######OpenITI# #META# 001.AuthorNAME :: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّدُ بنِ الحسنِ بنِ عليِ بنِ الحسنِ الطوسي #META# 002.AuthorSHORTNAME :: شيخ الطائفة الطوسي #META# 003.AuthorSHORTNAMEtrans :: Shaykh al-Ṭāʾifa al-Ṭūsī #META# 004.AuthorBORN :: 385 #META# 005.MULTIPLEBIRTHDATES: False #META# 006.AuthorDIED :: 460 #META# 007.MULTIPLEDEATHDATES :: False #META# 008.LEGALSCHOOL :: الشيعة الاثنا عشرية #META# 009.LEGALSCHOOLtrans :: al-Shīʿa al-Ithnā ʿAshariyya #META# 010.BookTITLE :: الاقتصاد الهادي الى طريق الرشاد #META# 011.BookSHORTTITLE :: الاقتصاد #META# 012.BookSHORTTITLEtrans :: al-Iqtiṣād #META# 013.EdPUBLISHER :: مكتبة جامع چهلستون، تهران، 1979 #META# 014.BookVOLS :: 1 #META# 015.BookGENRE :: الفقه والفروع #META# 016.BookGENREtrans :: al-Fiqh wa-l-Furūʿ #META# 017.BookGENREEng :: General Legal Works #META# 018.RELATIONSHIP :: n/a #META# 019.LibURI :: 0460ShaykhTusi.Iqtisad #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على سوابغ نعمه، وتتابع مننه، وترادف ~~أنعامه، وتوالي أفضاله. وله الشكر على جزيل فواضله، وكريم مواهبه. # وصلى الله على سيد أنبيائه وخاتم أصفيائه محمد النبي المنتجب من أشرف ~~العناصر وأكرم المناصب، وعلى آله الطيبين الأئمة الراشدين، النجوم الزاهرة ~~والغرر الباهرة، وسلم تسليما. # وبعد: # فإني ممتثل ما رسمه الشيخ الأجل، أطال الله بقاءه، وعضد كافة أوليائه ~~بطول أيامه وامتداد زمانه، وجعل ما خوله من محبة العلم وأهله وإيثار الدين ~~وصرف الهمة إليه، وحبب إليه ما يكسبه الجمال عاجلا ويثمر الخلاص آجلا. # من إملاء مختصر يشتمل على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته، ويلزم العمل به ~~والمصير إليه، مما لا يخلو منه مكلف في حال من الأحوال، وأن أقرب ذلك ~~PageV00P003 # بأدلة واضحة وبراهين نيرة، لا أطول القول فيها فيمله ولا أقصر على ~~الاتيان على الغرض فيحصر دونه. # وأتبع ذلك بما يجب العمل به من العبادات على وجه الاختصار مما لا يستغنى ~~عنه، فإن الكتب المعمولة في الأصول والفروع كثيرة، غير أنها مبسوطة جدا أو ~~مختصرة لا تأتي على الغرض. # وأنا ممتثل ما رسمه ومجيب إلى ما دعا إليه. # ومن الله الكريم أستمد المعونة، وإياه اسأل التوفيق لإتمامه. # وقد رتبته على فصول: PageV00P004 ### || فصل (فيما يلزم المكلف) ا # لذي يلزم المكلف أمران: علم، وعمل. فالعمل تابع ~~للعلم ومبني عليه. # والذي يلزم العلم به أمران: التوحيد، والعدل. # فالعلم بالتوحيد لا يتكامل إلا بمعرفة خمسة أشياء: أحدها معرفة ما توصل ~~به إلى معرفة الله تعالى، والثاني معرفة الله على جميع صفاته، والثالث ~~معرفة كيفية استحقاقه لتلك الصفات، الرابع معرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز، ~~الخامس معرفته بأنه واحد لا ثاني له في القدم. # والعدل لا يتم العلم به إلا بعد العلم بأن أفعاله كلها حكمة وصواب، وأنه ~~ليس في أفعاله قبيح ولا إخلال بواجب. ويتفرع من ذلك وجوب معرفة خمس أشياء: ~~أحدها معرفة حسن التكليف وبيان شروطه وما يتعلق به، والثاني معرفة النبوة ~~وبيان شروطها، والثالث معرفة الوعد والوعيد وما ms001 يتعلق بهما، PageV00P005 # والرابع معرفة الإمامة وشروطها، والخامس معرفة الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. # فأنا إنشاء الله أبين فصلا فصلا من ذلك على أخصر ما يمكن وأوجزه، وأردف ~~ذلك بما يجب العمل به من الشرعيات على هذا المنهاج إنشاء الله. # ومن جهته التوفيق والتسديد. PageV00P006 ### | القسم الأول الأصول الاعتقادية PageV00P007 ### || فصل (في ذكر بيان ما يتوصل به إلى ما ذكرناه) # لا طريق إلى معرفة هذه ~~الأصول التي ذكرناها إلا بالنظر في طرقها، ولا يمكن الوصول إلى معرفتها من ~~دون النظر. # وإنما قلنا ذلك لأن الطريق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها: # (أولها) أن يعلم الشئ ضرورة لكونه مركوزا في العقول، كالعلم بأن الاثنين ~~أكثر من واحد، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، وأن ~~الجسمين لا يكونان في مكان واحد في حالة واحدة، والشئ لا يخلو من أن يكون ~~ثابتا أو منفيا، وغير ذلك مما هو مركوز في العقول. # (والثاني) أن يعلم من جهة الادراك إذا أدرك وارتفع اللبس، كالعلم ~~بالمشاهدات والمدركات بسائر الحواس (1). # (والثالث) أن يعلم بالأخبار، كالعلم بالبلدان والوقائع وأخبار الملوك ~~وغير ذلك. PageV00P009 # (والرابع) أن يعلم بالنظر والاستدلال. # والعلم بالله تعالى ليس بحاصل من الوجه الأول، لأن ما يعلم ضرورة لا ~~يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون ~~أكثر من اثنين وأن الشبر لا يطابق الذراع. والعلم بالله فيه خلاف بين ~~العقلاء فكيف يجوز أن يكون ضروريا. # وليس الادراك أيضا طريق إلى العلم بمعرفة الله تعالى، لأنه تعالى ليس ~~بمدرك بشئ من الحواس على ما سنبينه فيما بعد، ولو كان مدركا محسوسا ~~لأدركناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع المعقولة. # والخبر أيضا لا يمكن أن يكون طريقا إلى معرفته، لأن الخبر الذي يوجب ~~العلم هو ما كان مستندا إلى مشاهدة وإدراك، كالبلدان والوقائع وغير ذلك، ~~وقد بينا أنه ليس بمدرك، والخبر الذي لا يستند إلى الادراك لا يوجب العلم. ~~ألا ترى أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد صلى الله ms002 عليه وآله ~~فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لأن ذلك طريقه الدليل، وكذلك جميع الموحدين ~~يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لأن ذلك طريقه الدليل. # فإذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر، لم يبق إلا ~~أن يكون طريقه النظر. # فإن قيل: أين أنتم عن تقليد [الآباء و] (1) المتقدمين؟ # قلنا: التقليد إن أريد به قبول قول الغير من غير حجة - وهو حقيقة التقليد ~~- فذلك قبيح في العقول، لأن فيه إقداما على ما لا يأمن كون ما يعتقده عند ~~التقليد جهلا لتعريه من الدليل، والإقدام على ذلك قبيح في العقول. ولأنه ~~ليس في العقول تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر والبحث ~~عن أوهامنا PageV00P010 # ولا يجوز أن يتساوى الحق والباطل. # فإن قيل: نقلد المحق دون المبطل. # قلنا: العلم بكونه محقا لا يمكن حصوله إلا بالنظر، لأنا إن علمناه بتقليد ~~آخر أدى إلى التسلسل، وإن علمناه بدليل فالدليل الدال على وجوب القبول منه ~~يخرجه من باب التقليد، ولذلك لم يكن أحدنا مقلدا للنبي أو المعصوم فيما ~~نقبله منه، لقيام الدليل على صحة ما يقوله. # وليس يمكن أن يقال: نقلد الأكثر ونرجع إليهم. وذلك لأن الأكثر قد يكونون ~~على ضلال، بل ذلك هو المعتاد المعروف. ألا ترى أن الفرق المبطلة بالإضافة ~~إلى الفرق المحقة جزء من كل وقليل من كثير. # ولا يمكن أن يعتبر أيضا بالزهد والورع، لأن مثل ذلك يتفق في المبطلين ~~فلذلك ترى رهبان النصارى على غاية العبادة ورفض الدنيا مع أنهم على باطل ~~فعلم بذلك أجمع فساد التقليد. # فإن قيل: هذا القول يؤدي إلى تضليل أكثر الخلق وتكفيرهم، لأن أكثر من ~~تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه من الفقهاء والأدباء والرؤساء ~~والتجار وجمهور العوام ولا يهتدون إلى ما يقولونه، وإنما يختص بذلك طائفة ~~يسيرة من المتكلمين، وجميع من خالفهم يبدعهم في ذلك، ويؤدي إلى تكفير ~~الصحابة والتابعين [وأهل الأمصار، لأنه معلوم أن أحدا من الصحابة ~~والتابعين] (1) لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون ms003 ولا سمع منه حرف واحد ولا ~~نقل عنهم شئ منه، فكيف يقال بمذهب يؤدي إلى تكفير أكثر الأمة وتضليلها، ~~وهذا باب ينبغي أن يزهد فيه ويرغب عنه. # قيل: هذا غلط فاحش وظن بعيد، وسوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي PageV00P011 # إلى معرفة الله، ولسنا نريد بالنظر المناظرة والمحاجة والمخاصمة ~~والمحاورة التي يتداولها المتكلمون ويجري بينهم، فإن جميع ذلك صناعة فيها ~~فضيلة وإن لم تكن واجبة، وإنما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الأدلة ~~الموصلة إلى توحيد الله تعالى وعدله ومعرفة نبيه وصحة ما جاء به، وكيف يكون ~~ذلك منهيا عنه أو غير واجب والنبي عليه السلام لم يوجب القبول منه على أحد ~~إلا بعد إظهار الأعلام والمعجزة من القرآن وغيره، ولم يقل لأحد أنه يجب ~~عليك القبول من غير آية ولا دلالة. # وكذلك تضمن القرآن من أوله إلى آخره التنبيه على الأدلة ووجوب النظر (1. # قال الله تعالى: " أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ~~من شئ " (2. # وقال: " أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى ~~الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت " (3. # وقال: " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " (4. # وقال: " قتل الإنسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه " (5 ~~الآية. # وقال: " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات PageV00P012 # لأولي الألباب " إلى قوله " إنك لا تخلف الميعاد " 1). # وقال: " فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا ~~الأرض شقا " إلى قوله " متاعا لكم ولأنعامكم " 2). # وقال: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرا ر ~~مكين " إلى قوله " فتبارك الله أحسن الخالقين " 3). # وقال: " إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " 4) و " لقوم يعقلون " 5) و " ~~لأولي الألباب " 6) و " لمن كان له قلب " 7) يعني عقل. # وغير ذلك من الآيات التي تعدادها يطول. # وكيف يحث تعالى على النظر وينبه على الأدلة وينصبها ويدعو إلى النظر ~~فيها، ومع ذلك يحرمها. إن هذا لا يتصوره إلا غبي جاهل. # فأما من أومى إليه من الصحابة والتابعين ms004 وأهل الأعصار من الفقهاء ~~والفضلاء والتجار والعوام، فأول ما فيه أنه غير مسلم، بل كلام الصحابة ~~والتابعين مملو من ذلك، وهو شائع ذائع في خطب أمير المؤمنين عليه السلام في ~~الاستدلال على الصانع والحث على النظر والفكر في إثبات الله تعالى معروف ~~مشهور، وكذلك كلام الأئمة عليهم السلام من أولاده، وعلماء المتكلمين في كل ~~عصر معروفون مشهورون. PageV00P013 # وكيف يجحد ذلك وينكر وجوده، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال " ~~أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه " وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته ~~المعروفة " أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي ~~الصفات عنه، لشهادة العقول أن من حلته الصفات فهو مخلوق، وشهادتها أنه خالق ~~ليس بمخلوق " ثم قال " بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، ~~وبالنظر يثبت حجته، معلوم بالدلالات، مشهور بالبينات " 1) إلى آخر الخطبة. # وخطبه في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. # وقال الحسن (الحسين خ ل) عليه السلام: " والله ما يعبد الله إلا من عرفه ~~فأما من لم يعرفه فإنما يعبده هكذا ضلالا " وأشار بيده. # وقال الصادق عليه السلام: " وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، ~~والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ~~ما يخرجك من دينك " 2). # ثم إنه يلزم مثل ذلك الفقهاء، فإنا نعلم ما فرعه الفقهاء 3) من المسائل ~~ودونوه في كتبهم ودارت بينهم من العلل والأقيسة لم يخطر لأحد من الصحابة ~~والتابعين ببال ولا نقل شئ منه عن واحد منهم. فينبغي أن يكون ذلك كله ~~باطلا، أو يقولوا أن الصحابة لم يكونوا عالمين عارفين بالشرع، فأي شئ ~~أجابوا عن ذلك في الفروع فهو جوابنا في الأصول بعينه، وهو أن يقال إنهم ~~كانوا عالمين بأصول الشريعة فلما حدثت حوادث في الشرع لم يكن استخرجوا ~~أدلتها من الأصول قلنا مثل ذلك فإنهم كانوا عارفين بالأصول من التوحيد ~~والعدل مجملا، فلما PageV00P014 # حدثت شبهات لم تسبقهم استخرجوا أجوبتها من الأصول. # ولو سلمنا أنهم كانوا غير عارفين بما يعرفه ms005 المتكلمون لم يدل على ما ~~قالوه لأنه لا يجوز أن يكونوا عالمين بالله تعالى على وجه الجملة وخرجوا ~~بذلك عن حد التقليد وتشاغلوا بالعبادة أو الفقه أو التجارة، ولم ينقدح لهم ~~فيما اعتقدوه شك ولا خطرت لهم شبهة يحتاجون إلى حلها، فاقتنعوا بذلك وكانوا ~~بذلك قد أدوا ما وجب عليهم. # والمتكلمون لما أفرغوا وسعهم لعلم هذه الصناعة خطرت لهم شبهات ووردت ~~عليهم خواطر لزمهم حل ذلك والتفتيش عنه حتى لا يعود ذلك بالنقض على ما ~~علموه. # وكل من يجري مجراهم ممن تخطر له هذه الشبهات فإنه يلزمه حلها ولا يجوز له ~~الاقتصار على علم الجملة، فإنه لا يسلم له ذلك مع هذه الشبهة. ومن لا يخطر ~~له ذلك لبلادته أو لعدوله عنه أو تشاغله بعبادة أو فقه أو دين، فإنه لا ~~يلزمه التغلغل فيه ولا البحث عن الشبهات حتى يلهه ويلزمه التفتيش عنها ~~والأجوبة عنها. # وإن فرضنا في آحاد الناس من لم يحصل له علم الجملة ولا علم التفصيل وإنما ~~هو على تقليد محض، فإنه مخطئ ضال عن طريق الحق وليس يتميز له ذلك. # فإن قالوا: أكثر من أو مأتم إليه إذا سألته عن ذلك لا يحسن الجواب عنه. # قلنا: وذلك أيضا لا يلزم، لأنه لا يمتنع أن يكون عارفا على الجملة وإن ~~تعذرت عليه العبارة عما يعتقده، فتعذر العبارة عما في النفس لا يدل على ~~بطلان ذلك ولا ارتفاعه. # فإن قيل: قد ذكرتم أنه يخرج الإنسان عن حد التقليد بعلم الجملة، ما ~~PageV00P015 # حد ذلك بينوه لنقف عليه؟ # قلنا: أحوال الناس تختلف في ذلك: فمنهم من يكفيه الشئ اليسير، ومنهم من ~~يحتاج إلى أكثر منه بحسب ذكائه وفطنته وخاطره حتى يزيد بعضهم على بعض إلى ~~أن يبلغ إلى حد لا يجوز له الاقتصار على علم الجملة بل يلزمه على التفصيل ~~لكثرة خواطره وتواتر شبهاته. وليس يمكن حصر ذلك لشئ لا يمكن الزيادة عليه ~~ولا النقصان عنه. # فإن قيل: فعلى كل حال بينوا لذلك مثالا على وجه التقريب. # قلنا: أما على ms006 وجه التقريب فإنا نقول: من فكر في نفسه فعلم أنه لم يكن ~~موجودا ثم وجد نطفة ثم صار علقة ثم مضغة ثم عظما ثم جنينا في بطن أمه ميتا ~~ثم صار حيا فبقي مدة ثم ولد صغيرا فتتقلب به الأحوال من صغر إلى كبر ومن ~~طفولة إلى رجلة ومن عدم عقل إلى عقل كامل ثم إلى الشيخوخة وإلى الهرم ثم ~~الموت، وغير ذلك من أحواله، علم أن هنا من يصرفه هذا التصريف ويفعل به هذا ~~الفعل، لأنه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، وحال غيره من أمثاله حاله من العجز عن ~~مثل ذلك. # فعلم بذلك أنه لا بد من أن يكون هناك من هو قادر على ذلك مخالف له، لأنه ~~لو كان مثله لكان حكمه حكمه. ويعلم أنه لا بد أن يكون عالما من حيث أن ذلك ~~في غاية الحكمة والاتساق، مع علمه الحاصل بأن بعض ذلك لا يصدر ممن ليس ~~بعالم، وبهذا القدر يكون عالما بالله تعالى على الجملة. # وهكذا إذا نظر في بذر يبذر فينبت منه أنواع الزرع والغرس ويصعد إلى ~~منتهاه، فمنه ما يصير شجرا عظيما يخرج منه أنواع الفواكه والملاذ، ومنه ما ~~يصير زرعا يخرج منه أنواع الأقوات، ومنه ما يخرج منه أنواع المشمومات ~~الطيبة الروائح، ومنه ما يكون خشبه في غاية الطيب كالعود الرطب وغير ذلك، ~~PageV00P016 # وكالمسك الذي يخرج من بعض الظباء والعنبر الذي يخرج من البحر، فيعلم بذلك ~~أن مصرف ذلك وصانعه قادر عالم لتأتي ذلك واتساقه ولعجزه وعجز أمثاله عن ~~ذلك، فيعلم بذلك أنه مخالف لجميع أمثاله، فيكون عارفا بالله على الجملة. # وكذلك إذا نظر إلى السماء صاحية فتهب الرياح وينشأ السحاب ويصعد ولا يزال ~~يتكاثف ويظهر فيه الرعد والبرق والصواعق، ثم ينزل منه من المياه والبحار ~~العظيمة التي تجري منها الأنهار العظيمة والأودية الوسيعة، وربما كان فيه ~~من البرد مثل الجبال، كل ذلك في ساعة واحدة ثم تنقشع السماء وتبدو الكواكب ~~وتطلع الشمس أو القمر كأن ما كان لم يكن من غير تراخ ms007 ولا زمان بعيد، فيعلم ~~ببديهة أنه لا بد أن يكون من صح ذلك منه قادرا عليه ممكن منه 1) وأنه مخالف ~~له ولأمثاله، فيكون عند ذلك عارفا بالله. # وأمثال ذلك كثيرة لا نطول بذكره، فمتى عرف الإنسان هذه الجملة وفكر فيها ~~هذا الفكر واعتقد هذا الاعتقاد، فإن مضى على ذلك ولم يشعثه خاطر ولا طرقته ~~شبهة فهو ناج متخلص. # وأكثر من أشرتم إليه يجوز أن يكون هذه صفته، وإن بحث عن ذلك وعن علل ذلك ~~فطرقته شبهات وخطرت له خطرات وأدخل عليه قوم ملحدون ما حيره وبلبله، فحينئذ ~~يلزمه التفتيش ولا تكفيه هذه الجملة، ويجب عليه أن يتكلف البحث والنظر، على ~~ما سنبينه ليسلم من ذلك ويحصل له العلم على التفصيل. # ونحن نبين ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل على ما وعدنا به إنشاء الله. # فإن قيل: أصحاب الجمل على ما ذكرتم لا يمكنهم أن يعرفوا صفات الله تعالى ~~وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه منها على طريق الجملة، وإذا لم PageV00P017 # يمكنهم ذلك لم يمكنهم أن يعلموا أن أفعاله كلها حكمة ولا حسن التكليف ولا ~~النبوات ولا الشرعيات، لأن معرفة هذه الأشياء لا يمكن إلا بعد معرفة الله ~~تعالى على طريق التفصيل. # قلنا: يمكن معرفة جميع ذلك على وجه الجملة، لأنه إذا علم بما قدمناه من ~~الأفعال ووجوب كونه قادرا عالما وعلم أنه لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة ~~محدثة لأنها كانت تجب أن تكون من فعله، وقد تقرر أن المحدث لا بد له من ~~محدث، وفاعلها يجب أن يكون قادرا أولا، فلولا تقدم كونه قادرا قبل ذلك لما ~~صح منه تعالى فعل القدرة، فيعلم أنه لم يكن قادرا بقدرة محدثة، ولأجله علم ~~أنه كذلك لأمر لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فيعلم أنه يجب أن يكون قادرا ~~على جميع الأجناس ومن كل جنس على ما لا يتناهى لفقد التخصيص. # وكذلك إذا علم بالمحكم من أفعاله كونه عالما علم أن ما لأجله علم ما علمه ~~لا اختصاص له بمعلوم ms008 [دون معلوم] 1)، إذ المخصص هو العلم المحدث والعلم لا ~~يقع إلا من عالم، فلا بد أن يتقدم كونه عالما لا بعلم محدث، وما لأجله علم ~~لا اختصاص له بمعلوم دون معلوم، فيعلم أنه عالم بما لا يتناهى وبكل ما يصح ~~أن يكون معلوما لفقد الاختصاص. فيعلم أنه لا يشبه الأشياء، لأنه لو أشبهها ~~لكان مثلها في كونها محدثة، لأن المثلين لا يكون أحدهما قديما والآخر ~~محدثا. # ويعلم أنه غير محتاج، لأن الحاجة من صفات الأجسام، لأنها تكون إلى جلب ~~المنافع أو دفع المضار وهما من صفات الأجسام، فيعلم عند ذلك أنه غني. # ويعلم أنه لا تجوز عليه الرؤية والإدراكات، لأنه لا يصح أن يدرك إلا ما PageV00P018 # يكون هو أو محله في جهة، وذلك يقتضي كونه جسما أو حالا في جسم، وهكذا ~~يقتضي حدوثه وقد علم أنه قديم. # وإذا علم أنه عالم بجميع المعلومات، وعلم كونه غنيا، علم أن جميع أفعاله ~~حكمة وصواب ولها وجه حسن وإن لم نعلمه مفصلا، لأن القبيح لا يفعله إلا من ~~هو جاهل بقبحه أو محتاج إليه وكلاهما منتفيان عنه، فيقطع عند ذلك على حسن ~~جميع أفعاله من خلق الخلق والتكليف وفعل الآلام وخلق المؤذيات من الهوام ~~والسباع وغير ذلك. # ويعلم أيضا عند ذلك صحة النبوات، لأن النبي إذا أدعى النبوة وظهر على يده ~~علم معجز يعجز عن فعله جميع المحدثين علم أنه من فعل الله ولولا صدقه لما ~~فعله، لأن تصديق الكذاب لا يحسن، وقد أمن ذلك بكونه عالما غنيا. # فإذا علم صدق الأنبياء بذلك علم صحة ما أتوا به من الشرعيات والعبادات، ~~لكونهم صادقين على الله وأنه لا يتعبد الخلق إلا بما فيه مصلحتهم. # وإذا ثبت له هذه العلوم فتشاغل بالعبادة أو بالمعيشة ولم تخطر له شبهة ~~ولا أورد عليه ما يقدح فيما علمه ولا فكر هو في فروع ذلك لم يلزمه أكثر من ~~ذلك. # ومتى أورد عليه شبهة فإن تصورها قادحة فيما علمه يلزمه حينئذ النظر فيها ~~حتى يحلها ليسلم له ما علمه، ms009 وإن لم يتصورها قادحة ولا اعتقد أنها تؤثر ~~فيما علمه لم يلزمه النظر فيها ولا التشاغل بها. # وهذه أحوال أكثر العوام وأصحاب المعايش والمترفين، فإنهم ليس يكادون ~~يلتفتون إلى شبهة تورد عليهم ولا يقبلونها ولا يتصورونها قادحة فيما ~~اعتقدوه بل ربما أعرضوا عنها واستغفوا عن سماعها وإيرادها وقالوا: لا ~~تفسدوا علينا ما علمناه. وقد شاهدت جماعة هذه صورتهم. PageV00P019 # فبان بهذه الجملة ما أشرنا إليه من أحوال أصحاب الجمل. # ونحن نبين في الفصل الذي يلي هذا ما يلزم من هو فوق هؤلاء ممن ينظر ويبحث ~~وتطرقه الشبهات وإن لم يبالغ في استيفاء ذلك، ليكون قد ذكرنا أمر الفريقين ~~وبينا أحوال الفئتين. والله تعالى الموفق للصواب. ### || فصل (في ذكر بيان ما يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى) #لا يمكن ~~الوصول إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر في حدوث ما لا يدخل تحت مقدور ~~المخلوقين، وهو الأجسام والأعراض المخصوصة، كالألوان والطعوم والأراييح ~~والقدرة والحياة والشهوة والنفار وما جرى مجرى ذلك. # فأما ما يدخل جنسه تحت مقدور القدر 1) كالحركات والسكنات والاعتمادات ~~والأصوات، فلا يمكن بالنظر فيها الوصول إلى معرفة الله تعالى. # والكلام في حدوث الأجسام أظهر، لأنها معلومة ضرورة لا يحتاج فيها في ~~العلم بوجودها إلى الدليل بل إنما يحتاج إلى الكلام في حدوثها، ثم بيان أن ~~لها محدثا يخالفها فيكون ذلك علما بالله، ثم الكلام في صفته. # ولنا في الكلام في حدوث الأجسام طريقان: # أحدهما: أن ندل على أنها ليست قديمة، فيعلم حينئذ أنها محدثة، لأنه لا ~~واسطة بين القدم والحدوث. # والطريق الثاني: أن نبين أنها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أن حكمها ~~حكمها في الحدوث. # (وبيان الطريق الأول) هو أن الأجسام لو كانت قديمة لوجب أن تكون في PageV00P020 # الأزل في جهة [من جهات] 1) العالم، لأن ما هي عليه من الحجم والجثة يوجب ~~ذلك. # ثم لا يخلو كونها في تلك الجهة إما أن تكون للنفس أو لمعنى قديم أو لمعنى ~~محدث أو الفاعل. فإذا بين فساد جميع ذلك علم أنها لم تكن ms010 قديمة ولا يجوز أن ~~تكون في الأزل في جهة الفاعل، لأن من شأن الفاعل أن يتقدم على فعله، ولو ~~تقدم فاعلها عليها لكانت محدثة، لأن القديم لا يمكن أن يتقدم عليه غيره، ~~والمعنى المحدث لا يوجب صفة في الأزل. # وكونها في الجهة للنفس يوجب استحالة انتقالها، لأن صفات النفس لا يجوز ~~تغيرها وزوالها، والمعلوم ضرورة صحة انتقالها، فبطل أن يكون كذلك للنفس. # ولا يجوز أن تكون كذلك لمعنى قديم، لأنها لو كانت كذلك لوجب إذا انتقل ~~الجسم أن يبطل ذلك المعنى، لأن وجوده فيه على ما كان يوجب كونه في الجهتين، ~~وذلك محال. # والانتقال لا يجوز على المعنى، لأنه من صفات الجسم. # فقد بطل جميع الأقسام، وفي بطلان جميعها بطلان كونها قديمة وثبوت كونها ~~محدثة، لأنه لا واسطة بين الأمرين على ما بيناه. # (وبيان الطريقة الثانية) أن نبين أربعة فصول: أحدها أن في الأجسام معان ~~غيرها، والثاني أن نبين أن تلك المعاني محدثة، والثالث أن نبين أن الجسم لم ~~يسبقها في الوجود، والرابع أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا. # والذي يدل على الفصل الأول: إنا نعلم أن الجسم يكون على صفات من PageV00P021 # اجتماع وحركة فتتغير إلى أن يصير مفترقا وساكنا، فلا بد من أمر غيره، ~~لأنه لو لم يكن أمر لبقي على ما كان عليه. # ولا يجوز أن يكون ذلك الأمر نفس الجسم، ولا ما يرجع إليه من وجود أو حدوث ~~أو جسمية، لأن جميع ذلك يكون حاصلا مع انتقاله من جهة إلى غيرها، فكيف يكون ~~هو المؤثر في تغير الصفات. # ولا يجوز أن يكون ذلك لعدم معنى، لأن عدم معنى لا اختصاص له بجسم دون جسم ~~ولا بجهة دون غيرها، وكان يجب أن تتغير الأجسام كلها وتنتقل إلى جهة ~~تغيرها، وذلك باطل. # ولا يجوز أن يكون كذلك بالفاعل، لأنه: إن أريد بذلك أنه فعل فيه معنى ~~أوجب تغيره وانتقاله، فذلك وفاق وهو المطلوب. وإن أرادوا أن الفاعل جعله ~~على هذه الصفات ولم يفعل معنى فذلك باطل، ms011 لأن من شأن ما يتعلق بالفاعل من ~~غير توسط معنى أن يكون القادر عليه قادرا على إحداث تلك الذات. # ألا ترى أن من قدر على إحداث كلامه قدر على أن يجعله على جميع أوصافه من ~~أمر ونهي وخبر وغير ذلك، وكلام الغير لما لم يكن قادرا على إحداثه لم يكن ~~قادرا على جعله أمرا ونهيا وخبرا. والواحد منا يقدر على أن يجعل الجسم ~~متحركا أو ساكنا أو مجتمعا أو متفرقا ولا يقدر على إحداثه، فدل ذلك على أن ~~هذه الصفات غير متعلقة بالفاعل، فلم يبق بعد ذلك شئ يعقل إلا أنه صار كذلك ~~لمعنى. # والذي يدل على حدوث ذلك المعنى أن المجتمع إذا فرق أو المتحرك إذا سكن لا ~~يخلوا أن يكون ذلك المعنى الذي كان فيه باقيا كما كان أو انتقل عنه أو عدم. ~~ولا يجوز أن يكون موجودا كما كان، لأن ذلك يوجب كونه مجتمعا متفرقا متحركا ~~ساكنا، لوجود المعنيين معافيه في حالة واحدة، وذلك محال PageV00P022 # ولا يجوز أن يكون انتقل عنه، لأن الانتقال من صفات الجسم دون العرض، ~~ولأنه لو انتقل لم يخلو إما أن يكون انتقل مع جواز ألا ينتقل أو وجب ~~انتقاله. # ولو كان انتقاله جائزا لاحتاج إلى معنى كالجسم، وذلك يؤدي إلى إثبات معان ~~لا نهاية لها، ولو وجب انتقاله لأدى إلى وجوب انتقال الجسم، والمعلوم أن ~~الجسم لا يجب انتقاله إن لم ينقله ناقل، فلم يبق من الأقسام إلا أنه عدم. # ولو كان قديما لما جاز عدمه، لأنه قديم لنفسه، وصفات النفس لا يجوز خروج ~~الموصوف عنها. ألا ترى أن السواد لا يجوز بياضا ولا الجوهر عرضا ولا الحركة ~~اعتمادا وغير ذلك، لأن هذه الأشياء على ما هي عليه لنفسها فلا يجوز عليها ~~التغيير. فلما ثبت عدمها على أنها لم تكن قديمة، وإذا لم تكن قديمة وجب ~~كونها محدثة. # والذي يدل على الفصل الثالث - وهو أن الجسم لم يخل منها هو أنه معلوم ~~ضرورة أن الأجسام للعالم لا تخلو من أن تكون مجتمعة ms012 أو مفترقة أو متحركة أو ~~ساكنة، فثبت بذلك أنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق. # ومن قال إن الأجسام كانت هيولي لا مجتمعة ولا مفترقة. ربما أشار بذلك إلى ~~أنها كانت معدومة فسماها موجودة، كما يقولون موجود بالقوة وموجود في العلم، ~~وذلك عندنا ليس بوجود في الحقيقة. ومتى أرادوا ذلك كان خلافا في العبارة لا ~~يعتد به. # وأما الفصل الرابع فالعلم به ضرورة، لأن من المعلوم أن كل ذاتين وجدا معا ~~ولم تسبق إحداهما الأخرى، فإن حكمهما حكم واحد [في الوجود] 1) ألا ترى أنا ~~إذا فرضنا ميلاد زيد وعمرو في وقت واحد فلا يجوز مع ذلك أن يكون أحدهما ~~أسبق من الآخر لأن ذلك متناقض، وكذلك إذا فرضنا أن الجسم PageV00P023 # لم يسبق المحدث ولم يخل منه علمنا أن حكمه حكمه في الحدوث. # وقول من قال: إن فيها معان لا نهاية له 1) شيئا قبل شئ لا إلى أول. باطل ~~لأن وجود ما لا نهاية له محال، لأنه كان يصير من شروط وجود كل واحد منها أن ~~يتقدم قبله ما لا نهاية له، فلا يصح وجود شئ منها البتة، والمعلوم خلافه. # على أن القائل بذلك قد ناقض، لأنه إذا قال إنها محدثة اقتضى أن لها أولا، ~~فإذا قال بعد ذلك لا أول لها اقتضى ذلك قدمها، وذلك متناقض. وأيضا فإذا قال ~~الجسم قديم أفاد ذلك وجوده في الأزل، [فإذا سلم أنه لا يخلو من معنى فقد ~~أثبت فيه معنى في الأزل] 2)، والمعنى الموجود في الأزل يكون قديما، فيكون ~~في ذلك رجوع عن كونها محدثة. أو يقول فيما لم يزل لم يكن فيها معنى فيكون ~~فيها رجوع في أن الجسم لم يخل من معنى، وذلك فاسد. فقد بان بهذه الجملة ~~حدوث الأجسام، ثم تدل فيما بعد على أن لها صانعا يخالفها. # وأما الطريقة الثانية فهو أن نبين أن ههنا معان كالألوان والطعوم والقدرة ~~والحياة والشهوة والنفار وكمال العقل، ونبين أن أحدا من المخلوقين لا يقدر ~~على شئ منها، فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف ms013 لها. # وبيان ذلك: أن الواحد منا قد يدعوه الداعي إلى تبيض الأسود أو تسود ~~الأبيض أو يحيي ميتا أو يقدر عاجزا أو يكمل عقل من لا عقل له، وهو قادر ~~متصرف غير ممنوع والدواعي متوفرة، ويبالغ في ذلك ويجتهد في تحصيله مع ~~احتمال المحل لذلك فيتعذر ولا يتحصل لا لوجه معقول إلا أنه ليس بمقدور له، ~~فيعلم عند ذلك أن صانعها مخالف لها ومباين لنا، فيكون ذلك علما بالله PageV00P024 # على الجملة. فإذا عرف بعد ذلك صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز حصل علمه ~~به على طريق التفصيل. ### || فصل (في إثبات صانع العالم وبيان صفاته) #إذا ثبت حدوث الأجسام بما قدمنا، ~~فالذي يدل على أن لها محدثا هو ما ثبت في الشاهد من أن الكتاب لا بد لها من ~~كاتب والبناء لا بد له من بان والنساجة لا بد لها من ناسج وغير ذلك من ~~الصنائع. وإنما وجب ذلك فيها لحدوثها، فيجب أن تكون الأجسام إذا شاركتها في ~~الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث. # فإن قيل: كيف تدعون العلم بذلك وههنا من يخالف في ذلك ويقول الكتابة لا ~~تعلق لها بالكاتب ولا البناء بالباني ولا غير ذلك من الصنائع، وهو الأشعري ~~وأصحابه، لأن عندهم أن هذه الصنائع لا كسب للعبد فيها وإنما هي من فعل الله ~~وحده. # قلنا: الأشعري لم يدفع حاجة البناء إلى بان ولا الكتابة إلى كاتب، وإنما ~~قال فاعلها هو الله تعالى دون العبد. ونحن لم ندع العلم بحاجة هذه الأفعال ~~إلى فاعل معين بل ادعينا حاجتها إلى صانع ما في الجملة. ثم هل هو القديم أو ~~الواحد منا؟ موقوف على الدليل، ودليله هو أنه يجب وقوع هذه الأفعال بحسب ~~دواعينا وأفعالنا ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا وكراهتنا، فلو كانت متعلقة ~~بغيرنا لما وجب ذلك، كما لا يجب ذلك في طولنا وقصرنا وخلقنا وهيأتنا لم لما ~~تكن متعلقة بنا، فالوجوب الذي اعتبرناه يبطل تعلقها بغيرنا. PageV00P025 # فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون ذلك [بالعادة دون أن يكون] 1) واجبا. # قلنا: ms014 ذلك فاسد من وجهين: # أحدهما: إن ذلك يبطل الفرق بين الواجب والمعتادة، فيؤدي إلى أنه لا فرق ~~بينهما، وأن يقول قائل انتفاء السواد بالبياض بالعادة وحاجة العلم إلى ~~الحياة بالعادة وغير ذلك من الواجبات، فبأي شئ فرقوا بينهما فهو فرقنا بين ~~أن يكون ذلك واجبا أو معتادا. # الثاني: أنه لو كان ذلك بالعادة لوجب أن يكون من لا يعرف العادات ولا نشأ ~~بين أهلها أن يجوز أن تبنى دار من قبل نفسها أو تنكتب كتابة طويلة بلا كاتب ~~أو أن تنسج نساجة عجيبة من غير ناسج وغير ذلك. والمعلوم خلاف ذلك، لأنه لا ~~يجوز مثل ذلك إلا مؤف العقل فاسد التصور. # فإن قيل: لو خلق الله تعالى عاقلا ابتداءا، فشاهد قصرا مبنيا وكتابة هل ~~كان يعلم أن لها بانيا وكاتبا أم لا، فإن قلتم يعلم قلنا وأي طريق له إلى ~~ذلك، وإن قلتم لا يعلم بذلك فقد بطل ادعاؤكم العلم. # قلنا: من خلقه الله وحده ابتداءا وشاهد الكتابة أو القصر فهو لا يعلمهما ~~محدثين متجددين [فلذلك لا يعلم لهما بانيا وكاتبا، فيحتاج أن يتأمل حالهما ~~حتى يعلمهما محدثين متجددين] 1)، فإذا علمهما متجددة الوجود علم تعلقهما ~~بفاعل. # ونظير ذلك أن من شاهد الأجسام قبل النظر في حدوثها، فإنه لا يعلم أن لها ~~محدثا، فإذا تأمل وعلم حدوثها علم عند ذلك أن لها محدثا. # وإنما قلنا أن علة حاجة هذه الحوادث إلينا حدوثها لا غير لأمرين: # أحدهما: أن الذي يتجدد عند دواعينا حدوث هذه الصنائع وينتفى عند PageV00P026 # صوارفنا حدوثها أيضا، فعلمنا أن علة حاجتها إلينا حدوثها. # والثاني: أن هذه الأشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، وحال حدوث، وحال ~~بقاء. فهي لا تحتاج إلينا في حال عدمها، لكونها معدومة في الأزل، وهي ~~تستغني عني في حال بقائها، وإنما تتعلق بنا وتحتاج إلينا في حال حدوثها، ~~فعلمنا بذلك أن علة حاجتها إلينا الحدوث، فعند ذلك نحكم بحاجة الأجسام ، ~~إذا ثبت حاجة حدوثها إلى محدث للاشتراك في علة الحاجة. # وهذه الجملة كافية في هذا الباب، ms015 فإن استيفاء ذلك ذكرناه في شرح الجمل، ~~وفي هذا القدر كفاية إنشاء الله تعالى. # وأما ما يجب أن يكون عليه من الصفات: # فأول ذلك أنه يجب أن يكون قادرا، لأن الفعل لا يصح أن يصدر إلا من قادر. # ألا ترى أنا نجد فرقا بين من يصح منه الفعل وبين من يتعذر عليه ذلك، فلا ~~بد من أن يكون من صح منه الفعل مختصا بأمر ليس عليه من تعذر عليه ذلك وإلا ~~تساويا في الصحة أو التعذر [وقد علمنا خلافه] 1). وأهل اللغة من اختص بهذه ~~المفارقة يسمونه قادرا، فأثبتت المفارقة لمقتضى العقل والتسمية لأجل اللغة، ~~فإذا كان صانع العالم صح منه الفعل وجب أن يكون قادرا. # على أنا دللنا على أن أفعالنا محتاجة إلينا دال على حاجتها إلى من له صفة ~~المختارين، فإسنادها إلى من ليس له صفة المختارين في البطلان كبطلان ~~إسنادها إلى مؤثر، وكلاهما فاسدان. # على أن صانع العالم لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا أو موجبا هو علة أو ~~سبب، ولا يجوز أن يكون علة ولا سببا، لأنهما لا يخلو من أن يكونا قديمين أو ~~محدثين، فلو كانا محدثين لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، وذلك يؤدي إلى ~~ما لا نهاية له من العلل والأسباب، وإن كانا قديمين وجب أن يكون PageV00P027 # العالم قديما، لأن العلة توجب معلولها في الحال والسبب يوجب المسبب إما ~~في الحال أو الثاني، وكلاهما يوجبان قدم الأجسام وقد دللنا على حدوثها، ~~فبطل بذلك أن يكون صانع العالم موجبا ولم يبق بعد ذلك إلا أن يكون مختارا ~~له صفة القادرين. # وإذا ثبت كونه قادرا وجب أن يكون حيا موجودا، لأن من المعلوم أن القادر ~~لا يكون إلا كذلك، فثبت أنه تعالى قادر حي موجود. # وأما الذي يدل على أنه عالم هو أن الأحكام ظاهر في أفعاله كخلق الإنسان ~~وغيره من الحيوان، لأن فيه من بديع الصنعة ومنافع الأعضاء وتعديل الأمزجة ~~وتركيبها على وجه يصح معه أن يكون حيا لا يقدر عليه إلا من ms016 هو عالم بما ~~يريد فعله، لأنه لو لم يكن عالما لما وقع على هذا الوجه من الأحكام والنظام ~~ولاختلف في بعض الأحوال، ولما كان ذلك واقعا على حد واحد ونظام واحد واتساق ~~واحد دل على أن صانعه عالم. # وكذلك خلقه الثمار في أوقات مخصوصة لا تختلف وفي كل شجر ما هو من جنسه ~~وفي كل حيوان من شكله دال على أن خالق ذلك عالم، وإلا لكان يجوز أن يخلق ~~الفواكه الصيفية في الشتاء والشتوية في الصيف، ويخلق في البهيمة من جنس ابن ~~آدم أو في ابن آدم من جنس البهائم، أو يخلق في النخل نبقا وفي الرمان تفاحا ~~وغير ذلك. وفي علمنا بالمطابقة في هذا الباب دليل على أن صانعها عالم بما ~~صنعه. # ألا ترى أن في المشاهد لا تقع الكتابة إلا ممن هو عالم بها، ولا النساجة ~~إلا ممن هو عالم بترتيبها وكيفية إيقاعها، وغيره وإن كان أقدر منه يتعذر ~~عليه مثله لفقد علمه، والضعيف القليل القدر يصح منه ذلك لعلمه بكيفية ~~إيقاعه. # وإذا كان القدر اليسير من أفعالنا المحكمة لا تقع إلا من عالم، فألا تقع ~~PageV00P028 # الأفعال التي أشرنا إليها الزائدة على أحكام كل محكم أولى وأحرى، فثبت ~~بذلك أن صانع العالم عالم. # ولا يجوز أن يكون بصفة الظانين ولا المعتقدين، [لأن الصنائع المحكمة ~~تحتاج إلى من له صفة العالمين دون الظانين المعتقدين] 1)، لأنها تحتاج إلى ~~أمر يلزم كمال العقل ولا يخرج عنه من ثبوت عقله، والظن والاعتقاد الذي ليس ~~بعلم لا يوجب لزومه لكمال العقل. فوجب من ذلك أن يكون صانع العالم عالما ~~دون أن يكون ظانا أو معتقدا. # ويجب أيضا أن يكون مدركا للمدركات سميعا بصيرا، لأن الحي الذي لا آفة به ~~متى وجدت المدركات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون مدركا لها. ألا ترى ~~أن من كانت حواسه صحيحة ووجدت المرئيات وارتفعت الموانع واللبس وجب أن يكون ~~رائيا لها، وكذلك إذا وجدت الأصوات وسمعه صحيح وجب أن يدركها ويفصل بين ~~حاله وهو مدرك لها وبين ms017 أن لا يدركها. # وهذا الفرق لا يستند إلى كونه حيا، لأنه كان حيا قبل ذلك ولم يجد نفسه ~~كذلك ولا إلى كونه عالما لأنه يكون عالما بها قبل إدراكها 2) ولا يجد نفسه ~~على هذه الحال. ألا ترى أن الإنسان يعلم الصوت بعد تقضيه ويعلمه أيضا قبل ~~وجوده ولا يجد نفسه على ما يجد عليه إذا أدركه، وكذلك المتألم يدرك الآلام ~~وإن لم يعلمها. فثبت بذلك أن الادراك غير العلم والحياة. # وإذا كان القديم تعالى حيا والآفات والموانع لا تجوز عليه لأنه ليس يرى ~~بحاسة ووجدت المدركات وجب أن يكون مدركا لها. # وليس لواحد أن يقول: إن الواحد منا يدرك بمعنى هو إدراك، والمعنى ولا ~~يجوز عليه تعالى، وذلك أن الادراك ليس بمعنى، وإنما الواحد منا يدرك PageV00P029 # لكونه حيا، بدلالة أنه لو كان معنى لجاز أن يكون حيا وحواسه صحيحة ~~والموانع مرتفعة واللبس زائل ولو وجد المدركات فلا يدركها بأن لا يفعل فيه ~~الادراك، وذلك يؤدي إلى السفسطة والشك في المشاهدات وأن لا يثق بشئ من ~~المدركات، وما أدى إلى ذلك يجب أن يكون باطلا. # ويجب أيضا أن يكون سميعا بصيرا، لأنه حي لا آفة به. وفائدة السميع البصير ~~أنه على صفة يجب معها أن يسمع المسموعات ويبصر المبصرات، وذلك يرجع إلى ~~كونه حيا لا آفة به. وعلى هذا يوصف تعالى بذلك في الأزل ولو كان له بكونه ~~سميعا بصيرا صفة زائدة على ما قلناه لجاز أن يكون الواحد منا حيا لا آفة به ~~ولا يوصف بأنه سميع بصير، والمعلوم خلاف ذلك. # وأما سامع مبصر فمعناه أنه مدرك للمسموعات والمبصرات، وذلك يقتضي وجود ~~المسموعات والمبصرات، ولذلك لا يوصف بهما في الأزل. # وأما شام وذائق فليس المراد بهما كونه مدركا، بل المستفاد بالشام أنه قرب ~~الجسم المشموم إلى حاسة شمه، والذائق أنه قرب الجسم المذوق إلى حاسة ذوقه. ~~ولذلك يقولون شممته فلم أجد له رائحة، وذقته فلم أجد له طعما ولا يقولون ~~أدركته فلم أدركه لأنه مناقضة، وجرى مجرى قوله أصغيت إليه ms018 فلم أسمعه، ~~فهاتان يكون؟ سبب الادراك على وجه دون أن يكون نفس الادراك. # ويجب أيضا أن يكون تعالى مريدا وكارها، لأنه ثبت أنه آمر وناه ومخبر ~~والأمر لا يقع إلا ممن هو مريد للمأمور به، والنهي لا يقع نهيا إلا مع ~~كراهية المنهي عنه، والخبر لا يقع خبرا إلا بإرادة كونه خبرا. بدلالة أن ~~هذه الصيغ كلها توجد فيما ليس بأمر ولا نهي ولا خبر. PageV00P030 # ألا ترى أن قوله تعالى " واستفزز من استطعت منهم بصوتك " 1) وقوله تعالى ~~" اعملوا ما شئتم " 2) بصورة الأمر والمراد به التهديد، وقوله تعالى " ~~فأتوا بسورة من مثله " 3) صورته صورة الأمر والمراد به التحدي، وقوله تعالى ~~" وإذا حللتم فاصطادوا " 4) المراد به الإباحة. ونظائر ذلك كثيرة جدا، فلا ~~يمكن مع ذلك أن يكون آمرا لجنسه ولا لصيغته ولا لحدوثه، لأن جميع ذلك يوجد ~~فيما ليس بأمر، فلم يبق إلا أنه يكون آمرا لإرادة المأمور به. والكلام في ~~النهي والخبر مثل ذلك. # وأيضا فقد ثبت أنه تعالى خلق الخلق ولا بد أن يكون له فيه غرض، لأنه إن ~~لم يكن له فيه غرض كان عبثا، وذلك لا يجوز عليه. ولا يجوز أن يكون خلقهم ~~لنفع نفسه، لأن ذلك لا يجوز عليه، لأنا سنبين استحالة المنافع عليه. # فلم يبق إلا أنه خلق الخلق لمنافعهم، ومعناه أنه أراد نفعهم بذلك، فثبت ~~بذلك أنه مريد. # ويجب أن يكون تعالى قديما موجودا في الأزل، لأنه لو كان محدثا لاحتاج إلى ~~محدث، والكلام في محدثه كالكلام فيه، فكان يؤدي إلى محدثين ومحدثي المحدثين ~~إلى ما لا نهاية له، وذلك فاسد. # وأيضا فإنه فاعل الأجسام والأعراض المخصوصة من الألوان والطعوم وغيرهما، ~~والمحدث لا يصح منه فعل الجسم ولا هذه الأعراض المخصوصة، فوجب أن يكون من ~~صحت فيه قديما. وإنما كان كذلك لأن المحدث لا يكون PageV00P031 # قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا يصح بها فعل الأجسام. # وإنما قلنا " إن المحدث لا يصح أن يكون قادرا لنفسه " لأنه لو جاز أن ~~يكون الجسم قادرا لنفسه لوجب أن تكون ms019 الأجسام كلها قادرة لنفسها لأنها ~~متماثلة، والمعلوم خلاف ذلك. # وإنما قلنا " إن القدرة لا يقع بها فعل جسم " لأنا لو اجتهدنا كل الجهد ~~أن نوجد جسما أو جوهرا لتعذر ذلك، ولا وجه لتعذره إلا أنه غير مقدور لنا ~~وبذلك نفصل بين ما هو مقدور لنا وبين ما ليس بمقدور لنا. فبان بذلك أن من ~~صح منه الجسم لا يكون إلا قديما ولا يكون محدثا. # وهو تعالى متكلم. والطريق الذي يعلم كونه متكلما السمع، لأن العقل لا يدل ~~عليه، وإنما يدل على أنه قادر على الكلام، لأنه جنس من الأفعال وهو قادر ~~على جميع الأجناس. وقد أجمع المتكلمون على أنه تعالى متكلم لا خلاف بينهم، ~~وإجماعهم حجة. ومعلوم أيضا من دين النبي عليه السلام أنه تعالى متكلم، وأن ~~هذا القرآن كلام الله تعالى. # فإن قيل: السمع مستند إلى قول النبي عليه السلام، والنبي بأي شئ يعلم أنه ~~متكلم؟ فإن قلتم بسمع آخر أدى إلى ما لا نهاية له من المستمعين، أو ينتهى ~~إلى مسمع علم عقلا أنه متكلم، وإلا فما الجواب؟ # قيل: لا يمتنع أن يعلم النبي كونه متكلما بكلام يسمعه يتضمن بأنه كلام ~~الله، ويقترن بذلك علم معجز، فيقطع على ذلك أنه كلامه وأنه متكلم. ويمكن ~~أيضا أن يخلق الله تعالى فيه العلم الضروري بأنه ليس بكلام أحد من ~~المخلوقين وقد تقرر في عقله أن المحدث لا بد أن يكون له محدث، فيعلم عند ~~ذلك أنه كلامه القديم، لأنه لا واسطة بين القديم والمحدث، وإذا بطل أنه ~~كلام محدث ثبت أنه كلام قديم. PageV00P032 ### || فصل (في كيفية استحقاقه لهذه الصفات) # يجب أن يكون تعالى قادرا في الأزل، ~~لأنه لو تجدد كونه قادرا بعد أن لم يكن كذلك وجب أن يكون قادرا بقدرة، لأن ~~شرط صحة كونه قادرا عدم المقدور، وهو حاصل في الأزل. ولو كان قادرا بقدرة ~~وجب أن تكون تلك القدرة محدثة، لأنها لو كانت قديمة لوجب كونه قادرا في ~~الأزل، ولو كانت محدثة لوجب أن يكون من فعله، إذ ms020 المحدث لا بد له من محدث، ~~ولو كانت من فعله لوجب أن يكون قادرا قبل إيجادها، لأن الفعل لا يصدر إلا ~~من قادر. # وعلى هذا المذهب هو تعالى لا يكون قادرا إلا بعد وجود القدرة، فيتعلق ~~كونه قادرا بوجود القدرة ووجود القدرة بكونه قادر، فلا يصح واحد من ~~الأمرين. وذلك باطل، لأنا علمنا خلاف ذلك. # وإذا ثبت كونه قادرا في الأزل وجب أن يكون قادرا لنفسه، لأنه لا يمكن ~~استناد ذلك إلى الفاعل والقدرة المحدثة، لأن ما يتعلق بالفاعل من شرطه تقدم ~~الفاعل عليه، وذلك لا يصح في الحاصل في الأزل. والقدرة المحدثة لا توجب صفة ~~في الأزل، لأن معلول العلة لا يتقدمها. # ولا يجوز أن يكون قادرا بقدرة قديمة، لأنه كان يجب أن تكون تلك القدرة ~~مثلا له ومشاركة له في جميع صفاته، وهو تعالى مشارك للقدرة في جميع صفاتها ~~لاشتراكهما في القدم الذي هو صفة النفس، والاشتراك في صفة النفس توجب ~~التماثل، كما أن ما شارك السواد في كونه سوادا كان سوادا، PageV00P033 # وما شارك الجوهر في كونه جوهرا كان جوهرا. وكان يجب من ذلك أن يكون تعالى ~~بصفة القدرة والقدرة بصفة القادر، وذلك باطل، فلم يبق إلا أنه قادر لنفسه. # وبمثل ذلك يعلم [أنه عالم لنفسه، لأنه لو تجدد] 1) كونه عالما بعد أن لم ~~يكن لوجب أن يكون عالما بعلم محدث، إذ لا شرط يقف كونه عالما عليه، لأن ~~المعدوم يصح العلم به كما يصح بالموجود، بدلالة أنا نعلم ما كان أمس ونعلم ~~ما يكون في الغد، وكل ذلك معدوم. # ولو كان عالما بعلم محدث لوجب أن يكون من فعله، إذ لا أحد يقدر أن يفعل ~~علما لا في محل لو صح وجود غيره، ولو كان هو الفاعل له لوجب أن يتقدم أو لا ~~كونه عالما، لأن العلم لا يقع إلا من عالم، لأن جميع الوجوه التي يقع ~~الاعتقاد عليها فيكون علما يتقدم أو لا كون فاعله عالما، وذلك يؤدي إلى ~~تعلق كونه عالما بوجود العلم ووجود العلم ms021 بكونه عالما. # وإذا ثبت بذلك كونه قادرا عالما بنفسه لوجب أن يكون قادرا على جميع ~~الأجناس ومن كل جنس على ما لا يتناهى، لأنه لا مخصص له بقدر دون قدر. # ويجب مثل ذلك في كونه عالما أن يكون عالما بجميع المعلومات، إذ لا مخصص ~~له ببعضها دون بعض، فيجب من ذلك كونه عالما قادرا على ما لا يتناهى. # وإذا ثبت كونه قادرا عالما في الأزل وجب كونه حيا موجودا في الأزل، إذ ~~القادر العالم لا بد أن يكون حيا موجودا. # ويجب أن يكون موصوفا بأنه سميع بصير في الأزل، لأنه يفيد كونه على صفة ~~يجب أن يدرك المسموعات والمبصرات إذا وجدت، وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة ~~به. # ولا يوصف بأنه سامع مبصر في الأزل، لأنهما يقتضيان وجود المسموعات PageV00P034 # والمبصرات في الأزل، ووجودهما في الأزل محال لأنهما محدثان، فلا يصح ~~وجودهما في الأزل. # وأما كونه مدركا فإنه يتجدد له بعد أن لم يكن إذا وجدت المدركات، ~~والمقتضي له كونه حيا، لأن أحدا متى حصل كونه حيا ووجدت المدركات وارتفعت ~~الموانع المعقولة وجب أن يكون مدركا، ولو كان المقتضي غير كونه حيا لما وجب ~~ذلك وقد علمنا وجوبه. # فأما كونه مريدا وكارها فيجب أن يحصلا له بإرادة محدثة موجودة لا في محل، ~~لأنه لا يخلو أن يكون مريدا لنفسه أو بإرادة قديمة أو محدثة فيه أو في غيره ~~من جماد أو حيوان، أو موجودة لا في محل. ولا يجوز أن يكون مريدا لنفسه، ~~لأنه كان يؤدي إلى أن يكون مريدا للشئ كارها له على وجه واحد في وقت واحد، ~~لوجوب سماع صفات النفس. # وما به علمنا كونه مريدا علمنا كونه كارها، واجتماع الصفتين محال، ~~لتضادهما ولأنه كان يجب أن يكون مريدا لكل ما يصح حدوثه، فيجب من ذلك أن ~~يكون مريدا للقبائح، وذلك صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. # ولا يجوز أن يكون مريدا بإرادة قديمة، لأنه كان يجب أن تكون تلك الإرادة ~~مثلا له لمشاركتها له في القدم على ms022 ما بيناه في القدرة والعلم وقد بينا ~~فساده. # ولا يجوز أن يكون مريدا بإرادة قائمة به، لأنه ليس بمتحيز والمعاني لا ~~تقوم إلا بالمتحيز. ولو وجدت في غيره من الجماد استحال ذلك، لأن الإرادة ~~يستحيل وجودها في الجماد. ولو وجدت في حي لوجب أن تكون إرادة لذلك الحي، ~~فلم يبق إلا أنه يجب أن يكون مريدا بإرادة توجد لا في محل. # فأما كونه متكلما فلا يكون إلا بكلام محدث، لأن حقيقة المتكلم من وقع ~~PageV00P035 # منه الكلام الذي هو هذا المعقول بحسب دواعيه وأحواله. # والكلام المعقول ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة التي ~~هي ثمانية وعشرون حرفا إذا وقع ممن يصح منه أو من قبله للإفادة. # والدليل على ذلك أنه إذا وجدت هذه الحروف على هذا الوجه سمى كلاما، وإذا ~~اختل واحد من الشروط لا يسمى بذلك، فعلمنا أنه حقيقة الكلام متى وقع ما ~~سميناه كلاما [بحسب دواعيه] 1) وأحواله سمي متكلما فعرفنا بذلك حقيقة ~~المتكلم. وإذا ثبت حقيقة الكلام والمتكلم ثبت أن كلامه محدث، لأن هذه ~~الإضافة تقتضي ذلك. # وليس لأحد أن يقول: لو لم يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه متكلم يوصف بضده ~~من الخرس والسكوت، وذلك أن الخرس إنما هو فساد آلة الكلام [والسكوت هو ~~تسكين آلة الكلام] 2)، والله تعالى ليس بمتكلم بآلة فلا يوصف بشئ من ذلك. ~~ثم ذلك ينتقض بالصائح والصارخ، فإنه لا يوصف بالخرس ولا بالسكوت ولا ~~بالكلام، فبطل ما قالوه. # وينبغي أن يوصف كلام الله [بما سماه الله] 3) تعالى به من كونه محدثا، ~~قال الله تعالى " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه " 4)، والذكر ~~هو القرآن بدلالة قوله " وأنزلنا إليك الذكر " 5) وقوله " إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون " 6) PageV00P036 # ولا يجوز أن يكون المراد به الرسول، لقوله " إلا استمعوه " والكلام هو ~~الذي يصح استماعه دون الرسو ل، ويصفه بأنه مجعول كما قال " إنا جعلناه ~~قرآنا عربيا " 1)، ونعته بأنه منزل قال الله تعالى " إنا نحن نزلنا الذكر " ~~وقال " وأنزلنا إليك الذكر ms023 "، ويوصف بأنه عربي كما قال " بلسان عربي مبين " ~~2) والعربية محدثة. # ولا يوصف بأنه مخلوق، لأنه يوهم أنه مكذوب أو مضاف إلى غير قائله لأنه ~~المعتاد من هذه اللفظة، قال الله تعالى " إن هذا إلا اختلاق " 3) و " إن ~~هذا إلا خلق الأولين " 4) وقال " وتخلقون إفكا " 5)، فلم يوصف الكلام ~~بالخلق إلا إذا أريد به الكدب أو الانتحال كما يقولون هذه قصيدة مخلوقة ~~ومختلقة إذا كانت منتحلة مضافة إلى غير قائلها. # وهذه الجملة تكفي فيما قصدناه، لأن شرح جميعه بيناه في شرح الجمل وذكره ~~يطول به ما قصدناه. ### || فصل (فيما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز) #لا يجوز أن يكون له تعالى مائية ~~على ما يذهب إليه ضرار بن عمرو الضبي وأبو حنيفة، لأن الطريق إلى إثباته ~~تعالى وإثبات صفاته أفعاله، فلا يجوز أن يثبت PageV00P037 # على صفة لا يدل عليها الفعل إماما بنفسه أو بواسطة، لأنا إن لم نراع هذا ~~الأصل لزم أن يكون له كيفية وكمية وغير ذلك من الأقوال الفاسدة، وذلك باطل. # والفعل بمجرده يدل على كونه قادرا، وبوقوعه محكما على كونه عالما وبوقوعه ~~على وجه دون وجه على كونه مريدا أو كارها، وكونه قادرا عالما على كونه حيا ~~موجودا، وكونه حيا موجودا على كونه مدركا سميعا بصيرا. # ووجوب هذه الصفات له في الأزل يدل على صفته الذاتية عند من أثبتها وليس ~~في الفعل ما يدل على أن له مائية، فوجب نفيها. # وقول الأمة: إن الله تعالى أعلم بنفسه منا. معناه أنه يعلم من تفاصيل ~~مقدوراته ومعلوماته ما لا يعلمه أحد، لأنه يعلم منها ما لا نهاية له، ~~والواحد منا يعلم ذلك على وجه الجملة، فلا يجوز التوصل بذلك إلى القول ~~بالمائية. # ولا يجوز أن يكون تعالى بصفة الجسم أو الجوهر، لأن ما دل على كون الجسم ~~محدثا 1) قائم في جميع الأجسام، فلو كان تعالى جسما لأدى إلى كونه محدثا أو ~~كون الأجسام قديمة، وكلا الأمرين فاسد. # وأيضا لو كان جسما لما صح منه فعل الأجسام كما لا يصح منا، على ms024 ما مضى ~~القول فيه، والعلة في ذلك كونها أجساما، وقد دللنا على أنه فاعل الأجسام ~~فبطل كونه جسما. # ولا يجوز وصفه بأنه جسم مع انتفاء حقيقة الجسم عنه، لأن ذلك نقض اللغة، ~~لأن أهل اللغة يسمون الجسم ما له طول وعرض وعمق، بدلالة قولهم " هذا أطول ~~من هذا " إذا زاد طولا، و " هذا أعرض من هذا " إذا زاد عرضا و " هذا أعمق ~~من هذا " إذا زاد عمقا، و " هذا أجسم من هذا " إذا جمع الطول والعرض ~~والعمق. فعلم بذلك أن حقيقة الجسم ما قلناه، وذلك يستحيل PageV00P038 # فيه تعالى، فلا يجوز وصفه بذلك. # وقولهم " إنه جسم لا كالأجسام " مناقضة، لأنه نفي ما أثبت نفيه، لأن ~~قولهم " جسم " يقتضي أن له طولا وعرضا وعمقا، فإذا قيل بعد ذلك " لا ~~كالأجسام " اقتضى نفي ذلك نفيه، فيكون مناقضة. # وليس قولنا " شئ لا كالأشياء " مناقضة، لأن قولنا " شئ " لا يقتضي أكثر ~~من أنه معلوم وليس فيه حس؟، فإذا قلنا " لا كالأشياء المحدثة " لم يكن في ~~ذلك مناقضة. # وقوله " الرحمن على العرش استوى " 1) معناه استولى عليه لما خلقه، كما ~~قال الشاعر 2): # قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وقوله " لما خلقت بيدي " ~~3) معناه أنه تولى خلقه بنفسه، كما يقول القائل " هذا ما عملت يداك " أي ~~أنت فعلته. وقيل: معناه لما خلقت لنعمتي الدينية والدنيوية. # وقوله " في جنب الله " 4) معناه في ذات الله وفي طاعته. # وقوله " والسماوات مطويات بيمينه " 5) أي بقدرته، كما قال الشاعر 6): # إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين PageV00P039 # وقوله " تجري بأعيننا " 1) أي ونحن عالمون. # ولا يجوز أن يكون تعالى بصفة شئ من الأعراض، لأنه قد ثبت حدوث الأعراض ~~أجمع، فلو كان بصفة شئ من الأعراض لكان محدثا، وقد بينا قدمه. # ولأنه لو كان بصفة شئ من الأعراض لم يخلو من أن يكون بصفة ما يحتاج إلى ~~محل أو بصفة ما لا يحتاج إلى المحل كالغناء وإرادة القديم تعالى وكراهته ~~فإن كان بصفة القسم الأول أدى إلى قدم المحال وقد بينا ms025 حدوثها، ولو كان ~~بصفة القسم الثاني لاستحال وجوده وقتين كاستحالة ذلك على هذه الأشياء. # وأيضا لو كان بصفة الغناء لاستحال وجود الأجسام معه، وذلك باطل. # ولا يجوز عليه تعالى الحلول، لأنه لا يخلو أن يكون الحلول واجبا له أو ~~جائزا، ولو كان واجبا لوجب ذلك في الأزل، وذلك يوجب وجود ما يحله في الأزل، ~~وفي ذلك قدم المحال، وقد بينا فساده. # ولو كان وجوده متجددا [وهو واجب] 2) لوجب أن يكون له مقتضى، فلا يخلو أن ~~يكون مقتضيه صفته الذاتية أو كونه حيا، ولا يجوز أن تكون صفته الذاتية ~~مقتضية لذلك، لأن صفة الذات لا تقتضي صفة أخرى بشرط منفصل، ووجود المحل ~~منفصل. ولو كان كونه حيا مقتضيا لذلك اقتضاه فينا، كما أنه لما اقتضى كونه ~~مدركا اقتضاه فينا، وذلك باطل. # وإن كان حلوله جائزا احتاج إلى معنى، وذلك المعنى لا بد أن يختص به ~~والاختصاص يكون إما بالحلول أو المجاورة، وكلاهما يقتضيان كونه جوهرا وقد ~~أفسدناه، فبطل بجميع ذلك عليه الحلول. # ولا يجوز أن يكون تعالى في جهة من غير أن يكون شاغلا لها، لأنه ليس PageV00P040 # في الفعل ما يدل على أنه في جهة لا بنفسه ولا بواسطة، وقد بينا أنه لا ~~يجوز وصفه بما يدل عليه الفعل لا بنفسه ولا بواسطة. # ولا يجوز عليه تعالى الحاجة، لأن الحاجة لا تجوز إلا على من يجوز عليه ~~المنافع والمضار، والمنافع والمضار لا يجوزان إلا على من تجوز عليه الشهوة ~~والنفار، وهما يستحيلان عليه تعالى. والذي يدل على أنه يستحيل عليه الشهوة ~~والنفار أنه ليس في الفعل لا بنفسه ولا بواسطة ما يدل على كونه مشتهيا ~~ونافرا وقد بينا أنه لا يجوز إثباته على صفة لا يقتضيها الفعل لا بنفسه ولا ~~بواسطة. # وأيضا فالشهوة والنفار لا يجوزان إلا على الأجسام، لأن الشهوة تجوز على ~~من إذا أدرك المشتهي صلح عليه جسمه [وإذا أدرك ما ينفر عنه فسد عليه جسمه] ~~1)، وهما يقتضيان كون من وجدا فيه جسما، وقد بينا أنه ليس بجسم فيجب ms026 إذا ~~نفي الشهوة والنفار عنه. # وإذا انتفيا عنه انتفت عنه المنافع والمضار، وإذا انتفيا عنه انتفت عنه ~~الحاجة ووجب كونه غنيا، لأن الغني هو الحي الذي ليس بمحتاج. # ولا يجوز عليه تعالى الرؤية بالبصر، لأن من شرط صحة الرؤية أن يكون ~~المرئي نفسه أو محله مقابلا للرائي بحاسة أو في حكم المقابل، والمقابلة ~~يستحيل عليه لأنه ليس بجسم، ومقابلة محله أيضا يستحيل عليه لأنه ليس بعرض ~~على ما بيناه. ولأنه لو كان مرئيا لرأيناه مع صحة حواسنا وارتفاع الموانع ~~المعقولة ووجوده، لأن المرئي إذا وجد وارتفعت الموانع المعقولة وجب أن ~~نراه، وإنما لا نراه إما لبعد مفرط أو قرب مفرط أو لحائل بيننا وبينه أو ~~للطافة أو صغر، وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لأنه من صفات الأجسام والجواهر. PageV00P041 # وبمثل ذلك بعينه يعلم أنه لا يدرك بشئ من الحواس الباقية، فلا وجه ~~للتطويل بذكره. # والحاسة السادسة غير معقولة، ولو كانت معقولة لكان حكمها حكم هذه الحواس ~~مع اختلافها واتفاقها في هذا الحكم. # وأيضا قوله تعالى " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " 1) دليل على ~~استحالة رؤيته، لأنه تمدح بنفي الادراك عن نفسه، وكل تمدح تعلق بنفي ~~فإثباته لا يكون إلا نقصا، كقوله " لا تأخذه سنة ولا نوم " 2) وقوله تعالى ~~" ما اتخذ الله من ولد " 3) وقوله تعالى " ولم تكن له صاحبة ولا ولدا " 4) ~~وقوله تعالى " لا يظلم الناس شيئا " 5) وغير ذلك مما تعلق المدح بالنفي، ~~فكان إثباته نقصا. # والآية فيها مدح بلا خلاف وإن اختلفوا في جهة المدح، والادراك في الآية ~~بمعنى الرؤية، لأنه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه بقوله " وهو يدرك الأبصار " ~~6) وقوله " وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة " 7) لا يعارض هذه الآية، ~~لأن النظر المذكور في الآية معناه الانتظار، فكأنه قال: لثواب ربها منتظرة. ~~ومثله قوله " وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة " 8) أي منتظرة. # وليس النظر بمعنى الرؤية في شئ من كلام العرب، ألا ترى أنهم يقولون PageV00P042 # " نظرت إلى الهلال فلم أره "، فيثبتون النظر وينفون الرؤية، ولو كان ~~معناه الرؤية ms027 لكان ذلك مناقضة، ويقولون " ما زالت أنظر إليه حتى رأيته " ~~ولا يقولون " ما زلت أراه حتى رأيته ". # ولو سلم أن النظر بمعنى الرؤية لجاز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها رائية، ~~وثواب الله يصح رؤيته. # ويحتمل أن يكون " إلى " في الآية واحد الآلاء، لأنه يقال إلي والئ والئ ~~والئ والى، وإنما لم ينون لمكان الإضافة، فيكون " إلى " في الآية اسما لا ~~حرفا، فيسقط بذلك شبهة المخالف. # وقول موسى عليه السلام " رب أرني أنظر إليك " 1) يحتمل أن يكون سأل ~~الرؤية لقومه على ما حكاه الله عز وجل في قوله " فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة " 2)، فسأل الله تعالى ذلك ليرد الجواب من جهته ~~فيكون أبلغ. # ويحتمل أن يكون سأل العلم الضروري الذي تزول معه الخواطر والشبهات أو ~~إظهار آية من آيات الساعة التي يحصل عندها العلم الذي لا شك فيه، وللأنبياء ~~أن يسألوا تخفيف البلوى في التكليف، كما سأل إبراهيم عليه السلام فقال: # " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " 3) ~~وكل ذلك لا ينافي الآية التي ذكرناها. PageV00P043 ### || فصل (في أنه تعالى واحد لا ثاني له في القدم) #لو كان مع الله تعالى قديم ~~ثان لوجب أن يكون مشاركا له في جميع صفاته، لمشاركته له في القدم التي هي ~~صفة ذاته التي باين بها جميع الموجودات لأن جميع أوصافه - من كونه عالما ~~وقادرا وحيا وموجودا ومريدا وكارها ومدركا - [يشاركه غيره من المحدثات ~~قديما ولا يشاركه في القدم، فبان أنه يكون قديما] 1) يخالف المحدثات. # والشئ إنما يخالف غيره بصفته الذاتية وبها يتماثل ما تماثله، كما أن ما ~~شارك السواد في كونه سوادا ويخالف غير السواد من أن السواد يخالف البياض 2) ~~والحموضة وغيرهما أيضا بكونه سوادا [ويشارك سوادا آخر بكونه سوادا] 3)، ~~فعلم بذلك أن الاشتراك في صفة الذات يوجب التماثل، وكان يجب من ذلك مشاركة ~~القديمين في كونهما قادرين عالمين حيين وفي جميع صفاتهما. # ثم لا يخلو أن يكون مقدورهما واحدا أو متغايرا، ms028 فإن كان واحدا جاز أن ~~يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد مقدوره والثاني يصرفه عن إيجاده، فيؤدي ذلك ~~إلى وجوب وجوده، لدعاء من دعاه الداعي إلى إيجاده ووجوب انتفائه لصارف من ~~صرفه عن إيجاده، وذلك محال. # فإن كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد PageV00P044 # فعل ويدعو الثاني بصرفه عن إيجاده ووجوب صارف صرفه عن إيجاده، وذلك محال. ~~[وإن كان مقدورهما متغايرا لم يمتنع أن يدعو أحدهما الداعي إلى إيجاد فعل ~~ويدعو الآخر إلى إيجاد ضده] 1). # ثم لا يخلو أن يوجدا أو لا يوجدا أو يوجد أحدهما، فإن وجدا أدى إلى ~~اجتماع الضدين وذلك محال، وإن لم يوجدا أدى إلى ارتفاع الفعل عنهما لا لوجه ~~منع معقول، وإن وقع أحدهما أدى إلى ارتفاع الفعل عن أحدهما لا لمنع معقول. ~~لأنه لا يمكن أن يقال أن أحدهما أكبر مقدورا، لأن كل واحد منهما يجب أن ~~يكون مقدوراته غير متناهية. # فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية ~~القائلين بالنور والظلمة، وبطل قول المجوس القائلين بالله والشيطان وبطل ~~قول النصارى القائلين بالتثليث. # على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام، والنور والظلمة ~~جسمان، ولأنهما أثبتوهما من حيث اعتقدوا أن الخير يضاد الشر، ولا يجوز أن ~~يصدرا من فاعل واحد. وذلك باطل، من حيث أن الخير من جنس الشر، لأن أخذ مال ~~الغير غصبا هو ظلم وشر وأخذه قضاءا لدين حسن وعدل وهما من جنس واحد، ولطمة ~~اليتيم ظلما شر ولطمته تأديبا حسن، ولو كانا ضدين لجاز أن يصدرا من فاعل ~~واحد، لأن القادر يقدر على الشئ وعلى جنس ضده، وهذا بعينه هو شبهة المجوس، ~~والكلام عليهم واحد. # على أن قولهم أجمع يبطل المدح والذم، لأن المطبوع لا يستحق مدحا ولا ذما، ~~كالنار في الاحراق والثلج في التبريد. ويؤدي إلى قبح الاعتذار لأن الاعتذار ~~حسن لا يقع عندهم من الظلمة وما يعتذر منه قبيح لا يقع عندهم PageV00P045 # من النور، فيكون الاعتذار من غير ms029 فاعل الإساءة، وذلك قبيح في العقول. # وأما النصارى فمن خالف منهم في نبوة نبينا فالكلام معهم في النبوة سيجئ، ~~ومن قال بقول النصارى من القول بالتثليث والاتحاد والنبوة فقولهم باطل، لأن ~~قولهم ثلاثة أقانيم جوهر واحد متناقض، لأن في إثباته واحدا نفيا لما زاد ~~عليه وفي إثبات التثليث إثباتا لما نفى بعينه، وذلك محال. وقولهم بالاتحاد ~~وأن الثلاثة صارت واحدا محال، وكذلك قولهم صار الناسوت إلها والمحدث قديما ~~كل ذلك محال. ولو جاز ذلك لجاز أن يصير الواحد مائة وأن يصير القديم محدثا، ~~وكل ذلك فاسد، فيبطل ما قالوه. # وأما قولهم بالبنوة فحقيقة الابن من ولد على فراشه أو خلق من مائه، ~~وكلاهما يستحيلان عليه تعالى، ومجاز ذلك يطلق فيمن يجوز أن يولد على فراشه ~~أو يخلق من مائه. ألا ترى أنهم يقولون " يبنا فلان بفلان " إذا كان أصغر ~~منه، ولا يقولون " يبنا شاب شيخا " ولا " يبنا الانسان بهيمة " لما لم يجز ~~أن يكون مخلوقا من مائه، فمجاز هذه اللفظة يجوز على من يجوز عليه حقيقتها ~~وحقيقتها مستحيل في الله تعالى، فمجازها مثل ذلك. # وقولهم " ابن الله " لمشاركته له في المشيئة، يوجب أن يكون الأنبياء كلهم ~~أبناء الله، لأنهم يوافقونهم في المشيئة وهم لا يقولونه. فبان بذلك فساد ~~هذه المذاهب، وثبت أنه تعالى واحد لا يشاركه أحد في القدم. # فأما من عبد الأصنام أو الكواكب فقولهم باطل، لأن عبادة من لا يستحقها ~~قبيحة في العقول. # والعبادة إنما تستحق بأصول النعم التي هي خلق الخلق وجعله حيا وقادرا ~~وإكمال عقله وخلق الشهوة فيه التي بها ينتفع وينال الملاذ وخلق المشتهيات ~~وغير ذلك. وكل ذلك لا يقدر عليه غير الله، فيجب أن تقبح عبادته. على أن ~~PageV00P046 # هذه الأشياء جمادات ومسخرات، وكيف يصح منها فعل ما يستحق به العبادة. # وقولهم " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " 1) باطل، لأن التقرب ~~إلى الله بالقبائح قبيح في العقول. وليس يجري ذلك مجرى تعظيما للبيت الحرام ~~والحجر وسجودنا إليه، وذلك أنا نسجد لله تعالى ونتقرب إليه ms030 لا إلى البيت ~~والحجر، وإنما تعبدنا الله بذلك ورغبنا فيه. فنظير ذلك أن ثبت بشرع مقطوع ~~به التقرب إلى الله والسجود له بالتوجه إلى هذه الأشياء، والقوم لا يذهبون ~~إليه، فبطل تشبيههم بما قلناه وبان الفرق بينهما. ### || فصل (الكلام في العدل) # الغرض بالكلام في العدل الكلام في تنزيه الله تعالى عن ~~فعل القبيح والاخلال بالواجب، فإذا حصل العلم بذلك حصل العلم بالعدل. # والطريق الموصل إلى ذلك أن نبين أنه تعالى قادر على القبيح ثم نبين بعد ~~ذلك أنه لا يفعله بعد أن نبين تقدم معنى الفعل وانقسامه ثم نعود إلى الغرض. # وحقيقة الفعل ما وجد بعد أن كان معدوما. # ولا يخلو الفعل من أن يكون له صفة زائدة على حدوثه أم لا يكون له صفه ~~زائدة، فما ليس له صفة زائدة هو كلام الساهي والنائم وحركات أعضائه التي لا ~~تتعداه، وما له صفة زائدة على حدوثه إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فالحسن هو ~~كل فعل إذا فعله العالم به أو المتمكن من العلم به مختارا لا يستحق عليه ~~الذم. # وهو على ضربين: أحدهما له صفة زائدة على حسنه، والآخر لا صفة له زائدة ~~على حسنه. فما لا صفة له زائدة على حسنه هو الموصوف بأنه مباح إذا PageV00P047 # علم فعله أو دل عليه، وما له صفة زائدة على حسنه فهو كل فعل يستحق به ~~المدح على بعض الوجوه. # وهو على ضربين: أحدهما إذا لم يفعله استحق الذم على بعض الوجوه، والآخر ~~لا يستحق الذم إذا لم يفعله على حال. # فالأول موصوف بأنه واجب على ثلاثة أقسام: أحدها واجب مضيق كالصلاة ~~المفروضة وكرد عين الوديعة، والثاني يكون مخيرا فيه كالكفارات الثلاث في ~~اليمين، والثالث من فروض الكفايات إذا قام به بعض سقط عن الباقي كرد السلام ~~والجهاد والصلاة على الأموات. # وما هو ندب على ضربين: أحدهما يكون نفعا واصلا إلى الغير فيوصف بأنه ~~إنعام وإحسان إذا قصد ذلك، والآخر لا يتعداه فلا يوصف بأكثر من أنه ندب. ~~وأمثلة ذلك في أفعالنا ms031 وأفعاله قد ذكرناها في شرح الجمل والمقدمة وغير ذلك ~~من كتبنا. # والقبيح هو كل فعل إذا وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بقبحه استحق ~~عليه الذم على بعض الوجوه. # والعلم بقبح القبائح ووجوب الواجبات [يكون عقليا وشرعيا: فالعقليات ~~كالعلم بقبح الظلم والجهل والكذب العاري من نفع أو ضرر والعبث وغير ذلك، ~~والواجبات] 1) كالعلم بوجوب رد الوديعة والانصاف وقضاء الدين والعلم بحسن ~~الاحسان وغير ذلك. وأما ما يعلم بالشرع فكلما لا يمكن معرفته بالعقل ~~كالعبادات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك، وكقبح شرب ~~الخمر والزنا وغير ذلك، فإنه لا مجال للعقل في العلم بذلك. PageV00P048 # والذي يدل على ما قلناه من أن العلم بما تقدم هو العقل دون الشرع، هو أن ~~كل عاقل مفطور العقل يعلم قبح الظلم وقبح الجهل والكذب والعبث، فلو لا أن ~~طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، ولكان يقف على من علم ~~صحة السمع. # وفي علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحد وملحد ومقر بالنبوات وجاحد لها ~~في العلم بذلك دليل على أن طريق ذلك العقل. # وقولهم " إنهم علموا ذلك لمخالطتهم للعقلاء من أهل الشرع " باطل، لأنه لو ~~كان كذلك لعلموا قبح كل ما علمه أهل الشرع من قبيح شرب الخمر والزنا وغير ~~ذلك، وفي العلم بالفرق بينهما دليل على فساد ما قالوه. # ومتى قالوا: إن العقلاء لا يعلمون ذلك أو يعتقدونه اعتقادا ليس بعلم. # لزمهم أن يقولوا لا يعلمون المشاهدات أيضا، لأن في الناس من قال طريق ذلك ~~السمع، ولزم عليه قول السوفسطائية وأصحاب العنود في نفيهم العلم بشئ من ~~الأشياء ونسبتهم ذلك كله إلى الظن والحسبان، وذلك باطل بالاتفاق. # فأما الذي يدل على أنه تعالى قادر على القبيح، فهو ما ثبت من كونه خالقا ~~لكمال العقل والعلم بالمشاهدات، ومن شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على ~~جنس ضده، فيجب أن يكون قادرا على ضد هذه العلوم من الجهل، والجهل قبيح. # وأيضا فالقبيح من جنس الحسن، بدلالة أن قعود الإنسان ms032 في دار غيره غصبا من ~~جنس قعوده فيها بإذن مالكها، وأحدهما قبيح والآخر حسن. # والقديم تعالى قادر على الأجناس كلها، ومن كل جنس على ما لا نهاية له، ~~لأنه قادر لنفسه على ما مضى، ولا اختصاص له بقدر دون قدر ولا بجنس دون جنس. ~~PageV00P049 # وأيضا فهو تعالى قادر على تعذيب الكفار بلا خلاف وهو حسن، فإذا أسلم ~~الكافر قبح عقابه ولم يخرج إسلامه إياه تعالى عن كونه قادرا، فبان بذلك أنه ~~قادر على القبيح. # فإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أنه لا يفعله علمه بقبح القبائح وعلمه بأنه ~~غني عنه، والعالم بقبح القبيح وبأنه غني عنه لا يجوز أن يختاره. ألا ترى أن ~~من خير بين الصدق والكذب في باب الوصول إلى غرضه وهو عالم بقبح الكذب وحسن ~~الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق مع تساويهما في الغرض، ولا علة ~~لذلك إلا كونه عالما بقبح الكذب وبأنه غني عنه بالصدق فيجب أن يكون تعالى ~~لا يفعل القبيح لثبوت الأمرين. # على أنه لو جازت عليه الحاجة لما جاز أن يفعل القبيح، لأنه يقدر من جنسه ~~من الحسن على ما لا يتناهى. ألا ترى أن المخير بين الصدق والكذب مع تساوي ~~الغرض قد بينا أنه لا يختار الكذب مع جواز الحاجة إليه، لأنه يستغني عنه ~~بالحسن الذي هو الصدق. وكذلك القديم لا قبيح إلا وهو يقدر من جنسه من الحسن ~~على ما لا يتناهى، فلا يجوز أن يختاره مع علمه بقبحه. # والقديم تعالى لا يريد القبائح على وجه، لأنه لا يخلو أن يريده لنفسه أو ~~بإرادة قديمة أو محدثة، وقد بينا أنه ليس بمريد لنفسه ولا بإرادة قديمة ~~فبطل ذلك. ولو أراده بإرادة محدثة لكان هو الفاعل لها، لأنه لا يقدر أن ~~يفعل إرادة لا في محل سواه. ولو كان هو الفاعل لها لكان فاعلا للقبيح، لأن ~~إرادة القبيح قبيحة، بدلالة أن من علمها إرادة القبيح علم قبحها ومن لم ~~يعلمها كذلك لم يعلم قبحها، وذلك يؤدي إلى أن يكون ms033 فاعلا للقبيح، وقد دللنا ~~على أنه لا يجوز أن يكون فاعلا للقبيح على حال. # وأيضا فقد ثبت بلا خلاف أنه ناه عن القبيح، وقد بينا أن النهي لا يكون ~~PageV00P050 # نهيا إلا بكراهية المنهي عنه، ولو كان مريدا للقبيح لأدى إلى أن يكون ~~مريدا للشئ كارها له، وذلك باطل. # وأيضا فلو أراد القبيح لكان محبا له، راضيا به، لأن المحبة والرضا هي ~~الإرادة إذا وقعت على وجه مخصوص، وأجمعت الأمة على خطأ من أطلق ذلك على ~~الله تعالى وقد قال الله تعالى " وما الله يريد ظلما للعباد " 1) و " ما ~~الله يريد ظلما للعالمين " 2) و " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~" 3). ومن أعظم العسر الكفر والقبائح المؤدية إلى العقاب، وقد قال الله ~~تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " 4) ومعناه أراد منهم العبادة ~~لأن هذه اللام لام الغرض لأنها لو كانت لام العاقبة لكان كذبا لوجودنا ~~كثيرا من الجن والإنس غير عابدين لله تعالى. # وقوله " وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا ~~من دونه من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " إلى قوله " إن ~~أنتم إلا تخرصون " 5) واضح في أنه لا يريد القبيح لأنه كذب من أضاف ذلك إلى ~~الله، ومن أنه اتباع للظن دون العلم، وآيات القرآن شاهدة بذلك وهي أكثر من ~~أن تحصى. # وقوله " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس " 6) اللام ههنا لام ~~العاقبة PageV00P051 # كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون عدوا وحزنا " 1) ولم يلتقطوه إلا ليكون ~~قرة عين لهم. # وقوله " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " 2) إخبار عن قدرته أنه قادر. # على أن يلجئ الخلق إلى الهدى والإيمان، لكن لا يفعل ذلك لأنه ينافي ~~التكليف وينتقض الغرض به، وجرى ذلك مجرى قوله " إن نشأ ننزل عليهم من ~~السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " 3). # وكذلك كل آية يتعلقون بها فالوجه فيها ما قلناه في هذه الآية، نحو قوله " ~~ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا " 4) وقوله " ولو شاء ms034 الله لهدى ~~الناس جميعا " 5) وما يجري مجرى ذلك من الآيات، فالوجه فيها ما ذكرناه. # فلا نطول بذكرها، وقد بينا الوجه فيها جميعه في تفسير القرآن مستوفى لا ~~يحتمل ذكره ههنا. # وقولهم " لو أراد من خلقه الإيمان والطاعة وما لا يقع للحقه بذلك وهن ~~وضعف ونقص، لأن الملك إذا أراد من رعيته ما لا يقع دل على ضعفه " باطل، لأن ~~الأمر بخلاف ما قالوه في الشاهد، لأن السلطان متى أراد من رعيته ما يعود ~~نفعه عليهم لا عليه فلم يقع أو وقع خلافه لا يلحقه ضعف ولا نقص، وإنما يجوز ~~أن يقال ذلك فيما يعود نفعه عليه من نصرته والدفاع عنه مما يستضر بفوته، ~~والقديم تعالى لا يريد إلا ما بكون نفعه للخلق دونه تعالى لاستحالة النفع ~~عليه. PageV00P052 # وكيف يشتبه الحال في ذلك ونحن نعلم أن سلطان الاسلام يكره من اليهودي ~~الزمن المقعد الدخول إلى كنيسة ويريد منه الاسلام والدخول في المساجد ومع ~~ذلك فإنما يقع منه دخول الكنيسة دون المسجد، ولا عاقل يقول إن سلطان ~~الاسلام ضعف بذلك. # ثم يلزمهم أنه إذا وقع من الكافر خلاف ما أمر الله به أن يلحقه ضعف، لأن ~~الشاهد لا يفصل بين الموضعين. ولا خلاف أن الله أمر الكافر بالإيمان، ومع ~~هذا فلم يقع ذلك منه، فيجب على أصلهم أن يلحقه ضعف. فبأي شئ فصلوا بين ~~الأمرين فهو فصلنا في الإرادة. # وأيضا فالمعلوم ضرورة أن النبي عليه السلام أراد من الكفار كلهم الإيمان ~~ولم يلحقه باستمرارهم على الكفر وهن ولا ضعف ويلزمهم على ذلك أن يكون الله ~~تعالى أمرهم بأن يضعفوه ويوهنوه من حيث أمرهم بما لا يريده منهم على قولهم، ~~وذلك باطل بالاتفاق. # وقولهم " لو فعل العبد ما كره الله تعالى لكان قد فعل ما أباه وذلك لا ~~يجوز " باطل، لأن الآباء ليس بكراهية، لأن الآباء هو المنع والامتناع، ~~ولهذا يتمدحون بأن يقولوا " فلا ن يأبى للضيم " أي يمتنع منه، ولا مدحه في ~~أنه يكره الضيم لأن الضعيف أيضا يكرهه. # وتعلقهم بأن المسلمين ms035 قالوا " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " وذلك ~~يمنع من أنه أراد الإيمان من الكافر ولم يرد الكفر منه. غير صحيح لأن هذا ~~الإطلاق غير مسلم، لأن جميع أهل العدل يمتنعون من إطلاقه. ثم إن المسلمين ~~أيضا يقولون " لا مرد لأمر الله ولا محيص منه "، وعلى قولهم الكافر قد رد ~~أمر الله، ومتى منعوا من ذلك منعنا مثله وإن تأولوا أولنا. # ولو سلم ذلك لكان المعنى ما شاء الله من فعل نفسه كان وما لم يشأ من فعل ~~PageV00P053 # نفسه لم يكن أو ما شاء الله من فعل غيره وألجأ إليه كان. # ومتى قالوا لو شاء الله جميع الطاعات لكان القائل إذا حلف أنه يقتضي دينه ~~غدا إنشاء الله إذا لم يقضه يحنث، وأجمعوا على خلافه. # قيل: في الناس من قال إنه يحنث وهو أبو علي ومن قال لا يحنث قال المشيئة ~~دخلت اتفاقا للكلام دون أن تكون شرطا ولأجل ذلك تدخل في الماضي وإن كان ~~الشرط لا يدخل في الماضي. # فإن قيل: هل أفعال العباد بقضاء الله وقدره أم لا؟ # قلنا: القضاء في اللغة على أربعة أقسام: # أحدها: بمعنى الخلق والأحداث، " فقضاهن سبع سماوات في يومين " 1) أي ~~خلقهن وأحدثهن. # والثاني: أن يكون بمعنى الحكم، كقوله " الله يقضي بالحق " 2) ومنه اشتقاق ~~القاضي. # والثالث: بمعنى الأمر والالزام، كقوله " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه " ~~3) أي أمر وألزم. # والرابع: بمعنى الأعلام والأخبار، كقوله " وقضينا إلى بني إسرائيل " 4) ~~أي أعلمناهم وأخبرناهم 5). # ولا يجوز أن يكون قضى أفعال العباد بمعنى أحدثها، لأن فعل العبد لا PageV00P054 # يخلو أن يكون قبيحا أو حسنا، فما هو قبيح لا يجوز أن يكون فعلا له، لأنا ~~قد بينا أنه لا يفعل القبيح، وما هو حسن لا يجوز أيضا أن يفعله لأنه فعلنا، ~~والفعل الواحد لا يكون من فاعلين على ما نبينه. # ولا يجوز أن يكون قضاء أفعالهم بمعنى حكم أو أمر وألزم، لأن أحدا من ~~الأمة لا يقول إن الله ألزمنا فعل المعاصي أو حكم علينا بأن ms036 نفعلها. # وأما القضاء بمعنى الإعلام والإخبار فإنه يجوز أن يقال على ضرب من ~~التقييد، لأن الله تعالى أخبر وأعلم مالنا في فعل الطاعة من الثواب وما ~~علينا بفعل المعاصي من العقاب، فجاز أن يضاف إلى الله تعالى القضاء على هذا ~~الوجه. # وأيضا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقول الله تعالى: " ~~من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليتخذ ربا سواي " ~~فلو كانت المعاصي بقضاء الله وأحداثه لوجب الرضا بها، وذلك خلاف الإجماع. # والقول في القدر على مثل ذلك، لأن القدر يستعمل بمعنى الأحداث والخلق كما ~~قال " وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين " 1) فعلى هذا لا ~~يجوز أن تكون المعاصي بقدر الله، لمثل ما قلناه في القضاء. # وقد يستعمل بمعنى التقدير كما قال تعالى " فقدرنا فنعم القادرون " 2) ~~فعلى هذا يجوز أن يقال: أفعالنا بقدر الله، بمعنى أنه قدر ما علينا من ~~الثواب أو العقاب، فينبغي أن يقيد القول في ذلك ولا يطلق به. # فإن قيل: مضى في الكلام أن الواحد منا محدث لأفعاله وموجد لها، فما PageV00P055 # الذي يدل على ذلك. # قلنا: الدليل على ذلك وجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا وانتفائها بحسب ~~صوارفنا وكراهتنا، فلولا أنها فعلنا لما وجب ذلك كما لا يجب ذلك في طولنا ~~وقصرنا وخلقنا وهيأتنا، ولا تجب أيضا في أفعال غيرنا لما لم تكن متعلقة ~~بنا. # وإنما قلنا بوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا لأن الواحد منا متى دعاه ~~الداعي إلى القيام أو القعود ولا صارف له عن ذلك ولا مانع، فإنه لا بد أن ~~يقع ما دعاه الداعي إليه، وليس كذلك ما لا تعلق له به كطوله وقصره. ولا فرق ~~بينهما إلا أنها محدثة بنا ومتعلقة بجهتنا. # ومتى قيل إن ذلك بالعادة، كان ذلك باطلا بالوجوب الذي اعتبرناه، لأن ما ~~يستند إلى العادة لا يجب وقوعه على كل حال. ويلزم على ذلك أن يكون انتفاء ~~السواد بالبياض وحاجة العلم إلى الحياة وما جرى مجراه من الواجبات كله ms037 ~~بالعادة، وذلك باطل بالاتفاق. # على أن تعلق الفعل بالفاعل لا بد أن يكون معقولا قبل إسناده إلى فاعل ~~معين، ولا يعقل في تعلقه بالفاعل آكد من وجوب تعلقه بدواعيه وأحواله، وهذا ~~حاصل معنى، فينبغي أن يكون كافيا في تعلقه بنا وهو في غيرنا مجوز، ولا يترك ~~المعلوم إلى المجوز على ذلك. # ومتى قيل إن أفعالنا تحتاج إلينا في كونها كسبا دون الحدوث. قلنا ذلك ~~باطل، لأن الذي يتجدد عند دواعينا وأحوالنا هو الحدوث لا غير دون شئ من ~~صفاته، فينبغي أن يكون هو من جهة الحاجة دون غيره هو الذي يتجدد عند وجود ~~الحركة كونه متحركا، وكان كونه متحركا هو المحوج إلى الحركة دون غيره ~~والكسب الذي يدعونه غير معقول، فكيف تعلق الحاجة به ويترك الحدوث ~~PageV00P056 # الذي هو أمر معقول معلوم، والكسب ليس بمعقول ولا معلوم. # فإن قيل: كيف لا يكون معقولا والانسان يفصل بين أن يمشي مختارا وبين أن ~~يسحب على وجهه. # قلنا: الفرق يرجع إلى ما قلناه من أن مشيه مختارا متعلق به وبإيثاره، ~~وإذا سحب على وجهه كانت الحركة فيه ضرورية فلذلك فرق بينهما. # فإن قيل: يتجدد عند دواعينا صفات من حسن وقبح وحلول في محل وكونه غرضا ~~وغير ذلك، فلم قلتم أن الذي يتعلق بنا الحدوث دون شئ من ذلك؟ # قلنا: أما الحسن والقبح فقد يخلو كثير من الأفعال منهما، نحو كلام الساهي ~~والنائم وحركة أعضائه التي لا يتعداه وحلوله في المحل ليس له به صفة، وإنما ~~يفيد أنه من قبيل ما لا يجب بقاؤه كبقاء المحل. # ثم كثير من الأفعال يخلو من محل كالجوهر والغناء وإرادة القديم وكراهته ~~ولا يخلو فعل من حدوث فينبغي أن يكون جهة الحاجة الأمر الشائع في سائر ~~الأفعال وسائر القادرين. # واستقصاء ما يورد على هذا الدليل وشعبه قد استوفيناه في شرح الجمل، وفيما ~~ذكرناه كفاية إنشاء الله. # وإنما قلنا: إنما هو مقدور لنا لا يجوز أن يكون مقدورا له لأن ذلك يؤدي ~~إلى كونه موجودا معدوما، لأنا لو فرضنا أن ms038 الواحد منا دعته الدواعي إلى ~~إيجاده وجب حدوثه من جهته وإذا لم يرده الله تعالى يجب أن لا يوجد، مجتمع ~~في فعل واحد وجوب حدوثه ووجوب انتفائه، وذلك محال فوجب بطلانه على كل حال. # ومما يدل أيضا على أن الواحد منا محدث لأفعاله، أنه يحسن مدحنا على بعض ~~الأفعال وذمنا على بعض، لأن من فعل الطاعة يحسن مدحه ومن فعل PageV00P057 # الظلم يحسن ذمه، ولا يحسن مدحه ولا ذمه على طوله وقصره وحسنه وقبحه، ~~وإنما كان كذلك لأن الأول متعلق بنا والثاني غير متعلق بنا لا بشئ سواه. # وأيضا فإنه يحسن أن يأمر بعضنا بالقيام والقعود وينهاه عنه ولا يحسن أن ~~يأمره. # بالطول والقصر ولا ينهاه عنهما، وإنما كان كذلك لأن الأول مقدور له فحسن ~~أمره والثاني غير مقدور له فلم يحسن أمره به ولا نهيه عنه. # فبان بجميع ذلك أن الواحد فاعل، والقرآن يؤكد ذلك، لأنه قال " جزاءا بما ~~كانوا يعملون " 1) و " جزاءا بما كانوا يكسبون " 2) و " فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " 3) وقال " ومن يعمل سوءا يجز به " ~~4) و " من يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " 5) وغير ذلك من الآيات التي أضاف ~~الفعل فيها إلينا، [فمن نفا الفعل عنا فقد خالف العقول والقرآن. # ومتى قيل: أضافه إلينا] 6) من حيث كان كسبا لنا قلنا: إن الكسب ليس ~~بمعقول، فلا يجوز له أن يعول عليه. على أن عندهم إن المتولد لا كسب للعبد ~~فيه [عندهم، والظلم لا كسب للعبد] 6) فيه لأنه متعد عن محل قدرته لأنه يوجد ~~في المظلوم، وعندهم إنما تعدى محل القدرة عليه لا كسب للعبد فيه فكيف ~~يمكنهم حمل الآية عليه. # ومتى قالوا: إن الكسب الذي هو الظالم في الظلم كالقتل الذي ليس بمستحق ~~عليه والضرب الذي ليس بمستحق عليه وإنه في القاتل والضارب دون PageV00P058 # المقتول والمضروب. كان ذلك مكابرة للعقول، ويلزم على ذلك أن يكون البناء ~~في الباني دون المبني والنساجة في الناسج دون الثوب المنسوج، وذلك تجاهل من ~~بلغ إليه لا ms039 يحسن كلامه. # وقوله " والله خلقكم وما تعملون " 1) المراد به الأجسام، لأن الذي كانوا ~~يعبدون الأصنام دون أفعالهم فيها، فعنفهم الله تعالى بأن قال: " أتعبدون ما ~~تنحتون " من الأجسام " والله خلقكم وما تعملون " [من الأجسام التي تنحتون ~~منها الأصنام، وتقدير الكلام وما يعملون] 2) فيه. على أنه يضاف المعمول فيه ~~إلى أنه عمل الصانع، فيقال هذا الباب عمل النجار وهذا البناء عمل الباني ~~وهذا الخاتم عمل فلان، فيضيفون المعمول فيه إلى العامل، وذلك مجاز. # فهذا القدر الذي ذكرناه فيه كفاية واستيفاؤه مذكور في الموضع الذي ~~ذكرناه. ### || فصل (في ذكر الكلام في الاستطاعة وبيان أحكامها) # لواحد منا قادر على ~~الفعل، بدلالة صحة الفعل منه وتعذره على غيره من الأحياء مع مساواتهما في ~~جميع الصفات، ولا بد من أن يكون من صح منه الفعل مفارقا لمن تعذر عليه 3)، ~~وهذه المفارقة تستند إلى جملة الحي دون أجزائها لأن صحة الفعل راجع إليها. # فبطل بذلك قول من قال: إن ذلك يرجع إلى الصحة أو الطبع أو اعتدال PageV00P059 # الأمزجة على اختلاف أقوالهم. لأن جميع ذلك يرجع إلى المحل دون الجملة. # وهذه الصفة تستند إلى معنى، لأنها تتجدد مع جواز أن لا تتجدد مع تساوي ~~الأحوال والشروط، وبهذه الطريقة أثبتنا المعاني، فيجب من ذلك أن يكون ~~الواحد منا قادرا بقدرة وهذه القدرة تتعلق بالشئ وبمثله وبخلافه وبضده، ~~بدلالة أن الواحد منا متى كان قادرا صح أن يتصرف في جميع ذلك. # ألا ترى أن من قدر على أن يتحرك يمنة قدر أن يتحرك يسرة، والحركة في ~~الجهتين متضادين، وكذلك من قدر على الحركة قدر على الاعتماد والصوت ~~والتأليف وهذه الأشياء مختلفة، وكذلك من قدر على الاعتقادات قدر على سائر ~~أجناسها وقدر على الإرادة والكراهة وهذه الأشياء مختلفة ومتضادة. فدل ذلك ~~على أن القدرة تتعلق بالشئ وبمثله وبخلافه وضده إذا كان له ضد. # وأيضا لو لم تتعلق القدرة بالشئ وبضده وبخلافه لم يقع الفعل بحسب دواعيه ~~وأحواله، بل كان يجب أن يقع بحسب ما يوجد فيه من القدرة، فكان لا ms040 يمتنع أن ~~من يدعوه الداعي إلى القيام يقع منه القعود ومن دعاه الداعي إلى الحركة وقع ~~منه الاعتماد، والمعلوم خلاف ذلك. # والقدرة ليست موجبة للفعل بل يختار الفاعل بها الفعل، بدلالة أن مقدور ~~القدرة تابع لدواعيه واختياره، فلو كانت موجبة لبطل ذلك. # والقدرة قبل الفعل دون أن تكون مصاحبة له، بدلالة أن القدرة يحتاج إليها ~~ليخرج بها الفعل من العدم إلى الوجود، فلو وجد مقدورها لاستغنى عنها. # وأيضا فالفعل في حال البقاء يستغني عن القدرة بلا شك، ولا علة لذلك إلا ~~وجوده، فينبغي أن يستغني عنها في أول حال وجوده أيضا. # وأيضا فقد دللنا على أن القدرة قدرة على الضدين وذلك محال، فإذا ثبت ~~PageV00P060 # ذلك فالقادر على الكفر قادر على الإيمان والقادر على الطاعة قادر على ~~المعصية وإنما يختار أحدهما فإن اختار الكفر فبسوء اختياره، ولو كان الكافر ~~غير قادر 1) على الإيمان لما حسن تكليفه بالإيمان، لأن تكليف ما لا يطاق ~~قبيح وأجمعت الأمة على أنه مكلف بالإيمان. # وإنما قلنا إن تكليف ما لا يطاق قبيح، لأنه مركوز في العقل قبح تكليف ~~الأعمى نقط المصاحف والمقعد العدو والعاجز حمل الأجسام الثقال ونقلها ~~والعلم بقبح ذلك ضروري لاجتماع العقلاء على ذلك، ولا علة لذلك إلا أنه ~~تكليف بما لا يطاق. ومن ارتكب حسن ذلك لم يحسن منا مكالمته، وإنما ينبه على ~~غلطه بضرب الأمثال كما تضرب الأمثال السوفسطائية وأصحاب العنود الذين دفعوا ~~العلم بالمشاهدات والضروريات، وإلا فالاحتياج لا يمكن معهم لأن الاحتجاج ~~إنما يصح فيما يغمض ليرد إلى ما يتضح، فمن دفع الضروريات لا يمكن احتجاجه ~~بالرد إلى ما هو أوضح منه، لأنه لا شئ أوضح من الضروريات فمن دفعها سد ~~الباب على نفسه. # والمراد بقولنا " تكليف ما لا يطاق " هو كلما يتعذر معه الفعل سواء كان ~~ذلك لعدم القدرة أو عدم الآلة، فإن الكل يتساوى في قبح التكليف وإن اختلفت. ### || فصل (في الكلام في التكليف وجمل من أحكامه) #التكليف عبارة عن إرادة ~~المريد من غيره ما فيه كلفة ومشقة، ويقال ms041 في الأمر بما فيه كلفة ومشقة أنه ~~تكليف من حيث كان الأمر لا يكون أمرا إلا بإرادة PageV00P061 # المأمور به والرتبة معتبرة في التكليف كاعتبارها في الأمر. يدل على ذلك ~~أن من أراد من الغير ما يلحقه فيه مشقة سمى مكلفا له، ومتى أراد من الغير ~~ما لا يلحقه فيه مشقة لم يسم " بذلك، ولذلك لم يكن الواحد منا إذا أراد من ~~الله تعالى الفعل مكلفا له وإذا أراد الله تعالى منا الفعل الذي فيه مشقة ~~كان مكلفا سواء كان ذلك الفعل واجبا أو ندبا. # وإعلام المكلف وجوب الفعل أو حسنه أو دلالته عليه شرط في حسن التكليف من ~~الله، لأنه من جملة إزاحة العلة فيما كلفه. وليس نفس الإعلام هو التكليف، ~~ولهذا كان مكلفا له وإن لم يكن معلما له 1). # وإنما لم يسم الواحد منا إذا أراد من الغير الصوم أو الصلاة مكلفا له، ~~لأنه سبق في ذلك تكليف الله وإرادته، فلذلك لم يسموه بذلك. # فإذا ثبت حقيقة التكليف فيحتاج في العلم بحسنه إلى معرفة أشياء: أولها ~~صفات التكليف، وثانيها صفات المكلف، وثالثها صفات الفعل الذي يتناوله ~~التكليف، ورابعها ما الغرض بالتكليف. # ونحن نبين جميع ذلك على أخصر الوجوه، وقبل ذلك نبين أولا ما وجه الحسن في ~~ابتداء الخلق، وبيان ذلك أن نقول: # لا يخلو أن يكون في ابتداء الخلق غرض أو لا غرض فيه، فإن كان لا غرض فيه ~~فهو عبث، وذلك قبيح لا يجوز عليه تعالى. وإن كان فيه غرض لا يخلو أن يكون ~~فيه غرض قبيح أو حسن، فالقبيح هو أن يقصد بخلق الخلق الإضرار بهم، وذلك ~~قبيح لا يجوز على الحكيم، والغرض الحسن لا يكون إلا بحصول النفع فيه. وذلك ~~النفع لا يخلو أن يكون راجعا إليه تعالى أو إلى غيره، فما يرجع إليه تعالى ~~مستحيل لاستحالة النفع عليه، وما يرجع إلى الغير هو وجه PageV00P062 # الحسن في ابتداء الخلق، سواء كان ذلك النفع راجعا إلى نفس المخلوق أو إلى ~~غيره أو إليهما، فإن جميع ذلك وجه ms042 الحسن إذا تعرى من وجوه القبح. # فإذا ثبت ذلك فالمكلف منفوع بالتفضيل ومنفوع بالثواب، وإن كان المعلوم ~~أنه يؤلم لمصلحته أو مصلحة غيره فهو منفوع أيضا بالعوض، فتجتمع فيه الوجوه ~~الثلاثة، وغير ذلك المكلف منفوع بالتفضيل قطعا وبالعوض إن كان في إيلامه ~~مصلحة لغيره من المكلفين. # وإذا كان وجه الحسن الخلق ما فيه من النفع فينبغي أن يكون أول ما يخلقه ~~الله تعالى حيا، لأن النفع لا يصح إلا على الحي، ولا بد أن يخلق فيه شهوة ~~لمدرك يدركه فيلتذ به سواء كان هو أو غيره. # ويجوز أن يبتدئ الله تعالى بخلق الجماد إذا علم أنه يخلق فيما بعد حيا ~~مكلفا يكون من لطفه اختياره خلق جماد قبله، فإن لم يكن ذلك معلوما لم يحسن ~~الابتداء بخلق الجماد. ونحن نعود إلى ما وعدنا به من اعتبار شرائط حسن ~~التكليف. # أما صفات المكلف تعالى فيجب أن يكون حكيما مأمونا منه فعل القبيح ~~والاخلال بالواجب ليعلم انتفاء وجه القبح عن هذا التكليف، وقد مضى بيان ذلك ~~في باب العدل. # ويجب أن يكون قادرا على الثواب الذي عرض بالتكليف له وعالما بمبلغه، وقد ~~بينا حين بينا أنه قادر لنفسه وعالم لنفسه. # ولا بد أن يكون له غرض في التكليف، ويستدل على ذلك فيما بعد. # ويجب أن يكون منعما بما يجب له به العبادة، والعبادة لا تستحق إلا بأصول ~~النعم من خلق الحياة والشهوة والبقاء والقدرة وكمال العقل وخلق المشتهي ~~وغير ذلك مما لا يدخل نعمة كل منعم في كونها نعمة إلا بعد تقدمها، ~~PageV00P063 # ولذلك لا يستحق بعضنا على بعض العبادة وإن استحق عليه الشكر، لأنه لا ~~يقدر على ما هو أصول النعم ويختص الله تعالى بالقدرة على ذلك فلذلك اختص ~~تعالى بالعبادة. # ويجب أيضا أن يكون عالما بتكامل شرائط التكليف في المكلف من أقداره وسائر ~~ضروب التمكين. # فإذا ثبت ذلك فالوجه في حسن التكليف أنه تعريض لمنزلة عظيمة لا يمكن ~~الوصول إليها إلا بالتكليف، والتعريض للشئ في حكم إيصاله. فعلى هذا إذا كان ms043 ~~التكليف تعريضا للبيع للشئ يجب أن يكون نفعا، لأن من حسن منه التوصل إلى ~~نفع حسن من الغير أن يعرضه له. # ومعنى التعريض تصيير المعرض بحيث يتمكن من الوصول إلى ما عرض له [مع ~~إرادة المعرض للفعل الذي عرضه له] 1) وعرض للمستحق عليه أو التوصل به إليه. ~~ألا ترى أن الإنسان إنما يكون معرضا لولده للعلم إذا مكنه من التعلم وأزاح ~~علته فيه وأراد منه التعلم، ومتى لم يرد منه ذلك أو لم يزح علته فيه لا ~~يكون معرضا له. # ومن شرط المعرض أن يكون عالما أو ظانا بوصول المعرض إلى ما عرضه له متى ~~فعل ما وصله إليه. ألا ترى أن الواحد منا لو عرض ولده للتجارة وأمره بالسفر ~~وغلب في ظنه أنه متى فعل جميع ما رسمه لا يحصل له شئ من الربح لا يكون ~~الوالد معرضا له، فعلى هذا القديم تعالى عالم بأن المكلف متى فعل ما كلفه ~~أنه يثيبه ويوصله إلى مستحقه. # واعتبرنا الإرادة لأن بها يختص بما عرض له دون ما لم يعرض له، والتمكين ~~والإقدار يصلح للأمرين. ألا ترى أن من أعطى سيفا لغيره ليجاهد به إنما يكون PageV00P064 # معرضا له بأن يقتل به كافرا دون مؤمن إذا أراد قتل الكافر دون المؤمن، ~~وإلا فالسيف يصلح للأمرين. # فعلى هذا إذا أقدر القديم تعالى المكلف ومكنه وخلق فيه الشهوة ويمكنه أن ~~ينال بها المشتهي كما يمكنه أن يختلقه على وجه يشق عليه، فإنما يتخصص بأحد ~~الوجهين دون الآخر بالإرادة. # وإنما قلنا في التكليف إنه تعريض للثواب لأنه لا يخلو أن يكون فيه غرض أو ~~لا غرض فيه، فإن لم يكن فيه غرض كان عبثا وذلك لا يجوز عليه تعالى، وإن كان ~~فيه غرض لم يخل أن يكون الغرض نفعه أو مضرته، ولا يجوز أن يكون الغرض مضرته ~~لأن ذلك قبيح، فلم يبق إلا أن يكون غرضه نفعه. # وينبغي أن يكون ذلك النفع مما يستحق بالتكليف، ولا يمكن الوصول إليه إلا ~~بالأفعال التي يتناولها التكليف، لأن الابتداء ms044 بالثواب لا يحسن لأنه يقارنه ~~تعظيم وتبخيل، والمعلوم ضرورة قبح ذلك بمن لا يستحقه، ولا يمكن استحقاق ~~الثواب إلا بما تناوله التكليف من واجب أو ندب. # فعلى هذا متى حسن التكليف وجب، لأن المكلف متى تكاملت شروط تكليفه في ~~وجوه جميع التمكين وجعل الفعل شاقا عليه وكان متردد الدواعي وزال عنه ~~الالجاء وجب تكليفه، ومتى نقص بعض هذه الشروط قبح تكليفه، لأنه لو لم يكلفه ~~لكان إما مغريا بالقبيح أو عابثا، وكلاهما لا يجوزان عليه. # يبين ذلك أنه إذا كان تعالى قادرا على إغنائه بالحسن عن القبيح فلم يفعل ~~وأحوجه بالشهوات المخلوقة فيه والتخلية بينه وبينه فإن لم يكن له غرض كان ~~[عابثا وإن كان فيه غرض] 1) فلا غرض فيه إلا التكليف، وأن يكون ملزما له ~~بحسب المشتهى وإن شق عليه ذلك للمنفعة العظيمة بالثواب، وإن لم يكن ذلك ~~فالاغراء بتقوية PageV00P065 # الدواعي إلى نيله حاصل. # ولا يلزم أن تكون البهائم مغراة بالقبح، لأن ذلك معتبر فيمن يتصور ~~العواقب وذلك منتف عن البهائم. # وأما الفعل الذي يتناوله التكليف فلا بد أن يصح إيجاده من المكلف على ~~الوجه الذي كلفه، لأن ذلك يمكن لا يحسن التكليف من دونه. # ومن شروطه تقوية دواعيه بفعل اللطف مما لا ينافي التكليف، ولا بد أن يكون ~~ما تناوله التكليف مما يستحق به المدح والثواب، لأن وجه حسن التكليف إذا ~~كان هو التعريض للثواب لم يجز أن يتناول إلا ما يستحق به الثواب، وما يستحق ~~به الثواب هو إما واجب أو ندب فلا يخرج التكليف عنهما. والمباح لا مدخل له ~~في ذلك، لأنه لا يستحق به مدح ولا ثواب، وإنما حسن التكليف الندب من حيث ~~كان الندب مستهلا للواجب ومقويا له، فلا يصح أن يقتصر بالمكلف على تكليفه، ~~لأنه تابع لا يستقل بنفسه. # فأما الكلام في صفات المكلف فإنه فرع على العلم من المكلف، لأن الكلام في ~~صفة الذات فرع على العلم بالذات. # فإذا ثبت ذلك فالمكلف هو الحي، لأن من ليس بحي لا يحسن تكليفه. # ويسمى ms045 الحي " انسانا " وفي الملائكة والجن بأسماء أخر، والفلاسفة تسميه " ~~نفسا ". # والحي هو هذه الجملة المشاهدة دون أبعاضها، وبها يتعلق جميع الأحكام من ~~الأمر والنهي والمدح والذم. # وقال معمر وأبناء نوبخت وشيخنا أبو عبد الله: الحي هو غير هذه الجملة وهو ~~ذات ليس بجوهر ولا عرض ولا حال في هذه الجملة. # وقال ابن الراوندي وهشام الفوطي: هو جوهر في القلب. # وقال الأسواري: هو ما في القلب من الروح. PageV00P066 # وقال النظام: هو الروح، وهو الحياة الداخلة لهذه الجملة. # وقال ابن الاخشيذ: هو جسم رقيق منساب في هذه الجملة. # والذي يدل على صحة ما ذكرناه أولا أن الأحكام الراجعة إلى الحي تظهر في ~~هذه الجملة من المدح والذم والنهي وغير ذلك. # وأيضا فإن الادراك يقع بأعضائها والتألم والتلذذ للادراك، ولو أنها هي ~~الجهة لما وقع الادراك بأبعاضها. # وأيضا الفعل المبتدأ يظهر في أطرافنا كحركة أيدينا وأرجلنا وغير ذلك، فلا ~~بد من إسناد ذلك إليها أو إلى ماله به تعلق معقول، فإذا أفسدنا جميع ما ~~ادعي من وجوه التعلق لم يبق إلا ما ذكرناه. # ولا يجوز أن يكون الفاعل في هذه الجملة غيرها، لأنه لو كان كذلك لاقتضى ~~أن يخترع الأفعال في هذه الجملة، لأن القدرة قائمة بذلك الغير على هذا ~~القول. وهذا باطل بما يعلم ضرورة من أن أحدنا إذا تعذر عليه حمل شئ بإحدى ~~يديه إذا استعان باليد الأخرى تأتى ذلك أو يسهل، ولا وجه لهذا الحكم ~~المعلوم مع القول بالاختراع، وإنما يصح ذلك على قول من يقول القدر في اليد ~~اليمنى مقدار لا يتأتى بها حمل الثقيل، فإذا انضاف إليها القدر الذي في ~~الشمال تأتي ذلك أو سهل، وإن الفعل لا يصح إلا باستعمال محل القدرة. وبمثل ~~ذلك يبطل قول من قال إنه جزء في القلب، لأن اليدين على هذا القول ليسا ~~بمحلين للقدرة أصلا، لأنها تحل الجزء الذي في القلب. # وأيضا فلو كان الفعل يفعل في هذه الجملة اختراعا لم يكن بعض الجملة بذلك ~~أولى من بعض، وكان يجب أن ms046 يصح أن يفعل فيها كلها لفقد الاختصاص المعقول. # ومما يدل أيضا على أن الفعال هذه الجملة أن الادراك يقع بكل عضو منها، ~~فلو لم يكن في الأعضاء حياة لما أدرك بها كما لا يدرك بالشعر والظفر. ~~PageV00P067 # فأما من قال الإنسان هو الروح، فليس يخلو أن يريد بالروح الحياة التي هي ~~وغرض أو يريد به الهواء المتردد، والأول باطل من حيث أن الحياة يستحيل أن ~~تكون حية قادرة، وإن أراد الثاني فذلك أيضا باطل، لأنه لا يصح أن تحل ~~الحياة الهواء ولا يدرك الألم واللذة وهو على صفته، وإن أراد غيرهما فذلك ~~غير معقول. # فأما مذهب ابن الأخشاذ 1) فإنه أيضا يبطل بمثل ما أبطلنا به مذهب النظام ~~وكان يجب أن لا تبطل الجملة بقطع وسطها وبقطع رأسها. وإذا قال بالتقلص في ~~قطع اليد أو الرجل فلم لا [يتقلص في قطع الرأس والوسط ولم] 2) يتقلص بقطع ~~اليد تارة فيبقى حيا وتارة لا يتقلص فيموت، وما الموجب لذلك الفرق. # فإذا ثبت أن الحي هذه الجملة فالصفات التي تجب أن يكون عليها المكلف ~~شيئان: # أولهما: أن يكون قادرا ليتمكن من فعل ما كلفه ولا يكون مكلفا لما لا ~~يطيق، وقد بينا فساده. # وثانيهما: أن يكون عالما أو متمكنا من العلم به فيما يحتاج إلى العلم به ~~من جملة ما كلفه من أحكام الأفعال أو إيقاعه على وجه مخصوص ليستحق به ~~الثواب ولا بد من العلم به، وكذلك يستحق الثواب على ترك القبيح إذا تركه ~~لقبحه، وذلك لا يتم إلا مع العلم بقبحه أو التمكن من العلم به بنصب الأدلة ~~عليه يقوم مقام خلق العلم الضروري في قلبه. # ولذلك قلنا إن الكفار مكلفون للشرائع لتمكنهم من العلم بها بالنظر في ~~معجزات الأنبياء. PageV00P068 # ولما كانت علومه لا يصح حصولها إلا مع كمال عقله وجب أن يخلق فيه العقل، ~~والعقل هو مجموع علوم إذا اجتمعت كان الحي عاقلا، وإذا حصل بعضها أو لم ~~يحصل شي أصلا لم يكن عاقلا. # والعلوم التي تسمى عقلا تنقسم ثلاثة أقسام: أولها ms047 العلم بأصول الأدلة، ~~وثانيها ما لا يتم العلم بهذه الأصول إلا معه، وثالثها ما لا يتم الغرض ~~المطلوب إلا معه. # فالأول كالعلم بأحوال الأجسام التي تتغير من حركة وسكون، والعلم باستحالة ~~خلق الذات من النفي والاثبات المتقابلين، والعلم بأحوال الفاعلين وغير ذلك. ~~وليس يصح العلم إلا ممن يجب أن يكون عالما بالمدركات إذا أدركها وارتفع ~~اللبس عنها وممن إذا مارس الصنائع بعلمها، والعلم بالعادات من أصول الأدلة ~~الشرعية، فلا بد منه، فهو نظير القسم الثاني. والقسم الثالث العلم بجهات ~~المدح والذم والخوف وطرق المضار حتى يصح خوفه من إهمال، النظر، فيجب عليه ~~النظر والتوصل به إلى العلم. # والذي يدل على أن ذلك هو العقل لا غير أنه متى تكاملت هذه العلوم كان ~~عاقلا، ولا يكون عاقلا إلا وهذه العلوم حاصلة، ولو كان للعقل معنى آخر لجاز ~~حصول هذه العلوم، ولا يحصل ذلك المعنى فلا يكون عاقلا وإن لم يكن له هذه ~~العلوم، والمعلوم خلاف ذلك. # وسميت عقلا لأن لمكانها يمتنع من كثير من المقبحات، فشبهت بعقال الناقة ~~التي تمنعها من السير. ولأن العلوم المكتسبة مرتبطة بها ولا يصح حصولها من ~~دونه، فسميت به عقلا تشبيها أيضا بعقال الناقة، ولذلك لا يجوز وصف الله ~~تعالى بأنه عاقل وإن كان عالما بجميع المعلومات. # ويجب أن يكون المكلف متمكنا من الآلات التي يحتاج إليها في الأفعال ~~PageV00P069 # التي تتعلق بتكليفه، لأن فقد الأدلة كفقد القدرة في قبح التكليف. # والآلات على ضربين: أحدهما لا يقدر على تحصيلها إلا الله تعالى كاليد ~~والرجل، فيجب أن يخلقها له في وقت الحاجة إليها. والثاني يتمكن المكلف من ~~تحصيلها كالعلم في الكتابة والقوس في الرمي وغير ذلك، فالتمكين من تحصيلها ~~له وإيجاب تحصيلها عليه يقوم مقام خلقها. # ولا بد من تمكينه من الإرادة في كل فعل يقع على وجه بالإرادة إذا كلف ~~إيقاعه على ذلك الوجه، نحو صيغة الأمر والنهي والخبر وإيقاع الفعل على وجه ~~العبادة وغير ذلك. # وما يقع على وجه لا تؤثر فيه الإرادة جاز أن يكلف ms048 ذلك وإن لم يكن متمكنا ~~من الإرادة، وذلك نحو رد عين الوديعة ورد عين المغصوب. # ويجب أن يكون المكلف مشتهيا ونافرا، لأن الغرض إذا كان التعريض للثواب ~~فلا يصح استحقاق الثواب إلا على ما يلحق فيه المشقة، فلا يصح ذلك إلا بأن ~~يكون نافر الطبع عما كلف فعله ومشتهيا لما كلف الامتناع منه، ولهذا نقول لا ~~بد أن يكون على المكلف مشقة في نفس الفعل أو شبهه أو أمر يتصل به، وأمثلة ~~ذلك معروفة لا نطول بذكرها. # ويجب أن تكون الموانع مرتفعة، لأن مع المنع يتعذر الفعل كتعذره مع فقد ~~القدرة. ولا فرق بين أن يكون المنع من جهته تعالى أو من جهة غيره في قبح ~~تكليفه إذا لم يكن المكلف قادرا على إزالة المنع عن نفسه. # ولا يحسن أن يكلفه تعالى بشرط ارتفاع الموانع، لأن ذلك إنما يحسن فيمن لا ~~يعرف العواقب. # ويجب أيضا أن لا يكون ملجأ فيما كلف، لأن الغرض بالتكليف استحقاق المدح ~~والثواب، والالجاء لا يثبت معه استحقاق مدح. ألا ترى أن الإنسان لا يمدح ~~PageV00P070 # على أن لا يقتل نفسه وأولاده ولا يحرق ماله وداره، لأنه ملجأ إلى أن لا ~~يفعله مع زوال الشبهة واللبس، لأن مع دخول الشبهة يجوز أن يفعل ذلك كما ~~يفعل الهند من قتل نفوسهم وإحراقها لما اعتقدوا في ذلك من أنه قربة إلى ~~الله. # والالجاء يكون بشيئين: أحدهما بأن يخلق الله فيه العلم الضروري بأنه متى ~~رام فعلا منع منه، والثاني أنه متى فعل تخلص من ضرر عظيم أو ينال منافعا ~~عظيمة، كمن يعدو من السبع والنار وغير ذلك. # وليس من شرط التكليف أن يعلم المكلف أن مكلفا كلفه إذا علم وجوب الواجب ~~عليه وقبح القبيح منه ويتمكن من أدائه على الوجه الذي وجب عليه وإن لم يعلم ~~مكلفه، وكذلك اشتراك العقلاء في العلم بوجوب رد الوديعة والامتناع من الظلم ~~وإن اختلفوا في المكلف. # وليس من شرط المكلف أن يعلم قبل الفعل أنه مكلف للفعل لا محالة وأنه أوجب ~~عليه قطعا، ms049 لأنه لو كان كذلك لقطع على بقائه إلى وقت الفعل، وفي ذلك إغراء ~~بالقبيح في ذلك الوقت. # وأيضا فلا مكلف إلا وهو يجوز احترامه في الثاني فكيف يكون مع ذلك قاطعا ~~على بقائه. ولا يلزم أن يكون الأنبياء والمعصومون مغرين بالقبائح إذا قطعوا ~~على بقائهم زمانا طويلا، لأن الإغراء لا يصح في المعصوم الموثق بأنه لا ~~يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، فعلى هذا لا يقطع على أن المكلف مكلف للصلاة إلا ~~بعد أن يفعل الصلاة وقبل ذلك بتجويز الاحترام يجوز أن يكون غير مكلف لها، ~~وإنما يقول له يجب عليك التشاغل بالصلاة مع ضيق الوقت لأنك لا تأمن أن تبقى ~~على ما أنت عليه، فإذا خرج الوقت تبين أنها كانت واجبة عليك، وإنما يحصل ~~التحرز بفعل الصلاة فلذلك يجب عليه فعلها. # وتكليف من علم الله أنه يكون، ممكن حسن صحيح، ومن قال إن ذلك PageV00P071 # غير ممكن لأن التكليف هو الإرادة على بعض الوجوه وما علم أنه لا يكون لا ~~يصح أن يراد. فقوله باطل، لأن الإرادة تتعلق بما يصح حدوثه في نفسه سواء ~~علم يحدث أو لا يحدث. ألا ترى أن الواحد منا يصح أن يريد من جميع الكفار ~~الإيمان وإن علم أن جميعهم لا يؤمن. # وأيضا فإن النبي عليه السلام كان يريد من أبي لهب الإيمان وإن كان الله ~~تعالى أعلمه أنه لا يؤمن. # وأيضا فقد يريد الواحد منا من الغير تناول طعامه وإن غلب في ظنه أنه لا ~~يتناوله. # وما يستحيل مع العلم يستحيل مع الظن على حد واحد، والمعلوم أن ذلك لا ~~يستحيل مع الظن، فيجب أن لا يستحيل مع العلم. # فأما من قال إن ذلك ممكن غير إنه لا يحسن، فالذي يدل على بطلان قوله ما ~~قدمناه من أن التكليف تعريض لنفع لا ينال إلا به، والتعريض للشئ في حكم ~~إيصاله وأن كل من حسن منه التوصل إلى أمر من الأمور حسن من غيره تعريضه له ~~إذا انتفت عنه وجوه القبح، وعكسه كل شئ يقبح لنا ms050 التعرض له يقبح من غيرنا ~~تعريضنا له أيضا، ونحن نعلم أنه يحسن من الواحد منا التعرض للثواب والتوصل ~~إليه بفعل ما يستحق به ذلك، فيجب أن يحسن منه تعالى تعريضه له. فإذا حسن ~~منا أن يتعرض لمنافع منقطعة من أرباح التجارات بتكليف المشاق والأسفار وحسن ~~من غيرنا أن يعرضنا لها فيجب أن يحسن التعرض للمنافع الدائمة والتعريض لها. # والكافر إنما استضر في ذلك بفعل نفسه وسوء اختياره، لأنه أقدم على ما ~~يستحق به العقاب وقد نهاه الله وحذره وتوعده عليه ورغبه في خلافه، فهو الذي ~~ضر نفسه دون الذي كلفه، بل مكلفه نفعه بغاية النفع، من حيث عرضه ~~PageV00P072 # لمنافع لا تنال إلا بفعل ما كلفه وحثه على ذلك. # ويدل على حسن ذلك أيضا أنه قد ثبت حسن تكليف من علم الله أنه يؤمن، وقد ~~فعل الله تعالى بالكافر جميع ما فعله بالمؤمن من أقداره وخلق الشهوة فيه ~~والنفار ونصب الأدلة وخلق العلم والتمكين وغير ذلك من الشرائط التي تقدم ~~ذكرها، فينبغي أن يكون تكليفهما جميعا حسنا أو قبيحا. فإذا حكمنا بحسن ~~تكليف من علم الله أنه يؤمن وجب مثل ذلك في تكليف من علم أنه يكفر، وأما من ~~منع من حسن التكليف أصلا فلا تكلم في هذه المسألة بل تكلم بما تقدم من ~~الكلام في حسن التكليف. # والفرق بين التكليفين لا يرجع إلى اختيار الله بل إلى اختيار المؤمن ~~للإيمان فيحصل نفعه، واختيار الكافر الكفر فاستضر به، فأتى في ذلك من قبل ~~نفسه. # (دليل آخر) ويدل أيضا على حسن تكليف من علم الله أنه يكفر ويموت على كفره ~~أنه لو لم يحسن ذلك لوجب أن يكون للمكلف طريق إلى العلم بقبح ذلك، ولو علم ~~قبحه لوجب أن يكون قاطعا على أنه لا يخرج من دار الدنيا إلا وهو يستحق ~~الثواب، ولا يتم ذلك إلا بأمرين: أحدهما أن يعلم أنه متى رام القبيح منع ~~منه وذلك إلجاؤنا في التكليف، أو يعلم أنه سيتوب في المستقبل وذلك ويؤدي ~~إلى الإغراء وكلاهما فاسدان، ms051 فإذا يجب أن يكون ممن يجوز الخروج من الدنيا ~~وهو مستحق للعقاب وهو ما أردناه. ومتى ادعي في ذلك وجه قبح فالكلام عليه قد ~~استوفيناه في شرح الجمل يرجع إليه إنشاء الله. # ومما يدل على حسن تكليف من علم الله أنه يكفر أنه ثبت أنه تعالى كلف من ~~هذه صورته، لأنا نعلم أن كثيرا من العقلاء المكلفين يموتون على كفرهم، ولو ~~لم يكن إلا ما علمناه من حال فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب وغيرهم لكفى، ~~ولو كان ذلك قبيحا لما فعله الله تعالى، لأنا قد دللنا على أنه تعالى لا ~~يفعل القبيح على حال. PageV00P073 # ولا يلزم على ذلك بعثة نبي يعلم أنه لا يؤدي ما حمله، لأن بعثة نبي لا ~~يؤدي إلينا مالنا فيه مصلحة يمنع من إزاحة علتنا في التكليف ويوجب منع ~~اللطف والتمكين، فلهذا لم يجز، لا لأنه تكليف من علم الله أنه يكفر. ولسنا ~~ننكر أيضا أن يعرض في تكليف من علم الله أنه [يكفر وجه قبح يقبح تكليفه، بل ~~لا ينكر ذلك في تكليف من علم الله أنه] 1) يؤمن، لأنه لو عرض فيه وجه ~~المفسدة لقبح تكليفه وإن آمن. # فإذا ثبت حسن التكليف بمن علم أنه يؤمن ومن علم أنه يكفر وجب أن يكون ~~منقطعا، لأن الغرض بالتكليف إذا كان هو الثواب فلو لم يكن التكليف منقطعا ~~لانتقض الغرض بالتكليف، لأن الثواب بالتكليف لا يمكن أن يكون مقترفا، لأن ~~من شأنه أن يكون خالصا صافيا من الشوب والتكدير حتى يحسن إلزام المشاق. ~~وذلك لا يصح مع التكليف، لأن التكليف لا يعرى من مشقة، وذلك يؤدي إلى حصول ~~الثواب على خلاف الوجه المستحق ويصرف به الغموم والمضار. # وأيضا لو اقترن الثواب بالتكليف لأدى إلى أن يكون المكلف ملجأ، لأن ~~المنافع العظيمة تلجئ إلى فعل ما ضمنت عليه، ولذلك قلنا لا بد أن يكون بين ~~زمان التكليف وبين حال الثواب زمان متراخ يخرج المكلف من حد الالجاء. وإنما ~~كانت المنافع العظيمة العاجلة ملجئة لأنه يقتضي أن يفعل ms052 الطاعة لأجلها دون ~~الوجوه التي يستحق عليها الثواب، وذلك يخرجها من أن يستحق لها الثواب أصلا، ~~وذلك ينقض الغرض. # وأما القدر الذي يكون بين زمان التكليف وبين الثواب فليس بمحصور عقلا بل ~~بحسب ما يعلمه الله تعالى، وإنما يعلم على طريق الجملة أنه لا بد من تراخ ~~ومهلة. PageV00P074 # فإذا ثبت وجوب انقطاع التكليف فليس الوقت وقت انقطاعه بزمان بعينه بل ~~نوجبه على سبيل الجملة. ولا يمتنع أن يحسن الشئ أو يقبح على طريق الجملة. # ولا يعلم عقلا انقطاع التكليف عن جميع المكلفين بل إنما يعلم ذلك سمعا ~~والاجماع حاصل على ذلك. # وكان يجوز عقلا انقطاع التكليف عن بعضهم وبقاؤه على بعض، لكن الإجماع ~~مانع منه. # ومتى حصل انقطاع التكليف بفعل غير الله فقد حصل الغرض، ومتى لم يحصل فإنه ~~تعالى يزيله. # ويجوز انقطاع التكليف بإزالة العقل أو الموت أو الفناء، وأما فناء ~~الجواهر فليس في العقل ما يدل على جوازه ولا على إحالته، والمرجع في ذلك ~~إلى السمع، فإذا علم بالسمع أنه تفنى الجواهر ثم علمنا أن الباقي لا ينتفي ~~إلا بضد يطرأ عليه علمنا أن الفناء (مغني يغنى)؟ الجواهر. وما يسأل على ذلك ~~من الشبهات فقد بينا الجواب عنه في شرح الجمل. # والطريق الذي به يعلم فناء الجواهر هو السمع، وقد أجمعوا على أن الله ~~تعالى يفني الأجسام والجواهر ويعيدها، فلا نعتد بخلاف من خالف فيه. # ويدل عليه أيضا قوله " هو الأول والآخر " 1) فكما أنه كان أولا ولا شئ ~~معه موجود فكذلك يجب أن يكون آخرا ولا شئ معه موجود. وقد استدل بغير ذلك من ~~الآيات عليها اعتراضات والمعتمد ما ذكرناه. # وإذا ثبت أن الجواهر تفنى فالله تعالى يعيدها إجماعا. وأيضا فلو لم يعدها ~~لما أمكن إيصال المستحق إليها من الثواب، وقد علمنا وجوب ذلك، فإذا لا بد ~~من إعادتها. PageV00P075 # [وكل من مات وله حق لم يستوفه في دار الدنيا فإنه يجب إعادته على كل حال، ~~لأن الثواب دائم لا يمكن توفيره في دار الدنيا] 1). وأما من يستحق العوض ms053 ~~فإنه يجوز أن يوفر عليه في الدنيا ولا يجب إعادته، لأن الغرض منقطع. # وأما من يستحق العقاب فلا يجب إعادته، لأن العقاب يحسن إسقاطه عقلا فإذا ~~سقط لم يحسن استيفاؤه فيما بعد فلم يجب إعادته. فإذا علمنا أنه يعاقب ~~الكافر لا محالة علمنا أنه يعيد المستحق للعقاب، ومن كان عقابه منقطعا فلا ~~يكون كذلك إلا وهو مستحق الثواب الدائم بطاعاته، وإذا أعيد ربما استوفى ~~عقابه ثم نقل إلى الثواب، وربما عفي عن عقابه وفعل به الثواب، فإعادته ~~واجبة عقلا لما يرجع إلى استحقاق الثواب دون العقاب. # وقد أجمعت الأمة على أن الله تعالى يعيد أطفال المكلفين والمجانين وإن ~~كان ذلك غير واجب عقلا، والقدر الذي يجب إعادته هو بنية الحياة التي متى ~~انتقصت خرج الحي من كونه حيا. # ولا معتبر بالأطراف وأجزاء السمن لأن الحي لا يخرج بمفارقتها من كونه ~~حيا. ألا ترى أن أحدنا قد يستحق المدح والذم ثم يسمن فلا يتغير حاله فيما ~~يستحقه وكذلك يهزل واستحقاقه للمدح أو الذم كما كان، فعلم بذلك أنه لا ~~اعتبار بهذه الأجزاء. # ومن قال يجب إعادة الحياة دون الجواهر فقوله باطل، لأن المستحق للثواب ~~والعقاب هي الجملة التي تركبت من الجواهر وكيف يجوز التبدل بها فيؤدي إلى ~~إيصال الثواب والعقاب إلى غير المستحق، والصحيح ما قلناه أولا. PageV00P076 # وأما الكلام في اللطف (فيحتاج أن نبين أولا ما اللطف وما حقيقته) واللطف ~~في عرف المتكلمين عبارة عما يدعو إلى فعل واجب أو يصرف عن قبيح، وهو على ~~ضربين: أحدهما أن يقع عنده الواجب ولولاه لم يقع فيسمى توفيقا، والآخر ما ~~يكون عنده أقرب إلى فعل الواجب أو ترك القبيح وإن لم يقع عنده الواجب ولا ~~أن يقع القبيح فلا يوصف بأكثر من أنه لطف لا غير، وما كان المعلوم أنه ~~يرتفع عنده القبيح ولولاه لم يرتفع يسمى عصمة، وإن كان عنده أقرب إلى أن لا ~~يقع عنده القبيح سمي لطفا لا غير، واللطف منفصل من التمكين، ويوصف اللطف ~~بأنه صلاح في الدين 1) وأما ms054 ما يدعو إلى فعل قبيح فيقع عنده الصحيح قبيح ~~ولولاه لما يقع يسمى مفسدة واستفساد. # واللطف إذا كان داعيا إلى الفعل أو صارفا فلا بد أن يكون بينه وبين ما هو ~~لطف فيه مناسبة، ولا يلزم أن تكون تلك المناسبة معلومة تفصيلا. # ويجب أن يكون اللطف معلوما على الوجه الذي هو لطف فيه، لأنه داع إلى ~~الفعل، فهو كسائر الدواعي. # والمعتبر في الدواعي حال الداعي من علم أو ظن أو اعتقاد، ولذلك قد يعتقد ~~أن في الشئ نفعا فيكون ذلك داعيا له إلى فعله وإن لم يكن فيه نفع. # وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع أن يدعوه إلى الفعل ما ليس بمدرك بعد أن يكون ~~معلوما. # ويجب أن يكون اللطف متقدما للملطوف فيه ليصح أن يكون داعيا إليه وباعثا ~~عليه، والداعي لا يكون إلا متقدما، وأقل ما يجب تقدمه وقت واحد، PageV00P077 # ويجوز تقدمه بأوقات بعد أن لا يكون منسيا قديما. وربما كان في تقديمه فضل ~~مزية، لأن رفق الوالد بولده في طلب العلم وحثه عليه بأوقات كثيرة ربما كان ~~أدعى له إلى التعليم. # واللطف على ثلاثة أقسام: أحدها من فعل الله تعالى، والثاني من فعل من هو ~~لطف له، والثالث من فعل غيرهما. # فما هو من فعل الله تعالى على ضربين: أحدهما يقع بعد التكليف للفعل الذي ~~هو لطف له فيوصف بأنه واجب، والثاني ما يقع مع التكليف للفعل الذي هو لطف ~~فيه فلا يوصف بأنه واجب، لأن التكليف ما أوجبه ولم يتقدم له سبب وجوب لكن ~~لا بد أن يفعل به لأنه كالوجه في حسن التكليف. وأما ما كان من فعل المكلف ~~فهو تابع لما هو لطف فيه، فإن كان واجبا فاللطف واجب وإن كان لطفا في فعل ~~نفل فهو نفل. وإذا كان اللطف من فعل غيرهما فلا بد من أن يكون المعلوم من ~~حاله أنه يفعل ذلك الفعل على الوجه الذي هو لطف في الوقت الذي هو لطف فيه ~~ومتى لم يعلم ذلك لم يحسن التكليف الذي هذا الفعل ms055 لطف فيه. # هذا إذا لم يكن له بدل من فعل الله يقوم مقامه، فإن كان له بدل من فعل ~~الله تعالى جاز التكليف لذلك الفعل إذا فعل الله تعالى ما يقوم مقامه. # ولا يجب على الغير أن يفعل ما هو لطف للغير إلا إذا كان له في ذلك لطف، ~~كما نقول في الأنبياء عليهم السلام أنه يجب عليهم تحمل الرسالة لما لهم في ~~ذلك من اللطف دون مجرد ما يرجع إلى أممهم ولولا ذلك لما وجب عليهم الأداء. # واللطف على ثلاثة أقسام: # أحدها: من فعل الله، فيجوز أن يكون له بدل، ولا مانع يمنع منه، فيكون ~~مخيرا في ذلك. PageV00P078 # والثاني: أن يكون من فعل المكلف نفسه، فإن كان له بدل وجب إعلامه ذلك، ~~فيكون من باب التخيير كالكفارات الثلاث، ومتى لم يعلمه ذلك قطعنا على أنه ~~لا بدل له من فعله ولا من فعل الله تعالى، لأنه لو كان له بدل من فعل الله ~~لما وجب عليه الفعل على كل حال. # والثالث: ما كان من فعل غير الله وغير المكلف، فإن كان مع كونه لطفا ~~لغيره لطفا له جاز أن يكون واجبا أو ندبا، وإن لم يكن فيه له لطف أصلا ~~وإنما هو لطف للغير كان مباحا إلا أنه لا يحسن تكليف هذا إلا بعد أن يعلم ~~أنه فعله. # فعلى هذا ذبح البهائم التي ليست نسكا ولا ندبا 1) وإنما هو مباح فوجه ~~حسنه أنه لطف لغير الذابح، وقيل وجه حسنه أن فيه عوضا للمذبوح ونفعا لغيره ~~بأكله، وكلاهما جائزان. # فعلى هذا الأفعال الشرعية ما هو واجب منها فوجه وجوبها كونها مصالح في ~~الواجبات العقلية ويقبح تركها لأنها ترك لواجب، وما هو قبيح فوجه قبحها ~~كونها مفسدة في الواجبات العقلية أو داعية إلى القبائح العقلية، ويجب تركها ~~لأنه ترك لقبيح، وما هو مباح فلأنها مصالح لغير فاعلها على ما مضى القول ~~فيه. ومتى كانت المفسدة من فعله تعالى لم يحسن فعلها وإن كانت من فعل ~~المكلف نفسه، ويجب أن يعلمه وجوب ms056 ترك ما هو مفسدة له، وإن كانت من فعل ~~غيرهما لا يخلو المكلف من أن يكون قادرا على منعها أو لا يكون كذلك، فإن ~~كان قادرا جاز أن نوجب عليه المنع منها وحسن تكليفه، [وإن لم يكن في مقدوره ~~المنع منها] 2) فإن كان المعلوم أن ذلك الغير لا يختارها حسن أيضا تكليفه، ~~وإن لم يكن ذلك معلوما وجب عليه تعالى المنع منها أو إسقاط PageV00P079 # تكليف ما تلك المفسدة مفسدة فيه وإلا أدى إلى أن علة المكلف غير مزاحة. # فعلى هذا دعاء إبليس وإغواه الخلق هل هو مفسدة أم لا؟ قيل فيه شيئان: # أحدهما أن كل من فسد بدعاء إبليس كان يفسد وإن لم يدعه فلم يكن حد ~~المفسدة قائمة فيه، والثاني أن التكليف مع دعاء إبليس أشق والتعريض للثواب ~~1) أكثر، فدخل ذلك في باب التمكين وخرج من باب المفسدة. وكلاهما جائزان. # والذي يدل على وجوب فعل اللطف هو أن أحدنا لو دعا غيره إلى طعامه وأحضر ~~الطعام وغرضه نفع المدعو دون ما يعود إليه من مسرة أو غيرها، وعلم أو غلب ~~على ظنه أنه متى تبسم في وجهة أو كلمه بكلام لطيف أو كتب إليه رقعة أو انفذ ~~غلامه إليه وما أشبه ذلك مما لا مشقة عليه ولا حط له عن مرتبته حضر ومتى لم ~~يفعل ذلك لم يحضر، وجب عليه أن يفعل ذلك ما لم يتغير داعيه عن حضور طعامه، ~~ومتى لم يفعله استحق الذم من العقلاء كما يستحق لو غلق بابه في وجهة، فلهذا ~~صار منع اللطف كمنع التمكين في القبح. وهذا يقتضي وجوب فعل اللطف عليه ~~تعالى، ولأن العلة واحدة. # فإن قيل: كيف يجب على من دعا غيره إلى طعامه أن يلطف له وأصل دعائه له ~~ليس بواجب وإنما هو تفضل. # قيل: الأصل وإن كان تفضلا فهو سبب لوجوب التمكين ورفع الموانع كالإقدار ~~والتمكين وغير ذلك، وإذا كان سبب وجوب اللطف يختص بالداعي إلى طعامه دون ~~غيره فكذلك يجب أن يكون فعل المكلف يختص بالداعي إلى طعامه ms057 دون غيره، كما ~~لا يجب على غير الداعي إلى طعامه التبسم في وجهه ولا غير ذلك من الأفعال ~~المقوية لداعيه كما لا يجب تمكينه وإقداره. # وإنما شرطنا استمرار الإرادة لأنه يجوز على الواحد منا أن يبدو له من PageV00P080 # ذلك فيتغير داعيه، والقديم تعالى لا يجوز عليه البداء على حال. والعلم ~~باستحقاق من منع اللطف الذم ضروري كالعلم باستحقاق من منع التمكين مثل ذلك. # فإن قيل: ما قولكم في الداعي إلى طعامه لو غلب في ظنه أنه لا يحضر طعامه ~~إلا بعد أن يبذل له شطر ماله أو يقتل بعض أولاده وغير ذلك مما عليه فيه ضرر ~~عظيم. # قلنا: هذا أولا لا يطعن على ما نريده من وجوب اللطف على الله تعالى، لأن ~~جميع ذلك لا يليق به، لأن كل ما يفعله تعالى يجري مجرى ما لا مشقة عليه فيه ~~من التبسم وغيره، وإذا وجب التبسم وما جرى مجراه من فعلنا وجب جميع الألطاف ~~من فعله، لأنها جارية مجراه من فعلنا لأنه لا مشقة عليه فيها. # ثم نقول: الواحد منا إذا كلف غيره حضور طعامه لا يخلو أن يكون غرضه نفع ~~المدعو أو نفع نفسه وما يرجع إليه، فإن كان الأول وجب عليه من اللطف ما لا ~~مشقة عليه فيه أو ما لا يعتد به من المشقة اليسيرة، ومتى كانت فيه مشقة ~~عظيمة لم يجب. والمشاق معتبرة في وجوب الفعل أو حسنه فإن كان غرضه نفع نفسه ~~وما يعود إليه وجب أن يقابل بين الضرر الداخل وبين الضرر عليه فيما يفعله ~~لنفع ذلك الفعل ويدفع الأكثر بالأقل. # وأما المفسدة فهي ما يقع عندها الفساد ولولاه لم يقع، أو يكون أقرب إلى ~~لفساد ولولاه لم يكن أقرب أو ينصرف عنده من الواجب أو يكون إلى الانصراف ~~أقرب ولا يكون له حظ في التمكين. والعلم بقبح ما هذه صفته ضروري لا يلتفت ~~إلى خلاف من يخالفه فيه. # فأما من لا لطف له - بأن يكون المعلوم من حاله أنه يطيع على حال أو يعصي ms058 ~~- فإنه يحسن تكليفه لأنه متمكن من الفعل بسائر ضروب التمكنات، وليس في ~~المعلوم ما يقوي داعيه فيجب فعله به، فينبغي أن يحسن تكليفه. PageV00P081 # غير أنا علمنا بوجوب المعرفة ووجوب الرئاسة لجميع الخلق أنهما لطفان ~~لجميعهم، ولولا السمع لكان يجوز أن يكون في المكلفين من يختار فعل الواجب ~~والامتناع من القبح وإن لم تجب عليه المعرفة ولا نصيب له، لكن الإجماع مانع ~~منه ومن تعلق لطفه بفعل قبيح في مقدوره تعالى. # [والصحيح أنه لا يحسن تكليفه، لأن هذا له لطف مراحم به علته، وإنما لم ~~يحسن أن يفعله تعالى لأمر يرجع إلى حكمه، وفي الناس من أجازه وأجراه مجرى ~~من لا لطف له] 1)، والصحيح الأول. # ومتى تعلق لطفه بفعل قبيح من مقدور غير الله فلا يحسن تكليفه أيضا، لأنه ~~لا يحسن تكليف الغير ذلك الفعل لقبحه. # وأما الأصلح في باب الدنيا فهو الأنفع إلا الذي لا يتعلق به لطف فإنه لا ~~يجب على الله تعالى، لأنه لو وجب ذلك لأدى إلى وجوب ما لا يتناهى وذلك ~~محال. أو إلى أن لا ينفك القديم تعالى من الاخلال بالواجب وذلك فاسد. # وإنما قلنا ذلك لأن النفع اللذة وهو تعالى يقدر من جنسهما على ما لا ~~يتناهى فلو كان ذلك واجبا لأدى إلى ما قلناه، ولو قلنا هربا من ذلك أنه لا ~~يقدر إلا على متناه أدى إلى القول بتناهي مقدورات الله، وذلك كفر. # ولا يلزم على ذلك أن يكون اللطف في باب الدين مثل ذلك، لأن اللطف في باب ~~الدين بحسب المعلوم، وليس يجب أن يكون المقدور منه ما لا نهاية له. ولو ~~فرضنا ذلك لقبح المكلف وإن كان ذلك بعيدا. وليس كذلك اللذة والنفع، لأنه ~~يرجع إلى جنس المقدور فيجب أن يكون قادرا منه على ما لا نهاية له. # ويدل أيضا على أن الأصلح في باب الدنيا غير واجب أنه لو كان واجبا PageV00P082 # لما استحق تعالى الشكر بفعلها، لأن من فعل واجبا كقضاء الدين ورد الوديعة ~~لا يستحق الشكر وإنما يستحق الشكر ms059 بالتفضل المحض، ولو لم يستحق الشكر لما ~~استحق العبادة لأنها كيفية في الشكر، وذلك خلاف الإجماع. # وهو تعالى وإن استحق الشكر على الثواب والعوض الواجبين، فلأن سبب الثواب ~~التكليف وهو تفضل، وكذلك الآلام التي يستحق بها العوض تابعة للتكليف الذي ~~هو تفضل. # وأما الكلام في الآلام فيقع من وجوه: # أحدها في إثباتها: # والكلام في ذلك ظاهر لا نتشاغل به، لأن المعلوم ضرورة الأمر الذي يتألم ~~به الحي ويدركه مع نفار طبعه عنه، فدفع ذلك مكابرة. وإنما الكلام يقع في ~~حسنه أو قبحه، لأن في الناس من قال الآلام كلها قبيحة وهم الثنوية والمجوس، ~~ومن قال إن فيها ما هو حسن اختلفوا فمنهم من قال لا وجه لحسنها إلا ~~الاستحقاق وهم التناسخية والبكرية. # والصحيح أن في الآلام ما هو حسن وفيها ما هو قبيح، فما يقبح منها يقبح ~~لوجوه ثلاثة: أحدها لكونه ظلما، وثانيها أن يكون مفسدة، وثالثها أن يكون ~~عبثا. وما عداه يكون حسنا. # وإن شئت قلت: الآلام لم تحسن إلا لنفع يوفى عليه أو دفع ضرر أعظم منه أو ~~الاستحقاق أو يكون واقعا على وجه المدافعة، فمتى خلا من ذلك أجمع كان ~~قبيحا. # فأما الظلم فهو الضرر الذي لا يقع فيه وفاء عليه ولا دفع ضرر أعظم منه ~~PageV00P083 # ولا يكون مستحقا ولا حاصلا على وجه المدافعة سواء كانت هذه الوجوه معلومة ~~أو مظنونة. # والذي يدل على أن الألم يحسن إذا كان فيه نفع يوفى عليه ما نعلمه ضرورة ~~من حسن إخراج ما يملكه من المتاع والعقار بعوض إذا غلب في ظنونا أن النفع ~~بالعوض أكثر منه، وإنما حسن تفويت المنافع بما يخرجه لأجل النفع الذي يحصل ~~بالعوض لا يختلف العقلاء في حسن ذلك. # ووجه حسن هذا الألم هو علمه بماله فيه من النفع أو ظنه دون حصول النفع ~~فيه، بدلالة أنه لو كان فيه نفع ولم يعلم أن فيه نفعا ولا ظنه لما حسن منه ~~تحمل هذا الألم، وإذا علم ذلك أو ظنه حسن، فعلم أن وجه حسنه ما ms060 قلناه. # ولا يلزم أن يكون الظلم حسنا لما فيه من العوض، لأنا نعتبر أن يكون النفع ~~موفيا عليه ويكون مقصودا، أو ما هو في مقابلة الظلم إنما يفعله الله ويأخذه ~~من الظالم على وجه الانتصاف لا يكون موفيا عليه بل بحسب الألم. # وأيضا فالظالم لم يقصد نفع المظلوم، فلم يحصل القصد أيضا. # وأيضا فالمعلوم ضرورة حسن تحمل ألم الأسفار طلبا للأرباح وتحمل المشاق في ~~طلب العلم لمكان حصول العلم، فعلم أن تحمل الألم يحسن للنفع. # وأما الذي يدل على أن الألم يحسن لدفع ضرر أعظم منه ما نعلمه ضرورة من ~~حسن عدونا على الشوك هربا من السبع أو النار أو خوفا من وقوع حائط وما أشبه ~~ذلك، ويحسن منا شرب الدواء الكريه دفعا للأمراض والخلاص منها، ويحسن الفصد ~~وقطع الأعضاء خوفا من السراية إلى النفس. ووجه حسن جميع ذلك ظن دفع الضرر ~~الموفي عليه، لأن العلم باندفاع الضرر ليس يكاد يحصل في موضع، لكن إذا حصل ~~الحسن مع الظن فمع العلم أولى وأحسن. PageV00P084 # وأما الذي يدل على أن الألم يحسن الاستحقاق فهو ما نعلمه ضرورة من حسن ذم ~~المسئ على إساءته وإن غمه ذلك وآلمه واستضر به، والعلم بحسن ذلك مع تعريه ~~من نفع أو دفع ضرر يوجب أنه حسن للاستحقاق لا غير. # وقد قيل في ذلك أيضا أنه يحسن المطالبة بتقضي الدين وإن أضر ذلك بمن عليه ~~الدين وغمه، وإنما حسن ذلك للاستحقاق. # ولقائل أن يجعل وجه ذلك ما يقدمه من الانتفاع بالدين، فجرى ذلك مجرى تقدم ~~الأجرة على الأعمال الشاقة. # وأيضا فلو كان حسن الاستحقاق لما حسن أن يبتدئ الإنسان بإيصاله إلى نفسه، ~~كما لا يحسن أن يعاقب نفسه. # وأيضا فإنه خال من استحقاق وإهانة، وذلك واجب في العقاب. # وإنما قلنا أنه متى وقع على وجه المدافعة كان حسنا، لأنه معلوم أن من ~~دافع غيره عن نفسه فوقع به من جهته ضرر لم يقصده بل قصد المدافعة فقط لا ~~يستحق به عوضها على المؤلم ولا يكون بذلك ظالما. ms061 # ولا يمكن أن يقال: إن ذلك مستحق، لأن من قصد إيلام غيره ولم يؤلمه لا ~~يستحق العقاب عليه. # وأيضا فلو كان مستحقا لقارنه استحقاق وإهانة وجاز أن يقصده، وكل ذلك يدل ~~على أنه لم يكن مستحقا. # ولا يمكن أن يقال: وجه حسنه ما فيه من العوض، لأنه تعالى لما حسن ذلك في ~~عقولنا ضمن العوض كما ضمن لما أباح لنا ذبح البهائم بالشرع، لأنه لو كان ~~الأمر على ما قالوه لوجب أن يكون من لا يعرف أن الله ضمن العوض لا يعرف حسن ~~المدافعة، كما أن من لا يعرف الشرع لم يعرف حسن ذبح البهائم. # والمعلوم خلافة. PageV00P085 # وأيضا كان يجب أن يحسن أن يقصد إيلامه ولا يقصد دفعه، كما يجوز أن [يقصد ~~ذبح البهيمة، وقد علمنا أنه لا يحسن أن] 1) يقصده. # وإنما قلنا أن الألم يقبح لكونه عبثا، لأن العبث ما لا غرض فيه أو لا غرض ~~مثله فيه، والألم يكون عبثا إذا فعل لنفع يمكن الوصول إليه من دون الألم ~~ولا غرض له فيه زائدا على ذلك بدل على قبح ذلك أنا نعلم أنه يقبح من أحدنا ~~أن يواطئ غيره ويوافقه على أن يضربه لعوض يدفعه إليه يرضى بمثله في تحمل ~~ذلك الضرب، لأنه بالعوض خرج من كونه ظلما، وإنما قبح لأنه لا غرض فيه حكمي. # وأما الألم إذا كان فيه مفسدة فمعلوم قبحه ضرورة لا شبهة فيه، ولا يجوز ~~أن يكون الألم قبيحا لكونه ألما على ما قالت الثنوية، لما بيناه من أن ههنا ~~آلاما حسنة للنفع ولدفع الضرر والاستحقاق، فبطل قولهم. ولا يجوز أن يقبح ~~الألم لكونه ضررا، لأنه لو كان كذلك لقبح العقاب لأن فيه ضررا لقبح العقاب، ~~وقد علمنا حسنه لكونه مستحقا. ومن قال العقاب ليس بضرر كان مكابرا. # والألم إذا كان فيه نفع يوفى عليه أو دفع ضرر أعظم منه لا يكون ضررا، ومن ~~قال إنه ضرر فقد أخطأ، لأنه يلزم أن يكون من خدش جلد غيره بإخراجه من العرق ~~وتخليصه من الهلاك أن ms062 يكون مضرا به، وهذا معلوم خلافه. # ولو كان العقاب لا يسمى ضررا لما جاز أن يقال في الله تعالى أنه ضار، ~~وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك، والقديم تعالى لا يحسن أن يفعل الألم إلا ~~للنفع أو الاستحقاق لا غير، فأما لدفع الضرر فلا يجوز. والظن لا يجوز عليه ~~لأنه عالم لنفسه. # وإنما قلنا ذلك لأن من شرط حسن الألم لدفع الضرر أن يكون ذلك الضرر PageV00P086 # لا يمكنه دفعه إلا بإدخال بعض الآلام عليه، والقديم تعالى يقدر على دفع ~~كل ضرر من غير أن يدخل عليه ألما، فلم يحسن لذلك. # والصحيح أن القديم تعالى لا يفعل ألما لا في المكلفين ولا في غيرهم في ~~دار التكليف إلا إذا كان فيه غرض يخرجه من كونه ظلما أو عوض يخرجه من كونه ~~عبثا، ولا يجوز أن يفعل الألم لمجرد العوض، لأن مثل العوض يحسن الابتداء به ~~ولا يجوز أن يفعله لأجل العوض. # ويفارق ذلك الثواب، لأن الثواب يستحق على وجه من التعظيم والاجلال ولا ~~يحسن الابتداء بمثله، وليس كذلك العوض لأنه مجرد المنافع. ولذلك لا يحسن ~~منا أن نستأجر غيرنا لينقل الماء من نهر إلى نهر ولا عوض لنا فيه غير إيصال ~~الأجرة إليه، وكذلك لا يحسن أن يوافقه على أن يضربه [ويعطيه عوضا من ضربه] ~~1) لا لغرض غير إيصال العوض إليه، ومعلوم ضرورة قبح ذلك. # وليس لأحد أن يقول: الاستحقاق له مزية على التفضل في الشاهد فجاز أن يفعل ~~لذلك الألم، لأن الاستحقاق إنما يكون له مزية في الشاهد لما يلحق المتفضل ~~عليه من الآنفة وإن تميز المتفضل عليه بذلك أو يلحقه بعض الغضاضة، ولذلك ~~يختلف باختلاف أحوال المتفضل من جلاله وعظم قدره، وكل ذلك مفقود مع الله ~~تعالى، فلا مزية للاستحقاق على التفضل من جهته. # فأما من قال الألم لا يحسن إلا للاستحقاق من البكرية والتناسخية، حتى ~~قالت البكرية أن الأطفال والبهائم لا تألم أصلا لما رأت أنها غير مكلفة، ~~وقالت التناسخية أنه قد كان لهم فيما مضى زمان تكليف، فما ms063 ينالهم من الآلام ~~في هذا الوقت فباستحقاقهم لما عصوا في ذلك الوقت. والذي يدل على فساد قول ~~الفريقين ما قدمناه من أنه يحسن الآلام للمنافع الموفية عليها ولدفع ضرر ~~أعظم منها، PageV00P087 # وذلك يبطل قول الفريقين على كل حال. # ويبطل قول البكرية أيضا ما نعلمه ضرورة أنا كنا نتألم في حال الطفولة ~~بالأمراض والجراحات والدماميل التي لا يقدر عليها غير الله تعالى، فمن دفع ~~ذلك كان مكابرا. # وأيضا فإنا نعلم أن البهيمة تجوع وتعطش فتتألم بذلك، وذلك من فعل الله ~~تعالى. على أن ما نعلمه ضرورة من هرب البهيمة من الآلام والضرب، يبطل قول ~~من قال إنهم لا يألمون. ومما يبطل مذهب التناسخية أن من شرط ما نفعل من ~~الآلام المستحقة أن يقارنها استخفاف وإهانة، ومعلوم قبح ذلك بالبهائم ~~والأطفال، ومن استحسن ذلك كان جاهلا مكابرا للعقول. # وأيضا فالأنبياء تألم بالآلام، ولا يجوز أن يكونوا مستحقين للعقاب لا قبل ~~النبوة ولا بعدها، لقيام الدليل على عصمتهم. # وأيضا فلو كان ذلك مستحقا لوجب أن يذكر تلك الأحوال مع التذكر الشديد ~~وإنهم عصوا فيها، لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل ذلك مع قوة التذكر، وإن ~~نسي بعضه فلا يجوز أن ينسى جميعه، ولو جاز أن ينسى بعض العقلاء ذلك لم يجز ~~أن ينساه جميعهم، ولو جاز أن ينسى كذلك لجاز أن ينسى أحدنا أنه ولي ولاية ~~في بلد بعينه سنين كثيرة وكثر فيه أعوانه وأتباعه ورزق فيه أولادا لكنه ~~نسي، وذلك تجاهل وطول المدة كقصرها، ولهذا نقول: إن أهل الجنة لا بد أن ~~يذكروا أحوال الدنيا أو أكثرها، وما يتخلل بين ذلك من زوال العقل ليس بأكثر ~~مما يتخلل بين ذلك بالنوم المزيل للعقل وأنواع الأمراض المزيلة للعقل، ~~والزمان الطويل في هذا الباب كالزمان القصير. # وليس لهم أن يقولوا كان زمان التكليف يسيرا. ألا ترى أن من دخل ساعة ~~PageV00P088 # من النهار بلدا لا فيلة ورأى أفيلة 1) وخرج منها وطالت مدته لا يجوز أن ~~ينسى ذلك ولا يذكره مع شدة تذكره. على أن ms064 هذا المذهب يؤدي إلى قبح التكليف ~~الذي لم يتقدمه تكليف آخر لا بد أن يكون فيه مشقة وإلا لم يصح التكليف، ~~فبأي شئ استحقت تلك المشقة فلا بد من المناقضة أو القول بتكليفات لا نهاية ~~لها، وكل ذلك باطل. # فأما الكلام في العوض فأول ما نقول: إن العوض هو النفع [المستحق] 2) ~~الخالي من تعظيم وتبجيل. فبكونه نفعا يتميز مما ليس بنفع، وبكونه مستحقا ~~يتميز من التفضل وبخلوه من تعظيم وتبجيل يتميز من الثواب. # فإذا ثبت ذلك فكل ألم يفعله الله تعالى أو يفعل بأمره كالهدايا والأضاحي ~~وغير ذلك أو فعل بإباحة كإباحة ذبح البهائم فإن عوض ذلك أجمع على الله ~~تعالى، لأنه لو لم يكن فيه عوض لكان ظلما وذلك لا يجوز عليه تعالى، ولو كان ~~على المؤلم منا لما حسن الألم، لأن ما في مقابلته من الانتصاف لا يحسن ~~الألم وإنما تحسنه المنافع العظيمة الموفية عليه، وفي علمنا بحسن ذلك أجمع ~~دليل على أن عوضه عليه، وما يفعله الله تعالى من الآلام ويأمر به وجوبا أو ~~ندبا فلا بد فيه من العوض، والاعتبار على ما بيناه. # فأما ما يبيحه فوجه حسنه أنه لطف لغير الذابح، لأن الواحد منا لا يجب ~~عليه لطف الغير على ما بيناه، فإذا كان في ذلك لطف لغير الذابح فإن علم ~~الله PageV00P089 # تعالى أنه يفعل حصل الغرض وإن علم أنه لا يفعل فعل ما يقوم مقامه في باب ~~اللطف. # وقيل وجه الحسن في ذلك ما فيه من العوض والانتفاع به بالأكل، لأن الغرض ~~الديني والدنياوي يخرج ذلك من كونه عبثا، ومتى ألجأ الله تعالى غيره، إلى ~~الاضرار بحي فعوضه عليه تعالى، لأن الالجاء آكد من الأمر والإباحة. # فعلى هذا متى ألجأ بالبرد الشديد إلى العدو على الشوك طلبا للخلاص كان ~~العوض عليه تعالى فيما يناله من الألم بالشوك، وأما إذا ألجأه إلى الهرب من ~~السبع أو اللص أو العدو على الشوك فالعوض على الملجئ دون الله تعالى، لأنه ~~فعل السبب الموجب للهرب دون علمه بوجوب ms065 الهرب، لأن علمه بوجوب ذلك كان ~~حاصلا ولما ألجأه، فعلم أن السبب الملجئ هو وقوف السبع أو اللص أو العدو ~~دون الله تعالى الخالق للعلم بوجوب التحرز. # فركوب البهائم والحمل عليها طريق حسنه السمع والعوض عليه تعالى، لأنه ~~المبيح لذلك، وفي الناس من قال طريق حسن ذلك العقل، لما في مقابلة ذلك من ~~التكفل بمؤنتها من العلف وغيره. ولا يلزم القديم تعالى العوض من حيث مكن من ~~الألم، لأنه لو لزمه للزمنا إذا دفعنا سيفا إلى غيرنا ليجاهد به العدو متى ~~قتل مؤمنا، لأنه لولا دفع السيف لما تمكن منه وكان يلزم الحدادين وصناع ~~السيوف العوض، وكل ذلك باطل. # وكان يجب أن يقبح منا استرجاع ما غصبه الغاصب، لأنه بالتمكن قد ضمن العوض ~~وذلك باطل. والعوض على الواحد منا إذا فعله على وجه الظلم ويجب أن يكون ~~المعلوم من حاله أنه يستحق في الحال كمثل ما يستحق عليه لمكن الانتصاف منه ~~والانتصاف واجب. # وفي الناس من قال يجوز أن يتفضل الله عليه بذلك ويتقل عنه. وهذا غير ~~PageV00P090 # صحيح، لأن التفضل غير واجب والانتصاف واجب فكيف تعلق بما ليس بواجب، وعلى ~~هذا يجب أن يكون مستحقا في الحال لمثل ما يستحق عليه دون أن يكون المعلوم ~~من حاله أنه لا يخرج من دار الدنيا إلا وهو مستحق له على ما ذهب إليه أبو ~~هاشم، لمثل ما قلناه من أن الانتصاف واجب والتقية ليست واجبة. # وأما ما يفعله الواحد منا بنفسه من الآلام فإنه لا يستحق عليها العوض، ~~لأن من شرط المستحق أن يكون غير المستحق عليه، وذلك لا يصح فيما بين ~~الإنسان ونفسه، غير أنه يستحق ذما إن كان قبيحا ومدحا إن كان حسنا له مدخل ~~في استحقاق المدح. # وليس من شرط من يستحق عليه العوض أن يكون عاقلا، لأن البهائم تستحق عليها ~~الأعواض، لأنا بينا أن العوض على المؤلم دون الممكن، ومن ألجأ غيره إلى ~~الاضرار استحق عليه العوض سواء أضر بنفسه أو بغيره، لأنه في حكم ما فعله ~~الملجئ ms066 بنفسه. # ومن وضع طفلا تحت البرد حتى هلك فالعوض على الواضع دونه تعالى لأنه ~~بتعريضه للهلاك كأنه فعل نفس الهلاك، ولذلك يذمه العقلاء على هلاك الصبي ~~وإن كان ذلك من فعل الله، لأنه بتعريضه للهلاك كأنه فعل نفس الهلاك وقد ورد ~~الخبر بأن الله تعالى ينتصف للشاة الجماء من الشاة القرناء 1)، فدل ذلك على ~~أن العوض على المؤلم وإن لم يكن عاقلا. # والعوض يستحق منقطعا، لأنه لو استحق دائما لما حسن تحمل ألم في الشاهد ~~لمنافع منقطعة كما لا يحسن منها تحمله من غير عوض وقد علمنا حسنه، PageV00P091 # فدل على أن ما يستحق من العوض منقطع. ثم إنه ينظر فإن أمكن توفيته في دار ~~الدنيا توفت عليه كما توفت على الكفار، وإن تأخر إلى الآخرة فعل به مفرقا ~~على وجه إذا انقطع لا يحس بفقده فيغتم له. # وأيضا فلو كان المستحق دائما لما صح فعله بالكفار، والاحباط لا يدخل فيه ~~عندنا وعند أكثرهم في العوض، فدل على أنه منقطع. # ويجوز أن يوصل العوض إلى مستحقه وإن لم يعلم أنه مستحق لذلك، [بخلاف ~~الثواب الذي من شرطه أن يعلم المستحق أنه مستحق لذلك] 1). # وكل عوض يستحقه الواحد منا على غيره مما له المطالبة به في الدنيا وله ~~استيفاؤه، فإنه متى أسقطه بهبة أو إبراء فإنه يسقط كسائر حقوقه. فأما العوض ~~الذي يستحق على الله تعالى أو بعضنا على بعض على وجه يتأخر استيفاؤه إلى ~~الآخرة فليس يسقط بإسقاطه، لأن الله تعالى هو المستوفى له وهو كالمحجور ~~عليه، فالإسقاط تابع للمطالبة، فمن ليس له المطالبة ليس له الإسقاط. فعلى ~~هذا يؤثر التحليل والابراء في الحقوق التي لها المطالبة بها دون ما ليس لها ~~المطالبة به. # ولما كان اللطف واجبا في التكليف على ما مضى القول فيه وكان من جملة ~~الألطاف معرفة الله على صفاته وجب أن نبين الكلام في المعارف على وجه ~~الاختصار، وأنا أذكر من ذلك جملة مقنعة في هذا الباب. # واعلم أن المعرفة هي العلم بعينه، والعلم هو ما اقتضى ms067 سكون النفس إلى ما ~~يتناوله، ولا يكون كذلك إلا وهو اعتقاد للشئ على ما هو به مع سكون النفس، ~~غير أنه لا يجب ذكره في الحد كما لا يجب ذكر كونه عرضا ومحدثا وحالا في محل ~~وغير ذلك، لأن الذي يتميز به سكون النفس فيجب أن يقتصر عليه. # والعلم على ضربين: ضروري، ومكتسب. فالضروري ما كان من فعل PageV00P092 # غيرنا فينا على وجه لا يمكننا دفعه عن نفوسنا. # والعلم الضروري على ضربين: أحدهما يحصل في العاقل ابتداء، والثاني يحصل ~~عند سبب. فالأول كالعلم بأن الموجود لا يخلو من أن يكون له أول أو لا أول ~~له، والمعلوم لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منتفيا، وما شاكل ذلك مما هو ~~مذكور في أول العقل وقد بيناه. # وما يحصل عند السبب على ضربين: أحدهما يحصل وجوبا كالعلم بالمشاهدات مع ~~ارتفاع اللبس، والثاني يحصل عند سببه بالعادة. # وهو على ضربين: أحدهما العادة فيه مستمرة غير مختلفة كالعلم بالبلدان ~~والوقائع عند من قال هو ضروري، والثاني العادة فيه مختلفة كالعلم بالصنائع ~~عند الممارسة والعلم بالحفظ عند تكرار الدرس. # والمكتسب هو كل ما كان من فعلنا من العلوم، وهو على ضربين: أحدهما يحصل ~~متولدا عن نظر، والآخر يحصل من غير نظر. فما يحصل عن نظر فسنذكر أوصافه، ~~والثاني فنحو ما يفعله المنتبه من نومه وقد كان عالما بالله وصفاته، فإذا ~~انتبه وتذكر نظره فعل اعتقادا لما كان له معتقدا فيكون ذلك الاعتقاد علما. ~~ولا بد أن يفعل هذا الاعتقاد عند التذكر لأنه ملجأ إلى فعله، ولا يمكن أن ~~يكون واقعا عن نظر، لأنه لو كان كذلك لترتبت فحسن ترتب النظر في زمان ~~متراخ، والمعلوم خلافه. # والعلوم الكسبية من فعلنا، لوجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا، ففارقت ~~بذلك العلوم الضرورية التي تحصل من فعل الله تعالى. # وسكون النفس الذي اعتبرناه هو ما يجده الإنسان من نفسه عند العلم ~~بالمشاهدات وأنه لا يضطرب عليه ولا يشك فيه، وإن كان طريقة الاستدلال أمكنه ~~حل كل شبهة تدخل عليه. فأما ms068 ما يحكى عن السوفسطائية من الخلاف فيه فلا ~~اعتبار PageV00P093 # به، لأن المعلوم ضرورة خلاف قولهم. على أن القوم إنما خالفوا في صفة ~~العلم وظنوا أن ذلك ظن وحسبان دون أن يكون ذلك علما يقينا. # والعلم بالفرق بين العلم والظن طريقه الدليل وإن كان في العلوم ما يقع عن ~~نظر فيحتاج أن نبين حقيقة النظر. # والنظر هو الفكر، ويجد الواحد منا نفسه كذلك ضرورة، ويفصل بين كونه مفكرا ~~وبين كونه مريدا أو كارها. والفكر هو التأمل في الشئ المفكر فيه والتمثيل ~~بينه وبين غيره، وبهذا يتميز من سائر الأعراض من الإرادة والاعتقاد. # وليس في المتعلقات بأغيارها شئ يتعلق بكون الشئ على صفة أو ليس عليها غير ~~النظر. # والناظر من كان على صفة مثل ما قلناه في كونه عالما ومريدا، وليس الناظر ~~من فعل النظر، بدلالة أنه يجد نفسه ناظرة ولا يجد نفسه فاعلة. ومن شأن ~~الناظر أن لا يكون ساهيا ويكون إما عالما أو ظانا أو معتقدا. ومن شرط ~~الناظر أن يجوز كون المنظور فيه على ما ظنه وأنه ليس عليه. # وهذا التحرير يحصل مع الشك والظن واعتقاد ليس بعلم، وإنما يرتفع مع العلم ~~أو الجهل الواقع عن شبهة، لأن الجاهل يتصور نفسه تصور العالم، فلا يجوز كون ~~ما اعتقده على خلاف ما اعتقده، وإن كان السكون لا يكون معه وإنما يكون مع ~~العلم. # ومن شأن النظر إذا كان مولدا للعلم أن يكون واقعا في دليل، وإذا كان ~~مقتضيا للظن أن يكون واقعا في أمارة ومتعلقا بها. ومن حق النظر المولد ~~للعلم أن يكون الناظر عالما بالدليل على الوجه الذي يدل ليصح أن يولد نظره ~~العلم. # ومتى كان معتقدا للدليل غير عالم به صح أن يقع منه النظر، غير أنه لا ~~يولد نظره العلم، لأنه لو لم يكن عالما بالدليل لم يمتنع أن يكون عالما بأن ~~زيدا قادر PageV00P094 # من حيث صح منه الفعل مع ظنه أن الفعل يصح منه وهو غير عالم ومع الظن ~~تجويز كونه على خلاف ما ظنه، فلا ms069 يصح أن يكون قاطعا على كونه قادرا مع ~~تجويز أن يتعذر منه الفعل. # ومتى ولد النظر العلم وإنما يولده في الثاني ولا يصح أن يولده في الحال، ~~لأنه لا يجوز أن يكون في حال كونه ناظرا عالما بالمدلول على ما بيناه، فجرى ~~مجرى الاعتماد سواء. # والذي يدل على أنه يولد العلم، ما علمناه من أنه متى نظر في الدليل من ~~الوجه الذي يدل وتكاملت شروطه وجب حصول العلم، فلو لم يكن مولدا له لما وجب ~~ذلك. # وإنما قلنا أن ذلك واجب، لأنه محال أن ينظر في صحة الفعل من زيد وتعذره ~~على عمرو ولا يعلم أنه مفارق له، وفي وجوب حصول ذلك دليل على أنه متولد. # ويدل أيضا على أنه مولد للعلم أنه يقع العلم بحسنه، لأن من نظر في حدوث ~~الأجسام علم حدوثها دون الطب والهندسة، وكذلك إذا نظر في صحة الفعل من زيد ~~علمه قادرا دون أن يعلم أن عمرا بتلك الصفة. # ولا يلزم على ذلك الادراك وأنه يحصل العلم بحسنه، لأن الادراك ليس معنى. ~~وأيضا فلو كان معنى فإنه يحصل في البهيمة والعلم مرتفع، فلو كان مولدا لحصل ~~على كل حال. # وأيضا فإنا نعلم أن العلم يكثر بكثرة النظر ويقل بقلته، فجرى مجرى الصوت ~~والألم، فكلما أن الضرب مولد للألم فكذلك النظر. # فإن قيل: لو ولد النظر العلم لولده لمخالفيكم مع أنهم ينظرون كنظركم. # قلنا: لو نظروا كنظرنا لولد لهم العلم كما ولدنا، فإذا لم يحصل لهم العلم ~~PageV00P095 # علمنا أنهم أخلو بشرط من شرائطه، ومتى فرضنا أنهم لم يخلوا بشئ من ذلك ~~فهم عالمون إلا أنهم مكابرون. # والنظر لا يولد الجهل، لأنه لو ولده لقبح النظر كله، لأن ما يؤدي إلى ~~القبيح قبيح، وقد علمنا حسن كثير من الأنظار. وإنما قلنا يؤدي إلى ذلك لأن ~~الناظر لا يفصل بين النظر المؤدي إلى العلم وبين النظر المؤدي إلى الجهل، ~~وكان ينبغي أن يقبح كله. # والتقليد قبيح في العقل، لأنه لو كان صحيحا لم يكن تقليد الموحد أولى من ms070 ~~تقليد الملحد مع ارتفاع النظر. # ولا يمكن أن يرجح قول الأكثر أو قول من يظهر الورع والزهد، لأن جميع ذلك ~~يتفق في المحق والمبطل، وقد استوفينا ذلك في أول الكتاب. # وأيضا فلو حسن التقليد لقبح إظهار المعجزات على أيدي الأنبياء، لأنها ~~كانت تكون عبثا، لأن التقليد على هذا المذهب جائز من دونها. # فإن قيل: كيف يكلف الله المعرفة وهي تجري مجرى الحدس والتخمين لأن الناظر ~~لا يدري أن نظره يولد علما أو غيره وإنما يعلم ذلك بعد حصول العلم. # قيل له: إذا علمنا حسن النظر بل وجوبه علمنا أنه لا يثمر جهلا ولا قبيحا ~~فيأمن من عاقبته أن تكون غير محمودة، ولو قدح ذلك في وجوب المعرفة لقدح في ~~كل نظر، والمعلوم خلافه. # وبمثله نجيب من قال: كيف يجب علينا ما لا نعرفه ولا نميزه. بأن نقول: # تميز السبب ومعرفته تغني عن تميز المسبب على التفصيل، والعاقل يميز النظر ~~فكأنه ميز المعرفة. # ووجه وجوب النظر خوف المضرة من تركه وتأميل زوالها بفعله، فيجب ~~PageV00P096 # النظر تحرزا من الضرر كسائر الأفعال التي تجري هذا المجرى. ولا فرق بين ~~أن تكون المضرة معلومة أو مظنونة في وجوب التحرز منها، لأن جميع المضار في ~~الشاهد مظنونة ومع هذا يجب التحرز منها. # ولا يبلغ الخوف من ترك النظر إلى حد الالجاء المسقط للوجوب، لأن المضرة ~~إنما تلجئ إذا كانت عاجلة كبيرة والمضرة المخوفة بترك النظر دينية آجلة فلا ~~تكون ملجئة، فعلى هذا المحرك على النظر والمخوف من تركه بينه على جهة الخوف ~~وأمارته على ما سنذكره، فإذا خاف العقاب بتركه وأمل زواله بالنظر وجب النظر ~~وإن كثر وشق، لأن الذي يأمل زواله بالنظر أعظم وأغلظ. # والعلم بوجوب النظر عند الخوف بالخاطر وغيره ضروري عام للعقلا، وكل عاقل ~~يعلم ذلك من نفسه. ولا يلزم على ذلك ما تقوله المقلدة وأصحاب المعارف من ~~أنا لا نخاف من ترك النظر على ما يدعونه، وذلك أن أول ما فيه إنا لا نعرف ~~من أصحاب المعارف من لا يجوز على ms071 مثل ادعاء ما يعلم من نفسه خلافه. # فأما من ذهب إلى التقليد فإنما ينكر المناظرة دون النظر، والمناظرة غير ~~النظر، ومع هذا ربما التجؤا إلى المناظرة في كثير من الأحوال. على أنا نقول ~~العلم بوجوب النظر للفصل في طريق المعرفة إنما يحصل عند الخوف في ابتداء ~~التكليف ويحصل لبعض العقلاء في حال لا يحصل فيها لجميعهم لاختلاف أحوالهم ~~فلا يمتنع أن يدخل بعضهم على نفسه شبهة فيزول هذا الخوف. فلا يعلم وجوب ~~النظر عليه، لأن العلم بوجوب هذا النظر إنما هو علم بوجوب ما له صفة مخصوصة ~~يجوز أن يعترض شبهة فيها. وجرى ذلك مجرى إدخال الخوارج شبهة على نفوسهم في ~~قتل مخالفهم الذي هو ظلم على الحقيقة حتى اعتقدوا حسنه لما جهلوا صفته ~~المخصوصة. PageV00P097 # وقيل أيضا: إن الخوف إذا كان مغمورا ببعض الأمور فلا يجده الإنسان من ~~نفسه، كما إن من أشرف على الموت وعليه حقوق ومظالم لا بد أن يخاف من ترك ~~الوصية وإهمالها، ومع هذا ربما ذهب عنها لبعض ما يغمره من الأمراض. # فإذا ثبت ذلك فأول فعل يجب على المكلف مما لا يخلو مع كمال عقله منه ~~النظر في طريق معرفة الله، فقلنا " أول " لئلا يلزم ما يتقدمه أو يقارنه: ~~وقلنا " فعل " تحرزا من الامتناع من القبائح، لأن ذلك ليس بفعل. ولا يحتاج ~~أن يقال " مقصودا " تحرزا من إرادة النظر، لأن العاقل عند الخوف ملجأ إلى ~~فعل الإرادة كما هو ملجأ إلى الخوف عند التنبيه على الإمارة وذلك خارج عن ~~التكليف. وقلنا " مما لا يخلو مع كمال عقله " لأن جميع الواجبات العقلية ~~التي هي وجوب رد الوديعة والانصاف وقضاء الدين وشكر النعمة قد يخلو العاقل ~~من جميع ذلك وإن لم يخل من وجوب النظر. # وأما الواجبات الشرعية فإنها فرع على معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله، فهي ~~متأخرة لا محالة. # والخوف الذي يقف وجوب النظر عليه يحصل بأشياء: # (أحدها) أن ينشأ بين العقلاء ويسمع اختلافهم وتخويف بعضهم لبعض فلا بد أن ~~يخاف من ترك النظر في أقوالهم ms072 إذا ترك حب الشوق التقليد وأنصف من نفسه وعمل ~~بموجب عقله، أو يتنبه على ذلك من قبل نفسه إذا رأى إمارات لائحة وجهات ~~الخوف معترضة فلا بد أن يخاف. وهذا يجوز أن يكون حكم الذي خلقه الله وحده، ~~فإن لم يتفق ذلك أخطر الله تعالى ما يتضمن جهة الخوف وإمارته والتنبيه ~~عليها إما بكلام يسمعه داخل أذنه أو يفعله في الهواء أو يبعث إليه من ~~يخوفه، وكل ذلك جائز. فإذا حصل الخوف وجب النظر. PageV00P098 # والذي يتضمن الخاطر هو التخويف من إهمال النظر، ولا بد أن يتنبه على ~~أمارة الخوف، لأن الخوف الذي لا أمارة له لا حكم له، غير أنه يجب تنبيهه ~~على جهة وجوب المعرفة ليعلم الحسن بهذا التخويف، لأن من هدد غيره على أكل ~~طعام بعينه بالقتل يجب عليه الامتناع من أكله ولا يعلم قبح الامتناع ولا ~~حسنه فإذا قال لا تأكله فإن فيه سما وينبهه على جهة أمارة كون السم فيه علم ~~حسن إيجاب الامتناع من الأكل. # فعلى هذا يجب أن يتضمن الخاطر أنك تجد في نفسك آثار الصنعة، فلا تأمن أن ~~يكون لك صانع صنعك ودبرك أراد منك معرفته لتفعل الواجب عليك في عقلك وتنهى ~~عن القبيح وأنت تجد في عقلك قبح أفعال فيها لك نفع عاجل ووجوب أفعال عليك ~~فيها مشقة عاجلة، وتعلم استحقاق الذم على القبيح فإن الذم مما يضرك ويغمك ~~فلا تأمن من أن تستحق مع الذم زائدا على العقاب والألم، ومعلوم أن استحقاق ~~أحدهما أمارة لاستحقاق الآخر. # ثم نقول: متى لم تعرف الله بصفاته وأنه قادر على مجازاتك على القبيح ~~بالعقاب كنت إلى فعل القبيح أقرب ومن تركه أبعد، وإذا عرفته تكون من فعل ~~القبيح أبعد وإلى فعل الواجب أقرب، فيجب عليك حينئذ النظر مع هذا التنبيه ~~على ما ذكرناه. وكل خاطر يعارض هذا الخاطر ويؤثر فلا بد أن يمنع الله منه ~~وما لا يعارضه ولا يؤثر فيه لا يجب المنع منه، لأن للعاقل طريقا إلى دفعه ~~بعقله. # ومعرفة الله تعالى واجبة ms073 على كل مكلف، لأن ما هو لطف للمكلف من العلم ~~باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم إلا بها، وذلك عام في جميع المكلفين، فيجب ~~أن يكون معرفته واجبة على كل مكلف. # وإنما قلنا أن اللطف في التكلف لا يتم إلا معها لأن من المعلوم ضرورة أن ~~من PageV00P099 # علم استحقاق العقاب على المعاصي زائدا على استحقاق الذم كان ذلك صارفا له ~~عن فعل القبيح، وكذلك من علم استحقاق الثواب على الطاعة زائدا على المدح ~~كان ذلك داعيا إلى فعله، وإذا كان العلم باستحقاق الثواب والعقاب لا يتم ~~إلا بعد العلم بالله تعالى على صفاته من كونه قادرا عالما وجبت معرفته بهذه ~~الصفة. # فيعلم كونه قادرا ليعلم أنه قادر على عقابه وثوابه، ويعلم أنه عالم ليعلم ~~بمبلغ المستحق، ويعلمه حكيما ليعلم أنه لا يخل بواجب من الثواب ولا يفعل ~~القبيح من عقاب غير مستحق. # فاللطف في الحقيقة هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب. إلا أنه لا يتم ذلك ~~إلا بعد معرفته تعالى على صفاته وجبت معرفته على صفاته، ولما كانت معرفته ~~لا يوصل إليها إلا بالنظر وجب النظر. # والمعرفة الضرورية لا تقوم في ذلك مقام الكسيبة، لأنها لو قامت مقامها ~~لفعلها في الكافر، ونحن نعلم أن كثيرا من الكفار يموت على كفره، فعلم أن ~~الضرورية ليست لطفا. # ومن ادعى أن الكفار عارفون كابر، لأن المعلوم ضرورة موت كثير من الخلق ~~كأبي جهل وأبي لهب على كفرهم. وأيضا كان يجب أن يفعل فينا ونحن نعلم من ~~أنفسنا أنا لسنا مضطرين إلى معرفة الله، فبطل أن تكون الضرورية لطفا. # وقيل إنها لو كانت لطفا لكانت الكسبية آكد، لأن من تكلف مشقة ليبلغ بها ~~غرضا لا يكون تمسكه بذلك الشئ إذا وصل إليه كتمسكه إذا حصل له الشئ من غير ~~مشقة، وشبه ذلك بمن تكلف بناء دار وأنفق عليها ماله وأفنى زمانه لا يكون في ~~تمسكه بها كمن وهبت له تلك الدار، وكذلك من سافر في طلب العلم وتحمل المشاق ~~لا يكون حكمه في التعليم حكم من ms074 يقصده العلماء ويقعدون قدامه، والعلم بذلك ~~ضروري. وإذا كانت المكتسبة آكد وجبت دون الضرورية. PageV00P100 # فإن قيل: لو كانت المعرفة لطفا لما عصى أحد. # قلنا: اللطف لا يوجب الفعل وإنما يدعو إليه ويقوى الداعي إليه ويسهله ~~فربما وقع عنده الفعل وربما يكون معه أقرب وإن لم يقع، والنوافل إنما لم ~~تكن واجبة لأنها مسهلة للواجبات مؤكدة للداعي. وعندي أنها إنما لم تجب ~~لأنها لطف في المندوبات العقلية، فهي تابعة لما هي لطف فيه. # ويجب أن يبقي الله تعالى المكلف قدرا من الزمان يتمكن فيه من تحصيل كمال ~~المعارف به وصفاته وتوحيده وعدله وبعده زمانا يمكنه فعل واجب أو ترك قبيح، ~~لأن الغرض بإيجاب المعرفة كونها لطفا في الواجبات العقلية فلا بد من ذلك. ### || فصل (في الكلام في الآجال والأرزاق والأسعار) #الأجل والوقت عبارتان عن ~~معنى واحد، والوقت هو الحادث أو ما تقديره تقدير الحادث الذي تعلق حدوث ~~غيره به. لأنا نجعل طلوع الهلال وقتا لقدوم زيد فإن كان عالما بطلوع الهلال ~~وغير عالم بقدوم زيد فإن كان عالما بقدوم زيد وغير عالم بطلوع الهلال جاز ~~أن يوقت طلوع الهلال بقدوم زيد. # وما تقديره تقدير الحادث هو أن يقال قدم زيد حين قضى عمرو نحبه، لأن " ~~قضى نحبه " أمر متجدد فجرى مجرى حادث. وعلى هذا لا يجوز التوقيت بالقديم ~~والباقيات، لأنها لا حادثة ولا جارية مجرى الحادث. # فإذا ثبت ذلك فأجل الدين هو وقت حلوله واستحقاقه وأجل الإجارة عند انقضاء ~~المدة المعقود عليها، وأجل الموت هو وقت حصول الموت فيه، وأجل القتل هو وقت ~~حصول القتل، فإذا كان لا وقت لموته وقتله إلا واحدا وهو الذي PageV00P101 # حدث فيه موته أو قتله وكذلك الأجل. فعلى هذا إذا علم الله تعالى أنه لو ~~لم يقتل فيه لعاش إليه لا يسمى أجلا، لأن الموت أو القتل لم يقع فيه ~~وبالتقدير لا يسمى أجلا كما لا يسمى بالتقدير وقتا إذا لم يقع فيه الموت أو ~~القتل. # فعلى هذا لا يكون للانسان أجلان وأكثر، ولا يسمى بذلك ms075 إلا مجازا كما لا ~~يسمى بالتقدير شئ رزقا ولا ملكا إذا لم يرزق ولم يملك. ألا ترى أنه إذا علم ~~الله من حال زيد أنه لو بقاه لرزقه أولادا وأموالا وولي ولايات لا يقال إن ~~له أولادا وأموالا وولايات وإن كان لو وصل إليها لوصف بذلك. # وقوله " وهو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " 1). # لا يدل على إثبات أجلين، لأنه تعالى لم يصرح بأنهما أجلان لأمر واحد. # ويحتمل أن يكون أراد بالأجل الأول أجل الموت في الدنيا والأجل الآخر ~~حياتهم في الآخرة، والحياة لها أجل كأجل الموت. وهذا يكون عاما في جميع ~~الخلق وما قالوه لا يكون إلا خاصا لأنه ليس لكل أحد أجلان عند المخالف بل ~~ذلك لبعضهم دون بعض. # وقوله تعالى " لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين " 2) ~~وقوله " يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى " 3) لا حجة فيه لأنه لا ~~يمتنع أن يسمى المقدور بأنه أجل مجازا، وإنما منعنا منه حقيقة بدلالة ما ~~قدمناه. # فأما من قتل فالصحيح أنه لو لم يقتل لكان يجوز أن يعيش ولا يقطع على ~~بقائه ولا على موته على ما يذهب إليه طائفتان مختلفتان. وإنما قلنا ذلك لأن ~~الله تعالى قادر على إحيائه وإماتته، ولا دليل على القطع على أحدهما، فيجب PageV00P102 # أن يجوز كلا الأمرين ويشك فيه، لأنه لا يمتنع أن تتعلق المصلحة بكل واحد ~~من الأمرين. # ويلزم من قال بوجوب الموت لو لم يقتل أن كل من مات بسبب من جهة الله من ~~غرق أو هدم وما أشبههما، إنه لو لم يكن ذلك لمات لا محالة. ويلزم أن يكون ~~من ذبح غنم غيره بغير إذنه محسنا إليه ولا يكون مسيئا لأنه بالذبح قد جعله ~~بحيث ينتفع بها ولو لم يذبحها لماتت ولم ينتفع بها فكان ينبغي أن يمدحه ولا ~~يذمه، ولا يقبل العقلاء عذره إذا قال لو لم أذبحها لماتت فما أسأت إليه، بل ~~كلهم يذمونه ويقولون أسأت إليه. # ولا يلزمنا إذا جوزنا موتها ms076 مثل ذلك، لأن بالتجويز لا يخرج عن كونه مسيئا ~~وإنما بالقطع يخرج. ويجري ذلك مجرى تجويزنا فيمن سلب مال غيره وغصبه إياه ~~أن يكون الفقر أصلح له في دينه من الغنى، ولا يقتضي تجويزنا ذلك حين سلب ~~المال لأجل التجويز، وكذلك لا ينبغي أن يقطع على أنه لو لم يقتل لعاش لا ~~محالة، لأنه لولا يمتنع أنه لو لم يقتل لاقتضت المصلحة إماتته، فالشك هو ~~العرض. ولا يخرج هذا التجويز القاتل من كونه ظالما، لأنه أدخل ضررا غير ~~مستحق على غيره لا لدفع ضرر ولا اجتلاب نفع، وهذا حقيقة الظلم. # والقديم تعالى إذا أماته لا يقطع على أنه أدخل عليه ألما، ومتى أدخله ~~عوضه عوضا يخرجه من كونه ظلما. وليس كذلك إذا قلناه، لأن ذلك الألم قبيح لا ~~محالة. والعوض الذي ينتصف الله منه في مقابلته يعذر ولا يخرجه من كونه ~~ظلما. # فإن قيل: فيمن قتل خلقا عظيما أو ذبح غنما كثيرة في حالة واحدة فهل ~~تجوزون موتهم في حالة واحدة أو بقاءهم، فإن أجزتم موتهم في حالة واحدة ~~فالعادة بخلاف ذلك وإن لم تجيزوه بطل قولكم في التجويز. PageV00P103 # قلنا: لا يجوز أن يتفق قتل الخلق العظيم في وقت يعلم الله تعالى أن ~~الصلاح احترام جميعهم لولا القتل، وليس ذلك بمبطل لما قلناه، لأن الكلام في ~~كل مقتول معين أن يجوز بقاؤه وموته على حد واحد، لأن الواحد ومن يجري مجراه ~~يجوز أن يتفق مثله في وقت كان يجوز أن تقتضي المصلحة إماتته لولا القتل كما ~~يجوز اتفاق الصدق من الواحد والاثنين في خبر بعينه وإن لم يكن ذلك في ~~الجماعة جائزا. # وأما الرزق فهو ما صح الانتفاع به للمرزوق على وجه ليس لأحد منعه أو ما ~~هو بالانتفاع به أولى. والدليل على ذلك: أن ما اختص بهذه الصفة سمي رزقا ~~وما لا يكن كذلك لا يسمى رزقا. # ولا يصح الرزق عليه تعالى، لاستحالة المنافع عليه. # والبهائم مرزوقة لجواز الانتفاع عليها، وكل شئ ليس لنا منعها منه فهو ~~رزقها نحو ms077 شرب الماء من النهر الكبير أو ما تأخذ بفيها من الكلأ المباح. ~~وقيل ذلك لا يسمى زرقا لها، لأن لنا منعها منه بالسبق لها إليه، ومتى سمي ~~الكلأ والماء قبل التناول بأنه رزق لانسان أو بهيمة كان مجازا، ومعناه أنه ~~يصير رزقا له إذا تناوله. # والملك والرزق يتداخلان في الشاهد ولا ينفصلان، والقديم يوصف بأنه مالك ~~ولا يوصف بأنه مرزوق، لما قلناه من استحالة المنافع عليه، فصار من شرط ~~تسميته رزقا صحة الانتفاع به، وليس ذلك من شرط تسميته بالملك. # وفي الناس من قال الملك منفصل من الرزق لأنهم يقولون في الكلأ والماء أنه ~~رزق للبهائم ولا يسمونه بأنه ملك لها. PageV00P104 # والصحيح الأول، وإنما لا يسمى رزق البهيمة ملكا لأن من شرط تسميته بالملك ~~أن يكون عاقلا أو في حكم العاقل من الأطفال والمجانين. # وقالوا أيضا: من أباح طعامه لغيره يوصف بأنه رزق له ولا يقال أنه ملكه ~~قبل تناوله. # قلنا: لا فرق بينهما، لأن قبل تناوله فهو رزقه وملكه وليس له منعه منه ~~كالكلأ والماء، ويجوز تسمية الولد بأنه رزق، وكذلك العقل لا يمتنع أيضا ~~تسميته بأنه ملك والمعنى أن له الانتفاع بولده وبعقله، فلا فرق بينهما. # وحقيقة الملك أن من يقدر على التصرف في شئ ليس للآخر منعه منه فهو مالك ~~له، ويسمى الله تعالى بأنه مالك يوم الدين لهذا المعنى، ولذلك يوصف الإنسان ~~بأنه يملك داره وعبده لأنه يقدر على التصرف فيهما وليس لأحد منعه فيه، ~~ولذلك لا تسمى دار غيره بأنها ملكه وإن كان قادرا على التصرف فيها لأن ~~للغير منعه منها. # فإذا ثبت ذلك فالحرام ليس برزق لنا، لأن الله تعالى منع عنه بالحظر ويجب ~~علينا المنع منه مع الامكان، ولو كان الحرام رزقا للزم أن يكون أموال الناس ~~رزقا للغاصبين والظالمين ويلزم فيمن وطئ زوجة غيره أن يكون ذلك رزقا له كما ~~أنه إذا وطئ زوجة نفسه يكون كذلك. # وقد أمر الله تعالى بالاتفاق من الرزق في قوله " وأنفقوا مما رزقناكم " ~~1) ومدح عليه بقوله ms078 " ومما رزقناهم ينفقون " 2) ولا خلاف في أنه ليس له أن ~~ينفق من الحرام، وإذا أنفق لا يستحق المدح بل يستحق الذم. ويصح أن يأكل ~~الإنسان رزق غيره كما يصح أن يأكل مال غيره. PageV00P105 # والرزق يضاف إلى الله تعالى تارة وأخرى إلى العباد، فإذا أريد بالرزق ~~الجسم الذي يصح الانتفاع به أو بطعمه أو رائحته فمعلوم أن ذلك من خلق الله ~~تعالى فيضاف إليه لا محالة، ومتى عبر به عن تصرفنا فيه على الوجه الذي ~~ينتفع به فإنه أيضا يضاف إليه تعالى، لأنه لولاه لما صح منا التصرف ~~والانتفاع به، لأنه مكن منه بالقدرة والآلات، ولو لم يكن إلا خلق الحياة ~~والشهوة لكفى لأنهما الأصل في المنافع، فإضافته إليه تعالى من هذا الوجه ~~واجبة. # وأما ما يضاف إلى الواحد منا فيجوز أن يهبه له أو يوصى له وما يجري ~~مجراه، فإنه يقال رزقه. ومن ذلك قولهم إن رزق السلطان جنده ولا يقال فيما ~~يملك بالمعاوضة بالبيع أنه رزق من البائع، لأنه قد أخذ عوضه، ولا يقال في ~~الميراث أنه رزق من الميت لأن سبب ذلك من غير جهته وبغير اختياره، وكذلك لا ~~يقال أن الغنائم رزق من الكفار لأنها بغير اختيارهم، بل كل ذلك رزق من الله ~~تعالى الذي حكم به. # وأما السعر فإنه عبارة عن تقدير البدل فيما يباع به الأشياء، ولا يسمى ~~نفس البدل بأنه سعر، فلا يقولون فيمن معه دراهم ودنانير أن معه أسعارا وإن ~~كانت أثمانا للمبيعات وبوصف تقديرها بذلك فيقال هذا المتاع بكذا وكذا ~~درهما. # ولا يلزم على ذلك قيم المتلفات أن يسمى سعرا، لأنا تحرزنا منه بقولنا " ~~فيما يباع به الأشياء ". # وفي الناس من شرط في حد السعر أن يكون ذلك على جهة التراضي، احترازا من ~~قيم المتلفات. وذكر البيع على ما قلناه يغني عن ذلك. # والسعر يكون غالبا ويكون رخيصا، فالرخص هو انحطاط السعر عما جرت ~~PageV00P106 # به العادة في وقت ومكان مخصوص، لأن انحطاط سعر الثلج في الجبال الباردة ~~لا يسمى رخيصا وكذلك في ms079 زمان الشتاء، فلذلك اعتبرنا الوقت والمكان. # والغلاء هو زيادة السعر على ما جرت به العادة والوقت والمكان واحد لمثل ~~ما قلناه في الرخص. # ويضاف الرخص والغلاء إلى من فعل سببهما، فإن كان سببهما من جهة الله ~~أضفنا إليه، وإن كان سببهما من جهة العباد أضيفا إليهم، فما يكون سببه من ~~الله تعالى في الرخص فهو تكثير الحبوب وتقليل الناس وتنقيص شهواتهم للأقوات ~~فيرخص عند ذلك فيضاف إلى الله تعالى، وسبب الغلاء عكس ذلك من تقليل الحبوب ~~وتكثير الناس وتقوية شهواتهم للأقوات، فيغلو فيضاف عند ذلك إلى الله. وما ~~يكون سببه من العباد في الرخص فنحو جلب الغلات وبيعها أو حمل الناس على ذلك ~~والزامهم إياهم بنقصان من السعر، وعكس ذلك الغلاء بأن يحتكروا الغلات ~~ويمنعوا من جلبها ويسعروها بأثمان غالية على العباد، فتنسب عند ذلك الغلاء ~~والرخص إلى العباد الذين سببوا ذلك. ### || فصل (في الكلام في الوعد والوعيد وما يتصل بهما) #الوعد عبارة عن الإخبار ~~بوصول نفع إلى الموعود له، والوعيد عبارة عن الإخبار بوصول ضرر إليه. ~~والمستحق بالافعال ستة أشياء مدح وذم وثواب وعقاب وشكر وعوض: # فالمدح عبارة عن القول المتضمن لعظم حال الممدوح، ولا يصير مدحا إلا ~~بثلاثة شروط: أحدها أن يقصد به التعظيم، وثانيها أن يكون اللفظ موضوعا ~~للتعظيم في تلك اللغة، وثالثها أن يكون عالما بعظم حال الممدوح. ~~PageV00P107 # والظن والاعتقاد لا يقوم [مقام العلم في ذلك، لأن المدح لا يكون إلا ~~مستحقا ولا يصح] 1) ذلك إلا مع العلم بالإعظام، إما بأن يكون ثابتا نحو من ~~يمدحه ويعلم من حاله ما يقتضي تعظيمه نحو الأنبياء والمعصومين، أو يكون ~~مشروطا كمدح من غاب عنا بشرط بقائه على الحال الموجبة لتعظيمه. # والفعل لا يسمى مدحا حقيقة ويجوز أن يسمى بذلك مجازا. # والتعظيم يدخل في القول والفعل حقيقة كقيام الإنسان لغيره مع القصد إلى ~~تعظيمه أو تقبيل رأسه. # والمدح لا يكون إلا خبرا يحتمل الصدق أو الكذب: كقولك فلان عالم فاضل مع ~~القصد إلى تعظيمه. والذم هو القول المنبي عن ms080 اتضاع حال المذموم وشروط كونه ~~ذما مثل شروط المدح سواء من القصد إلى ذلك والعلم بحاله وإن كان اللفظ ~~موضوعا له، وما يرجع إلى الفعل يسمى ذما مجازا. # والاستخفاف والإهانة يكونان بالقول والفعل، لأن من لا يقوم لمن يجب أن ~~يقام له يسمى مستخفا به. # والثواب هو النفع المستحق المقارن للتعظيم والاجلال، فبكونه نفعا يتميز ~~مما ليس بنفع، وبكونه مستحقا يتميز من التفضل، وبمقارنة التعظيم والتبجيل ~~يتميز من العوض. # والعقاب هو الضرر المستحق، ومن شروطه أن يقارنه استخفاف وإهانة، فبكونه ~~ضررا يتميز من النفع، وكونه مستحقا يتميز من الألم الذي يفعل لمصلحة، ~~ويتميز أيضا بمقارنة الاستخفاف له والإهانة له. # والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ولا يكون كذلك إلا ~~بالقصد. والشكر حقيقة ما يرجع إلى اللسان، وقد يسمى ما يرجع إلى القلب PageV00P108 # من التفرقة بين المحسن والمسئ شكرا، وهو مجاز. # والعوض هو النفع المستحق الخالي من تعظيم وتبجيل، فبكونه نفعا يتميز من ~~الألم، وبكونه مستحقا من النفع المتفضل به، وبكونه خاليا من تعظيم وتبجيل ~~يتميز من الثواب على ما بيناه. # ويستحق المدح بفعل الواجب والندب وبالامتناع من القبيح وبإسقاط الحقوق ~~المستحقة كإسقاط العقاب من الله تعالى، وكذلك من أسقط دينه عن غيره استحق ~~المدح. ولا يستحق المدح إلا بهذه الأربعة أشياء، لأن فعل المباح والقبيح لا ~~مدخل له في استحقاق المدح. # ولا يستحق المدح بفعل الواجب إلا إذا فعل لوجه وجوبه أو لوجوبه، لأنه لو ~~فعله ساهيا لما استحق المدح، ولو فعله اتباعا للشهوة لما استحق عليه المدح ~~أيضا. # والندب لا يستحق به المدح إلا إذا فعل لكونه ندبا، ومتى فعل لنفع عاجل أو ~~شهوة لم يستحق المدح. فعلى هذا لا يصح فعل الواجب والندب على الوجه الذي ~~يستحق به المدح إلا ممن كان عالما بوجوبه أو وجه وجوبه وبكونه ندبا أو وجه ~~كونه ندبا. # والقبيح لا يستحق المدح بتركه إلا إذا كان تركه لكونه قبيحا، ولا بد من ~~أن يكون عالما بالقبيح أو وجه القبيح حتى يصح ms081 منه تركه لذلك. # وكلما يستحق به المدح يستحق به الثواب، بشرط حصول المشقة فيه أو في سببه ~~أو ما يتصل به، لأن الواطي لزوجته يستحق المدح والثواب، وإن كان فعل لذة ~~لكن قصر النفس عليه والتزام النفقة والمؤنة عليه فيه مشقة. ولولا المشقة ~~لجاز أن يستحق المدح والثواب على فعل اللذات والمنافع، والمعلوم خلافه. # وأيضا لو لم يعتبر حصول المشقة في استحقاق الثواب للزم أن يستحق القديم ~~تعالى الثواب إذا فعل الواجب أو التفضل ولم يفعل القبيح، وذلك باطل. ~~PageV00P109 # والدليل على أن الفعل الشاق من الواجب والندب يستحق به الثواب هو أنه لا ~~فرق في العقول بين الالزام المشاق وبين إدخال المضار، فلما كان إلزام ~~المضار لم يحسن إلا للنفع - ولا بد في ذلك النفع من أن يكون عظيما وافرا ~~حتى يحسن إلزام المشاق لأجله ولا يجوز أن يكون ذلك النفع مدحا ولا عوضا لأن ~~نفس المدح ليس بنفع وإنما ينتفع بالسرور الذي يتبعه، وما يتبعه من السرور ~~لا يبلغ الحد الذي مقابل ما في فعل الواجب والامتناع من القبح من المشاق ~~العظيمة، وذلك معلوم ضرورة. على أن السرور هو اعتقاد وصول المنافع إليه في ~~المستقبل، سواء كان علما أو ظنا أو اعتقادا، ومتى رفعنا المنافع عن أوهامنا ~~فلا سرور يعقل. # وأما العوض هو خال من تعظيم وتبجيل، ويحسن الابتداء بمثله، ومن حق ما ~~يستحق على الطاعة أو يقارنه التعظيم، على أن من حق العوض أن يستحق بفعله من ~~يستحق عليه العوض. وهذا لا يصح ههنا، لأن الطاعة من فعلنا والثواب يستحق ~~عليه تعالى. ولا يجوز أن يكون المستحق عوضا، وإذا كان الملزم للواجب وجاعله ~~شاقا هو الله تعالى وجب أن يستحق الثواب عليه دون غيره. # وإذا ثبت استحقاق الثواب فليس في العقل ما يدل على أنه يستحق دائما، ~~وإنما يرجع في ذلك إلى السمع، وأجمعت الأمة على أن الثواب يستحق دائما لا ~~خلاف بينهم فيه. # وكل دليل يستدل به على دوام الثواب عقلا فهو معترض، قد ذكرنا الاعتراض ~~عليه ms082 في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. وجملته أنهم قالوا الثواب يستحق بما ~~يستحق به المدح، وإذا كان المدح يستحق دائما وجب في الثواب مثله. وقوى ذلك ~~بأن قالوا ما أزال المدح أزال الثواب، فدل على أن جهة الاستحقاق واحدة، ~~فإذا كان أحدهما دائما وجب أن يكون الآخر مثله. # وهذا غير صحيح، لأنا لا نسلم أن جهة الاستحقاقين واحدة. ألا ترى ~~PageV00P110 # أن القديم يستحق المدح بفعل الواجب والتفضل وإن لم يستحق الثواب، ولو فعل ~~أحدنا الواجب على وجه لا يشق عليه لاستحق المدح وإن لم يستحق الثواب، أن ~~الثواب يستحق بالمشقة والمدح يستحق بوجه الوجوب، فكيف يستحقان على وجه ~~واحد. # ومتى قيل المشقة شرط والوجه هو كونه واجبا أو ندبا، قيل بعكس ذلك ولقائل ~~أن يقول: الوجه هو المشقة وكونه واجبا شرط. ثم يقال: ولم إذا تساويا في ~~الشرط والوجه وجب أن يتساويا في الدوام، لأنه إذا جاز أن يتساويا في هذين ~~مع اختلافهما في الجنس جاز أن يختلفا أيضا في الدوام والانقطاع. # وقولهم " ما أزال أحدهما أزال الآخر " لا نسلمه، لأن عندنا لا يزيل ما ~~يستحق منها شئ على وجه على ما نبينه في بطلان التحابط. وهذا أقوى دليل ~~استدلوا به، وما عداه من أدلتهم ذكرناها بحيث أومأنا إليه لا نطول بذكره ~~ههنا. # وأما الذم فإنه يستحق بفعل القبيح والاخلال بالواجب، لأن ما عدا ذلك من ~~أفعال المكلف من الواجب والندب والمباح لا يستحق به ذم على حال. # ولا يستحق فاعل القبيح والمخل بالواجب الذم إلا بعد أن يكون متمكنا من ~~التحرز منه، بأن يكون عالما بقبح القبيح ووجوب الواجب، أو متمكنا من العلم ~~بقبحه. # وفي الناس من قال لا يستحق الذم إلا على فعل، وادعوا أن من أخل بواجب لا ~~بد أن يكون فاعلا لترك قبيح يستحق به الذم، لأنهم حدوا الواجب بأنه ما له ~~ترك قبيح. وهذا غير صحيح، لأن حد الواجب هو ما يستحق بالاخلال به الذم على ~~بعض الوجوه، لأن قبح الترك تابع لوجوب الوجوب ms083 فوجوب الواجب هو الأصل. # وما ذكروه يؤدي إلى أن يتعلق وجوبه بقبح تركه وقبح تركه يتعلق بوجوبه ~~PageV00P111 # وفي ذلك تعلق كل واحد منهما بصاحبه. على أن في الواجبات ما لا ترك له ~~أصلا. # ولا يدخل الترك أيضا في فعل الله تعالى وإن كان الوجوب يدخلها. على أنه ~~قد يعلم الواجب واجبا من لا يعلم أن له تركا قبيحا، لأنا نعلم وجوب رد ~~الوديعة على من طولب بها ومتى لم يردها استحق الذم مع التمكن وإن لم يعلم ~~أنه فعل تركا، وإن علمناه أنه فاعل ترك علمناه بدليل وكان يجب أن من لا ~~يعلم أنه فعل الترك أن لا يذمه، والمعلوم خلافه. # وللترك والمتروك له شروط: منها أن يكون القادر عليها واحدا والوقت الذي ~~يفعلان فيه واحدا، أو يكونا مفعولين بالقدرة ويكونا ضدين مبتدأين. # وذلك أن تقول حد الترك ما ابتدئ بالقدرة بدلا من ضد له يصح ابتداؤه على ~~هذا الوجه. # فيكون قولنا " بدلا من ضده " مغنيا عن أن نشرط فيه كون الوقت واحدا لأن ~~مع تغاير الوقت لا يوصف بالبدل، لأن الفعل الواقع في وقت لا يمنع من وقوع ~~فعل في وقت آخر وإن تضادا، ومن شأن الترك والمتروك أن لا يدخلا 1) في ~~الوجود. # وقولنا " ابتدئ بالقدرة " يغني عن شرط أن يكون مباشرا، لأنه لا يبتدئ ~~بالقدرة إلا المباشر، وأغنانا عن أن نقول ما ابتدئ بالقدرة في محلها، لأن ~~القدرة لا يبتدئ بها الفعل إلا في محلها، وأغنى ذلك عن أن نقول والمحل ~~واحد، لأن قولنا بدل لا يصح إلا والمحل واحد والجملة واحدة، فما يتضاد على ~~المحل فكالأكوان والألوان، وما يتضاد على الحي فكالإرادة والكراهة، لأن ~~أحدنا لو فعل إرادة في جزء من قلبه لكانت بدلا من ضدها من الكراهة PageV00P112 # وتركا لها وإن كانت في محل آخر من أخرى القلب. # ولا اعتبار بأن تكون القدرة واحدة على الترك والمتروك، لأنا قلنا ما ~~ابتدئ بالقدرة ولم نقل بقدرة واحدة، لأن القدرة التي يفعل بها الإرادة في ~~جزء [من قلبه غير ms084 القدرة التي يفعل بها الكراهة في جزء آخر] 1) من القلب ~~وإن كانت الإرادة تركا للكراهة. # وعلى هذا التقدير لا يدخل الترك في أفعال الله تعالى، لأنا شرطنا فيه ~~الابتداء بالقدرة. ولا يدخل أيضا فيه المتولدات، لأنا شرطنا في الترك ~~والمتروك أن يكونا مبتدأين. # ويدل أيضا على أن الاخلال بالواجب يستحق به الذم أن العقلاء يذمون من لم ~~يفعل الواجب مع التمكن وإن لم يعلموا أنه فعل تركا له، فيجب أن يكون ذلك ~~كافيا في حسن الذم، لأن العلم بحسن الشئ أو قبحه تابع للعلم بماله حسن أو ~~قبح جملة أو تفصيلا فلولا أن كونه غير راد الوديعة جهة يستحق بها الذم لما ~~حسن ذمه عند العلم بما ذكرناه، ولو وجب أن يكونا عالمين بحسن الذم وإن لم ~~يعلم جهته، وذلك باطل نبين ذلك أنا إذا علمناه فاعلا لقبيح وجه يستحق به ~~الذم وكذلك في كونه مخلا بواجب سواء. # ويدل أيضا على ذلك أنه يحسن من كل عاقل أن يعلق الذم بأن القادر لم يفعل ~~ما وجب عليه، لأن من لم يرد الوديعة مع حصول شروط وجوبها يذمونه ويقولون ~~أنه لم يرد الوديعة، فلولا أن كونه غير راد لها جهة يستحق بها الذم لما ~~قالوا ذلك، كما لا يحسن أن يعلقوا الذم بوجه لا يستحق به ذلك من كونه عرضا ~~وحالا في محل وغير ذلك. # ويدل أيضا على ذلك أنا لو فرضنا أن القديم تعالى لم يفعل الواجب من PageV00P113 # الثواب والعوض واللطف لا يستحق به الذم، يتعالى عن ذلك. ولا يجوز الترك ~~عليه على ما مضى، فيجب أن يكون الاخلال بالواجب جهة يستحق بها الذم كفعل ~~القبيح، لأن جهات استحقاق القبح لا تختلف باختلاف الفاعلين على ما يقوله ~~المجبرة من نسبتهم القبائح إلى الله تعالى مع نفيهم عنه استحقاق الذم، ومتى ~~لم يراعى هذا الأصل أدى إلى الفساد. # وأما العقاب فيستحق بما يستحق به الذم من فعل القبيح والاخلال بالواجب ~~بشرط أن يكون فاعل القبيح أو المخل بالواجب اختاره على ما ms085 فيه منفعته ~~ومصلحته من فعل الواجب أو الاخلال بالقبيح. واعتبرنا هذا الشرط لئلا يلزم ~~أن يستحق القديم تعالى العقاب إن فرضناه فاعلا للقبيح أو مخلا بالواجب، ~~يتعالى الله عن ذلك. # ومن شرط من يستحق منه العقاب أن يكون عالما بقبح القبيح ووجوب الواجب أو ~~متمكنا من العلم بذلك، لأن مع كل واحد من الأمرين يمكنه التحرز منه، والعقل ~~لا يدل عندنا على استحقاق العقاب وإنما نعلم ذلك سمعا، وأجمع المسلمون على ~~أن القبيح يستحق به العقاب وإن اختلفوا في دوامه وانقطاعه. # وقال أكثر أهل العدل أن العقل دال على استحقاق فاعل القبيح والاخلال ~~بالواجب العقاب، قالوا: لأن الله تعالى أوجب علينا الواجبات على وجه يشق ~~علينا مع إمكان تعديه من المشقة وغرضنا للمشقة للثواب العظيم، ومجرد النفع ~~لا يحسن له إيجاب الفعل وإنما يؤثر في إيجابه حصول الضرر في الاخلال به ~~فيجب من ذلك أن يكون فاعلا لقبيح، والاخلال بالواجب مستحقا لضرر عليه وهو ~~العقاب. # وإنما قلنا أن مجرد النفع لا يكفي في إيجاب الفعل، لأن النوافل لا يحسن ~~إيجابها وإن كان في فعلها ثواب لأنه لم يكن في الاخلال بها ضرر، وكذلك ~~PageV00P114 # المكاسب والتجارات لا يحسن إيجابها لمجرد النفع ويحسن ذلك إذا كان في ~~تركها ضرر. # وهذا ليس بجيد، لأن لقائل أن يقول: إنه يكفي في حسن الايجاب وجه وجوب ~~الأفعال، لأنه تعالى بالايجاب فعلمنا وجوب الأفعال علينا وإنما يجب علينا ~~لوجه وجوبها، فالإيجاب إنما حسن لهذه الوجوه بأعيانها، فأما جعل الفعل شاقا ~~فبإزائه الثواب والايجاب إنما حسن لوجه الوجوب. # والنوافل إنما لم يحسن إيجابها لأنه ليس لها وجه وجوب كما أن للواجبات ~~وجه وجوب معقول يجب لأجلها، نحو كونها ردا للوديعة وقضاء الدين وما أشبه ~~ذلك. والتجارات مثل النوافل لا وجه لوجوبها فلذلك لم يحسن إيجابها. # والواحد منا وإن أوجب على غيره ما ليس له وجه وجوب نحو أن يهدده بالقتل ~~إن لم يدفع ماله إليه، فيجب عليه الدفع وإن لم يكن له وجه وجوب إنما كان ~~كذلك ms086 لأنه لم تثبت حكمته، والحكيم تعالى لا يحسن منه إيجاب ما ليس له وجه ~~وجوب، فبان الفرق بينهما. # فإن قيل: لو لم يستحق العقاب لكان مغرى بالقبيح مع حصول شهوته، وإنما ~~ينزجر لمكان العقاب، والذم لا ينزجر به العقلاء حتى يتركوا له المشتهيات ~~العاجلة. # قلنا: يخرج من الاغراء بتجويزه استحقاق العقاب على فعل القبيح والاخلال ~~بالواجب دون القطع عليه، كما يخرج بالتجويز عن الاغراء في زمان مهلة النظر، ~~لأنه لا طريق له هناك إلى القطع على استحقاق العقاب. # وقيل أيضا إنه يخرج عن الاغراء بفوت المنافع إذا فعل القبيح، لأنه يعلم ~~أنه يفوته الثواب بفعل القبيح والاخلال بالواجب، وفوت المنافع يجري مجرى ~~حصول المضار في باب الزجر. PageV00P115 # والمستحق للعقاب هو الله تعالى دون العباد، لإجماع الأمة على أن الله ~~تعالى هو المستحق، مع إنا بينا أن نفس استحقاق العقاب لا يعلم عقلا وكيف ~~يعلم من المستحق له، ولو استحق بعضنا على بعض العقاب لكان ذلك عاما في ~~العقلاء وكان يجب أن يستحق عقاب فاعل القبيح جميع العقلاء وكل من يمكن خلقه ~~حتى لا يستقر على قدر. # وليس لأحد أن يقول يختص الاستحقاق بالمساء إليه، وذلك أن العقاب إنما ~~يستحق لكونه قبيحا كما يستحق الذم لذلك، وإذا كان استحقاق الذم شائعا وجب ~~أن يكون استحقاق العقاب شائعا، وقد بينا فساده. على أن العقاب يستحق بما ~~ليس باساءة من القبائح كالجهل والعبث والكذب وغير ذلك، فلا يمكن في ذلك ~~الاختصاص. # واعتماد المخالف في ذلك على أن ولي الدم يستحق القود وهو عقاب، باطل لأن ~~طريق ذلك الشرع، واستيفاء الولي لذلك بمنزلة استيفاء الإمام وإن لم يكن ~~الإمام مستحقا لعقابه بلا خلاف. # ثم كيف يستحق الولي العقاب والجناية إلى غيره، وإسقاط ولي الدم حقه من ~~القود لا يدل على أنه حقه لأن طريق ذلك أيضا السمع. # وإذا بينا أن استحقاق العقاب لا يعلم عقلا فما لا يعلم دوامه عقلا أولى ~~وأحرى لأن الدوام كيفية، وإذا كان نفس الاستحقاق لا يعلم فكيفيته أولى ~~بذلك. ms087 # ومتى حملوا العقاب على الذم في دوامه فالكلام عليه مثل الكلام على دوام ~~الثواب حين حملوه على استحقاق المدح سواء، وقد تكلمنا عليه فالطريقة واحدة. # ومتى قالوا لو جاز انقطاع العقاب للحق المعاقب راحة إذا تصور ذلك، ومثل ~~ذلك قالوا في الثواب أنه يتبعض على المثاب إذا تصور انقطاعه، وإنا ~~PageV00P116 # نتكلم عليه عند الكلام في الاحباط إنشاء الله. # والمعاصي على ضربين كفر وغير كفر، فالكفر يستحق به العقاب الدائم إجماعا ~~لا خلاف بين الأمة فيه، وما ليس بكفر ليس على دوامه دليل بل دل الدليل على ~~انقطاعه على ما سنبينه إنشاء الله. # ولا تحابط عندنا بين الطاعة والمعصية ولا بين المستحق عليها من ثواب ~~وعقاب، ومتى ثبت استحقاق الثواب فإنه لا يزيله شئ من الأشياء، والعقاب إذا ~~ثبت استحقاقه فلا يزيله شئ من الأشياء عندنا إلا التفضل. # ومن خالفنا يقول الثواب يزول بالندم على الطاعة والعقاب كثيرة يوفي على ~~الثواب. والعقاب يزول بالتفضل وبالندم الذي هو التوبة، وتكثر الطاعة إذا ~~زاد ثوابها على العقاب الحاصل. # والذي يدل على بطلان التحابط أنه لا تنافي بين الطاعة والمعصية ولا بين ~~المستحق عليهما من الثواب والعقاب ولا ما يجري مجراه التنافي، والشئ ينافي ~~غيره لتضاد بينهما أو ما يجري مجرى التضاد. # وإنما قلنا لا تضاد بين الطاعة والمعصية لأنهما قد ثبت أنهما من جنس ~~واحد، بل نفس ما يقع طاعة كان يجوز أن يقع معصية. ألا ترى أن قعود الإنسان ~~في دار غيره غصبا معصية، وهو من جنس قعوده فيها بإذنه، وهو جنس مباح، وهما ~~من جنس واحد. وكذلك لا تضاد بين المستحق عليهما لمثل ذلك بعينه، لأن الثواب ~~من جنس العقاب، بل نفس ما يقع ثوابا كان يجوز أن يقع عقابا، لأن الثواب هو ~~النفع الواقع على بعض الوجوه، ولا شئ يقع نفعا إلا وكان يجوز أن يقع ضررا ~~وعقابا، بأن يصادف نفارا. # ولو كان بينهما تضاد على تسليمه لما تنافى الثواب والعقاب وهما معدومان، ~~لأن الضد الحقيقي لا ينافي ضده في ms088 حال عدمه، لأن السواد والبياض قد يجتمعان ~~في العدم. PageV00P117 # والتحابط عندهم بين المستحقين من الثواب والعقاب، وهما لا يكونان إلا ~~وهما معدومان، لأنهما إذا وجدا خرجا عن كونهما مستحقين. # وإن شئت قلت: قد ثبت استحقاق الثواب على الطاعة، فلا وجه يقتضي إزالته، ~~فيجب أن يكون ثابتا على ما كان، فإن ادعوا أن بينهما تنافيا تكلمنا عليه ~~فيما بعد. # وأيضا فالقول بالاحباط يؤدي إلى من جمع بين الاحسان والإساءة أن يكون عند ~~العقلاء بمنزلة من لم يحسن ولم يسئ إذا تساوى المستحقان من المدح والذم أو ~~يكون بمنزلة من لم يحسن إذا كان المستحق علي الإساءة أكثر أو بمنزلة من لم ~~يسئ إن كان المستحق على الطاعة أكثر، والمعلوم خلافه. # وقولهم " إن من شأن الثواب أن يقارنه تعظيم وإجلال ومن شأن العقاب أن ~~يقارنه استخفاف وإهانة، ومعلوم ضرورة استحالة تعظيم أحدنا لغيره مع ~~استحقاقه به في حالة واحدة إذا كان الذام والمادح واحدا والمذموم والممدوح ~~واحدا والوقت واحدا، وإذا تعذر فعله تعذر استحقاقه لأن الاستحقاق تابع لصحة ~~الفعل " باطل، لأنا نخالف في استحالة ذلك، فلا يمكن ادعاء الضرورة فيه. وإن ~~ادعوا أنه معلوم بدليل فينبغي أن يذكروه. # ثم لا يخلو ما ادعوا تنافيه من المدح والذم والتعظيم والاستحقاق أن ~~يريدوا ما يرجع إلى اللسان أو ما يعتقد بالقلب، فإن كان الأول فمعلوم أنه ~~جائز، لأنه لا يمتنع أن يمدح أحدنا غيره بلسانه على فعل ويذمه على فعل آخر ~~بما يكتب بيده، ولو خلق له لسانان لتأتي أن يمدح بأحدهما ويذم بالآخر. فعلم ~~أنه متى تعذر فلفقد آلة الكلام، ولذلك لا يصح أن يمدح زيدا أو يذم عمرا في ~~حالة واحدة وإن جاز اجتماع ذلك في الاستحقاق لما قلناه من فقد الآلة. # وإن أرادوا ما يرجع إلى القلب ففيه الخلاف. والمعلوم عندنا خلافه، ~~PageV00P118 # لأنا نجد من نفوسنا صحة اجتماع اعتقاد المدح على فعل مع استحقاقه الذم ~~على فعل آخر ولا تعذر في ذلك. اللهم إلا أن يريدوا أنه لا يصح اجتماع ~~الاستحقاقين ms089 على فعل واحد بوجه واحد، فيكون ذلك صحيحا لكنا لا نقول ذلك. ~~وكل ما يسأل على هذا ويفرع عليه فقد استوفيناه في شرح الجمل، وهو مستقصى ~~أيضا في مسألة الوعيد للمرتضى رحمة الله عليه. # واعتمادهم أيضا على أن من حق الثواب والعقاب أن يكونا صافيين من كل شوب ~~فلو استحقا في حالة واحدة وفعلا في حالة واحدة خرجا عن الصفة اللازمة لهما ~~وإن فعلا على البدل فمثل ذلك، لأن أيهما قدم على الآخر فالمفعول به منتظر ~~لوقوع الآخر، وذلك يوجب نفي الخلوص ويقتضي الشوب، لأنه إن كان في عقاب وعلم ~~انقطاعه استراح إلى ذلك، وإن كان في ثواب وتصور انقطاعه تنغص عليه، وإذا ~~امتنع فعلهما امتنع استحقاقهما أيضا. باطل، لأن أول ما نقوله إنا لا نعلم ~~بالعقل أن من شرط الثواب أو العقاب أن يكون خالصا صافيا، وإنما علمنا ذلك ~~بالسمع، وقد علمنا بالاجماع أنه لا يمتزج الثواب والعقاب، وعلمنا بالاجماع ~~أن الثواب لا يتعقبه عقاب. فأما العقاب فلا دلالة على أنه لا يتلوه ثواب ~~إلا في الكفار، فإنهم أجمعوا على أنه لا يتلو عقابهم ثواب، وأما فساق أهل ~~الصلاة فليس على ذلك دلالة. # ثم ليس الأمر على ما قالوه من أنه إذا تلا العقاب الثواب أن تلحقه راحة ~~لأنه يجوز أن يلهيه الله عن ذلك ويشغله عن الفكر فيه، لأن ما هو فيه من ~~أليم العقاب وعظيم موقعه يشغل بعضه عن الفكر في العاقبة، ولو علم انقطاعه ~~لما اعتد بذلك مع ما فيه من أنواع العقاب، وجرى ذلك مجرى ما يقوله من أن ~~أهل النار يعرفون الله ضرورة ويسقط عنهم مشاق النظر لكن لا يعتد به، وكذلك ~~يعلمون أولادهم وأعزاهم في الثواب وحصول أعدائهم في النار ومع ذلك لا ~~PageV00P119 # يعتد بسرورهم في ذلك. وكل شئ يقولون في ذلك فهو قولنا فيما قالوه بعينه. # وقولهم " ما استحال فعله استحال استحقاقه " إن أرادوا استحال استحقاقه ~~على الوجه الذي يستحيل فعله كان صحيحا، وإنما يستحيل فعل الثواب والعقاب ~~على وجه الجمع، ونحن ms090 لا نقول ذلك ولا يستحقان كذلك. وإن أرادوا أن ما يصح ~~فعله على البدل يستحيل استحقاقه على الجمع. فباطل، لأنه لا يصح أن يكون ~~القادر قادرا على الضدين وإن كان يستحيل فعلهما على الجمع وإنما يصح فعل كل ~~واحد منهما بدلا من صاحبه. # وليس لهم أن يقولوا: كيف يكون معاقبا في حال هو فيها يستحق الثواب. # لأن ذلك ليس بأبعد من أن يكون مستحقا للثواب في حال هو فيها مكلف وميت ~~وتراب وفي القبر وإلى أن يحييه الله، لأن الثواب يستحق عقيب الطاعة وإن ~~تأخر إلى زمان الفعل بأوقات كثيرة. # وقولهم " معلوم ضرورة قبح الذم على الإساءة الصغيرة نحو كسر قلم لمن له ~~إحسان عظيم وإنعام جليل نحو تخليص النفس من الهلاك والإغناء بعد الفقر ~~والإعزاز بعد الذل، ولم يقبح ذلك إلا لبطلانها في جنب ذلك الاحسان، بدلالة ~~أنها لو انفردت عنه لحسن ذمه على كسر القلم، وإذا ثبت ذلك في المدح والذم ~~ثبت مثله في الثواب والعقاب ". غير مسلم، لأن عندنا يجوز أن يذم بالإساءة ~~الصغيرة وإن استحق المدح بالاحسان الكثير. ألا ترى أنه لو ندم هذا المسئ ~~بالإساءة الصغيرة على إحسانه الكثير لحسن ذمه على الإساءة الصغيرة فلو كان ~~الحبط لما حسن ذلك، لأن ما انحبط لا يرجع عند المخالف. # وإذا قالوا " معلوم ضرورة أن حال هذا المسئ منفردا من الاحسان بخلاف حاله ~~إذا قارنه الاحسان العظيم ". قلنا: ذلك صحيح، لأنه إذا انفرد بالإساءة ~~استحق الذم لا غير وإذا جمع بينهما استحق المدح والذم، فافترق الحالتان. ~~PageV00P120 # على أنه يحسن ممن أحسن إليه بعض الناس وأساء إليه بالإساءة، لا يظهر مزية ~~إحداهما على الأخرى أن يمدحه على إحداهما ويذمه على الأخرى، بأن يقول أحسنت ~~إلي بكذا وكذا ويمدحه ويشكره ثم يقول لكنك أسأت إلي بكذا وكذا ويعنفه ~~ويبكته. وذلك يدل على اجتماع الاستحقاقين. وإذا اجتمعا في بعض المواضع علم ~~فساد القول بالاحباط وحمل عليه المواضع المشتبهة. # على أنا نعلم أنه يحسن فعل الثواب عقيب الطاعة، ولا يدل ذلك على ms091 سقوطه. # ومتى قالوا أن ذلك لا يحسن لما قلنا، وكذلك كثير استحقاق المدح مانع من ~~نفي استيفاء القليل من الذم وإن لم يسقط. # وكذلك نعلم أن من كان له على غيره مائة ألف دينار وله عليه ربع شعير يحسن ~~منه أن يطالبه بالربع من الشعير مع كون المال العظيم عليه ولا أحد يقول إن ~~ذلك يسقط. ألا ترى أنه لو وفاه ماله حسن منه أن يطالب بالربع من الشعير ~~فعلم أنه ثابت. # وكذلك لو كافأه هذا المحسن على إحسانه وقام بشكره حق القيام حسن أن يذمه ~~على كسر قلمه، فدل على أنه لم يسقط. وتعلقهم بالظواهر نحو قوله تعالى " إن ~~الحسنات يذهبن السيئات " 1) وقوله " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " 2) ~~وقوله " لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " 3) إلى قوله " أن تحبط أعمالكم ~~" 4) وقوله " لئن أشركت ليحبطن عملك " 5) لا يصح لأن الظواهر يجب أن تبنى ~~على أدلة العقول، وقد بينا بطلان التحابط. فلو كان لهذه الآيات ظواهر لوجب PageV00P121 # حملها على ما يطابق ذلك، وكيف ولا ظاهر لشئ منها بل هي شاهدة لمذهبنا، ~~لأن الاحباط والبطلان في جميعها يتعلق بالأعمال دون المستحق عليها، ~~والمخالف يقول التحابط بين المستحق عليها. # ونحن يمكننا حملها على ظاهرها، لأن معنى قوله تعالى " إن الحسنات يذهبن ~~السيئات " إن من استكثر من فعل الحسنات دعاه ذلك إلى الامتناع من القبائح ~~وكانت لطفا له، وهذا يوافق الظاهر لا يحتاج معه إلى تقدير الحرى فيه. # وأما باقي الآيات فالوجه فيها أن نقول: إبطال العمل وإحباطه عبارة عن ~~إيقاعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، ألا ترى أن أحدنا لو ضمن ~~لغيره عوضا على نقل شئ من موضع إلى موضع بعينه فنقله إلى موضع غيره فإنه لا ~~يستحق الأجرة وجاز أن يقال: أحبطت عملك وأبطلته لأنك أوقعته على خلاف الوجه ~~المأمور به به ولم توقعه على الوجه الذي تستحق عليه الأجرة. # وليس أحد يقول أنه يستحق أجرة فأبطلها، بل المراد ما ذكرناه. # ولما كانت الصدقة متى قصد بها وجه الله تعالى ms092 استحق بها الثواب، ومتى ~~فعلها لوجه المن والأذى لم يستحق جاز أن يقال إنه أبطلها، وكذلك من رفع ~~صوته إجابة للنبي عليه السلام ومسارعة إلى إجابته استحق به الثواب ومتى ~~رفعه استخفافا به وعصيانا منه جاز أن يقال إنك أبطلته، وكذلك من عبد الله ~~مخلصا استحق الثواب فمتى أضاف إلى ذلك عبادة غيره جاز أن يقال أبطلت عملك. # فبان بجميع ذلك أنه لا متعلق للقوم في الآيات في صحة التحابط والعقاب متى ~~استحق، فإنه يحسن التفضل بإسقاط من غير توبة. يدل على ذلك أنه قد ثبت ~~بأوائل العقول حسن الاحسان وإيصال المنافع إلى الغير، ومن أحسن الاحسان ~~إسقاط المضار المستحقة، بل ربما كان إسقاط المضمرة أعظم من إيصال المنفعة، ~~فدافع حسن أحدهما كدافع الآخر. PageV00P122 # وأيضا فقد ثبت أن العقاب حق لله تعالى إليه قبضه واستيفاؤه، لا يتعلق ~~بإسقاطه إسقاط حق لغيره منفصل منه، فوجب أن يسقط [بإسقاطه كالدين فإنه ~~يسقط] بإسقاط صاحبه لاختصاصه بهذه الأوصاف. # وإنما قلنا " حق لله " لئلا يلزم حق عليه من الثواب والعوض. # وقلنا " إليه قبضه واستيفاؤه " لأن كل حق ليس لصاحبه قبضه ليس له إسقاطه ~~كالطفل والمجنون لما لم يكن لهما استيفاؤه لم يكن لهما إسقاطه، والواحد منا ~~لم يكن له استيفاء ثوابه وعوضه في الآخرة لم يسقطا بإسقاطه، فعلم بذلك أن ~~الاسقاط تابع للاستيفاء، فمن لم يملك أحدهما لم يملك الآخر. # وقلنا " لا يتعلق بإسقاطه إسقاط حق لغيره منفصل عنه " احترازا من سقوط ~~الدم المستحق على القبيح لقبحه بإسقاطنا، لأن هذا الذم تابع للعقاب، فلا ~~يجوز زواله مع ثبوت العقاب، فلو سقط بإسقاطنا لسقط العقاب [وهو حق لغيرنا. # وراعينا الانفصال لأن الذم يسقط بإسقاط العقاب] 2) لأنه تابع له، فهو ~~كالحقوق المتعلقة بالدين من الأجل والخيار وغيرهما عند سقوط الدين، ولا ~~يسقط العقاب بإسقاط الذم، لأن العقاب ليس بتابع للذم. # على أن الذم ليس بحق خالص لنا، بل هو حق علينا، لما فيه من المصلحة في ~~الدين ونحن متعبدون به، ولأنه يردع المفعول به عن القبيح ms093 فكأنه حق له فلم ~~يخلص كونه حقا لنا. # فإن اختصرت ذلك فقلت العقاب حق لله إليه قبضه واستيفاؤه يتعلق باستيفائه ~~ضرر فوجب أن يسقط بإسقاطه كالدين، ولا يلزم على ذلك الثواب والعوض PageV00P123 # والمدح والشكر، لأنه لا ضرر في جميع ذلك باستيفائه. ولا يلزم الذم لأنه ~~ليس بضرر حقيقي، ولأنه حق للفاعل والمفعول به على ما مضى بيانه. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون فيه وجه من وجوه القبح، فلا يحسن بإسقاطه؟ # قلنا: وجوه القبح معقولة، أما الظلم أو الكذب أو العبث أو المفسدة أو ~~الاغراء بالقبيح، وكل ذلك منتف ههنا، فوجب أن يكون حسنا. # وإنما قلنا " ليس بمفسدة ولا إغراء بالقبيح " لأن العفو إنما يقع في ~~الآخرة ولا تكليف هناك ولا مفسدة فيه. # وليس لأحد أن يقول: في الأطماع به إغراء. وذلك أن هذا باطل، لأن في ~~المكلفين من إذا ارتفع طمعه في العفو كان أقرب إلى ارتكاب القبائح وفيهم من ~~يكون بخلافه، فالأحوال مختلفة. # ومتى قالوا: إنه متى طمع خرج من كونه مزجورا. # قيل: هذا لا يجوز، لأن الزجر حاصل بتجويز عقابه، وكيف لا يكون مزجورا. ~~ولو أخرجه ذلك عن كونه مزجورا لكان في زمان مهلة النظر وتجويزه أن لا يستحق ~~العقاب أصلا مغرى بالقبائح ولا يكون مزجورا والمعلوم خلافه، ويلزم أن يكون ~~غير مزجور إذا طمع في العفو بالتوبة، وكل ذلك باطل. # فإذا ثبت أن العقاب يسقط بالعفو فالعفو أن يقول: أسقطت عقاب زيد وسمحت ~~بعقابه. فيسقط ويقبح مؤاخذته بعد ذلك ويجري مجرى المطالبة بالدين بعد ~~الابراء والاسقاط. # وأما التوبة فإنها تسقط العقاب عندها تفضلا من الله تعالى، وأجمع ~~المسلمون على سقوط العقاب عند التوبة، ولولا السمع لما علمنا ذلك، [وإنما ~~نعلم PageV00P124 # بالعقاب أن التوبة يستحق بها الثواب لأنها طاعة والطاعة يستحق بها ~~الثواب] 1). # وإنما قلنا أنها لا تسقط العقاب عقلا أنها لو أسقطت لم يخلو أن يسقط ~~بكثرة المستحق عليها من الثواب أو لوجه آخر، فإن كان الأول فقد أفسدناه من ~~حيث أفسدنا القول بالاحباط، وإن ms094 كان إسقاطها من حيث كانت بدلا للجهود - على ~~ما يقولونه - فما الدليل على ذلك، لأنا لا نسلم. # ومتى حملوا التوبة على الاعتذار وأن الاعتذار يقبح معه المؤاخذة فنحن ~~نخالف في الاعتذار كما نخالف في التوبة. # ومتى قيل: لو لم يسقط العقاب لقبح تكليف الفاسق المستحق للعقاب، لأن ~~التكليف إنما يحسن تعريضا. والفاسق مع استحقاقه للعقاب لا يجوز أن يستحق ~~الثواب، فيجب له أن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه لينتفع بالثواب الذي عرض ~~له، فليس ذلك إلا التوبة. وإذا فعلها اجتمع له استحقاقان معا، والعقل غير ~~مانع منه، وقد بيناه فيما مضى. # ولو صح لكم أنهما لا يجتمعان لصح ما قلتم، ولو صح لكم في التوبة فلا ~~ينبغي أن يبنى الشئ على نفسه. # ولو سلمنا أنه لا بد أن يكون له طريق إلى الانتفاع بما كلف فعله فقد فعل ~~الله له ذلك، بأن بين بالسمع أنه يعفو عند التوبة، فمن أين أن ذلك بحكم ~~العقل. ولو خلينا والعقل لما أوجبنا التوبة ولكن لما أجمعت الأمة على وجوب ~~التوبة قلنا بوجوبها وعلمنا أن لنا فيها مصلحة ولطفا، ولولا السمع لما ~~علمناه. # فإذا ثبت أن بالسمع يعلم زوال العقاب عند التوبة فيجب أن نقول التوبة ~~التي يسقط العقاب بها ما أجمعت الأمة على سقوط العقاب عندها دون المختلف ~~فيه، والذي أجمعت عليه هو أنه إذا ندم على القبيح لكونه قبيحا وعزم على PageV00P125 # أن لا يعود إلى مثله في القبح فإنه لا خلاف بين الأمة أن هذه التوبة يسقط ~~العقاب عندها. وأما غيرها ففيه خلاف، لأن التوبة من القبيح لوجه القبح أو ~~عظم المستحق عليه فيه خلاف بين الأمة، والخلاف في ذلك فرع على وجوب سقوط ~~العقاب عندها عقلا، وقد بينا ما في ذلك. # فأما من جمع بين الإيمان والفسق فإنا لا نقطع على عقابه بل يجوز العفو ~~عنه وأن يسقط الله عقابه تفضلا. # وإنما قلنا ذلك لأنا دللنا على حسن العفو عنه من حيث عدمنا الدليل المانع ~~منه، وليس في السمع ما ms095 يمنع أيضا منه، لأنا سبرنا أدلة السمع أيضا فلم نجد ~~فيها ما يمنع منه، فيجب أن يكون التجويز باقيا على ما علمناه بالعقل، ولا ~~يلزم على ذلك الشك في عقاب الكفار، لأن السمع منع منه. # والمسلمون أجمعوا على أن الكفار معاقبون لا محالة، ومعلوم ذلك من دينه ~~عليه السلام، فلذلك قلنا به. # وأيضا فلا خلاف بين الأمة أن للنبي عليه السلام شفاعة وأنه يشفع، ~~والشفاعة حقيقتها في إسقاط المضار المستحقة، فوجب من ذلك القطع على جواز ~~العفو عن مستحق العقاب من أهل الضلالة، بل على وقوع ذلك بجماعة غير معينين ~~من حيث علمنا وقوع شفاعته وأنها حقيقة في إسقاط المضار دون زيادة المنافع. # والذي يدل على حقيقتها ما قلناه أنها لو كانت حقيقة في زيادة المنافع ~~لكان الواحد منا إذا سأل الله تعالى أن يزيد في كمالات النبي 1) عليه ~~السلام ورفع درجاته أن يكون شافعا فيه، وأحد من المسلمين لا يطلق ذلك لا ~~لفظا ولا معنى. # وليس لأحد أن يقول: إنما لم يطلق ذلك لأن الشفاعة يراعى فيها الرتبة كما ~~يراعى في الأمر والنهي، وذلك أن الخطاب على ضربين: أحدهما يعتبر PageV00P126 # فيه الرتبة، والآخر لا يعتبر فيه الرتبة. فما يعتبر فيه الرتبة يعتبر بين ~~المخاطب والمخاطب دون ما يتعلق به الخطاب، لأن الواحد منا يقول لغلامه الق ~~الأمير والق الحارس ويكون أمرا في الحالين، وإن كان من يتعلق به الأمر ~~أحدهما عال الرتبة والآخر دني الرتبة، وكذلك لو اعتبر في الشفاعة الرتبة ~~لوجب اعتبارها بين السائل والمسؤول دون من تناوله الشفاعة. # وليس لهم أيضا أن يقولوا: إنما لم يطلق ذلك لأنا لا نعلم أن سؤالنا فيه ~~مجاب على كل حال. # وذلك أن هذا باطل بقولهم " شفاعة مقبولة " و " شفاعة مردودة "، [فيسمونها ~~شفاعة سواء قبلت أو ردت. وأيضا وكل خطاب يعتبر فيه الرتبة] 1) لا يدخل بين ~~الإنسان وبين نفسه كالأمر والنهي، ويصح أن يكون الإنسان شافعا لنفسه كما ~~قال الشاعر: # * فهل لأنفس ليلى شفيعها * وإنما يدخل بين الإنسان وبين نفسه ما ms096 لا يعتبر ~~فيه الرتبة أصلا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله حين قال لبريرة: ~~تصالحي زوجك وارجعي إليه. # فقالت له: أتأمرني يا رسول الله. فقال: لا وإنما أنا شافع 2). فبين أنه ~~شافع إلى بريرة 3) وإن كانت دونه، فدل على أن الشفاعة لا يعتبر فيها الرتبة ~~أصلا. # وأما تناولها لإسقاط المضار فلا خلاف أنها حقيقة في ذلك، ولو سلمنا أنها ~~حقيقة في الأمرين فخصصناهما بإسقاط الضرر بقوله: أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي. وفي خبر آخر: أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي 4). PageV00P127 # وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول، فلا يمكن أن يقال أنه خبر واحد. # وليس لهم أن يحملوا الخبر على زيادة المنافع لمن تاب لأمرين: أحدهما أنا ~~بينا أن حقيقة الشفاعة في إسقاط المضار، الثاني أنه لا يخلو أن يشفع فيهم ~~بعد التوبة، فلا يمكنهم الانتفاع بالمنافع مع أنهم في النار. وإن كان بعد ~~التوبة فلا يسمون أهل الكبائر كمال ا يسمى من تاب من كفره كافرا، فعلم أن ~~المراد ما قلناه في إسقاط الضرر. # ولا يعارض ذلك قوله تعالى " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " 1) ~~وقوله " وما للظالمين من أنصار " 2) وقوله " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " 3) ~~وقوله " ولا تقبل لهم شفاعة " 4) من وجوه: # أحدها أن العموم لا صيغة له على مذهب كثير من أصحابنا، فمن أين أنه أراد ~~العموم دون الخصوص، والكلام في ذلك مذكور في مواضع كثيرة لا نطول بذكره ~~ههنا. فعلى هذا تكون الآيات مختصة بالكفار، وقد سمى الله تعالى الشرك ظلما ~~في قوله " إن الشرك لظلم عظيم " 5). على أنه نفى في الآية الأولى شفيعا ~~مطاعا، ونحن لا نقول ذلك ولم ينف شفيعا مجازا. ولا يمكن الوقف على قوله " ~~ولا شفيع يطاع "، لأن ذلك خلاف جميع القراء. ثم لا يمكن البدأة بقوله " ~~يطاع " لأن الفعل لا يدخل على الفعل بعده قوله " يعلم "، وإن قدر يطاع الذي ~~يعلم كان ذلك تركا للظاهر، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى تقدير. PageV00P128 # والآية الثانية إنما نفي فيها أن يكون للظالمين ms097 أنصار، والنصرة غير ~~الشفاعة، لأن النصرة هي الدفع عن الغير على وجه الغلبة، والشفاعة هي مسألة ~~يقترن بها خضوع وخشوع. # وقوله " لا يشفعون إلا لمن ارتضى " 1) فمعناه ارتضى أن يشفع فيه، ونظيره ~~قوله " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " 2) وقوله " لا تغني شفاعتهم شيئا ~~إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " 3)، وليس هذا تركا للظاهر، لأن ~~المرتضى محذوف بلا خلاف، فهم يقدرون إلا لمن ارتضى أفعاله ونحن نقدر إلا ~~لمن ارتضى أن يشفع فيه، واستوى التقديران وسقطت المعارضة بها. # على أن الفاسق الملي يجوز أن يكون مرتضى، بمعنى ارتضى إيمانه وكثير من ~~طاعاته، كما يقول " هذا البناء مرتضى عندي " يريدون في البناء دون غيره من ~~أفعاله. # وقوله " ولا تنفعها شفاعة " 4) متروك الظاهر، لأن عند الجميع ههنا شفاعة ~~نافعة مقبولة، فإن منعوا من نفعها في إسقاط الضرر منعنا نفعها في زيادة ~~المنافع. # أو نقول: لا تقبل الشفاعة ولا تنفع الشفاعة للنفس الكافرة. # فأما حسن رغبتنا في أن يجعلنا الله تعالى من أهل شفاعة النبي عليه السلام ~~فهو كرغبتنا في أن يجعلنا من التوابين والمستغفرين، فكما لا تكون الرغبة في ~~التوبة والاستغفار رغبة في فعل الكبائر [فكذلك الرغبة في الشفاعة لا تكون ~~رغبة في الكبائر] 5)، ولا فرق بينهما. والوجه في الأمرين هو الرغبة في PageV00P129 # الشفاعة والتوبة. والاستغفار إن اتفق منا أو وقع ما يحتاج معه إلى التوبة ~~والشفاعة فذلك جائز مشروط. # ومتى قالوا: السمع منع من جواز العفو في آي كثيرة من القرآن نحو قوله ~~تعالى " ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها " 1) وقوله ~~" ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " 2) و " من يعمل سوءا يجز به " 3) و " ~~إن الفجار لفي جحيم " 4) وما أشبه ذلك من الآيات. # قلنا: لنا في ذلك ثلاثة أوجه من الكلام: # (أحدها) أن نبين أن العموم لا صيغة له، بل الظاهر أنه يحتمل الخصوص ~~والعموم، فإذا احتمل ذلك جاز أن يراد بها الكفار دون فساق أهل الصلاة، ~~والكلام في ذلك ذكرناه في شرح ms098 الجمل وغير ذلك لا نطول بذكره ههنا. # (والثاني) أن يعارض هذه الآيات بآيات مثلها تتضمن القطع على الغفران، ~~كقوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " 5) ~~وقوله " إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " 6) وقوله " إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا " 7) وغير ذلك. # (وثالثها) أن نبين أن الآيات متروكة الظاهر وانهم شرطوا فيها كبير ~~المعصية وعدم التوبة، فإذا شرطوا هذين الشرطين شرطنا شرطا ثالثا، وهو من لا ~~يعفو عنه ابتداءا أو بالشفاعة ويسلم باقي عمومها. PageV00P130 # ووجه المعارضة بقوله " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء " أنه تعالى لم ينف غفران الشرك على كل حال، بل نفى أن يغفره تفضلا، ~~فكأنه قال لا يغفر أن يشرك به تفضلا بل استحقاقا، فيجب أن يكون المراد ~~بقوله " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " أي يغفره بغير استحقاق بل تفضلا، لأن ~~موقع الكلام الذي يدخله النفي والاثبات وينظم إليه التعظيم والدون أن يخالف ~~الثاني الأول. ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول القائل " أنا لا أركب إلى ~~الأمير إلا إذا ركب إلي وأركب إلى من هو دونه وإن لم يركب إلي " وكذلك إذا ~~قال " لا أتفضل بالكثير من مالي وأعطي اليسير إذا استحق علي " وإنما يحسن ~~أن يقول " وأعطي اليسير تفضلا من غير استحقاق ". # على أن قوله " ويغفر ما دون ذلك " يقتضي عمومه أنه يغفر كل ما دون الشرك ~~صغيرا كان أو كبيرا تاب منه أو لم يتب، لأن عموم ما يقتضي ذلك على مدعاهم ~~وليس لهم أن يخصوا عموم هذه الآية لتسلم عموم آياتهم، لأنا نعكس ذلك فنخص ~~عموم آيات الوعيد بالكفار لتسلم آيات العفو. # والشبهة إنما دخلت في الآية في أعيان المغفور لهم دون الغفران، وإنما ~~كانت تكون في الغفران لو قال يغفر ما دون ذلك إن شاء، والأمر بخلافه. # ونحن لا نقطع على أنه يغفر لكل أحد بل ذلك متعلق بمشيئته. # على أنه تعالى علق الغفران في الآية بالمشيئة، ms099 وظاهر ذلك أنه تفضلا، لأن ~~الواجب لا يتعلق بالمشيئة، لأنه لا يجوز أن يقول القائل: أنا أرد الوديعة ~~إن شئت. ويجوز أن يقول: أنا أتفضل إن شئت. # والآية الثانية الوجه فيها أنه تعالى أخبر أنه يغفر الذنوب على ظلمهم، ~~ومعناه في حال كونهم ظالمين. ويجري ذلك مجرى قولهم: لقيت فلانا على أكله ~~وأوده على عذره. ومتى شرطوا فيها التوبة كان ذلك تركا للظاهر. PageV00P131 # والآية الثالثة تقتضي أنه يغفر جميع الذنوب إلا ما أخرجه الدليل من الكفر ~~والتوبة ليس لها ذكر في الآية، فمن شرطها فقد ترك الظاهر. # وقوله " وأنيبوا إلى ربكم " 1) كلام مستأنف لا يجب أن يشرط ذلك في الآية ~~الأولى، لأن عطف المشروط على المطلق لا يقتضي أن يصير مشروطا. # وأما الطريقة الثالثة فهي أن يقال: إنما شرطتم التوبة وكبر المعصية، لأن ~~التوبة تسقط العقاب وعظم الطاعة أيضا يسقط صغير المعصية، فما اقتضى هذين ~~الشرطين اقتضى شرط العفو، وكلامنا مع من يحسن العفو عقلا فأما من منع منه ~~وقال لا يحسن العفو عقلا فقد مضى الكلام عليه، وإذا كان العفو جائزا عقلا ~~مسقطا للعقاب وجب أن يشرط أيضا كما شرطنا الشرطين الآخرين. # وليس لهم أن يقولوا: العقل يقتضي إسقاط العقاب بالتوبة وزيادة الثواب، ~~وليس في العقل ما يدل على حصول العفو، وذلك أن العقل كما اقتضى سقوط العقاب ~~بالثواب وزيادة الثواب كذلك يقتضي سقوطه عند العفو، كما يجوز أن يعفو مالك ~~العقاب [يجوز أن لا يعفو، وكذلك يجوز أن يختار العاصي التوبة و] 2) يجوز أن ~~لا يختارها. وكذلك القول في عظم الطاعة، فينبغي أن يقابل بين وقوع التوبة ~~ووقوع العفو وبين الجواب في حصولها وحصول العفو، فإنهما سواء لا ترجيح ~~لأحدهما على الآخر. # ومتى قالوا عموم آيات الوعيد يدل على أنه تعالى لا يختار العفو. قلنا: # هلا منع ذلك من اختيار العاصي التوبة المسقط للعقاب أو عظيم الطاعة، ~~لأنكم إنما تمنعون بالظاهر اختيار العفو ليسلم وقوع العقاب، وهذا بعينه ~~قائم في التوبة وزيادة الثواب، فيبغي أن تقولوا الظواهر تمنع ms100 من وقوعها. ~~وقد فرغنا PageV00P132 # ما يسأل على ذلك في شرح الجمل، وفيما قلناه ههنا كفاية إنشاء الله. # فإن قيل: القول بجواز العفو يؤدي إلى أن لا يقام حد لا في السرقة ولا في ~~الزنا على وجه العقوبة. وذلك ينافي قوله " جزاءا بما كسبا نكالا من الله " ~~1) وقوله " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " 2) فبين أنه عذاب ونكال، ~~ولو كان عقابا لبطل ذلك. # قلنا: لا يقطع أحد من السراق نكالا على وجه القطع والثبات، بل إنما يقطعه ~~بشرط كونه مستحقا للعقاب، ومتى فرضنا العفو عنه قطعناه امتحانا ولا بد لكل ~~أحد من ذلك، لأن شروط استحقاق العقاب ليست معلومة بالظاهر، لأنه يحتاج أن ~~يكون السارق عاقلا والشبهة مرتفعة ولا أن يكون ثابتا فيما بينه وبين الله ~~تعالى وأن يكون الشهود صادقين أو إقراره صحيحا، لأنه متى لم يحصل له ذلك أو ~~بعضه فإنما يقطعه امتحانا وكذلك إذا فرضنا حصول العفو فإنما يقطعه امتحانا، ~~ومتى فرضنا حصول جميع الشرائط وارتفاع العفو قطعناه عقوبة فلا بد من الشرط. # ولا يمكن القطع على إقامة الحد عقوبة على القطع والثبات إلا في الكفار ~~وعلى ما بيناه من بطلان التحابط من كفره بعد إيمانه فإنه يدل على أن ما كان ~~أظهره لم يكن إيمانا، لأنه لو كان إيمانا لاستحق عليه الثواب الدائم، وإذا ~~كفر استحق على كفره العقاب الدائم بالاجماع وكان يجتمع الاستحقاقان، وذلك ~~خلاف الإجماع. # فإذا علم بذلك أن ما أظهره لم يكن إيمانا ولا يمكن أن يقال لم لا يجوز أن ~~يقال إنما أظهره من الكفر لم يكن كفرا ليسلم له الإيمان، لأن إظهار الإيمان ~~ليس PageV00P133 # بإيمان بلا خلاف وإظهار الكفر اختيار كفر بلا خلاف. # وفي أصحابنا من أجاز أن يكفر المؤمن كفرا لا يوافي به. وهذا ليس بصحيح ~~لأن هذا يؤدي إلى تجويز أن يكون من الكفار المرتدين من يستحق نهاية التعظيم ~~والتبجيل بما كان أظهره من الإيمان، وذلك خلاف الإجماع. فإذا الصحيح أن ~~المؤمن لا يكفر أصلا بل لا كفر يوافي به ولا ms101 بكفر لا يوافي به. # فأما الكافر فإنه يجوز أن يؤمن، لأن الإيمان يسقط عقاب الكفر إجماعا سواء ~~قلنا أنه دائم أو منقطع. ولا يحتاج أن يقسم بأن يقول: الكفر الذي يوافي به ~~يستحق عليه العقاب الدائم المنقطع، لأن مع حصول الإجماع على سقوط عقابه ~~بالإيمان والتوبة من الكفر لا يحتاج إلى ذلك. # فإذا ثبت فقوله " إن الذين آمنوا ثم كفروا " 1) معناه إن الذين أظهروا ~~الإيمان ثم كفروا. وجاز أن يسمى من أظهر الإيمان مؤمنا كما قال " فإن ~~علمتموهن مؤمنات " 2) يعني من أظهر الإيمان منهن، وقوله " فتحرير رقبة ~~مؤمنة " 3) يعني على الظاهر. # فعلى هذا من أظهر الكفر أو الفسق مختارا بلا تقية ولا أمر يحتمل التأويل ~~قطعنا على كونه كافرا وفاسقا، وليس كذلك من أظهر الإيمان أو الطاعة، لأنه ~~يجوز أن يكون في باطنه بخلافه. # وإذا ثبت ذلك فكل من كان مظهرا للكفر قطعنا على ثبوت عقابه وإن كان فاسقا ~~مصرا قطعنا على ارتفاع التوبة عنه وجوزنا أن يكون الله تعالى أسقط عقابه ~~تفضلا وإن لم نقطع به ونذمه عليه بشرط عدم العفو. ومتى غاب عنا من PageV00P134 # قطعنا على عقابه وذمه من الكفار والفساق فإنا نذمه بشرط عدم التوبة وعدم ~~العفو، ومن غاب من الفساق نذمه بشرط عدم التوبة وعدم العفو، ويشترط الأمرين ~~في خبره. # وليس ههنا من يقطع على ثبوت ثوابه بإظهار الإيمان والطاعة إلا من أدل ~~دليل على عصمته وأمنا فعل القبيح والاخلال بالواجب من جهته. ### || فصل (في ذكر أحكام المكلفين في القبر والموقف والحساب) (وغير ذلك مما يتعلق بالوعيد) # أجمعت الأمة على عذاب القبر لا يختلفون فيه، وما يحكى عن ~~ضرار بن عمرو من الخلاف فيه لا يعتد به لأنه سبقه الإجماع وتأخر عنه وإن ~~اختلفوا في وقت عذاب القبر: فقال جمهور الأمة من أصحاب الحديث أنه حين ~~الدفن، وقال قوم يجوز أن يكون عند قيام الساعة. # والظواهر لا يمكن الاستدلال بها على ثبوت عذاب القبر، لأنها مجملة نحو ~~قوله " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين " 1) وغير ذلك، وقد ms102 بينا القول ~~فيها في شرح الجمل. # وأنكر قوم عذاب القبر، فقالوا هو محال، ومنهم من قال هو قبيح. # وقولهما يبطل بحصول الإجماع على ثبوته وأنه واقع، وذلك يدل على جوازه ~~وحسنه أيضا، فالميت إذا أعيد حيا جاز أن يعاقب، فلا وجه لإحالته. فأما من ~~أحاله ربما ظن أنه يعاقب وهو ميت، وهذا لا يقوله أحد. PageV00P135 # وأما ضيق القبر عن العقاب فإنه يجوز أن يوسعه الله تعالى حتى يمكن ذلك، ~~وإن كان المتولي لذلك الملائكة فلا يحتاجون إلى سعة موضع. # وإذا كان العقاب مستحقا فإنه يجوز أن يكون في تقديم بعضه مصلحة للمكلفين ~~من البشر والملائكة، فيقدم منه بعضه في الدنيا كالحدود وبعضه في القبر، لما ~~في الإخبار به من المصلحة في دار التكليف. # ومتى قال لا حال ينبش فيها الميت إلا ويوجد على ما هو عليه، فأما من قال ~~ليس لعذاب القبر وقت لا يلزمه ذلك، ومن قال هو عقيب الدفن يقول لا يمتنع أن ~~لا يعقل إذا أردنا نبش القبر لما فيه من المصلحة. # ومتى قيل: لو عوقب لوجب أن يكون عاقلا قادرا على الكلام فكان يسمع كلامه. ~~قلنا: كمال العقل لا بد منه، فلا يجب أن يكون قادرا على الكلام إما بأن لا ~~يكون فيه قدرة أصلا أو يكون ممنوعا منه. # وأما الملكان النازلان عليه فإنما سميا منكرا ونكيرا اشتقاقا من استنكار ~~المعاقب لفعلهما أو نفوره عنهما، وليس بمشتق من الانكار. # وأما المحاسبة والمسألة في الموقف - وإن كان الله تعالى عالما بأحوالهم ~~لأنه عالم لنفسه - لا يمتنع أن يكون في تقديمه غرض، لأن بالمحاسبة والمسألة ~~وشهادة الجوارح يظهر الفرق بين أهل الجنة والنار ويتميز بعضهم من بعض فيسر ~~بذلك أهل الجنة ويكثر بذلك نفعهم، ويكون لنا في العلم به مصلحة في دارا ~~التكليف. # والاجماع حاصل على المحاسبة والقرآن يشهد به لقوله تعالى " وكفى بنا ~~حاسبين " 1). # وكذلك شهادة الجوارح ونشر الصحف مجمع عليه، والقرآن شاهد به، PageV00P136 # لكن المسألة وإن كانت عامة فهي على المؤمنين سهلة وعلى الكافرين صعبة، ~~لما ms103 فيها من التبكيت والمناقشة. # وأما كيفية شهادة الجوارح فقال قوم بينها الله تعالى متى يشهد، وقيل إن ~~الله تعالى يفعل فيها الشهادة وأضافها إلى الجوارح مجازا، وكلا الأمرين ~~مجاز. # وقيل إن الشاهد هو العاصي نفسه يشهد على نفسه بما فعله ويقربه ويكون ذلك ~~حقيقة، وقيل إنه تظهر فيه أمارة تدل على الفرق بين العاصي والمطيع. وكل ذلك ~~جائز. # فأما الميزان فقال قوم إنه عبارة عن العدل والتسوية والقسمة الصحيحة كما ~~يقولون كلام فلان موزون وأفعاله موزونة. وهذا وجه حسن يليق بفصاحة الكلام. # وقال قوم: المراد به الميزان والكفتين، وإن الأعمال وإن لم يصح وزنها ~~والصحف التي فيها هذه الأعمال يصح وزنها. وقيل: إنه يجعل النور في إحدى ~~الكفتين والظلمة في الأخرى، ويكون لنا في الإخبار عن ذلك مصلحة في التكليف. # وأما الصراط فقد قال قوم إنه طريق أهل الجنة والنار، وإنه يمهد لأهل ~~الجنة ويتسهل لهم سلوكه ويضيق على أهل النار ويشق عليهم سلوكه. وقال آخرون ~~المراد به الحجج والأدلة المفرقة بين أهل الجنة والنار المميزة بينهم. # فأما أهل الآخرة فالتكليف عن جميعهم زائل مثابين كانوا أو معاقبين، وإنما ~~كان كذلك لأنهم لو كانوا مكلفين لجاز منهم وقوع التوبة فيسقط عقابهم، وذلك ~~يمنع منه الإجماع. # ويمنع أيضا من استحقاق ثواب أو عقاب لإجماعهم على أنه ليس بدار استحقاق، ~~ولأن من شأن الثواب أن يكون خالصا صافيا من أنواع الشوب والكدر، والتكليف ~~ينافي ذلك، فعلى هذا قوله " كلوا واشربوا " 1) صورته PageV00P137 # صورة الأمر والمراد به الإباحة المحضة. # وقال قوم: إنه أمر لا يزيد في سرورهم إذا علموا أن الله يريد منهم ذلك، ~~إلا أنهم لا يختلفون أن ذلك ليس على وجه التكليف وأنه لا مشقة عليهم في ~~ذلك. # وأما شكرهم لنعم الله تعالى فما يرجع إلى الاعتقاد فهم مضطرون إليه، لأن ~~معارفهم ضرورية فهي خارجة عن التكليف، وما يرجع إلى اللسان فيجوز أن يكون ~~لأهل الجنة فيه سرور، ومعارف أهل الآخرة ضرورة، وهم ملجأون إلى أن لا ~~يفعلوا القبيح، ولا بد أن ms104 يعرفوا الله تعالى، لأن المثاب لا بد أن يعلم أن ~~الثواب واصل إليه على الوجه الذي يستحقه، ولا يصح ذلك إلا مع كمال العقل ~~والمعرفة بالله تعالى وحكمته، ليعلم أن ما فعله به هو الذي استحقه. # والقول في المعاقب مثله، لأن من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقه مع الاعظام ~~والاكرام من فاعل الثواب [لأن الاعظام من غير فاعل الثواب] 1) لا يؤثر فيه، ~~والاعظام لا يعلم إلا مع القصد إلى التعظيم، ولا يجوز أن يعلم قصده من لا ~~يعلمه. وكذلك القول في العقاب، ووصوله على سبيل الاستخفاف والإهانة. # ولأن المثاب يجب أن يعلم أن ما فعل به يستحقه، ومتى لم يعلم ذلك جوز أن ~~يكون تفضلا فيعتقده فيكون معرضا لجهل، وكذلك لا يتم إلا بعد معرفة الله ~~تعالى. # وكذلك أهل النار متى لم يعلموا أن ما يصل إليهم يستحقونه جوزوا أن يكون ~~ظلما، وربما اعتقدوه كذلك، فيكونون معرضون للجهل، وذلك لا يجوز ولقائل أن ~~يقول: العاقل يعلم قبح اعتقاد لا يأمن كونه جهلا فهو إذا لم يعلم الثواب ~~مستحقا أو العقاب وجب عليه التوقف ولا يقدم. PageV00P138 # فإذا وجبت معرفة الله تعالى فلا يخلو أن يعرفه ضرورة، أو يكون عن نظر ~~مختار، [أو ملجأ إلى فعله، أ وتذكر نظر، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس ~~المعرفة من غير تقدم نظر] 1). ولا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ، لأن ~~ذلك تكليف ومشقة، وقد بينا أنه ليس هناك تكليف. # ولا يجوز أن يكونوا ملجئين إلى النظر، لأن الالجاء إلى النظر مع إمكان ~~الالجاء إلى المعرفة عبث، ولأن ذلك أيضا فيه مشقة. وما يمنع من الالجاء إلى ~~نفس المعرفة يمنع من الالجاء إلى سبب المعرفة. # ولا يجوز أن يقع عن تذكر نظر، لأن المتذكر يجوز أن يدخل عليه شبهة فيلزمه ~~حلها، وفي ذلك رجوع إلى التكليف الذي بينا فساده. # وليس لأحد أن يقول: لا تعترض الشبهات في الآخرة مع مشاهدة تلك الآيات ~~والأحوال، وذلك أن جميع ذلك لا يمنع من دخول الشبهة وأن ms105 تكون المعرفة ~~مكتسبة، كما أن من شاهد المعجزات لم يمنع من ذلك في دار الدنيا. # ولا يجوز أن يقع الالجاء إلى نفس المعرفة، لأن الالجاء إلى أفعال القلوب ~~التي لا يعلمها إلا الله لا يجوز أن تقع إلا من الله. وإذا وجب أن يكون ~~الملجأ إلى العلم عارفا بالله فقد استعصى بتقدم المعرفة عن الالجاء إليها. # وقد قيل: إن الالجاء إلى العلم إنما يكون بأن يعلم أنه متى خاف اعتقادا ~~غيره منع منه، فإقدامه على الاعتقاد الذي وصفنا حاله لا يكون لأجله ~~الاعتقاد علما، فلم يبق من الأقسام إلا أن تكون المعرفة ضرورية. # ولا يجوز أن يكون أهل الآخرة مضطرين إلى أفعالهم على ما حكي عن أبي ~~الهذيل، لأن الاضطرار إلى الأفعال ينقص من لذتها، لأن التخير في الأفعال ~~أبلغ في باب اللذة والسرور. وأيضا فإن الترغيب في الثواب هو على الوجه ~~المألوف PageV00P139 # وذلك يكون مع التخير في الأفعال. # وإذا ثبت ذلك في المثاب وجب مثله في المعاقب، لأن أحدا لا يفرق بينهما. ~~على أن الله تعالى أخبر بأنهم يأكلون ويشربون ويفعلون، فأضاف الفعل إليهم، ~~وذلك يوجب اختيارهم. وقال " وفاكهة مما يتخيرون " 1)، وذلك صريح بما قلناه. # فإذا ثبت أنهم مخيرون ولم يجز أن يكونوا مكلفين لما مضى فيهم، فهم ملجأون ~~إلى ترك القبيح، بأن يخلق الله فيهم العلم بأنهم متى راموا القبيح منعوا ~~منه. # ويمكن أن يقع الالجاء بأن يعلمهم الله بأنهم مستغنون بالحسن عن القبيح ~~فلا يكون لهم داع له إلى فعل القبيح ملجأ، وذلك أن الالجاء لا يجوز إلا على ~~من يجوز عليه المنافع والمضار، وإذا لم يجز على القديم لم يصح فيه معنى ~~الالجاء. ### || فصل (في الإيمان والأحكام) # الإيمان هو التصديق بالقلب، ولا اعتبار بما ~~يجري على اللسان، وكل من كان عارفا بالله وبنبيه وبكل ما أوجب الله عليه ~~معرفته مقرا بذلك مصدقا به فهو مؤمن. # والكفر نقيض ذلك، وهو الجحود بالقلب دون اللسان مما أوجب الله تعالى عليه ~~المعرفة به، ويعلم بدليل شرعي أنه يستحق العقاب ms106 الدائم الكثير. # وفي المرجئة من قال: الإيمان هو التصديق باللسان خاصة وكذلك الكفر هو ~~الجحود باللسان، والفسق هو كل ما خرج به عن طاعة الله تعالى إلى PageV00P140 # معصيته، سواء كان صغيرا أو كبيرا. وفيهم من ذهب إلى أن الإيمان هو ~~التصديق بالقلب واللسان معا، والكفر هو الجحود بهما. # وفي أصحابنا من قال: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان والعمل بالجوارح، ~~وعليه دلت كثير من الأخبار المروية عن الأئمة عليهم السلام. # وقالت المعتزلة: الإيمان اسم للطاعات، ومنهم من جعل النوافل والفرائض من ~~الإيمان، ومنهم من قال النوافل خارجة عن الإيمان. # والاسلام والدين عندهم شئ واحد، والفسق عندهم عبارة عن كل معصية يستحق ~~بها العقاب، والصغائر التي تقع عندهم مكفرة لا تسمى فسقا. # والكفر عندهم هو ما يستحق به عقاب عظيم، وأجريت على فاعله أحكام مخصوصة، ~~فمرتكب الكبيرة عندهم ليس بمؤمن ولا كافر بل هو فاسق. # وقالت الخوارج تقريب من قول المعتزلة إلا أنهم لا يسمون الكبائر كلها ~~كفرا 1)، وفيهم من يسميها شركا. والفضيلية منهم يسمي كل معصية كفرا صغيرة ~~كانت أو كبيرة. # والزيدية من كان منهم على مذهب الناصر يسمون الكبائر كفر نعمة، والباقون ~~يذهبون مذهب المعتزلة. # والذي يدل على ما قلناه أولا هو أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ولا ~~يسمون أفعال الجوارح إيمانا، ولا خلاف بينهم فيه. ويدل عليه أيضا قولهم " ~~فلان يؤمن بكذا وكذا وفلان لا يؤمن بكذا " وقال تعالى " يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت 2) " قال " وما أنت بمؤمن لنا " 3) أي بمصدق، وإذا كان فائدة هذه PageV00P141 # اللفظة في اللغة ما قلناه وجب إطلاق ذلك عليها إلا أن يمنع مانع، ومن ~~ادعى الانتقال فعليه الدلالة، وقد قال الله تعالى " بلسان عربي مبين " 1) ~~وقال " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " 2) وقال " إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا " 3) وكل ذلك يقتضي حمل هذه اللفظة على مقتضى اللغة. # وليس إذا كان ههنا ألفاظ منتقلة وجب أن يحكم في جميع الألفاظ بذلك وإنما ~~ينتقل عما ينتقل بدليل يوجب ذلك. وإن كان في المرجئة من قال ليس ههنا ms107 لفظ ~~منتقل ولا يحتاج إلى ذلك. # ولا يلزمنا أن نسمي كل مصدق مؤمنا، لأنا إنما نطلق ذلك على من صدق بجميع ~~ما أوجبه الله عليه. والاجماع مانع من تسمية من صدق بالجبت والطاغوت مؤمنا، ~~فمنعنا ذلك بدليل وخصصنا موجب اللغة، وجرى ذلك مجرى تخصيص العرف لفظ " ~~الدابة " ببهيمة مخصوصة وإن كان موجب اللغة يقتضي تسمية كل ما دب دابة، ~~ويكون ذلك تخصيصا لا نقلا. فعلى موجب هذا يلزم من ادعى انتقال هذه اللفظة ~~إلى أفعال الجوارح أن يدل عليه. # وليس لأحد أن يقول: إن العرف لا يعرف التصديق فيه إلا بالقول، فكيف ~~حملتموه على ما يختص القلب؟ # قلنا: العرف يعرف بالتصديق باللسان والقلب، لأنهم يصفون الأخرس بأنه ~~مؤمن، وكذلك الساكت، ويقولون " فلان يصدق بكذا وكذا وفلان لا يصدق " ~~ويريدون ما يرجع إلى القلب، فلم يخرج بما قلناه عن موجب اللغة. وإنما منعنا ~~إطلاقه في المصدق باللسان أنه لو جاز ذلك لوجب تسميته بالإيمان وإن علم ~~جحوده بالقلب، والاجماع مانع من ذلك. PageV00P142 # فأما السجود للشمس فعندنا وإن لم يكن كفرا فهو دلالة على الكفر وإن فاعله ~~ليس بمصدق في القلب، لحصول الإجماع على أن فاعله كافر ولم يجمعوا على أن ~~نفس السجود كفر لأن فيه الخلاف. وكلما يسأل من نظائر ذلك فالجواب عنه ما ~~قلناه. # واستدلت المرجئة على أن الطاعات ليست إيمانا، أنه لو كانت طاعة إيمانا ~~لكانت كل معصية كفرا أو بعض كفر، ولو جاز أن يكون في الإيمان ما ليس تركه ~~كفرا جاز أن يكون في الإيمان الكفر ما ليس تركه إيمانا. # وأيضا لو كانت كل طاعة إيمانا لم يكن أحد كامل الإيمان لا الأنبياء ولا ~~غيرهم لأنهم يتركون كثيرا من النوافل بلا خلاف، وعندهم يتركون من الواجب ~~أيضا ما يكون صغيرا. # وأيضا قال الله تعالى " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " 1) وقال " ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ " 2) وقال " ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات " 3) [وذلك يدل على أنه يكون مؤمنا وأن يعمل ~~الصالحات] 4) من ms108 أفعال الجوارح. والمعتمد ما قدمناه، وما يتعلق به المخالف ~~قد بيناه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. # وأما الكفر فقد قلنا أنه عند المرجئة من أفعال القلوب، وهو جحد ما أوجب ~~الله تعالى معرفته مما عليه دليل قاطع كالتوحيد والعدل والنبوة وغير ذلك، ~~وأما في اللغة فهو الستر أو الجحود، وفي الشرع عبارة عما يستحق به العقاب ~~الدائم الكثير، ويلحق بفاعله أحكام شرعية كمنع التوارث والتناكح. PageV00P143 # والعلم بكون المعصية كفرا طريقه السمع لا مجال للعقل فيه، لأن مقادير ~~العقاب لا تعلم عقلا، وقد أجمعت الأمة على أن الاخلال بمعرفة الله تعالى و ~~توحيده وعدله وجحد نبوة رسله كفر، لا يخالف فيه إلا أصحاب المعارف الذين ~~بينا فساد قولهم. ولا فرق بين أن يكون شاكا في هذه الأشياء أو يكون معتقدا ~~لما يقدح في حصولها، لأن الاخلال بالواجب يعم الكل. # فعلى هذا المجبرة والمشبهة كفار، وكذلك من قال بالصفات القديمة، لأن ~~اعتقادهم الفاسد في هذه الأشياء ينافي الاعتقاد الصحيح من المعرفة بالله ~~تعالى وعدله وحكمته. # وأما الفسق فهو في اللغة عبارة عن خروج الشئ إلى غيره، ولذلك يقولون " ~~فسقت الرطبة " إذا خرجت عن قشرها، وسميت الفارة فويسقة من ذلك لخروجها من ~~نقبها، إلا أن بالعرف صار متخصصا بالخروج من حسن إلى قبح. وأما في عرف ~~الشرع فهو عندنا عبارة عن كل معصية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ولأن معاصي ~~الله تعالى كلها كبائر وإنما نسميها صغائر بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، ~~وهي كبيرة بالإضافة إلى ما هو أصغر منها. # وشبهة المعتزلة في أن المؤمن لا يسمى به المصدق وإن قالوا كان ينبغي أن ~~لا يسمى بعد إيمانه بزمان أنه مؤمن كما لا يسمى بأنه ضارب لما تقدم من ~~الضرب لأن الأسماء المشتقة إنما تطلق في حال وقوع على ما اشتقت منه. باطلة، ~~لأنا نقول أن الاعتقاد بالقلب الذي هو الإيمان يتجدد حالا فحالا، لئلا يبقى ~~فيما خرجنا عن طريقة الاشتقاق. # وقولهم: إنه لو كان كذلك لوجب أن لا يسمى ms109 من هو في مهلة النظر بأنه مؤمن، ~~لأنه ما صدق بالله ولا بصفاته. فاسد، لأن من هو في مهلة النظر قد صدق بجميع ~~ما تجب عليه في تلك الحال فلذلك يسمى مؤمنا. PageV00P144 # ومتى قالوا: يلزم من كل من صدق ما قلتموه يسمى مؤمنا وإن لم يترك شيئا من ~~القبائح إلا ارتكبه ولا شيئا من الواجبات إلا تركه، وهذا شنيع من المقال. # قلنا: ذلك يقوله المرجئة، غير أن الذي نختاره أن يعتقد ذلك لئلا يوهم ~~فيقول هو مؤمن بتصديقه بجميع ما وجب عليه فاسق بتركه ما يجب عليه من أفعال ~~الجوارح فيعتد له الأمرين لئلا يوهم ارتفاع أحدهما إذا أطلقنا الآخر. # وما يتعلقون به من الظواهر تكلمنا عليه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. # وقول من قال من الزيدية أنه كافر نعمة. باطل، لأنه معترف بنعمة الله ~~تعالى معتقد لها، فكيف يكون جاحدا. # وأما قول الحسن أنه منافق. باطل، لأن المنافق هو من أظهر خلاف ما في ~~باطنه، ومن كان مظهرا للمعصية التي يستحق بها العقاب لا يكون منافقا. # وقول الخوارج واحتجاجهم على أن من يرتكب الكبيرة كافر بقوله " ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " 1) مبني على القول بالعموم والذي ~~بينا فساده. [ولنا أن نخص ذلك بما تقدم من الأدلة الموثقة] 2). # وقوله " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى " ~~3) يفيد نارا مخصوصة، ولذلك خص بها الذي كذب وتولى وهم المرتدون، فأما من ~~كان كافرا ابتداءا فلا يدخل فيها. # وقوله " وجوه يومئذ مسفرة " إلى قوله " وجوه يومئذ عليها غبرة " 4) لا ~~يمنع أن يكون هناك قسم ثالث وإن لم يكن منطوقا به ويكون عليها سمة أخرى. PageV00P145 # وقوله " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " 1) لا يمنع من أن يكون وجوه أخر لا ~~سوداء خالصة ولا بيضاء خالصة. على أن هذه الآية مخصوصة بالمرتدين، لقوله " ~~أكفرتم بعد إيمانكم ". # وقوله " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " 2) لا يمتنع من إحاطتها بالفساق كما ~~لا يمتنع من إحاطتها بالزبانية وخزنة النيران. # وقوله " وهل نجازي ms110 إلا الكفور " 3) لو حمل على عمومه لوجب الاثبات المؤمن ~~بحال على ذلك مخصوص بعقاب الاستيصال في دار الدنيا، وذلك مختص بالكفار ~~بدلالة أول الآية وسياقها إلى آخرها. # واستقصاء القول في ذلك مذكور حيث أشرنا إليه 4) وفي مسألة الوعيد للمرتضى ~~رحمه الله. ### || فصل (في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) #الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واجبان بلا خلاف بقول الأمة، وإن اختلفوا في أنه هل يجبان عقلا أو ~~سمعا: # فقال الجمهور من المتكلمين والفقهاء وغيرهم أنهما يجبان سمعا وأنه ليس في ~~العقل ما يدل على وجوبه وإنما علمناه بدليل الإجماع من الأمة وبآي من ~~القرآن وكثير من الأخبار المتواترة، وهو الصحيح. PageV00P146 # وقيل: طريق وجوبهما هو العقل. # والذي يدل على الأول أنه لو وجبا عقلا لكان في العقل دليل على وجوبهما ~~وقد سبرنا أدلة العقل فلم نجد فيها ما يدل على وجوبهما، ولا يمكن ادعاء ~~العلم الضروري في ذلك لوجود الخلاف. # وأما ما يقع على وجه المدافعة فإنه يعلم وجوبه عقلا، [لما علمنا بالعقل ~~وجوب دفع المضار عن النفس، وذلك لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فيما عداه. # وكل وجه يدعى في وجوبه عقلا] 1) قد بينا فساده في شرح الجمل، وفيما ~~ذكرناه كفاية. # ويقوى في نفسي أنهما يجبان عقلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما فيه ~~من اللطف، ولا يكفي فيه العلم باستحقاق الثواب والعقاب، لأنا متى قلنا ذلك ~~لزمنا أن تكون الإمامة ليست واجبة، بأن يقال: يكفي في العلم باستحقاق ~~الثواب والعقاب وما زاد عليه في حكم الندب وليس بواجب فالأليق بذلك أنه ~~واجب. # واختلفوا في كيفية وجوبه: فقال الأكثر أنهما من فروض الكفايات إذا قام به ~~البعض سقط عن الباقين، وقال قوم هما من فروض الأعيان. وهو الأقوى عندي، ~~لعموم آي القرآن والأخبار، كقوله تعالى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " 2) وقوله " كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " 3) وقوله في لقمان PageV00P147 # " أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر " 1) في حكاية عن لقمان حين ms111 ~~أوصى ابنه. # والأخبار أكثر من أن تحصى ويطول بذكرها الكتاب. # والمعروف على ضربين: واجب، وندب. فالأمر بالواجب واجب و المندوب مندوب، ~~لأن الأمر لا يزيد على المأمور به نفسه. والمنكر لا ينقسم بل كله قبيح ~~فالنهي عنه كله واجب. # والنهي عن المنكر له شروط ستة: أحدها أن يعلمه منكرا، وثانيها أن يكون ~~هناك أمارة الاستمرار عليه، وثالثها أن يظن أن إنكاره مؤثر أو يجوزه، ~~ورابعها ألا يخاف على نفسه، وخامسها ألا يخاف على ماله، وسادسها ألا يكون ~~فيه مفسدة. [وإن اقتصرت على أربع شروط كان كافيا، لأنك إذا قلت لا يكون فيه ~~مفسدة] 2) دخل فيه الخوف على النفس والمال لأن ذلك مفسدة. # وإنما اعتبرنا العلم بكونه منكرا لأنه إن لم يعلمه منكرا جوز أن يكون غير ~~منكر، فيكون إنكاره قبيحا، فجرى مجرى الخبر في أنه لا يحسن إلا مع العلم ~~بالمخبر، ومتى لم يعلم المخبر جوز أن يكون خبره كذبا، فلا يحسن منه الإخبار ~~بذلك، وكذلك إنكار المنكر. # واعتبرنا الشرط الثاني لأن العرض بإنكار المنكر أن لا يقع في المستقبل ~~فلا يجوز أن يتناول الماضي الذي وقع، لأن ذلك لا يصح ارتفاعه بعد وقوعه ~~وإنما يصح أن يمنع مما لم يقع، فلا بد من أمارة على استمراره على فعل ~~المنكر يغلب على ظنه معها وقوعه وإقدامه عليه، فيحصل الانكار للمنع من ~~وقوعه. وإمارات الاستمرار معروفة بالعادة، ولا يجوز الانكار لتجويز وقوعه ~~بلا أمارة، لأن ذلك PageV00P148 # يؤدي إلى تجويز الانكار على كل قادر، والمعلوم خلافه. # واعتبرنا الشرط الثالث من تجويز تأثير إنكاره لأن المنكر له ثلاثة أحوال: ~~حال يكون ظنه فيها بأن إنكاره يؤثر فإنه يجب عليه إنكاره بلا خلاف والثاني ~~يغلب على ظنه أنه لا يؤثر إنكاره، والثالث يتساوى ظنه في وقوعه وارتفاعه. ~~فعند هذين قال قوم يرتفع وجوبه، وقال قوم لا يسقط وجوبه. # وهو الذي اختاره المرتضى رحمه الله، وهو الأقوى، لأن عموم الآيات ~~والأخبار الدالة على وجوبه لم يخصه بحال دون حال. فأما إذا خاف على نفسه أو ms112 ~~ماله أو كان فيه مفسدة له أو لغيره فهو قبيح، لأن المفسدة قبيحة. # وفي الناس من قال: مع الخوف على النفس إنما يسقط الوجوب ولا يخرج عن ~~الحسن إذا كان فيه إعزازا للدين. وهذا غير صحيح، لما قلناه من أنه مفسدة. # والخوف على المال يسقط أيضا الوجوب والحسن، لما قلناه من كونه مفسدة، وفي ~~الناس من قال هو مندوب إليه، وقد بينا فساده. # وجملته أنه متى غلب على ظنه أن إنكاره يؤدي إلى وقوع قبيح لولاه لم يقع ~~فإنه يقبح لا لأنه مفسدة، سواء كان ما يقع عنده من القبيح صغيرا أو كبيرا، ~~من قتل نفس أو قطع عضو أو أخذ مال كثير أو يسير، فإن الكل مفسدة. # ولا يلزم على ذلك سقوط فرض الصلاة والصوم عند الخوف على المال كما يسقط ~~عند الخوف على النفس، لأن الله تعالى لو علم أن في العبادات الشرعية مفسدة ~~في بعض الأحوال لأسقطها عنا، ولما علمنا وجوبها على كل حال علمنا أن ~~المفسدة لا تحصل في فعلها على حال. ولا يلزم مثل ذلك في إنكار المنكر، لأنه ~~لا خلاف أن وجوبه مشروط بأن لا يكون فيه مفسدة، وليس كذلك العبادات ~~الشرعية، لأن الأمة مجتمعة على وجوبها من غير شرط. PageV00P149 # وأما المفسدة فإنما اعتبرت لأن كونه مفسدة وجه قبح، فلا يجوز أن يثبت معه ~~وجوب ولا حسن بلا خلاف. # والغرض بإنكار المنكر أن لا يقع، فإذا أثر القول والوعظ في ارتفاعه اقتصر ~~عليه، وإن لم يؤثر [جاز أن يغلظ في القول ويشدد، فإن أثر اقتصر عليه، وإن ~~لم يؤثر] 1) وجب أن يمنع منه ويدفع عنه وإن أدى ذلك إلى إيلام المنكر عليه ~~والاضرار به وإتلاف نفسه بعد أن يكون القصد ارتفاع المنكر أن لا يقع من ~~فاعله ولا يقصد إيقاع الضرر به. ويجري ذلك مجرى دفع الضرر عن النفس في أنه ~~يحسن وإن أدى إلى الاضرار بغيره. # غير أن الظاهر من مذهب شيوخنا الإمامية أن هذا الضرب من الانكار لا يكون ~~إلا للأئمة أو ms113 لمن يأذن له الإمام فيه، وكان المرتضى رضي الله عنه يخالف في ~~ذلك ويجوز فعل ذلك بغير إذنه، قال: لأن ما يفعل بإذنهم يكون مقصودا، وهذا ~~يخالف ذلك لأنه غير مقصود، وإنما القصد المدافعة والممانعة فإن وقع ضرر فهو ~~غير مقصود. # ويمكن أن ينصر الأول بأن يقال: إذا كان طريق حسن المدافعة بالألم السمع ~~فينبغي أن يدفعه على الوجه الذي قرره الشرع، وهو أن يقصد المدافعة دون نفس ~~إيقاع الألم والقصد إلى إيقاع الألم بإذن الشرع فيه، فلا يجئ منه ما قاله. # ومن قال إن إنكار المنكر غير متعين، قال: يتعين في بعض الأحوال، لأن ~~المقصود أن لا يقع هذا المنكر، فإذا تساوى الكل في حكم هذا الانكار فلا ~~يكون الوجوب عاما لهم، فإذا قام به بعضهم سقط عن الباقين. # هذا إذا كان التمكن عاما في الجميع، فإن تعين الانكار في جماعة أو في PageV00P150 # شخص تعين عليه الوجوب. وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى هذا التفصيل غير أن من ~~لا يتمكن سقط عنه الوجوب. ### || فصل (في الكلام في النبوة) #النبي في العرف هو المؤدي عن الله تعالى بلا ~~واسطة من البشر ومعنى النبي في اللغة يحتمل أمرين: # أحدهما - المخبر، واشتقاقه يكون من " الإنباء " الذي هو الإخبار، ويكون ~~على هذا مهموزا. # والثاني - أن يكون مفيدا للرفعة وعلو المنزلة، واشتقاقه يكون من " ~~النباوة " التي هي الارتفاع. ومتى أريد بهذا اللفظ علو المنزلة فلا يجوز ~~إلا بالتشديد بلا همز. وعلى هذا يحمل ما روي عنه صلى الله عليه وآله أنه ~~قال " لا تبروا باسمي " 1) أي لا تهمزوه، لأنه أراد علو المنزلة. # ولا يلزم أن يكون كل عال المنزلة نبيا، لأن بالعرف صارت هذه اللفظة مختصة ~~بمن علت منزلته، لتحمله أعباء الرسالة والقيام بأدائها إذا كان من البشر ~~ولذلك لا توصف الملائكة بأنهم أنبياء وإن كان فيهم رسل من قبل الله تعالى. # ولا يمتنع أن يقال أيضا: يراد به الإخبار، إلا أنه مكروه لما ورد به ~~الخبر. # وقولنا رسول يفيد في أصل اللغة أن ms114 من أرسله بشرط تحمله الرسالة، لأنه لا ~~يسمى بذلك من لا يعلم منه القبول لذلك. والعرف خصص هذا اللفظ بمن كان PageV00P151 # رسولا من قبل الله، ولذلك إذا قيل " قال الرسول " لا يفهم إلا رسول الله ~~وفي غيره يكون مقيدا بأن يقال رسول فلان. # والمخالف في بعثة الرسل طوائف: منهم البراهمة الذين خالفوا في حسن بعثة ~~الرسل، ومنهم اليهود وهم فرق: منهم من خالف في جواز النسخ عقلا، ومنهم من ~~خالف في النسخ سمعا، ومنهم من أجاز النسخ وخالف في نبوة نبينا عليه السلام. # ولنا في الكلام على هؤلاء طريقان: # أحدهما - أن يدل على أن الله تعالى بعث أنبياء وصحت نبوتهم، فلولا أنه ~~كان حسنا لما ثبت ذلك لأنه تعالى لا يفعل القبيح. ومتى تكلمنا على هذا ~~الفصل فينبغي أن نتكلم في صحة نبوة نبينا عليه السلام، لأنه المهم الذي ~~نحتاج إليه لتعلق مصالحنا بشرعه دون من بعدوا من الرسل الذين نسخ شرعهم. ~~ومتى ثبت لنا نبوته عليه السلام بطلت جميع الأقوال، قول من خالف في حسن ~~البعثة أو خالف في جواز النسخ عقلا أو شرعا أو خالف في نبوة نبينا، فصار ~~الكلام في ذلك أولى من غيره. # والطريقة الثانية - أن نتكلم على فرقة فرقة بكلام يخصهم، فنتكلم أولا في ~~حسن البعثة ليبطل مذهب البراهمة ثم نتكلم في نبوة نبينا عليه السلام. # والذي يدل على الفصل الأول من هذه الأقسام - وهو الكلام في حسن البعثة هو ~~أنهم يؤدون إلينا ما هو مصلحة لنا في التكليف العقلي، ولا يمكننا معرفة ذلك ~~بالعقل. # ولا يمتنع أن يعلم الله أن في أفعال المكلف ما إذا فعله دعاه إلى فعل ~~الواجب العقلي أو صرفه عن القبيح العقلي، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل ~~القبيح أو الاخلال بالواجب، فيجب أن يعلمنا ذلك، لأن الأول لطف لنا والثاني ~~مفسدة، ويجب PageV00P152 # عليه تعالى إزاحة علة المكلف في فعل اللطف على ما مضى القول فيه. # ولا يمكن إعلام ذلك إلا ببعثة الرسل الذين يعلمونا ذلك، لأنه لا يمكننا ms115 ~~الوصول إليه بضرورة العقل ولا باستدلال، ولا يحسن خلق العلم الضروري بذلك ~~لأنه ينافي التكليف، فلم يبق بعد ذلك إلا بعثة الرسل ليعرفونا ذلك. # وعلى هذا الوجه متى حسنت البعثة وجبت، ولا ينفصل الحسن من الوجوب. # وإنما قلنا " لا يحسن خلق العلم الضروري بذلك " لأنا بينا أن معرفة الله ~~تعالى إنما تكون لطفا إذا كانت كسبية، والعلم بالشرائع فرع على العلم ~~بالله، فلا يجوز أن يكون الفرع ضروريا والأصل كسبيا، فيكون الفرع أقوى من ~~الأصل. # ويجوز أن يبعث الله تعالى نبيا ليؤكد ما في العقول وإن لم يكن معه شرع، ~~ولا يكون ذلك عبثا، لأنه لا يمنع أن يكون نفس بعثته لطفا للمكلفين. # فعلى هذا يجب إظهار المعجزات على يده، لأنا فرضنا أن في بعثته لطفا ولو ~~لم يكن في بعثته لطف لما كان أيضا عبثا، كما لا يكون نصب أدلة كثيرة على شئ ~~واحد عبثا وإن كان الدليل الواحد كافيا في هذا الباب. # وأما النظر في معجزة فإن كان معه شرع أو كان نفس بعثته لطفا فإنه يجب ~~علينا، وإن لم يكن كذلك بل بمجرد ما في العقل فإنه يحسن النظر في معجزه وإن ~~لم يجب. ومتى التزمنا على ذلك جواز إظهار المعجزات على يدي الأئمة ~~والصالحين فإنا نلتزمه، وسنتكلم عليه فيما بعد إنشاء الله. # ويحسن بعثة الأنبياء لأمور أخر، نحو تعريفنا القطع على عقاب الكفار، ~~وليعرفونا بعض اللغات، وليعرفونا الفرق بين السموم القاتلة والأغذية، ~~وكثيرا من مصالح الدنيا على ما بيناه وفرعناه في شرح الجمل. وإن لم يكن ~~جميع ذلك واجبا، لإمكان الوصول إلى هذه الأشياء من غير جهة الأنبياء، على ~~ما بيناه في الشرح. PageV00P153 # وقول البراهمة: إن النبي لا يخلو أن يأتي بما يوافق العقل أو بما يخالفه ~~فإن أتى بما يوافقه فالعقل فيه كفاية، وإن أتى بما يخالفه فما يخالف العقل ~~[لا يلتفت إليه لأنه قبيح بالاتفاق. باطل، لأنا نقول: الشرع لا يأتي إلا ~~بما يوافق العقل] 1) على طريق الجملة لا على طريق التفصيل، وتفصيله لا ms116 يمكن ~~معرفته بالعقل، فيبعث الله تعالى نبيا ليعرفنا تفصيل ذلك. # فأما ما يعلم مفصلا بالعقل فلا يحتاج إلى بعثة الأنبياء فيه، وإنما قلنا ~~ذلك لأن العقل دال على وجه الجملة على أن ما دعا إلى فعل واجب مثله وما صرف ~~عن قبيح يجب فعله، وما يدعوا إلى قبيح أو إخلال بواجب يجب تجنبه. # وإذا كان هذا معلوما جملة ويحصل ذلك في بعض الأفعال التي لا نعلم بالعقل ~~كونه كذلك ويجب إعلامنا ذلك ولا يتم ذلك إلا ببعثة رسول على ما بيناه. # وإنما يكون منافيا لما في العقل أو نفي السمع ما أثبته العقل أو أثبت ما ~~نفاه والأمر بخلافه. # ومثل ذلك ما نعلمه عقلا وجوب دفع المضار عن النفس وقبح الظلم على طريق ~~الجملة، ثم يرجع في حصول بعض المضار في كثير من الأفعال إلى التجربة ~~والعادات أو إلى الخبر، فلا نكون بذلك مخالفين لما في العقل. وكذلك القول ~~في السمع. # وقولهم: إن الصلاة والصوم والطواف قبائح في العقل، لا يجوز أن يتغير كما ~~لا يجوز أن يتغير قبح الظلم والكذب وغير ذلك. باطل، لأن القبائح في العقل ~~على ضربين: أحدهما لا يجوز تغييره كالظلم والكذب والمفسدة والجهل وغير ذلك، ~~ولا يجوز أن يرد السمع بخلافه. والثاني ما يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح ~~ومن قبح إلى حسن كالضرر الذي متى عري من استحقاق نفع أو دفع ضرر كان قبيحا ~~ومتى حصل PageV00P154 # بعض هذه الأمور كان حسنا. والصلاة والصوم وجميع العبادات إنما يقبح في ~~العقل متى خلت من فائدة ومنفعة وغرض، فإذا عرض فيها نفع وغرض صحيح فإنما ~~يخرج من القبح إلى الحسن وإذا كان السمع ورد بأن لنا في هذه العبادات منافع ~~وجب أن يحسن، لأنا لو علمنا ذلك بالعقل لعلمنا حسنه. # ولا طريق إلى معرفة النبي إلا بالمعجز، والمعجز في اللغة عبارة عمن جعل ~~غيره عاجزا، مثل المقدور الذي يجعل غيره قادرا إلا أنه صار بالعرف عبارة ~~عما يدل على صدق من ظهر على يده واختص به، ms117 والمعتمد على ما في العرف دون ~~مجرد اللغة. # والمعجز يدل على ما قلناه بشروط: أولها أن يكون خارقا للعادة، والثاني أن ~~يكون من فعل الله أو جاريا مجرى فعله، والثالث أن يتعذر على الخلق جنسه أو ~~صفته المخصوصة، والرابع أن يتعلق بالمدعي على وجه التصديق لدعواه. # وإنما اعتبرنا كونه خارقا للعادة لأنه لو لم يكن كذلك لم يعلم أنه فعل ~~للتصديق دون أن يكون فعل بمجرى العادة. ألا ترى أنه لا يمكن أن يستدل بطلوع ~~الشمس من مشرقها على صدق الصادق ويمكن بطلوعها من مغربها، وذلك لما فيه من ~~خارق العادة. # واعتبرنا كونه من فعل الله لأن المدعي إذا ادعى أن الله تعالى يصدقه بما ~~يفعله فيجب أن يكون الفعل الذي قام مقام التصديق من فعل من طلب منه التصديق ~~وإلا لم يكن دالا عليه، وفعل المدعي كفعل غيره من العباد لأنه لا يدل على ~~التصديق، وإنما يدل فعل من ادعى عليه التصديق. # فإن قالوا: ليس لو كان القرآن من فعل النبي عليه السلام لدل على صدقه ~~وكذلك نقل الجبال وطفر البحار يكون معجزا، وإن كان جميع ذلك من فعل المدعي ~~للنبوة. PageV00P155 # قلنا: لو كان القرآن من فعله وخرق العادة بفصاحته لكان المعجز في الحقيقة ~~اختصاصه بالعلوم التي يأتي منه بها هذه الفصاحة وتلك العلوم من فعل الله، ~~وكذلك طفر البحار ونقل الجبال إنما يكون المعجز اختصاصه بالقدر الذي خلقها ~~الله تعالى فيه التي يمكن بها من ذلك، وتلك من فعله تعالى ولم يخرج عما ~~قلناه. # هذا على مذهب من يقول بالصرفة، وأما من يعتبر مجرد خرق العادة فقط فإنه ~~يقول: إن ذلك الكلام الخارق للعادة أو حمل الجبال هو المعجز، لأنه لو لم ~~يكن كذلك لما مكن الله تعالى منه. # وإنما اعتبرنا أن يكون متعذرا في جنسه أو صفته لأنا متى لم نعلمه كذلك لم ~~نأمن أن يكون من فعل غير الله، وقد بينا أنه لا بد أن يكون من فعله وسوينا ~~بين تعذره في جنسه وصفته، لأن تعذر ms118 الجنس إنما دل من حيث كان ناقصا للعادة ~~لا من حيث كان مختصا به تعالى، وكذلك إذا كان متعذرا [في صفته] 1) وإن كان ~~جنسه مقدورا تصديقا لهذا المدعى. # وإنما يعلم كونه خارقا للعادة بالرجوع إلى العادات المستقرة المستمرة، ~~وذلك معلوم عند العقلاء، فإذا انتقضت بذلك لم يخف على أحد. ألا ترى أن ~~أحدنا لا يشك في طلوع الشمس من مشرقها ولا يعرفون خلقا ولد إلا من وطي، ~~فإذا شاهدوا طلوعها من مغربها أو خلق حي من غير ذكر أو أنثى علموا أنه خارق ~~للعادة. وعلى هذا افتتاح العادات لا تكون عادة. # ومتى خلق الله تعالى خلقا ابتداءا من مصلحته معرفة الشرائع ولم تعرف ~~العادة لم يحسن أن يكلف حتى يبقيه غير مكلف زمانا يعرف فيه العادات، فإذا ~~عرفها حينئذ كلفه وبعث إليه من يمكنه أن يستدل على صدقه بانتقاض ما عرف من ~~العادات قبل تكليفه. PageV00P156 # والعادة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، وقد تكون في بعض البلاد دون بعض. ~~فعلى هذا الاعتبار بانتقاض من تلك العادة عادة له، وإنما نعلم أنه من فعله ~~إذا عرفنا تعذره علينا على كل حال مع ارتفاع الموانع المعقولة كالحياة ~~والقدرة وخلق الجسم، أو يقع على وجه مخصوص لا يقدر عليه أحد من الخلق كنقل ~~الجبال وفلق البحر. # والكلام الخارق للعادة بفصاحته، إنما نعلم اختصاصه بالمدعي بأن نعلمه ~~مطابقا لدعواه، فإن ادعى الدلالة على تصديقه طلوع الشمس من مغربها فطلعت ~~فذلك غاية المطابقة، ويجري مجرى أن يصدقه بكلام يتضمن تصديقه فعلم أنه ~~بكلامه، لأنه لا فرق في الشاهد. فمن ادعى على غيره أنه رسوله بين أن يقول ~~ذلك الغير صدقت وبين أن يقول المدعي الدليل على صدقي أنه يفعل فعلا من ~~الأفعال لم تجر عادته بذلك، ثم يفعل ذلك الغير ما اقترحه، فإنا نعلم أنه ~~صدقه. # وليس لأحد أن يقول في التصديق بالقول مواضعة متقدمة وهو صريح في التصديق، ~~وليس في الفعل الذي التمسه مواضعة، فكيف يعلم أنه قصد التصديق وذلك الكلام ~~وإن كان فيه ms119 مواضعة متقدمة ففي الفعل ما يجري مجرى المواضعة وهو طلب شئ ~~مخصوص، فهذا يجري مجرى مواضعة متقدمة في ذلك على التصديق. # لأنا قد بينا أنه لا يكون دالا لمساواته له في كونه خارقا للعادة. # وإنما قلنا أنه لا بد أن يختص بالمدعي، لأنا إن لم نراع ذلك لم يعلم ~~اختصاصه به ولا تعلقه. وجوزنا مع هذه المطابقة أن لا يكون فرقا بين التصديق ~~بالقول وبين فعل ما يلتمسه المدعي إذا لم تجربه عادة، والعقلاء لا يفرقون ~~بينهما. # ومتى قيل: إن أحدنا يعلم قصده ضرورة بفعله، فيعلم أنه صدقه إذا فعل عقيب ~~الدعوى، وليس كذلك القديم تعالى، لأنه لا يعلم قصده ضرورة. PageV00P157 # قلنا: لا نعلم قصد أحدنا ضرورة بالتصديق بفعل ما يطابق الدعوى من تصديق ~~بكلام أو فعل ملتمس به على وجه مخصوص، ومع هذا يعلم أنه صدقه ولو لم يكن ~~صدقه لكان قبيحا، فقد ساوى القديم في هذا الباب. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة للمصلحة دون التصديق ~~فلا يمكنهم أن يعلموا أنه فعل للتصديق. # قلنا: لا يجوز أن يفعل تعالى ما يخرق العادة إلا للتصديق، كما لا يجوز أن ~~يقول قولا يتضمن التصديق ولا يقصد التصديق بل يفعله للمصلحة. # ولا فرق بين القول والفعل في ذلك، ولذلك لو قال الواحد منا لمن ادعى عليه ~~أنه أرسله صدقت ولا يقصد تصديقه كان مقبحا وإن قصد إلى وجه آخر. ألا ترى ~~أنه لو قال عقيب ذلك أردت بذلك تصديق الله لم يعذره العقلاء في ذلك بل ~~يستقبحون منه ما فعله ويذمونه عليه. # ولا يجب في مدع النبوة أن يعين ما يلتمسه من المعجز وإن كان لو عين لكان ~~أبلغ، بل يكفي أن يلتمس ما يدل على صدقه على الجملة، فإذا فعل الله تعالى ~~عقيب ذلك ما يكون خارقا للعادة دل على صدقه كدلالة ما عينه، لأن المعين ~~إنما دل على صدقه من حيث كان خارقا للعادة ومطابقا للدعوى ومختصا به ~~ومفعولا عقيب الدعوى، وكل ذلك حاصل ms120 فيما ليس بمعين، فيجب أن يكون دالا على ~~صدقه. # ولا يلزم في مدعي النبوة أن يطلب المعجز بلسانه، لأن ادعاء النبوة يتضمن ~~وجوب تصديقه بالمعجز على مجرى العادة، فإن ادعى لفظا جاز كما لو عين المعجز ~~جاز وإن لم يكن ذلك واجبا على ما بيناه. # وإذا كان فائدة المعجز تصديق من ظهر على يده فيجب جواز ظهوره على يد بعض ~~الأئمة والصالحين إذا ادعوا الإمامة والصلاح وكانوا صادقين، فإنه ~~PageV00P158 # إذا كان مقتضاه تصديق من ظهر على يده فإن كان ذلك مدعيا للنبوة علمنا ~~نبوته وإن كان مدعيا للإمامة علمنا بها صدقه وإن ادعى صلاحا فمثل ذلك، لأنه ~~لا بد من دعوى يقترن بها. # وأيضا فلا وجه لقبح ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي إذا كان صادقا من ~~كونه كاذبا أو ظلما أو عبثا أو مفسدة. وهذه هي وجوه القبح المعقولة في ~~العقل، فإن ادعوا وجها غير ذلك فليبينوه لنتكلم عليه. # وليس يمتنع أيضا أن يعترض في ظهور المعجز على يدي من ليس بنبي وجه من ~~وجوه المصلحة واللطف، فيجب إظهار ذلك. # ومتى قيل: إن المعجز يدل على النبوة على طريق الإبانة بخلاف سائر الأدلة. ~~قلنا: المعجز يدل على إبانة الصادق ممن ليس بصادق، فإن كان مدعيا للنبوة ~~علمناه نبيا، وإن ادعى إمامة أو صلاحا علمنا صدقة فيه وعلمناه كذلك. # هذا إذا سلمنا أنه يدل من جهة الإبانة، وقد بيناه في شرح الجمل، لأنه ليس ~~كذلك وأجبنا على كل ما يسأل عن ذلك لا نطول بذكره الكتاب. # ويجوز من إظهار المعجزات ما لا يؤدي إلى كونها معتادة، فينتقض وجه ~~دلالتها. فلا يلزم على ذلك إظهارها على كل صالح وكل صادق. # ولا يلزم أن نقول في من لم يظهر على يده معجز أنه ليس بإمام ولا صالح كما ~~يجب أن نقطع على أنه ليس بنبي، لأن المعجز إنما يبين مدعيا صادقا من مدع ~~غير صادق. # والإمام إذا لم يدع الإمامة والصالح إذا لم يدع الصلاح لا يجب إظهار ~~المعجز على يده، ms121 وإذا لم يظهر لا يجب نفي الصلاح عنه ولا نفي الإمامة، بل ~~لا يمتنع أن نعلمه إماما أو صالحا بغير المعجز. وليس كذلك النبي، لأنه لا ~~طريق لنا إلى معرفته إلا بالمعجز، فإذا لم يظهر على يده المعجز قطعنا على ~~كذبه إن كان PageV00P159 # مدعيا، وإن لم يدع علمنا أنه ليس بنبي، لأنه لو كان نبيا لوجب بعثته ووجب ~~عليه ادعاؤه ولوجب ظهور المعجز عليه. فبان الفرق بين النبي والإمام ~~والصالح. # فعلى هذا لا يلزم أن يظهر الله على يد كل إمام معجزا، لأنه يجوز أن يعلم ~~إمامته بنص أو طريق آخر، ومتى فرضنا أنه لا طريق إلى معرفة إمامته إلا ~~المعجز وجب إظهار ذلك عليه وجرى مجرى النبي سواء، لأنه لا بد لنا من معرفته ~~كما لا بد لنا من معرفة النبي المتحمل لمصالحنا. # ولو فرضنا في نبي علمنا نبوته بالمعجز أنه نص على نبي آخر لأغنى ذلك عن ~~ظهور المعجز على يد النبي الثاني، بأن نقول: النبي الأول أعلمنا أنه نبي ~~كما يعلم بنص إمام على إمامته ولا يحتاج إلى معجز. # وليس لأحد أن يقول: تجويز إظهار المعجز على يد من ليس بنبي ينفر عن النظر ~~في معجز النبي. وذلك أن المعجز لا يكون إلا عقيب الدعوى، فإن كانت الدعوى ~~للنبوة وجب النظر فيما يدعيه من المعجز، فإن كان صحيحا قطعنا [على صدقه وإن ~~لم يكن صحيحا قطعنا] 1) على كذبه. ولا يجوز أن يكون نبيا ولا إماما إذا ~~ادعى الإمامة فمثل ذلك وليس ههنا موضع يظهر المعجز مع ادعائه النبوة ويجوز ~~كونه إماما، فيكون فيه تنفير. # على أن تجويزنا كونه إماما ليس بأكثر من تجويزنا كونه محرفا كذابا، ومع ~~ذلك يلزمنا النظر في معجزه فكيف يقال أن ذلك منفرا عنه. # فأما وجوب النظر في معجزه فإن كان مدعيا للنبوة فإنه يلزمنا ذلك لأنا لا ~~نأمن كونه صادقا، وكذلك إن ادعى كونه إماما يلزمنا مثل ذلك، لأن لنا في ~~معرفة الإمام مصالح وربما لا نعلم كثيرا من الشريعة إلا بقوله، ms122 وإن كان ~~مدعيا للصلاح لا يجب علينا النظر في معجزه وإن كان لا يحسن ذلك، لأن وجه ~~وجب النظر في PageV00P160 # معجزه ولأنه لا يلزمنا معرفة كونه صالحا. # ولا يلزمنا جواز إظهار المعجز على يد الفساق المتهتكين والكفار إذا كانوا ~~صادقين، لأن المعجز عند أكثر أصحابنا يدل على عصمة من ظهر على يده، ومن لم ~~يعتبر العصمة جوز إظهارها على مؤمن يستحق الثواب بإيمانه وإن كان فاسقا ~~بجوارحه بعد أن لا يكون سخيف المنزلة دني الرتبة، من حيث أن المعجز يقتضي ~~علو المنزلة وعظم الرتبة، وذلك لا يوجد في هؤلاء وإن كانوا مؤمنين. # ويجب أن يكون النبي معصوما من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها ~~على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال. يدل على ذلك أن القبيح لا يخلو أن ~~يكون كذبا فيما يؤديه عن الله أو غيره من أنواع القبائح، فإن كان الأول فلا ~~يجوز عليه، لأن المعجز يمنع من ذلك، لأنه ادعى النبوة على الله وصدقه ~~بالعلم المعجز جرى ذلك مجرى أن يقول له صدقت، فلو لم يكن صادقا لكان قبيحا، ~~لأن تصديق الكذاب قبيح لا يجوز عليه تعالى. # وأما الكذب في غير ما يؤديه وجميع القبائح الأخر فإنا ننزههم عنها لأن ~~تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم. ولا يجوز أن يبعث الله نبيا ويوجب علينا ~~اتباعه وهو على صفة تنفر عنه، ولهذا جنب الله تعالى الأنبياء الفظاظة ~~والغلظة والخلق المشينة والأمراض المنفرة لما كانت هذه الأشياء منفرة في ~~العادة. # ومرادنا بالتنفير هو أن يكون معه أقرب إلى أن لا يقع منه القبول ويصرف ~~عنه وإن جاز أن يقع على بعض الأحوال، كما أن ما يدعو إلى الفعل قد لا يقع ~~معه الفعل. ألا ترى أن التبشير إلى وجه الضيف داع إلى حضور طعامه وربما لم ~~يقع معه الحضور، والعبوس ينفر وربما وقع منه الحضور وإن كان ذلك لا يقدح في ~~كون أحدهما داعيا والآخر صارفا، ولا يقع القبول من الواعظ الزاهد ويقع من ~~الماجن السخيف ولا يخرج ذلك ms123 السخف من كونه صارفا والزهد من كونه داعيا. ~~PageV00P161 # ودليل التنفير يقتضي نفي جميع القبائح عنهم صغيرها وكبيرها، والفرق ~~بينهما مناقضة. # وقولهم " حط الصغائر بتنقيص الثواب " ليس بصحيح إذا سلمنا الاحباط لأنها ~~وإن نقصت الثواب فهي فعل قبيح وإقدام عليه ومع ذلك يزيل ثوابا حاصلا وفي ~~ذلك من مرتبة عالية إلى ما دونها، وذلك لا يجوز على الأنبياء كما لا يجوز ~~أن يعزلوا عن النبوة بعد حصولها. ثم يلزم عليه تجويز الكبائر قبل النبوة، ~~لأن حطها نقصان الثواب، لأن عقابها قد زال بالتوبة والنبوة، وذلك لا يقوله ~~أكثر من خالفنا. # وأما ما يستدل من الظواهر التي يقتضي ظاهرها وقوع المعصية من الأنبياء ~~نحو قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى " 1) فقد بينا الوجه فيه في التفسير ~~واستوفاه المرتضى في التنزيه لا يحتمل ذكر ذلك ههنا. # بل نقول: الظواهر تبنى على أدلة العقول ولا تبنى أدلة العقول على ~~الظواهر، وإذا علمنا بدليل العقل أن القبيح لا يجوز عليهم تأولنا الآيات إن ~~كانت لها ظواهر وإن كان أكثرها لا ظاهر له على ما بين هناك. # وأما الذي به يعلم أنه لا يجوز عليه الكتمان مما بعث لأدائه فهو أنا لو ~~جوزنا ذلك أدى إلى نقض الغرض في إرساله، فنؤل ما حمله وكلف أداه إلى من هو ~~مصلحة له حتى يكون مزيحا لعلتهم، فإذا علم أنه لا يؤدي انتقض الغرض ولم ~~تحصل إزاحة العلة في معرفة المكلفين. وليس ذلك بمنزلة تكليف من علم الله ~~أنه يكفر، لأن الغرض بتكليفه لا يتعداه. # ثم الغرض تعريضه لمنافع الثواب، فإذا لم يفعل أتي من قبل نفسه. # وتكليف النبوة الغرض فيه متعلق بغير النبي، وإن كان فيه غرض يرجع إليه PageV00P162 # فعلى وجه التبع، فلا يجوز أن يكون الأمر على هذا ومع هذا فلا يؤديه، لأن ~~ذلك يخل بإزاحة علة المكلفين في تكليفهم، وذلك لا يجوز. # وأما الكلام في النسخ فقد حكينا أن الخلاف المشهور فيه مع اليهود الذين ~~منعوا النسخ، وهم ثلاث فرق: منهم من منع النسخ عقلا، ومنهم ms124 من منعه سمعا، ~~ومنهم من أجازه ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام. ونحن نتكلم عليهم ~~واحدا بعد أن نبين حقيقة النسخ. # والنسخ في الشريعة عبارة عن كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت ~~بالنص الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع ~~تراخيه عنه. # وذكرنا " المثل " دون " العين " لأنه لو نهاه عن نفس ما أمره به لكان ذلك ~~قبيحا إما بأن يكون بداء أو فيه وجه آخر من وجوه القبح. # وخصصنا أدلة الشرع بذلك لأن ما يزيل وجوب الفعل في المستقبل من العجز أو ~~فقد الآلة أو ما يجري مجرى ذلك لا يوصف بأنه نسخ وإن كان مزيلا لوجوب الفعل ~~من حيث اختص هذا الوجه بأدلة الشرع. # وشرطنا التراخي لأن ما يقترن باللفظ من ذكر الغاية الدالة على زوال ~~الوجوب عندها لا يوصف بأنه ناسخ. ألا ترى أن قوله " ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل " 1) لا يقال " إلى الليل " ناسخ لصوم النهار، وكذلك لو قال الزموا ~~السبت إلى وقت كذا لم يكن ما بعد ذلك الوقت ناسخا لما قبله وإن سقط الغرض ~~فيه، ولو قال ذلك مطلقا ثم دل بعد ذلك على سقوط لزومه سمي ذلك نسخا للتراخي ~~الذي قدمناه. # فإذا ثبت حقيقة النسخ في الشرع فالدليل على جوازه هو أن كل دليل PageV00P163 # على حسن التعبد بالشرع فهو بعينه دال على جواز النسخ، لأن ما دل على جواز ~~التعبد بالشرع ما قدمناه من المصلحة المتعلقة بالعبادة واللطف فيها. وهذا ~~بعينه قائم في النسخ، لأنه لا يمتنع أن يصير ما كان مصلحة في وقت مفسدة في ~~وقت آخر وما هو مفسدة في وقت يصير مصلحة في غيره، وما هو مصلحة لزيد يصير ~~مفسدة لعمرو وما يكون مصلحة لعمرو يصير مفسدة لزيد. فإذا كان ذلك غير ممتنع ~~فلو فرضنا حصوله لمن هو عالم بالعواقب وجب أن يعلمنا ذلك وينسخ عنا ما تغير ~~الحال فيه، كما وجب أن يعلمنا ذلك في ابتداء العبادة. # وأي فرق بين أن ms125 يقول افعلوا هذه العبادة إلى وقت كذا واتركوا بعدها وبين ~~أن يقول افعلوا مطلقا ثم يعلمنا بعد ذلك الوقت الذي تغيرت المصلحة فيه، وهل ~~تجويز أحدهما إلا كتجويز الآخر. # ومتى قالوا: إن ذلك يؤدي إلى البداء. قلنا: ليس ذلك بداء، لأن البداء ما ~~جمع شروطا أربعة: أحدها أن يكون المأمور به هو المنهي عنه بعينه، وثانيها ~~أن يكون الوجه واحدا، وثالثها أن يكون الوقت واحدا، ورابعها أن يكون المكلف ~~واحدا. والنسخ بخلاف ذلك لأن الفعل المأمور به غير المنهي عنه، لأن إمساك ~~السبت في زمن موسى عليه السلام هو غير ما تناوله النهي عن إمساكه في زمن ~~نبينا صلى الله عليه وآله، وإذا تغاير الفعلان لم تتكامل شروط البداء. # وكذلك إذا كان الوقتين متغايرين. # ولو كان ذلك بداءا لوجب أن يكون إماتة الله الخلق بعد إحيائهم وإغناؤهم ~~بعد فقرهم وصحتهم بعد مرضهم يكون بداءا، فإذا لم يكن كذلك لتغير المصلحة ~~فيه فالنسخ مثله. # ويلزم عليه أيضا أن لا تختلف شرائع الأنبياء وقد علمنا اختلافها ولم يكن ~~ذلك بداء، لأنه كان في شرع آدم جواز تزويج الأخت من الأخ وفي شرع ~~PageV00P164 # إبراهيم إباحة تأخير الختان إلى وقت الكبر وفي شريعة إسرائيل جواز الجمع ~~بين الأختين، وكل ذلك مخالف لشرع موسى عليه السلام. # وقولهم " إن ذلك يؤدي إلى كون الشئ حسنا قبيحا " ليس بصحيح، لأنه إنما ~~يقتضي مثل الحسن قبيحا ولا يمتنع في المثلين ذلك، وذلك أكثر من أن يحصى. # وأما من أجاز النسخ عقلا ومنع منه سمعا فالكلام عليه من وجهين: # أحدهما - أن نقول: ما الذي يدل على صحة هذه الدعوى وأن موسى عليه السلام ~~قال شريعتي لا تنسخ، فإن رجعوا إلى نقلهم الذي هو خبر الآحاد فإن ذلك لا ~~يقبل فيه خبر واحد، وإن ادعوا التواتر فالتواتر يوجب العلم الضروري فكان ~~ينبغي أن نعلم مع اختلاطنا بهم أن موسى عليه السلام قال ذلك، كما أنا لما ~~نقلنا عن نبينا عليه السلام أن شريعته لا تنسخ علم ذلك المخالف والموافق، ~~فإن ms126 اليهود لا يدفعون أن من دين محمد أن شرعه لا ينسخ وإنما خالفوا في صدق ~~قوله. # على إنه ذكر الشيوخ أن نقل اليهود غير متصل بموسى، لأنهم انقرضوا وقتلهم ~~بخت نصر حتى لم يبق منهم إلا نفر لا يقطع بنقلهم العدد ولا يؤمن عليهم ~~الكذب. ولو سلمنا أن موسى عليه السلام قال شريعتي لا تنسخ لا بد أن يكون ~~ذلك مشروطا إذا لم تعتبر المصلحة أو ينسخها من ثبتت نبوته، وأما مع تغير ~~المصلحة وثبوت نبوته فهي صادقة فلا بد من نسخها. # والطريقة الثانية - أن يدل على نبوة نبينا عليه السلام، فإذا ثبتت نبوته ~~علمنا بطلان دعواهم أن موسى قال شرعي لا ينسخ، لأنه لو كان صحيحا لما ثبتت ~~نبوة من ينسخها. # فإن قيل: لم صرتم بأن تدلوا على نبوة نبيكم فيعلموا بطلان دعوانا فأولى ~~منا إذا دللنا على صحة خبرنا فيعلم بطلان دعواكم في صحة نبوة نبيكم. ~~PageV00P165 # قلنا: نحن أولى بذلك، لأن النظر في معجز النبي عليه السلام يبنى على أمور ~~عقلية لا يدخلها احتمال الاشتباه، لأنه مبني على ظهور القرآن وتحدي العرب ~~وأنهم لم يعارضوه، وذلك كله معلوم ضرورة. والعلم بأن هذه صورته يكون معجزا ~~ودالا على النبوة طريقه اعتبار العقل الذي لا يدخله الاحتمال، وليس كذلك ~~الكلام في الخبر، لأن الخبر كلام والكلام لا تدخله الحقيقة والمجاز والعمل ~~بظاهره تركه. # والخبر الذي يدعونه مبني على صحته، وصحته لا تعلم إلا بعد العلم بأن صفة ~~التواتر فيه ثابتة في جميع أسلاف اليهود وكل زمان. ثم إذا ثبت فهو كلام ~~تدخله الحقيقة والمجاز والخصوص والعموم والشروط والعدول عن ظاهره. فعلم ~~بذلك أن النظر في معجز النبي عليه السلام أولى، لأن في العلم بصحته بطلان ~~ما سواه، وإن لم يعلم صحة تكليف النظر في تصحيح خبرهم. # وأما من أجاز النسخ عقلا وشرعا ومنع من صحة نبوة نبينا عليه السلام ~~فالوجه فيه أن يدل على صحة نبوة نبينا لبطل قوله، ولنا في الكلام في ثبوته ~~طريقان: أحدهما الاستدلال بالقرآن على صحة ms127 نبوته، والآخر الاستدلال بباقي ~~معجزاته عليه السلام. # والاستدلال بالقرآن لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء: أحدها ظهوره عليه ~~السلام بمكة وادعاؤه النبوة، وثانيها تحديه العرب بهذا القرآن وادعاؤه أن ~~الله أنزل عليه وخصه به، وثالثها أنه لم يعارضوه في وقت من الأوقات، ~~ورابعها أنهم لم يعارضوه للعجز، وخامسها أن هذا لتعذر خرق العادة. # فإذا ثبت ذلك دل على أن القرآن معجز، سواء كان معجزا خارقا للعادة ~~بفصاحته فلذلك لم يعارضوه أو لأن الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف ~~لعارضوا، وأي الأمرين ثبت ثبتت صحة نبوته عليه السلام، لأنه تعالى ~~PageV00P166 # لا يصدق كذابا ولا يخرق العادة لبطل. # فأما الفصل الأول - وهو ظهوره صلى الله عليه وآله بمكة وادعاؤه النبوة - ~~فمعلوم ضرورة لا ينكره عاقل سمع الأخبار. # وظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم مثل ذلك ضرورة، فالشك في أحدهما ~~كالشك في الآخر. # وأما الذي يدل على أنه تحدى بهذا القرآن، فهو أن معنى التحدي أنه عليه ~~السلام كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن وآياته وأن جبريل كان يهبط ~~عليه فيه، وذلك معلوم ضرورة ولا يمكن أحد دفعه. وهذا غاية التحدي في المعنى ~~والبعث على إظهار معارضته إن كان مقدورا. # وأيضا فمعلوم أنه عليه السلام ادعى النبوة ودعا الناس كافة إلى الاقرار ~~بنبوته والعمل بشرعه، ومن ادعى هذه المنزلة لا بد أن يحتج بأمر يجعله حجة ~~على دعواه صحيحا كان أو فاسدا، لأنه لو عري دعواه من حجة أو شبهة لسارع ~~الناس إلى تكذيبه وطالبوه بما يدل على صدق قوله، فلما لم يكن ذلك منهم دل ~~على أنه احتج بهذا القرآن أو بما هذا القرآن أظهر منه. # وأيضا فآيات التحدي في القرآن ظاهرة، نحو قوله تعالى " فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات " 1) وقوله " فأتوا بسورة من مثله " 2) وفي موضع آخر " بسورة ~~مثله " 3) وقوله " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " 4) وهذا صريح بالتحدي. # وأما الذي يعلم به ms128 أنه لم يعارض فهو أنه لو كان عورض لوجب أن ينقل، PageV00P167 # ولو نقل لعلم كما علم نفس القرآن، فلما لم يعلم دل على أنها لم تكن. ~~وإنما قلنا ذلك لأن كل أمر لو كان لوجب أن ينقل فإذا لم ينقل قطعنا على أنه ~~لم يكن. وبهذا يعلم أنه ليس بين بغداد والبصرة بلد أكبر منهما وأنه ليس في ~~الشريعة صلاة سادسة ولا حج إلى بيت بخراسان، لأنها لو كانت لوجب نقلها مع ~~سلامة الأحوال. # وإنما قلنا كان يجب نقل المعارضة لو كانت لأن الدواعي كانت تتوفر إلى ~~نقلها، لأنها لو كانت تكون هي الحجة دون القرآن، ونقل الحجة أولى من نقل ~~الشبهة. # على أن الذي دعى إلى المعارضة داع إلى نقلها وإظهارها، والداعي لهم إلى ~~ذلك طلب التخليص مما ألزموه من ترك أديانهم ومفارقة عاداتهم وبطلان ~~الرياسات التي ألفوها، ولذلك نقلوا كلام مسيلمة والأسود العنسي وطليحة مع ~~ركاكته وسخافته وبعده عن دخول الشبهة فيه، وكيف لم ينقل ما هو حجة في نفسه ~~إذ فيه شبهة قوية. # ولا يمكن أن يدعى فيه الخوف فيه من أنصاره وأتباعه فمنع ذلك من معارضته، ~~لأن الخوف لا يقتضي انقطاع النقل بالكلية وإنما يمنع من المظاهرة به ~~والمجاهرة، فكان يجب أن ينقل على وجه الاستسرار كما نقل ما يدعيه من النص ~~الجلي وغيره. # على أن كثرة المسلمين وكثرة أنصاره كانوا بعد الهجرة، فهلا عارضوه قبل ~~ذلك بمكة. ثم لم لم يعارضوه ويظهروه في بلاد الكفر كالروم وبلاد الفرس ~~والهند وغيرها، فإن الكفر فيها إلى يومنا هذا، وكيف لم يمنع الخوف من نقل ~~هجائه وسبه ومنع نقل معارضته، والكلام في ذلك استوفيناه في شرح الجمل. # ولا يمكن أن يدعى وقوع المعارضة من واحد أو اثنين وأنه قيل فلم يسمع ~~PageV00P168 # وذلك أنه إذا كانت المعارضة متعذرة على الفصحاء المعروفين والشعراء ~~والخطباء المبرزين كفى ذلك في باب خرق العادة وثبوت كونه معجزا، إما بأن ~~يكونوا مصروفين على مذهب من قال بالصرفة أو لأن القرآن فقط فصاحته خرق ~~العادة. ms129 # وأيهما كان وجب تساوي الكل فيه وأن أحدا لم يتمكن من المعارضة، وذلك يمنع ~~من التجويز الذي سألوا عنه. # وإذا ثبت أنهم لم يعارضوه [فإنما يعلم أنهم لم يعارضوه] 1) للعجز - لأن ~~كل فعل لم يقع مع توفر الدواعي لفاعله وشدة تداعيه عليه - قطعنا على أنه لم ~~يفعل للتعذر، ولذلك قطعنا على أن الجواهر والألوان ليست في مقدورنا مع ~~علمنا بتوفر الدواعي إلى فعلها وانتفاء الموانع المعقولة، فيخرج من هذا أن ~~نقطع على أن جهة ارتفاع ذلك للتعذر لا غير. [لأنا علمنا أن العرب تحدوا ~~بالقرآن وتوفرت دواعيهم إلى معارضته ولم يكن هناك مانع فوجب القطع على أن ~~ذلك للتعذر لا غير] 2). # وكيف وقد علمناهم تكلفوا المشاق من بذل النفوس والأموال والحروب العظيمة ~~التي أفنتهم طلبا لإبطال أمره، فلو كانت المعارضة مباينة لما تكلفوا ذلك ~~لأن العاقل لا يترك الأمر السهل الذي يبلغ به الغرض ويفعل الأمر الشاق الذي ~~لا يبلغ مع الغرض، ومتى فعل ذلك دل على أنه مختل العقل سفيه الرأي، والقوم ~~لم يكونوا بهذه الصفة. # وليس لأحد أن يقول: إنهم اعتقدوا أن الحرب انجع من المعارضة فلذلك عدلوا ~~إليها. وذلك أن النبي عليه السلام لم يدع النبوة فيهم بالغلبة والقهر وإنما ~~ادعى معارضة مثل القرآن تتعذر عليهم وأنه المختص بذلك ولا PageV00P169 # ينفع مع ذلك الحرب لو غلبوا فكيف وهم كانوا أكثر الأوقات مغلوبين مقتولين ~~مغلوبين وكان يجب مع هذا أن يقدموا المعارضة فإن أنجعت وإلا عدلوا إلى ~~الحرب أو كان يجب أن يجمع بينهما فيكون أبلغ وأنجع، وفي عدولهم عنها دليل ~~على أنهم كانوا عاجزين. # وليس لهم أيضا أن يدعوا أنهم التبس عليهم الحال فلم يعرفوا ما أراد ~~بالتحدي من المعارضة بالمثلية، وذلك أنه لو كان كذلك لاستفهموه وقالوا له ~~ما الذي تريد بذلك، فكيف وهم كانوا عارفين في تحدي بعضهم بعضا بالشعر ~~والخطب وكيف التبس عليهم الأمر ههنا. # فإن قالوا: خافوا أن يلتبس الأمر فيظن قوم أنه ليس مثله. قيل: هذا هو ~~المطلوب لن يختلف العقلاء فيه ms130 وطائفة يقولون إنه مثله وطائفة يقولون إنه ~~ليس مثله، فيحصل الخلاف وتقع الشبهة، وذلك أولى من ترك المعارضة التي تقوى ~~معها الشبهة بالعجز. # وليس لهم أن يقولوا: إنه لم تتوفر دواعيهم إلى ذلك. وذلك أن هذا باطل، ~~وكيف لم تتوفر دواعيهم وهم تكلفوا من المشاق العظيمة من القتال وإنفاق ~~الأموال ما هو معروف، والعاقل لا يتكلف ذلك فيما لا تتوفر دواعيه إلى ~~إبطاله. # فإن قالوا: إنما لم يعارضوه لأن في كلامهم ما هو مثله أو مقارنة. قلنا: # هذا غير مسلم، ولو سلم لما يقع، لأن التحدي إنما وقع لعجزهم عن معارضته ~~في المستقبل لا بأنه ليس في كلامهم مثله، ولو كان في كلامهم مثله لكان ترك ~~المعارضة في المستقبل أبلغ وأعظم في باب العجز. # فإن قيل: واطأه قوم من الفصحاء. قيل: هذا باطل، لأنه كان ينبغي أن يعارضه ~~من لم يواطئه، فإنهم وإن كانوا أدون منهم في الفصاحة كانوا يقدرون ~~PageV00P170 # على ما يقاربه، لأن التفات بين الفصحاء لا ينتهي إلى حد يخرق العادة. على ~~أن الفصحاء المعروفين والبلغاء المشتهرين في وقته كلهم كانوا منحرفين عنه، ~~كالأعشى الكبير الذي هو في الطبقة الأولى ومن أشبهه مات على كفره، وكعب بن ~~زهير أسلم في آخر الأمر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له عليه ~~السلام، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أسلما بعد زمان ~~طويل، ومع هذا لم يحظيا في الاسلام بطائل. على أنه لو كان ينبغي أن يوافقوه ~~على ذلك ويقولون له الفصحاء المبرزون واطأوك ووافقوك، فإن الفصحاء في كل ~~وقت لا يخفون على أهل الصناعة. # فإن قيل: لم لا يكون النبي عليه السلام أفصح العرب فلذلك تأتى منه القرآن ~~وتعذر على غيره، أو تعمل ذلك في زمان طويل فلم يتمكنوا من معارضته في زمان ~~قصير. # قيل: هذا لا يتوجه على من يقول بالصرفة، لأن القائلون بها يقولون إن مثل ~~ذلك كان في كلامهم وخطبهم وإنما صرفوا عن معارضته في المستقبل، فلا معنى ~~لكونه أفصح. ومن قال ms131 جهة الاعجاز الفصاحة يقول كونه أفصح لا يمنع من أن ~~يقارنوه أو يدانوه، وذلك هو المطلوب المعتاد بينهم في المعارضة، فإن جعلوه ~~أفصح وإنه خرق العادة بفصاحته كفى ذلك لأهل الاعجاز. على أن كونه أفصح لا ~~يمنع من مساواته ومقارنته في قليل من الكلام الذي يتأتى به سورة قصيرة بذلك ~~خرق العادة. ألا ترى أن المتقدمين من الشعراء وإن كانوا أفصح من المتأخرين ~~لا يمنع أن يقع منهم البيت والبيتان من مثل فصاحة أولئك. # ثم لو كان الأمر على ما قالوه لوافقوه على ذلك وقالوا له أنت أفصحنا ~~فلذلك تأتى منك ما تعذر علينا، فيكون في ذلك إبطال أمره وإن كان فيه اعتراف ~~له بفضل لا يضرهم وإنما يضرهم السكوت عنه. PageV00P171 # وقولهم: إنه تعمل. باطل، لأنه كان يجب أن يتعملوا مثله وإنما بقي ثلاثة ~~وعشرين سنة بينهم يتحداهم وفي ذلك تكثير يمكن التعمل. # وإذا ثبت بهذه الجملة أن القرآن معجز لم يضرنا أن لا نعلم من أي جهة كان ~~معجزا، لأنا إذا علمناه معجزا خارقا للعادة علمنا ثبوته ولو شككنا في جهة ~~إعجازه لم يضرنا ذلك، غير أنا نومي إلى جملة من الكلام فيه: # كان المرتضى علي بن الحسين الموسوي رحمة الله عليه يختار أن جهة إعجازه ~~الصرفة، وهي أن الله تعالى سلب العرب العلوم التي كانت تتأتى منهم بها ~~الفصاحة التي هي مثل القرآن متى راموا المعارضة، ولو لم يسلبهم ذلك لكان ~~يتأتى منهم. وبذلك قال النظام وأبو إسحاق النصيبي أخيرا. # وقال قوم: جهة الاعجاز الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة من غير اعتبار ~~النظم. ومنهم من اعتبر النظم والأسلوب مع الفصاحة، وهو الأقوى. # قال الفريقان: إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته دل على نبوته، لأنه إن ~~كان فعل الله فهو دال على نبوته وإن كان من فعل النبي عليه السلام لم يتمكن ~~من ذلك إلا بعلوم فيه خارق للعادة يدل على نبوته، فإذا قال إنه من فعل الله ~~دون فعلي قطعنا على أنه من فعل الله لثبوت صدقه. # وقال ms132 قوم: هو معجز لاختصاصه بأسلوب مخصوص ليس في شئ من كلام العرب. # وقال قوم: تأليف القرآن ونظمه مستحيل من العباد كاستحالة الجواهر ~~والألوان. # وقال قوم: كان معجزا لما فيه من العلم بالغائبات. # وقال آخرون: كان معجزا لارتفاع الخلاف والتناقض فيه مع جريان العادة بأنه ~~لا يخلو كلام طويل من ذلك. PageV00P172 # وأقوى الأقوال عندي قول من قال إنما كان معجزا خارقا للعادة لاختصاصه ~~بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص دون الفصاحة بانفرادها ودون النظم ~~بانفراده ودون الصرفة، وإن كنت نصرت في شرح الجمل القول بالصرفة على ما كان ~~يذهب إليه المرتضى رحمه الله من حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه. # والذي يدل على ما قلناه واخترناه أن التحدي معروف بين العرب بعضهم بعضا ~~ويعتبرون في التحدي معارضة الكلام بمثله في نظمه ووصفه لأنهم لا يعارضون ~~الخطب بالشعر ولا الشعر بالخطب والشعر لا يعارضه أيضا إلا بما كان يوافقه ~~في الوزن والروي والقافية فلا يعارضون الطويل بالرجز ولا الرجز بالكامل ولا ~~السريع بالمتقارب، وإنما يعارضون جميع أوصافه. فإذا كان كذلك فقد ثبت أن ~~القرآن جمع الفصاحة المفرطة والنظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا ~~عجزوا عن معارضته فيجب أن يكون الاعتبار بهما. # فأما الذي يدل على اختصاصها بالفصاحة المفرطة فهو أن كل عاقل عرف شيئا من ~~الفصاحة يعلم ذلك وإنما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كل فصيح وكيف لا ~~يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأولة قد شهدوا بذلك وطربوا له كالوليد ابن ~~المغيرة والأعشى الكبير وكعب بن زهير ولبيد بن ربيعه والنابغة الجعدي، ودخل ~~كثير منهم في الاسلام ككعب والنابغة ولبيد، وهم الأعشى بالدخول في الاسلام ~~فمنعه من ذلك أبو جهل وفزعه وقال إنه يحرم عليك الأطيبين الزنا والخمر، ~~فقال له: أما الزنا فلا حاجة لي فيه لأني كبرت وأما الخمر فلا صبر لي عنه ~~وأنظر، فأتته المنية واخترم دون الاسلام. # والوليد بن المغيرة تحير حين سمعه فقال: سمعت الشعر وليس بشعر والرجز ~~وليس برجز والخطب وليس بخطب ms133 وليس له اختلاج الكهنة فقالوا له: أنت شيخنا ~~فإذا قلت هذا ضعف قلوبنا، ففكر وقال قولوا هو سحر معاندة وحسدا للنبي عليه ~~PageV00P173 # السلام فأنزل الله تعالى هذه الآية " ثم فكر وقدر * فقتل كيف قدر " إلى ~~قوله " إن هذا إلا سحر يؤثر ". # فمن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيز من يكلم. # وأما اختصاصه بالنظم معلوم ضرورة لأنه مدرك مسموع وليس في شئ من كلام ~~العرب ما يشبه نظمه من خطب ولا شعر على اختلاف أنواعه وصفاته، فاجتماع ~~الأمرين منه لا يمكن دفعهما. # فإن قيل: لو كان القرآن خارقا للعادة بفصاحته لوجدنا الفرق بين كلام أفصح ~~العرب وبينه كما وجدنا الفرق بين كلام شعراء المتقدمين وبين شعراء المحدثين ~~الركيك وهما معتادان وكان ذلك أولى من حيث كان أحدهما معتادا والآخر خارقا ~~للعادة. وإذا لم نجد ذلك دل على أنه ليس بخارق للعادة بفصاحته. # قلنا: هذا السؤال إنما يلزم من ادعى خرق العادة بفصاحته فقط دون من اعتبر ~~الفصاحة والنظم وليس يمكن اجتماعهما في شئ من كلام العرب فيعلم كيفية ~~الفصاحة والفرق بينهما. # فإن قيل: النظم مقدور لكل أحد وإنما الفصاحة هي المعتبرة. # قلنا: أول ما نقول أن النظم أيضا يحتاج إلى علم مخصوص ولذلك تختلف ~~الأحوال فيه، فيتأتى من بعضهم الخطب ولا يتأتى منه الشعر والآخرون يتأتى ~~منهم الشعر ولا يتأتى منهم الخطب، ولا يكفي في النظم مجرد القدرة ولم نجدهم ~~نظموا شيئا مثل هذا القرآن، فمن أين لنا أنه كان يتأتى منهم. # على أنه لو كان النظم مقدورا لم يمتنع أن يكونوا متى أرادوا الفصاحة ~~المفرطة في هذا النظم لم يتأت منهم وإن تأتت منهم في الشعر والخطب. ألا ترى ~~أن في الناس من يكون أخطب الناس وأبلغهم فيها فإذا نظم الشعر كان ركيكا، ~~وكذلك من قال الشعر البليغ الذي فيه الغاية لا يحسن أن يكتب كتابا ~~PageV00P174 # فإذا تكلفه رك كلامه، ولذلك تفاضل الشعراء في أوزان الشعر: فمنهم من يقوى ~~على الطويل دون الرجز، ومنهم من لا يتأتى منه غير ms134 الرجز ولو تكلف الطويل ~~لرك كلامه. والرجال المفرطون في الفصاحة معروفون كالعجاج ورؤبة وغيرهما وإن ~~لم يكن لهما قصيد، وإن كان فلم يشبه الرجز ولا قاربه. # وإذا ثبت ذلك فليس في وجود كثير من كلام العرب ما يدل على أنهم لو تكلفوه ~~بهذا النظم لكان مثله، لما عدلوا عن المعارضة وتعذرت عليهم إما لفقد علمهم ~~بالنظم وإن كان فصيحا أو لعلمهم بأنهم لو تكلفوا ذلك لوقعوا دونه دل ذلك ~~على أن القرآن خارق للعادة بمجموع الأمرين. # على أن اشتباه كثير من كلام العرب على الفصحاء لا يدل على أنه مثله، لأنه ~~قد يشتبه الشيئان على أصحاب الصنائع وإن كان بينهما بون بعيد، كاللؤلئين ~~الغاليين في الثمن والمشتبهين المنهرجين حتى أنه لا يدخل الشبه بينهما ويتم ~~الأغلاط، وإن كان لا يشتبه عندهم لؤلؤة حقيرة مع مختلفة. # ومن الناس من قال: إن المطبوعين على الفصاحة الذين هم في الطبقة الأولى ~~وجدوا الفرق بين فصيح كلام العرب وبين القرآن وإنما كابروا في ذلك، وكل من ~~يجري مجراهم فهو مثلهم. فأما من لم يبلغ تلك المنزلة فهو لا يعلم الفرق ~~فربما قلد وأحسن الظن أو اعتقد اعتقادا ليس بعلم، فلا يمكن ادعاء العلم ~~الضروري في ذلك، وعلم أنه لو كان وجه الاعجاز سلب العلوم لكانت العرب إذا ~~سلبوا هذه العلوم خرجوا عن كمال العقل. # وبهذا أجبنا من قال لم لا يجوز أن يكون من تأتى منه الفعل المحكم معتقدا ~~أو ظانا دون أن يكون عالما. بأن قلنا: ما لأجله تأتى الفعل المحكم هو أمر ~~يلزم مع كمال العقل، فلا يخرج عنه إلا باختلال عقله. والعلم بالفصاحة ~~PageV00P175 # من هذا الباب، فلو سلبهم الله هذه العلوم لكانوا خرجوا من كمال العقل، ~~ولو كان كذلك لظهر واشتهر وكان يكون أبلغ في باب الاعجاز من غيره. ولما لم ~~يعلم كونهم كذلك وأن العرب لم يتغير حالهم في حال من الأحوال دل ذلك على ~~أنهم لم يسلبوا العلوم، وإذا لم يسلبوها وهم متمكنون من مثل هذا القرآن كان ~~يجب ms135 أن يعارضوا، وقد بينا أن ذلك كان متعذرا منهم، فبطل هذا القول. # فإن قيل: هل لا جعل القرآن في غاية الفصاحة التي لا تشتبه على أحد ممن ~~سمع. # قلنا: المصلحة معتبرة في ذلك، ولو لزم ذلك للزم أن يقال المعتبر هو الصرف ~~لم لم يجعل القرآن من أرك الكلام وأقله فصاحة فكان يكون أبلغ في باب ~~الاعجاز. وليس يلزم في المعجز أن يبلغ الغاية القصوى. ألا ترى أن الله ~~تعالى لم يجب قريشا إلى جعل الصفا ذهبا والى إحياء عبد المطلب ونقل جبال ~~تهامة من مواضعها وإلى تفجير الأرض لهم ينبوعا، لأن المصلحة معتبرة مع ~~كونها خارقة للعادة وليس تكون المعجزات على قدر الأماني والشهوات. # فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون القرآن من فعل بعض الجن ألقوه إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله ليضل به الخلق، يمكنهم أن يدعوا أن فصاحة الجن ليس فصاحة ~~العرب ولا أنه ليس لهم علم بكيفية هذا النظم المخصوص، لأنه لا طريق لكم إلى ~~ذلك بل يكفي التجويز في هذا الباب، لأن معه لا يمكن القطع على أنه من فعل ~~الله تعالى. وأيضا فإن النبي يدعي أن ملكا نزل عليه بهذا القرآن، فلم لا ~~يجوز أن يكون ذلك الملك كاذبا ولا يمكنهم ادعاء عصمة الملائكة، لأن ذلك ~~معلوم بالسمع الذي لم يثبت بعد صحته، وعادة الملائكة أيضا في الفصاحة غير ~~معلومة. # قلنا: الجواب على هذا السؤال من وجوه: PageV00P176 # أحدها - أنه لو طعن هذا السؤال في إعجاز القرآن لطعن في سائر المعجزات ~~ولا يكون لنا طريق إلى العلم بصدق الصادق، لأنا متى قلنا أن ما يختص القديم ~~بالقدرة عليه متى فعله على وجه يخرق العادة يكون دالا وكان لقائل أن يقول: ~~لم لا يكون في عادة الجن إنه إذا قرب جسم من جسم ميت عاش، كما أجري العادة ~~في الإنس إذا قربنا الحجر المغناطيس إلى الحديد جذبه، ومتى جوزنا ذلك لم ~~يكن في إحياء الميت على مدعي النبوة دليل على صدقه، لأنه لا يأمن أن ms136 يكون ~~بعض الجن نقل إليه ذلك الجسم وإحياء الله تعالى ذلك لمكان عادتهم. # فإن قيل: إحياء الله تعالى الميت عند تقريب الجسم بيننا وفي عادتنا خرق ~~منه تعالى لعادتنا، فجرى مجرى تصديق الكذاب، وذلك لا يجوز عليه، وليس إذا ~~جاز أن يفعل ذلك في عادة الجن بحيث لا نعلمه جاز أن يفعله في عادتنا، لأن ~~فعله في عادتهم لا وجه لقبحه وفعله في عادتنا فيه وجه قبح لأنه استفساد. ~~وليس كذلك نقل الكلام، لأن الجني إذا نقل الكلام الذي لم تجر عادتنا بمثل ~~فصاحته فنفس نقله خرق عادتنا وليس له تعالى في ذلك صنع، وإذا نقل الجسم ~~المشار إليه فنفس نقله للجسم لم يخرق عادتنا، وإنما الخارق لها إحياء الميت ~~عند تقريب الجسم، فالفرق بين الأمرين واضح. # قيل: السؤال لا يلزم من وجهين، وهذا الانفصال ليس بصحيح: # أحدهما - أن الجني إذا أحضر الجسم الذي أجرى الله عادتهم بإحياء الميت ~~عنده فلا يخلو أن يحيي الميت عنده أو لا يحييه، فإن أحياه فهذا تجويز كونه ~~كاذبا وأنه إنما أحياه لمكان عادتهم، وإن لم يحيه كان في ذلك خرق عادة الجن ~~بفعل المعجز خرق عادتهم في رفع الإحياء عند هذا الجسم الذي PageV00P177 # كان يحييه عندهم بمجرى عادتهم، وفي ذلك تصديق الكذاب. ولا جواب عن ذلك ~~إلا بأن يقال: إنه استفساد يجب المنع منه كما نقوله في الجواب الآخر. # والوجه الثاني - أن القرآن إذا كان خارقا للعادة بفصاحته فإنما تأتى من ~~الجني ذلك بأن يجدد الله تعالى له العلوم بالفصاحة حالا بعد حال، لأن ~~العلوم لا تبقى، فيصير خلق هذه العلوم هو الخارق للعادة، وجرى ذلك مجرى ما ~~يقول صاحب الصرفة في مواضع أن ثبت لو ادعى النبوة وجعل معجزه نقل الجبال أو ~~طفر البحار لكان خلق القدر التي يتمكن من ذلك هو الخارق للعادة، وهو المعجز ~~لا نفس النقل، لأن فعلنا لا يكون عنده دليلا على التصديق، وإنما يدل على ~~التصديق ما يختص تعالى بالقدرة عليه. # ومتى رجع إلى أن قال: القرآن ms137 لم يخرق العادة بفصاحته. سقطت معارضته بسؤال ~~الجن وصار الكلام في هل هو خرق العادة أو ليس بخارق لها، وقد مضى الكلام ~~على صحة ذلك. # والجواب الثاني عن سؤال الجن أنه لو كان القرآن من فعل الجن لمنع الله ~~تعالى منه، لأن ذلك مفسدة ولا يجوز التمكين من ذلك على الله تعالى. # فإن قيل: إنما لا يجوز عليه تعالى أن يفعل نفس الاستفساد، وأما المنع من ~~الاستفساد فلا يجب، ولو وجب ذلك لوجب أن يمنع تعالى كل شبهة من الممخرقين ~~والمشعبذين من كل ما يدخل فيه الشبهة على الخلق، فالمنع من الشبهات وفعل ~~القبائح مع التكليف لا يجب، وليس إذا لم يجز عليه تعالى الاستفساد لم يجز ~~عليه التمكين منه، [كما إذا لم يجز عليه القبيح لم يجب عليه المنع منه] 1)، ~~وكان يلزم أن يمنع الله تعالى زرداشت وماني والحلاج وغيرهم من الممخرقين ~~الذين فسد بهم خلق من الناس ولولاهم لما فسدوا إن وجب المنع من الاستفساد. PageV00P178 # قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أن تمكين هؤلاء المذكورين من الفساد ليس باستفساد لأنه تمكين ~~وتعريض الثواب أعظم من الثواب الذي عرضوا له مع عدم هؤلاء، فصار خلق هؤلاء ~~وتمكينهم من الشبهات من تكليف أشق وتعريضا لثواب أعظم، فخرج بذلك من ~~الاستفساد، لأن حد الاستفساد ما يقع عنده الفساد ولولاه لم يقع من غير أن ~~يكون تمكينا، وهذا تمكين فخرج من الاستفساد. # وليس لأحد أن يقول: تمكين الجن من القاء القرآن إلينا تمكين وليس ~~باستفساد. لأنا بينا أن ذلك يسد علينا الباب الموصل إلى الفرق بين الصادق ~~والكاذب، وذلك باطل بالاتفاق. # والثاني: أن كل من فسد بدعاء إبليس وهؤلاء الممخرقين كان يفسد وإن لم يكن ~~إبليس ولا أحد من هؤلاء، فلم يكن ذلك استفساد، كما يقول فيمن بطل عند ~~متشابه القرآن وخلق إبليس وغيره. ولا يمكن ادعاء العلم الضروري في خلافه ~~لأن ذلك غير معلوم، ولا يمكن مثل ذلك في القاء الجن القرآن، لما بيناه من ~~أن ذلك يؤدي إلى سد ms138 الطريق في الفرق بين الصادق والكاذب. # وهذا القدر كاف ههنا، فإن استيفاءه يطول به الكتاب، وقد أجبت عن سؤال ~~الجن بأن قلت: بأن ذلك يؤدي إلى أن انشقاق القمر وطلوع الشمس من مغربها ~~وقلع الجبال من أماكنها وطفر البحار العظام وفلق البحر لا يكون شئ من ذلك ~~معجزا، لأن جنسه داخل تحت مقدور القدر، ولا يمتنع أن يكون جميع ذلك من فعل ~~بعض الجن. ومن ارتكب فقال جميع ذلك لا يدل على النبوة، كفاه ما فيه من ~~الشناعة. # ومتى قالوا: حمل الأجسام العظيمة وقلع الجبال تحتاج إلى أن يكون من حمل ~~ذلك على بنية كثيفة تحتمل القدر الكثير، لأن الأجسام المتخلخلة لا يحملها ~~مثل قدر الفيل ولا تحمل النملة من القدر ما تحمل الجبال، ولو حصل من له ~~بنية PageV00P179 # كثيفة لوجب أن يرى ولو رأي لعلم أنه ليس من فعل الله، فلا يكون [فيه] ~~دلالة. # قيل: هذا أصل فيه نزاع، ففي الناس من قال يكفي في احتمال المحل القدرة أن ~~يكون محل الحياة فقط، ومتى حصلت بنية الحياة جاز أن يوجد في البنية القدرة ~~العظيمة، وليس ذلك بأبعد من جواز حلول الاعتمادات بقدر ما يوازى به الجبال ~~في الذرة، فإن استبعاد أحدهما كاستبعاد الآخر، ولذلك تقلع الريح مع تخلخلها ~~الأجسام الثقال وتقصم الأشجار الصلبة، وقد أهلك الله تعالى الأمم بالريح. ~~فإذا جاز ذلك في الاعتماد لم لا يجوز مثله في القدر، وإذا كان ذلك جائزا ~~فسؤال الجن متوجه في هذه الأشياء، ولا مخلص من ذلك إلا بأن يقال: إن ذلك ~~استفساد والله تعالى لا يمكن منه. # فأما من قال: إن القرآن جنسه ليس بمقدور كالجواهر والألوان. فقوله باطل، ~~لأن جنس القرآن الحروف والأصوات، وذلك من مقدورنا، والكلام يكون كلاما بأن ~~يوجد بعضها في أثر بعض، فالجنس مقدور وإنما يتعذر لفقد العلم في بعض ~~المواضع. # فأما من قال: مجرد النظم هو المعجز. فقوله باطل، لأنا لو فرضنا وقوع مثل ~~هذا الأسلوب - وهو في غاية السخف والركاكة - لما كان ذلك معارضة عند ms139 أحد من ~~العقلاء. والسبق إلى الأسلوب أيضا لا يكون معجزا كما لا يكون السبق إلى نظم ~~الشعر وقول الخطب وغير ذلك من العلوم معجزا. # ومن قال: جهة إعجازه ما تضمنه من الإخبار بالغايبات. ليس بصحيح، لأن ~~التحدي وقع بسورة غير معينة، وأكثر السور وخاصة القصار ليس فيها أخبار ~~بالغايبات، فلو كان ذلك مراعى لعارضوا بما ليس فيها ذلك وكانوا معارضين ~~وذلك باطل. # ومن قال: جهة الاعجاز ارتفاع الاختلاف والتناقض. فبعيد، لأن لقائل ~~PageV00P180 # أن يقول: إن العاقل إذا تحفظ وتيقظ حتى لا يقع في كلامه تناقض لم يقع، ~~فمن أين أنه خارق للعادة. ولو جعل ذلك من فضائل القرآن ومراتبه لكان جيدا. # فأما معجزاته التي هي سوى القرآن 1) كمجئ الشجرة حين قال لها أقبلي ~~فأقبلت تخد الأرض خدا 2) ثم قال لها ارجعي فرجعت، ومثل الميضاة وأنه وضع ~~يده في الإناء فغار الماء من بين أصابعه حتى شربوا ورووا، ومثل إطعام الخلق ~~الكثير من الطعام اليسير، ومنها حنين الجذع الذي كان يستند إليه إذا خطب ~~لما تحول إلى المنبر فلما جاء إليه والتزمه سكن، ومنها تسبيح الحصى في كفه ~~وكلام الذراع وقولها له لا تأكلني فإني مسمومة، ومنها أنه لما استسقى فجاء ~~المطر فشكوا إليه تهدم المنازل فقال حوالينا ولا علينا وأشار إلى السحاب ~~فصار كالإكليل حول المدينة والشمس طالعة في المدينة، [ومنها انشقاق القمر ~~وقد نطق القرآن به، ومنها شكوى البعير] 3) ومنها قوله لأمير المؤمنين عليه ~~السلام " تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين " وقوله له " إنك تقتل ~~ذا الثدية " وقوله لعمار " تقتلك الفئة الباغية ". وغير ذلك من الآيات ~~الباهرات التي هي معروفة مذكورة. # وليس يمكن أن يقال: هذه الأخبار آحاد لا يعول على مثلها. لأن المسلمين ~~تواتروها وأجمعوا على صحتها، ونحن وإن قلنا أنها لا تعلم ضرورة فهي معلومة ~~بالاستدلال بالتواتر على ما يذهب إليه. # ولا يمكن أيضا ادعاء الحيل في ذلك، لأن كثيرا منها يستحيل ذلك فيه، ~~كانشقاق القمر والاستسقاء وإطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير وخروج ~~الماء من بين أصابعه ms140 وإخباره بالغائبات ومجئ الشجرة إليه ورجوعها عنه، PageV00P181 # لأن جميع ذلك لا تتم فيه الحيلة، وإنما يمكن الحيلة في الأجسام الخفيفة ~~التي تحدث بالناقل ولا تتم في الشجرة العظيمة، وحنين الجذع لا يمكن أن يدعى ~~كان لتجويف فيه دخله الريح، لأن مثل ذلك لا يخفى وكان لا يستكن بمجئ النبي ~~إليه ويحن إذا فارقه بل كان يكون ذلك بحسب الريح. # فأما كلام الذراع قيل فيه وجهان: أحدهما أن الله تعالى نبأها تنبيه الحي ~~وجعل له آلة النطق فتكلم بما سمع وكان ذلك خارقا للعادة، والآخر إن الله ~~تعالى فعل فيه الكلام وأضافه إلى الذراع مجازا. # ومن قال: لو انشق القمر لرآه جميع الخلق. ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع أن ~~يكون الناس في تلك الحال مشاغيل بالنوم وغيره، فإنه كان بالليل فلم يتفق ~~لهم مراعاته، فإنه بقي ساعة ثم التأم. وأيضا فلا يمتنع أن يكون هناك غيم ~~حال بينه وبين جميع من لم يره ولا شاهده فلذلك لم يره الجميع. والله أعلم ~~بذلك. ### || (الكلام في الإمامة) #الكلام في الإمامة في خمس فصول: # أولها - الكلام في وجوب الإمامة. # والثاني - الكلام في صفات الإمام. # والثالث - الكلام في أعيان الأئمة. # والرابع - الكلام في أحكام البغاة. # والخامس - الكلام في الغيبة. # ونحن نبين فصلا فصلا من ذلك على وجه الايجاز إنشاء الله. PageV00P182 ### ||| فصل (في الكلام في وجوب الإمامة) #المخالف في وجوب الإمامة طائفتان: ~~إحداهما تخالف في وجوبها عقلا، والأخرى تخالف في وجوبها سمعا. # فالمخالف في وجوبها سمعا شاذ لا يعتد به لشذوذه لأنه لا يعرف قائلا به. # وعلماء الأمة المعروفون مجموعون على وجوب الإمامة سمعا، والخلاف القوي في ~~وجوب الإمامة عقلا، فإنه لا يقول بوجوبها عقلا غير الإمامية والبغداديين من ~~المعتزلة وجماعة من المتأخرين، والباقون يخالفون في ذلك ويقولون المرجع فيه ~~إلى السمع. # ولنا في الكلام في وجوب الإمامة عقلا طريقان: إحداهما أن نبين وجوبها ~~عقلا سواء كان هناك سمع أو لم يكن، والثانية أن نبين أن مع وجود الشرع لا ~~بد من إمام له صفة مخصوصة ms141 لحفظ الشرع باعتبار عقلي. # والذي يدل على الطريقة الأولى: إنه قد ثبت أن الناس متى كانوا غير ~~معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب إذا كان لهم رئيس مطاع منبسط اليد ~~يردع المعاند ويؤدب الجاني ويأخذ على يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من ~~الظالم كانوا إلى وقوع الصلاح وقلة الفساد أقرب، ومتى خلوا من رئيس على ما ~~وصفناه وقع الفساد وقل الصلاح ووقع الهرج والمرج وفسدت المعايش. # بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار، ومن خالف في ذلك لا يحسن مكالمته لكونه ~~مركوزا في أوائل العقول. بل المعلوم أن مع وجود الرؤساء وانقباض أيديهم ~~وضعف سلطانهم يكثر الفساد ويقل الصلاح، فكيف يمكن الخلاف فيه. PageV00P183 # وليس لأحد أن يقول: إنما يحصل من الصلاح عند الرؤساء أمور دنياوية ولا ~~يجب اللطف لأجلها وليس فيها أمر ديني يجب اللطف لأجله، وذلك إنما يحصل عند ~~الرؤساء أمر ديني، وهو قلة الظلم ووقوع الفساد ومن تغلب القوي على الضعيف، ~~وهذه أمور دينية يجب اللطف لأجلها وإن حصل فيها أمر دنياوي فعلى وجه التبع. # ولا يبلغ الخوف من الرؤساء إلى حد الالجاء، لأنه لو بلغ حد الالجاء لما ~~وقع شئ من الفساد، لأن مع الالجاء لا يقع فعل ما ألجئ إليه، وكان يجب أن لا ~~يستحق [تارك القبيح وفاعل الواجب مدحا لأن ما يقع على وجه الالجاء لا يستحق ~~به] 1) مدحا، والمعلوم أن العقلاء يستحقون المدح بفعل الواجب وترك القبيح ~~مع وجود الرؤساء. # ولا يقدح فيما قلنا وقوع كثير من الفساد عند نصب رئيس بعينه، لأنه إنما ~~يقع الفساد لكراهتهم رئيسا بعينه، ولو نصب لهم من يؤثرونه ويميلون إليه ~~لرضوا به وانقادوا له، وذلك لا يقدح في وجوب جنس الرئاسة. # ولا يلزم أيضا نصب رؤساء جماعة، لأن بهذه الطريقة إنما يعلم وجوب جنس ~~الرئاسة، فأما عددهم وصفاتهم فإنا نرجع إلى طريقة أخرى غير اعتبار وجوب ~~الرئاسة في الجملة. # والعقل كان يجوز نصب أئمة كثيرين في كل زمان، وإنما منع السمع والاجماع ~~من أنه لا ينصب من يسمى إماما في ms142 كل زمان إلا واحدا ويكون باقي الرؤساء من ~~قبله. # والذي يقطع به أن الرئاسة لطف في أفعال الجوارح التي يظهر قلتها بوجود ~~الرؤساء وكثرتها بعدمهم، وأما أفعال القلوب فلا طريق لنا إلى كون الرئيس PageV00P184 # لطفا فيها، ولا يلزم إذا كان الإمام لطفا في بعض التكاليف أن لا يكون ~~لطفا أصلا لأن أحكام الألطاف تختلف فبعضها عام من كل وجه وبعضها خاص وبعضها ~~عام من وجه وخاص من وجه آخر، فلا ينبغي أن يقاس بعضها على بعض. # ألا ترى أن المعرفة عامة في جميع التكاليف إلا ما تقدمها في زمان مهلة ~~النظر. # وأما العبادات الشرعية فليس يخفى الاختصاص فيها، لأن الصلاة تجب على قوم ~~دون قوم فإن الحائض لا تجب عليها، والزكاة لا تجب على من لا يملك النصاب ~~والصوم لا يجب إلا على من يطيقه فأما من به عطاش أو قلة صبر عن الطعام ~~لفساد مزاج فلا يجب عليه، وكذلك جميع العبادات فلا يجب قياس بعضها على بعض ~~فأما خلق الأولاد والصحة والسقم والغنى والفقر فالأمر في اختصاصه ظاهر. # ومن هو معصوم مأمون منه القبيح وترك الواجب لا يحتاج إلى إمام يكون لطفا ~~له في ذلك وإن احتاج إليه من وجوه أخر، نحو أخذ معالم الدين عنه وغير ذلك. # واللطف في الحقيقة هو تصرف الإمام وأمره ونهيه وتأديبه، فإن حصل انزاحت ~~به العلة. # وحسن التكليف وإن لم يحصل بأمر يرجع إلى المكلفين لا يجب سقوط التكليف ~~عنهم، لأنهم يؤتون في ذلك. من قبل نفوسهم لا من قبل خالقهم. وإنما يجب على ~~الله تعالى خلق الإمام وإيجابه علينا طاعته ليتمكن من التصرف، فإذا لم ~~يمكنه لم يجب سقوط التكليف عنا، لأنا نكون أتينا من قبل نفوسنا. # فإذا ثبتت هذه الجملة فلا يلزم إذا كان الإمام غائبا أن يسقط التكليف عنا ~~لأنا أتينا من قبل نفوسنا بأن أخفناه وأحوجناه إلى الاستتار، ولو أطعناه ~~ومكناه لظهر وتصرف فحصل اللطف. # وكل من لم يظهر له الإمام فلا بد أن تكون العلة ترجع إليه، لأنه ms143 لو رجع ~~PageV00P185 # إلى غيره لأسقط الله تكليفه، وفي بقاء التكليف عليه دليل على أن الله ~~تعالى أزاح علته وبين له ما هو لطف له فعل هو أم لم يفعل، كما نقول: إن ~~الصلاة لطف لكل مكلف فمن لم يصل لم يجب سقوط تكليفه لأنه أتي من قبل نفسه، ~~وكذلك ههنا. # ولا يلزم على جواز الغيبة جواز عدمه، لأنه لو كان معدوما لما أمكننا ~~طاعته ولا تمكينه فلا تكون علتنا مزاحة وإذا كان موجودا أمكن ذلك فإذا لم ~~يظهر تكون الحجة علينا وإذا كان معدوما تكون الحجة على الله تعالى، فبان ~~الفرق بين وجوده غائبا وبين عدمه، فالوجود أصل لتمكيننا إياه ولا يمكن حصول ~~الفرع بلا حصول الأصل. # وأولياء الإمام ومن يعتقد طاعته فاللطف بمكانه حاصل لهم في كل وقت عند ~~كثير من أصحابنا، لأنهم يرتدعون بوجوده من كثير من القبائح، ولأنهم لا ~~يأمنون كل ساعة من ظهوره وتمكينه فيخافون تأديبه كما يخافونه وإن لم يكن ~~معهم في بلدهم بينهم وبينه بعد، بل ربما كانت الغيبة أبلغ، لأن معها يجوز ~~أن يكون حاضرا فيهم مشاهدا لهم وإن لم يعرفوه بعينه. # وفيهم من قال: إنه إذا لم يظهر لهم فالتقصير يرجع إليهم أو لما يعلم الله ~~تعالى من حالهم أنه لو ظهر لهم لأشاعوا خبره أو شكوا في معجزه بشبهة تدخل ~~عليهم فيكفرون به فلذلك لم يظهر لهم. # ولا يجوز أن تكون للإمامة بدل يقوم مقامها في باب اللطف كما لا يجوز مثله ~~في المعرفة، وإن جاز كثير من الألطاف أن يكون له بدل. وإنما قلنا ذلك لأنه ~~لو كان بدل لم يمتنع أن يفعل الله ذلك البدل فيمن ليس بمعصوم، فيكون حاله ~~مع فقد الرئيس كحاله مع وجوده في باب الانزجار عن القبيح والتوفر على فعل ~~الواجب، والمعلوم ضرورة خلافه على ما بيناه. # والكلام في تفريع هذا الباب استوفيناه في تلخيص الشافي وشرح الجمل وفيما ~~ذكرناه ههنا كفاية. PageV00P186 # (وأما الطريقة الثانية) وهو أنه لا بد من إمام بعد ورود الشرع أنه ms144 إذا ~~ثبت أن شريعة نبينا عليه السلام مؤبدة إلى يوم القيامة وإن من يأتي فيما ~~بعد يلزمه العمل بها كما لزم من كان في عصر النبي عليه السلام فلا بد من أن ~~تكون علتهم مزاحة [كما كانت علة من شاهد النبي مزاحة في زمانه، ولا تكون ~~العلة مزاحة] 1) إلا بأن تكون الشريعة محفوظة، فلا تخلو من أن تكون محفوظة ~~بالتواتر أو الإجماع أو الرجوع إلى أخبار الآحاد والقياس أو بوجود معصوم ~~عالم بجميع الأحكام في كل عصر يجري قوله مثل قول النبي عليه السلام، فإذا ~~أفسدنا الأقسام كلها إلا وجود معصوم ثبت أنه لا بد من وجوده في كل وقت ولا ~~يجوز أن تكون محفوظة بالتواتر، لأنه ليس جميع الشريعة متواتر بها بل ~~التواتر موجود في مسائل قليلة نزرة، فكيف يعمل بها في باقي الشريعة. # على أن ما هو متواتر يجوز أن يصير غير متواتر، بأن يترك في كل وقت جماعة ~~من الناقلين نقله إلى أن يصير آحادا، إما لشبهة تدخل عليهم أو اشتغال بمعاش ~~وغير ذلك من القواطع ولا مانع من ذلك أو يعتمدوا تركه لأنهم ليسوا معصومين ~~لا يجوز عليهم ذلك. # ولا يجوز أن تكون محفوظة بالاجماع، لأن الإجماع ليس بحاصل في أكثر ~~الأحكام بل هو حاصل في مسائل قليلة والباقي كله فيه خلاف فكيف يعول عليه. ~~على أن الإجماع إن فرضنا أنه ليس فيهم معصوم - على ما يقولونه - فليس بحجة، ~~لأن حكم اجتماعهم حكم انفرادهم، فإذا كان كل واحد منهم ليس بمعصوم فكيف ~~يصيرون باجتماعهم معصومين، ولو جاز ذلك جاز أن يكون كل واحد منهم لا يكون ~~مؤمنا فإذا اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا ~~اجتمعوا صاروا مؤمنين، أو يكون كل واحد منهم يهوديا فإذا اجتمعوا صاروا ~~مسلمين، وذلك باطل. PageV00P187 # ومتى قيل: في العقل وإن كان الأمر على ما قلتموه، فإن أدلة الشرع لزمتنا ~~من جواز اجتماعهم على خطأ من آيات وأخبار. # قلنا: لا دلالة في شئ من الآيات والأخبار على ما تدعونه ms145 وبيننا وبينكم ~~السير والاعتبار، وقد استوفينا الكلام في ذلك في أصول الفقه وتلخيص الشافي ~~وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. فأما أخبار الآحاد والقياس فلا يجوز أن ~~يعمل عليهما عندنا، وقد بينا ذلك في أصول الفقه وغيره من كتبنا، فلم يبق من ~~الأقسام إلا وجود معصوم يجري قوله كقول النبي عليه السلام. # فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون من لا يعرف الإمام لا يعرف أحكام الشرع، ~~والمعلوم خلافه. # قلنا: من لا يعرف الإمام لا يجوز أن يعرف من الشريعة إلا ما تواتر النقل ~~به أو دل دليل قاطع عليه من ظاهر قرآن أو اجتمعت الأمة عليه، فأما ما عدا ~~ذلك فإنه لا يعلمه وإن اعتقده فإنما يعتقده اعتمادا ليس بعلم، فلم يخرج من ~~موجب الدلالة. والشرع يصل إلى من هو في البلاد البعيدة وفي زمن النبي أو ~~الإمام بالنقل المتواتر الذي من ورائه حافظ معصوم، ومتى انقطع دونهم أو وقع ~~فيه تفريط تلافاه حتى يصل إليهم وينقطع عذرهم. # فأما إذا فرضنا النقل بلا حافظ معصوم من وراء الناقلين فإنا لا نثق بأنه ~~وصل جميعه، وجوزنا أن يكون وقع فيه تقصير أو كتمان لشبهة أو تعمد، وإنما ~~نأمن وقوع شئ منه لعلمنا أن من ورائه معصوما متى وقع خلل تلافاه. # وهذه حالنا في زمن الغيبة، فإنا متى علمنا بقاء التكليف وعلمنا استمرار ~~الغيبة علمنا أن عذرنا منقطع ولطفنا حاصل. لأنه لو لم يكن حاصلا لسقط ~~التكليف أو أظهر الله تعالى الإمام ليبين لنا ما وقع فيه من الخلل فلا يمكن ~~التسوية بين نقل من وراءه معصوم وبين نقل ليس من وراءه ذلك، فيسقط ~~الاعتراض. PageV00P188 ### ||| فصل (في صفات الإمام) # يجب أن يكون الإمام معصوما من القبائح والاخلال ~~بالواجبات، لأنه لو لم يكن كذلك لكانت علة الحاجة قائمة فيه إلى إمام آخر، ~~لأن الناس إنما احتاجوا إلى إمام لكونهم غير معصومين، ومحال أن تكون العلة ~~حاصلة والحاجة مرتفعة، لأن ذلك نقص العلة. # ولو احتاج إلى إمام لكان الكلام فيه كالكلام في الإمام ms146 الأول، وذلك يؤدي ~~إلى وجود أئمة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى إمام معصوم ليس من ورائه إمام، ~~وهو المطلوب. # وإنما قلنا " أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة " لأن الذي دلنا على الحاجة ~~[دلنا على جهة الحاجة. ألا ترى أن دليلنا] 1) في وجوب الرئاسة هو أن الفساد ~~تقل عند وجوده وانبساط سلطانه وتكثر الصلاح، وذلك لا يكون إلا ممن ليس ~~بمعصوم لأنهم لو كانوا معصومين لكان الصلاح شاملا أبدا والفساد مرتفعا، فلم ~~يحتج إلى رئيس يعلل ذلك. فبان أن علة الحاجة هي ارتفاع العصمة ويجب أن تكون ~~مرتفعة عن الإمام وإلا أدى إلى ما بينا فساده. # وليس يلزم على ذلك عصمة الأمراء والحكام وإن كانوا رؤساء، لأنهم إذا لم ~~يكونوا معصومين فلهم رئيس معصوم، وقد أشرنا إليه فلم ينتقض علينا. # والإمام لا إمام له ولا رئيس فوق رياسته، فلذلك وجب أن يكون معصوما. # فإن قالوا: الأمة أيضا من وراء الإمام متى أخطأ عزلته وأقامت غيره مقامه. PageV00P189 # قلنا: هذا باطل، لأن علة الحاجة إلى الرئيس ليست هي وقوع الخطأ بل هي ~~جواز الخطأ عليهم، ولو كان العلة وقوع الخطأ لكان من لم يقع منه الخطأ لا ~~يحتاج إلى إمام، وذلك خلاف الإجماع. ثم على ما قالوه كان يجب أن تكون الأمة ~~إمام الإمام، وذلك خلاف الإجماع. ومع هذا فلا يجوز أن يكون الشئ يحتاج إلى ~~غيره في وقت يحتاج ذلك الغير إليه بعينه، لأن ذلك يؤدي إلى حاجة الشئ إلى ~~نفسه، وذلك لا يجوز. # وكل علة تدعى في الحاجة إلى الإمام من قيامه بأمر الأمة وتولية الأمراء ~~والقضاة والجهاد وقبض الأخماس والزكوات وغير ذلك، فإن جميع ذلك تابع للشرع ~~وكان يجوز أن يخلو التكليف العقلي من جميع ذلك مع ثبوت الحاجة إلى إمام، ~~للعلة التي قدمناها. # فإن قيل: لو كانت علة الحاجة ارتفاع العصمة وجب أن يكون من هو معصوم لا ~~يحتاج إلى إمام يكون لطفا له في ارتفاع القبيح من جهة وإن احتاج إليه لعلة ~~أخرى غيرها من أخذ معالم ms147 الدين عنه وغير ذلك، كما نقوله في من هو أهل ~~للإمامة في زمن إمام قبله أنه يجب أن يكون معصوما وله إمام، لما قلناه من ~~العلة لا لتقليل القبيح أو ارتفاعه من جهته. # ويجب أن يكون الإمام أفضل من كل واحد من رعيته في كونه أكثر ثوابا عند ~~الله وفي الفضل الظاهر، يدل على كونه أكثر ثوابا ما بيناه من وجوب عصمته ~~وإذا ثبتت عصمته فكل من أوجب العصمة له قطع على كونه أكثر ثوابا، لأن أحدا ~~لا يفرق بين المسلمين. # وأيضا فالإمام يستحق من التعظيم والتبجيل وعلو المنزلة في الدين ما لا ~~يستحقه أحد من رعيته، وهذا الضرب من التعظيم والتبجيل لا يجوز أن تفضلا، ~~بدلالة أنه لا يجوز فعله بالبهائم والأطفال، وإذا وجب أن يكون مستحقا دل ~~على أنه أكثر PageV00P190 # ثوابا لأن التعظيم ينبي عنه. فإذا ثبتت عصمته على ما قدمناه قطعنا على ~~حصول هذه المنزلة عند الله من غير شرط، بخلاف ما شرطه في تعظيم بعضنا لبعض. # وأيضا فقد دللنا على أن الإمام حجة في الشرع، فوجب أن يكون أكثر رعيته ~~ثوابا كالنبي صلى الله عليه وآله، فإنه إنما وجب ذلك فيه لكونه حجة في ~~الشرع. # وأما الذي يدل على أنه يجب أن يكون أفضل في الظاهر ما نعلمه ضرورة من قبح ~~تقديم المفضول على الفاضل. ألا ترى أنه يقبح من ملك حكيم أن يجعل رئيسا في ~~الخط على مثل ابن مقلة ونظرائه من يكتب خطوط الصبيان والبقالين ويجعل رئيسا ~~في الفقه على مثل أبي حنيفة والشافعي وغيرهما. والعلم بقبح ذلك ضروري لا ~~يختلف العقلاء فيه، ولا علة لذلك إلا أنه تقديم المفضول على الفاضل فيما ~~كان أفضل منه فيه. وإذا كان الله تعالى هو الناصب للإمام يجب أن لا ينصب ~~إلا من هو أفضل في ظننا وعلمنا. # وإنما قلنا " إنه يجب أن يكون أفضل فيما هو إمام فيه " لأنه يجوز أن يكون ~~في رعيته من هو أفضل منه فيما ليس هو إمام فيه ككثير من الصنائع ms148 والمهن ~~وغير ذلك، والمعتبر كونه أفضل فيما هو إمام فيه. # وبذلك نجيب من قال: إن النبي صلى الله عليه وآله قدم عمرو بن العاص على ~~فضلاء الصحابة وقدم زيدا على جعفر [وهو أفضل منه وقدم خالدا أيضا على جعفر] ~~1). وذلك أن كل هؤلاء إنما قدموا في سياسة الحرب وتدبير الجيوش وهم أفضل في ~~ذلك ممن قدموا عليه، وإن كانوا أولئك أفضل في خصال دينية أو دنياوية، فسقط ~~الاعتراض. # ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل لعلة وعارض، لأن تقديمه عليه وجه قبح، ~~ومع حصول وجه القبح لا يحسن ذلك كما لا يحسن الظلم، وإن عرض فيه وجه من ~~وجوه الحسن - ككونه نفعا للغير - لأن مع كونه ظلما - وهو PageV00P191 # وجه القبح - لا يحسن على حال. ولو جاز أن يحسن ذلك لعلة لجاز أن يحسن ~~تقديم الفاسق المتهتك على أهل الستر والصلاح، وتقديم الكافر على المؤمن ~~لمثل ما قالوه، وذلك باطل. # ويجب أن يكون الإمام عالما بتدبير ما هو إمام فيه من سياسة رعيته والنظر ~~في مصالحهم وغير ذلك بحكم العقل. # ويجب أن يكون أيضا بعد الشرع عالما بجميع الشريعة، لكونه حاكما في ~~جميعها. يدل على ذلك أنه لا يحسن من حكيم من حكماء الملوك أن يولي وزارته ~~والنظر في مملكته من لا يحسنها أو لا يحسن أكثر من ذلك، ومتى فعل ذلك كان ~~مضيعا لمملكته واستحق الذم من العقلاء. وكذلك لا يحسن من أحدنا أن يوكل ~~انسانا على النظر في أمر ضيعته وأهله وولده وتدبير أموره من لا يعرف شيئا ~~منها أو أكثرها، ومتى فعل ذلك ذموه العقلاء وقالوا له: ضيعت أمر أهلك ~~وضيعتك والتولية في هذا الباب. بخلاف التكليف، لأن أحدا يحسن منه أن يعرض ~~ولده ليعلم العلوم وإن لم يحسنها ولا يحسن منه أن يجعله رئيسا فيها وهو لا ~~يحسنها. # فبان الفرق بينهما. # ولا يلزم إذا قلنا أنه يجب أن يكون عالما بما أسند إليه، أن يكون عالما ~~بما ليس هو إماما فيه كالصنائع وغير ذلك، لأنه ليس هو رئيسا ms149 فيها. ومتى وقع ~~فيها تنازع من أهلها ففرضه الرجوع إلى أهل الخبرة والحكم بما يقولونه. # وكل من ولي ولاية صغرت أو كبرت كالقضاء والإمارة والجباية وغير ذلك فإنه ~~يجب أن يكون عالما فيما أسند إليه ولا يجب أن يكون عالما بما ليس بمستند ~~إليه، لأن من ولي القضاء لا يلزم أن يكون عالما بسياسة الجند، ومن ولي ~~الأمارة لا يلزم أن يكون عالما بالأحكام، وهكذا جميع الولايات، ولا يلزم ~~أيضا أن يكون عالما بصدق الشهود والمقرين على أنفسهم، لأنه إنما جعل إماما ~~PageV00P192 # في الحكم بالظاهر دون الباطن. # وإنما يجب أن يكون الإمام عالما بما أسند إليه في حال كونه إماما، فأما ~~قبل ذلك فلا يجب أن يكون عالما. ولا يلزم أن يكون أمير المؤمنين عليه ~~السلام عالما بجميع الشرع في حياة النبي صلى الله عليه وآله، أو الحسن ~~والحسين عليهما السلام عالمين بجميع ذلك في حياة أبيهما، بل إنما يأخذ ~~المؤهل للإمامة العلم ممن قبله شيئا بعد شئ ليتكامل عند آخر نفس من الإمام ~~المتقدم عليه بما أسند إليه. # ولو جاز أن يعلم الإمام كثيرا من الأحكام ويستفتي العلماء لجاز أن لا ~~يعلم شيئا منها ويستفتيهم، وإلا فما الفرق. والمخالف يعتبر أن يكون من أهل ~~الاجتهاد. # ويدل أيضا على كونه عالما بجميع الشرع، أنا قد دللنا على كونه حافظا ~~للشرع، فلو لم يكن عالما بجميعه لجوزنا أن يكون وقع فيه خلل من الناقلين أو ~~تركوا بعض ما ليس الإمام عالما به، فيؤدي إلى أن لا يتصل بنا ما هو مصلحة، ~~ولا تنزاح علتنا في التكليف لذلك، وذلك باطل بالاتفاق. # ويجب أن يكون الإمام أشجع رعيته، لأنه فيهم والمنظور إليه، فلو لم يكن ~~أشجع لجاز أن ينهزم فينهزم بانهزامه المسلمون، فيكون فيه بوار المسلمين ~~والاسلام، فإذا يجب أن يكون أشجعهم وأربطهم جأشا وأثبتهم قلبا. غير أن هذا ~~يجب مع فرض العباد بالجهاد، فأما إن لم يكن متعبدا بالجهاد فلا يجب مع فرض ~~ذلك. # ويجب أن يكون الإمام أعقل رعيته، والمراد بالأعقل ms150 أجودهم رأيا و أعلمهم ~~بالسياسة. # ويجب أن يكون على صورة غير منهرة ولا مشينة، ولا يلزم أن يكون أحسن الناس ~~وجها. PageV00P193 # ويجب أن يكون منصوصا عليه، لما قدمناه من وجوب عصمته. ولما كانت العصمة ~~لا تدرك حسا ولا مشاهدة ولا استدلالا ولا تجربة ولا يعلمها إلا الله تعالى، ~~وجب أن ينص عليه ويبينه من غيره على لسان نبي، أن المعجز لا بد أن يظهر على ~~يده علما معجزا عليه بينة من غيره. غير أن المعجز لا بد أن يستند إلى نص ~~متقدم، لأن الإمام لا يعلم أنه إمام إلا ينص عليه نبي، فإذا نص عليه النبي ~~أو ادعى هو الإمامة جاز أن يظهر الله تعالى على يده علما معجزا، كما نقوله ~~في صاحب الزمان إذا ظهر، فصار النص هو الأصل. # فإن قيل: هلا جاز أن يكلف الله تعالى الأمة اختيار الإمام إذا علم الله ~~تعالى أن اختيارهم لا يقع إلا على معصوم، فيحسن تكليفهم ذلك. # قلنا: لا يعتبر بالعلم في ذلك، لأن علمه تعالى بأنهم لا يختارون إلا ~~المعصوم لا يكفي في حسن هذا التكليف، لأنه إذا لم يكن طريقا إلى الفرق بين ~~المعصوم وغيره وكلفوا اختيار المعصوم كان في ذلك تكليف لما لا دليل عليه، ~~وهو تكليف ما لا يطاق الذي بينا قبحه. ويلزم على ذلك اختيار الأنبياء ~~واختيار الشرائع إذا علم الله تعالى أنه لا يقع اختيارهم إلا على نبي وعلى ~~ما وهو مصلحة لهم، ويلزم حسن تكليف الإخبار عن الغائبات إذا علم أنهم ~~يخبرون بالصدق، وذلك باطل. # ومن ارتكب حسن ذلك كموسى بن عمران عليه السلام، قيل له: لم لا يكلف الله ~~تعالى اعتقاد معرفته ولم ينصب عليه دليلا إذا علم أنه يتفق لهم معرفته من ~~غير دليل. ويلزم حسن تكليف الإخبار عن المستقبل وإن لم يتعلق بالشرائع، ~~ومعلوم قبح ذلك ضرورة. # فإن قيل: لو نص الله تعالى على صفة وقال من كان عليها فاعلموا أنه معصوم ~~لكان يجوز أن يكلف الاختيار لمن تلك صفته. # قلنا: يجوز ms151 ذلك إذا كان هناك طريق إلى معرفة تلك الصفة، لأن هذا نص ~~PageV00P194 # على الجملة، والنص على الصفة يجري مجرى النص على الغير، ولأجل هذا نص ~~الله تعالى في الشرعيات على صفات الأفعال دون أعيان الأفعال، وكان ذلك ~~جائزا لأن العلة تنزاح به. # فعلى هذا لو كلف الله تعالى الأمة أن يختاروا من ظاهره العدالة ثم قال ~~لهم إن كان كذلك كان معصوما، والأمارات على العدالة ظاهرة منصوبة معلومة ~~بالعادة، فإن ذلك جائز، كما جاز تكليفنا تنفيذ الحكم عند شهادة الشهادتين ~~إذا ظننا عدالتهم ويكون تنفيذ الحكم معلوما وإن كانت العدالة مظنونة، وكذلك ~~كون المختار معصوما يكون معلوما إذا اخترنا من ظاهره العدالة، وذلك لا ~~ينافي النص والمعجز. # ويمكن مثل هذا الترتيب في اعتبار كثرة الثواب وكونه أفضل عند الله تعالى، ~~لأنه لا يعلم ذلك إلا الله كالعصمة فلا بد أن ينص عليه أو يظهر معجزا. # ويمكن أن يعرف أعيان الأئمة بضرب من التقسيم، بأن يقول إذا ثبت وجوب ~~الإمامة والأمة في ذلك بين أقوال ثلاثة مثلا فيفسد القسمين منها فيعلم صحة ~~القسم الآخر على ما سنبينه في أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة من بعده، ~~ولا يحتاج مع ذلك إلى نص ولا معجز. # غير أن هذا إنما إذا كانت الأحوال على ما هي عليه في شرعنا، ويمكن أن ~~يقال قول من قال بإمامة من ثبتت إمامته لا بد أن يستند إلى دليل، لأنه لا ~~بد أن يكون صادرا عن دليل، فهو إما أن يكون نصا أو معجزا، فقد عاد الأمر ~~إلى ما قلناه. # فإن قيل: كيف تدعون وجوب النص أو المعجز، ومعلوم أن الصحابة لما حاجوا في ~~الإمامة فكل طلبه من جهة الاختيار ولم يقل أحد أنه لا تثبت الإمامة إلا ~~بالنص أو المعجز. PageV00P195 # قيل: لم نسلم ذلك بل نحن نبين أنهم اختلفوا في نفس الاختيار أيضا فيما ~~بعد، ولو سلمنا لكان إنكارهم واختلافهم في غير المختار، ويحتمل أن يكون ~~إنكارا لنفس الاختيار ويحتمل أن يكون لغيره، وإذا احتمل أمرين سقط ms152 السؤال. ### ||| الكلام في ذكر أعيان الأئمة (عليهم السلام) # الإمام بعد النبي صلى الله ~~عليه وآله بلا فصل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. يدل على ذلك ~~أنه إذا ثبت بما قدمناه من الدلالة أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على ~~عصمته فالأمة بين قائلين: فكل من قال شرط الإمام العصمة قطع على أن الإمام ~~بعد النبي علي عليهما السلام، ومن خالف في إمامته خالف في أن من شرط الإمام ~~أن يكون معصوما، وليس فيهم من قال الإمام يجب أن يكون معصوما وقال الإمام ~~غيره، فالقول بذلك خروج عن الإجماع، ومتى نازعوا في أن من شرط الإمام ~~العصمة كلموا بما تقدم. # فإن قيل: ومن أين تعلمون أن عليا عليه السلام معصوم. # قلنا: إذا ثبت أنه الإمام بالاعتبار الذي ذكرناه قطعنا على عصمته، لما ~~ثبت من أن الإمام يجب أن يكون معصوما. # فإن قيل: فقد صرتم لا تعلمون عصمته إلا بعد أن تعلموا إمامته، ولا تعلموا ~~إمامته إلا بعد أن تعلموا عصمته، فقد بنيتم كل واحد منهما على صاحبه، فلا ~~يصح أن تعلموا واحدا منهما. # قلنا: ليس الأمر على ذلك، لأنا إنما علمنا إمامته بطريقة القسمة، إذ ~~بنينا على أن من شرط الإمام أن يكون معصوما على الجملة - أي إمام كان ولم ~~نعينه - فإذا علمنا بذلك إمامته علمنا عصمته على التعيين، والكلام في ~~الجملة PageV00P196 # غير الكلام في التعيين. ومثل ذلك إذا علمنا أن من شرط النبي أن يكون ~~معصوما في الجملة ثم علمنا نبوة نبي بعينه قطعنا على عصمته. # ولك أن ترتب على وجه آخر فنقول: إذا ثبت أن من شرط الإمام أن يكون معصوما ~~ووجدنا الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله بين ثلاثة أقوال: [قائل يقول ~~بإمامة أبي بكر] 1)، وقائل يقول بإمامة العباس، وقائل يقول بإمامة علي عليه ~~السلام. ولا قول رابع يعرف، وكل من قال بإمامة أبي بكر أو بإمامة العباس لم ~~يجعل من شرط الإمامة العصمة، فينبغي أن نسقط قول الفريقين ويبقي قول ~~القائلين بإمامة ms153 علي، وإلا خرج الحق عن الأمة وذلك لا يجوز. # ولك أن ترتب مثل هذا في كونه أكثر ثوابا عند الله، ولا أحد من الأمة يقطع ~~على أن أبا بكر أو العباس أكثر ثوابا عند الله، لأن القائلين بكون أبي بكر ~~أفضل يقولون إنه أفضل في الظاهر وعلى غالب الظن، فأما على القطع والثبات ~~عند الله فليس بقول لأحد، ومتى نازع فيه منازع دللنا على أن عليا عليه ~~السلام أفضل الصحابة ليسقط خلافه. # ولك أن ترتب مثل ذلك في كونه أعلم الأمة بالشرع وتقول: إذا ثبت أن من شرط ~~الإمام العلم بجميع أحكام الشريعة فليس في الأمة من يذهب إلى إمامة من هو ~~أعم الأمة وأنه عالم بجميع أحكام الشرع إلا القائلون بإمامة علي عليه ~~السلام، لأن القائلين بإمامة أبي بكر لا يدعون فيه ذلك وإنما يقولون هو من ~~أهل الاجتهاد، وكذلك القائلون بإمامة العباس، بل ليس عندهم من شرط الإمام ~~أن يكون أعلم الأمة. # وهذه طرق عقلية اعتبارية لا يمكن إفسادها إلا بالمنازعة في الأصل الذي ~~بني عليه، والخلاف في ذلك يكون كلاما في مسألة أخرى. PageV00P197 # دليل من القرآن على إمامته (عليه السلام) ويدل أيضا على الإمام بعد النبي ~~عليه السلام قوله تعالى " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " 1). # ووجه الاستدلال من الآية أن معنى " وليكم " في الآية من كان مستحقا للأمر ~~وأولى القيام به وتجب طاعته، وثبت أيضا أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " أمير ~~المؤمنين عليه السلام، وإذا ثبت الأمران ثبتت إمامته عليه السلام. # وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أولها أن لفظة " ولي " تفيد الأولى في ~~اللغة. وثانيها أن المراد بها في الآية ذلك. وثالثها أن المراد ب‍ " الذين ~~آمنوا " أمير المؤمنين دون غيره. # والدليل على الأول - استعمال هذه اللفظة في اللغة، لأنهم يقولون " فلان ~~ولي المرأة " إذا كان أولى بالعقد عليها، و " فلان ولي الدم " إذا كان له ~~المطالبة بالقود والدية أو العفو ويقولون " فلان ولي عهد المسلمين " للمرشح ~~للخلافة. ms154 وقال الكميت: # ونعم ولي الأمر بعد وليه * ومنتج التقوى ونعم المؤدب ويعني بالولي الأولى ~~بالقيام بالأمر وتدبيره. وقال المبرد: الولي هو الأحق، والمولى والأولى ~~عبارة عن شئ واحد. # والدليل على أن المراد في الآية ذلك أنه إذا ثبت أن المراد ب‍ " الذين ~~آمنوا " من كان مؤتيا للزكاة في حال الركوع، لأنه تعالى لما وصفه بالإيمان ~~وصفه بإيتاء الزكاة في حال الركوع، فيجب أن يراعى ثبوت الصفتين، وقد علمنا ~~أن أحدا لم يعط الزكاة في حال الركوع غير علي عليه السلام، فوجب PageV00P198 # أن يكون هو المعني بها دون غيره. # وأيضا فإنه تعالى نفى أن يكون وليا غير الله ورسوله والذين آمنوا بلفظة " ~~إنما "، وهي تفيد تحقيق ما ذكر ونفي الصفة عمن لم يذكر، بدلالة قولهم. # " إنما لك عندي درهم " يريدون ليس لك عندي إلا درهم، ويقولون " إنما ~~النحويون المدققون البصريون " يريدون نفي التدقيق عن غيرهم، ويقولون " إنما ~~الفصاحة في الجاهلية " يريدون نفي الفصاحة عن غيرهم. وقال الأعشى: # ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العبرة للأكاثر وإنما أراد نفي العبرة عمن ~~ليس بكاثر. # وإذا ثبت [أن المراد بالولاية التخصيص ثبت] 1) ما أردناه من معنى الإمامة ~~والتحقيق بالأمر، لأن ولاية المحبة والموالاة الدينية عامة في جميع الأمة ~~للاجماع عليه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض. # والذي يدل على أن المراد ب‍ " الذين آمنوا " علي عليه السلام أمران: # أحدهما - أنه إذا ثبت أن المراد بالولي الأولى والأحق، فكل من قال بذلك ~~قال هي متوجهة إليه عليه السلام، لأن من خالف في ذلك حملها على الموالاة في ~~الدين لجميع المؤمنين. # والثاني - أنه قد ورد الخبر من طريق العام والخاص بنزول الآية فيه عليه ~~السلام عند تصدقه بخاتمه في حال الركوع، والقصة في ذلك مشهورة 2). # فإذا ثبت أنه المختص بالآية ثبتت إمامته دون غيره، [لأن كل من قال إن ~~الآية تفيد الإمامة قال هو المخصوص دون غيره] 3)، ومن قال الآية نزلت في PageV00P199 # عبادة بن الصامت فالكلام عليه من وجهين: # أحدهما: إن هذه رواية شاذة أكثر الأمة يدفعها، وما ms155 قلناه في نزولها فيه ~~مجمع عليه. # والثاني: أنه روي أن عبادة كان محالفا لليهود، فلما أسلم قطعت اليهود ~~محالفته، فاشتد ذلك عليه فأنزل الله تعالى فيه الأية تسلية له وتقوية ~~لقلبه. # ومن قال: إن الآية نزلت في أقوام كانوا في الصلاة في الركوع وأرادوهم ~~راكعون في الحال لا أنهم آتوا الزكاة في حلال الركوع وإنما أراد أن ذلك ~~طريقتهم وهم في الحال راكعون. فقوله باطل، لأنه ذلك يخالف العربية ووجه ~~الكلام، لأن المفهوم من قول القائل " يستحق المدح من جاد بماله وهو ضاحك " ~~و " فلان يغشى لإخوانه وهو راكب " معنى الحال، وكذلك لو قال " لقيت فلانا ~~وهو يأكل " لم يعقل منه إلا لقاؤه في حال الأكل. # على أنه لو حمل على ما قالوه لكان ذلك تكرارا، لأن قوله " ويقيمون الصلاة ~~" دخل فيه الركوع فلا معنى لتكرير قوله " وهم راكعون "، لأنه عبث. # على أن هذا القول لم يقله أحد غير الجبائي ولا ذكره أحد من أصحاب ~~الأخبار، لأن الآية لو كانت في قوم معينين لنقل وسطر، وفي تعري الأخبار من ~~ذلك دليل على أن ذلك لا أصل له. # فإن قيل: حمل لفظ " الذين " على الواحد مجاز، وحمل قوله " ويؤتون الزكاة ~~" في الحال مجاز آخر لأن حقيقتها الاستقبال، فلم لا يجوز أن يحمل على مجاز ~~واحد. # فنقول: المراد من صفتهم إيتاء الزكاة ومن صفتهم أنهم راكعون، ولا يجعل ~~إحدى الصفتين حالا للأخرى. # قلنا: أما لفظ " الذين " وإن كان لفظ جمع فقد صار بعرف الاستعمال ~~PageV00P200 # يعبر به عن واحد معظم له، ولذلك نظائر كقوله " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون " 1) وقوله " إنا أرسلنا " 2) و " لقد أرسلنا " 3) وغير ذلك من ~~الألفاظ. # وقال أهل التفسير: إن قوله تعالى " الذين قال لهم الناس " 4) المراد به ~~واحد معروف. # وأما لفظ " يؤتون " فمشترك بين الحال والاستقبال، وإنما يختص بالاستقبال ~~بدخول السين أو سوف عليه، وهي بالحال أشبه، لأنهم يقولون " مررت برجل " ~~يقوم " كما يقولون " مررت برجل قائم "، ولو تساويا لكان الحمل على كل واحد ~~منهما حقيقة ولم ms156 يكن مجازا. # على أن من مذهب من خالفنا من أهل العدل أن الله كان ولا شئ ثم أحدث ~~الذكر، فعلى هذا حمل الآية على الاستقبال حقيقة. # على أن مجازنا له شاهد في الاستعمال ومجازهم لا شاهد له في عرف ولا لغة، ~~يؤدي أيضا إلى أن لا نستفيد بالآية شيئا، لأن الموالاة الدينية معلومة ~~بغيرها. # على أن الخصوص في قوله تعالى " والذين آمنوا " لا بد منه، لأنه لو حمل ~~على العموم لأدى إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه، فإذا لا بد أن ~~يكون المراد بقوله " وليكم " غير المراد بقوله " والذين آمنوا " ليستقيم ~~الكلام. # وإذا وجب تخصيص الآية فكل من خصصها حملها على من قلناه دون غيره. # وليس لأحد أن يقول: المراد بالركوع في الآية الخشوع والخضوع PageV00P201 # دون الركوع في الصلاة، وذلك أن المعروف في اللغة من معنى الركوع هو ~~التطأطؤ المخصوص وشبه به الخضوع والخشوع، وقد نص على ذلك أهل اللغة، أنشد ~~صاحب كتاب العين للبيد: # أخبر أخبار القرون التي مضت * أدر كأني كلما قمت راكع وقال صاحب الجمهرة: ~~الراكع الذي يكبو لوجهه، ومنه الركوع في الصلاة. فإذا كانت الحقيقة ما ~~قلناه فلا يجوز حملها على المجاز. # وليس إعطاء الخاتم في الصلاة فعلا يفسد الصلاة، لأنه لا خلاف أن الفعل ~~اليسير مباح. وأيضا فقد مدح الله تعالى والنبي " ص " على ذلك، فلو كان نقصا ~~لما مدحاه بذلك. # وقول من قال: أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجب عليه زكاة لقلة ذات ~~يده فكيف يحمل على ذلك. باطل، لأنه لا يمتنع أن يملك عليه السلام أول نصاب ~~من المال نحو مائتي درهم، لأن من ملك ذلك لا يسمى غنيا، فلا وجه لاستبعاد ~~ذلك. # ويجوز أن يكون المراد زكاة التطوع، وليس في الآية أنه زكاة فرض دون ~~التطوع. والنية بدفع الزكاة لا بد منها، وهي لا تنافي الصلاة، لأنها من ~~أفعال القلوب لا تؤثر في الصلاة. # وليس لأحد أن يقول: لو اقتضت الآية الإمامة لوجب أن يكون إماما في الحال. ms157 ~~وذلك أنا قد بينا أن المراد بالآية فرض الطاعة وقد كان له ذلك في الحال، ~~[فلا يمكن ادعاء الإجماع على خلافه. ولو اقتضى الإمامة في الحال] 1) ~~لاقتضاها فيما بعد إلى حين وفاته، فإذا قام الدليل على أنه لم يكن إماما في ~~الحال ثبت ما بعد النبي صلى الله عليه وآله. PageV00P202 # وليس لأحد أن يقول: هل حملتموها على بعد عثمان. وذلك أن هذا يسقط ~~بالاجماع، لأن أحدا لم يثبت له الإمامة بعد عثمان من دون ما قبلها بالآية ~~بل أثبتوا الإمامة بالاختيار، ومن أثبت إمامته في تلك الحال بالنص في الآية ~~وغيرها أثبتها له أيضا بعد النبي بلا فصل، فالفرق بين الأمرين خلاف ~~الإجماع. # دليل آخر على إمامته (عليه السلام) ومما يدل على إمامته عليه السلام بعد ~~النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل ما تواترت به الشيعة ونقلته مع كثرتها ~~وانتشارها في البلاد واختلاف آرائها ومذاهبها وتباعد ديارها واختلاف هممها ~~خلفا عن سلف إلى أن تصل بالنبي عليه السلام أنه قال: " علي إمامكم " و " ~~خليفتي عليكم من بعدي " 1) و " سلموا عليه بإمرة المؤمنين " 2). وغير ذلك ~~من الألفاظ الصريحة التي لا تحمل التأويل وأنهم علموا من قصده ضرورة أنه ~~أراد استخلافه من بعده بلا فصل. # فلا يخلو أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فإن كانوا صادقين فقد ثبتت إمامته ~~على ما قلناه، وإن كانوا كاذبين لم يخل كذبهم من أمور: إما أن يكون اتفق ~~لهم الكذب فوضعوه أو تواطؤا عليه إما باجتماع وموافقة أو بمكاتبة ومراسلة، ~~أو حصل فيه ما يجري مجرى التواطؤ، أو حصل أحد هذه الأسباب في الوسائط التي ~~بيننا وبين النبي عليه السلام، أو كان القائل به في الأصل واحدا ثم انتشر ~~القول وكثر معتقدوه، فإذا ثبت جميع ذلك دل على أن الخبر متصل. # ولا يجوز أن يكون اتفق لهم الكذب فوضعوه، لأن ما هم عليه من الكثرة PageV00P203 # يمنع من جواز ذلك عليهم، لأن العلم باستحالة خبر واحد عن شئ واحد من ~~الخلق الكثير على وجه أحد من غير ms158 تواطئ مستحيل في العادة. ألا ترى أنه ~~يستحيل من جماعة من الشعراء أن يتواردوا في قصيدة واحدة في معنى واحد وغرض ~~واحد وقافية واحدة وروي واحد، ويجري ذلك مجرى استحالة اجتماعهم على طعام ~~واحد وزي واحد. وإذا كان ذلك مستحيلا في العادة وجب المنع منه. # وليس الكذب في هذا الباب يجري مجرى الصدق، لأن الصدق يجوز أن يتفق من ~~الخلق الكثير من غير تواطئ، لأن العلم بكونه صدقا داع إلى نقله، وليس كذلك ~~الكذب، لأن العلم بكونه كذبا صارف عن نقله، فيحتاج إلى داع غير ذلك يحمل ~~على نقله. ولا يجوز أن يكونوا تواطؤا عليه، لأن ذلك مستحيل منهم، لتباعد ~~ديارهم وانتشارهم في الأرض، ولو تواطؤا بالاجتماع لما خفي ولعلم في أوجز ~~مدة. # وكذلك يستحيل منهم المراسلة والمكاتبة لأن أكثرهم لا يتعارفون وصحة ~~المراسلة فرع على التعارف، وإذا كانوا لا يتعارفون فكيف يصح منهم المكاتبة ~~ولو صح أيضا لكان يجب أن يظهر في أوجز مدة، بذلك قضت العادات وحكم الاعتبار ~~ولو ظهر لعلم. # وأما ما يجري مجرى التواطؤ فهو إما رغبة في الدنيا أو رهبة، وكلاهما ~~منفيان عمن ادعى له النصر، لأنه لو لم يكن له دينا فيطمع فيها فيكذب له ~~بالنص ولم يبسط يده فيخاف منه فيدعو ذلك إلى وضع النص، بل الدواعي كلها إلى ~~كتمانه وجحده والصوارف عن نقله وإظهاره، فكيف يكون هناك ما يجري مجرى ~~التواطؤ. # ولو كان ذلك ممكنا لما دعاهم إلى وضع فضيلة بعينها، بل كان يدعو ~~PageV00P204 # الناس إلى وضع فضيلة غير الذي يدعو عليها الآخر، لأن الاتفاق في مثل ذلك ~~مستحيل في العادة على ما بيناه. # ولو كان أحد هذه الأشياء حصل في الوسائط الذين بيننا وبين النبي عليه ~~السلام لعلم ذلك، كما لو كان في الطرف الذي بيننا لعلم. ولو كان الأصل فيهم ~~واحدا ثم انتشر لعلم الوقت الذي حدث فيه ومن المحدث له وما الذي دعاه إليه، ~~كما علم سائر المذاهب الحادثة بعد استقرار الشرع، كمذهب الخوارج والمعتزلة ~~والجهمية والكلابية والنجارية وغير ms159 ذلك من الفرق، وكما علم فقه أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأنه لم يتقدمهم أحد قال به على ما ذهبوا إليه وجمعوه، فكان ~~يجب أن يعلم النص مثل ذلك ومن القائل به، وإذا لم يعلم ذلك دل على أنه ~~متصل. # وقولهم: إنه علم ذلك وإنه وضعه في هشام بن الحكم وابن الراوندي. # باطل، لأن القائلين بالنص كانوا قبل هشام وكتبهم معروفة في ذلك، وأما ابن ~~الراوندي فهو متأخر كثيرا وشيوخ الإمامية قبله معروفون، ولو كان الأمر على ~~ما قالوه لما حسن مكالمتهم كما لا يحسن مكالمة من يحدث مقالة فيقول بإمامة ~~ابن مسعود وأبي هريرة أو غير ذلك، لأن الإجماع سبقهم فلا يلتفت إليه، وفي ~~حسن مكالمتهم لنا ووضعهم الكتب علينا دليل على فساد قولهم هذا فإن قيل: لو ~~كان هذا النص صحيحا لعلم صحته ضرورة كما علمت هجرة النبي صلى الله عليه ~~وآله إلى المدينة، وكما علم أن في الدنيا مكة وبلد الروم وغير ذلك من أخبار ~~البلدان. # قلنا: ليس العلم بمجرد الإخبار عندنا ضرورة، بل هو مكتسب عند أكثر ~~أصحابنا، وعند قوم أنه مشكوك فيه. فأما العلم بالنص فمستدل عليه قطعا ويجري ~~العلم به كالعلم بمعجزات النبي عليه السلام التي هي سوى القرآن، وليس إذا ~~PageV00P205 # إذا لم يعلم باقي المعجزات - كما علمنا البلدان والوقائع - وجب القطع على ~~بطلانها لكونها معلومة بالاستدلال، وكذلك النص إذا لم يكن معلوما بالضرورة ~~وكان معلوما بالاستدلال لم يجب القطع على بطلانه. # على أن العلم بالبلدان والوقائع لم يمتنع أن يكون حصل لما لم يقابل وأتوا ~~به بالتكذيب ولم يعرض فيه ما عرض في النص، فسلم نقله فحصل العلم به. والنص ~~بخلاف ذلك، لأنه عرض في نقله وانتهازه موانع ولقي راويه بالتكذيب واعتقد ~~ضلالته وخطأوه ويدعي في روايته، فكيف يحصل العلم مع هذه الموانع. # وهكذا الجواب إذا قالوا: لم لا يعلم النص كما علمنا الصلوات الخمس والحج ~~إلى الكعبة وصوم شهر رمضان وغير ذلك من أركان الشرائع. لأن الأسباب التي ~~عرضت في الإمامة لم تعرض ms160 في شئ من العبادات، فسلم نقله فحصل العلم به، ولما ~~عرض ما قلناه في النص غمض طريق العلم به. # وليس لأحد أن يقول: قد ادعيتم حصول موانع من نقل النص فما دليلكم عليها؟. # قلنا: لا خلاف أن النص عقد الأمر على خلاف متضمنه وإن اعتقد في ناقله أنه ~~ضال مبتدع ولقوا بالتكذيب، ويزيد المخالف على ذلك ويقول: هذا هو الواجب ~~فكيف يمكن أن يدعى أنه لم يكن هناك صارف. # على أن ههنا أمورا كثيرة في الشرع منصوصا عليها وليس العلم بها كالعلم ~~بما ذكروه من العبادات. ألا ترى أن صفات الإمام وعدد العاقدين وكونه من ~~قريش، كل ذلك طريقه النص ومع هذا العلم به كالعلم بما قالوه، وكذلك العلم ~~بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله التي هي سوى القرآن ليست مثل العلم ~~بالقرآن وبأصول الشريعة، فكيف تسوى بين المنصوصات PageV00P206 # عليها في الشرع على اختلاف طرقها وغموض بعضها وظهور بعض، وهل يكون من سوى ~~بين الكل في كيفية العلم إلا غير منصف متحامل متعصب، وذلك لا يليق ~~بالعلماء. # فإن قيل: يلزم على هذه الطريقة قول البكرية والعباسية إذا ادعوا النص ~~لأصحابهما وادعوا مثل ما ادعيتم بعينه، وإلا فما الفرق؟ # قلنا: الفرق بيننا وبين هؤلاء: إن الشيعة معروفون وعلماءهم كثيرون ولهم ~~كتب مصنفة ومقالات ظاهرة، وليس كذلك البكرية، لأنا لم نشاهد قط بكريا ولا ~~عباسيا، ولسنا نعني بالبكرية من ذهب إلى إمامة أبي بكر بل نريد من ادعى ~~النص عليه. وأيضا هذا حكاية عن بعض من تقدم يعرف ببكر بن أخت عبد الواحد، ~~فنسبوا إليه ولم ينسبوا إلى أبي بكر، والقائلون بإمامة أبي بكر من علماء ~~الأمة يذهبون إلى إمامته بالاختيار والاجماع الذي يدعونه، وليس منهم من ~~يقول كان منصوصا عليه كما يقوله الشيعة في علي عليه السلام. # وأما القائلون بإمامة العباس فلا يعرف واحد منهم أصلا، ولولا أن الجاحظ ~~حكى هذه المقالة وصنف فيهم كتابا وإلا ما كان يعرف هذا القول لا قبله ولا ~~بعده. # على أن ما دللنا به على ms161 أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته، يبطل ~~هذين القولين، لأنهما لا يدعيان ذلك لأصحابهما على ما بيناه. على أنه قد ~~ظهر منهما ومن غيرهما من الصحابة ما يدل على أنهما لم يكونا منصوصا عليهما، ~~فروي عن أبي بكر لما احتج على الأنصار يوم السقيفة قال " الأئمة من قريش " ~~ولو كان منصوصا عليه لقال أنا منصوص علي فأين يذهب بكم. # ولا يلزمنا مثله في أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه أولا لم يحضر الموضع ~~فيحتج وثانيا أن الفريقين قصدوا إلى أن يدفعوا الأمر عنه فكيف يحتج عليهم، ~~وربما PageV00P207 # ادعوا نسخ الخبر أو جحدوه وكانت تكون البلية العظمى. وليس يدعي المخالف ~~مثل ذلك، لأنهم يقولون كان الموضع موضع بحث واحتجاج. # فعلى قولهم كان يجب أن يذكر النص على نفسه. # ومنها أنه قال للأنصار " بايعوا " أي أحد هذين شئتم يعني أبا عبيدة ~~الجراح وعمر، ولو كان منصوصا عليه لما جاز ذلك. # ومنها قوله " أقيلوني " ولو كان منصوصا عليه لما جاز منه استقالتهم. # ومنها ما روي أنه قال عند موته: ليتني كنت سألت رسول الله هل للأنصار في ~~هذا الأمر نصيب فكنا لا ننازعهم. ولا يتمنى مثل هذا من يعلم أنه منصوص ~~عليه. # ومنها قول عمر لأبي عبيدة " أمدد يدك أبايعك "، ولو كان أبو بكر منصوصا ~~عليه لما قال ذلك. # ومنها قوله " كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها ~~فاقتلوه ". # ومنها قوله حين قيل له: استخلف، قال: إن استخلف فقد استخلف من هو خير مني ~~- يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله. # ومنها أن جميع ما يدعى من النص عليه لا دلالة فيه لكونه خبر واحد وأنه ~~ليس في تصريحه ولا فحواه دلالة النص، وقد ذكرنا الوجه في جميع ذلك في تلخيص ~~الشافي وشرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. # وكذلك ما تتعلق به العباسية قد بينا الوجه فيه. على أن العباس دعا أمير ~~المؤمنين عليه السلام إلى مبايعته وقال له: ms162 أمدد يدك أبايعك فيقول الناس ~~بايع عم رسول الله ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان. ولو كان منصوصا عليه لما ~~قال ذلك. PageV00P208 # فإن قيل: إذا كان هو عالما بأن عليا منصوص عليه فلم أراد مبايعته؟ # قلنا: أراد أن يحتج عليهم من الطريق الذي سلكوه، لأنهم طلبوا الإمامة من ~~جهة الاختيار والبيعة دون النص فأراد أن يحتج عليهم بما أقروا به وعلموه ~~دون ما لم يذكروه. # ومتى قال: إنه أولى بالمقام لأنه عمه والعم وارث. باطل، لأن الإمامة ليست ~~مورثة بلا خلاف لأنها تابعة للمصالح كما أن البيعة مثل ذلك. # فإن قيل: لو كان أمير المؤمنين منصوصا عليه لوجب أن يحتج به وينكر على من ~~دفعه بيده ولسانه، ولما جاز أن يصلي معهم ولا أن ينكح سبيهم ولا يأخذ فيئهم ~~ولا يجاهد معهم، وفي ثبوت جميع ذلك دليل على بطلان ما قلتموه. # قلنا: المانع لأمير المؤمنين عليه السلام من الاحتجاج بالنص عليه الخوف ~~بما ظهر له من الإمارات التي بانت له من إقدام القوم على طلب الأمر ~~والاستبداد به واطراح عهد الرسول مع قرب عهدهم به وعزمهم على إخراج الأمر ~~عن مستحقه، فأيسه ذلك من الانتفاع بالحجة وخاف أن يدعو النسخ لوقوع النص، ~~فتكون البلية به أعظم والمحنة به أشد، ولا يتبين لكل أحد أن نسخ الشئ قبل ~~فعله لا يجوز. # وربما ادعوا أيضا أن ما ذكروا من النص لا أصل له فتعظم البلية، لأن النص ~~الجلي لم يكن بمحضر الجمهور بل كان بمحضر جماعة لو نقلوه لا نقطع بنقلهم ~~الحجة، فلو جحدوه لدخلت الشبهة على الباقين. # وأما ترك النكير عليهم باليد فلأنه لم يجد ناصرا ولا معينا، ولو تولاه ~~بنفسه وخواصه لربما أدى إلى قتله وقتل أهله وخاصته، فلذلك عدل عنه، وقد بين ~~عليه السلام ذلك بقوله: أما والله لو وجدت أعوانا لقاتلتهم. وقوله بعد بيعة ~~PageV00P209 # الناس له ونكث أهل البصرة بيعته: والله لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما ~~أخذ الله على أوليائه أن لا يقروا على كظة ظالم أو ms163 شغب مظلوم لا لقيت حبلها ~~على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم عندي أهون على من ~~عفطة عنز. # فبين أصحابه عليه السلام قابل من قابل أهل البصرة وغيرهم لقيام الحجة ~~عليه بحضور الناصر، وكان في ذلك بيان أنه لم يقاتل الأولين لعدم الناصر، ~~فلو قاتلهم لربما أدى إلى ارتداد أكثرهم وفي ذلك بوار الاسلام، وقد بين ذلك ~~في خطبته بقوله: لولا قرب عهد الناس بالكفر لقاتلتهم. # فأما الانكار باللسان فقد أنكره في مقام بعد مقام بحسب الحال من القوة ~~والضعف، نحو قوله عليه السلام: لم أزل مظلوما منذ قبض رسول الله " ص ". # وقوله: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقي ومنعوني إرثي. # وقوله: اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم ظلموني في الحجر والمدر. # وقوله: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل ~~القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير - إلى آخر الخطبة. ~~وذلك صريح بالانكار والتظلم على من منعه حقه. # فأما الصلاة خلفهم فإنه عليه السلام كان يصلي معهم في مسجد رسول الله لا ~~مقتديا بهم بل لنفسه وإن كان يركع بركوعهم ويسجد بسجودهم، وذلك ليس بدليل ~~الاقتداء بلا خلاف. # فأما الجهاد مع القوم فلا يمكن أحد يدعي أنه جاهد معهم أو سار تحت رايتهم ~~وإنما روي أنه قاتل أهل الردة دفاعا عن المدينة وعن حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لما دنوا منها، وإن كان ذلك أيضا شاذا لا يعرف في السير، ولو صح ~~لكان ذلك واجبا عليه وعلى كل أحد بحكم العقل والشرع وإن لم يكن هناك من ~~يقتدى به. PageV00P210 # فأما أخذه من فيئهم فإنما كان يأخذ بعض حقه، ومن له حق له أن يتوصل إلى ~~أخذه بجميع الوجوه، ولم يكن يأخذ من أموالهم ولا من أموال المسلمين. # وأما نكاح سبيهم فقد اختلف في ذلك، فروى قوم أن النبي عليه السلام كان ~~وهب له الحنفية فاستحل فرجها بقوله، وقال آخرون أسلمت فتزوجها أمير ~~المؤمنين " ع " وقال قوم اشتراها ms164 فأعتقها ثم تزوجها. فكل ذلك ممكن. # على أن سبي أهل الضلال يجوز أن يشترى ويحل وطؤ الفرج بذلك، لأن المراعى ~~استحقاق المسبي بالسبي ولا اعتبار بالسابي، ولذلك يجوز شراء ما يسبيه ~~الكفار من دار الحرب وإن أغار بعضهم على بعض أو يسرقونه، وهذا يسقط السؤال. # فإن قيل: لو كان النص عليه صحيحا لما جاز له الدخول في الشورى ولا الرضا ~~به، لأنها باطلة على مذهبكم. # قيل: لأصحابنا على ذلك أجوبة: # أحدها: أنه إنما دخل فيها تقية وخوفا، ولو لم يدخلها لقتل، إنما يمتنع ~~ذلك لتوهم أن الحق لك فحمله على الدخول فيها ما حمله على البيعة للمتقدمين. # والثاني: أنه إنما دخلها ليتمكن من إيراد حججه وفضائله ونصوصه، لأنه أورد ~~في ذلك اليوم جل مناقبه، ولو لم يدخلها لما أمكنه ذلك، فدخلها ليؤكد الحجة ~~عليهم. # والثالث: أنه إنما دخلها تجويزا لأن يختارونه فيتمكن من القيام بالأمر، ~~ومن له حق له أن يتوصل إليه بجميع الوجوه. # فإن قيل: لو كان منصوصا عليه لكان دافعه ضالا مخطئا، وفي ذلك تضليل أكثر ~~الأمة ونسبتهم إلى معاندة الرسول واطراح أمره، وذلك منفي عن الصحابة ~~PageV00P211 # قلنا: لا نقول إن جميع الصحابة دفعوا النص مع علمهم بذلك، وإنما كانوا ~~بين طبقات: منهم من دفعه حسدا وطلبا للأمر، ومنهم من دخلت عليه الشبهة فظن ~~أن الذي دفعوه لم يدفعوه إلا بعهد عهد الرسول " ع " وأمر عرفوه ومنها أنه ~~لما روي لهم قوله " الأئمة من قريش " ظنوا أن الأخذ باللفظ العام أولى من ~~الخاص فتركوا الخاص وعملوا بالعام، وبقي قوم على الحق متمسكين بما هم عليه ~~[فلم يمكنهم مخاصمة الجمهور ولا مخالفة الكل فبقوا متمسكين بما هم عليه] ~~1)، قصاراهم أن ينقلوا ما علموه إلى أخلاقهم، فلا يجب من ذلك نسبة الأكثر ~~إلى الضلال. # على أن الله تعالى أخبر عن أمة موسى وهم أضعاف أمة النبي عليه السلام ~~أنهم ارتدوا حتى مضى موسى إلى ميقات ربه وعبدوا العجل مع مشاهدتهم لفلق ~~البحر وقلب العصا حية واليد البيضاء وغير ذلك من ms165 المعجزات الباهرات، وما ~~غاب عنهم موسى إلا أياما قلائل، فكيف يتعجب من طائفة قليلة تدخل عليهم ~~الشبهة ويندفع قوم منهم لدفع الحق، وقد قال الله تعالى " ومن آمن وما آمن ~~معه إلا قليل " 2) وقال " ولكن أكثرهم لا يعلمون " 3)، " ولكن أكثرهم للحق ~~كارهون " 4)، وقال " وقليل من عبادي الشكور " 5)، فلم يذكر الكثير إلا ذمه ~~ولم يذكر القليل إلا مدحه. # فأين التعجب من ذلك وقد قال الله تعالى " وما محمد إلا رسول قد خلت PageV00P212 # من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " 1) وقال النبي " ص ~~": # لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، حتى أنه لو دخل ~~أحدهم جحر ضب لدخلتموه. فقالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى، فقال عليه ~~السلام: فمن إذا. # وقال صلى الله عليه وآله بينا أنا على الحوض عرضه ما بين بصرى إلى العدن ~~إذ يجاء بقوم من أصحابي فيجلسون دوني، فأقول: يا رب أصحابي. فيقال: لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك، إنهم لا يزالوا على أعقابهم القهقرى. # والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، فأين التعجب من وقوع الخطأ من القوم، ~~وقال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار. # فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتموه من النص لما زوج أمير المؤمنين ~~عليه السلام بنته من عمر، وفي تزويجه إياها دليل على أن الحال بينهم كانت ~~عامرة بخلاف ما تدعونه ويدعي كثير منكم أن دافعه كافر. # قلنا: في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، وفيهم من أجازه وقال فعل ذلك ~~لعلمه بأنه يقتل دونها، والصحيح غير ذلك وأنه زوجها منه تقية، لأنه جرت ~~ممانعة إلى أن لقي عمر العباس وقال له ما هو معروف، فجاء العباس إلى أمير ~~المؤمنين " ع " فقال: ترد أمرها إلي. ففعل فزوجها منه حين ظهر له أن الأمر ~~يؤول إلى الوحشة. وروي عن الصادق " ع " في ذلك ما هو معروف. # على أن من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الاسلام يجوز مناكحته، و ههنا أمور ~~متعلقة في الشرع بإظهار كلمة ms166 الاسلام كالمناكحة والموارثة والمدافنة ~~والصلاة على الأموات وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا يسقط السؤال. # فإن قيل: كيف يكون النص صحيحا ويقول العباس له: تعال حتى نسأل PageV00P213 # النبي عليه السلام عن هذا الأمر، فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيره ~~أوصاه بنا. ويقول له في دفعة أخرى: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول ~~الله بايع ابن عمه فلا يختلف علين اثنان ولو كان منصوصا عليه لما احتاج إلى ~~ذلك وكان لا يخفى على العباس. # قلنا: أما رغبته إلى سؤال النبي لم يكن لشك في مستحق الأمر، وإنما قال ~~ذلك ليعلم هل يثبت ذلك فيهم ويسلم لهم أم لا، فلذلك أراد مسألته لا عن موضع ~~الاستحقاق. وأما مبايعته فقد بينا أنه إنما طلب ذلك لما رأى أن القوم ~~يتحادثون الأمر من جهة الاختيار وتركوا النص ودخلت إليه شبهة بين الأكثر ~~أراد أن يحتج عليهم بمثل ما هم يطلبون، فلم يجبه أمير المؤمنين عليه السلام ~~لما علمه من جهة النبي وما يؤول الأمر إليه فلذلك لم يجب العباس إلى ما ~~دعاه إليه. # فإن قالوا: كيف يكون منصوصا عليه وهو يعينهم في كثير من الأحكام مستفهما ~~ومستفتيا، فكان يجب أن ينقض أحكامهم لما أفضى إليه الأمر وكان ينبغي أن ~~يسترد فدكا إلى أربابها، وفي عدوله عن ذلك دليل على بطلان ما تدعونه. # قلنا: أما فتياه لهم فمما لا يسوغ له الامتناع منه، لأن عليه إظهار الحق ~~والفتوى إذا لم يخف وآمن الضرر، ولا سؤال على من أظهر الحق وإنما السؤال ~~فيمن أبطن. وأما إقراره أحكام القوم فإنه لم يمكن خلاف ذلك وإنما أفضي ~~الأمر إليه بالاسم دون المعنى، وأكثر من بايعه كان معتقدا لإمامة القوم، ~~فكيف يتمكن من نقض أحكامهم، ولذلك قال لقضاته وقد سألوه: بم نحكم؟ # فقال: اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي ~~- يعني من مات من شيعته - وخالف في مسائل علم شاهد الحال بأن الخلاف فيها ~~لا يوحش وأمسك عما يورث ms167 الوحشة. # وأما فدك فإنما لم يردها لما قلناه من التقية وإن ردها يؤدي إلى تظلم ~~القوم PageV00P214 # وتخطئتهم فعدل عن ذلك. على أن فدكا كانت حقا له ولمن له عليه ولاية، ومن ~~له حق له أن يترك المطالبة به لبعض الأغراض. وفي أصحابنا من قال: الخصم في ~~فدك كانت فاطمة عليها السلام وأوصت إليه بأن لا يتكلم فيها لتكون هي ~~المخاصمة يوم القيامة لما جرى بينها وبين من دفعها من الكلام المعروف حتى ~~قالت له: ستجمعني وإياك يوم يكون فيه فصل الخطاب. فأما الكلام في استحقاق ~~فاطمة عليها السلام فدك بالنحلة أو الميراث فقد استوفيناه في تلخيص الشافي ~~وطرف منه في شرح الجمل لا نطول بذكره ههنا. # وأما ما يعارضون به ويذكرونه من الآيات نحو قوله تعالى " والسابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار " 1) وقوله " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة " 2) وغير ذلك من الآيات، وأن ذلك يمنع من وقوع خطأ ~~منهم يدفع النص. فقد بينا الوجه فيها مستوفى في تلخيص الشافي وطرفا منه في ~~شرح الجمل والمفصح في الإمامة وغير ذلك من كتبنا لا نطول بذكره ههنا، وفيما ~~ذكرناه كفاية إنشاء الله. # دليل آخر على إمامته (عليه السلام) ومما يدل على إمامته عليه السلام ~~الخبر المعروف الذي لم يدفعه أحد من أهل العلم يعتد بقوله، أن النبي " ص " ~~حين انصرف من حجة الوداع وبلغ الموضع المعروف بغدير خم نزل ونادى في الناس ~~الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فلما رآهم رقى الرحال وخطب خطبة معروفة ثم ~~أقبل على الناس فقال: ألست PageV00P215 # أولى منكم بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال عاطفا على ذلك: فمن ~~كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ~~واخذل من خذله 1). # فأتى بلفظ " أولى " وقررهم بها على فرض طاعته ثم عطف بجملة أخرى عليها ~~محتملة لها ولغيرها، فوجب حملها على مقدميها بموجب استعمال أهل اللغة، فوجب ~~بذلك أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مفترض الطاعة كما كان النبي " ص " ~~كذلك، وفرض ms168 الطاعة يفيد الإمامة فوجب أن يكون إماما. # وهذه الجملة تحتاج إلى بيان أشياء: أحدها أن نبين صحة الخبر، والثاني أن ~~نبين أن لفظة " المولى " تفيد أولى في اللغة، ثم نبين أنها أرادت ذلك في ~~الخبر دون غيره من الأقسام. # والذي يدل على صحة الخبر تواتر الشيعة به خلفا عن سلف على ما بيناه في ~~التواتر بالنص الجلي، وكلما يسأل عليه من الأسئلة فالجواب عنه ما تقدم. # وأيضا فقد رواه أصحاب الحديث من طرق كثيرة لم يرد في الشريعة خبر متواتر ~~أكثر طرقا منه، فإنه روى الطبري من نيف وسبعين طريقا وابن عقدة من ماءة ~~وخمس وعشرين طريقا. فإن لم يثبت بذلك صحته فليس في الشرع خبر صحيح. # [وأيضا فأمير المؤمنين عليه السلام احتج به يوم الشورى فلم ينكره أحد ولا ~~دفعه، فدل على صحته] 2). # وأيضا أجمعت الأمة على صحته وإن اختلفوا في معناه، وما يحكى عن ابن أبي ~~داود من جحده له ليس بصحيح، لأنه إنما أنكر المسجد المعروف 0 PageV00P216 # بغدير خم ولم يجحد نفس الخبر، وخلافه أيضا لا يعتد به لأنه سبقه الإجماع ~~وتأخر عنه. # وأيضا إذا ثبت أن مقتضاه الإمامة على ما ثبت ثبتت صحته، لأن الأمة بين ~~قائلين: قائل يقول مقتضاه الإمامة فهو يقطع على صحته، وقائل يقول ليس ~~مقتضاه الإمامة فيقول هو خبر واحد. # وأما الذي يدل على أن " مولى " يفيد الأولى قول أهل اللغة: قال أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى في قوله تعالى " النار مولاهم " 1) قال: معناه أولى بهم، ~~واستشهد ببيت لبيد: # قعدت كلى الفرجين يحسب أنه * مولى المخافة خلفها وإمامها وقول أبي عبيدة ~~حجة في اللغة، وقال الأخطل يمدح عبد الملك بن مروان: # فأصبحت مولاهم من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا أي أولى الناس ~~بها. # وروي عن النبي " ص " أنه قال " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها ~~باطل " 2) وفي خبر آخر " بغير إذن وليها "، وأراد بذلك من هو أولى بالعقد ~~عليها. وقد حكينا عن المبرد أنه قال: مولى وولي وأولى وأحق ms169 بمعنى واحد فمن ~~عرف عادة أهل اللغة عرف صحة ما قلناه. # وإذا ثبت ذلك فالذي يدل على أن المراد به في الخبر الأولى ما قلناه من أن ~~النبي عليه السلام قدم جملة ثم عطف عليها بأخرى محتملة لها ولغيرها فوجب ~~حملها على مقدمتها وإلا أدى إلى أن يكون عليه السلام ملغوا في كلامه واضعا ~~له في غير موضعه، وذلك لا يليق به عليه السلام. PageV00P217 # ألا ترى أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون عبدي سالما، ~~فإذا قالوا بلى، قال فاشهدوا أن عبدي حر. لم يفهم من كلامه إلا عتق العبد ~~الذي تقدم تقريرهم على معرفته، ولو أراد غيره لكان ملغوا، وإذا قال لهم: # ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى قال لهم فاشهدوا أن ضيعتي ~~وقف لم يحمل ذلك إلا على الضيعة التي قررهم على معرفتها. هذا هو المعهود من ~~الكلام الفصيح. # وليس لأحد أن يقول: أليس لو قال مصرحا بعد تقريرهم على فرض طاعته " فمن ~~يجب عليه طاعتي فيحب عليا " كان جائزا، فهلا جاز ذلك في غير المصرح، وذلك ~~أنه ليس كلما حسن في التصريح حسن في الاحتمال. ألا ترى أنه لو قال: ألستم ~~تعرفون ضيعتي الفلانية، فإذا قالوا بلى، قال بعد ذلك فاشهدوا أن ضيعتي التي ~~تحتها وقف. مصرحا بها كان ذلك جائزا مفيدا، أو لا يجوز ذلك مثل ذلك إذا قال ~~كلاما محتملا على ما مضى بيانه، والفرق بين المصرح به والمكنى عنه واضح. # والذي يدل على أن لفظة " أولى " تفيد الإمامة وفرض الطاعة استعمال أهل ~~اللغة، لأنهم يقولون " السلطان أولى بتدبير رعيته من غيره " و " ولد الميت ~~أولى بميراثه من غيره ممن ليس بولد " و " المولى أولى بعبده من غيره " يعني ~~بفرض طاعته عليه، ولا خلاف بين المفسرين أن قول النبي صلى الله عليه وآله " ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم " 1) المراد به ومعناه أولى بتدبيرهم وفرض طاعتهم ~~ولا يكون أحد أولى بتدبير الأمة إلا من كان نبيا أو إماما، وإذا لم يكن ~~نبيا وجب أن ms170 يكون إماما. # وأيضا فلا خاف أن النبي عليه السلام كان أولى بنا من حيث فرض الطاعة، PageV00P218 # وإذا حصل له هذه المنزلة وجب أن يكون مفترض الطاعة علينا، وإنما يعلم ~~وجوب فرض طاعته على جميع الأمة في جميع الأشياء من حيث أن النبي عليه ~~السلام كان كذلك وقد جعله بمنزلته فوجب أن يثبت له ذلك. # وأيضا فكل من أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام بهذا الخبر فرض الطاعة في ~~شئ من الأشياء أثبته في جميع الأشياء، والتفرقة بينهما خلاف الإجماع. # وليس لأحد أن يقول: كيف يكون المراد به الإمامة وهي لم تثبت في الحال، ~~والخبر يوجب ثبوت المنزلة في الحال، فلا دلالة لكم في الخبر. # وذلك أنا إذا قلنا المراد به فرض الطاعة واستحقاق لها فذلك كان حاصلا له ~~في الحال، فسقط السؤال. فإذا قلنا المراد به الإمامة فإنه وإن اقتضاها في ~~الحال فهو يقتضيها في الحال وفيما بعده إلى وقت خروجه من الدنيا، فإذا ~~علمنا أنه لم يكن مع النبي عليه السلام في حال حياته إمام بالاجماع بقي ما ~~بعده على جملته. # ولا يمكن حمله على بعد عثمان، لأن أحدا لم يثبت له الإمامة بعد عثمان ~~بهذا الخبر إلا وأثبتها قبله بعد النبي، ومن خصصه ببعد عثمان أثبت إمامته ~~بالاختيار لا بهذا الخبر، واستحقاقه عليه السلام، الإمامة بهذا الخبر مثل ~~استحقاق الوصي الوصية بقول الموصي " فلان وصيي "، فإنه تثبت له الوصية في ~~الحال وإن كان التصرف ليس له إلا بعد الوفاة. وكذلك استحقاق الإمامة كان ~~حاصلا في الحال وإن وقف التصرف على بعد الوفاة، لأن وجود النبي " ص " ~~كالمانع من التصرف في حال وجوده، مثل قول المستخلف " فلان ولي عهدي " فإنه ~~يثبت استحقاقه في الحال وإن كان التصرف واقعا على بعد الوفاة. PageV00P219 # (طريقة أخرى) وهي أن نقول: إذا بينا أقسام المولى كلها وأفسدناها عدا ~~الأول دل على أنه المراد وإلا بطلت فائدة الخبر وذلك لا يجوز. # من أقسامه المعتق والمعتق والحليف والجار والصهر والإمام والخلف، وهذا ~~كله معلوم بطلانه، فلا يحتاج ms171 إلى إفساده. # ومن أقسامه ابن العم، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لأنه معلوم ضرورة أنه ~~ابن عمه ولا فائدة في ذلك. # ومن أقسامه الموالاة في الدين، ولا يجوز أن يكون ذلك مرادا، لأنه ليس فيه ~~تخصيص له، لأنها واجبة لجميع المؤمنين بالاجماع وبقوله تعالى " والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " 1). # ومن أقسامه ولاء العتق، فلا يجوز أن يكون مرادا، لأن ذلك معلوم من دينه، ~~وكان قبل الشرع أيضا معلوما أن ولاء العتق يستحقه ابن العم، وبذلك ورد ~~الشرع. ولا يليق ذلك لمثل ذلك الوقت والمكان، وقول عمر " بخ بخ يا علي ~~أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " ولا يليق شئ من ذلك. # وليس لأحد أن يقول: احملوه على الموالاة ظاهرا وباطنا. وذلك أن هذا ليس ~~بمستعمل في اللغة ولا يفهم من كلامهم، ولا يجوز أن يحمل اللفظ على ما لم ~~يوضع له في اللغة. # ومتى قيل: يحمل على ذلك، لأنه أثبت الموالاة كما أثبتها لنفسه. قيل: # إنما وجب الموالاة للنبي عليه السلام ظاهرا وباطنا من حيث كان نبيا، وإذا ~~كانت PageV00P220 # النبوة مرتفعة عنه لم تجب الموالاة له باطنا. على أنه إنما يجب حمله على ~~ما قالوه إذا لم يمكن حمله على ما تقتضيه اللغة، وقد بينا أنه إذا حمل على ~~أنه مفترض الطاعة وأولى بتدبير الأمة كان محمولا على ما تشهد له اللغة ولا ~~يحتاج إلى هذا التمحل. # فإذا فسدت الأقسام كلها لم يبق إلا أنه أراد فرض الطاعة والاستحقاق ~~للإمامة. وقد قيل: أنه إذا كان من أقسامه فرض الطاعة والأولى بتدبير الأمة ~~وجب حمل ذلك على جميعه إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا فقد روي عن جماعة من ~~الصحابة أنهم فهموا من الخبر فرض الطاعة والإمامة، منها قول عمر الذي ~~قدمناه وذلك لا يليق إلا بما قلناه، ومنها قول حسان بن ثابت: # يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا يقول ومن مولاكم ~~ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن ~~تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال ms172 له قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما ~~وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا ~~اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا وقال قيس بن سعد بن عبادة: # قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح ~~البصرة * بالأمس والحديث طويل وعلي إمامنا وإمام * نسواننا أتى به التنزيل ~~يوم قال النبي من كنت * مولاه فهذا مولاه خطب جليل وقول حسان كان بمرأى من ~~النبي صلى الله عليه وآله ومستمع منه، فلو لم يرد به الإمامة لأنكر عليه ~~وقال له غلطت ما أردت ذلك وأردت به كيت وكيت، PageV00P221 # فلما لم ينكر ذلك دل على ما قلناه. واستقصاء الكلام على هذا الخبر ذكرناه ~~في كتاب تلخيص الشافي وشرح الجمل وغير ذلك، فلا نطول به ههنا. # (دليل آخر على إمامته عليه السلام) ومما يدل على إمامته عليه السلام ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله " أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى إلا أنه لا نبي بعدي " فأثبت له جميع منازل هارون من موسى إلا ما ~~استثناه لفظا من النبوة، وعرفنا بالعرف أنه لم يكن أخاه لأبيه وأمه، وقد ~~علمنا أن من منازل هارون من موسى أنه كان مفترض الطاعة على قومه وأفضل ~~رعيته ممن شد الله به أزره، فيجب أن تكون هذه المنازل ثابتة له، وفي ثبوت ~~فرض طاعته ثبوت إمامته. # وقد نطق القرآن ببعض منازل هارون من موسى، قال الله تعالى حكاية عن موسى ~~أنه سأله تعالى فقال " اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * أشدد به أزري * ~~وأشركه في أمري " 1) وفي آية أخرى " أخلفني في قومي وأصلح " 2) وقال الله ~~تعالى " قد أوتيت سؤلك يا موسى " 3)، فوجب بتلك ثبوت هذه المنازل لأمير ~~المؤمنين عليه السلام. # والطريق الذي به صح هذا الخبر هو ما قدمناه في خبر الغدير من تواتر ~~الشيعة به ونقل المخالفين له على وجه التواتر والاجماع على نقله وإن ~~اختلفوا في تأويله، واحتجاجه به ms173 في يوم الدار والاجماع على نقله، وكل ذلك ~~موجود ههنا. PageV00P222 # وأيضا فقد ذكره البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما، 1) والطريق إلى ~~تصحيح الأخبار هو ما قلناه. # وأيضا فإذا ثبت أن مقتضاه ما قلناه قطع على صحته، ومن لم يقطع لم يقل أن ~~مقتضاه فرض الطاعة، والفرق بين القولين خروج عن الإجماع. # وهارون وإن مات في حياة موسى عليه السلام فكان ممن لو عاش لبقي على ما ~~كان عليه من استحقاق فرض الطاعة على قومه، وإذا جعل النبي عليه السلام ~~منزلة علي مثل منزلته سواء وبقي عليه السلام إلى بعد وفاته، وجب أن تثبت له ~~هذه المنزلة. # وليس لأحد أن يقول: لو بقي هارون إلى بعد وفاته لكان مفترض الطاعة لمكان ~~نبوته لا بهذا القول، وإذا كان علي عليه السلام لم يكن نبيا فكيف يثبت له ~~فرض الطاعة، وذلك أن فرض الطاعة ثبت في النبي والإمام، وهي منفصلة من ~~النبوة فلا تجب بانتفاء النبوة انتفاؤها، بل لا يمتنع أن تنتفي النبوة ~~ويثبت فرض الطاعة، [وإذا كان النبي عليه السلام قد أثبت له هذه المنزلة ~~وانتفت النبوة لم يجب انتفاء فرض الطاعة] 2). # ألا ترى أن القائل لو قال لوكيله: أعط فلانا كذا لأنه استحق علي من ثمن ~~مبيع، ثم قال: وأنزل فلانا آخر بمنزلته. فإنه يجب أن يعطيه مثل ذلك وإن لم ~~يكن استحق من ثمن مبيع، بأن يكون استحقه عليه من وجه آخر أو ابتداءا هبة ~~منه، وليس للوكيل منعه وأن يقول: ذلك استحقه من ثمن المبيع وأنت فما بعته ~~شيئا فلا تستحق، لأن العقلاء يوجبون على الوكيل العطية ولا يلتفتون إلى هذا ~~الاعتذار ولا هذا القول. # فإن قيل: تقديره أن هارون لو بقي لاستحق فرض الطاعة، والخلافة PageV00P223 # منزلة مفردة لا توصف بأنها منزلة، كما لا توصف صلاة سادسة بأنها من الشرع ~~على تقدير أنه لو تعبدنا بها لكانت من الشرع. # قلنا: المقدر إذا كان له سبب استحقاق يوصف بأنه منزلة. ألا ترى أن الدين ~~المؤجل يوصف بأنه يستحق كما يوصف ms174 الدين الحال بذلك، ولا توصف الصلاة ~~السادسة بأنها من الشرع لأن ليس بها سبب وجوب، ولو قال إذا كان بعد سنة ~~فصلوا صلاة سادسة لوصفت بأنها من الشرع، وفرض الطاعة بعد الوفاة له سبب ~~وجوب في الحال فجاز أن يوصف بأنه منزلة. ونظير ذلك أن يستخلف الخليفة ولي ~~عهد بعده جاز أن يوصف بأن ذلك منزلة لولي العهد وكذلك من أوصى إلى غيره جاز ~~أن يوصف بأنه يستحق الوصية إن كان التصرف واقفا إلى بعد الوفاة. # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله جعل هذه المنازل لأمير المؤمنين بعده ~~بقوله " لا نبي بعدي "، وكما أن من حق الاستثناء أن يخرج الكلام ما لولاه ~~لكان ثابتا. ألا ترى أن القائل إذا قال " ضربت غلماني كلهم إلا زيدا في ~~الدار " أفاد ضرب من ضربه في الدار وترك من تركه مثل ذلك، وإذا كان النبي ~~عليه السلام جعل استثناء هذه المنازل بعده فيجب أن يثبت له ما عدا ~~الاستثناء بعده. # والمعتاد من لفظة " بعدي " في العرف بعد الموت، كما يقولون: هذا وصيي ~~بعدي وولي عهدي بعدي وأنت حر بعدي. فليس لأحد أن يقول: إن المراد ب‍ " بعدي ~~" بعد نبوتي، لما لو سلمنا أنه لو أراد بعد نبوتي لدخل فيه الأحوال كلها ~~ومن جملتها بعد وفاته. # فإذا قيل: يلزم أن يكون مفترض الطاعة في الحال وأن يكون إماما. # قلنا: أما فرض الطاعة قد كان حاصلا له في الحال، وإنما لم يأمر لوجود ~~النبي عليه السلام، وكونه إماما وإن اقتضاه في الحال فإنه يقتضيه أيضا بعد ~~الوفاة PageV00P224 # فأخرجنا حال الحياة منها لمكان الإجماع على أنه لم يكن مع النبي عليه ~~السلام إمام وبقي الباقي على عمومه. # وليس لأحد أن يحمله على بعد عثمان، لأن ذلك خلاف الإجماع، فإن أحدا من ~~الأمة لم يثبت إمامته بهذا الخبر بعد عثمان دون ما قبله، ومن أثبت ذلك ~~أثبته بالاختيار، ومن أثبت إمامته بهذا الخبر أثبتها بعد النبي إلى آخر ~~عمره، فالفرق بين الأمرين خلاف الإجماع. # وليس لأحد أن ms175 يقول: قوله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " يقتضي إثبات ~~منزلة واحدة، لأنه لو أراد أكثر من ذلك لقال أنت مني بمنازل. # وذلك أن هذا يفسد من وجهين: أحدهما أنه لو أراد منزلة واحدة فدخول ~~الاستثناء عليه دليل على أنه أراد أكثر من منزلة واحدة. والثاني أن الأمة ~~بين قائلين: قائل يقول أن الخبر خرج على سبب فهو يقصره عليه، وقائل يقول ~~المراد جميع المنازل. وإذا بينا فساد خروج الخبر على سبب ثبت القول الآخر. # والذي يدل على فساد ذلك أن رواية ما يذكره من السبب طريقه الآحاد، والخبر ~~معلوم، ولو صح السبب لما وجب قصر الخبر على سببه عند أكثر المحققين. # وأيضا فقد روي هذا الخبر وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله في مقام بعد ~~مقام وفي أوقات لم يكن فيها السبب المدعي. # فإن قيل: لو أراد الخلافة لقال " أنت مني بمنزلة يوشع بن نون "، لأن هذه ~~المنزلة كانت حاصلة ليوشع من موسى بعد وفاته. # قلنا هذا فاسد من وجوه: # أحدها: إذا كان الخبر دالا على ما قلناه على المراد فتمني أن يكون على ~~وجه آخر اقتراح في الأدلة، وذلك لا يجوز وكان ذلك يلزم في أكثر الأدلة ~~PageV00P225 # وأكثر الظواهر، وذلك باطل بالاتفاق. # ومنها: أن خلافة يوشع ليست معلومة وإنما يذكرها قوم من اليهود، وخلافة ~~هارون من موسى نطق بها القرآن. وقيل: إن يوشع كان نبيا موحى إليه لم يعترف ~~موسى بعد بخلافته بالوحي والخلافة كانت في ولد هارون. # ومنها: أن النبي عليه السلام جمع له المنازل زيادة على الاستخلاف، فلم ~~يجز أن يشبه ذلك بيوشع. # وقد تكلمنا على ما يتفرع على هذه الجملة في هذا الخبر والذي قبله في ~~تلخيص الشافي وشرح الجمل، فلا نطول بذكره ههنا لأن فيما ذكرناه كفاية إنشاء ~~الله. ### ||| فصل (في أحكام البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام) # ظاهر مذهب الإمامية ~~أن الخارج على أمير المؤمنين عليه السلام والمقاتل له كافر، بدليل إجماع ~~الفرقة المحقة على ذلك، وإجماعهم حجة لكون المعصوم الذي لا ms176 يجوز عليه الخطأ ~~داخلا فيهم، وأن المحاربين له كانوا منكرين لإمامته ودافعين لها، ودفع ~~الإمامة عندهم وجحدها كدفع النبوة وجحدها سواء، بدلالة قوله صلى الله عليه ~~وآله " من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ". # وروي عنه عليه السلام أنه قال لعلي: حربك يا علي حربي وسلمك سلمي وحرب ~~النبي كفر بلا خلاف، فينبغي أن يكون حرب علي مثله، لأنه عليه السلام أراد ~~حكم حربي، وإلا فمحال أن يريد أن نفس حربك حربي لأن المعلوم خلافه. # فإن قيل: لو كان ذلك كفر لا جري عليهم أحكام الكفر من منع الموارثة ~~PageV00P226 # والمدافنة والصلاة عليهم وأخذ الغنيمة واتباع المدبر والإجازة على ~~المجروح والمعلوم أنه عليه السلام لم يجر ذلك عليهم، فكيف يكون كفرا. # قلنا: أحكام الكفر مختلفة كحكم الحربي والمعاهد والذمي والوثني، فمنهم من ~~تقبل منهم الجزية ويقرون على دينهم، ومنهم من لا يقبل، ومنهم من يناكح ~~وتؤكل ذبيحته ومنهم من لا تؤكل عند المخالف. ولا يمتنع أن يكون من كان ~~متظاهرا بالشهادتين وأن حكم بكفره حكمه مخالف لأحكام الكفار، كما تقول ~~المعتزلة في المجبرة والمشبهة وغيرهم من الفرق الذين يحكمون بكفرهم وإن لم ~~تجر هذه الأحكام عليهم، فبطل ما قالوه. # فأما من خالف الإمامة فمنهم: من يحكم عليهم بالفسق، ومنهم من يقول هو خطأ ~~مغفور، ومنهم من يقول إنهم مجتهدون وكل مجتهد مصيب. فمن حكم بفسقهم من ~~المعتزلة وغيرهم منهم من يدعي توبة القوم ورجوعهم. ونحن نبين فساد قولهم. # والذي يدل على بطلان ما يدعونه من التوبة أن الفسق معلوم ضرورة، وما ~~يدعونه من التوبة طريقه الآحاد، ولا نرجع عن المعلوم إلى المظنون. # وأيضا فكتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل الكوفة والمدينة بالفتح ~~يتضمن فسق القوم وأنهم قتلوا على خطاياهم وأنهم قتلوا على النكث والبغي، ~~ومن مات تائبا لا يوصف بذلك، والكتب معروفة في كتب السير. # وروي أيضا أنه لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير وسيفه تناول سيفه وقال ~~عليه السلام: سيف طال ما جلى به الكرب عن ms177 وجه رسول الله ولكن الحين ومصارع ~~السوء 1). ومن كان تائبا لا يوصف مصرعه بأنه مصرع سوء. # وروى حبة العرني قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: والله لقد علمت PageV00P227 # صاحبة الهودج أن أصحاب الجمل ملعونون على لسان النبي الأمي وقد خاب من ~~افترى. # وروى البلاذري بإسناده إلى جويرة بن أسماء قال بلغني أن الزبير لما ولى ~~اعترضه عمار بن ياسر وقال: أبا عبد الله والله ما أنت بجبان ولكني أحسبك ~~شككت. فقال: هو ذاك. والشك خلاف التوبة، لأنه لو كان تائبا لقال تحققت أن ~~صاحبك على الحق وأنا على الباطل، وأي توبة لشاك. # وأما طلحة فقتل بين الصفين، متى تاب، وكتاب أمير المؤمنين عليه السلام ~~يدل على إصراره. وروي عنه أنه قال حين يجود بنفسه. ما رأيت مصرع شيخ أضيع ~~من مصرعي 1) وذلك دليل الاصرار. وروي عن علي عليه السلام أنه مر عليه وهو ~~مقتول فقال: أقعدوه، فأقعدوه فقال: كانت سابقة ولكن الشيطان دخل منخرك ~~وأوردك النار 2). # وأما إصرار عائشة فكتاب أمير المؤمنين عليه السلام وما روي من المحاورة ~~بين عبد الله بن العباس وبينها وامتناعها من تسميته بأمرة المؤمنين 3) دليل ~~واضح على الاصرار. # وروى الواقدي أن عمارا دخل عليها وقال: كيف رأيت ضرب بنيك على الحق. ~~فقالت: استبصرت من أجل أنك غلبت. فقال: أنا أشد استبصارا من ذلك، والله لو ~~ضربتمونا حتى تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل. ~~فقالت عائشة: هكذا يخيل إليك، اتق الله يا عمار أذهبت دينك لابن أبي طالب. # وروى الطبري في تاريخه أنه لما انتهى قتل أمير المؤمنين عليه السلام إلى PageV00P228 # عائشة قالت: # فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر ثم قالت: من ~~قتله؟ فقيل: رجل من مراد. فقالت: # فإن يك تائبا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه تراب وهذا كله صريح بالاصرار ~~وفقد التوبة. # وروي عن ابن عباس أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام حين أبت عائشة ~~الرجوع إلى المدينة: دعها في البصرة ولا ترحلها. فقال عليه السلام: ms178 إنها لا ~~تألو شرا ولكني أردها إلى بيتها. # وروى محمد بن إسحاق أنها وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض ~~الناس على أمير المؤمنين عليه السلام، وكتبت إلى معاوية وأهل الشام مع ~~الأسود بن البحتري تحرضهم عليه. # ونظائر ذلك كثيرة ذكرنا منها في كتاب تلخيص الشافي لا نطول بذكره ههنا، ~~فأي توبة مع ما ذكرناه. # وأما من نفى عنهم الفسق فما قدمناه من الأدلة يفسد قولهم. وما تدعيه ~~المعتزلة من الأخبار في توبة طلحة والزبير وعائشة فهي كلها أخبار آحاد لا ~~يلتفت إليها، وليس أيضا فيها تصريح بالتوبة. وأدل الدليل على عدم التوبة ~~أنهم لو تابوا لسارعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام والدخول في عسكره ~~والجهاد معه. # فمما تعلقوا به رجوع الزبير عن الحرب، ونفس الرجوع ليس بدليل التوبة لأنه ~~يحتمل غير التوبة، وقد قيل إنه لما لاحت له أمارات الظفر لأمير المؤمنين ~~عليه السلام وأيس من الظفر رجع، وقال قوم إنه رجع ليتوجه إلى معاوية. ~~PageV00P229 # وقيل: إنه لما انصرف وبخه ابنه فقال: حلفت ألا أقاتله. فقال: كفر عن ~~يمينك، فأعتق مملوكا له ورجع إلى القتال. # وما روي من قوله " ما كان من أمر قط إلا عرفت أين أضع قدمي إلا هذا الأمر ~~فإني لا أدري أمقبل أنا أم مدبر " فليس فيه دليل التوبة، بل هو صريح في ~~الشك المنافي للتوبة. # وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال " بشر قاتل ابن صفية ~~بالنار " لا يدل على توبته أيضا، لأنه يجوز أن يستحق قاتله النار لأمر سوى ~~قتله، كما قال النبي صلى الله عليه وآله لقرمان رجل قاتل الكفار يوم أحد ~~وأبلي معه صلى الله عليه وآله " قرمان رجل من أهل النار " لعله أحرى. وقيل ~~السبب في ذلك أن ابن جرموز خرج مع الخوارج يوم النهروان فقتل في جملتهم. # وما روي عن طلحة أنه قال حين أصابه السهم: # ندمت ندامة الكسعى لما * رأت عيناه ما فعلت يداه 1) لا يدل أيضا على ~~التوبة بل يدل على عدمها، لأنه ms179 جعل ندامته غير نافعة له كما أن ندامة ~~الكسعى لم تنفعه، وقصته في ذلك مشهورة. # وقوله حين يجود بنفسه " اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى " دليل الاصرار ~~أيضا، لأنه أقر بأنه سبب قتل عثمان وكان ينسبه إلى علي عليه السلام، وذلك ~~خلاف ما أقربه على نفسه. # وما يروى من حديث البشارة أن النبي صلى الله عليه وآله قال " عشرة من ~~أصحابي في الجنة وطلحة والزبير منهم " 2) لا يدل على توبتهم أيضا، لأنه خبر ~~واحد ضعيف مقدح في سنده. وأدل دليل على فساده أن النبي عليه PageV00P230 # السلام لا يجوز أن يقول لمن ليس بمعصوم " أنت في الجنة لا محالة " لأن في ~~ذلك إغراء بالقبيح. وقيل: إن راويه سعيد بن زيد، وهو أحد العشرة، فلا يقبل ~~خبره لأنه يشهد لنفسه. # فأما ما روي من بكاء عائشة وتلهفها وتمنيها أنها كانت مدرة أو شجرة ~~وقولها " لئلا أكون شهدت ذلك اليوم أحب إلي من أن يكون لي من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله عشرة أولاد كعبد الرحمن بن الحارث بن هشام " لا يدل على ~~التوبة، لأن مثل ذلك قد يقوله من ليس بتائب كما حكى الله عن مريم " يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا " 1). وقد يقول مثل هذا من أراد أمرا لم ~~يبلغه وفاته غرضه ويتحسر عليه فيتمنى الموت عند ذلك ويود أنه لم يتعرض له ~~لئلا يشمت به، ولا يدل جميع ذلك على التوبة. واستيفاء ذلك ذكرناه في غير ~~موضع. # فصل (في تثبيت إمامة الاثني عشر عليهم السلام) إذا ثبت بما قدمناه أن ~~الزمان لا يخلو من إمام وأن من شرطه أن يكون مقطوعا على عصمته أو يكون أكثر ~~ثوابا عند الله أو أعلمهم بجميع أحكام الشريعة، سهل الكلام على إمامة إمام ~~بعد أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه نعتبر أقوال الأمة في عصر كل إمام ~~فنجدها بين أقوال: # قائل يقول لا إمام، وما دللنا به من أن الزمان لا يخلو من إمام يفسد ~~قوله. # وقائل يقول بإمامة من لا يقطع ms180 على عصمته بل لا يجعلها من شرط الإمامة، ~~وذلك يبطل بما قدمناه من وجوب القطع على عصمة الإمام. PageV00P231 # وقائل يقول بإمامة من يدعى عصمته لكنه يذهب إلى إمامة من لا يدعى النص ~~عليه ولا المعجز، وقد بينا أنه لا طريق إلى معرفة المعصوم إلا بأحد هذين، ~~فقوله يفسد أيضا بذلك. # ومن ادعى النص إما صريحا أو محتملا فإنه يذهب إلى إمامة من علمنا موته ~~كالكيسانية القائلين بإمامة ابن الحنفية والناووسية والواقفة على جعفر بن ~~محمد والفطحية القائلين بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق وكالواقفة القائلين ~~بإمامة موسى بن جعفر وأنه لم يمت. وأقوال هؤلاء تبطل بما علمنا من موت ~~هؤلاء ظاهرا مكشوفا. # وأيضا فأدل دليل على فساد هذه الفرق انقراضهم وأنه لم يبق لهم باقية ولو ~~كانوا على حق ما انقرضوا. # وهذه الجملة إذا اعتبرتها في إمام إمام من عهد الحسين بن علي عليهما ~~السلام وإلى عهد القائم ابن الحسن عليه السلام وجدتها صحيحة لا يمكن الطعن ~~عليها إلا بالمنازعة في بعض الأصول التي ذكرناها، ومتى نازعوا في شئ من ذلك ~~كان الكلام في تصحيح ذلك الأصل أولا ثم في فرعه. # والكلام على الزيدية داخل في جملة ذلك، لأنهم لا يقطعون على عصمة زيد، ~~ولا يدعون أن من شرط الإمام أن يكون مقطوعا على عصمته، ومن حمل نفسه على ~~ادعاء ذلك أخيرا مخالف للاجماع، ومع ذلك يفسد قوله لأنه لا يدعي نصا عليه ~~ولا ظهور معجز. # وشرح هذه الجملة والكلام على فريق فريق بيناه في تلخيص الشافي وجملته ما ~~قلناه فلا نطول بذكره الكتاب. ### ||| # فأما الكلام في الغيبة وسببها فهو أنه إذا ثبتت هذه الأصول التي قدمناها ~~وأن كل زمان لا يخلو من إمام وأن من شرطه القطع على عصمته ووجود النص عليه ~~PageV00P232 # فوجب إمامة من يدعى إمامته، لأن الناس في عصرنا بين أقوال، منهم من يدعى ~~إمامة من لا يدعى القطع على عصمته فقوله يبطل لما قدمناه، فلم يبق بعد ذلك ~~إلا القول بإمامته وإلا خرج الحق عن الأمة. ms181 # فإذا ثبتت إمامته ووجدناه لم يظهر علمنا أن لاستتاره سببا مبيحا له ذلك ~~ولولاه لم يجز له الاستتار لكونه معصوما. ولا يلزم أن يعلم ذلك السبب مفصلا ~~كما نقول لمن طعن في إثبات الصانع بخلق المؤذيات وفعل الآلام وغير ذلك بأن ~~نقول: إذا ثبتت حكمته تعالى علمنا أن هذه الأشياء لها وجه حكمة وإن لم ~~نعلمه مفصلا. # وبذلك نجيب من طعن في متشابه القرآن، وإن تكلفنا الكلام في تفصيل ذلك ~~فللاستظهار والقوة وإلا فالقدر الذي ذكرناه كاف في الحجة. # وإذا ثبتت ووجدنا التكليف دائما على المكلف كان علمنا أن استتاره لشئ ~~يرجع إليهم، لأنه لو لم يكن يرجع إليهم لما حسن تكليفهم. # ولا يلزم أن نعلم ذلك الأمر مفصلا، كما نقول لمن أخل بشرط من شروط النظر ~~فلم يحصل له العلم بالله: إنك قد أخللت بشرط من شروط النظر فتحتاج إلى أن ~~تراجع وتعود فيه أبدا حتى يحصل لك العلم. وكذلك من لم يظهر له الإمام ينبغي ~~أن يراجع نفسه ويصلح سيرته، فإذا علم الله تعالى منه صدق النية في نصرة ~~الإمام وأنه لا يتغير عن ذلك ظهر له الإمام. # وقيل في ذلك: أنه لا يمتنع أن يكون من لم يظهر له الإمام المعلوم من حاله ~~أنه إذا ظهر له سيرته وألقى خبره إلى غيره من أوليائه وإخوانه فربما انتهى ~~إلى شياع خبره وفساد أمره. # وقيل أيضا: أنه لا يمتنع إذا ظهر وظهر على يده علم معجز فإنه لا بد من ~~ذلك لأن غيبته غير معلومة، وإذا كان كذلك دخلت عليه شبهة فيعتقد أنه مدع ~~لما لا PageV00P233 # أصل له فيشيع خبره ويؤدي إلى الاغراء به. وغير ذلك من العلل. # فهذه العلة نطلبها فيمن لم يظهر له من شيعته وإن كانت علته مزاحة من حيث ~~أن لطفه حاصل له لأنه يعتقد وجوده ويجوز تمكينه في كل حال فهو يخافه، ~~واللطف به حاصل له وبمكانه أيضا يثق بوصول جميع الشرع إليه، لأنه لو لم يصل ~~إليه ذلك ساغ له الاستتار إلا بسقوط ms182 التكليف عنهم، فإذا وجدنا التكليف ~~باقيا والغيبة مستمرة علمنا أن جميع الشرع واصلا إليه. # فأما المخالف فسبب استتاره عنه اعتقاده بطلان إمامته. وإن من ادعى هذا ~~المنصب ممن أشرنا إليه ضال مضل ولا يحتاج أن يخرج علة في الاستتار عنه. # والفرق بين الاستتار وظهور آبائه عليهم السلام لم يكن المعلوم من حالهم ~~أنهم يقومون بالأمر ويزيلون الدول ويظهرون بالسيف ويقومون بالعدل ويميتون ~~الجور، وصاحب الزمان بالعكس من ذلك، ولهذا يكون مطلوبا مرموقا، والأولون ~~ليسوا كذلك. # على أن آباءه ظهروا لأنه كان المعلوم أنهم لو قتلوا لكان هناك من يقوم ~~مقامهم ويسد مسدهم، وليس كذلك صاحب الزمان، لأن المعلوم أنه لو هلك لم يكن ~~هناك من يقوم مقامه ولا يسد مسده. فبان الفرق بينهما. # وطول غيبة الإمام كقصرها، فإنه ما دامت العلة الموجبة حاصلة فإنه مستتر ~~إلى أن يعلم الله تعالى زوال العلة، فيعلم ذلك بما وقفه عليه آباؤه من ~~الوقت المعلوم. وبالأمارات اللائحة للنصر وغلبة الظن يقوم مقام العلم في ~~ذلك، وخاصة إذا قيل لك: إذا ظهرت لك أمارات النصر فاعلم أنه وقت الخروج. # وكل ذلك جائز. # وطول عمر صاحب الزمان - وإن كان خارقا للعادة - فالله تعالى قادر عليه ~~بلا خلاف بيننا وبين من خالفنا من الأمة، وخرق العادات على من ليس بنبي قد ~~بينا جوازه، فلا وجه لاستبعاد ذلك وقد استتر النبي عليه السلام في ~~PageV00P234 # الشعب تارة وفي الغار أخرى، فلا ينبغي أن يتعجب من ذلك. # وليس لهم أن يقولوا أن استتار النبي عليه السلام كان مدة يسيرة. وذلك أن ~~استتاره في الشعب كان ثلاث سنين، وإذا جاز الاستتار ولو يوما واحدا لعلة ~~جاز الاستتار الطويل مع استمرار العلة، فلا فرق بين الطول والقصر، بل ~~المراعى حصول العلة وزوالها. # وليس لهم أيضا أن يقولوا: أن النبي صلى الله عليه وآله استتر بعد أداء ~~الشرع. وذلك أن وقت استتاره في الشعب لم يكن إذا حل الشريعة، لأن معظم ~~الشريعة نزل بالمدينة، على أن في كون النبي عليه السلام بين الخلق ms183 لطفا ~~ومصلحة فأي شئ قالوه في ذلك فهو قولنا بعينه. والحدود المستحقة في حال ~~الغيبة في جواب أصحابها والذم لا حق بمن أحوج الإمام إلى الغيبة. # ومثل ذلك يلزم المعتزلة الذين يقولون أهل الحل والعقد ممنوعون من اختيار ~~الإمام، فما لهم إلا مثل ما عليهم. # ويدل على إمامة الاثني عشر - على ما نذهب إليه - ما تواترت به الشيعة من ~~نص النبي صلى الله عليه وآله على الاثني عشر في الجملة، ورووه أيضا عن إمام ~~إمام على من يقوم مقامه. وترتيب ذلك كترتيب النص على أمير المؤمنين عليه ~~السلام، والأسئلة على ذلك قد مضى الجواب عنها. # وأيضا فقد روى المخالف عن النبي عليه السلام أخبارا كثيرة ذكرناها في ~~المفصح وغيره من كتبنا أن الأئمة بعده اثنا عشر. # فإذا ثبت العدد فالأمة بين قائلين: قائل يقول بالاثني عشر فهو يقطع على ~~أنهم هؤلاء بأعيانهم، ومن لم يقل بإمامتهم لم يقصرها على عدد مخصوص. # فإذا ثبت العدد بما رووه ثبت الأعيان بهذا الاعتبار. PageV00P235 # والكلام في فروع الغيبة وأسئلتها استوفيناه في تلخيص الشافي لا نطول ~~بذكره ههنا، وهذا القدر كاف ههنا إنشاء الله. # * * * قد امتثلت ما رسم الشيخ الأجل - أطال الله بقاه - وسلكت الطريق ~~الذي طلبه من الاختصار والايجاز، وأرجو أن يكون موافقا لغرضه ملائما ~~لإرادته. # وأنا الآن أذكر جملة من العبادات لا يستغنى عنها، وأجري على هذا المنهاج ~~في الاختصار والايجاز إنشاء الله. PageV00P236 ### | القسم الثاني العبادات الشرعية PageV00P237 # بسم الله الرحمن الرحيم الكلام في العبادات الشرعية عبادات الشرع خمس: ~~الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. # وآكدها وأعمها فرض الصلاة، لأنها لا تسقط في حال من الأحوال مع ثبات ~~العقل وإن تغيرت أوصافها من قيام إلى قعود إلى غير ذلك، وباقي العبادات قد ~~تسقط على بعض الوجوه عن قوم دون قوم، فلذلك نبدأ به في كتب العبادات ثم ~~نعقبه بباقي العبادات. # ونحن نذكر واحدا واحدا منها على وجه الاختصار، فإن استيفاء ما يتعلق بكل ~~واحد منها قد بسطناه في النهاية والمبسوط، والغرض ههنا ذكر ما لا ms184 بد منه ~~على كل حال. والله الموفق للصواب. ### || ### ||| فصل (في ذكر أفعال الصلاة) #أفعال الصلاة على ضربين: أحدهما يتقدم الصلاة، ~~والثاني يقارنها. PageV00P239 # فما يتقدمها على ضربين: مفروض، ومسنون. # فالمفروض: الطهارة، والوقت، والقبلة، ومعرفة أعداد الصلاة، وستر العورة، ~~ومعرفة ما يجوز الصلاة فيه [من اللباس والمكان، ومعرفة ما يجوز السجود ~~عليه] 1) وما لا يجوز، وتطهير الثياب والمكان من النجاسات. # والمسنون: الأذان، والإقامة. # ونحن نذكر لكل ذلك فصلا إنشاء الله تعالى. ### ||| فصل (في ذكر حقيقة الطهارة وبيان أفعالها) #الطهارة في الشرع عبارة عن ~~إيقاع أفعال مخصوصة على وجه مخصوص في البدن يستباح به الدخول في الصلاة. # وهي على ضربين: طهارة بالماء، وطهارة بالتراب. # فالطهارة بالماء هي الأصل، وإنما يعدل إلى التراب عند عدم الماء أو تعذر ~~استعماله. # وهي على ضربين: أحدهما وضوء، والآخر غسل. # ونحن نبين كل واحد منهما على حدته ونذكر ما ينبغي أن يعمل فيه إنشاء ~~الله. ### ||| فصل (في ذكر الوضوء وأحكامه) #الوضوء عبارة عن إيقاع أفعال في أعضاء ~~مخصوصة من البدن على وجه PageV00P240 # مخصوص يستباح به الدخول في الصلاة. وله مقدمات مفروضة ومسنونة. # فمقدماته: إذا أراد الإنسان قضاء حاجته ينبغي أن يتخلى بحيث لا يراه أحد ~~فيطلع على سوءته، فإذا أراد الدخول إلى الموضع الذي يتخلى فيه فليغط رأسه ~~ويدخل رجله اليسرى قبل اليمنى ويقول " بسم الله وبالله وأعوذ بالله من ~~الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم ". # فإذا قعد لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول أو غائط إلا أن ~~يكون الموضع مبنيا على وجه لا يتمكن فيه من الانحراف، وهذا واجب. # ولا يستقبل الشمس ولا الريح ولا القمر بالبول، ولا يحدث في الماء الجاري ~~ولا الراكد، ولا الشوارع، ولا تحت الأشجار المثمرة، ولا فئ النزال ولا ~~أفنية الدور، ولا المشارع، ولا المواضع التي يتأذى المسلمون بحصول نجاسة ~~فيها، ولا يبولن في حجرة الحيوان، ولا يطمح 1) ببوله في الهواء ولا يبولن ~~في الأرض الصلبة، ولا يتكلم في حال الخلاء، ولا يستاك ولا يأكل ولا يشرب. # فإذا فرغ حاجته فليستنج. ms185 والاستنجاء فرض، ويجوز بالأحجار والماء، والجمع ~~بينهما أفضل، والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجارة، والاقتصار ~~على الحجارة مجز أيضا ولا يستنج بأقل من ثلاثة أحجار، فإن نقى بواحدة ~~استعمل الثلاثة سنة مؤكدة. ولا يستنج بالعظم ولا الروث، ويجوز أن يستنجى ~~بالخرق والمدر وغير ذلك، ولا يستنج باليمين إلا عند الضرورة، ولا يستنج وفي ~~يده خاتم عليه اسم من أسماء الله مكتوب بل يحوله. # وإذا استنجى قال " اللهم حصن فرجى واستر عورتي ووفقني لما يرضيك عني يا ~~ذا الجلال والاكرام ". فإذا فرغ من الاستنجاء قام من موضعه ومسح على بطنه ~~وقال " الحمد لله الذي أماط عني الأذى وهنأني طعامي وعافاني من PageV00P241 # البلوى " فإذا أراد الخروج أخرج رجله اليمنى وقال " الحمد لله الذي عرفني ~~لذته وأبقى في جسدي قوته وأخرج عني أذاه، يا لها نعمة، يا لها نعمة، يا لها ~~نعمة ". # ثم يقعد في موضع نظيف للوضوء و يجعل الإناء على يمينه ويقول إذا أراد ~~الوضوء " الحمد لله الذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا ". # ثم يغسل يده من البول أو النوم مرة قبل إدخالها الإناء سنة، ومن الغائط ~~مرتين ومن الجنابة ثلاث مرات إذا كانت نظيفة وإن كانت نجسة وجب غسلها وإلا ~~فسد الماء، ثم يأخذ كفا من الماء فيتمضمض به ثلاثا سنة ويقول " اللهم لقني ~~حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكرك " ويستنشق ثلاثا ويقول " اللهم لا تحرمني ~~طيبات الجنان واجعلني ممن يشم ريحها وروحها وريحانها ". # ثم يأخذ كفا من الماء فيغسل به وجهه من قصاص شعر الرأس إلى محادر 1) شعر ~~ذقنه طولا وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا دفعة واحدة فريضة ودفعتين ~~سنة وفضيلة ولا يجوز الثالثة مع الاختيار 2)، ويقول إذا غسل وجهه " اللهم ~~بيض وجهي يوم تسود فيه الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض فيه الوجوه ". # ثم يأخذ كفا من الماء فيديره إلى يساره ويغسل به يده اليمنى من المرفق ~~إلى أطراف الأصابع مرة فريضة ودفعتين فضيلة ولا تجوز الثالثة، ويقول " ~~اللهم اعطني كتابي بيميني والخلد في ms186 الجنان بشمالي وحاسبني حسابا يسيرا ". # ثم يغسل يده اليسرى مثل ذلك من المرفق إلى أطراف الأصابع مرة فريضة ~~ومرتين سنة، ولا يستقبل الشعر في غسل اليدين بل يبتدئ من المرفق إلى أطراف ~~الأصابع، ويقول إذا غسل يده اليسرى " اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا ~~تجعلها مغلولة إلى عنقي ". PageV00P242 # ثم يمسح بما يبقى في يده من النداوة رأسه من مقدم الرأس مقدار ثلاث أصابع ~~مضمومة ويقول " اللهم غشني رحمتك وبركاتك " ولا يستقبل بشعر الرأس أيضا في ~~المسح عليه. # ثم يمسح بما بقي في يديه من النداوة رجليه من رؤوس الأصابع إلى الكعبين - ~~وهما الناتئان في وسط القدم - ويقول " اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل ~~فيه الأقدام " فإذا فرغ من ذلك قال " الحمد لله رب العالمين ". # والنية في الطهارة فرض إذا أراد الشروع في غسل الأعضاء، وهي بالقلب ينوي ~~القربة إلى الله واستباحة الصلاة. # والترتيب أيضا واجب في الوضوء، يبدأ أولا بغسل وجهه ثم بيده اليمنى ثم ~~اليسرى ثم يمسح برأسه ثم برجليه، فإن خالفه لم يجزه. # والموالاة أيضا واجبة فيه، لا ينقضها إلا لعذر، فإن نقضها لعذر أو ~~لانقطاع الماء ينظر فإن نشف ما تقدم غسله أعاد وإن كانت فيه نداوة بنى ~~عليه. ### ||| فصل (في ذكر نواقض الوضوء) #نواقض الوضوء على ثلاثة أقسام: أحدها يوجب ~~إعادة الوضوء، وثانيها يوجب الغسل، وثالثها تارة يوجب الوضوء وأخرى يوجب ~~الغسل. # فالذي يوجب الوضوء البول والغائط والريح والنوم الغالب على السمع والبصر ~~وكل ما يزيل العقل من إغماء أو جنون أو سكر. # وما يوجب الغسل فالجنابة والحيض ومس الأموات من الناس بعد بردهم بالموت ~~وقبل تطهيرهم، فإن هذه الأشياء توجب الغسل على كل حال. PageV00P243 # وما يوجب الوضوء تارة وأخرى الغسل فالاستحاضة، فإنها إذا كانت قليلة ~~أوجبت الوضوء وإن كانت كثيرة أوجبت الغسل، على ما نبينه إنشاء الله. ### ||| فصل (في ذكر الجنابة) #الجنابة تكون بشيئين: أحدهما إنزال الماء الدافق ~~الذي هو المني على كل حال سواء كان بجماع أو غيره أو احتلام وسواء كان ~~بشهوة ms187 أو غير شهوة وعلى كل حال، والآخر بالتقاء الختانين أنزل أو لم ينزل. # فإذا صار جنبا فلا يدخل شيئا من المساجد إلا عابر سبيل إلا عند الضرورة ~~ولا يضع فيها شيئا، ولا يقرأ من القرآن سور العزائم 1) ويجوز قراءة ما ~~سواها ولا يمس كتابة المصحف، ولا بأس أن يمس أطراف الأوراق، ولا يمس أيضا ~~شيئا فيها اسم من أسماء الله مكتوب في لوح أو فضة أو قرطاس. # ويكره له الأكل والشرب إلا عند الضرورة، وإذا أرادهما تمضمض ويستنشق. ~~ويكره له النوم والخضاب إلا عند الضرورة، وإذا أرادهما تمضمض ويستنشق 2). # فإذا أراد الاغتسال فليستبرئ نفسه بالبول، فإن لم يفعل ورأى بعد الغسل ~~بللا أعاد الغسل. # وأن يغسل جميع جسده ابتداءا، أولا يغسل رأسه ثم جانبها الأيمن ثم الأيسر، ~~يرتب هكذا، فإن خالف لم يجزه، ويوصل الماء إلى جميع بدنه PageV00P244 # وإلى أصول شعره، ويميز الشعر بأنامله. # وإن ارتمس في الماء ارتماسة أو وقف تحت الميزاب أو النزال 1) أو المطر ~~أجزأه. # والنية لا بد منها، ينوي بالغسل استباحة الصلاة أو استباحة ما لا يجوز ~~للجنب من دخول المساجد وقراءة العزائم ومس كتابة المصحف وغير ذلك. # والمضمضة والاستنشاق سنتان فيه وليسا بفرضين. ويقول إذا أراد الاغتسال " ~~اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر الخير على لساني يا ذا الجلال ~~والاكرام يا أرحم الراحمين ". ### ||| فصل (في ذكر الحيض والاستحاضة والنفاس) #الحيض عبارة عن الدم الخارج من ~~فرج المرأة بحرارة على وجه يتعلق به أحكام مخصوصة، ولقليله حد. # فإذا رأت هذا الدم حرم عليها جميع ما يحرم على الجنب ويحل لها ما يحل له ~~سواء. ويحرم عليه وطؤها في الفرج، ومتى وطئها وجب عليه التعزير ولزمه ~~الكفارة: دينارا إن كان في أوله، وإن كان في وسطه نصف دينار، وإن كان في ~~آخره ربع دينار. # ويسقط عنها فرض الصلاة، ولا يصح منها الصوم، ويلزمها قضاء الصوم دون ~~الصلاة، ولا يصح طلاقها ولا اعتكافها. # وأقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وفيما بين ذلك بحسب العادة. PageV00P245 # فإذا ms188 انقطع عنها الدم ورأت نقاءا صحيحا وجب عليها الغسل، وكيفيته مثل ~~كيفية غسل الجنابة، إلا أن غسل الجنابة يسقط فيه الوضوء وهذه لا بد لها من ~~وضوء إذا أرادت الصلاة. # وينبغي أن تستبرئ نفسها قبل الغسل، فإن رأت دما يسيرا فليست تعد طاهرا. ~~هذا إذا كان انقطاع الدم دون العشرة، فإن استوفت العشرة فما زاد. # يكون دم استحاضة على كل حال. # والمستحاضة هي التي ترى الدم الأصفر البارد ولا تحس بخروجه منها، أو تراه ~~بعد العشرة أيام من الحيض أو النفاس، فإنه يكون أيضا دم استحاضة على أي وصف ~~كان. # وحكم المستحاضة حكم الطاهر، ولا يحرم عليها شئ مما يحرم على الحائض ويصح ~~منها الصوم والصلاة، ويحل لزوجها وطؤها إذا فعلت ما تفعله المستحاضة. # ولها ثلاثة أحوال: " أحدها " ترى الدم القليل، فعليها تجديد الوضوء عند ~~كل صلاة وتغيير القطنة والخرقة، وحد القليل إذا لم يظهر على القطنة. # [" والثاني " أن يظهر على القطنة ولا يسيل] 1)، فعليها غسل لصلاة الفجر ~~وتجديد الوضوء لباقي الصلوات مع تغيير القطنة والخرقة. " والثالث " أن ترى ~~الدم أكثر من ذلك، وهو أن يظهر ويسيل، فعليها ثلاثة أغسال في اليوم ~~والليلة: # غسل لصلاة الظهر والعصر، وغسل للمغرب والعشاء الآخرة، وغسل لصلاة الفجر. # ولا تخلو المستحاضة من أن تكون مبتدأة أولها عادة، فإن كانت لها عادة ~~فلترجع إلى عادتها وتعمل عليه، فإن تغيرت عادتها واضطربت رجعت إلى صفة ~~الدم، فإذا رأته بصفة دم الحيض كانت حائضا، وإذا رأته بصفة دم الاستحاضة PageV00P246 # كانت مستحاضة، فإن لم يتميز لها الدم تركت الصلاة والصوم في كل شهر سبعة ~~أيام، أو تترك في الشهر الأول أكثر أيام الحيض عشرة أيام وفي الثاني ثلاثة ~~أيام أقل أيام الحيض إلى أن يزول عنها ذلك. # وإن كانت مبتدأة تعود إلى صفة الدم، فإن لم يتميز لها بالصفة رجعت إلى ~~نساء أهلها، فإن لم يكن لها نساء رجعت إلى أقرانها، فإن لم يكن هناك نساء ~~أو كن مختلفات تركت الصلاة والصوم في كل شهر سبعة أيام مثل ms189 الأول سواء. # والنفساء هي التي ترى الدم عند الولادة، فإذا كانت كذلك فحكمها حكم ~~الحائض سواء في جميع الأحكام في أكثر أيام النفاس وغيره من الأحكام، ~~وتفارقها في أقل النفاس، فإنه ليس لقليله حد، ويجوز أن يكون ساعة واحدة. ### ||| فصل (في ذكر غسل الأموات) #غسل الأموات فرض واجب، وهو فرض على الكفاية. # وينبغي إذا حضر الإنسان الوفاة أن يوجه إلى القبلة ويلقن الشهادتين ~~والاقرار بالنبي والأئمة عليهم السلام، ويلقن أيضا كلمات الفرج " لا إله ~~إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب ~~السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن ورب العرش ~~العظيم، والحمد لله رب العالمين ". # فإذا قضى نحبه غمض عيناه ويطبق فوه ويمد يداه ورجلاه ويكون عنده من يذكر ~~الله تعالى ويقرأ القرآن. # ويؤخذ في أمره، فيحصل أولا أكفانه، والمفروض منها ثلاثة أثواب ~~PageV00P247 # مئزر وقميص وإزار، والمسنون خمسة يزاد لفافة أخرى إما حبرة 1) أو ما يقوم ~~مقامها، وخرقة يشد بها فخذاه. ويستحب أن يزاد أيضا عمامة، وإن كان امرأة ~~زيدت لفافة أخرى، وروي أيضا نمط 2). # ويحصل الكافور وزن ثلاثة عشر درهما وثلث مما لم تمسه النار، فإن لم يمكن ~~فأربعة مثاقيل، فإن لم يمكن فمثقال أو ما يتمكن منه. # ويحصل أيضا شيئا من السدر للغسلة الأولى وقليل كافور للغسلة الثانية. # وشئ من القطن ليحشى به دبره والمواضع التي يخاف خروج شئ منها، وشئ من ~~الذريرة المعروفة بالقمحة فينثر بين الأكفان. # ويكتب على الأكفان " فلان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وأن عليا أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين - ويذكر الأئمة إلى ~~آخرهم - أئمته أئمة الهدى الأبرار " بتربة الحسين أو بالأصبع، ولا يكتب ~~بالسواد. # ويستحب أن يكون الكفن قطنا محضا، والكتان مكروه، والإبريسم أو ما خالطه ~~الإبريسم لا يجوز. # وإذا أراد غسله ترك على سرير متوجها إلى القبلة، فيغسله ثلاث غسلات: # الأولى بماء السدر، والثاني بماء حلال الكافور 3)، والثالث بالماء ~~القراح. # وكيفية غسله مثل غسل الجنابة ms190 سواء، يغسل الغاسل يدي الميت ثلاث مرات، ثم ~~ينجيه بقليل اشنان وآخر يقلب عليه الماء، وإذا نجاه بدأ فغسل رأسه ولحيته ~~ثلاث مرات، ثم يغسل جانبه الأيمن ثلاث مرات، ثم الأيسر ثلاث PageV00P248 # مرات. وآخر يقلب عليه الماء، ثم يقلب بقية ماء السدر ويغسل الأواني ويطرح ~~ماءا آخر ويطرح القليل من الكافور ويضربه ثم يغسله الغسلة الثانية مثل ذلك، ~~ثم يقلب بقية ماء الكافور ويغسل الأواني ويطرح فيها الماء القراح، ويغسله ~~الغسلة الثالثة مثل ذلك بالماء القراح. # ويمسح الغاسل يده على بطنه في الغسلتين الأوليين، ولا يمسح في الغسلة ~~الثالثة، وكلما قلبه استغفر الله وسأله العفو ثم ينشفه بثوب نظيف. # ويغتسل الغاسل فرضا واجبا، إما في الحال أو فيما بعد. # ثم يكفنه، فيأخذ الخرقة التي هي الخامسة ويترك عليها شيئا من القطن وينثر ~~عليها شيئا من الذريرة ويشد بها فخذيه ويضمها ضما شديدا، ويحشو القطن في ~~دبره ويستوثق من الخرقة، ثم يؤزره ويلبسه القميص وفوق القميص الإزار. # ويترك معه جريدتين إما من النخل أو شجر آخر رطب، ويكتب عليهما ما كتب على ~~الأكفان، ويضع إحداهما عند حقوه من جانبه الأيمن يلصقها بجلده والأخرى من ~~الجانب الأيسر بين القميص والأزار. # ويضع الكافور على مساجده جبهته ويديه وعيني ركبتيه وطرف أصابع الرجلين، ~~فإن فضل منه شئ تركه على صدره، ولا يجعل في عينيه ولا في أنفه شيئا من ~~الكافور. # ثم يحمل إلى المصلى فيصلى عليه على ما نذكره في كتاب الصلاة. # وأفضل ما يمشي المشيع للجنازة خلفها وعن جنبيها، ولا يتقدمها مع ~~الاختيار. # فإذا صلي عليه حمل إلى قبره، فيترك عند رجلي القبر إن كان رجلا وقدام ~~القبر إن كانت امرأة، ثم ينزل إلى القبر من يأمره الولي بحسب الحاجة، فيؤخذ ~~الميت من عند رجلي القبر والمرأة من قدامه فيسل سلا ويوضع في لحده ويحل عنه ~~عقد كفنه، ويلقنه الذي يدفنه الشهادتين والاقرار بالنبي والأئمة ~~PageV00P249 # عليهم السلام ثلاث مرات، ثم يضع معه شيئا من تربة الحسين عليه السلام في ~~وجهه ويضع خده على ms191 التراب، ثم يشرج اللبن عليه 1) ويخرج من عند رجلي القبر ~~ويطم القبر ويرفع من الأرض مقدار أربع أصابع مفرجات ولا يعلى أكثر من ذلك ~~ولا يطرح فيه من غير ترابه. # ويستحب لمن حضره أن يطرح بظهر كفه ثلاث مرات التراب ويترحم عليه، فإذا ~~فرغ من تسوية القبر رش الماء على القبر من جوانبه ويترحم عليه من حضر ~~وينصرف ويتأخر الولي أو من يأمره الولي فيعيد عليه التلقين فإنه يكفي مسألة ~~القبر إنشاء الله. ### ||| فصل (في ذكر الأغسال المسنونة) #المسنونات من الأغسال يوم الجمعة، وليلة ~~النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة ~~من شهر رمضان، وليلة النصف وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة وليلة إحدى ~~وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة الفطر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى. # وغسل الإحرام، وعند دخول الحرم، وعند دخول مسجد النبي عليه وآله السلام، ~~وعند زيارة النبي، وعند زيارة الأئمة عليهم السلام، ويوم الغدير ويوم ~~المباهلة، وغسل التوبة، وغسل المولود، وغسل قاضي صلاة الكسوف إذا احترق ~~القرص كله وتركها متعمدا، وعند صلاة الحاجة، وعند صلاة الاستخارة. PageV00P250 ### ||| فصل (في ذكر التيمم وأحكامه) #التيمم طهارة ضرورة ولا يجوز فعله إلا عند ~~عدم الماء أو عدم ما يتوصل به إلى الماء من آلة ذلك أو ثمنه أو المرض ~~المانع من استعماله أو عند الخوف من استعماله من البرد أو العدو، إما على ~~النفس أو المال. # فإذا حصل شئ من هذه الأشياء جاز التيمم، غير أنه لا يجوز التيمم قبل دخول ~~الوقت ولا بعد دخول الوقت إلا في آخر الوقت، وحين الخوف من فوت الصلاة. # ولا بد من طلب الماء يمينا وشمالا وحيث يغلب في الظن وجود الماء فيه مع ~~زوال الخوف ويصح التمكن. # ولا يصح التيمم إلا بما يسمى أرضا بالإطلاق من الحجر والمدر والتراب. # وإذا أراد التيمم فليضرب بيده جميعا على الأرض، سواء كان عليها تراب أو ~~لم يكن، مفرجا أصابعه، وينفضهما ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف ~~أنفه، ويمسح بباطن ms192 كفه اليسرى ظهر يده اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع. # هذا إذا كان عليه وضوء، وإذا كان عليه غسل فليضرب بيديه دفعتين، دفعة ~~يمسح بهما وجهه على ما قلناه، وثانية يمسح بهما يديه على ما وصفناه. # والترتيب واجب فيه أيضا، وكذلك النية، غير أنه لا ينوي رفع الحدث فإن ~~الحدث باق وإنما ينوي استباحة الدخول في الصلاة. # ويستبيح بالتيمم كلما يستبيح بالوضوء أو الغسل من صلوات الليل والنهار ~~PageV00P251 # ما لم يحدث، وكلما ينقض الوضوء ينقض التيمم، وينقضه زائدا عليه التمكن من ~~استعمال الماء. ### ||| فصل (في ذكر المياه وأحكامها) #الماء على ضربين: مطلق، ومضاف. # فالمضاف كلما استخرج من جسم أو كان مرقة، نحو ماء الباقلي وماء الآس وماء ~~الخلاف وغير ذلك. وما كان مرقة - نحو ماء الباقلي - فالمضاف لا يجوز ~~استعماله في إزالة حدث ولا إزالة خبث ويجوز استعماله فيما عدا ذلك ما لم ~~ينجس، فإذا نجس فلا يجوز استعماله قليلا كان أو كثيرا. # والمطلق هو ما يسمى ماءا بالإطلاق، سواء كان عذبا أو ملحا وعلى كل حال. # وهو على ضربين: جار، وراكد. # فالجاري بنفسه طاهر مطهر لا ينجسه شئ إلا نجاسة تغير لونه أو طعمه أو ~~رائحته، فإذا تغير شئ من ذلك فلا يجوز استعماله. # والواقف على ضربين: ماء البئر المعينة، وماء غير البئر. فماء غير البئر ~~على ضربين: قليل وكثير. فالقليل ما نقص عن كر، والكثير ما بلغه أو زاد ~~عليه. # والقليل ينجس بأي نجاسة تحصل فيه، ولا يجوز استعماله بحال، سواء تغير أحد ~~أوصافه أو لم يتغير. والكثير لا ينجس بنجاسة تحصل فيه إلا إذا غيرت أحد ~~أوصافه، فإذا تغير أحد أوصافه فلا يجوز استعماله بحال. PageV00P252 # والكر ألف ومائتا رطل بالعراقي 1)، أو ما كان قدره ثلاثة أشبار ونصف طولا ~~في عرض في عمق. وفي أصحابنا من اعتبر أرطال المدينة، وبالأول تشهد ~~الروايات. # وماء البئر المعينة فإنها تنجس بما يحصل من النجاسة فيها تغير ماؤها أو ~~لم يتغير، غير أنه يمكن تطهيرها بنزح بعضها. # وما يقع فيها على ضربين: ms193 # أحدهما يوجب نزح جميعها، نحو الخمر وكل شراب مسكر والفقاع والمني ودم ~~الحيض والاستحاضة والنفاس والبعير إذا مات فيه وكل نجاسة تغير أحد أوصاف ~~الماء. # وما يوجب نزح بعضه. وكل شئ له مقدار معين قد ذكرناه في النهاية وغير ذلك ~~من كتبنا لا نطول بذكره ههنا. ### ||| فصل (في ذكر النجاسات ووجوب إزالتها عن الثياب والأبدان) #النجاسة على ~~ثلاثة أضرب: أحدها يجب إزالة قليلها وكثيرها، والثاني لا يجب إزالة قليلها ~~ولا كثيرها، والثالث يجب إزالتها على وجه دون وجه. # فما يجب إزالة القليل والكثير فالبول والغائط والمني من كل حيوان وكل ~~شراب مسكر خمرا كان أو نبيذا والفقاع ودم الحيض والنفاس والاستحاضة. # وما لا يجب إزالة قليله ولا كثيره نحو دم السمك ودم البق والبراغيث ودم ~~القروح الدامية والجراح اللازمة. PageV00P253 # وما يجب إزالته على وجه دون وجه هو باقي الدماء من الرعاف والفصد وسائر ~~دماء الحيوان. # وكل ما لا يؤكل لحمه وما أكل لحمه من البهائم والطيور، لا بأس ببوله ~~وذرقه إلا ذرق الدجاجة خاصة فإنه يجب إزالته. # ويجب غسل الإناء من سائر النجاسات ثلاث مرات، ومن ولوغ الكلب مثل ذلك، ~~غير أن إحداها - وهي الأولى - بالتراب. وتغسل أواني الخمر سبع مرات، وروي ~~مثل ذلك في الفأرة إذا ماتت في الإناء، وما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء ~~إذا مات فيه. # والحيوان على ضربين: ابن آدم، وغير ابن آدم. فابن آدم طاهر السؤر إلا من ~~كان محكوما بكفره فإنه نجس السؤر، سواء كان كافر أصل أو كافر ملة. # وغير ابن آدم على ضربين: طير، وغير طير. فسؤر الطير كله طاهر إلا ما أكل ~~الجيف أو كان في منقاره أثر دم. # وغير الطير على ضربين: نجس العين، ونجس الحكم. فنجس العين هو الكلب ~~والخنزير، فإنه نجس العين نجس السؤر نجس اللعاب. # وما عداه على ضربين: مأكول، وغير مأكول. فما ليس بمأكول كالسباع وغيرها ~~من المسوخات مباح السؤر وهو نجس الحكم، وهو مباح الأكل فهو طاهر مباح السؤر ~~مباح اللعاب طاهر الروث ms194 والبول، وما هو مكروه الأكل فهو مكروه السؤر مكروه ~~البول والروث. وتفصيل ذلك ذكرناه في كتبنا. PageV00P254 ### || كتاب الصلاة ### ||| فصل (في ذكر أعداد الصلاة) #الصلوات المفروضات في اليوم ~~والليلة خمس صلوات سبع عشرة ركعة في الحضر وفي السفر إحدى عشرة ركعة: الظهر ~~أربع ركعات بتشهدين وتسليمة في الرابعة، وفي السفر ركعتان بتشهد وتسليم ~~بعده، وكذلك العصر والعشاء الآخرة، والمغرب ثلاث ركعات بتشهدين وتسليم في ~~الثالثة، والغداة ركعتان بتشهد وتسليمة بعده في السفر والحضر لا يقصران على ~~الحال. # والنوافل في الحضر أربع وثلاثون ركعة، وفي السفر سبع عشرة ركعة فنوافل ~~الظهر والعصر ست عشرة ركعة ثمان قبل الفرض وثمان بعد الفرض كل ركعتين بتشهد ~~وتسليم بعده، ويسقط جميعه في السفر. ونوافل المغرب أربع ركعات بتشهدين بعده ~~في السفر والحضر، وركعتان من جلوس بعد PageV00P255 # العشاء الآخرة تعدان بركعة يسقطان في السفر، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل ~~كل ركعتين بتشهد بعده، والمفردة من الوتر بتشهد وتسليم بعده، وركعتان نوافل ~~الفجر يثبت جميع ذلك في الحضر والسفر. ### ||| فصل (في ذكر المواقيت) #لكل صلاة من الفرائض الخمس وقتان أول وآخر: فأول ~~الوقت هو الأفضل، وهو وقت من لا عذر له. والآخر وقت من له عذر. # فأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وآخره إذا زاد الفئ أربعة أسباع الشخص أو ~~يصير ظل كل شئ مثله. # وأول وقت العصر عند الفراغ من فريضة الظهر، وآخره إذا صار ظل كل شئ ~~مثليه، وعند العذر إلى أن يبقى من النهار مقدار ما يصلي أربع ركعات. # وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس، وعلامة غروبها زوال الحمرة من ناحية ~~المشرق، وآخره إذا غاب الشفق، وهو زوال الحمرة من المغرب وعند الضرورة إلى ~~ربع الليل. # وأول وقت العشاء الآخرة ذهاب الشفق الذي وصفناه، وآخره ثلث الليل وروي ~~نصف الليل. # وأول وقت فريضة الغداة عند طلوع الفجر الثاني، وآخره طلوع الشمس. # خمس صلوات تصلى على كل حال ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، ومن فاتته صلاة ~~فريضة فوقتها حين يذكرها ما لم يدخل وقت ms195 فريضة والصلاة الكسوف وصلاة ~~الجنازة وركعتا الإحرام وركعتا الطواف. # ويكره ابتداء النافلة في خمسة أوقات: بعد فريضة الغداة عند طلوع ~~PageV00P256 # الشمس، وعند وقوف الشمس في وسط السماء إلا يوم الجمعة، وبعد العصر وعند ~~غروب الشمس. # وأما صلاة لها سبب كتحية المسجد أو زيارة مسجد أو قضاء نافلة فلا بأس بها ~~في هذه الأوقات. ### ||| فصل (في ذكر القبلة وأحكامها) #الكعبة قبلة من كان في المسجد الحرام، ~~والمسجد قبلة من كان في الحرم، والحرم قبلة من كان في الآفاق. # فأهل العراق ومن يصلي إلى قبلتهم يتوجهون إلى الركن العراقي، وعليهم ~~التياسر قليلا، وليس على من يتوجه إلى غير هذا الركن ذلك، فإن أهل اليمن ~~يتوجهون إلى الركن اليماني، وأهل المغرب إلى الركن المغربي، وأهل الشام إلى ~~الركن الشامي. # ويمكن أهل العراق أن يعرفوا قبلتهم بكون الجدي خلف منكبهم الأيمن أو كون ~~الشفق محاذيا للمنكب الأيمن، أو الفجر محاذيا للمنكب الأيسر، أو عين الشمس ~~عند الزوال بلا فصل على حاجبه الأيمن. # فإذا فقدت هذه الأمارات صلى صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات فإن لم ~~يقدر صلى إلى أي جهة شاء. # ومن صلى على الراحلة نافلة استقبل بتكبيرة الإحرام القبلة. ثم يصلي إلى ~~رأس الراحلة. ومن صلى في السفينة ودارت صلى مثل ذلك، ومن صلى صلاة شدة ~~الخوف صلى مثل ذلك. PageV00P257 ### ||| فصل (في ستر العورة) #العورة عورتان: مغلظة، ومخففة. فالمغلظة السوءتان، ~~فمن شرط صحة الصلاة سترهما على الرجال. والمخففة ما بين السرة إلى الركبة ~~فإنه مستحب ستر جميع ذلك. # وأما المرأة الحرة فإن جميع بدنها عورة يجب عليها ستره في الصلاة، ولا ~~تكشف غير الوجه فقط. فإن كانت مملوكة جاز أن تصلي مكشوفة الرأس. # وإن صلى الرجل في ثوب صفيق 1) فهو أفضل. ### ||| فصل (في ذكر ما تجوز الصلاة فيه من المكان واللباس) #الأرض كلها مسجد تجوز ~~الصلاة فيها إلا ما كان مغصوبا أو نجسا، فإن كان موضع السجود طاهرا جازت ~~الصلاة فيها ما لم تتعد النجاسة إلى بدنه لكونه رطبة. # وتكره الصلاة بين ms196 المقابر وفي أرض الرمل والسبخة 2) ومعاطن الإبل 3) وقرى ~~النمل وجوف الوادي وجواد الطريق 4) والحمامات، وفي طريق مكة بوادي ضجنان ~~ووادي الشقرة والبيداء وذات الصلاصل. PageV00P258 # وتكره الفريضة جوف الكعبة، والنوافل تستحب فيها. # وينبغي أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يمر به ساترا ولو عنزة 1). # ولا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما ليس بمأكول ولا ~~ملبوس لبني آدم بمجرى العادة. ومن شرطه أن يكون مباح التصرف فيه، وأن يكون ~~خاليا من نجاسة. # وتجوز الصلاة في اللباس ما كان من قطن أو كتان وجميع ما ينبت في الأرض، ~~وفي الخز الخالص وفي الصوف والشعر والوبر مما يؤكل لحمه. # وفي جلد ما يؤكل لحمه إذا كان مذكى، وإن كان ميتا فلا يجوز، وإن دبغ فإنه ~~لا يطهر بالدباغ. وينبغي أن يكون ملكا أو في حكم الملك، ويكون خاليا من ~~نجاسة مانعة من الصلاة فيها مما قدمنا ذكره. # وما لا تتم الصلاة فيه منفردا كالتكة والجوراب والقلنسوة والخف جاز أن ~~يكون فيها نجاسة، والتنزه عن ذلك أفضل. ### ||| فصل (في الأذان والإقامة) #هما مسنونان مؤكدان في الصلوات الخمس، واجبان ~~في صلاة الجماعة لا تنعقد الجماعة إلا بهما، ولا يفعلان لشئ من النوافل. # وهما خمس وثلاثون فصلا: الأذان ثمانية عشر فصلا، والإقامة سبعة عشر فصلا. ~~فالأذان أربع تكبيرات في أوله، والاقرار بالتوحيد مرتين، والاقرار بالنبي ~~مرتين، والدعاء إلى الصلاة مرتين، وإلى الفلاح مرتين، وإلى خير العمل ~~مرتين، وتكبيرتان في آخره، والتهليل مرتين. والإقامة مثل ذلك، PageV00P259 # وتسقط تكبيرتان من أوله، ويردد بدلهما " قد قامت الصلاة " مرتين، ويسقط ~~التهليل مرة. # والترتيب فيهما واجب. # ويستحب أن يكون المؤذن على طهارة، ويستقبل القبلة، ولا يتكلم في خلاله مع ~~الاختيار، ولا يكون ماشيا ولا راكبا، ويرتل الأذان ويحدر الإقامة 1)، ولا ~~يعرب أواخر الفصول، ويفصل بين الأذان والإقامة بجلسة أو سجدة أو خطوة. # وكل هذه سنة غير واجبة، وأشدها تأكيدا في الإقامة. ومن شرط صحتها دخول ~~الوقت. ### ||| فصل (فيما يقارن حال الصلاة) #أول ما يجب من أفعال الصلاة المقارنة ms197 لها ~~النية، ووقتها حين يريد استفتاح الصلاة. وكيفيتها أن ينوي الصلاة التي يريد ~~أن يصليها - فرضا كان أو نفلا - ويعين الفرض أيضا فرض الوقت أو القضاء. ~~مثاله: أن يريد صلاة الظهر فينبغي أن ينوي صلاة الظهر على وجه الأداء دون ~~القضاء متقربا بها إلى الله، وكذلك باقي الصلوات. وينبغي أن يستديم حكم هذه ~~النية إلى وقت الفراغ من الصلاة، ولا يعقد في خلال الصلاة نية تخالفها فإنه ~~يفسد ذلك صلاته. # ويستفتح الصلاة بقوله " الله أكبر "، ولا تنعقد الصلاة إلا بهذا اللفظ ~~المخصوص، ولا تنعقد بغيره من الألفاظ وإن كان بمعناه. وتكبيرة الإحرام ~~فريضة بها تنعقد الصلاة، فإن أراد السنة في الفضيلة كبر ثلاث مرات، ويرفع ~~عند كل تكبيرة PageV00P260 # يديه إلى حد شحمتي أذنيه، ويقول بعد الثلاث تكبيرات " اللهم أنت الملك ~~الحق لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت ". # ثم يكبر تكبيرتين أخريين مثل ما قدمناه ويقول " لبيك وسعديك والخير في ~~يديك والشر ليس إليك لا ملجأ ولا منجا ولا مفر إلا إليك، سبحانك وحنانيك ~~سبحانك رب البيت ". # ثم يكبر تكبيرتين أخريين ويقول بعدهما " وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض على ملة إبراهيم ودين محمد وولاية أمير المؤمنين وما أنا من ~~المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ". # والفرض من ذلك تكبيرة واحدة، وهي التي ينوي بها الدخول في الصلاة، ~~والأولى أن تكون الأخيرة، ثم يتعوذ فيقول " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~"، ثم يستفتح الحمد فيقول " بسم الله الرحمن الرحيم " يرفع بها صوته سواء ~~كانت الصلاة يجهر فيها أو لم يجهر، فإن ثلاث صلوات يجب فيها الجهر بالقراءة ~~المغرب وعشاء الآخرة وصلاة الغداة، وصلاتان لا يجهر فيهما بالقراءة وهما ~~الظهر والعصر، فما يجهر فيها وجوبا يجب فيها الجهر ب‍ " بسم الله الرحمن ~~الرحيم " وما لا يجهر يستحب فيها ذلك. # ثم يقرأ الحمد، لا بد منها في كل صلاة فرضنا كانت أو ms198 نفلا، لا تصح الصلاة ~~إلا بقراءتها. وفي الفرض يجب قراءة الحمد وسورة لا أقل منها ولا أكثر في ~~الركعتين الأوليين والأخيرتين، والثالثة من المغرب هو مخير بين قراءة. # الحمد وبين قول " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " ~~ثلاث مرات أيها فعل فقد أجزأه. PageV00P261 # والسورة التي يقرأه مع الحمد ليست معينة، بل يقرأ ما شاء من السور، إلا ~~أربع سور، وهي: ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. # فإن فيها سجودا فرضا لا يقر أن في الفرائض. ولا يقرأ أيضا سورة طويلة ~~يخرج الوقت بقراءتها، بل يقرأ سورة وسطا من المفصل، وأفضل ما يقرأ " الحمد ~~" و " إنا أنزلناه " وفي الثانية " قل هو الله أحد ". # وقد خص غداة الاثنين والخميس بهل أتى على الإنسان، وفي ليلة الجمعة في ~~المغرب بسورة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي العشاء الآخرة الحمد وسورة ~~الأعلى، وفي غداة يوم الجمعة قل هو الله أحد، وفي الظهر والعصر بالجمعة ~~والمنافقين، وفي باقي الصلوات ما شاء من السور إلا أنه يكون في صلاة الغداة ~~وفي العشاء الآخرة أدون منها، وفي المغرب سوره خفيفة، ومثل ذلك في الظهر ~~والعصر والغداة لا تصح الصلاة إلا معها مع الاختيار والامكان. # وينبغي أن يكون في حال قيامه ناظرا إلى موضع سجوده ولا يلتفت يمينا ولا ~~شمالا فإن ذلك نقصان في الصلاة، ولا يلتفت إلى ما وراءه فإنه يفسدها، ولا ~~يتمط في صلاته ولا يتثأب ولا يفرقع أصابعه ولا يعبث بلحيته ولا بشئ من ~~جوارحه، ولا يفعل فعلا كثيرا ينافي الصلاة. # فإذا فرغ من القراءة فليركع بالتكبير، والركوع ركن في الصلاة، ويطأطئ ~~رأسه ويسوي ظهره ويمد عنقه ويكون نظره إلى ما بين رجليه ويسبح فيقول " ~~سبحان ربي العظيم وبحمده " ثلاث مرات، وإن قالها خمسا أو سبعا كان أفضل ~~وواحدة تجزي، ولا يجوز تركها، ومن لم يذكر شيئا أصلا مع الامكان فسدت ~~صلاته. # ثم يرفع رأسه فيقول " سمع الله لمن حمده " وينتصب قائما فيقول " الحمد ~~لله رب العالمين ". PageV00P262 # ثم يرفع ms199 يده بالتكبير ويهوي بها إلى السجود ويتلقى الأرض بيديه مع ~~الاختيار، ويسجد على سبعة أعظم فريضة الجبهة واليدين والركبتين وأطراف ~~أصابع رجليه، ويرغم بأنفه سنة، ويقول في سجوده " سبحان ربي الأعلى وبحمده " ~~ثلاث مرات أو خمسا أو سبعا، وواحدة تجزي، وإن لم يقل شيئا فسدت صلاته. وإن ~~جمع بين دعاء الركوع ودعاء السجود في الركوع والسجود وبين التسبيح كان ~~أفضل. # ثم يرفع رأسه بالتكبير ويستوي جالسا ويقول " اللهم اغفر لي وارحمني ~~وأجرني واهدني وارزقني فإني لما أنزلت إلي من خير فقير ". # ثم يرفع يديه بالتكبير ويعود إلى السجدة الثانية ويفعل فيها ما فعل في ~~الأولى سواء. # ثم يرفع رأسه بالتكبير ويجلس ثم يقوم، وإن قام من السجود إلى الركعة ~~الثانية كان جائزا، فإذا استوى قائما قرأ الحمد وسورة. # ثم يرفع يده بالتكبير للقنوت ويدعو بما أراد في قنوته، وأفضل ما يقول فيه ~~كلمات الفرج، وهي " لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي ~~العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما ~~بينهن وما تحتهن ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين "، وإن قال غير ~~ذلك كان جائزا. # ثم يكبر للركوع ويصلي الركعة الثانية كما وصفناه للركعة الأولى. # ثم يجلس للتشهد، وينبغي أن يكون جلوسه متوركا على وركه الأيسر ويجعل ظاهر ~~قدم رجله اليمنى على باطن رجله اليسرى، ثم يتشهد. والتشهد فرض الأول ~~والثاني، وأقل ما يجزي فيه الشهادتان والصلاة على النبي وآله عليهم السلام، ~~وإن قال " بسم الله وبالله، والأسماء الحسنى كلها لله، أشهد ألا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على ~~PageV00P263 # محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في أمته وارفع درجته " كان أفضل. # ثم يسلم إن كانت الصلاة ثنائية كالغداة، وإن كانت ثلاثية كالمغرب أو ~~رباعية كالظهر والعصر والعشاء الآخرة قام إليها فيتم صلاته. فإذا جلس في ~~التشهد الثاني قال ما ذكرناه، وإن زاد فيه التحيات كان فيه فضل. # ثم يسلم إن كان إماما تسليمة ms200 واحدة تجاه القبلة ويومي بطرف أنفه إلى ~~يمينه وإن كان منفردا مثل ذلك، وإن كان مأموما سلم يمينا وشمالا إن كان على ~~يساره إنسان، وإن لم يكن على يساره أحد أجزأه التسليم عن يمينه، وإن كانت ~~الصلاة نافلة يسلم في كل ركعتين، ولا يصل أكثر منهما بتشهد ولا بتسليم على ~~حال. # فإذا سلم في الفرائض عقب بعد التسليم بما أراد من الدعاء لنفسه ولاخوانه ~~ولدينه ودنياه، ولا يترك تسبيح الزهراء عليها السلام، وهو أربع وثلاثون ~~تكبيرة وثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة تمام المائة. # فإذا فرغ من التعقيب سجد سجدتي الشكر، ويقول فيها ثلاث مرات " شكرا لله ~~شكرا لله "، فإن قال مائة مرة كان أفضل. # وعلى هذا الشرح يصلي الخمس صلوات فرائضها ونوافلها، لا نطول بذكر صلاة ~~صلاة، فإن فيما ذكرناه كفاية إنشاء الله. ### ||| فصل (في ذكر قواطع الصلاة) # كل شئ ينقض الوضوء متى عرض في خلال الصلاة ~~فإنه يقطعها ويجب منها استينافا، وقد قدمنا ذكر ما ينقض الطهارة فلا وجه ~~لإعادته. # ويقطع الصلاة الكلام متعمدا، والفعل الكثير الذي ليس من أفعال الصلاة ~~PageV00P264 # والتكتف يقطع الصلاة من غير تقية ولا خوف وهو وضع اليمين على الشمال وقول ~~" آمين " آخر الحمد مثل ذلك، والالتفات بالكلية مثل ذلك، والقهقهة مثل ذلك، ~~والتأفيف والتأنين مثل ذلك. كل هذه الأشياء يفسد الصلاة. # وأما الالتفات يمينا وشمالا والتثاءب والتمطي والعبث باللحية أو بشئ من ~~جوارحه وفرقعة الأصابع والاقعاء بين السجدتين والتبصق والتنخم ونفخ موضع ~~السجود ومدافعة الأخبثين، فإن جميع ذلك نقصان في الصلاة وإن لم يفسدها. ### ||| فصل (في حكم السهو) #غلبة الظن لفعل الصلاة يقوم مقام العلم فيبنى عليه، ~~ولا حكم للسهو عليه معه فإنما يكون السهو حكم تساوي الظن أو الشك المحض، ~~وعند ذلك فهو على خمسة أقسام: أحدها يوجب الإعادة، والثاني يوجب التلافي، ~~والثالث لا حكم له، والرابع يوجب الاحتياط، والخامس يوجب سجدتي السهو. # والذي يوجب الإعادة على كل حال من صلى بغير طهارة، أو صلى قبل دخول ~~الوقت، أو صلى مستدبر القبلة، ms201 أو صلى إلى يمينها أو شمالها مع بقاء الوقت. ~~ومن صلى في مكان مغصوب مع العلم به مختارا، ومن صلى في ثوب نجس مع تقدم ~~علمه بذلك، ومن ترك النية أو تكبيرة الإحرام أو ترك الركوع حتى يسجد، ومن ~~ترك سجدتين في ركعة حتى يركع فيما بعدهما في الأوليين، ومن زاد ركوعا أو ~~زاد سجدتين في الأولتين، ومن زاد ركعة ومن شك في الأولتين من الرباعية فلا ~~يدري كم صلى أو شك في الغداة أو المغرب أو صلاة السفر أو صلاة الجمعة مثل ~~ذلك. ومن نقص ركعة فصاعدا PageV00P265 # حتى يتكلم أو استدبر القبلة، ومن شك فلا يدري كم صلى فهؤلاء يجب عليهم ~~الاستيناف. # وأما ما يوجب التلافي - إما في الحال أو فيما بعد - من سها عن قراءة ~~الحمد حتى قرأ سورة أخرى قرأ الحمد وأعاد سورة، ومن سها عن قراءة سورة بعد ~~الحمد قبل أن يركع قرأ ثم ركع، ومن شك في القراءة وهو قائم قرأ، ومن سها في ~~تسبيح الركوع وهو راكع سبح، ومن شك في الركوع وهو قائم ركع، فإن ذكر أنه ~~كان ركع أرسل نفسه ولا يرفع رأسه، ومن شك في السجدتين أو واحدة منهما قبل ~~أن يقوم سجدهما أو واحدة، ومن ترك التشهد الأول وذكر وهو قائم رجع فتشهد، ~~فإن لم يذكر حتى ركع مضى في صلاته ثم قضاه بعد التسليم، ومن نسي التشهد ~~الأخير حتى يسلم قضاه بعد التسليم. # وأما ما لا حكم له يبني على ما شاء، والبناء على الأقل أفضل. ومن سها في ~~سهو فلا حكم له، ومن سها في صلاة خلف إمام يقتدى به لا سهو عليه، وكذلك لا ~~سهو على الإمام إذا حفظ عليه من خلفه، ومن شك في شئ وقد انتقل إلى غيره فلا ~~حكم له، نحو من شك في تكبيرة الإحرام في حال القراءة أو في القراءة في حال ~~الركوع أو في الركوع في حال السجود أو في السجود وقد قام إلى الثانية أو شك ~~في تسبيح الركوع أو ms202 السجود وقد رفع رأسه منهما أو شك في التشهد الأول وقد ~~قام إلى الثالثة، ومن سها عن ركوع الأخيرتين وسجد بعده ثم ذكر حذف السجود ~~وأعاد الركوع، وكذلك من ترك السجدتين في واحدة منهما بنى على الركوع في ~~الأولى وسجد السجدتين. # وأما ما يوجب الاحتياط فمثل من شك فلا يدري صلى ركعتين أو أربعا بنى على ~~الأربع وسلم ثم صلى ركعتين من قيام، إن كان صلى أربعا كانت PageV00P266 # هاتان نافلة وإن كان صلى اثنتين كانت هاتان تمام الصلاة. وكذلك إن شك بين ~~الثلاث والأربع أو بين الثنتين والثلاث بنى على الأكثر، فإذا سلم قام فصلى ~~ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس لمثل ما ذكرناه. وإن شك بين الثنتين ~~والثلاث والأربع بنى على الأربع وصلى ركعتين من قيام وركعتين من جلوس لمثل ~~ما قلناه. # وأما ما يوجب سجدتي السهو فمثل من تكلم في الصلاة ساهيا أو سلم في التشهد ~~الأول من الرباعيات أو المغرب، ومن ترك واحدة من السجدتين حتى يركع فيما ~~بعد قضاها بعد التسليم وسجد سجدتي السهو، ومن شك بين الأربع والخمس بنى على ~~الأربع وسجد سجدتي السهو في هذه المواضع. # وموضع سجدتي السهو بعد التسليم، يقول فيهما " بسم الله وبالله السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته "، ويتشهد بعدهما تشهدا خفيفا يقتصر ~~على الشهادتين والصلاة على النبي وآله ويسلم. # وفي أصحابنا من يقول: سجدتي السهو في كل زيادة أو نقصان على وجه السهو. ### ||| فصل (في حكم الجمعة) #صلاة الجمعة فريضة بلا خلاف، إلا أن لها شروطا منها: ~~حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان العادل للصلاة بالناس، ويجتمع ~~العدد سبعة وجوبا أو خمسة ندبا، وأن يكون بين الجمعتين ثلاثة أميال فصاعدا، ~~وأن يخطب خطبتين. وأقل ما يخطب به أربعة أشياء: الحمد لله، والصلاة على ~~النبي وآله والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين. PageV00P267 # ويسقط فرض الجمعة عن المرأة، ومن ليس بكامل العقل من الصبيان والمجانين، ~~وعن المملوك، وعن المريض، وعن الأعمى، وعن الأعرج الذي لا يقدر ms203 على المشي، ~~وعن الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الحضور، وعن المسافر، وعمن بينه وبين ~~الموضع أكثر من فرسخين. ### ||| فصل (في ذكر الجماعة) # صلاة الجماعة فيها فضل كثير وثواب جزيل، وروي أنها ~~تفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين صلاة، إلا أنها ليست بفريضة بلا خلاف ~~إلا في الجمعة على ما بيناه. # ولا تنعقد الجماعة إلا بشرطين: أحدهما الأذان والإقامة، الثاني أن يكونا ~~اثنين فصاعدا. # فإذا أرادوا صلاة الجماعة فليس يخلو أن يكونا اثنين أو ما زاد عليهما، ~~فإن كانا اثنين لم يخلو أن يكونا رجلين أو امرأتين أو رجلا وامرأة، فإن كان ~~رجلين مستوري العورة قام المأموم عن يمين الإمام، وإن كان رجلا وامرأة قامت ~~المرأة خلف الإمام، وإن كانا امرأتين قامت المأمومة عن يمين الإمامة. # وإن كانوا جماعة ليس يخلو أن يكونوا رجالا بلا نساء أو نساءا بلا رجال أو ~~رجالا ونساءا، فإن كانوا رجالا بلا نساء لا يخلو أن يكونوا عراة أو مستوري ~~العورة فإن كانوا مستوري العورة أو فيهم من هو مستور العورة تقدم فصلى بهم ~~وصلى الباقون خلفه من جلوس إن كان يصلح للإمامة، وإن كانوا كلهم عراة صلوا ~~من جلوس ووقف الإمام في وسطهم ويبرز عنهم بمقدار ركبتيه ويصلون كلهم من ~~جلوس يركعون ويومون إلى السجود، وإن كانوا رجالا ونساءا قام النساء خلف ~~الرجال، وإن PageV00P268 # كن نساءا بلا رجال قامت الإمامة في الوسط ولا تتقدمهن بحال. # وينبغي أن يكون الإمام مؤمنا عدلا مرضيا اقرأ الجماعة، فإن كانوا سواء في ~~القراءة فأفقههم، فإن كانوا في الفقه سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا فقهاء ~~سواء فأسنهم، فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها. # ولا يؤم بالناس ولد الزنا، ولا المحدود، ولا المفلوج بالأصحاء، ولا ~~المقيد بالمطلقين، ولا القاعد بالقيام، ولا المجذوم بالأصحاء، ولا الأبرص ~~بمن ليس بأبرص، والأعرابي بالمهاجرين، ولا المتيمم بالمتوضين، ولا المسافر ~~بالحاضرين. ### ||| فصل (في صلاة الخوف) #صلاة الخوف على ضربين: أحدهما صلاة شدة الخوف، ~~والآخر صلاة الخوف. # فصلاة شدة الخوف هو إذا كان في المسلمين ms204 قلة لا يمكنهم أن ينقسموا قسمين، ~~فعند ذلك يصلون فرادى إيماءا ويكون سجودهم على قربوس سرجهم فإن لم يتمكنوا ~~من ذلك ركعوا وسجدوا بالإيماء ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، فإن زاد على ~~ذلك أجزأهم عن كل ركعة تسبيحة واحدة " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ". # وإن لم يبلغ الخوف إلى ذلك الحد وأرادوا أن يصلوا فرادى صلى كل واحد منهم ~~صلاة تامة الركوع والسجود. # وإن أرادوا أن يصلوا جماعة نظروا فإن كان العدو في جهة القبلة وأمكنهم أن ~~يصلوا موضعا واحدا عليهم أسلحتهم، فإذا ركع الإمام بقوم وقف قوم، ~~PageV00P269 # وإذا وقف بقوم وقفت طائفة، فإذا قاموا من السجود سجد من خلفهم ولحقوهم ~~فيصلي بهم الإمام واحدة على هذا الوصف. # وإن كان العدو في خلاف وجه القبلة فإن كان في المسلمين كثرة يمكنهم أن ~~ينقسموا قسمين انقسموا كذلك على كل فرقة سلاحهم، فتقف فرقة بإزاء العدو ~~والأخرى خلف الإمام، فيستفتح بهم الإمام ويصلي بهم ركعة، فإذا قام في ~~الثانية طول في قراءته وخفف من خلفه الركعة الثانية وتشهدوا وسلموا وقاموا ~~إلى موقف أصحابهم ويجئ أولئك فيستفتحون الصلاة، فيصلي بهم الإمام الركعة ~~الثانية له وهي أولة لهم، فإذا جلس للتشهد طول وقام من خلفه وصلوا ركعة ~~أخرى، فإذا جلسوا سلم بهم الإمام. فتكون للفرقة الأولى تكبيرة الإحرام ~~وركعة وللأخرى الركعة الثانية مع التسليم. # هذا إذا كانت الصلاة الرباعية فإنها تقتصر بنفس الخوف من غير سفر وكذلك ~~صلاة الغداة، وإن كانت صلاة المغرب صلى بالفرقة الأولى ركعة وبالأخرى ~~ركعتين، وإن صلى بالأولى ركعتين وبالفرقة الثانية ركعة كان جائزا والأول ~~أحوط. وإن كان فيهم قلة صلى كل واحد منهم على الانفراد. ### ||| فصل (في ذكر صلاة العيد والاستسقاء) #صلاة العيد عندنا واجبة عند تكامل ~~شروطها، وشروطها شروط الجمعة سواء، وكل موضع تجب فيه الجمعة تجب فيه صلاة ~~العيد، وكل موضع تسقط الجمعة تسقط صلاة العيد لا فرق بينهما. # وهي مستحبة على الانفراد، وإذا كانت لا يجب قضاؤها ولا بدل لها. # ووقتها ms205 من انبساط الشمس إلى زوال الشمس، فإذا زالت فقد فات وقتها. ~~PageV00P270 # ليس لها أذان ولا إقامة، بل يقول المؤذن ثلاث مرات " الصلاة الصلاة ~~الصلاة "، وهما ركعتان باثنتي عشرة تكبيرة: سبع في الأولى منها تكبيرة ~~الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس منها تكبيرة الركوع. # يستفتح الصلاة بتكبيرة الإحرام، ويقرأ الحمد وسورة الأعلى أو غيرها من ~~السور، ثم يكبر ويقنت بعدها بما شاء، ثم يكبر ثانية وثالثة ورابعة وخامسة ~~مثل ذلك، ثم يكبر تمام السابعة ويركع بها. فإذا قام إلى الثانية قرأ الحمد ~~والشمس وضحاها أو غير ذلك، ثم يكبر أربع تكبيرات يقنت بعد كل تكبيرة ويكبر ~~الخامسة ويركع بعدها. # والخطبتان فيها بعد الفراغ من الصلاة، ويستحب استماعهما وإن لم يكن ذلك ~~واجبا، وهي مثل خطبة الجمعة سواء. # وتصلى هذه الصلاة في الصحراء في سائر البلاد، إلا بمكة فإنها تصلى في ~~المسجد الحرام. # وصلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وهي مثل صلاة العيد في العدد والصفة والكيفية ~~سواء، والخطبة فيها أيضا بعد الصلاة، فإذا سلم كبر الله مائة مرة تجاه ~~القبلة، ويحمده مائة مرة عن يمينه، ويسبح الله مائة مرة عن يساره، ويستقبل ~~الناس ويهلل الله مائة مرة، ويفعل ذلك معه كل من حضر، ثم يخطب حسب ما ~~قدمناه. # ويستحب أن يخرج الصبيان والبله والشيوخ الكبار والبهائم فيستسقى بهم، ولا ~~يخرج اليهود والنصارى، فإنهم مسخوط عليهم وكتابهم منسوخ بالقرآن. ~~PageV00P271 ### ||| فصل (في صلاة الكسوف) #صلاة الكسوف واجبة عند كسوف الشمس وخسوف القمر ~~والزلازل المتواترة والظلمة الشديدة. ومتى احترق القرص كله، فمن تركها ~~متعمدا كان عليه القضاء مع الغسل وإن تركها ناسيا [أعادها بلا غسل، وإن ~~احترق بعض القرص وتركها متعمدا قضاها بلا غسل وإن تركها ناسيا] 1) لا يجب ~~عليه قضاؤها. # ووقت هذه الصلاة إذا ابتدأ في الاحتراق، وآخر الوقت إذا ابتدأ في ~~الانجلاء. وينبغي أن يكون مقدار زمان الصلاة مقدار زمان الكسوف، فإذا فرغ ~~منها قبل الانجلاء أعادها استحبابا، وإلا جلس في موضعه يحمد الله ويسبحه. # وهي عشر ركعات بأربع سجدات، يستفتح الصلاة بتكبيرة الإحرام ms206 ويقرأ الحمد ~~وسورة، ويستحب أن تكون من السور الطوال كالانعام والكهف والأنبياء، فإذا ~~ركع طول ركوعه بمقدار قراءته، ثم يرفع رأسه بتكبيرة ويعود إلى القراءة، إن ~~كان ختم السورة قرأ الحمد وسورة أخرى، وإن لم يختمها قرأ من الموضع الذي ~~انتهى إليه وهكذا خمس ركعات، ويقول في الخامسة " سمع الله لمن حمده "، ثم ~~يسجد سجدتين ثم يقوم إلى الأخرى فيصلي خمس ركعات مثل ذلك ويقول في العاشرة ~~" سمع الله لمن حمده ". # ويقنت في كل ركعتين بعد القراءة قبل الركوع مثل سائر الصلوات. PageV00P272 ### ||| فصل (في ذكر نوافل شهر رمضان) (وجملة من الصلوات المرغبة فيها) # يستحب أن ~~يزاد في نوافل شهر رمضان زيادة على سائر الشهور ألف ركعة فيصلي من أول ليلة ~~إلى عشرين ليلة كل ليلة عشرين ركعة، ثمان بعد الفراغ من فريضة المغرب ~~ونافلتها كل ركعتين بتشهد وتسليم، واثنتي عشرة ركعة بعد العشاء الآخرة، ~~ويزيد في ليلة تسع عشرة مائة ركعة بعد الفراغ من جميع صلاته ويختم صلاته ~~بالركعتين من جلوس، ويصلي في العشر الأواخر كل ليلة ثلاثين ركعة ثمان بعد ~~المغرب واثنتين وعشرين ركعة بعد العشاء الآخرة ويصلي في ليلة إحدى وعشرين ~~وثلاث وعشرين - زيادة على ما فيها - مائة ركعة كل ليلة، فيكون تمام الألف ~~ركعة. # ويستحب أن يزيد في ليلة النصف مائة ركعة زيادة على الألف. # ويصلي ليلة الفطر بعد الفراغ من صلاته كلها ركعتين، يقرأ في الأولى الحمد ~~مرة واحدة وقل هو الله أحد ألف مرة، وفي الثانية الحمد مرة ومرة واحدة قل ~~هو الله أحد. # ويستحب أن يصلي في الجمعات أوقات النشاط صلاة أمير المؤمنين عليه السلام، ~~وهي أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد خمسين مرة. # ويستحب أيضا صلاة فاطمة عليها السلام، وهما ركعتان، يقرأ في الأولى منهما ~~الحمد مرة ومائة مرة إنا أنزلناه، وفي الثانية الحمد مرة وقل هو الله أحد ~~مائة مرة. # ويستحب صلاة التسبيح، وهي صلاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام، ~~PageV00P273 # وهي أربع ركعات بثلاثمائة مرة ms207 " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر "، وترتيبها أن يستفتح الصلاة ويقرأ الحمد وإذا زلزلت ويقول ذلك ~~خمس عشرة مرة، ثم يركع ويقول عشر مرات، ويرفع رأسه فيقول عشر مرات، ويسجد ~~فيقول عشر مرات، ويرفع رأسه فيقول عشر مرات، ويسجد ثانيا فيقول عشر مرات، ~~ويرفع رأسه فيقول عشر مرات. فذلك خمس وسبعون مرة في هذه الركعة، ثم يقوم ~~فيصلي أربع ركعات بتشهدين وتسليمين على هذا الترتيب، ويقرأ في الثانية ~~والعاديات بعد الحمد، وفي الثالثة إذا جاء نصر الله، وفي الرابعة الحمد وقل ~~هو الله أحد. # ويستحب أن يصلي ليلة النصف من شعبان أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد ~~مرة ومائة مرة قل هو الله أحد. # وإذا أراد أمرا من الأمور لدينه أو دنياه ينبغي أن يستخير الله فيغتسل ~~فيصلى ركعتين يقرأ فيهما ما شاء، فإذا فرغ دعا الله وسأله أن يخير له فيما ~~يريد، ويسجد فيقول في سجوده مائة مرة " أستخير الله تعالى في جميع أموري ~~خيرة في عافية " ثم يفعل ما يقع في قلبه. # وإذا كان ليلة المبعث أو يومه - وهو السابع والعشرين من رجب يوم مبعث ~~النبي صلى الله عليه وآله - صلى ضحوة اثنتي عشرة ركعة، فإذا فرغ عقب بما ~~أراد وقرأ سبع مرات المعوذتين والاخلاص وقل يا أيها الكافرون وإنا أنزلناه ~~وآية الكرسي، ثم يقول " الله الله ربي لا أشرك به شيئا " ويسأله ما أراد. # وإذا كان يوم الغدير - وهو الثامن عشر من ذي الحجة - وبقي بينه وبين ~~الزوال نصف ساعة اغتسل وصلى ركعتين، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وعشر مرات ~~قل هو الله أحد وعشر مرات إنا أنزلناه وعشر مرات آية الكرسي، فإذا سلم عقب ~~ودعا بدعاء يوم الغدير. PageV00P274 # وإذا كانت له حاجة إلى الله صام يوم الأربعاء والخميس والجمعة، ثم يغتسل ~~يوم الجمعة ويخرج إلى موضع خال ويصلي ركعتين على ترتيب صلاة التسبيح غير ~~أنه يجعل بدل التسبيح قراءة قل هو الله أحد خمس عشرة مرة في حال القيام ~~والركوع ms208 ورفع الرأس والسجود وفي جميع الأحوال، فإذا سلم سأل الله تعالى ~~حاجته، فإذا قضيت حاجته صلى ركعتين شكرا لله تعالى على ما أنعم به عليه. # والصلوات المرغبة فيها كثيرة جدا ذكرناها في مصباح المتهجد في عمل السنة، ~~وفيما ذكرناه ههنا كفاية إنشاء الله. ### ||| فصل (في ذكر الصلاة على الميت) #كل ميت مسلم أو بحكم الاسلام ممن كان له ~~ست سنين فصاعدا فإنه تجب الصلاة عليه ولا يترك بلا صلاة. # وهي فرض على الكفاية، فإذا قام به قوم سقط عن الباقين. # وأقل من يسقط به الفرض واحدا فصاعدا. # ومن لم يبلغ ست سنين صلى عليه استحبابا. # وأحق الناس بالصلاة على الميت أولاهم بميراثه من الرجال أو من يقدمه ~~الولي، والزوج أحق بالصلاة على المرأة من جميع قرابتها عصبة كانوا أو غير ~~ذلك. وإذا حضر رجل من بني هاشم كان أولى بالتقدم وعلى الولي تقديمه فإن لم ~~يفعل كان الولي أحق. # ولا يجوز التقدم على الإمام العادل، ويقف الإمام من الجنازة إن كانت ~~لامرأة عند صدرها وإن كانت لرجل في وسطه. PageV00P275 # وإن كان عليه حذاء نزعه، وإن كان خف أو شمشك صلى فيها. # ويكبر على الميت خمس تكبيرات بعدد الخمس صلوات، يكبر أولا ويشهد أن لا ~~إله إلا الله، ثم يكبر ثانية ويصلي على النبي عليه السلام، ثم يكبر ثالثة ~~ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكبر الرابعة فيدعو بعدها للميت إن كان مؤمنا ~~وعليه إن كان منافقا، وإن كان طفلا سأل الله أن يجعله له ولأبويه فرطا، وإن ~~كان مستضعفا دعا له بدعاء المستضعفين، فيقول " ربنا اغفر لنا ولاخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان " إلى آخرها، وإن كان لا يعرفه سأل الله أن يحشره مع ~~من كان يتولاه. # ويستحب أن يكون على طهارة، وإن فاجأته تيمم وصلى عليها. # وليس في هذا الصلاة قراءة ولا تسليم، بل هي دعاء على ما قدمناه 1). PageV00P276 ### || كتاب الزكاة #الزكاة المفروضة في شرع الاسلام في تسعة أشياء: في الدراهم، ~~والدنانير، والإبل، والبقر، والغنم، والحنطة، والشعير، والتمر، الزبيب. # ولا تجب الزكاة في شئ ms209 سوى هذه الأجناس، ولا تجب الزكاة في هذه الأجناس - ~~سوى الغلات - إلا إذا حال عليها الحول في الملك وتكون نصابا 1) كاملا من ~~أول الحول إلى آخره، وأما الغلات فإنه تجب الزكاة فيها حين حصولها ولا ~~يراعى فيها الحول. # ولا تجب في شئ من الغلات سوى الأجناس الأربعة التي ذكرناها زكاة وجوبا، ~~ويستحب إخراج الزكاة في جميع ما يدخل تحت الكيل. # ولا تجب في شئ من الحيوان سوى الأجناس الثلاثة المقدم ذكرها، وإنما تستحب ~~الزكاة في الخيل في كل سنة في العتاق 2) منها ديناران إذا كانت أنثى مرسلة ~~للنتاج، وفي البراذين 3) دينار واحد مثل ذلك، وليس ذلك بواجب. PageV00P277 # فأما الأموال فكل ما لم يكن دراهم أو دنانير لا يجب فيها زكاة وجوبا وإن ~~كان ذلك فيها ندبا واستحبابا، فمال التجارة على هذا إذا حال عليه الحول ~~أخرجت الزكاة عن قيمتها دراهم أو دنانير. # والذهب والفضة إذا كان مصاغا أو حليا لا زكاة فيها إلا إذا فر بها من ~~الزكاة، وإنما تجب الزكاة فيما كان دنانير أو دراهم مضروبة أو منقوشة، وما ~~كان بخلاف ذلك استحب فيها الزكاة. # والزكاة من الدراهم والدنانير تجب على كل حر مالك للنصاب إذا كان كامل ~~العقل، فأما من ليس بكامل العقل من الأطفال والمجانين فلا يجب في مالهم ~~الصامت زكاة. # وما عداهما من الغلات والمواشي يجب على كل مالك، فإن كان عاقلا وجب عليه ~~إخراجه، وإن لم يكن عاقلا كان على وليه الاخراج من ماله. # ومال الدين والقرض إن كان على ملي باذل أي وقت طلبه منه فإن فيه الزكاة، ~~وإن كان على ملي مطول أو غير ملي لا يجب فيه الزكاة حتى يرجع إلى ملكه، فإن ~~عاد إليه وحال عليه الحول وجب عليه فيه الزكاة. # ومتى وجبت الزكاة في مال وجب إخراجها على الفور، فإن أخره مع وجود ~~المستحق كان ضامنا له إن هلك المال، سواء كان من وجب عليه في ماله أو وليا ~~يجب عليه الاخراج من مال من له عليه ولاية، الباب واحد. ms210 ### ||| فصل (في زكاة الذهب والفضة) #إذا ملك الحر العاقل عشرين دينارا مضروبة ~~منقوشة وحال عليها الحول بكمالها وجب عليه فيها نصف دينار، وليس فيما زاد ~~على العشرين شئ حتى PageV00P278 # يصير أربعة دنانير، فإذا زادت أربعة دنانير كان فيها عشر دينار، ثم على ~~هذا الحساب كلما زادت أربعة دنانير كان فيها عشر دينار بالغا ما بلغ، وما ~~بين النصابين عفو لا يتعلق به شئ. # وأما الدراهم فإذا ملك مائتي درهم وجب فيها خمسة دراهم، ثم ليس فيها شئ ~~حتى تزيد أربعين درهما، فإذا زادت ذلك وجب فيها درهم آخر، ثم هكذا كلما ~~زادت أربعون درهما كان فيها زيادة درهم بالغا ما بلغ، وما بين النصابين ~~عفو. # وإذا رأى هلال الثاني عشر وجب في المال الزكاة، وإن قدم على ذلك لمستحق ~~جعل قرضا عليه يحتسب به من الزكاة إذا تكامل الحول. # والمعطى على حال يجب معه عليه الزكاة، ومن أعطاه على صفة يجوز له أخذ ~~الزكاة فإن تغير أحدهما عن ذلك لم يجز ذلك عن الزكاة. وإن أخر انتظارا ~~للمستحق لم يكن عليه ضمان، وإن كان المستحق حاضرا وأخره في ذمته إلى أن ~~يخرج منه وحمل الزكاة من بلد إلى بلد مع وجود المستحق يجوز بشرط الضمان، ~~ومع عدم المستحق يجوز على كل حال. ### ||| فصل (في زكاة الإبل والبقر والغنم) #لا زكاة في شئ من هذه الأجناس حتى ~~يملكها الإنسان نصابا كاملا ويحول عليها الحول وهي مرسلة سائمة، وأما ~~المعلوفة منها فلا يتعلق بها زكاة، وما لم يحل عليها الحول لا يعد فيما تجب ~~فيه الزكاة لا بانفرادها ولا مع أمهاتها. # فأول نصاب في الإبل خمس يجب فيها شاة، وليس فيها بعد ذلك شئ حتى تصير ~~عشرا ففيها شاتان، إلى خمس عشرة ففيها ثلاث شياة، إلى عشرين PageV00P279 # ففيها أربع شياة، إلى خمس وعشرين ففيها خمس شياة، فإذا صارت ستا وعشرين ~~كان فيها بنت مخاض وهي التي حملت أمها بالبطن الثاني وضربها الطلق، أو ابن ~~لبون ذكر وهو الذي ولدت أمه وصار بها ms211 لبن. # ثم ليس فيها شئ إلى ست وثلاثين ففيها بنت لبون ذكر وهو الذي ولدت أمه ~~وصار بها لبن، ثم ليس فيها شئ حتى تصير ستا وأربعين ففيها حقة وهي التي ~~دخلت في السنة الرابعة فاستحقت الركوب أو أن يطرقها الفحل. # وليس فيها بعد ذلك شئ حتى تصير إحدى وستين ففيها جذعة وهي التي دخلت في ~~السادسة، إلى ست وسبعين ففيها ابنتا لبون، إلى إحدى وتسعين ففيها حقتان، ~~إلى مائة وإحدى وعشرين فيسقط هذا الاعتبار ويخرج من كل أربعين بنت لبون ومن ~~كل خمسين حقة بالغا ما بلغت. # فإذا وجبت بنت مخاض وعنده بنت لبون أخذت منه وردت عليه شاتان أو عشرين ~~درهما، وإن وجبت عليه بنت لبون وعنده بنت مخاض أخذ منه وأخذ منه أيضا عشرون ~~درهما أو شاتان، وما بين بنت لبون والحقة مثل ذلك، وبين الحقة والجذعة مثل ~~ذلك. # وأما غير ذلك من الأسنان فليس بمنصوص عليه، ويجوز أن يؤخذ بالقيمة لأن ~~القيمة يجوز أخذها في سائر أجناس الزكاة عندنا. # وأما البقر فليس فيها زكاة حتى يصير ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة وهو الذي ~~تم له سنة ويتبع أمه، بعد إلى أن يصير أربعين ففيها مسنة وهي التي دخلت في ~~السنة الثانية، وعلى هذا الحساب في كل أربعين مسنة بالغا ما بلغ وفي كل ~~ثلاثين تبيع أو تبيعة. وما بين النصابين عفو. # وأما الغنم فليس فيها زكاة حتى يصير أربعين ففيها شاة، إلى مائة وإحدى ~~وعشرين ففيها شاتان، إلى مأتين وواحدة ففيها ثلاث شياة، إلى ثلاثمائة ~~PageV00P280 # وواحدة ففيها أربع شيات، إلى أربعمائة فسقط هذا الاعتبار وأخرج من كل ~~مائة شاة بالغا ما نقص عن النصاب. وما بين النصابين كله عفو. # ولا يعد في الزكاة إلا ما حال عليه الحول بانفراده ولا مع الأمهات، ولا ~~يؤخذ في الزكات ذات عوار ولا المهزولة ولا السمينة في الغاية بل وسطا من ~~جميع الأجناس. # والمال وإن كان نصابا إذا كانا من خليطين لا تجب فيه الزكاة حتى يكون لكل ~~واحد نصاب، ms212 ولو كان في ملك واحد نصاب في مواضع متفرقة كان عليه زكاة على كل ~~حال. ### ||| فصل (في زكاة الغلات) #قد بينا أنه لا زكاة واجبة في الغلات إلا في ~~الأجناس الأربعة التي قدمنا ذكرها، وليس فيها زكاة حتى تبلغ نصابا، وهو ~~خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع تسعة أرطال بالعراقي بعد إخراج المؤن ~~كلها من الخراج وحق الأكرة والثلث وغيره، فإذا فضل بعد ذلك القدر الذي ذكر ~~أخرج منه الزكاة وفيما زاد على الخمسة تخرج منه الزكاة قليلا كان أو كثيرا ~~لأنه ليس يراعى نصاب آخر بعد النصاب الأول. # ثم ينظر في صفة الأرض: فإن كانت تسقى سيحا 1) أو كان عذيا 2) أو كان ~~الشجر بعلا يشرب بعرقه فلا يلزم على شئ من ذلك مؤنة مجحفة كان فيها العشر، ~~فإن كانت تسقى بالدوالي والنواضح والدواب والغنم وما يلزم عليه المؤن ~~الثقيلة ففيه نصف العشر. PageV00P281 # وما عدا الأجناس الأربعة من المكيلات الزكاة فيها مستحبة على هذا الحساب، ~~وما نقص عن الخمسة أوسق لا تتعلق به الزكاة [إذا كان كل جنس بحاله نصاب ~~كامل وإن كان لو جمع كان نصابا وأكثر] 1)، إلا إذا قصد الفرار بذلك من ~~الزكاة ففرقه كذلك فحينئذ تلزمه الزكاة. ### ||| فصل (في مستحق الزكاة ومقدار ما يعطى منه) # مستحق الزكاة هم الثمانية ~~الأصناف الذين ذكرهم الله تعالى في آية الزكاة في قوله " إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل " 2). # فالفقير هو الذي لا شئ له، والمسكين هو الذي له بلغة من العيش لا تكفيه، ~~وقيل بالعكس من ذلك، غير أنهما يستحقان جميعا سهما من الزكاة. والعاملين ~~عليها هم السعاة الذين يجمعون الزكاة ويجبونها، والمؤلفة قلوبهم قوم كفار ~~إنهم جميل في الاسلام يستعان بهم على قتال أهل الحرب ويعطون سهما من ~~الصدقة، والرقاب هم المكاتبون وعندنا يدخل فيه المملوك الذي يكون في شدة ~~يشترى من مال الزكاة ويعتق ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة لأنه اشتري بمالهم، ~~والغارمين هم الذين ركبتهم الديون في غير ms213 معصية ولا سرف، وفي سبيل الله هو ~~الجهاد ويدخل فيه جميع مصالح المسلمين، وابن السبيل هو المنقطع به وإن كان ~~في بلده ذا يسار. # ويراعى فيهم أجمع - إلا المؤلفة - الإيمان والعدالة، ولا يكونون من بني ~~هاشم في حال تمكنهم من الخمس، ولا يكونون ممن يلزمه نفقته من ولد أو PageV00P282 # والدين نزلا أو صعدا ولا زوجة ولا مملوك. # ويجوز وضع الزكاة في فرقة من هذه الفرق، وإن كان الأفضل أن يجعل لكل صنف ~~منهم جزءا ولو قليلا، ويجوز أيضا أن يفضل بعضهم على بعض. # وأقل ما يعطى الفقير ما يجب في نصاب من الدراهم خمسة دراهم، وبعد ذلك عشر ~~دينار. وليس لكثيره حد، بل يجوز أن يعطي زكاة ماله كله لواحد يغنيه. ### ||| فصل (في ذكر ما يجب فيه الخمس وبيان مستحقه وقسمته) #يجب الخمس في الغنائم ~~التي تؤخذ من دار الحرب، وفي المعادن كلها الذهب والفضة والحديد والصفر ~~والنحاس والرصاص والزيبق والكحل والزرنيخ والنفط والقير والكبريت والموميا ~~والغوص والياقوت والزبرجد والبلخش والفيروزج والعقيق والعنبر، وفي الكنوز ~~من الذهب والفضة وغير ذلك، وفي أرباح التجارات والمكاسب، وفيما يفضل من ~~الغلات عن قوت السنة لصاحبه ولعياله، وفي المال الذي يختلط حلاله بحرامه ~~ولم يتميز، وفي أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم. # ويجب الخمس في هذه الأجناس عند حصولها، ولا يراعى فيه نصاب إلا الكنوز، ~~فإنه يراعى فيها نصاب زكاة المال، والغوص يراعى فيه مقدار دينار وما عدا ~~ذلك يخرج من قليله وكثيره. # والمستحق له من ذكره الله تعالى في قوله " واعلموا أنما غنمتم من شئ فإن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " 1)، فسهم ~~الله لرسوله إذا كان باقيا، وإذا مضى رسول الله فهذان السهمان مع سهم ذوي ~~القربى لمن قام مقام الرسول من الأئمة يصرفه في مؤنته ومؤنة PageV00P283 # من يلزمه نفقته، وسهم اليتامى والمساكين وابن السبيل مصروف إلى من كان ~~بهذه الصفات من أهل بيت رسول الله " ص " خاصة دون سائر الناس، فإن لأولئك ~~الزكاة التي تحرم على هؤلاء على ms214 ما بيناه. ### ||| فصل (في ذكر الأنفال) #الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله، وهي ~~لمن قام مقامه من الأئمة، وهي كل أرض خربة باد أهلها، وكل أرض لم يوجف ~~عليها بخيل ولا ركاب، وكل أرض أسلمها أهلها طوعا، ورؤوس الجبال وبطون ~~الأودية والموات التي لا مالك لها، والأجام، وصواف الملوك وقطائعهم إذا لم ~~تكن غصبا، وميراث من لا وارث له. # ومن الغنائم الجارية الحسناء والفرس الفارة والثوب المرتفع وما لا نظير ~~له من رقيق أو متاع، ما لم يستغرق الغنيمة أو يجحف بالغانمين. # ومتى قاتل قوم أهل حرب من غير إذن الإمام فغنموا، كل ذلك للإمام خاصة. ### ||| فصل (في ذكر زكاة الفطرة) #تجب زكاة الفطرة على كل حر بالغ ملك النصاب تجب ~~فيه الزكاة، يخرجه عن نفسه وجميع من يعوله من والد وولد وزوجة ومملوك مسلما ~~كان أو كافرا. # ومن لا يملك النصاب لا تجب عليه وإن كان مستحقا له، حتى لو أخذ زكاة ~~الفطرة لفقره استحب له إخراجه عن نفسه وعن جميع من يعوله. # ووقت وجوب هذه الزكاة إذا طلع هلال شوال، وآخرها عند صلاة العيد ~~PageV00P284 # فإن قدم في أول الشهر - على ما قلناه في تقديم زكاة المال أيضا - كان ~~جائزا وإن أخره كان قضاءا. # والقدر الذي يجب صاع، وهو تسعة أرطال بالعراقي، من حنطة أو شعير أو تمر ~~أو زبيب أو أرز أو أقط أو لبن، غير أنه ينبغي أن يخرج كل أحد مما يغلب ~~قوته، وأفضله التمر واللبن أربعة أرطال بالمدني وستة بالعراقي. ويجوز أن ~~يخرج قيمة ما يريد إخراجه بسعر الوقت. # ومستحق زكاة الفطرة هو مستحق زكاة المال من المؤمنين الفقراء العدول أو ~~أطفالهم، ومن كان بحكم المؤمنين من البله والمجانين. ومن لا يجوز أن يعطى ~~زكاة المال لا يجوز أيضا أن يعطى زكاة الفطرة ممن يجب عليه نفقته أو كان من ~~بني هاشم. # ولا يعطى الفقير أقل من صاع، ويجوز أن يعطى أصواعا. PageV00P285 ### || كتاب الصوم #الصوم في اللغة عبارة عن الامساك والوقوف 1)، وفي الشريعة ms215 ~~عبارة عن الامساك عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص على وجه مخصوص ممن هو على ~~صفات مخصوصة. # ولا ينعقد إلا بالنية. # والصوم على ضربين: شهر رمضان، وغيره. # فصوم شهر رمضان لا بد فيه من نية القربة، وإن ضم إليها نية التعيين كان ~~أفضل. # ووقت النية ليلة الصوم من أولها إلى طلوع الفجر، فأي وقت نوى الصوم فقد ~~انعقد صومه، ومتى لم ينو متعمدا مع العلم بأنه شهر حتى يصبح فقد فسد صومه ~~وعليه القضاء، وإن لم يعلم أنه شهر رمضان لعدم رؤيته أو لشبهة ثم علم بعد ~~أن أصبح جاز له أن يجدد النية إلى الزوال وصح صومه PageV00P286 # ولا إعادة عليه، وإن فاتت إلى بعد الزوال أمسك بقية النهار وكان عليه ~~القضاء وإن صام عند الشبهة أو الشك منه للتطوع ثم انكشف أنه كان من شهر ~~رمضان فقد أجزأ عنه ولا قضاء عليه. ويكفي الشهر كله نية واحدة، وإن جدد ~~النية كل ليلة كان أفضل. # وأما صوم غير شهر رمضان فلا بد فيه من نية التعيين ونية القربة معا، سواء ~~كان فرضا كالنذر والقضاء وغير ذلك من أنواع الواجبات أن نفلا كصوم التطوع ~~على اختلاف أنواعه. # ومتى فاتت النية جاز تجديدها إلى عند الزوال، فإذا زالت الشمس فقد فاتت ~~النية. ### ||| فصل (فيما يجب على الصائم اجتنابه) #ما يجب على الصائم اجتنابه على ضربين: ~~أحدهما فعله يفسده، والآخر ينقضه. # فما يفسده على ضربين: أحدهما يوجب القضاء والكفارة إذا كان صوم شهر رمضان ~~أو نذر معين، والآخر يوجب القضاء بلا كفارة. # فالأول وهو الذي يوجب القضاء والكفارة: الأكل، والشرب، والجماع في الفرج، ~~وأنزل الماء الدافق عامدا، والكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمة متعمدا ~~مع العلم بأنه كذب، والارتماس في الماء، وإيصال الغبار الغليظ إلى الحلق ~~مثل غبار النفض وما جرى مجراه، والمقام على الجنابة متعمدا مع إمكان الغسل ~~وعدم المشقة حتى يطلع الفجر. # فمتى صادف شيئا مما ذكرناه فسد الصوم ووجب منه القضاء والكفارة. ~~PageV00P287 # والكفارة عتق رقبة أو صيام شهرين أو ms216 إطعام ستين مسكينا مخير في ذلك، وفي ~~أصحابنا من قال هو مرتب كصوم الظهار. # وما يجوب القضاء دون الكفارة فالاقدام على الأكل والشرب أو الجماع قبل أن ~~يرصد الفجر مع القدرة عليه ويكون طالعا، وترك القبول عمن قال قد طلع الفجر، ~~والإقدام على ما يفطر ويكون قد طلع، وتقليد الغير [في أن الفجر لم يطلع، مع ~~تمكنه من مراعاته ويكون قد طلع، وتقليده الغير] 1) في دخول الليل مع تمكنه ~~من مراعاته والإقدام على الافطار ولا يكون قد دخل. # وكذلك الإقدام على الافطار لعارض يعرض في السماء من ظلمة وريح ثم تبين أن ~~الليل ما كان دخل، ومعاودة النوم بعد انتباهة واحدة قبل الغسل من الجنابة ~~ولم ينتبه إلى أن يطلع الفجر، ودخول الماء إلى الحلق لمن يتبرد بالماء أو ~~يتمضمض لغير الصلاة، والحقنة بالمايعات. ومتى صادف شئ مما ذكرناه ما لا ~~يتعين صومه فسد صومه وصام يوما بدله. # فأما ما يجب اجتنابه وإن لم يفسد الصوم فكل القبائح، فإنه يجب تجنبها على ~~كل حال ويترك لمكان الصوم. # ويستحب اجتناب أشياء وإن لم يكن واجبا: كالسعوط والكحل الذي فيه شئ من ~~الصبر أو المسك، وإخراج الدم على وجه يضعفه مع الاختيار، ودخول الحمام ~~المضعف، وشم النرجس والرياحين، واستدخال الأشياف الجامدة، وتقطير الدهن في ~~أذنه، وبل الثوب على الجسد، والقبلة وملاعبة النساء ومباشرتهن، فإن جميع ~~ذلك مكروه وإن لم يفسد الصوم بفعله. PageV00P288 ### ||| فصل (في ذكر أقسام الصوم) #الصوم على خمسة أقسام: واجب، وندب، وقبيح، وصوم ~~تأديب، وصوم أذن. # فالواجب على ضربين: مطلق من غير سبب يوجبه، والآخر ما يجب عند سبب يوجبه. # فالمطلق من غير سبب صوم شهر رمضان، ولوجوبه ستة شروط: البلوغ، وكمال ~~العقل، والصحة من المرض، وأن لا يكون مسافرا سفرا يوجب الافطار، ومن كان ~~حكمه حكم المقيمين من المسافرين وإن كانت امرأة بأن تكون طاهرا من الحيض. ~~فهذه شروط صحة الأداء. # وأما إذا فات الصوم فلوجوب القضاء عليه ثلاث شروط: الاسلام لأن من كان ~~كافرا وإن وجب عليه الصوم ms217 فإذا لم يصمه وأسلم لم يلزمه القضاء، والثاني ~~البلوغ، والثالث كمال العقل. # وأما من كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين ويجب عليهم الصوم فهم عشرة: ~~أولها من نقص سفره عن ثمانية فراسخ، ومن كان سفره معصية لله تعالى، ومن كان ~~سفره للصيد لهوا وبطرا، ومن كان سفره أكثر من حضره وحده أن لا يقيم بلدة ~~عشرة أيام والمكاري والملاح والراعي، والذي يدور في إمارته، والذي يدور في ~~تجارته من سوق إلى سوق، والبريد. فهؤلاء كلهم يجب عليهم الصوم في السفر ولا ~~يجوز لهم الافطار. # والواجب عند سبب أحد عشر قسما: # أحدهما: قضاء ما يفوت من شهر رمضان لعذر من مرض أو سفر أو غيره، ~~PageV00P289 # قال الله تعالى: " ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " 1). # وصوم النذر، لإجماع الأمة على ذلك، ولقوله " أوفوا بالعهود " 2). # وصوم كفارة قتل الخطأ إذا لم يقدر على العتق، قال الله تعالى " ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " إلى قوله " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~" 3). # وصوم كفارة الظهار لمن لا يقدر على العتق والاطعام والكسوة، قال الله ~~تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الإيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " 4). # وصوم كفارة إذا حلق الرأس إذا لم يختر النسك والصدقة، قال الله تعالى " ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " 5). # وصوم جزاء الصيد بحسب جزائه، قال الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما " 6). # وصوم دم المتعة إذا لم يقدر على الهدي، قال الله تعالى: " فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة ms218 إذا رجعتم " 7). PageV00P290 # وصوم كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من غير عذر، لقول النبي ~~عليه السلام: من أفطر يوما من شهر رمضان فعليه ما على المظاهر. # وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال إذا لم يطعم ولم ~~يكس، فإن أطعم كان ذلك لعشرة مساكين أو كسوتهم. # وصوم الاعتكاف، لما روي عنه عليه السلام أنه قال: لا اعتكاف إلا بصوم. # وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان. # وتنقسم واجبات الصوم قسمين: أحدهما يراعى فيه التتابع، والآخر لا يراعى ~~فيه ذلك. # فما يراعى فيه التتابع على ضربين: أحدهما متى أفطر فيه أستأنف، والآخر لا ~~يوجب ذلك. # فما يوجب الاستيناف على كل حال: فصوم كفارة اليمين، وصوم الاعتكاف، وصوم ~~كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال. # وما لا يوجب الاستيناف على كل حال على ضربين: أحدهما يوجب البناء، والآخر ~~يوجب الاستيناف. # فما يوجب البناء: فكل من وجب عليه صوم شهرين متتابعين إما في قتل خطأ أو ~~كفارة ظهار أو كفارة إفطار يوم من شهر رمضان، أو وجب عليه صوم شهرين ~~متتابعين بنذر، فمتى صام شهرا ومن الثاني شيئا فإنه يبني، وإن كان قد ترك ~~الأفضل، وإن لم يكن صام شهرا ولم يزد عليه فإنه يستأنف على كل حال، وكذلك ~~من وجب عليه صوم شهر متتابع إما بنذر أو يكون مملوكا ولزمه ذلك في قتل ~~الخطأ أو غير ذلك، فإنه إن صام خمسة عشر يوما ثم أفطر بنا وإن كان دون ذلك ~~استأنف إلا أن يكون لمرض أو حيض، وصوم ثلاثة أيام في دم المتعة إن صام يوما ~~ثم أفطر بنا، وإن صام يوما واحدا استأنف. هذا إذا أفطر من غير عذر، فأما إن ~~أفطر لمرض أو حيض أو عذر فإنه يبني كل حال. # وما لا يراعى فيه التتابع: فمثل قضاء رمضان، وصوم جزاء الصيد، وصوم ~~PageV00P291 # النذر إذا لم يشترط التتابع، وصوم السبعة أيام في دم المتعة. # وفي الصوم ما يجب بإفطاره متعمدا من غير ms219 عذر قضاء وكفارة، ومنه ما لا يجب ~~ذلك فيه: فالأول صوم شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال، وصوم الاعتكاف. # وما عدا ذلك من الأنواع متى أفطر لا تلزمه كفارة. # وينقسم صوم الواجب ثلاثة أقسام: أحدها مرتب، والآخر مخير، والثالث مضيق. # فالمرتب: كفارة اليمين لأنه لا يجوز إلا بعد العجز عن العتق والاطعام ~~والكسوة، وصوم كفارة قتل الخطأ والظهار فإنه لا يجوز إلا بعد العجز عن ~~العتق، وصوم دم الهدي فإنه لا يجوز إلا بعد العجز عن الهدي. # والمخير: كفارة أذى حلق الرأس فإنه مخير بين النسك والصدقة والصوم، ~~وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان بلا عذر على خلاف بين الطائفة في تخييره، ~~وصوم كفارة من أفطر يوما يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال، وكذلك صوم جزاء ~~الصيد فإنه مخير في جميع ذلك. # والمضيق: صوم شهر رمضان، وصوم قضاء شهر رمضان، وصوم النذر، وصوم ~~الاعتكاف. # وأما المندوب من الصوم فجميع أيام السنة إلا العيدين وأيام التشريق لمن ~~كان بمنى، إلا أن بعضه أفضل من بعض: # منها: صوم ثلاثة أيام في كل شهر: أول خميس في العشر الأول، وأول أربعاء ~~في العشر الثاني، وآخر خميس في العشر الأخير. # وصوم الأربعة أيام في السنة، مثل يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي الحجة، ~~ويوم السابع عشر من ربيع الأول فيه مولد النبي صلى الله عليه وآله، ويوم ~~السابع والعشرين من رجب فيه مبعث النبي " ص "، ويوم الخامس والعشرين ~~PageV00P292 # من ذي القعدة فيه دحيت الأرض من تحت الكعبة، وأول يوم من رجب، ورجب كله، ~~وشعبان، وأيام البيض من كل شهر وهو الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر. # وصوم يوم عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، وصوم يوم عاشورا على وجه الحزن ~~والمصيبة لما حل بأهل بيت الرسول عليه السلام وعليهم. # وأما الصوم القبيح: فهو يوم العيدين، ويوم الشك على أنه من شهر رمضان، ~~وأيام التشريق لمن كان بمنى ومن كان بالامصار جاز له صومهن، وصوم الصمت وهو ~~أن لا يتكلم، وصوم الوصال كذلك ms220 يجعل عشاءه وسحوره أو يطوي يومين، وصوم نذر ~~المعصية، وصوم الدهر لأنه يدخل فيه العيدان. # وأما صوم التأديب: فمثل المسافر إذا قدم على أهله في بعض النهار أمسك ~~بقية نهاره تأديبا، وكذلك الحائض إذا طهرت في وسط النهار، والمريض إذا برأ، ~~والصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم. فإن هؤلاء كلهم يمسكون بقية نهارهم ~~تأديبا وكان عليهم القضاء لذلك اليوم. # وأما صوم الإذن: فالمرأة لا تصوم إلا بإذن زوجها، وكذلك المملوك لا يصوم ~~تطوعا إلا بإذن سيده، وكذلك الضيف إلا بإذن مضيفه. ### ||| أفصل (في حكم المريض والعاجز عن الصيام) #كل مرض يغلب معه الظن أنه إذا صام ~~أدى إلى تلف النفس أو زاد في المرض زيادة بينة فلا يجوز معه الصوم، وإن ~~صامه لم يجزه وكان عليه القضاء. # والمريض لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يموت من مرضه، أو يبرأ، أو يستمر ~~به المرض إلى رمضان آخر. PageV00P293 # فإن مات من مرضه يستحب لوليه القضاء عنه، وليس ذلك بواجب. # وإن برأ وجب عليه القضاء بنفسه، فإن لم يقض ومات وجب على وليه القضاء ~~عنه. والولي هو أكبر أولاده الذكور دون الإناث، فإن كانوا جماعة في سن واحد ~~كان عليهم القضاء بالحصص أو يكفل به بعضهم ويقوم به فيسقط عن الباقين. # وإذا لم يمت وكان في عزمه القضاء من غير توان ولحقه رمضان آخر صام الثاني ~~وقضى الأول ولا كفارة عليه، وإذا أخره توانيا صام الحاضر وقضى الأول وتصدق ~~عن كل يوم بمدين من طعام، فإن لم يقدر فبمد واحد. # وإن لم يبرأ حتى لحقه رمضان آخر صام الحاضر وتصدق عن الأول ولا قضاء ~~عليه. # وحكم ما زاد على رمضانين حكمهما سواء، وكل صوم وجب عليه فتوانى عنه ومات ~~تصدق عنه وليه أو يصوم عنه كذلك. # والعاجز عن الصيام نوعان: أحدهما يكفر [مع القضاء] 1)، والآخر يكفر بلا ~~قضاء. # فالأول: الحامل المقرب التي تخاف على الولد، والمرضعة القلية اللبن مثل ~~ذلك، ومن به عطاش يرجى زواله. فهؤلاء يكفرون ويفطرون وعليهم القضاء. # والثاني: الشيخ ms221 الكبير، والمرأة الكبيرة، ومن به عطاش لا يرجى زواله. # فهؤلاء عليهم كفارة بلا قضاء. ### ||| فصل (في حكم المسافر في الصوم والصلاة) #قد بينا أن فرض المسافر بخلاف فرض ~~الحاضر في الصلاة، وأما في الصوم PageV00P294 # فلا يجوز له أيضا في السفر، ومتى صام لم يجزه وكان عليه القضاء، سواء كان ~~الصوم شهر رمضان أو واجبا آخر بأحد الأسباب الموجبة لذلك على ما مضى، إلا ~~ما يكون نذر فيه أن يصوم مسافرا كان أو حاضرا فإنه يلزمه الوفاء به. وصوم ~~الثلاثة أيام لدم المتعة، لأنها تصام في ذي الحجة. وما عدا ذلك من أنواع ~~الصوم فلا يجوز في السفر، وإن صامه كان عليه القضاء. # هذا إذا جمع السفر شروطا ثلاثة: أحدها لا يكون قبيحا، والثاني أن يكون ~~يريد ثمانية فراسخ أربعة وعشرين ميلا، والثالث أن لا يكون ممن ذكرنا أنه ~~يجب عليه الصوم والتمام في السفر. # ومن شرط الافطار تبييت النية للسفر من الليل، فإن لم يبيتها وحدث له رأي ~~في السفر صام ذلك اليوم ولا قضاء عليه. وإن بيت النية من الليل ولم يتفق له ~~الخروج إلى بعد الزوال تمم وقضى ذلك اليوم. # ومن خرج إلى السفر لا يفطر حتى تتوارى عنه جدران بلده أو يخفى عليه أذان ~~مصره. ### ||| فصل (في حكم الاعتكاف) #الاعتكاف في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص ~~للعبادة والمواضع التي يصح الاعتكاف فيها أربعة: المسجد الحرام، ومسجد ~~النبي عليه السلام، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. # ولا يصح الاعتكاف إلا بصوم ولا يكون أقل من ثلاثة أيام. # فإذا اعتكف فلا يجوز له أن يقرب النساء بجماع أو قبلة أو مباشرة بشهوة، ~~ويجتنب الطيب والجدال والمماراة، ويجتنب البيع والشراء ولا يخرج ~~PageV00P295 # من المسجد إلا لضرورة، ولا يمشي تحت الظلال مختارا، ولا يقعد في غير ~~المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة فإنه يصلي أي موضع شاء منها. # وإذا مرض المعتكف أو حاضت المرأة خرجا من المسجد الذي اعتكفا فيه، فإذا ~~برء أعادا الاعتكاف والصوم. # ومتى جامع المعتكف نهارا لزمته كفارتان ms222 مثل ما يلزم المفطر في شهر رمضان: ~~إحداهما لأجل الصوم، والثانية لأجل الاعتكاف. وإن وطئ ليلا كان عليه كفارة ~~واحدة لحرمة الاعتكاف. PageV00P296 ### || كتاب الحج #الحج في الشريعة عبارة عن قصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة ~~على وجه مخصوص في أزمان مخصوصة ممن كان على صفة مخصوصة. # وهو على ضربين: مفروض، ومسنون والمفروض على ضربين: أحدهما يجب بأصل ~~الشرع، وهي حجة الاسلام، وهي واجبة على كل حر بالغ كامل العقل صحيح الجسم ~~متمكن من الاستمساك على الراحلة مخلى السرب من الموانع يمكنه المسير واجد ~~الزاد و الراحلة ولما يتركه من نفقة من يجب عليه نفقته على الاقتصاد ولما ~~ينفقه على نفسه ذاهبا وجائيا بالاقتصاد، ويبقى بعد ذلك ما يرجع إلى كفاية ~~في معيشة أو صناعة أو حرفة يرجع إليها. # ومتى اختل شئ من هذه الشروط فإنه لا يجب عليه الحج وإن كان مستحبا له ~~تكلفه والقيام به، غير أنه إذا فعله ثم تكاملت شروط وجوبه فلا بد له من ~~إعادة الحج. # ومن شرط صحة أدائها الاسلام وكمال العقل. # ومتى تكاملت هذه الشروط تجب في العمر مرة واحدة، وما زاد عليها فمستحب ~~مندوب إليه. وعند تكامل شروط الوجوب يجب على الفور والبدار دون PageV00P297 # التراخي، غير أنه متى أخره ثم فعله كان مؤديا وإن فرط في التأخير. # وما يجب بالنذر أو العهد فهو بحسبهما إن كان واحدا فواحدا وإن كان أكثر ~~كان مثل ذلك، وإذا اجتمعت حجة الاسلام وحجة النذر فلا تجزي إحداهما عن ~~الأخرى إذا نذر حجة زائدة على حجة الاسلام، وإن نذر مطلقا أجزأ عنهما حجة ~~واحدة. # ولا يراعى في حجة المندوب الشروط التي راعيناها في حجة الاسلام، وإنما ~~يراعى الحرية وكمال العقل، وما عداه فبحسب شروطه. ### ||| فصل (في ذكر أقسام الحج) #الحج على ثلاثة أقسام: تمتع بالعمرة إلى الحج، ~~وقران، وإفراد. # فالتمتع هو فرض من نآ عن المسجد الحرام، وحده من كان بينه وبين المسجد من ~~كل جانب اثنا عشر ميلا، فلا يجوز لهؤلاء التمتع مع الامكان، فإذا لم يمكنهم ms223 ~~التمتع أجزأتهم الحجة المفردة أو القارنة. # ومن كان من أهل حاضري المسجد الحرام - وهو من كان بينه وبين المسجد أقل ~~من اثني عشر ميلا من أربع جوانبه - ففرضه القران والإفراد ولا يجزيه التمتع ~~بحال. # فسياقة أفعال التمتع الإحرام من الميقات مع الحج والتلبيات الأربع، ويكون ~~على تلبيته حتى يشاهد بيوت مكة، فإذا شاهدها قطع التلبية ودخل إليها ودخل ~~المسجد الحرام، فطاف بالبيت سبعا وصلى عند المقام ركعتين، ثم يخرج إلى ~~الصفا فيسعى بينهما سبعة أشواط. ثم يقصر من شعر رأسه، وقد أحل من كل شئ ~~أحرم منه. # ثم ينشئ إحراما آخر بالحج يوم التروية، ويمضي إلى منى فيبيت بها ليلة ~~PageV00P298 # عرفة، ويغدو منها إلى عرفات فيقف هناك إلى غروب الشمس، ويفيض منها إلى ~~المشعر الحرام فيصلي بها المغرب والعشاء الآخرة ويبيت بها إلى طلوع الشمس ~~أو الفجر، ويتوجه إلى منى ويقضي مناسكه يوم النحر بها على ما نبينه، ويمضي ~~إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الزيارة ويصلي عند المقام ركعتين ويسعى بين ~~الصفا والمروة ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ أحرم منه وقد قضى ~~مناسكه كلها للعمرة والحج وكان متمتعا، ثم يعود إلى منى فيقضي بقية مناسكه ~~من الرمي وغير ذلك إنشاء الله تعالى. # وأما القارن فهو الذي يحرم من الميقات ويقرن بإحرامه سياق الهدي ويمضي ~~إلى عرفات ويقف بها ويعود إلى المشعر فيقف بها [ويجئ منها يوم النحر فيقضي ~~مناسكه بها] 1) ثم يجئ إلى مكة فيطوف بالبيت ويصلي عند المقام ويسعى بين ~~الصفا والمروة ويطوف طواف النساء، وقد قضى مناسكه كلها الحج فحسب دون ~~العمرة. # والمفرد مثل ذلك إلا أنه لا يقرن بإحرامه سياق الهدي، وباقي المناسك مما ~~فيهما سواء، ويجددان التلبية عند كل طواف، ثم يخرج إلى التنعيم أو أحد ~~المواضع التي يحرم منها، فيحرم من هناك بالعمرة ويرجع إلى مكة فيطوف بالبيت ~~ويصلي عند المقام ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يطوف طواف النساء ويقصر من ~~شعر رأسه وقد أدى عمرته، فتكون عمرته مفردة. # ونحن نبين ms224 فصلا فصلا من ذلك إنشاء الله تعالى. ### ||| فصل (في ذكر المواقيت) #المواقيت التي يحرم منها ثلاثة: PageV00P299 # منها: لأهل العراق يجمعها اسم العقيق، أولها المسلخ وأوسطها غمرة وآخرها ~~ذات عرق. وأفضلها الأول ودونها الأوسط وأدونها الأخير. ولا يتجاوز ذات عرق ~~إلا محرما، فإن تجاوز متعمدا لزمه الرجوع إليها، فإن لم يمكنه بطل حجه، وإن ~~تجاوزه ناسيا أو لعذر رجع مع الامكان، فإن لم يمكنه أحرم من موضعه وقد ~~أجزأه. # وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، وهو مسجد الشجرة، وعند الضرورة الجحفة، ~~ولأهل الشام الجحفة وهي المهيعة، ولأهل الطائف قرن المنازل، ولأهل اليمن ~~يلملم. # ومن كان منزله وراء الميقات فميقاته منزله، ولا يجوز الإحرام قبل الميقات ~~وإن أحرم قبله لم ينعقد إحرامه. ### ||| فصل (في الإحرام وكيفيته وشروطه) #الإحرام شرط في صحة الحج على ما قلناه، ~~من تركه متعمدا فلا حج له، ولا يصح الإحرام بالحج على اختلاف أنواعه إلا في ~~أشهر الحج، وهي شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة. # وأما الإحرام بالعمرة المفردة فيصح في سائر السنة أي وقت شاء. # والاحرام لا ينعقد إلا بالنية أولا والاستمرار عليها حكما. # ويستحب الغسل عند الإحرام، وإزالة الشعر والوسخ من بدنه إلا شعر رأسه ~~فإنه لا يمسه من أول ذي القعدة، ثم يصلي ويلبس ثوبي إحرامه، يأتزر بأحدهما ~~ويتردى بالآخر، ويصلي ركعتي الإحرام، وإن صلى ست ركعات كان أفضل، وإن كان ~~عقيب فريضة كان أفضل. PageV00P300 # ثم يحرم عقيب الصلاة فيقول " اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع ~~بالعمرة إلى الحج على لسان نبيك ". # وإن كان مفردا أو قارنا ذكر ذلك في دعائه " أحرم لك شعري وبشري وجلدي ~~وعظامي من النساء والطيب وجميع ما نهيتني عنه في حال الإحرام ابتغي بذلك ~~وجهك والدار الآخرة، اللهم إن لم تكن حجة فعمرة ". وإن أضاف إلى ذلك غيره ~~من الدعاء كان أفضل. # ثم يلبي فرضا واجبا، فيقول " لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك لبيك، لبيك بحجة وعمرة أو حجة مفردة تمامها عليك ms225 لبيك ". ~~وإن أضاف إلى ذلك ألفاظا مروية من التلبيات كان أفضل. # والتلبية بها ينعقد الإحرام، ويقوم مقامها إشعار الهدي وتقليدها لمن كان ~~معه هدي، وهو أن يشعر سنامها ويلطخه بالدم ويعلق في رقبتها نعلا كان يصلي ~~فيه. # والأخرس ينعقد إحرامه بالايماء. # وإذا عقد إحرامه ومشى خطوات رفع صوته بالتلبية، ويكون على التلبية في كل ~~وقت إلى أن يشاهد بيوت مكة إن كان متمتعا فعند ذلك يقطع التلبية وإن كان ~~معتمرا عمرة مفردة فحين تضع الإبل أخفافها في الحرم. # وينبغي أن يجتنب في إحرامه الطيب كله، وأكل طعام يكون فيه طيب، ولا يلبس ~~مخيطا، وأن يكشف رأسه ومحمله، ولا يتزين بزينة، ولا يصيد ولا يأكل لحم صيد، ~~ولا يقتل صيدا، ولا يدل على صيد، ولا يدهن بشئ من الأدهان طيبا وغير طيب، ~~ولا يتزوج ولا يزوج ولا يجامع ولا يباشر النساء بشهوة ولا يلمسهن ولا ~~يقبلهن، ويكون ثيابه مما تجوز الصلاة فيها وأفضلها القطن المحض ولا يقتل ~~الجراد، ولا يرتمس في الماء. # والمرأة تسفر عن وجهها، ويجوز لها لبس المخيط. PageV00P301 # ولا يقطع شجرا نبت في الحرم، ولا يكسر بيض صيد، ولا يأكل منه، ولا يذبح ~~فرخا، ولا يلبس الخفين، ولا ما يستر القدم، ويجتنب الفسوق وهو الكذب، ~~والجدال وهو قول " لا والله " و " بلى والله "، والرفث وهو الجماع، ولا ~~ينحي عن نفسه شيئا من القمل، ولا يقبض على أنفه من رائحة كريهة، ولا يقص ~~شيئا من شعره ولا أظفاره، ولا يلبس سلاحا إلا عند الضرورة. # ويكره له لبس الثياب المصبوغة المشبعة والنوم عليها، ولبس الثياب المعلمة ~~ولبس حلي لم تجر عادته بلبسه، ولا للمرأة لبسه. ويكره استعمال الحلي ~~والكحل، ولا تلتفت المرأة، ولا ينظر في المرآة، ولا يحك جسمه حكا يدميه ~~ويكره له دخول الحمام. # وما يلزم من الكفارة لمخالفة ذلك قد بيناه في النهاية وغيره من كتبنا لا ~~نطول بذكره. # فما يلزمه من الكفارات في إحرامه بالحج على اختلاف ضروبه فلا ينحره إلا ~~بمنى، وما يلزمه في إحرام العمرة المفردة ms226 لا ينحره إلا بمكة قبالة البيت ~~بالحزورة. # ويلزم المحل في الحرم القيمة، والمحرم في الحل الجزاء، والمحرم في الحرم ~~الجزاء والقيمة، حسب ما بيناه في النهاية. # والجماع إن كان بالفرج قبل الوقوف بالمشعر فإنه يفسد الحج ويجب عليه ~~إتمامه والحج من قابل، وإن كان بعد الوقوف بالمشعر أو كان فيما دون الفرج ~~كان عليه الكفارة ولا يلزمه الحج من قابل. ومن فعل ذلك في العمرة المفردة ~~تممها وكان عليه قضاؤها من الشهر الداخل. PageV00P302 ### ||| فصل (في دخول مكة والطواف بالبيت) #يستحب الغسل عند دخول الحرم، وتطييب ~~الفم بمضغ شئ من الأذخر أو غيره. # وإذا أراد دخول مكة اغتسل أيضا منه، ويكون دخوله من أعلاها، ويمشي حافيا ~~على سكينة ووقار. # ويستحب أيضا الغسل عند دخول المسجد الحرام، وأن يدخل من باب بني شيبة، ~~ويصلي على النبي عليه السلام عند الباب ويدعو بما أراد، وإن دعا بما روي ~~فيه كان أفضل، ويكون حافيا. # فإذا أراد الطواف فينبغي أن يبتدئ أولا بالحجر الأسود، ويطوف سبعة أشواط ~~ويكون على طهر، ويستحب أن يستلم الحجر في كل شوط ويقبله إن أمكنه، وإلا مسه ~~بيده وقبل يده، وإن لم يمكنه أومأ بيده إليه، ويدعو عند الاستلام، ويدعو ~~عند الطواف، ويقرأ القرآن، ويلزم المستجار، ويضع خده وبطنه عليه ويدعو ~~عنده. ويستحب أيضا استلام الأركان كلها وخاصة الركن اليماني. # ومتى فرغ من الطواف على ما قدمناه صلى عند المقام ركعتين أو حيث يقرب ~~منه. ومن زاد في طواف الفريضة عامدا أعاد، وإذا شك فلا يدري كم طاف أعاد، ~~وإن شك بين الستة والسبعة والثمانية أعاد، ومن نقص طوافه ثم ذكر أتمه ولا ~~شئ عليه، فإن رجع إلى بلده أمر من يطوف عنه ذلك، ومن شك بين السبعة ~~والثمانية قطع الطواف ولا شئ عليه، ومن شك فيما دون السبعة في النافلة بنى ~~على الأقل، ومن زاد في النافلة أتم أسبوعين. PageV00P303 # ويكره الجمع بين طوافين في الفريضة، ويجوز ذلك في النوافل. والأفضل كلما ~~طاف سبعا أن يصلي عند المقام ركعتين ثم ms227 يطوف كذلك على ما شاء على هذا ~~الترتيب. ### ||| فصل (في السعي وأحكامه) #إذا فرغ من طوافه ينبغي أن يخرج إلى الصفا. # فإذا أراد الخروج إلى السعي بين الصفا والمروة فينبغي أولا أن يستلم ~~الحجر ويقبله وينصرف فيأتي زمزم ويشرب من مائه ويصب شيئا منه على بدنه ~~ويجتهد أن يكون ذلك من الدلو المقابل للحجر، وليخرج من الباب المقابل ~~للحجر، ثم ليصعد إلى الصفا ويستقبل الكعبة ويقول " لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على ~~كل شئ قدير "، ويدعو الله ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله. # ثم يطوف بين الصفا والمروة سبع مرات، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، فإذا ~~بلغ إلى المسعى فليسع فيه مهرولا راكبا كان أو ماشيا، وذلك على الرجال دون ~~النساء، والمشي أفضل من الركوب. # وكلما جاء إلى المروة وقف عندها ويدعو الله، وكذلك إذا عاد إلى الصفا مثل ~~ذلك، ويدعو فيما بينهما ويقرأ القرآن، والأفضل أن يكون على طهر وليس ذلك من ~~شرطه. # ومن زاد في السعي شوطا متعمدا أعاد، ومن سعى ثمان مرات ناسيا وهو عند ~~المروة أعاد لأنه بدأ بالمروة، ومن لا يدري كم سعى أعاد، ومن زاد شوطا ~~PageV00P304 # وقد بدأ بالصفا طرح الزيادة، وإن أتم أسبوعين كان جائزا، ومن سعى تسع ~~مرات وهو عند المروة لم يعد، ومن نقص شوطا أو ما زاد عليه ثم ذكر تمم ولم ~~يعد. # فإذا فرغ من السعي قصر من شعر رأسه ولحيته أو يقص أظفاره ولا يحلق رأسه ~~في هذا الإحلال فإن حلقه كان عليه دم ويمر الموسى على رأسه يوم النحر، وإن ~~نسي التقصير حتى يحرم بالحج كان عليه دم. # فإذا فعل ذلك فقد أحل من كل شئ أحرم منه إلا الصيد لكونه في الحرم ويستحب ~~له أن يتشبه بالمحرمين ولا يلبس المخيط. ### ||| فصل (في ذكر الإحرام بالحج) #إذا أراد الإحرام بالحج فينبغي أن يكون ذلك ~~يوم التروية عند الزوال، فإن لم ms228 يمكنه أحرم في الوقت الذي يعلم أنه يلحق ~~الوقوف بعرفات. # وكيفية الإحرام وشروطه وأفعاله مثل ما قدمناه في إحرام العمرة سواء، غير ~~أنه يذكر في دعائه الحج فقط فإن العمرة قد مضت. # ويقطع التلبية يوم عرفة عند الزوال، فإن سها أحرم بالعمرة أجزأه ذلك ~~بالنية إذا أتى بأفعال الحج، فإن نسي الإحرام حتى يحصل بعرفات أحرم بها، ~~فإن لم يذكر حتى يقضي المناسك كلها لم يكن عليه شئ. ### ||| فصل (في نزول منى وعرفات والمشعر) #يستحب للإمام أن يصلي الظهر والعصر يوم ~~التروية بمنى، ومن عداه لا PageV00P305 # يخرج من مكة حتى يصلي الظهر والعصر بها. # وينبغي للإمام أن لا يخرج من منى إلا بعد طلوع الشمس من يوم عرفة، وغير ~~الإمام يجوز له الخروج بعد طلوع الفجر، ويجوز للعليل والكبير الخروج قبل ~~ذلك. # ويستحب الدعاء في طريق عرفات، وينبغي أن يصلي الظهر والعصر بعرفات يجمع ~~بينهما بأذان واحد وإقامتين، ويقف إلى غروب الشمس يدعو الله ويثني عليه و ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويدعو لنفسه ولاخوانه المؤمنين. # وينبغي أن يكون نزوله ببطن عرفة ولا يقف تحت الأراك. # فإذا غابت الشمس أفاض منها إلى المشعر، فإن أفاض قبل ذلك متعمدا لزمه دم ~~بدنة، ولا يصلي المغرب والعشاء الآخرة إلا بالمشعر الحرام، ويبيت بها تلك ~~الليلة في الدعاء وقراءة القرآن. # ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر. # ولا يجوز للإمام أن يخرج من المشعر الحرام إلا بعد طلوع الشمس، وغير ~~الإمام يجوز له بعد طلوع الفجر، غير أنه لا يجوز وادي محسر إلا بعد طلوع ~~الشمس. # ومن خرج قبل طلوع الفجر مختارا لزمه دم شاة، ورخص في ذلك للمرأة والخائف ~~والمضطر الخروج قبل طلوع الفجر. # ويستحب السعي في وادي محسر. ### ||| فصل (في نزول منى والمناسك بها) #أول ما يبدأ الحاج بمنى يوم النحر أن ~~يرمي جمرة العليا بسبع حصيات، PageV00P306 # يرميهن حذفا يضع كل حصاة على باطن إبهامه ويدفعها بظفر سبابته. وينبغي أن ~~يلتقط الحصى ولا يكسرها، ويستحب أن تكون برشا، ولا يرمي بغير ms229 حصاة، وإن كان ~~على طهارة فهو أفضل، ويجوز الرمي على غير وضوء. # ويرمي الجمرة من قبل وجهها، وينبغي أن يكون بينه وبين الجمرة عشرة أذرع ~~إلى خمسة عشر ذراعا، ويدعو عند الرمي فيقول " اللهم هذه حصياتي فاحصهن لي ~~وزدهن في عملي "، ولا يجوز أقل من سبع. # فإذا فرغ من ذلك ذبح الهدي إن كان متمتعا وهو واجب عليه، وإن كان قارنا ~~أو مفردا استحب له أن يضحي . ومن شرط الهدي إن كان من البدن أن يكون إناثا، ~~ويكون ثنيا فما فوقه، وهو ما تم له خمس سنين ودخل في السادسة، وإن كان من ~~البقر يكون أنثى ويكون ثنيا وهو الذي دخل في السنة الثانية، وإن كان من ~~الغنم يكون فحلا من الضأن يمشي في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد، فإن ~~لم يجد من الضأن جاز التيس من المعزى. # ولا يجوز ناقص الخلقة، ومع الاختيار لا يجزي واحد إلا عن واحد، وعند ~~الضرورة يجزي واحد عن خمسة وعن سبعة وعن سبعين، وينبغي أن يكون مما قد عرف ~~به. # ولا يجوز ذبحه إلا بمنى، ويستحب أن يتولى ذبحه بيده، وإلا جعل يده مع يد ~~الذابح ويقول " وجهت وجهي " 1) إلى آخر الآية، ويقسمه ثلاثة أقسام: # قسم يأكله، وقسم يهديه، وقسم يتصدق به. وإن كان نائبا عن غيره ذكره عند ~~الذبح، وإن نوى عنه ولم يذكره أجزأه. # وإن لم يجد الهدي ووجد ثمنه خلف ثمنه عند الثقات ليشتريه ويذبح عنه PageV00P307 # في بقية ذي الحجة، ومتى عجز عن ثمنه صام بدله ثلا ث أيام [في الحج يوم ~~التروية ويوم عرفة، فإن فاته صام ثلاثة أيام] 1) بعد انقضاء أيام التشريق، ~~وإن خرج من مكة صام ثلاثة أيام في الطريق في ذي الحجة والسبعة إذا وصل إلى ~~أهله، فإن أقام بمكة صبر شهرا ثم صام السبعة أيام. # والأضحية قد ذكرنا أنه مسنونة شديدة الاستحباب، وشروطها شروط الهدي سواء. ~~ويجوز ذبح الهدي طول ذي الحجة، والأضحية يجوز ذبحها بمنى يوم النحر وثلاثة ~~أيام بعده، فإذا مضت ms230 فقد فات وقت الأضحية، وفي الأمصار يوم النحر ويومان ~~بعده فإذا خرجت فقد فات وقتها. # وإن كان وجب عليه هدي في كفارة أو نذر وكان حاجا ذبحه بمنى وإن كان ~~معتمرا ذبحه بمكة، ولا يأكل من هدي الكفارة ولا يخرجه من مكة ولا يدخره إلا ~~أن يقيم عوضه فيتصدق به، ويجوز ذلك في هدي التمتع والأضحية. # فإذا فرغ من الذبح حلق رأسه، وإن كان صرورة لا يجوز غير الحلق، وغير ~~الصرورة يجزيه التقصير والحلق أفضل، فإن نسي حتى خرج من منى رجع إليها وحلق ~~بها، فإن لم يمكنه حلق موضعه وبعث شعره إلى منى ليدفن هناك فإن لم يمكنه ~~دفن مكانه. وليس على النساء حلق ويجزيهن التقصير. ويأمر الحلاق ليبدأ ~~بناصيته فيحلق رأسه إلى الأذنين، ويدعو عند الحلق فيقول " اللهم اعطني بكل ~~شعرة نورا يوم القيامة ". # فإذا فرغ من الحلق مضى من يومه إلى مكة لزيارة البيت وطواف الحج. # فإن لم يفعل مضى من الغد ولا يؤخر أكثر من ذلك مع الاختيار، وإن كان ~~مفردا أو قارنا جاز له تأخيره إلى بعد انقضاء أيام التشريق. # فإذا جاء إلى مكة فعل عند دخول المسجد والطواف مثل ما فعله يوم قدم مكة ~~سواء، ويطوف أسبوعا ويصلي ركعتين عند المقام، ثم يخرج إلى الصفا PageV00P308 # فيسعى بينه وبين المروة سبع مرات كما فعل أول مرة سواء، فإذا فعل ذلك فقد ~~أحل من كل شئ أحرم منه إلا النساء، ثم يطوف طواف النساء أسبوعا آخر ويصلي ~~ركعتين عند المقام، وقد حلت له أيضا النساء. # فإذا فرغ من ذلك عاد إلى منى وأقام بها أيام التشريق ولا يبيت ليالي منى ~~إلا بها، فإن بات بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة، ويرمي كل يوم من أيام ~~التشريق ثلاث جمار بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع حصيات على ما وصفناه ~~سواء، يبدأ بالجمرة الأولى ويرميها عن يسارها ويكبر ويدعو عندها، ثم الجمرة ~~الثانية ثم الثالثة مثل ذلك سواء، ولا يقف عندها. # ويجوز أن ينفر في النفر الأول ms231 وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، فإذا ~~أراد ذلك دفن حصاه يوم الثالث، ومن فاته رمي يوم قضاه من الغد بكرة ويرمي ~~ما لذلك اليوم عند الزوال. ومن نسي رمي الجمار حتى جاء إلى مكة عاد إلى منى ~~ورماها، فإن لم يذكر فلا شئ عليه. # وينبغي أن يرتب الرمي، يبدأ بالجمرة العظمى أولا ثم بالوسطى ثم بجمرة ~~العقبة، فإن رماها منكوسة أعاد. ويجوز الرمي عن العليل وعن المغمى عليه عن ~~الصبي. # وينبغي أن يكبر عقيب خمس عشرة صلاة بمنى، أولها صلاة الظهر يوم النحر ~~وآخرها الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق، وفي الأمصار عقيب عشر ~~صلوات، أولها الظهر من يوم النحر وآخرها صلاة الفجر من اليوم الثاني من ~~أيام التشريق. # ولا ينفر في النفر الأول إلا بعد الزوال، وفي الثانية يجوز قبل الزوال، ~~ولا يجوز للإمام أن ينفر في النفر الأول. # ويستحب أن يعود إلى مكة لوداع البيت وطواف الوداع، ويدخل في PageV00P309 # طريقه مسجد الحصبة ويستلقي فيه على قفاه ويصلي فيه، وكذلك مسجد الخيف وهو ~~مسجد منى. # ويستحب للصرورة 1) دخول الكعبة، والصلاة في أربع زواياها وبين ~~الأسطوانتين وعلى الرخامة الحمراء، وغير الصرورة يجوز له أن لا يدخلها. # ولا يبصق ولا يتمخط إذا دخلها. # فإذا أراد الخروج من مكة ودع البيت وخرج من باب الحناطين، ويسجد في باب ~~المسجد، ويدعو مستقبل الكعبة. # وينبغي أن يشتري بدرهم تمرا ويتصدق به ليكون جبرانا لما لعله دخل عليه من ~~تقصير في إحرامه. ### ||| فصل (في العمرة المفردة) #العمرة فريضة مثل الحج، وشرائط وجوب الحج. # وعمرة الاسلام مرة واحدة، وما يجب بالنذر والعهد فبحسبهما. # ومتى تمتع بالحج سقط عنه فرضها، وإن حج قارنا أو مفردا أتى بالعمرة بعد ~~الفراغ من مناسك الحج إلى التنعيم أو مسجد علي بن الحسين أو مسجد عائشة، ~~يحرم من هناك ويعود إلى مكة فيطوف بالبيت ويصلي عند المقام ويسعى بين الصفا ~~والمروة ويقصر من شعر رأسه ثم يطوف طواف النساء، وقد أحل من كل شئ أحرم ~~منه. # وتجوز العمرة في ms232 كل شهر، وأقله في كل عشرة أيام. PageV00P310 ### ||| فصل (في ذكر مناسك النساء) #الحج واجب على النساء كوجوبه على الرجال، ~~وشروط وجوبه عليهن مثل شروط وجوبه على الرجال سواء بلا زيادة ولا نقصان. # وليس من شرط وجوبه عليهن وجود محرم، ولا طاعة للزوج على المرأة في حجة ~~الاسلام، ويجوز لها خلافه. ولا يجوز لها حج التطوع إلا بإذنه. # وكلما يلزم الرجال بالنذر من الحج والعمرة يلزم مثله النساء. # ويستحب أن لا تخرج إلا مع محرم أو زوج، فإن لم تجد خرجت مع ثقات ~~المؤمنين. # وإن حاضت وقت الإحرام فعلت ما يفعله المحرم وتؤخر الصلاة والغسل ومتى ~~حاضت قبل طواف العمرة وفاتها ذلك بطلت متعتها وجعلت حجة مفردة وتقضي العمرة ~~فيما بعد، فإن حاضت في حال الطواف وكانت طافت أربعة أشواط تركت بقية الطواف ~~وقضتها بعد ذلك وتسعى وتقصر وقد تم متعتها، وإن طافت ثلاثة أشواط أو أقل ~~فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة. # ومتى خافت من الحيض عند عودها جاز لها تقديم طواف الحج وطواف النساء قبل ~~الخروج إلى عرفات. # والمستحاضة يجوز لها الطواف بالبيت إذا فعلت ما تفعله المستحاضة وتصلي ~~عند المقام. # والحائض إذا أرادت وداع البيت ودعت من باب المسجد ولا تدخله على حال. ~~PageV00P311 ### || كتاب الجهاد ج #هاد الكفار فرض في شرع الاسلام، وهو فرض على الكفاية إذا ~~قام من في قيامه كفاية سقط عن الباقين. # ولوجوبه شروط: أولها وجود إمام عادل أو من نصبه إمام عادل للجهاد ويكون ~~من وجب عليه ذكرا بالغا كامل العقل صحيح الجسم حرا، ولا يجوز أن يكون شيخا ~~ليس به نهضة ولا له قدر للجهاد. # ومتى اختل شرط من ذلك سقط فرضه، إلا ما كان على وجه دفع العدو عن النفس ~~أو الاسلام. # والمرابطة مستحبة، وحدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما، فإذا زاد على ذلك ~~كان جهادا. وتصير المرابطة واجبة بالنذر. # فصل (فيمن يجاهد من الكفار) كل من خالف الاسلام وأنكر الشهادتين وجب ~~جهاده وقتاله. PageV00P312 # ثم هم ينقسمون قسمين: أحدهما لا يرجع عنهم ms233 إلا أن يسلموا أو يقبلوا ~~الجزية ويلتزموا شرائط الذمة، وهم اليهود والنصارى والمجوس، وإذا قبلوا ~~الجزية وضعها الإمام على حسب ما يراه مصلحة في الحال ويراه أيضا في حالهم ~~من الغني والفقير، وليس لها حد محدود لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان ~~منه. # وهو مخير بين أن يضعها على رؤوسهم أو على أرضيهم، فإن وضعها على رؤوسهم ~~لم يتعرض لأرضيهم، وإن وضعها على أرضيهم لم يتعرض لرؤوسهم إلا أن يقع الشرط ~~أن يضع بعضها على أرضهم وبعضها على رؤوسهم. ومتى وضعها على أرضهم فأسلموا ~~سقطت عنهم الجزية وكانوا مثل المسلمين لزمهم العشر أو نصف العشر وتكون ~~أملاكا في أيديهم. # ومن وجبت عليه الجزية فأسلم سقطت عنه. # ولا تؤخذ الجزية من الصبيان والمجانين والبله والنساء وتؤخذ من الباقين. # وشرائط الذمة قبول الجزية، وترك التظاهر بأكل لحم الخنزير وشرب الخمر ~~والزنا ونكاح المحرمات، ومتى خالفوا شيئا من ذلك فقد خرجوا من الذمة. # ومن عدا الثلاث فرق يجب قتالهم إلى أن يسلموا أو يقتلوا وتسبى ذراريهم ~~وتؤخذ أموالهم، ولا تؤخذ منهم الجزية بحال. # ولا يبدأ الكفار بالقتال حتى يدعوا إلى الاسلام من التوحيد والعدل وإظهار ~~الشهادتين والقيام بأركان الشريعة، فإن أبوا ذلك كله أو بعضه وجب قتالهم. # وينبغي أن يكون الداعي الإمام أو من يأمره الإمام. # ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتال إلا إلقاء السم في بلادهم فإن ذلك ~~PageV00P313 # مكروه لأن فيه هلاك من لا يجوز قتله من الصبيان والنساء والمجانين. # ومن أسلم في دار الحرب كان إسلامه حقنا لدمه وجميع ماله الذي يمكن نقله ~~إلى دار الاسلام، فأما ما لا يمكن نقله إلى دار الاسلام من العقارات ~~والأرضين فهو فئ للمسلمين. ويحكم على أولاده الصغار بالاسلام ولا يسترقون، ~~فأما البالغون فلهم حكم نفوسهم. ### ||| فصل (في ذكر قسمة الغنيمة والفئ وكيفيتها) (وحكم الأسرى) #كلما يؤخذ في ~~دار الحرب يخرج منه الخمس فيكون لأربابه، والباقي على ضربين: ما يمكن نقله ~~إلى دار الاسلام فهو للقائم خاصة، وما لا يمكن نقله فهو لجميع المسلمين. # والذراري ms234 والسبايا للمقاتلة أيضا خاصة، ويلحق بالذراري من لم ينبت، ومن ~~أنبت أو علم بلوغه ألحق بالرجال، والأربعة أخماس بين المقاتلة وكل من حضر ~~القتال قاتل أو لم يقاتل. # ويقسم الصبيان معهم، ومن يولد في تلك الحال قبل القسمة ومن لحق بهم معينا ~~لهم قسم لهم، فإن لحقوهم بعد القسمة فلا شئ لهم. وليس للأعراب والعبيد شئ ~~من الغنيمة. # وتقسم الغنيمة بين المقاتلة بالسوية لا يفضل بعضهم على بعض للشرف أو ~~العلم أو الزهد إلا الفارس على الراجل، فإن للفارس سهمين وللراجل سهما، فإن ~~كان معه أفراس جماعة فلم يسهم إلا لفرسين فقط. وما يغنم منهم في المراكب ~~قسم أيضا مثل ذلك للفارس سهمان وللراجل سهم. PageV00P314 # والأسارى على ضربين: أحدهما يؤخذون والحرب قائمة، فهؤلاء الإمام مخير ~~فيهم بين أن يضرب رقابهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم ويتركهم حتى ينزفوا. ~~والقسم الثاني يؤخذون بعد تقضي القتال، فالإمام مخير فيهم بين أن يمن عليهم ~~فيطلقهم أو يفاديهم إما بمال أو نفس أو يستعبدهم. ومن أسلم من الفريقين كان ~~حكمهم حكم المسلمين، غير أن من استرق منهم لا يصير حرا. ### ||| فصل (في أحكام البغي) #الباغي هو كل من خرج على إمام عادل وشق عصاه، فإن ~~على الإمام أن يقاتلهم. # ويجب على كل من يستنهضه الإمام أن ينهض معه ويعاونه على قتالهم، ولا يجوز ~~لغير الإمام قتالهم بغير إذنه. فإذا قوتلوا لا يرجع عنهم إلا أن يفيئوا إلى ~~الحق أو يقتلوا، ولا يقبل منهم عوض ولا جزية. # والبغاة على ضربين: أحدهما من له رئيس يرجعون إليه، فهؤلاء يجوز أن يجتاز ~~على جراحاتهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم. والآخر لا يكون لهم فيه رئيس، ~~فهؤلاء لا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم. # ولا يجوز سبي ذراري الفريقين، ويغنم من أموالهم ما حواه العسكر، وما لم ~~يحوه فلا يتعرض له بحال. # والمحارب كل من أظهر السلاح وأخاف الناس، سواء كانوا في بر أو بحر أو سفر ~~أو حضر، فهؤلاء يجب قتالهم على وجه الدفع عن النفس والمال فإن أدى ms235 إلى ~~قتلهم لم يكن على القاتل شئ. PageV00P315 # واللص محارب، وتفصيل ذلك بيناه في النهاية والمبسوط لا نطول بذكره ههنا. # * * * قد امتثلت ما رسمه الشيخ الأجل أطال الله بقاه من ذكر جل في كل باب ~~ولم أطول القول فيه فيمله ويشق عليه، ولا قصرت في الاتيان بما يجب معرفته. # وذكرت جملة من العبادات لا بد معرفتها ليقع العمل بحسبها، ولم أطنب القول ~~فيه، فإن كتبي في الفقه مشروحة كالنهاية وغيرها، ومتى وقع نشاط لما زاد على ~~القدر رجع إليها. # وأرجو أن يكون ذلك موافقا لغرضه ملائما لإيثاره، والله تعالى المشكور على ~~ما وفق من خدمته والمسارعة على امتثال مرسومه، وهو حسبي ونعم الوكيل. # والحمد لله رب العالمين، وصلاته على محمد وآله الطاهرين.# PageV00P316 ms236