا يصح نسخه ولا النسخ به.
# واما على مذهب من قال بالعمل به، فلا يصح أيضا نسخه (2)، لأنه يتبع
~~الأصول فما دامت الأصول ثابتة فنسخه (3) لا يصح (4).
# والنسخ به لا يصح أيضا، لان من شرط صحته أن لا يكون في الأصول ما يمنع
# PageV02P540
# منه فلو جوزوا نسخ الأصول به، لجوزوا نسخ الأصول بقياس لم يوجد على الشرط
~~الذي يصح عليه (1).
# فاما الاجتهاديات (2) على مذهب الفقهاء: فلا يصح النسخ فيها، لأنه يجوز
~~أن يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد ويجوز أن لا يرجع.
# وليس يجوز أن يقال: ان أحد القولين ينسخ الاخر، ولذلك قال معاذ: " اجتهد
~~رأيي إذا لم أجد في الكتاب ولا في السنة (3) وكذلك غيره من الصحابة كانوا
~~يتركون اجتهادهم للنصوص.
# واما فحوى القول: فلا يمتنع نسخه لان اللفظ يدل عليه كما يدل على ما
~~يتناوله صريحة.
# فان قيل: هل يجوز أن ينسخ ما يقتضيه فحوى الخطاب مع ثبوت صريحه؟، كان
~~ينسخ ضرب الوالدين ويبقى تحريم قوله لهما أف.
# قيل له لا يمتنع، ويفارق القياس لان نسخه مع ثبات أصله لا يصح، لان بصحة
~~الأصل يصح الفرع، فما دام ثابتا فيجب صحته.
# وكذلك لا يجوز بقاء القياس مع نسخ أصله لما ذكرناه من العلة (1).
# ومن الناس من منع من ذلك وقال: لا يجوز ان يثبت صريحه ويرتفع ms293 فحواه، لان
~~ذلك مناقضة ويستحيل في العرف، لأنه لا يجوز أن يقال: " فلان لا يظلم مثقال
~~ذرة " وهو يظلم القناطير، أو " فلان لا يأكل رغيفا " ثم يقول: " هو يأكل
~~مائة رطل "، فإذا
# PageV02P541
# كان كذلك فدخول النسخ في ذلك لا يصح.
# واما النسخ باقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الفعل فسنبين في
~~باب الافعال إن شاء الله. PageV02P542
# فصل (9) " في ذكر نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن " ذهب المتكلمون
~~بأجمعهم من المعتزلة وغيرهم، وجميع أصحاب أبي حنيفة، ومالك، إلى أن نسخ
~~القرآن بالسنة المقطوع بها جائز (1)، واليه ذهب سيدنا المرتضى (2) (رحمه
~~الله).
# وذهب الشافعي (3) وطائفة من الفقهاء (4) إلى أن ذلك لا يجوز، وهو الذي
# PageV02P543
# اختاره شيخنا أبو عبد الله (1) (رحمه الله).
# ولا خلاف بين أهل العلم ان القرآن لا ينسخ باخبار الآحاد، الا أن من أجاز
~~نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها، يقول: كان يجوز نسخه أيضا باخبار الآحاد
~~ولكن الشروع منع منه، وهو الاجماع على أن خبر الواحد لا ينسخ به القران،
~~والا كان ذلك جائزا، كما ثبت عندهم تخصيص عموم القران وبيان مجمله باخبار
~~الآحاد.
# ولي في هذه المسألة نظر، الا اني أذكر ما تعلق به كل واحد من الفريقين
~~على ضرب من الايجاز:
# فاستدل (2) من قال بجواز ذلك: انه إذا أوجبت السنة المقطوع بها العلم
~~والعمل ساوت الكتاب في ذلك، فيجب جواز حصول نسخها كما يجوز أن يبين بها،
~~ويخص بها، وانما لا يجوز نسخه بخبر الواحد للاجماع الذي ذكرناه والا كان
~~ذلك جائزا.
# وقالوا أيضا: النسخ إذا كان واقعا في الاحكام التي هي تابعة للمصالح،
~~وكانت السنة في الدلالة على الاحكام كالقرآن لا يختلفان، فيجب جواز نسخه
~~بها.
# قالوا: ومزية القرآن في باب الاعجاز على السنة لا يخرجها من التساوي فيما
~~ذكرناه، يبين ذلك أن نسخ الشريعة انما يصح من حيث كان دلالة على أن الحكم
~~المراد بالأول أريد (3) به إلى غاية وقد علم أن قوله تعالى كذا وإذا كان
~~وحيا ولم يكن قرانا في باب الدلالة على ms294 ذلك كالقرآن، فكذلك حال السنة في
~~ذلك يجب أن يكون حال القرآن في جواز نسخ القرآن به، لان الذي يختص القرآن
~~به من الاعجاز لا تأثير له
# PageV02P544
# فيما به يصح النسخ من الدلالة على الحكم، لان نفى كونه معجزا مع كونه
~~قولا له تعالى لا يخرجه من أن يدل على الحكم كهو إذا لم تكن معجزا، الا ترى
~~ان قوله عليه السلام دلالة على الحكم وان لم يكن معجزا، فإذا صح ذلك لم يكن
~~بكون القرآن معجزا اعتبار، فوجب صحة نسخه بالسنة على ما قدمناه.
# واستدل من امتنع من جواز نسخه بالسنة بأشياء (١):
# منها قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك
~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٢)، قالوا:
# فجعله الله تعالى مبينا للقرآن، فلو نسخه لكان قد ازاله، والإزالة ضد
~~البيان.
# واعترض من خالف في ذلك بأن قال: انه إذا نسخه بالسنة فقد بين الوقت الذي
~~تزول فيه العبادة، وهذا في أنه بيان جار مجرى التخصيص، ولو لم يكن ذلك
~~بيانا لم يكن في وصف الله تعالى له بأنه مبين دليل على أنه لا يفعل ما ليس
~~ببيان، كما لا يدل على أنه لا يبتدى بأحكام شرعها.
# وقال أبو هاشم: ان معنى قوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، أي لتبلغ
~~وتؤدي لان " الأداء " بيان، ومتى حملنا الآية على هذا وفينا حقها في العموم
~~لأنه مؤد لكل ما انزل الله.
# ومتى حملت على البيان الذي هو التفسير حملت على التخصيص، وإذا أمكن حمل
~~الآية على العموم كان أولى من حملها على الخصوص (٣).
# واستدلوا أيضا بقوله: ﴿وإذا بدلنا
~~آية مكان آية﴾ (4) قالوا: فتبين انه تبدل الآية بالآية، وذلك يمنع من
~~أن ينسخ بالسنة.
# PageV02P545
# واعترض على ذلك من خالف بان قال: ليس فيه بأنه لا يجوز أن يبدل الآية الا
~~بالآية، فالتعلق به لا يصح ولأنه لا يدل على موضع الخلاف من نسخ حكم الآية
~~بالسنة، لأنه انما ذكر ان الآية تبدل بالآية ولم ms295 يذكر الحكم.
# واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وقال الذين لا
~~يرجون لقائنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء
~~نفسي﴾ (١) فبين ان تبديله لا يقع الا بالكتاب.
# وقال من خالف في ذلك: ان قوله تعالى: (قل ما يكون لي ان أبدله من تلقاء
~~نفسي) يدل على أنه لا تنسخ الآية الا بوحي من الله تعالى قرآنا كان أو غير
~~قرآن، وكذلك نقول لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينسخ القرآن من قبل
~~نفسه على حال.
# وأقوى ما استدلوا به في هذا الباب قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من اية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾
~~(٢)، فاستدلوا بهذه الآية من وجوه:
# منها: ما ذكره أبو العباس بن سريج (٣) انه قال: لما قال الله تعالى: (نأت
~~بخير منها أو مثلها) احتمل أن يراد به الكتاب، واحتمل غيره، فلما قال بعده:
~~﴿ألم تعلم أن الله على كل شئ
~~قدير﴾ (4) علم أنه أراد بما تقدم ما يختص هو بالقدرة عليه، وهو القرآن
~~المعجز، فكأنه قال: (نأت بخير منها أو مثلها) مما نختص بالقدرة عليه.
# ومنها: انه تعالى قال: (نأت بخير منها أو مثلها) فأضاف ما نسخ به الآية
~~إلى نفسه والسنة لا تضاف إليه تعالى في الحقيقة.
# ومنها: ان الظاهر في الاستعمال انه إذا قيل لاحد: " لا آخذ منك ثوبا الا
~~أعطيك خيرا منه " انه يراد به من جنس الأول، وكذلك قوله: (ما ننسخ من آية
~~أو ننسها) لما ذكر في الأول آية فيجب أن يكون هي المراد بقوله: (نأت بخير
~~منها أو مثلها) فكأنه
# PageV02P546
# قال: نأت بآية خير منها أو مثلها ومنها: ان الآية انما تكون خيرا من
~~الآية بأن تكون أنفع منها، والمنفعة بالآية تقع بتلاوتها وبامتثال حكمها،
~~فيجب أن يكون ما يأت به يزيد في النفع على ما ينسخه، ولا يكون زائدا عليه
~~الا ويحصل به النفع من ms296 كلا الوجهين، والسنة لا يصح ذلك فيها.
# وذكر من خالف هذا المذهب في تأويل هذه الآية وجها قويا وهو المحكي عن أبي
~~هاشم وهو انه قال (1): " ليس في قوله: (نأت بخير منها) دلالة على أن ما
~~يأتي بها هو الناسخ، لأنه لم يقل نأت بخير منها ناسخا، فيجوز أن ينسخ الآية
~~بشئ اخر ثم يأت بخير منها وأجاب من نصر المذهب الأول عن هذا بان قال: إذا
~~ثبت انه لابد أن يأتي بآية أخرى، وكل من قال بذلك قال لأنها تكون ناسخه،
~~وليس في الأمة من قال لابد من أن يأتي بآية أخرى وإن لم يكن ناسخه، لان من
~~جوز نسخ القرآن بالسنة قال: يجوز ان ينسخه بالسنة وان لم يأت بآية أخرى،
~~وكل قول خالف الاجماع وجب اطراحه.
# واعترضوا (2) على الاستدلال بالآية أيضا بان قالوا: قوله: (ما ننسخ من
~~اية أو ننسها نأت بخير منها) يقتضى ثبوت النسخ قبل الاتيان بخير منها، فلو
~~كان النسخ بما يأتي به يقع، لما صح حصول نسخ الآية قبل أن يأتي بخير منها.
# ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يقول: نأت بخير منها ناسخا
~~وأن تقدم قوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها)، كما أن القائل إذا قال: " انا
~~لا أبطل الحركة الا وافعل السكون "، " ولا يعدم السواد عن المحل الا ويطرؤ
~~عليه البياض "، وان كان المبطل للسواد هو البياض الطارئ وكذلك المبطل
~~للحركة السكون الذي يطرأ عليه، فكذلك القول في الآية.
# PageV02P547
# واعترض أيضا على الاستدلال بالآية بأن قالوا: ليس في ظاهر الآية نسخ حكم
~~الآية، وهو موضع الخلاف، وهذا أيضا يسقط بالاجماع، لان أحدا لا يفصل بين
~~نسخ الآية وبين نسخ حكمها، فمن فصل بينهما كان مخالفا للاجماع.
# وقالوا أيضا: ان نسخ الآية انساؤها إذا حمل على أن المراد به انه ينسيه
~~عن صدور الرجال، فالله تعالى هو الفاعل لذلك فلا يصح وقوع ذلك بالسنة.
# ومتى حمل على أن المراد به أن يبين ان تلاوتها ليس بطاعة، فذلك ms297 يصح
~~بالسنة والقرآن جميعا.
# ولمن نصر الأول أن يقول: انا احمل الآية على الامرين جميعا، على أنه لا
~~ينسها عن صدور الرجال الا الله، ولا يبين ان تلاوتها ليس بطاعة الا بقرآن
~~آخر خير منه أو مثله، وان ذلك لا يقع بالسنة أصلا، لهذا الظاهر.
# واعترضوا أيضا الاستدلال بها بان قالوا: قولنا: " كذا خير من كذا "،
~~يستعمل بمعنى انه أنفع لنا منه، وانه وقد زاد في باب النفع على غيره وإذا
~~ثبت ذلك جاز أن يقال انه نأت بخير منها، أي بأنفع لكم منها، والمنفعة في
~~هذا الموضع هي (1) ما يستحق بالفعل من الثواب، وليس يمتنع أن يكون الثواب
~~بما يدل السنة عليه من الفعل أكثر مما يستحقه على الفعل الذي دلت الآية
~~عليه وعلى تلاوتها، فيجب من هذا الوجه صحة نسخ الآية بالسنة وان يستدل بنفس
~~الآية على ما نقوله.
# وأجاب من نصر المذهب الأول عن ذلك بان قال: فكان يجب على هذا التقدير ان
~~يقال بالاطلاق: ان السنة خير من القرآن، ويراد بذلك انه أكثر ثوابا، وفي
~~اطلاق ذلك خروج من الاجماع.
# واعترضوا على الوجه الأول من الاستدلال بالآية بان قالوا: قوله: (نأت
~~بخير منها) مضيفا ذلك إلى نفسه لا يدل على ما قالوه، لان عندنا النسخ انما
~~يقع بالوحي الذي إلى الله تعالى، به وان كان بالسنة فنستدل عليه ونعمله،
~~وقد أعطينا الإضافة
# PageV02P548
# حقها.
# وقالوا أيضا في الوجه الثاني: انه لا يمتنع أن يقول القائل: " آخذ منك
~~كذا وأعطيك ما هو أنفع منه " وان لم يكن من جنسه، لأنه قد يقول الرجل
~~لصاحبه مصرحا: لا آخذ منك كذا ثوبا الا وأعطيك ما هو خير منه من الدنانير
~~"، " ولا آخذ منك دارا الا وأعطيك ما هو أنفع لك منه من البستان " وغير
~~ذلك.
# وقالوا في الوجه الثالث من قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير﴾ (١): انما يريد
~~به انه قادر على أن ينسخ الآية بما يعلم أنه أصلح للعباد من ms298 المنسوخ، والذي
~~يختص بذلك هو الله تعالى.
# واستدل بعض أصحاب الشافعي على صحة ما ذهبوا إليه بان قالوا (٢):
# لا يجوز ذلك من جهة العقل لان في ذلك ارتيابا بالنبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿وإذ بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا
~~انما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون﴾ (3) ثم بين انه ليس يرفع هذا
~~بقوله، وان المبدل هو الله تعالى بما أنزله.
# وهذا غلط، لان الله تعالى ذكر انهم نسبوه إلى الافتراء عند تبديله الآية
~~بالآية، ان كان ما يلحقهم من الارتياب قد يمنع من نسخ الآية بالسنة، فيجب
~~أن يمنع من نسخ الآية بالآية أيضا، وكيف يمنع العقل من ذلك؟ ومن علم كون
~~القرآن معجزا يعلم صدقه، وعلمه بصدقه ينفى الارتياب بقوله إذا نسخ الآية
~~بالسنة، وليس نسخه بالسنة نسخا من تلقاء نفسه، بل هو نسخ له بالوحي النازل
~~عليه، فهو في الحكم كأنه نسخ آية بآية.
# وفي الناس من قال: ان العقل يجيز ذلك لكن لم يرد ذلك في السنة ولم
# PageV02P549
# يثبت (1).
# فهذا وجه، الا انه ليس بكلام في هذه المسألة لان صاحبها مقر بجواز ذلك،
~~وانما أنكر وجوده، فالواجب أن يبين له الوجود.
# ومن يذهب إلى ذلك فله أشياء يذكرها، فيتعلق بها، ربما ذكرناها ان عرض ما
~~يحتاج إليه، ولا يجوز له إذ يبين ذلك أن يتأوله، لأنه ليس بمستند إلى دليل
~~يصح له التأويل.
# واما من قال: انى لا أقول ان نسخ القرآن بالسنة جائز في العقل أو لا
~~يجوز، لان الجواز شك، وقد علمت بالشرع المنع منه، فذهاب عن معنى هذه
~~اللفظة، لان المراد بها ان نسخ القرآن بالسنة من القبيل الذي شك في حاله هل
~~يتعبد الله تعالى به أم لا؟ وانه من حيز ما لا يجوز ذلك فيه؟
# وهذا لا يصح الامتناع منه كما لا يصح الامتناع من أن يقول: كان يجوز أن
~~يتعبد الله تعالى بصلاة سادسة أو لا وان ms299 علمنا بالسمع انه لم يتعبد بها!
# وهذا جملة كافية في هذا الباب.
# واما نسخ السنة بالكتاب: فالظاهر من مذهب الشافعي (2) المنع منه، وهو
~~الذي صرح به في رسالتيه جميعا، وفي أصحابه من يضيف إليه جواز ذلك (3).
# والأول أظهر من قوله، لكنه لما رأى هذه المسألة تضعف على النظر جعل
# PageV02P550
# قولا اخر على حسب ما يفعله كثير منهم!! (1) واما الباقون من الفقهاء
~~والمتكلمين فعلى جواز ذلك (2). وتعلق من منع من ذلك بان قال: إذا لم يجز
~~نسخ القرآن الا بقرآن لمساواته له في الرتبة، فكذلك لا تنسخ السنة بالكتاب
~~لمثل ذلك، ولأنه جعل مبينا فلا يجوز أن تنسخ سنة القرآن، لان في ذلك اخراجا
~~له من أن يكون مبينا بل، يجب كون سنته مبينة بالقرآن.
# والذي يعتمد في ذلك جواز نسخ السنة بالقرآن، والذي يدل على ذلك أنه قد
# PageV02P551
# ثبت ان القرآن أقوى في باب الدلالة من السنة على الاحكام، فإذا كان أقوى
~~منها جاز نسخها (به كما جاز نسخها بالسنة) (١) التي هي دونها في القول.
# ومن ذهب إلى المنع من جواز نسخ القران بالسنة، وأجاز نسخ السنة بالقران
~~يقول: لم امنع من ذلك من حيث التساوي في باب الدلالة، بل امتنعت من ذلك
~~للآيات التي دلت على المنع من ذلك، والا كان ذلك جائزا، وان كان بعضه أدون
~~من بعض كما إذا كانا متساويين في باب الدلالة.
# ومن ذهب إلى الجواز في الموضعين كانت هذه الشبهة عنه ساقطة.
# فان قالوا: ان الله تعالى لو نسخ سنة نبيه عليه السلام باية ينزلها، لأمر
~~نبيه بأن يبين سنة ثانية ينسخ بها سنة الأولى لئلا يلتبس النسخ بالبيان.
# قيل له: ان الآية لا تخلو من أن تدل بظاهرها على نسخ السنة أو لا تدل
~~بظاهرها على ذلك:
# فان دل على ذلك، فالنسخ بها يقع والسنة تكون مؤكدة.
# وان لم يدل الا ببيان السنة جاز القول بالسنة، فان السنة (٢) تنسخ من حيث
~~كانت بها يعلم نسخ السنة الأولى.
# وإذا صح ذلك فما الذي يحوج ms300 إلى بيان سنة ثانية، والآية دالة بظاهرها على
~~نسخ السنة الأولى، وكيف يلتبس ذلك بالبيان؟ ومن حق البيان أن يكون بيانا
~~لما لا يعرف المراد به بظاهره، والنسخ بالضد منه، ومن حق الدليل أن لا
~~يتأخر عن المبين، والنسخ مخالف له.
# واما قوله: ﴿لتبين للناس ما نزل
~~إليهم﴾ (3) لا يمنع من أن ينسخ سنته بالقران، ولأنه ليس في نسخها به
~~اخراج لها من أن يكون قد بين ما أريد بها، وانما يبنى النسخ
# PageV02P552
# على أن نظائر ما أريد بها زال حكمه في المستقبل.
# ومما يبين جواز نسخ السنة بالقران وقوع ذلك، وهو ان تأخير الصلاة عن
~~أوقاتها في الخوف كان هو الواجب أولا ثم نسخ ذلك المنع من تأخيرها بقوله
~~تعالى:
# ﴿فإذا خفتم فرجالا أو ركابنا﴾
~~(١).
# فاما نسخ الكتاب بالكتاب: فقد وقع أيضا، وقد قدمنا الأمثلة في ذلك، ومن
~~ذلك أنه كان حد الزانية الامساك في البيوت حتى تموت بقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾
~~(٢) الآية، وحد الرجال الأذى، ثم نسخ ذلك بقوله:
# ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما
~~مائة جلدة﴾ (3).
# وذهب من خالفنا في ذلك إلى أن ذلك نسخ عن المحصن بالرجم.
# فاما على ما يذهب إليه أصحابنا فإنه تجتمع له الجلد والرجم جميعا، ولا
~~يسلمون أن أحدهما منسوخ.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV02P553
# فصل (١٠) " في ذكر الطريق الذي يعرف به الناسخ والمنسوخ، ومعرفة تاريخهما
~~" يعلم الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا بشيئين:
# أحدهما: أن يكون الثاني منبئا عن نسخ الأول لفظا، أو يقتضى ذلك من جهة
~~المعنى.
# ولهذين الوجهين تفصيل، واما يقتضيه ذلك لفظا فعلى وجوه: أحدهما: أن يرد
~~الخطاب بأن الثاني قد نسخ الأول، نحو ما روى أن رمضان نسخ عاشورا (١)، وان
~~الزكاة نسخت الحقوق الواجبة في الأموال (٢).
# وثانيها: أن يرد بلفظ التخفيف، نحو قوله تعالى: ﴿الان خفف الله عنكم﴾ (٣) في نسخ ms301 ثبات الواحد
~~للعشرة بالواحد للاثنين، ونحو قوله تعالى: ﴿أأشفقتم ان تقدموا بين يدي نجواكم صدقة فان لم
~~تفعلوا وتاب الله عليكم﴾ (4) فنبه بذلك على
# PageV02P554
# وجوب اسقاط ذلك.
# وثالثها: نحو ما روى عنه عليه السلام منن قوله: " كنت نهيتكم عن زيارة
~~القبور الا فزوروها، وعن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها " (1).
# وكل ذلك أدلة تقتضي زوال الحكم الثابت بنص متقدم عن نظائر ذلك، على وجه
~~لولاه لكان ثابتا بالأول، فيجب أن يكون ناسخا له والأول منسوخا به، وان
~~اختلف عبارته.
# واما ما يعلم ذلك من جهة المعنى: نحو أن يوجب الشئ ثم يوجب ما يضاده على
~~وجه لا يمكن الجمع بينهما بأي وجه علم ذلك من الألفاظ، فيعلم بذلك انه ناسخ
~~للأول، فعلى هذا يجرى هذا الباب.
# وقد يعلم أيضا الناسخ ناسخا ببيان إذا كان اللفظ والمعنى لا ينبئان عن
~~ذلك، وذلك نحو ما يقوله الفقهاء من نسخ الوصية للوالدين والأقربين باية
~~المواريث، لان بظاهر الآية لا يعلم نسخ ذلك، وانما يعلم ذلك على تسليم
~~بقوله عليه السلام: " ان الله تعالى قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث "
~~(2).
# وهذا وان كان عندنا غير صحيح، لان عندنا تصح الوصية للوارث، فإنما ذكرناه
~~لان ذلك وجه كان يمكن أن يقع به النسخ.
# واما طاووس (3) فذهب إلى أن الوالدين ثبت لهم الوصية إذا كانا كافرين،
~~فلم ينسخ الآية وانما خصصها بالخبر (4).
# PageV02P555
# واما تاريخ الناسخ والمنسوخ فيعرف من وجوه: أحدها: أن يكون في لفظ الناسخ
~~ما يدل على أنه بعده مثل ما قدمنا ذكره (1).
# ومنها: أن يكون الناسخ مضافا إلى وقت أو غزاة يعلم أنه بعد وقت المنسوخ.
# ومنها: أن يكون المعلوم من حال الراوي لأحدهما انه صحب الرسول صلى الله
~~عليه وآله وسلم بعد ما صحبه الاخر، أو عند صحبته انقطعت صحبة الأول أو
~~المعلوم من حال الحكم الأول انه كان في وقت قبل وقت صحبته الثاني، وذلك نحو
~~ما روى قيس بن طلق انه جاء إلى النبي صلى ms302 الله عليه وآله وسلم وهو يؤسس
~~المسجد، فسأله عن مس (2) الذكر، ومعلوم من حال أبي هريرة انه صحب
# PageV02P556
# النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده وقد يعلم التاريخ بقول الصحابي بأن
~~يقول أو يحكم ان أحد الحديثين كان بعد الاخر.
# وليس يجب، من حيث لم يجز أن ينسخ بقول الصحابي الكتاب الا يعرف بقوله
~~التاريخ، لان التاريخ شرط في صحة النسخ، فطرق العلم به الحكاية، فصح الرجوع
~~إلى قوله لأنه لا يقع فيه لبس، كما صح اثبات الاحصان بالشاهدين وان لم يصح
~~بهما الحكم بحد الزنا وليس يجب إذا علمنا التاريخ بقول الصحابي ان نقلده
~~إذا أخبرنا ان: " كذا نسخ كذا "، بل يجب أن ننظر فيما أوصفه بأنه منسوخ،
~~فان علمنا أنه كما قال أخذنا به، والا وقفنا فيه، لان ذلك يجوز دخول الشبهة
~~فيه، ولذلك لم يقبل كثير من الفقهاء قول من قال من الصحابة ان المسح على
~~الخفين نسخ الكتاب (1)، لما علمنا أنه ليس طريقه النسخ، وكذلك لم يقبل قول
~~من قال: " ان الماء من الماء منسوخ " (2).
# وأما إذا قال الصحابي " ان كذا وكذا كان حكما ثابتا من قبل وانه قد نسخ "
~~ولم يذكر ما به نسخ، فان أبا عبد الله البصري حكى عن أبي الحسن (3) انه كان
~~يرجع إلى قوله، وذلك نحو قول ابن مسعود (4) حين ذكر له التشهد التحيات
~~الزكيات فقال:
# PageV02P557
# " كان أمره (1) مرة ثم نسخ بتشهده " (2).
# ونحو ما روى عن ابن عمر، وابن عباس في الرضاع انهما قالا: " كان الواجب
~~التوقيت واما الان فلا " (3).
# وذهب غيره (4) إلى أنه لا يرجع إلى قول الصحابي في ذلك، لأنه إذا جاز
~~فيما صرح بأنه ناسخ الا يكون ناسخا في الحقيقة، فان اعتقد هو فيه ذلك فغير
~~ممتنع ان يطلق ذلك اطلاقا ولا يذكر ما لأجله قال إنه منسوخ، ولو ذكره كان
~~مما لا يقع النسخ به (5).
# ولو علم من حاله انه انما ذكر أنه منسوخ لأمر لا يلتبس، لوجوب الرجوع إلى
~~قوله.
# وقد يعلم التاريخ، بأن يكون أحد ms303 الخبرين يقتضى حكما معلوما بغير شرع،
~~والاخر يقتضى حكما شرعيا، فيكون ذلك هو الطاري على الأول نحو ما ذكر من
# PageV02P558
# حديث مس الذكر (1) لان وجوب الوضوء من مسه هو الطارئ فيصح أن ينسخ به
~~حديث قيس.
# وقد يعلم ذلك بأن يكون أحد الحديثين يقتضى حكما شرعيا معلوم من حاله انه
~~المبتدأ به في الشرع، والاخر يقتضى حكما ثابتا فيعلم انه بعده.
# فالتاريخ لا يعلم الا بهذه الوجوه التي حصرناها أو ما قارنها (2).
# فاما إذا عدم التاريخ، فقد بينا القول في ذلك في باب (في) (3) باب
~~الاخبار المتعارضة.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب
# PageV02P559
# الباب الثامن الكلام في الافعال PageV02P561
# فصل (1) " في ذكر جملة من احكام الافعال، وما يضاف إليه، واختلاف أحوالهم
~~" إذا أردنا أن نبين احكام الافعال فلابد من أن نبين أولا معنى الفعل وحده
~~ليعلم ذلك، ثم يبين حكمه.
# فحد الفعل: ما حدث وقد كان مقدورا قبله، وهو على ضربين:
# منه: ما لا صفة له زائدة على حدوثه، نحو كلام الساهي، والنائم، وحركاته
~~التي لا تتعداه.
# والضرب الاخر: له صفة زائدة على حدوثه (1)، وهو على ضربين:
# PageV02P563
# أحدهما قبيح والاخر حسن.
# فحد القبيح: هو كل فعل وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بذلك على وجه
~~كان يمكنه ان لا يفعله، فيستحق به الذم من العقلاء، ولا ينقسم ذلك في كونه
~~قبيحا (1)، وربما انقسمت أسماؤه إلى كفر، وفسق، وكبيرة، وصغيرة عند من قال
~~بذلك (2).
# واما الحسن فينقسم ستة اقسام:
# أحدها: ما ليس له صفة زائدة على حسنه، وحده ما يتساوى فعله وتركه، فلا
~~يستحق بفعله مدحا ولا بتركه ذما، وهو المسمى " مباحا " و " طلقا " وغير
~~ذلك، الا انه لا يسمى بذلك الا إذا اعلم فاعله ذلك أو دل عليه، ولذلك لا
~~يوصف الفعل القديم تعالى العقاب بالعصاة بأنه مباح وان كان بصفته، لما
~~ذكرناه من أنه لم يعلم ولم يدل عليه، بل هو من عالم به لنفسه.
# والثاني: ما له صفة زائدة على حسنه، وحده ما يستحق بفعله المدح، وهو ms304 على
~~ضربين:
# أحدهما: لا يستحق بتركه الذم.
# والاخر: يستحق بتركه الذم.
# فما لا يستحق بتركه الذم هو المسمى ندبا، ومستحبا، ومرغبا فيه، الا أنه
~~لا يسمى بذلك الا إذا أعلم فاعله ذلك بمثل ما قلناه في المباح، وينقسم هذا
~~القسم قسمين:
# أحدهما: أن يكون نفعا واصلا إلى غير فاعله، فيسمى بأنه تفضل واحسان،
# PageV02P564
# ويتساوى فيه فعل القديم والمحدث في التسمية بذلك والقسم الاخر: لا يتعدى
~~إلى الغير، وهو المسمى بأنه ندب ومستحب على ما قدمناه.
# واما الذي يستحق بتركه الذم فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: انه متى لم يفعله
~~الفاعل ولا ما يقوم مقامه استحق الذم، وهو المسمى بأنه واجب مخير فيه، وذلك
~~نحو الكفارات الثلاث وما أشبه ذلك، وقضاء الدين، وغير ذلك والثاني ما إذا
~~لم يفعله بعينه استحق الذم، وهو الموصوف بأنه واجب مضيق، وذلك نحو رد
~~الوديعة، ووجوب رد ما تناوله الغصب بعينه، وغير ذلك.
# والثالث: انه إذا لم يفعله من وجب عليه ولا من يقوم فعله استحق الذم،
~~وذلك المسمى من فروض الكفايات نحو الصلاة على الأموات، وتغسيلهم، ودفنهم،
~~ونحو الجهاد، وغير ذلك واما قولنا في الفعل: " انه مفروض وواجب " فعبارتان
~~عن معنى واحد، الا انه لا يسمى فرضا الا إذا اعلم فاعله وجوبه، أو دل عليه
~~كما قلناه في المباح والندب.
# وقد يعبر بالفرض عما وقع في الشرع مقدرا، وذلك نحو ما قيل: ان ذلك من
~~فرائض الصدقة والمراد به مقاديرها، ونحو ما روى عنه عليه السلام انه فرض
~~صدقة الفطر صاعا من تمر (1) والمعنى بذلك انه قدرها، ويحتمل أن يكون المراد
~~به انه أوجبها.
# واما قولنا في الشئ: " انه سنته " فهو ان النبي عليه السلام قد امر
~~بإدامته إذا كان يديم فعله ليقتدى به، وهو مأخوذ من: سننت الماء، إذا واليت
~~بين صبه (2)، ولا
# PageV02P565
# فصل بين أن يكون واجبا أو ندبا، أو مباحا، وربما استعمل (1) الفقهاء هذه
~~اللفظة فيما يكون مندوبا إليه من الشرعيات ليفصلوا بينه وبين الواجب
~~فيقولون " ركعتا الفجر سنة " وصلاة الليل سنة، ms305 وصلاة الغداة (2) فريضة "
~~والأصل ما قدمناه فاما الفعل الحسن: فعلى جميع مراتبه يقع من كل فاعل،
~~قديما كان أو محدثا، الا أنه يمنع من التسمية في بعض الأقسام في أفعال
~~القديم القديم لما قدمناه من الشرط المفقود منه واما القبيح: فإنه يختلف
~~أحوال الفاعلين فيه: فالقديم تعالى لا يجوز أن يقع منه شئ من القبيح لعلمه
~~بقبحه، وبأنه غنى عنه (3).
# واما الأنبياء عليهم السلام فكذلك لا يقع منهم شئ من القبيح أصلا (وكذا
~~الرسل) (4) سواء كانوا من البشر أو من الملائكة، وكذلك حكم الأئمة الحافظين
# PageV02P566
# لشرع (1) فاما من ليس بنبي أو رسول أو امام، فإنه يجوز أن يقع منه الفعل
~~القبيح، إلا
# PageV02P567
# من أخبر الله عنه أنه لا يختار القبيح فيعلم ذلك من حاله وسواء كانوا من
~~البشر أو من الملائكة لا يختلف حالهم في ذلك وقد لا يقع من الأنبياء
~~والمرسلين والأئمة عليهم السلام ما ينفر عن قبول أقوالهم وان لم يكن ذلك
~~قبيحا وأمثلته كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها هاهنا.
# وقد يجوز أن تختص الأنبياء بأفعال شرعية دون غيرهم وكذلك يجوز في آحاد
~~الأئمة أن يختص واحد منهم بشئ من الشرع دون غيره.
# فهذه جملة كافية في هذا الباب انشاء الله تعالى. PageV02P568
# فصل NoteV02P569N02 " في ذكر معنى التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله، وهل
~~يجب اتباعه عقلا أو سمعا؟ و (1) القول فيه " التأسي لا يكون الا باعتبار
~~شيئين أحدهما: صورة الفعل.
# الثاني: الوجه الذي وقع عليه الفعل.
# والذي يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لو صلى لم يكن لنا اتباعه
~~والتأسي به بأن نصوم أو نحج أو نعتكف، وانما كان ذلك لمخالفة أفعالنا لفعله
~~صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك لو صلى عليه السلام على جهة الندب لم يكن
~~من صلى على جهة الوجوب متبعا له، وكذلك إذا صلى على جهة الوجوب لم يكن من
~~صلى على جهة الندب متبعا له ولا متأسيا به، وانما كان كذلك لمخالفة فعلنا
~~لفعله في الوجه الذي وقع عليه ms306 الفعل، وكذلك لو أخذ من انسان دراهم على جهة
~~الزكاة لم يكن من اخذ الدراهم منه مثلا غصبا، أو عن ثمن مبيع متبعا له،
~~لمخالفة الوجهين على ما قدمناه. بل متى كان فعلنا مخالفا في الوجه، كان ذلك
~~مخالفة له كما لو خالف فعلنا لفعله في الصورة - على ما بيناه - وقد كان يصح
~~من جهة العقل ان يلزمنا جميع أفعاله
# PageV02P569
# التي يفعلها، وان لم نراع وجوه ما يفعله، سواء فعله على جهة الوجوب أو
~~الندب، ويكون واجبا علينا ذلك على كل حال، لكن ذلك يحتاج إلى دليل شرعي،
~~ولم يدل دليل على ذلك أصلا، ولو دل الدليل عليه لما كان ذلك اتباعا له ولا
~~تأسيا به، بل يكون واجبا علينا القيام الدلالة على ذلك لأنه إذا فعل الفعل
~~على جهة الوجوب أو الندب أو الإباحة، وفعلناه على غير ذلك الوجه لا نكون
~~متبعين له لما قلناه فإذا ثبت ان معنى التأسي ما قلناه، وجب أن يراعى فيه
~~حصول العلم بصورة الفعل وبالوجه الذي حصل عليه الفعل ليصح لنا التأسي به.
# والوجه الذي يقع عليه الفعل على ضربين: أحدهما: يقارن الفعل، نحو نية
~~الوجوب أو الندب أو الإباحة، وهذا هو الذي ينبئ عن هذا اللفظ على الحقيقة
~~والثاني: المعنى الذي له ان يفعله وان لم يصح أن يكون مقارنا، وذلك نحو أن
~~يزيل النجاسة عن ثوبه لأجل الصلاة، وانما يكون الواحد منا متبعا له بان
~~يزيله لما له ازاله، فأما من ازاله تنظيفا فلا يكون متبعا له، وكذلك ان
~~توضأ لإزالة الحدث أو الصلاة، فاتباعه له انما يكون بأن يفعل على هذا
~~الوجه.
# فاما موافقته له عليه السلام في الفعل فيطلق على وجهين.
# أحدهما: أن يراد به مساواته في صورة الفعل.
# والثاني: مساواته في صورته، وفي الوجه الذي وقع عليه الفعل، وهذا أظهر في
~~الاستعمال.
# واما مخالفته: فقد يكون في القول والفعل معا: فمخالفته في الفعل: هو أن
~~يعلم بالدليل وجوب التأسي به، فإذا لم يتأسا به كان مخالفا له.
# فاما، ms307 ذا لم يدل الدليل على ذلك فان هذه اللفظة لا تستعمل الا على ضرب من
~~المجاز، ولذلك لا يقال ان الحائض خالفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
~~ترك الصلاة. PageV02P570
# فأما مخالفته في القول: هو أن يأمرنا بفعل فلا نفعله، أو نفعل خلافه
~~فنكون مخالفين له.
# واما اتباع المأموم للامام في الصلاة، فعند أكثر الفقهاء (1) جاز على
~~الوجه الذي قدمناه.
# ومنهم: أجاز ان يكون الامام مؤديا فرضا، والمأموم أن يكون متنفلا، ولمن
~~قال ذلك أن يقول:
# انما قلت ذلك لدليل دل عليه، والا فالظاهر من اتباعه يقتضى خلاف ذلك.
# وأيضا أن يقول: إن اتباعه لم يصح بأن يفعل (3) الفعل متقربا به أو بأن
~~نوافق في نية الصلاة فقط دون وجوبها أو ندبها، فليس ذلك نقضا لما قدمناه
~~وقد.
# وقد وصف من أنكر جواز التأسي به صلى الله عليه وسلم في أفعاله بأنه
~~مخالف، لكن هذا الخلاف يرجع إلى القول لا إلى الفعل.
# واما الذي يدل على أنه لا يجب من جهة العقل التأسي به واتباعه في أفعاله
~~فهو ان مصالح العباد يجوز أن تختلف في الشرعيات كما ثبت في كثير من ذلك،
~~الا ترى ان الحائض يفارق حكمها حكم الطاهر، وحكم الغنى يفارق (4) حكم
~~الفقير في وجوب الحج والزكاة عليه، وكذلك يخالف حكم الصحيح حكم العليل في
~~كيفية أداء الصلاة، وكذلك يخالف حكم المسافر حكم الحاضر، وأمثلة ذلك أكثر
~~من أن تحصى.
# وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع أيضا ان تكون مصالح النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم تخصه، ويكون حالنا بخلاف حاله، بل ربما كانت مفسده لنا حتى متى
~~فعلناها
# PageV02P571
# كنا مقبحين، فإذا ثبت ذلك وجب الرجوع في مشاركتنا له في ذلك إلى السمع،
~~فان دل الدليل عليه حكم به، والا بقى على الأصل على ما بيناه.
# ويفارق أفعاله عليه السلام في هذا الباب أقواله، لأنه بعث ليعرفنا
~~مصالحنا، وتعريفه لنا ذلك يكون بالقول، فلو لم نرجع إلى قوله لادى إلى
~~خروجه من أن يكون رسولا، وليس كذلك فعله. ms308
# ولأنه إذا أمرنا بشئ فقد اراده منا فيجب أن نفعله ان كان واجبا، وان نرغب
~~فيه ان كان ندبا، ولا يجب ان نفعل فعلا رأيناه يفعله لان ذلك لا يدل على
~~أنه اراده منا.
# ويدل على ذلك أيضا: ان أفعاله تخصه ولا تتعدى إلى غيره الا بدليل وأقواله
~~تتناول غيره، وانما يعلم أنه داخل فيها بدليل، فعلم بذلك الفرق بين القول
~~والفعل.
# فان قيل: ان هذا المذهب يوجب عليكم القول بأن تجوزوا مخالفته في أفعاله
~~الشرعية (1)، وتجويز ذلك يقتضى التنفير عن قبول قوله، فيجب الحكم بفساده.
# قيل لهم: لا خلاف ان النبي عليه السلام لو نص لنا على أن لنا مخالفته في
~~أفعاله الشرعية لجاز ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله فكذلك إذا دل العقل
~~على ما ذكرناه يجب القول بجوازه ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله، وكذلك
~~لو خص بجميع أفعاله لم يوجب التنفير عن قبول قوله.
# وصحة ما قلناه يبين فساد قول من قال أن أفعاله على الوجوب عقلا (2).
# واما الذي يدل على وجوب التأسي به في جميع أفعاله الا ما خص به من جهة
~~السمع: فمما لا خلاف فيه بين الأمة في الرجوع إلى أفعاله صلى الله عليه
~~وآله وسلم في تعرف الاحكام في الحوادث، كما أنه يرجع إلى أقواله عليه
~~السلام في مثل ذلك، فإذا صح ذلك فكما ان أقواله حجة يجب أن تكون أفعاله
~~أيضا حجة، ولا خلاف في
# PageV02P572
# أنه إذا فعل الفعل على وجه الإباحة، وعلم من ذلك من حاله لا يجوز أن
~~نفعله على وجه الوجوب، ولا ان نحكم بوجوبه علينا.
# وانما اختلفوا في أفعاله التي لا يعلم على أي وجه وقعت منه، هل نحكم
~~بوجوب مثلها علينا أم لا (1)؟، ولم يختلفوا في أن أفعاله التي هي عبادة نحو
~~الصلاة، والصيام، يجب التأسي به فيها واختلفوا في ما عدا ذلك:
# فمنهم من يقول: لا يجب التأسي به الا بدليل يخص ذلك.
# ومنهم من يقول: ان ما دل على وجوب التأسي به ms309 في بعضه يدل على التأسي به
~~في سائره فجميع أفعاله سواء في أنه يتأسى به، الا ما استثنى منها.
# وما قدمناه يدل على صحة ذلك.
# وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (2) وقوله تعالى:
# (فاتبعوه) (3) يدلان على أن التأسي به واتباعه فيما يصح اتباعه فيه من
~~قول أو فعل.
# وما ظهر من حال الصحابة من رجوعهم إلى أفعاله صلى الله عليه وآله، نحو ما
~~روى عن عمر انه قبل الحجر وقال " اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني
~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلك ما قبلتك (4).
# ورجوعهم إلى أزواجه عليه السلام في ثبوت ما كان يفعله ليفعلوه (5) يدل، -
# PageV02P573
# على ذلك أيضا - ونحو ما روى عن أم سلمة انها سئلت عن القبلة للصائم
~~فأجابت:
# " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل ذلك " (1)، فرجع السائل
~~إليه وقال:
# ان الله غفر لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر
~~وليس سبيله سبيل غيره، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك،
~~فأنكر ذلك وقال:
# " اني لأرجو أن أكون أخشاكم لله " (2)، يدل على ذلك أيضا.
# واعلم أن التأسي به انما يكون فيما يعلم حكمه بفعله، فاما إذا كان قوله
~~بيانا، أو كان تنفيذا، أو امتثالا لقول متقدم فإنه يفعله ذلك، لان القول قد
~~دل على وجوبه، لا لأنه عليه السلام فعله.
# ولا معنى لقول من قال: لنا ان نتأسى به في ذلك، كما انا لا نقول: انا
~~نتأسى به في العقليات، لان ماله يفعل ذلك وبالطريق الذي عرف به عليه السلام
~~وجوب الفعل، به نعرف وجوبه، فحاله كحالنا في ذلك.
# PageV02P574
# فصل (3) " في الدلالة على أن أفعاله عليه وآله السلام كلها ليست على
~~الوجوب " (1) ذهب مالك وأصحابه وطائفة من أصحاب الشافعي إلى أن أفعال النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم كلها على الوجوب.
# PageV02P575
# وذهب الباقون إلى انها ليست على الوجوب، واختلفوا:
# فقال بعضهم انها على الإباحة.
# وقال بعضهم: انها ms310 على الندب.
# وقال بعضهم: انها موقوفة على الدليل.
# وذهب المتكلمون، وأبو الحسن الكرخي إلى أن أفعاله عليه السلام على اقسام.
# فمنها: ما يكون لمجمل، فذلك في حكم المبين، ان كان واجبا فعلى الوجوب،
~~وان كان ندبا فعلى الندب، وان كان مباحا فعلى الإباحة.
# ومنها: ما يكون امتثالا للخطاب، وذلك لا مدخل له في هذا الباب، لان
~~الخطاب إذا كان يتناوله ويتناولنا على العموم فعلينا امتثاله كما عليه ذلك.
# ومنها: ما يكون فاعلا له على ما يقتضيه العقل، أو يفعله لمصالح الدنيا،
~~وذلك أيضا لا مدخل له في هذا الباب.
# ومنها: ما يفعله من الشرعيات، فهذا يجب أن يعلم الوجه الذي عليه وقع فعله
~~عليه السلام فيتبع فيه بأن يفعل ذلك على الوجه، ولا يصح أن يقال في جملتها
~~انها على الوجوب، أو على الندب، أو على الإباحة (1).
# والذي يدل على ذلك: انا قد بينا ان ذلك لا يجب من جهة العقل في الفصل
~~الأول (2)، وأدلة السمع خالية من ذلك، فينبغي أن ينتفى كونها على الوجوب.
# PageV02P576
# ويدل على ذلك أيضا: ان فعله عليه السلام إذا كان يقع على وجوه كثيرة فليس
~~يخلوا من أن يكون على الوجوب من غير اعتبار ذلك الوجه، فالواجب أن يحكم
~~بوجوب الفعل علينا، وان علمنا أنه فعله على طريق الندب أو الإباحة، وهذا
~~باطل بالاجماع.
# وان كانت على الوجوب، بأن يعتبر الوجوه التي عليها يقع، فهذا تناقض لان
~~اعتبار وجوهه ينفي وجوب جميعه.
# ويدل على ذلك أيضا: ان بظاهر فعله لا يعلم وجوبه عليه، فبان لا يعلم
~~وجوبه علينا أولى، ويخالف القول في ذلك لان القول منه عليه السلام يعلم به
~~وجوب ما تناوله علينا دونه من حيث كان أمرا لنا ويختص بنا دونه، وليس كذلك
~~فعله، لأنا تبع له فيه، فإذا لم يدل على وجوبه عليه، فبأن يدل على وجوبه
~~علينا أولى.
# ويدل على ذلك أيضا: ان فعله عليه السلام لا يدوم في جميع الأحوال، بل قد
~~يتركه أحيانا كما يفعله أحيانا، وإذا صح ذلك ms311 فليس بأن يحكم بوجوبه لأنه
~~فعله بأولى من أن يحكم بوجوب تركه لأنه تركه، إذ القول فعل منه فهو بمنزلة
~~الفعل في ذلك، ويفارق ذلك الامر الذي ليس تركه بمنزلته فيما يختص به.
# وهذا معتمد ما نستدل به في هذا الباب دون ما أكثر الناس فيه.
# واما من خالف في هذا الباب (1) فليس يخلو خلافه من أن يقول إن ذلك يجب من
~~جهة العقل من حيث كان نبيا، أو من حيث كان في مخالفته تنفير:
# فان قال بذلك: فقد بينا في الفصل انه لا يمتنع ان يخالف حالنا لحاله في
~~المصالح، وذلك يبطل ما قالوه.
# أو يقول إن ذلك واجب لدليل سمعي دل على ذلك، فالواجب علينا أن نبين ان ما
~~ادعوه دليلا أو تعلقوا به ليس فيه دلالة على حال، لأنا لا ننكر أن يقوم على
~~وجوب ذلك دليل، لكن لم يثبت ذلك.
# PageV02P577
# وقد استدل القوم على ذلك بأشياء (١).
# منها: قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين
~~يخالفون عن امره﴾ (٢).
# قالوا: فحذرنا عن مخالفته، والامر يتناول الفعل كما يتناول القول، لان
~~الله تعالى قال: ﴿يدبر الامر من السماء إلى
~~الأرض﴾ (٣)، وقال: ﴿واليه يرجع
~~الامر كله﴾ (٤)، وقال: ﴿وما امر فرعون برشيد﴾ (٥)، وإذا ثبت ان الامر يتناول
~~الفعل كما يتناول القول، وجب أن تكون أفعاله عليه السلام على الوجوب، والا
~~لم يجب التحذر من مخالفتها.
# والجواب عن ذلك: ان الآية لا تدل على ما قالوه من وجوه:
# أحدها: ان لفظ الامر موضوع في الحقيقة للقول بدلالة ما قدمناه في أول
~~الكتاب في باب الأوامر (٦)، وإذا صح ذلك لم تتناول الآية الفعل، وذلك يبطل
~~التعلق بها، وما تقدم من قوله: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ (٧)
~~يدل على أن المراد بالآية القول دون الفعل، وانه أراد ما ندبهم إليه وأمرهم
~~به.
# ومنها: انه قيل إن الهاء ms312 في قوله ﴿عن امره﴾ (8) يرجع إلى أقرب المذكورين وهو الله
~~تعالى، وإذا ثبت ذلك فحملها على الرسول عليه السلام ورجوعها إليه حتى يمكن
~~الاستدلال بها لا يصح.
# ولا يمكن ان يقال: انها (9) ترجع إليهما، لان الكناية عن واحد، فكيف يحمل
# PageV02P578
# على الاثنين؟
# ومنها: ان قوله: (فليحذر الذين يخالفون عن امره) لا يمكن حمله على
~~العموم، ولابد من كون القول مرادا به، وإذا وجب ذلك فلا يجوز أن يراد به
~~الفعل.
# وهذا انما يعتمده من ذهب إلى أن العبارة الواحدة لا يراد بها المعنيان
~~المختلفان، وقد بينا ان الصحيح خلاف ذلك، فالمعتمد إذا ما قدمناه.
# ويجرى مجرى ذلك أيضا ان يقال: ان التحذير من مخالفة يقتضى وجوب الموافقة،
~~والموافقة له عليه السلام في الفعل تقتضي ان يفعل الفعل على الوجه الذي فعل
~~- على ما قدمناه القول فيه - وذلك يبطل كون أفعاله كلها على والوجوب.
# واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: [فاتبعوه] (١)، فأنه أمرنا باتباعه، وأمره
~~تعالى على الوجوب فيجب كون اتباعه في أفعاله واجبا.
# فهذا يبطل ما قدمناه من تفسير الاتباع، لأنه قد بينا ان المتبع له انما
~~يكون متبعا إذا فعله على الوجه الذي فعله، ومتى فعله على غير ذلك الوجه لا
~~يكون متبعا بل يكون مخالفا، ويجرى ذلك مجرى ان يفعل فعلا اخر، لان اختلاف
~~الوجهين في الفعل الواحد يجرى مجرى الفعلين (٢).
# وقد قال قوم في الجواب عن ذلك: ان المتبع فيه محذوف ذكره، لأنه لا يصح
~~اتباعه في أشياء مختلفة.
# وهذا ليس بصحيح، لان لقائل أن يقول: ان الظاهر يقتضى وجوب اتباعه في كلما
~~يصح ان يتبع فيه.
# واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (3)، وانه
~~إذا جعله أسوة لزمنا التأسي به، سيما وقد قال في سياق الآية: (لمن كان يرجو
# PageV02P579
# الله واليوم الآخر) (١) وهذا تهديد لمن ترك التأسي به.
# وهذا أيضا يسقط بما قدمناه من معنى التأسي.
# وقوله: ﴿لمن ms313 كان يرجو الله
~~واليوم الآخر﴾ (٢) ليس بتهديد ولا وعيد، لان الرجاء انما يكون في
~~المنافع، فكأنه قال تعالى: لمن كان يرجو أثواب الله، والثواب قد يستحق
~~بالندب كما يستحق بالواجب.
# وقد قيل في الجواب عن ذلك: ان الله سبحانه لما قال: (لقد كان لكم في رسول
~~الله أسوة حسنة (٣) ولم يقل عليكم، دل على أنه يرغبنا في ذلك، وذلك لا
~~يقتضى الوجوب والأول أقوى.
# واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) والاستدلال
~~بذلك لا يصح، لان طاعته لا تكون الا بفعل ما امر به، وليس للفعل في ذلك
~~مدخل، الا أن يقترن به قول يقتضى التأسي به.
# واستدلوا أيضا: بقوله تعالى ﴿وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (5).
# والتعلق بذلك أيضا لا يصح، لان معنى قوله: (وما اتيكم) ما أعطاكم وادى
~~إليكم، وذلك لا يصح الا في القول الذي نسمعه منه ونمتثله لان سمعنا له
~~وحفظنا إياه وامتثالنا له يجرى مجرى ما تناولنا منه.
# واستدلوا باخبار رووها في هذا الباب كلها اخبار آحاد لا يصح الاعتماد
~~عليها في هذا الباب، وما قلناه في تأويل الآيات قد نبه على طريق القول
~~فيها، نحو ما روى
# PageV02P580
# عنه عليه السلام انه خلع نعله في الصلاة فخلعوا نعالهم (1) وما شاكله
~~(2)، لان ذلك انما يدل على أن ما فعلوه حسن يجوز فعله، ولا يدل على أنه
~~واجب لا يجوز خلافه.
# واستدل بعضهم على ذلك بأن قال: ان الفعل اكد من القول، لأنه كان عليه
~~السلام إذا أراد تحقيق امر فعل ذلك ليقتدى به، كذلك فعل في غير شئ من
~~المناسك، والوضوء والصلاة، وغيرها، فبان يكون الفعل على الوجوب أولى وهذا
~~يبطل بما قدمناه لان القول يقتضى انه قد أراد منا ما يقتضيه والفعل بخلافه،
~~وانما يكون فعلا تحقيقا للامر إذا وقع عقيبه فيقع موقع التأكيد، وأما إذا
~~كان مبتداء فلا يصح ذلك فيه واستدل بعضهم بان قال: ان الوجوب أعلى مراتب
~~الفعل، فإذا عدمنا الدليل، على أي حال ms314 فعله وعلى أي وجه أوقعه لزمنا التأسي
~~به فيه فيجب أن نتبعه على الوجه الذي هو أعلا مراتبه.
# وهذا كلام ليس تحته فائدة، لان كون الوجوب على ما قاله لا يقتضى ان حالنا
~~كحاله، ولا ان ما فعله واجب علينا، فما في ذلك مما يتعلق به.
# واما من قال: ان فعله على الندب أو الإباحة، فقوله يبطل بمثل ما أبطلنا
~~به قول من قال إنه على الوجوب سواء، فلا فائدة ليزداد القول فيه.
# وهذه جملة كافية في هذا الباب، والله الموفق للصواب.
# PageV02P581
# فصل (4) " في ذكر الوجوه التي تقع عليها أفعاله عليه السلام، وبيان
~~الطريق إلى معرفة ذلك " أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة
~~اقسام: فعل، وترك (1)، واقرار للفاعل على فعله، وهي أجمع على ثلاثة اقسام:
~~واجب، وندب، ومباح.
# فما هو له فعل له عليه السلام ينقسم ثلاثة اقسام:
# إلى بيان لما هو بيان له، والى امتثال الخطاب والى ابتداء.
# فما هو بيان لمبين على ضروب.
# منها بيان المجمل.
# ومنها تخصيص العموم.
# ومنها النسخ.
# وينقسم قسمة أخرى.
# منها: ما هو قضاء على الغير.
# ومنها: ما هو متعلق بالغير.
# ومنها: ما لا تعلق له بأحد.
# PageV02P582
# وليس يخرج عن هذه الأقسام شئ من أفعاله الشرعية.
# فاما ما لا تعلق له بالشرع فلا طائل في ذكره.
# ونحن نبين الطريق إلى معرفة كل واحد من هذه الأقسام، لان معرفة طرقها
~~تختلف.
# اما الذي به يعلم أن فعله بيان: فهو ان يعلم أن فعله تقدمه ما يحتاج إلى
~~بيان، ويعدم هناك قول يمكن أن يكون بيانا له، فيعلم حينئذ ان الذي يمكن أن
~~يبين ذلك به بيان، والا أدى إلى عدم البيان مع الحاجة إليه.
# ومنها: أن يعلم ثبوت ما يحتاج إلى بيان، ونبه على أن ما فعله بيان له
~~بقول أو غيره.
# وقد يعلم أن فعله تخصيص العموم، بأن يقتضى رفع ما يقتضيه العام، وقد تقدم
~~القول في ذلك.
# وكذلك قد مضى القول فيما يكون من فعله نسخا في موضعه، ويعلم ان ms315 فعله بيان
~~على جهة الإباحة أو الندب أو الوجوب بحسب ما يحصل لنا من العلم بالمبين
~~لأنا بينا ان بيان الشئ في حكمه، وقد مضى القول فيه.
# واما (1) ما به يعلم أن فعله امتثال: فهو أن يتقدم علمنا بخطاب يقتضى
~~وجوب ذلك الفعل عليه على (2) الحد الذي فعله، فيعلم به انه امتثال للآية،
~~وكذلك القول إذا اقتضى الندب أو الإباحة.
# وأما ما يعلم به ان فعله ابتداء شرع: فهو أن يعلم عدم هذين الوجهين، وانه
~~ليس هناك قول يقتضى ما اقتضاه ذلك الفعل.
# واما ما يعلم به فعله من تركه، والفضل بينهما، وبين اقراره غيره على
~~الفعل، فالذي يجب أن يعلم في ذلك حكم تركه واقراره لان ما عداه لا اشكال
~~فيه.
# PageV02P583
# اما تركه لما يتركه، فقد يكون تركا لأمر يخصه، وليس لذلك مدخل في هذا
~~الباب. وقد يكون تركا لفعل يقتضى بعض الخطاب وجوبه، فذلك تخصيص له.
# وإذا ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع يد سارق أقل من ربع دينار مع
~~أنه لا وجه يقتضى لاسقاط قطعه، علم بذلك أن القدر الذي سرق لا يستحق به
~~القطع.
# فاما إذا جوزنا أن يكون ماله ترك قطعه امر آخر، فلا يدل على ذلك.
# ولو ترك عليه السلام الفعل في وقت اقتضى القرآن وجوبه فيه، لعد ذلك نسخا
~~أو تخصيصا.
# وإذا ترك عليه السلام عند قيامه إلى الثانية الرجوع إلى القعود، دل على
~~أنه ليس من أركان الصلاة.
# واما تركه الصلاة في وقت لعذر، فليس يدل على سقوطه، بل يجوز أن يؤخر إلى
~~وقت اخر.
# واما اقراره الغير على فعل: فإنه ان كان لم يتقدم منه بيان قبحه، فان
~~اقراره يدل على حسنه، لأنه لو لم يكن حسنا لبينه قبل فعله فضلا عن ذلك في
~~حال فعله.
# وان كان قد تقدم بيان قبحه نظر فيه:
# فان كان قد علم من حاله انه يظن أنه إذا أنكر ترك المنكر عليه فعله فلم
~~ينكره، دل على حسنه.
# وان لم يعلم ذلك من ms316 حاله نظر، فان كان قبح ذلك مستفادا بالشرع لا بالعقل،
~~فإذا لم ينكره ولم يحصل ما يجرى مجرى الانكار دل على حسنه، لأنه إذا كان
~~قبيحا ويعلم قبحه من جهته فاقر عليه، أوهم انه منسوخ، فادى تركه النكير
~~لذلك إلى التنقير عن القبول منه، فعلى هذا يجب أن يجرى اقراره.
# واما الطريق الذي يعلم به ان فعله مباح، فوجوه:
# : منها انه لو كان قبيحا لما فعله، فيعلم بذلك انه حسن، فإذا عدمنا
~~الدليل على وجوبه أو كونه ندبا علمنا أنه مباح. PageV02P584
# ومنها: أن يعلم قبوله انه مباح بأن ينص عليه.
# ومنها: أن يكون فعله بيان لجملة تقتضي فعلا مباحا.
# واما الطريق الذي به يعرف (1) كون فعله ندبا فبان يعلم أن ما فعله قربة
~~شرعية، ويعلم ذلك بوجوه: منها: أن يكون بيانا للندب.
# ومنها: أن يكون ما يفعله عليه السلام تارة في وقت مخصوص، ويتركه أخرى بلا
~~عذر.
# ومنها: أن يعلم أنه قصد إلى فعله في الصلاة مرة ولم يفعله أخرى مع جواز
~~الصلاة. ومنها: أن يعلم أنه قد مدح عليه ولم يذم على تركه ولم ينكر ذلك.
# فاما به يعلم أن فعله وقع على جهة الوجوب فأشياء:
# منها: أن يكون بيانا لواجب.
# ومنها: أن يكون مما لو لم يكن واجبا لما جاز أن يفعله، نحو أن يركع في
~~الصلاة ركوعين على سبيل القصد ومنها: ان يفعله على وجه قد صار امارة
~~للوجوب، نحو أن يؤذن للصلاة، ويأخذ من مال غيره بعد العد والاحصاء.
# فبهذه الوجوه وما شاكلها يعلم حال فعله عليه السلام.
# واما ما هو قضاء على الغير، فالحال في أنه قضاء على الغير ظاهر ويكون على
~~وجوه، لكن جميعها سواء في أن قضاه يلزم المقتضى عليه، هذا إذا كان حكما.
# وأما إذا كان جوابا لسؤال، فقد سوغ ويجب أن يحكم فيه بوجوب أو غيره بحسب
~~الدلالة.
# واما ما يتعلق بالغير من فعله، فنحو مدحه، وذمه، وعقابه.
# PageV02P585
# أما المدح، فإنه يدل على أن الممدوح عليه ندب.
# واما الذم: فإنه يدل ms317 على أن الفعل الذي ذمه عليه قبيح، فان ذمه لأنه لم
~~يفعل الفعل، أو تركه دل على وجوبه. واما عقابه الغير على بعض الأفعال: فإنه
~~يدل على قبحه، ويدل مع ذلك على أنه كبيرة عند من قال بالصغائر (1).
# فينبغي أن يجرى مجرى أفعاله عليه السلام على هذه الوجوه، ويتبع فيها على
~~الوجه الذي عليه يقع، وبالله التوفيق
# PageV02P586
# فصل (5) " في ذكر أفعاله إذا اختلف، هل يصح فيها التعارض أم لا؟ " لا يصح
~~التعارض في أفعاله عليه السلام لان التعارض انما يقع في فعلين ضدين، أو فعل
~~الشئ وتركه، ونحن نعلم أنه لا يقع منه عليه السلام الفعلان الضدان، ولا
~~الفعل وتركه في حال واحدة، وانما يقع منه الفعل في حال وضده في حال أخرى،
~~وما يقع منه في حالين وان تضادا فإنه يمكن التأسي به فيهما، كما يمكن
~~امتثال الأمر والنهي إذا تضمنا فعلين في حالين، وما هذه حاله لا يصح
~~التعارض فيه، فصار فعله في هذا الباب مخالفا لقوله، ولهذا لا يصح نسخ فعله
~~في الحقيقة، وذلك أن فعله الأول لا ينتظم الأوقات حتى يكون فعله الثاني
~~رافعا ما لولا رفعه له لتناوله الأول على ما بيناه من نسخ القول، لكن الامر
~~وان كان كذلك فان الفعل الأول إذا علم أنه قد أريد به إدامته في المستقبل
~~صح كون ما بعده ناسخا له، وذلك أن الفعل إذا وقع بهذا الموقع جرى مجرى قول
~~يتناول ايجاب الفعل في الأوقات المستقبلة، فكما يصح النسخ بقول هذا حاله
~~فكذلك يصح نسخ الفعل إذا كانت هذه صفته، وقد بينا ان النسخ قد يدخل في غير
~~القول من أدلة الشرع، كما يدخل في القول، فإنه يخالف التخصيص الذي من حقه
~~ان يتناول الفعل إلى غاية فقط.
# وليس لاحد أن يعترض ما قدمناه من نسخ الفعل بالفعل بان يقول: كيف يصح نسخ
~~الافعال وليست بأفعال؟ PageV02P587
# لان ما بيناه قد أسقط ذلك. فاما تخصيص الفعل بالفعل: فلا يصح لان الفعل
~~لا يتناول أشياء يخص منها بعضها.
# فاما ms318 من جهة المعنى: فان التخصيص في الفعل انما يكون بان يعلم أن المراد
~~بالفعل الأول جميع المكلفين وذلك الفعل واجب، فإذا رأيناه قد أقر بعضهم على
~~تركه أو مدحه عليه، علم أنه مخصوص من جملتهم، وسواء كان المدح والاقرار منه
~~عقيب الفعل الأول أو بعده بزمان متراخ على ما جوزناه من تأخير البيان عن
~~وقت الخطاب.
# فاما من أبي ذلك، فإنه لا يجوز ذلك الا إذا كان عقيب الفعل الأول على بعد
~~ذلك عنده.
# واما تخصيصه عليه السلام نفسه: فإنه لا يصح لان التخصيص يدل على أن
~~المخصوص من الجملة لم يرد، وفعله عليه السلام قد أنبأ على أنه مراد،
~~فيستحيل تخصيصه نفسه في الحال من هذا الوجه، فاما في المستقبل فإنه لا
~~يمتنع ذلك فيه. واما القول في فعله وأمره إذا تضادا وتعارضا، فإنه يجب أن
~~ينظر فيهما:
# فان كان القول متقدما، وقد مضى الوقت الذي يجب فعله فيه، ثم فعل عليه
~~السلام ما يعارض ذلك فهو نسخ، وذلك نحو تركه قتل شارب الخمر في المرة
~~الرابعة بعد قوله: " فان شربها الرابعة فاقتلوه " (1) على ما يرويه
~~مخالفونا، وانما ذكرناه مثلا لو ثبت.
# فان فعل ذلك قبل مجيئ الوقت الذي تعبدنا بالفعل فيه، فلا يصح أن يكون
~~نسخا، بل يجب حمله على أنه مخصوص، لان النسخ قبل الوقت لا يجوز.
# فاما إذا تقدم الفعل ثم وجد القول يقتضى رفع ما اقتضاه الفعل، فذلك نسخ
~~لا محالة، لأنه متأخر عن حال استقرار الفرض.
# PageV02P588
# فإذا لم نعلم المتقدم من المتأخر، وكان قوله يقتضى وجوب الفعل أو حظره،
~~وكان فعله يقتضى خلاف ذلك، فالأخذ بالقول أولى، لأن فعله لا يتعداه الا
~~بدليل، ومن حق قوله ان يتعداه، ولا يصح أن يكون مقصورا عليه، فإذا صح ذلك
~~واجتمعا فالواجب أن يتمسك بقوله ويحمل فعله على أنه مخصوص به، لان قوله لا
~~يصح قصره عليه، ويصح قصر فعله عليه، فإذا اجتمعا فبان يتمسك بالقول الذي من
~~حقه ان يتناولنا أولى من الفعل، سيما وقد أثبت ms319 ان أقواله على الوجوب، وان
~~أفعاله موقوفة على الدلالة، وكل ذلك يوجب ترجيح قوله عليه السلام على فعله.
~~PageV02P589
# فصل NoteV02P590N06 " في أنه عليه السلام هل كان متعبدا بشريعة من كان
~~قبله من الأنبياء أم لا؟ " عندنا ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن
~~متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء، لا قبل النبوة ولا بعدها، وان جميع ما
~~تعبد به كان شرعا له.
# ويقول أصحابنا: انه عليه السلام قبل البعثة كان يوحى إليه بأشياء تخصه،
~~وكان يعمل بالوحي لا اتباعا لشريعة قبله.
# واما لفقهاء فقد اختلفوا في ذلك والمتكلمون (1):
# فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أهل العدل، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم
~~انه لم يكن متعبدا بشريعة من تقدمه، وان جميع ما تعبد به كان شرعا له دون
~~من تقدمه، وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن (2) انه ربما نص هذا وربما نص
~~خلافه.
# وفي العلماء من قال: انه كان متعبدا بشريعة من تقدمه، واختلفوا:
# PageV02P590
# فمنهم من قال: تعبد بشريعة إبراهيم عليه السلام.
# ومنهم من قال: تعبد بشريعة موسى عليه السلام.
# واختلف المتكلون في أنه عليه السلام قبل البعثة هل كان متعبدا بشئ من
~~الشرايع أم لا (1)؟
# فمنهم: من [قطع على أنه كان متعبدا بشريعة بعض من تقدمه من الأنبياء.
~~ومنهم: من] (2) قطع على خلافه.
# ومنهم: من توقف في ذلك وجوز كلا الامرين.
# والذي يدل على ما ذهبنا إليه: اجماع الفرقة المحقة، لأنه لا اختلاف بينهم
~~في ذلك، واجماعها حجة على ما سندل (3) عليه إن شاء الله.
# ويدل على ذلك أيضا: ما ثبت بالاجماع من أنه عليه السلام أفضل من سائر
~~الأنبياء، ولا يجوز أن يؤمر الفاضل باتباع المفضول على ما دللنا عليه في
~~غير موضع.
# فان قيل: فمن أين يعلم أنه كان قبل النبوة أفضل من ساير الأنبياء؟
# قيل: لم يخص أحد تفضيله على ساير الأنبياء بوقت دون وقت، فيجب أن يكون
~~أفضل في جميع الأوقات، ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان متعبدا بشريعة من
~~تقدمه فإنما ms320 يكون شرعا لذلك المتقدم، ويكون في حكم المؤدى عنه، فكان (4)
~~يجب أن لا يضاف جميع الشرع إليه، كما لا يضاف الشرع إلى من يؤدى عنه عليه
~~السلام لما كان مؤديا عنه عليه السلام، وفي علمنا بإضافة جميع الشرع إليه
~~دليل على أنه لم يكن متعبدا بشرع من تقدمه.
# ويدل على ذلك أيضا: انه لو كان متعبدا بشرع من تقدم لم يخل من أن يكون
# PageV02P591
# متعبدا بشريعة موسى أو عيسى عليه السلام، لان شريعة من قبلهما مندرسة،
~~وهي مع ذلك منسوخة بشريعتها.
# فان قالوا: كان (1) متعبدا بشريعة موسى عليه السلام.
# فان ذلك فاسد من حيث كانت شريعته منسوخة بشريعة عيسى عليه السلام.
# وان قالوا: كان متعبدا بشريعة عيسى عليه السلام كان فاسدا (2) من وجهين:
# أحدهما: ان شريعته قد انقطعت واندرس نقلها ولم تتصل كاتصال نقل المعجزة
~~الذي تقتضي ما هي عليه نقلها وإذا لم يتصل لم يصح ان تعلم، وفي ذلك اخراج
~~له من أين يكون متعبدا بها.
# والثاني: ان القول بذلك يبطل ما يعتمدون عليه من رجوعه عليه السلام إلى
~~التوراة في رجم اليهوديين (3)، لأنه كان يجب أن يرجع إلى الإنجيل دونها.
# ويدل على صحة ما قلناه: ان الذي يخالف في ذلك لا يخلو قوله من أنه تعبد
~~بشريعة موسى عليه السلام بأن دعاه موسى إلى شريعته ما لم ينسخ والحجة قائمة
~~عليه بذلك، أو يقول إنه تعبد بشريعة موسى عليه السلام بأن امر بالتمسك بها
~~أمرا مبتدأ، وان كان يحتاج أن يرجع إليهم في تعرف ما يتمسك به من شريعته،
~~أو يقول أنه تعبد بشريعته بان امر بأشياء قد كانت شريعة له وان علمها هو من
~~جهة الله تعالى.
# فان ذهبوا إلى ما قلنا أولا، فليس يخلو من أن يقول: انه عليه السلام كان
~~يمكنه أن يعرف شريعتهم من غير جهة الله تعالى، بل بالرجوع إليهم في تعرف
~~ذلك، أو يقول ما كان يصح له ذلك وانما كان يعرف ذلك من قبل الله تعالى.
# فان قالوا بالأول: فهو خلاف ms321 في المعنى، والذي يبطل قوله أشياء:
# PageV02P592
# منها: ما استدل به أبو علي وأبو هاشم من أنه عليه السلام لو كان متعبدا
~~بشريعة من قبله لكان لا يتوقف في قصة الظهار (1)، وقصة الميراث (2)، وقصة
~~الإفك (3)، على نزول الوحي عليه، لان هذه الحوادث معلوم ان لها أحكاما في
~~التوراة ظاهرة فيما بينهم، فلو كان متعبدا بذلك لرجع إلى التوراة وبحث -
~~بزعمهم - عن الرجم، ولكان توقفه على الوحي يجرى مجرى توقفه في شئ قد بين له
~~على الوحي، وفي فساد ذلك دليل على أنه لم يكن متعبدا الا بما ينزله الله
~~تعالى عليه. وكان يجب أيضا أن يرجع الصحابة في معرفة الاحكام إلى التوراة
~~وأهلها كرجوعهم إلى القران، وفي تركهم ذلك دليل على أنهم لم يتعبدوا بذلك
~~ولا النبي عليه السلام.
# ومنها: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوب معاذا في قوله: " اجتهد
~~رائى " (4) عند عدم الكتاب والسنة، فلو كان متعبدا بشريعتهم لعده في جملة
~~ذلك، ولنبه معاذا على خطئه بترك ذلك.
# وان أراد القسم الأخير: فليس في ذلك خلاف، ولا يوجب ذلك أن يكون متعبدا
~~بشرع من تقدم، لان الامر بمثل شريعتهم إذا ورد عن الله تعالى وبين المأمور
~~به فذلك تعبد من الله تعالى ابتداء، وليس يجب إذا امر بفعل تعبد به موسى
~~عليه السلام ان يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعبدا بشريعته، لأنه
~~لا فضل بين أن يتعبده بذلك الفعل بأن يذكره ويبين صفته، وبين أن يلزمه
~~ويضيقه إلى موسى عليه السلام، لان في الحالين جميعا هو تعالى المتعبد به.
# واما من قال: انه عليه السلام كان متعبدا بشريعة موسى عليه السلام، وقال
# PageV02P593
# لأنه لا يصح أن يعرف الشريعة من جهته (1)، فقد ناقض، لان التعبد بشريعة
~~يقتضى صحة العلم بها من جهته فاما (2) من قال: انه تعبد بأشياء من شريعته
~~بأمر مبتدأ وامر ثان يرجع في معرفة ذلك إليهم.
# فالذي يدل على بطلان قوله: ما قدمناه من الأدلة، وان كان هذا الوجه لا
~~يقتضى كونه متعبدا بشريعتهم ms322 إذا امر بذلك أمرا مبتدأ، لو صح ما ادعوه، فكيف
~~وذلك لا يصح!
# واعلم أنه لولا ما قدمناه من الدليل على كونه أفضل الأنبياء، ما كان
~~يمتنع عقلا أن يتعبد يتعبد بمثل شريعتهم، لان المصالح تختلف وتتفق وكلا
~~الامرين يجوز فيها، فلا يمتنع ان يعلم الله تعالى ان صلاح النبي الثاني
~~وصلاح أمته بخلاف شريعة الأول فيتعبده به، وعلى هذا جرت سنة الله تعالى في
~~أكثر الأنبياء. ولا يمتنع أيضا ان يعلم أن صلاح الثاني وأمته في مثل شريعة
~~الأول فيتعبده بها.
# وليس لاحد أن يقول: ذلك لا يجوز، لأنه لو كان كذلك لم يكن في بعثة النبي
~~الثاني واظهار المعجزة عليه فائدة، لان شريعته معلومة من جهة غيره.
# وذلك إنا إنما نجوز بعثة النبي الثاني بشريعة النبي الأول إذا كانت تلك
~~الشريعة قد اندرست وصارت بحيث لا يعلم الا من جهة النبي الثاني، أو بأن
~~يكون النبي الأول مبعوثا إلى قوم بأعيانهم ويبعث الثاني إلى غيرهم، أو أن
~~يراد في شريعة الثاني زيادة لا تعلم الا من جهته. فبهذه الوجوه تخرج بعثته
~~من أن تكون عبثا.
# فان قيل: كيف يجري (3) هذا التقدير على ما تعتقدون أنتم من أن كل شرع
~~لابد
# PageV02P594
# له من حافظ معصوم لا يجوز عليه الغلط؟ وإذا كان لابد من ذلك على مذهبكم
~~فمتى اندرست الشريعة أمكن الرجوع إليه فيها فلا يحتاج إلى نبي اخر.
# قيل له: نحن انما نوجب حافظا للشرع معصوما إذا علمنا ارتفاع الوحي
~~وانقطاع النبوة، ونحن نعلم أن التواتر لا يمكن حفظ الشرع به، لأنه يجوز أن
~~يصير آحادا، فإذا لابد لها من حافظ معصوم، وليس كذلك في الشرائع المتقدمة
~~لأنه لا يمتنع أن تكون تلك الشرائع محفوظة بالتواتر، فمتى فرضنا انها صارت
~~آحادا وبحيث لا ينقطع عذر المكلفين بنقلها بعث الله تعالى نبيا اخر يبينها
~~ويستدركها، هذا إذا فرضنا بقاء التكليف بالشريعة الأولة على من يجيئ فيما
~~بعد.
# فاما إذا فرضنا انه يجوز أن يكون التكليف للشريعة الأولى إذا صارت آحادا ms323
~~قد ارتفع ووجب التمسك بما في العقل، فان ذلك لا يجب أيضا معه أن يكون لها
~~حافظ ولا بعث (1) نبي اخر، وكان يجوز أيضا ان يتعبد باخبار الآحاد إذا صارت
~~الشريعة إلى حد لا ينقل الا من جهة الخبر الواحد، وكل ذلك مفقود في
~~شريعتنا، لان الوحي قد ارتفع، والرسالة قد انقطعت، والتكليف باق إلى يوم
~~القيمة، والعمل بخبر الواحد غير صحيح على ما بيناه فيما مضى، فلو لم يكن
~~لها معصوم، والتواتر يجوز أن يصير آحادا، كان ذلك يؤدى إلى أن الشرع غير
~~محفوظ أصلا، وذلك لا يجوز.
# واستدل من خالفنا على صحة قوله بأشياء (2).
# منها: انه لو لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم لم يذكى قبل بعثته، ولا يأكل
~~اللحم المذكى، ولا كان يحج ويعتمر، ولا كان يركب البهايم ويحمل عليها، لان
~~جميع ذلك يحسن سمعا، وفي علمنا بأنه كان يفعل ذلك دليل على صحة ما قلناه.
# وهذا لا يلزمنا على ما قررنا من مذهبنا في هذا الباب (3)، لأنا قلنا: انه
~~قبل بعثته
# PageV02P595
# كان موحى (1) إليه بما يخصه، فلأجل ذلك كان يفعل ما يفعله من الأشياء
~~التي ذكروها ان صح منه فعلها . واما من وافقنا في هذا المذهب وخالفنا في
~~هذه الطريقة فإنه يقول: ان تذكية البهائم، وفعله الحج والعمرة لو ثبت لدل،
~~لكن ذلك لم يثبت، وما يروى من ذلك فإنما طريقة اخبار الآحاد لا يعول عليها
~~في هذا الباب.
# واما اكله اللحم المذكى فحسن في العقل، وليس فيه دليل على ما قاله
~~السائل، لأنه بمنزلة اكل سائر المباحات، ولم يثبت عنه عليه السلام انه كان
~~يأمر بالتذكية ليأكل اللحم فيسوغ التعلق به.
# واما ركوب البهيمة والحمل عليها: فذلك بحسن عند كثير منهم لما لها في ذلك
~~من المنافع التي يوصل إليها من العلف وغير ذلك، ويخالف الذبح لان الذبح
~~يقطعها عن المنافع.
# وتعلقوا أيضا: برجوعه عليه وآله السلام إلى التوراة في رجم اليهوديين.
~~(2) وذلك لا يصح، لان ذلك من اخبار الآحاد التي لا تعتمد في هذا ms324 الباب، فلو
~~كان كذلك لرجع إلى التوراة في سائر الأحكام، ولما كان ينتظر الوحي ما
~~بيناه، وفي تركه الرجوع إليها دليل على أنه لم يرجع إليها في الرجم ان صح
~~مما قالوه، فسقط بذلك ما تعلقوا به.
# وقد قيل في الجواب عن ذلك: انه انما رجع إليهم لأنه كان قد أخبر ان في
~~التوراة رجم الزاني، فأراد أن يتحقق صدقه ليدلهم على نبوته بالرجوع إليهم،
~~لا انه رجع إليهم ليعرف ثبوت الرجم من جهتهم.
# قالوا: ولو كان رجوعه إليهم لما قالوه لرجع في غيره أيضا! ولوجب أن يتعرف
~~هل الرجم في التوراة على كل زان أو هو على محصن فقط؟ ولوجب أن لا يقبل قول
# PageV02P596
# اليهود الذين رجع إليهم لان يقول مثلهم، [و] لا يقع العلم ولا هم على صفة
~~يقبل قولهم في الديانات، ولما مدحهم في أن ذلك في التوراة، لأنه قد ظهر
~~تحريفهم لكثير منها، فدل جميع ذلك على بطلان تعلقهم به.
# وتعلقوا أيضا: بقوله تعالى [واتبع ملة إبراهيم حنيفا] (1) وبقوله:
~~[فبهداهم اقتده] (2) وبقوله: [انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها
~~النبيون] (3) وهو عليه السلام من جملتهم، وذلك يقتضى صحة ما قالوه.
# قيل له: اما الملة التي أمرنا باتباعها فهو دين إبراهيم عليه السلام، لأن
~~الملة هي " الدين " لان المراد بذلك التوحيد والعدل، بين ذلك قوله: [ومن
~~يرغب عن ملة إبراهيم الا من سفه نفسه] (4) وقد علمنا أن الملة التي يستحق
~~الراغب عنها هذا الوصف هي العقليات.
# واما قوله تعالى: [فبهديهم اقتده] (5) فإنه أراد بذلك أدلتهم التي تدل
~~على العقليات، لان ذلك هو الذي يضاف إليهم. فاما الشريعة فقوله هو الدليل
~~فيها، فالإضافة لا تصح فيها.
# واما قوله تعالى: [فيها هدى ونور يحكم بها النبيون] (6): فالمراد به ما
~~قدمناه، يدل على ذلك قوله تعالى: [يحكم بها النبيون] فظاهر ذلك يقتضى ان كل
~~من كان قبل موسى عليه السلام قد حكم بذلك، ولا يصح مع ذلك حمله على
~~الشرعيات. فهذه جملة كافية في هذا الباب.
# PageV02P597
# الباب التاسع الكلام ms325 في الاجماع PageV02P599
# الباب التاسع الكلام في الاجماع فصل NoteV02P601N01 " في ذكر اختلاف
~~الناس في الاجماع هل هو دليل أم لا؟ " ذهب المتكلمون بأجمعهم، والفقهاء
~~بأسرهم على اختلاف مذاهبهم " (1) إلى أن الاجماع حجة.
# وحكى عن النظام، وجعفر بن حرب (2)، وجعفر بن مبشر (3) انهم قالوا:
# PageV02P601
# الإجماع ليس بحجة (1).
# واختلف من قال حجة: فمنهم من قال: انه حجة من جهة العقل وهم الشذاذ (1).
# وذهب الجمهور الأعظم والسواد الأكثر إلى أن طريق كونه حجة السمع دون
~~العقل (1) ثم، اختلفوا:
# فذهب داود (2)، وكثير من أصحاب الظاهر إلى أن اجماع الصحابة هو الحجة دون
~~غيرهم من أهل الاعصار (1).
# وذهب مالك ومن تابعه (1) إلى أن الاجماع المراعى هو اجماع أهل المدينة
~~دون غيرهم، غير أنه حجة في كل عصر.
# وذهب الباقون (1) إلى أن الاجماع حجة في كل عصر، ولا يختص ذلك بعصر
~~الصحابة ولا باجماع أهل المدينة.
# والذي نذهب إليه: ان الأمة لا يجوز أن تجتمع على خطأ، وان ما يجمع عليه
~~لا يكون الا حجة، لان عندنا انه لا يخلو عصر من الاعصار من امام معصوم حافظ
~~للشرع، يكون قوله حجة يجب الرجوع إليه، كما يجب الرجوع إلى قول الرسول عليه
~~السلام، وقد دللنا على ذلك في كتابنا " تلخيص الشافي " (3) واستوفينا كلما
~~يسأل عن ذلك من الأسئلة، وإذا ثبت ذلك، فمتى أجمعت الأمة على قول فلابد من
~~كونها حجة لدخول الامام المعصوم في جملتها.
# ومتى قيل: جوزوا أن يكون الامام منفردا عن اجماعهم .
# PageV02P602
# قلنا: متى فرضنا انفراد الامام عن الاجماع فان ذلك لا يكون اجماعا، بل لو
~~انفرد واحد من العلماء عند من خالفنا من الاجماع أخل ذلك باجماعهم. فان
~~قيل: إذا كان المراعى في باب الحجة قول الإمام المعصوم فلا فائدة معلومة
~~وهي انه قد لا يتعين لنا قول الإمام في كثير من الأوقات فيحتاج حينئذ إلى
~~اعتبار الاجماع ليعلم باجماعهم ان قول المعصوم عليه السلام داخل فيهم، ولو
~~تعين لنا قول المعصوم الذي هو الحجة لقطعنا على أن قوله هو الحجة، ولم
~~نعتبر سواه ms326 على حال من الأحوال. ومتى فرضنا ان الزمان يخلو من معصوم حافظ
~~للشرع لم يكن الاجماع حجة على وجه من الوجوه.
# والذي يدل على ذلك: انه لا دليل على كونهم حجة لا من جهة العقل ولا من
~~جهة الشرع، وإذا لم يكن دليل وجب القطع على نفى كونه حجة، لفقد ما يدل
~~عليه.
# ونحن نتبع ما يعتمده الخصوم في هذا الباب من جهة العقل والشرع معا، ونبين
~~انه لا دلالة في شئ من ذلك اعتمد من قال إنهم حجة من جهة العقل، على أنهم
~~مع كثرتهم وانتشارهم في البلاد واختلاف آرائهم وبعد همهم لا يجوز أن يجمعوا
~~على خطأ ولو جاز ذلك لجاز أن يتفقوا على اكل طعام واحد، ولبس لباس واحد،
~~وفعل واحد، ويأتي الشعراء الكثيرون بقصيدة واحدة في معنى واحد وغرض واحد،
~~وكل ذلك يعلم بطلانه ضرورة، وفي صحة ذلك دليل على أنهم لا يجمعون على خطأ.
# وهذا ليس بشئ، لان جميع ما ذكروه لا يشبه مسألة الاجماع لان جميعه تابع
~~للدعاوى والآراء واختلاف الهمم، والعادة مانعة من اتفاقهم في الدعاوي
~~والآراء PageV02P603
# في الأمثلة التي ذكروها، وليس (1) مسألة الاجماع من هذا الباب، لأنه يجوز
~~أن تدخل عليهم الشبهة فيعتقدوا فيما ليس بدليل انه دليل فيجمعوا عليه، وقد
~~دخلت الشبهة في مثل أمتنا - وأكثر منهم - فيما يتعلق بباب الديانات، الا
~~ترى ان اليهود والنصارى ومن خالف الاسلام قد اتفقوا على ابطال الاسلام،
~~وتكذيب نبينا عليه السلام وهم أكثر من المسلمين اضعافا مضاعفة، وليس
~~اجماعهم على ذلك دليلا على بطلان الاسلام، لأنهم انما اجمعوا لدخول الشبهة
~~عليهم، وانهم لم يمعنوا النظر في الطرق الموجبة (2) للقول بصحة الاسلام.
# فكذلك القول في اجماع الأمة، على أن ذلك إذا دل الدليل على كونه حجة وثبت
~~ذلك، فأما قبل ثبوته فنحن في سبر (3) ذلك، فالمنع منه غير صحيح.
# فان قالوا: لو جاز عليهم الخطا فيما يجمعون عليه، لجاز على المتواترين
~~الخطاء فيما يخبرون به، لان الأمة بأجمعها أكثر من قوم متواترين ينقطع
~~بنقلهم الحجة، ms327 ولو جاز ذلك على (4) المتواترين أدى ذلك إلى الا نثق بشئ من
~~الاخبار، ولا نعلم شيئا نقلوه، وذلك يؤدى إلى ما يعلم ضرورة خلافه.
# قيل التواتر لم يكن حجة من حيث إنه لا يجوز فيهم الخطاء، وانما كان حجة
~~لأنهم نقلوا نقلا يوجب العلم الضروري عند من قال بذلك، أو علما لا يتخالج
~~فيه الشكوك عند من قال بالاكتساب، فالحجة في نقلهم بحصول العلم بما نقلوه
~~لا بمجرد النقل، وكان يجوز أن لا ينقلوا ما نقلوه اما خطأ أو عمدا، فيخرج
~~خبرهم من أن يكون موجبا للعلم، فيلحق حينئذ بباب الاجماع الذي نحن في
~~اعتبار كونه حجة أم لا، وهذا بين لا اشكال فيه، ولم يعتمد هذه الطريقة الا
~~شذاذ من القائلين بالاجماع، والمحصلون منهم عولوا على أدلة السمع في هذا
~~الباب
# PageV02P604
# ونحن نذكر ما اعتمدوه (١) ونتكلم عليه إن شاء الله تعالى أحد ما اعتمدوا
~~عليه: قوله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من
~~بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم
~~وساءت مصيرا﴾ (2).
# قالوا: فتوعد الله تعالى على اتباع غير سبيل المؤمنين، كما توعد على
~~مشاققة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلولا انهم حجة يجب اتباعهم فيما
~~اجمعوا عليه والا لم يجز ذلك.
# والكلام على هذه الآية من وجوه:
# أولها: ان في أصحابنا من ذهب إلى أن الألف واللام لا يقتضيان الاستغراق
~~والشمول، بل هما مشتركان لهما ولغيرهما (3)، فإذا كان كذلك كانت الآية
~~كالمجملة تحتاج إلى بيان، ويحتمل أن يكون أريد بها جميع المؤمنين، ويحتمل
~~أن يكون أراد بعضهم، ولا يمكن حملها على الجميع لفقد دلالة الخصوص لان
~~القائل ان يقول: احملها على الأقل لفقد الدليل على أن المراد بها الكل،
~~وإذا جاز ان يكون المراد بها بعضهم فليسوا بان يحمل على بعض المؤمنين بأولى
~~منا إذا حملناها على الأئمة من آل محمد عليهم السلام ويسقط بذلك غرضهم،
~~ونحن نكون أحق من حيث قام الدليل على عصمتهم وطهارتهم، وامنا ms328 وقوع الخطأ من
~~جهتهم.
# وثانيها: ان لفظة " سبيل " أيضا محتملة، بل هي تقتضي الوحدة ولا يجب
~~حملها على كل سبيل، فكيف يمكن الاستدلال بها على أن كل سبيل المؤمنين صواب
~~فيجب اتباعه؟
# وليس لهم ان يقولوا: إذا فقدنا دليل الاختصاص حملناها على العموم.
# لان القائل أن يقول: إذا فقدنا دلالة العموم حملناها على الخصوص، كما
~~قلناه
# PageV02P605
# في الوجه الأول.
# وثالثها (1). انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم، وليس في ذلك دلالة
~~على وجوب اتباع سبيلهم، فيجب أن يكون اتباع سبيلهم موقوفا على الدلالة.
# وليس لهم أن يقولوا: ان الوعيد لما علقه تعالى باتباع غير سبيلهم حل محل
~~ان يعلقه بالعدول على سبيل المؤمنين وترك اتباعهم، في أنه لا يقتضى لا
~~محالة ان اتباع سبيل المؤمنين صواب، وان الوعيد واجب لتركه ومفارقته.
# وذلك أن هذا دعوى محضة (2)، لأنه لا يمتنع أن يكون اتباع غير سبيلهم
~~محرما، واتباع سبيلهم مباحا أو محرما.
# أيضا: يبين ذلك أنه لو صرح بما تأولناه حتى يقول: اتباع غير سبيل
~~المؤمنين محظور عليكم، واتباع سبيلهم يجوز أن يكون قبيحا وغير قبيح فاعملوا
~~فيه بحسب الدلالة، أو يقول: اتباع سبيلهم مباح لكم، لساغ هذا الكلام ولم
~~يتناقض، وإذا كان سائغا بطل قول من قال: ان النهى عن اتباع غير سبيلهم موجب
~~لاتباع سبيلهم، وانه يجرى مجرى التحريم، لمفارقة سبيلهم والعدول عنها.
# وليس لهم ان يقولوا: ان من لم يتبع غير سبيل المؤمنين فلابد من أن يكون
~~متبعا لسبيلهم، فمن هاهنا حكمنا بان النهي عن أحد الامرين ايجاب للاخر،
~~وذلك أن بين الامرين واسطة، وقد يجوز أن يخرج المكلف من اتباع غير سبيلهم
~~واتباع سبيلهم معا بأن لا يكون متبعا سبيل أحد.
# وليس لهم أن يقولوا: ان " غير " هاهنا بمعنى الا، فكأنه قال تعالى: (لا
~~يتبع الا سبيل المؤمنين).
# لان أحدنا لو قال لغيره: من (اكل غير طعامي فله العقوبة)، فالمتعارف من
~~ذلك
# PageV02P606
# ان اكل طعامه مخالف لذلك، وان العقوبة انما تتعلق بخروجه عن أن يكون اكلا
~~لطعامه لان ms329 " غير " هاهنا ليس بواجب أن يكون بمعنى " الا " الموضوعة
~~للاستثناء، بل جائز أن يكون بمعنى خلاف، فكأنه قال: (لا يتبع خلاف سبيل
~~المؤمنين وما هو غير سبيلهم) ولم يرد لا يتبع الا سبيلهم.
# وقول القائل: (من اكل غير طعامي عاقبته) لا يفهم من ظاهر لفظه ومجرده
~~ايجاب اكل طعامه، بل المفهوم حظر اكل كلما هو غير لطعامه، وحال طعامه في
~~الحظر والإباحة موقوفة على الدليل.
# وأقل أحوال هذا اللفظ عند من ذهب إلى أن لفظة " غير " مشتركة بين
~~الاستثناء وغيره، وان ظاهرها لا يفيد أحد الامرين، أن يكون محتملا لما
~~ذكرناه من حظر أكل غير طعامه، ومحتملا لايجاب أكل طعامه، ووضع لفظة " غير "
~~مكان لفظة " إلا " وانما يكون في بعض المواضع يفهم عن مستعمل هذه اللفظة
~~ايجاب اكل طعامه لا بمجرد اللفظ، بل بان يعرف قصده إلى الايجاب أو بغير ذلك
~~من دلائل الحال، ولولا ذلك لما حسن أن يقول: القائل: (من اكل غير طعامي
~~عاقبته، ومن اكل طعامي أيضا عاقبته)، وكان يجب أن يكون نقضا، أو جاريا مجرى
~~قوله: (من اكل الا طعامي عاقبته، ومن اكل طعامي عاقبته)، فلما حسن ذلك مع
~~استعمال لفظة " غير " ولم يحسن مع استعمال لفظة " إلا " دل على صحة ما
~~قلناه.
# فان قيل: لو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين حجة وصوابا لكان حاله في أنه قد
~~يكون صوابا أو خطأ، بحسب قيام الدلالة على ذلك حال اتباع غير سبيلهم في أنه
~~قد يكون صوابا أو خطأ، ولو كان كذلك لم يصح ان يعلق الوعيد باتباع غير
~~سبيلهم دون اتباع سبيلهم، فكان يبطل معنى الكلام.
# قيل له: غير منكر ان يعلق الوعيد باتباع غير سبيلهم، من حيث علم أن ذلك
~~لا يكون الا خطأ، ويكون اتباع سبيلهم مما يجوز أن يكون خطأ وصوابا، ولو لم
~~يكن كذلك وكان الأمران متساويين لجاز أن يعلق الوعيد بأحدهما دون الاخر،
~~ويكون الصلاح للمكلفين ان يعلموا خطر اتباع غير سبيلهم بهذا اللفظ، ويعلموا
~~مساواة اتباع PageV02P607
# سبيلهم له في الحظر ms330 بدليل اخر، كما يقوله أكثر خصومنا: ان قوله عليه
~~السلام " في سائمة الغنم الزكاة " (1) لا يجب أن يفهم منه دفع الزكاة عما
~~ليس بسائم، ومفارقة حاله لحال السائمة، بل يجوز أن يكون الحكم واحدا، ويعلم
~~بالسائمة بهذا القول، وفي غيرها بدليل اخر.
# فان قيل: ان ذلك يجرى مجرى قول أحدنا لغيره: (لا تتبع غير سبيل الصالحين)
~~في أنه بعث على اتباع سبيل الصالحين، والا يخرج عن ذلك.
# قيل: القول في هذا المثال كالقول فيما تقدم، وظاهر اللفظ واطلاقه لا يدل
~~على وجوب اتباع طريقة الصالحين و يحث عليها، وما يعلم لا من حيث ظاهر اللفظ
~~خارج عما نحن فيه.
# ولو أن أحدنا قال بدلا من ذكر الصالحين: (لا يتبع غير طريقة زيد) لم يجب
~~أن يفهم من اطلاقه ايجاب اتباع طريقته.
# ولولا أن الامر فيما تقدم على ما قلناه دون ما ادعاه السائل، لوجب فيما
~~قال لغيره: (لا تضرب غير زيد) ثم قال: (ولا زيدا) أن يكون مناقضا في كلامه،
~~من حيث كان قوله: (لا تضرب غير زيد) ايجابا لضربه وقوله: (ولا زيدا) حظر
~~لذلك.
# وفي العلم بصحة هذا القول من مستعمله، وانه غير جار مجرى قوله: (اضرب
~~زيدا ولا تضربه) دلالة على استقامة تأويلنا للآية.
# ورابعها (2): انه تعالى حذر من مخالفة سبيل المؤمنين وعلق الكلام بصفة من
~~كان مؤمنا، فمن أين لخصومنا انهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين إذا خرجوا عن
~~الايمان خرجوا عن الصفة التي تعلق الوعيد بخلاف من كان عليها؟
# وليس له أن يقول (3): لا يصح أن يتوعد الله تعالى وعيدا (4) مطلقا على
~~العدول
# PageV02P608
# عن اتباع سبيل المؤمنين، الا وذلك ممكن في كل حال ولا يصح دخوله في أن
~~يكون ممكنا الا بأن يثبت في كل عصر جماعة من المؤمنين.
# يبين ذلك: انه كما توعد على العدول عن اتباع سبيلهم، فكذلك توعد على
~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا وجب في كل حال صحة المشاقة
~~ليصح الوعيد المذكور، فكذلك يجب أن يصح في كل حال ms331 اتباع سبيلهم والعدول
~~عنها، لأنه ليس يجب من حيث توعد تعالى توعدا مطلقا على العدول عن اتباع غير
~~سبيل المؤمنين، ثبوت مؤمنين في كل عصر، انما (1) تقتضي الآية التحذير من
~~العدول عن اتباعهم إذا وجدوا وتمكن من اتباعهم وتركه.
# ولسنا نعلم من أي وجه ظن أن التوعد على الفعل يقتضى امكانه في كل حال.
# وليس هذا مما يدخل فيه عندنا شبهة على متكلم، ونحن نعلم أن البشارة
~~بنبينا عليه السلام قد تقدم على لسان من سلفت نبوته كموسى عليه السلام
~~وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام، وقد امر الله تعالى أممهم باتباعه
~~وتصديقه وأشار لهم إلى صفاته (2) وعلاماته، وتوعدهم على مخالفته وتكذيبه،
~~ولم يكن ما توعد (3) عليه من مخالفته وأوجبه من تصديقه واتباعه ممكنا في كل
~~وقت، ولا مانعا (4) من اطلاق الوعيد.
# وقد قال شيخهم أبو هاشم، وتبعه على هذه المقالة جميع أصحابه (5): ان قوله
~~تعالى: [السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله]
~~(6)،
# PageV02P609
# ولا يقتضى ثبوت من يستحق القطع على سبيل النكال، ولو لم يقع التمكن ابدا
~~(1)، والوقوف على من هذه حاله لما أخل بفائدة الآية، وعول في قطع من يقطع
~~من السراق المشهود عليهم أو المقرين على الاجماع.
# وإذا (2) صح هذا، فكيف يجب من حيث أطلق الوعيد على العدول عن اتباع سبيل
~~المؤمنين، وجود مؤمنين في كل عصر؟ وما المانع من أن يكون الوعيد يتعلق بحال
~~مقدرة كأنه تعالى قال: [ولا تتبعوا غير سبيل المؤمنين] إذا حصلوا ووجدوا؟
# فعلم بذلك بطلان ما تعلق به السائل.
# وخامسها: انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم على تسليم عموم المؤمنين
~~والسبيل، فان الآية لا تدل على وجوب اتباعهم في عصر، بل هو كالمجمل المفتقر
~~إلى بيان، فلا يصح التعلق بظاهره.
# وليس لاحد أن يقول: انى أحمله على كل عصر من حيث لم يكن اللفظ مختصا بعصر
~~دون عصر.
# لان هذه الدعوى نظيره الدعوى المتقدمة التي بينا فسادها.
# وليس لاحد أن يقول: انى اعلم وجوب اتباعهم في الاعصار كلها بما ms332 علمت به
~~وجوب اتباع النبي عليه السلام في كل عصر، فما قدح في عموم أحد الامرين قدح
~~في عموم الاخر، لأنا لا نعلم عموم وجوب اتباع الرسول عليه السلام في كل عصر
~~بظاهر الخطاب: بل بدلالة لا يمكن دفعها، فمن ادعى في عموم وجوب اتباع
~~المؤمنين دلالة فليحضرها!
# وليس له أن يقول: إذا لم يكن فيها تخصيص وقت وجب حملها على جميع الأعصار.
# PageV02P610
# لأن المخالفة أن يقول: وإذا لم يكن فيها دليل على عموم الاعصار، وجب
~~حملها على أهل عصر واحد، وهو حال زمن الصحابة به على ما ذهب إليه داود (1)،
~~والا فما الفصل؟ وسادسها (2): ان قوله تعالى [المؤمنين] لا يخلو ان يريد به
~~المصدقين بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو المستحقين للثواب على الله
~~تعالى (3)، فان كان الأول بطل، لان الآية تقتضي التعظيم والمدح لمن تعلقت
~~به من حيث أوجب اتباعه، ولا يجوز أن يتوجه إلى من لا يستحق التعظيم والمدح،
~~وفي الأمة من يقطع على كفره (4) وانه لا يستحق شئ منها، ولأنه كان يجب لو
~~كان المراد [بالمؤمنين] المصدقين دون المستحقين للثواب أن يعتبر في الاجماع
~~دخول كل مصدق في شرق وغرب، فهذا يعلم تعذره، وعموم القول يقتضيه، وليس يذهب
~~أكثر المخالفين إليه (5).
# وان أراد [بالمؤمنين] مستحقي الثواب والمدح والتعظيم، فمن أين ثبوت
~~مؤمنين (6) بهذه الصفة في كل عصر يجب اتباعهم؟ ويجب أيضا: الا يثبت الاجماع
~~الا بعد القطع على أن كل مستحق للثواب في بر وبحر وسهل وجبل قد دخل فيه،
~~لان عموم القول يقتضيه، وهذا يؤدى إلى أن لا
# PageV02P611
# يثبت الاجماع ابدا.
# وان حمل على بعض المؤمنين، وعلى من عرفناه دون من لم نعرفه، جاز حمله (1)
~~على طائفته من المؤمنين وهم أئمتنا عليهم السلام. وسابعها (2) انا لو
~~تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه، لم يكن في الآية دلالة تتناول الخلاف في
~~الحقيقة، لأنه جاز (3) ان يكون تعالى انما امر (4) باتباع المؤمنين من حيث
~~ثبت بالعقول ان في جملة المؤمنين في كل عصر إماما معصوما لا يجوز ms333 عليه
~~الخطاء، وإذا جاز ما ذكرناه سقط غرضهم في الاستدلال على صحة الاجماع، لأنهم
~~انما اجروا (5) بذلك إلى أن يصح الاجماع، وتنحفظ، الشريعة به ويستغنى به عن
~~الامام، وإذا كان ما استدلوا به على صحة الاجماع يحتمل ما ذكرناه، بطل
~~التعلق به.
# وثامنها ان الله تعالى توعد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
~~واتباع غير سبيل المؤمنين على وجه الجمع بينهما، فمن أين انه لو انفرد
~~اتباع غير سبيلهم عن المشاقة استحق به الوعيد. وليس لهم ان يقولوا: ان
~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما كان بانفرادها يستحق بها الوعيد،
~~فكذلك اتباع غير سبيل المؤمنين، ولو جاز أن لا يستحق عليه العقاب ويذكر مع
~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتعلق الوعيد به، لجاز أن يضاف إلى
~~مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شئ من المباحات مثل الأكل والشرب
~~وغير ذلك، وتعلق الوعيد به، فلما لم يجز ذلك علم أن اتباع غير سبيلهم يجب
~~أن يستحق الوعيد به على الانفراد، وذلك انا لا نعلم بظاهر الآية ان
# PageV02P612
# مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستحق بها الوعيد إذا انفردت عن
~~اتباع غير سبيل المؤمنين.
# ولو خلينا وظاهر الآية لما علقنا الوعيد الا على من جمع بينها، لكن علمنا
~~بالدليل ان مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بها على الانفراد
~~الوعيد، فلأجل ذلك قلنا به.
# فاما ضم المباحات إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنما لم
~~يجز لأنا قد علمنا أن حكم المباحات عند الانضمام حكمها عند الانفراد في أنه
~~لا يستحق بها الوعيد، وقد كان يجوز أن يستحق بها الوعيد إذا انضم إلى
~~المشاقة، ولم يكن ذلك بأبعد من شيئين مباحين على الانفراد، فإذا جمع بينها
~~صار محظورين، الا ترى انه يجوز للحر المسلم العقد على ثلاث من النسوة على
~~الانفراد، وعلى امرأتين أيضا على الانفراد، ولا يجوز له بجمع في عقد واحد
~~ثلاثا وثنتين لان ذلك محظور ولذلك نظائر كثيرة ms334 في الشرع، لكن هذا وان كان
~~جائزا علمنا أنه لم يثبت، لأنا علمنا أن فعل شئ من المباحات من الأكل
~~والشرب وان انضم إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا يستحق
~~به الوعيد، فلأجل ذلك لم يجز ضم ذلك إلى المشاقة.
# وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] (1).
# قالوا: " والوسط " العدل، ولا يكون هذه حالهم الا وهم خيار، لان الوسط من
~~كل شئ هو المعتدل منه، وقوله تعالى: [قال أوسطهم ألم أقل لكم] (2) المراد
~~به خيرهم، وعلى هذا الوجه يقال: انه عليه السلام من أوسط العرب، يعنى بذلك
~~من خيرهم.
# وأيضا: فإنه جعلهم كذلك ليكونوا: [شهداء على الناس] (3) كما أنه عليه
# PageV02P613
# السلام شهيد عليهم، فكما انه لا يكون شهيدا الا وقوله حق [وحجة] (1)
~~فكذلك القول فيهم.
# وهذه الآية لا تدل أيضا على ما يدعونه، لا يصح ان يكون المراد بها جميع
~~الأمة المصدقة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو بعضها، وقد علمنا أنه لا
~~يجوز أن يريد به جميعها، لان كثيرا منها ليس بخيار، ولا يجوز من الحكيم
~~تعالى أن يصف جماعة بأنهم خيار عدول وفيهم من ليس بعدل، ولا خير (3)، وهذا
~~مما يوافقنا عليه أكثر من خالفنا (4).
# وان كان أراد بعضها، لم يخل ذلك البعض أن يكون جميع المؤمنين المستحقين
~~للثواب، ويكون بعضا منهم غير معين:
# فان كان الأول: فلا دلالة توجب عمومها في الكل دون حملها على بعض غير
~~معين، لأنه لا لفظ هاهنا من الألفاظ التي تدعى للعموم كما هو في الآية
~~المتقدمة (5).
# وان كان المراد بعضا معينا، خرجت الآية من أن تكون فيها دلالة لخصومنا
~~على الخلاف بيننا وبينهم.
# ولم يكن بعض المؤمنين بأن يقتضى تناولها [له] (6) أولى من بعض، فساغ (7)
~~لنا ان نقصرها على الأئمة من آل محمد عليهم السلام، ويكون قولنا أثبت في
~~الآية من كل قول لقيام الدلالة على عصمة من عدلنا بها إليه (8) وطهارته،
~~وتمييزه من كل الأمة.
# PageV02P614
# فان قيل: اطلاق القول يقتضى دخول كل الأمة فيه، ms335 لولا الدلالة التي دلت من
~~حيث الوصف المخصوص على تخصيص من يستحق (1) المدح منهم والثواب، فإذا خرج من
~~لا يستحقها بدليل وجب عمومها في كل المستحقين للثواب والمدح، لأنه ليس هي
~~بأن تتناول بعضها (2) أولى من بعض.
# قيل له: ان اطلاق القول لا يقتضى كل الأمة على أصلنا حتى يلزم إذا أخرجنا
~~من لا يستحق الثواب منه أن لا يخرج غيره، ولو اقتضى ذلك ووجب تعليق الآية
~~بكل من عدا الخارجين من استحقاق الثواب، لوجب القضاء بعمومها في جميع من
~~كان بهذا الصفة في سائر الأعصار، لان ظاهر العموم يقتضيه على مذهب من قال
~~به، فكان لا يسوغ حمل القول على إجماع كل عصر (3) وهذا يبطل الغرض في
~~الاحتجاج بالآية.
# وليس لاحد أن يقول: كيف يكون اجتماع جميع أهل الاعصار على الشهادة حجة
~~(4)، ولا يكون اجماع أهل كل عصر حجة وصوابا (5)؟
# فإنه يقال: لهم: كما تقولون: إن إجماع أهل كل عصر حجة، وليس اجماع كل
~~فرقة من فرقها حجة (6).
# فان قيل: بأي شئ يشهد جميعهم، وهم لا يصح ان يشاهدوا كلهم شيئا واحدا
~~فيشهدوا به؟
# PageV02P615
# قيل لهم: قد تصح الشهادة بما لا يشاهد من المعلومات، كشهادتنا بتوحيد
~~الله تعالى، وعدله ونبوة أنبيائه، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده.
# ولو قيل أيضا: فعلى من تكون الشهادة إذا كان جميع أهل الاعصار هم الشهداء
~~(1)؟
# قلنا: تكون شهادتهم على من لا يستحق ثوابا، ولا يدخل تحت القول من
~~الأمة؟، ويصح أيضا أن يشهدوا على باقي الأمم الخارجين عن الملة، وكل هذا
~~غير مستبعد.
# ويمكن أيضا ان يقال في أصل تأويل الآية: ان قوله تعالى: [جعلناكم أمة
~~وسطا] (2) إذا سلم ان المراد به جعلناكم عدولا خيارا، لا يدل أيضا على ما
~~يريد الخصم، لأنه لم يبين هل جعلهم عدولا في كل أقوالهم وافعالهم، أو في
~~بعضها؟
# فالقول محتمل وممكن أن يكون تعالى أراد انهم عدول فيما يشهدون به في
~~الآخرة، أو في بعض الأحوال.
# فان رجع راجع إلى أن يقول: اطلاق القول يقتضى العموم ms336 وليس هو بأن يحمل
~~على بعض الأحوال أو الأمور (3) أولى من بعض، فقد مضى الكلام على ما يشبه
~~هذا مستقصى (4).
# فاما حملهم " الأمة " على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الشهادة
~~وكونه حجة من فيها، فلم يكن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة من حيث
~~كان شهيدا، بل من حيث كان نبيا ومعصوما، فتشبيه أحد الامرين بالآخر من
~~البعيد.
# ومما يسقط التعلق (5) بالآية أيضا: ان قوله تعالى (لتكونوا شهداء على
~~الناس)، يقتضى حصول واحد منهم بهذه الصفة، لان ما جرى هذا المجرى من
# PageV02P616
# الأوصاف لابد أن يكون حال الواحد فيه كحال الجماعة، الا ترى انه لا يسوغ
~~ان يقال في جماعة انهم مؤمنون الا وكل واحد منهم مؤمن، وكذلك لا يسوغ أن
~~يقال في جماعة انهم شهداء الا وكل واحد منهم شهيد، لان " شهداء " جمع شهيد،
~~كما أن " مؤمنين " جمع مؤمن، وهذا يوجب أن يكون كل واحد من الأمة حجة
~~مقطوعا على صواب فعله وقوله.
# وإذا لم يكون هذا مذهبا لاحد وكان استدلال الخصم بالآية يوجبه، فسد قولهم
~~ووجب صرف الآية إلى جماعة يكون كل واحد منهم شهيدا وحجة، وهم الأئمة عليهم
~~السلام الذين قد ثبت عصمتهم وطهارتهم.
# على أن الآية لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه فيها، لا يقتضى كون جميع
~~أقوال الأمة وأفعالها حجة، لأنها غير مانعة من وقوع الصغائر التي لا تسقط
~~العدالة (1) منهم، فان أمكن تمييز الصغائر من غيرها كانوا حجة فيما قطع
~~عليه، وان لم يكن وعلم في الجملة أن الخطاء الذي يكون كبيرا ويؤثر في
~~العدالة مأمون منهم وغير واقع من جهتهم، وان ما عداه مجوز (2) عليهم، فسقط
~~بما ذكرناه تعلق المخالف بالآية في نصرة الاجماع.
# وليس لاحد أن يقول (3): ان كونهم عدولا كالعلة والسبب في كونهم شهداء،
~~وانه قد صح في العقل (4) انه لا يجوز أن ينصب للشهادة الا من يعلم عدالته،
~~أو تعرف الامارات (5) التي تقتضي غالب الظن، وصح أن من ينصبه الغالب الظن
~~(6) إذا تولى الله تعالى ms337 نصبه يجب أن يعلم من حاله ما يظنه
# PageV02P617
# وإذا ثبت ذلك، لم يخل من أن يكونوا حجة فيما يشهدون أولا يكونوا، فان لم
~~يكونوا حجة (1) بطلت شهادتهم لان من حق الشاهد إذا أخبر عما يشهد به أن
~~يكون خبره حقا، وان لم يجرى مجرى الشهادة، فلابد من أن يكون قولهم صحيحا،
~~ولا يكون كذلك الا وهم حجة، وليس بعض أقوالهم وافعالهم بذلك أولى من بعض،
~~وذلك أنه لو سلم لهم جميع ما ذكروه (2) ولم يلزم أن يكونوا حجة في جميع
~~أقوالهم وافعالهم، لان أكثر ما تدل عليه الآية فيهم أن يكونوا عدولا رشحوا
~~(3) للشهادة، فالواجب أن ينفى عنهم ما جرح شهادتهم واثر في عدالتهم دون ما
~~لم يكن بهذه المنزلة.
# وإذا كانت الصغائر على مذهبهم غير مخرجة عن العدالة (4)، لم يجب بمقتضى
~~الآية نفيها عنهم، وبطل قوله: " انه ليس بعض أقوالهم وافعالهم بذلك أولى من
~~بعض " لأنا قد بينا فرق ما بين الافعال المسقطة للعدالة والافعال التي لا
~~تسقطها.
# ثم يقال لهم: أليس لرسول صلى الله عليه وآله السلام مع كونه شهيدا لا
~~يمنع من وقوع الصغائر منه، فهلا جاز ذلك في الأمة؟
# PageV02P618
# وليس لهم أن يقولوا (1): ان حالهم مخالفة لحال الرسول (2)، لأنه ما نجوزه
~~عليه من الصغائر لا يخرج ما يؤديه عن الله تعالى مما هو الحجة فيه من أن
~~يكون متميزا، فيصح كونه حجة وليس كذلك لو جوزنا على الأمة الخطاء في بعض ما
~~تقوله وتفعله لان ذلك يوجب خروج كل ما يجمع عليه (3) من أن يكون حجة، لان
~~الطريقة في الجمع (4) واحدة، فيسقط بما ذكرناه، لأنه إذا كان تجويز الصغائر
~~على الرسول (5) لا يخرجه فيما يؤديه من أن يكون حجة ويتميز ذلك للمكلف،
~~فكذلك إذا كانت الآية مما تقتضي كون الأمة عدولا فيجب نفى ما اثر في
~~عدالتهم، والقطع على انتفاء (6) الكبير من المعاصي (7) عنهم، وتجويز ما عدا
~~هذا عليهم، ولا يخرج (8) هذا التجويز من أن يكونوا حجة، فيما لو كان خطأ
~~لكان كبيرا.
# وقد يصح تمييز ms338 ذلك على وجه فان في المعاصي ما يقطع على كونها كبائر ولو
~~لم يكن إلى تمييزه سبيل لصح الكلام أيضا من حيث كان الواجب علينا اعتقاد
~~نفي الكبائر عنهم وتجويز الصغائر، وان شهادتهم بما لو لم يكن حقا لكانت
~~الشهادة به كبيرة لا تقع منهم، وان جاز وقوع ما لم يبلغ هذه المنزلة، ويكون
~~هذا الاعتقاد مما يجب علينا على سبيل الجملة، وان تعذر علينا تفصيل أفعالهم
~~(9) التي يكونون فيها
# PageV02P619
# حجة من خالفها (1) لا سيما وشهادتهم ليست عندنا، فيجب علينا تمييز خطأهم
~~من صوابهم، وانما هي عند الله تعالى، وإذا كانت عنده جاز أن يكون الواجب
~~علينا هذا الاعتقاد الذي ذكرناه. فان قيل (2): ليس المراد بالآية الشهادة
~~في الآخرة، وانما هو القول بالحق والاخبار بالصدق كقوله تعالى: [شهد الله
~~انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم] وكل من قال حقا وهو شاذ به،
~~وليس هذا من باب الشهادة التي تؤدى أو تتحمل بسبيل، وان كانوا مع شهادتهم
~~بالحق يشهدون في الآخرة باعمال العباد، فيجب في كل ما اجمعوا عليه قولا أن
~~يكون حقا، وفعلهم يقوم مقام قولهم، فيجب أن يكون هذا حاله، لأنهم إذا جمعوا
~~على الشئ وأظهروه اظهار ما يعتقد انه حق حل محل الخبر، وهذا يوجب انه لا
~~فرق بين الصغير والكبير في هذا الباب.
# قيل له: هذا غير مؤثر فيما قدحنا به في الاستدلال بالآية، لان التعلق في
~~(4) الآية انما هو بكونهم عدولا لا بلفظ الشهادة، لان التعليق لو كان
~~بالشهادة لم يكن في الكلام شبهة من حيث كانت الشهادة لا تدل بنفسها على
~~كونها حجة كما تدل العدالة.
# ولو تعلق متعلق بكونهم شهودا ويذكر شهادتهم، لم نجد بدا من اعتبار
~~العدالة والرجوع إليها، وإذا كانت الصغائر لا تؤثر في العدالة ولا يمتنع
~~وقوعها على مذهب المعتزلة (5) من العدل المقبول الشهادة، فما الموجب من
~~الآية نفيها عن الأمة؟، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكونوا شهداء في الدنيا
~~والآخرة معا، وبين أن يكونوا شهداء
# PageV02P620
# في الآخرة ms339 دون الدنيا (1).
# واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
~~وتنهون عن المنكر] (2).
# قالوا: وصف الله تعالى " بأنها " خير الأمة "، وانها " تأمر بالمعروف " "
~~وتنهى عن المنكر "، فلا يجوز أن يقع منها خطأ، لان ذلك يخرجها من كونها
~~خيارا، ويخرجهما أيضا من كونها امرة بالمعروف وناهية عن المنكر، الا أن
~~تكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف، ولا ملجاء من ذلك الا بالامتناع من
~~وقوع شئ من القبائح من جهتهم.
# والكلام على هذا الدليل مثل الكلام على الآية التي ذكرناها قبل هذه الآية
~~على حد واحد من المنازعة في أن تكون لفظة " الأمة " تستحق الجمع والشمول.
# ومع التسليم انها تشتمل جميع أهل الاعصار دون أهل كل عصر، وفي انها لا
~~يجوز ان يوصفوا بأنهم خيار إلا وكل واحد منهم بهذه الصفة، وفي ان أكثر ما
~~تقتضيه الآية ان لا يقع منهم ما يخرجهم من كونهم خيارا من الكبائر، ولا يجب
~~من ذلك الا يقع منهم الصغير الذي يتحبط (3) عقابه، ولا يخرجهم من كونهم
~~بهذه الصفة فالكلام في الآيتين على حد واحد.
# ويمكن أن يقال في هذه الآية وفي التي تقدمت: ان المراد بها قوم معينون
~~لما يتضمنان من حرف الإشارة في المخاطبين، وليس فيهما ما يقتضى لفظ العموم،
~~لان ألفاظ العموم معلومة، وليس فيهما شئ منها.
# فان رجعوا إلى أن يقولوا: لو كان المراد به ما دون الاستغراق لبين قيل
~~لهم: ولو كان المراد بها الاستغراق لبين، وإذا تقابل القولان سقط
# PageV02P621
# الاحتجاج بالآية.
# وكل ما يسأل على هذه الطعون فقد مضى الجواب عنه في الآية المتقدمة فلا
~~وجه لتكراره واستدلوا أيضا بقوله تعالى: [فاتبع سبيل من أناب إلي] (1)
~~قالوا: فأوجب الله تعالى اتباع سبيل من أناب إليه وهم المؤمنون، لأنهم
~~المختصون بهذه الطريقة.
# والكلام في هذه الآية كالكلام في الآية (2) المتقدمة، وأكثر ما اعترضنا
~~به عليها فهو اعتراض على هذه الآية أيضا (3).
# ومما يختص بهذه (4) الآية ان " الإنابة " حقيقتها في اللغة هي الرجوع (5)
~~وانما يستعمل في التائب من حيث ms340 رجع عن المعصية إلى الطاعة، وليس يصح
~~اجزاؤها على المتمسك بطريقة واحدة لم يرجع إليها من غيرها على سبيل
~~الحقيقة، ولو استعمل فيمن ذكرناه لكان مستعملها متجوزا عند جميع أهل اللغة.
# وإذا كانت حقيقة " الإنابة " في اللغة هي الرجوع لم يصح اجراء قوله
~~تعالى:
# [اتبع سبيل من أناب] (6) على جميع المؤمنين حتى يعم بها من كان متمسكا
~~بالايمان وغير خارج عن غيره إليه، ومن رجع إلى اعتقاده وأناب إليه بعد أن
~~كان على غيره، لأنا لو فعلنا ذلك لكنا عادلين باللفظة عن حقيقتها من غير
~~ضرورة، فالواجب أن يكون ظاهرها متناولا للتائبين من المؤمنين الذين أنابوا
~~إلى الايمان وفارقوا غيره، وإذا
# PageV02P622
# تناولت هذا (1) لم تكن دلالة على مكان الخلاف بيننا وبين خصومنا في
~~الاجماع (2).
# واستدلوا أيضا بقوله تعالى: [فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول]
~~(3).
# قالوا: فأوجب علينا الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، فيجب إذا ارتفع
~~التنازع الا يجب الرد، ولا يسقط وجوب الرد إليهما الا لكونه حجة.
# والكلام على هذه الآية من وجوه: أحدها: ان هذا خطاب لجماعة مواجهين
~~بالخطاب، وليس فيها لفظ يقتضى الاستغراق لجميع الأمة، وإذا لم يكن فيها ذلك
~~لم يكن لاحد أن يحملها على الاستغراق.
# وليس لهم ان يقولوا: نحملها على الجمع لفقد الدلالة على أن المراد به
~~الاستغراق.
# وثانيها: ان أكثر ما في الآية ان تفيد ان عند وجود التنازع يجب الرد إلى
~~الكتاب والسنة، وليس فيها ذكر ما يرتفع التنازع فيه الا من حيث دليل الخطاب
~~الذي أكثر من خالفنا يبطله، وفرق من فرق بين تعليق الحكم بالصفة وبينه إذا
~~علق بشرط فاسد لما بيناه فيما تقدم من هذا الكتاب.
# وثالثها: ان ما يرتفع التنازع فيه لابد من أن يكون مردود إلى الكتاب
~~والسنة، لأنهم لا يجمعون الا عن دليل، ولا يخلو ذلك الدليل من الكتاب
~~والسنة، فكأنهم في حال وجود التنازع يجب عليهم الرد وعند ارتفاعه يكون قد
~~ردوا، فلا فرق بين وجود التنازع وبين ارتفاعه.
# PageV02P623
# ورابعها: ان المراد بالآية ms341 انه يجب الرد إلى الكتاب والسنة فيما طريقه
~~العلم، لأنه لو كان فيما طريقة العمل وكان المنازعون مجتهدين فيما تنازعوا
~~فيه لم يجب عليهم الرد، وانما يجب عليهم الرد على كل حال إذا كان ما
~~اختلفوا فيه لا يسوغ الخلاف فيه.
# وهذه جملة كافية في ابطال التعلق بهذه الآية.
# واستدل بعضهم على صحة الاجماع بقوله: [وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه
~~يعدلون] (١).
# قالوا: فأخبر الله تعالى ان فيمن خلق أمة تهدى بالحق، وهذا يؤمننا من
~~اجتماعهم على ضلال وكفر.
# والكلام على هذه الآية أيضا من وجوه:
# أحدها: انه أخبر عمن خلق فيما مضى لان قوله: (خلقنا) يفيد المضي في
~~الأزمان، فمن أين لهم ان ذلك حكمهم في المستقبل من الزمان؟
# وليس لهم ان يقولوا: ان قوله: (يهدون بالحق) يفيد الاستقبال.
# ذلك أن هذه اللفظة تصلح للحال والاستقبال، وإذا صلحت لذلك فلا يمتنع أن
~~يكون أريد بها الحال، فكأنه قال: (ممن خلقنا أمة هادية بالحق عادلة به).
# وثانيها: ان قوله: (أمة) يقع على الواحد وعلى جماعة، ويقع على جميع الأمة
~~على وجه الاستغراق، الا ترى ان الله تعالى وصف إبراهيم عليه السلام بأنه
~~كان أمة وهو واحد، وقال: ﴿ولما ورد ماء
~~مدين وجد عليه أمة من الناس﴾ (2) أريد به جماعة، وإذا كان الامر على
~~ذلك فمن أين للخصم ان المراد به جميع الأمة؟
# وثالثها: انه لا يمتنع أن يكون أراد تعالى بقوله أمة النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم، أو من يجرى قوله مجرى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في
~~كونه حجة
# PageV02P624
# وموجبا للعلم، وإذا احتمل ذلك لم يكن للخصم الاحتجاج بالآية.
# واستدلوا أيضا على صحة الاجماع: بما روي عن النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم انه قال: " لا تجتمع أمتي على خطأ "، وبلفظ آخر " لم يكن الله ليجمع
~~أمتي على خطأ " وبقوله: " كونوا مع الجماعة "، و " يد الله على الجماعة "
~~وما أشبه ذلك من الألفاظ. (1) وهذه الأخبار لا يصح التعلق بها، لأنها ms342 كلها
~~اخبار آحاد لا توجب علما، وهذه مسألة طريقها العلم.
# وليس لهم أن يقولوا: ان الأمة قد تلقتها بالقبول وعلمت بها لأنا أولا
~~نسلم ان الأمة كلها تلقتها بالقبول.
# ولو سلمنا ذلك لم يكن أيضا فيها حجة، لان كلامنا في صحة الاجماع الذي لا
~~يثبت الا بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصح حتى يثبت انهم لا يجمعون على خطأ.
# PageV02P625
# وليس لهم أن يقولوا: انه قد عملوا بهذه الاخبار وعولوا في صحة الاجماع
~~عليها في كل زمان.
# فقد جرت عادتهم ألا يقبلوا ما جرى هذا المجرى ولا يعملوا به الا إذا كان
~~قاطعا لعذرهم لأنا أولا:
# لا نسلم انهم استدلوا على صحة الاجماع بهذه الاخبار، ولا يمتنع ان يكون
~~اعتمدوا في صحة الاجماع على الآيات التي ذكرناها وان كانوا مخطئين في صحة
~~الاستدلال بها، فمن أين انهم استدلوا بها على صحة الاجماع؟
# ولو سلم انهم استدلوا، جاز أن يكونوا مخطئين في الاستدلال بها، ويكونوا
~~اعتقدوا انها قاطعة للعذر، وان لم يكن كذلك لضرب من الشبهة دخلت عليهم.
# وقولهم: انه ما جرت عادتهم فيما يجرى هذا المجرى ان يقبلوا الا الصحيح.
# فلو سلمنا غاية ما يقترحونه لم يكن فيه أكثر من أن لا يستدلوا الا بما
~~يعتقدون صحته وانه طريقه العلم، فمن أين ان ما اعتقدوه صحيح؟ وذلك لا يثبت
~~الا بعد صحة الخبر أو غيره من الأدلة.
# ولو سلم من جميع ذلك، لجاز أن يحمل الخبر على طائفة من الأمة وهم الأئمة
~~من آل محمد عليهم السلام لان لفظة " الأمة " لا يفيد الاستغراق على ما مضى
~~القول فيه، وذلك أولى من حيث دلت الدلالة على عصمتهم من القبايح.
# وان قالوا: يجب حمله على جميع الأمة لفقد الدلالة على أن المراد بعض
~~الأمة.
# كان لغيرهم أن يقول: انا احمل الخبر على جميع الأمة من لدن النبي إلى أن
~~تقوم الساعة من حيث إن لفظ " الأمة " يشملهم ويتناولهم، فمن أين ان اجماع
~~كل عصر حجة؟
# على أنه قد قيل إن الخبر الأول لا ms343 يمتنع أن يكون رواية سمع من النبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم مجزوما، ويكون المراد النهى لهم عن أن يجمعوا على خطأ،
~~وليس من عادة أصحاب الحديث ضبط الاعراب فيما يجرى هذا المجرى، وإذا كان
~~PageV02P626
# ذلك محتملا سقط الاحتجاج به.
# واما الخبر الثاني: من قوله: " لم يكن الله ليجمع أمتي على خطأ " (1)
~~فصحيح ولا يجئ من ذلك أنه لا يجمعون على خطأ.
# وليس لهم أن يقولوا: ان هذا لا اختصاص فيه لامتنا بذلك دون سائر الأمم،
~~لان الله تعالى لا يجمع سائر الأمم على خطأ.
# وذلك أنه وان كان الامر على ما قالوه، فلا يمتنع أن يخص هؤلاء بالذكر،
~~ومن عداهم يعلم أن حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن
~~والاخبار.
# على أن هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا (2).
# فهذه جملة كافية في الكلام على الآيات والاخبار التي اعتمدوها في نصرة
~~الاجماع على ما يذهبون إليه.
# PageV02P627
# فصل [2] " في كيفية العلم بالاجماع، ومن يعتبر قوله فيه " إذا كان
~~المعتبر في باب كونهم حجة، قول الإمام المعصوم عليه السلام، فالطريق إلى
~~معرفة قوله شيئان:
# أحدهما: السماع منه، والمشاهدة لقوله.
# والثاني: النقل عنه بما يوجب العلم، فيعلم بذلك أيضا قوله.
# هذا إذا تعين لنا قول الإمام عليه السلام، فإذا لم يتعين لنا قول الإمام
~~ولا ينقل عنه نقلا يوجب العلم، ويكون قوله في جملة أقوال الأمة متميز منها،
~~فإنه يحتاج أن ينظر في أحوال المختلفين:
# فكل من خالف ممن يعرف نسبه، ويعلم منشأه، وعرف انه ليس بالامام الذي دل
~~الدليل على عصمته وكونه حجة، وجب إطراح قوله والا يعتد به.
# وتعتبر أقوال الذي لا يعرف نسبهم، لجواز أن يكون كل واحد منهم الامام
~~الذي هو الحجة، وتعتبر أقوالهم في باب كونهم حجة.
# فان قيل: فعلى هذا التقدير هل تراعون قول من خالفكم في الأصول، أم تراعون
~~قول من وافقكم فيها؟
# قلنا: لا نراعي قول من خالفنا في شئ من الأصول من التوحيد، والعدل،
~~PageV02P628
# والإمامة، والارجاع (1) وغير ms344 ذلك لان جميع ذلك معلوم بالأدلة الصحيحة
~~التي لا يجوز خلافها، ولابد أن يكون الامام قائلا بها، وإذا كان لابد أن
~~يكون قائلا بها فمن خالف الامامية في شئ من هذه الأصول فينبغي أن يكون قوله
~~مطروحا، ويكون ذلك أبلغ من إطراح قول من علمنا نسبه، لان التعيين بخلاف
~~الحق مثل التعيين بالنسب، بل ذلك آكد لأنه معلوم من طريق لا يحتمل خلافه.
# فان قيل: ولم لا يجوز أن يكون الامام المعصوم عليه السلام مظهرا لبعض هذه
~~المذاهب المخالفة لمذاهب الامامية لضرب من التقية على ما تجوزون عليه؟ وان
~~كان قوله حقا فيما يرجع إلى الفروع، فلا يجب أن يقطعوا على أن المعتبر قول
~~الإمامية.
# قيل: انما يجب إطراح قول من خالف في الأصول إذا علم أنه قائل به تدينا
~~ومعتقدا، فاما إذا جوزنا انه قائل به لضرب من التقية فيجب أن لا يطرح قوله،
~~ويعتبر قوله وقول من جوزنا ذلك فيه مع أقوال المظهرين للحق ليصح لنا العلم
~~بدخول قول الإمام عليه السلام في جملة أقوالهم.
# فان قيل: فما قولكم إذا اختلفت الامامية في مسألة، كيف يعلمون ان قول
~~الإمام عليه السلام داخل في جملة أقوال بعضها دون بعض؟
# قلنا: إذا اختلفت الامامية في مسألة نظرنا في تلك المسألة:
# فان كان عليها دلالة توجب العلم من كتاب أو سنة مقطوع بها تدل على صحة
~~بعض أقوال المختلفين، قطعنا على أن قول المعصوم موافق لذلك القول ومطابق
~~له.
# وان لم يكن على أحد الأقوال دليل يوجب العلم نظرنا في أحوال المختلفين:
# فأن كان ممن عرفناه بعينه ونسبه قائلا بقول والباقون قائلون بالقول
~~الاخر، لم
# PageV02P629
# نعتبر قول من عرفناه، لأنا نعلم أنه ليس فيهم الامام المعصوم الذي قوله
~~حجة.
# فان كان في الفريقين أقوام لا نعرف أعيانهم، ولا أنسابهم وهم مع ذلك
~~مختلفون، كانت المسألة من باب ما نكون فيها مخيرين بأي القولين شئنا أخذنا،
~~ويجرى ذلك مجرى الخبرين المتعارضين الذي لا ترجيح لأحدهما على الاخر على ما
~~مضى القول فيما ms345 تقدم.
# وانما قلنا ذلك، لأنه لو كان الحق في أحدهما لوجب أن يكون مما يمكن
~~الوصول إليه، فلما لم يكن دل على أنه من باب التخيير.
# ومتى فرضنا أن يكون الحق في واحد من الأقوال، ولم يكن هناك ما يميز ذلك
~~القول من غيره، فلا يجوز للامام المعصوم الاستتار ووجب عليه ان يظهر ويبين
~~الحق في تلك المسألة، أو يعلم بعض ثقاته الذين يسكن إليهم الحق من تلك
~~الأقوال حتى يؤدى ذلك إلى الأمة، ويقترن بقوله علم معجز يدل على صدقه، لأنه
~~متى لم يكن كذلك لم يحسن التكليف.
# وفي علمنا ببقاء التكليف وعدم ظهوره، أو ظهور من يجرى مجراه دليل على أن
~~ذلك لم يتفق.
# فان قيل: بجواز ان يختلف الامامية على قولين يكون أحد القولين قول الإمام
~~والباقون قولهم على خلافه، ومتى أجزتم ذلك كان في ذلك تعيين الامام وتمييزه
~~وذلك لا تقولونه! وان امتنعتم من ذلك قيل لكم: وما المانع من ذلك؟
# قيل: الذي نقول في ذلك أنه لا يمتنع ما فرض في السؤال على وجه، ويمتنع
~~على وجه، فالجائز من ذلك هو أن يجمع كل من عدا الامام على قول إذا لم
~~نعرفهم كلهم بأسمائهم، ونجوز أن يكون الامام فيهم ومن جملتهم، ونجوز أيضا
~~مع ذلك أن يكون المنفرد الذي قال بالقول الأخير - وهذا لا يؤدى إلى العلم -
~~بعين الامام وتمييزه.
# والذي لا يجوز، أن تكون الجماعة الذين خالفوا الواحد معروفين بأسمائهم
~~وأنسابهم، لأنه متى كان كذلك علم به ان الامام هو الاخر، وذلك ينافي غيبته
~~عليه PageV02P630
# السلام.
# فان قيل: فإذا اتفق ما أجزتموه من القسمين كيف يكون قولكم فيه؟
# قيل: متى اتفق ذلك وكان على القول الذي انفرد به الإمام عليه السلام دليل
~~من كتاب أو سنة مقطوع بها لم يجب عليه الظهور ولا الدلالة على ذلك، لان ما
~~هو موجود من دليل الكتاب والسنة كاف في باب إزاحة التكليف، ومتى لم يكن على
~~القول على الذي انفرد به دليل على ما قلناه وجب عليه ms346 الظهور أو اظهار من
~~يبين الحق في تلك المسألة على ما قد مضى القول فيه، والا لم يحسن التكليف.
# ولا ينقض هذا ما قدمناه من اختلاف الطائفة على قولين، ولا يكون لاحد
~~القولين ترجيح على الاخر، ولا دليل على أن المعصوم مع أحدهما، بان قلنا
~~نكون مخيرين في العمل بأي القولين شئنا، لان هذه المسألة مفروضة إذا كان
~~الحق فيما عند الامام دون غيره من الأقوال، ويكون من الأمور المضيقة، وانما
~~يجوز ما قدمناه أولا إذا كان من باب ما يجوز التخيير فيه، ولا تنافى بين
~~المسألتين.
# وذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه أخيرا: " انه يجوز أن
~~يكون الحق فيما عند الامام، والأقوال الاخر يكون كلها باطلة، ولا يجب عليه
~~الظهور، لأنه إذا كنا نحن السبب في استتاره، فكلما يفوتنا من الانتفاع به
~~وبتصرفه وبما معه من الاحكام نكون قد اتينا من قبل نفوسنا فيه، ولو أزلنا
~~سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به، وادى إلينا الحق الذي عنده " (1).
# وهذا عندي غير صحيح، لأنه يؤدي إلى الا يصح الاحتجاج باجماع الطائفة
~~أصلا، لأنا لا نعلم دخول الامام فيها الا بالاعتبار الذي بيناه، فمتى جوزنا
~~انفراده عليه السلام بالقول ولا يجب ظهوره، منع ذلك من الاحتجاج بالاجماع.
# PageV02P631
# فان قيل: كيف تعلمون اجماع الامامية على مسألة وهم منتشرون في أطراف
~~الأرض، وفي البلاد التي يكاد ينقطع خبر أهلها عن البلاد الاخر، وهل هذا الا
~~متعذر مستحيل؟
# قيل له: السائل عن هذا السؤال لا يخلو من أن يريد به الطعن في الاجماع
~~على كل حال، فان ذلك مما لا يصح العلم به على حال أو يريد اختصاص الامامية
~~بهذا السؤال دون غيرهم:
# فان أراد الأول: فقوله يسقط، لان من هو في أطراف الأرض وفي البلاد
~~البعيدة، اخبارهم متصلة وخاصة العلماء منهم، لان الدين تراعى أقوالهم هم
~~العلماء دون العامة الذين لا يعتبرون في هذا الباب، ولهذا لا يشك (1) أحد
~~من العلماء في الأرض من يعتقد الفرض في غسل أعضاء الطهارة مرتين مرتين ms347 (2)،
~~بل نعلم (3) اجماع العلماء في جميع المواضع على أن الفرض واحد من الغسلات،
~~وكذلك نعلم أنه ليس في الأمة من يورث المال إذا اجتمع جد وأخ للأخ دون
~~الجد، لان المتقرر بين العلماء والذين اجمعوا عليه القول بان المال اما
~~للجد كله أو بينهما، ولا يقول أحد ان المال للأخ دون الجد، ونظاير ذلك
~~كثيرة جدا من المسائل التي يعلم اجماع العلماء عليها، فمن أراد بهذا السؤال
~~إحالة ذلك فقد أبطل.
# وان أراد اختصاص الامامية بالسؤال: فذلك لا يخصهم لان على كل من اعتبر
~~الاجماع مثل هذا السؤال، بل إن كان ذلك محالا في الامامية لانتشارهم في
~~البلدان، كان ذلك في المسلمين كلهم أشد استحالة، لأنهم أكثر وأشد انتشارا،
~~فعلم بذلك ان السؤال ساقط على الوجهين معا فان قيل: من الذي يجب أن يعتبر
~~قوله إذا لم يتميز قول الإمام المعصوم، أم أقول
# PageV02P632
# جميع الامامية، أم قول العلماء منهم؟
# قيل: إذا لم يتميز قول المعصوم يجب ان يراعى قول العلماء الذين يعرفون
~~الأصول والفروع دون العامة والمقلدين، وانما قلنا ذلك لان الذي قوله حجة
~~إذا كان هو الامام المعصوم، وكان هو عالما بجميع أحكام الشريعة، ولابد أن
~~يكون عالما بالأصول، ويجب أن يكون المراعى من يشتبه حاله بحاله عليه
~~السلام، ومن لا يعرف الأصول ولا الفروع يعلم منه انه ليس بامام، وإذا علم
~~أنه ليس بامام معصوم وجب اطراح قوله ولا يلتفت إليه.
# وليس لاحد أن يقول: ان هذا يؤدى إلى أن أصحاب الحديث والفقهاء الذين لا
~~يعرفون الأصول أن لا يعتد بأقوالهم، وفي ذلك اسقاط قول أكثرهم.
# قلنا: لا يلزم ذلك، لان الفقهاء وأصحاب الحديث على ضربين: ضرب منهم: يعلم
~~أنه لا يعرف الأصول، ولا كثيرا من الفروع (1) فان ذلك لا محالة يجب إطراح
~~قوله، لأنه قد علم أنه ليس بامام.
# والضرب الاخر منهم: لا يعلم ذلك من حالهم، بل يجوز أن يكونوا مع كونهم
~~متظاهرين بالحديث والفقه قيمين بالأصول وعارفين بها، فإذا شككنا في حالهم
~~وجب اعتبار أقوالهم ms348 لجواز أن يكون الامام في جملتهم.
# والذي يجب أن يراعى أقوالهم فيه هو: كل شئ لا يصح أن يعلم الا من جهة
~~السمع، لان ما لا يعلم وجود قبل حصول العلم به لا يصح أن يعلم بقول الأمة
~~التي قول المعصوم داخل فيها وذلك مثل التوحيد، والعدل، وجميع صفات القديم،
~~لان العلم بان هاهنا معصوما يفتقر إلى تقدم هذه العلوم، ومتى لا يقدم لا
~~يمكننا ان نعلم أن هاهنا معصوما، لان ذلك فرع على حكمة الله تعالى وعدله،
~~وانه لابد ان يزيح علة المكلفين بنصب رئيس لهم معصوم، وذلك لا يمكن أن يعلم
~~بالاجماع على حال.
# PageV02P633
# واما (1) النبوة فقد كان يصح أن يعلم باجماع الأمة الذين قول المعصوم
~~داخل في جملتها، لان ذلك [لا] يفتقر (2) إلى العلم بالنبوة، لأنا إذا علمنا
~~أن الله تعالى حكيم وعدل لابد أن نعلم أنه يزيح علة المكلفين في التكليف
~~بنصب رئيس معصوم لهم ليكونوا متمكنين مزاحي العلة فيما كلفوه، فإذا علمنا
~~ذلك، وأجمعوا على نبوة شخص، يعلم باجماعهم نبوته.
# فان قيل: كيف يصح هذا القول والامام عينه الا بنص الرسول صلى الله عليه
~~وآله وسلم، لان الله تعالى يعلمه ذلك بالوحي والامام لا يوحى إليه، فيعلم
~~انه امام، فكيف يدعى انه امام، وكيف يعلم صحة دعواه؟
# قيل له: اما العلم بكونه إماما، فقد يحصل لنا العلم المعجز الذي يظهره
~~الله تعالى على يده، يتضمن تصديقه فيما يدعيه ويدعى هو انه الامام المعصوم
~~الذي لا يخلو الزمان منه، واظهار المعجزات يجوز عندنا على الأئمة والصالحين
~~أيضا، وقد دللنا على ذلك في كتاب " تلخيص الشافعي " (3).
# فأما الامام نفسه فإنما يعلم كونه إماما - إذا كان ممن لا يوحى إليه على
~~ما (4) في السؤال - بقول نبي يتقدمه، ثم ينص هو على من بعده، وكذلك في
~~مستقبل الأوقات، فإذا اجمعوا على قول كان معصوم العصر فيه على نبوة نبي آخر
~~علم صحة نبوته، ولا يحتاج إلى علم معجز، بل كان ذلك كافيا في العلم بصدقة.
# وقد يجوز أن يكون ms349 الامام الأول نبيا، لأنه لا تنافى بين المنزلتين، بل
~~يصح اجتماعهما، وإذا جاز ذلك فإذا فرضنا ان أول الأئمة نبي جاز أن يعلم
~~امامة من بعده، وكذلك نبوة من يأتي في المستقبل بنص عليه أو باعتبار
~~الاجماع الذي يدخل فيهم.
# فان قيل: هذا القول يؤدى إلى أن العقل لا ينفك من السمع، لأنه إذا كان
~~لابد
# PageV02P634
# للمكلفين من امام معصوم في كل حال وفي أول حال التكليف، ولابد لهم من
~~امام ولا يعلم كونه إماما الا بنبوته أو بنبوة من تقدمه فينص عليه، فقد صار
~~التكليف لا ينفك من السمع، وذلك يأباه كثير منكم!
# قيل: من أصحابنا من قال بذلك، فعلى مذهبه سقط السؤال:
# ومن قال: انه لم يجوز أن يخلو العقل من السمع (1)، فإنما يريد بذلك السمع
~~الشرع الذي يتضمن العبادات والاحكام، فاما سمعا يتضمن الدلالة على عين
~~الامام المعصوم فإنه لا يجيز أحد من الطائفة خلو التكليف منه، وعلى هذا
~~المذهب أيضا قد سقط السؤال.
# فاما كيفية اجماعهم فيكون على ضروب:
# منها: ان يجمعوا على مسألة قولا، فيعلم بذلك صحة المسألة.
# ومنها: أن يجمعوا عليها فعلا، فيعلم بذلك أيضا صحتها.
# ومنها: ان يجمعوا عليها قولا وفعلا، بأن يقول بعضهم ويفعل بعضهم، فيعلم
~~بذلك أيضا صحتها.
# ولابد (2) في هذه الوجوه كلها أن يعلم أنهم لم يجمعوا على ذلك بضروب من
~~التقية، لان ما يوجب التقية يحمل على اظهار القول بغير الحق، وكذلك يحمل
~~على كل فعل وان كان الحق في خلافه، فلذلك شرطنا فيه ارتفاع التقية.
# ومنها: أن يعلم رضاهم بالمسألة واعتقادهم بصحتها، فان ذلك أيضا يدل على
~~صحتها.
# وهذا الوجه لا يحتاج أن يعلم منه زوال التقية، لان الرضا من أفعال
~~القلوب، والتقية لا تحمل على ذلك، وانما تحمل على أفعال الجوارح.
# PageV02P635
# ولا يجوز ان يجمعوا على الذهاب عما يجب ان يعلموه، لان الامام يجب عندنا
~~ان يكون عالما بجميع ما نصب فيه وجعل حاكما فيه، فلا يجوز أن يكون امر يجب
~~أن يعلم فلا يعلمونه كلهم، لان ms350 ذلك يؤدى إلى نقض كون الامام عالما بجميع
~~الاحكام، ويؤدى أيضا إلى نقض كون المعصوم في جملتهم، لان المعصوم لا يجوز
~~أن يخل بما تجب معرفته.
# فاما ما لا يجب العلم به، فلا يمتنع ان يذهب عن جميعهم، لأنه ليس هاهنا
~~وجه يوجب علمهم بذلك.
# وإذا قلنا: ان المراعى في اجماع الطائفة باجماع العلماء بالأصول والفروع،
~~فلا ينبغي أن يعتبر قول من ليس هو من جملة العلماء.
# فان كان هناك من لا يعلم حاله، وهل هو عالم بذلك أم لا؟ ويكون قوله
~~مخالفا لقول الباقين، فينبغي أن يكون خلافه خلافا، لأنا لا نأمن أن يكون
~~ممن يعلم جميع ذلك، وإذا جوزنا أن يكون عالما بجميع ذلك، جوزنا أن يكون
~~إماما، وإذا جوزناه إماما لم يمكن اسقاط خلافه.
# واعلم أن الطائفة إذا اختلف على قولين، وجوزنا كون المعصوم داخلا في كل
~~واحد من الفريقين، فان ذلك لا يكون اجماعا.
# ولأصحابنا في ذلك مذهبان:
# منهم من يقول: إذا تكافأ الفريقان، ولم يكن مع أحدهما دليل يوجب العلم،
~~أو يدل على أن المعصوم داخل معهم فيه، سقطا جميعا، ووجب التمسك بمقتضى
~~العقل من حظر أو إباحة على اختلاف مذاهبهم.
# وهذا المذهب ليس بقوي عندي، لأنهم إذا اختلفوا على قولين علم أن قول
~~الإمام موافق لأحدهما لا محالة، لأنه لا يجوز أن يكون قوله خارجا عن
~~القولين، لان ذلك ينقض كونهم مجمعين على قولين، وإذا علمنا دخول قول الإمام
~~في جملة القولين، كيف يجوز اطراحها والعمل بمقتضى العقل؟ ولو جاز ذلك لجاز
~~أن يتعين أيضا قول الإمام، ومع ذلك يجوز لنا تركه والعمل بما في العقل،
~~وذلك باطل بالاتفاق. PageV02P636
# ومنهم من يقول: نحن مخيرون في الاخذ بأي القولين شئنا، ويجرى ذلك مجرى
~~خبرين تعارضا، ولا يكون لأحدهما مزية على الاخر، فانا نكون مخيرين في العمل
~~بهما، وهذا الذي يقوى في نفسي.
# ومتى قيل بالمذهب الأول، فمتى فرض اجماعهم بعد ذلك على أحد القولين كان
~~جائزا، ويعلم باجماعهم صحة ذلك القول، وان الاخر لم يكن ms351 صحيحا، ووجب المصير
~~إلى ما اجمعوا عليه.
# ومتى قلنا بالمذهب الأخير، لم يجز أن يجمعوا على أحد القولين، لأنهم لو
~~اجمعوا على أحدهما لدل ذلك على أن القول الاخر باطل، وقد قلنا انهم مخيرون
~~في العمل بأيهما شاءوا، واجماعهم على أحدهما ينقض ذلك.
# ولسنا ممن يقول: انهم يقولون بالقولين اجتهادا ثم يؤدى اجتهادهم إلى أحد
~~القولين فيجمعوا عليه، لان ذلك انما يصح على مذهب من يقول بالاجماع، ولم
~~يراع قول المعصوم الذي نراعيه (1).
# فاما إذا اجمعوا على قول، فلا يجوز أن يراعى الخلاف الذي يحدث بعده، لان
~~بالاجماع الأول علم قول المعصوم في تلك المسألة، وإذا علم علم أنه هو
~~الحجة، فكل قول يخالفه يجب أن يحكم بفساده.
# وكذلك إذا اجمعوا على قولين، فاحداث القول الثالث والرابع ينبغي أن يكون
~~فاسدا، لان قول المعصوم موافق للقولين، والقول الثالث والرابع بخلافه،
~~فينبغي أن يحكم بفساده.
# ولا يجوز أن تجمع الأمة على مسألتين مخطئة فيهما، لا على مذهبنا ولا على
~~مذهب من خالفنا:
# فاما على مذهبنا: فلانه لابد أن يكون قول الإمام مع أحدهما، ولا يجوز مع
~~ذلك أن يكون خطأ.
# PageV02P637
# واما على مذهب مخالفينا: فلا يجوز ذلك، قالوا: لان النبي عليه السلام نفى
~~عنهم الخطأ خطأ عاما، ولم يخص واحدا دون ما زاد عليه، فوجب نفيهما معا.
~~ولأن في ضمن ذلك الاجماع على نفيهما القول بما هو الحق.
# مثال ذلك: ان تفترق الأمة فرقتين، فرقة تقول المال للأخ دون الجد، فذلك
~~خطأ لا محالة، والأخرى تقول ان النصف للجد لا محالة على جميع الأحوال، لان
~~في القول بهذين المذهبين خروجا عن الاجماع الذي هو ان المال اما للجد كله
~~أو هو كواحد منهم (1)، وذلك [فاسد] (2) بالاتفاق.
# PageV02P638
# فصل NoteV02P639N03 " فيما يتفرع على الاجماع، من حيث كان اجماعا عند من
~~قال بذلك، كيف القول على ما نذهب إليه؟ " فمن ذلك: انهم إذا اجمعوا على
~~الاستدلال بدليل أو دليلين هل يجوز أن يستدل بغير ما استدلوا به أم لا.؟
# فالذي نذهب إليه: انه لا ms352 يستبعد (1) أن يستدل بدليل آخر إذا كان مما يوجب
~~العلم، اما من جهة عقل (2)، أو قران، أو سنة مقطوع بها، وانما قلنا ذلك لان
~~اجماعهم على الاستدلال بدليل انما يدل على صحة ذلك الدليل وكونه موجبا
~~للعلم، وذلك لا يمتنع من أن يكون هناك دليل اخر لم يجمعوا عليه.
# اللهم الا أن نفرض المسألة فيقال: فإذا اجمعوا على أنه لا دليل سواه، هل
~~يجوز الاستدلال بدليل آخر؟ فنقول حينئذ: ان ذلك لا يجوز، لان اجماعهم على
~~أنه لا دليل غير ما استدلوا به يوجب العلم، بان ما عدا ذلك الدليل شبهة،
~~فلا يصح الاستدلال بها.
# فان قيل: لو كان هناك دليل اخر لما وسع المعصوم الا يبينه ويترك
~~الاستدلال
# PageV02P639
# به حتى يستدركه انسان آخر!
# قيل له: انما يجب أن يبين المعصوم ما يقف إزاحة العلة عليه، وقد بين ما
~~هو دليل موجب للعلم وهوما اجمعوا عليه، فاما غيره من الأدلة فقد سبق بيانه
~~من الله تعالى ومن الرسول، وجاز أن لا يجدد المعصوم بيانه، وانما يجب عليه
~~بيان ما لا يكون هناك ما يقوم مقامه.
# فان قيل: فعلى هذا كان يجوز أن لا يبين أيضا ما قد بينه (1) وأجمعوا
~~عليه، لان هناك ما يقوم مقامه في إزاحة العلة، وهو الذي استدل به من بعد
~~(2).
# قيل: كذلك نقول، ولو لم نبين أصلا شيئا إذا هناك طريق للمكلف إلى علم ما
~~كلفه لكان ذلك جائزا سائغا، وانما يجب عليه بيان ما هو موقوف عليه، ولا
~~يكون هناك ما يقوم مقامه.
# ومن ذلك: انهم إذا اجمعوا على العمل بخبر هل يقطع على صحة ذلك الخبر أم
~~لا؟ وهل يعلم أنهم قالوا ما قالوه لأجل الخبر أم لا؟
# فالذي نقوله في ذلك انهم إذا اجمعوا على العمل بمخبر خبر، وكان الخبر من
~~اخبار الآحاد - لأنه إذا كان من باب المتواتر فهو يوجب العلم فلا يحتاج إلى
~~الاجماع فيكون قرينه في صحته - فإنه يحتاج أن ينظر في ذلك:
# فان اجمعوا على أنهم قالوا ما قالوه ms353 لأجل ذلك الخبر، قطعنا بذلك على أن
~~الخبر صحيح صدق.
# وان لم يظهر لنا من أين قالوه، ولا ينصوا لنا على ذلك، فانا نعلم
~~باجماعهم ان ما تضمنه الخبر صحيح، ولا يعلم بذلك صحة الخبر، لأنه لا يمتنع
~~أن يكونوا قالوا بما وافق مخبر الخبر بدليل اخر، أو خبر اخر أقوى منه في
~~باب العلم، أو سمعوه من الامام المعصوم عليه السلام فاجمعوا عليه ولم
~~ينقلوا ما لأجله اجمعوا اتكالا على
# PageV02P640
# الاجماع، وكل ذلك جائز فيجب بذلك التوقف في هذا الخبر ولا يقطع على صحته،
~~ويجوز كونه صدقا وكذبا، وان قطعنا على أن مخبره صحيح يجب العمل به.
# ومتى فرضنا على أنهم اجمعوا على أنه ليس هناك ما لأجله اجمعوا على ما
~~اجمعوا عليه غير هذا الخبر، فان هذا يوجب القطع على صحة ذلك الخبر، لان ذلك
~~يجرى مجرى ان يقولوا اجمعنا لأجل هذا الخبر، لأنه لا فرق بين ان يسندوا
~~اجماعهم إلى الخبر بعينه فيعلم به صحته، ومن (1) أن ينفوا إسنادهم (2) إلى
~~سواه فان به يعلم أيضا صحته.
# فان قيل: كيف يجوز أن يجمعوا على مخبر خبر ثم لا ينقلوه أصلا، وهو أصل
~~لصحة اجماعهم.
# قلنا: يجوز ذلك لان اجماعهم أقوى من ذلك، لأنه مقطوع به ولا يحتمل
~~التأويل، ولو نقلوا ذلك الخبر لكان يجوز أن يصير خبرا واحدا فيخرج بذلك من
~~باب كونه دلالة إلى أن يوجب غلبة الظن، فيعلم بذلك أن الاجماع أقوى.
# ومن ذلك (3): القول إذا ظهر بين الطائفة ولم يعرف له مخالف، هل يدل ذلك
~~على أنه اجماع منهم على صحة أم لا؟
# فالذي نقول: ان القول إذا ظهر بين الطائفة، ولم يعرف له مخالف، احتاج ان
~~ينظر فيه:
# فان جوزنا أن يكون قول من نجوزه معصوما بخلافه، لا ينبغي أن نقطع على
~~صحته.
# وان لم نجوز أن يكون قول المعصوم بخلافه، قطعنا على صحة ذلك القول.
# فان قيل: وأي طريق لنا إلى أن نعلم أن قول المعصوم يوافقه أو يخالفه؟
# PageV02P641
# قلنا: قد نعلم ذلك ms354 بأن يكون هناك دليل يوجب العلم يدل على صحة ذلك، فيعلم
~~به ان القول موافق لقول المعصوم لمطابقته للدليل الموجب للعلم، وإذا كان
~~هناك دليل يدل على خلاف ذلك القول علمنا أن المعصوم قوله يخالفه، وإذا
~~خالفه وجب القطع على بطلان ذلك القول.
# [فان عدمنا الطريقين معا، ولم نجد ما يدل على صحة ذلك القول] (1) ولا على
~~فساده، وجب القطع على صحة ذلك القول، وانه موافق لقول المعصوم، لأنه لو كان
~~قول المعصوم مخالفا له، لوجب أن يظهره والا كان يقبح التكليف الذي ذلك
~~القول لطف فيه (2)، وقد علمنا خلاف ذلك.
# PageV02P642
# ومن قال من أصحابنا (1) على ما حكيناه عنهم فيما تقدم: " انه لا يجب على
~~المعصوم اظهار ما عليه من حيث إن من سبب غيبته هو المسبب لفوت ما يتعلق
~~بمصلحته فيكون قد اتى من قبل نفسه، كما أن ما يفوته من الانتفاع بتصرف
~~الامام وأمره ونهيه قد اتى فيه من قبل نفسه " ينبغي أن يقول: يجب أن يتوقف
~~في ذلك القول، ويجوز كونه موافقا لقول الامام ومخالفا له، ويرجع في العمل
~~إلى ما يقتضيه العقل حتى يقوم دليل يدل على وجوب انتقاله عنه.
# وقد قلت: ان هذه الطريقة غير مرضية عندي، لأنها تؤدى إلى أن لا يستدل
~~باجماع الطائفة أصلا، لجواز أن يكون قول الإمام مخالفا لها، ومع ذلك لا يجب
~~عليه اظهار ما عنده، وقد علمنا خلاف ذلك.
# PageV02P643
# الباب العاشر الكلام في القياس PageV02P645
# فصل NoteV02P647N01 " في ذكر حقيقة القياس، واختلاف الناس في ورود
~~العبادة به " حد القياس: " هو اثبات مثل حكم المقيس عليه في المقيس ".
# ولا فرق في ذلك بين أن يكون القياس عقليا أو شرعيا، وانما يختلفان من
~~وجوه آخر سنذكرها، لا تؤثر في أن الحقيقة ما قلناه.
# والذي يدل على صحة ما قلناه من الحد: ان الانسان متى أثبت للفرع مثل حكم
~~الأصل كان قايسا ومتى لم يثبت له مثل حكمه وان علم جميع صفاته لا يكون
~~قايسا، فعلم بذلك ان الحقيقة ما قلناه.
# " والاثبات " الذي ms355 ذكرناه لأمر يرجع إلى عرف الشرع، عبارة عن العلم وما
~~جرى مجراه من الاعتقاد، ثم الخبر تابع لذلك، وهو في أصل اللغة (1) عبارة عن
~~" الايجاب " كما يقال: " أثبت السهم في القرطاس " أي أوجبته، ثم يعبر عن
~~الاعتقاد، والظن، والخبر (3)، لكن بعرف الشرع يجب أن يقصر على ما قلناه.
# PageV02P647
# وفي الناس من قال: حد القياس هو: " اثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلة
~~جامعة بينهما " (1).
# وهذا أيضا نظير لما قلناه، غير أن ما قلناه من العبارة أخصر (2) لان،
~~قولنا:
# " المقيس والمقيس عليه " يغنى عن ذكر علة جامعة بينهما، لان لفظة المقيس
~~تتضمن انه جمع بينهما بعلة فلا يحتاج ان يذكر في اللفظ، لأنه متى لم يكن
~~جمع بينهما بعلة لا يكون ذلك قياسا.
# وقد أكثر الفقهاء والأصوليون في حد القياس (3)، وأحسن الألفاظ ما قلناه.
# PageV02P648
# وللقياس شروط وهي:
# انه لابد أن يكون الأصل الذي هو المقيس عليه وحكمه معلومين.
# ويعلم أيضا الفرع الذي هو المقيس، والشبه الذي الحق أحدهما بالآخر.
# وان كان القياس عقليا فلابد من كون العلة في الأصل معلومة كونها علة، وان
~~كان شرعيا اجازه الفقهاء.
# ومن أثبت القياس أن تكون مظنونة، ويخالف القياس العقلي السمعي فيما يرجع
~~إلى احكام العلة، لان العلة العقلية موجبة ومؤثرة تأثير الايجاب، والسمعية
~~- عند من قال بها - ليست كذلك، بل هي تابعة للدواعي والمصالح المتعلقة
~~بالاختيار، ولا دخول للايجاب فيما يجري هذا المجرى، وهي في القياس العقلي
~~لا تكون الا معلومة، وفي السمع لا يجب أن تكون معلومة، بل يجوز أن تكون
~~مظنونة، ومتى علمت في العقلي علق الحكم بها، ولم يحتج في تعليق الحكم عليها
~~إلى دليل مستأنف، وليس كذلك علة السمع فإنها عند أكثرهم لا يكفي في تعليق
~~الحكم بها في كل موضع ان تعلم، بل يحتاج فيها إلى التعبد بالقياس.
# وعلة السمع قد تكون أيضا مجموع أشياء، وقد يحتاج إلى شروط في كونها علة،
~~وقد يكون علة في وقت دون وقت، وفي عين دون أخرى، والوقت واحد، عند من أجاز
~~تخصيص ms356 العلة، وقد تكون العلة الواحدة علة للأحكام كثيرة.
# وكل هذا وأشباهه تفارق فيه علة العقل لعلة الشرع.
# [واختلف (1) الناس في القياس في الشريعة، فمنهم من نفاه، ومنهم من أثبته]
~~(2).
# PageV02P649
# واختلف من نفاه.
# فمنهم: من أحال ورود العبادة به جملة، وأنكر أن يكون طريقا لمعرفة شئ من
~~الاحكام، وربما أحال من حيث تعلق بالظن (1) الذي يخطئ ويصيب، أو من حيث
~~يؤدى إلى تضاد الاحكام وتناقضها.
# ومنهم: من أبطله من حيث لا سبيل إلى العلم بماله يثبت الحكم في الأصل،
~~ولا إلى غلبة الظن في ذلك لفقد دلالة وامارة تقتضيه، وهذه الطريقة التي كان
~~ينصرها
# PageV02P650
# الشيخ المفيد رحمه الله (1).
# ومن الناس: من أجاز التعبد به، ونفاه (2) من حيث وقعت الشريعة على وجه لا
~~يسوغ معه القياس، وهذه الطريقة محكية عن النظام (3).
# وذهب بعض أصحاب الظاهر من داود وغيرهم: إلى أنه لا يجوز أن يقتصر الله
~~تعالى بالمكلف على أدون البيانين رتبة مع قدرته على أعلاهما (4) ومنهم: من
~~نفاه مع اجازته ورود العبادة به من حيث لم يثبت التعبد به، أو من حيث ورود
~~السمع بخلافه (5).
# فاما من أثبته فاختلفوا:
# فمنهم: من أثبته عقلا، وهم شذاذ غير محصلين (6).
# ومنهم: من أثبته سمعا وزعم أن العقل لا يدل على ثبوته، وهم المحصلون من
~~مثبتي القياس، وفيهم الكثرة من الفقهاء والمتكلمين (7)، وكلامهم أقوى شبهة.
# PageV02P651
# والذي نذهب إليه، وهو الذي اختاره المرتضى رحمه الله (1) في كتابه (2) في
~~ابطال القياس: " ان القياس محظور استعماله في الشريعة، لان العبادة لم تأت
~~به، وهو مما لو كان جائزا في العقل مفتقرا في صحة استعماله في الشرع إلى
~~السمع القاطع للعذر (2).
# ويلحق بهذا في القوة الطريقة التي كان ينصرها شيخنا (3) رحمه الله من منع
~~حصول الظن وفقد الامارات التي يحصل عندها الظن.
# وذكر المرتضى رحمه الله ان لهذه الطريقة بعض القوة (4).
# ونحن نتكلم على هذه المذاهب كلها على وجه الاختصار، ثم نبين نصرة ما
~~اخترناه من بعد انشاء الله.
# PageV02P652
# فصل NoteV02P653N02 " في الكلام على من أحال القياس عقلا على اختلاف ms357
~~عللهم " اما من عقلا (1) من حيث لا يمكن بأن يكون طريقا لمعرفة الاحكام،
~~فنحن إذا بينا ان ذلك ممكن جرى مجرى سائر الأدلة من النصوص وغيرها من
~~الكتاب والسنة والذي يدل على صحة معرفة الاحكام به: انه لا فرق في صحة
~~معرفتنا بتحريم النبيذ المسكر بين أن ينص الله على تحريم المسكر من
~~الأنبذة، وبين أن ينص على تحريم الخمر وينص على أن العلة في تحريمها شدتها،
~~أو يدلنا بدليل غير النص على أنه حرم الخمر لهذه العلة، أو ينصب لنا امارة
~~تغلب عند نظرنا فيها ظننا ان تحريمها لهذه العلة، مع ايجاب القياس علينا في
~~الوجوه كلها، لان بكل طريق من هذه الطرق نصل إلى المعرفة بتحريم النبيذ،
~~فمن دفع جواز العبادة بأحدها كمن دفع جواز ورودها بسائرها.
# ولما ذكرناه أمثال في العقليات، لأنه لا فرق في العلم بوجوب تجنب سلوك
~~بعض الطرق بين أن نعلم فيه سبعا مشاهدة، وبين أن نعلمه بخبر يوجب العلم، أو
# PageV02P653
# خبر يقتضى الظن، والأفضل (من) (1) جميع ذلك في الحكم، الذي ذكرناه، ما
~~(2) بين أن ينص لنا على صفة الطريق الذي فيه السبع، أو ينصب لنا امارة على
~~تلك الصفة.
# فاما من أحاله من حيث تعلق بالظن الذي يخطئ ويصيب، فينقض قوله بكثير من
~~الاحكام في العقل والشرع يتعلق بالظن، الا ترى انا نعلم في العقل (3) حسن
~~التجارة عند ظن الربح، ونعلم قبحها عند الظن للخسران (4)، ونعلم قبح سلوك
~~الطريق عند غلبة الظن بان فيه سبعا أو لصا أو ما يجرى مجراهما، ونعلم وجوب
~~النظر (5) في طريق معرفة الله تعالى عند دعا الداعي، أو الخاطر (6) الذي
~~يحصل عنده الظن والخوف، ووجوب معرفة الرسل والنظر في معجزاتهم على هذه
~~الوجه.
# فاما تعلق الأحكام الشرعية بالظن فأكثر من أن تحصى، نحو وجوب التوجه إلى
~~القبلة عند الظن بأنها في جهة مخصوصة، وتقدير النفقات، وأرش الجنايات، وقيم
~~المتلفات، والعمل بقول الشاهدين.
# ويجب أن يعلم أن الظن وان كان طريقا إلى العلم بوجوب احكام على نحو ما
~~ذكرنا، ms358 وساوى هذا الوجه العلم، لأنه لا فصل بين أن نظن جهة القبلة، وبين أن
~~نعلمها في وجوب التوجه إليها، وكذلك لا فصل بين أن نظن الخسران في التجارة
~~أو نعلمه في قبحها، فإنه لا يساوى العلم من وجوه اخر ولا يقوم فيها مقامه،
~~لان الفعل الذي يلزم المكلف فعله لابد أن يكون معلوما له، أو في حكم
~~المعلوم بأن يكون متمكنا من العلم به، أو يكون سببه معلوما إذا تعذر العلم
~~بعينه.
# ولابد أيضا ان يعلم وجوبه ووجه وجوبه اما على جملة أو تفصيل.
# PageV02P654
# والظن في كل هذه الوجوه لا يقوم مقام العلم، لأنه متى لم يكن عالما بما
~~ذكرناه أولا، أو متمكنا من العلم به، لم يكن علته مزاحة فيما يعتد به وجرى
~~مجرى الا يكون قادرا، لأنه متى لم يعلم الفعل ويميزه لم يتمكن من القصد
~~إليه بعينه، وبالظن لا يتميز الأشياء، وانما تتميز بالعلم، ومتى لم يكن
~~عالما بوجوب الفعل كان مجوزا كونه غير واجب، فيكون متى أقدم عليه مقدما على
~~ما لا يأمن كونه قبيحا، والاقدام على ذلك في القبح يجرى مجرى الاقدام على
~~ما يعلم قبحه.
# ومتى علم كونه واجبا، فلابد من أن يعلم وجه وجوبه على جملة أو تفصيل،
~~لأنه لو كان ظانا لوجه وجوبه كان مجوزا انتفاء وجه الوجوب عنه، ودعا الامر
~~إلى تجويز كونه غير واجب.
# وهذه الجملة إذا تؤملت بطل بها قول من أنكر تعلق الاحكام بالظنون.
# ومن توهم على من سلك هذه الطريقة انه قد أثبت الاحكام بالظنون فقد أبعد
~~نهاية البعد، لان الاحكام لا تكون الا معلومة ولا تثبت الا من طريق العلم،
~~إلا أن الطريق إليها قد يكون تارة العلم وأخرى الظن، لأنا (1) إذا ظننا في
~~طريق سبعا وجب علينا تجنب سلوكه، فالحكم الذي هو قبيح سلوكه ووجوب تجنبه
~~معلوم لا مظنون.
# وان كان الطريق إليه هو الظن، ومتعلق الظن غير متعلق العلم، لان الظن
~~يتعلق بكون السبع في الطريق، والعلم يتعلق بقبح سلوك الطريق، والقول في
~~العلم ms359 بوجوب التوجه إلى جهة القبلة عند الظن بأنها في بعض الجهات يجرى على
~~ما ذكرناه، ويكون الحكم فيه معلوما وان كان الطريق إليه مظنونا.
# فاما من منع من القياس من حيث يؤدى إلى تضاد الاحكام، فاعتماده على أن
~~يقول: إذا كان للفرع شبه بأصل محرم واصل محلل، فلابد على مذهب القايسين (2)
~~من رده إليهما جميعا، وهذا يؤدى في العين الواحدة إلى أن يكون محرمة محللة.
# PageV02P655
# ومن أثبت القياس يقول في جواب ذلك أن كان الفرع مشتبها لأصل محرم واصل
~~محلل عند اثنين، لزم كل واحد منهما ما أداه اجتهاده إليه، فيلزم التحريم من
~~أشبه عنده الأصل المحرم، والتحليل من أشبه عنده الأصل المحلل، ولا تضاد في
~~ذلك وان (1) أشبه الأصلين المختلفين عند واحد، فهو عند كثير منهم يكون
~~مخيرا بين الامرين، فأيهما اختار لزمه، كما يقال في الكفارات الثلاث، ولا
~~تضاد في ذلك.
# وعند قوم منهم: انه لابد في هذا الموضع من ترجيح يقتضى حمل الفرع على
~~أحدهما دون صاحبه.
# فاما من أبطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظن في الشريعة - وهي
~~الطريقة التي حكيناها عن شيخنا رحمه الله - فوجه اعتماده عليها ان نقول: من
~~قد علمنا أن القياس لابد فيه من حمل فرع على أصل بعلة أو شبه والعلة التي
~~يتعلق الحكم بها في الأصل لا يصح من أن يكون طريق اثبات كونها علة العلم أو
~~الظن، والعلم لا مدخل له في هذا الباب.
# وجميع من أثبت القياس في الشرع - الا الشذاذ منهم - يجعلون العلة
~~المستخرجة المستدل عليها تابعة للظن، وانما يجعلها معلومة من طريق
~~الاستخراج من حيث اعتقد ان العلل الشرعية أدلة توصل إلى العلم كالعقليات،
~~وقول هؤلاء واضح البطلان لا معنى للتشاغل به.
# ولأنا إذا بينا ان الظن لا يصح حصوله في علل الشرع، فالأولى ان لا يحصل
~~العلم، وان كان العلة تثبت علة بالظن، فنحن نعلم أن الظن لابد له من امارة
~~وطريق، وإلا كان مبتدأ لا حكم له.
# وليس في الشرع امارة على ms360 أن التحريم في الأصل المحرم انما كان لبعض
~~صفاته، فكيف يصح ان يظن ذلك؟ وليس هذا ما لا يزالون يمثلون به من ظن الربح،
~~والخسران، أو التجارة، أو الهلاك، وان القبلة في جهة مخصوصة، وغلبة الظن في
~~قيم
# PageV02P656
# المتلفات، وأرش الجنايات التي يستند الظن فيها إلى عادات، وتجارب،
~~وامارات معلومة متقررة، ولهذا نجد من لم يتجر قط ولم يخبره مخبر عن أحوال
~~التجارة لا يصح ان نظر فيها ربحا ولا خسرانا، وكذلك من لم يسافر ولم يخبر
~~عن الطريق لا يظن نجاة ولا عطبا، ومن لم يعرف امارة في القيم يمارسها لا
~~يظن أيضا فيها شيئا.
# وجميع ما يغلب فيه الظنون متى تأملته وجدته مستندا إلى ما ذكرناه مما لا
~~يصح دخوله في الشرعيات على وجه ولا سبب.
# ولقوة ما أوردناه، ما قال قوم من أهل القياس: ان العلل الشرعية لا تكون
~~الا منصوصا عليها اما صريحا أو تنبيها (1)، ونزل الباقون رتبه فقالوا: لا
~~تثبت الا بأدلة شرعية.
# والذي يمكن أن يقرض به على هذه الطريقة ان يقال: من اعتمد هذه الطريقة
~~على هذا التلخيص لابد من أن يكون مجوزا للعبادة به ومعرفة الاحكام من جهته
~~لو حصل الظن الذي منع من حصوله، ولابد من أن يقول: ان الله تعالى لو نص على
~~العلة، أو امر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالنص عليها، وتعبد بالقياس
~~لوجب حمل الفروع على الأصول.
# بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما (2) يقول: لو نص الله تعالى على العلة في
~~تحريمه مثلا للخمر وذكر انها الشدة، لوجب حملها فيه هذه العلة عليها وان لم
~~يتعبد بالقياس، لأنه يجرى مجرى ان ينص على تحريم كل شديد.
# وان كان هذا غير صحيح، لان العلل الشرعية انما تنبئ عن الدواعي إلى
# PageV02P657
# الفعل، أو عن وجه المصلحة.
# وقد يشترك الشيئان في صفة، فيكون في أحدهما داعية إلى فعله دون الاخر مع
~~ثبوتها فيه، وقد يكون مثل المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال
~~دون حال، وعلى وجه ms361 وقدر دون [وجه] (1) وقدر (2) وهذا معروف في الدواعي،
~~ولهذا جاز أن نعطى لوجه الاحسان فقيرا دون فقير، ودرهما دون درهم، وفي حال
~~دون حال، وان كان فيما لم نفعله الوجه الذي لأجله فعلنا بعينه.
# فإذا صحت هذه الجملة، لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي، وجرى
~~النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه، إذ قد بينا ان ماله
~~كان صلاحا وداعيا إلى الفعل لا يمكن ان يشترك فيه المختلفان في هذا الحكم.
# وليس لاحد ان يقول: إذا لم يوجب النص على العلة التخطي كان عبثا.
# وذلك أنه يفيدنا ما لم نكن نعلمه لولاه، وهو ماله كان الفعل المعين
~~مصلحة.
# وفي الناس من فضل بين داعي الفعل وداعي الترك فقال: إذا كان النص على علة
~~الفعل لم يجب القياس الا بدليل مستأنف - وان كان واردا بعلة الترك - وجب
~~التخطي من غير دليل مستأنف، وفصل بين الامرين بان ماله يترك أحدنا الفعل
~~له، يترك غيره إذا شاركه فيه، لأنه لا يجوز أن يترك اكل السكر لحلاوته
~~ويأكل شيئا حلوا، ولا يجب هذا في الفعل لأنه قد يفعل الفعل لأمر يثبت في
~~غيره وان لم يكن فاعلا له.
# وهذا صحيح لا شبهة فيه، ومتى كان النص الوارد بالعلة كاشفا عن الداعي
~~ووجه المصلحة، أو عن الداعي فقط، فاما ان كان مختصا بوجه المصلحة لم يجب
~~ذلك لان الدواعي [قد يتفق تارة وتختلف وجوه المصالح وتختلف الدواعي] (2) مع
# PageV02P658
# اتفاق وجوه المصالح.
# وأقوى ما يدخل على هذه الطريقة ان يقال: قد بينتم استناد الظنون إلى
~~العادات والتجارب، وان الشرع لا يتم ذلك فيه، وهذا صحيح، فلم أنكرتم ان
~~تحصل فيه طريقة يحصل عندها الظن وان لم تكن عادة ولا تجربة؟
# بل يجرى في حصول الظن عندها مجرى ما ذكرتم، وهذا مثل ان نجد العين
~~المسمات خمرا يحصل على صفاته كثيرة، فتكون مباحة غير محرمة، فمتى وجدت فيها
~~الشدة المخصوصة حرمت، ومتى خرجت عن الشدة بأن تصير خلا حلت، فيظن ms362 عند ذلك
~~أن العلة هي الشدة، لان الذي ذكرناه من حالها امارة قوية على كونها علة،
~~فمتى انضم إلى هذا الظن التعبد بالقياس وان يحمل ما حصل فيه علة التحريم من
~~الفروع على الأصول، ساغ القياس وصح ولم يمنع منه مانع.
# وهكذا إذا رأينا بعض صفات الأصل هي المؤثرة في الحكم المعلل دون غيره،
~~كانت بان تجعل علة أولى من غيرها، وقوي الظن في أنها العلة.
# مثال ذلك: انا إذا أردنا ان نعلل ولاية المرأة على نفسها وملكها لأمرها،
~~ووجدنا بلوغها هو المؤثر في هذا الحكم مع سلامة أحوالها في الحرية والعقل
~~دون كونها مزوجه، لان التزويج متى اعتبر لم يوجد له تأثير في باب الولاية
~~وما يرجع إليها، وللبلوغ التأثير القوى فيها جعلناه العلة دون التزويج.
# ويكفي ان يقال لمعتمدي هذه الطريقة: لم زعمتم ان الظن إذا استند في بعض
~~المواضع إلى عادة فإنه لا يقع في كل موضع الا على هذا الوجه، وان العادة لا
~~يقوم مقامها غيرها؟ فإنهم لا يجدون معتصما!
# ويمكن أيضا ان يقال لهم: خبرونا عمن ابتداه الله تعالى كاملا في بعض
~~الدور، معه صاحب له، جالس عنده، وهو لا يعرف العادات، ولا سمع الاخبار
~~عنها، الا انه وجد الصاحب (1) الجالس معه حتى دخل إليه (2) بعض الناس،
~~انصرف وخرج
# PageV02P659
# عن الدار، وهو مع دخول غيره من الناس لا يفارق مكانه، أليس هذا مع عقله
~~وكماله يصح ان يقوى في ظنه ان علة خروج صاحبه انما هي دخول ذلك الرجل؟
# فان قالوا: لا يصح ان يغلب ما ذكرتم في ظنه، طولبوا بما يمنع منه، ولن
~~يجدوه.
# وان أجازوه (1)، بطلت عليهم ذكر العادات والتجارب في باب الظنون، وقيل
~~لهم: فما تنكرون من أن تكون هذه حالة الظنون في الشرع؟
# ويمكن أن يقول من نصر الطريقة التي قدمناها: ان ما فرضتموه من جلوس بعض
~~الناس عند من لم يعرف العادات وانصرافه إذا دخل عليه انسانا اخر وتكرر منه
~~ذلك، وانما يغلب على ظنه كون دخول صاحبه علة الخروج ms363 الاخر، لان ذلك يصير
~~عادة، وليس يلزم فيمن عرف عادة في شئ بعينه ان يعرف العادات كلها، ألا ترى
~~ان العادات تختص البلاد والأزمان ولا تكاد تتفق على حد واحد فكذلك القول
~~فيما فرضتموه في السؤال فاما طعن مثبتي القياس على الطريقة المتقدمة
~~تصحيحهم غلبة الظنون في الشريعة بقولهم: " انا وجدنا أهل القياس والاجتهاد
~~مع كثرتهم وتدينهم يخبرون عن أنفسهم بالظنون ويعلمون عليها، ومثل هؤلاء أو
~~طائفة منهم لا يجوز أن يكذبوا على أنفسهم، فكيف تدفع الظنون وهذه حالها "؟.
# فليس بشئ، لان لمن [نفى] (2) الظن أن يقول: ألست اكذب هؤلاء المجتهدين في
~~أنهم يجدون أنفسهم على اعتقاد ما، وانما أكذبهم في قولهم انه ظن وواقع عن
~~امارة، والعلم بالفرق بين الاعتقاد المبتدأ والعلم والظن ليس بضرورة (3)،
~~فكان القوم سبقوا إلى اعتقادات ليست ظنونا، ودخلت عليهم الشبهة، فاعتقدوا
~~ان
# PageV02P660
# لها احكام الظنون، وليست كذلك!
# على أن هذا يرجع عليهم فيمن يدعى من أهل القياس ان على الاحكام أدلة توجب
~~العلم.
# فيقال لهم: كيف يصح على هؤلاء مع كثرتهم أن يدعوا انهم عالمون ويخبرون عن
~~نفوسهم بما يجدونها عليه من السكون، وهم مع ذلك كذبه؟
# وهكذا السؤال عليهم في المخالفين لهم في أصول الديانات، إذا ادعوا العلم
~~بمذاهبهم وسكونهم إلى اعتقاداتهم؟
# فلابد لهم في الجواب مما ذكرناه، من أن القوم لم يكذبوا في أنهم معتقدون،
~~وانما غلطوا في أن تلك الاعتقادات علوم.
# فاما طريقة النظام ومن تابعه في ابطال القياس (1): فاعتمادهم على أن
~~الشرعيات واقعة (2) على وجوه لا يمكن معها دخول القياس، فالذي يعولون عليه
~~أن يقولوا: " وجدنا الشرع واردا باختلاف المتفقين واتفاق المختلفين، كايجاب
~~القضاء على الحائض في الصوم، واسقاطه عنها في الصلاة وهي أوكد من الصوم،
~~وايجابه على المسافر القضاء فيما قصر في الصوم واسقاطه عنه فيما قصر من
~~الصلاة، وكايجاب الغسل بخروج الولد والمني، وهما أنظف من البول والغائط
~~اللذين يوجبان الطهارة، وإباحة النظر إلى الأمة الحسناء والى محاسنها، وخطر
~~ذلك من الحرة وان كانت شوهاء.
# قالوا: فكيف (3) يسوغ ms364 القياس فيما هذه حاله؟ ومن حقه ان (4) يدخل فيما
~~يتفق فيه احكام المتفقات وتختلف احكام المختلفات ".
# وهذا لا يصح اعتماده في نفى القياس، وذلك أن لمثبته ان يقول:
# PageV02P661
# اما اطلاق القول بان المتفقين لا يختلفان في الحكم، والمختلفين لا يتفقان
~~في الحكم فغلط، والصحيح أن يقال:
# ان المتفقين يتفقان (1) في الحكم يقتضيه اتفاقهما، وكذلك المختلفان لا
~~يتفقان في الحكم الذي يقتضيه اختلافهما، لان المراعى في هذا الباب هو
~~الأسباب والعلل، والاحكام التي يجب اتفاق المتفقات واختلاف المختلفات هي
~~الراجعة إلى صفات الذات، وانما وجب ذلك فيها لان المتفقين قد اشتركا في سبب
~~الحكم وعلته، والمختلفين قد افترقا في ذلك فلابد مما ذكرناه.
# فاما إذا لم يكن الحكم راجعا إلى الذوات، فهو موقوف على الدلالة، فان
~~اتفق المختلفان في علته وسببه اتفقا فيه، وان اختلف المتفقان فيما (2)
~~اختلفا فيه، وعلى هذا لا ينكر أن يكون الحيض وان كان سببا لسقوط الصوم
~~والصلاة معا، واتفقا في ذلك أن يختلفا في حكم اخر يوجب في أحدهما الإعادة
~~ولا يوجبها في الاخر، فيكون الاختلاف من وجه الاتفاق من اخر وقد زال
~~التناقض، لان القضاء إذا اختص بعلة غير علة السقوط لم يكن باتفاقهما في علة
~~السقوط معتبر.
# وفي العقل مثال ذلك: لأنا نعلم أن النفع المحض إذا حصل في الفعل اقتضى
~~حسنه، وقد يحصل في الكذب النفع فلا يكون الا قبيحا، لان وجه قبحه هو كونه
~~كذبا، فصار اتفاق الكذب مع غيره من الافعال في النفع لا يمنع من اختلافهما
~~في القبح، لان ما اختلفا فيه غير ما اتفقا من اجله.
# فان كان ما أورده النظام مانعا من القياس الشرعي، فيجب أن يمنع من القياس
~~العقلي أيضا، على أنه قد اعترف بورود النص باتفاق المختلفين واختلاف
~~المتفقين، ولم يلزمه أن يكون متناقضا، وأن يسوغ القياس (3)، واعتذر له بما
~~يعتذر به
# PageV02P662
# للنصوص.
# فان قال: انى لم أوجب التناقض في هذه الأحكام فتلزموني ذلك في ورود النص
~~بها، وانما منعت وحالها هذه من التطرق بالقياس إليها. ms365
# قيل: ليس يمتنع ما ظننت امتناعه إذا نصب الله تعالى لقضاء الصوم امارة
~~توجبه، وأخلي قضاء الصلاة من مثلها.
# على أن للقوم (1) أن يقولوا: انا لا نثبت القياس في كل حكم وعلى كل أصل،
~~وانما نثبته بحيث يسوغ ويصح، وأكثر ما يقتضيه ما أوردته مما هو بخلاف
~~القياس (أولا) (2)، فلا يسوغ دخوله فيه أن يمتنع فيه من القياس وفيما جرى
~~مجراه، فلم إذا امتنع القياس في هذه الأمور امتنع في غيرها؟
# فاما من نفى القياس واعتمد في نفيه على أن الحكيم لا يجوز أن يقتصر على
~~أدون البيانين رتبة مع قدرته على أعلاهما، وان النصوص أبلغ في البيان من
~~(3) القياس، فيجب أن تكون العبادة في معرفة الاحكام مقصورة عليها (4)
~~والكلام (5) عليه أن يقال له: أول ما في كلامك انه اعتراف بأن القياس يوصل
~~به إلى الاحكام، لأنه لا يجوز أن تقول انه اخفض رتبة في باب البيان من غيره
~~ما التبيين (6) ويقع به، وإذا ثبت كونه بيانا فما الذي يمنع من العبادة به
~~- وان كان أدون رتبة - لما يعلمه الله تعالى من صلاح المكلف فيه، وانه إذا
~~توصل إلى الحكم به ولحقته المشقة في طريق كان أقرب إلى فعله، واستحق عليه
~~من الثواب ما لا يستحقه لو وصل إلى معرفته بالنص؟
# PageV02P663
# على أنه يلزم على هذه العلة أن يكون في جميع التكليف ضروريا، لأنه أقوى
~~في البيان من العلم المكتسب.
# ومن يعتمد على هذه الطريقة لابد له من المناقضة، لأنه تعلق كثيرا من
~~الاحكام في الشريعة بالظنون نحو الاجتهاد في جهة القبلة، وتقدير النفقات،
~~وجزاء الصيد، وما أشبه ذلك، فإذا جازت العبادة بالظنون في هذه الأحكام - مع
~~امكان ورود البيان فيها بالنص الموجب للعلم ولم يكن خارجا عن الحكمة - جاز
~~مثله في سائر الأحكام.
# فاما من نفى القياس (1) من حيث لم يأت العبادة به، ولم يقطع السمع العذر
~~في صحته، فهو الصحيح الذي نختاره ونذهب إليه، لان القياس متى جاز في العقل
~~ورود العبادة إذا تعلقت به مصلحة في التكليف، ms366 فلابد في جواز استعماله في
~~الشرع من دليل سمعي، لأنه يجرى مجرى سائر الأفعال الشرعية التي إذا جاز في
~~العقل ان تدخل في العبادة لبعض المصالح، فلابد في استعمالها من دليل سمعي.
# والذي يلزمنا ان نورد ما يعتمده مثبتوه من الطرق التي ظنوا انها أدلة
~~عليه سمعية، ونبين انها شبة وليست بأدلة ولا موجبة للتعبد به.
# فاما من يذهب إلى أن العبادة وردت بما يمنع منه فهو أيضا مذهبنا، ونحن
~~نبين في الفصل الذي يلي هذا الفصل ما عندنا فيه انشاء الله تعالى
# PageV02P664
# فصل NoteV02P665N03 " في أن القياس في الشرع لا يجوز استعماله " لنا في
~~المنع من استعمال القياس في الشريعة طريقتان:
# أحدهما: انه إذا ثبت جواز العبادة به من جهة العقل، فثبوت العبادة به
~~تحتاج إلى دليل شرعي، وقد علمنا أنه ليس في الشرع دليل على أن القياس دين
~~الله تعالى يجوز استعماله، ولا من جهة الكتاب، ولا من جهة السنة المتواتر
~~بها، ولا من الاجماع.
# وانما قلنا ذلك: لأنا قد استقرينا جميع ذلك فعلمنا انه ليس فيه ما يدل
~~على وجوب العمل بالقياس، ونحن نذكر المواضع التي يستدل بها من ظاهر القرآن
~~على وجوب العمل بالقياس، ونبين انه لا دلالة في شئ منها.
# والسنة على ضربين متواتر وآحاد.
# والتواتر (1): يوجب العلم الضروري على مذهب الخصم (2) وعلى مذهبنا
# PageV02P665
# يوجب العلم الذي لا يتخالج (1) فيه الشك، وكان مما يستدل على صحته إذا
~~كان شرط التواتر فيه.
# والضرب الاخر: اخبار آحاد.
# فالقسم الأول: مفقود في الاخبار التي يستدل بها على صحة العمل بالقياس،
~~لأنها ليست معلومة جملة، لا ضرورة، ولا استدلالا.
# والقسم الاخر: لا يجوز استعماله في هذه المسألة، لأنها من باب العلم دون
~~العمل، وخبر الواحد يوجب غلبة الظن، فلا يجوز استعماله فيما طريقه العلم
~~بلا خلاف.
# واما الاجماع: فليس فيه أيضا، لان هذه مسألة خلاف، ونحن نبين ما يدعونه
~~من اجماع الصحابة ونتكلم عليه انشاء الله.
# والطريقة الثانية: ان نقول: قد ورد الشرع بما يمنع من العمل بالقياس (2)،
~~وأقوى ms367 ما اعتمد في ذلك اجماع الطائفة المحقة، وقد ثبت ان اجماعهم حجة، لأنه
~~يشتمل على قول معصوم لا يجوز عليه الخطأ على ما بيناه فيما تقدم، وقد علمنا
~~أنهم مجمعون على ابطال القياس والمنع من استعماله.
# وليس لاحد ان يعارض هذا الاجماع لمن يذهب إلى مذهب الزيدية
# PageV02P666
# والمعتزلة، من أهل البيت عليهم السلام وقال مع ذلك بالقياس، لان هؤلاء لا
~~اعتبار بمثلهم، لان من خالف في الأصول الخلاف الذي يوجب التكفير أو التفسيق
~~لا يدخل قوله في جملة من يعتبر اجماعهم ويجعله حجة.
# لأنا قد بينا ان كل من علمنا أنه ليس بامام، فانا لا نعتد بخلافه ونرجع
~~إلى الفرقة الأخرى التي نعلم كون الامام في جملتهم.
# على انا كما نعلم من مذهب أبي حنيفة، والشافعي القياس، كذلك نعلم أن من
~~مذهب أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام نفى القياس،
~~وتظاهر الاخبار عنهما بالمنع (1) منه، والمناظرة للمخالفين فيه، كتظاهرها
~~عمن ذهب إليه في خلاف ذلك.
# وليس يدفع عنهما هذا الا من استحسن المكابرة، وقد علما ان قولهما حجة
~~وقول كل واحد منهما، لأنهما الامامان المعصومان، ولا يجوز عليهما الخطاء في
~~الفعل والاعتقاد.
# وقد اعتمد من نصر هذه الطريقة التي ذكرناها على آيات ليس فيها ما يدل على
~~ذلك مما يمكن الاعتماد عليه، وعلى جميعها اعتراض.
# فمن ذلك تعلقهم بقوله تعالى: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (2) وأن
~~القياس تقدم بين يدي الله ورسوله.
# وهذا غير معتمد، لان للمخالف أن يقول: إذا دلنا الله تعالى على صحة
~~القياس، لم يكن استعماله تقدما بين يدي الله ولا بين يدي رسوله، وصار ذلك
~~بمنزلة ما نص عليه، وانما يكون تقدما بين أيديهما لو قيل به من غير دلالة
~~ولا استناد إلى علم.
# وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (3)، وبقوله: (وان
# PageV02P667
# تقولوا على الله مالا تعلمون) (١).
# وللمخالف ان يقول: ما قلنا بالقياس الا بالعلم وعن العلم، فلم نخالف ظاهر
~~الكتاب، وانما ظننتم علينا ان نعلق الاحكام ms368 بالظنون وليس نفعل ذلك بل الحكم
~~عندنا معلوم وان كان الطريق إليه الظن على الوجه الذي مثلنا به من
~~العقليات.
# وتعقلوا: بقوله: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٢)، وقوله: ﴿تبيانا لكل شئ﴾ (٣)، وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ (4).
# وللمخالف أن يقول: ان القياس إذا دل الله عليه وأوجب العمل به، فقد دخل
~~في جملة ما بين في الكتاب ولم يقع فيه تفريط، لان الكتاب قد دل على صحة
~~اجماع الأمة، ووجوب اتباع السنة، فإذا علمنا بالاجماع والسنة صحة القياس،
~~جاز إضافة هذا العلم والبيان إلى الكتاب، وان كان على سبيل الجملة دون
~~التفصيل، لأنه ليس يمكن أن يدعى ورود الكتاب بكل شئ مفصلا، فصار العامل
~~بالقياس عاملا بما امر الله تعالى به في كتابه وبينه وأكمله (5).
# وهذه الجملة تنبه على طريقة الطعن فيما جرى هذا المجرى من الاستدلالات،
~~فإنهم يتعلقون بشئ من هذا الجنس لا فائدة في ذكر جميعه
# PageV02P668
# فصل NoteV02P669N04 " في أن العبادة لم ترد بوجوب العمل بالقياس "
~~الذاهبون إلى القول بالقياس في الشرع فريقان:
# أحدهما: يوجب العمل به عقلا، وهم الشذاذ على ما ذكرناه (1).
# والآخرون: يوجبون العمل به سمعا وان لم يثبتوه عقلا (1).
# ونحن نفسد كلا القولين ليتم لنا ما قصدناه.
# فاما من أثبته عقلا فالأصل في الكلام عليه ان يقال: ان الفعل الواجب لابد
~~له (2) من أن يكون له وجه وجوب لولاه لم يجب، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن
~~بالوجوب أولى من غيره، وماله يجب الفعل ينقسم قسمين: أحدهما: صفة تختصه ولا
~~تتعداه إلى غيره، وذلك جميع الواجبات العقلية، نحو رد الوديعة، والانصاف،
~~وشكر المنعم.
# والاخر: أن يكون وجوبه لتعلقه بغيره على سبيل اللطف، نحو أن يختار المكلف
~~عنده واجبا اخر، أو يمتنع عن قبيح، وليس يكون كذلك الا بعد أن يختص في نفسه
~~بصفة تدعو إلى اختيار ما يختار عنده، وهذا القسم على ضربين:
# PageV02P669
# أحدهما: يعلم (١) بالعقل، كوجوب معرفة الله تعالى، لان جهة وجوبها متقررة ms369
~~في العقل، وهو انا يكون عندها أقرب إلى الفعل الواجب والامتناع من القبيح،
~~وكعلمنا أيضا بان الرسول عليه السلام لا يجوز أن يكون على أحوال تنفر عن
~~القبول منه، نحو الفسق، والأحوال الدنية المستخفة، ومثل ما يلحقه (٢)
~~بالمعرفة من وجوب الرئاسة لكونها لطفا، لأنه مستقر في العقل (٣) وان الناس
~~في الجملة لا يجوز أن يكونوا مع فقد الرؤساء في باب الصلاح والفساد على ما
~~يكونون عليه مع وجودهم.
# والضرب الثاني: لا يعلم الا بالسمع لفقد الطرق إليه من جهة العقل وهو
~~جميع الشرعيات.
# والسمع الذي به يعلم وجوب ذلك قد يرد تارة بوجه الوجوب، فيعلم عنده
~~الوجوب، وتارة يرد بالوجوب فيعلم عنده وجه الوجوب بأحد (٤) الامرين يقوم
~~مقام الاخر في العلم بالوجوب، [الا أنه إذا ورد بوجوبه لم يعلم وجه الوجوب
~~الا على جهة الجملة، وان ورد بوجه وجوبه مفصلا أو مجملا علمنا وجوبه مفصلا،
~~لان العلم بوجوبه لابد فيه من التفصيل لتنزاح علة المكلف في الاقدام على
~~الفعل.
# والعلم بوجه الوجوب قد يكون] (٥) مجملا ومفصلا. ويقوم أحد الامرين مقام
~~الاخر، فلو قال تعالى: ﴿ان الصلاة
~~تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (6) ولم يوجبها لعلمنا وجوبها، ولو نص على
~~وجوبها بلفظ الايجاب لعلمنا في الجملة انها تنهى عن قبيح أو تدعوا إلى
~~واجب.
# فاما ماله قلنا: " إذا علمنا وجوب الفعل، علمنا وجه وجوبه، وإذا علمنا
~~وجه
# PageV02P670
# الوجوب، علمناه واجبا "، فهو ان من علم بالعقل رد الوديعة مع المطالبة
~~علم وجوبه، ومتى لم يعلم ذلك لم يعلم وجوبه، وكذلك من علم الفعل ظلما على
~~قبحه، فان شك في كونه ظلما لم يعلم القبح، وكما وجب هذا، فهكذا أيضا متى
~~علم كون الفعل الذي هو رد الوديعة واجبا علمه رد للوديعة، فتعلق كل واحد من
~~الامرين بصاحبه (1) كتعلق صاحبه به.
# فان قيل: من أين قلتم: ان الواجبات في الشرع لا تجب الا لكونها ألطافا؟
~~ثم من أين قلتم: ان ذلك لا يعلم من حالها الا بالسمع ليتم ما ms370 ذكرتموه؟
# قلنا: لان وجوبها إذا ثبت وكان لابد له من وجه لم يخل من القسمين اللذين
~~قدمناهما، وهما اما صفة يختص الفعل ولا يتعداه، أو لتعلقه بغيره على وجه
~~اللطف، وليس يجوز في الشرعيات الوجه الأول، لأنه لو وجبت لصفة تخصها تجري
~~مجرى رد الوديعة في أنه وجه الوجوب، لوجوب أن يعلم (على) (2) تلك الصفة،
~~ويعلم وجوبها متى علمناها، لأنه لا يصح ان يجب لصفة تختص بها ولا تختص بها،
~~ولا يصح أيضا أن يعلم علتها ولا يعلم وجوبها، وقد علمنا أن الصلاة وسائر
~~الشرعيات يعلم بالعقل صفاتها، وان لم يعلم وجوبها، فدل ذلك على بطلان القسم
~~الأول ولم يبق الا الثاني.
# وإذا ثبت انها تجب للألطاف، ولم يكن في العقل (3) دليل على أن وقوع بعض
~~الأفعال منا، نختار عنده فعلا آخر، لان العقل لا يدل على ما يختاره الانسان
~~أو لا يختاره، ولأن دلالة العقل أيضا طريقتها واحدة ولم يصح ان يدل على
~~الشئ ونفيه، والحكم وضده - كما تراه في الشرائع - من اختلاف المكلفين،
~~والناسخ والمنسوخ، فلم يبق الا ان الطريق إليها السمع، ولولا ما ذكرناه لما
~~احتيج في معرفة المصالح الشرعية إلى بعثة الأنبياء عليهم السلام.
# PageV02P671
# فان قالوا: العقل يقتضى في كل مشتبهين (1) ان حكمهما واحد من حيث اشتبها،
~~فوجب أن يحكم الأرز بحكم البر عقلا وان لم يأت السمع.
# قيل لهم: الاشتباه الذي يقتضى المشاركة في الحكم هو فيما يعلم أن الحكم
~~فيه يجب عن ذلك الشبه، أو يكون في حكم الموجب عنه، نحو علمنا بان ما شارك
~~العالم في وجود العلم في قلبه يجب كونه عالما، أو ما شارك رد الوديعة في
~~هذه الصفة كان واجبا، فاما العلل التي هي أمارات فلا يجب بالمشاركة فيها
~~المشاركة في الحكم، لان العقل لا يعلم به كونه علة، ولو علم كونها علة لم
~~يجب فيما شاركه فيها مثل حكمها، لان المصالح الشرعية مختلفة من حيث تعلقت
~~بالاختيار، فلا مدخل للايجاب فيها، ولهذا جاز أن يكون الشئ في الشرع مصلحة ms371
~~وما هو مثله مفسدة، وجاز اختلاف الأعيان والأوقات في ذلك.
# فان قيل (2): إذا حرم الله تعالى الخمرة (3) ورأيت التحريم تابعا للشدة
~~يثبت بثبوتها ويزول بزوالها، علمت أن علة التحريم الشدة، ولا احتياج إلى
~~السمع كما لا يحتاج إليه في العقليات (4).
# قيل له: ليس يكون ما ذكرته من الاعتبار (5) بأقوى (6) من أن ينص الرسول
~~صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر ان علة تحريمها هي الشدة، وقد بينا ان
~~ذلك لا يوجب التخطي، ولا يقتضى اثبات التحريم في كل شديد الا بعد التعبد
~~بالقياس، لأنه غير ممتنع ان يخالف (7) في المصلحة وان وافقه في الشدة،
~~وبينا ان النص على العلة
# PageV02P672
# الشرعية يجرى مجرى النص على الحكم في امتناع التخطي الا بدليل مستأنف.
# فأما من زعم أن السمع قد ورد بالتعبد بالقياس (١)، فنحن نذكر قوى ما
~~اعتمده ونتكلم على شئ منه.
# أحد ما اعتمدوه قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (٢).
# قالوا: والاعتبار هو المقايسة، لان الميزان يسمى معيارا من حيث قيس به
~~مساواة الشئ بغيره.
# ولما روى عن ابن عباس من قوله في الأسنان: " اعتبروا حالها بالأصابع التي
~~ديتها متساوية " (٣).
# وربما استدلوا بالآية على وجه اخر فقالوا: قد دل الله تعالى بهذه الآية
~~على أن المشاركة في العلة تقتضي المشاركة في الحكم، وذلك أنه قال: ﴿هو الذي اخرج الذين كفروا من أهل الكتاب
~~من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من
~~الله فأتاهم من حيث لا يحتسبون وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم
~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (4)، فذكر ما حل بهم، ونبه
~~على علته وسببه ثم امر بالاعتبار، وذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم
~~تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم ما كان لهذا القول معنى!
# والكلام على ذلك أن يقال (5) لهم:
# ما تنكرون أن يكون لفظ " الاعتبار " لا يستفاد منه الحكم بالقياس، وانما
~~يستفاد به
# PageV02P673
# الاتعاظ والتدبر والتفكر، وذلك ms372 هو المفهوم من ظاهره واطلاقه، لأنه لا
~~يقال لمن يستعمل بالقياس العقلي انه معتبر، [كما يقال فيمن يتفكر في معاده،
~~ويتدبر أمر منقلبه ويتعظ بذلك انه معتبر] (1) وكثير الاعتبار، وقد يتقدم
~~بعض الناس في العلوم واثبات الاحكام من طريق القياس، ويقل فكره في معاده
~~وتدبره فيقال انه غير معتبر، أو قليل الاعتبار.
# وقد يستوى في المعرفة بحال الشئ واثبات حكمه اثنان، فيوصف أحدهما
~~بالاعتبار دون الاخر على المعنى الذي ذكرناه، ولهذا يقولون عند الامر
~~العظيم: ان في هذا لعبرة، وقال الله تعالى: (وان لكم في الانعام لعبرة).
# وما روى عن ابن عباس خبر واحد لا تثبت بمثله اللغة، ولو صح لكان محمولا
~~على المجاز بشهادة الاستعمال الذي ذكرناه.
# على انا لو سلمنا جواز استعمال الاعتبار في المقايسة، لم يكن في الآية
~~دلالة الا على ما ذكر منها من امر الكفار، وظنهم ان حصونهم ما نعتهم من
~~الله تعالى، ووقوع ما وقع بهم، فكأنه قال الله تعالى: فاعتبروا بذلك يا
~~أولي الأبصار، وليس يليق هذا الموضع بالقياس في الاحكام (2) الشرعية، لأنه
~~تعالى لو صرح بعقب ما ذكر من حال الكفار بأن يقول: فقيسوا في الأحكام
~~الشرعية واجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، فلا يليق بعضه ببعض.
~~فثبت انه أراد الاتعاظ والتفكر.
# على أنه يمكن ان يقال لهم: على تسليم تناول اللفظة للقياس باطلاقها، ما
~~تنكرون انا نستعمل موجب الآية، بان نقيس الفروع على الأصول، في انا نثبت
~~لها الاحكام الا بالنصوص، لان هذا أيضا قياس فقد ساويناكم في التعلق
~~بالآية، فمن أين لكم ان القياس الذي تناولته الآية هو ما تذكرونه دون ما
~~ذكرناه، وكلاهما قياس على
# PageV02P674
# الحقيقة؟
# وليس لهم أن يقولوا: نحن نجمع بين الامرين لأنهما يتنافيان، والجمع
~~بينهما لا يصح.
# ولا لهم أيضا ان يقولوا: قولنا أرجح خ من حيث كان فيه اثبات للأحكام،
~~وقولكم فيه نفى لها.
# وذلك لان الترجيح بما ذكروه انما يصح متى ثبت كلا وجهي القياس، فيصح
~~الترجيح والتفرقة، فاما الخلاف فيهما هل يثبتان ms373 أو يثبت [أحدهما فلا] (١)
~~ترجيح يمكن في ذلك.
# ويقال لهم: في تعلقهم بالآية ثانيا: إذا كان الله تعالى قد نبه على ما
~~زعمتم بالآية على أن المشاركة في السبب والعلة تقتضي المشاركة في الحكم،
~~فيجب أن يكون كل من فعل مثل فعل الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية، يحل
~~بهم مثل ما حل بهم.
# فان قالوا: هو كذلك. أريناهم بطلان قولهم ضرورة لو جوزنا من يشارك
~~المذكورين في المخالفة والمعصية وان لم يصبه ما أصابهم، وهذا من ضعيف ما
~~يتمسك به.
# وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾
~~(٢)، وقوله تعالى: ﴿وعلى الموسع
~~قدره وعلى المقتر قدره﴾ (٣). قالوا:
# والمثلية والمقدار طريقه غالب الظن.
# وبقوله: ﴿فان خفتم الا تعدلوا
~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ (4) قالوا وذلك طريقه غالب الظن.
# وهذه الآيات لا تخلو أن يكون المستدل بها يعتمدها في جواز التعبد
~~بالظنون،
# PageV02P675
# أو في وجوب التعبد بها:
# فان كان الأول، كان ذلك صحيحا، وذلك مما قدمنا جوازه.
# وان أراد الثاني، كان ذلك باطلا، لأنه ليس إذا ثبت التعبد في شئ بغالب
~~الظن ينبغي أن يحمل غيره عليه، لان ذلك يصير قياسا، وكلامنا في مسألة
~~القياس، فكيف يستدل بالشئ على نفسه!
# على [ان] (1) من أصحابنا من قال إن المثلية والقدر منصوص عليه، فعلى هذا
~~المذهب سقط السؤال.
# وتعلقوا أيضا: بأن قالوا: قد ظهر (2) عن الصحابة القول بالقياس، واتفق
~~جميعهم عليه، نحو اختلافهم في مسألة الحرام (3)، والجد (4)، والمشركة (5)،
~~والايلاء، وغير ذلك ورجوع كل منهم في قوله إلى طريقة القياس، لأنهم اختلفوا
~~في الحرام فقالوا بأربعة أقاويل:
# أحدها: انه في حكم التطليقات الثلاث، وذلك مروى عن أمير المؤمنين عليه
~~السلام وزيد، وابن عمر (6).
# PageV02P676
# والقول الاخر: قول من جعله يمينا يلزم فيهما الكفارة، وهو المحكى عن أبي
~~بكر، وعمر وابن مسعود وعايشة (1) والثالث: قول من جعله ظهارا، وهو المروى
~~عن ابن ms374 عباس وغيره (1).
# والرابع: قول من جعله تطليقة واحدة، وهو المروى عن ابن مسعود، وابن عمر
~~وغيرهما (2).
# ثم اختلفوا: فمنهم من لغاه، ومنهم من جعلها واحدة رجعية، وبعضهم جعلها
~~بائنة، وكل ذلك تفريع للقول الرابع (2).
# وحكى في المسألة قول خامس عن مسروق (3) وهو انه ليس بشئ، لأنه تحريم لما
~~أحله الله تعالى ووجوده كعدمه. (2) واختلافهم أيضا في الجد أيضا ظاهر،
~~وكذلك ما عددناه من المسائل، وانما شرحنا مسألة الحرام لان الخلاف فيها
~~أكثر منه في غيرها قالوا: وقد علمنا أنه لاوجه لأقاويلهم الا طريقة القياس
~~والاجتهاد، لان من جعل الحرام طلاقا ثلثا معلوم انه لم يرد انه طلاق ثلاث
~~على الحقيقة، بل أراد انه كالطلاق الثلاث وجار مجراه وكذلك من جعله يمينا
~~وظهارا محال ان يريد الا الشبه دون أن يكون عنده يمينا أو ظهارا في
~~الحقيقة.
# ولأنه قد نقل عنهم النص الصريح في أنهم قالوا بذلك قياسا، لان من ذهب إلى
~~أن الجد بمنزلة الأب نص على أنه مع فقد الأب بمنزلة ابن الابن مع فقد الابن
~~(4)، حتى صرح ابن عباس بأن قال: " الا لا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن
~~الابن ابنا، ولا
# PageV02P677
# يجعل أب الأب أبا؟ " (1) وقد علمنا أنه لم يرجع في ذلك إلى نص، لان الحد
~~لا نص عليه في الكتاب، فلم يبق الا سلوكهم فيه طرق التمثيل والمقايسة.
# وثبت أيضا: عمن قال بالمقايسة (2) بين الأخ والجد انه شبههما بغصني شجرة
~~وبجدولي نهر، ولهذا يبطل قول من يدعى انهم قالوا ذلك على طريق الصلح والبور
~~(3)، أو لأنه أقل ما قيل فيه، أو حكموا بحكم العقل، أو لنص خفى.
# ويبطل ذلك زائدا على ما تقدم، انهم اختلفوا فيما لا يسوغ فيه الصلح
~~لتعلقه بتحريم الفروج وتحليلها كمسألة الحرام والايلاء.
# ولأن ما يقال من طريق الصلح لا يفرع عليه ويبنى بحسبه المذاهب.
# ولأنهم اختلفوا في مواضع لا يصح أن يقال فيها بأقل ما قيل، ولأنهم قد
~~اختلفوا فيما زاد على أقل ما قيل.
# وقالوا أيضا: بأقاويل كلها خارجة ms375 عما في أصل العقل، ولو قالوا أيضا لنص
~~لوجب أن يظهر، لان الدواعي إلى اظهاره قوية.
# وإذا ثبت ذلك من حالهم فهم بين قائل بالقياس، ومصوب لقائله غير منكر
~~عليه، فصاروا مجمعين على القول به، واجماعهم حجة، ولا يجوز أن ينعقد على
~~خطأ.
# فيقال لهم لنا في الكلام عليكم وجهان:
# أحدهما: أن نبين بطلان ما حكمتم به وقطعتم عليه من أن القول في المسائل
~~التي ذكرتموها لم يكن الا بالقياس، ونبين انه يحتمل أن يكون النص اما
~~بظاهره أو دليله، والاحتمال في هذا الموضع يكفي ويأتي على استدلالهم.
# والوجه الاخر: ان ننازع فيما ادعيتموه من ارتفاع النكير للقياس، ونبين
~~انه ورد
# PageV02P678
# عنهم من ذلك ما في بعضه كفاية، وابطال لقول من يدعى خلافه.
# ولنا أيضا: إذا سلمنا انهم قالوا في تلك المسائل بالقياس، وتجاوزنا عن
~~الخلاف في ارتفاع النكير، وفرضنا انه لم يكن ان نقول ارتفاع النكير لا يدل
~~في كل موضع على الرضا والتسليم، وانما يدل على ذلك إذا علمنا أنه لا وجه
~~لارتفاعه الا الرضا، فاما مع تجويز كونه للرضا ولغيره فلا دلالة فيه.
# غير أن هذه الطريقة توحش من خالفنا في هذه المسألة لأنها تطرق عليهم فساد
~~أصول هي أهم إليهم من الكلام فيها، وينبغي أن يتجاوز عن هذا الكلام في هذا
~~المعنى ويقتصر على الوجهين الذين قدمناهما، لان الكلام في هذا الوجه له
~~موضوع غير هذا هو أليق به وقد ذكرناه في كتاب " الإمامة " (1) مستوفى.
# فيقال لهم: لم زعمتم ان القول في المسائل التي عددتموها انما كان
~~بالقياس؟
# فلم نجدكم اقتصرتم الا على الدعوى المجردة من برهان، ولم إذا اختلفوا
~~وتباينت أقوالهم وجب أن تستند تلك المذاهب إلى القياس، وأنتم تعلمون ان
~~الاختلاف في المذاهب المستندة إلى النصوص ممكن كإمكانه في المستندة إلى
~~القياس؟
# ولم أنكرتم أن يكون كل واحد منهم انما ذهب إلى ما حكى عنه لتمسكه بدليل
~~نص اعتقد انه دال على ما ذهب إليه؟
# فان قالوا: لو كانوا قالوا بذلك للنصوص، لوجب أن ms376 تنتقل تلك النصوص وتشتهر
~~لان الدواعي تقوى إلى نقلها والاحتجاج بها!
# قلنا: أول ما نقوله انا لا نلزمكم أن يكونوا اعتمدوا في هذه المسائل
~~نصوصا صريحة استدلوا بها على المذاهب التي اعتقدوها، بل ألزمناكم ان يكونوا
~~اعتمدوا
# PageV02P679
# فيها أدلة النصوص التي تحتاج فيها إلى ضرب من الاستدلال والتأول، سواء
~~كانت تلك النصوص على هذه نصوصا ظاهرة للكل معلومة للجميع، أو كانت مختصة،
~~فلا يجب ان تفرضوا كلامنا في غير ما فرضناه فيه.
# على انا نقول لهم: ولو كانوا اعتمدوا في ذلك على علة قياسية لوجب نقلها
~~وظهورها، لان الدواعي إلى نقل مذاهبهم تدعو إلى نقل طرقها، وما به احتجوا،
~~وعليه عولوا، وما نجد في ذلك رواية، فان كان فقد ما اعتمدوه من دليل النص
~~وارتفاع روايته دليلا على أنهم قالوا بالقياس، فكذلك يجب أن يكون فقدنا
~~لرواية عنهم تتضمن انهم قالوا بذلك قياسا دليلا على القول به من طريق
~~النصوص!
# فان قالوا الفرق بين الامرين ان القياس لا يجب اتباع العالم فيه، والنصوص
~~يجب اتباعه، فوجب نقل النص ولا يجب مثله في القياس.
# قلنا: اطلاقكم ان القياس لا يجب فيه الاتباع لا يصح على مذاهبكم، بل يجب
~~فيه الاتباع إذا ظهر وجه القول به وامارات غلبة الظن فيه، وانما لا يجب
~~القول به بارتفاع هذا الشرط، وعلى العالم أن يظهر وجه القول لمن خالفه
~~ليظهر له منه ما يكون فرضه معه الانتقال عما كان عليه.
# ولولا هذا ما حسنت مناظرة أصحاب القياس والاجتهاد بعضهم لبعض، ولم ينقل
~~عن الصحابة وجه قولهم في مسألة الحرام (1) التي وقع النص من مخالفينا عليها
~~لقوتها عندهم، ولم يرو عن أحد منهم العلة التي من اجلها جعله طلاقا ثلاثا،
~~أو ظهارا، أو يمينا!
# على أنه انما يجب على المعتقد للمذهب أن يظهر وجه قوله عند المناظرة
~~والحاجة الداعية إليه، فاما أن يكون ظهور وجه القول كظهور القول والمذهب
~~فغير واجب فكيف (2)، يقال ذلك ونحن نعلم أن كثيرا من الصحابة والتابعين ومن
~~كان
# PageV02P680
# بعدهم قد ظهرت ms377 عنهم مذاهب كثيرة فيما طريقه العلم والدليل القاطع من غير
~~أن يظهر عنه أو ينقل ما كان دليله بعينه لأي طريق قال بذلك المذاهب
~~وأعتقده؟
# فان قالوا: فقد تناظروا ورد بعضهم على بعضهم ولم يذكر عنهم احتجاج بنص.
# قلنا: ليس يمكن أن يحكى عنهم في مسألة الحرام وغيرها من المسائل انهم
~~اجتمعوا فيها لمناظرة ومنازعة، وحاج بعضهم بعضا، ورد بعضهم على بعض، ولم
~~يذكروا أدلة النص، ولا وردت بشئ من ذلك رواية! وأكثر ما روى إضافة هذه
~~المذاهب إلى القائلين بها.
# على أنهم ان كانوا تناظروا وتنازعوا فلابد من أن يظهر كل واحد منهم وجه
~~قوله، سواء كان نصا أو قياسا، وفي مثل هذه الحال لا يسوغ الاعراض عن ذكر
~~وجه القول وان جاز في غيرها، ولهذا لا نجد أحدا من الفقهاء ينازع خصومه
~~ويرد مذاهبهم عليهم على سبيل المناظرة، ولا يظهر وجه قياسه والعلة التي من
~~اجلها ذهب إلى ما ذهب إليه، بل لابد له من تحرير علله وتهذيبها والاحتراز
~~فيه من النقض، وإذا كنا لم نجد رواية منهم بوجه قياسه وبالعلة التي من
~~اجلها جمع بين الامرين اللذين شبه أحدهما بالآخر، فيجب أن ينفى عنهم القول
~~بالقياس ان كان ما فرضتموه صحيحا.
# فان قالوا: من شأن العلماء أن يذكروا النصوص الشاهدة لأقوالهم ومذاهبهم
~~لترتفع عنهم التهمة في الخطاء أو القول بغير دليل.
# قلنا: ومن شأنهم أن يذكروا الوجه القياسي المصحح لمذاهبهم، لترتفع عنهم
~~التهمة.
# وبعد: فلعل القوم كانوا آمنين من أن يتهموا بالتخيت (1) والاعتقادات
~~المبتدأة فلم يحتاجوا إلى ذلك.
# فان قالوا: ليس نجد في نصوص الكتاب والسنة ظاهرا ولا دليلا يدل على هذه
~~المذاهب التي حكينا اختلافهم فيها، الا ان يدعوا نصوصا غير ظاهرة، بان اختص
~~كل
# PageV02P681
# واحد منهم بها، فيظهر بطلان قولكم لكل أحد ويلزم حينئذ أن تكون تلك
~~النصوص قد أشيعت وظهرت لتعلم وتعرف، والا طرق ذلك ابطال الشريعة وأكثرها.
# قلنا: اما ما ضمنا لكم أن يكون كل واحد من القوم ذهب إلى مذهبه للدليل
~~عليه ms378 من جهة النص، وانما ألزمناكم تجويز سبب كل قابل منهم بوجه اعتقده
~~دليلا قد يجوز أن يكون فيه مخطئا ومصيبا، ولو أخطأت الجماعة في استدلالها
~~على أقوالها الا واحدا فيها لم يضرنا فيما قصدناه، لان الذي امن من اجماعهم
~~على الخطأ لا يؤمن من اجماع أكثرهم، ففقدكم نصوص الكتاب والسنة أدلة لتلك
~~المذاهب لا يدخل على ما قلناه.
# اللهم الا أن يريدوا انا فقدنا ما (1) يمكن التعلق به، أو الاعتقاد فيه
~~انه دليل. فهذا إذا ادعيتموه علمتم ما فيه، وقيل لكم: من أين قلتم ذلك؟
~~وكيف يحاط علما بمثله ويقطع عليه؟ وهل هذا الا الحجر في الشبه طريف! وليس
~~يجب في الشبه ما يجب في الأدلة، فان تلك تنحصر والشبه لا تنحصر.
# على انا نقول: وما نجد لقول كل واحد من الجماعة علة تقتضي القول بمذهبه،
~~فيجب أن ينفى اعتمادهم في هذه المذاهب على العلل القياسية.
# فان قالوا: انكم لم تجدوا علة يجب عندها الحكم بكل ما حكى من المذاهب،
~~والا فأنتم تجدون ما يمكن ان يجعل علة ويعتقد عنده (2).
# قلنا: وكذلك نقول لكم فيما تقدم.
# على انا نقول لهم: لم أنكرتم ان يكون من ذهب في الحرام إلى الطلاق
~~الثلاث، انما قال بذلك من حيث جعله ككنايات الطلاق التي هي طلاق على
~~الحقيقة ولها احكام الطلاق عند كثير منهم من غير اختيار الشبه، ورجع في ذلك
~~إلى النص في الطلاق، وادخله في جملة ما يتناوله الاسم؟ ومن قال إنه يمين
~~يرجع أيضا إلى
# PageV02P682
# نص الكتاب الذي يرجع إليه القائلون في زماننا بان الحرام يمين، وهو قوله
~~تعالى:
# [يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك] (١)، ثم قوله
~~بعد:
# ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾
~~(2)، وان النبي صلى الله عليه وآله حرم (3) على نفسه مارية القبطية (4)، أو
~~شرب العسل (5) على اختلاف الرواية في ذلك، فأنزل الله تعالى ما تلوناه
~~وسماه يمينا بقوله: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) فدخل فيما يتناوله ms379
~~اللفظ.
# ومن عجيب الامر انهم يجدون كثيرا من الفقهاء في زماننا يعتمدون ذلك في
~~هذه المسألة، ويعولون على هذا الظاهر ويتعجبون أن يكون بعض الصحابة رجع في
~~شئ من المذاهب التي حكوها إلى النص، ويقطعون على أنه لا مخرج لها في
~~النصوص، وهذا يدل على قلة التأمل.
# ويمكن أيضا مثل ذلك: فيمن ذهب إلى أنه ظهار (6)، وأن يكون اجراه مجرى
~~الظهار في تناول الاسم له، وان كان لفظه مخالفا للفظ الظهار، كما كانت
~~كنايات الطلاق مخالفة للفظ الطلاق وأجريت مجراه، وكذلك لفظ الحرام مخالف
~~لليمين واجري في تناول الاسم مجراه.
# PageV02P683
# ومن ذهب إلى أنه تطليقة واحدة (1)، كأنه ذهب إلى الطلاق والى أقل ما يقع
~~به.
# والذاهب إلى الثلاث ذهب إلى الأكثر والأعم.
# وكل هذا ممكن أن يتعلق فيه بالظواهر والنصوص، ويكفي الإشارة إلى ما يمكن
~~أن يكون متعلقا وليس يلزم أن يكون حجة قاطعة ودليلا صحيحا.
# فاما قول مسروق (2)، فواضح انه لم يقل (3) قياسا، وانه لما لم يجعل لهذا
~~القول تأثيرا تمسك بالأصل في الحكم أو ببعض الظواهر التي تحظر تحريم
~~المحلل.
# قال: قالوا: لو كانوا رجعوا في هذه الأقوال إلى ظواهر النصوص و (4)
~~أدلتها على ما ذكرتم، لوجب أن يخطئ بعضهم بعضا، لان الحق لا يكون الا في
~~أحد الأقوال.
# قلنا: لا شئ أبلغ في التخطئة من المجاهرة بالخلاف، والفتوى بخلاف المذهب،
~~وهذا قد كان منهم، وزاد بعضهم عليه حتى انتهى إلى ذكر المباهلة والتخويف من
~~الله.
# فاما السباب واللعن والشتم والرجوع عن الولاية، فليس يجب عندنا بكل خطأ،
~~وسنبين القول في ذلك إذا تكلمنا على الطريقة التي نذكرها عنهم من الاستدلال
~~فيما بعد انشاء الله تعالى فاما قولهم في الاستدلال: " انهم جعلوه طلاقا
~~تمثيلا وتشبيها "، فقد بينا انه غير ممتنع أن يكونوا الحقوه بما يتناوله
~~الاسم بناء على أنهم لا يقدرون أن يحكوا عنهم انهم قالوا: قلنا بكذا تشبيها
~~بكذا، وانما روى أنهم جعلوا الحرام طلاقا وحكموا فيه بحكم الطلاق، فاما من
~~أي وجه فعلوا ذلك؟ وهل الحقوه ms380 تمثيلا وتشبيها؟ أو في تناول الاسم له فليس
~~بمنقول على أنه لا يمتنع أن يشبه الشئ بالشئ ويذكر له نظير لا على سبيل
~~المقايسة
# PageV02P684
# بل على سبيل التقريب (1) والافهام، فيقول من ينفى القياس مثلا: المصاحفة
~~والمعانقة يجريان مجرى المجامعة في نقض الطهر، وان لم يكن حاملا لهما عليها
~~بالقياس، بل يذهب إلى تناول ظاهر اللفظ للكل، فلو نقل عنهم التصريح
~~بالتمثيل والتشبيه لم يكن فيه دلالة على أن (2) القياس ليس هو ان يقول
~~القائل: الحكم في هذا الشئ التحريم كما كان في غيره مما تناول النص تحريمه،
~~بل القياس هو أن يثبت للمسكوت عن حكمه مثل حكم المنطوق بحكمه لعلة جمعت
~~بينهما، وتكون العلة معلومة متميزة مستدلا على كونها علة من دون سائر صفات
~~الأصل بالدليل، وهذا مما لا يروى عن أحد من الصحابة انه استعمله على وجه من
~~الوجوه، فكيف يدعى مع ذلك التصريح منهم بالقياس؟
# فاما ادعائهم انهم صرحوا بالقياس وتعلقوا في ذلك بما روى عن ابن عباس من
~~قوله: " الا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب
~~أبا " (3)، وما روى من التشبيه بغصني شجرة وبجدولي نهر، فلان تعلق بمثله:
~~لان أول ما فيه انه لا يجب أن يعتمد في ايجاب العلم بالقياس على وجه واحد
~~غير مقطوع به، لان هذه المسألة من المسائل المعلومة التي لا يعتمد فيها الا
~~الأدلة الموجبة للعلم، وما رووه عن ابن عباس وغيره من اخبار الآحاد التي لا
~~يقطع بها، فكيف يستدل بها لو كان فيها دلالة وهي غير معلومة؟
# وليس لاحد أن يدعى الاجماع على صحة الاخبار من حيث تلقوا هذه الأخبار
~~بالقبول، أو يدعوا تواترها وانتشارها.
# وذلك انها وان ظهرت بين الفقهاء، وذكرت في كتب الفرائض، فلا شبهة في أنها
~~اخبار آحاد.
# PageV02P685
# ولا فرق بين من يدعى تواترها، وبين من يدعى تواتر جميع اخبار الآحاد التي
~~ظهرت بين الفقهاء، وكثر احتجاجهم بها في كتبهم ومناظراتهم وان كانت أصولها
~~آحادا.
# فاما الاجماع والتلقي بالقبول، فإنه ms381 غير مسلم، لأنه لم يكن منهم في هذه
~~الأخبار الا ما كان منهم في [خبر الوضوء من] (1) مس الذكر (2)، وقوله "
~~انما الأعمال بالنيات " (3) وما شاكل ذلك من اخبار الآحاد، وقد علمنا أن
~~هذه الأخبار التي ذكرناها وما جرى مجراها ليس مما يوجب الحجة، ولا تثبت
~~بمثله الأصول التي طريقها العلم.
# فان قالوا: خبر " مس الذكر " و " الأعمال بالنيات " ما قبلوه من حيث
~~قطعوا على صحته، وانما عملوا به كما يعلمون على اخبار الآحاد.
# قلنا: وهكذا خبر غصني الشجرة وما يجرى مجراه، فليس يمكن بين الامرين فرق.
# وبعد: فلو سلمنا قيام الحجة بما رووه، وان لم يكن كذلك لم يكن فيه دليل
~~على قولهم، لان أكثر ما في الرواية عن ابن عباس انه أنكر على زيد انه لم
~~يحكم للجد بحكم الأب الأدنى كما حكم في ابن الابن، وليس في الرواية انه
~~أنكر ذلك عليه وجمع بين الامرين بعلة قياسية أوجبت الجمع بينهما! وظاهر
~~نكيره يحتمل أن يكون، لان ظاهرا من القول أوجب عنده اجراء الأب مجرى الجد
~~كما أن ظاهر اخر أوجب اجراء ابن الابن مجرى الابن للصلب، الا ترى انه يحسن
~~من نافى القياس، العامل في مذهبه كله على النصوص أن يقول لمن خالفه في حكم
~~الملامسة: اما تتقى الله توجب انتقاض الطهر بالتقاء الختانين، ولا توجب
~~انتقاضه بالقبلة؟! وهو
# PageV02P686
# يذهب الا ان الذي يقتضى الجمع بينهما ظاهر قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ (1) فلا يمنع أن يكون ابن عباس
~~انما دعا زيدا إلى القول بالظاهر، وقال له إذا أجريت ابن الابن مجرى ابن
~~الصلب لوقع اسم الولد عليه وتناول قوله (يوصيكم الله في أولادكم) لهما،
~~فاجر أيضا الحد مجرى الأب لوقوع اسم الأب عليهما، وقد روى عن ابن عباس في
~~ذلك التعلق بالقرآن تصريحا (3)، على أن ظاهر قول ابن عباس يشهد لمذهبنا،
~~لأنه نسب زيدا إلى مفارقة التقوى وخوفه بالله تعالى، فلولا ان زيدا عنده
~~كان في حكم العادل عن النص لم يصح منه ms382 اطلاق ذلك القول، لان من يعدل عن
~~موجب القياس إلى اختلاف مذاهب مثبتيه لا ينسب إلى مفارقة التقوى، لان
~~أكثرهم يقول إنه مصيب، ومن خطاه يقول إنه معذور، ولا يبلغ به إلى هذه
~~الحال.
# فاما ذكرهم غصني الشجرة وجدولي النهر، فلا يوجب القول بالقياس، وانما
~~سلكوا ذلك تقريبا للقول من الفهم وتنبيها عليه من غير أن يجعلوا ذلك علة
~~موجبة للحكم، كما يفعل المعلم مع المتعلم من ضرب الأمثال، وتقريب البعيد،
~~وإزالة اللبس عن المشتبه.
# وكيف يصح أن يدعى في ذلك أنه على طريق المقايسة، وقد علمنا أن القدر الذي
~~اعتمدوه من ذكر الغصن والجدول لا يصح أن يكون عند أحد أصول (4) في الشريعة
~~يقاس عليها وتثبت الاحكام لها؟
# على أن الوجه في ذكرهم لما حكى ظاهر، وذلك انهم توصلوا بما ذكر عنهم إلى
~~معرفة أقرب الرجلين من المتوفى وألصقهما به نسبا، ثم رجعوا في توريثه إلى
~~الدليل الموجب للأقرب الميراث، وهذا كما يتنازع رجلان في ميراث ميت ويدعى
~~كل واحد منهما انه أقرب، إليه من الاخر، فيصح لمن أراد اعتبار أمرهما ان
~~يعد الاباء
# PageV02P687
# بين الميت وبين كل واحد منهما ويحصيهم، ليعلم ان الأقرب هو من قل عدد
~~الآباء بينه وبين الميت، دون من كثر عددهم بينه وبينه وله أيضا ان يوضح ذلك
~~لمن التبس عليه بذكر الامتثال والنظائر، وان كان كل ذلك مما لا يثبت به
~~التوريث، وانما يعرف به الأقرب، والميراث يثبت بالنصوص.
# فاما الوجه الثاني من الكلام على استدلالهم هذا ان نقول لهم: لم زعمتم ان
~~النكير مرتفع، وقد روى عن كل واحد من الصحابة - الذين أضفتم إليهم القول
~~بالقياس - ذمة، وتوبيخ فاعله، والأزراء عليه:
# فروى عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال: " لو كان الدين يؤخذ بالقياس
~~(1) لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره " (2) وهذا تصريح منه عليه السلام
~~بأنه لا قياس في ذلك (3).
# وروى عنه عليه السلام انه قال: " من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في
~~الجد برأيه " (4) وهذا اللفظ يروى عن عمر ms383 (5) (6).
# وما روى عنه عليه السلام في ذم القياس والذم لفاعله أكثر من أن يحصى (7).
# وروي عن أبي بكر انه قال: " أي سماء تظلني وأي ارض تقلني إذا قلت في
# PageV02P688
# كتاب الله برأيي " (1).
# وعن عمر انه قال: " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم
~~الأحاديث ان يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (2).
# وروي عنه انه قال: " إياكم والمكايلة، قيل: وما هي؟ قال: المقايسة " (2).
# وروى عن شريح انه قال: " كتب إلى عمر بن الخطاب - وهو يومئذ من قبله -
~~اقض بما في كتاب الله، فان جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما في سنة رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم، فان جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما
~~أجمع عليه أهل العلم، فان لم تجد فلا عليك الا تقضى " (2).
# وروي عن عمر أيضا قال: " أجرأكم على الجد أجرأكم على النار " (3).
# وعن عبد الله بن مسعود انه قال: " يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس
~~رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم " (2).
# وعنه انه قال: " إذا قلتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله
~~وحرمتم كثيرا مما أحلل الله " (2).
# وروى عن عبد الله بن عباس انه قال: " ان الله تعالى قال لنبيه: احكم
~~بينهم بما أراك الله (4) ولم يقل بما رأيت (2).
# وروي عنه أيضا انه (2) قال: " لو جعل لاحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول تعالى: (وان احكم بينهم بما انزل الله)
~~(5).
# وروي عنه أيضا انه قال: " إياكم والمقاييس فإنما عبدت الشمس والقمر
# PageV02P689
# بالمقاييس (1).
# وروى عن عبد الله بن عمر انه قال: " السنة ما سنه رسول الله صلى الله
~~عليه " وآله وسلم، ولا تجعلوا الرأي سنة للمسلمين " (1).
# وقال مسروق: " لا أقيس شيئا بشئ أخاف أن تزل قدمي بعد ثبوتها " (1).
# وكان ابن سيرين يذم القياس ويقول: " أول من قاس إبليس " (1).
# وروي عنه انه كان لا يكاد يقول شيئا برأيه (1).
# وقال الشعبي (2) لرجل " لعلك من القايسين " (1).
# وقال: " ان أخذتم بالقياس أحللتم الحرام وحرمتم الحلال (1).
# وكان أبو سلمة بن عبد ms384 الرحمن (3) لا يفتى برأيه.
# وإذا كان القوم قد صرحوا بذم القياس وانكاره هذا التصريح، فكيف يدعى
~~ارتفاع نكيرهم؟، وأي نكير يتجاوز ما ذكرناه ورويناه عنهم؟
# وليس لهم ان يتأولوا الألفاظ التي رويناها ويستكره [وا] التأويل فيها
~~ويتعسفوه، مثل ان يحملوها على انكار بعض القياس دون بعض، أو على وجه دون
~~وجه، ليسلم لهم ما حكوه من قولهم بالرأي والقياس!
# لان ذلك انما يسوغ لو كان ما استدلوا به على قولهم بالقياس غير محتمل
~~للتأويل، وكان صريحا في دلالته على ذلك، فانا قد بينا ان جميع ما تعلقوا به
~~من اختلافهم في مسألة الحرام وغيرها من المسائل لا يدل على القياس، ولا له
~~أيضا
# PageV02P690
# ظاهر في الدلالة عليه، وسنبين بمشية الله مثل ذلك في تعلقهم بالرأي
~~وإضافة الاحكام إليه، وانه لا ظاهر له في الدلالة على القياس، فضلا عن أن
~~يحتمل التأويل، فلا وجه لتأويلهم ما رويناه من الاخبار، لا سيما وجميعها له
~~ظاهر في نفى القياس لا بدلهم من العدول عنه، إذا صح تأويلهم، فكيف يعدل عما
~~له ظاهر في الدلالة على امر لأجل ما لا ظاهر له؟
# ولو تساوى الأمران في الظاهر أيضا، لم يكن لهم ان يحملوا اخبارنا على
~~التأويلات التي ذكروها لتسلم دلالة ما تعلقوا به على القياس، ولو كانوا
~~بذلك أولى منا إذا تأولنا ما رووه وحملنا على أن القول فيه انما كان
~~بالنصوص وأدلتها ليسلم دلالة ما رويناه على نفي القياس.
# وما لا يزالون يتعلقون به في ذلك من قولهم: ان المنكرين لذلك هم
~~المستعملون له، فلابد من حمل النكير على ما يوافق ما ظهر عنهم من استعمال
~~القياس.
# فتعلل (1) بالباطل، وذلك أن لا نعلم أنهم استعملوا القياس ضرورة، أو من
~~وجه لا يسوغ فيه التأويل ولا يدخله الاحتمال، وانما ادعى ذلك عليهم وتعلق
~~مدعيه بما لا ظاهر له ولا شهادة فيه بالقول بالقياس، وأحسن أحواله أن يكون
~~محتملا، فكيف يصح ما ذكروه؟
# وهذه الجملة [التي] ذكرناها تسقط قولهم ان الرأي الذي أبوه هو الذي ms385 يصدر
~~عن الهوى، والذي يستعمل في غير موضعه، وان أمير المؤمنين عليه السلام إنما
~~نفى أن يكون جميع الدين يؤخذ قياسا (2)، وكذلك أبو بكر انما استكبر
~~استعماله الرأي في كتاب الله على وجه لا يسوغ فيه (2)، إلى غير ذلك مما
~~يقولونه ويفزعون إليه، لان كل ذلك منهم عدول عن الظاهر، وتخصيص لاطلاقه،
~~وتأول لا يجب المصير إليه الا بعد
# PageV02P691
# القطع على صحة القياس، وقول القوم به بما لا يحتمل التأويل.
# فاما قول بعضهم (1): انهم فعلوا ذلك تشددا واحتياطا للدين حتى لا يقول
~~الفقهاء على القياس، ويعدلوا عن تتبع الكتاب والسنة.
# فظاهر السقوط، وذلك أن التشدد لا يجوز أن يبلغ إلى انكار ما أوجبه الله
~~تعالى، أو فسخ فيه، ولا يقتضى أن يخرجوا انكارهم المخرج الموهم لانكار
~~الحق، ولو كان ذلك غرضهم لوجب أن يصرحوا بذم العدول عن الكتاب والسنة،
~~والاعراض عن تأملهما والتشاغل بغيرهما من غير أن يطلقوا انكار القياس
~~والرأي الذين هما عندكم أصلان من أصول الدين تاليان للكتاب والسنة
~~والاجماع!
# على أنه يمكن أن يقال لهم: مع تسليم ارتفاع النكير، لم أنكرتم ان يكون
~~بعض الصحابة الذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة الحرام وغيرها قد رجع في
~~مذهبه إلى القياس، وهو من كان قوله منهم أبعد من أن يتناوله شئ من ظواهر
~~الكتاب والسنة؟ وأن يكون الباقون رجعوا في مذاهبهم إلى النصوص وأدلتها؟ غير
~~أن من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه قوله، ولا علمت الجماعة انه قاله
~~قياسا، ولو علموا بذلك لأنكروه، غير أنهم لا يعلمونه وأحسنوا الظن بالقائل
~~وظنوا انه لم يقل الا عن نص أو طريق يخالف القياس.
# وليس يجب أن يكون وجه قول كل واحد منهم على التفصيل معلوما للجماعة، ومتى
~~أوجبوا ذلك وادعوه طالبنا هم بالدليل على صحته ولن يجدوه، وهذا أيضا مما لا
~~انفكاك لهم منه.
# واستدلوا أيضا بأن (1) قالوا: قد ظهر عن الصحابة القول بالرأي وإضافة
~~المذاهب إليه، ولفظة " الرأي " إذا أطلقت لم تفد القول بالحكم من طريق
~~النص، لان ms386 ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرأي جليا كان الدليل أو خفيا، ولا
~~يستفاد من ذلك الا القول من طريق القياس والاجتهاد، والأخبار الواردة في
~~ذلك كثيرة:
# PageV02P692
# نحو ما روى عن أبي بكر في الكلالة: " أقول فيها برأيي " (1) وقول عمر: "
~~اقض برأيي " (1)، وقوله: " هذا ما رأى عمر " (1)، ونحو قول أمير المؤمنين
~~عليه السلام في أمهات الأولاد: " كان رأيي ورأى عمر ان لا يبعن ثم رأيت
~~بيعهن " (1)، وهذه الجملة لا تدل على القياس والاجتهاد من الوجه الذي
~~ذكرناه في اطلاق لفظة " الرأي " وإضافة المذهب إليه.
# ولأنه أيضا: لو كان رجوعهم فيما ذكرناه من اختلافهم إلى طرق العلم، لما
~~صح منهم الرجوع من رأى إلى رأى، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه صوابا وخطاء،
~~ولا ان يمسكوا عن تخطئة المخالف والنكير عليه.
# ولأن الأدلة لا تتناقض ولا تختلف، فكيف يجوز أن يرجع كل واحد إلى دليل مع
~~اختلاف أقوالهم.؟
# فيقال لهم: قد ادعيتم في معنى " الرأي " ما لا يصح، لان " الرأي " إذا
~~أطلق تناول كل ما كان متوصلا إليه بضرب من الاستدلال الذي يصح فيه اعتراض
~~الشبهات، واختلاف أهل الاسلام لا يختص ما قيل قياسا دون ما قيل من جهة
~~اعتبار الظواهر والاستدلال بها الا ترى انهم يقولون: " فلان يرى العدل و "
~~فلان يرى القدر " و " فلان يرى الارجاء " وفلان يرى القطع على عقاب الفساق
~~" وان كان ذلك متوصلا إليه بالأدلة الموجبة للعلم.
# وكذلك يقولون: " ان أبا حنيفة يرى الوضوء بنبيذ التمر (2) وان ذلك رأيه "
~~كما يقال: " ان ذلك مذهبه " وان كان لا يرجع في ذلك إلى قياس واجتهاد.
# ويقال أيضا: " ان القضاء بالشاهد واليمين " رأى الشافعي (3) ومالك (3)
~~وان كان
# PageV02P693
# مرجعهما فيه إلى الخبر، وان الأقراء التي تعتبر في العدة على رأي أبي
~~حنيفة الحيض (1) وعلى رأى الشافعي وغيره الأطهار (2) وان كان رجوع كل واحد
~~منهما في ذلك إلى ضرب من الاستدلال يخالف القياس.
# وإذا كان معنى " الرأي " والمستفاد به المذهب والاعتقاد على ما ذكرناه،
~~لم يكن في إضافة الصحابة أقوالها إلى الرأي ms387 لأدلة على ما توهمه خصومنا من
~~القياس، لأنهم لم ينصوا على أن الرأي الذي رواه هو الصادر عن القياس دون
~~غيره، وإذا لم ينصوا والقول محتمل لما يقولونه لم يكن للخصم فيه دلالة.
# فان قالوا: ان كان القول في " الرأي " على ما ذكرتم فلم لا يقال: ان
~~المسلمين يرون أن التمسك بالصلاة والصوم وما أشبه ذلك من الأمور المعلومة؟
~~قلنا: انما لا يقال ذلك لما قدمناه من أن لفظ " الرأي " يفيد الأمور
~~المعلومة من الطرق التي يصح أن تعترضها الشبهات ويختلف فيها أهل القبلة،
~~ولهذا لا يضيفون الأمور المعلومة ضرورة من واجبات العقول إلى الرأي، كقبح
~~الظلم، ووجوب الانصاف، ورد الوديعة. ولا يضيفون أيضا إليه العلم بدعاء
~~الرسول عليه السلام لامته إلى صلوات الخمس، وصوم شهر بعينه، لأنه معلوم
~~ضرورة، أو باستدلال لا يدخل فيه شبهة.
# وكذلك أيضا: لا يضيفون إليه سائر الأمور المعلومة بالأدلة التي لا يختلف
~~المسلمون فيها، كوجوب التمسك بالصلاة، والصوم، والعلم بنبوة الرسول صلى
~~الله عليه وآله وسلم، وصدق دعوته، وقد بينا انهم يطلقون " الرأي " في القول
~~بالعدل، والقدر وغير ذلك.
# فان قالوا: انما صح ان يقول العدلي: " فلان يرى القدر "، ويقول: القدري:
~~" فلان يرى العدل " لان كل واحد منهما ينسب صاحبه إلى القول بغير علم، وان
~~اجتهد، فشبه
# PageV02P694
# بالقول بالرأي الذي هو القياس.
# قيل لهم: هذا الاطلاق الذي حكيناه ليس يختص بواحد دون اخر، بل العدلي
~~يقول في نفسه وفيمن يقول بقوله انه يرى العدل، وكذلك القدر والارجاء وسائر
~~ما حكيناه من المذاهب، على أن العدلي لا يرى أن القدري قايل بالقدر الا عن
~~تقليد أو شبهة، وليس يرى أنه قائل من اجتهاد يقتضى غلبة الظن حتى يطلق عليه
~~لفظ " الرأي " المختص عندهم بالمذاهب الحاصلة من طريق القياس.
# فان قالوا: كيف يصح ان ينازعوا في اختصاص " الرأي " بما ذكرناه؟ ومعلوم
~~ان القائل إذا قال: " هذا مذهب أهل الرأي "، و " قال أهل الرأي كذا " لم
~~يفهم عنه الا القياس دون غيره.
# قيل: هذا تعارف حادث في ms388 أهل القياس، لأنه حدث الاختلاف بين الأمة في
~~القياس، فنفاه قوم وأثبته آخرون، وغلب على مثبتيه الإضافة إلى الرأي،
~~ومعلوم ان هذا التعارف لم يكن في زمن الصحابة، فكيف يحمل خطابهم عليه؟
# على أنه ليس معينا عن أحد من الصحابة انه قال: " انا من أهل الرأي "
~~وأكثر ما رووه قولهم " رأينا كذا " و " كان رائى ورأى فلان كذا "!
# وليس يمتنع أن يكون في بعض تصرف اللفظة من التعارف ما ليس هو في جميع
~~تصرفها، ويكون الإضافة إلى " الرأي " قد غلب فيها ما ذكروه، وان لم يغلب في
~~قولهم: " رأيت كذا " و " كان كذا من رأي ".
# هذا مما لا يمكن دفعه، فإنه لا شبهة على أحد في أن قولهم: " فلان من أهل
~~الرأي " لا يجري في الاختصاص بالإضافة إلى الاجتهاد والقياس مجرى قولهم "
~~رأى فلان كذا " و " كان رأى فلان أن يقول بكذا "، وان الثاني لا تعارف فيه
~~يخصصه وان كان في الأول.
# وإذا صح ما ذكرناه، لم يمتنع أن يقول أمير المؤمنين عليه السلام: " كان
~~رائي PageV02P695
# ورأى عمر الا يبعن " (1) اي مذهبي وما أفتي به وكذلك قول أبي بكر: " أقول
~~فيها برأيي " (1) اي ما اعتقده وأداني الاستدلال إليه، وكذلك قول عمر: "
~~أقضي فيها برأيي " (1).
# فان قالوا لو كان الامر على ما ذكرتم فلم قالوا ان كان صوابا فمن الله
~~وان كان خطأ فمني ومن الشيطان " (1) والأدلة والنصوص لا يكون فيها خطأ؟
# قيل: قد يخطئ المحتج بالكتاب والسنة والمستدل بأدلتهما، بان يضع
~~الاستدلال في غير موضعه، مثلا يقدم مؤخرا أو يؤخر مقدما، أو يخص عاما أو
~~يعم خاصا، أو يتمسك بمنسوخ، أو يعمل على ما هناك أولى منه، فيكون الخطاء
~~منه أو من الشيطان، فالكتاب والسنة وان لم يكن فيهما خطأ، فالمستدل بهما قد
~~يخطئ من حيث قلنا.
# على انا إذا تأملنا المسائل التي قالوا فيها بما قالوه وأضافوه إلى
~~رأيهم، وجدنا جميعها لها مخرجا من أدلة النصوص، فالذاهب (2) إليها متعلق
~~بغير القياس.
# اما بيع أم الولد فيمكن أن يعول من ms389 منع منه على ما روى عنه عليه السلام
~~في مارية القبطية لما ولدت إبراهيم: " أعتقها ولدها " (4).
# ومن ذهب إلى جواز بيعها أمكنه التعلق بأشياء:
# منها: ان أصل الملك جواز التصرف، والولادة غير مزيلة للملك بدلالة ان
~~لسيدها وطؤها بعد الولادة من غير ملك ثان ولا عقد نكاح، وذلك يقتضى بقاء
~~السبب المبيح للوطئ وهو الملك.
# ومنها: انه لا خلاف في أن عتقها بعد الولادة جائز، ولو كان الملك زائلا
~~ما جاز العتق.
# PageV02P696
# ومنها: قوله تعالى: ﴿أحل الله
~~البيع﴾ (١) ويتعلق بعمومه في كل موضع إلا ما أخرجه (٢) الدليل، فلعل من
~~أجاز البيع في الصدر الأول تعلق ببعض ما أشرنا إليه واعتمده.
# ومن تأمل احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في بيع أمهات الأولاد (٣)
~~وجده مخالفا لطريقة القياس، لان المروى عنه عليه السلام انه قال: " سبق
~~كتاب الله بجواز بيعها " (٤)، فأضاف جواز البيع إلى الكتاب دون غيره.
# فاما قول أبى بكر وقد سئل عن الكلالة " أقول فيها برأيي، فان كان حقا فمن
~~الله، وان كان خطأ فمني: هو ما عدا الوالد والولد " (٤) فليس يجوز أن يكون
~~الرأي الذي ذكره (٥) هو القياس، لان السؤال وقع عن معنى اسم، والأسماء لا
~~مدخل للقياس فيها، وانما المرجع فيها إلى المواضعة وتوقيف أهل اللسان،
~~وكتاب الله تعالى يدل على معنى الكلالة، لأنه تعالى قال: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ (6)، وما
~~تولى الله تفسيره والفتوى به لم يدخله الرأي والذي هو الاجتهاد والقياس.
# ويبين ذلك أيضا: قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر وقد كرر عليه السؤال
~~عن الكلالة " يكفيك اية الصيف " (7) وهذا يدل على أن الآية نفسها تفيد
~~الحكم.
# وكذلك ان تعلقوا بما روي عن ابن مسعود وانه " سئل عن امرأة مات عنها
~~زوجها ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها؟ فرد السائل شهرا ثم قال: " أقول
~~فيها برأيي، فان كان حقا فمن الله، وان كان خطأ فمني أو من الشيطان، والله
~~ورسوله منه بريان: ms390
# PageV02P697
# عليها العدة، ولها الميراث، ولها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط " (١) فقال
~~معقل بن يسار: " اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في بروع
~~بنت واشق بما قضيت " (١) فسر عبد الله.
# وذلك أن لقول عبد الله ظاهرا في كتاب الله يمكن أن يرجع إليه، وهو عموم
~~قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم
~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر) وعشرا﴾ (٢)، لان عموم الآية
~~تقتضي العدة على كل زوجة توفى عنها زوجها، ولم يخص بالجملة من لم يسم لها
~~صداقا.
# ويمكن أن يكون أوجب الميراث لكل زوجة كقوله (٣) تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ (٤) [ولم يخص] (٥) من لم
~~يطأها زوجها ولم يسم لها صداقا، وأوجب المهر بقوله تعالى: ﴿فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف﴾ (6)
~~وذلك موجب لمهر المثل، لان المسمى لا يتجاوز ولا يعتبر فيه العرف.
# وإذا كان لكل أفتى به وجه في الظاهر، فما السبب في القطع على قوله
~~بالقياس؟
# فان قيل: لم رددهم شهرا؟ ولم قال: " وان كان خطأ فمني " (1)؟ فكيف يكون
~~الحكم المأخوذ من ظاهر الكتاب خطأ؟
# قلنا: يجوز أن يكون توقفه وترداده للسائل لطلبه ما عساه يقتضى تخصيص
~~الآيات التي ذكرناها والتماسا لما لعله أن يعثر عليه مما يجب له ترك
~~الظاهر.
# ويمكن أن يكون أيضا: انه لم يتعين عليه فرض الفتيا لوجود غيره من علماء
~~الصحابة، فاثر طلب السلامة بالاعراض عن الجواب والفتيا، ثم ألحوا عليه
~~وسألوه أجاب.
# PageV02P698
# فاما قوله: " ان كان خطأ فمني " (1) فيمكن لما أن يكون لأنه جوز أن يكون
~~هناك ما هو أولى من الظاهر من دليل يخص، أو رواية تقتضيه من الرسول صلى
~~الله عليه وآله وسلم في مثل ما سئل منه يخالف قضيته، أو غير ذلك مما يكون
~~العدول إليه أولى.
# على أنهم يقولون: " كل مجتهد مصيب "، فيلزمهم السؤال عن قوله: " أن كان
~~خطأ فمني "، وكيف نسب نفسه إلى الخطأ وهو مجتهد؟
# فلا بد لهم من ms391 الرجوع إلى تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى
~~لظفر به، وما جرى مجرى ذلك.
# ومتى تأملت جميع المسائل التي حكي عنهم إضافة القول فيها إلى رأيهم وجدت
~~لها مخرجا في الظواهر وطرقا تخالف القياس!
# فاما قولهم: " ولو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم لما صح منهم الرجوع
~~من رأى إلى اخر، ولا التوقف فيه، وتجويز كونه خطأ وصوابا ". فمن بعيد ما
~~يقال، وذلك أن الرجوع عن المذاهب وأدلتها لا يدل على القول فيها بالقياس
~~والظن، لان ذلك قد يصح فيما طريقه العلم والأدلة، الا ترى ان القائل بالجبر
~~قد يعدل عنه إلى العدل، وكذلك قد يعدل عن القطع على عقاب الفساق من أهل
~~القبلة إلى القول بالارجاء (2)، وسائر مسائل الأصول ذلك ممن فيها، فليس
~~التنقل من رأى إلى اخر
# PageV02P699
# دلالة على ما ظنوا (1).
# وأما التوقف: فقد يجوز أن يكون طلبا للاستدلال والتأمل، كما يتوقف
~~الناظرون في كثير من مسائل الأصول التي يتوصل إليها بالأدلة المفضية إلى
~~العلم ويتثبتون تحرزا من الغلط، واحتياطا في إصابة الحق.
# فاما: " تجويز كونه خطأ وصوابا "، فالوجه فيه ما ذكرناه في خبر ابن
~~مسعود، أو أن ذلك يحسن أن يقال بحيث يكون التجويز لورود ما هو أولى من
~~الظاهر ثانيا، لان الناظر ربما كان متهما نفسه بالتقصير ويجوز أن يكون في
~~المسألة مخصص أو معنى يقتضى العدول إليه لم يمعن النظر في طلبه والفحص عنه.
# واما قولهم: " ولا ان يمسكوا عن تخطئة المخالف والنكير عليه، ولأن الأدلة
~~لا تتناقض ولا تختلف، فكيف يجوز أن يرجع كل واحد منهم في قوله إلى دليل "؟
# فقد بينا انا لا نقول ان مع كل واحد دليلا على الحقيقة، وانما قلنا: يجوز
~~أن يكون كل واحد تعلق بطريقة من الظاهر وأدلة النصوص، اعتقدها دليلا لا
~~شبهة في أن الأدلة لا تتناقض، الا أن ما يعتقد بالشبهة دليلا لا يجب ذلك
~~فيه.
# فاما الامساك عن النكير (2) والتخطئة، فلم يمسكوا عنهما، والعلم بان
~~بعضهم خطأ بعضا يجرى مجرى العلم ms392 بأنهم اختلفوا، فدافع أحد الامرين كدافع
~~الاخر.
# ويدل على ما ذكرناه ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وقد استفتاه عمر
~~في امرأة وجه إليها، فألقت ما في بطنها، وقد أفتاه كافة من حضره من الصحابة
~~بأن لا شئ عليه، فإنه مؤدب فقال عليه السلام: " ان كان هذا جهد رأيهم فقد
~~أخطأوا، وان كانوا قاربوك فقد غشوك " (3) وهذا تصريح بالتخطئة.
# PageV02P700
# والخبر الذي رويناه متقدما عنه عليه السلام يشهد بذلك، وهو قوله عليه
~~السلام: " من أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه " (1).
# وروى عن ابن عباس انه قال: " من شاء باهلته ان الذي أحصى رمل عالج ما جعل
~~للمال نصفين وثلثا " (2).
# وروي عنه انه قال: " من شاء باهلته ان الجد أب " (3).
# وقد رويت المباهلة عن ابن مسعود أيضا في قصة أخرى، وروي عن ابن عباس
~~الخبر الذي تقدم من قوله: " الا يتقى الله زيد بن ثابت " (1).، وهذا أيضا
~~تصريح بالتخطئة وتخويف بالله تعالى في المقام على المذهب.
# والخبر الذي رويناه أيضا عن عمر انه قال: " أجرأكم على الجد أجرأكم على
~~النار " (4) واضح في هذا الباب.
# وروي عن عائشة انها بعثت إلى زيد بن أرقم، وقد اشترى ما باعه بأقل مما
~~باعه به قبل أن يقبض الثمن: " انك ان لم تثبت فقد بطل جهادك مع النبي صلى
~~الله عليه وآله وسلم " (5).
# وقيل لابن المسيب: ان شريحا قضى في مكاتب عليه دين: ان الدين والكتابة
~~بالحصص فقال: " أخطأ شريح ".
# PageV02P701
# وفي هذا من الاخبار ما لا يحصى كثرة، وفيما أوردناه كفاية لما أردناه.
# فاما ما لا يزالون يستكرهونه ويتعسفونه من تأويل هذه الأخبار التي
~~ذكرناها، مثل قولهم في قصة المجهضة ولدها " ان الخطأ والغش انما أراد به
~~ترك ما هو الأولى في النصح والمذهب " (1)، وان ابن عباس دعا إلى المباهلة
~~لأنه خطئ في اجتهاده، فدعا من خطأه في ذلك - لا في نفس المذهب - إلى
~~المباهلة، وان ذكر جهنم والنار على سبيل التشدد والتحرز، وان ذلك تخويف لمن
~~أقدم عليه من غير فكر ولا ms393 تحفظ.
# وفي حديث احباط الجهاد، ان ذلك مشروط بأن يكون ذاكر للخبر المقتضي لخلاف
~~قوله، إلى غير ذلك مما يتناولون به الأخبار الواردة في هذا المعنى، فكله
~~عدول عن ظواهر الاخبار وحملها على ما لم تحتمله، وذلك انما يسوغ إن ساغ،
~~متى ثبت لنا تصويب القوم بعضهم لبعض في مذاهبهم من وجه لا يحتمله التأويل.
# فاما ولا شئ نذكر في ذلك الا وهو محتمل للتصويب وغيره على ما ذكرناه
~~وسنذكره، فلا وجه للالتفات إلى تأويلاتهم البعيدة.
# فإن قالوا: نحن وان صوبنا المجتهدين، فليس نمنع أن يكون في جملة المسائل
~~ما الحق فيه في واحد، فلا يسوغ في مثله الاجتهاد، وأكثر ما تقتضيه الاخبار
~~التي رويتموها أن يكون الاجتهاد غير سائغ في هذه المسائل بعينها، وهذا لا
~~يدل على أن سائر المسائل كذلك.
# قلنا: لا فرق بين هذه المسائل التي روينا فيها الاخبار وبين غيرها، وليس
~~لها صفة تباين بها ما عداها مسائل الاجتهاد، الا يرون انه لا نص في شئ منها
~~يقطع العذر، كما أن ذلك ليس في غيرها من مسائل الاجتهاد، وإذا لم يتميز من
~~غيرها بصفة لم يسغ ما ادعيتموه واشترك الكل في جواز الاجتهاد فيه أو المنع
~~منه.
# واستدلوا أيضا بان قالوا ليس تخلو أقوالهم في هذه المسائل التي أضافوها
# PageV02P702
# إلى آرائهم وأمثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها من طرق الأدلة الموجبة
~~للعلم، أو من جهة الاجتهاد والقياس.
# ولو كان الأول: لوجب أن يكون الحق في واحد من الأقوال دون جميعها، ولوجب
~~أن يكون ما عدا المذهب الواحد الذي هو الحق منها باطلا خطأ، ولو كان كذلك
~~لوجب أن يقطعوا ولاية قائله، ويبرءوا منه، ويلعنوه، ولا يعظموه، الا ترى
~~انهم في أمور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة، ورجعوا عن التعظيم والولاية، لما
~~لم يكن من باب الاجتهاديات، ولو كان الكل واحدا لفعلوا في جميعه فعلا
~~واحدا.
# ولو كان الامر على خلاف قولنا، لم يحسن ان يولى بعضهم بعضا مع علمه
~~بخلافه عليه في مذهبه، كما ولى أمير المؤمنين ms394 عليه السلام شريحا مع علمه
~~بخلافه له في كثير من الاحكام، وكما ولى أبو بكر زيدا وهو يخالف في الجد،
~~فلولا اعتقاد المولي أن المولى محق، وان الذي يذهب إليه - وان كان مخالفا
~~لمذهبه - صواب لم يجز ذلك، ولا جاز أيضا ان يسوغ له الفتيا ويحيل عليه بها،
~~وقد كانوا يفعلون ذلك.
# وكذلك كان يجب أن ينقض بعضهم على بعض الأحكام التي يخالفه فيها لما تمكن
~~من ذلك، وان ينقض الواحد على نفسه ما حكم به لهم في حال ثم رجع إلى ما
~~يخالفه في أخرى، لان كثيرا منهم قد قضى بقضايا مختلفة ولم ينقض على نفسه ما
~~تقدم، فلولا ان الكل عندهم صواب لم يسغ ذلك!
# وأيضا: فقد اختلفوا فيما لو كان خطأ لكان كبيرا، نحو اختلافهم في الفروج،
~~والدماء، والأموال، وقضى بعضهم بإراقة الدم، وإباحة المال والفرج، فلو كان
~~منهم من أخطأ، لم يجر ان يكون خطأه كبيرا، ويكون سبيله سبيل من ابتداء
~~إراقة دم محرم بغير حق، وأخذ مالا عظيما بغير حق، واعطاء من لا يستحقه، وفي
~~ذلك تفسيقه ووجوب البراءة منه.
# وفي علمنا بفقد كل ذلك دليل على أنهم قالوا بالاجتهاد وان الجماعة
~~PageV02P703
# مصيبون.
# وهذه الطريقة هي عمدتهم في أن كل مجتهد مصيب في أحكام الشريعة.
# قيل لهم: ما تنكرون أن يكون الخطأ الواقع ينقسم:
# إلى ما يوجب البراءة، وحمل السلاح، واللعن، وقطع الولاية.
# والى ما لا يوجب شيئا من ذلك وأن يكون اشتراك الفعلين في كونهما خطأ لا
~~يقتضى اشتراكهما فيما يستحق عليهما ويعامل به فاعلهما، إلا يرى أن (1)
~~الصغيرة تشارك الكبيرة في القبح والخطأ، فلا (2) يدل ذلك على تساويهما فيما
~~يعامل به فاعلهما. والزنا (3) والكفر يشتركان في القبح والمعصية، ولا يجب
~~تساويهما في سائر الأحكام.
# وإذا أجاز اشتراك الشيئين في القبح مع اختلافهما فيما يستحق عليهما، لم
~~يمتنع أن يكون الحق في أحد ما قاله القوم، وما عداه خطأ، ولا يجب مساواة
~~ذلك الخطأ لما يوجب من الخطاء والتبري، واللعن، وحمل السلاح، والحرب.
# ثم ms395 يقال لهم: أليس الصحابة قد اختلفت قبل العقد لأبي بكر حتى قالت
~~الأنصار: " منا أمير ومنكم أمير؟ " (4) فإذا اعترفوا به ولابد منه، قيل
~~لهم: أو ليس الذي دعوا إلى ذلك مخطئين لمخالفتهم الخبر المأثور عن النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " الأئمة من قريش " (5) فلا بد من
~~الاقرار بخطئهم؟
# PageV02P704
# فيقال لهم: أفتقولون انهم كانوا فساقا، ضلالا، يستحقون اللعن والبراءة
~~والحرب؟
# فان قالوا: نعم، لزمهم تفسيق الأنصار، ولعنهم، والبراءة منهم.
# وهذا أقبح مما يعيبونه على من يرمونه بالرفض!
# فان قالوا: انهم لم يصروا على ذلك، بل راجعوا الحق، فلم يستحقوا تفسيقا
~~ولا براءة.
# قيل لهم: كلامنا عليهم قبل التسليم وسماع الخبر، وعلى ما قضيتم به يجب أن
~~يكونوا في تلك الحال فساقا يستحقون البراءة واللعن والعدول عن الولاية
~~والتعظيم، وهذا مما لم يقله أحد منهم.
# على أن فيهم من لم يرجع بعد سماع الخبر وأقام على امره، فيجب أن يحكموا
~~فيه بكل الذي ذكرناه.
# فان قالوا: ان الأنصار لم تفسق بما دعت إليه، وان كان الحق في خلاف
~~قولها، ولا استحقت اللعن والبراءة.
# قيل لهم: فما تنكرون أن يكون الحق في أحد ما قالته الصحابة من المسائل
~~التي ذكرتموها دون ما عداه، وأن يكون من خالفه لا يستحق شيئا مما ذكرتم؟
# ويسئلون أيضا: على هذا الوجه في جميع ما اختلفت فيه الصحابة مما الحق فيه
~~في واحد، كاختلافهم في مانعي الزكاة هل يستحقون القتال؟، وغير ذلك من
~~المسائل.
# ويقال: يجب إذا كان من فارق الحق في مثل هذه المسائل من الصحابة قد أخطأ،
~~أن يكون في تلك الحال فاسقا، منقطع الولاية، ملعونا، مستحقا للمحاربة.
# ويسألون أيضا: عن قضاء عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم، حتى قال
~~(له) (1) أمير المؤمنين عليه السلام: " ان كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك
~~على ما في
# PageV02P705
# بطنها " (1).
# فيقال لهم: أتقولون ان قضاءه بذلك حق؟
# فان قالوا: نعم، غلطوا وفارقوا ما عليه الأمة، لان الكل يقولون لا يجوز
~~رجمها وهي حامل، وفي رجوع عمر ms396 إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام، وقوله: "
~~لولا علي لهلك عمر " (1)، دلالة على تنبيه الخطاء في قضيته.
# فيقال لهم: أتقولون إذا كان قد أخطاء انه مستحق للعن والبراءة والتفسيق،
~~فلا بد لهم من أن ينفوا ذلك، ويجعلوا الخطأ الواقع منه مما لا يقتضى تفسيقا
~~ولا براءة، فيقال لهم في المجتهدين مثله.
# فان قالوا: ان الخطاء الذي لم تقم الدلالة على أنه فسق، يجوز أن يكون
~~فسقا، وأن يكون صاحبة صاحبه مستحقا لقطع الولاية واللعن والبراءة، فيقولون
~~في الصحابة مثل ذلك.
# قلنا: هكذا يجب أن يقال، وانما منعنا من ايجابكم تفسيقهم والرجوع عن
~~ولايتهم باختلافهم في مسائل الاجتهاد، وأعلمناكم ان ذلك لا يجب في كل خطأ
~~ومعصية، وليس هذا مما يوحش، فان تجويز كون خطئهم في حوادث الشرع كبيرا من
~~حيث لا يعلم، كتجويز كل أحد عليهم أن يكون مستسرا بكبيرة يجب لها قطع
~~الولاية، ويستحق بها البراءة واللعن، غير أن يجوز ذلك عليهم في حوادث الشرع
~~لا يوجب الاقدام على قطع ولايتهم وإسقاط تعظيمهم، كما أن تجويز الكبائر
~~عليهم لا يوجب ذلك، وانما يوجبه تيقن وقوع الكبائر منهم.
# وفيمن يوافقنا في كون الحق في هذه المسائل في واحد، من يقول: انى آمن من
~~كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا من حيث الاجماع، والأول امر على النظر.
# PageV02P706
# على أن مذهبنا فيمن جمع بين الايمان والمعصية (1) معروف، وعندنا ان معاصي
~~المؤمنين من أهل الصلاة لا تسقط ولايته وتعظيمه، والمعاصي عندنا وان كان
~~جميعها كبيرا، وانها تسمى صغائر بالإضافة، فليس يجوز أن نلعن فاعلها، أو
~~نحاربه، أو نحده، أو نستعمل معه الاحكام التي تستعمل مع العصاة، الا بتوقف
~~على ذلك.
# وانما تستعمل هذه الأحكام مع بعض عصاة أهل الصلاة بالتوقيف، وما لم يرد
~~فيه سمع من معاصيهم لا تقدم على المساواة بينه وبين غيره فيما ذكرناه، بل
~~يقتصر على الذم المشروط أيضا ببقاء استحقاق العقاب، لأنا نجوز من اسقاط
~~الله تعالى لعقابهم تفضلا ما يمنع من استحقاقهم الذم، كما منع من استحقاق
~~العقاب. ms397
# فالقول فيما ذكرناه واضح، وما ألزموناه باطل على كل مذهب.
# فاما تعلقهم بولاية بعضهم بعضا مع المخالفة في المذهب، وان ذلك يدل على
~~التصويب، فليس على ما ظنوا، وذلك انهم لم يول أحد منهم واليا، لا شريحا ولا
~~زيدا ولا غيرهما، الا على أن يحكم بكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله
~~عليه وآله وسلم، وما أجمع عليه المسلمون، ولا يتجافوا (2) الحق في الحوادث،
~~ولا يتعداه، وإذا قلده بهذا الشرط لم يمكن ان يقال انه يسوغ (3) له الحكم
~~بخلاف مذهبه، لأنهم لا يتمكنون من أن يقولوا انه نص له على شئ مما يخافه
~~فيه، وإباحة الحكم فيه بخلاف رأيه.
# وجملة ما نقوله: انه ليس لأحد أن يقلد حاكما على أن يحكم بمذهب كذا، أو
~~يقضى برأي فلان بل يقلده على أن يحكم بالكتاب والسنة والاجماع، ولم يول
~~القوم أحدا الا على هذا.
# PageV02P707
# فاما تعلقهم بتسويغ الفتيا، وإحالة بعضهم على بعض بها.
# فغير صحيح، وذلك انهم يدعون في تسويغ الفتيا ما لا نعلمه، وكيف يسوغون
~~الفتيا على جهة التصويب لها؟ ونحن نعلم أن بعضهم قد رد على بعض وخطأه،
~~وخوفه بالله تعالى من المقام على الهوى، وهذا غاية النكير.
# وان أرادوا انهم سوغوها (1) من حيث لم ينقضوها ويبطلوا الاحكام المخالفة
~~لهم. فذلك ليس بتسويغ، وسنتكلم عليه.
# وما نعرف أيضا أحدا منهم أرشد في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه،
~~ولا يقدرون على أن يعينوا واحدا فعل ذلك، وانما كانوا يحيلون بالفتيا في
~~الجملة على أهل العلم، والعالمين بالحق، والتفصيل غير معلوم من الجملة.
# فاما الزامهم لنا: أن ينقض بعضهم على بعض حكمه، والواحد على نفسه فيما
~~حكم به ورجع (2) عنه.
# فغير واجب لان اقرار الحكم وورود العبادة بالامساك عن نقضه لا يوجب كونه
~~صوابا، الا ترى انا قد نقر أهل الذمة على ابتياعاتهم الفاسدة، ومناكحتهم
~~الباطلة إذا أدوا الجزية، ونقتصر على انكاره على اظهار الخلاف، مع انا لا
~~نرى شيئا من ذلك صوابا، فليس مجيئ العبادة باقرار حكم من الاحكام ms398 مع النهى
~~عنه مما يفسد أو يستحيل، وسبيل ذلك سبيل ابتداء العبادة به فكما يجوز
~~ورودها بهذا الحكم ابتداء جاز ورودها باقراره بعد وقوعه وان كان خطأ.
# على أنه قد ورد ان شريحا قضى في ابن عم أحدهما أخ لامه بمذهب ابن مسعود
~~فنقض أمير المؤمنين عليه السلام حكمه فقال: " في اي كتاب وجدت ذلك، أو في
~~اي سنة "، وهذا يبطل دعوى من ادعى ان أحدا منهم لم ينقض حكم من خالفه
# PageV02P708
# على العموم، والقول في نقض الواحد منهم على نفسه يجرى على الوجه الذي
~~ذكرناه.
# فاما تعلقهم بان الخطاء في الدماء والفروج، والأموال، لا يكون الا كبيرا
~~فظاهر البطلان.
# لأنا نقول لهم: لم زعمتم ان الحكم بإراقة الدم، وإباحة الفروج، والأموال،
~~لا يكون إلا كبيرا؟
# ولم إذا كان كبيرا في بعض المواضع، ومن بعض الفاعلين، وجب أن يكون كذلك
~~في كل حال ومن كل فاعل؟
# أو لا ترون انه قد يشترك (1) فاعلان في إراقة دم غير مستحق ويكون فعل
~~أحدهما كفرا والاخر غير كفر!، وإذا جاز ذلك لم يمتنع ان يشترك فاعلان أيضا
~~في إراقة دم ويكون من أحدهما فسقا وكبيرا، ولا يكون من الاخر كذلك.
# ثم يسئلون عما اختلفت فيه الصحابة وكان الحق فيه في أحد الأقوال
~~كاختلافهم في مانعي الزكاة وهل يستحقون القتال؟ واختلافهم في الإمامة يوم
~~السقيفة؟
# ويقال لهم: يجب أن يكون خطأهم كبيرا، لأنهم مخالفون للنصوص وما الحق، فيه
~~في واحد، ويجب أن يكونوا بمنزلة من ابتداء خلاف النصوص في غير ذلك، فكل شئ
~~يعتذرون به ويفصلون قوبلوا بمثله.
# على أنهم يقولون: ان قتلا وقع من موسى عليه السلام صغيرة، ولا يلزمهم ان
~~يكون كل قتل صغيرة، ولا إذا حكموا بكبر القتل منا ان يحكموا بكبره من موسى
~~عليه السلام، فكيف سوغ مع ذلك أن يلزموا مخالفهم في نفى القياس ما اعتمدوه؟
# وتعلقوا أيضا: بما روى من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما انفذ
~~معاذ إلى اليمن قال له: " بماذا تقضى؟ قال: بكتاب ms399 الله، قال: فان لم تجد في
~~كتاب الله؟ قال:
# PageV02P709
# بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فان لم تجد؟ قال: اجتهد
~~رأيي (1)، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم " (2).
# وبما قد روى عن ابن مسعود مثل ذلك، وهو انه قال له: " اقض بالكتاب والسنة
~~إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما فاجتهد رأيك " (3).
# وبما روى عن عمر في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري انه قال:
# " قس الأمور برأيك " (3).
# والكلام على ما ذكروه من وجوه.
# أولها: ان هذه اخبار آحاد لا تقبل في مثل هذه المسألة التي طريق اثباتها
~~العلم المقطوع على صحته!
# على أن الأصول لو ثبتت باخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لان
~~رواته مجهولون (4)، وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ، ولم يذكروا.
# PageV02P710
# على أن روايته قد وردت مختلفة فجاء في بعضها انه لما قال " اجتهدوا رأيي
~~" قال عليه السلام له: " لا اكتب إلى اكتب إليك " (1)، وهذا يوجب أن يكون
~~الامر فيما لا يجده في الكتاب والسنة موقوفا على ما يكتب إليه لا على
~~اجتهاده.
# فان قالوا: الدليل على صحة روايته تلقى الأمة له عصرا بعد عصر بالقبول،
~~ولأن الصحابة إذا ثبت انهم عملوا بالقياس والاجتهاد فلا بد فيه من نص، لان
~~أصل القياس في الشرع لا يستدرك قياسا، ولا نص يدل ظاهره على ذلك الا خبر
~~معاذ أوما خبر معاذ أقوى منه، فيجب من ذلك صحة الخبر.
# قلنا: اما تلقى الأمة له بالقبول فغير معلوم (1)، وقد بينا ان قبول الأمة
~~لأمثال هذه الأخبار كقبولهم لخبر مس الذكر (2) وما جرى مجراه مما لا يقطع
~~به ولا يعلم صحته.
# PageV02P711
# فاما ادعاؤهم بثبوت عملهم بالقياس، وانه يجب أن يكون لهذا الخبر لأنه لا
~~نص غيره، فبناء على ما لم يثبت ولا يثبت، وقد بينا بطلان ما ظنوه دليلا على
~~اجماعهم على ذلك.
# ولو سلم لهم على ما فيه، لجاز أن يكونوا اجمعوا لبعض ما في الكتاب ms400 أو
~~لخبر اخر، على أنهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صح لم يحتج إلى
~~الخبر، ولم يكن دليلا على المسألة، لأنا إذا علمنا اجماعهم على القياس
~~والاجتهاد، فأي فقر بنا إلى تأمل خبر معاذ؟ وكيف يستدل به على ما قد علمناه
~~لغيره؟
# فان قالوا: نعلم باجماعهم صحة الخبر ويصير الخبر دليلا، كما أن اجماعهم
~~دليل، ويكون المستدل مخيرا في الاستدلال بأيهما شاء.
# قلنا: لسنا نعلم باجماعهم صحة الخبر الا بعد أن نعلم أنهم اجمعوا على
~~القياس والاجتهاد، وعلمنا بذلك يخرج (1) الخبر من أن يكون دلالة وانما كان
~~يمكن ما ذكروه لو جاز أن يعلم اجماعهم على صحة الخبر من غير أن يعلم
~~اجماعهم على القول بالقياس، وذلك لا يصح.
# على انا إذا تجاوزنا ذلك ولم نعرض للكلام في أصل الخبر ووروده، لم يكن
~~فيه دلالة، لأنه قال: " اجتهد رأيي " ولم يقل في ماذا؟ ولا ينكر ان يكون
~~معناه اجتهد رأيي حتى أجد حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب والسنة إذا
~~كان في احكام الله فيهما ما لا يتوصل إليه الا بالاجتهاد ولا يوجد في ظواهر
~~النصوص، فادعاؤهم ان الحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة يستخرجها القياس هو
~~الاجتهاد زيادة في الخبر بما لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه.
# فان قالوا: ما يوجد في دليل النص من كتاب أو سنة فهو موجود فيهما، وقوله:
~~" فان لم يجد " يجب أن يحمل على عمومه، وعلى انه لم يجد على كل حال، وإذا
~~حمل على ذلك، فليس وراءه الا الرجوع إلى القياس الذي تقوله.
# PageV02P712
# قلنا: ليس يجب حمل الكلام على عمومه عند أكثر أصحابنا، فعلى هذا المذهب
~~سقط هذا الكلام.
# على أنهم لا يقولون بذلك، لان القياس والاجتهاد عندهم من المفهوم بالكتاب
~~والسنة وهما لا يدلان عليه، فكيف يصح حمل قوله: " فان تجد " على العموم؟
~~وهذا يقتضى انهم قائلون في النفي أيضا بالخصوص، فكيف عابوه علينا؟
# وبعد، فان جاز اثبات القياس بمثل خبر معاذ، فان من نفاه يروي ما ms401 هو أقوى
~~منه وأوضح لفظا، نحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: "
~~ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور
~~برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام " (1).
# والروايات في هذا كثيرة ومن تتبعها وجدها.
# فاما خبر ابن مسعود الذي ذكروه، فالكلام كالكلام على خبر معاذ بعينه.
# فاما كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري وقوله: " اعرف الأشباه والنظائر وقس
~~الأمور برأيك " فأضعف في باب الرواية من خبر معاذ، وابعد من أن يتعلق به في
~~مثل هذا الباب!
# على أنه إذا سلم لم يكن فيه دلالة، وذلك أن القياس الذي دعاه إليه هو
~~الحاق الشئ بشبهة، ولهذا قال: " اعرف الأشباه والنظائر "، والمشابهة
~~الموجبة للقياس وحمل الشئ على نظيره انما هي المشاركة في امر مخصوص به تعلق
~~الحكم، فمن عرف ذلك وحصله وجب عليه الجمع به بين الأصل والفرع، وهذا
~~المقدار لا ينازعون فيه ولكن لا سبيل إلى معرفته. ولو أمكن فيه ما يدعونه
~~من الظن لم يكن في الخبر أيضا دلالة لهم، لأنه ليس فيه الامر بقياس النوع
~~على الأصل إذا شاركه في
# PageV02P713
# معنى يغلب على الظن انه علة الحكم.
# وللمخالف أن يقول لهم: ان الأرز ليس بمشابه للبر، ولا النبيذ التمري
~~يشابه الخمر، ولا بينهما شبه يوجب التساوي في الحكم، والخبر انما تناول
~~المساواة بين المشتبهين ولا اشتباه هاهنا.
# فان قالوا: هاهنا اشتباه مظنون.
# قلنا: ليس في الخبر عمل على ما تظنه مشتبها قال: " اعرف الأشباه والنظائر
~~" وذلك يقتضى حصول العلم بالاشتباه.
# على الامر الذي يقع به التشابه في الحكم غير مذكور في الخبر، فان جاز لهم
~~ان يدعوا انه عنى المشابهة في المعاني التي يدعيها القايسون كالكيل في البر
~~والشدة في الخمر، جاز لخصومهم أن يدعوا انه أراد المشابهة في اطلاق الاسم
~~واشتمال اللفظ، فيكون ذلك دعامته إلى القول بحمل اللفظ على كل ما تحته من
~~المسميات لتساويها في تناول اللفظ، فكأنه تعالى إذا قال: ﴿والسارق والسارقة ms402 فاقطعوا أيديهما﴾ (1) وعلم أن
~~كل سارق يقع عليه هذا الاسم وشارك سائر السراق في تناول اللفظ، وجب التسوية
~~بين الجميع في الحكم، الا أن تقوم دلالة.
# واستدلوا أيضا: بأن قالوا: إذا ثبت في أنه لابد في الفروع الشرعية من
~~حكم، ولا نص ولا دليل على حكم ما يجب أن كون متعبدين فيها بالقياس.
# وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه فقالوا: قد ثبت عن الصحابة انهم رجعوا
~~في طلب احكام الحوادث إلى الشرع، فإذا علم ذلك من حالهم في جميع الحوادث
~~على كثرتها واختلافها، وصح انه لا نص يدل على هذه الأحكام بظاهره ولا
~~دليله، فليس بعد ذلك الا القياس والاجتهاد، لان التبخيت والقول بما اتفق
~~يمنع منه العقل.
# وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الأولى، لأنهم لم يرجعوا في هذا إلى
# PageV02P714
# اجماعهم على نفس القول بالقياس والاجتهاد، بل رجعوا إلى اجماعهم في طلب
~~الاحكام من جهة الشرع.
# وفي الطريقة الأولى اعتبروا اجماعهم على نفس القول بالقياس.
# فيقال لهم: في الحوادث حكم لكنه ما كان في العقل، أو فيها حكم ولم يكلف
~~معرفته، أو لا حكم فيها جمله، فكل ذلك جائز لا مانع منه.
# واما تعلقهم بهذه الطريقة على الوجه الثاني، فمبني على أنه لا نص يدل
~~بظاهره ولا دليله على احكام الحوادث، فيجب لذلك الرجوع إلى القياس فيها،
~~ودون ما ظنوه خرط القتاد، لأنا قد بينا ان جميع ما اختلف فيه الصحابة من
~~الاحكام له وجوه في النصوص، وأنما لا يقف على وجه بعينه يمكن ان يكون له
~~وجه، وان القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن بما يستغني عن اعادته.
# على أن أكثر ما في هذا أن يكون جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها
~~للأحكام من جهة الشرع لا يدخل حكم العقل فيها، فإنه لابد فيها من حكم شرعي،
~~ثم نقول: انهم ما رجعوا فيما طلبوه من جهة الشرع الا إلى النصوص، وعلى من
~~ادعى خلاف ذلك الحجة.
# من أين لهم ان جميع ما يحدث إلى يوم القيمة هذا حكمه؟ وانه ms403 لابد من أن
~~يكون المرجع فيه إلى الشرع؟ ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل؟ ولم إذا كانت
~~الحوادث التي بليت به الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كل حادثة؟
# وهل هذا الا تمن وتحكم.؟
# على أنه قد روى عن بعضهم ما يقتضى انه رجع إلى حكم العقل في مسألة
~~الحرام، وهو مسروق (1) لأنه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من تريد
~~مما يعلم بالعقل اباحته.
# واستدل الشافعي وجماعة معه على ذلك بالقبلة، قالوا: لما وجب طلبها بما
# PageV02P715
# يمكن طلب به عند عدم العين (1). فكذلك يجب طلب الحكم في الفروع عند عدم
~~النص بما يمكن طلبه به.
# يقال لهم: ان ما ذكرتموه ان دل فإنما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد في
~~الشرعيات، فاما أن يعتمد في اثبات العبادة به في الشرع فباطل لان معتمد ذلك
~~لابد له من أن يقيس سائر حوادث الفروع في جواز استعمال الاجتهاد فيها على
~~القبلة وذلك منه قياس، والكلام انما هو في اثبات القياس، وهل وردت به
~~العبادة أم لا؟ فكيف يستسلف صحته؟
# ولمن ينفى القياس ان يقول: ان الذي يجب أن أثبت الحكم في القبلة
~~بالاجتهاد لورود النص، واقف عند ذلك ولا أتجاوزه، وهذا بمنزلة أن ترد
~~العبادة بايجاب صلاة فيقيس قايس عليها وجوب أخرى، فكما انه ممنوع من ذلك
~~الا أن يتعبد بالقياس، فكذلك من قاس على القبلة غيرها ممنوع من قياسه، ولما
~~أثبت ورود العبادة بالقياس.
# على أن الحكم عند الغيبة ثابت بالنص في الجملة، لان المكلف قد الزم أن
~~يصلى إلى جهتها (2)، فإذا (3) كان الحكم الشرعي ثابتا في الجملة [ولم يكتف
~~المكلف في امكان الفعل في الجملة] (4) وجب أن يجتهد ليمكنه الفعل الواجب
~~عليه في الجملة، فالاجتهاد منه ليس يتوصل به إلى اثبات الحكم الشرعي، وانما
~~يصل به إلى تمييز الحكم المجمل الذي ورد النص به، وتفصيله وعروض ذلك أن يرد
~~النص في الأرز ان فيه ضربا من ضروب الربا، ويكون هناك طريق الاجتهاد في
~~اثباته، فيتصل المكلف إلى ms404 تمييز ذلك الربا وتفصيله لأجل النص المجمل، وهذا
~~مما يثبت لهم.
# PageV02P716
# على أنه يقال للمتعلق بهذه الطريقة: أليس انما اجتهدت عند الغيبة في
~~القبلة لما ثبت بالنص حكم لا سبيل لك إلى معرفته الا بالاجتهاد؟
# فإذا اعترف بذلك قيل له: فثبت في الفرع انه لابد فيه من حكم لا يمكن
~~معرفته الا بالاجتهاد حتى يتساوى الأمران؟ ولا سبيل لك إلى ذلك.
# وقد علمت أن في نفاة القياس من يقول إن حكم الفرع معلوم عقلا، وفيهم من
~~يقول إنه معلوم بالنصوص اما بظواهرها أو بادلتها، وبعد فليس مثبت القياس
~~بأن يتعلق بالقبلة في اثبات الحكم للفرع قياسا على الأصل بأولى من نافى
~~الناس إذا تعلق بها في حمل الفرع على الأصل، في أنه لا يثبت له حكم الا
~~بالنص.
# ومتى قيل له: فاجمع بين الامرين؟ امتنع لتنافيهما.
# ومتى قيل له: الاثبات أرجح وادخل في الفائدة.
# قال: هذا انما يصح فيما ثبت وصح، لا فيما الكلام واقع فيه.
# واستدلوا: بما روى عنه عليه السلام من قوله للخثعمية: " أرأيت لو كان على
~~أبيك دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم، قال فدين الله أحق وأولى أن يقضى " (1)،
~~وبقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: " أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه
~~" (2)؟
# وقوله في حديث أبي هريرة حين سأله السائل عن رجل ولد له غلام اسود فقال
~~له: " ألك إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فيها أورق (3)؟
~~قال:
# PageV02P717
# نعم، قال: وانى ذلك؟ قال لعل عرقا نزعه، قال: وهذا لعل عرقا نزعه " (١).
# وغير ذلك من الأحاديث لم نذكرها لضعفها وبيان وهنها.
# يقال لهم: أول ما في هذا الاخبار انها اخبار آحاد لا توجب علما، وما هذا
~~حكمه لا يثبت به أصل معلوم، وثبوت العبادة بالقياس أصل معلوم عندهم مقطوع
~~على صحته، فلا يجوز اثباته بما يوجب غلبة الظن.
# على أن تنبيهه عليه على علة الحكم ليس بأكثر من أن ينص صريحا عليها، ولو
~~نص على العلة لم يجب القياس بهذا العذر (٢) دون أن يدل على ms405 العبادة به
~~بغيره على أنه - عليه السلام - بتنبيهه قد اغنى عن (٣) القياس، فكيف يجعل
~~ذلك دليلا على القياس؟
# ولأنه أيضا: مع التنبيه على العلة قد أثبت الحكم في الفرع والأصل معا،
~~وما هذا حاله لا يدخل القياس في.
# على أنه عليه السلام أخبر ان الحج يجرى مجرى الدين في وجوب القضاء، وكذلك
~~ما نبه عليه في باب القبلة، والمولود الأسود، ولم يذكر لأي سبب جرى مجراه؟
~~وما العلة؟ وهل ظاهر نص أوجب ذلك؟ أو طريقه من القياس؟
# وإذا كان الامر متحملا لم يجز القطع على أحد الوجهين بغير دليل.
# على أن اسم الدين يقع على الحج كوقوعه على المال، وإذا كان كذلك دخل في
~~قوله تعالى: ﴿من بعد وصية توصون بها
~~أو دين﴾ (4)] (5).
# وهذا القدر كاف من الكلام في هذه الأخبار، وبطلان التعلق بها، فان
~~الاكثار في
# PageV02P718
# تأويلاتها لا فائدة فيه.
# وقد أثبت في هذه المسألة أكثر ألفاظ المسألة التي ذكرها سيدنا المرتضى
~~رحمه الله في ابطال القياس (1)، لأنها سديدة في هذا الباب، وأضفت إلى ذلك
~~مواضع لم يذكرها، وحذفت أشياء يستغنى عن ايرادها، وفي القدر الذي أوردناه
~~كفاية وتنبيه على كل ما يتعلق به في الباب
# PageV02P719
# فصل NoteV02P723N01 الكلام في الاجتهاد اعلم أن كل امر (1) لا يجوز تغيره
~~عما هو عليه من وجوب إلى حظر، و (2) من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل
~~العلم المحصلين ان الاجتهاد في ذلك لا يختلف، وان الحق في واحد، وان من
~~خالفه ضال فاسق، وربما كان كافرا، وذلك نحو القول بأن العالم قديم أو محدث؟
~~وإذا كان محدثا هل له صانع أم لا؟ والكلام في صفات الصانع، وتوحيده، وعدله،
~~والكلام في النبوة والإمامة وغير ذلك، وكذلك، الكلام في أن الظلم، والعبث،
~~والكذب قبيح على كل حال، وان شكر المنعم، ورد الوديعة، والانصاف حسن على كل
~~حال، وما يجرى مجرى ذلك.
# وانما قالوا ذلك: لان هذه الأشياء لا يصح تغيرها في نفسها، ولا خروجها عن
~~صفتها التي هي ms406 عليها، الا ترى ان العالم إذا ثبت انه محدث، فاعتقاد من
~~اعتقد انه قديم لا يكون الا جهلا، والجهل لا يكون الا قبيحا.
# وكذلك إذا ثبت ان له صانعا، فاعتقاد من اعتقد انه ليس له صانع لا يكون
~~الا جهلا.
# PageV02P723
# وكذلك القول في صفاته، وتوحيده، وعدله.
# وكذلك إذا ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق، فاعتقاد من اعتقد
~~كذبه لا يكون الا جهلا. وكذلك المسائل الباقية.
# وحكي عن قوم شذاذ لا يعتد بأقوالهم انهم قالوا: ان كل مجتهد فيها مصيب
~~(1).
# وقولهم باطل بما قلناه.
# واما ما يصح تغييره في نفسه، وخروجه من الحسن إلى القبح، ومن الحظر إلى
~~الإباحة، فلا خلاف بين أهل العلم انه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك
~~فيما تكون حسنا من زيد يكون قبيحا من عمرو، وما يقبح من زيد في حال بعينها
~~يحسن منه في حالة أخرى، ويختلف ذلك بحسب اختلاف أحوالهم وبحسب اجتهادهم.
# وانما قالوا ذلك: لان هذه الأشياء تابعة للمصالح والالطاف، وما حكمه هذا
~~فلا يمتنع ان يتغير الحال فيه، ولهذه العلة جاز النسخ، ونقل المكلفين عما
~~كانوا عليه إلى خلافه بحسب ما تقتضيه مصالحهم.
# الا أن مع تجويز ذلك في العقل هل ثبت ذلك في الشرع أم لا؟
# فقد اختلف العلماء في ذلك (2):
# فذهب أكثر المتكلمين والفقهاء إلى أن كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي
# PageV02P724
# الحكم، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم (1)، وأبي الحسن (2)، وأكثر
~~المتكلمين، واليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه فيما حكاه أبو الحسن (2) عنهم، وقد
~~حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة خلافه (3).
# وذهب الأصم، وبشر المريسي إلى أن الحق في واحد من ذلك وهو ما يقولون به،
~~وان ما عداه خطأ، حتى قال الأصم: ان حكم الحاكم ينقض به، ويقولون: ان
~~المخطئ غير معذور في ذلك، الا أن يكون خطؤه صغيرا، وان سبيل ذلك سبيل
~~الخطاء في أصول الديانات (3).
# وذهب أهل الظاهر فيما عدا القياس من الاستدلال وغيره إلى أن الحق من ذلك
~~في واحد (3).
# واما ms407 الشافعي فان كلامه مختلف في كتبه:
# فربما قال: ان الحق في واحد، وعليه دليل قائم، وان ما عداه خطأ.
# وربما مر في كلامه ان كل مجتهد قد أدى ما كلف.
# وربما يقول: انه قد أخطأ خطأ موضوعا عنه (3).
# وقد اختلف أصحابه في حكاية مذهبه (3).
# فمنهم من يقول: ان الحق في واحد من ذلك، وان عليه دليلا وان لم يقطع على
~~الوصول إليه، وان ما عداه خطأ، لكن الدليل على الصواب من القولين لما غمض
~~ولم يظهر، كان المخطئ معذورا.
# ومنهم من يحكي: ان كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم، وان كان أحدهما
~~يقال فيه قد أخطأ، الأشبه عند الله (3).
# والذي اذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين، المتقدمين
# PageV02P725
# والمتأخرين، وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى (1) قدس الله روحه، واليه كان
~~يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمه الله: " ان الحق في واحد (2) وان عليه دليلا،
~~من خالفه كان مخطئا فاسقا ".
# واعلم الأصل في هذه المسألة القول بالقياس والعمل باخبار الآحاد، لان ما
~~طريقه التواتر وظواهر القرآن، فلا خلاف بين أهل العلم ان الحق فيما هو
~~معلوم من ذلك، وانما اختلفت القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه، وقد دللنا
~~على بطلان العمل بالقياس (3)، وخبر الواحد الذي يختص المخالف بروايته (4).
# وإذا ثبت ذلك، دل على أن الحق في الجهة التي فيها الطائفة المحقة.
# واما على ما اخترته من القول في الاخبار المختلفة المروية من جهة الخاصة،
~~فلا ينقض ذلك لان غرضنا في هذا المكان ان نبين ان الحق في الجهة التي فيها
~~الطائفة المحقة دون الجهة التي خالفها، وان كان حكم ما تختص به الطائفة
~~والاختلاف التي بينها الحكم الذي مضى الكلام عليه في باب الكلام في
~~الاخبار، فلا تنافى بين القولين.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب، وانما لم نتتبع كلام المخالف وطرقهم
~~التي يستدلون بها على صحة ذلك، لان فيما مضى من الكلام في ابطال القياس
~~كلاما عليه، وأكثر شبههم داخلة فيها، فلا معنى للإعادة في هذا الباب.
# PageV02P726
# فصل NoteV02P727N02 " في ذكر ms408 صفات المفتى والمستفتي، وبيان أحكامهما " لا
~~يجوز لاحد أن يفتى بشئ من الاحكام الا بعد أن يكون عالما به، لان المفتى
~~يخبر عن حال ما يستفتى فيه، فمتى لم يكن عالما به فلا يأمن أن يخبر بالشئ
~~على غير ما هو به وذلك لا يجوز، فإذا لابد من أن (1) يكون عالما به، ولا
~~يكون عالما الا بعد أمور:
# منها: أن يعلم جميع ما لا يصح العلم (2) بتلك الحادثة الا بعد تقدمه،
~~وذلك نحو العلم بالله تعالى، وصفاته، وتوحيده، وعدله.
# وانما قلنا ذلك: لأنه متى لم يكن عالما بالله لم يمكنه أن يعرف النبوة،
~~لأنه لا يأمن أن يكون الذي ادعى النبوة كاذبا، ومتى عرفه ولم يعرف صفاته،
~~وما يجوز عليه وما لا يجوز، لم يأمن أن يكون قد صدق الكاذب، فلا يصح أن
~~يعلم ما جاء به الرسول.
# فإذا لابد من أن يكون عالما بجميع ذلك، ولابد أن يكون عالما بالنبي الذي
~~جاء بتلك الشريعة، لأنه متى لم يعرفه لم يصح ان يعرف ما جاء به من الشرع.
# ولابد من أن يعرف أيضا: صفات النبي، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه،
~~لأنه
# PageV02P727
# متى لم يعرف جميع ذلك لم يؤمن أن يكون غير صادق فيما يؤديه، أو يكون ما
~~أدى جميع ما بعث به، أو يكون أداه على وجه لا يصح له معرفته.
# فإذا لابد من أن يعرف جميع ذلك، وإذا عرف جميع ذلك فلابد أيضا أن يعرف
~~الكتاب لأنه (2) يتضمن كثيرا من الاحكام التي هي المطلوبة.
# ولابد من أن يعرف ما لا يتم العلم بالكتاب الا به، وذلك يوجب أن يعرف
~~جملة من الخطاب العربي، وجملة من الاعراب والمعاني، ويعرف الناسخ والمنسوخ،
~~لأنه متى عرف المنسوخ ولم يعرف الناسخ اعتقد الشئ على خلاف ما هو به من
~~وجوب ما لا يجب عليه.
# وقد كان يجوز أن يعرف الناسخ وان لم يعرف المنسوخ لان المنسوخ لا يتعلق
~~به فرضه، وان كان له في تلاوته مصلحة، إلى أن ذلك على الكفاية، ms409 غير أنه لو
~~كان كذلك، لم يمكنه ان يعرفه ناسخا الا بعد أن يعرف المنسوخ، اما على
~~الجملة أو التفصيل.
# ولابد أن يعرف العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، لأنه متى لم يعلم ذلك لا
~~يأمن أن يكون المراد بالعموم الخصوص، وبالمطلق المقيد.
# ولابد أن يكون عالما بأنه ليس هناك دليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز،
~~لأنه متى جوز (3) ذلك لم يكن عالما به.
# ولابد أيضا أن يكون عالما بالسنة، وناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها،
~~ومطلقها ومقيدها، وحقيقتها ومجازها، وانه ليس هناك ما يمنع من الاستدلال
~~بشئ من ظواهرها كما قلناه في الكتاب، لأنه متى جوز ذلك لم يكن عالما بها.
# ولابد أن يكون عارفا بالاجماع واحكامه، وما يصح الاحتجاج به وما لا يصح.
# ولابد أن يكون عارفا بأفعال النبي عليه السلام ومواقعها من الوجوب،
# PageV02P728
# والندب، والإباحة، حتى يصح أن يكون عالما بما يفتى به.
# فان أخل بذلك أو بشئ منه، لم يأمن أن يكون ما أفتى به بخلاف ما أفتى به،
~~وذلك قبيح.
# وقد عد من خالفنا في هذه الأقسام انه لابد أن يكون عالما بالقياس،
~~والاجتهاد، واخبار الآحاد، ووجوه العلل والمقاييس، واثبات الامارات
~~المقتضية لغلبة الظن، واثبات الاحكام (1).
# وقد بينا نحن فساد ذلك وانها ليست من أدلة الشرع.
# واما المستفتى فعلى ضربين:
# أحدهما: أن يكون متمكنا من الاستدلال والوصول إلى العلم بالحادثة مثل
~~المفتي، فمن هذه صورته لا يجوز له أن يقلد المفتى ويرجع إلى فتياه، وانما
~~قلنا ذلك، لان قول المفتى غاية ما يوجبه غلبة الظن، وإذا كان له طريق إلى
~~حصول العلم فلا يجوز له أن يعمل على غلبة الظن على حال.
# وأما إذا لم يمكنه الاستدلال ويعجز عن البحث عن ذلك، فقد اختلفت قول
~~العلماء في ذلك.
# فحكي عن قوم من البغداديين (2) انهم قالوا: لا يجوز له أن يقلد المفتى،
~~وانما ينبغي أن يرجع إليه لينبهه على طريقة العلم بالحادثة، وان تقليده
~~محرم على كل حال، وسووا في ذلك بين احكام الفروع والأصول.
# وذهب البصريون (3)، والفقهاء بأسرهم (4) إلى ms410 أن العامي لا يجب عليه
# PageV02P729
# الاستدلال والاجتهاد، وانه يجوز له أن يقبل قول المفتى.
# فاما في أصوله وفي العقليات فحكمه حكم العالم في وجوب معرفة ذلك عليه،
~~ولا خلاف بين الناس انه يلزم العامي معرفة الصلاة اعدادها، وإذا صح ذلك
~~وكان علمه بذلك لا يتم الا بعد معرفة الله تعالى، ومعرفة عدله، ومعرفة
~~النبوة، وجب أن لا يصح له أن يقلد في ذلك، ويجب أن يحكم بخلاف قول من قال
~~يجوز تقليده في التوحيد مع ايجابه منه العلم بالصلوات.
# والذي نذهب إليه: انه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليد
~~العالم.
# يدل على ذلك: انى وجدت عامة الطائفة من عهد أمير المؤمنين عليه السلام
~~والى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، ويستفتونهم في الاحكام والعبادات،
~~ويفتونهم العلماء فيها، ويسوغون لهم العمل بما يفتونهم به وما سمعنا أحدا
~~منهم قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما
~~نظرت وتعلم كما علمت، ولا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، وقد كان منهم الخلق
~~العظيم عاصروا الأئمة عليهم السلام، ولم يحك عن واحد من الأئمة النكير على
~~أحد من هؤلاء ولا ايجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوبونهم في ذلك، فمن خالفه
~~في ذلك كان مخالفا لما هو المعلوم خلافه.
# فان قيل: كما وجدناهم يرجعون إلى العلماء فيما طريقة الأحكام الشرعية،
~~وجدناهم أيضا كانوا يرجعون إليهم في أصول الديانات، ولم نعرف أحدا من
~~الأئمة عليهم السلام والعلماء أنكر عليهم، ولم يدل ذلك على أنه يسوغ تقليد
~~العالم في الأصول.
# قيل له: لو سلمنا انه لم ينكر أحد منهم ذلك لم يطعن ذلك في هذا
~~الاستدلال، لان على بطلان التقليد في الأصول أدلة عقلية وشرعية من كتاب
~~وسنة وغير ذلك، PageV02P730
# وذلك كاف في النكير.
# وأيضا: فان المقلد في الأصول يقدم على ما لا يأمن أن يكون جهلا، لان طريق
~~ذلك الاعتقاد، والمعتقد لا يتغير في نفسه عن صفة إلى غيرها، وليس كذلك
~~الشرعيات لأنها تابعة للمصالح، ولا يمتنع أن ms411 يكون من مصلحتهم تقليد العلم
~~(1) في جميع تلك الأحكام، وذلك لا يتأتى في أصول الديانات.
# [على أن الذي يقوى في نفسي: ان المقلد للمحق في أصول الديانات] (2) وان
~~كان مخطئا في تقليده، غير مؤاخذ (3) به، وانه معفو عنه، وانما قلنا ذلك
~~لمثل هذه الطريقة التي قدمناها لأني لم أجد أحدا من الطائفة ولا من الأئمة
~~عليهم السلام قطع موالاة من سمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم، وان لم يسند
~~ذلك إلى حجة عقل أو شرع.
# وليس لاحد أن يقول: ان ذلك لا يجوز لأنه يؤدى إلى الاغراء بما لا يؤمن أن
~~يكون جهلا.
# وذلك أنه لا تؤدى إلى شئ من ذلك، لان هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم ابتداء
~~ان ذلك سائغ له، فهو خائف من الاقدام على ذلك، ولا يمكنه أيضا ان يعلم سقوط
~~العقاب عنه ويستديم (4) الاعتقاد، لأنه انما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف
~~الأصول وقد فرضنا انه مقلد في ذلك كله، فكيف يعلم اسقاط العقاب؟ فيكون مغرى
~~باعتقاد ما لا يأمن كونه جهلا أو باستدامته.
# وانما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالأصول وسبروا
~~أحوالهم، وان العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا أنكروا عليهم، ولم يسغ ذلك
~~لهم الا بعد العلم بسقوط العقاب عنهم، وذلك يخرجه عن باب الاغراء.
# وهذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
# PageV02P731
# وأقوى مما ذكرنا، أن لا يجوز التقليد في الأصول، إذا كان للمكلف طريق إلى
~~العلم إما جملة أو تفصيلا، ومن ليس له قدرة على ذلك أصلا فليس بمكلف، وهو
~~بمنزلة البهائم التي ليست مكلفة بحال (1).
# PageV02P732
# فصل NoteV02P733N03 " في أن النبي عليه السلام هل كان مجتهدا في شئ من
~~الاحكام؟
# وهل كان يسوغ ذلك له عقلا أم لا؟ وان (1) من غاب عن الرسول صلى الله عليه
~~وآله وسلم في حال حياته هل كان يسوغ له الاجتهاد أو لا؟ وكيف حال من بحضرته
~~في جواز ذلك؟ " اعلم أن هذه المسألة تسقط عن (2) أصولنا، لأنا قد بينا ان
~~القياس ms412 والاجتهاد (3) لا يجوز استعمالها في الشرع، وإذا ثبت ذلك فلا يجوز
~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ولا لاحد من رعيته حاضرا كان أو غايبا،
~~لا حال حياته ولا بعد وفاته استعمال ذلك على حال.
# واما على مذهب المخالفين لنا في ذلك فقد اختلفوا (4):
# PageV02P733
# فذهب أبو على، وأبو هاشم إلى أنه لم يتعبد في الشرعيات بذلك، ولا وقع منه
~~الاجتهاد فيها، وأوجب (1) كونه متعبدا بالاجتهاد في الحروب (2).
# وحكي عن أبي يوسف القول بأن النبي عليه السلام قد اجتهد في الاحكام (3).
# وذكر الشافعي في كتاب " الرسالة " ما يدل على أنه يجوز أن يكون في أحكامه
~~ما قاله من جهة الاجتهاد (4).
# وادعى أبو علي الاجماع على أنه لم يجتهد النبي عليه السلام في شئ من
~~الاحكام (5):
# واستدل أيضا على ذلك بأن قال: لو اجتهد في بعض الأحكام لم يجب ان يجعل
~~أصلا ولا يكفر من رده، بل كان يجوز مخالفته كما يجوز مثل ذلك في أقاويل
~~المجتهدين، فلما ثبت كفر من رد بعض أحكامه وخالفه، وساغ جعل جميعها أصولا
~~دل على أنه حكم به من جهة الوحي (6).
# وهذا الدليل ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع أن يقال: ان في أحكامه ما حكم به
~~من جهة الاجتهاد، ومع ذلك لا يسوغ مخالفته من حيث أوجب الله تعالى اتباعه
# PageV02P734
# وسوى في اتباعه ذلك بين ما قاله بوحي، وبين ما قاله من جهة الاجتهاد، كما
~~يقول من قال إن الأمة يجوز أن تجمع على حكم من طريق الاجتهاد وان كان لا
~~يجوز خلافه، وإذا ثبت ذلك لم يمكن التعلق بما حكينا.
# ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى﴾ (1) فحكم بان
~~جميع ما يقوله وحى يوحى، فينبغي أن لا يثبت بعض ذلك من جهة الاجتهاد.
# والمعتمد ما قلناه أولا من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس
~~والاجتهاد في جميع المكلفين، وعلى جميع الأحوال.
# واما من حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ms413 فذهب أبو علي إلى أنه لا
~~يجوز أن يجتهد، ويجوز ذلك لمن غاب (2).
# ومن الناس من يقول: ان لمن حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا ان
~~يجتهد (2)، ويستدل على ذلك بخبر يروى ان النبي عليه السلام امر عمرو بن
~~العاص وعقبة بن عامر (3) ان يقضيا بحضرته بين خصمين، وقال لهما: " ان
~~أصبتما فلكما عشر حسنات، وان أخطأتما فلكما حسنة " (4).
# وهذا خبر ضعيف من اخبار الآحاد التي لا تعتمد في مثل هذه المسألة، لان
~~طريقها العلم.
# والمعتمد في هذه المسألة أيضا ما قدمناه من عدم الدليل على ورود العبادة
~~بالقياس والاجتهاد، وذلك عام في جميع الأحوال.
# PageV02P735
# الكلام في الحظر والإباحة PageV02P737
# فصل NoteV02P739N01 " في ذكر حقيقة الحظر والإباحة، والمراد بذلك " اعلم
~~أن معنى قولنا في الشئ انه محظور: " انه قبيح لا يجوز له فعله " الا انه لا
~~يسمى بذلك الا بعد أن يكون فاعله اعلم حظره، أو دل عليه، ولأجل هذا لا يقال
~~في أفعال الله تعالى انها محظورة، لما لم يكن اعلم قبحها ولا دل عليه، وان
~~كان في أفعاله ما لو كان (1) فعله لكان (2) قبيحا.
# وكذلك (3) لا يقال في أفعال البهائم والمجانين انها محظورة، لما لم يكن
~~هذه الأشياء اعلم قبحها ولا دل عليه.
# ومعنى قولنا: " انه مباح " أنه حسن وليس له صفة زائدة على حسنه، ولا يوصف
~~بذلك الا بالشرطين الذين ذكرناهما من اعلام حسن فاعله ذلك أو دلالته عليه،
~~وكذلك لا يقال ان فعل الله تعالى العقاب باهل النار مباح، لما لم يكن اعلمه
~~ولا دل عليه، وان لم يكن لفعله العقاب صفة زائدة على حسنه وهي كونه مستحقا.
# وكذلك لا يقال في أفعال البهائم انها مباحة، لعدم هذين الشرطين
# PageV02P739
# ولأجل ذلك نقول: أن المباح يقتضي مبيحا، والمحظور يقتضى حاضرا.
# وقد قيل في حد المباح: هو ان لفاعله أن ينتفع به ولا يخاف ضررا في ذلك،
~~لا عاجلا ولا اجلا.
# وفي حد الحظر: انه ليس له الانتفاع به، وان عليه في ذلك ضررا اما عاجلا
~~أو ms414 اجلا، وهذا يرجع إلى المعنى الذي قلناه. PageV02P740
# فصل [2] " في ذكر بيان الأشياء التي يقال انها على الحظر والإباحة،
~~والفصل بينها وبين غيرها، والدليل على الصحيح من ذلك " أفعال المكلف لا
~~تخلو من أن تكون حسنة، أو قبيحة.
# والحسنة لا تخلو من أن تكون واجبة، أو ندبا، أو مباحا.
# وكل فعل يعلم جهة قبحه بالعقل على التفصيل، فلا خلاف بين أهل العلم
~~المحصلين في أنه على الحظر، وذلك نحو الظلم، والكذب، والعبث، والجهل، وما
~~شاكل ذلك.
# وما يعلم جهة وجوبه على التفصيل، فلا خلاف أيضا انه على الوجوب، وذلك نحو
~~وجوب رد الوديعة، وشكر المنعم، والانصاف، وما شاكل ذلك.
# وما يعلم جهة كونه ندبا، فلا خلاف أيضا انه على الندب، وذلك نحو الاحسان
~~والتفضل.
# وانما كان الامر في هذه الأشياء على ما ذكرناه، لأنها لا يصح ان تتغير من
~~حسن إلى قبح ومن قبح إلى حسن.
# واختلفوا في الأشياء التي ينتفع بها هل هي على الحظر، أو الإباحة، أو على
~~الوقف؟ PageV02P741
# وذهب كثير من البغداديين، وطائفة من أصحابنا الامامية إلى انها على
~~الحظر، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء (1).
# وذهب أكثر المتكلمين من البصريين، وهي المحكي عن أبي الحسن وكثير من
~~الفقهاء إلى انها على الإباحة (1)، وهو الذي يختاره (2) سيدنا المرتضى (3)
~~رحمه الله.
# وذهب كثير من الناس إلى انها على الوقف (1)، ويجوز كل واحد من الامرين
~~فيه، وينتظر ورود السمع بواحد منهما، وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد
~~الله رحمه الله (4) وهو الذي يقوى في نفسي.
# والذي يدل على ذلك: انه قد ثبت في العقول ان الاقدام على مالا يؤمن
~~المكلف كونه قبيحا، مثل اقدامه على ما لم قبحه، الا ترى ان من أقدم على
~~الاخبار بما لا يعلم صحة مخبره، جرى في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأن
~~مخبره على خلاف ما أخبر به على حد واحد، وإذا ثبت ذلك وفقدنا الأدلة على
~~حسن هذه الأشياء قطعا ينبغي أن يجوز كونها قبيحة، وإذا جوزنا ذلك فيها قبح
~~الاقدام ms415 عليها.
# فان قيل: نحن نأمن قبحها، لأنها لو كانت قبيحة لم تكن الا لكونها مفسدة،
~~لأنه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل، والظلم، والكذب، والعبث وغير ذلك،
~~ولو كانت لمفسدة لوجب على القديم أن يعلمنا ذلك والا قبح التكليف، فلما لم
~~يعلمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك، وذلك يفيدنا الإباحة.
# قيل: لا تمتنع ان تتعلق المفسدة باعلامنا جهة الفعل على التفصيل فيقبح
# PageV02P742
# الاعلام، وتكون المصلحة لنا في التوقف في ذلك والشك وتجويز كل واحد من
~~الامرين، وإذا لم يمتنع ان تتعلق المصلحة بشكنا والمفسدة باعلامنا جهة
~~الفعل، لم يلزم اعلامنا على كل حال، وصار ذلك موقوفا على تعلق المصلحة
~~بالأعلام أو المفسدة بالشك، فحينئذ يجب الاعلام، وذلك موقوف على السمع.
# وليس لاحد أن يقول: ان هذا الذي فرضتموه يكاد يعلم ضرورة تعذره، لان
~~الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك:
# فان كان قبيحا، فلا يكون كذلك الا للمفسدة. وان لم يكن قبيحا، فذلك
~~الحسن.
# وهذه قسمة مترددة بين النفي والاثبات، فكيف اخترتم أنتم قسما ثالثا لا
~~يكاد يعقل؟، وذلك أن الفعل كما قالوا لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون
~~كذلك، ولكن لا يمتنع أن يكون للمكلف حالة أخرى تتعلق بها المفسدة والمصلحة،
~~وهي الحالة التي يقطع فيها على جهة الفعل على التفصيل، وإذا كان ذلك جائزا
~~لم ينفعنا تردد الفعل في نفسه بين القبح والحسن، واحتجنا ان نراعي حال
~~المكلف، فمتى وجدنا المصلحة تعلقت باعلامه جهة الفعل وجب ذلك فيه، ومتى
~~تعلقت المفسدة بذلك وجب أن لا يعلم ذلك، وكان فرضه الوقف والشك، وهو الذي
~~لحضناه، ينبغي أن يتأمل جيدا فإنه يسقط معتمد القوم في أدلتهم.
# وربما لم يتصور كثيرا من الذين يتكلمون في هذا الباب ما بيناه، ومتى
~~تأمله من يضبط الأصول وقف على وجه الصواب في ذلك.
# فان قيل: كيف يمكنكم ان تدفعوا حسن هذه الأشياء ونحن نعلم ضرورة حسن
~~التنفس في الهواء، وتناول ما تقوم به الحياة طول مدة ms416 النظر في حدوث العالم
~~واثبات الصانع، وبيان صفاته؟، وعلى ما قلتموه ينبغي أن يمتنع في هذه
~~الأوقات من الغذاء وغير ذلك، يؤدى إلى تلفه وعطبه (1) ومن ارتكب ذلك علم
~~بطلان قوله ضرورة.
# PageV02P743
# قيل له: اما التنفس في الهواء، فالانسان ملجاء إليه مضطر، وما يكون ذلك
~~حكمه فهو خارج عن حد التكليف، فان فرضتموه فيما زاد على قدر الحاجة فلا
~~نسلم ذلك، بل ربما كان قبيحا على جهة القطع، لأنه عبث لا فائدة فيه ولا نفع
~~في ذلك يعقل.
# واما أحوال النظر فمستثناة أيضا، لأنه في تلك الأحوال ليس بمكلف أن يعلم
~~حسن هذه الأشياء ولا قبحها، لأنه لا طريق له إلى ذلك، وانما يمكنه ذلك إذا
~~عرف الله تعالى بجميع صفاته، وانه ينبغي أن يعلمنا مصالحنا ومفاسدنا، وإذا
~~علم جميع ذلك حينئذ تعلق فرضه بأن يعلم هذه الأشياء هل على الحظر أو على
~~الإباحة؟
# وفي الأحوال لا يجوز له أن يقدم الا على قدر ما يمسك رمقه ويقوم به
~~حياته.
# ومن (1) أصحابنا من قال: ان في هذه الأحوال لابد من أن يعلم الله تعالى
~~ذلك بسمع ببعثه إليه فيعلمه ان ذلك مفسدة يتجنبه، أو مصلحة يجب عليه فعله،
~~أو مباح يجوز له تناوله.
# وعلى ما قررته من الدليل لا يجب ذلك، لأنه إذا فرضنا تعلق المصلحة
~~والمفسدة بحال المكلف لم يمتنع أن يدوم ذلك زمانا كثيرا، ويكون فرضه فيه
~~كله الوقف والشك والاقتصار على قدر ما يمسك رمقه وحياته.
# وهذا الدليل الذي ذكرناه هو المعتمد في هذا الباب.
# والذي يلي ذلك في القوة أن يقال: إذا فقدنا الدلالة على حظر هذه الأشياء
~~وعلى اباحتها، وجب التوقف فيها وتجويز كل واحد من الامرين، وليس يلزمنا
~~أكثر من أن نبين ان ما تعلق به كل واحد من الفريقين ليس بدليل في هذا
~~الباب.
# فما استدل به من قال إن الأشياء على الحظر قطعا ان قالوا: قد علمنا أن
~~هذه الأشياء لها مالك، ولا يجوز لنا ان نتصرف في ملك الغير الا باذنه، ms417 كما
~~علمنا قبح التصرف فيما لا نملكه في الشاهد.
# واعترض القائلون بالإباحة هذه الطريقة بان قالوا: انما قبح في الشاهد
~~التصرف
# PageV02P744
# في ملك الغير لأنه يؤدى إلى ضرر مالكه بدلالة ان ما لا ضرر عليه في ذلك
~~جاز لنا ان نتصرف فيه مثل الاستظلال بفئ داره والاستصباح بضوء ناره،
~~والاقتباس منها واخذ ما يتساقط من حبه عند الحصاد، وغير ذلك من حيث لا ضرر
~~عليه في ذلك، فعلمنا ان الذي قبح من ذلك انما قبح لضرر مالكه لا لكونه
~~مالكا، والقديم تعالى لا يجوز عليه الضرر على حال، فينبغي أن يسوغ لنا
~~التصرف في ملكه.
# ولمن نصر هذا الدليل أن يقول: انما حسن الانتفاع في المواضع التي
~~ذكرتموها لا لارتفاع الضرر بل لان هذه الأشياء لا يصح تملكها، لان فيئ
~~الحائط ليس بشئ يملك إذا كان في طريق غير مملوك، ومتى كان الفئ في ملك
~~صاحبه قبح الدخول إليه، وكذلك القول في المصباح.
# فاما اخذ ما يتناثر من حبة فلا نسلم انه يحسن، وكيف نسلم وله أن يمنعه من
~~ذلك وان يجمعه لنفسه، ولو كان مباحا لم يجز له منعه منه، على أنه على العلة
~~التي ذكروها من اعتبار دخول الضرر على مالكه كان ينبغي أن لا يسوغ له اخذ
~~ما يتناثر من حبة، لأنا نعلم أن ذلك يدخل عليه فيه ضرر وان كان يسيرا.
# وعلى المذهبين جميعا، كان ينبغي أن يقبح ذلك، على أن ذلك لو قبح لضرر -
~~لا لفقد الاذن من مالكه - لكان ينبغي ان لو اذن فيه يحسن ذلك لان الضرر
~~حاصل.
# وليس لهم أن يقولوا: انه يحصل له عوض أكثر منه من الثواب أو السرور
~~عاجلا.
# وذلك انا نفرض في من لا يعتقد العوض على ذلك من الملاحدة (1) وليس هو
~~أيضا مما يسر به بل ربما شق عليه واغتم به، ومع ذلك حسن التصرف منه إذا اذن
~~فيه.
# وليس لاحد أن يقول: ان دليل العقل الدال على إباحة هذه الأشياء يجري مجرى
~~اذن سمعي، فجاز لنا ms418 التصرف فيها.
# وذلك أن لمن نصر هذا الدليل أن يقول: لم يثبت ذلك، ولو ثبت لكان الامر
~~على ما قالوه.
# ونحن نتبع ما يستدل به أصحاب الإباحة ونتكلم عليه انشاء الله.
# PageV02P745
# واستدل كثير من الفقهاء على أن الأشياء ليست على الحظر (١) أو الوقف
~~بقوله تعالى:
# (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) (٢) وبقوله: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (3).
# فقالوا: بين الله تعالى انه لا يستحق أحد العقاب، ولا يكون لله عليهم حجة
~~الا بعد انفاذ الرسل، وذلك يفيد ان من جهتهم يعلم حسن هذه الأشياء أو
~~قبحها.
# وهذا لا يصح الاستدلال به من وجوه:
# أحدها: ان هاهنا أمورا كثيرة معلومة من جهة العقل وجوبها وقبحها، مثل رد
~~الوديعة، وشكر المنعم والانصاف، وقضاء الدين، وقبح الظلم، والعبث، والكذب،
~~والجهل، وحسن الاحسان الخالص، وغير ذلك، فعلمنا انه ليس المراد بالآية ما
~~ذكروه.
# ومتى ارتكبوا دفع كون هذه الأشياء معلومة الا بالسمع، علم بطلان قولهم،
~~وكانت المسألة خارجة عن هذا الباب.
# ومنها: ان لله حججا كثيرة غير الرسل من أدلة العقل الدالة على توحيده،
~~وعدله، وجميع صفاته التي من لا يعرفها لا يصح أن يعرف صحة السمع، فكيف
~~يقال:
# لا تقوم الحجة الا بعد انفاذ الرسل؟ والمعني في الآيتين ان يحملا على أنه
~~إذا كان المعلوم ان لهم ألطافا ومصالح لا يعلمونها الا بالسمع، وجب على
~~القديم تعالى اعلامهم إياها، ولم يحسن ان يعاقبهم على تركها الا بعد
~~تعريفهم إياها، فلم تقم الحجة عليهم الا بعد انفاذ الرسل، ومتى كان الامر
~~على ذلك وجبت بعثة الرسل، لأنه لا يمكن معرفة هذه الأشياء الا من جهتهم.
# واستدل من قال: ان هذه الأشياء على الإباحة بأن قالوا: نحن نعلم ضرورة ان
# PageV02P746
# كل ما يصح الانتفاع به ولا ضرر على أحد فيه عاجلا ولا اجلا فإنه حسن كما
~~يعلم أن كل ألم لا نفع فيه عاجلا ولا اجلا قبيح، فدافع أحد الامرين كدافع
~~الاخر، وإذا ثبت ذلك وكانت هذه ms419 الأشياء لا ضرر فيها عاجلا ولا اجلا فيجب أن
~~تكون حسنة.
# قالوا: ولا يجوز أن يكون فيها ضرر أصلا، لأنه لو كان كذلك لم يكن الا
~~لكونها مفسدة في الدين، ولو كان كذلك لوجب على القديم تعالى اعلامنا ذلك،
~~فلما لم يعلمنا ذلك علمنا أنه حسنة.
# وقد مضى في دليلنا ما يمكن أن يكون كلاما على هذه الشبهة، وذلك انا قلنا:
# ان هذه الأشياء لا نأمن أن تكون فيها ضرر اجل، وإذا لم نأمن ذلك قبح
~~الاقدام عليها، كما لو قطعنا ان فيها ضررا.
# واجبنا عن قولهم: " لو كان فيها ضررا لكان ذلك لأجل المفسدة، وذلك يجب
~~على القديم اعلامنا إياه " بأن قلنا: لا يمتنع ان تتعلق المفسدة باعلامنا
~~جهة الفعل على وجه التفصيل، ويكون مصلحتنا في الوقف والشك، وتجويز كل واحد
~~من الوجهين في الفعل، وإذ كان ذلك جائزا لم يجب عليه تعالى اعلامنا ذلك،
~~وجاز ان يقتصر بالمكلف على هذه المنزلة.
# واستدلوا أيضا بأن قالوا: إذا صح أن يخلق تعالى الأجسام خالية من الألوان
~~والطعوم، فخلقته تعالى للطعم واللون لابد أن يكون فيه وجه حسن، فلا يخلو
~~ذلك من أن يكون لنفع نفسه، أو لنفع الغير، أو خلقها ليضر بها؟
# ولا يجوز أن يخلقها لنفع نفسه، لأنه يتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
# ولا يحسن أن يخلقها ليضر بها، لان ذلك قبيح الابتداء به، فلم يبق الا أنه
~~خلقها لنفع الغير، وذلك يقتضى كونها مباحة.
# والجواب عن ذلك من وجوه:
# أحدها: انه انما خلق هذه الأشياء إذا كانت فيها ومصالح، وان لم يجز لنا
~~ان ننتفع بها بالاكل، بل نفعنا بالامتناع منها، فيحصل لنا بها الثواب، كما
~~أنه خلق أشياء كثيرة يصح الانتفاع بها، ومع ذلك فقد حظرها بالسمع مثل شرب
~~الخمر، PageV02P747
# والميتة، والزنا وغير ذلك.
# وليس لهم أن يقولوا: ان هذه الأشياء انما حظرها لما كانت مفسدة في الدين
~~واعلمنا ذلك، وليس كذلك ما يصح الانتفاع به ولا يعلم ذلك فيه:
# وذلك انا قد بينا انه لا فرق ms420 في أن تتعلق المصلحة باعلامنا جهة الفعل من
~~قبح أو حسن فيجب عليه أن يعلمنا ذلك، وبين أن تتعلق المصلحة بحال لنا جوز
~~معها كل واحد من الامرين فيجب أن يقتصر بنا على تلك الحال، لان المراعى
~~حصول المصلحة، وإذا ثبت ذلك لحق ثبوت ما علمنا قبحه على طريق القطع والثبات
~~في أنه لا يحسن منا الاقدام عليه.
# ومنها: ان على مذهب كثير من أهل العدل انما خلق الطعوم والأراييح في
~~والأجسام لأنها لا تصح أن تخلو منها، فجرت في هذا الباب مجرى الأكوان التي
~~لا يصح خلو الجسم منها، وخلق الجسم إذا ثبت انه مصلحة وجب أن يخلق معه جميع
~~ما يحتاج إليه في وجوده.
# ومنها: ان الانتفاع بهذه الأشياء قد يكون بالاستدلال بها على الله تعالى
~~وعلى صفاته، فليس الانتفاع مقصورا على التناول فحسب.
# وليس لهم أن يقولوا: انه كان يمكن الاستدلال بالأجسام على وحدانية الله
~~تعالى وعلى صفاته، فلا معنى لخلق الطعوم.
# وذلك أنه لا يمتنع ان يخلقها لما ذكرناه، وان كان الجسم يصح الاستدلال به
~~ويكون ذلك زيادة في الأدلة (1).
# ولسنا ممن يقول: لا يجوز أن ينصب على معرفته أدلة كثيرة، لأنا ان قلنا
~~ذلك أدى إلى فساد أكثر الأدلة التي يستدل بها على وحدانيته تعالى، فإذا
~~ينبغي أن يجوز أن يخلقها للاستدلال بها وذلك يخرجها عن حكم العبث ويدخلها
~~في باب ما خلقت للانتفاع بها.
# PageV02P748
# وليس لهم أن يقولوا: إذا صح الانتفاع بها من الوجهين بالاستدلال والتناول
~~فينبغي ان يقصد به الوجهين.
# وذلك أن هذا محض الدعوى لا برهان عليها بل الذي يحتاج إليه ان يعلم أنه
~~لم يخلقها الا بوجه، فاما أن يقصد بها جميع الوجوه التي يصح الانتفاع بها
~~لا يجب ذلك.
# على انا قد بينا انه لا يمتنع ان يفرض في أحد الوجهين مفسدة في الدين
~~فيحسن أن يخلقها للوجه الاخر، ويعلمنا ان فيها فساد الدين (1) ومتى
~~تناولناها، فيجب علينا أن نمتنع منها.
# فان قيل: إذا أمكن خلقها للوجهين، ولم يقصدهما كان ms421 عبثا من الوجه الذي لم
~~يقصد الانتفاع به، وجرى ذلك مجرى فعلين يقصد بهما الانتفاع ولا يقصد بالآخر
~~ذلك، فيكون ذلك عبثا.
# قيل له: ليس الامر على ذلك، لان الفعل الواحد إذا كان فيه وجه من وجوه
~~الحكمة خرج من باب العبث، وان كان له وجوه اخر كان يجوز ان يقصد، وليس كذلك
~~الفعلان لأنه إذا قصد وجه الحكمة في أحدهما بقى الاخر خاليا من ذلك وكان
~~عبثا، وليس كذلك الفعل الواحد على ما بيناه.
# فان قيل: الانتفاع بالاعتبار بالطعوم لا يمكن الا بعد تناولها، لان الطعم
~~ليس مما يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة، فإذا لابد من تناوله حتى يصح
~~الاعتبار به.
# قيل: الاعتبار يمكن بتناول القليل منه وهو قدر ما يمسك الرمق وتبقى معه
~~الحياة، وقد بينا ان ذلك القدر في حكم المباح، وليس الاعتبار موقوفا على
~~تناول شئ كثير من ذلك.
# ويمكن أن يقال أيضا: انه يصح أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلف من
~~سائر أجناس الحيوان، فإنه إذا شاهد أجناس الحيوان تتناول تلك الأشياء ويصلح
~~عليها
# PageV02P749
# أجسامها أو ينفسد بحسب اختلافها واختلاف طبائعها، جاز معه أن يعتبر بذلك
~~وان لم يتناولها المكلف أصلا.
# وبمثل هذا أجاب المخالف من قال بالفرق بين السموم والأغذية، بان قال:
# يرجع إلى حال الحيوانات التي ليست مكلفة إذا شاهدها يتناول أشياء ينتفع
~~بها جعلها ذلك طريقا إلى تجربته، وان ذلك ممن ينصلح عليه أيضا جسمه، وذلك
~~مثل ما أجبنا به عن السؤال الذي أوردوه في هذا الباب.
# واستدلوا أيضا: بقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من
~~الرزق﴾ (١)، وبقوله ﴿وأحل لكم
~~الطيبات﴾ (2)، وما شاكل ذلك من الآيات، وهذه الطريقة مبنية على السمع.
# ونحن لا نمتنع ان يدل دليل السمع على أن الأشياء على الإباحة بعد أن كانت
~~على الوقف، بل عندنا الامر على ذلك واليه نذهب، وعلى هذا سقط المعارضة
~~بالآيات.
# واستدل كثير من ms422 الناس على أن هذه الأشياء على الحظر أو الوقف، بأن قالوا:
# قد علمنا أن التحرز من المضار واجب في العقول، وإذا كان ذلك واجبا لم
~~يحسن منا ان نقدم على تناول ما لا نأمن أن يكون سما قاتلا فيؤدى ذلك إلى
~~العطب، لأنا لا نفرق بين ما هو سم وما هو غذا، وانما ننتظر ذلك اعلام الله
~~تعالى لنا ما هو غذاؤنا، والفرق بينه وبين السموم القاتلة واعترض من خالف
~~في ذلك هذا الاستدلال بأن قال: يمكننا ان نعلم ذلك بالتجربة، فانا إذا
~~شاهدنا الحيوان الذي ليس بمكلف يتناول بعض الأشياء فيصلح عليه جسمه، علمنا
~~أنه غذاء، وإذا تناول شيئا يفسد عليه علمنا أنه مضار، فحينئذ اعتبرنا
~~بأحوالهما.
# PageV02P750
# وقال من نصر هذا الدليل: ان الحيوان يختلف طباعه، فليس ما يصلح الحيوان
~~المستبهم يعلم أنه يصلح الحيوان الناطق، لان هاهنا أشياء كثيرة تغذي كثيرا
~~من الحيوان وتصلح عليها أجسامها، وان كان متى تناولها ابن ادم هلك، منها ان
~~الظبايا يأكل شحم الحنظل ويتغذى به، ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في الحال،
~~وكذلك النعامة تأكل النار وتحصل في معدتها، ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في
~~الحال، وكذلك يقال ان الفارة تأكل البيش (1) فتعيش به، ورايحة ذلك تقتل ابن
~~ادم.
# فليس طبايع الحيوان على حد واحد، وإذا لم يكن على حد واحد لم يجز أن
~~يعتبر بأحوال غيرنا أحوال نفوسنا.
# ولمن خالفهم في ذلك أن يقول: احسب انه لا يمكن أن يعتبر بأحوال الحيوان
~~المستبهم أحوال الحيوان من البشر، أليس لو أقدم واحد منهم على طريق الخطاء
~~أو الجهل على ما يذهبون إليه على تناول هذه الأشياء يعرف بذلك الخطاء ما هو
~~غذا، وفرق بينه وبين السم، فينبغي أن يجوز لغيره أن يعتبر به، ويجوز له بعد
~~ذلك التناول منها، وان لم يرد سمع، لأنه قد امن العطب والهلاك.
# فالمعتمد في هذا الباب ما ذكرناه أولا في صدر هذا الباب، فهذه جملة كافية
~~في هذا الباب إن شاء الله.
# PageV02P751
# فصل NoteV02P752N03 ms423 " في ذكر النافي، هل عليه دليل أم لا؟ (1)، والكلام
~~في استصحاب الحال " ذهب قوم (1) إلى أن النافي ليس عليه دليل، كما أن من
~~قال لست عالما بالشئ لا دليل عليه، وكما أن المنكر للدعوى ليس عليه بينة،
~~وكما لا دليل على من نفى نبوة المدعى للنبوة.
# ومنهم من قال: ان على النافي للأحكام العقلية دليلا، وليس على النافي
# PageV02P752
# للأحكام الشرعية ذلك (1).
# وذهب المحصلون من المتكلمين والفقهاء إلى أن كل من نفى حكما من الاحكام،
~~عقليا كان أو سمعيا، كان عليه الدليل (1)، واليه اذهب لأنه الصحيح.
# والذي يدل على ذلك: ان النافي للحكم مدع (2) للعلم بان ما نفاه منفى،
~~لأنه ان ادعى الشك في ذلك فلا يلزمه الدلالة، لان قوله لا يعد مذهبا ولا
~~يناظر عليه، وإذا كان مدعيا للعلم وقد ثبت ان العلوم المكتسبة لابد لها من
~~أوله وطرق موصلة إلى العلم، فإذا ثبت ذلك فمتى طولب النافي بالدلالة، فإنما
~~يطالب بما أداه النظر إليه إلى نفى ما نفاه، فعليه بيان دلالته، كما يجب
~~على المثبت ذلك، لكن طريق الاستدلال يختلف في ذلك، لان النافي للحكم يستدل
~~بأن يقول: الحكم الشرعي إذا تعبد الله تعالى به فلابد من أن يدل عليه، فإذا
~~عدمت الدلالة على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع وجميع طرق الأدلة علمت أن
~~الحكم منتف، فليستدل بانتفاء التعبد به على نفى لزومه.
# وكذلك قد يستدل بانتفاء ظهور العلم المعجز على يد المدعى للنبوة على نفى
~~نبوته بأن يقال: لو كان نبيا لوجب ظهور المعجز على يده، فإذا لم يظهر علمت
~~بانتفائه انتفى كونه نبيا.
# وكذلك يستدل بانتفاء احكام الصفات عن الموصوف على نفي الصفات، كما يستدل
~~على نفي المائية (3) على القديم تعالى بانتفاء حكم لها.
# ونقول: لو كان له مائية لوجب أن يكون لها حكم، فلما لم نجد لها حكما
~~علمنا انتفاءها.
# وكذلك نستدل على انتفاء الصفات الزائدة على الصفات المعقولة في الجواهر
# PageV02P753
# والاعراض بان نقول: لو كانت لها صفات أكثر من ذلك لكانت لها احكام معلومة
~~اما ms424 ضرورة أو استدلالا، فلما لم نجدها معلومة من هذين الطريقين علمنا
~~انتفائها وكل هذه أدلة على الحقيقة، لأنا عولنا في نفى ما نفيناه على القول
~~بانا لا نحتاج إلى دليل، فطرق الأدلة تختلف.
# وقد طول من تكلم في هذا الباب الكلام فيه، وهذا القدر الذي لخصناه كاف
~~فإنه يأتي على المعتمد من ذلك.
# فاما قول من قال (1): " ليس عليه دليل، كما لا بينة على المنكر ". فبعيد،
~~لان طريق ذلك الشرع وليس هو مما عليه دليل عقلي أو سمعي، وما هذا حكمه يحكم
~~فيه بحسب ما ورد الشرع به ويفارق ذلك المذاهب على ما ذكرناه.
# على أن المنكر لو كان لا دليل عليه لما وجب عليه اليمين، كما لا يحتاج
~~النافي إلى دليل ولا غيره.
# على أنه قد قيل: ان كون الشئ في يده حكم الدلالة، ولذلك لو لم يكن في يده
~~لكان حاله حال المدعى الاخر، فقد ثبت سقوط التعلق بذلك.
# فاما من نفى نبوة المتنبي، فقد بينا ان عليه دليلا، وهو ان يقول: لو كان
~~نبيا: لوجب ظهور العلم على يده، فلما لم يظهر علمت أنه ليس بنبي، وانه كاذب
~~في دعواه.
# وهذه الجملة التي ذكرناها تبين لنا ان النافي عليه دليل، فان ذلك لا يخص
~~حكما عقليا من حكم شرعي، فيجب القضاء بتساويهما في ذلك.
# PageV02P754
# [الكلام في استصحاب الحال] (1) فاما استصحاب الحال فصورته ما يقوله أصحاب
~~الشافعي: " من أن المتيمم إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء، فإنه قد ثبت انه
~~قبل رؤيته للماء يجب عليه المضي
# PageV02P755
# في الصلاة بالاتفاق، فإذا حدث رؤية الماء فيجب أن يكون على ما كان عليه
~~من حكم الحال الأولى " وغير ذلك من المسائل.
# وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب أكثر المتكلمين، وكثير من الفقهاء من
~~أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى أن ذلك ليس بدليل (1)، وهو الذي ينصره المرتضى
~~(2) رحمه الله (3).
# وذهب أكثر أصحاب الشافعي وغيرهم - وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو عبد الله
~~(4) - إلى أن ذلك دليل (1).
# وفي ذلك نظر غير أنه ms425 يمكن أن يقال في المثال الذي ذكروه أن يقال: قد ثبت
~~وجوب المضي في الصلاة قبل رؤية الماء، ولم يدل دليل على أن رؤية الماء حدث،
~~ولو كان حدثا لكان عليه دليل شرعي، فلما لم يكن عليه دليل دل على أنه ليس
~~بحدث، ووجب حينئذ المضي في الصلاة، غير أن هذا يخرج عن باب استصحاب الحال
~~ويرجع إلى الطريقة الأولى من الاستدلال بطريقة النفي.
# واعترض من نفى استصحاب الحال طريقة من قال به بأن قال (5): الحالة
~~الثانية غير الأولى، بل الحالة الثانية مختلف فيها، والحالة الأولى متفق
~~عليها، فكيف يحكم
# PageV02P756
# في أحدهما بحكم الأخرى بلا دليل؟
# ولأنه لا فرق بين من عول في ذلك على ما قالوه، وبين من عول في حمل مسألة
~~على أخرى، على أن قال إنها مثلها من غير أن يبين فيها علة توجب الجمع
~~بينهما، وذلك ظاهر البطلان.
# قالوا: والذي يكشف عن ذلك أن الذي لأجله قلنا في الحالة الأولى ما (1)
~~قلناه، انما كان للاتفاق (2) أو لدليل (3) دل على ذلك، وذلك مفقود في
~~الحالة الثانية، [فيجب أن لا يكون حكمها حكم الأولى، بل كان يجب أن لا يقول
~~في الحالة الثانية] (4) الا بما يقوم عليه دليل كما قلناه في الأولى، وذلك
~~يبطل استصحاب الحال.
# وقولهم: " انا على ما كنا عليه " ليس بدليل على أن الحالة الثانية حال
~~اجتهاد عند من قال بذلك، والحالة الأولى متفق عليها لا يجوز فيها الاجتهاد.
# فان قالوا: ان حدوث الحوادث لا يغير الاحكام الثابتة، ولم يحصل في الحال
~~الثانية الا حدوث حادث، فيجب أن لا يزيل الحكم الأول الا بدليل.
# قيل: ان حدوث الحوادث انما لا يؤثر في ثبوت الحكم إذا كان الدليل قد
~~اقتضى دوامه، فاما إذا اقتضى اثباته في في وقت مخصوص فطرو الوقت الثاني
~~يقتضي زوال حكمه لا محاله.
# على أن كل الحوادث وان كانت لا تؤثر في الحكم الثابت، فان الحوادث التي
~~اختلفت الناس عند حدوثها في بقاء الحكم الأول عندها مؤثر في ذلك، لان
~~الاتفاق قد ms426 زال عند حدوثه، فعلى من استصحب الحكم الأول دليل مبتدأ، كما أن
~~على المتنقل عنه دليل مبتدأ.
# واستدل من نصر استصحاب الحال بما روى عن النبي (ص) انه قال: " ان
# PageV02P757
# الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى
~~يسمع صوتا أو يجد ريحا " (1)، فبقاه على الحالة الأولى.
# وأيضا: فقد اتفقوا على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث، ان عليه أن
~~يستصحب الحال الأولى، فينبغي أن يجعل ذلك عبرة في نظائره.
# واعترض ذلك من نفى القول به بأن قال (2): انما قلنا في هذين الموضعين
~~لقيام دليل وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسويته بين الحالين،
~~وكذلك الاتفاق على أن حال الشك في الحدث مثل حال يقين الطهارة فلا شك معها،
~~فنظير ذلك أن يقوم في كل موضع دليل على أن الحالة الثانية مثل الحالة
~~الأولى حتى يصير إليه.
# والذي يمكن أن ينصر به طريقة استصحاب الحال ما أومأنا إليه من أن يقال:
~~لو كانت الحالة الثانية مغيرة للحكم الأول لكان على ذلك دليل، وإذا تتبعنا
~~جميع الأدلة فلم نجد ما فيها ما يدل على أن الحالة الثانية مخالفة للحالة
~~الأولى، دل على أن حكم الحالة الأولى باق على ما كان.
# فان قيل: هذا رجوع إلى الاستدلال بطريقة النفي، وذلك خارج عن استصحاب
~~الحال؟
# قيل: الذي نريد باستصحاب الحال هذا الذي ذكرناه، فاما غير ذلك فليس يكاد
~~يحصل غرض القائل به.
# وهذه الجملة كافية في هذا الباب
# PageV02P758
# فصل [4] " في ذكر ما يعلم بالعقل والسمع " المعلومات على ضربين: ضرورية،
~~ومكتسبة.
# والمكتسبة على ضربين: عقلي وسمعي.
# فالعقلي على ضربين:
# ضرب منه: لا يصح ان يعلم الا بالعقل.
# والضرب الاخر: يصح أن يعقل بالعقل والسمع معا.
# فالضروريات نحو العلم بأن الواحد لا يطابق اثنين، وان الجسم الواحد لا
~~يكون في مكانين في حال واحدة، والعلم بوجوب رد الوديعة، وشكر المنعم،
~~والانصاف وقبح الظلم، والكذب، والعبث، وما يجرى مجراه مما هو لازم لكمال
~~العقل.
# واما المكتسب الذي لا ms427 يصح أن يعلم الا بالعقل، فهو كل علم لو لم يحصل
~~للمكلف لم يمكنه معرفة السمع، وما لا يتم هذا العلم الا به، وذلك نحو العلم
~~بان هاهنا حوادث لا يقدر عليها أحد من المحدثين، وان لها محدثا، قادرا،
~~عالما، حيا، قديما، لا يشبه الأجسام ولا تشبهه ولا الاعراض، وانه غنى لا
~~يجوز عليه الحاجة، وانه يستحق هذه الصفات لذاته لا لمعان قديمة أو محدثة
~~سواه، وانه لا يفعل الا الحسن، ولا يجوز عليه شئ من القبائح، ولا الاخلال
~~بالواجب.
# فمتى علم هذه الجملة صح ان يعلم صحة السمع، متى لم يعلمها أو لم يعلم
~~PageV02P759
# شيئا منها لا يصح أن يعلم صحة السمع.
# وإنما قلنا ذلك: لأنه متى لم يعلم ما قلناه، لم نأمن ان يكون الذي فعل
~~المعجز غير الحكيم، وأنه ممن يجوز عليه تصديق الكذاب، فلا نثق بصحة السمع.
# وأما ما يصح أن يعلم بالسمع والعقل معا: فنوا ان الله تعالى لا يجوز عليه
~~الرؤية على الحد الذي يجوزها الأشعري وأصحابه (1) عليه، لان نفي ذلك يصح ان
# PageV02P760
# يعلم بالسمع كما يصح أن يعلم بالعقل، وغير ذلك مما يقدح فيما قدمناه.
# فاما ما لا يعلم الا بالسمع فعلى اضرب:
# منها ما تتعلق به الاحكام من سبب أو علة من قال باثبات العلل.
# ومنها: ما هي أدلة على الاحكام.
# ومنها ما يتعلق بذلك من شروطه وفروعه وأوصافه.
# وكل ذلك لا يصح ان يعلم الا بالسمع.
# فاما الاحكام: فنحو الإباحة الشرعية، نحو ذبح البهائم وغير ذلك عند من
~~قال إن الأشياء على الإباحة.
# فاما على ما نذهب إليه من الوقف، وعلى ما مذهب من قال إنها على الحظر،
~~فجميع المباحات - لان الطريق إلى العلم بها السمع لا غير - وكذلك القبائح
~~الشرعية نحو شرب الخمر، ونحو الاكل في أيام الصوم، ونحو الربا وما شاكلها،
~~فان جميع ذلك لولا السمع لما علم قبحها على طريق القطع.
# فاما القتل والظلم: فمعلوم بالعقل قبحه.
# واما ما يستفاد بالسمع: نحو ما يحسن من الآلام والقتل، وهو ms428 ما كان قودا
~~أو غيره، ونحو جهاد الكفار وغير ذلك.
# واما ما يقبح من البياعات وغيرها: فما يقف التمليك فيها على شروط لا تعرف
~~الا بالشرع فشرعي، وما لم يكن كذلك فهو مما يعلم بالعقل وبالعادة.
# وأما ما رغب فيه الشرع (1): فهو كل فعل لولا الشرع لكان قبيحا كالصوم
~~والصلاة وما شاكلهما.
# فاما الاحسان: فإنه يعلم بالعقل انه ندب، الا ما ورد الشرع به على أوصاف
~~يرجع إليه أو إلى المعطى.
# واما الواجب الشرعي: فهو كل ما لولا دليل السمع لم يعلم وجوبه على الوجه
~~الذي وجب عليه وكان قبيحا، وذلك نحو الصوم، والصلاة، والزكاة.
# PageV02P761
# وشروط جميع ذلك وأوصافه، وما يفسد منه، وما يصح، وما يفسده أو يصححه، وما
~~يجزى منه ما لا يجزى ويجب فيه القضاء، وما يفسخ من العقود وما لا يفسخ، ولا
~~يقع به التمليك الا بشروط، أو على أوصاف، وما يجب من نوع الأملاك وغير ذلك،
~~فجميع ذلك يعلم شرعا.
# وهذه الجملة تنبه على ما يعلم بالشرع من الاحكام، اختلف الأحوال المحكوم
~~لهم أو عليهم أو اتفق، مختارا كان أو مكرها، مكلفا أو غير مكلف.
# واما سبب الاحكام: فكالشهادات وسائر الامارات التي يتعلق الاحكام بها، أو
~~يسوغ للحاكم الحكم لأجلها، وكذلك سائر أسباب المواريث، وكثير من التمليكات
~~من موت، أو غنيمة، وما شاكله، وكثير من الولايات التي هي سبب لتصرف الوالي
~~فيما يتصرف فيه من امارة وقضاء، وولاية على عجوز وغير ذلك، فجميع ذلك وجميع
~~أوصافه وشروطه يعلم بالشرع، ولولاه لم يعلم.
# واما علل الاحكام فعباد من قال بالقياس لا يعلم الا بالشرع.
# واما الأدلة التي تعلم بالشرع فنحو القياس، والاجتهاد (1) عند من أثبتهما
~~وجوز العمل بهما، وما يتعلق بهما من العلل والامارات والاحكام.
# واما على مذهبنا، فنحو الافعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله، لان
~~بالشرع يعلم كونها أدلة على ما تقدم القول فيها.
# فاما الأدلة الموجبة للعلم: فبالعقل يعلم كونها أدلة، ولا مدخل للشرع في
~~ذلك، فان كان يتعلق الشرع في بعض الوجوه ms429 لأنا نقول الرسول عليه السلام يعلم
~~أن القرآن كلام الله، وان كان علمنا بما يدل عليه، أو بأنه دلالة يرجع فيه
~~إلى العقل.
# واما المباحات: فقد بينا ان طريق العلم بها كلها الشرع على ما مضى القول
~~فيها على مذهبنا في الوقف.
# PageV02P762
# قد ذكرنا في هذا الكتاب جملة موجزة في كل باب بأخصر ما حضرنا، ولو شرعنا
~~في شرح ذلك لطال الكتاب، وفيما لخصناه كفاية لمن ضبط هذا الفن، وتنبيه بذلك
~~على ما عداه، ونسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه، وينفعنا بذلك ومن نظر
~~فيه، انه ولي ذلك، والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على
~~رسوله محمد وآله الطاهرين.
# * * * تم الكتاب وربنا محمود * وله المكارم والعلى والجود على النبي محمد
~~صلواته * ما ناح قمري وأورق عود وقع الفراغ من كتبه عبد الصمد بن عبد الله
~~بن الحسين بن أحمد في ذي الحجة سنة ثمان عشر وخمس مائة هجرية. حامدا لله
~~ومصليا على نبيه محمد وآله الطاهرين (1).
# PageV02P763 ms430