######OpenITI# #META# Author: الطوسي #META# Title: التبيان الجامع لعلوم القرآن #META# Date: ت 460 ه #META# Tafsir_type: تفاسير الشيعة الإثنى عشرية #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # الاعراب اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله ~~وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام لكن لم يقرأ به ~~إلا أهل البوادي. ومن نصب فعلى المصدر. ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة ~~اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام. # ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي. وكسرها لغة في تمميم ~~وغطفان. وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم. وقوله: لله ~~مخفوض بالاضافة ورب العالمين مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال ~~والنداء وما قرىء به. والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون ~~الجمع فرقا بينها وبين نون التثنية. وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ~~ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها. انشد بعضهم: # ألا لا بارك الله في سهيل # اذا ما بارك الله في الرجال # اختلس الاولى واشبع الثانية. ولا يقرأ بهذا. # ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده ~~من ضروب النعم الدينية والدنياوية وقال بعضهم: الحمد لله ثناء عليه ~~باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه؛ والأول أصح في ~~اللغة، لأن الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه. ويقال أيضا: ~~الحمد الله شكرا فنصب شكرا على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه، ~~ودخول الألف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكانه قال جميع الحمد لله، لأن ~~التالي مخبر بذلك، ولو نصبه فقال حمدا لله أفاد أن القائل هو الحامد ~~فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، ~~والتقدير: قوله الحمد لله. واذا كان الحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف ~~بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شيء وانما هو القول ~~المنبىء عن عظم حال الممدوح مع القصد اليه. # وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع ربا، قال لبيد بن ~~ربيعة: # فاهلكن يوما رب كندة وابنه # ورب معد بين خبت وعرعر # يعني ms0001 سيد كندة. ومنه قوله تعالى: { أما أحدكما فيسقي ربه خمرا } يعني ~~سيده ويسمى الرجل المصلح ربا. قال الفرزدق بن غالب: # كانوا كسالئة حمقاء اذ حقنت # سلائها في اديم غير مربوب # يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة اذا كان يحاول اتمامها. والربانيون ~~من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم. واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته ~~بمعنى واحد والربى الشاة ولدت حديثا لأنها تربى. وقوله { رب العالمين } ~~أي المالك لتدبيرهم. والمالك للشيء يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على ~~الله، وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة. # وقيل انه مشتق من التربية ومنه قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~} ومتى قيل في الله انه رب بمعنى انه سيد فهو من صفات ذاته. واذا قيل ~~بمعنى انه مدبر مصلح فهو من صفات الأفعال # والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك، ~~والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني ~~عالم من الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن ~~جميع المخلوقات وقيل انه ايضا اسم لكل صنف من الأصناف وأهل كل زمن من كل ~~صنف يسمى عاما ولذلك جمع. وقيل عالمون لعالم كل زمان. قال العجاج: # فخندف هامة هذا العالم # وهذا قول اكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم. ~~واشتقاقه من العلامة لأنه علامة ودلالة على الصانع تعالى. وقيل انه من ~~العلم على ما روى ابن عباس قال هم صنف من الملائكة والانس والجن لأنه ~~يصح ان يكون كل صنف منهم عالما. فان قيل كيف يجوز ان يقول الحمد لله ~~والقائل هو الله تعالى وان كان يجب ان يقول الحمد لنا. قيل العالي الرتبة ~~اذا خاطب من دونه لا يقول كما يقول للنظير. ألا ترى ان السيد يقول لعبده ~~الواجب ان تطيع سيدك ولا تعصيه، وكذلك يقول الأب لابنه يلزمك أن تبر أباك ~~والمنة لأبيك. والخلفاء يكتبون عن انفسهم إن أمير المؤمنين ms0002 رأى كيت وكيت ~~ليقع ذلك موقع اجلال واكرام واعظام. على انا قد بينا ان المراد بذلك: ~~قولوا الحمد لله، وحذف لدلالة الكلام عليه. ### || [1.2] # آية. مخفوضان لانهما نعت لله وقد مضى معناهما. ### || [1.3] # القراءة # قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب: مالك بالألف. الباقون ملك بغير الف؛ ولم ~~يمل أحد الف مالك، وكسر جميعهم الكاف. وروي عن الأعمش، انه فتحها على ~~النداء، وربيعة بن نزار يخففون مالك ويسقطون الألف، فيقولون: ملك بتسكين ~~اللام وفتح الميم كما قال ابو النجم. # تمشي الملك عليه حلله. # والألف ساقط في الخط في القراءتين والمعول على الأولتين دون النصب ~~وإسكان اللام ومعنى ملك يوم الدين باسقاط الألف أنه الملك يومئذ لا ملك ~~غيره وأنه لا يؤتى في ذلك الوقت أحدا الملك كما اتاه في الدنيا، وقوى ~~ذلك بقوله تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # وبانه يطابق ما تقدم من قوله: { رب العالمين الرحمن الرحيم } # ومن قرأ مالك بالف معناه انه مالك يوم الدين والحساب لا يملكه غيره ولا ~~يليه سواه. # اللغة # والمالك هو القادر على التصرف في ماله، وأن يتصرف فيه على وجه ليس لأحد ~~منعه منه، ويوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم. والملك هو القادر الواسع ~~القدرة الذي له السياسة والتدبير، ويقال ملك بين الملك مضمومة الميم، ~~ومالك بين الملك والملك بفتح الميم وكسرها، وضم الميم فيه لغة شاذة ~~ذكرها ابو علي الفارسي. ويقال طالت مملكة الأمير ومملكته بكسر اللام ~~وفتحها وطال ملكه وملكه اذا طال رقه، واعطاني من ملكه وملكه، ولي في ~~هذا الوادي ملك وملك وملك ويقال نحن عبيد مملكة وليس بعبيدقن اي سبيا ~~لم يملك في الأصل، ويقال: شهدنا املاك فلان وملكه، ولا يقال ملاكه، فأصل ~~الملك الشد من قول الشاعر: # ملكت بها كفي وانهرت فقعها # اي شددت. وملكت العجين اي شددت عجنه. ويقال: هذا ملك فلان اذا كان له ~~التصرف فيه على ما بيناه. فأما من رجح قراءة ملك من حيث انه وصف نفسه ~~بأنه ملك كل شيء بقوله: { رب ms0003 العالمين } فلا فائدة في تكرير ما قد مضى ~~فقد ابعد لأن في القرآن له نظائر تقدمها العام وذكر بعد العام الخاص: # اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق # فعم في الأول ثم خص ذكر الأنسان تنبيها على تأمل ما فيه من اتقان ~~الصنعة ووجوه الحكمة، كما قال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # ولذلك نظائر كثيرة. # وفي الناس من قال ان ملك ابلغ في المدح من مالك. لأن ملك مالك وليس كل ~~مالك ملكا. وقال تغلب: إن مالك ابلغ من ملك لأنه قد يكون الملك على من ~~لا يملك، كما يقال ملك الروم وان كان لا يملكهم ولا يكون مالكا إلا على ~~ما يملك. وقال بعضهم: ان مالك أبلغ في المدح للخالق من ملك. وملك أبلغ في ~~مدح المخلوقين من مالك، لأن مالك من المخلوقين قد يكون غير ملك. # واذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا. والاقوى أن يكون مالك أبلغ في ~~المدح فيه تعالى؛ لانه ينفرد بالملك ويملك جميع الاشياء فكان أبلغ. # وقوله تعالى: { يوم الدين } # الاعراب مجرور بالاضافة قي القراءتين معا، وهو من باب يا سارق الليلة ~~أهل الدار. اتسع في الظرف فنصب. نصب المفعول به ثم اضيف على هذا الحد ~~وليس ذلك مثل قوله: { وعنده علم الساعة } مفعول بها على الحقيقة، ولا أن ~~جعل الظرف مفعولا على السعة، لأن الظرف اذا جعل مفعولا على السعة فمعناه ~~معنى الظرف. ولو جعل ظرفا لكان المعنى: يعلم في الساعة. وذلك لا يجوز ~~لانه تعالى يعلم في كل وقت والمعنى: انه يعلم الساعة أي يعرفها. ومن نصب ~~انما هرب ان يخرج من خطاب الغائب إلى المواجه في قوله { اياك نعبد واياك ~~نستعين } وليس ذلك ببديع، لأنه مستعمل في القرآن وفى الشعر. # قال الله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # فعدل عن خطاب المواجه إلى الكنانة عن الغائب. وقال الشاعر: # كذبتم وبيت الله لا تنكحونها # بني شاب قرناها تصر وتحلب # وقال ابو كثير الهلالي: # يا لهف نفسي، كان جدة خالد ms0004 # وبياض وجهك للتراب الاعفر # وقال لبيد بن ربيعة: # قامت تشكي الي النفس مجهشة # وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # فرجع الى مخاطبة نفسه، وقد تقدم الاخبار عنها. # وقال الكسائي التقدير: قولوا اياك نعبد. فيكون على حكاية ما امروا به. # اللغة: # والدين الحساب، والدين الجزاء ايضا. قال كعب بن جعيل: # اذا ما رمونا رميناهم # ودناهم فوق ما يقرضونا # وقال آخر: # واعلم وايقن ان ملكك زائل # واعلم بانك ما تدين تدان # يعني: ما تجزي تجزى. ومنه قوله تعالى: { كلا بل تكذبون بالدين } يعني ~~بالجزاء. وقوله: { فلولا إن كنتم غير مدينين } أي غير مجزيين. وبهذا قال ~~جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة. وروي عن ابن عباس ومجاهد وابي ~~جعفر: انه الحساب. والدين ايضا الطاعة. وقال عمرو بن كلثوم: # وايام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها ان ندينا # والدين الملك قال زهير: # لئن حللت بجو في بني أسد # في دين عمرو وحالت بيننا فدك # والدين القهر والاستعلاء قال الأعشى: # هو دان الرباب اذ كرهوا الدين دراكا بغزوة وصقال # يعني ذللهم للطاعة. والدين العادة قال المثقب العبدي: # تقول وقد درأت لها وضينى # أهذا دينه ابدا وديني # التفسير # { ويوم الدين } عبارة عن زمان الجزاء كله، وليس المراد به ما بين المشرق ~~والمغرب وطلوع الشمس إلى غروبها ### || [1.4] # الاعراب # إياك نصب بوقوع الفعل عليه وموضع الكاف في إياك خفض باضافة إيا اليها ~~وإيا اسم للضمير المنصوب، إلا انه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات نحو قوله: ~~إياك ضربت وإياه ضربت، وإياي ضربت ولو قلت: إيا زيد حدثت؛ كان قبيحا، ~~لأنه خص به المضمر وقد روى الخليل جوازه، وهو قولهم: اذا بلغ الرجل ~~الستين فاياه وإيا الشواب # وقال الأخفش لا موضع للكاف من الاعراب، لأنها حرف الخطاب وهو قول ابن ~~السراج واختاره الرماني، لأن المضمر معرفة تمتنع من الاضافة كما تمتنع من ~~الصفة وحملوا ما رواه الخليل على الشذوذ # ولو قلت نعبد إياك لم يجز لأنك تقدر على ضمير متصل بان تقول نعبدك فلا ~~يجوز ان تأتي بضمير منفصل، ms0005 ولأنه لو أخر لكان قد قدم ذكر العابد على ~~المعبود وليس بجيد ومن قال إن إياك بكماله اسم فقد أخطأ لأنه لو كان كذلك ~~لما اضيف، كما حكيناه في قولهم إياه وإيا الشواب، لأنهم اجروا الهاء فيه ~~مجرى الهاء في عصاه # والنون مفتوحة من نعبده وقد روي يحيى بن وثاب، انه كان يكسرها وهي لغة ~~هذيل، يقولون نعلم وتعلم واعلم وتخاف وتقام وتنام فيكسرون أوائل هذه ~~الحروف كلها ولا يكسرون الياء، ولا في يستفعل ويفتعل فلا يقولون يبيض ~~ويطمس بكسر الياء بل يفتحونها والدال والنون مرفوعان، لأن في أوله ~~أحد الزوايد الاربع فاعربا # المعنى واللغة: # والعبادة ضرب من الشكر، مع ضرب من الخضوع ولا تستحق إلا باصول النعم ~~التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة وما يقدر من النعم لا يوازيه نعمة ~~منعم فلذلك اختص الله بأن يعبد، وان استحق بعضنا على بعض الشكر # والعبادة في اللغة الذلة، يقال هذا طريق معبد اذا كان مذللا بكثرة الوطء ~~وبعير معبد اي مذلل بالركوب، وقيل اصله اذا طلي بالقطران، وسمي العبد ~~عبدا لذلته لمولاه، ومن العرب من يقول: هياك، فيبدل الألف هاء كما ~~يقولون: هيه وايه. # ونستعين اي نطلب منك المعونة على طاعتك وعبادتك. واصله نستعون لأنه من ~~المعونة فقلبت الواو ياء لثقل الكسرة عليها ونقلت كسرتها إلى العين قبلها ~~وبقيت الياء ساكنة، والتقدير في اول السورة إلى ها هنا، اي قل يا محمد ~~هذا الحمد. وهذا كما قال: # ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم، ربنا أبصرنا # اي: يقولون ربنا. وكما قال: { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام ~~عليكم } اي: يقولون سلام عليكم. وحمزة والكسائي اذا وقفا اشما الدال ~~الرفع، وكذلك في سائر القرآن، فاما اذا وقفا على النصب، تخير الكسائي ~~الاشمام، وتركه اجود. ومن استدل بهذه الآية على أن القدرة مع الفعل من ~~حيث إن القدرة لو كانت متقدمه لما كان لطلب المعونة وجه اذا كان الله قد ~~فعلها فيه فقد اخطأ لأن الرغبة في ذلك تحتمل امرين: # احدهما ms0006 ان يسأل الله تعالى من الطافه، وما يقوي دواعيه ويسهل الفعل ~~عليه ما ليس بحاصل، ومتى لطف له بأن يعلمه أن له في عاقبة الثواب العظيم ~~والمنازل الجليلة زاد ذلك في نشاطه ورغبته. # والثاني ان يطلب بقاء كونه قادرا على طاعاته المستقبلة بأن يجدد له ~~القدرة حالا بعد حال عند من لا يقول ببقائها او لا يفعل ما يضادها ~~وينفيها عند من قال ببقائها. فان قيل هلا قدم طلب المعونة على فعل ~~العبادة لأن العبادة لا تتم إلا بتقدم المعونة اولا؟ قيل: في الناس من ~~قال المراد به التقديم والتأخير، فكانه قال: اياك نستعين واياك نعبد، ~~ومنهم من قال: ليس يتغير بذلك المعنى، كما إن القائل اذا قال احسنت الي ~~فقضيت حاجتي او قضيت حاجتي فأحسنت الي، فان في الحالين المعنى واحد. قال ~~قوم انهم سألوا المعونة على عبادة مستأنفة لا على عبادة واقعة منهم، ~~وانما حسن طلب المعونة وان كان لا بد منها مع التكليف على وجه الانقطاع ~~اليه كما قال: { رب احكم بالحق }. ولأنه قد لا يكون في ادامته التكليف ~~اللطف ولا في فعل المعونه به الا بعد تقدم الدعاء من العبد، وانما كرر ~~اياك لأن الكاف التي فيها هي كاف الضمير التي كانت تكون بعد الفعل في ~~قوله نعبدك، فلما قدمت، زيد عليها أبا لأن الاسم اذا انفرد لا يمكن ان ~~يكون على حرف واحد فقيل اياك ولما كانت الكاف يلزم تكرارها لو كرر الفعل ~~وجب مثل ذلك في اياك. الا ترى انه لو قال نعبدك ونستعينك ونستهديك لم يكن ~~بدمن تكرير الكاف، وكذلك لو قدم فقيل اياك نعبد واياك نستعين، وفيه تعليم ~~لنا ان نجدد ذكره عند كل حاجة ومن قال انه يجري مجرى قول عدي بن زيد ~~العبادي: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # وكقول اعشى همدان: # بين الأشج وبين قيس باذخ # بخ بخ لوالده وللمولود # فكرر لفظ بين فقد اخطأ لأن في البيتين لو لم تكرر بين لكان ms0007 الفعل ~~مستحيلا الا ترى انه لو قال الشمس قد فصلت بين النهار لم يكن كلاما ~~صحيحا وكذلك البيت الآخر وليس كذلك الآية، لأنه لو قال اياك نعبد وسكت ~~لكان مستقلا بنفسه ولهذا طعن به بعض المفسرين. وعندي ان هذا ليس بطعن، ~~لانه مغالطة لانه لو قال بين النهار والليل لكان كلاما صحيحا وانما كرر ~~بين وكذلك لو قال اياك نعبد ونستعين كان كلاما صحيحا وانما كرر اياك ~~تأكيدا والعلة ما ذكرناه اولا. ### || [1.5] # القراءة: # قرأ ابن كثير في رواية ابن مجاهد عن قنبل والكسائي من طريق ابن حمدون ~~ويعقوب من طريق رويس بالسين. وكذلك في سراط، في جميع القرآن. الباقون ~~بالصاد واشم الصاد زا يا حمزة في الموضوعين، خاصة في رواية علي بن سالم، ~~وفي رواية الدوري وخلاد اشمامها الزاي ما كان فيه الف ولام. واما الصاد ~~اذا سكنت وكان بعدها دال نحو: يصدر، وفاصدع، ويصدفون، فاشم الصاد الزاي ~~حيث وقع، حمزة والكسائى وخلف ورويس. # الأعراب # { اهدنا }: مبني على الوقف لانه امر، والهمزة مكسورة لأن ثالث المضارع ~~منه مكسور في نحو يهدي. وموضع النون والألف من اهدنا، نصب لأنه مفعول به ~~والصراط منصوب لأنه مفعول ثان. فمن قرأ بالسين فلأنه الأصل، من غير سبب ~~يمنع منه، ومن قرأ باشمام الزاي، فللمؤاخاة بين السين والطاء بحرف مجهور ~~من مخرج السين وهو الزاء من غير ابطال للأصل ومن قرأ بالصاد بين الصاد ~~والطاء بالاستعلاء والاطباق. والقراءة بالصاد احسن لأن فيها جمعا بين ~~المتشاكلين في المسموع. # اللغة والتفسير # ومعنى اهدنا يحتمل امرين: # احدهما ارشدنا. كما قال طرفة. # للفتى عقل يعيش به # حيث يهدي ساقه قدمه # والثاني وفقنا كما قال الشاعر: # فلا تعجلن هداك المليك # فان لكل مقام مقالا # أي وفقك. # والآية تدل على بطلان قول من يقول: لا يجوز الدعاء بأن يفعل الله ما ~~يعلم أنه يفعله لأنه عبث، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان عالما بأن ~~الله يهديه الصراط المستقيم، وانه قد فعل ذلك، ومع ذلك كان يدعو به. وقد ~~تكون ms0008 الهداية بمعنى أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة، ~~والهدى يكون ايضا بمعنى العلم لصاحبه لأنه مهتد على وجه المدح. والهدى ~~يكون ان يهديه إلى طريق الجنة، كما قال الله تعالى: # { وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا } ، وأصل الهداية في اللغة الدلالة ~~على طريق الرشد فان قيل: ما معنى المسأله في ذلك وقد هداهم الله الصراط ~~المستقيم، ومعلوم أن الله تعالى يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم؟ قيل: ~~يجوز أن يكون ذلك عبادة وانقطاعا إليه تعالى كما قال: { رب احكم بالحق } ~~وإن علمنا أنه لا يحكم إلا بالحق، ويكون لنا في ذلك مصلحة كسائر ~~العبادات، وكما تعبدنا بأن نكرر تسبيحه وتحميده والاقرار بتوحيده ~~ولرسوله بالصدق، وإن كنا معتقدين لجميع ذلك. ويجوز أن يكون المراد بذلك ~~الزيادة في الألطاف كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زدناهم هدى # وقال: # يهدي به الله من اتبع رضوانه # ويجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا، وأنفع لنا ~~إذا سألناه، وإذا لم نسأله لا يكون ذلك مصلحة، وكان ذلك وجها في حسن ~~المصلحة. # ويجوز أن يكون المراد استمرار التكليف والتعريض للثواب، لأن إدامته ليست ~~بواجبة بل هو تفضل محض جاز أن يرغب فيه بالدعاء. ويلزم المخالف أن يقال ~~له: إذا كان الله تعالى قد علم أنه يفعل ذلك لا محالة فما معنى سؤاله ما ~~علم أنه يفعله، فما أجابوا به فهو جوابنا. # والصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمر الله به من توحيده، وعد له، ~~وولاية من أوجب طاعته. قال جرير: # أميرالمؤمنين على صراط # إذا اعوج الموارد مستقيم # أي على طريق واضح. وقال الشاعر: # فصد عن نهج السراط الواضح # وقيل: إنه مشتق من " مسترط " الطعام، وهو ممره في الحلق، والصاد لغة ~~قريش؛ وهي اللغة الجيدة، وعامة العرب يجعلونها سينا، والزاي لغة لعذرة، ~~وكعب وبني القين يقولون: أزدق، فيجعلونها زايا إذا سكنت. وأهل الحجاز ~~يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق. وبنو تميم يذكرون هذا ~~كله. وأصل الاستقامة التقويم والاستواء ms0009 في جهة الانتصار وهو ضد الاعوجاج، ~~فمنه القيام والتقويم والتقوم، ومنه المقاومة، لأنه بمنزلة المماثلة بما ~~هو كالاستواء. وتقاوموا في الأمر إذا تماثلوا والاستقامة المرور في جهة ~~واحدة. وقيل في معنى قوله: { الصراط المستقيم } وجوه: # أحدها إنه كتاب الله، وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعن علي ~~عليه السلام وابن مسعود. # والثاني انه الاسلام، حكي ذلك عن جابر وابن عباس. # والثالث انه دين الله عز وجل الذي لا يقبل من العباد غيره. # والرابع انه النبي (صلى الله عليه وسلم) والأئمة (ع) القائمون مقامه ~~صلوات الله عليهم، وهو المروي في أخبارنا. # التفسير # والأولى حمل الآية على عمومها لأنا إذا حملناها على العموم دخل جميع ذلك ~~فيه فالتخصيص لا معنى له. ### || [1.6] # المعنى: # معناه بيان الصراط المستقيم، إذ كان كل طريق من طرق الحق صراطا ~~مستقيما. والمعنى صراط من أنعمت عليهم بطاعتك. # القراءة # وقرأ حمزء بضم الهاء من ذلك: وفي أيديهم " وإليهم " حيث وقع. وروى ~~الدوري عنه بضم الهاء في قوله: # فعليهم غضب من الله # وقرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية وجمع المذكر والمؤنث، ~~نحو: " عليهما " وفيهما " عليهن " و " فيهن " ، وضم ميم الجمع ووصلها ~~بواو في اللفظ ابن كثير وأبو جعفر. وعن نافع فيه خلاف كثير. وعن غيره لا ~~نطول بذكره، وهو مذكور في كتب القراءات. فمن قرأ بكسر الهاء وإسكان الميم ~~قال: إنه أمن من اللبس إذا كانت الألف في التثنية قد دلت على الاثنين ولا ~~ميم في الواحد، فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو وأسكنوا الميم طلبا ~~للتخفيف. وحجة من قرأ " عليهم " انهم قالوا ضم الهاء هو الأصل لأن الهاء ~~إذا انفردت من حرف متصل بها قيل: " هم فعلوا " ومن ضم الميم إذا لقيها ~~ساكن بعد الهاء مكسورة قال: لما احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله ~~فضممت وتركت الهاء على كسرتها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى ~~الأصل ومن كسر الميم فالساكن الذي لقيها، والهاء مكسورة ثم اتبع الكسرة ~~الكسرة. # الاعراب ms0010 # (والذين) في موضع جر بالاضافة، ولا يقال في الرفع (اللذون)، لأنه إسم ~~ليس يتمكن. وقد حكي اللذون شاذا، كما قيل الشياطون، وذلك في حال الرفع ~~ولا يقرأ به، وقرأ صراط من أنعمت عليهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن ~~زبير، وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام. والمشهور الأول. والنعمة التي ~~أنعم بها على المذكورين وإن لم تذكر في اللفظ فالكلام بدل عليها لا لما ~~قال: إهدنا الصراط المستقيم، وبينا المراد بذلك، ثم بين أن هذا صراط من ~~أنعمت عليهم بها، فلم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة الذبياني: # كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # لما قال جمال بني أقيش قال يقعقع، ومعناه جمل يقعقع خلف رجليه، ونظير ~~ذلك كثيرا جدا. ### || [1.7] # الاعراب: # أجمع المفسرون والقراء على جر { غير } لأنها نعت للذين، وانما جاز أن ~~تكون نعتا للذين، والذين معرفة وغير نكرة لأن الذين بصلتها ليست ~~بالمعرفة كالأسماء المعية التي هي أعلام كزيد وعمرو وانما هي كالنكرات ~~اذا عرفت كالرجل والبعير فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك ايضا ~~وجاز ان تكون نعتا للذين، كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل، ~~ولو كانت بمنزلة الأعلام لما جاز، كما لم يجز في قولهم: مررت بزيد غير ~~الظريف، فلا يجرها على انها نعت، وان نصبتها في مثل هذا جاز على الحال. ~~ويحتمل ايضا ان تكون مجرورة لتكرير العامل الذي خفض الذين فكأنك قلت: ~~صراط الذين انعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم ويتقارب معناهما لأن ~~الذين انعمت عليهم هم الذين لم يغضب عليهم وقرىء في الشواذ غير المغضوب ~~عليهم بالنصب، ووجهها ان تكون صفة للهاء والميم اللتين في عليهم، العائدة ~~على الذين؛ لانها وان خفضت بعلى فهي موضع نصب بوقوع الانعام عليها، ويجوز ~~ان يكون نصبا على الحال وقال الاخفش والزجاج: انها نصب على وجه ~~الاستثناء من معاني صفة الذين أنعمت عليهم، وتقديره: إهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين انعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم ms0011 ~~في اديانهم فلا تجعلنا منهم، ويكون استثناء من غير جنس كما قال النابغة ~~للذبياني: # وقفت فيها أصيلا لا اسائلها # أعيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الاواري لأيا ما ابينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # وقال الفراء: وتغلب هذا خطأ، لأنه لو كان كذلك لما قال: ولا الضالين ~~لأن لا نفي وجحد. ولا يعطف على جحد إلا بجحد، ولا يعطف بالجحد على ~~الاستثناء وانما يعطف بالاستثناء على استثناء وبالجحد على الجحد. يقولون ~~قام القوم إلا أخاك وإلا أباك ولا قام أخوك ولا أبوك، ولا يقولون ما قام ~~القوم إلا أخاك ولا أباك، فعلى هذا تكون { غير } بمعنى: لا فكأنه قال لا ~~المغضوب عليهم ولا الضالين. قال الرماني: من نصب على الاستثناء جعل لا ~~صلة، كما انشد ابو عبيدة # في بئر لا حور سرى وما شعر # أي في بئر هلكة. # { والمغضوب عليهم } هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام، لأنه ~~تعالى قد أخبر انه غضب عليهم وجعل فيهم القردة والخنازير، { ولا الضالين ~~} هم النصارى لأنه قال: # وضلوا عن سواء السبيل # وقال { لعن الذين كفروا } يعني النصارى. وروي ذلك عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم). وقال بعضهم لا: زائدة تقديره: غير المغضوب عليهم والضالين ~~كما قال: # ما منعك أن لا تسجد # أي معناه أن تسجد قال ابو النجم: # فما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الشمط القفندرا # يعني أن تسخر. وتكون غير بمعنى سوى. وقد بينا ضعف هذا عند الكوفيين لما ~~مضى، ولأنه انما يجوز ذلك اذا تقدمه نفي كقول الشاعر: # ما كان يرضى رسول الله فعلهم # والطيبان ابو بكر ولا عمر # واما الغضب من الله فهو ارادة العقاب المستحق بهم، ولعنهم وبراءته منهم ~~واصل الغضب الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل ~~المخالفة له ورجل غضوب شديد الغضب والغضوب الحية الخبيثة لشدتها والغضوب ~~الناقة العبوس واصل الضلال الهلاك ومنه قوله { أإذا ضللنا في الأرض } أي ~~هلكنا ومنه قوله تعالى { وأضل أعمالهم } أي أهلكها. والضلال في الدين ~~الذهاب عن الحق والاضلال ms0012 الدعاء إلى الضلال والحمل عليه ومنه قوله تعالى: # وأضلهم السامري # والاضلال الاخذ بالعاصين إلى النار والاضلال الحكم بالضلال والاضلال ~~التحيير بالضلال بالتشكيك لتعدل عنه. واليهود وان كانوا ضلالا ~~والنصارى وان كانوا مغضوبا عليهم - فانما خص الله تعالى كل فريق منهم ~~بسمة يعرف بها ويميز بينه وبين غيره بها وان كانوا مشتركين في صفات كثيرة ~~وقيل انه أراد ب { المغضوب عليهم ولا الضالين } جميع الكفار وانما ذكروا ~~بالصفتين لاختلاف الفائدتين # وروى جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال ~~الله تعالى: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فله ما سأل فاذا قال العبد الحمد لله رب ~~العالمين قال حمدني عبدي واذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي، ~~واذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ثم قال هذا لي وله ما بقي " # ولا يجوز عندنا ان يقول القارىء عند خاتمة الحمد: آمين فان قال ذلك في ~~الصلاة متعمدا بطلت صلاته لانه كلام لا يتعلق بالصلاة، ولأنه كلام لا ~~يستقل بنفسه وانما يفيد اذا كان تأمينا على ما تقدم ومتى قصد بما تقدم ~~الدعاء لم يكن تاليا للقرآن، فتبطل صلاته وان قصد التلاوة لا يكون ~~داعيا فلا يصح التأمين وان قصدهما فعند كثير من الاصوليين ان المعنيين ~~المختلفين لا يصح ان يردا بلفظ واحد ومن اجاز ذلك وهو الصحيح منع منه ~~لقيام الدلالة على المنع من ذلك فلأجل ذلك لم يجز. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # آلم # آية عند الكوفيين # المعنى: واختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل { آلم } و { آلمص ~~} و { كهيعص } و { طه } و { صاد } و { قاف } و { حم } وغير ذلك على وجوه ~~فقال بعضهم انها إسم من أسماء القرآن ذهب اليه قتادة ومجاهد وابن جريح ~~وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن، روي ذلك عن مجاهد أيضا واختاره ~~البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في ~~كلام العرب وأنشد بعضهم # بل وبلدة ما الأنس من أهلها # ويقول آخر # بل ما ms0013 هيج أحزانا وشجوا قد شجا # وقوله (بل) ليس من الشعر وانما أراد أن يعلم أنه قطع كلامه وأخذ في غيره ~~وأنه مبتدأ الذي أخذ فيه غير ناسق له على قبله وقال بعضهم هي اسم للسورة ~~روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم الله الأعظم وروي ذلك ~~عن السدي اسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم الله به وهي من ~~اسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء ~~واقعا كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الآخر يعرفه النبي صلى الله ~~عليه وآله نحو قال الشاعر # نادوهم أن ألجموا ألاتا # قالوا جميعا كلهم ألافا # يريد ألا تركبون قالوا ألا فاركبوا وقال آخر: # قلنا لها قفي فقالت قاف # بمعنى قالت انا واقفه. روى ذلك أبو الضحى عن ابن عباس وعن ابن مسعود ~~وجماعة من الصحابة وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوعة. روي ذلك عن مجاهد ~~وقال بعضهم هي حروف هجاء يشتمل كل حرف على معان مختلفة. روي ذلك عن أنس ~~واختاره الطبري وقال بعضهم هي حروف من حساب الجمل وقال بعضهم لكل كتاب سر ~~وسر القرآن في فواتحه. هذه أقوال المفسرين فاما أهل اللغة فانهم اختلفوا ~~فقال بعضهم هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ~~ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفا كما يستغنى بذكر أ ب ت ث عن ~~ذكر الباقي وبذكر قفا نبك عن ذكر باقي القصيدة قالوا ولذلك رفع ذلك ~~الكتاب لأن معناه عن الألف واللام والميم من الحروف المقطعة وقوله ذلك ~~الكتاب الذي أنزلته اليك مجموعا لا ريب فيه كما قالوا في أبي جاد أ ب ت ~~ث ولم يذكروا باقي الحروف وقال راجز بني أسد: # لما رأيت أمرها في حطي # أخذت منها بقرون شمط # فاراد الخبر عن المرأة بانها من أبي جاد فاقام قوله في حطي مقامه لدلالة ~~الكلام عليه وقال آخرون بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه ms0014 أسماع ~~المشركين اذ تواصوا بالاعراض عن القرآن حتى اذا استمعوا له، تلا عليهم ~~آلم. # وقال بعضهم الحروف التي هي اوائل السور حروف يفتتح الله بها كلامه وقال ~~ابو مسلم: المراد بذلك، ان هذا القرآن الذى عجزتم عن معارضته، ولم تقدروا ~~على الاتيان بمثله هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم ~~وخطابكم، فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا انه من فعل الله، وانما كررت في ~~مواضع استظهارا في الحجة وحكي ذلك عن قطرب. وروي في اخبارنا ان ذلك من ~~المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، واختاره الحسين بن علي المغربي ~~واحسن الوجوه التي قبلت قول من قال: انها اسماء للسور خص الله تعالى بها ~~بعض السور بتلك كما قيل للمعوذتين: المقشقشتان؛ أي تبرءان من النفاق، ~~وكما سميت الحمد أم القرآن وفاتحة الكتاب. ولا يلزم أن لا تشترك سورتان ~~أو ثلاث في إسم واحد، وذلك أنه كما يشترك جماعة من الناس في إسم واحد، ~~فاذا اريد التمييز زيد في صفته، وكذلك اذا أرادوا تمييز السورة قالوا: ~~الم ذلك، الم الله، الم، وغير ذلك. وليس لأحد أن يقول: كيف تكون أسماء ~~للسور، والاسم غير المسمى، فكان يجب ألا تكون هذه الحروف من السورة، وذلك ~~خلاف الاجماع. قيل: لا يمتنع أن يسمى الشيء ببعض ما فيه، ألا ترى انهم ~~قالوا: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، ولا خلاف انها اسماء للسور ~~وان كانت بعضا للسور، ومن فرق بين الأشخاص وغيرها في هذا المعنى: فاوجب ~~في الأشخاص أن يكون الاسم غير المسمى ولم يوجب في غيرها، فقد أبعد، لأنه ~~لا فرق بين الموضعين على ما مضى القول فيه، ولا يلزم أن تسمى كل سورة ~~بمثل ذلك، لأن المصلحة في ذلك معتبرة، وقد سمى الله كل سورة بتسمية تخصها ~~وإن لم تكن من هذا الجنس، كما انه لما سمى الحمد باسمائها لم يلزم ذلك في ~~كل سورة. # وقيل انها أوائل أسماء يعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) تمامها، والغرض ~~بها، نحو ما رويناه عن ms0015 ابن عباس، كما قال الشاعر: # سألتها الوصل فقالت: قاف # يعني: وقفت. وقال آخر: # بالخير خيرات وإن شرا فا # يريد: فشرا، وقال آخر: # ولا أريد الشر إلا أن تا # يعني: إلا أن تشاء. وقال آخر: # ما للظليم عال كيف لا يا # ينقد عنه جلده اذا يا # أي: اذا يفزع. فعلى هذا يحتمل ان يكون الالف: انا، واللام: الله، ~~والميم: اعلم، وكذلك القول في لحروف، وعلى هذا لا موضع (لالف لام ميم) من ~~الاعراب، وعلى قول من قال انها اسماء السور موضعها الرفع، كأنه قال هذه ~~الم، او يكون ابتداءه ويكون خبره ذلك الكتاب، واجمع النحويون على ان هذه ~~الحروف وجميع حروف الهجاء مبنية على الوقف لا تعرب، كما بني العدد على ~~الوقف، ولأجل ذلك جاز ان يجمع بين ساكنين كما جاز ذلك في العدد، تقول ~~واحد، اثنان، ثلاثة، اربعة، فتقطع الف اثنين وهي الف وصل، وتذكر الهاء في ~~ثلاثة واربعة، فلو لم تنو الوقف لقلت ثلاث بالثاء. # وحكي عن عاصم في الشواذ وغيره آلم الله بقطع الهمزة، الباقون بفتح ~~الميم، وقالوا فتح الميم لالتقاء الساكنين وقال قوم: لأنه نقل حركة ~~الهمزة اليه، واختار ابو علي الاول، لأن همزة الوصل تسقط في الوصل، فلا ~~يبقى هناك حركة تنقل، وانشد في نقل حركة همزة الوصل قول الشاعر # اقبلت من عند زياد كالخرف # تخط رجلاي بخط مختلف # فيكتبان في الطريق لام الف # ومتى أجريتها مجرى الأسماء لا الحكاية واخبرت عنها، قلت: هذه كاف حسنة، ~~وهذا كاف حسن، وكذلك باقي الحروف فتذكر وتؤنث، فمن أنث قصد الكلمة، ومن ~~ذكر قصد الحرف، فأما إعراب: ابي جاد، هواز، وحطي وكلمن، فزعم سيبويه انها ~~مصروفات، تقول: علمت ابا جاد، ونفعني ابو جاد، وانتفعت بأبي جاد. وكذلك: ~~هواز، وهواز، وهوازا. وحطيا، وحطي، وحطي، وأما كلمن وسعفص وقرشيات ~~فأعجميات، تقول: هذه كلمن، وتعلمت كلمن، وانتفعت بكلمن، وكذلك سعفص ~~وقرشيات اسم للجمع مصروفة لأجل الألف والتاء. وأما معنى ابي جاد، فقال ~~الضحاك: انها اسماء الايام الستة التي خلق الله تعالى فيها ms0016 الدنيا وقال ~~الشعبي: انها أسماء ملوك مدين، وانشد: # ألا يا شعيب قد نطقت مقالة # سببت بها عمروا وأوحى بني عمرو # ملوك بي حطي وهواز منهم # وسعفص أهل للمكارم والفخر # هم صبحوا أهل الحجاز بغارة # لميل شعاع الشمس أو مطلع الفجر # وروي عن ابن عباس ان لأبي جاد حديثا عجيبا، ابي: آدم جد في اكل ~~الشجرة، وهواز: فزل آدم فهوى من السماء إلى الارض. واما حطي فحطت عنه ~~خطيئته واما كلمن فأكل من الشجرة ومن عليه بالتوبة. وسعفص: عصى آدم ~~فاخرج من النعيم إلى الكبد. وقرشيات: اقر بالذنب فسلم من العقوبة وهذا ~~خبر ضعيف يتضمن وصف آدم، وهو نبي بما لا يليق به. # وقال قوم: انها حروف من أسماء الله، وروي ذلك عن معاوية بن قرة عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم). ### || [2.2] # ذلك الكتاب # هذه لفظة يشار بها إلى ما قرب، وذلك إلى ما بعد، وذاك إلى ما بينهما ~~ويحتمل أن يكون معنى ذلك ها هنا هذا؛ على قول عكرمة وجماعة من أهل ~~العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما؛ قال: # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا انني أنا ذلكا # أي انني انا هذا. وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة، وهو موجود في ~~الحال وانما جاز أن يستعمل هذا، وهي اشارة إلى حاضر، بمعنى ذلك وهي اشارة ~~إلى غايب لأنه كالحاضر عند الغايب. ألا ترى ان الرجل يحدث حديثا فيقول ~~السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه ~~من كلام المخبر، وكذلك لما قال تعالى { آلم } وذكرنا معنى ذلك، قال ~~لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته، ذلك الكتاب. فلذلك حسن وضع ذلك في ~~مكان هذا، إلا أنه اشارة إلى ما مضى. وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي ~~وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون ابناءهم يعني: هذا ذلك الكتاب. وقال قوم: انما اشار إلى ما كان ~~نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك، والأول ms0017 اقوى لأنه اشبه باقوال ~~المفسرين. واما من حمل ذلك على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ~~ابطل لأنه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين، ووصف ما في ايديهم ~~بانه مغير محرف في قوله: # يحرفون الكلم عن مواضعه # قوله تعالى: # لا ريب فيه: # القراءة قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ، وكذلك كل هاء كناية ~~قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو. ووافقه حفص ~~في قوله: فيه مهانا. ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري. ووافقه ~~قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه. فمن كسر الهاء مع ان الأصل الضمة فلأجل ~~الياء والكسرة اللتين قبلها. والهاء تشبه الألف لأنها من حروف الحلق ولما ~~فيها من الخفاء: فكما نحوا بالألف نحو الياء بالامالة لأجل الكسرة والياء ~~كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان، وذلك حسن وتركوا ~~الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال، ومن أشبع ~~وأتبعها الياء، فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون ~~كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء ~~والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء ~~تكرير وفي الصاد استطالة، فاذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز ~~غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها # المعنى: # ومعنى لا ريب فيه، أي لا شك فيه. # والريب الشك، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم. وقيل: هو ~~أشد الشك وهو مصدر رابني الشيء يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي: # وقالوا تركن الحي قد حصروا به # فلا ريب ان قد كان ثم لحيم # أي أطافوا به واللحيم القتيل، يقال لحم اذا قتل والهاء فيه عائدة على ~~الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبرا، والمعنى انه حق في نفسه، ولا ~~يكون المراد به انه لا يقع فيه ريب لأن من المعلوم أن الريب واقع فيه من ~~الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر اذا كان مخبره على ما هو ms0018 به في أنه ~~يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه. ويحتمل أن يكون معناه الأمر أي ~~تيقنوه ولا ترتابوا فيه # قوله تعالى: # هدى للمتقين # المعنى: # معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان ~~كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال: # إنما تنذر من اتبع الذكر # وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الأمر موعظة لي ~~اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما. ويقال هديت فلانا الطريق اذا ارشدته ~~ودللته عليه، أهديه هداية # الاعراب: # ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا ~~للمتقين وذلك يكون مرفوعا بآلم. والكتاب نعت لذلك، ويحتمل ان يكون حالا ~~من الهاء في (فيه)، كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعا من ~~وجوه: # أولها ان يكون خبرا بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه ~~الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه قد ~~جمع الطعمين. ويحتمل ان يكون رفعا بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى ~~لأن الكلام الأول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك الكتاب لا ريب ~~كأنك قلت: هذا الكتاب حق لأن لا شك بمعنى حق. ثم قال بعد ذلك فيه هدى ~~للمتقين. وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة ~~تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي ~~يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا ~~بينه وبينه كما قال ابو حية النميري: # والقت قناعا دونه الشمس واتقت # باحسن موصولين كف ومعصم # وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم. وقيل ~~ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه. وقيل ان المتقين هم ~~الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لأنه يلزم عليه وصف ~~الفاسق المتهتك بانه متق اذا كان ms0019 بريا من الشرك والنفاق. وأصل الاتقاء ~~الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لأنه جعله حاجزا بينه وبينه واتقاه ~~بحق كذلك ومنه الوقاية لأنها تحجز بين الرأس والاذى. # ومن التقية في اظهار خلاف الابطان. والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق ~~يظهر الخير ويبطن الشر، والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن. ويقال وقاه ~~يقيه وقاية وتوقاه توقيا. ### || [2.3] # آية بلا خلاف # الذين في موضع خفض لأنه نعت للمتقين، ويجوز ان يكون رفعا على الابتداء ~~و { يؤمنون } رفع لأنه فعل مستقبل والواو والنون في موضع رفع لأنه كناية ~~عن الفاعل، والنون الأخيرة مفتوحة لأنها نون الجمع والصلاة نصب لأنها ~~مفعول به. والايمان في اللغة هو التصديق، ومنه قوله: وما انت بمؤمن لنا. ~~أي بمصدق لنا. وقال: # يؤمنون بالجبت والطاغوت # وكذلك هو في الشرع عند أكثر المرجئة ،والمراد بذلك التصديق بجميع ما ~~اوجب الله او ندبه او اباحة وهو المحكي عن ابن عباس في هذه الاية لأنه ~~قال: الذين يصدقون بالغيب. # وحكى الربيع بن انس انه قال: الذين يخشون بالغيب. وقال: معناه يطيعون ~~الله في السر والعلانية. وقيل: إن الايمان مشتق من الامان، والمؤمن من ~~يؤمن نفسه من عذاب الله، والله المؤمن لاوليائه من عذابه وذلك مروي في ~~اخبارنا وقالت المعتزلة باجمعها: الايمان هو فعل الطاعة، ومنهم من اعتبر ~~فرائضها ونوافها، ومنهم من اعتبر الواجب منها لا غير، واعتبروا اجتناب ~~الكبائر من جملتها. # وروي عن الرضا عليه السلام: ان الايمان هو التصديق بالقلب والعمل ~~بالاركان والقول باللسان. وقد بينا الاقوى من ذلك في كتاب الاصول. # واما { الغيب } فحكي عن ابن عباس انه قال: ما جاء من عند الله. وقال ~~جماعة من الصحابة كابن مسعود وغيره: ان الغيب ما غاب عن العباد علمه من ~~امر الجنة والنار والأرزاق والاعمال وغير ذلك، وهو الاولى لأنه عام، ~~ويدخل فيه ما رواه اصحابنا من زمان الغية ووقت خروج المهدي عليه السلام. ~~وقال قوم: الغيب هو القرآن، حكي ذلك عن زر بن جيش. وذكر البلخي ان الغيب ~~كل ما ادرك ms0020 بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته. وقال الرماني: الغيب خفاء ~~الشيء عن الحس قرب أو بعد إلا انه قد كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا ~~يظهر للحس. # واصل الغيب من غاب يقولون: غاب فلان يغيب، وليس الغيب ما غاب عن الادراك ~~لأن ما هو معلوم وان لم يكن مشاهدا، لا يسمى غيبا، والأولى ان تحمل ~~الآية على عمومها في جميع من يؤمن بالغيب، وقال قوم: انها متناولة لمؤمني ~~العرب خاصة دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب، قالوا بدلالة قوله فيما بعد { ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } قالوا ولم يكن للعرب ~~كتاب قبل الكتاب الذي انزله الله على نبيه تدين بتصديقه، وانما الكتاب ~~لأهل الكتابين وهذا غير صحيح لأنه لا يمنع أن تكون الآية الاولى عامة في ~~جميع المؤمنين المصدقين بالغيب وإن كانت الآية الثانية خاصة في قوم لأن ~~تخصيص الثانية لا يقتضي تخصيص الأولى. # وقال قوم: انهما مع الآيتين اللتين بعدهما أربع آيات نزلت في مؤمني أهل ~~الكتاب، لأنه ذكرهم في بعضها. # وقال قوم: ان الأربع آيات من أول السورة نزلت في جميع المؤمنين، واثنتان ~~نزلتا في نعت الكافرين، وثلاثة عشر في المنافقين وهذا أقوى الوجوه، لأنه ~~حمل على عمومه، وحكي ذلك عن مجاهد وقوله: { يقيمون الصلاة } فاقامتها ~~أداؤها بحدودها وفرائضها وواجباتها، كما فرضت عليهم يقال: أقام القوم ~~سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء قال الشاعر: # أقمنا لأهل العراقين سوق # الضراب فخاموا وولوا جميعا # وقال أبو مسلم محمد بن بحر: معنى { يقيمون الصلاة } يديمون أداء فرضها ~~يقال للشيء الراتب قائم ولفاعله مقيم، ومن ذلك: فلان يقيم أرزاق الجند. ~~وقيل انه مشتق من تقويم الشيء من قولهم: قام بالأمر، إذا أحكمه وحافظ ~~عليه. وقيل انه مشتق مما فيه من القيام، ولذلك قيل قد قامت الصلاة. # وأما الصلاة فهي الدعاء في اللغة، قال الشاعر: # وقابلها الريح في دنها # وصلى على دنها وارتسم # أي دعا لها. وقال الأعشى: # لها حارس لا يبرح الدهر بيتها # فان ذبحت صلى عليها ms0021 وزمزما # يعني دعا لها: وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله تصلى نارا ~~حامية، والمصدر الصلا ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها، والمصلى الذي يجيء ~~في اثر السابق للزوم أثره، ويقال للعظم الذي في العجز صلوا، وهما صلوان. # فأما في الشرع ففي الناس من قال إنها تخصصت بالدعاء والذكر في موضع ~~مخصوص. ومنهم من قال، وهو الصحيح، انها في الشرع عبارة عن الركوع والسجود ~~على وجه مخصوص وأركان واذكار مخصوصة. وقيل انها سميت صلاة لأن المصلي ~~متعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته. # وأما الرزق، فهو ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه، ~~وهذا لا يطلق إلا فيما هو حلال فأما الحرام فلا يكون رزقا لأنه ممنوع ~~منه بالنهي، ولصاحبه أيضا منعه منه، ولأنه أيضا مدحهم بالانفاق مما ~~رزقهم، والمغصوب والحرام يستحق الذم على إنفاقه، فلا يجوز أن يكون رزقا. # وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } حكي عن ابن عباس انها الزكاة المفروضة ~~يؤتيها احتسابا. وحكي عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله، لأن الآية ~~نزلت قبل وجوب الزكاة. وقال الضحاك: هو التطوع بالنفقة فيما قرب من الله ~~والأولى حمل الآية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة ~~وتطوع بالخيرات. # وأصل الرزق الحظ لقوله: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # أي حظكم، وما جعله حظا لهم فهو رزقهم. # والانفاق أصله الاخراج، ومنه قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها، ~~والنافقاء، جحر اليربوع، من ذلك لأنه يخرج منها. ومنه النفاق لأنه يخرج ~~إلى المؤمن بالايمان والى الكافر بالكفر. ### || [2.4] # القراءة # لا يمد القراء الألف من ما إلا حمزة فانه مدها، وقد لحن في ذلك. وكان ~~يقف قبل الهمزة فيقرأ: وبالاخرة تسكينا على اللام شيئا ثم يبتدىء ~~بالهمزة، وكذلك الارض وشيء يقطع عند الياء من شيء كأنه يقف ثم يهمز. ~~وموضع (ما) خفض بالباء ويكره الوقف على (ما) لأن الألف حرف منقوص. # التفسير # وقال قتادة: { ما أنزل إليك } القرآن { وما أنزل من قبلك } الكتب ms0022 ~~الماضية، وقد بينا أن الأولى حمل الآيه على عمومها في المؤمنين، وذكرنا ~~الخلاف فيه، والآخرة صفة الدار، فحذف الموصوف، قال الله تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # ووصفت بذلك لمصيرها آخرة لأولى قبلها كما يقال: جئت مرة بعد أخرى، ويجوز ~~أن يكون سميت بذلك لتأخيرها عن الخلق، كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من ~~الخلق؛ وإيقانهم ما جحده المشركون من البعث والنشور والحساب والعقاب. ~~وروي ذلك عن ابن عباس، والايقان بالشيء هو العلم به؛ وسمي يقينا لحصول ~~القطع عليه وسكون النفس إليه. ### || [2.5] # القراءة # اولئك بهمزتين، وفيهم من يخففهما وحمزة يمد اولئك واولئك اسم مبهم يصلح ~~لكل حاضر تعرفه الاشارة كقولك ذاك في الواحد، وأولاء جمع ذاك في المعنى ~~ومن قصر قال أولا وأولالك، واذا أمددته لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ~~ثقل الهمزة وثقل الزيادة، وتقول: أولاء للقريب وها أولئك للبعيد وأولئك ~~للمتوسط. # واضيف الهدى إلى الله لأحد الأمرين: # احدهما: لما فعل بهم من الدلالة على الهدى والايضاح له، والدعاء اليه. # الثاني: لأنه يثيب عليه، فعلى هذا يضاف الايمان بأنه هداية من الله. # { وهدى } في موضع خفض بعلى. ومعنى { على هدى }: أي على حق وخير بهداية ~~الله إياهم ودعائه إلى ما قالوا به، ومن قال: هم على نور واستقامة أو ~~بيان ورشد، فهو داخل تحت ما قلنا، والاولى أن يكون ذلك عاما فيمن تقدم ~~ذكره في الآيتين، ومن خص ذلك فقد ترك الظاهر؛ لأن فيهم من خصها بالمعنيين ~~في الآية الاولى، وفيهم من خصها بالمذكورين في الآية الثانية، وقد بينا ~~أن الجمع محمول على العموم وحملها على العموم في الفريقين محكي عن ابن ~~عباس وابن مسعود. # و { المفلحون } هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم ~~وإيمانهم. والفلاح: النجاح. قال الشاعر: # اعقلي إن كنت لما تعقلي # ولقد أفلح من كان عقل # يعتي من ظفر بحاجته وأصاب خيرا. وتقول أفلح يفلح إفلاحا وتقول فلح يفلح ~~فلاحا وفلاحا والفلاح البقاء أيضا. قال لبيد # نحل بلادا كلها حل قبلنا # ونرجو فلاحا ms0023 بعد عاد وحمير # يعني البقاء وأصل الفلح القطع، فكأنه قطع لهم بالخير، ومنه قيل للاكار ~~فلاحا لأنه يشق الارض، والفلاح المكاري لأنه يقطع الارض قال الشاعر: # إن الحديد بالحديد يفلح # وفى اولئك لغات: فلغة أهل الحجاز: أوليك بالياء، وأهل نجد وقيس وربيعة ~~وأسد يقولون: اولئك بهمز. وبعض بني سعيد من بني تميم يقولون: الاك ~~مشددة، وبعضهم يقول: الالك. قال الشاعر: # ألا لك قوم لم يكونوا أشابة # وهل يعظ الضليل إلا ألالكا # وهم دخلت للفصل. ### || [2.6] # النزول نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الاحزاب قتلوا يوم ~~بدر في قول الربيع بن أنس، واختاره البلخي والمغربي. وقال ابن عباس: نزلت ~~في قوم باعيانهم من أحبار اليهود ذكرهم باعيانهم، من اليهود الذين حول ~~المدينة. وقال قوم: نزلت في مشركي العرب، واختار الطبري قول ابن عباس. ~~والذي نقوله إنه لا بد أن تكون الآية مخصوصة لأن حملها على العموم غير ~~ممكن، لأنا علمنا أن في الكفار من يؤمن فلا يمكن العموم، وأما القطع على ~~واحد مما قالوه فلا دليل عليه، ويجب تجويز كل واحد من هذه الاقوال، ومن ~~مات منهم على كفره يقطع على أنه مراد بالآية، فعلى هذه قادة الاحزاب ~~مرادون على ما قال ربيع بن انس ومن قتل يوم بدر كذلك ومن قال ان الآية ~~مخصوصة بكفار اهل الكتاب قال: لأن ما تقدمها مختص بمؤمنيهم فيجب ان يكون ~~ما يعقبها مختصا بكفارهم وقد قلنا إن الآية الاولى حملها على عمومها ~~اولى ولو كانت خاصة بهم لم يجب حمل هذه الآية على الخصوص لما تقدم فيما ~~مضى. والذين نصب بأن. والكفر هو الجحود والستر ولذلك سمي الليل كافرا ~~لظلمته قال الشاعر: # فتذكرا نقلا رشيدا بعد ما # القت ذكاء يمينها في كافر # وقال لبيد: # في ليلة كفر النجوم غمامها # يعني غطاها. # والكافور اكمام الكرم الذي يكون فيه والكفري وعاء الطلعة لأنه يستر ~~اللب ومنه قوله تعالى: # كمثل غيث أعجب الكفار نباته # وسمي الزارع كافرا لتغطيته البذر ويقال فلان متكفر بالسلاح ms0024 اذا تغطى ~~به. وفي الشرع عبارة عمن جحد ما اوجب الله عليه معرفته من توحيده وعدله ~~ومعرفة نبيه والاقرار بما جاء به من اركان الشرع فمن جحد شيئا من ذلك ~~كان كافرا وربما تعلقت به احكام مخصوصة من منع الموارثة والمناكحة ~~والمدافنة والصلاة عليه وربما لم يتعلق بحسب الدليل عليه. # قوله تعالى: { سواء عليهم ءأنذرتهم } جمع بين الهمزتين أهل الكوفة وابن ~~عامر إلا الحلواني وكذلك في كل همزتين في كلمة واحدة اذا كانت الاولى ~~للاستفهام إلا في مواضع مخصوصه نذكرها فيما بعد الباقون بتخفيف الاولى ~~وتليين الثانية وفصل بينهما بالألف أهل المدينة إلا ورشا وابا عمرو ~~والحلواني عن هشام. # ومعنى قوله { سواء } أي معتدل مأخوذ من التساوي كقولك متساو وتقول: هذان ~~الأمران عندي سواء أي معتدلان، ومنه قوله: # فانبذ إليهم على سواء # يعني بذلك اعلمهم وآذنهم للحرب ليستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق ~~منكم للاخر ومعناه: أي الامرين كان منك اليهم الانذار أم ترك الانذار ~~فانهم لا يؤمنون. وقال عبد الله بن قيس الرقيات: # تعدت بي الشهباء نحو ابن جعفر # سواء عليها ليلها ونهارها # يعني بدلك عندها معتدل في السير الليل والنهار، لأنها لا فتور فيه ومنه ~~قول الآخر: # وليل يقول المرء من ظلماته # سواء صحيحات العيون وعورها # لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته، وهذا لفظه لفظ ~~الاستفهام ومعناه الخبر، وله نظائر في القرآن، كما تقول ما أبالي أقمت أم ~~قعدت، وانت مخبر لا مستفهم لأنه وقع موقع أي، كأنك قلت لا أبالي أي ~~الامرين كان منك وكذلك معنى الآية: سواء عليهم أي هذين منك اليهم حسن في ~~موضعه، سواء فعلت أم لم تفعل. وقال بعض النحويين ان حرف الاستفهام انما ~~دخل مع سواء وليس باستفهام؛ لأن المستفهم اذا استفهم غيره قال: أزيد عندك ~~أم عمرو ويستفهم صاحبه ايهما عنده وليس احدهما احق بالاستفهام من الآخر ~~فلما كان قوله: { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } بمعنى التسويه أشبه ~~ذلك الاستفهام اذ شبهه بالتسوية، وقال جرير: ms0025 # الستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح # فهذا في صورة الاستفهام وهو خبر، لأنه لو أراد الاستفهام لما كان مدحا ~~وقال آخر: # سواء عليه أي حين أتيته # أساعة نحس تتقى أم باسعد # ولا يجوز أن تقع أو في مثل هذا مكان أم لأن أم هي التي تعادل بها الهمزة ~~لا أو. # والفرق بينهما ان أو يستفهم بها عند أحد الامرين هل حصل أم لا وهو لا ~~يعلمها معا كقول القائل: أذن أو أقام؟ اذ المراد تعلمهما، فاذا علم ~~واحدا منهما ولم يعلمه بعينه قال أذن أم اقام؟ يستفهم عن تعيين أحدهما ~~هذا في الاستفهام. وفي الخبر تقول: لا أبالي أقمت أم قعدت. أي هما عندي ~~سواء ولا يجوز ان تقول لا أبالي أقمت أو قعدت لأنك ليت بمستفهم من شيء. # وحكي عن عاصم الجحدري انه قرأ سواو بواو مضمومة لا بهمزة وهذا غلط لأن ~~العرب كلها تهمز ما بعده مده يقولون: كساء ورداء وهواء وجزاء وغير ذلك. ~~وأما الانذار فهو اعلام وتخويف، وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وقد ~~سمى الله نفسه بذلك فقال: # إنا أنذرناكم عذابا قريبا # لأن الاعلام يجوز وصفه به والتخويف أيضا كذلك في قوله: { ذلك يخوف الله ~~به عباده } فاذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بلفظ يشتمل عليهما وانذرت ~~فعل متعد إلى مفعولين كقوله تعالى: { أنذرتكم صاعقة } و { إنا أنذرناكم ~~عذابا قريبا } وقد ورد معدا بالباء في قوله تعالى: # قل إنما أنذركم بالوحي # وقيل الانذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه الاحتراز، فان لم يتسع ~~زمانه للاحتراز كان اشعارا ولم يكن انذارا. قال الشاعر: # انذرت عمرا وهو في مهل # قبل الصباح فقد عصى عمرو # فان قيل الذين علم الله منهم انهم لا يؤمنون، هل كانوا قادرين على ~~الايمان أم لا؟ فان قلتم ما كانوا قادرين، وقد كلفهم الله تعالى الايمان، ~~فقد كلفهم ما لا يقدرون عليه، وهذا لا يجوز وان كانوا قادرين فقد ~~قلتم: انهم كانوا قادرين على تجهيل الله. # قلنا: هذا يلزم ms0026 المخالف مثله، فانه لا خلاف أنهم مأمورون بالايمان، ~~فيقال لهم: انه لا يجب ذلك كما لا يجب اذا كانوا مأمورين بالايمان، ان ~~يكونوا مأمورين (بابطال ما علم الله) أليس الله قد علم انه لا يقيم ~~القيامة اليوم؟ ايقولون: انه قادر على اقامتها أم لا؟ فان قلتم: انه لا ~~يقدر، فقد عجزتم الله وان قلتم: انه يقدر، فقد قلتم: انه يقدر على ان ~~يجهل نفسه. والجواب الصحيح عن ذلك: أن العلم يتناول الشيء على ما هو به، ~~ولا يجعله على ما هو به، فليس يمتنع ان يعلم حصول شيء بعينه، وان كان ~~غيره مقدورا ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب وقد علم أن كل واحد ~~منهما يقوم مقام صاحبه في باب الغرض وقد علم قد علم قبح الكذب وحسن الصدق ~~لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق وان كان قادرا على الكذب فبان ~~بذلك صحة ما قلناه. ### || [2.7] # القراءة أجمع القراء السبعة على كسر الغين وضم التاء، وروي عن بعض ~~القراء فتح الغين، وعن الحسن ضم الغين. وحكي عن عاصم في الشواذ: غشاوة، ~~بنصب التاء، ولا يقرأ بجميع ذلك. # التفسير # { ختم الله على قلوبهم } أي شهد عليها بانها لا تقبل الحق، يقول القائل: ~~أراك تختم على كل ما يقول فلان، أي تشهد به وتصدقه، وقد ختمت عليك بانك ~~لا تعلم، أي شهدت، وذلك استعارة. وقيل ان ختم بمعنى طبع فيها أثرا ~~للذنوب كالسمة والعلامة لتعرفها الملائكة فيتبرءوا منهم، ولا يوالوهم، ~~ولا يستغفروا لهم مع استغفارهم للمؤمنين. وقيل: المعنى في ذلك أنه ذمهم ~~بانها كالمختوم عليها في انها لا يدخلها الايمان ولا يخرج عنها الكفر قال ~~الشاعر: # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # أي كأنه لا حياة فيه. والختم آخر الشيء ومنه قوله تعالى: # ختامه مسك # ومنه: خاتم النبيين أي آخرهم. ومنه: ختم الكتاب لأنه آخر حال الفراغ منه ~~والختم الطبع والخاتم الطابع. # وما يختم الله على القلوب من السمة والعلامة التي ذكرناها ليست بمانعة ~~من ms0027 الايمان كما أن ختم الكتاب والظرف والوعاء لا يمنع من أخذ ما فيه. # وحكي عن مجاهد أنه قال: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم ومن ~~الاقفال والقفل اشد من ذلك. # وقيل: إن قوله تعالى: { ختم الله } إخبار عن تكبرهم وإعراضهم عن ~~الاستماع لما دعوا اليه من الحق كما يقال: فلان اصم عن هذا الكلام اذا ~~امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه. # والغشاوة: الغطاء وفيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها وكذلك غشوة ~~فيها ثلاث لغات. ويقال: تغشاني السهم اذا تجلله وكل ما اشتمل على شيء ~~مبني على فعالة كالعمامة والقلادة والعصابة وكذلك في الصناعة كالخياطة ~~والقصارة والصباغة والنساجة غير ذلك وكذلك من استولى على شيء كالخلافة ~~والامارة والاجارة وغير ذلك. # قال ابو عبيدة: { وعلى سمعهم } معناه على اسماعهم ووضع الواحد موضع ~~الجمع لأنه اسم جنس كما قال: # يخرجكم طفلا # يعني اطفالا. ويجوز ان يكون اراد موضع سمعهم فحذف لدلالة الكلام عليه. ~~ويجوز ان يكون اراد المصدر لأنه يدل على القليل والكثير؛ فمن رفع التاء ~~قال: الكلام الاول قد تم عند قوله: { وعلى سمعهم } واستأنف: { وعلى ~~أبصارهم غشاوة } وتقديره: وغشاوة على أبصارهم، ومن نصب قدره، يعني: جعل ~~على أبصارهم غشاوة، كما قال الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # وقال الآخر: # متقلدا سيفا ورمحا # لما دل الكلام الأول عليه، فاذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه، لا يجوز ~~إضماره، ويجوز أن ينصب بالفعل الأول الذي هو الختم، لأن الختم لا يطلق ~~على البصر، كما ذكر في قوله تعالى: { وختم على سمعه وقلبه } ثم قال: # وجعل على بصره غشاوة # فلم يدخل المنصوب في معنى الختم وقال قوم: إن ذلك على وجه الدعاء عليهم، ~~لا للاخبار عنهم، وهذا يمكن في قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم } وفي قوله { وعلى أبصارهم غشاوة } فيمن نصب غشاوة، فاما من رفع ~~ذلك، فلا يكون دعاء. والأقوى أن ذلك خبر، لأنه خرج مخرج الذم لهم ~~والازراء عليهم، فكيف يحمل على الدعاء؟ # ويحتمل أن يكون ms0028 المراد (بختم) أنه سيختم، ويكون الماضي بمعنى المستقبل ~~كما قال: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # وعلى هذا يسقط سؤال المخالف # والقلب جعل الشيء على خلاف ما كان. يقال: قلبه يقلبه قلبا والقليب ~~البئر لأن الماء ينقلب اليها، وما به قلبة: أي انقلاب عن صحة، وفلان حول ~~قلب: اذا كان يقلب الامور برأيه ويحتال عليها، والقلوب الذئب لتقلبه في ~~الحيلة على الصيد بخبثه، وسمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر. قال الشاعر: # ما سمي القلب إلا من تقلبه # والرأي يعزب والانسان أطوار # والبصر: مصدر بصر به يبصر بصرا، بمعنى أبصره ابصارا. والبصيرة: ~~الابصار للحق بالقلب. والبصائر قطع الدم لأنها ترى كثيرة للعسل. # { ولهم عذاب عظيم } باظهار التنوين، لأن النون تبين عند حروف الحلق وهي ~~ستة أحرف: العين، والغين، والحاء، والخاء، والهمزة والهاء ومن هذه الاحرف ~~ما لا يجوز فيه الاخفاء، وهي العين، كقوله: { من عند الله } و { من عليها ~~}. والهمزة نحو قوله: # غثاء أحوى # والخاء والغين يجوز إخفاؤهما عندهم على ضعف فيه من قوله: { والمنخنقة } ~~و { نارا خالدا } { فان خفتم } { من خلفهم } و # ميثاقا غليظا # ماء غدقا # قولا غير الذي # قال الفراء: أهل العراق يبينون وأهل الحجاز يخفون وكل صواب. # فان قيل: اذا قلتم: ان الله ختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ~~فكيف يكونون قادرين على الايمان؟ قيل: يكونون عليه لأن الختم والغشاوة ~~ليسا بشيء يفعلهما الله تعالى في القلب والعين يصد بهما عن الايمان، ولكن ~~الختم شهادة على ما فسرناه من الله عليهم بانهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم ~~بانها لا تعي الذكر، ولا تعي الحق، وعلى اسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق. ~~وهذا إخبار عمن يعلم منه أنه لا يؤمن. والغشاوة هي " إلفهم الكفر بحبهم ~~له " ولم يقل تعالى: إنه جعل على قلوبهم بل أخبر انه كذلك. ومن قرأ ~~بالنصب وإن كان شاذا يحتمل أن يكون أراد معنى قوله: ان السورة ~~زادتهم رجسا إلى رجسهم والسورة لم تزدهم ولكنهم ازدادوا عندها، وسنوضح ~~ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى. # { ولهم عذاب ms0029 عظيم } تقديره: ولهم، بما هم عليه من خلافك، عذاب عظيم وحكي ~~ذلك عن ابن عباس. وأصل العذاب الاستمرار بالشيء يقال: عذبه تعذيبا: إذا ~~استمر به الألم. وعذب الماء عذوبة: اذا استمر في الحلق وحمار عاذب وعذوب: ~~اذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش. وفرس عذوب مثل ذلك. والعذوب ~~الذي ليس بينه وبين السماء ستر وأعذبته عن الشيء بمعنى فطمته. وعذبة ~~السوط طرفه والعذاب استمرار الألم. # وأصل العظم عظم الشخص، ومنه عظيم الشأن الغني بالشيء عن غيره وعظمة ~~الله تعالى كبرياؤه والعظام من العظم لأنه من أكبر ما يركب منه البدن. ### || [2.8] # التفسير: # (من) لفظ يخبر به عن الواحد من العقلاء، واثنين وجماعة فلما قال: { وما ~~هم بمؤمنين } دل على أنه أراد الجمع وانما قال: { يقول } بلفظ الواحد ~~حملا له على اللفظ قال الشاعر: # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # وقيل في معنى الناس وجهان: # أحدهما أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه واحدهم إنسان والانثى انسانة # والثاني أن أصله: أناس فاسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال اذا دخلها ~~الألف واللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل: { لكنا هو ~~الله } واصله: لكن انا. # وقال بعضهم: ان الناس لغة غير اناس، وإلا لقيل في التصغير: انيس ردا ~~إلى اصله. # واشتقاقه من النوس: وهو الحركة ناس ينوس نوسا: اذا تحرك والنوس: تذبذب ~~الشيء في الهواء، ومنه نوس القرط في الاذن لكثرة حركته. # ولا خلاف بين المفسرين ان هذه الآية وما بعدها نزلت في قوم من المنافقين ~~من الأوس والخزرج وغيرهم، روي ذلك عن ابن عباس وذكر اسماءهم ولا فائدة في ~~ذكرها. وكذلك ما بعدها إلى قوله: { وما كانوا مهتدين } كلها في صفه هؤلاء ~~المنافقين. والمنافق هو الذي يظهر الاسلام بلسانه وينكره بقلبه. # واليوم الآخر هو يوم القيامة وانما سمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه ~~يوم لا يوم بعده سواه. وقيل: لأنه بعد ايام الدنيا واول ايام الآخرة. فان ~~قيل: كيف لا يكون بعده يوم ولا انقطاع للاخرة ولا ms0030 فناء؟ قيل: اليوم في ~~الآخره سمي يوما بليلته التي قبله فاذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم ~~يوما فيوم القيامة يوم لا ليل بعده فلذلك سماه اليوم الآخر. # وانما قال: { وما هم بمؤمنين } مع قوله: {.. من يقول آمنا بالله } ~~تكذيبا لهم فيما اخبروا عن اعتقادهم من الايمان والاقرار بالبعث والنبوة ~~فبين ان ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم وذلك يدل على ان الايمان ~~لا يكون مجرد القول على ما قالته الكرامية. # { يقول } من القول ومنه: تقول اذا تخرص القول واقتال فهو مقيال: اذا ~~أخذ نفعا إلى نفسه بالقول أو دفع به ضررا عنها والمقول اللسان ~~يقوله تقويلا اذا طالبه باظهار القول. ### || [2.9] # القراءة: # قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو بضم الياء وبألف. الباقون بفتح الياء بلا ~~الف في قوله { وما يخدعون } # اللغة: # قال ابو زيد: خدعت الرجل اخدعه خدعا بكسر الخاء وخديعة ويقال في ~~المثل: إنك لأخدع من ضب حرشته. وقال ابن الاعرابي: الخادع: الفاسد من ~~الطعام ومن كل شيء وانشد: # ابيض اللون لذيذا طعمه # طيب الريق اذا الريق خدع # اي تغير وفسد. وقال ابو عبيدة: يخادعون بمعنى يخدعون قال الشاعر: # وخادعت المنية عنك سرا # فلا جزع الاوان ولا رواعا # التفسير: # وخداع المنافق إظهاره بلسانه من القول أو التصديق خلاف ما في قلبه من ~~الشك والتكذيب وليس لأحد ان يقول: كيف يكون المنافق لله ولرسوله ~~وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟. ~~وذلك ان العرب تسمي من اظهر بلسانه غير ما في قلبه لينجو مما يخافه ~~مخادعا لمن تخلص منه بما اظهر له من التقية فلذلك سمي المنافق مخادعا ~~من حيث انه نجا من اجراء حكم الكفر عليه بما اظهره بلسانه فهو وان كان ~~مخادعا للمؤمنين فهو لنفسه مخادع لأنه يظهر لها بذلك أنه يعطيها أمنيتها ~~وهو يوردها بذلك أليم العذاب وشديد الوبال، فلذلك قال: { وما يخدعون إلا ~~أنفسهم }. # وقوله: { وما يشعرون } يدل على بطلان قول من قال: إن الله لا يعذب إلا ms0031 ~~من كفر عنادا بعد علمه بوحدانيته ضرورة، لأنه أخبر عنهم بالنفاق وبأنهم ~~لا يعلمون ذلك، والمفاعلة، وإن كانت تكون من اثنين، من كل واحد منهما ~~لصاحبه، مثل ضاربت وقاتلت وغير ذلك، فقد ورد من هذا الوزن " فاعل " ~~بمعنى (فعل) مثل: قاتله الله، وطابقت النعل، وعافاه الله، وغير ذلك. ~~وقد حكينا أن معناه: يخدعون، كما قال في البيت المقدم وقيل: إنه لم يخرج ~~بذلك عن الباب ومعناه: ان المنافق يخادع الله بكذبه بلسانه على ما تقدم، ~~والله يخادعه بخلافه بما فيه نجاة نفسه كما قال. # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين # وحكي عن الحسن ان معنى يخادعون الله انهم يخدعون نبيه لأن طاعته طاعة ~~الله ومعصيته معصية الله كما قال: # وإن يريدوا أن يخدعوك # وقيل معناه: انهم يعملون عمل المخادع كما يقال فلان يسخر من نفسه ومن ~~قرأ { وما يخادعون } بألف طلب المشاكلة والازدواج كما قال: # وإن عاقبتم فعاقبوا # وكما قال: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وكما قال الشاعر: # ألا لا يجهلن احد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وقال تعالى: # فيسخرون منهم سخر الله منهم # ومثله كثير. وقيل في حجة من قرأ يخادعون بألف هو ان ينزل ما يخطر بباله ~~ويهجس في نفسه من الخداع بمنزلة آخر يجازيه ذلك ويفاوضه فكأن الفعل من ~~اثنين كما قال الشاعر وذكر حمارا أراد الورود: # تذكر من أنى ومن أين شربه # يؤامر نفسيه كذي الهجمة الابل # فجعل ما يكون منه من وروده الماء والتمثل بينهما بمنزلة نفسين وقال ~~الآخر: # وهل تطيق وداعا ايها الرجل # وعلى هذا قول من قرأ: { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } فوصل فخاطب ~~نفسه ونظائر ذلك كثيرة وانما دعاهم إلى المخادعة امور # احدها التقية وخوف القتل # والثاني ليكرموهم إكرام المؤمنين. # الثالث ليأنسوا اليهم في اسرارهم فينقلوها إلى اعدائهم. والخداع مشتق ~~من الخدع وهو اخفاء الشيء مع ايهام غيره ومنه المخدع: البيت الذي يخفى ~~فيه الشيء فان قيل: أليس الكفار قد خدعوا المؤمنين بما اظهروا بالسنتهم ~~حتى حقنوا بذلك ms0032 دماءهم واموالهم وان كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم ~~قيل: لا نقول خدعوا المؤمنين لأن اطلاق ذلك يوجب حقيقة الخديعة لكن نقول: ~~خادعوهم وما خدعوهم بل خدعوا انفسهم، كما قال في الآية، ولو أن انسانا ~~قاتل غيره، فقتل نفسه جاز أن يقال: انه قاتل فلانا. فلم يقتل إلا نفسه، ~~فيوجب مقاتلة صاحبه، وينفي عنه قتله. # والنفس مأخوذة من النفاسة، لأنها أجل ما في الانسان. تقول: نفس ينفس ~~نفاسة: اذا ضن به، وتنافسوا في الأمر: اذا تشاحوا. والنفس: الروح. ونفس ~~عنه تنفيسا: اذا روح عن نفسه. والنفس: الدم، ومنه النفساء، ونفست ~~المرأة. والنفس: خاصة الشيء، وقوله: { وما يشعرون } يعني وما يعلمون، ~~يقال ما شعر فلان بهذا الأمر وهو لا يشعر به اذ لم يدر، شعرا وشعورا ~~ومشعورا قال الشاعر: # عقوا بسهم فلم يشعر به احد # ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح # يعني: لم يعلم به أحد. واصل الشعر: الدقة شعر به يشعر: اذا اعلمه بامر ~~يدق ومنه الشعيرة والشعير، لأن في رأسهما كالشعر في الدقة. والمشاعر: ~~العلامات في مناسك الحج كالموقف والطواف، وغيرهما. واشعرت البدنة، اذا ~~اعلمتها على انها هدي. والشعار ما يلي الجسد، لأنه يلي شعر البدن. # الاعراب: # { إلا أنفسهم } نصب على الاستثناء. ### || [2.10] # القراءة: # امال الزاي ابن عامر والحلواني وحمزة، وقرأ اهل الكوفة بفتح الياء ~~يكذبون مخففا. # اللغة والتفسير: # يقال زاد يزيد زيادة وقال الشاعر # كذلك زيد المرء بعد انتقاصه # و (زدت) فعل يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى { وزدناهم هدى وزدناهم عذابا ~~فوق العذاب } وزاده بسطة في العلم والجسم وقوله { فزادهم إيمانا } ~~والمعنى: زادهم فوق الناس لهم ايمانا اضمر المصدر في الفعل واسند الفعل ~~اليه، كما قال # ما زادهم إلا نفورا # أي ما زادهم مجيء النذير، والمعنى ازدادوا عنده وقال ابو عبيدة المرض ~~الشك والنفاق، وقيل في قوله { فيطمع الذي في قلبه مرض } أي فجور، وقال ~~سيبويه: مرضته قمت عليه، ووليته، وامرضته: جعلته مريضا. # وقيل إن المرض الغم والوجع من الحسد والعداوة لكم { فزادهم الله مرضا } ~~دعاء عليهم، كما قال تعالى: ms0033 # ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم # واصل المرض: السقم في البدن فشبه ما في قلوبهم من النفاق والشك بمرض ~~الاجساد. # والأليم بمعنى المؤلم الموجع: فعيل بمعنى مفعل: مثل بديع بمعنى مبدع، ~~ومكان حريز بمعنى محرز. قال ذو الرمة: # يصك وجوهها وهج اليم # فان قيل اذا كان معنى قوله: { في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق، ثم قال: { ~~فزادهم الله مرضا } ثبت ان الله يفعل الكفر بخلاف ما تذهبون اليه. قيل: ~~ليس الأمر على ما ذكرتم، بل معناه: إن المنافقين كانوا كلما أنزل الله ~~آية أو سورة كفروا بها، فازدادوا بذلك كفرا إلى كفرهم، وشكا إلى شكهم، ~~فجاز لذلك أن يقال: فزادهم الله مرضا لما ازدادوا هم مرضا عند نزول ~~الآيات: ومثل ذلك قوله حكاية عن نوح: # رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا # وهم الذين ازدادوا فرارا عند دعائه: ومثل قوله: # فزادهم رجسا إلى رجسهم # وانما اراد انهم ازدادوا عند نزول الآية وكقوله: # فاتخذتموهم سخريا حتى انسوكم ذكري # والمؤمنون ما أنسوهم ذكر الله بل كانوا يدعونهم اليه تعالى، لكن لما ~~نسوا ذكر الله عند ضحكهم من المؤمنين اتخاذهم إياهم سخريا. جاز أن يقال: ~~إن المؤمنين انسوهم. ويقول القائل لغيره اذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد ~~كنت شريرا فزادتك نصيحتي شرا. وانما يريد أنه ازداد عنده. فلما كان ~~المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك، ثم ازدادوا شكا وكفرا عند ~~ما كان تجدد من امر الله ونهيه، وما ينزل من آياته جاز أن يقال: { فزادهم ~~الله مرضا } فان قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون انزال الآيات مفسدة، لانهم ~~يزدادون عند ذلك الكفر. قلنا: ليس حد المفسدة ما وقع عنده الفساد، وانما ~~المفسدة ما وقع عندها الفساد، ولولاها لم يقع، ولم يكن تمكينا، وهذا ~~تمكين لهم من النظر في معجزاته ودلائله، فلم يكن استفسادا ولو كان الأمر ~~على ما قالته المجبرة: إن الله يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا، ~~والله تعالى يخلق فينا الكفر، ويمنعنا من الايمان. # فلم ms0034 تلوموننا على ما فعله الله؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم. وذلك باطل، ~~والتقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق ~~بنبيه مرض، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه. قال الشاعر: # هلا سألت الخيل يا ابنة مالك # ان كنت جاهلة بما لم تعلمي # يعني اصحاب الخيل كما قال: [يا خيل الله اركبي] يعني يا اصحاب خيل الله، ~~وكما قال تعالى: # واسأل القرية # وانما اراد اهلها وروي عن ابن عباس أن المرض المراد به الشك والنفاق، ~~وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد # والكذب ضد الصدق، وهو الاخبار عن الشيء لا على هو به، يقال كذب يكذب ~~كذبا وكذابا خفيف وثقيل مصدران. والكذب كالضحك والكذاب كالكتاب ~~والاكذاب: جعل الفاعل على صفة الكذب. والتكذب: التحلي بالكذب وجهة من ضم ~~الياء وشدد الذال أنه ذهب إلى أنهم استحقوا العذاب بتكذيبهم النبي صلى ~~الله عليه وآله وبما جاء به. ومن فتح الياء وخفف الذال قدر المضاف، ~~كأنه قال: بكذبهم، وهو اشبه بما تقدم، وهو قولهم: # آمنا بالله وباليوم الآخر # فاخبر الله عنهم فقال: { وما هم بمؤمنين } ولذلك يحمد تكذيبهم. وادخل ~~كان ليعلم ان ذلك كان فيما مضى، كقول القائل: ما احسن ما كان زيدا. وقال ~~بعض الكوفيين: لا يجوز ذلك، لأن حذف كان، انما أجازوه في التعجب. لأن ~~الفعل قد تقدمها فكأنه قال حسنا كان زيد. ولا يجوز ذلك ها هنا لأن كان ~~تقدمت الفعل. ### || [2.11] # القراءة: # رام ضم القاف فيها وفي أخواتها الكسائي وهشام ورويش ووافقهم ابن ذكوان ~~في السين والحاء، مثل: حيل وسيق، وسيئت، ووافقهم اهل المدينة في سيق ~~وسيئت فمن ضم ذهب إلى ما حكي عن بعض العرب: قد قول، وقد بوع المتاع، بدل ~~قيل وبيع، ومن كسرها قال: لأن ياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم، ومن ~~اشم قال: اصله قول، فاستثقلت الضمة، فقلبت كسرة، واشمت ليعلم ان الأصل ~~كانت ضمة. # المعنى: # وروي عن سلمان رحمه الله أنه قال: لم يجىء هؤلاء. وقال أكثر ~~المفسرين: إنها نزلت في ms0035 المنافقين الذين فيهم الآيات المتقدمة، وهو ~~الأقوى ويجوز أن يراد بها من صورتهم صورتهم، فيحمل قول سلمان رحمه الله ~~ على أنه أراد بعد انقراض المنافقين الذين تناولتهم الآية. # ومعنى قولهم له: { إنما نحن مصلحون } يحتمل امرين: # احدهما ان يقول: إن هذا الذي عندكم فساد، هو صلاح عندنا، لأنا إذا ~~قابلناهم استدعيناهم إلى الحق في الدين. # والثاني أن يجحدوا ذلك البلاغ. # والافساد مأخوذ من الفساد: وهو كلما يغير عن استقامة الحال. تقول: فسد ~~يفسد فسادا. والافساد: إحداث الفساد والمفاسدة: المعاملة بالفساد. ~~والتفاسد: تعاطي الفساد بين اثنين. والاستفساد. المطاوعة على الفساد. لا ~~تفسدوا في الأرض فيقولون انما نحن مصلحون، ويقال لهم: آمنوا كما آمن ~~الناس فيقولون أنؤمن كما آمن السفهاء؟ فليس هؤلاء منافقين، بل مظهرون ~~لكفرهم. والآية في المنافقين قيل: المنافقون وإن كانوا يظهرون الايمان ~~للنبي صلى الله عليه وآله فانهم كانوا لايألون المسلمين خبالا، ~~وكانوا يثبطون عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويدعون إلى ترك نصرته من ~~يثقون باستماعهم منهم، ومن يظنون ذلك به، فربما صادفوا من المؤمنين التقي ~~فيجيبهم بما ذكر الله، فاذا أخبر أولئك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ ثم ذكروا له ما قالوا وعاتبهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عادوا إلى ~~إظهار الايمان والندم عليه، أو كذبوا قائله والحاكي عنهم، وكان لا يجوز ~~في الدين إلا قبول ذلك منهم بما يظهرون، وخاصة في صدر الاسلام، والحاجة ~~إلى تألف قلوبهم ماسة. ومن قرأ الاخبار تبين صحة ما قلناه. # والافساد في الارض: العمل فيها بما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر الله ~~بحفظه كما قال تعالى حاكيا عن الملائكة: # أتجعل فيها من يفسد فيها # يعنون من يعصيك، ويخالف امرك، وهذه صفة المنافقين. # والأرض: هي المستقر للحيوان، ويقال لقوائم البعير: أرض، وكذلك الفرس ان ~~قوي والارض: الرعدة، وقال ابن عباس: ما أدري إذا زلزلت الأرض لم بي ~~أرض؟ أي رعدة والأرضة: دويبة تأكل الخشب. # والصلاح: استقامة الحال، فالاصلاح: جعل الحال على الاستقامة. والاصطلاح ~~الاجتماع. والتصالح: التمالي على الصلاح، ومنه المصالحة، ms0036 والاستصلاح، ~~والصالح: والمستقيم الحال، والمصلح: المقوم للشيء على الاستقامة. ### || [2.12] # التفسير: # ألا: فيها تنبيه، ومعناها لاستفتاح الكلام، ومثله: ألا ترى؟ أما تسمع؟ ~~وأصلها (لا) دخل عليها ألف الاستفهام والألف اذا دخل على الجحد أخرجه إلى ~~الايجاب نحو قوله: { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى }؟ لأنه لا يجوز ~~للمجيب إلا الاقرار ببلى. # والهاء والميم في موضع النصب بأن. وهم فصل عند البصريين ويسميه الكوفيون ~~عمادا. وقوله { لا يشعرون } قد فسرناه وفيها دلالة على من قال: بان ~~الكفار معاندون عالمون بخطاياهم وان المعرفة مزورة ووصفهم بانهم { هم ~~المفسدون } لا يمنع من وصف غيرهم بانه مفسد،لأن ذلك دليل الخطاب # وحكي عن ابن عباس: أن معنى قوله { إنما نحن مصلحون } انما يريد الاصلاح ~~بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب وحكي عن مجاهد انهم اذا ركبوا ~~معصية الله قيل لهم: لا تفعلوا هذا. قالوا: إنما نحن مصلحون أي: انما نحن ~~على الهدى وكلا الأمرين محتمل لأنهما جميعا عندهم أنه إصلاح في الدين ~~وإن كان ذلك إفسادا عند الله، ومن حيث أنه خلاف لما أمرهم به، وإنما جاز ~~تكليف ما لا يشعر أنه على ظلال؛ لأن له طريقا إلى العلم. ### || [2.13] # قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بتحقيق الهمزتين، وكذلك كل همزتين مختلفتين من ~~كلمتين. الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية. # المعنى: # المعني بهذه الآية هم الذين وصفهم تعالى بانهم يقولون: { آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } # والمعنى إذا قيل لهم آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبما جاء من ~~عندالله، كما آمن به الناس يعني المؤمنين حقا، لأن الألف واللام ليسا ~~فيه للاستغراق، بل دخلا للعهد فكأنه قيل: آمنوا كما آمن الناس الذين ~~تعرفونهم باليقين والتصديق بالله ونبيه صلى الله عليه وآله وبما جاء ~~به من عند الله. # والألف في قوله: { أنؤمن } ألف إنكار، وأصلها الاستفهام، ومثله # أنطعم من لو يشاء الله أطعمه # وكقول القائل: أأضيع ديني وأثلم مرؤتي؟ وكل هذا جواب، لكن قد وضع السؤال ~~فيه وضعا فاسدا، لوصفهم ان الذين دعوا إليهم سفهاء. ms0037 # وموضع (إذا) نصب، وتقديره: قالوا إذا قيل لهم ذلك انؤمن، فالعامل فيه ~~قالوا. # والسفهاء جميع سفيه، مثل: علماء وعليم، وحكماء وحكيم، والسفيه: الضعيف ~~الرأي الجاهل القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ولذلك سمى الله ~~الصبيان سفهاء بقوله: # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم # فقال عامه اهل التأويل هم النساء والصبيان لضعف آرائهم وأصل السفه: خفة ~~الحلم وكثرة الجهل. يقال: ثوب سفيه اذا كان رقيقا باليا. وسفهته الريح: ~~اذا طيرته كل مطير. وفي اخبارنا أن شارب الخمر سفيه فأمر الله تعالى أن ~~يؤمنوا كما آمن المؤمنين المستبصرون فقالوا: أنؤمن كما آمن الجهال، ومن ~~لا رأي له ومن لا عقل له كالصبيان والنساء، فحكم الله عليهم حينئذ بانهم ~~السفهاء باخباره عنهم بذلك. وهو من تقدم ذكره من المنافقين. # والسفيه إنما سمي مفسدا من حيث انه يفسد من حيث يظن انه يصلح، ويضيع ~~من حيث يرى أنه يحفظ وكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يظن انه يطيع ويكفر ~~به من حيث يظن أنه يؤمن به. والألف واللام في السفهاء للعهد كما قلناه في ~~الناس. # وهذه الآية ايضا فيها دلالة على من قال: إن الكافر لا يكون إلا ~~معاندا، لأنه قال: { ولكن لا يعلمون }. ### || [2.14] # القراءة # قرىء في الشواذ واذا لاقوا الذين. قرأها اليماني. وفى القراء من همز { ~~مستهزئون } ، ومنهم من ترك الهمزة. # المعنى: # حكي عن ابن عباس أنه قال: هذه في صفة المنافقين فكان الواحد منهم اذا ~~لقي اصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال إنا معكم أي على دينكم ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم يعني اصحابهم قالوا انما نحن مستهزئون يعني ~~نسخر منهم يقال خلوت اليه، وخلوت معه. ويقال خلوت به على ضربين: احدهما ~~بمعنى خلوت معه، والآخر بمعنى سخرت منه. وخلوت اليه في قضاء الحاجة لا ~~غير. وخلوت به له معنيان: احدهما هذا، والآخر سخرت منه. قال الأخفش: ~~رقد تكون " إلى " في موضع الباء، " وعلى " في موضع عن، وانشد: # اذا رضيت علي بنو قشير # لعمر الله أعجبني رضاها # فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية: { خلوا ms0038 مع.. } وقال الرماني: الفرق بين ~~اللقاء والاجتماع، أن اللقاء لا يكون إلا على وجه المجاورة، والاجتماع قد ~~يكون كاجتماع العزمين في محل. وقد بينا معنى الشيطان فيما مضى معكم # و { معكم } بفتح العين وسكونها لغتان. # وترك الهمزة في { مستهزئون } لغة قريش، وعامة غطفان. وكنانه بعضها ~~يجعلها بمنزلة (يستقصون، ويستعدون) بحذفها. وبعض بني تميم وقيس يشيرون ~~إلى الزاء بالرفع، بين الرفع والكسر، وهذيل، وكثير من تميم يخففون الهمزة # وقال بعض الكوفيين: إن معنى { إذا خلوا }: إذا انصرفوا خالين، فلأجل ذلك ~~قال: إلى شياطينهم. على المعنى، وهو مليح، وقيل: إن شياطينهم: رؤساؤهم ~~وقيل: أريد بهم أصحابهم من الكفار. وروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنهم ~~كهانهم. # والاستهزاء: طلب الهزء بايهام أمر ليس له حقيقة في من يظن فيه الغفلة. ~~والهزء: ضد الجد يقال هزىء به هزء والتهزي: طلب الهزء: بالشيء، وغرضهم ~~كان بالاستهزاء مع علمهم بقبحه حقن دمائهم باظهار الايمان واذا خلوا الى ~~شياطينهم كشفوا ما في نفوسهم. ### || [2.15] # الاعراب: # الله: رفع بالابتداء وخبره: يستهزىء بهم # المعنى: # والله تعالى لا يجوز عليه حقيقة الاستهزاء لأنها السخرية على ما بيناه ~~ومعناها من الله هو الجزاء عليها وقد يسمى الشيء باسم جزائه كما يسمى ~~الجزاء باسم ما يستحق به كما قال تعالى: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وقال: # ومكروا ومكر الله # وقال: # وإن عاقبتم فعاقبوا # والأول ليس بعقوبة والعرب تقول: الجزاء بالجزاء. والأول ليس بجزاء ~~(والبيت الاول شاهد بذلك) (؟) وقيل إن استهزاءهم لما رجع عليهم جاز أن ~~يقول عقيب ذلك: { الله يستهزىء بهم } يراد به ان استهزاءهم لم يضر سواهم ~~وانه (دبر) عليهم واهلكهم. يقول القائل: أراد فلان أن يخدعني فخدعته: أي ~~دبر علي امرا فرجع ضرره عليه. # وحكي عن بعض من تقدم أنه قال اذا تخادع لك انسان ليخدعك فقد خدعته # وقيل ايضا: إن الاستهزاء من الله: الاملاء الذي يظنونه إغفالا وقيل: ~~إنه لما كان ما اظهره من اجراء حكم الاسلام عليهم في الدنيا بخلاف ما ~~أجراه عليهم في الآخرة من العقاب وكانوا فيه ms0039 على اغترار به كان ~~كالاستهزاء وروي في الاخبار أنه يفتح لهم باب جهنم، فيظنون أنهم يخرجون ~~منها، فيزدحمون للخروج، فاذا انتهوا إلى الباب، ردتهم الملائكة حتى ~~يرجعوا، فهذا نوع من العقاب، وكان الاستهزاء، كما قال الله تعالى: # كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها # وقوله { يمدهم } حكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: معناه يملي لهم ~~بأن يطول أعمارهم، وقال مجاهد: يزيدهم وقال بعض النحويين يمدهم كما ~~يقولون نلعب الكعاب: أي بالكعاب وحكي أن مد وأمد لغتان، وقيل مددت له ~~وأمددت له يقال مد البحر فهو ماد، وأمد الجرح فهو ممد قال الجرمى: ما كان ~~من الشر فهو مددت وما كان من الخير فهو أمددت، فعلى هذا، إن اراد تركهم، ~~فهو من مددت واذا أراد اعطاءهم يقال أمدهم، وقرىء في الشواذ: ويمدهم ~~بضم الياء. وقال بعض الكوفيين كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو مددت ~~بغير ألف كما يقولون مد النهر ومده نهر آخر، فصار منه اذا اتصل به، وكل ~~زيادة حدثت في الشيء من غيره فهو أمددت بألف كما يقال أمد الجرح لأن ~~المدة من غير الجرح، وأمددت الجيش. # واقوى الاقوال أن يكون المراد به نمدهم على وجه الاملاء والترك لهم في ~~خيرهم، كما قال: # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # وكما قال: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } يعني يتركهم فيه. والطغيان: ~~الفعلان من قولك طغى فلان يطغى طغيانا، اذا تجاوز حده، ومنه قوله: # كلا إن الإنسان ليطغى # أي يتجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد، وقال أمية بن أبي الصلت: # ودعا الله دعوة لات هنا # بعد طغيانه فظل مشيرا # يعني لاهنا. ومعناه في الآية: في كفرهم يترددون. والعمه: التحير. يقال: ~~عمه يعمه عمها فهو عمه وعامه: أي حائر عن الحق، قال رؤبة: # ومهمه اطرافه في مهمه # أعمى الهدى بالحائرين العمه # جمع عامه، فان قيل: كيف يخبر الله أنه يمدهم في طغيانهم يعمهون، وانتم ~~تقولون: إنما أبقاهم ليؤمنوا لا ليكفروا، وانه أراد منهم الايمان دون ~~الكفر؟ قيل معناه: أنه ms0040 يتركهم وما هم فيه لا يحول بينهم وبين ما يفعلونه، ~~ولا يفعل بهم من الألطاف التي يؤتيها المؤمنين، فيكون ذلك عقوبة لهم ~~واستصلاحا. ونظير ذلك قول القائل لأخيه، اذا هجره أخوه متجنيا عليه، ~~اذا استعتبه فلم يراجعه: سأمد لك في الهجران مدا يريد سأتركك وما صرت ~~اليه تركا ينبهك على قبح فعلك لا أنه يريد بذلك أن يهجره أخوه، ولكن على ~~وجه الغضب والاستصلاح والتنبيه ### || [2.16] # القراءة: # ضم جميع القراء الواو من { اشتروا الضلالة } وروى السوخردي عن زيد ابن ~~اسماعيل بتخفيف ضمة الواو، وكذلك نظائره، نحو: { لنبلون } ، { فتمنوا ~~الموت }. وروى عن يحيى بن يعمر في الشواذ أنه كسرها، شبهها بواو: { لو } ~~في قوله: # لو استطعنا لخرجنا # وضم يحيى بن وثاب واو (لووا) وفيما ذكرناه شبهها بواو الجمع، والصحيح ما ~~عليه الفراء، لأن الواو في الآية ونظائرها واو الجمع فحركت بالحركة التي ~~من جنسها لالتقاء الساكنين. # المعنى: # وهذه الآية الاشارة بها إلى من تقدم ذكره من المنافقين، وقال ابن عباس ~~اشتروا الكفر بالايمان، وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى، وقال ابن ~~مسعود: اخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا. وهذه ~~الأقوال متقاربة المعاني. فان قيل كيف اشتروا هؤلاء القوم الضلالة ~~بالهدى، وانما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم ايمان؟ فيقال فيهم باعوا ما ~~كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه، والمفهوم من الشراء اعتياض شيء ~~يبذل شيء مكانه عوضا منه، وهؤلاء ما كانوا قط على الهدى. # قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه. فقد تخلص من هذا ~~السؤال غير أن هذا لا يصح عندنا، من أن من آمن بالله لا يجوز أن يكفر. ~~وان حملنا على اظهار الايمان، لم يكن في الآية توبيخ، ولا ذم والآية ~~تتضمن التوبيخ على ما هم عليه؛ لأنها اشارة إلى ما تقدم وتلك صفات ~~المنافقين. والجواب عن ذلك ان نقول: إن من ارتكب الضلالة وترك الهدى، جاز ~~ان يقال ذلك فيه ويكون معناه: كان الهدى الذي تركه هو الثمن الذي جعله ~~عوضا عن ms0041 الضلالة التي أخذها فيكون المشتري أخذ المشترى مكان الثمن ~~المشترى به كما قال الشاعر: # أخذت بالجمة رأسا أزعرا # وبالثنايا الواضحات الدردرا # وبالطويل العمر عمرا جيدرا # كما اشترى المسلم اذ تنصرا # ومنهم من قال: استحبوا الضلالة على الهدى انما قال ذلك لقوله تعالى # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # فحمل هذه الآية عليه. ومن حملها على انهم اختاروا الضلالة على الهدى. ~~فان ذلك مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا على كذا. واشتريته يعنون ~~اخترته. قال اعشى بني ثعلبة. # فقد اخرج الكاعب المسترا # ة من خدرها واشيع القمارا # يعني: المختارة. قال ذو الرمة في معنى الاختيار: # يذب القصايا عن شراة كأنها # جماهير تحت المدجنات الهواضب # وقال آخر: # إن الشراة روفة الأموال # وحزرة القلب خيار المال # والأول أقوى لقوله: { فما ربحت تجارتهم } فبين ان ذلك بمعنى الشراء ~~والبيع الذي يتعارفه الناس. والربح وان اضافه إلى التجارة فالمراد به ~~التاجر لأنهم يقولون ربح: بيعك وخسر بيعك وذلك يحسن في البيع والتجارة، ~~لأن الربح والخسران يكون فيهما. # ومتى التبس فلا يجوز إطلاقه. لا يقال: ربح عبدك اذا أراد ربح في عبده، ~~لأن العبد نفسه قد يربح ويخسر. فلما أوهم لم يطلق ذلك فيه. # وقيل: إن المراد، فما ربحوا في تجارتهم. كما يقال: خاب سعيك: أي خبت في ~~سعيك. وانما قال ذلك لأن المنافقين بشرائهم الضلالة خسروا ولم يربحوا، ~~لأن الرابح من استبدل سلعة بما هو أرفع منها. فاما اذا استبدلها بما هو ~~أدون منها فانما يقال خسر فلما كان المنافق استبدل بالهدى الضلالة ~~وبالرشاد الخيبة عاجلا وفي الآخرة الثواب بالعقاب كان خاسرا غير رابح. ~~وانما قال: { وما كانوا مهتدين } ، لأنه يخسر التاجر ولا يربح ويكون على ~~هدى. فأراد الله تعالى أن ينفي عنهم الربح والهداية فقال: { فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين } باستبدالهم الكفر بالايمان، واشترائهم النفاق ~~بالتصديق، والاقرار بها. فان قيل: لم قال: فما ربحت تجارتهم في موضع ذهبت ~~رؤوس اموالهم؟ قيل: لأنه قد ذكر الضلالة بالهدى، فكأنه قال: طلبوا الربح ~~فما ربحوا، ms0042 لما هلكوا. وفيه معنى ذهبت رؤوس اموالهم ويحتمل ان يكون ذلك ~~على التقابل: وهو ان الذين اشتروا الضلالة بالهدى لم يربحوا، كما ان ~~الذين اشتروا الهدى بالضلالة، ربحوا. ### || [2.17] # اللغة: # إن قيل: كيف قال: { مثلهم } ، أضاف المثل إلى الجمع، ثم شبهه بالواحد في ~~قوله: { كمثل الذي استوقد نارا } ، هلا قال كمثل الذين استوقدوا نارا، ~~يكني به عن جماعة من الرجال والنساء، والصبيان. والذي لا يعبر به إلا عن ~~واحد مذكر ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل: كأن أجسام هؤلاء ويشير ~~إلى جماعة عظيمي القامة نخلة. وقد علمنا أن ذلك لا يجوز؟ قلنا: في ~~الموضع الذي جعله مثلا لأفعالهم جائز حسن وله نظائر كقوله: # تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # والمعنى: كدور أعين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # ومعناه إلا كبعث نفس واحدة لأن التمثيل وقع للفعل بالفعل وأما في تمثيل ~~الأجسام لجماعة من الرجال في تمام الخلق والطول بالواحد من النخيل فغير ~~جائز، ولا في نظائره. # التفسير: # والفرق بينهما، أن معنى الآية، أن مثل استضاءة المنافقين بما أظهروا من ~~الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله، وبما جاء به قولا وهم به ~~مكذبون اعتقادا كمثل استضاءة الموقد، ثم اسقط ذكر الاستضاءة، واضاف ~~المثل اليهم كما قال الشاعر وهو نابغة جعدة: # وكيف تواصل من اصبحت # خلالته كأبي مرحب # أي كخلالة أبي مرحب. واسقط لدلالة الكلام عليه وأما إذا أراد تشبيه ~~الجماعة من بني آدم وأعيان ذوي الصور والاجسام بشيء فالصواب أن يشبه ~~الجماعة بالجماعة، والواحد بالواحد؛ لأن عين كل واحد منهم غير اعيان ~~الأخر كما قال تعالى: # كأنهم خشب مسندة # وقال: # كأنهم أعجاز نخل خاوية # واراد جنس النخل ومثل قوله: ما افعالكم إلا كفعل الكلب ثم يحذف الفعل ~~فيقال: ما افعالكم إلا كالكلب. # وقيل إن { الذي } بمعنى الذين كقوله: # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون # وقال الشاعر: # وان الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا ام خالد ms0043 # وانما جاز ذلك، لأن الذين منهم يحتمل الوجوه المختلفة وضعف هذا الوجه من ~~حيث ان في الآية الثانية وفي البيت دلالة على انه اريد به الجمع. وليس ~~ذلك في الآية التي نحن فيها. وقيل فيه وجه ثالث وهو ان التقدير: مثلهم ~~كمثل اتباع الذي استوقد نارا وكما قال: # واسأل القرية # وانما اراد اهلها. وفى الآية حذف (طفئت عليهم النار) # وقوله: { استوقد نارا } معناه: اوقد نارا كما يقال استجاب بمعنى اجاب ~~قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # يريد: فلم يجبه # الوقود: الحطب. والوقود: مصدر وقدت النار وقودا. والاستيقاد: طلب ~~الوقود. والايقاد: ايقاد النار. والتوقد: التوهج. والايقاد: التهاب ~~النار. وزند ميقاد: سريع الوري. وقلب وقاد: سريع الذكاء والنشاط. وكل ~~شيء يتلألأ فهو يتقد. # وفي الحجر نار لا تقد، لأنها لا تقبل الاحتراق والوقود: ظهور النار فيما ~~يقبل الاحتراق. # وأصل النار النور. نار الشيء اذا ظهر نوره. وانار: اظهر نوره. واستنار: ~~طلب اظهار نوره. والمنار: العلامات. والنار: السمت. وضاءت النار: ظهر ~~ضوؤها وكل ما وضح فقد اضاء. واضاء القمر الدار: كقوله: اضاءت ما حوله. ~~قال الشاعر: # اضاءت لهم احسابهم ووجوههم # دجى الليل حتى نظم الدر ثاقبه # وقوله: { حوله } مأخوذ من الحول وهو الانقلاب. يقال حال الحول: اذا ~~انقلب إلى أول السنة وأحال في كلامه اذا صرفه عن وجهه وحوله عن المكان: ~~أي نقله إلى مكان آخر: وتحول: تنقل واحتال عليه وحاوله طالبه بالانقلاب ~~إلى مراده والحول بالعين بالفتح والحول بالكسر الانقلاب عن ~~الأمر ومنه قوله # لا يبغون عنها حولا # والحوالة انقلاب الحق عن شخص إلى غيره والمحالة: البكرة. والحيلة: إيهام ~~الأمر للخديعة. وحال بينه وبينه: مانع والحائل: الناقة التي انقطع حملها. ~~والحائل: العير. وحوله الصبا: أي دايرته # ذهب به واذهبه: أي أهلكه، لا ذهابه إلى مكان يعرف، ومنه { ذهب الله ~~بنورهم }. والمذهب: الطريقة في الأمر. والذهبه: المطرة الجود. وقوله: { ~~وتركهم في ظلمات }: أي أذهب النور بالظلمات. وتاركه متاركة وتتاركوا: ~~تقابلوا في الترك. واترك اتراكا: اعتمد ms0044 الترك. والتركة والتريكة: بيضة ~~النعام المنفردة لتركها وحدها. # والظلمات: جمع الظلمة، واصلها انتقاص الحق من قوله: ولم تظلم منه شيئا ~~أي لم تنقص. واظلم الجواد احتمل انتقاص الحق لكرمه، ومن أشبه أباه فما ~~ظلم أي ما انتقص حق الشبه. وظلمت الناقة: اذا نحرت من غير علة. # والظلم: ماء الأسنان من اللون لا من الريق. والظلم: الثلج. وقوله: { في ~~ظلمات لا يبصرون } قال ابن عباس: إنهم بيصرون الحق ويقولون به حتى اذا ~~خرجوا من ظلمة الكفر، أطفأوه بكفرهم به، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا ~~يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق، وروي عنه أيضا أنه قال: هذا مثل ضربه ~~الله تعالى للمنافقين، أنهم كانوا يعتزون بالاسلام، فيناكحهم المسلمون ~~ويولدونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا، سلبهم الله ذلك العز، كما سلب ~~صاحب النار ضوءه، وتركهم في عذاب، وهو أحسن الوجوه. وقال أبو مسلم: معناه ~~أنه لا نور لهم في الآخرة، وإن ما أظهروه في الدنيا يضمحل سريعا ~~كاضمحلال هذه اللمعة. وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء اشقى في الحيرة، ~~فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم، ويزيد استضرارهم على ~~استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة. وروي عن ابن مسعود وغيره أن ذلك في ~~قوم كانوا اظهروا الاسلام، ثم أظهروا النفاق، فكان النور الايمان، ~~والظلمة نفاقهم. وقيل فيها وجوه تقارب ما قلناه # وتقدر بعد قوله: { فلما أضاءت ما حوله } (انطفأت) لدلالة الكلام عليها ~~كما قال ابو ذؤيب الهذلي: # دعاني اليها القلب إني لأمره # مطيع فما ادري ارشد طلابها؟ # وتقديره، ارشد طلابها ام غي؟ # وقال الفراء يقال ضاء القمر يضوء، واضاء يضيء، لغتان وهو الضوء والضوء ~~بفتح الضاد وضمها وقد اظلم الليل، وظلم بفتح الظاء وكسر اللام ~~وظلمات على وزن غرفات، وحجرات، وخطوات، فاهل الحجاز وبنو اسد يثقلون ~~وتميم وبعض قيس يخففون والكسائي يثم الهاء الرفع بعد نصب اللام في قوله ~~{ حوله } ، و { نجمع عظامه } في حال الوقف الباقون لا يشمون وهو احسن ### || [2.18] # التفسير واللغة: # قال قتادة { صم } لا يسمعون الحق { بكم } لا ms0045 ينطقون به { عمي } لا ~~يرجعون عن ضلالتهم صم رفع على انه خبرابتداء محذوف، وتقديره هؤلاء الذين ~~ذكرناهم في القصة: صم بكم عمي والأصم هو الذي ولد كذلك وكذلك الأبكم هو ~~الذي ولد أخرس. ويقال الأبكم: المسلوب الفؤاد. ويجوز أن يجمع أصم: صمان: ~~مثل اسود وسودان. واصل الصم: السد، فمنه الصم: سد الأذن بما لا يقع معه ~~سمع وقناة صماء: كبيرة الجوف صلبة، لسد جوفها بامتلائها. وفلان أصم، لسد ~~خروق مسامعه عن ادراك الصوت. وحجر أصم، أي صلب. وفتنة صماء: أي شديدة. ~~والتصميم: المضي في الأمر. والصمام: ما يشد به رأس القارورة، لسده رأسها. ~~والفعل: أصمها. والصميم: العظم الذي هو قوام العضو، لسد الخلل به وأصل ~~البكم: الخرس. وقيل هو الذي يولد أخرس وبكم عن الكلام: اذا امتنع منه ~~جهلا أو تعمدا كالخرس والأبكم: الذي لا يفصح، لأنه كالخرس # واصل العمى: ذهاب الادراك بالعين والعمى في القلب كالعمى في العين بآفة ~~تمنع من الفهم واعماه: إذا اوجد في عينيه عمى. وعمى الكتاب تعمية، ~~وتعامى عن الأمر تعاميا وتعمى الأمر: تطمس كأن به عمى وما اعماه: من عمى ~~القلب، ولا يقال ذلك من الجارحة. والعماية: الغواية. والعماء: السحاب ~~الكثيف المطبق. # والرجوع: مصدر رجع يرجع رجوعا، ورجعه رجعا. والارتجاع: اجتلاب الرجوع. ~~والاسترجاع: طلب الرجوع. وتراجع: تحامل. وترجع: تعمد للرجوع ورجع: كثر ~~في الرجوع. ورجع الجواب: رده. والمرجوعة: جواب الرسالة. والرجع: المطر، ~~ومنه قوله: # والسماء ذات الرجع # والرجع: نبت الربيع والرجوع عن الشيء بخلاف الرجوع اليه # والمعنى: إنهم صم عن الحق لا يعرفونه، لأنهم كانوا يسمعون بآذانهم، وبكم ~~عن الحق لا ينطقون مع ان ألسنتهم صحيحة عمي لا يعرفون الحق واعينهم ~~صحيحة، كما قال: { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون }. { فهم لا يرجعون ~~} # ويحتمل امرين: # أحدهما ما روي عن ابن عباس، أنه على الذم والاستبطاء. # والثاني ما روي عن ابن مسعود، انهم لايرجعون إلى الاسلام. وقال قوم: ~~إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدى. وهو أليق بما تقدم وهذا يدل على ~~أن قوله: { ختم ms0046 الله على قلوبهم } وطبع الله عليها، ليس هو على وجه ~~الحيلولة بينهم وبين الايمان، لأنه وصفهم بالصم والبكم، والعمى مع صحة ~~حواسهم. وانما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والايمان كأنهم ~~ما سمعوه ولا رأوه فلذلك قال: { طبع الله على قلوبهم } { وأضلهم } { ~~وأصمهم } { وأعمى أبصارهم } { وجعل على قلوبهم أكنة } { فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم } وكان ذلك إخبارا عما أحدثوه عند امتحان الله إياهم ~~وأمره لهم بالطاعه والايمان لأنه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان. ### || [2.19] # اللغة والتفسير: # الصيب على فيعل من صاب يصوب، وأصله صيوب، لكن استقبلتها ياء ساكنة ~~فقلبت الواو ياء وأدغمتا، كما قيل: سيد من ساد يسود، وجيد من جاد يجود، ~~قياسا مطردا. والصيب المطر. وكل نازل من علو إلى أسفل يقال فيه صاب ~~يصوب قال الشاعر: # كأنهم صابت عليهم سحابه # صواعقها لطيرهن دبيب # وقال عبيد بن الأبرص: # حي عفاها صيب رعده # داني النواحي مغدق وابل # وهذا مثل ضربه الله للمنافقين، كان المعنى: أو كاصحاب صيب. فجعل كفر ~~الاسلام لهم مثلا فيما ينالهم فيه من الشدائد، والخوف. وما يستضيئون به ~~من البرق مثلا لما يستضيئون به من الاسلام. وما ينالهم من الخوف في البرق ~~بمنزلة ما يخافونه من القتل بدلالة قوله: # يحسبون كل صيحة عليهم # وقال ابن عباس: الصيب القطر. وقال عطا: هو المطر. وبه قال ابن مسعود، ~~وجماعة من الصحابة. وبه قال قتادة. وقال مجاهد: الصيب: الربيع. # وتأويل الآية: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالاسلام مع ~~استسرارهم الكفر كمثل موقد نار، يستضيء بضوء ناره، أو كمثل مطر مظلم ~~ودقه يجري من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة. فان قيل: فان كان ~~المثلان للمنافقين فلم قال: { أو كصيب } وأو لا تكون إلا للشك وان كان ~~مثلهم واحدا منهما، فما وجه ذكر الآخر بأو وهي موضوعه للشك من المخبر ~~عما أخبر به؟ قيل: إن { أو } قد تستعمل بمعنى الواو كما تستعمل للشك بحسب ~~ما يدل عليه سياق الكلام. قال توبة بن الحمير: # وقد زعمت ليلى باني ms0047 فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # ومعلوم أن توبة لم يقل ذلك على وجه الشك، وانما وضعها موضع الواو وقال ~~جرير: # نال الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # ومثله كثير. قال الزجاج: معنى { أو } في الآية التخيير، كأنه قال: إنكم ~~مخيرون بان تمثلوا المنافقين تارة بموقد النار، وتارة بمن حصل في المطر. ~~يقال: جالس الحسن أو ابن سيرين. أي: انت مخير في مجالسة من شئت منهما. # والرعد: قال قوم: هو ملك موكل بالسحاب يسبح. روي ذلك عن مجاهد وابن ~~عباس، وابي صالح. وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام). وقال قوم: هو ريح ~~يختنق تحت السماء. رواه ابو خالد عن ابن عباس. وقال قوم: هو اصطكاك اجرام ~~السحاب. فمن قال انه ملك قدر فيه صوته، كأنه قال: فيه ظلمات وصوت رعد، ~~لأنه روي انه يزعق به، كما يزعق الراعي بغنمه. والصيب اذا كان مطرا. ~~والرعد إذا كان صوت ملك، كان يجب أن يكون الصوت في المطر، لأنه قال { فيه ~~} والهاء راجعة اليه، والمعلوم خلافه، لأن الصوت في السحاب والمطر في ~~الجو إلى أن ينزل. # ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يحل الصوت المطر حين ~~انفصاله من السحاب، ولا مانع يمنع منه، ويحتمل أن يكون المراد بفي (مع)؛ ~~كأنه قال: معه ظلمات ورعد. وقد بينا جوازه فيما مضى. # واما البرق، فمروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: مخاريق الملائكة من ~~حديد، تضرب بها السحاب، فتنقدح منها النار. وروي عن ابن عباس: انه سوط من ~~نور، يزجر به الملك السحاب. وقال قوم: إنه ما رواه ابو خالد عن ابن عباس. ~~وقال مجاهد: هو مصع ملك. والمصاع: المجالدة بالسيوف وبغيرها. قال أعشى ~~بني ثعلبة، يصف جواري لعبن بحليهن: # اذا هن نازلن أقرانهن # وكان المصاع بما في الجون # يقال منه: ماصعه مصاعا، والمعاني متقاربة، لأن قول علي عليه السلام: إنه ~~مخاريق. وقول ابن عباس: إنه سياط يتقاربان. وما قال مجاهد: إنه مصاع ~~قريب، لأنه لا يمتنع ms0048 انه أراد مصاع الملك بذلك، وإزجاره به. # والصواعق جمع صاعقة: وهو الشديد من صوت الرعد، فتقع منه قطعة نار تحرق ~~ما وقعت فيه. والصاعقة: صيحة العذاب. والصاعاق: الصوت الشديد للثور ~~والحمار صعق صعاقا. والصعق: الموت من صوت الصاعقة. والصعق الغشي من صوت ~~الصاعقة. صعق فهو صعق. ومنه قوله: # وخر موسى صعقا # وروي شهر ابن حوشب: ان الملك اذا اشتد غضبه، طارت النار من فيه، فهي ~~الصواعق. وقيل: إن الصواعق نار تنقدح من اصطكاك الاجرام. وقريش وغيرهم من ~~الفصحاء يقولون: صاعقة وصواعق، والقوم يصعقون. وتميم وبعض ربيعة يقولون: ~~صواقع، والقوم يصقعون. # وفي تأويل الآية، وتشبيه المثل أقاويل: # روي عن ابن عباس: أنه مثل للقرآن. شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن ~~وما فيه الظلمات بما في القرآن من الابتلاء. وما فيه من الرعد بما في ~~القرآن من الزجر. وما فيه من البرق بما فيه من البيان. وما فيه من ~~الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا، والدعاء إلى الجهاد عاجلا. # والثاني وقيل: إنه مثل للدنيا وما فيها من الشدة والرخاء، والبلاء ~~كالصيب الذي يجمع نفعا وضرا، فان المنافق يدفع عاجل الضر، ويطلب آجل ~~النفع. # والثالث انه مثل القيمة لما يخافونه من وعيد الآخرة، لشكهم في دينهم ~~وما فيه من البرق بما فيه من إظهار الاسلام، من حقن دمائهم، ومناكحتهم، ~~ومواريثهم، وما فيه من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في ~~العاجل والآجل. # والرابع أنه ضرب الصيب مثلا بضرب إيمان المنافق. ومثل ما في الظلمات ~~بضلالته. وما فيه من البرق بنور إيمانه. وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه. # والوجه الأخير اشبه بالظاهر، وأليق بما تقدم. # وروي عن ابن مسعود، وجماعة من الصحابة: أن رجلين من المنافقين من أهل ~~المدينة هربا من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاصابهما المطر الذي ~~ذكره الله (فيه رعد شديد وصواعق وبرق)، فجعلا كلما اصابتهما الصواعق، ~~جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما ~~واذا لمع البرق مشيا في ضوئه، واذا لم يلمع، ms0049 لم يبصرا، فاقاما في مكانهما ~~لا يمشيان. # فجعلا يقولان: ليتنا قد اصبحنا فنأتي محمدا، فنضع أيدينا في يده. ~~فاصبحا فاتياه، وأسلما، وحسن إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين مثلا ~~لمنافقي المدينة؛ وأنهم اذا حضروا النبي (صلى الله عليه وسلم)، جعلوا ~~أصابعهم فرقا من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أن ينزل فيهم شيء، كما ~~قام ذانك المنافقان، يجعلان أصابعهما في آذانهما. # { وإذا أضاء لهم مشوا فيه }: يعني اذا كثرت اموالهم، وأصابوا غنيمة ~~وفتحا، مشوا فيه، وقالوا دين محمد (صلى الله عليه وآله) صحيح. # { وإذا أظلم عليهم قاموا }: يعني اذا أهلكت أموالهم، وولد البنات، ~~واصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد (صلى الله عليه وسلم)، ~~وارتدوا كما قام ذانك المنافقان اذا أظلم البرق عليهما. ويقوي عندي، أن ~~هذا مثل آخر، ضربه الله بالرعد والبرق ولما هم فيه من الحيرة والالتباس. ~~يقول لا يرجعون إلى الحق إلا خلسا كما يلمع البرق، ثم يعودون الى ضلالهم ~~واصلهم الذي هم عليه ثابتون واليه يرجعون. والكفر كظلمة الليل والمطر ~~الذي يعرض في خلالهما البرق لمعا. وهم في اثناء ذلك يحذرون الوعيد ~~والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر كما يحذرون الصواعق من الرعد، فيضعون ~~أصابعهم في آذانهم ارتياعا وانزعاجا في الحال ثم يعودون إلى الحيرة ~~والضلال. # { حذر الموت }: نصب على التمييز وتقديره { من حذر الموت }. ويجوز ان ~~يكون نصبا، لأنه مفعول له فكأنه قال: يفعلون هذا الأجل حذر الموت. ~~ويحتمل أن يكون نصبا على الحال. # والموت: ضد الحياة. والاماتة: فعل بعده الموت. والميتة: ما لم تدرك ~~ذكاته. والميتة: ألموت في حال مخصوص من ذلك ميتة سوء. والموتان: وقوع ~~الموت في المواشي. وموتت المواشي: اذا كثر فيها الموت. وموتان الأرض: ~~التي لم تزرع. # والحذر: طلب السلامة من المضرة. وحذره تحذيرا، وحاذره محاذرة والحذيرة: ~~المكان الغليظ، لأنه يتحذر منه. # قوله: { محيط بالكافرين } يحتمل أمرين: # احدهما إنه عالم بهم وإن كان عالما بغيرهم إنما خصهم لما فيه من ~~التهديد. # والثاني إنه المقتدر عليهم وان كان مقتدرا على غيرهم ، لأنه ms0050 تقدم ~~ذكرهم، ولما فيه من الوعيد. والمحيط: القادر. قال الشاعر: # أحطنا بهم حتى اذا ما تيقنوا # بما قدروا مالوا جميعا إلى السلم # أي قدرنا عليهم. فاما الاحاطة بمعنى كون الشيء حول الشيء، مما يحيط به ~~فلا يجوز على الله تعالى، لأنه من صفات الأجسام. والذي يجوز، الاحاطة ~~بمعنى الاقدار والملك. كما يقال: أحاط ملكك بمال عظيم: يعنون أنه يملك ~~مالا عظيما. ويقال: حاطه يحوطه حوطا: اذا حفظه من سوء يلحقه. ومنه ~~الحائط، لأنه يحيط بما فيه. واحاط به: جعل عليه كالحائط الدائر. ~~والاحتياط: الاجتهاد في حفظ الشيء. ### || [2.20] # المعنى: # معنى { يكاد }: يقارب، وفيه مبالغة في القرب، وحذفت منه أن، لأنها ~~للاستقبال. قال الفرزدق: # يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم # { يخطف } فيه لغتان يقال: خطف يخطف، وخطف يخطف. والأول أفصح، وعليه ~~القراء. وروي عن الحسن { يخطف } بكسر الخاء وكسر الطاء ويروى { يخطف } ~~بكسر الياء والخاء والطاء. والخطف: السلب. ومنه الحديث، أنه نهى عن ~~الخطفة: يعني النهبة. ومنه قيل الخطاف: والذي يخرج به الدلو من البئر ~~(خطاف)، لاختطافه واستلابه. قال نابغة بني ذبيان: # خطاطيف حجن في حبال متينة # تمد بها أيد اليك نوازع # جعل ضوء البرق، وشدة شعاع نوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله ~~وبما جاء من عند الله، واليوم الآخر، ثم قال: { كلما أضاء لهم مشوا فيه ~~}: يعني كلما أضاء البرق لهم. وجعل البرق مثلا لايمانهم. وإضاءة الايمان ~~أن يروا فيه ما يعجبهم في عاجل دنياهم، من إصابة الغنائم والنصرة على ~~الأعداء فلذلك أضاء لهم، لأنهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من ~~الاقرار ابتغاء ذلك، ومدافعة عن انفسهم واموالهم، كما قال: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه # { وإذا أظلم عليهم }: يعني ضوء البرق على السائرين في الصيب الذي ضربه ~~مثلا للمنافقين، وظلام المنافقين: أن يروا في الاسلام ما لا يعجبهم في ~~دنياهم، من ابتلاء الله المؤمنين بالضراء، وتمحيصه اياهم بالشدائد ~~والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم، ms0051 أو إدالة عدوهم، أو إدبار دنياهم عنهم، ~~أقاموا على نفاقهم، وثبتوا على ضلالهم، كما ثبت السائر في الصيب الذي ~~ضربه مثلا. { وإذا أظلم } وخفت ضوء البرق، فحار في طريقه، فلم يعرف ~~منهجه. # وقوله: { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } ، انما خص الله تعالى ذكر ~~السمع والبصر، انه لو شاء، لذهب بهما دون سائر اعضائهم، لما جرى من ~~ذكرهما في الآيتين من قوله: { يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر ~~الموت } ، وفي قوله { يخطف أبصارهم } فلما جرى ذكرهما على وجه المثل، عقب ~~بذكر ذلك بانه لو شاء، اذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم، وكفرهم، ~~كما توعد في قوله: { محيط بالكافرين }. وقوله: { بسمعهم } قد بينا فيما ~~تقدم، أنه مصدر يدل على الجمع وقيل: إنه واحد موضوع للجمع، فكأنه أراد " ~~باسماعهم " قال الشاعر: # كلوا في نصف بطنكم تعفوا # فان زمانكم زمن خميص # اراد البطون ويقال: ذهبت به واذهبته وحكي أذهب به، وهو ضعيف ذكره ~~الزجاج والمعنى: ولو شاء الله لأظهر على كفرهم فدمر عليهم وأهلكهم لأنه ~~{ على كل شيء قدير }: أي قادر وفيه مبالغة. ### || [2.21] # القراءة: # أفصح اللغات فتح الهاء ب { أيها } وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق ~~بن سلمة يقولون: يا أيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ ~~بها. ومن رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الألف في الكتابة من ثلاثة ~~مواضع: أيه المؤمنون ويا أيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في ~~التلفظ بها # النزول: # وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن { يا أيها الذين آمنوا } نزل ~~بالمدينه وما فيه { يا أيها الناس } نزل بمكة # واعلم أن " أيا " اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ~~ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني " يا اي الظريف " ~~قباسا على " يازيد الظريف " ولم يجزه غيره لأن " ايا " ناقص والنصب ~~عطفا على الموضع بالحمل على المعنى ولا يحمل على التأويل إلا بعد التمام ~~وهذا هو الصحيح عندهم # المعنى: # وهذه الآية متوجهة إلى جميع ms0052 الناس: مؤمنهم، وكافرهم، لحصول العموم فيها. ~~إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والأطفال وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: قوله { اعبدوا ربكم }: أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه ~~في كل ما هو عبادة لله: من معرفته، ومعرفة أنبيائه، والعمل بما أوجبه ~~عليهم وندبهم اليه وهو الأقوى وقوله: { لعلكم تتقون }: أي تتقون عذابه ~~بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } # الاعراب: # وقوله: { والذين } في موضع نصب لأنه عطف على الكاف والميم في قوله: { ~~خلقكم } وهو مفعول به # { من قبلكم }: اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: { تتقون ~~}: مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: ~~فعلها على تقدير ما تدعو اليه الحكمة من غير زيارة ولا نقصان ومثله الرزق ~~والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب ~~والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس # ومعنى { لعلكم تتقون } قال الشاعر: # وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا # نكف ووثقتم لنا كل موثق # فلما كففنا الحرب كانت عهودكم # كلمح سراب في الملا متألق # يعني قلتم لنا: كفوا لنكف، لأنه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ~~ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله " لعل " ترقيق للموعظة وتقريب ~~لها من قلب الموعوظ يقول القائل لأجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد ~~بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك ~~المخاطبين كما قال تعالى: { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ~~واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة " لعل " هو ان لا ~~يحل العبد ابدا محل الأمن المدل لكي يزداد حرصا على العمل وحذرا من ~~تركه واكثر ما جاءت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في ~~دار الدنيا فاذا ذكرت الأخرة مفردة جاء اليقين وهذه الآية يمكن الاستدلال ~~بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات، لدخولهم تحت الاسم. # وقال بعضهم: معنى قوله { لعلكم تتقون } لكي تتقوا النار في ظنكم ~~ورجائكم، لأنهم لا ms0053 يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة، لأن ذلك من علم ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم ~~واجرى (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك. وهذا قريب مما ~~حكيناه عن سيبويه. و (لعل) في الآية، يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى. ويجوز ~~أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: { اعبدوا }. وهو الاقوى. ### || [2.22] # { الذي }: في موضع نصب، لأنه نعت لقوله: { ربكم } في قوله: { اعبدوا ~~ربكم } وهي مثل الذي قبلها. فانهما جميعا نعتان ل { ربكم }. # فراشا: يعني مهادا، أو وطاء. لا حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها. ~~وتقديره: اعبدوا ربكم الخالق لكم والخالق للذين من قبلكم، الجاعل لكم ~~الأرض فراشا. فذكر بذلك عباده نعمه عليهم، وآلاءه لديهم، ليذكروا اياديه ~~عندهم، فيثبتوا على طاعته تعطفا منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة ~~لهم من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ليتم نعمته، لعلهم يهتدون. # وسمي السماء سماء لعلوها على الأرض، وعلو مكانها من خلقه وكل شيء كان ~~فوق شيء فهو لما تحته سماء لذلك. وقيل لسقف البيت سماء لأنه فوقه. # وسمى السحاب سماء. ويقال: سمى فلان لفلان اذا أشرف له، وقصد نحوه عاليا ~~عليه. قال الفرزدق: # سمونا لنجران اليماني واهله # ونجران أرض لم تديث مقاوله # وقال النابغة الذبياني: # سمت لي نظرة فرأيت منها # تحيت الخدر واضعة القرام # يريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت. وقال الزجاج: كل ما على الأرض فهو فهو ~~بناء لامساك بعضه بعضا، فيأمنوا بذلك سقوطها. فخلق السماء بلا عمد، وخلق ~~الأرض بلا سند، يدل على توحيده وقدمه، لأن المحدث لا يقدر على مثل ذلك. ~~وانما قابل بين السماء وبين الفراش لأمرين: # احدهما ما حكاه أبو زيد: أن بنيان البيت سماؤه: وهو اعلاه؛ وكذلك ~~بناؤه وانشد: # بنى السماء فسواها ببنيتها # ولم تمد باطناب ولا عمد # يريد (ببنيتها): علوها. # والثاني أن سماء البيت لما كان قد يكون بناء وغير بناء: اذا كان من ~~شعر او وبر، أو غيره قيل جعلها بناء ليدل على العبرة برفعها. ms0054 وكانت ~~المقابلة في الارض والسماء باحكام هذه بالفرش وتلك بالبناء. # وقوله: { من السماء } أي من ناحية السماء. قال الشاعر: # أمنك البرق أرقبه فهاجا # أي من ناحيتك. فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة. وهي سقف على الأرض ~~وانما ذكر السماء والأرض، فيما عد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن ~~فيها أقواتهم، وأرزاقهم ومعايشهم، وبها قوام دنياهم. وأعلمهم أن الذي ~~خلقهما وخلق جميع ما فيهما من أنواع النعم هو الذي يستحق العبادة ~~والطاعة، والشكر. دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع وقوله: { ~~وأنزل من السماء ماء }: يعني مطرا. فاخرج بذلك المطر مما أنبتوه في ~~الأرض من زرعهم، وغروسهم ثمرات رزقا لهم، وغذاء وقوتا، تنبيها على أنه ~~هو الذي خلقهم، وأنه الذي يرزقهم ويكلفهم دون من جعلوه ندا وعدلا من ~~الأوثان والآلهة، ثم زجرهم أن يجعلوا له ندا مع علمهم بان ذلك كما ~~أخبرهم، وانه لا ندله ولا عدل. ولا لهم نافع ولا ضار، ولا خالق ولا رازق ~~سواه بقوله: { فلا تجعلوا لله أندادا }. # والند: العدل والمثل قال حسان بن ثابت: # اتهجوه ولست له بند # فشركما لخيركما الفداء # أي لست له بمثل ولا عدل. وقال جرير: # أتيما تجعلون إلي ندا # وما تيم لذي حسب نديد # وقال مفضل بن سلمة الند: الضد والندود: الشرود، كما يند البعير. ويوم ~~التناد: يوم التنافر. والتنديد: التقليل. والفراش: البساط والفرش: البسط. ~~فرش يفرش فرشا، وافترش افتراشا. وفراش الرأس: طرائق رقاق من القحف. ~~والفراش: فراش القاع والطين بعد ما يبس على وجه الأرض. والفراش: الذي ~~يطير ويتهافت في السراج. وجارية فريش: قد افترشها الرجل. والفرش: صغار ~~النعم. ورجل فراشة: خفيف. والفرش من الشجر: دقه. واصل الماء: موه، لأنه ~~يجمع امواها، ويصغر مويه وماهت الركية تموه موها. واماهها صاحبها: اذا ~~أكثر ماءها إماهة. # وروى عن ابن مسعود وغيره من الصحابة، أن معنى الآية: لاتجعلوا لله أكفاء ~~من الرجال تطيعونهم في معصية الله. قال ابن عباس: إنه خاطب بقوله: { فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ، جميع الكفار من عباد ms0055 الاصنام، واهل ~~الكتابين، لأن معنى قوله: { وأنتم تعلمون } أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. ~~وإن ما تعبدون لا يضر ولا ينفع. وروي عن مجاهد: أنه عنى بذلك أهل ~~الكتابين. لأنهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم ~~سواه. والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى. والأول أقوى لأن الله تعالى، ~~قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى. فقال تعالى حكاية عنهم: ~~{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله. ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله }. وقال تعالى: # قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي ~~من الميت ويدبر الأمر سيقولون الله فقل ألا تتقون # ؟ فحمل الآية على عمومها اولى، ويطابق أول الآية. وقد بينا أن خطابه ~~لجميع الخلق. واستدل ابو علي الجبائي بهذه الآية، على أن الأرض بسيطة ~~ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي بأن قال: جعلها فراشا. والفراش ~~البساط بسط الله تعالى اياها. والكرة لا تكون مبسوطة. قال: والعقل يدل ~~ايضا على بطلان قولهم، لأن الأرض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار ~~فيها، لأن الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان يتساويان، لأن الماء لا ~~يستقر فيه كاستقراره في الأواني. فلو كانت له ناحية في البحر مستعلية على ~~الناحية الأخرى، لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية المنخفضة. ~~كما يصير كذلك إذا امتلأ الاناء الذي فيه الماء. وهذا لا يدل على ما ~~قاله، لأن قول من قال الأرض كروية، معناه إن لجميعها شكل الكرة. # وقوله: { وأنتم تعلمون } يتحمل امرين: # احدهما إنكم تعلمون أنه لا خالق لكم، ولا منعم بما عدده من انواع ~~النعيم سوى الله. وإن من اشركتم به لا يضر ولا ينفع. # والثاني إنه أراد، وأنتم علماء بامور معايشكم، وتدبير حروبكم، ومضاركم ~~ومنافعكم. لستم باغفال ولا جهال. ### || [2.23] # الحجة: # هذه الآية فيها احتجاج لله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على ~~مشركي قوم من العرب والمنافقين، وجميع الكفار من أهل الكتابين، وغيرهم، ~~لأنه خاطب ms0056 أقواما عقلاء ألباء في الذروة العليا من الفصاحة، والغاية ~~القصوى من البلاغة واليهم المفزع في ذلك. فجاءهم بكلام من جنس كلامهم ~~وجعل عجزهم من مثله حجة عليهم، ودلالة على بطلان قولهم. ووبخهم، وقرعهم ~~وامهلهم المدة الطويلة وقال لهم: # فأتوا بعشر سور مثله مفتريات # ، ثم قال: # فأتوا بسورة مثله # وقال في موضع آخر: { بسورة من مثله }. وخبرهم أن عجزهم، إنما هو عن ~~النظير والجنس، مع أنه ولد بين أظهرهم ونشأ معهم، ولم يفارقهم في سفر ولا ~~حضر. وهو من لا يخفى عليهم حاله لشهرته وموضعه. وهم اهل الحمية والانفة ~~يأتي الرجل منهم بسبب كلمة على القبيلة، فبذلوا أموالهم ونفوسهم في إطفاء ~~امره ولم يتكلفوا معارضته بسورة ولا خطبة فدل ذلك على صدقه. وذكرنا ذلك ~~في الأصول # المعنى: # وقوله: { بسورة من مثله } قال قوم: إنها بمعنى التبعيض: وتقديره: فاتوا ~~ببعض ما هو مثل له وهو سورة. وقال آخرون: هي بمعنى تبيين الصفة كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # وقال قوم: إن { من } زائدة. كما قال في موضع آخر: { بسورة مثله } يعني ~~مثل هذا القرآن. وقال آخرون: أراد ذلك من مثله في كونه بشرا اميا، ~~طريقته مثل طريقته والأول أقوى، لأنه تعالى قال في سورة أخرى: { بسورة ~~مثله }. ومعلوم أن السورة ليست محمدا " ص " ، ولا له بنظير ولأن في هذا ~~الوجه تضعيفا لكون القرآن معجزة، ودلالة على النبوة. # وقوله: { وادعوا شهداءكم من دون الله }. قال ابن عباس: أراد أعوانكم على ~~ما أنتم عليه، إن كنتم صادقين. وقال الفراء: أراد ادعوا آلهتكم. وقال ~~مجاهد وابن جريح أراد قوما يشهدون لكم بذلك ممن يقبل قولهم. وقول ابن ~~عباس أقوى # وقوله: { مثله } ، أراد به مايقاربه في الفصاحة، ونظمه، وحسن ترصيفه ~~وتأليفه، ليعلم أنه اذا عجزوا عنه، ولم يتمكنوا منه، أنه من فعل الله ~~تعالى، جعله تصديقا لنبيه، وليس المراد أن القرآن له مثل عند الله، ~~ولولاه لم يصح التحدي لأن ما قالوه: لا دليل عليه. والاعجاز يصح، وإن لم ~~يكن له مثل أصلا، بل ذلك أبلغ في ms0057 الاعجاز، لأن ذلك جار مجرى قوله: # هاتوا برهانكم # وانما أراد نفي البرهان أصلا. والدعاء اراد به الاستعانة. قال الشاعر: # وقبلك رب خصم قد تمالوا # علي فما جزعت ولا دعوت # وقال آخر: # فلما التقت فرساننا ورجالهم # دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر # يعني انتصروا بكعب واستغاثوا بهم. # وشهداء جمع شهيد: مثل شريك وشركاء وخطيب وخطباء. والشهيد: يسمى به ~~الشاهد على الشيء لغيره بما يحقق دعواه. # وقد يسمى به المشاهد للشيء. كما يقال: جليس فلان. يريد به مجالسه ~~ومنادمه. فعلى هذا تفسير ابن عباس أقوى. وهو، أن معناه استنصروا أعوانكم ~~على أن يأتوا بمثله، وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيب الله ~~ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين. وما قاله مجاهد ~~وابن جريح في تأويل ذلك لا وجه له، لأن القوم على ثلاثة اصناف: فبعضهم ~~اهل ايمان صحيح. وبعضهم أهل كفر صحيح. وبعضهم أهل نفاق. فأهل الايمان اذا ~~كانوا مؤمنين بالله ورسوله، فلا يجوز ان يكونوا شهداء للكفار على ما ~~يدعونه، واما اهل النفاق والكفر فلا شك انهم اذا دعوا الى تحقيق الباطل ~~وابطال الحق، سارعوا اليه مع كفرهم وضلالتهم. فمن أي الفريقين كانت تكون ~~شهداء. لكن يجري ذلك مجرى قوله: # قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # وقد أجاز قوم هذا الوجه أيضا قالوا: لأن العقلاء لا يجوز أن يحملوا ~~نفوسهم على الشهادة بما يفتضحون به في كلام أنه مثل القرآن ولا يكون ~~مثله. كما لا يجوز ان يحملوا نفوسهم على ان يعارضوا ما ليس بمعارض في ~~الحقيقة. # ومعنى الآية: إن كنتم في شك من صدق محمد صلى الله عليه وآله فيما جاءكم ~~به من عندي، فاتوا بسورة من مثله، فاستنصروا بعضكم بعضا على ذلك إن كنتم ~~صادقين في زعمكم حتى إذا عجزتم وعلمتم انه لا يقدر على ان يأتي به محمد ~~(صلى الله عليه وسلم)، ولا احد من البشر يتضح عندكم انه من عند الله ~~تعالى ### || [2.24] # المعنى: ms0058 # معنى { فإن لم تفعلوا } لم تأتوا بسورة من مثله قد تظاهرتم انتم ~~وشركاؤكم عليه واعوانكم وقد تبين لكم بامتحانكم، واختباركم عجزكم وعجز ~~جميع الخلق عنه وعلمتم انه من عندي، ثم اقمتم على التكذيب به # وقوله: { ولن تفعلوا } لا موضع له من الاعراب، وانما هو اعتراض بين ~~المبتدأ والخبر، كقولك: زيد فافهم ما اقول رجل صدق. وانما لم يكن له ~~موضع اعراب، لأنه لم يقع موضع المفرد. ومعنى { ولن تفعلوا }: اي لن تأتوا ~~بسورة من مثله ابدا، لأن (لن) تنفي على التأبيد في المستقبل وفي قوله: { ~~ولن تفعلوا } دلالة على صحة نبوته، لأنه يتضمن الاخبار عن حالهم في ~~المستقبل بانهم لا يفعلون ولا يجوز لعاقل ان يقدم على جماعة من العقلاء ~~يريد تهجينهم فيقول: انتم لا تفعلون إلا وهو واثق بذلك، ويعلم ان ذلك ~~متعذر عندهم وينبغي ان يكون الخطاب خاصا لمن علم الله انه لا يؤمن، ولا ~~يدخل فيه من آمن فيما بعد وإلا كان كذبا # وقوله: { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة }. الوقود بفتح ~~الواو اسم لما يوقد. والوقود بضمها : المصدر وقيل إنهما بمعنى واحد ~~في المصدر واسم الحطب. حكاه الزجاج والبلخي. والاول أظهر. # { اتقوا الله } مشددة لغة اهل الحجاز. وبنو أسد وتميم يقولون: (تقوا ~~الله) خفيف بحذف الألف. # { الحجارة } قيل: إنها حجارة الكبريت لأنها أحر شيء اذا حميت. وروي ذلك ~~عن ابن عباس وابن مسعود. والظاهر إن الناس والحجارة: وقود النار وحطبها ~~كما قال: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # تهيبا وتعظيما بانها تحرق الحجارة والناس. # وقيل: إن أجسادهم تبقى على النار بقاء الحجارة التي توقدها النار بالقدح ~~وقال قوم معناه: أنهم يعذبون بالحجارة المحماة مع النار. والاول أقوى ~~وأليق بالظاهر. وانما جاز أن يكون قوله: { فاتقوا النار } جواب الشرط مع ~~لزوم الاتقاء من النار كيف تصرفت الحال، لأنه لا يلزمهم الاتقاء على ~~التصديق بالنبوة إلا بعد قيام المعجزة، فكأنه قال: فان لم تفعلوا، ولن ~~تفعلوا، فقد قامت الحجة، ووجب اتقاء النار بالمخالفة. # وقوله: { أعدت للكافرين ms0059 } لا يمنع من اعدادها لغير الكافرين من الفساق ~~كما قال: # وإن جهنم لمحيطه بالكافرين # ولم يمنع ذلك من إحاطتها بالفساق والزناة والزبانية. وقال قوم: هذه نار ~~مخصوصة للكافرين لا يدخلها غيرهم. والفساق لهم نار أخرى. وقد استدل بهذه ~~على بطلان قول من حرم النظر والحجاج العقلي. بان قيل: كما احتج الله ~~تعالى على الكافرين بما ذكره في هذه الآية وألزمهم به تصديق النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) والمعرفة بان القرآن كلامه، لأنه قال: إن كان هذا القرآن ~~كلام محمد فاتوا بسورة من مثله. ودلهم بعقولهم أنه لو كان كلام محمد ~~لتهيأ لهم مثل ذلك، لأنهم الذين يؤخذ عنهم اللغة. واذا كان لم يتهيأ لهم ~~ذلك علموا بعقولهم أنه من كلام الله وهذا هو معنى الاحتجاج بالعقول، فيجب ~~ان يكون ذلك صحيحا من كل واحد ### || [2.25] # اللغة: # البشارة: هو الاخبار بما يسر المخبر به إذا كان سابقا لكل خبر سواه، ~~لأن الثاني لا يسمى بشارة وقد قيل: إن الاخبار بما يغم ايضا يسمى بشارة. ~~كما قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # والاولى أن يكون ذلك مجازا. وهي مأخوذة من البشرة: وهي ظاهر الجلد ~~لتغييرها بأول الخبر. ومنه تباشير الصبح: أوله، وكذلك تباشير كل شيء. ~~المبشرات: الرياح التي تجيء لسحاب. والبشر: الانسان والبشرة: أعلى جلدة ~~الجسد، والوجه من الانسان. # والمباشرة: ملاصقة البشرة. والبشر: قشر الجلد. # والجنان: جمع جنة، والجنة: البستان. والمراد بذكر الجنة ما في الجنة من ~~اشجارها واثمارها، وغروسها دون أرضها، فلذلك قال: { تجري من تحتها ~~الأنهار } لأنه معلوم انه اراد الخبر عن ماء انهارها انه جار تحت الاشجار ~~والغروس والثمار لا انه جار تحت ارضها، لأن الماء اذا كان تحت الارض ~~جاريا، فلا حظ فيه للعيون إلا بكشف الساتر بينه وبينها، على ان الذي يوصف ~~به انهار الجنة انها جارية في غير اخاديد. روي ذلك عن مسروق، رواه عنه ~~ابو عبيدة وغيره. # الاعراب: # و { جنات }: منصوب بان. وكسرت التاء لأنها تاء التأنيث في جمع السلامة ~~وهي مكسورة في حال النصب بالخفض. ms0060 وموضع { أن } نصب بقوله: { وبشر الذين } ~~وقال الخليل والكسائي: موضعة الجر بالباء كأنه قال: وبشرهم بأن لهم. # المعنى: # وقال الفضل: الجنة: كل بستان فيه نخل، وإن لم يكن شجر غيره. وإن كان فيه ~~كرم: فهو فردوس، كان فيه شجر غير الكرم ام لم يكن # { من ثمرة }: من زائدة والمعنى: كلما رزقو ثمرة. { ومنها }: يعني من ~~الجنات والمعنى: أشجارها وتقديرها: كلما رزقوا من اشجار البساتين التي ~~اعدها الله للمؤمنين وقال الرماني: هي بمعنى التبعيض، لأنهم يرزقون بعض ~~الثمرات في كل وقت ويجوز ان تكون بمعنى تبيين الصفة وهو ان يبين الرزق من ~~اي جنس هو # وقوله: { هذا الذي رزقنا من قبل } روي عن ابن عباس، وابن مسعود وجماعة ~~من الصحابة انه الذي رزقنا في الدنيا وقال مجاهد: معناه اشبهه به. وقال ~~بعضهم: إن ثمار الجنة أذا جنيت من اشجارها، عاد مكانها فاذا رأوا ما عاد ~~بعد الذي جني، اشتبه عليهم. فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. وهذا قول أبي ~~عبيدة، ويحيى بن أبي كثير. وقال قوم: هذا الذي رزقنا، وعدنا به في الدنيا ~~وقد بينا فيما تقدم، أن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به على وجه لا يكون ~~لأحد المنع منه. وقال المفضل ذلك يخص الاقوات. وقال قوم: هذا الذي رزقنا ~~من قبل لمشابهته في اللون وإن خالفه في الطعم. واقوى الأقوال قول ابن ~~عباس وأن معناه هذا الذي رزقنا في الدنيا، لأنه قال: { كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } فعم ولم يخص. # فاول ما اتوا به لا يتقدر هذا القول فيه إلا بأن يكون اشارة إلى ما تقدم ~~رزقه في الدنيا، لأنا فرضناه أولا وليس في الآية تخصيص ويكون التقدير هذا ~~الذي رزقنا في الدنيا لأن ما رزقوه أولا قد عدم واقام المضاف اليه مقام ~~المضاف كما أن القائل اذا قال لغيره: أعددت لك طعاما، ووصفه له، يحسن أن ~~يقول: هذا طعام كل وقت يريد مثله ومن جنسه ونوعه وقوله: { وأتوا به ~~متشابها } قال ms0061 الضحاك: إذا رأوه، قالوا: هو الأول في النظر واللون، واذا ~~طعموا وجدوا له طعما غير طعم الاول وقوله: # { وأتوا به } معناه جيئوا به، وليس معناه أعطوه. وقال قوم: { وأتوا به ~~متشابها } أي يشبه بعضه بعضا إلا في المنظر والطعم أي كل واحد منه له ~~من الفضل في نحوه مثل الذي للاخر في نحوه. ذكره الأخفش. وهذا كقول ~~القائل: وقد جيىء بأثواب أو أشياء رآها فاضلة فاشتبهت عليه في الفضل، ~~فقال: ما أدري ما أختار منها كلها عندي فاضل. قال الشاعر # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم # مثل النجوم التي يسري بها الساري # يعني أنهم تساووا في الفضل والسؤدد. وروي هذا عن الحسن وابن جريح وقال ~~قتادة معناه يشبه ثمار الدنيا غير انها أطيب. وقال ابن زيد والاشجعي: إن ~~التشابه في الاسماء دون الالوان والطعوم، فلا يشبه ثمار الجنة شيء من ~~ثمار الدنيا في لون ولا طعم. واولى هذه الاقوال أن يكون المراد به ~~متشابها في اللون والمنظر على ان الطعم مختلف لما قدمناه من أن هذا ~~يقولونه في أول الحال أيضا، وما تقدر عليه غرة. وبعد هذا قول من قال: ~~معناه أن كلها جياد لا رذال فيه. وقال بعض المتأخرين في قوله { هذا الذي ~~رزقنا من قبل } معناه هذا الذي اعطينا بعبادتنا من قبل وقال ابو علي ~~معناه ذلك ما يؤتون به في كل وقت من الثواب مثل الذي يؤتى في الوقت الذي ~~قبله من غير زيادة ولا نقصان، لأنه لا بد أن تتساوى مقادير الاستحقاق في ~~ذلك، وقال أيضا يجب أن يسوي بينهم في الاوقات في مقدار ما يتفضل به ~~عليهم في وقت، ويزدادون في وقت آخر قال: لأن ذلك يؤدي إلى أن التفضل أعظم ~~من الثواب. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن العقل لا يدل على مقادير الثواب ~~في الاقات ولا يعلم ذلك غير الله، بل عندنا لا يدل العقل على دوام الثواب ~~وانما علم ذلك بالسمع والاجماع واما التفضل فلا شك أنه يجوز أن يزيد في ~~وقت ms0062 على ما يفضله في وقت آخر ولا يؤدي ذلك إلى مساواته للثواب، لأن ~~الثواب يتميز من التفضل لمقارنة التعظيم له والتبجيل ولأجل ذلك يتميز كل ~~جزء من الثواب من كل جزء من التفضل ولا زيادة هناك # وقوله { ولهم فيها أزواج مطهرة } قيل في الأبدان والأخلاق والافعال ولا ~~يحضن، ولا يلدن، ولا يذهبن إلى غائط. وهو قول جماعة المفسرين # وقوله { وهم فيها خالدون } أي دائمون يبقون ببقاء الله لا انقطاع لذلك ~~ولا نفاد ### || [2.26] # سبب النزول: # اختلف اهل التأويل في سبب نزول هذه الآية فروي عن ابن مسعود وابن عباس ~~أن الله تعالى، لما ضرب هذين المثلين للمنافقين وهو قوله { كمثل الذي ~~استوقد نارا } وقوله { أو كصيب من السماء } قال المنافقون الله أجل من { ~~أن يضرب مثلا } إلى آخر الآية، وقال الربيع بن أنس هذا مثل ضربه الله ~~للدنيا، لأن البعوضة تحيا ما جاعت، فاذا سمنت ماتت فشبه الله تعالى هؤلاء ~~بانهم اذا امتلؤوا أخذهم الله؛ كما قال تعالى # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء # إلى آخر الآية - إلى ان قال # حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # وقال قتادة معناه أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي ~~لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئا ما قل أو كثر. إن الله تعالى حين ~~ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال اهل الضلالة ماذا اراد الله من ذكر ~~هذا؟ فانزل الله تعالى { أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها: الآية } وكل ~~هذه الوجوه حسنة. واحسنها قول ابن عباس، لأنه يليق بما تقدم. وبعده ما ~~قال قتادة. وليس لأحد ان يقول: هذا المثل لا يليق بما تقدم. من حيث لم ~~يتقدم للبعوضة ذكر. وقد جرى ذكر الذباب والعنكبوت في موضع آخر. في تشبيه ~~آلهتهم بها وان يكون المراد بذلك اولى، وذلك ان قوله: { إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها }. انما هو خبر منه تعالى انه لا ms0063 ~~يستحيي تعالى أن يضرب مثلا في الحق من الأمثال: صغيرها وكبيرها، لأن صغير ~~الأشياء عنده وكبيرها بمنزلة واحدة من حيث لا يتسهل الصغير، ولا يصعب ~~الكبير. وإن في الصغير من الاحكام والاتقان ما في الكبير. فلما تساوى ~~الكل في قدرته، جاز أن يضرب المثل بما شاء من ذلك، فيقر بذلك المؤمنون، ~~ويسلمون وان ضل به الفاسقون بسوء اختيارهم وهذا المعنى مروي عن ~~مجاهد. وروي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: إنما ضرب ~~الله بالبعوضة، لأن البعوضة على صغر خلق فيها جميع ما في الفيل على كبره ~~وزيادة عضوين آخرين. فاراد الله ان ينبه بذلك المؤمنين على لطف خلقه ~~وعجيب عظم صنعه. # المعنى: # و { يستحيي } لغة اهل الحجاز وعامة العرب بيائين. وبنو تميم يقولون: ~~بياء واحدة اخصر. كما قالوا: الم يك، ولا ادر ومعنى { يستحيي }: قال ~~بعضهم: إنه لا يخشى ان يضرب مثلا كما قال: # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه # معناه: تستحيى الناس والله احق ان تستحييه، فيكون الاستحياء بمعنى ~~الخشية بمعنى الاستحياء. # وقال الفضل بن سلمة: معناه لا يمتنع وقال قوم: لا يترك وهو قريب من ~~الثاني # واصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء، والامتناع منه خوفا من مواقعة ~~القبيح والاستحياء، والانخزال والانقماع، والارتداع متقاربة المعنى وضد ~~الحياء القحة ومعنى (الاستحياء) في الآية: انه ليس في ضرب المثل بالحقير ~~عيب يستحيى وكأنه قال: لا يحل ضرب المثل بالبعوضة محل ما يستحيى منه فوضع ~~قوله: { إن الله لا يستحيى } الآية إختاره الرماني وقوله: { أن يضرب ~~مثلا } فهو ان يصف ويمثل ويبين كما قال تعالى # ضرب لكم مثلا من أنفسكم # معناه وصف لكم كما قال الكميت: # وذلك ضرب أخماس أريدت # لأسداس عسى أن لا تكونا # والمعنى وصف أخماس. وضرب المثل بمثله. يقال: أي ضرب هذا؟ أي من أي جنس ~~ولون. والضروب: الأمثال والمثل: الشبه. ويقال: مثل ومثل. كما قالوا: ~~شبه وشبه. كقول كعب بن زهير: # كانت مواعيد عرقوب لنا مثلا # وما مواعيده إلا الأباطيل # يعني شبها. فمعنى الآية: إن الله ms0064 لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به. # الاعراب: # وإما إعراب { بعوضة }: فنصب من وجهين على قول الزجاج - # احدهما ان تكون { ما } زائدة. كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب ~~بعوضة مثلا أو مثلا بعوضة وتكون { ما } زائدة. نحو قوله: # فبما رحمة من الله # والثاني أن تكون { ما } نكرة. ويكون المعنى: أن الله لا يستحيي أن ~~يضرب مثلا شيء بعوضة. فكان بعوضة في موضع نصب شيء، لأنه قال: يستحيي ان ~~ضرب مثلا شيء من الاشياء بعوضة فما فوقها. قال الفراء يجوز أن يكون معنى ~~{ ما } بين بعوضة إلى ما فوقها كما يقول القائل: مطرنا ما زبالة ~~فالثعلبية. وله عشرون ما ناقة وجملا. وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما. ~~يعنون ما بين في جميع ذلك. وقال بعضهم: { ما } بمعنى الذي. ويكون التقدير ~~الذي هو بعوضة لأنها من صلة الذي، فأعربها باعرابه. كما قال حسان بن ~~ثابت: # فكفى بنا فخرا على من غيرنا # حب النبي محمد ايانا # فأعرب (غيرنا) باعراب (من) ويجوز ذلك في من وما، لأنهما يكونان تارة ~~معرفة وتارة نكرة. # والبعوضة: من صغار البق. وقوله: { فما فوقها } في الصغر والقلة. كما ~~يقول القائل: إن هذا الأمر لصغير، فيقول المجيب: وفوق ذلك أي هو أصغر مما ~~قلت. وكلاهما جائز فمن قال بالأول، قال: لأن البعوضة غاية في الصغر ومن ~~قال بالثاني، قال: يجوز أن يكون ما هو أصغر منها وحكي عن رؤبة ابن ~~العجاج: انه رفع بعوضة وانشد بيت النابغة: # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد # بالرفع فأعمل ما ولم يعمل ليت قال: وهي لغة تميم يعملون آخر الأداتين ~~وقال الزجاج: الرفع كان يجوز وما قرىء به اذا كانت " ما " بمعنى الذي، ~~ويقدر بعدها هو ويكون تقديره مثلا الذي هو بعوضة كمن قرأ تماما على الذي ~~هو أحسن وقد قرىء به وهو ضعيف عند سيبويه وفي الذي اقوى، لأنه أطول، ~~ولأنها لا تستعمل ألا في الاسماء # وقوله: { فأما الذين } لغة العرب جميعا بالتشديد. # وكثير من ms0065 بني عامر وتميم يقولون أيما فلان ففعل الله به وانشد بعضهم: # مبتلة هيفاء أيما وشاحها # فيجري وايما الحجل منها فلا يجري # { آمنوا فيعلمون أنه الحق } الفاء جواب (أما) وفيها معنى الشرط والجزاء ~~والمعنى: ان المؤمنين بالله على الحقيقة يعلمون أن هذا المثل حق من عند ~~الله وأنه من كلامه. { وأما الذين كفروا } يعني الجاحدين، { فيقولون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا } على ما بيناه. # وانتصب { مثلا } عند تغلب بانه قطع. وعند غيره انه تفسير. وقال قوم: إنه ~~نصب على الحال. وذا مع ما بمعنى أي شيء الذي أراد الله بهذا مثلا. فعلى ~~هذا يكون الجواب رفعا، كقولك: البيان لحال الذي ضرب له المثل. ويحتمل أن ~~يكون وقعا ذا وما بمنزلة اسم واحد فيكون الجواب نصبا كقولك: البيان لحال ~~الممثل به. ورد القرآن بهما جميعا قال تعالى: { ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا } وفي موضع آخر: { ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين } ذكرهما ~~سيبويه، والأخفش وهذا إشارة إلى المثل. ومثلا ما؛ نون التنوين تدغم في ~~الميم عند جميع القراء. ويكره الوقف فيها على قوله: { لا يستحيي } ثم ~~يقول: { أن يضرب مثلا } وكذلك على قوله: { والله لا يستحيي } ثم يقول: { ~~من الحق }. # وقوله: { يضل به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين }. إن قيل: أليس ~~تقولون: إن الله لا يضل أحدا، ولا يهدي خلقا، وإن العباد هم يضلون ~~انفسهم ويهدونها، وهم يضلون من شاءوا ويهدون من شاءوا. وقد قال الله ~~تعالى: في غير موضع من كتابه نحو قوله: { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } ، ~~ولا يمكنكم ان تقولوا: إن المراد بالاضلال العقوبة والتسمية، لأنه لو ~~قال: يضل كثيرا ويهدي كثيرا، كان ذلك ممكنا، لكنه قال: { يضل به } و { ~~يهدي به } والهاء راجعة إلى القرآن، والمثل الذي ضربه فيه. ولا يجوز أن ~~يعاقب بالمثل، ولا أن يسمى بالمثل. فعلم بذلك أنه أراد أنه ليس عليهم ~~وجعله حيرة لهم # قلنا اول ما في ذلك انا لا نطلق أن الله لا يضل احدا ولا يهدي احدا. ~~ومن اطلق ms0066 ذلك، فقد اخطأ. ولا نقول ايضا إن العباد يضلون انفسهم ويهدونها ~~مطلقا او يضلون غيرهم ويهدونه. فان إطلاق جميع ذلك خطأ، بل نقول: إن ~~الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. ونقول: إن من اضله الله فهو الضال ومن ~~هداه فهو المهتدي، ولكن لا نريد بذلك ما يريده المخالف مما يؤدي الى ~~التظليم والتجوير لله في حكمه والمخالف يقول: إن الله يضل كثيرا من خلقه ~~بمعنى انه يصدهم عن طاعته، ويحول بينهم وبين معرفته، ويلبس عليهم الأمور ~~ويحيرهم ويغالطهم، ويشككهم ويوقفهم في الضلالة، ويجبرهم عليها. # ومنهم من يقول: يخلقها فيهم، ويخلق فيهم قدرة موجبة له، ويمنعهم الأمر ~~الذي به يخرجون منها، فيصفون الله تعالى باقبح الصفات وأخسها. وقالوا فيه ~~بشر الأقوال. وقلنا نحن: إن الله قد هدى قوما واضل آخرين، وأنه يضل من ~~يشاء. غير أن لفضله وكرمه، وعدله ورحمته لا يشاء أن يضل إلا من ضل وكفر ~~وترك طريق الهدى وإنه لا يشاء ان يضل المهتدين والمتمسكين بطاعته، بل شاء ~~أن يهديهم ويزيدهم هدى، فانه يهدي المؤمنين بان يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور. كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # وقال: # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # وقال: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور # وقال: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين. الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ~~أولئك هم الخاسرون # وقال: # ويضل الله الظالمين # والاضلال على وجوه كثيرة منها: # ما نسبه الله تعالى إلى الشيطان: وهو الصد عن الخير والرشد والدعاء ~~إلى الفساد والضلال، وتزيين ذلك، والحث عليه. وهذا ينزه الله تعالى عنه. # ومنها التشديد الامتحان والاختبار اللذين يكون عندهما الضلال ويعقبهما ~~ونظير ذلك في اللغة أن يسأل الرجل غيره شيئا نفيسا خطيرا يثقل على ~~طباعه بذله فاذا بخل به، قيل له نشهد لقد بخل به فلان. وليس يريدون بذلك ~~عيب السائل وانما يريدون عيب الباخل المسؤول، لكن لما ms0067 كان بخل المسؤول ~~ظهر عند مسألة السائل جاز أن يقال في اللغة: انه بخلك. ويقولون للرجل اذا ~~أدخل الفضة النار ليعلم فسادها من صلاحها، وظهر فسادها: أفسدت فضتك، ولا ~~يرون أنه فعل فيها فسادا، وإنما يريدون ان فسادها ظهر عند محنته. ويقرب ~~من ذلك قولهم: فلان أضل ناقته، ولا يريدون انه أراد أن يضل، بل يكون قد ~~بالغ في الاستتار منها وانما يريدون ضلت منه لا من غيره. ويقولون افسدت ~~فلانة فلانا، واذهبت عقله وهي لا تعرفه، لكنه لما فسد وذهب عقله من ~~أجلها، وعند رؤيته إياها قيل: قد افسدت، واذهبت عقله. # ومنها التخلية على جهة العقوبة وترك المنع بالقهر والاجبار، ومنع ~~الالطاف التي يؤتيها المؤمنين جزاء على ايمانهم. كما يقول القائل لغيره ~~افسدت سيفك، اذا ترك أن يصلحه. لا يريد أنه أراد أن يفسد أو أراد سبب ~~فساده، أولم يحب صلاحه، لكنه تركه فلم يحدث فيه الاصلاح في وقت ~~بالصقل والاحداد. وكذلك قولهم: جعلت اظافيرك سلاحا. وانما يريدون تركت ~~تقليمها. # ومنها التسمية بالاضلال والحكم به كافرا. # يقال: أضله اذا سماه ضالا. كما يقولون: أكفره اذا سماه كافرا، ونسبه ~~اليه. قال الكميت: # وطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا: مسيء ومذنب # ومنها الاهلاك والتدمير. قال الله تعالى: { أإذا ضللنا في الأرض } أي ~~هلكنا. فيجوز أن يكون أراد بالآية: حكم الله على الكافرين، وبراءته منهم ~~ولعنه إياهم إهلاكا لهم، ويكون اضلاله إضلالا كما كان الضلال هلاكا. واذا ~~كان الضلال ينصرف على هذه الوجوه، فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى ~~اقبحها وهو ما أضافه إلى الشيطان، بل ينبغي أن ينسب اليه أحسنها وأجلها. ~~واذا ثبتت هذه الجملة، رجعنا إلى تأويل الآية، وهو قوله: { يضل به كثيرا ~~} معناه أن الكافرين لما ضرب الله لهم الامثال قالوا: ما الحاجة اليها؟ ~~قال الله تعالى: فيها اعظم الفائدة: لأنها محنة واختبار. وبهما يستحق ~~الثواب، ويوصل إلى النعيم. فسمى المحنة اضلالا وهداية، لأن المحنة إذا ~~اشتدت على الممتحن وثقلت فضل عندها، جاز أن تسمى اضلالا، فاذا سهلت ms0068 ~~فاهتدى عندها، سميت هداية، كما أن الرجل يقول لصاحبه: ما يفعل فلان؟ ~~فيقول هو ذا. يسخي قوما ويبخل قوما آخرين أي يسأل قوما فيشتد عليهم ~~للعطاء فيبخلون، ويسأل آخرين، فيسهل عليهم فيعطون ويجودون، فسمي سؤاله ~~باسم ما يقع عنده ويعقبه. # فمعنى قوله: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } أي يمتحن به عباده، فيضل ~~به قوم كثير، ويهتدي به قوم كثير. ولا يجب على ذلك أن يكون أراد إضلالهم. ~~كما لا يجب ذلك في السائل الذي لا يريد بخل المسئول، بل يريد إعطاءه فان ~~قيل: أليس الله تعالى امتحن بهذه الأمثال المؤمنين كما امتحن بها ~~الكافرين، فيجب أن يكون مضلا لهم؟ قلنا: إنما سمى المحنة الشديدة إضلالا ~~إذا وقع عندها الضلال كما أن السؤال يسمى تبخيلا إذا وقع عنده البخل. # وقال قوم: معنى قوله: { يضل به كثيرا } يعني يضل بالتكذيب بهذه الأمثال ~~كثيرا ويهدي بالايمان كثيرا، لأنه لو كان سببا للضلال لما وصفه الله ~~بأنه هدى وبيان وشفاء لما في الصدور. وحذف التكذيب والاقرار اختصارا، ~~لأن في الكلام ما يدل عليه. كما يقول القائل: نزل السلطان فسعد به قوم ~~وشقي به آخرون. وانما يراد به سعد باحسانه قوم وشقي باساءته آخرون. لا ~~بنزول جيشه، لأنه نفسه لا يقع به سعادة ولا شقاء. وكما قال: { وأشربوا في ~~قلوبهم العجل } وانما أراد حب العجل. وذلك كثير. وقد بينا أن الاضلال ~~والهداية يعبر بهما عن العذاب والثواب، فعلى هذا يكون تقدير الآية: يضل ~~أي يعذب بتكذيب القرآن، والأمثال كثيرا، ويهدي أي يثيب بالاقرار به ~~كثيرا. والدليل على ما قلناه قوله: { وما يضل به إلا الفاسقين } فلا ~~يخلو أن يكون أراد ما قلناه من العقوبة على التكذيب، أو أراد به الحيرة ~~والتشكيك، وقد ذكرنا انه لا يفعل الحيرة المتقدمة التي بها صاروا ضلالا ~~فساقا، لم يفعلها الله إلا بحيرة قبلها، وهذا يوجب ما لا نهاية له من ~~حيرة قبل حيرة، لا إلى أول، أو اثبات إضلال لا إضلال قبله، فان كان الله ~~قد فعل هذا ms0069 الضلال الذي لم يقع قبله ضلال فقد أضل من لم يكن فاسقا، وهذا ~~خلاف قوله: { وما يضل به إلا الفاسقين } فثبت أنه أراد أنه لا يعاقب إلا ~~الفاسقين، كما قال: # ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء # وحكى الفراء وجها آخوا مليحا، قال: قوله { ماذا أراد الله بهذا مثلا، ~~يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } حكاية عمن قال ذلك، كأنهم قالوا: ماذا ~~أراد بهذا مثلا يضل به كثيرا، أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله: ~~{ وما يضل به إلا الفاسقين } فبين عز وجل الاضلال، وأنه لا يضل إلا ضالا ~~فاسقا، واقتصر على الاخبار عنهم وبيان ما بين الاضلال دون ما أراد ~~بالمثل، وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة. # وأصل الفسق في اللغة الخروج عن الشيء، يقال منه: فسقت الرطبة إذا اخرجت ~~من قشرها، ومن ذلك سميت الفارة فويسقة، لخروجها من حجرها، ولذك سمي ~~المنافق والكافر فاسقين لخروجهما عن طاعة الله، ولذلك قال الله تعالى في ~~صفة إبليس: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # يعني خرج من طاعته واتباع أمره. ### || [2.27] # العهد: العقد، والأصر مثله، والعهد: الموثق. والعهد: الالتقاء، يقال: ما ~~لفلان عهد بكذا، وهو قريب العهد بكذا، والعهد له معان كثيرة. وسمي ~~المعاهد وهو الذمي بذلك لأنه بايع على ما هو عليه من إعطاء الجزية، ~~والكف عنه. والعهدة كتاب الشراء، وجمعه عهد. وإذا أقسم بالعهد تعلق به ~~عندنا كفارة الظهار، وقال قوم: كفارة يمين، وقال آخرون: لا كفارة عليه. # و { عهد الله } قال قوم: هو ما عهد إلى جميع خلقه في توحيده وعدله، ~~وتصديق رسوله بما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهد إليهم في ~~أمره ونهيه، وما احتج به لرسله بالمعجزات التي لا يقدر على الاتيان ~~بمثلها الشاهدة لهم على صدقه. ونقضهم ذلك: تركهم الاقرار بما قد ثبت لهم ~~صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب. # وقال قوم وصية الله إلى خلقه، وأمره على لسان رسله إياهم فيما أمرهم به ~~من طاعته، ونهيه إياهم عما ms0070 نهاهم عنه. ونقضهم: تركهم العمل به. # وقال قوم: هذه الآية نزلت في كفار أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وإياهم ~~عنى الله عز وجل بقوله { إن الذين كفروا سواء عليهم.. } الآية. وقوله: { ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله } وكل ما في هذه الآية من اللوم والتوبيخ ~~متوجه إليهم. وعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه هو ما أخذه عليهم في ~~التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) إذا بعث، ~~والتصديق بما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك جحودهم به بعد معرفتهم ~~بحقيته وانكارهم ذلك، وكتمانهم ذلك عند الناس بعد إعطائهم إياه تعالى من ~~أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وإيمانهم أنهم متى جاءهم نذير ~~آمنوا به، فلما جاءهم النذير ازدادوا نفورا، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم ~~واشتروا به ثمنا قليلا. وهذا الوجه اختاره الطبري. ويقوي هذا قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا: أقررنا قال ~~فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين # والأمر العهد أيضا وقال: في موضع آخر: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها # وقال: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # وقال قوم: انما عنى بذلك العهد الذي أخذه الله حين أخرجهم من صلب آدم ~~الذي وصفه في قوله: # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم.. # إلى آخر الآية وهذا الوجه عندي ضعيف لأن الله تعالى لا يجوز ان يحتج على ~~عباده بعهد لا يذكرونه ولا يعرفونه. وما ذكروه غير معلوم اصلا. # والآية سنبين القول فيها اذا انتهينا اليها إن شاء الله. # والقطع هو الفصل بين الشيئين احدهما من الآخر. والأصل أن يكون في ~~الأجسام ويستعمل في الأعراض تشبيها به. يقال قطع الحبل والكلام. والأمر ~~هو قول القائل لمن دونه: افعل وهو ضد النهي. والوصل هو الجمع بين الشيئين ms0071 ~~من غير حاجز وقال قوم الميثاق هو التوثيق. كما قال: { أنبتكم من الأرض ~~نباتا } كقولهم اعطيتهم عطاء يريد اعطاء. الاعراب: وقوله: { أن يوصل } ~~بدل من الهاء التي في به تقديره: ما أمر الله بأن يوصل، وهو في موضع خفض. ~~{ والذين } موضعه نصب، لأنه صفة للفاسقين. { أولئك } رفع بالابتداء. { ~~والخاسرون } خبره. { وهم } فصل عند البصريين وعماد عند الكوفيين. ويجوز ~~أن يكون هم ابتداء ثانيا. والخاسرون خبره. والجملة في موضع خبر اولئك ~~والنقض ضد الابرام. والميثاق والميعاد والميقات متقاربة المعنى. يقال وثق ~~يثق ثقة واوثق ايثاقا. وتوثق توثقا. ويقال فلان ثقة للذكر والانثى، ~~والواحد والجمع بلفظ واحد. فاذا جمع قيل ثقات في الرجال والنساء. ومن ~~لابتدء الغاية في الآية. وقيل: إنها زائدة. والهاء في قوله ميثاقه يحتمل ~~ان تكون راجعة إلى اسم الله تعالى. وقال قتادة قوله: { ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل } وقطيعة الرحم والقرابة. وقال غيره معناه الأمر بأن ~~يوصل كل من أمر الله بصلة من اوليائه. والقطع: البراءة من اعدائه وهذا ~~أقوى، لأنه أعم من الأول. ويدخل فيه الأول. وقال قوم: اراد صلة رسوله ~~وتصديقه، فقطعوه بالتكذيب وهو قول الحسن. وقال قوم أراد أن يوصل القول ~~بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وما قلناه اولا أولى لأنا ~~إذا حملناه على عمومه دخل ذلك فيه. # وقوله: { ويفسدون في الأرض }. قال قوم: استدعاؤهم إلى الكفر. وقال قوم: ~~إخافتهم السبيل وقطعهم الطريق. وقال قوم اراد كل معصية تعدى ضررها إلى ~~غير فاعلها. والخسران هو النقصان قال جرير: # إن سليطا في الخسار إنه # أولاد قوم خلقوا أقنه # يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم وقال قوم: الخسار ها هنا: الهلاك ~~يعني هم الهالكون. وقال قوم: كلما نسبه الله من الخسار إلى غير المسلمين ~~فانما عنى به الكفر وما نسب به إلى المسلمين انما عنى به الدنيا؛ روي ذلك ~~عن ابن عباس. ### || [2.28] # { كيف } موضوعة للاستفهام عن الحال. والمعنى ها هنا التوبيخ. وقال ~~الزجاج: هو التعجب للخلق وللمؤمنين. أي اعجبوا من هؤلاء ms0072 كيف يكفرون. وقد ~~ثبتت حجة الله عليهم. # ومعنى { وكنتم } أي وقد كنتم. الواو واو الحال. واضمار قد جائز اذا كان ~~في الكلام ما يدل عليها. كما قال: { حصرت صدورهم } أي قد حصرت صدورهم ~~وكما قال: { إن كان قميصة قد من دبر } أي قد قد من دبر. ومن قال هو ~~توبيخ قال هو مثل قوله: { فأين تذهبون }. وقال قتادة: وكنتم امواتا ~~فأحياكم كما كانوا امواتا في اصلاب آبائهم يعني نطفا، فاحياهم الله بأن ~~أخرجهم ثم اماتهم الله الموتة التي لا بد منها، ثم احياهم بعد الموت. ~~وهما حياتان وموتان وعن ابن عباس وابن مسعود أن معناه لم تكونوا شيئا ~~فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة. وروى ابو الأحوص عن عبد الله ~~في قوله: { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال: هي كالتي في (البقرة): { ~~كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } وهو قول مجاهد وجماعة من ~~المفسرين. وروي عن أبي صالح أنه قال: كنتم امواتا في القبور فأحياكم ~~فيها،، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة وقال قوم: كنتم امواتا يعني ~~خاملي الذكر، دارسي الاثر، فاحياكم بالطهور والذكر ثم يميتكم عند تقضي ~~آجالكم ثم يحييكم للبعث قال ابو نخيلة السعدي: # فاحييت من ذكري وما كان خاملا # ولكن بعض الذكر انبه من بعض # وهذا وجه مليح غير أن الاليق بما تقدم قول ابن عباس وقتادة وقال قوم: ~~معناه أن الله تعالى احياهم حين أخذ الميثاق منهم وهم في صلب آدم وكساهم ~~العقل ثم اماتهم ثم احياهم واخرجهم من بطون امهاتهم. وقد بينا أن هذا ~~الوجه ضعيف في نظائره، لأن الخبر الوارد بذلك ضعيف والاقوى في معنى الآية ~~أن يكون المراد بذلك تعنيف الكفار واقامة الحجة عليهم بكفره وجحودهم ما ~~انعم الله تعالى عليهم وانهم كانوا أمواتا قبل ان يخلقوا في بطون ~~امهاتهم واصلاب آبائهم يعني نطفا والنطفة موات، ثم احياهم فاخرجهم إلى ~~دار الدنيا احياء، ثم يحييهم في القبر للمساءلة، ثم يبعثهم يوم القيامة ~~للحشر والحساب وهو قوله تعالى: { ثم إليه ترجعون } معناه ترجعون ms0073 للمجازاة ~~على الاعمال كقول القائل: طريقك علي ومرجعك الي. يريد اني مجازيك ومقتدر ~~عليك وسمى الحشر رجوعا إلى الله، لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم فيه ~~غير الله فيجازيكم على اعمالكم كما يقول القائل: امر القوم إلى الأمير أو ~~القاضي ولا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان وانما يراد به ان النظر صار ~~له خاصة دون غيره فان قال قائل: لم يذكر الله احياء في القبر فكيف تثبتون ~~عذاب القبر قلنا: قد بينا أن قوله: { ثم يحييكم } المراد به احياؤهم في ~~القبر للمساءلة وقوله: { ثم إليه ترجعون } معناه احياؤهم يوم القيامة ~~وحذف ثم يميتكم بعد ذلك لدلالة الكلام عليه على ان قوله: { ثم يحييكم } ~~لو كان المراد به يوم القيامة، لم يمنع ذلك من احياء في القبر، واماتة ~~بعده كما قال تعالى: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم # ولم يذكر حياة الذين احيوا في الدنيا بعد ان ماتوا. وقال في قوم موسى # فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون # ولم يذكر حياتهم في الدنيا ولم يدل ذلك على أنهم لم يحييوا في الدنيا ~~بعد الموت وكذلك ايضا لا تدل هذه الآية على ان المكلفين لا يحيون في ~~قبورهم للثواب والعقاب على ما أخبر به الرسول (عليه السلام) وقول من قال: ~~لم يكونوا شيئا. ذهب إلى قول العرب للشيء الدارس الخامل: إنه ميت يربد ~~خموله ودرسه وفي ضد ذلك يقال: هذا أمر حي يراد به، كانه متعالم في الناس ~~ومن اراد الاماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فانه اراد بقوله: { وكنتم ~~أمواتا } انه خطاب لأهل القبور بعد احيائهم فيها وهذا بعيد لأن التوبيخ ~~هنالك انما هو توبيخ على ما سلف، وفرط من اجرامهم لا استعتاب واسترداع ~~وقوله: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا } توبيخ مستعتب، وتأنيب مسترجع ~~من خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الانابة ولا انابة في ~~القبر ولا توبة فيها ms0074 بعد الوفاة واحسن الوجوه مما قدمنا ما ذكر ابن عباس ~~وبعده قول قتادة. ### || [2.29] # المعنى: # { هو } كناية عن الله عز وجل في قوله: { تكفرون بالله } واراد به تأكيد ~~الحجة فقال: { كيف تكفرون بالله } الذي احياكم بعد موتكم { ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون الذي خلق لكم ما في الأرض } يعني الذي في الارض. # و { ما } في موضع نصب، لأن الأرض وجميع ما فيها نعمة من الله لخلقه: اما ~~دينية فيستدلون بها على معرفته، وإما دنيوية فينتفعون بها لضروب النفع ~~عاجلا # وقوله: { ثم استوى إلى السماء } فيه وجوه: # احدها ما قاله الفراء: من ان معناه اقبل عليها. كما يقول القائل: كان ~~فلان مقبلا على فلان يشتمه، ثم استوى الي يشتمني، واستوى علي يشاتمني ~~قال الشاعر: # اقول وقد قطعن بنا شروري # ثواني واستوين من الضجوع # أي أقبلن وخرجن من الضجوع وقال قوم: ليس معنى البيت ما قاله وانما معناه ~~استوين على الطريق من الضجوع خارجات بمعنى استقمن عليه. وقال قوم: معنى ~~استوى: قصدها لتسويتها كقول القائل: قام الخليفة يدبر أمر بني تميم، ثم ~~استوى وتحول إلى بني ربيعة، فأعطاهم وقسم لهم اي قصد اليه. ويقال مر فلان ~~مستويا إلى موضع كذا ولم يعدل اى قصد اليها. وقال قوم: معنى استوى اى ~~استولى على السماء بالقهر كما قال: # لتستووا على ظهوره # أى تقهروه ومنه قوله تعالى: # ولما بلغ أشده واستوى # أى تمكن من أمره وقهر هواه بعقله فقال: { ثم استوى إلى السماء } في ~~تفرده بملكها، ولم يجعلها كالارض ملكا لخلقه ومنه قول الشاعر: # فلما علونا واستوينا عليهم # تركناهم صرعى لنسر وكاسر # وقال آخر: # ثم استوى بشر على العراق # من سيف ودم مهراق # وقال الحسن: ثم استوى امره وصنعه إلى السماء، لأن أوامره وقضاياه تنزل ~~من السماء إلى الأرض وقال بعضهم استوى بمعنى استوت به السماء كما قال ~~الشاعر: # اقول له لما استوى في تراثه # على أي دين قتل الناس مصعب # وأحسن هذه الوجوه أن يحمل على أنه علا عليها فقهرها، وارتفع فدبرها ms0075 ~~بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، فكان علوه عليها علو ملك وسلطان لا علو ~~انتقال وزوال، وبعد ذلك قول من قال: قصد اليها فخلقها، ولا يقدح في الأول ~~علوه تعالى على الاشياء فيما لم يزل، لأنه وان كان كذلك لم يكن قاهرا ~~لها بحلقها، لأن ذلك متجدد، وانما قال: إلى السماء ولا سماء هناك كما ~~يقول القائل: اعمل هذا الثوب وانما معه غزل، وقال قوم: انما سواهن سبع ~~سماوات بعد ان كانت دخانا والاول أملح، وقال الرماني السموات غير الافلاك ~~لأن الأفلاك تتحرك وتدور واما السماوات لا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # وهذا ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع ان تكون السماوات هي الأفلاك وان كانت ~~متحركة، لأن قوله تعالى: { يمسك السماوات والأرض أن تزولا } معناه لا ~~تزول عن مراكزها التي تدور عليها. # ولولا امساكه لهوت بما فيها من الاعمالات سفلا. ومعنى (سواهن) أي هيأهن ~~وخلقهن وقومهن ودبرهن والتسوية: التقويم والاصلاح. يقال سوى فلان لفلان ~~هذا الأمر أي قومه واصلحه. وقال الفراء: السماء واحدة تدل على الجمع ~~فلذلك قال: { ثم استوى إلى السماء } فذكرها بلفظ الواحد. ثم اخبر عنها ~~بلفظ الجمع في قوله: { فسواهن } وقال الأخفش: السماء اسم جنس يدل على ~~القليل والكثير كقولهم اهلك الناس الدينار والدرهم. وقال بعضهم: السماء ~~جمع واحده سماوة: مثل بقرة وبقر، ونخلة ونخل، وثمرة وثمر ولذلك أنثت فقيل ~~هذه سماء، وذكرت أخرى فقيل: # السماء منفطر به # كما يفعل ذلك بالجمع الذى لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء ~~وخروجها فيقال: هذا نخل، وهذه نخل وهذا بقر وهذه بقر. ومن قال بالاول ~~قال: إذا ذكرت فانما هو على مذهب من يذكر المؤنث كقول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض ابقل ابقالها # وقال اعشى بني ثعلبة: # فلما ترى لمتي بدلت # فان الحوادث أزرى بها # وقال قوم: إن السماوات، وان كانت سماء فوق سماء. وارضا فوق أرض فهي في ~~التأويل واحدة، وتكون الواحدة جماعا كما يقال: ثوب أخلاق وأسمال؛ ورمة ~~اعشار، ms0076 للمتكسرة، وبرمه اكسار واجبار واخلاق، أي نواحية أخلاق ويقال ارض ~~اعقال وارض اخصاب. والمعنى أن كل ناحية منها كذلك، فجمع على هذا. ولا ~~ينافي ذلك قول من قال: إن السماء كانت دخانا قبل أن يسويها سبع سماوات، ~~ثم سبعا بغير استوائه عليها. وذلك أنه يقول: كن سبعا غير مستويات، ~~فسواها الله تعالى فان قيل: قوله { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ~~ثم استوى إلى السماء } ظاهره يوجب أنه خلق الأرض قبل السماء، لأن { ثم } ~~للتعقيب، وللتراخي. وقال في موضع آخر: { أنتم أشد خلقا أم السماء بناها ~~رفع سمكها فسواها } ثم قال: { والأرض بعد ذلك دحاها } هذا ظاهر التناقض. ~~قلنا: المعنى في ذلك خلق الأرض قبل السماء غير أنه لم يدحها. فلما خلق ~~السماء دحاها بعد ذلك ودحوها: بسطها، ومدها ومنه ادحية لنعام، سميت بذلك، ~~لأنها تبسطها لتبيض فيها. ويجوز أن لا يكون معنى { ثم } و { بعد } في هذه ~~الآيات الترتب في الاوقات والتقدم والتأخر فيها، انما هو على جهة تعداد ~~النعم والاذكار لها. كما يقول القائل لصاحبه: أليس قد اعطيتك، ثم حملتك، ~~ثم رفعت في منزلتك، ثم بعد ذلك كله خلطتك بنفسي وفعلت بك وفعلت. وربما ~~يكون بعض الذى ذكره في اللفظ متقدما، كان متأخرا، لأن المراد لم يكن ~~الاخبار عن اوقات الفعل، وانما المراد الذكر والتنبيه عليها. فان قيل أي ~~نسبة بين قوله: { ثم استوى إلى السماء } وبين قوله: { وهو بكل شيء عليم } ~~وكان يجب ان يقول: { وهو على كل شيء قدير } قيل انما جاز ذلك، لأن الله ~~لما وصف نفسه بما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بما يدل على العلم، ~~إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الاحكام، والاتقان. # وايضا اراد أن يبين انه عالم بما يؤول اليه حاله، وحال المنعم به عليه، ~~فيستحق بذلك النعمة. # وتلخيص معنى الآية ان الله تعالى هو الذى خلق لكم الأرض وما فيها من ~~الجبال والمياه والاشجار، وما قدر فيها من الأقوات، ثم قضى خلق السماء ~~بعد خلقه الأرض. ms0077 ومعنى استوى أي عمد لها وقصد إلى خلقها، وسواها سبع ~~سماوات فبناهن وركبهن كذلك ونظير ذلك قوله: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام # يعني يومين بعد اليومين الأولين حتى صار بذلك اربعة ايام ثم استوى إلى ~~السماء. فمعنى قوله: { خلق لكم ما في الأرض جميعا } هو الذي بينه بقوله: ~~{ وجعل فيها رواسي من فوقها.. } الآية وجعل ذكره لذلك في الآية الأولى ~~تأكيد الحجة على عباده لئلا يكفروا به، ولأن يؤمنوا به ويشكروه. وقوله: { ~~كيف تكفرون } يدل انه تعالى ما اراد الكفر منهم، لأنه لو اراده منهم ~~وخلقه فيهم لما قال ذلك. كما لا يحسن أن يقول: لم كنتم سوادا وبيضا ~~وطوالا وقصارا. وقوله: وهي دخان فالذي روي في الاخبار أن الله تعالى لما ~~خلق الأرض، خلقها بعد الماء فصعد منه بخار وهو الدخان، فخلق الله منه ~~السماوات وذلك جائز لا يمنع منه مانع. وقوله: { وهو بكل شيء عليم } معناه ~~عالم وفيه مبالغة. وانما أراد اعلامهم أنه لا يخفى عليه شيء من افعالهم ~~الظاهرة والباطنة، والسر والعلانية. ### || [2.30] # المعنى: # قال أبو عبيدة: { إذا } زائدة. والتقدير { قال ربك للملائكة }. وهي تحذف ~~في مواضع. قال الاسود بن يعمر: # واذا وذلك لا مهاه لذكره # والدهر يعقب صالحا بفساد # معناه وذلك لا مهاه لذكره. قال عبد مناة بن مربع وقيل: ابن ربع الهذلي # حتى اذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا # ومعناه حتى اسلكوهم. والقتائد: الموضع الذي فيه قتاد كثير. والشل الطرد. ~~والجمالة: الجمالون. والشرد الابل التي تشرد عن مواضعها، وتقصد غيرها ~~وتطرد عنها. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأن إذا: حرف يأتي بمعنى الجزاء ~~ويدل على مجهول من الوقت. ولا يجوز إبطال حرف كان دليلا على معنى في ~~الكلام إلا لضرورة. وليس المعنى في البيتين على ما ظن، بل لو حمل (إذا) ~~في البيتين على البطلان بطل معنى الكلام الذي أراد الشاعر، ms0078 لأن الأسود ~~أراد بقوله: (واذا) الذي نحن فيه وما مضى من عيشنا. واراد بقوله (ذلك) ~~الاشارة إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لا مهاه لذكره. يعني لا ~~طعم له، ولا فضل لأعقاب الدهر ذلك بفساد. ومعنى قول عبد مناة بن مربع: ~~حتى اذا اسلكوهم في قتائدة. إن قوله: اسلكوهم مثلا يدل على معنى محذوف، ~~واستغنى عن ذكره بدلالة (اذا) عليه فحذف كما قال نمر بن تولب: # فان المنية من يخشها # فسوف تصادفه اينما # يريد اينما ذهب. وكما يقول القائل: من قبل، ومن بعد. يريد من قبل ذلك، ~~ومن بعد ذلك، ويقول القائل: اذا اكرمك أخوك فاكرمه واذا لا فلا يريد واذا ~~لم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الشاعر: # فاذا وذلك لا يضرك ضرة # في يوم اسأل نائلا او انكد # وكذلك لو حذف (إذا) في الآية لاستحالت عن معناها الذي تقيده { إذ } ، ~~لأن تقديره: ابتدأ خلقكم اذ قال ربك للملائكة. قال الزجاج والرماني أخطأ ~~أبو عبيدة، لأن كلام الله لا يجوز أن يحمل على اللغو مع امكان حمله على ~~زيادة فائدة قال: ومعنى إذ: الوقت وهي اسم كيف يكون لغوا؟ قال والتقدير ~~الوقت والحجة في { إذ } أن الله عز وجل ذكر خلق الناس وغيرهم، فكأنه قال: ~~ابتدأ خلقك اذ قال ربك للملائكة. وقال الفضل: لما امتن الله بخلق ~~السماوات والأرض، ثم قال: وإذ قلنا للملائكة ما قلناه فهو نعمة عليكم ~~وتعظيم لأبيكم. واختار ذلك الحسن بن علي المغربي. وقال الرماني والزهري: ~~اذكر اذ قال ربك. والملائكة جمع غير أن واحدهم بغير همز أكثر فيحذفون ~~الهمزة ويحركون اللام التي كانت ساكنة لو همز الاسم إلى اللام. فاذا ~~اجمعوا، ردوه إلى الأصل وهمزوا. كما يقولون: رأى، ثم يقولون يرى بلا همز. ~~وذلك كثير. # وقد جاء مهموزا في واحده قال الشاعر: # فلست بأنسي ولكن ملأكا # تنزل من جو السماء يصوب # وقد يقال في واحدهم مألك: مثل قولهم: جبذ وجذب فيقلبونه، وشأمل وشمأل. ~~ومن قال: مألك يجمعه ملائك بلا هاء مثل ms0079 اشعث واشاعث. قال أمية ابن ابي ~~الصلت: # وفيها من عباد الله قوم # ملائك ذللوا وهم صعاب # واصل الملأك الرسالة. قال عدي بن زيد العبادي: # ابلغ النعمان عني ملأكا # أنه قد طال حبسي وانتظاري # وقد ينشد ملأكا ومألكا على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكا فهو مفعل من ~~لاك اليه يليك إذا أرسل اليه رسالة: ومن قال مألكا فهو مفعل من ألكت اليه ~~إلاكة اذا ارسلت اليه مألكة والوكا وكما قال لبيد بن ربيعة: # وغلام ارسلته امه # بالوك فبذلنا ما سأل # وهذا من الكت ويقال: لاك يلأك والك يألك اذا أرسل قال عبد بني الحسحاس: # ألكني اليها عمرك الله يا فتى # بآية ما جاءت الينا تهاديا # يعني أبلغها رسالتي. فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله ~~بينه وبين انبيائه، ومن أرسل من عباده. هذا عند من يقول: إن جميع ~~الملائكة رسل فاما ما يذهب اليه اصحابنا أن فيهم رسلا وفيهم من ليس برسل، ~~فلا يكون الاسم مشتقا، بل يكون علما او اسم جنس. وانما قالوا: إن ~~جميعهم ليسوا رسل الله لقوله تعالى: # يصطفي من الملائكة رسلا # فلو كانوا جميعا رسلا، لكانوا جميعا مصطفين، لأن الرسول لا يكون إلا ~~مختارا مصطفى. وكما قال: # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # وقوله: { إني جاعل } أي فاعل وخالق. وهما يتقاربان. قال الرماني: حقيقة ~~الجعل: تصيير الشيء على صفة. والاحداث حقيقة: إيجاد الشيء بعد أن لم يكن ~~موجودا. والخليقة: الفعيلة من قولهم: خلف فلان فلانا في هذا الأمر: اذا ~~قام مقامه فيه بعده، لقوله تعالى: # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون # يعني بذلك: أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفا في الأرض من بعدهم. وسمي ~~الخليفة خليفة من ذلك، لأنه خلف من كان قيله، فقام مقامه. الخلف بتحريك ~~اللام يقال: فيمن كان صالحا وبتسكين اللام اذا كان طالحا. قال ~~الله تعالى { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة } وروي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أنه قال: ينقل هذا العلم من كل خلف عدوله ms0080 وقال قوم: سمى ~~الله تعالى آدم خليفة، لأنه جعل آدم وذريته خلفاء الملائكة، لأن الملائكة ~~كانوا سكان الأرض. وقال ابن عباس: انه كان في الأرض الجن، فافسدوا فيها، ~~وسفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل الله آدم وذريته بدلهم. وقال الحسن البصري: ~~إنما أراد بذلك قوما يخلف بعضهم بعضا من ولد آدم الذين يخلفون أباهم ~~آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض. وقال ابن مسعود: أراد أني جاعل في الأرض ~~خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده. # وقيل انه يخلفني في انبات الزرع واخراج الثمار، وشق الانهار وقيل ان ~~الأرض أراد بها مكة، روي ذلك عن ابن سارط، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~قال: دحيت الأرض من مكة ولذلك سميت ام القرى. قال: دفن نوح وهود وصالح ~~وشعيب بين زمزم والمقام. وقال قوم: انها الأرض المعروفة. وهو الظاهر. # وقوله: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وروي ان خلقا يقال ~~لهم الجان كانوا في الأرض فافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله تعالى ملائكة ~~اجلتهم من الأرض. وقيل: ان هؤلاء الملائكة كانوا سكان الارض بعد الجان ~~فقالوا: يا ربنا اتجعل في الارض يفسد فيها ويسفك الدماء. على وجه ~~الاستخبار منهم والاستعلام عن وجه المصلحة، والحكمة لا على وجه الانكار. ~~كأنهم قالوا ان كان هذا كما ظننا فعرفنا وجه الحكمة فيه. وقال قوم: ~~المعنى فيه ان الله أعلم الملائكة انه جاعل في الارض خليفة وان الخليفة ~~فرقة تسفك الدماء وهي فرقة من بني آدم فأذن الله للملائكة ان يسألوه عن ~~ذلك وكان اعلامه أياهم هذا زيادة على التثبيت في نفوسهم انه يعلم الغيب ~~فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوما يسفك الدماء، ويعصونك وانما ينبغي انهم ~~اذا عرفوا انك خلقتهم ان يسبحوا بحمدك كما نسبح ويقدسوا كما نقدس؟، ولم ~~يقولوا: هذا إلا وقد اذن لهم، لأنهم لا يجوز ان يسألوا ما لا يؤذن لهم ما ~~فيه، ويؤمرون به، لقوله: # ويفعلون ما يؤمرون # فان قيل من اين لكم أنهم كانوا علموا ذلك؟ قيل ms0081 ذلك محذوف لدلالة الكلام ~~عليه، لأنا علمنا أنهم لا يعلمون الغيب وليس اذا فسد الجن في الارض، وجب ~~أن يفسد الانس وقوة السؤال تدل على أنهم كانوا عالمين وجرى ذلك مجرى قول ~~الشاعر: # فلا تدفنوني إن دفني محرم # عليكم ولكن خامري أم عامر # فحذف قوله: دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها خامري أم عامر فكأنه ~~قال: إني جاعل في الأرض خليفة يكون من ولده افساد في الأرض وسفك الدماء ~~وقال ابوعبيدة والزجاج: أنهم قالوا ذلك على وجه الايجاب وإن خرج مخرج ~~الاستفهام كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح؟ # فعلى هذا الوجه قال قوم: إنما أخبروا بذلك عن ظنهم وتوهمهم، لأنهم رأوا ~~الجن من قبلهم قد افسدوا في الأرض وسفكوا الدماء فتصوروا أنه إن استخلف ~~غيرهم، كانوا مثلهم، فقال تعالى منكرا لذلك: { إني أعلم ما لا تعلمون } ~~وهذا قول قتادة وابن عباس وابن مسعود. وقال آخرون: إنهم قالوه يقينا لأن ~~الله كان أخبرهم انه يستخلف في الارض من يفسد فيها ويسفك الدماء. فاجابوه ~~بعد علمهم بذلك بأن قالوا: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ~~وانما قالوه استعظاما لفعلهم أي كيف يفسدون فيها ويسفكون الدماء، وقد ~~انعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: { إني أعلم ما لا تعلمون } وقال قوم: ~~إنهم قالوا ذلك متعجبين من استخلافه لهم أي كيف يستخلفهم وقد علم انهم { ~~يفسدون فيها ويسفكون الدماء }؟ فقال: { إني أعلم ما لا تعلمون }. # والسفك: صب الدماء خاصة دون غيره من الماء، وجميع المايعات. والسفح مثله ~~لأنه مستعمل في جميع المايعات على وجه التضييع، ولذلك قالوا في الزنا انه ~~سفاح لتضييع مائه فيه. # والملائكة المذكورون في الآية. قال قوم: هم جميع الملائكة. وقال آخرون - ~~وهو المروي عن ابن عباس والضحاك إنه خطاب لمن اسكنه من الملائكة الأرض ~~بعد الجان، وقبل خلق آدم، وهم الذين أجلوا الجان عن الارض. وقال قتادة في ~~قوله: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقد علمت الملائكة من ~~علم الله أنه لا ms0082 شيء عند الله أكبر من سفك الدماء والافساد في الارض قال ~~الله تعالى: { إني أعلم ما لا تعلمون } من أنه سيكون من الخليفة رسل ~~وانبياء، وقوم صالحون وساكنون الجنة. واقوى هذه الوجوه قول من قال: إن ~~الملائكة إنما قالت: { أتجعل فيها من يفسد فيها } على وجه التعجب من هذا ~~التدبير، لا إنكارا له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام ~~والاستعلام لوجه التدبير فيه، فقال: { إني أعلم ما لا تعلمون } من وجه ~~المصلحة في خلقهم، وما يكون منهم من الخير والرشد والعلم، وحسن التدبير ~~والحفظ، والطاعة ما لا تعلمون. فان قيل: الملائكة بم عرفت ذلك، اذ لم ~~يمكنها أن تستدرك ذلك بالنظر والفكر. قلنا: قد يجوز أن لا يكون خطر ~~ببالها ذلك إلا عند ما أعلمهم الله، فلما علموا ذلك، فزعوا إلى المسألة ~~عنه، لأن المسألة لمن يتوقع سرعة جوابه أو يوثق بعلمه وخبره يقوم مقام ~~النظر والفكر. وقوله: { أتجعل فيها من يفسد فيها } يريدون من ولد آدم ~~الذين ليسوا أنبياء، ولا أئمة معصومين. فكأنه قال تعالى: إني جاعل في ~~الأرض خليفة يكون له ولد ونسل يفعلون كيت وكيت. فقالوا: { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها } يريدون الولد. وقد بينا أن الخليفة من يخلف من تقدمه، جماعة ~~كانوا أو واحدا فلما أخبر الله تعالى الملائكة أنه يخلق في الأرض عبادا ~~هم آدم وولده ويكون خليفة لمن تقدمهم من الجن أو غيرهم، قالوا ما قالوا. ~~ويحتمل أن يكون قوله: { من يفسد فيها } يريدون البعض لا الكل. كما يقال: ~~بنو شيبان يقطعون الطريق. ويراد بعضهم دون جميعهم. # وقوله: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } والتسبيح هو التنزيه من السوء على ~~وجه التعظيم وكل من عمل خيرا قصد به الله فقد سبح. يقال: فرغت من سبحتي ~~أي من صلاتي. وقال سيبوية: معنى سبحان الله: براءة الله وتنزيه الله من ~~السوء. # قال اعشى بني تغلب: # اقول لما جاءني فخره : # سبحان من علقمة الفاخر # أي براءة من علقمة الفاخر. وهو مشتق من السبح الذي هو الذهاب. قال الله ms0083 ~~تعالى: # إن لك في النهار سبحا طويلا # ولا يجوز أن يسبح غير الله وان كان منزها، لأنه صار علما في الدين على ~~أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه. كما أن العبادة غاية في الشكر ~~لا يستحقها سواه. وقال ابن عباس وابن مسعود: { ونحن نسبح بحمدك } بمعنى ~~نصلي لك كما قال: # فلولا أنه كان من المسبحين # أي من المصلين. وقال مجاهد: معناه نعظمك بالحمد والشكر على نعمك. وقال ~~قتادة: هو التسبيح المعروف. وقال المفضل: هو رفع الصوت بذكر الله قال ~~جرير: # قبح الاله وجوه تغلب كلما # سبح الحجيج وهللوا إهلالا # واصل التقديس: التطهير. ومنه قوله: الأرض المقدسة أي المطهرة. قال ~~الشاعر: # فادركنه يأخذن بالساق والنسا # كما شبرق الولدان ثوب المقدس # أي المطهر. وقال قوم: معنى نقدس لك: نصلي لك. وقال آخرون: نقدس انفسنا ~~من الخطايا والمعاصي وقال قوم: نطهرك من الادناس أي لا نضيف اليك ~~القبائح. والقدس: السطل الذي يتطهر منه أي يقدس. ويوصف تعالى بأنه ~~قدوس سبوح أي سبحانه أن يكون شريكا لغيره طاهر من كل عيب. وقوله: { إني ~~أعلم ما لا تعلمون }. قال قوم: أراد ما أظهره إبليس من الكبر والعجب ~~والمعصية لما أمر الله تعالى لآدم. ذهب اليه ابن مسعود، وابن عباس. وقال ~~قتادة: أراد من في ذرية آدم من الانبياء والصالحين. وقال قوم: أراد به ما ~~اختص بعلمه من تدبير المصالح. فان قيل: لو كان آدم قادرا على أن لا يأكل ~~من الشجرة، لكان قادرا على نقض ما دبره الله فيه، لأنه لو لم يأكل منها ~~للبث في الجنة. والله تعالى إنما خلقه ليجعله خليفة في الأرض فهذا يدل ~~على أنه لم يكن بد من المخالفة. قلنا عن هذا جوابان: # أحدهما ان الجنة التي خلق الله تعالى فيها آدم، لم تكن جنة الخلد، ~~وانما كانت في الأرض حيث شاء الله، وانه حيث كان في الارض، كان خليفة في ~~الارض وفي هذا سقط السؤال. # والثاني ان الله تعالى علم أن آدم سيخالف، وانه يهبط إلى الأرض ~~فيستخلفه ms0084 فيها فأخبر الله تعالى بما علم. وقولهم: إنه لو كان قادرا على ~~أن لا يخالف، لكان قادرا على نقض تدبيره جهل، لأن الله تعالى قد أمره ~~بأن لا يقرب الشجرة. فهل يجب بأن يكون أمره بأن ينقض تدبيره؟ فاذا قالوا: ~~لا. قيل: وكذلك الله قد اقدره على ألا يخالف فيلبث في الجنة. ولا يجب ~~بذلك أن يكون أقدره على نقض تدبيره. وقد روي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) أن الملائكة سألت الله أن يجعل الخليفة منهم. وقالوا: نحن نقدسك ~~ونطيعك ولا نعصيك كغيرنا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فلما أجيبوا ~~بما ذكر الله في القرآن، علموا أنهم قد تجاوزوا ما ليس لهم فلاذوا بالعرش ~~استغفارا، فأمر الله آدم بعد هبوطه أن يبني لهم في الأرض بيتا يلوذ به ~~المخطئون كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون. فقال الله تعالى: إني اعرف ~~بالمصلحة منكم. وهو معنى قوله: { إني أعلم ما لا تعلمون }. ### || [2.31] # روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، وقيل قبضها ملك الموت ~~فجاء بنو آدم على قدر ذلك: منهم الاسود والأحمر، والابيض، والسهل، ~~والحزن، والخبيث، والطيب ". # اللغة: # وقال ابو العباس: في اشتقاق آدم قولان: # أحدهما انه مأخوذ من أديم الارض. قال: فاذا سميت به في هذا الوجه ثم ~~نكرته؛ صرفته. # والثاني انه مأخوذ من الادمة على معنى اللون والصفة، فاذا سميت به في ~~هذا الوجه، ثم نكرته، لم تصرفه. # والأدمة والسمرة، والدكنة والورقة متقاربة المعنى في اللغة. وقال صاحب ~~العين الأدمة في الناس: شربة من سواد. وفي الابل والظباء: بياض. وادمة ~~الارض: وجهها. والمؤدم من الجلد خلاف المبشر وأدما أنثى. وآدم ذكر وهي ~~الأدم في الجماعة. وآدم أبو البشر. والأدم: ما يؤتدم به وهو الادام. ~~والأدم: جماعة الأديم. وأديم كل شيء: وجهه. و (كل) لفظة عموم على وجه ~~الاستيعاب. وقال الرماني: حده الاحاطة بالابعاض، يقال: أبعض القوم جاءك ~~أم كلهم؟ وتكون تأكيدا مثل أجمعين. غير أنه يبتدأ في ms0085 الكلام بكل، كقوله ~~تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون # لأن كلا قد يلي العوامل ويبتدأ واجمعون لا تكون إلا تابعة. # ويقال عرض عرضا. قال صاحب العين: عرض علينا فلان المتاع يعرض عرضا ~~للشراء او الهبه وقال الزجاج: العرض أصله في اللغة: الناحية من نواحي ~~الشيء فمن ذلك العرض خلاف الطول. وعرض الرجل. قال بعضهم: ما يمدح به أو ~~يذم وقيل عرضه: خليقته المحمودة. وقيل عرضه: حسبه. وقال الرماني: هي ~~ناحيته التي يصونها عن المكروه وحقيقة العرض: الاظهار للشيء ليتصفح # والانباء والاعلام والاخبار واحد. قال صاحب العين: النبأ مهموز هو ~~الخبر المنبىء والمخبر ولفلان نبأ أي خبر ويقال: نبأته وأنبأته واستنبأته ~~والجمع الانباء. والنبوة اذا أخذت من الانباء فهي مهموزة لكن روي عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا تنبز باسمي، لرجل قال له: يا ~~نبيء الله. والنبيء بالهمز : الطريق الواضح، يأخذ بك إلى حيث تريد. ~~والنبأة: صوت الكلاب تنبأ به نبأ. وحقيقة الانباء: الاظهار للخبر. قال ~~الشاعر: # أدان وانبأه الأولون # بأن المدان ملي وفي # والفرق بين الاخبار والاعلام أن الاعلام قد يكون بخلق العلم الضروري في ~~القلب كما خلق الله من كمال العقل والعلم بالمشاهدات. وقد يكون بنصب ~~الادلة للشيء. والاخبار هو إظهار الخبر، علم به أو لم يعلم. ولا يكون ~~مخبرا بما يحدثه من العلم في القلب. كما يكون معلما بذلك. # وقوله: { ثم عرضهم على الملائكة } إنما لم يقل: ثم عرضها، اذ كانت ~~الاسماء لا تعقل، لأنه أراد أصحاب الاسماء وفيهم ما لا يعقل. # كما تغلب المذكر اذا اجتمع مع المؤنث، لأنهم يقولون: إن أصحابك وإماءك ~~جاءوني. وروي عن ابن عباس أنه قال: عرض الخلق. وقال مجاهد: عرض أصحاب ~~الاسماء. # وقوله: { وعلم آدم الاسماء كلها } معناه أنه علمه معاني الاسماء، من قبل ~~أن الاسماء بلا معان لا فائدة فيها، ولا وجه لايثاره الفضيلة بها. وقد ~~نبه الله الملائكة على ما فيه من لطيف الحكمة، فاقروا عند ما سئلوا عن ~~ذكرها والاخبار عنها أنهم لا علم لهم بها. فقال: ms0086 { يا آدم أنبئهم ~~باسمائهم }. وقول قتادة، وظاهر العموم يقتضى أنه علمه الاسماء. وبه قال ~~ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة. وأكثر المتأخرين: كالبلخي ~~والجبائي وابن الاخشيد والرماني وقال الطبري بما يحكي عن الربيع وابن ~~زيد: انهما قالا: علمه الله اسماء ذريته واسماء الملائكة وقال هو ~~الاختيار دون قول ابن عباس. وقال: إن قولهم: { عرضهم } إنما يكون لمن ~~يعقل في الاظهر من كلام العرب وهذا غلط لما بيناه من التغليب وحسنه. كما ~~قال تعالى: # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع # وهذا يبطل ما قاله، ويبقى اللفظ على عموم وظاهر الآية وعمومها يدل على ~~انه علمه جميع اللغات وبه قال الجبائي والرماني فأخذ عنه ولده اللغات ~~فلما تفرقوا، تكلم كل قوم منهم بلسان ألفوه واعتادوه وتطاول الزمان على ~~ما خالف ذلك فنسوه ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات إلى زمن نوح ~~فلما أهلك جميع الخلائق إلا نوحا ومن معه، كانوا هم العارفين بتلك ~~اللغات فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها، وتركوا ما ~~سواها، وانقرض ونسوه. والخبر الذي يروي أن الناس امسوا ولغتهم واحدة ثم ~~اصبحوا وقد تغيرت السنتهم وكان لا يعرف كل فريق منهم إلا كلام من كان على ~~لغتهم خبر ضعيف وأيضا فلا يجوز أن ينسى العاقل ما كان في امسه من ~~جلائل الامور مع سلامة عقله. قالوا: واللغات جميعا إنما سمعت من آدم، ~~وعنه أخذت وقال ابن الاخشيد: إن الله فتق لسان اسماعيل بالعربية ولذلك ~~صار اصلا للعرب من ولده، لأنه تكلم بها على خلاف النشوء والعادة، بل على ~~أنه ابتدأه بها وألهمه إياها. فان قيل: ما معنى قوله: { أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين } ما الذي ادعي حتى قيل هذا؟ قيل عن ذلك اجوبة ~~كثيرة للعلماء. # احدها ان الملائكة لما أخبرهم الله عز وجل أنه جاعل في الأرض خليفة ~~هجس في نفوسها أنه لو كان الخليفة منهم بدلا ms0087 من آدم وذريته، لم يكن فساد ~~ولا سفك دماء. كما يكون من ولد آدم، وان ذلك أصلح لهم وان كان الله عز ~~وجل لا يفعل إلا ما هو اصلح في التدبير، والأصوب في الحكمة. # فقال الله تعالى: { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } فيما ظننتم ~~في هذا المعنى ليدلهم على أنهم إذا لم يعلموا باطن ما شاهدوا، كانوا من ~~أن يعلموا باطن ما غاب عنهم أبعد # والثاني أنه وقع في نفوسهم أنه لم يخلق الله خلقا إلا كانوا أفضل ~~منهم في سائر ابواب العلم. فقيل: إن كنتم صادقين في هذا الظن فاخبروا ~~بهذه الاسماء. # والثالث قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون لم أجعل في الارض خليفة ف { ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } لأن كل واحد من الأمرين من علم ~~الغيب. فكما لا تعلمون ذا لا تعلمون الآخر. # والرابع ما ذكره الأخفش والجبائي وابن الأخشيد: إن كنتم صادقين فيما ~~تخبرون به من اسمائهم. كقول القائل للرجل: أخبرني بما في يدي إن كنت ~~صادقا أي إن كنت تعلم فاخبر به، لأنه لا يمكن أن يصدق في مثل ذلك إلا ~~اذا أخبر عن علم منه، ولا يصح أن يكلف ذلك إلا مع العلم به، ولا بد إذا ~~استدعوا إلى الاخبار عما لا يعلمون من أن يشرط بهذا الشرط، ووجه ذلك ~~التنبيه كما يقول العالم للمتعلم: ما تقول في كذا، ويعلم أنه لا يحسن ~~الجواب لينبهه عليه، وبحثه على طلبه، والبحث عنه، فلو قال له: اخبر بذلك ~~إن كنت تعلم، او قال له: ان كنت صادقا، لكان حسنا. فاذا نبهه على أنه ~~لا يمكنه الجواب أجابه، حينئذ فيكون جوابه بهذا التدريج أثبت في قلبه، ~~وأوقع في نفسه. وقوله: { أنبئوني } قال قوم: هو امر مشروط. كأنه قيل: إن ~~امكنكم أن تخبروا بالصدق فيه، فافعلوا. وقيل: إن لفظه لفظ الامر ومعناه ~~التنبيه على ما بيناه في سؤال العالم للمتعلم ولا يجوز أن يكون ذلك ~~تكليفا، لأنه لو كان تكليفا، لم يكن تنبيها لهم على أن ms0088 آدم يعرف من ~~اسماء هذه الاشياء بتعريف الله اياه ذلك ما لا يعرفون. فلما أراد تعريفهم ~~ما خص به آدم، من ذلك علمنا أنه ليس بتكليف. ومعنى قوله: { إن كنتم ~~صادقين } شرط. كأنه قيل: إن كنتم صادقين في الاخبار بذلك وليس { إن } ~~بمعنى { إذ } على ما حكاه الكسائي عن بعض المفسرين، لأنها لو كانت كذلك، ~~لكانت { ان } بفتح الهمزة وتقديره: ان كنتم محققين ايمانكم، فافعلوا ~~كذا وكذا، لأن { إذ } إذا تقدمها فعل مستقبل صارت علة للفعل وسببا له. ~~كقولك: إذ قمت أي من أجل ان قمت. فلو كانت إن في الآية بمعنى إذ، كان ~~التقدير: انبئوني بأسماء هؤلاء من أجل انكم صادقين واذا وضعت إن مكان ~~ذلك، وجب أن تفتح الالف وذلك خلاف ما عليه القراء. # والانباء. قال قوم: اصله الاعلام. كقولهم: انبأت عمرا زيدا أخاك بمعنى ~~أعلمت ولا يصلح ها هنا أخبرت إلا أنه يتناول انبئوني ها هنا بمعنى ~~اخبروني على وجه المجاز والتوسع لتقارب المعنى في الاخبار والانباء، لأن ~~الله تعالى عالم بالاشياء فيما لم يزل. فلا يجوز أن يقول: علموني لما هو ~~عالم به ومن قال: أصله الاخبار، تعلق بظاهر القرآن وفي كيفية عرضهم ~~قولان: # احدهما انه عرضهم بعد أن خلقهم # والثاني أنه عرضهم بأن صورهم لقلوب الملائكة وفي هذه الآية دليل على ~~شرف العلم من حيث أن الله تعالى لما أراد تشريف آدم اختصه بعلم أبانه به ~~من غيره، وجعل له الفضيلة فيه، وفي كيفية تعليم الله آدم الاسماء، قال ~~البلخي: ويجوز ان يكون اخبره بذلك فوعاه في وقت قصير بما اعطاه الله من ~~الفهم والحفظ او بأن دله ومكنه، ورسم به رسما فابتدع هو لكل شيء اسما ~~يشاكله. ولا بد ان يكون اعلامه له بلغة قد تقدمت المواضعة عليها حتى يفهم ~~بالخطاب المراد به. وقال المواضعة لا بد ان تستند إلى سمع عند قوم وعند ~~ابي هاشم واصحابه لا يصح ذلك فأما الذي عرض على الملائكة قال قوم عرضت ~~الاسماء دون المسميات وقال قوم آخرون: ms0089 عرضت المسميات بها. وهو الأقوى ~~لقوله: { ثم عرضهم } وفي قراءة ابن مسعود: ثم عرضهن. وفي قراءة أبي: ~~عرضها. وقال قوم: إنه عرضهم بعد أن خلق المسميات واحضرها لقوله: اسماء ~~هؤلاء. وذلك إشارة إلى الحاضر. وقال آخرون: إنه صورهم لقلوب الملائكة ثم ~~عرضهم قبل خلقهم وقيل: إن قوله اشارة إلى الاسماء التي علمها آدم { ~~وأنبئوني } اكثر القراء بهمز. وروي عن الأعمش ترك الهمز فيه، وهي لغة ~~قريش. # { هؤلاء }. لغة قريش ومن جاورهم باثبات الف بين الهاء والواو، ومد الألف ~~الأخيرة. وتميم وبكر وعامة بني اسد يقصرون الألف الأخيرة وبعض العرب يسقط ~~الألف الأولى التي بين الهاء والواو ويمد الاخيرة وانشد: # تجلد لا يقل هؤلاء هذا # بكى لما بكى اسفا وعيبا # وحقق الهمزة ابن عامر واهل الكوفة اذا اتفقا من كلمتين. وقرأ أبو عمرو ~~واحمد بن صالح عن قالون بتحقيق الأولى فحذف الثانية. وقرأ ورش وقنبل وابو ~~جعفر واويس بتحقيق الاولى وتليين الثانية، وقرأ ابن كثير إلا قنبلا ونافع ~~إلا ورشا واحمد بن صالح بسكون الاولى، وتحقيق الثانية في المكسورتين ~~والمضمومتين وفي المفتوحتين بتحقيق الاولى وحذف الثانية ### || [2.32] # المعنى: # هذه الآية فيها اخبار من الله تعالى عن ملائكته بالرجوع اليه، والأوبة، ~~والتسليم انهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله. # وقوله: { سبحانك } نصب على المصدر ومعناه نسبحك وسبحانك مصدر لا ينصرف. ~~وقدمنا في ما مضى أن معنى التسبيح التنزيه ومعناه ها هنا تبريا منهم أن ~~يعلموا الغيب واقرارا أنه المختص به تعالى دون غيره. # وقوله: { العليم الحكيم } معنى عليم أنه عالم وفيه مبالغة ومن صفات ذاته ~~واذا كانت كذلك، افادت انه عالم بجميع المعلومات ويوصف به في ما لم يزل، ~~لأن ذلك واجب في العالم نفسه. وقوله: { الحكيم } يحتمل امرين: # احدهما انه عالم، لأن العالم بالشيء يسمى بأنه حكيم فعلى هذا يكون من ~~صفات الذات مثل العالم وقد بيناه. # والثاني ان يكون من صفات الافعال ومعنى ذلك أن افعاله محكمة متقنة ~~وصواب ليس فيها وجه من وجوه القبح ولا التفاوت ولا يوصف بذلك ms0090 في ما لم ~~يزل. وروي عن ابن عباس انه قال: العليم الذي كمل علمه. والحكيم: الذي كمل ~~في حكمته وقد قيل في معنى حكيم: انه المانع من الفساد ومنه سميت حكمة ~~اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد قال جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم ان اغضبا # أي امنعوهم. والاحكام والاتفاق والاتساق والانتظام متقاربة. والحكمة. ~~نقبض السفه يقال: حكم حكما واحكم إحكاما. ويقال: أحكم فلان عمله إذا بالغ ~~فيه فاصاب حقيقته والحكمة هي التي تقف بك على مر الحق الذى لا يخلطه ~~باطل، والصدق الذي لا يشوبه كذب ومنه قوله: # حكمة بالغة # والحكم بين الناس هو الذي يرضى به ليقف الاشياء مواضعها ومنه قوله: # فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها # والحاكم القاضي بين الناس، وليقفهم على الحق ويقال: رجل حكيم اذا كان ~~ذلك شانه وكانت معه اصول من العلم والمعرفة، واذا حكم بين الرجلين يقال: ~~حكم يحكم واذا صار حكيما قيل: حكم يحكم وامر مستحكم اذا لم يكن فيه ~~مطعن. وفي الحديث في رأس كل عبد حكمة اذا هم بسيئة وشاء الله ان يقدعه ~~بها قدعة يعني منعه والحكم في الانسان هي العلم الذى يمنع صاحبه من الجهل ~~ومعنى قول الملائكة { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } يحتمل امرين: # احدهما ما قدمنا. وهو قول ابن عباس قال: { سبحانك } تنزيها لله من أن ~~يكون احد يعلم الغيب سواه. # والثاني انهم أرادوا أن يخرجوا مخرج التعظيم لله. فكأنهم قالوا: ~~تنزيها لك عن القبائح. فعلى هذا الوجه يحسن وإن لم يعلقه بعلم الغيب ~~كما علق في الأول وفي الناس من استدل بهذه الآية على بطلان الأحكام في ~~النجوم. # وهذا يمكن ان يكون دلالة على من يقول: إنها موجبات لا دلالات. فأما من ~~يقول: إنها دلالات على الأحكام نصبها الله. فانه يقول: نحن ما علمنا إلا ~~ما علمنا الله، إنه الذي جعل النجوم أدلة لنا. كما أن ما علمناه استدلال ~~غير ضرورة مضاف إليه ايضا من حيث نصب الدلالة عليه. ms0091 واستدل جماعة من ~~المفسرين بهذه الآية، والآيتين قبلها على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~وجعلوها من جملة معجزاته إذ كان إخبارا بما لا تعلمه العرب ولا يوصل إليه ~~إلا بقراءة الكتب والنبي (عليه السلام) لم يعرف بشيء من ذلك مع العلم ~~بمنشئه ومبتدء أمره ومنتهاه. وهذا يمكن أن يذكر على وجه التأكيد ~~والتقوية، لآياته ومعجزاته من غير ان يكون لو انفرد لكفى في باب الدلالة. ~~لأن لقائل أن يقول: إنه قرأ الكتب سرا، واخذ عمن قرأها خفيا فلا طريق ~~للقطع على ذلك. وانما تغلب في الظن. فان قيل: ما الفائدة في الجواب ~~بقولهم: { لا علم لنا إلا ما علمتنا }؟ قلنا: لو اقتصروا على قولهم: { لا ~~علم } ، لكان كافيا، لكن أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك التعظيم والاعتراف بأن ~~جميع ما يعلمونه من تعليمه، وان هذا ليس من جملة ذلك، واختصار ذلك أدل ~~على الشكر لنعمه. وقيل في معنى { عليم } امران: # احدهما انه عليم بغير تعليم بدلالة انهم اثبتوا لله ما نفوه عن انفسهم ~~بقولهم: { لا علم لنا إلا ما علمتنا } أي نحن معلمون وانت العليم غير ~~المعلم. # والثاني انه العليم الحكيم. وكلاهما حسن. والأول احسن، لأنه اكثر ~~فائدة، واولى في تقابل البلاغة وقد تضمنت الآية الدلالة عليه انه لا علم ~~له الا ما علمه الله. اما بالضرورة وإما بالدلالة. ### || [2.33] # اللغة: # روى الداحوني عن هشام: انبيهم ونبيهم، في الحج والقمر، فقلبت الهمزة ~~وكسرت الهاء. وروى الزينبي من طريق المالكي والعطاء كسر الهاء، وتحقيق ~~الهمزة. الباقون بضم الهاء وتحقيق الهمزة. قال ابو علي: من ضم الهاء ~~حملها على الأصل، لأن الأصل أن تكون هاء الضمير مضمومة: مثل قولهم: ضربهم ~~وأنبأهم. وانما تكسر الهاء اذا وليها كسرة أو ياء نحو بهم وعليهم. ومع ~~هذا يضمه قوم حملا على الأصل. ومن كسر الهاء التي قبلها همزة محففة، فانه ~~اتبع كسرة الهاء الكسرة التى قبلها. واذا كان بينهما حاجز. كما قالوا: ~~هذا المرء ومررت بالمرء فاتبعوا مع هذا الفصل. وحكي عن ابي زيد أنه ms0092 قال: ~~قال رجل من بكر بن وائل أخذت هذا منه ومنهما. وكسر الهاء في الادراج ~~والوقف. وحكي عنه: لم أعرفه ولم أضربه فكسر ، وقال لم اضربهما. فكسر ~~الهاء مع الباء. ويحتمل أن يكون ما اعتد بالحاجز بين الكسرة والهاء ~~لسكونها فكان الكسرة وليت الهاء. # ومعنى { انبئهم }: خطاب لآدم، يعني اخبر الملائكة، لأن الهاء كناية عنهم ~~وموضعهم النصب. # { بأسمائهم } يعني باسماء الذين عرضهم على الملائكة. والهاء والميم في ~~اسمائهم كناية عن المرادين بقوله: { بأسماء هؤلاء }. وقد مضى بيانه. # وقوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون }. فالابداء والاعلان والاظهار ~~بمعنى واحد. يقال: بدا وعلن وظهر. وضد الابداء الكتمان، وضد الاظهار ~~الابطان وضد الاعلان الاسرار. يقال: بدا يبدو من الظهور. وبدأ يبدأ بداء ~~بالهمز بمعنى استأنف. قال صاحب العين: بدا الشيء يبدو بدوا: اذا ظهر. ~~وبداله في الأمر: بدء وبداء بالهمز بمعنى استأنف. والبادية اسم الارض ~~التي لا حضر فيها. واذا خرج الناس من الحضر إلى الصحراء والمرعى، يقال: ~~بدوا بدا واسمه البدو ويقال اهل البدو، واهل الحضر. واصل الباب الظهور ~~والخفاء نقيض الظهور وقال الرماني حد الظهور: الحصول على حقيقة يمكن أن ~~تعلم بسهولة. والله ظاهر بادلته باطن عن احساس خلقه. وكل استدلال فانما ~~هو ليظهر شيء بظهور غيره والكتمان: نقيض إعلان السر ونحوه. وناقة كتوم ~~وهي التي لا ترعو اذا ركبها صاحبها أي لا تصيح. والكاتم من القسي: التي ~~لا ترن اذا انتضيت. # الألف في قوله: { ألم أقل لكم } ألف تنبيه. كقول القائل: أما ترى اليوم ~~ما اطيبه. لمن يعلم ذلك إلا أنك تريد أن تحضر ذهنه، وان ليس مثله ما يخفى ~~عليه كقوله: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } وحكي عن سيبويه: أما ~~ترى أي برق ها هنا، وهي الف تنبيه اصلها الاستفهام ومن الناس من قال إن ~~معناه التوبيخ، ومن لم يجز على الملائكة المعصية، منع من ذلك. # فان قيل ما الفائدة في انباء آدم (ع) الملائكة بذلك دون إعلامه إياهم ~~بذلك؟ قلنا: أراد الله بذلك تكرمة ms0093 آدم (ع) وتشريفه، وإجلال المنة عليه، ~~وتعظيم النعمة لديه وجميع قصة آدم تؤذن بذلك. فان قيل: ما معنى { غيب ~~السماوات والأرض } والله لا يغيب عنه شيء؟ قيل في معناه: إنه يعلم ما غاب ~~عنهم فلم يشاهدوه كما يعلم ما حضرهم فشاهدوه # وقوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } قيل في معناه أقوال: # احدها انه يعلم سرهم وعلانيتهم وذكر ذلك تنبيها لهم على ما يجبلهم ~~عليه من الاستدلال، لأن الاصول الاول لم يستدل بها. إنما تذكر على وجه ~~التنبيه يستخرج بها غيرها، فيستدل بعلم الغيب انه خلق عباده على ما ~~خلقهم عليه للاستصلاح وما توجبه الحكمة. # والثاني ما يسرون بمعنى ما أضمره إبليس من المعصية والمخالفة. وما ~~يعلنون: قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }. قال الرماني: ~~وهذا الوجه غلط، لأن ابليس ليس من الملائكة، ولأن القول على العموم لا ~~يجوز أن يصرف إلى الخصوص بغير دلالة. وهذا الوجه اختاره الطبري. وقال: هو ~~بمنزلة قولهم: قتل الجيش وهزموا. وانما قتل البعض. قال الرماني: إنما ~~يقال ذلك اذا حل قتل الواحد محل قتل الجميع: مثل قتل الرئيس او من يقوم ~~مقامه. ولا يقال أيضا إلا والدلالة عليه ظاهرة وليس كذلك في الآية. وقد ~~روى روايات في هذا المعنى والوجه في هذا أن إبليس لما دخل معهم في الأمر ~~بالسجود، جاز أن يستثني من جملتهم # والثالث قيل: ان الله تعالى لما خلق آدم، مرت به الملائكة قبل أن ينفخ ~~فيه الروح، ولم تكن رأت مثله قبل، فقالت: لن يخلق الله خلقا إلا كنا ~~اكرم منه وافضل عنده فزعم أن هذا الذي أخفوه في نفوسهم وان الذي أبدوه ~~قولهم: { أتجعل فيها من يفسد فيها } روي ذلك عن الحسن والوجه الأول اقوى، ~~لأنه اعم، ويدخل فيه هذا الوجه ولا دلالة يقطع بها على تخصيص الآية فان ~~قيل: ما وجه ذكره تعالى لهم الاسرار من علم الغيب قلنا على وجه الجواب ~~فيما سألوا عنه من خلق من يفسد ويسفك الدماء وذلك على وجه التعريض ~~بالجواب ms0094 دون التصريح، لأنه لو صرح به، لقال: خلقت من يفسد ويسفك الدماء ~~لما اعلم في ذلك من المصلحة لجملة عبادي فيما كلفتهم اياه وأمرتهم به فدل ~~في الاحالة في الجواب على العلم بباطن الامور وظاهرها أنه خلقهم لأجل ~~علمه بالمصلحة في ذلك ودلهم بذلك على أن عليهم الرضا والتسليم لقضاء ~~الله، لأن الله يعلم من الغيب ما لا يعلمونه، ويعلم من مصالحهم ما لا ~~يعلمونه في دينهم ودنياهم فان قيل وأي شيء في تعلم آدم الاسماء كلها مما ~~يدل على علم الغيب قلنا: لأنه علمه الاسماء كلها بما فيها من المعاني ~~التي تدل عليها على جهة فتق لسانه بذلك والهامه إياه وهي معجزة أقامها ~~الله تعالى للملائكة تدل على جلالته وارتفاع قدره بما اختصه به من العلم ~~العظيم الذي لا يصل اليه إلا بتعليم الله اياه، فبان بذلك الاعجاز ~~بالاطلاع على ما لا سبيل إلى علمه إلا من علام الغيوب. # ففيه من المعجزة أنه فتق لسانه بها على خلاف مجرى العادة، وأنه علمه من ~~لطائف الحكمة فيه ما لا تعلمه الملائكة مع كثرة علومها، وانها اعرف الخلق ~~بربها فعرفوا ما دلهم على علم الغيب بالمعجزة مؤكدا لما يعلمونه من ذلك ~~بالادلة العقلية. ولذلك نبههم فقال: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض } اي قد دللتكم على ذلك من قبل وهذه دلالة بعد وقيل: افتتح الله ~~الدلالة على الاعجاز بالكلام في آدم، ثم ختم به في محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) ### || [2.34] # القراءة: # ضم التاء من الملائكة ابو جعفر وحده وحيث وقع اتبع التاء ضمة الجيم. ~~وقيل: انه نقل ضمة الهمزة وابتدا بها والأول اقوى، لأن الهمزة الف وصل ~~تسقط في الدرج فلا يبقى فيها حركة تنقل فالوجه الاول هو المعتمد عليه ~~والصحيح ما عليه القراء من كسر التاء بلام الجر # و { إبليس } نصب بالاستثناء من الاثبات # ويكره الوقف على قوله: { فسجدوا } وعلى { إلا } حتى يقول: { إلا إبليس } ~~وكذلك كل استثناء # وظاهر الآية يقتضي ان الأمر كان لجميع الملائكة بالسجود، ms0095 لعمومها. وقال ~~قوم: إن الامر كان خاصا بطائفة من الملائكة كانوا مع ابليس طهر الله بهم ~~الارض من الجن والأول اقوى # اللغة: # والسجود والخضوع والتذلل بمعنى واحد في اللغة. ونقيض التذلل التكبر يقال ~~سجد يسجد سجودا، واسجد اسجادا: إذا خفض رأسه من غير وضع لجبهته. قال ~~الشاعر: # وكلتاهما خرت واسجد رأسها # كما سجدت نصرانة لم تحنف # والسجود في الشرع: عبارة عن عمل مخصوص في الصلاة والركوع والقنوت كذلك ~~ وهو وضع الجبهة على الأرض. ويقال سجدنا لله سجودا. وقوم سجد ونساء ~~سجد. والسجد من النساء: الفاترات الأعين قال الشاعر: # أغرك مني ان ذلك عندنا # واسجاد عينيك الصيودين رابح # وعزائم السجود من ذلك. وقوله: { وإن المساجد لله } قيل: إنه السجود ~~وقيل: إنه المواضع من الجسد التي يسجد عليها. واحدها مسجد والمسجد اسم ~~جامع لجميع المسجد وحيث لا يسجد بعد ان يكون أخذ لذلك. فاما المسجد من ~~الارض فهو موضع السجود بعينه. وقال قوم: معنى السجود في اصل اللغة: ~~الخضوع والانحناء، وقيل التذلل. قال الشاعر: # بجمع يقل البلق في حجراته # ترى الاكم فيه سجدا للحوافر # كأنه قال مذللة للحوافر. والسجود على اربعة اقسام: سجدة الصلاة وسجدة ~~التلاوة، وسجدة الشكر وسجدة السهو. وقوله: { أبى } معناه ترك وامتنع. ~~والاباء والامتناع والترك بمعنى (واحد) ونقيض أبى أجاب. يقال أبى يأبى ~~إباء. وتأبى تأبيا. قال صاحب العين: أبى يأبى إباه إذا ترك الطاعة ومال ~~إلى المعصية. كقوله: { فكذب وأبى } وكل من ترك أمرا ورده فقد أباه. ورجل ~~أبي وقوم أبيون وأباة قال الشاعر: # اباة الضيم من قوم اباة # وليس الاباء بمعنى الكراهة، لأن العرب تتمدح بأنها تأبى الضيم ولا تتمدح ~~في كراهة الضيم، وانما المدح في المنع منه. كقوله: { ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره } أي يمنع الكافرين من اطفاء نوره. # والاستكبار والتكبر، والتعظم والتجبر نظائر. وضدها التواضع. يقال كبر ~~كبرا، وأكبر اكبارا، واستكبر استكبارا، وتكبر تكبرا، وتكابر تكابرا ~~وكابره مكابرة، وكبره تكبرا قال صاحب العين: الكبر: العظمة. والكبر ~~والكبر: الاثم الكبير جعل اسما من الكبيرة. كالخطيئة ms0096 والخطىء. وكبر كل ~~شيء معظمه. والكبر مصدر الكبير في السن من جميع الحيوان. # فاذا أردت الأمر العظيم قلت كبر: كبر هذا الأمر كبارة. والكبار في معنى ~~الكبير. ويقال اكبرت الشيء: اذا أعظمته. ومنه قوله: { فلما رأينه أكبرنه ~~} والتكبير في الصلاة تفعيل من قولهم: الله اكبر. واصل الباب الكبر وهو ~~العظم. ويقال على وجهين: كبر الجثة وهو الأصل وذلك لا يجوز عليه تعالى ~~وكبر الشأن والله تعالى الكبير من كبر الشأن. وذلك يرجع إلى سعة مقدوره ~~ومعلومه وتحقيقه انه قادر على ما لا يتناهى من جميع الاجناس المقدورات. ~~وعالم بكل معلوم. والاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يوقف منه. وموضع { ~~إذ } من قوله: { وإذ قلنا } نصب، لأنه عطف على { إذ } الأولى كأنه قال: ~~واذ أراد. وقال ابو عبيدة لا موضع لها من الاعراب لأنها زائدة. وانشد: # حتى اذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا # وقال: المراد واستشهد به على وجهين كل واحد منهما نقيض الآخر. فأحد ~~الوجهين قوله: { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } فلم يأت { إذ } جواب ~~والوجه الآخر فيه على زيادة { إذ } في هذا الموضع وكلا الوجهين خطأ عنده، ~~لأن الجواب في قوله: قتائدة. هو قوله: شلا بوقوعه موقع: شلوهم شلا كما ~~يقول القائل: إذا أتيت الحرب، فضربا وطعنا. وأما الزيادة فقد بينا وجه ~~الخطأ فيها فيما تقدم. # واختلفوا في امر الملائكة والسجود لآدم على وجهين: # قال قوم: انه امرهم بالسجود له تكرمة وتعظيما لشأنه. وهو المروي في ~~تفسيرنا واخبارنا وهو قول قتادة وجماعة من اهل العلم. واختاره ابن ~~الاخشيد والرماني وجرى ذلك مجرى قوله: # وخروا له سجدا # في اولاد يعقوب، ولأجل ذلك جعل اصحابنا هذه الآية دلالة على أن الانبياء ~~افضل من الملائكة من حيث امرهم بالسجود له والتعظيم على وجه لم يثبت ذلك ~~لهم بدلالة امتناع إبليس من السجود له وانفته من ذلك وقوله: # قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لأن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريتة إلا قليلا # لو كان ذلك على وجه كونه قبلة ms0097 لما كان لذلك وجه، ولا فيه أنفة ولا يحسن ~~أن يؤمر الفاضل بتعظيم المفضول على نفسه، لأن ذلك سفه به. وسنبين قول من ~~خالف فيه وشبههم وقال الجبائي والبلخي وجماعة أنه جعله قبلة لهم فامرهم ~~بالسجود إلى قبلتهم. وفيه ضرب من التعظيم له وهذا ضعيف، لأنه لو كان على ~~وجه القبلة لما امتنع ابليس من السجود، ولما استعظمته الملائكة، ولكن لما ~~أراد ذلك تعظيما له على وجه ليس بثابت لهم، امتنع ابليس وتكبر. واختلفوا ~~في ابليس هل كان من الملائكة ام لا؟ فقال ابن عباس وابن مسعود وابن ~~المسيب وقتادة وابن جريح والطبرى: إنه كان منهم بدلالة استثنائه من ~~جملتهم ها هنا في قوله: { إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } ~~وقال: { ما منعك أن تسجد لما أمرتك } مع قوله: { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم } وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) والظاهر في ~~تفاسيرنا، ثم اختلف من قال: إنه كان منهم: فمنهم من قال: إنه كان خازنا ~~على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، ومنهم ~~من قال: إنه كان يسوس ما بين السماء إلى الأرض وقال الحسن البصري وقتادة ~~في رواية ابن زبد والبلخي والرماني وغيره من المتأخرين: انه لم يكن من ~~الملائكة وان الاستثناء في الآية استثناء منقطع كقوله تعالى: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # وقوله: # فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا # وكقوله: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # وكقول الشاعر وهو النابغة - # وقفت فيها اصيلا كي اسائلها # اعيت جوابا وما بالربع من احد # إلا الأواري لأيا ما ابينها # والئوي كالحوض بالمظلومة الجلد # وانشد سيبويه: # والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح # وقال آخر: # وبلدة ليس بها انيس # إلا اليعافير وإلا العيس # واستدل الرماني على أنه لم يكن من الملائكة باشياء: # منها قوله: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } فنفى عنهم ~~المعصية نفيا عاما. # والثاني ms0098 انه قال: { إلا إبليس كان من الجن } ومتى اطلق لفظ الجن لم ~~يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف المباين لجنس الانس والملائكة. # والثالث ان ابليس له نسل وذرية. قال الحسن: إبليس ابو الجن كما أن آدم ~~ابو الانس. وابليس مخلوق من النار والملائكة روحانيون خلقوا من الريح في ~~قول ابي علي وقال الحسن: خلقوا من النار لا يتناسلون ولا يطعمون ولا ~~يشربون. وقال الله في إبليس وولده: { أتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم ~~لكم عدو }. # والرابع وهو اقوى ما عنده قوله تعالى: { جاعل الملائكة رسلا أولي ~~أجنحة مثنى وثلاث ورباع } فعمها بالوصف بالرسالة. ولا يجوز على رسل الله ~~أن يكفروا أو يفسقوا كالرسل من البشر. # والجواب عما ذكره اولا: إن قوله: { لا يعصون الله ما أمرهم } صفة لخزنة ~~النيران، لا جميع الملائكة. يدل على ذلك قوله: # يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ~~عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # وليس إذا كان هؤلاء معصومين وجب ذلك في جميعهم. # والجواب عما ذكره ثانيا: ان قوله: كان من الجن معناه صار. ذكر ذلك ~~الأخفش وجماعة من اهل اللغة. وقيل ايضا: إن ابليس كان من طائفة من ~~الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة. وقيل سموا بذلك لاختفائهم ~~عن العيون. كما قال اعشى قيس بني ثعلبة: # ولو كان شيء خالدا أو معمرا # لكان سليمان البريء من الدهر # براه إلهي واصطفاه عباده # وملكه ما بين ثريا إلى مصر # وسخر من جن الملائك تسعة # قياما لديه يعملون بلا أجر # وقد قال الله تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # لأن قريشا قالت: الملائكة بنات الله. # والجواب عما ذكره ثالثا من أن إبليس له نسل، طريقه الآحاد، ولو كان ~~صحيحا، لم يمنع ان يكون الله ركب فيه شهوة النكاح تغليظا عليه في ~~التكليف وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، فلا وجه لاستبعاده. # والجواب عما ذكره رابعا قوله # جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة # فمعارض بقوله: ms0099 # الله يصطفي من الملائكة رسلا # فان كان ظاهر تلك يقتضي العموم فظاهر هذه يقتضي التخصيص، لأن { من } ~~للتبعيض، ولو لم يكن كذلك، لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله: { إلا ~~إبليس } لأن حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز. كما أن ~~تخصيص العموم مجاز، واذا تعارضا، سقطا فأما ما روي عن ابن عباس أن ~~الملائكة كانت تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيرا مع الملائكة، فتعبد ~~معها. فلما أمروا بالسجود لآدم، سجدوا إلا إبليس ابى، فلذلك قال الله ~~تعالى: { إلا إبليس كان من الجن } فانه خبر واحد لا يصح. والمعروف عن ابن ~~عباس ما قلناه أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين. ومن ~~قال إن إبليس خلق من نار ومن مارج والملائكة لم يخلقها من ذلك فقوله ~~ضعيف، لأنه لا يمنع أن يكون الله تعالى خلق الملائكة اصنافا: صنفا من ~~نار، وصنفا من نور، وصنفا من غير ذلك، وصنفا آخر لا من شيء، فاستبعاد ~~ذلك ضعف معرفة. (وإبليس) قال الزجاج والرماني وغيرهما من النحويين انه ~~ليس بمأخوذ من الابلاس كقوله { مبلسون } أي: آيسون من الخير قالوا: لأنه ~~أعجمي معرب بدلالة أنه لا ينصرف للعجمة والتعريف. وقال الطبري: هو مشتق ~~من الابلاس ووزنه افعيل وأنشد العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # وقال رؤبة: # وحضرت يوم الخميس الأخماس # وفي الوجوه صفرة وابلاس # يعني اكتئابا وكسوفا. وقال: إنما لم يجر استثقالا، من حيث كان اسما ~~لا نظير له من أسماء العرب فشبه باسماء العجم التي لا تنصرف. وزعم ان ~~اسحاق لا ينصرف وهو من أسحقه الله إسحاقا، وأن أيوب من أب يئوب على زنة ~~فعول كقيوم من قام يقوم. قال الرماني: غلط في جميع ذلك، لأنها الفاظ ~~أعربت من العجميه ووافقت الفاظ العربية. وكان ابن السراج يمثل ذلك على ~~جهة التبعيد بمن زعم ان الطير ولد الحوت وغلط أيضا في قوله انه لا ~~نظير له في اسماء العرب، لأنهم يقولون: إزميل للشفرة، قال الشاعر: # هم ms0100 منعوا الشيخ المناجي بعد ما # رأي حمة الازميل فوق البراجم # والاعريض: الطلع، واحريض: صبغ أحمر، وقالوا: هو العصفر، وسيف اصليت: ماض ~~كثير الماء، وثوب اضريج: مشبع الصبغ، وقالوا: هو من الصفرة خاصة. وسبيل ~~ابليس سبيل (انجيل) في انه معرب غير مشتق. # وحد الاستكبار الرفع للنفس إلى منزلة لا تستحق. قوله: { وكان من ~~الكافرين } قال قوم: يدل على أنه كان قبله قوم كفار من الجن. وقال آخرون ~~لا يدل، ويجري ذلك مجرى قول القائل: كان آدم من الانس، ولم يكن قبله انسي ~~وكان إبليس من الجن ولم يكن قبله جني، ومعناه: صار من الكافرين. ومن قال ~~ان ابليس كان من جملة الملائكة، قال: كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم ~~بدلالة قوله: { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك }؟ ولأنه استثناه من جملتهم ~~ولم يكن منهم، علمنا انه كان من جملة المأمورين كقول القائل: أمر أهل ~~البصرة بدخول الجامع فدخلوا إلا رجلا من أهل الكوفة، فانه يعلم بهذا ان ~~غير اهل البصرة كان مأمورا بدخول الجامع غير ان أهل البصرة كانوا اكثر ~~فلذلك خصوا بالذكر، وكذلك القول في الآية. ومن استدل بهذه الآية على أن ~~أفعال الجوارح من من الايمان من حيث لو لم يكن كذلك، لوجب ان يكون إبليس ~~مؤمنا بما معه من المعرفة بالله وان فسق بابائه، فقد أبعد، لأن المخالف ~~يقول: اذا علمت كفره بالاجماع علمت انه لم يكن معه إيمان اصلا، كما اذا ~~رأيت انه يصلي للشمس علمت ان معه كفرا، وان كانت، صلاته للشمس ليست ~~كفرا. فان قيل: اذا كانت { إذ } لما مضى، فما معنى قوله: { وإذ قال الله ~~يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله }؟ وكيف ~~قال: { وإذ يتحاجون في النار }؟ قيل: معنى ذلك كله على تقدير الاستقبال ~~لأن ما تحقق بمنزلة ما قد كان، كما قال: { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ~~}. ### || [2.35] # السكون والثبوت والهدوء نظائر، ومثله الاستقرار والاطمئنان والثبات. ~~والمسكن والمأوى والمثوى بمعنى (واحد)، تقول: سكن يسكن سكونا إذ ms0101 لبث في ~~المكان وسكن إذا سكت. سكن الريح، وسكن المطر، وسكن الغضب. والسكن هم ~~العيال وهم أهل البيت. قال سلامة بن المجندل: # ليس بأسفى ولا أفنى ولا سغل # يسقي دواء قفي السكن مربوب # والمسكن المنزل، والسكن السكان، والسكن ان يسكن إنسان منزلا بلا كراء ~~والسكينة: الموادعة والوقار. والسكن: الرحمة والبركة، كقوله: { إن صلاتك ~~سكن لهم } والمسكين: الذي لا شيء له عند ابي عبيدة ، والفقير: الذي له ~~شيء وان كان قليلا قال الشاعر: # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سيد # وقوله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } قال ابو ~~حاتم: أحسنه أنهم كانوا شركاء في سفينة لا يملكون سواها. فهذا يخالف ~~أبا عبيدة وسكان السفينة معروف عربي اشتقاقه من انها تسكن به عن الحركة ~~والاضطراب. # ومعنى { اسكن أنت وزوجك الجنة }: اجعله مأوى تأوي فيه وتسكن اليه، وقد ~~اعظم الله النعمة على آدم بما اختصه من علمه، وأسجد له ملائكته واسكنه ~~جنته، وتلك نعمة على ولده، فالزمهم الشكر عليها، والقيام بحقها. # والجنة التي اسكن فيها آدم، قال قوم: هي بستان من بساتين الدنيا، لأن ~~جنة الخلد لا يصل اليها إبليس ووسوسته، واستدل البلخي على انها لم تكن ~~جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن ابليس لما اغوى آدم، قال له: { هل أدلك ~~على شجرة الخلد }؟ فلو كانت جنة الخلد لكان عالما بها، فلم يحتج إلى ~~دلالة. وقال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واكثر المعتزلة ~~كأبي على والرماني وابي بكر بن الاخشيد وعليه اكثر المفسرين: انها كانت ~~جنة الخلد؛ لأن الألف واللام للتعريف وصار كالعلم عليها قالوا: ويجوز ان ~~يكون وسوسة ابليس من خارج الجنة، فيسمعان خطابه ويفهمان كلامه، قالوا: ~~وقول من يقول: ان جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها لا يصح، لأن معنى ذلك ~~إذا استقر اهل الجنة في الجنة للثواب، وأهل النار فيها للعقاب لا يخرجون ~~منها، واما قبل ذلك فانها تغنى لقوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }. # { وزوجك الجنة } الزوج: ms0102 بطرح الهاء قال الأصمعي: هو أكثر كلام العرب، ~~وقال الكسائي: اكثر كلام العرب بالهاء، وطرح الهاء لغة لأزد شنوءة، ولفظ ~~القرآن لم يجىء إلا بطرح الهاء. وقال المبرد: الوجه طرح الهاء من الزوجة ~~وأنشد: # وأراكم لدى المحاماة عندي # مثل صوت الرجال للازواج # جمع زوج، ولا يجوز ان يكون جمع زوجة. وقال الرماني: قول الاصمعي أجود، ~~لأن لفظ القرآن عليه، والعلة في ذلك انه لما كانت الاضافة تلزم الاسم في ~~اكثر الكلام كانت مشبهة له، وكانت بطرح الهاء افصح وأخف مع الاستغناء ~~بدلالة الاضافة عن دلالة هاء التأنيث. # وقوله تعالى: { وكلا } فالأكل والمضغ واللقم متقاربة، وضد الأكل الازم. ~~وسأل عمر بن الخطاب الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقال له: يا حار ما ~~الدواء؟ فقال: الازم، أي ترك الأكل. والأكلة مرة، والأكلة اسم كاللقمة ~~والاكولة الشاة، والغنم التي ترعى للأكل لا للنسل، والأكال: أن يتأكل عود ~~أو شيء وأكيل الرجل: مآكله واكيل الذئب: الشاة وغيرها إذا أردت المأكولة ~~وإذا أردت به إسما قلت: اكيلة ذئب. والمأكلة: ما جعل للانسان لا يحاسب ~~عليه. ورجل وامرأة أكول: كثير الاكل. والمأكل كالمطعم والمشرب. والمأكل: ~~المطعم. وأصل الباب الأكل وهو المضغ لذي الطعم. ويقال الذي يشترك فيه ~~الحيوان كله فيه سوى الملائكة. المأكل والمنكح والمشرب. # و " الرغد " النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء. وقال صاحب العين: ~~عيش رغد ورغيد: رفيه وقوم رغد ونساء رغد قال امرؤ القيس بن حجر: # بينما المرء تراه ناعما # يأمن الأحداث في عيش رغد # والرغيدة: الزبدة في بعض اللغات. وأرغد الرجل ماشيته: إذا تركها وسومها ~~والمشيئة والارادة بمعنى واحد وكذلك المحبة والاختيار وان كان لها شروط ~~ذكرناها في الاصول. # { ولا تقربا } القرب والدنو والمجاورة متقاربة المعنى وضد البعد يقال: ~~قرب يقرب قربا واقترب اقترابا. قال صاحب العين: القرب طلب الماء يقال: ~~قرب الماء يقرب وقد قربه قربا إذا طلبه ليلا ولا يقال لطالب الماء ~~نهارا قارب والقراب للسيف والسكين والفعل منه: قربت قرابا وقيل قربت ~~اقرابا. والقربان: ما تقربت به إلى ms0103 الله تعالى وقربان الملك وقرابينه: ~~وزراؤه. والقربى: حق ذي القرابة. وقرب فلان اهله: اذا غشيها قربانا. وما ~~قربت هذا الأمر ولا فلانا قربانا وقربى. # والشجرة: كل ما قام على ساق من النبات. وهو اسم يعم النخلة والكرمة ~~وغيرهما. وما لم يقم على ساق لا يسمى شجرا كالبقل والحشيش. واما اليقطين ~~كالقرع والبطيخ فقد سمي شجرا. قال الله تعالى: { وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين } قال صاحب العين: الشجرة واحدة تجمع على الشجر والشجرات والأشجار ~~واختلفوا في الشجرة التي نهى الله آدم عنها. فقال ابن عباس: هي السنبلة ~~وقال ابن مسعود والسدي وجعفر بن زهير: هي الكرمة. وقال ابن جريج هي ~~التينة وروي عن علي (عليه السلام) انه قال: شجرة الكافور وقال الكلبي: ~~شجرة العلم على الخير والشر. وقال ابن جذعان: هي شجرة الخلد التي كان ~~يأكل منها الملائكة. والاقاويل الثلاثة الأولة اقرب. # { فتكونا من الظالمين } الظلم والجور والعدوان متقاربة. وضد الظلم ~~الانصاف وضد الجور العدل. واصل الظلم انتقاص الحق لقوله تعالى: { كلتا ~~الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص. وقيل: أصله وضع الشيء ~~في غير موضعه من قولهم: من يشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير ~~موضعه. # وكلاهما مطرد وعلى الوجهين فالظلم اسم ذم. ولا يجوز أن يطلق إلا على ~~مستحق اللعن لقوله: { ألا لعنة الله على الظالمين } ولا يجوز اطلاقه على ~~انبياء الله تعالى ولا الائمة المعصومين وظالم ومسئ وجائر: اسماء ذم وهو ~~فاعل لما يستحق به الذم من الضرر وضدها عادل ومنصف ومحسن وهي من صفات ~~المدح. ويقول المعتزلة لصاحب الصغيرة: ظالم لنفسه. ومن نفى الصغيرة عن ~~الانبياء من الامامية قال: يجوز أن يقال: ظالم لنفسه اذا بخسها الثواب. ~~كقوله { ظلمت نفسي } وقوله: { إني كنت من الظالمين } حكاية عن يونس من ~~حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو الضرر المحض الذي لا ~~نفع فيه أو عليه آجلا، ولا فيه دفع ضرر اعظم منه ولا هو واقع على وجه ~~المدافعة، ولا هو ms0104 مستحق. فما هذه صفته يستحق به الذم اذا وقع من مختار ~~عالم أو متمكن من العلم به. وروي ان الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ ~~منه ضلعا فخلق منه حواء. وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم ~~بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حيا إلا معه، لأن ما هذه ~~صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن ~~لا يصل الثواب إلى مستحقه، لأن المستحق لتلك الجملة باجمعها وهذا قول ~~الرماني وغيره من المفسرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع اعوج. وقيل سميت امرأة ~~لأنها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة واخرج منها ~~إبليس ولعن وطرد فاستوحش: فخلقت ليسكن اليها. فقالت له الملائكة تجربة ~~لعلمه: ما اسمها؟ قال حواء. قالوا لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء ~~حي. # وقال ابن اسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعا الجنة ~~لقوله تعالى: { يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } التي كان فيها آدم في ~~السماء، لأنه اهبطهما منها. وقال ابو مسلم محمد بن يحيى: هي في الأرض، ~~لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهاهما عنها دون غيرها من ~~الثمار. # و { حيث } مبنية على الضم كما تبنى الغاية: نحو من قبل ومن بعد، لأنه ~~منع من الاضافة [إلى المفرد] كما منعت الغاية من الاضافة إلى مفرد. # وقوله: { ولا تقربا هذه الشجرة } صيغته صيغة النهي. والمراد به الندب ~~عندنا لأنه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهيا الى بكراهته للمنهي ~~عنه. والله تعالى لا يكره إلا القبيح. والانبياء لا يجوز عليهم القبائح: ~~صغيرها ولا كبيرها. وقالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم على ~~اختلافهم في انه كان منه عمدا أو سهوا أو تأويلا وانما قلنا لا يجوز ~~عليهم القبائح، لأنها لو جازت عليهم لوجب أن يستحقوا بها ذما، وعقابا ~~وبراءة ولعنة، لأن المعاصي كلها كبائر عندنا والاحباط باطل ولو ms0105 جاز ذلك ~~لنفر عن قبول قولهم. # وذلك لا يجوز عليهم كما لا يجوز كل منفر عنهم من الكبائر والخلق المشوهة ~~والاخلاق المنفرة. ولا خلاف أن النهي يتناول الأكل دون القرب كأنه قال: ~~لا تقربا بالاكل لأنه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالأكل لا بالدنو منها ~~ولذلك قال: { فأكلا منها فبدت لهما سوأتهما } # وقوله: { فتكونا } يحتمل أن يكون جوابا للنهي فيكون موضعه نصبا. وهو ~~الأقوى ويحتمل أن يكون عطفا على النهي فيكون موضعه جزما وكلاهما جيد ~~محتمل ومتى كان جوابا كان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لأنه ~~يتضمن معنى الجواب واذا كان عطفا على النهي فكأنه قال: لا تكونا من ~~الظالمين. واجاز البصريون من اهل العدل أن يبتدىء الله الخلق في الجنة ~~فينعمهم فيها تفضلا منه لا على وجه الثواب، لأن ذلك نعمة منه تعالى كما ~~أن خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك ~~وقال ابو القاسم البلخي: لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء، لأنه لو جاز ~~ذلك، لما خلقهم في دار المحنة، ولما ابتلى من يعلم أنه يكفر ويصير إلى ~~عذابه وانما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة، لأنه لو خلقهم فيها، لم ~~يخل: إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر، أو لا يكونوا كذلك فلو ~~كانوا غير متبعبدين، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ولو كانوا متعبدين لم ~~يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد، ووعيد ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه ~~في دار الدنيا وكان لا بد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون واجاب عن ذلك ~~الاولون بان قالوا: لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته، والجأهم ~~إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح، منعوا منه فلا يؤدي ذلك ~~إلى ما قاله: كالحور العين والاطفال والبهائم اذا حشرهم يوم القيامة. ### || [2.36] # القراءة # : قرأ حمزة وحده " وأزالهما " بألف وتخفيف اللام. الباقون بتشديد اللام ~~وحذف الألف. # اللغة: # الزلة والمعصية والخطيئة والسيئة بمعنى واحد وضد الخطيئة الاصابة ويقال: ~~زل زلة، وأزله ms0106 إزلالا، واستزله استزلالا وقال صاحب العين: زل السهم عن ~~النزع زليلا وزل فلان عن الصخر زليلا فاذا زلت قدمه، قلت: زل زلا فاذا زل ~~في مقالة أو خطبة، قلت: زل زلة. قال الشاعر: # هلا على غيري جعلت الزلة # وأزله الشيطان عن الحق: إذ أزاله. والمزلة: المكان الدحض. والمزلة: ~~الزلل في الدحض. والزلل: مثل الزلة في الخطأ. والازلال: الانعام وفي ~~الحديث: # " من أزلت إليه نعمة فليشكرها " # بمعنى أسديت. قال كثير: # وإني وإن صدت لمثن وصادق # عليها بما كانت إلينا أزلت # ويقال: أزللت إلى فلان نعمة، فأنا أزلها إزلالا. فالأصل في ذلك الزوال. ~~والزلة: زوال عن الحق. # ومعنى " أزالهما ": نحاهما. من قولك: زلت عن المكان: اذا تنحيت منه. ~~والوجه ما عليه القراء لأن هذا يؤدي إلى التكرار، لأنه قال بعد ذلك { ~~فأخرجهما } فيصير تقدير الكلام: فأخرجهما الشيطان عنها فأخرجهما. وذلك لا ~~يجوز. ويحسن أن يقول: استزلهما فأخرجهما. ومن قرأ: " أزالهما " ، أراد ~~المقابلة بين قوله: " أزالهما " وبين قوله: { اسكن } ، لأن معناه: اسكن ~~واثبت انت وزوجك. وتقديره: اثبتا، فأراد أن يقابل ذلك فقال: " فأزالهما " ~~فقابل الزوال بالثبات وإنما نسب الازلال والاخراج إلى الشيطان لما وقع ~~ذلك بدعائه ووسوسته وإعوائه. ولم يكن إخراجهما من الجنة على وجه العقوبة، ~~لأنا قد بينا أن الأنبياء لا يجوز عليهم القبائح على حال ومن أجاز عليهم ~~العقاب، فقد أعظم الفرية وقبح الذكر على الأنبياء. وإنما أخرجهم من ~~الجنة، لأنه تغيرت المصلحة لما تناول من الشجرة، واقتضى التدبير والحكمة ~~تكليفه في الأرض وسلبه ما ألبسه الله (تعالى) من لباس الجنة. وقال قوم: ~~إن إلباس الله له ثياب الجنة كان تفضلا. وللمتفضل أن يمنع ذلك تشديدا ~~للمحنة. كما يفقر بعد الغنى، ويميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة. # فان قيل: كيف وصل إبليس إلى آدم حتى أغواه ووسوس اليه. وآدم كان في ~~الجنة، وابليس قد أخرج منها حين تأبي من السجود؟ قيل: عن ذلك أجوبة: ~~أحدها ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وابليس لم يكن ممنوعا من الدنو ~~منه، وكان يكلمه ms0107 ويغويه. # [الثاني] وقال آخرون: انه كلمهما من الأرض بكلام فهماه منه وعرفاه. # [والثالث] قال قوم: إنه دخل في فقم الحية، وخاطبها من فقمها. والفقم: ~~جانب الشدق. # [والرابع] قال قوم: راسلهما بالخطاب. وظاهر الكلام يدل على أنه ~~شافههما بالخطاب. # [والخامس] وقال قوم: يجوز أن يكون قرب من السماء فكلمهما. # فأما ما روي عن سعيد بن المسيب: أنه كان يحلف ولا يستثني، أن آدم ما ~~أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر، قادته اليها ~~فأكل. فانه خبر ضعيف. وعند اصحابنا، أن الخمرة كانت محرمة في سائر ~~الشرائع ومن لم يقل ذلك، يقول: لو كان كذلك، لما توجه العتب على آدم، ولا ~~كان عاصيا بذلك. والأمر بخلاف ذلك. وانما قلنا ذلك: لأن النائم غير مكلف ~~في حال نومه، لزوال عقله، وكذلك المغمى عليه، وكذلك السكران وانما يؤاخذ ~~السكران بما يفعله في شرعنا، لما ثبت تحريم ما يتناوله اسم المسكر. والا ~~فحكمه حكم النائم عقلا. وقد قلنا: إن أكلهما من الشجرة كان على وجه ~~الندب، دون أن يكون ذلك محظورا عليهما، لكن لما خالفا في ترك المندوب ~~اليه تغيرت المصلحة، واقتضت إخراجهما من الجنة وقد دللنا على ذلك في ما ~~مضى. # [والسادس] وقال قوم: تعمد ذلك. # [والسابع] وقال قوم آخرون: نهي عن جنس الشجرة، واخطأ. # [والثامن] وقال قوم: إنه تأول النهي الحقيقي، فحمله على الندب وأخطأ. ~~وقد قدمنا ما عندنا فيه. فان قيل: كيف يكون ذلك ترك الندب مع قوله: { ~~فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه }؟ قلنا التوبة: قيل الرجوع ويجوز ~~ان يرجع تارك الندب عن ذلك،... يكون تائبا. ومن قال: وقعت معصيته ~~محبطة... بها يخرج عن الاصرار. كما لحد... الأولى اسقطت العقاب... وابليس ~~يقول لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا ~~من الخالدين. وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين } قيل: ما قبلا ذلك من ~~إبليس، ولو قبلاه لكانت المعصية أعظم. فلما لم يعاتبهما الله على ترك ~~ذلك، دل على أنهما لم يقبلا. ms0108 وهذا جواب من يقول: انه كان صغيرا، أو كان ~~ناسيا. وعلى ما قلناه أن ذلك كان ندبا لا يحتاج إلى ذلك، بل دليل ~~العقل أمننا من وقوع قبيح من آدم، والانبياء. فلو كان صريحا، لتركنا ~~ظاهره لقيام الدليل على خلافه. على أنه لا يمنع أن يقاسمهما: إنه لمن ~~الناصحين في ترك الندب. وإنما ظاهر النهي تركه يوجب أن يصيرا من ~~الخالدين. # وقوله { مما كانا فيه } يحتمل أن يكون أراد: من لباسهما حتى بدت لهما ~~سوآتهما ويحتمل أن يكون من الجنة، حتي أهبطا. ويحتمل أن يكون أراد: من ~~الطاعة ألى المعصية. # اللغة: # وقوله: { اهبطوا } فالهبوط والنزول والوقوع نظائر. ونقيض الهبوط والنزول ~~الصعود. يقال: هبط يهبط: اذا انحدر في هبوط من صعود. والهبوط اسم ~~كالحدور، وهو الموضع الذي يهبط من اعلى إلى اسفل. والهبوط: المصدر. قال ~~ابن دريد: هبطته واهبطته. # والعداوة، والبراءة، والمباعدة، نظائر. # وضد العدو، الولي. والعدو: الحضر خفيف والعدو: ثقيل يقال في ~~التعدي. وقرىء: { فيسبوا الله عدوا وعددوا بغير علم } ~~والعدوان: الظلم. والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم ~~لك والعدو اسم جامع للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. فاذا ~~جعلته نعتا، قلت: الرجلان عدواك، والرجال اعداؤك، والمرأتان عدوتاك، ~~والنسوة عدواتك. وأصل الباب: المجاوزة. يقال: لا يعدونك هذا الأمر ~~أي يتجاوزنك. # المعنى: # وقوله: { اهبطوا } انما قال بالجمع، لأنه يحتمل اشياء: # احدها أنه خاطب آدم وحواء وابليس، فيصلح ذلك، وان كان ابليس أهبط من ~~قبلهما. يقال: أخرج جمع من الجيش وان خرجوا متفرقين . اختار هذا ~~الزجاج. # والثاني أنه أراد آدم وحواء والحية. # والثالث آدم وحواء وذريتهما. # والرابع قال الحسن: إنه أراد آدم وحواء والوسوسة. وظاهر القول وان كان ~~أمرا فالمراد به التهديد. كما قال: { اعملوا ما شئتم }. # وقوله: { مستقر } قرار، لقوله: { جعل لكم الأرض قرارا } وقيل: مستقر في ~~القبور والأول أقوى وأحسن. # اللغة: # والقرار: الثبات، والبقاء مثله. وضد القرار الانزعاج. وضد الثبات الزوال ~~وضد البقاء الفناء. ويقال: قر قرارا. والاستقرار: الكون من وقت واحد ~~على حال. " والمستقر " يحتمل أن ms0109 يكون بمعنى الاستقرار، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى المكان الذي يستقر فيه. # وقوله: { ومتاع إلى حين } والمتاع والتمتع والتلذذ والمتعة متقاربة ~~المعنى. وضدها التألم. يقال: أمتعه به إمتاعا، وتمتع تمتعا، واستمتع ~~استمتاعا، ومتعه تمتيعا، ومتع النهار متوعا وذلك قبل الزوال ~~والمتاع من أمتعة البيت: ما يتمتع به الانسان من حوائجه. وكل شيء تمتعت ~~به فهو متاع. ومنه متعة النكاح، ومتعة المطلقة، ومتعة الحج. # وقوله: { إلى حين } فالحين، والمدة والزمان، متقاربة. والحين الهلاك حان ~~يحين. وكل شيء لم يوفق للرشاد، فقد حان حينا والحين: الوقت من الزمان ~~وجمعه أحيان. وجمع الجمع، أحايين. ويقال: حان يحين حينونة. وحينت الشيء: ~~جعلت له حينا. وحينئذ: يبعد قولك: الآن. فاذا باعدوا بين الوقتين، ~~باعدوا ب (إذ) فقالوا: حينئذ. والحين: يوم القيامة. وأصل الباب، الوقت. ~~والحين: وقت الهلاك. ثم كثر، فسمي الهلاك به. والحين: الوقت الطويل. # المعنى: # وقيل: ال { حين } في الآية يعني الموت. وقيل إلى يوم القيامة. وقيل: ~~إلى أجل. وقال ابن سراج: إذا قيل: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع } لظن ~~أنه غير منقطع. فقال: { إلى حين } انقطاعه. والفرق بين قول القائل: هذا ~~لك حينا، وبين قوله: إلى حين. أن إلى تدل على الانتهاء، ولا بد أن يكون ~~له ابتداء وليس كذلك الوجه الآخر. # معنى قوله: { بعضكم لبعض عدو }. قال الحسن: يعني بني آدم، وبني ~~إبليس وليس ذلك بأمر على الحقيقة، بل هو تحذير، لأن الله لا يأمر ~~بالعداوة. وفي الآية دلالة على أن الله تعالى لا يريد المعصية. ولا ~~يصد أحدا عن طاعته، ولا يخرجه عنها. ولا تنسب المعصية إليه، لأنه نسب ~~ذلك إلى الشيطان، وهو يتعالى عما عاب به الأبالسة والشياطين. ### || [2.37] # قرأ إبن كثير (آدم) بنصب الميم. (كلمات) برفع التاء. # اللغة: # يقال: لقي زيد خيرا فيتعدى الفعل إلى مفعول واحد. ومنه قوله # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # وقوله: # إذا لقيتم فئة فاثبتوا # و # لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا # فاذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين. تقول: لقيت زيدا خيرا. قال الله ~~تعالى: ms0110 # ولقاهم نضرة وسرورا # وتقول: لقيت بعض متاعك على بعض، فتعديه إلى مفعول واحد لأنه بناء مفرد ~~لا لأنه منقول ليتعدى إلى مفعولين. وتقول: لقيته لقية واحدة في التلاقي ~~واللقيان. ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة. وقوله: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # معناه يلقون ثوابه بخلاف قوله: # يلقون غيا # المعنى: # ومعنى { تلقى آدم من ربه كلمات }. تعلمها. يقال: تلقيت هذا من فلان أي ~~قبله فهمي من لفظه. قال أبو عبيدة: قال أبو مهدية: وتلا عليه آيات من ~~القرآن قال: تلقيتها من عمي تلقاها من أبي هريرة، تلقاها من رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) وأصل الملاقاة الملاصقة، لكنه كثر حتى قيل: لاقى ~~فلان فلانا: إذا قاربه، وإن لم يلاصقه. وكذلك تلاقى الجيشان، وتلاقى ~~الفرسان. ويقال: تلاقى الخطان أي تماسا. وتقول: تلقيت الرجل بمعنى ~~استقبلته. وتلقاني: استقبلني. فعلى هذا يجوز في العربية رفع ادم، ونصبه، ~~مع رفع الكلمات. والاختيار قراءة الاكثر، لأن معنى التلقي ها هنا القبول. ~~فكأنه قال: قبل آدم من ربه كلمات. وانما جاز نصب آدم، لأن الأفعال ~~المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة اقسام: احدها يجوز ان يكون الفاعل له ~~مفعولا به والمفعول به فاعلا. نحو اكرم بشر بشرا وشتم زيد عمرا # [ثانيها] ومنها لا يكون المفعول به فاعلا، نحو: أكلت الخبز، وسرقت ~~درهما، وأعطيت دينارا، وأمكنني الغرض. # [وثالثها] ما يكون أسناده إلى الفاعل في المعنى كاسناد إلى المفعول، ~~نحو: أصبت ونلت، وتلقيت. تقول: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، ~~وأصبت خيرا. ولقيني زيد، ولقيت زيدا. وتلقاني، وتلقيته. وقال تعالى: # وقد بلغني الكبر # وقال: # وقد بلغت من الكبر عتيا # فعلى هذا الرفع والنصب في المعنى واحد في الآية. وإنما اجيز رفع آدم، ~~لأن عليه الأكثر وشواهده اكثر. كقوله # تلقونه بألسنتكم # واسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام متلقى. كما أن الذي تلقى ~~آدم كلام متلقى وكما اسند الفعل إلى المخاطبين. فجعل التلقي لهم كذلك ~~يلزم ان يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له دون الكلمات. واما على ما ~~قال ابوعبيدة معناه قبل ms0111 الكلمات، فالكلمات مقبولة، فلا يجوز غير الرفع في ~~آدم. ومثل هذا في جواز اضافته تارة إلى الفاعل، واخرى إلى المفعول. ~~كقوله: # لا ينال عهدى الظالمين # وفي قراءة ابن مسعود: { لا ينال عهدي الظالمون } والكلمات جمع كلمة. ~~والكلمة: اسم جنس لوقوعه على الكثير والقليل. # يقولون: قال امرؤ القيس في كلمته يعني في قصيدته. وقال قس في كلمته ~~يعنون في خطبته. فوقوعها على الكثير نحو ما قلناه. ووقوعها على القليل ~~قال سيبويه: قال قد اوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف ~~المفرد. فأما الكلام فان سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلفا من هذه الكلم ~~فقال: لو قلت: إن تضرب ناسا لم يكن كلاما. وقال ايضا: انما، فقلت، ~~ونحوه، ما كان كلاما (بل) قولا واوقع الكلام على المتألف. والذي حرره ~~المتكلمون، ان حد الكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف ~~المنقولة، إذا وقع ممن يصح منه او من قبله الافادة. ثم ينقسم قسمين: ~~مفيد، ومهمل. فالذي أراد سيبويه أنه لا يكون كلاما، أنه لا يكون مفيدا ~~وذلك صحيح. فأما تسميته بأنه كلام، صحيح. وكيف لا يكون صحيحا، وقد قسموه ~~إلى قسمين: مهمل، ومفيد، فأدخلوا المهمل الذي لا يفيد في جملة الكلام. # والكلمة والعبارة، والابانة، نظائر. وبينها فروق. والفرق بين الكلمة ~~والعبارة، أن الأظهر في الكلمة هي الواحدة من جملة الكلام وان قالوا في ~~القصيدة أنها الكلمة والعبارة تصلح للقليل والكثير. وأما الابانة فقد ~~تكون بالكلام، والحال، وغيرهما من الأدلة: كالاشارة والعلامة، وغير ذلك. ~~وأما النطق فيدل على إدارة اللسان بالصوت، وليس كذلك الكلام ولهذا ~~يقولون: ضربته فما تكلم، ولا يقولون: فما نطق، اذا كان صاح. وكذلك لا ~~يجوز أن يقال في الله: إنه ناطق. وأما اللفظ فهو من قولك: لفظت الشيء: ~~إذا أخرجته من فمك. وليس في الكلام مثل ذلك. ويقال: كلمته تكليما ~~وكلاما. وتكلم تكلما. ولذلك لا يجوز أن يقال فيه تعالى لفظ، ولا أنه ~~لافظ. والكلم: الجرح. والجمع: الكلوم. يقال: كلمته أكلمه كلمما، فأنا ~~كالم، وهو مكلوم. وكليمك: الذي ms0112 يكلمك. ويقال: كلمة وكلمة لغة تميمية، ~~وقيل إنها حجازية. وتميم حكي عنها كلمة بكسر الكاف وتسكين اللام، وحكي ~~تسكين اللام مع فتح الكاف. وأصل الباب أنه أثر دال والكلم أثر دال ~~على الجارح. والكلام أثر دال على المعنى الذي تحته. والمتكلم: من رفع ~~ما سميناه كلاما بحسب دواعيه وأحواله. وربما عبر عنه بأنه الفاعل ~~للكلام. وليس المتكلم من حله الكلام، لأن الكلام يحل اللسان والصدر ولا ~~يوصفان. بذلك. وقد بينا فساد الكلام النفسي في كتاب العدة، في أصول ~~الفقه. وقلنا: إن اختصر ذلك، هل هو إلا الخبر، أو ما معناه معنى الخبر، ~~وإن كان لكل قسم معنى يخصه؟. # المعنى: # والكلمات التي تلقاها آدم قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: # ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين # فان في ذلك اعترافا بالخطيئة، ولذلك وقعت موقع الندم. وحقيقته الانابة. ~~وحكي عن مجاهد أنه قال: هي قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك ~~وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. # اللهم لا إله إلا انت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت ~~خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب ~~علي إنك أنت التواب الرحيم. وروى مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام. وحكي ~~عن ابن عباس: أن آدم قال لربه إذ عصاه: أرأيت أن تبت وأصلحت؟. فقال له ~~تعالى: إني راجعك إلى الجنة وكانت هذه الكلمات. وروي في أخبارنا: أن ~~الكلمات هي توسله بالنبي عليه السلام وأهل بيته. وكل ذلك جائز. # قوله { فتاب عليه } # اللغة: # فالتوبة، والانابة، والاقلاع، نظائر في اللغة. وضد التوبة: الاصرار. ~~يقال: تاب يتوب توبة، وتوابا واستتابة. والله تعالى يوصف بالتواب. ~~ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده. وأصل التوبة: الرجوع عما سلف، والندم ~~على ما فرط. والله تعالى تائب على العبد بقبول توبته. والعبد تائب إلى ~~الله بمعنى نادم على معصيته والتائب: صفة مدح لقوله: # التائبون العابدون # والتوبة شرطها الندم على ما مضى ms0113 من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى ~~مثله من القبيح، لأن هذه التوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما ~~عداها فمختلف فيه. وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الأمر أي عزمت على ألا ~~أفعله، وصرت بمنزلة التائب، وذلك مجاز. وكل معصية لله تعالى فانه يجب ~~التوبة منها، والتوبة يجب قبولها، لأنها طاعة. فأما إسقاط العقاب عنده ~~فتفضل منه تعالى. وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب. وقد بينا الصحيح ~~من ذلك في شرح الجمل. والتوبة اذا كانت من ترك ندب عندنا تصح. وتكون على ~~وجه الرجوع إلى فعله. وعلى هذا تحمل توبة الانبياء كلهم في جميع ما نطق ~~به القرآن، لأنه قد بينا أنه لا يجوز عليهم فعل القبيح. والمطبوع على ~~قلبه له توبة. وبه قال أهل العدل. وقالت البكرية لا توبة له. وهو خطأ، من ~~قبل انه لا يصح تكليفه إلا وهو متمكن من أن يتخلص من ضرر عقابه. وذلك لا ~~يتم إلا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه. وقد وعد الله بذلك وإن كان ~~تفضلا إذا حصلت التوبة واختلفوا في التوبة من الغصب، هل تصح مع الاقامة ~~على منع المغصوب؟. فقال قوم: لا تصح: وقال آخرون: تصح وهو الأقوى إلا ~~أن يكون فاسقا بالمنع، فيعاقب عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب. ~~والصحيح أن القاتل عمدا تصح توبته. وقال قوم: لا تصح. والتوبة من القتل ~~الذي يوجب القود، قال قوم: لا تصح إلا بالاستسلام لولي المقتول، وحصول ~~الندم، والعزم على أن لا يعود. وقال قوم آخرون: تصح التوبة من نفس القتل، ~~ويكون فاسقا بترك الاستسلام. # وهذا هو الأقوى، واختاره الرماني. فاما التوبة من قبيح بفعل آخر، فلا ~~تصح على أصلنا كالتائب من الالحاد بعبادة المسيح. وقال قوم: تصح. وأجراه ~~مجرى معصيتين يترك باحداهما الأخرى، فانه لا يؤاخذ بالمتروكة وقال قوم: ~~التوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم انها معصية بأنه يعتقد ~~انه لا محجوج إلا عارف، فانه يتخلص من ضرر تلك المعصية إذا ms0114 رجع عنها إلى ~~المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة. وقال آخرون: لا يتخلص إلا بالتوبة، لأنه ~~محجوج فيه، مأخوذ بالنزوع عن الاقامة عليه، وهو الأقوى. فأما ما نسي من ~~الذنوب، فانه يجري مجرى التوبة منه على وجه الجملة. وقال قوم: لا يجري ~~وهو خطأ، لأنه ليس عليه في تلك الحال اكثر مما عمل فأما ما نسي من الذنوب ~~مما لو ذكر، لم يكن عنده معصية. وهل يدخل في الجملة إذا اوقع التوبة من ~~كل خطيئة؟ قال قوم: يدخل فيها. وقال آخرون لا يدخل فيها، لكنه يتخلص من ~~ضرر المعصية، لأنه ليس عليه اكثر مما علم في تلك الساعة. والأول اقوى، ~~لأن العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كل معصية هي في معلوم الله معصية. ~~فأما المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق إذا تاب من الشرك هل يدخل ~~فيه التوبة من الفسق في الحكم، وإن لم يظهر التوبة منه؟. قال قوم: لا ~~يزول عنه حكم الفسق، وهو قول اكثر المعتزلة. وقال قوم: يزول عنه حكم ~~الفسق. وقال الأخشيد: القول في هذا باجتهاد. والذي يقوى في نفسي انه ~~يزول، لأن الاسلام الأصل فيه العدالة إلى ان يتجدد منه بعد الاسلام ما ~~يوجب تفسيقه. فأما التوبة من قبيح مع الاقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد ~~قبحه، فعند اكثر من تقدم صحيحة وقال ابو هاشم، واصحابه: لا تصح وقد قلنا ~~ما عندنا في ذلك، في شرح الجمل واعتمد الأولون على ان قالوا: كما يجوز ان ~~يمتنع من قبيح لقبحه، ويفعل قبيحا آخرا، وإن علم قبحه كذلك جاز ان يندم ~~من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وهذا إلزام صحيح معتمد ~~واختلفوا في التوبة عند ظهور اشراط الساعة، هل تصح ام لا؟ فقال الحسن: ~~يحجب عنها عند الآيات الست. ورواه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه ~~قال: # " بادروا الأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها: والدجال، والدخان ~~ودابة الأرض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة يعني القيامة " # وقال قوم: لا ms0115 شك أن بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز. وهو الأقوى. # وقوله: { فتاب عليه }. يعني قبل توبته، لأنه لما عرضه للتوبة، بما ألقاه ~~من الكلمات فعل التوبة، وقبلها الله تعالى منه [وقيل تاب عليه أي وفق ~~للتوبة وهداه اليها] فقال اللهم تب علي أي وفقني للتوبة. # [فلقنه الكلمات حتى قالها فلما قالها قبل توبته]. # وقوله: { إنه هو التواب الرحيم }. إنما ذكر الرحيم، ليدل بذلك على أنه ~~متفضل بقبول التوبة، ومنعم به، وأن ذلك ليس هو على وجه الوجوب، على ما ~~يقوله المخالف. ومن خالف في ذلك يقول: لما ذكر التواب بمعنى الغفار ~~باسقاط العقوبة، وصل ذلك بذكر النعمة، ليدل على أنه مع إسقاط العقوبة، لا ~~يخلي العبد من النعمة الحاصلة ترغيبا له، وفي الانابة والرجوع اليه ~~بالتوبة. " وتواب " بمعنى أنه قابل التوبة لا يطلق إلا عليه تعالى، ولا ~~يطلق في الواحد منا. وإنما قال: { فتاب عليه }. ولم يقل فتاب عليهما، ~~لأنه اختصر، كما قال: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # ومعناه أن يرضوهما. كذلك معنى الآية: فتاب عليهما ومثل ذلك قوله: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # وقال الشاعر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا، ومن جول الطوي رماني # وقال آخر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وحكي عن الحسن، انه قال: لم يخلق الله آدم إلا للأرض، ولو لم يعص لخرج ~~على غير تلك الحال. وقال غيره: يجوز ان يكون خلقه للأرض إن عصى ولغيرها ~~ان لم يعص وهو الأقوى لأن ما قاله لا دليل عليه وروي عن قتادة: ان اليوم ~~الذي قبل الله توبة آدم فيه يوم عاشوراء ورواه ايضا اصحابنا ### || [2.38] # المعنى: # قد بينا معنى الهبوط فيما مضى بما فيه كفاية. وقال الجبائي: الهبوط ~~الأول: هو الهبوط من الجنة إلى السماء، وهذا الهبوط من السماء إلى الأرض. ~~وقد يستعمل في غير النزول من مكان عال إلى أسفل. يقال هبط فلان إلى أرض ~~كذا، اذا أتاها، وإن لم يرد به النزول الذى فيه. إلا أن فيه إيماء ms0116 إلى ~~هبوط المنزل قال لبيد: # كل بني حرة مصيرهم # قل وإن أكثروا من العدد # إن يغبطوا يهبطوا وإن # أمروا يوما فهم للفناء والفند # الفند: الهرب. والاتيان، والمجيء، والاقبال، نظائر ونقيضه: الذهاب ~~والانصراف ويقال: أتى، اتيانا، وأتى أتيا، وتأتى، تأتيا وأتى تأتية ~~وآتيت فلانا على أمره مؤاتاة ولا يقال أتية الا في لغة قبيحة لتيم # ودخلت (ما) في قوله مع " ان " التي للجزاء، ليصح دخول النون التي ~~للتوكيد في الفعل ولو أسقطت (ما) لم يجز دخول النون، لأنها لا تدخل في ~~الخبر الواجب الا في القسم، أو ما أشبه القسم كقولك: زيد ليأتينك ولو ~~قلت بغير اللام، لم يجز وكذلك تقول: بعين ما أرينك ولو قلت: بعين ~~أرينك، بغير ما لم يجز فدخول (ما) ها هنا كدخول اللام في أنها تؤكد أول ~~الكلام وتؤكد النون آخره. والأمر، والنهي، والاستفهام، تدخل النون فيه ~~وان لم يكن معه (ما) اذا كان الأمر والنهي، مما تشتد الحاجة إلى التوكيد ~~فيه والاستفهام مشبه به اذا كان معناه اخبرني والنون انما تلحق للتوكيد، ~~فلذلك كان من مواضعها. # قال الله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا # فان قيل: اين جواب اما؟ واين جواب من؟ قيل: الجزاء وجوابه بمنزلة ~~المبتدا والخبر، لأن الشرط لا يتم الا بجوابه، كما لا يتم المبتدأ الا ~~بخبره ألا ترى، انك لو قلت: إن تقم، وسكتت، لم يجز. كما لو قلت: زيد، لم ~~يكن كلاما، حتى نأتي بالخبر. ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، وهي أيضا ~~مبتدأ وخبر، كقولك: زيد أبوه منطلق. وكذلك (إن) التي للجزاء، إذا كان ~~الجواب بالفاء، ووقع بعد الفاء الكلام مستأنفا، صلح أن يكون جزاء، وغير ~~جزاء تقول: إن تأتي فأنت محمود ولك أن تقول: إن تأتني. فمن يكرمك أكرمه. ~~وإن تأتني فمن يبغضك فلا وضيعة عليه. # وقوله: { إما يأتينكم } شرط، وجوابه الفاء. وما بعد قوله: { فمن } ، شرط ~~آخر، وجوابه الذي بعده من قوله: { فلا خوف عليهم }. وهو نظير المبتدأ ~~والخبر الذي يكون خبره مبتدأ وخبرا. وهذا ms0117 في مقدمات القياسات، يسمى ~~الشرطية المركبة. وذلك أن المقدم فيها إذا وجب، وجب التالي المرتب عليه. # و " الهدى " المذكور في الآية يحتمل أمرين: أحدهما البيان والدلالة. # والآخر الانبياء والرسل. وعلى القول الأخير يكون قوله: { قلنا ~~اهبطوا } لآدم وحواء وذريتهما. كما قال: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين # أي أتينا فينا من الخلق طائعين. # وقوله: { فمن تبع هداي }. # اللغة: # فالاتباع، والاقتداء، والاحتذاء، نظائر ونقيض الاتباع: الابتداع تقول: ~~تبعه تباعا وأتبعه إتباعا. وتابعه متابعة. وتتبع تتبعا. واستتبع ~~استتباعا. والتابع: التالي. ومنه التتبع. والتبيع: ما تبع أثر شيء فهو ~~يتبعه. والتتبع. فعلك شيئا بعد شيء. تقول: تتبعت عليه آثاره. وفي ~~الحديث: القادة والأتباع. والقادة: السادة. والأتباع. القوم الذين ~~يتبعونهم. والفوائم، يقال لها تبع. والتبيع من ولد البقر: العجل، لأنه ~~تبع أمه يعدو. وثلاثة أتبعة الجمع وبقرة متبع: خلفها تبيع. وخادم ~~متبع: معها ولدها يتبعها حيثما أقبلت وأدبرت. وأتبع فلان فلانا. وأتبعه ~~الشيطان: إذا تتبعه يريد به شرا. كما تبع فرعون موسى. قال الله تعالى: # فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين # وفلان يتبع فلانا: إذا تتبع مساوئه في مهلة. والتتابع من الأشياء: إذا ~~فعل هذا في أثر هذا بلا مهلة. ومنه تتابعت الأمطار، وتتابعت الاشياء. ~~والتبع الظل. وأصل الباب كله. الاتباع وهو أن يتلو شيء شيئا. # قوله { فلا خوف عليهم }. # اللغة: # فالخوف والجزع، والفزع. نظائر. ونقيض الخوف: الأمن. تقول: خافه، يخافه ~~خوفا وأخافه إخافة. وتخوف تخوفا. وخوفه تخويفا. وطريق مخوف: يخافه ~~الناس. وطريق مخيف: تخيف الناس. والتخوف: التنقص. يقال: تخوفناهم: ~~تنقصناهم ومنه قوله: { أو يأخذهم على تخوف } ، أي على تنقص. وأصل الباب: ~~الخوف الذي هو الفزع. والخوف كله من الضرر. يقال: فلان يخاف الأسد، أي ~~يخاف ضرره. ويخاف الله، أي يخاف عقابه. والحزن، والهم، والغم نظائر. ~~ونقيضه السرور. يقال: حزن حزنا وحزنه حزنا وتحزن تحزنا وحزن تحزينا ~~والحزن، والحزن، لغتان. وحزنني، وأحزنني، لغتان. وأنا محزون ومحزن. ~~وإذا أفردوا الصوت أو الأمر، قالوا: محزن لا غير. والحزن من الأرض ~~والدواب: ما فيه ms0118 خشونة. والأنثى: حزنة. والفعل: حزن، حزونة. وقولهم: كيف ~~حشمك وحزانتك؟ أي كيف من تتحزن بأمره. وأصل الباب: غلظ الهم. # وقوله: { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. # المعنى: # عمومه يقضي أنه لا يلحقهم خوف أهوال القيامة. وهو قول الجبائي. وقال ابن ~~أخشيذ: لا يدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف. قال الله ~~تعالى: # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # .. إلى قوله # شديد # ولأنه روي أنه يلجم الناس العرق، وغير ذلك من الشدائد. وهذا ليس بمعتمد، ~~لأنه لا يمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك الغم. وأما الحزن، فلا خلاف ~~أنه لا يلحقهم ومن أجاز الخوف، فرق بينه وبين الحزن، لأن الحزن إنما يقع ~~على ما يغلظ ويعظم من الغم والهم، فلذلك لم يوصفوا بذلك. ولذلك قال ~~تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # لأن ما يلحقهم لا يثبت، ويزول وشيكا. # قالوا: ويدلك على أن الحزن ما ذكرنا، أنه مأخوذ من الحزن؛ وهو ما غلط من ~~الأرض. فكان ما غلظ من الهم. فأما لحوق الحزن والخوف في دار الدنيا، فلا ~~خلاف أنه يجوز أن يلحقهم، لأن من المعلوم، أن المؤمنين لا ينفكون منه. # و { هداي } بتحريك الياء. وروي عن الأعرج { هداي } بسكون الياء. وهي ~~غلط، إلا أن ينوى الوقف. # وإنما كرر { اهبطوا } لأن احدهما كان من الجنة إلى السماء. والثاني من ~~السماء. إلى الأرض عند أبي علي. وقيل: المعنى واحد، وكرر تأكيدا وقيل: ~~هو على تقدير اختلاف حال المعنى، لا اختلاف الأحوال. كما يقول: اذهب ~~مصاحبا، إذهب سالما معافى. وكأنه على تقدير ذهاب يجامع ذهابا وإن ~~كانت حقيقة واحدة. # وإنما كرر { إما } في قوله: # إما شاكرا وإما كفورا # ولم يكرر ها هنا، لأنها هناك للعطف، وها هنا للجزاء. وإنما هي (إن) ضم ~~اليها (ما) كقوله: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء # وهداي: مثل هواي. وهي لغة قريش، وعامة العرب. وبعض بني سليم يقولون: ~~هوي: مثل: علي، ولدي. قال أبو ذؤيب: # سبقوا هوي واعنقوا لهواهم # فتخرموا ولكل جنب مصرع # وروي ms0119 هدي في الآية عن الجحدى، وابن أبي إسحاق، وعيسى. والصواب ما عليه ~~القراء. والفرق بين هوي ولدي وعلي، وهو أن إلي وعلي ولدي مما يلزمها ~~الاضافة، وليست بمتمكنة. ففصلوا بينها وبين الأسماء المتمكنة، كما فصلوا ~~بين ضمير الفاعل وضمير المفعول، حين قالوا: ضربت فسكنوا لأجل التاء، ولم ~~يسكنوا في ضربك، وإذا الفاعل يلزم الفعل. ### || [2.39] # قد بينا فيما مضى معنى الكفر والتكذيب، فلا وجه لاعادته. والاستدلال ~~بهذه الآية على أن من مات مصرا على الكفر، غير تائب منه، فكذب بآيات ~~ربه، فهو مخلد في نار جهنم صحيح، لأن الظاهر يفيد ذلك، والاستدلال بها، ~~على أن عمل الجوارح من الكفر، من حيث قال: { وكذبوا بآياتنا } فبعيد، لأن ~~التكذيب نفسه وإن لم يكن كفرا، وهو لا يقع الا من كافر فهو دلالة ~~عليه كالسجود للشمس وغيره. # وقوله: { أصحاب } فالاصطحاب، والاجتماع، والاقتران، نظائر وكذلك الصاحب ~~والقرين. ونقيضه: والافتراق. يقال صحبه صحبة. وأصحبه إصحابا. واصطحبوا ~~اصطحابا وتصاحبوا تصاحبا. واستصحبوا استصحابا. وصاحبه مصاحبة والصحب: ~~جماعة. والصحب، والأصحاب جماعة الصاحب. ويقال أيضا: الصحبان والصحبة، ~~والصحاب. والصحابة: مصدر قولك: صحبك الله يعني بالسلامة وأحسن صحابتك ~~ويقال للرجل عند التوديع: معانا، مصاحبا ومصحوب، ومصاحب. ومن قال: ~~مصاحب معان، فانما معناه: أنت المصاحب المعان. والصحبة: مصدر صحب يصحب. ~~وقد أصحب الرجل: إذا صار صاحبا. ويقال: قد أصحب الرجل، وقد أشطأ: إذ بلغ ~~ابنه مبلغ الرجال، الذى صار ابنه مثله. وأشطأ الزرع: إذا لحقته فراخه. ~~ويقال له: الشطأ. قال أبو عبيدة، وابن دريد: قوله: # ولا هم منا يصحبون # أى لا يحفظون وأديم مصحب: إذا دبغته وتركت عليه بعض الصوف والشعر. وأصل ~~الصحبة: المقارنة. والصاحب هو الحاصل مع آخر مدة، لأنه إذا اجتمع معه ~~وقتا واحدا، لا يقال: صاحب، ولكن يقال: صحبه وقتا من الزمان ثم فارقه. ~~والفريق بين المصاحبة، والمقارنة، أن في المصاحبة دلالة على المبالاة، ~~وليس ذلك حاصلا في المقارنة. واتباع الرئيس: اصحابه. # و " آيات الله ". دلائله، وكتبه التي أنزلها على أنبيائه. والآية: ~~الحجة. والدلالة، والبيان، والبرهان واحد في ms0120 أكثر المواضع، وإن كان ~~بينها فرق في الأصل لأنك تقول دلالة هذا الكلام كذا. ولا تقول: آيته، ~~ولا علامته. وكذلك تقول: دلالة هذا الاسم، ولا تقول: برهانه. # و { أصحاب النار }. هم الملازمون لها. كما تقول: أصحاب الصحراء يعني ~~القاطنين فيها، الملازمين لها. # والخلود معرب من العرف، يدل على الدوام لأنهم يقولون: ليست الدنيا دار ~~خلود، وأهل الجنة مخلدون. يريدون الدوام فأما في أصل الوضع، فانه موضوع ~~لطول الحبس. فان قيل: لم دخلت الفاء في قوله: { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين } في سورة الحج ولم يقل ها هنا في قوله: { ~~أولئك أصحاب النار }؟ قيل: لأن ما دخلت فيه الفاء من خبر (الذي وأخواته) ~~مشبه بالجزاء. وما لم يكن فيه فاء، فهو على أصل الخبر. وإذا قلت: مالي، ~~فهو لك، جاز على وجه، ولم يجز على وجه. فان أردت أن معنى (ما) الذي، فهو ~~جائز. وإن أردت أن مالي تريد به المال، ثم تضيفه إليك، كقولك: غلامي لك، ~~لم يجز، كما لم يجز، غلامي، فهو لك. # الاعراب: # وموضع أولئك: يحتمل ثلاثة أشياء: # أحدها أن يكون بدلا من الذين، أو يكون عطف بيان، وأصحاب النار: بيان ~~عن أولئك، مجراه مجرى الوصف. والخبر، هم فيها خالدون. # والثاني أن يكون ابتداء وخبرا في موضع الخبر الأول. # والثالث أن يكون على خبرين بمنزلة خبر واحد، كقولهم: حلو، حامض. ### || [2.40] # { يا } حرف نداء. { بني }: جمع ابن. والابن، والولد، والنسل، والذرية ~~متقاربة المعاني. إلا أن الابن يقع على الذكر، والولد يقع على الذكر ~~والانثى والنسل والذرية تقع على جميع ذلك. وأصله، من البناء وهو وضع ~~الشيء على الشيء. والابن مبني على الأب تشبيها للبناء على الأصل، لأن ~~الأب أصل والابن فرع. ويقال: تبنى تبنيا، وبنى بناء، وابتنى ابتناء، ~~وباناه مباناة. والبنوة: مصدر الابن وإن كان من البناء كما قالوا: ~~الفتوة: مصدر الفتى. وثنوا الفتى: فتيان. ويقال: فلان ابن فلان، على ~~التبني. ولا يطلق ذلك الا على ما كان من جنسه وشكله تشبيها بالابن ~~الحقيقي. ولهذا ms0121 لا يقولون: تبنى زيد حمارا، لما لم يكن من جنسه ولا تبنى ~~شاب شيخا لما لم يكن ذلك فيه. والفرق بين اتخاذ الابن وبين اتخاذ ~~الخليل، أن اتخاذ الخليل، يكون به خليلا على الحقيقة، لأن بالمحبة ~~والاطلاع على الأسرار المهمة يكون خليلا على الحقيقة. وليس كذلك الابن. ~~لأن البنوة في الحقيقة، إنما هي الولادة للابن. # و { بني } في موضع نصب، لأنه منادى مضاف. # و { إسرائيل } في موضع جر، لأنه مضاف إليه. وفتح، لأنه أعجمي لا ينصرف، ~~لأن (إسرا) معناه: عبدو (ئيل) هو الله بالعبرانية فصار مثل عبدالله. ~~وكذلك جبرائيل، وميكائيل. ومن حذف الألف من جبرائيل، حذفه للتعريب كما ~~يلحق الاسماء التغيير إذا أعربت، فيلخصون حروفها على العربية. # وفي { إسرائيل } خمس لغات: حكى الأخفش: إسرال، بكسر الهمزة من غير ياء. ~~وحكي: أسرال، بفتح الهمزة. ويقول بعضهم: إسريل، فيميلون. وحكى قطرب: ~~سرال، من غير همز ولا ياء، واسراين، بالنون. والخامس إسرايل، قراءة ~~إلياس. وحمزة وحده مد بغير ألف. # المعنى: # وقال أكثر المفسرين: إن المعنى، يا بني إسرائيل، أحبار اليهود الذين ~~كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله " صلى الله عليه وسلم ". وهو المحكي عن ~~ابن عباس. وقال الجبائي: المعني به بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. ~~ونسبهم إلى الأب الأعلى، كما قال: # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد # اللغة: # قوله، { اذكروا }. فالذكر، والتنبيه، والتيقظ، نظائر. ونقيضه: التغافل ~~يقال: ذكره يذكره ذكرا. وأذكره إذكارا. واستذكره استذكارا. وتذكره ~~تذكرا. وذكره تذكارا. واذكر اذكارا. وقال صاحب العين: الذكر: الحفظ ~~للشيء تذكره. تقول: هو مني على ذكر. والذكر: جري الشيء على لسانك. تقول: ~~جرى منه ذكر. والذكر: الشرف، والصيت لقوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # والذكر: الكتاب الذي فيه تفصيل الدين وكل كتاب من كتب الأنبياء ذكر. ~~والذكر: الصلاة، والدعاء. وقيل: كانت الأنبياء إذا حزنهم أمر فزعوا إلى ~~الذكر أي الصلاة، يقومون فيصلون. وذكر الحق: هو الصك. والذكرى: هو اسم ~~للتذكير. والذكر: ذكر الرجل معروف. # والجمع: الذكرة ولهذا سمي ما ينسب اليه، المذاكير. ولا يفرد. وإن أفرد ms0122 ~~فمذكر، مثل مقدم ومقاديم. والذكر: خلاف الانثى. وجمعه: ذكور، وذكران. ومن ~~الدواب، ذكورة لا غير. والذكر من الحديد: أيبسه وأشده. ولذلك يسمى السيف، ~~مذكر. وامرأة مذكرة، وناقة مذكرة: إذا كانت خلقتها تشبه خلقة الذكر، ~~وأشبهته في شمائلها. وامرأة مذكار: إذا أكثرت ولادة الذكور. وعكسه: ~~مئناث. ويقال للحبلى: أيسرت، وأكثرت أي يسر عليها، وولدت ذكورا. والذكر: ~~ضد النسيان. ورجل ذكر: شهم من الرجال، ماهر في أموره. واصل الباب: الذكر ~~الذي هو التنبيه على الشيء. والذكر: الوصف بالمدح والثناء أو بالمدح ~~والهجاء. # وقوله: { نعمتي }. المراد بها الجماعة. كما قال تعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # والنعمة وإن كانت على أسلافهم جاز أن تضاف اليهم. كما يقول القائل إذا ~~فاخره غيره: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار، وبددنا جمعكم يوم ~~النار. والمراد بذلك، جميع النعم الواصلة اليهم، مما اختصوا به، دون ~~آبائهم، أو اشتركوا فيه معهم، وكان نعمة على الجميع. فمن ذلك تبقية ~~آبائهم حتى تناسلوا، فصاروا من أولادهم. ومن ذلك، خلقه اياهم على وجه ~~يمكنهم الاستدلال على توحيده، والوصول إلى معرفته، فيشكروا نعمه، ~~ويستحقوا ثوابه ومن ذلك ما لا يحلون منه في كل وقت من منفعة ودفع مضرة. ~~فالقول الأول هو التذكير بالنعمة عليهم في أسلافهم. والقول الثاني: تذكير ~~جميع النعم عليهم والنعم التي على أسلافهم، ما ذكر في قوله تعالى: # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ~~ملوكا وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين # وقوله: { أوف بعهدكم }. في موضع جزم، لأنه جواب الأمر. # اللغة: # قال صاحب العين: تقول وفيت بعهدك وفاء. ولغة أهل تهامة: أوفيت بعهدك. ~~وهي القرآن. قال الشاعر في الجمع بين اللغتين: # أما ابن عوف فقد أوفى بذمته # كما وفى بقلاص النجم حاديها # يعني به الدبران. وهو التالي وتقول: وفى، يفي وفاء وأوفى، يوفي ايفاء ~~واستوفى، استيفاء وتوفى، توفيا. ووفى، توفية. وتوافى، توافيا ووافاه ~~موافاة. وكل شيء بلغ تمام الكلام فقد وفى وتم. وكذلك درهم واف، لأنه ~~درهم وفى مثقالا. ms0123 وكيل واف ورجل وفا: ذو وفاء وأوفى فلان على شرف من ~~الأرض اذا أشرف فوقها. وتقول: أوفيته حقه. ووفيته اجره. والوفاة: المنية ~~توفى فلان، وتوفاه الله: اذا قبض نفسه. واصل الباب: الوفاء وهذا هو ~~الاتمام. ومن اكرم اخلاق النفس الوفاء. ومن ادونها، وارذلها الغدر. # المعنى: # ومعنى قوله: { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } قال ابن عباس: اوفوا بما ~~امرتكم من طاعتي، ونهيتكم عن معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وغيره: ~~{ أوف بعهدكم } اي ارضى عنكم، وادخلكم الجنة وسمي ذلك عهدا، لأنه تقدم ~~بذلك اليهم في الكتب السابقة كما قال: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون # والعهد: هو العقد عليهم في الكتاب السابق بما امروا به، ونهوا عنه. قال ~~بعضهم: انما جعله عهدا، لتأكيده بمنزلة العهد الذي هو اليمين قال الله ~~تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه # وقال الحسن: العهد الذي عاهدهم عليه حيث قال: { خذوا ما آتيناكم بقوة } ~~اي بجد { واذكروا ما فيه } اي ما في الكتاب في قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي... # إلى آخر الآية وقال الجبائي: جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا عليهم ~~وميثاقا لأنه يلزمهم القيام بما يأمرهم به من شكر هذه النعمة، كما ~~يلزمهم الوفاء بالعهد، والميثاق الذي يأخذ عليهم. والقول الأول أقوى، لأن ~~عليه أكثر المفسرين، وبه يشهد القرآن. # قوله: { وإياي }. # الاعراب: # { وإياي } ضمير منصوب. ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله: { فارهبون } ، ~~لأنه مشغول. كما لا يجوز في قولك: زيدا فاضربه. أن يكون منصوبا بقوله: ~~فاضربه. لكنه يكون منصوبا بفعل دل عليه ما هو مذكور في اللفظ. تقديره: ~~وإياي ارهبوا. ولا يظهر ذلك، للاستغناء عنه بما يفسره، وإن صح تقديره. ~~ولا يجوز في مثل ذلك الرفع على أن يكون الخبر { فارهبون } إلا على تقدير ~~محذوف. كما أنشد سبيويه: # وقائلة: خولان فانكح فتاتهم # وأكرومة الحيين خلو كما هيا # تقديره: ms0124 وقائلة: هذه خولان. وعلى هذا، حمل قوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # وقوله: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # تقديره مما يتلى عليكم، السارق والسارقة. وفيما فرض عليكم، الزانية ~~والزاني. # وقوله: { فارهبون } # اللغة: # فالرهبة، والخشية، والمخافة، نظائر. وضدها: الرغبة تقول: رهب رهبة: ~~وأرهبه، إرهابا، ورهبه، ترهيبا. واسترهب، استرهابا. ويقال: رهب فلان ~~يرهب رهبا، ورهابا، ورهبة: اذا خاف من شيء. ومنه اشتقاق الراهب. ~~والاسم: الرهبة ومن أمثالهم: رهبوت خير من رحموت. أي ترهب خير من أن ~~ترحم. والترهب: التعبد في صومعة. الجمع: الرهبان. والرهبانية: خطباء. ~~والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف هو الشك في أن الضرر يقع أم لا. ~~والرهبة: معها العلم بأن الضرر واقع عند شرط، فان لم يحصل ذلك الشرط، لم ~~يقع. # واختير تحريك الياء في قوله: { نعمتي التي أنعمت } لأنه لقيها ألف ولام ~~فلم يكن بد من اسقاطها أو تحريكها، وكان التحريك أولى، لأنه أدل على ~~الأصل وأشكل بما يلزم اللام في الاستئناف، من فتح ألف الوصل، واسكان ~~الياء في قوله: { يا عبادي الذين أسرفوا } أجود، لأن من حق الاضافة، ألا ~~تثبت في النداء. واذا لم تثبت فلا سبيل إلى تحريكها. وقوله: { فبشر عبادي ~~الذين يستمعون } الاختيار حذف الياء، لأنه رأس آية. ورؤوس الآي لا يثبت ~~فيها الياء، لانها فيه اصل ينوى فيها الوقف كما يفعل ذلك في القوافي. ~~ومثل قوله: { نعمتي التي } قوله: { أخي اشدد } في ان الاختيار تحريك ~~الياء، وان كان مع الألف واللام اقوى، لما تقدم ذكره مع المشاكلة والرد ~~إلى الاصل. وفي { أخي اشدد }: سبب واحد، وهو انه ادل على الاصل. واجمعوا ~~على اسقاط الياء من قوله { فارهبون }. الا ابن كثير، فانه اثبتها في ~~الوصل دون الوقف والوجه حذفها لكراهية الوقف على الياء. وفي كسر النون ~~دلالة على ذهاب الياء. ### || [2.41] # المعنى: # { آمنوا } معناه صدقوا، لأنا قد بينا ان الايمان هو التصديق. # { بما أنزلت } يعني بما انزلت على محمد " صلى الله عليه وسلم " من ~~القرآن. # وقوله: { مصدقا } يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من ms0125 بني اسرائيل من ~~التوراة. وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لأن ~~الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد " صلى الله عليه وسلم " ، ~~وتصديقه نظير الذي في التوراة والانجيل. وموافق لما تقدم من الاخبار به، ~~فهو مصداق ذلك الخبر. وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي ~~فيه الدلالة على انه حق. والاول الوجه، لأن على ذلك الوجه حجة عليهم، دون ~~هذا الوجه. # الاعراب: # ونصب { مصدقا } على الحال من الهاء المحذوفة، كانه قال: انزلته مصدقا ~~ويصلح ان ينصب ب { آمنوا } كأنه قيل: آمنوا بالقرآن مصدقا. # والمعني بقوله: { آمنوا } اهل الكتاب من بني اسرائيل، لأنه في ذكرهم. ~~وفيه احتجاج عليهم، اذ جاء بالصفة التي تقدمت بها بشارة موسى وعيسى ~~عليهما السلام وهو امر بالاقرار بالنبوة، وما جاءت به من الشريعة. # اللغة: # وانما وحد " كافرا " في قوله: { ولا تكونوا أول كافر } ، وقبله جمع، ~~لما ذكره الفراء والأخفش: وهو أنه ذهب مذهب الفعل، كأنه قال: أول من كفر ~~به. ولو أراد الاسم لما جاز إلا الجمع ومثل ذلك قول القائل للجماعة: لا ~~تكونوا أول رجل يفعل ذلك قال المبرد: هذا الذي ذكره الفراء خارج عن ~~المعنى المفهوم، لأن الفعل ها هنا والاسم سواء. إذا قال القائل: زيد أول ~~رجل جاء فمعناه أول الرجال الذين جاؤوا رجلا رجلا، ولذلك قال: أول ~~كافر، وأول مؤمن ومعناه: أول الكافرين وأول المؤمنين لا فصل بينهما في ~~لغة ولا قياس. ألا ترى أنك تقول: رأيت مؤمنا، ورأيت كافرا كما تقول: ~~رأيت رجلا لا يكون إلا ذلك، لأنك انما رأيت واحدا، كما تقول: رأيت ~~زيدا أفضل مؤمن، وزيد أفضل حر، وزيد افضل رجل، وانبل غلام، وليس بين ~~ذلك اختلاف. ولكن جاز ولا تكونوا أول قبيل كافر به، وأول حزب كافر به، ~~وهو مما يسوغ فيه النعت، ويبين به الاسم، لأنك تقول: جاءني قبيل صالح، ~~وجاءني حي كريم، فينعت به الجمع، اذا كان الجمع اسما واحدا لجميعه ~~كقولك: نفر، وقبيل، وحزب، وجمع ولا تقول: جاءني رجل كريم، وانت ms0126 تريد ~~برجل نفرا كما تقول: نفر كريم، لأن النعت جار على المنعوت والاسم منفرد ~~بنفسه ونظير قوله: { أول كافر } قول الشاعر: # فاذا هم طعموا فألأم طاعم # واذا هم جاعوا فشر جياع # المعنى: # ومعنى قوله: { ولا تكونوا أول كافر به } قال قوم: يعني بالقرآن من أهل ~~الكتاب: لأن قريشا كفرت به قبلهم بمكة. # وقيل: معناه: لا تكونوا أول كافر به أي لا تكونوا أول السابقين بالكفر ~~فيه فيتبعكم الناس أي لا تكونوا أئمة في الكفر به. وقيل: لا تكونوا اول ~~كافر به اي اول جاحد به إن صفته في كتابكم. # اللغة: # والأول والسابق والمتقدم نظائر. ويقال اول وآخر واول. وثان والأول: هو ~~الموجود قبل الآخر. والأول قبل كل شي يناقض الوصف بانه محدث ويعلم ذلك ~~ضرورة. # والهاء في قوله: { به } قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها انه يعود إلى " ما ~~" في قوله: { بما أنزلت } وهو الأجود. # والثاني لا تكونوا اول كافر به اي بمحمد " صلى الله عليه وسلم ". # والثالث اول كافر بما معكم، من كتابكم، لانهم إذا جحدوا ما فيه من صفة ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد كفروا به والاول قول ابن جريج. وانما كان ~~هو الأجود لانه اشكل بما تقدم. والثاني قول ابي الغالية. والثالث حكاه ~~الزجاج وقواه بأنهم كفروا بالقرآن. وانما قيل: ولا تكونوا اول كافر ~~بكتابكم اي صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) فيه. وقال الرماني: وإنما عظم ~~اول الكفر لانهم إذا كانوا ائمة فيه وقدوة في الضلالة كان كفرهم اعظم. ~~كما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم): # " من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن ~~سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # وليس في نهيه عن ان يكونوا اول كافر دلالة على انه يجوز ان يكونوا آخر ~~كافر، لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر على كل حال وخص الاول بالذكر ~~لما قدمنا من عظم موقعه كما قال الشاعر: # من اناس ليس في اخلاقهم ms0127 # عاجل الفحش ولا سوء الجزع # وليس يريد ان فيهم فحشا آجلا. # وقوله: { ثمنا قليلا }. فالثمن والعوض والبدل نظائر. وبينها فرق ~~فالثمن: هو البدل في البيع من العين او الورق. واذا استعمل في غيرهما كان ~~مشبها بهما ومجازا. والعوض: هو البدل الذى ينتفع به كائنا ما كان. ~~واما البدل: فهو الجعل للشيء مكان غيره. ويقال: ثمنه تثمينا. وثامنه ~~مثامنة. ويجمع الثمن اثمانا واثمنا. ويروى بيت زهير: # وعزت اثمن البدن # جمع ثمن. ومن روى أثمن البدن: أراد الثمينة منها أي أكثرها ثمنا. والثمن ~~جزء من الثمانية اجزاء، من اي مال كان. وثوب ثمين: اذا كان كثير الثمن ~~والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد ~~يكون زائدا. والقيمة لا تكون الا مساوية المقدار للمثمن من غير نقصان ~~ولا زيادة. وكل ماله ثمن فهو مال. وليس كل ملك له ثمن. # والقليل، والحقير، واليسير، نظائر. # وضده: الكثير. تقول: قل، يقل، قلة. واقل منه، اقلالا. واستقل استقلالا. ~~وتقلل، تقللا. وقلله، تقليلا. وقليل، وقلان، بمعنى [واحد]. ورجل قليل أي ~~قصير. وقل الشيء: اقله. والقلة، والقل لغتان. والقلة: راس كل شي. والرجل ~~يقل شيئا: يحمله. وكذلك يستقله. واستقل الطائر: اذا ارتفع. وقلة الجبل: ~~اعلاه. وهى قطعة تستدير في اعلاه. وهي القلة. والقلة التي جاءت في الحديث ~~مثل: قلال هجر. قيل إنها جرار عظام. والقلة: النقصان من العدد. وقيل في ~~الصغر. # وقوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } فأدخل (الباء) في الآيات دون ~~الثمن. وفي سورة يوسف، في الثمن. في قوله: # وشروه بثمن بخس # قال الفراء: إنما كان كذلك، لأن العوض كلها، أنت مخير فيها في إدخال ~~الباء. إن شئت قلت: اشتريت الثوب بكساء. وإن شئت قلت: اشتريت بالثوب ~~كساء. أيهما جعلته ثمنا لصاحبه، جاز فاذا جئت إلى الدراهم والدنانير، ~~وضعت الباء في الثمن كقوله: { بثمن بخس } ، لأن الدراهم ثمن أبدا. # وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا } # قال عليه السلام: كان ليحيى بن أخطب وكعب بن اشرف، ms0128 وآخرين منهم مأكلة ~~على يهود في كل سنة. وكرهوا بطلانها بأمر النبي " صلى الله عليه وسلم " ~~فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن القليل الذي ~~أريد به في الآية. # وتقييده ب { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } لا يدل على أنه إذا كان ~~كثيرا يجوز مشترى به، لأن المقصود من الكلام، أن أي شي باعوا به آيات ~~الله كان قليلا، وانه لا يجوز أن يكون له ثمن يساويه. كقوله: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # انما أراد بذلك نفي البرهان عنه على كل حال، وأنه لا يجوز أن يكون عليه ~~برهان. ومثله قوله: # ويقتلون النبيين بغير حق # وانما اراد ان قتلهم لا يكون إلا بغير الحق نظائر ذلك كثيرة. ومثله قول ~~الشاعر: # على لاحب لا يهتدى بمناره # وانما اراد: لا منار هناك فيهتدى به. ولذلك نظائر نذكرها إذا انتهينا ~~اليه إن شاء الله. ### || [2.42] # اللغة: # اللبس، والستر، والتغطية، والتعمية، نظائر. والفرق بين التعمية، ~~والتغطية ان التعمية قد تكون بالنقصان والزيادة، والتغطية تكون بالزيادة ~~وضد الستر: الكشف. وضد اللبس: الايضاح. يقال: لبس، لبسا. وألبسه، ~~إلباسا. والتبس، التباسا. وتلبس، تلبسا. ولبسه، تلبيسا ولابسه، ~~ملابسة. واللباس ما واريت به جسدك. ولباس التقوى: الحياء والفعل: لبس، ~~يلبس. واللبس: خلط الأمور بعضها ببعض. إذا التبست. واللبوس: الدروع. وكل ~~شيء تحصنت به، فهو لبوس. قال الله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم # قال الشاعر: # إلبس لكل حالة لبوسها # إما نعيمها وإما بؤسها # وثوب لبيس. وجمعه: ألبس. واللبسة: ضرب من اللباس. والفعل: لبس يلبس؛ ~~لبسا، ولبسة واحدة. ويقال: لبست الأمر ألبسه: إذا عميته. ومنه قوله: # وللبسنا عليهم ما يلبسون # ولابست الرجل ملابسة: إذا عرفت دخلته. وفي فلان ملبس: إذا كان فيه ~~مستمع. وفي أمره لبسة: أي ليس بواضح وأصل اللبس: الستر: قال الأخطل: # وقد لبست لهذا الدهر أعصره # حتى تجلل راسي الشيب فاشتعلا # والفرق بين اللبس، والاخفاء، والريب، والاشكال. أن الاخفاء يمكن أن يدرك ~~معه المعنى. ولا يمكن إدراك المعنى مع اللبس. ms0129 والريب معه تهمة المشكوك ~~فيه. والاشكال قد يدرك معه المعنى، إلا أنه بصعوبة، لأجل التعقيد. وأسباب ~~الالباس كثيرة: منها الاشتراك. ومنها الاختلاف. ومنها الاختزال. ~~وهو: حذف مقدمه وشرطه، أو ركنه. ومنها الاختلاط، والبسط. وهو: المنع من ~~إدراك الشيء، تشبيها بما يمنع من إدراكه بالستر والتغطية. ومنه قول ~~النبي " صلى الله عليه وسلم " للحارث بن خوط: # " يا حار، إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال. إعرف الحق تعرف ~~أهله ". # والبطلان، والفساد، والكذب، والزور، والبهتان، نظائر. وضد الحق: الباطل. ~~يقال: بطل، بطولا وبطلا، وبطلانا: إذا تلف. وأبطلته، إبطالا: إذا ~~أتلفته. والبطل، والباطل، واحد. وبطل الرجل، بطولة إذا صار بطلا. ويقال: ~~رجل بطل. ولا يقال: إمرأة بطلة. وبطل، بطالة: إذا هزل، وكان بطالا. والأ ~~باطل: جمع إبطالة وأبطولة. والباطل: ضد الحق. وأبطلته: جعلته باطلا. ~~وأبطل فلان: إذا جاء بباطل. والبطل: الشجاع الذي يبطل جراحاته، لا يكترث ~~لها، ولا تكفه عن نجدته. وأصل الباطل، الخبر الكذب. ثم كثر حتى قيل لكل ~~فاسد. ويقال: فعل باطل أي قبيح. وبناء باطل أي منتقض. وزرع باطل أي محترق ~~تالف. # المعنى: # ومعنى لبسهم الحق بالباطل: أنهم آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، فخلطوا ~~الحق بالباطل، لأنهم جحدوا صفة محمد " صلى الله عليه وسلم " فذلك الباطل، ~~وأقروا بغيره مما في الكتاب على ما هو به، وذلك حق. وقال ابن عباس: لا ~~تخلطوا الصدق بالكذب. وقال الحسن: كتموا صفة محمد " صلى الله عليه وسلم " ~~ودينه، وهو الحق. # وأظهروا دين اليهودية والنصرانية. وقال ابن زيد: الحق: التوراة التي ~~أنزلها الله على موسى. والباطل: ما لبسوه بأيديهم. واللبس في الآية: قيل ~~معناه: التعمية وقيل: خلط الحق بالباطل، عن ابن عباس. ومنه قوله: { ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي لخلطنا عليهم ما يخلطون. قال العجاج: # لما لبسن الحق بالتجني # عيين واستبدلن زيدا مني # وقال بعضهم: الحق: إقرارهم بأن محمدا " صلى الله عليه وسلم " مبعوث إلى ~~غيرهم. والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم. وهذا ضعيف، لأنه إن جاز ذلك ~~على نفر يسير، لم يجز على ms0130 الخلق الكثير، مع إظهار النبي " صلى الله عليه ~~وسلم " وتكذيبهم فيه، وإقامة الحجة عليهم. # الاعراب: # وقوله: { وتكتموا الحق } يحتمل أمرين من الاعراب. أحدها الجزم على ~~النفي، كأنه قال: لا تلبسوا الحق، ولا تكتموه. والآخر النصب على الظرف، ~~كأنه قال: لا تجمعوا اللبس والكتمان. كما قال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # ومثله: لا يسعني شيء، ويعجز عنك. وعند الخليل وسيبويه، والاخفش، ينصب ~~مثل ذلك، باضمار أن. ويكون تقدير الكلام: لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه. ~~ودل { تلبسوا } على اللبس و { تكتموا } على الكتمان. كما تقول: من كذب ~~كان شرا له. فكذب دليل على الكذب. فكأنه قال: من كذب كان الكذب شرا له. # قوله: { وأنتم تعلمون } # المعنى: # قال قوم: هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون ~~الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم قالوا وهذا تقبيح لما يفعلونه. ~~وكذلك قوله: { وتكتمون الحق } أي تتركون الاعتراف به، وأنتم تعرفونه أي ~~تجحدون ما تعلمون. وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل. ومن قال هذا، لا ~~يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف، من هذه الآية، من قولهم: إن الله أخبر ~~أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، لأنه إذا خص الخطاب بالرؤساء وهم نفر ~~قليل فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان. وإنما يمنع مع ~~ذلك في الجماعة الكثيرة، لما يرجع إلى العادات، واختلاف الدواعي. كما قيل ~~في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير. وقال بعضهم: وأنتم ~~تعلمون البعث والجزاء. فان قيل: كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون: إن ~~من عرف الله لا يجوز أن يكفر؟. وهؤلاء إذا كانوا كفارا، وماتوا على ~~كفرهم. كيف يجوز أن يكونوا عارفين بصفة محمد، وأنه حق، بما معهم من ~~التوراة. وذلك مبني على معرفة الله، وعندكم ما عرفوا الله؟ قيل: إن الله ~~الذي يمنع أن يكفر من عرف الله، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها ~~الثواب، فلا يجوز أن يكفر، لأنه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على ~~إيمانه، والعقاب ms0131 الدائم على كفره. والاحباط باطل. # وذلك خلاف الاجماع. ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون ~~به الثواب لأن الثواب إنما يستحق، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب ~~عليهم. فأما إذا نظروا بغير ذلك، فلا يستحقون الثواب، فيكونوا على هذا ~~عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى، وعارفين بصفات النبي " صلى ~~الله عليه وسلم ". لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب. وعلى هذا يجوز أن ~~يكفروا. وفي الناس من قال: استحقاقهم الثواب على إيمانهم، مشروط ~~بالموافاة. فاذا لم يوافوا به، لم يستحقوا الثواب فعلى هذا أيضا، يجوز ~~أن يكونوا عارفين، وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر. والمعتمد ~~الأول. وقال قوم: الآية متوجهة إلى المنافقين منهم. وكان خلطهم الحق ~~بالباطل ما أظهروا بلسانهم من الاقرار بالنبي " صلى الله عليه وسلم " بما ~~يستبطنونه من الكفر. وهذا يمكننا الاعتماد عليه، ويكون قوله: { وأنتم ~~تعلمون } معناه أنكم تعلمون أنكم تظهرون خلاف ما تبطنونه. وهذا أسلم من ~~كل وجه على أصلنا. ويمكن أن يقال: معنى قوله: { وأنتم تعلمون } أي عند ~~أنفسكم، لأنهم إذا كانوا يعتقدون أنهم عالمون بالتوراة، وبأنه من عند ~~الله، وفيها ذكر النبى، فهم عالمون عند انفسهم بنبوته، لكن يكابرون. ### || [2.43] # اللغة: # الصلاة في أصل اللغة: الدعاء. قال الأعشى: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما فان لجنب المرء مضطجعا # أي دعوت. وقال آخر: # وقابلها الريح في دنها # وصلى على دنها وارتسم # أي ودعا. وقيل: أصلها: اللزوم. من قول الشاعر: # لم أكن من جناتها علم الله # واني لحرها اليوم صال # أي ملازم لحرها. وكان معنى الصلاة، ملازمة العبادة على الحد الذى أمر ~~الله عز وجل. وقيل: أصلها: الصلا وهو عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود ~~من قول الشاعر: # فآب مصلوه بغير جلية # وغودر بالجولان حزم ونائل # اي الذين جاؤوا في صلا السابق. والقول الأول أقرب إلى معنى الصلاة في ~~الشرع. وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى، فلا وجه لاعادته. # وقوله: { وآتوا الزكاة } فالزكاة. والنماء، والزيادة، نظائر في اللغة. ~~ونقيض الزيادة: النقصان. ms0132 ويقال: زكا، يزكو زكاء. وتزكى، تزكية. قال صاحب ~~العين: الزكاة، زكاة المال، وهو تطهيره. ومنه زكى، يزكي، تزكية. ~~والزكاة: زكاة الصلاح تقول: رجل تقي زكي. ورجال أتقياء أزكياء. والزرع ~~زكا زكاء ممدود . وكل شيء يزداد وينمو، فهو يزكو زكاء. وتقول: هذا لا ~~يزكو بفلان أي لا يليق به. قال الشاعر: # المال يزكو بك مستكثرا # يختال قد أشرق للناظر # ومصدر الزكاة: ممدود. ويقال: إن فلانا لزكا النقد أي حاضره وعتيده. ~~والزكا: الشفع قال الشاعر: # كانوا خسا أو زكا من دون أربعة # لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج # والخسا، الوتر. وأصل الباب: النمو، والزكاة تنمي المال بالبركة التى ~~يجعل الله فيه. وسمي بالزكاة في الشريعة، ما يجب إخراجه من المال، لأنه ~~نماء ما ينقى ويثمر. وقيل: بل مدح لما ينقى، لأنه زكي أي مطهر. كما قال: # أقتلت نفسا زكية بغير نفس # أي طاهرة # وقوله: { واركعوا }. فالركوع، والانحناء، والانخفاض نظائر في اللغة. ~~يقال: ركع، ورفع قال الشاعر: # لا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # قال أبو زيد: الراكع: الذي يكبو على وجهه. ومنه الركوع في الصلاة. قال ~~الشاعر: # وأفلت حاجب فوق العوالي # على شقاء تركع في الظراب # والركعة: الهوة في الارض لغة يمانية قال صاحب العين: كل شيء ينكب ~~لوجهه، فتمس ركبته الأرض أولا تمس، بعد أن يطأطىء رأسه، فهو راكع. قال ~~الشاعر: # ولكني أنص العيس تدمى # أيا طلها وتركع بالحزون # وقال لبيد: # أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع # وقيل: إنه مأخوذ من الخضوع. ذهب اليه المفضل بن سلمة والأصمعي. قال ~~الشاعر: # لا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # والأول أقوى، لأن هذا مجاز مشبه به. # وقوله: { واركعوا مع الراكعين } إنما خص الركوع بالذكر من أفعال الصلاة، ~~لما قال بعض المفسرين: إن المأمورين هم أهل الكتاب، ولا ركوع في صلاتهم. # وكان الأحسن ذكر المختص دون المشترك، لأنه أبعد عن اللبس. وقيل: لأنه ~~يعبر بالركوع عن الصلاة. يقول القائل: فرغت من ركوعي أي من صلاتي. ms0133 وانما ~~فعل ذلك، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لأنا بينا ~~أن أصل الركوع الأنحناء. فان قيل: كيف أمروا بالصلاة والزكاة وهم لا ~~يعرفون حقيقة ما في الشريعة؟ قيل: إنما أمروا بذلك، لأنهم أحيلوا فيه على ~~بيان الرسول اذ قال: # ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا # ولذلك جاز أن يأمرهم بالصلاة على طريق الجملة، ويحيلهم في التفصيل إلى ~~بيان الرسول " صلى الله عليه وسلم ". وقد بينا ما ورد الشرع به، من ~~الصلاة والزكاة، وفرائضها وسننها في كتاب النهاية والمبسوط وغيرهما من ~~كتبنا في الفقه، فلا نطول بذكره في هذا الكتاب. وقد ورد في القرآن على ~~طريق الجملة آي كثير: نحو قوله: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }. وقوله # وأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # وقوله: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # وقوله: # قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون # ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الصلوات، وعلى صلاة الجنائز، ~~وصلاة العيدين، وعلى وجوب الصلاة على النبي وآلة في التشهد، لأنه عام في ~~جميع ذلك. فان قيل: قوله: { وأقيموا الصلاة } قد ثبت أن هذا خطاب لأهل ~~الكتاب، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه أمرهم بالصلاة على ما يرون هم، ~~وأمرهم بضم الركوع إليها. وعلى معنى قوله: " اركعوا " أي صلوا نقول: إن ~~ذلك تأكيد. ويمكن أن يقال: فيه فائدة. وهو أن يقال: إن قوله: { وأقيموا ~~الصلاة } إنما يفيد وجوب إقامتها. ويحتمل أن يكون إشارة إلى صلاتهم التي ~~يعرفونها. ويمكن أن يكون إشارة إلى الصلاة الشرعية، فلما قال: { واركعوا ~~مع الراكعين } يعني مع هؤلاء المسلمين الراكعين، تخصصت بالصلاة في الشرع، ~~ولا يكون تكرارا، بل يكون بيانا. وقيل: قوله: { واركعوا مع الراكعين } ~~حث على صلاة الجماعة، لتقدم ذكر الصلاة المنفردة في أول الآية. ### || [2.44] # المعنى: # كل طاعة لله تعالى، فلا خلاف أنها تسمى برا. واختلفوا في المراد بهذه ~~الآية. فقال ابن عباس: المراد به التمسك بكتابهم، فكانوا يأمرون أتباعهم، ~~ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي " صلى ms0134 الله عليه وسلم " هو تركهم ~~التمسك به. وقال قتادة: كانوا يأمرون الناس بطاعة النبي " صلى الله عليه ~~وسلم " ويخالفون ذلك وقال قوم: إن معناه: أنهم كانوا يأمرون ببذل الصدقة، ~~ويضنون بها. وقال بعضهم: البر: الصدق من قولهم: صدق، وبر ومعناه: أنهم ~~يأمرون بالصدق ولا يصدقون. # اللغة: # والبر في أصول اللغة والصلة، والاحسان، نظائر. يقال: هو بار وصول ~~محسن. وضد البر: العقوق. وقال ابن دريد: البر ضد العقوق. ورجل بار وبر ~~بمعنى واحد. وبرت يمينه: إذا لم يحنث. وبر حجه وبر لغتان والبر: خلاف ~~البحر. والبر: معروف أفصح من الحنطة والقمح. واحدة برة. قال الهذلي: # لادر دري إن أطعمت نازلهم # قرف الحني وعندي البر مكنوز # الحني: ردي المقل خاصة. ومن أمثالهم: لا يعرف الهر من البر. واختلفوا في ~~هذا المثل فقال الرماني: الهر: السنور. والبر: الفارة في بعض اللغات. أو ~~دويبة تشبهها. وقال الاخفش: معناه: لا يعرف من يبره ممن يهر عليه. وقوم ~~بررة أبرار والمصدر البر. ويقال: صدق وبر. وبرت يمينه أي صدقت. وكانت ~~العرب تقول: فلان يبرر به أي يطيعه قال الراجز: # لاهم إن بكرا دونكا # يبرك الناس ويفجرونكا # والابرار: الغلبة يقال أبر عليهم فلان. قال طرفة: # ويبرون على الآي البر. # والبربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان. وأصل الباب كله: البر وهو: ~~اتساع الخير. والفرق بين البر والخير، أن البر يدل على القصد، والخير قد ~~يقع على وجه السهولة. # قوله: { وتنسون أنفسكم }. # اللغة: # فالنسيان، والغفلة، والسهو، نظائر. وضد النسيان: الذكر. تقول: نسي ~~نسيانا. وأنساه، إنساء. وتناساه، تناسيا. وفلان نسي، كثير النسيان. ~~والنسي، والمنسي. الذي ذكره الله تعالى: # وكنت نسيا منسيا # وسمي الانسان إنسانا، إشتقاقا من النسيان. وهو في الاصل: إنسيان. ~~وكذلك إنسان العين. والجمع: أناسي. والنسا: عرق سيق بين الفخذين، فيستمر ~~في الرجل. وهما نسيان. والجمع: أنساء. وهو في الفخذ. ويسمى في الساق: ~~الطفل. وفي البطن: الحالبين وفي الظهر: الأبهر. وفى الحلق: الوريد. وفي ~~القلب: الوتين. وفي اليد: الأكحل. وفي العين: الناظر. يقال: هو بهر ~~الجسد، لأنه يمد جميع العروق. ms0135 وأصل الباب: النسيان ضد الذكر. وقوله: # نسوا الله فنسيهم # أي تركوا طاعته، فترك ثوابهم. ويقال: آفة العلم النسيان. والمذاكرة تحيي ~~العلم. وحد النسيان: غروب الشيء عن النفس بعد حضوره لها. والفرق بين ~~النسيان والسهو، أن السهو يكون ابتداء وبعد الذكر. والنسيان لا يكون إلا ~~بعد الذكر. # والنسيان، والذكر معا، من فعل الله تعالى، لأن الانسان يجتهد أن يذكر ~~شيئا فلا يذكره. # المعنى: # ومعنى قوله: { وتنسون أنفسكم } أي تتركونها. وليس المراد بذلك ما يضاد ~~الذكر، لأن ذلك من فعل الله لا ينهاهم عنه. فان قيل: إذا كان الواجب ~~عليهم مع ترك الطاعة والاقامة على المعصية، الأمر بالطاعة، والنهي عن ~~المعصية، فكيف قيل لهم هذا القول؟ قلنا: في أمرهم بالطاعة، ونهيهم عن ~~المعصية تعظيم لما يرتكبونه من معصية الله تعالى، لأن الزواجر كلها، كلما ~~كانت أكثر، كانت المعصية أعظم ففي نهيهم لغيرهم، زواجر. فهو توبيخ على ~~عظيم ما ارتكبوا من ذلك. # وقوله: { وأنتم تتلون الكتاب }. # اللغة: # فالتلاوة، والقراءة، والدراسة، نظائر. يقال: فلان يتلو تلاوة، فهو تال ~~أي تابع. والمتالي: الأمهات إذا تلاهن الاولاد. والواحد: متل. وناقة ~~متلية: وهي التي تنتج في آخر النتاج. وأصل الباب: الاتباع. فتسمى التلاوة ~~بذلك، لاتباع بعض الحروف فيها بعضا. والفرق بين التلاوة والقراءة، أن ~~أصل القراءة جمع الحروف، وأصل التلاوة، اتباع الحروف. وكل قراءة تلاوة، ~~وكل تلاوة قراءة وحد الرماني: التلاوة: ما به صوت يتبع فيه بعض الحروف ~~بعضا. # المعنى: # والكتاب الذي كانوا يتلونه التوراة على قول ابن عباس وغيره. وقال أبو ~~مسلم كانوا يأمرون العرب باتباع الكتاب الذى في أيديهم، فلما جاءهم كتاب ~~مثله، لم يتبعوه. # وقوله: { أفلا تعقلون } # اللغة: # فالعقل، والفهم، واللب، والمعرفة، نظائر يقال فلان عاقل فهيم أديب ذو ~~معرفة، وضد العقل: الحمق. يقال: عقل الشيء عقلا، وأعقله غيره إعقالا. ~~ويقال: اعتقله، اعتقالا وانعقل، انعقالا. وقيل لابن عباس: أنى لك هذا ~~العلم؟ قال: قلب عقول، ولسان سؤول. ويقال: عقلت بعد الصبا أي عرفت ~~الخطأ الذي كنت فيه. وقال صاحب العين: العقل: ضد الجهل يقال: ms0136 عقل الجاهل: ~~إذا علم. وعقل المريض بعد ما هجر وعقل المعتوه ونحوه والعقال: الرباط ~~ويقال: عقلت البعير أعقله، عقلا: إذا شددت يده بالعقال وإذا أخذ صدقة ~~الابل تامة لسنة يقال: أخذ عقالا وعقالين لسنتين، وعقلا لجماعة وقال ~~الشاعر: # سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا # فكيف لو قد سعى عمرو عقالين # لاصبح الناس أوبادا وما وجدوا # يوم التحمل في الهيجا جمالين # قال المبرد: يقال للمصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنه: أخذ ~~عقالا. وإذا أخذ قيمته: قيل: أخذ نقدا. والعقيلة من النساء: التي قد ~~عقلت في بيتها أي حبست في بيتها وخدرت. والجمع: عقائل. والدرة عقيلة ~~البحر. وعقيلة كل شيء: أكرمه. وعقل القتيل: إذا أوديت ديته من القرابة، ~~لا من القبائل. والعقل في الرجل: اصطكاك الركبتين والعقل: ثوب أحمر تتخذه ~~نساء العرب. والمعقول: هذا العقل عند قوم. قال الراعي: # حتى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما ولا لفؤاده معقولا # والعقل، والمعقل: وهو الحصن وجمعه: عقول والعاقول من النهر والوادي ومن ~~الامور أيضا: الملتبس، وما اعوج منه. # وعقل الدواء بطنه أي حبسه وقولهم لا يعقل حاضر لباد قال ابن دريد: ~~معناه أن القتيل إذان بالبادية، فان أهلها يتعاقلون بينهم الدية، ولا ~~يلزمون أهل الحضر من بني اعمامهم شيئا. وفي الحديث # " انا لا نتعاقل المضيع " # يعني ما سهل من الشجاج، بل يلزم الجاني. وعاقلة الرجل: بنو عمه الأدنون، ~~لأنهم كالمعقل له. وأصل الباب العقل الذي هو العقد. والعقل مجموع علوم ~~لأجلها يمتنع من كثير من القبائح يعقل كثيرا من الواجبات. وقال الرماني: ~~العقل هو العلم الأول الذي يزجر عن قبيح الفعل. وكل من كان زاجره أقوى، ~~كان عقله أقوى. وقيل: العقل: معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في ~~الجملة. وقيل: العقل: قوة يمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب. وهذه ~~العبارات قريبة المعاني مما ذكرناه. والفرق بين العقل والعلم، أن العقل ~~قد يكمل لمن فقد بعض العلوم، كفقد من كمل عقله العلم بأن هذه الرمانة ~~حلوة أو حامضة. ولا يكمل العلم لمن ms0137 فقد بعض عقله. فان قيل: اذا كان العقل ~~مختلفا فيه، فكيف يجوز أن يستشهد به؟. قيل الاختلاف في ماهية العقل، لا ~~يوجب الاختلاف في قضاياه. ألا ترى أن الاختلاف في ماهية العقل حتى قال ~~بعضهم معرفة، وقال بعضهم قوة لا يوجب الاختلاف في أن الألف أكثر من ~~الواحد، وأن الموجود غير المعدوم، وغير ذلك من قضايا العقل. ### || [2.45] # قال الجبائي: هذا خطاب للمؤمنين دون أهل الكتاب. وقال الطبري، والرماني: ~~هو خطاب لأهل الكتاب، ويتناول المؤمنين على وجه التأديب. والأقوى أن يكون ~~خطابا لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص، واقتضاء ~~العموم ذلك. فمن قال: إنه خطاب لأهل الكتاب، قال: لأنه قال: واستعينوا ~~على الوفاء بعهدي الذي عاهدتكم في كتابكم عليه: من طاعتي، واتباع أمري ~~واتباع رسولي، وترك ما نهيتكم عنه، والتسليم لأمري ولمحمد " صلى الله ~~عليه وسلم " بالصبر والصلاة. # اللغة: # وأصل الصبر: هو منع النفس محابها، وكفها عن هواها. ومنه الصبر على ~~المصيبة، لكفه نفسه عن الجزع. وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن ~~الطعام والشراب نهارا وصبرت إياهم صبرة: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما ~~يصبر الرجل القتيل، فيحبسه عليه، حتى يقتله صبرا يعني حبسه عليه، حتى ~~قتله. والمقتول: مصبور. والقاتل: صابر. والصبر. واللبث، والحبس، نظائر. ~~والصبر: ضد الجزع. وأنشد أبو العباس: # فان تصبرا، فالصبر، خير معيشة # وإن تجزعا، فالأمر ما تريان # ويقال: صبر صبرا. وتصبر تصبرا. واصطبر، اصطبارا. وتصابر تصابرا. ~~وصابره مصابرة. قال صاحب العين: الصبر: نصب الانسان للقتل. فهو مصبور. ~~يقال: صبروه أي نصبوه للقتل. ويقال: صبرته أي حلفته بالله جهد نفسه. وكل ~~من حبسته لقتل أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر. والصبر: عصارة شجر معروف. ~~والصبار: تمر الهند. وصبر الاناء ونحوه: نواحية. وأصبار القبر: نواحيه. ~~والصبرة من الحجارة: ما اشتد وغلظ. والجمع: الصبار. وأم صبار: هي ~~الداهية الشديدة. وصبر كل شيء: أعلاه. وصبير القوم: الذي يصبر معهم في ~~أمرهم وصبر الخوان: رقاقة غليظة تبسط تحت ما يؤكل من الطعام. وتقول: ~~اشتريت الشيء بلا ms0138 صبر أي بلا كيل والصبير: الكفيل واصل الباب: الصبر الذي ~~هو الحبس. # المعنى: # والصبر خلق محمود، أمر الله تعالى به ودل عليه، فقال: # واصبر وما صبرك إلا بالله # وقال: # اصبروا وصابروا # وقال: # وبشر الصابرين # وقال: # واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور # وفى الحديث: # " اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر " # وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك. والصبر ~~المأمور به في الآية، قيل: فيه قولان: أحدهما الصبر على طاعته واجتناب ~~معصيته. والثاني أنه الصوم. وفي الصلاة ها هنا قولان: أحدهما الدعاء. ~~والثاني أنها الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود. وكان النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم. ووجه الاستعانة ~~بالصلاة، لمكان ما فيها من تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى، ~~والاخبات. فان في ذلك معونة على ما تنازع اليه النفس من حب الرياسة ~~والانفة من الانقياد إلى الطاعة. # والضمير في قوله: { وإنها لكبيرة } عائد على الصلاة عند أكثر المفسرين. # وقال قوم: عائد إلى الاجابة للنبي (عليه السلام) وهذا ضعيف، لأنه لم يجر ~~للاجابة ذكر ولا هي معلومة، إلا بدليل غامض. وليس ذلك كقوله { إنا ~~أنزلناه } لأن ذلك معلوم ورد الضمير على واحد، وقد تقدم ذكر شيئيين فيه ~~قولان: أحدهما: انها راجعة إلى الصلاة دون غيرها على ظاهر الكلام، ~~لقربها فيه ولأنها الأهم والأفضل ولتأكيد حالها وتفخيم شأنها وعموم ~~فرضها. والآخر ان يكون المراد الاثنين وان كان اللفظ واحدا كقوله: # والله رسوله أحق أن يرضوه # قال الشاعر: # اما الوسامة او حسن النساء فقد # اوتيت منه أوان العقل محتنك # وقال البرجمي: # فمن يك امسى بالمدينة رحله # فاني وقيار بها لغريب # وقال ابن احمد: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريا ومن طول الطوي رماني # وقال آخر: # نحن بما عندنا وانت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقوله { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها }. قال قوم: اللفظ واحد ~~والمراد به اثنان. وقال الفراء: راجع إلى التجارة لأن تجارة جاءت ~~فضربوا بالطبل فانصرف الناس اليها. # والاستعانة في الآية ms0139 المامور بها على ما تنازع اليه نفوسهم من حب ~~الرياسة وغلبة الشهوة للذة العاجلة والاستعانة بالصبر على المشقة بطاعة ~~الله. ومعنى (الكبيرة) ها هنا أي ثقيلة عند الحسن والضحاك. وأصل ذلك ما ~~يكبر ويثقل على الانسان حمله، كالأحمال الجافية التي يشق حملها، فقيل لما ~~يصعب على النفس، وان لم يكن من جهة الحمل يكبر عليها. تشبيها بذلك. # وقوله: { إلا على الخاشعين } # اللغة: # فالخشوع، والخضوع، والتذلل، والاخبات، نظائر. وضد الخضوع: الاستكبار. ~~يقال: خشع خشوعا. وتخشع تخشعا. قال صاحب العين: خشع الرجل يخشع خشوعا: ~~إذا رمى ببصره الأرض. واختشع: إذا طأطأ رأسه كالمتواضع. والخشوع قريب ~~المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والاقرار بالاستخدام. والخشوع ~~في الصوت والبصر. قال الله تعالى: { خاشعة أبصارهم } و # وخشعت الأصوات للرحمن # أي سكنت. وأصل الباب: من اللين والسهولة من قولهم: نقا خاشعا: للأرض ~~التي غلبت عليها السهولة. والخاشع: الأرض التي لا يهتدى إليها بسهولة، ~~لمحو الرياح آثارها. والخاشع، والمتواضع، والمتذلل، والمسكين، بمعنى واحد ~~قال الشاعر: # لما أتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وخاشع: صفة مدح، لقوله: { والخاشعين والخاشعات } وإنما خص الخاشع بأنها ~~لا تكبر عليه، لأن الخاشع قد تواطأ ذلك له، بالاعتياد له، والمعرفة بماله ~~فيه، فقد صار بذلك بمنزلة ما لا يشق عليه فعله، ولا يثقل تناوله وقال ~~الربيع بن أنس: { الخاشعين } في الآية: الخائفون. ### || [2.46] # ان قيل كيف اخبر الله عمن وصفه بالخشوع بالطاعة، ومدحهم بذلك بانهم ~~يظنون بانهم ملاقوا ربهم. وذلك مناف لصفة المدح؟ قلنا: الظن المذكور في ~~الآية المراد به العلم واليقين. قال دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # وقال عمير بن طارق: # بان تغتزوا قومي واقعد فيكم # واجعل مني الظن غيبا مرجما # وقال ابو داود: # رب هم فرجته بعزيم # وغيوب كشفتها بظنون # وقال المبرد: ليس من كلام العرب: أظن عند زيد مالا، يريد: أعلم لأن ~~العلم المشاهد لا يناسب باب الظن. وقد أفصح في ذلك أوس بن حجر في قوله: # الألمعي الذي ms0140 يظن بك الظن # كأن قد رأي وقد سمعا # وقال آخر: # فالا ياتكم خبر يقين # فان الظن ينقص او يزيد # وقال بعض الشيوخ: اصل الظن ما يجول في النفس من الخاطر الذي يغلب على ~~القلب، كأنه حديث النفس بالشيء، وتأول جميع ما في القرآن من معنى العلم ~~على هذا. وقال الحسن وابو الغالية ومجاهد وابن جريح: يظنون، أي يوقنون. ~~ومثله: # ظننت أني ملاق حسابيه # أي علمت ومثله: # وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه # ومعناه استيقنوا. وقوله: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # يعني: علموا. وقد جاء في القرآن الظن بمعنى الشك كقوله: # إن هم إلا يظنون # وقوله: # إن الظن لا يغني من الحق شيئا # وقال قوم: يحتمل قوله { يظنون } وجها آخرا، وهو انهم يظنون انهم ملاقوا ~~ربهم بذنوبهم لشدة اشفاقهم من الاقامة على معصية الله، وهذا وجه مليح، ~~وقد استعبده الرماني وقال: لأن فيه حذوفا كثيرة، وليس بمنكر اذا كان ~~الكلام محتملا له. وقيل أيضا: الذين يظنون إنقضاء اجلهم وسرعة موتهم ~~فيكونون ابدا على حذر ووجل، كما يقال لمن مات: لقي الله. والظن والشك ~~والتجويز نظائر، إلا ان الظن فيه قوة على أحد الأمرين دون الآخر، وحده ما ~~قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون خلافه. ~~فبالتجويز ينفصل من العلم، وبالقوة ينفصل من الشك والتقليد وغير ذلك. وضد ~~الظن اليقين ويقال ظن ظنا وتظنن تظننا. وقال: # وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون # وقوله: # وظننتم ظن السوء # والظنين المتهم، ومصدره الظنة والظنون الرجل السيء الظن بكل احد، ~~والظنون القليل الخير، والتظني والتظنن بمعنى واحد. والظنون البئر التي ~~يظن ان بها ماء ولا يكون فيها شيء، ومظنة الرجل ومظانه حيث يألفه فيكون ~~فيه. # ومعنى قوله { أنهم ملاقوا ربهم } اي ملاقوا جزاء ربهم، فجعل ملاقاة ~~الجزاء ملاقاة له تفخيما وتعظيما لشأن الجزاء. وأصل الملاقاة الملاصقة، ~~من قولك التفى الحدان اي تلاصقا، ثم كثر حتى قالوا التقى الفارسان اذا ~~تحاذيا ولم يتلاصقا. ومثل ما قلنا في قوله { ملاقوا ربهم ms0141 } قوله تعالى: # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه # معناه يوم يلقون جزاءه، لأن المنافقين لا يرون الله عند احد من اهل ~~الصلاة، وكذلك قوله # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون # معناه إذ وقفوا على جزاء ربهم، لأن الكفار لا يرون الله عند احد من ~~الأمة. # فان قيل: ما معنى الرجوع ها هنا وهم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا ~~إليها؟ قيل: راجعون بالاعادة في الآخرة في قول ابي الغالية وقيل: ~~يرجعون بالموت كما كانوا في الحال المتقدمة، لانهم كانوا امواتا، ثم ~~احيوا، ثم يموتون، فيرجعون امواتا كما كانوا: والأول اظهر واقوى، وقيل: ~~ان معناه: انهم راجعون الى ان لا يملك احدهم ضرا ولا نفعا غيره تعالى ~~كما كانوا في بد والخلق، لانهم في ايام حياتهم قد يملك الحكم عليهم ~~غيرهم، والتدبير لنفعهم وضرهم بين ذلك قوله: { مالك يوم الدين } ومعنى ~~ذلك انهم يقرون بالنشاة الأخرة فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا ~~اليه. # اللغة: # وأصل الرجوع العود إلى الحال الاول. يقال رجع الرجل ورجعته وهو احد ما ~~جاء على فعل وفعلة ويحتمل ان يكون المراد أنهم اليه صائرون. كما يقول ~~القائل: رجع الأمر إلى فلان وان كان قط لم يكن له. ومعناه صار اليه: ~~وحذفت النون من { ملاقوا ربهم } عند البصريين تخفيفا والمعنى على ~~اثباتها، ومثله قوله: # إنا مرسلوا الناقة # كل نفس ذائفة الموت # قال الشاعر: # هل انت باعث دينار لحاجتنا # او عبد رب اخاعون بن مخراق # ولو اردت معنى الماضي لتعرف الاسم بالاضافة، لم يجز فيه اظهار النون ~~البتة. واذا كان الفعل غير واقع كان اثبات النون هو الوجه دون الاضافة. ~~فلو قيل ملاقون كان صوابا. قال الاخفش: وجرى حذف النون ها هنا للاستثقال ~~كما قال الشاعر في قوله: # فان الذي حانت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا ام خالد # فاسقط النون من الذين استثقالا وقال الأخطل: # ابني كليب ان عمي اللذا # قتلا الملوك ms0142 وفككا الاغلالا # فاسقط النون. وقال الكوفيون: اذا حذف النون فاللفظ الاسم وإذا اثبت وظهر ~~النصب فالمعنى الفعل. قال الزجاج: ويجوز كسر الهمزة من قولهم: انهم اليه ~~راجعون، لكن لم يقرأ به أحد على معنى الابتداء ولا يجوز كسر الأولى لأن ~~الظن وقع عليها. ### || [2.47] # المعنى: # قد مضى تفسير مثل هذا في ما تقدم فلا وجه لاعادته. وأما قوله: { وأني ~~فضلتكم على العالمين } ذكرهم الله تعالى من الآية ونعمه عندهم بقوله: { ~~وأني فضلتكم على العالمين } فضلت اسلافكم، فنسب النعمة إلى آبائهم ~~واسلافهم، لأنها نعمة عليهم منه، لأن مآثر الآباء مآثر الابناء، والنعم ~~عند الاباء نعم عند الأبناء لكون الابناء من الآباء. وقوله { فضلتكم }. # اللغة: # فالتفضيل، والترجيح، والتزييد، نظائر. والتفضيل نقيضه: التسوية. يقال: ~~فضله وتنقصه على وجهة النقص ونقيض التزييد: التنقيص. يقال: فضل فضلا ~~وافضل افضالا. وتفضل تفضلا واستفضل استفضالا. وتفاضلوا تفاضلا وفاضله ~~مفاضلة. وفضله تفضيلا. والمفضال: اسم المفاضلة. والفضيلة: الدرجة الرفيعة ~~في الفضل. والتفضل: التوشح. ورجل فضل: متفضل. وامرأة متفضلة، وعليها ثوب ~~فضل: اذا خالفت بين طرفيه على عاتقها فتتوشح به قال الشاعر: # " اذا تعود فيه الفسه الفضل " # وافضل فلان على فلان: اذا أناله من خيره وفضله، واحسن اليه. وافضل فلان ~~من الطعام والأرض والخبز: اذا ترك منه شيئا. لغة أهل الحجاز: فضل يفضل ~~ورجل مفضال: كثير المعروف والخير. والفضائل: واحدها فضيلة. وهي المحاسن. ~~والفواضل: الأيادي الجميلة. وثوب المفضل: ثوب تخفف به المرأة في بيتها ~~والجمع مفاضل. وامرأة مفضل: اذا كان عليها مفضل. واصل الباب: الزيادة. ~~والافضال، والاحسان، والانعام نظائر. ويقال فضله: اذا اعطاه الزيادة ~~وفضله اذا حكم له بالزيادة. # فان قيل لم كرر قوله: { يا بني إسرائيل }؟ قلنا: لأنه لما كانت نعم الله ~~هي الأصل فيما يجب فيه شكره وعبادته، احتيج إلى تأكيدها. كما يقول ~~القائل: اذهب اذهب: اعجل اعجل وغير ذلك في الأمر المهم، وايضا فان ~~التذكير الأول ورد مجملا، وجاء الثاني مفصلا، كأنه قال اذكروا نعمتي التي ~~انعمت عليكم فيما انتم عليه من المنافع التي تتصرفون فيها وتتمتعون ms0143 بها، ~~وإني فضلتكم على العالمين. ودل هذا على قوله: { وأني فضلتكم على العالمين ~~} لأنها احدى الخصال التي ذكروا بها وجاءت عاطفة فدلت على خصلة قبلها: ~~اما مذكورة او مقدرة. وإنما فضلوا بما ارسل الله فيهم من كثرة الرسل ~~وانزل عليهم من الكتب: وقيل: تكثرة من جعل فيهم من الانبياء، وما انزل ~~الله عليهم من المن والسلوى إلى غير ذلك من النعمة العظيمة من تغريق ~~فرعون عدوهم، ونجاتهم من عذابه، وتكثير الآيات التي يخف معها الاستدلال، ~~ويسهل بها كثرة المشاق. وهو قول اكثر أهل العلم كابي الغالية، وغيره. ~~ونظير هذه الآية قوله { وإذ نجيناكم من آل فرعون } { وإذ فرقنا بكم ~~البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون }. # وقوله { على العالمين } # المعنى: # قال أكثر المفسرين: انه أراد الخصوص ومعناه عالمي زمانهم. ذهب اليه ~~قتادة والحسن وابو الغالية ومجاهد وغيرهم. وقال بعضهم: اذا قلت فضل زيد ~~على عمرو في الشجاعة لم يدل على انه أفضل منه على الاطلاق، ولا في جميع ~~الخصال فعلى هذا يكون التخصيص في التفضيل لا في العالمين. وامة نبينا ~~محمد " صلى الله عليه وسلم " أفضل من أولئك بقوله: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # وعليه اجماع الامة، لأنهم اجمعوا على ان امة محمد " صلى الله عليه وسلم ~~" أفضل من سائر الامم كما ان محمدا " صلى الله عليه وسلم " أفضل ~~الأنبياء من ولد آدم " ع ". ### || [2.48] # قرأ ابن كثير وأهل البصرة " لا يقبل منها بالياء " الباقون بالتاء. # الاعراب: # موضع { لا تجزي } نصب لأنه صفة يوم. والعائد عند الكسائي لا يكون إلا ~~هاء محذوفة من تجزيه وقال بعضهم: لا يجوز إلا فيه: وقال سيبويه والاخفش ~~والزجاج: يجوز الأمران. # المعنى: # قال ابو علي المعنى في قوله { ولا يقبل منها شفاعة } فمن ذهب إلى ان ~~(فيه) محذوفة من قوله { واتقوا يوما لا تجزي } ، جعل (فيه) بعد قوله { ~~ولا يقبل } ومن ذهب إلى انه حذف الجار، وأوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف ~~الراجع من الصفة كما يحذف من الصلة، كان مذهبه في قوله: لا يقبل ms0144 ايضا ~~مثله وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة ألا ترى ان الفعل ~~لا يتسلط بحذف المفعول منه على الموصوف كما لا يتسلط بذلك على الموصول؟ ~~ومما حذف منه الراجع إلى الصفة قوله: # وما شيء حميت بمستباح # ومن الحذف قوله: # تروحي اجدران تقيلي # غدا بجنبي بارد ظليل # المعنى: تأتي مكانا اجدران تقيلي فيه فحذف الجار ووصل الفعل ثم حذف ~~الضمير: ونظير الآية قول الراجز: # قد صبحت صبيحها السلام # بكبد خالطها السنام # في ساعة يحبها الطعام # أي تحب الطعام فيها. # اللغة: # والمجازاة والمكافأة والمقابلة نظائر. يقال: جزى يجزي جزاء، وجازاه ~~مجازاة، وتجازوا تجازيا: قال صاحب العين: المجازاة: المكافأة بالاحسان ~~احسانا وبالاساءة اساءة وفلان: ذو جزاء وذو غناء وتقول هذا الشيء يجزىء ~~عن هذا بهمز وتليين وفي لغة يجزي أي يكفي واصل الباب مقابلة الشيء ~~بالشيء. # المعنى: # ومعنى قوله # لا تجزي نفس عن نفس شيئا # أي لا تقابل مكروهها بشيء يدرأه عنها. قال الله تعالى: # هل تجزون إلا ما كنتم تعملون # وقال: # اليوم تجزى كل نفس ما كسبت # والفرق بين المقابلة والمجازاة ان المقابلة قد تكون للمساواة فقط ~~كمقابلة الكتاب بالكتاب والمجازاة تكون في الشر بالشر والخير بالخير. ~~ومعنى قوله { لا تجزي } أي لا تغني وهو قول السدي كما تقول: البقرة تجزي ~~عن سبعة وهي لغة أهل الحجاز. وبنو تميم تجزىء بالهمزة من اجزاه: والأول ~~من جزت وقال الاخفش لا تجزي منها أي لا يكون مكانها بدلا منها وأنكر ~~عليهم ذلك لقوله: { شيئا }. # وجعل الأخفش لا تجزي منها { شيئا } في موضع المصدر كأنه يقول لا تجزي ~~جزاء ولا تغني غناء قال الرماني والاقرب ان تكون { شيئا } في موضع حقا ~~كأنه قيل لا يؤدي عنها حقا وجب عليها. وقال بعضهم { لا تجزي } بمعنى لا ~~تقضي. # وقبول الشيء تلقيه والاخذ به وضده الاعراض عنه ومن ثم قيل لتجاه القبلة ~~قبالة. وقالوا: أقبلت المكواة الداء أي جعلتها قبالته ويجوز ان يكون ~~المخاطبون بذلك اليهود، لأنهم زعموا ان اباءهم الانبياء وتشفع لهم ~~واويسوا ms0145 بقوله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } وبقوله: { لا يقبل منها شفاعة } ~~والقبول والانقياد والطاعة والاجابة نظائر ونقيضها الامتناع يقال قبل ~~قبولا، وأقبل اقبالا، وقابله مقابلة وتقابلوا تقابلا، واستقبله استقبالا، ~~وتقبل تقبالا، وقبله تقبيلا وقبل نقيض بعد والقبل خلاف الدبر والقبل ~~اقبالك على الشيء كأنك لا تريد غيره والقبل الطاقة تقول لا قبل لي أي لا ~~طاقة لي. # ومنه قوله: # فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها # والقبل التلقاء تقول لقيته قبلا أي مواجهة واصبت هذا من قبله أي من ~~تلقائه أي من لدنه ومن عنده وقوله: # وحشرنا عليهم كل شيء قبلا # أي قبلا وفسر بعضهم عيانا، وكل جيل من الناس والجن والقبيلة من قبائل ~~العرب معروفة والكرة يقال لها قبائل. وكل قطعة من الجلد قبيلة. وقبيلة ~~الرأس كل فلقة قد قوبلت بالاخرى وكذلك قبائل العرب والقبال: زمام البغل. ~~يقال: بغل مقبولة ومقبلة. والقبل رأس كل شيء مثل الجبل والاكمة وكثب ~~الرمل. وقبالة كل شيء. ما كان مستقبله ومن الجيران مقابل ومدابر. وشاة ~~مقابلة: اذا قطعت من اذنها قطعة وتركت معلقة من مقدم، وان كانت من خلف ~~فهي مدابرة واذا ضممت شيئا إلى شيء قلت قابلته والقابلة هي الليلة: ~~المقبلة. وكذلك العام القابل والمقبل. والقابلة: التي تقبل الولد والقبول ~~من الريح: الصبا لأنها تستقبل الدبور، وهي تستقبل القبلة من المشرق ~~والقبول: ان تقبل العفو وغير ذلك. وهو اسم المصدر واميت الفعل منه ~~والقبول الاسم. تقول: أفعل هذا من ذي قبل أي من ذي استقيال. والقبلة ~~معروفة والفعل منه التقبيل. والقبلة قبلة الصلاة والتقبل تقبل الشيء ~~تقول: تقبل الله منك وعنك عملك. وتقول: تقبلت فلانا من فلان بقبول حسن ~~ورجل مقابل في كرم وفي شرف من قبل اعمامه واخواله. ورجل مقبل الشاب لم ير ~~فيه اثر من الكبر. والقبيل والدبير: في الجبل فالقبيل الفتل الاول الذي ~~عليه العمامة، والدبير الفتل الاخر وبعضهم يقول القبيل في قوى الحبل كل ~~قوة على وجهها الداخل قبيل والوجه الخارج: دبير وقد قرىء قبلا وقبلا فمن ~~قرأ قبلا أراد ms0146 جمع قبيل ومن قرأ قبلا أراد مقابلة والقبيل والكفيل واحد ~~وقبيل القوم عريفهم. والباب المقابلة خلاف المدابرة. # وأما الشفاعة فهي مأخوذة من الشفع الذي هو خلاف الوتر فكأنه سؤال من ~~الشفيع. شفع: سؤال المشفوع له والشفاعة، والوسيلة والقربة والوصلة نظائر. ~~ويقال شفع شفاعة وتشفع تشفعا، واستشفع استشفاعا، وشفعه تشفيعا والشفع ~~من العدد: ما كان ازواجا تقول كان وترا فشفعته باخر حتى صار شفعا ومنه ~~قوله: # والشفع والوتر # قال الشفع: يوم النحر. والوتر: يوم عرفه. وقال بعض المفسرين: الشفع: ~~الحفاء يعني كثرة الخلق والوتر الله والشافع: الطالب لغيره والاسم ~~الشفاعة والطالب: الشفيع والشافع والشفعة في الدار معروفة. # وتقول فلان يشفع الي بالعداوة أي يعين علي ويعاديني وتقول شفعت الرجل: ~~اذا صرت ثانيه وشفعت له: اذا كنت له شافعا. وانما سميت شفعة الدار، لأن ~~صاحبها يشفع ما له بها، ويضمها الى ملكه واصل الباب: الزوج من العدد: ~~وقوله { ولا يقبل منها شفاعة } مخصوص عندنا بالكفار؛ لأن حقيقة الشفاعة ~~عندنا ان يكون في اسقاط المضار دون زيادة المنافع. والمؤمنون عندنا يشفع ~~لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فيشفعه الله تعالى، ويسقط بها العقاب عن ~~المستحقين من أهل الصلوة لما روي من قوله " ع ": ادخرت شفاعتي لأهل ~~الكبائر من امتي: وانما قلنا لا تكون في زياة المنافع، لأنها لو استعملت ~~في ذلك، لكان احدنا شافعا في النبي " صلى الله عليه وسلم " اذا سأل الله ~~ان يزيده في كراماته وذلك خلاف الاجماع فعلم بذلك ان الشفاعة مختصة بما ~~قلناه وعلم بثبوت الشفاعة ان النفي في الآية يختص بالكفار دون أهل ~~القبلة. والآيات الباقيات نتكلم عليها اذا انتهينا اليها ان شاء الله. ~~والشفاعة ثبت عندنا للنبي " صلى الله عليه وسلم " وكثير من اصحابه ولجميع ~~الائمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين. وقيل ان نفي الشفاعة في ~~هذه الآية يختص باليهود من بني اسرائيل، لأنهم ادعوا انهم ابناء الله ~~واحباؤه واولاد انبيائه، وان اباءهم يشفعون اليه فايسهم الله من ذلك، ~~فاخرج الكلام مخرج العموم. والمراد به الخصوص. ولا ms0147 بد من تخصيص الآية لكل ~~احد، لأن المعتزلة والقائلين بالوعيد يثبتون شفاعة مقبولة وان قالوا ~~انها في زيادة المنافع واصل الشفاعة ان يشفع الواحد للواحد فيصير شفعا. ~~ومنه الشفيع لأنه يصل جناح الطالب ويصير ثانيا له. والذي يدل على ان ~~الشفاعة في اسقاط الضرر قول شاعر غطفان انشده المبرد: # وقالوا اتعلم ان مالك ان تصب # يفدك وان يحبس بديل ويشفع # واستعملت في زيادة المنافع ايضا وان كان مجازا لما مضى قال ~~الحطيئة في طلب الخير: # وذاك امرؤ ان تاته في صنيعة # إلى ما له لم تأته بشفيع # وقد استعملت الشفاعة بمعنى المعاونة انشد بعضهم للنابغة: # اتاك امرؤ مستعلن لي بغصة # له من عدو مثل مالك شافع # أي معين وقال الاحوص: # كأن من لامني لاصرمها # كانوا لليلى بلومهم شفعوا # أي تعاونوا. # قوله: { لا يؤخذ منها عدل } # اللغة: # والعدل، والحق، والانصاف نظائر. والعدل: نقيض الجور يقال: عدلا عدل ~~واعتدل اعتدالا. وتعادل تعادلا وتعدلا. وعادله معادلة. وعدله تعديلا ~~والعدل المرضي من الناس. يقع على الواحد والجماعة والذكر والانثى: فاذا ~~قلت هم عدل قلت هما عدلان والعدل: الحكم بالحق يقال هو حكم عدل ذو معدلة ~~في حكمه وعدل الشيء نظيره ومثله تقول عدلت بفلان فلانا اعدله. والعادل ~~المشرك الذي يعدل بربه والعدل ان يعدل الشيء عن وجهه فيميله تقول: عدلته ~~عن كذا وعدلت انا عن الطريق والعديل الذي يعادلك في المحمل أو نحوه ما ~~كان. # وسمعت العرب تقول: اللهم لا عدل لك أي لا مثل لك وفي الكفارة (عدل ذلك) ~~أي مثله في العدل، لا بالنظير بعينه والعدل الفداء، لقوله: { لا يقبل ~~منها عدل } وقيل ايضا: ان العدل: الفريضة والصرف: النافلة وقوله # بربهم يعدلون # أي يشركون. وقيل لما يؤكل: معتدل اذا لم يكن فيه ضرر من حر أو برد. ~~وتقول عدلته أى اقمته حتى اعتدل واستقام وعدلت فلانا عن طريقه والدابة عن ~~طريقها: إذا عطفتها فانعدلت وانعدل الطريق. ويقولون الطريق يعدل الى مكان ~~كذا وكذا. فاذا أراد الاعوجاج نفسه قال: ينعدل في مكان كذا ms0148 وكذا أي ~~ينعوج، والاعتدال: الاستواء فلان عدل حسن العدالة، واصل الباب العدل الذي ~~هو الاستقامة. والعدل المذكور في الآية الفدية. روي ذلك عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) وهو قول ابن عباس وابي الغالية. وقال قوم هو بدل والفرق ~~بين العدل والعدل ان العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل جاريتك أي ~~جارية. مثلها فاذا قلت عندي عدل جاريتك يجوز ان يكون قيمتها من الثمن. ~~ومن قرأ بالتاء فلأن الشفاعة مؤنثة ومن ذكر قال: لأن التأنيث ليس بحقيقي ~~ولأن الفعل تقدم على المؤنث فاشبه علامة التثنية والجمع اذا تقدم الفعل ~~سقط كذلك ها هنا. ومثله قوله: { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~} وكقول الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا ارض ابقل ابقالها # والتاء اجود، لأنه أصل. والياء حسن. # قوله { ولا هم ينصرون }. # اللغة: # والنصر والمعونة والتقوية نظائر. وضد النصر الخذلان. يقال: نصرته نصرا ~~وانتصر انتصارا. واستنصر استنصارا. وتناصر تناصرا. قال صاحب العين: ~~النصر عون المظلوم. وفي الحديث: # " انصر اخاك ظالما ومظلوما " # معناه ان كان مظلوما فامنع منه الظلم. وان كان ظالما فامنعه من الظلم ~~وانهه. والانصار: كالنصار وانصار النبي " صلى الله عليه وسلم " اعوانه ~~وانتصر فلان: اذا انتقم من ظالمه. والنصير الناصر. والتنصر الدخول في ~~النصرانية. والنصارى. منسوبون إلى ناصرة، وهي موضع. ونصرت السماء اذا ~~امطرت. قال الشاعر: # اذا خرج الشهر الحرام فودعي # بلاد تميم وانصري ارض عامر # ونصرت الرجل: اذا اعطيته وانشد: # ابوك الذي اجدى علي بنصرة # فاسكت عني بعده كل قائل # وأصل الباب والمعونة والنصرة قد تكون بالحجة وقد تكون بالغلبة فالله (عز ~~وجل) ينصر جميع المؤمنين بالحجة التي تؤيدهم. واما النصر بالغلبة فبحسب ~~المصلحة ولا يدل وقع الغلبة لبعض المؤمنين على انه مسخوط عليه كما انه ~~ليس في تخلية الله بين الكفار وبين الانبياء دلالة على حال منكرة. وقد ~~قتل الكفار كثيرا من الانبياء ونالوا منهم بضروب من الأذى قال الله ~~تعالى # ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق # وقوله: ثم بغي عليه ms0149 لينصره الله معناه بالغلبة واما ما يأخذ له بالحق من ~~الباغي عليه، لينصر به من الله للمبغي عليه واقعة لا محالة والخذلان لا ~~يكون الا للظالمين، لأن الله تعالى لا يخذل اولياءه واهل طاعته. وقوله: # إن ينصركم الله فلا غالب لكم # أي بالمعونة التي توجب الغلبة، لأن الله تعالى يقدر على اعطائهم ما ~~يغلبون به كل من نازعهم، ويستعلون على كل من ناوأهم. وحد النصرة: المعونة ~~على كل من ظهرت منه عداوة، وقد تكون المعونة بالطاعة فلا تكون نصرة. ~~والفرق بين النصرة والتقوية ان التقوية قد تكون على صناعة والنصرة لا ~~تكون الا مع منازعة. فاما قولهم: لا قبل الله منهم صرفا ولا عدلا. فقال ~~الحسن البصري: الصرف: العمل. والعدل: الفدية وقال الكلبي: الصرف: الفدية ~~والعدل: الفريضة وقال ابو عبيدة: الصرف: الحيلة. والعدل: الفدية. وقال ~~ابو مسلم: الصرف: التوبة والعدل: الفداء ### || [2.49] # هذه الآية عطف على ما تقدم من قوله { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ~~ف " إذا " ها هنا متعلقة بذلك كأنه قال اذكروا نعمتي عليكم اذ نجيناكم ~~من آل فرعون ونظيره # وإلى ثمود أخاهم صالحا # لما تقدم ما يدل على { أرسلنا } وهو قوله: # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه # فكأنه قال: وارسلنا إلى ثمود اخاهم صالحا والخطاب وان كان متوجها إلى ~~الحاضرين في الحال، فالمراد به من سلف لهم من الآباء. كما يقول القائل: ~~هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار وانما يعني الاسلاف. قال الاخطل ~~يهجو جريرا: # ولقد سما لكم الهذيل قتالكم # باراب حيث يقسم الانفالا # وجرير لم يلحق هذيلا # ولا ادرك اراب. وقد بينا ان النعمة على الآباء نعمة على الاولاد، فلا ~~وجه لأعادته. # اللغة: # ومعنى { نجيناكم } فالنجاة، والسلامة، والاسعاد، والتخلص نظائر. وضد ~~النجاة الهلاك تقول: نجا ينجو نجاة. وانجاه الله: إنجاء ونجاه تنجية. ~~وانتجوا انتجاء واستنجى استنجاء، وتناجوا تناجيا. قال صاحب العين: نجا ~~ينجو نجاة في السرعة فهو ناج: اي. سريع وناقة ناجية اي سريعة وتقول نجوت ~~فلانا اي استنكهته قال الشاعر: # نجوت مجالدا فوجدت منه # كريح ms0150 الكلب مات حديث عهد # ونجا بنو فلان اذا احدثوا ذنبا او غيره، والاستنجاء: التنظيف بمدرأ ~~وماء. والنجاة هي النجوة من الارض وهي التي لا يعلوها السيل. قال الشاعر: # فمن بنجوته كمن بعقوته # والمستكن من يمشي بقرواح # والنجو: السحاب اول ما ينشا وجمعه نجاء: والنجوة: ما خرج من البطن من ~~ريح وغيرها. والنجو: استطلاق البطن يقال: نجا فلان نجوا والنجو: كلام بين ~~اثنين كالسر والسار. تقول ناجيتهم فتناجوا بينهم، وكذلك انتجوا وهم ~~جميعا نجوى وكلامهم نجوى، وفلان نجي فلان اي يناجيه دون غيره، قال ~~الشاعر: # إنى اذا ما القوم كانوا انجيه # واضطرب القوم اضطراب الارشيه # والنجا: ما القيته عن نفسك من ثياب او سلخته عن الشاة تقول: نجوت الجلد ~~انجوه نجا اذا كشطته ونجوت العود اي اقتضبته وقال بعض المفسرين في قوله: # فاليوم ننجيك ببدنك # أي نلقيك على نجوة. وأصل الباب: النجوة وهي الارتفاع. والفرق بين النجاة ~~وبين التخلص ان التخلص قد يكون من تعقيد ليس باذى وليس كذلك النجاة، ~~لأنها لا تكون الا من مكروه وكل نجاة: نعمة ولا يقال: لمن لا خوف عليه ~~نجا، لأنه لا يكون ناجيا الا مما يخاف مثله. # قوله { من آل فرعون } فالآل، والأهل، والقرابة، نظائر، وقيل اصل الآل ~~الأهل، لأنه يصغر اهيل: وحكى الكسائي: اويل فزعموا انها ابدلت. كما ~~قالوا: ايهات وهيهات. وكما قالوا ماء واصلها ماه بدليل قولهم مويه في ~~التصغير. وفي الجمع: امواه ومياه. وقيل: لابل أصل على حياله: والفرق بين ~~الآل والأهل ان الأهل اعم منه يقال أهل الكوفة ولا يقال آل الكوفة. # ويقال أهل البلد ولا يقال آل البلد. وآل فرعون: قومه واتباعه وقال صاحب ~~العين: الآل كل شيء يؤول إلى شيء: اذا رجع اليه تقول: طبخت العصير حتى آل ~~إلى كذا. واولى كلمة وعيد على وزن فعلى والآل: السراب وآل الرجل: قرابته ~~وأهل بيته. وآل البعير: الواحه، وما اقترب من او طار جسمه. وآل الخيمة ~~عمدها. والآلة: شدة من شدائد الدهر قالت الخنساء: # سأحمل نفسي على آلة # اما عليها ms0151 وامالها # وآل الجبل: اطرافه. ونواحيه، وقال ابن دريد آل كل شيء: شخصه. وآل الرجل: ~~اهله. وقراباته. قال الشاعر: # ولا تبك ميتا بعد ميت اجنه # علي وعباس وآل ابي بكر # والآلة: الحربة وأصل الباب: الأول. وهو الرجوع. قال ابو عبيدة: سمعت ~~أعرابيا فصيحا يقول أهل مكة آل الله: فقلنا: ما تعني بذلك؟ قال: اليسوا ~~مسلمين، والمسلمون آل الله؟ قال وقال: ليس يجوز ان ينصب رجلا من ~~المسلمين. فيقول آل فلان. وانما يجوز ذلك للرئيس المتبع. وفي شبه مكة ~~لأنها ام القرى. ومثل فرعون في الضلال واتباع قومه له فان جاوزت هذا فان ~~آل الرجل اهل بيته خاصة فقلنا له: افيقول لقبيلته آل فلان. قال: لا إلا ~~أهل بيته خاصة. # وفرعون اسم لملوك العمالقة كما قيل: قيصر لملك الروم. وكسرى: لملك ~~الفرس. وخاقان: لملك الترك. والاخشاذ: لملك الفراعنة وتبع: لملك التبابعة ~~فهو على هذا بمعنى للصفة، لأنه يفيد فيه انه ملك العمالقة بنفس الصفة ~~الجارية عليه وعلى غيره وقيل: ان اسم فرعون مصعب بن الريان، وقال محمد ~~ابن اسحاق: هو الوليد بن مصعب. # ومعنى قوله: { يسومونكم سوء العذاب } اي يولونكم سوء العذاب. # اللغة: # يقال سامه خطة خسفا: اذا اولاه ذلك. قال الشاعر: # ان سيم خسفا وجهه تربدا # وقيل يجشمونكم سوء العذاب. والسوم، والتجشم، والتجمل، نظائر. يقال: سامه ~~الشقة وجسمه اياها وحمله اياها بمعنى [واحد]. يقال: سام، يسوم، سوما. ~~وساومه، واستامه، استياما. وتساوموا تساوما. وسوم تسويما. والسوم سومك ~~سامة ومنه المساومة والاستيام. والسوم من سير الابل. وهبوب الرياح اذا ~~كان مستمرا في سكون. يقال: سامت الرياح. وسامت الابل وهي تسوم سوما ~~والسوام هي الغنم السائمة. واكثر ما يقال ذلك في الابل خاصة، والسائمة ~~تسوم الكلأ سوما: اذا داومت رعيه. والراعي يسيمها والمسيم الراعي. ~~والسويم: العلامة على الجبل يقال: سوم فلان فرسه: إذا اعلم عليه بحريرة ~~او شيء يعرف به والسما: في الأصل ياء وهاء وواو وهي العلامة التي يعرف ~~بها الخير والشر في الانسان ومنه قوله: # سيماهم في وجوهم # وتعرفهم بسيماهم # وقوله: # يعرف ms0152 المجرمون بسيماهم # ويقال سيماء الخير وسمت فلانا سوء العذاب من المشقة. وقال ابن دريد سام ~~الرجل ماشيته يسومها سوما اذا وعاها فالماشية سائمة والرجل مسيم ولم ~~يقولوا سام خرج من القياس. # وأصل الباب: السوم الذي هو ارسال الابل في المرعى وقوله: { سوء العذاب } ~~{ وأليم العذاب } { وشديد العذاب } نظائر. يقال: ساءه يسوءه سوء واساء ~~اساءة قال صاحب العين: السوء اسم العذاب الجامع للآفات والداء تقول سؤت ~~فلانا اسوءه مساءة ومسائية: وتقول اردت مساءتك ومسائتيك واسأت اليه في ~~الصنع واستاء فلان من السوء. كقوله: اهتم من الهم وسؤت فلانا وسوءت له ~~وجهه. وتقول لساء ما صنع والسيء والسيئة اسم الخطيئة والسوأى فعلى اسم ~~للفعلة السيئة بمنزلة الحسنى وامرأة سوء قبيحة والسوءة السوأى للفعلة ~~القبيحة يقال للرجل السوء. والسوأة الفرج لقوله: # فبدت لهما سوأتهما # والسوأة كل عمل يشين، تقول سوأة لفلان، تعيبه لأنه ليس بخير والسوأة ~~السؤى: المرأة المخالفة، وتقول في النكرة رجل سوء فاذا عرفته قلت: الرجل ~~السوء لا تضيفه. وتقول عمل سوء وعمل السوء. ورجل صدق ولا تقول الرجل ~~الصدق لأن الرجل ليس من الصدق. وكلما ذكر بسيء فهو السوء. ويكنى عن البرص ~~بالسوء. كقوله: # بيضاء من غير سوء # أي من غير برص. وتقول: الأخير في قول السوء ولا في قول السوء. فاذا ~~فتحت السين فعلى ما وصفناه. واذا ضممته فمعناه لا تقل سوء. وأصل الباب: ~~السوء من قولك: ساء يسوء سوء، ثم كثر حتى صار علما على الضر القبيح، ~~فقالوا اساء يسيء اساءة. نقيض احسن يحسن احسانا. # وقوله: { يذبحون أبناءكم }. # اللغة: # فالذبح، والنحر، والشنق: نظائر والذبح: فري الاوداج: يقال ذبح ذبحا ~~واستذبح استذباحا، وتذابحوا تذابحا. وذبح تذبيحا وأصل الذبح الشق وذبحت ~~المسك اذا فتقت عنه، فهو ذبيح ومذبوح والذبح: الشيء المذبوح لقوله: # وفديناه بذبح عظيم # والذباح والذبحة بفتح الباء وتسكينها، داء يصيب الانسان في حلقه. وتقول ~~العرب: حي الله هذه الذبحة. اي هذه الطلعة. والذباح: الشقوق في الرجل ~~اصله: ذباح في رجله. والذبح نور أحمر. وسعد الذابح: كوكب معروف من ms0153 منازل ~~القمر. قال صاحب العين: الذبح: قطع الحلقوم من باطن. وموضعه المذبح ~~والمذبح السكين الذي يذبح به الذباح والذباح. نبات من الشجر قال الاعشى: # " انما قولك صاب وذبح " # وقال آخر: # " كان عيني فيها الصاب مذبوح " # وأصل الباب الشق. # قوله: { يستحيون نساءكم } إنما قال نساءكم وهم كانوا لا يستبقون الاطفال ~~من البنات تغليبا، لأنهم كانوا يستبقون الصغار والكبار كما يقال: أقبل ~~الرجال وإن كان معهم صبيان، وقيل إن اسم النساء يقع على الكبار والصغار، ~~وقيل: انهم سمعوا بذلك على تقدير انهن يبقين حتى يصرن نساء. والمرأة ~~والنساء والزوجات، نظائر. ولا واحد للنساء من لفظه. ويقال: الرجال ~~والنساء على وجه النقيض. قال صاحب العين: النسوة، والنسوان، والنسين، كل ~~ذلك مثل النساء. # قوله: { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } البلاء، والاحسان، والنعمة، نظائر ~~في اللغة. وبلى، بلى بلى فهو بال والبلاء لغة. # قال الشاعر: # والمرء يبليه بلاء السربال # تناكر الليالي واختلاف الأحوال # والبلية الدابة التي كانت تشد في الجاهلية عند قبرصا حبها راسها في ~~الركبة حتى تموت. ومنها ما يعقر عند القبر حتى يموت وناقة بلو مثل نضو قد ~~أبلاها السفر. والفعل من البلية. ابتليت وتقول: بلى الانسان وابتلى. ~~والبلاء على وجهين في الخير والشر. والله تعالى يبلي العبد بلاء حسنا. ~~وبلاء سيئا. وابليت فلانا عذرا أي بليت فيما بينه وبيني بما لا لوم ~~علي بعده. والبلوى: هي البلية، والبلوى التجربة. تقول بلوته بلوى. وأصل ~~الباب التجربة. والبلاء: الامتحان الذي فيه انعام. والبلاء، الامتحان ~~الذي فيه انتقام، فاذا اردت الانعام، قلت: ابليته بلاء حسنا. وفي ~~الاختيار: تقول بلوته بلاء. قال الله تعالى: # ونبلوكم بالخير والشر فتنة # وقال في الانعام: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } قال زهير: # جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم # وابلاهما خير البلاء الذي يبلو # فجمع المعنين لأنه اراد: وانعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده، ~~وقال الأحنف: البلاء ثم الثناء، يعني الانعام، ثم الشكر، # المعنى: # وإنما كان في استحياء النساء محنة عليهم. وبلوى لهم، لأنهم كثيرا ~~يستعبدون، وينكحن على ms0154 الاسترقاق. فهو على رجالهن اعظم من قتلهن. وقيل: ~~إنهن كن يستبقين للاذلال، والاستبقاء، محنة، كما ان من أحيي: للتعذيب ~~فحياته نقمة. ومن احيي للتلذيذ فحياته نعمة. # والأبناء جمع ابن. والمحذوف من الابن عند الاخفش الواو، لانها اثقل وهي ~~بالحذف اولى. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المحذوف ياء وواواوهما سيان ولا ~~حجة في النبوة كما لا حجة في الفتوة. لقولهم فتيان قال: وقد جاء حذف ~~الياء. كما في يد. كقولهم يديت اليه يدا. وفي دم قال الشاعر: # فلو انا على حجر ذبحنا # جرى الدميان بالخبر اليقين # والقتل الذي هو فري الاوداج، او نقض بنية الحياة يقدر الواحد منا عليه ~~وأما الموت بتسكين الحركة الحيوانية، او فعل ضد الحيوة عند من قال: لها ~~ضد، فلا يقدر عليه غير الله. # الاعراب: # وموضع { يسومونكم سوء العذاب } يحتمل أمرين من الاعراب:- # احدهما الاستئناف: فيكون موضعه رفعا، كأنه قال: يسومونكم من قبل ذلك ~~سوء العذاب. # والثاني: أن يكون موضعه نصبا على الحال من آل فرعون. والعامل فيه ~~نجيناكم. # و { يسومونكم سوء العذاب } كان بذبح الابناء واستحياء النساء. وقيل: ~~باستعمالهم في الاعمال الشاقة. واستحياء النساء كان بان يستبقين. وقيل ~~انه كان يفتش احياء النساء عما يلدن، وقيل: انهم كانوا يستحيون ان يلجوا ~~على النساء في بيوتهن اذا انفردن عن الرجال صيانة لهم فعلى هذا يكون ~~انعاما عليهن. وهذا بعيد من من اقوال المفسرين. والسبب في أن فرعون كان ~~يذبح الابناء ويستحيي النساء ما ذكره السدي وغيره، أن فرعون رأى في منامه ~~نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر. # فاحرقت القبط وتركت بني اسرائيل، واخرجت مصر فدعى السحرة والكهنة ~~والقافة. فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو ~~إسرائيل منه يعنون بيت المقدس رجل يكون على يده هلاك مصر. فامر بني ~~إسرائيل الا يولد لهم غلام إلا ذبحوه. ولا جاريه الا تركت. وليس في الآية ~~دلالة على سقوط القود عمن قتل غيره مكرها ولا القود على المكره ولا ان ~~كان مختارا غير مكره. ms0155 فالقود عليه لأنه لم يجر لذلك ذكر: فان قيل اذا ~~كانوا نجوهم والله انجاهم. ما المنكر أن يكون العاصي هو الذي عصى الله ~~والله خلق معصيته؟ قيل: لا يجب ذلك. الا ترى انه يقال قد ينجيني زيد ~~فانجو. وان لم يكن فعل بلا خلاف. وكذلك اذا استنقذنا النبي " صلى الله ~~عليه وسلم " من الضلالة فخلصنا لا يجب ان يكون من فعل فعلنا. واخبار الله ~~اليهود بهذه القصة على لسان رسوله من دلائل نبوته، لأن منشأه معروف وبعده ~~عن مخالطة الكتابيين معلوم. ### || [2.50] # موضع اذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى. فكأنه قال: واذكروا اذ فرقنا ~~بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددها عليهم مما فعله مع ~~اسلافهم. # ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا ~~بينهما. # اللغة: # والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا. وافرق ~~المريض افراقا وافترق الشيء افتراقا. واستفرق استفراقا. وفرقه تفريقا. ~~وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع ~~المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين ~~تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق ~~بعضهم بعضا، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا. أي كذا وكذا ~~ضربا. والفرق طائفة من الناس. قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء ~~والفرق: الطائفة من كل شيء، ومن الماء، اذا انفرق بعضه عن بعض. وكل طائفة ~~من ذلك فرق. وقوله: # فكان كل فرق كالطود العظيم # يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس. والفرقة: مصدر ~~الافتراق. وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل. والفرقان: اسم للقرآن. وكل ~~كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان. وسمى الله تعالى ~~التوراة فرقانا. وقوله: # يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل. والفرق هو الفلق. ~~والمفرق هو مكيال لأهل العراق والفرق: الخوف. تقول: رجل فروقة وامرأة ~~فروقة والفعل فرق يفرق ms0156 من كذا فرقا. وقوله: # وقرآنا فرقناه # مخفف معناه احكمناه كقوله: # فيها يفرق كل أمر حكيم # وتقول: مفرق ما بين الطرفين. وافرق فلان من مرضه افراقا اذا برىء ولا ~~يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، ~~والحصبة، وديك افرق: اذا انفرق عرفه. وتيس افرق: اذا تباعد طرفا قرنيه. ~~ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلامة وجاء مصدر فرقته تفرقة. ~~والفرق الذي جاء في الحديث: # " ما اسكر الفرق. فالجرعة منه حرام " # ، مكيال يعرف بالمدينة. وفرقة من الناس ومعه فرق. واصل الفرق الفصل بين ~~الشيئين. والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها. والبحر يسمى بحرا وهو ~~انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لاستبحاره اذا اتسع فيه ~~وتمكن منه. ويقال تبحر الراعي في رعي كثير. قال امية الصغير: # انفق نصابك في نفل تبحره # من الاباطح واحبسها بخلدان # وتبحر فلان في الماء. ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال ~~وقيل: هي علامة خروج الدجال اذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء. وبحرت اذن ~~الناقة بحرا اذا شققتها. وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك اذا انتجت ~~عشرة ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها. # فنهى الله عن ذلك. والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن. ~~والوصيلة في الغنم كانت اذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكرا أكله الرجال، ~~دون النساء. وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع ~~الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء. ويسمونها وصيلة. وقد ~~قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والباحر الاحمق الذي لبس ~~في حديثه اذا كلم بقي كالمبهوت. وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني ~~وباحر: اذا كان خالص الحمرة من دم الجوف. والعرب تسمي المالح والعذب ~~بحرا اذا كثر ومنه قوله: # مرج البحرين يلتقيان # يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع. والبحر: هو المجرى الواسع ~~الكثير الماء. واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه ~~وكثرة مائه. فدجلة بحر ms0157 بالاضافة إلى الساقية. وليست بحرا بالاضافة إلى ~~جدة، وما جرى مجراها. # المعنى # : ومعنى قوله { فرقنا بكم البحر } أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق ~~يبس كما قال تعالى: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا # وقال: # فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه ~~حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر ~~التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف. # وقوله: # { وأغرقنا آل فرعون } # اللغة: # قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى ~~والتغريق والتغويص والتغييب نظائر. والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك. ~~يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا. وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا. ورجل ~~غرق وغريق. وغرقت السيل واغرقته اذا بلغت به غاية المد في النفوس. والفرس ~~اذا خالط، ثم سبقها: يقال اغترقها. والغرق من اللبن القليل. قال ابن ~~دريد: غرق يغرق غرقا في الماء. وغرق في الطيب، والمال. واصله في الماء. ~~وكثر فاستعمل في غيره. وكذلك غرق في الذنوب. واغرق في الأمر يغرق إغراقا: ~~اذا جاوز الحد فيه. واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس. واغرورقت ~~عيناه: شرقت بدمعها. وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء. # وقوله: # { وأنتم تنظرون } قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه. # اللغة: # والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة. يقال نظر ينظر نظرا. وانظر ينظر ~~انظارا. وانتظر انتظارا. واستنظر استنظارا. وتناظر تناظرا. وناظره. ~~مناظرة. قال صاحب العين: نظر ينظر نظرا بتخفيف المصدر. وتقول: نظرت ~~إلى كذا - من غير ذكر العين ونظرت في الكتاب ونظرت في الأمر. وقول ~~القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك. # ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر اليهم أي اهلكهم قال الشاعر: # نظر الدهر اليهم فابتهل # والنظر: الاسم من نظر. وقوله: { لا ينظر إليهم } أي لا يرحمهم. والمنظور ~~من الناس هو المرجو فضله. ينعت ms0158 به السيد. والنظور: الذي لا يغفل عن النظر ~~إلى ما اهمه. والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو ~~فيه كيف تأتيانه. والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى ~~العدو ويحرس اصحابه. والمنظرة منظرة الرجل اذا نظرت اليه اعجبك أو اساءك. ~~تقول: انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر. والمنظر: الشيء الذي ~~يعجب بالنظر اليه ويسر به. تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع ~~أي فيما أحب النظر اليه. ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. ~~النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان ~~العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك. والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في ~~الكلام والانشاء. ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي ~~استمع الي لقوله: # لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا # وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة. ومنه قوله: # فنظرة إلى ميسرة # أى فانتظار. واستنظر فلان من النظرة : اذا هو سأل. والنظر توقع أمر ~~تنتظره. وبفلان نظرة أى سوء هيئة وقوله: # انظرونا نقتبس من نوركم # أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحو الشيء بوجه من الوجوه. وقال ~~قوم: إن النظر اذا كان معه إلى، لايحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله # إلى ربها ناظرة # على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لأنهم يقولون: انما انظر إلى ~~الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك. وقال الطريح ابن اسماعيل: # واذا نظرت اليك من ملك # والبحر دونك جرتني نعماء # وقال جميل بن معمر: # اني اليك لما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغني الموسر # وقال آخر: # وجوه يوم بدر ناظرات # إلى الرحمان تأتي بالفلاح # واتوا ب (الى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية ~~وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ولو افاد ~~الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر اليه ولا ~~يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولأنهم يثبتون النظر وينفون الرؤية ~~يقولون: ms0159 نظرت اليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره. # المعنى: # فاذا ثبت هذا، فالأولى ان نقول: إن تأويل الآية { وأغرقنا آل فرعون } ~~وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفراء قد كانوا في شغل من ان ~~ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه ~~كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون. فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب ~~بمرأى ومسمع ومثله قوله: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # وليس ها هنا رؤية، وانما هو علم، لأن الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول ~~القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفراء محتمل مليح، ~~غير انه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا ~~انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن ~~الظاهر مع احتماله ولأنهم اذا عاينوا ذلك، كانوا أشد في قيام الحجة، ~~واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجها آخرا قال: معناه وانتم بازائهم. # كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لأنها لا ~~تبصر. # قصة موسى (ع): # وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر. ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس: ان ~~الله اوحى إلى موسى # أن أسر بعبادي إنكم متبعون # فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا # فأرسل فرعون # في الف الف حصان سوى الاناث. وكان موسى في ستمائة الف. فلما عاينهم قال: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون # فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فاذا هو برهج ~~دواب فرعون # فقالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا # هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه # قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون # قال فاوحى الله إلى موسى { أن اضرب بعصاك البحر } واوحى إلى البحر ان ~~اسمع لموسى واطع اذا ضربك. قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة لا يدري من ~~أي جوانبه يضربه. قال فقال ms0160 يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب ~~البحر. قال فاضربه. فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقا ~~كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، ~~قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم. ~~فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم. فقالوا لا نرضى حتى نراهم. ~~فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعني على اخلاقهم السيئة. فاوحى ~~الله اليه انقل بعصاك هكذا يمينا وشمالا. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى ~~بعض. قال ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى ~~هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان. فلما هجم على ~~البحر هاب الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى ~~وديق فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهوا أي طرقا ~~على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر ~~قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا. ويقال نادى فرعون حين ~~رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي ~~امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسو الله بين ~~الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر ~~والشبهة أبعد؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ~~ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على ~~قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه ~~الآيات قالوا يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة. # ولما كانت العرب من أحد الناس اذهانا وأجودهم أوهاما جاءت الآيات ~~مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم. وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية ~~القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا ~~محالة. على وجه لا يكونون ملجئين اليه لأن ذلك لو ms0161 كان معلوما، لأظهره ~~الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علنا انه لم يكن ذلك معلوما وموسى " ع ~~" لم يكن مجتلبا إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لأنه كان يقدم له ~~الايمان بالله ومعرفته. # وقوله: # { وأغرقنا آل فرعون } وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. ~~وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، وانتم تنظرون فاختصر لدلالة ~~الكلام عليه، لأن الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: ~~دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم. ### || [2.51] # القراءاة: # قرأ { واعدنا } بغير الف أهل البصرة، وابو جعفر هنا وفي الاعراف، وطه ~~وقرأ الباقون بالف قبل العين، وقرأ ابن كثير وحفص والبرجمي ورويس { ~~اتخذتم } (واخذتم) وما جاء منه باظهار الذال. ووافقهم الأعشى فيما كان ~~على وزن افتعلت وافتعلتم. الباقون بالادغام. حجة من قرأ باثبات الالف ~~دلالة الله على وعده وقبول موسى لأنه اذا حسن في مثل قوله: # أخلفوا الله ما وعدوه # الاخبار كان هنا في الاختيار واعدنا. ومن قرأ بالالف، قال: هو اشد ~~مطابقة للمعنى اذا القبول ليس بوعد في الحقيقة انما هو اخبار الموعود بما ~~يفعل به من خير. وعلى هذا قوله: " اخلفوا الله لما وعدوه " مجاز حقيقة ~~بما اخبروه انهم فاعلوه وقال جماعة من أهل العلم: ان المواعدة في الحقيقة ~~لا تكون إلا من البشر والله تعالى هو المتفرد بالوعد والوعيد. كما قال ~~تعالى # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين # وقال: # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات # والقراءتان جميعا صحيحتان قويتان # اللغة: # " وإذ " معطوفة على الآيات المتقدمة: كأنه قال: واذكروا اذ وعدنا وبينا ~~وجه الحسن فيه فالوعد، والعدة، والموعد والميعاد، نظائر. والوعد في الخير ~~والوعيد في الشر يقال وحده: وعدا. واوعده: ايعادا. وواعده: مواعدة. ~~تواعدوا: تواعدا. واتعدوا: اتعادا. وتوعدوا في الشر خاصة قال صاحب ~~العين: الوعد والعدة مصدران ويكونان اسمين. فاما العدة فيجمع على العدات ~~والوعد لا يجمع. والموعد: موضع التواعد. وهو الميعاد. ويكون الوعد مصدر ~~وعدته. ويكون الموعد وقتا للحين. والموعدة اسم العدة. والميعاد: لا يكون ms0162 ~~إلا وقتا أو موضوعا. والوعيد من التهدد، أوعدته المكاره ويقال ايضا: ~~وعدته من الشر كقوله: # النار وعدها الله الذين كفروا # ووعد الفحل: اذا هم ان يصول. واصل الباب: الوعد الذي هو الخبر بانه ~~سيفعل بالمخبر به خيرا أو شرا وقال احمد ابن يحيى: تقول أوعدته، وتسكت ~~أو تجيء بالباء تقول: أوعدته بالشر ولا تقول اوعدته الشر. # وموسى اسم مركب من اسمين بالقبطية (فمو) هو الماء و (سى) شجر. وسمي به، ~~لأن التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء، والشجر وجدنه جواري آسية ~~امرأة فرعون وقد خرجن ليغتسلن، فسمي بالمكان الذي وجد فيه وهو موسى بن ~~عمران بن يصمر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب اسرائيل الله. # المعنى: # وقال: { أربعين ليلة } ولم يقل يوما على عادة العرب في التاريخ ~~بالليالي، لأن الأهله تطلع فيها. واعتمادهم على الأهلة. وقال الأخفش. وعد ~~باتمام اربعين ليلة، أو انقضاء اربعين ليلة كقولك: اليوم أربعون يوما مذ ~~خرج فلان. واليوم يومان: أي تمام يومين. وقال غيره: الاربعون كلها داخلة ~~في الميعاد. قال ابو العالية: واعدنا موسى اربعين ليلة يعني ذا القعدة ~~وعشرا من ذي الحجة وقال غيره: ذا الحجة وعشرا من المحرم. # وذلك حين خلف موسى اصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ~~ليلة وانزلت عليه التوراة في الالواح. وعن الربيع نحوه. وقال الطبري: لا ~~يجوز ما قاله الاخفش، لأنه خلاف ظاهر التلاوة وما جاءت به الرواية قال ~~الرماني: في هذا غلط ظاهر. ان الوعد لا يتصل وقوعه في الاربعين كلها اذا ~~كان الوعد هو الاخبار الموعود بما فيه النفع، فلم يكن ذلك الخبر في طول ~~تلك المدة فلا بد على ذلك ان يكون التقدير على ما قاله الاخفش أو على ~~وعدناه اقامة اربعين ليلة للمناجاة أو غيبته اربعين ليلة عن قومه ~~للمناجاة، وما اشبه ذلك من التقدير. قال ابو علي: لا يخلو ان تكون { ~~أربعين } ظرفا مفعولا ثانيا. ولا يجوز ان تكون ظرفا، لأن الوعد ليس فيها ~~كلها فيكون جواب كم. ولا في ms0163 بعضها فيكون جوابا لمتى. فاذا لم تكن ظرفا ~~كانت منتصبة بوقوعها موقع المفعول الثاني. فيكون تقديره: وعدنا موسى ~~انقضاء اربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة فحذف المضاف كما يقول اليوم خمسة ~~عشر من الشهر أي تمامه. # اللغة: # والاربعة عدد يزيد على الثلاثة، وينقص عن الخمسة يقال: ربع يربع ربعا. ~~وربع تربيعا وتربع تربعا. وارتبع ارتباعا تقول ربعت القوم فانا رابعهم. ~~والرابع من الورد وهو ان تحبس الابل عن الماء اربعة ايام ثم ترد يوم ~~الخامس. وربعت الحجر بيدي ربعا اذا رفعته عن الارض بيدك. وارتبعت الحجر ~~كذلك. وربعت الوتر اذا جعلته اربع طاقات، وتقول: أربع على ضلعك، واربع ~~على نفسك، واربع عليك كل ذلك واحد بمعنى انتظر. والربع المنزل والموطن. ~~والربع الفصيل الذى نتج في الربيع وما ينتج بالصيف يقال له: هبع وفي ~~المثل ما له هبع ولا ربع. ورجل ربعة ومربوع: ليس بطويل ولا قصير. ~~والربعة: الجونة. والمرباع كانت العرب اذا غزت اخذ رئيس القوم ربع ~~الغنيمة، والباقي بينهم. واول الاسنان الثنايا، ثم الرباعيات وهي اربعة ~~ثنيتان من تحت وثنيتان من فوق والواحد رباعية واربع الفرس اذا القى ~~رباعية من السنة الاخرى. والجمع الربع. والربيعة: هي البيضة من السلاح. ~~يقال: ربعت الارض فهي مربوعة من الربيع. وارتبع القوم: اذا اصابوا ربيعا ~~وحمر ربع ما لي يوم الرابع والمربعة خشبة تشال بها الاحمال، وتوضع على ~~الابل والربع: الباهر. ورجل مربوع ومربع: اذا اخذته حمى الربع والربيع حظ ~~من الماء للارض ربع يوم او ربع ليلة يقال لفلان في الماء ربيع وربع المال ~~جزء من اربعة ويقال له: ربيع ولم يتجاوز العرب في هذا المعنى الثمين وقال ~~بعضهم: التسيع والعشير والاول اظهر واصل الباب الاربعة من العدد والاربعة ~~تجري تارة على نفس العدد، واخرى على المعدود فاذا اجربته على العدد، قلت ~~اربعة اثواب واذا اجريته على المعدود قلت. # اثواب اربعة. # وليلة وعشية ومساء نظائر ويقال يوم وليلة. على طريق النقيض. قال صاحب ~~العين: الليل ضد النهار. والليل ظلام الليل. والنهار الضياء. ms0164 فاذا افردت ~~احدهما من الآخر قلت: ليلة ويوم تصغيرها لييلة اخرجوا الياء الاخيرة من ~~مخرجها في الليالي يقول بعضهم: انما كان بناؤها ليلاء فقصر يقولون: هذه ~~ليلة ليلاء: اذا اشتدت ظلمتها. قال الكميت: # وليلهم الاليل # هذا لضرورة الشعر. في الكلام ليلاء. والليلة: الوقت من غروب الشمس إلى ~~طلوع الفجر الثاني. واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. # قال ابو زيد اتخذنا ما لا فنحن نتخذه اتخاذا وتخذت تخذا. قال ابو علي ~~اتخذ افتعل ومنه تخذت. قال الله تعالى: # لو شئت لاتخذت عليه أجرا # وتخذت: لا يتعدى، إلا إلى مفعول واحد. واتخذت تارة يتعدى إلى مفعول واحد ~~وتارة إلى مفعولين فتعديه إلى مفعول واحد. مثل قوله: # يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا # ومثل قوله: # واتخذوا من دون الله آلهة # وتعديه إلى مفعولين مثل قوله تعالى # اتخذوا أيمانهم جنة # وقوله: # لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء # وقوله: # فاتخذتموهم سخريا # ومن ادغم فلقرب مخرج الذال من مخرج التاء. ومن لم يدغم فلان مخرجهما ~~متغاير. # والعجل والثور والبقرة نظائر. الا أن العجل هو البقرة الصغيرة ويقال عجل ~~وعجول. واشتقاقه من عجل يعجل عجلة واعجله اعجالا. واستعجل استعجالا. ~~وتعجل تعجلا. وعجل تعجيلا. وعاجلته معاجلة. وتعاجلوا تعاجلا. ورجل عجل ~~وعجل لغتان. وتقول: استعجلت فلانا أي حثثته واعجلت فلانا اعجله اعجالا ~~وتعجلت خراجه أي كلفته ان يعجله ورجل عجلان وامرأة عجلى وقوم عجال ونسوة ~~عجال. والعجال الابل. والعجل عجل الثيران والواحدة عجلة ويجمع على ~~الاعجال والعجالة ما تعجلت من شيء. والعجالة طعام الراكب الذي لا يحسن ~~طبخه ويقال: هو تمر ولبن والعجلة الادواة الصغيرة وهي المطهرة. والجمع ~~العجال. والعاجلة: نقيض الآجلة يعني الدنيا والآخرة. والعاجل: نقيض الآجل ~~عام في كل شيء تقول عاجل وآجل. والعجل: ولد البقرة. وجمعه عجاجيل ويقال ~~عجول. والانثى: عجولة وقوله: # خلق الأنسان من عجل # يقال إن آدم " ع " حين بلغ الروح منه إلى الركبتين هم بالنهوض قبل ان ~~تبلغ القدمين فقال الله تعالى: { خلق الأنسان من عجل } واورثنا آدم ~~العجلة. والعجل الظنين: من ms0165 غير الخليل والعجل خشب يؤلف شبه المحفة تجعل ~~عليه الاثقال. وجمعه الاعجال. وصاحب عجال واصل الباب العجل الذي هو ~~الاسراع. والعجلة والسرعة والخفة نظاير ونقيض العجلة التأني ونقيض ~~السرعة: الابطاء # وبعد نقيض قبل تقول: كان هذا بعد هذا. وتقول: بعد بعدا. او ابعده الله ~~إبعادا وتباعد تباعدا وباعده مباعدة. واستبعده استبعادا. وبعده ~~تبعيدا. وتبعد تبعدا. قال صاحب العين بعد لما يكون على اثر الشيء اذا ~~كان قد مضى فاذا افردوا قالوا: هو من بعد: كقوله تعالى: # لله الأمر من قبل ومن بعد # وتقول: بعدا وسحقا. ويقرأ: # باعد بين أسفارنا # وبعد بمعنى واحد. والابعد نقيض الاقرب. والجمع: اباعد واقارب ويقرأ { ~~بعدت ثمود } و { بعدت ثمود } ومعناهما واحد إلا انهم يقولون: بعد ~~الرجل وابعده الله والبعد من اللعن يقول: ابعده الله أي لا يرثي له مما ~~نزل به وقال ابن دريد: البعد: ضد القرب وبعد ضد قبل. وسمع ابو زيد العرب ~~تقول: فلان غير بعيد وغير بعد واصل الباب البعد نقيض القرب. # المعنى: # ومعنى قوله: { ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } أي اتخذتموه ~~إلها لأن بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لأن فعل ذلك ليس ~~بمحظور وانما هو مكروه وما روي عن النبي " صلى الله عليه وسلم " انه لعن ~~المصورين معناه: من شبه الله بخلقه او اعتقد فيه انه صورة فلذلك قدر ~~الحذف في الآية. كانه قال: اتخذتموه الها وذلك انهم عبدوا العجل بعد ~~موسى لما قال لهم السامري: هذا الهكم واله موسى. فنسي اي ترك آلهم ومضى ~~ناسيا. وقيل: بل معنى فنسي اي فترك ما يجب عليه من عبادة الله. # قصة السامرى: # وكان سبب عبادتهم العجل ما ذكره ابن عباس. ان السامري كان رجلا من اهل ~~(با كرم) وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه. وكان ~~قد اظهر الاسلام في بني اسرائيل، فلما قصد موسى إلى ربه خلف هرون في بني ~~اسرائيل: قال لهم هرون: انكم تحملتم اوزارا من زينة آل فرعون، وامتعة ~~وحلي، فتطهروا ms0166 منها، فانها بخس، واوقد لهم نارا. وقال لهم: اقذفوا ما ~~كان معكم فيها. فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الامتعة ووذلك الحلي، ~~فيقذفون به فيها. حتى اذا انكسر الحلي ورأى السامري اثر فرس جبرئيل، فأخذ ~~ترابا من اثر حافره، ثم اقبل إلى النار. فقال لهرون يا نبي الله القي ما ~~في يدي؟ قال نعم ولم يظن هرون الا انه كبعض ما جاء به غيره من الحلي ~~والامتعة. فقذف فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار وكان البلاء والفتنه ~~وقال: هذا الهكم واله موسى، فعكفوا عليه واحبوه حبا لم ير مثله قطا. # اللغة: # وسمي العجل عجلا مأخوذ من التعجيل لأن قصر المدة كالعجل في الشيء. وقال ~~ابو العالية: انما سمي العجل عجلا، لانهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم ~~موسى. وقال الحسن صار العجل لحما ودما. وقال غيره لا يجوز لأن ذلك من ~~معجزات الانبياء. ومن وافق الحسن قال: ان القبضة من اثر الملك كان الله ~~قد اجرى العادة بانها اذا طرحت على اي صورة كانت حية، فليس ذلك بمعجزة اذ ~~سبيل السامري فيه وسبيل غيره سواء. ومن لم يجز انقلابه حيا، فاول الخوار ~~على ان السامري جعل فيه خروقا، فدخلها الريح فحدث فيه صوت كالخوار. # وانما قال: { وأنتم ظالمون } يعني ظالمي انفسهم اذا دخلوا عليها الضرر ~~بما يستحقون على عبادته من العقوبة والظلم. وقد يكون للنفس وقد يكون ~~للغير. وانما وصفوا بانهم اتخذوا العجل الها وهي صفة ذم لهم بما لم ~~يفعلوا لرضاهم بما كان عليه اسلافهم، وسلوكهم طرائقهم في المخالفة لأمر ~~الله، والذم على الحقيقة على افعالهم فان كان اللفظ على افعال اسلافهم ~~فاخرج اللفظ مخرج من كانهم فعلوا ذلك لسلوكهم تلك الطرق وعدولهم إلى ~~المخالفة. فالذم متعلق بما كان منهم في الحقيقة، فان قيل: هل هذا الميقات ~~في قوله: واعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر. قيل: قال ابو علي وابو ~~بكر بن اخشاذ واسمه احمد بن علي ان هذا ذاك وفي الناس من قال: هو غيره ~~والاول اظهر، ms0167 وانما ذكر الثلاثين واتمها بعشر والاربعين قد تكمل بعشرين ~~وعشرين، لأن الثلاثين اراد بها ذا القعدة وذا الحجة فذكر هذا العدد لمكان ~~الشهر ثم ذكر ما يتم به العدد اربعين ليلة. # وانما قال { أربعين ليلة } ولم يقل اربعين يوما، لتضمن الليالي الايام ~~على قول المبرد، ومعنى ذلك: انه اذا ذكرت الليالي دخلت فيها الايام وليس ~~اذا ذكرت الايام دخلت الليالي فيها. هكذا هو الاستعمال، والصحيح ان العرب ~~كانت تراعي في حسابها الشهور والأيام والأهلة. فاول الشهر الليالي ولذلك ~~ارخت بالليالي وغلبتها على الايام ولذلك صارت الايام تابعة لليالي. ~~واكتفى بذكر الليالي من الايام، فقيل لعشر خلون. ولم يقولوا لعشرة لأنه ~~جرى على ما جرى على الليالي. # " واتخذ " قال الرماني: وزنه افتعل واصله يتخذ فقلبت الياء تاء وادغمت ~~في التاء التي بعدها وقال ابو علي يتخذت وليس من اخذت، لان الهمزة لا ~~تبدل من الياء ولا تبدل الياء منها، واتخذت لا تكون افتعلت من اخذت وتكون ~~ابدلت الهمزة ياء ثم ادغمت في التاء كما قالوا يسر الجزور وهو من اليسر ~~لانه لا يجوز على قول اصحابنا لاختلاف الحرفين وفائدة الآية التعجب من ~~قولهم اذ كانوا في مقدار هذه المدة اليسيرة لغيبة موسى عنهم اتخذوا العجل ~~الها وادغام الذال عند التاء جائز وتركه أيضا كذلك جائز. ### || [2.52] # قيل في معنى ما وقع العفو عنهم بقوله: { ثم عفونا عنكم } قولان: # احدهما انا تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد اتخاذكم العجل الها. # والآخر عفونا عنكم بقبول التوبة من عبادة العجل. # اللغة: # والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، نظائر. فالمغفرة نقيض العقوبة. ~~ويقال عفا عفوا واعفاه واعفاء واستعفى استعفاء، وعفى تعفية وعافاه ~~معافاة وتعفى تعفيا. وتعافى تعافيا، واعتفاه اعتفاء. والعفو احل المال ~~واطيبه. والعفو: المعروف. والعفاة: طلاب المعروف. وهم المعتفون. تقول: ~~اعتفيت فلانا اذا طلبت معروفه وفضله. والعافية من الطير والدواب الرزق. ~~اسم جامع لها. ومنه قوله (ع) من غرس شجرة مثمرة فما اكلت العافية منها ~~كتب له صدقة. والعافية دفاع الله عن العبد يقول عافاه الله من ms0168 مكروه وهو ~~يعافيه معافاة. والاستعفاء: ان تطلب إلى من كلفك امرا ان يعفيك منه، وعفى ~~الشيء: اذا كثروا عفيته: اذا اكثرته: قال تعالى { حتى عفوا }. ومنه اعفاء ~~اللحية: اكثارها. وعفى: درس يقال اخذ من فلان ما عفا، وصفا. والعفا: ~~التراب تقول: يعفيه العفا. وعليه العفا. والعفا الدروس قال زهير: # على اثار ما ذهب العفاء # ومنه عفت الديار. والريح تعفو الديار عفاء، وعفوا. وتعفت الدار والاثر ~~تعفيا والعفوة والعفوة والعفوة. والجمع العفو: وهي الحمر الأفتأ ~~والفتيات. والعفاء. ما كثر من الوبر والريش وناقة ذات عفاء كثيرة الوبر ~~طويلة والعفو: ولد الاتان الوحشية. وأصل الباب: الترك. ومنه قوله: { فمن ~~عفي له من أخيه شيء } من ترك له. وعفو الشيء صفوه ومعنى { لعلكم } في ~~الآية لكي تشكروا وقيل: معناه التعريض كانه قال: عرضناكم للشكر. # وقوله: { من بعد ذلك } وان كان اشارة إلى الواحد فمعناه الجمع. ~~وانما كان ذلك كذلك، لان ذا اسم مبهم فمرة يأتي على الاصل، ومرة يأتي على ~~مشاكلة اللفظ. اذا كان لفظ المبهم على الواحد وان كان معناه الجمع على ~~انه قد يخاطب بلفظ الواحد ويراد به الجمع كقوله: { يا أيها النبي } ثم ~~قال: { إذا طلقتم النساء }. # وقوله: { من بعد ذلك } إشارة إلى اتخاذهم العجل الها. # وقوله: { لعلكم تشكرون }. # اللغة: # فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. قال الرماني: الشكر هو ~~الاظهار للنعمة. والصحيح هو الاول لأنه قد يظهر النعمة من لا يكون شاكرا ~~لها. والفرق بين الشكر والمكافاة ان المكأفاة من التكافؤ وهو التساوي، ~~وليس كذلك الشكر ففي مكافأة النعمة دلالة على انه قد استوفى حقها. وقد ~~يكون الشكر مقصرا عنها وان كان ليس على المنعم عليه اكثر منه الا انه ~~كلما ازداد من الشكر، حسن له الازدياد وان لم يكن واجبا لأن الواجب لا ~~يكون إلا متناهيا وذلك كالشكر لنعمة الله لو استكثرته غاية الاستكثار لم ~~يكن لينتهي الى حد لا يجوز له الازدياد لعظم نعم الله عز وجل وصغر شكر ~~العبد. # ويقال: شكر شكرا، وشكورا، وتشكر ms0169 تشكرا. والشكور، من الدواب ما يكفيه ~~قليل العلف لسمنه. والشكر من الحيوانات: التي تصيب حظا من بقل او مرعى ~~فتغزر ليتها بعد قلة. يقال اشكر القوم: اذا انزلوا منزلا فاصابت نعمهم ~~شيئا من بقل، فدرت عليه، وانهم ليحلبون شكرة بجزم الكاف وقد شكرت ~~الحلوبة شكرا: والشكير شعر ضعيف ينبت خلال الشيب. وكذلك ما ينبت من ساق ~~الشجر قضبان تخرج غفه بين قضبان عاسية يقال له الشكر واشكر ضرع الناقة ~~اذا امتلا لبنا والشكر بضع المرأة. وأصل الباب: الظهور ولا يستحق الكافر ~~الشكر على وجه الاجلال والانعام، والكافر لا يستحق كذلك وانما يجب له ~~مكافاة نعمته كما يجب قضاء دينه على وجه الخروج اليه من غير تعظيم له ~~ويسمى ذلك شكرا والشكر لا يستحق الا على نعمة ومعنى قولنا في الله انه ~~غفور شكور انه يجازي العبد على طاعاته من غير ان ينقصه شيئا مين حقه ~~فجعل المجازاة على الطاعة شكرا في مجاز اللغة ولا يستحق الانسان الشكر ~~على نفسه لأنه لا يكون منعما على نفسه كما لا يكون مقرضا لنفسه والنعمة ~~تقتضي منعما غير المنعم عليه. كما أن القرض يقتضي مقترضا، غير المقرض. ~~وقد يصح ان يحسن إلى نفسه كما يصح أن يسئ إليها، لأن الاحسان من المحسن. ~~فاذا فعل بها فعلا حسنا ينتفع به، كان محسنا اليها بذلك الفعل، واذا فعل ~~بها قبيحا كان مسيئا اليها. # والشكر متعلق في الآية بعفو الله عنهم، ونعمه عليهم: كانه قال: لتشكروا ~~الله على عفوه عنكم وسائر نعمه عليكم. ### || [2.53] # اللغة: # قوله: { وإذ } عطف على ما مضى من التذكير بنعمه فكأنه قال: واذكروا اذ ~~آتينا موسى الكتاب، لأن (اذ) اسم للوقت الماضي و (اذا) للوقت المستقبل. ~~وكذلك تستعمل في الجزاء، لأن الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل. كقولهم: ان ~~تاتنى آتك ولو تشبه الجزاء من حيث انه لا بد لها من الجواب. كما لا بد ~~لحرف الجزاء من الجواب. # المعنى: # وقوله: و { آتينا موسى الكتاب } معناه اعطيناه. والكتاب يريد به ~~التوراة. وأما الفرقان فقال ms0170 الفراء وقطرب وتغلب: يحتمل أن يكون اتى موسى ~~كتاب التوراة ومحمد الفرقان: كما قال الشاعر: # متقلدا سيفا ورمحا # وضعف قوم هذا الوجه، لأن فيه حمل القران على المجاز من غير ضرورة مع انه ~~تعالى اخبر انه اتى موسى الفرقان في قوله: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء # وقال الفراء: هو كلام مثنى يراد به: التوراة. وكرر لاختلاف اللفظين: ~~كقولهم: بعدا وسحقا، وهما بمعنى واحد. قال الرماني: هذا المثال لا يشبه ~~الآية، لانه جمع الصفتين لموصوف واحد على معنيين متفقين. والاولى ان يمثل ~~بقولهم: هو العالم الكريم فجمعت الصفتان لموصوف واحد على معنيين مختلفين ~~وقال عدي ابن زيد: # وقددت الاديم لراهشيه # والفى قولها كذبا ومينا # وقال قوم: الكتاب: التوراة والفرقان: انفراق البحر لبني اسرائيل. والفرج ~~الذي اتاهم كما قال. { يجعل لكم فرقانا } اي مخرجا. وقال بعضهم: الفرقان: ~~الحلال والحرام الذي ذكره في التوراة. وروي عن ابن عباس وابي العالية ~~ومجاهد: ان الفرقان الذي ذكره هو الكتاب الذي اتاه يفرق فيه بين الحق ~~والباطل. وقال ابن زيد: الفرقان: النصر الذي فرق الله به بين موسى ~~وفرعون: كما فرق بين محمد " صلى الله عليه وسلم " وبين المشركين. كما ~~قال: # يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # وقال ابو مسلم: هو ما اوتي موسى من الآيات والحجج التي فيها التفرقة بين ~~الحق والباطل. # وقوله: { لعلكم تهتدون }. # المعنى: # اي لكي تهتدوا. وقد بيناه فيما مضى وفيه دلالة على انه (تعالى) اراد ان ~~يهتدوا لأن هذه اللام لام الغرض وذلك يفسد قول المجبرة إنه اراد منهم ~~الكفر. فأن قيل: كيف يهتدون بما اوتي موسى من البيان، وما اوتي في ~~التوراة من البرهان مع انقطاع النقل الذي تقوم به الحجة. قيل: الجواب عنه ~~من وجهين: # احدهما ان الخطاب لأسلافهم: كما قال: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون }. # والثاني ان اخبار الرسول لهم ما تقوم به الحجة عليهم، فيمكنهم ان ~~يستدلوا بذلك على ما انعم الله به على اسلافهم، ولانهم مقرون بان موسى ~~(ع) اوتي التوراة ms0171 بما فيها من الهدى والبينات، فتقوم الحجة عليهم ~~باقرارهم. ### || [2.54] # القراءة: # { بارئكم } اسكن الهمزة فيها ابو عمرو. إلا المعدل وسحارة من طريق ~~الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها. الا ابا طاهر عن ابن مجاهد ~~عن اسماعيل فانه قلبها ياء. # التقدير واذكروا ايضا اذ قال موسى لقومه: { يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل }. وظلمهم اياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم ان يفعلوه ~~بما يستحق به العقاب. وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم ~~لنفسه. وقد بينا معنى التوبة فيما مضى. واما قوله: { إلى بارئكم }. # اللغة: # فالبارىء هو الخالق الصانع. يقال: برأه. واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، ~~وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة. قال صاحب العين: البرأ مهموز وهو ~~الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارىء وقال امية: # الخالق البارىء المصور في # ال أرحام ماء حتى يصير دما # والبرء السلامة من السقم. تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة. وتبرأ ~~تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برىء براء ~~وفاعله برىء وفلان برىء وبراء كقوله: إني براء. وامرأة براء. ونسوة براء ~~وبراء على وزن فعلاء. ومنه قوله: " انا برآء منكم " جمع برىء. ومن ترك ~~الهمزة. قال: براء على وزن فعال. وتقول بارأت الرجل اي برئت اليه. وبرىء ~~إلى مثل ذلك. وبارات المراة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من ~~الضمان والدين وبرأه تبرئة. ويقال: ابرأ الله فلانا من المرض إبراء ~~حسنا، والاستبراء: استبراء الجارية والمرأة بان لا يطأها حتى تحيض. ~~والاستبراء نقاء الفرج من القذر. وأصل الباب تبري الشيء من الشيء: وهو ~~انفصاله منه. وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فانهم انفصلوا من العدم إلى ~~الوجود. والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وان ~~كان اصله من الالوكة. وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك ~~لم تهمز. وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز. والبراءة من ~~الشيء: المفارقة والمباعدة عنه: وبرىء الله من الكافر: ms0172 باعده عن رحمته ~~وانواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع. والبرء: الفطر. ~~فأما الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: اعم من الفعل، لأنه لما ~~وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا. فلم يحدث الخزف في الحقيقة، ~~وانما احدث ما صار خزفا. # وقوله: { فاقتلوا } # اللغة: # فالقتل والذبح والموت نظائر. وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة. ~~والذبح فري الاوداج. والموت عند من اثبته معنى عرض يضاد الحياة. يقال: ~~قتل يقتل قتلا. واقتتلوا اقتتالا. وتقاتلوا تقاتلا. واستقتل استقتالا. ~~وقتل تقتيلا. وقاتله مقاتلة. وقوله تعالى: # قاتلهم الله # معناه لعنهم الله. وقوم اقتال: اي هم اهل الوتر، والترة: اي هم اعداء ~~وتراة. # وتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق. وقال الشاعر: # تقتلت لي حتى اذا ما قتلني # تنسكت ما هذا بفعل النواسك # واقتل فلان فلانا: اذا عرضه للقتل. والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن ~~على العمل. وقلب مقتل: اي قتل عشقا. ومنه قول امرىء القيس: # في اعشار قلب مقتل # قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها. قال الشاعر: # ان التي ناولتني فرددتها # قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها. ويقتل الرجل للمرأة: اذا خضع لها في ~~كلامه وقتل الرجل: عدوه. والجمع اقتال. وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن ~~عمه وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال ابو النجم: # ندافع الشيب ولم يقتل # وناقة ذات قتال وذات كيال، اذا كانت غليظة وثيقة الخلق. في المثل: قتلت ~~ارض جاهلها، وقتل ارضا عالمها. ومقاتل الانسان: هي التي اذا اصيبت قتلت. ~~وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة. وقال المبرد: ~~واصله اماتة الحركة. وقوله: { قاتلهم الله أنى يؤفكون } اي قد حلوا محل ~~من يقال له هذا القول. اي انزل الله بهم القتل. ويقول قتله علما اذا ~~ايقنه وتحققه. # وقوله: { فاقتلوا أنفسكم }. # المعنى: # قيل في معناه قولان: # احدهما يقتل بعضكم بعضا. ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~والحسن وغيرهم من اهل العلم، كما يقول القائل: قتل ms0173 آل فلان اذا قتل بعضهم ~~بعضا. # والثاني ذكره ابن عباس واسحاق واختاره ابو علي. وهو ان يستسلموا للقتل ~~فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لانفسهم على وجه التوسع. وقيل: ان ~~السبعين الذين اختارهم موسى للميقات امروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني ~~اسرائيل وقيل: إنهم قتلوا انفسهم كما امروا. عمدوا إلى الخناجر وجعل ~~بعضهم يطعن بعضا. قال ابن عباس وغيره من اهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة ~~شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل. ~~والسبب الذي لاجله امروا بقتل انفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم ان ~~ناسا منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، ~~فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا. وقال الرماني: ولا بد ان يكون في ~~الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ~~ولغيره. فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف ~~عليهم. واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ولا فيما يقاربه قلنا: اذا كان ~~القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره ويجوز ان ~~يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه ~~واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح. وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال ~~المشركين. # فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى ~~اهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا ~~على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا. وكان القتل شهادة لمن قتل؛ وتوبة لمن بقي. ~~وانما كانت تكون شبهة، لو امروا بان يقتلوا نفوسهم بايديهم. ولو صح ذلك ~~لكان لا يمتنع بان يكونوا امروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى ~~الموت وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف . # وأما على القول الآخر وهو انهم امروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا ~~مسألة لانهم امروا بقتل نقوسهم. وعلى هذا يكون قتلهم حسنا، لأنه لو كان ms0174 ~~قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام. وكذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي ~~او امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لأن في ~~ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لا يجوز وانما يقع ~~قتل الانبياء والائمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص ~~على الدفع. غير انه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع. وتحمل المشقة ~~في ذلك وان قتله غيره ظلما والقتل وان كان قبيحا بحكم العقل ، فهو ~~ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لانه جار مجرى سائر الالام. وليس يجري ذلك ~~مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف ~~على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يامرنا ~~باماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الالام ويكون فيه لطف على ما قدمناه. # وقوله: { ذلكم } اشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم على ما امرهم الله ~~تعالى به بدلالة قوله. { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } فقوله: " ~~توبوا " دال على التوبة، فكانها مذكورة. # وقوله: { خير } # اللغة: # فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر. وضد النفع: ~~الضرر. تقول: خار الله له الخير خيرة. واختار اختيارا واستخار فلان ~~استخارة وتخير تخيرا وتخايرا. وخيره تخييرا. وخايره مخايرة ورجل خير ~~وامرأة خيرة: أي فاضلة. وقوم اخيار، وخيار. وامرأة خيرة. حقيقة في ~~جمالها، وميسمها. ومنه قوله: # فيهن خيرات حسان # وناقه خيار. ورجل خيار. وتقول: والجمع خيار. وتقول: هذه وهذا وهؤلاء ~~خيرتي. وما تختاره. وتقول: انت بالخيار وانت بالخيار سواء. والرجل يستخير ~~الضبع واليربوع: اذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء. ~~والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة. واصل الباب الخير نقيض ~~الشر. والخير: الهيأه المختارة. وحذفت الياء من قوله: { ياقوم } واثبتت ~~في قوله: { يا ليت قومي } لأن ياء الاضافة تحذف في النداء، لأنه موضع ~~حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الامم للترخيم، فلما كانت بالاضافة تحذف في ~~غير النداء، لزم حذفها ms0175 في النداء. # وأما قوله: # يا ليت قومي يعلمون # فانها تثبت لأنها ياء الاضافة. لا يلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء ~~في النداء. ويجوز في { ياقوم } كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ~~ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرىء بها. فاما إسكان الهمزة. ~~فالذي رواه سيبويه عن ابي عمر واختلاس الحركة. وهو اضبط من غيره والاسكان ~~في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر: # اذا اعوججن قلت صاحب قوم # وكان ينبغي ان يقال صاحب لأنه منادى. وقال امرؤ القيس: # فاليوم فاشرب غير مستحقب # اثما من الله ولا واغل # وقد روى بعضهم صاح قوم وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا ~~يقال في الله تعالى تائب مطلقا. وانما يقال: تائب على العبد. # قوله: { فتاب عليكم } فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم او قتلتم ~~انفسكم فتاب عليكم. وكان فيما بقى دلالة عليه. ### || [2.55] # وهذه الآية ايضا عطف على ما تقدم كأنه قال واذكروا اذ قلتم يا موسى لن ~~نصدق حتى نرى لله جهرة. # اللغة: # فالرؤيا والنظر والابصار نظائر في اللغة يقال: رأى رؤية ورأى من الرأي ~~رأيا. وأراه لله اراءة وتراءى القوم ترائيا. وارتأى ارتياء وراءاه مراءاة ~~قال صاحب العين: الرأي رأي القلب والجمع الاراء. وتقول: ما اضل آراءهم ~~على التعجب ورأيهم ايضا ورأيت رؤية وتقول رأيته رأي العين. أي حيث يقع ~~البصر عليه. وتقول من رأي القلب: ارتأيت. وتقول: رأيت رؤيا حسنة. وتقول: ~~رأيت فلانا ذا مسحة في اللون، وزية حسنة في اللباس، والمتاع. والذي يتعرض ~~بزيه كهانة او طبا. وفي بعض اللغات ريت بمعنى رأيته. وعلى ذلك قراءة من ~~قرأ اريت قال الشاعر: # قد ريت منه عجبا من الكبر # وتراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي فلان: اذا تصدى لي فاراه ~~والرواء: المنظر في البهاء والجمال. تقول: امرأة لها رواء وبهاء وسناء أي ~~حسنة. والمرآة مثل المنظرة والمنظر والمرآة التي ينظر فيها وجمعها مراءى. ~~ومن حول الهمزة قال: مرايا. تقول مرأت المرأة: اذا نظرت وجهها. ms0176 وفي ~~الحديث # " لا يتراءى احدكم في الماء " # أي لا ينظر فيه. # ويحذفون الهمزة في كل كلمة تشتق من رأيت اذا كانت الراء ساكنة تقول أريت ~~فلانا فانا مري وهو مري. أي بحذف الهمزة واثبتوها في موضعين في قولهم ~~رأيته فهو مرئي أرأت الناقة والشاة اذا يرى ضرعها انها قد اقربت وانزلت. ~~وهي مرئى. والحذف فيه ايضا صواب وتقول: من الظن رأيت ان فلانا اخوك. ~~ومنهم من يحذف الهمزة يقول ريت انه ومن قلب الهمزة من رأى قال راي مثل ما ~~تقولون: آرتيت واستريت بالمرآة والمرئية: مكسورة الراء مهموزة ممدودة ما ~~ترى المرأة من الحيض صفرة أي بياضا قبلا او بعدا وأما البصير بالعين فهو ~~الرؤية. إلا أن تقول نظرت اليه رأي العين فيه وتقول: ما رأيته إلا رؤية ~~واحدة وتقول للذي يريك الشي مري والمرأة مرية بلا همزة وتقول رأيت فلانا ~~برؤية والمرآة التي تنظر فيها والرأي ما رأيت القوم في حسن البشارة ~~والهيئة قال جرير: # وكل قوم لهم رأي ومختبر # وليس في تغلب رأي ولا خبر # واصل الباب: الرؤية بالعين وشبه الرؤية بالقلب به بمعنى العلم. والرأي ~~يرى حال صلاح ويظن خلافها. والمرية لأنها بمنزلة الالة للقلب يرى بها. # والجهرة، والعلانية، والمعاينة نظائر تقول: جهر جهرا أو جاهر مجاهرة، ~~وجهارا. وتجاهروا تجاهرا. ورجل جهير الصوت. قال صاحب العين: جهر فلان ~~بكلامه، وهو يجهر بقراءته جهارا، واجهر بقراءته اجهارا. وجاهرتم بالامر ~~جهارا أي عالنتم به اعلانا واجتهر القوم فلانا جهارا: اذا نظروا اليه ~~وكل شيء يبدو فقد جهر ورجل جهير: اذا كان في المنظر والجسم في الناس ~~مجهرا. # وكلام جهير، وصوت جهير أي عال. والفعل منه جهر جهارة. والجهير هو الجريء ~~المتقدم والجهوري: هو الصوت العالي. والجوهر: كل حجارة يستخرج منها شيء ~~ينتفع به وجوهر كل شيء ما خلقت عليه حلية. والشاة الجهر التي لا تبصر في ~~الشمس والكبش اجهر وقال بعضهم: جهرت البئر: اذا اخرجت ما فيها من الحمأة، ~~والماء. وبئر مجهورة. والجهر: ضد السر وجهرني الرجل إذا راعك ms0177 جماله ~~وهيئته. ورجل جهير ذو رواء واصل الباب الظهور. # والجهر يقتضي ظاهرا بعد ان يكون خافيا، ليدرك ما لم يكن قبل مدركا ~~ويستدل بالجهر على أنهم أرادوا الرؤية بالعين دون رؤية القلب. وحقيقة ~~الجهر ظهور الشيء معاينة والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع ~~إلى حال المدرك والجهرة ترجع إلى حال المدرك. # المعنى: # ومعنى قوله: { حتى نرى الله جهرة } قال ابن عباس: علانية. وقال قتادة ~~عيانا. وقد تكون الرؤية غير جهره كالرؤية في النوم والرؤية بالقلب فاذا ~~قال جهرة لم يكن إلا رؤية العين على التحقيق، دون التخيل وسؤالهم الرؤية. ~~قال قوم: هو كفر لأن اجازة الرؤية كفر. وقال آخرون: ليس بكفر وانما اجازة ~~الرؤية التي تقتضي التشبيه كفر. فاما هذا القول منهم فكفر اجماعا، لأنه ~~رد على الرسول وكل من يلقى قول الرسول بالرد من المكلفين، كان كافرا. # واما الصاعقة فانها تكون على ثلاثة اوجه: # أولها الموت: كقوله: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض # { فأخذتكم الصاعقة } الثاني العذاب. كقوله: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود # والثالث نار تسقط من السماء كقوله: # ويرسل الصواعق # واكثرهم على ان موسى لم يمت بالصاعقة كما مات من سأل الرؤية وقال شاذ ~~منهم: انه مات بالصاعقة # وقوله: { وخر موسى صعقا } أي مغشيا عليه عند اكثر المفسرين بدلالة ~~قوله: { فلما أفاق } والافاقة لا تكون إلا من الغشية دون الموت، وإلا ~~لكان قد قال فلما حيي. # وقوله: { جهرة } مشتق من جهرت الركية اجهرها جهرا وجهرة: اذا كان ماؤها ~~قد غطاه الطين، فنقيت حتى ظهر الماء وقيل: اخذ من قولهم: فلان تجاهر ~~بالمعاصي: اذا كان لا يسرها وانما فزعوا بسؤال اسلافهم الرؤية من حيث ~~انهم سلكوا طريقهم في المخالفة للنبي الذي لزمهم اتباعه والتصديق بجميع ~~ما اتى به فجروا على عادة اسلافهم في ذلك الذين كانوا يسألون تارة ان ~~يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: { ~~لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ومرة يقولون: { فاذهب أنت ms0178 وربك فقاتلا ~~إنا ها هنا قاعدون } وقال الزجاج في هذه الآية دلالة على مشركي العرب ~~الذين كانوا ينكرون البعث، لأهل الكتاب مع مخالفتهم الرسول يقرون باذن ~~الله أمات قوما في الدنيا، ثم احياهم وعندنا ان نقل اهل الكتاب لمثل هذا ~~ليس بحجة وانما الحجة في اخبار الله على لسان نبيه وحده اذ كان كلما يخبر ~~به فهو حق وصدق. # واستدل البلخي بهذه الآية على ان الرؤية لا تجوز على الله تعالى. قال ~~لأنها انكارهم امرين ردهم على نبيهم، وتجويزهم الرؤية على ربهم وبين ذلك ~~قوله تعالى: فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فدل ذلك ~~على ان المراد إنكار الامرين وهذه الآية تدل على قوله: { رب أرني أنظر ~~إليك } كان سؤالا لقومه، لأنه لا خلاف بين اهل التوراة ان موسى ما سأل ~~الرؤية الا دفعة واحدة. وهي التي سألها لقومه وقوله: # { لن نؤمن لك } تعلق بما يخبرهم به من صفات الله عز وجل، لأنهم قالوا لن ~~نؤمن لك بما تخبرنا به من صفاته وما يجوز عليه حتى نراه. وقيل: انه لما ~~جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا لن نؤمن بان هذا من عند الله حتى ~~نراه جهرة ونرى على وزن نفعل واصله: نرأى قال الشاعر: # أرى عيني ما لم ترأياه # كلانا عالم بالترهات # فجاء به على الاصل # وقال آخر: # ألم تر ما لاقيت والدهر اعصر # ومن يتمل العيش يرأى ويسمع # وانما دعاهم إلى ان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله شكهم، وحيرتهم فيما ~~دعاهم اليه موسى (ع) من توحيد الله عز وجل، ولو كانوا عارفين، لكان دعاهم ~~اليه العناد لموسى ومعلوم انهم لم يكونوا معاندين له (ع). وفي الناس من ~~قال: إن قولهم: جهرة من صفه السؤال على التقديم والتأخير كانه قال: واذا ~~قلتم جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله. وقال الاكثر إنها من صفة الرؤية. وهو ~~الاقوى، لان ما قالوه ترك الظاهر، وتقدير التقديم والتأخير ليس هنا إلى ~~ذلك حاجة. # وقوله: { وأنتم تنظرون } يعني ما ms0179 نزل بكم من الصاعقة والموت. ### || [2.56] # قوله: { بعثناكم } احييناكم. عند اكثر المفسرين: كالحسن، وقتادة، ~~وغيرهما. # وقال السدي: بعثناكم أنبياء. والأول أصح لانه ظاهر الكلام. فلا يجوز ~~العدول عنه وأصل البعث: إثارة الشيء من محله، ومنه قيل: بعث فلان راحلته: ~~اذا اثارها من مبركها للسير. ومنه قولهم بعثت فلانا لحاجتي: اذا اقمته من ~~مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها. ومن ذلك قيل: ليوم القيامة يوم البعث ~~لأنه يوم تثار فيه الناس من قبورهم لموقف الحساب. # اللغة: # والبعث والارسال وكل الاطلاق نظائر. يقال: بعثت بعثا. وانبعثت انبعاثا. ~~وتبعثت تبعثة. وبعثته من نومه فانبعث. اي نبهته فانتبه. وتقول: ضرب البعث ~~على الجند. اذا بعثوا إلى العدو. وكل قوم يبعثون إلى وجه او في امر فهم ~~بعث. وأصل الباب: البعث وهو الارسال. وكل باعث فاعل. واما المبعوث فقد ~~يكون فاعلا، وقد لا يكون. يقال: بعث الله عليهم ريحا فاقتلعتهم والريح ~~مبعوثة. ويقال: الشهوة للشيء تبعث على الطلب له. فان قيل: هل يجوز ان يرد ~~الله احدا إلى التكليف بعد ان مات، وعاين ما يضطره إلى معرفته بالله؟ ~~قيل: في ذلك خلاف قال ابو علي: لا يجوز ذلك إلا على من لم يضطره الله إلى ~~معرفته وقال بعضهم: يجوز التكليف في الحكمة. وان اضطر إلى المعرفة. وقول ~~ابي علي أقوى. واعل الرماني قول ابي علي، فان قيل: لما كانت المعرفة لاجل ~~الطاعات التي كلفها العبد كانت هي الغرض الذي يتبعه سائر الطاعات فلو ~~ارتفع الغرض، ارتفع التابع له. كما ان الغرض في الشرائع الاستصلاح في ~~الاصول التي تجب بالعقل فلو ارتفع ذلك الغرض، ارتفع وجوب العمل بالشرع. ~~وكما انه لا يجوز تكليف الطاعة مع رفع التمكن مع المعرفة من غير ضرورة ~~اليها قال: ووجه القول الثاني أنه لما كان الشكر على النعمة يجب في ~~المشاهد مع الضرورة إلى معرفة النعم، كان الشكر للنعمة التي هي اجل من ~~نعمة كل منعم في الشاهد اولى ان تجب مع الاضطرار إلى المعرفة. ولابي علي ~~ان يقول لا نمنع ms0180 من الوجوب، لكن لا يجوز التكليف، لأن الغرض المعرفة. اي ~~هي اصل ما وقع التكليف به للعباد. والذي اقوله: إن الذي يحيى بعد ~~الاماتة، ان كان لم يخلق له المعرفة الضرورية لم يضطر إليها، فانه يمتنع ~~تكليفه، لأن العلم بان الاحياء بعد الاماتة، لا يقدر عليه غير الله طريقه ~~الدليل وغوامض الاستدلال، فليس احياؤه بعد الاماتة ما يوجب ان يكون مضطرا ~~إلى معرفته، فلذلك يصح تكليفه، وليس الاحياء بعد الاماتة الا كالانتباه ~~من النوم والافاقة بعد الغشية فان ذلك لا يوجب علم الاضطرار. وان فرضنا ~~انه خلق فيه المعارضة ضرورة، فلا يحسن تكليفه لأن حسن التكليف موقوف على ~~ازاحة علة المكلف من فعل اللطف، والاقدار وغير ذلك. # ومن جملة الالطاف تكليفه للمعرفة. والضرورية لا تقوم مقامها على ما ~~بيناه في الاصول: واذا لا يحسن تكليفه، لأنه يصير مكلفا ولم يفعل به ما ~~هو لطف له، وذلك لا يجوز. # وقوله: { لعلكم تشكرون } معناه لكي تشكروا. وهذه لام الغرض. وفيه دليل ~~على فساد قول المجبرة إن الله تعالى ما اراد من الكفار الشكر، لانه لو ~~اراد كفرهم، لقال: لتكفروا وذلك خلاف القرآن. ومن استدل بها على جوازها ~~كان صحيحا، لان من منع منه واحاله، فالقرآن يكذبه، وان استدل به على ~~وجوب الرجعة وحصولها فلا يصح لان احياء قوم في وقت، ليس بدلالة على احياء ~~آخرين في وقت اخر، ذلك يحتاج إلى دلالة اخرى. وقول من قال: لا تجوز ~~الرجعة، لان ذلك معجزة ودلالة على نبوة نبي. وذلك لا يجوز إلا في زمن نبي ~~غير صحيح، لان عندنا يجوز اظهار المعجزات على يد الائمة والصالحين. وقد ~~بيناه في الاصول. ومن ادعى قيام الحجة بان الخلق لا يردون إلى الدنيا: ~~كما علمنا ان لا نبي بعد نبينا مقترح مبتدع، لما لا دليل على صحته، فانا ~~لا نخالف في ذلك وقال البلخي: لا تجوز الرجعة مع الاعلام بها، لأن فيها ~~اغراء بالمعاصي من جهة الاتكال على التوبة في الكرة الثانية. قال ~~الرماني: هذا ليس بصحيح ms0181 من قبل انه لو كان فيها اغراء بالمعصية، لكان في ~~إعلام التبقية إلى مدة إغراء بالمعصية. وقد أعلم الله تعالى نبيه وغيره ~~ابليس: انه يبقيه إلى يوم يبعثون ولم يكن في ذلك إغراء بالمعصية وعندي ان ~~الذي قاله البلخي ليس بصحيح، لان من يقول بالرجعة، لا يقطع على ان الناس ~~كلهم يرجعون، فيكون، في ذلك اتكال على التوبة في الرجعة، فيصير اغراء. ~~فلا احد من المكلفين الا ويجوز ان لا يرجع. وان قطع على الرجعة في الجملة ~~ويجوز ان لا يرجع، فكفى في باب الزجر. وأما قول الرماني: إن الله تعالى ~~اعلم اقواما مدة مقامهم، فان ذلك لا يجوز الا فيمن هو معصوم يؤمن من جهة ~~الخطأ كالانبياء ومن يجري مجراهم في كونهم معصومين. فاما من ليس بمعصوم، ~~فلا يجوز ذلك، لأنه يصير مغرى بالقبح واما تبقية ابليس مع اعلامه ان ~~يستبقيه إلى يوم القيامة ففيه جوابان. # احدهما انه انما وعده قطعا بالتبقية بشرط الا يفعل القبيح ومن فعل ~~القبيح حق اخترته عقبه. ولا يكون مغرى: # والثاني ان الله قد علم انه لا يريد بهذا الاعلام فعلا قبيحا، وإلا ~~لما كان يفعله، وفي ذلك اخراجه من باب الاغراء. وقد قيل: إن ابليس قد زال ~~عنه التكليف. وانما امكنه الله من وسوسة الخلق تغليظا للتكليف، وزيادة في ~~مشاقهم ويجري ذلك مجرى زيادة الشهوات انه يحسن فعلها إذا كان في خلقها ~~تعريض للثواب الكثير الزائد. ### || [2.57] # قوله: { وظللنا } عطف على قوله { ثم بعثناكم من بعد موتكم } وكأن ~~التقدير ثم بعثناكم من بعد موتكم وظللنا عليكم الغمام. # والظلمة والغمامة والسترة نظائر في اللغة. تقول: ظل يظل ظلولا. واظل ~~اظلالا. واستظل استظلالا. وتظلل تظللا. وظلله تظليلا. قال صاحب العين: ~~تقول ظل نهاره فلان صائما. ولا تقول العرب: ظل إلا لكل عمل بالنهار. كما ~~لا تقول: بات إلا بالليل. وربما جاءت ظل في اشعارهم نادرا. ومن العرب من ~~يحذف لام ظللت، ونحوها فاما اهل الحجاز فيكسرون الظاء على كسر اللام التي ~~القيت فيقولون: ظللنا وظللتم. ms0182 كما قال تعالى # فظلتم تفكهون # والمصدر: الظلول. فالامر فيه اظلل والظل ضد القبح ونقيضه. ويقال لسواد ~~الليل، فيسمى ظلا. وجمعه ظلال. قال الله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا # يعني الليل. والظل في كلام العرب هو الليل. وتقول اظلتني هذه الشجرة ~~اظلالا. والمكان الظليل: الدائم الظل. وقد دامت ظلاله. والظلة كهيئة ~~الصفة، وقوله: # عذاب يوم الظلة # يقال هو عذاب يوم الصفة. والظلة البرطلة. والاظلال: الدنو يقول قد اظلك ~~فلان اي كأنه القى عليك ظله من قربه. وتقول لا تجاوز ظل ظلك وملاعب ظله: ~~طائر يسمى بذلك. والاظل: باطن منسم البعير وجمعه اظلال قال الشاعر: # يشكو الوجى من اظلل واظلل # يعني من اظل واظل. فاظهر التضعيف بضرورة الشعر قال لبيد: # بنكيب معر دامي الاظل # اراد بخف نكيب: منكوب نكبته الحجارة. معر: ساقط الشعر املس. والظل كون ~~النهار تغلب عليه الشمس. قال رؤبة: كل موضع تكون فنزول عنه ظل وفىء ~~يقالان جميعا. وما سوى ذلك يقال له ظل ولا يقال: فيه الفيء. والظل ~~الظليل: الجنة قال الله تعالى: # وندخلهم ظلا ظليلا # والظل: الخيال الذي يرى من الجن وغيره. والمظلة ايضا تتخذ من خشب وغيره ~~يستظل بها والظل: المنعة والعز. كذا ذكر ابن دريد يقال: فلان في ظل فلان ~~اي في عزه وأصل الباب: التظليل. وهو الستر والاظلال الدنو: كدنو الساتر ~~وحد التظليل الستر من علة. # والغمام: السحاب والقطعة منها غمامة تقول: يوم غم، وليلة غمة وامر غام. ~~ورجل مغموم، ومغتم، ذو غم. وفلان في غمة من امره: اذا لم يهتد له. ~~والغماء: الشديدة من شدائد الدهر، ورجل اغم، وجبهة غماء: كثيرة الشعر ~~تقول منه: غم يغم. وكذلك في القفا. قال الشاعر: # فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا # اغم الققا والوجه ليس بانزعا # والغميم: الغمس وهو ان يسحق حتى يغلط. والغم: ضد الفرح. والغمة: الغطاء ~~على القلب من الغم. والغمة: الضيقه تقول: اللهم احسر عنا هذه الغمة أي ~~الضيقة. وغم الهلال اذا غطاه الغيم. وكل شيء غطيته ms0183 فقد غميته ولذلك سمي ~~الرطب الغموم وهو الذي يوضع في جرة وهو بسر ثم يغطى حتى يرطب. # والغمام اشتق من هذا، لانه يغطى السماء، ورجل أغم. وامرأة غماء اذا دنا ~~قصاص الشعر من حاجبه حتى يغطى جبهته، وكذلك هو في القفا. وأصل الباب ~~الغطاء. # المعنى: # يوم الغمام الذي ظلل على بني اسرائيل. قال ابن عباس ومجاهد: لم يكن ~~بالسحاب، ولكنه الذي عنى في قوله: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # وهو الغمام الذي اتت فيه الملائكة يوم بدر، ولم يكن لغيرهم. قال ابن ~~عباس كان معهم في التيه وقيل هو ما ابيض من السحاب. # واما المن قال ابن عباس: هو المن الذي يعرفه الناس يسقط على الشجر وقال ~~قتادة: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج. وقيل هو عسل وقيل خبز مرقق وقيل ~~هو الزنجبيل. وقيل هو شيء كالصمغ كان يقع على الاشجار وطعمه كالشهد ~~والعسل عن مجاهد وقال الزجاج: جملة المن ما من الله تعالى على عباده مما ~~لا تعب فيه ولا نصب. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " # قال بعض اهل العلم يعني بمائها الوسمي الذي يكون منها الكمأ وهو اول مطر ~~يجيء في الخريف. وقيل هو الذي يسقط على الثمام. # والمن حلو كالعسل. وإياه عنى الاعشى في قوله: # لو أطعموا المن والسلوى مكانهم # ما ابصر الناس طعما فيهم نجعا # وجعله امية بن ابي الصلت في شعره عسلا فقال: # ورأى الله انهم بمضيع # لا بذي مزرع ولا معمورا # فنساها عليهم غاديات # ومرى مزنهم خلايا وخورا # عسلا ناطفا وماء فراتا # وحليبا ذا بهجة مثمورا # الناطف: القاطر والصافي من اللبن والمن قطع الخير قال الله تعالى لهم { ~~أجر غير ممنون } أي غير مقطوع. والمن: هو الاحسان إلى من لا يستثنيه ~~والاسم هو المنة والله تعالى المنان علينا الرحيم والمنة: قوة القلب. ~~يقال ضعيف المنة. ويقال ليست لقلبه منة والمنون: الموت. وهو اسم مؤنث. ~~قال ابن دريد: من يمن ms0184 منا: اذا اعتقد منه ومن عليه بيد أسداها اليه ~~اذا قرعه بها. واصل الباب: الاحسان. فالمن الذي كان يسقط على بني اسرائيل ~~مما من الله عليهم أي أحسن به اليهم. # واما السلوى فقال ابن عباس: هو السماني وقيل: هو طائر كالسماني وواحده ~~سلوى قال الاخفش: لم اسمع له بواحد. قال: ويجوز ان يكون واحده سلوى مثل ~~جماعته كما قالوا دفلى للواحد والجماعة. وقال الخليل واحده سلواة قال ~~الشاعر: # كما انتفض السلواة بلله القطر # ويقال سلا فلان يسلو عن فلان: اذا تسلى عنه. وفلان في سلوة من العيش اذا ~~كان في رغد يسليه الهم. والسلوان: ماء من شربه ذهب غمه على ما يقال ويقال ~~هذا مثل يضرب لمن سلا عن شيء يقال سقي سلوة وسلوانا. # وقال ابن دريد: سلا يسلو سلوا، وسلوا وسلوة والسلوانة: خرزة زعموا انهم ~~اذا صبوا عليها الماء، فسقي منها الرجل، سلا واصل الباب السلو، وهو زوال ~~الهم. # سبب نزول المن والسلوى: # وكان سبب انزال المن والسلوى عليهم انه لما ابتلاهم الله تعالى بالتيه، ~~حين قالوا لموسى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون # فامرهم بالمسير إلى بيت المقدس، فلما ساروا تاهوا في قدر خمس فراسخ أو ~~الستة. فلما اصبحوا ساروا عادين فامسوا، فاذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا ~~منه فلم يزالوا كذلك، حتى تمت اربعين سنة، تفضل عليهم في تلك الحال، ~~واحسن اليهم، وانزل عليهم المن والسلوى. وكانت ريح الجنوب تحشره عليهم ~~قال ابن جريج: كان الرجل إذا اخذ من المن والسلوى زيادة على طعام يوم ~~واحد، فسد إلا يوم الجمعة فانهم اذا اخذوا طعام يومين لم يفسد. # الاعراب: # وموضع { كلوا } نصب على وقلنا كلوا كذا قال الرماني: # وقيل في معنى { الطيبات } قولان: # احدهما انه المشتهى اللذيذ # والثاني انه المباح الحلال الذي يستلذ اكله. # وقوله: { وما ظلمونا } # المعنى: # انما يتصل بما قبله بتقدير محذوف فكأنه قال فخالفوا ما امر الله به أو ~~كفروا هذه النعمة. { وما ظلمونا } قال ابن عباس وما نقصونا، ولكن كانوا ~~انفسهم ينقصون. ms0185 وقال غيره: معناه وما ضرونا، ولكن كانوا انفسهم يضرون. ~~قال ابو علي الظلم الذي لا يستحقه المضرور ممن قصده وليس للمضرور فيه ~~نفع. وقال الرماني حقيقة الضرر القبيح. والصحيح في حقيقه الظلم ما ذكرناه ~~فيما مضى هو الضرر الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع ضرر اعظم منه ~~عاجلا وآجلا ولا يكون واقعا على وجه المدافعة فاما ما قاله الرماني فهو ~~حد الشيء نفسه، لأن السؤال باق ولقائل ان يقول: وما الضرر إلا القبيح، ~~لأن كونه قبيحا حكم من احكامه فلا بد من بيان ذلك حينئذ. وما ذكره ابو ~~علي ينتقض بالالم الواقع على وجه المدافعة وبالالم الذي فيه وجه ضرر اعظم ~~منه عن الضرورة، وبالضرر الذي فيه نفع يوازيه # وروي عن عن الصادق (ع) انه قال: المن كان ينزل على بني اسرائيل من بعد ~~طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس فمن نام في ذلك الوقت، لم ينزل عليه ~~نصيبه فلذلك يكره النوم في هذا الوقت إلى بعد طلوع الشمس. ### || [2.58] # القراءة: # قرأ نافع واهل المدينة يغفر بضم الياء وفتح الفاء. الباقون بفتح النون، ~~وكسر الفاء. وادغم الراء في اللام وما جاء منه. والآيه معطوفة على ما ~~تقدم. فكأنه قال واذكروا اذ قلنا. ادخلوا والدخول والولوج والاقتحام ~~نظائر والفرق بين الدخول والاقتحام ان الاقتحام دخول على صعوبة. # اللغة: # ونقيض الدخول: الخروج تقول: دخل يدخل دخولا. وادخله ادخالا. وتداخل ~~تداخلا، واستدخل استدخالا، وداخله مداخلة. ويقال: في امره دخل أي فساد. ~~دخل امره يدخل دخلا: أي فسد. ودخلت الدار وغيرها دخولا واوردت ابلي دخالا ~~إذا اوردتها فادخلت بين كل بعيرين بعيرا ضعيفا بعد ما ابتعر أو تشرب ~~دون ريها. وفلان دخيل بني فلان: اذا كان من غيرهم. واطلعت فلانا على دخلة ~~امري: اذا بثثته مكتومك. والدخل طائر صغير. وفلان حسن المدخل، أو قبيح ~~المدخل: أي المذهب في الامور. وكل لحمة على عصب فهي دخلة. قال صاحب ~~العين: فلان مدخول اذا كان في عقله دخل، أو في حسبه. والمدخول: المهزول ~~الداخل في ms0186 جوفه الهزال. والدخلة: بطانة الامير. يقال: فلان خبث الداخلة. ~~وادخل في عار ويدخل فيه ونحو ذلك يصف شدة الدخول. ودخيل الرجل: الذي ~~يداخله في اموره كلها فهو له دخيل. دخال والدخال: مداخلة المفاصل بعضها ~~في بعض. والدخولة معروفة والدخل: صغار الطير امثال العصافير مأواها ~~الغيران، وبطون الاودية تحت الشجر الملتف وجمعه دخاخيل. والانثى دخلة. ~~واصل الباب: الدخول قال الرماني في حد الدخول: الانتقال إلى محيط. وقد ~~يقال: دخل في الامر: كما يقال دخل في الدار تشبيها ومجازا. # وقوله: { هذه القرية } إشارة إلى بيت المقدس على قول قتادة، والربيع ~~ابن أنس وقال السدي: هي قرية بيت المقدس: وقال ابن زيد: إنها أريحا قريب ~~من بيت المقدس. # اللغة: # والقرية والبلدة والمدينه نظائر. قال ابو العباس: اصله الجمع: ومنه ~~المقراة: الحوض الذي تسقى فيه الابل. سمي مقراة، لجمع الماء فيه. ~~والمقراة: الجفنة التي يعد فيها الطعام للاضياف قال الشاعر: # عظام المقاري جارهم لا يفزع # ومنه قريت الضيف. ومنه قريت الماء في الحوض. ومنه قريت الشاة تقري وشاة ~~قارية: إذا كانت تجمع الجرة في شدقها. وهو عيب عندهم شديد وكل ما قري فهو ~~مقري: مثل المرقد كل ما رقدت فيه. والقري: المسيل الذي يحمل الماء إلى ~~الروضة. وجمعه: قريان: كقضيب وقضبان قال الشاعر: # ماء قري حده قري # قال ابن دريد: قريت الضيف أفريه قرى. وقريت الماء في الحوض أقريه قريا. ~~وقرى البعير: جرته في شدقه قريا. والقرية: اشتقاقها من قرى البعير جرته: ~~أى جمعها. والجمع قرى على غير قياس . وقال قوم من اهل اليمن: قرية: ~~وقال صاحب العين: القرية والقيرية لغتان تقول: ما زلت استقري هذه ~~الأرض قرية قرية. # والكسر لغة عانية. ومن هناك اجتمعوا على جمعها على القرى، حيث اختلفوا ~~فحملوها على لغة من قال: كسوة وكسوة. والنسبة اليها قروي. وام القرى: ~~مكة وقوله: # وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا # يعني بها: الكور والأمصار والمدائن والقرى: الظهر من كل شيء، حتى الآكام ~~وغيرها. والجمع الاقراء. والقرى: الاحسان إلى الضيف. تقول: اقرى يقري ~~الضيف قرى: ms0187 اذا اضافه ضيافة، وانزله نزالة. والقرى جيء الماء في الحوض. ~~والمدة تقرى في الجرح: أي تجتمع. # وقوله: { وادخلوا الباب } # المعنى: # أي الباب الذي امرو بدخلولها. وقال مجاهد والسدي: هو باب حطة من بيت ~~المقدس. وهو الباب الثامن. وقيل: باب القبة التي كان يصلي إليها موسى. ~~وقال قوم: باب القرية التي أمروا بدخولها. قال أبو علي: قول من قال: إنه ~~باب القرية، لأنه لم يدخلوا القرية في حياة موسى، لأنه قال: { فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم }. والعطف بالفاء يدل على أن هذا التبديل ~~منهم كان في أثر الأمر فدل ذلك على أنه كان في حياة موسى. # ومعنى قوله: { سجدا } # قال ابن عباس: ركعا. وهو شدة الانحناء. ومنه السجد من النساء: الفاترات ~~الأعين. وقال الأعشى: # ولهوي إلى حور المدامع سجد # وقال الآخر: # ترى الأكم منه سجدا للحوافر # وقال غيره: ادخلوا خاضعين متواضعين. قال اعشى قيس: # تراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وقوله: { حطة } # المعنى: # قال الحسن، وقتادة واكثر أهل العلم: معناه حط عنا خطايانا. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: أمروا أن يستغفروا. وروي عنه ايضا أنه قال: امروا أن ~~يقولوا: هذا الأمر حق: كما قيل لكم. وقال عكرمة: امروا أن يقولوا لا إله ~~إلا الله. وكل هذه الأقوال محط الذنوب فيترحم لحطة عنها. # اللغة: # وحطة مصدر مثل ردة وجدة من رددت وجددت. قال صاحب العين: الحط: وضع ~~الأحمال عن الدواب تقول: حططت عنها أحط حطا. وانحط انحطاطا. والحط والوضع ~~والخفض نظائر. والحط: الحدر من العلو: كقول امرىء القيس: # كجلمود صخر حطه السيل من عل # ويقال للنجيبة السريعة: حطت في سيرها وانحطت. وتقول حط الله وزرك الذي ~~انقض ظهرك. وقال الشاعر: # واحطط إلهي بفضل منك أوزاري # والحطاطة: بثرة تخرج في الوجه تقبح اللون ولا تقرح. وجارية محطوطة ~~المتنين: ممدودة حسنة والحط: حط الاديم بالمحط. وهي خشبة يصقل بها الأديم ~~او ينقش. وأصل الباب: الحط: وهو الحدر من علو. وارتفعت { حطة } في الآية ~~على قول الزجاج على ms0188 تقدير مساءلتنا حطة، وقال غيره: دخولنا الباب ~~سجدا: حطة لذنوبنا كقوله: { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا: معذرة } يعني موعظتنا بعذرة إلى ~~ربكم. ويجوز النصب في العربية على معنى حط عنا ذنوبنا حطة، كقولك: سمعا ~~وطاعة يعني اسمع سمعا واطيع طاعة، كقولك: معاذ الله. # يعني نعوذ بالله وهو أقوى لأنه دعاء. # وقوله: { نغفر لكم } # اللغة: # والغفران والعفو، والصفح نظائر. يقال: غفر الله غفرانا. واستغفر ~~استغفارا واغتفر اغتفارا. قال أبو العباس: غفر الله لزيد بمعنى: ستر غطى ~~له على ذنوبه. والغفران انما هو التغطية. يقال للسحابة فوق السحاب: ~~الغفارة. وثوب ذو غفر: اذا كان له زئير يستر قبحه. ويقال: المغفر، لتغطية ~~العنق. ويقال غفرت الشيء: إذ واريته. والمغفرة والغفيرة بمعنى [واحد]. ~~والمغفرة: منزل من منازل القمر. يسمى [بذلك] لخفائه. وقال الزجاج: الغفر: ~~التغطية. وكل ما تفرع من هذا الباب فهذا معناه. وقولهم: اللهم اغفر لنا. ~~تأويله اللهم غط علينا ذنوبنا والله الغفور والغفار والمغفر ما يغطى به ~~الرأس من الحديد وغيره. وكذلك الغفارة وهي خرقة تلف على سية القوس: أي ~~طرفها. وغفارة: اسم رأس جبل. والمغفورة والمغفارة. صمغ العرفط وقد اغفر ~~الشجر: إذا ظهر ذلك فيه. وفي الحديث: أن النبي " صلى الله عليه وسلم " ~~دخل على عائشة. فقالت: يا رسول الله. أكلت مغافير؟ تعني هذا الصمغ. ومنهم ~~من يقول: مغاثير: كما قيل جدث، وجدف. والغفر: شعر صغار دون الكبار. وريش ~~دون الريش الكبار، لأنه هو الذي يغطي الجلد. والغفر: النكس من المريض. ~~يقال: صلح فلان من مرضه ثم غفر أي نكس. ومنه قول ضرار. وقيل إنه لحميل ~~: # خليلي إن الدار غفر لذي الهوى # كما يغفر المحموم او صاحب الكلم # ومعناه: أن المحب إذا سلا عن حبيبه، ثم رأى داره جدد عليه حبه. فكأنه ~~مريض نكس. وانما قيل النكس، لأنه يغطي على العافية. والغفر: شعر يكون في ~~اللحيين. وقد غفر فلان، وقد غفرت المرأة: إذا انبت لها ذلك الشعر. ومتاع ~~البيت يقال له: الغفر، ms0189 لأنه يغطي على الخلل. والغفر: الحوالق. ويقال جاء ~~والجماء الغفير. وجاءوا جما غفيرا. وجاءوا جماء الغفير: اي مجتمعين ~~جمعا يغطي الأرض. والغفر: ولد الأروى: وهي انثى الوعل، لأنها تأوي ~~الجبال، فتستر عن الناس. يقال لأنثى الوعل، إذا كان معها ولدها: مغفر. ~~كما يقال: لكل ذات طفل: مطفل. ويقال: غفرت الأمر تغفرة: إذا أصلحته بما ~~ينبغي ان يصلح به. والمعنى: أصلحته بما غطى على جميع فساده. والغفر: زئير ~~الثوب. وثوب ذو غفر. وغفرت المتاع اذا جعلته في وعاء. وكل شيء غطيته، فقد ~~سترته. ويقال إصبغ ثوبك فانه أغفر للوسخ: أي استر له. وأصل الباب: ~~التغطية وحد المغفرة: ستر الخطيئة برفع العقوبة # والخطيئة، والزلة، والمعصية نظائر. يقال: خطأ خطأ. واخطأ إخطاء. ~~واستخطأه استخطاء. وخطأه تخطئة. وتخاطى تخاطيا قال ابن دريد: الخطأ ~~مقصور مهموز. يقال خطأ الشيء خطأ: اذا لم يرده واصابه. واخطأ يخطىء ~~اخطاء: اذا اراده فلم يصبه. # والأول خاطىء والثاني مخطىء به. والخطيئه تهمز. قال صاحب العين: الخطأ: ~~ما لم يتعمد، ولكن يخطىء اخطاء وخطاءة وتخطئة. واصل الباب: الخطأ ومثله ~~الزلل. والخاطىء الذي قد زل عن الشيء في قصده وان اتفق له ان يصيبه من ~~غير أن يقصده، ولذلك لا يكون الخاطىء في الدين إلا عاصيا، لأنه لم يقصد ~~الحق وأما المخطىء فانما زل عن قصده. ولذلك يكون المخطىء من طريق ~~الاجتهاد مصيبا لأنه قصد الحق واجتهد في اصابته فصار الى غيره. وحد ~~الخطيئة: العدول عن الغرض المجرد. وخطايا وزنها: فعائل. وتقديره خطائي، ~~فقلبت الهمزة الأخيرة ياء على حركة ما قبلها، فصارت خطايي، ثم فعل بها ~~ما فعل بمداري، حتى قيل مدارى فصارت: خطاءى. فاستثقل همز بين ألفين، لأنه ~~بمنزلة ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء. وانما أعلت هذا الاعلال، لأن ~~الهمزة التي بعد الألف عرضت في جميع فعل القياس. تقول: في جمع مرآة ~~مراءى، فلا تعل. والخليل يقول: وزنه فعالى على قلب الهمزة. # القراءة: # من اختار النون من القراء، قال: لأنه مطابق لما تقدم من قوله: { وظللنا ~~} و " قلنا ". وانما اتفق ms0190 القراء على خطاياكم ها هنا، واختلفوا في ~~الأعراف وسورة نوح، لأن اللتين في الأعراف ونوح كتبتا في المصحف بالياء ~~بعد ألف، والتي في البقرة بألف. # وقوله: { وسنزيد المحسنين }. # فالزيادة التي وعدها الله المحسنين، هي تفضل يعطيه الله المحسنين، ~~يستحقونها بوعده اياهم. وهي زيادة على الثواب الذي يستحقونه بطاعته ~~(تعالى). # اللغة: # والفرق بين احسن اليه واحسن في فعله: ان أحسن اليه لا يكون إلا بالنفع ~~له. واحسن في فعله ليس كذلك. ألا ترى انه لا يقال: أحسن الله اليه إلى ~~أهل النار بتعذيبهم. ويقال: أحسن في تعذيبهم بالنار: يعني أحسن في فعله ~~وفي تدبيره. # والاحسان، والانعام، والافضال نظائر. وضد الاحسان: الاساءة: يقال حسن ~~حسنا: واحسن إحسانا. واستحسن استحسانا. وتحاسنوا تحاسنا. وحسنه تحسينا. ~~وحاسنه محاسنة. والمحسن والجمع محاسن: المواضع الحسنة في البدن. ويقال: ~~رجل كثير المحاسن. وامرأة كثيرة المحاسن. وامرأة حسناء. ولا تقول: رجل ~~أحسن، وتقول: رجل حسان وامرأة حسانة. وهو المحسن جيدا. والمحاسن في ~~الاعمال: ضد المساوىء. تقول: أحسن فانك الحسان. والحسنى: الجنة، لقوله: { ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }. والحسنى: ضد السوء. والحسن. ضد القبيح ~~والحسان: جمع حسن الحقوها بضدها، فقالوا: قباح وحسان. كما قالوا: عجاف ~~وسمان. واصل الباب: الحسن. وهو على ضربين: حسن في النظر، وحسن في الفعل ~~وكذلك القبح. وحد الحسن من طريق الحكمة: هو الفعل الذي يدعو اليه العقل. ~~وحد القبح: الذي يزجر عنه العقل. وحد الاحسان: هو النفع الحسن. وحد ~~الاساءة: هو الضرر القبيح هذا لا يصح الا على قول من يقول: إن الانسان ~~يكون محسنا إلى نفسه ومسيئا اليها. ومن لا يقول فذلك يريد فيه الواصل إلى ~~الغير مع قصده إلى ذلك والاقوى في حد الحسن أن تقول: هو الفعل الذي اذا ~~فعله العالم به على وجه، لم يستحق الذم فانه لا ينتقض بشيء. # وقوله: { وكلوا منها حيث شئتم رغدا } يعني من هذه القرية، حيث شئتم ~~رغدا أي واسعا بغير حساب. قد بينا معناه فيما مضى واختلاف الناس فيه. ### || [2.59] # معنى قوله: فبدل الذين ظلموا: غيروا. # وقوله: ms0191 { الذين ظلموا } معناه: الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله. # وقوله: { غير الذي قيل لهم } يعني بذلك بدلوا قولا غير الذي امروا أن ~~يقولوه. فقالوا بخلافه. فذلك هو التبديل والتغيير. وكان تبديلهم بالقول: ~~انهم امروا ان يقولوا: حطة، وان يدخلوا الباب سجدا. وطؤطىء لهم الباب ~~ليدخلوه كذلك فدخلوه يزحفون على اسائهم فقالوا: حطة في شعيره مشتهرين. # وقوله: { فأنزلنا على الذين ظلموا } يعني: الذين فعلوا ما لم يكن لهم ~~فعله في تبديلهم بالقول والفعل # { رجزا }: # اللغة: # والرجز في لغة اهل الحجاز: العذاب. وفي لغة غيرهم: الرجس، لأن الرجس ~~الشر. ومنه قوله (ع) في الطاعون: إنه رجس عذب به بعض الامم وهو قول ابن ~~عباس، وقتادة. وقال ابو عبيدة: الرجز. والرجس لغتان مثل الردع، والسدع ~~والبزاق والبساق. وقال ابو العالية: هو الغضب. وقال ابو زيد: هو الطاعون، ~~فقيل انه مات منهم في ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا من كبرائهم وشيوخهم ~~وبقي الابناء وانتقل العلم والعبادة اليهم. # وقوله: { من السماء } قال قوم: يعني ما فضاه الله عليهم من السماء. وقال ~~آخرون: أراد بذلك المبالغة في علوه بالقهر. # وقوله { يفسقون } مضمومة السين عليه جميع القراه وهو اشهر اللغات. وقد ~~حكي في بعض اللغات بكسر السين ### || [2.60] # قوله: { وإذ } متعلق بكلام محذوف. ويجوز ان يكون ذلك ما تقدم ذكره في ~~الآيات المتقدمة من ضروب نعم الله على بني اسرائيل فكأنه قال: واذكروا إذ ~~استسقى موسى لقومه: أي ساله إن يسقي قومه ماء # تقول: سقيته من سقى السقة، واسقيته: دللته على الماء فنزل منزلة سؤال ~~ذلك. # والمعنى الذي سال موسى اذا كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على ~~معنى فما نزل. وكذلك قوله { فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا ~~عشرة عينا } من ماء فاستغنى بدلالة الظاهر على المنزول منه، لأن معنى ~~الكلام: قلنا اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت منه. فترك ذكر الخبر غير ~~ضرب موسى الحجر اذا كان فيما ذكره دلالة على المراد. وكذلك قوله: { قد ~~علم كل أناس مشربهم } فترك ذكر منهم لدلالة ms0192 الكلام عليه. # والانفجار، والانشقاق. والانبجاس أضيق منه فيكون أولا انبجاسا، ثم يصير ~~انفجارا والعين من الاسماء المشتركة العين من الماء مشبهة بالعين من ~~الحيوان بخروج الماء منها، كخروج الدمع من عين الحيوان وقد بينا ان اناسا ~~لا واحد له من لفظه فيما مضى وإن الانسان لو جمع على لفظه لقيل اناسين ~~واناسيه وقوم موسى هم بنو اسرائيل الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه ~~الآيات. وانما استسقى لهم ربهم الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه ~~شكرا اليه الظما فامروا بحجر طوراني من الطور. فضربه موسى بعصاه، ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين معلومة ماؤها لهم. وروي عن ابن ~~عباس انه قال: ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ~~لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع وروي انه كان مثل ~~شكل الرأس. وامر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في ~~كل ناحية منه ثلاثة عيون، ولا يرتحلون مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم ~~في ذلك المكان الذي كان بينهم في المنزل الاول. وقيل إنهم كانوا ينقلونه ~~معهم في الجوالق اذا احتاجوا إلى الماء. ضربه موسى بالعصى فيه ففجر منه ~~الماء وقال قوم: بانه امر بان يضرب أي حجر شاء لا حجرا بعينه. والاول ~~أظهر لأن فيه لام التعريف. # والشين ساكنة في اثنتا عشرة عند جميع القراء. وكان يجوز كسرها في اللغة ~~ولم يقرأ به احد. والكسر لغة ربيعة، وتميم والاسكان: لغة اهل الحجاز واسد ~~فاذا صغرت اثنتا عشرة قلت ثني عشرة واذا صغرت ثنى قلت ثنتي عشرة. وروى ~~فتحها محمد عن الأعمش. وهو غلط إلا إذا قيل عشرة مفرد فانه بفتح الشين. ~~فاما ما زاد على ذلك فالشين ساكنة، أو مكسورة إلا قولهم أحد عشر إذا بنيا ~~معا. # ونصب عينا على التمييز. وعند الكوفيين على التفسير ولا ينبغي الوقف على ~~احد الاسمين المجعولين اسما واحدا، دون الآخر: كقولك احد عشر، واثنا ~~عشر، وما اشبه ذلك ولذلك ms0193 يكره الوقف على العدد الأخير قبل ان يميزه، ~~ويفسره وكذلك قوله: # خير ثوابا وخير مردا # ملء الأرض ذهبا # عدل ذلك صياما # خير حافظا # " واحسن ثوابا " واشباه ذلك ومن آيات الله العجيبة انفجار العيون من ~~الحجر الصلد بعدد قبائل اسرائيل على وجه يعرف كل فرقة منهم شرب نفسه، فلا ~~ينازعه فيه غيره. وذلك من الأمور الظاهرة. على أن فاعل ذلك هو الله تعالى ~~وان ذلك لا يتم فيه حيلة محتال ولا كيد كائد. ومن استبعد ذلك من الملحدين ~~فالوجه ان يتشاغل معه في الكلام في اثبات الصانع، وحدوث الصنعة، واثبات ~~صفاته وما يجوز عليه، وما لا يجوز فاذا ثبت ذلك سهل الكلام في ذلك. ومتى ~~شك في ذلك؛ أو في شيء منه، كان الكلام معه في هذا الفرع ضربا من العناء ~~لا وجه للتشاغل به. وقوله ها هنا: { فانفجرت } لا ينافي قوله في الاعراف: ~~{ فانبجست } لأن الانبجاس: هو الانفجار إلا أنه قليل وقيل: إنه لا يمتنع ~~أن يكون أوله ما ينبجس، كان قليلا، ثم صار كثيرا، حتى صار انفجارا # وقوله: { كلوا واشربوا من رزق الله } # يعني من النعم التي عددها عليهم من المن والسلوى وغير ذلك # وقوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } # أي لا تطغوا ولا تسعوا في الأرض فسادا. واصل العثا: شدة الفساد. يقال ~~منه: عثا فلان في الارض إلى عاثية يعثأ. والجماعة يعثون. وفيه لغتان ~~أخريتان: # احدهما يعثو عثوا. ومن قرأ بهذه اللغة ينبغي أن يضم الثاء، ولم يقرأ ~~به احد. واللغة الاولى: لغة اهل الحجاز. وقال بنو تميم: عاث يعيث عيثا ~~وعيوثا وعيثانا. بمعنى واحد قال رؤبة بن العجاج: # وعاث فينا مستحل عائث # مصدق أو تاجر مقاعث # يعني بقوله: عاث فينا: افسد فينا. وقيل: يعثو أصله العيث. فقدموا بعض ~~الحروف، واخروا بعضها. يقال: عثا يعثو. وعاث يعيث وهو الفساد. قال ابن ~~اذينة الثقفي: # وانما قال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } وإن كان العيث لا يكون إلا ~~فسادا، لأنه يجوز أن يكون فعلا ظاهره الفساد، وباطنه المصلحة: كخرق موسى ms0194 ~~السفينة، فبين ذلك العيث الذي هو الفساد ظاهرا وباطنا. ### || [2.61] # القراءة: # قرأ اهل المدينة: النبيئين بالهمز الباقون بغير همزة. وترك الهمزة ~~هو الاختيار. # اللغة: # واختلفوا في اشتقاقه. فقال بعضهم: من انبائك الامر: كأنه انبأ عن الله ~~وأخبر عنه. فترك الهمز ذلك لكثرة ما يجزي. وقال الكسائي: النبي: الطريق ~~يراد به أنه علم وطريق إلى الحق. واصله من النبوة والنجوة: المكان ~~المرتفع. ومن قال: هو مشتق من الانباء، قال: جاء فعيل بمعنى مفعل: كما ~~قال: سميع بمعنى مسمع. كذلك قالوا: نبيء بمعنى منبأ، وبصير بمعنى مبصر. ~~وابدل مكان الهمزة من النبيء الياء، فقالوا: نبي هذا ويجمع النبي ~~انبياء. وانما جمعوه كذلك، لانهم ألحقوا النبي بابدال الهمزة منه ياء. ~~فالنعوت التي تأتي على تقدير فعيل من ذوات الياء والواو وذلك كقولهم: ولي ~~واولياء. ووصي واوصياء. ودعي وادعياء. ولو جمعوه على اصله، والواحد بني ~~ليعتل اليها، لأن فعيلا تجمع فعلاء: كقولهم: سفيه وسفهاء وفقيه وفقهاء. ~~وشريك وشركاء. وقد سمع من العرب: النبآء. وذلك في لغة من همز النبي. ومن ~~قول العباس بن مرداس السلمي في وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) ومدحه: # يا خاتم النبآء انك مرسل # بالخير كل هدى السبيل هداكا # فجمع على أن واحدهم نبيء مهموز وقد قال بعضهم: النبي والنبوة غير ~~مهموزين، لأنهما مأخوذان من النبوه. وهي مثل النجاة. وهما مأخوذان من ~~المكان المرتفع. وكل يقول: إن اصل النبي: الطريق قال القطامي: # لما وردن نبيا واستتب بها # مسحنفر كخطوط السيح منسحل # قالوا: وسمي الطريق نبيا، لأنه ظاهر مبين من النبوة قال ابو علي ~~الفارسي: قال ابو زيد: نبأت من ارض إلى أرض، وانا انبأ نباء ونبوء: إذا ~~خرجت منها إلى أخرى. وليس اشتقاق النبي من هذا وان كان من لفظه ولكنه ~~من النبأ الذي هو الخبر. كأنه المخبر عن الله. فان قلت: لم لا يكون من ~~النباوة ومما انشده ابو عثمان. قال: انشدني ابن كيسان: # محض الضريبة في البيت الذي وضعت # فيه النباوة حلوا غير ممذوق # او يجوز فيه الأمرين؟ ms0195 فتقول: إنه يجوز أن يكون من النباوة ومن النبأ كما ~~أجيز في عضة أن يكون من الواو: كقوله وعضوات. ومن الهاء كقوله: # لها بعضاه الأرض تهرير # قال: وليس ذلك كالعضة، لأن سيبويه زعم أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان ~~مسيلمة بنبؤته نبيئة سوء. وكلهم يقولون: تنبأ مسيلمة. ولو كان يحتمل ~~الامرين جميعا، لما اجتمعوا على انبياء ولا على النبيئه. فان قيل: فلم ~~لا لا يستدل بقولهم: انبياء؟ قيل ما ذكرته لا يدل على تجويز الأمرين، لأن ~~(انبياء) انما جاز، لأن البدل لما الزم في نبيء، صار في لزوم البدل له: ~~كقولهم عيد واعياد. # فكما أن عيد لا يدل على أنه من الياء لكونه من عود الشيء. كذلك لا يدل ~~انبياء على انه من النباوة، ولكن لما لزم البدل، جعل بمنزلة تقي واتقياء، ~~وصفي واصفياء. فلما لزم، صار كالبرية، والخلية، ونحو ذلك، مما لزم الهمزة ~~فيه حرف اللين بدلا من الهمزة، لما دل على أنه من الهمزة، وأنه لا يعترض ~~عليه شيء وصار قول من حقق الهمزة في الشيء، كرد الشيء إلى الأصل المرفوع ~~استعماله: نحو وذر وودع. فمن ثم كان التخفيف فيه الأكثر. # فاما ما روي في الحديث: من أن بعضهم قال: يا نبيء الله، فقال: # " لست بنبيء الله ولكني نبي الله " # قال: ابو علي: اظن أن من اهل البقل من ضعف اسناده. ومما يقوي تضعيفه أن ~~من مدح النبي " صلى الله عليه وسلم " فقال: يا خاتم النبآء لم يؤثر فيه ~~انكار عليه. ولو كان في واحدة نكير، لكان في الجميع مثله، ثم بينا فيما ~~مضى: أن الصبر كف النفس، وحبسها عن الشيء. # المعنى: # فاذا ثبت ذلك. فكأنه قال: واذكروا إذ قلتم: يا معشر بني اسرائيل، لن ~~نطيق حبس انفسنا على طعام واحد. وذلك الطعام هو ما اخبر الله عز وجل إذ ~~أطعمهم في تيههم وهو السلوى في قول اهل التفسير وفي قول ابن منبه: الخبز ~~النقي مع اللحم قيل: ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض: من البقل، ms0196 ~~والقثأ، وما سماه الله مع ذلك وذكر انه سألوه لموسى وكان سبب مسألتهم ذلك ~~ما رواه قتادة. قال: كان القوم في البرية. وقد ظلل عليهم الغمام، وانزل ~~عليهم المن والسلوى. فملوا ذلك وذكروا عينا كانت لهم بمصر فسألوا ذلك ~~موسى. فقال الله تعالى: اهبطوا مصرا فان لكم ما سئلتم. # وانما قال مما تنبت الارض، لأن (من) تدخل للتبعيض. ولو لم تدخل ها هنا ~~لكانت المسألة تدخل على جميع ما تنبته الارض. فاتوا ب (من) التي نابت ~~مناب البعض حيث قامت مقامه، وفي الناس من قال: إن من ها هنا زائدة وانها ~~تجري مجرى قولهم: ما جاءني من احد والصحيح: الاول، لأن من لا تزاد في ~~الايجاب. وانما تزاد في النفي، ولان من المعلوم انهم ما ارادوا جميع ما ~~تنبته الارض وجرى ذلك مجرى قول القائل: أصبت اليوم من الطعام عند فلان. ~~يريد أصبت شيئا منه. # وقوله { يخرج } جزم جواب الأمر. # اللغة: # والبقل، والقثاء معروفان. وفي القثاء لغتان: ضم القاف، وكسرها. والكسر ~~اجود. وهي لغة القرآن. وانما ذكر الله تعالى هذه الالفاظ وان لم تكن ~~لائقة بفصاحة القرآن على وجه الحكاية عنهم. واما القوم فقال ابن عباس ~~وابو جعفر الباقر (ع) وقتادة والسدي: انه الحنطة. وانشد ابن عباس: قول ~~احيحه ابن الحلاج: # قد كنت اغنى الناس شخصا وافدا # ورد المدينة عن زراعة قوم # وقال الفراء: والجبائي والازهري: هو الحنطة والخبز: تقول العرب: فوموا ~~بالتشديد اي اخبزوا لنا. وقال قوم: في الحبوب التي تخبز وهو ماثور. وقال ~~ابن مجاهد وعطا وابن زيد: انه الخبز في قراءة ابن مسعود. وهو قول الربيع ~~بن انس والكسائي انه الثوم. وابدل الثاء فاء كما قالوا: جدث وجدف واثافي ~~واثاثي. قال: الفراء: وهذا اشبه بما بعده من ذكر البصل. قال امية بن ابي ~~الصلت: # فوق شرى مثل الجوابي عليها # قطع كالوذيل في نفي فوم # وقال ايضا: # كانت منازلهم اذ ذاك ظاهرة # فيها الفراديس والفومان والبصل # قال الزجاج. وهذا بعيد، لانه لا يعرف الثوم بمعنى الفوم، لان القوم ms0197 لا ~~يجوز ان يطلبوا الثوم ولا يطلبون الخبز الذي هو الاصل. وايضا. فلا خلاف ~~أن الفوم: هو الطعام، وان كان كل حب يخبز منه يقال: له فوم. # وقوله: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } # المعنى: # قيل فيه قولان: # احدهما الذي هو ادنى الطعامين بدلا من اجودهما. # والثاني الذي تتبدلون في زراعته وصناعته بما اعطاكم الله عفوا من المن ~~والسلوى. # وقرا بعضهم: ادنى مهموزا. وقال بعض المفسرين: لولا الرواية لكان هو ~~الوجه لانه من قولك: رجل دنيء من الدناءة. وما كنت دنيئا ولكنك دنئت اي ~~خسست واذا قرىء بلا همز فمعناه: القرب. وليس هذا موضعه، ولكنه موضع ~~الخساسة. ولو كان ما سألوه أقرب اليهم، لما سألوه، ولا التمسوه. ويجوز أن ~~يجعل ادنى واقرب بمعنى: ادون: كما تقول هذا شيء مقارب اى دون. وحكى ~~الأزهري عن ابي زيد (الداني) بلا همز: الخسيس. والدنيء بالهمز: الماجن. # وقوله: { اهبطوا مصرا } تقديره: فدعى موسى فاستجبنا له، فقلنا لهم: ~~اهبطوا مصرا. وقد تم الكلام، لأن الله اجابهم بقوله: { فإن لكم ما سألتم. ~~وضربت.. } ثم استأنف حكم الذين اعتدوا في السبت، ومن قتل الانبياء فقال: ~~{ وضربت عليهم الذلة والمسكنة }. # القراءة: # ونون جميع القراء { مصرا }. وقرأ بعضهم بغير تنوين. وهي قراءة ابن ~~مسعود. بغير الف. وقال قتادة، والسدي، ومجاهد، وابن زيد: لانه اراد مصرا ~~من غير تعيين لأن ما سألوه من البقل والقثاء لا يكون إلا في الامصار، ~~وقال الحسن وابو العالية، والربيع: إنه اراد مصر فرعون الذي خرجوا منه، ~~وقال ابو مسلم محمد بن بحر: اراد بيت المقدس لقوله { ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم }. # اللغة: # وروي ذلك عن ابن زيد. واما اشتقاق مصر فقال بعضهم هو من القطع لانقطاعه ~~بالعمارة. ومنهم من قال هو مشتق من الفصل بينه وبين غيره. قال عدي ابن ~~زيد: # وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار وبين الليل قد فصلا # ومن نون أراد مصرا من الامصار غير معين. # ويجوز أيضا أن يريد مصرا بعينه الذي خرجوا منه. وإنما ms0198 نون إتباعا ~~للمصحف، لأن في المصحف بألف: كما قرأ: # قواريرا قواريرا # منونا اتباعا لخط المصحف. ومن لم ينون اراد مصر بعينها لا غير. وكل ~~ذلك محتمل. # وقوله: { ضربت عليهم الذلة والمسكنة } استئناف كلام. بما فعل الله بهم. ~~يعني بالذين اعتدوا في السبت، وقتلوا الانبياء. # ومعنى { ضربت }: أي فرضت ووضعت عليهم الذلة، والزموها من قول القائل: ~~ضرب الامام الجزية على اهل الذمة. وضرب فلان على عبده الخراج. وضرب ~~الأمير على الجيش البعث. يريد بجميع ذلك ألزم ذلك. وبه قال الحسن، ~~وقتادة. وقيل: معنى { ضربت عليهم }: أي حلوا بمنزلة الذل والمسكنة. مأخوذ ~~من (ضرب القباب). قال الفرزدق في جرير: # ضربت عليك العنكبوت بنسجها # وقضى عليك به الكتاب المنزل # وأما { الذلة }: فقال الحسن وقتادة، وغيره: # يعطو الجزية عن يد وهم صاغرون # [والذلة] مشتق من قولهم: ذل فلان يذل ذلا وذلة. # واما المسكنة: فهي مصدر التسكين. يقال: ما فيهم أسكن من فلان. وما كان ~~سكينا، ولكن تمسكن تمسكنا. ومنهم من يقول: تسكن تسكنا. والمسكنة ها هنا ~~مسكنة الفاقة والحاجة: وهي خشوعها وذلها. تقول: ما في بني فلان اسكن من ~~فلان: أي افقر منه. وهو قول ابي العالية والسدي. وقال ابن زيد: المعني ~~يهود بني اسرائيل. أبدلهم الله تعالى بالعز ذلا، وبالنعمة بؤسا، ~~وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه بما كفروا بآياته، وقتلهم انبياءه ورسله ~~اعتداء وظلما. # وقوله: { وباءوا بغضب من الله }: أي انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: باء إلا ~~موصولا: إما بخير واما بشر. واكثر ما يستعمل في الشر. كذا. قال الكسائي. ~~ويقال: باء بدينه يبوء به بوء. ومنه قوله تعالى: { أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك } يعني ترجع. بما قد صار عليك دوني. فمعنى الكلام: ارجعوا منصرفين ~~متحملين غضب الله. # وروي أن رجلا جاء برجل إلى النبي " صلى الله عليه وسلم " ، فقال: هذا ~~قاتل أخي، وهو بواء به: أي مقتوله به. ومنه قول ليلى الأخيلية: # فان تكن القتلى بواء فانكم # فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر # وقال الزجاج: أصل ذلك التسوية. ومعنى ذلك أنهم تساووا ms0199 بغضب من الله ومنه ~~ما روي عن عبادة بن الصامت. قال: جعل الله تعالى الأنفال إلى نبيه، ~~فقسمها بينهم على بواء أي: على سواء بينهم في القسم. ومنه قول الشاعر: # فيقتل خيرا بامرىء لم يكن به # بواء ولكن لا نكايل بالدم # والأصل: الرجوع. على ما ذكرناه. وقال قوم: هو الاعتراف، ومعناه: انهم ~~اعترفوا بما يوجب عليهم غضب الله. ومنه قول الشاعر: # إني ابوء بعثرتي وخطيئتي # ربي وهل إلا إليك المهرب # وأما الغضب. قال قوم: ما حل بهم من البلاء والنقمة في دار الدنيا بدلا ~~من الرخاء والنعمة. وقال آخرون: هو ما بينا لهم في الآخرة من العقاب على ~~معاصيهم. # وقوله: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } إشارة إلى ما تقدم ذكره ~~من ضرب الذلة والمسكنة، وإحلال غضبه بهم، لأنه يشتمل على جميع ذلك # ومعنى { بأنهم } أي لأجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، فعلنا بهم ما ~~فعلنا من انواع العذاب. # وقوله: { يقتلون النبيين بغير الحق } لا يدل على أنه قد يصح أن يقتلوهم ~~بحق، لأن هذا خرج مخرج الصفة لقتلهم. وانه لا يكون إلا ظلما بغير حق: ~~كما قال: # ومن يدع مع الله إله آخر لا برهان له به # وكما قال: # رب احكم بالحق # وكما قال الشاعر: # على لاحب لا يهتدي بمناره # ومعناه ليس هناك منار يهتدى به. ومثله كثير. # وقوله: { ذلك بما عصوا } إشارة إلى ما انزل الله من الذلة والمسكنة بما ~~عصوا من قتلهم الانبياء وعدوهم في السبت وغير ذلك. وقيل معناه: نقض ~~العهد. وكانوا يعتقدون في قتل الانبياء. انه روي انهم كانوا اذا قتلوا ~~النبي في أول النهار قامت سوق بقتلهم في آخره. وانما خلى الله بين ~~الكافرين، وقتل الانبياء، لينالوا من رفيع المنازل ما لم ينالوه بغيره ~~وليس ذلك بخذلان لهم كما فعل بالمؤمن من أهل طاعته. وقال الحسن: ان الله ~~تعالى ما امر نبيا بالحرب الا نصره. فلم يقتل: وانما خلى بينه وبين قتل ~~من لم يؤمر بالقتال من الانبياء. والذي نقوله: إن النبي ان كان ms0200 لم يؤد ~~الشرع، لا يجوز أن يمكن الله من قتله، لانه لو مكن فقتل لادى إلى ان تزاح ~~علل المكلفين فيما لهم من الالطاف، والمصالح فاذا أدوا الشرع، جاز حينئذ ~~أن يخلي بينهم، وبين من قتلهم، لانه لا يجب المنع منه وروى ابو هريرة عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: اختلف بنو اسرائيل بعد موسى ~~بخمسمائة سنة، حتى كثر منهم أولاد السبايا واختلفوا بعد موسى بماتي سنة # والاعتداء تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء ~~إلى غيره فقد تعداه إلى ما تجاوز اليه فمعنى الكلام فعلت بهم ما فعلت من ~~ذلك بما عصوا امري وتجاوزوا حده إلى ما نهيتهم عنه ### || [2.62] # القراءة: # قرأ نافع بترك الهمز من الصابئين، وجميع القراء الباقون يهمزون # اما { الذين آمنوا } وهم المصدقون برسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما ~~اتاهم من الحق من عند الله. واما الذين هادوا فهم اليهود. # اللغة: # ومعنى هادوا: تابوا. يقال: هاد القوم يهودون هودا، وهيادة وقال ابن ~~جريج: إنما سميت اليهود يهودا، لقولهم: انا هدنا اليك. قال أعرابي يؤخذ ~~بقوله: على ما قال ابو عبيدة: فاني من مدحه هائد أي تائب. وقيل: انما ~~سموا يهودا، لانهم نسبوا إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب فعربت الذال دالا. ~~وقال زهير: في معنى الرجوع: # سوى مرجع لم يات فيه مخافة # ولا رهقا من عابد متهود # أي تائب فسميت اليهود يهودا، لتوبتهم من عبادة العجل. واصل الهود: ~~الطمانينة. ويخبر به عن لين السير. ومنه الهوادة: وهي السكون. قال الحسين ~~بن علي المغربي انشدني ابو رعاية السلمي، وهو من افصح بدوي أطاف بنا، ~~واغزرهم رواية: # صباغتها من مهنة الحي بالضحى # جياد المداري حالك اللون اسودا # اذا نفضتة مال طورا بجيدها # وتمثاله طورا باغيدا فودا # كما مال قنوا مطعم هجرية # اذا حركت ريح ذرى النخل هودا # المطعم: النخلة. شبه شعرها باقناء البسر. هود تحرك تحريكة لينة قال ~~زهير: # ولا رهقا من عايد متهود # وليس اسم يهود مشتقا من هذا. # والنصارى ms0201 جمع نصران كقولهم سكران وسكارى. ونشوان ونشاوى. هذا قول ~~سيبويه: قال الشاعر: # تراه اذا كان العثي محنفا # يضحي لديه وهو نصران شامس # وقد سمع في الانثى نصرانة قال الشاعر: # وكلتاهما خرت واسجد رأسها # كما سجدت نصرانة لم تحنف # وقد سمع في جمعهم انصار بمعنى النصارى قال الشاعر: # لما رأيت نبطا انصارا # شمرت عن ركبتي الازارا # كنت لهم من النصارى جارا # والمشهور أن واحد النصارى نصري: مثل بعير مهري ومهارى. وانما سموا ~~نصارى، لنصرة بعضهم بعضا. دليله الآيات التي ذكرناها. وقيل انما سموا ~~بذلك لأنهم نزلوا ارضا يقال لها: ناصرة. وكان ينزلها عيسى فنسب اليها، ~~فقيل عيسى الناصري، ثم نسب اصحابه اليه فقيل النصارى، وهذا قول ابن عباس، ~~وقتادة، وابن جريج. وقيل: إنهم سموا بذلك، لقوله: # من أنصاري إلى الله # والصابئون جمع صابىء: وهو من انتقل من دينه إلى دين آخر كالمرتد من اهل ~~الاسلام. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر يسمى صابئا قال ابو زيد: صبا ~~فلان في دينه يصبا صبوا اذ كان صابئا وصبأ تاب الصبي يصبوا صبوا: اذا كان ~~طلع. وقال الزجاج: صبأت النجوم: اذا ظهرت. وقال ابو زيد: صبوت اليهم تصبأ ~~صبأ وصبوء: إذا طلعت عليهم، وكان معنى الصابىء التارك دينه الذي شرع له ~~إلى دين غيره: كما قال: ان الصابىء على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى ~~سواها. # فالدين الذي فارقوه هو تركهم التوحيد إلى عبادة لنجوم، أو تغطيتها. وقال ~~نافع هو مأخوذ من قولهم: صبا يصبوا اذا مال إلى الشيء، واحبه ولذلك لم ~~يهمز قال الشاعر: # صبوت اياديب وانت كبير # قال ابو علي الفارسي: هذا ليس بجيد، لأنه قد يصبو الانسان إلى دين فلا ~~يكون منه مدين به مع صبوه اليه فاذا كان هذا هكذا، وكان الصابئون منتقلين ~~من دينهم الذي اخذ عليهم إلى سواه، وجب ان يكون مأخوذا من صبأت الذي هو ~~الانتقال. ويكون الصابئون على قلب الهمزة، وقلب الهمزة على هذا الحد، لا ~~يجيزه سيبويه إلا في الشعر ويجيزه غيره فهو على ms0202 قول من اجاز ذلك. وممن ~~اجاز ذلك ابو زيد. وحكي عنه انه قال لسيبويه: سمعت قربت واخطيت قال فكيف ~~تقول في المضارع قلت: اقرأ فقال حسبك أو نحو هذا. قال ابو علي يريد ~~سيبويه ان قريت مع اقرأ لا ينبغي، لأن قريت اقرأ على الهمز وقريت على ~~القلب، فلا يجوز ان تغير بعض الأمثله دون بعض. فدل على ان القائل لذلك ~~غير فصيح، فانه غلط في لغته. وقال قتادة والبلخي: الصابئون قوم معرفون ~~لهم مذهب ينفردون به، من عبادة النجوم. وهم مقرون بالصانع وبالمعاد ~~وببعض الانبياء. وقال مجاهد والحسن وابن ابي نجيح: الصابئون بين اليهود ~~والمجوس لا دين لهم. وقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور. ~~وقال الخليل: هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى إلا ان قبلتهم نحو مهب ~~الجنوب. خيال منصف النهار، ويزعمون انهم على دين نوح. وقال ابن زيد: ~~الصابئون هم اهل دين من الاديان كانو بالجزيرة: جزيرة الموصل، يقولون لا ~~إله إلا الله ولم يؤمنوا برسول الله " صلى الله عليه وسلم " ، فمن اجل ~~ذلك كان المشركون يقولون للنبي " صلى الله عليه وسلم " واصحابه: هؤلاء ~~الصابئون: يشبهونهم بهم. وقال آخرون: هم طائفة من اهل الكتاب. والفقهاء ~~باجمعهم يجيزون اخذ الجزية منهم. وعندنا لا يجوز ذلك، لانهم ليسو اهل ~~الكتاب. # وقوله: { من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم }. # المعنى: # تقول: من صدق بالله وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة وعمل صالحا ~~واطاع الله فلهم اجرهم عند ربهم: يعني ثواب عملهم الصالح فان قيل: فاين ~~تمام قوله: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين قيل تمامه ~~جملة قوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر: لأن معناه: من أمن منهم ~~بالله واليوم الآخر، وترك ذكر منهم لدلالة الكلام عليه. # ومعنى الكلام: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن ~~منهم بالله واليوم الآخر فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم. # وقوله: { من آمن بالله واليوم الآخر }. # الاعراب: # في الناس من قال: هو خبر عن ms0203 الذين هادوا والنصارى والصابئين: لان الذين ~~آمنوا كانوا مؤمنين فلا معنى حينئذ ان يقول من آمن وهو نفسهم. # ومنهم من قال: هو راجع إلى الكل ويكون رجوعه على الذين آمنوا على وجه ~~الثبات على الايمان والاستدامة، وترك التبديل والاستبدال به. # وفى الذين هادوا والنصارى والصابئين: استئناف ايمان بالنبي " صلى الله ~~عليه وسلم " وما جاء به. # وقوله: { من آمن بالله } فوحد الفعل ثم قال فلهم اجرهم، لان لفظة (من) ~~وان كانت واحدة، فمعناها يكون للواحد والجمع والانثى والذكر. فان ذهب إلى ~~اللفظ وحد. وان ذهب إلى المعنى جمع كما قال: # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون # فجمع مرة مع الفعل لمعناه ووحد اخرى على اللفظ. قال الشاعر: # ألما بسلمى عنكما إن عرضتما # وقولا لها: عوجي على من تخلفوا # فجمع الفعل لانه جعل من بمنزلة الذين وربما كان لاثنين وهو ابعد وما جاء ~~فيه قال الفرزدق: # تعال فان عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # قوله: { من آمن بالله واليوم الآخر } # النزول: # قال السدي: نزلت في سلمان الفارسي، واصحابه النصارى الذين كان قد تنصر ~~على ايديهم قبل مبعث رسول الله " صلى الله عليه وسلم ". وكانوا قد أخبروه ~~بأنه سيبعث، وانهم يؤمنون به إن أدركوه. # وروي عن ابن عباس: أنها منسوخة بقوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # وهذا بعيد، لأن النسخ لا يجوز أن يدخل في الخبر الذي يتضمن الوعيد. ~~وانما يجوز دخوله فيما طريقه الأحكام الشرعية التي يجوز تغييرها وقال ~~قوم: إن حكمها ثابت. والمراد بها: ان الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن ~~قلوبهم من المنافقين هم واليهود، والنصارى، والصابئين إذا آمنوا بعد ~~النفاق، واسلموا عند العناد، كان لهم أجرهم عند ربهم: كمن آمن في أول ~~الاسلام من غير نفاق، ولا عناد، لأن قوما من المسلمين قالوا: إن من أسلم ~~بعد نفاقه، وعناده كان أجره اقل وثوابه انقص. وأخبر الله بهذه الآية أنهم ~~سواء في الأجر والثواب. واولى الأقاويل ما قدمنا ذكره. ms0204 وهو المحكي عن ~~مجاهد والسدي: ان الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى، ~~والصابئين من آمن من اليهود، والنصارى، والصابئين بالله واليوم الآخر، ~~فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأن هذا اشبه بعموم ~~اللفظ. والنخصيص ليس عليه دليل. # وقد استدلت المرجئة بهذه الآية على أن العمل الصالح، ليس من الايمان، ~~لأن الله تعالى أخبرهم عنهم بأنهم آمنوا، ثم عطف على كونهم مؤمنين. أنهم ~~إذا عملوا الصالحات ما حكمها. قالوا: ومن حمل ذلك على التأكيد أو الفضل، ~~فقد ترك الظاهر. وكل شيء يذكرونه مما ذكر بعد دخوله في الأول مما ورد به ~~القرآن: نحو قوله: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # ونحو قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح # ونحو قوله: { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا }. وقوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # قالوا: جميع ذلك مجاز. ولو خلينا والظاهر، لقلنا: إنه ليس بداخل في ~~الأول. فان قالوا: أليس الاقرار، والتصديق من العمل الصالح؟ فلا بد لكم ~~من مثل ما قلناه، قلنا عنه جوابان: # احدهما ان العمل لا يطلق الا على افعال الجوارح، لانهم لا يقولون: ~~عملت بقلبي، وانما يقولون: عملت بيدي او برجلي. # والثاني ان ذلك مجاز، وتحمل عليه الضرورة. وكلامنا مع الاطلاق. # وقوله: { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }: يعني لا خوف عليهم مما قدموا ~~عليه من اهوال القيامة. ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا عند ~~معاينتهم ما اعد لهم من الثواب، والنعيم المقيم عنده وقبل: انه لا يحزنون ~~من الموت. ### || [2.63] # تقديره: واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم. # اللغة: # الميثاق: المفعال من الوثيقة، اما بيمين، واما بعهد وغير ذلك من ~~الوثائق. والميثاق الذي اخذه الله هو الذي ذكره في قوله: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا # في الآيات التي ذكر بعدها. ويحتمل ان يكون اراد الميثاق الذي اخذ الله ~~على الرسل في قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم # وقوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ms0205 وحكمة ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري # وقد بينا ان اخذ العهد هو ما نصب لهم من الحجج الواضحة، والبراهين ~~الصحيحة الدالة على توحيده، وعدله، وصدق انبيائه ورسله. وافسدنا ما يقوله ~~اهل الحشو: من استخراج الذرية من ظهر آدم، واخذ العهد عليهم بما لا يحتاج ~~إلى اعادته. # وقوله: { ورفعنا فوقكم الطور }. قال مجاهد: الطور هو الجبل. وكذلك هو في ~~اللغة. وقال العجاج: # دانى جناحيه من الطور فمر # تقضي البازي اذا البازي كسر # وقيل: إنه اسم جبل بعينه. ناجى الله عليه موسى بن عمران. ذهب اليه ابن ~~عباس وابن جريج. وقيل: انه من الجبال التي تنبت دون ما لا تنبت. رواه ~~الضحاك عن ابن عباس وقال قتادة { ورفعنا فوقكم الطور } قال: الطور الجبل ~~اقتلعه فرفعه فوقهم. فقال: { خذوا ما آتيناكم بقوة } وقال مجاهد: الطور ~~اسم جبل بالسريانية وقال قتادة: بالعربية. # وقال قوم من النحويين: معنى خذوا تقديره ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم ~~خذوا ما اتيناكم يعني التوراة بقوة. اي بجد ويقين، لا شك فيه والا قذفناه ~~عليكم كما تقول: اوجبت عليه قم اي اوجبت عليه فقلت قم. وقال الفراء: اخذ ~~الميثاق: قول بلا حاجة بالكلام إلى اضمار قول. فيكون من كلامين. غير انه ~~ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بمعنى القول، أن تكون معه أن ~~كما قال تعالى: # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك # قال ويجوز حذف أن # ومعنى { ما آتيناكم } أي اعطيناكم لأن الايتاء هو الاعطاء. يعني ما ~~امرناكم به في التوراة. { بقوة }: أي بجد ويقين على ما بيناه. وهو قول ~~ابن عباس وقتادة، والسدي. وقال ابو العالية والربيع بن انس: بطاعة الله ~~وقال مجاهد: إنه العمل بما فيه وحكي عن ابن الجران معناه: القبول: وقال: ~~ابو علي: { بقوة } معناه: بالقدرة التي جعلنا فيكم. وذلك دلالة على ان ~~القدرة قبل الفعل. ومعنى اذكروا ما فيه. قال قوم: احفظوه، لا تنسوه. وقال ~~آخرون: اعملوا بما فيه ولا ms0206 تتركوه. والمعنى في ذلك ان ما اتيناكم فيه من ~~وعد ووعيد، وترغيب وترهيب اعتبروا به، واقبلوه وتدبروه، كي اذا فعلتم ذلك ~~تتقوني وتخافوا عذابي بالاصرار على ضلالتكم فتنتهوا إلى طاعتي فتنزعوا ~~عما انتم عليه من المعصية. ### || [2.64] # قوله توليتم: اعرضتم ووزنه: تفعلتم من قولهم ولاني فلان دبره: اذا ~~استدبر عنه وجعله خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة آمر ومعرض ~~بوجهه. يقال: فلان تولى عن طاعة فلان، ويتولى عن مواصلته وصداقته، ومنه ~~قوله: # فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون # يعني خالفوا ما وعد الله من قوله: # لئن آتانا الله من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين # ونبذوا ذلك وراء ظهورهم فصار معنى الآية انكم نبذتم العهد الذي اخذناه ~~عليكم بعد اعطائكم المواثيق. وكنى بذلك عن جميع ما تقدم ذكره في الآية، ~~ثم قال: { فلولا فضل الله عليكم } يعني فلولا ان فضل الله عليكم بالتوبة ~~بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه اذ رفع فوقكم الطور فاجتهدتم في طاعته، ~~واداء فرائضه، وانعم عليكم بالاسلام، وبرحمته التي رحمكم بها، فتجاوز عن ~~خطيئتكم بمراجعتكم طاعة ربكم لكنتم من الخاسرين. وهذا وان كان خطابا لمن ~~كان بين ظهراني مهاجر رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فانما هو خبر عن ~~اسلافهم. فاخرج الخبر مخرج الخبر عنهم. على نحو ما مضى ذكره. وقال قوم: ~~الخطاب في هذه الآية انما اخرج باضافة الفعل إلى المخاطبين والفعل لغيرهم ~~لأن المخاطبين انما كانوا يتولون من كان فعل ذلك من اوائل بني اسرائيل، ~~فصيرهم الله منهم، من اجل ولايتهم لهم. وقال بعضهم: انما قال لهم ذلك، ~~لأن سامعيه كانوا عالمين. وان الخطاب خرج مخرج الخطاب للاحياء من بني ~~اسرائيل، واهل الكتاب وان كان المعنى في ذلك انما هو خبر عما مضى من ~~اسلافهم ومثل ذلك قول الشاعر: # اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من ان تقري به بدا # فقال: اذا ما انتسبنا. واذا تقتضي من الفعل مستقبلا. ثم قال: لم تلدني ~~فاخبر عن ماض، لأن الولادة ms0207 قد مضت لأن السامع فهم معناه والاول اقوى - ~~وقال ابو العالية: فضل الله الاسلام ورحمته القرآن. # وقوله: { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين }. # لا يدل على ان الذين خسروا، لم يكن عليهم فضل الله لأن فضل الله شامل ~~لجميع الخلائق، لأن ذلك دليل خطاب. وليس ذلك بصحيح عند الاكثر، والذي ~~يكشف عن ذلك، ان الواحد منا قد يعطي اولاده وعبيده يتفضل على جميعهم ثم ~~يبذره بعضهم ويبقى فقيرا. ويحفظه آخر فيصير غنيا، ويحسن ان يقول للغني ~~منهم لولا فضلي عليك لكنت فقيرا. ولا يدل على انه لا يتفضل على الذي هو ~~فقير. واذا كان كذلك كان تأويل الآية انه لولا اقداري لكم على الايمان ~~وازاحة علتكم فيه حتى فعلتم ايمانكم، لكنتم من الخاسرين. وانما جعل ~~الايمان فضلا فيؤتيه الذين به ينجون ولم يكونوا خاسرين من حيث كان هو ~~الداعي اليه والمقدر عليه، والمرغب اليه. # ويحتمل ان يكون المعنى: ولولا فضل الله عليكم بامهاله اياكم بعد توليكم ~~عن طاعته حتى تاب عليكم برجوع بعضكم عن ذلك وتوبته لكنتم من الخاسرين. # ويحتمل ان يكون اراد بهذا الفضل في وقت رفع الجبل فوقهم باللطف والتوفيق ~~الذي تابوا عنده حتى زال عنهم العذاب وسقوط الجبل، ولولا فضل الله: لسقط ~~الجبل ### || [2.65] # المعنى: # علمتم أي عرفتم ها هنا. فقوله: علمت اخاك ولم اكن اعلمه: أي عرفته ولم ~~اكن اعرفه كقوله تعالى: # وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم # يعني لا تعرفونهم الله يعرفهم. والذين نصب، لأنه مفعول به. اعتدوا: أي ~~ظلموا وجاوزوا ما حد لهم، وكانوا امروا ألا يعدوا في السبت، وكانت ~~الحيتان تجتمع، لامنها في السبت فحبسوها في السبت واخذوها في الاحد. ~~واعتدوا في السبت، لأن صيدها هو حبسها. وقال قوم: بل اعتدوا فصادوا يوم ~~السبت وسمي السبت سبتا لان السبت هو القطعة من الدهر فسمي بذلك اليوم، ~~هذا قول الزجاج وقال ابو عبيدة: سمي بذلك: لأنه سبت خلق فيه كل شيء: اي ~~قطع وقوع. وقال قوم سمي بذلك لأن اليهود يسبتون ms0208 فيه: اي يقطعون الاعمال. ~~وقال آخرون: سمي بذلك، لما لهم فيه من الراحة، لان اصل السبت هو السكون ~~والراحة. ومن ذلك قوله: # وجعلنا نومكم سباتا # وقيل للنائم مسبوت لاستراحته وسكون جسده فسمي به اليوم، لاستراحة اليهود ~~فيه. # وقوله: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين }. اخبار عن سرعة فعله ومسخه ~~اياهم. لا أن هناك امرا كما قال للسموات والأرض # ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين # ولم يكن هناك قول، وانما اخبر عن تسهل الفعل عليه وتكوينه له بلا مشقة، ~~بلفظ الامر. # ومعنى الآية على ما قاله اكثر المفسرين: انه مسخهم قردة في صورة القردة ~~سواء. # وحكي عن ابن عباس: انه قال: لم يعش مسخ قط اكثر من ثلاثة ايام. ولم يأكل ~~ولم يشرب. # وقال مجاهد: إن ذلك مثل ضربه الله، كما قال: # كمثل الحمار يحمل أسفارا # ولم يمسخهم قردة. وحكي عنه ايضا: انه قال مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب ~~القردة لا تقبل وعظا ولا تقي زجرا. وهذان القولان منافيان لظاهر ~~التأويل: لما عليه اكثر المفسرين من غير ضرورة داعية اليه. وقوله: { ~~خاسئين }: اي مبعدون، لأن الخاسىء هو المبعد المطرود كما يخسأ الكلب. ~~تقول: منه خسأه اخسؤه خسء وخسيا هو يخسو خسوا. يقال: خسأته فخسأ ~~وانخسأ. قال الراجز: # كالكلب ان قلت له اخسا انخسا # اي إن طردته، انطرد. وقال مجاهد معناه، اذلاء صاغرين. والمعنى قريب. # وفي هذه الآيات احتجاج من الله تعالى بنعمه المترادفة واخبارا للرسول ~~عن عناد اسلافهم وكفرهم مرة بعد اخرى مع ظهور الأيات والعلامات، تعزية له ~~" صلى الله عليه وسلم " وتسلية له عندما رأى من جحودهم، وكفرهم وليكون ~~وقوفه على ما وقف عليه من اخبارهم حجة عليهم وتنبيها لهم وتحذيرا ان ~~يحل بهم مما حل بمن تقدمهم من آبائهم واسلافهم. ### || [2.66] # المعنى: # الضمير في قوله: { فجعلناها } يحتمل ان يكون راجعا إلى العقوبة او ~~القردة فكأنه قال: جعلنا القردة، اي ما حل بها من التشويه وتغيير الخلقة، ~~دلالة على ان من تقدمهم او تأخر عنهم. فمن فعل مثل فعلهم يستحق من ms0209 العقاب ~~مثل الذي نزل بهم نكالا لهم جميعا وموعظة للمتقين: اي تحذيرا ~~وتنبيها، لكيلا يواقعوا من المعاصي ما واقع أولئك فيستحقوا ما استحقوا ~~نعوذ بالله من سخطه ويحتمل ان تكون (الهاء) راجعة إلى الحيتان. ويحتمل ~~ان تكون راجعة إلى القرية التي اعتدوا اهلها فيها. ويحتمل ان تكون ~~(الهاء) راجعة إلى الامة الذين اعتدوا وهم اهل ايلة: قرية على شاطىء ~~البحر. وروي ذلك عن ابي جعفر " ع ". # وقوله: { نكالا } قال ابن عباس: عقوبة. وقال غيره: ينكل بها من يراها. ~~وقيل: انها شهرة، لأن النكال: الاشتهار بالفضيحة، ذكر ذلك الجبائي. وليس ~~بمعروف. # والنكال الارهاب للغير واصله المنع، لانه مأخوذ من النكل وهو القيد، وهو ~~ايضا اللجام وكلاهما مانع. # وقوله: { لما بين يديها وما خلفها }. روي عن عكرمة عن ابن عباس: انه ~~اراد ما بين يديها وما خلفها من القرى. وروي عن الضحاك عن ابن عباس انه: ~~اراد ما بين يديها يعني: من بعدهم من الامم. وما خلفها الذين كانوا معهم ~~باقين. وقال السدي { ما بين يديها }: من ذنوبها { وما خلفها } يعني: عبرة ~~لمن يأتي بعدهم من الامم. وقال قتادة { لما بين يديها } ذنوبها { وما ~~خلفها }: عبرة لمن يأتي خلفهم: بعدهم من الامم وقال قتادة لما بين يديها ~~ذنوب القوم وما خلفها الحيتان التي اصابوها وقال مجاهد: ما بين يديها ما ~~مضى من خطاياهم. وما خلفها من خطاياهم: التي اهلكوا بها { وموعظة للمتقين ~~}. خص المتقين بها وان كانت موعظة لغيرهم ، لانتفاع المتقين بها دون ~~الكافرين. كما قلناه في غيره. كقوله: { هدى للمتقين }. واصل النكال ~~العقوبة تقول: نكل فلان ينكل تنكلا ونكالا قال عدي بن زيد: # لا يسخط المليك ما يصنع العب # د ولا في نكاله تنكير # واقوى التأويلات ما رواه الضحاك عن ابن عباس: من انها كناية عن العقوبة ~~والمسخة التي مسخها القوم، لان في ذلك اشارة إلى العقوبة التي حلت بالقوم ~~ وان كانت باقي الاقوال ايضا جائزة. ### || [2.67] # القراءة: # قرأ ابو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر: هزوا مثقلا، وكذلك كفوا مثقلة. ~~وقرأ ms0210 آخر مخففا. وعاصم يثقلهن ويخففهن. وحمزة يخففهن ثلاثهن. # الاعراب واللغة: # قوله: { وإذ } معطوفة على قوله واذكروا نعمتي التي انعمت عليكم: واذكروا ~~اذ قال موسى لقومه. واهل الحجاز يثقلون هذه الكلمات. وبنو أسد وتميم ~~وعامة قيس يخففونهن ومن لا يحصى ممن تجاوزهم يقولون عن مكان أن اذا كانت ~~الهمزة مفتوحة: يجعلونها عينا ويقولون اشهد عن رسول الله فاذا كسروها ~~رجعوا إلى لغة اهل الحجاز إلى الهمزة. # المعنى: # وهذه الآية فيها توبيخ للمخاطبين من بني اسرائيل في نقض اوائلهم الميثاق ~~والذي اخذه الله عليهم بالطاعة لانبيائه. فقال: واذكروا ايضا من نكثهم ~~ميثاقي اذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم ان تذبحو بقرة قالوا اتتخذنا ~~هزوا. # والهزء والسخرية واللعب نظائر. قال الراجز: # قد هزئت مني ام طيلسة # قالت اراه معدما لا شيء له # اي سخرت ولعبت ولا يجوز أن يقع من انبياء الله عز وجل فيما يؤدونه هزوا ~~ولا لعب. وظنوا في امره اياهم عن الله: بذبح البقرة عند نذرائهم في ~~القتيل انه هازىء لاعب ولم يكن لهم ذلك. # وحذفت الفاء من قوله: أتتخذنا هزوا وهو جواب للاستغناء ما قبله من ~~الكلام عنه وحسن السكوت على قوله إن الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فجاز ~~لذلك اسقاط الفاء من قوله. فقالوا كما حسن اسقاطها في قوله: # فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا # ولم يقل فقالوا. ولو قيل بالفاء لكان حسنا. ولو كان ذلك على كلمة واحدة ~~لم تسقط منه الفاء ألا ترى انك اذا قلت: قمت ففعلت، لم يجز اسقاط الفاء ~~لانها عطف لا استفهام يوقف عليه. # فقال موسى حينئذ: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين. يعني السفهاء الذين ~~يردون على الله الكذب والباطل. وكان السبب في امر موسى لقومه بذبح البقرة ~~ما ذكره المفسرون أن رجلا من بني اسرائيل كان غنيا ولم يكن له ولد وكان ~~له قريب يرثه قيل انه اخوه وقيل انه ابن اخيه وقيل ابن عمه واستبطأ موته ~~فقتله سرا والفاه في موضع بعض الاسباط وادعى قتله على احدهم ms0211 فاحتكموا ~~إلى موسى فسأل من عنده من ذلك علم فقال انت نبي الله وانت اعلم منا فقال ~~ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة فلما سمعوا ذلك منه وليس في ظاهره جواب ~~عما سألوا عنه قالوا اتتخذنا هزوا قال اعوذ بالله أن اكون من الجاهلين ~~لان الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل. وقال بعضهم وانما ~~امروا بذبح البقرة دون غيرها لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عليهم ~~ما كانوا يرونه من تعظيمهم وليعلم باجابتهم زوال ما كان في نفوسهم من ~~عبادته والبقرة اسم الانثى. والثور للذكر: مثل ناقة وجمل، وامرأة ورجل، ~~فيكون تأنيثه بغير لفظه. # والبقرة: مشتق من الشق: يقولون: بقر بطنه: إذا شقه، لأنها تشق الأرض في ~~الحرث. ### || [2.68] # الفارض: الكبيرة المسنة. وبه قال الجمهور. يقال منه: فرضت البقرة تفرض ~~فروضا. وفرضت تفرض فراضة: إذا أسنت. قال الشاعر: # لعمري لقد اعطيت جازك فارضا # تساق إليه ما تقوم على رجل # وقيل: إن الفارض: التي قد ولدت بطونا كثيرة. فيتسع لذلك جوفها، لأن معنى ~~الفارض، في اللغة الواسع. وهو قول بعض المتأخرين. واستشهد بقول الراجز: # يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # ومنه قول الراجز: # هدلاء كالوطب تجاه الماخض # له زجاج ولهاة فارض # ويقال لحية فارض: إذا كانت عظيمة. قال الشاعر: # شيب اصداغي فرأسي ابيض # محامل فيها رجال فرض # أي ذو أسنان: وقال الجبائي: الفارض: التي لم تلد بطونا كثيرة، فيتسع ~~لذلك بطنها. قال الرماني وهذا غلط لا يعرف. والبكر: الصغيرة التي لم ~~تحمل. والبكر من اناث البهائم وبني آدم: ما لم يفتحله الفحل. مكسورة ~~الباء والبكر: بفتح الباء الفتي من الابل # والعوان: النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين قال الفراء: يقال من ~~العوان: عونت المرأة تعوينا بالفتح والتشديد وعونت: إذا بلغت ~~ثلاثين سنة. وقال أبو عبيدة: إنما قال: { عوان بين ذلك } ولم يقل بينهما، ~~لأنه أخرجه على لفظة واحدة، على معنى هذا الكلام الذي ذكرناه. قال رؤبة ~~في صفة العير: # فيه خطوط من ms0212 سواد وبلق # كأنها في الجلد توليع البهق # قال ابو عبيدة: إن أردت الخطوط، فقل: كأنها، وان اردت السواد والبلق، ~~فقل: كانهما. فقال: كان ذلك وذاك. قال الفراء: إنما يصح ان يكنى عن ~~الاثنين بقولهم ذاك في الفعلين خاصة. ولا يجوز في الاسمين. ألا ترى، انهم ~~يقولون: اقبالك وادبارك يشق علي، لأنهما مشتقان من فعل. ولم يقولوا: أخوك ~~وابوك يزورني حتى تقول: يزوراني. وقال الزجاج تقول: ظننت زيدا قائما ~~فيقول القائل ظننت ذلك وذاك. قال الشاعر في صفة العوان: # خرجن عليه بين بكر عويرة # وبين عوان بالعمامة ناصف # بين ذلك يعني بين الكبيرة والصغيرة. هو اقوى ما يكون من البقر واحسنه ~~قال الاخطل: # وما بمكة من شمط محفلة # وما بيثرب من عون وابكار # ويقال بقرة عوان، وبقر عون. قال الاخفش: لا فارض، ولا بكر. ارتفع ولم ~~ينتصب كما ينتصب النفي لأن هذه صفة في معنى البقرة والنفي المنصوب، لا ~~يكون صفة من صفتها. انما هو اسم مبتدأ وخبره مضمر. وهذا مثل قولك: عبد ~~الله لا قائم ولا قاعد. أدخلت لا للنفي وتركت الاعراب على حاله، لو لم ~~يكن فيه لا، ثم قال: { عوان } فوقع على الابتداء. كأنه قال: هي عوان. ~~ويقال ايضا: عوانة. قال الاعشى: # بكميت عرفاء محمرة مخف # عربها عوانة اوفاق ### || [2.69] # الاعراب: # لونها: رفع لأن ما ليست زائدة، بل هي بمعنى أي: كأنهم قالوا: أي شيء ~~لونها؟ وقوله: { يبين }: جزم لأنه جواب الأمر بغير ياء. # ومعنى الآية: أن قوم موسى قالوا: يا موسى أدع لنا ربك يبين لنا ما لون ~~البقرة التي امرنا بذبحها. # واما قوله: { صفراء } قال الحسن المراد به: سوداء شديدة السواد. تقول ~~العرب: ناقة صفراء أي سوداء. قال الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر ألوانها كالزبيب # يعني ركابي هن سود. غير أن هذا وان وصفت به الابل، فليس مما توصف به ~~البقر. مع ان العرب لا تصف السواد بالفقوع. وانما تصفه بالشدة وبالحلوكة ~~ونحوها. تقول: اسود حالك وحائك وحنكوك وغربيب ودجوجي، ولا تقول: فاقع. ms0213 ~~وقال أكثر المفسرين: إنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة وهذا الصحيح، ~~لأنه الظاهر، ولأنه قال: { فاقع لونها } وهو الصافي ولا يوصف السواد بذلك ~~ على ما بيناه فاما ما ابيض فيؤكدونه بأنه ناصع، واخضر ناضر واصفر ~~فاقع. وقال سعيد بن جبير: المعنى في الآية: بقرة صفراء القرن والظلف. ~~وقال مجاهد: صفراء اللون كله. وهو الظاهر لأنه قال: فاقع لونها. فوصف ~~جميع اللون بذلك. وقال ابن عباس: أراد بذلك صفراء شديدة الصفرة. وقال ~~غيره: خالص وقال ابو العالية وقتادة: الصافي. وقوله: { تسر الناظرين } ~~فالسرور: ما يسر به القلب. والفرح ما فرحت به العين وقيل معناه: تعجب ~~الناظرين. ومن القراء من اختار الوقف على قوله: { صفراء } والصحيح ان ~~الوقف انما يجوز عند تمام النعت كله وقال قوم: التمام عند قوله: { فاقع } ~~ويقال فقع لونها يفقع بالتشديد وضم الياء ويفقع بالتخفيف وفتح ~~الياء فقوعا اذا خلصت صفرته. ### || [2.70] # القراءة: # القراء كلهم على تخفيف الشين مفتوحة الهاء. وقرأ الحسن: بتشديد الشين، ~~وضم الهاء، وقرأ الاعمش إن البقر متشابه. وكذا هو في مصحف ابن مسعود ~~والمعمول على ما عليه القراء وما هو في المصحف المعروف. تقدير الكلام، ~~قال قوم موسى لما امروا بذبح البقرة لموسى. وترك ذكر موسى، لدلالة الكلام ~~عليه. # اللغة: # واهل الحجاز يؤنثون البقر. فيقولون: هذه بقر وكذلك النخل. وكل جمع كان ~~واحده بالهاء، وجمعه بطرح الهاء، فانهم يؤنثون ذلك وربما ذكروا ذلك قال ~~الله تعالى # كأنهم أعجاز نخل خاوية # بالتأنيث وفي موضع آخر: # كأنهم أعجاز نخل منقعر # والاغلب عليهم التأنيث. واهل نجد يذكرون وربما انثوا. والتذكير الغالب. ~~فمن ذكر نصب الهاء من { تشابه } يعني التبس واشتبه. ومن انث رفع الهاء ~~لأنه يريد يتشابه علينا. # والبقر، والباقر، والجامل، والجمال بمعنى واحد. وقرأ بعضهم إن الباقر ~~تشابه علينا. وهو شاذ. قال الشاعر: # وما ذنبه ان عافت الماء باقر # وما ان تعاف الماء الا لتضربا # وقال آخر: # ما لي رأيتك بعد اهلك موحشا # خلقا كحوض الباقر المنهدم # وقال آخر: # لهم جامل لا يهدأ الليل سامره # يريد ms0214 الجمال. والذي ذهب اليه ابن جريج، وقتادة ورووه عن ابن عباس عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) انهم امروا بادنى بقرة، لكنهم لما شددوا على ~~أنفسهم، شدد الله عليهم: وايم الله، لو انهم لم يستثنوا ما تبينت لهم إلى ~~آخر الدهر يعني انهم لو لم يقولوا وانا ان شاء الله لمهتدون بتعريف الله ~~ايانا، وبما شاء له الله من اللطف والزيادة في البيان. وكل من اختار ~~تاخير بيان المجمل عن حال الخطاب استدل بهذه الآية على جواز ذلك. وسنبين ~~ذلك فيما بعد ان شاء الله. ### || [2.71] # المعنى ان البقرة التي امرتكم بذبحها، لا ذلول أي لم يذللها العمل ~~باثارة الارض باظلافها. ولا تسقي الحرث. معناه: ولا يستقى عليها الماء، ~~فيسقى الزرع. كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب والعمل. تقول دابة ~~ذلول بين الذل بكسر الذال - وفي مثله من بني آدم رجل ذليل بين الذل ~~والمذلة. قال الزجاج: يحتمل أن يكون اراد ليست بذلول وهي تثير الارض. ~~ويحتمل: انها ليست ذلولة، ولا مثيرة الارض قيل: إنها كانت وحشية في قول ~~الحسن مسلمة. معناه: من السلامة. يقال منها سلمت تسلم، فهي مسلمة من ~~الشية. # لاشية فيها لا بياض فيها، ولا سواد. وقال قتادة مسلمة من العيوب: وبه ~~قال الربيع. وقال ابن جريج: لا عوان فيها. قال المؤرخ: لاشية فيها: أي لا ~~وضح فيها بلغة اردشنوه والذي قال اهل اللغة { لاشية فيها }: اي لا لون ~~يخالف لون جلدها واصله: وشى الثوب واصله تحسين عيوب الشيء، يكون فيه ~~بضروب مختلفة من الوان سداه، ولحمته يقال منه: وشيت الثوب: اشيه شية ~~ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان، أو غيره واش لكذبه عليه ~~عنده. وتحسينه كذبه عنده بالاباطيل يقال: وشيت به وشاية. قال كعب بن ~~زهير: # يسعى للوشاة بجنبيها وقولهم # انك يابن ابي سلمى لمقتول # يعني: انهم يتقولون الاباطيل، ويخبرونه انه إن الحق بالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) قتله وقال بعض اهل اللغة ان الوشي: العلامة واصله: شية من ~~وشيت، لكن لما اسقطت منها ms0215 الواو وابدلت مكانها الهاء في اخرها: كما ~~قالوا: وزنته زنة ووعدته عدة. وكذلك وشيته شية. # وقالوا: { الآن جئت بالحق } موصولة الهمزة واذا ابتدأت، قطعت الالف ~~الاولى، لأن الف الوصل إذا ابتدىء بها قطعت. قال الفراء: والاصل الاوان. ~~فحذفت الواو. والالف واللام دخلتا في آن لانهما ينوبان عن الاشارة. ~~المعنى انت إلى هذا الوقت تفعل هذا. فلم تعرب الآن كما لم تعرب هذا. ومن ~~العرب من يقول { قالوا الآن جئت بالحق } ويذهب الوصل ويفتح اللام، ويحذف ~~الهمزة التي بعد اللام. ويثبت الواو في (قالوا) ساكنا، لأنه انما كان ~~يذهبه لسكون اللام. واللام قد تحركت، لأنه حول عليها حركة الهمزة قال ~~الشاعر: # وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة # فبح لان منها بالذي انت بايح # المعنى: # ومعنى قوله: { الآن جئت بالحق } يحتمل امرين: # احدهما الان بينت الحق. وهو قول قتادة. وهذا يدل على انه كان فيهم من ~~يشك في ان موسى (ع) ما بين الحق. وقال عبد الرحمان: يريد انه حين بينها ~~لهم، قالوا هذه بقرة فلان. الآن جئت بالحق وهو قول من جوزانه قبل ذلك لم ~~يجىء بالحق على التفصيل وإن تى به على وجه الجملة وقوله: { فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون } يحتمل امرين: # احدهما كادوا لا يفعلون اصلا، لغلاء ثمنها، لأنه حكي عن ابن عباس ~~ومحمد ابن كعب انهم اشتروها بملء جلدها ذهبا من مال المقتول. # وقيل بوزنها عشر مرات. # والثاني ما قال عكرمة ووهب كادوا ألا يفعلوا خوفا من الفضيحة على ~~انفسهم في معرفة القاتل منهم، قال عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. # اللغة: # ومعنى كاد: هم ولم يفعل. ولا يقال كاد أن يفعل. وانما يقال كاد يفعل، ~~قال الله ما كادوا يفعلون قال الشاعر: # قد كاد من طول البلى ان يمصحا # يقال مصح الشيء اذا فني وذهب. يمصح مصوحا. وانشد الاصمعي: # كادت النفس ان تفيض عليه # اذ ثوى حشو ريطة وبرود # ولا يجىء منه إلا فعل يفعل وتثنيتها. وقال بعضهم: قد جاءت بمعنى إيقاع ~~الفعل لا بمعنى الهم والقرب ms0216 من ايقاعه، وانشد قول الاعشى: # قد كاد يسمو إلى الجرباء وارتفعا # الجرباء: السماء: أي سما وارتفع وقال ذو الرمة: # لو أن لقمان الحكيم تعرضت # لعينيه مي سافرا كاد يبرق # أي لو تعرضت لعينيه أي دهش وتحير. وروي عن ابي عبد الله السلمي انه قرأ ~~لا ذلول بفتح اللام غير منون وذلك لا يجوز لأنه ليس المراد النفي وانما ~~المراد بها بقرة غير ذلول وعندنا انه يجوز في البقرة غير الذبح. فان نحر ~~مختارا لم يجز اكله وفيه خلاف، ذكرناه في خلاف الفقهاء. # قد استدل اصحابنا بهذه الآيات على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى ~~وقت الحاجة. فان قالوا ان الله امرهم بذبح بقرة هذة الصفات كلها لها، ولم ~~يبين ذلك في اول الخطاب حتى سألوا عنه وراجعوا فيه، فبين حينئذ المراد ~~لهم شيئا بعد شيء. وهذا يدل على جواز تأخير البيان. فان قيل ولم زعمتم ~~ان الصفات المذكورة في البقرة الأولى التي امروا بذبحها، وما الذي تنكرون ~~انهم امروا بذبح البقرة أي بقرة كانت فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا ~~بذبح بقرة اخرى هي لا فارض ولا بكر فلما راجعوا تغيرت المصلحة، فأمروا ~~بذبح بقرة صفراء فاقع لونها فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة ~~لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها. وانما يصح لكم لو ~~كانت الصفات المذكورة كلها مرادة في البقرة الاولى. # قلنا هذا باطل، لأن الكناية في قوله: { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي } لا يجوز ان تكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها وامروا ~~بذبحها، لأنه لم يجر في الكلام ما يجوز ان تكون هذه الكناية عنه إلا ~~البقرة، ويجري ذلك مجرى ان يقول واحد لغلامه: اعطني تفاحة فيقول الغلام ~~ما هي؟ بينها فلا يصرف واحد من العقلاء هذه الكناية إلا إلى التفاحة ~~المأمور باعطائه اياها. # ثم يقال بعد ذلك انها بقرة لا فارض ولا بكر وقد علمنا ان الهاء في قوله: ~~انه يقول كناية عنه تعالى، لأنه لم يتقدم ms0217 ما يجوز ان يكون كناية عنه إلا ~~اسمه تعالى. وكذا يجب ان يكون قوله انها كناية عن البقرة المتقدم ذكرها ~~وإلا فما الفرق بين الامرين؟ وكذلك الكلام في الكناية الثانية والثالثة ~~سواء. ولا خلاف بين المفسرين ان الكناية في الآية من اولها إلى آخرها: ~~كناية عن البقرة المأمور بها في الأول. # وقالت المعتزلة: انها كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بها. # ولا خلاف بين المفسرين ان جميع الصفات المذكورات للبقرة اعوز اجتماعها ~~للقوم حتى توصلوا إلى اجتماع بقرة لها هذه الصفات كلها بملء جلدها ذهبا. ~~وروي اكثر من ذلك. ولو كان الامر على ما قاله المخالف لوجب ان لا يعتبروا ~~فيما يبتاعونه إلا الصفات الاخيرة دون ما تقدمها، وتلغي الصفات المتقدمة ~~اجماعهم على ان الصفات كلها معتبرة. دليل على ان الله تعالى أخر البيان. ~~فان قيل لم عنفوا على تأخيرهم امتثال الامر الأول مع ان المراد بالامر ~~الأول تأخر؟ ولم قال فذبحوها وما كادوا يفعلون؟ قلنا ما عنفوا بتأخير ~~امتثال الأمر الأول: وليس في الظاهر ما يدل عليه بل كان البيان يأتي ~~شيئا بعد شيء كما طلبوه من غير تعنيف فلا قول يدل على انهم بذلك عصاة. ~~فاما قوله: في اخر القصة: { فذبحوها وما كادوا يفعلون }. # فانما يدل على انهم كادوا يفرطون في اخر القصة، وعند تكامل البيان. ولا ~~يدل على انهم فرطوا في اول القصة. # ويقوي ذلك قوله تعالى بعد جمع الاوصاف: { الآن جئت بالحق } اي جئت به ~~على جهة التفصيل. وان كان جاءهم بالحق مجملا. وهذا واضح بحمد الله، وقد ~~استوفينا الكلام في هذه الآية وغيرها في العدة في اصول الفقه ما لا مزيد ~~عليه. ### || [2.72] # تقدير الآية: واذكروا إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها. وهو عطف على قوله: ~~{ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }. وهو متقدم على قوله: { وإذ قال موسى ~~لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } لانهم انما امروا بذبح البقرة بعد ~~تدارئهم في امر المقتول. # ومعنى ادارأتم: اختلفتم واصله تدارأتم. فادغمت التاء في الدال بعد ms0218 ان ~~سكنت، وجعلوا قبلها ألفا لتمكن النطق بها. قال ابو عبيدة: اداراتم: بمعنى ~~اختلفتم فيها. من التدارؤ، ومن الدرء وقيل الدراء: العوج: اي اعوججتم عن ~~الاستقامة، ومنه قول الشاعر: # فنكب عنهم درء الاعادي # وداووا بالجنون من الجنون # اي اعوجاج الاعادي وقال قوم: الدرء المدافعة. ومعناه تدافعتم في القتل. ~~ومنه قوله: { ويدرأ عنها العذاب }. وقال رؤبة ابن العجاج: # ادركتها قدام كل مدره # بالدفع عني درء كل عنجه # ويقال: فلان لا يداري ولا يماري اي: لا يخالف. ومنه قوله: { والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون } اي: مظهر ما كنتم تسرون من القتل. ### || [2.73] # روي ابن سيرين عن ابي عبيدة السلماني قال: كان رجل من بنى اسرائيل ~~عقيما، وله مال كثير. فقتله وارثه وجره، فقدمه على باب اناس آخرين، ثم ~~اصبح يدعيه عليهم حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، وارادوا ان يقتتلوا فقال ذووا ~~النهى: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟ فامسكوا حتى اتوه، فامرهم أن يذبحوا ~~بقرة، فيضربوه ببعضها. فقالوا: اتتخذنا هزوا. قال: اعوذ بالله ان اكون ~~من الجاهلين. قال: فوجدوها عند رجل. فقال: لا ابيعها إلا بملء جلدها ~~ذهبا. وكان بارا بابيه. فعوضه الله عن ذلك وجازاه عن بره بابيه، اذ باع ~~البقرة بملء جلدها ذهبا فضربوه ببعضها. فتكلم. فقال: قتلني فلان، ثم عاد ~~ميتا فلم يورث قاتل بعده. واختلفوا [في البعض من البقرة المضروب به ~~القتيل]. فقال الفراء: ضرب بذنبها. وقال البعض اقل من النصف. وقال ابن ~~زيد: ضرب ببعض ارابها. وقال ابو العالية: ضرب بعظم من عظامها. وقال ~~السدي: ضرب بالبضعة التي بين الكتفين. وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: ضرب ~~بفخذ البقرة. والهاء في قوله فاضربوه كناية عن القتيل والهاء في قوله: ~~ببعضها كناية عن البقرة. وهذه الاقاويل كلها محتملة الظاهر. والمعلوم ان ~~الله تعالى امر ان يضرب القتيل ببعض البقرة. ولا يضر الجهل بذلك البعض ~~بعينه، وانما امرهم بذلك لانهم اذا فعلوه احيي الميت. فيقول فلان قتلني: ~~فيزول الخلف، والتداري بين القوم. والقديم تعالى، وان كان قادرا على ~~الاخبار بذلك فان هذا اظهر. والاخبار ms0219 به أعجب لانه معجز خارق للعادة. # والتقدير في الآية فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحيي كما قال: { اضرب ~~بعصاك الحجر فانفلق } تقديره فضرب، فانفلق. وكذلك قوله: { يحيي الموتى } ~~فيه اضمار كانه قال: فقلنا اضربوه ببعضها فحيي كذلك يحيي الله الموتى اي ~~اعلموا ان ما عاينتموه ان الله قادر على ان يحيي الموتى للجزاء، والحساب ~~الذي اوعدكم به. ولما ضربوه ببعض البقرة، احياه الله تعالى، فقال: قتلني ~~ابن اخي ثم قبض. وكان اسمه عاميل. فقال بنو اخيه والله ما قتلناه وكذبوا ~~الحق بعد معاينته. وانما جعل سبب احيائه الضرب بموات لا حياة فيه، لئلا ~~يلتبس على ذي شبهة ان الحياة انتقلت اليه مما ضرب به لتزول الشبهة، ~~وتتأكد الحجة. # وقوله: { كذلك يحيي الله الموتى } يحتمل ان يكون حكاية عن قول موسى ~~لقومه. ويحتمل ان يكون خطابا من الله تعالى لمشركي قريش. # وقوله: { لعلكم تعقلون } اي لتعقلوا. وقد كانوا عقالا قبل ذلك، لأن من ~~لا عقل له، لا تلزمه الحجة، لكنه اراد تنبيههم، وان يقبلوا ما يدعون ~~اليه، ويطيعوه ويعرفوه حق معرفته. ### || [2.74] # قرأ ابن كثير وحده ها هنا عما يعملون بالياء الباقون بالتاء. # الخطاب بقوله: { قلوبكم } قيل فيمن يتوجه اليه قولان: # احدهما انه اريد بنو اخى المفتول حين انكروا قتله بعد ان سمعوه منه ~~عند احياء الله تعالى له، انه قتله فلان. هذا قول ابن عباس. # والثاني قول غيره: أنه متوجه إلى بني اسرائيل كلهم. قال: وقوله: { من ~~بعد ذلك } اي من بعد آيات الله كلها التي اظهرها على يد موسى. وعلى الوجه ~~الاول يكون ذلك اشارة إلى الاحياء. # ومعنى { قست قلوبكم } اي: غلظت ويبست وعتت. # اللغة: # القسوة: ذهاب اللين، والرحمة والخشوع، والخضوع. ومنه يقال: قسا قلبه ~~يقسو قسوا وقسوة وقساوة. وقوله من بعد ذلك اي من بعد احياء الميت لكم ~~ببعض من اعضاء البقرة بعد ان تدارأوا فيه واخبرهم بقاتله، والسبب الذى من ~~اجله قتله. وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهد هذا ان يخضع ويلين قلبه. ~~ويحتمل ان يكون ms0220 من بعد احياء الميت. والآيات الاخرى التي تقدمت كمسخ ~~القردة والخنازير ورفع الجبل فوقهم وانبجاس الماء من الحجر وانفراق البحر ~~وغير ذلك. وانما جاز ذلك وان كانوا جماعة. ولم يقل ذلكم، لان الجماعة: في ~~معنى الجمع والفريق. فالخطاب في لفظ الواحد ومعناه جماعة. # قوله: { فهي كالحجارة } يعني قلوبهم، فشبهها بالحجارة في الصلابة واليبس ~~والغلظ والشدة: اي اشد صلابة، لامتناعهم بالاقرار اللازم من حقه الواجب ~~من طاعته بعد مشاهدة الآيات. ومعنى " أو " في الآية: يحتمل امور: # احدها ذكره الزجاج: فقال هي بمعنى التخيير كقولك جالس الحسن او ابن ~~سيرين ايهما جالست جائز، فكانه قال: ان شبهت قلوبهم بالحجارة جاز، وان ~~شبهتها بما هو اصلب كان جائزا. # والثاني ان تكون " أو " بمعنى الواو. وتقديره: فهي كالحجارة واشد قسوة، ~~كما قال: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # ومثله قول جرير: # نال الخلافة او كانت له قدرا # كما اتى ربه موسى على قدر # وقال توبة ابن الحمر: # وقد زعمت ليلى باني فاجر # لنفسي تقاها او عليها فجورها # اي وعليها. ومثله قوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن او آباء بعولتهن # .. الآية. والثالث ان يكون المراد الابهام على المخاطبين كما قال ابو ~~الاسود الدؤلي: # احب محمدا حبا شديدا # وعباسا وحمزة والوصيا # فان يك حبهم رشدا اصبه # ولست بمخطىء إن كان غيا # وأبو الاسود لم يكن شاكا في حبهم ولكن ابهم على من خاطبه. وقيل لابي ~~الاسود حين قال ذلك: شككت قال كلا ثم استشهد بقوله تعالى: # قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ظلال مبين # افتراه كان شاكا حين اخبر بذلك. # والرابع ان يكون اراد بل اشد قسوة، ومثله { وأرسلناه إلى مئة ألف أو ~~يزيدون } اي بل يزيدون، ولا تكون بل للاضراب عن الاول بل مجرد العطف. # والخامس انها كالحجارة، أو اشد قسوة عندكم. # والسادس: ان يكون اراد مثل قول القائل اطعمتك حلوا وحامضا وقد اطعمه ~~النوعين جميعا. وهو انه لم يشك انه اطعمه الطعمين معا فكأنه قال: فهي ~~كالحجارة او اشد قسوة. ms0221 ومعناه ان قلوبهم لا تخرج من احد هذين المثلين. ~~اما ان تكون مثلا للحجارة القسوة. واما ان تكون اشد منها. ويكون معناه ~~على هذا بعضها كالحجارة قسوة وبعضها اشد قسوة من الحجارة. وكل هذه الاوجه ~~محتملة واحسنها الابهام على المخاطبين. ولا يجوز ان يكون المعنى الشك، ~~لأن الله تعالى عالم لنفسه لا يخفى عليه خافية. وكذلك في امثال ذلك نحو ~~قوله: { فكان قاب قوسين أو أدنى } وغير ذلك وانشدوا في معنى او يراد به ~~بل قول الشاعر: # بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى # فصورتها او انت في العين املح # الاعراب: # يريد بل انت. والرفع في قوله: { أو أشد قسوة } يحتمل امرين: # احدهما ان يكون عطفا على معنى الكاف التي في قوله: كالحجارة، لان ~~معناها، فهي مثل الحجارة. # والآخر: ان يكون عطفا على تكرير هي، فيكون التقدير فهي كالحجارة او هي ~~اشد قسوة من الحجارة. # وقرىء بنصب الدال شاذا فيكون نصبه على ان موضعه الجر بالكاف وانما نصب ~~على انه وزن افعل لا ينصرف. # وقوله: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار }. # المعنى: # معناه ان من الحجارة ما هو انفع من قلوبهم القاسية، يتفجر منها انهار، ~~وان منها لما يهبط من خشية الله، والتقدير ان من الحجارة حجارة يتفجر ~~منها انهار الماء فاستغنى بذكر الانهار عن ذكر الماء. وكرر قوله منه للفظ ~~ما. # اللغة: # والتفجر: التفعل من فجر الماء: وذلك اذا نزل خارجا من منبعه وكل سائل ~~شخص خارجا من موضعه، ومكانه فقد انفجر. ماء كان او دماء او حديد او غير ~~ذلك. # قال عمر بن لحاء: # ولما أن قربت إلى جوير # ابى ذو بطنه إلا انفجار # يعني خروجا وسيلانا. # وقوله: { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء } تشقق الحجارة انصداعها ~~واصله يتشقق، لكن التاء ادغمت في الشين فصارت شيئا مشددة. وقوله: { فيخرج ~~منه الماء }. # المعنى: # يعني فيخرج منه الماء فيكون عينا نابعة لا انها جارية حتى يكون مخالفا ~~للاول. وقال الحسين بن علي المغربي: الحجارة الاولى حجارة الجبال تخرج ms0222 ~~منها الانهار. والثانية حجر موسى الذي ضربه فانفجر منه عيون، فلا يكون ~~تكرارا. # وقوله: { وإن منها لما يهبط من خشية الله }. قال ابو علي والمغربي: ~~معناه بخشية الله، كما قال: يحفظونه من امر الله اي بامر الله. قال وهي ~~حجارة الصواعق والبرد. # والكناية في قوله منها قيل فيها قولان: # احدهما: انها ترجع إلى الحجارة، لانها اقرب مذكور. وقال قوم: انها ترجع ~~إلى القلوب لا الى الحجارة. فيلون معنى الكلام. وان من القلوب لما يخضع ~~من خشية الله، ذكره ابن بحر وهو احسن من الاول. ومن قال بالاول اختلفوا ~~فيه. فمنهم من قال: إن المراد بالحجارة الهابطة البرد النازل من السحاب. ~~وهذا شاذ، لم يذكره غير ابي علي الجبائي. وقال الاكثر إن المراد بذلك ~~الحجارة الصلبة، لانها اشد صلابة. وقالوا في هبوطها وجوها: # احدها ان هبوط ما يهبط من خشية الله تفيء ظلاله. # وثانيها انه الجبل الذي صار دكا لما تجلى له ربه. # وثالثها قاله مجاهد: إن كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية الله # ورابعها ان الله تعالى اعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله ~~تعالى، فاطاعه كالذي روي في حنين الجذع. وما روي عن النبي " صلى الله ~~عليه وسلم " انه قال: # " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لا اعرفه الآن ". # وهذا الوجه فيه ضعف، لأن الجبل ان كان جمادا، فمحال ان يكون فيه معرفة ~~الله. وان كان عارفا بالله وبنيته بنية الحي فانه لا يكون جبلا. وأما ~~الخبر عن النبي (ع) فهو خبر واحد. ولو صح، لكان معناه ان الله تعالى احيا ~~الحجر فسلم على النبي " صلى الله عليه وسلم " ويكون ذلك معجزا له " ع ". ~~واما حنين الجذع فان الله تعالى خلق فيه الحنين، فكان بذلك خارقا للعادة، ~~لأنه اذا استند اليه النبي " صلى الله عليه وسلم " سكن واذا تنحى عنه، ~~حن وقال قوم: يجوز ان يكون الله تعالى بنى داخله بنية حي، فصح منه ~~الحنين. وقال قوم: معنى { يهبط من خشية الله } إنه يوجب ms0223 الخشية لغيره ~~بدلالته على صانعه. كما قيل ناقة تاجرة. اذا كانت من نجابتها وفراهتها، ~~تدعو الناس إلى الرغبة فيها: كما قال جرير بن عطية: # واعور من نبهان اما نهاره # فاعمى، واما ليله فبصير # فجعل الصفة لليل والنهار. وهو يريد صاحبه النبهاني الذي يهجوه بذلك من ~~اجل انه كان فيهما على ما وصفه به. والذي يقوى في نفسي ان معنى الآية ~~الابانة عن قساوة قلوب الكفار، وان الحجارة ألين منها، لو كانت تلين ~~لشيء، للانت وتفجرت منها الانهار، وتشققت منها المياه، وهبطت من خشية ~~الله. وهذه القلوب لا تلين مع مشاهدتها الآيات التي شاهدتها بنو اسرائيل: ~~وجرى ذلك مجرى ما يقوله تعالى: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله # ومعناه لو انزلنا هذا القرآن على جبل، وكانت الجبال مما تخشع لشيء ما، ~~لرأيته خاشعا متصدعا وكقوله تعالى: # ولو أن قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض # إلى آخرها سواء. وادخلت هذه اللامات فيها تأكيدا للخبر. # ويجوز في قوله { فهي كالحجارة } اسكان الهاء وقد قرىء به، لأن الفاء مع ~~الهاء قد جعلت الكلمة بمنزلة تخذ فتحذف الكسرة استثقالا. # المعنى: # والمعنى في الآية: انه تعالى لما اخبر عن بني اسرائيل وما انعم عليهم ~~به، واراهم من الآيات، وغير ذلك، فقال مخبرا عن عصيانهم، وطغيانهم { ثم ~~قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة، أو أشد قسوة } ثم اخبر تعالى انه لا ~~امتناع عند الحجارة مما يحدث فيها من امره، وان كانت قاسية، بل هي متصرفة ~~على مراده لا يعدم شيء مما قدر فيها. وبنو اسرائيل مع كثرة نعمه عليهم ~~وكثرة ما أراهم من الآيات، يمتنعون من طاعته، ولا تلين قلوبهم لمعرفة ~~حقه، بل تقسو وتمتنع من ذلك. وقوله: { وإن منها لما يهبط من خشية الله } ~~أي عند ما يحدث فيها من الآية الهائلة: كالزلازل وغيرها، واضاف الخشية ~~إلى الحجارة. وان كانت جمادا على مجاز اللغة والتشبيه. والمعنى في خشوع ~~الحجارة انه يظهر فيها ما لو ظهر في حي ms0224 مختار قادر، لكان بذلك خاشعا. ~~وهو ما يرى من حالها. وانها منصرفة لامتناع عندها مما يراد بها. وهو ~~كقوله: # جدارا يريد أن ينقض # لأن ما ظهر فيه من الميلان، لو ظهر من حي لدل على انه يريد أن ينقض، ليس ~~ان الجدار يريد شيئا في الحقيقة، ومثله # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # وقوله: # الم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس # وقوله: # والنجم والشجر يسجدان # وقال زيد الخيل: # بجمع تظل البلق في حجراته # ترى الاكم فيه سجدا للحوافر # فجعل ما ظهر في الاكم من آثار الحوافر، وقلة امتناعها عليها، مدافعتها ~~لها كما يدافع الحجر الصلب الحديد الصلب سجودا لها، ولو أن الاكم كانت ~~في صلابة الحديد حتى يمتنع من الحوافر، ولا تؤثر فيها، ولا تذهب يمينا ~~ولا شمالا، ولا تظاهر بكثرة تزداد الحوافر عليها، ما جاز ان يقال: انها ~~تسجد للحوافر. وقال ابن حمزة: # وعرفت من شرفات مسجدها # حجرين طال عليهما القصر # ركب الخلاء فقلت اذ بكيا # ما بعد مثل بكاهما صبر # وقال جرير: # لما اتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # فصيرها متواضعة. والعرب يفهم بعضها مراد بعض بهذه الاشياء. فمن تعلق ~~بشيء من هذا ليطعن به، فانما يطعن على لغة العرب بل على لغة نفسه من اهل ~~أي لغة كان. فان هذا موجود متعارف في كل لغة، وعند كل جيل. # وقوله: { وما الله بغافل عما تعملون } من قرأ بالتاء، قال: الخطاب متوجه ~~إلى بني اسرائيل فكأنه قال: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته ~~والجاحدين بنبوة محمد " صلى الله عليه وسلم " عما تعملون. ومن قرأ بالتاء ~~فكان الخطاب لغيرهم والكناية عنهم. # والغفلة عن الشيء تركه على وجه السهو والنسيان فأخبرهم الله تعالى انه ~~غير غافل عن اعمالهم السيئة ولا ساه عنها. ### || [2.75] # المعنى: # الألف في قوله أفتطمعون ألف استفهام والمراد به الانكار، كقوله: # ألم يأتكم نذير قالوا بلى # فاذا كان في الاول نفيا، ms0225 كان الجواب بلى واذا لم يكن نفيا كان الجواب ~~لا. وهذا خطاب لامة النبي " صلى الله عليه وسلم " فكأنه قال: أفتطمعون ~~أيها المؤمنون أن يؤمنوا لكم من طريق النظر والاعتبار، ونفي التشبيه، ~~والانقياد للحق وقد كان فريق منهم: أي ممن هو في مثل حالهم من اسلافهم ~~يسمعون كلام الله ثم يعلمون انه الحق، ويعاندون فيحرفونه ويتأولونه، على ~~غير تأويله. # وقوله: { وقد كان فريق منهم } والفريق جمع كالطائفة لا واحد له من لفظه ~~وهو فعيل من الفرق سمي به الجمع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب قال ~~اعشى بن تغلبة: # اخذوا فلما خفت ان يتفرقوا # فريقين منهم مصعد ومصوب # وقوله: { منهم } يعني من بني اسرائيل، وانما جعل الله الذين كانوا على ~~عهد موسى ومن بعد: من بني اسرائيل من اليهود الذين قال الله تعالى لاصحاب ~~محمد " صلى الله عليه وسلم " افتطمعون أن يؤمنوا لكم، لأنهم كانوا آباؤهم ~~واسلافهم، فجعلهم منهم اذ كانوا عشائرهم وفرقهم واسلافهم. # وقوله: { يسمعون كلام الله } قال قوم منهم مجاهد والسدي: إنهم علماء ~~اليهود يحرفون التوراة، فيجعلون الحلال حراما والحرام حلالا ابتغاء ~~لأهوائهم واعانة لمن يرشوهم. وقال ابن عباس والربيع وابن اسحاق والبلخي: ~~انهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا امره، ~~وحرفوا القول في اخبارهم لقومهم حتى رجعوا اليهم وهم يعلمون انهم قد ~~حرفوا. وهذا اقوى التأويلين، لأنه تعالى اخبر عنهم بانهم يسمعون كلام ~~الله والذين سمعوا كلام الله. بلا واسطة هم الذين كانوا مع موسى. فاما ~~هؤلاء فانما سمعوا ما يضاف إلى كلامه بضرب من العرف دون حقيقة الوضع. ومن ~~قال بهذا. قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي اوحى الله إلى موسى. وقال ~~قوم هو التوراة التي علمها علماء اليهود. # وقوله: { من بعد ما عقلوه وهم يعلمون }. قيل فيه وجهان: # احدهما وهم يعلمون انهم يحرفونه. # والثاني من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب. والذي ~~يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول: ان معناه وهم يعلمون انهم يحرفونه. ~~فان قيل ms0226 فلماذا اخبر الله عن قوم بانهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من ~~المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت، وأي علقة بين ~~الموضوعين والحالين؟ قيل: ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان ~~بانه لا يكون، لأن الواحد من افناء العامة لا يطمع ان يصير ملكا. ومع ذلك ~~لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لا يكون ابدا. # ولكن لا يطمع فيه لبعده، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على ~~القطع والثبات وانما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع احوالهم ~~التي كانوا عليها. وشبههم باسلافهم المعاندين، وقد كانوا قادرين على ان ~~يؤمنوا وكان ذلك منه جائزا. وهؤلاء الذين عاندوا وهم يعلمون كان ~~قليلا عددهم، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق، وانما يمتنع ~~ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير، لأمر يرجع إلى اختلاف الدواعي. فأما ~~على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم ايضا، فيبطل بذلك قول من نسب ~~فريقا إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا باجمعهم كفارا. ### || [2.76] # هذه الآية فيها اخبار عمن رفع الله الطمع في ايمانهم من يهود بني ~~اسرائيل الذين كانوا بين اظهرهم فقال: افتطمعون ايها المؤمنون ان يؤمنوا ~~لكم، وهم القوم الذين كان فريق منهم يسمعون كلام، ثم يحرفونه من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون، وهم الذين اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا: أي صدقنا ~~بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبما صدقتم به واقررنا بذلك. فأخبر الله ~~بانهم تخلقوا باخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم. { وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~}: أي اذا خلا بعض هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، الى بعض منهم ~~فصاروا في خلاء الناس، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم، قالوا يعني ~~بعضهم لبعض : اتحدثونهم بما فتح الله عليكم. وقال ابن عباس بما فتح الله ~~عليكم أي بما ألزمكم الله به. فيقول له آخرون انما نستهزىء بهم ونضحك. ~~وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس ان معناه قالوا لا تحدثوا العرب بهذا. ~~فانكم قد ms0227 كنتم تستفتحون به عليهم. فانزل الله هذه الآية: أي تقرون بانه ~~نبي وقد علمتم انه قد اخذ له الميثاق عليكم باتباعه وهو يخبركم بانه ~~النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به لهم. فقال ~~الله تعالى: # أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون # وقال ابو العالية: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم: اي بما انزله في ~~كتابكم من بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) وبه قال قتادة وقال مجاهد: ذلك ~~قول يهود بني قريظة حين سبهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بانهم اخوة ~~القردة والخنازير. قالوا من حدثك بهذا حين ارسل اليهم عليا (ع) فاذوا ~~محمدا (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا اخوة القردة والخنازير قال بعضهم ~~لبعض: ما اخبره بهذا إلا منكم اتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم ~~حجة عليكم؟ وقال السدي: هؤلاء ناس آمنوا من اليهود ثم نافقوا وكانوا ~~يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض: اتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به، ليقولوا نحن احب إلى الله منكم ~~واكرم عليه منكم؟ ومثله روي عن ابي جعفر " ع " واصل الباب الفتح في لغة ~~العرب: القضاء والنصرة والحكم. يقال اللهم افتح بيني وبين فلان: أي احكم ~~بيني وبينه، ومنه قوله تعالى: # ويقولون متى هذا الفتح # يعني هذا القضاء فقال تعالى: # قل يوم الفتح # يعني يوم القضاء. وقال الشاعر: # ألا ابلغ بني عصم رسولا # فاني عن فتاحتكم غني # ويقال للقاضي الفتاح قال الله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين # يعني احكم به. ويقال فتح بمعنى علم، فقال افتح على هذا أي اعلمني بما ~~عندك فيه. # واذا كان معنى الفتح ما وصف فقد بان ان معنى الآية. اتحدثونهم بما حكم ~~الله عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقهم من الايمان بمحمد " ~~صلى الله عليه وسلم " بما بينه في التوراة ومن قضائه انه جعل منهم القردة ~~والخنازير. فاذا ثبت ذلك، فان اقوى التأويلات: قول من قال: ms0228 اتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم من بعث محمد " صلى الله عليه وسلم " وصفته في التوارة، ~~وانه رسول الله " صلى الله عليه وسلم " إلى خلقه. # وروي عن ابي جعفر " ع " انه قال: كان قوم من اليهود ليسوا بالمعاندين ~~المتواطئين، اذا لقوا المسلمين، حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد " صلى ~~الله عليه وسلم " فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: لا تخبروهم بما في ~~التوراة من صفة محمد " صلى الله عليه وسلم " فيحاجوكم به عند ربكم، فنزلت ~~الآية. # ومعنى قوله: { أفلا تعقلون } افلا تفهمون ايها القوم أن اخباركم محمد " ~~صلى الله عليه وسلم " واصحابه، بما تحدثونهم به واقراركم لهم بما تقرون ~~لهم من وجودكم بعث محمد في كتبكم وانه نبي مبعوث حجة عليكم عند ربكم ~~يحتجون بها عليكم. وقال ابو عبيدة { بما فتح الله عليكم } أي بما من ~~عليكم واعطاكم ليحاجوكم به. وقال الحسن: في قوله { ليحاجوكم به عند ربكم ~~} أي في ربكم فيكونوا اولى منكم اذا كانت حجتهم عليكم. قال الحسن: ثم رجع ~~إلى المؤمنين فقال: { أفلا تعقلون } ايها المؤمنون فلا تطمعوا في ذلك. ### || [2.77] # المعنى: # معناه: اولا يعلمون ان الله يعلم سرهم وعلانيتهم، فكيف يستخيرون أن ~~يسروا إلى اخوانهم النهي عن التحدث بما هو الحق وليسوا كسائر المنافقين، ~~وان كانوا يسرون الكفر فانهم غير عالمين بان الله يعلم سرهم وجهرهم، ~~لأنهم جاحدون له. وهؤلاء مقرون. فهم من هذه الجهة ألوم واعجب شأنا واشد ~~جزاء. وقال قتادة في { أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون } من كفرهم ~~وتكذيبهم محمدا (صلى الله عليه وسلم) اذا خلا بعضهم إلى بعض. { وما ~~يعلنون } اذا لقوا اصحاب محمد " صلى الله عليه وسلم " قالوا آمنا يغرونهم ~~بذلك. ومثله روي عن ابي العالية ### || [2.78] # القراءة: # قرأ ابو جعفر المدني: اماني مخففا والباقون بالتشديد. # المعنى: # قوله: { ومنهم } يعني هؤلاء اليهود الذين قص الله قصتهم في هذه الآيات ~~وقطع الطمع في ايمانهم. وقال اكثر المفسرين: سموا اميين، لأنهم لا يحسنون ~~الكتابة، ولا القراءة. يقال منه: رجل امي بين الامية. ومنه ms0229 قوله " ع " ~~أما امة اميون لا يكتب ولا يحسب وانما سمي من لا يحسن الكتابة اميا لأحد ~~امور. قال قوم: هو مأخوذ من الامة أي هو على اصل ما عليه الامة من انه لا ~~يكتب. لا يستفيد الكتابة بعد اذ لم يكن يكتب # الثاني ان الامة: الخلقة. فسمي اميا لأنه باق على خلقته. ومنه قول ~~الاعشى: # وان معاوية الا كرمي # ن حسان الوجوه طوال الامم # والثالث انه مأخوذ من الام. وانما اخذ منه، لاحد امرين: # احدهما لأنه على ما ولدته امه من انه لا يكتب. # والثاني نسب إلى امه، لأن الكتابة كانت في الرجال دون النساء فنسب من ~~لا يكتب من الرجال إلى امه، لجهلها دون ابيه. وقال ابو عبيدة الاميون هم ~~الامم الذين لم ينزل عليهم كتاب. والنبي الامي: الذي لا يكتب، وانشد ~~لتبع: # له امة سميت بالزبو # ر امية هي خير الامم # وروي عن ابن عباس: ان الاميين قوم لم يصدقوا رسولا ارسله الله عز وجل ~~ولا كتابا انزله، وكتبوا كتابا بايديهم، وقالوا: لقوم جهال هذا من عند ~~الله. وقال: قد اخبر انهم يكتبون بايديهم، ثم سماهم اميون لجحودهم كتاب ~~الله عز وجل ورسله. والوجه الاول اوضح في اللغة. وهذا الوجه مليح لقوله ~~في الآية الثانية { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } فأثبت انهم ~~يكتبون ومن قال بالاول يحتاج، ان يجعل هذا مستأنفا لغير من تقدم ذكره، ~~أو لبعضهم. # وقوله: { لا يعلمون الكتاب } أي لا يعلمون ما في الكتاب الذي انزله الله ~~عز وجل، ولا يدرون ما أودعه من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهيئة البهائم. ~~وانما هم مقلدة لا يعرفون ما يقولون. والكتاب المعني به التوراة. وانما ~~ادخل عليه لام التعريف، لأنه قصد به قصد كتاب معروف بعينه. ومعنى الآية ~~فريق لا يكتبون ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه، والذي هو عندكم، ~~وهم ينتحلونه، ويدعون الاقرار به من احكام الله عز وجل وفرائضه وما فيه ~~من حدوده التي بينها فيه إلا اماني. # قال ابن عباس ومجاهد إلا قولا يقولون ms0230 بافواههم كذبا. وقال قتادة ~~الاماني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم. وقال آخرون: الاماني احاديث. ~~وقال الكسائي والفراء وغيرهما: معناه إلا تلاوة، وهو المحكي عن ابي عبيدة ~~على ما رواه عنه عبد الملك بن هشام، وكان ثقة. # وضعف هذا الوجه الحسين بن علي المغربي، وقال هذا لا يعرف في اللغة. ومن ~~صححه استدل بقوله تعالى: # إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # قال كعب بن مالك: # تمنى كتاب الله اول ليلة # واخره لا في حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى كتاب الله بالليل خاليا # تمني داود الزبور على رسل # وقال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الاماني التقدير. قال الشاعر: # ولا تقولن لشيء سوف افعله # حتى يبين ما يمني لك الماني # أي ما يقدر لك المقدر " وإلا " هاهنا استثناء منقطع. ومعناه لكن اماني ~~وكل موضوع يعلم ان ما بعد إلا خارج عن الاول فهو بمعنى لكن، كقوله { ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن } وكقولهم ما في الدار واحد إلا حمارا، ~~والا وتدا قال الشاعر: # ليس بيني وبين قيس عتاب # غير طعن الكلى وضرب الرقاب # وقال آخر: # حلفت يمينا غير ذي مثنوية # ولا علم إلا حسن ظن بصاحب # معناه لكن حسن ظني بصاحبي. ومثله # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ # ومثله # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # ولولا ولوما وهلا وإلا الثقيلة بمعنى واحد قال الشاعر: # تعدون عقر النيب افخر مجدكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # يعني هلا. وقال آخر: # اتيت بعبد الله في القيد موثقا # فهلا سعيدا ذا الجناية والعذر # ثم قال آخر: # وما شيخوني غير اني ابن غالب # واني من الاثرين عند الزغايف # واحدهم زغيف: وهو التابع. وكل موضوع حسن ان يوضع فيه مكان إلا (لكن) ~~فاعلم انه مكان استثناء منقطع. ولو قيل ها هنا ومنهم اميون لا يعلمون ~~الكتاب لكن يتمنون لكان صحيحا. # والاماني واحدها امنية مثقل ومن خفف الياء قال، لأن الجمع يكون على غير ~~واحده بنقصان أو زيادة. والاماني كلهم ms0231 يخففونها لكثرة الاستعمال، وكذلك ~~الاضاحي. واولى التأويلات قول ابن عباس ومجاهد: من ان الاميين الذين ~~وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، وانهم لا يفقهون من الكتاب الذي ~~انزل اليه على موسى شيئا لكنهم متخرصون الكذب. ويقولون: الباطل. والتمني ~~في الموضوع تخلق الكذب وتخرصه. يقال منه تمنيت اذا افتعلته وتخلقته. ومنه ~~ما روي عن بعض الصحابة انه قال: ما تعنيت ولا تمنيت أي ما تخرصت الباطل، ~~ولا تخلقت الكذب والافك، ويقوي ذلك قوله في آخر الآية: { وإن هم إلا ~~يظنون } فبين أنهم يتمنون ما يتمنون من الكذب ظنا لا يقينا، ولو كان ~~المعنى انهم يتلونه لما كانوا ظانين وكذلك لو كانوا يتمنونه، لأن الذي ~~يتلوه اذا تدبر علمه، ولا يقال فيمن يقرأ كتابا لم يتدبره، وتركه انه ~~ظان لما يتلوه إلا ان يكون شاكا فيما يتلوه ولا يدري أحق هو ام باطل، ولم ~~يكن القوم الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وسلم) من اليهود شاكين في ~~التوراة انها من عند الله، وكذلك التمني. لا يجوز ان يقال: هو ظان ~~بتمنيه، لأن التمني من المتمني اذا وجد لا يقال فيه شاك فيما هو عالم به، ~~لأنه ينافي العلم. والمتمني في حال وجود تمنيه لا يجوز ان يقال هو يظن ~~تمنيه. وقوله: { وإن هم إلا يظنون } قال جميع المفسرين معناه يشكون. ~~والذي اقوله ان المراد بذلك نفي العلم عنهم، وقد ينتفي العلم تارة بالشك ~~وتارة بالظن. واما في الحقيقة فالظن غير الشك، غير ان المعنى متفق عليه ~~ها هنا. ### || [2.79] # اللغة والاعراب: # قال الزجاج: الويل كلمة يستعملها كل واقع في هلكة. واصله في اللغة ~~العذاب والهلاك وارتفع بالابتداء، وخبره الذين. ولو كان في غير القرآن، ~~لجاز بالنصب على معنى جعل الله ويلا للذين. والرفع على معنى ثبوت الويل ~~للذين، ومثله الويح والويس اذا كان بعدهن لام رفعتهن. واما التعس والبعد ~~وما اشبههما فهو نصب ابدا. فان اضفت ويل وويح وويس نصب من غير تنوين. ~~تقول ويل زيد وويس زيد. ولا يحسن ms0232 في التعس والبعد الاضافة بغير لام ~~فلذلك لم ترفع. وقد نصب قوم مع اللام فيقولون ويلا لزيد، ويحا لخالد. ~~قال الشاعر: # كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها # فويلا لتيم من سرابيلها الخضر # المعنى: # قال ابن عباس: " الويل " في الآية العذاب. وقال الاصمعي هو التقبيح. # ومنه قوله: { ولكم الويل مما تصفون }. وقال المفضل: معناه الحزن. وقال ~~قوم: هو الهوان والخزي، ومنه قول الشاعر: # يا زبرقان اخا بني خلف # ما انت ويل ابيك والفخر # وقال ابو سعيد الخدري: الويل واد في جهنم. وقال عثمان بن عفان: هو جبل ~~في النار. # وقوله: { يكتبون الكتاب بأيديهم } معناه انهم يقولون كتبته، ثم يضيفونه ~~إلى الله، كقوله # خلقت بيدي # و # عملت أيدينا # أي نحن تولينا ذلك ولم نكله إلى احد من عبادنا. ومثله رأيته بعيني ~~وسمعته باذني ولقيته بنفسي. والمعنى في جميع ذلك التأكيد، ولأنه قد يأمر ~~غيره بالكتابة، فتضاف اليه مجازا. فلذلك يقول الامي كتبت إلى آل فلان ~~بكذا، وهذا كتابي اليك، وكما تقول: حملت إلى بلد كذا. وانما امرت بحمله. ~~فاعلمنا الله تعالى انهم يكتبونه بايديهم، ويقولون هو من عند الله، وقد ~~علموا يقينا اذا كتبوه بايديهم انه ليس من عند الله. وفي الآية دلالة ~~على ابطال قول المجبرة، لأنه تعالى عابهم بهذا القول، اذ نسبوا ما كتبوه ~~من التحريف إلى انه من عند الله، وجعل عليهم الويل. واذا كان تحريفه من ~~الكتاب ليس من عند الله، من جهة القول والحكم فليس ذلك منه من جهة ~~القضاء والحكم ولا التقدير والمشيئة. # وقال ابن السراج: معنى { بأيديهم } أي من تلقاء انفسهم. # وقوله { ليشتروا به ثمنا قليلا }. قال قوم: أي انه عرض الدنيا لأنه ~~قليل المدة، كما قال تعالى: # قل متاع الدنيا قليل # ذهب اليه ابو العالية. وقال آخرون: إنه قليل لأنه حرام. # وروي عن ابي جعفر (ع)، وذكره ايضا جماعة من اهل التأويل أن أحبار ~~اليهود كانت غيرت صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) ليوقعوا الشك ~~للمستضعفين من اليهود. # وقوله: { ويل لهم مما كانوا يكسبون ms0233 } يقولون مما يأكلون به الناس السفلة ~~وغيرهم. واصل الكسب العمل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكل عامل ~~عملا بمباشرة منه لما عمل. ومعناه ها هنا الاحتراف فهو كاسب لما عمل. قال ~~لبيد ابن ربيعة: # لمعفر قهد تنازع شلوه # غبس كواسب لا يمن طعامها # وقيل الكسب عبارة عن كل عمل بجارحة يجتلب به نفع، أو يدفع به مضرة ومنه ~~قيل للجوارح من الطير: كواسب. ### || [2.80] # المعنى: # قوله: { وقالوا } يعني اليهود الذين قالوا لن تمسنا النار، ولن ندخلها ~~إلا اياما معدودة. وانما لم يبين عددها في التنزيل، لأنه تعالى اخبر ~~عنهم بذلك، وهم عارفون بعدد الايام التي يوقتونها في النار، فلذلك نزل ~~تسمية عدد الايام، وسماها معدودة، لما وصفنا. # وقال ابو العالية وعكرمة والسدي وقتادة: هي أربعون يوما. ورواه الضحاك ~~عن ابن عباس. ومنهم قال: انها عدد الايام التي عبدوا فيها العجل. # وقال ابن عباس: إن اليهود تزعم انهم وجدوا في التوراة مكتوبا ان ما بين ~~طرفي جهنم مسيرة اربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم واحد، فاذا ~~انقطع المسير، انقطع العذاب وهلكت النار. وقال مجاهد وسعيد بن جبير عن ~~ابن عباس: إنها سبعة ايام، لأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وانهم يعذبون ~~بعدد كل ألف سنة يوما واحدا من ايام الآخرة، وهو كألف سنة من ايام ~~الدنيا. ولما قالت اليهود ما قالت من قولها: لن تمسنا النار إلا اياما ~~معدودة على ما بيناه، قال الله تعالى لنبيه: { قل أتخذتم عند الله عهدا ~~} بما تقولون من ذلك أو ميثاقا، فالله لا ينقض عهده { أم تقولون على ~~الله ما لا تعلمون } من الباطل جهلا وجراءة عليه # القراءة: # وفي القراء من قرأ " أوتخذتم " بادغام الذال في التاء. ومنهم من لم ~~يدغم. واصل أتخذتم أأتخذتم. دخلت ألف الاستفهام على ألف القطع من نفس ~~الكلمة، فكره اجتماعهما فحذفت الاصلية، وبقيت التي للاستفهام، لانها ~~لمعنى وهي وان كانت للاستفهام في الاصل فالمراد بها ها هنا التكبر، ~~والتوبيخ، والاعلام لهم ولغيرهم أن الامر ms0234 بخلاف ما قالوه، وانهم يقولون ~~بغير علم. والدليل على انها ألف استفهام كونها مفتوحة. ولو كانت اصلية ~~لكانت مكسورة في إتخذتم، ولذلك يدخل بينهما المد كما قالوا في # آلله أذن لكم # لأن قوله: " اذن الله " لو اخبر بها لكانت مفتوحة. ولو لم تدخل المدة ~~لاشتبهت ألف الاستفهام بهمزة الخبر، وليس كذلك ها هنا، لأن الفتحة تختص ~~للاستفهام وفي الخبر تكون مكسورة. وفي المفتوحتين لا بد من الجمع بين ~~الهمزتين. ومنهم من يفصل بينهما بمدة. ومنهم من لا يفصل، نحو قوله # أأمنتم من في السماء ### || [2.81] # الاعراب والقراءة: # قرأ اهل المدينة خطيئاته على الجمع. الباقون على التوحيد. # قوله { بلى } جواب لقوله: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } فرد ~~الله عليهم بأن قال: { بلى من أحاطت به خطيئته } ابدا. وبلى تكون جوابا ~~للاستفهام الذي اوله جحود. وتكون جوابا للجحد وان لم تكن استفهاما، ~~كقوله: # تقول حين ترى العذاب # إلى قوله # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها # ويقول القائل لم افعل كذا وكذا فيقول له غيره: بلى قد فعلت. بلى ونعم ~~جوابان: # أحدهما يدخل فيما لا يدخل فيه الآخر، لأن بلى تدخل في باب الجحود. ~~وقال الفراء: انما امتنعوا من استعمال نعم في جواب الجحد، لأنه اذا قال ~~لغيره مالك علي شيء فقال له نعم، فكأنه قد صدقه، وكأنه قال نعم ليس لي ~~عليك شيء، فلهذا اختلف نعم وبلى. # وقوله: { سيئة } فمن همز اتى بيائين بعدهما همزة. ومن ترك الهمزة على ~~لغة أهل الحجاز يقول " سية " مثل عية. ومن لين قال " سيئة " كأنه يشير ~~إلى الهمزة ويسكنها. # المعنى: # قال مجاهد، وابن عباس وابو وايل، وقتادة وابن جريج: " السيئة " ها هنا ~~الشرك. وقال السدي: الذنوب التي وعد الله عليها النار. والذي يليق ~~بمذهبنا ها هنا قول مجاهد، لأن ما عدا الشرك لا يستحق عندنا عليه الخلود ~~في النار. # { وأحاطت به خطيئته }. قال ابن عباس ومجاهد انها الشرك. وقال الربيع ابن ~~خيثم: من مات عليها. وقال ابن السراج: هي التي سدت عليه مسالك النجاة. ~~وقال ms0235 جميع المعتزلة: انه اذا كان ثوابه اكثر من عقابه. والذي نقوله: الذي ~~يليق بمذهبنا ان المراد بذلك الشرك والكفر. لأنه الذي يستحق به الدخول ~~مؤبدا. ولا يجوز ان يكون مرادا بالآية. # وقوله: { وأحاطت به خطيئته } يقوي ذلك، لأن المعنى فيه ان تكون خطاياه ~~كلها اشتملت عليه ولا يكون معه طاعة يستحق بها الثواب، تشبيها بما احاط ~~بالشيء من كل وجه. ولو كان معه شيء من الطاعات، لكان مستحقا للثواب فلا ~~تكون السيئة محيطة به، لأن الاحباط عندنا باطل فلا يحتاج إلى تراعي كثرة ~~العقاب، وقلة الثواب، لأن قليل الثواب عندنا يثبت مع كثرة العقاب، لما ~~ثبت من بطلان التحايط بادلة العقل. وليس هذا موضع ذكرها، لأن الآية التي ~~بعدها فيها وعد لأهل الايمان بالثواب الدائم. فكيف يجتمع الثواب الدائم ~~والعقاب الدائم، وذلك خلاف الاجماع؟ ومتى قالوا احدهما يبطل صاحبه، قلنا ~~الاحباط باطل ليس بصحيح على ما مضى. ### || [2.82] # هذه الآية متناولة لمن آمن بالله وصدق به، وصدق النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وعمل الصالحات التي اوجبها الله تعالى عليه، فانه يستحق بها الجنه ~~خالدا ابدا. وظاهرها يمنع من ان مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لأنه اذا ~~كان مؤمنا مستحقا للثواب الدائم، فلا يجوز ان يستحق مع ذلك عقابا ~~دائما، لأن ذلك خلاف ما اجمع المسلمون عليه ومتى عادوا إلى الأحباط، ~~كلموا فيه بينهم وبين بطلان قولهم. ### || [2.83] # القراءة: # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: " لا يعبدون " بالياء. الباقون بالتاء. # وقرأ " حسنا " بنصب الحاء والسين حمزة والكسائي الباقون { حسنا } بضم ~~الحاء وإسكان السين وتقدير الآية: واذكروا ايضا يا معشر بني اسرائيل اذ ~~أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، فلما اسقطت ان، رفع. كما قال الشاعر: # ألا ايهذا اللائمي اشهد الوغى # وان اشهد اللذات هل انت مخلدي # ومثله قوله: { أفغير الله تأمروني أعبد }. ومن قرأ بالياء، تقديره انه ~~اخبر انه تعالى أخذ ميثاقهم، لا يعبدون إلا الله، وبالوالدين احسانا، ثم ~~عدل إلى خطابهم فقال: { وقولوا للناس حسنا }. والعرب تفعل ذلك كثيرا. ~~وانما استخاروا ms0236 ان يصيروا إلى المخاطبة بعد الخبر، لأن الخبر انما كان ~~عمن خاطبوه بعينه، لاعن غيره. وقد يخاطبون، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الخبر ~~عن المخاطب. مثال الاول قول الشاعر: # شطت مزار العاشقين فاصبحت # عسرا علي طلابك ابنة مخزم # مزار نصب. والتاء من اصبحت كناية عن المرأة فأخبر عنها ثم خاطبها. ومثال ~~الثاني قول الشاعر: # اسيئي بنا أو احسني لا ملومة # لدنيا ولا مقلية ان تقلت # وقال زهير: # فاني لو إلاقيك اجتهدنا # وكان لكل منكره كفاء # وابري موضحات الرأس منه # وقد يبرى من الجرب الهناء # ومن قرأ بالتاء فان الكلام من أوله خطاب. # وتقديره: واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل، قلنا لا تعبدوا الا الله. قال ~~بعض النحويين: المعنى واذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون الا الله، ~~وبالوالدين احسانا، حكاية، كأنه قال استحلفناهم لا يعبدون إلا الله، اذ ~~قلنا لهم: والله لو قالوا والله لا تعبدون. والاول اجود. # وقوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } عطف على موضع أن المحذوفة في { ~~تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا } فرفع لا تعبدون، لما حذفت أن، ثم ~~عطف بالوالدين على موضعها: كما قال الشاعر: # معاوي اننا بشر فاسجح # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فعطف ولا الحديد على موضع الجبال. واما الاحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي ~~عن معناه، قوله { وبالوالدين } اذ كان مفهوما معناه. # وتقدير الكلام واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وان ~~تحسنوا إلى الوالدين احسانا. فاكتفى بقوله: { وبالوالدين } عن ان يقول ~~بان تحسنوا إلى الوالدين احسانا، اذ كان مفهوما بما ظهر من الكلام. وقال ~~بعض اهل العربية: تقديره وبالوالدين فاحسنوا، فجعل الياء التي في ~~الوالدين من صلة الاحسان مقدمة عليه. وقال آخرون: الا تعبدوا إلا الله ~~واحسنوا بالوالدين احسانا، فزعموا ان الباء في وبالوالدين من صلة ~~المحذوف. اعني من احسنوا. فجعلوا ذلك من كلامين والاحسان الذي اخذ عليهم ~~الميثاق بان يفعلوه إلى الوالدين ما فرض على امتثالهما من فعل المعروف، ~~والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، ~~والدعاء لهما بالخير، ms0237 وما اشبهه مما ندب الله تعالى إلى الفعل بهما. # وقوله: { وذي القربي } أي وبذي القربى ان تصلوا قرابة منهم، ورحمة. # اللغة: # والقربى مصدر على وزن فعلى من قولك: قرب مني رحم فلان قرابة، وقربى ~~وقربا بمعنى واحد. # واليتامى جمع يتيم: مثل اسير واسارى. ويدخل في اليتامى الذكور منهم ~~والاناث # المعنى: # ومعنى ذلك: اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وحده، دون ~~ما سواه من الانداد، وبالوالدين احسانا وبذي القربى ان يصلوا رحمه، ~~ويعرفوا حقه. وباليتامى ان يتعطفوا عليهم بالرأفة، والرحمة، وبالمساكين ~~أن يوفوهم حقوقهم التي ألزمها الله في اموالهم. # والمسكين هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة وهو مفعيل من المسكنة ~~وهي ذل الحاجة والفاقة. # وقوله: { وقولوا للناس حسنا } فيه عدول إلى الخطاب بعد الخبر على ما ~~مضى القول فيه. وقد ذكرنا اختلاف القراء في حسنا وحسنا. واختلف اهل ~~اللغة في الفرق بينهما فقال بعض البصريين هو على احد وجهين: # أحدهما أن يكون أراد بالحسن الحسن. ويكون لمعنيين مثل البخل ~~والبخل واما ان يكون جعل الحسن هو الحسن في التشبيه، لأن الحسن مصدر ~~والحسن هو الشيء الحسن، فيكون ذلك: كقول القائل: انما انت أكل وشرب قال ~~الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجيع # فجعل التحية ضربا وقال آخر: بل الحسن هو الاسم العام الجامع جميع معاني ~~الحسن، والحسن هو البعض من معاني الحسن، ولذلك قال تعالى اذ وصى ~~بالوالدين # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # يعني بذلك انه وصاه بجميع معاني الحسن: وقرىء في الشواذ: حسنى. لا يقرء ~~بها لشذوذها حكاها الاخفش. وذلك لا يجوز لأن فعلى، وافعل لا يستعمل إلا ~~بالالف واللام. نحو الاحسن والحسنى والافضل والفضلى قال الله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى # وروي عن أبي جعفر محمد ابن علي الباقر " ع " وعن عطا انهما قالا: وقولوا ~~للناس حسنا للناس كلهم. وعن الربيع بن انس قولوا للناس حسنا: أي معروفا. ~~وعن ابن الحنفية انه قال: { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } هي مسجلة للبر ~~والفاجر. يريد بمسجلها انها ms0238 مرسلة. ومنهم من قال: امروا بان يقولوا لبنى ~~اسرائيل حسنا. قال ابن عباس يأمرون بألا اله الا الله، من لم يقبلها ~~ويرغب عنها حتى يقولها: كما قالوها. فان ذلك قربة لهم من الله قال: ~~والحسن ايضا من لين القول من الادب الحسن الجميل والخلق الكريم وهو ~~مما ارتضاه الله تعالى واحبه. وقال ابن جريج: قولوا للناس حسنا: أي صدقا ~~في شأن محمد " صلى الله عليه وسلم " وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف، ~~وانهوهم عن المنكر # وقوله: { وأقيموا الصلاة } ادوها بحدودها الواجبة عليكم. # { وآتوا الزكاة } معناه واعطوها اهلها كما اوجبها عليكم. # والزكوة: التي فرضها الله على بنى اسرائيل. قال ابن عباس: كان فرض في ~~اموالهم قربانا تهبط اليه نار فتحملها. وكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل ~~النار به ذلك، كان غير متقبل. وروي عنه أيضا ان المعني به طاعة الله ~~والاخلاص. # وقوله: { ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } خبر من الله تعالى عن ~~يهود بني اسرائيل انهم نكثوا عهده، ونقضوا ميثاقه بعد ما اخذ ميثاقهم على ~~الوفاء له، بان لا يعبدوا غيره، وبان يحسنوا إلى الآباء والامهات، ويصلوا ~~الارحام، ويتعطفوا على الايتام، ويردوا حقوق المساكين، ويأمروا عباد الله ~~بما امرهم به، ويقيموا الصلاة بحدودها، ويؤتوا زكاة اموالهم، فخالفوا ~~امره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله ~~بعهده، وميثاقه. ووصف هؤلاء بأنهم قليل بالاضافة إلى من لم يؤمن. وقال ~~بعضهم: أراد { ثم توليتم إلا قليلا منكم، وأنتم معرضون }: اليهود الذين ~~كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وعنى بسائر الآية ~~اسلافهم، كأنه ذهب إلى ان معنى الكلام: ثم توليتم إلا قليلا منكم ثم ~~تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ثم قال: وانتم معاشر بقاياهم معرضون ايضا عن ~~الميثاق الذي اخذ عليكم. وقال قوم: يلى قوله: { ثم توليتم إلا قليلا منكم ~~وأنتم معرضون } خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجري رسول الله " صلى الله ~~عليه وسلم " من يهود بنى اسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق، الذي اخذ ~~عليهم ms0239 في التوراة، وتبديلهم امر الله وركوبهم معاصيه. # وروي عن ابن عباس انه قال: قوله { وقولوا للناس حسنا } نسخ بقوله: ~~قاتلوهم حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يقروا بالجزية. وقال آخرون: ليست ~~منسوخة لكن امروا بأن يقولوا حسنا في الاحتجاج عليهم، اذا دعوا إلى ~~الايمان، وبين ذلك لهم. وقال قتادة نسختها آية السيف. والصحيح انها ليست ~~منسوخة، وانما امر، الله تعال بالقول الحسن في الدعاء اليه والاحتجاج ~~عليه، كما قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن # وبين في آية اخرى، فقال: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم # وليس الامر بالقتال ناسخا لذلك، لأن كل واحد منهما ثابت في موضعه ### || [2.84] # المعنى: # قد بينا فيما مضى أن الميثاق هو العهد. والمعنى في الآية: واذكروا اذ ~~اخذنا ميثاق اسلافكم الذين كانوا في زمن موسى، والانبياء الماضين (ع)، ~~وانما اضاف اليهم لما كانوا أخلافا لهم على ما مضى القول فيه. وتقدير ~~الاعراب في هذه الآية مثل الآية الاولى سواء. # واما سفك الدم، فانه صبه واراقته. ومعنى { لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون ~~أنفسكم من دياركم } النههي عن أن يقتل بعضهم بعضا، وكان في قتل الرجل ~~منهم قتل نفسه اذا كانت ملتهما واحدة، ودينهما واحد وكان اهل الدين ~~الواحد في ولاية بعضهم بعضا بمنزلة رجل واحد. كما قال النبي (صلى الله ~~عليه وسلم): # " انما المؤمنون في تعاطفهم وتراحمهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر " # فهذا قول قتادة وابي العالية. ويحتمل ان يكون المراد لا يقتل الرجل منكم ~~غيره فيقاد به قصاصا. فيكون بذلك قاتلا نفسه، لانه كالسبب فيه واضيف قتل ~~الولي اياه قصاصا اليه بذلك. كما يقال لرجل يعاقب لجناية جناها على ~~نفسه: انت جنيت على نفسك. وفيه قول ثالث: وهو ان قوله: { أنفسكم } اراد ~~به اخوانكم، لانهم كنفس واحدة. # وقوله: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } اي اقررتم بذلك ايضا، وبذلتموه من ms0240 ~~انفسكم، وانتم شاهدون على من تقدمكم باخذنا منهم الميثاق، وما بذلوه من ~~انفسهم. فذكر تعالى اقرارهم وشهادتهم، لأن اخذ الميثاق كان على اسلافهم ~~وإن كان لازما للجميع، لتوكيد الحجة عليهم. وقال بعض المفسرين: نزلت ~~هذه الآية في بني قريظة والنضير. # يقول: حرم الله في الكتاب ان تسفكوا دماءكم، اي لا تقتتلوا فيقتل بعضكم ~~بعضا، ولا تتركوا أسيرا في يد الآسرين ليقتلوه { ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم } معناه لا تغلبوا احدا على داره، فتخرجوه، فقبلتم ذلك واقررتم ~~به. وهو اخذ الميثاق { وأنتم تشهدون } بذلك. # واما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة فنفس الانسان انفس ما فيه. ~~والدار هي المنزل الذي فيه ابنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال ~~الخليل: كل موضع حل فيه قوم فهو دار لهم وان لم يكن فيه ابنية. وقيل ~~ايضا: إن معنى قوله: { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } ان اقرارهم هو الرضاء ~~به، والصبر عليه: كما قال الشاعر: # الست كليبيا اذ سيم خطة # اقر كاقرار الحليلة للبعل # وقوله: { وأنتم تشهدون } يحتمل امرين: # احدهما وانتم تشهدون على انفسكم بالاقرار. # والثاني وانتم تحضرون دماءكم. وتخرجون انفسكم من دياركم. # وحكي عن ابن عباس انه قال: ذلك خطاب من الله تعالى لليهود الذين كانوا ~~بين ظهراني مهاجري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام هجرته اليهم ~~موبخا لهم على تضييعهم احكام ما في ايديهم من التوراة التي كانوا يقرون ~~بحكمها. فقال الله تعالى لهم: { ثم أقررتم } يعني بذلك اقر أولكم وسلفكم ~~وانتم تشهدون على اقرارهم، باخذ الميثاق عليهم بان لا يسفكوا دماءهم، ولا ~~يخرجوا انفسهم من ديارهم، ويصدقوا بان ذلك حق من ميثاقي عليكم. وقال ابو ~~العالية: ذلك خبر من الله عن أوائلهم. ولكنه اخرج الخبر مخرج المخاطبة ~~عنهم على النحو الذي وصفناه في سائر الآيات. { وأنتم تشهدون } اي وانتم ~~شهود. ### || [2.85] # القراءة: # قرأ اهل الكوفة تظاهرون ها هنا، وفي التحريم بتخفيف الظاء. الباقون ~~بالتشديد فيهما. وقرأ حمزة " أسرى " بفتح الهمزة، وسكون السين بغير الف ~~بعدها. وقرأ اهل المدينة، وعاصم، والكسائي ويعقوب (تفادوهم) ms0241 بضم التاء ~~وبألف. # وقوله { ثم أنتم هؤلاء } يحتمل وجهين: # احدهما ان يكون اريد به ثم انتم يا هؤلاء فترك يا استغناء، لدلالة ~~الكلام عليه: كما قال # يوسف أعرض عن هذا # ومعنى الكلام ثم انتم يا معشر يهود بني اسرائيل بعد اقراركم بالميثاق ~~الذي اخذته عليكم: ألا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا انفسكم من دياركم، ~~وبعد شهادتكم على انفسكم بذلك انه حق لازم لكم الوفاء به تقتلون انفسكم ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم متعاونين عليهم في اخراجكم اياهم بالاثم، ~~والعدوان. # والتعاون هو التظاهر، وانما قيل للتعاون: التظاهر، لتقوية بعضهم ظهر ~~بعض. فهو تفاعل من الظهر. هو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض. قال الشاعر: # تظاهرتم اشباه نيب تجمعت # على واحد لازلتم قرن واحد # ومنه قوله تعالى: # وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه # وقوله # والملائكة بعد ذلك ظهير # وقوله: # ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # وقوله: # سحران تظاهرا # وقوله: # وكان الكافر على ربه ظهيرا # ويقال: اتخذ معك نفرا ونفرين ظهيرين يعني عدة، والوجه الآخر أن يكون ~~معناه: ثم انتم القوم تقتلون انفسكم فيرجع إلى الخبر عن { أنتم } وقد ~~اعترض بينهم وبين الخبر عنهم { هؤلاء } كما تقول العرب: انا ذا أقوم، ~~وانا ذا أجلس. ولو قيل أنا هذا يجلس لكان صحيحا. وكذلك انت ذاك تقوم، ~~وقال بعض النحويين: ان هؤلاء [في] قوله: { ثم أنتم هؤلاء } تنبيه، وتوكيد ~~لانتم. وزعم أن انتم: وان كان كناية عن اسماء جميع المخاطبين فانما جازان ~~يؤكد بهؤلاء. وأولاء يكنى بها عن المخاطبين كما قال خفاف بن ندبة: # اقول له والرمح يأطر متنه # تبين خفافا انني انا ذلكا # يريد انا هو، وكما قال # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة # والاثم قيل معناه: هو ما تنفر منه النفس ولم يطمئن اليه القلب. ومنه قول ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) لنواس بن سمعان، حين سأله عن البر والاثم، ~~فقال (صلى الله عليه وسلم): البر ما اطمأنت اليه نفسك والاثم ما حك في ~~صدرك. وقال قوم: معنى الاثم ما يستحق ms0242 عليه الذم، وهو الاصح. # والعدوان مجاوزة الحق. وقال قوم: هو الافراط في الظلم. واسرى جمع اسير ~~واسارى جمع اسرى. كما قالوا: مريض ومرضى وجريح وجرحى وكسير وكسرى. هذا ~~قول المفضل بن سلمة قال ابو عمرو بن العلاء: الاسارى هم الذين في الوثاق ~~والاسرى الذين في اليد. وان لم يكونوا في الوثاق. # ومعنى تفادوهم أو تفدوهم: طلب الفدية من الاسير الذي في ايديهم من ~~اعدائهم قال الشاعر: # قفي فادي اسيرك إن قومي # وقومك ما أرى لهم اجتماعا # وكان هذا محرما عليهم وان كان مباحا لنا فذكر الله تعالى توبيخا لهم ~~في فعل ما حرم عليهم. وقال آخرون: انه افتداء الاسير منهم اذا اسره ~~اعداؤهم. وهذا مدح لهم ذكره من بعد ذمهم انهم خالفوه في سفك الدماء، ~~وتابعوه في افتداء الاسرى استشهادا على هذا الباطل بقوله: { أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } وقال قوم: الفرق بين تفدوهم وتفادوهم، ان ~~تفدوهم هو افتكاك بمال وتفادوهم هو افتكاك الاسرى بالأسرى. واختلفوا فيمن ~~عنى بهذه الآية فروى عكرمه عن ابن عباس انه قال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم } إلى قوله: والعدوان أي اهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ~~ويخرجوهم من ديارهم معهم قال: انبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم ~~في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء اسراهم. وكانوا فريقين: ~~طائفة منهم بنو قينقاع وانهم حلفاء الخزرج. وحلفاء النضير وقريظة، وانهم ~~حلفاء الاوس. وكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع ~~الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الاوس، يظاهر كل فريق حلفاءه على ~~اخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبايديهم التوراة، يعرفون منها ما ~~عليهم ولهم. والاوس والخزرج اهل شرك يعبدون الاوثان ولا يعرفون جنة ولا ~~نارا، ولا قيامة ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فاذا وضعت الحرب ~~اوزارها افتدوا اسراهم تصديقا لما في التوارة، واخذا به يفتدي بنو ~~قينقاع من كان (من) اسراهم في ايدي الاوس، ويفتدي بنو النضير وقريظة ما ~~كان في ايدي الخزرج. ويطلبون ما اصابوا من الدماء، وما ms0243 قتلوا من قتلوا ~~منهم، فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى حين انبأهم ~~بذلك: { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }؟ أي تفادونهم بحكم التوراة ~~وفي حكم التوراة ان لا يقتل ويخرج من داره ويظاهر عليه من يشرك بالله ~~ويعبد الاوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا ففي ذلك من فعلهم مع الاوس ~~والخزرج نزلت هذه القصة. وذكر فيه اقوال اخر تزيد وتنقص لا فائدة في ~~ذكرها، معناها متقارب لما اوردناه. # وقوله { يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض } القصد بذلك توبيخهم وتعنيفهم على سوء افعالهم. ~~فقال: ثم أنتم بعد اقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: " لا تسفكوا ~~دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم " تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم ~~بعضا. وانتم مع قتلكم من تقتلون منكم. اذا وجدتم اسيرا منكم في ايدي ~~غيركم من اعدائكم تفدونهم. ويخرج بعضكم بعضا من ديارهم، وقتلكم اياهم ~~واخراجكم اياهم من ديارهم حرام عليكم كما حرام عليكم تركهم اسرى في ايدي ~~عدوكم. # فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم. وتستجيزون قتلهم وهما ~~جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء، لأن الذي حرمت عليكم من قتلهم ~~واخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم اسرى في ايدي عدوهم. { ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب } الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي، ~~واخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي، فتصدقون به فتفادون اسراكم من ايدي ~~عدوكم، وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله، من اهل دينكم ~~ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم وقد علمتم ان في الكفر منكم ببعضه نقضا ~~منكم في عهدي وميثاقي. # وقوله: { فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } فالخزي: ~~الذل، والصغار يقال خزي الرجل يخزى خزيا. { في الحياة الدنيا } يعني في ~~عاجل الدنيا قبل الآخرة. ثم اختلفوا في الخزي الذي خزاهم الله بما سلف ~~منهم من المعصية فقال بعضهم: ذلك حكم الله الذي انزله على نبيه (صلى الله ~~عليه وسلم) من اخذ القاتل بما قتل، والقود ms0244 به قصاصا، والانتقام من ~~الظالم لمظلوم. # وقال آخر: بل ذلك هو الجزية منهم ما اقاموا على دينهم ذلة لهم ~~وصغارا # وقال آخرون: الخزي الذي خزوا به في الدنيا إخراج رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) بني النضير من ديارهم لأول الحشر. وقيل: مقاتلة بني قريظة ~~وسبي ذراريهم. وكان ذلك خزيا في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم ومعنى ~~قوله: { يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } أي اسوء العذاب، يعني بعد ~~الخزي الذي يحل بهم في الدنيا يردهم الله إلى اشد العذاب الذى اعده ~~الله لاعدائه. # وقال بعضهم: يردهم يوم القيامة إلى اشد العذاب، يعني اشد من عذاب الدنيا ~~ والاول اقوى: انه من أشد العذاب يعني اشد جنس العذاب. وذلك يقتضي ~~العموم ولا يخص إلا بدليل. # وقوله: { وما الله بغافل عما تعملون }. منهم من قرأ بالياء، رده إلى من ~~أخبر عنهم. # ومن قرأ بالتاء، رده إلى المواجهين بالخطاب. والياء اقوى، لقوله: { فما ~~جزاء من يفعل ذلك }. # وقوله: { ويوم القيامة يردون } فالرد إلى هذا أقرب من قوله: { أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب } فاتباع الأقرب أولى من إلحاقه بالاول. والكل حسن. والمعنى ~~وما الله بساه عن اعمالهم الخبيثة بل هو محص لها وحافظ لها حتى يجازي ~~عليها. فان قيل: ظاهر الآية يقتضي ان يصح الايمان ببعض الاشياء، وان ~~كفروا بالبعض الآخر، وذلك مناف لمذهبكم في الارجاء والموافاة. لأن المعنى ~~في ذلك إظهار التصديق بالبعض، والمنع بالتصديق بالبعض الآخر. ويحتمل ان ~~يكون المراد ان ذلك على ما يعتقدونه، لأنكم اذا اعتقدتم جميع ذلك ثم ~~عملتم ببعضه دون بعض، فكأنكم آمنتم ببعضه دون بعض. ### || [2.86] # المعنى: # قوله: { أولئك } إشارة إلى الذين اخبر عنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون ~~أساراهم من اليهود، ويكفرون ببعض فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من اهل ~~ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله اخراجه. وهم الذين اشتروا رياسة ~~الحياة الدنيا. ومعناه ابتاعوها على الضعفاء واهل الجهل والغباء منهم. ~~وانما وصفهم بانهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا ~~بكفرهم الله عز وجل فيها عوضا ms0245 من نعيم الآخرة الذي اعده الله للمؤمنين. ~~فجعل تركهم حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ثمنا لما ابتاعوه من ~~خسيس الدنيا بما اخبر الله انه لا حظ لهم في نعيم الآخرة، وان لهم في ~~الآخرة عذابا غير مخفف عنهم فيها العقاب. وقوله: { ولا هم ينصرون } أي ~~لا ينصرهم احد في الآخرة فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله تعالى ### || [2.87] # القراءة: # قرأ أهل الكوفة الرسل مثقل في جميع القرآن. وقرأ ابن كثير القدس بسكون ~~الدال حيث وقع. الباقون بتثقيلها، # المعنى: # ومعنى قوله { آتينا موسى الكتاب } انزلناه اليه واعطيناه. والكتاب ~~بالمراد به التوراة. وقوله { وقفينا } معناه واردفنا، واتبعنا بعضه خلف ~~بعض، كما بقفو الرجل الرجل: اذا سار في اثره من ورائه واصله من القفا. ~~يقال فيه قفوت فلانا اذا صرت خلف قفاه. كما يقال دبرته اذا صرت في دبره ~~قال امرؤ القيس: # وقفى على اثارهن بحاصب # فمر العشى البارد المتحصب # ومعنى قوله: { بالرسل } من بعد موسى. والمراد بالرسل الانبياء، وهم جمع ~~رسول يقال: رسول ورسل، كما يقال: رجل صبور وقوم صبر. ورجل شكور، وقوم ~~شكر. والمعنى في { قفينا } اتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة ~~واحدة، لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى إلى زمن عيسى بن مريم (ع) ~~فانما بعثه باقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك، ~~قال: { وقفينا من بعده بالرسل } يعني على منهاجه وشريعته. # وقوله: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } اعطينا عيسى بن مريم الحجج ~~والدلالات على نبوته من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص ونحو ذلك من ~~الآيات التي دلت على صدقه وصحة نبوته. # وقوله: { وأيدناه بروح القدس } أي قويناه واعناه. يقال منه ايدك الله، ~~أي قواك الله. وهو رجل ذو ايد وذو اياد أي ذو قوة ومنه قول العجاج: # من ان تبدلت بآدي آدا # يعني بقوة شبابي قوة الشيب قال الشاعر: # ان القداح اذا اجتمعن فرامها # بالكسر ذو جلد وبطش أيد # يعنى بالايد القوي قال قتادة والسدي والضحاك والربيع: روح القدس هو ~~جبرائيل " ع ". قال: ms0246 ابن زيد ايد الله عيسى بالانجيل روحا كما جعل القرآن ~~روحا كلاهما روح الله كما قال: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا }. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس ان الروح: الاسم الذي كان يحيي به الموتى. واقوى ~~الاقوال قول من قال: هو جبرائيل (ع) لأن الله تعالى ايد عيسى به كما قال ~~تعالى # يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل # فاخبر انه ايده به ناو كان المراد به الانجيل لكان ذلك تكرارا. وانما ~~سمي الله تعالى جبرائيل روحا واضافه إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله ~~روحا من عنده من غير ولادة والد ولده. وقال قوم سمي روحا لأنه كان ~~بمنزلة الارواح للابدان تحيى بما يأتي به من البينات وقال آخرون: سمي ~~بذلك، لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته وكذلك سائر الملائكة وانما خص ~~به تشريفا والتقديس والتطهير والقدس: الطهر وقال السدي: القدس ها هنا ~~البركة يقال: قدس عليه: برك عليه. # ويكون اضافته إلى نفسه كقوله { حق اليقين } وقال الربيع: القدس الرب. ~~وقال ابن زيد القدس هو الله، وايده بروحه، واحتج بقوله { الملك القدوس }. ~~وقال القدوس والقدس واحد. وروي عن ابن عباس ان القدس الطاهر وقال الراجز: # الحمد لله العلى القادس # وقال رؤبة: # دعوت رب القوة القدوسا # وقوله: { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون } فالخطاب بذلك متوجه إلى يهود بني اسرائيل وكأنه قال: يا ~~معشر يهود بني اسرائيل لقد اتينا موسى التوراة وتابعنا من بعده الرسل ~~اليكم واتينا عيسى ابن مريم الحجج والبينات اذ بعثناه اليكم وايدناه بروح ~~القدس وانتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه انفسكم استكبرتم ~~عليهم تجبرا وبغيا وكذبتم منهم بعضا وقتلتم بعضا، وظاهر الخطاب وان ~~كان خرج مخرج التقدير فهو بمعنى الخبر. ### || [2.88] # القراءة: # القراء المعرفون على تسكين اللام من قوله غلف. وقال ابن محيص غلف بضم ~~اللام # المعنى: # وروي عن ابن عباس ms0247 ذلك فمن قرأ بالتسكين قال: معنى غلف الواحد منها اغلف ~~وغلف مثل احمر وحمر فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية فلم لا تعي ما تأتينا به ~~قالوا كما { قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب } أي لا تفقه لأنها في حجاب. ومنه يقال للرجل الذي لم ~~يختن اغلف والمرأة غلفاء ويقال للسيف اذا كان في غلاف اغلف وقوس غلفاء: ~~وجمعها غلف وكذلك كل لغة على وزن افعل للذكر والانثى فعلاء يجمع على فعل ~~مضمومة الاول ساكنة الثاني نحو احمر وحمر واصفر وصفر فيكون ذلك جمعا ~~للتذكير والتأنيث ولا يجوز ثقيل عين الفعل إلا في ضرورة الشعر. قال طرفه: # ايها الفتيان في مجلسنا # جردوا منها ورادا وشقر # فحرك لضرورة الشعر. ومن قرأ " غلف " مثقلا قال: هو جمع غلاف مثل مثال ~~ومثل وحمار وحمر. فيكون معناه إن قلوبنا اوعية للعلم فما بالها لا تفهم، ~~وهي اوعية للعلم. ويجوز ان يكون التسكين عين التثقيل مثل رسل ورسل. ~~وقال عكرمة غلف: أي عليها طابع. والمعنى عندنا ان الله اخبر ان هؤلاء ~~الكفار ادعوا ان قلوبهم ممنوعة من القبول وذهبوا إلى ان الله منعهم من ~~ذلك، فقال الله ردا عليهم { بل لعنهم الله بكفرهم } أي انهم لما كفروا ~~فالفوا كفرهم واشتد اعجابهم به ومحبتهم اياه، منعهم الله، من الالطاف ~~والفوائد ما يؤتيه المؤمنين ثوابا على ايمانهم وترغيبا لهم في ~~طاعتهم، وزجر الكافرين عن كفرهم، لأن من سوى بين المطيع والعاصي له، فقد ~~اساء اليهما. وفي الآية رد على المجبرة ايضا، لأنهم قالوا: مثل ما يقول ~~اليهود من أن على قلوبهم ما يمنع من الايمان ويحول بينهم وبينه، وكذبهم ~~الله تعالى في ذلك بأن لعنهم وذمهم. فدل على أنهم كانوا مخطئين، كما هم ~~مخطئون. وقال ابو علي الفارسي: ما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها، ~~اذ اذكر بانه لا يعلم وصف بان عليه مانعا كقوله تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها # فان الفعل لما كان مانعا من الدخول إلى ms0248 المقفل عليه شبه القلوب به. ~~ومثله قوله: # سكرت أبصارنا # وقوله: # الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري # ومثله # بل هم منها عمون # وقوله: # صم بكم # لأن العين اذا كانت في غطاء لم ينفذ شعاعها فلا يقع بها ادراك، فكأن شدة ~~عنادهم بحملهم على رفع المعلومات. واللعن هو الاقصاء والابعاد. يقال: لعن ~~الله فلانا يلعنه لعنا. فهو ملعون، ثم يصرف مفعول إلى فعيل، فيقال: هو ~~لعين. # كما قال الشماخ بن ضرار: # ذعرت به القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أي المبعد: فصار معنى الآية قالت اليهود: { قلوبنا في أكنة مما تدعونا ~~إليه } محمد (صلى الله عليه وسلم). فقال الله: ليس ذلك كما زعموا ولكنه ~~تعالى اقصاهم وأبعدهم عن رحمته وطردهم عنها، لجحودهم به وبرسله. # وقوله تعالى: { قليلا ما يؤمنون } قال قتادة: قيل منهم من يؤمن. وقال ~~قوم: { قليلا ما يؤمنون } أي لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. والذي ~~نقوله ان معنى الآية ان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى قليلوا الايمان بما ~~انزله الله تعالى على نبيه محمد " صلى الله عليه وسلم " ولذلك نصب قوله { ~~قليلا } لأنه نصب على نعت المصدر المتروك. وتقديره لعنهم الله بكفرهم، ~~فأيمانا قليلا يؤمنون. ولو كان الامر على ما قال قتادة، لكان القليل ~~مرفوعا، وكان تقديره فقليل ايمانهم. وقال قوم من اهل العربية: ان ما ~~زائدة لا معنى لها. كقوله: # فبما رحمة من الله لنت لهم # وتقديره الكلام: قليلا يؤمنون، وانشد بيت مهلهل # لو بأبانين جاء يخطبها # ضرج ما انف خاطب بدم # يعني ضرج انف خاطب. وما زائدة. وقال قوم: ذلك خطأ في الآية وفي البيت ~~وان ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الاشياء اذا ~~كانت " ما " كلمة تجمع كل الاشياء، ثم تخص بعض ما عمته، فانها تذكر ~~بعدها. وفي الناس من قال: { فقليلا ما يؤمنون } ، لأنه كان معهم بعض ~~الايمان من التصديق بالله وبصفاته، وغير ذلك مما كان فرضا عليهم، وذلك ~~هو القليل بالاضافة الى ما جحدوا به من التصديق ms0249 بالنبي " صلى الله عليه ~~وسلم " وما جاء به. والذي يليق بمذهبنا ان نقول: إنه لم يكن معهم ايمان ~~اصلا، وانما قال: " فقليلا ما يؤمنوا " كما يقول القائل: قل ما رأيت هذا ~~قط. وروي عنهم سماعا: اعني العرب مررت ببلد قل ما ينبت إلا الكراث ~~والبصل. يريدون ما ينبت إلا الكراث والبصل. ### || [2.89] # المعنى: # التقدير: ولما جاء اليهود من بني اسرائيل الذين وصفهم الله، كتاب من عند ~~الله يعني به القرآن الذي انزله على محمد " صلى الله عليه وسلم " واشتقاق ~~الكتاب من الكتب، وهو جمع كتبة وهي الخرزة. وكلما ضممت بعضه إلى بعض، فقد ~~كتبته. والكتيبة من الجيش من هذا الانضمام بعضها إلى بعض. # وقوله: { مصدق لما معهم } من الكتب التي انزلها الله قبل القرآن من ~~التوراة والانجيل وغيرهما. " ومعنى مصدق لما معهم " لما في التوارة ~~والانجيل، والاخبار التي فيها. ويحتمل ان يكون المراد: مصدق بان التوراة ~~والانجيل من عند الله. ومصدق رفع، لأنه نعت الكتاب. ولو نصب على الحال، ~~لكان جائزا، لكن لم يقرأ به. # وقوله: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا }. قال ابو عبيدة ~~معناه يستنصرون. قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الاوس ~~الخزرج برسول الله " صلى الله عليه وسلم " قبل مبعثه فلما بعثه الله في ~~العرب، فقال لهم معاذ بن جبل وبشير ابن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله ~~واسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن اهل ~~الشرك، وتخبرونا بانه مبعوث. فقال لهم سلام بن مثكم: ما جاء بشيء، وما هو ~~بالذي كنا نذكر لكم. فانزل الله ذلك. وقال قوم: معنى { يستفتحون } ~~يستحكمون ربهم على كفار العرب. كما قال الشاعر: # ألا أبلغ بني عصم رسولا # فاني عن فتاحتكم غني # اي محاكمتكم. وقال قوم: معناه يستعلمون من علمائهم صفة نبي يبعث من ~~العرب، وكانوا يصفونه. فلما بعث انكروه. # واما جواب قوله: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم } فقال ~~قوم: ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين. معناه كما قال: # ولو أن ms0250 قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى # فترك الجواب، وكان تقديره ولو ان قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال، ~~او قطعت به الارض، او كلم به الموتى لسيرت بهذا. ترك ذلك لدلالة الكلام ~~عليه وكذلك الآية الجواب فيها محذوف لدلالة قوله: { فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به } وقال آخرون: قوله: { كفروا } جواب لقوله: { ولما جاءهم كتاب ~~من عند الله مصدق لما معهم }. ولقوله: { ولما جاءهم ما عرفوا }. ونظيره ~~قوله: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # فصار قوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جوابا لقوله: { فإما يأتينكم } ~~، ولقوله: { فمن تبع هداي } ، ومثله في الكلام قولك ما هو إلا ان جاءني ~~فلان، فلما ان قعد وسعت له، فصار قولك: وسعت له جوابا لقولك: ما هو إلا ~~ان جاءني، ولقولك: فلما ان قعد. # وجاء الاول للكتاب وجاء الثاني قيل: إنه للرسول، فلذلك كرر. وقوله: ~~{ فلعنة الله على الكافرين } فقد بينا فيما مضى، معنى اللعنة، ومعنى ~~الكفر فلا وجه لاعادته. وقد مضى الجواب عمن يستدل بمثل ذلك على ان الكافر ~~قد يكون عالما ببعض الاشياء التي اوجبها الله تعالى بخلاف ما يذهب اليه ~~اصحاب الموافاة، وان من عرف الله فلا يجوز ان يكفر وان المعتمد على ذلك: ~~ان نقول: لا يمتنع ان يكونوا قد عرفوا الله وكثيرا مما وجب عليهم، لكن ~~لم يكن وقع نظرهم على وجه يستحقون به الثواب، لأن ذلك هو الممنوع منه، ~~وقد بينا ايضا صفة من يتعلق بذلك من اصحاب الضرورات، لأن غاية ما في ذلك ~~ان القوم كانوا عارفين فجحدوا ما عرفوا، وليس يمتنع ان يكونوا عارفين ~~استدلالا ثم جحدوا: فالضرورة لم يجر لها ذكر. ### || [2.90] # اللغة والاعراب: # أصل بئس: بئس من البؤس فأسكنت الهمزة ونقلت حركتها إلى الباء. كما قالوا ~~في ظللت ظلت، وكما قيل للكبد كبد، فنقلت حركة الباء إلى الكاف، لما سكنت ~~الباء. ويحتمل ان تكون بئس. وان كان اصلها بئس من ms0251 لغة من ينقل حركة العين ~~من فعل إلى الفاء اذا كانت عين الفعل احد حروف الحلق الستة. كما قالوا في ~~لعب: لعب. وفي سئم سيم، وهي لغه تميم. ثم جعلت دلالة على الذم والتوبيخ ~~ووصلت ب (ما). واختلفوا في (ما) فقال قوم من البصريين: هي وحدها اسم، و { ~~أن يكفروا } تفسير له. نحو نعم رجلا زيد و { أن ينزل الله } بدل من انزل. ~~وقال الفراء: بئس الشيء اشتروا به انفسهم ان يكفروا. ف (ما) اسم بئس، و ~~{ أن يكفروا } الاسم الثاني. وقوله { أن ينزل الله من فضله على من يشاء ~~من عباده } ، إن شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وان شئت في موضع خفض: فالرفع ~~بئس الشيء هذا ان يكفروا، والخفض بئس الشيء إشتروا به انفسهم ان يكفروا ~~بما انزل الله بغيا. وفي قوله: # لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم # مثل ذلك. قال ابو عبيدة: والعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب بمنزلة ~~الاسم التام. وقوله: { فنعما هي } { وبئس ما أنت } قال الراجز: # لا تعجلا بالسير وادلواها # لبئسما بطء ولا نرعاها # قال: ويقولون لبئس ما تزويج، ولا مهر: فيجعلون (ما) وحدها اسما بغير ~~صلة. # وروي عن النبي " صلى الله عليه وسلم " انه قال: # " نعم ما المال للرجل الصالح " # ، فجعلت (ما) اسما. وقال قوم: هذا الوجه ضعيف، لان هذا القول، يكون ~~التقدير بئس الشيء اشتروا به انفسهم، فقد صارت ما بصلتها اسما موقتا، ~~لان اشتروا فعل ماضي، واذا وصلت بفعل ماضي كانت معرفة موقتة. تقديره بئس ~~شراؤهم كفرهم. وذلك غير جائز عنده: فبان بذلك فساد هذا القول. وبئس ونعم ~~لا يلقاهما اسم علم كزيد وعمر، واخيك وابيك: فانما يلقاها المعرف بالالف ~~واللام. كقولك: الرجل والمرأة، وما اشبه ذلك. فان نزعتهما، نصبت. كقوله: # بئس للظالمين بدلا # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بايآتنا # فان كانت نكرة مضافة إلى نكرة جاز الرفع والنصب. كقولك نعم غلام سفر ~~غلامك، بالرفع والنصب حكاه الفراء. # وقال بعضهم: إن (ان) في موضع خفض ان شئت، ms0252 وان شئت في موضع رفع: فالخفض ~~ان ترده على الهاء في به على التكرير على كلامين، لانك قلت: اشتروا ~~انفسهم بالكفر: والرفع ان يكون تكرارا على موضع (ما) التي تلي بئس، ولا ~~يجوز ان يكون رفعا على قولك بئس الرجل عبد الله. # وقال بعضهم: أولى هذه الاقوال أن تجعل بئسما مرفوعا بالراجع من الهاء ~~في قوله: اشتروا به. كما رفعوا ذلك بعبد الله، في قولهم: بئسما عبد الله، ~~وجعل أن يكفروا مترجما عن بئس. فيكون التقدير بئس الشيء باع اليهود به ~~انفسهم بكفرهم، بما انزل الله بغيا وحسدا ان ينزل الله من فضله. وتكون ~~ان التي في قوله: { أن ينزل الله } في موضع نصب، لانه يعني به ان يكفروا ~~بما انزل الله من اجل ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وموضع ~~(ان) جر. والكسائي جعل ان في موضع خفض بنية الباء وانما كان النصب اقوم، ~~لتمام الخبر قبلها ولا خافض معها. وحرف الخفض اذا كان مضمرا لا تخفض به. # المعنى: # ومعنى قوله: { اشتروا به أنفسهم } اي باعوا به انفسهم على وزن افتعلوا ~~من الشراء وسمي البائع الشاري بهذا، لانه باع نفسه ودنياه عنده. واكثر ~~الكلام شريت بمعنى بعت. واشتريت بمعنى ابتعت. قال الشاعر يزيد بن مفرغ ~~الحميري: # وشريت بردا ليتني # من قبل برد كنت هامة # ومعنى قوله: { وشروه بثمن بخس } باعوه وربما استعملت اشتريت بمعنى بعت. ~~وشريت بمعنى ابتعت. والاكثر ما قلناه. # وقوله: { بغيا } اي حسدا وتعديا. فان قيل: كيف باعت اليهود انفسها ~~بالكفر. وهل يشترى بالكفر شيء؟ قيل معنى الشراء والبيع عند العرب هو ~~ازالة ملك المالك إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم يستعمل ذلك في كل معتاض ~~من عمله عوضا خيرا كان أو شرا يقال نعم ما باع فلان نفسه به، وبئس ~~ما باع به نفسه. بمعنى نعم الكسب كسبها، وبئس الكسب كسبها. وكذلك قوله: { ~~بئس ما اشتروا به أنفسهم } ، لما ابقوا انفسهم بكفرهم بمحمد " صلى الله ~~عليه وسلم " واهلكوها. خاطبهم الله بالعرف الذي ms0253 يعرفونه: فقال بئس ما ~~اعتاضوا من كفرهم بالله، وتكذيبهم محمدا " صلى الله عليه وسلم " إذا ~~كانوا رضوا به عوضا من ثواب الله، وما اعد لهم لو كانوا امنوا بالله ~~وما انزل على انبيائه بالنار، وما اعد لهم بكفرهم بذلك. ونظير هذه ~~الآية قوله: في سورة النساء: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب # إلى قوله: # وآتيناهم ملكا عظيما # وكان ذلك حسدا منهم لكون النبوة في غيرهم. # وقوله: " بغيا " نصب لانه مفعول له. والمعنى فسادا. قال الاصمعي: مأخوذ ~~من قولهم: بغى الجرح اذا فسد. ويجوز ان يكون مأخوذا من شدة الطلب ~~للمطاول. وسميت الزانية بغيا لانها تطلب. واصل البغي الطلب. و { بغيا ~~أن ينزل الله } اي لأن ينزل الله. وكذلك كل ما في القرآن. ومثله قول ~~الشاعر: # أتجزع أن بان الخليط المودع # وحبل الصفا من عزة المتقطع # وقوله: { فباءوا بغضب على غضب } اي رجعوا. والمراد رجعت اليهود من بني ~~اسرائيل بعد ما كانوا عليه من الاستنصار لمحمد " صلى الله عليه وسلم " في ~~الاستفتاح به، وبعد ما كانوا يخبرون الناس من قبل مبعثه انه نبي مبعوث ~~مرتدين علي اعقابهم حين بعثه الله نبيا بغضب من الله استحقوه منه ~~بكفرهم به وجحدهم بنبوته، وانكارهم اياه. وقال السدي: الغضب الاول حين ~~عبدوا العجل، والثاني حين كفروا بمحمد " صلى الله عليه وسلم ". وقال ~~عطا وغيره: الغضب الاول حين غيروا التوراة قبل مبعث محمد " صلى الله ~~عليه وسلم ": والغضب الثاني حين كفروا بمحمد " صلى الله عليه وسلم ". ~~وقال عكرمة والحسن: الاول حين كفروا بعيسى " ع ": والثاني حين كفروا ~~بمحمد " صلى الله عليه وسلم ". وقد بينا ان الغضب من الله هو ارادة ~~العقاب بهم. # وقوله: { وللكافرين عذاب مهين } معناه للجاحدين بنبوة محمد " صلى الله ~~عليه وسلم " عذاب مهين من الله: إما في الدنيا، وإما في الآخرة. و { مهين ~~} هو المذل لصاحبه المخزي لملبسه هوانا وذلة. وقيل " المهين " هو الذي ~~لا ينتقل منه إلى اعتزاز وإكرام. وقد يكون غير مهين اذا كان تمحيصا ~~وتكفيرا ينتقل بعده إلى ms0254 اعتزار وتعظيم: فعلى هذا من ينتقل من عذاب النار ~~إلى الجنة، لا يكون عذابه مهينا. قال المؤرخ: { فباءوا } استوجبوا ~~اللعنة بلغة جرهم . ولا يقال باء مفردة حتى يقول بكذا وكذا: اما بخير ~~واما بشر. قال ابو عبيدة: { فباءوا بغضب } احتملواه واقروا به. واصل ~~البواء التقرير والاستقرار. قال الشاعر: # أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها # كصرخة حبلى يسرتها قبولها ### || [2.91] # المعنى: # قوله: { بما أنزل الله } يعني القرآن. { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } ~~يعنون التوراة. { ويكفرون بما وراءه } يعني بما بعده قال الشاعر: # تمني الاماني ليس شيء وراءها # كموعد عرقوب اخاه بيثرب # وقال الفراء: معنى { وراءه } ها هنا سواه. كما يقال للرجل يتكلم بالحسن: ~~ما وراء هذا الكلام شيء يراد به، ليس عند المتكلم شيء سوى ذلك الكلام. # ومعنى قوله: { ويكفرون بما وراءه وهو الحق } وبما سوى التوراة وبما بعده ~~من كتب الله عز وجل التي انزلها الله إلى رسله. # قوله: { هو الحق مصدقا } يعني القرآن مصدقا لما معهم ونصب على الحال ~~ ويسميه الكوفيون علي القطع. # وقوله: { من قبل } ضم على الغاية، وكذلك اخواتها نحو بعد وتحت وفوق اذا ~~جعلت غاية ضمت. وفي ذلك خبر من الله تعالى ذكره انهم من التكذيب في ~~التوراة على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالانجيل والقرآن عنادا ~~وخلافا لأمره، وبغيا على رسله. # وقوله: { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } يعني قل يا ~~محمد ليهود بني اسرائيل اذا قلت لهم آمنوا قالوا لك نؤمن بما انزل ~~علينا: لم تقتلون ان كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم انبياءه وقد ~~حرم عليكم في الكتاب الذي انزل عليكم قتلهم، بل امركم فيه باتباعهم ~~وطاعتهم وتصديقهم. وفي ذلك تكذيب لهم في قولهم نؤمن بما انزل علينا، ~~وتغيير عليهم. # وقوله: { فلم تقتلون } وان كان بلفظ الاستقبال المراد به الماضي، بدلالة ~~قوله: من قبل. وذلك لما مضى، كما قال: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين # اي ما تلت. قال الشاعر: # ولقد امر على اللئيم يسبنى # فمضيت عنه وقلت لا يعنيني # وفي رواية اخرى ms0255 ثمت. قلت يريد بقوله ولقد امر بدلالة قوله: فمضيت ولم ~~يقل فأمضى وقال آخر: # واني لأتيكم تشكر ما مضى # من الامر واستيجاب ما كان في غد # يعنى بذلك ما يكون في غد. قال الحطيئة: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه # ان الوليد احق بالعذر # يعني يشهد وقال آخر: # فما أضحى ولا امسيت إلا # اراني منكم في كوفان # فقال: اضحى، ثم قال: ولا امسيت. ومثله # يحسب أن ماله أخلده # اي يستخلده. وقال بعض الكوفيين انما قال: { فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل } واراد به الماضي كما يقول القائل موبخا لغيره، ومكذبا له: لم ~~تكذب، ولم تبغض نفسك إلى الناس. قال الشاعر: # اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من ان تقري به بدا # فالجزاء المستقبل، والولادة كلها قد مضت، وجاز ذلك لأنه معروف. وقال ~~قوم: معناه فلم ترضون بقتل انبياء الله إن كنتم مؤمنين. وقالت فرقة ~~ثانية: فلم تقاتلون انبياء الله فعبر عن القتال بالقتل، لأنه يؤول اليه. ### || [2.92] # المعنى: # { ولقد جاءكم موسى } يعني جاء اليهود موسى { بالبينات } الدالة على صدقه ~~وصحة نبوته. كقلب العصاحية، وانبجاس الماء من الحجر، واليد البيضاء، وفلق ~~البحر، والجراد، والقمل، والضفادع، وغيرها من الآيات. وسماها بينات، ~~لظهورها وتبينها للناظرين اليها انها معجزة لا يقدر على أن يأتي بمثلها ~~بشر. وانما هي جمع بينة مثل طيبة وطيبات وقوله: { ثم اتخذتم العجل من ~~بعده } يعني بعد " موسى " لما فارقهم ومضى إلى ميقات ربه. # ويجوز ان تكون الهاء كناية عن المجيء. فيكون التقدير: ثم اتخذتم العجل ~~من بعد مجيء موسى بالبينات { وأنتم ظالمون } كما يقول القائل: جئتني ~~فكرهتك: اي كرهت مجيئك. وليس المراد بثم ها هنا النسق، وانما المراد بها ~~التوبيخ، والتعجب والاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات. وقوله: { ~~وأنتم ظالمون } يعني انكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل. وليس ذلك لكم، ~~وعبدتم غير الله، وكان ينبغي لكم ان تعبدوا الله، لان العبادة لا تكون ~~لغير الله، فانتم بفعل ذلك ظالمون انفسكم. ### || [2.93] # المعنى: # تقديره واذكروا إذ أخذنا ms0256 ميثاقكم وعهودكم بان تأخذوا ما آتيناكم من ~~التوراة التي انزلها الله على موسى بجد واجتهاد، ومعناه اقبلوا ما سمعتم، ~~كما قيل سمع الله لمن حمده: اي قبل الله حمده قال الراجز: # بالحمد والطاعة والتسليم # خير واعفى لفتى تميم # فصار تقدير الآية: { وإذ أخذنا ميثاقكم } بأن { خذوا ما آتيناكم بقوة } ~~واعملوا بما سمعتم واطيعوا الله { ورفعنا فوقكم الطور } من اجل ذلك. # وقوله: { قالوا سمعنا وعصينا } كأن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد ~~أن كان الابتداء بالخطاب، لما تقدم ذكره من ابتداء الكلام، اذ كان ~~حكاية. والعرب تخاطب، ثم تعود بعد ذلك إلى الخبر عن الغائب، ثم تخاطب، ~~لان قوله: { وإذ أخذنا ميثاقكم } بمعنى قلنا لكم، فأجبتمونا، وقوله: " ~~سمعنا " إخبار من الله تعالى عن اليهود الذين أخذنا ميثاقهم ان يعملوا ~~بما في التوراة، وان يطيعوا الله بما يسمعون منها انهم قالوا حين قيل لهم ~~ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك ويحتمل ان يكون ما قالوه لكن فعلوا ما يدل ~~على ذلك، فقام الفعل مقام القول. كما قال الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملات بطني # وقوله: { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } فيه وجوه: # احدهما ما قال قتادة وابو العالية: واشربوا في قلوبهم حب العجل. يقال ~~أشرب قلبه حب كذا وكذا قال زهير: # فصحوت عنها بعد حب داخل # والحب يثربه فؤداك داء # وقالت اعرابية: # باهلي من عادى ونفسي فداؤه # به هام قلبي منذ حين ولا يدري # هوى اشربته النفس ايام جهلها # ولح عليه القلب في سالف الدهر # وقال السدي: لما رجع موسى إلى قومه اخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، ~~فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع ~~فيه شيء منه، ثم قال اشربوا فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. ~~والاول عليه اكثر محصلي المفسرين وهو الصحيح، لان الماء لا يقال فيه: ~~أشرب منه فلان في قلبه، وانما يقال ذلك: في حب الشيء على ما بيناه، ولكن ~~يترك ذكر الحب اكتفاء بفهم ms0257 السامع، لمعنى الكلام، اذ كان معلوما ان ~~العجل لا يشربه القلب وان الذي اشرب منه حبه. كما قال { واسأل القرية } ~~وانما اراد اهلها. كما قال الشاعر: # حسبت بغام راحلتي عناقا # وما هي ويب غيرك بالعناق # يريد بذلك حسبت بغام راحلتي بغام عناق. وقال طرفه بن العبد: # ألا إنني سقيت اسود حالكا # ألا بجلي من الشراب ألا بجل # يريد بذلك سقيت سما اسود، فاكتفى بذكر (اسود) عن ذكر (السم) لمعرفة ~~السامع بمعنى ما اراد بقوله سقيت اسود. وقال آخر: # وكيف تواصل من أصبحت # خلالته كأبي مرحب؟ # اي كخلالة أبي مرحب وقال آخر: # وشر المنايا ميتة وسط اهله # اي ميتة ميت. وقد يقول العرب: اذا سرك ان تنظر إلى السخاء، فانظر إلى ~~هرم، أو إلى حاتم. فيجتزئون بذكر الاسم عن ذكر فعله، للعلم به. # وقوله: { بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } معناه قل يا محمد ~~ليهود بني اسرائيل: بئس الشيء يأمركم به ايمانكم إن كان يأمركم بقتل ~~انبياء الله ورسله والتكذيب بكتبه، وجحد ما جاء من عنده. وقال الازهري: ~~معنى ان كنتم: اي ما كنتم مؤمنين نفيا والاول اجود. ومعنى ايمانهم: ~~تصديقهم الذي زعموا انهم مصدقون، من كتاب الله اذا قيل لهم آمنوا بما ~~انزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين } أي ان كنتم مصدقين كما زعمتم، فأخبر ان ~~تصديقهم بالتوراة، انه كان يأمرهم بذلك، فبئس الامر يأمرهم به. وانما ذلك ~~نفي عن التوراة ان يكون يأمر بشيء بما يكرهه الله من افعالهم، واعلاما ~~منه ان الذي تأمرهم به اهواؤهم، وتحمل عليه عداوتهم. وهذا كما يقول ~~الرجل: بئس الرجل انا إن رضيت بفعلك، او ساعدتك عليه. # والمعنى وأشربوا في قلوبهم حب العجل بكفرهم، اي لالفهم الكفر وثبوتهم ~~فيه، والكفر يدعو بعضه إلى بعض، ويحسن بعضه بعضا. وليس المعنى في قوله: ~~{ وأشربوا } ان غيرهم فعل ذلك بهم، بل هم الفاعلون له، كما يقول القائل: ~~أنسيت ذلك من النسيان ليس يريد إلا انك فعلت. وقولهم: لقد أوتى فلان ~~علما ms0258 جما وان كان هو المكتسب له، وإن الجنس الذين قالوا: سمعنا ~~وعصينا غير الذين رفع عليهم الطور بأعيانهم، لكنهم كانوا على منهاجهم، ~~وسبيلهم. فأما أولئك باعيانهم، فانهم آمنوا: إما طوعا، واما كرها. ~~والمعنى في (الباء) المتصلة بالكفر: أنهم كفروا بالله بما اشربوا من محبة ~~العجل. وليس المعنى انهم في ذلك اشربوا حب العجل جزاء على كفرهم، لأن ~~محبة العجل كفر قبيح. والله لا يفعل الكفر في العبد، لا إبتداء، ولا ~~مجازاة. ### || [2.94] # هذه الآية مما احتج الله بتأويلها لنبيه (صلى الله عليه وسلم) على ~~اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها احبارهم وعلماءهم، لانه ~~دعاهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، كما كان من الخلف الواقع بينهم. فقال ~~لفريق من اليهود: ان كنتم صادقين ان الجنة خالصة لكم دون الناس كلهم، او ~~دون محمد واصحابه الذين آمنوا به فتمنوا الموت، لان من اعتقد انه من أهل ~~الجنة قطعا، كان الموت أحب اليه من حياة الدنيا التي فيها النغص، وانواع ~~الآلام، والمشاق، ومفارقتها إلى نعيم خالص يتخلص به من اذى الدنيا. # وقوله: { فتمنوا الموت } وان كان صورته صورة الامر المراد به ~~التوبيخ، والزام الحجة. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " لو ان اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار " # فقال الله تعالى لهم { ولن يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } تحقيقا ~~لكذبهم، فقطع على انهم لا يظهرون التمني وفي ذلك اعظم الدلالة على صدقه، ~~لانه اخبر بشيء قبل كونه، فكان كما اخبر، لانه لا خلاف انهم لم يتمنوا. ~~وقيل انهم ما تمنوا، لانهم علموا انهم لو تمنوا الموت، لماتوا كما قاله ~~ فلذلك لم يتمنوه. وهذا قول ابن عباس. وقال غيره: إن الله صرفهم عن ~~اظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه (صلى الله عليه وسلم). # أما التمني فهو قول لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن ليته كان. وقال ~~قوم: هو معنى في القلب. غير انه لا خلاف انه ليس من قبل الشهوة. فمن قال ~~من المفسرين: انه ms0259 أراد فتشهوا، فقد اخطأ. قد روي عن ابن عباس انه قال: ~~فاسألوا الموت. وهذا بعيد، لان التمني بمعنى السؤال لا يعرف في اللغة. ~~فان قيل: من اين انهم ما تمنوه بقلوبهم عند من قال: انه معنى في القلب؟ ~~قلنا: لو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم حرصا منهم على تكذيبه في ~~إخباره، وجهدا في اطفاء امره. وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة، وان ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ~~ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبي (صلى الله عليه وسلم). # ومعنى { خالصة }: صافية. يقال خلص لي هذا الامر: اي صار لي وحدي، وصفا ~~لي يخلص خلوصا وخالصة. والخالصة: مصدر كالعاقبة يقال للرجل هذا خلصاني: ~~اي خالصتي من دون اصحابي. ### || [2.95] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين قيل لهم: { تمنوا الموت إن كنتم صادقين ~~} بانهم لا يتمنون ذلك ابدا. قد بينا ان في ذلك دلالة على صدق النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) من حيث تضمنت انهم لا يتمنون ذلك في المستقبل. وكان ~~كما قال. # وقوله: { أبدا } نصب على الظرف: اي لم يتمنوه ابدا طول عمرهم. كقول ~~القائل: لا أكلمك ابدا،. وانما يريد ما عشت. # وقوله: { بما قدمت أيديهم } معناه بالذي قدمت ايديهم ويحتمل ان يكون ~~المراد بتقدمة ايديهم: فتكون (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر. # وقوله: { والله عليم بالظالمين } انما خص الظالمين بذلك وان كان ~~عالما بغيرهم لأن الغرض بذلك الزجر، كانه قال: عليم بمجازاة الظالمين. ~~كما يقول القائل لغيره، مهددا له: انا عالم بك بصير بما تعمله. وقيل: ~~انه عليم بانهم لا يتمنونه ابدا حرصا على الحياة، لان كثيرا منهم يعلم ~~انه مبطل: وهم المعاندون منهم الذين يكتمون الحق وهم يعلمون. ### || [2.96] # المعنى: # قال ابن عباس، وابو العالية: ومجاهد، والربيع: ان المعني بقوله احرص ~~الناس على حياة اليهود واحرص من الذين اشركوا وهم المجوس وهم الذين يود ~~احدهم لو يعمر الف سنة وما هو بمزحزحه لانه اذا دعا بعضهم لبعض يقول له: ~~هزار سال بده: اي ms0260 عشرة الاف سنة واليهود احرص على الحياة منهم { وما هو ~~بمزحزحه } اي بمباعده من العذاب ان يعمر لأنه لو عمر ما تمنى لما دفعه ~~طول العمر من عذاب الله تعالى على معاصيه وانما وصف الله اليهود بانهم ~~احرص الناس على حياة لعلمهم بما قد اعد الله لهم في الآخرة على كفرهم، ~~مما لا يقر به اهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث ويعلمون ما هناك من ~~العذاب. وان المشركين لا يصدقون ببعث ولا عقاب. واليهود احرص منهم على ~~الحياة واكره للموت. # وقوله: { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } يعنى وما التعمير وطول ~~البقاء بمزحزحه من عذاب الله، وهو عماد لطلب (ما) الاسم اكثر من طلبها ~~الفعل كما قال الشاعر: # وهل هو مرفوع بما ها هنا راس # وان في قوله: { يعمر } رفع بمزحزحه وحسنت الباء في قوله { بمزحزحه } كما ~~تقول: ما عبد الله بملازمة زيد وهي التي مع (ما) ذكره عماد للفعل، ~~لاستفتاح العرب النكرة قبل المعرفة. وقال قوم: ان هو التي مع (ما) كناية ~~عن ذكر العمر وجعل ان يعمر مترجما عن هو يريد ما هو بمزحزحه من العذاب ان ~~يعمر: اي وان عمر قال الزجاج: وما هو كناية عن احدهم كانه قال: وما احدهم ~~بمزحزحه من العذاب كانه قال: يود احدهم ان يعمر الف سنة وما ذلك العمر ~~بمزحزحه من العذاب وقوله: { بمزحزحه } اي بمبعده قال الحطيئة: # فقالوا تزحزح لا بنا فضل حاجة # اليك ولا منا لو هيك رافع # يعنى تباعد يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا. فتأويل الآية: وما ~~طول العمر بمبعده من عذاب الله، ولا منجيه منه، لأنه لا بد للعمر من ~~الفناء فيصير إلى الله تعالى، وقال الفراء: { أحرص الناس على حياة، ومن ~~الذين أشركوا } ايضا والله اعلم كقولك هو اسخى الناس. من حاتم ومن هرم ~~لان تأويل قولك: اسخى الناس انما هو اسخى من الناس. # وقوله: { والله بصير بما يعملون } قرىء بالتاء والياء معا: اي لا يخفى ~~عليه شيء من اعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ms0261 ولها حافظ حتى يذيقهم بها ~~العذاب ومعنى بصير مبصر عند اهل اللغة وسميع بمعنى مسمع، لكنه صرف إلى ~~فعيل في بصير وسميع، ومثله { عذاب أليم } بمعنى مؤلم و { بديع السماوات } ~~بمعنى مبدع. وعند المتكلمين المبصر: هو المدرك للمبصرات، والبصير هو الحي ~~الذي لا آفة به، لانه يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت. # وليس احدهما هو الآخر وكذلك سميع ومسمع. # وقوله: { يود } تقول وددت الرجل أود ودا وودا وودادا وودادة ومودة ~~واود: لا يكون ماضيه، الا وددت وقال بعض المفسرين: ان تأويل قوله { ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } اي من الناس اجمع، ثم قال واحرص من الذين ~~اشركوا على وجه التخصيص، لان من لا يؤمن بالبعث، والنشور، يكون حرصه على ~~البقاء في الدنيا اكثر ممن يعتقد الثواب، والعقاب. فان قيل: أليس نجد ~~كثيرا من المسلمين يحرصون على الحياة، ويكرهون الموت؟ فكيف تدل هذه ~~الآية على ان اليهود لم يكونوا على ثقة مما كانوا يدعونه من انهم اولى ~~به من المسلمين مع ان المسلمين يشاركونهم في الحرص على الحياة وهم ~~على يقين من الآخرة، وما فيها من الثواب، والعقاب؟ قيل: ان المسلمين لا ~~يدعون أن الدار الآخرة لهم خالصة، ولا انهم احباء الله، ولا انهم من اهل ~~الجنة قطعا، كما كانت اليهود تدعي ذلك، بل هم مشفقون من ذنوبهم، يخافون ~~أن يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون من الموت، ويحبون الحياة، ~~ليتوبوا من ذنوبهم التي يخافون ان يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون ~~من الموت ويحبون الحياة ليتوبوا من ذنوبهم، ويصلحوا اعمالهم. ومن كان على ~~يقين مما يصير اليه، لم يؤثر الحياة على الموت. كما روي عن علي (ع) انه ~~قال: لا ابالي سقط الموت علي او سقطت على الموت، وقال: اللهم سئمتهم، ~~وسئموني: فابدلني بهم خيرا منهم، وابدلهم بي شرا مني. وقوله: اللهم عجل ~~الي الراحة، وعجل لهم الشقوة. وكما روي عن عمار (ره) انه قال يوم صفين: ~~القى الأحبة: محمدا وصحبه. وكما قال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة ms0262 ~~لا افلح من ندم. ### || [2.97] # القراءة: # قرأ ابن كثير: (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء وبعدها ياء ساكنة من غير ~~همزة مكسورة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابو بكر إلا يحيى: بفتح الجيم ~~والراء بعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (جبرعيل). # وروى يحيى كذلك إلا انه حذف بعده الهمزة فيصير (جبريل). الباقون بكسر ~~الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة من غير همز. وقرأ اهل البصرة (ميكال) ~~بغير همز، ولا ياء. وقرأ اهل المدينة بهمزة مكسورة بعد الالف. مثل ~~(ميكاعل) الباقون باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة على وزن (ميكاعيل). # اللغة: # قال ابو الحسن الاخفش: في (جبريل) ست لغات: جبرائيل، وجبرئيل، ~~وجبرال، وجبريل، وجبرال، وجبريل. وحكى الزجاج بالنون ايضا بدل اللام، ~~وهي لغة بني أسد. وبتشديد اللام. # النزول: # اجمع اهل التأويل على ان هذه الآية نزلت جوابا لليهود حين زعموا أن ~~جبريل عدو لهم، وان ميكال ولي لهم لما أخبروا ان جبريل هو الذي نزل ~~على محمد (صلى الله عليه وسلم) قالوا: جبريل عدو لنا، ياتي بالحرب ~~والجدب. وميكائيل ياتي بالسلام والخصب: فقال الله تعالى: { قل من كان ~~عدوا لجبريل } اذ كان هو المنزل الكتاب عليه، فانه انما أنزله على قلبه ~~باذن الله، لا من تلقاء نفسه، وانما انزل لما هو مصدق بين يديه من الكتب ~~التي في ايديهم، لا مكذبا لها، وانه وإن كان فيما أنزل الامر في الحرب، ~~والشدة على الكافرين. فانه هدى وبشرى للمؤمنين. # المعنى: # وقوله: { على قلبك } ولم يقل على قلبي. كقولك للذي تخاطبه: لا تقل للقوم ~~إن الخبر عندك، ويجوز ان تقول: لا تقل: ان الخبر عندي. وكما تقول: قال ~~القوم: جبرائيل عدونا، ويجوز ان تقول: قالوا: جبرائيل عدوهم. ولا ينبغي ~~أن يستنكر أحد أن اليهود يقولون: إن جبرائيل عدونا، لان الجهل في هؤلاء ~~أكثر من ان يحصى. وهم الذين اخبر الله عنهم بعد مشاهدة فلق البحر، ~~والمعجزات الباهرة # اجعل لنا إلها كما لهم آلهة # وقالوا: # أرنا الله جهرة # ومثل ذلك طائفة من النصارى تعادي سليمان فلا تذكره ms0263 ولا تعظمه، ولا تقر ~~نبوته. # الاعراب: # وجبرائيل، وميكائيل: اسمان اعجميان أعربا. وقيل: ان جبر عبد وايل الله ~~مثل عبد الله. وضعف ذلك ابو علي الفارسي من وجهين: # احدهما ان ايل لا يعرف في اسماء الله في لغة العرب. # والثاني انه لو كان كذلك لأعرب آخر الكلمة. كما فعل ذلك في سائر ~~الاسماء المضافة: والامر بخلافه. # سبب النزول: # وكان سبب نزول هذه الآية ما روي أن صوريا، وجماعة من يهود اهل فدك، لما ~~قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف ~~نومك، فقد اخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في اخر الزمان؟ فقال: تنام ~~عيناي وقلبي يقظان، فقالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن الولد يكون من ~~الرجل او من المرأة؟ فقال: اما العظام والعصب والعروق، فمن الرجل، واما ~~اللحم والدم والظفر والشعر: فمن المرأة. # قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه اعمامه، ليس فيه من شبه اخواله ~~شيء، او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شيء؟ فقال: ايهما علا ماؤه ~~كان الشبه له، قالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن ربك ما هو؟ فانزل الله ~~تعالى: # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # فقال ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، واتبعتك، اي ملك يأتيك ~~بما ينزل الله لك، قال: جبريل. قالوا: ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة ~~والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك: ~~آمنا بك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # المعنى: # وقوله: { مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } يعني القرآن. ونصب ~~مصدقا على الحال. والهاء في قوله: { نزله على قلبك } يا محمد { مصدقا ~~لما بين يديه } يعني القرآن، ويعني مصدقا لما سلف من كتب الله امامه ~~التي انزلها على رسله، وتصديقا لها: موافقة لمعانيها في الامر باتباع ~~النبي (صلى الله عليه وسلم)، وما جاء به من عند الله. وانما اضافه { هدى ~~وبشرى للمؤمنين } من حيث كانوا المهتدين به، والعالمين العاملين ms0264 به على ~~ما بيناه فيما مضى. ### || [2.98] # وقد بينا اختلاف القراء في جبريل وميكائيل وان كانا من جملة الملائكة ~~ فانما افراد بالذكر، لاجل امرين: # أحدهما ذكرا لفضلهما ومنزلتهما. كما قال: # فيهما فاكهة ونخل ورمان # ولما تقدم من فضلهما، وان الآية نزلت فيهما، وفيما جرى من ذكرهما. # والثاني ان اليهود لما قالت: جبريل عدونا، وميكال ولينا، خصا بالذكر، ~~لئلا يزعم اليهود ان جبريل وميكال مخصوصان من جملة الملئكة، وغير داخلين ~~في جملتهم، فنص الله تعالى عليهما، لابطال ما يتأولونه من التخصيص. ثم ~~قال: { فإن الله عدو للكافرين } ولم يقل فانه، فكرر اسم الله لئلا يظن ان ~~الكناية راجعة إلى جبرائيل، او ميكائيل. ولم يقل (لهم) لانه يجوز ان ~~ينتقلوا عن العداوة بالايمان. وفي هذه الآية دلالة على خطأ من قال من ~~المجبرة: ان الامر ليس بمحدث احتجاجا بقوله: # ألا له الخلق والأمر # قالوا: فلما افرد الامر بالذكر بعد ذكره الخلق؟ على ان الامر ليس ~~بمخلوق. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ان لا يكون جبريل وميكائيل من ~~الملائكة. ونظير ذلك أيضا قوله: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ### || [2.99] # المعنى: # معنى الآيات يحتمل امرين: # احدهما ذكره البلخي وجماعة من أهل العلم يعني سائر الآيات المعجزات ~~التي اعطاها الله النبي (صلى الله عليه وسلم) من الآيات: القرآن، وما ~~فيه، وغير ذلك من الدلالات وقال بعضهم: هو الاخبار عما غمض مما في كتب ~~الله السالفة من التوراة، والانجيل، وغيرهما. وقال ابن عباس: ان ابن ~~صوريا القطراني قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا محمد ما جئتنا ~~بشيء نعرفه، وما انزل عليك من اية بينة فنتبعك لها. فانزل الله في ذلك { ~~ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون } فان قال بعض ~~اليهود: انتم مقرون باياتنا ونحن نجحد بآياتكم، فحجتنا لازمة لكم لانها ~~مردودة إلى ما تعرفونه؟ قيل لهم فيجب على هذا ألا يكون لكم حجة على ~~الدهرية والبراهمة والثنوية، لانهم لا يعترفون باياتكم. وانما قال: { وما ~~يكفر ms0265 بها إلا الفاسقون } ولم يقل الكافرون. وان كان الكفر اعظم من الفسق، ~~لاحد امرين: # [الاول] انه عنى الخارجين عن اديانهم، وان اظهروا انهم يتمسكون بها، لان ~~اليهود قد خرجت بالكفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من شريعة موسى. ~~والفسق هو الخروج عن امر الله إلى ما يعظم من معصيته. # والثاني انه اراد الفاسقين المتمردين في كفرهم، لان الفسق لا يكون الا ~~اعظم الكبائر فان كان في الكفر، فهو اعظم الكفر، وان كان فيما دون الكفر، ~~فهو أعظم المعاصي. هذا يجيء على مذهب الحسن، لانه ذكر ان الفاسقين: عني ~~به جميع من كفر بها، وقد يدخل في هذا الكلام احد امرين: احدهما لقوم ~~يتوقعون الخبر او لقرب الماضي من الحال. تقول: قد ركب الامير، وجاء زيد، ~~وقد عزم على الخروج، إي عازما عليه، وهي ها هنا مع لام القسم على هذا ~~تقديره قوم يتوقعون الخبر، لان الكلام اذا أخرج ذلك المخرج كان أوكد ~~وابلغ، والآية هي العلامة التي فيها عبرة. وقيل العلامة هي الحجة. ~~والبينة الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة ماخوذة من ابانه ~~احد الشيئين عن الاخر فيزول التباسه به. ### || [2.100] # الاعراب: # الواو في قوله { أو كلما } عند سيبويه واكثر النحويين واو العطف. الا ان ~~الف الاستفهام دخلت عليها، لان لها صدر الكلام، وهي او الاستفهام بدلالة ~~ان الواو يدخل على هل، لان الالف اقوى منها. قال الزجاج وغيره تقول: وهل ~~زيد عاقل، ولا يجوز وأزيد عاقل. وقال بعضهم يحتمل ان تكون زائدة. كزيادة ~~الفاء في قولك: أفالله لتصنعن. والاول اصح لانه لا يحكم بالزيادة مع ~~وجود معنى من غير ضرورة، والعطف على قوله: # خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا # { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم } وانما اتصل ذكر العهد بما قبله ~~لاحد امرين: # احدهما بقوله: { وإذ أخذنا ميثاقكم }. # والثاني انهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات. # المعنى: # والمراد بالعهد ها هنا: الميثاق الذي اخذه الله ليؤمنن بالنبي الامي ~~على قول ابن عباس وقال ابو علي: المعني ms0266 به العهود التي كانت اليهود ~~اعطوها من انفسهم في ايام انبيائهم، وفي ايام نبينا محمد (صلى الله ~~عليه وسلم)، لانهم كانوا عاهدوه انهم لا يعينوا عليه احدا فنقضوا ذلك ~~واعانوا عليه قريشا يوم الخندق. # اللغة: # وقوله: { نبذه } النبذ والطرح والالقاء نظائر. قال صاحب العين: والنبذ ~~طرحك الشيء عن يدك امامك، او خلفك. والمنابذة: انتباذ الفريقين للحرب. ~~تقول نبذنا إليهم على سواء: اي نابذناهم الحرب. والمنبوذون هم الاولاد ~~الذين يطرحون والنبيذ معروف والفعل نبذت لي، ولغيري، وانبذت: خاصة ~~لنفسي. والمنابذة في البيع منهي عنها وهي كالرمي، كأنه اذا رمى اليه. وجب ~~له، وسمي النبيذ: نبيذا، لأن التمر كان يلقى في الجرة وغيرها. وهي فعيل ~~بمعنى مفعول. واصاب الارض نبذة من المطر: اي قليل. # المعنى: # قال قتادة: معنى نبذه في الآية: نقضه، وقيل: تركه. وقيل ألقاه، والمعنى ~~متقارب قال ابو الاسود الدؤلي: # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا اخلقت من نعالكا # وقوله: { بل أكثرهم } الهاء، والميم عائدتان على المعاهدين، ولا يصلح ~~على الفريق اذ كانوا كلهم غير مؤمنين. واما المعاهدون: فمنهم من آمن كعبد ~~الله ابن سلام، وكعب الاحبار وغيرهما. وانما دخلت بل على قوله: { اكثرهم ~~لا يؤمنون } ، لامرين: # احدهما انه لما قال: { نبذه فريق منهم } دل على انه كفر ذلك الفريق ~~بالنقض، وحسن هذا التفصيل، لان منهم من نقض عنادا. ومنهم من نقض جهلا. # والوجه الثاني كفر فريق منهم بالنقض، وكفر اكثرهم بالجحد للحق، وهو ~~امر النبي " صلى الله عليه وسلم " وما يلزم من اتباعه، والتصديق به. وقيل ~~بل يعني ان الفريق وان كانوا هم المعاندون، والجميع كافرون. كما تقول: ~~زيد كريم بل قومه جميع كرام. # وقوله: { أو كلما } نصب على الظرف، والعامل فيه نبذ، ولا يجوز ان يعمل ~~فيه عاهدوا، لانه متمم [لما]: اما صلة، واما صفة. ### || [2.101] # المعنى: # قال السدي واكثر المفسرين: المعني بالرسول محمد " صلى الله عليه وسلم ". ~~وقال بعضهم: يجوز أن يعنى به ها هنا الرسالة. كما قال كثير: # فقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بليلى ولا ms0267 ارسلتهم برسول # وهذا ضعيف، لأنه خلاف الظاهر، قليل الاستعمال. والكتاب يحتمل ان يراد به ~~التوراة. ويحتمل ان يراد به القرآن. قال السدي: نبذوا التوراة، واخذوا ~~بكتاب اصف، وسحر هاروت وماروت: يعني انهم تركوا ما تدل عليه التوراة من ~~صفة النبي " صلى الله عليه وسلم ". وقال قتاده وجماعة من اهل العلم: إن ~~ذلك الفريق كانوا معاندين. وقال ابو علي: لا يجوز على جماعتهم ان يكتموا ~~ما علموا مع كثرة عدوهم، واختلاف هممهم، لانه خلاف العادة، ولكن يجوز ~~على الجمع الكثير ان يتواطوا على الكتمان، ولذلك قال: { فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله }. # وقوله: { مصدق لما معهم } يحتمل أمرين: احدهما مصدق لما معهم، لانه ~~جاء على الصفة التي تقدمت بها البشارة. والثاني انه مصدق بالتوراة انها ~~حق من عند الله والاول احسن، لان فيه حجة عليهم، وعبرة لهم. وقال ~~الحسن: { مصدق لما معهم } من التوراة، والانجيل. وقال غيره: يصدق ~~بالتوراة، لان الاخبار ها هنا عن اليهود دون النصارى. وانما قال: { نبذ ~~فريق منهم من الذين أوتوا الكتاب } ولم يقل منهم، اذ تقدم ذكرهم، لاحد ~~امرين: # احدهما انه لما اريد علماء اهل الكتاب، اعيد ذكرهم لاختلاف المعنى ~~على قول البلخي. # والثاني انه للبيان. وكان يجوز النصب في مصدق، لان كتابا قد وصف، ~~لانه من عند الله على ما قاله الزجاج وقوله: { كأنهم لا يعلمون } ~~فمعناه انهم يعلمون وكأنهم لكفرهم وكتمانهم لا يعلمون. ### || [2.102] # القراءة: # قرأ ابن عامر، وحمزة،، والكسائي، وخلف: { ولكن الشياطين } # ولكن الله قتلهم # ولكن الله رمى # بتخفيف النون من (لكن) وكسرها في الوصل، ورفع الاسم بعدها. الباقون ~~بالتشديد. وروي تثنية { الملكين } بكسر اللام، ها هنا حسب. # المعنى: # واختلفوا في المعني بقوله { واتبعوا } على ثلاثة اقوال: فقال ابن جريج، ~~وابو اسحاق: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن النبي " صلى الله عليه ~~وسلم " وقال الجبائي: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان. وقال ~~قوم: المراد به الجميع وهو قول المتأخرين، قال:، لان مبتغي السحر من ~~اليهود لم يزالوا منذ عهد ms0268 سليمان إلى ان بعث محمد " صلى الله عليه وسلم ~~". وروي عن الربيع: أن اليهود سألوا محمدا " صلى الله عليه وسلم " ~~زمانا عن امور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا انزل الله ~~عليه ما سألوا عنه فيخبرهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما انزل ~~علينا منا وانهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله عز وجل { ~~واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ومعنى { تتلوا } قال ابن ~~عباس: تتبع، لان التالي تابع. وقال بعضهم: يدعى وليس بمعروف وقال ~~قتادة، وعطا: معناه تقرأ من تلوت كتاب الله: اي قراته. وقال تعالى: # هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت # اي تتبع وقال حسان بن ثابت: # بني يرى ما لا يرى الناس حوله # ويتلو كتاب الله في كل مشهد # والذي تتلوه هو السحر على قول ابن اسحاق، وغيره من اهل العلم: وقال ~~بعضهم: الكذب. ومعنى قوله: { على ملك سليمان } على عهد سليمان. قال ابن ~~اسحاق وابن جريج: في ملك سليمان حين كان حيا. وهو قول المبرد وقال قوم: ~~إنما قال تتلو { على ملك } لانهم كذبوا عليه بعد وفاته كما قال: # ويقولون على الله الكذب # وقال: # أتقولون على الله ما لا تعلمون # وقال الشاعر: # عرضت نصيحة من ليحيى # فقال غششتني والنصح مر # وما بي ان اكون اعيب يحيى # ويحيى طاهر الاخلاق بر # ولكن قد اتاني ان يحيى # يقال عليه في نفعاء شر # فاذا صدق، قيل: تلا عنه. واذا كذب، قيل تلا عليه، واذا أبهم، جاز فيه ~~الامران. قوله: { الشياطين } قال قوم: هم شياطين الجن، لان ذلك هو ~~المستفاد من اطلاق هذه اللفظة. وقال بعضهم: المراد به الشياطين الانس ~~المتمردة في الضلالة. # كما قال جرير: # ايام يدعونني الشيطان من غزلي # وكن يهوينني اذ كنت شيطانا # وقوله: { وما كفر سليمان } وإن لم يجر لذلك ذكر، يكون هذا تكذيبا له. ~~فمعناه ان اليهود اضافوا إلى سليمان السحر، وزعموا ان ملكه كان به، ~~فبرأه الله مما قالوا. # وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقال ms0269 ابن اسحاق: قال بعض ~~أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد " صلى الله عليه وسلم " يزعم أن سليمان ~~كان نبيا، والله ما كان إلا ساحرا فانزل الله تعالى: { وما كفر سليمان } ~~وقيل: تقدير الكلام واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، ~~فتضيفه إلى سليمان. وما كفر سليمان. لان السحر لما كان كفرا، نفى الله ~~تعالى عنه ذلك على المعنى وان كانوا لم يضيفوا اليه كفرا والسبب الذي ~~لاجله اضافت اليهود إلى سليمان السحر، ان سليمان جمع كتب السحر تحت ~~كرسيه. وقيل في خزائنه، لئلا يعمل به فلما مات وظهر عليه قالت الشياطين: ~~بهذا كان يتم ملكه، وشاع في اليهود وقبلوه، لعداوتهم لسليمان. وقيل انهم ~~وضعوا كتاب السحر بعد سليمان واضافوه اليه وقالوا: بهذا كان يتم له مكان ~~فيه، فكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفى عنه ذلك. # اللغة: # والسحر والكهانة والحيلة نظائر. يقال سحره يسحره سحرا، واسحرنا اسحارا، ~~وسحره تسحيرا. قال صاحب العين: السحر عمل يقرب إلى الشيطان. كل ذلك ~~يكتبونه السحر. ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى يظن ان الامر كما ~~ترى وليس الأمر كما ترى والجمع الاخذ. والسحر البيان من اللفظ كما قال ~~النبي " صلى الله عليه وسلم ": # " ان من البيان لسحرا " # ، والسحر فعل السحر في شيء يلعب به الصبيان اذا مد خرج على لون، فاذا مد ~~من جانب آخر خرج على لون آخر يسمى السحارة والسحر العدو قال لبيد: # ارانا موضعين لامر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقال آخر: # فان تسلينا مم نحن فاننا # عصافير من هذا الانام المسحر # وقوله: # إنما أنت من المسحرين # يعنى من المخلوقين. وفي تمييز العربية هو المخلوق الذي يطعم، ويسقى، ~~والسحر اخر الليل. بالتنوين. # قال الطرماح: # بان الخليط بسحرة فتبددوا # والدار تشعب بالخليط وتبعد # وتسحرنا اكلنا سحورا، واسحرنا كقولك اصبحنا. والسحر الرئة مخفف، وما ~~يتعلق بالحلقوم. ويقال للجبان اذا جبن انتفخ مسحره واستحر الطائر اذا ~~غلبه بسحر. واصل الباب الخفاء، والسحر قيل: الخفاء سببه توهم قلب الشيء ~~عن حقيقته كفعل السحرة في ms0270 وقت موسى لما اوهموا ان العصا والحبال صارت ~~حيوانا فقال: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # وقوله: { لكن الشياطين كفروا } قيل فيه ثلاثة اقوال: # احدها انهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر. # والثاني انهم كفروا بما استخرجوه من السحر. # والثالث معناه ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر. # وقوله: { يعلمون الناس السحر } قيل فيه قولان: # احدهما انهم القوا السحر اليهم فتعلموه. # [والثاني انهم دلوه على استخراجه من تحت الكرسي فتعلموه] # وقوله: { وما أنزل على الملكين } قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والسدي: ~~ان (ما) بمعنى الذي. # وقال الربيع في احدى الروايتين عن ابن عباس: انها بمعنى الجحد. وروي عن ~~القاسم بن محمد: انها تحتمل الامرين. وموضع (ما) نصب لفظها على السحر، ~~وقيل انها عطف على (ما) في قوله: { ما تتلوا الشياطين } وقال بعضهم: ~~موضعها جر عطف على ملك سليمان، وعلى ما انزل. ومن قرأ بكسر اللام في ~~الملكين قال: هما من ملوك بابل، وعلوجها. وهو قول ابي الاسود الدؤلي، ~~والربيع، والضحاك، وبه قرأ الحسن البصري، ورواها عن ابن عباس، واختلف من ~~قال بهذا فقال قوم: كانا مؤمنين، ولذلك نهيا عن الكفر. وقال قوم: انهما ~~كانا نبيين من انبياء الله. ومن قرأ بالفتح. قال قوم منهم: كانا ملكين ~~وقال آخرون: كانا شيطانين. وقال قوم: هما جبريل وميكائيل خاصة. واختلفوا ~~في بابل فقال قوم: هي بابل العراق، لانها تبلبل بها الالسن: وروي ذلك عن ~~عائشة وابن مسعود. وقيل: بابل دماوند. ذكره السدي. وقال قتادة: هي من ~~نصيبين إلى رأس العين. وقال الحسن ان الملكين ببابل الكوفة إلى يوم ~~القيامة، وان من اتاهما سمع كلامهما. ولا يراهما وبابل بلد لا ينصرف. # وقيل في معنى السحر اربعة اقوال: # احدها انه خدع ومخاريق، وتمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن ~~لها حقيقة. # والثاني انه اخذ بالعين على وجه الحيلة. # والثالث انه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وانشاء الاجسام على وجه ~~الاختراع فيمكن الساحر ان يقلب الانسان حمارا وينشىء اجساما. # والرابع انه ضرب ms0271 من خدمة الجن كالذي يمسك له التجدل فيصرع، واقرب ~~الاقوال الاول، لان كل شيء خرج عن العادة الخارقة، فانه لا يجوز أن يتأتى ~~من الساحر. ومن جوز للساحر شيئا من هذا، فقد كفر لانه لا يمكنه مع ذلك ~~العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لانه اجاز مثله من جهة الحيلة ~~والسحر. # وقوله: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } يتصل ~~قوله: { فلا تكفر } باحد ثلاثة أشياء: احدها فلا تكفر بالعمل بالسحر ~~والثاني فلا تكفر بتعلم السحر ويكون مما امتحن الله عز وجل به كما ~~امتحن بالنهر في قوله: # فمن شرب منه فليس منى # وثالثها فلا تكفر بواحد منهما للتعلم للسحر والعمل به فان قيل كيف ~~يجوز ان يعلم الملكان السحر؟ قيل يعلمان ما السحر وكيف الاحتيال به، ~~ليجتنب، ولئلا يتموه على الناس انه من جنس المعجزات التي تظهر على يد ~~الانبياء فيبطل الاستدلال بها. وقال جماعة من المفسرين منهم: ابو علي ~~وغيره: انزلهما الله من السماء وجعلهما بهيئة الانس، حتى بينا للناس ~~بطلان السحر. وقال الحسن وقتادة: اخذ عليهما ألا يعلماه { حتى يقولا: ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر }. # وقوله: { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } على قول ~~من جعل ما جحدا. # وقوله: { وما أنزل على الملكين } يحتمل ان يكون ذلك من قول هاروت ~~وماروت وليسا ملكين. كما يقول الغاوي الخليع لنا انك في ضلال فلا ترد ما ~~انا فيه، فيقر بالذنب وهو يأتيه. والتقدير على هذا: { ولكن الشياطين ~~كفروا } هاروت وماروت. فمن قرأ الملكين بفتح اللام وهو قراءة الجمهور، ~~اختلفوا فمنهم من قال: ان سحرة اليهود زعموا ان الله انزل السحر على لسان ~~جبريل، وميكايل إلى سليمان، فاكذبهم الله بذلك وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~فتقديره وما كفر سليمان وما انزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا. ~~يعلمان الناس السحر. ببابل هاروت وماروت وهما رجلان ببابل غير الملكين ~~اسم احدهما هاروت والآخر ماروت، ويكون هاروت وماروت بيانا عن الناس. ~~وقال قوم: ان هاروت ms0272 وماروت ملكان من الملائكة. واختلفوا في سبب هبوطهما ~~على قولين. # فقال قوم: ان الله اهبطهما ليامرا بالدين، وينهيا عن السحر، لان السحر ~~كان كثيرا في ذلك الوقت، ثم اختلفوا فقال قوم: كانا يعلمان الناس كيفية ~~السحر وينهيانهم عن فعله، ليكون النهي بعد العلم به، لان من لا يعرف ~~الشيء فلا يمكنه اجتنابه. وقال قوم آخرون: لم يكن للملكين تعليم السحر، ~~ولا اظهاره، لما في تعليمه من الاغراء بفعله. والثالث هبطا لمجرد النهي ~~اذ كان السحر فاشيا . # وقال قوم: كان سبب هبوطهما ان الملائكة تعجبت من معاصي بني آدم مع كثرة ~~نعم الله عليهم، فقال لهم: اما لو كنتم مكانهم لعملتم مثل اعمالهم، ~~فقالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا، فامرهم ان يختاروا ملكين ليهبطا إلى ~~الارض فاختاروا هاروت وماروت، فاهبطا إلى الارض، وركب فيهما شهوة الطعام ~~والشراب والنكاح، واحل لهما كل شيء بشرط الا يشركا بالله ولا يشربا ~~الخمر ولا يزنيا، ولا يقتلا النفس التي حرم الله فعرضت لهما امرأة ~~للحكومة فمالا اليها، فقالت لهما لا اجيبكما حتى تعبدا صنما وتشربا ~~الخمر، وتقتلا النفس، فعبدا الصنم وواقعاها، وقتلا سائلا مر بهما خوفا ~~ان يشهر امرهما في حديث طويل، لا فائدة في ذكره. قال كعب فوالله ما امسيا ~~من يومهما الذي اهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه فتعجبت الملائكة ~~من ذلك ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء وكانا يعلمان ~~الناس السحر ومن قال: بعصمة الملائكة، لم يجز هذا الوجه. وقال قوم من اهل ~~التأويل: ان ذلك على عهد ادريس. وانما قوله: { إنما نحن فتنة }. # اللغة: # فالامتحان والفتنة والاختبار نظائر. يقال فتنه فتنة وافتتن افتتانا. ~~وقال ابو العباس، فتن الرجل وأفتن بمعنى اختبر. وتقول: فتنت الرجل، ~~وافتنته. # ولغة قريش: فتنته قال الله تعالى: # وفتناك فتونا # وقال # ولقد فتنا سليمان # وقال اعشى همدان: # لئن فتنتنى فهي بالامس افتنت # سعيدا فأمسى قد قلا كل مسلم # فجاء باللغتين. وقوله تعالى: # فظن داود أنما فتناه # اي اختبرناه. ويقال فتنت الذهب في النار: ms0273 اذا اختبرته فيها، لتعلم اخالص ~~هوام مشوب. فقيل لكل ما أحميته في النار: فتنته. وتقول فتنت الخبزة ~~في النار: اذا أنضجتها. ومثله يقال في اللحم. قوله: # والفتنة أشد من القتل # اي الكفر أشد من القتل. والفتن في الدين والحروب وقولهم: فتنة السوط أشد ~~من فتنة السيف، ومعناه اختبار السوط أشد لان فيه تغذيبا متطاولا. ~~وقوله: # يوم هم على النار يفتنون # اي يشوون. ومن قولك فتنت الخبز والمعنى الصحيح انهم يعذبون بكفرهم. يقال ~~فتن الكافر، العذاب وافتنته اي جزاه بفتنته. كقولك: كذب واكذبته. وكل من ~~صبأ فقد فتن. وقوله: # بأيكم المفتون # قال الاخفش: معناه الفتنة: فهو مصدر، كقولك: رجل ليس له معقول، وخذ ~~ميسوره ودع معسوره. وابى ذلك سيبويه. وقال: خذ ميسوره اي ما تيسر له. ~~وليس له مرفوع: اي ما يرفع. قال صاحب العين: فتن فلان فتونا فهو فاتن: ~~اي مفتن. وقوله: # وما أنتم عليه بفاتنين # اي مضلين عن الحسن ومجاهد. وأصل الباب الاختبار. ومعناه في الآية: ~~انما نحن اختبار وبلوى وامتحان، فلا تكفر. وقال قتادة: { إنما نحن فتنة } ~~اي بلاء. ويحتمل أن يكون معناه انهما كانا كافرين، فيكون معنى قولهما: { ~~إنما نحن فتنة } اي شيء عجيب مستطرف كما يقال للمرأة الحسناء انها فتنة ~~من الفتن. ويكون قوله: { فلا تكفر } على هذا الوجه يعني بما جئناك به، بل ~~صدق به واعمل عليه. وقوله: { حتى يقولا } يحتمل امرين: # احدهما ان حتى، بمعنى إلا وتقديره وما يعلمان من احد إلا أن يقولا: ~~انما نحن فتنة، فلا تكفر ويكون ذلك زيادة في الابتلاء من الله في ~~التكليف. # والثاني انه نفي لتعليمهما الناس السحر، وتقديره ولا يعلمان أحدا ~~السحر، فيقولان: { إنما نحن فتنة فلا تكفر } فعلى هذا يكون تعليم السحر ~~من الشياطين، والنهي عنه من الملكين. # وقوله: { فيتعلمون } قال قوم: معنى تعلم واعلم واحد. كما جاء علمت، ~~واعلمت، وفهمت، وافهمت كما قال كعب بن زهير: # تعلم رسول الله إنك مدركي # وان وعيدا منك كالاخذ باليد # وقال القطامي: # تعلم ان بعد الغي رشدا # وان لهذه ms0274 الغير انقشاعا # ومنهم من قال: تعلم بمنزلة تسبب إلى ما به تعلم من النظر في الادلة. ~~وليس في اعلم ذلك، لانه قد ينبئهم على ما يعلمه بالتأمل له: كقوله: اعلم ~~ان الفعل يدل على الفاعل. وما لم يسبق المحدث فهو محدث. والأول كقوله: ~~تعلم النحو والفقه. فان قيل كيف يفرق بين المرء وزوجه؟ قلنا فيه ثلاثة ~~اقوال: # احدها انه اذا تعلم السحر كفر فحرمت عليه امرأته. # والثاني ان يمشي بينهما بالنميمة حتى يفسد بينهما، فيفضي إلى الطلاق ~~والبينونة. # والثالث قال قتادة وغيره: يوجد كل واحد منهما على صاحبه ويبغضه اليه. ~~وقيل: انه كان من شرع سليمان أن من تعلم السحر، بانت منه زوجته. وقوله: { ~~منهما } الضمير قيل: انه راجع إلى الملكين. وقيل بل إلى الكفر ~~والسحر. لانه تقدم الدليل عليهما في قوله: { ولكن الشياطين كفروا } كما ~~جاء # سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى # اي يتجنب الذكرى. ومن قال الملائكة معصومون، يقول الكناية ترجع إلى ~~الكفر والسحر لا غير دون الملكين. فكأنه قيل: { فيتعلمون } مكان ما ~~علماهم { ما يفرقون به بين المرء وزوجه } ، كقول القائل: ليت لنا من كذا، ~~وكذا كذا: اي بدله. قال الشاعر: # جمعت من الخيرات وطبا وعلبة # وصرا لأخلاف المزممة البزل # ومن كل اخلاق الكرام نميمة # وسعيا على الجار المجاور بالنجل # يريد جمعت مكان خيرات الدنيا هذه الخيرات الرديئة، والافعال الدنيئة. # اللغة: # وقوله: { يفرقون بين المرء وزوجه } فالمرء تأنيثه المرأة. قال صاحب ~~العين: امرأة تأنيث المرء ويقال مرأة بلا ألف. والمرأة مصدر الشيء المريء ~~الذي يستمرأ يقال ما كان مريئا، ولقد مرؤ واستمرأته، وهو المرىء، للطعام ~~وأصل الباب المرىء، فقولهم مرأة كقولهم جارية اي جرت في النور والشباب. ~~فأما امراء الطعام فانه يجري وينفذ في مجاريه، ولا يقف. وكذلك المرأة ~~تجري في السن إلى حد. وفرق في الشواذ ما بين المرء بضم الميم وهي لغة ~~هذيل. قوله: { وما هم بضارين به من أحد } فالضرر والالم والاذى نظائر. ~~والضر نقيض النفع. يقال ضره يضره ضرا، واضر به اضرارا، واستضر ~~استضرارا، ms0275 واضطر اضطرارا. وضاره مضارة وضرارا. قال صاحب العين: ~~الضر والضر لغتان، فاذا جمعت الضر والنفع. فتحت الضاد. والضرر نقصان ~~يدخل في الشيء. يقال دخل عليه ضرر في ماله. والضرورة اسم لمصدر الاضطرار. ~~والضرير: الذاهب البصر من الناس. تقول: رجل ضرير بين الضرارة. والضراء من ~~الضر. وقوم اضراء. # والضرر مصدر اضره مضارة وفي الحديث # " لا ضرر ولا ضرار " # واذا ضر به المرض قيل: ضرير، وامرأة ضريرة. والضرير: اسم للمضارة، ~~واكثر ما يستعمل في الغيرة تقول: ما اشد ضريره عليها. قال الشاعر يصف ~~حمارا وحشيا: # حتى اذا مالان من ضريره # والضرتان: امرأتان للرجل، والجمع الضرائر. والضرتان: الالية من جانبي ~~عظمها، وهما الشحمتان اللتان تهدلان من جانبيها. وضرة الابهام: لحمة ~~تحتها. وضرة الضرع: لحمة تحتها. والضر: الهزال. وضرير الوادي: جانباه وكل ~~شيء دنا منك حتى يزحمك: فقد اضربك. وأصل الباب: الانتقاص. # وقوله: { من أحد إلا بإذن الله } يحتمل امرين: # احدهما بتخلية الله. # والثاني الا بعلم الله من قوله: { فأذنوا بحرب من الله } معناه ~~اعلموا. # بلا خلاف ويقال: انت آذن اذنا. قال الحطيئة: # الا يا هند إن جددت وصلا # والا فاذنيني بانصرامي # وقال الحارث بن حلزة: # آذنتنا ببينها اسماء # معناه اعلمتنا. والاذن في اللغة على ثلاثة أقسام: # احدها بمعنى العلم وذكرنا شاهده. # والثاني الاباحة والاطلاق كقوله # فانكحوهن بإذن أهلهن # وقوله: # يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم # والثالث بمعنى الامر: كقوله: # نزله على قلبك بإذن الله # وقد اجمعت الأمة على انه لم يأمر بالكفر، ولم يتجه نفي القسم الثالث. ~~ولا يجوز أن يكون المراد { إلا بإذنه } الا بارادته، ومشيئته، لأن ~~الارادة لا تسمى إذنا. الا ترى أن من اراد الشيء من غيره أن يفعله، لا ~~يقال أذن له فيه؟ فبطل ما قالوه. وقد روي عن سفيان إلا بقضاء الله. وقال ~~بعض من لا معرفة له: الاذن بمعنى العلم بفتح الهمزة والذال دون الاذن ~~بكسر الهمزة وسكون الذال وهذا خطأ، لان الاذن مصدر يقال فيه اذن واذن ~~مثل حذر وحذر. وقال تعالى: # خذوا حذركم ms0276 # ويجوز فيه لغتان مثل: شبه وشبه ومثل ومثل. وقال هذا القائل: من شاء ~~الله يمنعه، فلم يضره السحر. من شاء خلى بينه، وبينه، يضره. وقوله: { ~~ولا ينفعهم }. # اللغة: # فالنفع نقيض الضر. والنفع والمنفعة واللذة نظائر. يقال نفع ينفع نفعا، ~~فهو نافع. وانتفع فلان بكذا وكذا. ورجل نفاع ينفع الناس. وأصل النفع: ضد ~~الضر. وحد النفع هو كل فعل يكون الحيوان به ملتذا: اما لانه لذة، او يؤدي ~~إلى اللذة. والمضرة كل معنى يكون الحيوان به ألما: اما لانه ألم، او يؤدي ~~إلى الالم. # والهاء في قوله { لمن اشتراه } عائدة إلى السحر. # المعنى: # والمعنى لقد علمت اليهود أن من استبدل السحر بدين الله، ما له في الآخرة ~~من خلاق. وهو قول ابن زيد، وقتادة. وقال قوم من المفسرين، كأبي علي، ~~وغيره. كانوا يعطون عليه الأجرة، فلذلك اشتراؤهم له. والخلاق: النصيب من ~~الخير، وهو قول مجاهد، وسفيان. وقال قوم: ما له من جهة. وقال الحسن: ما ~~له من دين. قال امية بن ابي الصلت: # يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم # إلا سرابيل من قطر واغلال # يعني لا نصيب لهم في الآخرة من الخير. ومعنى { شروا به أنفسهم } باعوا ~~به انفسهم في قول السدي، وغيره فان قيل: كيف قال: { لو كان يعلمون } ~~وقد قال قبله { ولقد علموا لمن اشتراه }؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: # احدها إنهم فريقان: فريق علموا. وعاندوا وفريق علموا وضيعوا. # والثاني انهم فريق واحد إلا انهم ذموا في أحد الكلامين بنفي العلم، ~~لانه بمنزلة المنتفي. واخبر عن حالهم في الاخرة وتقديره أنهم علموا قدر ~~السحر، ولم يعلموا ان هلاكهم بتصديقه، واستعماله، اولم يعلموا كنه ما ~~اعد الله من العذاب على ذلك وان علموه على وجه الجملة. # [والثالث] وقال قوم: هو مقدم ومؤخر. وتقديره وما هم بضارين به من احد ~~الا باذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولبئس ما شروا به انفسهم ~~لو كانوا يعلمون. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق وقال ~~بعضهم: هما جميعا خبر عن فريق ms0277 واحد، واراد بقوله: { ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون } اي لو كانوا يعلمون بما علموه فعبر عن المعلوم ~~بالعلم، كما قال كعب بن زهير المزني يصف ذئبا وغرابا تبعاه، لينالا من ~~طعامه، وزاده: # اذا حضراني قلت لو تعلمانه # الم تعلما اني من الزاد مرمل # فاخبر انه قال لهما: لو تعلمانه فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما، فقال: ~~الم تعلما، وكذلك الآية. وقال قوم: إن الذين علموا الشياطين والذين لم ~~يعلموا الناس دون الشياطين، فان قيل: ما معنى لمن اشتراه، واين جوابها ان ~~كانت شرطا؟ قلنا عنه جوابان احدهما انها بمعنى الجزاء. والآخر بمعنى ~~الذي في قول الزجاج، وجوابها مكتفى منه جواب القسم. كما قال: # لئن أخرجوا لا يخرجون معهم # ولذلك وقع قالوا: ولا يجوز الجزم إلا في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر: # لئن كان ما حدثته اليوم صادقا # اصم في نهار الفيظ للشمس باديا # والوجه، لاصومن. ولا يجوز لاصوم إلا في ضرورة الشعر كما قال: # لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم # ليعلم ربي ان بيتي واسع # قالوا وان جزمت الاول، جاز جزم الثاني، كقولك: لئن تقم لا نقم إليك. # وقوله: { فيتعلمون } يجوز ان يكون عطفا على فيأتون فيتعلمون، وقد دل ~~اول الكلام على يأتون. وقيل: فيعلمون الناس السحر فيتعلمون وكلاهما ~~ذكره الكسائي والفراء وانكر الزجاج القول الاخير، لاجل قوله: { منهما } ~~اي من الملكين، واجاز القول الاول، واختار قولا ثالثا: وهو يعلمان، ~~فيتعلمون، والذي انكره يجوز إذا كان { منهما } راجعا إلى السحر والكفر، ~~ولا يجوز ان يكون { فيتعلمون } جوابا لقوله: { فلا تكفر } فينصب، لان ~~تقديره لا يكن كفر فتعلم، كما تقول: لا تدن من الأسد فيأكلك: اي لا يكن ~~دنو فأكل. فهذا نهي عن دنو يقع بعده اكل. وانما النهي في الاول عن الكفر ~~بتعلم السحر، للعمل وليس يصلح للجواب على هذا المعنى. ولا يجوز ان يكون ~~جوابا للنفي في قوله: { وما يعلمان } ، لان لفظه على النفي، ومعناه ~~الايجاب كانه قيل: يعلمان اذا قالا نحن فتنة فلا تكفر. فان قيل: ms0278 ما اللام ~~الاولى في قوله: { ولقد علموا } وما الثانية في قوله: { لمن اشتراه } ~~ومثله قوله: # ولئن جئتهم بآية ليقولن # قيل: الثانية لام القسم بالاجماع قال الزجاج: لانك إنما تحلف على فعلك ~~لا على فعل غيرك في قولك: والله لئن جئنني لا كرمنك فأما الاولى ~~فزعم بعض النحويين أنها لما دخلت في اول الكلام اشبهت لام القسم، فاجيبت ~~بجوابه قال الزجاج: هذا خطأ، لأن جواب القسم لا يشبه القسم، ولكن اللام ~~الاولى دخلت إعلاما ان الجملة بكاملها معقودة بالقسم، لان الجزاء وان ~~كان القسم عليه ، فقد صار للشرط فيه حظ، ولذلك دخلت اللام. # قال الرماني: هذا الذي ذكره، لا يبطل شبهها بالقسم، لأنها للتوكيد، كما ~~انه للتوكيد، فكأنه قال: والله إن اتيتني لاكرمنك والظاهر في ورايات ~~اصحابنا ان الساحر يجب قتله وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقال ابو علي من ~~قال: انه بقلب الاجسام، وينشئها، يجب قتله ان لم يتب، لأنه مرتد كافر ~~بالانبياء، لانه لا يجد بين ما ادعى وبين آياتهم فضلا واما من قال: إنه ~~يموه ويمخرق، فانه يؤدب، فلا يقتل. واما الروايات التي في ان الملكين ~~اخطأا، وركبا الفواحش، فانها اخبار آحاد. من اعتقد عصمة الملائكة، يقطع ~~على كذبها ومن لم يقطع على ذلك، جوز ان تكون صحيحة، ولا يقطع على ~~بطلانها. والذي نقوله ان كان الملكان رسولين فلا يجوز عليهما ذلك، وان لم ~~يكونا رسولين، جاز ذلك وان لم نقطع به وقد بينا الكلام عليه فيما ~~مضى. فأما ما روي من أن النبي " صلى الله عليه وسلم " سحر وكان يرى انه ~~يفعل ما لم يفعله وانه لم يفعله فأخبار آحاد، لا يلتفت اليها. وحاشى ~~النبي " صلى الله عليه وسلم " من كل صفة نقص، اذ تنفر من قبول قوله، لانه ~~حجة الله على خلقه، وصفيه من عباده، واختاره الله على علم منه. فكيف يجوز ~~ذلك مع ما جنبه الله من الغظاظة والغلظة، وغير ذلك من الاخلاق في ~~الدنيئة، والخلق المشينة، ولا يجوز ذلك على الانبياء الا من لم ms0279 يعرف ~~مقدارهم ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم. وقد قال الله تعالى: # والله يعصمك من الناس # وقد اكذب الله من قال: ان يتبعوا إلا رجلا مسحورا. فقال: # وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # فنعوذ بالله من الخذلان، ونحمده على التوفيق لما يرضاه. # و " لكن " مشددة، ومخففة معناهما واحد. قال الكسائي: والذي أختارته ~~العرب اذا كانت (ولكن) بالواو مشددة، واذا كانت بلا واو اختاروا التخفيف ~~ وكل صواب وقرىء بغير ما اختاروه اتباعا للاخبار في القراءة. ### || [2.103] # الاعراب: # الضمير في قوله: { ولو أنهم آمنوا } عائد على الذين يتعلمون السحر. قال ~~الحسن: تعلموا ان ثواب الله خير لهم من السحر. وأما جواب لو فللنحويين ~~فيه قولان. فالبصريون يذهبون إلى ان جوابه محذوف، وتقديره. ولا ثيبوا. ~~واوقع لمثوبة من عند الله موقعه لدلالته عليه. وقال بعضهم: التقدير ولو ~~انهم آمنوا واتقوا لأثيبوا؛ ثم قال: { ولمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون } أي لو كانوا يستعملون ما يعلمون. وليس انهم كانوا يجهلون ذلك، ~~كما يقول الانسان لصاحبه وهو يعظه: ما أدعوك اليه خير لك لو كنت تعقل ~~أو تنظر في العواقب والفكر فيها. وقال الفراء: الجواب في { لمثوبة }.، ~~لأن " لو " اشبهت لئن، من حيث كان كل واحد منهما جزاء، فلما اشبهتها ~~اجيبت بجوابها، فالمعنى لئن آمنوا لمثوبة. فعلى القول الاول، لا يجوز، لو ~~أتاني زيد لعمرو خير منه. وعلى الثاني يجوز. ولو قلت لو اتاني زيد، ~~لاكرامي خير له، جاز على الوجهين. واللام التي في { لمثوبة } لام ~~الابتداء، لأنها دخلت على الاسم، كما دخلت في (علمت لزيد خير منك). ولو ~~جاز ها هنا، لام القسم، لنصبت الاسم في علمت. # المعنى: # فان قيل ما معنى قول الله تعالى { لمثوبة من عند الله خير لو كانوا ~~يعلمون } وهو خير علموا أو لم يعلموا؟ قيل: لو كانوا يعلمون، لظهر لهم ~~بالعلم ذلك، أي لعلموا أن ثواب الله خير من السحر. وقال ابو علي: المعني ~~في ذلك الدلالة على جهلهم، والترغيب لهم في ان يعلموا ذلك، وان يطلبوا ما ms0280 ~~هو خير لهم من السحر وهو ثواب الله الذي ينال بطاعته، واتباع مرضاته. ~~وفيه دلالة على بطلان قول اصحاب المعارف، لأنهم لو كانوا عارفين على ما ~~يقولونه، لما قال: { لو كانوا يعلمون }. # والمثوبة: الثواب في قول قتادة والسدي والربيع والثواب: هو الجزاء ~~على العمل بالاحسان وهو منافع مستحقة يقاربها تعظيم وتبجيل. # اللغة: # والمثوبة والثواب والاجر نظائر. ونقيض المثوبة العقوبة، يقال ثاب يثوب ~~ثوبا وإثابة، واثابه اثابة، وثوابا، ومثوبة، واستثابة. وثوب تثويبا. ~~والثواب في الاصل معناه: ما رجع اليك من شيء. تقول اعترت الرجل غشية، ثم ~~ثابت اليه نفسه، ولذلك صار حق الثواب الجزاء، لأنه العائد على صاحبه ~~مكافأة ما فعل. ومنه التثويب في الاذان وغيره: وهو ترجيع الصوت، ولا ~~يقال، ذلك للصوت مرة واحدة. ويقال ثوب الداعي اذا كرر دعاءه إلى الحرب، ~~أو غيرها. ويقال انهزم القوم ثم ثابوا، أي رجعوا. والثوب مشتق من هذا، ~~لأنه ثاب لباسا بعد أن كان قطنا، أو غزلا. والثيب: التي قد تزوجت ~~بوجه ما كان، ولا يوصف به الرجل إلا ان تقول ولد الثيبين وولد البكرين. # والمثابة: الموضع الذي يثوب اليه الناس. قال الله تعالى: { وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس } أي مجتمعا بعد التفرق. ان لم يكن تفرقوا من هناك، ~~فقد كانوا متفرقين ثابوا اليه. ويقال ثاب الحوض ثئوبا اذا امتلأ أو كاد ~~يمتلىء. وأصل الباب الثوب: الرجوع # القراءة: # قرأ قتادة (لمثوبة) بسكون الثاء وفتح الواو وهي لغة جازت على الاصل ~~كما قالوا: مشورة ومشورة بفتح الواو وسكون الشين، وضم الشين وسكون ~~الواو والقراء على خلافه. والعرب مجمعون على إلقاء الالف من قولهم: هذا ~~خير منك، وشر منك، إلا بعض بني عامر يقولون: ما اريد خيرا اخير من ذا. ~~وقال بعضهم أيضا: هذا أشر من ذا والوجه طرح الالف ### || [2.105] # معنى ما يود: ليس يحب. يقال منه: وده يوده ودا، وودادا. والمودة ~~المحبة. # { ولا المشركين } في موضع جر بالعطف على اهل الكتاب. وتقديره، ولا من ~~المشركين. # وقوله: { أن ينزل } في موضع نصب بقوله: { يود ms0281 }. # وانما ذموا على ذلك وان كان ذلك ميل الطباع، لأن ذلك في دلالة على ~~انهم فعلوا كراهية لذلك، وتعرضوا بذلك لعداوة المؤمنين. وكان الذم عليهم ~~لذلك، ولو رفع { المشركين } عطفا على { الذين كفروا } كان جائزا ولكن لم ~~يقرأ به احد. ومثله في احتماله الامرين قوله: # يا آيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء # بخفض الراء وفتحها وقرىء بهما. # و " من " في قوله: { من خير } زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من احد. ~~وموضعها رفع قال ابو ذؤيب: # جزيتك ضعف الود لما استبنته # وما ان جزاك الضعف من احد قبلي # واما " من " في قوله: { من ربكم } فلابتداء الغاية. والتي في قوله: { من ~~أهل الكتاب } فللتنويع، مثل التي في قوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # قوله: { يختص برحمته من يشاء }. # المعنى: # روي عن علي (ع) وابي جعفر الباقر (ع) انه أراد النبوة. وبه قال الحسن، ~~وابو علي والرماني، والبلخي وغيرهم من المفسرين. وقال " يختص بها من يشاء ~~" من عباده وروي عن ابن عباس انه اراد دين الاسلام. وهذا بعيد، لأنه ~~تعالى وصف ذلك بالانزال، وذلك لا يليق الا بالنبوة. # اللغة: # والاختصاص بالشيء هو الانفراد به والاخلاص له مثله. وضد الاختصاص ~~الاشتراك. ويقال خص خصوصا، وتخصص: تخصصا. وخصصه: تخصيصا، وكلمه خاصة ~~من ذلك، وكلمة عامة ووسائط من ذلك. ويقال: خصه بالشيء، يخصه خصا: اذا ~~وصله به. وخصان الرجل. من يختصه من اخوانه. والخصائص: الفرج والخصاصة: ~~الحاجة. والخص شبه كوة تكون في قبة أو نحوها، اذا كان واسعا قدر الوجه. ~~وقال الراجز: # وان خصاص ليلهن استدا # ركبن في ظلمائه ما اشتدا # شبه القمر بالخصاص. وكل خلل أو خروق تكون في السحاب او النخل، تسمى ~~الخصاصة: والخصائص فرج بين الاثافي وأصل الباب: الانفراد بالشيء. فمنه ~~الخصائص: الفرج لانه انفراد كل واحد عن الآخر من غير جمع بينهما. ويقال: ~~اختصصته بالفائدة واختصصت بها انا، كقولك: افردته بها، وانفردت بها. # وتقدير الآية ما يحب الكافرون من اهل الكتاب، ms0282 ولا المشركين بالله من ~~عبدة الاوثان، ان ينزل عليكم شيئا من الخير الذي عنده، والخير الذي ~~تمنوه الا ينزله الله عليهم ما اوحى إلى نبيه، وانزله عليه من الشرائع، ~~والقرآن بغيا منهم، وحسدا. # { والله ذو الفضل العظيم } خير منه (تعالى) ان كل خيرنا له عباده في ~~دينهم، ودنياهم، فانه من عنده ابتداء، وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق ~~منهم ذلك عليه. ### || [2.106] # القراءة: # قرأ ابن عامر، الا الداحوني عن هشام " ما ننسخ " بضم النون وكسر السين. ~~الباقون يفتحها. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " ننساها " بفتح النون، والسين، ~~واثبات الهمزة الساكنة بعد السين. الباقون بضم النون، وخفض السين بلا ~~همزة. # اللغة: # النسخ والبدل والخلف نظائر. يقال: نسخ نسخا، وانتسخ انتساخا، واستنسخ ~~استنساخا، وتناسخوا تناسخا، وناسخ مناسخة. قال ابن دريد: كل شيء خلف ~~شيئا، فقد انتسخه، ونسخت الشمس الظل، وانتسخ الشيب الشباب. وقال صاحب ~~العين: النسخ ان تزيل امرا كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره. ~~كالآية نزل فيها امر، ثم يخفف الله عن العباد بنسخها بآية اخرى، فالآية ~~الاولى منسوخة، والثانية ناسخة. وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة ~~واصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الازمنة من القرون الماضية. واصل ~~الباب: الابدال من الشيء غيره. وقال الرماني: النسخ الرفع، لشيء قد كان ~~يلزمه العمل به إلى بدل، وذلك كنسخ الشمس بالظل لانه يصير بدلا منها في ~~مكانها وهذا ليس بصحيح، لانه ينتقض بمن تلزمه الصلاة قائما ثم يعجز عن ~~القيام، فانه يسقط عنه القيام لعجزه. ولا يسمى العجز ناسخا، ولا القيام ~~منسوخا، وينتقض بمن يستبيح بحكم العقل عند من قال بالاباحة، فاذا ورد ~~الشرع يحظره، لا يقال الشرع نسخ حكم العقل، ولا حكم العقل يوصف بانه ~~منسوخ، فاذا الاولى في ذلك ما ذكرناه في اول الكتاب: وهو ان حقيقة كل ~~دليل شرعي دل على ان مثل الحكم الثابت بالنص الاول غير ثابت فيما بعد ~~على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه، فاذا ثبت ذلك، ~~فالنسخ ms0283 في الشرع: على ثلاثة اقسام. نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون ~~الحكم، ونسخهما معا. # فالاول كقوله: # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبون مائتين # إلى قوله: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون ~~مائتين # فكان الفرض الاول وجوب ثبات الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، ~~وغير ذلك من الاي المنسوخ، حكمها، وتلاوتها ثابتة، كآية العدة، واية حبس ~~من يأتي بالفاحشة، وغير ذلك # والثاني كآية الرجم. قيل انها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها. # والثالث هو مجوز وان لم يقطع بانه كان. وقد روي عن ابي بكر انه كان ~~يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر # المعنى: # واختلفوا في كيفية النسخ على أربعة اوجه: # قال قوم: يجوز نسخ الحكم والتلاوة من غير افراد واحد منهما عن الآخر. # وقال آخرون: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة. # وقال آخرون: يجوز نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، كما ينسخ الكتاب من كتاب ~~قبله. # وقالت فرقة رابعة: يجوز نسخ التلاوة وحدها، والحكم وحده، ونسخهما معا ~~وهو الصحيح # وقد دللنا على ذلك، وافسدنا سائر الاقسام في العدة في اصول الفقه. وذلك ~~ان سبيل النسخ سبيل سائر ما تعبد الله تعالى به، وشرعه على حسب ما يعلم ~~من المصلحة فيه فاذا زال الوقت الذي تكون المصلحة مقرونة به، زال بزواله. ~~وذلك مشروط بما في المعلوم من المصلحة به، وهذا القدر كاف في ابطال قول ~~من ابى النسخ جملة واستيفاؤه في الموضع الذي ذكرناه. # وقد انكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وقد ~~جاءت اخبار متظافرة بانه كانت اشياء في القرآن نسخت تلاوتها، فمنها ما ~~روي عن ابي موسى: انهم كانوا يقرؤون لو ان لابن آدم واديين من مال لابتغى ~~اليهما ثالث، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. ثم ~~رفع. وروي عن قتادة قال: حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الانصار الذين ~~قتلوا ببئر معونة: ms0284 قرأنا فيهم كتابا بلغوا عنا قومنا انا لقينا ربنا، ~~فرضي عنا وارضانا، ثم ان ذلك رفع. ومنها الشيخ والشيخة وهي مشهورة . ~~ومنها ما روي عن ابى بكر انه قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فانه ~~كفر. ومنها ما حكي: ان سورة الاحزاب كانت تعادل سورة البقرة في الطول ~~وغير ذلك من الاخبار المشهورة بين اهل النقل. والخبر على ضربين: # احدهما يتضمن معنى الامر بالمعروف فما هذا حكمه يجوز دخول النسخ ~~فيه. # والآخر يتضمن الاخبار عن صفة الامر. لا يجوز تغييره في نفسه، ولا يجوز ~~ان يتغير من حسن إلى قبح أو قبح إلى حسن، فان ذلك لا يجوز دخول النسخ ~~فيه. وقد بينا شرح ذلك في العدة. والافعال على ثلاثة اقسام احدها لا ~~يكون إلا حسنا. وثانيها لا يكون إلا قبيحا. وثالثها يحتمل الحسن ~~والقبح بحسب ما يقع عليه من الوجوه: # فالاول كارادة الافعال الواجبة، أو المندوبة التي لا يجوز تغيرها، ~~كشكر المنعم، ورد الوديعة، والاحسان الخالص وغير ذلك. # والثاني كارادة القبيح، وفعل الجهل. # والثالث كسائر الافعال التي تقع على وجه، فتكون حسنة، وعلى آخر فتصير ~~قبيحة. # فالاول، والثاني لا يجوز فيه النسخ. والثالث يجوز فيه النسخ. # ومن قرأ ننسخ بفتح النون فمن نسخت الكتاب. فانا ناسخ، والكتاب ~~منسوخ. ومن قراء بضم النون، وكسر السين فانه يحتمل فيه امرين: # احدهما قال ابو عبيدة: ما ننسخك يا محمد. يقال نسخت الكتاب، وانسخه ~~غيري. # والاخر نسخته جعلته ذا نسخ. كما قال قوم للحجاج وقد قتل رجلا : ~~أقبرنا فلانا أي جعله ذا قبر يقال قبرت زيدا: اذا دفنته واقبره الله: ~~جعله ذا قبر كما قال: # ثم أماته فأقبره # وقوله { أو ننسأها } فالنسء التأخير ونقيضه التقديم، يقال انسأت الابل ~~عن الحوض أنسأها نسأ: اذا اخرتها عنه، وانتسأت عن الشيء : اذا تباعدت ~~عنه انتساء ونسأت الابل في ظمئها فانا أنسؤها نسأ: اذا زدتها في ظمئها ~~يوما أو يومين، أو اكثر من ذلك. وظمؤها: منعها الماء. ونسأت الماشية ~~تنسأ نسأ: اذا سمنت. وكل سمين ناسىء، ms0285 تأويلها ان جلودها نسأت اي تأخرت عن ~~عظامها، قاله الزجاج، وقال غيره: انما قيل ذلك لأنها تأخرت في المرعى حتى ~~سمنت، ونسأت المرأة تنسىء نسأ اذا تأخر حيضها عن وقته، ورجي حملها، ~~ويقال: انسأت فلانا البيع ونسأ الله في اجل فلان، وانسأ الله اجله اذا ~~أخر اجله. والنسيء تأخر الشيء، ودفعه عن وقته، ومنه قوله تعالى: # إنما النسيء زيادة في الكفر # وهو ما كانت العرب تؤخر من الشهر الحرام في الجاهلية. ونسأت اللبن أنسؤه ~~نسأ اذا اخذت حليبا وصببت عليه الماء، واسم ذلك: النسيء، والنسيء هذا ~~سمي بذلك، لأنه اذا خالطه الماء أخر بعض اجزاء اللبن عن بعض قال الشاعر: # سقوني النسء ثم تكنفوني # عداة الله من كذب وزور # ويقال للعصاة المنساة، لانها ينسأ بها، أي يؤخر بها ما يساق عن مكانه، ~~ويدفع بها الانسان عن نفسه ونسأت ناقتي اذا رفعتها في السير واصل الباب ~~التأخير. # المعنى: # وقال الحسن في قوله: { ما ننسخ من آية أو ننسها } ان نبيكم (صلى الله ~~عليه وسلم) أقرىء قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئا. ومن القرآن ما قد نسخ ~~وأنتم تقرأونه. وقال ابن عباس { ما ننسخ من آية } أي ما نبدل من آية، ومن ~~قرأ ننسأها بالهمز فان معناه نؤخرها من قولك هذا الامر أنسؤه نساء اذا ~~أخرته وبعته بنسأ أي بتأخير، وهو قول عطا وابن ابي نجيح، ومجاهد، وعطية ~~وعبيد بن عمير. وعلى هذا يحتمل نؤخرها امرين. احدهما فلا ننزلها وننزل ~~بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو ما يكون اصلح للعباد منها. وهذا ~~ضعيف لأنه لا فائدة في تأخير ما لا يعرفه العباد، ولا علموه ولا سمعوه. # والثاني نؤخرها إلى وقت ثان، فنأتي بدلا منها في الوقت المقدم، بما ~~يقوم مقامها. فاما من حمل ذلك، على معنى يرجع إلى النسخ، فليس يحسن لأنه ~~يصير تقديرها، ما ننسخ من اية او ننسخها. وهذا لا يجوز. ومعنى قوله: # { نأت بخير منها أو مثلها }. # المعنى: # قيل فيه قولان: # احدهما قال ابن عباس نأت بخير ms0286 منها لكم في التسهيل والتيسير، كالامر ~~بالقتال الذي سهل على المسلمين بدلالة قوله # الآن خفف الله عنكم # او مثلها كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى بيت المقدس. # والوجه الثاني بخير منها في الوقت الثاني، اي هي لكم خير من الاولى في ~~باب المصلحة، او مثلها في ذلك. وهو قول الحسن وهذا الوجه اقوى، وتقديره ~~كأن الآية الاولى في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر عن ~~المعصية، مثل الآية الاولى في وقتها. فيكون اللطف بالثانية، كاللطف ~~بالاولى الا انه في الوقت الثاني يسهل بها دون الاولى. وقال ابو عبيدة ~~معنى " ننساها " اي نمضيها فلا ننسخها قال طرفة: # امون كألواح الاران نسأتها # على لاحب كانه ظهر برجد # يعني امضيتها ومن قرأ " ننسها " بضم النون، وكسر السين يحتمل امرين: # احدهما ان يكون مأخوذا من النسيان إلا انه لا يجوز أن يكون ذلك من ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يجوز ذلك من حيث ينفر عنه، ويجوز ذلك ~~على الأمة بان يؤمروا بترك قراءتها، وينسونها على طول الايام. ويجوز ان ~~ينسيهم الله (تعالى) ذلك وان كانوا جمعا كثيرا، ويكون ذلك معجزا بمعنى ~~الترك من قوله: # نسوا الله فنسيهم # والاول عن قتادة، والثاني عن ابن عباس وقال معناه: نتركها لا نبدلها. ~~وقال الزجاج: ننسها بمعنى نتركها خطأ، انما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا ~~يقال انسيت بمعنى تركت وانما معنى ننساها نتركها، اي ان نامركم بتركها. ~~قال الرماني: انما فسر المفسرون على ما يؤول اليه المعنى لانه اذا امر ~~بتركها، فقد تركها. فان قيل: اذا كان نسخ الاية رفعها، وتركها فما معنى ~~ذلك إلا ان يترك، ولم جمع بينهما؟ قيل: ليس معنى تركها الا ان يترك، وقد ~~غلط الزجاج في توهمه ذلك، وانما معناه اقرارها، فلا ترفع، كما قال ابن ~~عباس: يتركها، ولا نبدلها وانما قال: { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ~~} تنبيها على انه يقدر على ايات وسور مثل القرآن ينسخ بها امره لنا فيه ~~بما امرنا، فيقوم في ms0287 النفع مقام المنسوخ. او اكثر. وقال بعضهم: معنى " أو ~~" في الآية الواو، كان قال: ما ننسخ من ايه وننساها نات بخير منها، فعلى ~~هذا زالت الشبهة. فان قيل: اي تعلق بين هذه الآية وبين التي قبلها؟ قلنا: ~~لما قال في الآية الاولى { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم } دل في هذه الآية على انه جل ~~وعز، لا يخليهم من إنزال خير اليهم، خلاف ما يود اعداؤه لهم: فان قيل: هل ~~يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ قلنا فيه خلاف بين الفقهاء، ذكرناه في ~~اصول الفقه، وبين اصحابنا ايضا فيه خلاف، إلا ان يقوى في النفس جواز ~~ذلك. # وقد ذكرنا ادلة الفريقين، والشبه فيها في اصول الفقه لا يحتمل ذكرها ~~هذا المكان. وانما اخرنا ذلك، لأن تلاوة القرآن، والعمل بما فيه تابع ~~للمصلحة، ولا يمتنع ان تتغير المصلحة، تارة في التلاوة فتنسخ، وتارة في ~~الحكم فينسخ، وتارة فيهما فينسخان. وكذلك لا يمتنع ان تكون المصلحة في ان ~~تنسخ، تارة بقرآن، وتارة بالسنة المقطوع بها. فذلك موقوف على الادلة. # وقوله: { نأت بخير منها } لا يدل على ان السنة خير من القرآن، لأن ~~المراد بذلك نأت بخير منها من باب المصلحة. على ان قوله: { نأت بخير منها ~~} فمن اين ان ذلك الخبر يكون ناسخا. فلا متعلق في الآية يمنع من ذلك. ~~والاولى جوازه. على ان هذا وان كان جائزا، فعندنا انه لم يقع، لانه لا ~~شيء من ظواهر القرآن يمكن ان يدعى انه منسوخ بالسنة اجماعا، ولا بدليل ~~يوجب العلم. واعيان المسائل فيها خلاف، نذكر ما عندنا فيه اذا مررنا ~~بتاويل ذلك. واما ما روي عن ابن سعيد ابن المسيب من انه كان يقرأ " أو ~~تنسها " بالتاء المعجمة من فوق، وفتح السين فشاذ، لا نلتفت اليه، لانا ~~قد بينا ان النبي " صلى الله عليه وسلم " لا يجوز عليه ان ينسى شيئا من ~~وحي الله. وكذلك ما روي عن ابي رحا العطاردي " ننسها " بضم ms0288 النون الاولى، ~~وفتح الاخرى، وتشديد السين ذكرها شاذة. # وفي الآية دليل على ان القرآن غير الله، وان الله هو المحدث له، والقادر ~~عليه، لأن ما كان بعضه خيرا من بعض، او شرا من بعض، فهو غير الله لا ~~محالة. وفيها دليل ان الله قادر عليه، وما كان داخلا تحت القدرة، فهو ~~فعل، والفعل لا يكون إلا محدثا، ولانه لو كان قديما لما صح وجود النسخ ~~فيه، لأنه اذا كان الجميع حاصلا فيما لم يزل، فليس بعضه بان يكون ناسخا، ~~والاخر منسوخا باولى من العكس. فان قيل: لم قال: { ألم تعلم أن الله } ~~او ما كان النبي " صلى الله عليه وسلم " عالما بان الله على كل شيء ~~قدير؟ قلنا عنه جوابان: # احدهما ان معنى قوله: { ألم تعلم } اما علمت؟ # والثاني انه خرج ذلك مخرج التقرير، كما قال: # أأنت قلت للناس # وفيه جواب ثالث انه خطاب للنبي " صلى الله عليه وسلم " والمراد امته، ~~بدلالة قوله بعد ذلك: { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير }. ### || [2.107] # المعنى: # " الولي " في الآية: هو القيم بالامر. من وليه الشيء. ومنه ولي عهد ~~المسلمين. # ومعنى قوله: { من دون الله } سوى الله. قال امية بن ابي الصلت: # يا نفس ما لك دون الله من واقي # وما على حدثان الدهر من باقي # وفي قوله: { ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ثلاثة اوجه: # احدها التحذير من سخط الله وعقابه اذ لا احد يمنع منه. # والثاني التسكين لنفوسهم: ان الله ناصرهم دون غيره، اذ لا يعتد بنصر ~~احد مع نصره. # والثالث التفريق بين حالهم، وحال عباد الاوثان. مدحا وذما لاؤلئك. ~~وبهذا قال ابو علي الجبائي، وإنما قال للنبي " صلى الله عليه وسلم " { ~~ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } وان كان النبي " صلى الله ~~عليه وسلم " عالما بان له ملك كله، لامرين: احدهما التقرير والتنبيه ~~الذي يؤول إلى معنى الايجاب كما قال جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح؟ # وانكر الطبري ان ms0289 يدخل حرف الاستفهام على حرف الجحد بمعنى الاثبات والبيت ~~الذي انشدناه، يفسد ما قاله، وايضا قوله: # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى # وقوله: # أليس الله بكاف عبده # وغير ذلك يفسد ما قاله. # والوجه الثاني انه خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به امته ~~كما قال: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # وقال جميل بن معمر: # ألا ان جيراني العشية رائح # دعتهم دواع من هوى ومنادح # وانما يحسن ذلك، لأن غرضه الخبر عن واحد فلذلك قال: رائح وقال ايضا: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # يريد قاتلته، فكنى بالمذكر بالمذكر عن المؤنث. قال الكميت: # إلى السراج المنير احمد لا # يعدلني رغبة ولا رهب # عنه إلى غيره ولو رفع الن # اس الي العيون وارتقبوا # وقيل افرطت بل قصدت ولو # عنفنى القائلون او ثلبوا # لج بتفضيلك اللسان ولو # اكثر فيك الضجاج واللجب # انت المصفى المحض المهذب في الن # سبة إن نص قومك النسب # قالوا: انما خرج كلامه على وجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم)، ~~واراد به أهل بيته بدلالة قوله: ولو اكثر فيك الضجاج واللجب، لأنه لا أحد ~~يوصف من المسلمين بتعنيف مادح النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا باكثار ~~الضجاج واللجب في إطناب القول فيه، وانما قال: { له ملك السماوات } ولم ~~يقل ملك، لأنه اراد ملك السلطان والملكة دون الملك. يقال من ذلك: ملك ~~فلان على هذا الشيء يملكه ملكا وملكا وملكا. والنصير فعيل من قولك: ~~نصرتك انصرك فأنا ناصر ونصير، وهو المؤيد والمقوي. ### || [2.108] # سبب النزول: # اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فروي عن ابن عباس أنه قال: قال ~~رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إئتنا بكتاب ~~تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجر لنا انهارا، نتبعك ونصدقك، فانزل ~~الله في ذلك من قولهما { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ~~} وقال الحسن عنى بذلك المشركين من العرب لما سألوه فقالوا # أو تأتي بالله ms0290 والملائكة قبيلا # وقالوا: # أو نرى ربنا # وقال السدي: سالت العرب محمدا (صلى الله عليه وسلم) أن ياتيهم بالله ~~فيروه جهرة. وقال مجاهد: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. فقال ~~نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا. وقال ابو علي: روي ان ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) سأله قومه ان يجعل لهم ذات أنواط كما كان ~~للمشركين ذات انواط وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عليها التمر، وغيره ~~من الماكولات. كما سألوا موسى # اجعل لنا إلها كما لهم إلهة # ومعنى " أم " في قوله: { أم تريدون } التوبيخ وإن كان لفظها لفظ ~~الاستفهام كقوله تعالى # كيف تكفرون بالله # اللغة: # وأم على ضربين: متصلة، ومنفصلة: فالمتصلة عديلة الالف وهي مفرقة لما ~~جمعته اي. كما ان او مفرقة لما جمعته احد تقول: اضرب ايهم شئت أزيدا ام ~~عمرا ام بكرا. والمنفصلة غير المعادلة لألف الاستفهام قبلها لا يكون الا ~~بعد كلام، لانها بمعنى بل والالف كقول العرب: إنها لابل ام شاة كانه قال: ~~بل شاة هي. ومنه قوله: # الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه # كانه قال: بل يقولون: افتراه. وكذلك { أم تريدون } كانه قيل: بل تريدون ~~وقال الاخطل. # كذبتك عينك ام رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # وقال الفراء: إن شئت قلت قبله استفهام فترده عليه. وهو قوله: { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } وقال الرماني في هذا بعد أن تكون على المعادلة ~~ولا بد ان يقدر له أم تعلمون خلاف ذلك " فتسألون رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل " والمعنى أنهم يتخيرون الايات ويسالون المحالات. كما سئل موسى، ~~فقالوا: { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } وقالوا # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # وهذا الوجه اختاره البلخي والمغربي وحكي عن بعضهم أن ذلك عطف على قوله: # افتؤمنون ببعض الكتاب # وقيل ايضا لما قيل لهم قولوا: # انظرنا واسمعوا # كان تقدير الكلام فهل تعقلون هذا ام تريدون ان تسألوا رسولكم. # وقوله: { سواء السبيل } معناه قصد الطريق ms0291 على قول الحسن وسواء بالمد ~~تكون على ثلاثة اوجه بمعنى قصد وعدل، وبمعنى وسط. # كقوله: # خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم # وقوله: # فاطلع فرآه في سواء الجحيم # اي وسطها قال حسان: # يا ويح انصار النبي ونسله # بعد المغيب في سواء الملحد # وتكون بمعنى غير كقولك للرجل اتيت سواك أي غيرك. ومعنى ضل ها هنا الذهاب ~~عن الاستقامة قال الاخطل: # كنت القذى في موج اكدر مزبد # قذف الأتي به فضل ضلالا # أي ذهبت يمينا وشمالا والسبيل والطريق والمذهب نظائر ويقال: اسبل اسبالا ~~وسبله تسبيلا. والسبيل يذكر ويؤنث، والجمع السبل. والسابلة: المختلفة في ~~الطرقات في حوائجهم، والجمع السوابل. وسبل سابل كقولهم شعر شاعر. والسبلة ~~ما على الشفة العليا من الشعر بجمع الشاربين وما بينهما والسبل المطر ~~المسبل والمسبولة هي سنبلة الذرة والارز ونحوه اذا مالت ويقال للزرع اذا ~~سنبله: سنبلة ويقال اسبلت اسبالا: اذا ارخيته. واسبل الرجل ازاره: اذا ~~ارخاه من الخيلاء قال الشاعر: # واسبل اليوم من برديك اسبالا # وأصل الباب الاسبال: وهو الحد. والسؤال: هو الطلب ممن يعلم معنى الطلب ~~أمرا من الامور. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها والتعلق بينهما انه لما ~~دل الله بما تقدم من الآيات على تدبير الله لهم فيما ياتي به من الآيات ~~وما ينسخه فكانه قال: ام لا ترضون بذلك فتخيروا الآيات وتسألوا المحالات ~~{ كما سئل موسى } لأن الله تعالى انما يأتي بالآيات على ما يعلم فيها من ~~المصلحة، فاذا اتى بآية تقوم بها الحجة فليس لاحد الاعتراض عليها، ولا له ~~اقتراح غيرها. لانه تعنت اذ قد صح البرهان بها. # وقوله: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } معناه من يستبدل الكفر يعني الجحود ~~بالله وباياته بالتصديق بالله وبايآياته وبالاقرار به. وقال بعضهم عبر ~~بالكفر ها هنا عن الشدة وبالايمان عن الرخاء وهذا غير معروف في اللغة ولا ~~العرف الا ان يراد بذلك الثواب والعقاب اللذان يستحقان عليهما فيكون له ~~وجه في التنزيل. ### || [2.109] # المعنى بقوله: { ود كثير من أهل الكتاب } عن الحسن النصارى واليهود. ~~وقال الزهري، وقتادة: كعب ms0292 بن الاشراف، وعن ابن عباس حي بن اخطب، وابو ~~ياسر بن اخطب. # وحسدا نصب على أحد أمرين: # أحدهما على الجملة التي قبله بدلا من الفعل. كانه قال: حسدوكم حسدا ~~كانه قال: نحسدك حسدا. # والآخر: ان يكون مفعولا. كانه قال: يردونكم لاجل الحسد كما تقول: جئته ~~خوفا منه. تقول حسدت احسد حسدا، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء بمعنى ~~واحد. قال الشاعر: # فقلت إلى الطعام فقال منهم # فريق نحسد الانس الطعاما # ورجل حاسد وحسود، وحساد. والحسد هو الاسف بالخير على من له خير. واشد ~~الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لاحد. وقد يكون الحاسد متمنيا لزوال ~~النعمة عن المحسود وان لم يكن يطمع في تحول تلك النعمة. والصفح هو ~~التجاوز عن الذنب. والصفح، والعفو، والتجاوز بمعنى واحد. يقال صفح صفحا ~~وتصفح تصفحة، وتصافحوا تصافحا والصفحة ما كان من ظاهر الشيء. يقال لظاهر ~~جلد الانسان: صفحة، وكذلك هو من كل شيء. ومن هذا صافحته: اي لقيت صفحة ~~كفه صفحة كفي. وفي الحديث النشيج للرجال والتصفح للنساء: اي التصفيق. ~~فانما هو لانها تضرب بصفحة كف على صفحة الاخرى. وانشد الاصمعي: # كأن مصفحات في ذراه # وانواحا عليهن المآلى # المآلي جمع مئلاة وهي خرقة تمسكها النايحة تقلص بها دمعتها. والصفاح من ~~السيوف العراض واحدها صفحة وصفحة. وقال: # ضربناهم حتى اذا ارفض جمعهم # علوناهم بالمرهفات الصفائح # وصفحت عنه قيل فيه قولان: # احدهما اني آخذه بذنبه. وابديت له مني صفحة جميلة. # [الثاني] وقيل بل لم ير مني ما يقبض صفحته. # وتقول صفحت الورقة: اي تجاوزتها إلى غيرها. ومنه تصفحت الكتاب، وقد تصفح ~~الكتاب، وقد يتصفح الكتاب من لا يحسن ان يقرأ. ويسمى الصفح من المصحف ~~وغيره من الدفاتر من الصفحة. ومنه # فاصفح الصفح الجميل # وقوله: { فاعفوا واصفحوا } قال الحارث بن هشام: # وصفحت عنهم والاحبة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم سرمد # اي لم احاربهم لاقبض صفاحهم، او اريهم ذلك في نفسي. ويقال نظر اليهم ~~صفحا بقدر ما ابدي صفحته لم يتجاوز. والصفاح موضع سمي بذلك، لانه صخور ~~مستوية تبدو صفائحها. ms0293 وأصل الباب صفحة الشيء وهي ظاهره. # وقوله: { من عند أنفسهم } قال الزجاج: متعلق ب { ود كثير } لا بقوله: ~~{ حسدا } ، لان حسد الانسان، لا يكون من غير نفسه. وقد يجوز ان يتصل ~~بقوله: { حسدا } على التوكيد. كما قال تعالى: # ولا طائر يطير بجناحية # ويحتمل وجها آخرا وهو ان اليهود كما يضيفون الكفر والمعاصي إلى الله ~~تعالى، فقال الله: { من عند أنفسهم } تكذيبا لهم انها من عند الله. # وقوله: { من بعد ما تبين لهم الحق } قال قتادة: من بعد ما تبين لهم ان ~~محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والاسلام دين الله. # وهو قول الربيع والسدي وابن زيد، وروى عن ابن عباس مثله. # وقال بن عباس: ان قوله: { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } منسوخة ~~بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقال قتادة نسخت بقوله: { قاتلوا المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر } الآية. وبه قال الربيع والسدي. # وروي عن ابي جعفر محمد بن علي: انه قال: لم يؤمر رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) بقتل، ولا اذن له فيه حتى نزل جبرائيل (ع) بهذه الآية # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # وقلده سيفا. # وقوله: { حتى يأتي الله بأمره } قال ابو علي: " بامره " لكم يعاقبهم او ~~يعافيهم هو على ذلك، ثم اتى بامره فقال: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # وقوله: { إن الله على كل شيء قدير } قيل فيه ثلاثة اقوال: # قال ابو علي: انه قدير على عقابهم اذ هو { على كل شيء قدير }. # وقال الزجاج: قدير على ان يدعو إلى دينه بما احب مما هو الأليق بانجائكم ~~اي فيأمر بالصفح تارة وبالعقاب اخرى على حسب المصلحة. # والثالث انه لما امر بالامهال، والتأخير في قوله: { فاعفوا واصفحوا } ~~كأن فيه تعلق النفس بالعافية في ذلك، فقال امهلوهم فانهم لا يعجزون ~~الله، ولا يفوتونه، اذ هو { على كل شيء قدير }. # وانما امرهم بالصفح، والعفو وان كانوا مضطهدين مقهورين مقموعين، من حيث ~~ان كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم، وأقوامهم يقدرون على ~~الانتصار والانتقام من ms0294 الكفار، فامرهم الله تعالى بان يعفوا وإن قدروا ~~حتى يأتي الله بامره. ### || [2.110] # ان قيل ما المقتضي لذكر الصلاة والزكاة ها هنا، قلنا: انه تعالى لما ~~اخبرهم بشدة عداوة اليهود لهم وامرهم بالصفح عنهم قال: { وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة } فان في ذلك معونة على الصبر مع ما تجزون بهما من الثواب ~~والاجر، كما قال في موضع آخر: { واستعينوا بالصبر والصلاة }. # وقوله: { وما تقدموا } معنى (ما) الجزاء وجوابه { تجدوه }. ومثله { ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } والخير المذكور في الآية هو ~~العمل الصالح الذي يرضاه الله. ومعنى " تجدوه " اى تجدوا ثوابه. وكذا قال ~~الربيع كما قال ابن نجا: # وسبحت المدينة لا تلمها # اي سبحت اهل المدينة. وقوله: { إن الله بما تعملون بصير } معناه انه لا ~~يخفى عليه شيء من اعمالكم. جازاكم على الاحسان بما تستحقونه من الثواب، ~~وعلى الاساءة بما تستحقونه من العقاب، فاعملوا عمل من يدري انه يجازيه من ~~لا يخفى عليه شيء من عمله، ففي ذلك دلالة على الوعد، والوعيد، والامر ~~والزجر، وان كان خبرا عن غير ذلك في اللفظ. ### || [2.111] # المعنى: # قوله: { هودا } يريد يهودا فحذف الياء المزادة ووحد كان، لأن لفظة (من) ~~قد تكون للواحد وتكون للجماعة والعرب تقول: من كان صاحباك. ولا يجوز ~~الوقف على قوله: { وقالوا } بل يجب صلته بقوله: { لن يدخل الجنة } الآية. ~~فان قيل كيف جمع بين اليهود والنصارى في الحكاية مع افتراق مقالتهما في ~~المعنى، وكيف يحكي عنهما ما ليس يقول لهما؟ قلنا: فعل ذلك للايجاز ~~والاختصار وتقديره: قالت اليهود: لن يدخل الجنة الا من كان يهوديا، وقالت ~~النصارى، لن يدخل الجنة الا من كان نصرانيا، فادرج الخبر عنهما للايجاز ~~من غير اخلال، اذ شهرة حالهما تغني عن البيان. ومثله في الادراج، والجمع ~~من غير تفصيل قوله: # وقلنا اهبطوا # وانما كانت الصورة إهبط لابليس، ثم قيل اهبطا لادم وحواء فحكاه على ~~المعنى وتقدير الكلام. وقال بعض اهل الكتاب: لن يدخل الجنة الا من كان ~~هودا. وقال بعضهم: لن يدخل ms0295 الجنة الا من كان نصارى: والبعض الثاني غير ~~الاول الا انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول. قال حسان بن ثابت: # فمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # تقديره ومن يمدحه وينصره. غير انه لما كان اللفظ واحدا أجمع مع الاول، ~~وصار كانه اخبار به عن جملة واحدة. وانما كان حقيقة عن بعضين متفرقين. # ومثله # هو الذي خلقكم من نفس واحدة # يعني آدم، ثم قال # وجعل منها زوجها # اي من النفس بمعنى الجنس فهو في اللفظ على مخرج الراجع إلى النفس ~~الاولى. وفي تحقيق المعنى لغيرها وهذا قول اكثر المفسرين السدي وغيره وفي ~~معنى هود ثلاثة اقوال. # احدها انه جمع هائد وهود كحائل وحول وعائد وعود وعائط وعوط وهو جمع ~~المذكر والمؤنث على لفظ الواحد. والهائد: التائب الراجع إلى الحق. # والوجه الثاني ان يكون مصدرا يصلح للواحد والجمع. كما يقال: رجل فطر، ~~وقوم فطر ونسوة فطر ورجل صوم وقوم صوم. # والثالث ان يكون معناه إلا من كان يهوديا الا ان الياء الزائدة حذفت. ~~ورجع إلى معنى الاصل من اليهود. # ومعنى { أمانيهم } قال المؤرخ: اباطيلهم بلغة قريش وقال قتادة: ~~اماني يتمنونها على الله كاذبة وبه قال الربيع. وقيل ايضا معناه تلك ~~أقاويلهم وتلاوتهم كما قال # لا يعلمون الكتاب إلا أماني # اي تلاوة. # ومعنى { هاتوا } احضروا. وهو وإن كان على لفظ الامر المراد به الانكار ~~والتعبير. وتقديره ان آتيتم ببرهان صحت مقالتكم. ولن ياتوا به، لان كل ~~مذهب باطل فلا برهان عليه. # اللغة: # والبرهان والحجة والدلالة والبيان بمعنى واحد، وهو ما أمكن الاستدلال به ~~على ما هو دلالة عليه مع قصد فاعله إلى ذلك. وفرق الرماني بين الدلالة ~~والبرهان بأن قال: الدلالة قد تنبىء عن معنى فقط، لا تشهد بمعنى اخر، وقد ~~تنبىء عن معنى يشهد بمعنى اخر، والبرهان ليس كذلك، لانه بيان عن معنى ~~ينبىء عن معنى اخر، وهذا الذي ذكره لا يسلم له لانه محض الدعوى وبه قال ~~الحسن، ومجاهد والربيع والسدي. # المعنى: # { هاتوا برهانكم } اي حجتكم. وفي ms0296 الآية دلالة على فساد التقليد لانه لو ~~جاز التقليد، لما ألزم القوم ان ياتوا فيما قالوه ببرهان. وقد يجوز في ~~العربية امانيهم بالتخفيف على ما ذكره الزجاج. والثقيل اجود. ### || [2.112] # فان قيل: اليس بلى انما تكون في جواب الاستفهام مثل قوله { ألست بربكم ~~قالوا بلى } فكيف دخلت ها هنا؟ قلنا إنما جاز ذلك لأنه يصلح ان يكون ~~تقديره أما يدخل الجنة احد فقيل { بلى من أسلم وجهه لله } لان ما تقدم ~~يقتضي هذا السؤال، ويصلح ان يكون جوابا للجحد على التكذيب كقولك: ما ~~قام زيد فيقول: بلى قد قام، ويكون التقدير ها هنا ليس الامر كما قال ~~الزاعمون { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ولكن { من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن } فهو الذي يدخلها وينعم فيها، أو بلى من اخلص نفسه ~~لطاعة الله. # ومعنى اسلم يحتمل امرين: احدهما اسلم الى كذا بمعنى صرفه اليه كقولك ~~اسلمت الثوب اليه، والثاني اسلم له بمعنى اخلص له من قولك: قد سلم ~~الشيء لفلان اذ اخلص له. ومنه قوله: # ورجلا سلما لرجل # اي خالصا وقال زيد ابن عمرو بن نفيل: # واسلمت نفسي لمن اسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا # وانما جاز اسلم وجهه لله على معنى اسلم نفسه لله على مجرى كلام العرب في ~~استعمال وجه الشيء، وهم يريدون نفس الشيء، إلا انهم ذكروه باللفظ الاشرف ~~الأبنه ودلوا عليه به. كما قال عز وجل: # كل شيء هالك إلا وجهه # أي إلا هو. وقال: # كل من عليها فان ويبقى وجه ربك # وقال الاعشى: # أؤول الحكم على وجهه # ليس قضائي بالهوى الجائر # يعني على ما هو من صحته، وصوابه. وقال ذو الرمة: # فطاوعت همي وانجلى وجه بازل # من الأمر لم يترك خلاجا بزولها # يريد انجلى البازل من الامر. وقال ابن عباس: اسلم وجهه لله: اخلص عمله ~~لله. وقال الربيع: اخلص لله. وقال الحسن: يعني بوجهه: وجهه في الدين. ~~وقيل معناه استسلم لامر الله. ومن الوجه يقال: توجه توجها، وواجه ~~مواجهة، وتواجهوا تواجها. والجهة: ms0297 النحو. تقول: كذا على وجه كذا، ~~والوجهة القبلة شبهها في كل وجهة: اي كل وجه استقبلته، واخذت فيه. وتقول ~~توجهوا اليك، ووجهوا اليك. كل يقال: غير أن قولك: توجهوا اليك على معنى ~~ولو اليك وجوههم. والتوجه الفعل اللازم. والوجاه والتجاه لغتان: وهو ما ~~استقبل شيء شيئا تقول دار فلان تجاه دار فلان. والمواجهة: استقبالك ~~بكلام او بوجه. وأصل الباب الوجه مستقبل كل شيء ووجه الانسان: محياه. ~~ونقيض الوجه القفاء. ويقال: وجه الكلام، تشبيها بوجه الانسان، لانه اول ~~ما يبدو منه، ويعرف به. وقد يقال في الجواب: هذا وجه وذلك خلف، تشبيها ~~ايضا من جهة الحسن، لان الغالب في الوجه انه احسن. ويقال: هذا وجه الرأي ~~الذي يبدوا منه، ويعرف به. والوجه من كل شيء: اول ما يبدو، فيظهر بظهور ~~ما بعده. # وقوله: { وهو محسن } في موضع نصب، لانه في موضع الحال. وانما قال: { فله ~~أجره } على التوحيد، ثم قال: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } على الجمع ~~لان (من) لفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع، فمرة تحمل على اللفظ: واخرى ~~على المعنى كما قال: # ومنهم من يستمع إليك # وفي موضع اخر # ومنهم من يستمعون إليك # وقال الفرزدق: # تعال فان عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # فثنى واللفظ واحد لاجل المعنى. فان قيل اذا كان قد ذكر { فلهم أجرهم عند ~~ربهم } فلم قال: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قيل عن ذلك جوابان: # احدهما الدلالة على انهم على يقين لا على رجاء يخاف معه ألا يكون ~~الموعود به. # والثاني الفرق بين حالهم، وبين حال اهل العقاب الذي يخافون ويحزنون. ### || [2.113] # النزول: # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقال ابن عباس: انه لما قدم اهل نجران من ~~النصارى على رسول الله " صلى الله عليه وسلم " اتتهم احبار يهود، ~~فتنازعوا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال رافع بن خويلد: ما ~~انتم على شيء، وكفر بعيسى وبالانجيل، فقال رجل من من اهل نجران من ~~النصارى: ما أنتم على شيء وجحد بنبوة ms0298 موسى، وكفر بالتوراة فأنزل الله في ~~ذلك الآية إلى قوله: { فيما كانوا فيه يختلفون }. # وقال الربيع: هؤلاء اهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم). # المعنى: # ومعنى الآية احد شيئين: # احدهما حل الشبهة بانه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الانكار، لما لم ~~يؤت على انكاره، ببرهان فلا ينبغي ان تدخل الشبهة بانكار اهل الكتاب لملة ~~اهل الاسلام اذ كل فريق من اهل الكتاب قد انكر ما عليه الآخر، ثم بين أن ~~سبيلهم كسبيل من لا يعلم الكتب في الانكار لدين الاسلام من مشركي العرب، ~~وغيرهم ممن الكتاب له فيهم، وجحدهم لذلك سواء اذ لا حجة معهم يلزم بها ~~تصديقهم، لا من جهة سمع ولا عقل. # والوجه الآخر الذم لمن انكر ذلك من اهل الكتاب على جهة العناد، اذ قد ~~ساوى المعاند منهم للحق الجاهل به في الدفع له، فلم ينفعه علمه، بل حصل ~~على مضرة الجهل كما حصل عليه من لا علم له به. فان قيل: اذا كانت اليهود ~~انما قالت: ليست النصارى على شيء في تدينها في التوراة فكيف قال: { كذلك ~~قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } وأهل الحق ايضا يقولون مثل قولهم؟ قيل: ~~إن المعنى { كذلك قال الذين لا يعلمون الكتاب }. اي فقد ساووا في ذلك من ~~لا كتاب له. وكما لا حجة في جحد هؤلاء كذلك لا حجة في جحدهم، ولم يساووا ~~أهل الحق فيه، لانهم قالوه عن علم. والمعني بقوله: { كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم } في قول السدي هم العرب الذين قالوا: ليس محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) على شيء. وقال الربيع: قالت النصارى: مثل قول ~~اليهود قبلهم، ووجه هذا القول، اي فقد ساووكم يا معشر اليهود في الانكار ~~{ وهم لا يعلمون }. وقال عطاء: هؤلاء الذين لا يعلمون امم كانت قبل ~~اليهود والنصارى، وقبل التوراة والانجيل. # اللغة # و " القيامة " مصدر إلا انه صار كالعلم على وقت بعينه، وهو الوقت الذي ~~بعث الله عز وجل فيه الخلق، فيقومون من قبورهم ms0299 إلى محشرهم. تقول: قام ~~يقوم قياما وقيامة: مثل عاد يعود عيادا وعيادة، وصانه صيانة، وعاده ~~عيادة. # المعنى: # وقوله: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } يحتمل ~~امرين: # احدهما قال الحسن حكمه فيهم ان يكذبهم جميعا ويدخلهم النار. وقال ابو ~~علي: حكمه الانصاف من الظالم المكذب بغير حجة ولا برهان للمظلوم المكذب. ~~وقال الزجاج: حكمه ان يريهم من يدخل الجنة عيانا. وهذا هو حكم الفصل في ~~الآخرة فاما حكم العقل في الدنيا فالحجة التي دل الله بها على الحق من ~~الباطل في الديانة. ### || [2.114] # قوله تعالى: # { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها إسمه وسعى ~~في خرابهآ أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [114] -آية ~~واحدة. - # المعنى: # اختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية، فقال ابن عباس، ومجاهد، واختاره ~~الفراء انهم الروم، لانهم كانوا غزوا بيت المقدس، وسعوا في خرابه حتى ~~كانت أيام عمر، فاظهر الله عليهم المسلمين، وصاروا لا يدخلونه إلا ~~خائفين: وقال الحسن وقتادة والسدي: هو بخت نصر خرب بيت المقدس. قال ~~قتادة: واعانه عليه النصارى. وقال قوم: عنى به سائر المشركين، لانهم ~~يريدون صد المسلمين عن المساجد، ويحبونه. وقال ابن زيد، والبلخي، ~~والجبائي والرماني: المراد به مشركي العرب. وضعف هذا الوجه الطبري من بين ~~المفسرين بان قال: إن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام. ~~وهذا ليس بشيء، لان عمارة المساجد بالصلاة فيها وخرابها بالمنع من الصلاة ~~فيها. وقد روي انهم هدموا مساجد كان أصحاب النبي يصلون فيها بمكة، لما ~~هاجر النبي واصحابه. وقال: وهو ايضا لا يتعلق بما قبله من ذم أهل الكتاب ~~كما يتعلق اذا عنى به النصارى، وبيت المقدس. فيصير الكلام منقطعا، فيقال ~~له: قد جرى ذكر لغير أهل الكتاب من المشركين في قوله: { كذلك قال الذين ~~لا يعلمون } وهذا أقرب من اليهود والنصارى، ولان ذلك كله ذم: فمرة يوجه ~~إلى اليهود، ومرة إلى النصارى، ومرة إلى عباد الاوثان وغيرهم من أهل ~~الشرك. فان قيل: كيف قال: { مساجد الله ms0300 } بالجمع وهو أراد المسجد الحرام، ~~أو بيت المقدس؟ قيل عنه جوابان: # احدهما ان كل موضع منه مسجد، كما يقال لكل موضع من المجلس العظيم ~~مجلس. فيكون اسما يصلح ان يقع على جملته، وعلى كل موضع سجود فيه. # [والثاني] قال الجبائي لأنه يدخل فيه المساجد التي بناها المسلمون ~~للصلاة بالمدينة. # وقوله: { ممن منع } # اللغة: # والمنع، والصد والحيلولة نظائر. وضد المنع الاطلاق. يقال: منع منعا. ~~وامتنع امتناعا. وتمنع تمنعا. وتمانع تمانعا. ومانعة ممانعة. وقال صاحب ~~العين: المنع: ان يحول بين الرجل وبين الشيء يريده. وتقول: منعته فامتنع. ~~ورجل منيع لا يخلص اليه وهو في عز ومنعة يخفف ويثقل. وامرأة منيعة ممتنعة ~~لا تؤاتى على فاحشة وقد تمنعت مناعة. وكذلك الحصن وغيره تقول: منع مناعا: ~~اذا لم يرم ومناع، أي امنع قال الشاعر: # مناعها من ابل مناعها # ألا ترى الموت لدى اوباعها # المعنى: # ومساجد الله قد بينا ان منهم من [قال] أراد المسجد الاقصى، ومنهم من ~~[قال] أراد المسجد الحرام، ومنهم من قال: أراد جميع المساجد. # وروي عن زيد بن علي عن أبيه عليهما السلام انه أراد جميع الارض، لقوله ~~عليه السلام: # " جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا ". # وقوله: { وسعى في خرابها } # اللغة: # والسعي والعدو والركض نظائر. وضد السعي الوقف. تقول: سعى سعيا، واستسعى ~~استسعاء وتساعوا تساعيا. قال صاحب العين: السعي عدو دون الشديد. وكل عمل ~~من خير أو شر، فهو السعي يقال: فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم يقولون: ~~ان السعي الكسب والعمل. قال الشاعر: # سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا # فكيف لو قد سعى عمرو عقالين # عقال صدقة عام. والساعية ان تسعى بصاحبك إلى وال من فوقه. والسعاية ما ~~يستسعى به العبد من ثمن رقبته اذا اعتق بعضه، وهو ان يكلف من العمل ما ~~يؤدي عن نفسه ما بقي ويقال سعى للسلطان اذا ولي الصدقة وساعي الرجل ~~الامة: اذا فجربها. ولا تكون المساعاة إلا في الاماء. واصل الباب: السعي: ~~العدو. # وقوله: { في خرابها } فالخرب، والهدم، والنقض نظائر ونقيض الخراب ~~العمارة. ms0301 يقال: خرب خرابا واخربه إخرابا. وتخرب تخربا وخربه تخريبا. ~~والخرب الذكر من الحبارى والجمع الخربان. قال الشاعر: # ما رأينا خربا ينفر عنه البيض صقر # لا يكون المهر جحشا لا يكون الجحش مهر # والخربة: سعة خرق الاذن. قال ذو الرمة: # كأنه حبشي يبتغي أثرا # أومن معاشر في آذانها الخرب # والخربة: عروة المزادة وكذلك كل بيت مستدير. والخارب: اللص. وما رأينا ~~من فلان خربة أي فسادا في دينه أو شينا. والخارب من شدائد الدهر. قال ~~الشاعر: # ان بها اكتل أو رزاما # خوير بين ينقفان الها ما # والرزام: الهزال. والخروبة شجرة الينبوت. والخرابة: سرقة الابل قال ~~الاصمعي لا يكادون يسمون الخارب إلا سارق الابل وأصل الباب: الخراب ضد ~~العمران. # وقوله: { ومن أظلم } رفع لانه خبر الابتداء وتقديره أي أحد اظلم. # وقوله: { أن يذكر } يحتمل وجوها من النصب قال الاخفش: يجوز ان يكون على ~~حذف (من)، وتقديره من ان يذكر، ويجوز أن يكون على البدل من { مساجد الله ~~} ، وقال الزجاج: يجوز على معنى كراهية أن يذكر. وعلى الوجوه كلها العامل ~~فيه (منع) # المعنى: # ومعنى قوله: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } فيها خلاف. قال ~~قتادة: هم اليوم كذلك لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهك ضربا، وابلغ ~~اليه في العقوبة. وبه قال السدي. وقال ابن زيد: نادى رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) # " ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان " # وقال الجبائي بين الله انه ليس لهؤلاء المشركين دخول المسجد الحرام، ولا ~~دخول المساجد فان دخل منهم داخل الى بعض المساجد، كان على المسلمين ~~اخراجه منه إلا ان يدخل إلى بعض الحكام بخصومة بينه وبين غيره إلى بعض ~~القضاة، فيكون دخوله خائفا من الاخراج على وجة الطرد بعد انفصال خصومته، ~~ولا يقعد مطمئنا كما كان يقعد المسلم. # وهو الذي يليق بمذهبنا، ويمكن الاستدلال به على ان الكفار لا يجوز أن ~~يمكنوا من دخول المساجد على كل حال. فأما المسجد الحرام خاصة، فان ~~المشركين يمنعون من دخوله، ولا يتركون ليدخلوه ms0302 لحكومة، ولا غيرها، لأن ~~الله تعالى قد امر بمنعهم من دخوله بقوله: # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر # يعني المسجد الحرام. وقال الزجاج: أعلم الله ان أمر المسلمين يظهر على ~~جميع من خالفهم حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفا. وهو ~~كقوله: # ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # كأنه قيل: أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين، لاعزاز الله الدين ~~واظهاره المسلمين. # قوله تعالى: # { لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } [114] ~~ آية. # المعنى: # قال قتادة: معناه انهم { يعطون الجزية عن يد وهم وهم صاغرون }. وقال ~~السدي: خزيهم في الدنيا انهم اذا قام المهدي، وفتحت قسطنطينية قتلهم، ~~فلذلك خزيهم في الدنيا ان يقتلوا ان كانوا حربا، ويؤدون الجزية ان كانوا ~~ذمة. وقال الجبائي: الخزي لهؤلاء الكفار الذين امرنا بمنعهم من دخول ~~المساجد على سبيل ما يدخلها المؤمنون. وقوله: { ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~} قال الفراء: يقول فيما وعد الله المسلمين من فتح الروم وان لم يكن بعد ~~ والناس على خلافه، في ان معنى الآخرة يوم القيامة. كأنه قيل: لهم في ~~الآخرة عذاب جهنم. ### || [2.115] # اللغة: # المشرق والشرق: اسمان لمطلع الشمس، والمغرب، والغرب: اسمان لغربها. ~~يقال: شرق شروقا، واشرق إشراقا، وتشرق تشريقا. والمشرقان والمغربان: ~~مشرقا الشتاء والصيف، ومغرباهما. والمشارق مطالع الشمس في كل يوم حتى ~~تعود إلى المشرق الاول في الحول. وشرقت الشمس: اذا طلت، واشرقت: اذا ~~اضاءت. وتقول: لا افعل ذلك ماذر شارق: أي ما طلع قرن الشمس. وشرق يشرق ~~شرقا: اذا اغتص. وقال عدي بن زيد: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # والمشرقة حيث يقعد المشرق في وجه الشمس. قال الشاعر: # تحبين الطلاق وأنت عندي # بعيش مثل مشرقة الشتاء # وشرق الثوب بالصبغ: اذا احمر واشتدت حمرته، ولطمه فشرق الدم في عينه: ~~اذا احمرت. وتقول: اشرورقت عينه، واغرورقت. وناقة شرقاء: اذا شقت أذنها ~~بنصفين طولا، وكذلك الشاة. وأيام التشريق أيام مشرق اللحم في الظل. وقال ~~صاحب العين: ms0303 كانوا يشرقون اللحم تلك الايام في الشمس. وقوله: # فأخذتهم الصيحة مشرقين # أي حيث طلعت عليهم الشمس. والشرق طائر من الطيور الصوائد. مثل الصقر، ~~والشاهين وقال الشاعر: # قد اغتدى والصبح ذو بريق # بملحم احمر سو ذنيق # أجدل أو شرق من الشروق # وكل شيء طلع من الشمس يقال: شرق يشرق. وفي الحديث: # " لا تشريق إلا في مصر، ومسجد جامع " # ، أي لا صلاة عيد، لانها وقت طلوع الشمس. واصل الباب الطلوع. والمغرب ~~والمغيب نظائر. تقول: غرب يغرب غروبا، واغترب اغترابا واستغرب استغرابا، ~~وغرب تغريبا. وسمي الغراب غرابا لبعده ونفوره وانه أشد الطيور خوفا ~~وأصل الباب الحد والتباعد حتى بلغ النهاية. ومن هذا مغرب الشمس. والرجل ~~الغريب المتباعد. وشطت غربة النوى أي بعد المتنائي: وهو أبعد البعد. وغرب ~~السيف والسهم: حده سمي بذلك، لانه يمضي فلا يرد، فهو مأخوذ من الابعاد. ~~ويقال لموضع الرداء: غارب. وقولهم للدابة: مغرب: اذا ابيضت حدقته، ~~واهدابه. شبيه بابيضاض الشمس عند الغروب. وقولك للرجل: أغرب معناه أبعد. ~~وثوبي غربي: اذا لم تستحكم حمرته. مأخوذ من الدابة الغرب. وتقول: اصابه ~~حجر غرب: اذا أتاه من حيث لا يدري. وأتاه حجر غرب: اذا رمى غيره فاصابه. ~~ويقال: إقطع غرب لسان فلان عني: أي اقطع حدة لسانه. وناقة ذات غرب، أي ~~حدة الغرب. والغرب: الدمع الحار الفاسد. وقال الكميت: # أبى غرب عينيك إلا انهمالا # وجمعه غروب. والغرب دلو ضخم يتخذ من جلد تام. والغرب: ما قطر من الماء ~~من الدلاء من الحوض، والبئر ويقال: اغرب الحوض: اذا سال من جوانبه وفاض ~~والغرب: جنس من الشجر خارج عن حد ما يحمل بحمل، أو طيب ريح، أو صلابة. ~~وغاية مغربة: أي بعيدة. والغرب: الفضة. وقيل: انه جام من فضة. وقيل: انه ~~الذهب. قال الشاعر: # كما دعدع سافي الاعاجم الغربا # والغارب: اعلى الموج. والغارب: ما بين يدي السنام. وعنقاء مغرب: موضوع ~~على طائر لا يعرف حده والغربيب: الاسود الشديد السواد. وأصل الباب: ~~الغرب: الحد. واللام في قوله: { ولله المشرق } لام الملك وأصلها لام ~~الاضافة وهي ms0304 على ثمانية اوجه: الملك، والفعل، والعله، والولادة، ~~والاختصاص، والاستغاثة، ولام كي. وهي لام الغرض ولام العاقبة. فلام الملك ~~كقولك: له مال، والفعل: له كلام، والعلة: هو اسود لما فيه السواد، ولام ~~الولادة: أب له ولد له أخ، والاختصاص: له علم، وله ارادة والاستغاثة ~~يالبكر، ولام كي: # وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون # ولام العاقبة: { فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } فهذه وجوه ~~لام الاضافة. وانما قيل: { ولله المشرق والمغرب } بالتوحيد وله جميع ~~المشارق والمغارب لاحد امرين: # احدهما انه اخرج ذلك مخرج الجنس، فدل على الجمع، كما قيل اهلك الناس ~~الدينار والدرهم. # والآخر انه على الحذف. كأنه قيل المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، ~~والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. وانما خص الله تعالى ذكر ذلك ها هنا لاحد ~~امور: # احدها قال ابن عباس: واختاره الجبائي انه رد على اليهود لما انكروا ~~تحويل القبلة إلى الكعبة، وقال: ليس هو في جهة دون جهة، كما تقول ~~المشبهة. # والثاني: قال ابن زيد وقتادة، كان للمسلمين التوجه بوجوههم إلى الصلاة ~~حيث شاؤوا ثم نسخ ذلك بقوله: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # وانما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) اولا اختار التوجه الى بيت ~~المقدس، وقد كان له التوجه إلى حيث شاء. # وقال آخرون: كان ابن عمر يصلي حيث توجهت به راحلته في السفر تطوعا، وذكر ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يفعل ذلك ويتاول عليه الآية. # وقيل: نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما اصبحوا ~~اذا هم صلوا إلى غير القبلة، فانزل الله هذه الآية. وهذا قول عبد الله بن ~~عامر عن ابيه. والنخعي والاول اقوى الوجوه. # وقوله: { فثم وجه الله } المراد بالوجه، فيه اختلاف. قال الحسن، ومجاهد: ~~المراد به، فثم جهة القبلة، وهي الكعبة، لانه يمكن التوجه اليها من كل ~~مكان. # قال ابن بيض: # أي الوجوه انتجعت قلت لها # لاي وجه إلا إلى الحكم # متى يقل صاحبا يرادفه # هذا ابن بيض بالباب يبتسم # وقيل: معناه ms0305 فثم وجه الله، فادعوه كيف توجهتم. وقال آخرون، واختاره ~~الرماني والجبائي: فثم رضوان الله. كما يقال: هذا وجه العمل، وهذا وجه ~~الصواب وكانه قال: الوجه الذى يؤدي إلى رضوان الله. وتقدير الآية ~~واتصالها بما قبلها، كأنه قال: لا يمنعكم تخريب من خرب المساجد ان تذكروه ~~حيث كنتم من أي وجه، وله المشرق والمغرب، والجهات كلها. # المعنى: # وقوله: { والله واسع عليم } قال قوم: معناه غني، فكانه قيل: واسع ~~المقدور. # وقال الزجاج: يدل على التوسعة للناس فيما رخص لهم في الشريعة، وكانه ~~قيل: واسع الرحمة، وكذلك رخص في الشريعة. ومعنى القول الاول انه غني عن ~~طاعتكم، وانما يريدها لمنفعتكم. وقال الجبائي: معناه واسع الرحمة. # اللغة: # والسعة والفسحة والمباعدة نظائر. وضد السعة الضيق يقال: وسع يسع سعة، ~~وأوسع إيساعا، وتوسع توسعا، واتسع اتساعا، ووسع توسعة، والوسع: جدة ~~الرجل وقدرة ذات يده، فرحمة الله وسعت كل شيء وانه ليسعنى ما وسعك. ~~وتقول: وسعت الوعاء فاتسع فعل لازم. وكذلك اتوسع. وسع الفرس سعة ووساعة، ~~فهو وساع. وأوسع الرجل: اذا كان ذا سعة في المال، فهو موسع، وموسع عليه. ~~وتقول سير وسيع ووساع. وفي القرآن # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # أي طاقتها واصل الباب: السعة نقيض الضيق. # المعنى: # ومعنى عليم انه عالم يوجه الحكمة، فبادروا إلى ما أمركم به من الطاعة. ~~وقيل واسع الرحمة عليم ابن يضعها على وجوه الحكمة. ومعنى (ثم) هناك تقول ~~لما قرب من المكان: هنا، وما تراخى: ثم وهناك. # الاعراب: # وانما بني، لان فيه معنى الاشارة إلى المكان لابهامها، وبني على الحركة ~~لالتقاء الساكنين، وفتح لخفة الفتحة في المضاعف. # وقوله: { فأينما تولوا } جزم باينما. والجواب فثم وجه الله. " وثم " ~~موضعه النصب لكنه بني على الفتح وقوله: " أينما " تكتب موصولة في اربعة ~~مواضع ليس في القرآن غيرها. هذه واحدة، وفي النحل # أينما يوجهه # وفي الاحزاب # ملعونين أينما ثقفوا # وفى الشعراء # أينما كنتم تعبدون # ومن الناس من يجعل معها التي في النساء # أينما تكونوا يدرككم الموت # وكلها على القياس إلا التي في الشعراء، ms0306 فان قياسها ان تكتب مفصولة، لان ~~(ما) اسم موصول بما بعده بمعنى الذي. ### || [2.116] # القراءة: # قرأ ابن عامر وحده: " قالوا " بلا واو. # المعنى: # والمعنى بهذه الآية النصارى وقال قوم: النصارى، ومشركوا العرب معا، من ~~حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله هذا قول ~~الزجاج. وفي هذه الآية دلالة على انه لا يجوز الولد على وجه من الوجوه، ~~لأنه اذا كان جميع ما في السماوات والارض ملكا له، فالمسيح عبد مربوب، ~~وكذلك الملائكة المقربون، لان الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، ولا يكون ~~المفعول إلا من جنس الفاعل، وكل جسم فعل لله فلا مثل له ولا نظير على وجه ~~من الوجوه (تعالى الله) عن صفات المخلوقين. # وقوله: { كل له قانتون }. الاصل في القنوت الدوام. وينقسم اربعة اقسام: # الطاعة، كقوله: { كل له قانتون } أي مطيعون والقنوت الصلاة كقوله: # يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي # والقنوت: طول القيام. وروي عن جابر بن عبد الله قال: سئل النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أي الصلاة أفضل فقال: # " طول القنوات " # ويكون القنوت السكوت، كما قال زيد بن ارقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى ~~نزلت # وقوموا لله قانتين # فامسكنا عن الكلام. وقيل في " قانتون " ها هنا ثلاثة أقوال # : [الاول] قال مجاهد: معناه مطيعون، وطاعة الكافر في سجود ظله. وقال ابن ~~عباس: مطيعون. # الثاني قال السدي: كل له مطيعون يوم القيامة. وقال الربيع: كل له قائم ~~يوم القيامة. # الثالث قال الحسن: كل قائم له بالشهاده عبدة. وقالت فرقة رابعة وهو ~~الاقوى : كل دائم على حالة واحدة بالشهادة بما فيه من آثار الصنيعة، ~~والدلالة على الربوبية. وزعم الفراء: انها خاصة لاهل الطاعة، بدلالة انا ~~نجد كثيرا من الخلق غير طائعين. وعلى ما اخترناه لا يحتاج إلى التخصيص. # اللغة: # وأما القنوت في اللغة فقد يكون بمعنى الطاعة. تقول: قنت يقنت قنوتا، ~~فهو قانت: اذا اطاع وقال صاحب العين: القنوت في الصلاة دعاء بعد القراءة ~~في آخر الوتر، يدعو قائما. ومنه قوله: # أمن هو قانت أناء الليل ساجدا ms0307 وقائما # والقنوت، والدعاء: قيام في هذا الموضع. وقيل في قوله: # وقوموا لله قانتين # أي خاشعين. وقال ابن دريد: القنوت: الطاعة. وقال ابو عبيدة: القانتات: ~~الطائعات، والقنوت في الصلاة: طول القيام على ما قاله المفسرون في ~~قوله: { وقوموا لله قانتين }. واصل الباب: المداومة على الشيء. ### || [2.117] # القراءة: # قرأ ابن عامر " فيكون " نصبا. الباقون بالرفع. # اللغة: # بديع بمعنى مبدع. مثل أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع. وبينهما فرق ~~لأن في بديع مبالغة ليس في مبدع، ويستحق الوصف في غير حال الفعل على ~~الحقيقة. بمعنى ان من شأنه الانشاء، لأنه قادر عليه، ففيه معنى مبدع. ~~وقال السدي: تقول ابتدعها، فخلقها ولم يخلق قبلها شيئا تتمثل به. ~~والابداع، والاختراع، والانشاء نظائر. وضد الابتداع الاحتذاء على مثال. ~~يقال: أبدع إبداعا وابتدع ابتداعا، وبدع تبديعا. وقال ابن دريد: بدعت ~~الشيء: اذا انشأته: والله { بديع السماوات والأرض } أي منشئهما. وبدعت ~~الركي، اذا استنبطتها، وركي بديع: أي جديد الحضر. ولست ببدع في كذا. أي ~~لست بأول من أصابه هذا. ومنه قوله: # ما كنت بدعا من الرسل # وكل من احدث شيئا، فقد ابدعه. والاسم: البدعة وأبدع بالرجل: اذا كلت ~~راحلته، وانقطع به. وقوله: { ما كنت بدعا من الرسل } أي ما كنت بأول ~~مرسل. والبدعة: ما ابتدع من الدين، وغيره، وجمعها بدع. وفي الحديث: كل ~~بدعة ضلالة. وتقول جئت بأمر بديع، أي مبتدع عجيب وأبدعت الابل: اذا تركت ~~في الطريق من الهزل. وأصل الباب: الانشاء. # المعنى: # وقوله: { وإذا قضى أمرا } يحتمل أمرين: # أحدهما اذا خلق امرا. كما قال # فقضاهن سبع سماوات في يومين # أي خلقهن وهو اختيار البلخى، والرماني، والجبائي. # والثاني: حتم بان يفعل أمرا وحكم. وقيل احكم امرا، كما قال ابو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # اللغة: # قضاهما: احكمهما، والقضاء والحكم نظائر. يقال: قضى يقضي قضاء، واقتضى ~~اقتضاء، وتقاضيا تقاضيا، واستقضى استقضاء، وتقض تقضيا وقض تقضية، ~~وقاضاه مقاضاة، وانقضى انقضاء. قال صاحب العين: قضى يقضي قضاء، وقضية: ~~يعني حكم. وتقول: قضى اليه عهدا معناه اوصى ms0308 اليه. ومنه قوله: # وقضينا إلى بني إسرائيل # قضى عليها الموت # أي اتى عليه. والانقضاء فناء الشيء، وذهابه. وكذلك التقضي. وأصل الباب: ~~القضاء. والفصل والقضاء ينصرف على وجوه: # منها الامر كقوله تعالى: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # أي أمر. ومنه الخلق كقوله: # قضاهن سبع سماوات # أي خلقهن. ومنه الاخبار، والاعلام، كقوله: # وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب # أي اخبرناهم ومنه الفصل: قضى القاضي بين الخصمين أي فصل الامر بينهما. # المعنى: # ومعنى قوله: { فإنما يقول له كن فيكون } قيل فيه قولان: # أحدهما انه بمنزلة المثل ومعناه ان منزلة الفعل له في السهولة، ~~وانتفاء التعذر كمنزلة ما يقال له كن فيكون كما يقال قال فلان برأسه كذا ~~وقال بيده: اذا حرك رأسه وأومى بيده، ولم يقل شيئا في الحقيقة وقال ابو ~~النجم: # اذ قالت الانساع للبطن الحقى # قدما فآضت كالفنيق المحنق # وقال عمرو بن حممة الدوسي: # فاصبحت مثل النسر طارت فراخه # اذا رام تطيارا يقال له: قع # وقال آخر: # امتلأ الحوض وقال قطنى # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وقال آخر: # فقالت له العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب # وقال العجاج: يصف ثورا: # وفيه كالاعواض للعكور # فكر ثم قال في التفكير # ان الحياة اليوم في الكرور # والوجه الآخر أنه علامة جعلها الله للملائكة اذا سمعوها، علموا انه احدث ~~امرا. وكلاهما حسن والاول أحسن وأشبه في كلام العرب في عادة الفصحاء. ~~ونظيره قوله تعالى: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين # وهو الذي اختاره البلخي، والرماني، واكثر المفسرين. وقد قيل في ذلك ~~اقوال فاسدة، لا يجوز التعويل عليها: # ان الامر خاص في الموجودين الذين قيل لهم # كونوا قردة خاسئين # ومن جرى مجراهم، لانه لا يؤمر المعدوم عندهم. # ومنها انه أمر للمعدوم من حيث هو لله معلوم، فصح أن يؤمر فيكون. # ومنها ان الآية خاصة في الموجودات من اماتة الاحياء واحياء الموتى وما ~~جرى مجرى ذلك من الامور. وانما قلنا بافساد هذه الاقوال، لانه لا يحسن ان ~~يؤمر إلا من كان ms0309 عاقلا مميزا يقدر على ما أمر به، ويتمكن من فعله. وجميع ~~ما ذكروه بخلافه. لأن المعدوم ليس بحي، ولا عاقل. ولا يصح امره. ومن كان ~~موجودا لا يجوز ان يؤمر أن يكون قردة، لان المعاني التي تكون بها كذلك، ~~ليس في مقدوره. كذلك القول في الاماتة والاحياء وتأويل قوله: { كونوا ~~قردة خاسئين } قد بيناه فيما مضى. فقال بعضهم: إنه أمر للموجود في حال ~~كونه لا قبله ولا بعده، وانه مثل قوله: # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون # وان دعاء الله إياهم لا يتقدم خروج القوم من قبورهم، ولا يتأخر عنه. ~~وهذا فاسد لأن من شرط حسن الامر أن يتقدم المأمور به. وكذلك القول في ~~الدعاء، فلا يسلم ما قالوه. وتأويل ما استشهدوا به على ما بيناه في الآية ~~سواء في انه اخبار عن تسهيل الفعل وسرعة وقوعه، وارادته، لا ان يكون هناك ~~دعاء على الحقيقة، ثم يلزم على جميع ما ذكروه ان تكون الاشياء مطيعة لله ~~تعالى لان الطاعة هي مانعة الامر من الاشياء التي قالها: كوني بأن فعلت ~~نفسها، ويلزم ان يكون لها عقل وتمييز وكل ذلك فاسد. فاما من استدل بهذه ~~الآية ونظائرها على ان كلام الله قديم من حيث انه لو كان محدثا لاقتضى ~~ألا يحصل إلا (بكن). والكلام في (كن) كالكلام فيه إلى أن ينتهي إلى (كن) ~~قديمة. وهو كلام الله القديم. فهذا باطل لانا قد بينا معنى الآية، فلا ~~يصح ما قالوه. على ان الآية تقتضى حدوث كلامه من حيث أخبر ان المكونات ~~تكون عقيب (كن) لأن الفاء توجب التعقيب، فاذا كانت الاشياء محدثة، فما ~~يتقدمها بوقت واحد لا يكون إلا محدثا فبطل ما قالوه. # وأيضا فانه قال: { وإذا قضى أمرا } ومعناه خلق فبين انه يخلق الامر ~~وقوله: " كن " أمر يوجب أن يكون محدثا. ودلت الآية على نفي الولد عن ~~الله من وجهين. # أحدهما إن الذي ابتدع السماوات والارض من غير مثال هو الذي ابتدع ~~المسيح من غير والد. # والآخر ان من ms0310 هذه صفته، لايجوز عليه اتخاذ الولد، كما لا يجوز صفات ~~النقص عليه (تعالى) عن ذلك. واذا حملنا الآية على وجود المثال، فوجود ~~الخلق هو كقوله: { كن } إلا انه خرج على تقدير فعلين، كما يقال: إذا تكلم ~~فلان بشيء، فانما كلامه مباح، واذا أمر بشيء فانما هو حتم، وكما قال: تاب ~~فاهتدى فتوبته هي اهتداؤه، فلا يتعذر أن يقال: كن قبله، أو معه. ومتى ~~حملنا ذلك على أنه علامة للملائكة فإنه يحتمل ان يكون معه، ويحتمل ان ~~يكون قبله. كما تقول: اذا قدم زيد، قدم عمرو. فانه يحتمل ان يكون وقتا ~~للامرين معا إلا أنه اشبه الشرط، كقولك: إن جئتني أعطيتك. ولذلك دخلت ~~الفاء في الجواب، كما تجيء في الشرط، كقوله: # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # وكذلك تحتمل الآية الامرين: # الاعراب: # ورفع قوله: { فيكون } يحتمل أمرين: احدهما ان يكون عطفا على يقول. ~~والآخر على الاستئناف أي فهو يكون. ونصبه على جواب الامر، فلا يجوز، ~~لانه انما يجب الجواب بوجود الشرط. فما كان على فعلين في الحقيقة، كقولك ~~إأتني فأكرمك، فالاتيان غير الاكرام، فأما { كن فيكون } فالكون الحاصل هو ~~الكون المأمور به، ومثله انما اقول له إأتني، فيأتيني. وقال ابو علي ~~الفارسي: يجوز ذلك على وجه: وهو على ان لفظه لما كن لفظ الامر، نصب كما ~~نصب في جواب الامر، فان كان الامر بخلافه كما قال ابو الحسن في نحو ~~قوله تعالى # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة # ويجوز ذلك في الآي على انه اجري مجرى جواب الامر وان لم يكن جوابا له ~~في الحقيقة وقد يكون اللفظ على شيء، والمعنى على غيره نحو قولهم: ما ~~أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه. وليس ذلك في اللفظ، ومثله # فلا تكفر فيتعلمون # ليس فيتعلمون جوابا لقوله: { فلا تكفر } ولكن معناه يعلمون أو يعلمان، ~~فيتعلمون منهما غير أن قوله { فلا تكفر } نهي على الحقيقة. وليس قوله { ~~كن } امرا على الحقيقة، فمن ها هنا ضعفت هذه القراءة. ### || [2.118] # المعنى: # المعني بهذه الآية في قول ms0311 مجاهد: النصارى. وقول ابن عباس: اليهود. # وفي قول الحسن وقتادة: مشركوا العرب. وكل ذلك يحتمل. غير انه لمشركي ~~العرب أليق، لانه يشاكل ما طلبوا حين قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # إلى قوله: # هل كنت إلا بشرا رسولا # ويقوي ذلك قوله: { وقال الذين لا يعلمون }: الكتاب. فبين أنهم ليسوا أهل ~~كتاب. من اختار ان المراد بها النصارى قال: لانه قال قبلها # وقالوا اتخذ الله ولدا # وهذا لا دلالة فيه، ولا يمتنع ان يذكر قوما، ويخبر عنهم، ثم يستأنف ~~قوما آخرين، فيخبر عنهم على ان مشركي العرب قد اضافوا إلى الله البنات ~~فدخلوا في جملة من قال: { اتخذ الله ولدا }. # ومعنى قوله: { لولا } هلا، كما قال الأشهب بن رميلة: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بنى ضو طرى لولا الكمي المقنعا # أي هلا تعقرون الكمي المقنعا. وانما قال: { أو تأتينا آية } وقد جاءتهم ~~الآيات، لانهم طلبوا آية، كما ان آية الرسل توافق دعوتهم، ويكلمهم الله ~~كما كلمهم الله. # والمعني بقوله { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم } اليهود على قول ~~مجاهد. وعلى قول قتادة والسدي والربيع: اليهود والنصارى. والضمير في ~~قوله: { تشابهت قلوبهم } يعني كناية عن قلوب اليهود والنصارى على قول ~~مجاهد وعلى قول الربيع وقتادة: عن العرب واليهود والنصارى وغيرهم، ~~فقوله { تشابهت قلوبهم } يعني في الكفر، بالاعتراض على انبياء الله ~~بالجهل، لان اليهود قالت لموسى: { أرنا الله جهرة } وقالت النصارى ~~للمسيح: { أنزل علينا مائدة من السماء }. # وقالت العرب لمحمد (صلى الله عليه وسلم): حول لنا الصفا ذهبا، وغير ~~ذلك. وكذلك قال الله تعالى: # أتوا صوا به # وروي عن ابن إسحاق انه قرأ " تشابهت " بتشديد الشين خطأ، لان ذلك انما ~~يجوز في المضارع. بمعنى تتشابه فتدغم احدى التاءين في الشين هكذا قال ~~الفراء، وغيره من أهل العلم. # وقوله: { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } معناه أيقن بها قوم من حيث دلتهم ~~على الحق، فالواجب على كل هؤلاء ان يستدلوا بها، ليصلوا إلى اليقين كما ~~وصل غيرهم اليه بها. # اللغة: ms0312 # واليقين والعلم والمعرفة نظائر في اللغة. ونقيضه الشك، والجهل. تقول ~~أيقن ايقانا، وتيقن تيقنا، واستيقن استيقانا. وقال صاحب العين: اليقين ~~النفس. قال الشاعر: # وما بالذي ابصرته العيو # ن من قطع يأس ولا من يقن # واليقين: علم يثلج به الصدر، ولذا يقولون: أجد برد اليقين، ولا يقولون: ~~وجد برد العلم. فان قيل: لم لم يؤتوا الآيات التي طلبوها، لتكون الحجة ~~أأكد قلنا: اظهار الآيات يعتبر فيه المصالح، وليس بموقوف على اقتراح ~~العباد. ولو علم الله ان ما اقترحوا من الآيات فيه مصلحة، لاظهرها، فلما ~~لم يظهرها، علمنا انه لم يكن فيها مصلحة لنا اصلا. ### || [2.119] # القراءة: # قرأ نافع " لا تسأل ". بفتح التاء وجزم اللام. على النهي، وروي ذلك عن ~~ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، وابن عباس. ذكر ذلك الفراء، والبلخي ~~الباقون على لفظ الخبر على ما لم يسم فاعله. # المعنى: # معنى قوله: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } تسلية للنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) فقيل له " إنما أنت بشير ونذير " ولست { تسأل عن أصحاب الجحيم } ~~ومثله قوله: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } وقوله # ليس عليك هداهم # وقوله # عليه ما حمل وعليكم ما حملتم # الاعراب: # وموضع " تسأل " يحتمل أمرين: # احدهما ان يكون استئنافا ولا موضع له. # والآخر ان يكون حالا، فيكون موضعه نصبا. ذكر ذلك الزجاج، لانه قال: { ~~أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } غير مسئول عن اصحاب الجحيم. ومن فتح ~~التاء على الخبر. تقديره: غير سائل. وانكر قوم الحال. واعتلوا ان في ~~قراءة أبي: " وما تسأل " وفي قراءة عبد الله: " ولن تسأل " وهذا غير ~~صحيح، لان ليس قياس (لا) قياس لن وما، لانه يجوز أرسلناك لا سائلا، ولا ~~يجوز ما سائلا. ولذلك احتمل مع لا الحال، ولن يحتمل مع ما ولن، لان للا ~~تصرفا ليس لهما فيجوز ان يعمل ما قبلها في ما بعدها، ولا يجوز ذلك فيهما. ~~تقول: جئت بلا خبر، ولا يجوز بما خبر. والجحيم النار بعينها اذا شبت ~~وقودها. قال امية بن ابي الصلت: # اذا شبت جهنم ثم زادت ms0313 # واعرض عن قوابسها الجحيم # فصار كالعلم على جهنم. وقال صاحب العين: الجحيم: النار الشديدة التأجج، ~~والالتهاب كما اججوا نار ابراهيم. وهي تجحم جحوما يعني توقدت جمرتها ~~وجاحم الحرب: شدة القتل في معركتها. وقال سعيد بن مالك بن ضبيعة. # والحرب لا يبقى لجا # حمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في الن # جدات والفرس الوقاح # والجحمة: العين بلغة حمير قال الشاعر: # أيا جحمتا بكي على أم مالك # اكيلة قلوب بأعلى المذانب # وجحمتا الاسد: عيناه. وتقول: جحمت النار جحما: اذا اضطرمت. وجمر جاحم: ~~اذا اشتد اشتعاله. ومنه اشتقاق الجحيم. واصل الباب الالتهاب. ومنه ~~الاجحم: الشديد حمرة العين شبه بالنهار في حمرتها. الحرب تشبه بالتهاب ~~النار. # المعنى: # وفي الآية دلالة على انه لا يؤخذ احد بذنب غيره قريبا كان منه أو ~~بعيدا. كما بين الله انه لا يطالب احد بذلك غيره. وان كان قد فرض على ~~النبي " صلى الله عليه وسلم " ان يدعو الى الحق، ويزجر عن الباطل. وليس ~~عليه ان يقبل المدعو. ومن قرأ بلفظ النهي. قال الزجاج: يحتمل أمرين: # أحدهما ان يكون امره بترك المسألة. والآخر ما قاله الاخفش: ان يكون ~~المعنى علي تفخيم ما أعد لهم من العقاب. # كما يقال لا تسال عن فلان أي قد صار الى امر عظيم. وقال قوم: لو كان على ~~النهي: لقال فلا " بالفاء " ، لانه يصير بمنزلة الجواب كأنه يدل على لانا ~~ارسلناك إلا بالحق ولا تسأل عن اصحاب الجحيم. ولا يحتاج بالرفع إلى ~~الفاء، واذا كان على الرفع فظاهر الكلام الاول يقتضيه اقتضاء الاحوال، أو ~~اقتضاء البيان الذي يجري مجرى الحجاج على من اعترض بان فعل الداعي إلى ~~الايمان لا يحل موقعه الا بان يقبل المدعو اليه. واما ايصاله ما تقدم على ~~الجزم، فانما هو على معنى التغليظ لشان الجحيم، ليزحر بذلك عن ترك اتباعه ~~(صلى الله عليه وسلم) والتصديق بما اتى به من البشارة. قال أبو علي ~~الفارسي إنما تلزم الفاء اذا كان الكلام الاول علة فيما بعد ذلك، كقولك ~~اعطيك فرسا فلا تسأل ms0314 شيئا اخرا والآية بخلاف ذلك. وفي الناس من قال: ~~القراءة بالجزم مردودة، لانه لم يتوجه له اتصال الكلام، ولا كيف جاء ~~بالواو دون الفاء. وقد بينا الاتصال. فاما المجيء بالواو فلأنه لم يرد ~~الدلالة على معنى الجواب، ولكن عطف جملة على جملة تتعلق بها وتقتضي على ~~ما انطوى عليه معناها. ومعنى الحق في قوله: { إنا أرسلناك بالحق } ~~الاسلام، بشيرا من اتبعك عليه بالثوب نذيرا من خالفك فيه بالعقاب. وقيل: ~~{ إنا أرسلناك بالحق } يعني على الحق. كما قال: # خلق الله السماوات والأرض بالحق # كأنه قال: على انهما حق لا باطل. ### || [2.120] # قيل في معنى هذه الآية قولان: # احدهما ان النبي " صلى الله عليه وسلم " كان مجتهدا في طلب ما ~~يرضيهم، ليقبلوا إلى الاسلام ويتركوا القتال، فقيل له: دع ما يرضيهم إلى ~~ما امر الله به من مجاهدتهم. # والآخر قال الزجاج: كانوا يسألونه " ع " الهدنة والمسالمة ويرونه انه ~~ان امهلهم اسلموا. فاعلمه الله انهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم. وهذه ~~الآية تدل انه لا يصح ارضاء اليهود ولا النصارى على حال، لانه تعالى علقه ~~بان اليهود لا يرضون عنه حتى يكون " صلى الله عليه وسلم " يهوديا، ~~والنصارى لا يرضون عنه حتى يكون نصرانيا، فاستحال ان يكون يهوديا نصرانيا ~~في حال واستحال إرضاؤهم بذلك. # اللغة: # والرضا والمحبة، والمودة نظائر وضد الرضا الغضب. ويقال رضي يرضى رضاء. ~~وارضاه إرضاء، وارتضاه ارتضاء، واسترضاه وترضاه ترضيا، وتراضوا تراضيا، ~~والرضي والمرضي بمعنى واحد. والرضا مقصور من بنات الواو بدلالة الرضوان ~~تقول: رجل رضى ورجال رضى وامرأة ونساء رضى. وأصل الباب الرضى نقيض الغضب. ~~وقوله: { حتى تتبع ملتهم } فالملة، والنحلة، والديانة نظائر. وتقول وجد ~~فلان ملة وملالا. وهو عدوى الحمى. ومللت الشيء أمله ملالة ومللا: إذا ~~سئمته ومللت الخبزة املها ملا: اذا دفنتها في الجمر والجمر بعينه الملة. ~~وقال صاحب العين: الملة الرماد والجمر وكل شيء تمله في الجمر فهو مملول. ~~قال الشاعر في وصف الحرباء: # كأن ضاحيه بالنار مملول # والمملول الممتل من الملة. وطريق ممل مليل: ms0315 قد سلك حتى صار معلما وملة ~~رسول الله " صلى الله عليه وسلم " الامر الذي اوضحه. وامتل الرجل اذا اخذ ~~في ملة الاسلام: اي قصدها ما امل منه. والأمل املال الكتاب، ليكتب. ~~والمليلة من الحمى. # المعنى: # وقوله: { قل إن هدى الله هو الهدى } معناه هو الذي يهدي إلى الجنة. لا ~~اليهودية، ولا النصرانية. وقيل ان معناه الدعاء إلى هدى الله الذي يكذب ~~قولهم # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصار # وهي الادلة الواضحة على ان المطيع لله هو الذي يفوز بثوابه في الجنة، لا ~~من ذكروه من العصاة له. وهذه الآية تدل على ان من علم الله منه انه لا ~~يعصي، يتناوله الوعيد والزجر، لانه تعالى علم ان النبي " صلى الله عليه ~~وسلم " لا يعصي ولا يتبع اهواءهم، وفيها دلالة على ان كل من اتبع الكفار ~~على كفرهم ما له من الله من ولي ولا نصير، لانه اذا وجب ذلك في متبع ~~واحد، وجب ذلك في الجميع. # الاعراب: # { حتى تتبع } نصب بحتى وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، وجميع البصريين ~~أن الناصب للفعل (أن) بعد حتى، لان حتى تخفض الاسم في قوله: # حتى مطلع الفجر # ولا يعرف في العربية حرف يعمل في اسم وفعل، ولا ما يكون خافضا لاسم، ~~يكون ناصبا لفعل. فصار ذلك مثل قولك جاء زيد ليضربك، فانها تنصب الفعل ~~باضمار (ان) لكونها جارة للاسم. ### || [2.121] # المعنى: # المعني بهذه الآية في قول قتادة واختيار الجبائي اصحاب النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) الذين آمنوا بالقرآن وصدقوا به. وقال ابن زيد: هو من آمن ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من بني اسرائيل. والكتاب على قوله: التوراة. # ومعنى قوله: { يتلونه حق تلاوته } قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه، ولا ~~يحرفونه، ثم يعملون بحلاله ويقفون عند حرامه. ومثله قوله: # والقمر إذا تلاها # اي تبعها. به قال ابن مسعود، ومجاهد وقتادة، وعطاء. وروي عن ابي عبد ~~الله (ع) حق التلاوة الوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الأولى، ~~ويستجير من الاخرى. وقال قوم ms0316 { يتلونه حق تلاوته } يقرؤونه حق قراءته. # اللغة # والتلاوة في اللغة على وجهين: # احدهما القراءة. # والثاني الاتباع. # والاول اقوى، وعليه اكثر المفسرين ولا يجوز ان يقال: يتلونه حق التلاوة ~~على مذهب الكوفيين، كما لا يجوز يتلونه: اي التلاوة، لان ايا اذا كانت ~~مدحا وقع على النكرة، ولم يقع على المعرفة. فلا يجوز مررت بالرجل حق ~~الرجل كما لا يجوز مررت بالرجل اي الرجل. وكما لا يجوز مررت بابي عبد ~~الله ابي زيد. وانما جاز تلاوته. كما يجوز رب رجل واخيه. وقال بعض ~~البصريين يجوز مررت بالرجل حق الرجل. ولا يجوز مع اي لان ايا تدل على ~~اليعيض. ليس كذلك حق. فاما مررت بالرجل كل الرجل فجائز عند الجميع، لان ~~اصله التوكيد، فترك على حاله. # المعنى: # والمعني بقوله { ومن يكفر به } اليهود على قول ابن زيد والاولى ان ~~يكون ذلك محمول على عمومه في جميع الكفار. وبه قال الجبائي واكثر ~~المفسرين. ### || [2.122] # هذا خطاب من الله لبني اسرائيل الذين كانوا في عهد رسول الله " صلى الله ~~عليه وسلم " امرهم الله ان يذكروا نعمته التي انعم بها عليهم. # اللغة: # والنعمة: النفع يستحق به الشكر. والانعام والاحسان والافضال نظائر. ~~ونقيض النعمة: النقمة: وهو الضرر المستحق. # المعنى: # ومعنى قوله: { وأني فضلتكم على العالمين } يعني عالمي زمانهم. وتفضيله ~~اياهم بان جعل فيهم النبوة والحكم وهذه الآية قد تقدم ذكر مثلها في رأس ~~نيف واربعين. وقيل في سبب تكريرها ثلاثة اقوال: # احدها ان نعم الله لما كانت الاصل الذى به يجب شكره، وعبادته ذكر بها، ~~ليقبلوا إلى طاعته واتباع امره، وليكون مبالغة في استدعائهم إلى ما ~~يلزمهم لربهم التظاهر بالنعم عليهم. # والثاني انه لما ذكر الكتاب وعنى به التوراة، وكان فيه الدلالة على ~~شأن عيسى ومحمد " صلى الله عليه وسلم " في النبوة والبشارة المتقدمة، ~~ذكرهم عز وجل بما انعم عليهم من ذلك، وفضلهم كما جاء # فبأى آلاء ربكما تكذبان # بعد نعم ذكرهم بها، ثم عدد نعما اخر، وقال فيها # فبأى آلاء ربكما تكذبان # اى فبأى هذه تكذبان ms0317 وكل تقريع جاء، فانما هو موصول بتذكير نعمه غير ~~الاول. والثالث غير الثاني. وهكذا إلى آخر السورة. وكذلك الوعيد في ~~سورة المرسلات بقوله: # ويل يومئذ للمكذبين # انما هو بعد الدلالة على اعمال يعظم التكذيب بما تدعو اليه الادلة. # الثالث انه مقدمة لما بعده، لانه تعالى اراد وعظهم ذكرهم قبل ذلك ~~بالنعم عليهم، لانه استدعاء إلى قبول الوعظ لهم. وقيل: فيه وجه رابع. # وهو انه لما تباعد بين الكلامين حسن التنبيه والتذكير. # وموضع " التي " نصب بالعطف على نعمتي. ### || [2.123] # ومثل هذه الآية ايضا تقدم. وبينا ما فيها، فلا معنى للتكرار. وبينا ان ~~العدل هو الفدية. وقيل هو المثل. ويقال هذا عدله، اي مثله والعدل، هو ~~الحمل وبينا قول من يقول: إن الشفاعة لا تكون إلا لمرتكبي الكبائر: اذا ~~ماتوا مصرين. فان قلنا ظاهر الآية متروك بالاجماع، لانه لا خلاف ان ها ~~هنا شفاعة نافعة والآية تقتضي نفيها، وان خصوا بانها لا تنفع المصرين، ~~وانما ينفع التائبين؟ قلنا: لنا ان نخصها بالكافرين دون فساق المسلمين. ~~واما قوله: " لا يشفعون " الا لمن ارتضى فنتكلم عليه اذا انتهينا اليه. ~~ومن قال: إنه ليس يعني انه يشفع لها شافع فلا تنفع شفاعته، لكنه يريد لا ~~تأتي بمن يشفع لها. كما قال الشاعر: # على لاحب لا يهتدى بمناره # وإنما اراد به لا منار هناك فيهتدى به لا يضرنا، لانا لا نقول: إن هناك ~~شفاعة تحصل ولا تنفع بل نقول: إن الشفاعة اذا حصلت من النبي، وغيره فانها ~~تنفع لا محالة. وكذلك عند المخالف، وان قلنا: انها تنفع في اسقاط المضار ~~وقالوا: هم في زيادة المنافع. غير ان اتفقنا على انها تحصل لا محالة ~~ولسنا ممن ينفي حصول الشفاعة اصلا. ### || [2.124] # القراءة: # اسكن الياء من " عهدي " حمزة وحفص إلا ابن ساهي. وكتب في بعض المصاحف " ~~إبراهم " بغير ياء وفي اكثرها بالياء. قال بعض الجرهميين: نحن ورثنا على ~~احد (إبراهم). وقرأ ابن عامر ابراهام في خمسة وثلاثين موضعا في القرآن ~~كله: في البقرة خمسة عشرة موضعا. وهو جميع ms0318 ما فيها. تقدير الآية واذكرو ~~إذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات. # المعنى: # والابتلاء هو الاختبار وهو مجاز ها هنا لان حقيقته الامر من الله ~~تعالى بخصال الايمان فسمي ذلك اختبارا، لان ما يستعمل بالامر منا في مثل ~~ذلك على جهة الاختبار والامتحان، فجرى تشبيها بما يستعمله اهل اللغة ~~عليه. وقال بن الاخشاذ: إنما ذلك على انه جل ثناؤه يعامل العبد معاملة ~~المختبر الذي لا يعلم لانه لو جازاهم بعمله فيهم، كان ظالما لهم. ~~والكلمات التي ابتلى الله ابراهيم بها فيها خلاف فيروى في بعض الروايات ~~عن ابن عباس، وبه قال قتادة، وابو الخلد: انه أمره اياه بعشرة سنن خمس في ~~الرأس، وخمس في الجسد. فاما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق والفرق ~~وقص الشارب، والسواك. واما التي في الجسد: فالختان وحلق العانة، وتقليم ~~الاظفار، ونتف الابطين والاستنجاء. وفي احدى الروايتين عن ابن عباس أنه ~~ابتلاه من شرائع الاسلام بثلاثين شيئا عشرة منها في براءة { التائبون ~~العابدون الحامدون }. إلى اخرها وعشرة في الاحزاب: { إن المسلمين ~~والمسلمات } إلى اخرها وعشرة في سورة المؤمنين: إلى قوله { والذين هم على ~~صلاتهم يحافظون } وعشرة في سأل سائل إلى قوله: { والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون } فجعلها اربعين سهما وفي رواية ثالثة عن ابن عباس انه امره ~~بمناسك الحج: الوقوف بعرفة والطواف والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ~~والافاضه. قال الحسن: ابتلاه الله بالكوكب وبالقمر وبالشمس، وبالختان ~~وبذبح انبه، وبالنار، وبالهجرة وكلهن وفى لله فيهن. وقال مجاهد: ابتلاه ~~الله بالآيات التي بعدها وهي { إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال ~~لا ينال عهدي الظالمين } وقال الجبائي: أراد بذلك كلما كلفه من طاعاته ~~العقيلة والشرعية. # وقوله: { فأتمهن } معناه وفى بهن على قول الحسن وقال قتادة والربيع: عمل ~~بهن، فاتمهن. وقال البلخي: الضمير في اتمهن راجع إلى الله. وهو اختيار ~~الحسين بن علي المغربي. قال البلخي: الكلمات هي الامامة على ما قال ~~مجاهد. قال: لأن الكلام متصل، ولم يفصل بين قوله: { إني جاعلك للناس ~~إماما } وبين ما تقدمه بواو، فاتمهن ms0319 الله بان اوجب بها الامامة له ~~بطاعته، واضطلاعه، ومنع ان ينال العهد الظالمين من ذريته، واخبره بان ~~منهم ظالما فرضي به وأطاعه وكل ذلك ابتلاء واختبار. # اللغة: # والتمام والكمال والوفاء نظائر. وضد التمام النقصان. # يقال: تم تماما، وأتم إتماما. واستتم استتماما. وتمم تتميما وتتمة. ~~وتتمة كل شيء: ما يكون تمامه بغايته كقولك: هذه الدراهم تمام هذه المأة. ~~وتتمة هذه المأة. التم: الشيء التمام. تقول جعلته لك تماما أي بتمامه، ~~والتميمة: قلادة، من سيور. وربما جعلت فيه العوذ، تعلق على الصبيان. ~~والليلة التمام اطول ليلة في السنة. ويقال: بل ليل التمام لثلاث عشرة، ~~لانه يستبان فيها نقصانها من زيادتها. ويقال: بل ليلة اربع عشرة، لانه ~~يتم فيها القمر، فيصير بدرا. ويقال حملته لتمام بفتح التاء وكسرها ~~والتمام في لغة تميم هو التمام. وقال ابن دريد: امرأة حبلى متم وولد ~~الغلام اتم، وتمام. وبدر تمام، وليل تمام بالكسر فيهن وما بعد هذا فهو ~~تمام بالفتح . وأصل الباب التمام، وهو الكمال. # المعنى: # وقوله: { ومن ذريتي } معناه واجعل من ذريتي من يؤتم به، ويقتدى به على ~~قول الربيع وأكثر المفسرين. وقال بعضهم معناه انه سأل لعقبه ان يكونوا ~~على عهده، وورثته. كما قال: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنا # فأخبره الله ان في عقبه الظالم المخالف له، وذريته بقوله: { لا ينال ~~عهدي الظالمين } والاول اظهر. وقال الجبائي قوله: { ومن ذريتي } سؤال منه ~~لله أن يعرفه هل في ذريته من يبعثه نبيا، كما بعثه هو، وجعله إماما. ~~وهذا الذي قاله ليس في الكلام ما يدل عليه، بل الظاهر خلافه. ولو احتمل ~~ذلك لم يمتنع ان يضيف إلى مسألة منه لله ان يفعل ذلك بذريته مع سؤاله ~~تعريفه ذلك. # اللغة: # والذرية، والنسل والولد نظائر. واراد ابراهيم (ع) هذا. وقال بعضهم: عبر ~~بالذرية عن الآباء. وقال تعالى: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون # اي آباءهم. وهذا ليس بواضح. وبعض العرب ذرية بكسر الذال وبها قرأ ~~زيد بن ثابت. قال صاحب العين الذر: صغار النمل. واحده ذرة، ms0320 والذر اخذك ~~الشيء بأطراف اصابعك. تقول: ذررت الدواء اذره ذرا. وكذلك الملح وغيره. ~~واسم الدواء الذي يتخذ للعين ذرور. والذريرة: ذات قصب الطيب، وهو قصب ~~يجاء به من الهند كأنه قصب النشاب. والذرارة ما تناثر من الشيء الذي ~~تذره. والذرية: فعلية من ذررت، لان الله تعالى ذرهم في الارض، فنثرهم ~~فيها. كما ان السريرة من سررت. والجمع الذراري، والسراري وما أشبهه وإن ~~خففت، جاز. والذرور ذروة الشمس، فهو يذر ذرورا وذلك اول طلوعها، وسقوطها ~~إلى الارض، أو الشجر. وتقول ذر قرن الشمس اي طلع. وأصل الباب الذر وهو ~~التفرقة. # وقوله: { لا ينال عهدي } والنيل واللحاق والادراك نظائر. والنيل ~~والنوال: ما نلته من معروف انسان. واناله معروفه، ونوله: اعطاه نوالا. ~~قال طرفة: # إن تنوله فقد تمنعه # وتريه النجم يجري بالظهر # وقولهم: نولك ان تفعل ذلك، ومعناه حقك ان تفعل. # والنول خشبة الحائك الذي ينسج الوسائد عليه ونحوها. واذانه المنصوبة ~~ايضا تسمى النوال. وأصل الباب النيل، وهو اللحوق. # المعنى: # والمراد بالعهد ها هنا فيه خلاف. قال السدي واختاره الجبائي: إنه اراد ~~النبوة. وقال مجاهد: هو الامامة وهو المروي عن ابي جعفر، وابي عبد الله ~~(ع) قالوا: لا يكون الظالم إماما. وقال ابو حذيفة: لا اتخذ إماما ضالا ~~في الدنيا. وقيل: معناه الامر بالوفاء له فيما عقده من ظلمه. وقال ابن ~~عباس: فاذا عقد عليك في ظلم، فانقضه. وقال الحسن: ليس لهم عند الله عهد ~~يعطيهم عليه خيرا في الآخرة، فأما في الدنيا، فقد يعاهدون فيوفى لهم. ~~وكأنه على هذا التأويل طاعة يحتسب بها في الآخرة. # وقوله: { لا ينال عهدي الظالمين } يدل على انه يجوز ان يعطي ذلك بعض ~~ولده اذا لم يكن ظالما، لانه لو لم يرد ان يجعل احدا منهم إماما للناس، ~~كان يجب أن يقول في الجواب لا ولا ينال عهدي ذريتك. وكان يجوز ان يقول في ~~العربية: لا ينال عهدي الظالمون، لان ما نالك فقد نلته. وروي ذلك في ~~قراءة ابن مسعود إلا أنه في المصحف (بالياء). تقول نالني ms0321 خيرك، ونلت ~~خيرك. واستدل اصحابنا بهذه الآية على ان الامام لا يكون إلا معصوما من ~~القبائح، لأن الله تعالى نفى ان ينال عهده الذي هو الامامة ظالم، ومن ~~ليس بمعصوم فهو ظالم: إما لنفسه، أو لغيره. فان قيل: انما نفى ان يناله ~~ظالم في حال كونه كذلك : فاما اذا تاب وأناب، فلا يسمى ظالما، فلا ~~يمتنع أن ينال. قلنا: اذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته في حال ~~كونه ظالما فاذا نفي ان يناله، فقد حكم عليه بانه لا ينالها، ولم يفد ~~انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها، فيجب ان تحمل الآية على عموم ~~الاوقات في ذلك، ولا ينالها وإن تاب فيما بعد. واستدلوا بها ايضا على أن ~~منزلة الامامة منفصلة من النبوة، لان الله خاطب ابراهيم (ع) وهو نبي، ~~فقال له: انه سيجعله إماما جزاء له على اتمامه ما ابتلاه الله به من ~~الكلمات، ولو كان إماما في الحال، لما كان للكلام معنى، فدل ذلك على ان ~~منزلة الامامة منفصلة من النبوة. وانما أراد الله أن يجعلها لابراهيم (ع) ~~وقد أملينا رسالة مقررة في الفرق بين النبي، والامام، وان النبي قد لا ~~يكون إماما على بعض الوجوه، فاما الامام فلا شك انه يكون غير نبي. ~~واوضحنا القول في ذلك، من أراده وقف عليه من هناك وابراهيم، وابراهم ~~لغتان، واصله ابراهام فحذفت الالف استخفافا. قال الشاعر: # عذت بما عاذبه إبراهم # وقال امية: مع ابراهم التقي وموسى ### || [2.125] # القراءة: # قرأ نافع وابن عامر { واتخذوا } على لفظ الخبر. الباقون بلفظ الامر. # المعنى: # قوله: { وإذ جعلنا } عطف على قوله { وإذ ابتلى إبراهيم ربه } وذلك معطوف ~~على قوله: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } واذكروا { ~~وإذ ابتلى إبراهيم ربه } { وإذ جعلنا البيت مثابة } والبيت الذي جعله ~~مثابة هو البيت الحرام. # اللغة: # والبيت في اللغة، والمنزل، والمأوى نظائر. يقال: بات يبيت بيتوتة، وبيته ~~مبايتة. وتبيت تبيتا. وتبايتوا تبايتا. والبيت من أبيات الشعر ومن بيوت ~~الناس. والبيت من بيوتات العرب: ms0322 احياؤها. وبيت فلان أبياتا تبيتا اذا ~~بناها. البيتوتة: الدخول في الليل. تقول: بت افعل كذا، وبالنهار ظللت ~~وباتوا بيتوتة حسنة. وأباتهم الله إباتة. وأباتهم الامر بياتا كل ذلك ~~دخول الليل. وليس من النوم في شيء وما عنده بيت ليلة. ولا بيتة ليلة بكسر ~~الباء يعني القوت. والله يكتب ما يبيتون عمل الليل وبيت القوم اذا اوقعت ~~فيهم ليلا. والمصدر البيت. والاسم: البيات. ومنه قوله: { بأسنا بياتا } ~~ويسمى البيت من الشعر بيتا لضمه الحروف والكلام كما يضم البيت أهله ~~وامرأة الرجل: بيته. قال الراجز: # مالي اذا اخذتها صأيت # أكبر غيرني أم بيت # وماء بيوت اذا بات ليلة في إنائه واصل الباب البيت: المنزل # وقوله: { مثابة } في معناه خلاف. قال الحسن يثيبون اليه كل عام، أي ليس ~~هو مرة في الزمان فقط. وقال ابن عباس: معناه أنه لا ينصرف عنه احد، وهو ~~يرى انه قد قضى منه وطرا، فهم يعودون اليه. وقال ابو جعفر (ع): يرجعون ~~اليه لا يقضون منه وطرا وبه قال مجاهد. وحكي الخازئي ان معناه يحجون ~~اليه فيثابون عليه. وقال الجبائي يثوبون اليه: يصيرون اليه. # اللغة: # والفرق بين مثابة ومثاب، ان الاخفش قال: مثابة للمبالغة لما كثر من يثوب ~~اليه. كما قيل علامة ونسابة وسيارة وقال الفراء والزجاج: معناهما واحد. ~~كالمقامة والمقام بمعنى واحد. ووزن مثابة مفعلة واصلها مثوبة. من ثاب ~~يثوب مثابة، ومثابا. وثوابا: اذا رجع فنقلت حركة الواو إلى الياء ثم قلبت ~~على ما قبلها. قال ورقة بن نوفل في صفة الحرم: # مثاب لافناء القبائل كلها # تخب اليه اليعملات الطلائح # ومنه ثاب اليه عقله، أي رجع اليه بعد عزوبه. وقوله { وأمنا } فالامن ~~مصدر قولك أمن يأمن أمنا. وانما جعله أمنا بان حكم ان من عاذ به والتجأ ~~لا يخاف على نفسه ما دام فيه بما جعله في نفوس العرب من تعظيمه فكان من ~~فيه آمنا على ماله ودمه ويتخطف الناس من حوله كما قال: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم # ولعظم حرمته ان ms0323 من جنى جناية والتجأ اليه لا يقام عليه الحد حتى يخرج ~~لكن يضبق عليه في المطعم والمشرب، والبيع والشراء، حتى يخرج منه، فيقام ~~عليه الحد. # فان احدث فيه ما يوجب الحد أقيم عليه فيه، لانه هتك حرمة الحرم. ولان ~~الله تعالى جعل الاشهر الحرم لا يحل فيها القتال، والقتل وكل ذلك بسبب ~~البيت الحرام، فهو آمن بهذه الوجوه. # القراءة والاعراب: # وقوله: { واتخذوا من مقام إبراهيم } اكثر القراء على لفظ الامر. إلا ابن ~~عامر ونافع فانهما قرأ اعلى لفظ الخبر من فعل ماض ويحتمل ان يكون اللفظ ~~معطوفا على قوله: " واذكروا " كانه قال يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي، ~~واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى. # المعنى: # وقال الربيع بن انس: من الكلمات التي ابتلى ابراهيم ربه قوله: { واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى } وكأنه قال: { إني جاعلك للناس إماما } وقال: { ~~اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقيل: انه معطوف على { وإذ جعلنا البيت } ~~لان معناه واذكروا اذا جعلنا البيت واتخذوا وقيل: انه معطوف على معنى { ~~جعلنا البيت مثابة للناس } لأن فيه معنى ثوبوا اليه واتخذوا. وظاهر قوله: ~~واتخذوا انه عام لجميع المكلفين إلا من خصه الدليل وعليه اكثر المفسرين. ~~وقال ابو علي الفارسي: وجه قراءة من قرأ، على الخبر انه عطف على ما أضيف ~~اليه اذ كأنه قال واذ اتخذوا قال. وتقوية قوله ان ما بعده خبر، وهو قوله ~~{ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل }. # المعنى: # المعني بقوله: { من مقام } قيل فيه اربعة أقوال: # احدها قال ابن عباس الحج كله مقام إبراهيم. # [ثانيها] وقال عطا مقام ابراهيم عرفة والمزدلفة والجمار. # [ثالثها] وقال مجاهد: الحرم كله مقام ابراهيم. # [رابعها] وقال السدي: مقام ابراهيم هو الحجر الذى كانت زوجة اسماعيل ~~وضعته تحت قدم ابراهيم حين غسلت رأسه. فوضع ابراهيم رجله عليه وهو راكب ~~فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت الشق ~~الآخر فغسلته فغابت ايضا رجله فيه فجعلها الله من شعائره، فقال { واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى } وبه قال الحسن، وقتادة، والربيع، واختاره ms0324 ~~الجبائي، والرماني، وهو الظاهر في اخبارنا، وهو الاقوى، لان مقام ابراهيم ~~اذا اطلق لا يفهم منه إلا المقام المعروف الذي هو في المسجد الحرام. وفي ~~المقام دلالة على نبوة ابراهيم (ع)، لان الله تعالى جعل الصخرة تحت قدمه ~~كالطين حتى دخلت قدمه فيها وكان ذلك معجزة له . وقيل في معنى قوله { ~~مصلى } ثلاثة أقوال # قال مجاهد: مدعى مأخوذ من صليت بمعنى دعوت. # وقال الحسن والجبائي: قبلة. # وقال قتادة والسدي: أمروا أن يصلوا عنده. وهو المروي في أخبارنا. وبذلك ~~استدلوا على أن صلاة الطواف فريضة مثله، لان الله تعالى أمر بذلك والامر ~~يقتضي الوجوب، وليس ها هنا صلاة يجب اداؤها عنده غير هذه بلا خلاف. # وقوله: { عهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } أي أمرنا ان طهرا. قال الجبائي: ~~أمرا أن يطهراه من فرث ودم كان يطرحه عنده المشركون قبل ان يصير في يد ~~ابراهيم. ويجوز أن يريد طهراه من الاصنام، والاوثان التي كانت عليه ~~للمشركين قبل أن يصير في يد ابراهيم. وبه قال قتادة، ومجاهد. وقال السدي ~~طهراه ببنائكما له على الطهارة، كما قال: # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير # اللغة: # والطائف والدائر والجائل نظائر. طاف يطوف طوافا اذا دار حول الشيء. ~~وأطاف به اطافة: اذا ألم به. وطوف تطويفا. والطوف: خشب أو قصب يجمع بعضه ~~إلى بعض، يركب عليه في البحر. والطوفان مصدر طاف يطوف طوفا. فاما طاف ~~بالبيت فهو طواف. وأطاف به اذا احاط به. والطائف: العاس. والطوافون ~~المماليك كقوله: # طوافون عليكم # والطائف: طائف الجن والشيطان. وكل شيء يغشى القلب من وسواسه فهو طيفه. ~~والطائفة من كل شيء قطعة. تقول: طائفة من الناس، وطائفة من الليل. قال ~~الله تعالى # طائفة من الذين معك # واصل الباب الطوف: الدور. # المعنى: # ومعنى { الطائفين } ها هنا قيل فيه قولان: # احدهما ما قال سعيد بن جبير: { الطائفين } من أتاه من غربة. # والثاني قال عطا واختاره الجبائي، وغيرهم: الطائفون بالبيت. وهو ~~الاصح # وقوله: { والعاكفين } ها هنا قيل فيه اربعة أقوال: # الاول قال عطا واختاره ms0325 الجبائي: انهم المقيمون بحضرته. # والثاني قال مجاهد وعكرمة: انهم المجاورون. # والثالث قال سعيد بن جبير، وقتادة: انهم أهل البلد الحرام. # والرابع قال ابن عباس: هم المصلون. والاول أقوى، لانه المفهوم من ~~اطلاق هذه اللفظة. قال النابغة # عكوف على ابياتهم يثمدونها # رمى الله في تلك الاكف الكوانع # اللغة: # والعكف واللزوم والدوام على الشيء نظائر. تقول عكف يعكف، عكفا وعكوفا، ~~اذا الزم الشيء وأقام عليه فهو عاكف، وعكف الطير بالقتيل. والعاكف ~~المعتكف في المسجد، قلما يقولون عكف، وان قيل كان صوابا، وانما يقولون: ~~اعتكف. ويقال للنظم اذا نظم فيه الجوهر: عكف تعكيفا. والمعكوف: المحبوس ~~واصل الباب العكف وهو اللزوم. # المعنى: # والمعني بقوله: { والركع السجود } قال قتاده وعطا: هم الذين يصلون عند ~~الكعبة، يركعون عندها، ويسجدون. وقال الحسن: { الركع السجود } جميع ~~المؤمنين، وبه قال الفراء. وهو الاقوى، لانه العموم. فان قيل: كيف امر ~~الله تعالى ان يطهر بيته ولم يكن هناك بيت بعد؟ قيل: معناه ابنيا لي ~~بيتا مطهرا في قول السدي وقال عطا: معناه طهرا مكان البيت الذي ~~تبنياه فيما بعد. وفي الآية دلالة على ان الصلاة جوف البيت جائزة. ### || [2.126] # المعنى: # التقدير واذكروا إذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا. فان قيل: هل ~~كان الحرم آمنا قبل دعوة ابراهيم (ع)؟ قيل فيه خلاف: # قال مجاهد عن ابن عباس، وابو شريح الخزاعي: كان آمنا لقول النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) حين فتح مكة هذه حرم حرمها الله يوم خلق السماوات ~~والارض، وهو الظاهر في رواياتنا. # وقال قوم: كانت قبل دعوة ابراهيم كسائر البلاد، وانما صارت حرما بعد ~~دعوته (ع) كما صارت المدينة. لما روي ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: # " ان ابراهيم (ع) حرم مكة، واني حرمت المدينة ". # وقال بعضهم: كانت حراما والدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما ~~بعد الدعوة والاول يمنع الله إياها من الاضطلام، والانتقام، كما لحق ~~غيرها من البلاد، وبما جعل في النفوس من تعظيمها، والهيبة لها. والوجه ~~الثاني بالامر على ألسنة الرسل. فأجابه الله ms0326 إلى ما سأل. وانما سأل أن ~~يجعلها آمنا من الجدب، والقحط لانه أسكن أهله بواد غير ذي زرع، ولا ضرع. ~~ولم يسأله أمنه من انتقال، وخسف، لانه كان آمنا من ذلك. وقال قوم: سأله ~~الامرين على ان يديمهما له. وان كان احدهما مستأنفا، والآخر كان قبل. # ومعنى قوله: { بلدا آمنا } أي يأمنون فيه. كما يقال: ليل نائم أي النوم ~~فيه. # اللغة: # والبلد والمصر والمدينة نظائر. ورجل بليد اذا كان بعيد الفطنة. وكذلك ~~يقال للدابة التي تقصر عن نظائرها. وأصل البلادة التأثير. ومن ذلك قولهم ~~لكركرة البعير: بلدة لانه اذا برك تأثرت. والبلد: الاثر في الجلد، وغيره. ~~وجمعه أبلاد. وانما سميت البلاد من قولك. بلد او بلدة، لانها مواضع مواطن ~~الناس وتأثيرهم. والبلد: المقبرة ويقال: هو نفس القبر قال حفاف: # كل امرىء نازل أحبته # ومسلم وجهه إلى البلد # و { لا أقسم بهذا البلد } يعني بمكة والتبلد نقيض التجلد. وهو استكانة ~~وخضوع. وتبلد الرجل: اذا نكس وضعف في العمر، وغيره حتى في السجود. ~~والبلدة: منزل من منازل القمر. وأصل الباب البلد، وهو الاثر في الجلد، ~~وغيره. # المعنى: # وقوله { فأمتعه قليلا } يعني بالرزق الذي أرزقه إلى وقت مماته. وقيل ~~فأمتعه بالبقاء في الدنيا. قال الحسن: فامتعه بالامن والرزق إلى خروج ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) فيقتله إن أقام على كفره. أو يجليه عنها. وقد ~~قرىء في الشواذ فامتعه على وجه الدعاء بصورة الامر، ثم اضطره بمثل ذلك ~~على ان يكون ذلك سؤالا من ابراهيم ان يمتع الكافر قليلا ثم يضطره بعد ذلك ~~إلى عذاب النار. والاول اجود لانه قراءة الجماعة، هذا مروي عن ابن عباس. # القراءة: # والراء مفتوحة في هذه القراءة وكان يجب ان تكسر كما يقال مد ومد ولم ~~يقرأ به أحد وقرأ: ابن عباس وحده { فأمتعه قليلا } من المتعة على الخبر ~~الباقون بالتشديد بدلالة قوله: { متعناهم إلى حين }. # اللغة: # والفرق بين متعت وامتعت ان التشديد يدل على تكثير الفعل، وليس كذلك ~~التخفيف. وفعلت وافعلت يجيء على خمسة اقسام: # احدها ان يكونا ms0327 بمعنى واحد كقولهم: سميت واسميت ويجيء على التكثير ~~والتقليل ويجيء على النقص كقولك: فرطت: قصرت. وافرطت: جاوزت. # والرابع توليت الفعل وتركته حتى يقع: كقوله { يخربون بيوتهم } اي ~~يهدمون. فاما اخربت فمعناه تركت المنزل وهربت منه حتى خرب. # والخامس ان ينفرد احدهما عن الآخر. كقولك: كلمت لا يقال فيه افعلت ~~واجسلت ولا يقال: منه فعلت. # المعنى: # ومعنى { ثم أضطره } ادفعه إلى عذاب النار وأسوقه اليها. والاضطرار هو ~~الفعل في الغير على وجه لا يمكنه الانفكاك منه، اذا كان من جنس مقدوره، ~~ولهذا لا يقال فلان مضطر الى كونه وان كان لا يمكنه دفعه عن نفسه لما ~~لم يكن الكون من جنس مقدوره. ويقال هو مضطر إلى حركة الفالج وحركة ~~العروق، لما كانت الحركة من جنس مقدورة. # وقوله: { وبئس المصير } هو الحال التي يؤدي اليها اولها. # اللغة: # وصار وحال وآل نظائر. يقال صار يصير مصيرا، قياسه رجع يرجع مرجعا وصيرة ~~تصييرا قال صاحب العين: صير، كل امر مصيرة والصيرورة مصدر صار يصير ~~صيرورة. وقال بعضهم: صيور الامر اخره. قال الكميت يمدح هشام ابن عبد ~~الملك: # ملك لم يصنع الله منه # بدء أمر ولم يضع صيورا # وصارة الجبل: رأسه. والصير: الشق. وفي الحديث # " من نظر في صير باب ففقئت عينه فهي هدر " # وصير البقر: موضع يتخذه للحظيرة. واذا كان للغنم فهو زريبة واصل الباب: ~~المصير، وهو المآل. # المعنى: # ومعنى الآية سأل سؤال عارف بالله مطيع له، وهو ان يرزق من الثمرات من ~~آمن بالله، واليوم الاخر، فاجاب الله ذلك، ثم أعلمه انه يمنع من كفر به، ~~لاجل الدنيا، ولا يمنعه من ذلك كما يتفضل به على المؤمن، ثم يضطره في ~~الآخرة، إلى عذاب النار، وبئس المصير. وهي كما قال: نعوذ بالله منها. # وقوله في الآية { قليلا } يحتمل ان يكون صفة للمصدر كما قال متاعا حسنا ~~فوصف به المصدر، وليس لاحد ان يقول كيف يوصف به المصدر، وهو فعل يدل على ~~التكثير، وكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله { فأمتعه } وهلا كانت ~~قراءة ابن ms0328 عامر ان حج على هذا وذلك ايضا إنما وصفه بانه قليل من كان ~~آخره إلى نفاد، ونقص، وفناء. كما قال { متاع الدنيا قليل } ويجوز ايضا ~~ان يكون صفة للزمان. كما قال: { عما قليل ليصبحن نادمين } يعني بعد زمان ~~قليل وعن ابي جعفر " ع " في قوله: { وارزقهم من الثمرات } اي تحمل اليهم ~~من الآفاق. ### || [2.127] # تقديره واذ يرفع ابراهيم القواعد. # اللغة: # والرفع والاعلاء، والاصعاد نظائر. ونقيض الرفع الوضع. ونقيض العلو: ~~السفل. ونقيض الاصعاد الانزال تقول: رفع يرفع رفعا. وارتفع الشيء بنفسه. ~~وبرق رافع: ساطع. والمرفوع: من سير الفرس. والبرذون دون الحضر، وفوق ~~الموضوع. ويقال: إنه لحسن الموضوع. ويقال ارفع من دابتك. وقد رفع الرجل ~~يرفع رفاعة، فهو رفيع والمرأة رفيعة. والحمار يرفع في عدوه ترفيعا: اذا ~~كان عدو بعضه ارفع من بعض. وكذلك لو احدث شيئا فرفعته: الاول فالاول، ~~قلت رفعة ترفيعا. فالرفع نقيض الخفض في كل شيء. والرفعة نقفض الذلة، ~~ورفعته إلى السلطان رفعا اي قربته اليه. وفي التنزيل # وفرش مرفوعة # اي مقربة. والمرفع كل شيء رفعت به شيئا، فجعلته عليه. واصل الباب ~~الرفع: نقيض الخفض. تقول رفع رفعا وارتفع ارتفاعا، ورفع ترفيعا، ~~وترافعوا ترافعا، وترفع ترفعا، ورافعه مرافعة. # والقواعد: واحدها قاعدة. قال الزجاج: اصله في اللغة الثبوت والاستقرار، ~~فمن ذلك القاعدة من الجبل، وهي اصله. وقواعد البناء أساسه الذي بني عليه. ~~واحدتها قاعدة. وامراة قاعدة اذا اتت عليها سنون لا تزوج. ومنه قوله: # والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا # واذا لم تحمل المرأة، ولا النخلة. يقال: قد قعدت وهي قاعدة، وجمعها ~~قواعد ايضا. وتأويلها انها قد ثبتت على ترك الحمل. واذا قعدت المرأة عن ~~الحيض، فهي قاعد ايضا بغير هاء لانه لا فعل لها في قعودها عن الحيض ~~وقد قعدت المرأة اذا كانت باولاد لئام فهي قاعدة. والاقعاد ان يقعد الرجل ~~عن الشيء البتة يقال: اقعد فهو مقعد اي اقعدته الزمانة. وللجارية ثدي ~~مقعد اذا كان متمكنا لا ينكس. وشهر ذي العقدة كانت العرب تقعد فيه عن ~~القتال. ms0329 والقعود ما يقتعد الراعي ويحمل عليه متاعه، وجمعه قعدان. وقعيد ~~الانسان جليسه. ومنه قوله: # عن اليمين وعن الشمال قعيد # يعني الملكين. والقعيد كلما اتي من طائر أو ظبي. ويقال للئيم: قعد، ~~والجبان: قاعد، لانه قعد عن الحرب. وقعد الئيم عن الكرم قال الحطيئة: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فانك انت الطاعم الكاسي # والقعدة في النسب أقرب القرابة إلى الأب أو الجد. والمقاعد مواضع العقود ~~في الحرب، وغيرها. ومنه قوله: # مقاعد للقتال # وقعيدة الرجل امرأته القاعدة في بيته. وأصل الباب القعود. نقيض القيام. ~~والقواعد والاساس والاركان نظائر. وقيل: انما قيل في واحدة القواعد من ~~النساء قاعد لشيئين: # أحدهما أن ذلك كالطالق والحائض وما اشبه ذلك من الصفافات التي تختص ~~بالمؤنث دون المذكر فلم يحتج إلى علامة التأنيث. وإن أردت الجلوس قلت: ~~قاعدة لا غير لانها تشارك في ذلك الرجال. # والوجه الاخر إن ذلك على وجه التشبيه اي ذات قعود كما يقال نابل ودارع ~~أي ذو نبل ودرع. # لا تريد به تثبيت الفعل. # الاعراب: # وموضع الجملة من قوله: { ربنا تقبل منا } نصب بقول محذوف، فكأنه قال: ~~يقولان ربنا تقبل منا. واتصل بما قبله، لأنه من تمام الحال لان (يقولان) ~~في موضع الحال. # المعنى: # قال ابن عباس معناه يقولان: ربنا، ومثله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # أي يقولون ومثله # والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم # أي يقولون. وقال بعضهم: هو شاذ تقديره يقول: ربنا. يرده إلى اسماعيل ~~وحده. ولا يعمل على ذلك لشذوذه. # وقال أكثر المفسرين كالسدي وعبد بن عمير الليثي، واختاره الجبائي، ~~وغيرهم: إن ابراهيم واسماعيل معا رفعا القواعد. وقال ابن عباس: كان ~~ابراهيم يبني وإسماعيل يناوله. وقال بعض الشذاذ أن ابراهيم وحده رفعها ~~وكان اسماعيل صغيرا وهو ضعيف لانه خلاف ظاهر اللفظ وخلاف اقوال ~~المفسرين. وقال أكثر أهل العلم أنهما رفعا البيت للعبادة لا للسكنى، ~~بدلالة قوله: { ربنا تقبل منا }. وهل كانت للبيت قواعد قبل ابراهيم؟ فيه ~~خلاف. # فقال ابن عباس وعطا: قد كان آدم عليه السلام بناه ms0330 ثم عفي أثره، فجدده ~~ابراهيم. وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع). # وقال مجاهد، وعمرو بن دينار: بل انشأه ابراهيم بامر الله عز وجل إياه. ~~وكان الحسن يقول: أول من حج البيت ابراهيم (ع). وقد روي في اخبارنا ان ~~أول من حج البيت آدم وذلك يدل على انه قد كان قبل ابراهيم. وانما قال: { ~~إنك أنت السميع العليم } لانه لما ذكر الدعاء، اقتضى حينئذ ذكر ذلك، كأنه ~~قال: انك أنت السميع العليم بنا، وبما يصلحنا. # ومعنى قوله { تقبل منا } اي اثبنا على عمله، وهو مشبه بتقبل الهدية في ~~أصل اللغة. وروي عن محمد بن علي الباقر (ع) انه قال: ان الله تعالى وضع ~~تحت العرش اربع اساطين وسماه الصراح وهو البيت المعمور وقال للملائكة ~~طوفوا به ثم بعث ملائكة، فقال ابنو في الارض بيتا بمثاله، وقدره وامر من ~~في الارض ان يطوفوا بالبيت. # وقال ابو جعفر: اسماعيل أول من شق لسانه بالعربية، وكان ابوه يقول: وهما ~~يبنيا البيت: يا اسماعيل هابي ابن. اي اعطني حجرا، فيقول له اسماعيل ~~بالعربية: يا أبي هاك حجرا وابراهيم يبني واسماعيل يناوله الحجارة. ~~وروى فلا عن عبد الله بن عمر قال: لما أهبط الله آدم من الجنه قال: اني ~~منزل معك او مهبط معك بيتا تطوف حوله كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما ~~يصلي عند عرشي، ولما كان زمن الطوفان رفع وكانت الانبياء يحجونه ولا ~~يعملون مكانه حتى بوأه الله لابراهيم فاعلمه مكانه فبناه من خمسة اجبل: ~~من حرا، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر. قال الطبري وهو جبل ~~بدمشق. ### || [2.128] # روي في الشواذ عن عوف بن الاعرابي انه قرأ { مسلمين } على الجمع. وانما ~~سألا الله تعالى أن يجعلهما مسلمين بمعنى: ان يفعل لهما من الالطاف ما ~~يتمسكان معه بالاسلام في مستقبل عمرهما لان الاسلام كان حاصلا في وقت ~~دعائهما ويجري ذلك مجرى احدنا، اذا أدب ولده وعرضه لذلك حتى صار أديبا ~~جاز أن يقال: جعل ولده أديبا وعكس ذلك اذا عرضه ms0331 للبلاء، والفساد، وجاز ~~ان يقال: جعله ظالما محتالا فاسدا ويجوز ان يكونا قالا ذلك تعبدا كما ~~قال تعالى: { رب احكم بالحق }. # اللغة: # والاسلام: هو الانقياد لامر الله تعالى بالخضوع، والاقرار بجميع ما أوجب ~~عليه. وهو والايمان واحد عندنا، وعند اكثر المرجئة والمعتزلة. وفي الناس ~~من قال: بينهما فرق، وليس ذلك بصحيح، لقوله { إن الدين عند الله الإسلام ~~}. وقوله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # وانما خصا بالدعوة بعض الذرية في قوله: { ومن ذريتنا } ، لان (من) ~~للتبعيض من حيث أن الله تعالى: كان أعلمه أن في ذريتهما من لا ينال ~~العهد، لكونه ظالما. وقال السدي: إنما عنيا بذلك العرب. والاول هو ~~الصحيح. وهو قول اكثر المفسرين. # وقوله: { وأرنا مناسكنا } فالمناسك ها هنا المتعبدات قال الزجاج: كل ~~متعبد منسك. وقال الجبائي: المناسك هي ما يتقرب به إلى الله من الهدى، ~~والذبح، وغير ذلك من اعمال الحج والعمرة. وقال قتادة: أراهما الله ~~مناسكهما الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والافاضة عن عرفات ~~والافاضة من جمع ورمي الجمار حتى أكمل الله الدين. فهذا القول أقوى لأنه ~~العرف في معنى المناسك وقال عطا: مناسكنا مذابحنا. # اللغة: # والنسك في اللغة: العبادة. ورجل ناسك عابد، وقد نسك نسكا. والنسك: ~~الذبيحة يقال: من فعل كذا فعلية نسك، اي دم يهريقه، ومنه قوله: { أو نسك ~~} اي دم واسم تلك الذبيحة: النسيكة والموضع الذي يذبح فيه المناسك ~~والمنسك هو النسك نفسه. قال الله (تعالى): { ولكل أمة جعلنا منسكا } ~~ويقال: نسك ثوبه اي غسله وقال ابن دريد: النسك اصله ذبائح كانت تذبح في ~~الجاهلية. والنسيكة: شاة كانوا يذبحونها في الحرم في الاسلام، ثم نسخ ذلك ~~بالاضاحي قال الشاعر: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # واصل الباب العبادة وقيل ان النسك الغسل. قال الشاعر: # فلا ينبت المرعى سباخ عراعر # ولو نسكت بالماء ستة اشهر # اي غسلت ذكره الحسين بن علي المغربي. قال: وليس بمعروف. # وقوله: { وأرنا } يحتمل امرين: احدهما ان يكون من رؤية البصر. # والآخر أن ms0332 يكون من رؤية القلب بمعنى اعلمنا. قال حطائط بن جعفر # اريني جوادا مات هزلا لعلني # ارى ما ترين او بخيلا مخلدا # اي عرفني ومعنى قوله: { وتب علينا } اي ارجع علينا بالرحمة والمغفرة ~~وليس فيه دلالة على جواز الصغيرة، او فعل القبيح عليهم. # ومن ادعى ذلك، فقد ابطل. وقال قوم: معناه تب على ظلمة ذريتنا. وقيل: بل ~~قالا: ذلك انقطاعا اليه " تعالى " تعبدا ليقتدى بهما فيه. وهو الذي ~~نعتمده. # و " التواب " القابل للتوبة ها هنا واذا وصف به العبد، فمعناه أنه فاعل ~~التوبة دفعة بعد اخرى، فيفيد المبالغة. فعلى مذهبنا اذا قلنا: قبل الله ~~توبته اي تاب عليه معناه انه يستحق الثواب. واذا قلنا: تاب العبد من ~~كبيرة مع الاقامة على كبيرة اخرى معناه عند من أجاز ذلك انه رفع العقاب ~~بها على تلك الكبيرة التي تاب منها. وعندنا أنه يستحق بها الثواب ايضا. ~~وفي الآية دلالة على انه يحسن الدعاء بما يعلم الداعي أنه يكون لا محالة، ~~لانهما كانا عالمين بأنهما لا يفارقان الاسلام. ولا ياتيان الكبيرة. # القراءة: # والاختيار في " أرنا " كسر الراء وهي قراءة الجمهور، لانها كسرة الهمزة ~~حولت إلى الراء، لأن اصله كان ارئنا، فنقلت الكسرة إلى الراء وسقطت ~~الهمزة، فلا ينبغي أن تسكن، لئلا تجحف بالكلمة وتبطل الدلالة على الهمزة. ~~وقد سكنه ابن كثير. وفي بعض الروايات عن ابي عمر وعلى وجه التشبيه بما ~~يسكن في مثل كبد وفخذ وقال الشاعر: # لو عصر منه المسك والبان انعصر # وقال آخر: # قالت سليمى اشتر لنا دقيقا # واشتر وعجل خادما لبيقا ### || [2.129] # الضمير في قوله فيهم راجع إلى الامة المسلمة التي سأل الله ابراهيم من ~~ذريته. والمعنى بقوله { رسولا منهم } هو النبي (صلى الله عليه وسلم) لما ~~روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " انا دعوة ابي ابراهيم وبشارة عيسى (ع) " # يعني قوله # ومبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد # وهول قول الحسن وقتادة والسدي وغيرهم من اهل العلم. # ويدل على ذلك ايضا، وان المراد به نبينا (صلى ms0333 الله عليه وسلم) دون ~~الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل انه دعى بذلك لذريته الذين ~~يكونون بمكة وما حولها على ما تضمنته الآية. # وفي قوله: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ولم يبعث الله من هذه صورته ~~إلا محمدا " صلى الله عليه وسلم ". والمراد بالكتاب القرآن على قول ~~ابن زيد واكثر المفسرين ومعنى " الحكمة " ها هنا السنة. وقيل المعرفة ~~بالدين والفقه في التأويل. وقيل العلم بالاحكام التي لا يدرك علمها إلا ~~من قبل الرسل " ع " فالاول قول قتادة، والثاني قول انس بن مالك والثالث ~~قول ابن زيد. وقال قوم هو كلام مثنى كأنه وصف التنزيل بانه كتاب، وبانه ~~حكمة، وبانه آيات. وقال بعضهم: الحكمة شيء يجعله الله في القلب ينوره به ~~كما ينور البصر فيدرك المبصر، وكل حسن. # ومعنى قوله: { ويزكيهم } قال ابن عباس: هو طاعة الله والاخلاص له. وقال ~~ابن جريج يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه. وقال الجبائي: { ويزكيهم } معناه ~~يستدعيهم إلى فعل ما يزكون به، من الايمان والصلاح. ويحتمل ان يراد به ~~انه يشهد لهم بالزكاء آمنوا واصلحوا. # اللغة: # و { العزيز } القادر الذي لا يعجزه شيء. وقيل: القادر الذي لا يمتنع ~~عليه شيء اراد فعله. وقيل: القدير وهو مبالغة الوصف بالقدرة. ونقيض العز ~~الذل. ويقال: عزه يعز عزة وعزازا. واعتز به اعتزازا. وتعزز تعززا. ~~وعازه معازة. تقول: عز يعز عزة وعزا: اذا صار عزيزا. وعز يعز عزا: ~~اذا قهر. ومنه قولهم: من عزيز اي من غلب سلب. وكل شيء صلب، فقد اعتز. ~~وسمي العزاز من الارض: وهو الطين الصلب الذي لا يبلغ ان يكون حجارة. وعن ~~الشيء اذا قل لا يكاد يوجد. وفلان اعتز بفلان اذا تشرف به # وعزني في الخطاب # اي غلبني في محاوراة الكلام. والعزاء: السنة الشديدة، والمطر يعزز الارض ~~تعريزا اذا لبدها. واصل الباب: القوة. # المعنى: # وقوله: { الحكيم } يحتمل امرين: # احدهما المدبر الذي يحكم الصنع، يحسن التدبير. # والثاني بمعنى عليم، والاول بمعنى حكيم في فعله بمعنى محكم، فعدل إلى ~~حكيم، للمبالغة. وانما ذكر الحكيم ها ms0334 هنا، لأنه يتصل بالدعاء، كأنه قال: ~~فزعنا إليك، لانك القادر على إجابتنا العالم بما في ضمائرنا وبما هو أصلح ~~لنا مما لا يبلغه علمنا. ### || [2.130] # اللغة: # قوله: { ومن يرغب } فالرغبة: المحبة لما فيه للنفس منفعة. ورغب فيه ضد ~~رغب عنه. والرغبة: المحبة. والرغبة والمحبة والارادة نظائر. وبينهما فرق. ~~نقيض الرغبة الرهبة ونقيض المحبة: البغضة. ونقيض الارادة الكراهية. تقول: ~~رغب رغبة وأرغبه إرغابا. ورغبة ترغيبا. وتقول: رغب رغبة، ورغبا، ~~ورغبى ورغبا إذا ملت لمحبك، ورغبت عنه إذا صددت عنه، وأنا راغب به فيهما ~~جميعا، والشيء مرغوب فيه، ومرغوب عنه. ولي عن فلان مرغب. وهو رجل رغيب: ~~نهم شديد الاكل وفرس رغيب الشحوة كثير الأخذ بقوائمه من الارض. وموضع ~~رغيب واسع والرغبة العطاء الكثير الذي يرغب في مثله. وقال صاحب العين: ~~اللهم اليك الرغباء ومن لدنك النعماء، ورغبت عن الشيء إذا تركته. # الاعراب: # ومعنى { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } لفظه الاستفهام، ومعناه الجحد، كأنه ~~قال: ما يرغب عن ملة ابراهيم ولا يزهد فيها إلا من سفه نفسه وكأنه قال: ~~واي الناس يزهد فيها { إلا من سفه نفسه } والاولى على الاستفهام، ومعناه ~~الجحد. والثانية بمعنى الذي كأنه قال: إلا الذي سفه نفسه. وفي نصب ~~(نفسه) خلاف. قال الاخفش: معناه سفه نفسه. وقال يونس: اراها لغة. قال ~~الزجاج: اراد أن فعل لغة في المبالغة. كما أن فعل كذلك. فعلى هذا يجوز ~~سفهت زيدا: بمعنى سفهت. وقال ابو عبيدة: معناه اهلك نفسه، وأوبق نفسه. ~~وقال ابن زيد: إلا من اخطأ حظه. وقال ابن تغلب والمبرد: سفه بكسر الفاء ~~ يتعدى، وسفه بضم الفاء لا يعتدى. فهذا كله وجه واحد. # والثاني أن يكون على التفسير، كقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # وهو قول الفراء: قال: العرب توقع سفه على نفسه. وهي معرفة، وكذلك # بطرت معيشتها # وانكر الزجاج هذا الوجه. وقال: معنى التمييز لا يحتمل التعريف، لأن ~~التمييز انما هو واحد يدل على جنس، فاذا عرفته صار مقصودا بعينه. # والوجه الثالث ان يكون على التمييز، والمضاف ms0335 على الانفصال، كما تقول: ~~مررت برجل مثله أي مثل له. # والوجه الرابع على حذف الجار، كما قال: # أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم # اي لأولادكم. ومثله # ولا تعزموا عقدة النكاح # اي على عقدة النكاح. قال الشاعر: # نغالي اللحم للأضياف نيئا # ونرخصه إذا نضج القدير # والمعنى نغالي باللحم. وقال الزجاج: وهذا مذهب صحيح. واختار هو أن سفه ~~بمعنى جهل. وهو موافق لمعنى ما قال ابن السراج في { بطرت معيشتها } لان ~~البطر مستقل النعمة غير راض بها. وقال ابو مسلم: معناه جهل نفسه، وما ~~فيها من الآيات الدالة على ان لها صانعا ليس كمثله شيء فيعلم به توحيد ~~الله وصفاته. # اللغة: # ومعنى قوله: { ولقد اصطفيناه في الدنيا } اخترناه للرسالة والصفو: ~~التميز من سائر الكدر. # واصطفيناه على وزن افتعلناه من الصفوة. وانما قلبت التاء طاء، لانها ~~اشبه بالصاد بالاستعلاء والاطباق، وهي من مخرج التاء فاتى بحرف وسط بين ~~الحرفين. والاصطفاء والاختيار والاجتباء نظائر. والصفاء والنقاء والخالص ~~نظائر والصفاء نقيض الكدر. وصفوة كل شيء خالصه من صفوة الدنيا، وصفوة ~~الماء وصفوة الاخاء تقول: صفا صفاء، واصفاه اصفاء، واصطفاه، اصطفاء. ~~وتصفى تصفيا وتصافوا تصافيا. وصفاه تصفية وصافاه مصافاة. وأستصفاه ~~استصفاء. والصفا مصافاة المودة والاخاء. والصفاء مصدر الشيء الصافي وإذا ~~اخذت صفوة ماء من غدير، قلت استصفيت صفوة. وصفي الانسان: الذي يصافيه ~~المودة. وناقة صفي كثيرة اللبن. ونخلة صفية: كثيرة الحمل. والجمع الصفايا ~~والصفا: الحجر الضخم الأملس الصلب. فاذا انثوا الصخرة قالوا صفاة صفواء. ~~واذا ذكروا قالوا صفا صفوان والصفوان واحدته صفوانة. ومن الحجارة: الملس ~~لا تنبت شيئا. قال تعالى: # كمثل صفوان عليه تراب # واصل الباب: الصفا: الخلوص. # قوله: { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } انما خص الآخرة بالذكر وان كان ~~في الدنيا كذلك لان المعنى من الذين يستوجبون على الله الكرامة وحسن ~~الثواب، فلما كان خلوص الثواب في الآخرة دون الدنيا، وصفه بما ينبىء عن ~~ذلك. ففي قوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } دلالة على ~~ان ملة ابراهيم هي ملة نبينا محمد ms0336 " صلى الله عليه وسلم " ، لان ملة ~~ابراهيم داخلة في ملة محمد " صلى الله عليه وسلم " مع زيادات في ملة محمد ~~" صلى الله عليه وسلم " فبين أن الذين يرغبون من الكفار عن ملة محمد التي ~~هي ملة ابراهيم، قد سفهوا أنفسهم وهو معنى قول قتادة والربيع. ### || [2.131] # قوله: { إذ قال له ربه } متعلق بقوله: { ولقد اصطفيناه } وموضعه نصب ~~وتقديره: ولقد اصطفيناه حين قال له ربه اسلم. وقال الحسن: انما قال ذلك، ~~حين أفلت الشمس، # فقال يا قوم إني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي # وانه اسلم حينئذ. وهذا يدل على أنه كان ذلك قبل النبوة. وأنه قال له ~~ذلك: إلها ما استدعاه به إلى الاسلام، فاسلم حينئذ. لما وضح له طريق ~~الاستدلال بما رأى من الآيات، والعبر الدالة على توحيده. ولا يصح أن يوحي ~~الله تعالى اليه قبل اسلامه بانه نبي الله، لان النبوة حال اعظام واجلال. ~~ولا يكون ذلك قبل الاسلام. وانما قال: { اصطفيناه } على لفظ المتكلم مع ~~قوله: { إذ قال له ربه } على لفظ الغائب للتصرف في الكلام كما قال ~~الشاعر: # باتت تشكي الي النفس مجهشة # وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # والاسلام واجب على كل مكلف، وان اختلفت شرائع الانبياء فيما يتعبدون: من ~~الحلال، والحرام. لقوله " تعالى ": ان # إن الدين عند الله الإسلام # وان الاسلام انما هو الاخلاص لله بالعمل بطاعته، واجتناب معصيته وذلك ~~واجب على كل متعبد. وكله اسلام. ### || [2.132] # القراءة: # قرأ أهل المدينة، وابن عامر " واوصى " بهمزة مفتوحة بين الواوين، وتخفيف ~~الصاد. الباقون ووصى مشددة الصاد. ومن قرأ وصى ذهب إلى قوله: # فلا يستطيعون توصية # ومصدر وصى مثل قطع تقطعة ولم يجيئوا به على تفعيل كراهية اجتماع الياءات ~~مع الكسرة. ومن قرأ أوصى فلقوله: # من بعد وصية يوصي بها # وكلاهما جيدان. # اللغة: # والوصية مأخوذة من قولهم: اوصى النبت: اذا اتصل بعضه ببعض فلما أوصل ~~الموصي جل أمره إلى الموصى إليه، قيل: وصية. ووصى وأوصى وأمر وعهد نظائر ~~في اللغة. وضد أوصى أهمل. والوصاة كالوصية، والوصاية مصدر التوصي. ms0337 والفعل ~~أوصيت إيصاء ووصيت توصية، في المبالغة، والكثرة وتقول: قد قبل الوصاية. ~~وإذا انطاع المرعى للسائمة فاصابته رواعد، قبل وصى لها الرعي يصي وصيا. ~~ووصيا. وأصل الباب: الوصية وهي الدعاء إلى الطاعة. # المعنى: # والهاء في قوله: { ووصى بها } يحتمل ان تعود إلى احد شيئين: # احدهما إلى الملة. وقد تقدم ذكرها في قوله: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم ~~}. # والثاني ان يعود إلى الكلمة في قوله: { أسلمت لرب العالمين }. والاول ~~أقوى، لانه مذكور في اللفظ. وهو قول الزجاج. واكثر المفسرين. والثاني ~~حكاه البلخي وبعض اهل اللغة. وارتفع يعقوب، لانه معطوف على ابراهيم. ~~والمعنى ووصى بها يعقوب. وبه قال ابن عباس وقتادة. وقال بعضهم: إنه على ~~الاستئناف كأنه قال: ووصى يعقوب أن { يا بني إن الله اصطفى لكم الدين } ~~والاول اظهر لأن عليه اكثر المفسرين. " والألف واللام ". في الدين للعهد ~~دون الاستغراق، لانه إنما اراد بذلك دين الاسلام دون غيره من الأديان. ~~وانما أسقطت (أن) في { وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } أن { يا بني } ~~واثبت في # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر # لأن اوصى في الآية بمعنى القول، فجعل بمنزلة قولك الا تقديره تقدير ~~القول، فيجوز حينئذ إلحاق أن. كما قال: { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن ~~أنذر } ومثله # وآخر دعواهم أن الحمد لله # وقوله: # فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله # وكل هذا الباب يجوز فيه الوجهان: بان تقدره تقدير القول، ليكمل به ~~تقدير الفعل الذي ليس بقول. واما قوله: # أن كان ذا مال وبنين # فلا يجوز إسقاطها في مثله من الكلام، لانه ليس فيه معنى الحكاية، والقول ~~كما في الدعوى، والارسال. واما قوله: # والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم # فلا يجوز في مثله إثبات، لانه يضمر معه القول، ولا يجوز معه التصريح ~~بالقول، ولا مع اضمار أن لأنه حكاية كما تقول: قلت له: زيد في الدار، ولا ~~يجوز قلت له: أن زيدا في الدار وانشد الكسائي: # إني سأبدى لك فيما ابدي # لي شجنان: شجن بنجد # وشجن لي ببلاد الهند # لأن الابداء قول. ms0338 ومنه قوله: # وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة # لأن العدة قول. فان قيل: كيف قال: " لا تموتن " على وجه النهي لهم عن ~~الموت، والموت ليس في مقدورهم، فيصح أن ينهوا عنه؟ قلنا: اللفظ وإن كان ~~على لفظ النهي. فما نهوا عن الموت، وانما نهوا في الحقيقة عن ترك ~~الاسلام: لئلا يصاد فهم الموت عليه، وتقديره لا تتعرضوا للموت على ترك ~~الاسلام بفعل الكفر، ومثله من كلام العرب لا رأيتك ها هنا، فالنهي في ~~اللفظ للمتكلم، وإنما هو في الحقيقة للمخاطب، فكأنه قال: لا تتعرض لأن ~~اراك بكونك ها هنا. ومثله لا يصادفنك الامام على ما يكره، وتقديره: لا ~~تتعرض لأن يصادفك على ما يكره. ومثله لا يكونن زيد إلا عندك تقديره: لا ~~تتعرض لأن يكون زيد ليس عندك: بالتفريط في ذلك، والاهمال له والأصل في ~~هذا أن التعريض لوقوع الشيء بمنزلة ايقاع الشيء. # وقوله: { وأنتم مسلمون } جملة في موضع الحال. وتقديره: لا تموتن إلا ~~مسلمين. ### || [2.133] # { أم } ها هنا منقطعة وليست بمتصلة كقوله # الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه # ومثله قول الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # ولا تجيء منقطعة الألف وقد تقدمها كلام، لانها بمعنى بل، وألف ~~الاستفهام. كأنه قيل: بل كنتم شهداء، ومعناها هنا الجحد: اي ما كنتم ~~شهداء. واللفظ لفظ الاستفهام. والمعنى على خلافه، لأن إخراجه مخرج ~~الاستفهام أبلغ في الكلام، وأشد مظاهرة في الحجاج: أن يخرج الكلام مخرج ~~التقرير بالحق فتلزم الحجة، والانكار له فتظهر الفضيحة، فلذلك اخرج الجحد ~~في الاخبار مخرج الاستفهام. # والمخاطب ب { أم كنتم شهداء } أهل الكتاب في قول الربيع. والمعنى: انكم ~~لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على انبيائي ورسلي الأباطيل بنحلكم اياهم خلاف ~~الاسلام من اليهودية والنصرانية، فاني ما بعثتهم إلا بالحنفية. والشهداء ~~جمع شهيد. و { إذ } ها هنا بدل من { إذ } الاولى، والعامل فيها معنى ~~الشهادة. وقيل بل العامل فيها حضر، وكلاهما حسن. # اللغة: # والحاضر والشاهد من النظائر. ms0339 ونقيض الحاضر الغائب. ويقال: حضر حضورا، ~~واحضره إحضارا، واستحضره استحضارا، واحتضره احتضارا، وحاضره محاضرة. ~~والحضر خلاف البدو. وحضرت القوم أحضرهم حضورا: اذا شهدتم. والحاضر خلاف ~~الغائب. واحضر الفرس إحضارا: اذا عدا عدوا شديدا واستحضرته استحضارا. ~~والحضرة الجماعة من الناس ما بين الخمسة إلى العشرة. وحاضرت الرجل محاضرة ~~وحضارا: اذا عدوت معه. وحاضرته: اذا جانيته عند السلطان، أو في خصومة، ~~ومحضر القوم مرجعهم إلى المياه بعد النجعة، وفرس محضر. ولا يقال: ~~محضارا. وألقت الشاة حضيرتها يعني المشيمة وغيرها. والابل الحضار البيض. ~~لا واحد لها من لفظها مثل الهجان سواء. وحضرة الرجل فناؤه وأصل الباب ~~الحضور: خلاف الغيبة. # الاعراب: # وقوله { إلها واحدا } يحتمل انتصابه أحد أمرين: # احدهما أن يكون حالا من قوله: { إلهك }: # والآخر أن يكون بدلا من إلهك. وتكون الفائدة فيه التوحيد، وانما قدم ~~اسماعيل على اسحاق، لأنه كان اكبرهم. وبه قال ابن زيد. # وقوله: { ونحن له مسلمون } الجملة في موضع نصب على الحال. وقيل لا موضع ~~لها، لانها على الاستئناف و { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } في موضع خفض. ~~والعامل فيها ما عمل في ابائك، لانه مبين له. كما تقول: مررت بالقوم: ~~اخيك، وغلامك وصاحبك. وانما قال: { آبائك } واسماعيل عم يعقوب، لما قاله ~~الفراء وابو عبيدة: من أن العرب تسمي العم أبا فالآية دالة على ان ~~العمومة يسمون آباء. # وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " ردوا علي ابي " # يعني العباس عمه فسمي العم أبا كما سمي الجد أبا من حيث يجب له ~~التعظيم، نحو ما يجب للأب، وقد قرىء في الشواذ واله أبيك، فعلى هذا ينجر ~~اسماعيل واسحاق على العطف، وهو غير المعنى الاول، لانه مترجم عن الآباء ~~وفي الثاني عطف غير ترجمة كما تقول رأيت غلام زيد وعمر، أي غلامهما فكانه ~~قال: لهم ولم يذكر بالابوة إلا ابراهيم وحده والقراءة الاولى هي المشهورة ~~وعليها القراء. ### || [2.134] # اللغة: # قوله: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } فالامة المراد بها ~~هنا الجماعة والامة على ستة اقسام ms0340 الجماعة والامة: الحين لقوله: # وادكر بعد أمة # أي بعد حين، والامة القدوة والامام. لقوله: # إن إبراهيم كان أمة قانتا # والامة العامة وجمعها امم. قال الاعشى: # وان معاوية الاكرمين # حسان الوجوه طوال الامم # والامة: الاستقامة في الدين والدنيا. قال النابغة: # وهل يأثمن ذوامة وهو طائع # والامة: أهل الملة الواحدة. كقولهم: أمة موسى، وامة عيسى، وامة محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) واصل الباب: القصد من أمه يؤمه. اذا قصده. ومعنى ~~خلت. مضت كما تقول: لثلاث خلون من الشهر، أي مضين. وأصله: الانفراد ومنه ~~خلا الرجل بنفسه: اذا انفرد. وخلا المكان من أهله أي انفرد منهم. وحد ~~الخلو: حصول الشيء وحده. والفرق بين الخلو والفراغ، أن الخلو اذا لم يكن ~~مع الشيء غيره، وقد يفرغ منه وهو معه. فاذا قلت خلا منه فليس معه. ~~والكسب: العمل الذي يجلب به نفع، ويدفع به ضرر عن النفس. وكسب لاهله: اذا ~~اجتلب، ذلك لهم بعلاج ومراس. ولذلك لا يجوز في صفة الله. # وقوله { ولا تسألون عما كانوا يعملون } معناه انه لا يقال لكم اعملوا ~~كذا وكذا. وعلى جهة المطالبة بما يلزمهم من أجل عملهم. كما لا يقال لهم ~~لم عملتم انتم كذا وكذا. وانما يطالب كل انسان بعمله دون عمل غيره كما ~~قال: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: إن الابناء يؤخذون بذنوب ~~الآباء. ويؤخذ الطفل بذنب ابيه، لان الله تعالى نفى ذلك ومثله قوله: { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقوله: # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم # والاشارة بقوله: { تلك أمة } إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب ولدهم. ~~يقول الله تعالى لليهود والنصارى: يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر ~~ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والمسلمين من اولادهم بغير ما هم اهله، ~~ولا تنسبوا اليهم الكفر، واليهودية والنصرانية، ولا تضيفوها اليهم وإنها ~~امة قد خلت ولا تسألون انتم عما كانوا يعملون. # الاعراب: # وقوله { لها ما كسبت } يحتمل ان يكون موضعه نصب بأنه حال كأنه قال: قد ~~يلزمها ما تستحقه بعملها. ms0341 ويجوز أن لا يكون لها موضع لانها مستأنفة. ولا ~~يكون جزء من الجزء الاول، لكن تكون متصلة به في المعنى وان لم تكن جزء ~~منه، لانهما خبران في المعنى عن شيء واحد. كأنه قيل للجماعة. قد خلت. ~~والجماعة لها ما كسبت. ### || [2.135] # الضمير في قوله: { وقالوا كونوا } يرجع إلى اليهود، والنصارى، لان كل ~~فريق منهم دعي إلى ما هو عليه ومعنى { تهتدوا } أي تصيبوا طريق الحق. ~~كانهم قالوا: تهتدوا إلى الحق. # وروي عن عبد الله بن عباس، انه قال: قال عبد الله بن صوريا الاعور لرسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم): ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد ~~تهتد. وقالت النصارى: مثل ذلك فانزل الله (تعالى) { وقالوا كونوا هودا ~~أو نصارى تهتدوا } الآية وفى قوله: { بل ملة إبراهيم حنيفا } حجة على ~~وجوب اتباع ملة ابراهيم إذ كانت سليمة من التناقض. وكان في اليهودية ~~والنصرانية تناقض، وذلك لا يكون من عند الله فصارت ملة ابراهيم احق ~~بالاتباع من غيرها. والتناقض في اليهودية مثل منعهم من جواز النسخ مما في ~~التوراة مما يدل على جواز ذلك وامتناعهم من العمل بما تقدمت به البشارة ~~في التوراة من اتباع النبي الامي مع اظهارهم التمسك بها، وامتناعهم من ~~الاذعان لما دلت عليه المعجزة: من نبوة عيسى، ونبوة محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) مع اقرارهم بنبوة موسى من أجل المعجزة إلى غير ذلك من انواع ~~التناقض. وأما النصارى أب وابن وروح قدوس إله واحد مع زعمهم ان الاب ليس ~~هو الابن وان الاب إله والابن إله وروح القدوس إله. فاذا قيل لهم قولوا ~~ثلاثة آلهة امتنعوا من ذلك. إلى ما يصفون به الباري تعالى مما يوجب ~~الحاجة والحدث. ويقولون: مع ذلك انه قديم لم يزل إلى غير ذلك من ~~مناقضاتهم التي لا تحصى كثيرة، وهي موجودة في الكتب عليهم نبهنا على ~~جملها. وأما الحنيفية فهي الاستقامة. وانما قيل للذي يقبل باحدى قدميه ~~على الاخرى أحنف تفاؤلا بالسلامة كما قيل للهلكة: مفازة تفاؤلا بالفوز، ~~والنجاة، ms0342 وهو قول الرياشي وابن قتيبة، واهل اللغة. وقال الزجاج: أصله ~~الميل، وابراهيم حنيف إلى دين الاسلام، وقال: العادل إلى دين ربه عن ~~اليهودية، والنصرانية. وقال ابو حاتم: قلت للاصمعي: من أين عرف في ~~الجاهلية الحنيف؟ فقال: لانه من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف ~~عندهم، ولأن كل من حج البيت كانوا يسمونه حنيفا وكانوا اذا أرادوا الحج ~~قالوا: هلم نتحنف. وقال صاحب العين: الحنف ميل في صدر القدم. يقال رجل ~~حنف، وسمي الأحنف لحنف كان به. وقالت حاضنته وهي ترقصه: # والله لولا حنف برجله # ما كان في صبيانكم كمثله # والحنيف: المسلم الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملة ابراهيم { وكان ~~حنيفا مسلما } وقال بعضهم: الحنيف كل من أسلم في أمر الله، ولم يلتو في ~~شيء والجمع الحنفاء. قال بعضهم: قيل حنيف، لانه تحنف عن الاديان كلها: أي ~~مال إلى الحق. وفي الحديث # " أحب الاديان إلى الله الحنفية السمحة " # وهي ملة ابراهيم لا حرج فيها، ولا ضيق. وأصل الباب الحنف، وهو الميل. # ونصب { ملة إبراهيم } يحتمل اربعة اوجه، # احدها ان كونوا هودا أو نصارى. قد تضمن معنى اتبعوا اليهودية ~~والنصرانية، فعطف به على المعنى. # والثاني على الحال كأنه قال بل نتبع ملة ابراهيم. فالاول عطف والثاني ~~[حذف]. # والثالث على معنى بل أهل ملة ابراهيم، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه ~~مقامه كقوله تعالى { واسأل القرية }. والرابع على الاغراء. ### || [2.136] # قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله } يحتمل ان يكون جوابا على ما روي عن ~~ابن عباس: أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال أؤمن بالله وما أنزل الينا وما انزل ~~إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط.. إلى آخرها ، فلما ذكر ~~عيسى جحدوا بنبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل ~~الله فيهم # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون # والثاني قال الحسن وقتادة: أمر الله ms0343 المؤمنين أن يقولوا: { آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا } الآية، وجعل ذلك محنة فيما بينهم وبين اليهود والنصارى. # اللغة: # والاسباط جمع سبط. قال تغلب: يقال: سبط عليه العطاء والضرب: اذا تابع ~~عليه حتى يصل بعضه ببعض وانشد الثوري في قطيع بقر: # كأنه سبط من الاسباط # شبهه بالجماعة من الناس يتتابعون في أمر. والسبط: جماعة. ومن ثم قيل ~~لولد يعقوب أسباط. وشعر سبط: سلس منبسط. ومنه سمي الساباط لانبساطه بين ~~الدارين حتى يجمعهما. والسباطة: الكناسة بعضها إلى بعض. وقال ابن دريد: ~~السبط واحد الاسباط، وهم أولاد اسرائيل. وقالوا: الحسن والحسين سبطا رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) أي ولداه. والسباطة ما سقط من سقط الشعر اذا ~~سرحته. واخذت فلانا سباط: اذا اخذته الحمى. والسبط من اليهود بمنزلة ~~القبيلة من قبائل العرب. ويقال هو سبط الكفين: اذا كان طويل الاصابع. ~~والسبط: قناة جوفاء مضروبة بالقصب يرمى فيها سهام صغار ينفخ نفخا لا ~~يكاد يخطىء وأصل الباب: السبط وهو التتابع. وقال الزجاج: السبط الجماعة ~~الذين يرجعون إلى أب واحد. والسبط: الشجر. والسبط: الذين من شجرة واحدة. ~~وقال قتادة: الاسباط يوسف واخوته ولد يعقوب اثني عشر رجلا فولد كل واحد ~~منهم أمة من الناس. فسموا الاسباط وبه قال السدي والربيع وابن إسحاق. ~~واسماء الاثني عشر ذكروهم: يوسف ويامين، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، ~~ودان، وقهاب، ويشجر، وتفنالى، وجاذ، واشر. ولا خلاف بين المفسرين انهم ~~ولد يعقوب. وقال كثير من المفسرين: انهم كانوا انبياء. والذي يقتضيه ~~مذهبنا انهم لم يكونوا أنبياء باجمعهم، لانه وقع منهم من المعصية ما ~~فعلوه مع يوسف (ع) ما لا خفاء به، والنبي عندنا، لا يجوز عليه فعل ~~القبائح: لا صغيرها، ولا كبيرها، فلا يصح مع ذلك القول بنبوتهم. وليس في ~~ظاهر القرآن أنهم كانوا انبياء وقوله تعالى: { وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } لا يدل على انهم كانوا أنبياء لأن ~~الانزال يجوز أن يكون على بعضهم ممن كان نبيا، ولم يقع منه ما ذكرناه من ~~الافعال القبيحة. # ويحتمل أن يكون ms0344 المراد انهم امروا باتباعه. كما يقال: انزل الله إلى امة ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن. كما قال: { وما أنزل إلينا } وان كان ~~المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكن لما كانوا مأمورين بما فيه ~~اضيف بانه انزل اليهم. # ومعنى قوله: { لا نفرق بين أحد منهم } انا لا نؤمن ببعض الانبياء ونكفر ~~ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى، فكفرت اليهود بعيسى ومحمد (صلى الله ~~عليه وسلم) وكفرت النصارى بسليمان ونبينا محمد صلى الله عليهما. # وقوله تعالى: { ونحن له مسلمون } خاضعون بالطاعة. وقيل: مذعنون له ~~بالعبودية وقيل مستسلمون لامره، ونهيه اعتقادا وفعلا قيل داخلون في حكم ~~الاسلام الذي هو دينه، كما قال: { إن الدين عند الله الإسلام } والفرق ~~بين التفريق والفرق ان التفريق جعل الشيء مفارقا لغيره، والفرق نقيض ~~الجمع، والجمع جعل الشيء مع غيره، والفرق جعل الشيء لا مع غيره والفرق ~~بالحجة هو البيان الذي يشهد ان الحكم لاحد الشيئين دون الآخر، وفائدة ~~الآية الامر بالايمان بالله والاقرار بالنبيين، وما انزل اليهم من الكتب ~~ليتعبدوا به من الاحكام، والرد على من فرق بينهم فيما جمعهم الله عليه من ~~النبوة. ### || [2.137] # المعنى: # اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار متى آمنوا على حد ما آمن المؤمنون به، ~~فقد اهتدوا إلى طريق الجنة. والباء في قوله { بمثل ما آمنتم } يحتمل ~~ثلاثة اشياء: # اولها ان تكون زائدة والتقدير، فان آمنوا مثل الذي امنتم أي مثل ~~ايمانكم كما قال: " كفى بالله " والمعنى كفى الله. قال الشاعر: # كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا # والثاني ان يكون المعنى بمثل هذا ولا تكون زائدة. كأنه قال: فان آمنوا ~~على مثل ايمانكم، كما تقول: كتبت على مثل ما كتبت، وبمثل ما كتبت كأنك ~~تجعل المثال آلة يتوصل به إلى العمل، وهذا أجود من الاول. # والثالث أن تلغى مثل، كما ألغيت الكاف في قوله: # فجعلهم كعصف مأكول # وهذا أضعف الوجوه لانه اذا أمكن حمل كلام الله على فائدة، فلا يجوز حمله ~~على الزيادة، وزيادة الاسم أضعف من زيادة الحرف، كزيادة ما ms0345 ولا وما أشبه ~~ذلك. # وروي عن ابن عباس انه قال: لا تقولوا { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به } ~~فانه ليس الله مثل ولكن قولوا { فإن آمنوا بالذي آمنتم به } وهذه رواية ~~شاذة مخالفة لما أجمع عليه القراء، ومتى صحت فالوجه فيها أن يكون أراد أن ~~يفسر المعنى فكانه قال: لا تتأولوه على الجعل لله عز وجل مثلا فانه شرك، ~~لكن تأولوه على ما يصح تأويله من غير تمثيل للمعبود تعالى. وقال ابن ~~عباس: ان الايمان هو العروة الوثقى وانه لا يقبل عملا إلا به، ولا تحرم ~~الجنة إلا على تركه. # وقوله تعالى: { وإن تولوا } معناه ان اعرضوا عن الايمان وجحدوه ولم ~~يعترفوا به { فإنما هم في شقاق } معناه انهم في مفارقة. في قول قتادة ~~والربيع، وقال ابن زيد الشقاق هو المنازعة والمجادلة. قال الحسن: معناه ~~التعادي وأصل الشقاق يحتمل ان يكون مأخوذا من الشق، لانه صار في شق غير ~~شق صاحبه، للعداوة المباينة، ويحتمل أن يكون مأخوذا من المشقة لانه يحرص ~~على ما يشق على صاحبه، ويؤذيه. وفي الآية دلالة على نبوة النبي (صلى الله ~~عليه وسلم)، لان الله تعالى وعده ان يكفيه من يعاديه من اليهود والنصارى ~~الذين شاقوه بقوله: { فسيكفيكهم الله } فكان الامر على ما وعد به. # اللغة: # والكفاية والوقاية والسلامة نظائر تقول كفى يكفي كفاية: اذا قام بالامر ~~واكتفى اكتفاء، واستكفى استكفاء، وتكفى تكفيا، وكفاك هذا الامر أي حسبك ~~ورأيت رجلا كافيك من رجل أي كفاك به رجلا. وأصل الباب الكفاية، وهو بلوغ ~~الغاية يقال يكفي ويجزي ويغني بمعنى واحد. ### || [2.138] # قوله تعالى: { صبغة الله } معناه فطرة الله. في قول الحسن وقتادة وابي ~~العالية، ومجاهد وعطية وابن زيد والسدي. وقال الفراء والبلخي: انه شريعة ~~الله في الختان الذي هو التطهير وقوله: { صبغة الله } مأخوذ من الصبغ، ~~لان بعض النصارى كانوا اذا ولد لهم مولود جعلوه في ماء طهور يجعلون ذلك ~~تطهيرا له، ويسمونه العمودية: فقيل: صبغة الله أي تطهير الله، لا تطهيركم ~~بتلك الصبغة. وهو قول الفراء: ms0346 وقال قتادة: اليهود تصبغ ابناءها يهودا ~~والنصارى تصبغ ابناءها نصارى، فهذا غير المعنى الاول، وانما معناه: انهم ~~يلقنون اولادهم اليهودية والنصرانية، فيصبغونهم بذلك لما يشربون قلوبهم ~~منه، فقيل صبغة الله التي امر بها ورضيها يعني الشريعة، لا صبغتكم. وقال ~~الجبائي سمى الدين صبغة لانه هيئة تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة ~~وغير ذلك من الآثار الجميلة التي هي كالصبغة وقال امية: # في صبغة الله كان اذ نسي ال # عهد وخلى الصواب اذ عزما # اللغة: # قال صاحب العين: الصبغ ما يلون به الثياب، والصبغ مصدر صبغت والصباغة ~~حرفة الصباغ، والصبغ، والصباغ: ما يصطبغ به في الاطعمة. والاصبغ من الطير ~~ما ابيض ذنبه أو بعضه. وأصل الباب الصبغ: وهو المزج للتلوين. # الاعراب: # ونصب { صبغة الله } في الآية يحتمل امرين: # احدهما أن يكون مردودا على { بل ملة إبراهيم } بدلا منه وتفسيرا له. # والثاني اتبعوا صبغة الله. والاجود الاول. وكان يجوز الرفع بتقدير هي ~~صبغة الله. # المعنى: # ومعنى قوله: { ومن أحسن من الله صبغة } واللفظ لفظ الاستفهام. وبه قال ~~الحسن وغيره. # وقوله { ونحن له عابدون } يجب أن نتبع صبغته لا ما صبغنا عليه الآباء ~~والاجداد. وقيل معناه { ونحن له عابدون } في اتباعنا ملة ابراهيم صبغة ~~الله للاعتراف بالوجه الذي اتبعوه. ### || [2.139] # المعنى: # أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يقول لهؤلاء الكفار { أتحاجوننا في ~~الله } ومعناه: تخاصموننا وتجادلوننا فيه وهو تعالى الذي خلقنا وانعم ~~علينا، وخلقكم وانعم عليكم. وكانت محاجتهم له (صلى الله عليه وسلم) انهم ~~زعموا انهم أولى بالحق، لانهم راسخون في العلم، وفي الدين، لتقدم النبوة ~~فيهم، والكتاب، فهم أولى بأن يكون الرسول منهم. وقال قوم: بل قالوا: نحن ~~أحق بالايمان، لانا لسنا من العرب الذين عبدوا الاوثان، فبين الله تعالى ~~وجه الحجة عليهم انه ربنا وربهم، فهو أعلم بتدبيرنا وتدبيرهم، ومصلحتنا ~~ومصلحتهم، وانه لا حجة علينا في اجرام غيرنا ومعاصيهم. وقال الحسن: كانت ~~محاجتهم أن قالوا: نحن اولى بالله منكم، وقالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # وقالوا: { لن يدخل الجنة إلا ms0347 من كان هودا أو نصارى } وقالوا { كونوا ~~هودا أو نصارى تهتدوا } وغرضهم بذلك الاحتجاج بان الدين ينبغي ان يلتمس ~~من جهتهم، وأن النبوة اولى أن تكون فيهم وليس الامر على ما ظنوا، لان # الله أعلم حيث يجعل رسالته # ومن الذي يقوم باعبائها، ويتحملها على وجه يكون اصلح للخلق واولى ~~بتدبيرهم. # وقوله: { لنا أعمالنا } معناه الانكار لاحتجاجهم باعمالهم، لانهم ~~مشركون، ونحن له مخلصون. وقيل معناه الانكار للاحتجاج بعبادة العرب ~~للاوثان، فقيل: لا حجة في ذلك إذ لكل احد عمله، لا يؤخذ بجرم غيره. # اللغة: # والاعمال والافعال والاحداث نظائر. والاخلاص والافراد والاختصاص نظائر ~~وضد الخالص المشوب. # وقوله: { ونحن له مخلصون } فيه احتجاج بأن المخلص لله اولى بالحق من ~~المشرك به. وقيل معناه: الرد عليهم بما احتجوا به من عبادة العرب ~~للاوثان، بانه لا عيب علينا في ذلك اذا كنا مخلصين، كما لا عيب عليكم ~~بفعل من عبد العجل من الاسلاف اذا اعتقدتم الانكار عليهم، بانهم على ~~الاشراك بالله بالتشبيه له، والكفر بآياته. وقال ابن عباس: معنى " ~~أتحاجوننا " أتجادلوننا. وقال مجاهد: معناه أتخاصموننا. وبه قال ابن زيد. # ومعنى { في الله } في دين الله، والالف صورتها الاستفهام. ومعناه ~~الانكار ويجوز في " أتحاجوننا " ثلاثة اوجه من العربية: الاظهار، ~~والادغام، والحذف. فالادغام تشديد النون، والحذف تخفيف النون الواحدة. ### || [2.140] # القراءة: # قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر { أم تقولون } بالتاء. ووافقهم ابن عامر ~~ورويس. الباقون بالياء. # المعنى: # من قرأ بالياء جعله متصلا بما قبله من الاستفهام كأنه قال: اتحاجوننا في ~~الله أم تقولون ان الانبياء كانوا على دينكم. والتقدير بأي الحجتين ~~متعلقون في امرنا: أبا لتوحيد، فنحن موحدون، أم باتباع دين الانبياء، ~~فنحن لذلك متبعون. ومن قرأ بالياء، فالوجه فيه انه عدل إلى حجاج آخر عن ~~الحجاج الاول. كأنه قال: بل أتقولون ان الانبياء من قبل ان تنزل التوراة ~~والانجيل كانوا هودا أو نصارى. ويكون قد اعرض عن خطابهم استجهالا لهم بما ~~كان منهم، كما يقبل العالم على من بحضرته بعد ارتكاب مخاطبه جهالة شنعة: ~~فيقول: قد ms0348 قامت عليه الحجة أم يقول بابطال النظر المؤدي إلى المعرفة. وقد ~~انكر الطبري القراءة بالياء، وقال هي شاذة لا تجوز القراءة بها وليس ~~الامر على ما ظن بل وجهها ما بيناه. ومعنى الآية: الاحتجاج عليهم في ~~قولهم: { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } فقيل لهم: كيف ذلك، ~~والامر بخلافه من وجهين: # احدهما ما اخبر به نبينا عليه السلام مع ظهور المعجز الدال على صدقه. # والآخر ما في التوراة والانجيل من أنهم كانوا على الحنيفية، لان عندهم ~~اسم اليهودية يقع على من تمسك بشريعة التوراة والنصرانية اسم لمن تمسك ~~بشريعة الانجيل. وقد قال الله تعالى: # وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده # وقيل ايضا ان معناه التوبيخ لاهل الكتاب بادعائهم عليهم خلاف الاسلام ~~بغير حجة ولا برهان. # وقوله: { أأنتم أعلم أم الله } صورته صورة الاستفهام والمراد به التوبيخ ~~ومثله قوله: # أأنتم أشد خلقا أم السماء # اللغة: # والاعلم والاعرف والادرى بمعنى واحد. والاظلم والاجور والاعتى نظائر، ~~فان قيل لم قال: { أأنتم أعلم أم الله } وقد كانوا يعلمونه وكتموه، وانما ~~ظاهر هذا الخطاب لمن لا يعلم، قلنا من قال: انهم كانوا على ظن وتوهم: ~~فوجه الكلام على قوله واضح. ومن قال: كانوا يعلمون ذلك وانما كانوا ~~يجحدونه يقول: معناه ان منزلتكم منزلة المعترض على ما يعلم ان الله اخبر ~~به فما ينفعه ذلك مع إقراره بان الله اعلم منه، وانه لا يخفى عليه شيء، ~~لان ما دل على انه اعلم هو الدال على انه لا يخفى عليه شيء، وهو انه عالم ~~لنفسه ويعلم جميع المعلومات. # وقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم } قيل في (من) في قوله: { من الله } ~~ثلاثة اقوال: # احدها انها بمعنى ابتداء الغاية، لان الله تعالى ابتدأ الشهادة في ~~التوراة والانجيل بصحة النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله، ويكون ابتداء ~~الشهادة بأن الانبياء كانوا على الحنيفية، فهذه شهادة من الله عندهم. # والثاني كتمها من عباد الله. # والثالث ما حكاه البلخي: انه بمنزلة من أظلم ممن يجور على الفقير ms0349 ~~الضعيف من السلطان الغني القوي: أي فلا احد أظلم منه. والمعنى انه يلزمكم ~~ان لا أحد أظلم من الله، تعالى عن ذلك إذ ما يكتم ما فيه الغرور للعباد، ~~ليوقعهم في الضلال وهو الغني بنفسه الذي لا يجوز أن يلحقه المنافع ~~والمضار جل ثناؤه وتقدست اسماؤه، وهذا الذي ذكره يلزم اليهود والجهال. ~~كما حكى الله تعالى عنهم # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا # والشهادة التي كتموها قيل فيها قولان: # احدهما قال مجاهد والربيع وابن ابي نجيح: انهم كتموا الشهادة بانهم ~~كانوا على الاسلام. # والثاني قال الحسن وقتادة وابن زيد واختاره الجبائي: انهم كتموا ~~الشهادة بالبشارة التي عندهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم). فان قيل اذا ~~كان الذي كتموه امر محمد صلى الله عليه وآله فكيف يتصل بما قبله: قيل قال ~~الحسن: كتموا محمدا صلى الله عليه وآله ودينه لأن في دينه ان ابراهيم ~~كان مسلما ولم يك من المشركين. والاحتجاج عليهم: { أأنتم أعلم أم الله } ~~على وجه الالزام لهم بالجهالة كانه قيل: اذا زعمتم أن هؤلاء كانوا يهودا ~~أو نصارى، وقد اخبر الله بخلاف ذلك عنهم فقد لزمكم أن تكونوا أعلم من ~~الله تعالى، وهذا غاية الخزي لمن بلغه. # وقوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون } فالغفلة والسهو والسنة ~~نظائر ومعنى الآية يحتمل امرين: # احدهما ليس ألله بساه عن كتمان الشهادة التي لزمكم القيام بها لله ~~تعالى. # الثاني ان يكون على عمومه والمعنى: أنه لا يخفى عليه شيء من المعلومات ~~لا صغيرها، ولا كبيرها فكونوا على حذر من الجزاء على السيئات بما ~~تستحقونه من العقاب، وكتم واخفى واسر معناها واحد والبينة والحجة واحد. ### || [2.141] # المعنى: # قيل في تكرار قوله تلك امة قد خلت قولان: # احدهما انه عنى بالاول: ابراهيم ومن ذكر معه من الانبياء. # والثاني عنى به اسلافهم من آبائهم الذين هم على ملتهم. # والقول الثاني ان الجواب اذا اختلفت أوقاته فكان الثاني في غير موطن ~~الاول، وكان بعد مدة من وقوع الاول بحسب ما اقتضاه ms0350 الحال لم يكن ذلك ~~معيبا عند أهل اللغة ولا عند العقلاء، والاعتراض عليهم بقوله { تلك أمة ~~قد خلت } انه اذا لم تشكوا أن يكون فرضهم غير فرض الامة التي قد خلت ~~قبلكم، ولا تحتجوا بأنه لا يجوز أن يخالفوا عليه، ولو سلم لكم أنهم كانوا ~~على ما تذكرونه ما جاز لكم أن تتركوا ما نقل لكم الله عنه على لسان رسوله ~~محمد صلى الله عليه وآله إذ لله تعالى ان ينسخ من الشريعة ما شاء على ما ~~يعلم في ذلك من وجوه الحكمة، وعموم المصلحة. وقيل: ان ذلك ورد مورد الوعظ ~~لهم بانه: اذا كان لا يؤخذ الانسان إلا بعمله فينبغي ان تحذروا على ~~انفسكم، وتبادروا بما يلزمكم، ولا تتكلوا على فضائل الاباء والاجداد فان ~~ذلك لا ينفعكم اذا خالفتم امر الله فيما اوجب عليكم. # والمعنى بقوله تلك امة قد خلت على قول قتادة والربيع ابراهيم عليه ~~السلام ومن ذكر معه. وعلى قول الجبائي، وغيره: من سلف من آبائهم الذين ~~كانوا على ملتهم اليهودية والنصرانية. وقد بينا فيما مضى أن الأمة ~~الجماعة التي تؤم جهة واحدة كأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) التي تؤم ~~العمل على ما دعا اليه. وكذلك أمم سائر الانبياء (صلى الله عليه وسلم) ~~والخلاء الفراغ يقال: فرغ من عمله، وفرغ من مكانه. وانما قيل لما مضى ~~خلا، لانه خلا منه مكانه. والكسب الفعل الذي يجر لفاعله نفعا او يدفع ~~به ضررا. وانما قيل كسب السيئة، لانه اجلب النفع عاجلا. # وقوله: { ولا تسألون } معناه لا تطالبون. والسؤال الطلب. وهو ايضا ~~الاخبار الذي اقتضاه ما تقدم من الكلام أي لا يقال لكم لم عصي آباءكم. ~~وانما يقال لكم لم عصيتم ولم ظلمتم. ### || [2.142] # أخبر الله (تعالى) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء، وهو ~~جمع سفيه، وهو والجاهل والغبي نظائر. # { ما ولاهم } معناه، أي شيء ولاهم. ومعنى ولاهم صرفهم عنه، ومثله: ~~قلبه عنه وفتله. { عن قبلتهم التي كانوا عليها }. والقبلة: الجهة التي ~~تستقبل في الصلاة، وقبلة ms0351 المسلمين: الكعبه. والسفيه: الخفيف إلى ما لا ~~يجوز له أن نخف إليه، وهي صفة ذم في الدين. وضد السفه الحكمة. واشتقاق ~~لاهم من الولي وهو حصول الثاني بعد الأول من غير فصل. فالثاني يلي الأول، ~~والثالث يلي الثاني، والرابع يلي الثالث ثم هكذا أبدا. وولى عنه خلاف ~~ولى إليه: مثل قولك. عدل عنه، وعدل إليه، وانصرف، عنه وانصرف إليه. فاذا ~~كان الذي يليه متوجها إليه فهو متول إليه واذا كان متوجها إلى خلاف ~~جهته؛ فهو متول عنه. # والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل لشيء غيره عليها كما أن الجلسة ~~للتي يجلس عليها. فكان يقال: - فيما حكي - هو لي قبلة، وأنا له قبلة، ثم ~~صار علما على الجهة التي تستقبل في الصلاة. # واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى ~~الكعبة على ثلاثة أقوال: # [الأول] فقال ابن عباس، والبراء بن عازب: هم اليهود [الثاني] قال الحسن: ~~هم مشركوا العرب، وإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حول الكعبة من ~~بيت المقدس، قالوا: يا محمد (صلى الله عليه وسلم) رغبت عن قبلة آبائك، ثم ~~رجعت إليها ايضا، والله لترجعن إلى دينهم. والثالث قال السدي: انهم ~~المنافقون، قالوا ذلك استهزاء بالاسلام. واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن ~~القبلة: فقال قوم: انهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ. و [الثاني] قال ~~ابن عباس: إن قوما من اليهود قالوا: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت ~~عليها، ارجع اليها نتبعك ونؤمن. وأرادوا بذلك فتنته. الثالث - انه قال ~~ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ماهم عليه. # وإنما صرفهم الله عن القبلة الاولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة ~~في ذلك. وقيل انما فعل ذلك لما قال تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ، لانهم كانوا ~~بمكة، أمروا أن يتوجهوا الى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا ~~بحضرتهم يتوجهون الى الكعبة، فلما انتقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~الى المدينة ms0352 كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون الى بيت المقدس فنقلوا ~~الى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما اريد في الاول ان يتميزوا من أولئك ~~واختار ذلك البلخي والجبائي والرماني. # وقوله تعالى: { قل لله المشرق والمغرب } أمر من الله تعالى لنبيه (صلى ~~الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس الى ~~الكعبة: المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه ~~حكمته. # والمشرق والمطلع نظائر، وكذلك المغرب والمغيب نظائر. # وفي الآية دلالة على جواز النسخ لانه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا ~~عليها - الى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ. # وقوله: { لله المشرق والمغرب } فيه دلالة على أن من له المشرق والمغرب، ~~فله التدبير فيهما، وفي ذلك اسقاط قول من زعم: أن الارض المقدسة أولى ~~بالتوجه اليها. لانها مواطن الانبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه ~~للتولية عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء ~~في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد. وقال ابن عباس، والبراء بن ~~عازب: انه كانت الصلاة الى بيت المقدس الى بعد مقدم النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) بسبعة عشر شهرا. وقال انس بن مالك: انما كان ذلك تسعة اشهر أو ~~عشرة اشهر. وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهرا. وقال قتادة صلت ~~الانصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي (صلى الله عليه وسلم) وصلى ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه ~~الله الى الكعبة. ولا خلاف ان التوجه الى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا ~~واجبا. ثم اختلفوا فقال الربيع: كان ذلك على وجه التخيير، خير الله نبيه ~~بين ان يتوجه الى بيت المقدس وبين غيرها. # وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضا معنيا - وهو الاقوى -، ~~لقوله: { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } فبين انه جعلها قبلة، وظاهر ~~ذلك انه معين، لانه لا دليل على التخيير، على انه لو ثبت انه كان مخيرا ~~لما خرج من ان ms0353 يكون فرضا، كما ان الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو ~~مخير بين أوله وأوسطه وآخره. # وقوله: { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } معنا: يهديهم الى الدين ~~المستقيم الذي يؤديهم الى الجنة، فلذلك سماه صراطا كما يؤدي الطريق الى ~~المقصد. ### || [2.143] # القراءة: # قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم { لرؤوف } على وزن لرعوف. ~~الباقون { لرؤف } على وزن (فعل). # المعنى: # اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وسطا: أي ~~سماها بذلك وحكم لها به. والوسط: العدل. وقيل الخيار، ومعناهما واحد: ~~وقيل: انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه الى اطرافه. وقيل: بل ~~أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي، فالحق معه. وقال مؤرج: اي وسط ~~بين الناس وبين انبيائهم وقال زهير: # هم وسط يرضى الانام بحكمهم # اذا نزلت احدى الليالي بمعظم # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: أمة وسطا: عدلا. وهو قول ~~مجاهد، وقتادة، والربيع، وابن عباس، واكثر المفسرين. وقال صاحب العين: ~~الوسط من الناس وغيرهم، ومن كل شيء أعدله، وافضله وقيل الواسط والوسط ~~بمعنى واحد، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد. قال تعالى # في البحر يبسا # والوسط - بتسكين السين - الموضع. والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل ~~شيء، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والاخرة، وكذلك واسطة القلادة. واصل ~~الباب الوسط: العدل. وقولهم فلان من اوسطهم نسبا: اي تكلله الشرف من ~~نواحيه. # الاعراب: # واللام الاولى في قوله: { لتكونوا شهداء على الناس } لام كي، كأنه قال ~~كي تكونوا، واصلها لام الاضافة. واللام في قوله: { وإن كانت لكبيرة } لام ~~تأكيد، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما، ~~كقوله تعالى: # إن الكافرون إلا في غرور # وهي لام الابتداء أخرت الى الخبر في باب (ان) خاصة. واما اللام الثالثة ~~في قوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } فلام الجحد، واصلها لام ~~الاضافة، والفعل نصب باضمار (أن)، ولا يظهر بعدها (ان)، لان التأويل: ما ~~كان الله مضيعا ايمانكم، فلما حمل ms0354 معناه على التأويل، حمل، لفظه ايضا ~~على التأويل من غير تصريح باظهار (ان). # المعنى: # فان قيل: باي شيء يشهدون على الناس، قلنا فيه ثلاثة اقوال: احدها - ~~ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة ~~كما قال: # وجيء بالنبيين والشهداء # وقال # يوم يقوم الأشهاد # قال ابن زيد: الاشهاد أربعة الملائكة، والانبياء، وامة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) والجوارح. كما قال: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون # الثاني - يشهدون الانبياء على اممهم المكذبين بانهم بلغوا. وجاز ذلك ~~لاعلام النبي (صلى الله عليه وسلم) اياهم بذلك. # الثالث - { لتكونوا شهداء على الناس } أي حجة عليهم فيما يشهدون، كما أن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به. والنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) وحده كذلك. فأما الامة فجماعتها حجة دون كل واحد منها. # واستدل البلخي، والجبائي، والرماني، وابن الاخشاد، وكثير من الفقهاء، ~~وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث ان الله وصفهم بانهم عدول، ~~فاذا عدلهم الله تعالى، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في ~~اصول الفقه أنه لا دلالة فيها على ان الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى ~~وصفهم بانهم عدول، وبانهم شهداء وذلك يقتضي ان يكون كل واحد عدلا، ~~وشاهدا، لان شهداء جمع شهيد، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الامة ليس ~~بهذه الصفة، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه، على أن الامة إن أريد بها ~~جميع الامة، فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره، فلا يجوز ~~حملها على الجميع. وان خصوها بالمؤمنين العدول، لنا أن نخصها بجماعة، كل ~~واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم: وهم الأئمة المعصومون من آل ~~الرسول (صلى الله عليه وسلم) على أنالو سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا، ~~ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر، فأما الصغائر التي تقع ~~مكفرة، فلا تقدح في العدالة، فلا ينبغي أن نمنع منها، ومتى جوزنا عليهم ~~الصغائر لم يمكنا ms0355 أن نحتج باجماعهم، لانه لا شيء أجمعوا عليه إلا ويجوز ~~أن يكون صغيرا فلا يقدح في عدالتهم، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه ~~قبيحا. وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم. وكيف يجنبون الصغائر، وحال ~~شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومع هذا يجوزون ~~عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح ~~في عدالة النبي (صلى الله عليه وسلم)؟ # قوله: { ويكون الرسول عليكم شهيدا }. قيل في معناه قولان: # أحدهما - عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم. وقيل: يكون حجة عليكم. # والثاني - يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون ~~به. وجعلوا (على) بمعنى اللام كما قال: # وما ذبح على النصب # اي للنصب. والتشبيه في قوله { وكذلك } وقع بما دل عليه الكلام في الآية ~~التي قبلها: وهي قوله { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فتقديره انعمنا ~~عليكم بالعدالة كما انعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا، كانه ~~قيل: { من يشاء إلى صراط مستقيم } فقد انعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة ~~وسطا فأنعمنا كذلك الانعام. إلا أن { جعلنا } يدل على انعمنا في هذا ~~الكلام، فلم نحتج الى حذفه معه في قوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها } اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم، وحذف ~~لدلالة الكلام عليه. وقوله { إلا لنعلم } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # اولها { إلا لنعلم } اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين، كما يقول الملك ~~فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل: فتح عمر السواد وجبا ~~الخراج وإن لم يتول ذلك بنفسه. # الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجودا، فقيل على هذا: إلا لنعلم، لانه قبل ~~وجود المعلوم لا يصح وصفه بانه عالم بوجوده. # والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن ~~العدل يوجب ذلك، من حيث لو عاملهم بما يعلم انه يكون منهم كان ظلما لهم. ~~ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب: فليحضر النار ~~والحطب لنعلم أتحرقه أم لا، ms0356 على جهة الانصاف في الخطاب، لا على جهة الشك ~~في الاحراق. وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد، والرماني. وكان علي بن ~~الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجها مليحا: وهو ان قال: قوله ~~لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد ~~حصول الاتباع، فاما قبل حصوله فانما يكون هو تعالى العالم وحده، فصح ~~حينئذ ظاهر الاية, وهذا وجه رابع، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا ~~نعلم، لانه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشيء حتى يكون على ان ~~قوله: { لنعلم من يتبع الرسول } لا يدل على حدوث العلم، لانه كان قبل ذلك ~~عالما بان الاتباع سيوجد، او لا يوجد، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم ~~يتجدد له صفة. وانما يتجدد المعلوم، لان العلم بان الشيء سيوجد علم ~~بوجوده إذا وجد. وانما يتغير عليه الاسم، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على ~~زمان بعينه، بان يوصف بانه غد قبل حصوله، فاذا حصل قيل انه اليوم، فاذا ~~تقضى وصف بانه امس، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير. # وقوله تعالى: { ممن ينقلب على عقبيه } قيل في معناه قولان: # احدهما - ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما ~~فيها من وجه الحكمة. # والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره، لان جهة الاستقامة إقبال، ~~وخلافها ادبار، لذلك وصف الكافر بانه ادبر واستكبر. وقال # لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى # أي عن الحق. # اللغة: # والعقب مؤخر القدم قال ثعلب: ونرد على اعقابنا: أي نعقب بالشر بعد الخير ~~وكذلك رجع على عقبيه. وسميت العقوبة عقوبة لانها تتلو الذنب. والعقبة كرة ~~بعد كرة في الركوب والمشي. والمعقباب: ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار. ~~وعقب الانسان نسله. والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن، يعقب به ~~الرماح. والنعقيب: الرجوع الى امر تريده. ومنه قوله تعالى: # ولم يعقب # ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه. واعقب الرأي خبرا، وأعقب عزه ذلا أي ~~ابدل به. والعقبة طريق في ms0357 الجبل. وعرو العقاب: الراية لشبهها بعقاب ~~الطائر. واليعقوب ذكر القبسج تشبه به الخيل في السرعة. # لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه. والمعقب: الذي يتبع الانسان في طلب ~~حق. واصل الباب التلو. # المعنى: # والضمير في قوله { وإن كانت لكبيرة } يحتمل رجوعه الى ثلاثة أشياء: ~~القبلة على قول ابن عامر. والتحويلة على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. ~~وهو الاقوى، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة. وعلى قول ابن ~~زيد الصلاة وقوله: { لكبيرة } قال الحسن: معناه ثقيله يعني التحويلة الى ~~بيت المقدس، لان العرب لم تكن قبلة احب اليهم من الكعبة. وقيل معناه ~~عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة. فاما الذين هدى الله، لان ~~المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة ما لا يعتد بها ~~ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها. # وقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قيل في معناه اقوال: # اولها - قال ابن عباس وقتادة والربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف ~~باعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى. وقيل: كيف من مات من اخواننا ~~قبل ذلك، فانزل الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم }. # الثاني - معناه قال الحسن: وانه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة ~~اتبعه بذكر ما لهم عنده من المثوبة وانه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه. ~~لان التذكير به يبعث على ملازمه الحق والرضا به. # الثالث - قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية الى الكعبة ذكر ~~سبب ذلك الذي استحقوه به وهو ايمانهم بما عملوه اولا فقال: { وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم } الذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه الى ~~الكعبة. # اللغة: # والاضاعة مصدر اضاع يضيع. وضاع الشىء يضيع ضاعة، وضعة تضيعا. قال صاحب ~~العين: ضيعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع ~~وضاع عمل فلان ضيعة، وضياعا. وتركهم بضيعة ومضيعة. والضيعه والضياع ~~معروف واصل الضياع الهلاك. # وقوله: { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } ان قيل: ما الذي اقتضى ذكر هذه ~~الصفة، قلنا ms0358 الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل ~~بالرأفة والرحمة على التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشيء منه. ~~وانما قدمت الرأفة على الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري ~~على طريقة التقديم - بما هو اعرف - مجرى اسماء الاعلام ثم اتباعه بما هو ~~هون منه ليكون مجموع ذلك تعريفا أبلغ منه، لو انفرد كل واحد عن الاخر ~~كما هو في الرحمن الرحيم فرؤف على رف فعول، لغه اهل الحجاز. على ورن فعل، ~~لغة غيرهم قال الانصاري: # نطيع نبينا لنطيع ربا # هو الرحمن كان بنا رؤفا # وقال حريز: يعني منعمين حقا، كفعل الوالد الرؤوف الرحيم. والرأفة: ~~الرحمة تقول رأف يرأف رأفة. # المعنى: # واستدل من قال الصلاة: الايمان بهذه الآية، فقالوا: سمى الله الصلوة ~~ايمانا - على تاويل ابن عباس، وقتادة، والسدي والربيع وداود بن ابي عاصم ~~وابن زيد وسعيد بن المنذر وعمرو بن عبيد وواصل وجميع المعتزلة. # ومن خالفهم من المرجئة لا يسلم هذا التأويل ويقول: الايمان على ظاهره ~~وهو التصديق ولا ينزل ذلك بقول من ليس قوله حجة، لانهم ليسوا جميع ~~المفسرين بل بعضهم ولا يكون ذلك حجة. واستدل الجبائي بهذه الآية على ان ~~الشاهد هو الحاضر دون من مات، بان قال: لو كان الرسول شاهدا على من مضى ~~قبله أو من يأتي بعده ومن هو حاضر معه لم يكن لقوله { ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا } معنى. ويؤكد ذلك قوله # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # وقال غيره: قد يجوز ان يشهد العالم بما علم وان لم يحضره - وهو الاقوى - ~~وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه، لانه قال ~~{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } فاخبر ان الجاعل لتلك القبلة كان هو ~~تعالى، وانه هو الذي نقله عنها وذلك هو النسخ، فان قيل: كيف أضاف الايمان ~~الى الاحياء وهم كانوا قالوا: كيف بمن مضى من اخواننا قلنا يجوز ذلك على ~~التغليب، لان من عادتهم ان يغلبوا المخاطب على الغائب كما يغلبون المذكر ~~على ms0359 المؤنث تنبيها على الاكمل، فيقولون: فعلنا بكما وبلغنا كما، وان كان ~~احدهما حاضرا والاخر غائبا، فان قيل كيف جاز على اصحاب النبي صلى الله ~~وآله الشك فيمن مضى من اخوانهم فلم يدروا انهم كانوا على حق في صلاتهم ~~الى بيت المقدس؟ قيل في ذلك: كيف اخواننا لو ادركوا الفضل بالتوجه، وانهم ~~أحبوا لهم ما احبوا لانفسهم. ويكون قال ذلك منافق بما فيه الرد على ~~المخالفين المنافقين. ### || [2.144] # القراءة: # قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابو جعفر، وروح { عما تعملون } بالتاء. ~~الباقون بالياء. # النزول: # وقال قوم ان هذه الآية نزلت قبل التي تقدمتها: وهي قوله: { سيقول ~~السفهاء } # المعنى: # إن قبل لم قلب النبي (صلى الله عليه وسلم) وجهه في السماء، قلنا عنه ~~جوابان: # احدهما - انه كان وعد بالتحويل عن بيت المقدس، وكان يفعل ذلك انتظارا ~~وتوقعا لما وعد به. # والثاني - انه كان يحبه محبة الطباع، ولم يكن يدعو به حتى ادركه فيه، ~~لان الانبياء لا يدعون إلا بما أذن لهم فيه لئلا تكون المصلحة في خلاف ما ~~سألوه فيكون في ردهم تنفر عن قبول قولهم. وهذا الجواب يروى عن ابن عباس، ~~وقتادة. وقيل في سبب محبة التوجه الى الكعبة ثلاثة اقول: # أولها - قال مجاهد: انه أحب ذلك، لانها كانت قبلة ابراهيم - حكاه الزجاج ~~- انها احب ذلك استدعاء العرب الى الايمان. # اللغة: # وقوله: { قد نرى } فالرؤية هي ادراك الشيء من الوجه الذي يتبين بالبصر. ~~وقوله: { تقلب وجهك } التقلب والتحول والتصرف نظائر: وهو التحرك في ~~الجهات وقوله: { ترضاها } تحبها. والرضاء ضد السخط: وهو ارادة الثواب. ~~والسخط ارادة الانتقام. وقوله: { شطر المسجد } اي نحوه، وتلقاه بلا خلاف ~~بين اهل اللغة. وعليه المفسرون كابن عباس، ومجاهد، وابي العالية، وقتادة، ~~والربيع، وابن زيد، وغيرهم. قال الشاعر: # وقد اظلكم من شطر ثغركم # هول له ظلم يغشاكم قطعا # اي من نحو ثغركم وانشد ابن عبيدة الهذلي: # ان العسير بها داء مخامرها # فشطرها نظر العينين محسور # وقال ابن احمر: # تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة # قد كارب العقد من ايفادها ms0360 الحقبا # وقال الجبائي: اراد بالشطر النصف، كأنه قال: وجهك نصف المسجد، لان شطر ~~الشيء: نصفه، فامره ان يولي وجهه نحو نصف المسجد حتى يكون مقابل الكعبة. ~~وهذا فاسد، لانه خلاف أقوال المفسرين، ولان اللفظ اذا كان مشتركا بين ~~النصف، وبين النحو ينبغي ألا يحمل على احدهما إلا بدليل. وعلى ما قلناه ~~اجماع المفسرين، قال الزجاج: يقال: هؤلاء القوم شاطرونا دورهم، تتصل ~~بدورنا كما يقال هؤلاء يناحوننا أي نحن نحوهم وهم نحونا. وقال صاحب العين ~~شطر كل شيء نصفه وشطره: قصده ونحوه، ومنه المثل احلب حلبا لك شطره اي ~~نصفه. وشطرت الشيء جعلته نصفين، وقد شطرت الشاة شطارا: وهو ان يكون احد ~~طستها اكثر من الآخر وان حلبا جميعا، ومنزل شطر: اي بعيد، وشطر فلان على ~~اهله: اي تركهم مراغما أو مخالفا. ورجل شاطر. وقد شطر شطورة، وشطورا ~~وشطارة: وهو اعيا اهله خبثا. وأصل الشطر النصف. # المعنى: # وقال السدي المعني بقوله { وإن الذين أوتوا الكتاب } هم اليهود. وقال ~~غيره: هم احبار اليهود، وعلماء النصارى غير انهم جماعة قليلة يجوز على ~~مثلهم اظهار خلاف ما يبطون، لان الجمع الكثير لا يتأتى ذلك منهم لما يرجع ~~الى العادة، وانه لم يجز بذلك مع اختلاف الدواعي، وانما يجوز العناد على ~~النفر القليل وقد مضى فيما تقدم نظير ذلك، وان على ما نذهب اليه في ~~الموافاة لا يمكن أن يكونوا عارفين بذلك إلا أن يكون نظيرهم لا يوجه وجوب ~~المعرفة، فاذا حصلت المعرفة عند ذلك فلا يستحقون عليه الثواب لان النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) يمنع منه ان يكونوا مستحقين للثواب الدائم ويكفرون ~~فيستحقون العقاب الدائم والاحباط باطل، فيؤدي ذلك الى اجتماع الاستحقاقين ~~الدائمين وذلك خلاف الاجماع. # وهذه الآية ناسخة لفرض التوجه الى بيت المقدس قبل ذلك. وروي عن ابن عباس ~~انه قال: اول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا شأن القبلة. وقال قتادة: ~~نسخت هذه الآية ما قبلها. وقال جعفر بن مبشر هذا مما نسخ من السنة ~~بالقرآن - وهذا هو الاقوى -، لانه ليس ms0361 في القرآن مما يدل على تعبده ~~بالتوجه الى بيت المقدس. ومن قال: انها نسخت قوله تعالى: { فأينما تولوا ~~فثم وجه الله } قلنا له هذه ليست منسوخة بل هي مختصة بالنوافل - في حال ~~السفر - فأما من قال: يجب على الناس ان يتوجهوا الى الميزاب الذي على ~~الكعبة ويقصدوه، فقوله باطل، لانه خلاف ظاهر القرآن. قال ابن عباس: البيت ~~كله قبلة - وهو قول جميع المفسرين. وروى بعض اصحاب الحديث: ان البيت هو ~~القبلة وان قبلته بابه. وهذا يجوز. قال فاما ان يجب على جميع الخلق ~~التوجه اليه، فهو خلاف الاجماع. # وقوله: { حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } روي عن ابي جعفر وابي عبد الله ~~(ع) ان ذلك في الفرض، وقوله: { فأينما تولوا فثم وجه الله } في النافلة. # وروى عن ابن عباس وابي جعفر محمد بن علي: انه لما حول الى الكعبة اتى ~~رجل من عبد الاشهل من الانصار وهم قيام يصلون الظهر وقد صلوا ركعتين نحو ~~بيت المقدس، فقال: ان الله قد صرف رسوله نحو البيت الحرام، فصرفوا وجوههم ~~نحو البيت الحرام في بقية صلاتهم. # الاعراب: # وقوله: { وحيثما كنتم } موضع كنتم جزم بالشرط، وتقديره وحيث ما تكونوا، ~~والفاء جواب ولولا (ما) لم يجز الجزاء (بحيث) لخروجها عن نظائرها، بانه ~~لا يستفهم بها، ولان الاضافة لها كالصلة لغيرها، وليست بصلة كصلة ~~اخواتها. والهاء في قوله تعالى: { وإنه للحق } على قول الجبائي يعود الى ~~التحويل. وقال الحسن: هي عائدة الى التوجه الى الكعبة، لانها قبلة ~~ابراهيم، والانبياء قبله. # اللغة: # و { الحق } وضع الشيء في موضعه اذا لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. # والغفلة: هي السهو عن بعض الاشياء خاصة واذا كان السهو عاما فهو فوق ~~الغفلة وهو السهو العام، لان النائم لا يقال: انه غفل عن الشيء الا مجاز. # المعنى: # وقال عطا في قوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } قال: الحرم ~~كله مسجد. وهذا مثل قول أصحابنا أن الحرم قبلة من كان نائيا عن الحرم من ~~أهل الآفاق. واختلف الناس في صلاة النبي ms0362 (صلى الله عليه وسلم) الى بيت ~~المقدس فقال قوم: كان يصلي بمكة الى الكعبة، فلما صار بالمدينة أمر ~~بالتوجه الى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد الى الكعبة. وقال قوم: ~~كان يصلي بمكة الى بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها ولا ~~يصلي في غير المكان الذي يمكن هذا فيه. وقال قوم: بل كان يصلي بمكة، وبعد ~~قدومه المدينة سبعة عشر شهرا الى بيت المقدس، ولم يكن عليه ان يجعل ~~الكعبة بينه وبينها، ثم أمره الله بالتوجه الى الكعبة. ومن صلى الى غير ~~القبلة لشبهة دخلت عليه، ثم تبينه، فان كان الوقت باقيا أعاد الصلاة. ~~وان خرج الوقت، فان كان صلى يمينا وشمالا، فلا إعادة عليه، وإن صلى الى ~~استدبارها أعاد. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. ### || [2.145] # الاعراب: # اختلف النحويون في أن جواب - لئن - لم كان جواب (لو) فقال الاخفش، ومن ~~تبعه اجيبت بجواب - لو، لان الماضي وليها كما يلي لو فاجيبت بجواب (لو) ~~ودخلت كل واحدة منهما على صاحبتها قال الله تعالى: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون # فجرى مجرى ولو ارسلنا وقال # ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله # على جواب لئن. قال سيبويه وجميع اصحابه: ان معنى { لظلوا من بعده يكفرون ~~} ليظلن ومعنى (لئن) غير معنى (لو) في قول الجماعة. وإن قالوا إن الجواب ~~متفق لانهم لا يدفعون أن معنى (لئن) ما يستقبل ومعنى (لو): ما مضى وحقيقة ~~معنى (لو) أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره. كقولك لو أتيتني لأكرمتك ~~أي لم تأتني فلم اكرمك، فامتنع الاكرام، لامتناع الاتيان. ومعنى (إن) ~~(ولئن) انما يقع بهما الشيء لوقوع غيره تقول: إن تأتني أكرمك، فالاكرام ~~يقع بوقوع الاتيان وقال بعضهم: إن كل واحدة منهما على موضعها، وانما لحق ~~في الجواب هذا التداخل، لدلالة اللام على معني القسم، فجاء الجواب بجواب ~~القسم، فاغني عن جواب الجزاء لدلالته عليه، لان معني لظلوا ليظلن وهذا هو ~~معنى قول سيبويه. ويجوز أن تقول: إن ms0363 أتيتني لم أجفك، ولا يجوز أن تقول: ~~إن اتيتني ما حفوتك، لان (ما) منفصلة (ولم) كجزء من الفعل. ألا ترى أنه ~~يجوز ان تقول: زيدا لم أضرب، ولا يجوز زيدا ما ضربت. وانما يجاب الجزاء ~~بالفعل أو الفاء، فاذا تقدم لام القسم جاز، فقلت لئن أتيتني ما جفوتك. # المعنى: # فان قيل: كيف قال { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك } وقد آمن منهم خلق؟ قلنا عن ذلك جوابان: # احدهما - قال الحسن: إن المعنى أن جميعهم لا يؤمن، وهو اختيار الجبائي. # والثاني - أن ذلك مخصوص لمن كان معاندا من أهل الكتاب دون جميعهم الذين ~~وصفهم الله، فقال { يعرفونه كما يعرفون ابناءهم } اختاره البلخي والزجاج. ~~وهذه الآية دالة على فساد قول من قال: لا يكون الوعيد بشرط، وعلى فساد ~~قول من قال بالموافاة، وإن من علم الله أنه يؤمن لا يستحق العقاب أصلا، ~~لان الله تعالى علق الوعيد بشرط يوجب أن يكون متى تحصل الشرط تحصل ~~استحقاق العقاب، وفيها دليل على فساد قول من قال: إن الوعيد لا يقع لمن ~~علم أنه لا يعصي، لان الله تعالى علم من حال الرسول أنه لا يتبع اهواءهم ~~ومع هذا يوعده إن اتبع أهواءهم. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: ~~إن في المقدور لطفا، لو فعل الله بالكافر لآمن لا محالة، من قبل أنه قيل ~~في قوله { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } قولان: # أحدهما - أن المعاند لا ينفعه الدلالة لأنه عارف والآخر أنه لا لطف لهم ~~فتلتمسه ليؤمنوا، وعلى القولين فيه دلالة على فساد قول أصحاب اللطف، لان ~~مخرجه مخرج التنصل من التخليف عنهم ما يؤمنون عنده طوعا، فلو قال قائل: ~~وما في أن الآية لا ينفعهم في الايمان لطف ينفعهم فيه لكان لا يسقط سؤاله ~~إلا بأن يقال: لا لطف لهم كما لا آية تنفعهم وقوله: { ولئن اتبعت أهواءهم ~~} قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدهما - { لئن اتبعت أهواءهم } في المداراة لهم حرصا على أن ms0364 يؤمنوا { ~~إنك إذا لمن الظالمين } لنفسك مع اعلامنا إياك: { أنهم لا يؤمنون }. # هذا قول ابي علي الجبائي. # الثاني - الدلالة على أن الوعيد يجب باتباع أهوائهم فيما دعوا اليه من ~~قبلتهم، وأنه لا ينفع مع ذلك عمل سلف، لأنه ارتداد. والخطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) والمراد به كل من كان بتلك الصفة. كما قال: # لئن أشركت ليحبطن عملك # وهذا قول الحسن، والزجاج. # الثالث - ان معناه الدلالة على فساد مذاهبهم، وتبكيتهم بها. كما تقول: ~~لئن قيل عنك أنه لخاسر تريد به التبكيت على فساد رأيه، والتبعيد من ~~قبوله. # وقوله: { وما أنت بتابع قبلتهم } قيل في معناه أربعة اقوال: # اولها - أنه لما قال: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا ~~قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم } على وجه المقابلة كما تقول: ما هم بتاركي ~~انكار الحق وما أنت بتارك الاعتراف به، فيكون الذي جر الكلام التقابل ~~للكلام الاول، وذلك حسن من كلام البلغاء. # الثاني - أن يكون المراد أنه ليس يمكنك استصلاحهم باتباع قبلتهم لاختلاف ~~وجهتهم، لان النصارى يتوجهون الى المشرق، واليهود الى بيت المقدس، فبين ~~الله تعالى: أن رضا الفريقين محال. # الثالث - أن يكون المراد حسم طمع أهل الكتاب من اليهود إذ كانوا طمعوا ~~في ذلك وظنوا انه يرجع الى الصلاة الى بيت المقدس، وماجوا في ذكره. # الرابع - انه لما كان النسخ مجوزا قبل نزول هذه الآية، فأنزل الله ~~تعالى الآية، ليرتفع ذلك التجوز. # وقوله: { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن، والسدي، وابن زيد، والجبائي: أنه لا يصير النصارى ~~كلهم يهودا، ولا اليهود كلهم يصيرون نصارى أبدا، كما لا يتبع جميعهم ~~الاسلام. وهذا من الاخبار بالغيب. # وقال غيرهم: معناه إسقاط الاعتلال بأنه مخالفة لأهل الكتاب الذين ورثوا ~~ذلك عن أنبياء الله بامره إياهم به، فكلما جاز أن يخالف بين وجهتهم ~~للاستصلاح جاز ان يخالف بوجهة ثالثة للاستصلاح في بعض الازمان. # وقد بينا حد الظلم فيما تقدم، واعترضنا قول من قال: هو الضرر والقبيح ~~الذي يستحق ms0365 به الذم من حيث أن ذلك ينقض بفعل الساهي، والنائم، والطفل، ~~والمجنون - اذا كان بصفة الظلم - فانه يكون قبيحا وان لم يستحقوا به ~~ذما. ومن خالف في ذلك كان الكلام عليه في موضع آخر. على ان المخالف في ~~ذلك ناقض، فانه قال: ان الكذب يقع من الصبي ويكون قبيحا. وهذا اذا جاز. ~~هلا جاز ان يقع منه الظلم؟ فان قال: لان العقل للانسان البالغ، يزجر ~~الصبي عن ذلك بالتاديب. قلنا مثل ذلك في الظلم سواء. ### || [2.146] # المعنى: # أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم يعرفون النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~كما يعرفون أبناءهم، وأن جماعة منهم يكتمون الحق مع علمهم بأنه حق. وقيل ~~في الحق الذي كتموه قولان: # احدهما - قال مجاهد: كتموا محمدا (صلى الله عليه وسلم) ونبوته، وهم ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل. # والثاني - قال الربيع: انهم كتموا أمر القبلة. وقوله { وهم يعلمون } ~~يحتمل امرين: # احدهما - يعلمون صحة ما كتموه. والثاني - يعلمون ما لمن دفع الحق من ~~العقاب والذم. # و (الهاء) في قوله: { يعرفونه } عائدة - في قول ابن عباس، وقتادة، ~~والربيع - على أن أمر القبلة حق. وقال الزجاج هي عائدة على أنهم يعرفون ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحة أمره، وثبوت نبوته، وانما قال: { وإن ~~فريقا منهم ليكتمون الحق } وفي أول الآية قال: { يعرفونه } على العموم، ~~لان أهل الكتاب منهم من أسلم وأقر بما يعرف فلم يدخل في جملة الكاتمين. ~~كعبد الله بن سلام، وكعب الاحبار، وغيرهما ممن دخل في الاسلام. # والعلم والمعرفة واحد. وحده ما اقتضى سكون النفس. وإن فصلت، قلت: هو ~~الاعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس. وفصل الرماني بين العلم ~~والمعرفة، بأن قال: المعرفة هي التي يتبين بها الشيء من غيره على جهة ~~التفصيل. والعلم قد يتميز به الشيء على طريق الجملة دون التفصيل كعلمك ~~بان زيدا في جملة العشرة. وإن لم تعرفه بعينه وإن فصلت بين الجملة التي ~~هو فيها، والجملة التي ليس هو فيها. وهذا غير صحيح لان المعرفة أيضا ms0366 قد ~~يتميز بها الشيء على طريق الجملة، فلا فرق بينهما. فان قيل لم قال: { ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } إنهم ابناءهم في الحقيقة، ويعرفون أن ~~محمدا (صلى الله عليه وسلم) هو النبي المبشر به في الحقيقة؟ قلنا ~~التشبيه وقع بين المعرفة بالابن في الحكم: وهي معرفة تميزه بها من غيره، ~~وبين المعرفة بالنبي المبشر به في الحقيقة، فوقع التشبيه بين معرفتين. ~~إحداهما أظهر من الاخرى. ### || [2.147] # الاعراب: # { الحق } مرتفع بأنه خبر ابتداء محذوف وتقدير ذاك الحق من ربك أو هو ~~الحق من ربك. ومثله مررت برجل كريم زيد: اي هو زيد، ولو نصب كان جائزا ~~في العربية على تقدير إعلم الحق من ربك. # المعنى: # وقوله: { فلا تكونن من الممترين } معناه من الشاكين ذهب اليه ابن زيد، ~~والربيع، وغيرهما من المفسرين. والامتراء الاستخراج. وقيل: الاستدرار. ~~فكأنه قال: فلا تكن من الشاكين فيما يلزمك استخراج الحق فيه. قال الاعشى: # تدر على اسؤق الممتري ن ركضا إذا ما السراب ارجحن # يعني الشاكين في درورها، لطول سيرها. وقيل: المستخرجين ما عندها. قال ~~صاحب العين: المري مسحك ضرع الناقة. تمر بها بيدك لكي تسكن، للحلب، ~~والريح تمري السحاب مريا. والمرية من ذلك. والمرية الشك. ومنه الامتراء، ~~والتمارى، والمماراة. والمراء. وأصل الباب الاستدرار. ويقال: بالشكر ~~تمترى النعم اي تستدر. وقال الحسن، والربيع، والجبائي: معنى الآية { فلا ~~تكونن من الممترين } في الحق الذي تقدم اخبار الله به من أمر القبلة، ~~وعناد من كتم النبوة وامتناعهم من الاجتماع على ما قامت به الحجة. وقال ~~بعضهم: { لا تكونن من الممترين } في شيء يلزمك العلم به. وهو الاولى، ~~لانه أعم، والخطاب وان كان متوجها الى النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~فالمراد به الامة كما قال تعالى: # يا أيها النبي إذا طلقتم # وقال: # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين # وقال قوم: إن الخطاب له، لأنه إنما لا يجوز عليه ذلك لملازمته أمر الله. ~~ولو لم يكن هناك أمر لم يصح أن يلازم. والنون الثقيلة يؤكد بها الامر ~~والنهي، ولا ms0367 يؤكد بها الخبر، لما كان المخبر يدل على كون المخبر به، وليس ~~كذلك الأمر والنهي، والاستخبار، لأنه لا يدل على كون المدلول عليه، فألزم ~~الخبر التأكيد بالقسم وما يتبعه من جوابه، واختصت هذه الاشياء بنون ~~التأكيد ليدل على اختلاف المعنى في المؤكد. ولما كان الخبر أصل الجمل أكد ~~بأبلغ التأكيد وهو القسم. ### || [2.148] # القراءة: # قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم (مولاها). وروي ذلك عن ابن عباس ومحمد بن ~~علي، فجعلا الفعل واقعا عليه. والمعنى واحد، كذا قال الفراء. # المعنى: # وفي قوله: { ولكل وجهة هو موليها } أقوال: # أحدهما - قال مجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، والسدي: أن لكل أهل ~~ملة من اليهود والنصارى. # الثاني - قال الحسن: إن لكل نبي وجهة واحدة: وهي الاسلام وان اختلف ~~الاحكام كما قال: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } اي في شرائع ~~الانبياء. # الثالث - قال قتادة: هو صلاتهم الى بيت المقدس، وصلاتهم الى الكعبة. # الرابع - ان لكل قوم من المسلمين وجهة، من كان منهم وراء الكعبة وقدامها ~~أو عن يمينها أو عن شمالها، وهو الذي اختاره الجبائي. والوجهة قيل فيه ~~قولان: # احدهما - انه قبلة. ذهب اليه مجاهد، وابن زيد. الثاني قال الحسن: هو ما ~~شرعه الله لهم من اسلام. # وفي (جهة) ثلاث لغات: وجهة، وجهة، ووجه. وإنما أتم لانه اسم لم يجيء على ~~الفعل. ومن قال: جهة. قال المبرد: جاء به على قولهم وجهني، ووجهته. ومعنى ~~{ موليها } مستقبلها - في قول مجاهد وغيره. كأنه قال: مول إليها، لان ولى ~~اليه نقيض ولى عنه. كقولك: انصرف اليه: وانصرف عنه. وقوله { هو } عائد - ~~على قول اكثر المفسرين - إلى كل. وقال قوم يعود على اسم الله حكاهما ~~الزجاج. و { الخيرات } هي الطاعات لله - على قول ابن زيد وغيره - وقوله: ~~{ يأت بكم الله جميعا } يعني يوم القيامة - من حيث ما متم من بلاد الله ~~- وهو قول السدي، والربيع وقد روي { ولكل وجهة } مضاف غير منون - وذلك لا ~~يجوز، لانه يكون الكلام ناقصا، لا معنى له ولا فائدة فيه. وقوله: { ~~استبقوا } يحتمل ms0368 معنيين: # احدهما - بادروا إلى ما أمرتم به مبادرة من يطلب السبق اليه. # الثاني - قال الربيع: سارعوا الى الخيرات. وهو الاولى، لانه أعم. # اللغة: # والاستباق، والابتدار، والاسراع نظائر. قال صاحب العين: السبق: القدمة ~~في الجري وفي كل أمر. تقول: له في هذا الامر سبقة، وسابقة وسبق: أي سبق ~~الناس اليه. والسبق الخطر الذي يوضع بين اهل السباق، وجمعه اسباق. ~~والسباقان في رجل الطائر الجارح قيداه من خيط أو سير. واصل الباب السبق: ~~التقدم في الامر. ### || [2.149] # قيل في تكرار قوله تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } قولان: # احدهما - أنه لما كان فرضا، نسخ ما قبله، كان من مواضع التأكيد لينصرف ~~الى الحال الثانية بعد الحال الاولى على يقين. # والثاني - أنه مقدم لما يأتي بعده ويتصل به، فاشبه الاسم الذي تكرره ~~لتخبر عنه باخبار كثيرة كقولك: زيد كريم، وزيد عالم، وزيد حليم، وما اشبه ~~ذلك مما تذكره لتعلق الفائدة به وإن كانت في نفسها معلومة عند السامع، ~~ومعنى قوله { وإنه للحق } الدلالة على وحوب المحافظة - من حيث كان حقا ~~لله فيه طاعة -، ومعنى قوله { وما الله بغافل عما تعملون } ها هنا ~~التهديد كما يقول الملك لعبيده ليس يخفى علي ما أنتم فيه، ومثله قوله: # إن ربك لبالمرصاد # والوجه الجارحة المخصوصة وقد حده الرماني بانه صفيحة فيها محاسن تعرف ~~بها الجملة، وحيث مبنية على الضم، لانها كالغاية تمامها الاضافة إلى ~~المفرد، دون الجملة، لها بمنزلة الصلة، فجرت لذلك مجرى قوله # من قبل ومن بعد ### || [2.150] # المعنى: # قيل في تكرار قوله: { ومن حيث خرجت } ثلاثة اقوال: # احدها - لاختلاف المعنى وإن اتفق اللفظ، لأن المراد بالاول: من حيث خرجت ~~منصرفا عن التوجه الى بيت المقدس. { فول وجهك شطر المسجد الحرام } وأريد ~~بالثاني أين كنت في البلاد، فتوجه نحو المسجد الحرام مستقبلا كنت لظهر ~~الكعبة أو وجهها أو يمينها او شمالها. # الثاني - لاختلاف المواطن التي تحتاج الى هذا المعنى فيها. # الثالث - لانه مواضع التأكيد بالنسخ الذي نفلوا فيه من جهة الى جهة ~~للتقرير والتثبيت. فان قيل ms0369 هل في قوله تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره } حذف منه (في الصلاة) أم هو مدلول عليه من غير حذف؟ قيل: هو ~~محذوف، لأنه اجتزء بدلالة الحال عن دلالة الكلام، ولو لم يكن هناك حال ~~دالة لم يكن بد من ذكر هذا المحذوف إذا أريد به الافهام لهذا المعنى ~~فأما قوله: عليم وحكيم. فانه يدل على المعلوم من غير حذف. # ومعنى قوله: { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ها هنا. قيل فيه قولان: # احدهما - لا تعدلوا عما أمركم الله في التوجه إلى الكعبة، فيكون لهم ~~عليكم حجة، بأن يقولوا لو كنتم تعلمون أنه من عند الله ما عدلتم عنه. # الثاني - لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة لو جاء على خلاف ما تقدمت به ~~البشارة في الكتب السالفة من أن المؤمنين سيوجهون الى الكعبة. # وموضع اللام من { لئلا } نصب والعامل فيه احد شيئين: فولوا. والآخر ما ~~دخل الكلام من معنى عرفتكم ذلك. وهو قول الزجاج. # وقوله: { إلا الذين ظلموا منهم } قيل فيه اربعة اقوال: # احدها - أنه استثناء منقطع، و { إلا } بمنزلة (لكن) كقوله # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # وقوله: ماله علي إلا التعدي، والظلم، كأنك قلت: لكن يتعدى ويظلم، وتضع ~~ذلك موضع الحق اللازم، فكذلك لكن الذين ظلموا منهم، فانهم يتعلقون ~~بالشبهة، ويضعونها موضع الحجة. فلذلك حسن الاستثناء المنقطع قال النابغة: # لاعيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # جعل ذلك عيبهم على طريق البلاغة، وان كان ليس بعيب. كأنه يقول: ان كان ~~فيهم عيب فهذا، وليس هذا بعيب، فاذا ليس فيهم عيب، فكذا إن كان على ~~المؤمنين حجة، فللظالم في احتجاجه، ولا حجة له، فليس اذا عليهم حجة. # القول الثاني - ان تكون الحجة بمعنى المحاجة، والمجادلة، كأنه قال: ~~لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا منهم، فانهم يحاجوكم ~~بالباطل. # الثالث - ما قاله ابوعبيدة ان { إلا } ها هنا بمعنى الواو كأنه قال: ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة والذين ظلموا منهم. وان ذكر ذلك الفراء ~~والمبرد ms0370 قال الفراء: لا يجىء إلا بمعنى الواو إلا اذا تقدم استثناء كما ~~قال الشاعر: # ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلا دار مروان # وانشد الاخفش: # وأرى لها دارا بأغدرة السي # دان لم يدرس لها رسم # إلا رمادا هامدا دفعت # عنه الرياح خوالد سحم # يعني أرى لها دارا ورمادا. وكأنه قال في البيت الاول: ما بالمدينة دار ~~إلا دار الخليفة ودار مروان. وخالفة ابوالعباس فلم يجز ان تكون { إلا } ~~بمعنى الواو أصلا. # الرابع - قال قطرب: يجوز الاضمار على معنى لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا على الذين ظلموا. وموضع الذين عنده خفض على هذا الوجه يجعله بدلا من ~~الكاف كأنه قيل في التقدير: لئلا يكون للناس على أحد حجة إلا الظالم. قال ~~الرماني: وهذا وجه بعيد لا ينبغي أن يتأول عليه، ولا على الوجه الذي قاله ~~ابو عبيدة والاختيار القول الاول. # وأثبتت (الياء) في قوله { واخشوني } ها هنا، وحذفت فيما عداه، لانه ~~الاصل، وعليه اجماع ها هنا. واما الحذف فللاجتزاء بالكسرة من الياء. # وقوله: { واخشوني } معناه واخشوا عقابي بدلالة الكلام عليه في الحال، ~~وإنما ذكرهم فقال { فلا تخشوهم } لانه لما ذكرهم بالظلم، والاستطالة ~~بالخصومة والمنازعه طيب بنفوس المؤمنين أي فلا تلتفتوا إلى ما يكون منهم ~~فان عاقبة السوء عليهم. وقال قتادة، والربيع: المعني بالناس ها هنا أهل ~~الكتاب. وقال غيرهما: هو على العموم - وهو الاقوى - وقال ابن عباس، ~~والربيع، وقتادة: المعني بقوله { الذين ظلموا } مشركوا العرب. وقال قوم: ~~هو على العموم - وهو الاولى -. # وقوله { لئلا } ترك الهمزة نافع. الباقون يهمزون. ويلين كل همزة مفتوحة ~~قبلها كسرة. والحجة هي الدلالة. وهي البرهان. ### || [2.151] # المعنى: # التشبيه بقوله { كما أرسلنا } يحتمل أمرين: # احدهما - ان النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة، لان الله لطف ~~بعباده بها على ما يعلم من المصلحة، ومحمود العاقبة. # الثاني - الذكر الذي أمر الله به كالنعمة بالرسالة فيما ينبغي ان يكون ~~عليه من المنزلة في العظم والاخلاص لله، كعظم النعمة. وهو على نحو قوله: # كما أحسن الله إليك # والعرب تقول: ms0371 الجزاء بالجزاء، فسمي الاول باسم الثاني للمقابلة، ~~والتشبيه لكل واحد منهما بالآخر. # الاعراب: # و (ما) في قوله: { كما } مصدرية. كأنه قال: كارسالنا فيكم ويحتمل أن ~~تكون كافة قال الشاعر: # أعلاقة أم الوليد بعدما # أفنان رأسك كالثغام المخلس # لانه لا يجوز كما زيد يحسن اليك, فأحسن الى أبنائه. والعامل في قوله { ~~كما } يجوز أن يكون أحد أمرين: # أحدهما - الفعل الذي قبله: وهو قوله: { ولأتم نعمتي عليكم } { كما ~~أرسلنا فيكم } والقول الثاني - الفعل الذي بعده: وهو فاذكروني { كما ~~أرسلنا }. والأول أحد قولي الفراء، والزجاج واختاره الجبائي. والثاني قول ~~مجاهد والحسن، وابن ابي يحتج بأحد قولي الفراء، والزجاج، واختيار الزجاج. ~~وقال الفراء: لا ذكروني جوابان: احدهما - { كما }. والآخر - أذكركم، لانه ~~لما كان يجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، أشبه - ~~من هذا الوجه - الجواب، لانه يجب للثاني فيه بوجوب الأول. # المعنى: # وقوله: { يزكيكم } معناه يعرضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة ~~الله واتباع مرضاته. ويحتمل أيضا أن يكون المراد: ينسبكم إلى أنكم ~~أزكياء شهادة لكم بذلك، ليعرفكم الناس به، وإنما قال: { الكتاب والحكمة } ~~لاختلاف الفائدة في الصفتين وإن كانتا لموصوف واحد. كقولك: هو العالم ~~بالأمور القادر عليها. ويحتمل أن يكون أراد بالكتاب: القرآن، وبالحكمة: ~~الوحي من السنة. # والكاف في قوله: { فيكم } خطاب للعرب - على قول جميع أهل التأويل. # وقوله: { ويعلمكم } معناه ما لا سبيل لكم إلى علمه إلا من جهة السمع، ~~فذكرهم الله بالنعمة فيه. ويكون التعليم لما عليه دليل من جهه العقل ~~تابعا للنعمة فيه. ولا سيما اذا أوقع موقع اللطف. # ومعنى الارسال: هو التوجه بالرسالة والتحميل لها ليؤدي الى من قصد، ~~فالدلالة والرسالة جملة مضمنة بمن يصل اليه ممن قصد بالمخاطبة. # والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة على نظام متسق في الرتبة. # والتزكية: النسبة الى الازدياد من الأفعال الحسنة التي ليست بمشوبة. ~~ويقال أيضا على معنى التعريض لذلك بالأستدعاء اليه واللطف فيه. # والحكمة: هي العلم الذي يمكن به الافعال المستقيمة. ### || [2.152] # المعنى: # الذكر المأمور به في الآية، والموعد ms0372 به، قيل فيه أربعة أقوال: # احدهما - قال سعيد بن جبير " اذكروني " بطاعتي " أذكركم " برحمتي. # الثاني - " اذكروني " بالشكر " أذكركم " بالثواب. # الثالث - " أذكروني " بالدعاء " أذكركم " بالاجابة. # الرابع - " اذكروني " بالثناء بالنعمة " أذكركم " بالثناء بالطاعة. # اللغة: # والذكر: حضور المعنى للنفس، فقد يكون بالقلب، وقد يكون بالقول، وكلاهما ~~يحضر به المعنى للنفس، وفي اكثر الاستعمال يقال: الذكر بعد النسيان، وليس ~~ذلك بموجب إلا ان يكون إلا بعد نسيان، لان كل من حضره المعنى بالقول أو ~~العقد أو الحضور بالبال: ذاكر له. واصله التنبيه على الشئ. فمن ذكر ~~ناسيا، فقد نبهه عليه. وإذا ذكرناه نحن فقد نبهنا عليه. والذكر نقيض ~~الانثى # وإنه لذكر لك # أي شرف لك من النباهة والجلالة. والفرق بين الذكر، والخاطر. أن الخاطر: ~~مرور المعنى بالقلب، والذكر قد يكون ثابتا في القلب. وقد يكون بالقول. # الاعراب: # وقوله تعالى: { واشكروا لي } معناه اشكروا لي نعمتي فحذف، لان حقيقة ~~الشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. وقوله: { ولا تكفرون } فيه ~~حذف، وتقديره: ولا تكفروا نعمتي، لان الكفر هو ستر النعمة وجحدها. لا ستر ~~المنعم. وقولهم حمدت زيدا، وذممت عمرا، فلا حذف فيه وإن كنت انما تحمد ~~من اجل الفعل الحسن، وتذم من اجل الفعل القبيح. كما أنه ليس في قولك: زيد ~~متحرك حذف، وإن كان إنما تحرك من أجل الحركة. وليس كل كلام دال على معني ~~غير مذكور يكون فيه حذف، لأن قولك زيد ضارب دال على مضروب، وليس بمحذوف، ~~وكذلك زيد قاتل دال على مقتول، وليس بمحذوف، فالحمد للشيء دلالة على انه ~~محسن، والذم له دلالة على انه مسيء كقولك: نعم الرجل زيد، وبئس الرجل ~~عمرو، وكذلك قولك: زيد المحسن، وعمرو المسيء، ليس فيه محذوف ويقال: ~~شكرتك، وشكرت لك، وإنما قيل شكرتك، لانه أوقع اسم المنعم موقع النعمة، ~~فعدى الفعل بغير واسطة والاجود: شكرت لك النعمة، لانه الاصل في الكلام، ~~والاكثر في الاستعمال. قال الشاعر: # هم جمعوا بؤسى ونعمى عليكم # فهلا شكرت القوم إذ لم تقاتل # ومثل ذلك نصحتك، ونصحت لك، وإنما حذف ms0373 (الياء) في الفواصل؛ لانها في نية ~~الوقف، فلذلك قال { ولا تكفرون } بغير (ياء) وهي في ذلك كالقوافي التي ~~يوقف عليها بغير ياء كقول الاعشى: # ومن شانيء كاشف وجهه # إذا ما انتسبت له أنكرن # يعني أنكرني فحذف الياء. ### || [2.153] # اللغة والمعنى: # الصبر هو حبس النفس عما تدعوا اليه من الامور، والصابر هو الحابس نفسه ~~عما تدعوا اليه مما لا يجوز له. وهو صفة مدح. ووجه الاستعانة بالصبر أن ~~في توطين النفس على الأمور تسهيلا لها. واستشعار الصبر إنما هو توطين ~~النفس. ووجه الاستعانة بالصلاة ما فيها من الذكر لله، واستشعار الخشوع ~~له، وتلاوة القرآن وما فيه من الوعظ، والتخويف، والوعد، والوعيد، والجنة، ~~والنار، وما فيه من البيان الذي يوجب الهدى ويكشف العمى وكل ذلك داع الى ~~طاعة الله، وزاجر عن معاصيه، فمن ها هنا كان فيه المعونة على ما فيه ~~المشقة من الطاعة. وأما الاستعانة فهي الأزدياد في القوة مثل من يريد ~~أن يحمل مئة رطل فلا يتهيأ له ذلك فاذا استعان بزيادة قوة تأتي ذلك، ~~وكذلك إن عاونه عليه غيره وعلى ذلك السبب والآلة، لانه بمنزلة الزيادة في ~~القوة. وقوله تعالى: { إن الله مع الصابرين } أي معهم بالمعونة، والنصرة، ~~كما تقول: إذا كان السلطان معك، فلا تنال من لقيت. وقد تكون { مع } في ~~الكلام على معنى الاجتماع في المكان. وذلك لا يجوز عليه تعالى. # وفي الآية دلالة على أن الصلاة فيها لطف، لان الله تعالى أمرنا ~~بالاستعانة بها، وتوضيحه قوله: # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر # ولولا هذا النص، لجوزنا أن يكون في غير ذلك. والذي يستعان عليه بالصبر ~~والصلاة. قيل فيه قولان: # احدهما - طاعة الله، كأنه قال استعينوا بهذا الضرب من الطاعة على غيره ~~فيها. والثاني - على الجهاد في سبيل الله، لأعدائه. # الاعراب: # وموضع الذين رفع لا يجوز غير ذلك عند جميع النحويين إلا المازني، فانه ~~أجاز يا أيها الرجل اقبل، والعامل فيه ما يعمل في صفة المنادي - عند جميع ~~النحويين - إلا الأخفش، فانه يجعله صلة لأي ويرفعه بأنه ms0374 خبر ابتداء ~~محذوف، كأنه قيل: يامن هم الذين آمنوا. إلا أنه لا يظهر المحذوف مع أي، ~~وإنما حمله على ذلك لزوم البيان له، فقال: الصلة تلزم، والصفة لا تلزم. ~~قال الرماني والوجه عندي أن تكون صفة بمنزلة الصلة في اللزوم، وإنما لزمت ~~أي ها هنا في النداء، لان العرض بحرف التنبيه وقع في موضع التنبيه، فلزم، ~~فلا يجوز أن تقول: نعم الذين في الدار، لان نعم إنما تعمل في الجنس الذي ~~يكره إذا أضمر فسر بها. ### || [2.154] # المعنى: # فان قيل: هل الشهداء أحياء على الحقيقة، أم معناه أنهم سيحيون وليسوا ~~أحياء؟ قلنا: الصحيح أنهم أحياء إلى أن تقوم الساعة، ثم يحيبهم الله في ~~الجنة, لا خلاف بين أهل العلم فيه إلا قولا شاذا من بعض المتأخرين. ~~والأول قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والجبائى، وابن الاخشاد، والرمانى، ~~وجميع المفسرين. والقول الثاني حكاه البلخي. يقال: ان المشركين كانوا ~~يقولون: إن أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) يقتلون نفوسهم في الحرب لا ~~لمعنى، فأنزل الله تعالى الآية. وأعلمهم أنه ليس الأمر على ما قالوه، ~~وأنهم سيحيون يوم القيامة ويثابون، ولم يذكر ذلك غيره. وقيل: ليس هم ~~أمواتا بالضلالة بل هم أحياء بالطاعة، والهدى، كما قال: # أومن كان ميتا فأحييناه # فجعل الضلالة موتا، والهداية حياة. وقيل: معناه ليس هم أمواتا بانقطاع ~~الذكر، بل هم احياء ببقاء الذكر عند الله، وثبوت الاجر عنده. واستدل ابو ~~علي الجبائي على أنهم أحياء في الحقيقة بقوله: { ولكن لا تشعرون } فقال: ~~لو كان المعنى سيحيون في الآخرة، لم يقل للمؤمنين المقرين بالبعث، ~~والنشور { ولكن لا تشعرون } لأنهم يعلمون ذلك، ويشعرون به. فان قيل: ولم ~~خص الشهداء بأنهم احياء, والمؤمنون كلهم في البرزخ أحياء؟ قيل يجوز أن ~~يكونوا ذكروا اختصاصا، تشريفا لهم. وقد يكون على جهة التقديم للبشارة ~~بذكر حالهم في البيان لما يختصون به من أنهم يرزقون، كما قال تعالى # بل أحياء عند ربهم يرزقون # وإنما قيل للجهاد سبيل الله، لأنه طريق الى ثواب الله تعالى. # اللغة: # والموت: نقص بنية ms0375 الحياة. والموت - عند من قال إنه معنى عرضي - ينافي ~~الحياة منافاة التعاقب. ومن قال: ليس بمعنى قال: هو عبارة عن فساد بنية ~~الحياة. فأما الحياة، فهي معنى بلا خلاف. # الاعراب: # وقوله: { أموات } رفع بانه خبر ابتداء محذوف، كأنه قال: لا تقولوا هم ~~أموات. ولا يجوز فيه النصب على قولك: قلت خيرا، لأن الخير في موضع ~~المصدر كأنه قال: قلت قولا حسنا. فاما قوله # ويقولون طاعة # فيجوز فيه الرفع والنصب في العربية: ألرفع على منا طاعة: والنصب على ~~نطيع طاعة والفرق بين { بل } و { لكن } ان { لكن } نفي لأحد الشيئين، ~~وإثبات للآخر، كقولك: ما قام زيد لكن عمرو، وليس كذلك { بل } ، لانها ~~للأضراب عن الأول، والاثبات للثاني، ولذلك وقعت في الايجاب كقولك: قام ~~زيد بل عمرو. فاما اذا قصد المتكلم، فانما هو ليدل على أن الثاني أحق ~~بالاخبار عنه من الاول، كقولك: قام زيد بل عمرو، كأنه لم يعتد بقيام ~~الأول. # اللغة: # والشعور: هو ابتداء العلم بالشيء من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولذلك ~~لايوصف تعالى بأنه شاعر، ولا أنه يشعر، وإنما يوصف بأنه عالم ويعلم. # وقد قيل: إن الشعور إدراك مادق للطف الحسن مأخوذ من الشعر لدقته، ومنه ~~شاعر، لانه يفطن من إقامة الوزن وحسن النظم بالطبع لما لا يفطن له غيره. # المعنى: # فان قيل: هل كون عقولهم إذا كانوا أحياء، وكيف يجوز أن يصل اليهم ثوابهم ~~مع نقصان عقولهم؟ قيل الثواب لم يصل اليهم على كنهه وانما يصل اليهم طرف ~~منه. ومثلهم في ذلك مثل النائم على حال جميلة في روضة طيبة يصل اليهم طيب ~~ريحها ولذيذ نسيمها على نحو ما جاء في الحديث من انه يفسح له مد بصره، ~~ويقال له نومة العروس. وأما الذين قتلوا في سبيل الله، فعلى ما ذكرناه من ~~الاختصاص بالفضيلة. فان قيل: كيف يجوز أن يكونوا أحياء - ونحن نرى جثتهم ~~على خلاف ما كانت عليه في الدنيا.؟ قيل: إن النعيم انما يصل الى الروح ~~وهي الحية، وهي الانسان، دون الجثة - والجثة كالجنة واللباس لصيانة ms0376 ~~الأرواح. ومن زعم ان الانسان هذه الجملة المعروفة وجعل الجثة جزء منها ~~فانه يقول: يلطف أجزاء من الانسان توصل اليه النعيم، وإن لم يكن الانسان ~~بكماله على نحو ما ذكرنا أن النعيم لا يصل اليه نفسه. ### || [2.155] # الخطاب بهذه الآية متوجه الى اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) - على ~~قول عطاء، والربيع وابي علي، والرماني، ولو قيل: أنه خطاب لجميع الخلق، ~~لكان ايضا صحيحا، لان ذلك جاز في جميعهم. # اللغة: # والابتلاء في الاصل: الطلب لظهور ما عند القادرعلى الأمر من خير أوشر. ~~والابتلاء، والاختبار، والامتحان، بمعنى واحد، والابتلاء بهذه الامور ~~المذكورة في الآية بأمور مختلفة. فالخوف هو انزعاج النفس لما يتوقع من ~~الضرر، وكان ذلك لقصد المشركين لهم بالعداوة. والجوع كان لفقرهم وتشاغلهم ~~بالجهاد في سبيل الله عن المعاش. ونقص الأموال للانقطاع بالجهاد عن ~~العمارة. والأنفس بالقتل في الحرب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ~~والجوع ضد الشبع. يقال جاع يجوع جوعا، وأجاعه إجاعة، وجوعه تجويعا، ~~وتجوع تجوعا. قال صاحب العين: الجوع اسم جامع للمخمصة، والمجاعة: عام ~~فيه جوع. والنقص نقيض الزيادة. قال صاحب العين: النقص الخسران في الحظ. ~~تقول نقص نقصا، وانتقص انتقاصا، وتناقص تناقصا، ونقصه تنقيصا، ~~واستنقص استنقاصا، وتنقصه تنقصا. والنقصان يكون مصدرا أو إسما، ~~كقولك: نقصانه كذا: أي قدر الذاهب. ونقص الشيء، ونقصته، ودخل عليه نقص: ~~في عقله ودينه. ولا يقال: نقصان. والنقيصة: الوقيعة في الناس. والنقيصة ~~انتقاص حق ذي الرحم. وتنقصه تنقصا: اذا تناول عرضه. واصل الباب النقص ~~الحط من التمام. والمال معروف. وأموال العرب أنعامهم. ورجل مال: أي ذو ~~مال. ونال: أي ذو نوال. وتقول: تمول الرجل، ومول غيره. واصل الباب المال ~~المعروف. والثمرة: أفضل ما تحمله الشجرة. # المعنى: # ووجه المصلحة في ذلك هو ما في ذلك من الامور المزعجة الى الاستدلال ~~والنظر في الادلة الدالة على النبوة، وليعلم ايضا انه ليس فيما يصيب ~~الانسان من شدة في الدنيا ما يوجب نقصان منزلته. ففي ذلك ضروب العبرة. ~~فان قيل إذا كان الله قد فعل ms0377 الابتلاء بهذه الاشياء، والمشركون أوقعوها ~~بالمؤمنين ففي ذلك إيجاب فعل من فاعلين. قلنا: لا يجب ذلك، لان الذي ~~يفعله الله تعالى غير الذي يفعله المشركون، لأن علينا ان نرضى بما فعله ~~الله ونسخط مما فعله المشركون، وليس يقدرون على شيء مما ذكر في الآية، ~~ولكنهم يقدورن على التعريض له بما هو محرم عليهم، وقبيح منهم. # الاعراب: # وفتحت الواو في لنبلونكم لامرين: # احدهما - للعلة التي فتحت الراء في لننصرنكم وهو أنه بني على الفتحة، ~~لانها أخف إذ استحق البناء على الحركة كما استحق (يا) في النداء حكم ~~البناء على الحركة. # الثاني - أنه فتح لالتقاء الساكنين إذ كان قبل معتلا لا يدخله الرفع. # المعنى: # وانما قال: { بشيء } من الخوف ولم يقل: باشياء لامرين: # احدهما - لئلا توهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف، ويكون ~~الجمع كجمع الاجناس للاختلاف، فقدر: شيء من كذا، وشيء من كذا، وأغنى ~~المذكور عن المحذوف. # والثاني - أنه وضع الواحد في موضع الجمع للابهام الذي فيه ك { من }. # والابتلاء بما ذكر لا بد ان يكون فيه لطف في الدين، وعوض في مقابلته، ~~ولا يحسن فعل ذلك لمجرد العوض - على ما ذهب اليه قوم -. فان قيل: ~~الابتلاء بأمر القبلة وغيره من عبادات الشرع هل يجري مجرى الألم - عند ~~المصيبة؟ قلنا: لا، بلا خلاف ها هنا، فانه لابد ان يكون فيه لطف في الدين ~~فان كان فيه خلاف في الألم، لأن هذه طاعات يستحق بها الثواب. وبالاخلال ~~بها - إذا كانت واجبة - يستحق العقاب، فلا يجري مجرى الألم المحض. والصبر ~~واجب كوجوب العدل الذي لايجوز عليه الانقلاب - في الشرع - إذ الصبر حبس ~~النفس عن القبيح من الأمر، وقد بينا فيما مضى ابتلاء الله تعالى العالم ~~بالعواقب، فان المراد بذلك انه يعامل معاملة المبتلي، لان العدل لا يصح ~~إلا على ذلك، لانه لو أخذهم بما يعلم أنه يكون منهم، قبل ان يفعلوه، لكان ~~ظلما وجورا، فبين الله بعد، أنه يعاملهم بالحق دون الظلم. # والوقوف على قوله: { وبشر الصابرين } حسن، وقال بعضهم: لا ms0378 يحسن. وذلك ~~غلط، من حيث كانت صفة مدح، وعامل الصفة في المدح غير عامل الموصوف، وإنما ~~وجب ذلك، لأن صفة صابر صفة كصفة تقي، كما قال الله تعالى: # إن الله مع الصابرين # والجوع: الحاجة إلى الغداء، وتختلف مراتبه في القوة والضعف. وقد يقال: ~~جوع كاذب، لأنه يتخيل به الحاجة إلى الغذاء لبعض الامور العارضة من غير ~~حقيقة. # وقوله تعالى: { وبشر الصابرين } فالتبشير في الاصل هو الاخبار بما يسر، ~~أو نعمة، يتغير له الشره، غير انه كثر استعماله فيما يسر. والصبر ~~المحمود هو حبس النفس عما قبح من الامر. ### || [2.156] # المعنى: # في قوله: { إنا لله } إقرار لله بالعبودية { وإنا إليه راجعون } فيه ~~إقرار بالبعث والنشور، وان مآل الامر يصير إليه، وإنما كانت هذه اللفظة ~~تعزية عن المصيبة، لما فيها من الدلالة على أن الله يجزها ان كانت عدلا، ~~وينصف من فاعلها إن كانت ظلما. وتقديره { إنا لله } تسليما لامره ورضا ~~بتدبيره. { وإنا إليه راجعون } ثقة بأنا إلى العدل نصير. # اللغة: # والمصيبة هي المشقة الداخلة على النفس، لما يلحقها من مضرة، وهي من ~~الاصابة، لأنها يصيبها بالبلية. ومعنى الرجوع إلى الله: الرجوع إلى ~~انفراده بالحكم كما كان أول مرة لانه قد ملك قوما في الدنيا شيئا من ~~الضر، والنفع لم يكونوا يملكونه، ثم يرجع الأمر الى ما كان إذا زال تمليك ~~العباد. # وأصل الرجوع هو مصير الشيء إلى ما كان، ولذلك يقال: رجعت الدار الى فلان ~~إذا اشتراها مرة ثانية. والرجوع والعود، والمصير نظائر. # وفي الآية معنى الامر لانها مدح عام، لكل من كان على تلك الصفة بتلك ~~الخصلة. وأجاز الكسائي والفراء في { إنا لله } الامالة، ولا يجوز ذلك في ~~غير اسم الله، مثل قولك: إنا لزيد، لا يجوز إمالته، وإنما جاز الامالة مع ~~اسم الله لكثرة الاستعمال حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، وإنما يجز ~~الامالة في غير ذلك، لان الحروف كلها وما جرى مجراها لا يجوز فيها ~~الامالة مثل (حتى) و (لكن) و (مما) وما اشبه ذلك، لأن الحروف بمنزلة بعض ms0379 ~~الكلمة من حيث امتنع فيها التصريف الذي يكون في الأسماء والأفعال. ### || [2.157] # { أولئك } إشارة إلى الصابرين الذين وصفهم الله في الآية الأولى. # وقيل في معنى الصلاة ثلاثة أقوال: # احدها - انها الدعاء، كما قال الاعشى: # وصلى على دنها وارتسم # أي دعا لها. # والثاني - انها مشتقة من الصلوى مكتنفا ذنب الفرس أو الناقة، فسميت ~~الصلاة - في الشرع - بذلك، لرفع الصلوة في الركوع والسجود. الثالث - قال ~~الزجاج: إن أصلها اللزوم من قوله # تصلى نارا حامية # أي تلزمها، والصلاة من أعظم ما يلزم من العبادة. وقال قوم: معنى الصلاة ~~ها هنا: الثناء الجميل. وقيل: بركات الدعاء، والثناء يستحق دائما، ففيه ~~معنى اللزوم، وكذلك الدعاء يدعا به مرة بعد مرة، فقيه معنى اللزوم. ~~والمصلي من الخيل الذي يلزم أثر السابق. # ومعنى { المهتدون } يعني الى الحق الذي به ينال الثواب، والسلامة من ~~العقاب. والرحمة: الانعام على المحتاج، وكل واحد يحتاج الى نعمة الله. ~~والاهتداء: الاصابة لطريق الحق وهو الاصابة للطريق المؤدي الى النعمة. ### || [2.158] # القراءة: # قرأ حمزة والكسائي { ومن يطوع } بالياء، وتشديد الطاء، والواو، وسكون ~~العين. الباقون بالتاء على فعل ماض. # اللغة: # الصفا - في الاصل - الحجر الاملس مأخوذ من الصفو. قال المبرد: الصفا: ~~كل حجر لا يخلط غيره، من طين أو تراب يتصل به حتى يصير منه، وانما ~~اشتقاقه من صفا يصفو - إذا خلص - وهو الصافي الذي لا يكدره شيء يشوبه. ~~وقيل واحد الصفا: صفاء، وقيل بل هو واحد يجمع اصفاء أو صفى - وأصله من ~~الواو -، ولانك تقول - في تثنيته: صفوان، ولانه لا يجوز فيه الامالة. # والمروة في الاصل: هي الحجارة الصلبة اللينة. وقيل: الصفا: الصغير، ~~والمروة: لغة في المرو. وقيل انه جمع مثل تمرة وتمر، قال ابو ذؤيب: # حتى كأني للحوادث مروة # والمرو: نبت. والاصل الصلابة. والنبت سمي بذلك لصلابة بزره. والصفا ~~والمروة: هما الجبلان المعروفان بالحرم، وهما من الشعائر، كما قال الله ~~تعالى. # والشعائر: المعالم للاعمال، فشعائر الله: معالم الله التي جعلها مواطن ~~للعبادة، وهي أعلام متعبداته من موقف، أو مسعى، أو منحر، وهو ms0380 مأخوذ من ~~شعرت به: أي علمت، وكل معلم لعبادة من دعاء، أو صلاة، أو اداء فريضة، فهو ~~مشعر لتلك العبادة، وواحد الشعائر شعيرة، فشعائر الله أعلام متعبداته قال ~~الكميت بن زيد: # نقتلهم جيلا فجيلا نراهم # شعائر قربان بهم نتقرب # والحج: قصد البيت بالعمل المشروع من الاحرام، والطواف، والوقوف بعرفة ~~والسعي بين الصفا والمروة. واشتقاقه من الحج الذي هو القصد - على وجه ~~التكرار والتردد قال الشاعر: # وأشهد من عوف حلولا كثيرة # يحجون سب الزبرقان المزعفرا # يعني يكثرون التردد اليه بسؤدد. وقال آخر: # يحج مأمومة في قعرها لجف # وأما العمرة في الأصل فهي الزيارة وهي ها هنا زيارة البيت بالعمل ~~المشروع: من طواف الزيارة والأحرام. وأخذت العمرة من العمارة لان الزائر ~~للمكان يعمره بزيارته له، وقوله: { فلا جناح عليه }. فالجناح هو الميل عن ~~الحق، وأصله من جنح إليه جنوحا إذا مال اليه. قال صاحب العين: الاجناح: ~~الميل. اجنحت هذا فأجتنح أي املته فمال. وقوله: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # أي مالوا إليك لصلح فمل إليهم. وجناحا الطائر: يداه، ويدا الانسان: ~~جناحاه. وجناحا العسكر جانباه، وجناحا الوادي: مجريان عن يمينه وشماله. ~~وجنحت الأبل في السير إذا أسرعت. وإنما قيل للاضلاع جوانح، لاعوجاجها. ~~وجنحت السفينة إذا مالت في أحد شقيها. وكل مائل إلى شيء فقد جنح إليه { ~~ولا جناح عليكم } أي ميل إلى مأثم. وكل ناحية: جناح، ومر جنح من الليل ~~أي قطعة نحو نصفه. وأصل الباب الميل. والطواف: الدور حول البيت. ومنه ~~الطائف: الدائر بالليل. والطائفة الجماعة كالحلقة الدائرة. ويطوف أصله ~~يتطوف، فادغمت التاء في الطاء، لانها من مخرجها، والطاء أقوى بالجهر ~~منها. # والفرق بين الطاعة والتطوع: ان الطاعة موافقة الارادة في الفريضة ~~والنافلة. والتطوع التبرز بالنافلة خاصة. واصلها الطوع الذي هو الانقياد. # المعنى: # وإنما قال { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وهو طاعة، من حيث أنه جواب ~~لمن توهم أن فيه جناحا، لصنمين كانا عليه: احدهما إساف، والآخر نائلة، ~~في قول الشعبي، وكثير من أهل العلم. وروى ذلك عن ابي جعفر وابي ms0381 عبدالله ~~(ع) وكان ذلك في عمرة القضاء ولم يكن فتح مكة بعد، وكانت الاصنام على ~~حالها حول الكعبة وقال قوم: سبب ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون ~~بينهما، فكره المسلمون ذلك خوفا أن يكون من أفعال الجاهلية، فانزل الله ~~تعالى الآية. وقال قوم عكس ذلك: أن أهل الجاهلية كانوا يكرهون السعي ~~بينهما، فظن قوم أن في الاسلام مثل ذلك، فأنزل الله تعالى الآية. وجملته ~~أن في الآية ردا على جميع من كرهه، لاختلاف أسبابه. والطواف بينهما فرض ~~عندنا في الحج والعمرة، وبه قال الحسن وعائشة وغيرهما، وهو مذهب الشافعي، ~~وأصحابه. وقال أنس بن مالك، وروى عن ابن عباس: أنه تطوع وبه قال ابو ~~حنيفة، وأصحابه، واختاره الجبائي. وعندنا ان من ترك الطواف بينهما ~~متعمدا، فلا حج له حتى يعود فيسعى، وبه قالت عائشة، والشافعي. وقال ابو ~~حنيفة، وأصحابه، والنوري: إن عاد، فحسن، وإلا جبره بدم، وقال عطاء ومجاهد ~~يجزيه ولا شيء عليه. وقوله تعالى: { ومن تطوع خيرا } قيل فيه ثلاثة ~~أقوال: # أولها { من تطوع خيرا } اي بالحج أو العمرة بعد الفريضة. الثاني - { ~~ومن تطوع خيرا } أي بالطواف بهما عند من قال إنه نفل. الثالث - { من ~~تطوع خيرا } بعد الفرائض، وهذا هو الأولى، لانه أعم. وفي الناس من قال: ~~وهو الجبائي، وغيره: إن التقدير فلا جناح عليه ألا يطوف بهما كما قال: { ~~يبين الله لكم أن تضلوا } ومعناه ألا تضلوا وكما قال: # أن تقولوا يوم القيامة # ومعناه الا تقولوا. وقال آخرون: إن ذلك لا يجوز وهو اختيار الرماني. وهو ~~الصحيح، لأن الحذف يحتاج الى دليل. ومعنى القرائتين واحد لا يختلف. # ووصف الله تعالى بأنه شاكر مجاز، لأن الشاكر في الاصل هو المظهر ~~للانعام، والله لا يلحقه المنافع، والمضار - تعالى عن ذلك - ومعناه ها ~~هنا المجازي على الطاعة بالثواب، وخروج اللفظ مخرج التلفظ حثا على ~~الاحسان اليهم، كما قال # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # والله لا يستقرض من عوز، لكن تلطف في الاستدعاء كأنه قال: من ذا الذي ~~يعمل عمل ms0382 المقرض، بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته الى ~~ذلك فكذلك، كأنه قال: { من تطوع خيرا فإن الله } يعامله معاملة الشاكر، ~~يحسن المجازاة، وايجاب المكافاة. والفرق بين التطوع والفرض أن الفرض ~~يستحق بتركه الذم والعقاب، والتطوع لا يستحق بتركه الذم، ولا العقاب. ~~وروي عن جعفر بن محمد: أن آدم نزل على الصفا، وحواء على المروة، فسمى ~~المرو باسم المرأة. ### || [2.159] # المعنى: # قيل في المعني بهذه الآية قولان: # احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والحسن، وقتادة، والسدي، ~~واختاره الجبائي، وأكثر أهل العلم: انهم اليهود، والنصارى: مثل كعب بن ~~الاشرف وكعب بن أسيد، وابن صوريا، وزيد بن تابوه، وغيرهم من علماء ~~النصارى ألذين كتموا أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونبوته: وهم يجدونه ~~مكتوبا في التوراة والانجيل مبينا فيهما. # والثاني - ذكر البلخي: أنه متناول لكل من كتم ما أنزل الله وهو أعم، ~~لأنه يدخل فيه أولئك وغيرهم، ويروى عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار ~~سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة، فكتموهم اياه، فانزل الله عزوجل { ~~إن الذين يكتمون } الآية. وإنما نزل فيهم هذا الوعيد، لان الله تعالى علم ~~منهم الكتمان، وعموم الآية يدل: على أن كل من كتم شيئا من علوم الدين، ~~وفعل مثل فعلهم في عظم الجرم أو أعظم منه، فان الوعيد يلزمه، وأما ما كان ~~دون ذلك، فلا يعلم بالآية بل بدليل آخر. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه قال: # " من سئل عن علم يعلمه، فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " # وقال ابو هريرة: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم وتلا { إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله } الآية، فهذا تغليظ للحال في كتمان علوم الدين. # وكتمان الشيء اخفاؤه مع الداعي الى اظهاره، لانه لا يقال لمن أخفى مالا ~~يدعوا الى اظهاره داع: كاتم. والكتاب الذى عني ها هنا قيل التوارة. وقيل ~~كل كتاب أنزله الله. وهو أليق بالعموم. وقال الزجاج: هو القرآن، واستدل ~~قوم بهذه الآية على وجوب العمل بخير ms0383 الواحد من حيث أن الله تعالى توعد ~~على كتمان ما أنزله، وقد بينا في اصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه، ~~لأن غاية ما في ذلك وجوب الاظهار، وليس إذا وجب الاظهار وجب القبول، كما ~~أن على الشاهد الواحد يجب إقامة الشهادة وإن لم يجب على الحاكم قبول ~~شهادته، حتى ينضم اليه ما يوجب الحكم بشهادته، وكذلك يجب على النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) إظهار ماحمله، ولا يجب على أحد قبوله حتى يقترن به ~~المعجز الدال على الصدق، ولذلك نظائر ذكرناها. على أن الله تعالى بين أن ~~الوعيد إنما توجه على من كتم ما هو بينة وهدى وهو الدليل، فمن أين أن خبر ~~الواحد بهذه المنزلة، فاذا لا دلالة في الآية على ما قالوه، والبينات ~~والهدى هي الادلة وهما بمعنى واحد، وإنما كرر لاختلاف لفظهما. وقيل: إنه ~~اراد بالبينات الحجج الدالة على نبوته (صلى الله عليه وسلم) وبالهدى إلى ~~ما يؤديه إلى الخلق من الشرائع، فعلى هذا لا تكرار. # اللغة: # واللعن في الاصل الابعاد على وجه الطرد قال الشماخ: # ذعرت به القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أراد مقام الذئب اللعن. واللعين في الحكم: الابعاد - من رحمة الله - ~~بايجاب العقوبة، فلا يجوز لعن ما لا يستحق العقوبة. وقول القائل: لعنه ~~الله دعاء، كأنه قال: أبعده الله، فاذا لعن الله عبدا، فمعناه الاخبار ~~بأنه أبعده من رحمته. # المعنى: # والمعني بقوله و { يلعنهم اللاعنون } قيل فيه أربعة أقوال: # احدها - قال قتادة، والربيع، واختاره الجبائي، والرماني، وغيرهما: انهم ~~الملائكة والمؤمنون - وهو الصحيح -، لقوله تعالى في وعيد في الكفار # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس اجمعين # فلعنة اللاعنين كلعنة الكافرين. # الثاني - قال مجاهد، وعكرمة: إنها دواب الأرض، وهو انها تقول منعنا ~~القطر لمعاصي بني آدم. # الثالث - حكاه الفراء أنه كل شيء سوى الثقلين الانس والجن، رواه عن ابن ~~عباس. # الرابع - قاله ابن مسعود: أنه إذا تلاعن الرجلان رجعت اللعنة على ~~المستحق لها، فان لم يستحقها واحد منهم رجعت على اليهود الذين كتموا ما ms0384 ~~أنزل الله. فان قيل: كيف يجوز على قول من قال: المراد به البهائم ~~اللاعنون، وهل يجوز على قياس ذلك الذاهبون؟ قلنا لما أضيف اليها فعل ما ~~يعقل عوملت معاملة ما يعقل كما قال تعالى # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # فان قيل: كيف يجوز إضافة اللعن إلى مالا يعقل من البهيمه والجماد؟ قيل: ~~لامرين احدهما - لما فيه من الآية التي تدعوا الى لعن من عمل بمصية الله. # والثاني - أن تكون البهائم تقول على جهة الالهام لما فيه من الاعتبار. ### || [2.160] # المعنى: # استثنى الله تعالى في هذه الآية من جملة الذين يستحقون اللعنة من تاب، ~~وأصلح، وبين. واختلفوا في معنى { بينوا } فقال أكثر المفسرين، كقتادة، ~~وابن زيد، والبلخي، والجبائي، والرماني: إنهم بينوا ما كتموه من البشارة ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم), وقال بعضهم: بينوا التوبة، وإصلاح السريرة ~~بالأظهار لذلك. وإنما شرط مع التوبة الاصلاح، والبيان ليرتفع الايهام بأن ~~التوبة مما سلف من الكتمان يكفي في ايجاب الثواب. # ومعنى قوله تعالى { أتوب عليهم } أقبل توبتهم. والاصل في أتوب أفعل ~~التوبة إلا أنه لما وصل بحرف الاضافة دل على ان معناه أقبل التوبة، وإنما ~~كان لفظه مشتركا بين فاعل التوبة، والقابل لها، للترغيب في صفة التوبة إذ ~~وصف بها القابل لها، وهو الله وذلك من إنعام الله على عباده، لئلا يتوهم ~~بما فيها من الدلالة على مقارفة الذنب أن الوصف بها عيب، فلذلك جعلت في ~~أعلا صفات المدح، والتوبة هي الندم الذي يقع موقع التنصل من الشيء وذلك ~~بالتحسر على موافقته، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة. واعتبر ~~قوم المعاودة الى مثله في القبح. وهو الاقوى. لاجماع الامة على سقوط ~~العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه. فان قيل: ما الفائدة في هذا ~~الاخبار، وقد علمنا أن العبد متى تاب لابد أن يتوب الله عليه؟ قلنا أما ~~على مذهبنا، فله فائدة واضحة: وهو أن اسقاط العقاب عندها ليس بواجب عقلا، ~~فاذا أخبر بذلك أفادنا مالم نكن عالمين به، ومن خالف في ذلك قال: وجه ms0385 ذلك ~~أنه لما كانت توبة مقبولة وتوبة غير مقبولة صحت الفائدة بالدلالة على أن ~~هذه التوبة مقبولة. ومعنى قبول التوبة حصول الثواب عليها وإسقاط العقاب ~~عندها. # و { التواب } فيه مبالغة إما لكثرة ما يقبل التوبة وإما لأنه لا يرد ~~تائبا منيبا أصلا. وقبول التوبة بمعنى اسقاط العقاب عندها، غير واجب ~~عندنا عقلا. وإنما علم ذلك سمعا، وتفضلا، من الله تعالى على ما وعد به ~~بالاجماع على ذلك. وقد بينا في شرح الجمل في الأصول أنه لا دلالة عقلية ~~عليه، ووصفه نفسه بالرحيم عقيب قوله { التواب } دلالة على أن اسقاط ~~العقاب عند التوبة تفضل منه ورحمة من جهته. ومن قال: إن الفعل الواجب ~~نعمة إذا كان منعما بسببه كالثواب، والعوض، فانه لما كان منعما ~~بالتكليف وبالآلام التي يستحق بها الاعواض، جاز أن يقال في الثواب والعوض ~~أنه تفضل وإن كانا واجبين، فقوله باطل، لأن ذلك إنما قلنا في الثواب ~~للضرورة، وليس ها هنا ضرورة تدعو الى ذلك. وإصلاح العمل هو إخلاصه له من ~~قبيح يشوبه، والتبيين هو التعريض للعلم الذي يمكن به صحة التميز. # الاعراب: # وموضع الذين نصب على أنه استثناء من موجب. و { إلا } حقيقتها الاستثناء. ~~ومعنى ذلك الاختصاص بالشيء دون غيره كقولك: جائني القوم إلا زيدا فقد ~~اختصصت زيدا بأنه لم يجيء، وإذا قلت ما جاءني إلا زيد، فقد اختصصت زيدا ~~بأنه جاء، واذا قلت ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصته بهذه الحال دون ~~غيرها من المشي والعدو، وما أشبه ذلك. ### || [2.161] # المعنى: # إن قبل: كيف يلعن الكافر كافرا مثله وهو الظاهر في قوله { والناس ~~أجمعين }؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: # أولها - أنه يلعنه الناس أجمعون يوم القيامة كما قال تعالى # ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # وهو قول ابي العالية. # الثاني - قال السدي: انه لا يمتنع أحد من لعن الظالمين، فيدخل في ذلك ~~لعن الكافر لأنه ظالم. # الثالث - يراد به لعن المؤمنين خصوصا، ولم يعتد بغيرهم كما يقال: ~~المؤمنون هم الناس، وهو قول قتادة والربيع، ms0386 هذا إذا حمل على أن اللعن في ~~دار الدنيا، لأن من المعلوم أن أهل ملة لا يلعن أهل ملة. # القراءة: # وحكي عن الحسن أنه قرأ { والملائكة } رفعا ويكون ذلك على حمله على معنى ~~يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون. كما تقول: عجبت من ضرب زيد، وعمرو ~~- بالرفع - وهذه قراءة شاذة لا يعول عليها لان المعتمد ما عليه الجمهور. ~~ولا يجوز رفع { أجمعين } وحده ها هنا لأن هذه اللفظة لا تكون إلا تابعة، ~~وليس في الكلام مظهر ولا مضمر تتبعه على ذلك، وإنما الحمل على المعنى ~~بمنزلة إعادة معنى العامل الأول؛ كأنك قلت: ويلعنهم الملائكة والناس ~~أجمعون. # المعنى: # والكفر ما يستحق به العقاب الدائم عندنا، وعند من خالفنا في دوام عقاب ~~فساق أهل الصلاة انه ما يستحق به العقاب الدائم الكثير، ويتعلق به أحكام ~~مخصوصة، وسواء كان الكفر في تشبيه الله تعالى بخلقه أو في تجريده في ~~أفعاله أو الرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ما كان أعظم منه في ~~القبح. واللعنة: الابعاد من الرحمة على ما بيناه مع ايجاب العقوبة، ويجري ~~ذلك من الناس على وجه الدعاء، ومن الله على وجه الحكم، وإنما قال: { ~~وماتوا وهم كفار } وكل كافر، فهو ملعون في حال كفره وإن لم يكن ممن يوافى ~~بالكفر للدلالة على خلودهم في النار إذا ماتوا على غير توبة، وقد دل ~~على ذلك ما بينه في الآية الثالثة، وإنما أكد بأجمعين ليرتفع الاحتمال، ~~والايهام قبل أن ينظر في تحقيق الاستدلال، ولهذا لم يجز الأخفش رأيت أحد ~~الرجلين كليهما، وأجاز رأيتهما كليهما، لانك إذا ذكرت الحكم مقرونا ~~بالدليل عليه، أزلت الايهام للفساد، وإذا ذكرته وحده فقد يتوهم عليك ~~الغلط في المقصد بقولك: أحد الرجلين، لما ذكرت التثنية وذكرت أحدا كنت ~~بمنزلة من ذكر الحكم، والدليل عليه فأما ذكر التثنية في رأيتهما، ~~فبمنزلة ذكر الحكم وحده. وواحد الناس إنسان في في المعنى، فأما في اللفظ، ~~فلا واحد له، وهو كنفر، ورهط مما يقال: إنه اسم للجمع. ### || [2.162] # المعنى: # والهاء ms0387 في قوله { فيها } عائدة على اللعنة في قول الزجاج. وقال ابو ~~العالية هي عائدة الى النار، ومعني قوله { ولا هم ينظرون } على قول ابي ~~العالية رفع لايهام الاعتذار كما قال: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # لئلا يتوهم أن التوبة والانابة هناك تنفع. والخلود في اللعنة يحتمل ~~أمرين أحدهما - إستحقاق اللعنة بمعنى أنها تحق عليهم أبدا. والثاني - في ~~عاقبة اللعنة: وهي النار التي لا تفنى، وإنما قال: { لا يخفف } مع أنهم ~~مخلدون، لأن التخفيف قد يكون مع الخلود، بان يقل المعاون ما يفعل، فأراد ~~الله أن يبين أنه يقع الخلود، ويرتفع التخفيف. # الاعراب: # وخالدين نصب على الحال من الهاء والميم في عليهم، كقولك: عليهم المال ~~صاغرين، والعامل فيه الاستقرار في عليهم. # اللغة: # والخلود: اللزوم أبدا، والبقاء: الوجود وقتين فصاعدا، ولذلك لم يجز في ~~صفات الله خالد، وجاز باق، ولذلك يقال: أخلد الى قوله: أي لزم معنى ما ~~أتى به، ومنه قوله تعالى # ولكنه أخلد إلى الأرض # أي مال اليها ميل اللازم لها، كأنه قبل الخلد فيها. # والفرق بين الخلود والدوام أن الدوام: هو الوجود في الأول، ولا يزال. ~~واذا قيل دام المطر، فهو على المبالغة، وحقيقته لم يزل من وقت كذا الى ~~وقت كذا، والخلود هو اللزوم أبدا. والتخفيف: هو النقصان من المقدار الذي ~~له اعتماد. والعذاب: الألم الذي له أمتداد. والانظار: الامهال قدر ما يقع ~~النظر في الخلاص، واصل النظر الطلب، فالنظر بالعين: الطلب بالعين، وكذلك ~~النظر بالقلب أو باليد أو بغيرها من الحواس، وتقول أنظر الثوب أين هو. ~~والفرق بين العذاب والايلام ان الايلام قد يكون بجزء من الالم في الوقت ~~الواحد. والعذاب له استمرار من الألم في أوقات، ومنه العذب، لاستمراره في ~~الحلق. والعذبة، لاستمرارها بالحركة. ### || [2.163] # المعنى: # يوصف تعالى بأنه واحد على أربعة أوجه أولها - إنه ليس بذي أبعاض ولا ~~يجوز عليه الانقسام. الثاني - واحد في استحقاق العبادة. الثالث - واحد لا ~~نظير له ولا شبيه. الرابع - واحد في الصفات التي يستحقها لنفسه، فهو ~~قديم، وقادر لا يعجزه شيء، ms0388 وعالم لا يخفى عليه شيء، فكل هذه الصفات ~~يستحقها وحده، والواحد شيء لا ينقسم عددا كان أو غيره، ويجري على وجهين: ~~على الحكم، وعلى جهة الوصف، فالحكم كقولك: الجزء واحد، والوصف كقولك: ~~إنسان واحد، ودار واحدة. ومعنى إله أنه يحق له العبادة، وغلط الرماني، ~~فقال: هو المستحق للعبادة، ولو كان كما قال لما كان تعالى إلها فيما لم ~~يزل، لأنه لم يفعل ما يستحق به العبادة. ومعنى ما قلناه: أنه قادر على ما ~~إذا فعله استحق به العبادة. وقيل معنى إله انه منعم بما يستحق به ~~العبادة، وهذا باطل لما قد بيناه، ولا يجوز أن يحيا أحد من الخلق ~~بالألهية، لانه يستحيل ان يقدر أحد سوى الله على ما يستحق به العبادة من ~~خلق الأجسام، والقدرة، والحياة، والشهوة، والنفاد، وكمال العقل، والحواس ~~وغير ذلك، فلا تصح الآلهية الا له، لأنه القادر على ما عددناه، والآية ~~تتصل بما قبلها وبما بعدها، فاتصالها بما قبلها، كاتصال الحسنة بالسيئة، ~~لتمحو أثرها، وتحذرمن مواقعتها، لانه لما ذكر الشرك، وأحكامه أتبع ذلك ~~بذكر التوحيد وأحكامه، واتصالها بما بعدها كاتصال الحكم بالدلالة على ~~صحته، لأن ما ذكر في الآية التي بعدها حجة على صحة التوحيد. فان قيل: كيف ~~يتصل الوصف بالرحمة بما قبله؟ قلنا، لأن العبادة تستحق بالنعمة التي هي ~~في أعلى مرتبة، ولذلك بولغ في الصفة بالرحمة، ليدل على هذا المعنى. # الاعراب: # و { هو } في موضع رفع، ولا يجوز النصب، ورفعه على البدل من موضع { لا } ~~مع الاسم، كقولك: لا رجل إلا زيد كأنك قلت: ليس إلا زيد - فيما تريد من ~~المعنى - إذا لم يعتد بغيره، ولا يجوز النصب على قولك: ما قام احد إلا ~~زيدا، لان البدل يدل على أن الاعتماد على الثاني، والمعني ذلك، والنصب ~~يدل على أن الاعتماد في الاخبار إنما هو على الاول، وقوله تعالى: { لا ~~إله إلا هو } إثبات لله تعالى وحده وهو بمنزلة قولك: الله إله وحده، ~~وإنما كان كذلك لأنه القادر على ما يستحق به الالهية، ولا يدل ms0389 على النفي ~~في هذا الخبر من قبل أنه لم يدل على إله موجود، ولا معدوم سوى الله عز ~~وجل، لكنه نقيض لقول من إدعى إلها مع الله. وإنما النفي إخبار بعدم شيء ~~كما أن الاثبات إخبار بوجوده. ### || [2.164] # القراءة: # قرأ نافع, وابن كثير، وابو عمرو، وابن عاصم، وابن عامر { الرياح } # على الجمع. الباقون على التوحيد، ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ~~ولام. # المعنى: # لما أخبر الله تعالى الكفار بأن إلههم إله واحد لاثاني له، قالوا: ما ~~الدلالة على ذلك؟ فقال الله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض } ~~الآية الى آخرها. # ووجه الدلالة من الآية { أن في خلق السماوات والأرض } يدل على أن لها ~~خالق، لا يشبهها ولا تشبهه، لانه لا يقدر على خلق الاجسام إلا القديم ~~القادر لنفسه الذي ليس بجسم، ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولابد له من ~~محدث ليس بمحدث، لاستحالة التسلسل. وأما { الليل والنهار } ، فيدلان على ~~عالم مدبر من جهة أنه فعل محكم، متقن، واقع على نظام واحد، وترتيب واحد، ~~لا يدخل شيئا من ذلك تفاوت، ولا اختلاف. # وأما { الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس } فتدل على منعم دبر ~~ذلك لمنافع خلقه، ليس من جنس البشر، ولا من قبيل الأجسام، لان الاجسام ~~يتعذر عليها فعل ذلك. # وأما الماء الذي ينزل من السماء، فيدل على منعم به يقدر على التصريف ~~فيما يشاء من الأمور، لايعجزه شيء. # وأما { إحياء الأرض بعد موتها } ، فيدل على الانعام بما يحتاج اليه ~~العباد. وإحياؤها: إخراج النبات منها، وأنواع الثمار { وبث فيها من كل ~~دابة } دال على ان لها صانعا مخالفا لها منعما بأنواع النعم. { ~~وتصريف الرياح } يدل على الاقتدار على ما لا يتأتى من العباد ولو حرصوا ~~كل الحرص، واجتهدوا كل الاجتهاد، لأنه إذا ذهبت جنوبا مثلا، فاجتمع جميع ~~الخلق على أن يقلبوها شمالا أو صبا أو دبورا، لما قدروا على ذلك، ولا ~~تمكنوا على رده من الجهة التي يجيء منها. # وأما { السحاب المسخر } فيدل على أنه ms0390 يمسكه القديم، والذي لاشبه له ولا ~~نظير، لأنه لا يقدر على تسكين الاجسام الثقال بغير علاقة ولا دعامة إلا ~~الله تعالى، وكذلك لا يقدر على تسكين الارض كذلك إلا القادر لنفسه،، فهي ~~تدل على صانع غير مصنوع قديم لا يشبهه شيء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا ~~يخفى عليه شيء، حي لا يموت واحد ليس كمثله شيء، سميع بصير # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض # لان صفات النقص لا تجوز عليه تعالى. ويدل على أنه منعم بما لا يقدر غيره ~~على الانعام بمثله، أنه يستحق بذلك العبادة دون غيره. # اللغة: # والخلق هو الاحداث للشيء على تقدير من غير احتذاء على مثال، ولذلك لا ~~يجوز إطلاقه إلا في صفات الله، لأنه ليس أحد - جميع أفعاله على ترتيب من ~~غير احتذاء على مثال - إلا الله تعالى. # وقد استعمل الخلق بمعنى المخلوق كما استعمل الرضى بمعنى المرضى، وهو ~~بمنزلة المصدر، وليس معنى المصدر معنى المخلوق، واختلف أهل العلم فيه إذا ~~كان بمعنى المصدر، فقال قوم: هو الارادة له. وقال آخرون: إنما هو على ~~معنى مقدر، كقولك: وجود وعدم، وحدوث وقدم، وهذه الاسماء تدل على مسمى ~~مقدر للبيان عن المعاني المختلفة وإلا فالمعنى بما هو الموصوف في ~~الحقيقة. وإنما جمعت السماوات ووحدت الأرض، لأنه لما ذكرت السماء بأنها ~~سبع في قوله تعالى: # ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات # وقوله: # خلق سبع سماوات # جمع لئلا يوهم التوحيد معنى الواحدة من هذه السبع. وقد دل مع ذلك قوله # ومن الأرض مثلهن # على معنى السبع، ولكنه لم يجر على جهة الافصاح بالتفصيل في اللفظ. ووجه ~~آخر: وهو أن الأرض لتشاكلها تشبه الجنس الواحد، كالرجل، والماء الذي لا ~~يجوز جمعه إلا أن يراد الاختلاف، وليس تجري السماوات مجرى الجنس، لأنه ~~دبر في كل سماء أمرها. والتدبير الذي هو حقها. # وفي اشتقاق قوله { واختلاف الليل والنهار } قولان: # احدهما - من الخلف، لأن كل واحد منهما يخلف صاحبه على وجه المعاقبة له. ~~والثاني - من اختلاف الجنس ms0391 كاختلاف السواد والبياض، لأن أحدهما لا يسد ~~مسد الآخر في الادراك. والمختلفان مالا يسد أحدهما مسد الآخر فيما يرجع ~~الى ذاته. والنهار: إتساع الضياء، وأصله الاتساع، ومنه قول الشاعر: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها # أي أوسعت، ويصلح ان يكون من النهر أي جعله كالنهر. والنهر أوسع مجاري ~~الماء، فهو أوسع من الجدول، والساقية. وإنما جمعت الليلة، ولم يجمع ~~النهار لأن النهار بمنزلة المصدر، كقولك: الضياء، يقع على الكثير ~~والقليل، فأما الليلة، فمخرجها مخرج الواحد من الليل على أنه قد جاء جمعه ~~على وجه الشذوذ. قال الشاعر: # لولا الثريدان هلكنا بالضمر # ثريد ليل وثريد بالنهر # والفلك: السفن يقع على الواحد، والجمع بلفظ واحد، ومنه قوله: # في الفلك المشحون # ومنه # واصنع الفلك بأعيننا # والفلك: فلك السماء. قال الله تعالى: # كل في فلك يسبحون # وكل مستدير فلك، والجمع أفلاك وقال صاحب العين: قيل: اسم للدوران خاصة. ~~وقيل: بل اسم لأطواق سبعة فيها النجوم. وفلكت الجارية إذا استدار ثديها. ~~والفلكة: فلكة المغزل معروف. وفلكة الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلا ~~يرضع. واصل الباب الدور، والفلك السفينة لأنها تدور بالماء أسهل دور. ~~وإنما جعل الفلك للواحد، والجمع بلفظ واحد، لأن فعل وفعل يشتركان كثيرا: ~~العرب، والعرب، والعجم، والعجم، والبخل والبخل. ومن قال في أسد: أسد. ~~قال في فلك: فلك، فجمعه على فعل. وإنما أنث الفلك إذا أريد به الجمع، ~~كقولك: السفن التي تجري في البحر. # وقوله: { وما أنزل الله من السماء } يعني من نحو السماء عند جميع ~~المفسرين. # وقال قوم: السماء تقع على السحاب، لأن كل شيء علا فوق شيء، فهو سماء له. ~~فان قيل: هل السحاب بخارات تصعد من الأرض؟ قلنا ذلك جائز لا يقطع به، ولا ~~مانع ايضا من صحته من دليل عقل، ولا سمع. والسماء: السقف، فسماء البيت ~~سقفه قال تعالى: # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # فالسماء المعروفة سقف الأرض. وأصل الباب السمو: وهو العلو. والسماء: ~~الطبقة العالية على الطبقة السافلة إلا أنها صارت بمنزلة الصفة ms0392 على ~~السماء المعروفة: وهي التي من أجل السمو كانت عالية على الطبقة السافلة. ~~والأرض الطبقة السافلة. يقال: أرض البيت وأرض الغرفة، فهو سماء لما تحته ~~من الطبقة، وارض لما فوقه، وقد صار الاسم كالعلم على الأرض المعروفة. ~~وإنما يقع على غيرها بالاضافة. # والليل هو الظلام المعاقب للنهار. وقد يقال لما لا يصل اليه ضوء الشمس: ~~هو الليل وإن كان النهار موجودا. والبحر: هو الخرق الواسع الماء الذي ~~يزيد على سعة النهر. والمنفعة: هي اللذة، والسرور وما أدى إليهما. أو إلى ~~كل واحد منهما. والنفع، والخير، والحظ نظائر، وقد تكون المنفعة بالآلام ~~إذا أدت الى لذات. والاحياء: فعل الحياة. وحياة الارض: عمارتها بالنبات، ~~وموتها إخرابها بالجفاف الذي يمتنع معه النبات. والبث: التفريق، وكل شيء ~~بثثته، فقد فرقته، ومنه قوله تعالى: # كالفراش المبثوث # وتقول: انبث الجراد في الأرض، وتقول: بثثته سري، وابثثته إذا أطلعته ~~عليه. والبث: ما يجده الرجل من كرب، أو غم في نفسه، ومنه قوله: # أشكو بثي وحزني إلى الله # وأصل الباب التفريق. وقال صاحب العين: كل شيء مما خلق الله يسمى دابة ~~مما يدب، وصار بالعرف اسما لما يركب، ويقولون للبرذون: دابة وتصغيرها ~~دويبة. ودب النمل يدب دبيبه. ودب الشراب بالانسان دبيبا. ودب القوم إلى ~~العدو أى مشوا على هيئتهم لم يشرعوا. والدبابة تتخذ في الحروب, ثم يدفع ~~إلى أصل حصن فينفقون وهم في جوف الدبابة والدب: نوع من السباع، والانثى ~~دبه. والدبة لزوم حال الرجل في فعاله. ركب فلان دبة فلان، وأخذ بدبته أي ~~عمل بعمله. # وقوله تعالى: { وتصريف الرياح } التصريف والتقليب والتسليك نظائر. ~~وتصريف الرياح تصرفها من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، وكذلك تصرف ~~الخيول، والسيول، والأمور. وصرف الدهر تقلبه، والجمع صروف. والصريف: ~~اللبن إذا سكنت رغوته. وقال بعضهم: لا يسمى صريفا حتى يتصرف به الضرع. ~~والصريف صريف الفحل بنابه حتى يسمع لذلك صوت، وكذلك صريف البكرة. وعنز ~~صارف: إذا أرادت الفحل. والصرف: صبغ أحمر، قال الاصمعي: هو الذي يصبغ به ~~الشرك. والصرف: فضل الدرهم ms0393 على الدرهم في الجودة. وكذلك بيع الذهب ~~بالفضة، ومنه اشتق إسم الصيرفي، لتصريفه أحدهما في الآخر. والصرف: ~~النافلة. والعدل: الفريضة. والصرفة: منزل من منازل القمر: كوكب إذا طلع ~~قدام الفجر، فهو أول الخريف، وإذا غاب من طلوع الفجر، فذاك أول الربيع. # والصرف: الشراب غير ممزوج. والصرفان تمر معروف، أوزنه وأجوده. وأصل ~~الباب: القلب عن الشيء. والسحاب: مشتق من السحب وهو حرك الشيء على وجه ~~الأرض، تسحبه سحبا كما تسحب المرأة ذيلها، وكما تسحب الريح التراب، وسمي ~~السحاب سحابا، لا نسحابه في السماء وكل منجر منسحب. # والتسخير، والتذليل، والتمهيد نظائر. تقول: سخر الله لفلان كذا إذا سهله ~~له، كما سخر الرياح لسليمان. وسخرت الرجل تسخيرا إذا اضطهدته، فكلفته ~~عملا بلا أجرة. وهي السخرة، وسخر منه إذا استهزأ به، قال الله تعالى # فيسخرون منهم سخر الله منهم # وقال # فاتخذتموهم سخريا # من الاستهزاء، وسخريا من تسخير الحول وما اشبهه. واصل الباب: التسخير: ~~التذليل. # المعنى: # وقيل في تصريف الرياح قولان: احدهما - هبوبها شمالا وجنوبا وصبا ~~ودبورا. والثاني - قيل مجيؤها بالرحمة مرة وبالعذاب أخرى. وهو قول ~~قتادة. # وقوله: { لقوم يعقلون } فيه قولان: احدهما - أنه عام لمن استدل به، ومن ~~لم يستدل من العقلاء. والثاني - أنه خاص لمن استدل به كما قال: # إنما أنت منذر من يخشاها # وكما قال # هدى للمتقين # لما كانوا هم الذين اهتدوا بها وخشوا عند مجيئه أضيف إليهم وإنما أضيفت ~~الآيات الى العقلاء لامرين: أحدهما - لأنها نصبت لهم. والثاني - لأنها لا ~~يصح أن يستدل بها سواهم. # اللغة: # قال ابو زيد: قال القيسيون: الرياح أربع: الشمال، والجنوب، والصبا، ~~والدبور. فأما الشمال عن يمين القبلة والجنوب عن شمالها والصبا والدبور ~~متقابلتان، فالصبا من قبل المشرق والدبور من قبل المغرب واذا جائت الريح ~~بين الصبا، والشمال، فهي النكباء التي لايختلف فيها. والتي بين الجنوب ~~والصبا، فهي الجريباء، وروى ابن الاعرابي عن الاصمعي، وغيره: ان الرياح ~~اربع: الجنوب، والشمال، والصبا، والدبور. قال ابن الاعرابي: كل ريح بين ~~ريحين، فهي نكباء. قال الاصمعي: اذا انحرفت واحدة منهن، ms0394 فهي نكباء، ~~وجمعها نكب. فاما مهبهن، فان ابن الاعرابي قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل ~~إلى مطلع الثريا، والصبا من مطلع الثريا الى بنات نعش، والشمال من بنات ~~نعش الى مسقط النسر الطائر، والدبور من مسقط النسر الطائر الى مطلع سهيل، ~~والجنوب، والدبور لهما هيف والهيف: الريح الحارة، والصبا، والشمال: لا ~~هيف لهما. وقال الأصمعي: ما بين سهيل الى طرف بياض الفجر: جنوب. ومابان ~~انهما هما، يستقبلهما من الغرب: شمال، وما جاء من وارء البيت الحرام فهو ~~دبور، وما جاء قبالة ذلك، فهو صبا. وتسمى الصبا قبولا، لأنها تستقبل ~~الدبور، وتسمى الجنوب الازيب، والنعامى. وتسمى الشمال محوة ولا تصرف، ~~لأنها تمحوا السحاب وتسمى الجريباء، وتسمى مسعا، وتسعا وتسمى الجنوب ~~اللاقح. والشمال حائلا، وتسمى ايضا عقيما، وتسمى الصبا عقيما ايضا. قال ~~الله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # وهي التي لا تلقح السحاب. والذاريات التي تذروا التراب ذروا. # ومن قرأ بلفظ الجمع، فلأن كل واحدة من هذه الرياح مثل الاخرى في دلالتها ~~على التوحيد وتسخيرها لنفع الناس. ومن وحد أراد به الجنس كما قالوا أهلك ~~الناس الدينار، والدرهم. ### || [2.165] # القراءة: # قرأ نافع وابن عامر، وأبو جعفر من طريق النهرواني " ولو ترى " بالتاء. ~~الباقون بالياء. وقرأ أبوجعفر، ويعقوب " إن القوة لله، وإن الله " بكسر ~~الهمزة فيهما. الباقون بفتحهما. وقرأ ابن عامر وحده " إذ يرون " بضم ~~الياء. والباقون بفتحها. # اللغة: # الانداد، والامثال، والاشباه نظائر، والانداد واحدها ند. وقيل الاضداد. ~~وأصل الند المثل المناوي والمراد به هنا قال قتادة، والربيع، ومجاهد، ~~وابن زيد. وأكثر المفسرين آلهتهم التي كانوا يعبدونها. وقال السدي: ~~رؤساؤهم الذين يطيعونهم طاعة الارباب من الرجال. وقوله تعالى { يحبونهم } ~~فالمحبة هي الارادة إلا ان فيها حذفا، وليس ذلك في الارادة فاذا قلت: ~~أحب زيدا معناه أريد منافعه أو مدحه، وإذا أحب الله تعالى عبدا فمعناه ~~أنه يريد ثوابه وتعظيمه، وإذا قال: أحب الله معناه أريد طاعته واتباع ~~أوامره، ولا يقال: أريد زيدا، ولا أريد الله ولا إن الله يريد المؤمن، ms0395 ~~فاعتيد الحذف في المحبة، ولم يعتد في الارادة. وفي الناس من قال: المحبة ~~ليست من جنس الارادة، بل هي من جنس ميل الطبع، كما تقولون: أحب ولدي أي ~~يميل طبعي اليه وذلك مجاز، بدلالة أنهم يقولون: أحببت أن أفعل بمعنى أردت ~~أن أفعل. وضد الحب البغض. وتقول: أحبه حبا، وتحبب تحببا، وحببه ~~تحبيبا، وتحابا تحابا. والمحبة: الحب. والحب واحده حبة من بر، أو شعير، ~~أو عنب. أو ما أشبه ذلك. والحبة بزور البقل. وحبة القلب ثمرته. والحب: ~~الجرة الضخمة. والحب القرط من حبة واحدة. وحباب الماء: فقاقيعه. والحباب ~~الحبة. وأحب البعير إحبابا: إذا برك، فلا يثور، كالحران في الخيل، قال ~~أبوعبيدة: ومنه قوله تعالى # أحببت حب الخير عن ذكر أبي # أي لصقت بالأرض لحب الخير، حتى تأتيني الصلاة. وأصل الباب: الحب ضد ~~البغض. # المعنى: # وقوله: { كحب الله } قيل في هذه الاضافة ثلاثة أقوال: أحدها - كحبكم ~~الله. والثاني - كحبهم الله. والثالث - كحب الله الواجب عليهم لا الواقع ~~منهم، كما قال الشاعر: # فلست مسلما ما دمت حيا # على زيد بتسليم الأمير # أي مثل تسليمي على الامير. فان قيل: كيف يحب المشرك - الذي لا يعرف الله ~~- شيئا كحبه لله؟ قلنا من قال: إن الكفار يعرفون الله قال: كحبه لله. ~~ومن قال: هم لا يعرفون الله - على ما يقوله أصحاب الموافاة - قال: معناه ~~كحب المؤمنين لله أو كالحب الواجب عليهم. # وقوله تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله } قيل في معناه قولان: # أحدهما - { أشد حبا لله } للاخلاص له من الاشراك به. # والثاني - لانهم عبدوا من يملك الضر والنفع، والثواب، والعقاب، فهم أشد ~~حبا لله بذلك ممن عبد الأوثان. # الاعراب: # ويجوز فتح { أن } من ثلاثة أوجه، وكسرها من ثلاثة أوجه - مع القراءة ~~بالياء -: # أولها - يجوز فتحها بايقاع الفعل عليها بمعنى المصدر. وتقديره { ولو يرى ~~الذين ظلموا إذ يرون العذاب } قوة الله وشدة عذابه. # الثاني - أن يفتح على حذف اللام كقولك: لأن القوة لله. # الثالث - على تقدير لرأوا أن القوة لله، على الاتصال بما حذف من الجواب. ms0396 ~~والأول من الكسر على الاستئناف. الثاني - على الحكاية مما حذف من الجواب ~~كأنه قيل: لقالوا إن القوة لله جميعا. الثالث - على الاتصال مما حذف من ~~الحال، كقولك: يقولون: إن القوة لله. # ومن قرأ بالتاء، يجوز ايضا في الفتح ثلاثة أوجه. وفي الكسر ثلاثة أوجه: ~~أول الفتح - على البدل، كقولك: ولو ترى الذين ظلموا أن القوة لله عليهم، ~~وهو معنى قول الفراء. الثاني - لأن القوة لله. الثالث - أرأيت أن القوة ~~لله. قال أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء لا يجوز أن تنصب أن إلا بالفعل ~~المحذوف - في الجواب. وأما البدل فلا يجوز، لأنها ليست { الذين ظلموا } ~~ولا بعضهم ولا مشتملة عليهم، هذا إن جعل الرؤية من رؤية البصر. وإن جعلها ~~من رؤية القلب، فلا يجوز ايضا، لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو ~~الأول في المعنى, وقوله تعالى: { إن القوة لله } لا يكون الذين ظلموا، ~~فلم يبق بعد ذلك إلا أنه ينتصب بفعل محذوف. والكسر مع التاء مثل الكسر مع ~~الياء. واختار الفراء - مع الياء - الفتح، ومع التاء الكسر، لأن الرؤية ~~قد وقعت على الذين، وجواب لو محذوف، كأنه قيل: لرأوا مضرة اتخاذهم ~~للأنداد، ولرأوا أمرا عظيما لا يحصر بالاوهام. وحذف الجواب، يدل على ~~المبالغة، كقولك: لو رأيت السياط تأخذ فلانا. # والضمير في قوله { يتخذ } عائد على لفظ من. وفي قوله يحبونهم على معنى ~~من، لأن من مبهم، فمرة يحمل الكلام منها على اللفظ، وأخرى على المعنى، ~~كما قال: # ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا # بالتاء، والياء - حملا لمن على اللفظ والمعنى. # واتصلت الآية بما قبلها اتصال انكار، كأنه قال: أبعد هذا البيان والأدلة ~~القاهرة على وحدانيته، يتخذون الأنداد من دون الله. # ومن قرأ قوله { ولو ترى } - بالتاء - جعل الخطاب للنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) والمراد به غيره، كما قال: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # والذين على هذا في موضع نصب. ومن قرأ بالياء يكون الذين في موضع رفع ~~بأنهم الفاعلون. # وقوله { جميعا } نصب على الحال؛ كأنه قيل: إن ms0397 القوة لله ثابته لله في ~~حال اجتماعها. وهي صفة مبالغة بمعنى إذا رأوا مقدورات الله فيما تقدم ~~الوعيد به، علموا أن الله قادر لا يعجزه شيء. # والشدة قوة العقد، وهو ضد الرخاوة. والقوة والقدرة واحد. و { ترى } في ~~قوله تعالى: { ولو ترى } من رؤية العين بدلالة أنها تعدت الى مفعول واحد، ~~لان التقدير ولو ترون أن القوة لله جميعا أي ولو يرى الكفار ذلك. # ومن قرأ - بالتاء - يقوى انها المتعدية الى مفعول واحد، ويدل على ذلك ~~ايضا قوله { إذ يرون العذاب } ، وقوله: { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } ~~{ فلا يخفف عنهم } ، فتعدى الى مفعول واحد. فان قيل: كيف قال: { ولو يرى ~~الذين ظلموا } وهو أمر مستقبل، وإذ لما مضى؟ قيل: إنما جاء على لفظ المضي ~~لأرادة التقريب في ذلك، كما جاء # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # وعلى هذا جاء في هذا المعنى أمثلة الماضي كقوله: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة # هكذا ذكره أبو علي الفارسي قال: وعلى هذا المعنى جاء في مواضع كثيرة في ~~القرآن، كقوله تعالى # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم # ولو ترى إذ وقفوا على النار # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة # كذلك هذه الآية. ### || [2.166] # الاعراب واللغة: # العامل في { إذ } قوله تعالى: { وإن الله شديد العقاب إذ تبرأ الذين } ~~كأنه قيل وقت تبرأوا. # والتبرء: التباعد للعداوة، فاذا قيل تبرأ الله من المشركين معناه ~~باعدهم من رحمته، وكذلك إذا تبرء الرسول منهم معناه باعدهم - للعداوة - ~~عن منازل من لا يحب له الكراهة. # والتبرء في أصل اللغة، والتزيل، والتقصي نظائر. وضد التبرء التولي. # والاتباع: طلب الاتفاق في مكان، أو مقال، أو فعال، فاذا قيل اتبعه ~~ليلحقه، فمعناه ليتفق معه في المكان، واذا تبعه في مذهبه أو في سيره أو ~~غير ذلك من الاحوال، فمعناه طلب الاتفاق. # و { اتبعوا } ظمت الألف فيه لضمة الثالث، وضمة الثالث لما لم يسم فاعله، ~~لأنه إنما ms0398 يضم له أول المتحرك من الفعل فيما بني عليه، والف الوصل لا ~~يعتد به، لأنه وصلة الى التكلم بالساكن فاذا اتصل بمتحرك، استغني عنه. # المعنى: # والمعني بقوله: { الذين اتبعوا } رؤساء الضلالة من الانس. وقال قوم: هم ~~من الجن. وقيل: من الجميع. والأول - قول قتادة، والربيع، وعطا. والثاني - ~~قول السدي. # وقوله تعالى: { وتقطعت بهم الأسباب } فالتقطع: التباعد بعد الاتصال. ~~والسبب: الوصلة الى التعذر بما يصلح من الطلب. ومعنى الأسباب ها هنا. قيل ~~فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال مجاهد. وقتادة، والربيع، وفي رواية عن ابن عباس: هي الوصلات ~~التي كانوا يتواصلون عليها. # الثاني - روي عن ابن عباس: أنها الأرحام التى كانوا يتقاطعون بها. # الثالث - قال ابن زيد: الأعمال التي كانوا يوصلونها. وقال الجبائي: ~~تقطعت بهم اسباب: النجاة. # اللغة: # والسبب: الحبل. والسبب: ما تسببت به من رحم، أو يد، أو دين. ومنه قوله: # فليرتقوا في الأسباب # تقول العرب. إذا كان الرجل ذا دين: ارتقا في الأسباب. والسب: الشتم. ~~والسب: القطع. والسب: الشقة البيضاء من الثياب، وهي السبيبة، ومضت سبة ~~من الدهر أي ملاوة. والسب: الوتد. والسبابة: ما بين الوسطى والابهام. ~~والتسبب: التوصل الى ما هو منقطع عنك. ويقال: تسبب يتسبب تسببا، ~~واستبوا استبابا، وسبب تسبيبا، وسابه متسابة؟. ### || [2.167] # المعنى: # المعني بقوله: { وقال الذين اتبعوا } هم الذين تبرءوا منهم: ساداتهم ~~الذين اتبعوهم { لو أن لنا كرة } يعني رجعة الى دار الدنيا، قال الاخطل: # ولقد عطفن على فزارة عطفة # كر المنيح وجلن ثم مجالا # فالعامل في { لو أن } محذوف، كأنه قال: لو صح أن لنا كرة، لأن { لو } ~~في التمني، وغيره تطلب الفعل. وإن شئت قدرته: لو ثبت أن لنا كرة. # اللغة: # والكر نقيض الفر تقول: كر يكر كرا, وكرة, وتكرر تكررا, وكرر ~~تكريرا، وتكرارا. والكرة والفرة متقابلان. والكر والرجع والفتل نظائر ~~في اللغة قال صاحب العين: الكر الرجوع عن الشيء ومنه التكرار. والكر ~~الحبل الغليظ. وقيل: الشديد الفتل. والكرير صوت في الحلق. والكرير: نهر. ~~والكرة: سبرقين وتراب، يدق، ويجلا به الدروع. # وقوله { فنتبرء منهم ms0399 } فالتبرء والانفصال واحد، ومنه برىء من مرضه: اذا ~~انفصل منه بالعافية. ومنه برىء من الدين براءة. وبرىء الله من الخلق. # الاعراب: # وانتصب { فنتبرء } على أنه جواب التمني - بالفاء - كأنه قال: لو كان ~~لنا كرة فتبرءا وكلما عطف للفعل على تأويل المصدر، نصب باضمار { أن }. ~~ولا يجوز اظهارها. # المعنى: # وقوله: { كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات } وذلك لانقطاع الرجاء من كل ~~واحد منهما. وقيل ايضا: كما أراهم العذاب يريهم أعمالهم حسرات عليهم. # وذلك، لأنهم أيقنوا بالهلاك في كل واحد منهما. والعامل في الكاف يريهم. # والأعمال التي يرونها حسرات قيل فيها ثلاثة أقوال: # أحدها - المعاصي يتحسرون عليها لم عملوها. # الثاني - الطاعات يتحسرون عليها لم لم يعملوها، وكيف ضيعوها، ومثله # زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون # أي أعمالهم التي فرضناها عليهم، أو ندبناهم اليها. وروي عن أبي جعفر (ع) ~~أنه قال: هو الرجل يكتسب المال، ولا يعمل فيه خيرا، فيرثه من يعمل فيه ~~عملا صالحا، فيرى الأول ما كسبه حسرة في ميزان غيره. فان قيل: لو جاز أن ~~تضاف الأعمال التي رغبوا فيها، ولم يفعلوها بأنها أعمالهم لجاز أن يقال: ~~الجنة دارهم وحور العين أزواجهم لأنهم عرضوا لها! قلنا لا يجب ذلك، لأنا ~~إنما حملنا على ذلك للضرورة. ولو سمى الله تعالى الجنة بأنها دارهم ~~لتأولنا ذلك، ولكن لم يثبت ذلك، فلا يقاس على غيره. # الثالث - الثواب فان الله تعالى يريهم مقادير الثواب التي عرضهم لها لو ~~فعلوا الطاعات فيتحسرون عليه - لم فرطوا فيه - والقول الأول قول الربيع، ~~وابن زيد، واختيار الجبائي، وأحد قولي البلخي. والثاني قول عبدالله، ~~والسدي، وأحد قولي البلخي. وهو كما تقول الانسان أقبل على عملك وأعقدت ~~عليه عملا قلت في عملك، والذي أقوله: ان الكلام يحتمل أمرين: فلا ينبغي ~~أن يقطع على واحد منهما إلا بدليل إلا ان الاول أقوى، لانه الحقيقة. # والله أعلم بمراده. # اللغة: # والحسرات: جمع الحسرة، وهي أشد من الندامة. والفرق بينهما وبين الارادة ~~ان الحسرة تتعلق بالماضي خاصه، والارادة تتعلق بالمستقبل، لان الحسرة ~~انما هي على ما ms0400 فات بوقوعه أو يتقضي وقته. وانما حركت السين، لانه اسم ~~على فعلة اوسطه ليس من حروف العلة، ولو كان صفة لقلت: صعبات فلم يحرك, ~~وكذلك جوزات وبيضات. وانما حرك الاسم، لانه على خلاف الجمع السالم، إذ ~~كان كان انما يستحقه ما يعقل. # والحسرة والندامة نظائر، وهي نقيض الغبطة. وتقول: حسرت العمامة عن رأسي ~~إذا كشفتها. وحسر عن ذراعيه حسرا، وانحسر انحسارا، وحسرة تحسيرا. ~~والحاسر في الحرب الذي لا درع عليه، ولا مغفر. وحسر يحسر حسرة وحسرا: ~~اذا كمد على الشيء الفائت، وتلهف عليه. وحسرت الناقة حسورا: اذا أعيت. ~~وحسر البصر اذا كل عن البصر: والمحسرة: المكنسة. والطير يتحسر: اذا خرج ~~من ريشه العتيق الى الحديث. وأصل الباب الحسر: الكشف. # وفي الآية دلالة على انه كان فيهم قدرة على البراءة منهم، لانهم لو لم ~~يكونوا قادرين لم يجز أن يتحسروا على ما فات، كما لا يتحسر الانسان لم لم ~~يصعد الى السماء، ولا من كونه في الارض. ### || [2.168] # القراءة: # قرأ نافع، وأبو عمر، وحمزة، وخلف، وأبو بكر إلا البرجمي، والبزي إلا ابن ~~مرج والربيبي إلا الولي { خطوات } بسكون الطاء حيث وقع. والباقون بضمها. # اللغة: # الأكل: هو البلع عن مضغ، وبلع الحصا ليس بأكل في الحقيقة، وقد قيل: ~~النعام يأكل الخمر، فأجروه مجرى فلان يأكل الطعام. ويقال: مضغه ولم ~~يأكله. والحلال: هو الجائز من أفعال العباد، مأخوذ من أنه طلق، لم يعقد ~~بحظر. والمباح هو الحلال بعينه، وليس كل حسن حلالا، لأن أفعاله تعالى ~~حسنة ولا يقال: انها حلال؛ إذا لحلال اطلاق في الفعل لمن يجوز عليه ~~المنع. وتقول: حل يحل حلالا، وحل يحل حلولا، وحل العقد حلا، وأحله ~~إحلالا، واستحل استحلالا، وتحلل تحللا واحتل احتلا، وتحالوا تحالا، ~~وحاله محالة، وحلله تحليلا، وانحل انحلالا، وحل العقد يحله حلا، وكل جامد ~~أذبته فقد حللته، وحل بالمكان اذا نزل به، وحل الدين محلا، وأحل من ~~إحرامه وحل، والحل: الحلال. ومن قرأ " يحلل " معناه ينزل ومن قرأ " يحل " ~~معناه يجب، وحلت عليه العقوبة أي وجبت. ms0401 والحلال الجدي الذي يشق عن بطن ~~أمه، وتحلة اليمين، منه قول الشاعر: # تحفي التراب بأضلاف ثمانية # في أربع مسهن الأرض تحليل # أي هين. والحليل، والحليلة: الزوج والمرأة سميا بذلك، لأنهما يحلان في ~~موضع واحد. والحلة: أزار، ورداء برد، وغيره. لا يقال حلة حتى يكون ثوبين. ~~والاحليل مخرج اللبن من الضبي، والفرس، وخلف الناقة، وغيرها، وهو مخرج ~~البول من الذكر. وأصل الباب: الحل نقيض العقد، ومنه أحل من إحرامه، لأنه ~~حل عقد الاحرام بالخروج منه. وتحلة اليمين أخذ أقل القليل، لأن عقدة ~~اليمين تنحل به. # والطيب: هو الخالص من شائب ينغص، وهو على ثلاثة أقسام: # الطيب المستلذ، والطيب الجائز، والطيب الطاهر، كقوله تعالى: # فتيمموا صعيدا طيبا # أي طاهرا. والاصل واحد، وهو المستلذ إلا أنه يوصف به الطاهر، والجائر ~~تشبيها إذ ما يزجر عنه العقل أو الشرع، كالذي تكرهه النفس في الصرف عنه، ~~وما تدعوا اليه بخلاف ذلك. وتقول: طاب طيبا، واستطاب استطابة، وطايبه ~~مطايبة، وتطيب تطيبا، وتطيبه تطييبا، والطيب: الحلال والنضيف، والطهور، ~~من الطيب. وأصل الباب: الطيب خلاف الخبيث. # والخطوة: بعد ما بين قدمي الماشي. والخطوة المرة من الخطو: وهو نقل قدم ~~الماشي. وتقول: خطوة، وخطوة واحدة. والاسم: الخطوة، وجمعها خطى، وقوله ~~تعالى: { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي لا تتبعوا آثاره ولا تقتدوا به. ~~وأصل الباب الخطو: نقل القدم قدما. والعدو: المباعد عن الخير الى الشر. ~~والولي نقيضه. # المعنى: # وإنما قال: { حلالا طيبا } فجمع الوصفين، لاختلاف الفائدتين: إذ وصفه ~~بأنه حلال يفيد بأنه طلق. ووصفه بانه طيب مفيد أنه مستلذ إما في العاجل ~~وإما في الآجل. # و { خطوات الشيطان } ها هنا قيل فيه خمسة أقوال: فقال ابن عباس: أعماله. ~~وقال مجاهد، وقتادة: خطاياه، وقال السدي: طاعتكم إياه. وقال الخليل: ~~ايثاره. وقال قوم: هي النذور في المعاصي. وقال الجبائي: ما يتخطى بكم ~~اليه بالأمر والترغيب. وروي أن هذه الآية نزلت، لما حرم أهل الجاهلية من ~~ثقيف، وخزاعة، وبني مدلج من الانعام، والحرث: البحيرة والسائبة والوصيلة، ~~فنهى الله تعالى عما كانوا يفعلونه، وأمر ms0402 المؤمنين بخلافه. والاذن في ~~الحلال يدل على حظر الحرام على اختلاف ضرور به، وأنواعه، فحملها على ~~العموم أولى. والمآكل، والمنافع في الاصل للناس فيها ثلاثة أقوال: فقال ~~قوم: هي على الحظر. وقال آخرون: هي على الاباحة. وقال قوم: هي على الوقف. ~~وحكي الرماني: أن فيهم من قال: بعضها على الحظر، وبعضها على الاباحة. وقد ~~بينا ما عندنا في ذلك في أصول الفقه إلا أن هذه الآية دالة على إباحة ~~المآكل إلا ما دل الدليل على حظره. وقوله: { انه لكم عدو مبين } في وصف ~~الشيطان معناه أنه مظهر العداوة بما يدعوا اليه من خلاف الطاعة لله التي ~~فيها النجاة من الهلاك، والفوز بالجنة. ### || [2.169] # اللغة: # الأمر من الشيطان هو دعاؤه الى الفعل، فأما الأمر في اللغة، فهو قول ~~القائل لمن هو دونه: إفعل. واذا كان فوقه سمي ذلك دعاء، ومسألة. وهل ~~يقتضي الأمر الايجاب، أو الندب، ذكرناه في أصول الفقه، فلا نطول بذكره ها ~~هنا. والسوء: كل فعل قبيح يزجر عنه العقل أو الشرع، ويسمى ما تنفر عنه ~~النفس سوء، تقول: ساءني كذا يسوءني سوء. وقيل إنما سمي القبيح سوء، لسوء ~~عاقبته، لأنه يلتذ به في العاجل، ولا يخلوا المكلف من الزجر عن القبيح ~~إما عقلا، أو شرعا، ولو خلا منه لكان معرى بالقبيح، وذلك لا يجوز. # والسوء في الآية قيل فيه قولان: قال السدي: هو المعاصي. وقال غيره: ما ~~يسوء الفاعل: يعني ما يضره. والمعنى قريب من الأول، والأول هو الصحيح. ~~والفحشاء: هو العظيم القبح في الفعل، وكذلك الفاحشة. وقيل المراد به: ~~الزنا من الفجور، عن السدي. والفحشاء: مصدر فحش فحشا، كقولك: ضره ضرا ~~وسره سراء وسرا. والفحشاء، والفاحشة، والقبيحة، والسيئة نظائر، ونقيضها ~~الحسنة. تقول: فحش فحشا، وافحش إفحاشا، وتفاحش تفاحشا، وفحش تفحيشا، ~~واستفحش استفحاشا، وكل من تجاوز قدره فهو فاحش. وأفحش الرجل: اذا قال ~~فحشا، وكل شيء لم يكن موافقا للحق، فهو فاحشة. قال الله تعالى: # إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # يعني بذلك خروجها من بيتها بغير إذن زوجها ms0403 المطلق لها. وقال تعالى # وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي # والقول: كلام له عبارة تنبىء عن الحكاية، وذلك ككلام زيد، يمكن أن يأتي ~~عمرو بعبارة عنه تنبىء عن الحكاية له فيقول: قال زيد كذا وكذا، فيكون ~~قوله: قال زيد، يؤذن أنه يحكى بعده كلام، وليس كذلك إذا قال: تكلم زيد ~~لأنه لا يؤذن بالحكاية. # والعلم: ما اقتضى سكون النفس. وقيل: هو تبين الشيء على ما هو به للمدرك ~~له. # المعنى: # فان قيل: كيف يأمرنا الشيطان ونحن لا نراه، ولا نسمع كلامه! قلنا: لما ~~كان الواحد منا يجد من نفسه معنى الأمر بما يجد من الدعاء الى المعصية، ~~والمنازعة في الخطيئة، وكان ما نجده من نفوسنا من الدعاء, والاغواء إنما ~~هو بأمر الشيطان الذي دلنا الله عليه، وحذرنا منه، صح إخبار الله بذلك. ~~فان قيل: اذا كان الله عز وجل يوصل معنى أمره لنا الى نفوسنا، فما وجه ~~ذلك في الحكمة، وهو لو أمر من غير إيصال معنى الأمر لم يكن في ذلك مضرة؟ ~~قلنا. في ذلك أكبر النعمة لأن التكليف لا يصح إلا مع منازعة إلى الشيء ~~المنهي عنه، فكان ذلك من قبل عدو، يحذره، أولى من أن يكون المنازعة من ~~قبل ولي يستنصحه. وفي ذلك المصلحة لنا بالتعريض للثواب الذي يستحقه ~~بالمخالفة له، والطاعة لله تعالى، كما أن في خلقه مصلحة من هذه الجهة، ~~واذا كان إنما أفهمنا ذلك لنجتنبه، فهو كتعليم شبهة ملحد، لنعلم حلها. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن المعارف ضرورة، لأنها لو كانت ~~ضرورة، لما جاز أن يدعوهم الى خلافها، كما لا يدعوهم الى خلاف ماهم ~~مضطرون اليه من أن السماء فوقهم، والأرض تحتهم، وما جرى مجراه مما يعلم ~~ضرورة لأن الدعاء الى ذلك يجري مجرى الدعاء الى خلق الأجسام، وبعث ~~الأموات، لا يدخل تحت مقدور القدرة. وقد استدل نفاة القياس، والقول ~~بالاجتهاد بهذه الآية بأن قالوا: القول بالاجتهاد والقياس قول بغير علم، ~~وقد نهى الله عن ذلك فيجب أن يكون ذلك محظورا، ms0404 ومذهبنا وإن كان المنع من ~~القول بالاجتهاد، فليس في هذه الآية دلالة على ذلك، لأن للخصم أن يقول: ~~اذا دلني الله تعالى على العمل بالاجتهاد، فلا أعمل أنا به إلا بالعلم، ~~ويجري ذلك مجرى وجوب العمل عند شهادة الشاهدين، والعمل بقول المقومين في ~~أروش الجنايات, وقيم المتلفات، وجهات القبلة، وغير ذلك من الأشياء التي ~~هي واقعة على الظن شرط، والعمل واقف على الدليل الموجب للعلم عنده، فلا ~~يكون في الآية دلالة على ذلك. وقد بينا ما نعتمده في بطلان القول ~~بالاجتهاد والرأي - في أصول الفقه - فلا وجه لذكره ها هنا. ### || [2.170] # ألفينا، وصادفنا، ووجدنا بمعنى واحد، والأب، والوالد واحد. # الاعراب: # وقوله تعالى: { أولو كان } هي واو العطف، دخلت عليها حرف الاستفهام، ~~والمراد بها التوبيخ والتقريع، فهي ألف التوبيخ. ومثل هذه الألف # أثم اذا ما وقع # و # أفلم يسيروا في الأرض # وانما جعلت ألف الاستفهام للتوبيخ، لأنه يقتضي ما الاقرار به فضيحة ~~عليه، كما يقتضي الاستفهام الاخبار، مما يحتاج اليه. # المعنى: # والمعنى: إنهم يقولون، هذا القول { وإن كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون }. والفرق بين دخول الواو، وسقوطها في مثل هذا الكلام، أنك اذا ~~قلت: اتبعه ولو ضرك، فمعناه اتبعه على كل حال ولو ضرك، وليس كذلك اذا ~~قال: اتبعه لو ضرك، لأن هذا خاص، والأول عام، فانما دخلت الواو لهذا ~~المعنى. ومعنى قوله: { لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } يحتمل شيئين: # أحدهما - لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون إليه. # والثاني - على الشتم والذم، كما يقال: هو أعمى اذا كان لا يبصر طريق ~~الحق - على الذم - هذا قول البلخي. والأول قول الجبائي. # وفي الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، لأنها دلت على أنهم كانوا ~~على ضلال في الاعتقاد. # والضمير في قوله: { هم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - انه يعود على (من) في قوله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا }. # والثاني - انه يعود على (الناس) من { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا } فعدل عن المخاطبة ms0405 إلى الغيبة، كما قال تعالى: # حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة # الثالث - انه يعود على الكفار، إذ جرى ذكرهم، ويصلح أن يعود اليهم وإن ~~لم يجر ذكرهم، لأن الضمير يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور وقال ~~ابن عباس: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا اليهود من أهل الكتاب الى ~~الاسلام، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا ~~منا، فأنزل الله عز وجل { واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } الآية. # و " وألفينا " في الآية معناه وجدنا - في قول قتادة - قال الشاعر: # فألفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # والاتباع: طلب الاتفاق في المقال أو الفعال. أما في المقال، فاذا دعا ~~الى شيء استجيب له. وأما في الفعال، فاذا فعل شيئا، فعلت مثله. # والعقل مجموعة علوم بها يتمكن من الاستدلال بالشاهد على الغائب. وقال ~~قوم: هو قوة في النفس يمكن بها ذلك. والاهتداء الاصابة لطريق الحق ~~بالعلم. # وفي الآية حجة عليهم من حيث أنهم اذا جاز لهم أن يتبعوا آباءهم فيما لا ~~يدرون أحق هو أم باطل، فلم لا يجوز اتباعهم مع العلم بأنهم مبطلون. وهذا ~~في غاية البطلان. # وفيها دلالة على فساد التقليد، لأن الله تعالى ذمهم على تقليد آبائهم، ~~ووبخهم على ذلك. ولو جاز التقليد لم يتوجه إليهم توبيخ، ولا لوم، والأمر ~~بخلافه. ### || [2.171] # المعنى: # التشبيه في هذه الآية يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: # أحدها - وهو أحسنها وأقربها الى الفهم، وأكثرها في باب الفائدة - ما ~~قاله أكثر المفسرين كابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والربيع، واختاره ~~الزجاج، والفراء، والطبري، والجبائي، والرماني. وهو المروي عن أبي جعفر ~~(ع) إن مثل الذين كفروا في دعائك إياهم، { كمثل الذي ينعق } أي الناعق في ~~دعائه. المنعوق به من البهائم التي لا تفهم كالابل، والبقر، والغنم، ~~لأنها لا تعقل ما يقال لها، وانما تسمع الصوت. والحذف فى مثل هذا حسن. ~~كقولك لمن هو سيء الفهم: أنت كالحمار، وزيد كالأسد: أي في الشجاعة، لأن ~~المعنى في ms0406 أحد الشيئين أظهر، فيشبه بالآخر ليظهر بظهوره، وهذا باب حسن ~~البيان. # الثاني - حكاه البلخي، وغيره: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من ~~الاوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع، بتعالى، وما جرى مجراه من ~~الكلام، وذلك أن البهائم لا تفهم الكلام، وإن سمعت النداء، والدعاء، ~~وأقصى أحوال الأصنام أن تكون كالبهائم في أنها لا تفهم، فاذا كان لا يشكل ~~عليهم أن من دعا البهائم بما ذكرناه جاهل، فهم في دعائهم الحجارة أولى ~~بالجهل وصفة الذم. # الثالث - قال ابن زيد: إن مثل الذين كفروا في دعائهم آلتهم كمثل الناعق ~~في دعائه الصدى في الجبل، وما أشبهه، لأنه لا يسمع منه إلا دعاء ونداء، ~~لأنه اذا قال: يا زيد، سمع من الصدى يا زيد، فيتخيل اليه أن مجيبا ~~أجابه، وليس هناك شيء، فيقول: يا زيد، وليس فيه فائدة، فكذلك يخيل الى ~~المشركين أن دعاءهم للاصنام يستجاب، وليس لذلك حقيقة، ولا فائدة. وإنما ~~رجحنا الوجه الأول، لما بيناه من حسن الكلام، ولانه مطابق للسبب الذي ~~قيل: إنها نزلت في اليهود، فانهم لم يكونوا يعبدون الاصنام، ولا يليق بهم ~~الوجه الثاني، فاذا ثبت ذلك، ففيه ثلاثة أوجه من الحذف: # أولها - { ومثل الذين كفروا } في دعائك لهم كمثل الناعق في دعائه ~~المنعوق به. والثاني - { ومثل الذين كفروا } في دعائهم الاوثان كمثل ~~الناعق في دعائه الأنعام. الثالث - مثل وعظ الذين كفروا كمثل نعق الناعق ~~بما لا يسمع، وهذا من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف اليه مقامه كقول ~~الشاعر: # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # والتقدير على مخافة وعل. فان قيل: كيف قوبل الذين كفروا - وهم المنعوق ~~به - بالناعق، ولما تقابل المنعوق به بالمنعوق به - في ترتيب الكلام - أو ~~الناعق بالناعق؟ قيل للدلالة على تضمين الكلام تشبيه اثنين باثنين: ~~الداعي للايمان للمدعو من الكفار بالداعي الى المراد للمدعو من الانعام، ~~فلما أريد الايجاز أبقي ما يدل على ما ألقي، فأبقي في الأول ذكر المدعو، ~~وفي الثاني ذكر الداعي، ولو ms0407 رتب على ما قال السائل، لبطل هذا المعنى. # وزعم أبو عبيدة، والفراء: أنه يجري مجرى المقلوب الذي يوضع فيه كلمة ~~مكان كلمة، كأنه وضع الناعق مكان المنعوق به، وأنشد: # كانت فريضة ما تقول كما # كان الزناء فريضة الرجم # كما كان الرجم فريضة الزناء، وكما يقال: أدخلت القلنسوة في رأسي، وإنما ~~هو أدخلت رأسي في القلنسوة قال الشاعر: # إن سراجا لكريم مفخره # تحلى به العين اذا ما تجهره # والمعنى يحلى بالعين، فجعله تحلى به العين. والاقوى أن يكون الأمر على ~~ما بيناه من المعنى الذي دعا الى الخلاف في الحذف، ليدل بما بقي على ما ~~ألقي. # اللغة: # قال صاحب العين: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقا اذا صاح بها زجرا، ونعق ~~الغراب نعاقا، ونعيقا اذا صاح. والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء: ~~رجلها اليسرى ومنكبها الأيمن، وهو الذي يسمى الهنعة، وهما أضوء كوكبين في ~~الجوزاء. وأصل الباب الصياح، والنداء: مصدر نادى مناداة، ونداء، وتنادوا ~~تناديا، وندى تندية، وتندى تنديا. والنداء، والدعاء، والسوآل نظائر، ~~قال صاحب العين: الندى له وجوه من المعنى: ندى الماء، وندى الخير، وندى ~~الشر، وندى الصوت، وندى الخصر. فأما ندى الماء, فمنه ندى المطر، أصابه ~~ندى من طل، ويوم ندى، فأرض ندية. والمصدر منه الندوة، والندى ما أصابه ~~من البلل، وندى الخير هو المعروف، تقول: أندى علينا فلان ندى كثيرا، وإن ~~يده لندية بالمعروف، وندى الصوت: بعد مذهبه، وندى الخصر: صحة جريه، واشتق ~~النداء في الصوت من ندى ناداه أي دعاه بأرفع صوته: ناداه به. والندوة ~~الاجتماع في النادي، وهو المجلس، ندى القوم يندون ندوا اذا اجتمعوا، ~~ومنه دار الندوة، وأصل الباب الندى: البلل، وندى الجود كندى الغيث. # المعنى: # ومعنى { صم بكم عمي فهم لا يعقلون } أي صم عن إستماع الحجة، بكم عن ~~التكلم بها، عمي عن الابصار لها، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي. ~~والاعمى: من في بصره آفة تمنعه من الرؤية. والاصم: من كان في آلة سمعه ~~آفة تمنعه من السمع. والابكم: من كان في لسانه آفة تمنعه ms0408 من الكلام. ~~وقيل: إنه يولد كذلك، والخرس قد يكون لعرض يتجدد. # وأجاز الفراء النصب في { صم } على الذم، والاجود الرفع على ما عليه ~~القراء، وتقديره هم صم. # وفيها دلالة على بطلان قول من زعم: أنهم لا يستطيعون سمعا على الحقيقة، ~~لأنه لا خلاف أنهم لم يكونوا صما لم يسمعوا الاصوات، وانما هو كما قال ~~الشاعر: # أصم عما ساءه سميع # وفيها دلالة على بطلان قول من قال: إن المعرفة ضرورة، لأنهم لو كانوا ~~عالمين ضرورة لما استحقوا هذه الصفة. # وقال عطا: نزلت هذه الآية في اليهود، ومعنى ينعق يصوت قال الأخطل: # فانعق بضأنك يا جرير فانما # منتك نفسك في الخلاء ضلالا # والدعاء: طلب الفعل من المدعو، والأولى أن يعتبر فيه الرتبة، وهو أن ~~يكون فوق الداعي. والسمع: إدراك الصوت. والمثل: قول سائر يدل على أن سبيل ~~الثاني سبيل الاول. ### || [2.172] # المعنى: # هذا الخطاب يتوجه إلى جميع المؤمنين، وقد بينا أن المؤمن هو المصدق بما ~~وجب عليه،، ويدخل فيه الفساق بأفعال الجوارح، وغيرها، لأن الايمان لا ~~ينفي الفسق - عندنا -. وعند المعتزلة: إنه خطاب لمجتنبي الكبائر، وإنما ~~يدخل فيه الفساق على طريق التبع، والتغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث ~~في قولك: الاماء والعبيد جاوزني، وقد بينا فيما تقدم أن أفعال الجوارح لا ~~تسمى إيمانا - عند أكثر المرجئة وأكثر أصحابنا - وإن بعضهم يسمي ذلك ~~إيمانا، لما رووه عن الرضا (ع). وإيمان مأخوذ من أمان العقاب - عند من ~~قال: إنه تناول مجتنبي الكبائر - وعند الآخرين من أمان الخطأ، في ~~الاعتقاد الواجب عليه. وفي المخالفين من يجعل الطاعات الواجبات، والنوافل ~~من الايمان. وفيهم من يجعل الواجبات فقط إيمانا، ويسمي النوافل إيمانا ~~مجازا. # وقوله { كلوا } ظاهره ظاهر الأمر، والمراد به الاباحة، والتخيير، لأن ~~الأكل ليس بواجب إلا أنه متى أراد الأكل، فلا يجوز أن يأكل إلا من الحلال ~~الطيب، ومتى كان الوقت وقت الحاجة فانه محمول على ظاهره في باب الأمر: ~~سواء قلنا: إنه يقتضي الايجاب أو الندب. # وفي الآية دلالة على النهي عن أكل الخبيث - في ms0409 قول البلخي، وغيره - كأنه ~~قيل: كلوا من الطيب دون الخبيث، كما لو قال: كلوا من الحلال، لكان ذلك ~~دالا على حظر الحرام - وهذا صحيح فيما له ضد قبيح مفهوم. فأما غير ~~ذلك، فلا يدل على قبح ضده، لأن قول القائل، كل من زيد، لا يدل على أن ~~المراد تحريم ما عداه، لأنه قد يكون الغرض البيان لهذا خاصه، والآخر ~~موقوف على بيان آخر، وليس كذلك ما ضده قبيح، لأنه قد يكون من البيان ~~تقبيح ضده. # والطيبات قدمنا معناها فيما تقدم، وأن المراد بذلك الخالص من شائب ينغص، ~~وإن كان لا يخلو شيء من شائب، لكنه لا يعتد به في الوصف بأنه حلال طيب، ~~ولو كان في الطعام ما ينغصه لجاز وصفه بأنه ليس بطيب. # والرزق قد بينا فيما مضى: أنه ما للحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد ~~منعه منه. # وقوله: { واشكروا لله } فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، ~~ويكون ذلك عن وجهين: # أحدهما - الاعتراف بالنعمة - متى ذكرها - للمنعم بالاعتقاد لها. # الثاني - الطاعة بحسب جلالة النعمة، فالأول لازم في كل حال من أحوال ~~الذكر، والثاني إنما يلزم في الحال التي يحتاج فيها الى القيام بالحق، ~~واقتضى ذكر الشكر ها هنا ما تقدم ذكره من الانعام في جعل الطيب من الرزق، ~~للانتفاع، واستدفاع المضار، وذكر الشرط ها هنا إنما هو وجه المظاهرة في ~~الحجاج ولما فيه من حسن البيان دون أن يكون ذلك شرطا في وجوب الشكر، ~~وتلخيص الكلام إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له ~~واجب عليكم بأنه محسن اليكم. # وأما العبادة، فهي ضرب من الشكر، لأنها غاية ليس وارءها شكر، ويقترن به ~~ضرب من الخضوع. ولا يستحق العبادة إلا الله، لأنها تستحق باصول النعم من ~~الحياة، والقدرة، والشهوة، والنفاد، وأنواع المنافع، وبقدر من النفع لا ~~يواريه نعمة منعم، فلذلك اختص الله تعالى باستحقاقها. ### || [2.173] # القراءة: # قرأ نافع وابن عامر، وابن كثير، والكسائي - بضم نون - { فمن اضطر } ~~الباقون بكسرها. # اللغة والاعراب: # لفظة إنما تفيد ms0410 إثبات الشيء، ونفي ما سواه كقول الشاعر: # وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # ومعناه لا يدافع غيري، وغير من هو مثلي، وهو قول الزجاج، والفراء، ~~والرماني، والطبري، وأكثر أهل التأويل. وإنما كانت لاثبات الشيء، ونفي ما ~~سواه، من قبل أنها لما كانت (إن) للتأكيد، ثم ضم إليها (ما) للتأكيد ~~ايضا، أكدت (إن) من جهة التحقيق للشيء، وأكدت (ما) من جهة نفي ما عداه، ~~فكأنك اذا قلت: إني بشر، فالمعنى أنا بشر على الحقيقة، فاذا قلت: إنما ~~أنا بشر، فقد ضممت إلى هذا القول ما أنا إلا بشر. # وتقدير قوله تعالى: { إنما حرم عليكم الميتة } ما حرم عليكم إلا ~~الميتة. ولو كانت (ما) بمعنى الذي، لكتبت مفصولة، ومثله قوله تعالى: # إنما الله إله واحد # أي لا إله إلا واحد، ومثله # إنما أنت منذر # أي لا نذير إلا أنت ومثله إنما ضربت أخاك أي ما ضربت إلا أخاك. # فاذا ثبت ذلك، فلا يجوز في الميتة إلا النصب، لأن (ما) كافة ومعناه ~~تحريم الميتة، وتحليل المذكى، ولو كانت ما بمعنى الذي، لكان يجوز في ~~الميتة الرفع. # والفرق بين الميت، والميتة قيل فيه قولان: # أحدهما - قال أبو عمرو: ما كان قد مات، فهو بالتخفيف مثل # يخرج الحي من الميت # وما لم يمت بالتثقيل كقوله تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # ووجه ذلك أن التثقيل لما كان هو الأصل كان أقوى على التصريف في معنى ~~الحاضر والمستقبل. # و [الثاني] قال قوم: المعنى واحد، وانما التخفيف لثقل الياء على الكسرة، ~~قال الشاعر: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # فجمع بين اللغتين: # المعنى: # قوله: { وما أهل به لغير الله } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الربيع، وابن زيد، وغيرهما من أهل التأويل: معناه ذكر غير ~~اسم الله عليه. # والثاني - قال قتادة، ومجاهد: ما ذبح لغير الله. # اللغة: # والاهلال على الذبح: هو رفع الصوت بالتسمية، وكان المشركون يسمون ~~الأوثان، والمسلمون يسمون الله. ويقال: انهل المطر انهلالا وهو شدة ~~انصبابه، وتهلل السحاب ببرقه أي تلألأ، وتهلل ms0411 وجهه اذا تلألأ، وتهلل ~~الرجل فرحا. والهلال غرة القمر، لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته بالتكبير، ~~والمحرم يتهلل بالأحرام، وهو أن يرفع صوته بالتلبية، ويهلل الرجل: يكبر ~~اذا نظر الى الهلال. وهلل البعير تهليلا اذا تقوس كتقوس الهلال، وسمي به ~~الذكر، لأن الهلال ذكر. وثوب هل أي رقيق مشبه بالهلال في رقته. والتهليل: ~~الفزع. واستهل الصبي اذا بكي حين يولد. والهلال: الحية الذكر، لأنه ~~يتقوس، وسمي به الذكر، لأن الهلال ذكر. # { فمن اضطر } من كسر النون فلالتقاء الساكنين، ومن ضمها أتبع الضمة ~~الضمة في الطاء. وقرأ أبو جعفر بكسر الطاء. # والاضطرار: كل فعل لا يمكن المفعول به الامتناع منه، وذلك كالجوع الذي ~~يحدث للانسان، ولا يمكنه الامتناع منه. والفرق بين الاضطرار، والالجاء أن ~~الالجاء تتوفر معه الدواعي الى الفعل من جهة الضر أو النفع، وليس كذلك ~~الاضطرار. # وأكثر المفسرين على أن المراد في الآية المجاعة. وقال مجاهد: ضرورة ~~إكراه. والأولى أن يكون محمولا على العموم إلا ما خصه الدليل. # { ولحم الخنزير } قال صاحب العين يقال: رجل لحم اذا كان أكول اللحم. ~~وبيت لحم: يكثر فيه اللحم. وألحمت القوم اذا قتلهم وصاروا لحما. ~~والملحمة: الحرب ذات القتل الشديد. واستلحم الطريق اذا اتسع. واللحمة: ~~قرابة النسب. واللحمة ما يسد به بين السديين من الثوب. واللحام: ما يلحم ~~به صدع ذهب أو فضة أو حديد حتى يلتحما، ويلتئما. وكل شيء كان متباينا ثم ~~تلاءم، فقد التحم. وشجة متلاحمة إذا بلغة اللحم. وأصل الباب اللزوم، فمنه ~~اللحم للزومه بعضه بعضا. # المعنى: # وقوله: { غير باغ ولا عاد } قيل في معناه ثلاثة أقوال أولها - { غير باغ ~~} اللذة { ولا عاد } سد الجوعة وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، ~~وابن زيد. والثاني - ما حكاه الزجاج { غير باغ } في الافراط { ولا عاد } ~~فى التقصير. والثالث - " غير باغ " على إمام المسلمين " ولا عاد " ~~بالمعصية طريق المحقين، وهو قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وهو المروي عن أبي ~~جعفر، وأبي عبدالله (ع) قال الرماني: وهذا القول لا يسوغ، لأنه تعالى لم ~~يبح لأحد ms0412 قتل نفسه بل حظر عليه ذلك، والتعريض للقتل قتل في حكم الدين، ~~ولأن الرخصة إنما كانت لأجل المجاعة المتلفة، لا لأجل الخروج في طاعة، ~~وفعل إباحة. وهذا الذي ذكره غير صحيح لأن من بغى على إمام عادل فأدى ذلك ~~الى تلفه، فهو المعرض نفسه للقتل، كما لو قتل في المعركة، فانه المهلك ~~لها، فلا يجوز لذلك استباحة ما حرم الله، كما لا يجوز له أن يستبقي نفسه ~~بقتل غيره من المسلمين، وما قاله من أن الرخصة لمكان المجاعة، لا يسلم ~~إطلاقه، بل يقال: إنما ذلك للمجاعة التي لم يكن هو المعرض نفسه لها، فأما ~~إذا عرض نفسه لها، فلا يجوز له استباحة المحرم، كما قلنا في قتل نفس ~~الغير، ليدفع عن نفسه القتل. وأصل البغي: الطلب من قولهم: بغى الرجل ~~حاجته يبغيها بغا قال الشاعر: # لايمنعنك من بغا # الخير تعقاد التمائم # إن الأشائم كالأيا # من والأيامن كالأشائم # والبغاء: طلب الزنا. وإنما اقتضى ذكر المغفرة ها هنا أحد أمرين: # أحدهما - النهي عما كانوا عليه من تحريم مالم يحرمه الله من السائبة، ~~والوصيلة، والحام، فوعد الله بالمغفرة عند التوبة، والانابة الى طاعة ~~الله فيما أباحه أو حظره. # الثاني - إذا كان يغفر المعصية، فهو لا يوآخذ بها، جعل فيه الرخصة، ولا ~~يجوز أن يقع في موضع غير (إلا) لأنها بمعنى النفي ها هنا، ولذلك عطف ~~عليها ب (لا) لأنها في موضع (لا). فأما (إلا) فمعناها في الأصل الاختصاص ~~لبعض من كل، وليس ها هنا كل يصلح أن يحض منه. { غير باغ } منصوب على ~~الحال وتقديره لا باغيا، ولا عاديا. والقدر المباح من الميتة عند ~~الضرورة ما يمسك الرمق فقط - عندنا - وفيه خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء. ### || [2.174] # المعنى: # المعني بهذه الآية أهل الكتاب باجماع المفسرين إلا أنها متوجهة - على ~~قول كثير منهم - الى جماعة قليلة منهم، وهو علماؤهم الذين يجوز على مثلهم ~~كتمان ما علموه، فأما الجمع الكثير منهم الذين لا يجوز على مثلهم ذلك ~~لاختلاف دواعيهم، فلا يجوز. والذي كتموه قيل فيه ms0413 قولان: # قال أكثر المفسرين: إنهم كتموا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن ~~حرفوه عن وجهه في التأويل، هذا اذا حمل على الجماعة الكثيرة. وإن حمل على ~~القليلة منهم، يجوز أن يكونوا كتموا نفس التنزيل ايضا. # الثاني - قال الحسن: كتموا الأحكام، وأخذوا الرشا على الأحكام، والكتاب ~~على القول الأول: هو التوراة، وعلى الثاني يجوز أن يحمل على القرآن وسائر ~~الكتب. # وقوله: { ويشترون به ثمنا قليلا } ليس المراد به أنهم اذا اشتروا به ~~ثمنا كثيرا كان جائزا. وإنما المقصد كلما يأخذونه في مقابلته من حطام ~~الدنيا، فهو قليل، كما قال # ويقتلون النبيين بغير حق # وكما قال # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # وانما أراد أن قتل النبيين لا يكون إلا بغير حق، وإن من ادعى مع الله ~~إلها آخر لا يقوم له عليه برهان. وكما قال الشاعر: # على لا حب لا يهتدى بمناره # والمعنى لا لا حب هناك، فيهتدى به، لأنه لو كان، لاهتدي به. # وقوله تعالى { ما يأكلون في بطونهم إلا النار } معناه على قول الربيع، ~~والحسن، والجبائي، وأكثر المفسرين: الأجر الذي أخذوه على الكتمان، سمي ~~بذلك، لأنه يؤديهم الى النار، كما قال في أكل مال اليتيم ظلما # إنما يأكلون في بطونهم نارا # وقال بعضهم: إنما يأكلون في جهنم نارا جزاء على تلك الاعمال، والأول ~~أحسن. فان قيل اذا كان الأكل لا يكون إلا في البطن، فما معنى قوله { في ~~بطونهم }؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - ان العرب تقول: جعت في غير بطنى وشبعت في غير بطني، اذا جاع من ~~يجري جوعه مجرى جوع نفسه، فذكر ذلك لأزالة اللبس. # والثاني - انه لما استعمل المجاز بالاجراء على الرشوة اسم النار، حقق ~~بذكر البطن، ليدل علي أن النار تدخل أجوافهم. # اللغة: # والبطن: خلاف الظهر. والبطن: الغامض من الارض. والبطن من العرب: دون ~~القبيلة. وعرفت هذا الأمر ظاهره، وباطنه أي سره وعلانيته. ورجل بطين: ~~عظيم البطن. ومبطن: خميض البطن. وفلان بطانتي دون إخواني. أي الذي ~~أبطنه أمري. واستبطنت أمر فلان: ms0414 إذا وقفت على دخلته. ويقال في المثل: ~~البطنة تذهب الفطنة، وبطن الشيء بطونا اذا غمض. والبطان حزام الرحل. ~~والبطين: نجم وهو بطن الحمل. وأصل الباب البطون: خلاف الظهور. # المعنى: # وقوله تعالى: { ولا يكلمهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - لا يكلمهم بما يحبون، وإنما هو دليل على الغضب عليهم، وليس فيه ~~دليل على أنه لا يكلمهم بما يسوءهم، لأنه قد دل في موضع آخر، فقال # فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين # وقال # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # وهذا قول الحسن، وواصل، وأبي علي. # الثاني - لا يكلمهم أصلا، فتحمل آيات المسائلة على أن الملائكة تسألهم ~~بأمر الله ويتأول قوله { اخسئوا فيها ولا تكلمون } على أن الحال دالة على ~~ذلك. وإنما دل نفي الكلام على الغضب - على الوجه الاول - من حيث أن ~~الكلام وضع في الأصل للفائدة، فلما انتفى على جهة الحرمان للفائدة، دل ~~على الغضب، ولا يدخل في ذلك الكلام للغم والايلام. # وقوله: " ولا يزكيهم " معناه لا يبني عليهم، ولا يصفهم بأنهم أزكياء. ~~ويحتمل أن يكون المراد لا يتقبل أعمالهم تقبل أعمال الازكياء. # والاشتراء هو الاستبدال بالثمن العوض، فلما كانوا هؤلاء استبدلوا بذنبهم ~~الثمن القليل، قيل فيهم: إنهم اشتروا به ثمنا قليلا. والثمن هو العوض من ~~العين، والورق والقلة هو نقصان المقدار عن مقدار غيره، لانه يقال: هو ~~قليل بالاضافة الى ما هو أكثر منه، وكثير بالاضافة الى ما هو أقل منه. # والكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المعقولة: إذا وقع ممن ~~يصح منه أو من قبيلة للافادة وقال الرماني: الكلام ما كان من الحروف ~~دالا بتأليفه على معنى، قال وأصله من الآثار وهي كالعلامات الدالة، ~~والكلم أي الجراح. وما ذكرناه أولى، لأن هذا ينتقض بالمهمل من الكلام، ~~فانه لا يفيد وهو كلام حقيقة. ### || [2.175] # المعنى: # معنى { اشتروا الضلالة بالهدى } استبدلوا، لأن أصل الشراء الاستبدال، ~~وليس يقع في مثله إشكال، فأما قولهم: استبدل بالجارية غيرها، فلا يجوز أن ~~يقال بدلا منه: اشترى، ms0415 لأنه يلتبس. والضلالة التي اشتروها بالهدى: كفرهم ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وجحدهم لنبوته استبدلوه بالايمان به، وهم ~~وإن لم يقصدوا أن يضلوا بدلا من أن يهتدوا فقد قصدوا الكفر بالنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) بدلا من الايمان به، وذلك ضلال بدلا من هدى، فقد قصدوا ~~الضلال بدلا من الهدى، وإن لم يقصدوه من وجه أنه ضلال. ولا يجوز أن يقول: ~~قصدوا أن يضلوا. لأنه يوهم أنهم قصدوه من هذا الوجه، كما ينبىء علموا ~~أنهم يضلون غير أنهم علموه من هذا الوجه، ويجوز قصدوا الضلال، وعلموا ~~الضلال، لأنه لا ينبىء على هذا الوجه وإنما علموه، وقصدوه من وجه آخر، ~~وهو جحدهم محمدا (صلى الله عليه وسلم) بدلا من التصديق به. # وقوله تعالى { فما أصبرهم على النار } الفاء معناها معنى الجواب، لأن ~~الكلام المتقدم قد تضمن معنى من كان بهذه الصفة، { فما أصبرهم على النار ~~} فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به. والعجب لا يجوز ~~على القديم تعالى، لأنه عالم بجميع الأشياء، لا يخفى عليه شيء. والتعجب ~~يكون مما لا يعرف سببه. وإنما الغرض - من الآية - أن يدلنا على أن الكفار ~~حلو محل من يتعجب منه، فهو تعجيب لنا منهم. وقد قيل في معنا { ما } في ~~قوله { فما أصبرهم على النار } قولان: # أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: إنها للتعجب. والثاني - قال ابن ~~عباس، وابن جريج، وابن زيد والسدي: إنها للأستفهام. وقيل في معنا { ~~أصبرهم } أربعة أقوال: # أحدها - ما أجرأهم على النار، ذهب اليه الحسن وقتادة. والثاني - قال ~~مجاهد: ما أعملهم بأعمال أهل النار. وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). ~~والثالث - حكاه الزجاج: ما أبقاهم على النار، كما تقول: ما أصبره على ~~الحبس. والرابع - ذكره الفراء: ما صبرهم على النار أي حبسهم عليها. وقال ~~الكسائي: هو استفهام على وجه التعجب. قال أبوالعباس: المبرد: هذا حسن ~~كأنه توبيخ لهم وتعجيب لنا، مثل قولك للذي وقع في هلكة ما اضطرك الى هذا، ~~اذا كان غنيا عن التعرض للوقوع في مثلها. يقال: ms0416 أصبرت السبع، والرجل، ~~ونحوه اذا نصبته لما يكره. وقال الحطيئة: # قلت لها أصبرها جاهدا # ويحك أمثال طريف قليل # معناه ألزمها، واضطرها. فأما التعجب، فمثل قوله # قتل الإنسان ما أكفره # أي قد حل محل ما يتعجب منه. وقيل: ما أصبرك على كذا بمعنى ما أجرأك قال ~~أبوعبيدة: هي لغة يمانية. # واشتق أصبر بمعنى أجرأ من الصبر الذي هو حبس النفس، لأن بالجرءة يصبر ~~على الشدة. فأما القول الآخر: فحبسوا أنفسهم على عمل أهل النار، بدوامهم ~~عليه، وانهماكهم فيه. وحكى الكسائي عن قاضي اليمن عن بعض العرب، قال ~~لخصمه: ما أصبرك على الله أي على عذاب الله تعالى. ### || [2.176] # الاعراب: # ذلك رفع بالابتداء، أو بأنه خبر الابتداء وهو إشارة إلى أحد ثلاثة ~~أشياء: أولها - قال الحسن: ذلك الحكم بالنار. الثاني - ذلك العذاب. ~~الثالث - ذلك الضلال. # وفي تقدير خبر ذلك ثلاثة أقوال: [الاول] - قال الزجاج: ذلك الأمر، أو ~~الأمر ذلك، فحذف لدلالة ما تقدم من الأمر بالحق. فكأنه قال: ذلك الحق. ~~واستغنى عن ذكر الحق لتقدم ذكره في الكلام. الثاني - ذلك معلوم { بأن ~~الله نزل الكتاب بالحق } فقد تقدم ذكر ما هو معلوم بالتنزيل، فحذف لدلالة ~~الكلام عليه. الثالث - ذلك العذاب لهم { بأن الله نزل الكتاب بالحق } ~~وكفروا به، فتكون الباء في موضع الخبر. ويحتمل ذلك أن يكون رفعا على ما ~~بينا. ويحتمل أن يكون نصبا على فعلنا ذلك، لأن في الكلام ما يدل على ~~(فعلنا). # المعنى: # ومعنى الكتاب ها هنا قيل: إنه التوراة. وقال الجبائي: إنه القرآن، ~~وغيره. وهو أعم فائدة. # وقال بعضهم: إن المراد بالأول التوراة، وبالثاني القرآن. ومعنى الاختلاف ~~ها هنا يحتمل أمرين: # أحدهما - قول الكفار في القرآن. ومنهم من قال: هو كلام السحرة. ومنهم من ~~قال: كلام يعلمه. ومنهم من قال: كلام يقوله الثاني - اختلاف اليهود ~~والنصارى في التأويل، والتنزيل من التوارة، والانجيل، لأنهم حرفوا ~~الكتاب، وكتموا صفة محمد النبي (صلى الله عليه وسلم) وجحدت اليهود ~~الانجيل والقرآن. # قوله تعالى: { لفي شقاق بعيد } فيه قولان: # أحدهما - بعيد عن الالفة ms0417 بالاجتماع على الصواب. الثاني - بعيد: من ~~الشقاق، لشهادة كل واحد على صاحبه بالضلال. وكلاهما قد عدل عن السداد. ~~ومن ذهب الى أن المعنى ذلك العذاب { بأن الله نزل الكتاب بالحق } قدر ~~فكفروا به، وجعله محذوفا. ومن ذهب الى أن المعنى: ذلك الحكم بدلالة { أن ~~الله نزل الكتاب بالحق } لم يجعله محذوفا. # والمعني بالذين اختلفوا على قول السدي: اليهود، والنصارى. وقال غيره: هم ~~الكفار من عبدة الاوثان، وغيرهم من أهل الضلال. وهو الاولى، لأنه أعم. # الاعراب: # وإنما كسرة (إن) الثانية لالحاق اللام الخبر، وهي لام الابتداء، فأخرت ~~الى الخبر وكسرت معها (إن) لأنها للاستئناف ايضا. فأما (أن) المفتوحة ~~فاسم يعمل فيه عوامل الاعراب كما يعمل في الأسماء. وإنما كسرت (إن) في ~~قوله تعالى: # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام # لا لالحاق اللام، ولكن لدخول (إلا) على جملة مستأنفة في التقدير. كأنه ~~قيل: إلا هم يأكلون الطعام. ولو قلت ما ظننت إلا إنك لخارج لكسرت لأجل ~~اللام. # اللغة: # والاختلاف: الذهاب على جهة التفريق في الجهات. وأصله من اختلاف الطريق. ~~تقول: اختلفنا الطريق، فجاء هذا من ها هنا، وجاء ذاك من هناك، ثم قيل في ~~الاختلاف في المذاهب تشبيها في الاختلاف في الطريق من حيث أن كل واحد ~~منهم على نقيض ما عليه الآخر من الاعتقاد. فأما الاختلاف في الأجناس، فهو ~~ما لا يسد واحد منهما مسد الآخر، فيما يرجع الى ذاته، كالسواد والبياض، ~~وغيرهما. # والشقاق: انحياز كل واحد عن شق صاحبه للعدواة له. وهو طلب كل واحد منهما ~~ما يشق على الآخر، لأجل العدواة. والمشاقة مثله. ### || [2.177] # القراءة: # قرأ حفص الأهبيرة، وحمزة { ليس البر } بنصب الراء. الباقون برفعها. ~~وقرأ نافع، وابن عامر { ولكن البر } بتخفيف النون، ورفع الراء. # النزول: # قيل: إن هذه الآية نزلت لما حولت القبلة، وكثر الخوض في نسخ تلك ~~الفريضة، صار كأنه لا يراعى بطاعة الله إلا التوجه للصلاة، فأنزل الله ~~تعالى الآية، وبين فيها أن البر ما ذكره فيها، ودل على أن الصلاة إنما ~~يحتاج ms0418 اليها لما فيها من المصلحة الدينية، وإنه انما يأمر بها، لما في ~~علمه أنها تدعو الى الصلاح، وتصرف عن الفساد، وإن ذلك يختلف بحسب ~~الأزمان، والأوقات. # المعنى: # وقوله: { ليس البر } قيل فيه قولان: أحدهما - ذكره ابن عباس، ومجاهد: ~~أنه { ليس البر } كله في التوجه الى الصلاة بل حتى يضاف إلى ذلك غيره من ~~الطاعات التي أمر الله تعالى بها. والثاني - قاله قتادة، والربيع واختاره ~~الجبائي: انه { ليس البر } ما عليه النصارى من التوجه الى المشرق، أو ما ~~عليه اليهود من التوجه الى المغرب { ولكن البر } ما ذكره الله تعالى في ~~الآية، وبينه. وقوله: { ولكن البر من آمن } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أولها - { ولكن البر } بر { من آمن بالله } فحذف المضاف، وأقام المضاف ~~اليه مقامه، واختاره المبرد، لقوله { ليس البر أن تولوا } وقال النابغة: # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي # على وعل في ذي المطارة عاقل # يعني مخافة وعل. وقالت الخنساء: # ترتع ما غفلت حتى اذا ادكرت # فانما هي إقبال وإدبار # معناه انما هي مقبلة تارة، ومدبرة أخرى، فبالغ، فجعلها إقبالا وإدبارا، ~~وقال متمم: # لعمري! وما دهري بتأبين هالك # ولا جزعا مما أصاب فأوجعا # معناه ولا ذى جزع. # الوجه الثاني - ولكن ذا البر من آمن بالله. الثالث - ولكن البار من ~~آمن بالله، فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل. وقد بينا في ما مضى حقيقة ~~الايمان والخلاف فيه، فلا معنى لاعادته. # والضمير في قوله: { على حبه } يحتمل أن يكون عائدا على حب المال، ~~ويحتمل أن يكون عائدا على حب الاتيان، قال عبد الله بن مسعود: على حب ~~المال، لأنه يأمل العيش ويخشى الفقر. وأما على حب الاتيان، فوجهه ألا ~~تدفعه وأنت متسخط عليه كاره. ويحتمل وجها ثالثا: وهو أن يكون الضمير ~~عائدا على الله، ويكون التقدير على حب الله، فيكون خالصا لوجهه، وقد ~~تقدم ذكر الله تعالى في قوله { من آمن بالله }. وهو أحسنها. والآية تدل ~~على وجوب إعطاء مال الزكاة بلا خلاف. وتدل ايضا - في قول الشعبي، ~~والجبائي - على وجوب غيره ms0419 مما له سبب وجوب كالانفاق على من تحب عليه ~~نفقته، وعلى من يجب عليه سد رمقه إذا خاف التلف، وعلى ما يلزمه من ~~النذور، والكفارات، ويدخل فيها ايضا ما يخرجه الانسان على وجه التطوع، ~~والقربة الى الله، لأن ذلك كله من البر. # وابن السبيل: هو المنقطع به إذا كان مسافرا محتاجا وإن كان غنيا في ~~بلده، وهو من أهل الزكاة. # وقيل: إنه الضيف، والأول قول مجاهد، والثاني قول قتادة. وانما قيل: ابن ~~السبيل: بمعنى ابن الطريق، كما قيل للطير: ابن الماء، لملازمته إياه، قال ~~ذو الرمة: # وردت اعتسافا والثريا كأنها # على قمة الرأس ابن ماء محلق # والسائلين معناه: والطالبين للصدقة، لأنه ليس كل مسكين يطلب. # وقوله: { وفي الرقاب } قيل فيه قولان: احدهما - عتق الرقاب. والثاني - ~~المكاتبين. وينبغي أن تحمل الآية على الامرين، لأنها تحتمل الامرين، وهو ~~اختيار الجبائي، والرماني. # اللغة: # والمراقبة: المراعاة. والرقبة: الانتظار. والرقيب: المشرف على القوم ~~لحراستهم. والرقيب: الحافظ. وتقول: رقبته أرقبه رقبا، وراقبته مراقبة، ~~وارتقبته ارتقابا، وتراقبوا تراقبا، وترقب ترقبا. والرقوب: الأرمله ~~التي لا كاسب لها، لأنها تترقب معروفا أو صلة. والرقبة مؤخر أصل العنق. ~~وأعتق الله رقبته، ولا يقال عتقه. والرقيب ضرب من الحيات خبيث. والرقوب: ~~المرأة التي لا يعيش لها ولد. والرقيب: النجم الذي يتبين من المشرق، ~~فيعيب رقيبه من المغرب. # المعنى: # وقوله تعالى: { ذوي القربى } قيل أراد به قرابة المعطي، اختاره الجبائي، ~~لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لفاطمة بنت قيس، لما قالت: يا رسول الله ~~إن لي سبعين مثقالا من ذهب، فقال: اجعليها في قرابتك. وقال (ع) لما سئل ~~عن أفضل الصدقة، فقال: جهد المقل على ذي القرابة الكاشح. ويحتمل أن يكون ~~أراد به قرابة النبي (صلى الله عليه وسلم). كما قال: # قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى # وهو قول أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع) وقوله: { في البأساء والضراء وحين ~~البأس } قال قتادة: البأساء: البؤس، والفقر. والضراء: السقم، والوجع. ~~ومنه قوله: # مسني الضر # وحين البأس: حين القتال. قال ابن مسعود: ms0420 البأساء: الفقر. والضراء: ~~السقم. وانما قيل: البأساء فى المصدر ولم يقل منه أفعل، لأن الأصل في ~~فعلاء أفعل للصفات التي للألوان، والعيوب. كقولك أحمر، وحمراء. وأعور، ~~وعوراء. فأما الأسماء التي ليست بصفات، فلا يجب ذلك فيها. وعلى ذلك ~~تأولوا قول زهير: # فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم # كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم # وأنكر ذلك قوم، لأنه لم يصرف أشأم. وقالوا إنما هو صفة وقعت موقع ~~الموصوف كأنه قال: غلمان أمر أشأم، فلذلك قالوا إنما المعنى الخلة ~~البأساء, والخلة الضراء. # { والموفون بعهدهم } رفع عطفا على { من آمن }. ويحتمل أن يكون رفعا ~~على المدح، وتقديره: وهم الموفون، ذكره الزجاج. والصابرين نصب على المدح، ~~كقول الشاعر: # الى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وذا الرأي حين تغم الأمور # بذات الصليل وذات اللجم # ويحتمل أن يكون نصب بفعل مضمر، وتقديره وأعني الصابرين. ويحتمل أن يكون ~~عطفا على قوله: { وآتى المال على حبه ذوي القربى } { والصابرين } فعلى ~~هذا يجب أن يكون رفع { الموفين } على المدح للضمير الذي في صلة (من)، ~~لأنه لا يجوز بعد العطف على الموصوف، العطف على ما في الصلة. وهذا الوجه ~~ضعيف، لأنه يؤدي الى التكرار، لأنهم دخلوا في قوله: { والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين } فيجب أن يحمل قوله: { والصابرين } على من لم يذكر، ~~ليكون فيه فائدة. وإن كان ذلك وجها مليحا. # والقراءة بالرفع أجود، وأقوى، لأنه اسم (ليس) مقدم قبل الخبر لفائدة في ~~الخبر، ولأنه قرأ { ليس البر بأن } ذكره الفراء. # وقوله: { أولئك الذين صدقوا } معناه الذين جمعوا العمل بهذه الخصال ~~الموصوفة: هم الموصوفون بأنهم صدقوا على الحقيقة، لأنهم عملوا بموجب ما ~~أقروا به. { أولئك هم المتقون } يعني اتقوا - بفعل هذه الخصال - نار ~~جهنم. # واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن المعني بها أمير المؤمنين (ع)، لأنه ~~لا خلاف بين الأمة أن جميع هذه الخصال كانت جامعة فيه. ولم تجتمع في غيره ~~قطعا، فهو مراد بالآية بالاجماع. وغيره مشكوك فيه غير مقطوع عليه. وقال ~~الزجاج، والفراء: هذه الآية تتناول الانبياء المعصومين، لأنهم ms0421 الذين ~~يجمعون هذه الصفات. # الاعراب: # ومن قرأ { ليس البر } بالرفع، جعل البر اسما، وجعل (أن) في موضع نصب، ~~ومن نصب جعل " أن تولوا " في موضع رفع، وقدم الخبر. ومثله قوله تعالى: # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # وما كان قولهم # وما كان جواب قومه # فكان عاقبتهما # وما أشبه ذلك. ### || [2.178] # معنى قوله: كتب: فرض. وأصل الكتب: الخط الدال على معنى الفرض. وقيل: ~~لأنه، مما كتبه الله في اللوح المحفوظ على جهة الفرض، قال الشاعر: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى المحصنات جر الذيول # وقال النابغة الجعدي: # يا بنت عمي كتاب الله أخرجني # عنكم فهل امنعن الله ما فعلا # ومنه الصلاة المكتوبة أي المفروضة فان قيل: كيف قيل: كتب عليكم بمعنى ~~فرض، والأولياء مخيرون: بين القصاص، والعفو، وأخذ الدية؟ قلنا عنه ~~جوابان: # أحدهما - انه فرض عليكم ذلك إن اختار أولياء المقتول القصاص. والفرض قد ~~يكون مضيقا ويكون مخيرا فيه. والثاني - فرض عليكم ترك مجاوزة ما حد لكم ~~الى التعدي فيما لم يجعل لكم. # اللغة: # والقصاص: الأخذ من الجاني مثل ما جنى، وذلك لأنه تال لجنايته. وأصله ~~التلو، من قص الاثر: وهو تلو الاثر. والقصاص، والمقاصة، والمعاوضة، ~~والمبادلة نظائر. يقال: قص يقص قصا، وقصصا. وأقصه به إقصاصا. واقتص ~~اقتصاصا. وتقاصوا تقاصا. واستقص: اذا طلب القصاص استقصاصا. وقاصه ~~مقاصة وقصاصا. وقص الشيء بالمقص يقصه قصا. وقص الحديث يقصه قصصا. ~~وكذلك قص أثره قصصا: اذا اقتفى أثره. والقص والقصص: عظم الصدر من الناس، ~~وغيرهم. والقصة: الخصلة من الشعر. والقصة من القصص معروفة. والقصة الجص. ~~والقصاص: التقاص من الجراحات والحقوق شيء بشيء. والقصيص: نبات ينبت في ~~أصول الكمأة. واقصت الشاة، فهي مقص اذا استبان ولدها. وأصل الباب ~~التلو. # وقوله تعالى: { الحر بالحر } فالحر نقيض العبد، والحر من كل شيء. ~~أعتقه. والحر: ولد الحية، وولد الظبية، وفرخ الحمام. واحرار البقول: ما ~~يؤكل غير مطبوخ. والحر: نقيض البرد، حر النهار يحر حرا. والحرير: ثياب ~~من إبريسم. والحريرة: دقيق يطبخ باللبن. والحرة: أرض ذات حجارة سود كأنها ~~أحرقت بالنار. ms0422 وتحرير الكتابة: إقامة حروفها. والحرورية: منسوب الى حرور: ~~قرية كان أول مجتمعهم بها، فالمحرر المختص بخدمة الكنيسة ما عاش، ومنه ~~قوله # ما في بطني محررا # وأصل الباب الحر خلاف البرد. ومنه الحرير، لأنه يستدفأ به. # قوله: { من عفي له من أخيه شيء } معناه ترك، من عفت المنازل اذا تركت ~~حتى درست. والعفو عن المعصية: ترك العقاب عليها. وقيل: معنى العفو ها هنا ~~ترك القود بقبول الدية من أخيه، فالأخ يجمع أخوة اذا كانوا لأب، وإذا لم ~~يكونوا لاب، فهم أخوان، ذكر ذلك صاحب العين، ومنه قوله: { فاصلحوا بين ~~أخويكم } ومنه الاخاء، والتآخي. والأخوة قرابة الأخ. والتآخي اتخاذ ~~الأخوان. وبينهما إخاء وأخوة. وآخيت فلانا موآخاة، وإخاء. وأصل الباب ~~الأخ من النسب، ثم شبه به الاخ من الصداقة. # المعنى: # والهاء في قوله: { من أخيه } تعود الى أخي المقتول - في قول الحسن -. ~~وقال غيره: تعود الى أخي القاتل، فان قيل: كيف يجوز أن تعود الى أخي ~~القاتل وهو في تلك الحال فاسق؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: # أحدها - إنه أراد أخوة النسب، لا في الدين، كما قال # وإلى عاد أخاهم هودا # والثاني - لأن القاتل قد يتوب فيدخل في الجملة، وغير التائب على وجه ~~التغليب. الثالث - تعريفه بذلك على أنه كان أخاه قبل أن يقتله، كما قال: # إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # يعنى الذين كانوا أزواجهن. وقال جعفر بن مبشر عن بعضهم: إن هذه الآية ~~منسوخة بقوله # النفس بالنفس # قال: وليست عندي كذلك، لأن الله تعالى إنما أخبرنا أنه كتبها على اليهود ~~قبلنا، وليس في ذلك ما يوجب أنه فرض علينا، لأن شريعتهم منسوخة بشريعتنا. ~~والذي أقوله: إن هذه الآية ليست منسوخة، لأن ما تضمنته معمول عليه ولا ~~ينافي قوله تعالى: { النفس بالنفس } لأن تلك عامة، ويمكن بناء تلك على ~~هذه، ولا تناقض ولا يحتاج الى أن ينسخ إحداهما بالأخرى. وقال قتادة: نزلت ~~هذه الآية، لأن قوما من أهل الجاهلية كانت لهم حولة على غيرهم من أهل ~~الجاهلية، فكانوا ms0423 يتعدون في ذلك، فلا يرضون بالعبد إلا الحر، ولا ~~بالمرأة إلا الرجل، فنهاهم الله تعالى عن ذلك. # وقوله: { فاتباع بالمعروف } يعني العافي، وعلى المعفو عنه { أداء إليه ~~بإحسان } وبه قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والشعبي، والربيع، ~~وابن زيد، وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). وقال قوم: هما على المعفو عنه. # والاعتداء هو القتل بعد قبول الدية على قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ~~ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (ع). ~~وقال بعضهم { من اعتدى } بعد البيان في الآية، فقتل غير قاتل وليه أو بعد ~~قبول الدية { فله عذاب أليم } وهذا ايضا جيد تحتمله الآية. # الاعراب: # وقوله: { فاتباع } رفع بأنه إبتداء لخبر محذوف، كأنه قيل: فحكمه اتباع، ~~أو فعليه اتباع. وكان يجوز النصب في العربية. على تقدير فاليتبع اتباعا، ~~ولم يقرأ به. # اللغة: # والاداء، قال الخليل: أدى فلان يؤدي ما عليه إداء وتأدية. ويقال: فلان ~~آدى للامانة من غيره. والأداة من أدوات الحرب. وأصل الباب التأدية تبليغ ~~الغاية. # المعنى: # وقوله تعالى: { تخفيف من ربكم } معناه: أنه جعل لكم القصاص، أو الدية، ~~أو العفو، وكان لأهل التوراة قصاص، وعفو، ولأهل الانجيل عفو، أو دية. ~~ويجوز قتل العبد بالحر، والأنثى بالذكر إجماعا، ولقوله: # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا # ولقوله: # النفس بالنفس # وقوله: في هذه الآية { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } لا ~~يمنع من ذلك، لأنه تعالى لم يقل: ولا يقتل الأنثى بالذكر، ولا العبد ~~بالحر. فاذا لم يكن ذلك في الظاهر، فما تضمنته الآية معمول به، وما قلناه ~~مثبت بما تقدم من الأدلة. # فأما قتل الحر بالعبد، فعندنا لا يجوز، وبه قال الشافعي، وأهل المدينة. ~~وقال أهل العراق: يجوز. ولا يقتل والد بولد عندنا، وعند أكثر الفقهاء. ~~وعند مالك يقتل به على بعض الوجوه. وأما قتل الوالدة بالولد، فعندنا ~~تقتل. وعند جميع الفقهاء انها جارية مجرى الأب. فأما قتل الولد بالوالد ~~فيجوز إجماعا. ولا يقتل مولى بعبده. ويجوز قتل الجماعة بواحد إجماعا ~~إلا أن عندنا ms0424 يرد فاضل الدية، وعندهم لا يرد شيء على حال. واذا اشترك ~~بالغ مع طفل. أو مجنون في قتل، فعندنا لا يسقط القود عن البالغ، وبه قال ~~الشافعي. وقال أهل العراق: يسقط. ودية القصاص في قود النفس الف دينار، أو ~~عشرة آلاف درهم، أو مأة من الابل، أو مأتان من البقر، أو الف شاة، أو ~~مأتا حلة. ولا يجبر القاتل على الدية - عندنا - وان رضي، فهي عليه في ~~ماله. وقال الحسن: يجبر على العفو عن القصاص، والدية على العاقلة. والقتل ~~بالحديد عمدا يوجب القود إجماعا. فأما غير الحديد، فكل شيء يغلب على ~~الظن أن مثله يقتل فانه يجب القود عندنا، وعند أكثر الفقهاء. والذي له ~~العفو عن القصاص كل من يرث الدية إلا الزوج، والزوجة. وهم لا يستثنون بها ~~إلا أبا حنيفة: قال: اذا كان للمقتول ولد صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا، ~~ويحتج بقاتل علي (ع). وقال غيره: لا يجوز حتى يبلغ الصغار. وعندنا أن لهم ~~ذلك إذا ضمنوا حصة الصغار من الدية إذا بلغوا، ولم يرضوا بالقصاص. واذا ~~اجتمع مع القصاص حدود، فان كان حد لله، فالقتل يأتي عليه. وإن كان حق ~~لآدمي كحد القذف، أقيم عليه الحد ثم يقتل. وقال أهل المدينة: القتل يأتي ~~على الكل. ويقتل الرجل بالمرأة اذا رد أولياؤها نصف الدية. وخالف جميع ~~الفقهاء في ذلك. وما قلنا، قول علي (ع) وقول الحسن البصري. وشرح مسائل ~~الديات ذكرناها في النهاية، والمبسوط، لا يقتضي ذكرها ها هنا. ### || [2.179] # المعنى: # أكثر المفسرين على أن قوله: { ولكم في القصاص حياة } المراد به القصاص ~~في القتل. وإنما كان فيه حياة من وجهين: # أحدهما - ما عليه أكثر المفسرين كمجاهد، وقتادة، والربيع، وابن زيد: أنه ~~إذا هم الانسان بالقتل فذكر القصاص، ارتدع، فكان ذلك سببا للحياة. # الثاني - قال السدي: من جهة أنه لا يقتل إلا القاتل دون غيره. خلاف فعل ~~الجاهلية الذين كانوا يتفانون بالطوائل، والمعنيان جميعا حسنان. وقال ~~أبو الجوزاء: معناه أن القران حياة بالقصاص، أراد به القران. وهذا ضعيف، ~~لأنه ms0425 تأويل خلاف الاجماع، ولأنه لا يليق بما تقدم، ولا يشاكله، وهو قوله: ~~{ كتب عليكم القصاص في القتلى } ، فكأنه قال بعده ولكم فيه حياة. ونظير ~~هذه الآية قولهم: القتل أنفى للقتل. وبينهما من التفاوت في الفصاحة، ~~والبلاغة ما بين السماء والأرض وقيل: الفرق بينهما من أربعة أوجه: # أحدها - أنه أكثر فائدة. وثانيها - أنه أوجز في العبارة. وثالثها - أنه ~~أبعد عن الكلمة بتكرير الجملة. ورابعها - أنه أحسن تأليفا بالحروف ~~المتلائمة. # أما كثرة الفائدة، ففيه ما في قولهم: (القتل أنفى للقتل) وزيادة معان ~~حسنة: منها إبانة العدل، لذكره القصاص. ومنها إبانة الغرض المرغوب فيه، ~~لذكر الحياة. ومنها الاستدعاء بالرغبة والرهبة لحكم الله به. # وأما الايجاز في العبارة، فان الذي هو نظير (القتل أنفى للقتل) قوله ~~تعالى: { في القصاص حياة } وهو عشرة أحرف. والأول أربعة عشر حرفا. وأما ~~بعد التكلف، فهو أن في قولهم: (القتل أنفى للقتل) تكرير غيره أبلغ منه. ~~ومتى كان التكرير كذلك، فهو مقصر في باب البلاغة. وأما الحسن بتأليف ~~الحروف المتلائمة، فهو مدرك بالحس، وموجود باللفظ، فان الخروج من الفاء ~~إلى اللام أعدل من الخروج من اللام الى الهمزة، لبعد الهمزة من اللام. ~~وكذلك الخروج من الصاد الى الحاء أعدل من الخروج من الألف الى اللام. ~~فباجماع هذه الأمور التي ذكرناها كان أبلغ منه وأحسن. وإن كان الأول ~~حسنا بليغا وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء، فقال: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة # وفي العتاب حياة بين أقوام # وهذا وإن كان حسنا، فبينه وبين لفظ القرآن: ما بين أعلى الطبقة ~~وأدناها. وأول ما فيه أنه استدعاء الى العتاب. وذلك استدعاء الى العدل. ~~وفي هذا إبهام. وفي الآية بيان عجيب. # اللغة: # وقوله: { يا أولى الألباب } فالألباب: العقول وهو مأخوذ من النخلة على ~~وجه التشبيه به. واللب: العقل. لب الرجل يلب: إذا صار لبيبا. ولب ~~بالمكان، وألب به لبا، وإلبابا: اذا أفام به. ولب كل شيء خالصه. قال ~~صاحب العين: اللب: البال. تقول: الأمر منه في لبب رخي أي في بال رخي. # واللبب من ms0426 الرمل: شبيه حقف بين معظم الرمل، وجلد الأرض. وتلبب بالثياب ~~إذا جمعها. ويشبه به المتسلح بالسلاح. واللبة من الصدر: موضع القلادة. ~~والتلبيب: مجمع ما في موضع اللبب من ثياب الرجل. تقول: أخذ فلان بتلابيب ~~فلان. وأصل الباب لب الشيء: داخله: الذي تركبه القشرة، وتلزمه. ومنه لبيك ~~وسعديك أي ملازمة لأمرك وإسعادا لك. # المعنى: وقوله تعالى: { لعلكم تتقون } قد بينا فيما مضى أن لعل معناه ~~لكي وقيل في معناه ها هنا قولان: # [الأول] لكي تتقوا القتل بالخوف من القصاص. ذكره ابن زيد. # الثاني - قال الجبائي، وغيره: لتتقوا ربكم باجتناب معاصيه. وهذا أعم ~~فائدة، لأنه يدخل فيه اتقاء القتل، وغيره. # وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: لأن فيها دلالة على أنه أنعم على ~~جميع العقلاء، ليتقوا ربهم، وفي ذلك دلالة على أنه أراد منهم التقوى وإن ~~عصوا، وإنما خص الله تعالى بالخطاب أولي الالباب، لانهم المكلفون ~~المأمورون، ومن ليس بعاقل لا يصح تكليفه، ولا يحسن، فلذلك خصهم بالذكر. ### || [2.180] # المعنى: # هذا ابتداء قصة، ولا بد فيه من واو العطف، بان يقال: وكتب، لأنه حذف ~~اختصارا وقد بينا فيما مضى: أن معنى كتب فرض. وها هنا معناه الحث ~~والترغيب دون الفرض، والايجاب. وفي الآية دلالة على أن الوصية جائزة ~~للوارث، لأنه قال الوالدين، والاقربين. والوالدان وارثان بلا خلاف إذا ~~كانا مسلمين حرين غير قاتلين. ومن خص الآية بالكافرين، فقد قال: قولا ~~بلا دليل، ومن ادعى نسخ الآية فهو مدع لذلك، ولا يسلم له نسخها. وبمثل ما ~~قلناه قال محمد بن جرير الطبري سواء، فان ادعوا الاجماع على نسخها، كان ~~ذلك دعوى باطلة ونحن نخالف في ذلك. وقد خالف في نسخ الآية طاووس، فانه ~~خصها بالكافرين، لمكان الخبر ولم يحملها على النسخ. وقد قال أبو مسلم ~~محمد بن بحر: إن هذه الآية مجملة، وآية المواريث مفصلة، وليست نسخا، فمع ~~هذا الخلاف كيف يدعى الاجماع على نسخها. ومن ادعى نسخها، لقوله (ع): لا ~~وصية لوارث، فقد أبعد، لأن هذا اولا خبر واحد لا يجوز ms0427 نسخ القرآن به ~~إجماعا. وعندنا لا يجوز العمل به في تخصيص عموم القرآن. وادعاؤهم أن ~~الأمة أجمعت على الخبر دعوى عارية من برهان. ولو سلمنا الخبر جاز أن ~~نحمله على أنه لا وصية لوارث فيما زاد على الثلث، لأنا لو خلينا وظاهر ~~الآية لأجزنا الوصية بجميع ما يملك للوالدين والاقربين، لكن خص ما زاد ~~على الثلث لمكان الاجماع. # فأما من قال: إن الآية منسوخة بآية الميراث فقوله بعيد عن الصواب. لأن ~~الشيء إنما ينسخ غيره: إذا لم يمكن الجمع بينهما، فأما اذا لم يكن بينهما ~~تناف ولا تضاد بل أمكن الجمع بينهما، فلا يجب حمل الآية على النسخ، ولا ~~تنافي بين ذكر ما فرض الله للوالدين وغيرهم من الميراث، وبين الامر ~~بالوصية لهم على جهة الخصوص، فلم يجب حمل الآية على النسخ. وقول من قال: ~~حصول الاجماع على أن الوصية ليست فرضا يدل على أنها منسوخة باطل، لأن ~~إجماعهم على أنها لا تفيد الفرض، لا يمتنع من كونها مندوبا إليها ~~ومرغبا فيها، ولأجل ذلك كانت الوصية للوالدين، والاقربين الذين ليسوا ~~بوارث ثابتة بالآية ولم يقل أحد أنها منسوخة في خبرهم. ومن قال: إن النسخ ~~من الآية ما يتعلق بالوالدين، وهو قول الحسن والضحاك، فقد قال قولا ينافي ~~ما قاله مدعي نسخ الآية - على كل حال - ومع ذلك فليس الأمر على ما قال، ~~لأنه لا دليل على دعواه. وقال طاووس: إذا وصى لغير ذي قرابة لم تجز ~~وصيته. وقال الحسن: ليست الوصية إلا للأقربين وهذا الذي قالاه عندنا وإن ~~كان غير صحيح، فهو مبطل قول من يدعي نسخ الآية. # وإنما قلنا أنه ليس بصحيح، لأن الوصية لغير الوالدين، والأقربين عندنا ~~جائزة. ولا خلاف بين الفقهاء في جوازها. والوصية لا تجوز بأكثر من الثلث ~~إجماعا، والأفضل أن يكون بأقل من الثلث، لقوله (ع) والثلث كثير، وأحق من ~~وصي له من كان أقرب الى الميت إذا كانوا فقراء - بلا خلاف - وإن كانوا ~~أغنياء، فقال الحسن وعمرو بن عبيد: هم أحق بها. وقال ابن ms0428 مسعود، وواصل ~~ألأحق بها الأجوع، فالأجوع من القرابة. # وقوله تعالى: { إن ترك خيرا } يعنى مالا. واختلفوا في مقداره الذي يجب ~~الوصية عنده، فقال الزهري: كلما وقع عليه اسم مال من قليل أو كثير. وقال ~~ابراهيم النخعي: الف درهم الى خمسمائة. وروي عن علي (ع) أنه دخل على مولى ~~لهم في مرضه، وله سبع مائه درهم أو ستمائة، فقال: ألا أوصي، فقال: لا ~~إنما قال الله تعالى: { إن ترك خيرا } وليس لك كبير مال. وبهذا نأخذ، ~~لأن قوله حجة عندنا. # الاعراب: # والوصية في الآية مرفوعة بأحد أمرين: # أحدهما - ب (كتب)، لأنه لم يسم فاعله الثاني - أن يكون العامل فيه ~~الابتداء. وخبره للوالدين، والجملة في موضع رفع على الحكاية بمنزلة قيل ~~لكم: الوصية للوالدين. وقيل في إعراب (إذا) والعامل فيه قولان: أحدهما - ~~كتب على معنى اذا حضر أحدكم الموت أي عند المرض. والوجه الآخر قال ~~الزجاج، لأنه رغب في حال صحته أن يوصي، فتقديره كتب عليكم الوصية ~~للوالدين والاقربين بالمعروف في حال الصحة قائلين: اذا حضرنا الموت ~~فلفلان كذا. # المعنى: # المعروف هو العدل الذي لا يجوز أن ينكر ولا حيف فيه ولا جور والحضور ~~وجود الشيء بحيث يمكن أن يدرك. وليس معناه في الآية اذا حضره الموت أي ~~إذا عاين الموت، لأنه في تلك الحال في شغل عن الوصية. لكن المعنى كتب ~~عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الانسان: إذا حضرني الموت ~~أي اذا أنامت، فلفلان كذا. # والحق هو الفعل الذي لا يجوز إنكاره وقيل ما علم صحته سواء كان قولا أو ~~فعلا أو اعتقادا وهو مصدر حق يحق حقا وانتصب في الآية على المصدر ~~وتقديره أحق حقا وقد استعمل على وجه الصفة،, بمعنى ذي الحق، كما وصف ~~بالعدل { على المتقين } معناه على الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه، ~~وامتثال أوامره. ### || [2.181] # الهاء في قوله: { فمن بدله } عائدة على الوصية: وانما ذكر حملا على ~~المعنى، لأن الايصاء والوصية واحد. والهاء في قوله: { فإنما إثمه } عائدة ~~على التبديل الذي دل عليه ms0429 قوله: { فمن بدله }. وقال الطبري: الهاء تعود ~~على محذوف، لأن عودها على الوصية المذكورة لا يجوز، لأن التبديل إنما ~~يكون لوصية الموصي. فأما أمر الله عز وجل بالوصية، فلا يقدر هو، ولا غيره ~~أن يبدله قال الرماني: وهذا باطل، لأن ذكر الله الوصية إنما هو لوصية ~~الموصي، فكأنه قيل: كتب عليكم وصية مفروضة عليكم، فالهاء تعود إلى الوصية ~~المفروضة التي يفعلها الموصي. # وقوله تعالى: " فمن بدله " فالتبديل: هو تغيير الشيء عن الحق فيه. فأما ~~البدل، فهو وضع شيء مكان آخر. ومن أوصى بوصية في ضرار فبدلها الوصي، لا ~~يأثم. وقال ابن عباس: من وصى في ضرار لم تجز وصيته لقوله # غير مضار # والوصي إذا بدل الوصية لم ينقص من أجر الموصي شيء، كما لو لم تبدل، ~~لأنه لا يجازى أحد على عمل غيره، لكن يجوز أن يلحقه منافع الدعاء، ~~والاحسان الواصل الى الموصى له، على غير وجه الأجر له، لكن على وجه ~~الجزاء لغيره ممن وصل إليه ذلك الاحسان، فيكون ما يلحق المحسن إليه من ~~ذلك أجرا له، يصح بما يصل الى المحسن إليه من المنفعة. وفي الآية دلالة ~~على بطلان مذهب من قال: إن الطفل يعذب بكفر أبويه، لأن الله تعالى بين ~~وجه العدل في هذه. وقياس العدل في الطفل ذلك القياس، فمن هناك دل على ~~الحكم فيه. وفيها ايضا دلالة على بطلان قول من يقول: إن الوارث اذا لم ~~يقبض دين الميت أنه يؤخذ به في قبره أو فى الآخرة، لما قلنا من أنه دل ~~على أن العبد لا يؤآخذ بجرم غيره وأن لا إثم عليه بتبديل غيره. وكذلك لو ~~قضى عنه الوارث من غير أن يوصي به الميت لم يزل عقابه بقضاء الوارث عنه ~~إلا أن يتفضل باسقاطه عنه. # وقوله تعالى: { إن الله سميع عليم } معناه سميع لما قاله الموصى من ~~العدل؛ أو الجنف، عليم بما يفعله الوصي من التبديل أو التصحيح، فيكون ذكر ~~ذلك داعيا الى طاعته. ### || [2.182] # القراءة # قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن ms0430 عامر، وحفص عن عاصم { موص } ~~بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وهما لغتان: وصى، وأوصى بمعنى واحد. # المعنى: # فان قيل: كيف قال { فمن خاف من موص } لما قد وقع، والخوف إنما يكون لما ~~لم يقع؟ قيل فيه قولان: # أحدهما - إنه خاف أن يكون قد زل في وصيته، فالخوف للمستقبل، وذلك الخوف ~~هو أن يظهر ما يدل على أنه قد زل، لأنه من جهة غالب الظن. # والثاني - لما اشتمل على الواقع, وما لم يقع جاز فيه { خاف } ذلك فيأمره ~~بما فيه الصلاح، وما وقع رده الى العدل بعد موته. والجنف: الجور، وهو ~~الميل عن الحق. وقال الحسن: هو أن يوصي من غير القرابة، قال: فمن أوصى ~~لغير قرابته رد الى أن يجعل للقرابة الثلثان، ولمن أوصى له الثلث. وهذا ~~باطل عندنا، لأن الوصية لا يجوز صرفها عن من وصي له. وإنما قال الحسن ذلك ~~لقوله إن الوصية للقرابة واجبة. وعندنا إن الامر بخلافه على ما بيناه. # اللغة: # وقال صاحب العين: الجنف: الميل في الكلام والأمور كلها. تقول: جنف علينا ~~فلان، وأجنف في حكمه، وهومثل الحيف إلا ان الحيف من الحاكم خاصه، والجنف ~~عام، ومنه قوله تعالى: # غير متجانف # أي متمايل: متعمد. ورجل أجنف: في أحد شقيه ميل على الآخر. وقال ابن ~~دريد: جنف يجنف جنفا إذا صد عن الحق وأصل الباب: الميل عن الاستواء. ~~قال الشاعر في الجنف: # هم المولى وإن جنفوا علينا # وإنا من لقائهم لزور # المعنى: # واذا جنف الموصي في وصيته، فللوصي أن يردها إلى العدل، وهو المروي عن ~~أبي عبد الله (ع). وبه قال الحسن، وقتادة، وطاووس. وقال قوم، واختاره ~~الطبري: ان قوله { فمن خاف من موص } في حال مرضه الذي يريد أن يوصي فيه، ~~ويعطي بعضا، ويضر ببعض، فلا إثم أن يشير عليه بالحق، ويرده الى الصواب ~~ويسرع في الاصلاح بين الموصي، والورثة، والموصى له حتى يكون الكل راضين، ~~ولا يحصل جنف, ولا ظلم, ويكون قوله { فأصلح بينهم } يريد فيما يخاف من ~~حدوث الخلاف فيه - فيما بعد - ويكون قوله { فمن ms0431 خاف } على ظاهره، فيكون ~~مترقبا غير واقع. وهذا قريب ايضا، غير أن الأول أصوب، لأن عليه أكثر ~~المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وإنما قيل للمتوسط ~~بالاصلاح ليس عليه إثم ولم يقل فله الأجر على الاصلاح، لأن المتوسط إنما ~~يجري أمره في الغالب على أن ينقص صاحب الحق بعض حقه بسوآله إياه، فاحتاج ~~الى أن يبين الله لنا أنه لا إثم عليه في ذلك اذا قصد الاصلاح. والذي ~~اقتضى قوله { غفور رحيم } انه اذا كان يغفر المعصية، فانه لا يجوز أن ~~يوآخذ بما ليس بمعصية مما بين أنه لا إثم عليه. # والضمير في قوله { بينهم } عائد على معلوم بالدلالة عليه عند ذكر الوصي، ~~والاصلاح، لأنه قد دل على الموصى لهم ومن ينازعهم وأنشد الفراء - في مثل ~~{ فأصلح بينهم }: # أعمى إذا ما جارتي خرجت # حتى يواري جارتي الخدر # ويصم عما كان بينهما # سمعي وما بي غيره وقر # أراد بينها وبين زوجها، وإنما ذكرها وحدها، وأنشد أيضا: # وما أدري إدا يممت وجها # أريد الخير أيهما يليني # هل الخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي لا يأتليني # فكنى في البيت الأول عن الشر، وإنما ذكر الخير وحده. وقيل: بل يعود على ~~مذكور، هم الوالدان والأقربون. # والضمير في قوله { فلا إثم عليه } عائد على الوصي - في قول الحسن - ~~ويجوز أن يعود على المصلح المذكور في (من). # وقوله تعالى: { جنفا } وإنما يريد بالجنف: الميل عن الحق عن جهة الخطأ، ~~لأنه لا يدري أنه لا يجوز، والاثم: أن يتعمد ذلك، وهو معنى قول ابن عباس، ~~والحسن، والضحاك، والسدي. وروي ذلك عن أبي جعفر. والجنف في الوصية: أن ~~يوصي الرجل لابن ابنته، وله أولاد. أو يوصي لزوج بنته، وله أولاد، فلا ~~يجوز رده على وجه عندنا. وخالف فيه ابن طاووس، وكذلك إن وصى للبعيد دون ~~القريب لا ترد وصيته. وخالف فيه الحسن. ### || [2.183] # هذه الآية ظاهرها يتوجه الى من كان على ظاهر الايمان. فأما الكافر، فلا ~~يعلم بهذا الظاهر أنه مخاطب بالصيام. وقوله ms0432 { كتب } معناه فرض على ما ~~بيناه فيما مضى. # اللغة: # والصيام، والصوم: مصدر صام يصوم صوما قال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # وقال صاحب العين: الصوم، والصمت واحد كقوله تعالى { إني نذرت للرحمن ~~صوما } أي صمتا. والصوم قيام بلا عمل صام الفرس على أريه: اذا لم يعلف. ~~وصامت الريح: اذا ركدت. وصامت الشمس: حين تستوي في منتصف النهار. وصامت ~~الفرس: موقفه. والصوم ذرق النعام. والصوم: شجر. وأصل الباب: الامساك، ~~فالصوم: الصمت، لأنه إمساك عن الكلام. # المعنى: # والصوم في الشرع هو الامساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على ~~صفات مخصوصة في زمان مخصوص. ومن شرط انعقاده النية. # وقوله { كما كتب على الذين من قبلكم } قيل فيه ثلاثة أقوال: أحسنها: انه ~~كتب عليكم صيام أيام، كما كتب عليهم صيام أيام. وهو اختيار الجبائي، ~~وغيره، ويكون الصيام رفعا، لأنه ما لم يسم فاعله، ويكون موضع { كما } ~~نصب على المصدر. # والمعنى فرض عليكم فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم. ويحتمل أن يكون ~~نصبا على الحال من الصيام. وتقديره كتب عليكم مفروضا أي في هذه الحال. # والثاني - ما قاله الشعبي، والحسن: انه فرض علينا شهر رمضان كما فرض شهر ~~رمضان على النصارى. وإنما زادوا فيه وحولوه الى زمان الربيع. # والثالث - ما قاله الربيع، والسدي: إنه كان الصوم من العتمة إلى العتمة ~~لا يحل بعد النوم مأكل، ولا مشرب، ولا منكح، ثم نسخ. والأول هو المعتمد. ~~وقال مجاهد. وقتادة: المعني بالذين من قبلكم أهل الكتاب. # وقوله { لعلكم تهتدون } أي لعلكم تتقون المعاصي بفعل الصوم - في قول ~~الجبائي - وقال السدي: لتتقوا ما حرم عليكم من المأكل والمشرب. وقالت ~~فرقة: معناه لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصيام، لأنه لو لم بلطف به ~~لم تكونوا أتقياء. وإنما قلنا: الأول هو المعتمد، لأنه يصح ذلك في اللغة، ~~إذا كان فرض عليهم صيام أيام كما علينا صيام أيام وإن اختلف ذلك بالزيادة ~~والنقصان. ### || [2.184] # القراءة: # قرأ ابن عامر, ونافع { فدية طعام ms0433 مساكين } على إضافة الفدية وجمع ~~المساكين. الباقون { فدية } منون { طعام مسكين } على التوحيد. والقراءتان ~~متقاربتا المعنى، لأن المعنى لكل يوم يفطر طعام مسكين. والقراءتان يفيدان ~~ذلك. # الاعراب: # قوله تعالى: { أياما معدودات } منصوب بأحد شيئين: أحدهما - على الظرف، ~~كأنه قيل: الصيام في أيام معدودات. وهو الذي اختاره الزجاج. الثاني - أن ~~يكون قد عدي الصيام إليه كقولك: اليوم صمته. وقال الفراء: هو مفعول ما لم ~~يسمى فاعله كقولك: أعطي زيد المال. وخالفه الزجاج، قال، لأنه لا يجوز رفع ~~الأيام، كما لا يجوز رفع المال. وإذا كان المفروض في الحقيقة هو الصيام ~~دون الأيام، فلا يجوز ما قاله الفراء إلا على سعة في الكلام. # وقال عطا، وقتادة: الأيام المعدودات كانت ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ. ~~وكذلك روي عن ابن عباس. وقال ابن أبي ليلى: المعني به شهر رمضان وإنما ~~كان صيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا. # وقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~ارتفع عدة على الابتداء، وتقديره فعليه عدة من أيام أخر. وروي عن أبي ~~جعفر (ع) أن شهر رمضان كان صومه واجبا على نبي دون أمته. وإنما أوجب على ~~أمة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) فحسب. وإنما قال { أخر } ولا يوصف ~~بهذا الوصف إلا جمع المؤنث التي كل واحدة أنثى - والأيام جمع يوم وهو ~~مذكر - حملا له على لفظ الجمع، لأن الجمع يؤنث كما يقال جائت الأيام ومضت ~~الأيام. و " أخر " لا يصرف، لأنه معدول عن الألف واللام، لأن نظائرها من ~~الصغر والكبر لا يستعمل إلا بالألف واللام، لا يجوز نسوة صغر، ويجوز في ~~العربية " فعدة " على معنى، فليعد عدة من أيام أخر بدلا مما أفطر. # المعنى: # وهذه الآية فيها دلالة على أن المسافر، والمريض يجب عليهما الافطار، ~~لأنه تعالى أوجب عليهما القضاء مطلقا، وكل من أوجب القضاء بنفس السفر ~~والمرض أوجب الافطار وداود أوجب القضاء، وخير في الافطار، فان قدروا في ~~الآية فأفطر، كان ذلك خلاف الآية، وبوجوب الافطار في ms0434 السفر قال عمر بن ~~الخطاب، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو ~~هريرة، وعروة ابن الزبير، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين؛ وروى سعيد بن ~~جبير عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس: قال: الافطار في السفر عزيمة. ~~وروى يوسف ابن الحكم، قال: سألت ابن عمر عن الصوم في السفر قال: أرأيت لو ~~تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك ألا تغضب، فانها صدقة من الله تصدق بها ~~عليكم، وروى عبد الملك بن حميد قال قال أبو جعفر: كان أبي لا يصوم في ~~السفر وينهى عنه، وروي عن عمر، أن رجلا صام في السفر، فأمره أن يعيد ~~صومه، وروى عطا عن المحرز بن أبي هريرة قال: كنت مع أبي في سفر في شهر ~~رمضان، فكنت أصوم ويفطر، فقال أبي أما أنك اذا أقمت قضيت، وروى عاصم مولى ~~قومه: أن رجلا صام في السفر فأمره عروة أن يقضي، وروى الزهري عن أبى سلمة ~~بن عبد الرحمن ابن عوف قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " # وروي عن معاذ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدم المدينة، فكان يصوم ~~عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ ذلك بشهر رمضان في قوله: { يا ~~أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } واختار الطبري هذا الوجه قال، لأنه ~~لم ينقطع العذر برواية صحيحة أنه كان ها هنا صوم متعبد به فنسخه الله ~~بشهر رمضان. # اللغة: # وأصل السفر الكشف تقول: سفر يسفر سفرا: اذا كشف. وأسفر لونه إسفارا، ~~وانسفرت الابل: اذا انكشفت داهية انسفارا. وسافر سفرا، وسفرت الريح ~~السحاب إذا قشعته قال العجاج: # سفر الشمال الزبرج المزبررجا # الزبرج السحاب الرقيق، ومنه السفر، لأنه يظهر به ما لم يكن ظهر، وينكشف ~~به ما لم يكن انكشف، والسفرة طعام السفر، وبه سميت الجلدة التي يحمل فيها ~~الطعام سفرة، والمسفرة: المكنسة، والسفير الداخل بين اثنين للصلح، ~~والسفير: ورق الشجر إذا سقط، وسفر فلان شعره ms0435 اذا استأصله عن رأسه، ومنه ~~قوله تعالى: # وجوه يومئذ مسفرة # أي مشرقة مضيئة # والصبح إذا أسفر # اذا أضاء. والأسفار جمع سفر # بأيدي سفرة # أي كتبة. # وقوله تعالى: { وعلى الذين يطيقونه } يقال: طاق يطوق طوقا وطاقة وهي ~~القوة، وأطاقة إطاقة ايضا إذا قوي عليه، وطوقه تطويقا: ألبسه الطوق، ~~وهو معروف من ذهب كان أو فضة كأنه يكسيه قوة بما يعطيه من الجلالة، وكل ~~شيء استدار فهو طوق، كطوق الرحا الذي يدير القطب مشبه بالطوق المعروف في ~~الصورة، وتطوقت الحية على عنقها: أي صارت كالطوق فيه، والطاقة: شعبة من ~~ريحان أو شعر ونحو ذلك، والطاق: عقد البناء حيث ما كان، والجمع الاطواق، ~~وذلك لقوته. وطوقه الأمر إذا جعله كالطوق في عنقه. # المعنى: # قال الحسن وأكثر أهل التأويل: إن هذا الحكم كان في المراضع، والحوامل، ~~والشيخ الكبير، فنسخ من الآية المراضع، والحوامل وبقى الشيخ الكبير. وقال ~~أبو عبدالله (ع) ذلك في الشيخ الكبير يطعم لكل يوم مسكينا. منهم من قال: ~~نصف صاع وهم أهل العراق. وقال الشافعي: مد عن كل يوم. وعندنا إن كان ~~قادرا فمدان، وإن لم يقدر إلا على مد أجراه. وقال السدي: لم ينسخ، وإنما ~~المعنى وعلى الذين كانوا يطيقونه. # وقوله تعالى: { فمن تطوع خيرا } يعني أطعم أكثر من مسكين في قول ابن ~~عباس، وعمل برا في جميع الدين في قول الحسن، وهو أعم فائدة. ومنهم من ~~قال: من جمع بين الصوم، والصدقة ذهب إليه ابن شهاب. والهاء في قوله ~~يطيقونه - عند أكثر أهل العلم - عائدة على الصوم، وهو الأقوى، وقال قوم: ~~عائدة على الفداء، لأنه معلوم وإن لم يجر له ذكر. والمعني بقوله " الذين ~~يطيقونه " قيل فيه ثلاثة أقوال: # أولها - أنه سائر الناس من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى لكل يوم إطعام ~~مسكين حتى نسخ ذلك - في قول ابن عباس، والشعبي. # الثاني - قال الحسن وعطا: إنه في الحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، فنسخ ~~من الآية الحامل، والمرضع، وبقى الشيخ الكبير. وقال السدي: إنه فيمن كان ~~يطيقه إذا صار الى ms0436 حال العجز عنه. { ومن } في قوله: { فمن تطوع } الظاهر، ~~والأليق أنها للجزاء. ويحتمل أن تكون بمعنى الذي. وما روي في الشواذ من ~~قراءة من قرأ { يطوقونه } قيل فيه قولان: # أحدهما - يكلفونه على مشقة فيه، وهم لا يطيقونه لصعوبته. # الثاني - أن يكون معناه يلزمونه، وهم الذين يطيقونه، فيؤول الى معنى ~~واحد. ومن قرأ " فدية طعام مساكين " على إضافة الفدية، وجمع المساكين: عن ~~ابن عامر ونافع، فان معنى قراءته تؤول الى قراءة من ينون { فدية طعام ~~مسكين } ، لأن المعنى: لكل يوم يفطر طعام مسكين. والأول يفيد هذا ايضا، ~~لأنه إذا قيل: إطعام مساكين للأيام بمعنى لكل يوم مسكين، صار المعنى ~~واحدا. # وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: إن القدرة مع الفعل، لأنه لو ~~كانت الاستطاعة مع الفعل الذي هو الصيام، لسقطت عنه الفدية - لأن إذا صام ~~لم يجب عليه فدية. # وقوله: { وإن تصوموا خير لكم } رفع (خير)، لأنه خبر المبتدأ. وتقديره ~~وصومكم خير لكم، كأن هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ، فلا يجوز أن ~~يقال: الصوم خير من الفدية مع أن الافطار لا يجوز أصلا. ### || [2.185] # القراءة: # قرأ أبو بكر عن عاصم { ولتكملوا } بتشديد الميم. الباقون بتخفيفها. قال ~~أبو العباس: أكملت وكملت بمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة. ومن قرأ ~~بالتخفيف فلقوله # اليوم أكملت لكم دينكم # اللغة: # الشهر: معروف، وجمعه: الأشهر. والشهور والشهرة: ظهور الأمر في شنعة. ~~وشهرت الحديث أظهرته. وشهر فلان سيفه: اذا انتضاه. والمشهر: الذي أتى ~~عليه شهر. وأشهرت المرأة: اذا دخلت في شهر ولادتها. وأتان شهيرة: أي ~~عريضة ضخمة. والمشاهرة: المعاملة شهرا بشهر. وسمى الشهر شهرا، لاشتهاره ~~بالهلال. فأصل الباب الظهور. # وقال ابن دريد: الرمض: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، والأرض رمضاء. ~~ورمض يومنا رمضا: اذا اشتد حره. ورمضان من هذا اشتقاقه، لأنهم سموا ~~الشهور بالازمنة التي فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر، وقد جمعوا رمضان، ~~رمضانات. قال صاحب العين: والرمض حرقة غيظ تقول: أرمضني هذا الأمر، ورمضت ~~له. والرمض: مطر يكون قبل الخريف. وأصل ms0437 الباب شدة الحر. # الاعراب: # وشهر رمضان رفع لأحد ثلاثة أشياء: # أولها - أن يكون خبر ابتداء محذوف يدل عليه { أياما معدودات } وتقديره ~~هي شهر رمضان. # الثاني - على ما لم يسم فاعله، ويكون بدلا من الصيام، وتقديره { كتب ~~عليكم الصيام } { شهر رمضان }. # الثالث - أن يكون مبتدأ وخبره { الذي أنزل فيه القرآن } ويجوز في ~~العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين: أحدهما - صوموا شهر رمضان. والآخر - ~~على البدل من أيام. # المعنى: # وقوله { أنزل فيه القرآن } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن: إن الله تعالى أنزل جميع ~~القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) بعد ذلك نجوما. وهو المروي عن أبي عبدالله (ع). # والثاني - أنه ابتداء إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان. فان قيل كيف ~~يجوز أنزاله كله في ليلة، وفيه الاخبار عما كان، ولا يصلح ذلك قبل أن ~~يكون؟ قلنا: يجوز ذلك في مثل قوله: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # وقوله: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين # على اذا كان وقت كذا أنزل { لقد نصركم الله } كما قال تعالى # ونادى أصحاب الجنة # أي إذا كان يوم القيامة { نادى أصحاب الجنة أصحاب النار }. # الاعراب: # وقوله تعالى: { هدى للناس } موضعه نصب على الحال، كأنه قال: أنزل فيه ~~القرآن هاديا للناس. ولا يحتمل سواه، لقوله { وبينات من الهدى }. # اللغة: # والقرآن إشتقاقه قرأ يقرأ قراءة، وأقرأه إقراء وقال صاحب العين: رجل ~~قارء: أي عابد ناسك، وفعله التقري والقراءة، وأقرأت المرأة: اذا حاضت. # وقرأت الناقة: اذا حملت. والفرأ: الحيض، وقد جاء بمعنى الطهر. وأصل ~~الباب الجمع، لقولهم. ما قرأت الناقة سلا قط: أي ما جمعت رحمها على سلا ~~قط. وفلان قرأ، لأنه جمع الحروف بعضها الى بعض. والفرء الحيض، لاجتماع ~~الدم في ذلك الوقت. والفرقان: هو الذي يفرق بين الحق، والباطل. والمراد ~~به القرآن ها هنا. ms0438 # المعنى: # وقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } قيل في معناه قولان: # أحدهما - من شاهد منكم الشهر مقيما. والثاني - من شهده بان حضره، ولم ~~يغب، لانه يقال: شاهد: بمعنى حاضر وشاهد: بمعنى مشاهد. وروي عن ابن عباس، ~~وعبيدة السلماني، ومجاهد, وجماعة من المفسرين، ورووه عن علي (ع) أنهم ~~قالوا: من شهد الشر بأن دخل عليه الشهر، كره له أن يسافر حتى يمضي ثلاث ~~وعشرون من الشهر إلا أن يكون واجبا كالحج، أو تطوعا كالزيارة، فان لم ~~يفعل، وخرج قبل ذلك كان عليه الافطار، ولم يجزه الصوم. # وقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ناسخ الفدية - على قول من ~~قال بالتخيير - وناسخ للفدية ايضا في المراضع والحوامل - عند من ذهب ~~اليه - وبقي الشيخ الكبير، له أن يطعم، ولم ينسخ. وعندنا أن المرضعة ~~والحامل اذا خافا على ولدهما أفطرتا وكفرتا، وكان عليهما القضاء فيما ~~بعد اذا زال العذر. وبه قال جماعة من المفسرين، كالطبري وغيره. # وقوله: { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } قد بينا أنه ~~يدل على وجوب الافطار - في السفر - لأنه أوجب القضاء بنفس السفر، ~~والمرض. وكل من قال ذلك أوجب الافطار. ومن قدر في الآية أو على سفر فأفطر ~~فعدة من أيام أخر، زاد في الظاهر ما ليس فيه. فان قيل: هذا كقوله # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام # ومعناه فحلق. قلنا: إنما قدرنا هناك فحلق للاجماع على ذلك، وليس ها هنا ~~إجماع، فيجب أن لا يترك الظاهر، ولا يزاد فيه ما ليس فيه. # اللغة: # وقوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر } قال صاحب العين: الارادة: أصلها ~~الواو، لأنك تقول: راودته على أن يفعل كذا وكذا، مراودة. ومنه راد، يرود، ~~روادا، فهو رايد بمعنى الطالب شيئا. ويقال أرود فلان إروادا: إذا رفق ~~في مشي أو غيره. ومنه رويدا فلانا: أي امهله يتفسح منصرفا. ومنه ارتاد ~~ارتيادا كقولك: طلب طلبا، والرود: الميل. وفي المثل (الرائد لا يكذب ~~أهله) أي الطالب صلاحهم لا يكذبهم، ms0439 لأنه لو كذبهم غشهم. وأصل الباب ~~الطلب. والارادة بمنزلة الطلب للمراد، لأنها كالسبب له. # واليسر ضد العسر. يقال: أيسر إيسارا، ويسره تيسيرا، وتيسر تيسرا، ~~وتياسر تياسرا، واستيسر استيسارا. واليسار: اليد اليسرى. واليسار: ~~الغنى، والسعة. واليسر: الجماعة الذين يجتمعون على الجزور في الميسر، ~~والجمع: الايسار. # وفرس حسن التيسور: اذا كان حسن السمن. وأصل الباب السهولة. # والعسر ضد اليسر. وعسر الشيء عسرا. ورجل عسر بين العسر. ورجل أعسر: ~~يعمل بشماله. وأعسر الرجل إعسارا: اذا افتقر. والعسير الناقة التي ~~اعتاصت فلم تحمل من سنتها. وبعير عسران اذا ركب قبل أن يراض. وأصل ~~الباب الصعوبة. # وقوله تعالى: { ولتكملوا العدة } يقال: كمل يكمل كمالا، وأكمل إكمالا، ~~وتكامل تكاملا، وكمله تكميلا، واستكمل استكمالا، وتكمل تكملا. وأصل الباب ~~الكمال، وهو التمام. # الاعراب: # وعطف باللام في قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } على أحد أمرين: # أحدهما - عطف جملة على جملة، لأن بعده محذوفا، كأنه قال: ولتكملوا ~~العدة شرع ذلك أو أريد. ومثله قوله تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين # أي أريناه. هذا قول الفراء. # الثاني - أن يكون عطفا على تأويل محذوف دل عليه ما تقدم من الكلام، ~~لأنه لما قال: { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } دل على أنه ~~فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز { ولتكملوا العدة } عطفا عليه. قال الشاعر: # يارب غير آيهن مع البلى # إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج أما سواء قذاله # فبدوا وغيب ساره المعزاء # فعطف على تأويل الكلام الأول كأنه قال: بها رواكد، ومشجج. وهذا قول ~~الزجاج وهو الأجود، لأن العطف يعتمد على ما قبله، لاعلى ما بعده. وعطف ~~الظرف على الاسم في قوله: { ومن كان مريضا أو على سفر } جائز، لأنه معنى ~~الاسم، وتقديره أو مسافرا، ومثله قوله: { دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما } كأنه قال مضطجعا أو قائما أو قاعدا. # المعنى: # واليسر المذكور في الآية: الافطار في السفر - في قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك. # والعسر: الصوم فيه وفي المرض. والعدة: المأمور باكمالها، والمراد بها: ~~أيام السفر، والمرض الذي ms0440 أمر بالافطار فيها. وقال الضحاك، وابن زيد: عدة ~~ما أفطروا فيه. # وقوله { ولتكبروا الله } المراد به تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات: ~~المغرب، والعشاء الآخرة، وصلاة الغداة، وصلاة العيد - على مذهبنا -. وقال ~~ابن عباس، وزيد بن أسلم، وسفيان، وابن زيد: التكبير يوم الفطر. # وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة من ثلاثة أوجه: # أحدها - قوله { هدى للناس } فعم بذلك كل إنسان مكلف، وهم يقولون ليس ~~يهدى الكفار. # الثاني - قوله تعالى { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~والمجبرة تقول: قد أراد تكليف العبد ما لا يطيق مما لم يعطه عليه قدرة، ~~ولا يعطيه، ولا عسر أعسر من ذلك. # الثالث - لو أن إنسانا حمل نفسه على المشقة الشديدة التي يخاف معها ~~التلف في الصوم لمرض شديد لكان عاصيا، ولكان قد حمل نفسه على العسر الذي ~~أخبر الله أنه لا يريده بالعبد. # والمجبرة تزعم أن كلما يكون من العبد من كفر أو عسر أو غير ذلك من أنواع ~~الفعل يريده الله. # مسائل من أحكام الصوم # يجوز قضاء شهر رمضان متتابعا، ومتفرقا، فالتتابع أفضل. وبه قال مالك، ~~والشافعي. وقال أهل العراق: هو مخير. ومن أفطر في شهر رمضان متعمدا ~~بالجماع في الفرج لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - والكفارة: عتق رقبة، ~~فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا. وبه ~~قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك هو بالخيار. وفي أصحابنا من قال ~~بذلك. والاطعام لكل مسكين نصف صاع - عندنا - وبه قال أبو حنيفة، فان لم ~~يقدر فمد. وبه قال الشافعي، ولم يعتبر العجز. فان جامع ناسيا، فلا شيء ~~عليه. وقال مالك: عليه القضاء. ومن أكل متعمدا أو شرب في نهار شهر رمضان ~~لزمه القضاء، والكفارة - عندنا - وهو قول أبي حنيفة ومالك. وقال الشافعي: ~~لا كفارة عليه، وعليه القضاء. والناسي لاشيء عليه - عندنا - وعند أهل ~~العراق، والشافعي. وقال مالك عليه القضاء. ومن أصبح جنبا متعمدا من غير ~~ضرورة لزمه - عندنا - القضاء والكفارة. وقال ابن حي عليه القضاء ~~استحبابا. وقال جميع الفقهاء ms0441 لاشيء عليه. ومن ذرعه القيء، فلا شيء عليه، ~~فان تعمده كان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك. وقال ~~الأوزاعي: إن غلبه، فعليه القضاء بلا كفارة. وإن استدعاه فعليه القضاء، ~~والكفارة. ومن أكل حصى أو نوى متعمدا فعليه القضاء، والكفارة. وبه قال ~~مالك والأوزاعي: وقال أهل العراق عليه القضاء بلا كفارة. وقال ابن حي لا ~~قضاء ولا كفارة. # واذا احتلم الصبي يوم النصف من شهر رمضان صام ما بقي، ولا قضاء عليه ~~فيما مضى، ويمسك بقية يومه تأديبا، فان أفطر فيه فلا قضاء عليه. وبه قال ~~أهل العراق. وقال مالك: أحب الي أن يقضي ذلك اليوم، وليس بواجب. وقال ~~الاوزاعي: يصوم ما بقى، ويقضى ما مضى منه. # وحكم الكافر اذا أسلم حكم الصبي اذا احتلم في جميع ذلك. والمجنون، ~~والمغمى عليه في الشهر كله لا قضاء عليه - عندنا - بدلالة قوله تعالى: { ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~وإنما أراد من شهد الشهر وهو ممن يتوجه اليه الخطاب، والمجنون والمغمى ~~عليه ليس بعاقل يتناوله الخطاب. وقوله { ومن كان مريضا أو على سفر } ~~المراد به إذا كان مريضا عاقلا، يشق عليه الصوم، أو يخاف على نفسه منه، ~~فيلزمه { عدة من أيام أخر }. وقال أهل العراق: إن لم يفق المجنون في جميع ~~الشهر، فلا قضاء عليه، وان أفاق في بعضه فعليه قضاؤه كله. # وأما المغمى عليه في الشهر كله، فعليه قضاؤه، لانه بمنزلة المريض. # وقال حسن بن صالح، ومالك: المجنون، والمغمى عليه سواء، عليه قضاء الشهر ~~كله إن جن في الشهر كله، وأغمى عليه فيه. وقال الأوزاعي: المجنون، ~~والمغمى عليه سواء، لا قضاء على واحد منهما ما مضى من الشهر، ويقضى ما ~~بقى منه، فان أفاق بعد ما خرج الشهر كله فلا قضاء عليه. وهذا مثل ما ~~قلناه. وقال الشافعي: يقضى المغمى عليه، ولا يقضى المجنون. # والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير اذا أفطروا، قال أهل العراق: في ~~الحامل، والمرضع، يخافان على ولدهما: يفطران، ويقضيان ms0442 يوما مكانه، ولا ~~صدقة عليهما، ولا كفارة، وبه قال قوم من أصحابنا. وقال مالك الحامل تقضي، ~~ولا تطعم والمرضع: تقضي، وتطعم لكل يوم مدا. وقال الشافعي في رواية ~~المزني: عليهما القضاء في الوجهين، وتطعم لكل يوم مدا، وهو مذهبنا، ~~والمعمول عليه. وفي رواية البزنطي عن الشافعي مثل قول مالك. والشيخ ~~الكبير الذي لا يطيق الصوم يفطر ويتصدق مكان كل يوم نصف صاع في قول أهل ~~العراق، وهو مذهبنا. وقال الشافعي: مد لكل يوم. وقال مالك: يفطر ولا ~~صدقة عليه. والسفر الذي يوجب الافطار: ما كان سفرا حسنا، وكان مقداره ~~ثمانية فراسخ: أربعة وعشرين ميلا. وعند الشافعي: ستة عشر فرسخا. وعند ~~أبي حنيفة: أربعة وعشرون فرسخا. وقال داود: قليله، وكثيره يوجب الافطار. ~~والمرض الذي يوجب الافطار: ما يخاف معه التلف أو الزيادة المفرطة في ~~مرضه. وروي أنه كل مرض لا يقدر معه على القيام مقدار صلاته، وبه قال ~~الحسن، وعبيدة السلماني. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. # ومن قال: إن قوله تعالى: { ولتكملوا العدة } يدل على أن شهر رمضان لا ~~ينقص أبدا، فقد أبعد من وجهين: # [الاول]، لأن قوله { ولتكملوا العدة } معناه ولتكملوا عدة الشهر سواء ~~كان الشهر تأما أو ناقصا. # والثاني - أن ذلك راجع الى القضاء، لأنه قال عقيب ذكر السفر، والمرض: { ~~فعدة من أيام أخر يريد الله بكم السير ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ~~} يعنى عدة ما فاته، وهذا بين. ### || [2.186] # النزول: # روي عن الحسن: أن سائلا سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) أقريب ربنا ~~فتناجيه أم بعيد فتناديه، فنزلت الآية. قال قتادة: نزلت جوابا لقوم ~~سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) كيف تدعو. # المعنى: # وقوله تعالى: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب } معناه: إن اقتضت ~~المصلحة إجابته، وحسن ذلك، ولم تكن فيه مفسدة. فأما أن يكون قطعا لكل من ~~يسأل فلابد أن يجيبه. فلا. على أن الداعي لا يحسن منه السؤال إلا بشرط ~~ألا يكون في إجابته مفسدة، لا له، ولا لغيره، وإلا كان ms0443 الدعاء قبيحا. ~~ولا يجوز أن يقيد الاجابة بالمشيئة بأن يقول: إن شئت، لأنه يصير الوعد به ~~لا فائدة فيه، فمن أجاز ذلك فقد أخطأ. فان قيل: إذا كان لا يجيب كل من ~~دعا، فما معنى الآية؟ قلنا معناه أن من دعا - على شرائط الحكمة التي ~~قدمناها، واقتضت المصلحة إجابته - أجيب لا محالة، بان يقول: اللهم إفعل ~~بي كذا إن لم يكن فيه مفسدة لي أو لغيري في الدين أو دنيوي. هذا في ~~دعائه. # وفي الناس من قال: إن الله وعد باجابة الدعاء عند مسألة المؤمنين دون ~~الكفار، والفاسقين. والمعتمد هو الاول. فان قيل: إذا كان ما تقتضيه ~~الحكمة لا بد أن يفعل به، فلا معنى للدعاء! قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أن ذلك عبادة كسائر العبادات. ومثله قوله: { رب احكم بالحق }. # والثاني - انه لايمتنع أن تقتضي المصلحة إجابته اذا دعا. ومتى لم يدع لم ~~تقتض الحكمة إجابته. # فان قيل: هل يجوز أن تكون الاجابة غير ثواب؟ قلنا فيه خلاف. قال أبوعلي ~~لا يكون إلا ثوابا، لأن من أجابه الله، يستحق المدح في دين المسلمين، ~~فلا يجوز أن يجيب كافرا، ولا فاسقا. وكان أبو بكر بن الأخشاد يخبر ذلك ~~في العقل على وجه الاستصلاح له. وهذا الوجه أقرب الى الصواب. # والدعاء: طلب الطالب للفعل من غيره. ويكون الدعاء لله على وجهين: # أحدهما - طلب في مخرج اللفظ، والمعنى على التعظيم والمدح، والتوحيد: ~~كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد. # الثانى - الطلب لأجل الغفران أو عاجل الانعام كقولك: أللهم اغفر لي ~~وارحمني، وارزقني، وما أشبه ذلك. # وقوله: { فإني قريب } قيل في معناه قولان: # أحدهما - إني قريب الاجابة: سريع الاجابة، فجاز ذلك لمشاكلة معنى قريب ~~لسريع. # الثاني - قريب -، لأنه يسمع دعاءهم كما يسمعه القريب المسافة منهم، فجاز ~~لفظة قريب، فحسن البيان بها. فأما قريب المسافة، فلا يجوز عليه تعالى، ~~لانه من صفات المحدثات. # اللغة: # وقوله { أجيب دعوة الداعي إذا دعان } فالاجابة من الجواب، وهو القطع. # يقال: جاب البلاد يجوب جوبا اذا ms0444 قطع. ومنه قوله تعالى: # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد # أي قطعوه. وأجاب الله دعاءه إجابة، وأجاب فلان عن السؤال جوابا. وأجاب ~~الظلام اذا قطعه. واستجاب له استجابة. وجاوبه مجاوبة، وتجاوب تجاوبا، ~~وانجاب السحاب: اذا انقشع. وأصل الباب القطع، فاجابة السائل: القطع بما ~~سأل، لأن سوآله على الوقف أيكون أم لا يكون. # الاعراب: # وقوله تعالى { فليستجيبوا لي } هذه لام الأمر، لابد منها للغائب. وأما ~~للحاضر، فيجوز فيه إثباتها وإسقاطها. كقولك قم ولتقم. والأصل فيها أن ~~تكون مكسورة. ويجوز فيها السكون إذا اتصلت بحرف واحد كالفاء فأما ثم، ~~فالوجه معها الكسر، لأنها منفصلة. وإنما جاز فيها السكون دون لام كي لأنه ~~لما كان عملها التسكين جاز فيها، لايذانه بعملها. # المعنى: # وقال أبوعبيدة: استجاب، وأجاب بمعنى واحد. وأنشد لكعب بن سعد الغنوي: # وداع دعا يا من يجيب الى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يجبه. وقال المبرد: هذا لا يجوز، لأن في الاستجابة معنى الاذعان، ~~وليس ذلك في الاجابة. وقوله { لعلهم يرشدون } في لعل جوابان: # أحدهما - ليرشدوا، فتكون دالة على العوض في الاجابة، من الله تعالى ~~للعبد. # الثاني - على الرجاء والطمع، لأن يرشدوا، ويكون متعلقا بفعل العباد. # والرشد: نقيض الغي. يقال: رشد يرشد رشدا، ورشيد رشدرا، وأرشده ~~إرشادا واسترشد إسترشادا، وهو لرشدة خلاف لزنية. وأصل الباب إصابة ~~الخير، فمنه الارشاد: الدلالة على وجه الاصابة للخير. وروى عن أبي عبد ~~الله (ع) أنه قال: { وليؤمنوا بي } أي وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما ~~سألوا. ### || [2.187] # المعنى: # الرفث الجماع ها هنا بلا خلاف، وفي قراءة ابن مسعود { فلا رفوث } ، ~~وقيل: أصله فاحش القول فكنى به عن الجماع قال العجاج: # عن اللغا ورفث التكلم # والرفث والترفث: قول الفحش يقال رفث يرفث رفثا. وروى عن أبي جعفر وأبي ~~عبدالله (ع) كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر، إلا أول ليلة من شهر ~~رمضان لمكان الآية والآشبه أن يكون المراد بليلة الصيام ليالي الشهر كله. ~~وإنما ذكر بلفظ التوحيد، لأنه اسم جنس يدل على التكثير. ms0445 # ومعنى قوله: { هن لباس لكم } أنهن يصرن بمنزلة اللباس، كما قال النابغة ~~الجعدي: # اذا ما الضجيع ثنى عطفه # تثنت عليه فكانت لباسا # وقال قوم: معناه هن سكن لكم، كما قال: # وجعلنا الليل لباسا # أي سكنا. واللباس الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان، ويشبه بها ~~الأغشية فيقال لبس السيف بالحلية. # وقوله تعالى: { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } معناه أنهم كانوا ~~لما حرم عليهم الجماع في شهر رمضان بعد النوم. خالفوا في ذلك فذكرهم الله ~~بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك الفريضة. فان قيل: أليس الخيانة انتقاض ~~الحق على جهة المساترة، فكيف يساتر نفسه؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أن بعضهم كان يساتر بعضا فيه فصار كأنه يساتر نفسه، لأن ضرر ~~النقص والمساترة داخل عليه. # الثاني - أنه يعمل عمل المساتر له فهو يعمل لنفسه عمل الخائن له. # ويقال: خانه يخونه خونا وخيانة، وخونه تخوينا، واختانه اختيانا، ~~وتخونه تخونا، والتخون: التنقص، والتخون: تغيير الحال الى ما لا ينبغي # خائنة الأعين # [المؤمن: 19] مشارفة النظر الي ما لا يحل. وأصل الباب منع الحق. # وقوله تعالى: { فتاب عليكم } أي قبل توبتكم على ما بيناه فيما تقدم. ~~وقوله تعالى: { وعفا عنكم } فيه قولان: # أحدهما - غفر ذنبكم. الثاني - أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه ~~عليهم. وقوله تعالى: { فالآن باشروهن } أي جامعوهن، ومعناه الاباحة دون ~~الأمر، والمباشرة إلصاق: البشرة بالبشرة، وهي ظاهر أحد الجلدين بالآخر. # وقوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله لكم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن، وغيره: يعني طلب الولد. # الثاني - قال قتادة: يعني الحلال الذي بينه الله في الكتاب، والابتغاء: ~~الطلب للبغية، وقوله { وكلوا واشربوا } إباحة للأكل والشرب { حتى يتبين ~~} أي يظهر، والتبين: تميز الشيء الذي يظهر للنفس على التحقيق { الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود } يعني بياض الفجر من سواد الليل. وقيل: خيط ~~الفجر الثاني مما كان في موضعه من الظلام. وقيل النهار من الليل، فأول ~~النهار طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء. قال أبو داوود. # فلما أضاءت لنا سدفة # ولاح من ms0446 الصبح خيط أنارا # وروي عن حذيفة، والأعمش، وجماعة: أن الخيط الابيض: هو ضوء الشمس، وجعلوا ~~أول النهار طلوع الشمس، كما أن آخر غروبها بلا خلاف في الغروب. # وأكثر المفسرين على القول الأول، وعليه جميع الفقهاء، لا خلاف فيه بين ~~الأمة اليوم. # اللغة: # والخيط في اللغة معروف يقال خاط يخيط خياطة، فهو يخيط، وخيطه تخييطا. ~~والخيط: القطيع من النعام. ونعامة خيطاء: قيل: خيطها طول قصبتها، وعنقها. ~~وقيل: اختلاط سوادها ببياضها، وكلاهما يحتمل، فالأول، لأنه كالخيط ~~الممدود. والثاني - لأنه كاختلاط خيوط بيض بسود. والمخيط الابرة. ونحوها ~~مما يخاط به. والابيض نقيض الاسود. والبياض ضد السواد يقال: أبيض، وابياض ~~بيضاضا وبيضه تبييضا، وتبيض تبيضا. وبيضة الطير، وبيضة الحديد، ~~وبيضة الاسلام مجتمعه، وابتاضوهم أى استأصلوهم، لأنهم اقتلعوا بيضهم وأصل ~~الباب البياض. # واسود، واسواد اسودادا، وسوده تسويدا، وتسود تسودا، وساوده سوادا: ~~أي ساده سوادا، لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل. وسواد ~~العراق: سمي به لكثرة الماء، والشجر الذي تسود به الأرض وسواد كل شيء ~~شخصه. والأسود من الحبة يجمع أساود. وسويداء القلب، وسوداؤه دمه الذي فيه ~~في قول: ابن دريد. وقيل حبة القلب، لأنه في سواد من الظلمة. وساد سؤددا، ~~فهو سيد، لأنه ملك السواد الأعظم، والمسود: الذي قد ساده غيره. # المعنى: # وقوله { من الفجر } يحتمل معنيين: # أحدهما - أن يكون بمعنى التبعيض, لأن، المعنى من الفجر، وليس الفجر كله. ~~هذا قول ابن دريد. # الثاني - بمعنى تبين الخيط، كأنه قال: الخيط الذي هو الفجر. # وقوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } قد بينا حقيقة الصيام فيما مضى. ~~والليل هو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من ~~جانب المشرق، وإقبال السواد منه، وإلا فاذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في ~~الأرض المبسوطة وعدم الجبال، والروابي، فقد دخل الليل. # وقوله تعالى: { ولا تباشروهن } قيل في معناه قولان ها هنا: # قال ابن عباس، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أراد به الجماع. # وقال ابن زيد، ومالك: أراد الجماع. كلما كان دونه من قبلة، وغيرها. وهو ~~مذهبنا. # وقوله ms0447 تعالى: { وأنتم عاكفون في المساجد } فالاعتكاف - عندنا - هو اللبث ~~في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام أو مسجد النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أو مسجد الكوفة أو مسجد البصر، للعبادة من غير اشتغال بما يجوز ~~تركه من أمور الدنيا. وله شرائط - ذكرناها في كتب الفقه - وأصله اللزوم ~~قال الطرماح: # فبات بنات الليل حولي عكفا # عكوف البواكي بينهن صريع # وقال الفرزدق: # ترى حولهن المعتفين كأنهم # على صنم في الجاهلية عكف # اللغة: # وقوله تعالى: { تلك حدود الله }. فالحد على وجوه: # أحدها - المنع، يقال: حده عن كذا حدا أى منعه. والحد حد الدار. ~~والحد الفرض من حدود الله أي فرائضه، الحد الجلد للزاني، وغيره. # والحد: حد السيف، وما أشبهه. والحد في الحلق: الحدة. والحد: الفرق بين ~~الشيئين. والحد منتهى الشيء. وحد الشراب: صلابته. وإحداد المرأة على ~~زوجها: امتناعها من الزينة والطيب. وإحداد السيف: إشحاذه. وإحداد النظر ~~الى الشيء التحديق إليه. والحديد معروف، وصانعه الحداد. والحداد السجان. ~~والاستحداد حلق الشيء بالحديد. وحاددته: عاصيته، ومنه قوله تعالى # إن الذين يحادون الله ورسوله # وأصل الباب المنع. والحد: نهاية الشيء التي تمنع أن يدخله ما ليس منه، ~~وأن يخرج عنه ما هو منه. # أحكام الاعتكاف: # ولا يجوز الاعتكاف إلا بصوم، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك ابن ~~أنس. وقال الشافعي يصح بلا صوم، وبه قال الحسن إلا أن يشرط. وعندنا لا ~~يكون أقل من ثلاثة أيام، وبه قال أهل المدينة. وقال أهل العراق: الاعتكاف ~~جائز في كل مسجد يصلى فيه جماعة. وقال مالك: لا إعتكاف إلا في موضع يصلى ~~فيه الجمعة من المصر. وقال أهل العراق: المرأة تعتكف في مسجد بيتها. وقال ~~مالك: لا تعتكف إلا في مسجد جماعة. وقال الشافعي: المرأة والعبد يعتكفان، ~~وكذلك المسافر حيث شاءوا. وقد بينا ما عندنا في ذلك. ولا فرق بين الرجل ~~والمرأة فيه. وقال مالك: لا يكون الاعتكاف أقل من عشرة أيام. وعند أهل ~~العراق يكون يوما. # ومسائل الاعتكاف قد بيناها في النهاية، والمبسوط في الفقه، فلا نطول ~~بدكرها. والمختلف فيها ms0448 ذكرناه في مسائل الخلاف. # سبب النزول: # وقيل أن هذه الآية نزلت في شأن أبي قيس بن صرمه، فكان يعمل في أرض له، ~~فأراد الأكل، فقالت امرأته: يصلح لك شيئا فغلبت عيناه، ثم قدمت إليه ~~الطعام، فلم يأكل، فلما أصبح لاقى جهدا، فأخبر رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) بذلك، فنزلت هذه الآية. # وروي أن عمرا أراد أن يوقع زوجته في الليل، فقالت: إني نمت فظن أنها ~~تعتل عليه، فوقع عليها، ثم أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك من ~~الغد، فنزلت الآية فيهما. # المعنى: # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } يعني ما بين ~~لهم من الأدلة على ما أمرهم به، ونهاهم عنه، لكلي يتقوا معاصي، وتعدي ~~حدوده التي أمرهم الله بها، ونهاهم عنها، وأباحهم إياها. وفي ذلك دلالة ~~على أنه تعالى: أراد التقوى من جميع الناس: الذين بين لهم هذه الحدود. ~~وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في خوات من جبير مثل قصة أبي قيس بن ~~صرمه. وأنه كان ذلك يوم الخندق. وروي عن أبي جعفر (ع) حديث أبي قيس سواء. ### || [2.188] # المعنى: # قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أن يكون ذلك على جهة الظلم، نحو الخيانة، والسرقة، والغصب، ~~ويكون التقدير لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل كأكل مال نفسة بالباطل، ~~ومثله # ولا تلمزوا أنفسكم # ومعناه لا يلمز بعضكم بعضا. وقوله: # ولا تقتلوا أنفسكم # والمعنى لا يقتل بعضكم بعضا. # الثاني - لا تأكلوه على وجه الهزء واللعب، مثل ما يوجد في القمار ~~والملاهي ونحوها، لأن كل ذلك من أكل المال بالباطل. وقال أبو جعفر (ع) { ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } يعني باليمين الكاذبة يقتطعون بها ~~الأموال، وقال أبو عبد الله (ع): علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام ~~يحكمون بخلاف الحق، فنهى الله المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وهم يعلمون ~~أنهم لا يحكمون بالحق. # وقوله تعالى: { وتدلوا بها إلى الحكام } فالحكم هو الخبر الذي يفصل به ~~بين الخصمين يمنع كل ms0449 واحد من منازعة الآخر. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس. والحسن، وقتادة: إنه الوديعة وما تقوم به بينة. # الثاني - قال الجبائي: في مال اليتيم الذي في يد الاوصياء، لأنه يدفعه ~~إلى الحاكم إذا طولب به، ليقتطع بعضه، ويقوم له في الظاهر حجة. # اللغة: # يقال أدلى فلان بالمال الى الحاكم إذا دفعه إليه. وأدلى فلان بحقه ~~وحجته: اذا هو احتج بها وأحضرها، ودلوت الدلو في البئر أدلوها: إذا ~~أرسلتها في البئر، وأدليتها إدلاء: اذا انتزعتها من البئر، ومنه قوله ~~تعالى: # فأدلى دلوه # أي انتزعها. وقال صاحب العين: أدليتها اذا أرسلتها أيضا. وأدلى الانسان ~~شيئا في مهوى، ويتدلى هو بنفسه. والدالية معروفة. # الاعراب: # وموضع " تدلو " يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون جزما على النهى، وعطفا على قوله: { لا تأكلوا }. ~~والثاني - أن يكون نصبا على الظرف، ويكون نصبها باضمار أن كقول الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # لا تجمع بينهما. والأول أجود. # المعنى: # وقيل في اشتقاق " تدلو " قولان: أحدهما - أن التعلق بسبب الحكم كتعلق ~~الدلو بالسبب الذي هو الحبل. والثاني - أنه يمضي فيه من غير تثبت، كمضى ~~الدلو في الارسال من غير تثبت. والباطل هو ما تعلق بالشيء على خلاف ما هو ~~به، خبرا كان أو اعتقادا أو تخيلا أو ظنا. والفريق: القطعة المعزولة ~~من الشىء. والاثم الفعل الذي يستحق به الذم. # وقوله: { وأنتم تعلمون } معناه إنكم تعلمون أن ذلك التفريق من المال ليس ~~بحق لكم لأنه أشد في الزجر. وفي الآية دلالة على أن تفرقة الحاكم بشهادة ~~الزور غير جائزة، ولا يستباح به النكاح لأحد الشاهدين كما لا يحل ذلك في ~~المال. ### || [2.189] # القراءة: # البيوت والسيوح والغيوب والجيوب - بكسر أولها - شامي والكسائي، والأعشى ~~لا يكسرون، الغيوب، ويكسرها حمزة، ويحيى إلا الجيوب. ويكسرها ابن كثير ~~إلا الجيوب والغيوب. وابن فليح يكسرها كلها. وقالون يكسر منها البيوت ~~فقط. وأبو عمرو يضمها كلها. # اللغة: # الأهلة جمع هلال وسمي الهلال، لرفع الصوت بذكره عند رؤيته، ومنه أهل ~~بالحج: اذا ms0450 رفع الصوت بالتلبية. واختلف أهل العلم إلى كم يسمى هلالا، ~~فقال قوم: يسمى ليلتين هلالا من الشهر. ومنهم من قال: يسمى هلالا ثلاث ~~ليال، ثم يسمى قمرا. وقال الأصمعي: يسمى هلالا حتى يحجر. وتحجيره: أن ~~يستدير بخطة دقيقة. ومنهم من قال: يسمى هلالا حين يبهر ضوءه سواد الليل، ~~فاذا غلب ضوءه، سمي قمرا. وذلك لا يكون إلا في الليلة السابعة. وقال ~~الزجاج: يسمى هلالا لليلتين. واسم القمر الزبرقان، واسم دارته الهالة. ~~والفخت اسم ضوءه، أو ظلمته على خلاف فيه. واسم ظله السمر. ومنه قيل: سمار ~~الذين يتحدثون بالليل. وإنما اقتصر في جمعه على أهلة، وهو لأدنى العدد، ~~دون الفعل الذي هو للجمع الكثير، استثقالا له في التضعيف، كما قالوا، ~~فيما ليس بمضعف: حمار وأحمرة وحمر. # المعنى: # فان قيل عما كان وقع السؤال من حال الأهلة قيل عن زيادتها ونقصانها، وما ~~وجه الحكمة في ذلك، فاجيب بأن مقاديرها تحتاج إليه الناس في صومهم، ~~وفطرهم، وحجهم وعدد نسائهم، ومحل ذنوبهم، وغير ذلك. وفيها دلالة واضحة ~~على أن الصوم لا يثبت بالعدد، وأنه يثبت بالهلال، لأن العدد لو كان ~~مراعى، لما أحيل في مواقيت الناس في الحج على ذلك بل أحيل على العدد. # اللغة: # وقوله تعالى: { قل هي مواقيت } والميقات: هو مقدار من الزمان، جعل علما ~~لما يقدر من العمل، ومنه قوله تعالى: # إلى يوم الوقت المعلوم # والتوقيت: تقدير الوقت. وقت توقيتا، ومنه قوله تعالى: # واذا الرسل أقتت # وكلما قدرت غاية، فهو موقت. والميقات: منتهى الوقت، ومنه قوله تعالى: # فتم ميقات ربه # فالآخرة ميقات الخلق. والاهلال: ميقات الشهر. وإنما لم يصرف مواقيت، ~~وصرف قوارير، لان قوارير فاصلة في رأس آية، فصرفت لتجري على طريقة واحدة ~~في الآيات، كالقوافي، وليس ذلك تنوين الصرف. # المعنى: # وقوله تعالى { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من ~~اتقى } قيل في معناه وجهان: # أحدهما - { ولكن البر من اتقى } كما قلنا في قوله { ولكن البر من آمن ~~بالله }. # والثاني - على وقوع المصدر موقع الصفة، كأنه قال: ولكن ms0451 البار { من آمن ~~بالله }. وقيل في معنى الآية قولان: # أحدهما - أنه كان قوم من الجاهلية إذا أحرموا، نقبوا في ظهر بيوتهم ~~نقبا، يدخلون منه، ويخرجون، فنهوا عن التدين بذلك، وأمروا أن يأتوا ~~البيوت من أبوابها. # في قول ابن عباس، والبراء، وقتادة، وعطا. و [الثاني] - قال قوم، واختاره ~~الجبائي: إنه مثل ضربه الله لهم. { وأتوا البيوت من أبوابها } أي أتوا ~~البر من وجهه الذي أمر الله به، ورغب فيه، وهذا الوجه حسن. # وروى جابر عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في قوله: { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت } الآية، قال: يعني أن يأتي الأمر من وجهه أي الأمور. وروى أبو ~~الجارود عن أبي جعفر (ع) مثل قول ابن عباس سواء. وقال قوم: أراد بالبيوت ~~النساء، لأن المرأة تسمى بيتا على ما بيناه فيما مضى، فكأنه نهى عن ~~إتيان النساء في أدبارها، وأباح في قبلهن. والأولان أقوى وأجود. # والباب: هو المدخل، تقول منه: بوب تبويبا إذا جعله أبوابا. والبواب: ~~الحاجب، لأنه يلزم الباب. والبابة القطعة من الشىء كالباب من الجملة. # فان قيل أي تعلق لقوله: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } ~~بسؤال القوم عن الأهلة؟ قلنا: لأنه لما بين ما فيه من وجه الحكمة، اقتضى ~~لتعلموا على أمور مقدره، ولتجري أموركم على استقامة فانما البر أن ~~تطيعوا أمر الله. # ومن كسر (الباء) من البيوت، فلاستثقال الخروج من الضم الى الياء. ومن ضم ~~غيوب وكسر البيوت، فلأن الغين لما كان مستعليا، منع الكسر، كما منع ~~الامالة. # وأما الحج، فهو قصد البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في وقت مخصوص. ~~والبر: النفع الحسن. والظهر: الصفيحة المقابلة لصفيحة الوجه. # وقوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون } يعني واتقوا ما نهاكم الله عنه، ~~وزهدكم فيه، لكي تفلحوا بالوصول الى ثوابه الذي ضمنه للمتقين. ### || [2.190] # المعنى: # القتال هو المقاتلة، وهو محاولة الفاعل لقتل من يحاول قتله، والتقاتل ~~محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر. والخطاب بقوله { وقاتلوا } ~~متوجه إلى المؤمنين. ولو قال: { تقاتلوا } لكان أمرا للفريقين. وذهب ~~الحسن، ms0452 وابن زيد، والربيع، والجبائي: إلى أن هذه الآية منسوخة، لأنه قد ~~وجب علينا قتال المشركين وإن لم يقاتلونا بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز: أنها غير منسوخة. وقال ~~بعضهم: أمروا بقتال المقاتلين دون النساء. وقيل: إنهم أمروا بقتال أهل ~~مكة. والأولى حمل الآية على عمومها إلا من أخرجه الدليل. # وقوله { تعتدوا } قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - لا تعتدوا بالقتال بقتال ~~من لم تؤمروا بقتاله. الثاني - لا تعتدوا الى النساء، والصبيان، ومن قد ~~أعطيتموه الأمان. الثالث - لا تعتدوا بالقتال على غير الدين. فان قيل: ~~إذا كان الاعتداء في قتال من لم يقاتلهم فكيف يجوز أن يؤمروا به فيما ~~بعد؟ قيل: إنما كان اعتداء من أجل أنه مجاوزة لما حده الله لهم مما فيه ~~الصلاح للعباد، ولم يكن فيما بعد على ذلك، فجاز الأمر به. # وقوله: { في سبيل الله } يعنى دين الله، وهو الطريق الذي بينه للعباد، ~~ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه. # وقوله: { لا يحب المعتدين } معناه لا يريد ثوابهم، ولا مدحهم، كما يحب ~~ثواب المؤمنين. وقد بينا فيما مضى أن المحبة هي الارادة. وإنما قلنا إنها ~~من جنس الارادة، لأن الكراهة تنافيها، ولا يصح إجتماعهما، ولأنها تتعلق ~~بما يصح حدوثه لا كالارادة، فلا يصح أن يكون محبا للايمان كارها له، ~~كما بينا في أن يكون مريدا له وكارها. وتعلق المحبة بأن يؤمن، كتعلق ~~الارادة بأن يؤمن. وإنما اعتيد في المحبة الحذف، ولم يعتد ذلك في ~~الاراده، فيقال: الله يحب المؤمن، ولا يقال: الله يريد المؤمن. وقوله: { ~~لا يحب المعتدين } ظاهره يقتضي أنه يسخط عليهم، لأنه على وجه الذم لهم إذ ~~لا يجوز أن يطلق على من لا ذنب له من الاطفال، والمجانين. # والاعتداء مجاوزة الحق. وأصله المجاوزة، يقال: عدا اذا جاوز حده في ~~الاسراع. # وروي عن أئمتنا (ع) أن قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } ناسخ ~~لقوله: # كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # وكذلك قوله: ms0453 # واقتلوهم حيث ثقفتموهم # ناسخ لقوله # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم ### || [2.191] # القراءة: # قرأ حمزة، والكسائي، { ولا تقتلوهم } { حتى يقتلوكم } { فإن قتلوكم } ~~كله بغير ألف. الباقون بألف في جميع ذلك. # المعنى: # والمعنى لا تبدؤهم بقتل ولا قتال حتى يبدؤكم. إلا أن القتل نقض بنية ~~الحياة، والقتال محاولة القتل ممن يحاول القتل. # وقوله: { واقتلوهم } أمر للمؤمنين بقتل الكفار { حيث ثقفتموهم }. # الاعراب: # ويجوز في حيث ثلاثة أوجه: ضم الثاء، وفتحها، وكسرها، فالضم لشبهها ~~بالغاية، نحو قبل وبعد، لأنه منع الاضافة الى المفرد مع لزوم معنى ~~الاضافة له، فجرى لذلك مجرى قبل وبعد في البناء على الضم، ولا يجب مثل ~~ذلك في (إذ) لأنها مبنية على الوقف، كما أن (مذ) لا يجب فيها ما يجب في ~~منذ. والفتح، لأجل الياء، كما فتحت (أين، وكيف) والكسر فعلى أصل الحركة، ~~لالتقاء الساكنين. وإنما كتبت بغير ألف - في الثلاث والكلام في المصحف ~~للايجاز، كما كتبوا الرحمن بلا ألف. وكذلك صالح وخالد، وما أشبهها، من ~~حروف المد واللين، لقوتها على التغيير. # اللغة: # وقوله { ثقفتموهم } تقول: ثقفته أثقفه ثقفا: اذا ظفرت به، ومنه قوله: # فأما تثقفنهم في الحرب # وثقفت الشىء ثقافة: اذا حذقته، ومنه اشتقاق الثقافة بالسيف، وقد ثقف ~~ثقافة فهو ثقف. والثقاف حديدة تكون مع القواس، والرماح يقوم بها المعوج. ~~وثقف الشىء ثقفا: إذا لزم، وهو ثقف اذا كان سريع التعلم. وثقفته ~~تثقيفا: إذا قومته. وأصل الباب: التثقيف التقويم. # المعنى: # وقوله { والفتنة أشد من القتل } قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والربيع، ~~وابن زيد، وجميع المفسرين: إنها الكفر. وأصل الفتنة الاختبار، فكأنه قال: ~~والكفر الذي يكون عند الاختبار أعظم من القتل في الشهر الحرام ووجه قراءة ~~من قرأ { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه } أنه جاء في ~~كلام العرب إذا قتل بعضهم، قالوا: قتلنا، فتقديره حتى يقتلوا بعضكم. # ومعنى قوله { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } أي أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم ~~منها. وروى أن هذه الآية نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار ~~في الشهر ms0454 الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك فبين الله تعالى أن الفتنة في ~~الدين أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام وإن كان محظورا لا يجوز. ### || [2.192] # معنى قوله تعالى: { فإن انتهوا } يعني عن كفرهم بالتوبة منه، في قول ~~مجاهد، وغيره من المفسرين. والانتهاء الامتناع يقال: نهى نهيا، وأنهى ~~إنهاء، وتناهى تناهيا، والنهي الزجر عن الفعل بصيغة (لا تفعل) والأمر ~~الدعاء الى الفعل بصيغة (افعل) مع اعتبار الرتبة. والنهي الغدير يكون له ~~الحاجز يمنع الماء أن يفيض، فالنهي بمنزلة المنع. ونهاية الشىء غايته. ~~ونهية الوتد: الفرض، وهو الحز في رأسه الذي يمنع الحبل أن ينسلخ، لأنه ~~ينهاه عن ذلك. والنهى: جمع نهية. وهي العقل. والتنهية وجمعها تناهي، وهي ~~مواضع تنهبط. ويتناهى إليها ماء السماء. والانهاء إبلاغ الشيء نهايته. ~~وفي الآية دلالة على أنه يقبل توبة القاتل عمدا، لأنه بين أنه يقبل ~~توبة المشرك، وهو أعظم من القتل، ولا يحسن أن يقبل التوبة من الأعظم، ولا ~~يقبل من الأقل، فان قيل فما معنى جواب الشرط، والله غفور رحيم وإن لم ~~ينتهوا، الجواب: إن معناه فان الله غفور لهم رحيم بهم، ويجوز فان الله ~~يغفر لهم، لأنه غفور رحيم، واختصر الكلام لدلالة ما تقدم على أنه في ~~ذكرهم وإن الذي اقتضى انتهاءهم إنما هو ذكر المغفرة لهم، فكان الدلالة ~~عليها بغير إفصاح عنها أحسن لما في ذلك من الايجاز، والاحالة على ~~الاستدلال لتمكين الاشعار لمتضمن الكلام، والمغفرة: تغطيه الذنب بما يصير ~~به بمنزلة غير الواقع في الحكم. ### || [2.193] # المعنى: # هذه الآية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال عند المسجد الحرام ~~حتى يبدءوا بالقتال فيه، لأنه أوجب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في ~~الاسلام في قول الجبائي، والحسن، وغيره، وعلى ما حكيناه عن ابن عباس، ~~وعمر ابن عبد العزيز: أن الأولى ليست منسوخة، فلا تكون هذه ناسخة بل تكون ~~مؤكدة، والفتنة الشرك في قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع، وابن ~~زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وإنما سمى الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي ms0455 ~~الى الهلاك كما تؤدي الفتن الى الهلاك، ولأن الكفر إظهار الفساد عند ~~الاختبار، والفتنة إنما هي الاختبار. والدين ها هنا قيل في معناه قولان: # أحدهما - الاذعان لله بالطاعة كما قال الأعشى: # هو دان الرباب إذ كر هو الد # ين دراكا بغزوة وصيال # والثاني - الاسلام دون الكفر. وأصل الدين العادة في قول الشاعر: # تقول إذا درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # وقال آخر: # كدينك من أم الحويرث قبلها # وجارتها أم الرباب بما سل # وقد استعمل بمعنى الطاعة في قوله تعالى: # ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك # واستعمل بمعنى الاسلام، لأن الشريعة فيه يجب أن تجري على عادة قال الله ~~تعالى: # إن الدين عند الله الإسلام # وقوله: { فإن انتهوا } معناه امتنعوا من الكفر وأذعنوا بالاسلام، { فلا ~~عدوان إلا على الظالمين } أي فلا قتل عليهم، ولا قتل إلا على الكافرين ~~المقيمين على الكفر، وسمي القتل عدوانا مجازا من حيث كان عقوبة على ~~العدوان، والظلم، كما قال: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # وكما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وكما قال: # وإن عاقبتم فعاقبوا # وحسن ذلك لازدواج الكلام، ومزاوجته ها هنا على المعنى، لأن تقديره { فإن ~~انتهوا } عن العدوان، { فلا عدوان إلا على الظالمين }. فان قيل: أيجوز أن ~~تقول لا ظلم إلا على الظالمين كما جاز { لا عدوان إلا على الظالمين }؟ ~~قلنا: على القياس لا يجوز، لأن ذلك مجاز، والمجاز لا يقاس عليه - عند ~~المحصلين - لئلا تلتبس الحقيقة بالمجاز. وإنما جاز في المزاوجة، لأن ~~الكلام معه أبلغ، وأبلغ، كما قال عمرو بن شاس الأسدي: # جزينا ذوى العدوان بالأمس فرضهم # قصاصا سواء حذوك النعل بالنعل # وأصل الظلم الانتقاص. من قوله تعالى # ولم تظلم منه شيئا # وحقيقة ما قدمنا ذكره من أنه ضرر محض لا نفع فيه يوفي عليه عاجلا ولا ~~آجلا ولا هو واقع على وجه المدافعة. ### || [2.194] # أشهر الحرم أربعة: رجب، وهو فرد وثلاثة أشهر سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، ~~والمحرم. والمراد ها هنا: ذو القعدة, وهو شهر الصد عام الحديبة. وإنما ~~سمي ms0456 الشهر حراما، لأنه كان يحرم فيه القتال، فلو أن الرجل يلقى قاتل ~~أبيه أو ابنه لم يعرض له بسبيل وسمي ذو القعدة، لقعودهم فيه عن القتال. # الاعراب: # والشهر مرتفع بالابتداء، وخبره بالشهر الحرام، وتقديره: قتال الشهر ~~الحرام أي في الشهر الحرام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويحتمل ~~أن يكون تقديره: الشهر الحرام على جهة العوض لما فات من الحج في السنة ~~الأولى. # المعنى: # وقوله: { والحرمات قصاص } قيل في معناه قولان: # أحدهما - { الحرمات قصاص } بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال ~~مجاهد: لأن قريشا فخرت بردها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) - يوم ~~الحديبة - محرما - في ذي القعدة - عن البلد الحرام، فأدخله الله عز وجل ~~مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته، وأقصه بما حيل بينه وبينه ~~يوم الحديبة، وهو معنى قول قتادة، والضحاك، والربيع، وابن زيد. # وروي عن ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي (ع) مثله. # والقول الثاني - { والحرمات قصاص } بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز ~~للمسلمين إلا قصاصا. وقال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام، قال نعم، فأراد ~~المشركين أن يغزوه في الشهر الحرام، فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى: { الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } أي إن استحلوا منكم في الشهر ~~الحرام شيئا، فاستحلو منهم مثل ما استحلوا منكم. وبه قال الزجاج، ~~والجبائي. # وإنما جمع الحرمات لأحد أمرين: أحدهما - إنه يريد حرمة الشهر، وحرمة ~~البلد، وحرمة الاحرام. # الثاني - كل حرمة تستحل، فلا يجوز إلا على وجه المجازاة وفي الناس من ~~قال: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: # وقاتلوا المشركين كافة # وقال آخرون ليست منسوخة، لأنه يجوز اجتماعه مع تلك الفريضة - وهو الأولى ~~- لأنه لا دلالة على نسخها. # والحرام: هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه. ~~والقصاص الأخذ للمظلوم من الظالم، من أجل ظلمه إياه. فان قيل: كيف جاز ~~قوله: { إن الله لا يحب المعتدين } مع قوله # فاعتدوا عليه # قلنا الثاني ليس باعتداء ms0457 على الحقيقة، وإنما هو على وجه المزاوجه، ~~ومعناه المجازات على ما بينا. والمعتدي مطلقا لايكون إلا ظالما لضرر ~~قبيح، وإذا كان مجازا فانما يفعل ضررا حسنا. فان قيل: كيف قال بمثل ما ~~اعتدى عليكم، والأول جور، والثاني عدل؟ قلنا، لأنه مثله في الجنس وفي ~~مقدار الاستحقاق، لأنه ضرر، كما أن الأول ضرر، وهو على مقدار ما يوجبه ~~الحق في كل جرم. # وقيل إن عدا، واعتدى لغتان بمعنى واحد، ومثله قرب واقترب، وجلب واجتلب. ~~وقال قوم: في افتعل مبالغة ليس في فعل. # ومعنى قوله: { واعلموا أن الله مع المتقين } يعني بالنصرة لهم، كأنه ~~قال: { إن الله مع المتقين } بالنصرة أو إن نصرة الله معهم. وأصل (مع) ~~المصاحبة في المكان أو الزمان. ### || [2.195] # المعنى: # أمر الله تعالى جميع المكلفين المتمكنين من الانفاق في سبيل الله: أن ~~ينفقوا في سبيله، وسبيل الله: هو كل طريق شرعه الله تعالى لعباده، ويدخل ~~فيه الجهاد، والحج، وعمارة القناطر، والمساجد، ومعاونة المساكين، ~~والأيتام، وغير ذلك، والانفاق: هو إخراج الشيء عن ملك مالكه إلى ملك ~~غيره، لأنه لو أخرجه الى هلاك لم يسم إنفاقا. # وقوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة } معناه لا تطرحوا أنفسكم ~~في الهلاك، بأن تفعلوا ما يؤدي إليه. وحقيقة الالقاء تصير الشيء الى جهه ~~السفل. وإنما يقال: ألقى عليه مسألة مجازا، كما يقال: طرح عليه مسألة. # الاعراب: # والباء في قول بأيديكم يحتمل وجهين: أحدهما - أن تكون زائدة كقولك تعلقت ~~زيدا، وتعلقت بزيد وجذبت الثوب، وجذبت بالثوب، وعلمته، وعلمت به. # قال الشاعر: # ولقد ملأت على نصيب جلده # بمساءة إن الصديق يعاتب # والمراد ملأت جلده مساءة. والثاني - أن يكون على أصل الكلام من وجهين: # أحدهما - أن كل فعل متعد إذا كني عنه أو قدر على المصدر دخلته الباء، ~~كقولك ضربته ثم تكني عنه فتقول فعلت به. والآخر أن تقول: أوقعت الضرب به ~~فجاء على أصل الأفعال المتعدية. # والوجه الاخر: أنه لما كان معناه: لاتهلكوا أنفسكم بايديكم، فدخلت الباء ~~ليدل على هذا المعنى، وهو خلاف أهلك نفسه ms0458 بيد غيره. # المعنى: # وقيل في معنى الآية وجوه: أحدها - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، ~~وهو المروى عن حذيفة، وابن عباس: إن معناها { لا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } بالامتناع من الانفاق في سبيل الله. الثاني - ما روي عن البراء ~~ابن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة. الثالث ~~- ما قال البلخي، من أن معناها: لا تتقحموا الحرب من غير نكاية في ~~العدو، ولا قدرة على دفاعهم. والرابع - ما قاله الجبائي لا تسرفوا في ~~الانفاق الذي يأتي على النفس. والأولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك. # اللغة: # والتهلكة، والهلاك واحد. وقيل: التهلكة: ما أهلكهم الله عنده. وأصل ~~الهلاك الضياع، وهو مصدر ضاع الشيء بحيث لا يدري أين هو، ومنه يقال ~~للكافر: هالك، وللميت: هالك، وللمعذب: هالك. والهلوك: المهواة البعيدة، ~~لأن الذي يهوي فيها هالك. والهلوك: الفاجرة. والهلوك: المتحيرة، تشبيها ~~بالهلوك: الفاجرة التي تمايل في مشيتها، تقول: هلك يهلك هلكا، وهلاكا، ~~وأهلكه إهلاكا، وتهالك تهالكا, واهتلك اهتلاكا: إذا ألقى نفسه في ~~المهالك. واستهلكه استهلاكا، وانهلك انهلاكا. إذا حمل نفسه على الأمر ~~الصعب. والهالكي: الحداد. وأصل ذلك أن بني الهالك بن عمر، كانوا قيونا، ~~فسمي بذلك كل قين: هالكيا. والتهلكة: كلما كان عاقبته الى الهلاك. ~~والهالك: الفقير الذي بمضيعة. # والاحسان: هو الافضال الى المحتاج، في قول زيد بن أسلم. وحد الاحسان هو ~~إيصال النفع الحسن إلى الغير، وليس المحسن من فعل الفعل الحسن، لأن الله ~~تعالى بفعل العقاب وهو حسن، ولا يقال: إنه محسن به، ولا يسمى مستوفي ~~الدين محسنا، وإن كان حسنا، فان أطلق ذلك في موضع، فعلى وجه المجاز. ~~وإنما اعتبرنا أن يكون النفع حسنا، لأن من أوصل نفعا قبيحا الى غيره ~~لا يقال: إنه محسن اليه. وقد بينا حقيقة المحبة، فيما مضى، فلا وجه ~~لاعادته، ومحبة الله للمحسنين، إرادة الثواب بهم والمنعفة لهم. وقال ~~عكرمة: أحسنوا الظن بالله يراكم. وقال ابن زيد: أحسنوا بالعود على ~~المحتاج { إن الله يحب المحسنين } وروى عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: ms0459 لو ~~أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله ~~{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } يعني ~~المقتصدين. ### || [2.196] # المعنى: # وروي عن الشعبي: أنه قرأ { والعمرة لله } رفعا، وذهب إلي أنها ليست ~~واجبة، كما قال أهل العراق. وعندنا، وعند الشافعي: أنها واجبة، كوجوب ~~الحج. # والقراء كلهم على النصب، والعمرة عطفا على قوله { وأتموا الحج } ~~وتقديره، وأتموا العمرة لله. وأمر الله تعالى جميع من توجه إليه وجوب ~~الحج أن يتم الحج والعمرة. وقيل في إتمام الحج والعمرة أقوال: # أحدها - أنه يجب أن يبلغ آخر أعمالها بعد الدخول فيهما وهو قول مجاهد، ~~وأبي العباس المبرد، وأبي علي الجبائي. # والثاني - قال سعيد بن جبير، وعطا، والسدي: إن معناه إقامتهما الى آخر ~~ما فيهما، لأنهما واجبان. # الثالث - قال طاووس: أتمامهما إفرادهما. # الرابع - قال قتادة: الاعتمار في غير أشهر الحج. وأصح الاقوال الأول. # والحج هو القصد الى البيت الحرام، لاداء مناسك مخصوصة بها في أوقات ~~مخصوصة. ومناسك الحج تشتمل على المفروض، والمسنون. والمفروض يشتمل على ~~الركن، وغير الركن، فأركان الحج أولا: النية، والاحرام، والوقوف بعرفة، ~~والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. والفرائض ~~التي ليست بأركان: التلبية، وركعتا طواف الزيارة، وطواف النساء، وركعتا ~~الطواف له. والمسنونات: الجهر بالتلبية واستلام الأركان، وأيام منى، ورمى ~~الجمار، والحلق أو التقصير، والأضحية إن كان مفردا. وإن كان متمتعا ~~فالهدي واجب عليه، وإلا فالصوم الذي هو بدل عنه، وتفصيل ذلك ذكرناه في ~~النهاية، والمبسوط، والجمل والعقود، لا نطول بذكره. وفي هذه المناسك خلاف ~~كثير - بين الفقهاء - ذكرناه في مسائل الخلاف. # والعمرة واجبة كوجوب الحج، وبه قال الحسن، وابن عباس، وابن مسعود, وابن ~~عمر، وعطا، وابن جبير، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطا، والشافعي. وقال ~~ابراهيم النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأهل العراق: إنها مسنونة. وعن ~~ابن مسعود فيه خلاف، فمن قال: إنها غير واجبة قال: لأن الله تعالى أمر ~~باتمام الحج والعمرة، ووجوب الاتمام لا يدل على ms0460 أنه واجب قبل ذلك، كما أن ~~الحج المتطوع به يجب إتمامه وإن لم يجب الدخول فيه، قالوا: وإنما علينا ~~وجوب الحج بقوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # وهذا ليس بصحيح، لأنا قد بينا أن معنى أتموا الحج والعمرة أقيموهما، وهو ~~المروي عن علي (ع) وعن علي بن الحسين مثله، وبه قال مسروق، والسدي. # والعمرة هي الزيارة في اللغة. وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت لاداء ~~مناسك مخصوصة أي وقت كان من أيام السنة. وأفعال العمرة الواجبة: النية، ~~والاحرام، والطواف، والصلاة عند المقام، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف ~~النساء. وفي بعض ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف. # وقوله { فإن أحصرتم } فيه خلاف، قال قوم: فان منعكم خوف، أو عدو، أو ~~مرض، أو هلاك بوجه من الوجوه، فامتنعتم لذلك. # وقال آخرون: إن منعكم حابس قاهر. فالأول قول مجاهد، وقتادة، وعطا، وهو ~~المروي عن ابن عباس. وهو المروي في أخبارنا. والثاني ذهب اليه مالك بن ~~أنس. فالأول أقوى لما روي في أخبارنا، ولأن الاحصار هو أن يجعل غيره بحيث ~~يمتنع من الشيء. وحصره منعه، ولهذا يقال: حصر العدو، ولا يقال: أحصر. # اللغة: # واختلف أهل اللغة في الفرق بين الاحصار، والحصر، فقال الكسائي، وأبو ~~عبيدة، وأكثر أهل اللغة: إن الاحصار المنع بالمرض، أو ذهاب النفقة. ~~والحصر بحبس العدو. وقال الفراء: يجوز كل واحد منهما مكان الآخر. وخالف ~~في ذلك أبو العباس، والزجاج، واحتج المبرد بنظائر ذلك. كقولهم حبسه أي ~~جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس، وقتله: أوقع به القتل، وأقتله: ~~عرض للقتل، وقبره: دفنه في القبر، وأقبره: عرضه للدفن في القبر، فكذلك ~~حصره: حبسه أي أوقع به الحصر، وأحصره: عرضه للحصر. ويقال: أحصره ~~إحصارا. إذا منعه، وحصره يحصره حصرا إذا حبسه، وحصر حصرا: إذا عيي في ~~الكلام. وحاصره محاصرا: إذا ضيق عليه في القتال. والحصر الضيق. هذا حصر ~~شديد. والحصر: الذي لا يبوح بسره، لأنه قد حبس نفسه عن البوح به. ~~والحصير: الملك. والحصير: المحبس، ومنه قوله تعالى: # وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا # والحصور: ms0461 الذي لا إربة له في النساء. والحصور: الغيوب المحجم عن الشيء. ~~والحصر البخيل لحبسه رفده، وأصل الباب: الحبس. # الاعراب: # وقوله: { فما استيسر من الهدي } موضع (ما) رفع، كأنه قال: فعليه { ما ~~استيسر من الهدي }. ويجوز النصب وتقديره: فليهدي ما استيسر من الهدي. ~~والرفع اقوى لكثرة نظائره، كقوله { ففدية من صيام } وقوله # فعدة من أيام أخر # وقوله { فصيام ثلاثة أيام }. # المعنى: # وفي معنى { ما استيسر } خلاف، فروي عن علي (ع)، وابن عباس، والحسن، ~~وقتادة: أنه شاء. وروي عن ابن عمر، وعائشة: أنه ما كان من الابل والبقر ~~دون غيره، ووجها التيسر على ناقة دون ناقة، وبقرة دون بقرة. والأول هو ~~المعمول عليه عندنا. # اللغة: # وفي اشتقاق الهدي، وأصله قولان: # أحدهما - أنه من الهدية، يقال منه: أهديت الهدية إهداء، وأهديت الى ~~البيت الهدي إهداء، فعلى هذا يكون هديا لأجل التقرب به الى الله باخلاص ~~الطاعة فيه، على ما أمر به. # الثاني - من هديته هدى: اذا سقته الى طريق الرشاد، وواحد الهدي هدية، ~~وروى أبو عبيدة عن أبي عمرو: أنه لا يعرف له نظير إلا جدية السرج وجدي، ~~وقال المبرد: وهو مطرد في الأجناس، كتمرة وتمر، وشرية وشري، وهو الحنظل. # وقوله { ولا تحلقوا رؤوسكم } معناه لا تزيلوا شعور رؤوسكم: يقال حلق ~~يحلق حلقا، وحلق تحليقا، وانحلق انحلاقا. والحلق: مجرى الطعام، ~~والشراب في المري. والحلقة: حلقة القوم، وحلقة الحديد، والحلقة السلاح، ~~ويقال أيضا بالتخفيف. # وحلق الطائر في الهواء إذا ارتفع، وهوى من حالق أي من علو الى سفل. وحلق ~~ضرع الناقة إذا ارتفع لبنها. وحلاق المنية، وجاء بالحلق اذا جاء بالمال ~~الكثير. والملحق: محلق الشعر كالموسى. وحلوق الأرض مجاريها في أوديتها. ~~والمحلق: موضع حلق الرأس بمنى. وأصل الباب الاستمرار. # والرؤوس جمع رأس يقال: رأس يرأس رآسة، وترأس ترأسا، ورأسه ترئيسا. ~~والرأس أعلى كل شيء، والرواسي العظيم الرأس فوق قدره، وكلبة رؤس: وهي ~~التي تساور رأس الصيد. وسحابة رأيسة: وهي التي تتقدم السحاب. ورجل مرءوس ~~إذا أصابه البرسام في رأسه. ورأس فلان فلانا إذا ضربه ms0462 على رأسه. وأصل ~~الباب الرأس. # وقوله: { حتى يبلغ الهدي محله } معناه حتى ينتهى إليه، يقال: بلغ يبلغ ~~بلوغا، وأبلغه إبلاغا، وبلغه تبليغا، وبالغ مبالغة، وتبالغ تبالغا، ~~وتبلغ تبلغا، وبلغ الرجل بلاغة اذا صار بليغا. والبلغة: القوت. وأصل ~~الباب البلوغ، وهو الانتهاء, فمنه البلاغة، لأنها تبلغ بالمعنى الى ~~القلب. # المعنى: # وقيل في محل الهدي قولان: أحدهما - ما روى عن ابن عباس؛ وابن مسعود، ~~والحسن، وعطا أنه الحرم فاذا ذبح به يوم النحر أحل. # والثاني - قال مالك: إنه الموضع الذي صد فيه، وهو المكان الذي يحل ~~نحره فيه قال. لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) نحر الهدي، وأمر أصحابه ~~فنحروا بالحديبية. وعندنا: أن الأول حكم المحصر بالمرض، والثاني حكم ~~المحصور بالعدو، وروي أيضا أن محله منى إن كان في الحج، وإن كان في ~~العمرة فمكة. # وقوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه } فالأذى كلما ~~تأذيت به. ورجل آذ إذا كان شديد التأذي تقول: آذى يآذى أذى. وأصله الضرر ~~بالشىء، وروى أصحابنا أن هذه الآية نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة. ~~وروى أيضا ذلك أصحاب التأويل في أنه كان قد قمل رأسه فأنزل الله فيه هذه ~~الآية، لكنها محمولة على جميع الأذى. # وقوله { ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } فالذي رواه أصحابنا أن الصيام ~~ثلاثة أيام أو صدقة ستة مساكين. وروي عشرة مساكين. والنسك شاة. وفيه خلاف ~~بين المفسرين. وروي عن كعب بن عجرة الانصاري، ومجاهد، وعلقمة، وابراهيم، ~~والربيع، واختاره الجبائي: مثل ما قلناه: إن الصوم ثلاثة أيام والاطعام ~~لستة مساكين. وقال الحسن وعكرمة: صوم عشرة أيام أو إطعام عشرة مساكين لكل ~~مسكين نصف صاع بلا خلاف. ولم يختلفوا في النسك أنه شاة. والنسك: جمع ~~نسيكة، ويجمع أيضا نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف. # وقوله { فإذا أمنتم } معناه أمنتم أن يحصركم العدو أو أمنتم المرض { ~~فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ، ففرض التمتع - عندنا - هو اللازم لكل من ~~لم يكن من حاضري المسجد الحرام، وحد حاضري المسجد الحرام: من كان ms0463 على ~~إثني عشر ميلا من كل جانب الى مكة، ثمانية وأربعين ميلا، فما خرج عنه ~~فليس من الحاضرين، لا يجوز له مع الامكان غير التمتع، وعند الضرورة، يجوز ~~له القران والافراد. # ومن كان من حاضري المسجد الحرام، لا يجوز له التمتع، وإنما فرضه القران ~~أو الافراد على ما نفسره في القران والافراد، وسياق المتمتع أن يحرم من ~~الميقات في أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، ثم يخرج ~~الى مكة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر، ثم ينشىء ~~إحراما آخر بالحج من المسجد الحرام، ويخرج الى عرفات، ويقف هناك، ويفيض ~~الى المشعر، ويغدوا منها الى منى، ويقضى مناسكه هناك، ويدخل في يومه الى ~~مكة، فيطوف بالبيت طواف الزيارة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويطوف طواف ~~النساء، وقد أحل من كل شيء ويعود الى منى، فبيت ليالي بها، ويرمي الجمار ~~في ثلاثة أيام - على ما شرحناه في النهاية، والمبسوط - وفي بعض ذلك خلاف ~~بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف وللمفسرين في التمتع أربعة أقوال: فالأول ~~رواه أنس بن مالك: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أهل بعمرة وحجة، وسموه ~~قارنا، وأنكر ذلك ابن عمر، والثاني روى ابن عباس وابن عمر وسعيد بن ~~المسيب وعطا، واختاره الجبائي: وهو أن يعتمر في أشهر الحج ثم يأتي مكة، ~~فيطوف، ويسعى، ويقصر ثم يقيم حلالا الى يوم التروية، أو يوم قبله، فيهل ~~فيه بالحج من مكة، ثم يحج. وهذا مثل ما قلناه سواء. وقال البلخي: إن هذا ~~الضرب كرهه عمر، ونهى عنه، وكرهه ابن مسعود. الثالث - هو الناسخ للحج ~~بالعمرة رواه جابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري: أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) أمرهم - وقد أهلوا بالحج، لا ينوون غيره - أن يعتمروا ثم ~~يحلوا الى وقت الحج. هذا عندنا جائز أن يفعل. وروي عن أبي ذر: أنها كانت ~~لأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة. وكذلك يقولون: إن عمرا أنكر ~~هذه المتعة. # الرابع - قال ابن الزبير: إن المحصر اذا دخل مكة ms0464 بعد فوت الحج، تمتع ~~بالعمرة، لأنه يحل بها إلى وقت الحج، وكذلك من اعتمر في غير أشهر الحج ثم ~~حج تلك السنة، فهو المتمتع، ولا هدي عليه. وهذا عندنا فاسد بما قدمناه. # وقوله تعالى: { فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم } فالهدي واجب على الممتع بلا خلاف، لظاهر التنزيل، ~~على خلاف فيه أنه نسك أو جبران، فعندنا أنه نسك، وفيه خلاف فان لم يجد ~~الهدي ولا ثمنه، صام ثلاثة أيام في الحج، وعندنا أن وقت صوم الثلاثة ~~أيام: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فان صام في أول العشرة ~~جاز ذلك رخصة. # وإن صام يوم التروية ويوم عرفة قضى يوما آخر بعد التشريق فان فاته يوم ~~الترويه صام بعد القضاء من التشريق ثلاثة أيام متتابعات, وروي عن ابن ~~عباس، وابن عمر، والحسن، ومجاهد: أنه يجوز ما بين إحرامه في أشهر الحج ~~الى يوم عرفة. واستحبوا أن يكون يوما قبل التروية، ويوم عرفة. ووقت صوم ~~السبعة أيام إذا رجع الى أهله، وبه قال عطا، وقتادة. وقال مجاهد: إذا رجع ~~عن حجه في طريقه. فأما أيام التشريق، فلا يجوز صومها عندنا، وبه قال ~~جماعة من المفسرين، واختاره الجبائي، لنهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ~~صوم أيام التشريق. وروي عن ابن عمر، وعائشة جواز ذلك. # وقوله: { تلك عشرة كاملة } اختلفوا في معناه، فقال الحسن، والجبائي، وهو ~~المروي عن أبي جعفر (ع) أن المعنى كاملة من الهدي أي اذا وقعت بدلا منه، ~~استكملت ثوابه. # الثاني - ما ذكره الزجاج، والبلخي أنه لازالة الايهام لئلا يظن أن ~~(الواو) بمعنى (أو) فيكون كأنه فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام ~~اذا رجعتم، لأنه اذا استعمل (أو) بمعنى (الواو) جاز أن يستعمل (الواو) ~~بمعنى (أو) كما قال: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } ~~والمراد " أو " فذكر ذلك لارتفاع اللبس. # والثالث - قاله المبرد: إنه أعاد ذلك للتأكيد قال الشاعر: # ثلاث واثنتان فهن خمس # وسادسة تميل ms0465 الى شمام # اللغة: # وتقول: ثلثت القوم أثلثهم، فأنا ثالثهم، وربما قالوا: ثلثت الرجلين أي ~~صرت لهما ثالثا. والثلث جزء من ثلاثة. والمثلث: شكل على ثلاثة أضلاع. ~~والمثلوث: ما أخذ ثلثه. والثلاثاء: اليوم الثالث من الأحد. والثلاثي: ما ~~نسب الى ثلاثة أشياء، وأصله الثلاثة من العدد. # وأهل الرجل: زوجته. والمتأهل: المتزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل ~~البيت: سكانه. وأهل الاسلام: من تدين به. وأهل القرآن: من يقرأه، ويقوم ~~بحقوقه. وأهلته لهذا الأمر أي جعلته أهلا له. والأهلي: خلاف البري. ~~وقولهم مرحبا وأهلا أي اختصاصا بالتحية، والتكرمة. # المعنى: # وقد بينا أن (أهل حاضري المسجد الحرام) من كان من بينه وبينها إثنا عشر ~~ميلا من أربع جوانبها. وقال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: إنهم أهل الحرم، ~~فروي في أخبارنا أيضا ذلك. وقال مكحول: وعطا: من بين مكة، والمواقيت. ~~وقيل: هم أهل الحرم، ومن قرب منزله منها، كأهل عرفة، ذهب اليه الزهري ~~ومالك. # اللغة: # وقوله تعالى: { واعلموا أن الله شديد العقاب } تقول: عقب الشيء يعقب ~~بمعنى خلف بعد الأول. وأعقب إعقابا، وتعقب الرأي تعقبا. # والعاقبة للمتقين # أي الآخرة. ونرد على أعقابنا أي نعقب بالشر بعد الخير. والعقبة: ركوب ~~أعقبه المشي. # له معقبات # ملائكة الليل تخلف ملائكة النهار. وعقب الانسان: نسله، وعقبة، مؤخر ~~قدمه. والعقبة: المصعد في الجبل. والعقب: الصعب. والعقاب: الطائر. ~~واليعقوب: ذكر القبج. " ولا معقب لحكمه " أي لا راد لقضائه. وأصل الباب: ~~العقب: الخلف بعد الأول. ### || [2.197] # القراءة: # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو { فلا رفث ولا فسوق } بالرفع، { ولا جدال } ~~بالنصب. الباقون بالنصب فيهن تقدير الآية: أشهر الحج أشهر معلومات، ~~فحذف المضاف، وأقام المضاف اليه مقامه. وأشهر الحج - عندنا - شوال، وذو ~~القعدة، وعشر من ذي الحجة، على ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال ابن عباس، ~~وابن عمر، وابراهيم، والشعبي، ومجاهد، والحسن، واختاره الجبائي. وقال ~~عطا، والربيع، وابن شهاب، وطاووس: أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو ~~الحجة. وروي ذلك في أخبارنا، وإنما هذه أشهر الحج، لأن الاحرام بالحج لا ~~يصح أن يقع ms0466 إلا فيها - بلا خلاف - وعندنا - أن الاحرام بالعمرة التي ~~يتمتع بها لا يقع أيضا إلا فيها. ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر ~~الحج، قال: لأن جميع ذي الحجة يصح أن يقع فيه شيء من أفعال الحج، مثل صوم ~~الثلاثة أيام، فانه يصح أن يقع في جميع ذي الحجة، وكذلك يصح أن يقع ذبح ~~الهدي فيه. وقال قوم: إن المعنى واحد في قول الفريقين. وقال آخرون: هو ~~مختلف من حيث أن الثاني معناه: أن العمرة لا ينبغي أن تكون في الأشهر ~~الثلاثة على الكمال، لأنها أشهر الحج، والأول على أنها لا ينبغي أن تكون ~~في شهرين وعشر من الثالث، فقد روي عن ابن عمر: ان تفصلوا بين الحج ~~والعمرة، فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته. ~~وروي ذلك عن القاسم بن محمد عن ابن شهاب عن عبد الله، وابن سيرين. وقد ~~بينا مذهبنا في ذلك. فان قيل كيف جمع شهرين، وعشرة أيام ثلاثة أشهر؟ ~~قلنا: لأنه قد يضاف الفعل الى الوقت وإن وقع في بعضه. ويجوز أن يضاف ~~الوقت اليه كذلك، كقولك: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد وإن كانت ~~الصلاة في بعضه. ويقال أيضا: قدم زيد يوم كذا، وخرج يوم كذا وإن كان ~~قدومه أو خروجه في بعضه، فكذلك جاز أن يقال: شهر الحج ذو الحجة، وإن كان ~~في بعضه، وإنما يفرض فيهن الحج، بأن يحرم فيهن بالحج - بلا خلاف - أو ~~بالعمرة التي يتمتع بها بالحج - عندنا خاصة - وفي الاحرام بالحج وافقنا ~~فيه ابن عباس، والحسن، وقتادة. وقال ابن عمر، ومجاهد: إنما يفرض فيهن ~~بالتلبية. وقال بعض المتأخرين: يفرض بالعزم على أعمال الحج. # الاعراب: # ولا يجوز نصب أشهر - في العربية - على ما بيناه من المعنى من أن تقديره ~~أشهر { الحج أشهر معلومات } أو وقت { الحج أشهر معلومات } وقد أجازوا ~~الحج شهر ذي الحجة، لأنه معرفة كما تقول العرب: المسلمون جانب، والكفار ~~جانب بالرفع، فاذا أضافوا نصبوا، فقالوا: المسلمون جانب أرضهم، والكفار ~~جانب بلادهم. ms0467 # وانما جاز ذلك، لأن النكرة لما جاءت على شرط الخبر: في كونه نكرة من حيث ~~كانت الفائدة فيه، ورفعت بأنها خبر الابتداء فلما صارت معرفة، والخبر ~~يطلب النكرة نصبت ليصح تقدير الاستقرار الذي هو نكرة كأنك قلت: الكفار ~~مستقرون جانب بلادهم، ففائدة الأول من جانب، وفائدة الثاني في مستقر. # المعنى: # وقوله تعالى: " فلا رفث " فالرفث ها هنا - عند أصحابنا - كناية عن ~~الجماع وهو قول ابن مسعود، وقتادة. وأصله الافحاش في النطق كما قال ~~العجاج: # عن اللغا ورفث التكلم # وقيل الرفث بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعدة للجماع، وبالعين: الغمز ~~للجماع. وقال ابن عباس، وابن عمر وعطا: المراد ها هنا: المواعدة للجماع، ~~والتعريض للنساء به. وقال الحسن: الجماع، والتعرض له بمواعدة أو مداعبة ~~كله رفث. # وقوله تعالى: { ولا فسوق } روى أصحابنا: أنه أراد الكذب. والأولى أن ~~نحمله على جميع المعاصي التي نهي المحرم عنها، وبه قال ابن عمر. وقال ~~الحسن: المعاصي نحو القذف وشبهه، وقال ابن عباس ومجاهد وعطا: هو جميع ~~المعاصي مثل ما قلناه. وقال بعضهم لا يجوز أن يكون المراد إلا ما نهي عنه ~~المحرم ها هنا، مما هو حلال له في غير الاحرام، لاختصاصه بالنهي عنه وهذا ~~غلط، لأنه تخصيص للعموم بلا دليل، وقد يقول القائل: ينبغي أن تقيد لسانك ~~في رمضان لئلا يبطل صومك، فيخصه بالذكر لعظم حرمته. # وقوله: { ولا جدال فى الحج } فالذي رواه أصحابنا: أنه قول لا والله وبلى ~~والله صادقا، وكاذبا. وللمفسرين فيه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وابن مسعود، والحسن: أنه لا مراء بالسباب ~~والأعصاب على جهة المحك، واللجاج. # الثاني - قال مجاهد والسدي: إنه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي ~~الحجة، لأنهم كانوا ينسون الشهور فيقدمون ويؤخرون، فربما اتفق في غيره. # اللغة: # وأما اشتقاقه في اللغة فالجدال والمجادلة، والمنازعة، والمشاجرة، ~~والمخاصمة واحد، وتقول: جدلت الحبل أجدله وأجدله جدلا: إذا فتلته، ~~وجادلت الرجل مجادلة وجدالا: إذا خاصمته، وتجادلا تجادلا. وجدلته تجديلا: ~~إذا ألقيته على الأرض. وتجدل تجدلا وانجدل انجدالا. والجديل: زمام ~~البعير. والجدول: ms0468 نهر صغير. والمجدل: القصر. والجدالة: الأرض ذات الرمل ~~الرقيق. والأجدل: الصقر، وكل مفتول: مجدول. وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد. ~~والجديلة: شريجة الحمام. ورجل أجدل المنكب: فيه تطأطؤ، بخلاف الاشراف من ~~المناكب. وأصل الباب: الفتل، والجدال: القتال. # الاعراب: # ومن نصب (الثلاثة) أخرج اللفظ مخرج عموم النفي للمبالغة في معنى النفي. ~~ومن رفع بعضا ونصب بعضا، فلاختلاف المعنى، لأن الأول على معنى النهي، ~~والثاني بمعنى الاخبار عن زمان الحج: قد استدار في ذي الحجة، فكان أحق ~~بالنصب، لعموم النفي. فأما الأول، فقد يقع من الخاطىء، فلا يصح فيه عموم ~~النفي. # هذا قول النحويين. والصحيح أن الكل معناه النهي، وان خرج مخرج النفي، ~~والاخبار. والمراد به النهي بلا خلاف. # المعنى: # وقوله تعالى: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } معناه وما تفعلوا من خير ~~يجازكم الله العالم به، لأن الله عالم على كل حال، إلا أنه جعل { يعلمه } ~~في موضع يجازيه للمبالغة في صفة العدل، لأنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ~~ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما ~~يعلم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. # وقوله: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن، وقتادة، ومجاهد: أن قوما كانوا يرمون بازوادهم، ~~ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على ~~الناس، وخير الزاد مع ذلك التقوى. # والثاني - { تزودوا } من الأعمال الصالحات { فإن خير الزاد التقوى } ، ~~فذكر ذلك في الحج، لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البر فيه، والزاد: ~~الطعام الذي يتخذ للسفر. والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل ~~بخير من عمل أو كسب، فقد تزود منه تزودا. # وقوله: { واتقون يا أولي الألباب } يعني يا ذوي العقول، لأن اللب ~~العقل، وإنما سمي لبا لأنه أفضل ما في الانسان. وأفضل كل شيء لبه. ### || [2.198] # هذه الآية فيها تصريح بالاذن في التجارة، ونحوها في حال الاحرام، لأنهم ~~كانوا يتحرجون بذلك في صدر الاسلام, على قول ابن عباس، وابن عمر، ~~ومجاهد، وعطا، والحسن، ms0469 وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله ~~(ع). # اللغة والاعراب: # والجناح هو الجرح في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم، وأصله الميل ~~- على ما مضى القول فيه -. # وقوله: { فإذا أفضتم من عرفات } يعني دفعتم من عرفة الى المزدلفة عن ~~اجتماع، كفيض الأناء عن امتلائه، تقول: فاض الماء يفيض فيضا: إذا انصب ~~عن امتلاء، وأفاض إفاضة في الحديث: إذا اندفع فيه. واستفاض الخبر إذا ~~شاع. والافاضة الضرب بالقداح. وفيض الصدر بما فيه: البوح به. والافاضة: ~~امتلاء الحوض حتى يفيض. ورجل فياض: جواد. ودرع مفاضة، وفيوض إذا كانت ~~واسعة. وفيض البصرة: نهرها. وأصل الباب: الفيض: الانصباب عن الامتلاء. # و { عرفات } صرفت وإن كان فيها التعريف، والتأنيث، لأنها على حكاية ~~الجمع، كما يجب أن يحكى المذكر إذا سمي به الجمع، ويجوز فيها ترك الصرف ~~تشبيها بالواحد فيسقط التنوين ويسقط الاعراب كما كان في الجمع كقول امرء ~~القيس: # تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عالي # والأول اختيار النحويين، وقد أجاز بعضهم فتح التاء بغيرتنوين على قياس ~~طلحة، وأنشدوا البيت على ثلاثة أوجه (أذرعات) - منونا مكسورا - ~~ومجرورا بلا تنوين - ومفتوحا بلا تنوين -. وأنكر الزجاج الوجه الثالث. # والمشعر هو معلم المتعبد. وقال المبرد: المشعر - بفتح الميم والعين - ~~مكان الشعور، كالمدخل لمكان الدخول. والمشعر - بكسر الميم - الحديدة التي ~~يشعر بها أي يعلم بها. فكسرت، لانها آلة كالمخرز، والمقطع، والمخيط. ~~وقال: الكسائي: لا فرق بين الفتح والكسر. # المعنى: # و { المشعر الحرام } هو المزدلفة: وهو جمع بلا خلاف. وسميت عرفات ~~عرفات، لأن إبراهيم (ع) عرفها بما تقدم له من النعت لها، والوصف، على ما ~~روي عن علي (ع) وابن عباس. وقال عطا، والسدي، وقد روي ذلك في أخبارنا: ~~أنها سميت بذلك، لأن آدم وحواء اجتمعا فيه، فتعارفا بعد أن كانا افترقا. ~~وقيل: سميت عرفات لعلوه وارتفاعه، ومنه عرف الديك. # ووجه التشبيه في قوله { واذكروه كما هداكم } أن الذكر بالشكر، والثناء ~~يجب أن يكون بحسب الانعام، والهداية في العظمة لأنه يجب أن يكون الشكر ~~كالنعمة في ms0470 عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا ~~يجوز التسوية في الشكر بين من عظمت نعمته ومن صغرت. # الاعراب: # وقوله: { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } معنى (إن) ها هنا المخففة من ~~الثقيلة بدلالة دخول لام الابتداء معها، وإذا خففت لم تعمل. وجار دخولها ~~على الاسم، والفعل، كقوله تعالى: # وإن كل لما جميع لدينا محضرون # وأما { كنتم } فلا موضع لها من الاعراب، لأنها بعد حرف غير عامل. وليس { ~~لأن } موضع كما ليس لها موضع في الابتداء. وإنما هذه الواو عطف جملة على ~~جملة. # وروى جابر عن أبي جعفر (ع) قال: { لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } معناه أن تطلبوا المغفرة. ### || [2.199] # المعنى: # قيل في معنى هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وعائشة، وعطا، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، ~~والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أنه أمر لقريش وخلفائهم، لأنهم ~~كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم ~~الله لا نخرج عنه، فكانوا يقفون بجمع ويفيضون منه، دون عرفة، فأمرهم الله ~~تعالى أن يفيضوا من عرفة بعد الوقوف بها. # والثاني - قال الضحاك، والجبائي وحكاه المبرد، لكنه اختار الأول، لأنه ~~خطاب لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم (ع) من المزدلفة. والأول ~~إجماع، وهذا شاذ، وليس لأحد أن يقول على الوجه الآخر: كيف يقال لابراهيم ~~وحده الناس، وذلك أن هذا جائر كما قال: # الذين قال لهم الناس # وإنما كان واحدا بلا خلاف: وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وذلك مستعمل. ~~وقيل إن إبراهيم لما كان إماما، كان بمنزلة الأمة التي تتبع في سنة. # فان قيل: إذا كانت { ثم } للترتيب، فما معنى الترتيب ها هنا؟ قلنا: الذي ~~رواه أصحابنا أن ها هنا تقديما، وتأخيرا. وتقديره { ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم } { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } { فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } { واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم }. وقال قوم: المعنى { ثم أفيضوا } من المزدلفة. ms0471 والذي أجاب به ~~المتأولون: أن قالوا: رتبت الافاضة بعد المعنى الذي دل الكلام الأول ~~عليه، كأنه قيل: أحرموا بالحج على ما بين لكم { ثم أفيضوا } يا معشر قريش ~~{ من حيث أفاض الناس } بعد الوقوف بعرفة. وهذا قريب مما قلناه. وإنما عدل ~~الذي تأوله على الافاضة من المزدلفة، لأنه رآه بعد قوله، فاذا أفضتم من ~~عرفات، قال: فأمروا أن يفيضوا من المزدلفة بعد الوقوف بها، كما أمروا في ~~عرفة، وقد بينا ترتيب الكلام في التأويل المختار. والاستغفار هو طلب ~~المغفرة، كما أن الاستخبار: طلب السؤال. والمغفرة: التغطية للذنب بايجاب ~~المثوبة. وقيل في معنى الاستغفار قولان: أحدهما - الحض عليه في تلك ~~المواطن الشريفة، لأنها خليقة بالاجابة. الثاني - استغفروه لما سلف من ~~مخالفتكم في الوقوف والافاضة، كما سنه الله تعالى للناس عامة. والفرق ~~بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة، فأما غافر، فيستحق ~~الصفة فيه بوقوع الغفران. والعفو هو المغفرة. وقد فرق بينهما بأن العفو ~~ترك العقاب على الذنب، والمغفرة تغطية الذنب بايجاب المثوبة. ولذلك كثرت ~~المغفرة في صفات الله تعالى, دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان ~~كما يقال: استغفروا الله. ### || [2.200] # المعنى: # قوله تعالى: { فإذا قضيتم } معناه فرغتم منها. وأصل القضاء: فصل الأمر ~~على أحكام. وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك وقد يفصل بالعمل له على ~~تمام كقوله # فقضاهن سبع سماوات في يومين # وقد يفصل بالاخبار على القطع كقوله تعالى: # وقضينا إلى بني إسرائيل # وقد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الالزام بالقهر. # والمناسك المأمور بها ها هنا جميع أفعال الحج المتعبد بها في قول الحسن ~~وغيره من أهل العلم - وهو الصحيح - وقال مجاهد: هي الذبائح. # وقوله { فاذكروا الله } فالذكر هو العلم وقيل: هو حضور المعنى للنفس ~~بالقول أو غيره مما هو كالعلة، لحضوره بها. وقيل: المراد به ها هنا ~~التكبير أيام منى لأنه الذكر الذي يختصه بالترغيب فيه على غيره من ~~الاوقات. وقيل أيضا إنه سائر الدعاء لله تعالى في ذلك الموطن، لأنه أفضل ~~من غيره - وهو الأقوى ms0472 - لأنه أعم. # وقوله: { كذكركم آباءكم } معناه ما روي عن أبي جعفر " ع " أنهم كانوا ~~يجتمعون، يتفاخرون بالآباء، وبمآثرهم، ويبالغون فيه. وقوله { أو أشد ~~ذكرا } إنما شبه الأوجب بما هو دونه في الوجوب، لأمرين: أحدهما - أنه ~~خرج على حال لأهل الجاهلية كانت معتادة: أن يذكروا آباءهم بأبلغ الذكر ~~على وجه التفاخر، فقيل: اذكروا الله كالذكر الذي كنتم تذكرون به آباءكم ~~في المبالغة، أو أشد ذكرا بما له عليكم من النعمة. هذا قول أنس، وأبي ~~وائل، والحسن، وقتادة. والثاني - قال عطا: أذكروه بالاستعانة به، كذكركم ~~آباءكم: الصبي لأبيه إذا قال: يا أباه. والأول هو المعتمد. # الاعراب: # وإنما نصب { ذكرا } ولم يخفض كما يخفض في قولهم هذا الذكر أشد ذكر، لأن ~~فيه ضميرا منهم نظير قولك: هم أشد ذكرا، وفي أشد ضميرهم، ولو قلت مررت ~~به أشد ذكرا لكان منصوبا على الحال فأما الذكر، فعلى التمييز. # المعنى: # فان قيل: الأمر بالذكر ها هنا بعد قضاء المناسك أو معه؟ قيل: أجاز أبو ~~علي الوجهين، واستشهد بقولهم: إذا وقفت بعرفات فادع الله، وإذا حججت، فطف ~~بالبيت. # والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير، فهو النصيب من الخير على وجه ~~الاستحقاق. ### || [2.201] # الاعراب: # { ربنا } منصوب، لأنه منادى وتقديره: يا ربنا. وإنما حذف حرف النداء، ~~لما كان أصله تنبيه المنادى، ليقبل عليك، وكان الله عز وجل لا يغيب عنه ~~شيء - تعالى عن ذلك -، سقط حرف النداء للاستغناء عنه. فأما يا الله اغفر ~~لي، فيجوز أن يخرج مخرج التنبيه للتأكيد: أن يقبل عليك برحمته، ولأنك ~~تسأله سؤال المحتاج أن ينبه على حالة، لأن ذلك أبلغ في الدعاء، وأحسن في ~~المعنى. # اللغة: # والفرق بين القول والكلام: أن القول يدل على الحكاية، وليس كذلك ~~الكلام، نحو قال: الحمد لله، فاذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق، ~~والحكاية تكون على ثلاثة أوجه: حكاية على اللفظ والمعنى، وحكاية على ~~اللفظ فقط، وحكاية على المعنى فقط، فالأول نحو # أتوني أفرغ عليه قطرا # إذا حكاه من يعرف لفظه ومعناه. والثاني - إذا حكاه من يعرف لفظه ms0473 دون ~~معناه. الثالث - نحو أن يقول: أتوني أفرغ عليه نحاسا، فيكون حكاه على ~~معناه دون لفظه. # المعنى: # وقوله { آتنا } معناه: أعطنا، فالاتيان الاعطاء. وأصله الأتي، والمجيء، ~~فأتى إذا كان منه المجيء، فآتى إذا حمل غيره على المجيء، كما يقال: أتاه ~~ما يحب، وآتاه غيره ما يحب. # والحسنة التي سألوها قيل في معناها قولان: # أحدهما - قال قتادة، والجبائي، وأكثر المفسرين: إنه نعم الدنيا، ونعم ~~الآخرة. # الثاني - قال الحسن: العبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وسميت نعمة ~~الله حسنة، لأنها مما تدعو إليه الحكمة. وقيل: الطاعة والعبادة حسنة، ~~لأنها مما يدعو إليه العقل. # اللغة: # وقوله تعالى: { وقنا عذاب النار } فالوقاء: الحاجز الذي يسلم به من ~~الضرر. يقال وقاه يقيه وقاء، ووقاية. وتوقى هو توقية وأصل الوقاء الحجز ~~بين الشيئين. وأصل قنا: أوقنا مثل احملنا، فذهبت الواو لسقوطها في يقي، ~~لوقوعها بين ياء وكسرة ثم أتبع سائر تصاريف الفعل ما لزمته العلة، وسقط ~~ألف الوصل للاستغناء عنها بتحرك ما بعدها، وحذفت الياء، للوقف الذي هو ~~نظير الجزم. # والفائدة في الاخبار عنهم بهذا الدعاء، الاقتداء بهم فيه، لأنه لما حذر ~~من الدعاء الأول رغب في الثاني. ### || [2.202] # الاعراب: # { أولئك } رفع بالابتداء وخبره لهم نصيب. ومعناه أولئك لهم نصيب من ~~كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه. # اللغة: # والنصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحد النصيب الجزء الذي يختص به ~~البعض من خير أو شر. # والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر. وتقول: نصب ينصب ~~نصبا، ونصب نصبا من التعب، وأنصبنى هذا إنصابا. وانتصب الشيء ~~انتصابا. وناصبه العداوة مناصبة. والنصب إقامتك الشيء. والنصب: الرفع. ~~نصب القوم السير: إذا رفعوه. وكل شيء رفعته، فقد نصبته، ومنه نصب الحرف، ~~لأن الصوت يرفع فيه الى الغار الأعلى. والنصب بتغير الحال من مرض أو تعب. ~~والنصب: جمع أنصاب وهي حجارة كانت تنصب في الجاهلية، ويطاف بها، ويتقرب ~~عندها وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: # وما ذبح على النصب # وقال: # والأنصاب والأزلام # وأنصاب الحرم حدوده، وهى حجارة تنصب، ليعرف بها ms0474 الحرم. ونصاب السكين، ~~وغيره معروف، وفلان في نصاب صدق: في حسب ثابت. والنصبة: السارية. والمنصب ~~الذي ينصب عليه القدور. وكل شيء استقبلت به شيئا، فقد نصبته. وأصل الباب ~~القيام. # وقوله تعالى: { والله سريع الحساب } يعنى في العدل من غير حاجة الى خط ~~ولا عقد، لأنه (عز وجل) عالم به. وإنما يحاسب العبد مظاهرة في العدل، ~~وإحالة على ما يوجبه الفعل من خير أو شر. والسرعة هو العمل القصير المدة. ~~وتقول: سرع سرعة، وأسرع في المشي إسراعا، وسارع اليه مسارعة، وتسرع ~~تسرعا، وتسارع تسارعا، وأقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم ~~المتسرعين. واليسروع: دويبة تكون في الرمل. وأصل الباب: السرعة. # وتقول من الحساب: حسب الحساب يحسبه حسبا، وحسب الشيء حسبانا، وحاسبه ~~محاسبة، وحسابا، وتحاسبوا تحاسبا، واحتسب احتسابا، وأحسبني من العطاء ~~إحسابا، أي كفاني # عطاء حسابا # أي كافيا. والحسبان سهام صغار. وقيل منه # ويرسل عليها حسبانا من السماء # وقيل عذابا. والمحسبة وسادة من أدم. والمحسبة غبرة مثل كدرة. وحسب ~~الرجل مآثر آبائه. وأفعل ذلك بحسب ما أوليتنى. وحسبي أي يكفيني # يرزق من يشاء بغير حساب # أي بغير تضييق # والشمس والقمر بحسبان # أي قدر لهما مواقيت معلومة لا يعدونها. والتحسيب: دفن الميت يجب ~~الحجارة وأصل الباب: الحساب، والحسبان: الظن؛ لأنه كالحساب في الاعتداد ~~به، والعمل به على بعض الوجوه. وروي عن علي (ع) أنه قال: معناه إنه يحاسب ~~الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة. ### || [2.203] # المعنى: # هذا أمر من الله تعالى للمكلفين أن يذكروا الله في الأيام المعدودات: ~~وهي أيام التشريق: ثلاثة أيام بعد النحر، وهو قول ابن عباس، والحسن ومالك ~~والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، وهو قول ابن عباس أيضا، وذكر الفراء: ~~أن المعلومات: هي أيام التشريق، والمعدودات العشر. وفيه خلاف ذكرناه في ~~اختلاف الفقهاء. وسميت معدودات لأنها قلائل، كما قال: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة # أي قليلة. والجمع بالألف والتاء يصلح للقليل والكثير، والقليل أغلب ~~عليه. وأنكر الزجاج ما يروي في قول حسان: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # وأسيافنا يقطرن من ms0475 نجدة دما # من أنه عيب عليه، وزعم أن الخبر موضوع، وقال الألف والتاء يصلح للكثير ~~قال الله تعالى: # وهم في الغرفات آمنون # وقال: # إن المتقين في جنات وعيون # وإنما احتمل هذا الجمع القليل والكثير، لأن جمع السلامة على طريقة واحدة ~~لا يتميز فيه قليل من كثير، وكان القليل أغلب عليه، لشبهه بالتثنية. ~~والآية تدل على وجوب التكبير في هذه الأيام، وهو أن يقولوا: ألله أكبر ~~ألله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر ألله أكبر ولله الحمد. وبه قال ~~الحسن والجبائي، وزاد أصحابنا على هذا القدر: ألله أكبر على ما هدانا ~~والحمد لله على ما أولانا, ورزقنا من بهيمة الانعام. وأول التكبير - ~~عندنا - لمن كان بمنى، عقيب الظهر من يوم النحر الى الفجر يوم الرابع من ~~النحر: عقيب خمسة عشرة صلاة، وفي الأمصار عقيب الظهر من يوم النحر الى ~~عقيب الفجر يوم الثاني من التشريق: عقيب عشر صلوات، واختار الجبائي من ~~صلاة الغداة من يوم عرفة الى صلاة العصر آخر يوم التشريق. وفيه خلاف ~~ذكرناه في الخلاف. # وقوله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~}. المعني في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من التشريق وإن ~~أقام الى النفر الاخير، وهو اليوم الثالث من التشريق، كان أفضل، فان نفر ~~في الأول، نفر بعد الزوال الى الغروب، فان غربت فليس له أن ينفر. وقال ~~الحسن إنما له أن ينفر بعد الزوال الى وقت العصر، فان أدركته صلاة العصر، ~~فليس له أن ينفر إلا يوم الثالث وليس للامام أن ينفر في النفر الأول، وبه ~~قال الحسن. # وقوله تعالى: { فلا إثم عليه } قيل فيه قولان: أحدهما - لا إثم عليه ~~لتكفير سيآته بما كان من حجه المبرور وهو معنى قول ابن مسعود. الثاني - ~~قال الحسن: لا إثم عليه في تعجله ولا تأخره. وإنما نفى الاثم، لئلا ~~يتوهم ذلك متوهم في التعجل، وجاء في التأخر على مزاوجة الكلام كما تقول: ~~إن أظهرت الصدقة، فجائز. # وإن أسررتها، فجائز، ms0476 والاسرار أفضل. # وقوله تعالى: { لمن اتقى } قيل فيه قولان: أحدهما - لما قال { فلا إثم ~~عليه } دل على وعده بالثواب، فقيد ذلك بالتقوى لله تعالى، لئلا يتوهم ~~أنه بالطاعة في النفر فقط. والثاني - أنه لا إثم عليه في تعجله إذا لم ~~يعمل لضرب من ضروب الفساد، ولكن لاتباع إذن الله فيه. وقالوا: معنى تجديد ~~الأمر بالتقوى ها هنا التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال البر في ~~الحج، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى، ومجانبة المعاصي. # وروى أصحابنا: أن قوله { لمن اتقى } متعلق بالتعجل في اليومين، وتقديره ~~{ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } { لمن اتقى } الصيد الى انقضاء ~~النفر الأخير وما بقى من إحرامه، ومن لم يتقها، فلا يجوز له النفر في ~~الأول، وهو اختيار الفراء، والمروي عن ابن عباس، وروي عن أبي عبد الله ~~(ع) في قوله تعالى { فمن تعجل في يومين } أي من مات في هذين اليومين، فقد ~~كفر عنه كل ذنب. ومن تأخر أي أنسىء أجله، فلا إثم عليه بعدها إذا اتقى ~~الكبائر. # الاعراب: # والعامل في اللام في قوله { لمن اتقى } قيل فيه قولان: أحدهما - ذلك { ~~لمن اتقى } فحذف ذلك لأن الكلام الأول دل على وعد للعامل. والثاني - أن ~~يكون العامل معنى { لا إثم عليه } ، لأنه قد تضمن معنى جعلناه { لمن اتقى ~~}. # اللغة: # وقوله تعالى: { واتقوا الله } معناه اجتنبوا معاصي الله، { واعلموا أنكم ~~إليه تحشرون } أي تحققوا أنكم بعد موتكم تردون الى الله، فيجازيكم على ~~أعمالكم. # تقول: حشر يحشر حشرا، فالحشر: جمع القوم من كل ناحية الى مكان. ~~والمحشر: مجتمعهم: هو المكان الذي يحشرون فيه، وحشرتهم السنة: إذا أجحفت ~~بهم، لأنها تضمهم من النواحي الى المصر. وسهم حشر: خفيف لطيف، لأنه ضامر ~~باجتماعه. ومنه أذن حشره: لطيفة ضامرة. وحشرات الأرض: دوابها الصغار، ~~والواحدة حشرة، لاجتماعها من كل ناحية. ودابة حشور: إذا كان ملززة ~~الحلق شديدة. ورجل حشور: إذا كان عظيم البطن. وحشرت السنان، فهو محشور: ~~إذا رفقته وألطفته. وأصل الباب الاجتماع. ### || [2.204] # قال الحسن: المعني ms0477 بهذه الآية المنافق. وقال قوم: المعني: بها المرائي. ~~وقيل: إنها نزلت في الأخنس بن شريق ذكره السدي وغيره. # اللغة: # والاعجاب هو السرور بالشيء سرور العجب بما يستحسن. ومنه العجب بالنفس، ~~والسرور بها سرور العجب من الشيء استحسانا له، وذلك إذا تعجب من شدة ~~حسنه. وتقول: عجب عجبا، وتعجب تعجبا، وعجبه تعجيبا، وأعجبه إعجابا، ~~واستعجب استعجابا أي اشتد تعجبه. والعجاب: العجيب، وأعجبني هذا: إذا كان ~~حسنا جدا. والمعجب بنفسه أو بالشيء معروف. وقال الأزهري: العجب كل شي ~~غير مألوف، وعجب الذنب: العظم الذي ينبت عليه شعر الذنب في المعز، ورأيت ~~أعجوبة وأعاجيب. وأصل الباب العجب. # وقوله تعالى: { في الحياة الدنيا } أي وقت الحياة الدنيا فالحي هو من ~~لا يستحيل، وهو على ما هو عليه أن يكون عالما قادرا. # وقوله: { ويشهد الله على ما في قلبه } فأصل الاشهاد: هو الاقرار بالشيء ~~ليشهد به المقر عنده. والمراد في الآية: من يقر بالحق، ويقول: أللهم ~~اشهد علي، وضميره على خلافه. # وقوله تعالى: { وهو ألد الخصام } يقال لده يلده لدا: إذا غلبه في ~~الخصومة، ولده يلده: إذا أوجره في أحد خقي فمه. ولدت تلد لدا وهو ~~شدة الخحومة. وجانبا كل شيء لديداه، فمنه لديدي الوادي. ولديدي العنق: ~~صفحتاه. ولده عن كذا: إذا حبسه. والتلدد: التلفت عن تحير وأصل الباب ~~اللديد: الجانب. # والخصام: هو المخاصمة. تقول: خاصمه يخاصمه مخاصمة، وخصاما، وتخاصما، ~~واختصما اختصاما، واستخصمهم استخصاما. والخصم طرف الراوية الذي بحيال ~~العزلاء من مأخرها، وطرفها الأعلى وهو العصم. والأخصام من كل شيء جوانبه، ~~كجوانب الخوالق الذي فيه العرى، يحمل به. وأصل الباب الخصومة. # المعنى: # ومعنى { ألد } في الآية: هو الشديد الجدل بالخصومة الى ما يريد، قال ~~الشاعر: # ثم أردي وبهم من تردي # تلد أقران الخصوم اللد # وقال الزجاج: الخصام جمع خصم. والمعنى هو أشد المخاصمين خصومة. وقال ~~غيره: هو مصدر. ومعنى الآية أنه تعالى وصف المنافقين، فقال: { ومن الناس ~~من يعجبك } يا محمد { قوله } في الظاهر، وباطنه بخلافه { ويشهد الله على ~~ما في قلبه وهو ألد الخصام ms0478 } جدل مبطل. # ومن قرأ { ويشهد الله } - بفتح الياء - معناه أنه تعالى يشهد عليه ~~بنفاقه، وإظهاره خلاف ما يبطن. والقراءة العامة هي الأولى. ### || [2.205] # في قوله تعالى: { وإذا تولى } ضمير عمن تقدم ذكره وهو { من يعجبك قوله ~~في الحياة الدنيا } والتولي: هو الانحراف، والزوال عن الشيء الى خلاف ~~جهته. والسعي هو الاسراع في المشي وقيل: إنه العمل، وقال الاعشى: # وسعى لكندة غير سعي مواكل # قيس فضر عدوها وبنى لها # أي عمل لها. وقوله: { في الأرض } دخلت الألف واللام في الأرض، لتعريف ~~الجنس، لأن الأرض وإن كانت واحدة بعينها فلو خلق الله مثلها، لكانت ~~أرضا، كما أن الشمس، والقمر كذلك، وفارق ذلك زيدا وعمرا - في أسماء ~~الأعلام - وامتناع دخول الألف واللام عليهما، لأن الله تعالى لو خلق مثل ~~زيد لم يجب أن يكون زيدا، على أن الأرضين السبعة كما قال تعالى: # خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن # فعلى هذا لا يتوجه السؤال. # والافساد: هو عمل الضرر بغير استحقاق، ولا وجه من وجوه المصلحة. # والاهلاك: العمل الذي ينفي الانتفاع. # وقوله: { ليفسد فيها } نصب باضمار (أن) ويجوز إظهارها، فتقول: لأن يفسد ~~فيها، ولا يجوز إظهارها في قوله: # ما كان الله ليذر المؤمنين # وإنما جاز حذفها في { ليفسد } لدلالة الكلام عليها مع كونها في حروف ~~الاضافة حتى حذفت في قولهم: غلام زيد، وما أشبهه مع كثرته في الكلام، ~~وجاز إظهارها، لأنه الأصل من غير مانع في الاستعمال، وإنما امتنع في ~~قوله: { ليذر } لما يرجع الى المعنى، لأن معناه كمعنى (ما كان زيد ليفعل) ~~أي ما كان فاعلا، فلما تضمن غير المعنى الذي توجبه صورته لم يتصرف في ~~لفظه، ولأنه لما كان محمولا على تأويل معنى لم يذكر، حمل أيضا على تأويل ~~لفظ لم يذكر. والفرق بين دخول اللام فيها أن اللام دخلت في { ليفسد } على ~~إضافة السعي الى الفساد، على أصل الاضافة في الكلام. ودخولها في { ليذر } ~~فانما هو لتأكيد النفي بتحقيق تعلقه بالخبر كما دخلت الباء في (ليس زيد ~~بقائم)، لأن النفي لما كان ms0479 للخبر وولي حرف النفي الاسم، دخلت الباء، لتدل ~~على اتصاله في المعنى بحرف النفي. # اللغة: # والحرث: الزرع. والنسل: العقب من الولد. وقال الضحاك: الحرث: كل نبات، ~~والنسل: كل ذات. ويقال: نسل ينسل نسولا: إذا خرج، فسقط. ومنه نسل وبر ~~البعير أو شعر الحمار أو ريش الطائر. والنسالة: قطعة من الوبر، قال الله ~~تعالى: # إلى ربهم ينسلون # أي يسرعون، لأنه إسراع الخروج بحدة. والنسل: الولد، ما نسل بعضه من ~~بعض. والناس نسل آدم، لخروجهم من ظهره. والنسل والنسلان: عدو من عدو ~~الذئب فيه اضطراب. والنسيلة: فتيلة السراج، وأصل الباب النسول: الخروج. ~~وحكى الزجاج: أن الحرث: الرجال، والنسل: الأولاد. وذكر الأزهري: أن ~~الحرث: النساء، والنسل الأولاد، لقوله تعالى: # نساؤكم حرث لكم # المعنى: # وقوله تعالى: { والله لا يحب الفساد } يدل على فساد قول المجبرة: إن ~~الله تعالى يريد القبائح، لأن الله تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد. ~~والمحبة هي الااردة، لأن كل ما أحب الله أن يكون، فقد أراد أن يكون، وما ~~لا يحب أن يكون لا يريد أن يكون. ومعنى الآية: إذا خرج هذا المنافق من ~~عندك يا محمد غضبان، عمل في الأرض بما حرم الله عليه وحاول معصيته، وقطع ~~الطريق، وأفسد النسل، والحرث على عباده. { والله لا يحب الفساد }. ### || [2.206] # المعنى: # قيل في المعني بهذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إنه كل منافق. ~~والثاني - قال السدي: إنه الأخنس بن شريق، والاتقاء طلب السلامة بما يحجز ~~من المخافة، واتقاء الله إنما هو اتقاء عذابه. # وقوله: { أخذته العزة } قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن أخذته ~~العزة الى الاثم، كما تقول: أخذت فلانا بأن يفعل: أي دعوته الى أن يفعل. # ومعنى قوله: { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالأثم } هو الاشعار ~~بالدليل على نفاقه، لفضيحته بذلك عند المؤمنين - على ما قاله قتادة -، ~~ويجوز أن يكون الذم له على تلك الحال القبيحة. # وقوله: { ولبئس المهاد } الوطأ. فان قيل: كيف قيل لجهنم مهاد. قلنا عنه ~~جوابان: # أحدهما - قال الحسن: معناه القرار ها هنا، ms0480 والقرار كالوطأ في الثبوت ~~عليه. # الثاني - لأنها بدل من المهاد كما قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # لأنه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. # اللغة: # والمهاد في اللغة: الوطأ من كل شيء تقول: مهدت الفراش تمهيدا، وكل شيء ~~وطأته فقد مهدته، وتمهد الشيء: إذا يوطأ، وكذلك امتهد امتهادا، ومهد ~~الصبي معروف، وجمع المهاد، مهد، وثلاثة أمهدة # والأرض مهادا # لاجل التوطأة للنوم، والقيام عليها، وأصل الباب التوطأة. # والأخذ: ضد الاعطاء. والعزة: القوة التي يمتنع بها من الذلة. # المعنى: # فمعنى الآية: أن هذا المنافق الذي نعته لك بأنه يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا { إذا قيل له اتق الله } في سعيك في الأرض بالفساد وإهلاك الحرث ~~والنسل، دخلته عزة وحمية، فقال تعالى: فكفاه عقوبة من ضلاله أن يصلى نار ~~جهنم، فانها بئس المهاد لمن يصلاها. ### || [2.207] # النزول: # قال قتادة: نزلت هذه الآية في المهاجرين والأنصار. وقال عكرمة: نزلت في ~~أبي ذر الغفاري: جندب بن السكن، وصهيب بن سهان، لأن أهل أبي ذر أخذوا ~~أبا ذر، فانفلت منهم، فقدم على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما رجع ~~مهاجرا عرضوا له، وكان يمر الظهران، فانفلت أيضا منهم حتى قدم النبي ~~(صلى الله عليه وسلم)، فلما رجع مهاجرا عرضوا له، فانفلت حتى نزل على ~~النبي (صلى الله عليه وسلم). فأما صهيب، فانه أخذه المشركون من أهله ~~فافتدى منهم بماله ثم خرج مهاجرا، فأدركه منقذ بن ظريف بن خدعان، فخرج ~~له مما بقي من ماله، وخلى سبيله. # وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: نزلت في علي (ع) حين بات على فراش رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شبه. # المعنى: # وروي عن علي (ع)، وابن عباس: أن المراد بالآية: الأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر. وقال الحسن: هي عامة في كل من يبيع نفسه لله بأن يقيم نفسه في ~~جهاد عدوه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ms0481 أمر الله ~~به، وتوعد على خلافه. # وقوله تعالى: { يشري نفسه } معناه يبيع نفسه، وقد بينا فيما مضى أن ~~الشراء يكون بمعنى البيع، كما قال: # وشروه بثمن بخس # أي باعوه وقال الشاعر: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # أي بعت. والشراء استبدال العوض بالثمن. وشرى باع واشترى ابتاع. وشرا ها ~~هنا مجاز، لأن أصله في الأثمان من العين، والورق، لذلك لا يقال: باع ~~متاعه إذا تصدق به؛ لأن الأظهر إذا أطلق أنه باعه بالثمن. # وقوله تعالى: { ابتغاء مرضات الله } معناه طلب مرضات الله، ومثله # حذر الموت # قال الشاعر: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # ولا يجوز قياسا على ذلك فعله زيدا أي لزيد. ويجوز فعله خوفا، لأن في ~~ذكر المصدر دليلا على العرض الداعي الى الفعل، وليس كذلك ذكر زيد، ~~والمرضاة والرضى واحد وهو ضد السخط. # قوله تعالى: { والله رءوف بالعباد } قد بينا فيما مضى معنى الرؤف. ~~والخلاف فيه، ومعناه ذو رحمة واسعة بعبده الذي شرى نفسه له في جهاد من ~~جاهد في أمره من أهل الشرك، والفسوق. وإنما ذكر الرؤوف بالعباد هنا ~~للدلالة على أنه انما رغب العبد في بيع نفسه بالجهاد في نفسه رأفة به، ~~وحسن نظر له، ليبتليه من الثواب المستحق على عمله ما لا يجوز أن يصل إليه ~~في جلالته إلا بتلك المنزلة. ### || [2.208] # القراءة: # قرأ أهل الحجاز، والكسائي " السلم " - بفتح السين -. الباقون - بكسرها - # اللغة: # قال الأخفش: السلم - بكسر السين -: الصلح، وبفتحها، وفتح اللام: ~~الاستسلام. وقال الزجاج: السلم جميع شرائعه. ويقال: السلم، والسلم ~~معناهما الاسلام، والصلح. وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وفتحها مع تسكين ~~اللام، وفتحها. وقال أبو عبيدة: السلم - بكسر السين - والاسلام واحد، وهو ~~في موضع آخر المسالمة، والصلح. # المعنى: # وقال ابن عباس، والسدي، والضحاك، ومجاهد: معنى السلم ها هنا الاسلام، ~~وبه قال قتادة. وقال الربيع: معناه ادخلوا في الطاعة، وهو اختيار البلخي ~~قال: لأن الخطاب للمؤمنين بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } واختار الطبري ~~الوجه الأول، والأمران جميعا عندنا جائزان محتملان، ms0482 وحملها على الطاعة ~~أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية، قال ~~أبو علي: من قرأ بفتح السين، ذهب إلى أن معناه: المسالمة، والصلح، وترك ~~الحرب باعطاء الجزية. ومن كسرها، اختلفوا منهم من حمله على الاسلام، ~~ومنهم من حمله على الصلح أيضا. # اللغة: # وقوله تعالى: { كافة } معناه جميعا، وهو نصب على الحال من ضمير ~~المؤمنين. وقيل من حال السلم، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشيء في آخره، ~~من ذلك كفة القميص، يقال لحاشية القميص: كفة. وكل مستطيل، فحرفه كفة. ~~ويقال في كل مستدير: كفة، نحو كفة الميزان. وإنما سميت كفة الثوب، لأنها ~~تمنعه أن ينتشر. وأصل الكف: المنع، ومنه قيل لطرف اليد: كف، لأنها يكف ~~بها عن سائر البدن: وهي الراحة مع الأصابع، ومن هذا قيل: رجل مكفوف أي قد ~~كف بصره أن يبصر، وكف من الشيء يكف كفا: اذا انقبض عنه. وكل شيء جمعته، ~~فقد كففته. واستكف السائل: إذا بسط كفه يسأل. واستكف القوم بالشيء: إذا ~~أحدقوا به. وتكفف السائل: اذا مد كفه للسؤال. ولقيته كفة لكفة: إذا ~~لقيته مفاجأة. والمكفوف: الأعمى. والكفف: دارات الوسم. والكفة: مايصاد به ~~الظباء: كالطوق. # المعنى: # فمعنى الآية على هذا: ابلغوا في الاسلام إلى حيث تنتهي شرائعه، فتكفوا ~~من أن تعدوا شرائعه. وادخلوا كلكم حتى يكف عن عدد واحد لم يدخل فيه. ~~وقيل: معنى الآية: أن قوما من اليهود أسلموا وأقاموا على تحريم السبت، ~~وتحريم لحمم الابل، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا في جميع شرائع الاسلام. ~~وقال بعض أهل اللغة: جائز أن يكون أمرهم وهم مؤمنون أن يدخلوا في ~~الايمان: أي يقيموا على الايمان كما قال: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله # وكلا القولين جائز. # وقوله { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي لا تتبعوا آثاره، لأن ترككم ~~شيئا من شرائع الاسلام اتباع الشيطان. وخطوات: جمع خطوة وفيها ثلاث ~~لغات: خطوات - بضم الطاء، وفتحها، واسكانها. # وقوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين } عداوته للمؤمنين. وإبانة عداوته لنا ~~هو أن ينسها لمن ms0483 يراه من الملائكة، والجن، ونحن وإن لم نشاهده، فقد علمنا ~~معاداته لنا، ودعاءه إيانا الى المعاصي، فجاز أن يسمى ذلك إبانة. وقال ~~الجبائي: أبان عداوته لآدم والملائكة (ع)، فكان بذلك مبينا لعداوته ~~إيانا. ### || [2.209] # المعنى واللغة: # أنزل الله تعالى هذه الآية، وقد علم أنه سيزل الزالون من الناس، فتقدم ~~في ذلك، وأوعد فيه، لكي تكون الحجة على خلقه. يقال: زل يزل زلا، ~~وزللا، ومزلا، وزلولا. ومعنى الآية { فان زللتم } بمعنى تنحيتم عن ~~القصد، والشرائع، وتركتم ما أنتم عليه من الدين { من بعد ما جاءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله عزيز } في نعمته { حكيم } في أمره، لا تعجزونه، ~~وحكيم فيما شرع لكم من دينه، وفطركم عليه، وفيما يفعل بكم من عقوبة على ~~معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم. وذكر جماعة من أهل التأويل: أن { ~~البينات } هم محمد (صلى الله عليه وسلم) والقرآن، ذهب اليه السدي، وابن ~~جريج، وغيرهما. وقيل: زل في الآية: مجاز تشبيها بمن زل عن قصد الطريق، ~~وحقيقته: عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه. والأولى أن يكون ذلك ~~حقيقة بالعرف. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله يريد القبيح، لأنه لو ~~أراده لما صح وصفه بأنه حكيم. فان قيل: سواء زل العباد أو لم يزلوا، وجب ~~أن يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط؟ قيل، لأن معنى { عزيز } هو ~~القادر الذي لا يجوز عليه المنع من عقابكم { حكيم } في عقوبته إياكم، ~~فكأنه قال: فاعلموا أن العقاب واقع بكم لا محالة، لأنه عزيز لا يجوز أن ~~يحول بينه وبين عقوبتكم حائل، ولم يمنعه مانع { حكيم } في عقوبته إياكم، ~~وذلك أن حري لهم وصفه بأنه عزيز أنه قدير لا يمنع، لأنه قادر لنفسه. و { ~~حكيم } معناه عليم بتدبير الأمور. ويقال: { حكيم } في أفعاله بمعنى محكم ~~لها وأصل العزة الامتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة وأصل ~~الحكمة المنع من قول الشاعر: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # ومنه حكمة الدابة ### || [2.210] # القراءة: # قرأ ms0484 أبو جعفر { والملائكة } بالخفض. والباقون بضمها. وقرأ ابن عامر، ~~وحمزة، والكسائي { ترجع الأمور } بفتح التاء. الباقون بضمها. # المعنى: # الظلل: جمع ظلة. ومعنى الآية أن يأتيهم عذاب الله، وما توعدهم به على ~~معصيته، كما قال: # فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا # أي آتاهم خذلانه إياهم. والمختار عند أهل اللغة الرفع في { الملائكة } ~~عطفا على الله، كأنه قال: وتأتيهم الملائكة. ومن كسر عطف على ظلل، ~~وتقديره في ظلل من الغمام، وظلل من الملائكة. # وقوله: { وقضى الأمر } أي فزع لهم مما كانوا يوعدون به. # وقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } لا يدل على أن الأمور ليست إليه الآن ~~وفي كل وقت. ومعنى الآية الاعلام في أمر الحساب، والثواب، والعقاب أي ~~إليه، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، فلا حاكم سواه. ويحتمل أن يكون ~~المراد: أنه لا أحد ممن يملك في دار الدنيا إلا ويزول ملكه ذلك اليوم. # وشبهت الأهوال بالظلل من الغمام، كما قال: # موج كالظلل # ومعنى الآية: ما ينظرون - يعني المكذبين بآيات الله - محمدا وما جاء به ~~من القرآن والآيات إلا أن يأتيهم أمر الله وعذابه { في ظلل من الغمام ~~والملائكة } ، فهل بمعنى (ما)، كما يقول القائل: هل يطالب بمثل هذا إلا ~~متعنت أي ما يطالب. وينظرون - في الآية - بمعنى ينتظرون. وقد يقال: أتى ~~وجاء فيما لا يجوز عليه المجيء، والذهاب، يقولون أتاني وعيد فلان، وكلام ~~فلان، وكل ذلك لا يراد به الاتيان الحقيقي قال الشاعر: # أتاني كلام من نصيب يقوله # وما خفت يا سلام أنك عائبي # وقال آخر: # أتاني نصرهم وهم بعيد # بلادهم بلاد الخيزران # فكأن المعنى في الآية: إن الناس في الدنيا يعتصم بعضهم ببعض، ويفزع ~~بعضهم الى بعض في الكفر والعصيان، فاذا كان يوم القيامة انكشف الغطاء، ~~وأيقن الشاك، وأقر الجاحد، وعلم الجاهل، فلم يعصم أحد من الله أحدا، ~~ولم يكن له من دون الله ناصر، ولا من عذابه دافع، وعلم الجميع أن الأمر ~~كله لله. ### || [2.211] # القراءة: # أهل الحجاز يقولون: سل بغير همز. وبعض بني تميم يقولون: اسأل بالهمز، ms0485 ~~وبعضهم يقولون: اسل بالالف وطرح الهمز - والأولى أحسنها لأنها خط المصحف. # المعنى: # وفي الآية تنبيه وتقريع للكفار من بني اسرائيل، ونظيره قول الرجل في ~~صاحبه إذا فزعه وربحه وأراد أن يلزمه الحجة، ويبين عن كفرانه للنعمة ~~ليوقع به العقوبة - لمن بحضرته -: سله كم أعددت له وحذرته. # والآيات البينات ما ذكرها الله تعالى: من قلب عصا موسى حية، ويده ~~البيضاء، وفلقه البحر، وتغريق عدوهم من فرعون وأصحابه، وتظليلة عليهم ~~الغمام، وإنزال المن والسلوى، وذلك من آيات الله التي أتي بها بني ~~اسرائيل، فخالفوا جيمع ذلك، وقتلوا أنبياءه، ورسله، وبدلوا عهده، ووصيته ~~إليهم. # وقوله: { ومن يبدل نعمة الله } معناه: يغير يعني بها الاسلام، وما فرض ~~فيه من شرائع دينه بعد ما عهد إليه وأمره به من الدخول في الاسلام، ~~والعمل بشرائعه، فيكفر به، فانه يعاقبه بما أوعده على الكفر به من ~~العقوبة { والله شديد العقاب }. وقال الزجاج فيه حذف وتقديره شديد العقاب ~~له، ويجوز أن يكون معناه: شديد العقاب لكل من يستحقه، فيدخل فيه هذا ~~المذكور، فأما أن يكون على معنى شديد العقاب لغيره، فلا يجوز إذا لم يكن ~~للمذكور مدخل فيه. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: من أنه ليس لله ~~على الكافر نعمة، لأنه حكم عليهم بتبديل نعم الله، كما قال: # يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون # وقال: # بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ### || [2.212] # المعنى: # إنما ترك التأنيث في قوله زين والفعل فيها مسند الى الحياة وهي ~~المرتفعة به، لأنها لم يسم فاعلها لشيئين: # أحدهما - أن تأنيث الحياة ليس بحقيقى، وما لا يكون تأنيثه حقيقيا، جاز ~~تذكيره، كقوله تعالى: # فمن جاءه موعظة من ربه # وقوله: # قد جاءكم بصائر # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # والثاني - أنه لما فصل بين الفعل والفاعل بغيره، جاز ترك التأنيث، وقد ~~ورد ذلك في التأنيث الحقيقي، وهو قولهم حضر القاضي اليوم إمرأة، فاذا جاز ~~ذلك في التأنيث الحقيقي، ففيما ليس بحقيقي، أجوز، قد قيل: إنما ترك ~~التأنيث في هذا الموضع، لأنه قصد ms0486 بها المصادر، فترك لذلك التأنيث. وقيل ~~في معنى تزيين الحياة الدنيا قولان: # أحدهما - قال الحسن، والجبائي، وغيرهما - أن المزين لهم إبليس وجنوده، ~~لانهم الذين يغوون، ويقوون دواعيه، ويحسنون فعل القبيح، والاخلال ~~بالواجب ويسوفون لهم التوبة، فأما الله تعالى، فلا يجوز أن يكون المزين ~~له، لأنه زهد فيها، فأعلم أنها متاع الغرور، وتوعد على ارتكاب القبائح ~~فيها. # والقول الثاني - إن الله تعالى خلق فيها الأشياء المعجبة، فنظر إليها ~~الذين كفروا باكثر من مقدارها، كما قال: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث # وإنما أراد بذلك ما جبل الخلق عليه من الميل الى هذه الاشياء، لا أنه ~~حسن جميعها، ولم يقبح شيئا منها، وكلاهما جائزان حسنان. # والتزيين، والتحسين واحد، والزين: خلاف الشين، والزينة: اسم جامع لكل ما ~~يتزين به، وهذا أمر زاين له أي مزين له. # وقوله: { ويسخرون من الذين آمنوا } معناه: أن قوما من المشركين كانوا ~~يسخرون من قوم من المسلمين، لأن حالهم في ذات اليد كانت قليلة، فأعلم ~~الله تعالى: أن الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة، لأن المسلمين في عليين، ~~والفجار في الجحيم، كما قال تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون # ثم أخبر عن المؤمنين أنهم يضحكون منهم - في الآخرة -، فقال: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # وقوله: { والله يرزق من يشاء بغير حساب } قيل فيه خمسة أقوال: # أحدها - أن معناه: أنه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من ~~كثرته. # الثاني - أنه ليس يرزق المؤمن على قدر إيمانه، ولا الكافر على قدر كفره ~~في الدنيا، ولكن الرزق في الآخرة على قدر العمل، وما يتفضل الله به، ~~ويضاعف به عن رجل على المؤمنين ما يشاء من فضله زيادة على كفايته. # الثالث - أنه يعطى عطاء لا يآخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا ~~يطالب عليه بجزاء، ولا مكافاة، ولا يثبت ذكره مخافة الاعدام، والاقلال، ~~لأن عطيته ليست من أصل ينقص، بل خزائنه لا تفنى، ولا تنفد (جل الله ms0487 ~~تعالى). # والرابع - قال قطرب معناه: أنه يعطي العدد من الشىء، لا مما يضبط ~~بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لأن ما يقدر عليه غير متناه، ولا محصور، ~~فهو يعطى الشىء لا من عدد أكثر منه ولا ينقص منه كالمعطى من الآدميين ~~الألف من الألفين والعشرة من المأة. # والخامس - قال بعضهم: إنما عنى بذلك إعطاء أهل الجنة، لأن الله تعالى ~~يعطيهم ما يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، فكل ذلك حسن جائز، وإنما قال: { ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ولا فضل للكفار في الآخرة لأمرين: # أحدهما - أن أحوالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا. # والثاني - أن يكون محمولا على قوله تعالى # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # وكما قال حسان يعني رسول الله وأبا جهل. # فشركما لخير كما الفداء # ومعنى { يسخرون من الذين آمنوا } أي يهزؤن بهم في زهدهم في الدنيا، ~~لأنهم يوهمهم أنهم على حق، ويفهم عنهم أن اعتقادهم بخلاف ذلك. ### || [2.213] # القراءة: # قرأ أبو جعفر المدني { ليحكم } - بضم الياء - الباقون بفتحها. # المعنى: # معنى قوله: { كان الناس أمة واحدة } أهل ملة واحدة كما قال النابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع # أي ذو ملة ودين. وأصل الأمة الأم من قولك: أم يؤم أما: إذا قصده. وهي ~~على أربعة أوجه: # فالأمة: الملة، والأمة: الجماعة، والأمة: المنفرد بالمقابلة، والأمة: ~~القابلة. # واختلفوا في الدين الذي كانوا عليه، فقال ابن عباس، والحسن، واختاره ~~الجبائي: إنهم كانوا على الكفر. وقال قتادة، والضحاك: كانوا على الحق، ~~فاختلفوا. فان قيل: إذا كان الزمان لا يخلوا من حجة كيف يجوز أن يجتمعوا ~~كلهم على الكفر، قلنا: يجوز أن يقال ذلك على التغليب لأن الحجة إذا كان ~~واحدا أو جماعة يسيرة، لا يظهرون خوفا وتقية، فيكون ظاهر الناس كلهم ~~الكفر بالله، فلذلك جاز الاخبار به على الغالب من الحال، ولا يعتد بالعدة ~~القليلة. # وقوله: { وأنزل معهم الكتاب بالحق } قيل في معناه قولان: # أحدهما - بما فيه من البيان عن الحق من الباطل. الثاني - أن معناه: بأنه ms0488 ~~حق للاستصلاح به على ما توجبه الحكمة فيه. # وقوله: { ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } فحقيقته، ليحكم منزل ~~الكتاب، لأن الله هو الحاكم بما أنزل فيه، فهو مجاز - في قول الجبائي - ~~قال: إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيما له، لما فيه من البيان. ويجوز ~~أن يكون في يحكم ضمير اسم الله، فيكون حقيقة. ومن ضم الياء قراءته لا ~~شبهة فيها. والمعنى ليحكم الناس أو العلماء بما فيه من الحق. # وقوله تعالى: { وما اختلف فيه } الهاء عائدة على الحق. وقيل على الكتاب. ~~والأول أصح، لأن اختلافهم في الحق قبل إنزال الكتاب. فان قيل: إذا كانوا ~~مختلفين على إصابة بعضهم له، فكيف يكون الكفر عمهم به؟ قلنا: لا يمتنع أن ~~يكون الكل كفارا، وبعضهم يكفر من جهة الغلو، وبعضهم من جهة التقصير كما ~~كفرت اليهود، والنصارى في عيسى (ع)، فقالت النصارى: هو رب، فغالوا. ~~وقصرت اليهود، فقالوا: كذاب متخرص. فان قيل: كيف يكون الكل كفارا مع ~~قوله: { فهدى الله الذين آمنوا }؟ قلنا: لا يمتنع أن يكونوا كلهم كانوا ~~كفارا، فلما بعث الله اليهم بالأنبياء مبشرين، ومنذرين اختلفوا، فآمن ~~قوم، ولم يؤمن آخرون. # وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، ~~لا مهتدين، ولا ضلالا، فبعث الله النبيين. # الاعراب: # وقوله تعالى: { بغيا بينهم } نصب على المفعول له، كأنه قال للبغي بينهم ~~- على قول الأخفش، والزجاج -. وقال بعضهم: الاستثناء متعلق بثلاثة أشياء، ~~كأنه قال: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } ، ما اختلفوا فيه إلا من ~~بعد ما جاءتهم البينات، ما اختلفوا فيه إلا بغيا بينهم. # إلا أنه حذف الثاني لدلالة الأول عليه. قال الرماني: والصحيح الأول، ~~لأنه لا يحكم بالحذف مع استقامة الكلام من غير حذف إلا لعذر. # المعنى: # وقوله: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } معناه: ~~هداهم للحق، وهو الذي اختلفوا فيه. وقيل في معنى باذنه قولان: # أحدهما - بلطفه، ولا بد من محذوف على هذا التأويل، أي فاهتدوا باذنه، ~~لأن الله ms0489 عز وجل، لا يفعل الشيء باذن أحد يأذن له فيه، ولكن قد يجوز أن ~~يكون على جهة التفسير للهدى، كأنه قال: هداهم بأن لطف لهم، وهداهم بأن ~~أذن لهم. وقال الجبائي: لا بد من أن يكون على حذف (فاهتدوا) باذنه. # والقول الثاني - هداهم بالحق بعلمه، والاذن بمعنى العلم معروف في اللغة ~~قال الحارث بن جلزة: # آذنتنا ببينها أسماء # أي أعلمتنا. وهو قول الزجاج، وغيره من أهل اللغة. فان قيل: إذا كانوا ~~إنما هدوا للحق من الاختلاف فلم قيل: للاختلاف من الحق؟ قيل: لأنه لما ~~كانت العناية بذكر الاختلاف, كان أولى بالتقديم، ثم تفسيره ب { من }. ~~وقال الفراء هو من المقلوب نحو قول الشاعر: # كانت فريضة ما تقول كما # كان الزناء فريضة الرجم # وإنما الرجم فريضة الزنا. وكما قال الآخر: # إن سراجا لكريم مفخرة # تحلى به العين إذا ما تجره # وإنما يحلى هو بالعين. قال غيره إنما يجوز القلب في الشعر للضرورة. ووجه ~~الكلام على ما بيناه واضح. فان قيل: ما الهدى الذي اختص به من يشاء؟ قيل ~~فيه ثلاثة أقوال: قال الجبائي: اختص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل ~~التكليف، وهو البيان، والدلالة والثاني - قال: ويجوز أن يكون هداهم على ~~طريق الجنة، ويكون للمؤمنين خاصة. وقال ابن الأخشاد، والبلخي: يجوز أن ~~يكون هداهم باللطف, فيكون خالصا لمن علم من حاله أنه يصلح به. ولا يجوز ~~أن يكون المراد بالهداية ها هنا الارشاد الى الدين، ونصب الدلالة عليه، ~~لأنه تعالى لا يخص بذلك قوما دون قوم، بل لا يصلح التكليف من دونه. وقد ~~بين الله تعالى: أن اختلافهم كان بعد أن جاءتهم البينات فعم بذلك جميعهم، ~~فلو أراد الله بقوله { فهدى الله الذين آمنوا } بالبينات، لكان متناقضا ~~- أللهم - إلا أن يحمل ذلك على أنه أضاف اليهم الهداية، من حيث كانوا هم ~~المنتفعين بها، والمتبعين لها، فكأنهم كانوا هم المخصوصين بها كما قال: # هدى للمتقين # وقوله تعالى: # إنما تنذر من اتبع الذكر # وإنما أنت منذر من يخشاها # وإن كان منذرا لجميعهم،، ms0490 والذي يقوى ذلك قوله: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # فبين أنه هداهم. وإنما لم يهتدوا، فكيف يجوز أن تحمل الهداية على نصب ~~الدلالة، وإقامة الحجة على قوم دون قوم. # والفرق بين: هدى المؤمنين الى الايمان، وبين أنعم عليهم بالايمان، قال ~~الجبائي: إن الهدى للأيمان غير الايمان، والانعام بالايمان هو نفس ~~الايمان. والصحيح أنه هداه بالايمان يجري مجرى قوله: أنعم عليه بالايمان ~~لأنه يراد بذلك التمكين منه. والاقتدار عليه والدعاء إليه ولا يراد به ~~نفس الايمان. # وقوله: { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } أي الى طريق الدين ~~الواضح. # واختلفوا في الامة المعنية بهذه الآية، فقال ابن عباس، وقتادة: هم الذين ~~كانوا بين عاد، ونوح، وهم عشر فرق كلهم كانوا على شريعة من الحق، ~~فاختلفوا بعد ذلك. فالتقدير - على قول هؤلاء - كان الناس أمة واحدة ~~فاختلفوا فبعث الله النبيين. وقال مجاهد: المراد بالآية آدم، فبعث ~~النبيين الى ولده، لما اختلفوا. وقال أبي بن كعب، والربيع: كان الناس أمة ~~حين استخرجوا من ظهر آدم، فأقروا له بالعبودية، واختلفوا فيما بعد، فبعث ~~الله اليهم النبيين. وقال ابن عباس في رواية أخرى: كانوا أمة واحدة على ~~الكفر، فبعث الله النبيين. وقال السدي: كانوا على دين واحد من الحق، ~~فاختلفوا، فبعث الله النبيين. وقال الربيع والطبري: الكتاب الذي اختلفوا ~~فيه التوراة. وقال آخرون كل كتاب أنزل الله مع النبيين. ### || [2.214] # القراءة والنزول: # قرأ نافع { حتى يقول الرسول } بضم اللام. الباقون بنصبها. # ذكر السدي، وقتادة، وغيرهما من أهل التفسير: أن هذه الآية نزلت يوم ~~الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، واستدعاهم الله ~~الى الصبر، ووعدهم بالنصر. # الاعراب واللغة: # وقال الزجاج: معنى (أم) ها هنا بمعنى (بل). وقال غيره: هي بمعنى الواو. ~~وإنما حسن الابتداء ب (أم) لاتصال الكلام بما تقدم، ولو لم يكن قبله ~~كلام، لما حسن. والفرق بين (أم حسبتم) وبين (أحسبتم) أن (أم) لا تكون إلا ~~متصلة لكلام، معادلة للألف، أو منقطعة، فالمعادلة نحو (أزيد في الدار أم ~~عمرو) فالمراد ms0491 أيهما في الدار، والمنقطعة نحو قولهم: (إنها لابل أم شاء ~~يا فتى)، وأما الألف، فتكون مستأنفة. وإنما لم يجز في (أم) الاستئناف، ~~لأن فيها معنى (بل) كأنه قيل: { بل حسبتم }. وحسبت، وظننت وخلت نظائر. # وقوله تعالى: { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } معناه ولما ~~تمتحنوا، وتبتلوا بمثل ما امتحنوا، فتصبروا كما صبروا. وهذا استدعاء الى ~~الصبر وبعده الوعد بالنصر. # والمثل، والشبه واحد، يقال: مثل ومثل، مثل شبه وشبه. و " خلوا " معناه ~~مضوا. # وقوله: " مستهم " فالمس، واللمس واحد. والبأساء ضد النعماء، والضراء ضد ~~السراء. # وقوله: " زلزلوا " معناه ها هنا: أزعجوا بالمخافة من العدو. والزلزلة: ~~شدة الحركة. والزلزال: البلبلة المزعجة بشدة الحركة، والجمع زلازل، ~~ويقال: زلزل الأرض يزلزلها زلزالا، وتزلزل تزلزلا، مثل تدكدك تدكدكا، ~~وأصله زل، وإنما ضوعف، مثل صرصر، وصلصل. # وقوله: { حتى يقول الرسول } من نصب اللام، ذهب الى تقدير: الى أن يقول ~~الرسول، فيكون على معنى الاستقبال إذا قدرت معها (أن)، وهو يشبه الحكاية، ~~كأنك تقدر حالا، ثم استأنف غيره فعلا، كما تستأنف عن حال كلامك. ويوضح ~~ذلك (كان زيد سيقول كذا وكذا). وانما قدرت بكان زيد وقتا، ثم يستأنف عنه ~~فعلا، فكذلك { زلزلوا } قد دل على وقت، ثم استأنف بعده الفعل. # ومن رفع، فعلى الحال للفعل المذكور، والحال لكلام المتكلم، وذلك القول ~~قد يكون في حال الزلزلة. فأما الغاية فلا يكون إلا بعد تقضيها وإن كان ~~متصلا بها، والرفع يوجب التأدية بمعنى: أن الزلزلة أدت الى قول الرسول. ~~فأما النصب، فيوجب الغاية، فقد حصل الفرق بين الرفع والنصب من ثلاث جهات: # الأول - أن أحدها على الحال، والآخر على الاستقبال. والثاني - أن أحدها ~~قد انقضى، والآخر لم ينقض. والثالث - أن أحدها على الغاية، والآخر على ~~التأدية. ومعنى الغاية في الآية أظهر، لأن النص جاء عند قول الرسول، ~~فلذلك كان الاختيار في القراءة النصب. # المعنى: # فان قيل: ما معنى قول الرسول والمؤمنين: { متى نصر الله }؟ قلنا: قال ~~قوم: معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون معناه الاستبطاء لنصر ~~الله ms0492 على كل حال لأن الرسول يعلم: أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه ~~الحكمة. # وقال قوم: معناه الاستبطاء لنصر الله. وذلك خطأ، لا يجوز مثله على ~~الأنبياء (ع) إلا أن يكون على الاستبطاء لنصره لما توجبه الحكمة من ~~تأخره. والنصر ضد الخذلان. والقريب ضد البعيد. والقرب والدنو واحد. ومن ~~قال: إن ذلك على وجه الاستبطاء قواه بما بعده من قوله { ألا إن نصر الله ~~قريب }. # اللغة: # وأصل (لما) (لم) فزيد عليها (ما) فغيرت معناها، كما غيرت في (لو لما زيد ~~عليها (ما) إذا قلت: (لوما) فصارت بمعنى هلا. والفرق. بين (لم) و (لما) ~~أن (لما) يصح أن يوقف عليها، مثل قولك: أقدم زيد؟ فيقول: لما، ولا يجوز ~~(لم)، وفي (لما) توقع لأنها عقيبة (قد)، إذا انتظر قوم ركوب الأمير، قلت: ~~قد ركب، فان نفيت هذا قلت: لما يركب، وليس كذلك (لم)، ويجمعهما نفي ~~الماضي. ### || [2.215] # المعنى: # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أن الآية الأولى فيها دعاء الى الصبر ~~على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ~~ذلك دعاء الى فعل البر. # والنفقة: إخراج الشيء عن الملك ببيع، أو هبة أو صلة، أو نحوها، وقد غلب ~~في العرف على إخراج ما كان من المال: من عين، أو ورق. # وقوله { يسألونك } خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأن القوم يسألونه، ~~والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة في الكلام. # وذكر السدي: أن هذه الآية منسوخة بفرض الزكاة. وقال الحسن: ليست منسوخة، ~~وهو الأقوى، لأنه لا دليل على نسخها. # والجواب المطابق لقوله: { يسألونك ماذا ينفقون } أن يقول: قل النفقة ~~التي هي خير، وإنما عدل عنه لحاجة السائل الى البيان الذي يدل عليه، وعلى ~~غيره، وذلك يحسن من الحكماء اذا أرادوا تعليم غيرهم، وتبصيرهم أن يضمنوا ~~الجواب مع الدلالة على المسؤل عنه الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ~~ذلك المعني مما أغفله أو حذف السؤال عنه لبعض الأسباب المحسنة له. فأما ~~الجدل الذي يضايق فيه الخصم، فالأصل ms0493 فيه التحقيق، بأن يكون الجواب على ~~قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان، ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال، لأن ~~كل واحد من الخصمين قد حل محل النظير للآخر. # ولا يجوز إعطاء الزكاة للوالدين، وكل من تلزمه نفقته - وبه قال الحسن - ~~والآية عامة في الزكاة وفي التطوع - وبه قال الحسن - غير أنها فيمن تلزمه ~~النفقة عليه، خاصة بالنفقة. # الاعراب: # وموضع (ما) في قوله: { ماذا ينفقون } من الاعراب يحتمل وجهين: الرفع، ~~والنصب، والرفع على ما الذي ينفقون، فيكون المعني الذي، وينفقون صلة، ~~والنصب بمعنى أي شيء ينفقون، فيكون (ذا) و (ما) بمنزلة شيء واحد. ~~والمساكين جمع مسكين وهو المحتاج. # المعنى: # ومعنى قوله: { فإن الله به عليم } اي ما تفعلوا من خير فان الله يجازي ~~عليه من غير أن يضيع منه شيء, لأنه عليم لا يخفى عليه شيء. قال مجاهد: ~~معنى { يسألونك ماذا ينفقون } إنهم سألوا ما لهم في ذلك، فقال الله ~~تعالى: { قل ما أنفقتم من خير } الآية. وقال قتادة: أهمهم النفقة، ~~فسألوا عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) فأنزل الله { قل ما أنفقتم من ~~خير } الآية. ### || [2.216] # المعنى: # معنى قوله تعالى: { كتب عليكم القتال } فرض عليكم القتال، وهذه الآية ~~دالة على وجوب الجهاد، وفرضه، وبه قال مكحول، وسعيد بن المسيب، وأكثر ~~المفسرين، غير أنه فرض على الكفاية. وحكي عن عطا: أن ذلك كان على ~~الصحابة، والصحيح الأول، لحصول الاجماع عليه اليوم، وقد انقرض خلاف عطا. # اللغة: # وقوله: { وهو كره لكم } يقال: كره كراهة، وأكرهه إكراها: إذا أجبره، ~~وتكره تكرها، واستكره استكراها، وكرهه تكريها. والكراهة: المشقة ~~التي يحمل عليها، والكره: المشقة من غير أن يحمل عليها. وقيل: هما لغتان، ~~مثل ضعف، وضعف. وجمل كره: شديد الرأس، لأنه لا ينقاد إلا على كره، ~~والكريهة: الشديد في الحرب، لأنه يدخل فيها على كره. وكراهية الدهر: ~~نوازله، وكرهت الأمر كراهة وكراهية ومكرهة، وكره. إلي هذا الأمر ~~تكريها: أي صيره إلي بحال كريهة. والكرهاء: صفحة الوجه، لأن الكره ~~يظهر فيها. # المعنى، واللغة، والاعراب: # فان قيل: ms0494 كيف كره المؤمنون الجهاد، وهو طاعة لله؟ قيل عنه جوابان: # أحدهما - أنهم يكرهونه كراهية طباع. والثاني - أنه كره لكم قبل أن يكتب ~~عليكم، وعلى الوجه الأول يكون لفظ الكراهة مجازا، وعلى الثاني حقيقة. # وقوله: { عسى } معناه الطمع، والاشفاق من المخاطب، ولا يكون إلا مع مثلة ~~في الأمر. وقيل: معناها ها هنا قد، وإنما قال: { عسى } وقال في موضع آخر: ~~{ فهل عسيتم } فجمع، لأنه استغنى في الغائب عن الجمع كما استغني عن علامة ~~الضمير في اللفظ، وليس كذلك المخاطب، فجرى في كل غائب على التوحيد، ~~لامتناعه من من التصريف. وتقول: عسى أن يقوموا، فاذا قلت: عسيتم أن ~~تقوموا جمعت. # وفي قوله { وهو كره لكم } حذف - في قول الزجاج وغيره - لأن تقديره وهو ~~ذو كره لكم، ويجوز أن يكون معناه: وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع إسم ~~المفعول، ومثله قولهم: رجل رضى بمعنى ذو رضى، ويجوز أن يكون بمعنى مرضي. # وقوله: { وهو شر لكم } فالشر السوء، وهو ضد الخير، تقول: شر يشر ~~شرارة. وشرار النار، وشررها لهبها، وشررت اللحم والثوت تشريرا: إذا ~~بسطته، ليجف، وكذلك أشررته إشرارا، وأشررت الكتاب: إذا أظهرته، وشرة ~~الشباب: نشاطه، وإنما قال الله تعالى: { والله يعلم } ، تنبيها على أنه ~~يعلم مصالحكم، وما فيه منافعكم، فبادروا الى ما يأمركم به وإن شق عليكم. # والفرق بين الشهوة، والمحبة واضح، لأن الصائم في شهر رمضان يشتهي شرب ~~الماء، ولا يكون مآخذا به، ولا يحبه كما لا يريده، ولو أراده وأحبه، ~~لكان مذموما، ويكون مفطرا - عند كثير من الفقهاء -. # وقوله: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } يدل على فساد قول المجبرة، لأنه ~~تعالى إنما رغبهم في الجهاد، لما علم من مصالحهم، ومنافعهم، فيدبرهم ~~لذلك، لا لكفرهم وفسادهم يتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [2.217] # اختلفوا في: من السائل عن هذا السؤال: أهم أهل الشرك، أم أهل الاسلام، ~~فقال الحسن، وغيره: هم أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم ~~القتال في الشهر الحرام، وبه قال الجبائي، وأكثر المفسرين. وقال البلخي: ~~هم أهل الاسلام، سألوا ms0495 عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه. # الاعراب: # وقوله تعالى: { قتال فيه } مجرور على البدل من الشهر، وهو من بدل ~~الاشتمال، ومثله قوله تعالى: # قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود # وقال الأعشى: # لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضي لبانات ويسأم سائم # والذي يشتمل عليه المعنى هو أحوال الشيء، وما كان منه بمنزلة أحواله مما ~~يغلب تعلق الفعل به، فلا يجوز رأيت زيدا لونه، لأن لونه يجوز أن يرى كما ~~يجوز أن يرى نفسه، ويجوز سرق زيد ثوبه، لأن تعلق السرقة إنما هي بالملك ~~دون النفس في غالب الأمر، ويجوز أن تقول: رأيت زيدا مجيئه، ولا يجوز ~~رأيت زيدا إياه، لأنه يجري مجرى حاله. # وقوله تعالى: { وصد عن سبيل الله } رفع بالابتداء، وما بعده معطوف ~~عليه، وخبره { أكبر عند الله } هذا قول الزجاج. وقال أبو علي الفارسي: لا ~~يخلو أن يكون ارتفاع قوله: { وصد عن سبيل الله وكفر } من أن يكون بالعطف ~~على الخبر الذي هو " كبير " كأنه قال: قتال فيه كبير وصد وكفر: أي ~~القتال، قد جمع أنه كبير، وأنه صد، وكفر. ويكون مرتفعا بالابتداء، ~~وخبره محذوف لدلالة { كبير } المتقدم عليه، كأنه قال: والصد كبير، كقولك: ~~زيد منطلق وعمرو، أو يكون مرتفعا بالابتداء، والخبر المظهر، فيكون الصد ~~ابتداء، وما بعد من قوله: { وكفر به وإخراج أهله } مرتفع بالعطف على ~~الابتداء، والخبر قوله: { أكبر عند الله } قال: ولا يجوز الوجهان الأولان ~~- وقد أجازهما الفراء - أما الوجه الأول، فلأن المعنى يصير: قل: قتال فيه ~~كبير وصد عن سبيل الله كبير، والقتال وإن كان كبيرا، ويمكن أن يكون ~~صدا، لأنه ينفر الناس عنه، فلا يجوز أن يكون كفرا, لأن أحدا من ~~المسلمين لم يقل ذلك، ولم يذهب إليه، فلا يجوز أن يكون خبر المبتدء شيئا ~~لا يكون المبتدأ. ويمنع من ذلك أيضا قوله بعد: { وإخراج أهله منه أكبر ~~عند الله } ومحال أن يكون إخراج أهله منه أكبر من الكفر، لأنه لا شيء ~~أعظم منه، ويمتنع الوجه الثاني أيضا، لأن التقدير: فيه يكون قتال ms0496 فيه ~~كبير وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به، وكذلك مثله الفراء، وقدره، ~~فاذا صار المعنى: وإخراج أهل المسجد الحرام أكبر عند الله من الكفر، ~~فيكون بعض خلال الكفر أعظم منه كله، واذا كان كذلك امتنع كما امتنع الأول ~~وإذا امتنع هذان ثبت الوجه الثالث، وهو أن يكون قوله { وصد عن سبيل الله ~~} ابتداء { وكفر به وإخراج أهله } معطوفا عليه { وأكبر } خبرا. # المعنى: # فيكون المعنى: { وصد عن سبيل الله } أي منعهم لكم أيها المسلمون عن ~~سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه - وأنتم ولاته، والذين هم ~~أحق به منهم - وكفر بالله أكبر من قتاله في الشهر الحرام. قال الرماني، ~~الفراء: إن التخلص من التأويل الثاني أن تقول: إخراج أهله منه أكبر من ~~القتل فيه، لا من الكفر، لأن المعنى في إخراج أهله منه إخراج النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) والمؤمنين عنه. قال: وأما التأويل الأول، فلا يجوز إلا ~~أن يجعل { كفر به } يعني بالمسجد الحرام، لنتهاك حرمته. وقال: والتأويل ~~الأول أجود. # وهذا القتال في الشهر الحرام هو ما عابه المشركون على المسلمين، من قتل ~~عبد الله بن جحش، وأصحابه عمر بن الحضرمي، لما فصل من الطائف، في عير - ~~في آخر جمادى الآخر - وأخذهم العير، وهو أول من قتل من المشركين - فيما ~~روي، وأول فيء أصابه المسلون. # وأما قوله تعالى: { والمسجد الحرام } فقال الفراء: إنه محمول على قوله: ~~يسألونك عن القتال، وعن المسجد الحرام هذا لفظه. قال أبو علي الفارسي: ~~وهذا أيضا يمتنع، لأنه لم يكن السؤال عن المسجد الحرام، وإنما السؤال عن ~~قتال ابن جحش الحضرمي وأصحابه الذين عابهم المشركون وعيروهم، فقالوا ~~إنكم استحللتم الشهر الحرام، وهو رجب بقتلهم فيه، فكان السؤال عن هذا، لا ~~عن المسجد الحرام وإذا لم يجز هذا الوجه، لم يجز حمله على المضمر ~~المجرور، لأن عطف المظهر على المضمر غير جائز، لأنه ضعيف جدا، فيكون ~~محمولا على الضمير في به، لأن المعنى ليس على كفر بالله أو بالنبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، والمسجد، فثبت أنه ms0497 معطوف على (عن) من قوله: { وصد عن ~~سبيل الله والمسجد الحرام } ، لأن المشركين صد والمسلمين عنه، كما قال: # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام # فكما أن المسجد الحرام محمول في هذه الآية على (عن) المتصلة بالصد - ~~بلا إشكال - كذلك في هذه الآية، وهو قول أبي العباس، أيضا قال الرماني: ~~ما ذكره الفراء، واختاره الحسن ليس يمتنع، لأن القوم لما استعظموا القتال ~~في الشهر الحرام، وكان القتال عند المسجد الحرام يجري مجراه في الاستعظام ~~جمعوها لذلك في السؤال، وإن كان القتال إنما وقع في الشهر الحرام خاصة، ~~كأنهم قالوا: قد استحللت الشهر الحرام، والمسجد الحرام. وظاهر الآية يدل ~~على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله: { قل قتال فيه كبير } ~~وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم، محظور. # اللغة: # والصد، والمنع، والصدف واحد. صد يصد صدودا إذا صدف عن الشيء لعدوله ~~عنه، وصددته عن الشيء، أصده صدا إذا عدلته عنه، ومنه قول تعالى: # إذا قومك منه يصدون # قرىء بالضم، والكسر. قال أبوعبيدة: يصدون يعرضون، ويصدون: يضجون، ~~وذلك لأنهم، يعدلون الى الصحيح. والصديد: الدم المختلط بالقيح يسيل من ~~الجرح. والصدد: ما استقبلك وصار في قبالتك، لأنه يعدل الى مواجهتك. ~~والصدان: ناحيتا الشعب أو الوادي. والصداد: ضرب من الجردان يعدل لشدة ~~تحرزه. والصداد: الوزغ، لأنه يعدل عنه استقذارا له، وأصل الباب العدول. # المعنى: # وقوله: { والفتنة أكبر من القتل } معناه الفتنة في الدين، وهي الكفر ~~أعظم من القتل في الشهر الحرام. وقال قتادة وغيره، واختاره الجبائي: إن ~~القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام منسوخ بقوله: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # وبقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقال عطا: هو باق على التحريم. وروى أصحابنا: أنه على التحريم فيمن يرى ~~لهذه الأشهر حرمة، فانهم لا يبتدءون فيه بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما ~~أباح تعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) قتال أهل مكة وقت الفتح، ولذلك ~~قال (صلى الله عليه وسلم): # " إن الله أحلها في هذه الساعة، ولا يحلها لأحد بعدي الى ms0498 يوم القيامة " # ومن لا يرى ذلك، فقد نسخ في جهته وجاز قتاله أي وقت كان. # وقوله: { يردوكم } قال الجبائي: هو مجاز ها هنا، لأن حقيقته: حتى ~~ترتدوا بالجاءهم إياكم الى الارتداد، والأولى أن يكون حقيقة ذلك بالعرف. # اللغة: # وقوله تعالى: { ولا يزالون } فالزوال: العدول. ولا يزال موجودا، وما ~~زال: أي ما دام، وزال الشيء عن مكانه يزول زوالا، وأزلته عنه، وزلته، ~~وزالت الشمس زوالا، وزيالا، وزالت الخيل بركبانها زيالا، ورجل زول، ~~وامرأة زولة، وهو الظريف الركبين وأصل الباب الزوال. # وقوله: { ومن يرتدد منكم عن دينه } ، فهو على إظهار التضعيف، لسكون ~~الثاني. ويجوز { يرتد } - بفتح الدال - على التحريك، لالتقاء الساكنين، ~~والفتح أجود. # وقوله: { فأولئك حبطت أعمالهم } معناه: أنها صارت بمنزلة ما لم يكن، ~~لايقاعهم إياها على خلاف الوجه المأمور به، وليس المراد أنهم استحقوا ~~عليها الثواب ثم انحبطت، لأن الاحباط - عندنا - باطل على هذا الوجه. ~~ويقال: حبط عمل الرجل يحبط حبطا وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا، والحبط: ~~فساد، يلحق الماشية في بطونها، لأكل الحباط، وهو ضرب من الكلاء. يقال: ~~حبطت الابل تحبط حبطا اذا أصابها ذلك. # وروي عن عطا عن ابن عباس: أن المسجد الحرام الحرم كله. ### || [2.218] # النزول والاعراب: # ذكر جندب بن عبد الله، وعروة بن الزبير: أن هذه الآية نزلت في قصة عبد ~~الله بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد التميمي بن الحضرمي، ~~ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجره، فأنزل الله الآية فيهم - ~~بالوعد -. وخبر { إن الذين آمنوا } الجملة التي هي قوله: { أولئك يرجون ~~رحمة الله } أولئك ابتداء، ويرجون خبره، والجملة خبر (إن). # اللغة: # وقوله: { والذين هاجروا } فالهجر ضد الوصل، تقول: هجره يهجره هجرا، ~~وهجرانا: اذا قطع مواصلته. والهجر: ما لا ينبغي من الكلام، تقول: هجر ~~المريض يهجر هجرا، لأنه قال ما لا ينبغي أن يهجر من الكلام، وما زال ذلك ~~هجيراه أي دأبه. والهاجرة: نصف النهار، وهجر القوم تهجيرا: اذا دخلوا في ~~الهاجرة. وسمي المهاجرون لهجرتهم قومهم، وأرضهم. وأهجرت الجارية إهجارا: ~~إذا ms0499 شبت شبابا حسنا، فهي مهجرة، ويقال ذلك للناقة، والنخلة. والهجار: ~~حبل يشد به يد الفحل الى إحدى رجليه لأنه يهجر بذلك التصرف وأصل الباب ~~الهجر: قطع المواصلة. # وقوله تعالى: { وجاهدوا } تقول: جهدت الرجل جهدا: إذا حملته على مشقة، ~~وجاهدت العدو مجاهدة إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. واجتهدت رأي: ~~اذا حملت نفسك على المشقة في بلوغ صواب الرأي. والجهاد: الأرض الصلبة، ~~وأصل الباب الجهد: الحمل على المشقة. # وقوله تعالى: { في سبيل الله } يعني قتال العدو، ويدخل في ذلك مجاهدة ~~النفس. # وقوله { أولئك يرجون } فالرجاء الأمل، رجا يرجو رجاء، وترجى ترجيا، ~~وارتجى ارتجاء، والرجا - مقصورا - ناحية كل شيء، ويثنى رجوان وجمعه ~~أرجاء، ومنه أرجاء البئر نواحيه، وقوله تعالى # مالكم لا ترجون لله وقارا # أي لا تخافون، قال أبو ذؤيب: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # أي لم يخف، وذلك أن الرجاء للشيء الخوف من أن لا يكون، فلذلك سمي الخوف ~~باسم الرجاء، وأصل الباب الأمل، وهو ضد اليأس. # المعنى: # وفي الآية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله ~~لامرين: # أحدهما - أن ذلك دليل الخطاب، وذلك غير صحيح عند أكثر المحصلين. # والثاني - أنه قد يجتمع - عندنا - الايمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب ~~الكبيرة، فلا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له، وإنما ذكر المؤمنين ~~برجاء الرحمة وإن كانت هي لهم لا محالة، لأنهم لا يدرون ما يكون منهم من ~~الاقامة على طاعة الله أو الانقلاب عنها الى معصيته، لأنهم لا يدرون كيف ~~تكون أحوالهم في المستقبل. وقال الجبائي: لأنهم لا يعلمون أنهم أدوا كما ~~يجب لله عليهم، لأن هذا العلم من الواجب، وهم لا يعلمونه إلا بعلم آخر، ~~وكذلك سبيل العلم في أنهم لا يعلمونه إلا بعلم غيره، وهذا يوجب أنهم لا ~~يعلمون إذا كما يجب لله عليهم. # وقال ابن الأخشاد: لانه لا يتفق للعبد التوبة من كل معصية، واستدل على ~~ذلك باجماع الأمة على أنه ليس لاحد غير النبي (صلى ms0500 الله عليه وسلم). ومن ~~شهد له عليه، فلا. # ويمكن في الآية وجه آخر - على مذهبنا - وهو أن يكون رجاءهم لرخصة الله ~~في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة عنها، واخترموا دونهم، فهم ~~يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم تفضلا. فأما الوجه الاول، فانما يصح على ~~مذهب من يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه أو يفعل في المستقبل كبيرة يحبط ~~ثواب إيمانه، وهذا لا يصح على مذهبنا في الموافات وما قاله الجبائي يلزم ~~عليه وجوب ما لا نهاية له، لأنه إذا وجب عليه أن يعلم أنه فعل ما وجب ~~عليه بعلم آخر، وذلك العلم مما وجب عليه أيضا فيجب ذلك بعلم آخر، وفي ~~ذلك التسلسل. # وإنما ضم الى صفة الايمان غيره في اعتبار الرجاء للرحمة ترغيبا في كل ~~خصلة من تلك الخصال، لأنها من علامات الفلاح. فأما الوعد، فعلى كل واحدة ~~منها إذا سلمت مما يبطلها. وقال الحسن: الرجاء، والطمع ها هنا على ~~الايمان إذا سلم العمل. وذكر الجبائي: أن هذه الآية تدل على أنه لا يجوز ~~لأحد أن يشهد لنفسه بالجنة، لأن الرجاء لا يكون إلا مع الشك، وقد بين ~~الله تعالى: أن صفة المؤمن الرجاء للرحمة، لا القطع عليها لا محالة. # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما ذكر في الأولى العذاب، ذكر ~~بعدها آية الرحمة، ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذلك أو كد في ~~الاستدعاء، وأحق بتدبير الحكماء. # وكتبت " رحمة الله " بالتاء في المصحف على الوصل، والأقيس بالهاء على ~~الوقف، كما كتب # يدع الداع # و # يقضي بالحق # واضرب لهم مثلا # كل ذلك على الوقف. ### || [2.219] # القراءة: # قرأ أهل الكوفة إلا عاصم { إثم كثير } بالثاء. الباقون بالباء، وقرأ أبو ~~عمرو وحده { قل العفو } بالرفع. الباقون بالنصب. # اللغة: # قال أكثر المفسرين: الخمر عصير العنب إذا اشتد. وقال جمهور أهل ~~المدينة: ما أسكر كثيره فهو خمر، وهو الظاهر في رواياتنا. # وأما اشتقاقه في اللغة: تقول خمرت لدابة أخمرها خمرا إذا سقيتها الخمر، ~~وخمرت العجين والطين أخمره خمرا: ms0501 إذا تركتة فلم تستعمله حتى يجود. وأخمر ~~القوم إخمارا: اذا تواروا في الشجر. ويقال لما سترك من شجر: خمرى، ~~مقصورا، واختمرت المرأة، وخمرت إذا لبست الخمار: وهي المقنعة. وخامره ~~الحزن مخامرة إذا خالطه. وخمر الأناء وغيره تخمرا: إذا غطيته، واستخمرت ~~فلانا: اذا استعبدته. والخمار بخار يعقبه شرب الخمر. والمخامرة: ~~المقاربة. والخمر: ما وارك من الشجر، وغيره. والخمر: شبيه بالسجادة. ~~والمخمرة من الغنم: سوداء ورأسها أبيض. ودخل في خمار الناس: إذا دخل في ~~جماعة، فخفي فيهم، وأصل الباب الستر. # والميسر: قال ابن عباس، وعبد الله بن مسعود، والحسن، ومجاهد، وقتادة، ~~وابن سيرين: هو القمار كله وهو الظاهر في رواياتنا. # واشتق الميسر من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، من قولهم: يسر لي هذا ~~الشيء: إذا وجب لي، فهو تيسر لي يسرا، وميسرا، والياسر: الواجب بقداح ~~وجب لك أو غير ذلك. وقيل للمقامر: ياسر، ويسر، قال النابغة: # أو ياسر ذهب القداح بوفره # أسف تآكله الصديق مخلع # يعنى القامر. وقيل أخذ من التجزءة، لأن كل شيء جزأته، فقد يسرته، ~~والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل الميسر مأخوذ من اليسر، وهو تسهل ~~الشيء، لأنهم - كانوا - مشتركون في الجزور، ليسهل أمرها إلا أنه المعنى ~~الجهة: القمار. # المعنى: # وقوله: { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } فالنفع التي في الخمر: ما ~~كانوا يأخذونه في أثمانها، وربح تجارتها، وما فيها من اللذة بتناولها: أي ~~فلا تغتروا بالنفع فيها، فالضرر أكثر منه. وقال الحسن، وغيره: هذه الآية ~~تدل على تحريم الخمر، لأنه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم # على أنه قد وصفها بأن فيها إثما كبيرا والكبير يحرم بلا خلاف. # وقال قوم: المعنى وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. ~~وقال آخرون: المعنى إن الاثم بشرب هذه، والقمار بها أكبر وأعظم، لأنهم ~~كانوا إذا استكروا وثب بعضهم على بعض، وقاتل بعضهم بعضا. وقال قتادة: لا ~~تدل الآية على تحريمهما، وإنما تدل الآية التي في المائدة في ms0502 قوله: # إنما الخمر والميسر # الى آخرها. ووجهه قتادة على أنه قد يكثر فيهما { إثم كبير }. # وقوله: { يسألونك ماذا ينفقون } قال السدي: نسخته آية الزكاة. وقال ~~مجاهد: هو فرض ثابت. # وقال قوم: هو أدب من الله ثابت غير منسوخ، وهو الأقوى، لأنه لا دليل على ~~نسخها. # و " العفو " هنا قيل في معناه ثلاثة أقوال: # قال ابن عباس، وقتادة: هو ما فضل عن الغنى. # وقال الحسن، وعطا: هو الوسط من غير إسراف ولا إقتار. # وقال مجاهد: هو الصدقة المفروضة. # وروي عن أبي جعفر (ع) أن العفو: ما فضل عن قوت السنة، فنسخ ذلك بآية ~~الزكاة. وروي عن أبي عبد الله (ع) أن العفو ها هنا: الوسط. والعفو مأخوذ ~~من الزيادة ومنه قوله: # حتى عفوا # أي حتى زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال الشاعر: # ولكنا نعض السيف منها # باسبق عافيات الشحم كوم # أي زايدات الشحم. وقال قوم: هو مأخوذ من الترك من قوله: # فمن عفي له من أخيه شيء # أي ترك له، فيكون العفو المتروك غنى عنه، ومن رفع معناه ما الذي ينفقون، ~~وفي الأول كأنه قال: أي شيء ينفقون، فقالوا: العفو. وإنما وحد الكاف في ~~كذلك، وإن كان الخطاب لجماعة، لأحد أمرين: أحدهما - في تقدير كذلك أيها ~~السائل. والثاني - أن يكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ويدخل فيه ~~الأمة، كما قال: # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # وقوله: { لعلكم تتفكرون } أي لكي تتفكروا، وهي لام الغرض. وفي ذلك دلالة ~~على أن الله تعالى أراد منهم التفكر سواء تفكروا أو لم يتفكروا. ### || [2.220] # الاعراب والمعنى: # العامل في الضرف من قوله: { في الدنيا والآخرة } يحتمل أمرين: # أحدهما - " يبين " على قول الحسن. والثاني - " يتفكرون " في قول غيره. ~~وأجاز الزجاج الوجهين معا. # وكيفية فكرهم في الدنيا والآخرة، قال قتادة: يتفكرون في أن الدنيا دار ~~بلاء، وفناء، والآخرة دار جزاء وبقاء. # اللغة: # وقوله تعالى: { ويسألونك عن اليتامى } ، فهو جمع يتيم، والفعل منه يتم ~~ييتم يتما، كقولك: نكر نكرا. وحكى الفراء: يتم ييتم يتما، كشغل ms0503 شغلا. # وقوله: { وإن تخالطوهم } فالمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة ~~الخل للماء، والماء للماء وما أشبه ذلك، تقول: خلط يخلط خلطا، وخالطه ~~خلاطا ومخالطة، واختلاطا، وتخالطوا تخالطا، وخلطه تخليطا، وتخلط ~~تخلطا. وأخلط الفرس: إذا قصر في جريه. واستخلط الفحل: اذا خالط ثيله ~~حياء الناقة والخلاط: الجنون، لاختلاط الأمور على صاحبه. والخليطان: ~~الشريكان، لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد. والخلاط: داء في ~~الجوف. ورجل خلط: متحبب الى الناس، لطلبه الاختلاط بهم. # المعنى: # ومعنى الآية الاذن لهم فيما كانوا متحرجون منه من مخالطة الأيتام في ~~الأموال: من المأكل، والمشرب والمسكن، ونحو ذلك، فأذن الله لهم في ذلك ~~إذا تحروا الاصلاح بالتوفير على الأيتام - في قول الحسن، وغيره - وهو ~~المروي في أخبارنا. # الاعراب: # وقوله: { فإخوانكم } رفع على فهم أخوانكم خالطموهم أو لم تخالطوهم، ~~وقوله: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # نصب على فصلوا وهو حال الصلاة خاصه لا حال معنى فأنتم رجال أو ركبان، ~~كيف تصرفت الحال. ويجوز - في العربية - فاخوانكم على النصب على تقدير: ~~فاخوانكم تخالطون، والوجه الرفع، لما بيناه. # اللغة: # وقوله: { ولو شاء الله لأعنتكم } معناه: التذكير بالنعمة في التوسعة على ~~ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة، والاعنات: ~~الحمل على مشقة لا تطاق فعلا. وعنت العظم عنتا اذا أصابه وهن أو كسر، ~~وأعنته إعناتا إذا عسفه بالحمل على مكروه لا يطيقه. وعنت عنتا إذا ~~اكتسب مأثما، وتعنته تعنتا إذ لبس عليه في سؤاله له. والاكمة العنوت: ~~هي الطويلة من الآكام، وأصل الباب المشقة. # المعنى: # وقال البلخي: في هذه الآية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى لا ~~يقدر على الظلم، لأن الاعنات - بتكليف ما لا يجوز في الحكمة - مقدور له، ~~إذ لو يشاء لفعله. # وقال الجبائي: لو أعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه تعالى وسع على العباد، ~~لما في التوسعة من تعجيل النعمة. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة ~~في البدل، وتكليف ما لا يطاق، أما البدل، فلأنهم يذهبون الى النهي عن ~~الكفر الموجود في حالة ms0504 بأن يكون الايمان بدلا منه، وهذا أعظم ما يكون من ~~الاعنات، لأنه أمر له بالمحال، هو ليكن منك الايمان بدلا من الكفر ~~الموجود في الحال، وكذلك النهي فيما لم يكن منك ما هو كائن من الكفر ~~الموجود في الحال كل ذلك محال، وكذلك الأمر بالايمان، من لم يقدر على ~~الايمان، فاذا لم يفعله عذب بأشد العذاب، وإذا لم يكلف من الممكن ما ~~فيه مشقة وشدة، للمظاهرة على عباده بالنعمة، لم يجز أن يكلف ما ليس على ~~قدره، لأنه أسوء تناقض المظاهرة بالنعمة. # وقوله: { إن الله عزيز حكيم } أي يفعل بعزته ما يحب، لا يدفعه عنه دافع. ~~{ حكيم } ذو حكمة فيما أمركم به من أمر اليتامى وغيره. ### || [2.221] # اللغة: # نكح ينكح نكحا ونكاحا: إذا تزوج، وأنكح غيره إنكاحا: إذا زوجه ~~وتناكحوا تناكحا، وناكحه مناكحة قال الاعشى: # ولا تقربن جارة إن سرها # عليك حرام فانكحن أو تأبدا # أي تعفف وأصل الباب التزويج. # المعنى: # وهذه الآية على عمومها - عندنا - في تحريم مناكحة الكفار، وليست منسوخة ~~ولا مخصوصة. وقال ابن عباس في رواية شهر بن حوشب عنه قال: فرق عمر بين ~~طلحة وحذيفة وبين إمرأتيهما اللتين كانتا عندهما وقال غيره عن ابن عباس، ~~وإليه ذهب الحسن، ومجاهد والربيع: هي عامة إلا أنها نسخت بقوله: { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ، وقال قتادة، وسعيد بن جبير: هي على ~~الخصوص، وإنما اختير ما قلناه لأنه لا دليل على نسخها، ولا على خصوصها، ~~وسنبين وجه الآية في المائدة اذا انتهينا إليها. # فأما المجوسية، فلا يجوز نكاحها إجماعا. والذي لا يجوز: أن يتزوج مسلمة ~~إجماعا، وامراحا واجبارا. # وقوله { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } فالأمة: المملوكة. يقال أقرت ~~بالأموة أي بالعبودية وأميت فلانة، وتأميتها اذا جعلتها أمة قال الراجز: # يرضون بالتعبيد والتآمي # وجمع أمة إماء وأآم وأصل الباب العبوديه، وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم ~~أماء واآم في الجمع نحو أكمة وأكام واآكم. والفرق بين { ولو أعجبكم } ~~وبين إن أعجبكم: أن لو للماضي وإن للمستقبل وكلاهما يصح في معنى الآية، ~~ولا ms0505 يجوز نكاح الوثنية إجماعا، لأنها تدعو الى النار كما حكاه الله ~~تعالى، وهذه العلة بعينها قائمة في الذمية من اليهودية والنصارى، فيجب أن ~~لا يجوز نكاحها. وفي الآية دلالة على جواز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود ~~الطول، لقوله { ولأمة مؤمنة خير من مشركة } فأما الآية التي في النساء، ~~وهي قوله: # ومن لم يستطع منكم طولا # فإنما هي على التنزيه دون التحريم، ومتى أسلم الزوجان معا ثبتا على ~~النكاح - بلا خلاف - وبه قال الحسن. وإن أسلمت قبله طرفة عين، فقد وقعت ~~الفرقة - عند الحسن، وكثير من الفقهاء، وعندنا ينتظر عدتها فان أسلم ~~الزوج بنينا أن الفرقة لم تحصل، ورجعت إليه، وإن لم يسلم بنينا أن الفرقة ~~وقعت حين الاسلام غير أنه لا يمكن من الخلو بها. فان أسلم الزوج وكانت ~~ذمية استباح وطؤها بلا خلاف. وإن كانت وثنية انتظر إسلامها ما دامت في ~~العدة، فان أسلمت ثبت عقده عليها، وإن لم تسلم بانت منه. # فان قيل: كيف قيل للكافر الموحد مشرك: قيل فيه قولان: # أحدهما - أن كفره نعمة الله بمنزلة الاشراك في العبادة في عظم الجرم. # والآخر ذكره الزجاج - وهو الأقوى -، لأنه اذا كفر بالنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) فقد أشرك فيما لا يكون إلا من عند الله، وهو القرآن بزعمه أنه من ~~عند غيره. # وقوله { بإذنه } معناه أحد أمرين: أحدهما - باعلامه. والآخر - بأمره، ~~وهو قول الحسن، وأبي علي وغيرهما. ### || [2.222] # القراءة: # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا { حتى يطهرن } بتشديد الطاء والهاء. الباقون ~~بالتخفيف. # المعنى: # قيل: إنما سألوا عن المحيض، لأنهم كانوا على تجنب أمور: من مواكلة ~~الحائض، ومشاربتها حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد، فاستعلموا ذلك، ~~أواجب هو أم لا؟ في قول قتادة، والربيع، والحسن، وقال مجاهد: كانوا على ~~استجازة إتيانهن في الأدبار أيام الحيض، فلما سألوا عنه، بين تحريمه، ~~والأول - عندنا - أقوى. # اللغة: # والمحيض مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، فهي حائض. والمرة حيضة ~~وجمعه حيض وحيضات. ونساء حيض. والمستحاضة: التي عليها الدم فلا رواق وأصل ~~الباب الحيض: ms0506 مجيء الدم لأنثى على عادة معروفة. # أحكام الحيض، والاستحاضة: # وصفة الحيض: هو الدم الغليظ الأسود الذي يخرج بحرارة. وأقل الحيض ثلاثة ~~أيام، وأكثره عشرة؛ وهو قول الحسن، وأهل العراق. وقال الشافعي، وأكثر أهل ~~المدينة: أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وحكي أن قوما ~~قالوا: ليس له وقت محدود: إنما هو ما رأت دم الحيض. وأقل الطهر عشرة ~~أيام، وخالف الجميع وقالوا: خمسة عشر يوما. والاستحاضة: دم رقيق أصفر ~~بارد. وحكم الاستحاضة حكم الطهر في جميع الاحكام إلا في تجديد الوضوء - ~~عند كل صلاة - ووجوب الغسل عليها على بعض الوجوه - عندنا -. # وقوله: { أذى } معناه: قذر ونجس - في قول قتادة والسدي -. # وقوله: { فاعتزلوا النساء في المحيض } معناه: اجتنبوا الجماع في الفرج، ~~وبه قال ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وما فوق المئزر أو ~~دونه، عن شريح، وسعيد بن المسيب. وعندنا: لا يحرم منها غير موضع الدم ~~فقط. ومن وطىء الحائض في أول الحيض، كان عليه دينار، وإن كان في وسطه، ~~فنصف دينار، وفي آخره ربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار، ولم يفصل. ~~وقال الحسن: يلزمه رقبة أو بدنة أو عشرون صاعا. # اللغة: # ويقال: عزله يعزله عزلا، واعتزل اعتزالا، وعزله تعزيلا. والأعزل: الذي ~~لا سلاح معه. وعزلا المزادة: مخرج الماء من أحد جوانبها، والجمع عزال. ~~وكل شيء نحيته عن موضع، فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي. وأنت عن هذا ~~بمعزل: أي منتحى. والأعزل من السماكين: الذي نزل به القمر. والمعزال من ~~الناس: الذي لا ينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية، وأصل الباب ~~الاعتزال، وهو التنحي عن الشيء. # المعنى: # وقوله: { حتى يطهرن } بالتخفيف معناه: ينقطع الدم عنهن. وبالتشديد ~~معناه: يغتسلن - في قول الحسن، والفراء - وقال مجاهد، وطاووس: معنى ~~تطهرن: توضأن، وهو مذهبنا. # والفرق بين (طهرت) و (طهرت) أن فعل لا يتعدى، لأن ما كان على هذا ~~البناء لا يتعدى، وليس كذلك فعل. # ومن قرأ بالتشديد قال: كان أصله { يتطهرن } فأدغمت التاء في الطاء. # وعندنا يجوز وطىء المرأة إذا انقطع ms0507 دمها، وطهرت وإن لم تغتسل إذا غسلت ~~فرجها. وفيه خلاف، فمن قال: لا يجوز وطؤها إلا بعد الطهر من الدم، ~~والاغتسال: تعلق بالقراءة بالتشديد، فانها تفيد الاغتسال، ومن قال: يجوز، ~~تعلق بالقراءة بالتخفيف وأنها لا تفيد الاغتسال. وهو الصحيح. ويمكن في ~~قراءة التشديد أن تحمل على أن المراد به توضأن على ما حكيناه عن طاووس، ~~وغيره. ومن استعمل قراءة التشديد يحتاج أن يحذف القراءة بالتخفيف أو يقدر ~~محذوفا تقديره حتى يطهرن ويتطهرن، وعلى ما قلناه لا يحتاج اليه. # وقوله: { فإذا تطهرن } معناه: اغتسلنا، وعلى ما قلناه: حتى يتوضأن. # وقوله: { فأتوهن من حيث أمركم الله } صورته صورة الأمر، ومعناه الاباحة، ~~كقوله: # فإذا حللتم فاصطادوا # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا # وقوله: { من حيث أمركم الله } معناه من حيث أمركم الله بتجنبه في حال ~~الحيض، وهو الفرج، على قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع. وقال ~~السدي، والضحاك: من قبل الطهر دون الحيض. وعن ابن الحنفية من قبل النكاح ~~دون الفجور، والأول أليق بالظاهر. ويحتمل أن يكون من حيث أباح الله لكم ~~دون ما حرمه عليكم من إتيانها وهي صائمة أو محرمة أو معتكفة، ذكره ~~الزجاج. وقال الفراء: لو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال: { من حيث } ~~علمنا أنه أراد من الجهة الذي أمركم الله بها. # وقال غيره: إنما قال: { من حيث } ولم يقل في حيث، لأن (من) لابتداء ~~الغاية في الفعل، نحو قولك: اأت زيدا من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى ~~منه. # وقوله: { يحب التوابين ويحب المتطهرين } قال عطا: المتطهرين بالماء. ~~وقال مجاهد: المتطهرين من الذنوب، والأول مروي في سبب نزول هذه الآية، ~~والمعنى يتناول الأمرين. وإنما قال: { المتطهرين } ولم يقل المتطهرات، ~~لأن المؤنث يدخل في المذكر، لتغليبه عليه. ### || [2.223] # قيل في معنى قوله: { حرث لكم } قولان: # أحدهما - أن معناه: مزرع أولادكم، كأنه قيل: محترث لكم، في قول ابن ~~عباس، والسدي، وإنما الحرث: الزرع في الاصل. # والقول الثاني: نساؤكم ذو حرث لكم، فأتوا موضع حرثكم أنى شئتم، ذكره ~~الزجاج. وقيل: الحرث كناية ms0508 عن النكاح على وجه التشبيه. # وقوله: { أنى شئتم } معناه: من أين شئتم - في قول قتادة، والربيع - وقال ~~مجاهد: معناه كيف شئتم. وقال الضحاك معناه متى شئتم، وهذا خطأ عند جميع ~~المفسرين، وأهل اللغة، لأن (أنى) لا يكون إلا بمعنى من أين، كما قال: # أنى لك هذا قالت هو من عند الله # وقال بعضهم: معناه من أي وجه واستشهد بقول الكميت بن زيد: # أنى ومن أين آبك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # وهذا لا شاهد فيه، لأنه يجوز أن يكون أتى به، لاختلاف اللفظين، كما ~~يقولون: متى كان هذا وأي وقت كان، ويجوز أن يكون بمعنى كيف. وتأول مالك، ~~فقال: { أنى شئتم } تفيد جواز الاتيان في الدبر، ورواه عن نافع عن أبي ~~عمرو، وحكاه زيد بن أسلم عن محمد بن المنكدر، وروي من طرق جماعة عن ابن ~~عمر، وبه قال أكثر أصحابنا، وخالف في ذلك جميع الفقهاء، والمفسرين، ~~وقالوا: هذا لا يجوز من وجوه: # أحدها - أن الدبر ليس بحرث، لأنه لا يكون فيه الولد. وهذا ليس بشيء لأنه ~~لا يمتنع أن تسمى النساء حرثا، لانه يكون منهن الولد، ثم يبيح الوطىء ~~فيما لا يكون منه الولد، يدل على ذلك أنه لا خلاف أنه يجوز الوطىء بين ~~الفخذين وإن لم يكن هناك ولد. # وثانيها - قالوا: قال الله: { فأتوهن من حيث أمركم الله } وهو الفرج، ~~والاجماع على أن الآية الثانية ليست بناسخة للأولى. وهذا أيضا لا دلالة ~~فيه، لأن قوله: { من حيث أمركم الله } معناه: من حيث أباح الله لكم، أو ~~من الجهة التي شرعها لكم، على ما حكيناه عن الزجاج، ويدخل في ذلك ~~الموضعان معا. # وثالثها - قالوا: إن معناه: من أين شئتم: أي اأتوا الفرج من أين شئتم، ~~وليس في ذلك إباحة لغير الفرج. وهذا ايضا ضعيف، لأنا لا نسلم أن معناه ~~الفرج، بل عندنا معناه: اأتوا النساء، أو اأتوا الحرث من أين شئتم، ويدخل ~~فيه جميع ذلك. # ورابعها - قالوا: قوله في المحيض { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ms0509 ~~} فاذا حرم للاذى في الدم، والأذى بالنجو أعظم منه. وهذا أيضا ليس بشيء، ~~لأن هذا حمل الشيء على غيره من غير علة، على أنه لا يمتنع أن يكون المراد ~~بقوله: { قل هو أذى } غير النجاسة، بل المراد أن في ذلك مفسدة، ولا يجوز ~~أن يحمل على غيره إلا بدليل يوجب العلم على أن الأذى بمعنى النجاسة حاصل ~~في البول، ودم الاستحاضة ومع هذا، فليس بمنهي عن الوطىء في الفرج. # ويقال: أن هذه الآية نزلت ردا على اليهود، وأن الرجل إذا أتى المرأة ~~من خلف في قبلها خرج الولد أحول، فأكذبهم الله في ذلك، ذكره ابن عباس، ~~وجابر، ورواه أيضا أصحابنا. وقال الحسن: أنكر اليهود إتيان المرأة ~~قائمة، وباركة، فأنزل الله إباحته بعد أن يكون في الفرج، وهو السبب الذي ~~روي، ولا يمنع أن يكون ما ذكرناه مباحا، لأن غاية ما في السبب أن تطابقه ~~الاية، فأما أن لا تتعداه، فلا يجب عند أكثر المحصلين. # وقوله: { وقدموا لأنفسكم } أي قدموا الأعمال الصالحة التي أمر الله بها ~~عباده، ورغبهم فيها، فتكون ذخرا عند الله. # ووجه اتصال قوله: { وقدموا لأنفسكم } بما قبله: أنه لما قدم الأمر بعد ~~أشياء قيل: { قدموا لأنفسكم } بالطاعة فيما أمرتم به، واتقوا مجاوزة ~~الحد فيما بين لكم، وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، ~~والتحذير من مخالفة ما ألزموه. # وقوله: { وبشر المؤمنين } فالبشارة: الدلالة على ما يظهر به السرور في ~~بشر الوجه. # وقوله: { أنكم ملاقوه } أي اتقوا من معاصيه التي نهاكم عنها، واتقوا ~~عذابه، واعلموا أنكم ملاقوا عذابه إن عصيتموه، وملاقوا ثوابه إن أطعتموه، ~~وإنما أضافه اليه على ضرب من المجاز، كما يقول القائل لغيره: ستلقى ما ~~عملت، وإنما يريد جزاء ما عملت، فيسمي الجزاء باسم الشيء. ### || [2.224] # المعنى: # قيل في معنى قوله: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } ثلاثة أقوال: # أحدها - أن العرضة: علة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة من ~~البر، والتقوى: من حيث تتعمدوا، لتعتلوا بها، وتقولوا: قد حلفنا بالله، ~~ولم تحلفوا به، وهذا ms0510 قول الحسن، وطاووس، وقتادة، وأصله - في هذا الوجه - ~~الاعتراض به بينكم وبين البر والتقوى، للامتناع منهما، لأنه قد يكون ~~المعترض بين الشيئين مانعا من وصول أحدهما الى الآخرة، فالعلة مانعة ~~كهذا المعترض. وقيل: العرضة: المعترض، قال الشاعر: # لا تجعليني عرضة اللوائم # الثاني - { عرضة }: حجة، كأنه قال لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع ~~{ أن تبروا وتتقوا } بأن تكونوا قد سلف منكم يمين ثم يظهر أن غيرها خير ~~منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا تحتجوا بما سلف من اليمين، وهو قول ابن ~~عباس، ومجاهد، والربيع، والأصل في هذا القول والأول واحد، لأنه منع من ~~جهة الاعتراض بعلة أو حجة. وقال بعضهم: إن أصل عرضة: قوة، فكأنه قيل: ولا ~~تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في ألا تبروا وأنشد لكعب بن زهير: # من كل نضاحة الذفرى إذا عرقت # عرضتها طامس الاعلام مجهول # وعلى هذا يكون الأصل العرض، لأن بالقوة يتصرف في العرض والطول، فالقوة: ~~عرضة لذلك. # الثالث - بمعنى: ولا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة في كل حق وباطل، لأن ~~تبروا في الحلف بها، واتقوا المآثم فيها، وهو المروي عن عائشة، لأنها ~~قالت: لا تحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وهو المروي عن أئمتنا ~~(ع) وأصله على هذا معترض بالبذل: لا تبذل يمينك في كل حق وباطل. فأما في ~~الأصل، فمعترض بالمنع أي لا يعترض بها مانعا من البر، والتقوى، فتقدير ~~الأول: لا تجعل الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا، وتقدير ~~الثاني - لا تجعل الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف في كل حق ~~وباطل، لأن تكون من البررة، والأتقياء. # اللغة: # واليمين، والقسم، والحلف واحد. واليمنية: ضرب من برود اليمن. وأخذ يمنة، ~~ويسرة. ويمن ييمن يمينا، فهو ميمون. ويمن، فهو ميمن: إذا أتى باليمن، ~~والبركة. وتيمن به تيمنا، وتيامن تيامنا. واليمين خلاف الشمال، وأصل ~~الباب اليمن، والبركة. # المعنى: # وقوله: { أن تبروا } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - { أن تبروا }: لأن تبروا على معنى الأثبات. # الثاني - أن يكون على معنى لدفع أن تبروا، ms0511 أو لترك أن تبروا - في قول ~~أبي العباس. # الثالث - على تقدير: ألا تبروا، وحذفت (لا) لأنه في معنى القسم كما قال ~~امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي لا أبرح، هذا قول أبي عبيد، وأنكر أبو العباس هذا، لأنه لما كان معه ~~(أن)، بطل أن يكون جوابا للقسم، وإنما يجوز (والله أقم في القسم بمعنى ~~لا أقوم، لأنه لو كان إثباتا، لقال لأقومن، باللام والنون. # والمعنى في قول أبي العباس، وأبي عبيد واحد، والتقدير مختلف، فحمله أبو ~~العباس على ما له نظير من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأنكر ~~قياسه على ما يشبهه. # الاعراب: # وفي موضع أن تبروا ثلاثة أقوال: # قال الخليل، والكسائي: موضعه الخفض بحذف اللام مع أن خاصة. # الثاني - قال سيبويه وأكثر النحويين: إن موضعه النصب، لأنه لما حذف ~~المضاف وصل الفعل وهو القياس. # الثالث - قال قوم: موضعه الرفع على { أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ~~} أولى، وحذف، لأنه معلوم المعنى، أجاز ذلك الزجاج وإنما حذف اللام جاز ~~مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لأن (أن) يصلح معها الماضي، والمستقبل، نحو ~~قولك جئتك أن ضربت زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، والمصدر ليس كذلك، كقولك: ~~جئتك لضرب زيد، فمعنى ذلك: أنه لما وصل بالفعل، احتمل الحذف كما يحتمل ~~(الذي) وإذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول، ما لا يحتمله الألف واللام ~~إذا وصل بالاسم، نحو الذي ضربت زيد: يريد ضربته. فأما الضاربه أنا زيد، ~~فلا يحسن إلا بالهاء، وذلك لأن الفعل أثقل، فهو بالحذف أولى. ويجوز أن ~~يكون لما صلح للأمرين كثير في الاستعمال، فكان بالحذف أولى مما قل منه. ~~وقال الزجاج إنما جاز حذف اللام مع (أن)، ولم يجز مع المصدر، لأن (أن) ~~إذا وصلت، دل بما بعدها على الاستقبال، والمعنى تقول: جئتك أن ضربت ~~زيدا، وجئتك أن تضرب زيدا، فلذلك جاز حذف اللام، فاذا قلت. جئتك ضرب ~~زيد، لم يدل الضرب على مضي ولا إستقبال. # المعنى: # فاذا حلف لا يعطي ms0512 من معروفه، ثم رأى أن بره خيرا، أعطاه، ونقض يمينه. ~~وعندنا لا كفارة عليه، وإنما جاز ذلك، لأنه لا يخلو من أن يكون حلف ~~يمينا جائزة أو غيره جائزة، فان كانت جائزة، فهي مقيدة بأن لا يرى ما هو ~~خير، فليس في هذا مناقضة للجائزة، وإن كانت غير جائزة، فنقضها غير مكروه. # وقوله: { والله سميع عليم } معناه: أنه سميع ليمينه، عليم بنيته فيه، ~~وفي ذلك تذكير، وتحذير. ### || [2.225] # المعنى: # اختلفوا في يمين اللغو في هذه الآية، فقال ابن عباس، وعائشة، والشعبي: ~~هو ما يجري على عادة اللسان: من لا والله، وبلى والله من غير عقد على ~~يمين يقتطع بها مال، يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد ~~الله (ع). وقال الحسن، ومجاهد، وابراهيم: هي يمين الظان، وهو يرى أنه ~~حلف، فلا إثم عليه، ولا كفارة. روي أيضا عن ابن عباس، وطاووس: أنها يمين ~~الغضبان، لا يؤاخذ بالحنث فيها، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها ~~الكفارة. وقال مسروق كل يمين ليس له الوفاء بها، فهي لغو ولا يجب فيها ~~كفارة. وقال الضحاك: روي ايضا عن ابن عباس: أن لغو اليمين ما يجب فيه ~~الكفارة. وروي عن إبراهيم: أنها يمين الناسي إذا حنث. وقال زيد بن أسلم: ~~هو قول الرجل: أعمى الله بصري، أو أهلك الله مالي، فيدعو على نفسه. # اللغة: # وأصل اللغو: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، وكل يمين جرت مجرى ما لا ~~فائدة فيه حتى صارت بمنزلة ما لم يقع، فهي لغو, ولا شيء فيها، وهو اختيار ~~الرماني. تقول: لغا يلغو لغوا: إذا أتي بكلام. وألغى إلغاء: إذا أطرح ~~الكلام، لأنه لا فائدة فيه. وقوله: { والغوا فيه } معناه: ارفعوا الصوت ~~بكلام لا فائدة فيه. والحساب الذي يلغى: أي يطرح، لأنه بمنزلة كلام لا ~~فائدة فيه. ولاغية: كلمة قبيحة فاحشة، ومنه اللغا، لأنها كلام لا فائدة ~~فيه عند غير أهله، وهو مشتق من لغا الطائر، وهو منطقه، وقال ابن صغير ~~المازني: # باكرتم بسباء جون ms0513 ذارع # قبل الصباح وقبل لغو الطائر # المعنى: # الأيمان على ضربين: أحدهما لا كفارة فيها. والثاني - يجب فيها الكفارة، ~~فما لا كفارة فيه: هو اليمين على الماضي إذا كان كاذبا فيه، مثل أن يحلف ~~أنه ما فعل، وكان فعل أو أن يحلف أنه فعل، وما كان فعل، فهاتان لا كفارة ~~فيهما - عندنا - وكذلك إذا حلف على مال، ليقتطعه كاذبا، فلا كفارة عليه، ~~ويلزمه الخروج مما حلف عليه، والتوبة، وهي اليمين الغموس، وفي هذه أيضا ~~خلاف، ومنها أن يحلف على أمر فعل، أو ترك، وكان خلاف ما حلف عليه أولى من ~~المقام عليه، فليخالف، ولا كفارة عليه - عندنا - وفيه خلاف عند أكثر ~~الفقهاء. وما فيه كفارة، فهو أن يحلف على أن يفعل، أو يترك وكان الوفاء ~~به إما واجبا أو ندبا أو كان فعله، وتركه سواء، فمتى خالف كان عليه ~~الكفارة، وقد بينا أمثلة ذلك في النهاية في الفقه. وقال الحسن: الأيمان ~~على ثلاثة أقسام: منها أن يحلف على أمر، وهو يرى أنه على ما حلف، فهذا هو ~~اللغو، لا عقوبة فيه، ولا كفارة. # ومنها: أن يحلف على أمر، وهو يعلم أنه كاذب، فهذا آثم فاجر عليه التوبة، ~~ولا كفارة عليه. ومنها أن يحلف: لا يفعل كذا، فيفعل، أو يحلف: ليفعلن، ~~ولا يفعل، ففي ذلك الكفارة. وكان يقول: إذا حلف على مملوك، أو على حر، ~~فقال: والله لتأكلن من هذا الطعام، فلم يأكل، فعليه الكفارة. وقال: ~~اليمين على أربعة أوجه - في قول أكثر الفقهاء: اثنتان: لا كفارة فيها، ~~واثنتان: فيها الكفارة، فالأول - قول الرجل: والله ما فعلت، وقد فعل، ~~وقوله: والله لقد فعلت، وما فعل، فهاتان لا كفارة فيهما، لأنه لا حنث ~~فيهما. والثاني - قول الحالف: والله لا فعلت، ثم يفعل. وقوله: والله ~~لأفعلن، ثم لا يفعل، فهاتان فيهما الكفارة. وقد بينا الخلاف في خلاف ~~الفقهاء. # اللغة: # والفرق بين اللغا، واللغو، أن اللغا: الذكر بالكلام القبيح. لغيت ألغي ~~لغا، قال العجاج: # ورب أسراب حجيج كظم # عن اللغا ورفث التكلم # وجواب اليمين على ms0514 أربعة أقسام: اللام، وما، وإن، ولا، نحو: والله ~~لآتينك، ووالله ما فعلت، ووالله إنه لكاذب، ووالله لا كلمته. # وقوله: { والله غفور حليم } فالحلم الامهال بتأخير العقاب على الذنب، ~~تقول: حلم حلما، وتحلم تحلما، وحلمه تحليما. وحلم في نومه حلما: ~~إذا رأى الأحلام، ومنه # أضغاث أحلام # والحلم الرؤيا في النوم، ومنه الاحتلام. والحلم: ما عظم من القردان، ~~والواحد حلمة، لأنه كحلمة الثدي، وحلمة الثدي، لأنها تحلم المرتضع. ~~والحلمة: شجرة السعدان، وهي من أفضل المرعى. وتحلمت الضباب: إذا سمنت ~~لأنه يكسبها دعة كدعة الحلم. والحلام: الجدي، وأصل الباب الحلم: الأناة. ~~وأما حلم الاديم اذا نغل فلأنه وقع فيه الحلم. ### || [2.226] # اللغة: # قوله: { يؤلون } معناه: يحلفون - بلا خلاف بين أهل التأؤيل - وهو المروي ~~عن سعيد بن المسيب وهو مأخوذ من الألية قال الشاعر: # كفينا من تغيب من نزار # وأحنثنا إلية مقسمينا # ويقال: ألى الرجل - من إمرأته - يؤلي إيلاء، وألية، وألوة، وهو الحلف ~~قال الأعشى: # إني أليت على حلفة # ولم أقلها سحر الساحر # وجمع ألية ألايا، وأليات، كعشية، وعشايا، وعشيات، فأما جمع ألوة، ~~فألايا، كركوبة وركائب، وجمع ألية: ألاء كصحيفة، وصحائف، ومنه اءتلى ~~يأتلى اءتلاء، وفي التنزيل # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # وتقول: لا تألوا أليا، وألو، نحو العتى، والعتو. وما ألوت جهدا، ولا ~~ألوته نصحا، أو غشا، ومنه قوله: # لا يألونكم خبالا # وقال الشاعر: # نحن فصلنا جهدنا لم نأتله # أي لم نقصر. وأصل الباب التقصير، فمنه لا يألوا جهدا، ومنه الألية: ~~اليمين، لأنها لنفي التقصير. وعود ألوة، وألوة: أجود العمود، لأنه خالص. # المعنى: # والايلاء في الآية: المراد به: اعتزل النساء، وترك جماعهن على وجه ~~الاضرار بهن، وكأنه قيل: { للذين يألون } أن يعتزلوا نساءهم { تربص أربعة ~~أشهر } منهم، واليمين التي يكون بها الرجل مؤليا: هي اليمين بالله عز ~~وجل، أو بشيء من صفاته التي لا يشركه فيها غيره, على وجه لا يقع موقع ~~اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الامتناع من الجماع على جهة ~~الغضب، والضرار، وهو المروي عن علي (ع)، وابن ms0515 عباس، والحسن. وقال ~~ابراهيم، وابن سيرين، والشعبي: في الغضب. وقال سعيد بن المسيب: هو في ~~الجماع، وغيره من الضرار، نحو الحلف ألا يكلمها. # اللغة: # والتربص بالشيء انتظارك به خيرا، أو شرا يحل، وتقول: تربصت بالشيء ~~تربصا، وربصت به ربصا، ومنه قوله: # فتربصوا به حتى حين # و # نتربص به ريب المنون # قال الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها # ومالي على هذا الأمر ربصة: أي تلبث، وأصله الانتظار. # وقوله: " فإن فاءوا " معناه: فان رجعوا، ومنه قوله: # حتى تفيء إلى أمر الله # أي ترجع من الخطأ الى الصواب. والفرق بين الفيء والظل: ما قال المبرد: ~~إن الفيء ما نسخ الشمس، لأنه هو الراجع، وأما الظل: فما لا شمس فيه. وكل ~~فيء ظل، وليس كل ظل فيء، ولذلك أهل الجنة في ظل، لا في فيء، لأنه لا شمس ~~فيها، كما قال الله تعالى: # وظل ممدود # وجمع الفيء أفياء، تقول: فاء الفيء: إذا تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس ~~عنه. وتفيأت في الشجر، وفيأت الشجرة. والفيء: غنائم المشركين، أفاء الله ~~علينا فيهم، لأنه من رجع الشيء الى حقه، والفيء الرجوع عن الغضب. إن ~~فلانا لسريع الفيء من غضبه. # المعنى: # فان قيل: ما الذي يكون المولى به فايئا؟ قيل - عندنا -: يكون فايئا ~~بأن يجامع، وبه قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن المسيب. # وقال الحسن، وابراهيم، وعلقمة: يكون فايئا بالعزم في حال العذر إلا ~~أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، وهذا يكون - عندنا - للمضطر الذي لا يقدر ~~على الجماع، ويجب على الفايء - عندنا - الكفارة، وبه قال ابن عباس، وسعيد ~~بن المسيب، وقتادة، ولا عقوبة عليه، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد ~~الله (ع). وقال الحسن، وابراهيم: لا كفارة عليه، لقوله: { فإن فاؤوا فإن ~~الله غفور رحيم }: أي لا يتبعه بكفارة، ولا عقوبة. # الاعراب: # ويجوز في { تربص أربعة أشهر } ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه جميع ~~القراء. ويجوز النصب، والرفع في العربية { تربص أربعة أشهر } كما قال: # ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ms0516 # أي يكفتهم أحياء، وأمواتا، و { تربص أربعة أشهر } كقوله: # فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله # ومثله # فجزاء مثل ما قتل من النعم # وإنما جعل اختصاص الايلاء بحال الغضب، لأن مدة التربص جعل فسحة للمرأة ~~في التخلص من المضارة، فاذا لم يكن ضرار لم يصح إيلاء. ومن لم يخص بحال ~~الغضب، حمله على عموم الايلاء، وهو الأقوى. ومتى حلف بغير الله في ~~الايلاء، فلا تنعقد يمينه، ولايكون مؤليا. وقال الجبائي: إذا حلف بما ~~يلزمه فيه عزم، نحو الصدقة، أو الطلاق، أو العتاق، فهو إيلاء، وإلا، فهو ~~لغو، نحو قوله: وحياتك، وما أشبه. وقال الشافعي: لا إيلاء إلا بالله، كما ~~قلناه. ومتى حلف ألا يجامع أقل من أربعة أشهر، لا يكون مؤليا، لأن ~~الايلاء على أربعة أشهر، أو أكثر. ومتى حلف ألا يقر بها، وهي مرضعة ~~خوفا من أن تحبل، فيضر ذلك بولدها، لا يلزمه حكم الايلاء، وهو المروي عن ~~علي (ع)، وبه قال الحسن، وابن شهاب. ويجوز أن يكون في الآية تقديم، ~~وتأخير، ويكون تقديره { للذين يؤلون } { تربص أربعة أشهر } { من نسائهم ~~}. ويجوز أن يكون معناه: { للذين يؤلون من } أجل { نسائهم تربص أربعة ~~أشهر } كما تقول: غضبت لفلان: أي من أجل فلان. وإذا مضت أربعة أشهر لم ~~تبن منه إلا بطلاق، ويلزمه الحاكم، إما الرجوع والكفارة، وإما الطلاق، ~~فان امتنع حبسه حتى يفيء، أو يطلق. وفيه خلاف. ### || [2.227] # المعنى: # عزيمة الطلاق في الحكم - عندنا - أن يعزم، ثم يتلفظ بالطلاق، ومتى لم ~~يتلفظ بالطلاق بعد مضي أربعة أشهر، فان المرأة لا تبين منه إلا أن ~~تستدعي، فان استدعت، ضرب الحاكم مدة أربعة أشهر ثم توقف بعد أربعة أشهر، ~~فيقال له: فيء أو طلق، فان لم يفعل، حبسه حتى يطلق، ومثل هذا قال أهل ~~المدينة غير أنهم قالوا: متى امتنع من الطلاق والفيأة، طلق عنه الحاكم ~~طلقة رجعية. وقال أهل العراق: الايلاء: أن يحلف ألا يجامعها أربعة أشهر ~~فصاعدا، فاذا مضت أربعة أشهر فلم يقربها، بانت منه بتطليقة لا رجعة له ~~عليها، وعليها عدة ms0517 ثلاث حيض، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره، فان فاء ~~قيل أربعة أشهر: أي إن جامع، كفر يمينه، وهي امرأته. وقال الحسن، وقتادة, ~~وابن مسعود، وابراهيم، وابن عباس؛ وحماد: هو مضي أربعة أشهر قبل أن يفيء ~~من غير عذر. # اللغة: # والعزم: هو العقد على فعل شيء في مستقبل الوقت. والعزم على الشيء هو ~~إرادته له: إذا كانت مقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد، وتكون متعلقة بفعل ~~العازم، ولا يدخل بينهما، وبين الفعل سهو، ولا نسيان. يقال: عزم عزما: ~~إذا عقد على أن يفعل الشيء، واعتزم اعتزاما. وعزمت عليك لتفعلن: أي ~~أقسمت. وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. ورجل ماضي العزم: حاد في أمره. ~~وما لفلان عزيمة: أي ما يثبت على أمر، لتلونه، ومنه قوله: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # وعزائم القرآن التي تقرأ على ذوي الآفات، لما يرجى من البرء بها. وأصل ~~الباب العزم على العقد على الشيء. # والطلاق: حل عقدة النكاح بما يوجبه في الشريعة. تقول: طلقت تطلق طلاقا، ~~فهي طالق - بلا علامة التأنيث، حكاه الزجاج. وقال قوم: لأنه يختص ~~بالمؤنث. وقال الزجاج: هذا ليس بشيء، لأن في الكلام شيئا كثيرا يشترك ~~فيه المؤنث، والمذكر - بلا علامة التأنيث - نحو قولهم: بعير ضامر، وناقة ~~ضامر، وبعير ساعل، وناقة ساعل. وزعم سيبويه، وأصحابه: أن هذا واقع على ~~لفظ التذكير صفة للمؤنث، لأن المعنى: هي طالق حقيقة - عندهم - أنه على ~~جهة النسب، نحو قولهم: إمرأة مذكار، ورجل مذكار، ورجل مئناث، وامرأة ~~مئناث، ومعناه: ذات ذكران، وذات أناث، وكذلك مطفل: ذات طفل، وكذلك ~~طالق: ذات طلاق. فان أجريته على الفعل قلت طالقة، قال الشاعر: # أيا جارتا بيني فانك طالقه! # كذاك أمور الناس غاد وطارقه # تقول: طلقها، وتطلق تطلقا، وأطلق إطلاقا، واستطلق استطلاقا، وانطلق ~~انطلاقا، وتطلقت المرأة عند الولادة، فهي مطلوقة إذا تمخضت. والطلق: ~~الشوط من الجري. والطلق: قيد من قدم أو عقب تقيد به الابل. # ورجل طلق الوجه: بهلول ضحاك. ويوم طلق إذا لم يكن فيه حر، ولا قر. ~~والطليق: الأسير ms0518 يخلى عنه ورجل طلق اليدين: سمح بالعطاء. والطلق: الحبل ~~الشديد الفتل، يقوم قيام. وأصل الباب الانطلاق، والطلاق، لانطلاق ~~المرأة فيه على عقدة النكاح. # المعنى: # والطلاق بعد الايلاء، والايقاف يكون واحدة رجعية، وبه قال سعيد بن ~~المسيب، وابن عمر. وقال الحسن وابن مسعود، وابن عباس: تكون بائنة. # وقوله: { فإن الله سميع عليم } فيه دلالة على الأخذ بالفيء أو الطلاق، ~~لأنه بمعنى. أن الله يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: بل هو راجع الى يسمع ~~الايلاء، ويعلم بنيته، وكلاهما يحتمل في اللغة - على قول الزجاج - وحقيقة ~~السميع: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت. وهو ~~يرجع الى كونه حيا لا آفة به. والسامع: هو المدرك. والله تعالى يوصف بما ~~لم يزل بأنه سميع، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه سامع، وإنما يوصف بأنه سامع ~~إذا وجدت المسموعات. وإنما ذكر عقيب الأول { أن الله غفور رحيم } لأنه ~~لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفيء، أو الطلاق بين أنه إن فاء { فإن ~~الله غفور رحيم } بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه. وذكر ها ~~هنا أنه " سميع عليم " لما أخبر عنه بايقاع الطلاق، وكان ذلك مما يسمع، ~~أخبر أنه لا يخفى عليه، وأنه يسمعه، لأنه على صفة يوجب إدراكه لذلك، وأنه ~~عالم ببيانه، فلا الذي ذكر في الآية الآولى يليق بهذه الآية، ولا الذي ~~ذكر ها هنا يليق هناك، وذلك من عظم فصاحة القرآن، وجلالة مواقعه. ### || [2.228] # المعنى: # القرؤ: الطهر - عندنا - وبه قال زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمر، وسالم، ~~وأهل الحجاز. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، وبه قال أهل العراق، ~~وروه عن علي (ع) أنه الحيض. # اللغة: # وأصل القرء يحتمل وجهين في اللغة: # أحدهما - الاجتماع، فمنه قرأت القرآن، لاجتماع حروفه، ومنه قولهم: ما ~~قرأت الناقة سلا قط: أي لم تجمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم: # ذراعي عيطل أدماء بكر # هجان اللون لم تقرأ جنينا # ومنه أقرأت النجوم: إذا اجتمت في الافول، فعلى هذا، ms0519 يقال: أقرأت المرأة: ~~إذا حاضت، فهي مقرىء، في قول الأصمعي، والأخفش، والكسائي والفراء، ~~وأنشدوا له: # قروؤ كقروؤ الحائض # فتأويل ذلك: إجتماع الدم في الرحم. ويجيء على هذا الأصل أن يكون القرأ: ~~الطهر، لاجتماع الدم في جملة البدن، هذا قول الزجاج. # والوجه الثاني - أن يكون أصل القرء: وقت الفعل الذي يجرى على آخر عادة، ~~في قول أبي عمرو بن العلاء، وقال: هو يصلح للحيض، والطهر، يقال: هذا ~~قارىء الرياح أي وقت هبوبها قال الشاعر: # شنئت العقر عقر بني شليل # إذا هبت لقارئها الرياح # أي لوقت شدة بردها، وقال آخر: # رجا أياس أن تؤوب ولا أذى # إياسا لقرؤ الغائبين يؤوب # أي لحين الغائبين، فعلى هذا يكون القرؤ الحيض، لأنه وقت اجتماع الدم في ~~الرحم على العادة المعروفة فيه، ويكون الطهر، لأنه وقت ارتفاعه على عادة ~~جارية فيه، قال الأعشى في الطهر: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة # تشد لاقصاها عزيم عزائكا # مورثة مالا وفي الحمد رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # والذي ضاع ها هنا الاطهار، لأنه بعد غيبته، فيضيع بها طهر النساء، فلا ~~يطأهن، والوقت الجاري في الفعل على عادة راجع الى معنى الاجتماع، وذلك، ~~لاجتماع الفعل مع الوقت الدائر، فالاجتماع أصل الباب. وأخذ القرؤ من ~~الوقت ردا له الى فرع، وكلا الأمرين يحتمل في اللغة. # المعنى، # ومن خفف الهمزة في { قروء } قال: قرؤ، ومثله # من يعمل سوءا # واستشهد أهل العراق بأشياء يقوى أن المراد الحيض، منها قوله (ع) في ~~مستحاضة سألته: دعي الصلاة أيام أقرائك. واستشهد أهل المدينة بقوله: # فطلقوهن لعدتهن # أي طهر لم يجامع فيه كما يقال لغرة الشهر، وتأوله غيرهم: لاستقبال ~~عدتهن، وهو الحيض. # فان قيل: لو كان المراد - في الأقراء في الآية - الاطهار، لوجب استيفاء ~~الثلاثة أطهار بكمالها، كما أن من كانت عدتها بالأشهر، وجب عليها ثلاثة ~~أشهر على الكمال، وقد أجمعنا على أنه - لو طلقها في آخر يوم الطهر الذي ~~ما قربها فيه، لا يلزمها أكثر من طهرين آخرين، وذلك دليل على فساد ما ~~قلتموه! ms0520 قلنا: تسمى القرآن الكاملان، وبعض الثالث ثلاثة أقراء، كما تسمى ~~- الشهران وبعض الثالث -: ثلاثة أشهر قال الله تعالى: # الحج أشهر معلومات # وإنما هي شوال، وذي القعدة، وبعض من ذي الحجة. وروي عن عائشة أنها قالت: ~~الأقراء الاطهار. # وقوله: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قيل في معناه ~~ثلاثة أقوال: أحدها - قال إبراهيم: الحيض. وثانيها - قال قتادة: الحبل. ~~وثالثها - قال ابن عمر، والحسن: هو الحبل، والحيض، وهو الأقوى لأنه أعم. ~~وإنما لم يحل لهن الكتمان, لظلم الزوج بمنعه المراجعة - في قول ابن عباس ~~-. وقال قتادة: لنسبة الولد الى غيره، كفعل الجاهلية. # اللغة: # وإنما قال: { ثلاثة قروء } ولم يقل: ثلاثة أقرء على جمع القليل، لأنه ~~لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة فأتى ببناء الكثرة، ~~للاشعار بذلك، فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في القسمة. ووجه آخر - أن ~~بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال، لأنه على قياس الباب في جمع فعل ~~الكثير، فأما القليل، فقياسه، أفعل دون أفعال، فصار بمنزلة مالا يعتد به ~~فجاء مجيء قولهم: ثلاثة شسوع، فاستغني فيه ببناء الكثير عن القليل. ووجه ~~ثالث - أن يذهب مذهب الجنس نحو قولهم: ثلاثة كلاب يعنون ثلاثة من الكلاب ~~إذا أريد رفع الايهام. # المعنى: # والشرط بقوله: { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } معناه من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر، فهذه صفته فيما يلزمه، لا أنه يلزم المؤمن دون غيره. ~~وخرج ذلك مخرج التهديد. { وبعولتهن أحق بردهن } يعني أزواجهن أحق ~~برجعتهن، وذلك يختص بالرجعيات وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات ~~الرجعية والبائنة. وسمي الزوج بعلا، لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها. # اللغة: # تقول: بعل يبعل بعولة، وهو بعل. وقوله # أتدعون بعلا # أي ربا، لأنه بمعنى من سميتموه باستعلاء الربوبية تخرصا، وقيل أنه ~~صنم. والبعل النخل يشرب بعروقة، لأنه مستعل على شربه، وبعل الرجل بأمره ~~إذا ضاق به ذرعا، لأنه علاه منه ما ضاق به صدره. وبعل الرجل في معنى ~~بطر، لأنه استعلى معظما، وكبرا. وامرأة بعلة: لا ms0521 تحسن لبس الثياب، لأن ~~الحيرة تستعلي عليها، فتدهشها. وبعل الرجل يبعل بعلا إذا دهش دهشا. # المعنى: # وقوله: { ولهن مثل الذي عليهن } قال الضحاك: لهن من حسن العشرة بالمعروف ~~على أزواجهن مثل ما عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله عليهن لهم. وقال ابن ~~عباس: لهن على أزواجهن من التصنع والتزين مثل ما لأزواجهن عليهن. وقال ~~الطبري: لهن على أزواجهن ترك مضارتهن، كما أن عليهن لأزواجهن. # وقوله: { وللرجال عليهن درجة } قيل معناه: فضيلة منها الطاعة، ومنها أن ~~يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث [على قسم] المرأة، والجهاد. هذا قول ~~مجاهد، وقتادة. وقال ابن عباس: منزلة في الأخذ عليها بالفضل في المعاملة ~~حتى قال: ما أحب أن استوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة. ### || [2.229] # القراءة: # قرأ حمزة، وأبو جعفر { إلا أن يخافا } بضم الياء، والباقون بفتحها. # المعنى: # قيل في معنى قوله: { الطلاق مرتان } قولان: # أحدهما - ما قال ابن عباس، ومجاهد: إن معناه البيان عن تفصيل الطلاق في ~~السنة، وهو أنه إذا أراد طلاقها فينبغي أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه ~~بجماع، تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ~~ثم يطلقها ثانية. # والثاني - ما قاله عروة، وقتادة: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي ~~يوجب البينونة، مما لا يوجبها. وفي الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين ~~إلا الفرقة البائنة. وقال الزجاج: في الآية حذف، لأن التقدير: الطلاق ~~الذي يملك فيه الرجعة مرتان، بدلالة قوله: { فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان }. والمرتان معناه: دفعتان. # اللغة: # وتقول مر يمر مرا واستمر استمرارا، وأمره إمرارا وتمرر تمررا، ~~ومرره تمريرا. والمر: خلاف الحلو، ومنه المرارة، لأن فيها المرة. ~~والمرة مزاج من أمزجة البدن. والمرة شدة الفتل، لاستمراره على إحكام. ~~والمرير: الحبل المفتول. وفي التنزيل # ذو مرة فاستوى # أي ذو قوة وشدة. والمر الذي يعمل به في الطين وأصل الباب المرور: خلاف ~~الوقوف. # وقوله { فإمساك بمعروف } رفع، ومعناه: فالواجب إمساك عليه، وكان يجوز ~~النصب على فليمسك إمساكا، والامساك خلاف الاطلاق. تقول أمسك إمساكا، ms0522 ~~وتمسك تمسكا، وتماسك تماسكا، وامتسك امتساكا، ومسك تمسيكا، واستمسك ~~استمساكا. وفلان ممسك: أي بخيل، وما بفلان مسكة، ولا تمساك: إذا لم يكن ~~فيه خير، لأنه منحل عن ضبط شيء من أموره. والمسك: الاهاب، لأنه يمسك ~~البدن باحتوائه عليه. والمسك السواء، وسمي باستمساكه في اليد. # المعنى: # وقوله: { معروف } أي على وجه جميل سائغ في الشرع لا على وجه الاضرار ~~بهن. # وقوله: { أو تسريح بإحسان } قيل فيه قولان: # أحدهما - أنها الطلقة الثالثة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن ~~رجلا سأله، فقال: الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ فأجابه: أو تسريح باحسان. ~~وقال السدي، والضحاك: هو ترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو المروي ~~عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). # اللغة: # والتسريح مأخوذ من السرح. وهو الانطلاق. تقول: سرح تسريحا، وسرح ~~الماشية في الرعي سرحا: إذا أطلقها ترعى: والسرحان: الذئب، لاتباعه ~~السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة، لانطلاقها في جهة الطول. والمسرح: ~~المشط، لاطلاق الشعر به. وسرحت الماشية: إذا انطلقت في المرعى. وسرحت ~~العبد إذا أعتقته. والسرح: الجراد، لانطلاقه في البلاد، والسريحة: القطعة ~~من القد يشد بها نقال الابل، وكل شيء قددته مستطيلا، فهو سريح. # النزول: # وروي أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس، وزوجته، وردت عليه حديقته، ~~وطلقها باذن النبي (صلى الله عليه وسلم) رواه ابن جريج. # المعنى، والحجة، والاعراب: # وقوله: { إلا أن يخافا } معناه: إلا أن يظنا وقال الشاعر: # أتاني كلام عن نصيب بقوله # وما خفت يا سلام أنك عائبي # يعني ما ظننت وأنشد الفراء: # إذا مت فادفني الى جنب كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني في الفلات فانني # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # ومن ضم الياء، فتقديره: إلا أن يخافا على أن يقيما حدود الله. وقال أبو ~~عبيدة { إلا أن يخافا } معناه: يوقنا؛ { فإن خفتم } معناه فان أيقنتم. ~~وقال أبو علي الفارسي: خاف فعل يتعدى الى مفعول واحد، وذلك المفعول تارة ~~يكون (أن) وصلتها، وأخرى غيرها، فأما تعديه الى غير (أن) فنحو قوله: # تخافونهم كخيفتكم أنفسكم # وتعديته ms0523 الى (أن) كقوله: # تخافون أن يتخطفكم الناس # وقوله: # أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله # فان عديته الى مفعول بأن ضعفت العين، أو اجتلبت حرف الجر كقولك: خوفت ~~ضعف الناس قولهم، وحرف الجر كقوله: # لو خافك الله عليه حرمه # ومن ذلك قوله: # إنما الشيطان يخوف أولياءه # فيخوف قد حذف معه مفعول يقتضيه تقديره يخوف المؤمنين بأولياءه، فحذف ~~المفعول، والجار، فوصل الفعل الى المفعول الثاني، ألا ترى أنه لا يخوف ~~أولياءه على حد قولك خوفت اللص، وإنما يخوف غيرهم مما لا استنصار ~~لديهم، ومثله فاذا خفت عليه بمنزلة المحذوف من قوله: { أولياءه } فاذا ~~كان تعدي هذا الفعل على ما وصفنا، فقول حمزة { إلا أن يخافا } ، مستقيم ~~لأنه لما بني الفعل للمفعول به اسند الفعل إليه، فلم يبق شيء يتعدى إليه، ~~وأما (أن) من قوله: { ألا يقيما حدود الله } ، فان الفعل يتعدى إليه ~~بالجار، كما تعدى بالجار في قوله: # لو خافك الله عليه حرمه # وموضع أن في الآية جر بالجار المقدر، على قول الخليل، والكسائي. ونصب، ~~في قول سيبويه، وأصحابه، لأنه لما حذف الجار، وصل الفعل الى المفعول ~~الثاني، مثل استغفر الله ذنبا، وامرأتك الخير، فقوله مستقيم على ما ~~رأيت. فان قال قائل: لو كان يخافا كما قد أخبره، لكان ينبغي أن يكون فان ~~خيفا! قيل لا يلزمه هذا السؤال لأمرين: # أحدهما - أن يكون انصرف من الغيبة الى الخطاب، كما قال: # الحمد الله # ثم قال: # إياك نعبد # وقال: # ما أتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون # ونظائر ذلك كثيرة. # والآخر - أن يكون الخطاب في قوله: { فإن خفتم } مصروفا الى الولاة، ~~والفقهاء الذين يقومون بامور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة في من ~~جعله انصرافا من الغيبة الى الخطاب، لأن ضمير الاثنين في { يخافا } ليس ~~يراد به اثنان مخصوصان، وإنما يراد كل من كان هذا شأنه، فهذا حكمه. # وأما من قرأ بالفتح، فالمعنى أنه إذا خاف: من كل واحد من الزوج والمرأة ~~{ ألا يقيما حدود الله } حل الافتداء، ولا يحتاج في ms0524 قولهم الى تقدير ~~الجار، لأن الفصل يقتضي مفعولا يتعدى إليه، كما اقتضى في قوله: # فلا تخافوهم وخافون # ولابد من تقدير الجار في قراءة من ضم الياء، لأن الفعل قد استند الى ~~المفعول، فلا يتعدى الى المفعول الآخر إلا بالجار. قال أبو علي: فأما ما ~~قاله الفراء في قول حمزة { إلا أن يخافا } من أنه اعتبر قراءة عبد الله { ~~إلا أن يخافوا } فلم ينصبه، لأن الخوف في قول عبد الله واقع على (أن). ~~وفي قراءة حمزة على الرجل، والمرأة، وحال الخوف التي معه. # المعنى: # { ألا يقيما حدود الله } قال ابن عباس وعروة والضحاك: هو نشوز المرأة ~~بغضا للزوج. وقال الشعبي هو نشوزها ونشوزه، والذي روي عن أبي عبد الله ~~(ع) أنه إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محضور، واخلال بواجب، وألا ~~تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، ومثله روي عن الحسن. ~~وقيل: إن الخوف من الاخلال بالحقوق التي تجب لكل واحد منهما على صاحبه، ~~وحسن العشرة وجميل الصحبة. # فان قيل كيف قال: { فلا جناح عليهما } , وإنما الأباحة لأخذ الفدية! قيل ~~لأنه لو خص بالذكر لأوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين ~~الاذن لهما لئلا يوهم أنه كالزنا المحرم على الآخذ، والمعطي. وذكر الفراء ~~وجهين: # أحدهما - أنه قال: هو كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز الاتساع، وهذا هو الذي يليق بمذهبنا، ~~لأن الذي يبيح الخلع - عندنا - هو ما لولاه، لكانت المرأة به عاصية. # والوجه الثاني - على قوله (صلى الله عليه وسلم): إن أظهرت الصدقة، فحسن ~~وإن أسررت فحسن، وإنما على مزاوجة الكلام كقوله # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # والثاني ليس بعد، وإن الفدية الجائرة في الخلع - فعندنا - إن كان البغض ~~منها، وحدها وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر فما زاد عليه، وإن كان ~~منهما، فيكون دون المهر. ورووا عن علي (ع) فقط، ولم يفصلوا، وبه قال ~~الربيع، وعطا، والزهري، والشعبي. وقال ابن عباس، وابن عمر، ورحا بن حوة، ~~وابراهيم، ms0525 ومجاهد: إنه يجوز الزيادة على المهر، والنقصان، ولم يفصلوا، ~~والآية غير منسوخة عند أكثر المفسرين، ابن عباس والحسن، وجميع أهل العلم ~~إلا بكر بن عبد الله، فانه زعم أنها منسوخة بقوله # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج # الآية. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه: # أحدها - أن تكون المرأة عجوزا وذميمة، فيضار بها ليفتدي بها، فهذا لا ~~يحل له الفدي، لقوله # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج # الآية. # والثاني - أن يرى الرجل إمرأته على فاحشة، فيضاربها لتفتدي بخلعها، فهذا ~~يجوز، وهو معنى قوله # ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # والوجه الثالث: # { أن يخافا ألا يقيما حدود الله } لسوء خلق أو لقلة نفقة من غير ظلم، ~~أو نحو ذلك فيجوز الفدية لهما جميعا على ما فصلناه. # واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد، لايقع، لأنه ~~قال: { مرتان } ثم ذكر الثالثة على الخلاف في أنها قوله: { أو تسريح ~~بإحسان } أو قوله: { فإن طلقتها } ومن طلق بلفظ واحد لا يكون أتى ~~بالمرتين، ولا بالثالثة كما أنه لو أوجب في اللعان أربع شهادات: ولو أتى ~~بلفظ واحد لما وقع موقعه. وكما لو رمى تسع حصيات في الجمار دفعة واحدة، ~~لم يكن مجزيا له، فكذلك الطلاق، ومتى ادعوا، في ذلك خبرا، فعليهم أن ~~يذكروه ليتكلم عليه، فأما مسائل الخلع، وفروعه، وشروطه فقد ذكرناها في ~~النهاية، والمبسوط، فلا معنى للتطويل بذكرها ها هنا لأن المطلوب ها هنا ~~معاني القرآن، وتأويله دون مسائل الفقه. ### || [2.230] # المعنى: # قوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد } المعني فيه التطليقة الثالثة على ~~ما روي عن أبي جعفر (ع) وبه قال السدي، والضحاك، والزجاج، والجبائي، ~~والنظام. وقال مجاهد: هو تفسير لقوله: # أو تسريح بإحسان # فانه التطليقة الثالثة، وهو اختيار الطبري. # وصفة الزوج الذي تحل المرأة، للزوج الأول أن يكون بالغا، ويعقد عليها ~~عقدا صحيحا دائما ويذوق عسيلتها، بان يطأها وتذوق هي عسيلته - بلا ~~خلاف بين أهل العلم - فلا يحل لأحد أن يتزوجها في العدة، وأما ms0526 العقود ~~الفاسدة أو عقود الشبهة فانها لا تحل للزوج الاول، ومتى وطأها بعقد صحيح ~~في زمان يحرم عليه وطؤها مثل أن تكون حائضا، أو محرمة، أو معتكفة، فانها ~~تحل للأول لأن الوطىء قد حصل في نكاح صحيح، وإنما حرم الوطىء لأمر، ضار ~~عليه، هذا عند أكثر أهل العلم. وقال مالك: الوطىء في الحيض لا يحل للأول ~~وإن وجب به المهر كله، والعدة. # الاعراب: # وموضع (أن) في قوله: { فلا جناح عليهما أن يتراجعا } خفض، وتقديره في أن ~~يتراجعا - عند الخليل، والكسائي، والزجاج - وقال الفراء: موضعه النصب، ~~واختاره الزجاج، وباقي النحويين. وقال الفراء: الخفض لا أعرفه، وموضع ~~(أن) الثانية في قوله: { أن يقيما حدود الله } نصب - بلا خلاف ب (ظنا)، ~~وإنما جاز حذف (في) من أن يتراجعا ولم يجز من التراجع، لأنه إنما جاز مع ~~(أن) لطولها بالصلة، كما جاز (الذي ضربت زيد)، لطول الذي بالصلة، ولم يجز ~~في المصدر، كما لم يجز في اسم الفاعل نحو (زيد ضارب عمرو) وتريد ضاربه. # المعنى: # وقوله: { فإن طلقها } الثانية يعنى به الزوج الثاني وذلك يدل على أن ~~الوطء بعقد لا تحل للزوج الأول، لأن الطلاق لا يلحق نكاح شبهة. والراجع ~~المذكور ها هنا، هو بعقد مستأنف، ومهر جديد، بلا خلاف. # القراءة: # وقول: { يبينها } قرأ المفضل عن عاصم بالنون على وجه الاخبار من الله عن ~~نفسه. الباقون بالياء، الكناية عن الله. # المعنى: # قوله: { لقوم يعلمون } إنما خص العلم بذكر البيان وإن كان بيانا ~~لغيرهم، لأنهم الذين ينتفعون ببيان الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لم يعتد ~~به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم، كما قال: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال # والحدود: المراد بها ما تقدم بيانها من أحكام الطلاق، والايلاء، والخلع، ~~وغير ذلك. # وقوله: { إن ظنا أن يقيما حدود الله } لا يدل على وجوب الاجتهاد في ~~الشريعة، لأنه لا يمنع من تعلق أحكام كثيرة - في الشرع - في الظن، وإنما ~~فيه دلالة على، من قال: لا يجوز: أن يعمل في شيء من ms0527 الدين إلا على ~~اليقين، فأما الظن، فلا يجوز أن يتعلق فيه شيء من الأحكام، فالآية تبطل ~~قوله. # وقوله: { فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره } يدل على أن النكاح بغير ولي ~~جائز، وأن المرأة لها العقد على نفسها، لأنه أضاف العقد إليها دون وليها. ### || [2.231] # قوله: { فبلغن أجلهن } معناه: انقضى عدتهن بالأقراء، أو الأشهر، أو ~~الوضع. والمعنى: إذا بلغن قرب انقضاء عدتهن، لأن بعد انقضاء العدة ليس ~~له إمساكها، والامساك ها هنا المراجعة قبل انقضاء العدة، وبه قال ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، قد يقال لمن دنا من البلد: فلان قد بلغ ~~البلد. والمراد { بالمعروف } هذا الحق الذي يدعو إليه العقل، أو الشرع ~~للمعرفة بصحته، بخلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل، أو السمع لاستحالة ~~المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لا يجوز المعروف ~~بصحته منكر. # والمراد به ها هنا أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له: من القيام ~~بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك، ولا يقصد الاضرار بها. # وقد بينا أن التسريح أصله إرسال الماشية في المرعى ومنه قوله: # حين تريحون وحين تسرحون # وقوله: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } معناه: لا تراجعوهن لا لرغبة ~~فيهن بل لطلب الاضرار بهن إما في تطويل العدة، أو طلب المفاداة أو غير ~~ذلك، فان ذلك غير جائز. # وقوله: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } فالظلم الضرر الذي ليس لأحد أن ~~يضر به. # وقوله: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } يعني ما ذكره من الاحكام في ~~الطلاق بما يجوز فيه المراجعة، وما لهم على النساء من التربص حتى لعرا أو ~~رفعوه مما ليس لهم عن ذلك وروي عن أبي الدرداء وأبي موسى الأشعري: أنهم ~~قالوا: كان الرجل يطلق أو يعتق ثم يقول: إنما كنت لاعبا، فلذلك قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم): # " من طلق لاعبا، أو أعتق لاعبا، فقد جاز عليه ". # وقوله: { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } معناه: التنبيه على أنه لا ~~يسقط الجزاء على عمل من أعمالهم، لخفائه ms0528 عنه، لأنه { بكل شيء عليم } ~~والأجل هو انقضاء مدة الانتظار. والامساك ها هنا: المنع من الذهاب ~~والتسريح: الارسال بتركهن بانقضاء العدة. ### || [2.232] # النزول: # قال قتادة، والحسن: إن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ~~ترجع الى الزوج الأول، فانه طلقها، وخرجت من العدة ثم أراد أن يجتمعا ~~بعقد آخر على نكاح آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت فيه الآية. وقال السدي: ~~نزلت في جابر بن عبد الله عضل بنت عم له. والوجهان لا يصحان على - مذهبنا ~~-، لأن عندنا أنه لا ولاية للأخ، ولا لابن العم عليها وإنما هي ولية ~~نفسها، فلا تأثير لعضلها. # المعنى, # والوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين، لأنه خطاب لهم بقوله { وإذا ~~طلقتم النساء } نكاية قال: { فلا تعضلوهن } بأن تراجعوهن عند قرب انقضاء ~~عدتهن؛ ولا رغبة لكم فيهن، وإنما تريدون الاضرار بهن، فان ذلك مما لا ~~يسوغ في الدين، والشرع، كما قال في الأولى: { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~} ولا يطعن على ذلك قوله: { أن ينكحن أزواجهن } ، لأن المعنى فيه من ~~يصيروا أزواجهن، كما أنهم لا بد لهم من ذلك إذا حملوا على الزوج الأول، ~~لأن بعد انقضاء العدة لا يكون زوجا، ويكون المراد من كان أزواجهن، فما ~~لهم إلا مثل ما عليهم. ويجوز أن يحمل العضل في الآية على الجبر، ~~والحيلولة بينهن، وبين التزويج دون ما يتعلق بالولاية، لأن العضل هو ~~الحبس. # اللغة: # وقيل: إن العضل مأخوذ من المنع. وقيل: إنه مأخوذ من الضيق، قال أوس بن ~~حجر: # وليس أخوك الدائم العهد بالذي # يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا # ولكنه النائي إذا كنت آمنا # وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا # وتقول: عضل المرأة يعضلها اذ منعها من التزويج ظلما. وفي بعض اللغات ~~يعضلها - بكسر الضاد - في المضارع. وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم أن ~~يقوموا به، لأنه امتنع عليهم بشدة، وهو داء عضال. والأمر المعضل: الذي ~~يغلب الناس، لامتناعه بصعوبته. وعضلت عليه إذا ضيقت عليه بما يحول بينه، ~~وبين، ما يريد ظلما، لأنك منعته بالضيق ms0529 عليه مما يريد. وعضلت المرأة ~~بولدها إذا عسرت ولادتها وكذلك أعضلت، وأعسرت، لأن الولد امتنع من الخروج ~~عسرا. وفلان عضلة من العضل: أي داهية من الدواهي، لأنه امتنع بدهائه. ~~وعضل الوادي بأهله: إذا ضاق بأهله: وعضلة الساق: لحمة مكتنزة. وأصل الباب ~~المنع. وقيل أصله التضييق. # الاعراب، والمعنى: # موضع (أن) من قوله: { أن ينكحن أزواجهن } جر عند الخليل، والكسائي، ~~وتقديره: من أن، ونصب عند غيرهما بالفعل. # وقوله: { ذلك يوعظ به } إنما قال بلفظ التوحيد وإن كان الخطاب للجميع ~~لأحد ثلاثة أوجه: # أحدها - أن (ذا) لما كان منها ما يستعمل الكاف معه كثيرا، صار بمنزلة ~~شيء واحد. ولا يجوز على ذلك (أيها القوم هذا غلامك). # وقال الفراء: توهم أن الكاف من (ذا)، وأنكر ذلك الزجاج، وقال: ليس في ~~أفصح اللغات بناء على توهم خطأ. والوجه ما قلناه من التشبيه مما جعلت ~~الكلمتان فيه بمنزلة شيء واحد. # والوجه الثاني - على تقدير: ذلك أيها القبيل. # والوجه الثالث - أن يكون خطابا للرسول (صلى الله عليه وسلم). # وقوله: { والله يعلم } معناه أنه يعلم من مصالح العباد ما لا يعلمون. # وقوله { من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر } (من) في موضع رفع ب ~~(يوعظ)، وإنما خص المؤمن بالوعظ لأحد ثلاثة أقوال: # أحدها - لأنهم المشفقون بالوعظ، فنسب اليهم، كما قال # هدى للمتقين # و # إنما أنت منذر من يخشاها # والثاني - لأنهم أولى بالاتعاض. # الثالث - إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الايمان واعترافه بالله تعالى. ### || [2.233] # القراءة: # قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وقتيبة: { لا تضار } - بتشديد الراء - ~~ورفعها. وقرأ أبو جعفر بتخفيفها وسكون. الباقون بتشديدها وفتحها. وقرأ ~~ابن كثير { ما آتيتم } قصرا، وكذلك # ما آتيتم من ربا # في الروم. # قوله: { يرضعن أولادهن حولين كاملين } في حكم الله الذي أوجبه على ~~عباده, فحذف للدلالة عليه. # الثاني - لأنه وقع موقع يرضعن، صرفا في الكلام مع رفع الاشكال. ولو كان ~~خبرا لكان كذبا، لوجود والوالدات يرضعن أولادهن أكثر من حولين، وأقل ~~منهما. # وفي الآية بيان لأمرين: أحدهما مندوب، والثاني فرض، فالمندوب: هو أن ~~يجعل ms0530 الرضاع تمام الحولين، هي التي تستحق المرضعة الأجر فيهما، ولا تستحق ~~فيما زاد عليهما، وهو الذي بينه الله تعالى بقوله: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن # فتثبت المدة التي تستحق بها الأجرة على ما أوجبه الله في هذه الآية. # اللغة: # تقول: رضع يرضع، ورضع يرضع رضاعة، وأرضعته أمه إرضاعا، وارتضاعا، ~~واسترضع استرضاعا، وراضعه رضاعا، ومراضعة. ولئيم راضع، لأنه يرضع لبن ~~ناقته من لؤمه، لألا يسمع الضيف صوت الشخب. والرضعتان: الثنيتان: مقدمتا ~~الاسنان، لأنه يشرب عليهما اللبن. وأصل الباب الرضع: مص الثدي، لشرب ~~اللبن منه. ومعنى { حولين } سنتان، وهو مأخوذ من الانقلاب في قولك: حال ~~الشيء عما كان عليه يحول، فالحول، لأنه انقلب عن الوقت الأول الى الثاني، ~~ومنه الاستحالة في الكلام، لأنقلابه عن الصواب. وقيل أخذ من الانتقال من ~~قولك: تحول عن المكان. وإنما قال: { كاملين } فان كانت التثنية تأتي على ~~استيفاء العدة، لرفع التوهم، وإنه على طريقة التغليب، كقولهم: سرنا يوم ~~الجمعة. وإن كان السير في بعضه. وقد يقال: أقمنا حولين، وإن كانت الاقامة ~~في حولين، وبعض آخر فهو لرفع الايهام الذي يعرض في الكلام. # المعنى: # فان قيل: هل يلزم في كل مولود قيل: فيه خلاف: قال ابن عباس: لا، لأنه ~~يعتبر ذلك بقوله: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا # فان ولدت المرأة لستة أشهر، فحولين كاملين، وإن ولدت لسبعة أشهر، فثلاثة ~~وعشرون شهرا، وإن ولدت لتسعة أشهر، فاحد وعشرين شهرا تطلب بذلك التكملة ~~لثلاثين شهرا في الحمل والفصال الذي سقط به الفرض، وعلى هذا تدل ~~أخبارنا، لأنهم رووا: أن ما نقص عن إحدى وعشرين شهرا فهو جور على الصبي. ~~وقال الثوري: هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه، رجعا الى الحولين من ~~غير نقصان، ولا زيادة، ولا يجوز لهما غير ذلك، والرضاع بعد الحولين لا ~~حكم له في التحريم - عندنا - وبه قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمرو ~~وأكثر العلماء، وروي عن عائشة أن رضاع الكثير يؤثر. وقال أبو علي الجبائي ~~لم يقم بهذا حجة ولا نزل له ظاهر القرآن. ms0531 # وقوله: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } معناه أنه يجب على ~~الأب إطعام أم الولد وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة إذا كانت مطلقة، ~~وبه قال الضحاك والثوري وأكثر المفسرين. # اللغة، والحجة: # يقال كساه يكسوه كسوة: إذا ألبسه الثياب واكتسى هو اكتساء: إذا لبس، ~~واكتست الأرض بالنبات إذا تغطت به، وكسوته مدحا أو ذما: إذا أثنيت عليه ~~أو ذممته. والكساء معروف، وأصل الباب الكسوة: اللباس. # وقوله: { لا تكلف نفس إلا وسعها } يدل على فساد قول المجبرة: في حسن ~~تكليف ما لا يطاق لأنه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة لم يجز أن يكلف ~~مع عدم القدرة، لأنه إنما لم يحسن في الأول من حيث أنه لا طريق له الى ~~إداء ما كلفه من غير جدة، فكذلك لا سبيل له الى إداء ما كلف الى الطاعة ~~مع عدم القدرة، ولا ينافي ذلك قوله: # فضلوا فلا يستطيعون سبيلا # لأنه ليس المراد نفي القدرة وإنما معناه: أنه يثقل عليهم كما يقول ~~القائل: لا أستطيع أن أنظر الى كذا معناه: أنه يثقل علي، ويقال: كلف ~~وجهه كلفا، وبخده كلف أي أثر، والكلف بالشيء الايلاع به، لأنه لزوم ~~يظهر أثره عليه، وكلف كلفا: إذا أحب. وتكلف الأمر تكلفا: تحمله. وكلفه ~~تكليفا: ألزمه. وأصل الباب الكلف: ظهور الاثر. # وقوله: { لا تضار والدة بولدها } أصله تضارر - بكسر الراء الأولى - وقيل ~~- بفتحها - وأسكنت وأدغمت في الراء بعدها. ومن فتحها بالتقاء الساكنين، ~~وهو الأقوى فيما قبله فتحة أو ألف نحو عض ولا تضار زيدا. وقال بعضهم: ~~لا يجوز ألا تضارر بفتح الراء الأولى، لأن المولود لا يصح منه مضمارة، ~~لأن الأفصح لو كان كذلك الكسر. قال الرماني: غلط في الاعتلالين أما ~~الأول، فلأنه ينقلب عليه في تضار إذا المضارة من إثنين في الحقيقة، وإن ~~لم يسم الفاعل. ولأنه إنما يرجع ذلك الى الزوج، والمرأة الأولى والولد. ~~فأما الأفصح، فعلى خلاف ما ذكر، لأن الفتح لغة أهل الحجاز، وبني أسد، ~~وكثير من العرب، وهو القياس، لأنه إذا جاز ms0532 مد بالضم للاتباع، كانت ~~الفتحة بذلك أولى، لأنها أخف، ولأنه يجوز مد بالفتح طلبا للخفة، فاذا ~~اجتمع الاتباع والاستخفاف كان أولى، وقوله: إن الفتحة في تضار: هي الفتحة ~~في الراء الاولى، دعوى منه لا دليل عليها. ويدل على صحة ما قلناه: قوله: # من يرتد منكم # ولا يضار كاتب # كل ذلك بالفتح دون الكسر. # المعنى: # وإنما قيل: { يضار } والفعل من واحد لانه لما كان معناه المبالغة كان ~~بمنزلته من إثنين، وذلك لانه يضره إن رجع عليه، منه ضرورة، فكأنه قيل: لا ~~تضار والدة من الزوج بولدها. ولو قيل في ولدها لجاز في المعنى، وكذلك فرض ~~الوالد. # وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أي لا يترك جماعها خوف الحمل لاجل ولدها ~~المرتضع { ولا مولود له بولده } يعني لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل، ~~فيضر ذلك بالأب وقيل: { لا تضار والدة بولدها } بأن ينزع الولد منها، ~~ويسترضع إمرأة أخرى مع إجابتها الى الرضاع باجرة المثل { ولا مولود له } ~~بولده أي لا تمتنع هي من الارضاع إذا أعطيت أجرة مثلها، والأولى حمل ~~الآية على عموم ذلك. وقيل: معناه أن على الوالدة ألا تضار بولدها فيما ~~يجب عليها من تعاهده، والقيام بأمره، ورضاعه، وغذاءه. وعلى الوالد ألا ~~يضار بولده فيما يجب عليه من النفقة عليه، وعلى أمه، وفي حفظه، وتعاهده. # وقوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } قال الحسن، وقتادة، والسدي: الوارث ~~للولد. وقال قبيضة بن ذؤيب: هو الوالد، والأول أقوى. فان قيل: أعلى كل ~~وارث له، أم على بعضهم؟ قيل: ذكر أبو علي الجبائي: أن على كل وارث نفقة ~~الرضاع الأقرب فالأقرب يؤخذ به. وأما نفقة ما بعد الرضاع، فاختلفوا، ~~فعندنا يلزم الوالدين - وإن عليا - النفقة على الولد وإن نزل، ولا يلزم ~~غيرهم. وقال قوم: يلزم العصبة دون الأم، والأخوة من الأم، ذهب اليه عمر، ~~والحسن. # وقيل: على الوارث من الرجال، والنساء على قدر النصيب من الميراث، ذكره ~~قتادة، وعموم الآية يقتضيه، غير أنا خصصناه بدليل. وقال أبو حنيفة، وأبو ~~يوسف، ومحمد: على الوارث ms0533 ممن كان ذا رحم محرم دون من كان ذا رحم ليس ~~بمحرم، كابن العم وابن الأخت، فأوجبوا على ابن الأخت ولم يوجبوه على ابن ~~العم وإن كان وارثه في تلك الحال، وكذلك العمة وابن العمة حكا ذلك أبو ~~علي الجبائي، والبلخي. وقال سفيان { وعلى الوارث }: أي الباقي من أبويه، ~~وهذا مثل ما قلناه. وقد روي في أخبارنا: أن على الوارث كائنا من كان ~~النفقة، وهو ظاهر القرآن، وبه قال قتادة، وأحمد، واسحاق، والحسن ~~وإبراهيم. # اللغة: # والميراث: تركة الميت، تقول: ورث يرث إرثا، ووأرثه ميراثا، وتوارثوا ~~توارثا، وورثه توريثا. وأورته الحي ضعفا. والتراث: الميراث. وورثت ~~النار، وأورثتها: إذا حركت جمرها، ليشتعل، لأنه تظهر فيه النار عن الأول، ~~كظهور الميراث في الثاني عن الأول. # المعنى: # وقوله: { مثل ذلك } يعنى من النفقة، وبه قال ابراهيم. وقال الضحاك: من ~~ترك المضارة. والمفهوم من الكلام، وعند أكثر العلماء: الأمران معا، وهو ~~أليق بالعموم. # وقوله: { فإن أرادا فصالا } فالفصال: الفطام، لانفصال المولود عن ~~الاغتذاء بثدي أمه الى غيره من الاغتذاء. # فان قيل: أي فصال ذاك أقبل الحولين أم بعدهما؟ قيل: فصال الحولين، لأن ~~الفرض معلوم إذا تنازعا رجعا إليه، فأما بعد الحولين، فلا يجب على واحد ~~منهما اتباع الآخر في دعائه. وبه قال مجاهد، وقتاده، وابن شهاب، وسفيان ~~وابن زيد. # وروي عن ابن عباس: أنه إذا تراضيا على الفصال قبله أو بعده مضى، فان لم ~~يتراضيا رجعا الى الحولين. # اللغة: # وأصل الباب الفرق، يقال: فصل يفصل فصلا، وفاصله مفاصلة، وتفاصلوا ~~تفاصلا، واستفصلوا استفصالا وانفصل انفصالا، وفصله تفصيلا، وتفصل تفصلا. ~~وفواصل القلادة: شذر بين نظم الذهب. والفصل: القضاء بين الحق، والباطل، ~~وهو الفيصل. وفصيلة الرجل بنو أبيه، لانفصالهم من أصل واحد. والفصيل: ~~الواحد من أولاد الابل، لأنه فصل عن أمه والفصيل: حائط قصير دون السور. # المعنى: # وقوله: { فلا جناح عليهما } يعني لا حرج، على قول ابن عباس، وهو مأخوذ ~~من # جنحوا للسلم # أي مالوا. والجناح: الميل عن الاستقامة. # وقوله: { إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف } معناه على قول ms0534 مجاهد، والسدي: ~~أجر الأم بمقدار ما أرضعت أجرة المثل. وقال سفيان: أجرة المسترضعة. وقال ~~ابن شهاب: سلمتم الاسترضاع. وقال ابن جريج: أجرة الأم والنظير. # وقوله: { أن تسترضعوا أولادكم } معناه: لأولادكم، وحذفت اللام لدلالة ~~الاسترضاع عليه من حيث أنه لا يكون إلا للأولاد، ولا يجوز: دعوت زيدا، ~~تريد لزيد، لأنه يجوز أن يكون المدعو، والمدعو له، إذ معنى دعوت زيدا ~~لعمرو، خلاف دعوت زيدا فقط، فلا يجوز للالباس. # وفي الآية دلالة على أن الولادة لستة أشهر تصح، لأنه إذا ضم الى الحولين ~~كان ثلاثين شهرا، وروي عن علي (ع) وابن عباس ذلك. # الاعراب: # ومن رفع { لا تضار } فعلا استئناف النفي. وقال الكسائي، والفراء: هو ~~منسوق على { لا تكلف }. قال الرماني هذا غلط، لأن النسق ب (لا) إنما هو ~~على إخراج الثاني مما دخل فيه الأول، نحو ضربت زيدا لا عمرا، فأما أن ~~يقوم زيد لا يقعد عمرو، فلا يجوز على النسق، ولكن يرفع على استئناف النفي ~~ب (لا)، فكذلك " لا تضار " مستأنف في اللفظ متصل في المعنى، وقوله: # وإن تصبروا وتتقوا # إنما جاز في موضع الجزم للاتباع، وليس ذلك في { لا تضار }. # اللغة: # والوسع: الطاقة مأخوذ من سعة المسلك الى العرض، فيتمكن لذلك. ولو ضاق ~~لأعجز عنه، والسعة فيه بمنزلة القدرة، فلذلك قيل: الوسع بمعنى الطاقة. # وقوله: { وتشاور } فالتشاور مأخوذ من الشور، وهو اجتناء العسل، تقول: ~~شرت العسل، وأنا اشوره شورا، واشيره إشارة: إذا اجتنيته من مكانه. ~~والمشورة: استخراج الرأي من المستشار، لأنه يجتنى منه. وشاوره مشاورة، ~~وأشار عليه إشارة، واستشار استشارة. واستشار العسل: إذا اجتناه وأشار الى ~~الشيء إشارة: إذا أومىء اليه، والمشيرة الاصبع الذي تسمى السبابة لأنه ~~يشار بها الشباب، وغيره. والشابة: الهيبة، واللباس الحسن لأنه مما يشاب ~~اليه لحسنه والتشوير: استخراج سير الدابة كالاحسان. ### || [2.234] # المعنى: # هذه الآية ناسخة لقوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج # وإن كانت مقدمة عليه في التلاوة وعدة كل متوفى عنها زوجها: أربعة أشهر ~~وعشرا سواء كانت ms0535 مدخولا بها، أو غير مدخول، حرة كانت أو أمة، فان كانت ~~حبلى، فعدتها أبعد الأجلين، من وضع الحمل أو مضى الأربعة أشهر، وعشرة ~~أيام، وهو المروى عن علي (ع)، ووافقنا في الأمة الأصم، وخالف باقي ~~الفقهاء في ذلك، وقالوا: عدتها نصف عدة الحرة: شهران وخمسة أيام، وإليه ~~ذهب قوم من أصحابنا، وقالوا في عدة الحامل: إنها بوضع الحمل، وإن كان بعد ~~على المغتسل، وروي ذلك عن عمر، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة. وعندنا أن ~~وضع الحمل يختص بعدة المطلقة. والذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة ~~اجتنابه في قول ابن عباس،، وابن شهاب: الزينة، والكحل بالاثمد، وترك ~~النقلة عن المنزل. وقال الحسن في احدى الروايتين عن ابن عباس: إن الواجب ~~عليها الامتناع من الزواج لا غير. وعندنا أن جميع ذلك واجب. # الاعراب: # وقوله: { والذين } رفع بالابتداء { ويتوفون منكم } في صلة الذين { ~~ويذرون أزواجا } عطف عليه، وخبر الذين قيل فيه أربعة أقوال: # أولها - أن تكون الجملة على تقدير { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~} أزواجهم { يتربصن }. # الثاني - على تقدير { يتربصن } بعدهم أزواجهم. # الثالث - أن يكون الضمير في يتربصن لما عاد الى مضاف في المعنى، كان كان ~~بمنزلته على تقدير { يتربصن } أزواجهم: هذا قول الزجاج والأول قول أبي ~~العباس، والثاني قول الأخفش ونظير قول الزجاج أن تقول: إذا مات، وخلف ~~ابنتين، يرثان الثلثين، المعنى يرث إبنتاه الثلثين. # الرابع - أن يعدل عن الاخبار عن الأزواج، لأن المعنى عليه، والفايدة فيه ~~ذهب إليه الكسائي، والفراء، وأنكر ذلك أبو العباس، والزجاج، لأنه لا يكون ~~مبتدأ لا خبر له، ولا خبر إلا عن مخبر عنه، وأنشد الفراء: # لعلي إن مالت بي الريح ميلة # على ابن أبي ديان أن يتندما # المعنى لعل إبن أبي ديان أن يتندم، وهذا يجوز على حذف أن يتندم لأجلي ~~وقال أيضا: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقال أبو عبيدة: نظير الآية قول شداد بن عنتر: # فمن يك سائلا عنى فاني # وحروة لا ترود ولا نعار # حروة اسم فرسه وإنما ms0536 حذف الخبر من الأول، لأن خبر الثاني يدل عليه، لأنه ~~أراد فاني حاضر، وفرسي حاضرة لا ترود، ولا نعار، فدل بقوله: لا ترود ولا ~~نعار: على أنها حاضرة بتوعد وتتهدد في قول أبي العباس. # وقوله: { يذرون } يتركون وترك ماضيه يترك تركا. وتقول ذره تركا وكذلك ~~يدع ليذر سواء، والعلة في ذلك أنهم كرهوا الواوات في أول الكلام حتى أنهم ~~لم يحلقوها، أو على جهة الزيادة أصلا، ففي رفض وذر: دليل على الكراهة لها ~~أصلية، وليس بعد الضعف إلا الاتباع فلما ضعفت أصلية امتنعت زيادة، فان ~~قيل كيف قال وعشرا بالتأنيث وإنما العدة على الأيام والليالي، ولذلك لم ~~يجز أن تقول: عندي عشر من الرجال والنساء. # قيل لتغليب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ, وغيره، لأن ~~ابتداء شهور الأهلة الليالي منذ طلوع الهلال فلما كانت الأوائل غلبت، لأن ~~الأوائل أقوى من الثواني وقال الشاعر: # أقامت ثلاثا بين يوم وليلة # وكان النكير أن تضيف وتجأرا # معنى تضيف تميل وحكى الفراء: صمنا عشرا من شهر رمضان ولو أضاف الى ~~الأيام فقال عشرة أيام، لم يجز إلا التذكير، وإنما جاز في الأول لأنه ~~بمعنى عشر من رمضان وقع العمل في نهاره. # اللغة: # وقوله: { فإذا بلغن أجلهن } يقال: أجله تأجيلا: إذا أخره، والآجل نقيض ~~العاجل، وتأجل تأجلا واستاجله استئجالا، وأجلوا ما لهم يأجلونه أجلا: إذا ~~حبسوه في المرعى، لأنهم أخروه فيه والأجل: غاية الوقت في محل الدين ~~وغيره، لتأخره الى ذلك الوقت وأجل الشىء يأجل وهو آجل نقيض العاجل. ~~لتأخره عن وقت غيره، وفعلته من أجل كذا أي لعاقبة كذا وهي متأخرة عن وقت ~~الفعل الذي دعت. إليه والأجل: القطيع من نفر الوحش، وجمعه آجال، وقد تأجل ~~الصوار أي صار قطيعا لتأخر بعضه عن بعض، وآجل عليهم شرا آجلا أي خبأه، ~~لأنه أعقبهم شرا، وهو متأخر عن وقت فعله. والآجلة الآخرة، والعاجلة ~~الدنيا. والمأجل شبه حوض واسع يؤجل فيه ماء البئر أياما، ثم يفجر في ~~الزرع، وهو بالفارسية: (كرجه) وذلك لتأخر الماء فيه. # وقوله: ms0537 { والله بما تعملون خبير } فالخبير: العالم، لأنه عالم بمخبر ~~الخبر. والخبار: الأرض السهلة فيها حجارة، وأحفار. وأخبرت بالشيء ~~إخبارا، لأنه تسهيل لطريق العلم به، واستخبره استخبارا، وتخبر تخبرا، ~~وخبره تخبيرا، وأخبره إخبارا، وتخبر القوم: بينهم خبرة: إذا اشتروا ~~شاة، فذبحوها، واقتسموا لحمها، والشاة: خبيرة. والمخبرة: المزادة ~~العظيمة. والخابرة: أن يزرع على النصف، أو الثلث، أو نحوه. والاكار: ~~الخبير. والمخابرة: المؤاكرة، وذلك لتسهيل الزراعة. وأصل الباب السهولة. # المعنى: # وقوله: { فإذا بلغن أجلهن } أي انقضت هذه المدة، وهي الأربعة أشهر ~~وعشرا { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف } أي لا جناح ~~عليكم أن تتركوهن إذا انقضت هذه المدة أن يتزوجن، وأن يتزين زينة لا ينكر ~~مثلها. وهو معنى قوله { بالمعروف }. ### || [2.235] # المعنى: # قال ابن عباس: التعريض المباح في العدة هو قول الرجل: أريد التزويج، ~~وأحب امرأة من حالها، ومن أمرها، وشأنها، فيذكر بعض الصفة التي هي عليها، ~~هذا قول ابن عباس. وقال القاسم بن محمد، وعامر تقول: إنك لنافقة، وإنك ~~لعجبة جميلة، وإن قضى الله شيئا كان. # اللغة: # والخطبة: الذكر الذي يستدعي به الى عقدة النكاح، والخطبة: الوعظ المنسق ~~على ضرب من التأليف. وقيل الخطبة: ماله أول، وآخر، مثل الرسالة. والخطبة ~~للحال نحو الجلسة، والعقدة، تقول: خطب المرأة يخطبها خطبة، لأنه خاطب في ~~عقد النكاح. وخطب خطبة، لأنه خاطب بالزجر، والوعظ على ضرب من تأليف اللفظ ~~المخصوص. وخاطب مخاطبة، وخطابا، وتخاطبوا تخاطبا. والخطب: الأمر ~~العظيم. والخطبان: الحنظل الذي تشتد خضرته حتى تستحيل الى الغبرة، ~~والصفرة. وأصل الباب الخطاب. # والفرق بين التعريض، والكناية أن التعريض: تضمين الكلام دلالة على شيء ~~ليس فيه ذكر له، والكناية: العدول عن الذكر الأخص بالشيء الى ذكر يدل ~~عليه, فالأول كقول القائل: ما أقبح البخل، يعرض بأن المخاطب بخيل، ولعن ~~الله الملحدين، يعرض له بالالحاد. والثاني كقولك: زيد ضربته، كنيت عنه ~~بالهاء الموجودة في (ضربته). # وقوله: { أو أكننتم في أنفسكم } فالاكنان: إسرار العزم على النكاح دون ~~إظهاره على قول ابن زيد، ومجاهد. وقال قوم: هو معنى التعريض ms0538 بالخطبة إن ~~شئت أظهرته، وان شئت أضمرته. وتقول: كننت الشيء: إذا سترته، أكنه كنا ~~وكنونا وأكننته إكنانا إذا أضمرته، لأنك سترته في نفسك. واستكن الرجل، ~~وأكنن إذا صار في كن، لأنه صار فيما يستره. والكناية الجعبة غير أنها ~~صغيرة تتخذ للنبل. والكة: امرأة الابن أو ابن الاخ. والجمع كنائن. وسمي ~~الكانون كانونا، لأنه يحتاج إليه في وقت الاكتنان من البرد، ومنه قوله: # كأنهن بيض مكنون # وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون # وأصل الباب الكن: الستر. # والفرق بين الاكنان والكن: أن الاكنان: الاضمار في النفس، ولا يقال ~~كننته في نفسي. وقيل: كننته معناه صنته كما قال: { كأنهن بيض مكنون }. # المعنى: # وقوله: { لا تواعدوهن سرا } قال الحسن، وإبراهيم، وأبومجيلة: السر ~~المنهي عنه ها هنا الزنا. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي: هو ~~العهد على الامتناع من تزويج غيرك. وقال مجاهد: هو أن تقول لها لا ~~تفوتيني بنفسك، فاني ناكحك. وقال ابن زيد: هو اسرار عقدة النكاح في ~~العدة. # اللغة: # والسر في اللغة على ثلاثة أوجه: الاخفاء في النفس، والشرف في الحسب، ~~يقال: فلان في سر قومه إذا كان في شرفهم، وصميمهم. والجماع في الفرج قال ~~الشاعر: # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وألا يشهد السر أمثالي # وقال رؤبة: # فعف عن أسرارها بعد العسق # ولم يضعها بين فرك وعشق # العشق اللصوق وقال الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم # ويأكل جارهم أنف القصاع # وقوله: { إلا أن تقولوا قولا معروفا } يعنى التعريض الذي أباحه الله ~~تعالى. و (إلا) بمعنى (لكن) لأن ما قبلها هو المنهي عنه، وما بعدها هو ~~المأذون فيه. وتقديره: ولكن قولوا قولا معروفا. # وقوله: { ولا تعزموا عقدة النكاح }: تقديره على عقدة النكاح، وحذفت على، ~~لدلالة العزم عليها، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما قيل: ضربه ~~الظهر والبطن أي على الظهر والبطن. # والعقد: الشد، تقول: عقد يعقد عقدا، وأعقدت العسل إعقادا، واعتقد صحة ~~الأمر اعتقادا, وتعاقدوا على الأمر تعاقدا، وعاقدة معاقدة، وعقد كلامه ~~تعقيدا، وتعقد تعقدا، وانعقدا نعقادا، وعقد العبد، ms0539 لانه كعقد الحبل في ~~التوثيق. والعقد: السمط من الجوهر. والعقد: الرمل للتداخل. وعقد اليمين: ~~خلاف اللغو. وناقة عاقد أي لاقح، لأنها تعقد بذنبها، فيظهر أنها قد لقحت. # المعنى: # وقوله: { حتى يبلغ الكتاب أجله } معناه انقضاء العدة بلا خلاف. والكتاب ~~الذي يبلغ أجله هو القرآن ومعناه: فرض الكتاب أجله. ويجوز أن يكون الكتاب ~~نفسه هو الفرض، ذكره الزجاج، ووجه ثالث أن يكون ذلك على وجه التشبيه ~~بكتاب الدين، ذكره الجبائي. # وقوله: { والله غفور حليم } قد بينا أن الحلم من الله هو إمهال العقوبة ~~المستحقة. وقال أبو علي الجبائي هو كل فعل يضاد حدوث العقوبة في الانسان، ~~وهو من الانسان ترك العقاب. والله تعالى لا يجوز عليه الترك، فهو ما ~~وصفنا من نعمه التي تضاد عقوبته. ### || [2.236] # القراءة: # قرأ حمرة، والكسائي، وخلف " تماسوهن " بضم التاء وبألف ها هنا موضعان، ~~وموضع في الأحزاب، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر، وابن ذكوان " ~~قدره " بفتح الدال في الموضعين. الباقون باسكانها. # المعنى: # المفروض صداقها داخلة في دلالة الآية وإن لم يذكر، لأن التقدير ما لم ~~تمسوهن ممن قد فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن فريضة، لأن أو تنبىء عن ذلك، ~~لأنه لو كان على الجمع لكان بالواو. # والفريضة المذكورة في الآية: الصداق، بلا خلاف، لأنه بجب بالعقد للمرأة، ~~فهو فرض لوجوبه بالعقد. # ومتعة التي لم يدخل بها ولا يسمى لها صداق على قدر الرجل، والمرأة، قال ~~ابن عباس، والشعبي، والربيع: خادم أو كسوة أو رزق، وهو المروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله (ع). وقيل مثل نصف صداق تلك المرأة المنكوحة، حكى ذلك ~~عن أبي حنيفة وأصحابه. وفي وجوب المتعة لكل مطلقة خلاف. قال الحسن وأبو ~~العالية: المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة، والمبارية، والملاعنة. وقال ~~سعيد بن المسيب: المتعة التي لم يسم لها صداق، خاصة، وهو المروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله (ع). وقد روي أيضا أنها لكل مطلقة، وذلك على وجه ~~الاستحباب. والمتعة للتي لم يدخل بها ولم يعرض لها يجبر عليها ms0540 السلطان، ~~وهو قول أهل العراق. وقال أهل المدينة وشريح يؤمر لها، ولا يجبر عليها. # اللغة: # والموسع: الغني في سعة من ماله لعياله. والمقتر: الذي في ضيق لفقره، ~~تقول: أقتر الرجل إقتارا: إذا أقل، فهو مقتر أي مقل، وقترت الشيء ~~أقتره قترا، وأقترته إقتارا، وقترته تقتيرا: إذا ضيقت الانفاق منه. ~~والقتار: دخان الشحم على النار، ونحوه، لغلبته بالاضافة الى بقيته. ~~والقتر: الغبار. والقترة: ما يغشى الوجه من غير الموت، والكرب، لأنه ~~كالقتار أو كالغبار يغشى الوجه، وفي التنزيل # ترهقها قترة # والقتير: مسامير الدروع، لقلتها وصغرها. والقتير ابتداء الشيب، لقلته. ~~ويجوز أن يكون مشبها بالدخان أول ما يرتفع. والقترة ناموس الصائد، لأنها ~~كالقتار باخفائه إياها. ورجل قاتر: حسن الأخذ من ظهر البعير لا يعقره ~~لقلة ما يأخذ منه، وأصل الباب الاقلال. وابن قترة: حية خبيثة لا ينجو ~~سليمها. # المعنى: # والمتوفى عنها زوجها إذا لم يفرض لها صداق عليها العدة - بلا خلاف - ~~ولها الميراث إجماعا. وقال الحسن والضحاك وأكثر الفقهاء. لها صداق ~~مثلها. وحكى الجبائي عن بعض الفقهاء: أنه لا مهر لها، وهو الذي يليق ~~بمذهبنا، ولا نص لأصحابنا فيها. # الاعراب، والمعنى: # ويحتمل نصب { متاعا } وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من قدره، لأنه ~~معرفة، والعامل فيه الظرف. والثاني - على المصدر، والعامل فيه { ومتعوهن ~~}. # ويحتمل نصب حقا وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من " بالمعروف حقا " ~~والعامل فيه معنى عرف حقا. الثاني - على التأكيد، لجملة الخبر كأنه قيل: ~~أخبركم به حقا كأنه قيل: إيجابا " على المحسنين " وإنما خص التي لم يدخل ~~بها بالذكر في رفع الجناح دون المدخول بها بالذكر وإن كان حكمهما واحدا ~~لأمرين: أحدهما - لأزالة الشك في الحرج على هذا الطلاق. والثاني - لأن له ~~أن يطلق أي وقت شاء، وليس كذلك حكم المدخول بها، لأنه يجب أن يطلقها ~~للعدة. # { وقدره } على تقدير أعطوهن قدر الوسع كما يقال: أخذ صدقاتهن لكل أربعين ~~شاة بالرفع، والنصب. وقال الشاعر في تسكين الدال: # وما صب رجلي في حديد مجاشع # مع القدر إلا حاجة لي أريدها # وقال آخر: ms0541 # ألا يالقومي للنوائب والقدر! # وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري # قال أبو زيد: قدر القوم: أمرهم يقدرونه قدرا، وهذا قدر هذا أي مثله، ~~وقدر الله الرزق يقدره. وروى السكوني يقدره قدرا. وقدرت الشيء بالشيء ~~أقدره قدرا. وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة، وقدورا؛ وقدارة. ونسأل ~~الله خير القدر. وقال أبو الصقر: هذا قدر هذا، وأحمل قدر ما تطيق. قال ~~أبو الحسن: هو القدر، والقدر. وخذ منه بقدر كذا، وقدر كذا: لغتان فيه. ~~وقوله: # فسالت أودية بقدرها # وقدرها. # الحجة: # ومن قرأ { تمسوهن } بلا الف، فلقوله تعالى: # ولم يمسسني بشر # فانه من جاء على (فعل)، وكذلك قوله: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان # ومن قرأ " تماسوهن بالف " ، لأن (فاعل)، و (فعل) قد يراد بكل واحد منهما ~~ما يراد بالآخر، نحو طابقت النعل وعاقبت اللص، ولا يلزم على ذلك في آية ~~الظهار # من قبل أن يتماسا # لأن المماسة محرمة في الظهار على كل واحد من الزوجين للآخر، فلذلك لم ~~يجز إلا { من قبل أن يتماسا }. وفي الآية دليل على أن العقد بغير مهر ~~صحيح، لأنه لو لم يصح لما جاز فيه الطلاق، ولا وجبت المتعة. ### || [2.237] # روى سعيد بن المسيب: أن هذه الآية ناسخة لحكم المتعة في الآية الأولى. ~~قال البلخي: وهذا ليس بصحيح، لأن الآية الأولى تضمنت حكم من لم يدخل بها، ~~ولم يسم لها مهرا إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها صداق إذا طلقت ~~قبل الدخول، وأحد الحكمين غير الآخر. والذي قاله سعيد بن المسيب متوجه ~~على ما قدمناه في الآية من أن دليلها يتناول التي فرض لها المهر. وإن ~~حملنا قوله: " ومتعوهن " على عمومه لزم أن تمتع كل مطلقة وإن سمي لها ~~مهرا. وإن قلنا: لا متعة للمفروض لها الصداق، فلا يلزم نسخ الآية أو ~~تخصيصها إن نزلت معها. وقال جميع أهل التأويل: إنه إذا طلق الرجل من سمي ~~لها مهرا معلوما قبل أن يدخل بها، فانه يستقر لها نصف المهر، فان كانت ~~ما قبضت شيئا وجب ms0542 عليه تسليم نصف المهر، وإن كانت قد سلمت جميع المهر، ~~وجب عليها رد نصف المهر، ويستقر لها النصف الآخر. # اللغة: # والنصف: هو سهم من اثنين،, تقول: نصفه ينصفه، وانتصف انتصافا، ونصفه ~~تنصيفا، وأنصفه إنصافا، وتناصفوا تناصفا، وناصفه مناصفة، وتنصف ~~تنصفا. والنصف: المرأة بين المسنه والحدثة، لأنها على نصف المسنة. ~~والناصف: الخادم، وهو ينصف الملوك أي يخدمهم، لأنه يعطيهم النصف من نفسه ~~قسرا وذلا. والانصاف، لأنه كالنصف في العدل. والنصيف: الخمار، لأنه ~~كالنصف في أنه وسط بين الصغير، والكبير، ويقال له: نصيفة. ومنتصف الطريق: ~~وسطه. والمنصف من الشراب الذي طبخ حتى ذهب نصفه. والنصيف: مكيال، لأنه ~~على النصف بالتعديل بين الكبير والصغير. # المعنى: # وقوله: { أن يعفون } معناه: أن يصح عفوها، من الحرار البالغات غير ~~المولى عليها، لفساد عقلها، فتترك ما يجب لها من نصف الصداق، وهو قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وجميع أهل العلم. # وقوله: { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } قال مجاهد، والحسن، وعلقمة: ~~إنه الولي، وهوالمروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع)، غير أنه لا ولاية ~~لأحد - عندنا - إلا الأب أو الجد على البكر غير البالغ، فأما من عداها، ~~فلا ولاية له إلا بتولية منهما، روي عن علي (ع). وعن سعيد بن المسيب، ~~وشريح، وحماد، وابراهيم، وأبي حذيفة، وابن شبرمة: أنه الزوج، وروي ذلك ~~أيضا في أخبارنا غير أن الأول أظهر، وهو المذهب، وفيه خلاف بين الفقهاء ~~ذكرناه في الخلاف، وقوينا ما أخبرناه هناك. # والألف واللام في قوله { عقدة النكاح } بدل من الاضافة، فمن جعل الزوج ~~قال: تقديره: الذي بيده عقدة نكاحه، ومن جعل الولي، قال: تقدير الذي بيده ~~عقدة نكاحها، ومثله قوله تعالى: # فإن الجنة هي المأوى # ومعناه: هي مأواه وقراره وقال النابغة: # لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم # من الناس والأحلام غير عوازب # معناه وأحلامهم غير عوازب. ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع ~~نصفه. ومن جعله للولي: قال أصحابنا له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو ~~عن جميعه، فان امتنعت المرأة ms0543 من ذلك لم يكن لها ذلك إذا اقتضت المصلحة ~~ذلك، عن أبي عبد الله (ع). واختار الجبائي أن يكون المراد به الزوج، قال: ~~لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة، وقوله: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ~~خطاب للزوج والمرأة، قال لأنه ليس للولي أن يهب مال المرأة. # وقوله: { وأن تعفوا أقرب للتقوى } خطاب الزوج، والمرأة جميعا - في قول ~~ابن عباس - وقيل: للزوج وحده عن الشعبي، وإنما جمع لأنه لكل زوج وقول ابن ~~عباس أقوى لأنه العموم. وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين: # أحدهما - لاتقاء ظلم كل واحد صاحبه مما يجب من حقه. # الثاني - أنه أدعى الى اتقاء معاصي الله، للرغبة فيما رغب فيه من العفو ~~عماله. # الاعراب: # وقوله: { فنصف ما فرضتم } رفع على: عليكم نصف ما فرضتم، وكان يجوز أن ~~ينصب في العربية على فأدوا نصف ما فرضتم. # وقوله: { ولا تنسوا الفضل بينكم } الواو مضمومة، لأنها واو الجمع، ~~وقياسها أن تكون مع ضم ما قبلها، فاذا لم يوصل اليه جعل الضم منها، وكان ~~يجوز فيها الكسر، ومثله # اشتروا الضلالة # على ضعف فيه، وقد مضى ذكره. # المعنى: # والذي يوجب المهر كاملا الجماع، وهو المراد بالمسيس، وقال أهل العراق: ~~وهو الخلوة التامة إذا أغلق الباب وأرخى الستر، وقد روى ذلك أصحابنا غير ~~أن هذا يعتبر في حق الثيب. ### || [2.238] # اللغة: # الحفظ ضبط الشىء في النفس، ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب. والحفظ ~~خلاف النسيان تقول: حفظ حفظا، وحافظ محافظة، وحفاظا، واحتفظ به ~~احتفاظا، وتحفظ تحفظا، واستحفظ استحفاظا، وأحفظه إحفاظا: إذا أغضبه، ~~لأنه حفظ عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة: الحمية. والحافظ: خلاف المضيع. ~~والحفيظ: الموكل بالشىء، لأنه وكل به ليحفظه وأهل الحفاظ: أهل الذمام، ~~ومنه قوله: # فما أرسلناك عليهم حفيظا # المعنى: # ومعنى الآية الحث على مراعات الصلوات، ومواقيتهن، وألا يقع فيها تضييع ~~وتفريط. # وقوله { والصلاة الوسطى } هي العصر فيما روي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وعلي (ع) وابن عباس، والحسن. وقال زيد بن ثابت، وابن عمر: إنها ~~الظهر، وهو المروي عن ms0544 أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال قبيصة بن ذؤيب: ~~هي المغرب، وقال جابر ابن عبد الله هي الغداة. وفيه خلاف بين الفقهاء ~~ذكرناه في الخلاف. وروي عن ابن عمر أنه قال: واحدة من الخمس غير متميزة. ~~وقال الحسين بن علي المغربي: المعني فيها صلاة الجماعة، لأن الوسط العدل، ~~فلما كانت صلاة الجماعة أفضلها خصت بالذكر، وهذا وجه مليح غير أنه لم ~~يذهب إليه أحد من المفسرين، فمن جعلها العصر قال: لأنها بين صلاتي ~~النهار، وصلاتي الليل، وإنما حض عليها، لأنها وقت شغل الناس في غالب ~~الأمر، ومن قال: إنها الظهر قال: لأنها وسط النهار، وقيل: هي أول صلاة ~~فرضت، فلها بذلك فضل. ومن قال: هي المغرب قال: لأنها وسط في الطول، ~~والقصر من بين الصلوات، فهي أول صلاة الليل الذي رغب في الصلاة فيه، ~~وأما من قال هي الغداة قال: لأنها بين الظلام والضياء، وصلاة لا تجمع مع ~~غيرها. وقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع ~~بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فهذه متواخية وتلك مفردة. # وقوله: { وقوموا لله قانتين } قال ابن عباس، والحسن: معناه طائعين. وقال ~~عبد الله بن مسعود: ساكتين، لأنهم نهوا بذلك عن الكلام في الصلاة. وقال ~~مجاهد: معناه خاشعين فنهوا عن العبث، والتلفت في الصلاة. وقال ابن عباس ~~في رواية: داعين ولذلك قال هي صلاة الصبح، لأنه لا صلاة فرض فيها قنوت ~~إلا هي. وعن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) مثل ذلك إلا أنهما قالا: القنوت ~~في كل ركعتين قبل الركوع. # اللغة, والاعراب: # وأصل القنوت الدوام على أمر واحد. وقيل أصله الطاعة. وقيل أصله الدعاء ~~في حال القيام. وقال الرماني والوجه الأول أحسن بصرفه في الباب، لأن ~~المداوم على الطاعة قانت، وقال المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر ~~المشروع له، وكذلك المداوم. ويقال: فلان يقنت عليه أي يدعوا عليه دائما. # والصلاة الوسطى محفوظة بالعطف على الصلوات وكان يجوز النصب على { ~~والصلاة الوسطى } فخصوها بالمحافظة. ومن حمل الصلاة الوسطى على ms0545 صلاة ~~الجماعة جعل قوله: { على الصلوات } على عمومه. ومن حملها على واحدة من ~~الصلوات على الخلاف فيه اختلفوا، فمنهم من قال أراد بقوله { على الصلوات ~~} ما عدا هذه الصلاة وإلا كان يكون عطف الشيء على نفسه، ومنهم من قال لا ~~يمتنع أن يريد بالأول جميع الصلوات، وخص هذه بالذكر تعظيما لها وتأكيدا ~~لفضلها. ### || [2.239] # اللغة: # معنى قوله: { فرجالا } أي على أرجلكم، لأن الراجل: هو الكائن على رجله ~~واقفا كان، أو ماشيا. وأحد الرجال: راجل وجمعه رجال، مثل تاجر وتجار، ~~وصاحب، وصحاب، وقائم، وقيام. وواحد الركبان: راكب، وجمعه ركبان، وركاب، ~~كفارس، وفرسان. وتقول: ركب يركب ركوبا، وأركبه إركابا، وارتكب ~~ارتكابا، وتراكب الشيء تراكبا، وتركب تركيبا، وركبة تركيبا، واستركب ~~استركابا وكل شيء علا شيئا، فقد ركبه. وركبه الدين، ونحوه. والركبة ~~معروفة، لروب البدن لها. وركبة البعير في يده. والركاب: المطي. وركاب ~~السرج، لأنه يركب. والركبان: أصلا الفخذين الذين عليهما لحم الفرج لركوبه ~~إياهما. وفرس أركب، والانثى ركبى: إذا عظمت ركبتيهما وهو عيب. وأركب ~~المهر: إذا أمكن أن يركب. ورجل مركب: الذي يغزوا على فرس غيره. والراكبة: ~~فسيلة تتعلق بالنخلة لا تبلغ الأرض. وركبت الرجل أركبه ركبا: إذا ضربته ~~بركبتك. والركوب: كل دابة تركب، ومنه قوله: # فمنها ركوبهم # وأصل الباب الركوب: العلو على الشيء. # المعنى: # والعامل في قوله: { فرجالا } محذوف، وتقديره: فصلوا رجالا أو ركبانا. # وصلاة الخوف من العدو: ركعتان كيف توجه إنما يجعل السجود أخفض من ~~الركوع - في قول ابراهيم، والضحاك - فان لم يستطع، فليكن بتكبيرتين. وروي ~~أن عليا (ع) صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالايماء وقيل بالتكبير. وإن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) صلى يوم الاحزاب إيماء. وروي أنه قضاها بعد ~~أن فاتت بالليل. وقال ابن عباس والحسن: يجوز في صلاة الخوف ركعة واحدة. ~~وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: يجوز أن يصلي الخائف ماشيا. وقال أهل ~~العراق: لا يصلي ماشيا، لأن المشي عمل. والذي نقوله: إن الخائف إن صلى ~~منفردا صلاة شدة الخوف صلى ركعتين يومىء إيماء، ويكون سجوده أخفض من ms0546 ~~ركوعه، وإن لم يتمكن كبر عن كل ركعة تكبيرة، وهكذا صلاة شدة الخوف إذا ~~صلوها جماعة، وإن صلوا جماعة غير صلاة شدة الخوف، فقد بينا الخلاف فيه ~~وكيفية فعلها في خلاف الفقهاء. # والذكر في الآية قيل في معناه قولان: # أحدهما - أنه الصلاة، أي فصلوا صلاة الأمن كما علمكم الله، هذا قول ~~الحسن، وابن زيد. # الثاني - اذكروه بالثناء عليه، والحمد له كما علمكم ما لم تعلموا من أمر ~~دينكم، وغير ذلك من أموركم. والأولى حمل الآية على عمومها في الأمرين. ### || [2.240] # قرأ نافع، وابن كثير، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم " وصية " بالرفع. ~~الباقون بالنصب. # المعنى: # هذه الآية منسوخة الحكم بالآية المتقدمة، وهي قوله: { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } بلا خلاف في نسخ ~~العدة إلا أبا حذيفة، فانه قال: العدة أربعة أشهر وعشرا، وما زاد الى ~~الحول يثبت بالوصية والنفقة، فان امتع الورثة من ذلك كان لها أن تتصرف في ~~نفسها، فأما حكم الوصية، فعندنا باق لم ينسخ وإن كان على وجه الاستحباب. ~~وحكي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد: أنها منسوخة بآية الميراث، ~~وقد بينا فساد قولهم: لا وصية لوارث. فأما آية الميراث، فلا تنافي ~~الوصية، فلا يجوز أن تكون ناسخة لها، وقد مضى الكلام في خبر الذين في ~~الآية المتدمة، فلا وجه لاعادته. # المعنى، والاعراب: # ومن نصب { وصية } فانه يحتمل قوله: { وصية } أمرين: # أحدهما - فليوصوا وصية لأزواجهم، فينصب على المصدر. # الثاني - كتب الله عليهم وصية لأزواجهم، فينصب على أنه مفعول به. ~~والمصدر المنصوب يدل على فعل الأمر المأخوذ منه، أما دلالته على فعله، ~~فلأنه مشتق منه، وأما دلالة نصبه على الأمر منه، فلغلبة الباب في الأمر، ~~فأما دلالته على كتب، فلأن ما أمر الله به، فقد كتبه. والنصب يدل على ~~الأمر به. والرفع يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - فعليهم وصية لأزواجهم. ~~الثاني - فلأزواجهم وصية كما تقول: لزيد مال. والثالث - كتب عليهم وصية ~~لأزواجهم. وقال بعضهم: لا يجوز غير الرفع، لأنه، لا يمكن الوصية بعد ~~الوفاة، لأن ms0547 الفرض كان لهن أوصى أو لم يوص. وقال الرماني: وهذا غلط، لأن ~~المعنى والذين يحضرهم الوفاة منكم، فلذلك قال: " يتوفون منكم " على لفظ ~~الحاضر الذي يتطاول على نحو قولك: الذين يصلون، فليعرضوا عن الذكر فيما ~~يشغلهم. فأما قوله: الفرض كان لهم، فان لم يوصوا فقال قتادة والسدي: إنما ~~كان لهن بالوصية على أنه لو كان على ما زعم، لم ينكر أن يوجبه الله على ~~الورثة إن فرط الزوج في الوصية. # وقوله: { متاعا إلى الحول } نصب، والعامل فيه أحد أمرين: # أحدهما - جعل الله لهن ذلك متاعا، لأن ما قبله دل عليه. # والثاني - متعوهن متاعا. وقوله غير إخراج نصب بأحد الشيئين: أحدهما - ~~بأن يكون صفة لمتاع. والثاني - أن يكون مصدرا كأنه قيل: لا إخراجا. قال ~~الفراء: هو كقولك: جئتك عن رغبة اليك فكأنه قال: متعوهن مقاما في ~~مساكنهن، فيكون مصدرا وقع موقع الحال. ويجوز أن يكون بمعنى الاقامة في ~~مساكنهن. وقال الحسن، والسدي: قوله: { فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن ~~في أنفسهن بالمعروف } دليل على سقوط النفقة، والسكنى بالخروج، لأنه إنما ~~جعل لهن ذلك بالاقامة الى الحول، فان خرجن قبله بطل الحق الذي وجب ~~بالاقامة. وإنما يحتاج الى هذا التخريج من يوجب النفقة للمعتدة عن ~~الوفاة. فأما من قال: لا نفقة لها، ولا سكنى، فلا يحتاج الى ذلك، وهو ~~مذهبنا، لأن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، وإذا قلنا القرآن لا ينسخ ~~بالسنة، قلنا: النفقة ها هنا على وجه الاستحباب أو أنها تثبت بالوصية، ~~لأنا بينا أن الوصية غير منسوخة. ### || [2.241] # المعنى: # قال سعيد بن المسيب الآية منسوخة بقوله: { فنصف ما فرضتم } وعندنا أنها ~~مخصوصة بتلك إن نزلا معا. وإن كانت تلك متأخرة فالأمر على ما قال سعيد ~~ابن المسيب: إنها منسوخة، لأن عندنا لا تجب المتعة إلا للتي لم يدخل بها ~~ولم يسم لها مهر. وإن سمي لها مهر، فلها ما سمي وإن لم يدخل بها فان فرض ~~لها مهرا كان لها نصف مهرها، ولا متعة لها في الحالين، فلا ms0548 بد من تخصيص ~~هذه الآية. وقال سعيد ابن جبير وأبو العالية والزهري: المتعة واجبة لكل ~~مطلقة، وبه قال أبو حنيفة. وقال الحسن: هي للمطلقة التي لم يدخل بها ولم ~~يفرض لها صداق ما قلناه. وقال عطا، ومجاهد: هي للمدخول بها، وحكى أبو ~~علي: للمطلقة البائنة. # وإنما كرر ذكر المتعة ها هنا وقد تقدم ذكرها قبل هذه الآية، لأنه ذكر في ~~غيرها خاصا وذكر فيها عاما فدخل فيه الأمة، وغيرها، والمتعة في الموضع ~~الذي يجب على قدر الرجل بظاهر الآية، لأنه قال: { وعلى الموسع قدره }: ~~مثلها وإن كان فوق قدره حكاه البلخي. # وقوله: { بالمعروف } معناه بالمعروف صحته، لأنه عدل بين الافراط، ~~والتقصير. وقال الضحاك: على قدر الميسرة، وإنما خص المتاع بالمتقين وإن ~~كان واجبا على الفاسقين، تشريفا لهم بالذكر اختصاصا، وجعل غيرهم على ~~وجه التبع، كما قال: # هدى للمتقين # وقيل: لأنه أخرج الكلام مخرج من لا يعتد بغيرهم لاحتقارهم، وجلالة ~~المتقين بالتقوى، ولأنه اذا وجب على المتقين، فهو واجب على جميع ~~المتعبدين، لأن التقوى واجب على المكلفين، وهذا إنما يدل على أنه واجب ~~بشريطة التقوى. فأما إذا وجب على التقي والفاجر، فالجواب هو الأول. # الاعراب: # وقوله: { حقا على المتقين } نصب على المصدر، وقع موقع الحال، والعامل ~~فيه { بالمعروف } كأنه قيل: عرف حقا، ويجوز أن يكون العامل فيه الظرف. ~~ويجوز أن يعمل فيه معنى الجملة، كأنه قيل: أحق ذلك حقا وكان يجوز أن ~~يرفع على أنه صفة لمتاع. # المعنى: # والمتاع: النفقة مقدار ما تقيم في العدة على قول الجبائي: وعلى ما قلناه ~~قدر ما يوصي به لها بالمعروف الذي لا يضر بباقي الورثة. ### || [2.242] # التشبيه بقوله: { كذلك يبين الله } وقع على البيان الذى تقدم في الأحكام ~~والحجاج والمواعظ والآداب وغير ذلك مما يحتاج الناس الى عمله، والعمل ~~عليه في أمر دينهم ودنياهم شبه البيان الذي يأتي بالبيان الماضي، ~~والبيان: هو الأدلة التي يفرق بها بين الحق، والباطل. وعبر عنه بأنه فعل ~~يظهر به أمر على طريقة حسنة، وليس كلما يظهر به غيره ms0549 ما لا يأتيه. وقد ~~يكون ذلك بكلام فاسد يفهم به المراد، فلا يستحق صفة بيان. والآية هي ~~العلامة فيما كان من الأمور العظيمة، لأن في الآية تفخيما ليس في ~~العلامة. وقوله: { لعلكم تعقلون } معناه: لكي تعقلوا آيات الله بالبيان ~~عنها. والعقل مجموع علوم ضرورية يميز بها بين القبيح، والحسن، ويمكن معها ~~الاستدلال بالشاهد على الغائب. ### || [2.243] # المعنى: # معنى { ألم تر } ألم تعلم، لأن الرؤية مشتركة بين العلم - وهي رؤية ~~القلب - وبين رؤية القلب. وقيل في معنى قوله: { وهم ألوف } قولان: # أحدهما - أن معناه: الكثرة، فكأنه: وهم أكثر الناس، ذهب إليه ابن عباس، ~~والضحاك، والحسن. وقال ابن زيد: معناه هم مؤتلفوا القلوب، لم يخرجوا عن ~~تباغض. ومن قال: المراد به العدد الكثير، اختلفوا، فقال ابن عباس: كانوا ~~أربعين الفا. وقال قوم: أربعة آلاف. وقال آخرون: ثمانية آلاف وقال ~~السدي: بضعة وثلاثون ألفا. والذي يقضي به الظاهر: أنهم أكثر من عشرة ~~آلاف، لأن بناء (فعول) للكثير، وهو ما زاد على العشرة. فأما ما نقص، ~~فيقال فيه: آلاف على وزن (أفعال) نحو عشرة آلاف ولا يقال: عشرة ألوف. ~~وقال الحسن، وأكثر المفسرين: كانوا فروا من الطاعون الذي وقع بأرضهم. ~~وقال الضحاك: فروا من الجهاد. # ومعنى الآية: الحض على الجهاد، بأنه لا ينفع - من الموت - فرار، ومن ~~أمر الله، لأنه يجوز أن يعجله على جهة العقاب، كما عجله لهؤلاء، ~~للاعتبار. وفي الآية دليل على من أنكر عذاب القبر والرجعة معا، لأن ~~الاحياء في القبر، وفي الرجعة مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم للعبرة. # وقوله: { فقال لهم الله موتوا } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أن معناه أماتهم الله، كما يقال: قالت السماء، فهطلت، وقلت ~~برأسي كذا, وقلت بيدي، وذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل، ~~كالقول الذي هو تسمية، وما جرى مجراها مما كان يستفتح به الفعل، صار معنى ~~قالت السماء، فهطلت أي استفتحت الهطلان، وصار بمنزلة استفتاح الافعال ~~فلذلك صارت أماتتهم بمنزلة استفتاح الأفعال. # الثاني - أن يكون أحياهم عند قول سمعته الملائكة بضرب من ms0550 العبرة. ويجوز ~~- عندنا - أن يكونوا أحيوا في غير زمان نبي. وقالت المعتزلة: لا يجوز أن ~~يكون ذلك إلا في زمان نبي، لأن المعجزة لا يجوز ظهورها إلا للدلالة على ~~صدق نبي، تكون له آية. وقد بينا فساد ذلك في غير موضع، وأنه تجوز ~~المعجزات على دين من الصادقين: من الأئمة، والأولياء وإن لم يكونوا ~~أنبياء. وروي عن ابن عباس: أنه مر بهم نبي، فدعا الله تعالى، فأحياهم. # وقوله: { إن الله لذو فضل على الناس } إنما ذكر، واتصل بما تقدم، لأنه ~~لما ذكر النعمة عليهم بما آتاهم من الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سبيل ~~الهدى، ويتجنبوا طرق الردى ذكر عند ذلك ما له على الناس من الانعام مع ما ~~هم من الكفران. ### || [2.244] # المعنى: # قيل فيمن يتوجه إليه هذا الخطاب قولان: # أحدهما - أنه متوجه الى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فر من الموت، فلم ~~ينفعه الفرار، حضهم على الجهاد، لئلا يسلكوا سبيلهم في الفرار من ~~الجهاد، كما فر أولئك من الديار. # الثاني - الخطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير، وقيل لهم: قاتلوا في سبيل ~~الله. والقول الأول أظهر، لأن الكلام على وجهه، لا محذوف فيه. # وقوله: { واعلموا أن الله سميع عليم } معناه ها هنا: أنه { سميع } لما ~~يقوله المنافق { عليم } بما يحبه المنافق، فاحذروا حاله. وقيل: { سميع } ~~لما يقوله المتعلل { عليم } بما يضمر، فاياكم والتعلل بالباطل. وقيل: { ~~سميع } لقولكم إن قلتم كقول من قبلكم { عليم } بضمائركم. # وسبيل الله الذي أمر بالقتال فيها: قتل في دين الله، لاعزازه، والنصر ~~له، وقتل في طاعة الله، وقتل في جهاد أعداء المؤمنين. # اللغة: # والقتل: نقض البنية التي تحتاج إليها الحياة. والقتال: هو تعرض كل واحد ~~منهما للقتل. والفرق بين سميع وسامع: أن سامعا يقتضي وجوه السمع، وسميع ~~لا يدل عليه، وإنما معناه: أنه من كان على صفة لأجلها يسمع المسموعات اذا ~~وجدت ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع، ولا يوصف بأنه سامع إلا ~~بعد وجود المسموعات. ### || [2.245] # القراءة: # قرأ أبو عمرو، ونافع، وحمزة، ms0551 والكسائي { فيضاعفه } بالرفع. وقرأ عاصم ~~بالألف، والنصب. وقرأ ابن كثير " فيضعفه " بالتشديد، والرفع. وقرأ ابن ~~عامر بالتشديد والنصب. # المعنى، واللغة: # والقرض الذي دعا الله إليه قال ابن زيد هو الجهاد، وقال في البر من ~~النفل. # والقرض: هو قطع جزء من المال بالاعطاء على أن يرد بدل منه. وقوله: { ~~يقرض الله } مجاز في اللغة لأن حقيقته أن يستعمل في الحاجة، وفى هذا ~~الموضع يستحيل ذلك، فلذلك كان مجازا، وقد يستعمل القرض في غير الحاجة ~~قال أمية بن أبي الصلت: # لا تخلطن خبيثات بطيبة # واخلع ثيابك منها وانح عريانا # كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا # أو سيئا ومدينا كالذي دانا # فهذا يبين أن القرض من غير عوز، وقال آخر: # وإذا جوزيت قرضا فاجزه # إنما ليس الفتى غير الحمل # والقرض القطع بالناب. قرض يقرض قرضا: إذا قطع الشيء بنابه، وقرض ~~تقريضا، وتقرض تقرضا، واقترض المال اقتراضا. والقرض ما أعطيته ~~لتكافاه، أويرد بعينه. واقترض اقتراضا، واستقرض استقراضا، وتقارضا ~~الثناء: إذا أثنى كل واحد منهما على صاحبه، وكذلك قارضه الثناء. وانقرضوا ~~انقراضا: إذا هلكوا. والدنيا قروض: أي يتقارضا الناس من بينهم ~~بالمكافاة. وقرض الشيء يقرضه قرضا. والشعر قريض. ومنه قوله: # تقرضهم ذات الشمال # أي تقطعهم بمرورها عليهم والمقراض: الجلم الصغير، وقراضات الثوب ما ~~ينفيه الجلم. # الاعراب، واللغة: # وقوله: { فيضاعفه } من رفع عطفه على قوله: { يقرض } ومن نصب، فعلى جواب ~~الاستفهام بالفاء. والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء ~~بالفاء لا يكون إلا رفعا " ويضاعفه " أكثر في الاستعمال، وإنما شدد أبو ~~عمرو # يضعف لها العذاب ضعفين # ولم يشدد { فيضاعفه } لأن المضاعفة عنده لما لا يحد. والتضعيف للمحدود، ~~وتقول: ضعفت القوم أضعفهم ضعفا: إذا كثرتهم، فصرت مع أصحابك على الضعف ~~منهم، وضعف الشيء: مثلاه في المقدار. وأضعفت الشىء إضعافا، وضعفته ~~تضعيفا، وضاعفته مضاعفة، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو ~~أكثر. وتضاعف الشيء تضاعفا وضعف ضعفا. والضعف خلاف القوة، لأنه قطع ~~القوة عن التمام. وضعف الشيء مثله في المقدار إذا زيد عليه، فكل واحد ms0552 ~~منهما ضعف. والتضعيف: تكرير الخوف، واستضعفت الرجل استضعافا، وأصل الباب ~~الضعف. وهو زيادة المثل. # وقوله: { والله يقبض ويبسط } قال الحسن، وابن زيد في الرزق، وحكى ~~الزجاج: أنه يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلا، وآجلا عليها. # والقبض خلاف البسط والقبض ضم الكف على الشيء قبضه قبضا وتقبض عنه ~~تقبضا: إذا اشمأز منه, لأنه ضم نفسه عن الانبساط إليه. وانقبض انقباضا، ~~وقبضت الرجل تقبيضا: إذا أعطيته لانضمام كفه على ما أخذه. ورجل قبيض: إذا ~~كان منكمشا سريعا لتجمعه للاسراع. # وراع قبضة: إذا كان لا يتفسح في رعيه، لانقباضه. والتقبض: التشنج. وقبض ~~الانسان: إذا مات. والملك قابض الارواح. # والبسط خلاف القبض تقول: بسط يبسط بسطا، وانبسط انبساطا، وبسطه ~~تبسيطا، وتبسط تبسطا. والبساط - بكسر الباء - ما بسطته. والبساط - ~~بفتح الباء - الأرض الواسعة، وناقة بسط: معها ولدها لانبساطه. والبسطة: ~~الفضيلة في الجسم أو المال، ونحو ذلك # وزاده بسطة في العلم والجسم # وكتب " بصطة " بالصاد، وبسطة بالسين، لأن القلب على الساكن أقوى منه على ~~المتحرك. # المعنى: # ومعنى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } التلطف في الاستدعاء الى ~~أعمال البر والانفاق في سبيل الخير. # وجهلت اليهود لما نزلت هذه الآية، فقالوا ألله يستقرض منا فنحن أغنياء ~~وهو فقير الينا! فأنزل الله تعالى # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء # ذكره الحسن والهاء في قوله: { وإليه ترجعون } عائدة الى الله. ومعناه ~~الى الله ترجعون في الآخرة. وقيل الى التراب الذي خلقكم منه ذكره قتادة. ### || [2.246] # القراءة: # قرأ نافع عسيتم بكسر السين. الباقون بفتحها. # اللغة: # الملأ: الجماعة الأشراف من الناس وروي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر: ~~إن قتلنا الاعجاز صلعا، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): # " أولئك الملا من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ~~ولاحتقرت فعالك عند فعالهم " # وتقول ملأت الاناء أملأه ملاء إذا أترعته، لأنه يجتمع فيه ما لا يكون ~~معه مزيد عليه، وامتلأ امتلاء: إذا طفح، ومالأت الرجل: إذا عاونته ~~ممالأة. وتمالؤوا علي: إذا تعاونوا. وملوء ms0553 الرجل ملاءة، فهو مليء ~~بالأمر: إذا أمكنه القيام به. ووعاء ملآن والانثى ملآى، والجمع: ملاء. ~~والملأ: الجماعة من الناس يستجمعون للمشاورة. والجميع الاملاء قال ~~الشاعر: # وقالت لنا الاملاء من كل معشر # وخير أقاويل الرجال سديدها # والاملاء: الريطة وأصل الباب الاملاء، وهو الاجتماع فيما لا يحتمل ~~المزيد، ومنه شاب مالىء العين أي قد اجتمع له من الحسن في العين ما ليس ~~عليه مزيد. والملأ: الخلق، لأن جميع أفعال صاحبه تجرى عليه. # المعنى: # وقال السدي: إن النبي الذي قالت له بنوا إسرائيل ما حكاه يقال: شمعون ~~سمته أمه بذلك لأن الله سمع دعاءها فيه. وقال قتادة: هو يوشع بن نون. ~~وقال وهب بن منية: هو شمويل، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وكان سبب ~~سؤالهم هذا استذلال الجبابرة لهم من الملوك الذين كانوا في زمانهم إياهم ~~على قول وهب، والربيع. وقال السدي: قتال العمالقة. وإنما سألوا ملكا، ~~ليكون آمرا عليهم تنتظم به كلمتهم، وتجتمع أمورهم، ويستقيم حالهم في ~~جهاد عدوهم. # الاعراب، واللغة: # وأكثر النحويين على الجزم في { نقاتل } مع النون، وقالوا: لا يجوز غير ~~الجزم. وأجاز الزجاج الرفع على ضعف فيه على تقرير: فانا نقاتل في سبيل ~~الله. ولو كان بالتاء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك. والجزم على ~~الجواب، كما قال # فهب لي من لدنك وليا يرثني # بالجزم، والرفع. ولو كان (نقاتل معه) لحسن الرفع أيضا لعائد الذكر، ولا ~~يجوز أن تقول: الذي مررت زيد، تريد: به. ودخلت (أن) في قوله: { مالنا ~~ألا نقاتل في سبيل الله } ، وأسقطت في قوله: # وما لكم لا تؤمنون بالله # لأحد ثلاثة أشياء: # أولها - دخلت (أن) لتدل أن فيه معنى: ما منعنا من أن نقاتل، كما دخلت ~~الباء في خبر هل لما تضمنت معنى ما قال الفرزدق يهجو جريرا، ويذكر أن ~~أباه كان ينكح اتانا. # يقول إذا اقلولى عليها وأقردت # ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم # معنى اقلولى: علاها، ومعنى أقردت: ذلت. # وأما سقوطها في الموضع الآخر، فعلى الأصل كأنه قيل: ما لنا غير مقاتلين، ms0554 ~~كما قال: # فما لهم عن التذكرة معرضين # هذا قول الفراء. # الثاني - أن تكون (أن) زائدة في قول الاخفش، وهو ضعيف، لأنه لا يجوز ~~الحمل على الزيادة لا لضرورة. # الثالث - على حذف الواو كأنه قال: وما لنا ولأن نقاتل، كما قالوا: إياك ~~أن تتكلم بمعنى إياك وأن تتكلم. قال الرماني: وهذا ليس بالوجه، لأنه لا ~~يحكم أحد بالحذف، ولا بالزيادة إلا عند الضرورة قال الشاعر: # فبح بالسرائر في أهلها # وأياك في غيرهم أن تبوحا # فالآية مستغنية عن الواو مثل البيت سواء قال الشاعر: # فاياك المحاين أن تحينا # فانما هو على احذر المحاين لا على إضمار (أن). وقال المبرد في (ما) وجه ~~آخر، وهو أن يكون جحدا، ويكون تقديره: ما لنا ترك القتال. وعلى الوجه ~~الأول (ما) استفهام، وإنما جاز، ما لك أن تقوم، ولم يجز ما لك أن قمت, ~~لأن المنع إنما يكون على الاستئناف، تقول: منعه أن يقوم، ولا يجوز أن ~~يقوم منعه أن قام، كذا قال الفراء في الكلام حذف، وتقديره: { وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا } فسأل، فبعث، فوجب ~~عليهم القتال { فلما كتب } { تولوا } ، وإنما وجب أن يكون محذوفا، لأن ~~الكلام لا يدل عليه إلا من جهة الذكر له أو الحذف منه، فأما ما يدل عليه ~~الكلام من غير جهة الذكر له، أو الحذف منه، فليس بمحذوف نحو قد عرف زيد، ~~فانه يدل على أنه عرفه عارف، وليس بمحذوف، لأنه لم يدل عليه من جهة الذكر ~~له ولا الحذف منه. # وعسيتم - بكسر السين - لغة، والفتح أكثر. وقوله: { إلا قليلا } لا يجوز ~~فيه الرفع، لأنه استثناء بعد موجب، وكذلك قوله: { فشربوا منه إلا قليلا ~~} لا يجوز فيه الرفع. ### || [2.247] # المعنى: # قال السدي، ووهب بن منبه: إنما أنكروا أن يكون طالوت ملكا، لأنه لم يكن ~~من سبط النبوة، ولا سبط المملكة بل كان من أجمل سبط في بني اسرائيل. # وقوله: { إن الله اصطفاه } معناه اختاره في قول ابن عباس، وابن زيد، ~~وأصله الصفوة من ms0555 الادناس. # وقوله: { وزاده بسطة في العلم والجسم } قيل في معناه قولان: # قال الحسن: زيادة في العلم وعظما في الجسم. وقال الجبائي: كان اذا قام ~~الرجل، فبسط يده رافعا لها نال رأسه. # اللغة: # يقال: جسم يجسم جسامة يعنى ضخم صخامة. ورجل جسيم: عظيم الخلق. وجسمه ~~تجسيما، وتجسم تجسما. وهو أجسم منه أي أضخم. وأصل الباب الضخم. والجسم: ~~هو الذاهب في الجهات الثلاثة: الطول والعرض والعمق. # الاعراب والمعنى: # وإنما لم يصرف (طالوت)، وصرف (جاموس) إذا سميت به، وإن كانا أعجميين - ~~في قول الزجاج - لأنه لما كان يدخله الألف واللام نكر؛ نحو قولهم: ~~الجاموس. وكلما أعرب في حال تنكيره فانه لا يعتد بالعجمة فيه، لأنه ~~بمنزلة ما أصله عربي فأما ما أعرب في حال تعريفه، فليس كذلك، لأنه لم ~~يستعمل إلا على احدى الحالين دون الأخرى، فنقل لذلك. # وقوله: { والله واسع عليم } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - واسع الفضل، فحذف، كما حذف في قولهم: فلان كبير أي كبير القدر. ~~الثاني - واسع بمعنى: موسع أي يوسع على من يشاء من نعمه، كما جاء (أليم) ~~بمعنى: مؤلم. والثالث - واسع بمعنى ذو سعة نحو " عيشة راضية " أي ذات ~~رضى، وهم ناصب أي ذو نصب. وتامر، ولابن، أي ذو تمر وذو لبن. ويجيء باب في ~~فاعل بمعنى ذو كذا. وقوله: { عليم } أي عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل ~~إما للاستصلاح، وإما للامتحان. قال البلخي: وفي الآية دلالة على فساد قول ~~من قال بأن الامامة وراثة، لان الله تعالى رد عليهم ما أنكروه من التعليل ~~عليهم من ليس من أهل النبوة، ولا المملكة، وبين أنه يجب بالعلم والفوة لا ~~بالوراثة. وقال أصحابنا فيها دلالة على أن من شرط الامام أن يكون أعلم ~~رعيته وأفضلهم في خصال الفضل، لأن الله تعالى على تقديمه عليهم بكونه ~~أعلم وأقوى فلولا أنه شرط وإلا لم يكن له معنى. ### || [2.248] # المعنى: # قال الحسن: وجه الآية في التابوت أن الملائكة كانت تحمله بين السماء ~~والارض يرونه عيانا وقال ابن عباس ووهب: إن الله ms0556 انتزعه من أيدي أعدائهم ~~الذين نهبوه منهم، فرد عليهم { تحمله الملائكة } وقيل: إن التابوت كان ~~في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة الذين غلبوهم عليه - على قول ابن ~~عباس، ووهب -, وروي ذلك عن أبي عبد الله (ع). وقال قتادة: كان في برية ~~التيه: خلفه هناك يوشع ابن نون. وقال وهب بن منبه: كان قدر التابوت نحوا ~~من ثلاث أذرع في ذراعين. وروي عن علي (ع). أنه قال: السكينة التي كانت ~~فيه ريح هفافة لها وجه كوجه الانسان. وقال مجاهد لها رأس كرأس الهرة، ~~وروي ذلك في أخبارنا. وقال وهب: روح من الله تكلمهم بالبيان عند وقوع ~~الاختلاف. وقال عطا: كان فيه آية يسكنون إليها. # والسكينة مصدر وقع موقع الاسم نحو القضية والبقية والعزيمة وأخذ من معنى ~~السكون لأن نفوسهم تسكن إليه والبقية التي ترك آل موسى، وآل هارون. قال ~~ابن عباس، وقتادة، والسدي: إنها عصا موسى ورصاص للالواح، وهو المروي عن ~~أبي جعفر. وقال أبو جعفر التابوت هو الذي وضعت أم موسى فيه موسى حين ~~ألقتة في اليم. وأقوى هذه الأقوال أن يحمل على أنه كان فيه ما يسكنون ~~إليه، ويجوز أن يكون ذلك عصا موسى والرصاص، وغير ذلك مما اختلفوا فيه بعد ~~أن يكون فيه ما تسكن النفس إليه، لأنه تعالى بين أن فيه سكينة، وهي فعيلة ~~من السكون، ولا يقطع بشيء من ذلك إلا بدليل يوجب العلم. وقال الحسن: كان ~~فيه التوراة وشيء من ثياب موسى. # اللغة: # وفي التابوت لغتان فلغة جميع العرب إلا الأنصار: التابوت بالتاء. ~~والانصار تقول: التابوه بالهاء. ويقال: بقي بقاء وأبقاه إبقاء واستبقاه ~~استبقاء وتبقاء تبقيا وتباقى تباقيا وباقاه مباقاة. ومنه بقايا الخراج. ~~وأصل الباب البقاء: خلاف الفناء. وقوله: { تحمله الملائكة } تقول: حمل ~~يحمل حملا واحتمل احتمالا وتحامل تحاملا. وتحمل تحملا وحمله تحميلا ~~وحامله محاملة. وانحمل انحمالا واستحمل استحمالا. والحمل من الضان: ~~الخروف. والحمل: السحاب الكثير الماء. والحمل: ما في البطن. والحمل: ما ~~على الظهر. والحمالة علاقة السيف. والمحمل: الذي يوكبه الناس والحمالة ~~الدية، ms0557 يتحملها قوم عن قوم والحميل: الكفيل، والحميل الغريب لأنه يحمل ~~على القوم وليس منهم. وحميل السيل: غثاؤه. وامرأة حامل: حبلى لحملها ~~الولد. وحملت فلانا على فلان: إذا حرشته عليه، لأنك حملته على مكروهه. ~~والحمولة الابل لأنها يحمل عليها الأثقال. وأصل الباب الحمل: كون الشىء ~~على الشىء وقوله: { إن كنتم مؤمنين } معناه إن كنتم مصدقين ولا يجوز أن ~~يكونوا على تثبيت الايمان لهم، لأنهم كفروا حين ردوا على نبيهم. وقيل: ~~إن كنتم مؤمنين كما تزعمون. ### || [2.249] # القراءة: # قرأ { غرفة } - بالفتح - ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع. الباقون بالضم، ~~وهما لغتان. # اللغة: # قوله: { فلما فصل } معناه قطع، والفصل: القطع. يقال فصل اللحم عن العظم ~~أي قطعه فأبانه عنه، وفصل الصبي فصلا: إذا قطعه عن اللبن. وقول فصل أي ~~يفصل بين الحق والباطل. والجنود جمع جند قال السدي: كانوا ثمانين ألف ~~مقاتل، والاجناد جمع القلة. وجند الجنود تجنيدا أي جمعهم. والجند الأرض ~~الغليظة وكل صنف من الخلق: جند على حدة. وفي الحديث: الأرواح جنود مجندة. ~~وأصل الباب الجند: الغليظ من الأرض. # المعنى: # قوله: { إن الله مبتليكم بنهر } فمعنى الابتلاء ها هنا تمييز الصادق من ~~الكاذب في قوله - على قول الحسن -. وقال وهب بن منية: السبب الذي لأجله ~~ابتلوا بالنهر شكايتهم قلة المياه، وخوف التلف من العطش. والنهر الذي ~~ابتلوا به، قال ابن عباس، والربيع، وقتادة: هو نهر بين الأردن، وفلسطين. ~~وروي عن ابن عباس أيضا أنه نهر فلسطين. وقوله: { فمن شرب منه } الهاء ~~عائدة على النهر في اللفظ، وهو في المعنى الماء. # وقوله: { فليس مني } معناه ليس على دينى، ولا من أهل ولايتي، فحذف ودلت ~~من عليه. # اللغة: # ويقال: طعم الماء كما يقال طعم الطعام وأنشدوا. # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # والغرفة بالفتح المرة من الغرف. والغرفة بالضم ملء الكف من الماء، ~~فالغرفة اسم للماء المغروف والغرفة إسم للفعل. وقال بعضهم الاختيار الضم ~~لأنه لو جاء على معنى المرة، لكان اغترافة. وهذا ليس بشيء، لأنه إذا كان ~~المعنى واحدا جاز اغترافة، لأنه ms0558 الأصل وجار غرفة، لأنه أخف، وكلاهما ~~حسن. ويقال غرف يغرف غرفا، واغترف اغترافا والمغرفة الآلة التي يغرف ~~بها. وغرف غروف أي كبير والغريف: ماء في الاجمة، لأنه يغرف من بين القصب. ~~ومزادة غرفية مدبوغة بالغرف: وهو جنس من الدباغ. والغريف شجر مجتمع من أي ~~شجر كان. والغرفة العلية. وأصل الباب الغرف. # المعنى: # وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: من استكثر من ذلك الماء عطش، ومن لمن ~~يشرب إلا غرفة روي. وقال الفراء، والحسن، وقتادة، والربيع: والذين جازوا ~~النهر مع طالوت كان عددهم مثل عدد أهل بدر، وهم ثلاثة وبضعة عشر، وهم ~~المؤمنون خاصة. وقال ابن عباس، والسدي: جاوزه الكافر، والمؤمن إلا أن ~~الكافرين انخزلوا عنهم، وبقى المؤمنون على عدد أهل بدر. وهذا قوي، لقوله ~~تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه } ، فلما رأوا كثرة جنود جالوت ~~قال الكفار منهم { لا طاقة لنا اليوم بجالوت } وقال المؤمنون حينئذ الذين ~~عدتهم عدة أهل بدر { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } قال ~~البلخي: ويجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين، غير أن بعضهم أشد إيقانا وأقوى ~~اعتقادا، وهم الذين قالوا: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~}. # اللغة: # وتقول: جاز الشىء يجوزه: إذا قطعه. وأجازه إجازة: إذا استصوبه. والشىء ~~يجوز: إذا لم يمنع منه دليل. واجتاز فلان اجتيازا، واستجاز فعل كذا ~~استجازة. وتجوز في كلامه تجوزا. وتجاوز عن ذنبه تجاوزا. وجاوزه في ~~الشيء تجاوزه، وجوزه تجويزا. وجوز كل شيء وسطه بمجاز الطريق، وهو وسطه ~~الذي يجاز فيه. وقيل هذا اشتقاق الجوزاء، لأنها تعرض جوز السماء أي ~~وسطها، وأما الجوز المروف، ففارسي معرب. والجواز الصك للمسافر. والمجاز ~~في الكلام، لأنه خروج عن الآجل الى ما يجوز في الاستعمال. وأصل الباب ~~الجواز: المرور من غير شيء يصد، ومنه التجاوز عن الذنب، لأن المرور عليه ~~بالصفح. # المعنى: # وقوله: { وقال الذين يظنون } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال الذين يستيقنون، ذهب إليه السدي قال دريد بن الصمة: # فقلت لهم ظنوا بالفى مدجج # سراتهم في الفارسى ms0559 المسرد # أي أيقنوا وقيل إنه استعارة فيما يكفي فيه الظن حتى يلزم العمل، فكيف ~~المعرفة، فجاء على وجه المبالغة في تأكد لزوم العمل. # الثاني - يحدثون نفوسهم وهو أصل الظن، لأن حديث النفس بالشيء قد يكون مع ~~الشك ومع العلم إلا أنه قد على ركبت ما كان مع الشك. # الثالث - يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الواقعة. # وقوله: { كم من فئة } الفئة: الطائفة من الناس، والجمع: فئين وفئات. ولا ~~يجوز في عدة إلا عدات، لأن نقص عدة من أوله. وليس كذلك فئة، وما نقص من ~~أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص، فأما فئة ومئة. وثبة ~~وعزة، فان النقص فيه على غير اطراد، كما يكون في عدة، وصلة، وزنة، وصفة، ~~وجهة. وتقول فأوت رأسه بالسيف إفاءة وفأوا: إذا قطتعه وانفاء الشيء ~~إنفاء: إذا تقطع وأصل الباب القطع، فمنه الفئة، لأنهم قطعة من الناس. # وقوله: { غلبت } تقول: غلب يغلب غلبا وغالبه مغالبة وتغالبوا تغالبا. ~~وتغلب تغلبا وغلبه تغليبا. وأشد أغلب: إذا كان غليظ العنق. ورجل أغلب ~~كذلك، لأنه من إمارة الغلب. واغلولب العشب إذا كثر لأنه غلب على غيره ~~بكثرته. وأصل الباب الغلب: القهر. # المعنى: # وقوله: { بإذن الله } معناه بنصر الله على قول الحسن، لأن الله إذا أذن ~~في القتال نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه ويجوز في (كم) الجر والنصب وإن ~~كان على معنى الخبر في قول الفراء. وفي الآية حذف لدلالة ما بقى عليه وهو ~~فأتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها، فصدقوا لأن قوله { فصل طالوت ~~بالجنود } بعد تلك المنازعة منهم ينبىء أن الآية أتتهم، فانقادوا لأجلها. ### || [2.250] # اللغة: # البروز الظهور للقتال، ومنه البراز، وهي الأرض: الفضاء. تقول: برز يبرز ~~بروزا، وبارزه مبارزة، وتبارز تبارزا، وبرز تبريزا، وتبرز تبرزا. ~~ورجل برز، وامرأة برزة أي ذو عفة وفضل، لظهور ذاك فيها. والحنود الجموع ~~التي تعد للقتال واحدها جند، مأخوذ من الجند وهو الغلظ. # وقوله: { ربنا أفرغ } فالافراغ: صب السيال على جهة اخلاء المكان منه ~~وأصله الخلو. وإنما ms0560 قيل { أفرغ علينا صبرا } تشبيها بتفريغ الاناء من ~~جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة، كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية. ~~وتقول فرغ يفرغ فراغا، وأفرغ إفراغا، وفرغ تفريغا وتفرغ تفرغا، ~~واستفرغ استفراغا، وافرغت افتراغا: إذا صببت عليك الماء. وقوله: # سنفرغ لكم أيها الثقلان # معناه سنعمد، لأنه عمل مجرد من غير شاغل، ومنه قوله: # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا # أي خاليا من الصبر والفرغ مفرغ الدلو، وهو خرفة الذي يأخذ الماء، لأنه ~~يفرغ منه الماء { وأفرغ علينا صبرا } أي صب. ودرهم مفرغ أي مصبوب في ~~قالب. وضربة فريغة: واسعة. وفرغ الاناء، وفرغ الرجل من عمله. وأصل الباب ~~الفراغ الخلو. # وقوله: { وثبت أقدامنا } تثبيت الأقدام يكون بشيئين: أحدهما - بتقوية ~~قلوبهم. والثانية - بالقاء الرعب في قلوب أعدائهم حتى يظهر منهم الخور في ~~قتالهم وقيل باختلاف كلمتهم حتى يقع التخاذل منهم، وكذلك الصبر، لأنه من ~~فعل العبد كما أن الثبوت في الحرب من فعله، لأنه يجازى عليه، فأما النصر، ~~ففعل الله تعالى، والصبر: حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل. وها هنا ~~حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال. والتثبيت تمكين الشيء في ~~مكانه بلزومه إياه. وقد يقال ثبت يثبت ثبوتا، وأثبته إثباتا وتثبت ~~تثبتا، واستثبت استثباتا، وثبته تثبيتا. ورجل ثبت المقام: إذا كان ~~شجاعا لا يبرح موقفه، وطعنه فأثبت فيه الرمح أي نفذ فيه، لأنه يلزم فيه. ~~وأثبت حجته إذا أقامها. والقول الثابت الصحيح يلزم العمل عليه، ومنه ~~قوله: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } أي يؤدبهم به ليلزموا ~~طريق الحق فيه. وفلان ثبت أي ثقة مأمون فيما روى. وأثبت الحسنات في ~~الدفتر، لأنك ضبطه، وأصل الباب اللزوم. # وقوله: { فانصرنا } النصر: هو المعونة على العدو، ويكون ذلك بأشياء ~~منها بزيادة القوة، ومنها الرعب من الملاقاة، ومنها الاطلاع على العورة، ~~ومنها تخيل الكثرة، ومنها اختلاف الكلمة التي تقع بلطف في إعطاء النصر، ~~والفرق بين النصر، واللطف: أن كل نصر من الله، فهو لطف، وليس كل لطف ~~نصرا، لأن اللطف يكون في ms0561 إحدى طاعاته بدلا من معصيته، وقد يكون في فعل ~~طاعة من النوافل فأما العصمة فلا تكون إلا من معصية. ### || [2.251] # القراءة: # قرأ نافع، وأبان عن عاصم { دفاع الله } الباقون { دفع } بلا ألف. # المعنى: # في الآية حذف وتقديره فاستجاب لهم ربهم، فهزموهم بنصره لهم، لأن ذكر ~~الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على أنه كان على معنى الاجابة. # اللغة: # والهزم: الدفع، تقول: هزم القوم في الحرب يهزمهم هزما: إذا دفعهم ~~بالقتال هربا منه، وانهزموا انهزاما، وتهزم السقاء: إذا يبس، فتصدع ~~لاندفاع بعضه على بعض، والاهتزام الذبح تقول العرب: اهتزموا شاتكم قبل أن ~~تهزل فتهلك، لدفع صاعها بتذكيتها. والهزمة: دفعك الشيء بقوة حتى تدخل عن ~~موضعه في الجسد، وزمزم هزمة، جبرئيل لاسماعيل (ع) والمهزم خشبة يحرك بها ~~الجمر، لأنها يرفع بها بعضه عن بعض، وهزمة الرعد صوته، وأصابتهم هازمة من ~~هوازم الدهر أي داهية كاسرة، لأنها كهازمة الجيش في البليلة، وهزمت عليك ~~أي عطفت عليك. # المعنى: # فالأولى أن يكون القوم هزموهم حقيقة لأنهم سنوا الهزيمة بأن فعلوا ما ~~يلجئهم اليها وقال الجبائي: ذلك مجاز، لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم، كما ~~يقال: اخرجه من منزله إذا ألجأه الى الخروج، ولم يفعل خروجه، وهذا ليس ~~بصحيح، لأنه ليس معنى هزمه فعل هزيمته، ليكون إذا صرف عن ذلك الى معنى ~~غيره يكون مجازا في العبارة بل معناه ما قلناه. # وقوله: { بإذن الله } يحتمل أمرين: أحدهما - بأمر الله. والثاني بعلم ~~الله. وقيل: إن سبب قتل داود جالوت كان أن جالوت طلب البراز، فخرج إليه ~~داود (ع) فرماه بحجر مقلاع فوقع بين عينيه وخرج من قفاه، فأصاب جماعة ~~كثيرة من أهل عسكره فقتلهم، وانهزم القوم عن آخرهم، ذكر ذلك وهب بن منبه ~~وغيره من المفسرين. # وقوله: { وآتاه الله الملك والحكمة } قيل في معناه قولان: أحدهما - أنه ~~جمع له الملك والنبوة في حالة واحدة. والآخر - أنه اختصه من علم السمع ~~بحكمة لم يؤتها غيره. # وقوله: { وعلمه مما يشاء } معناه أنه علمه أمور الدين وما يشاء من أمور ~~الدنيا، منها صنعة ms0562 الدرع وعمل السرد، ذكره الزجاج، والطبري. فان قيل: ما ~~الفائدة في قوله: { وعلمه مما يشاء } إذا كنا لا ندري ما الذي شاء من ~~ذلك؟ قيل هو تعالى وإن لم يشرح لنا ما علمه فقد بين لنا أنه خصه من العلم ~~بعد علم الدين بما لم يؤته غيره، لأن غيره من المؤمنين إنما نعلم ما دله ~~الله عليه من أمر دينه ودنياه، وكان داود مساويا لهم في ذلك إن لم يكن ~~أكثرهم علما فيه، لأنه كان مؤمنا مثلهم، وكان معهم في أمورهم، فلما بين ~~لنا { آتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء } بعد قتل جالوت، علمنا ~~أنه كان خصه بما ذكره من الملك والحكمة، وخصه منه بما لم يخص به أحدا ~~سواه. # وقوله: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } قيل في معناه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها - يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك، هذا قول علي (ع) وهو المروي ~~عن أبي جعفر محمد بن علي (ع)، وبه قال مجاهد. الثاني - يدفع باللطف ~~للمؤمن والرعب في قلب الفاجر. وأن يعم الأرض الفساد. الثالث - قال الحسن، ~~والبلخي: يزغ الله بالسلطان فلا يزغ بالقرآن، لأنه يغنيه على دفع الأشرار ~~عن ظلم الناس، لأنه يريد منه المنع من الظلم والفساد، كان مؤمنا أو ~~فاسقا. # اللغة: # وأصل الدفع: الصرف عن الشيء، دفع دفعا، ودافع مدافعة ودفاعا، واندفع ~~اندفاعا، وتدافع تدافعا، ودفعه تدفيعا، واستدفع استدفاعا. والضيف ~~المدفع، لتدافع الحي به لاحتقاره. والدفاع السيل لتدافع بعضه على بعض. ~~والدفعة اندفاع الشيء جملة. ورجل مدفع أي عن نسبه. # الحجة: # وقال الحسن: لم يكن داود نبيا قبل قتله جالوت، لأنه لا يجوز أن يترأس ~~من ليس بنبي على نبي لأنه قلب ما يوجبه تدبير الحكماء، لأن النبي يوثق ~~بظاهره وباطنه ولا يخبر إلا بالحق ولا يدعو إلا الى حق، وليس كذلك من ليس ~~بنبي من أهل العقل. # ومن قرأ { دفاع } بألف فوجهه: أن الله لما أعان أولياءه على مدافعة ~~أعدائه حتى هزموهم، حسن إضافة الدفاع إليه، لما كان من معونته، ms0563 وإرادته ~~له. # وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إنه ليس لله على الكافر نعمه، ~~لأنه قال: { إن الله لذو فضل على الناس } فعم الجميع بالنعمة ولم يخص، { ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون } ويفسد به أيضا قولهم: في الارادة وأن جميع ~~ما أعطى الله الكفار إنما هو ليكفروا لا ليؤمنوا، وما روي أن طالوت هم ~~بقتل داود لما رأى أن وجوه الناس أقبلت عليه بقتله جالوت رواية شاذة، فان ~~صحت دلت على أن طالوت لم يكن نبيا، ولا إماما، لأن النبي أو الامام ~~لابد أن يكون معصوما. ### || [2.252] # الآيات المذكورة في هذه الآية المراد بها ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من ~~الناس دفعة واحدة بخلاف ما جرت به العادة ثم أحياهم في مقدار ساعة، ومن ~~تمليك طالوت وقد كان من الخاملين الذين لا تنقاد لهم النفوس بما جعله له ~~من الآية علما على تمليكه، ومن نصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم، وضعفهم ~~على جالوت وجنوده مع قوتهم وكثرة عددهم وشدة بطشهم حتى قهروهم واستعلوا ~~عليهم، وكل ذلك مما لا يقدر عليه غير الله تعالى فهو دلالة عليه. # قوله: { وإنك لمن المرسلين } دليل على نبوته على وجوه: منها ما في ~~الاحياء بما تقدم من الدلالة على النبوة. ومنها أنه يجب التصديق بتلك ~~الأمور لنبوته (ع). ومنها أنه أوحي إليه به، كما أوحي الى المرسلين، لأنه ~~سنة الله عز وجل في مثله. ومنها الاستدعاء الى القيام بما أرسل به بعد ~~قيام الحجة عليه. ومنها أنه كما نصب تلك الآيات جعلك من المرسلين لما في ~~ذلك من الحكمة التي تدعو الى صلاح المكلفين. وإنما صارت الأخبار بذلك ~~دلالة على النبوة من جهة أنها أخبار عن عيون لم تشهدها ولا خالط أهل ~~المعرفة بها، ومتى قال قائل: إنه أخذها عن أهل العلم بالأخبار، فان قوله ~~يبطل، لأنه لو كان كذلك لم يتكلم لخروجه عن العادة كخروج أن يصير انسان ~~من أعلم الناس بصناعة لم يشهدها ولا خالط أهلها، ولأن في أنبيائه تثبت ~~معجزة ms0564 من غير تلك الجهة، وهو المنع من الازاحة مع توفر الاسباب الداعية ~~الى الحديث به، ولا نشر له وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # اللغة: # والرسالة تحمل جملة من الكلام لها فائدة الى المقصود بالدلالة. والحق هو ~~وقوع الشيء موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه بما لا يجوز فيه. ~~والتلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة، لأن التالي للشيء يليه من ~~غير فصل بغيره. والاصل: التلو وهو ايقاع الشيء بعد الشيء الذي يليه. ### || [2.253] # إنما ذكر الله تعالى تفضيل بعضهم على بعض، لامور: منها أن لا يغلط غالط ~~منهم، فيسوي بينهم في الفضل. كما استووا في الرسالة، وثانيها أن يبين أن ~~تفضيل محمد (صلى الله عليه وسلم) كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم على ~~بعض. وثالثها - أن الفضيلة قد تكون بعد إداء الفريضة. والمراد الفضيلة ~~المذكورة ها هنا ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة التي هي أعلى من ~~منزلة غيره، نحو كلامه لموسى بلا سفير، وإرساله محمدا (صلى الله عليه ~~وسلم) الى الكافة من الناس المكلفين والجن المتعدين، هذا قول مجاهد. ~~ويحتمل فضلناهم بأعمالهم التي استحقوا بها الفضيلة على غيرهم. والفرق بين ~~الابتداء بالفضيلة وبين المحاباة ان المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما ~~توجبه الشهوة دون الحكمة، وليس كذلك الابتداء بالفضيلة، لأنه قد يكون ~~للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير وأدى الى حرمان الثواب للجميع. فمن حسن ~~النظر لهذا الانسان تفضيل غيره عليه إذا كان في ذلك مصلحة له فهذا وجه ~~تدعوا إليه الحكمة وليس كالوجه الأول الذي انما تدعوا إليه الشهوة. # وقوله: { وأيدناه بروح القدس } معناه قويناه. والروح: جبريل. والقدس ~~الله - على قول الحسن - وقال ابن عباس: روح القدس: الاسم الذي كان يحيي ~~به الموتى. والضمير في قوله: { من بعدهم } عائد على الرسل. وقال قتادة، ~~والربيع: على عيسى وموسى (ع). وجاز بلفظ الجميع، لأن ذكرهم قد يغني عن ~~ذكر المتبعين لهم. كما يقال: خرج الأمير فانكوا في العدو نكاية عظيمة. # وقوله: { ولو شاء ms0565 الله ما اقتتلوا } إخبار عن قدرته على إلجائهم على ~~الامتناع من الاقتتال، أو بأن يمنعهم من ذاك. هذا قول الحسن وغيره. ~~وجملته انه أخبر انه قادر على أن يحول بينهم، وبين الاقتتال بالالجاء ~~والاضطرار. ومثله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } { ولو شاء ربك لآمن ~~من في الأرض كلهم جميعا } فان جميع ذلك دلالة على قدرته عليهم. ولا يدل ~~قوله { ولو شاء الله ما اقتتلوا } على أنه قد شاء اقتتالهم، لأنه إذا ~~احتمل الكلام وجهين: أحدهما - يجوز عليه والآخر لا يجوز عليه، وجب حمله ~~على ما يجوز عليه، دون ما لا يجوز عليه، فلذلك كان تقدير الكلام ولو شاء ~~الله امتناعهم بالالجاء ما اقتتلوا. ونظيره قول القائل ولو شاء السلطان ~~الاعظم، لم يشرب النصارى الخمر في سلطانه ولا نكحت المجوس الامهات ~~والبنات وليس في ذلك دليل على أنه قد شاءه وإنما كرر قوله: { ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا } لاختلاف المعنى. فمعنى الأول لو شاء الله ما اقتتلوا ~~قتالهم، ويجوز أن يكون لتأكيد البينة على هذا المعنى. وقال قوم: الأول ~~معناه لو شاء الله ما اقتل المحقون، والمبطلون بأن يحول. بينهم، وبينهم. ~~والثاني لو شاء الله ما اقتتل المحقون فيما بينهم والمبطلون فيما بينهم. ### || [2.254] # القراءة: # قرأ أبو عمرو وابن كثير { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } بالنصب فيها ~~أجمع. والباقون بالضم. # المعنى: # قولة { يا أيها الذين آمنوا } خطاب للمؤمنين يأمرهم بالانفاق مما رزقهم. ~~والانفاق المامور به على وجه الفرض ها هنا الزكاة وغيرها دون الفعل لأن ~~ظاهر الامر الايجاب في قول الحسن. قال: لأنه مقرون بالوعيد. وقال ابن ~~جريج: يدخل في الخطاب الزكاة، والتطوع. وهو أقوى، لانه أعم. وبه قال ~~البلخي. وليس في الآية وعيد على ترك النفقة. وانما فيها إخبار عن عظم ~~أهوال يوم القيامة وشدائدها. وقوله: { من قبل أن يأتي يوم } يعنى يوم ~~القيامة. # اللغة: # { لا بيع فيه } البيع هو استبدال المتاع بالثمن. تقول: باع يبيع بيعا، ~~وابتاع ابتياعا، واستباع استباعة، وبايعه مبايعة، وتبايعوا تبايعا، ~~والبيع: نقيض ms0566 الشراء والبيع أيضا الشراء لانه تارة عقد على الاستبدال ~~بالثمن، وتارة على الاستبدال بالمتاع. والبيعة الصفقة على ايجاب البيع. ~~والبيعة الصفقة على ايجاب الطاعة. والبيعان البائع والمشتري. والبيعة ~~كنيسة النصارى وجمعها بيع. # وقوله: { لا خلة }. فالخلة خالص المودة. والخلل: الافراج بين الشيئين. ~~وخللته بالخلال أخله خلا: إذا صككته به واختلت حاله اختلالا، لانحرافه ~~بالفقر. وتخلل الطرق تخللا إذا قطع فرجة بعد فرجة. وأخل به إخلالا، وخاله ~~يخاله مخالة: إذا صافاه المودة. والخل معروف لتخلله بحدته، ولطفه فيما ~~ينساب فيه. والخل: الرجل الخفيف الجسم. والخل: الطريق في الرمل. والخل: ~~عرق في العنق يتصل بالرأس. والخليل: الخالص المودة من الخلة، لأنه من ~~تخلل الاسرار بينهما. وقيل لأنه يمتنع من الشوب - في المودة بالنقيصة - ~~والخليل أيضا: المحتاج من الخلة. والخلة: جفن السيف. وفي فلان خلة: أي ~~خصلة. والخلة خلاف الحصن لأنه مرعى بتخلله الماشية للاعتداء به. وخلل ~~أصابعه تخليلا. وقوله تعالى: # فترى الودق يخرج من خلاله # وقوله: # فجاسوا خلال الديار # والخلال: البلج. وأصل الباب: الخلل: الانفراج. # المعنى: # وقوله: { ولا شفاعة } وإن كان على لفظ العموم فالمراد به الخصوص بلا ~~خلاف، لأن عندنا قد تكون شفاعة في اسقاط الضرر. وعند مخالفينا في الوعيد ~~قد يكون في زيادة المنافع فقد أجمعنا على ثبوت شفاعة وإنما ننفي نحن ~~الشفاعة قطعا عن الكفار. ومخالفونا عن كل مرتكب كبيرة إذا لم يتب منها. # وقوله: { والكافرون هم الظالمون } إنما ذم الله تعالى الكافر بالظلم وإن ~~كان الكفر أعظم منه لأمرين: # أحدهما - للدلالة على أن الكافر قد ضر نفسه بالخلود في النار، فقد ظلم ~~نفسه. والآخر - أنه لما نفى البيع في ذلك اليوم والخلة والشفاعة، قال ~~وليس ذلك بظلم منا، بل الكافرون هم الظالمون، لأنهم عملوا ما استحقوا به ~~حرمان الثواب. ### || [2.255] # الاعراب: # { الله } رفع بالابتداء { ولا إله إلا هو الحي القيوم } خبره. والكلام ~~مخرجه مخرج النفي أن يصح إله سوى الله. وحقيقة الاثبات الا له واحد هو ~~الله. كأنه قيل الله الا له دون غيره. وارتفع هو في لا ms0567 إله إلا هو على ~~أحد وجهين: # أحدهما - بالابتداء كأنه قال ما إله إلا الله. # والثاني - أن يكون بدلا كأنه قال ما إله ثابتا إلا الله. ويجوز في ~~العرببة لا إله إلا الله بالنصب على الاستثناء. وفيه دلالة على الامر ~~باخلاص العبادة لله تعالى. # اللغة، والمعنى # والحي هو من كان على صفة لا يستحيل معها كونه عالما قادرا، وان شئت ~~قلت: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات، إذا وجدت. والقيوم ~~أصله قيووم على وزن فيعول. إلا أن الياء الساكنة إذا كانت بعدها واو ~~متحركة قلبت ياء وأدغمت فيها قياسا مطردا. والقيام أصله قيوام على وزن ~~فيعال. # وقيل في معنى القيوم، أربعة أقوال: # أحدها - قال الحسن إنه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها ~~من حيث هو عالم لا يخفى عليه شىء منه. # الثاني - قال سعيد بن جبير: إن معناه الدائم الوجود. # الثالث - قال قتادة: معناه: القائم بتدبير خلقه. # الرابع - قال قوم: إن معناه العالم بالامور من قولهم: فلان قيوم هذا ~~الكتاب أي هو عالم به. وكل هذه الوجوه تحتمل. وقال أمية بن أبي الصلت: # لم تخلق السماء والنجوم # والشمس معها قمر يقوم # قدره المهيمن القيوم # والحشر والجنة والجحيم # إلا لأمر شأنه عظيم # وقوله: { لا تأخذه سنة ولا نوم } فالسنة النوم بلا خلاف قال عدي ابن ~~الرقاع: # وسنان أقصده النعاس فرنقت # في عينه سنة وليس بنائم # فالسنة الثقلة من النعاس، تقول: وسن فلان وسنا إذا أخذته سنة النعاس، ~~وقد علته وسنة، ورجل وسنان ووسن، وامرأة وسنانة، ووسنى، وأصل الباب: ~~النعاس. والنوم الاستثقال في النوم، تقول نام ينام نوما وأنامه إنامة، ~~ونومه تنويما وتناوم تناوما، واستنام إليه: إذا استانس إليه، واطمأن ~~الى ناحيته، لأن حاله معه كحالة النائم في المكان أنسا به وأصل الباب ~~النوم خلاف اليقظة. # وقوله: { ما في السماوات وما في الأرض } معناه أن أحدا ممن له شفاعة لا ~~يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك ويأمره به، فأما أن يبتدىء أحد ~~بالشفاعة ms0568 من غير إذن، كما يكون فيما بيننا، فليس ذلك لأحد. # وقوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قال: ابن جريج ومجاهد والسدي: ~~معناه ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة. # وقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه } معناه من علومه، كقول القائل: أللهم ~~اغفر لنا علمك فينا، فاذا ظهرت آية يقولون قدرة الله أي مقدور الله ~~وقوله: { وسع كرسيه } قال ابن عباس كرسيه: علمه وهو المروي عن أبي جعفر، ~~وأبي عبد الله (ع). # وقال الحسن: الكرسي هو العرش. وقيل: هو سرير دون العرش وقد روي ذلك عن ~~أبي عبد الله (ع). وقيل: أصل ملكه. وكل ذلك محتمل. أما العلم، فلأنه يقال ~~للعلماء الكراسي، لأنهم المعتمد كما يقال: هم أوتاد الأرض، وهم الأصل ~~الذي يعتمد عليه. ويقال لكل أصل يعتمد عليه. كرسي قال الشاعر: # تحف بهم بيض الوجوه وعصبة # كراسي بالاحداث حين تنوب # أي علماء بحوادث الامور. وقال آخر: # نحن الكراسي ما تعد هوازن # أفعالنا في النائبات ولا أسد # وقال آخر: # مالي بأمرك كرسي كاتمه # وهل بكرسي علم الغيب مخلوق # وكل شيء تراكب فقد تكارس تكارسا، ومنه الكراسة لتراكب بعض ورقها على ~~بعض قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # أي تكارس عليه التراب، فغطاه، والكرس البعر والبول: إذا تلبد بعضه على ~~بعض، والأكارس الجموع الكثيرة، لا واحد له، لأنه بكثرته بمنزلة ما تراكب ~~بعضه على بعض. ورجل كروس شديد الرأس، لأنه تضاعف القوى كتراكب الشيء بعضه ~~على بعض، والكرياس: كنيف في أعلى السطح بقناة الى الارض، لتراكب بعض ~~ابنيته على بعض، وسمي الكرسي بذلك، لتركيب بعضه على بعض. ويقال: كرسي ~~الملك من مكان كذا الى مكان كذا أي ملكه تشبيها بالكرسي المعروف. وكرس ~~يكرس كرسا، وأكرس إكراسا، وتكارس تكارسا، وتكرس تكرسا، وكرسه ~~تكريسا، وأصل الباب الكرس: تراكب الشيء بعضه على بعض. # والوجه في خلق الكرسي إذا قلنا: أنه جسم هو أن الله تعبد تحمله الملائكة ~~والتعبد عنده كما تعبد البشر بزيادة؛ ولم يخلقه ليجلس عليه، ms0569 كما تقول ~~المجسمة. واختاره الطبري، لأنه عز وجل يتعالى عن ذلك، لأن ذلك من صفات ~~الاجسام ولو احتاج الى الجلوس عليه، لكان جسما ومحدثا وقد ثبت قدمه. # وقوله: { ولا يؤوده حفظهما } أي لا يثقله، والهاء في يؤوده راجعة الى ~~الله وقيل إنها عائدة الى الكرسي. والأود مصدر، آده يؤوده أودا وأيادا ~~إذا أثقله وجهده، وأودت العود فأنا آوده أودا، فانآد ومعناه عجته ~~فانعاج، لأنه اعتمد عليه بالثقل حتى مال، والأود، والأوداء على وزن اعوج ~~وعوجاء والمعنى واحد والجمع الأود بوزن العوج وأصل الباب الثقل. # وقوله: { وهو العلي العظيم } فالعلى يعنى بالاقتدار ونفوذ السلطان. ~~ويقال علا بالاقتدار، ولا يقال رفيع، لأن الرفعة من المكان، والعلو ~~منقول الى معنى الاقتدار يوضح ذلك قولهم: علا قرنه بمعنى اقتدر ولا يقال ~~ارتفع عليه بمعنى اقتدر وكذلك استعلى عليه بالحجة، ولا يقال ارتفع عليه ~~بالحجة. وتقول: علا يعلو علوا وأعلى إعلاء وعلى تعلية واستعلى استعلاء. ~~وتعلى تعليا. وتعالى تعاليا واعتلاه اعتلاء، وعالى معالاة. # والعلو - بضم العين وكسرها - نقيض السفل، والعلو التجبر، ومنه قوله ~~تعالى: # إن فرعون علا في الأرض # أي تجبر، لأنه طلب الاستعلاء على الناس بالسلطان والقهر. والله العالي ~~والمتعالي أي القادر القاهر، لأنه عال بالاقتدار، لأنه لا يعجزه شيء ~~والعالية: القناة المستقيمة، لاستمرارها في جهة العلو. وفلان من علية ~~الناس أي من أشرافهم، لأنه علا بشرفه. والعلية: الغرفة وأصل الباب ~~العلو. والعظيم معناه عظيم الشأن بأنه قادر، ولا يعجزه شيء، وعالم لا ~~يخفى عليه شيء، فلا نهاية لمقدوره ومعلومه، وقال قوم: العظيم بمعنى ~~المعظم كما قالوا في الخمر العتيقة معتقة، والأول أقوى لأن على هذا كان ~~يجب ألا يوصف بانه عظيم فيما لم يزل وقد علمنا خلافه. ### || [2.256] # المعنى: # قيل في معنى قوله: { لا إكراه في الدين } أربعة أقوال: أولها - قال ~~الحسن وقتادة والضحاك: إنها في أهل الكتاب خاصة الذين يؤخذ منهم الجزية. ~~الثاني - قال السدي وابن زيد: إنها منسوخة بالآيات التي أمر فيها بالحرب ~~نحو قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقوله: # فإذا ms0570 لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # الثالث - قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إنها نزلت في بعض أبناء الانصار ~~وكانوا يهودا فاريد إكراههم على الاسلام. الرابع - قيل { لا إكراه في ~~الدين } أي لا تقولوا لمن دخل فيه بعد حرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي ~~بعد الحرب، وصح اسلامه فليس بمكره، فان قيل كيف تقولون { لا إكراه في ~~الدين } وهم يقتلون عليه! قلنا المراد بذلك لا إكراه فيما هو دين في ~~الحقيقة، لأن ذلك من أفعال القلوب إذا فعل لوجه بوجوبه، فأما ما يكره ~~عليه من إظهار الشهادتين، فليس بدين، كما أن من أكره على كلمة الكفر لم ~~يكن كافرا. # وقوله: { قد تبين الرشد من الغي } معناه قد ظهر بكثرة الحجج، والآيات ~~الدالة لانضمام ما أتى الرسول فيه الى ما في الفعل منه والالف واللام في ~~قوله " في الدين " يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون مثل قوله # فإن الجنة هي المأوى # بمعنى هي مأواه فكذلك { لا إكراه في الدين } أي في دينه، لأنه قد تقدم ~~ذكر الله كأنه قال: { لا إكراه في دين } الله. # والثاني - لتعريف دين الاسلام. # اللغة، والمعنى: # والغي ضد الرشد، تقول غوى يغوي غيا وغواية: إذا سلك خلاف طريق الرشد، ~~وغوى: إذا خاب قال الشاعر: # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي من يخب. وغوى الفصيل يغوي غيا: إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك ~~وقوله: # رب بما أغويتني # يحتمل أمرين: أحدهما - خيبتنى. الثاني - بما حكمت بغوايتي، ومنه قوله: # أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك # والأصل الغي سلوك طريق الهلاك. # وقوله: { ومن يكفر بالطاغوت } قيل فيه خمسة أقوال: أحدها - ما روي عن ~~عمر، ومجاهد، وقتادة: أنه الشيطان الثاني - قال سعيد بن جبير: هو الكاهن. ~~الثالث - قال أبو العالية: هو الساحر. والرابع - قال قوم: هم مردة الجن ~~والانس. الخامس - قال بعضهم: هي الاصنام. وأصل طاغوت من الطغيان، ووزنه ~~فعلوت نحو جبروت، وتقديره: طيغوت إلا أن لام الفعل قلبت الى موضع العين، ~~كما قيل صاعقة وصاعقة، ثم قلبت الفا لوقوعها في ms0571 موضع حركة، وانفتاح ما ~~قلبها. # ومعنى { يؤمن بالله } يصدق بالله. # وقوله { فقد استمسك بالعروة الوثقى } فالعروة الوثقى الايمان بالله، عن ~~مجاهد، وجرى ذلك مجرى المثل لحسن البيان باخراج ما لا يقع به الاحساس إلى ~~ما يقع به والعروة: عروة الدلو ونحوه لانها متعلقة، وعروت الرجل، أعروه ~~عروا: إذا الممت به متعلقا بسبب منه، واعتراه يعتريه: إذا تعلق به، ~~وعرته الحمى تعروه: إذا علقت به وعراه يعريه إذا اتخذ له عروة. # وأصل الباب التعلق. وقال الازهري العروة: كل نبات له أصل ثابت، كالشيح ~~والقيصوم، وغيره. شبهت عرى الاشياء في لزومها. # وقوله: { لا انفصام لها } أي لا انقطاع لها - في قول السدي -. ~~والانكسار، والانفصام والانصداع والانقطاع نظائر. قال اعشى بني ثعلبة. # ومبسمها عن شتيت النبا # ت غير أكس ولا منفصم # وانفصم انفصاما: إذا انصدع، وفصمته تفصمه فصما: إذا صدعته من غير أن ~~تكسره، وأصل الباب: الفصم، كصدع الزجاج. ### || [2.257] # المعنى، واللغة: # معنى { ولي الذين آمنوا } نصيرهم، ومعينهم في كل ما يهم إليه الحاجة، ~~مما فيه صلاح لهم في دينهم ودنياهم وإنما يوصف بالولي من كان أولى بغيره ~~وأحق بتدبيره. ومنه الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر، والنهي، ~~ومنه المولى من فوق، لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة، وما به إليه الحاجة، ~~ومنه المولى من أسفل لأنه يلي أمر المالك بالطاعة، والمولى ابن العم لأنه ~~يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة، وولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له ~~والقيام عليه. والولي في الدين وغيره، لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة ~~لما توجبه الحكمة، والمعاقدة لجميع هذه المواضع الأولى والأحق ملحوظ فيه. ~~وولى: إذا ادبر عن الشيء لأنه زال عن أن يليه بوجهه واستولى على الشيء: ~~إذا احتوى عليه، لأنه وليه بالقهر. والله تعالى يتولى المؤمنين على ثلاثة ~~أوجه: يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة، ويتولاهم بالنصرة لهم في الحرب ~~حتى يغلبوا، ويتولاهم بالمثوبة على الطاعة. # وقوله { يخرجهم من الظلمات إلى النور }. ومعناه: من ظلمات الكفر إلى نور ~~الايمان، لأن الكفر كالظمة في المنع من إدراك ms0572 الحق كما أن الظلمة مانعة ~~من إدراك البصر. وقال قتادة: يخرجهم من ظلمة الضلالة إلى نور الهدى، وهذا ~~قريب من الأول، ووجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال ~~إلى نور الايمان باهدائهم إليه، ونصب الادلة لهم، وترغيبهم فيه، وفعله ~~بهم من الالطاف ما يقوي دواعيهم إلى الايمان، فاذا اختارواهم الايمان، ~~فكأن الله أخرجهم منها، ولم يجز أن يقال: إنه أخرج الكفار من الظلمات إلى ~~النور من حيث قدرهم على الايمان، ودعاهم إليه ورغبهم فيه، كما فعل ~~بالمؤمنين، لانهم لم يختاروا الايمان، فلم يجز أن يقال: إنه أخرجهم منه ~~لأنه توهم أنهم فعلوا الايمان. وقوله: { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات } إنما أضاف إخراجهم { من النور } الذي هو ~~الايمان إلى الكفر إلى الطاغوت، لما كان ذلك باغوائهم، ودعائهم، وإنما ~~كفروا عند ذلك، فأضاف ذلك إليهم، فهو عكس الأول. فان قيل: كيف { يخرجونهم ~~من النور } وما دخلوا فيه؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - إن ذلك يجري مجرى قولهم: أخرجنى والدي من ميراثه. ولم يدخل ~~فيه، وإنما ذلك لأنه لو لم يفعل ما فعل، لدخل فيه، فهو لذلك بمنزلة ~~الداخل فيه الذي أخرج منه. قال الغنوي: # فان تكن الأيام أحسن مرة # إلي فقد عادت لهن ذنوب # ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك. # والوجه الثاني - قال مجاهد: إنه في قوم ارتدوا عن الاسلام، والاول أليق ~~بمذهبنا، لأن عندنا لا يجوز أن يرتد المؤمن على الحقيقة، وإنما قال { ~~يخرجونهم } على لفظ الجمع. # فان كان الطاغوت واحدا لأنه في معنى جميع كما قال العباس بن مرداس: # فقلنا: أسلموا انا أخوكم # فقد برئت من الاحن الصدور # وإنما جاز ذلك في الخفض، لأن كل واحد يقوم مقام الآخر فصار ذكر واحد ~~ينوب عن جميعه، فأما ما يميز بالخلقة وصار بمنزلة الاشياء المختلفة ~~فقياسه أن يجمع، كرجل ورجال. وإنما حسن في الطاغوت، لأن جميعه يجري مجرى ~~واحد في الضلال. # وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة في المخلوق، والارادة، لأنه تعالى ~~نسب الاخراج من نور ms0573 الهدى إلى ظلمة الكفر والضلال إلى الطاغوت منكرا ~~لتلك الحال، ولم يكن لينكر شيئا أراده ولا يغيب شيئا عنه فعله (تعالى ~~الله) عن ذلك. ### || [2.258] # القراءة: # قرأ أهل المدينة { أنا أحيي وأميت } باثبات الألف إذا كان بعدها همزة ~~مضمومة أو مفتوحة. فان كان بعدها همزة مكسورة حذفوها إجماعا. # المعنى: # قال مجاهد، وقتادة والربيع: إن المحاج لأبراهيم كان نمرود بن كنعان وهو ~~أول من تجبر في الأرض بادعاء الربوبية. وقوله: { ألم تر إلى } دخلت إلى ~~الكلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل، كما يقولون: أما ترى إلى ~~فلان كيف يصنع، وفيه معنى هل رأيت كفلان في صنيعه كذا، وإنما دخلت { إلى ~~} لهذا المعنى من بين حروف الجر، لأن إلى لما كانت نهاية صارت بمنزلة هل ~~انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته لتدل على بعد وقوع مثله على التعجب منه، لأن ~~التعجب إنما يكون مما استبهم شبيه بما لم يجز عادة به، وقد صارت إلى ها ~~هنا بمنزلة كاف التشبيه من حروف الاضافة، لما بينا من العلة إذ كان ما ~~ندر مثله كالذي يبعد وقوعه. # وقوله: { أن آتاه الله الملك } معناه أعطاه والهاء في { آتاه } قال ~~الحسن وأبو علي: إنها كناية عن المحاج لابراهيم. وقال أبو حذيفة والبلخي ~~إنها عائدة إلى إبراهيم. فان قيل: كيف يجوز أن يؤتي الله الكافر الملك؟ ~~قيل: الملك على وجهين: # أحدهما - يكون بكثرة المال واتساع الحال، فهذا يجوز أن ينعم الله (عز ~~وجل) به على أحد من مؤمن وكافر، كما قال في قصة بني إسرائيل: # وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين # والثاني - ملك بتمليك الأمر والنهي والتدبير لأمور الناس، فهذا لا يجوز ~~أن يجعله الله لأهل الضلال لما فيه من الاستفساد بنصب من هذا سبيله ~~للناس، لأنه لا يصح مع علمه بفساده إرادة الاستصلاح به كما يصح منا فيمن ~~لا يعلم باطن حاله ممن يؤمن علينا. ومن قال الهاء كناية عن إبراهيم (ع) ~~لم يتوجه عليه السؤال، لأنه تعالى لم يؤت الكافر الملك، وإنما ms0574 آتى نبيا ~~مرسلا. # وقوله { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } معناه يحيي الميت ويميت ~~الحي، فقال الكافر عند ذلك: أنا أحيي وأميت، يعنى أحييه بالتخلية من ~~الحبس ممن وجب عليه القتل وأميت بالقتل من شئت ممن هو حي، وهذا جهل منه، ~~لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى، عادلا عن وجه الحجة ~~بفعل الحياة للميت أو الموت للحي على سبيل الاختراع كما يفعله الله ~~(تعالى) من إحياء من قتل أو مات ودفن وذلك معجز لا يقدر عليه سواه، فقال ~~إبراهيم { إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ولم يكن ~~ذلك انتقالا من إبراهيم من دليل إلى دليل آخر من وجهين: # أحدهما - أن ذلك يجوز من كل حكيم بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج، ~~وعلامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل، ~~والتدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها. # الثاني - أن إبراهيم إنما قال ذلك ليتبين أن من شأن من يقدر على إحياء ~~الأموات وإماتة الأحياء، أن يقدر على الاتيان بالشمس من المشرق، فان كنت ~~قادرا على ذلك فأت بها من المغرب { فبهت الذي كفر } وإنما فعل ذلك، لأنه ~~لو تشاغل معه بأني أردت اختراع الحياة والموت من غير سبب ولا علاج لاشتبه ~~على كثير ممن حضر، فعدل إلى ما هو أوضح وأكشف، لأن الأنبياء (ع) إنما ~~بعثوا للبيان والايضاح، وليس أمورهم مبنية على بناء الخصمين إذا تحاجا، ~~وطلب كل واحد غلبة خصمه، فلذلك فعل إبراهيم (ع) ما فعل وقد روي عن أبي ~~عبد الله (ع) أن إبراهيم قال له: احيي من قتلته إن كنت صادقا، ثم استظهر ~~عليه بما قال. # اللغة: # والشمس معروفة وجمعها شموس، وقد شمس يومنا يشمس شموسا، فهو شامس: إذا ~~اشتدت شمسه، وكذلك أشمس. وشمس الفرس شماسا، فهو شموس، إذا اشتد نفوره، ~~لأنه كاشتداد الشمس في اليوم ما يكون من زيادة حرها، وتوقدها. وشمس ~~فلان إذا اشتدت عداوته. قال الشاعر: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم # وأعظم الناس ms0575 أحلاما إذا قدروا # والشمس في القلادة وغيرها: دائرة مشرقة كالشمس. وشمس الشيء تشميسا إذا ~~ألقاه في الشمس، وتشمس تشمسا: إذا قعد في الشمس. # المعنى: # وقوله: { فبهت الذي كفر } معناه تحير عند الانقطاع بما بان ظهور الحجة. ~~فان قيل هلا قال لابراهيم. فليات ربك بها من المغرب؟ قلنا عن ذلك ~~جوابان: # أحدهما - أنه لما علم بما رأى من الآيات منه أنه لو اقتراح ذلك لفعل ~~الله ذلك فتزداد نصيحته، عدل عن ذلك، ولو قال ذلك واقترح لأتى الله ~~بالشمس من المغرب تصديقا لابراهيم (ع). # والجواب الثاني - أنه (تعالى) خذله عن التلبيس والشبهة. # اللغة: # وفي بهت ثلاث لغات: بهت على لفظ القرآن، وبهت وبهت على وزن ظرف ~~وحذر، وحكي بهت على وزن ذهب والبهت: الحيرة عند استيلاء الحجة، لأنها ~~كالحيرة للمواجهة بالكذب، لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه، ~~ومنه قوله: # أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا # كأنه قال أتأخذونه ادعاء للكذب فيه. وفي إبراهيم خمس لغات إبراهيم، ~~وابراهام، وابراهم، وابراهم، وابراهم باسقاط الياء وتعاقب الحركات الثلاث ~~عليه. # المعنى: # وقوله { والله لا يهدي القوم الظالمين } لا يعارض قوله: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # لأن الهدى يتصرف على وجوه وأصله واحد وهو الدلالة على الطريق المؤدي إلى ~~البغية والله (تعالى) قد هدى جميع المكلفين بأن دلهم على طريق الحق وخص ~~المؤمنين في هدايته لهم بالمعونة على سلوك طريق الحق، لأنه بمنزلة ~~الدلالة على طريق الحق والله (تعالى) لا يهدي للمعونة على بلوغ البغية في ~~فساد القوم الظالمين. وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول: المعارف ~~ضرورة، لأنها لو كانت ضرورة لما حاج إبراهيم الكافر، ولا ذكر له الدلالة ~~على إثبات الصانع، وفيها دلالة على فساد التقليد وحسن المحاجة والجدال، ~~لأنه لو كان ذلك غير جائز لما فعل إبراهيم (ع) ذلك. ### || [2.259] # القراءة: # قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب. والكسائي عن أبي بكر { يتسن } بحذف ~~الهاء وفي الوقف باثباتها بلا خلاف. قرأ ابن عامر وأهل الكوفة { ننشزها } ~~بالزاي الباقون بالراء. وقرأ حمزة الكسائي ms0576 { قال اعلم } بهمزة موصولة ~~الباقون بقطعها. # الاعراب: # هذه الآية معطوفة على الآية الأولى وتقديره أرأيت ك { الذي حاج إبراهيم ~~في ربه } وك { الذي مر على قرية } وموضع الكاف نصب ب (تر) ومعناه ~~التعجب منه لأن كلما خرج في بابه يعظمه عن حد نظائره مما يتعجب منه نحو ~~(ما أجهله) أي قد خرج بعظم جهله عن حد نظائره، وكذلك لو قلت: هل رأيت ~~كزيد الجاهل، لدللت على مثل الأول في التعجب، لما بينا إلا أن (ما أفعله) ~~صيغة موضوعة للتعجب، وليس كذلك هل رأيت لأنها في الأصل للاستفهام، ونحو ~~قولك: هل رأيت في الدنانير مثل هذا الدينار فهذا استفهام محض لا تعجب ~~فيه، لأن أمثاله كثير، فلم يخرج بعظم حاله عن حد نظائره، كما خرج الأول ~~بعظم جهله. وقيل: الكاف زائدة للتوكيد، كما زيدت في ليس كمثله شيء والأول ~~الوجه، لأنه لا يحكم بالزيادة إلا للضرورة. # المعنى: # وقال قتادة والربيع: الذي مر على قرية هو عزير، وروي ذلك عن أبي عبد ~~الله (ع). وقال وهب بن منبه: هو أرميا، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ~~ابن إسحاق: هو الخضر، والقرية التي مر عليها. قال وهب بن منبه، وقتادة، ~~والربيع هي بيت المقدس لما خر به بخت نصر، وقال ابن زيد: هي القرية التي ~~خرج منها الألوف { حذر الموت }. وقوله: { وهي خاوية } معناه خاليه. وقال ~~ابن عباس، والربيع، والضحاك خراب. قال قوم: معناه وهي قائمة على أساسها ~~وقد وقع وقد وقع سقفها. وأصل الخواء الخلاء قال الراجز: # يبدو خواء الارض من خوليه # والخواء: الفرجة بين الشيئين يخلو ما بينهما. وخوت الدار فهي خاوية. ~~تخوي خواء. إذا باد أهلها بخلوها منهم والخوى: الجوع، خوى يخوى خوى: يخلو ~~البطن من الغذاء. والتخوية التفريج بين العضدين والجبينين يخلو ما بينهما ~~بتباعدهما. والتخوية تمكين البعير لنفسه في بروكه، لأنه تفحصه الأرض ~~بخلوها مما يمنع من تمكنه. واخواء النجم: سقوطه من غير مطر بخلوه من ~~المطر. خوى النجم واخوى. وخوى المنزل إذا تهدم، لانه بتهدمه يخلو ms0577 من أهله ~~وأصل الباب الخلو. # وقوله: { على عروشها } يعني على أبنيتها ومنه # وما كانوا يعرشون # أي يبنون. ومنه عريش مكة: أبنيتها وخيامها، وكل بناء: عرش، عرش يعرش ~~ويعرش عرشا: إذا بنى. والعرش البيت، وجمعه عروش لارتفاع أبنيته. ~~والعرش: السرير، لارتفاعه على غيره. وعرش الرجل: قوام أمره وعرش البيت: ~~سقفه، لارتفاعه. والتعريش جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه. # تقول: عرشته تعريشا. وعرشته أعرشه عرشا. وذلك، لارتفاعه في امتداده ~~على الخشب الذي تعمده. والتعريش رفع الحمار رأسه شاحيا فاه على عانته، ~~عرش بعانته تعريشا. والعريش ظلة من شجر أو نحوه، لارتفاعه على ما يستره. ~~وعرش البئر طيها بالخشب بعد طيها بالحجارة. والعرشان من الفرس: آخر شعر ~~العرف لارتقاع العرف على العنق. وثل عرشه: إذا قتله. وأصل الباب: ~~الارتفاع. # والقرية أصلها من قريت الماء: إذا جمعته، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها ~~للاقامة بها. # المعنى: # وقوله { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } معناه كيف، وذلك يدل على أن { ~~أنى }. في قوله # فأتوا حرثكم أنى شئتم # معناه كيف شئتم دون ما قاله بعضهم من أن معناه حيث شئتم، لان معناه ها ~~هنا لا يكون إلا على كيف. ولقائل أن يقول: إن اللفظ مشترك. وإنما يستفاد ~~بحسب مواضعه. وقال الزجاج: معناه من أين في الموضعين. # وقوله { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } قال أبو علي لا يجوز أن يكون ~~الذي أماته ثم أحياه نبيا لأن الله تعالى عجب منه ولولا ذلك، لجاز أن ~~يكون نبيا على أنه شك في ذلك قبل البلوغ لحال التكليف، ثم نبي في ما ~~بعده، وعلى هذا لا يمتنع أن يكون نبيا في ما تقدم. والأول أقوى، وأقرب. ~~ويجوز هذه الآية أن تكون في غير زمان نبي. وقال الجبائي: لا يجوز ذلك لأن ~~المعجزات لا تجوز إلا للأنبياء لأنها دالة عليهم. فلو وقعت المعجزة في ~~غير زمن نبي لم يكن وقوعها دليلا على النبوة، وهذا ليس بصحيح - عندنا - ~~لأن المعجزات تدل على صدق من ظهرت على يده, وربما كان نبيا وربما كان ms0578 ~~إماما أو وليا لله، وما روي أن الحياة جعلت في عينيه أولا، ليرى كيف ~~يحيي الله الموتى لا يجوز، لأن الرأي هو الانسان بكماله غير أنه يجوز أن ~~يكون أول ما نفخ فيه الروح عيناه، وتكون الحياة قد وجدت في جميع الروح، ~~ولم يحصل في البدن من الروح إلا ما في العينين دون ما في البدن. # اللغة، والمعنى: # وقوله: { مئة عام } معناه مئة سنة، والعام جمعه أعوام، وهو حول يأتي بعد ~~شتوة وصيفة، لأن فيه سبحا طويلا بما يكن من التصرف فيه. والعوم: ~~السباحة. عام في الماء يعوم عوما: إذا سبح. والسفينة تعوم في جريها. ~~والابل تعوم في سيرها، لأنها تسبح في السير بجريها. والاعتيام: اصطفاء ~~خيار مال الرجل ليجري في أحده له شيئا بعد شيء كالسابح في الماء الجاري ~~واعتام الموت النفوس أولا أولا، لأنه يجري في أحدها حالا بعد حال كجري ~~السابح في الماء، وأصل الباب السبح. # وقوله: { ثم بعثه } يعني أحياه. وقوله: { كم لبثت } موضع نصب بلبثت، ~~كأنه قيل: أمائة سنة لبثت أو أقل أو أكثر؟ فقال { لبثت يوما أو بعض يوم ~~} لأن الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر ~~النهار، فقال: { يوما } ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال { أو بعض يوم ~~}. # واللبث المكث، لبث لبثا فهو لابث وتلبث تلبثا إذا تمكث ولبثه تلبيثا، ~~وأصل الباب المكث. # وقوله: { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } معناه لم تغيره السنون. ~~وقيل: كان زاده عصيرا وتينا وعنبا، فوجد العصير حلوا، والتين، والعنب ~~كما جناه لم يتغير، أو هو مأخوذ من السنة، والاصل فيه على قولهم: سانيته ~~مساناة اذا عاملته سنة سنة أن يكون في الوصل لم يتسن، نحو لم يتعد، ~~والأصل الواو، بدليل قولهم سنوات فاذا وقف جاء بهاء السكت، ويجوز أن يكون ~~على قولهم: سانهة وسنهات، واكتريت مسانهة. والهاء على هذا أصلية مجزومة ~~بلم، ولا يجوز أن يكون من الأسن، لأنه لو كان منه لقيل لم يتأسن. قال ~~الزجاج لا يجوز أن يكون ms0579 من قوله: # من حمأ مسنون # لأن معنى مسنون منصوب على سنة الطريق قال الشاعر: # ليست بسنهاء ولا رجبية # ولكن عرايا في السنين الجوائح # فجعل الهاء أصلية. والسنهاء: النخلة القديمة، لأنه قد مرت عليها سنون ~~كثيرة. وإنما علم بأنه مات مائة سنة بشيئين: # أحدهما - باخبار من اراه المعجزة في نفسه وحماره وطعامه، وشرابه من تقطع ~~أوصاله، ثم اتصال بعضها الى بعض حتى رجع الى حاله التي كان عليها في أول ~~أمره. # والآخر - بالآيات الدالة على ذلك لما رجع الى وطنه فرأى ولد ولده شيوخا ~~وقد كان خلف أباهم شبابا الى غير ذلك من الأمور التي تغيرت، والاحوال ~~التي تقلبت مع تظاهر الأخبار عما يسأل عنه أنه كان في مائة سنة. # وقوله: { ولنجعلك آية للناس } قيل بعث وأولاد أولاده شيوخ. وروي عن علي ~~(ع) أن عزيرا خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة. فأماته الله مائة ~~سنة، ثم بعثه فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة وله ابن له مائة سنة، فكان ~~ابنه أكبر منه، وذلك من آيات الله. وقيل: لتتعظ أنت ويتعظ الناس بك، ~~فيكون الاعتبار عاما. ودخلت الواو في الكلام لا تصال اللام بفعل محذوف ~~كأنه قال: ولنجعله آية للناس. فعلنا ذاك، لأن الواو لو سقطت اتصلت اللام ~~بالفعل المتقدم. # وقوله: { وانظر إلى حمارك } فالحمار يقال للوحشي والأهلي لأن الحمرة ~~أغلب على الوحشي ثم صار لكل حمار تشبيها بالوحشي، والحمرة لون أحمر ~~تقول: احمر احمرارا واحمارا حميرارا والحمر: فرس هجين، لأنه كالحمار في ~~التقصير، وحمارة القيظ: شدة حره، وحمار السرج الذي يركبه السرج وحمر فو ~~الفرس يحمر حمرا إذا انتن. والحمارة حجارة عريضة توضع على اللحد لركوب ~~التراب عليها كالحمار وجمعها حمائر. وما يخفى على الاسود والاحمر أي ~~العرب والعجم، لأن السواد أغلب على لون العرب كما الحمرة أغلب على العجم. # وموت أحمر: شديد مشبه بحمرة النار في شدة الايقاد. وعبث حمر شديد، وأصل ~~الباب الحمرة. ومنه الحمرة طائر كالعصفور، لأنه تغلب عليه الحمرة. # وقوله: { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ms0580 } فمن قرأ بالراء غير المعجمة ذهب ~~إلى النشور، وهو الحياة بعد الموت. نشر الميت: إذا عاش ونشره الله ~~وأنشره: إذا أحياه. ومنه قوله # ثم أنشأناه خلقا آخر # وقوله: # ثم إذا شاء أنشره # والنشر خلاف الطي. يقال: نشرت الثوب وغيره أنشره نشرا وانتشر انتشارا. ~~والنشر إذاعة الحديث والنشر: الرائحة الطيبة، وربما قيل في الخبيثة. ~~والنشر نحت العود بالمنشار. والنشر نبات الربيع. والنشر: اكتساء البازي ~~ريشا واسعا طويلا. والنشرة عن المريض الرقية حتى يفيق والتناشر: عرض ~~كتابة الغلمان على المعلم ينشرونه عليه أي يرونه إياه، وذلك لبسط الكتاب ~~بين يديه. وأصل الباب الانبساط. ومن قرأ بالزاء فمعناه يرفع بعضها إلى ~~بعض وأصل النشوز: الارتفاع فمنه النشز المرتفع من الارض. ومنه نشوز ~~المرأة رفعها عن طاعة زوجها. # وقوله: { ثم نكسوها لحما } معناه نغطيها باللحم كما نغطي باللباس. ~~وإنما قيل ذلك لأجل التفصيل الذي كان عليه، فوصله الله عز وجل حتى صار ~~كجزء. منه قال الجعدي: # فالحمد لله إذا لم يأتني أجلي # حتى اكتسيت من الاسلام سربالا # فجعل الاسلام غطاء للكفر كما يجعل غطاء للمعصية قوله { فلما تبين له } ~~أي ظهر. { قال اعلم } فمن قطع الهمزة جعل ذلك أخبارا عن نفسه ومن وصلها ~~احتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون ذلك أمرا من الله له. والثاني - أن يكون تذكيرا ~~للنفس بالواجب وأخرجه مخرج الأمر لها كأنه قال: يا أيها الانسان. وفي ~~الآية دليل على بطلان قول من قال: المعارف ضرورة، لأنه لما شك أراه الله ~~الآيات التي استبصر بها ولو كان مضطرا إلى المعرفة بالله وما يجوز عليه ~~وما لا يجوز لم يحتج إلى دليل يعلم به ما هو مضطر إليه وكان يقال: ان عند ~~الموت لم تحصل له المعارف الضرورية كما يحصل لمن لا يريد الله إعادته إلى ~~التكليف فتكون الاماتة كالنوم. والمعلوم خلافه. ### || [2.260] # القراءة: # قرأ حمزة وحده { فصرهن } بكسر الصاد. الباقون بضمها. # الاعراب: # العامل في قوله { وإذ } يحتمل أن يكون أحد شيئين: أحدهما - ما قال ~~الزجاج: واذكر إذ قال. والثاني - ألم تر إذ ms0581 قال عطفا على { ألم تر إلى ~~الذي حاج إبراهيم في ربه }. # المعنى: # وقيل في سبب سؤال إبراهيم أن يريه كيف يحيي الموتى ثلاثة أقوال: # أحدها - قال الحسن، وقتادة، والضحاك، وأبو عبد الله الصادق (ع): أنه رأى ~~جيفة قد مزقها السباع تأكل منها سباع البر وسباع الهواء ودواب البحر ~~فسأل الله (تعالى) أن يريه كيف يحييها وقال ابن اسحاق كان سبب ذلك منازعة ~~نمرود له في الاحياء، وتوعده إياه بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث ~~يشاهده، ولذلك قال ليطمئن قلبي إلى أنه لا يقتلني الجبار، وقال قوم إنما ~~سأل ذلك لقومه، كما سأل موسى الرؤية، لقومه. وقال قوم: إنما سأله، لأنه ~~أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد أن كان عالما به من جهة الاستدلال. وهو ~~أقوى الوجوه. وقال قوم: إنما سأل ذلك، لأنه كان شاكا فيه. وروي فيه ~~رواية، فهذا باطل، لأن الشك في أن الله قادر على احياء الموتى كفر لا ~~يجوز على الانبياء، لأنه تعالى لا يجوز أن يبعث إلى خلقه من هو جاهل بما ~~يجوز عليه وما لا يجوز. والذي يبين ذلك أن الله تعالى لما قال له { أولم ~~تؤمن } فقرر أنه قال إبراهيم { بلى ولكن ليطمئن قلبي } فبين أنه عارف ~~بذلك مصدق به، وإنما سأل تخفيف المحنة بمقاساة الشبهات، ودفعها عن النفس. # والالف في قوله { أولم تؤمن } ألف إيجاب قال الشاعر: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # أي قد آمنت لا محالة، فلم تسأل ذا، فقال: { ليطمئن قلبي } وقوله { ~~ليطمئن قلبي } معناه ليزداد يقينا إلى يقينه، وهو قول الحسن، وقتادة، ~~وسعيد بن جبير، والربيع، ومجاهد، ولا يجوز " ليطمئن قلبي " بالعلم بعد ~~الشك الذي قد اضطرب به لما بيناه، ولكن يجوز أن يطلب علم البيان بعد علم ~~الاستدلال. وقيل معناه " ليطمئن قلبي " بأن لا يقتلنى الجبار. # اللغة والمعنى: # ويقال: اطمأن يطمئن اطمئنانا: إذا تواطأ والمطمئن من الارض ما انخفض ~~وتطامن، واطمأن إليه إذا وثق به، لسكون نفسه إليه، ولتوطي حاله بالأمانة ~~عنده، وأصل ms0582 الباب التوطئة. # وقوله: { قال فخذ أربعة من الطير } قيل أنها الديك، والطاووس، والغراب، ~~والحمام. أمر أن يقطعها ويخلط ريشها بدمها، ويجعل على كل جبل منهن جزءا، ~~هذا قول مجاهد، وابن جريج، وابن زيد، وابن اسحاق، والطير معروف يقال: طار ~~يطير طيرانا وأطاره اطارة وطيره تطييرا، وتطاير تطايرا وطايره مطايرة، ~~واستطار استطارة، فأما تطير تطيرا فمن الطيرة لأنه زجر الطير بما يكره، ~~وتطاير الشيء إذا تفرق في الهواء، وطائر الانسان: عمله الذي قلده من خير ~~أو شر، لأنه كطائر الزجر في البركة أو الشؤم قال الله (تعالى) # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه # والمطير ضرب من الوشي لأن عليه تماثيل الطيور. وفجر مستطير أي منتشر في ~~الأفق كانتشار الطيران. وغبار مستطار، كذا كلام العرب للفرق وفرس مطار ~~وهو الحديد الفؤاد لأنه طيار في جريه وأصل الباب الطيران. # وقوله { فصرهن } فمن قرأ بضم الصاد احتمل معنيين: # أحدهما - يقطعهن على قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد. وقال ~~توبة بن الحمير: # فأدنت لي الاسباب حتى بلغتها # بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها # أي يقطعها. # والثاني - أن معناه أضممهن إليك على قول عطا وابن زيد من صاره يصوره ~~صورا: إذا أماله. قال المعلى العبدي: # وجاءت خلعة دهس صفايا # يصور عنوقها أحوى زنيم # معناه أن هذه الغنم يعطف عنوقها هذا التيس الأحوى، ومن قال بالكسر احتمل ~~ذلك أيضا الوجهين اللذين ذكرناهما في الضم وقال بعض بني سليم: # وفرع يصير الجيدوحف كأنه # على الليت قنوان الكروم الدوالح # معناه يميل الجيد. وإذا كان بمعنى قطعهن فاليك من صلة خذ. وإذا كان ~~بمعنى أملهن يجوز أن يكون إلى متعلقا به. ويجوز أن يكون متعلقا بصرهن، ~~وهو الاقوى على قول سيبويه لأنه أقوى كذا قال أبو علي الفارسي وإذا كان ~~بمعنى أملهن إليك وقطعهن { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا }. والصور ~~العطف يقال صاره يصوره صورا إذا عطفه. وقال الشاعر: # وما يقبل الاحياء من حب خندف # ولكن أطراف الرياح يصورها # والصور التقطيع. صاره يصوره. والصور: ميل لأنه انقطاع ms0583 إلى الشيء بالميل ~~إليه ومنه الصورة لتقطيعها بالتأليف على بعض الأمثلة صور يصور تصويرا ~~وتصور تصورا والصوار: القطيع من بقر الوحش، لانقطاعه بالانفراد عن ~~غيره. والصور: النخل الصغار، والصور: قرن ينفخ فيه لاجتماع الصورة به. ~~ويجوز للانقطاع إليه بالدعاء إليه والصور: جمع صورة. والصوار. النفحة من ~~المسك وأصل الباب القطع. وقال الفراء: صاره يصيره بمعنى قطعه من المقلوب ~~من صراه يصرية وأنشد: # يقولون ان الشام يقتل أهله # فمن لي إذا لم آته بخلود # تعرب آبائي فهلا صراهم # من الموت أن لم يذهبوا وجدودي # قال المبرد لا يجوز ذلك، لأن سيبويه قال: إن كل واحد من اللفظين إذا ~~تصرف في بابه لم يكن أحدهما أصلا للآخر: نحو جذب يجذب جذبا، فهو جاذب، ~~وجبذ يجبذ جبذا فهو جابذ فلذلك لما تصرف صاره يصيره صيرا كما ينصرف صراه ~~يصريه صريا، لم يكن أحدهما أصلا للآخر، ولكن المقلوب نحو قسى لأن بابه ~~على تأخير السين نحو قوس، واقواس وقويس. # المعنى: # وقوله { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال ابن عباس، والحسن وقتادة: ~~إنها كانت أربعة. # وقال ابن جريج، والسدي: كانت سبعة. وقال مجاهد، والضحاك كل جبل على ~~العموم بحسب الامكان، كأنه قيل كل فرقة على جبل يمكنك التفرقة عليه. وروي ~~عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنها كانت عشرة. وفي رواية ~~أخرى أنها كانت سبعة، والفرق بين الجزء والسهم أن السهم من الجملة ما ~~انقسمت عليه، وليس كذلك الجزء نحو الاثنين وهو سهم من العشرة لأنها تنقسم ~~عليه، وليس كذلك الثلاثة وهو جزء منها لأنه بعض لها فان قيل: كيف أجيب ~~ابراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله # رب أرني أنظر إليك # قيل عنه جوابان: # أحدهما - أنه سأل أية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا ~~يعترضها الشكوك بوجه من الوجوه، وابراهيم إنما سأل في شيء خاص يصح معه ~~التكليف. # والقول الآخر - أن الأحوال قد تختلف فيكون الأصلح الاصوب في بعض الأوقات ~~الاجابة، وفي وقت آخر المنع ms0584 فيما لم يتقدم فيه إذن. فان قيل: كيف قال: { ~~ثم ادعهن } ودعاء الجماد قبيح؟ قلنا إنما أراد بذلك الاشارة إليها ~~والايماء لتقبل عليه إذا أحياها الله. فأما من قال أنه جعل على كل جبل ~~طيرا ثم دعاها فبعيد، لأن ذلك لا يفيد ما طلب، لأنه إنما طلب ما يعلم به ~~كونه قادرا على إحياء الموتى، وليس في مجيء طير حي بالايماء إليه ما يدل ~~عليه. وفي الكلام حذف، فكأنه قال: فقطعهن واجعل على كل جبل منهن جزأ فان ~~الله يحييهن، فاذا أحياهن فادعهن يأتينك سعيا، فيكون الايماء إليها بعد ~~أن صارت أحياء، لأن الايماء إلى الجماد لا يحسن، فان قيل: إذا أحياها ~~الله كفى ذلك في باب الدلالة، فلا معنى لدعائها، لأن دعاء البهائم قبيح؟ ~~قلنا: وجه الحسن في ذلك أنه يشير إليها، فسمي ذلك دعاء لتأتي إليه فيتحقق ~~كونها أحياء ويكون ذلك أبهر في باب الاعجاز. وقال الطبري معنى الدعاء ها ~~هنا الاخبار عن تكوينها أحياء كما قال # كونوا قردة خاسئين # وقوله: { أتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين }. # اللغة: # والجبل وتد من أوتاد الأرض معروف. وجبل فلان على كذا أي طبع عليه وأجبل ~~القوم أجبالا: إذا صاروا في الجبال وتجبلوا إذا دخلوها، ورجل ذو جبلة ~~إذا كان غليظ الجسم، لأنه كالجبل في الغلظ. والجبلة الأمة من الناس وأجبل ~~الحافر: إذا أفضى إلى صلابة لا يمكنه الحفر فيه، ومنه أجبل الشاعر إذا ~~صعب عليه القول، والجزء: بعض. الجزأ جزأته تجزئة إذا بعضته، والجزء ~~الاجتزاء بالرطب عن الماء جزأت الوحشية جزوء لاكتفائها بالجزء الذي في ~~الرطب منه والجزاء نصاب السكين وأصل الباب الجزء البعض. ### || [2.261] # هذه الآية متصلة بقوله: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } وما ~~بينهما الاعتراض بالاستدعاء إلى الحق مما أمر الله بالحجج والعبر التي ~~ذكرها من احياء الموتى لابراهيم ومن حجاجه للذي ادعى أنه رب العباد إلى ~~غير ذلك مما تقدم ذكره مع البيان عنه وقال الربيع والسدي الآية تدل على ~~أن النفقة في سبيل الله ms0585 بسبعمائة مائة ضعف لقوله { سبع سنابل } فأما ~~غيرها فبالحسنة عشرة. وقد بينا في ما تقدم أبواب البر كلها من سبيل الله ~~فيمكن أن يقال ذلك عام في جميع ذلك. والذي ذكرناه مروي عن أبي عبد الله ~~(ع) واختاره الجبائي: فان قيل هل رئي في سنبلة مائة حبة حتى يضرب المثل ~~بها؟ قيل عنه ثلاثة أجوبة: أولها - أن ذلك متصور فشبه لذاك وإن لم ير كما ~~قال امرؤ القيس: # ومسنونة زرق كانياب أغوال # وقال تعالى # طلعها كأنه رءوس الشياطين # الثاني - أنه قد رئي ذلك في سنبل الدخن. والثالث - أن السنبلة تنبت مائة ~~حبة فقيل فيها على ذلك المعنى - كما يقال - في هذه الحبة حب كثير والاول ~~هو الوجه. والوعد بالمضاعفة لمن أنفق في سبيل الله - في قول ابن عباس - ~~وقال الضحاك ولغيرهم من المطيعين. وقوله: { انبتت } فالنبت الحشيش وكلما ~~ينبت من الارض يقال فيه نبت نبتا. ونباتا. وأنبته الله إنباتا: ونبته ~~تنبيتا قال (تعالى): # والله أنبتكم من الأرض نباتا # على تقدير فنبتم نباتا وانه لحسن النبت. والمنبت الاصل. فلان في منبت ~~صدق أي في أصل كريم، لأنه يخرج منه كما يخرج النبات. والنبوت: شجر ~~الخشخاش. وأنبت الغلام: إذا راهق واستبان شعر عانته. والسنبلة على وزن ~~فنعله لقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل. والاصل فيه ~~الاسبال، وهو ارسال الستر ونحوه. فمنه أسبل الزرع، لأنه استرسل بالسنبل ~~كما يسترسل الستر في الاسبال فيطول، لأنه صار فيه حب مستور كما يستر ~~بالاسبال. فأما السبيل الطريق، فلأنه يرسل فيه المار به. # والمائة: عدد معروف يجمع على مئات ومئين. ويقال أمأت الغنم إذا بلغت ~~مائة. وأمأيتها أنا أي وفيتها مائة. والمأي النميمة بين القوم مأيت بينهم ~~أمأي إذا دببت بينهم بالشر. # وقوله { واسع عليم } معناه واسع المقدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة ~~{ عليم } بمن يستحق الزيادة - على قول ابن زيد - ويحتمل أن يكون المراد { ~~واسع } الرحمة لا يضيق عن مضاعفة " عليم " بما كان من النفقة. ### || [2.262] # الاعراب: # { الذين } رفع بالابتداء. و ms0586 { ينفقون } خبره و { أموالهم } نصب لأنه ~~مفعول به. # اللغة والمعنى: # والانفاق إخراج الشيء عن الملك. وقوله { في سبيل الله } قال ابن زيد: هو ~~الجهاد. وقال الجبائي: أبواب البر كلها، وهو الصحيح عندنا. والمروي عن ~~أبي عبد الله (ع). # وقوله: { ثم لايتبعون ما أنفقوا منا } فالمن هو ذكر ما ينغص المعروف ~~كقول القائل: أحسنت إلى فلان ونعشته وأغنيته وما أشبه ذلك مما ينغص ~~النعمة # وأصل المن: القطع ومنه قولهم: حبل منين أي ضعيف، لأنه مقطع ومنيته أي ~~قطعته ومنه قوله: # فلهم أجر غير ممنون # أي غير مقطوع وسمي ما يكدر النعمة والمعروف بانه منة لأنه قطع الحق ~~الذي يجب به. والمنة: النعمة العظيمة سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق ~~بها لعظمها. ومنه قوله: # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان # أنعم عليكم. والمنة: القوة في القلب والمن: الذي يقع من السماء، والمن ~~الذي يوزن به، لأنه يقطع على مقدار مخصوص. # وقوله: { ولا أذى } فهو نحو قولهم أنت أبدا فقير، ومن أبلاني بك ~~وأراحني الله منك، وما أشبه ذلك مما يؤذي قلب المعطى وقوله { لهم أجرهم ~~عند ربهم } والأجر هو النفع المستحق بالعمل { ولا خوف عليهم } فالخوف ~~يوقع الضرر الذي لا يؤمن وقوعه. # { ولا هم يحزنون } فالحزن الغم الذي يغلظ على النفس. ومنه الحزن: الأرض ~~الغليظة. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - لا خوف عليهم لفوت الاجر. والثاني - لا خوف عليهم لاهوال ~~الآخرة. وقيل أنه دليل على أن الوعد بشرط لأنه مغموم الكلام. لأن تقديره ~~في المعنى ان لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الاجر كذا، وليس ~~في الآية ما يدل على صحة القول بالاحباط أصلا، لأن الوعد متى كان مشروطا ~~بأن لا يتبع بالمن والاذى فمتى اتبع بهما لم يحصل الشرط الذي يوجب ~~استحقاق الثواب فلم يحصل شيء أصلا ثم انحبط، وإنما كان فيه لبس لو ثبت ~~استحقاقهم بنفس الانفاق فاذا اتبع بالمن انحبط ذلك. وهذا ليس في الآية. ms0587 # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " المنان: بما يعطي لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب ~~أليم ". # وقال الضحاك لأن يمسك ماله خير له من أن ينفقه ثم يتبعه منا وأذى. ### || [2.263] # القول المعروف معناه ما كان حسنا جميلا لا وجه فيه من وجوه القبح، وهو ~~أن تقول للسائل قولا معروفا عليه حسنا من غير صدقة تعطيها إياه. وقال ~~الحسن: وهو قول حسن لاعتراف العقل به, وتقبله إياه دون إنكاره له. ~~والمغفرة ها هنا قيل في معناها ثلاثة أقوال. # أولها - ستر الحلة على السائل. الثاني - قال الحسن: المغفرة له بالعفو ~~عن ظلمه. الثالث - قال الجبائي: معناه أي سلامته في المعصية لأن حالها ~~كحال المغفرة في الامان من العقوبة. # اللغة: # وقوله. { والله غني حليم } فالغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، ومعناه ها ~~هنا غني عن كل شيء من صدقة وغيرها. وإنما دعاكم إليها لينفعكم بها. وقال ~~الرماني: الغني الواسع الملك فالله غني لأنه مالك لجميع الأشياء لأنه ~~قادر عليها لا يتعذر عليه شيء منها. والغنى ضد الحاجة. تقول: غني يغنى ~~غنى وأغناه اغتناء واستغنى استغناء وغنى غناء وتغنى تغنيا. والغناء ~~ممدود: الصوت الحسن. ويقال فيه أغنية وأغاني والغنى: الكفاية للغنى به عن ~~غيره. والمغنى المنزل غني بالدار: إذا أقام بها ومنه قوله # كأن لم تغن بالأمس # والغانية: الشابة المتزوجة لغناها بزوجها عن غيره. وهي أيضا العفيفة ~~لغناها بعفتها. والغنية الاستغناء. والحلم: الامهال بتأخير العقوبة ~~للانابة، ولو وقع موقع حليم حميد أو عليم، لما حسن لأنه تعالى لما نهاهم ~~أن يتبعوا الصدقة بالمن، بين أنهم إن خالفوا ذلك فهو غني عن طاعتهم حليم. ~~في أن لا يعاجلهم بالعقوبة. ### || [2.264] # المعنى: # ضرب الله (تعالى) هذه الآية مثلا لعمل المنافق والمنان جميعا، فانهما ~~إذا فعلا فعلا لغير وجه الله أو قرنا الانفاق بالمن والأذى، فانهما لا ~~يستحقان عليه ثوابا. وشبه ذلك بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من ~~التراب، فانه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه ms0588 فكذلك إذا رفع المنان ~~صدقته وقرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه، وتلا ~~فيه لوقوعة على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فان وجوه الافعال تابعة ~~للحدوث، فاذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها وليس فيها ما يدل على أن الثواب ~~الثابت المستقر يزول بالمن فيما بعد ولا بالرياء الذي يحصل فيما يتجدد ~~فليس في الآية ما يدل على ما قالوه. # وقوله: { رئاء الناس } إنما جمع بين همزتين ولم يجمع في ذوائب جمع ~~ذؤابة، لوقوع الألف في الجمع بين الهمزتين، فلم يجز ذؤائب، فأما الواحد ~~فاجتمع لخفته وهما أيضا مفتوحان فهو أخف لها. # وقوله: { كالذي ينفق ماله رئاء الناس } يدخل فيه المؤمن والكافر إذا ~~أخرجا الانفاق للرياء. وقوله: { ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } صفة ~~للكافر خاصة { مثله كمثل صفوان } يعني الحجارة الصلبة { عليه تراب }. # اللغة: # فالتراب والترب واحد يقال ترب الرجل إذا افتقر، لأنه لصق بالتراب للفقر ~~ومنه قوله: # مسكينا ذا متربة # لأنه قعد على التراب للفقر وأترب الرجل إذا استغنى لأنه كثر ماله حتى ~~صار كالتراب. والترب الذي ينشأ معك. وقيل فيه. أقوال: منها للعبهم ~~بالتراب إذ هم صبيان أقران. ومنها - لأنهم خرجوا إلى عفر الترب في وقت من ~~الزمان. ومنها - لانهم على الاشتباه كالتراب. وقوله: # عربا أترابا # أي أشباه أمثال. والترائب عظام الصدر واحدها تريبة. قيل لأنها متشابهة ~~كالأتراب أو كتشابه التراب. ومنه قوله: # من بين الصلب والترائب # وقوله: { فأصابه وابل } فالوابل: المطر الشديد الوقع، يقال وبلت السماء ~~تبل وبلا: إذا اشتد وقع المطر. # وقوله: # فأخذناه أخذا وبيلا # أي شديدا. والوبيل: المرعى الوخيم. والوابال: سوء العاقة. والموبل: ~~المغلظ القلب. والوبيلة: الحزمة من الحطب لأنها مشدودة. والوبيل: العصا ~~الغليظة. والوابلة: طرد العضد في الكتف. وأصل الباب الشدة. والصفوان ~~واحده صفوانة مثل مرجان ومرجانة وسعدان وسعدانه وقال الكسائي: جمع صفوان ~~صفى. وأنكر ذلك المبرد وقال: إنما هو صفاء وصفى مثل عصا وعصي وقفا ~~وقفي وكذلك ذكران وصفوان - بكسر الصاد - وإنما هو جمع صفا نحو خرب ~~وخربان، ms0589 وورل * وورلان. وقال معنى صفا وصفوان واحد. # وقوله: { فتركه صلدا } فالصلد: الحجر الأملس الصلب قال الشاعر: # ولست بجلب جلب ريح وقرة # ولا بصفا صلد عن الخير معزل # وقال رؤبة. # لما رأتني خلق المموه # براق أصلاد الجبين الأجله # والصلد الذي لا ينبت شيئا من الأرض لأنه كالحجر الصلد، والصلد: البخيل ~~وصلد الزند صلودا إذا لم يور نارا وفرس صلود: إذا أبطأ عرقه. وقدر صلود ~~إذا أبطأ غليها. وأصل الباب ملاسة في صلابة ويقال صلد يصلد صلدا فهو ~~صلد. # وقوله: { والله لا يهدي القوم الكافرين } معناه أنه لا يهديهم إلى طريق ~~الجنة على وجه الانابة لهم ويحتمل لا يهديهم بمعنى لا يقبل أعمالهم كما ~~يقبل أعمال المهتدين من المؤمنين، لأن أعمالهم لا يقع على وجه بها المدح. ### || [2.265] # القراءة: # قرأ عاصم وابن عامر بربوة - بفتح الراء - الباقون بضمها. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ونافع { أكلها } باسكان الكاف الباقون بالتثقيل. # المعنى: # وهذا مثل ضربه الله لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله أي طلبا لرضاه. ~~وقوله: { وتثبيتا من أنفسهم } بقوة اليقين والبصيرة في الدين في قول ابن ~~زيد، والسدي، وأبي صالح والشعبي. الثاني - قال الحسن ومجاهد: معناه أنهم ~~يتثبتون أين يضعون صدقاتهم. الثالث - قال أبو علي: معناه توطينا لنفوسهم ~~على الثبوت على طاعة الله واعترض على قول مجاهد بأنه لم يقل تثبيتا. ~~وهذا ليس بشيء لأنه لا يجوز أن يقول القائل يثبتوا أنفسهم تثبيتا إذا ~~كانوا كذلك فهم لا يتثبتون أين يضعون الصدقات. وقوله: { كمثل جنة بربوة } ~~إنما خصت بالربوة لأنها إذا كانت بربوة فتثبتها أحسن وربيعها أكثر كما ~~قال الاعشى: # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # فخص بها الحزن لما بيناه. # اللغة: # والربو: الزيادة يقال ربا الشيء يربو إذا زاد. وأصابه ربو: إذا أصابه ~~نفس في جوفه، لزيادة النفس على عادته. والربوة: العلو من الأرض لزيادته ~~على غيره بارتفاعه. والربا في المال: المعاملة على أن يأخذ أكثر مما يعطي ~~للزيادة على ما يفرض يقال ربا المال يربو ربا ms0590 وأربى صاحبه فهو مرب. وأصل ~~الباب الزيادة: وفي الربوة ثلاث لغات - فتح الراء وضمها وكسرها -. وفيها ~~أربع لغات أخر رباوة ورباوة ورباوة وربا. فتلك سبع لغات. # المعنى واللغة: # وقال ابن عباس، والضحاك، والحسن، ومجاهد، والسدي، والربيع: الربوة ~~ولرابية المرتفع من الارض { فأتت أكلها } فالفرق بين الاكل والاكل ان ~~الاكل بالفتح المصدر والاكل بالضم الطعام الذي يؤكل { ضعفين } يعني مثلين ~~في قول الزجاج لأن ضعف الشيء مثله زائدا عليه وضعفاه مثلاه زائدين عليه. ~~وقال قوم: ضعف الشيء مثلاه. وقوله { فطل } قال الحسن والضحاك والربيع ~~وقتادة هو اللين من المطر. وإنما ذكر الطل ها هنا لتشبيه أضعاف النفقة به ~~كثرت أو قلت: إذ كان خيرها لا يختلف على حال في قول الحسن وقتادة. وإنما ~~قيل لما مضى { فإن لم يصبها وابل فطل } لأن فيه إضمار (كان) كأنه قيل: ~~فان يكن لم يصبها وابل، فطل. ومثله قد أعتقت عبدين فان لم أعتق اثنين ~~فواحدا بقيمتهما. والمعنى ان أكن لم أعتق قال الشاعر: # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # ولم تجدي من أن تقري بها بدا # كأنه قال: أكن لم تلدني لئيمة. والطل المطر الصغار القطر يقال: أطلت ~~السماء فهي مطلة. وروضة طلة ندية. والطل: إبطال الذم بأن لا يثار بصاحبه. ~~طل دمه فهو مطلول لأنه بمنزلة ما جاء عليه الطل، وأذهبه كأنه قيل غسله. ~~والطل والطلل ما شخص من الدار، لأنه كموضع الندى بالطل لغمارة الناس له ~~خلاف المستوى، والقفر، لأن الخصب حيث تكون الأبنية. وصار الطلل اسما لكل ~~شخص. والاطلال: الاشراف على الشيء والطل: الشحم، ما بالناقة طل أي ما بها ~~طرق. وطلة الرجل امرأته. وأصل الباب الطل: المطر. # وقوله: { والله بما تعملون بصير } معناه عالم بأفعالكم، فيجازيكم بحسنها ~~وفي ذلك ترغيب وترهيب. ### || [2.266] # المعنى: # معنى قوله: { أيود أحدكم أن تكون له جنة } التقدير (على) مثل ضربه الله ~~في الحسرة بسلب النعمة فقيل هو مثل للمرائي في النفقة، لأنه ينتفع بها ~~عاجلا وتنقطع عنه آجلا في أحوج ما يكون إليه. هذا قول ms0591 السدي وقال مجاهد: ~~هو مثل للمفرط في طاعة الله بملاذ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة ~~العظمى. وقال ابن عباس: هو مثل للذي يختم عمله بفساد. # اللغة: # وقوله. { أيود أحدكم أن تكون له جنة } فأتى بمستقبل ثم عطف عليه بماض في ~~قوله { وأصابه الكبر } قال الفراء يجوز ذلك في يود لأنها تلتقي مرة ب ~~(أن) ومرة ب (لو) فجاز أن يقدر أحداهما مكان الاخرى، لاتفاق المعنى، ~~فكأنه قال أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر. وقال ~~الرماني: وعندي أنه قد دل بأن على الاستقبال، وبتضمين الكلام معنى لو على ~~التمني، كأنه قيل أيحب ذلك متمنيا له. والتمني يقع على الماضي والمستقبل ~~ألا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد. ويصح أن يتمنى أن يكون له ولد. ~~والمحبة لا تقع إلا على المستقبل، لأنه لا يجوز أن يقال أحب أن كان لي ~~ولد ويجوز أحب أن يكون لي ولد. والفرق بين المودة والمحبة أن المودة قد ~~تكون بمعنى التمني نحو قولك: أود لو قدم زيد بمعنى أتمنى لو قدم، ولا ~~يجوز أحب لو قدم. وقوله أن تكون له جنة، فالجنة: البستان الكثيرة الشجر ~~لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. والنخل معروف. وقيل: إنه مأخوذ من نخل ~~المنخل، لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل. والنخل والنخيل جمع نخلة. وهي ~~شجرة التمر. وقوله: # كأنهم أعجاز نخل خاوية # وقوله # كأنهم أعجاز نخل منقعر # فذكر على اللفظ وأنث على المعنى. والنخل نخل الدقيق نخلته نخلا. ومنه ~~المنخل، لأنه آلة النخل والنخالة معروفة والنخل نخل السماء بالثلج أو ما ~~صغر من القطر والانتخال الاختيار والتنخل: التخير وأصل الباب النخل: ~~الدقيق. والعنب: ثمر الكرم معروف ورجل عانب وعنب. والعناب معروف. والعناب ~~ما تقطعه الخائنه مشبه بالعنب في التعلق. ورجل عناب: عظيم الانف مشبه ~~بعنقود العنب في التعلق والعظم. وأصل الباب العنب. وقوله: { من تحتها ~~الأنهار } وتحت نقيض فوق وفي الحديث # " لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت " # أي الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يشعر ms0592 بهم ذلا. # والانهار جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء قال الشاعر: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ماوراءها # معناه وسعت فتقها كالنهر. # وقوله: { فيها من كل الثمرات } فالثمرة: طعام الناس من الشجر. وقوله: { ~~وأصابه الكبر } فالاصابة الوقوع على المقصود. والمراد ها هنا: لحقه ~~الكبر، والكبر حال زائدة على مقدار آخر. # والمراد ها هنا: الشيخوخة. والفرق بين الكبير والكثير أن الكثير مضمن ~~بعدد وليس كذلك الكبير نحو دار واحدة كبيرة. ولا يجوز كثيرة. والذرية: ~~الولد من الناس. والضعفاء: جمع ضعيف، والضعف نقصان القوة. وقوله: { ~~فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } فالعصر عصر الثوب ونحوه من كل شيء رطب ~~عصرته أعصره عصرا فهو معصور، وعصير. واعتصرته اعتصارا، وتعصر تعصرا، ~~وعصره تعصيرا. وانعصر انعصارا. والعصر الدهر. وفي التنزيل # والعصر إن الإنسان لفي خسر # والعصر العشي. ومنه صلاة العصر لأنها تعصر أي تؤخر كما يؤخر الشيء ~~بالتعصر فيه. والعصر النجاة من الحدب ومنه قوله تعالى: # فيه يغاث الناس وفيه يعصرون # لأنه كعصر الثوب في الخروج من حال إلى حال. والعصر: العطية. والاعتصار: ~~الالتجاء. والمعتصر: الملجأ. والاعصار: غبار يلتف بين السماء والارض ~~كالتفاف الثوب في العصير. والمعصر فوق الكاعب. والمعصرات السحاب. ومنه ~~قوله # وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا # والعصرة: الدينة يقال هو لأموالنا عصرة: أي دينة. وأصل الباب: عصر ~~الثوب. والاحراق إحراق النار أحرقته بالنار فاحترق احتراقا وحرقته ~~تحريقا وتحرق تحرقا والحرق حك البعير أحد نابيه بالآخر يكون وعيدا ~~وتهديدا من فحول الابل، لالتهابه غضبا كالتهاب الاحراق. والحرق: حك ~~الحديدة بالمبرد حرقت الحديدة أحرقها حرقا: إذا بردتها للتفريق ~~بالاحراق. والحرق: قطع عصبة في الورك لا تلتئم كما لا يرجع ما أحرق، يقال ~~حرق الورك فهو محروق والحرق: الثوب يقع فيه الحرق من دق القصار لأنه ~~كالاحراق بالنار في أنه لا يرجع إلى الحال. ومنه ريش حرق لأنه كالمنقطع ~~بالاحراق. والحراق: ما اقتبست به النار للاحراق. والحرقة ما يجده من حدة ~~لأنه كالاحراق بالنار. والحراقات: سفن يتخذ منها مرامي نيران يرمى بها ms0593 ~~العدو في البحر وأصل الباب الاحراق. والفكر: جولان القلب بالخواطر يقال: ~~أفكر إفكارا وفكر تفكيرا وتفكر تفكرا ورجل فكير كثير الفكر. وقوله: { ~~فاحترقت } فالاحتراق: افتراق الاجزاء بالنار والبيان: هو الدلالة على ما ~~بيناه - في ما مضى - وقال الرماني: البيان اظهار المعنى بما يتميز به من ~~غيره على جهة الصواب. ولا يقال للحن من الكلام بيان وإن فهم به المراد، ~~لأن البيان على الاطلاق ممدوح. وللحن عيب لكن يقال قد أبان عن مراده ~~مجازا. ### || [2.267] # المعنى: # هذا خطاب للمؤمنين دون سائر الناس وقال الحسن، وعلقمة: كل شيء في القرآن ~~{ يا أيها الذين آمنوا } فانما أنزل بالمدينة وكلما فيه { يا أيها الناس ~~} أنزل بمكة وقوله: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } يدخل فيه الزكاة ~~المفروضة وغيرها من أنواع النفقة. وقال عبيدة السلماني، والحسن: هي مختصة ~~بالزكاة. وقال الجبائي: هي في المتطوع، لأن الفرض من الصدقة له مقدار من ~~القيمة إن قصر كان دينا عليه إلى أن يؤديه على التمام. فأما إذا كان مال ~~المزكي كله رديا فجاز له أن يعطي منه ولا يدخل في ما نهي عنه، لأن تقدير ~~ما جعله الله للفقير في مال الغني تقدير حصة الشريك، فليس لأحد الشريكين ~~أن يأخذ الجيد ويعطي صاحبه الردي لما فيه من الوكس فاذا استوى في الرداوة ~~جاز له إعطاء الردي، لأنه حينئذ لم يبخسه حقا هو له كما يبخسه في الأول ~~وقوله: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } روي عن علي (ع)، والبراء بن ~~عازب، والحسن، وقتادة: أنها نزلت لأن بعضهم كان يأتي بالحشف فيدخله في ~~تمر الصدقة فنزلت فيه الآية. قال ابن زيد: الخبيث الحرام. والأول أقوى، ~~لأنه قال: { أنفقوا من طيبات ما كسبتم وما أخرجنا لكم من الأرض } ثم قال: ~~{ ولا تيمموا الخبيث } يعني من الذي كسبتم إذ أخرجه الله من الأرض. ~~والحرام وإن كان خبيثا فليس من ذلك غير أنه يمكن أن يراد به ذلك لأنه لا ~~ينافي السبب. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في أقوام لهم أموال ms0594 من ~~ربا الجاهلية كانوا يتصدقون منها، فنهى الله عن ذلك وأمر بالصدقة من ~~الحلال. ويقوي الوجه الاول قوله: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ~~والاغماض لا يكون في شيء ردي متسامح في أخذه دون ما هو حرام. وفي الفقهاء ~~من استدل بهذه الآية على أن الرقبة الكافرة لا تجزي في الكفارة وضعفه قوم ~~وقالوا: العتق ليس بانفاق. والاولى أن يكون ذلك صحيحا لأن الانفاق يقع ~~على كل ما يخرج لوجه الله عتقا كان أو غيره. اللغة والتيمم: التعمد ~~تيممت الشيء تيمما. ومنه قوله: # فتيمموا صعيدا طيبا # أي تعمدوا، وقال خفاف: # فعمدا على عين تيممت مالكا # وقال آخر: # يممته الرمح شزرا ثم قلت له # هذي المروءة لا لعب الزحاليق # واليم: لجة البحر، لأنه يتعمد به البعيد من الأرض، ويم الرجل: إذا غرق ~~في البحر، ويم الساحل إذا طما عليه يم البحر فغلب عليه. واليمامة، ~~واليمام: الحمام الطورانية تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها. وقال الخليل: ~~أممته قصدت أمامه ويممته: تعمدته من أي جهة كان. وقال غيره: هما سواء. ~~والخبيث: الرديء من كل شيء، خبث خبثا وتخبث تخبثا وتخابث تخابثا ~~وخبثه تخبيثا. # والخبثة: الريبة، وخبث الفضة ما نقاه الكير لأنه ينفي الرديء وأصله ~~الرداءة. # الاعراب واللغة: # وقوله: { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } إنما فتحت (أن) في قول ~~الفراء من أجل (إلا) إذ وقعت عليها. وهي في موضع خفض في الاصل عنده (إن) ~~لأن الكلام في معنى الجزاء وهو إن أغمضتم بعض الاغماض أخذتموه، ومثله # إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله # وأنكر ذلك أبو العباس وقال: (أن) هذه التي بمعنى المصدر مفتوحة على كل ~~حال وذلك نحو أن تأتيني خير لك. وإنما المعنى ولستم بآخذيه إلا لاغماضكم ~~فيه. والاغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه، أغمض إغماضا وذلك ~~لاخفاض بعض الثمن بالحط له. والغموض: الخفاء. غمض يغمض غموضا فهو غامض. ~~والتغميض إطباق الجفن وغمض العين. والغمض المطمئن من الأرض حتى يغيب من ~~فيه وأصل الباب: الخفاء. # المعنى: # وقيل في معنى { إلا ms0595 أن تغمضوا فيه } قولان قال البراء بن عازب إلا أن ~~تتساهلوا فيه. وقال ابن عباس، والحسن وقتادة إلا أن تحطوا من الثمن فيه. ~~وقال الزجاج: ولستم بآخذيه إلا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة قال الطرماح ~~ابن حكيم: # لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم # رجال يرضون بالاغماض # أي بالوكس قوله: { واعلموا أن الله غني حميد } هاهنا معناه أنه غني عن ~~صدقاتكم وإنما دعاكم إليها لنفعكم، فأما { حميد } ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه مستحق للحمد على نعمه. الثاني - موجب للحمد على طاعته. ~~والثالث - قال الحسن: معناه مستحمدا إلى خلقه بما يعطون من النعم لعباده ~~أي مبتدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد. وحميد في هذا الموضع أليق من حليم ~~كما أن حليما أليق بالآية المتقدمة من حميد، لما بيناه وإنما قلنا ذلك ~~لأنه لما أمرهم بالانفاق من طيب ما كسبوه بين أنه غني عن ذلك وأنه يحمدهم ~~على ما يفعلونه إذا فعلوه على ما أمرهم به ومعناه أنه يجازيهم عليه. ### || [2.268] # المعنى: # معنى الآية الوعد من الشيطان أنكم من أخرجتم من أموالكم الصدقة وأديتم ~~الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم افتقرتم. ويأمركم أيضا بالفحشاء من ~~المعاصي وترك طاعته. والله (تعالى) يعد بالمغفرة منه والستر عليكم، ~~والصفح عن العقوبة { وفضلا } يعني ويعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم ~~ويتفضل عليكم ويسبغ عليكم في أرزاقكم قال ابن عباس: اثنان من الله، ~~واثنان من الشيطان. فاللذان من الشيطان الوعد بالفقر والامر بالفحشاء. ~~واللذان من الله المغفرة على المعاصي والفضل في الرزق. # اللغة والمعنى: # والفقر: الحاجة وهو ضد الغنى يقال: أفقره الله إفقارا وافتقر افتقارا ~~وتفاقر تفاقرا، لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد. والفقار: ~~عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر واحدها فقرة. والافقار: إعارة ~~الدابة لتركب ثم ترد. والافقار: دنو الصيد. والفاقرة الداهية، لانها تكسر ~~الفقار. ومنه قوله: # تظن أن يفعل بها فاقرة # وأصل الباب الفقار: خرز الظهر. وتقول وعدته الخير، ووعدته بالخير والأصل ~~فيه تعديته بغير حرف الاضافة إلا أنه كثر استعماله في التعدي ms0596 بحرف ~~الاضافة حتى صار أصلا فيه لكثرته. وأمرته بالخير أكثر في الكلام وإنما ~~يجوز أمرته الخير في الشعر وقوله: { والله واسع عليم } حكى البلخي أنه ~~بغير واو في مصاحف أهل الشام ولم يقرأ به أحد فان صح فهو دلالة على نقصان ~~الحروف من كثير من القرآن على ما اختلفوا فيه. والفرق بين الوعد والوعيد ~~أن الوعيد في الشر خاصة، والوعد بالتقييد للخير والشر معا غير أنه إذا ~~أطلق لم يكن إلا في الخير، وكذلك إذا أبهم التقييد كقولك وعدته باشياء ~~لأنه بمنزلة المطلق. وحد الوعد: هو الخبر بفعل الخير في المطلق. ~~والوعيد: هو الخبر بفعل الشر. والأمر هو قول القائل لمن هو دونه: افعل، ~~مع إرادة المأمور به، فان انضم إليه الزجر عن الاخلال به كان مقتضيا ~~للايجاب. وقال ابن مسعود للشيطان لمة وللملك لمة. ومثله روي عن أبي عبد ~~الله (ع) فلمة الشيطان وعده بالفقر وأمره بالفاحشة ولمة الملك أمره ~~بالانفاق ونهيه عن المعاصي. وقال أبو مسلم والازهري الفحشاء البخل ~~والفاحش البخيل قال طرفة: # عقيلة مال الفاحش المتشدد # وقال الحسين بن علي المغربي والذي يقوي قوله ما أنشده أبو حيرة الراحل ~~من طي: # قد أخذ المجد كما أرادا # ليس بفحاش يضن الزادا # وقال الرماني: والله ما قالاه بعيد. والفحشاء المعاصي في أغلب الاستعمال ~~ومعنى البيت الذي أنشداه أن الفاحش هو سيء الرد بسؤاله وضيفانه وذلك من ~~البخل لا محالة قال كعب: # أخي ما أخي لا فاحش عند بيته # ولا برم عند اللقاء هبوب # فتلخيص معنى الآية أن الشيطان يحملكم على أن تؤدوا في الصدقة رديء المال ~~يخوفكم الفقر باعطاء الجيد - والفقر والفقر لغتان - ويعدكم الفقر: ~~معناه بالفقر فحذف الباء وعدى الفعل فنصب قال: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # فقد تركتك ذا مال وذا نشب # وقوله: { والله واسع عليم } معناه واسع يعطي من سعة مقدوراته { عليم } ~~حيث يضع ذلك ويعلم الغيب والشهادة. ### || [2.269] # القراءة والمعنى: # قرأ يعقوب { ومن يؤت } - بكسر التاء - الباقون بالفتح قيل في معنى ~~الحكمة في الآية ms0597 وجوه قال ابن عباس وابن مسعود: هو علم القرآن ناسخه ~~ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. وقال ابن ~~زيد: هو علم الدين. وقال السدي: هو النبوة. وقال مجاهد الاصابة. وقال ~~ابراهيم النخعي: الفهم. وقال الربيع: الخشية. وقال قوم: هو العلم الذي ~~تعظم منفعته وتحل فائدته وهو جميع ما قالوه. وقال قتادة: والضحاك، وفي ~~رواية عن مجاهد: هو القرآن، والفقه. وهو المروي عن أبي عبد الله (ع) ~~وإنما قيل للعلم: حكمة لانه يمتنع به من القبيح لما فيه من الدعاء إلى ~~الحسن، والزجر عن القبيح. وقال الجبائي: هو ما آتاه الله أنبياءه وأممهم ~~من كتبه وآياته ودلالاتة التي يدلهم بها على معرفتهم به وبدينه وذلك تفضل ~~منه يؤتيه من يشاء. وقوله: { وما يذكر إلا أولوا الألباب } وكل مكلف ذو ~~لب لأنه إنما يطلق عليهم هذه الصفة لما فيها من المدحة فلذلك عقد التذكر ~~بهم وهم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به ~~ودعا إليه و { يؤت } جزم ب (من) والجواب { فقد أوتي خيرا كثيرا } ومن ~~قرأ يؤت بكسر التاء على ما روي عن يعقوب ذهب إلى أن معناه ومن يؤته ~~الحكمة، وإنما حذف الهاء في الصلة ويكون (من) على هذا المعنى { الذي } لا ~~معنى الجزاء. ### || [2.270] # (ما) في قوله وما أنفقتم بمعنى الذي وما بعده صلتها والعائد إليها الهاء ~~في قوله: { فإن الله يعلمه } لأنها لا يجوز أن تعود على النفقة، لأنها ~~مؤنثة، ولا على النفقة والنذر، لأن ذلك يوجب التثنية. والمراد بالانفاق ~~ها هنا ما يخرجه في طاعة الله: واجباتها ومندوباتها. # وقوله: { أو نذرتم من نذر } فالنذر هو عقد الشيء على النفس فعل شيء من ~~البر بشرط، ولا ينعقد ذلك إلا بقوله لله علي كذا، ولا يثبت بغير هذا ~~اللفظ. وأصل النذر الخوف لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر ~~ومنه نذر الدم: العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال الشاعر: # هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا ms0598 # ومنه الانذار: الاعلام بموقع العدو، للخوف منه ليتقى يقال: نذرت النذر ~~أنذره نذرا وجمعه نذور وقوله: { فإن الله يعلمه } معناه يجازي عليه لأنه ~~عالم به، فدل بذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازا للكلام وقوله { وما ~~للظالمين من أنصار } وعيد للظالمين وهم الفاعلون لضرر يستحق عليه الذم. ~~والمراد بالظالمين ها هنا الذين كانوا انفاقهم على غير الوجه المأذون لهم ~~فيه من ربا أو ضرار أو شقاق أو من مال مغصوب أو مأخوذ من غير وجهه. وسمي ~~ذلك ظلما، لأنه وضع فيه في غير موضعه، والأنصار جمع نصير مثل شريف ~~وأشراف، وباب فعيل يجمع على فعلاء مثل عليم وعلماء وكريم وكرماء، وقد ورد ~~فيه فعال مثل نصير ونصار. والنصير: هو المعين على العدو، فعلى هذا لا تدل ~~الآية على أنه لا شفاعة لمرتكبي الكبائر لأن أحدا لا يقول أن لهم معينا ~~على عدوهم بل إنما نقول لهم من يسأل في بابهم على وجه التضرع ولا يسمى ~~ذلك نصر على حال. ### || [2.271] # القراءة: # قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف فنعما - بفتح النون وكسر العين - وقرأ ~~ابن كثير، وورش، ويعقوب، وحفص، والاعشى والبرجمي - بكسر النون والعين - ~~وقرأ أهل المدينة - إلا ورشا - وأبو عمر، وأبو بكر - إلا الأعشى - ~~والبرجمي - بكسر النون وسكون العين - وكذلك في النساء في قوله: { نعما ~~يعظكم به } وقرأ ابن عامر وحفص { ويكفر } بالياء والرفع. وقرأ أهل ~~المدينة، وحمزة والكسائي وخلف عن أبي بكر بالنون والجزم. الباقون بالنون ~~والرفع. # المعنى الاعراب: # قال أبو علي الفارسي: المعنى في قوله { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } إن ~~في نعم ضمير الفاعل و " ما " في موضع نصب وهي تفسير الفاعل المضمر قبل ~~الذكر والتقدير نعم شيئا ابدؤاها. فالابداء هو المخصوص بالمدح إلا أن ~~المضاف حذف واقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فالمخصوص ~~بالمدح هو الابداء بالصدقات لأن الصدقات تدل على ذلك قوله: { وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } أي الاخفاء خير لكم. فكما أن هو ضمير ~~الاخفاء وليس بالصدقات كذلك ينبغي أن يكون ms0599 ضمير الابداء مرادا وإنما كان ~~الاخفاء - والله أعلم - خيرا لأنه أبعد من أن يشوب الصدقة مراءاة للناس ~~وتصنع لهم فيخلص لله (تعالى) ولم يكن المسلمون إذ ذاك ممن يسبق إليهم ظنه ~~في منع واجب. والفرق بين الصدقة والزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضا ~~والصدقات قد تكون فرضا، وقد تكون نفلا. واختلفوا في الصدقة التي إخفاؤها ~~أفضل. فقال ابن عباس، وسفيان، واختاره الجبائي: انها صدقة التطوع، لأنها ~~أبعد من الرياء فأما الصدقة الواجبة فاظهارها عندهم أفضل لأنه أبعد من ~~التهمة. وقال يزيد بن أبي حبيب: الصدقات على أهل الكتاب إظهارها أولى، ~~وهي على المسلمين إخفاؤها أفضل. وقال الحسن، وقتادة: الاخفاء في كل صدقة ~~من زكاة وغيرها أفضل، وهو الأقوى لأنه عموم الآية وعليه تدل أخبارنا وقد ~~روي عن أبي عبد الله (ع) أن الاخفاء في النوافل أفضل. وقال أبو القاسم ~~الابداء خير. والمفسرون على خلافه. # اللغة: # والاخفاء: هو الستر تقول أخفيت الشيء أخفيه إخفاء: إذاسترته: والخفى ~~الاظهار خفيته أخفيه خفيا إذا أظهرته لأنه إظهار يخفى قال الشاعر: # فان تدفنوا الداء لا تخفه # وأن تبعثوا الحرب لا نقعد # والخفاء: الغطاء والخوافي من ريش الطائر ما دون القوادم لأنها يخفى بها ~~والخفية عريش الاسد لأنه يختفي فيها تقول: اختفى اختفاء وخفى تخفية وتخفى ~~تخفيا واستخفى استخفاء وأصل الباب الستر. والابداء والاظهار والاعلان ~~نظائر والاخفاء والاسرار والاغماض نظائر. تقول بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، ~~وابديته: إذا أظهرته. # الاعراب والقراءة: # وضعف النحويون بأجمعهم قراءة أبي عمرو, وقالوا لا يجوز إسكان العين مع ~~الادغام وإنما هو إخفاء يظن السامع أنه إسكان. # وإنما لم يجز الاسكان مع الادغام لأنه جمع بين ساكنين في غير حروف المد ~~واللين في نحو دابة وغير ذلك. وقد أنشد سيبويه في الجمع بين ساكنين مثل ~~اجتماعهما في نعما قول الشاعر: # كأنها بعد كلال الزاجر # ومسحه مر عقاب كاسر # وأنكره أصحابه. ومن رفع يكفر عطفه على موضع (ما) بعد الفاء ومن جزم فعلى ~~موضع الفاء. ومثل الاول قوله: { ومن يضلل الله فلا ms0600 هادي له ويذرهم } ~~ونظير الثاني { فأصدق وأكن } فمن اختار الجزم فلانه أبين في الاتصال ~~بالجزاء ومن رفع فلانه أشكل بما دخلت له الفاء إذ كانت إنما دخلت ~~لاستقبال الكلام بعدها وإن كان في معنى الجواب. ومن قرأ بالياء فمعناه { ~~ويكفر الله } وقوله: { من سيئاتكم } دخلت من للتبعيض لأنه إنما يكفر ~~بالطاعة - غير التوبة - الصغائر. هذا على مذهب من يقول بالصغائر ~~والاحباط. فأما على مذهبنا فانما كان كذلك لأن اسقاط العقاب كله تفضل، ~~فله أن يتفضل باسقاط بعضه دون بعض فلو لم يدخل من لا فاداته يسقط جميع ~~العقاب. وقال قوم من زائدة والذي ذكرناه أولى لأنه لا حاجة بنا إلى الحكم ~~بزيادتها مع امكان حملها على فائدة { والله بما تعملون خبير } معناه أنه ~~تعالى بما تعملونه في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها عالم خبير به لا يخفى ~~عليه شيء من ذلك فيجازي على جميعه بحبسه. وروي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه قال لابن العاص # " نعما بالمال الصالح للرجل الصالح " # فاختار أبو عبيد لأجل هذه الرواية قراءة أبي عمرو وقال الزجاج هذه رواية ~~غير مضبوطة ولا يجوز عند البصريين ذلك لأنه فيه جمعا بين ساكنين من غير ~~حرف مد ولين وفي نعم ثلاث لغات نعم ونعم ونعما. ### || [2.272] # المعنى: # قيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان: أحدهما - ما قاله ابن عباس ~~وسعيد بن جبير وقتادة ليس عليك هداهم بمنع المشركين الاقرباء من الصدقة ~~ليدخلوا في الاسلام فعلى هذا معناه الاباحة. الثاني - قال الحسن، وأبو ~~علي الجبائي، والزجاج: { ليس عليك هداهم } بالحمل على النفقة في وجوه ~~البر فعلى هذا معناه التسلية والتقدير ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل ~~الثواب، والجنة وإنما عليك أن تهديم إلى الايمان بأن تدلهم عليه لأنه ~~(عليه السلام) كان يغتم إذا لم يؤمنوا ولم يقبلوا منه لعلمه بما يصيرون ~~إليه من العقاب فسلاه الله بهذا القول. وإنه لا ينبغي ترك مواساة ذوي ~~القربى من أهل الشرك ليدخلوا في الاسلام فيكون ذلك مبيحا للصدقة ~~المندوبة ms0601 عليهم. وقال ابن عباس، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير: نزلت هذه ~~الآية لأنهم كانوا يتقون الصدقة على المشركين حتى نزلت { ليس عليك هداهم ~~} وقوله. { ولكن الله يهدي من يشاء } إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان ~~في المعلوم أنه يصلح باللطف وليس كل أحد يصلح به فلذلك جاء الاختصاص ~~بالمشيئة. وقال أبو علي الجبائي: الهداية في الآية هو إلى طريق الجنة ~~وذلك يختص بالمؤمنين المستحقين للثواب والأول اختيار البلخي وابن الاخشاد ~~والزجاج وأكثر أهل العلم. # وقوله: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } ~~معناه فلهذا يجب ألا تمنوا بالصدقة والانفاق: إذ كان لأنفسكم من حيث هو ~~ذخر لكم ولابتغاء وجه الله الذي هو يوفر به الجزاء لكم فهو من كل وجه ~~عائد عليكم وليس كتمليك الله لعباده إذ نفعه راجع عليهم كيف تصرفت الحال ~~بهم، فلذلك افترق ذكر العطية منه (تعالى)، والعطية من غيره. ومعنى قوله { ~~إلا ابتغاء وجه الله } إلا ابتغاء رضوان الله. واستدل بذلك على حسن باطن ~~المعنيين بالآية. وانهم كانوا ينفقونه لوجه الله خالصا. وقيل معناه وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، فكيف يضيع سعيكم وإنفاقكم. وقيل في ذكر ~~الوجه قولان: # أحدهما - لتحقيق الاضافة إليه، لأن ذكره يزيل الابهام انه له أو لغيره، ~~لأنك إذا اختصصت ذكر الوجه ومعناه التبيين، دل على أنك أردت الاختصاص ~~وإزالة الابهام، ورفع الاشتراك وحققت الاضافة. # والثاني - لأشرف الذكرين في الصفة لأنه إذا قلت: فعلته لوجه زيد فهو ~~أشرف في الذكر من فعلته [لزيد]. لأن وجه الشيء في الاصل أشرف ما فيه ثم ~~كثر حتى صار يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه ألا ترى ~~أنك تقول: وجه هذا الأمر كذا وهذا أوجه الرأي وهذا أوجه الدليل فلا تريد ~~تحقيق الوجه وإنما يريد أشرف ما فيه من أجل شدة ظهوره وشدة بيانه. ### || [2.273] # قرأ حمزة وعاصم وابن عامر { يحسبهم } - بفتح السين - الباقون بكسرها. ~~قال مجاهد، والسدي: الفقراء مذكورون في الآية هم فقراء المهاجرين. وقال ~~أبو ms0602 جعفر (ع) نزلت في أصحاب الصفة. والعامل في الفقراء محذوف وتقديره ~~النفقة للفقراء وقد تقدم ما يدل عليه. وقال بعضهم هو مردود على اللام ~~الاولى في قوله: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } قال الرماني هذا لا يجوز ~~لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى يشتمل عليه. وليس كذلك ذكر ~~النفس ها هنا، لأن الانفاق لها من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث ~~هو. واصل إليهم وليس من باب { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا } لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة ولا يجوز أن يكون العامل فيه { ~~تنفقوا } لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه كما لا يجوز ~~كانت الحمى تأخذ. # اللغة: # وقوله: { الذين أحصروا } فالاحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو ~~مخافة والحصر هو منع الغير وليس كالأول، لأنه منع النفس. وقال قتادة وابن ~~زيد: منعوا أنفسهم من التصريف في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار. ~~وقال السدي: منعهم الكفار والخوف منهم، ولو كان الأمر على ما ذكر لكان ~~حصروا لأن الذي يمنعه العدو محصور والذي يمنع نفسه محصر، ويحسبهم - بفتح ~~السين وكسرها - لغتان ومعناه يظنهم ولا يعرف حالهم { أغنياء من التعفف } ~~وقوله: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } ليس معناه أنهم لا يقدرون وإنما ~~معناه أنهم ألزموا أنفسهم أمر الجهاد فمنعهم ذلك من التصرف كقولك: أمرني ~~الوالي أن أقيم، فما أقدر أن أبرح معناه ألزمت نفسي طاعته لا أني لا أقدر ~~عليه. وتقول ضربت في الأرض ضربا ومضربا إذا سرت فيها وضرب الجرح إذا ~~آلم ضربانا وضربا، وضرب الفحل الناقة: إذا طرقها ضربا والضريب. ~~الجليد تقول: ضربت الأرض وجلدت. رواه الكسائي. وقوله: { تعرفهم بسيماهم } ~~فالسيما العلامة. # المعنى: # وقال مجاهد: معناه ها هنا التخشع. وقال السدي، والربيع: علامة الفقر ~~وأصل سيما الارتفاع لأنها علامة رفعت للظهور. ومنه السؤم في البيع: وهو ~~الزيادة في مقدار الثمن، للارتفاع فيه عن الحد. ومنه سوم الخسف للتوقع ~~فيه بتحميل ما يشق. ومنه سوم الماشية إرسالها ms0603 في المرعى. وقوله: { لا ~~يسألون الناس إلحافا } لا يدل على أنهم كانوا يسألون غير إلحاف - في قول ~~الفراء، والزجاج، والبلخي، والجبائي - وإنما هو كقولك ما رأيت مثله. وأنت ~~لم ترد أن له مثلا ما رأيته وإنما تريد أنه ليس له مثل فيرى. وقال ~~الزجاج معناه لم يكن سؤال، فيكون إلحاح كما قال امرؤ القيس: # على لاحب لا يهتدى بمناره # إذا سافه العود النباطي جرجرا # والمعنى لا منار به فيهتدى بها، وإنما وجهوه على ذلك، لأن في الكلام ~~دليلا عليه، لأنه (تعالى) وصفهم بالتعفف والمعرفة بسيماهم دون الافصاح ~~بسؤالهم لأنهم لو أفصحوا به لم يحسبهم الجاهل أغنياء، لأنه إنما يجهل ما ~~ينال بالاستدلال وإنما جاز هذا الاختصاص بالذكر لأن المعنى نفي صفة الذم ~~عنهم. وقوله: { إلحافا } قال الزجاج هو مأخوذ من اللحاف لاشتماله على ~~وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف في التغطية وقال غيره: لأنه يلزم ~~لزوم اللحاف في غير وقته. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة في ~~الاستطاعة، لأنه تعالى إذا عذر من لا يستطيع للمخافة كان من لا يستطيع ~~لعدم القدرة أعذر. وقوله { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } معناه ~~يجازيكم عليه كما قال { وما تنفقوا من خير يعلمه الله }. ### || [2.274] # ذكر ابن عباس أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (ع) كانت معه أربعة ~~دراهم فانفقها على هذه الصفة بالليل والنهار. وفي السر والعلانية. وهو ~~المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وروي عن أبي ذر (ره) والأوزاعي ~~إنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله. وقيل هي في كل من أنفق ماله ~~في طاعة الله على هذه الصفة وإذا قلنا أنها نزلت في علي (ع) فحكمها سار ~~في كل من فعل مثل فعله. وله فضل الاختصاص بالسبق إلى ذلك. ونزول الآية من ~~جهته. وقيل في قسمة الأموال في الانفاق على الليل والنهار والاسرار ~~والاعلان أفضل من الانفاق على غير ذلك الوجه قولان: قال ابن عباس: إن هذا ~~كان يعمل به ms0604 حتى نزل فرض الزكاة في براءة. والثاني - ان الافضل موافقة ~~هذه الصفة التي وصفها الله. وهو الأقوى لأنه الظاهر، وقال الرماني، ومن ~~تابعه من المعتزلة لا يجب هذا الوعد إذا رتكب صاحبها الكبيرة من الجرم ~~كما لا يجب إن ارتد عن الايمان إلى الكفر وإنما يجب لمن أخلصها مما يفسق ~~بها وهذا عندنا ليس بصحيح، لأن القول بالاحباط باطل ومفارقة الكبيرة بعد ~~فعل الطاعة لا تحبط ثواب الطاعة بحال. وإنما يستحق بمعصية العقاب ولله ~~فيه المشيئة، فأما الارتداد فعندنا أن المؤمن على الحقيقة لا يجوز أن يقع ~~منه كفر، ومتى وقع ممن كان على ظاهر الايمان ارتداد علمنا أن ما كان ~~يظهره لم يكن إيمانا على الحقيقة، وإنما قلنا ذلك لأنه لو كان إيمانا ~~لكان مستحقا به الثواب الدائم فاذا ارتد فيما بعد استحق بارتداه عقابا ~~دائما فيجتمع له استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم وذلك خلاف الاجماع ~~وقوله: " الذين رفع بالابتداء " وما بعده صلة له وخبره { فلهم أجرهم عند ~~ربهم } وإنما دخل الفاء في خبر الذين لأن فيها معنى الجزاء، لأنه يدل على ~~أن الأجر من أجل الانفاق في طاعة الله. ولا يجوز أن يقال زيد فله درهم ~~لأنه ليس فيه معنى الجزاء وإنما رفع { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~ونصب { لا ريب فيه } لأجل تكرير (لا) في جواب إذا قال الشاعر: # وما صرمتك حتى قلت معلنة # لا ناقة لي في هذا ولا جمل # فأما { لا ريب فيه } ، فجواب (هل) من ريب فيه، فقيل لا ريب فيه على عموم ~~النفي كما أن السؤال على استغراق الجنس بمن فالاعتماد في أحدهما على عموم ~~النفي وفي الآخر على اشتمال النفي على شيئين قد توهم إثبات أحدهما. ~~والانفاق إخراج ما كان من المال عن الملك ولهذا لا يصح في صفة الله ~~(تعالى) الانفاق: وهو موصوف بالاعطاء لعباده ما شاء من نعمة لأن الاعطاء ~~إيصال الشيء إلى الآخذ له والسر: إخفاء الشيء في النفس فأما اخفاؤه في ~~خباء، فليس بسر في الحقيقة، ومنه ms0605 السرار والمسارة لأن كل واحد منهما ~~يخفي الشيء عن غيره إلا عن صاحبه، والعلانية، نقيض السر وهو إظهار الشيء ~~وإبرازه من النفس. ### || [2.275] # المعنى: # أصل الربا: الزيادة من قولهم ربا الشيء يربو ربوا إذا زاد. والربا: هو ~~الزيادة على رأس المال. في نسيئة أو مماثلة وذلك كالزيادة على مقدار ~~الدين للزيادة في الأجل أو كاعطاء درهم بدرهمين أو دينار بدينارين، ~~والمنصوص عن النبي (صلى الله عليه وسلم) تحريم التفاضل في ستة أشياء ~~الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والملح. وقيل: الزبيب: فقال ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها مثلا بمثل يدا بيد من زاد أو استزاد، ~~فقد أربى. هذا الستة أشياء لا خلاف في حصول الربا فيها، وباقي الأشياء ~~عند الفقهاء مقيس عليها. وفيها خلاف بينهم، وعندنا أن الربا في كل ما ~~يكال، أو يوزن إذا كان الجنس واحدا، منصوص عليه. والربا محرم متوعد عليه ~~كبيرة بلا خلاف، بهذه الآية، وبقوله # يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ~~فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فأذنوا بحرب من الله رسوله # وقوله: { لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } قال ابن ~~عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة: إن قيامهم هذه الصفة يكون ~~يوم القيامة: إذا قاموا من قبورهم، ويكون ذلك إمارة لأهل الموقف على أنهم ~~أكلة الربا. وقوله: { يتخبطه الشيطان } مثل عند أبي علي الجبائي لا حقيقة ~~على وجه التشبيه بحال من تغلب عليه المرة السوداء، فتضعف نفسه ويلج ~~الشيطان بأغوائه عليه فيقع عند تلك الحال ويحصل به الصرع من فعل الله. ~~ونسب إلى الشيطان مجازا لما كان عند وسوسته. وكان أبو الهذيل وابن ~~الاخشاد يجيزان أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض قالا. ~~لأن الظاهر من القرآن يشهد به، وليس في العقل ما يمنع منه وقال الجبائي: ~~لا يجوز ذلك، لأن الشيطان خلق ضعيف لم يقدره الله على كيد البشر بالقتل ~~والتخبيط ولو قوي على ذلك لقتل المؤمنين ms0606 الصالحين والداعين إلى الخير، ~~لأنهم أعداؤه، ومن أشد الأشياء عليه. وفي ذلك نظر وأصل الخبط: الضرب على ~~غير استواء، خبطته أخبطه خبطا. والخبط ضرب البعير الأرض بيديه والتخبظ ~~المس بالجنون أو التخبيل، لأنه كالضرب على غير استواء في الادهاش. ~~والخبطة البقية من طعام أو ماء أو غيره لأنه كالصبة من الدلو وهي الخبطة ~~به، والخبط: ورق تعلفه الابل. والخباط: داء كالجنون، لأنه اضطراب في ~~العقل كالاضطراب في الضرب. والخبطة كالزكمة، لأنها تضرب بالانحدار على ~~اضطراب. والخباط سمة في الفخذ لأنها تضرب فيه على اضطراب ومعنى قوله: { ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا } إن المشركين قالوا: الزيادة على ~~رأس المال بعد مصيره على جهة الدين كالزيادة عليه في ابتداء البيع وذلك ~~خطأ، لأنه أحدهما محرم والآخر مباح، وهو أيضا منفصل منه في العقد، لأن ~~الزيادة في أحدهما لتأخير الدين وفي الأخر لأجل البيع. # والفرق بين البيع والربا: أن البيع ببدل لأن الثمن فيه بدل المثمن. ~~والربا ليس كذلك وإنما هو زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في ~~الجنس { وقد أحل الله البيع وحرم الربا } وقوله: { فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف } قال أبو جعفر من أدرك الاسلام وتاب مما كان عمله في ~~الجاهلية، وضع الله عنه ما سلف. وقال السدي: له ما أكل، وليس عليه رد ما ~~سلف، فأما ما لم يقبض بعد، فلا يجوز له أخذه. وله رأس المال. وقال ~~الطبري: الموعظة التذكير والتخويف الذي ذكره الله وخوفهم به من آي القرآن ~~وأوعدهم عليه إذا أكلوا الربا من أنواع العقاب. وقوله: { وما أمره إلى ~~الله } معناه بعد مجيء الموعظة والتحريم، وبعد انتهاء أكله إلى الله ~~(تعالى) عصمته، وتوفيقه إن شاء عصمه عن أكله وثبته في انتهائه عنه، وإن ~~شاء خذله. ويحتمل أن يكون أراد، فله ما سلف يعني من الربا المأخوذ دون ~~العقاب الذي استحقه. # اللغة: # وقوله: { وأمره إلى الله } معناه في جواز العفو عنه إن لم يتب وكل شيء ~~قدمته امامك فهو ms0607 سلف. والسلوف التقدم يقال: سلف يسلف سلوفا ومنه الأمم ~~السالفة أي الماضية. والسالفة أعلى العنق. والاسلاف الاعطاء قبل ~~الاستحقاق تقول أسلفت المال إسلافا، وسلافة الخمر: صفوها لأنه أول ما ~~يخرج من عصيرها والسلفة: جلد رقيق يجعل بطانة للخفاف. وسلف الرجل: ~~المتزوج باخت امرأته والسلفة ما تدخره المرأة لتتحف به زائرا، وأصل ~~الباب التقدم. وقوله: { ومن عاد } فالعود هو الرجوع تقول عاد يعود عودا ~~إذا رجع. وعيادة المريض: المصير إليه لتعرف خبره. والعود: من عيدان ~~الشجر، لأنه يعود إذا قطع ومنه العود الذي يتبخر به. والعود: المسن من ~~الابل. والمعاد كل شيء إليه المصير. فالآخرة معاد الناس أي مرجع. وقوله: # لرادك إلى معاد # يعني مكة بأن يفتحها عليه. # والاعادة: فعل الشيء ثانية وهو المبدىء المعيد. والعادة تكرر الشيء مرة ~~بعد مرة. وتعود الخير عادة. والعيد كل يوم مجمع عظيم، لأنه يعود في السنة ~~أو في الاسبوع. والعائدة الصله لأنها تعود بنفع على صاحبها وأصل الباب ~~الرجوع. تقول: عاد عودا واعتاد اعتيادا واستعاد استعادة وعود تعويدا، ~~وتعود تعودا، وعاود معاودة. # المعنى: # ومعنى الآية ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم. وقال ما كان يقوله قبل ~~مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~} لأن ذلك لا يصدر إلا من كافر، لأن مستحل الربا كافر بالاجماع فلذلك ~~توعده بعذاب الأبد. والخلود والوعيد في الآية يتوجه إلى من أربى، وإن لم ~~يأكله وإنما ذكر الله الذين يأكلون الربا لأنها نزلت في قوم كانوا ~~يأكلونه، فوصفهم بصفتهم وحكمها سائر في جميع من أربى. # والآية الأخرى التي ذكرناها وتبين معناها فيما بعد تبين ما قلناه وعليه ~~أيضا الاجماع وقيل في علة تحريم الربا أن فيه تعطيل المعايش والاجلاب ~~والمتاجر إذا وجد المربي من يعطيه دراهم وفضلا بدراهم. وقال أبوعبد الله ~~(ع) إنما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف فرضا ~~أو رفدا وأما ذكر الموعظة ها هنا وأنها في قوله: { قد جاءتكم موعظة من ~~ربكم } لامرين: أحدهما - أن كل ms0608 تأنيب ليس بحقيقي جاز فيه التذكير ~~والتأنيث فجاء القرآن بالوجهين معا. والثاني - أنه ذكر ها هنا لوقوع ~~الفصل بين الفعل والفاعل بالضمير وأنث في الموضع الذي لم يفصل. والربا ~~محرم في النقد والنسيئة بلا خلاف وكان بعض من تقدم يقول لا ربا إلا في ~~النسيئة والذي كان يربيه أهل الجاهلية أن يؤخروا الدين عن محله إلى محل ~~آخر بزيادة فيه وهذا حرام بلا خلاف. ومسائل البيع الصحيح منها والفاسد ~~وفروعها بيناها في النهاية والمبسوط وكذلك مسائل الصرف فلا نطول بذكرها ~~في هذا الكتاب. ### || [2.276] # اللغة: # المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال. محقه الله يمحقه محقا، فانمحق وامتحق ~~أي هلك وتلف بذهابه حالا بعد حال. والمحاق آخر الشهر لا محاق الهلال فيه. ~~والشيء محيق بمعنى ممحوق وأصل الباب المحق فان قيل بأي شيء { يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات }؟ قلنا: يمحقه بأن ينقصه حالا بعد حال. وقال البلخي ~~محقه في الدنيا بسقوط عدالته والحكم بفسقه وتسميته بالفسق. # المعنى: # وقوله { ويربي الصدقات } معناه يزيدها بما يثمر المال في نفسه وبالاجر ~~عليه وذلك بحسب الانتفاع بها وحسن النية فيها ووجه زيادته على المستحق ~~بالعمل تفصل بالوعد به وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله ~~يقبل الصدقة، ولا يقبل منها إلا الطيب ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم ~~مهره أو فصيله حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد، وذلك قوله: { يمحق الله ~~الربا ويربي الصدقات } وقوله: { والله لا يحب كل كفار أثيم } إنما لم يقل ~~كل كافر مع دخول الكفار في الكافر لأن كل كفار كافر وليس كل كافر كفار ~~للدلالة على أن مستحل الربا في قوله { إنما البيع مثل الربا } مع أنه ~~كافر كفار، ويجوز للدلالة على صفات الذم إذ قد يتوهم أن الكفار من استكثر ~~من كفر نعمة إنسان لا يبلغ به استحقاق العقاب ويجوز أن يكون من باب ~~الاختصاص لعظم المنزلة في الأمر الذي تعلق به الذكر { والأثيم } هو ~~المتمادي في الاثم. والآثم: الفاعل للاثم وإنما قال لا يحبه ولم يقل ms0609 ~~يبغضه لأنه إذا لم يحب المكلف فهو يبغضه فقولك لا يحبه الله من صفات الذم ~~كما أن قولك لم ينصف في المعاملة من صفات الذم. ### || [2.277] # المعنى: # إن قيل: إذا كان الثواب يستحق بخلوص الايمان فلم يشرط غيره من الخصال؟ ~~قلنا: لم يذكر ذلك ليكون شرطا في استحقاق الثواب على الايمان وإنما بين ~~أن كل خصلة من هذه الخصال يستحق به الثواب ونظير ذلك ما ذكره في آية ~~الوعيد في قوله: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا # فانما بين أن كل خصلة من هذه الخصال يستحق بها العقاب لأن من المعلوم أن ~~من دعا مع الله إلها آخر لا يحتاج إلى شرط عمل آخر استحق العقاب وإن كان ~~الوعيد إنما يتوجه عليه بمجموع تلك الخصال لكان فيه تسهيل لكل واحد منهما ~~وليس التقييد في آيتي الوعيد يجري مجرى قوله: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة # من قبل أن هذا معلق بحكم يجب بوجوبه ويرتفع بارتفاعه باجماع وليس كذلك ~~ذكر هذه الخصال. وهذه الآية تدل على أن أفعال الجوارح ليست من الايمان ~~وإن الايمان هو التصديق بما وجب لأنها لو كانت من الايمان، لكان قوله { ~~إن الذين آمنوا } قد اشتمل عليها فلا معنى لذكرها بواو العطف إذ لا يعطف ~~الشيء على نفسه. فان قيل ذلك يجري مجرى قوله: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # وقوله: # الذين كفروا وكذبوا بآياتنا # قلنا والخلاف في هاتين كالخلاف في تلك لأنا لا نقول إن التكذيب بالآيات ~~هو الكفر نفسه وإنما نقول هو دلالة على الكفر وكذلك الصد عن سبيل الله ~~كما نقول: إن قول النبي (صلى الله عليه وسلم) فلان كافر يدل على كفره. ~~وإن يكن ذلك كفرا وقال قوم: من المرجئة إن الوعد بهذه الخصال يدل على ~~بطلان التحابط، لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس فعل ms0610 هذه الخصال، ولم يشرط ألا ~~يأتي بما يحبطها فان قيل لابد أن يكون ذلك مشروطا كما أن الوعيد على ~~الكفر لابد أن يكون مشروطا بارتفاع التوبة منه، لأن كل واحد من الأمرين ~~إنما يستحق بخلوه مما ينافيه وإذا اتبع بكبيرة لم يخلص كما لم يخلص ما ~~اتبع بتوبة. قلنا: إنما شرطنا الوعيد على الكفر بعدم التوبة لمكان ~~الاجماع، لا لأن التوبة تسقط العقاب على الكفر، وإنما وعد الله (تعالى) ~~تفضلا باسقاط العقاب على المعاصي بالتوبة منها، وليس مثل ذلك موجودا في ~~آية الوعد لأنه ليس على شرط انتفاء الكبيرة إجماع، والعمل هو التغيير ~~للشيء بالاحداث له أو فيه فاذا قيل: عمل فلان الصالحات كان معناه أحدثها ~~وإذا قيل: عمل الموازين والخوض والسروج والصفر وغير ذلك، كان المراد أنه ~~أحدث فيها ما تتغير به صورتها. ### || [2.278] # النزول: # ذكر السدي وابن جريج وعكرمة أن هذه الآية نزلت في بقية من الربا كانت ~~للعباس ومسعود وعبديأ ليل وحبيب وربيعة. وبني عمرو بن عمير وروي عن أبي ~~جعفر (ع) أن الوليد بن المغيره كان يربي في الجاهلية وكان بقي له بقايا ~~على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت هذه الآية ~~في المنع من ذلك. # المعنى: # ومعنى { ذروا ما بقي من الربا } ظاهره تحريم ما بقي دينا من الربا ~~وإيجاب أخذ رأس المال دون الزيادة على جهة الربا. وقوله: { إن كنتم ~~مؤمنين } قيل فيه قولان: أحدهما - من كان مؤمنا فهذا حكمه. والثاني - إذ ~~كنتم مؤمنين. والأول هو الاقوى. # اللغة: # ومعنى { ذروا } اتركوا. ولم يستعمل منه وذر، ولا واذر لكراهتة الواو ~~مبتدأة لأنها لم تزد أولا في كلامهم كزيادة اختيها الياء والهمزة. قال ~~الخليل: إذا التقت واوان في أول الكلمة أشبه بنباح الكلب فرفضوا ذلك إلا ~~فيما هو عارض لا يعتد به فاستعملوا يذر، لأنه لا تظهر فيه الواو، ومثله ~~يدع. فأما وعد فجاء على الأصل. فان قيل: لم جاز وصف المبهم بالوصول، ولم ~~يحسن بالمضاف فجاز أن يقول: { يا أيها ms0611 الذين آمنوا } ولم يحسن (يا أيها ~~غلام زيد) قلنا: لأن المبهم حقه أن يوصف بالجنس المعرف بالالف واللام، ~~لأنه إذا عرض فيه تنكير بطلت دلالته على الجنس، فاحتيج إلى وصفه بالجنس ~~لذلك. فان قيل: هلا جاز (يا أيها غلام الرجل) كما جاز (نعم غلام الرجل) ~~إذ المضاف إلى الجنس يقوم مقام الجنس: قيل: لأنه لا يجوز في الاسماء ~~التامة أن تكون ثلاثة أسماء بمنزلة إسم واحد منها. وقد جعل (يا أيها ~~الرجل) بمنزلة اسمين ضم أحدهما إلى الآخر نحو (حضرموت) ليكون بذلك أشد ~~اتصالا بالموصوف من سائر الصفات، فلم يجز في المضاف لما يجب له من شدة ~~الاتصال وجاز في نعم، لأنه على الأنفصال. ### || [2.279] # القراءة: # قرأ { فآذنوا } من الرباعي ممدودة حمزة وعاصم: من آذنت أي أعلمت. ~~الباقون { فأذنوا }. # المعنى: # والتقدير في قوله: { فإن لم تفعلوا } يعني ترك ما بقي من الربا أو تجنب ~~ما بقي من الربا، لأن ما تقدم دل عليه. وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: ~~من عامل بالربا استتابه الامام فان تاب، وإلا قتله. وقال البلخي: لو ~~اجتمع أهل قرية على اظهار المعاملة بالربا، لكان على الامام محاربتهم، ~~وإن كانوا محرمين له، ولو فعل الواحد بعد الواحد، والأكثر منكر لفعله لم ~~يقتل الواحد، لكن يقام عليه من الحكم ما يستحقه. وعندنا أنه يؤدبه الامام ~~ثلاث مرات بما يرتدع معه عن فعل مثله فان عاد رابعا قتله. # اللغة: # ومعنى قوله: { فأذنوا } ممدودا: علموا غيركم. ومن قرأ بالقصر فهو من ~~أذنت به آذن اذنا إذا علمت به. وقوله: { بحرب من الله } فالحرب: القتال. ~~والحرب: الشدة. والحربة: التي يطعن بها من آلة الحرب. والتحريب: التحريش. ~~لأنه حمل على ما هو كالحرب من الاذى. والمحراب: مقام الامام، لأنه كموضع ~~الحرب في شدة التحفظ. والحربا: المسمار الذي يجمع حلقتي الدرع. والحرباء: ~~دويبة أكبر من العطاءة، لأنه ينتصب على الشجرة كمصلوب أخذ من الحرب لشدة ~~طلبه للشمس تدور معها كيفما دارت. وأصل الباب الشدة. ومعنى قوله: { وإن ~~تبتم } يعني من الربا لأن الكلام ms0612 يدل عليه، فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ~~بأخذ الزيادة على رأس المال ولا تظلمون بالنقصان. وروي في الشواذ { لا ~~تظلمون ولا تظلمون } والمعنى واحد وأنما فيه تقدم وتأخير وموضع { لا ~~تظلمون } نصب على الحال. وتقديره فلكم رؤس أموالكم غير ظالمين ولا ~~مظلمومين: ### || [2.280] # معنى قوله: { وإن كان ذو عسرة } أي من غرمائكم إن كان معسرا. وارتفع ذو ~~عسرة لأحد وجهين: # أحدهما - حذف الخبر، وتقديره وإن كان ذو عسرة غريما لكم. الثاني - أن ~~تكون كان التامة المكتفية باسمها وتقديره وإن وقع ذو عسرة أو وجد ذو عسرة ~~وكان يجوز وإن كان ذا عسرة على تقدير وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة. ~~وروي ذلك في قراءة أبي. وقوله: { فنظرة } معناه فعليكم نظرة، وهل الانظار ~~واجب في كل دين أو في دين الربا فقط. قيل فيه ثلاثة أقوال: # أولها - قال شريح، وإبراهيم في دين الربا خاصة. والثاني - قال ابن عباس، ~~والضحاك، والحسن: في كل دين. وهو قول أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع). ~~الثالث - بالآية يجب في دين الربا وبالقياس في كل دين، واستدل على أنه ~~يجب في كل دين بأنه لا يخلو أن يجب في ذمته أو في رقبته أو عين ماله، فلو ~~كان في رقبته لكان إذا مات بطل وجوبه، ولو كان في عين ماله كان إذا هلك ~~بطل وجوبه فصح أنه في ذمته، ولا سبيل له عليه في غير ذلك من حبس أو نحوه. # وقرأ نافع { ميسرة } - بضم السين - الباقون بفتحها، وهما لغتان: # ومعناه إلى أن يوسع عليه. وقال أبو جعفر (ع) إلى أن يبلغ خبره الامام ~~فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في معروف. # وقوله: { وإن تصدقوا خير لكم } معناه على المعسر بما عليه من الدين خير ~~لكم. وقيل إن معناه وإن تصدقوا بجميع المال على الفقراء. والاول أليق بما ~~تقدم. وروي عن ابن عباس. وعمر أن آخر ما نزل من القرآن آي الربا. وروي عن ~~مجاهد { ميسره } بالهاء في الوصل مضافا إلى الهاء. ولم يجز ms0613 ذلك البصريون ~~لأنه ليس في الكلام مفعله. والاعسار الذي يجب فيه الانظار قال الجبائي: ~~التعذر بالاعدام أو بكساد المتاع ونحوه. وروي عن أبي عبد الله (ع) هو إذا ~~لم يقدر على ما يفضل عن قوته وقوة عياله على الاقتصاد. وروي عن عطا { ~~فناظرة } وهو شاذ، وهو مصدر نحو قوله: # ليس لوقعتها كاذبة # تظن أن يفعل بها فاقرة # وكذلك العاقبة والعافية. ### || [2.281] # القراءة والنزول: # قرأ أبو عمرو. وحده { ترجعون } بفتح التاء الباقون بضمها. قال ابن عباس ~~وعطية والسدي: هذه الآية آخر ما نزلت من القرآن. وقال جبريل (ع) ضعها في ~~رأس الثمانين والمائتين من البقرة. # المعنى: # وقيل في معنى ترجعون فيه إلى الله قولان: # أحدهما - ترجعون فيه إلى جزاء الله. الثاني - ترجعون فيه إلى ملك الله ~~لنفعكم وضركم دون غيره ممن كان ملكه إياه في دار الدنيا. وقوله { ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت } قيل فيه وجهان: أحدهما - توفى جزاء ما كسبت من الاعمال. ~~الثاني - توفى بما كسبت من الثواب أو العقاب، لأن الكسب على وجهين: كسب ~~العبد لفعله وكسبه لما ليس من فعله ككسبه المال وقوله: { وهم لا يظلمون } ~~معناه لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب ولا يزداد عليهم فيما يستحقونه من ~~العقاب والآية تدل على أن الجزاء لا يكون إلا على الكسب لأنه لو كان ~~خاصا لجرى مجرى توفى كل نفس ما قالت وليس مفهومه كذلك لأنه عام فيما ~~يجازي به العبد وموضع { ثم توفى كل نفس ما كسبت } نصب بانه عطف على صفة ~~يوما إلا أنه حذف منه فيه لدلالة الأول عليه. ### || [2.282] # القراءة: # قرأ حمزة وحده { أن تضل إحداهما } بكسرالالف. الباقون بفتحها. وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمرو { فتذكر } بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة بالتشديد، والرفع. ~~وقرأ { تجارة حاضرة } بالنصب عاصم. الباقون بالرفع. # المعنى: # قوله: { إذا تداينتم } معناه تعاملتم بدين. وإنما قال: { بدين } وإن كان ~~تداينتم أفاده لأمرين: # أحدهما - أنه على وجه التأكيد كما تقول ضربته ضربا. والثاني - أن ~~تداينتم يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء فاذا ms0614 قال: بدين اختص ~~بالدين خاصة { إلى أجل مسمى } معناه معلوم وقوله: { فاكتبوه } ظاهره ~~الأمر بالكتابة. واختلفوا في مقتضاه، فقال أبو سعيد الخدري، والشعبي، ~~والحسن: هو مندوب إليه. وقال الربيع، وكعب: هو على الفرض. والاول أصح، ~~لاجماع أهل عصرنا على ذلك. ولقوله تعالى { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته } ومفهومه فان أمنه فيما له أن يأمنه. وقال ابن عباس: ~~هذه الآية في السلم خاصة. وقال غيره: حكمها في كل دين من سلم أو تأخير ~~ثمن في بيع. وهو الأقوى لآية العموم. فأما القرض فلا مدخل له فيه لأنه لا ~~يجوز مؤجلا وقوله: { ولا يأب كاتب } ظاهره النهي عن الامتناع من الكتابة، ~~والنهي يقتضي تحريم الامتناع. وقال عامر الشعبي هو فرض على الكفاية ~~كالجهاد، وهواختيار الرماني، والجبائي وجوز الجبائي أن يأخذ الكاتب ~~والشاهد الأجرة على ذلك. وعندنا لا يجوز ذلك. والورق الذي يكتب فيه على ~~صاحب الدين دون من عليه الدين. ويكون الكتاب في يده لأنه له. وقال السدي ~~واجب على الكاتب في حال فراغه. وقال مجاهد وعطا هو واجب إذا أمر. وقال ~~الضحاك نسختها قوله: { ولا يضار كاتب ولا شهيد }. # وقوله: { أن يكتب كما علمه الله فليكتب } يعني الكاتب { وليملل الذي ~~عليه الحق } أمر لمن عليه الحق بالاملال وهو الاملاء بمعنى تقول أمليت ~~عليه وأمللت عليه بمعنى واحد. وقوله: { وليتق الله ربه } معناه لا يملل ~~إلا الحق الذي عليه والاملال المراد به الندب لأنه لو أملأ غيره وأشهد هو ~~كان جائزا بلا خلاف. # وقوله: { ولا يبخس منه شيئا } أي لا ينقص منه شيئا والبخس النقص ~~ظلما. وقد بخسه حقه يبخسه بخسا إذا نقصه ظلما ومنه قوله تعالى { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } أي لا تنقصوهم ظالمين لهم ومنه قوله { وشروه بثمن ~~بخس } أي ناقص عن حقه والبخس فقأ العين لأنه إدخال نقص على صاحبها وتباخس ~~القوم في البيع إذا تعاتبوا وقوله: { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } ~~قال مجاهد السفيه: الجاهل. وقال السدي الصغير وأصل السفه الخفة ومن ذلك ~~قول ms0615 الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # أي استخفتها الرياح وقال الشاعر: # نخاف أن يسفه أحلامنا # فنحمل الدهر مع الخامل # أي تخف أحلامنا فالسفيه الجاهل، لأنه خفيف العقل بنقصه. وقوله: { أو ~~ضعيفا } قال مجاهد والشعبي: هو الاحمق. وقال الطبري: هو العاجز عن ~~الاملاء بالعي أو بالخرس { أو لا يستطيع أن يمل } قال ابن عباس: هو العي ~~الاخرس. وقيل: المجنون. والهاء في قوله { وليه } عائدة إلى السفيه - في ~~قول الضحاك، وابن زيد - الذي يقوم مقامه. وقال الربيع: ترجع إلى ولي ~~الحق. والاول أقوى. وإذا أشهد الولي على نفسه فلا يلزمه المال في ذمته بل ~~يلزم ذلك في مال المولى عليه. وقوله: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ~~يعني من رجال الأحرار المسلمين دون الكفار والعبيد - في قول مجاهد - ~~والحرية ليست عندنا شرطا في قبول الشهادة وإنما الاسلام شرط من العدالة. ~~وبه قال شريح والبتى، وأبو ثور، ومثله قوله: # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم # وقوله: { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } يحتمل رفعه أربعة أوجه: # أحدها - فليكن رجل وامرأتان. الثاني - فليشهد رجل وامرأتان. الثالث - ~~فالشاهد رجل وامرأتان. الرابع - فرجل وامرأتان يشهدون وكل ذلك حسن. وكان ~~يجوز أن ينصب رجلا وامرأتين بمعنى واستشهدوا رجلا وامرأتين. وقوله: { أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } يحتمل وجهين: # أحدهما - قال الربيع والسدي والضحاك وأكثر المفسرين إنه من الذكر الذي ~~هو ضد النسيان. وقال سفيان بن عيينة: هو من الذكر. ومعناه أن تجعلها كذكر ~~من الرجال. ومعنى أن تضل لأن تضل أو من أجل أن. فان قيل لم قال { إن تضل ~~} وإنما الاشهاد، للاذكار لا للضلال قيل عنه جوابان: # أحدهما - قال سيبويه أنه لما كان الضلال سبب الاذكار قدم لذلك وجاز ~~لتعلق كل واحد منهما بالآخر في حكم واحد فصار بمنزلة ما وقع الاشهاد ~~للمرأتين من أجل الضلال، كما وقع من أجل الاذكار وكثيرا في السبب ~~والمسبب أن يحمل كل واحد منهما على الآخر، ومثله أعددت الخشبة أن تميل ~~الحائط فأدعمه وإنما أعددته في الحقيقة ms0616 للدعم ولكن حمل عليه الميل لأنه ~~سببه. # الثاني - قال الفراء إنه بمعنى الجزاء على أن تذكر احداهما الأخرى إن ~~ضلت إلا أنه لما قدمت (أن) اتصلت بما قبلها من العامل فانفتحت. ومثله ~~يعجبنى أن سأل السائل فيعطى. وإنما يعجبك الاعطاء دون المسألة. ومثله ~~قوله: # ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا # ومعناه ولولا أن يقولوا أن اصابهم مصيبة، وإنما قدم وأخر. قال الرماني ~~قول سيبويه في هذا أقوى لما في الثاني من الدعوى لاخراج الجزاء إلى ~~المصدر لغير فائدة. # وأنكر بعضهم قراءة حمزة { إن تضل } - بكسر الهمزة - وقال الرماني: لا ~~معنى لهذا الانكار، لأن عليها إجماع الأمة وتسليم القراءة بها ولها وجه ~~صحيح في العربية. # وقال أبو علي الفارسي إن حمزة جعل إن للجزاء، والفاء في قوله { فتذكر } ~~جواب الجزاء، ويكون موضع جوابه رفعا بكونها وصفا للمنكرين وهما ~~المرأتان في الآي وقوله: { فرجل وامرأتان } خبر ابتداء محذوف، وتقديره ~~فمن يشهد رجل وامرأتان، وانفتحت اللام في هذه القراءة لالتقاء الساكنين، ~~وموضعهما الجزم ولو كسرت، لكان جائزا وقال قوم: غلط سفيان بن عيينة في ~~تأويله، لأن احداهما إذا نسيت لم تجعلها الأخرى ذكرا وهذا ليس بشيء، لأن ~~المعنى تذكرها تصير معها بمنزلة الذكر لأن بعدهما من النسيان إذا اجتمعا ~~بمنزلة بعد الذكر، فان قيل: فلم قال { فتذكر إحداهما الأخرى } فكرر لفظ ~~إحداهما، ولو قال فتذكرها الأخرى لقام مقامه مع اختصاره. قيل قال الحسين ~~بن علي المغربي: إن تضل إحداهما يعني إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان ~~فتذكر أحدى المرأتين الأخرى، لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى ويؤيد ذلك ~~أنه يسمى ناسي الشهادة ضالا. ويجوز أن يقال: ضلت الشهادة إذا ضاعت كما ~~قال تعالى: # قالوا ضلوا عنا # أي ضاعوا منا ويحتمل أن يكون إنما كرر لئلا يفصل بين الفعل والفاعل ~~بالمفعول فان ذلك مكروه غير جيد، فعلى هذا يكون احداهما الفاعلة والاخرى ~~مفعولا بها. وقوله: { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قيل في معنى ما دعوا ~~إليه ثلاثة أقوال: # أحدها - لاثبات الشهادة ms0617 في الكتاب وتحملها ذهب إليه ابن عباس، وقتادة، ~~والربيع. الثاني - قال مجاهد، وعامر، وعطا ذلك إذا دعوا لاقامتها. الثالث ~~- في رواية عن ابن عباس، والحسن، وأبي عبد الله (ع) لاقامتها وإثباتها. ~~وهو أعم فائدة. وقال الطبري: لا يجوز إلا إذا دعوا لاقامتها، لأن قيل أن ~~يشهدوا لا يوصفون بأنهم شهداء. وهذا باطل لأنه تعالى قال: { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } فسماهما شاهدين قبل إقامة الشهادة. # اللغة: # وقوله: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } فالسأم: ~~الملل، سئم يسأم سأما إذا مل من الشيء وضجر منه قال زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبالك ويسأم # والصغير: خلاف الكبير صغر الشيء يصغر صغرا، وصغره تصغيرا واستصغره ~~إستصغارا وتصاغر تصاغرا. وصغر يصغر صغرا وصغارا: إذا رضي بالضيم، ~~لأنه رضي باستصغاره. تصاغرت إليه نفسه ذلا ومهانة. والاصغار حنين الناقة ~~الحفيض والاكبار حنينها الكبير. والهاء في قوله: { أجله } يحتمل أن تكون ~~عائدة إلى أجل الدين. وهو الاقوى. والثاني إلى أجل الشاهد. أي الوقت الذي ~~تجوز فيه الشهادة. وقوله: { ذلكم أقسط عند الله } معناه أعدل والقسط: ~~العدل تقول: أقسط إقساطا، فهو مقسط إذا عدل ومنه قوله: { إن الله يحب ~~المقسطين } والقسط: الحصة تقول أخذ فلان قسطه أي حصته. وقد تقسطوا الشيء ~~بينهم أي اقتسموه على القسط أي على العدل. وكل مقدار قسط لأنه عدل غيره ~~بالمساواة له. # والقسوط: الجور لأنه عدول عن الحق قسط يقسط قسطا، فهو قاسط إذا جاز عن ~~الحق. وقوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # والرجل القسطاء: التي في ساقها أعوجاج لعدوله عن الاستقامة. # المعنى: # وقوله: { وأقوم للشهادة } معناه أصح لها مأخوذ من الاستقامة. وقوله: { ~~وأدنى ألا ترتابوا } أي أقرب ألا تشكوا بأن ينكر من عليه الحق. وقيل: ~~بالا ترتابوا بالشاهد أن يضل، وقوله: { إلا أن تكون تجارة حاضرة } فمن ~~رفع احتمل رفعه أمرين: # أحدهما - أن تكون (كان) تامة بمعنى وقع، فيكون اسم كان، ويحتمل أن تكون ~~ناقصة ويكون اسمها والخبر تديرونها. ومن نصب معناه أن تكون التبايع ms0618 تجارة ~~أو التجارة تجارة. وقوله: { واشهدوا إذا تبايعتم } قال الضحاك: الاشهاد: ~~فرض في التبايع وبه قال أصحاب الطاهر واختاره الطبري. وقال الحسن، ~~والشعبي ذو ندب. وهو الصحيح وبه قال جميع الفقهاء. وقوله { ولا يضار } ~~أصله يضار - بكسر الراء - عند الحسن، وقتادة، وعطا، وابن زيد، وقيل: ~~المضارة وهو أن يشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، ويكتب الكاتب بما لم يمل ~~عليه. ذهب إليه الحسن، وطاووس، وهو الاقوى. بدلالة قوله { وإن تفعلوا } ~~يعني المضارة { فإنه فسوق بكم } أي معصية في قول ابن عباس، ومجاهد، ~~والضحاك. ومن دعا الشاهد وهو مشغول، فتأخر لا يكون فاسقا بلا خلاف. وقال ~~ابن مسعود، ومجاهد - بفتح الراء - ومعناه لا يدعى الكاتب، والشاهد، وهو ~~مشغول على وجه الاضرار به. ومعنى قوله: { صغيرا أو كبيرا } معناه هو في ~~العادة صغير جرت العادة بكتب مثله. ولا يريد بذلك ما قدره حبة أو قيراط، ~~لأن ذلك لم تجر العادة بكتب مثله، والاشهاد عليه وليس في الآية ما يدل ~~على أنه لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، لأن الحكم بالشاهد والمرأتين أو ~~بالشاهدين لا يمنع من قيام الدلالة على جواب الحكم بالشاهد مع اليمين. ~~ولا يكون ذلك نسخا لذلك، لأنه ليس بمناف للمذكور في الآية والحكم ~~بالشاهد والمرأتين يختص بما يكون مالا أو المقصد به المال فأما الحدود ~~التي هي حق الله وحقوق الآدميين وما يوجب القصاص. فلا يحكم فيها بشهادة ~~رجل وامرأتين، وكذلك عندنا في الشاهد، واليمين حكم الشاهد والمرأتين ~~سواء. وقد بسطنا مسائل الشهادات، وفروعها، وما يقبل منها وما لا يقبل ~~وأحكام شهادة النساء والعبيد وغير ذلك في كتابينا النهاية، والمبسوط، فلا ~~معنى للتطويل بذكرها ها هنا. وقوله: { واتقو الله } معناه اتقوا معاصية ~~وعقابه. وقوله: " ويعلمكم الله " معناه يعلمكم ما فيه صلاح دينكم ودنياكم ~~وما ينبغي لكم فعله، وما يحرم عليكم. والله عليم بذلك وبما سواه من ~~المعلومات فلذلك، قال { بكل شيء عليم }. # الاعراب: # وقال أبو علي الفارسي { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } لا يكون ~~متعلقا بقوله: { واستشهدوا شهيدين من ms0619 رجالكم } { أن تضل إحداهما } ولكن ~~يتعلق بأن يفعل مضمر دل عليه هذا الكلام، لأن قوله: { فإن لم يكونا رجلين ~~فرجل وامرأتان } يدل على قولك واستشهدوا رجلا وامرأتين، فتعلق (ان) إنما ~~هو بهذا الفعل المدلول عليه. # قال ويجوز أن تتعلق (ان) باحد ثلاثة أشياء. # أحدها - المضمر الذي دل عليه قوله: { واستشهدوا شهيدين }. الثاني - ~~الفعل الذي هو فليشهد رجل وأمرأتان. الثالث - الفعل الذي هو خبر المبتدأ، ~~وتقديره فرجل وامرأتان يشهدون، فيكون يشهدون خبر المبتدأ. قال وقوله: { ~~ممن ترضون من الشهداء } فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم { فرجل ~~وامرأتان } ، ولا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف ~~إعراب الموصوفين ألا ترى أن شهيدين منصوبان، ورجل وامرأتان اعرابهم ~~الرفع، فاذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف إنما هو وصف لقوله: " ~~فرجل وامرأتان " دون من تقدم ذكرهما من الشاهدين, والشرط وجزاؤه وصف ~~للمرأتين، لأن الشرط، والجزاء جملة يوصف بها كما يوصل بها في قوله: # الذين إن مكناهم # الآية. # اللغة: # وأما إحدى فهو مؤنث الواحد والواحد الذي مؤنثه إحدى إنما هو اسم وليس. ~~بوصف ولذلك جاء احدى على بناء لا يكون للصفات أبدا كما كان الذي هو ~~مذكره كذلك وقال أحمد بن يحيى قالوا: هو إحدى الاحد، وواحد الأحدين وواحد ~~الآحاد وأنشد: # عدونى الثعلب فيما عدوا # حتى استثاروا في أحدى الأحد # ليثا هزبرا ذا سلاح معتدى # المعنى: # وقوله: { إلا أن تكون تجارة حاضرة } استثناء من جملة ما أمر الله ~~بكتابته والاشهاد عليه عند التبايع فاستثنى منه يدا بيد فانه لا يحتاج ~~إلى الكتابة ولا الاشهاد عليه، والأول يحتاج إليه على خلاف، في كونه ~~ندبا أو وجوبا كما ذكرناه. وقيل في البقرة خمسمائة حكم وفي هذه الآية ~~أربعة عشر حكما أولها قوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه } والثاني - { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } الثالث - { ~~ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } والرابع - { وليملل الذي عليه ~~الحق } وهو أقداره إذا أملاه. الخامس - { وليتق الله ربه ولا يبخس ms0620 منه ~~شيئا }. أي لا يخون، ولا ينقصه. السادس - { فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو } أي لا يحسن { فليملل وليه ~~بالعدل } السابع - { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } والثامن - { فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى } التاسع - { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } والعاشر - { ~~ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } أي لا تضجروا. والحادي ~~عشر - { ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون ~~تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } الثاني عشر - ~~{ وأشهدوا إذا تبايعتم } الثالث عشر - { ولا يضار كاتب ولا شهيد } الرابع ~~عشر - { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وقال قوم: فيها إحدى وعشرون حكما: { ~~إذا تداينتم } حكم { فاكتبوه } حكم { ولا يبخس } حكم { فإن كان الذي عليه ~~الحق سفيها } حكم { أو ضعيفا } حكم { أو لا يستطيع } حكم { فليملل وليه ~~} حكم { بالعدل } حكم { واستشهدوا شهيدين } حكم { فرجل وامرأتان } حكم { ~~ممن ترضون من الشهداء } حكم { ولا يأب الشهداء } حكم { ولا تسأموا } حكم ~~{ إلا أن تكون تجارة حاضرة } حكم { وأشهدوا إذا تبايعتم } حكم { ولا يضار ~~كاتب } حكم { ولا شهيد } حكم. ### || [2.283] # القراءة واللغة: # قرأ أبو عمرو وابن كثير " فرهن " على وزن فعل. الباقون { فرهان } على ~~فعال. الرهن مصدر رهنت الشيء أرهنه رهنا وأرهنته إرهانا. والأول أفصح. ~~قال الشاعر في أرهنت: # فلما خشيت أظافيره # نجوت وأرهنته مالكا # وقال الأزهري: # أرهنت في الشيء إذا سلفت فيه. # قال الشاعر: # عيدية أرهنت فيها الدنانير # وأرهنتة إرتهانا وتراهنوا تراهنا. وراهنه مراهنة واسترهنه استرهانا. ~~والانسان رهين عمله. وكل شيء يحتبس غيره فهو رهينة ومرتهنة. وأصل الباب ~~الرهن: حبس الشيء بما عليه وواحد الرهن رهان. وهو جمع الجمع نحو ثمار ~~وثمر في قول الكسائي، والفراء. وقال أبو عبيدة: واحده رهن نحو سقف ~~وسقف. وقيل لا يعرف في الاسماء فعل وفعل غير هذين. وزاد بعضهم قلب ~~النخلة وقلب. فأما { رهان } فهو جمع رهن، وهو على القياس نحو حبل ms0621 وحبال، ~~وفعل وفعال، وكبش وكباش، وإنما اختار أبو عمرو: فرهن لأنه موافق لخط ~~المصحف، ولغلبة الاستعمال في الرهان في الخيل، واختاره الزجاج أيضا. ومن ~~اختار { رهان } فلاطراده في باب الجمع. وكل حسن. وارتفع { فرهن } بأنه ~~خبر ابتداء محذوف تقديره فالوثيقة رهن ويجوز فعليه ورهن. ولو قرىء " ~~فرهنا " بالنصب بمعنى فارتهنوا رهنا جاز في العربية، ولكن لم يقرأ به ~~أحد. وشاهد الرهن قول قعب بن أم صاحب: # بانت سعاد وأمسى دونها عدن # وغلقت عندها من قبلك الرهن # المعنى: # ومن شرط صحة الرهن أن يكون مقبوضا لقوله: { فرهان مقبوضة } فان لم يقبض ~~لم ينعقد الرهن. ومسائل الرهن. ذكرناها في النهاية والمبسوط مستوفاة فلا ~~فائدة للتطويل بذكرها ها هنا. ويجوز أخذ الرهن في الحضر مع وجود الكاتب، ~~لما روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) اشترى طعاما نساء ورهن فيه ~~درعا. وقوله (ع) لا يغلق الرهن. معناه أن يقول الراهن إن جئتك بفكاكه ~~إلى شهر وإلا فهو لك بالدين. وهذا باطل بلا خلاف. # وقوله: { ولا تكتموا الشهادة } يعني بعد تحملها { ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه } إنما أضاف إلى القلب مجازا، لأنه محل الكتمان، وإلا فالآثم هو ~~الحي. وقوله: { فإن أمن بعضكم بعضا } معناه ان أتمنه فلم يقبض منه رهنا ~~{ فليؤد الذي اؤتمن أمانته } يعني الذي عليه الدين { وليتق الله ربه } أن ~~يظلمه أو يخونه { والله بما تعملون عليم } بما تسرونه وتكتمونه. # ودل قوله: { فإن أمن بعضكم بعضا } على أن الاشهاد والكتابة في المداينة ~~ليس بواجب، وإنما هو على جهة الاحتياط. وقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، ~~وغيرهما { فإن لم تجدوا كتابا } يعني ما تكتبون فيه من طرس أو غيره. ~~والمشهور هو الاول الذي حكيناه عن قراء أهل الامصار، وحكي عن بعضهم أنه ~~قرأ { فإنه آثم قلبه } بالنصب فان صح فهو من قولهم: سفهت نفسك وأثمت ~~قلبك. ### || [2.284] # القراءة: # قرأ { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بالرفع عاصم، وابن عامر على ~~الاستئناف في قول المبرد. ويجوز أن يكون محمولا على تأويل { يحاسبكم } ~~لأنه لو ms0622 دخلته الفاء كان رفعا، فيكون فيه على هذا معنى الجواب. وقرأ ~~الباقون على الجزم: عطفا على { يحاسبكم } وهو جواب الشرط، وكان يجوز أن ~~يقرأ فيغفر بالنصب على مصدر الفعل الأول وتقديره إن يكن محاسبة، فيغفر ~~لمن يشاء. وروي ذلك عن أبن عباس. # المعنى: # واللام في قوله: { لله } لام الملك ومعناه ان لله تصريف السماوات والأرض ~~وتدبيرهما لقدرته على ذلك وليس لأحد منعه منه وإنما ذكر قوله: { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } لأن المعنى فيه كتمان الشهادة. ويحتمل أن ~~يريد جميع الاحكام التي تقدمت في السورة. خوفهم الله من العمل بخلافها. ~~وقال قوم هذه الآية منسوخة بقوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # ورووا في ذلك خبرا ضعيفا، وهذا لا يجوز لأمرين: # أحدهما - أن الاخبار التي لا تتضمن معنى الأمر والنهي والاباحة لا يجوز ~~نسخها، وهذا خبر محض خال من ذلك. # الثاني - لا يجوز تكليف نفس ما ليس في وسعها على وجه، فينسخ. ويجوز أن ~~تكون الآية الثانية بينت الاولى وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه، ~~فلم يضبط الرواية فيه، وظن أن ما يخطر للنفس أو تحدث نفسه به مما لا ~~يتعلق بتكليفه فان الله يؤاخذه به. والأمر بخلاف ذلك، وإنما المراد ~~بالآية ما يتناوله الأمر والنهي من الاعتقادات والارادات وغير ذلك مما هو ~~مستور عنا. فأما ما لا يدخل في التكليف فخارج عنه لدلالة العقل. ولقوله ~~(ع) تجوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها. وقوله: { فيغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء } معناه ممن يستحق العقاب بأنه إن شاء عاقبه، وإن شاء ~~عفا عنه. وذلك يقوي جواز العفو عقلا، وإنما يقطع على عقاب بعض العصاة ~~لدليل، وهم الكفار - عندنا - فأما من عداهم فلا دليل يقطع به على أنهم ~~معاقبون لا محالة. والآيات التي يستدلون بها نبين الوجه فيها إذا انتهينا ~~إليها إن شاء الله. ### || [2.285] # القراءة: # قرأ حمزة والكسائي وخلف " وكتابه ": الباقون " وكتبه " على الجمع فمن ~~وحد احتمل وجهين: # أحدهما - أن يكون أراد به القرآن ms0623 لا غير. والثاني - أن يكون أراد جنس ~~الكتاب، فيوافق قراءة من قرأ على الجمع في المعنى. وقرأ يعقوب { لا يفرق ~~} بالياء ردا على الرسول حسب. الباقون بالنون ردا على الرسول والمؤمنين ~~وهذا أليق بسياق الآية. # المعنى والاعراب: # وقوله: { لا نفرق بين أحد من رسله } معناه يقولون ذلك على الحكاية كما ~~قال # والملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا # أي يقولون اخرجوا. والمعنى إنا لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض، كما فعل ~~اليهود، والنصارى. وقوله: { سمعنا وأطعنا } تقديره سمعنا قوله وأطعنا ~~أمره وقبلنا ما سمعنا، لأن من لا يقبل ما يسمع يقال له أصم كما قال تعالى # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # وإنما حذف لدلالة الكلام عليه لأنهم مدحوا به، وكان اعترافا منهم بما ~~يلزمهم مثل ما قبله. وقوله: { غفرانك } نصب على أنه نزل من الفعل المأخوذ ~~منه كأنه قيل: اللهم اغفر لنا غفرانك فاستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء ~~فصار بدلا منه معاقبا له. وقال بعضهم معناه نسألك غفرانك والاول أقوى، ~~لأنه على الفعل الذي أخذ منه أولى من حيث كان يدل عليه بالتضمين نحو ~~(حمدا وشكرا) أي أحمد حمدا، وأشكر شكرا. وأجاز الزجاج والفراء غفرانك ~~بالرفع بمعنى غفرانك بغيتنا وأنشد الزجاج: # ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى # مصارع مظلوم مجرا ومسحبا # وتدفن منه الصالحات وإن يسىء # يكن ما أساء النار في رأس كبكبا # وقوله: { وإليك المصير } معناه وإلى جزائك المصير فجعل مصيرهم إلى جزائه ~~مصيرا إليه كقول ابراهيم: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # ومعناه إلى ثواب ربي أو إلى ما أمرني به ربي. ### || [2.286] # المعنى: # في هذه الآية دلالة واضحة على بطلان مذهب المجبرة في تجويزهم تكليف الله ~~العبد ما لا يطيقه لأنه صريح بأنه لا يكلفهم إلا ما يطيقونه لأن الوسع هو ~~ما يتسع به قدرة الانسان وهو فرق المجهود واستفراغ القدرة. يقول القائل: ~~ليس هذا في وسعي. أي لا أقدر عليه وإن قدرتي لا تتسع لذلك. ومن قال: ~~معناه لا يكلف الله نفسا إلا ما يحل لها من قولهم ms0624 لا يسعك هذا أي لا يحل ~~لك أن تفعله كان ذلك خطأ، لأن رجلا لو قال لعبده: أنا لا آمرك إلا بما ~~أطلقت لك أن تفعله كان ذلك خطأ وعيا، لأن نفس أمره اطلاق. وكأنه قال: ~~أنا لا أطلق لك إلا ما أطلق. ولا آمرك إلا بما آمرك. وقوله: { لها ما ~~كسبت } معناه لها ثواب ما كسبت من الطاعات وعليها جزاء ما كسبت من ~~المعاصي والقبائح. ويجوز أيضا أن يسمى الثواب والعقاب كسبا من حيث حصلا ~~بكسبه. وقوله: { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } إنما جاز الرغبة إليه ~~تعالى في ذلك وإن علمنا أنه لا يؤاخذ بذلك، ولم يجز أن يقول: لا تجر ~~علينا لأمرين أحدهما - أن قوله: لا تجر علينا يدل على تسخط الداعي، وليس ~~كذلك { لا تؤاخذنا إن نسينا } لأن الانسان قد يتعرض للنسيان، فيقع منه ~~الفعل الذي فيه جناية على النفس، ويحسن الاعتذار بالنسيان، فيجري الدعاء ~~مجرى الاعتذار إذا قال العبد لسيده لا تؤاخذني بكذا فاني نسيت، فلحسن ~~الاعتذار حسن الدعاء به. والثاني - { إن نسينا }. بمعنى تركنا لشبهة دخلت ~~علينا. # والنسيان بمعنى الترك معروف. نحو قوله: # نسوا الله فنسيهم # أي تركوا عبادته، فترك ثوابهم. وقال الجبائي معناه ما تركناه لخطأ في ~~التأويل واعتقدنا صحته لشبهة وهو فاسد. فأما لا تجر علينا، فلا يقال إلا ~~لمن اعتيد منه الجور، ولا يجوز أن يؤاخذ أحد أحدا بما نسيه عند أكثر أهل ~~العدل إلا ما يحكى عن جعفر بن ميسر من أن الله تعالى يؤاخذ الانبياء بما ~~يفعلونه من الصغائر على وجه السهو والنسيان لعظم اقدارهم. وقال كان يجوز ~~أن يؤاخذ الله العبد بما يفعله ناسيا أو ساهيا، ولكن تفضل بالعفو في ~~قوله: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ذكر ذلك البلخي، وهذا غلط، لأنه ~~كما لم يجز تكليف فعله ولا تركه لم يجز أن يؤاخذ به، ولا يشبه ذلك ~~المتولد الذي لا يصح تكليفه بعد وجود سببه، لأنه يجوز أن يتعمده بأن ~~يتعمد سببه، وليس كذلك ما يفعله على ms0625 جهة السهو والنسيان. # اللغة، والمعنى: # وقوله: { ولا تحمل علينا إصرا } قيل في معنى الاصر قولان: # أحدهما - لا تحمل علينا عهدا فنعجز عن القيام به. # ذهب إليه ابن عباس، وقتادة ومجاهد. # الثاني - قال الربيع، ومالك: معناه لا تحمل علينا ثقلا والاصر في اللغة ~~الثقل قال النابغة: # يا مانع الضيم إن يغشى سراتهم # والحامل الاصر منهم بعد ما غرقوا # وكلما عطفك على شيء، فهو إصر من عهد أو رحم، وجمعه إصار. تقول أصره ~~ياصره إصرا. والاسم الاصر قال الحطيئة: # عطفوا علي بغيرآ # صرة فقد عظم الاواصر # وقال النابغة: # ايابن الحواضن والحاضنات أينقض أصرك حالا فحالا # أي عهدك. والايصر: حبيل قصير يشد به أسفل الخباء إلى وتد لأنه يعطف به. ~~والاصرة: صلة الرحم للعطف بها والماصر حبل على طريق أو نهر تحبس به السفن ~~أو السابلة لتؤخذ منهم العشور وكلأ آصر أي يحبس من ينتهي إليه لكثرته. ~~والاصار: كساء يحتش فيه الحشيش. وأصل الباب العطف، فالاصر: الثقل لأنه ~~يعطف حامله بثقله عليه. وقوله: { لا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قيل فيه ~~قولان: # أحدهما - ما يثقل علينا من نحو ما كلف بني إسرائيل من قتل أنفسهم وبتيه ~~أربعين سنة وغير ذلك كما يقول القائل لا أطيق أنظر إلى فلان ولا أسمع ~~كلامه. # الثاني - ما لا طاقة لنا به من العذاب في دار الدنيا. وقوله { أنت ~~مولانا } معناه أنت ولينا أي أولى بالتصرف فينا، وقال الحسن هذا على وجه ~~التعليم للدعاء، ومعناه قولوا ربنا لا تؤاخذنا. والثاني - أنه على وجه ~~الحكاية أي يقولون ربنا. والفرق بين أخطأ وخطىء أن أخطأ قد يكون على وجه ~~الاثم، وغير الاثم فأما خطىء فاثم لا غير قال الشاعر: # والناس يلحون الامير إذا هم # خطئوا الصواب ولا يلام المرشد ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # القراءة واللغة: # وقرأ أبو جعفر والاعشى والبرجمي { ألم } بسكون الميم { الله } بقطع ~~الهمزة وقرأ عمر بن الخطاب { الحي القيام } وهي لغة أهل الحجاز. ويقولون ~~في الصواغ صياغ. الباقون { قيوم } وإنما فتحت الميم من { ألم الله ms0626 } ~~لأحد أمرين: # أحدهما - استثقالا للكسر بعد الياء الساكنة، فصرف إلى الفتح، لأنه أخف ~~كما فعلوا في (كيف) (وأين). وقال الزجاج، والفراء: ألقي عليها حركة ~~الهمزة وهي الفتحة من قولك: الله. وقال المبرد: هذا لا يجوز لأنها ألف ~~وصل تسقط في الدرج، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز في { إن الكافرون } الفتح ~~على الفاء حركة الهمزة. قال الفراء: والفرق بين ذلك وبين الهجاء أنه لما ~~كان ينوي به الوقف قوي بما بعده الاستيناف، فكانت الهمزة في حكم الثبات ~~كما كانت في انصاف البيوت. نحو قول الشاعر: # ولا يبادر في الشتاء وليدتي # القدر تنزلها بغير جعال # وأجاز الأخفش الكسر، وخالفه الزجاج، وقال: لا يجوز لأن قبل الهمزة ياء ~~ساكنة قبلها كسرة، فلم يجز غير الفتح، كما لا يجوز في كيف. ويمكن الفرق ~~بينهما بأن كيف موصولة وهذا مفصول جاز أن ينوي به الوقف. وقد بينا معنى { ~~الله } وهو أنه الذي تحق له العبادة. # اللغة والمعنى: # وقوله: { لا إله إلا هو } معناه لا تحق العبادة لسواه، وإنما كان كذلك ~~لأنه الذي يقدر على أصول النعم التي يستحق بها العبادة، ولأن نعمة كل ~~منعم فرع على نعمه، فصار لا تحق العبادة لسواه. و { الحي }: هو الذي لا ~~يستحيل لما هو عليه من الصفة كونه عالما قادرا. قال الرماني: والعالم: ~~مدرك لمعلومه والمدرك: هو المتبين للشيء على ما هو به من أي وجه صح ~~تبيينه، فالرأي مدرك وكذلك العالم إلا أنه قد كثرت صفة الادراك على ما ~~طريقه الاحساس من العباد، وهذا القول منه يدل على أنه كان يذهب مذهب ~~البغداديين: في أن وصف القديم بأنه مدرك يرجع إلى كونه عالما من أن يكون ~~له صفة زائدة. وهذا بخلاف مذهب شيخه ابي علي، والبصريين. { والقيوم } قيل ~~في معناه قولان. # أحدهما - القائم بتدبير عباده في ما يضرهم وينفعهم، وهو قول مجاهد، ~~والربيع، والزجاج، بدلالة قوله # قائما بالقسط # و # قائم على كل نفس بما كسبت # الثاني - حكي عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره الجبائي أنه الدائم. ms0627 ~~وأصل الوصف بقيوم الاستقامة. فعلى قول مجاهد يكون لاستقامة التدبير، وعلى ~~القول الآخر لاستقامة الصفة بالوجود من حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من ~~الوجوه كما يجوز على ما يحول ويتبدل. وتقول هذا معنى قائم في النفس أي ~~موجود على الاستقامة دون الاضطراب. وأصل { قيوم } قيووم على وزن فيعول ~~فقلبت الواو الأولى ياء، لأن ما قبلها ياء ساكنة، وأدغمت نحو سيد وميت. ~~ولا يجوز أن يكون وزنه فعولا لأنه لو كان كذلك لكان قووما، فوصف الله ~~تعالى بالحي القيوم يتضمن أنه يستحق العبادة من حيث أن هذه الصفة دلت على ~~أنه القادر على ما يستحق به العبادة دون غيره، لأن صفة قيوم صفة مبالغة ~~لا تجوز إلا الله على المعنيين معا من معنى الموجود أو [القائم على] ~~عموم الخلق بالتدبير. ### || [3.3] # قيل في معنى قوله: { نزل عليك الكتاب بالحق } وجهان: # أحدهما - بالصدق في أخباره وجميع دلالاته التي تقوم مقام الخبر في ~~تعلقها بمدلولها على ما هو به، ففي جميع ذلك معنى التصديق. # والثاني - بالحق أي بما توجبه الحكمة من الانزال كما أتى بما يوجبه ~~الحكم من الارسال وهو حق من الوجهين. وقوله: { مصدقا لما بين يديه } نصب ~~على الحال ومعناه لما قبله من كتاب أو رسول في قول مجاهد وقتادة والربيع ~~وجميع المفسرين. وإنما قيل لما قبله لما بين يديه، لأنه ظاهر له كظهوره ~~لما بين يديه. وقيل في معنى { مصدقا } ها هنا قولان: # أحدهما - { مصدقا لما بين يديه } وذلك لموافقته ما تقدم الخبر به وفيه ~~آية تدل على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من حيث لا يكون ذلك إلا ~~من عند علام الغيوب. # الثاني - مصدقا أنه يخبر بصدق الانبياء في ما أتوا به خلاف من يؤمن ~~ببعض، ويكفر ببعض. والتوراة ماخوذة من وريت بك زنادي إذا ظهر به الخبر ~~كما يتقدح بالزناد النار فالاصل الظهور، فهي تورية لظهور الحق. وقيل في ~~وريها أقوال: أحدها - قال البصريون تورية فوعلة فقلبت (الواو) الأولى ~~(تاء) لئلا يجتمع واوان أول الكلمة ms0628 نحو حوقلة ودوخلة. والثاني - قال ~~الكوفيون: تفعلة على وزن تثقلة وتثقلة، وهو قليل جدا لا يكاد يعرف تفعلة ~~في الكلام. الثالث - قال بعضهم هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالا ~~للكسر في المعتل وهو بناء يكثر نحو توفية وتوقية وتوصية، وما أشبه ذلك. ~~قال الزجاج: وهذا رديء لأنه يجيء منه في توفية توفاة وهذا لا يجوز. ~~والانجيل مأخوذ من النجل، وهو الاصل وقال الزجاج وزنه أفعيل من النجل ~~باجماع أهل اللغة فسمي انجيلا لأنه أصل من أصول العلم. ### || [3.4] # المعنى: # قوله: { من قبل } أي من قبل إنزال الكتاب فاما قطعه عن الاضافة نبأه على ~~الضم. وقوله: { هدى للناس } أي بيانا ودلالة لهم، وفي ذلك دلالة على أن ~~الله تعالى هدى الكافر إلى الايمان، كما هدى المؤمن بقوله { للناس } ، ~~بخلاف ما تقوله المجبرة: إن الله ما هدى الكافر، وموضع { هدى } نصب على ~~الحال من الكتاب وقوله: { وأنزل الفرقان } يعني به القرآن وإنما كرر ذلك ~~لما اختلفت دلالات صفاته وإن كانت لموصوف واحد لأن لكل صفة منها فائدة ~~غير الأخرى لأن الفرقان هو الذي يفرق به بين الحق والباطل فيما يحتاج ~~إليه من أمور الدين في الحجج، والاحكام، وذلك كله في القرآن وقيل أراد ~~بالفرقان النصر ووصفه بالكتاب يفيد ان من شأنه أن يكتب. وقد بينا لذلك ~~نظائر في الشعر وغيره في ما تقدم. وقوله: { إن الذين كفروا بآيات الله ~~لهم عذاب شديد } قرن بالوعيد لما بين الله الحجج الدالة على توحيده، ~~وصفاته: أعقب ذلك بوعيد من يخالف في ذلك ويجحده ليتكامل به التكليف. ~~وقوله: { والله عزيز ذو انتقام } معناه أنه قادر لا يتمكن أحد من منعه من ~~عذاب من يريد عذابه لأنه { عزيز ذو انتقام } وإنما كان منيعا لأنه قادر ~~لنفسه لا يعجزه شيء. # اللغة: # وأصل الاعزاز الامتناع، ومنه أرض عزاز ممتنعة السكون لصعوبتها، ومنه ~~قولهم من عز، بز: أي من غلب سلب لأن الغالب يمتنع من الضيم، والنقمة، ~~العقوبة: نقم ينقم نقما ونقمة ويقال نقمت، ونقمت عليه أي أردت ms0629 له عقوبة، ~~وانتقم منه انتقاما أي عاقبه عاقبا وأصل الباب: العقوبة. ومنه النعمة ~~خلاف النقمة. ### || [3.5] # المعنى: # لما ذكر الله تعالى الوعيد على الاخلال بمعرفته مع نصب الادلة على ~~توحيده وصفاته اقتضى أنه يذكر أنه لا يخفى عليه شيء في الارض، ولا في ~~السماء، فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي ~~لا تخفى عليه خافية، فجرى ذلك موصولا بذكر التوحيد في أول السورة، لأنه ~~من الصفات الدالة على ما لا تحق إلا له. فان قيل لم قال: { لا يخفى عليه ~~شيء في الأرض ولا في السماء } ولم يقل لا يخفى عليه شيء على وجه من ~~الوجوه إذ كان أشد مبالغة؟ قيل: ليعلمنا أن الغرض علم ما يستسر به في ~~الأرض أو في السماء. ولأن الافصاح بذكر ذلك أعظم في النفس وأهول في الصدر ~~مع الدلالة على أنه عالم بكل شيء إلا أنه على وجه التصرف في العبارة عن ~~وجوه الدلالة. فان قيل: لم قال { لا يخفى عليه شيء } ولم يقل عالم بكل ~~شيء في الأرض والسماء؟ قيل لأن الوصف بأنه { لا يخفى عليه شيء } يدل على ~~أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة، ~~وإنما قلنا: لا يخفى عليه شيء من حيث كان عالما لنفسه. والعالم للنفس ~~يجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما. وما يصح أن يكون معلوما لا ~~نهاية له، فوجب أن يكون عالما به وإنما يجوز أن يعلم الشيء من وجه دون ~~وجه، ويخفى عليه شيء من وجه دون وجه من كان عالما بعلم يستفيده: - العلم ~~حالا بعد حال -. فأما من كان عالما لنفسه، فلا يجوز أن يخفى عليه شيء ~~بوجه من الوجوه. ### || [3.6] # اللغة: # التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها. والصورة: هيئة يكون عليها ~~الشيء بالتأليف. والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة: عبارة عما وضع في ~~اللغة لتدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل ~~جاعل قياسية. ms0630 والارحام: جمع رحم وأصله: الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ~~ويتعاطف يقولون: وصلتك رحم. وأصل الصورة: الميل يقولون صاره يصوره: إذا ~~أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى بنية بالشبه لها. # المعنى: # وقوله: { كيف يشاء } معناه كيف يريد والمشيئة هي الارادة ومعنى { يصوركم ~~في الأرحام كيف يشاء } من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أسود أو تام أو ناقص ~~إلى غير ذلك ما تختلف به الصور، وفيه حجة على النصارى في ادعائهم إلهية ~~المسيح وذلك أن الله تعالى صوره في الرحم كما شاء، فهو لذلك عبد مربوب ~~وقوله: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } معناه أنه تعالى لما ذكر ما يدل ~~عليه من قوله: { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } ذكر الدليل ~~والمدلول عليه وإنما ذكر { العزيز الحكيم } تحذيرا بعد ذكر الدليل ليعلم ~~أنه عزيز لا يتهيأ لأحد منعه من عقوبة من يريد عقابه حكيم في فعل العقاب ~~وفي جميع أفعاله. ### || [3.7] # المعنى: # قوله: { هو الذي أنزل عليك الكتاب } يعني القرآن { منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات } فالمحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة ~~تقترن إليه ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله: # إن الله لا يظلم الناس شيئا # وقوله: # لا يظلم مثقال ذرة # لأنه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل. والمتشابه: ما لا يعلم ~~المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه. نحو قوله: # وأضله الله على علم # فانه يفارق قوله: # وأضلهم السامري # لأن اضلال السامري قبيح وإضلال الله بمعنى حكمه بأن العبد ضال ليس قبيح ~~بل هو حسن. واختلف أهل التأويل في المحكم، والمتشابه على خمسة أقوال: # فقال ابن عباس: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. # الثاني - قال مجاهد: المحكم ما لا يشتبه معناه، والمتشابه ما اشتبهت ~~معانيه. نحو قوله: # وما يضل به إلا الفاسقين # ونحو قوله: # والذين اهتدوا زادهم هدى # الثالث - قال محمد بن جعفر بن الزبير، والجبائي: إن المحكم ما لا يحتمل ~~إلا وجها واحدا، والمتشابه ما يحتمل ms0631 وجهين فصاعدا. # الرابع - قال ابن زيد: إن المحكم: هو الذي لم تتكرر ألفاظه. والمتشابه ~~هو المتكرر الألفاظ. # الخامس - ما روي عن جابر أن المحكم: ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما ~~لا يعلم تعيين تأويله. نحو قوله: # يسألونك عن الساعة أيان مرساها # وقوله: { هن أم الكتاب } معناه أصل الكتاب الذي يستدل به على المتشابه، ~~وغيره من أمور الدين. وقيل في توحيد أم الكتاب قولان: أحدهما - أنه قدر ~~تقدير الجواب على وجه الحكاية كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقيل هن أم الكتاب ~~كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره. الثاني - أن يكون ذلك مثل ~~قوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # بمعنى الجميع آية ولو أريد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقيل ~~آيتين. فان قيل: لم أنزل في القرآن المتشابه؟ وهلا أنزله كله محكما! قيل ~~للحث على النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك ~~أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول حق يجوز أن يكون الخبر ~~كذبا، وبطلت دلالة السمع، وفائدته، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الذي ~~بيناه، أنزل الله متشابها، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء، وفضلهم على ~~غيرهم، لأنه لو كان كله محكما لكان من يتكلم باللغة العربية عالما به، ~~ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى الناس في علم ذلك، على أن ~~المصلحة معتبرة في انزال القرآن، فما أنزله متشابها لأن المصلحة اقتضت ~~ذلك، وما أنزله محكما فلمثل ذلك. والمتشابه في القرآن يقع فيما اختلف ~~الناس فيه من أمور الدين: من ذلك قوله تعالى # ثم استوى على العرش # فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السرير واحتمل أن يكون ~~بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر: # ثم استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله: # ليس كمثله شيء # وقوله { لم يكن له كفوا أحد }. # والآخر يجوز عليه، فهذا من المحكم الذي يرد إليه المتشابه. ومن ذلك ~~قوله: # ربنا لا ms0632 تحملنا ما لا طاقة لنا به # فاحتمل ظاهره تكليف المشاق، واحتمل تكليف ما لا يطاق وأحدهما لا يجوز ~~عليه تعالى # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # فرددنا إليه المتشابه ومن ذلك قوله: # قل كل من عند الله # فرددناه إلى المحكم الذي هو قوله: # ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون # ومن ذلك قوله: # وما تشاؤون إلا أن يشاء الله # متشابه، وبين المراد بالمحكم الذي هو قوله: # وما الله يريد ظلما للعالمين # ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النبوة بما يوهم المناقضة كقوله: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين # فقال اليومان والاربعة واليومان ثمانية ثم قال { هو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام } فأوهموا أن ذلك مناقضة وليس الأمر على ما ظنوه لأن ~~ذلك يجري مجرى قول القائل: سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرنا ~~إلى الكوفة في خمسة عشر يوما فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولا يضاف ~~فيقال: عشرة، وخمسة عشر خمسة وعشرون يوما كان فيها السير، فكذلك خلق ~~الله الأرض في يومين وقضاهن سبع سماوات في يومين وتمم خلقهن في ستة أيام. ~~وتقديره خلق الارض في يومين من غير تتميم وجعل فيها رواسي وما تم به ~~خلقها في أربعة أيام فيها اليومان الاولان كما يقال: جعل الدور في شهرين ~~وفرغ منهن في أربعة أشهر. فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنه على جهة خلق ~~الأرض في يومين من غير تتميم، وليس على وجه التضاد على ما ظنوه. # فان قيل: كيف يكون المحكم حجة مع جواز تقييده بما في العقل؟ وفي ذلك ~~إمكان كل مبطل أن يدعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم؟ قلنا: لا يجب ms0633 ذلك ~~من قبل أن التقييد بما في العقل إنما يجوز فيما كان ردا إلى تعارف من ~~جهة العقول دون ما لا يتعارف في العقول بل يحتاج إلى مقدمات لا يتعارفها ~~العقلاء من أهل اللغة، والمراعى في ذلك أن يكون هناك تعارف من جهة العقل ~~تقتضيه الحكمة دون عادة أو تعارف شيء لأن الحجة في الأول دون الثاني، ومن ~~جهة التباس ذلك دخل الغلط على كثير من الناس. # فان قيل: كيف عددتم من جملة المحكم قوله: { ليس كمثله شيء } مع الاشتباه ~~فيه بدخول الكاف؟ قلنا إنما قلنا انه محكم لأن مفهومه ليس مثله شيء على ~~وجه من الوجوه دون أن يكون عند أحد من أهل التأويل ليس مثل مثله شيء ~~فدخول الكاف وإن اشتبه على بعض الناس لم دخلت فلم يشتبه عليه المعنى ~~الأول الذي من أجله كان محكما. وقد حكينا فيما مضى عن المرتضى (ره) علي ~~بن الحسين الموسوي أنه قال: الكاف ليست زائدة وإنما نفى أن يكون لمثله ~~مثل فاذا ثبت ذلك علم أنه لا مثل له، لأنه لو كان له مثل لكان له أمثال، ~~فكان يكون لمثله مثل، فاذا لم يكن له مثل مثل دل على أنه لا مثل له غير ~~أن هذا تدقيق في المعنى، فتصير الآية على هذا متشابهة، لأن ذلك معلوم ~~بالادلة. وقد يكون الشيء محكما من وجه ومتشابها من وجه كما يكون ~~معلوما من وجه، ومجهولا من وجه، فتصح الحجة به من وجه المعلوم دون ~~المجهول. # الاعراب: # و { أخر } لا ينصرف لأنه معدول عن الالف واللام وهو صفة. وقال الكسائي: ~~لأنه صفة. قال المبرد: هذا غلط، وقال (لبد) صفة وكذلك (حطم) وهما ~~منصرفان قال الله تعالى # أهلكت مالا لبدا # وحكي عن أبي عبيدة أنه قال: لم يصرفوا { أخر } لأن واحده لا ينصرف في ~~معرفة ولا نكرة. قال المبرد: وهذا غلط، لأنه يلزم أن لا يصرف غضابا ~~وعطاشا، لأن واحده غضبان وعطشان. وهو لا ينصرف. # اللغة والمعنى: # وقوله: { فأما الذين في قلوبهم زيغ } يعني ميل ms0634 يقال: أزاغه الله إزاغة ~~أي أماله إمالة قال تعالى # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # ومنه قوله: # لا تزغ قلوبنا # والتزايغ التمايل في الاسنان. والمعنى إن الذين في قلوبهم ميل عن الحق ~~اما بشك أو جهل فان كليهما زيغ { يتبعون ما تشابه منه } ومعناه يحتجون به ~~في باطلهم { ابتغاء الفتنة } ومعناه طلبا للفتنة { وابتغاء تأويله } ~~والتأويل: التفسير وأصله المرجع، والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول ~~أولا: إذا صار إليه. وأولته تأويلا إذا صيرته إليه. وقوله: # وأحسن تأويلا # قيل معناه أحسن جزاء، لأن أمر العباد يؤول إلى الجزاء. وأصل الباب: ~~المصير { وما يعلم تأويله } يعني تفسيره { إلا الله والراسخون في العلم } ~~يعني الثابتون فيه تقول: رسخ الشيء رسوخا إذا ثبت في موضعه. وأرسخته ~~إرساخا، كما أن الخبر يرسخ في الصحيفة، ورسخ الغدير إذا ذهب ماؤه، فنضب، ~~لأنه ثبت وحده من غير ماء، وأصل الباب الثبوت. # النزول: # وقال الربيع: نزلت هذه الآية في وفد نجران، لما حاجوا النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) في المسيح، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ فقال بلى، ~~فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه } ثم أنزل # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون # وقال قتادة: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، داخل فيه، فمنهم الحرورية ~~والسبابية، وغيرهم. # المعنى والاعراب اللغة: # وقوله: { ابتغاء الفتنة } قال السدي: الفتنة ها هنا الشرك. وقال مجاهد: ~~اللبس. وقيل الضلال عن الحق، وهو أعم فائدة. وأصل الفتنة: التخليص من ~~قولهم فتنت الذهب بالنار: إذا أخلصته، فالذي يبتغي الفتنة، يبتغي التخليص ~~إلى الضلال بما يورده من الاشياء. وقوله: { وما يعلم تأويله إلا الله } ~~قيل في معناه قولان: أحدهما - ما يعلم تأويل جميع المتشابه { إلا الله } ~~، لأن فيه ما يعلم الناس، وفيه ما لا يعلمه الناس من نحو تعيين الصغيرة ~~عند من قال بها، ووقت الساعة، وما بيننا وبينها من المدة. هذا قول عائشة، ~~والحسن، ومالك، واختاره الجبائي، ms0635 وأكثر المتأولين. وعندهم أن الوقف على ~~قوله { إلا الله } ويكون قوله: { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } ~~مستأنفا والتأويل على قولهم: معناه المتأول، كما قال تعالى { هل ينظرون ~~إلا تأويله يوم يأتي تأويله } يعني الموعود به. والوجه الثاني - ما قاله ~~ابن عباس، ومجاهد، والربيع { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم } يعلمونه قائلين آمنا كما قال الشاعر: # والريح تبكي شجوة # والبرق يلمع في الغمامة # يعني والبرق أيضا يبكيه لامعا في غمامة. وقوله: { كل من عند ربنا } ~~حذف المضاف من { كل } عند البصريين، لأنه اسم دال على المضاف كثير في ~~الكلام فلا يجيزون { إنا كل فيها } على الصفة ويجيزه الكوفيون، لأنه إنما ~~حذف عندهم لدلالته على المضاف فقط إسما كان أو صفة. وإنما بني قبل على ~~الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف، لأن قبل ظرف يعرف، ~~وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف، والاعراب الذي ~~يدل على تنكيره بالانفصال، وليس كذلك كل لأنه معرفة في الافراد دون نكرة ~~فأما (ليس غير) فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر. ### || [3.8] # المعنى: # هذه حكاية عن الراسخين في العلم الذين ذكرهم في الآية الاولى، القائلين ~~{ آمنا به كل من عند ربنا } القائلين { ربنا لا تزغ قلوبنا } وقيل في ~~معنى لا تزغ قلوبنا قولان: # أحدهما - { لا تزغ قلوبنا } عن الحق بمنع اللطف الذي يستحق معه أن تنسب ~~قلوبنا إلى الزيغ. والثاني - قال أبو علي معناه لا تزغ قلوبنا عن الثواب ~~بعد أن دعوتنا إليه ودللتنا عليه، ولا يجوز أن يكون المراد لا تزغ قلوبنا ~~عن الايمان، لأنه تعالى كما لا يأمر بالكفر كذلك لا يزيغ عن الايمان. فان ~~قيل: هلا جاز على هذا أن يقولوا: ربنا لا تظلمنا، ولا تجر علينا؟ قلنا ~~لأن في تجر علينا تسخط السائل لاستعماله ممن جرت عادته بالجور، وليس كذلك ~~{ لا تزغ قلوبنا } على معنى سؤال اللطف، وان كان لا يجوز في حكمته تعالى ~~منع اللطف. كما لا يجوز فعل الجور ms0636 وذلك بمنزلة سؤال الملائكة في قولهم # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وادخلهم جنات ~~عدن التي وعدتهم # والله لا يجوز عليه خلف الوعد، كما لا يجوز عليه فعل الجور يبين ذلك ~~قوله: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # ومعناه فلما مالوا عن الحق نسب الله قلوبهم إلى الزيغ، لما كانت عليه. ~~وإنما أضاف الزيغ إلى القلب، وإن كان المراد به الجملة لأن القلب أشرف ~~الاعضاء، وهو محل السرور، والغم فلذلك خص بالذكر. # اللغة: # وقوله: { وهب لنا من لدنك رحمة } فالهبة مصدر وهبه يهبه هبة، فهو واهب. ~~والشيء موهوب وتواهب الناس بينهم تواهبا واستوهبه استيهابا. وأصل الباب ~~الهبة، وهي تمليك الشيء من غير مثامنة. والهبة والنحلة والصلة نظائر. ~~ومعنى من لدنك من عندك وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن - بضم اللام والدال - ~~ولدن - بفتح اللام وتسكين الدال، وكسر النون - ولد - بحذف النون -. ### || [3.9] # معنى الآية { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } للجزاء { إن الله ~~لا يخلف الميعاد } في وعد ولا وعيد { فاغفر لنا } فان قيل هل في قوله: { ~~إن الله لا يخلف الميعاد } متصل بالدعاء على جهة الحكاية أو استئناف. ~~قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه متصل بالدعاء، لأن حمل الكلام على الاتصال إذا صح المعنى ~~أولى من حمله على الانفصال، لأن الاتصال أقرب إلى التشاكل، وأبعد من ~~التنافر. الثاني - أنه على الاستئناف لأنه لو كان على الاتصال لقال انك ~~لا تخلف الميعاد، فاختار أبو علي الجبائي هذا الوجه، وأجاز الزجاج ~~الأمرين. وقد يجوز حمل الكلام تارة على المخاطبة وتارة على الغيبة تصرفا ~~في الكلام، كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة # والآية دالة على أنه لا يخلف وعده، ولا وعيده، ولا ينافي ذلك ما يجوزه ~~من العفو عن فساق أهل الملة، لأن ما يجوز العفو عنه إذا عفا كشف ذلك ~~عندنا أنه ما عناه بالخطاب، وإنما الممنوع منه أن يعنيه بالخطاب وبأنه لا ~~يعفو عنه ثم يعفو، فيكون ذلك خلفا في الوعيد وذلك ms0637 لا يجوز عليه تعالى. # والميعاد، والوعد إذا اطلقا تناولا الخير، والشر. يبين ذلك قوله: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا # ولا يجوز أن يقال وعد بالخير فأما وعد بالشر، فيجوز. واللام في قوله: { ~~ليوم لا ريب فيه } معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من معنى ~~اللام وتقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء ~~دخلت على ما يليه فأغنيت عن في لأن حروف الاضافة متآخية، لما يجمعها من ~~معنى الاضافة. وقد كان يجوز فتح أن في قوله: { إن الله لا يخلف } على ~~تقدير { جامع الناس ليوم لاريب فيه } ل { إن الله لا يخلف الميعاد } ولم ~~يقرأ به. ### || [3.10] # المعنى: # إن قيل كيف تتصل هذه الآية بما قبلها؟ قلنا: اتصال الوعيد بالدعاء، ~~للاخلاص منه خوفا من استحقاق المتوعد به، والفرق بين { لن تغني عنهم من ~~الله } وبين لن تغنيهم عن الله شيئا. أن لن تغنيهم عن الله لا يدل على ~~الوعيد كما يدل { لن تغني عنهم من الله } لأن تقديره من عذاب الله. ومعنى ~~من ها هنا يحتمل أمرين: قال أبو عبيدة معناها: عند. وقال المبرد: من ها ~~هنا على أصلها، لابتداء الغاية. وتقديره { لن تغني عنهم } غناء ابتداء ~~الشيء الذي خلقه، ولا يكون الغناء إلا منه، فمن هذه تقع على ما هو أول ~~الغناء وآخره والوقود: الحطب، والوقود اللهب. وهو إيقاد النار. والغنى ضد ~~الحاجة. وبمعنى { لن تغني عنهم من الله } أنه إن يكون شيء تبقى الحاجة ~~إلى الله تعالى بل الحاجة باقية على كل حال. ### || [3.11] # اللغة: # الدأب: العادة، يقال دأب يدأب دأبا ودئابا إذا اعتاد الشيء وتمرن ~~عليه. قال امرؤ القيس: # كدأبك من أم الحويرث قبلها # وجارتها أم الرباب بمأسل # أي كعادتك من أم الحويرث. # المعنى: # ومعنى قوله: { كدأب آل فرعون } كعادتهم في التكذيب بالحق وقيل في الكفر ~~وقيل في قبح الفعل وقيل في تكذيب الرسل وكل ذلك ms0638 متقارب في المعنى. وقال ~~قوم: معناه كدأب آل فرعون في عقاب الله إياهم على ما سلف من ذنوبهم، ~~ومعاصيهم، والكاف في قوله: { كدأب آل فرعون } متصلة بمحذوف. وتقديره ~~عادتهم كدأب آل فرعون. وموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر الابتداء، ولا ~~يجوز أن يعمل فيها كفروا، لأن صلة الذي قد انقطعت بالخبر، وهو { لن تغني ~~عنهم أموالهم } ولا أولادهم ولكن يجوز نصبه ب { وقود النار } ، لأن فيه ~~معنى الفعل على تقدير تتقد النار باجسادهم كما تتقد باجسام آل فرعون فهذا ~~تقديره في المعنى. وقوله: { فأخذهم الله بذنوبهم } بمعنى عاقبهم الله ~~بذنوبهم وسمى المعاقبة مؤاخذة لأنها أخذ بالذنب والاخذ بالذنب عقوبة ~~والذنب والجرم واحد تقول أذنب يذنب اذنابا فهو مذنب والذنب التلو للشيء ~~ذنبه يذنبه ذنبا إذا تلا والذنوب الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب ~~والذنوب النصيب لأنه كالدلو في الانعام قال الشاعر: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فان أبيتم فلنا قليب # والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب. وأصل الباب: التلو، فالذنب الجرم لما ~~يتلوه من استحقاق الذم كما قيل العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب. ### || [3.12] # القراءة، والحجة: # قرأ أهل الكوفة إلا عاصما سيغلبون، ويحشرون بالياء، فيهما: الباقون ~~بالتاء. من اختار التاء، فلقوله: { قد كان لكم آية في فئتين } فأجري ~~جميعه على الخطاب. ومن اختار الياء، فللتصرف في الكلام والانتقال من خطاب ~~المواجه إلى الخبر بلفظ الغائب. وقيل: إن الخطاب لليهود. والاخبار عن ~~عبدة الأوثان لأن اليهود أظهروا، الشماتة بما كان من المشركين يوم أحد، ~~فقيل لهم سيغلبون يعني المشركين. وعلى هذا لا يجوز إلا بالياء. وقيل ~~التاء في عموم الفريقين. ومثله قال زيد المال ماله. وقال المال مالي. وقل ~~له سنخرج وسيخرج. وكل ذلك جائز حسن. # النزول: # وقال ابن عباس، وقتادة وابن اسحاق: إن هذه الآية نزلت لما هلكت قريش يوم ~~بدر، فجمع النبي (صلى الله عليه وسلم) اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى ~~الاسلام وحذرهم مثل مانزل بقريش من الانتقام، فقالوا: لسنا كقريش الاغمار ~~الذين لا يعرفون القتال، لئن حاربتنا لتعرفن البأس. ms0639 فانزل الله { قل ~~للذين كفروا سيغلبون ويحشرون } الآية. # المعنى: # ومعنى { وبئس المهاد } قال مجاهد: بئس ما مهدوا، لأنفسهم. وقال الحسن: ~~معناه بئس القرار، وقيل بئس الفراش الممهد لهم، وقال البلخي: لا يجوز ~~الوعد، والوعيد بغير شرط، لأن فيه بأسا من الايمان أو الكفر وذلك بمنزلة ~~الصد عنه. وتأول الآية على حذف الشرط، فكأنه قال: وبئس المهاد لمن مات ~~على كفره غير تائب منه. وقال الرماني: وهذا لا يصح من قبل أن السورة قد ~~دلت على معنى الوعد من غير شرط يوجب الشك، فلو كان في قطع الوعيد بأس ~~بمنزلة الصد عن الايمان لكان في قطع الوعد بأمان ما يوجب الاتكال عليه ~~دون ما يلزم من الاجتهاد. والذي يخرجه من ذلك أن العقاب من أجل الكفر كما ~~أن الثواب من أجل الايمان. وهذا ليس بشيء، لأن للبلخي أن يشرط الوعد ~~بالثواب بانتفاء ما يبطله من الكبائر، كما أنه شرط الوعيد بالعقاب ~~بانتفاء ما يزيله من التوبة، فقد سوى بين الأمرين. وقال البلخي والجبائي: ~~قوله: { وبئس المهاد } مجاز كما قيل للمرض: شر، وإن كان خيرا من جهة أنه ~~حكمة، وصواب، فقيل لجهنم { بئس المهاد } لعظيم الآلام، لأن أصل نعم وبئس: ~~الحمد، والذم إلا أنه كثر استعماله في المنافع، والمضار حتى سقط عن اسم ~~مجاز. وإن كان مغيرا عن أصله. وفي الآية دلالة على صحة نبوة النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) لأنها تضمنت الخبر عما يكون من غلبة المؤمنين للمشركين. ~~وكان الأمر على ما قال، ولا يكون ذلك على الاتفاق، وكما أنه بين أخبارا ~~كثيرة من الاستقبال، فكان كما قال، فكما أن كل واحد منهما كان معجزا، ~~لأنه من علام الغيوب اختص به الرسول ليبينه من سائر الناس كذلك هذه ~~الآية. ### || [3.13] # القراءة، والحجة: # قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم، وابن شاهي عن حفص " ترونهم " بالتاء ~~الباقون بالياء. من قرأ بالياء، فلأن الخطاب لليهود والخبر عن غيرهم ممن ~~حضر بدرا. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى الجميع. # اللغة، والمعنى، والاعراب: # الآية: العلامة، والدلالة ms0640 على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم). والفئة ~~الفرقة من فأوت رأسه بالسيف إذا فلقته. وقال ابن عباس: ها هنا هم ~~المؤمنون من أهل بدر ومشركوا قريش، وبه قال الحسن، ومجاهد. وقوله: { فئة ~~} يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الرفع على الاستئناف بتقدير منهم فئة ~~كذا، وأخرى كذا. ويجوز الجر على البدل. ويجوز النصب على الحال كقول كثير: # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # أنشد بالرفع والجر وقال ابن مفرغ: # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رماها صائب الحدثان # فأما التي صحت فأزد شنوءة # وأما التي شلت فأزد عمان # وقال آخر: # إذا مت كان الناس نصفين شامت # وآخر مثن بالذي كنت أصنع # ولا يجوز أن تقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة ~~ولكن يجوز بالرفع على تقدير منهم صريع ومنهم جريح. فان قلت: مرررت بثلاثة ~~صريع، وجريح، وسليم، جاز فيه الرفع والجر، فان زدت فيه اقتتلوا جاز فيه ~~الأوجه الثلاثة. ولم يقرأ إلا بالرفع. # المعنى: # وقال ابن مسعود، والحسن: الفئة: المسلمة هي التي كانت ترى الكافرة ~~مثليهم. وقال السدي: رأى المشركون المسلمين مثل عددهم، لأنهم كانوا ~~ثلاثمائة وبضعة عشر فرأوهم أضعاف ذلك. وهذا يحتمل على قراءة من قرأ ~~بالياء، فأما من قرأ بالتاء، فلا يحتمل ذلك إلا أن يكون الخطاب لليهود ~~الذين ما حضروا وهم المعنيون بقوله: { مثل الذين كفروا } وهم يهود بني ~~قينقاع فكأنه قيل لهم ترون المشركين مثلي المسلمين مع أن الله ظفرهم بهم، ~~فلا تغتروا بكثرتكم. واختار البلخي هذا الوجه واختلفوا في عدة المشركين ~~يوم بدر، فروي عن علي (ع) وابن مسعود أنهم كانوا الفا. وقال عروة بن ~~الزبير، وقتادة، والربيع كانوا بين تسعمائة إلى الالف وأما عدة المسلمين، ~~فثلاثمائة وبضعة عشر في قول قتادة، والربيع، وأكثر المفسرين. وهو المروي ~~عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). ومعنى " يرونهم مثليهم " يحتمل وجوها ~~أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وغيره من أهل العلم أن الله قلل المشركين ~~يوم بدر في أعين المسلمين ms0641 لتقوى قلوبهم فرأوهم مثلي عدتهم. وقال الفراء ~~يحتمل ثلاثة أمثالهم كما يقول القائل إلى الف واحتاج إلى مثليه أي مضافا ~~إليه لا بمعنى بدلا منه، فكذلك ترونهم مثليهم مضافا إليهم فذلك ثلاثة ~~أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج، لمخالفته لظاهر الكلام. # وما جاء في الآية الأخرى في الانفال من تقليل الاعداد. فان قيل كيف يصح ~~تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع وهل هذا إلا ما تقوله ~~المجبرة من أنه يجوز أن يكون بحضرتنا أشياء تدرك بعضها دون بعض بحسب ما ~~يفعل فينا من الادراك وهذا عندنا سفسطة تقليل في المشاهدات؟ قلنا: يحتمل ~~أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنونهم قليلي العدد، لأنهم أدركوا ~~بعضهم دون بعض، لأن العلم بما يدركه الانسان جملة غير العلم بما يدركه ~~مفصلا، ولهذا: إذا رأينا جيشا كبيرا أو جمعا عظيما ندرك جميعهم، ~~ونتبين أطرافهم ومع هذا نشك في أعدادهم حتى يقع الخلف بين الناس في حزر ~~عددهم، فعلى هذا يكون تأويل الآية. وقد ذكر الفراء عن ابن عباس أنه قال: ~~رأى المسلمون المشركين مثليهم في الحزر بستمائة وكان المشركون سبعمائة ~~وخمسين. فأما قوله في الأنفال: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم # فلا ينافي هذا لأن هذه آية للمسلمين أخبرهم بها وتلك آية لأهل الكفر حجة ~~عليهم. على أنك تقول في الكلام إني لأرى كثيركم قليلا أي تهونون على ~~لأني أرى الثلاثة اثنين ذكره الفراء، وهو جيد. وقيل: الوجه في تقليل ~~الكفار في أعين المؤمنين أن يكون أقوى لقلوب المؤمنين، فلا يفزعوا، ولا ~~يفشلوا، ويتجرأوا على قتالهم. والوجه في تقليل المؤمنين في أعين الكفار ~~إذا رأوهم قليلين استهانوا بهم واستحقروهم فلم يأخذوا إهبتهم ولم يستعدوا ~~كل الاستعداد فيظفر بهم المؤمنون، وهو جيد أيضا. وقال البلخي إنما قال ~~مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم لأنه أقام الحجة عليهم بأنهم وإن ~~كانواثلاثة أمثالهم فلم يخرجوا من أن يكونوا مثليهم. والمعتمد ما قلناه ~~أولا. # اللغة والمعنى: # وقوله: { والله يؤيد بنصره من يشاء } فالأيد القوة ومنه ms0642 قوله: # داود ذا الأيد # وتقول: ادته أئيده أيدا، كقولك بعته أبيعه بيعا بمعنى قويته. وأيدته ~~أؤيده تأييدا. والنصر: المعونة على الاعداء، وهو على وجهين: نصر ~~بالغلبة، ونصر بالحجة، ولو هزم قوم من المؤمنين، لجاز أن يقال: هم ~~المنصورون بالحجة ومحمودوا العاقبة، وان سر عدوهم بظفر العاجل. # والآية التي ذكرها الله تعالى كانت في الفئتين من وجهين: # أحدهما - غلبة القليل العدد في نفسه للكثير في ذلك بخلاف ما تجري به ~~العادة بما أمدهم الله به من الملائكة وقوى به نفوسهم من تقليل العدة. ~~والثاني - بالوعد المتقدم بالغلبة لاحدى الطائفتين لا محالة. وقوله: { إن ~~في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } معناه لأولي العقول، كما يقال له بصر ~~بالأمور، وليس المراد بالابصار الحواس التي يشترك فيها سائر الحيوان. ~~والعبرة الآية تقول: اعتبرت بالشيء عبرة واعتبارا والعبور: النفوذ عبرت ~~النهر أعبره عبورا: إذا قطعته. والمعبرة: السفينة التي يعبر فيها. ~~والعبارة الكلام، يعبر بالمعنى إلى المخاطب، فالعبارة تفسير الرؤيا. ~~والتعبير وزن الدنانير، وغيرها. والعبرة: الدمعة من العين. وأصل الباب ~~العبور النفوذ. ### || [3.14] # المعنى، واللغة: # قيل في المزين لحب الشهوات ثلاثة أقوال: قال الحسن: زينه الشيطان، لأنه ~~لا أحد أشد ذما لها من خالقها. الثاني - ما قاله الزجاج: انه زينه الله ~~بما جعل في الطباع من المنازعة، كما قال تعالى # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # الثالث - ما قاله أبو علي أنه زين الله عز وجل ما يحسن منه، وزين ~~الشيطان ما يقبح منه. # والشهوات: جمع شهوة وهي توقان النفس إلى الشيء يقال: اشتهى يشتهي شهوة، ~~واشتهاء وشهاه تشهية، وتشهى تشهيا. والشهوة من فعل الله تعالى لا يقدر ~~عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، لأنه لا يمكننا دفعها عن أنفسنا. ~~والقناطير: جمع قنطار. واختلفوا في مقدار القنطار، فقال معاذ بن جبل، ~~وابن عمر، وأبي بن كعب، وأبوهريرة: هو ألف ومأتا أوقية. وقال ابن عباس، ~~والحسن، والضحاك: هو ألف ومأتا مثقال. وروي عن الحسن أيضا أنه ألف دينار ~~أو اثنا عشر ألف درهم. وقال قتادة: ثمانون ms0643 ألفا من الدراهم أو مائة رطل. ~~وقال مجاهد، وعطا: سبعون ألف دينار. وقال أبو نضر هو مليء مسك ثور ذهبا. ~~وبه قال الفراء: وهو المروي عن أبي جعفر. وقال الربيع وابن أنس: هو المال ~~الكثير. ومعنى المقنطرة: المضاعفة - على قول قتادة - وقال الفراء: هي ~~تسعة قناطير، وقيل هي كقولك دراهم مدرهمة أي مجعولة كذلك. وقال السدي ~~مضروبة دراهم أو دنانير. والقنطرة: البناء المعقود للعبور والقنطر ~~الداهية. وأصل الباب القنطرة المعروفة. والقنطار لأنه مال عظيم كالقنطرة. ~~والذهب، والفضة معروفان. وتقول فضضته تفضيضا. وفض الجمع يفضه فضا إذا ~~فرقه. ومنه قوله: # لانفضوا من حولك # وفضضت الخاتم كسرته ولا يفضض الله فاك أي لا يكسره. وافتضضت الماء: إذا ~~شربته. وأصل الباب التفرق. # والخيل: الافراس سميت خيلا، لاختيالها في مشيها. والاختيال: من التخيل، ~~لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا. والخيال كالظل، لأنه ~~يتخيل به صورة الشيء تقول: خلت زيدا أخال خيلانا إذا خشيته لأنه يتخيل ~~إلى النفس أنه هو. والاخيل: الشقراق وهو طائر الغالب عليه الخضرة مشرب ~~حمرة، لأنه يتخيل مرة أخضر ومرة أحمر. وأصل الباب التخيل: التشبه بالشيء، ~~ومنه أخال عليه الأمر يخيل إذا اشتبه عليه، فهو مخيل. # وقوله: { المسومة } قيل في معناه أربعة أقوال قال سعيد بن جبير وابن ~~عباس والحسن والربيع هي الراعية وقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي الحسنة, ~~وقال ابن عباس في رواية، وقتادة: المعلمة. وقال ابن زيد: هي المعدة ~~للجهاد فمن قال: هي الراعية، فمن قولهم: اسمت الماشية وسومتها إذا ~~رعيتها. وسأمت، فهي سائمة ذا كانت راعية، ومنه تسيمون: أي ترعون. ومن ~~قال: الحسنة فمن السيما مقصور. # ويقال فيه سيميا أيضا وهو الحسن. قال الشاعر: # غلام رماه الله بالحسن يافعا # له سيمياء لا يشق على البصر # ومن قال المعلمة، فمن السيماء التي هي العلامة كقوله تعالى: { يعرف ~~المجرمون بسيماهم } ومن قال المعدة للجهاد، فهو راجع إلى العلامة لأنها ~~معدة بالعلامة وأصل الباب العلامة. وقوله: " والأنعام " فهي الابل، ~~والبقر، والغنم من الضان والمعز ولا يقال ms0644 لجنس منها على الانفراد نعم إلا ~~الابل خاصة لأنه غلب عليها في التفصيل والجملة. والحرث: الزرع. وقوله: { ~~ذلك متاع الحياة الدنيا } فالمتاع: ما يستنفع به مدة ثم يفنى. وقوله: { ~~والله عنده حسن المئاب } فالماب: المرجع من آب يؤوب أوبا وإيابا وأوبة، ~~ومآبا إذا رجع وتأوب تأوبا: إذا ترجع وأوبه تأويبا: إذا رجعه. وأصل ~~الباب الأوب الرجوع. ### || [3.15] # القراءة والمعنى: # قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر ورضوان - بضم الراء - الباقون بكسرها ~~فالضم لغة قيس، وتميم. والكسر لغة أهل الحجاز. قيل في آخر الاستفهام ~~بقوله أؤنبئكم قولان: # أحدهما - ان اخره عند قوله بخير من ذلكم، ثم استأنف للذين اتقوا. الثاني ~~- عند قوله: " عند ربهم " ثم استانف جنات على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما ~~هو ذلك الخير، فقيل هو جنات. ومثله: # قل أؤنبئكم بشر من ذلكم النار # أي هي النار، ويجوز في إعراب جنات في العربية الرفع، والجر، فالجر على ~~أن يكون في آخر الكلام عند ربهم. ولا يجوز الجر على الوجه الآخر للفصل ~~باللام، كما لا يجوز أمرت لك بالفين ولاخيك مأتين حتى تقول بمائتين ولو ~~قدمت فقلت ومأتين لاخيك جاز، ولا يجوز النصب في جنات على موضع الباء فيما ~~لم يكن الباء فيه زائدة كما لا يحسن مررت برجل زيدا ويحسن خشنت بصدره ~~وصدر زيد، لأن الباء زائدة، ولا يجوز أن تكون زائدة في بخير لأن نبأت لا ~~يجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني دون الثالث، لأنه بمعنى أعلمت، ولا ~~يجوز أعلمت زيدا أخاك حتى تقول خيرا من عمرو، أو نحوه. وقد تقدم تفسير ~~الجنات والأنهار. وقوله: { خالدين } نصب على الحال ومعنى تأويل قوله: { ~~وأزواج مطهرة } فلا معنى لاعادته. والرضا والمرضاة: معنى واحد. ومعنى ~~قوله: { للذين اتقوا } يعني ما حرم عليهم - في قول الحسن -. فان قيل ما ~~تقولون أنتم لأنكم تقولون إن من لا يتقي جميع ماحرم عليه إذا كان عارفا ~~بالله ومصدقا لجميع ما وجب عليه موعود له بالجنة؟ قلنا: نقول إن هذه ~~الآية تدل على أن من اتقى ms0645 جميع ما حرم عليه، فله الجنة، وما وعد بها من ~~غير أن يقترن بها شيء من استحقاق العقاب قطعا. ومن ليس معه إلا التصديق ~~بجميع ما وجب عليه وقد أخل بكثير من الواجبات وارتكب كثيرا من المحظورات ~~فانا نقطع على استحقاقه الثواب مع استحقاقه للعقاب ونجوز فعل العقاب به ~~ونجوز العفو عنه مع القطع على وجوب الثواب له، ففارق المتقي على ما تراه. ### || [3.16] # الاعراب: # موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب الجر. والرفع، والنصب, فالجر ~~للاتباع، للذين اتقوا والرفع على تقديرهم الذين يقولون. والنصب على المدح ~~وتقديره أعني. # اللغة: # وقوله: { فاغفر لنا ذنوبنا } فالمغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة، ~~والذنب، والجرم بمعنى واحد وإنما الفرق بينهما من جهة الأصل، لأن أصل ~~الذنب الاتباع، فالذنب ما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة والجرم ~~أصله القطع، فالجرم القبيح الذي ينقطع به عن الواجب، والفرق بين القول، ~~والكلام أن القول فيه معنى الحكاية وليس كذلك الكلام. # المعنى: # وقوله: { وقنا عذاب النار } قيل في معنى هذه المسألة قولان: # أحدهما - مسألة الله ما هو من حكمه نحو قوله: { فاغفر للذين تابوا } ~~والفائدة في هذا الدعاء التعبد بما فيه مصلحة للعباد. الثاني - مسألة ~~الله عز وجل ما لا يجوز أن يعطيه العبد إلا بعد المسألة لأنه لا يكون ~~لطفا إلا بعد المسألة وعلى مذهبنا وجه حسن السؤال إن العفو تفضل من الله ~~لا يجب عند التوبة، ويجوز أيضا العفو مع عدم التوبة، فيكون وجه السؤال { ~~اغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } ان منا مصرين ولم نتب. ### || [3.17] # الاعراب، واللغة، والمعنى: # الصابرين نصب على المدح وكذلك باقي الصفات، ويجوز أن تكون جرا صفات { ~~للذين اتقوا } ومعنى الصابرين: الحابسين نفوسهم بمنعها عما حرم الله ~~(تعالى) عليها، فالصابر الممدوح: هو الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، ~~والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات، والصادقين هم المخبرون بالشيء على ~~ما هو به وهي أيضا صفة مدح { والقانتين } قال قتادة: هم المطيعون. وقال ~~الزجاج: هم الدائمون على العبادة، لأن ms0646 أصل القنوت الدوام. { والمنفقين }: ~~الذين يخرجون ما أوجب الله عليهم من الزكوات، وغيرها من الحقوق. ويدخل في ~~ذلك المتطوعون بالانفاق فيما رغب الله في الانفاق فيه. { والمستغفرين ~~بالأسحار } قال قتادة: هم المصلون بالاسحار. وقال أنس بن مالك: هم الذين ~~يسألون المغفرة، وهو الأظهر. والأول جائز أيضا، لأنه قد تطلب المغفرة ~~بالصلاة، كما تطلب بالدعاء. # اللغة: # والاسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبل طلوع الفجر. وأصله: الخفاء، وسمي ~~السحر، لخفاء الشخص فيه. ومنه السحر، لخفاء سببه. ومنه السحر الرئة لخفاء ~~موضعها. والمسحر الذي يأكل الطعام لخفاء مسالكه. # وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من ~~أهل هذه الآية. ### || [3.18] # المعنى: # حقيقة الشهادة الاخبار بالشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام الشهادة من ~~الدلالات الواضحة، والحجج اللائحة على وحدانيته من عجيب خلقه، ولطيف ~~حكمته في ما خلق. وقال أبو عبيدة: معنى { شهد الله } قضى الله { أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة } شهود { وأولوا العلم } وحكى عمرو بن عبيد عن ~~الحسن، وروي ذلك في تفسيرنا أن في الآية تقديما، وتأخيرا. وتقديرها { ~~شهد الله أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط } أي بالعدل، وشهد الملائكة ~~أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه لا إله إلا هو ~~قائما بالقسط. وأولوا العلم: هم المؤمنون. # القراءة، والحجة، والاعراب: # وقرأ أبو المهلب عمر بن محارب بن دثار { شهداء لله } على وزن فعلاء جمع ~~شهيد، نصب على الحال برده على ما قبله من الكلام كأنه قال: الذين يقولون ~~ربنا إننا آمنا شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهي جائزة غير أنها شهادة ~~لم يوافق عليها أحد من قراء الامصار، ذكر ذلك البلخي. و (إن) الأولى، ~~والثانية تحتمل أربعة أوجه من العربية، فتحهما جميعا وكسرهما جميعا، ~~وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية. فمن فتحهما أوقع ~~الشهادة على أن الثانية وحذف حرف الاضافة من الأولى، وتقديره { شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو } # إن الدين عند ms0647 الله الإسلام # وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون نصبها على البدل من شيئين. # أحدهما - من قوله { إنه لا إله } وتقديره شهد الله { إن الدين عند الله ~~الإسلام } ويجوز بدل الشيء من الشيء وهو هو. # والثاني - أن يكون بدل الاشتمال، لأن الاسلام يشتمل على التوحيد والعدل ~~وغير ذلك. ومن كسرهما اعترض بالأولى للتعظيم لله عز وجل به كما قيل لبيك ~~إن الحمد. وكسر الثانية على الحكاية، لأن في معنى شهد معنى قال. وقال ~~المؤرخ: شهد بمعنى قال بلغة قيس عيلان. # الثالث - من فتح الأولى وكسر الثانية - وهو أجودها، وعليه أكثر القراء - ~~أوقع الشهادة على الأولى واستأنف الثانية وهو أحسن الوجوه وأظهرها. # الرابع - من كسر الأولى، فعلى الاعتراض، ثم فتح الثانية بايقاع الشهادة ~~عليها. وهو المروي عن ابن عباس، وقيل في نصب قائما قولان: # أحدهما - أنه حال من اسم الله على تقدير شهد الله قائما بالقسط. # الثاني - على الحال من هو وتقديره لا إله إلا هو قائما بالقسط. وقال ~~مجاهد: معنى قائما بالقسط أي قائما بالعدل كما تقول: قائما بالتدبير ~~أي يجريه على الاستقامة فكذلك يجري التدبير على الاستقامة والعدل في جميع ~~الامور. ### || [3.19] # القراءة، واللغة، والمعنى: # قرأ { أن الدين } بفتح الهمزة الكسائي وحكي ذلك عن ابن مسعود. الباقون ~~بكسرها وقد بينا الوجه فيه. معنى الدين ها هنا الطاعة فمعناه ان الطاعة ~~لله عز وجل هي الاسلام. قال الاعشى: # هودان الرباب إذ كرهوا الد # ين دراكا بغزوة وصيال # ومعناه ذللهم للطاعة، إذ كرهوا الطاعة, والدين الجزاء. من قولهم كما ~~تدين تدان أي كما تجزي تجزى. ومنه قوله: { مالك يوم الدين } أي يوم ~~الجزاء، وسميت الطاعة دينا، لأنها للجزاء, ومنه الدين، لأنه كالجزاء في ~~وجوب القضاء. والاسلام أصله السلم، فأسلم معناه دخل في السلم كقولهم أقحط ~~بمعنى دخل القحط وأربع دخل في الربيع، وأصل السلم السلامة، لأنه انقياد ~~على السلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم، لأمر الله، ~~والتسليم من السلامة، لأنه تأدية الشيء على السلامة من الفساد والنقصان، ~~فالاسلام: هو ms0648 تأدية الطاعات على السلامة من الادغال، والاسلام، والايمان ~~عندنا وعند المعتزلة بمعنى واحد غير أن عندهم أن فعل الواجبات من أفعال ~~الجوارح من الايمان (وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال الجوارح من ~~الايمان) وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال القلوب - التي هي التصديق - ~~من الايمان، فأما أفعال الجوارح، فليست من الايمان، وإن كانت واجبة. وقد ~~بينا ذلك في ما مضى وسنبينه إن شاء الله. # والاسلام: يفيد الانقياد لكل ما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) من ~~العبادات الشرعية وترك النكير عليه، والاستسلام له، فاذا قلنا: دين ~~المؤمن هو الايمان، وهو الاسلام، فالاسلام هو الايمان. ونظير ذلك قولنا: ~~الانسان، والانسان حيوان على الصورة الانسانية، فالحيوان على الصورة ~~الانسانية بشر. # وقوله: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } قال الربيع: المراد بالكتاب: ~~التوراة. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: هو الانجيل. وقال الجبائي: خرج ~~مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة التي بين فيها الحلال والحرام. # والاختلاف ذهاب أحد النفيسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر فهذا الاختلاف ~~في الأديان. فأما الاختلاف في الاجناس، فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد ~~مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته. والبغي: طلب الاستعلاء بالظلم وأصله من ~~بغيت الحاجة إذا طلبتها، وليس في الآية ما يدل على أن الذين اختلفوا ~~بغيا كانوا معاندين، لأن البغي قد يحمل على العدول عن طريق العلم، كما ~~يحمل على عناد أهل العلم. ولأنه قد يقع الخلف بينهم وإن كانوا بأجمعهم ~~مبطلين، كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح، فنسبه النصارى إلى الآلهية، ~~واليهود إلى الفرية. # الاعراب، والمعنى: # والعامل في { بغيا بينهم } يحتمل أمرين: أحدهما - { اختلف } هذا ~~المذكور، وتقديره: وما اختلف فيه بغيا بينهم إلا الذين أوتوه من بعد ما ~~جاءهم العلم، هذا قول الاخفش وقال الزجاج: نصبه محذوف دل عليه اختلف ~~المذكور، وتقديره اختلفوا بغيا بينهم. وقوله: { ومن يكفر بآيات الله } ~~معناه: من يجحد آيات الله يعني أدلته وبيناته { فإن الله سريع الحساب } ~~وفي الآخر سريع الحساب للجزاء. ### || [3.20] # المعنى: # المعني بقوله: { فإن حاجوك } نصارى ms0649 نجران - على قول جميع المفسرين - فان ~~قيل: لم قال: " ومن اتبعن " ولم يؤكد الضمير، فلم يقل: اسلمت أنا ولا ~~يجوز أن يقول القائل قمت وزيد إلا بعد أن يقول قمت أنا وزيد؟ قيل: إنما ~~جاز ها هنا لطول الكلام، فصار طوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل، ولو ~~قال اسلمت وزيد لم يجز حتى يقول: أسلمت أنا وزيد، فاذا قال: أسلمت اليوم ~~بانشراح صدري ومن جاء معي حسن. فان قيل ما الحجة في قوله: { فقل اسلمت ~~وجهي لله }؟ قلنا فيه وجهان: # أحدهما - أنه أراد إلزامهم على - ما أقروا به من أن الله خالقهم - اتباع ~~أمره في # ألا تعبدوا إلا إياه # فلذلك قال: { أسلمت وجهي لله } أي انقدت لأمره في اخلاص التوحيد له. # الثاني - أنه ذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الاقرار به لأنه لا ~~ينتفض في ما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من ~~العذاب إلى النعيم، ومعنى قوله: { وجهي } يريد نفسي وإنما أضاف الاسلام ~~إلى الوجه، لأنه لما كان وجه الشيء أشرف ما فيه ذكر بدلا منه ليدل على ~~شرف الذكر. ومثله # كل شيء هالك إلا وجهه # أي إلا هو. وقوله: { وقل للذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى، { ~~والأميين } الذين لا كتاب لهم على قول ابن عباس وغيره. من أهل التأويل، ~~وهم مشركوا العرب، كما قال: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # وقال: # النبي الأمي # أي الذي لا يكتب. وإنما قيل لمن لا يكتب أمي، لأنه نسب إلى ما عليه ~~الأمة في الخلقة لأنهم خلقوا لا يكتبون شيئا. وإنما يستفيدون الكتابة. # وقوله: { ومن اتبعن } من حذف الياء اجتزاء بالكسرة وإنما حذفها حمزة، ~~والكسائي وعاصم، وحذف الياء في أواخر الآي أحسن لأنها تشبه القوافي. ~~ويجوز في وسط الآي أيضا وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: " ومن اتبعن ~~" ، فان لم يكن نون، فانه يجوز أيضا نحو قولك هذا غلام، وما أشبه ذلك. ~~والاجود أن تقول هذا غلامي وإن شئت أسكنت الياء. وإن شئت فتحتها وقوله: { ~~ءأسلمتم ms0650 } أمر في صورة الاستفهام، وإنما كان كذلك، لأنه بمنزلة طلب ~~الفعل، والاستدعاء إليه فذكر ذلك للدلالة على أمرين من غير تصريح به ليقر ~~المأمور به بما يلزمه فيه، كما تقول لمن توصيه بما هو أعود عليه: أقبلت ~~هذا. ومعناه اقبل، ومثله قوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # معناه انتهوا، وأقروا به. وتقول لغيرك: هل أنت كاف عنا. ومعناه اكفف. ~~ويقول القائل لغيره: أين أنت، ومعناه اثبت مكانك لا تبرح. # وقوله: { فإن أسلموا فقد اهتدوا } معناه اهتدوا إلى طريق الحق { وإن ~~تولوا } معناه كفروا، ولم يقبلوا واعرضوا عنه { فإنما عليك البلاغ } ~~ومعناه عليك البلاغ، فقط دون ألا يتولوا، لأنه ليس عليك ألا يتولوا. ~~وقوله: { والله بصير بالعباد } معناه ها هنا لا يفوته شيء من أعمالهم ~~التي يجازيهم بها، لأنه بصير بهم أي عالم بهم وبسرائرهم وظواهر أعمالهم، ~~لا يخفى عليه خافية. وقيل معناه يعلم ما يكون منك في التبليغ، ومنهم في ~~الايمان، والكفر. ### || [3.21] # القراءة: # قرأ حمزة ونصير { ويقاتلون الذين يأمرون } بالف لأن في مصحف عبد الله { ~~وقاتلوا } والأجود ما عليه الجماعة. # المعنى: # وقوله: { إن الذين يكفرون } معناه يجحدون { آيات الله } يعني حججه ~~وبيناته { ويقتلون النبيين } روى أبو عبيدة بن الجراح قال: قلت يا رسول ~~الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة قال: # " رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر " # ، ثم قرأ رسول الله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم ~~بعذاب أليم } ثم قال يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا ~~من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني ~~إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من ~~آخر النهار في ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله. واستدل الرماني بذلك على ~~جواز انكار المنكر مع خوف القتل، وبالخبر الذي رواه الحسن عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه قال: # " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليها " # وقال عمرو بن عبيد: لا نعلم عملا من أعمال ms0651 البشر أفضل من القيام بالقسط ~~يقتل عليه. وهذا الذي ذكروه غير صحيح، لأن من شرط إنكار المنكر إلا يكون ~~فيه مفسدة، وألا يؤدي إلى قتل المنكر، ومتى أدى ذلك إلى قتله، فقد انتفي ~~عنه الشرطان معا فيجب أن يكون قبيحا، والاخبار التي رووها أخبار آحاد ~~لا يعارض بها على أدلة العقول على أنه لا يمتنع أن يكون الوجه فيها وفي ~~قوله: { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } هو من غلب على ظنه أن انكاره لا ~~يؤدي إلى مفسدة فحسن منه ذلك بل وجب وإن تعقب - في ما بعد - القتل، لأنه ~~ليس من شرطه أن يعلم ذلك بل يكفي فيه غلبة الظن. # وقوله: { بغير حق } لا يدل على أن قتل النبيين يكون بحق بل المراد بذلك ~~أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كما قال: # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به # والمعنى ان ذلك لا يكون عليه برهان كما قال امرؤ القيس: # على لاحب لا يهتدى بمناره # إذا سافه العود الديافي جرجرا # وتقول: لا خير عنده يرجى. وأنت تريد لا خير عنده أصلا. وكذلك أراد امرؤ ~~القيس أنه لا منار هناك، فيهتدى به قال أبو ذؤيب: # متفلق انشاؤها عن قاني # كالقرط صاو غيره لا يرضع # أي ليس له بقية لبن فيرضع، ومعنى صاو في البيت صوت يابس النخلة. وقوله: ~~{ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } معناه الذين يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر. وقوله: { فبشرهم بعذاب أليم } إنما خاطبهم بذلك وإن ~~كان الخبر عن أسلافهم من حيث رضواهم بافعالهم، فاجملوا معهم على تقدير ~~فبشر أخلافهم بأن العقاب لهم، وكأسلافهم. فان قيل لم جاز أن تقول إن الذي ~~يقوم، فيكرمك، ولم يجز ليت الذي يقوم فيكرمك؟ قلنا: لأن دخول الفاء لشبه ~~الجزاء، لأن الذي يحتاج إلى صلة فصلتها قامت مقام الشرط، فلذلك دخل الفاء ~~في الجواب كما دخل في جواب الشرط، وليت تبطل معنى الجزاء وليس كذلك أن ~~لأنها بمنزلة الابتداء. ### || [3.22] # المعنى: # حبوط العمل - عندنا - هو إيقاعه على خلاف الوجه ms0652 المأمور به، فاذا أوقعه ~~كذلك لم يستحق عليه الثواب، فجاز لذلك أن يقال: أحبط عمله، ومتى أوقعه ~~على الوجه المنهي عنه، استحق مع ذلك العقاب، وليس المراد بذلك بطلان ما ~~يستحق عليه من الحمد والثناء. ولا بطلان الثواب بما يستحق من العقاب، لأن ~~الثواب إذا ثبت فلا يزول على وجه بما يستحق صاحبه من العقاب، لأنه لا ~~تنافي بين المستحقين، ولا تضاد. وأما حبوطها في الدنيا، فلأنهم لم ينالوا ~~بها مدحا ولا ثناء. # وأصل الحبوط مأخوذ من قولهم: حبطت بطون الماشية: إذا فسدت من مآكل ~~الربيع. فعلى ما حررناه إنما تبطل الطاعة حتى تصير بمنزلة ما لم تفعل إذا ~~وقعت على خلاف الوجه المأمور به وعند المعتزلة، ومن خالفنا في ذلك أن ~~أحدهما يبطل صاحبه إذا كان ما يستحق عليه من الثواب أو العقاب أكثر مما ~~يستحق على الآخر فانه يبطل الاقل على خلاف بينهم في أنه يتحبط على طريق ~~الموازنة أو غير الموازنة، قال الرماني: والفرق بين حبوط الفريضة وحبوط ~~النافلة أن النافلة من الفاسق لا بد عليها من منفعة عاجلة، لأن الله رغب ~~فيها إن أقام على فسقه أو لم يقم. والترغيب من الحكيم لا يكون إلا لمنفة، ~~فأما الفريضة من الفاسق، فلانتقاض المضرة التي كان يستحقها على ترك ~~المضرة، وهذا - على مذهبنا - لا يصح على ما فصلناه، ولا على مذهب شيوخه، ~~لأن المستحق على النوافل لا يكون إلا ثوابا والثواب لا يصح فعله في دار ~~التكليف، فكيف يصح ما قاله. وقوله: { وما لهم من ناصرين } يدل على أنه ~~تعالى لا ينصر كافرا لأنه لو نصره، لكان أعظم ناصر والله تعالى نفى على ~~وجه العموم أن يكون لهم ناصر، ولأن مفهوم الكلام أنه لا ينفعهم نصر ~~لكفرهم. ### || [3.23] # المعنى: # معنى { ألم تر } ألم تعلم { إلى الذين أوتوا } معناه الذين أعطوا { ~~نصيبا } أي حظا وإنما قيل { أوتوا نصيبا } منه، لأنهم يعلمون بعض ما ~~فيه { من الكتاب } قال ابن عباس، والزجاج، والجبائي: إنه التوراة دعي ~~إليها اليهود فأبوا لعلمهم بلزوم ms0653 الحجة عليهم بما فيه من الدلالة على ~~نبوة نبينا (صلى الله عليه وسلم) وتصديقه. والثاني - قال الحسن، وقتادة: ~~دعوا إلى القرآن، لأن ما فيه موافق ما في التوراة في أصول الديانة وأركان ~~الشريعة. وفي الصفة التي تقدمت البشارة بها. # والحكم الذي دعوا فيه إلى الكتاب يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون ~~نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم). والثاني - أن يكون أمر إبراهيم فان ~~دينه الاسلام. والثالث - أن يكون حدا من الحدود، لأنهم نازعوا في ذلك، ~~وليس في القرآن دليل على تعيين ذلك وإنما هو محتمل لكل واحد منها. # والفرق بين الدعاء إلى الشيء والأمر به أن الأمر له صيغة مخصوصة وفيه ~~زجر عن المخالفة عند من قال: إنه يقتضي الايجاب. والدعاء قد يكون بالخبر ~~وغيره من الدلالات على معنى الخبر وإنما دعوا إلى المحاكمة لتظهر الحجة ~~فأبوا إلا المخالفة. والحكم هو الخبر الذي يفصل الحق من الباطل بامتناعه ~~من الالباس وهو مأخوذ من الحكمة. وهو الخبر الذي توجب صحته الحكمة. وإنما ~~يقال حكم بالباطل لأنه جعل موضع الحق باطلا بدلا منه. وقولهم ليس هذا حكم ~~كذا معناه ليس هذا حقه فانما دعوا إلى كتاب الله ليفصل الحق من الباطل ~~فيما اختلفوا فيه. ومعنى قوله: { يتولى فريق منهم وهم معرضون } فالتولي ~~عن الشيء هو الاعراض عنه، فليس على وجه التكرار لأن معناه يتولى عن ~~الداعي، وهو معرض عما دعا إليه، لأنه قد كان يمكنه أن يتولى عنه وهو ~~متأمل لما دعا إليه، فلما لم يفعل كان العيب له ألزم والذم على ما فعل ~~أعظم. ### || [3.24] # المعنى: # الايام المعدودات قيل فيها قولان: # أحدهما - هي الايام التي عبدوا فيها العجل وهي أربعون يوما. ذكره ~~قتادة، والربيع، والحسن إلا أن الحسن قال: سبعة أيام. والثاني - قال ~~الجبائي: أرادوا أياما منقطعة لانقضاء العذاب فيها وانقطاعه. # اللغة: # وقوله: { وغرهم في دينهم } فالغرور الاطماع في ما لا يصح. غره يغره ~~غرورا، فهو مغرور واغتره اغترارا. والغرور: الشيطان، لأنه يغر الناس. ~~والغار: الغافل، لأنه كالمغتر. والغرارة: الدنيا، لأنها ms0654 تغر أهلها. ~~والغر: الغمر الذي لم يجرب الامور، ومصدره الغرارة، لأن من شأنه أن يقبل ~~الغرور. والغرر: الخطر الذي يقدم فيه على ما لا ينبغي، لأنه كحال الغرور ~~في الطمع المذموم. والغرارة: الوعاء، لأنها تغر بعظمها وخفاء ما فيها. ~~والغر: آثار طي الثوب. أطوه على غره أي على آثار طيه. والغرغرة: التغرغر ~~في الحلق. والغرغرة: حكاية صوت الراعي. والغر: زق الطائر فرخه. غره يغره ~~غرا: إذا زقه وذلك، لأنه كالغرغرة في الحلق. والغرة: الجبهة. وأصل ~~الباب الغرور الطماع في غير مطمع. # وقوله: { ما كانوا يفترون } فالافتراء: الكذب، وفرى فلان كذبا يفريه ~~فرية، والفري: الشق، فريت الأديم فريا، وفرية. مفرية: مشقوقة. وقد تفرو ~~بجورها أي تشق. والفري: الاصر العظيم، لأنه يشق على النفس. وأصل الباب: ~~الفري: الشق. ومنه الافتراء، لأنه يشق على النفس. # المعنى: # والافتراء الذي غرهم قيل فيه قولان: أحدهما - قوله: { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } في قول قتادة، وقال مجاهد غرهم قوله: { لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات } وليس في الآية ما يدل على خلاف ما نذهب إليه من جواز ~~العفو واخراج المعاقبين من أهل الملة من النار من حيث أن الله ذم هؤلاء ~~بانه لا تمسهم النار إلا أياما معدودات. وذلك انا لا نقول أن الايام ~~التي يعاقب فيها الفاسق بعدد أيام عصيانه بل إنما نقول: إن عقاب من ثبت ~~دوام ثوابه لا يكون إلا منقطعا وإن لم يحط العلم مقداره. والله تعالى ~~عاب أهل الكتاب بذلك من حيث قطعوا على ما قالوه وحكموا به وذلك بخلاف ما ~~قلناه. ### || [3.25] # " كيف " موضوعة للسؤال عن الحال. ومعناها ها هنا التنبيه بصيغة السؤال ~~عن حال من يساق إلى النار. وفيه بلاغة، واختصار شديد، لأن تقديره أي حال ~~يكون حال من اغتر بالدعاوي الباطلة حتى أداه ذلك إلى الخلود في العقوبة؟ ~~ونظيره قول القائل: أنا أكرمك وإن لم تجئني فكيف إذا جئتني؟ معناه فكيف ~~إكرامي لك إذا جئتني. والتقدير: كيف حالها إذا جمعناهم؟ لأنه خبر ابتداء ~~محذوف. # وقوله: { ليوم لا ريب فيه ms0655 } معناه لجزاء يوم. واللام يدل على هذا ~~التقدير. ولو قال: جمعناهم في يوم لما دل على ذلك. ومثله جئته ليوم ~~الخميس أي لما يكون في يوم الخميس. وقال الفراء. معناه في يوم. # وقوله: { ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } قيل في معناه قولان: ~~أحدهما - { وفيت كل نفس ما كسبت } من ثواب أو عقاب. الثاني - ما كسبت من ~~ثواب أو عقاب بمعنى اجتلبت بعملها من الثواب أو العقاب، كما تقول كسب ~~فلان المال بالتجارة والزراعة. فان قيل: كيف قال: { وفيت كل نفس ما كسبت ~~} وما كسبت، لا نهاية له، لأنه دائم وما لا نهاية له لا يصح فعله؟ قلنا: ~~معناه أنه توفى كل نفس ما كسبت حالا بعد حال، فأما أن يفعل جميع المستحق ~~فمحال لكن لا ينتهي إلى حد ينقطع ولا يفعل فيما بعده. { وهم لا يظلمون } ~~معناه لا يبخسون، فلا يبخس المحسن جزاء إحسانه، ولا يعاقب مسيء فوق ~~جزائه. ### || [3.26] # اللغة: # قيل في زيادة الميم في اللهم قولان: أحدهما - قال الخليل: إنها عوض من ~~ياء التي هي أداة للنداء بدلالة أنه لا يجوز أن تقول غفر اللهم لي، ولا ~~يجوز أيضا مع (يا) في الكلام. والثاني - ما قاله الفراء: إنها الميم في ~~قولك يا الله أمنا بخير فألقيت الهمزة وطرحت حركتها على ما قبلها. ومثله ~~هلم وإنما هي هل أم، قال: وما قاله الخليل لا يجوز لأن الميم إنما تزاد ~~مخففة في مثل فم وابنم، ولأنها قد اجتمعت مع (يا) في قول الشاعر: # وما عليك أن تقولي كلما # سبحت أو صليت يا اللهما # أردد علينا شيخنا مسلما # قال الرماني: لا يفسد قول الخليل بما قاله، لأنها عوض من حرفين فشددت ~~كما قيل قمتن وضربتن لما كانت النون عوضا من حرفين في قمتم، وذهبتم، ~~فأما قمن وذهبن فعوض من حرف واحد، وأما البيت فانما جاز فيه لضرورة ~~الشعر، وأما هل، فلا تدخل على (أم) بوجه من الوجوه. والاصل في (ها) أنها ~~للتنبيه دخلت على (لم) في قول الخليل. ms0656 # الاعراب: # وقوله: { مالك الملك } أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف ~~وتقديره يا مالك الملك. وقال الزجاج: يحتمل هذا ويحتمل أيضا أن يكون صفة ~~من اللهم، لأن اللهم منادى، والميم في آخره عوض من ياء في أوله ثم وصفه ~~بعد ذلك كما تقول يا زيد ذا الحجة. # المعنى: # ومعني الآية قيل فيه أربعة أقوال: # أحدها - أن الملك ها هنا النبوة ذكره مجاهد. و [الثاني] قال الزجاج: ~~مالك العباد، وما ملكوا. و [الثالث] قال قوم: مالك أمر الدنيا والآخرة. ~~والرابع: انه أفاد صفة لا تجوز الا له من أنه مالك كل ملك. # وقوله: { تؤتي الملك من تشاء } تقديره من تشاء أن تؤتيه وتنزع الملك ممن ~~تشاء أن تنزعه، كما تقول: خذ ما شئت واترك ماشئت. ومعناه ما شئت أن ~~تتركه. # اللغة: # والنزع: قلع الشيء عن الشيء، نزع ينزع نزعا. ومنه قوله: { والنازعات ~~غرقا } قال أبو عبيدة هي النجوم تنزع أي تطلع والنزع الشبه للقوم نزع ~~إلى أخواله أي نزع إليهم بالشبه، فصار واحدا منهم بشبهه لهم. والنزاع: ~~الحنين إلى الشيء والمنازعة: الخصومة. والنزوع عن الشيء الترك له. ~~والنزع: ذهاب الشعر عن مقدم الرأس. والمنزعة: آلة النزع. وأصل الباب ~~النزع: القلع. # المعنى: # وقال البلخي والجبائي لا يجوز أن يعطي الله الملك للفاسق لأنه تمليك ~~الأمر العظيم من السياسة والتدبير مع المال الكثير، لقوله: # لا ينال عهدي الظالمين # والملك من أعظم العهود، ولا ينافي ذلك قوله: # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك # لأمرين: أحدهما - قال مجاهد الهاء كناية عن إبراهيم والملك المراد به ~~النبوة والتقدير أن آتى الله إبراهيم النبوة. والثاني - أن يكون المراد ~~بالملك المال دون السياسة، والتدبير فان قيل: ما الفرق بين تمليك الكافر ~~العبيد والاماء وبين تمليكه السياسة والتدبير: قيل: لأن لا يجعل للجاهل ~~أن يسوس العالم، وهذا الذي ذكره البلخي بعينه يستدل به على الامام يجب ~~أن يكون معصوما، ولا يكون في باطنه كافرا، ولا فاسقا. # فان قيل: إن ذلك عادة وجاز ms0657 أن يكلفنا الله اختياره على ظاهر العدالة فاذ ~~أبان فسقه انخلعت إمامته وإنما لا يجوز أن يختار الله (تعالى) من في ~~باطنه فاسق، لأنه يعلم البواطن لما جاز منا أن نختاره؟ قلنا عن ذلك ~~جوابان: # أحدهما - أن الامام - عندنا - الله (تعالى) يختاره، فوجب أن يكون مأمون ~~الباطن على ما قلتموه. وما الفرق بين أن يختار من في باطنه فاسق وبين أن ~~يكلفنا ذلك مع علمه بأنا لا نختار إلا الفاسق. # والجواب الثاني - أنه إذا كانت علة الحاجة إلى الامام ارتفاع العصمة فلو ~~كان الامام غير معصوم لاحتاج إلى امام آخر وأدى ذلك إلى التسلسل وذلك ~~باطل. # وقوله: { بيدك الخير } معناه إنك قادر على الخير وإنما خص الخير بالذكر ~~وإن كان بيده كل شيء من خير أو شر، لأن الغرض ترغيب العبد، وإنما يرغب في ~~الخير دون الشر، وقال الحسن، وقتادة: هذه الآية نزلت جوابا لما سأل الله ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجعل لأمته ملك فارس والروم فأنزل الله ~~الآية. ### || [3.27] # القراءة واللغة: # قرأ بتشديد الياء { من الميت } نافع وحمزة والكسائي وحفص الباقون ~~بالتخفيف. # الايلاج: الادخال يقال: أولجه ايلاجا، وولج ولوجا. ومنه قوله: # حتى يلج الجمل في سم الخياط # والوليجة بطانة الرجل لأنه يطلعه على داخل أمره. ومنه قوله: # ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة # والتولج كناس الظبى لأنه يدخله ليأوي إليه والولجة شيء يكون بين يدي ~~فناء القوم لأنه مدخل إلى أفنائهم وأصل الباب الدخول. # المعنى: # قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ~~ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد: انه يجعل ما نقص من ~~أحدهما زيادة في الآخر. وقال الجبائي: معناه يدخل أحدهما في الآخر ~~باتيانه بدلا منه في مكانه. # وقوله: { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - يخرج الحي من النطفة، وهي ميتة، والنطفة من الحي وكذلك الدجاجة ~~من البيضة والبيضة من الدجاجة، هذا قول عبد الله بن مسعود، ومجاهد، ms0658 ~~والضحاك، والسدي، وقتادة، وابن زيد. # الثاني - ما قاله الحسن وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أنه ~~إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. والفرق بين تخفيف الياء ~~وتشديدها أن الميت بالتخفيف الذي قد مات وبالتثقيل الذي لم يمت قال ~~المبرد: ولا خلاف بين علماء البصريين أنهما سواء وأنشد لابن الرعلاء ~~الغساني: # ليس من مات فاستراح بميت # انما الميت ميت الاحياء # انما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرخاء # فجمع بين اللغتين وإنما كرر في عدة مواضع في القرآن لما فيه من عظم ~~المنفعة وجزيل الفائدة. # وقوله: { بغير حساب } قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والربيع: ~~بغير نقصان، لأنه لا نهاية لما في مقدوره فما يوجد منه لا ينقصه، ولا هو ~~على حساب جزء من كذا وكذا جزءا منه، فهو بغير حساب التجزئة. الثاني - ~~بغير حساب التقتير كما يقال فلان ينفق بغير حساب، لأن من عادة المقتر ألا ~~ينفق إلا بحساب ذكره الزجاج. الثالث - ما قاله الجبائي: ان معناه بغير ~~حساب الاستحقاق, لأنه تفضل وذلك، لأن النعيم منه بحساب ومنه بغير حساب ~~فأما العقاب فجميعه بحساب. ### || [3.28] # القراءة، والحجة: # قال الفراء، والحسن، ومجاهد: " تقية " وبه قرأ يعقوب. الباقون { تقاة } ~~وأمال { تقاة } الكسائي. وقرأ حمزة، ونافع بين بين. الباقون بالتفخيم، ~~وهو الأجود، لأن فيه حرفا مستعليا، وهو القاف. ومن أمال، ليؤذن أن ~~الالف منقلبة من الياء. معنى قوله: { يتخذ المؤمنون } نهي للمؤمنين أن ~~يتخذوا الكافرين أولياء يعني أنصارا، وكسر الذال لالتقاء الساكنين، ولو ~~رفع، لكان جائزا بمعنى لا ينبغي لهم أن يتخذوا. # المعنى: # وقوله: { من دون المؤمنين } من لابتداء الغاية. وتقدير الآية لا تجعلوا ~~ابتداء الولاية مكانا دون المؤمنين لأن مكان المؤمن الأعلى ومكان الكافر ~~الأدنى، كما تقول زيد دونك ولست تريد أنه في موضع مسفل، وأنك في موضع ~~مرتفع لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع والخيانة كالاستفال. وفي الآية ~~دلالة على أنه لا يجوز ملاطفة الكفار. قال ابن عباس: نهى الله سبحانه ~~المؤمنين أن يلاطفوا الكفار قال ms0659 تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا # وقال: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله # وقال: # فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين # وقال # واعرض عن الجاهلين # وقال تعالى: # يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم # وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم # وكل ذلك يدل على أنه ينبغي أن يعاملوا بالغلظة والجفوة دون الملاطفة، ~~والملاينة إلا ما وقع من النادر لعارض من الأمر. # النظم: # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه (تعالى) لما بين عظيم آياته بما في ~~مقدوراته مما لا يقدر عليه سواه، دل على أنه ينبغي أن تكون الرغبة في ما ~~عنده وعند أوليائه من المؤمنين دون أعدائه الكافرين، فنهى عن اتخاذهم ~~أولياء دون أهل التقوى الذين سلكوا طريق الهدى. والولي هو الأولى، وهو ~~أيضا الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة. وتجري على وجهين: # أحدهما - المعين بالنصرة. والآخر - المعان فمن ذلك قوله: { الله ولي ~~الذين آمنوا } أي معينهم بنصرته، والمؤمن ولي الله أي معان بنصرة الله. ~~وقوله: { ومن يفعل ذلك } يعني من اتخذ الكافرين أولياء { فليس من الله في ~~شيء } أي ليس هو من أولياء الله الصالحين والله بريء منهم { إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة } فالتقية الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على ~~النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق فان كان ما يبطنه باطلا كان ذلك نفاقا. # اللغة: # وقوله: { تقاة } أصله وقاة فابدلت الواو المضمومة تاء استثقالا لها، ~~لأنهم يفرون منها إلى الهمزة تارة وإلى التاء أخرى فأما التاء فلقربها من ~~الواو مع أنها من حروف الزيادة. # وأما الهمزة فلأنها نظيرتها في الطرف الآخر من مخارج الحروف مع حسن ~~زيادتها أولا، ووزن تقاة فعله مثل تودة، وتخمة ونكاة, وهي مصدر اتقى ~~تقاة، وتقية، وتقوى، واتقاء. # حكم التقية: # والتقية - عندنا - واجبة عند الخوف على النفس وقد روي رخصة في ms0660 جواز ~~الافصاح بالحق عندها. روى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لاحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله؟ ~~قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، ثم دعا بالآخر فقال ~~أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال له أفتشهد أني رسول الله؟ قال ~~إني أصم - قالها ثلاثا كل ذلك تقية - فتقول ذلك فضرب عنقه فبلغ ذلك فقال ~~أما هذا المقتول فمضى على صدقه وتقيته وأخذ بفضله فهنيئا له. وأما الآخر ~~فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه فعلى هذا التقية رخصة والافصاح بالحق ~~فضيلة. وظاهر أخبارنا يدل على أنها واجبة، وخلافها خطأ. # وقوله: { ويحذركم الله نفسه } يعني اياه فوضع نفسه مكان إياه، ونفسه ~~يعني عذابه، وأضافه إلى نفسه على وجه الاختصاص، والتحقيق كما لو حققه ~~بصفة بأن يقول يحذركم الله المجازي لكم. وقوله: { وإلى الله المصير } ~~معناه إلى جزاء الله المصير أي المرجع. ### || [3.29] # النظم: # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها. أنه لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار ~~أولياء خوفوا من الاعلان بخلاف الاظهار في ما نهوا عنه بأن الله (تعالى) ~~يعلم الأسرار كما يعلم الاعلان. # اللغة: # والصدر معروف. والصدر: أعلى مقدم كل شيء. والصدر: الانصراف عن الماء بعد ~~الري. تقول: صدرت الابل عن الماء فهي صادرة. والمصدر: الحوض الذي تصدر ~~عنه الابل. والتصدير: حزام الرجل لميله إلى الصدور. والصدار: شبيه ~~بالفقيرة تلبسها المرأة لأنه قصير يغطى الصدر وما حاذاه وكذلك الصدرة. ~~وأصل الباب الصدر المعروف. # وقوله: { يعلمه الله } جزم، لأنه جواب الشرط، وان كان الله يعلمه كان أو ~~لم يكن، ومعناه يعلمه كائنا. ولا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون. والمعنى: ~~وما تفعلوا من خير يجاز الله عليه، لأنه يعلمه، فلا يذهب عليه شيء منه ~~وإنما قال: { ويعلم ما في السماوات وما في الأرض } ليذكر بمعلومات الله ~~على التفصيل بعلم الضمير وإنما رفعه على الاستئناف. وقوله: { والله على ~~كل شيء قدير } معناه التحذير من عقاب من لا يعجزه شيء أصلا ms0661 من حيث أنه ~~قادر على كل شيء يصح أن يكون مقدورا له. ### || [3.30] # الاعراب: # قيل في انتصاب يوم ثلاثة أوجه: أحدهما - أنه منصوب ب { يحذركم } الله ~~أي يحذركم نفسه يوم تجد. الثاني - بالمصير وتقديره وإلى الله المصير يوم ~~تجد. الثالث - إذكر يوم تجد. وقوله: { ما عملت } معنى (ما) ها هنا الذي ~~لأنه عمل فيها { تجد } وتكون في موضع نصب. ويحتمل أيضا أن تكون مع ما ~~بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره: يوم تجد كل نفس عملها، بمعنى جزاء عملها. ~~وقوله: { وما عملت } يجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي، ويقوي ذلك قوله: { ~~تود } بالرفع ويجوز أن يكون بمعنى الجزاء، وتود على هذا يحتمل أن يكون ~~مفتوحا أو مكسورا. والرفع جائز على ضعف. # المعنى: # ومعنى تجد النفس عملها يحتمل أمرين: أحدهما - جزاء عملها من الثواب أو ~~العقاب. الثاني - تجد بيان عملها بما ترى من صحائف الحسنات، والسيئات. ~~وحكم الآية جار على فريقين ولي الله وعدوه، فاحدها يرى حسناته، والآخر ~~يرى سيئاته. ويحتمل أيضا أن يكون متناولا لمن جمع بين الطاعة والمعصية، ~~فان من جمع بينها فانه يرى استحقاقه للعقاب على معاصيه حاصلا، فانه يود ~~أيضا أنه لم يكن فعلها. والامد الغاية التي ينتهي إليها قال الطرماح: # كل حي مستكمل عدة العمر # ومرد إذا انقضى أمده # أي غاية أجله. فان قيل كيف يتصل التحذير بالرأفة؟ قيل: قال الحسن: إن من ~~رأفته بهم أن حذرهم نفسه، وقد بينا أن معنى قوله { ويحذركم الله نفسه } ~~عذابه. وفسرنا معنى رؤوف في ما مضى. وإن معناه رحيم بعباده. ### || [3.31] # النزول: # قيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب، قالوا: نحن الذين نحب ~~ربنا فجعل الله تصديق ذلك اتباع رسله. هذا قول الحسن وابن جريج. وقال ~~محمد بن جعفر بن الزبير: إنها نزلت في وفد نجران من النصارى. # اللغة: # والمحبة: هي الارادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلق المراد ~~أخرى نحو أن تقول: أحب زيدا واحب إكرام زيد، ولا تقول في الارادة ذلك ~~لأنك تقول: أريد ms0662 إكرام زيد، ولا تقول أريد زيدا. وإنما كان كذلك لقوة ~~تصرف المحبة في موضع مثل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة، فعوملت تلك ~~المعاملة في الاضافة ومحبة الله للعبد هي ارادته لثوابه ومحبة العبد لله ~~هي ارادته لطاعاته. # القراءة، والحجة، والاعراب: # وقوله: { فاتبعوني } أثبتت الياء فيه بلا خلاف، لأنها في وسط آية وحذفت ~~من قوله: { فاتقوا الله وأطيعون } لأنها رأس آية نوي بها الوقف لتشاكل ~~رءوس الآي، لأن سبيل الفواصل سبيل القوافي. وقيل أحببت فلانا، فهومحبوب، ~~فجاء مفعول للاستغناء به عن حببت حتى صار ذلك مهملا، وقد جاء على الاصل ~~قول عنترة: # ولقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم # وقد حكى الزجاج عن الكسائي (حببت) من الثلاثي، وأجاز القراءة بفتح التاء ~~غير أنه قال هذه لغة قد ماتت. وقوله: { ويغفر لكم } لا يجوز في القياس ~~إدغام الراء في اللام كما جاز إدغام اللام في الراء في هل رأيت، لأن ~~الراء مكررة، ولا يدغم الزائد في الناقص للاخلال به، وقياسها في ذلك قياس ~~الضاد، لأنه يجوز هل ضربت بالادغام ولا يجوز انقض له إلا بالاظهار لما في ~~الضاد من الاستطالة، وقال الزجاج: روي عن أبي عمرو إدغام الراء في اللام، ~~وغلظ عليه لأنه خطأ فاحش باجماع علماء النحويين: الموثوق بهم، وأجاز ~~الفراء إدغامها في اللام كما يجوز إدغام الياء في الميم. ### || [3.32] # قال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت هذه الآية في وفد نجران، وفيها دلالة ~~على بطلان مذهب المجبرة، لأنه قال لا يحب الكافرين ومعنى لا يحبهم لا ~~يريد ثوابهم من أجل كفرهم، فاذن لا يريد كفرهم، لأنه لو أراده لم يكن نفي ~~محبته لكفرهم، والطاعة إتباع الداعي فيما دعا إليه بأمره أو إرادته، ~~ولذلك قد يكون الانسان مطيعا للشيطان فيما يدعوه إليه، وإن لم يقصد أن ~~يطيعه، لأنه إذا مال مع ما يجده في نفسه من الدعاء إلى المعصية، فقد أطاع ~~الداعي إليها. فان قيل ما الفرق بين الطاعة وموافقه الارادة؟ قيل: موافقة ~~الارادة قد تكون طاعة، وقد ms0663 تكون غير طاعة إذا لم تقع موقع الداعي إلى ~~الفعل نحو ارادتي، لأن يتصدق زيد بدرهم من غير أن يشعر بذلك، فلا يكون ~~بفعله مطيعا لي ولو فعله من أجل إرادتي لكان مطيعا وكذلك لو أحسن ~~بدعائي إلى ذلك فمال معه. وقوله: { إن الله لا يحب الكافرين } معناه أنه ~~يبغضهم ولا يريد ثوابهم، فدل بالنفي على الاثبات وكان ذلك أبلغ، لأنه لو ~~قال إنه يبغضهم لجاز أن يتوهم أن يبغضهم من وجه ويحبهم من وجه كما يعلم ~~الشيء من وجه، ويجهل من وجه، فاذا قيل لا يعلمه لم يحتمل الوجوه. ### || [3.33] # معنى اصطفى: اختار واجتبى وأصله من الصفوة، وهذا من حسن البيان الذي ~~يمثل فيه المعلوم بالمرئي وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما ~~يشاهد فمثل به خلوص هؤلاء القوم من الفساد لما علم الله ذلك من حالهم ~~لأنهم كخلوص الصافي من شائب الادناس. فان قيل: بماذا اختارهم أباختيار ~~دينهم أو بغيره؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - بمعنى أنه اختار دينهم واصطفاه، كما قال: # واسأل القرية # وهذا قول الفراء: # و [الثاني] قال الزجاج واختاره الجبائي. انه اختيارهم للنبوة على عالمي ~~زمانهم. # الثالث - قال البلخي: بالتفضيل على غيرهم بما رتبهم عليه من الامور ~~الجليلة، لما في ذلك من المصلحة. # والاصطفاء هو الاختصاص بحال خالصة من الادناس. ويقال ذلك على وجهين. ~~يقال: اصطفاه لنفسه أي جعله خالصا له يختص به. والثاني - اصطفاه على ~~غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره وهو معنى الآية فان قيل: كيف يجوز ~~اختصاصهم بالتفضيل قبل العمل؟ قيل: إذا كان في المعلوم أن صلاح الخلق لا ~~يتم إلا بتقديم الاعلام لذلك بما قدم من البشارة بهم، والاخبار بما يكون ~~من حسن أفعالهم والتشويق إليهم بما يكون من جلالتهم إلى غيره من الآيات ~~التي تشهد لهم، والقوى في العقول والافهام التي كانت لهم، وجب في الحكمة ~~تقديم ذلك لما فيه من حسن التدبير. # فان قيل: من آل ابراهيم؟ قيل: قال ابن عباس، والحسن: هم المؤمنون الذين ~~على دينه، ms0664 فيكون بمعنى اختصهم بميزة كانت منهم على عالمي زمانهم. وقيل: ~~آل عمران هم آل ابراهيم كما قال: { ذرية بعضها من بعض } فهم موسى وهرون ~~ابنا عمران. وقال الحسن: آل عمران المسيح، لأن أمه مريم بنت عمران. وفي ~~قراءة أهل البيت " وآل محمد على العالمين ". وقال أيضا: إن آل إبراهيم: ~~هم آل محمد الذين هم أهله. وقد بينا فيما مضى أن الآل بمعنى الأهل. ~~والآية تدل على أن الذين اصطفام معصومون منزهون، لأنه لا يختار ولا يصطفي ~~إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره وباطنه واحدا، فاذا يجب أن يختص الاصطفاء ~~بآل إبراهيم وآل عمران من كان مرضيا معصوما سواء كان نبيا أو إماما. ### || [3.34] # اللغة، والاعراب: # وزن ذرية فعلية، مثل قمرية. ويحتمل أن يكون على وزن فعلولة. وأصله ذرورة ~~إلا أنه كره التضعيف، فقلبت الراء الأخيرة ياء، فصار ذروية وقلبت الواو ~~للياء التي بعدها ياء وادغمت احداهما في الاخرى، فصار ذرية. قال الزجاج: ~~والاول أجود وأقيس. ويحتمل نصبها وجهين: # أحدهما - أن يكون حالا والعامل فيها اصطفى. والثاني - أن يكون على البدل ~~من مفعول اصطفى. # المعنى: # ومعنى قوله: { بعضها من بعض } أي في الاجتماع على الصواب. قال الحسن: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # في الاجتماع على الهدى. وبه قال قتادة. الثاني - قال الجبائي وغيره: إنه ~~في التناسل إذ جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، وهو ~~المروي عن أبي عبد الله (ع)، لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل ~~بعض. وقوله: { والله سميع عليم } قيل فيه قولان: أحدهما - أنه سميع لما ~~تقوله الذرية عليم بما تضمره، فلذلك فضلها على غيرها لما في معلومه من ~~استقامتها في قولها، وفعلها. والثاني - سميع لما تقوله امرأة عمران من ~~قوله: { إني نذرت لك ما في بطني محررا } عليم بما تضمره ليدل على أنه لا ~~يضيع لها شيء من جزاء عملها ونبه بذلك على استحسان ذلك منها، لأن قول ~~القائل قد علمت ما فعلت يجري في الوعد والوعيد معا على حد واحد. ### || [3.35] # الاعراب، ms0665 والمعنى: # امرأة عمران المذكورة في الآية هي أم مريم بنت عمران أم المسيح، وقيل أن ~~اسمها كانت حنة. و { إذ } تدل على ما مضى. وقيل فيما يتعلق به { إذ } ~~أربعة أقوال: # أحدها - قال الاخفش والمبرد: أنه اذكر إذ قالت. # الثاني - قال الزجاج: انه متعلق باصطفى آل عمران إذا قالت. # الثالث - يتعلق بسميع عليم إذ قالت، فيعمل فيه معنى الصفتين على تقدير ~~مدرك لنيتها وقولها إذ قالت ذكره الرماني. # الرابع - قال أبو عبيدة: ان { إذ } زائدة، فلا موضع لها من الاعراب وهذا ~~خطأ عند البصريين. وقوله: { نذرت لك ما في بطني محررا } فالنذر قد بيناه ~~فيما مضى، وهو قول القائل: لله علي كذا وكذا. وقيل في معنى { محررا } ~~ثلاثة أقوال: أحدها - قال الشعبي: معناه مخلصا للعبادة. وقال مجاهد: ~~خادما للبيعة. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: عتيقا من الدنيا لطاعة ~~الله. # اللغة: # ومعنى (محرر) في اللغة يحتمل أمرين: أحدهما - معتق من الحرية. تقول: ~~حررته تحريرا: إذا أعتقته أي جعلته حرا. الثاني - من تحرير الكتاب وهو ~~اخلاصه من الضرر والفساد. وأصل الباب الحرارة، لأن الحر يحمي في مواضع ~~الانفة. فالمحرر يخلص من الاضطراب كما يخلص حرارة النار الذهب ونحوه من ~~شائبة الفساد، وهو نصب على الحال من (ما) وتقديره نذرت لك الذي في بطني ~~محررا والعامل فيه نذرت. # وقوله: { فتقبل مني } فأصل التقبل المقابلة، وذلك للاعتداد بالشيء فيما ~~يقابل بالجزاء عليه. وتقبل الصنيع مشبه بتقبل الهدية من جهة أخذه دون ~~رده. # وقوله { إنك أنت السميع العليم } معناه السميع لما أقول العليم بما ~~أنوي، فلهذا صحت الثقة لي. ### || [3.36] # القراءة، والمعنى: # قرأ { والله أعلم بما وضعت } ابن عامر، وأبو عمرو عن عاصم، ويعقوب ~~بمعنى قولي. { فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى } قيل: فيه قولان: ~~أحدهما - الاعتذار من العدول عن النذر، لأنها انثى. الثاني - تقديم الذكر ~~في السؤال لها بانها انثى وذلك ان عيب الانثى أفظع، وهو إليها أسرع، ~~وسعيها أضعف، وعقلها أنقص فقدمت ذكر الانثى ليصح القصد لها في السؤال على ~~هذا ms0666 الوجه. # وقوله: { وليس الذكر كالأنثى } اعتذار بأن الأنثى لا تصلح لما يصلح له ~~الذكر، وإنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الاناث، لانها لا تصلح ~~لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة المسجد المقدس، لما يلحقها من الحيض ~~والنفاس، والصيانة عن التبرج للناس. وقال قتادة: لم يكن التحرير إلا ~~للغلمان فيما جرت به العادة. والهاء في قوله: { وضعتها } يحتمل أن يكون ~~كناية عن (ما) في قوله { نذرت لك ما في بطني } وجاز ذلك لوقوع (ما) على ~~مؤنث. ويحتمل أن يكون كناية عن معلوم قد دل عليه الكلام. # اللغة: # وأصل الوضع: الحط. وضعه يضعه وضعا. ووضعت بمعنى ولدت أي وضعت الولد. ~~ومنه الموضع: مكان الوضع. والتواضع: خلاف التكبر لأنه وضع العبد من نفسه. ~~والضعة: الخساسة لأنها تضع من قدر صاحبها. والوضيعة: ذهاب شيء من رأس ~~المال. والمواضعة: المواهبة في التباع لوضع ما ينفق عليه في ذلك. ~~والايضاع في السير: الرفق فيه لأنه حط عن شدة الاسراع. ومنه قوله تعالى: # ولأوضعوا خلالكم # وأصل الباب: الحط. # المعنى: # فان قيل هل يجوز أن تقول: والله أعلم بأن الجسم محدث من زيد العالم به، ~~كما قالت: { والله أعلم بما وضعت }؟ قيل: لا يجوز لأن علم كل واحد منهما ~~يجوز أن ينقلب عنه إلى خلافه، وليس كذلك بأنه يعلم الله، وأفعل من كذا ~~إنما يقال للمبالغة في الصفة. ومن ضم التاء جعل ذلك من كلام أم مريم على ~~وجه التسبيح والانقطاع إليه تعالى كما يقول القائل: قد كان كذا وكذا، ~~وأنت تعلم لا على وجه الاعلام بل على ما قلناه. واسكان التاء أجود ~~لامرين: أحدهما - أن قولها { إني وضعتها أنثى } قد أغنى عن ذلك. والثاني ~~- أنه كان يجب أن تقول وأنت أعلم، لأنها تخاطب الله تعالى. # وقوله: { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } قيل في معناه ~~قولان: أحدهما - الاستعاذة من طعن الشيطان للطفل الذي له يستهل صارخا، ~~فوقاها الله عز وجل وولدها عيسى منه بحجاب على ما رواه أبو هريرة عن ~~النبي (صلى الله ms0667 عليه وسلم) الثاني - قال الحسن انها استعاذت من إغواء ~~الشيطان. # اللغة: # والرجيم بمعنى الموجود بالشبهة وأصل الرجم: الرمي بالحجارة رجم يرجم ~~رجما والرجم القذف بالغيب لأنه رمى العبد به. ومنه # لأرجمنك وأهجرني مليا # والرجم الاخبار عن الظن لأنه رمى بالخبر لا عن يقين. ومنه # رجما بالغيب # والرجوم النجوم، لأن من شأنها أن يرمى بها الشياطين ومنه قوله: # وجعلناها رجوما للشياطين # والرجام القبور التي عليها الحجارة. والمراجمة المباراة في الكلام، ~~والعمل له من كل واحد من النفيسين لرمي صاحبه بما يكيده وأصل الباب ~~الرمي. ### || [3.37] # القراءة، والمعنى، واللغة: # قرأ أهل الكوفة { كفلها } بالتشديد. الباقون بالتخفيف. والتخفيف أليق ~~بقوله # أيهم يكفل مريم # وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر { زكريا } مقصورا. الباقون بالمد. ونصب { ~~زكرياء } مع المد أبو بكر. الباقون بالرفع. # قوله: { فتقبلها ربها بقبول حسن } معناه رضيها في النذر الذي نذرته ~~بالاخلاص للعبادة في بيت المقدس، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. ~~وإنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل، لأن فيه معنى قبلها. وقال ~~أبو عمرو: لا نظير للقبول في المصادر، ففتح فاء الفعل والباب كله مضموم ~~الفاء كالدخول، والخروج، وقال سيبويه: جاءت خمسة مصادر على فعول: قبول، ~~ووضوح، وظهور، وولوغ، ووقود إلا أن الاكثر في وقود الضم إذا أريد المصدر. ~~وأجاز الزجاج في القبول الضم. # وقوله: { وأنبتها نباتا حسنا } معناه أنشأها إنشاء حسنا في عذابها ~~وحسن تربيتها. والكفل تضمن مؤنة الانسان كفلته أكفله كفلا فأنا كافل: إذا ~~تكلفت مؤنته. ومنه { وكفلها زكريا } ومن قرأ بالتثقيل فمعنا كفلها الله ~~زكريا والكفيل: الضامن. والكفل: مؤخر العجز. والكفل من الرجال الذي يكون ~~في مؤخر الحرب همته الفرار. والكفل النصيب. # ومنه قوله: # يؤتكم كفلين من رحمته # وقوله: # ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها # وأصل الباب التأخر فمنه الكفالة الضمان. وفي زكريا ثلاث لغات: المد، ~~والقصر. وقد قرىء بهما وزكري بالياء المشددة وأحكامها مختلفة في الجمع. ~~والتثنية، فمن مد قال في التثنية: زكريا وان. وفي الجمع زكريا وون. ومن ~~قصر قال في ms0668 التثنية زكريان. وفي الجمع زكريون. والذي بالياء زكريان في ~~التثنية، وزكريون في الجمع، وزكرياء بالمد لا يجوز صرفه لأن فيه ألفي ~~التأنيث. ومن قال: لأنه أعجمي معرفة يلزمه إذا نكر أن يصرفه، وهذا لا ~~يجوز. وأما زكري، فان ينصرف لأنه بنأ النسب خرج إلى شبه العربي كما خرج ~~مدائني إلى شبه الواحد على قول المبرد. والمحراب: مقام الامام من المسجد ~~وأصله أكرم موضع في المجلس وأشرفه قال عدي بن زيد العبادي: # كدمى العجاج في المحاريب أو كال # بيض في الروض زهره مستنير # وقيل هو المكان العالي ذكره الزجاج قال الشاعر: # ربة محراب إذا جئتها # لم ألقها أو أرتقي سلما # وقوله: { وجد عندها رزقا } ، فالرزق هو ما للانسان، الانتفاع به على ~~وجه ليس لأحد منعه. # المعنى: # وقيل إنه كان فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف في قول ابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن اسحق. وقال: تكلمت في المهد، ولم ~~تلقم ثديا قط، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة، وهذه تكرمة من الله ~~تعالى لها. وعندنا يجوز فعل ذلك بالأولياء والصالحين، وإن لم يكونوا ~~أنبياء. ومن منع منه قالوا فيه قولين: أحدهما - أن ذلك كان آية لدعوة ~~زكريا لها بالرزق في الجملة. # والثاني - قال قوم: هو تأسيس لنبوة المسيح، والأول قول الجبائي. واختار ~~وجها آخر أن يكون الله (تعالى) سخر لها بعض عباده أن يأتيها به بلطفه ~~على مجرى العادة، ولايكون معجزا، وهذا خلاف جميع أقوال المفسرين لأنهم ~~كلهم قالوا لما رأى زكريا ذلك قال: الذي يقدر على أن يأتي مريم بالرزق ~~يقدر أن يخلق الولد من امرأة عاقر، فهنالك سأله أن يرزقه ولدا. ويحتمل ~~ايصال قوله: { إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } بما تقدم من وجهين: ~~أحدهما - أن يكون حكاية لقول مريم. والثاني - أن يكون استئنافا من الله ~~الاخبار به. والأولى أن يكون على الاستئناف، لأنه ليس من معنى الجواب عما ~~سئلت عنه في شيء. وقال الحسن: هو على الحكاية. وقوله: { بغير حساب } ~~معناه بغير حساب الاستحقاق على ms0669 العمل، لأنه تفضل يبتدىء الله به من يشاء ~~من خلقه. ويحتمل أن يكون المراد بغير تقتير كما يحسب الذي يخاف الاملاق. ~~وقد بينا فيما مضى معنى { أنى } وأن معناه من أين لك. وقال قوم معناه كيف ~~لك. والأول أظهر. ### || [3.38] # اللغة والمعنى: # معنى هنالك: عند ذلك. والأصل فيه الطرف من المكان نحو رأيته هنا وهناك، ~~وهنالك، والفصل بينهما، القرب والعبد، فهنا للقريب وهنالك للبعيد، وهناك ~~لما بينهما. وقال الزجاج: ويستعمل في الحال كقوله من ههنا قلت: كذا أي من ~~هذا الوجه. وفيه معنى الاشارة كقولك: ذا، وذاك. وزيدت اللام لتأكيد ~~التعريف، لأن الأصل في زيادتها التعريف إلا أنها كسرت لالتقاء الساكنين ~~كما كسرت في ذلك. ولا يجوز إعرابها، لأن فيها معنى الحرف. # ومعنى الآية عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء ~~في الصيف على خلاف ما جرت به العادة، طمع في رزق الولد من العاقر على ~~خلاف مجرى العادة، فسأل ذلك. وزكريا (ع) وإن كان عالما بانه تعالى يقدر ~~على خلق الولد من العاقر، وإن لم تجربه العادة، فانه كان يجوز ألا يفعل ~~ذلك لبعض التدبير، فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها قوي ~~ظنه أنه يفعل ذلك: إذا اقتضت المصلحة، وقوي في نفسه ما كان علمه، كما أن ~~ابراهيم وإن كان عالما بأنه (تعالى) يقدر على إحياء الميت سأل ذلك ~~مشاهدة لتأكد معرفته وتزول عنه خواطره. وقال الجبائي: إن الله تعالى كان ~~أذن له في المسألة وجعل وقته الذي أذن له فيه الوقت الذي رأى فيه المعجزة ~~الظاهرة فلذلك دعا. # وقوله { قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } فالهبة تمليك الشيء من غير ~~ثمن تقول: وهب يهب، فهو واهب والشيء موهوب، وتواهبوا الأمر بينهم ~~تواهبا، واستوهبه استيهابا. وقوله من لدنك معناه من عندك وإنما بني ولم ~~يبن عند، لأنه استبهم استبهام الحروف، لأنه لا يقع في جواب أين كما يقع ~~عند نحو قوله أين زيد فتقول عندك، ولاتقول لدنك. { ذرية } تقع على ms0670 الجمع، ~~والواحد. وقيل أن المراد ها هنا واحد لقوله # فهب لي من لدنك وليا # وأما بمعنى الجمع، فمثل قوله: # ذرية من حملنا من نوح # وقوله: { طيبة } قال السدي معناه مباركة. وإنما انث طيبة، وهو سأل ولدا ~~ذكرا على تأنيث الذرية كما قال الشاعر: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك بالكمال # وقال آخر: # فما نزدري من حية جبلية # سكات إذا ما عاض ليس بأدردا # فجمع التأنيث، والتذكير في بيت واحد مرة على اللفظ، ومرة على المعنى. ~~وإنما يجوز هذا في أسماء الأجناس دون الاعلام نحو طلحة، وحمزة، وعنترة، ~~لا يجوز أن تقول جاءت طلحة من قبل أن التذكير الحقيقي يغلب على تأنيت ~~اللفظ فأما قوله: # وعنترة الفيحاء جاءت ملاما # كأنك فند من عماية أسود # فانما أراد شفة عنترة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقوله: { ~~إنك سميع الدعاء } معناه سامع الدعاء بمعنى قابل الدعاء. ومنه قول ~~القائل: سمع الله لمن حمده أي قبل الله دعاه وأصل السمع ادراك المسموع ~~وإنما قيل للقابل سامع لأن من كان أهلا أن يسمع منه فهو أهل أن يقبل منه ~~خلاف من لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لم يسمع. ### || [3.39] # القراءة: # قرأ حمزة والكسائي وخلف { فناداه الملائكة } على التذكير، والامالة. ~~الباقون على التأنيث، فالاول على المعنى، والثاني على اللفظ. وقرأ حمزة ~~وابن عامر { إن الله } بكسر الهمزة على الحكاية. الباقون بفتحها على ~~اعمال المناداة، وتقديره نادته بأن الله. وقرأ حمزة والكسائي { يبشرك } ~~بفتح الياء وتخفيف الشين وضمها. الباقون بضم الياء وتشديد الشين. # المعنى واللغة: # وقال السدي الذي نادى زكريا جبريل وحده، فعلى هذا يكون ذهب مذهب الجمع ~~كما يقولون: ذهب في السفن وإنما خرج في سفينة وخرج على البغال وإنما ركب ~~بغلا واحدا. وقال غيره: ناداه جماعة من الملائكة كأنه قيل: النداء جاء ~~من قبل الملائكة وإنما جاز ذلك لعادة جارية نحو قولهم: ناداه أهل العسكر، ~~وناداه أهل البلد. وقوله: { وهو قائم يصلي } جملة في موضع الحال. وقوله: ~~{ إن الله يبشرك } في بشره من ms0671 البشرى ثلاث لغات: بشره يبشره وبشره يبشره ~~بشرا، وأبشره بشارا عن أبي العباس. وقرأ حميد { يبشرك } من أبشر، وكل ~~ذلك لظهور السرور في بشرة الوجه. وقيل إن الثقل من البشارة، والمخفف من ~~السرور، والمعنيان متقاربان. وأنشد الاخفش: # وإذا لقيت الباهشين إلى الندى # غبرا أكفهم بقاع ممحل # فاعنهم وابشر بما بشروا به # وإذا هم نزلوا بضنك فانزل # قال الزجاج هذا على بشر يبشر إذا فرح. وأصل هذا كله أن بشرة الانسان ~~تنسبط عند السرور. وقوله: { بيحيى } قال قتادة سمي يحيى، لأن الله تعالى ~~أحياه بالايمان سماه الله بهذا الاسم قبل مولده. # وقوله: { مصدقا } نصب على الحال من يحيى { بكلمة } يعني المسيح (ع) في ~~قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، والضحاك، والسدي وجميع أهل ~~التأويل إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال { بكلمة } أي بكتاب الله كما ~~يقولون أنشدني فلان كلمة فلان أي قصيدته وإن طالت، وإنما سمي المسيح كلمة ~~الله لامرين: # أحدهما - أنه كان بكلمة الله من غير أب من ولد آدم. # والثاني - لان الناس يهتدون به في الدين كما يهتدون بكلام الله. # وقوله: { وسيدا } يعني مالكا لمن يجب عليه طاعته. ومن ذلك سيد الغلام ~~يعني مالكه، ولا يقال سيد الثوب بمعنى مالك الثوب، لأنه لا يتصور هناك ~~وجوب طاعته. وأصل السواد الشخص، فقيل سيد القوم بمعنى مالك السواد ~~الاعظم، وهو الشخص الذي تجب طاعتة لمالكه، وهذا إذا قيل مضافا أو مقيدا ~~فأما إذا اطلق فلا ينبغي إلا لله تعالى، لأنه المالك لجميع الخلق. وقيل: ~~معناه ها هنا وسيدا في العلم والعبادة في قول قتادة. وقال الجبائي: ~~معناه وسيدا للمؤمنين بالرياسة لهم. وقال الضحاك: سيدا في الحلم ~~والتقى. وقيل سواد الانسان لشخصه، لأنه يستر به لستر سواد الظلمة ~~بتكائفه، وتسوله. # " وحصورا " معناه الممتنع من الجماع. ومنه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ~~ندمائه شيأ للنفقة حصور قال الأخطل: # وشارب مربح بالكاس نادمني # لا بالحصور ولا فيها بسوار # يعني معربد ويقال للذي يكتم سره حصور ويقال: حصر في قراءته إذا امتنع ms0672 ~~بالانقطاع فيها. ومنه حصر العدو منعه الناس من التصرف. وقال عبد الله: ~~الحصور العنين. وقال سعيد بن المسيب إنما كان معه مثل هدب الثوب. وقال ~~الحسن، وقتادة هو الذي لا يأتي النساء، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع)، ~~وقال بعضهم هو الذي لا يبالي ألا يأتي النساء. وقوله: { ونبيا من ~~الصالحين } { من } ها هنا لتبيين الصفة ليس المراد به التبعيض، لأن ~~النبي لا يكون إلا صالحا. ### || [3.40] # المعنى: # إن قيل لم راجع هذه المراجعة مع ما بشره الله تعالى بأنه يهب له ذرية ~~طيبة، وبعد أن سأل ذلك؟ قيل: إنما راجع ليعرف على أي حال يكون ذلك أيرده ~~إلى حال الشباب وامرأته، أم مع الكبر، فقال الله (تعالى) { كذلك الله ~~يفعل ما يشاء } أي على هذه الحال، وتقديره كذلك الأمرالذي أنت عليه { ~~يفعل الله ما يشاء } هذا قاله الحسن. وقيل في وجه آخر، وهو أنه قال على ~~وجه الاستعظام لمقدور الله والتعجب الذي يحدث للانسان عند ظهور آية عظيمة ~~من آيات الله، كما يقول القائل: كيف سمحت نفسك باخراج الملك النفيس من ~~يدك تعجبا من جوده، واعترافا بعظمه. وقال بعضهم: إن ذلك إنما كان ~~للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان حتى خيلت إليه أن النداء كان من ~~غير الملائكة. وهذا لا يجوز، لأن النداء كان على وجه الاعجاز على عادة ~~الملك فيما يأتي به من الوحي عن الله، والانبياء (ع) لا يجوز عليهم تلاعب ~~الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الافهام، فلا يعرفوا نداء ملك من نداء ~~شيطان أو انسان. # اللغة: # والغلام: هو الشباب من الناس. يقال: غلام بين الغلومية والغلومة ~~والغلمة. والاغتلام: شدة طلب النكاح. والغيلم منع الماء من الآبار، لأنه ~~طلب الظهور. وغلم الاديم جعله في غلمة ليتفسخ عنه صوفه، لأنه طلب لتقطعه. ~~وقوله: { وقد بلغني الكبر } والمراد بلغت الكبر، لأن الكبر بمنزلة الطالب ~~له، فهو يأتيه بحدوثه فيه. والانسان أيضا يأتيه بمرور السنين عليه، كما ~~يقول القائل: يقطعني الثوب وإنما هو يقطع الثوب. ولا يجوز ms0673 أن يقول بلغني ~~البلد بمعنى بلغت البلد، لأن البلد لا يأتيه أصلا. وقوله: { وامرأتي عاقر ~~} فالعاقر من النساء التي لا تلد. يقال: امرأة عاقر، ورجل عاقر. وقال ~~عامر بن الطفيل: # لبئس الفتى ان كنت أعور عاقرا # جبانا فما عذري لدى كل محضر # وذلك لأنه كالذي حدث به عقر يقعده عما يحاول من الامر. وعقر كل شيء ~~أصله. وعقر العاقر المصدر. والعقر: دية فرج المرأة: إذا غصبت نفسها وبيضة ~~العقر آخر بيضة. والعقر: الجرح. والعقر: محلة القوم. والعاقر معروف. ~~والعقار الخمر. والمعاقرة إدمان شربها مع أهلها. وأصل الباب: العقرالذي ~~هو أصل كل شيء، فعقر العاقر لانقطاع أصل النسل. ### || [3.41] # الآية: العلامة وإنما سأل العلامة، والآية لوقت الحمل الذي سأل ربه ~~ليتعجل السرور به في قول الحسن، فجعل الله تعالى آيته في امساك لسانه، ~~فلم يقدر أن يكلم الناس إلا إيماء من غير آفة حدثت في لسانه، كما يقال في ~~مريم { ثلاث ليال سويا } هذا قول الحسن، وقتادة، والربيع، وأكثر ~~المفسرين. # اللغة: # وفي وزن " آية " ثلاثة أقوال: # أحدها - فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين مع كون اللام حرف علة. ~~وإنما القياس في مثله أعلال اللام نحو حياة ونواة. ونظيرها راية وطاية، ~~وشذ ذلك، للاشعار بقوة اعلال العين. # الثاني - فعلة آية إلا أنها قلبت كراهية التضعيف نحو طاي في طيي. # الثالث - فاعلة منقوصة وهذا ضعيف، لأنهم صغروها أيية ولو كانت فاعلة ~~لقالوا أوية إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة. " والرمز " ~~الايماء بالشفتين. وقد يستعمل في الايماء بالحاجبين، والعينين واليدين. ~~والاول أغلب قال جؤية بن عائذ: # وكان تكلم الابطال رمزا # وغمغمة لهم مثل الهرير # يقال منه: رمز يرمز رمزا. ويقال: ارتمز: إذا تحرك. واصله الحركة. # المعنى، واللغة: # وقال مجاهد: الرمز تحريك الشفتين. وقال قتادة الرمز الاشارة. وقوله: { ~~واذكر ربك كثيرا } معناه أنه لما منع من كلام الناس عرف أنه لا يمنع من ~~الذكر لله والتسبيح له، وذلك أعظم الآية وأبين المعجزة. وقوله: { سبح } ~~معناه ها هنا صل يقال فرغت من ms0674 سبحتي أي من صلاتي. وأصل التسبيح التعظيم ~~لله وتنزيهه عما لا يليق به. والعشي من حين زوال الشمس إلى غروب الشمس في ~~قول مجاهد. قال الشاعر: # فلا الظل من برد الضحى يستطيعه # ولا الغي من برد العشي تذوق # والعشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل. والعشاء طعام العشي. ~~والعشا ضعف العين والتعاشي: التعامي، لا بهام أنه بمنزلة من هو في ظلمة ~~لا يبصر وأصل الباب الظلمة. والابكار من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. ~~وأصله التعجيل بالشيء يقال: أبكر ابكارا وبكر يبكر بكورا. وقال عمر بن ~~أبي ربيعة: # أمن آل نعم أنت عاد فمبكر # وقال جرير: # ألا بكرت سلمى فجذ بكورها # وشق العصا بعد اجتماع أميرها # ويقال في كل شيء تقدم: بكر ومنه الباكورة أول ما يجيء من الفاكهة. ### || [3.42] # العامل في (إذ) يحتمل أن يكون أحد شيئين: # أحدهما - سميع عليم إذ قالت امرأة عمران. وإذ قالت الملائكة يكون عطفا ~~على (إذ) الاولى. # الثاني - اذكر إذ قالت، لأن المخاطب في حال تذكير وتعريف. وقوله: { ~~اصطفاك على نساء العالمين } يحتمل وجهين: قال الحسن وابن جريج على عالمي ~~زمانها. وهو قول أبي جعفر (ع)، لأن فاطمة سيدة نساء العالمين. وروي عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين " # وقال أيضا (ع) # " حسبك من نساء العالمين بأربع مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة ~~بنت خويلد وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وسلم) ". # الثاني - ما قاله الزجاج، واختاره الجبائي: إن معناه اختارك على نساء ~~العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح عيسى (ع). # وقوله: { وطهرك } في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن، ومجاهد: طهرك من الكفر. # والثاني - ذكره الزجاج أن معناه طهرك من سائر الادناس: الحيض، والنفاس، ~~وغيرهما. وإنما كرر لفظ اصطفاك، لأن معنى الأول اصطفاك بالتفريغ لعبادته ~~بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته وصرت متوفرة على اتباع مرضاته ومعنى ~~الثاني اصطفاك بالاختيار لولادة نبيه عيسى (ع) على قول الجبائي. ms0675 وقال أبو ~~جعفر (ع) اصطفاها أولا من ذرية الانبياء وطهرها من السفاح. والثاني - ~~اصطفاها لولادة عيسى (ع) من غير فحل. وفي ظهور الملائكة لمريم قالوا ~~قولين: أحدهما - أن ذلك معجزة لزكريا (ع)، لأن مريم لم تكن نبية، لقول ~~الله تعالى # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # والثاني - أن يكون ذلك برهانا لنبوة عيسى (ع) كما كان ظهور الشهب ~~والغمامة وغير ذلك معجزة للنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل بعثتة، فالاول ~~قول الجبائي، والثاني قول ابن الاخشاد. ويجوز عندنا أن يكون ذلك معجزة ~~لها وكرامة، وإن لم تكن نبية لأن اظهار المعجزات - عندنا - تجوز على يد ~~الأولياء، والصالحين، لأنها إنما تدل على صدق من ظهرت على يده سواء كان ~~نبيا أو إماما أو صالحا، على أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قال ذلك ~~لمريم على لسان زكريا (ع). وقد يقال: قال الله لها، وإن كان بواسطة كما ~~تقول: قال الله للخلق كذا وكذا وإن كان على لسان النبي (صلى الله عليه ~~وسلم)، ولا يحتاج مع ذلك إلى ما قالوه. ### || [3.43] # قيل في معنى قوله: { اقنتي } ثلاثة أقوال: # أحدها - قال سعيد بن جبير أن معناه اخلصي لربك العبادة. الثاني - قال ~~قتادة معناه اديمي الطاعة. الثالث - قال مجاهد اطلبي القيام في الصلاة. ~~وأصل القنوت الدوام على الشيء وقوله: { واسجدي } وأصل السجود الانخفاض ~~الشديد للخضوع قال الشاعر: # فكلتاهما خرت واسجد راسها # كما سجدت نصرانة لم تحنف # وكذلك القول في الركوع إلا أن السجود أشد انخفاضا. وقد بينا فيما مضى ~~حقيقته. وإنما قدم ذكر السجود في الآية على الركوع، لأن النية به التأخير ~~والتقدير اركعي واسجدي، لأن الواو لا توجب الترتيب، لأنها نظيرة التثنية ~~إذا اتفقت الاسماء والصفات. تقول جاءني زيد وعمرو، ولو جمعت بينهما في ~~الخبر لقلت جاءني الزيدان. وقوله: { مع الراكعين } فيه قولان: أحدهما - ~~أن معناه افعلى مثل فعلهم. الثاني - قال الجبائي: أي في صلاة الجماعة. ### || [3.44] # ذلك إشارة إلى الاخبار عما تقدم من القصص. وفيه احتجاج على المشركين، من ~~حيث ms0676 أنه جاء بما لا يعلم إلا من أربعة أوجه: إما مشاهدة الحال، او قراءة ~~الكتب، أو تعليم بعض العباد، أو بوحي من الله. وقد بطلت الأوجه الثلاثة ~~للعلم بأنها لم تكن حاصلة للنبي (صلى الله عليه وسلم), فصح أنه على الوجه ~~الرابع: بوحي من الله (تعالى). والايحاء: هو القاء المعنى إلى صاحبه ~~فقوله: { نوحيه إليك } أي نلقي معناه اليك. والايحاء: الارسال إلى ~~الانبياء تقول: أوحى الله إليه أي أرسل إليه ملكا. والايحاء الالهام ومنه ~~قوله تعالى # وأوحى ربك إلى النحل # أي ألهمها وقوله: # بأن ربك أوحى لها # معناه ألقى إليها معنى ما أراد فيها. قال العجاج: # أوحى لها القرار فاستقرت # والايحاء الايماء قال الشاعر: # فأوحت إلينا والانامل رسلها # ومنه قوله: # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا # أي أشار إليهم، والوحي: الكتاب. يقال: وحى يحي وحيا أي كتب، لأن به ~~يلقي المعنى إلى صاحبه قال رؤبة: # لقدر كان وحاه الواحي # وقال: # في سور من ربنا موحية # وقال آخر: # من رسم آثار كوحي الواحي # وأصل الباب القاء المعنى إلى صاحبه. وقوله: # أوحيت إلى الحواريين # أي ألقى إليهم وألهمهم إلهاما. ومنه قوله: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم # أي يلقون إليهم وقوله: # وأوحي إلي هذا القرآن # أي ألقي إلي. والغيب: خفاء الشيء عن الادراك. تقول غاب عني كذا يغيب ~~غيبا وغيابا. والغائب: نقيض الحاضر. # وقوله: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } قيل فيه ~~قولان: # أحدهما - التعجب من حرصهم على كفالتها، لفضلها. ذكره قتادة، لأنه قال: ~~فشاح القوم عليها، فقال زكريا: أنا أولى، لأن خالتها عندي. وقال القوم: ~~نحن أولى لأنها بنت إمامنا، لأن عمران كان إمام الجماعة. # الثاني - التعجب من تدافعهم لكفالتها، لشدة الأزمة التي لحقتهم حتى وفق ~~لها خير الكفلاء بها زكريا (ع). وفي الآية حذف وتقديرها { إذ يلقون ~~أقلامهم } لينظروا { أيهم يكفل مريم } أي أيهم أحق بكفالتها. والأقلام ~~معناها ها هنا القداح وذلك أنهم ألقوها تلقاء الجرية، فاستقبلت عصا زكريا ~~جرية الماء مصعدة. وانحدرت أقلام الباقين، فقرعهم زكريا في ms0677 قول الربيع، ~~وكان ذلك معجزة له (ع). والقلم: الذي يكتب به. والقلم: الذي يجال بين ~~القوم، كل إنسان وقلمه، وهو القدح. والقلم: قص الظفر قلمته تقليما. ~~ومقالم الرمح كعوبه. والقلامة هي المقلومة عن طرف الظفر وأصل الباب قطع ~~طرف الشيء. # وقوله: { وما كنت لديهم إذ يختصمون } فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في ~~التشاح عليها إلى حد الخصومة، وفي وقت التشاح قولان: # أحدهما - حين ولادتها وحمل أمها إياها إلى الكنيسة تشاحوا في الذي يخصها ~~ويحضنها ويكفل بتربيتها، وهو الأكثر. وقال بعضهم إنه كان ذلك بعد كبرها ~~وعجز زكريا عن تربيتها. # و { إذ } الأولى متعلقة بقوله: { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم } ~~والثانية بقوله: { يختصمون } على قول الزجاج. ### || [3.45] # العامل في { إذ } يحتمل أمرين أحدهما - وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة. ~~الثاني - يختصمون { إذ قالت الملائكة }: { إن الله يبشرك } فالتبشير ~~إخبار المرء بما يسر من الأمر سمي بذلك لظهور السرور في بشرة وجهه عند ~~إخباره بما يسره، لأن أصله البشرة وهي ظاهر الجلد. وقوله: { بكلمة منه } ~~هو المسيح سماه الله كلمة على قول ابن عباس وقتادة وذلك يحتمل ثلاثة ~~أوجه: سمي بذلك، لأنه كان بكلمة الله من غير والد وهو قوله: # كن فيكون # الثاني - لأن الله تعالى بشر به في الكتب السالفة، كما تقول: الذي ~~يخبرنا بأمر يكون [إذا خرج موافقا لأمره] قد جاء في قول لي وكلامي. فمن ~~البشارة به في التوراة آتانا الله من سببنا، فأشرق من ساعير واستعلن من ~~جبال فاران. وساعير هو الموضع الذي بعث منه المسيح (ع). الثالث - لأن ~~الله يهدي به كما يهدي بكلمته. والقول الثاني مما قيل في الكلمة: أنها ~~بمعنى البشارة كأنه قيل ببشارة منه: ولد اسمه المسيح والتأويل الأول ~~أقوى، لقوله: # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # ولأنه معلوم من دين المسلمين أن كلمة الله المسيح (ع). وإنما ذكر الضمير ~~في اسمه وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فاذا ذكر ذهب إلى ~~المعنى، ms0678 واذا أنث ذهب إلى اللفظ. وقيل في تسمية المسيح مسيحا: قولان: # أحدهما - قال الحسن، وسعيد: لأنه مسح بالبركة. وقال آخرون: لأنه مسح ~~بالتطهر من الذنوب. وقال الجبائي سمي بذلك، لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه. ~~وكانت الانبياء تتمسح به. فان قيل: يجب على ذلك أن يكون الانبياء كلهم ~~يسمون مسيحا؟ قلنا: لا يمتنع أن يختص بذلك بعضهم، وإن كان المعنى في ~~الجميع حاصلا، كما قالوا في ابراهيم خليل الله. وأصله ممسوح عدل عن مفعول ~~إلى فعيل. وقوله: { وجيها } نصب على الحال. ومعنى الوجيه الكريم على من ~~يسأله لأنه لا يرده لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد، ~~يقال منه وجه الرجل يوجه وجاهة، وله جاه عند الناس وجاهة أي منزلة رفيعة. ~~قوله: { ومن المقربين } معناه إلى ثواب الله وكرامته، وكذلك التقرب إلى ~~الله إنما هو التقرب إلى ثوابه وكرامته. وفي الآية دلالة على تكذيب ~~اليهود في الفرية على أم المسيح وتكذيب النصارى في ادعاء إلهيته على ما ~~ذكره محمد بن جعفر بن الزبير وغيره. ### || [3.46] # الاعراب: # موضع { ويكلم الناس في المهد } نصب على الحال عطفا على { وجيها } ~~ومكلما وكذلك عطف عليه { وكهلا } بالنصب. ويجوز عطف الفاعل على الفعل ~~لتقارب معنيهما قال الشاعر: # بات يغشاها بعضب باتر # يقصد في أسوقها وجائر # أي ويجور وقال آخر: # يا ليتني علقت غير خارج # قبل الصباح ذات خلق بارج # أم صبى قد حبا أم دارج # أي أو درج ويجوز في قوله: { وكهلا } أن يكون معطوفا على الظرف من ~~قوله: { في المهد }. # اللغة: # والمهد مضجع الصبي في رضاعه في قول ابن عباس، مأخوذ من التمهيد. والكهل: ~~من كان فوق حال الغلومة، ودون الشيخوخة. ومنه اكتهل النبت: إذا طال، ~~وقوي. ومنه الكاهل فوق الظهر إلى ما يلي العنق والمرأة كهلة. قال الراجز: # ولا أعود بعدها كريا # امارس الكهلة والصبيا # وقيل الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة. وقال مجاهد: الكهل: الحليم وأصل ~~الباب العلو، فالكهل لعلو سنه، أو لعلو منزلته. # المعنى: # ووجه كلامه في المهد تبرئة لأمه ms0679 مما قذفت به، وجلالة له بالمعجزة التي ~~ظهرت فيه. فان قيل: فما معنى { وكهلا } وليس بمنكر الكلام من الكهل؟ قيل ~~فيه ثلاثة أوجه: # أحدها - يكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من قبل الله. الثاني - انه يبلغ ~~حال الكهل في السن، وفي ذلك أيضا إعجاز لكون المخبر على ما أخبر به. ~~الثالث - أن المراد به الرد على النصارى بما كان منه من التقلب في ~~الأحوال، لأنه مناف لصفة الآله. فان قيل كيف جحدت النصارى كلام المسيح في ~~المهد وهو معجزة عظيمة؟ قلنا: لأن في ذلك ابطال مذهبهم، لأنه قال: # إني عبد الله # فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك. وفي ظهور المعجزة في تلك ~~الحال قيل فيه قولان: # أحدهما - إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح، لأنه كمل عقله في تلك الحال ~~حتى عرف الله بالاستدلال، ثم أوحى إليه بما تلكم به، هذا قول أبي على ~~الجبائي. وقال ابن الاخشاذ: إن كل ذلك كان على جهة التأسيس لنبوته، ~~والتمكين لها بما يكون دالا عليها، وبشارة متقدمة لها. ويجوز - عندنا - ~~الوجهان. ويجوز أيضا أن يكون ذلك معجزة لمريم تدل على براءة ساحتها مما ~~قذفت على ما بينا جوازه فيما مضى. ### || [3.47] # المعنى: # إن قيل سألت مريم عن خلق الولد من غير مسيس مع أنها لا تنكر ذلك في ~~مقدور الله تعالى؟ قلنا: فيه وجهان: أحدهما - أنها استفهمت أيكون ذلك، ~~وهي على حالتها من غير بشر أم على مجرى العادة من بشر، كما يقول القائل: ~~كيف تبعث بفلان في هذا السفر، وليس معه ما يركبه معناه، لأنه قوي أم هناك ~~مركوب؟ الثاني - ان في البشرة: التعجب مما خرج عن المعتاد فتعجبت من عظم ~~قدرة الله كما يقول القائل عند الآية يراها: ما أعظم الله، وكما يقول ~~القائل لغيره كيف تهب ضيعتك، وهي أجل شيء لك. وليس يشك في هبته وإنما ~~يتعجب من جوده. وقوله: { قال كذلك الله } حكاية ما قال لها الملك. وقوله: ~~{ كن فيكون } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أنه على جهة المثل لأن ms0680 منزلة جميع ما يريد احداثه من جسم أو ~~عرض كثر ذلك أو قل، فانما هو بمنزلة قول القائل: كن، في أنه يكون بغير ~~علاج، ولا معاناة، ولا تكلف سبب، ولا أداة، ولا شغل ببعض عن بعض، ولا ~~انتهاء فيه إلى حد لا يمكن ضعفه، ولا زيادة عليه. # الثاني - ان معناه أن الله تعالى جعل { كن } علامة للملائكة فيما يريد ~~إحداثه لما فيها من اللطف، والاعتبار. ويمكن الدلالة على الأمور المقدورة ~~لله تعالى. وقول من قال ان قوله: " كن " سبب للحوادث التي يفعلها الله ~~تعالى فاسد من وجوه: # أحدها - ان القادر بقدرة يقدر على أن يفعل من غير سبب، فالقادر للنفس ~~بذلك أولى. ومنها أن " كن " محدثه فلو احتاجت إلى " كن " أخرى لتسلسل، ~~وذلك فاسد. ولو استند ذلك إلى كن قديمة، لوجب قدم المكون، لأنه كان يجب ~~أن يكون عقيبه، لأن الفاء توجب التعقيب وذلك يؤدي إلى قدم المكونات. # ومنها أنه لو ولدت لولدت من فعلنا كالاعتماد. وإنما استعمل القديم لفظة ~~الأمر فيما ليس بأمر ها هنا ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في ~~أنه لا كلفة على الآمر، فكذلك هذا لا كلفة على الفاعل، وذلك على عادة ~~العرب في جعلهم وقوع الشيء عقيب الارادة بمنزلة الجواب عن السؤال قال ~~الشاعر: # وقالت لنا العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب # فجعل انحدار الدمع قولا على الوجه الذي بيناه. وقوله: { كن فيكون } ها ~~هنا لا يجوز فيه إلا الرفع، لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للام في كن لأن ~~الجواب يجب بوجود الاول نحو اتني فاكرمك وقم فاقوم معك. ولا يجوز قم ~~فيقوم، لأنه بتقدير قم فانك إن تقم يقم. وهذا لا معنى له، ولكن يجوز ~~الرفع على الاختيار انه سيقوم ويجوز في قوله: # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون # النصب، لأنه معطوف على { أن نقول } كأنه قيل أن نقول فيكون. ### || [3.48] # القراءة، والحجة: # قرأ أهل المدينة، وعاصم، ويعقوب { ويعلمه } بالياء الباقون بالنون. فمن ~~قرأ بالياء ms0681 حمله على { يخلق ما يشاء } ويعلمه. ومن قرأ بالنون حمله على ~~قوله: { نوحيه إليك }. والنون أفخم في الاخبار، لأن الياء حكاية عن ~~الملك. # المعنى، والاعراب: # ومعنى قوله: { ويعلمه الكتاب } قال ابن جريج: الكتابة بيده. وقال أبو ~~علي: كتاب آخر غير التوراة، والانجيل نحو الزبور أو غيره. فان قيل: لم ~~أفرد التوراة والانجيل بالذكر مع دخولهما في الحكمة؟ قيل: إنما أفردهما ~~بالذكر تنبيها على فضلهما مع جلالة موقعهما كما قال: # وملائكته ورسله وجبريل وميكال # وموضع يعلمه من الاعراب يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على وجيها. ويحتمل ~~أن يكون لا موضع له من الاعراب، لأنه عطف على جملة لا موضع لها، وهي ~~قوله: { كذلك الله يخلق ما يشاء }. وقال بعضهم: هو عطف على " نوحيه إليك ~~" قال الرماني: هذا لا يجوز، لأنه يخرجه من معنى البشارة به لمريم. وإنما ~~هو محمول على مشاكلته لا على جهة العطف عليه. وعد أهل الكوفة التوراة ~~والانجيل، ولم يعدوا رسولا إلى بني اسرائيل لتنكب الاستئناف بأن ~~المفتوحة. والاستئناف بذكر المنصوب كثير في الكلام. وأما أهل المدينة ~~فانما طلبوا تمام صفة المسيح، لأن تقديره ومعلما كذا ورسولا إلى كذا. ### || [3.49] # القراءة: # قرأ أهل المدينة ويعقوب { طائرا بأذن الله } الباقون. { طيرا } وهو ~~الاجود، لأنه إسم جنس وطائر صفة. وقرأ نافع وحده { إني أخلق } بكسر ~~الهمزة. الباقون بفتحها. # الاعراب، والحجة: # يحتمل نصب قوله: { ورسولا } وجهين: # أحدهما - بتقدير ويجعله رسولا فحذف لدلالة الاشارة عليه. والثاني - أن ~~يكون نصبا على الحال عطفا على وجيها، لا أنه في ذلك الوقت يكون رسولا ~~بمعنى أنه يرسل رسولا. وقال الزجاج وجها ثالثا بمعنى يكلمهم رسولا في ~~المهد ب { أني قد جئتكم بآية من ربكم } ولو قرئت { إني } بالكسر { قد ~~جئتكم } كان صوابا. والمعنى يقول { إني قد جئتكم بآية من ربكم } أي ~~بعلامة تدل على ثبوت رسالتي. وموضع { إني أخلق } يحتمل أن يكون خفضا ~~ورفعا، فمن قرأ بالخفص فعلى البدل من آية بمعنى جئتكم بأني أخلق لكم من ~~الطين. والرفع أريد به الآية إني أخلق من ms0682 الطين. وجائز أن يكون { إني ~~أخلق لكم } مخبرهم بهذه الآية ما هي أي أقول لكم { إني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير }. # المعنى: # والمراد بالخلق التقدير دون الاحداث، يقال في التفسير أنه صنع من الطين ~~كهيئة الخفاش، ونفخ فيه فصار طائرا. وجاز أن يقول فيه للفظ الطين. وقال ~~في موضع آخر. # فينفخ فيها فتكون طيرا بإذني # للفظ الهيئة. # اللغة: # والطين معروف. ومنه طنت الكتاب طينا أي جعلت عليه طينا، لأختمه. وطينت ~~البيت تطيينا. والطيانة: حرفة الطيان والطينة: قطعة من طين يختم بها ~~الصك ونحوه. والهيأة: الحال الظاهرة هاء فلان يهاء هيئة. ومن قرأ { هيئت ~~} معناه تهيأت لك فأما " هيت لك " فهلم لك والهيىء: الحسن الهيئة من كل ~~شيء. والمهاياة: أمر يتهايا عليه القوم فيتراضون به. وقوله: { فانفخ فيه ~~} النفخ معروف تقول نفخ ينفخ نفخا، وانتفخ انتفاخا، ونفخه نفخا. ~~والنفاخة للماء، والنفخة نحو الورم في البطن. والنفخة: نفخة الصور يوم ~~القيامة. والمنفاخ كير الحداد. وأصل الباب نفخ الريح التي تخرج من الفم. # المعنى: # ومعنى " أنفخ فيه " يعني أنفخ فيه الروح وهو جسم رقيق كالريح، وهو غير ~~الحياة، لأن الجسم انما يحيا بما يفعله الله تعالى فيه من الحياة، لأن ~~الأجسام كلها متماثلة يحيي الله منها ما يشاء. وإنما قيد قوله: { فيكون ~~طيرا بأذن الله } ولم يقيد قوله: { أخلق من الطين كهيئة الطير } بذكر ~~إذن الله لينبه بذكر الاذن أنه من فعل الله دون عيسى. وأما التصوير ~~والنفخ، ففعله، لأنه مما يدخل تحت مقدور القدر، وليس كذلك انقلاب الجماد ~~حيوانا فانه لا يقدر على ذلك أحد سواه تعالى. وقوله: { وأحيي الموتى ~~بإذن الله } على وجه المجاز إضافة إلى نفسه وحقيقته ادعوا الله باحياء ~~الموتى فيحييهم الله فيحيون باذنه. # اللغة والمعنى: # وقوله: { وأبرىء الأكمه } فالبرء والشفاء والعافية نظائر في اللغة. ~~والأكمه الذي يولد أعمى في قول قتادة، وأبي علي وقال الحسن، والسدي: هو ~~الاعمى. والكمه عند العرب العمى كمه يكمه كمها قال سويد بن أبي كاهل: # كمهت عيناه حتى ابيضتا # فهو يلحي نفسه ms0683 لما نزع # والابرص معروف. وقوله: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } أي ~~أخبركم وأعلمكم بالذي تأكلونه، فتكون (ما) بمعنى الذي ويحتمل أن تكون ~~(ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر، ويكون تقديره أخبركم بأكلكم. والأول ~~أجود لقوله: { وما تدخرون } ويحتمل أن يكون المراد أيضا وادخاركم. ~~والاذخار الافتعال من الذخر ذخرت أذخر ذخرا وأذخرت اذخارا. وأصل الباب ~~الذخر، وهو خبء الشيء لتأتيه. وإنما أبدلت الدال من الذال في { تدخرون } ~~لتعديل الحروف أو أبدلت الدال من الذال بوجهين الجهر واختلاف المخرج، ~~فبدل ذلك بالدال، لأنها موافقة للتاء بالمخرج والدال بالجهر، فلذلك كان ~~الاختيار، وكان يجوز تذخرون بالذال على الأصل ونظير ذلك في التعديل بين ~~الحروف وازدجر، فمن اضطر، واصطبر، لموافقة الطاء للضاد والضاد بالاستعلاء ~~والاطباق، ولم يجز إدغام الزاي في الدال، لأنها من حروف الصفير. ولكن ~~يجوز مزجر. ولم يدغم الضاد في الطاء لأن فيها استطالة. والمجهور من ~~الحروف: كل حرف اشبع الاعتماد عليه في موضعه ومنع النفس أن يجري معه. ~~والمهموس: كل حرف أضعف الاعتماد عليه في موضعه وجرى معه النفس. وقوله: { ~~إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } وإن كانت آية للجميع، لأن معناه " ~~إن كنتم مؤمنين " بالله إذ كان لا يصح العلم بمدلول المعجزة إلا لمن آمن ~~بالله، لأن العلم بالمرسل قبل العلم بالرسول. وإنما يقال هي آية للجميع ~~بأن يقدموا قبل ذلك الاستدلال على التوحيد. وأيضا بأن من استحق وصفه ~~بأنه مؤمن علم أن ذلك من آيات الله عز وجل. ### || [3.50] # الاعراب: # ومصدقا نصب على الحال وتقديره قد جئتكم مصدقا، لأن أول الكلام يدل ~~عليه ونظيره جئته بما يجب ومعرفا له، وليس عطفا على وجيها ولا رسولا ~~لقوله { لما بين يدي } ولم يقل لما بين يديه. # المعنى: # وقوله: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فانما أحل لهم لحوم الابل ~~والثروب وأشياء من الطير والحيتان، مما كان محرما في شرع موسى (ع) ولم ~~يحل لهم جميع ما كان محرما عليهم من الظلم، والغصب، والكذب، والعبث وغير ~~ذلك، فلذلك ms0684 قال { بعض الذي حرم عليكم } وبمثل هذا قال قتادة والربيع، ~~وابن جريج ووهب ابن منية، وأكثر المفسرين. وقال أبو عبيدة أراد كل الذي ~~حرم عليكم واستشهد على ذلك بقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # قال معناه أو يعتلق نفسي حمامها. وأنكر الزجاج تأويله. وقال: هو خطاء من ~~وجهين: # أحدهما - أن البعض لا يكون بمعنى الكل. والآخر - أنه لا يجوز تحليل ~~المحرمات أجمع، لأنه يدخل في ذلك الكذب، والظلم، والكفر قال: ومعنى البيت ~~أو يعتلق نفسي حمامها، كما يقول القائل: بعضنا يعرفك يريد أنا أعرفك، ~~وهذا أيضا إنما هو تبعيض صحيح. ووجه الآية ما ذكره أبو علي، وجماعة من ~~المفسرين. أن قوما من اليهود حرموا على نفوسهم أشياء ما حرمها الله ~~عليهم، فجاء بتحليل ذلك. قال الرماني: تأويل الآية على ما قالوه، لكنه لا ~~يمتنع أن يوضع البعض في موضع الكل اذا كانت هناك قرينة تدل عليه، كما ~~يجوز وضع الكل في موضع البعض بقرينة. # قوله: { ولأحل لكم } معطوف على معنى الكلام الأول، لأن معناه جئتكم ~~لأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم، كما يقول القائل: جئته معتذرا ~~ولأجتلب عطفه. والاحلال هو الاطلاق في الفعل بتحسينه، والتحريم هو حظر ~~الفعل بتقبيحه. والفرق بين التصديق، والتقليد أن التصديق لا يكون إلا ~~فيما يبرهن عند صاحبه. والتقليد يكون فيما لم يتبرهن، ولهذا لم نكن ~~مقلدين للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كنا مصدقين له. ### || [3.51] # قوله: { إن الله ربي وربكم } استئناف كلام، لأنه رأس آية، وعليه جميع ~~العلماء. وكان يجوز أن تفتح الهمزة على قوله: { وجئتكم } ب { أن الله ~~ربي وربكم }. والفرق بين قوله { إن الله ربي وربكم } وقوله { ربنا } أن ~~الأول آكد في إقراره بالربوبية، لأنه ذكر على التفصيل، فهو أبعد من الغلط ~~في التأويل، لأن لقائل أن يقول الذكر قد يجوز في الجملة على التغليب كما ~~يغلب التذكير على التأنيث في الجملة دون التفصيل. # والربوبية هي تنشئة الشيء حالا بعد حال حتى يبلغ حد ms0685 الكمال في التربية, ~~فلما كان الله تعالى مالكا لانشاء العالم كان ربا، ولا تطلق هذه الصفة ~~إلا عليه تعالى، لأن اطلاقها يقتضي الملك بجميع الخلق، فأما إجراؤها على ~~غيره، فعلى وجه التقييد، كقولك رب الدار، ورب الضيعة. وقالوا في وصف قوم ~~من العلماء: هم أرباب البيان يراد به شدة اقتدارهم عليه. وقوله: { هذا ~~صراط مستقيم } فالاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة، ونظيرها الاستواء: ~~خلاف الاعوجاج، فلذلك قيل للطريق المؤدي إلى المراد الموصل إلى الحق: ~~طريق الاستقامة، لأنه يفضي بصاحبه إلى غرضه، وقد استوفينا معناه في سورة ~~الحمد. وقد يوصف الدليل بأنه طريق مستقيم، لأنه يؤدي إلى الحق اليقين. ~~وفي الآية حجة على النصارى بما قاله المسيح مما يقرون به أنه في الانجيل ~~من نحو هذا الكلام، لأن فيه أذهب إلى إلهي، وإلهكم، كقوله ها هنا: { إن ~~الله ربي وربكم }. ### || [3.52] # اللغة: # الاحساس هو الوجود بالحاسة، أحس يحس إحساسا. والحس القتل، لأنه يحس ~~بألمه، ومنه قوله: # إذ تحسونهم بإذنه # والحس: العطف، لاحساس الرقة على صاحبه. والأصل فيه إدراك الشيء من جهة ~~الملابسة. ومعنى الآية: فلما علم عيسى منهم الكفر، قال: { من أنصاري إلى ~~الله }. والانصار جمع نصير مثل شريف وأشراف، وشهيد وأشهاد. وإنما لم يحمل ~~على ناصر لأنه يجب أن يحمل على نظيره من فعيل وأفعال. # المعنى: # وقوله: { من أنصاري إلى الله } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - من أعواني على هؤلاء الكفار إلى معونة الله أي مع معونة الله في ~~قول السدي، وابن جريج. وإنما جاز أن تكون (إلى) بمعنى (مع) لما دخل ~~الكلام من معنى الاضافة ومعنى المصاحبة، ونظيره (الذود إلى الذود إبل) أي ~~مع الذود. ومثله # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # أي مع أموالكم، وقولك: قدم زيد ومعه مال، فلا يجوز فيه إلى وكذلك قدم ~~إلى أهله، لا يجوز فيه مع، لاختلاف المعنى. # الثاني - قال الحسن من أنصاري في السبيل إلى الله، لأنه دعاهم إلى سبيل ~~الله. الثالث - قال الجبائي: من أنصاري لله، كما قال: # هل من شركائكم من ms0686 يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق # ووجه ذلك أن العرض يصلح فيه اللام على طريق العلة وإلى طريق النهاية. ~~فان قيل عيسى إنما بعث بالوعظ دون الحرب لم استنصر عليهم؟ قلنا: للحماية ~~من الكافرين الذين أرادوا قتله عند اظهار الدعوة - في قول الحسن ومجاهد - ~~وقال آخرون: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة وإنما قاله ~~ليتميز الموافق من المخالف. وقوله: { قال الحواريون } اختلفوا في تسميتهم ~~حواريين على ثلاثة أقوال قال سعيد بن جبير: سموا بذلك لنقاء ثيابهم. ~~الثاني - قال ابن جريج عن أبي أرطاء أنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. ~~الثالث - قال قتادة، والضحاك: لأنهم خاصة الأنبياء يذهب إلى نقاء قلوبهم ~~كنقاء الابيض بالتحوير. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ~~الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي. # اللغة: # وأصل الحواري الحور، وهو شدة البياض. ومنه الحواري من الطعام لشدة ~~بياضه. ومنه الأحور، والحوراء لنقاء بياض العين، ومنه الحواريات نساء ~~الانصار لبياضهن. قال أبو جلدة اليشكري: # فقل للحواريات يبكين غيرنا # ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح # وقال بعض بني كلاب: # ولكنه ألقى زمام قلوصه # ليحيا كريما أو يموت حواريا # أي ناصرا لرفاقه غير خاذل لهم. والمحور: الحديدة التي تدور عليها ~~البكرة، لأنها تنصقل حتى تبيض وحار يحور: إذا رجع، لانقلابه في الطريق ~~الذي جاء فيه كانقلاب المحور بالتحوير. # المعنى: # وفي الآية حجة على من زعم أن المسيح والذين آمنوا به، كانوا نصارى فبين ~~الله تعالى أنهم كانوا مسلمين كما بين ذلك في قصة ابراهيم (ع) حيث قال { ~~ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما }. ### || [3.53] # هذا حكاية لقول الحواريين حيث قالوا { آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون }. ~~قالوا { ربنا } ومعناه يا ربنا ونصبه، لأنه نداء مضاف. " آمنا " أي ~~صدقنا. وإنما لم يقل رب العباد آمنا للاختصاص بما أنعم به عليهم من ~~الايمان الذي أجابوا إليه دون غيرهم ممن عدل عنه. وإنما قال " ربنا آمنا ~~" على لفظ الخطاب ولم يعدل إلى لفظ الغائب، فكان أبلغ في ms0687 التعظيم، كما ~~تقول السمع والطاعة للملك، فيكون أفخم من أن يقال: لك أيها الملك، لأن ~~المشاهدة أغنت عن التصريح بالخطاب وصار كالاستدلال له مع الغنى عنه وليس ~~كذلك استعماله مع الحاجة إليه، لأنه لا يدل على ابتداء له. فان قيل لم ~~حذف (يا) من يا ربنا آمنا، ولم يحذف من # يا عبادي لا خوف عليكم # قلنا حذف للاستغناء عن تنبيه المدعو، وليس كذلك الثاني لأنه بشارة ~~للعباد ينبغي أن يمد بها لأن سماعها مما يسر. وقوله: { واتبعنا الرسول } ~~فالاتباع سلوك طريقة الداعي على الاجابة إلى ما دعا إليه، وليس كل إجابة ~~اتباعا، لأن اجابة الدعاء يجوز على الله تعالى ولا يجوز عليه الاتباع. ~~وقوله: { فاكتبنا مع الشاهدين } قيل معناه قولان: # أحدهما - اثبت اسماءنا مع اسمائهم لنفوز بمثل ما فازوا، وننال من ~~الكرامة مثل ما نالوا، ونستمتع بالدخول في جملتهم والانضمام إليهم. ~~الثاني - يصل ما بيننا وبينهم بالخلة على التقوى، والمودة على سلوك طريق ~~الهدى، وتجنب طريق الردى، وعلى هذا يكونون فيه بمنزلة من كتب عليهم. ~~وحقيقة الشاهد المخبر بالشيء عن مشاهدة، وقد يتصرف فيه، فيقال: البرهان ~~شاهد بحق أي هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة. ويقال هذا شاهد أي معد ~~للشهادة والمراد في الآية الشاهدين بالحق المنكرين للباطل. ### || [3.54] # المعنى: # قيل في معنى الآية قولان: # أحدهما - قال السدي مكروا بالمسيح بالحيلة عليه، لقتله { ومكر الله ~~بردهم } بالخيبة، لالقائه شبه المسيح على غيره. الثاني - { مكروا } ~~باضمار الكفر { ومكر الله } بمجازاتهم عليه بالعقوبة. والمكر، وإن كان ~~قبيحا فانما أضافه تعالى إلى نفسه لمزاوجة الكلام، كما قال: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم # وليس باعتداء وإنما هو جزاء، وهذا أحد وجوه البلاغة، لأنه على أربعة ~~أقسام: # أحدها - المزاوجة نحو { ومكروا ومكر الله }. والثاني - المجانسة نحو ~~قوله: # يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار # الثالث - المطابقة نحو قوله: # ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا # بالنصب على مطابقة الجواب للسؤال. والرابع - المقابلة نحو قوله: # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن ms0688 أن يفعل بها ~~فاقرة # قال الشاعر: # واعلم وأيقن ان ملكك زائل # واعلم بأن كما تدين تدان # أي كما تجزي تجزى. والأول ليس بجزاء وأصل المكر الالتفاف، فمنه المكر ~~ضروب من الشجر مثل الدعل ونحوه، لالتفافه. والممكورة من النساء الملتفة ~~والمكر طين أحمر شبيه بالمغرة. وثوب ممكور إذا صبغ بذلك الطين. والمكر ~~الاحتيال على العبد، لالتفاف المكروه عليه. وحد المكر: خبء يختدع به ~~العبد لايقاعه في الضر. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون، ~~لاظهار ما تعسر من الفعل من غير قصد إلى الاضرار بالعبد. والمكر حيلة على ~~العبد توقعه في مثل الرهق. ### || [3.55] # الاعراب: # العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين. # أحدهما - قوله: { ومكروا ومكرالله } { إذ قال }. والآخر ذاك { إذ قال ~~يا عيسى } وعيسى في موضع الضم، لأنه منادا مفرد، ولكن لا يبين فيه لأنه ~~منقوص، وعيسى لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف على قول الزجاج، لأنه حمل ~~الألف على حكم الملحق بمخرج ولم يحملها على التأنيث، فأما الألف في ~~زكريا، فلا يكون إلا للتأنيث، لأنه لا مثال له في الاصول. وإذا عرب جرى ~~على قياس كلامهم في أن الالف الزائدة لا تخلو أن تكون للتأنيث أو ~~للالحاق، فاذا بطل أحدهما صح أنها للآخر. وإنما وجب ذلك، لأنه يجري مجرى ~~الاعراب بالعوامل، فأما الاشتقاق، فلا يجب، لأنه تصريف من أصل المشتق، ~~وليس العربي بأصل للعجمي، وذلك نحو العيس وهو بياض الابل والعوس وهو ~~السياسة لو كان عربيا، لصلح أخذه من أحد الاصلين. وإذا أخذ من أحدهما ~~امتنع من الآخر، فلذلك إذا أخذ من العجمي امتنع من العربي. # وقوله: { إني متوفيك } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قابضك برفعك من الارض إلى السماء من غير وفاة موت في قول الحسن ~~وابن جريج وابن زيد. الثاني - متوفيك وفاة نوم في قول ابن عباس ووهب ابن ~~منية. والثالث - ان فيه تقديما وتأخيرا، ومعناه إني رافعك، ومتوفيك ~~فيما بعد ذكره الفراء. وقوله: { ورافعك } قيل في معناه قولان: # أحدهما - رافعك في السماء فجعل ذلك رفعا إليه ms0689 للتفخيم واجراءه على طريق ~~التعظيم. والآخر - مصيرك إلى كرامتي كما يقال رفع إلى السلطان، ورفع ~~الكتاب إلى الديوان. وقال ابراهيم { إني ذاهب إلى ربي }. وإنما ذهب من ~~العراق إلى الشام. وإنما أراد إلى حيث أمرني ربي بالمضي إليه. وقوله: { ~~ومطهرك } قيل فيه قولان: # أحدهما - مطهرك باخراجك من بين الارجاس، لأن كونه في جملتهم بمنزلة ~~التنجيس له بهم، وإن كان عليه السلام طاهرا في كل حال، وإنما ذلك على ~~ازالته عن مجاورة الانجاس. والثاني - قال أبو علي: تطهيره: منعه من كفر ~~يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لأن ذلك نجس طهره الله منه. وقوله: { ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } يحتمل أن يكون ~~جعلهم فوقهم بالحجة والبرهان، ويحتمل أن يكون ذلك بالعز والغلبة، وقال ~~الحسن، وقتادة، والربيع: المعني بهذه الآية أهل الايمان. وما جاء به دون ~~الذين كذبوه أو كذبوا عليه. وقال ابن زيد: المعني به النصارى، وهم فرق ~~اليهود من حيث كانوا اليهود أذل منهم إلى يوم القيامة، ولهذا زال الملك ~~عنهم وإن كان ثابتا في النصارى في بلاد الروم وغيرها، فهم أعز منهم ~~وفوقهم. وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم ~~القيامة كما للروم. والوجه الأول أقوى، لأنه أظهر إذا كان على جهة ~~الترغيب في الحق، وقوله: { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون } وجه اتصاله بالكلام كأنه قال أما الدنيا فأنتم فيها على هذه ~~الحال، وأما الآخرة. فيقع فيها التوفية للحقوق على التمام والكمال. وإنما ~~عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: { ثم إلي مرجعكم } لتغلب الحاضر على ~~الغائب لما دخل معه في المعنى كما يقول بعض الملوك: قد بلغني عن أهل بلد ~~كذا جميل، فأحسن إليكم معشر الرعية. ### || [3.56] # معنى قوله { فأما } تفصيل المجمل على قولك فيجازي العباد أما المؤمن ~~فبالثواب وأما الكافر فبالعقاب. وقوله: { فأعذبهم } فالعذاب: استمرار ~~الآلام لأن أصله استمرار الشيء، فمنه العذوبة لاستمرار العذب في الحلق، ~~ومنه العذبة لاستمرارها بالحركة. وقوله " شديدا " فالشدة صعوبة ms0690 ~~بالانتقام. والقوة: عظم القدرة، فالشدة نقيض الرخاوة. والقوة نقيض الضعف، ~~فشدة العذاب قد تكون بالتضعيف، وقد تكون بالتحبيس. وقوله: { في الدنيا ~~والآخرة } فعذابهم في الدنيا اذلالهم بالقتل، والأسر، والسبي، والخسف، ~~والجزية، وكلما فعل على وجه الذلة والاهانة. وفي الآخرة عذاب الأبد. ~~والفرق بين الآخرة والانتهاء أن الآخرة قد تكون بعد العمل، فأما الانتهاء ~~فجزء منه لا يكون بعد كماله هذا إذا اطلق فان اضيف فقيل آخر العمل فمعناه ~~انتهاء العمل. وقوله: { وما لهم من ناصرين } فالنصرة هي المعونة على ~~العدو خاصة. والمعونة هي زيادة في القوة وقد تكون على العدو، وغير العدو. ### || [3.57] # قرأ { فيوفيهم } بالياء حفص ورويس. الباقون بالنون. # فان قيل: لم كرر الوعد ها هنا وقد ذكر في غير هذا الموضع من القرآن؟ ~~قلنا: ليس ذلك بتكرير في المعنى، لأن معنى ذلك آمنوا بك يا عيسى وعملوا ~~الصالحات فيما دعوتهم إليه من الهدى، لأنه تفصيل ما أجمل في قوله: { ثم ~~إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } وقوله: { وعملوا ~~الصالحات } ليس بتقييد للوعد بكل واحدة من الخصلتين على اختلاف فائدة ~~الصفتين، وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى يريد ~~الظلم، لأنه قال: { لا يحب الظالمين } وإذا لم يحب الظالم لم يحب فعل ~~الظلم، لأنه إنما لم يجز محبة الظالم لظلمه. # والمحبة هي الارادة، وفي الآية دلالة على أنه لا يجازي المحسن بما ~~يستحقه المسيء ولا المسيء بما يستحقه المحسن، لأن ذلك ظلم. ومعنى التوفية ~~في الآية مساواة مقدار الاستحقاق لأن المقدار لا يخلو أن يكون مساويا أو ~~زائدا أو ناقصا، والزيادة على مقدار الاستحقاق لا يجوز أن يعطي ثواب ~~العمل من ليس بعامل لكن تجوز الزيادة على وجه التفضل، فأما التوفية، ~~فواجبه في الحكمة والنقصان لا يجوز، لأنه ظلم. وفي الآية دلالة على بطلان ~~القول بالتحابط، لأنه تعالى وعد بتوفية الاجور ولم يشرط الاحباط، فوجب ~~حمل الكلام على ظاهره. ### || [3.58] # المعنى: # { ذلك } اشارة إلى الاخبار عن عيسى، وزكريا، ويحيى، عن الحواريين، ~~واليهود من ms0691 بني إسرائيل، وهو في موضع نصب بما تقدم. و { نتلوه عليك } لما ~~فيه من الآية لمن تذكر في ذلك واعتبر به. والذكر وإن كان حكمة فانما وصفه ~~بأنه حكيم من حيث لما كان ما فيه من الدلالة بمنزلة الناطق بالحكمة حسن ~~وصفه بأنه حكيم من هذه الجهة، كما وصفت الدلالة بأنها دليل لما فيها من ~~البيان، وذلك لأنه الناطق بالبيان. # الاعراب: # وموضع { نتلوه } من الاعراب يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون رفعا بأنه خبر ذلك، والثاني - ألا يكون له موضع، ~~لأنه صلة ذلك وتقديره: الذي نتلوه عليك من الآيات، ويكون موضع " من ~~الآيات " رفعا بأنه خبر ذلك. ذكره الزجاج وأنشدوا في مثله: # عدس ما للعباد عليك إمارة # أمنت وهذا تحملين طليق # بمعنى والذي تحملين طليق. # المعنى: # وقيل في معنى قوله: { نتلوه عليك } قولان: # أحدهما - نكلمك به، ويكون وضع { نتلوه } موضع نكلم كما يقول القائل: ~~انشأ زيد الكتاب وتلاوة عمرو، فالتلاوة تكون اظهار الكلام على جهة ~~الحكاية الثاني - { نتلوه عليك } بأمرنا جبريل أن يتلوه عليك على قول ~~الجبائي، والذكر حصول ما به يظهر المعنى للنفس ويكون كلاما وغير كلام من ~~بيان أو خاطر على البال، وليس إذا ظهر الشيء للنفس دل على صحته، لأن ~~الضدين قد يظهران ولا يجوز صحتهما معا. ### || [3.59] # قال ابن عباس، والحسن وقتادة: هذه الآية نزلت في وفد نجران: السيد ~~والعاقب، قالا للنبي (صلى الله عليه وسلم) هل رأيت ولدا من غير ذكر، ~~فأنزل الله تعالى الآية. والمثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل ~~الأول، فذكر الله آدم بأن انشأه من غير والد يدل على أن سبيل الثاني سبيل ~~الأول في باب الامكان، والقدرة. وفي ذلك دلالة على [بطلان قول] من حرم ~~النظر، لأن الله تعالى احتج به على المشركين ولا يجوز أن يدلهم إلا بما ~~فيه دليل فقياس خلق عيسى من غير ذكر كقياس خلق آدم بل هو فيه أوجب, لأنه ~~في آدم من غير أنثى, ولا ذكر. ومعنى " خلقه " أنشأه, ولا موضع له من ms0692 ~~الاعراب، لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم من حيث هو نكرة، ولا يكون حالا ~~له، لأنه ماض فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ من علامات الاتصال من ~~اعراب أو مرتبة كالصلة. وقوله: { كن فيكون } قد بينا معناه فيما مضى وأنه ~~اخبار عن سرعة الفعل وتيسره من غير مشقة ولا إبطاء. وقيل إنه يفعله عند ~~قوله: { كن } ويكون ذلك علامة للملائكة على ما يريد الله إنشاءه. وقوله: ~~{ فيكون } رفع لا يجوز فيه النصب على جواب الأمر في كن، لأن جواب الشرط ~~غيره في نفسه أو معناه نحو اتني فاكرمك واتني فتحسن إلي، فهذا يجوز، لأن ~~تقديره فانك إن تأتني تحسن إلي، ولا يجوز تقدير (أن)، فيكون بالنصب، لأن ~~تقدير كن فانك أن تكن فهذا لا يصح، لأن الجواب هو الشرط على معناه، ولكن ~~يجوز الرفع على فهو يكون. ### || [3.60] # الاعراب: # الحق رفع بأنه خبر ابتداء محذوف وتقديره ذلك الاخبار في أمر عيسى الحق ~~من ربك، فحذف، لتقدم ذكره وأغنى بشاهد الحال عن الاشارة إليه كما تقول ~~الهلال أي هذا الهلال. # المعنى واللغة: # وقوله: { فلا تكن من الممترين } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون خطابا للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به غيره، ~~كما قال. # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # والآخر - { فلا تكن من الممترين } أيها السامع للبرهان من المكلفين ~~كائنا من كان. # والامتراء الشك، ومثله المرية وأصله الاستخراج مرى الضرع يمريه مريا: ~~إذا استخرج اللبن منه يمسحه ليدر، وكذلك الريح تمري السحاب مريا. ~~فالامتراء شك كحال المستخرج لما لا يعرف. وإنما قال: { الحق من ربك } ولم ~~يقتصر على قوله: { ذلك الحق } { فلا تكن من الممترين } لأن في هذه الآية ~~دلالة على أنه الحق، لأنه من ربك، ولو قال ذلك الحق " فلا تكن من ~~الممترين " لأن في هذه الآية دلالة على أنه الحق، لأنه من ربك. ولو قال: ~~ذلك الحق فلا تكن لم يفد هذه الفائدة. والفرق بين قوله: { فلا تكن من ~~الممترين } وبين قوله: فلا تكن ممتريا أن ms0693 ذلك أبلغ في النهي، لأنه اشارة ~~إلى قوم قد عرفت حالهم في النقص والعيب. ### || [3.61] # المعنى: # الهاء في قوله: { فيه } يحتمل أن تكون عائدة إلى أحد أمرين: # أحدهما - إلى عيسى في قوله: { إن مثل عيسى عند الله } في قول قتادة. ~~الثاني - أن تكون عائدة على الحق في قوله { الحق من ربك }. والذين دعاهم ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) في المباهلة نصارى نجران، ولما نزلت الآية ~~أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم ~~السلام، ثم دعا النصارى إلى المباهلة، فاحجموا عنها، وأقروا بالذلة ~~والجزية. ويقال: إن بعضهم قال لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي نارا عليكم ~~ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة. # وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لأصحابه: مثل ذلك. ولا خلاف بين ~~أهل العلم أنهم لم يجيبوا إلى المباهلة. # اللغة، والمعنى: # و " تعالوا " أصله من العلو، يقال منه تعاليت أتعالى تعاليا: إذا جئت ~~وأصله المجيء إلى الارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجيء ~~وصار تعالى بمنزلة هلم. وقيل في معنى الابتهال قولان: # أحدهما - الالتعان بهله الله أي لعنه وعليه بهلة الله. الثاني { نبتهل } ~~ندعوا بهلاك الكاذب. وقال لبيد: # نظر الدهر إليهم فابتهل # أي دعا عليهم بالهلاك كاللعن، وهو المباعدة من رحمة الله عقابا على ~~معصيته فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك، ~~وقال أبو بكر الرازي: الآية تدل على أن الحسن والحسين ابناه، وأن ولد ~~البنت ابن على الحقيقة. وقال ابن أبي علان: فيها دلالة على أن الحسن ~~والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع ~~البالغين. # واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين (ع) كان أفضل الصحابة ~~من وجهين: # أحدهما - أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل وذلك لا يصح أن يفعل ~~إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعا على صحة عقيدته أفضل الناس عند الله. # والثاني - أنه (صلى الله عليه وسلم) جعله مثل نفسه ms0694 بقوله: { وأنفسنا ~~وأنفسكم } لأنه أراد بقوله: { أبناءنا } الحسن والحسين (ع) بلا خلاف. ~~وبقوله: { ونساءنا ونساءكم } فاطمة (ع) وبقوله: { وأنفسنا } أراد به ~~نفسه، ونفس علي (ع) لأنه لم يحضر غيرهما بلا خلاف، وإذا جعله مثل نفسه، ~~وجب ألا يدانيه أحد في الفضل، ولا يقاربه. ومتى قيل لهم أنه أدخل في ~~المباهلة الحسن والحسين (ع) مع كونهما غير بالغين وغير مستحقين للثواب، ~~وإن كانا مستحقين للثواب لم يكونا أفضل الصحابة. قال لهم أصحابنا: إن ~~الحسن والحسين (ع). كانا بالغين مكلفين، لأن البلوغ وكمال العقل لا يفتقر ~~إلى شرط مخصوص، ولذلك تكلم عيسى في المهد بما دل على كونه مكلفا عاقلا، ~~وقد حكيت ذلك عن امام من أئمة المعتزلة مثل ذلك وقالوا أيضا أعني ~~أصحابنا: إنهما كانا أفضل الصحابة بعد أبيهما وجدهما، لأن كثرة الثواب ~~ليس بموقوف على كثرة الافعال، فصغر سنهما لا يمنع من أن يكون معرفتهما ~~وطاعتهما لله، وإقرارهما بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقع على وجه يستحق ~~به من الثواب ما يزيد على ثواب كل من عاصرهما سوى جدهما وأبيهما. وقد ~~فرغنا الكلام في ذلك واستقصيناه في كتاب الامامة. ### || [3.62] # المعنى، واللغة: # إن قيل: لم قال: { إن هذا لهو القصص } مع قيام الحجة، وشهادة المعجزة ~~له؟ قلنا: معناه البيان عن أن مخالفتهم له بعد وضوح أمره يجري مجرى ~~العناد فيه، وكذلك قوله: { وما من إله إلا الله }. والقصص: الخبر الذي ~~تتابع فيه المعاني وأصله اتباع الاثر، وفلان يقص أثر فلان أي يتبعه. ~~وقوله: { وما من إله إلا الله } دخول (من) فيه تدل على عموم النفي لكل ~~إله غير الله. ولو قال: ما إله إلا الله لم يفد ذلك وإنما أفادت (من) هذا ~~المعنى، لأن أصلها لابتداء الغاية فدلت على استغراق النفي من ابتداء ~~الغاية إلى انتهائها. ولا يجوز جر اسم الله على البدل من إله، لأن ذلك لا ~~يحسن في الكلام، لأن (من) لا تدخل في الايجاب وما بعد (إلا) هنا إيجاب، ~~ولا تدخل أيضا على المعرفة للعموم، ولا يحسن ms0695 إلا رفعه على الموضع، كأنه ~~قيل ما لكم إله إلا الله. وما لكم مستحق للعبادة إلا الله قال الشاعر: # ابني لبيني لستم بيد # الا يد ليست لها عضد # أنشدوه بالجر، فعلى هذا يجوز ما جاءني من رجل إلا زيد، وليس هو وجه ~~الكلام، ولكنه يتبعه وإن لم يصلح إعادة العامل فيه، كما يقال: اختصم زيد ~~وعمرو، ولا يجوز واختصم عمرو، وقوله: { وإن الله لهو العزيز الحكيم } ~~معناه لا أحد يستحق إطلاق هذه الصفة إلا هو، فوصل ذلك بذكر التوحيد في ~~الآهية لأنه حجة على صحته من حيث لو كان إله آخر، لبطل إطلاق هذه الصفة. # الاعراب: # وموضع هو من الاعراب يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون فصلا، وهو الذي تسمية الكوفيون عمادا، فلا يكون له ~~موضع من الاعراب، لأنه في حكم الحرف ويكون القصص خبر إن. والآخر - أن ~~يكون إسما موضعه رفع بالابتداء والقصص خبر إن والجملة خبر إن. ### || [3.63] # اللغة والمعنى: # التولي عن الحق هو اعتقاد خلافه بعد ظهوره، لأنه كالادبار عنه بعد ~~الاقبال. وتولى عنه خلاف تولى إليه. والاصل واحد كما أن رغب عنه خلاف رغب ~~فيه. وهو الزوال بالوجه عن جهته إلى غيره، فأصل التولي كون الشيء يلي ~~غيره من غير فصل بينه وبينه، فقيل تولى عنه أي زال عن جهته. وقوله: { فإن ~~الله عليم بالمفسدين } إنما خص المفسدين بأنه عليم بهم على جهة التهديد ~~لهم، والوعد بما يعلمه مما وقع من إفسادهم كما يقول القائل أنا أعلم بسر ~~فلان، وما يجري إليه من الفساد. والافساد إيقاع الشيء على خلاف ما توجبه ~~الحكمة، وهو ضد الاصلاح، لأنه ايقاع الشيء على مقدار ما توجبه الحكمة. ~~والفرق بين الفساد، والقبيح: أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعو إليه ~~الحكمة بدلالة أن نقيضه الصلاح، فاذا قصر عن المقدار أو أفرط لم يصلح، ~~فاذا كان على المقدار صلح، وليس كذلك القبيح، لأنه ليس فيه معنى المقدار. ~~وإنما القبيح ما تزجر عنه الحكمة كما أن الحسن ما تدعوا إليه الحكمة. ### || [3.64] # النزول: # قيل ms0696 في من نزلت هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها - ذكره الحسن، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن جعفر بن الزبير: أنهم ~~نصارى نجران. والثاني - قال قتادة، والربيع، وابن جريج: أنهم يهود ~~المدينة، وقد روى ذلك أصحابنا. ووجه هذا القول أنهم أطاعوا الاحبار طاعة ~~الأرباب، فسلكوا بهم طريق الضلال. ويدل على ذلك قوله: (عز وجل) # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال ما عبدوهم من دون الله وإنما حرموا ~~لهم حلالا وأحلوا لهم حراما، فكان ذلك اتخاذ الارباب من دون الله. ~~الثالث - ذكره أبو علي الجبائي أنها في الفريقين من أهل الكتاب على ظاهر ~~الكلام. # المعنى، والاعراب، واللغة: # وقوله: { إلى كلمة سواء } فسواء إسم وليس بصفة وإنما جر سواء بتقدير ذات ~~سواء في قول الزجاج. وكان يجوز نصبه على المصدر، وموضع " أن لا " خفض على ~~البدل من { كلمة }. وقال الرماني: إنما أجراه على الاول، وهو الثاني ولا ~~يجوز في مثل قولك مررت برجل سواء عليه الخير والشر غير الرفع لأمرين: # أحدهما - أن رفع الثاني بتقدير محذوف، كأنه قال هي { ألا تعبد إلا الله ~~} ، فيكون سواء من صفة الكلمة في اللفظ، والمعنى. ويجوز أن يكون موضعه ~~خفضا على البدل من الكلمة، وتقديره تعالوا إلى ألا نعبد إلا الله، وكذلك ~~جاء ما لا يصلح للأول على الاستئناف، نحو # الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد # وكذلك # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سواء محياهم ومماتهم # الثاني - أن يقع بمعنى المصدر في موضع الصفة الجارية بتقدير { كلمة } ~~مستوية { بيننا وبينكم } فيها الامتناع من عبادة غير الله. وإنما جاز، ~~لأن لا نعت بغير معنى الكلمة، فصار بمنزلة إضمار الكلمة. والفرق بين كلمة ~~عدل وكلمة سواء [أن " كلمة سواء " ] بمعنى مستوية وأن عدل بمعنى عادلة ~~فيما يكون منها، كما تقول رجل عدل أي عادل، فاما كلمة مستوية فمستقيمة، ~~كما يقال: الرجل مستو - في نفسه - غير مائل عن جهته, فلذلك فسر سواء على ~~الوجهين، فكان يجوز ms0697 في العربية الجزم في { ألا نعبد إلا الله } على طريق ~~النهي، كقولك اتني وقت يأتي الناس لا تجيء في غير ذلك من الأوقات، ويجوز ~~فيه الرفع أيضا بمعنى الحكاية على أن تقول { لا نعبد إلا الله } وأجاز ~~الفراء الجزم عطفا على موضع (أن) لأنها في موضع جواب الامر على تقدير { ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ~~} كما تقول: تعالوا لا نقل إلا خيرا، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن ~~(أن) لا توافق معنى الجواب كالفاء في قوله: # فأصدق وأكن من الصالحين # كما توافقه { إذا } في قوله: # وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون # واللام في قوله: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } إنما اتصل بما ~~قبله على تقدير قابلوا إعراضهم عن الحق بخلافه للانكار عليهم وتجديدا ~~للاقرار به عند صدهم أي أقيموا على إسلامكم، وقولوا لهم: { اشهدوا بأنا ~~مسلمون } مقيمون على الاسلام. ### || [3.65] # النزول: # روي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران ~~اجتمعوا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فتنازعوا في ابراهيم، فقالت ~~اليهود: ما كان إلا يهوديا. وقالت النصارى ما كان إلا نصرانيا، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # اللغة: # وقوله: { لم تحاجون } فالحجاج، والمحاجة واحد، وهو الجدال أما بحجة أو ~~شبهة، وقد يسمى الجدال بابهام الحجة حجاجا، وعلى ذلك كان أهل الكتاب في ~~ادعائهم لابراهيم، لأنهم أوهموا صحة الدعوى من غير سلوك لطريق الهدى ولا ~~تعلق بما يظن به صحة المعنى. وأما الحجة فهو البيان الذي يشهد لصحة ~~المقالة، وهي والدلالة بمعنى واحد. والفرق بين الحجاج والجدال أن الحجاج ~~يتضمن اما بحجة أو شبهة أو ابهام في الحقيقة، لأن أصله من الجدل، وهو شدة ~~الفتل. # المعنى: # وقوله: { أفلا تعقلون } معناه أفلا تعقلون فساد هذه الدعوى إذ العقل ~~يمنع من الاقامة على دعوى بغير حجة، فكيف بما قد علم، وظهر فساده ~~بالمناقضة. وفي ذلك دلالة على أن العاقل لا يعذر في الاقامة على الدعوى ~~من ms0698 غير حجة، لما فيه من البيان عن الفساد والانتقاض. ولأن العقل طريق ~~العلم، فكيف يضل عن الرشد قد جعل الله إليه السبيل!. ### || [3.66] # القراءة: # قرأ أهل المدينة وأبو عمرو { ها أنتم } بتخفيف الهمزة حيث وقع الباقون ~~بتخفيفها وكلهم أثبت الالف قبل الهمزة إلا ابن عامر عن قنبل فانه حذفها. # المعنى واللغة: # { ها } للتنبيه وإنما نبههم على أنفسهم وإن كان الانسان لا ينبه على ~~نفسه وإنما ينبه على ما أغفله من حاله، لأن المراد بذلك تنبيههم بذكر ما ~~يعلمون على ما لا يعلمون، فلذلك خرج التنبيه على النفس، والمراد على حال ~~النفس. ولو جاء على الاصل، لكان لا بد من ذكر النفس للبيان، ففيه مع ذلك ~~ايجاز. وقد كثر التنبيه في هذه ولم يكثر في ها أنت، لأن ذا مبهم من حيث ~~يصلح لكل حاضر والمعنى فيه على واحد بعينه مما يصلح له فقوى بالتنبيه، ~~لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك أنت، لأنه لا يصلح لكل حاضر في ~~الجملة، وإنما هو للمخاطب. إن قيل أين خبر أنتم في { ها أنتم }؟ قيل: ~~يحتمل أمرين: # أحدهما - حاججتم على أن يكون { هؤلاء } تابعا عطف بيان. # والثاني - أن يكون الخبر { هؤلاء } على معنى هؤلاء بمعنى الذين وما بعده ~~صلة له. فان قيل: ما الذي حاجوا فيه مما لهم به علم؟ قلنا: أما الذي لهم ~~به علم فما وجدوه في كتبهم، لأنهم يعلمون أنهم وجدوه فيها وأما الذي ليس ~~لهم به علم فشأن إبراهيم على قول السدي وأبي علي. وقوله: { والله يعلم } ~~يعني شأن ابراهيم وكلما ليس عليه دليل، لأنه علام الغيوب العالم بغير ~~تعليم { وأنتم لا تعلمون } ذلك، فينبغي أن تلتمسوا حقه من باطله من جهة ~~عالم به. قال أبو علي الفارسي: وجه قراءة إبن كثير أنه أبدل من الهمزة ~~هاء والتقدير أأنتم، فابدل من همزة الاستفهام هاء، وذلك جائز. قال: ولا ~~يجوز على هذا أن تكون (ها) للتنبيه. وحذف الألف منها في مثل هلم، لأن ~~الحذف إنما يجوز إذا كان فيها تضعيف. ### || [3.67] ms0699 # المعنى: # ذكر الحسن، وقتادة، وعامر، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): أن اليهود قالت: ~~كان ابراهيم يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، فاكذبهم الله في ذلك ~~بانزال هذه الآية. فان قيل: هل كان الله تعبد باليهودية والنصرانية ثم ~~نسخها أم لا؟ قلنا: كان الذي بعثه الله به شرع موسى ثم شرع عيسى ثم ~~نسخهما فأما اليهودية والنصرانية فصفتا ذم قد دل القرآن والاجماع على ~~ذلك، لأن موسى لم يكن يهوديا، وعيسى لم يكن نصرانيا، لقوله تعالى: { إن ~~الدين عند الله الإسلام } واليهودية ملة محرفة عن شرع موسى وكذلك ~~النصرانية محرفة عن شرع عيسى. وقيل في أصل الصفة بيهود قولان: # أحدهما - أنهم ولد يهود. والآخر - أنه مأخوذ من هاد يهود إذا رجع. وفي ~~النصارى قولان: # أحدهما - أنه مأخوذ من ناصرة قرية بالشام. والآخر - أنه من نصر المسيح. ~~وكيف تصرفت الحال فقد صارتا صفتي ذم تجريان على فرقتين ضالتين. # فان قيل: إن كان ابراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، لأن التوراة ~~والانجيل أنزلا بعده، فيجب أن لا يكون مسلما، لأن القرآن أيضا أنزل ~~بعده؟ قلنا: لا يجب ذلك، لأن التوراة والانجيل أنزلا من بعده من غير أن ~~يكون فيها ذكر له بأنه كان يهوديا أو نصرانيا. والقرآن أنزل من بعده ~~وفيه الذكر له بأنه كان حنيفا مسلما. وقيل في معنى الحنيف قولان: # أحدهما - المستقيم الدين، لأن الحنف هو الاستقامة في اللغة. وإنما سمي ~~من كان معوج الرجل أحنف على طريق التفاؤل كما قيل للضرير إنه بصير. ~~والثاني - إن الحنيف هو المائل إلى الحق في الدين فيكون مأخوذا من الحنف ~~في القدم، وهو الميل. فان قيل: هل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه الآن ~~من شرع الاسلام؟ قلنا. هو (ع) كان مسلما، وإن كان على بعض شريعتنا، لأن ~~في شرعنا تلاوة الكتاب في صلاتنا وما أنزل القرآن إلا على نبينا، وإنما ~~قلنا: إنه مسلم باقامة بعض الشريعة، لأن أصحاب النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشرع. وقد سماه ms0700 الله تعالى ~~مسلما، فلا مرية تبقى بعد ذلك. ### || [3.68] # المعنى: # معنى قوله: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي } أي ~~أحقهم بنصرته بالمعونة أو الحجة، لأن الذين اتبعوه في زمانه تولوه ~~بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره، وعلت كلمته. وسائر المؤمنين يتولونه ~~بالحجة بما كان عليه من الحق وتبرئته من كل عيب، فالله تعالى ولي ~~المؤمنين، لأنه يوليهم النصرة، والمؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه. ~~وقيل، لأنه يولي صفاته التعظيم. ويجوز، لانهم يتولون نصرة ما أمره به من ~~الدين. وقيل والله ولي المؤمنين، لأنه يتولى نصرهم. والمؤمنون أولياء ~~الله، لأنهم يتولون نصر دينه الذي أمرهم به. # اللغة: # { وأولى } الذي هو بمعنى أفعل من غيره لا يجمع ولا يثنى، لأنه يتضمن ~~معنى الفعل والمصدر على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه. ومعنى ~~قولنا: هذا الفعل أولى من غيره أي بأن يفعل. وقولنا زيد أولى من غيره ~~معناه: أنه على حال هو بها أحق من غيره. وقوله: { للذين اتبعوه } ~~فالاتباع جريان الثاني على طريقة الاول من حيث هو عليه كالمدلول الذي ~~يتبع الدليل في سلوك الطريق أو في التصحيح، لأنه إن صح الدليل صح المدلول ~~عليه لصحته، وكذلك المأموم الذي يتبع الامام. # فان قيل: لم فصل ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) من ذكر المؤمنين؟ قلنا: ~~يحتمل أمرين: # أحدهما - أنه بمعنى والذين آمنوا به، فتقدم ذكره ليدخل في الولاية ويعود ~~إليه الكتابة. والثاني - أن اختصاصه بالذكر بالحال العليا في الفضل. ### || [3.69] # اللغة: # معنى ودت: تمنت وإذا كانت بمعنى التمني، فهي تصلح للماضي والحاضر ~~والمستقبل فلذلك جاز ب (لو) وليس كذلك المحبة والارادة، لأنهما لا ~~يتعلقان إلا بالمستقبل فلا يجوز أن يكون بمعنى أرادت { لو يضلونكم } كما ~~يجوز ودت { لو يضلونكم } ، لأن الارادة تجري مجرى الاستدعاء إلى الفعل أو ~~مجرى العلة في ترتيب الفعل، فأما التمني، فهو تقدير شيء في النفس يستمتع ~~بتقريره. والفرق بين ود لو يضله، وبين ود أن يضله: أن (أن) للاستقبال ~~وليس كذلك (لو) وقوله: { لو ms0701 يضلونكم } فالاضلال: الاهلاك بالدخول في ~~الضلال. وأصل الضلال الهلاك من قوله: # أئذا ضللنا في الأرض # أي هلكنا. # المعنى: # وقوله: { وما يضلون إلا أنفسهم } قيل فيه قولان: # أحدهما - أن المؤمنين لا يقبلون ما يدعونهم إليه من ترك الاسلام إلى ~~غيره من الاديان فيحصل عليهم حينئذ الأثم والوبال، والاستدعاء إلى ~~الضلال. # والثاني - { وما يضلون إلا أنفسهم } بفعل الضلال كما يقال ما أهلك إلا ~~نفسه أي لا يعتد بهلاك غيره في عظم هلاكه. # اللغة: # والفرق بين أضله عن الطريق وبين أخرجه عن الطريق: أن أضله عنه يكون ~~بالاستدعاء إلى غيره دون فعل الضلال. واخرجه عنه قد يكون بفعل الخروج ~~منه. # والفرق بين الاضلال والاستدعاء إلى الضلال أن الاضلال لا يكون إلا إذا ~~قبل المدعو، فأما الاستدعاء إلى الضلال، فيكون، قبل المدعو أم لم يقبل. ~~وحقيقة الاضلال: الدعاء إلى الضلال الذي يقبله المدعو. وقال بعضهم: إنه ~~لا يصح إضلال أحد بغيره. وإنما يقال ذلك على وجه المجاز ذهب إلى أنه يفعل ~~فعل الضلال في غيره، لأنه لا يوصف بأنه مضل لغيره إلا إذا أضل المدعو ~~باغوائه. قال الرماني: وهذا غير صحيح، لأنه يذم بالاستدعاء إلى الضلال ~~الذي يقبله المدعو أكثر مما يذم بالاستدعاء إلى الضلال الذي لا يقبله ~~المدعو، فلذلك فرق بين الاستدعاءين فوصف أحدهما بالاضلال ولم يوصف الآخر. ### || [3.70] # اللغة: # قوله: { يا أهل } نصب، لأنه منادى مضاف. وقوله: { لم } أصله لما، لأنها ~~(ما) التي للاستفهام دخلت عليها اللام وإنما حذفت لاتصالها بحرف الاضافة ~~مع وقوعها ظرفا تدل عليها الفتحة. وكذلك قياسها مع سائر حروف الاضافة مثل # فيم تبشرون # عم يتساءلون # وإنما حذفت الالف من (ما) في الاستفهام، ولم تحذف من (ما) في الصلات لأن ~~الظرف أقوى على التغيير من وسط الاسم كما يقوى على التغيير بالاعراب، ~~والتنوين. والالف في الصلة بمنزلة حرف في وسط الاسم، لأنه لا يتم إلا ~~بصلته، وليس كذلك الاستفهام، لأن الالف فيه منتهى الاسم، و (لم) أصلها ~~(لما) وهي مخالفة عند البصريين ل (كم) على ما قاله الكسائي أن ms0702 اصلها ~~كما، لأن (كم) مخالفة (لما) في اللفظ، والمعنى: أما في اللفظ، فلأنه كان ~~يجب أن تبقى الفتحة لتدل على الالف، كما بقيت في (لم) ونحوه، والامر ~~بخلافه. وأما في المعنى، فلأن (كم) سؤال عن العدد، و (ما) سؤال عن الجنس، ~~فليست منها في شيء، ولا لكاف التشبيه في (كم) معنى، ويلزمه في متى أن ~~تكون أصلها (ما) إلا أنهم زادوا التاء، لأنه تغيير من غير دليل، فاذا لم ~~يمنع في أحدهما لم يمنع في الآخر. وإنما بني على نظيره في حذف الالف، ~~فلذلك يلزمه أن يبنى على نظيره في زيادة التاء قبل الالف، نحو { رهبوتى ~~خير من رحمونى } قال الزجاج: قول الكسائي في هذا لا يعرج عليه. # المعنى: # وقوله: { لم تكفرون بآيات الله } معناه لم تجحدون آيات الله. { وأنتم ~~تشهدون } قيل في معناه قولان: # أحدهما - وأنتم تشهدون بما يدل على صحتها من كتابكم الذي فيه البشارة ~~بها في قول قتادة والربيع والسدي. # والثاني - وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الانبياء التي تقرون بها. ~~والشهادة الخبر بالشيء عن مشاهدة: إما للخبر به، وإما لما يظهر به ظهوره ~~بالمشاهدة. فاذا شهد بالاقرار، فهو مشاهدة المخبر به، وإذا شهد بالملك، ~~فهو يظهر به ظهوره بالمشاهدة. وإنما قيل: شهد بالباطل، لأنه يخبر عن ~~مشاهدة في دعواه. وقوله: { وأنتم تشهدون } فيه حذف، وتقديره { وأنتم ~~تشهدون } ما عليكم فيه الحجة فحذف للايجاز مع الاستغناء عنه بالتوبيخ ~~الذي تضمنه الكلام. والحجة في ذلك من وجهين: # أحدهما - الاقرار بما فيه من البشارة من الكتاب. والثاني - الاقرار ~~بمثله من الآيات. ### || [3.71] # المعنى: # قيل في معنى قوله: { لم تلبسون الحق بالباطل } ثلاثة أقوال: # أحدها - بتحريف التوراة والانجيل في قول الحسن وابن زيد. # الثاني - قال ابن عباس، وقتادة: باظهار الاسلام، وإبطان النفاق، وفي ~~قلوبهم من اليهودية والنصرانية مأمنا، لأنهم يداعوا إلى اظهار الاسلام ~~في صدر النهار والرجوع عنه في آخره لتشكيك الناس فيه. # الثالث - بالايمان بموسى، وعيسى، والكفر بمحمد (صلى الله عليه وسلم). # والحق الذي كتموه - في قول الحسن، وغيره من ms0703 المفسرين -: هو ما وجدوه من ~~صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) والبشارة به في كتبهم على وجه العناد من ~~علمائهم. وقوله: { وأنتم تعلمون } فيه حذف وتقديره وأنتم تعلمون الحق، ~~لأن التقريع قد دل على أنهم كتموا الحق وهم يعلمون أنه حق. ولو كتموه وهم ~~لا يعلمون أنه حق لم يلائم معنى التقريع الذي دل على أنهم كتموا الحق وهم ~~يعلمون أنه حق ولم يلائم معنى التقريع الذي دل عليه الكلام. وقيل أيضا: ~~وأنتم تعلمون الأمور التي يصح بها التكليف. والأول أصح، لما بيناه من ~~الذم على الكتمان. # فان قيل: إذا كانوا يعلمون الحق في الدين، فقد صح كونهم معاندين فلم ~~ينكر مذهب أصحاب المعارف الذين يقولون أن كل كافر معاند؟ قلنا: هذا في ~~قوم مخصوصين يجوز على مثلهم الكتمان، فأما الخلق الكثير، فلا يصح ذلك ~~منهم، كما يجوز الكتمان على القليل، ولا يجوز على الكثير فيما طريقه ~~الاخبار. على أن في الآية ما يدل على فساد قول أصحاب المعارف. وهو ~~الاخبار بأنهم كتموا الحق الذي علموا، فلو اشترك الناس فيه، لما صح ~~الكتمان كما لا يصح في ما يعلمونه من المشاهدات والضروريات، لاشتراكهم في ~~العلم به. وقوله: { وتكتمون الحق } رفع، لأنه معطوف على قوله: { تلبسون } ~~وكان يجوز النصب، فتقول: وتكتموا الحق على الصرف، كما لو قلت لم تقوم ~~وتقعد كان جائزا أي لم تجمع الفعلين وأنت مستغن باحدهما عن الآخر. ### || [3.72] # اللغة: # الطائفة الجماعة. وقيل في أصلها قولان: # أحدهما - أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع ~~عليه الاجتماع. والآخر - أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف حولها. وإنما ~~دخلت هاء التأنيث فيها لمعنى المضاعفة اللازمة كما دخلت في الجماعة، لأن ~~في أصل التأنيث معنى التضعيف من أجل أنه مركب على التذكير. # المعنى: # وفي قوله: { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ~~} ثلاثة أقوال: # أولها - أظهروا الايمان لهم في أول النهار وارجعوا عنه في آخره، فانه ~~أحرى أن ينقلبوا عن دينهم. # الثاني - آمنوا بصلاتهم ms0704 إلى بيت المقدس في أول النهار، واكفروا بصلاتهم ~~إلى الكعبة في آخره ليرجعوا بذلك عن دينهم. # الثالث - أظهروا الايمان في صدر النهار لما سلف لكم من الاقرار بصفة ~~محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثم ارجعوا في آخره لتوهموهم أنه كان وقع ~~عليكم غلط في صفته. والوجه الأول قول أكثر أهل العلم. ووجه النهار هو ~~أوله عند جميع المفسرين، كقتادة، والربيع، ومجاهد. وانما سمي أول النهار ~~بأنه وجهه لأحد أمرين: # أحدهما - لأنه أول ما يواجه منه كما يقال، لأول الثوب وجه الثوب. الثاني ~~- لأنه كالوجه في أنه أعلاه وأشرف ما فيه قال ربيع ابن زياد: # من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار # وقيل في معنى البيت: انه كان من عادتهم أن لا تنوح نساؤهم على قتلاهم ~~إلا بعد أن يؤخذ بثاره، فاراد الشاعر أن يبين أنهم أخذوا بثار مالك بأن ~~النساء ينحن عليه. ولذلك قال في البيت الذي بعده: # يجد النساء حواسرا يندبنه # وقوله: { لعلهم يرجعون } فيه حذف وتقديره: لعلهم يرجعون عن دينهم في قول ~~ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد. ### || [3.73] # المعنى، والاعراب: # قال الحسن: القائلين { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } هم يهود خيبر ~~ليهود المدينة. وقال قتادة، والربيع، والسدي، وابن زيد: هم بعض اليهود ~~لبعض. وقيل في معنى الآية ستة أقوال: # أحدها - قال الحسن، ومجاهد: اعرض بقوله: { قل إن الهدى هدى الله } ~~وتقديره: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ولا تؤمنوا { أن يؤتى أحد مثل ~~ما أوتيتم } ولا تؤمنوا { أن يحاجوكم عند ربكم } لأنه لا حجة لهم. قال ~~أبو علي الفارسي. وتقديره ولا تصدقوا ب { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } ~~{ إلا لمن تبع دينكم }. # الثاني - قال السدي، وابن جريج: هو على الاتصال بالهدى دون الاعتراض، ~~والمعنى { قل إن الهدى هدى الله أن } لا { يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } أيها ~~المسلمون، كقوله # يبين الله لكم أن تضلوا # وأن لا { يحاجوكم عند ربكم } لأنه لا حجة لهم. # الثالث - قال الكسائي، والفراء: { أو يحاجوكم عند ربكم } بمعنى حتى { ~~يحاجوكم ms0705 عند ربكم } على التبعيد كما يقال لا تلتقي معه أو تقوم الساعة. # الرابع - قال أبو علي: { قل إن الهدى هدى الله } فلا تجحدوا { أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم }. # الخامس - قال الزجاج: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } لئلا تكون ~~طريقا لعبدة الأوثان إلى تصديقه. # السادس - { أو يحاجوكم عند ربكم } ان اعترفتم به، فيلزمكم العمل به ~~منهم، لاقراركم بصحته. # وفي دخول اللام في قوله: { إلا لمن } قيل فيه قولان: # أحدهما - أن تكون زائدة كاللام في قوله: # ردف لكم # أي ردفكم بمعنى لا تصدقوا إلا من تبع دينكم. قال المبرد: إنما يسوغ ذلك ~~على تقدير المصدر بعد تمام الكلام، فأما قام لزيد بمعنى قام زيد، فلا ~~يجوز، لأنه لا يحمل على التأويل إلا بعد التمام. # والقول الآخر - لا تعترفوا بالحق { إلا لمن تبع دينكم } فتدخل للتعدية، ~~وقال أبو علي الفارسي لا يجوز أن يتعلق اللام في قوله: { لمن تبع دينكم } ~~بقوله: { ولا تؤمنوا } ، لأنه قد تعلق به حرف الجر في قوله: { بأن يؤتى } ~~كما لا يتعلق مفعولان بفعل واحد. فان قيل: لم جاز حذف (لا) من قوله تعالى ~~{ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } على قول من قال ذلك؟ قلنا: الدلالة عليها ~~كالدلالة في جواب القسم، نحو والله أقوم أي لا أقوم قال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أي لا أبرح. والدليل عليه في الآية اتصاله بالعرض في اختصاص أهل ~~الايمان،، فلا يتبعه في المعنى إلا على { أن لا } { يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم } وكذلك # يبين الله لكم أن تضلو # لأن البيان لا يكون طريقا إلى الضلال. وقال المبرد تقديره كراهة { أن ~~تضلوا } ، وكراهة { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } فحمله على الأكثر، لأن ~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف (لا). وقوله: { والله ~~واسع عليم } معناه واسع الرحمة عليم بالمصلحة، فمن صلح له ذلك من غيركم ~~فهو يؤتيه تفضلا عليه. ### || [3.74] # اللغة: # الاختصاص: انفراد بعض الاشياء بمعنى دون غيره، كالانفراد بالملك ms0706 أو ~~الفعل أو العلم أو السبب أو الطلب أو غير ذلك. ويصح الانفراد بالنفس وغير ~~النفس، وليس كذلك الاختصاص، لأنه نقيض الاشتراك. والانفراد نقيض ~~الازدواج. والفرق بين الاختصاص، والخاصة: أن الخاصة تحتمل الاضافة وغير ~~الاضافة، لأنها نقيض العامة، فأما الاختصاص، فلا يكون إلا على الاضافة، ~~لأنه اختصاص بكذا دون كذا. # المعنى: # وقيل في معنى الرحمة ها هنا قولان: # أحدهما - قال الحسن، ومجاهد، والربيع، والجبائي: إنها السورة وقال ابن ~~جريج: هي القرآن، والاسلام. ووجه هذا القول أنه يختصهم بالاسلام بما لهم ~~من اللطف فيه. وفي الآية دلالة على أن النبوة ليست مستحقة بالافعال، ~~لأنها لو كانت جزاء، لما جاز أن يقول يختص بها من يشاء، كما لا يجوز أن ~~يختص بعقابه من يشاء من عباده. فان قيل اللطف مستحق، وهو يختص به من يشاء ~~من عباده؟ قلنا: لأنه قد يكون لطفا على وجه الاختصاص دون الاشتراك وليس ~~كذلك الثواب. # اللغة: # وقوله: { والله ذو الفضل العظيم } ، فالفضل الزيادة عن الاحسان وأصله ~~على الطلاق الزيادة يقال في بدنه فضل أي زيادة. والفاضل: الزائد على غيره ~~في خصال الخير، فأما التفضل، فزيادة النفع على مقدار الاستحقاق ثم كثر ~~استعماله حتى صار لكل نفع قصد به فاعله أن ينفع صاحبه. ### || [3.75] # القراءة، والحجة: # قرأ أبو عمرو " يؤده إليك " باسكان الهاء. الباقون باشباعها. # قال الزجاج: هذا غلط من الراوي كما غلط في " بارئكم " باسكان الهمزة، ~~وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة فيما رواه الضباط عنه كسيبويه وغيره. ~~وإنما لم يجز حذف الحركة، كما لم يجز في هذا غلام فاعلم، لأنه لما حذفت ~~الياء تركت الكسرة لتدل عليها. # المعنى، واللغة: # والقنطار: قد ذكرنا الخلاف في مقداره، فانه على قول الحسن ألف ومأتا ~~مثقال. وفي قول أبي نضرة ملأ مسك ثور ذهبا. وقيل سبعون ألفا عن مجاهد. ~~وعن أبي صالح أنه مئة رطل. والفرق بين { تأمنه بقنطار } وتأمنه على قنطار ~~أن معنى الباء الصاق الأمانة، ومعنى على استعلاء الأمانة، وهما يتعاقبان ~~في هذا الموضع، لتقارب المعنى، كما يقال: ms0707 مررت به ومررت عليه. وقوله: { ~~إلا ما دمت عليه قائما } قيل في معناه قولان: # أحدهما - { إلا ما دمت عليه قائما } بالتقاضي والمطالبة في قول قتادة، ~~ومجاهد و [الثاني] قال السدي إلا ما دمت عليه قائما بالاجتماع معه، ~~والملازمة. ومعناه إلا ما دمت عليه قائما على رأسه. # ودمت ودمت لغتان مثل مت ومت لكن من كسر الدال والميم قال في المستقبل: ~~تدام وتمات، وهي لغة ازد السراة، ومن جاورهم. # وقوله: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - قال قتادة والسدي: قالت اليهود ليس علينا فيما أصبنا من أموال ~~العرب سبيل، لأنهم مشركون. و [الثاني] قال الحسن وابن جريج: لأنهم تحولوا ~~عن دينهم الذي عاملناهم عليه وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وقوله: { ~~وهم يعلمون } معناه يعلمون هذا الكذب على الله تعالى، فيقدمون عليه، ~~والحجة قائمة عليهم فيه. وقال قوم: قوله: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك } يعني النصارى، لأنهم لا يستحلون أموال من خالفهم، ~~وعنى بقوله: { ومنهم من إن تأمنه بدينار } اليهود لأنهم يستحلون مال كل ~~من خالفهم في حل السبت. وعلى هذا يسقط سؤال من يقول أي فائدة في ذكر ذلك، ~~لأن من المعلوم في كل حال من كل أمة أن فيها من يؤدي الامانة وفيها من لا ~~يؤديها، فلا فائدة في ذلك؟ فان هذا ميز بين الفريقين. ومن قال بالأول ~~يمكنه أن يقول فائدة الآية القطع على أن فيهم هؤلاء، وهؤلاء وسائر الناس ~~يجوز أن لا يكون فيهم إلا أحد الفريقين، فلذلك فائدة بينة. ويمكن أيضا ~~أن تكون الفائدة أن هؤلاء لا يؤدون الأمانة لاستحلالهم ذلك بقوله: { ذلك ~~بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } وسائر الفرق وإن كان منهم من لا ~~يؤدي الامانة، لا نعلم أنه يستحلها وذلك فائدة. ### || [3.76] # الهاء في قوله: { بعهده } يحتمل أن تكون عائدة على اسم الله في قوله: { ~~ويقولون على الله الكذب } ويحتمل أن تكون عائدة على (من) في قوله: { بلى ~~من أوفى بعهده ms0708 } لأن العهد يضاف إلى الفاعل، والمفعول. تقول هذا عهد فلان ~~الذي عهد إليه به، وهذا عهد فلان الذي عهده إلى غيره. ووفى وأوفى لغتان، ~~فأهل الحجاز يقولون أوفيت وأهل نجد يقولون وفيت. وقوله: { بلى } يحتمل ~~معنيين: # أحدهما - الاضراب عن الأول على وجه الانكار للاول وعلى هذا الوجه { من ~~أوفى بعهده } تكون مكتفية، نحو قولك: ما قدم فلان، فتقول بلى أي بلى قد ~~قدم. وقال الزجاج: بلى ها هنا وقف تام لأنهم لما قالوا { ليس علينا في ~~الأميين سبيل } قيل { بلى } أي بلى عليهم سبيل. # والثاني - الاضراب عن الأول والاعتماد على البيان الثاني وعلى هذا الوجه ~~لا تكون مكتفية، نحو ان تقول قد قدم زيد، حدسا لغوا من القول، بلى لو ~~كان متيقنا لعمل على قوله. فكذلك الآية تدل على ما تقدم على إدعائهم ~~خلاف الصواب في التقوى فقيل: { بلى } للاضراب عن الأول، والاعتماد على ~~البيان الثاني. والفرق بين بلى ونعم أن بلى جواب النفي، نحو قوله. # ألست بربكم قالوا بلى # فأما أزيد في الدار فجوابه، نعم، أو، لا. وإنما جاز إمالة بلى لمشابهتها ~~الاسم من وجهين # أحدهما - أنه يوقف عليها في الجواب، كما يوقف على الاسم نحو من رأيت من ~~النساء، فيقول الحبلى، وكذلك إذا قال أليس زيد في الدار قلت بلى. ولأنها ~~على ثلاثة أحرف وهي أصل العدة التي يكون عليها الاسم ولذلك خالفت (لا) في ~~الامالة. # وإنما قال { فإن الله يحب المتقين } ولم يقل فان الله يحبه فيرد العامل ~~إلى اللفظ، لابانة الصفة التي تجب بها محبة الله وإن كان فيه معنى فان ~~الله يحبهم. ### || [3.77] # النزول: # اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال مجاهد، وعامر الشعبي: إنها نزلت في ~~رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته. وقال ابن جريج: إنها نزلت في ~~الأشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله، فنزلت الآية فنكل ~~الاشعث، واعترف بالحق، ورد الأرض. وقال عكرمة نزلت في جماعة من اليهود: ~~حي بن أحطب، وكعب بن الأشرف، وأبي رافع، ms0709 وكنانة بن أبي الحقيق. وقال ~~الحسن كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله فيما ادعوا من أنه ~~ليس علينا في الاميين سبيل. # المعنى: # وعهد الله هو ما يلزم الوفاء به. ويستحق بنقضه الوعيد. وهو ما أخذه على ~~العبد وأوجبه عليه بما جعل في عقله من قبح تركه، وذلك في كل واجب عليه، ~~فانه يلزم بنقضه الوعيد إلا أن يتوب أو يجتنب الكبيرة. والعهد: هو العقد ~~الذي تقدم به إلى العبد بما يجده في عقله من الزجر عن خلاف الحق، والدعاء ~~إلى التمسك به، والعمل عليه، وإنما وصف ما اشتروه من عرض الدنيا بأنه ثمن ~~قليل مع ما قرن به الوعيد لأمرين: # أحدهما - لأنه قليل في جنب ما يؤدي إليه من العقاب والتنكيل. والثاني - ~~هو أنه مع كونه قليلا، الاقدام فيه على اليمين مع نقض العهد عظيم: وقوله: ~~{ أولئك لا خلاق لهم } معناه لا نصيب وافر لهم. وقيل في أصل الخلاق ~~قولان: # أحدهما - الخلق: التقدير، فيوافق معناه، لأن النصيب: الوافر من الخير ~~بالتقدير لصاحبه يكون نصيبا له. والآخر - من الخلق، لأنه نصيب مما يوجبه ~~الخلق الكريم. وقوله: { ولا يكلمهم الله } قيل في معناه قولان: # أحدهما - { لا يكلمهم } بما يسرهم بل بما يسوءهم وقت الحساب لهم، لأن ~~الغرض إنما هو الوعيد، فلذلك تبعه معنى لا يكلمهم بما يسر مع أن ظاهر ~~قوله: # ثم إن علينا حسابهم # أنه يكلمهم بما يسوءهم في محاسبته لهم، هذا قول أبي علي. الثاني - لا ~~يكلمهم أصلا، وتثبت المحاسبة بكلام الملائكة لهم (ع) بأمر الله إياهم، ~~فيكون على العادة في احتقار إنسان على أن يكلمه الملك لنقصان المنزلة. ~~وقوله: { ولا ينظر إليهم } أي لا يرحمهم، كما يقول القائل لغيره: انظر ~~إلي يريد ارحمني وفي ذلك دلالة على أن النظر مع تعديته بحرف (إلى) لا ~~يفيد الرؤية، لأنه لا يجوز حملها في الآية على أنه لا يراهم بلا خلاف. ~~وقوله: { ولا يزكيهم } معناه لا يحكم بزكاتهم دون أن يكون معناه لا يفعل ~~الايمان الذي هو الزكاء لهم، ms0710 لأنهم في ذلك، والمؤمنين سواء، فلو أوجب ما ~~زعمت المجبرة، لكان لا يزكيهم، ولا يزكي المؤمنين أيضا في الآخرة وذلك ~~باطل. ### || [3.78] # اللغة، والمعنى، والاعراب # " وإن منهم " الكناية بالهاء والميم راجعة على أهل الكتاب في قوله: { من ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } في قول جميع المفسرين: الحسن وغيره. ~~وقوله: { يلوون ألسنتهم } قال مجاهد، وقتادة، وابن جريج، والربيع: معناه ~~يحرفونه بالتغيير والتبديل. وأصل اللي: الفتل من قولك لويت يده إذا ~~فتلتها قال الشاعر: # لوى يده الله الذي هو غالبه # ومنه لويت العمود إذا ثنيته وقال الآخر: # فلو كان في ليلى سدى من خصومة # للويت أعناق الخصوم الملاويا # ومنه لويت الغريم ليا وليانا إذا مطلته حقه قال الشاعر: # تطيلين لياني وأنت ملية # واحسن يا ذات الوشاح التقاضيا # فقيل لتحريف الكلام بقلبه عن وجهه لي اللسان به، لأنه فتله عن جهته. ~~وقوله: { لفريقا } نصب بأنه اسم (ان) واللام لام التأكيد ويجوز دخولها ~~على اسم (ان) إذا كان مؤخرا، فان قدم لم يجز دخولها عليه، لا تقول: ان ~~لزيدا في الدار. وإنما امتنع ذلك لئلا يجتع حرفا التأكيد، لأن (ان) ~~للتأكيد واللام للتأكيد أيضا فلم يجز الجمع بينهما لئلا يتوهم اختلاف ~~المعنى، كما لم يجز دخول التعريف على التعريف، والتأنيث على التأنيث، ~~فأما قولهم: جاءني القوم كلهم أجمعون، فكل تأكيد للقوم وأجمعون تأكيد ~~لكل. وقوله: { لتسحبوه من الكتاب } معناه لتظنوه. والفرق بين حسبت وزعمت: ~~أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا أو ظنا، وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا. ~~وقوله: { ألسنتهم } جمع لسان على التذكير كحمار وأحمره. ويقال ألسن على ~~التانيث كعناق وأعنق. # المعنى: # وقوله: { وما هو من عند الله } دلالة على أن المعاصي ليست من عند الله ~~بخلاف ما تقوله المجبرة. ولا من فعله، لأنها لو كانت من فعله، لكانت من ~~عنده، وليس لهم أن يقولوا إنها من عنده خلقا وفعلا، وليست من عنده ~~انزالا ولا أمرا، وذلك أنها لو كانت من عنده فعلا أو خلقا، لكانت من ~~عنده على آكد الوجوه فلم يجز ms0711 إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله. وكما ~~لا يجوز أن تكون من عند الله من وجه من الوجوه، لاطلاق النفي بأنه ليس من ~~عند الله، فوجب العموم فيها باطلاق النفي. # فان قيل: أليس الايمان عندكم من عنده، ومع ذلك ليس من عنده من كل ~~الوجوه، فهلا جاز مثل ذلك في تأويل الآية؟ قيل: لا يجوز ذلك، لأن اطلاق ~~النفي يوجب العموم، وليس كذلك اطلاق الاثبات ألا ترى أنك تقول: ما عندي ~~طعام، فانما تنفي القليل، والكثير، وليس كذلك إذا قلت عندي طعام، لأنه لا ~~يجب أن يكون عندك جميع الطعام فبان الفرق بين النفي والاثبات. ### || [3.79] # القراءة والنزول: # قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو { تعلمون } مخففا الباقون بالتشديد. ~~روي عن ابن عباس أنه قال: سبب نزول هذه الآية أن قوما من اليهود قالوا ~~للنبي (صلى الله عليه وسلم) أتدعونا إلى عبادتك كما دعا المسيح النصارى ~~فنزلت الآية. # اللغة، والمعنى # وقوله: { لبشر } فانه يقع على القليل والكثير وهو بمنزلة المصدر مثل ~~الخلق وغيره، تقول: هذا بشر وهؤلاء بشر كما تقول: هذا خلق وهؤلاء خلق. ~~وإنما وقع المصدر على القليل، والكثير، لأنه جنس الفعل كما وجب في اسماء ~~الاجناس كالماء والتراب ونحوه وقوله: { أن يؤتيه الله الكتاب } معناه ~~أعطاه { الكتاب، والحكم والنبوة } ، أن { يقول للناس: كونوا عبادا لي من ~~دون الله ولكن } يقول لهم: { كونوا ربانيين }. وحذف يقول لدلالة الكلام ~~عليه. ومعناه في قول الحسن: علماء فقهاء. وقالو سعيد بن جبير: حكماء ~~أتقياء. وقال ابن أبي رزين: حكماء علماء. وقال الزجاج: معناه معلمي ~~الناس. وقال غيره: مدبري أمر الناس في الولاية بالاصلاح. # اللغة: # وفي أصل رباني قولان: # أحدهما - الربان وهو الذي يرب أمر الناس بتدبيره له وإصلاحه إياه، يقال ~~رب أمره يربه ربابة، وهو ربان: إذا دبره، وأصلحه، ونظيره نعس ينعس، فهو ~~نعسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعل يفعل، نحو عطش يعطش، فهو عطشان, فيكون ~~العالم ربانيا، لأنه بالعلم يدبر الأمر ويصلحه الثاني - إنه مضاف إلى ~~علم الرب تعالى، وهو ms0712 على الدين الذي أمر به إلا أنه غير في الاضافة، ليدل ~~على هذا المعنى، كما قيل: بحراني، وكما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، ~~وللعظيم اللحية: لحياني. وكما قيل لصاحب القصب: قصباني، فكذلك صاحب علم ~~الدين الذي أمر به الرب رباني. # الحجة، والمعنى: # ومن قرأ بالتخفيف أراد بما كنتم تعلمونه أنتم. ومن قرأ بالتشديد أراد ~~تعلمونه، لسواكم. وقوله: { وبما كنتم تدرسون } يقوي قراءة من قرأ ~~بالتخفيف. والتشديد أكثر فائدة، لأنه يفيد أنهم علماء، وأنهم يعلمون ~~غيرهم. والتخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين. وإنما دخلت الباء في ~~قوله: { بما كنتم تعلمون } لأحد ثلاثة أشياء: # أحدها - كونوا معلمي الناس بعلمكم، كما تقول: انفعوهم بما لكم. # الثاني - كونوا ممن يستحق أن يطلق عليه صفة عالم بعلمه على جهة المدح له ~~باخلاصه مما يحبطه. # الثالث - كونوا ربانيين في علمكم ودراستكم ووقعت الباء في موضع في. ### || [3.80] # القراءة، والحجة: # قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { ولا يأمركم } بنصب الراء. الباقون برفعها ~~فمن نصب عطف على ما عملت فيه (أن) على تقدير { ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~} كذا { ولا يأمركم } بكذا ومن رفع استأنف الكلام، لأنه بعد انقضاء ~~الآية، وتمامها. # المعنى: # وفي الآية دلالة على أن الانبياء لا يجوز أن يقع منهم ما ذكره دون أن ~~يكون ذلك اخبارا عن أنه لا يقع منهم، لأنها خرجت مخرج التنزيه للنبي عن ~~ذلك كما قال: # ما كان لله أن يتخذ من ولد # ومعناه لا يجوز ذلك عليه، وكذلك قوله: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله # يدل على أن ذلك غير جائز عليه، ولو جاز أن يحمل على نفي الوقوع دون ~~الامتناع، لجاز أن يحمل على التحريم دون الانتفاء، لأن اللفظ يصلح له، ~~لولا ما قارنه من ظاهر التعظيم للانبياء، والتنزيه لهم عن الدعاء إلى ~~الفساد أو اعتقاد الضلال، ويجب حمل الكلام على ظاهر الحال إلا أن يكون ~~هناك ما يقتضي صرفه عن ظاهره، على أنه لو حمل على النفي لما كان فيه ~~تكذيب للمخالف. والآية ms0713 خرجت مخرج التكذيب لهم في دعواهم أن المسيح أمرهم ~~بعبادته. # والالف في قوله: { أيأمركم } ألف انكار وأصلها الاستفهام. وإنما استعملت ~~في الانكار، لأنه مما لو أقر به المخاطب به، لظهرت صحته وبان سقوطه، ~~فلذلك جاء الكلام على السؤال، وإن لم يكن الغرض تعرف الجواب. وإنما لم ~~تجز العبادة إلا لله تعالى، لأنها تستحق باصول النعم من خلق القدرة، ~~والحياة، والعقل، والشهوة، وغير ذلك مما لا يقدر عليه سواه. وليس في ~~الآية ما يدل على أن في أفعال الجوارح كفرا، لأن قوله: { أيأمركم بالكفر ~~} معناه الامر باعتقاد أن الملائكة والنبيين أرباب، وذلك كفر لا محالة. ~~ولم يجر في الآية، لتوجيه العبادة إليهم ذكر، فأما من عند غير الله فانا ~~نقطع على أن فيه كفرا هو الجحد بالقلب، لأن نفس هذا الفعل كفر، فسقطت ~~شبهة المخالف. ### || [3.81] # القراءة، والمعنى: # قرأ نافع { لما آتيناكم } على الجمع. الباقون على التوحيد بالتاء. وقرأ ~~حمزة { لما } بكسر اللام. الباقون بفتحها. التقدير اذكروا { إذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين } لأن { إذ } لما مضى ومعنى أخذ الميثاق من النبيين بنصرة ~~من لم يلقوه ولم يدركوا زمانه هو أنهم ينصرونه بتصديقه عند قومهم، ~~ويأمرونهم بالاقرار به، كما قيل: إنما أخذ الله ميثاق النبيين الماضين ~~بتصديق محمد (صلى الله عليه وسلم)، هذا قول علي (ع) وعبد الله بن عباس ~~(ره)، وقتادة والسدي، وقال طاوس: أخذ الميثاق الأول من الانبياء لتؤمنن ~~بالآخر. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال تقديره: وإذ أخذ الله ميثاق ~~أمم النبيين بتصديق كل أمة نبيها، والعمل بما جاءهم به، وإنهم خالفوهم ~~فيما بعد، وما وفوا به وتركوا كثيرا من شريعته، وحرفوا كثيرا منه. # الاعراب، والحجة، والمعنى: # وقوله: { لما آتيتكم من كتاب } قيل في معنى (ما) في لما وجهان: # أحدهما - أنها بمعنى الذي وتقديره الذي آتيتكموه من كتاب، لتفعلن لاجله ~~كذا. الثاني - أنها بمعنى الجزاء، وتقديره، لان آتيكم شيئا { من كتاب، ~~وحكمة ثم جاءكم رسول } ، { لتؤمنن به } ، لأجله. وتقديره أي شيء آتيتكم. ~~ومهما آتيتكم. ويكفي جواب القسم ms0714 من جواب الجزاء، كقوله: # لئن أشركت ليحبطن علملك # وفي معنى (من) قولان: # أحدهما - أنها للتبيين ل (ما) كقولك ما عندك من ورق وعين. # الثاني - أن تكون زائدة، وتقديره الذي آتيتكم: كتاب وحكمة، فيكون في ~~موضع خبر (ما)، وأنكر هذا القول أكثر النحويين، لأن (من) لا تزاد إلا في ~~غير الواجب من نحو النفي والاستفهام، والجزاء. والأول أصح، لأنه لا يجوز ~~أن يحكم بزيادة حرف أو لفظ مع إمكان حمله على فائدة. واللام في قوله: { ~~لما } لام الابتداء. واللام في قوله: { لتؤمنن به } لام القسم، كما تقول ~~لعبد الله: والله لتأتينه. وقال قوم: اللام الأول خلف من القسم يجاب ~~بجوابه، نحو لمن قدم ما أحسن، ولمن أتاك لأتيته، وأنكر هذا القائل أن ~~تكون الثانية تأكيدا للأولى، لوقوع (ما) و (لا) في جوابها، كما تقع في ~~جواب القسم. والقول الأول أصح، لأن فيه افصاحا بالقسم، نحو لزيد والله ~~ما ضربته والقول الثاني - صواب على تقدير آخر، وان يكون اللام خلفا من ~~القسم، كافيا منه، فلا يحتاج إلى ذكره معه ومن ذكره معه لم يجعله خلفا ~~منه، لأنه أضعف منه، والخلف أقوى من الدال التي ليس بخلف، لأنه بمنزلة ~~الاصل الموضوع للمعنى يفهم به من غير واسطة. ومن كسر اللام في قوله: { ~~لما } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون على التقديم والتأخير. والثاني - بمعنى أخذ الله ~~ميثاقهم لذلك. # وقال بعضهم: القراءة بالكسر لا تجوز، لأنه ليس كل شيء أوتي الكتاب. وهذا ~~غلط من وجهين: # أحدهما - أنه أوتي الكتاب لعلمه به مهتديا بما فيه. وان لم ينزل عليه. ~~والآخر - أنه يجوز ذلك على التغليب بالذكر في الجملة، لأنه بمنزلة من ~~أوتي الكتاب بما أوتي من الحكم والنبوة. فان قيل لم لا يجوز أن يكون { ~~لما آتيتكم من كتاب وحكمة } ، بمعنى لتبلغن ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~يحذف؟ قيل لأنه لا يجوز الحذف في الكلام من غير دليل ينبىء عن المراد. ~~ومن زعم أن الدليل على حذف الفعل لام القسم، فقد غلط، لأنها لام الابتداء ms0715 ~~التي تدخل على الاسماء، نحو # لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين # المعنى واللغة: # وقيل في معنى قوله: { وأخذتم على ذلكم إصري } قولان: # أحدهما - وقبلتم على ذلك عهدى. والثاني - { وأخذتم على ذلكم إصري } من ~~المتبعين لكم كما يقال: أخذت بيعتي أي قبلتها، وأخذتها على غيرك بمعنى ~~عقدتها على غيرك. والاصر العقد، وجمعه اصار وأصله العقد ومنه المأصر، ~~لأنه عقد يحبس به عن النفوذ إلا باذن. ومنه الأصر الثقل، لأنه عقد يثقل ~~القيام به. ومنه قولهم مالك اصرة تأصرني عليك أي عاطفة تعطفني عليك من ~~عقد جوار أو نحوه. وقوله: { فاشهدوا } معناه فاشهدوا على أممكم بذلك { ~~وأنا معكم من الشاهدين } عليكم، وعليهم روي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام. ### || [3.82] # المعنى: # التولي عن الايمان بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كفر - بلا خلاف - وإنما ~~قال { فأولئك هم الفاسقون } ولم يقل الكافرون، لأن تقدير الكلام فأولئك ~~هم الفاسقون في كفرهم أي المتمردون فيه بخروجهم إلى الأفحش منه، وذلك أن ~~أصل الفسق الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه، فلذلك قيل للخارج عن أمر ~~الله إلى أفحش منازل الكفر، فاسق. # الاعراب: # وموضع { هم } من الاعراب يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون رفعا بأنه مبتدأ ثان والفاسقون خبره. والجملة خبر ~~أولئك. والآخر - أنه لا موضع له، لأنه فصل جاء ليؤذن أن الخبر معرفة أو ~~ما قارب المعرفة ويسمي الكوفيون ذلك عمادا. وقوله: { فمن تولى } وإن كان ~~شرطا وجزاء في المستقبل فان الماضي يدخل فيه من وجهين: # أحدهما - أن يكون تقديره فمن يصح أنه تولى، كما قال: # إن كان قميصه قد من قبل فصدقت # أي إن يصح أن { قميصه قد من قبل فصدقت } والآخر مساواة الماضي للمستقبل، ~~فيدخل في دلالته. وإنما جاز جواب الجزاء بالفاء ولم يجز ب (ثم)، لأن ~~الثاني يجب بوجوب الأول بلا فصل، فلذلك جاء بالفاء دون (ثم)، لأنها ~~للتراخي بين الشيئين، وذلك نحو قولك إن تأتني، فلك درهم، فوجوب الدرهم ~~بالاتيان عقيبه بلا فصل. وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في ms0716 الجزاء ~~ولم يجز في قام زيد غدا، لأن حرف الجزاء، لما كان يعمل في الفعل قوي على ~~نقله من الماضي إلى الاستقبال، وليس كذلك (غد) وما أشبهه مما يدل على ~~الاستقبال، لأنه نظير الفعل في الدلالة من غير عمل يوجب القوة، فلذلك جرى ~~على المناقضة. ### || [3.83] # القراءة، والحجة، والاعراب: # قرأ أهل البصرة، وحفص يبغون بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ يعقوب وحفص ~~وإليه يرجعون بالياء. وكسر يعقوب الجيم، وفتح الياء. فمن قرأ بالياء أراد ~~الاخبار عن اليهود وغيرهم من المشركين والتاء لجميع المكلفين. ومن قرأ ~~بالتاء فيهما، فعلى الخطاب، فيهما. قوله: { أفغير دين الله } عطف جملة ~~على جملة مثلها لو قيل أو غير دين الله يبغون إلا أن الفاء رتبت. كأنه ~~قيل أبعد تلك الآيات غير دين الله تبغون أي تطلبون. # المعنى: # وقوله: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } قيل في معناه ~~ستة أقوال: # أولها - قال ابن عباس: أسلم من في السماوات والارض بالحالة الناطقة عنه ~~الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليهم. # الثاني - قول أبي العالية، ومجاهد: ان معناه { أسلم } أي بالاقرار ~~بالعبودية وإن كان فيهم من أشرك في العبادة، كقوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # وقوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله # ومعناه ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الاقرار بالربوبية ~~ليتنبهوا على ما فيه من الدلالة. # الثالث - قال الحسن: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها } ~~قال: أكره أقوام على الاسلام وجاء أقوام طائعين. # الرابع - قال قتادة: أسلم المؤمن طوعا، والكافر كرها عند موته، كما ~~قال: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # واختاره البلخي. ومعناه التخويف لهم من التأخر عما هذه سبيله. # الخامس - قال عامر، والشعبي والزجاج، والجبائي أن معناه: استسلم ~~بالانقياد والذلة، كما قال تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا # أي استسلمنا، ومعناه الاحتجاج به. # وسادسها - قال الفراء والأزهري إنما قال { طوعا وكرها } لأن فيهم من ~~أسلم ابتداء رغبة في الاسلام، وفيهم من أسلم بعد ms0717 أن قوتل وحورب، فسمي ذلك ~~كرها مجازا وإن كان الاسلام وقع عنده طوعا. # وقوله: { طوعا وكرها } نصب على أنه مصدر، وقع موقع الحال، وتقديره ~~طائعا أو كارها، كما تقول أتاني ركضا أي راكضا. ولا يجوز أن تقول ~~أتاني كلاما أي متكلما، لأن الكلام ليس بضرب من الاتيان والركض ضرب ~~منه. # قوله: { إليه ترجعون } معنا تردون إليه للجزاء فاياكم ومخالفة الاسلام ~~فيجازيكم بالعقاب. قال الله تعالى: # ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين # النزول: # وروي عن أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في الحارث بن سويد بن الصامت. وكان ~~ارتد بعد قتله المحذر بن ديار البلوي غدرا في الاسلام، وهرب وحديثه ~~مشروح ثم ندم، فكاتب قومه سلوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هل لي ~~توبة، فنزلت الآيات إلى قوله: { إلا الذين تابوا } ، فرجع فأسلم. ### || [3.84] # المعنى: # قيل في تأويل هذه الآية قولان: # أحدهما - أن معناها الانكار على الكفار ما ذهبوا إليه من الايمان ببعض ~~النبيين دون بعض، فأمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمؤمنين ~~أن يقولوا: إنا نؤمن بجميع النبيين، ولا نفرق بين أحد منهم. الثاني - أن ~~معناها موافقة ما تقدم الوعد به من إيمان النبي الامي بجميع من تقدم من ~~النبيين على التفصيل. وقال له في أول الآية (قل) خطابا للنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) فجرى الكلام على التوحيد، وما بعده على الجمع. وقيل في ذلك ~~قولان: # أحدهما أن المتكلم قد يخبر عن نفسه بلفظ الجمع للتفخيم كما قال تعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم # والثاني - أنه أراد دخول الأمة في الخطاب الأول، والأمر بالاقرار. ويجوز ~~أن يقال: في الواحد المتكلم، فعلنا ولا يجوز للواحد المخاطب فعلتم. ~~والفرق بينهما: أن الكلام بالجملة الواحدة يصح بجماعة مخاطبين، ولا يصح ~~الكلام بالجملة الواحدة بجماعة متكلمين. فلذلك جاز في فعلنا في الواحد ~~للتفخيم، لأنه لا يصح أن يكون خطابا للجماعة فلم يصرف عنهم. بغير قرينة ~~لما يدخله من الالباس في ms0718 مفهوم العبارة. وقوله: { وما أنزل علينا } في ~~الاخبار عن المسلمين إنما جاز ذلك، وإن كان قد أنزل على النبي (صلى الله ~~عليه وسلم)، لأن التقدير أنزل علينا على لسان نبينا كما تقول: أمرنا به ~~ونهينا عنه - على لسان نبينا -، ومثل ذلك ما قاله في سورة البقرة من ~~قوله: # قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا # وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون ذلك إلا إخبارا عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) الذي أنزل عليه، وهذا غلط، لأن الآية الأخرى تشهد بخلافه. فان قيل: ~~ما معنى قوله: { ونحن له مسلمون } بعد الاقرار بالايمان على التفصيل؟ ~~قيل: معناه ونحن له مستسلمون بالطاعة في جميع ما أمر به، ودعا إليه. ولأن ~~أهل الملل المخالفة، تعترف بصفة مؤمن، وينتفي من صفة مسلم. ### || [3.85] # اللغة، والنزول، والمعنى: # الابتغاء: الطلب تقول: بغى فلان كذا أي طلبه، ومنه بغى فلان على فلان: ~~إذا طلب الاستعلاء عليه ظلما ومنه البغي: الفاجرة، لطلبها الزنى. ومنه ~~ينبغي كذا، لأنه حقيق بالطلب. والاسلام: هو الاستسلام لأمر الله بطاعته ~~فيما دعا إليه، فكل ذلك اسلام، وان اختلفت فيه الشرائع، وتفرقت المذاهب، ~~لأن مبتغيه دينا ناج، ومبتغي غيره دينا هالك. والايمان، والاسلام واحد, ~~لأن { من يبتغي غير الاسلام دينا } فهو مبطل، كما أن من يبتغي غير ~~الايمان دينا، فهو مبطل، وذلك كمن يبتغي غير عبادة الاله دينا، فهو ~~كافر، ومن يبتغ غير عبادة الخالق دينا، فهو كافر. والاله هو الخالق. # وقال عكرمة: إن قوما من اليهود قالوا: نحن المسلمون، فأنزل الله تعالى # ولله على الناس حج البيت # فأمرهم بالخروج إلى الحج الذي هو من فرض الاسلام، فقعدوا عنه وبان ~~انسلاخهم من الاسلام، لمخالفتهم له فأنزل الله تعالى { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } فالخسران ذهاب ~~رأس المال. ويقال: خسر نفسه أي أهلك نفسه. وقيل خسر عمله أي أبطل عمله ~~بأن أوقعه على وجه يقبح لا يستحق عليه الثواب. وكل واحد منهما خسر لذهاب ~~رأس المال. ### || [3.86] # النزول: # قال ms0719 الحسن: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي ~~(صلى الله عليه وسلم) قبل مبعثه بما يجدونه في كتبهم من صفاته ودلائله، ~~فلما بعثه الله جحدوا ذلك، وانكروه.. وقال مجاهد، والسدي: نزلت في رجل من ~~الانصار يقال له الحارث بن سويد ارتد عن الاسلام، ثم تاب، وحسن إسلامه ~~فقبل الله إسلامه بقوله: { إلا الذين تابوا } فيما بعد تمام الآية. وكذلك ~~رويناه عن أبي عبد الله (ع) وقيل نزلت في قوم أرادوا من النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) أن يحكم لهم بالاسلام، وفي قلوبهم الكفر، فاطلعه الله على ~~أسرارهم وما في ضمائرهم. # اللغة، والمعنى: # وقوله { كيف } أصلها للاستفهام، والمراد بها ها هنا إنكار أن تقع هذه ~~الهداية من الله تعالى. وإنما دخل (كيف) معنى الانكار مع أن أصلها ~~الاستفهام، لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز عن إقامة ~~البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل ~~لما يظهر فيه من الانكار، فالأصل فيه الاستفهام، لكن من شأن العالم إذا ~~أورد مثل هذا أن يصرف إلى غير الاستعلام إلا أنه يراد من المسئول طلب ~~الجواب، فان قيل كيف خص هؤلاء المذكورون بمجيىء البينات مع أنها قد جاءت ~~كل مكلف للايمان قيل عنه جوابان: # أحدهما - لأن البينات التي جاءتهم هي ما في كتبهم من البشارة بالنبي ~~(صلى الله عليه وسلم). الثاني - للتبعيد من حال الهداية والتفحيش ~~لتجويزها في هذه الفرقة. وقوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } ~~فالهداية ها هنا تحتمل ثلاثة أشياء. # أولها سلوك طريق أهل الحق المهتدين بهم في المدح لهم والثناء عليهم. # الثاني - في اللفظ الذي يصلح به من حسنت نيته. وكان الحق معتمده، وهو أن ~~يحكم لهم بالهداية. # الثالث - في ايجاب الجواب الذي يستحقه من خلصت طاعته، ولم يحبطهما بسوء ~~عمله. فان قيل كيف أطلق قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } مع قوله ~~{ فأما ثمود فهديناهم } قلنا: لأنه لا يستحق اطلاق الصفة بالهداية إلا ~~على جهة المدحة كقوله أولئك الذين هدى ms0720 الله. فأما بالتقييد، فيجوز لكل ~~مدلول إلى طريق الحق اليقين. # وليس في الآية ما يدل على صحة الاحباط، للايمان ولا إحباط المستحق عليه ~~من الثواب، لأنه لم يجر لذلك ذكر. وقوله: { كفروا بعد إيمانهم } يعني بعد ~~إظهارهم الايمان وشهادتهم أن الرسول حق، وإن كانوا في باطنهم منافقين. ~~وليس فيها أنهم كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين للثواب، فزال ذلك بالكفر ~~فلا متعلق بذلك في صحة الاحباط. ### || [3.87] # إن قيل: إذا كان لعن الملائكة والناس أجمعين تابعا للعن الله، فهلا ~~اقتصر عليه في الذكر؟ قيل الوجه في ذلك ان لا يوهم أن لعنهم لا يجوز إلا ~~لله عز وجل كما لا يجوز أن يعاقبهم إلا الله أو من يأمرهم بذلك. وليس في ~~قوله: { والناس أجمعين } دلالة على أنه يجوز للكافر أن يلعن نفسه، لأن ~~لعنه لنفسه دعاء عليها بالابعاد من رحمة الله. وذلك يوجب رغبته فيما دعا ~~به، ولا يجوز لأحد أن يرغب في أن يعاقبه الله، لأن ذلك ينافي الزجر به ~~والتحذير منه. وأما رغبة المؤمن في أن يعاقب الله الكافر فجائز حسن، لأنه ~~لا ينافي زجره بل هو أبلغ في زجره، فان قيل: لم قال: { والناس أجمعين } ~~ومن وافق الكافر في مذهبه لا يرى لعنه؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: # أحدها - إن له أن يلعنه، وإنما لا يفعله لجهله بأنه يستحق اللعن. ويصح ~~منه معرفة الله، ومعرفة استحقاق اللعن لكل كافر، فحينئذ يعلم أن له أن ~~يلعنه وإنما لا يصح أن يلعن الكافر مع اعتقاده أنه لا يستحق اللعن، لأنه ~~لو صح ذلك لأدى إلى أن يصح أن يلعن نفسه لمشاركته له فيما استحق به ~~اللعن. وقد بينا فساده. # والثاني - أن ذلك في الآخرة، لأن بعضهم يلعن بعضا. وقد استقرت عليهم ~~لعنة الجميع، وإن كانت على التفريق. # والثالث - أن يحمل لفظ الناس على الخصوص، فيحمل على ثلاثة فصاعدا، ~~فلذلك قال: { أجمعين } وكان يجوز أن يرفع { والملائكة والناس أجمعين } ~~لأن الأول تقديره عليهم أن يلعنهم الله، فيحمل الثاني على معنى الأول، ms0721 ~~كما قال الشاعر: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا # أو عبد رب أخا عون بن مخراق # والاتباع أجود ليكون الكلام على نسق واحد، وإنما ذكر وعيد الكفار ها هنا ~~مع كونه مذكورا في مواضع كثيرة في القرآن، للتأكيد وتغليظا في الزجر ~~لأنه لما جرى ذكر الكافر عقب ذلك بلعنه، ووعيده، كما إذا جرى ذكر المؤمن ~~عقب ذلك بالرحمة ليكون أرغب له في فعل الطاعة والتمسك بالايمان. ### || [3.88] # اللغة: # الخلود في اللغة هو طول المكث، ولذلك يقال خلده في السجن وخلد الكتاب في ~~الديوان. وقيل للأثافي: خوالد ما دامت في موضعها، فاذا زالت لا تسمى ~~خوالد. والفرق بين الخلود والدوام: أن الخلود يقتضي (في) كقولك خلد في ~~الحبس ولا يقتضي ذلك الدوام، ولذلك جاز وصفه تعالى بالدوام دون الخلود. ~~إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة. # المعنى: # وقوله: { فيها } الهاء راجعة إلى اللعنة. ومعنى خلودهم فيها استحقاقهم ~~لها دائما مع ما توجبه من أليم العقاب، فأما من ليس كافر من فساق أهل ~~الصلاة فلا يتوجه إليه الوعيد بالخلود، لأنه لا يستحق إلا عقابا منقطعا ~~به مع ثبوت استحقاقه للثواب الدائم، لأنه لو كان كذلك لأدى إلى اجتماع ~~استحقاق الثواب الدائم، والعقاب الدائم لشخص واحد. والاجماع بخلافه. ~~والاحباط - عندنا - باطل، فلا يمكن أن يقال يحبط أحدهما الآخر، وإنما حسن ~~العقاب الدائم على المعاصي المنقطعة، كما حسن الثواب الدائم على الطاعة ~~المنقطعة، فلا يجوز أن يستحق الدوام على الأصغر، ولا يستحق على الأكثر، ~~فلما كانت نعم الله تعالى أعظم النعم كانت معاصيه أعظم المعاصي، وكانت ~~طاعته أصغر منها. وأيضا، فانه يحسن الذم للدائم على المعاصي المنقطعة ~~فالعقاب يجري مجراه. # اللغة: # وقوله: { لا يخفف عنهم العذاب } فالتخفيف هو تغيير الشيء عن حال الصعوبة ~~إلى السهولة، وهو تسهيل لما فيه كلفة ومشقة وأصله من خفة الجسم ضد ثقله. ~~ومنه تخفيف المحنة معناه تسهيلها. وقوله: { ولا هم ينظرون } معناه لا ~~يمهلون وإنما نفى إنظارهم للانابة لما علم من حالهم أنهم لا ينيبون كما ms0722 ~~قال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # على أن التبقية ليست واجبة. وإن علم أنه لو بقاه لتاب وأناب عند أكثر ~~المتكلمين. ومن قال يجب تبقيته متى علم أنه لو بقاه لآمن، فجوابه هو ~~الأول. وقيل في الفرق بين الانظار والامهال أن الانظار تأخير العبد لينظر ~~في أمره. والامهال تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. ### || [3.89] # المعنى: # إن قيل إذا كانت التوبة من الذنب لا تصلح إلا بعد فعله، فلم قال: { من ~~بعد ذلك }؟ قيل فائدته أنه يفيد معنى تابوا منه، لأن توبتهم من غيره لا ~~تنفع في التخلص منه، كما لا تنفع التوبة من الكبير في التخلص من الصغير، ~~فأما من قال: إن التوبة من معصية لا تصح مع الاقامة على معصية أخرى، فانه ~~يقول ذلك على وجه التأكيد، فان قيل: إذا كانت التوبة وحدها تسقط العقاب ~~وتحصل الثواب فلم شرط معها الاصلاح؟ قيل الوجه في ذلك إزالة الابهام لئلا ~~يعتقد، أنه إذا حصل الايمان، والتوبة من الكفر لا يضر معه شيء من أفعال ~~القبائح، كقوله: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون # فذكر مع الايمان عمل الصالحات، لازالة الايهام بأن من كان مؤمنا في ~~الحكم، لم يضره مع ذلك ما عمله من المعاصي. وقبول التوبة واجب، لأنها ~~طاعة واستحقاق الثواب بها ثابت عقلا، فأما سقوط العقاب عندها، فانما هو ~~تفضل من الله، ولولا أن السمع ورد بذلك, وإلا، فلا دلالة في العقل على ~~ذلك. وقوله: { فإن الله غفور رحيم } دخلت الفاء لشبهه بالجزاء، إذا كان ~~الكلام قد تضمن معنى إن تابوا { فإن الله غفور رحيم } أي يغفر لهم وليست ~~في موضع خبر الذين، لأن الذين في موضع نصب بالاستثناء من الجملة الأولى ~~التي هي قوله: { أولئك عليهم لعنة الله.... } الآية، وذكر المغفرة في ~~الآية دليل على أن اسقاط العقاب بالتوبة تفضل، لأنه لو كان واجبا لما ~~استحق بذلك الاثم بأنه غفور، لأنه لا يقال هو غفور إلا فيما له المؤاخذة، ~~فأما ما لا يجوز المؤاخذة به ms0723 فلا يجوز تعليقه بالمغفرة. ### || [3.90] # المعنى: # قيل في المعني بهذه الآية أربعة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس هي فرقة ارتدت ثم عزمت على إظهار التوبة على جهة ~~التورية، فاطلع الله نبيه على ذلك بانزال هذه الآية. وقال أبو العالية لم ~~تقبل توبتهم من ذنوب أصابوها مع الاقامة على كفرهم. وقال قتادة: هم ~~اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى { ثم ازدادوا كفرا } بمحمد (صلى الله ~~عليه وسلم) { فلن تقبل توبتهم } عند حضور موتهم. وقال الحسن: هم اليهود ~~والنصارى كفروا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) { فلن تقبل توبتهم } التي ~~كانت في حال إيمانهم، فان قيل: لم لم تقبل التوبة من هذه الفرقة؟ قيل: ~~لأنها كفرت بعد إيمانها ثم ازدادت كفرا إلى انقضاء أجلها، فحصلت على ~~ضلالتها، فلم تقبل منها التوبة الاولى في حال كفرها بعد إيمانها، ولا ~~التوبة الثانية في حال ايجابها. وقيل: إنما لم تقبل توبتهم، لأنهم لم ~~يكونوا فيها مخلصين بدلالة قوله: { وأولئك هم الضالون }. وقال الطبري: ~~إنه لا يجوز تأويل من قال لن تقبل توبتهم عند حضور موتهم. قال: لأنه لا ~~خلاف بين الأمة أن الكافر إذا أسلم قبل موته بطرفة عين في أن حكمه حكم ~~المسلمين في وجوب الصلاة عليه ومواريثه ودفنه في مقام المسلمين واجراء ~~جميع أحكام الاسلام عليه، ولو كان إسلامه غير صحيح، لما جاز ذلك. وهذا ~~الذي قاله ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع أن نتعبد باجراء احكام الاسلام عليه ~~وان كان اسلامه على وجه من الالجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب عليه، كما ~~أنا تعبدنا باجراء أحكام الاسلام على المنافقين وإن كانوا كفارا. وإنما ~~لم يجز قبول التوبة في حال الالجاء إليه، لأن فعل الملجأ كفعل المكره في ~~سقوط الحمد والذم. وقد قال الله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن # وقال: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم ~~يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # فأما إذا عاد في الذنب، فلا يعود ms0724 إليه العقاب الذي سقط بالتوبة، لأنه ~~إذا تاب منه صار بمنزلة ما لم يعمله، فلا يجوز عقابه عليه كما لا يجوز ~~عقابه على ما لم يعمله سواء قلنا أن سقوط العقاب عند التوبة كان تفضلا أو ~~واجبا. وقد دل السمع على وجوب قبول التوبة وعليه إجماع الأمة. وقال ~~تعالى # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات # وقال: # غافر الذنب وقابل التوب # وغير ذلك من الآي. ### || [3.91] # اللغة: # الملء أصله الملأ، وهو تطفيح الأناء. ومنه الملأ الاشراف، لأنهم يملأون ~~العين هيبة وجلالة. ومنه رجل ملىء بالامر، وهو أملأ به من غيره. والملأ ~~اسم للمقدار الذي يملأ. والملأ بفتح العين مصدر ملأت الأناء ملأ. ومثله ~~الرعي بكسر الراء: النبات, وبفتح الراء مصدر رعيته. قال الزجاج: ومن قال: ~~هما سواء فقد غلط. # الاعراب: # وقوله: { ذهبا } نصب على التمييز. والتمييز على ضربين تمييز المقادير ~~وتمييز الاعداد وكله مستحق النصب لاشتغال العامل بالاضافة أو ما عاقبها ~~من النون الزائدة، فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها، ومجرى ~~المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل. ومثل ذلك، عندي ملء زق عسلا وقدر ~~نحي سمنا. # المعنى: # وقوله: { ولو افتدى به } فالفدية البدل على الشيء في إزالة الاذية. ومنه ~~قوله: # وفديناه بذبح عظيم # لأنه بدل منه في ازالة الذبح عنه، ومنه فداء الاسير بغيره، لأنه بدل منه ~~في إزالة القتل والاسر عنه. وقيل في معنى الافتداء هاهنا قولان: # أحدهما - البيان عن أن ما كلفه في الدنيا يسير في جنب ما يبذله في ~~الآخرة من الفداء الكثير لو وجد إليه السبيل، قال قتادة يجاء بالكافر يوم ~~القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا، لكنت تفتدي به، ~~فيقول: نعم، فيقال لقد سئلت أيسر من ذلك، فلم تفعل. # والثاني - ما حكاه الزجاج أنه لو افتدى به في دار الدنيا مع الاقامة على ~~الكفر لم يقبل منه. وقيل في دخول الواو في قوله { ولو افتدى به } قولان ~~قال: قوم: هي زائدة اجاز ذلك الفراء. والمعنى لو افتدى ms0725 به. قال الزجاج: ~~وهذا غلط، لأن الكلام يجب حمله على فائدة إذا أمكن، ولا يحمل على ~~الزيادة. والثاني - أنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الاجمال، وذلك أن ~~قوله { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا } قد عم وجوه القبول بالنفي ثم ~~أتى بالتفصيل، لئلا يتطرق عليه سوء التأويل، ولو قيل: بغير واو لم يكن قد ~~عم النفي وجوه القبول، فقد دخلت الواو لهذه الفائدة من نفي التفصيل بعد ~~الجملة، فأما الواو في قوله { وليكون من الموقنين } فانها عاطفة على ~~محذوف في التقدير، والمعنى { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ~~ليعتبر # وليكون من الموقنين ### || [3.92] # المعنى: # قيل في معنى البر قولان: # أحدهما - البر من الله بالثواب في الجنة. الثاني - البر بفعل الخير الذي ~~يستحقون به الأجر. وقال السدي وعمرو بن ميمون: البر الجنة. # فان قيل: كيف قال { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } والفقير لا ~~يجب عليه الصدقة وينال الجنة، وان لم ينفق؟ قلنا: الكلام خرج مخرج الحث ~~على الصدقة إلا أنه على ما يصح ويجوز من إمكان النفقة، فهو مقيد بذلك في ~~الجملة إلا أنه اطلق الكلام للمبالغة في الترغيب فيه. ويجوز { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } في سبل الخير من الصدقة من وجوه الطاعة. ~~وقال الحسن: هو الزكاة الواجبة وما فرض تعالى في الأموال خاصة. والأولى ~~أن تحمل الآية على الخصوص بأن يقول: هي متوجهة إلى من يجب عليه إخراج شيء ~~أوجبه الله عليه دون من لم يجب عليه، ويكون ذلك أيضا مشروطا بأن لا ~~يعفو الله عنه - على مذهبنا في جواز العفو - أو يقول { لن تنالوا البر } ~~الكامل الواقع على أشرف الوجوه { حتى تنفقوا مما تحبون }. وقوله: { فإن ~~الله به عليم } إنما جاء على جهة جواب الشرط وإن كان الله يعلمه على كل ~~حال، لامرين: # أحدهما - لأن فيه معنى الجزاء، فتقديره { وما تنفقوا من شيء فإن الله } ~~يجازيكم به قل أو كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه. # الثاني - فانه يعلمه الله موجودا ms0726 على الحد الذي تفعلونه من حسن النية ~~أو قبحها. # اللغة: # والفرق بين البر، والخير: أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد ~~إلى ذلك، والخير يكون خيرا، وان وقع عن سهو. وضد البر العقوق. وضد الخير ~~الشر، فبذلك بين الفرق بينهما. # النظم: # ووجه إتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما ذكر في الآية الاولى { ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } وصل ذلك بقوله { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى ~~الفتور في الصدقة، وما جرى مجراها من وجوه الطاعة. ### || [3.93] # النظم: # وجه اتصال هذه الآية بما تقدم أنه تعالى، لما ذكر الانفاق مما يحب، ومن ~~جملة ما يحب الطعام، فذكر حكمه، وأنه كان مباحا حلالا { لبني إسرائيل ~~إلا ما حرم إسرائيل على نفسه }. # النزول، والقصة، والمعنى: # وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) لحوم الابل، فبين الله تعالى أنها كانت محللة، لابراهيم، وولده إلى ~~أن حرمها إسرائيل على نفسه، وحاجهم بالتوراة، فلم يجسروا على إحضار ~~التوراة لعلمهم بصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما أخبر أنه فيها. # وكان إسرائيل وهو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم نذر إن برأ من النساء أن ~~يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهو لحوم الابل وألبانها، فلما برأ وفى لله ~~بنذره. وقال ابن عباس والحسن: إن اسرائيل أخذه وجع العرق الذي يقال له ~~النساء، فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق ولحم الابل [على نفسه]، وهو ~~أحب الطعام إليه. # فان قيل: كيف يجوز للانسان أن يحرم على نفسه شيئا، وهو لا يعلم ما له ~~فيه من المصلحة مما له فيه المفسدة؟ قلنا: يجوز ذلك إذا أذن الله له في ~~ذلك وأعلمه، وكان الله أذن لاسرائيل في هذا النذر، فلذلك نذر. وفي الناس ~~من استدل بهذه الآية على أنه يجوز للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يجتهد ~~في الأحكام، لأنه إذا كان أعلم ورأيه أفضل كان اجتهاده أحق ms0727 وهذا الذي ~~ذكروه إن جعل دليلا على أنه كان يجوز أن يتعبد النبي بالاجتهاد، كان ~~صحيحا، وإن جعل دليلا على أنه كان متعبدا به، فليس فيه دليل عليه، ~~لأنا قد بينا أن اسرائيل ما حرم ذلك إلا باذن الله، فمن أين إن ذلك كان ~~محرما له من طريق الاجتهاد، فأما من امتنع من جواز تعبد النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) بالاجتهاد، بأن ذلك يؤدي إلى جواز مخالفة أمته له إذا اداهم ~~الاجتهاد إلى خلاف اجتهاده فقد أبعد، لأنه لا يمتنع أن يجتهد النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) الاجتهاد إلى خلاف ما أدى اجتهاد الأمة إليه، فوجب ~~اتباعه ولا يلتفت إلى اجتهاد من يخالفه، كما أن الأمة يجوز أن تجمع على ~~حد عن اجتهاد، وإن لم يجز مخالفتها فبطل قول الفريقين. ### || [3.94] # اللغة: # الافتراء: اقتراف الكذب وأصله قطع ما يقدر من الأدم، يقال فرى الاديم ~~يفريه فريا: إذا قطعه، فقيل للكذب الفرية، لأنه يقطع به على التقدير من ~~غير تحقيق. # المعنى: # فان قيل: كيف قال: { افترى على الله الكذب } وعلى للاستعلاء، فما معناها ~~ها هنا؟ قلنا: معناها إضافته الكذب إليه من جهة أنه أمر بما لم يأمر به ~~الله فأوجب ما لم يوجبه، وكذب عليه بخلاف كذب له، لأن كذب عليه يفيد أنه ~~كذب فيما يكرهه، وكذب له قد يجوز فيما يريده. فان قيل كيف قيد وعيد ~~المفتري على الله الكذب ب { من بعد ذلك } وهو يستحق الوعيد بالكذب عليه ~~على كل حال؟ قلنا: المراد به البيان أنه يلزم من بعد إقامة الحجة على ~~العبد فيه، لأنه لو كذب على الله (عز وجل) فيما ليس بمحجوج فيه لجرى مجرى ~~كذب الصبي الذي لا يستحق الوعيد به. وإنما وصف المفتري على الله كذبا ~~بأنه ظالم، من حيث كان ظالما لنفسه، ولمن استدعى إلى مذهبه فيما يكذب ~~به، لأن ذلك الكذب يستحق به العقاب. # والظلم والجور واحد وإن كان أصلهما مختلفا، لأن أصل الظلم النقصان ~~للحق. والجور العدول عن الحق، ولذلك قيل في ms0728 ضد الظلم الانصاف. وفي ضد ~~الجور العدل. والانصاف هو إعطاء الحق على التمام. ### || [3.95] # المعنى: # معنى قوله: { قل صدق الله } البيان عن أن الخبر بأن { كل الطعام كان ~~حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } صدق، لأن الله تعالى ~~أخبر به. وقوله: { فاتبعوا } فالاتباع إلحاق الثاني بالأول لما له به من ~~التعلق فالقوة للاول، والثاني يستمد منه، فهم يلحقون بابراهيم (ع) ~~لتمسكهم بملته والتابع ثان متدبر بتدبير الأول متصرف بتصريفه في نفسه، ~~والصحيح أن شريعة نبينا ناسخة لشريعة كل من تقدم من الانبياء، وأن نبينا ~~لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم. وإنما وافقت شريعته شريعة إبراهيم، فلذلك ~~قال الله تعالى { فاتبعوا ملة إبراهيم } وإلا فالله هو الذي أوحى بها ~~إليه وأوجبها عليه، وكانت شريعة له. فان قيل إذا كانت الشرائع بحسب ~~المصالح، فكيف رغب في شريعة الاسلام بأنها ملة إبراهيم؟ قلنا: لأن ~~المصالح إذا وافقت ما تميل إليه النفس ويتقبله العقل بغير كلفة كانت أحق ~~بالرغبة، كما أنها إذا وافقت الغنى بدلا من الفقر، كانت أعظم في النعمة، ~~وكان المشركون يميلون إلى اتباع ملة إبراهيم، فلذلك خوطبوا بذلك. ~~والحنيف: المستقيم: الدين الذي على شريعة إبراهيم في حجه ونسكه وطيب ~~مأكله، وتلك الشريعة هي الحنيفية. وأصل الحنف الاستقامة وإنما وصف المائل ~~القدم بالاحنف تفاؤلا بها. وقيل أصله الميل وإنما قيل الحنيف بمعنى ~~المائل إلى الحق فيما كان عليه إبراهيم من الشرع. ### || [3.96] # المعنى، واللغة، والاعراب: # أول الشيء ابتداؤه، ويجوز أن يكون المبتدأ له آخر، ويجوز أن لا يكون له ~~آخر، لأن الواحد أول العدد. ولا نهاية، لآخره، ونعيم أهل الجنة له أول، ~~ولا آخر له، فعلى هذا إنما كان أول بيت، لأنه لم يكن قبله بيت يحج إليه. # وروي عن علي (ع) أنه قال: أول بيت وضع للعبادة البيت الحرام. وقد كانت ~~قبله بيوت كثيرة. وقيل أول بيت رغب فيه، وطلب به البركة مكة. وقال مجاهد: ~~لم يوضع قبله بيت. وإنما دحيت الأرض من تحتها. وبه قال قتادة. وروى ms0729 ~~أصحابنا: أن أول شيء خلق الله من الارض موضع الكعبة، ثم دحيت الأرض من ~~تحتها. وبكة قيل معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة: بكة هو المسجد، ومكة الحرم كله ~~تدخل فيه البيوت، وهو قول أبي جعفر (ع) وقال أبو عبيدة: بكة هي بطن مكة، ~~وقال مجاهد: هي مكة. # وأصل بكة من البك، وهو الزحم تقول بكه يبكه بكا إذا زحمه وتباك الناس ~~بالموضع إذا ازدحموا، فبكة مزدحم الناس للطواف. وهو ما حول الكعبة من ~~داخل المسجد الحرام، ومنه البك: دق العنق، لأنه فكه بشدة زحمة، فقيل: ~~سميت بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم لم يمهلوا. ~~وأما مكة، فقال الزجاج يجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة. وابدلت الميم ~~من الباء، كقولهم: ضربة لازب ولازم، ويجوز أن يكون من قولهم: امبك الفصيل ~~ما في ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى منه شيئا، فسميت مكة ~~بذلك لازدحام الناس فيه. قال والأول أحسن، ويقال مك المشاش مكا إذا تمشش ~~بفيه. # ونصب قوله: { مباركا } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون حالا من الضمير الذي فيه. الثاني - على الظرف من بكة ~~على معنى الذي استقر ببكة مباركا. وعلى هذا القول لا يكون قد وضع قبله ~~بيت كما يجوز في التقدير الأول. وقوله: { وهدى للعالمين } معناه أنه ~~دلالة لهم على الله من حيث هو المدبر لهم بما لا يقدرون عليه من أمن ~~الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي، فلا يعدو عليه وحتى يأنس الطير فلا ~~يمتنع منه كما يمتنع من غيره إلى غير ذلك من الآثار والبينة فيه مع ~~البركة التي يجدها من حج إليه مع ما له من الثواب الجزيل عليه. وأصل ~~البركة الثبوت من قولك برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله، فالبركة ثبوت ~~الخير بنموه وتزايده ومنه البركاء: الثبوت في الحرب. ومنه البركة شبه حوض ~~يمسك الماء، لثبوته فيه. ومنه قول الناس: تبارك الله، لثبوته لم يزل، ولا ~~يزال وحده، ومنه البرك الصدر، لثبوت الحفظ ms0730 فيه. ### || [3.97] # القراءة: # قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر { حج البيت } بكسر الحاء. الباقون بفتحها ~~فمن فتح أراد المصدر الجاري على فعله، ومن كسر أراد الاسم. # المعنى: # الآيات التي بمكة أشياء، منها ما قال مجاهد في مقام إبراهيم، وهو أثر ~~قدميه داخلة في حجر صلد بقدرة الله تعالى، ليكون ذلك علامة يهتدى بها، ~~ودلالة يرجع إليها مع غير ذلك من الآيات التي فيه من أمن الخائف، وإمحاق ~~الجمار على كثرة الرامي. وامتناع الطير من العلو عليه. واستشفاء المريض ~~من ماء به. ومن تعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة على عادة كانت جارية. ~~ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا، لتخريبه. وروي عن ابن عباس أنه قرأ { ~~آية بينة مقام إبراهيم } فجعل مقام إبراهيم هو الآية. والأول عليه ~~القراء، والمفسرون. وقوله: { مقام إبراهيم } رفع بأنه خبر ابتداء محذوف. ~~وتقديره هي مقام إبراهيم وغير مقام إبراهيم, وقيل التقدير منها مقام ~~إبراهيم. وقوله: { ومن دخله كان آمنا } قيل فيه قولان: # أحدهما - الدلالة على ما عطف عليه قلوب العرب في الجاهلية، من أمر من ~~جنى جناية، ثم لاذ بالحرم، ومن تبعة تلحقه أو مكروه ينزل به. فأما في ~~الاسلام فمن جنى فيه جناية أقيم عليه الحد إلا القاتل، فانه يخرج منه، ~~فيقتل في قول الحسن، وقتادة. وعندنا أنه إذا قتل في الحرم قتل فيه. # الثاني - أنه خبر، والمراد به الأمر، ومعناه أن من وجب عليه حد، فلاذ ~~بالحرم والتجأ إليه، فلا يبايع ولا يشاري ولا يعامل حتى يخرج من الحرم، ~~فيقام عليه الحد - في قول ابن عباس وابن عمر - وهو المروي عن أبي عبد ~~الله وأبي جعفر (ع) وأجمعت الصحابة على أن من كانت له جناية في غيره ثم ~~عاذ به أنه لا يؤاخذ بتلك الجناية فيه. وأجمعوا أيضا أن من أصاب الحد ~~فيه أنه يقام عليه الحد فيه. وإنما اختلفوا فيما به يخرج ليقام عليه ~~الحد. # وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: من دخله عارفا بجميع ما أوجب الله عليه، ~~كان آمنا في ms0731 الآخرة من أليم العقاب الدائم. # والسبيل الذي يلزم بها الحج، قال ابن عباس، وابن عمر: هي الزاد، ~~والراحلة. وقال ابن الزبير، والحسن: ما يبلغه كائنا ما كان. وفيه خلاف ~~بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وعندنا هو وجود الزاد والراحلة ونفقة من ~~تلزمه نفقته والرجوع إلى كفاية عند العود إما من مال أو ضياع أو عقار أو ~~صناعة أو حرفة مع الصحة والسلامة وزوال الموانع وإمكان المسير. # وقوله: { ومن كفر } معناه من جحد فرض الحج فلم يره واجبا في قول ابن ~~عباس، والحسن، والضحاك. فأما من تركه وهو يعتقد فرضه، فانه لا يكون ~~كافرا وإن كان عاصيا. وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة إن ~~الاستطاعة مع الفعل، لأن الله تعالى أوجب الحج على المستطيع. ومن لا ~~يستطيع، فلا يجب عليه وذلك لا يكون إلا قبل فعل الحج. وقال قوم: معنى { ~~ومن كفر } يعني ترك الحج والسبب في ذلك أنه لما نزل قوله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا # قالت اليهود نحن المسلمون فأنزل الله هذه الآية فامرهم بالحج إن كانوا ~~صادقين فامتنعوا، فقال الله تعالى ومن ترك من هؤلاء فهو كافر، والله غني ~~عن العالمين. ### || [3.98] # المعنى: # قوله: { يا أهل الكتاب } خطاب لليهود والنصارى. وإنما أجرى عليهم أهل ~~الكتاب مع أنهم لا يعملون به، ولم يجز ذلك في أهل القرآن حتى يقال، فيمن ~~لا يعمل بالقرآن أنه من أهل القرآن لأمرين: # أحدهما - أن القرآن اسم خاص لكتاب الله، فأما الكتاب فيجوز أن يراد به ~~يا أهل الكتاب المحرف عن جهته، والآخر - الاحتجاج عليهم بالكتاب، ~~لاقرارهم به، كأنه قيل يا من يقر بأنه من أهل كتاب الله { لم تكفر بآيات ~~الله } وآيات الله المراد بها ها هنا معجزات نبينا محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته، مما تقدمت به ~~البشارة، وخاطبهم الله في هذه بأن قال له { قل لم تكفرون بآيات الله } ~~على وجه التلطف في استدعائهم إلى الحق، وتوجيه الخطاب إليهم. وقال في ~~موضع آخر ms0732 # يا أهل الكتاب لم تكفرون # على وجه الاهانة لهم لصدهم عن الحق بتوجيه الخطاب إلى غيرهم وإنما جاء ~~لفظ التوبيخ في الآية على لفظ الاستفهام، لأنه كسؤال التعجيز عن إقامة ~~البرهان، فكذلك سؤال التوبيخ سؤال تعجيز عن إقامة العذر كأنه قيل: هات ~~العذر في ذلك إن أمكنك، كما قيل له هات البرهان إن كنت محقا في قولك ~~ومذهبك. # اللغة: # وأصل لم لما وحذفت الالف في الاستفهام منها، ولم تحذف في الخبر لأنها في ~~الاستفهام ظرف يقوى فيه التغيير قياسا على حروف الاعراب ونحوها، وأما ~~الخبر فانها تقع وسطا إذا كانت موصولة، لأن تمامها أخر صلتها والجزاء ~~يجري مجرى الصلة، لأن (ما) فيه عاملة. ### || [3.99] # المعنى: # قوله: { لم تصدون } معناه لم تمنعون، لأن الصد المنع. وقيل في كيفية ~~صدهم عن سبيل الله قولان: # أحدهما - أنهم كانوا يغزون بين الأوس، والخزرج، بتذكيرهم الحروب التي ~~كانت بينهم حتى تدخلهم العصبية وحمية الجاهلية فينسلخون عن الدين - هذا ~~قول زيد بن اسلم - وقال الآية في اليهود خاصة. وقال الحسن الآية في ~~اليهود والنصارى معا ومعناها لم تصدون بالتكذيب بالنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وإن صفته ليست في كتبهم ولا تقدمت البشارة به عندهم وقوله: { من ~~آمن } موضعه النصب بأنه مفعول تصدون. وقوله: { تبغونها عوجا } الكناية ~~راجعة إلى السبيل، ومعناه تطلبون لها عوجا يعني عدو لا عن طريق الحق، وهو ~~الضلال كأنه قال تبغونها ضلالا. # اللغة: # والعوج - بفتح العين، هو ميل كل شيء منتصب، نحو القناة والحائط، وبكسر ~~العين - إنما هو الميل عن الاستواء في طريق الدين، وفي القول، وفي الارض. ~~ومنه قوله: # لا ترى فيها عوجا # وقال عبد بني الحسحاس: # بغاك وما تبغيه حتى وجدته # كأنك قد واعدته أمس موعدا # أي طلبك وما تطلبه هذا في بغيت الحاجة فأما بغى عليه، فمعناه تطاول ~~بظلمه له. وتقول: إبغني كذا بكسر الهمزة أي أطلبه لي. وإذا قلت: أبغني ~~بفتح الهمزة، فمعناه أعني على طلبه. ومثله إحملني وأحملني والمسنى ~~وألمسني. واحلب لي واحلبني أي أعني على الحلب. وأصل ms0733 ذلك ابغ لي غير أنه ~~حذفت اللام لكثرة الاستعمال. # المعنى: # وقوله: { وأنتم شهداء } قيل فيه قولان: # أحدهما - { أنتم شهداء } على بطلان صدكم عن دين الله، وتكون الآية مختصة ~~بقوم معاندين، لأنهم جحدوا ما علموه ويجوز أن تكون في الجميع، لاقرارهم ~~بأنه لا يجوز الصد عن دين الله، فلذلك صح ما ألزموا. # الثاني - { وأنتم شهداء } أي عقلاء كما قال الله تعالى # أو ألقى السمع وهو شهيد # أي وهو عاقل، وذلك أنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل قيل ~~فيما يتعلق بالدين ويؤديه إليه. ### || [3.100] # النزول: # قال زيد بن أسلم والسدي أن هذه الآية نزلت في الأوس والخزرج لما أغزى ~~قوم من اليهود بينهم ليفتنوهم عن دينهم. # اللغة، والاعراب، والمعنى: # وقوله: { إن تطيعوا } فالطاعة موافقة الارادة الجاذبة للفعل بالترغيب ~~فيه، والاجابة موافقة الارادة الداعية إلى الفعل ولذلك يجوز أن يكون الله ~~تعالى مجيبا للعبد إذا فعل ما دعا العبد به، ولم يجز أن يكون مطيعا له. ~~و (يا) حرف النداء وأي هو المنادى. و (ها) للتنبيه وهو اسم مبهم يحتاج أن ~~يوصف بالواحد والجميع لشدة إبهامه من حيث، لا يوقف عليه دون ما يوضحه. ~~ولم يجز مثل ذلك في هذا، وإن كان اسما مبهما، لأنه يدخله التثنية، ~~والجمع، نحو هؤلاء وهذان وليس كذلك أي. # فان قيل لم جاز صفة المبهم بالموصول ولم يجز بالمعطوف؟ قيل: لأن الموصول ~~بمنزلة اسم واحد لنقصانه عن التمام إلا بصلته، فعومل لذلك معاملة المفرد، ~~وليس كذلك المعطوف، لأنه اسم تام، فلذلك لم يجز يا أيها الطويل والقصير ~~على الصفة، وجاز يا أيها الذي أكرم زيدا على الصفة، ويجوز يا أيها ~~الطويل والقصير على أن يكون القصير منادا أيضا ويجوز أن تقول يا هذا ~~وتقف عليه. ولا يجوز أن تقول يا أيها وتقف. وإن كانا مبهمين لا يحتاجان ~~إلى صلة، لأن أي وصلة إلى نداء ما فيه الالف واللام، كما أن الذي وصلة ~~إلى صفة المعرفة بالجملة، ولذلك جاز النصب في يا هذا الكريم، ولم يجز ms0734 في ~~يا أيها الكريم. ومعنى الآية النهي عن طاعة الكفار وبيان أن من أطاعهم ~~يدعوه ذلك إلى الارتداد عن دينه بعد أن كان مؤمنا ورجوعه كافرا. ### || [3.101] # النزول: # روي عن ابن عباس أن سبب نزول هذه الآية أنه كانت بين الأوس، والخزرج حرب ~~في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، ~~فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح فنزلت هذه الآية وما بعدها. وقال الحسن نزلت ~~في مشركي العرب. # المعنى، واللغة: # { وكيف } موضوعة للاستفهام، ومعناها ها هنا التعجب وإنما استعملت في ~~ذلك، لأنها طلب للجواب عما حمل على الفساد فيما لا يصح فيه الاعتذار. ~~والتعجب هو حدوث إدراك ما لم يكن يقدر لخفاء سببه، وخروجه عن العادة في ~~مثله، ولذك لم يجز في صفة القديم، ولكن يجوز في وصفه تعجيب العباد من بعض ~~الأمور. وصيغة التعجب في اللغة ما أفعله، وأفعل به إلا أنه قد يجيء كلام ~~متضمن بمعنى التعجب، وإن لم يكن في الأصل مما وضع له. وقوله: { وفيكم ~~رسوله } خطاب للذين عاصروه، فأما اليوم، فقد قال الزجاج: يجوز أن يقال: ~~فينا رسول الله، ويراد به أن أثاره قائمة فينا، وأعلامه ظاهرة، وذلك ~~بمنزلة لو كان موجودا فينا. وقوله: { ومن يعتصم بالله } معناه يمتنع ~~والعصم: المنع. تقول عصمه يعصمه عصما، ومنه قوله: # لا عاصم اليوم من أمر الله # أي لا مانع. والعصم: الأوعال لامتناعها بالجبال. والمعصم لأنه يمتنع ~~والعصام: الحبل، والسبب، لأنه يعتصم به. ### || [3.102] # المعنى: # ذكر ابن عباس وطاوس أن هذه الآية محكمة غير منسوخة. وقال قتادة، ~~والربيع، والسدي، وابن زيد: هي منسوخة بقوله. # فاتقوا الله ما استطعتم # وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) لأنهم ذهبوا إلى أنه يدخل فيه ~~القيام بالقسط في حال الخوف، والامن، وأنكر أبو علي الجبائي نسخ الآية ~~وذلك، لأن من اتقى جميع معاصيه، فقد اتقى الله حق تقاته. ومثل هذا لا ~~يجوز أن ينسخ، لأنه إباحة لبعض المعاصي. قال الرماني: والذي عندي أنه إذا ~~وجه على ms0735 { اتقوا الله حق تقاته } بأن تقوموا له بالحق في الخوف والامن لم ~~يدخل عليه ما ذكره أبو علي. وهذا صحيح، لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم ~~أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس، كما ~~قال # إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان # وأنكر البلخي أيضا نسخ الآية وقال: لأن في ذلك ايجاب الأمر بما لا ~~يستطاع. قال الرماني: وهذا أيضا لا يلزم، لأن { ما استطعتم } إنما هو من ~~غير تحمل مشقة بتحريم التقية. # وقيل في معنى قوله: { حق تقاته } قولان: # أحدهما - قال ابن مسعود، والحسن، وقتادة: إن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا ~~يكفر ويذكر فلا ينسى، وهو المروي عن أبي عبد الله (ع). وقال الجبائي: هو ~~أن يتقى جميع معاصيه. وظاهر الآية يقتضي أنه خطاب للمؤمنين خاصة، ويجوز ~~أن يحمل من جهة المعنى على جميع المكلفين على التغليب، لأنه معلوم أنه ~~يجب عليهم من ذلك مثل ما يجب على المؤمنين من اتقاء جميع معاصي الله. # اللغة: # وقوله: { تقاته } هو من وقيت. قال الزجاج: يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة ~~ووقاة واقاة وحمله على قياس وجوه وأجوه وإن كان هذا المثال لم يجىء منه ~~شيء على الأصل نحو تخمة ونكاة ونقاة غير أنه حمله على الاكثر من نظائره ~~وجعل اختصاص هذا البناء في الاستعمال، لا يمنع من حمله على نظيره في ~~القياس، لأن بازاء قوة الاستعمال قوة النظير في الباب. # المعنى، واللغة: # وقوله: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } معناه لا تتركوا الاسلام وإنما ~~قال: { فلا تموتن } بلفظ النهي عن الموت من حيث أن الموت لا بد منه، ~~فكأنه قال كونوا على الاسلام، فاذا ورد عليكم الموت صادفكم على الاسلام، ~~فالنهي في الحقيقة عن ترك الاسلام، لئلا يهلكوا بالاقتطاع عن التمكين منه ~~بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة تصرف الابدال، لحسن ~~الاستعارة، وزوال اللبس، لأنه لما كان يمكنهم أن يفارقوه بالاسلام فترك ~~الاسلام صار بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم. ومثله قولهم لا ms0736 أراك ها هنا أي ~~لا تكونن ها هنا، فان من كان ها هنا رأيته إلا أن هذا خرج مخرج النهي ~~لغير المنهي عنه فتباعد عن الأصل، فالاول أحسن. لأنه أعدل. وروي عن أبي ~~عبد الله (ع) { وأنتم مسلمون } بالتشديد، ومعناه إلا وأنتم مستسلمون لما ~~أتى به النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنقادون له. ### || [3.103] # المعنى، واللغة، والاعراب: # ومعنى قوله: { واعتصموا } امتنعوا بحبل الله واستمسكوا به أي بعهد الله، ~~لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر أو نحوها. ومنه ~~الحبل الأمان، لأنه سبب النجاة. ومنه قوله: # إلا بحبل من الله وحبل من الناس # ومعناه بأمان، قال الاعشى: # وإذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى إليك حبالها # ومنه الحبل الحمل في البطن وأصله الحبل المفتول قال ذو الرمة: # هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم # أم هل لها آخر الايام تكليم # وفي معنى قوله: { بحبل الله } قولان قال أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه كتاب الله. وبه قال ابن مسعود, وقتادة والسدي. وقال ~~ابن زيد { حبل الله } دين الله أي دين الاسلام. وقوله: { جميعا } منصوب ~~على الحال. والمعنى اعتصموا بحبل الله مجتمعين على الاعتصام به. وقوله: { ~~ولا تفرقوا } أصله ولا تتفرقوا، فحذفت احدى التائين، لاجتماع المثلين. ~~والمحذوفة الثانية، لأن الأولى علامة الاستقبال، وهو مجزوم بالنهي وعلامة ~~الجزم سقوط النون. وقال ابن مسعود وقتادة: معناه ولا تفرقوا عن دين الله ~~الذي أمر فيه بلزوم الجماعة والائتلاف على الطاعة. وقال الحسن: معناه ولا ~~تفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقوله: { واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء } معناه ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي ~~تطاولت مئة وعشرين سنة إلى أن ألف بين قلوبهم بالاسلام، وزالت تلك ~~الاحقاد، هذا قول ابن اسحاق. وقال الحسن: هو ما كان من مشركي العرب من ~~الطوائل. وقوله: { وكنتم على شفا حفرة من النار } معنى الشفا الحرف، لأن ~~شفا الشيء حرفه، ويثنى شفوان، لأنه من الواو، وجمعه اشفاء. ولا يجوز ms0737 فيه ~~الامالة. وإنما قال: { فأنقذكم منها } وإن لم يكونوا فيها، لأنهم كانوا ~~بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها. وإنما أنقذهم النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) بدعائهم إلى الاسلام، ودخولهم فيه، فصاروا بمنزلة ~~الخارج منها. # وأصل الاخ أن الاخ مقصده مقصد أخيه، وكذلك في الصداقة أن تكون إرادة كل ~~واحد منهما موافقة الاخر يقولون: يتوخى فلان شأن فلان أي يقصده في سيره، ~~ويقولون: خذ على هذا الوخي أي على هذا القصد. وقوله: { كذلك يبين الله ~~لكم آياته } الكاف في موضع نصب، والمعنى مثل البيان الذي تلي عليكم { ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } معناه لتهتدوا وتكونوا على رجاء ~~هداية. والهاء في قوله فأنقذكم منها كناية عن الحفرة فترك شفا، وردت ~~الكناية على الحفرة. ومثل ذلك قول العجاج. # طول الليالي أسرعت في نقضي # طوين طولي وطوين عرضي # فترك الطول وأخبر عن الليالي. فان قالوا إذا كان الله هو الذي ألف بين ~~قلوبهم وأنقذهم من النار، فقد صح أن أفعال الخلق فعل له وخلق من خلقه؟ ~~قيل: لا يجب ذلك، لأنا نقول أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ألف بين قلوب ~~العرب وأنقذهم من النار، ولا يجب من ذلك أن تكون أفعالهم أفعالا للنبي ~~(صلى الله عليه وسلم)، ولا مشاركا لهم. # ومعنى ألف بين قلوبهم وأنقذهم من النار أنه دعاهم إلى الايمان وبين لهم ~~وهداهم، ورغبهم وحذرهم، فلما كان إسلامهم ونجاتهم بمعونته ودعائه، كان هو ~~المؤلف لقلوبهم، والمنقذ لهم من النار على هذا المعنى، لا أنه صنع ~~أفعالهم، وأحدثها. فان قيل: فقد فعل الله مثل ذلك بالكافرين هلا قلتم أنه ~~ألف بينهم؟ قلنا: لا نقول ذلك وإن كان فعل بهم في الابتداء مثل الذي فعل ~~بالمؤمن، لأنه لم يوجد منهم إيمان، فلا يجوز إطلاق ذلك عليهم، ولما وجد ~~من المؤمن ذلك جاز إضافة ذلك إلى الله تعالى وجرى ذلك مجرى قوله { هدى ~~للمتقين } أنه اضيف إلى المتقين من حيث اهتدوا به. وان كان هداية ~~للكافرين أيضا. ويجوز أن يقال: ألف ms0738 الله بين الكفار، فلم يأتلفوا ~~وانقذهم، فلم يستنقذوا، فيقيد ذلك، كما قال: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # ولا يجوز أن يقال: هدى الله ثمود ويسكت. ومثل ذلك لو أن إنسانا اعطى ~~ولدين له مالا وأمرهما بالتجارة وبين لهما وجوه المكاسب فكسب أحدهما مالا ~~واستغنى، وضيع الآخر، فافتقر جاز أن يقال أن فلانا أغنى ولده الغني، ولا ~~يجوز أن يقال اغنى ولده الفقير على أنا لا نقول ان الله تعالى فعل ~~بالكافر جميع ما فعل بالمؤمن، لأن الذي سوى بينهما ما يتعلق بازاحة العلة ~~في التكليف من الاقدار والاعلام والدلالة، وما به يتمكن من فعل الايمان، ~~فأما الالطاف التي يفعلها الله بالمؤمن بعد إيمانه التي علمها له بعد ~~الايمان ولم يعلمها للكافر، فلا نقول أنه فعل بالكافر مثلها، ولا يمتنع ~~أن تكون هذه الزيادة من الالطاف مشروطة بحال الايمان، فالاطلاق لا يصح ~~على كل حال. ### || [3.104] # الاعراب، والمعنى: # قوله: { ولتكن } أمر واللام لام الأمر وإنما سكنت مع الواو ولم يكن لام ~~الاضافة لأن تسكين لام الامر يؤذن بعملها أنه الجزم، وليس كذلك لام ~~الاضافة. ولم يسكن مع ثم، لأن ثم بمنزلة كلمة منفصلة. وقوله: { منكم أمة ~~} " من " ها هنا للتبعيض على قول أكثر المفسرين، لأن الأمر بانكار ~~المنكر، والامر بالمعروف متوجه إلى فرقة منهم غير معينة، لأنه فرض على ~~الكفاية فأي فرقة قامت به سقط عن الباقين. وقال الزجاج التقدير " وليكن " ~~جميعكم و (من) دخلت لتخص المخاطبين من بين سائر الاجناس، كما قال: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # وقال الشاعر: # أخو رغائب يعطيها ويسلبها # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر # لانه وصفه باعطاء الرغائب، والنوفل الكثير الاعطاء للنوافل. والزفر: ~~الذي يحمل الأثقال، فعلى هذا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من فرض ~~الاعيان لا يسقط بقيام البعض عن الباقين. وهو الذي اختاره الزجاج، وبه ~~قال الجبائي، واختاره. # اللغة: # والأمة في اللغة تقسم خمسة أقسام: # أحدها - الجماعة. والثاني - القامة. والثالث - الاستقامة. والرابع - ~~النعمة والخامس القدوة. والأصل في ذلك كله القصد من قولهم: أمه ms0739 يؤمه. ~~أما إذا قصده، فالجماعة سميت أمة لاجتماعها على مقصد واحد. والأمة: ~~القدوة، لأنه تأتم به الجماعة. والأمة النعمة، لأنها المقصد الذي هو ~~البغية. والامة القامة، لاستمرارها في العلو على مقصد واحد. والمعروف هو ~~الفعل الحسن الذي له صفة زائدة على حسنه. وربما كان واجبا أو ندبا، فان ~~كان واجبا فالأمر به واجب. وان كان ندبا فالامر به ندب. والمنكر هو ~~القبيح فالنهي عنه كله واجب. والانكار هو إظهار كراهة الشيء لما فيه من ~~وجه القبح، ونقيضه الاقرار وهو إظهار تقبل الشيء من حيث هو صواب حسن. # المعنى: # والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بلا خلاف وأكثر المتكلمين ~~يذهبون إلى أنه من فروض الكفايات. ومنهم من قال من فروض الاعيان، وهو ~~الصحيح على ما بيناه. واختلفوا، فقال جماعة ان طريق وجوب انكار المنكر ~~العقل، لأنه كما تجب كراهته وجب المنع منه إذا لم يمكن قيام الدلالة على ~~الكراهة. وإلا كان تاركه بمنزلة الراضي به. وقال آخرون وهو الصحيح عندنا: ~~إن طريق وجوبه السمع وأجمعت الأمة على ذلك، ويكفي المكلف الدلالة على ~~كراهته من جهة الخير وما جرى مجراه وقد استوفينا ما يتعلق بذلك في شرح ~~جمل العلم. فان قيل هل يجب في إنكار المنكر حمل السلاح؟ قلنا: نعم إذا ~~احتيج إليه بحسب الامكان، لأن الله تعالى قد أمر به، فاذا لم ينجح فيه ~~الوعظ والتخويف، ولا التناول باليد وجب حمل السلاح، لأن الفريضة لا تسقط ~~مع الامكان إلا بزوال المنكر الذي لزم به الجهاد إلا أنه لا يجوز أن يقصد ~~القتال إلا وغرضه إنكار المنكر. وأكثر أصحابنا على أن هذا النوع من إنكار ~~المنكر لا يجوز الاقدام عليه إلا باذن سلطان الوقت. ومن خالفنا جوز ذلك ~~من غير الاذن مثل الدفاع عن النفس سواء. وقال البلخي: إنما يجوز لسائر ~~الناس ذلك إذا لم يكن إمام، ولا من نصبه، فأما مع وجوده، فلا ينبغي، لأحد ~~أن يفعل ذلك إلا عند الضرورة. وقوله: { وأولئك هم المفلحون } معناه هم ~~الفائزون بثواب الله، والخلاص ms0740 من عقابه. ### || [3.105] # المعنى: # قال الحسن، والربيع: المعني بهذا التفرق في الآية اليهود والنصارى، ~~فكأنه قال يا أيها المؤمنون { لا تكونوا كالذين تفرقوا } يعني اليهود ~~والنصارى. وقوله: { من بعد ما جاءهم البينات } معناه من بعد ما نصبت لهم ~~الادلة ولا يدل ذلك على عناد الجميع، لأن قيام البينات إنما يعلم بها ~~الحق إذا نظر فيها واستدل بها على الحق، فان قيل إذا كان التفرق في الدين ~~هو الاختلاف فيه، فلم ذكر الوصفان؟ قلنا: لأن معنى { تفرقوا } يعني ~~بالعداوة واختلفوا في الديانة، فمعنى الصفة الأولى مخالف لمعنى الصفة ~~الثانية، وفيمن نفى القياس، والاجتهاد من استدل بهذه الآية على المنع من ~~الاختلاف جملة في الاصول والفروع، واعترض من خالف في ذلك بأن قال لا يدل ~~ذلك على فساد الاختلاف في مسائل الاجتهاد، كما لا يدل على فساد الاختلاف ~~في المسائل المنصوص عليها، كاختلاف حكم المسافر والمقيم في الصلاة ~~والصيام، وغير ذلك من الأحكام، لأن جميعه مدلول على صحته إما بالنص عليه ~~وإما بالرضى به، وهذا ليس بشيء، لأن لمن خالف في ذلك أن يقول: الظاهر ~~يمنع من الاختلاف على كل حال إلا ما أخرجه الدليل، وما ذكره أخرجناه ~~بالاجماع فالاجود في الطعن أن يقال: وقد دل الدليل على وجوب التعبد ~~بالقياس والاجتهاد! قلنا: إن يخص ذلك أيضا ويصير الكلام في صحة ذلك أو ~~فساده، فالاستدلال بالآية إذا صحيح على نفي الاجتهاد. وقوله: { جاءهم ~~البينات } إنما حذفت منه علامة التأنيث إذا تقدم، فكذلك لا يلحقه علامة ~~التأنيث لشبهها علامة التثنية والجمع. ### || [3.106] # الاعراب: # العامل في قوله: { يوم } قوله { عظيم } وتقديره عظيم عذابهم يوم تبيض ~~وجوه. ولا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب موصول، قد فصلت صفته بينه، وبين ~~معموله، لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة، لانها في معنى يعذبون يوم تبيض ~~وجوه، كما تقول المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل والجملة خلف منه. # المعنى: # والمعني بهذه الآية الذين كفروا بعد إيمانهم. وقيل فيهم أربعة أقوال: # أحدها - قال الحسن: الذين كفروا بعد اظهار الايمان ms0741 بالنفاق. # الثاني - قال قتادة الذين كفروا بالارتداد. # الثالث - قال أبي بن كعب: إنهم جميع الكفار، لاعراضهم عما يوجبه الاقرار ~~بالتوحيد حين أشهدهم الله على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا. # الرابع - ذكره الزجاج وأبو علي الجبائي. الذين كفروا من أهل الكتاب ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد إيمانهم به أي بنعته وصفته قبل مبعثه، ~~وهذا الوجه، والوجه الأول يليق بمذهبنا في الموافاة، فأما الارتداد عن ~~الايمان الحقيقي، فلا يجوز عندنا على ما مضى في غير موضع. # فان قيل إذا كان { الذين اسودت وجوههم } كفارا { والذين ابيضت وجوههم } ~~مؤمنين هلا دل ذلك على أنه لا واسطة بين الكفر، والايمان من الفسق؟ ~~قلنا: لا يجب ذلك، لأن ذكر اسوداد الوجوه وابيضاضها لا يمنع أن يكون هناك ~~وجوه أخر مغبرة أو نحوها من الألوان أو يكون أدخلوا في جملة الكفار الذين ~~اسودت وجوههم على التغليب لاعظم الصفتين كما يغلب المذكر على المؤنث، ~~وليس ذكر اليوم بأنه تسود فيه وجوه وتبيض وجوه بمانع من أن يكون فيه وجوه ~~عليها الغبرة، كما أن القائل إذا قال هذا يوم يعفو فيه السلطان عن قوم ~~ويعاقب فيه قوما لا يدل على أنه ليس هناك من لا يستحق واحدا من الأمرين ~~على أن الآية تدل على أن { الذين اسودت وجوههم } هم المرتدون، لأنه قال { ~~أكفرتم بعد إيمانكم } وليس كل الكفار هذه صورتهم، جاز لنا إثبات فاسقين ~~مثل ذلك، وليس قوله: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } يجري مجرى قوله: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا # لأن ذاك إنما ذكر على وجه المثل، كأنه قال حال الذي يبشر بالانثى بمنزلة ~~حالة من اسود وجهه، لما حدث فيه من التغير: وإن لم يسود في الحقيقة. ~~وعرفنا عن ذلك دليل، وليس في هذه الآية ما يدلنا على العدول عن ظاهرها. # وجواب أما في قوله: { فأما الذين اسودت } محذوف وتقديره { فأما الذين ~~اسودت وجوههم } فيقال لهم { أكفرتم بعد إيمانكم } فحذف لدلالة اسوداد ~~الوجوه على حال التوبيخ حتى كأنه ناطق به، وقد يحذف ms0742 القول في مواضع كثيرة ~~استغناء بما قبله من البيان، كقوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا # أي يقولون ربنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرم على سؤال الاقالة. وقيل في ~~قوله تعالى # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا # معناه يقول { ربنا تقبل منا } ومثله # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # أي يقولون { سلام عليكم } ونظائر ذلك كثيرة جدا. ### || [3.107] # إن قيل: لم ذكر تعالى حال الكافرين وحال المؤمنين ولم يذكر حال ~~الفاسقين؟ قلنا: ليقابل اسوداد الوجوه لابيضاض الوجوه بالعلامتين، وحال ~~الفاسقين موقوفة على دلالة أخرى وآية أخرى. وقوله: { ففي رحمة الله } قيل ~~في معناه قولان: # أحدهما - انهم في ثواب الله وان الرحمة هي الثواب. # والثاني - انهم في ثواب رحمة الله، فحذف، كما قال: # واسأل القرية # ذكره الزجاج. والاول أجود، لأن الرحمة ها هنا هي الثواب وإذا صح حمل ~~الكلام على ظاهره من غير حذف كان أولى من تقدير محذوف منه من غير ضرورة. ~~والآية تدل على أن ثواب الله تفضل، لأن رحمة الله إنما هي نعمته، وكل ~~نعمة فانه يستحق بها الشكر، وكل نعمة تفضل، ولو لم تكن تفضلا لم تكن ~~نعمة. وقيل في وجه كونه تفضلا قولان: # أحدهما - إنما كان تفضلا، لأن السبب الذي هو التكليف تفضل. # والثاني - إنه تفضل لأنه بمنزلة ايجاز الوعد في أنه تفضل مستحق، لأن ~~المبتدىء به قد كان له أن لا يفعله، فلما فعله وجب عليه الوفاء به، لأنه ~~لا يجوز الخلف، وهو مع ذلك تفضلا، لأنه جر إليه تفضل، واختار الرماني هذا ~~الوجه. وإنما كرر الظرف في قوله: { ففي رحمة الله هم فيها خالدون } ~~لأمرين: # أحدهما - للتأكيد، والثاني - للبيان عن صحة الصفتين أنهم في رحمة الله، ~~وانهم فيها خالدون، وكل واحدة قائمة بنفسها. ### || [3.108] # المعنى: # قال الفراء معنى { تلك آيات الله نتلوها عليك } أي مواعظه وحججه ومعنى { ~~نتلوها } أي نقرأها عليك. والفرق بين تلك، وهذه أن تلك إشارة إلى ما هو ~~بعيد ms0743 فجازت الاشارة بها إليه لانقضاء الآية وصلح هذه لقربها في التلاوة، ~~ولو كانت بعيدة لم يصلح أحدهما مكان الآخر. وانما قال { آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق } فقيده { بالحق } ، لأنه لما حقق الوعيد بأنه واقع لا محالة ~~نفى عنه حال الظلم كعادة أهل الخير، ليكون الانسان على بصيرة في سلوك ~~الضلالة مع الهلاك أو الهدى مع النجاة، ومعنى { نتلوها عليك بالحق } أي ~~معاملتي حق، ويحتمل أن يكون المراد { نتلوها } المعنى الحق، لأن معنى ~~التلاوة حق من حيث يتعلق معتقدها بالشيء على ما هو به. # اللغة، والمعنى: # والفرق بين تلوت عليه، وتلوت لديه أن عليه يدل على إقرار التلاوة، لأن ~~معنى عليه استعلاء الشيء، فهي تنبىء عن استعلائه بالظهور للنفس، كما يظهر ~~لها بعلو الصوت وليس كذلك لديه، لأن معناه عنده. وفي الآية دلالة على ~~فساد قول المجبرة: أن الله تعالى يريد الظلم، لأنه لو أراد ظلم بعضهم ~~لبعض، لكان قد أراد ظلمهم وكذلك لو أراد ظلم الانسان لغيره، لجاز أن يريد ~~أن يظلمه هو، لأنه لا فرق بينها في القبح، ويدل أيضا على أنه لا يفعل ~~ظلمهم، لأنه لا يفعل ما لا يريده. # وقوله: { وما الله يريد ظلما للعالمين } فيه نفي لأرادة ظلمهم على كل ~~حال بخلاف ما يقولونه. ### || [3.109] # النظم: # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها، وجه اتصال الدليل بالمدلول عليه، لأنه ~~لما قال: { وما الله يريد ظلما للعالمين } وصله بذكر غناه عن الظلم إذ ~~الغني عنه العالم بقبحه، ومعناه لا يجوز وقوعه منه. # المعنى: # وقوله: { وإلى الله ترجع الأمور } لا يدل على أن الامور كانت ذاهبة عنه، ~~لأمرين: # أحدهما - لأنها بمنزلة الذاهبة بهلاكها وفنائها ثم اعادتها، لأنه تعالى ~~يعيدها للجزاء على الاعمال والعوض على الآلام. # والثاني - لأنه قد ملك العباد كثيرا من التدبير في الدنيا فيزول جميع ~~ذلك في الآخرة ويرجع إليه كله. وقوله: { ولله ما في السماوات } معناه ~~ولله ملك ما في السماوات. والملك: هو ماله أن يتصرف فيه. ولا يجوز أن ~~يقول مكان ذلك ولله خلق ما ms0744 في السماوات، لأن ذلك يدخل فيه معاصي العباد، ~~والله تعالى منزه عنها والآية خرجت مخرج التعظيم لله تعالى، وذكر عظيم ~~المدح. # وفي وقوع المظهر بموقع المضمر في قوله: { وإلى الله ترجع الأمور } فيه ~~قولان: # أحدهما - ليكون كل واحد من الكلامين مكتفيا بنفسه. # والثاني - لأن المظهر في اسم الله تعالى أفخم في الذكر من المضمر وصفة ~~ملكه موضع تفخيم، وليس كقول الشاعر # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # لأن البيت مفتقر إلى الضمير والآية مستغينة عنه وإنما احتاج البيت إليه، ~~لأن الخبرالذي هو جملة لا يتصل بالمخبر عنه إلا بضمير يعود إليه. (وما) ~~تقع على ما يعقل وما لا يعقل إذا ذهب به مذهب الجنس، فما يعقل داخل فيه ~~حقيقة ولو قال بدلا منه ولله من في السماوات بلفظة (من) لما دخل فيه إلا ~~العقلاء أو الكل على جهة التغليب دون الحقيقة. ### || [3.110] # النظم: # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال المدح على الفعل الذي تقدم به ~~الأمر، لأنه قد تقدم إيجاب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ثم مدح على ~~قبوله والتمسك به، ويجوز أيضا ان يكون اتصال التعظيم لله تعالى بمدح ~~المطيعين له في الاشياء التي بينت، لأنهم بلطف الله تعالى أطاعوا. # المعنى: # وقوله: { كنتم خير أمة } إنما لم يقل أنتم لأحد أمور: # أحدها - قال الحسن أن ذلك لما قد كان في الكتب المتقدمة ما يسمع من ~~الخير في هذه الأمة من جهة البشارة. وقال نحن آخرها وأكرمها على الله. ~~وكذلك روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال # " أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله " # فهو موافق لمعنى أنتم خير أمة إلا أنه ذكر { كنتم } لتقدم البشارة به، ~~ويكون التقدير { كنتم خير أمة } في الكتب الماضية فحققوا ذلك بالافعال ~~الجميلة. # الثاني - أن كان زائدة ودخولها وخروجها بمعنى، إلا أن فيها تأكيد وقوع ~~الأمر لا محالة، لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة، كما قال # واذكروا إذ أنتم قليل # وفي موضع آخر ms0745 # واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم # ونظيره قوله: { وكان الله غفورا رحيما } لأن مغفرته المستأنفة ~~كالماضية في تحقيق الوقوع لا محالة. # الثالث - أن (كان) تامة ها هنا ومعناه حدثتم خير أمة ويكون خير أمة ~~نصبا على الحال. # والرابع - { كنتم خير أمة } في اللوح المحفوظ. # والخامس - كنتم مذ أنتم ليدل على أنه كذلك مذ أول أمرهم. واختلف ~~المفسرون في المعني بقوله: { كنتم خير أمة } فقال قوم: هم الذين هاجروا ~~مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ذكره ابن عباس، وعمر بن الخطاب، والسدي. ~~وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب، ومعاذ ~~بن جبل. وقال الضحاك: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خاصة. ~~وقال مجاهد معناه { كنتم خير أمة } إذا فعلتم، ما تضمنته الآية من الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر. والايمان بالله والعمل بما أوجبه. وقال ~~الربيع: معناه { كنتم خير أمة } ، لأنه لم يكن أمة أكثر استجابة في ~~الاسلام، من هذه الأمة. فان قيل: لم قيل للحسن معروف مع أن القبيح أيضا ~~يعرف أنه قبيح، ولا يجوز أن يطلق عليه اسم معروف؟ قلنا: لأن القبيح ~~بمنزلة ما لا يعرف لخموله وسقوطه. والحسن بمنزلة النبيه الذي يعرف ~~بجلالته وعلو قدره. ويعرف أيضا بالملابسة الظاهرة والمشاهدة فأما ~~القبيح، فلا يستحق هذه المنزلة. وقوله: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا ~~لهم } معناه لو صدقوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله: { منهم ~~المؤمنون } يعني معترفون بما دلت عليه كتبهم في صفة نبينا (صلى الله عليه ~~وسلم)، والبشارة به. # وقيل: إنها تناولت من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وأخيه، وغيرهما. ~~وقوله: { وأكثرههم الفاسقون } يعني من لم يؤمن منهم، وإنما وصفهم بالفسق ~~دون الكفر الذي هو أعظم، لأن الغرض الاشعار بأنهم خرجوا بالفسق عما يوجبه ~~كتابهم من الاقرار بالحق في نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم). وأصل الفسق ~~الخروج. ووجه آخر وهو أنهم في الكفار بمنزلة الفساق في العصاة بخروجهم ~~إلى الحال الفاحشة التي هي أشنع وأفظع من حال من لم ms0746 يقدم إليه ذكر فيه، ~~وليس في الآية ما يدل على أن الاجماع حجة على ما بيناه في أصول الفقه. ~~وتلخيص الشافي، وجملته أن هذا الخطاب لا يجوز أن يكون المراد به جميع ~~الأمة، لأن أكثرها بخلاف هذه الصفة بل فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن ~~المعروف. ومتى كان المراد بها بعض الأمة، فنحن نقول ان في الامة من هذه ~~صفته، وهو من دل الدليل على عصمته، فمن أين لو أنا، فرضنا فقدهم، لكان ~~إجماعهم حجة واستوفينا هناك ما تقتضيه الاسئلة والجوابات، فلا نطول بذكره ~~ها هنا. ### || [3.111] # النظم # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال البشارة بالغلبة بما تقدم من الامر ~~بالمحاربة، لأنه قد تقدم الأمر بانكار المنكر، فالفريضة اللازمة إذ لم ~~تترك إلا بالمحاربة. # المعنى، والاعراب: # والأذى المذكور في الآية هو أن يسمعوا منهم كذبا على الله يدعونهم به ~~إلى الضلالة في قول الحسن، وقتادة يقول أهل الحجاز آذيتني إذا أسمعته ~~كلاما يثقل عليه. وقال البلخي، والطبري الاستثناء منقطع ها هنا، لأن ~~الأذى ليس من الضرر في شيء، وهذا ليس بصحيح، لأنه إذا أمكن حمله على ~~الاستثناء الحقيقي لم يجز حمله على المنقطع. والمعنى في الآية لن يضروكم ~~إلا ضررا يسيرا، فالأذى وقع موقع المصدر الأول. وإذا كان الأذى ضررا ~~فالاستثناء متصل. والمنقطع لا يكون فيه الثاني مخصصا للأول، كقولك ما في ~~الدار أحد إلا حمارا، وكقولك ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر. ~~وقوله: { وإن يقاتلوكم } جزم، لأنه شرط { ويولوكم } جزم لأنه جزاء. ~~وقوله: { ثم لا ينصرون } رفع على الاستئناف، ولم يعطف ليجري الثاني على ~~مثال الأول، لأن سبب التولية القتال. وليس كذلك منع النصر، لأن سببه ~~الكفر. والرفع أشكل برؤس الآي المتقدمة، وهو مع ذلك عطف جملة على جملة ~~وفي الآية دلالة على النبوة، لوقوع مخبرها على ما تضمنته قبل وقوع ~~مخبرها، لأن يهود المدينة من بني قريظة وبني النضير، وبني قينقاع ويهود ~~خيبر الذين حاربوه (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين ما قاتلوهم قط ms0747 إلا ~~ولوا الأدبار منهزمين. ### || [3.112] # المعنى، واللغة، والاعراب: # قال الحسن: المعني بقوله: { ضربت عليهم الذلة } اليهود أذلهم الله عز ~~وجل، فلا عز لهم ولا منعة، وأدركتهم هذه الأمة. وإن المجوس لتجبيهم ~~الجزية { وضربت } مأخوذ من الضرب، وإنما قيل ضربت، لأنها ثبتت عليهم كما ~~ثبتت بالضرب كما أخذت منه الضريبة، لأنها تثبت على صاحبها كما تثبت ~~الضرب. وقوله: { أينما ثقفوا } أي أينما وجدوا، يقال: ثقفته أي وجدته، ~~ولقيته. فان قيل: كيف جاز عقابهم على ما لم يفعلوه من قتل الانبياء. ~~وإنما فعله أسلافهم دونهم. قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - أنهم عوقبوا على رضاهم بذلك. وأجرى عليهم صفة القتل لعظم الجرم ~~في رضاهم به، فكأنهم، فعلوه على نحو { يذبح أبناءهم } وإنما أمر به. # والثاني - أن تكون الصفة تعم الجميع، فيدخلوا في الجملة ويجري عليهم ~~الوصف على التغليب كما يغلب المذكر على المؤنث إذا اجتمعا، فكذلك غلب ~~القاتل على الراضي. وقوله: { إلا بحبل من الله } فالحبل هو العهد من ~~الله، وعهد من من الناس على وجه الذمة، وغيرها من وجوه الأمان في قول ابن ~~عباس، والحسن ومجاهد، وقتادة، والسدي، والربيع. وسمي العهد حبلا، لأنه ~~يعقد به الأمان كما يعقد بالحبل من حيث يلزم به الشيء كما يلزم بالحبل. ~~وقال الاعشى: # فاذا تجوزها حبال قبيلة # أخذت من الأخرى اليك حبالها # والعامل في الباء من قوله { إلا بحبل من الله } يحتمل أن يكون العامل ~~محذوفا والمعنى إلا أن تعتصموا بحبل من الله على قول الفراء وأنشد: # رأتني بحبليها فصدت مخافة # وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق # أراد رأتني أقبلت بحبليها فحذف العامل في الباء وقال آخر: # قريب الخطو يحسب من رآني # ولست مقيدا أني بقيد # قال الرماني، على بن عيسى ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين: # أحدهما - حذف الموصول وذلك لا يجوز عند البصريين في شيء من الكلام لأنه ~~إذا احتاج إلى صلة تبين عنه فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد. وإنما ~~يجوز حذف الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دل دليل عليه لحذف مع ~~صلته، لأنه ms0748 معها بمنزلة شيء واحد. والوجه الآخر أن الكلام إذا صح معناه ~~من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف. وقوله { إلا بحبل } قيل في هذا ~~الاستثناء قولان: # أحدهما - أنه منقطع، لأن الدلالة لازمة لهم على كل حال، فيجري مجرى ~~قوله: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ # فعامل الاعراب موجود والمعنى على الانقطاع. ومثله # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما # وكل انقطاع فيه فانما هو لازالة الايهام الذي فيه يلحق الكلام فقوله: { ~~لا يسمعون فيها لغوا } قد يتوهم أنه من حيث لا يسمعون فيها كلاما، فقيل ~~لذلك { إلا قيلا سلاما } وكذلك { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا } قد ~~يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه، فقيل لذلك { إلا خطأ }. # وكذلك { ضربت عليهم الذلة } قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة، فقيل إلا ~~بحبل من الله. # الثاني - أن الاستثناء متصل، لأن عز المسلمين عز لهم بالذمة، وهذا لا ~~يخرجه من الذلة في أنفسهم. وقوله: { وباؤا بغضب من الله } أي رجعوا بغضب ~~الله الذي هو عقابه ولعنه. وقوله: { وضربت عليهم المسكنة } قيل اريد ~~بالمسكنة الذلة لأن المسكين لا يكون إلا ذليلا فسمي الذليل مسكينا. ~~وقيل، لأن اليهود أبدا يتفاقرون وان كانوا أغنياء لما رماهم الله به من ~~الذلة. وقد بينا فيما تقدم أن قوله: # ويقتلون الأنبياء بغير حق # لا يدل على أن قتلهم يكون بحق وإنما المراد أن قتلهم لا يكون إلا بغير ~~حق، كما قال { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } والمراد ان ~~ذلك لا يكون إلا بغير برهان وكقول امرىء القيس: # على لاحب لا يهتدى بمناره # ومعناه لا منار هناك فيهتدى به وقوله: { يعتدون } قد بينا فيما تقدم ~~معنى الاعتداء وهو أن معناه تجاوز الحد مأخوذ من العدوان. ### || [3.113] # النزول: # قال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد ~~الله بن سلام وجماعة معه قالت احبار اليهود ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، ~~فأنزل الله تعالى { ليسوا ms0749 سواء } إلى قوله: { وأولئك من الصالحين }. # اللغة، والاعراب، والمعنى: # فان قيل لم ذكر مع سواء أحد الفريقين دون الآخر، ولا يجوز مثله أن يقول ~~سواء علي قيامك حتى يقول أم قعودك قلن عنه جوابان: # أحدهما - أنه محذوف لدلالة ما تقدم من الكلام عليه، كما قال أبو ذؤيب: # عصاني إليها القلب إني لأمرها # مطيع فما أدري أرشد طلابها؟ # ولم يقل أم غي، لأن الكلام يدل عليه، لأنه كان يهواها فما يبالي أرشد أم ~~غي طلابها. وقال آخر: # أراك فلا أدري أهم هممته # وذو الهم قدما خاشع متضائل # ولم يقل أم غيره، لأن حاله في التغير ينبىء أن الهم غيره أم غيره مما ~~يجري مجراه، وهذا قول الفراء، وضعفه الزجاج، وقال، ليس بنا حاجة إلى ~~تقدير محذوف، لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى في قوله: { يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون الأنبياء } فتبين أن فيهم غير المؤمنين، فلا يحتاج أن يقدر وأمة ~~غير قائمة. # الثاني - أن يكون ليسوا سواء منهم الجواد، والشجاع، فعلى القول الأول ~~يكون رفع أمة على معنى الفعل، وتقديره لا يستوي أمة هادية وأمة ضالة. ~~وعلى القول الثاني يكون رفعها بالابتداء. وقال الطبري لا يجوز الاقتصار ~~في سواء على أحد الذكرين دون الآخر. وأنما يجوز في ما أدري وما أبالي. ~~قال الرماني: وهذا غلط، لأنه ذهب عليه الفرق بين الاقتصار والحذف لأن ~~الحذف لا بد فيه من خلف يقوم مقامه. والاقتصار ليس كذلك، لأنه كالاقتصار ~~على أحد المفعولين في أعطيت، وحذفه في حسبت مر تجلا أي لنا. والخلف فيه ~~دلالة الحال، فأما أعطيت زيدا، فلا محذوف فيه، لأنه ليس معه خلف يقوم ~~مقامه. # وقوله: { قائمة } فيه أربعة أقوال: قال الحسن وابن جريج معناه عادلة. ~~وقال ابن عباس، وقتادة، والربيع: معناه ثابتة على أمر الله. وقال السدي ~~معناه قائمة بطاعة الله وقال الاخفش، والزجاج: معناه ذو أمة مستقيمة، ~~وهذا ضعيف لأنه عدول عن الظاهر في أمة والحذف لا دلالة عليه. وقوله: { ~~أناء الليل } قيل في واحده قولان: # أحدهما - اني مثل نجي. # والثاني ms0750 - اني مثل معي. وحكى الاخفش أنو، والجمع أناء. قال الشاعر: # حلو ومر كعطف القدح مرته # بكل اني حداه الليل ينتعل # وروي ينتشر. وقال الحسن، والربيع، وعبد الله بن كثير معناه ساعات الليل. ~~وقال ابن مسعود يريد صلاة العتمة، لأن أهل الكتاب لا يعلمونها، وقال ~~الثوري عن منصور هو الصلاة بين المغرب والعشاء. # وقال السدي يعني جوف الليل. وقوله: { هم يسجدون } فيه قولان: # أحدهما - السجود المعروف في الصلاة. # الثاني - قال الفراء، والزجاج معناه يصلون. وبه قال البلخي، وغيره، لأن ~~القراءة لا تكون في السجود، ولا في الركوع، وهذا ترك للظاهر، وعدول عنه. ~~ومعنى الآية يتلون آيات الله أناء الليل وهم مع ذلك يسجدون، فليست الواو ~~حالا وإنما هي عطف جملة على جملة، والضمير في قوله { ليسوا } عائد على ~~أهل الكتاب، لتقدم ذكرهم، وقال أبو عبيدة هو على لغة أكلونى البراغيث. ~~ومثله قوله: # عموا وصموا كثير منهم # وقال الشاعر: # رأين الغواني الشيب لاح بعارضي # فاعرضن عني بالخدود النواضر # قال الرماني، وهذا غلط، لأن هذه اللغة ردية في القياس والاستعمال أما ~~القياس، فلان الجمع عارض، والعارض لا يؤكد علامته، لأنه بمنزلة ما لا ~~يعتد به، في سائر أبواب العربية وليس كالثابت للزومه فتقدم له العلامة ~~لتؤذن به قبل ذكره ومع ذلك فجائز تركها فيه، فكيف بالعارض، ولزوم الفعل ~~للفاعل يغني عن التثنية والجمع فيه، فلا يدخل جمع على جمع كما لا يدخل ~~تعريف على تعريف. وأما الاستعمال، فلان أكثر العرب على خلافه. ### || [3.114] # المعنى: # هذه الآية فيها صفة الذين ذكرهم في الآية التي قبلها في قوله: { أمة ~~قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون } فاضاف إلى ذلك أنهم مع ~~ذلك يصدقون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد ~~بينا أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وأنه ليس طريق وجوبهما ~~العقل، وإنما طريق وجوبهما السمع، وعليه إجماع الأمة. وإنما الواجب ~~بالعقل كراهة المنكر، فقط غير أنه إذا ثبت بالسمع وجوبه، فعلينا إزالة ~~المنكر بما يقدر عليه من الأمور الحسنة دون ms0751 القبيحة، لأنه لا يجوز إزالة ~~قبيح بقبيح آخر، وليس لنا أن نترك أحدا يعمل بالمعاصي إذا أمكننا منعه ~~منها سواء كانت المعصية من أفعال القلوب مثل اظهار المذاهب الفاسدة أو من ~~أفعال الجوارح، ثم ننظر، فان أمكننا إزالته بالقول، فلا نزيد عليه، وان ~~لم يمكن إلا بالمنع من غير إضرار لم نزد عليه، فان لم يتم إلا بالدفع ~~بالحرب، فعلناه على ما بيناه فيما تقدم، وان كان عند أكثر أصحابنا هذا ~~الجنس موقوف على السلطان أو اذنه في ذلك. وانكار المذاهب الفاسدة، لا ~~يكون إلا باقامة الحجج والبراهين والدعاء إلى الحق، وكذلك إنكار أهل ~~الذمة فأما الانكار باليد، فمقصور على من يفعل شيئا من معاصي الجوارح، ~~أو يكون باغيا على إمام الحق، فانه يجب علينا قتاله ودفعه حتى يفيء إلى ~~الحق، وسبيلهم سبيل أهل الحرب، فان الانكار عليهم باليد والقتال حتى ~~يرجعوا إلى الاسلام أو يدخلوا في الذمة. وقوله: { ويسارعون في الخيرات } ~~يحتمل أمرين: # أحدهما - أنهم يبادرون إليها خوف الفوات بالموت. # والثاني - يعملونها غير متثاقلين فيها لعلمهم بجلالة موقعها، وحسن ~~عاقبتها. # اللغة: # والفرق بن السرعة والعجلة ان السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه ~~وهي محمودة وضدها الابطاء وهو مذموم. والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن ~~يتقدم فيه وهي مذمومة وضدها الاناة وهي محمودة. ### || [3.115] # القراءة والحجة والاعراب: # قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بالياء فيهما. الباقون بالتاء إلا أبا عمرو، ~~فانه كان يخير، ووجه القراءة بالياء أن يكون كناية عمن تقدم ذكره من أهل ~~الكتاب ليكون الكلام على طريقة واحدة، ووجه التاء أن يخلطهم بغيرهم من ~~المكلفين، ويكون خطابا للجميع في أن حكمهم واحد. # وإنما جوزي ب (ما) ولم يجاز ب (كيف) لأن (ما) أمكن من (كيف) لانها ~~تكون معرفة ونكرة، لانها للجنس و (كيف) لا تكون إلا نكرة، لأنها للحال, ~~والحال لا تكون إلا نكرة، لأنها للفائدة. # اللغة والمعنى: # وقوله: { فلن يكفروه } مجاز كما أن الصفة لله بأنه شاكر مجاز. وحقيقته ~~أنه يثيب على الطاعة ثواب ms0752 الشاكر على النعمة، فلما استعير للثواب الشكر ~~واستعير لنقيضه من منع الثواب الكفر، لأن الشكر في الاصل هو الاعتراف ~~بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والكفر ستر النعمة من المنعم عليه بتضييع ~~حقها. ومعنى الآية فلن يمنعوا ثوابه، وسمي منع الجزاء كفرا، لأنه بمنزلة ~~الجحد له بستر، لأن أصل الكفر الستر، ولذلك قيل لجاحد نعم الله ومن جرى ~~مجراه في الامتناع من القيام بحقها: كافر، فالكافر هو المضيع لحق نعمة ~~الله بما يجري مجرى الجحود. وقوله: { والله عليم بالمتقين } إنما خص ~~المتقين بالذكر، لأن الكلام اقتضى ذكر جزاء المتقين، فدل على أنه لا يضيع ~~شيء من عملهم، لأن المجازي به عليم، وأنهم أمر أمرهم الفجار تعويلا على ~~ما ذكره في غيرها من أي الوعيد. ### || [3.116] # المعنى: # لما ذكر تعالى أن عمل المتقين لن يضيع، وأنهم يجازون به، أستأنف حكم ~~الكافرين، وبين انه { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم } شيئا من الله ~~وإنما خص الأموال، والاولاد بالذكر في أنهم لا يغنون عن الكافر شيئا وإن ~~كان لا يغني عنهم غير هؤلاء أيضا شيئا، لأنهما معتمد ما يقع به ~~الاعتداد، ومما يعول عليه الانسان ويرجوه للشدائد ويفيد النفي العام، ~~لأنه إذا لم يغن عنه من هو حقيق بالغناء لمنع من لا يعجزه شيء فغناء من ~~دونه أبعد. # اللغة: # وقوله: { وأولئك أصحاب النار } إنما سموا أصحاب النار، للزومهم فيها كما ~~يقال هؤلاء أصحاب الصحراء إذا كانوا ملازمين لها، وقد يقال أصحاب العقار ~~بمعنى ملاكه وأصحاب الرجل أتباعه وأعوانه وأصحاب العالم من يعني به ~~الآخذون عنه، والمتعلمون عنه، فالاضافة مختلفة. ومعنى { لن تغني عنهم } ~~أي لن تدفع عنهم ضرر الولاء النازل بهم ولو قيل أغناه كذا عن كذا أفاد أن ~~أحد الشيئين صار بدلا من الآخر في نفي الحاجة، والغنى الاختصاص بما ينفي ~~الحاجة، فان اختص بمال ينفي الحاجة، فذلك غنى. وكذلك الغنى بالجاه ~~والاصحاب وغير ذلك، فأما الغنى في صفت الله فاختصاصه بكونه قادرا على ~~وجه لا يعجزه شيء، وقولنا فيه: أنه غنى معناه ms0753 أنه لا يجوز عليه الحاجة. # وأصل النار النور، وهو مصدر. والنار جنس تجري مجرى الوصف في تضمنه معنى ~~الأصل وزيادة عليه، لأنها جسم لطيف فيه حرارة ونور. ومنه امرأة نوار أي ~~نافرة عن الشر عفيفة، لأنها كالنار في الامتناع. ومنه المنار الاعلام، ~~لأنها كالنور في البيان. ومنه المنارة التي يسرج عليها. ### || [3.117] # النزول: # قيل ان هذه الآية في أبي سفيان، وأصحابه يوم بدر، لما تظاهروا على النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) في الانفاق. وقيل بل نزلت في نفقة المنافقين مع ~~المؤمنين في حروب المشركين على وجه النفاق للمؤمنين. # المعنى: # والمثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما مشبه به، فلما كان ~~إنفاق المنافق والكافر ضائعا، ويستحق عليه العقاب والذم أشبه الحرث ~~المهلك، فلذلك ضرب به المثل. وفي الآية حذف، وتقديرها مثل إهلاك ما ~~ينفقون كمثل إهلاك { ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } فحذف ~~الاهلاك لدلالة آخر الكلام عليه وفيه تقدير آخر، مثل ما ينفقون كمثل مهلك ~~ريح، فيكون تشبيه ذلك الانفاق بالمهلك من الحرث بالرياح. # اللغة: # والريح جمعه رياح ومنه الروح، لدخول الريح الطيبة على النفس، وكذلك ~~الارتياح. والتروح الراحة من التعب، لأنه بمنزلة الروح الذي يدخل على ~~النفس بزوال التعب. ومنه الاستراحة، والمراوحة، لأنها تجلب الريح. ومنه ~~الروح، لأنها كالريح في اللطامة ومنه الرائحة، لأن الريح تحملها إلى ~~الحس، ومنه الرواح، لأنه رجوع كالريح، للاستراحة. # وقوله: { فيها صر } قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع، والسدي، ~~وابن زيد، والضحاك: هو البرد وأصله الصوت من الصرير. قال الزجاج: الصر ~~صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح ويجوز أن يكون الصر صوت الريح ~~الباردة الشديدة، وذلك من صفات الشمال، فانها توصف بان لها قعقعة. # المعنى: # وقوله: { وما ظلمهم الله } نفي للظلم عن الله تعالى يعني في نفي ~~استحقاقهم للثواب، واستحقاقهم للعقاب، وإن ذلك ليس بظلم منه تعالى { ولكن ~~أنفسهم يظلمون } بذلك. وإنما وصفهم بأنهم ظلموا أنفسهم، لأمرين: # أحدهما - أن ظلمهم اقتضى هلاك حرثهم عقوبة لهم، لأنه لو هلك على ms0754 جهة ~~الابتلاء والمحنة لم يعتد بعاجل المضرة، للعوض الموفى عليه في العاقبة. # الثاني - أن يكونوا ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير ~~وقت الزراعة، فجاءت الريح فأهلكته تأديبا من الله لهم في وضع الشيء غير ~~موضعه الذي هو حقه. ### || [3.118] # المعنى: # ذكر ابن عباس، والحسن: أن قوما من المؤمنين خافوا بعض المشركين من ~~اليهود، والمنافقين المودة لما كان بينهم في الجاهلية فنهاهم الله تعالى ~~عن ذلك بهذه الآية. والبطانة معناها ها هنا خاصة الرجل الذين يستبطنون ~~أمره ويسمون دخلاء أي لا تجعلوا من هذه صفته من غير المؤمنين. # اللغة، والاعراب: # والبطن خلاف الظهر، فمنه بطانة الثوب خلاف ظهارته، لأنها تلي بطنه. ~~وبطانة الرجل خاصته، لأنها بمنزلة ما يلي بطنه من ثيابه في القرب منه، ~~ومنه البطنة وهو امتلاء البطن بالطعام. والبطان حزام البعير، لأنه يلي ~~بطنه. # وقوله { من دونكم } (من) تحتمل وجهين: # أحدهما - أن تكون دخلت للتبعيض، والتقدير لا تتخذوا بعض المخالفين في ~~الدين بطانة. # والثاني - أن يكون دخولها لتبين الصفة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة من ~~المشركين. وهو أعم وأولى، لأنه لا يجوز أن يتخذ مؤمن كافرا بطانة على ~~حال وقال بعضهم إن (من) زائدة، وهذا ليس بجيد، لأنه لا يجوز أن يحكم ~~بالزيادة مع صحة حملها على الفائدة. # وقوله: { لا يألونكم خبالا } معناه لا يقصرون في أمركم خبالا من قولهم ~~ما ألوت في الحاجة جهدا، ولا أألو الامر ألوا أي لا أقصر جهدا. وقال ~~الشاعر: # جهراء لا تألو إذا هي أظهرت # بصرا ولا من علية تغنيني # أي لا تقصر بصرا ولا تبصر، لأنها جهراء تطلب ذلك، فلا تجده. ومنه ~~الالية اليمين. ومنه قوله: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم # معناه لا يقصر، وقيل لا يحلف. والأصل التقصير والخبال معناه النكال. ~~وأصله الفساد يقال في قوائمه خبل، وخبال أي فساد من جهة الاضطراب. ومنه ~~الخبل الجنون، لأنه فساد العقل، ورجل مخبل الرأي أي فاسد الرأي. ومنه ~~الاستخبال طلب إعادة المال لفساد الزمان. # المعنى: # وقوله: { ودوا } معناه ms0755 أحبوا { ما عنتم } معناه إدخال المشقة عليكم. ~~وقال السدي: معناه { ودوا } ضلالكم عن دينكم، لأن الحمل بالضلال مشقة. ~~وقبل معناه { ودوا } أن يفتنوكم في دينكم أي يحملونكم على المشقة ذكره ~~ابن جريج. # اللغة: # وأصل العنت المشقة: عنت الرجل عنتا إذا دخلت عليه المشقة. ومنه أكمة ~~عنوت أي صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها. وفلان يعنت فلانا أي يحمله على ~~المشقة الشديدة في ما يطالبه به. ومنه قوله تعالى: # ولو شاء الله لأعنتكم # الاعراب، والمعنى: # وموضع ودوا يحتمل أن يكون نصبا لأنه صفة لبطانة ويجوز أن يكون له موضع ~~من الاعراب، لأنه استئناف جملة. وقوله: { قد بدت البغضاء من أفواههم } أي ~~ظهر منها ما يدل على البغض { وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات } ~~يعني العلامات { إن كنتم تعقلون } يعني موضع نفعه لكم ومبلغ عائدته ~~عليكم. وقيل: معناه { إن كنتم تعقلون } الفصل بين ما يستحقه الولي ~~والعدو. ### || [3.119] # المعنى، واللغة، والاعراب: # هذا خطاب للمؤمنين أعلمهم الله تعالى أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم ~~وأنهم هم يصحبون هؤلاء المنافقين بالبر والنصيحة، كما يفعله المحب، وإن ~~المنافقين على ضد ذلك، فأعلمهم الله ما يسره المنافقون في باطنهم، وذلك ~~من آيات النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الفراء: العرب إذا جاءت إلى اسم ~~مكنى قد وصف بهذا، وهذان، وهؤلاء، فرقوا بين (ها) وبين (ذا) فجعلوا ~~المكنى منهما في جهة التقريب، لا غير يقولون: أين أنت، فيقول القائل: ~~هأنذا، ولا يكادون يقولون ها أنا. ومثله في التثنية والجمع. ومثله قوله: ~~{ ها أنتم أولاء تحبونهم } وربما أعادوها فوصلوها بذا، وهذان وهؤلاء، ~~فيقولون ها أنت هذا قائما، وها أنتم هؤلاء. قال الله تعالى: # ها أنتم هؤلاء جادلتم # فان كان الكلام على غير تقرب أو كان على خبر يكتفي كل واحد منهما بصاحبه ~~بلا فعل، والتقريب لا بد فيه من فعل لنقصانه وأحبوا أن يفرقوا بين معنى ~~التقريب، وبين معنى الاسم الصحيح، قال الازهري: يحتمل أولا أن يكون منادى ~~كأنه قال يا أولاء. وقال نحاة البصريين (ها) للتنبيه. ms0756 وأنتم مبتدأ وأولاء ~~خبره ويحبونهم حال. وقال الفراء: يحبونهم خبر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون ~~أولاء بمعنى الذين ويحبونهم صلة ويكون التقدير الذين يحبونهم. ويجوز أن ~~يكون حالا بمعنى { ها أنتم أولاء } محبين لهم. ويكون { أنتم } مبتدأ ~~وأولاء خبره. ويحبونهم حالا والمعنى انظروا إلى أنفسكم محبين لهم ولا ~~يجوز أن تقول: ها قومك أولاء، كما جاز { ها أنتم أولاء } ، لأن المضمر ~~أحق ب (ها) التي للتنبيه، لأنه كالمبهم في عموم ما يصلح له. وليس كذلك ~~الظاهر. وقال الفراء: إنما ذاك على جهة التقريب في المضمر، والاعتماد على ~~غيره في الخبر. قال الحسن بن علي المغربي أولاء يعني به المنافقين، كما ~~تقول ما أنت زيدا يحبه، ولا يحبك. وهذا مليح غير أنه يحتاج أن يقدر عامل ~~في أولاء ينصبه، يفسره قوله: { يحبونهم } لأنه مشغول لا يعمل فيما قبله ~~كقوله: # والقمر قدرناه # في من نصبه وأولاء للرجال، وللنساء أولات. وهو مبني على الكسر. وكان ~~الأصل السكون والألف قبلها ساكنة فحرك لالتقاء الساكنين على أصل الكسرة. ~~قوله: { وتؤمنون بالكتاب كله } الكتاب واحد في موضع الجمع، لأنه أريد به ~~الجنس، كما يقال كثر الدرهم في أيدي الناس ويحتمل أن يكون مصدرا من قولك ~~كتبت كتابا. والمراد بالكتاب ها هنا كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ~~وفي إفراده ضرب من الايجاز، واشعار بالتفصيل في الاعتقاد، لأنهم يؤمنون ~~بها في الجملة. والتفصيل من حيث يؤمنون بما أنزل على ابراهيم، وموسى، ~~وعيسى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) وسائر الانبياء. # وقوله: { وإذا لقوكم قالوا آمنا } معناه إذا رأوكم قالوا صدقنا { وإذا ~~خلوا } مع أنفسهم { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } فالعض بالاسنان. ومنه ~~العض علف الامصار، لأن له مضغة في العض يسمن عليها المال. ومنه رجل عض: ~~لزاز الخصم، لأنه يعض بالخصومة. وكذلك رجل عض فحاش، لأنه يعض بالفحش ~~والأنامل أطراف الأصابع في قول قتادة، والربيع، وأصلها النمل المعروف، ~~فهو مشبه به في الرقة، والتصرف بالحركة. ومنه رجل نمل أي نمام، لأنه ينقل ~~الاحاديث الكرهة كنقل النملة في الخفاء ms0757 والكثرة. وواحد الأنامل أنملة. ~~قال الزجاج ولم يأت على هذا المثال ما يعني به الواحد إلا شذ، فأما ~~الجمع، فكثير نحو أفلس وأكعب وقوله: { قل موتوا بغيظكم } معناه الامر ~~بالدعاء عليهم. وإن كان لفظه لفظ الأمر، كأنه قال قل: أماتكم الله بغيظكم ~~وفيه معنى الذم لهم، لأنه لا يجوز أن يدعا عليهم هذا الدعاء إلا وقد ~~استحقوه بقبيح ما أتوه. ### || [3.120] # قرأ عمرو، ونافع، وابن كثير { لا يضركم } خفيفة. الباقون مشددة الراء. ~~وهما لغتان ضاره يضيره، وضره يضره ضرا بمعنى واحد. قوله: { إن تمسسكم } ~~حسنة فالمراد بالحسنة ها هنا ما أنعم الله عليهم به من الألفة والغلبة ~~باجتماع الكلمة، والمراد بالسيئة المحنة باصابة العدو منهم لاختلاف ~~الكلمة، وما يؤدي إليه من الفرقة هذا قول الحسن، وقتادة والربيع وابن ~~جريج. # وقوله: { وإن تصبروا وتتقوا } يعني تتقوا الله بامتناع معاصيه، وفعل ~~طاعاته { لا يضركم كيدهم } فالكيد المكر الذي يغتال به صاحبه من جهة حيلة ~~عليه ليقع في مكروه به، وأصله المشقة تقول: رأيت فلانا يكيد بنفسه أي ~~يقاسي المشقة في سياق المنية، ومنه المكايدة لايراد ما فيه المشقة. ~~والمكيدة الحيلة لايقاع ما فيه المشقة. وقوله: { لا يضركم } مبني على ~~الضم نحو مذ ولو فتح أو كسر لكان جائزا في العربية وزعم بعضهم أنه رفع ~~على حذف الفاء بتقدير، فلا يضركم وأنشد: # فان كان لا يرضيك حتى تردني # الى قطري لا أخالك راضيا # وهذا ضعيف، لأن الحذف إنما يجوز، لضرورة الشعر والقرآن لا يحمل على ~~ضرورة الشعر. وقوله: { إن الله بما تعملون محيط } معناه عالم به من جميع ~~جهاته مقتدر عليه. ### || [3.121] # المعنى، واللغة، والاعراب # قال ابن عباس، وقتادة والربيع، والسدي، وابن اسحق، وهو قول أبي جعفر ~~(ع): كان غدو النبي (صلى الله عليه وسلم) مبوئا للمؤمنين يوم أحد، وقال ~~الحسن ومجاهد: كان يوم الاحزاب. # النبوئة اتخاذ المواضع لصاحبه وأصلها اتخاذ منزل تسكنه، تقول بوأته ~~منزله أبوئه تبوئة، ومنه المباءات المراح، لأنه رجوع إلى المستقر المتخذ ~~وأبأت الابل أبيئها اباءة إذا رددتها إلى ms0758 المباءة. ومنه بوأت بالذنب أي ~~رجعت به محتملا له. وقوله: { والله سميع عليم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها انه تهدد والمراد { سميع } لما يقول المنافقون { عليم } بما ~~يضمرون. # الثاني - { سميع } لما يقوله النبي (صلى الله عليه وسلم) للمؤمنين { ~~عليم } بما يضمره تزكية له (صلى الله عليه وسلم). # الثالث - { سميع } ما يقوله المشيرون عليك { عليم } بما يضمرونه، لأنهم ~~اختلفوا، فمنهم من أشار بالخروج، ومنهم من أشار بالمقام. وفيه تزكية ~~للزاكي وتهدد للغاوي. ومعنى { تبوىء المؤمنين } مثل تبوىء للمؤمنين حذف ~~اللام، كما قال # ردف لكم # ويجوز ردفكم، فاذا عداه، فمعناه رتب المؤمنين على مواضعهم قدمة. وإذا لم ~~يتعد فمعناه تتخذ لهم مواضع. ومثله قول الشاعر: # استغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه والعمل # ومعناه من ذنب، والعامل في (إذ) محذوف، وتقديره واذكر إذ غدوت من أهلك ~~فحذف لدلالة الكلام عليه ولا يجوز أن يكون العامل غدوت، لأنه مضاف إليه ~~بمنزلة الصلة له. ### || [3.122] # التقدير واذكر { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وقال الزجاج العامل في ~~{ إذ } { همت أن تفشلا } والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت. ~~والطائفتان: هما بنو سلمة وبنو حارثة حيان من الأنصار في قول ابن عباس، ~~وجابر بن عبد الله: والحسن وقتادة، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن اسحاق، ~~وابن زيد، وأبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال الجبائي: هما قوم من ~~المهاجرين، والانصار. والفشل الجبن في قول ابن عباس تقول فشل يفشل فشلا. ~~والجبن ليس من فعل الانسان وتحقيقه على هذا همت بحال الفشل إلا أنه وضع ~~كلام موضع كلام. وليس في الآية أن همهما بالفشل كان معصية، لأنه قد يكون ~~من غير عزم على حال الفشل بل بحديث النفس به، ومن قال كان معصية قال هي ~~صغيرة، لقوله { والله وليهما } وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال فينا ~~نزلت وما أحب أنها لم تكن، لقوله: { والله وليهما } وكان سبب همهم بالفشل ~~في قول السدي، وابن جريج أن عبد الله ابن أبي بن سلول دعاهما إلى الرجوع ~~إلى ms0759 المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به ولم يفعلاه. وقال أبو علي: ~~بل كان ذلك باختلافهم في الخروج إلى العدو أو المقام حتى هموا بالفشل. ~~والتاء مدغمة في الطاء في قوله: { إذ همت طائفتان } لأنها من مخرجها ~~فصارت بمنزلتها مع مثلها نحو همت تفعل ومثله # وقالت طائفة # ويجوز أيضا إدغام الطاء في التاء إلا انك تبقي الاطباق نحو # أحطت بما لم تحط # والأول أحسن. ### || [3.123] # النزول واللغة: # هذه الآية نزلت في وصف ما من الله تعالى على المؤمنين من النصر والامداد ~~بالملائكة وظفر المؤمنين بالمشركين مع قلة المؤمنين وقوة المشركين. فانه ~~روي عن ابن عباس (ره) أنه قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا ~~والانصار مئتين وستة وثلاثين رجلا الجميع ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. وكان ~~المشركون نحوا من ألف رجل. # وبدر ما بين مكة والمدينة وقال الشعبي سمي بدرا لأن هناك ماء لرجل يسمى ~~بدرا، فسمي الموضع باسم صاحبه. وقال الواقدي عن شيوخه إنما هو اسم ~~للموضع كما يسمى كل بلد باسم يخصه من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه. # وقوله: { وأنتم أذلة } جملة في موضع الحال. والذلة الضعف عن المقاومة، ~~وضدها العزة، وهي القوة على الغلبة، ويقال للجمل المنقاد من غير صعوبة: ~~ذلول لانقياده انقياد الضعيف، فأما الذليل فانما ينقاد على مشقة. ومنه ~~تذليل الطريق، ونحوه، وهو توطئة الأصل. وفيه الضعف عن المقاومة. وقوله: " ~~أذلة " جمع ذليل وفعيل قياسه أن يجمع على فعلاء إذا كان صفة، مثل ظريف ~~وظرفاء، وكريم وكرماء، وعليم وعلماء، وشريك وشركاء، فجمع على أفعلة ~~كراهية التضعيف، فعدل إلى جمع الاسماء نحو قفيز وأقفزة، فقيل ذليل وأذلة ~~وعزيز وأعزة. # المعنى: # ووصفهم الله بأنهم أذلة لأنهم كانوا ضعفاء قليلي العدد قليلي العدة. ~~وروي عن بعض السلف الصالح أنه قرأ { وأنتم ضعفاء } قال ولا يجوز وصفهم ~~بأنهم أذلة، وفيهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وكان صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم بدر أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب (ع). وصاحب راية الانصار ms0760 سعد بن عبادة. وقوله { فاتقوا ~~الله } معناه اتقوا معاصيه واعملوا بطاعته. ويجوز أن يكون المراد اتقوا ~~عقاب الله بترك المعاصي، والعمل بطاعته، لأن أصل الاتقاء هو الحجز بين ~~الشيئين بما يمنع من وصول أحدهما إلى الآخر كما تقول اتقاه بالترس أو ~~غيره، ووجه ادخال هذه الآية وهي متعلقة بقصة بدر بين قصة أحد أن الله ~~تعالى وعد المؤمنين النصر يوم أحد إن صبروا وثبتوا أن يمدهم بالملائكة ~~كما نصرهم يوم بدر، وأمدهم بالملائكة فلما لم يصبروا وتركوا مراكزهم أصاب ~~العدو منهم ما هو معروف. ### || [3.124] # قرأ ابن عامر وحده منزلين بتشديد الزاي الباقون بالتخفيف. التقدير ~~اذكروا { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم } وفيه إخبار أن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر بأن أمدكم ~~بثلاثة الاف من الملائكة منزلين، ثم قال { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ~~من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } يعني يوم أحد. ~~وقال ابن عباس، والحسن وقتادة، ومالك بن ربيعة وغيرهم: ان الامداد ~~بالملائكة كان يوم بدر. وقال ابن عباس لم يقاتل الملائكة (ع) إلا يوم ~~بدر، وكانوا في غيره من الايام عدة ومددا. وقال الحسن: كان جميعهم خمسة ~~آلاف. وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف. # اللغة: # وقوله: { ألن يكفيكم } فالكفاية مقدار يسد به الخلة تقول: كفاه يكفيه ~~كفاية، فهو كاف: إذا قام بالأمر، واستكفيته أمرا فكفاني، واكتفى به ~~اكتفاء. # وكفاك هذا الأمر أى حسبك. والفرق بين الاكتفاء والاستغناء، أن الاكتفاء ~~هو الاقتصار على ما ينفي الحاجة والاستغناء الاتساع فيما ينفي الحاجة، ~~فلذلك يوصف تعالى بأنه غني بنفسه لاتساع مقدوره من حيث كان قادرا لنفسه ~~لا يعجزه شيء. وقوله: { أن يمدكم } فالامداد هو إعطاء الشيء حالا بعد ~~حال. والمعني في الآية ان الله أعطاهم القوة في أنفسهم ثم زادهم قوة ~~بالملائكة والمد في السير هو الاستمرار عليه. وامتد بهم السير: إذا طال، ~~واستمر، ومددت الشيء إذا جذبته. والمد زيادة الماء تقول: مد الماء وأمد ~~الجرح وامددت العسكر. والمادة ms0761 زيادة مستمرة، والمدة أوقات مستمرة إلى ~~غاية. والمداد ما يكتب به. والمد مكيال مقداره ربع الصاع. ### || [3.125] # القراءة والمعنى: # قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم { مسومين } بكسر الواو. الباقون بفتحها. ~~والقراءة بالكسر أقوى، لأن الأخبار وردت بأنهم سوموا خيلهم بعلامة جعلوها ~~عليها. وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك: كانوا علموا ~~بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها. وروى هشام عن عروة قال: نزلت الملائكة ~~يوم بدر على خيل بلق وعليهم عمائم صفر. قال السدي، وغيره من أهل ~~التأويل: معنى { مسومين } معلمين. # اللغة، والمعنى: # ومن قرأ بالفتح أراد معنى مرسلين من الابل السائمة يعني المرسلة في ~~المرعى والسيما العلامة قال الله تعالى # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # فالتسويم العلامة قال الشاعر: # مسومين بسيما النار أنفسهم # لا مهتدين ولا بالحق راضينا # وأصل الباب السوم في المرعى، وهو الاستمرار فيه فمنه السيماء، لأنهم ~~كانوا يعلمونها: إذا أرسلت في المرعى لئلا تختلط، ومنه السوم في البيع، ~~ومنه سوم الريح استمرارها في هبوبها. ومنه سوم الخسف، لأنه استمرار في ~~إلزام الشر. # وقوله: { ومن فورهم } قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع، والسدي ~~وابن زيد: معناه من وجههم. وقال مجاهد والضحاك وأبو صالح من غضبهم، فعلى ~~القول الأول إنما هو فور الانتداب لهم، وهو ابتداؤه، وعلى القول الثاني ~~فور الغضب، وهو غليانه. # وأصل الفور فور القدر، وهو غليانها عند شدة الحمى، فمنه فورة الغضب، ~~لأنه كفور القدر بالحمى، ومنه جاء فلان على الفور أي على أشد الحمى، ~~لفعله قبل أن تبرد نفسه. ومنه فارت العين بالماء أي جاشت به ومنه ~~الفوارة، لأنها تفور بالماء كما تفور القدر بما فيها. فان قيل: كيف قال ~~في الآية الأولى ان الامداد بثلاثة آلاف، وفي هذه بخمسة آلاف. وهذا ظاهر ~~التناقض؟! قلنا: لا تناقض في ذلك لأن في الآية الأولى وعد الله المؤمنين ~~على لسان نبيه بأن يمدهم بثلاثة آلاف منزلين ثم قال { بلى إن تصبروا ~~وتتقوا } يعني تصبروا على الجهاد، والقتال، وتتقوا معاصي الله { ويأتوكم ~~من فورهم } وهذا يعني ان ms0762 رجعوا إليكم، لأن الكفار في غزاة أحد بعد ~~انصرافهم ندموا لم لم يعبروا على المدينة وهموا بالرجوع، فأوحى الله ~~تعالى إلى نبيه أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم. وقال لهم # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله # ثم قال إن صبرتم على الجهاد وراجعتم الكفار، أمدكم الله بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين، فأخذوا في الجهاز فبلغ ذلك قريشا فخافوهم أن يكون قد ~~التأم اليهم من كان تأخر عنهم وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود ~~الاشجعي حتى قصدهم بتعظيم أمر قريش واسرعوا. والقصة معروفة ولذلك قال قوم ~~من المفسرين: ان جميعهم ثمانية آلالف وقال الحسن جميعهم خمسة آلاف منهم ~~الثلاثة آلاف المنزلين على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان ~~يوم بدر، لأن قوله: { إذ تقول للمؤمنين } متعلق بقوله: { ولقد نصركم الله ~~ببدر } { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين } ثم استأنف حكم يوم أحد، فقال: { بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم } يعني رجعوا عليكم بعد انصرافهم أمدكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين. # والقصة في ذلك معروفة على ما بيناه, وعلى هذا لا تنافي بينهما، وهذا قول ~~البلخي رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: لم يمدوا يوم أحد ولا بملك ~~واحد. فان قيل لم لم يمدوا بالملائكة في سائر الحروب؟ قلنا: ذلك تابع ~~للمصلحة فاذا علم الله المصلحة في إمدادهم أمدهم. ### || [3.126] # الهاء في قوله: { وما جعله الله } عائدة على ذكر الأمداد والوعد فيعود ~~على معلوم بالدلالة عليه غير مذكور باسمه لأن يمدد يدل على الذكر للامداد ~~ومثله # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ~~حتى توارت بالحجاب # أي الشمس. وقال لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور وظلامها # أي القت الشمس فرد الضمير إلى معلوم ليس بمذكور. وقال قوم: ان الضمير ~~راجع إلى الامداد نفسه. والاول أقوى لأن البشرى في صفات الانزال وذلك ~~يليق بذكر الامداد. والفرق بين ms0763 قوله: { ولتطمئن قلوبكم به } وقوله ~~واطمئنانا لقلوبكم، أن الوعد في أحدهما اطمئنان، وفي الآخر سببه ~~الاطمئنان فهو أشد في تحقيق الكلام من أجل دخول اللام. وقوله: { وما ~~النصر إلا من عند الله } معناه أن الحاجة لازمة في المعونة وان امدهم ~~بالملائكة فانهم لا يستغنون عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبهم وخذلان ~~عدوهم بضعف قلوبهم إلى غير ذلك من الأمور التي لا قوام لهم إلا بها ولا ~~متكل لهم إلا عليها. فان قيل: كيف قال { وما النصر إلا من عند الله } وقد ~~ينصر المؤمنون بعضهم بعضا وبعض المشركين بعضا؟ قلنا: لأن نصر بعض ~~المؤمنين بعضا من عند الله لأنه بمعونته وحسن توفيقه، وأما نصر المشركين ~~بعضهم، لبعض، فلا يعتد به، لأنه بخذلان الله من حيث أن عاقبته إلى شر مآل ~~من العقاب الدائم. وقوله: { العزيز الحكيم } معناه ها هنا العزيز في ~~انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين، الحكيم في تدبيره للعالمين ليعلمهم ~~بأن حربهم للمشركين يجري على اعزاز الدين، والحكمة في تدبير المكلفين ~~ومعنى العزيز المنيع باقتداره. ### || [3.127] # المعنى: # قوله: { ليقطع طرفا من الذين كفروا } يحتمل أن يتصل بثلاثة أشياء: # أحدها - { وما النصر إلا من عند الله ليقطع طرفا من الذين }. # الثاني - بقوله ولقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا. # الثالث - ذلك التدبير ليقطع طرفا. # واليوم الذي قطع فيه الطرف من الذين كفروا: هو يوم بدر بقتل صناديدهم ~~ورؤسائهم وقادتهم إلى الكفر في قول الحسن، والربيع، وقتادة. وقال السدي: ~~هو يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلا. وإنما قال: { ليقطع طرفا } منهم ~~ولم يقل ليقطع وسطا منهم، لأنه لا يوصل إلى الوسط منهم إلا بعد قطع ~~الطرف ومثله # قاتلوا الذين يلونكم # والمراد بالآية ليقطع قطعة منهم. # اللغة: # وقوله: { أو يكبتهم } فالكبت الخزي. ومعناه أو يخزيهم في قول الربيع، ~~وقتادة. وقال الخليل: الكبت صرع الشيء على وجهه كبتهم الله فانكبتوا. ~~وحقيقة الكبت شدة وهن يقع في القلب فربما صرع الانسان لوجهه للخور الذي ~~يدخله. وقوله: { فينقلبوا } أي فيرجعوا { خائبين } الخائب المنقطع عما ~~أمل، ms0764 ولا تكون الخيبة إلا بعد الأمل، لأنها امتناع نيل ما أمل. واليأس قد ~~يكون قبل الأمل ويكون بعده. واليأس والرجاء نقيضان يتعاقبان كتعاقب ~~الخيبة والظفر، يقال: خاب يخيب خيبة وخيبه الله تخييبا. والخيبة حرمان ~~المراد. ### || [3.128] # القصة، والمعنى: # روي عن أنس بن مالك وابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع: انه لما كان من ~~المشركين يوم أحد من كسر رباعية النبي (صلى الله عليه وسلم) وشجه حتى جرت ~~الدماء على وجهه، قال كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم، وهو مع ذلك حريص ~~على دعائهم إلى ربهم، فنزلت هذه الآية، فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم ~~وأنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين. وكان الذي كسر ~~رباعيته وشجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص، فدعا (ع) عليه الا يحول عليه ~~الحول حتى يموت كافرا، فمات كافرا قبل حول الحول. وقيل: انه هم بالدعاء ~~عليهم، فنزلت الآية تسكينا له، فكف عن ذلك. وقال أبو علي الجبائي: انه ~~استأذن ربه يوم أحد في الدعاء عليهم، فنزلت الآية، فلم يدع عليهم بعذاب ~~الاستئصال وإنما لم يؤذن فيه لما كان في المعلوم من توبة بعضهم، وإنابته، ~~فلم يجز أن يقتطعوا عن التوبة بعذاب الاستئصال. فان قيل كيف قال { ليس لك ~~من الأمر شيء } مع أن له أن يدعوهم إلى الله ويؤدي إليهم ما أمره ~~بتبليغه؟ قيل: لأن معناه ليس لك من الامر شيء في عقابهم أو استصلاحهم حتى ~~تقع إنابتهم، فجاء الكلام على الايجاز، لأن المعنى مفهوم لدلالة الحال ~~عليه وأيضا فانه لا يعتد بما له في تدبيرهم مع تدبير الله لهم، فكأنه ~~قال ليس لك من الأمر شيء على وجه من الوجوه. # وقوله: { أو يتوب عليهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، فيتوب عليهم بلطفه لهم. # والآخر - أو يقبل توبتهم إذا تابوا، كما قال تعالى # غافر الذنب وقابل التوب # ولا تصح هذه الصفة إلا الله عز وجل، لأنه يملك الجزاء بالثواب، والعقاب. ~~فان قيل: كيف ms0765 قال { أو يعذبهم } مع ما في المعلوم من أن بعضهم يؤمن؟ قيل: ~~لأنهم يستحقون ذلك باجرامهم بمعنى أنه لو فعل بهم لم يكن ظلما، وان كان ~~لا يجوز أن يقع لوجه آخر يجري مجرى تبقيتهم لاستصلاح غيرهم. وقيل في نصب ~~{ أو يتوب عليهم } وجهان: # أحدهما - أنه بالعطف على { ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم } { ~~أو يتوب عليهم أو يعذبهم } ويكون { ليس لك من الأمر شيء } اعتراضا بين ~~المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيدا فافهم ذاك وعمرا. # الثاني أن تكون أو بمعنى إلا أن، كأنه قال: ليس لك من الأمر شيء إلا أن ~~يتوب عليهم أو يعذبهم فيكون أمرك تابعا لأمر الله برضاك بتدبيره فيه قال ~~امرؤ القيس: # فقلت له: لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # أراد إلا أن نموت أو حتى نموت. ### || [3.129] # عموم قوله: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } يقتضي أن له تعالى ملك ~~ما في السماوات، وما في الارض، وأن له التصرف فيهما كيف شاء بلا دافع، ~~ولا مانع، غير أنه لا بد من تخصيص هذا العموم من حيث أنه ينزه عن الصاحبة ~~والولد على كل وجه. واوجه ما قلناه. وانما ذكر لفظ (ما) لأنها أعم من ~~(من) لأنها تتناول ما يعقل، وما لا يعقل، لأنها تفيد الجنس ولو قال من في ~~السماوات ومن في الارض لم يدخل فيه إلا العقلاء إلا أن يحمل على التغليب ~~وذلك ليس بحقيقة. وقوله: { يغفر لمن يشاء } دليل على أن حسن العفو عن ~~مستحق العذاب، وان لم يتب لأنه لم يشترط فيه التوبة. وقوله: { ويعذب من ~~يشاء } يعني ممن يستحق العذاب، لأن من لا يستحق العذاب لا يشأ عذابه، ~~لأنه ظلم يتعالى الله عن ذلك وفي ذلك دلالة على جواز العفو بلا توبة، ~~لأنه علق عذابه بمشيئته، فدل على أنه لو لم يشأ، لكان له ذلك، ولا يلزم ~~على ما قلناه الشك في جواز غفران عقاب الكفار، لأن ذلك أخرجناه من العموم ~~بدلالة إجماع الأمة ms0766 على أنه لا يغفر الشرك. وبقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # ولولا ذلك لكنا نجوز العفو عنهم أيضا ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ~~أنه لما قال ليس لك من الأمر شيء عقب ذلك بأن الأمر كله لله في السماوات ~~والارضين. ### || [3.130] # النظم، والمعنى: # لما ذكر الله تعالى أن له عذاب من يشاء، والعفو عمن يشاء، وصل ذلك ~~بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب، وعذبوا عليه، وهو الربا، ~~والربا المنهي عنه قال عطا، ومجاهد: هو ربا الجاهلية، وهو الزيادة على ~~أصل المال بالتأخير عن الأجل الحال. ويدخل فيه كل زيادة محرمة في ~~المعاملة من جهة المضاعفة، ووجه تحريم الربا هو المصلحة التي علمها الله ~~تعالى. وقيل فيه وجوه على وجه التقريب: منها للفصل بينه وبين البيع. ~~ومنها - أنه مثال العدل يدعو إليه ويحض عليه. ومنها - أنه يدعوا إلى ~~مكارم الاخلاق بالاقراض وانظار المعسر من غير زيادة. وهذا الوجه روي عن ~~أبي عبد الله (ع). وقوله: { أضعافا مضاعفة } قيل في معناه ها هنا قولان: # أحدهما - للمضاعفة بالتأخير أجلا بعد أجل كلما أخر عن أجل إلى غيره زيد ~~عليه زيادة على المال. # الثاني - { أضعافا مضاعفة } أي يضاعفون في أموالكم. وقيل في تكرير ~~تحريم الربا ها هنا مع ما تقدم في قوله: # وأحل الله البيع وحرم الربا # وغير ذلك قولان: # أحدهما - للتصريح بالنهي عنه بعد الاخبار بتحريمه لما في ذلك من تصريف ~~الخطر له وشدة التحرز منه. # الثاني - لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الاضعاف ~~المضاعفة. وقوله: { واتقوا الله } معناه اتقوا معاصيه. وقيل: اتقوا عذابه ~~بترك معاصيه { لعلكم تفلحون } ، لكي تنجحوا بادراك ما تأملونه، وتفوزوا ~~بثواب الجنة، لأن (لعل) وان كان للشك، فان ذلك لا يجوز على الله تعالى. ~~وقد بينا لذلك نظائر فيما مضى. ### || [3.131-132] # المعنى: # فان قيل كيف قال { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } وعندكم يجوز أن ~~يدخلها الفساق أيضا. وعند المعتزلة كلهم يدخلها الفساق قطعا. وهلا قال: ~~أعدت للجميع؟ قلنا أما على ما نذهب ms0767 إليه، ففائدة ذلك اعلامنا أنها أعدت ~~للكافرين قطعا. وذلك غير حاصل في الفساق، لأنا نجوز العفو عنهم. ومن قال ~~أعدت للفساق قال اضيفت إلى الكافرين، لأنهم أحق بها. وإن كان الجميع ~~يستحقونها، لأن الكفر أعظم المعاصي فاعدت النار للكافرين. ويكون غيرهم من ~~الفساق تبعا لهم في دخولها. فان قيل: فعلى هذا هل يجوز أن يقال: ان ~~النار أعدت لغير الكافرين من الفاسقين؟ قلنا عن ذلك أجوبة: # أحدها - قال الحسن يجوز ذلك، لأنه من الخاص الذي معه دلالة على العام، ~~كما قال: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم # وليس كل من دخل النار كفر بعد إيمانه. ومثله قوله: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير # وليس كل الكفار يقول ذلك. ومنه قوله: # فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون ~~تالله إن كنا لفي ضلال مبين اذ نسويكم برب العالمين # وليس كل الكفار سووا الشياطين برب العالمين. # والثاني - أنه لا يقال أعدت لغيرهم من الفاسقين، لأن اعدادها للكافرين ~~من حيث كان عقابهم هو المعتمد وعقاب الآخرين له تبع، كما قال: # وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين # ولا خلاف أنه يدخلها الاطفال والمجانين إلا أنهم تبع للمتقين، لأنه ~~لولاهم لم يدخلوها. ولا يقال: إن الجنة أعدت لغير المتقين. # الثالث - أن تكون هذه النار نارا مخصوصة فيها الكفار خاصة دون الفساق ~~وان كان هناك نار أخرى يدخلها الفساق، كما قال: # لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى # وكما قال: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # وهذا قول أبي علي. واستدل البلخي بهذه الآية على أن الربا كبيرة، لأن ~~تقديره { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ان يأكلوا الربا، ~~فيستحقونها. والاجماع حاصل على أن الربا كبيرة، فلا يحتاج إلى هذا ~~التأويل، لأن الآية يكمن أن يقول قائل: إنها بمعنى الزجر والتحذير عن ~~الكفر، فقط # وقوله: " أعدت " فالاعداد هو تقديم عمل الشيء لغيره مما هو متأخر عنه ~~وقد قدم فعل النار ليصلاها الكفار. والاعداد ms0768 والايجاد والتهيئة والتقدمة ~~متقاربة المعنى وقوله: { وأطيعوا الله والرسول }: أمر بالطاعة لله ~~ورسوله. والوجه في الأمر بالطاعة لله ورسوله مع أن العقل دال عليه يحتمل ~~أمرين: # أحدهما - أن يكون ذلك تأكيدا لما في العقل، كما وردت نظائره، كقوله: # ليس كمثله شيء # ولا تدركه الأبصار # وغير ذلك. # والثاني - لاتصاله بأمر الربا الذي لا تجب الطاعة فيه إلا بالسمع، لأنه ~~ليس مما يجب تحريمه عقلا كما يجب تحريم الظلم بالعقل، فان قيل: إذا كانت ~~طاعة الرسول طاعة الله فما وجه التكرار؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - المقصود بها طاعة الرسول فيما دعا إليه مع القصد لطاعة الله ~~تعالى. # الثاني - ليعلم أن من أطاعه فيما دعا إليه كمن أطاع الله، فيسارع إلى ~~ذلك بأمر الله. والطاعة موافقة الارادة الداعية إلى الفعل بطريق الرغبة، ~~والرهبة. ولذلك صح أن يجيب الله تعالى عبده، وان لم يصح منه أن يطيعه، ~~لأن الاجابة إنما هي موافقة الارادة مع القصد إلى موافقتها على حد ما ~~وقعت من المريد. وقوله: { لعلكم ترحمون } يحتمل أمرين: # أحدهما - لترحموا. وقد بينا لذلك نظائر. # والثاني - ان معناه ينبغي للعباد أن يعملوا بطاعة الله على الرجاء ~~للرحمة بدخول الجنة، لئلا يزلوا فيستحقوا الاحباط والعقوبة أو يوقعوها ~~على وجه لا يستحق به الثواب، بل يستحق به العقاب. وفيها معنى الشك، لكنه ~~للعباد دون الله تعالى. # النظم: # وقيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان: # أحدهما - لاتصال الأمر بالطاعة بالنهي عن أكل { الربا أضعافا مضاعفة } ~~كأنه قال وأطيعوا الله فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وغيره لتكونوا على ~~سبيل الهدى. # الثاني - قال ابن اسحاق: انه معاتبة للذين عصوا رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم)، بما أمرهم به يوم أحد: من لزوم مراكزهم، فخالفوا واشتغلوا ~~بالغنيمة إلا طائفة منهم قتلوا. وكان ذلك سبب هزيمة أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. ### || [3.133] # قرأ نافع وابن عامر { سارعوا } بلا واو، والباقون بالواو، وكذلك هي في ~~مصاحف أهل الشام بلا واو. وفي مصاحف أهل العراق بالواو، والمعنى واحد، ~~وإنما ms0769 الفرق بينهما استئناف الكلام إذا كان بلا واو، ووصلها بما تقدم إذا ~~قرىء بواو، لأنه يكون عطفا على ما تقدم. وفي هذه الآية الامر بالمبادرة ~~إلى مغفرة الله باجتناب معصيته وإلى الجنة التي عرضها السماوات والارض ~~بفعل طاعته. واختلفوا في قوله { عرضها السماوات والأرض } فقال ابن عباس، ~~والحسن: معناه عرضها كعرض السماوات السبع، والارضين السبع إذا ضم بعض ذلك ~~إلى بعض، واختاره الجبائي، والبلخي. وإنما ذكر العرض بالعظم دون الطول، ~~لأنه يدل على أن الطول أعظم، وليس كذلك لو ذكر الطول بدلا من العرض. ومثل ~~الآية قوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # ومعناه إلا كبعث نفس واحدة. وقال الشاعر: # كأن عذيرهم بجنوب سلى # نعام قاق في بلد قفار # أي عذير نعام وقال آخر: # حسبت بغام راحلتي عناقا # وما هي ويب غيرك بالعناق # أي صوت عناق. وقال أبو مسلم: معناه ثمنها لو بيعت كثمن السماوات والأرض ~~لو بيعا. كما يقال عرضت هذا المتاع للبيع. والمراد بذلك عظم مقدارها، ~~وجلالة قدرها، وانه لا يوازيها شيء وإن عظم، وهذا مليح غير أن فيه تعسفا ~~شديدا. فان قيل إذا كانت الجنة عرضها السماوات والارض فأين تكون النار؟! ~~الجواب أنه روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه لما سئل عن ذلك، فقال: ~~{ سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل } وهذه معارضة فيها إسقاط ~~المسألة، لأن القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء قادر على أن يذهب ~~بالنهار حيث شاء # وروي أنه سئل عن ذلك ابن عباس، وغيره من الصحابة، فان قيل فان الجنة في ~~السماء، كيف يكون لها هذا العرض؟ قيل له يزاد فيها يوم القيامة. ذكره أبو ~~بكر أحمد بن علي على تسليم انها في السماء ويجوز أن تكون الجنة مخلوقة في ~~غير السماوات والارض. وفي الناس من قال: ان الجنة والنار ما خلقتا بعد ~~وإنما يخلقهما الله على ما وصفه. وقال البلخي المراد بذلك وصفها بالسعة ~~والعظم، كما يقول القائل في دار واسعة هذه دنيا وغرضه بذلك وصفه لها ~~بالكبر ms0770 وقوله: { أعدت للمتقين } معنى المتقين المطيعين لله ورسوله ~~لاجتنابهم المعاصي وفعلهم الطاعات. ويجوز لاحتجازهم بالطاعة من العقوبة. ~~وإنما أضيفت إلى المتقين، لأنهم المقصودون بها، وان دخلها الاطفال، ~~والمجانين، فعلى وجه التبع، وكذلك حكم الفساق لو عفي عنهم. # وفيمن تكلم في أصول الفقه من استدل بقوله: { وسارعوا إلى مغفرة } على أن ~~الأمر يقتضي الفور دون التراخي، لأنه تعالى أمر بالمسارعة والمبادرة إلى ~~مغفرة وذلك يقتضي التعجيل. ومن خالف في تلك، قال: المسارعة إلى ما يقتضي ~~الغفران واجبة وهي التوبة، ووجوبها على الفور. فمن أين أن جميع المأمورات ~~كذلك. ### || [3.134] # المعنى: # { الذين } في موضع الجر، لأنه صفة المتقين، فذكر الله صفاتهم التي تعلو ~~بها درجاتهم منها: أنهم يتقون عذاب الله بفعل طاعته، والانتهاء عن ~~معصيته. وانهم ينفقون في السراء، والضراء وقد بينا فيما تقدم معنى ~~الانفاق. وقيل في معنى السراء والضراء. قولان: # أحدهما - قال ابن عباس في اليسر، والعسر، فكأنه قال في السراء بكثرة ~~المال، والضراء بقلته. # الثاني - في حال السرور، وحال الاغتمام. أي لا يقطعهم شيء من ذلك عن ~~انفاقه في وجوه البر، فيدخل فيه اليسر والعسر. وإنما خصا بالذكر في ~~التأويل الأول، لأن السرور بالمال يدعو إلى الظن به. كما يدعو ضيقه إلى ~~التمسك به خوف الفقر، لانفاقه. وقوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } أي ~~المتجرعين له، فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر بل يصبرون على ذلك، ~~ويتجرعونه. # اللغة: # وأصل الكظم شد رأس القربة عن ملئها. تقول: كظمت القربة إذا ملأتها ماء ~~ثم شددت رأسها. وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا حزنا. ومنه قوله: # وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم # أي ممتلىء حزنا. وكذلك إذا امتلأ غضبا لم ينتقم، وكظم البعير، والناقة ~~إذا لم تجر. والكظامة القناة التي تجري تحت الأرض، سميت بذلك، لامتلائها ~~بالماء كامتلاء القربة المكظومة. ويقال: أخذ بكظمه أي بمجرى نفسه، لأنه ~~موضع الامتلاء بالنفس. وكظامة الميزان المسمار الذي يدور فيه اللسان، ~~لأنه يشده ويعتمد عليه. والفرق بين الغيظ، والغضب أن الغضب ضد الرضا، وهو ~~ارادة العقاب المستحق بالمعاصي، ms0771 ولعنه. وليس كذلك الغيظ، لأنه هيجان ~~الطبع بكره ما يكون من المعاصي، ولذلك يقال غضب الله على الكفار، ولا ~~يقال اغتاظ منهم. # المعنى: # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " ما من جرعة يتجرعها الرجل أو الإنسان أعظم أجرا من جرعة غيظ في الله ~~" # وفي الآية دلالة على جواز العفو عن المعاصي وإن لم يتب، لأنها دلت على ~~الترغيب في العفو من غير ايجاب له باجماع المسلمين. وقوله { والله يحب ~~المحسنين } معناه يريد اثابتهم وتنعيمهم. والمحسن يحتمل أمرين: # أحدهما - من هو منعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح. ويحتمل أن ~~يكون مشتقا من الافعال الحسنة التي منها الاحسان إلى الغير، وغير ذلك من ~~وجوه الطاعات والقربات. ### || [3.135] # الاعراب: # قوله { والذين } يحتمل أن يكون موضعه جرا بالعطف على المتقين، فيكون من ~~صفتهم ما تضمنه على قول الحسن، ويحتمل أن يكون رفعا على الاستئناف، ~~ويكون عطف جملة على جملة، فيكون من صفة فرقة غير الأولى، ويجوز أن يرجع ~~إلى الأولى في الموضع على المدح. # المعنى: # وقوله: { إذا فعلوا فاحشة } يحتمل أن يكون أراد غير الظلم، ولذلك عطف ~~عليه بقوله: { أو ظلموا أنفسهم } حتى لا يكون تكرارا. وقال الرماني: ~~أراد بالفاحشة الكبيرة، وب { ظلموا أنفسهم } الصغيرة. وقال مجاهد: هما ~~ذنبان وأصل الفاحشة الفحش، وهو الخروج إلى عظم القبح في العقل أو رأي ~~العين فيه. وكذلك قيل للطويل المفرط أنه الفاحش الطول، وأفحش فلان في ~~كلامه إذا أفصح بذكر الفحش. وقال جابر والسدي: الفاحشة ها هنا: الزنا أو ~~ما جرى مجراه من الكبير. وقوله: { ذكروا الله } في معناه قولان: # أحدهما - ذكروا وعيد الله، فيكون من الذكر بعد النسيان. والمدح على أنهم ~~تعرضوا للذكر. # والآخر - انهم ذكروا الله بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فانا تبنا ~~نادمين عليها مقلعين عنها وقال ابن مسعود، وعطا ابن ابي رياح: كانت بنو ~~اسرائيل إذا أذنب الواحد منهم ذنبا أصبح مكتوبا على بابه كفارة ذنبك ~~اجدع اذنك اجدع انفك، فسهل الله ذلك على هذه الأمة ms0772 بأن جعل توبتها ~~الاستغفار بدلا منه منة منه تعالى. وقوله: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } ~~الرفع محمول على المعنى. وتقديره: وهل يغفر الذنوب إلا الله أو هل رئي ~~أحد يغفر الذنوب إلا الله. فان قيل: كيف قال: { ومن يغفر الذنوب إلا الله ~~} وقد يغفر بعضنا لبعض اساءته إليه؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه أراد بذلك غفران الكبائر العظام، لأن الاساءة من بعضنا ~~لبعض صغيرة بالاضافة إلى ما يستحق من جهتة. # والثاني - أنه لا يغفر الذنب الذي يستحق عليه العقاب إلا الله تعالى. # وقوله: { ولم يصروا على ما فعلوا } فالاصرار هو المقام على الذنب من غير ~~اقلاع منه بالتوبة في قول قتادة. وقال الحسن: هو فعل الذنب من غير توبة ~~والأول أقوى، لأنه نقيض التوبة. وأصله الشد من الصرة والصر شدة البرد، ~~والاصرار إنما هو ارتباط الذنب بالاقامة عليه. وما قاله الحسن هو في حكم ~~الاصرار. # وقوله: { وهم يعلمون } ها هنا يحتمل أمرين: # أحدهما - وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها غير ساهين، ولا ناسين. قال ~~الجبائي، والله عز وجل يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه، وان لم يتب منه ~~بعينه، كما يغفر له ما تاب منه، لأنه قد فعل في حال النسيان جميع ما ~~عليه. # والثاني - وهم يعلمون الحجة في أنها خطيئة. وأما من اجتهد في الاحكام ~~فأخطأ على مذهب من يقول بالاجتهاد، فلا اثم عليه، وكذلك من تزوج بذات ~~محرم من الرضاع أو النسب وهو لا يعلم، أو غير ذلك، فلا إثم عليه بلا خلاف ~~لأنه لم يعلم ذلك، فاقدم عليه، ولا يلزم على ذلك أن يكون الكافر معذورا ~~بكفره إذا لم يعلمه قبيحا، لأن الكافر له طريق إلى العلم به، وكذلك ~~نقول: إن من أسلم في دار الحرب، وخرج فاستحل في طريقه الخمر أو لحم ~~الخنزير قبل أن يعلم تحريمها من الشرع، فلا اثم عليه، لأنه في تلك الحال ~~لا طريق له إلى العلم بقبحه. ### || [3.136] # قوله: { أولئك } اشارة إلى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في ~~السراء والضراء، ms0773 ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، { وإذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ، فقال هؤلاء: { لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } وقد مضى تفسير ذلك أجمع فيما مضى ثم ~~قال { ونعم أجر العاملين } يعني ما وصفه من الجنات وأنواع الثواب، ~~والمغفرة بستر الذنب حتى تصير كأنها لم تعمل في زوال العار بها والعقوبة ~~بها، والله تعالى متفضل بذلك لأنا بينا أن اسقاط العذاب عند التوبة تفضل ~~منه تعالى، فأما استحقاق الثواب بالتوبة فواجب عقلا لا محالة، لأنه لو لم ~~يكن مستحقا لذلك لقبح تكليفه التوبة لما فيها من المشقة والكلفة. ### || [3.137] # المعنى: # معنى قوله: { قد خلت من قبلكم سنن } أي سنن من الله تعالى في الأمم ~~السالفة كذبوا رسله وجحدوا نبوتهم بالاستئصال، والاجتياح، كعاد، وثمود، ~~وقوم صالح، وقوم لوط الذين أهلكهم الله بأنواع العذاب من الاستئصال فبقيت ~~لهم آثار في الديار فيها أعظم الاعتبار والاتعاظ - على قول الحسن، وابن ~~اسحاق - فأمر الله أن يسيروا في الارض، ويتعرفوا أخبارهم، وما نزل بهم ~~ليتعظوا بذلك، وينتهوا عن مثل ما فعلوه. وقال الزجاج: معناه { قد خلت من ~~قبلكم } أهل { سنن } في الشر. # اللغة والمعنى: # والسنة: الطريقة المجعولة ليقتدى بها، فمن ذلك سنة رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم). وقال لبيد: # من معشر سنت لهم آباؤهم # ولكل قوم سنة وإمامها # وقال سليمان بن قتة: # وإن الألى بالطف من آل هاشم # تأسوا فسنوا للكرام التأسيا # سنة الله عز وجل الاهلاك للامم الضالة بهذه المنزلة. وأصل السنة ~~الاستمرار في جهة. سن الماء سنا: إذا صبه حتى يفيض من الاناء. وسنه ~~بالمسن إذا أمره عليه لتحديده. وفلان مسنون الوجه أي مستطيلة. وقوله: { ~~من حمأ مسنون } قيل معناه متغير، لاستمرار الزمان به حتى تغير. ومنه السن ~~واحد الاسنان، لاستمرارها على منهاج. والسنان، لاستمرار الطعن به. والسنن ~~استمرار الطريق. والخلو: الانفراد، فمنه الخلاء، لانفراد المكان. ومنه ~~التخلية لانفراد الشيء بها عن صاحبه. ومنه الخلية من النوق التي خلا ~~ولدها بذبح أو موت، لانفرادها عنه. والخلية ms0774 من السفن التي تخلى تسير في ~~نفسها. ومنه الخلا مقصور: الحشيش اختليته إذا قطعته، لانفراده بالقطع. ~~ومنه المخلاة. ومن ذلك المخالاة المخادعة، لانفراد صاحبها بمن يخاليه ~~يوهمه التخصص به، فمعنى " خلت " انفردت بالهلاك دون من بقي. وقوله: { ~~فانظر كيف كان عاقبة } فالعاقبة هو ما يؤدي إليها السبب المتقدم، وليس ~~كذلك الآخرة، لأنه قد كان يمكن أن تجعل هي الأولى في العدة للمكذبين يريد ~~به الجاحدين البعث، والنشور، والثواب، والعقاب الدافعين لمن يخبر بذلك ~~بالرد بالتكذيب، فجازاهم الله تعالى في الدنيا بعذاب الاستئصال، ولهم في ~~الآخرة عظيم النكال. ### || [3.138] # قال الحسن وقتادة: قوله: { هذا } إشارة إلى القرآن، ووصفه بأنه بيان، ~~لأنه دلالة للناس، وحجة لهم، والبيان هو الدلالة. وقال ابن اسحاق هو ~~إشارة إلى ما تقدم ذكره في قوله: { قد خلت من قبلكم سنن.... } الآية أي ~~هذا الذي عرفتكم بيان للناس، وهو اختيار البلخي، والطبري. والفرق بين ~~البيان، والهدى - على ما قاله الرماني - أن البيان إظهار المعنى للنفس ~~كائنا ما كان. والهدى: بيان لطريق الرشد، ليسلك دون طريق الغي. والموعظة ~~ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك، بما فيه من الزجر عن القبيح، والدعاء ~~إلى الجميل. وقيل الموعظة: هو ما يدعو بالرغبة، والرهبة إلى الحسنة بدلا ~~من السيئة. والهدى المذكور في الآية يحتمل معنيين: # أحدهما - أن يكون عبارة عن اللطف الذي يدعو إلى فعل الطاعة بدلا من ~~المعصية، لأنه بمنزلة الارشاد. # والآخر - الدلالة على طريق الرشد. وإنما أضيف إلى المتقين، وان كان هدى ~~لجميع المكلفين، لأنهم المنتفعون به دون غيرهم. ولا يجوز ان يقال: القرآن ~~هدى وموعظة للفاجرين إلا بتفسير وبيان، لأن في ذلك إيهاما، لانتفاعهم به ~~فان قيد بأنه دلالة لهم وداع لهم إلى فعل الطاعة، وذكر ما يزيل الايهام ~~كان جائزا. وينبغي أن يتبع في ذلك ما ورد به القرآن. ### || [3.139-140] # القراءة، واللغة: # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا { قرح } بضم القاف. والباقون بفتحها. والفرق ~~بينهما أن القرح - بفتح القاف - الجراح، والقرح - بالضم - ألم الجراح على ~~قول أكثر المفسرين. وقيل هما ms0775 لغتان. # المعنى، والنزول: # وقال ابن عباس، والحسن، والربيع: القرح ما أصاب المسلمين يوم أحد وأصاب ~~المشركين يوم بدر. وقال الزهري، وقتادة، وابن أبي نجيح: هذه الآية نزلت ~~تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل، والجراح، وكان سبب نزول ~~الآية ما قدمنا ذكره من أن الله تعالى أراد أن يرعب الكفار، فأمر ~~المسلمين أن يتبعوا المشركين على ما بهم من الجراح، والألم وحثهم على ذلك ~~ونهاهم عن الوهن والحزن، ووعدهم بأنهم الاعلون إن تمسكوا بالايمان، لأن ~~المشركين كانوا هموا بالعود إلى المدينة، والغارة فيها، فلما بلغهم عزيمة ~~المسلمين على تتبعهم خافوهم. وقال بعضهم لبعض يوشك أن يكون انضم إليهم من ~~كان قعد عنهم، وأعانهم أحلافهم من بني قريظة، والنضير فدسوا نعيم بن ~~مسعود الأشجعي وبذلوا له عشر قلائص على أن يثبط المسلمين عن تتبعهم، ~~ويقول: إنهم تجمعوا وانضم إليهم حلفاؤهم، وهم يريدونكم ولا طاقة لكم بهم، ~~وأسرعوا المسير إلى مكة فأوحى الله بذلك إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~وأعلمه ما قالوا لنعيم، فلما قال لهم ما قال، قال المسلمون: { حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } وفيهم نزلت الآية # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # إلى قوله: # والله ذو فضل عظيم # وما بعده. وإنما قال: { إن كنتم مؤمنين } مع أنهم كانوا مؤمنين للبيان ~~عن ان الايمان يوجب تلك الحال، وتقديره إن من كان مؤمنا يجب عليه ألا ~~يهن ولا يحزن، لثقته بالله. ويحتمل أيضا أن يكون معناه إن كنتم مصدقين ~~بوعدي لكم بنصرتي إياكم حتى تستعلوا على عدوكم، وتظفروا بهم. # اللغة، والاعراب، والمعنى: # والوهن الضعف، وهن يهن وهنا، فهو واهن: إذا ضعف. وأوهنه يوهنه ايهانا. ~~وتوهن توهنا، ووهنه توهينا. والوهن: ساعة تمضي من الليل. والواهن عرق ~~مستبطن حبل العاتق إلى الكتف. # وقوله: { وأنتم الأعلون } جملة في موضع الحال، كأنه قال لا تحزنوا عالين ~~أي منصورين على عدوكم، ويحتمل أن لا يكون لها موضع من الاعراب، لأنها ~~اعتراض بوعد مؤكد، وتقديره { ولا تهنوا ولا تحزنوا } { إن كنتم مؤمنين } ~~{ وأنتم } مع ms0776 ذلك { الأعلون }. # وأصل الاعلون الأعلوون، فحذفت احدى الواوين استثقالا، وهي الاصلية وبقيت ~~واو الجمع، لأنها لمعنى. فأما في التثنية فتقول: إنتما الاعليان، فتقلب ~~الواو ياء، ولا تحذفها، لأنه ليس هناك ضرورة. # وقوله: { إن يمسسكم } فالمس هو اللمس بعينه، وقيل الفرق بينهما أن اللمس ~~لصوق باحساس والمس لصوق فقط وقال ابن عباس: معناه إن يصبكم. # وقوله: { وتلك الأيام نداولها بين الناس } قال الحسن، وقتادة، والربيع، ~~والسدي، وابن اسحاق: يصرفها مرة لفرقة، ومرة عليها، والدولة: الكرة لفرقة ~~بنيل المحبة. وادال الله فلانا من فلان: إذا جعل الكرة له عليه. وقال ~~الحجاج: إن الارض ستدال منا كما ادلنا منها، { ونداولها } إنما هو بتخفيف ~~المحنة تارة وتشديدها أخرى بدليل { إن الله لا يحب الظالمين } ولو كانت ~~المداولة بالنصر لا محالة، للمؤمنين تارة وللكافرين تارة، لكان محبهم من ~~حيث هو ناصر لهم، والعامل في قوله، وليعلم الله يحتمل أمرين: # أحدهما - ان يكون محذوفا يدل عليه أول الكلام، وتقديره وليعلم الله ~~الذين آمنوا نداولها. # الثاني - أن يعمل فيه { نداولها } الذي في اللفظ، وتقديره نداولها بين ~~الناس لضروب من التدبير { وليعلم الله الذين آمنوا } وخبر ليعلم يحتمل ~~أمرين: # أحدهما - أن يكون محذوفا وتقديره { وليعلم الله الذين آمنوا } متميزين ~~بالايمان من غيرهم، ولا يكون على هذا يعلم بمعنى يعرف، لأنه ليس المعنى ~~على تعرف الذوات بل المعنى على أن يعلم تميزها بالايمان. # والثاني - { وليعلم الله الذين آمنوا } بما يظهر من صبرهم على جهاد ~~عدوهم أي يعاملهم معاملة من يريد أن يعرفهم الله بهذه الحال. وقال أبو ~~علي: معناه وليصبروا فعبر عن الصبر بالعلم. وقال البلخي { وليعلم الله } ~~ايمانكم موجودا أي تفعلونها، فيعلمه الله كذلك. ومعنى قوله: { ويتخذ ~~منكم شهداء } فيه قولان: # أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن اسحاق، ليكرم بالشهادة من قتل يوم ~~أحد. # الثاني - ويتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان، لما لكم ~~فيه من التعظيم، والتبجيل - هذا قول البلخي والجبائي - والأول أقوى لأنه ~~في ذكر القتل، فان قيل لم جعل الله مداولة الايام بين ms0777 الناس، وهلا كانت ~~ابدا لأولياء الله دون أعدائه؟ قلنا ذلك تابع للمصلحة، وما تقتضيه ~~الحكمة أن يكونوا تارة في شدة وتارة في رخاء فيكون ذلك داعيا لهم إلى ~~فعل الطاعة، واحتقار الدنيا الفانية المنتقلة من قوم إلى قوم حتى يصير ~~الغني فقيرا، والفقير غنيا، والنبيه خاملا، والخامل نبيها، فتقل حينئذ ~~الرغبة فيها والحرص على جمعها، ويقوي الحرص على غيرها مما نعيمه دائم، ~~وسروره غير منقطع. وقوله: { والله لا يحب الظالمين } معناه لا يريد ~~منافعهم، وعلى مذهبنا ينبغي أن يكون ذلك مخصوصا بالكفار، لأنهم إذا ~~كانوا مؤمنين، فلهم ثواب. والله تعالى لا بد أن يريد فعل ذلك بهم ويحتمل ~~أن يكون المراد بذلك { لا يحب الظالمين } إذا كانوا مؤمنين محبة خالصة لا ~~يشوبها إرادة عقابهم، لأن ذلك يختص من لا عقاب عليه. ### || [3.141] # المعنى، واللغة: # قيل في معنى قوله: { وليمحص الله } أربعة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: ليبتلي، { ويمحق الكافرين } ~~بنقصهم في قول ابن عباس، وقال غيره يهلكهم، وقال الفراء: معنى { وليمحص ~~الله } يعني ذنوب المؤمنين، وقال الزجاج: يخلصهم من الذنوب وهذا قريب من ~~قول الفراء: وقال الرماني معناه { ولميحص الله الذين آمنوا } ينجيهم من ~~الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء. وأصل التمحيص ~~التخليص في قول أبي العباس تقول محصت الشئ أمحصه محصا: إذا خصلته. وقال ~~الخليل: المحص الخلوص من العيب، محصته محصا أي خلصته من كل عيب، ومحص ~~الجمل: إذا ذهب وبره يمحص. وجبل محص أي ملص، ومحص الظبي، يمحص إذا عدا ~~عدوا شديدا محصا، ويستحب أن تمحص قوائم الفرس أي تخلص من الرهل. ~~وتقول: اللهم محص عنا ذنوبنا أي اذهبها عنا، لأنه تخليص الحسنات بتكفير ~~السيئات. ويقال تمحص الفرس: إذا ذهب شحمه الرديء، وبقي لحمه، وقوته ~~بالضمور. وأصل المحق فناء الشيء حالا بعد حال، ولهذا دخله معنى النقصان. ~~وأمحق الشيء امحاقا. والمحاق: آخر الشهر إذا أمحق الهلال، فلم ير، لذهاب ~~ضوئه حالا بعد حال. وامتحق الشيء وتمحق: إذا ذهبت بركته بنقصانها حالا ~~بعد حال. ومحقه تمحيقا. ms0778 وإنما قابل بين التمحيص، والمحق، لأن محص هؤلاء ~~باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة في المعنى. ~~وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان: # أحدهما - لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي ~~يستحقون به عظيم الأجر، ويحط كثيرا من الذنوب. # الثاني - لما في ذلك من اللطف الذي يعصم من اقتراف المعصية. ### || [3.142] # القراءة والمعنى واللغة: # قرأ الحسن { ويعلم الصابرين } بكسر الميم. الباقون بفتحها. ووجه قراءة ~~الحسن أنه عطف على، ولما يعلم الله كأنه قال، ولما يعلم الله ويعلم ~~الصابرين. وقوله: { أم حسبتم } معناه: أحسبتم { أن تدخلوا الجنة } وقيل ~~معنى (أم) معنى بل على جهة الانكار، لأن يحسبوا ذلك الحسبان، كما يقال: ~~قد صممت على الخلاف أم تتوهم الاهمال، والفرق بين لم ولما أن لما جواب، ~~لقول القائل: قد فعل فلان يريد به الحال، فجوابه (لما فعل) وإذا قال: فعل ~~فجوابه (لم يفعل)، فلما كانت (لما) مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد ~~بحرف. وأيضا، فانه يجوز الوقف على (لما) في مثل أن يقول القائل: قد جاء ~~فلان، فيجيبه آخر فيقول: لما أي لما يجيء، ولا يجوز ذلك في (لم). ومعنى { ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم ~~لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد، لأنه من أعظم أركان الشرع. وقوله: { ~~ويعلم الصابرين } نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني، ~~والاول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والاول، نحو قولهم: لا يسعني شيء ~~ويعجز عنك. وقال الشاعر: # لاتنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # وانما جاز { ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم } على معنى نفي الجهاد دون ~~العلم، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد، لانه لو كان لعلمه. وتقديره ~~ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم، لأن المعنى مفهوم لا يشتبه. ### || [3.143] # المعنى: # قال الحسن، ومجاهد، والربيع، وقتادة، والسدي: كانوا يتمنون الموت ~~بالشهادة بعد بدر قبل أحد، فلما رأوه يوم أحد أعرض ms0779 كثير منهم عنه، ~~فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك. وقوله: { فقد رأيتموه } فيه حذف ومعناه ~~رأيتم أسباب الموت، لأن الموت لا يرى كما قال الشاعر: # ومحلما يمشون تحت لوائه # والموت تحت لواء آل محلم # أي أسباب الموت. وقال البلخي: معنى { رأيتموه } أي علمتم، وأنتم تنظرون ~~أسباب الموت من غير أن يكون في الأول حذف. فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل ~~المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة؟ قلنا: لا، لأن قتل المشركين لهم ~~معصية، ولا يجوز تمني المعاصي، كما لا يجوز إدارتها، ولا الأمر بها. فاذا ~~ثبت ذلك، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا. وقال ~~الجبائي: إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين. قال الازهري ~~قوله: { رأيتموه وأنتم تنظرون } معناه وأعينكم صحيحة، كما يقول القائل ~~رأيت كذا، وليس في عينك سوء. والفرق بين التمني والارادة أن الارادة من ~~أفعال القلوب، والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا وليت لم يكن كذا. ~~وقوله: { وأنتم تنظرون } بعد، قوله { فقد رأيتموه } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية، كما تقول: رأيته عيانا ورأيته بعيني ~~وسمعته باذني، لئلا يتوهم رؤية القلب، وسمع العلم. # والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، لأن النظر ~~هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته، وليس معناه الرؤية على ~~وجه الحقيقة. ### || [3.144] # القصة، والنزول: # قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد: إن سبب نزول هذه الآية انه لما ~~ارجف بان النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم أحد واشيع ذلك، قال ناس لو ~~كان نبيا ما قتل. وقال آخرون نقاتل على ماقاتل عليه حتى نلحق به. وكان ~~سبب انهزامهم وتضعضهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب، وكان النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) نهاهم عن الاخلال به، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة ~~أن يخرج منه كمين عليهم، فلما انهزم المشركون في الجولة الأولى، فتبعوهم ~~المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب: يغنمون ولا نغنم. ~~فقال لهم رئيسهم: الله الله لا تفعلوا فان النبي (صلى الله ms0780 عليه وسلم) ~~أمرنا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وانصرفوا، وثبت رئيسهم مع إثني عشر رجلا، ~~فقتلوا، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب، وكان كامنا ~~فيه. وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، وإصابة رباعية النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وجرحه. وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقيل إن عبد ~~الله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه، ومضى إلى المشركين، وقال قتلت محمدا ~~وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية. # فان قيل: كيف دخل الاستفهام على الشرط. وإنما هو كغيره من الانقلاب ~~والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل؟ قيل: لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة ~~واحدة وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد ~~قام، وكذلك تقديمه في القسم، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم، كما ~~قال الشاعر: # حلفت له إن تدلج الليل لا يزل # أمامك بيت من بيوتي سائر # أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله { أفان مات أو قتل } ~~تنقلبون بالرفع، والجزم ومعنى { انقلبتم على أعقابكم } أي ارتددتم كفارا ~~بعد إيمانكم، لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في ~~القبح، والتنكيل بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى. والالف في قوله: { ~~أفان } ألف انكار بصورة ألف استفهام، لأن التقرير به يظهر ما فيه من ~~المنكر، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار. ومثله أتختار ~~الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب. وقوله: { أفان مات أو قتل } يدل عى ~~أن الموت غير القتل لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه، لأن الشيء لا ~~يعطف على نفسه. والقتل هو نقض بنيه الحياة. والموت: في الناس من قال: هو ~~معنى يضاد الحياة. وفيهم من قال: هو افساد البنية التي تحتاج الحياة ~~إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة. وقوله: { ومن ~~ينقلب على عقبيه } أي من يرتد ويرجع عن الاسلام { فلن يضر الله شيئا } ~~لأنه لايجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه، لأنه يستحق ms0781 العقاب الدائم. ~~وقوله: { وسيجزي الله الشاكرين } معناه يثيب الله الشاكرين على شكرهم ~~لنعم الله واعترافهم بها. ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد، ~~لأن قوله: { فلن يضر الله شيئا } دليل على معنى الوعيد، لأن معناه انما ~~يضر نفسه باستحقاقه العقاب { وسيجزي الله الشاكرين } بما يستحقونه من ~~الثواب. ### || [3.145] # المعنى، والاعراب، واللغة: # قيل في السبب الذي اقتضى قوله: { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ~~قولان: # أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي (صلى الله عليه وسلم) من ~~جهة أنه باذن الله عز وجل. # الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا باذن الله تعالى. ~~وقوله: { إلا بإذن الله } يحتمل أمرين: # أحدهما - إلا بعلمه. والثاني إلا بأمره. وقال أبوعلي: الآية تدل على أنه ~~لا يقدر على الموت غير الله، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله، ~~ولو كان من مقدور غيره لم يكن باذنه، لأنه عاص لله في فعله. # وقوله: { كتابا مؤجلا } نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول الكلام ~~مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله، فتقديره كتب الله ذلك { كتابا ~~مؤجلا }. ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به. وقوله: { ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة - ~~في قول ابن اسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا. # [الثاني] من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول أبي ~~علي الجبائي. # الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر ~~جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من ~~يقول بالاحباط، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها. و (من) في قوله: " ~~منها " تكون زائدة. ويحتمل أن تكون للتبعيض، لأنه يستحق الثواب على قدر ~~عمله. وإنما كرر قوله: { وسنجزي الشاكرين } ها هنا، وفي الآية الأولى، ~~لأمرين: # أحدهما - للتأكيد ليتمكن المعنى في ms0782 النفس. # الثاني - { وسنجزي الشاكرين } من الرزق في الدنيا، عن ابن اسحاق لئلا ~~يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا. وقال ~~الجبائي في الآية دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد. وهو الوقت ~~الذي يموت فيه، لأنه لا يقتطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله أنه اجل ~~لموته. وقال ابن الاخشاذ: لا دليل فيه على ذلك، لأن للانسان أجلين أجل ~~يموت فيه لا محالة، وأجل هو موهبة من الله تعالى له، ومع ذلك فلن يموت ~~إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته. والأقوى الأول، لأن الاجل ~~عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل، وبالتقدير لايكون الشئ ~~أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا، وقد بينا في شرح الجمل ذلك مستوفى. ### || [3.146] # القراءة واللغة: # قرأ ابن كثير " كاين " على وزن كاعن. الباقون " كأين " مشددة على وزن ~~كعين. ومعناهما واحد، وهو بمعنى كما قال جرير: # وكائن بالاباطح من صديق # يراني لو اصبت هو المصابا # وقال آخر: # وكائن رددنا عنكم من مدحج # يجيء أمام الالف يردي مقنعا # ومثل المشدد قول الشاعر: # كاين في المعاشر من اناس # اخوهم فوقهم وهم كرام # وأصل كاين (أي) دخلت عليها كاف التشبيه، كما أن أصل (كذا) (ذا) دخلت ~~عليها كاف التشبيه. وانما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى، لأنها نقلت ~~إلى معنى (كم) في التكثير. ومن خفف فلكراهية التضعيف، كما خفف لا سيما. ~~وقرأ أهل الكوفة، وابن عامر (قاتل) الباقون (قتل) فمن قرأ (قتل) نفى ~~الوهن عمن بقي. ومن قرأ (قاتل) نفاه عمن ذكر. # المعنى، واللغة: # وقوله: { ربيون } قيل في معناه أقوال. # أحدها - قال ابن عباس، والحسن: علماء فقهاء، وقال مجاهد، وقتادة: # جموع كثيرة. وقال الاخفش: هم منسوبون إلى الرب. ومعناه المتمسكون بعبادة ~~الله. وقال غيره: منسوبون إلى علم الرب. وقال الزجاج: الربو عشرة آلاف، ~~وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وارتفاعه يحتمل أمرين: # أحدهما - على مذهب الحسن في أنه لم يقتل نبي قط في معركة فيرتفع بأنه لم ~~يسم ms0783 فاعله في (قتل)، وعلى مذهب ابن اسحاق، وقتادة، والربيع، والسدي: رفع ~~بالابتداء، فقدم عليه الخبر بمعنى قتل، ومعه ربيون كثير، فعلى هذا يكون ~~النبي المقتول، والذين معه لا يهنون، وذلك أن يوم أحد كان أرجف بأن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) قتل، فبين الله تعالى أنه لو قتل لما أوجب ذلك أن ~~تهنوا وتضعفوا، كما لم يهن من كان مع الانبياء بقتلهم، وهو المروي عن أبي ~~جعفر (ع). # والوهن هو الضعف وإنما قال: فما وهنوا، وما ضعفوا من حيث أن الوهن ~~انكسار الجد بالخوف، ونحوه. والضعف: نقصان القوة وقوله: { وما استكانوا } ~~معناه ما ظهروا الضعف. وقيل معناه ما خضعوا، لأنه يسكن لصاحبه ليفعل به ~~ما يريد، فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان العدة، ولا استكانوا ~~بالخضوع. وقال ابن اسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا ~~استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم. وقال الزجاج معنى ما وهنوا ما ~~فتروا، وما ضعفوا وما جبنوا عن قتال عدوهم. وما استكانوا ما خضعوا. وقال ~~الازهري: الاستكانة أصلها من الكنية، وهي الحالة السيئة يقال بات بكنية ~~يعني بيتة سوء، ومجيئة سوء أي بحال سوء. وقوله: { والله يحب الصابرين } ~~معناه يريد ثواب من صبر في جنبه في امتثال أمره، والقيام بواجباته التي ~~من جملتها الجهاد في سبيل الله. ### || [3.147] # المعنى واللغة: # هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الاولى بأنهم كانوا يقولون ~~في أكثر أحوالهم { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } لأن من المعلوم أنهم قد كانوا ~~يقولون أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الأكثر لم يعتد بذلك. وقيل: ~~معناه وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعا إلى الله ~~وطلبا لمغفرته. وقوله: { اغفر لنا ذنوبنا } أي استرها علينا بترك ~~عقابنا، ومجازاتنا عليها { وإسرافنا في أمرنا } فالاسراف هو مجاوزة ~~المقدار الذي تقتضيه الحكمة. والاسراف مذموم، كما أن الاقتار مذموم، كما ~~قال تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط # وكما قال # والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ms0784 ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما # والاسراف، والافراط بمعنى، وضدهما التقصير والتقتير. وقيل الاسراف ~~مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان. والأول أظهر. وأصل الاسراف ~~مجاوزة الحد يقال: سرفت القوم إذا جاوزتهم، وأنت لا تعرف مكانهم وسرفت ~~الشيء إذا نسيته لانك جاوزته إلى غيره بالسهو عنه. ويقال: أصنع من سرفة، ~~وهي دويبة صغيرة تنقب الشجر، وتبني فيه بيتا. # إن قيل: كيف قوبل الذنوب والاسراف في الامر؟ قلنا: قال الضحاك: هو ~~بمنزلة اغفر لنا الصغير والكبير من خطايانا. # الاعراب، والمعنى: # و { قولهم } نصب بأنه خبر (كل) والاسم { أن قالوا } ، وانما اختير ذلك، ~~لأن ما بعد الايجاب معرفة، فهو أحق بأن يكون الاسم، كقول الشاعر: # وقد علم الاقوام ما كان داءها # بثهلان إلا الخزي ممن يقودها # ويجوز الرفع على أنه اسم (كان) وقد قرئ به في الشواذ. ومثله قوله: # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا # وقوله: { وثبت أقدامنا } أي أعنا وألطف لنا بما تثبت معه أقدامنا وإن ~~كان ثبوت القدم من فعل العباد لكن لما كان بلطفه ومعونته جاز نسبته إليه ~~مجازا. ### || [3.148] # المعنى، واللغة: # قوله: { فآتاهم الله } يعني من تقدم ذكره من الربيين الذين وصفهم. وقال ~~الجبائي: يعني به المسلمين الذين صفتهم ما تقدم ذكره أي أعطاهم الله ثواب ~~الدنيا قال قتادة، والربيع: هو نصرهم على عدوهم حتى ظفروا بهم، وقهروهم. ~~{ وثواب الآخرة }: الجنة. وزاد ابن جريج الغنيمة. ويجوز أن يكون ما آتاهم ~~الله في الدنيا من الظفر والنصر وأخذ الغنيمة ثوابا مستحقا لهم على ~~طاعاتهم، لأن في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا، ولذلك تقول: إن المدح على أفعال ~~الطاعة والتسمية بالاسماء الشريفة بعض الثواب، ويجوز أن يكون الله تعالى ~~أعطاهم ذلك تفضلا منه تعالى، أو لما لهم فيه من اللطف، فتكون تسميته بأنه ~~ثواب مجازا. وحد الثواب هو النفع الخالص المستحق الذي يقارنه تعظيم ~~وتبجيل، والعوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والتبجيل، والتفضل هو ~~النفع الذي ليس بمستحق ولا معه تعظيم وتبجيل. وانما ms0785 جاز تأخير الثواب ~~المستحق مع ثبوت الاستحقاق له عقيب الطاعة لامرين: # أحدهما - قال أبوعلي: لأنه يوفر عليه ما يفوته في زمان التكليف إلى خير ~~الثواب. وقال الرماني: لأنه إذا أخر عظم ما يستحقه بالتأخر على ما كان لو ~~قدم، لأنه إذا استحق مثلا مائة جزء عاجلا، فاذا أخر استحق مائة وعشرة أو ~~مائة وجزء. وقيل في وجه حسن تأخيره أنه لو كان عقيب الطاعة لأدى إلى أن ~~يكون المكلف ملجأ إلى فعل الطاعة، لأن المنافع الكثيرة تلجئ إلى الفعل ~~كما أن دفع المضار العظيمة تلجئ إلى مثله، وذلك ينافي التكليف. وقوله: { ~~والله يحب المحسنين } أي يريد ثوابهم وتعظيمهم وتبجيلهم والفرق بين ~~الاحسان والانعام أن الاحسان قد يكون إنعاما بأن يكون نفعا للمنتفعين ~~به، وقد يكون احسانا بأن يكون فعلا حسا، ومن القسم الأخير يقال هو ~~تعالى محسن بفعل العقاب، ولا يقال محسن من القسم الأول. ويقال هو محسن ~~بفعل الثواب على الوجهين معا. ### || [3.149-150] # المعنى: # هذا خطاب للمؤمنين حذرهم الله من أن يطيعوا الكفار، وبين أنهم إن ~~أطاعوهم ردوهم كافرين. والمعني ب { الذين كفروا } قيل فيهم قولان: # أحدهما - قال الحسن، وابن جريج إنهم اليهود، والنصارى أي إن تستنصحوهم ~~وتقبلوا رأيهم يردوكم خاسرين. وقال السدي: أراد إن تطيعوا أبا سفيان ~~وأصحابه يرجعوكم كافرين. والطاعة موافقة الارادة المرغبة في الفعل، ~~وبالترغيب ينفصل من الاجابة، وإن كان موافقة الارادة حاصلة. وفي الناس من ~~قال: الظاعة في موافقة الأمر، والاول أصح، لأن من فعل ما يقتضي العقل ~~وجوبه أو حسنه يقال: إنه مطيع لله، وان لم يكن هناك أمر على أن من امتثل ~~الأمر إنما سمي مطيعا لموافقة الارادة المرغبة من حيث أن الأمر لايكون ~~أمرا إلا بارادة المأمور به، والطاعة تكون بمتابعة الواجب والندب معا، ~~لأن الارادة تتناولهما. # الاعراب، والحجة، واللغة، والمعنى: # وقوله: { إن تطيعوا } جزم بأنه شرط. وقوله: { يردوكم } جزم بأنه جواب ~~الشرط. وقوله: { فتنقلبوا } جزم بالعطف عليه. وقوله: { خاسرين } نصب على ~~الحال. وقوله: { بل الله } ، فحقيقة (بل) الاضراب عن الأول إلى ms0786 الثاني ~~سواء كانا موجبين أو نفيين أو احداهما موجبا والآخر نفيا تقول: جاء زيد ~~بل عمرو، وما جاء زيد بل عمرو لم يجئ، وما أتى زيد بل خالد. # فان قيل: كيف عطف ببل وهي لا تشرك الثاني مع الأول في المعنى؟ قلنا: لأن ~~الاضراب عن الاول كالبدل، ولذلك وجب العطف بالاشراك في الاعراب كما يجب ~~في البدل غير أن البدل لم يحتج إلى حرف، لأن الثاني هو الأول أو في تقدير ~~ما هو كالأول، و (لكن) للاستدراك أيضا، وهو يقتضي نفيا إما متقدما أو ~~متأخرا كقولك ما جاءني زيد، لكن عمرو، وجاء زيد لكن عمرو لم يأت، وبهذا ~~فارقت بل. وقوله: { بل الله } كان يجوز النصب في (الله) قال الفراء: على ~~معنى أطيعوا الله مولاكم، لأن قبله { إن تطيعوا } ثم أضرب عن الأول وأوجب ~~الثاني بل أطيعوا الله { مولاكم }. والرفع يحتمل أن يكون على الابتداء ~~ومولاكم خبره، ويحتمل أن يكون مولاكم مبتدأ، و (الله) خبره، وقد قدم ~~عليه. ومعنى مولاكم أي هو أولى بطاعتكم ونصرتكم. وقيل معناه وليكم ~~بالنصرة بدلالة قوله: { هو خير الناصرين } والأصل فيه، ولي الشيء الشيء ~~من غير فصل بينه وبينه، فالولاية إيلاء النصرة، ويجوز لأنه يتولى فعل ~~النصرة، وان لم يكله إلى غيره، لأن من فعل شيئا فقد تولى فعله. فان قيل: ~~كيف قال { وهو خير الناصرين } مع أنه لا يعتد بنصر غير الله مع نصرته؟ ~~قيل: معناه إنه إن اعتد بنصرة غير الله فنصرة الله خير منها، لأنه لا ~~يجوز أن يغلب، وغيره يجوز أن يغلب، وان نصر فالثقة بنصرة الله تحصل، ولا ~~تحصل بنصرة غيره. ### || [3.151] # ذكر ابن اسحاق أنه لما نال المسلمين ما نالهم يوم أحد بمخالفة الرماة ~~أمر نبيهم (صلى الله عليه وسلم) وكان من ظهور المشركين عليهم ما كان ~~عرفهم الله عز وجل الحال في ذلك ثم وعدهم بالنصر لهم، والخذلان، لأعدائهم ~~بالرعب. وذكر السدي: أن أبا سفيان وأصحابه هموا بالرجوع بعد أحد لاستئصال ~~المسلمين عند أنفسهم، فالقى الله الرعب في ms0787 قلوبهم حتى انقلبو خائبين ~~عقوبة على شركهم { بالله ما لم ينزل به سلطانا } يعني برهانا. # اللغة، والحجة: # فالسلطان معناه ها هنا الحجة، والبرهان، وأصله القوة، فسلطان الملك ~~قوته. والسلطان: البرهان لقوته على دفع الباطل. والسلطان: التوكيل على ~~المطالبة بالحق، لأنه تقوية عليه، والتسليط على الشيء: التقوية عليه مع ~~الاغراء به. والسلاطة: حدة اللسان مع شدة الصخب للقوة على ذلك مع إثبات ~~فعله: والسليط: الزيت لقوة اشتعاله بحدته. والالقاء حقيقته في الاعيان، ~~كقوله: # وألقى الألواح # واستعمل في الرعب مجازا، ومثل قوله: # وألقيت عليك محبة مني # وقوله: { ومأواهم النار } أي مستقرهم وفي الآية دلالة على فساد التقليد، ~~لأنه لا برهان مع صاحبه على صحة مذهبه، فكل من قال بمذهب لا برهان عليه، ~~فمبطل بدلالة الآية. وقوله: { وبئس مثوى الظالمين } فالمثوى: المنزل، ~~وأصله الثواء، وهو طول الاقامة ثوى يثوي ثواء: إذا طال مقامه وأثواني ~~فلان مثوى أي أنزلني منزلا وربة البيت: أم مثواه. والثوي: الضيف لأنه ~~مقيم مع القوم. وانما قيل لجهنم { بئس مثوى الظالمين } وبئس للذم، كما أن ~~نعم للحمد لامرين: # أحدهما - إن الضرر تنفر منه النفس كما ينفر العقل من القبح فجرى التشبيه ~~على وجه المجاز - هذا قول أبي علي -. وقال البلخي: لأن الذم يجري على ~~النقص كما يجري على القبح حقيقة فيهما، نحو قولهم: الاخلاق المحمودة ~~والاخلاق المذمومة وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # وقد رعبته رعبا أي أفزعته، والاسم الرعب ورعبت الأناء إذا ملأته، فهو ~~مرعوب. ### || [3.152] # المعنى، والقصة: # ذكر ابن عباس، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وابن ~~اسحاق: أن الوعد المذكور كان يوم أحد، لأن المسلمين كانوا يقتلون ~~المشركين قتلا ذريعا حتى أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) بملازمته، فحينئذ حمل خالد بن الوليد من وراء المسلمين، ~~وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا ثم هزموا، وقد نادى مناد ~~قتل محمد ثم من الله على المسلمين، فرجعوا وقويت نفوسهم، ونزل الخذلان ~~بعدوهم، حتى ولوا عنهم، ms0788 ومعنى { تحسونهم } تقتلونهم. # اللغة: # والحس هو القتل على وجه الاستئصال قال جرير: # تحسهم السيوف كما تسامى # حريق النار في أجم الحصيد # وأصله الاحساس. ومنه قوله: # هل تحس منهم من أحد # وقوله: # فلما أحس عيسى منهم الكفر # أي وجده من جهة الحاسة، وحسه يحسه: إذا قتله، لأنه أبطل حسه بالقتل، ~~والتحسس طلب الاخبار. وفي التنزيل: # يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه # وذلك لأنه طلب لهما بحاسة السمع. # والمحسة التي ينفض بها التراب عن الدابة، لأنه يحس بها من جهة حكها ~~لجلدها. # وقوله: { باذنه } معناه بعلمه. ويجوز أن يكون المراد بلطفه، لان أصل ~~الاذن الاطلاق في الفعل، فاللطف تيسر له، كما أن الاذن كذلك إلا أن اللطف ~~تدبير يقع معه الفعل لا محالة اختيارا كما يقع في أصل الاذن اختيارا. # المعنى: # قال أبوعلي قوله: { إذ تحسونهم } يعني يوم بدر { حتى إذا فشلتم } يوم ~~أحد { من بعد ما أراكم ما تحبون } يوم بدر. والأولى أن يكون هذا حكاية عن ~~يوم أحد على ما بيناه. وقوله: { حتى إذا فشلتم } معناه جبنتم عن عدوكم ~~وكعتم { وتنازعتم } في الأمر يعني اختلفتم { من بعد ما أراكم ما تحبون } ~~معناه أنهم أعطوا النصر، فخالفوا في ما قيل لهم من لزوم فم الشعب. ~~واختلفوا، فعوقبوا بأن ديل عليهم في قول الحسن. وقوله: { منكم من يريد ~~الدنيا } أي منكم من قصده الغنيمة في حربكم { ومنكم من يريد الآخرة } أي ~~بثبوته في موضعه بقصده بجهاده إلى ما عند الله في قول ابن مسعود، وابن ~~عباس، والربيع. # الاعراب. والمعنى: # فان قيل أين جواب " حتى إذا "؟ قلنا: فيه قولان: # أحدهما - إنه محذوف، وتقديره امتحنتم. # والآخر - على زيادة الواو والتقديم والتأخير، وتقديره حتى إذا تنازعتم ~~في الأمر، فشلتم - في قول الفراء -، كما قال # فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم # ومعناه ناديناه، والواو زائدة. ومثله # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج... واقترب # ومعناه اقترب. ومثله قوله: # حتى إذا جاؤها وفتحت # وأنشد: # حتى إذا قملت بطونكم # ورأيتم ابناءكم شبوا # قلبتم ظهر المجن لنا # ان ms0789 اللئيم العاجز الخب # والبصريون لايجيزون زيادة الواو ويتأولون جميع ما استشهد به على الحذف ~~لأنه أبلغ في الكلام، وأحسن من جهة الايجاز. # وقوله: { ثم صرفكم عنهم } قيل في إضافة انصرافهم إلى الله مع أنه معصية ~~قولان: # أحدهما - إنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، ~~لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة، فانصرفوا باذن الله بأن التجأوا إلى ~~أحد، لأن الله إنما أوجب ثبات المائة للمئتين فادا نقصوا، لايجب عليهم ~~ذلك. وجاز أن يذكر الفريقين في الجملة بأنه صرفهم، وبأنهم عفا عنهم، ~~ويكون على ما بيناه في التفصيل هذا قول أبي علي. وقال البلخي { ثم صرفكم ~~عنهم } معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم { ليبتليكم } بالمظاهرة في ~~الانعام عليكم، والتخفيف عنكم. وقوله { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على ~~المؤمنين. إذ تصعدون } فاذ تصعدون متعلق بقوله: { ولقد عفا } في قول ~~الزجاج. وقال الجبائي قوله: { ولقد عفا عنكم } خاص لمن لم يعص بانصرافه، ~~والأولى أن يكون عاما في جميعهم، لأنه لا يمتنع أن يكون الله عفا لهم عن ~~هذه المعصية. وقال البلخي: معناه { ولقد عفا عنكم } بتتبعهم بعد أن كان ~~أمرهم بالتتبع لهم، فلما بلغوا حمراء الاسد أعفاهم من ذلك، ولايجوز أن ~~يكون، صرفهم فعل الله، لأنه قبيح والله تعالى لايفعل القبيح. ### || [3.153] # القراءة، والحجة، واللغة، والمعنى: # التقدير اذكروا { إذ تصعدون } ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: { ولقد عفا ~~عنكم.. إذ تصعدون } ، والقراء كلهم على ضم التاء من الاصعاد. وقرأ الحسن ~~بفتح التاء والعين من الصعود، وقيل: الاصعاد في مستوى الارض، والصعود في ~~ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتدأنا السفر منها وكذلك أصعدنا من ~~الكوفة إلى خراسان على قول الفراء، والمبرد، والزجاج. ووجه ذلك أن ~~الاصعاد إبعاد في الارض كالابعاد في الارتفاع، وعلى ذلك تأويل { تصعدون } ~~أي أصعدوا في الوادي يوم أحد عن قتادة، والربيع. وقال ابن عباس والحسن ~~انهم صعدوا في أحد في الجبل فرارا، فيجوز أن يكون ذلك بعد أن أصعدوا في ~~الوادي. وقوله { ولا تلوون على أحد ms0790 } معناه لا تعرجون على أحد. وقوله: { ~~والرسول يدعوكم في أخراكم } قال ابن عباس والسدي، والربيع: إن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) كان يدعوهم، فيقول: ارجعوا أي عباد الله ارجعوا أنا رسول ~~الله. وقوله: { فأثابكم غما بغم } في معناه قولان: # أحدهما - إنه إنما قيل في الغم ثواب، لأن أصله ما يرجع من الجزاء على ~~الفعل طاعة كان أو معصية ثم كثر في جزاء الطاعة كما قال الشاعر: # واراني طربا في إثرهم # طرب الواله أو كالمختبل # فعلى هذا يكون الغم عقوبة لهم على فعلهم، وهزيمتهم. والثاني - أن يكون ~~وضع الشيء مكان غيره كما قال # فبشرهم بعذاب أليم # أي ضعه موضع البشارة، كما قال الشاعر: # أخاف زيادا أن يكون عطاؤه # اداهم سودا او محدرجة سمرا # أراد بقوله سودا قيودا. وقيل في معنى قوله: { غما بغم } قولان: # أحدهما - غما على غم، كما يقال: نزلت ببني فلان وعلى بني فلان. وقال ~~قتادة، والربيع: الغم الأول: القتل والجراح. والثاني: الارجاف بقتل محمد ~~(صلى الله عليه وسلم). # والقول الثاني - غما بغم أي مع غم كما يقال: ما زلت بزيد حتى فعل أي مع ~~زيد. وقال الحسن غما يوم أحد بعد غم يعني يوم بدر. أي كله للاستصلاح وان ~~احتلف الحال. وقال الحسين بن علي المغربي: معنى { غما بغم } يعني غم ~~المشركين بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم على حمراء الاسد، فجعل هذا ~~الغم عوض غم المسلمين بما نيل منهم. وقوله: { لكيلا تحزنوا على مافاتكم } ~~معناه ما فاتكم من الغنيمة { ولا ما أصابكم } من الهزيمة في قول ابن زيد. ~~واللام في قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } يحتمل أن يكون متعلقا ~~بقوله: { عفا عنكم } { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } ويحتمل أن يتعلق ب { ~~أثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من الغنيمة ولا ما أصابكم ~~من الشدة في طاعة الله، لأن ذلك يؤديكم إلى مضاعفة الغم عليكم. # وقوله: { والله خبير بما تعملون } فيه تجديد تحذير بأنه لا يخفى عليه شئ ~~من أعمال العباد. ### || [3.154] # القراءة والمعنى ms0791 والحجة والاعراب والقصة: # قرأ حمزة، والكسائي: تغشى بالتاء الباقون بالياء. فمن قرأ بالتذكير أراد ~~النعاس، ومن أنث أراد الامنة، ومثله # ألم يك نطفة من مني يمنى # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي # بالتاء، والياء. وقرأ أبوعمرو، وحده { إن الأمر كله } بالرفع. الباقون ~~بالنصب، ووجه الرفع أنه على الابتداء، كما قال: # وكل أتوه داخرين # ويكون (لله) خبره، لأنه لما وقع الأمر في الجواب اديت صورته في الاسم ~~ثم جاءت الفائدة في الخبر، ولأنه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) ~~يجوز في (كل) نحو إن الأمر بعضه لزيد. والنصب على أنه تأكيد للامر { ~~وامنة } منصوب، لأنه مفعول به، ونعاسا بدلا منه، والنعاس هو الامنة. # وهذه الأمنة التي ذكرها الله في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبد ~~الرحمن ابن عوف وأبي طلحة، والزبير بن العوام، وقتادة، والربيع، وكان ~~السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين ~~للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين، فناموا دون المنافقين ~~الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء ~~الظن، فطير عنهم النوم على ما ذكره ابن اسحاق وابن زيد، وقتادة، والربيع. ~~وقوله: { يغشى طائفة منكم } يعني النعاس يغشى المؤمنين { وطائفة قد ~~أهمتهم } القراء على الرفع. والواو واو الحال كأنه قال: يغشى النعاس ~~طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. ورفعه بالابتداء، والخبر يظنون، ~~ويصلح أن يكون الخبر { قد أهمتهم أنفسهم } والجملة في موضع الحال. ولا ~~يجوز النصب على أن يجعل واو العطف كما تقول ضربت زيدا وعمرا كلمته. ~~والتقدير وأهمت طائفة أهمتهم أنفسهم. # المعنى: # وقوله: { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن أخرجنا كرها، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا. وذلك ~~من قبل عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير على قول الزبير بن ~~العوام، وابن جريج. # والآخر - أي ليس لنا من الظفر شيء كما وعدنا على وجه التكذيب بذلك { ~~يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ms0792 لك } أي من الشك، والنفاق، وتكذيب الوعد ~~بالاستعلاء على أهل الشرك ذكره الجبائي. وقوله: { وليبتلي الله ما في ~~صدوركم } يحتمل أمرين: # أحدهما - ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لكم مظاهرة في العدل عليكم ~~وإخراج مخرج كلام المختبر لهذه العلة، لأنه تعالى عالم بالاشياء قبل ~~كونها، فلا يبتلي ليستفيد علما. # والثاني - ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم إلا أنه اضيف الابتلاء إلى ~~الله عز وجل تفخيما لشأنه. وقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم } يحتمل أمرين: أحدهما - لوتحلتفتم لخرج منكم ~~الذين كتب عليهم القتل ولم يكن لينجيه قعودكم - عن أبي علي -. # الثاني - لوتخلفتم لخرج المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم ذكره البلخي، ولا ~~يوجب ذلك أن يكون المشركون غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله ~~منهم ذلك، وكتبه، لأنه كما علم أنهم لا يختارون ذلك بسوء اختيارهم علم ~~انهم قادرون. ولو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا ~~يفعله وذلك كفر بالله. ### || [3.155] # المعنى، واللغة: # روي عن عمر بن الخطاب، وقتادة، والربيع: ان المعني بالمتولي في هذه ~~الآية هم الذين ولوا الدبر عن المشركين بأحد. وقال السدي: هم الذين هربوا ~~إلى المدينة في وقت الهزيمة. وقوله: { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا } قيل في الكسب الذي أداهم إلى الفرار الذي اقترفوه قولان: # أحدهما - محبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة، وفي ذلك الوجه عما ~~يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الأمور على قول الجبائي. # والثاني - ذكره الزجاج، استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم، فكرهوا القتل قبل ~~اخلاص التوبة منها، والخروج من المظلمة فيها. وقوله: { ولقد عفا الله ~~عنهم } يحتمل أمرين: # أحدهما - قال ابن جريج، وابن زيد: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة به، ~~ليدل على عظم تلك المعصية. # والآخر - عفا لهم تلك الخطيئة ليدل على أنهم قد أخلصوا التوبة. وقوله: { ~~إن الله غفور رحيم } فحلمه تعالى عنهم هو امهاله بطول المدة بترك ~~الانتقام مع ما فعل بهم من ضروب الانعام. # وأصل الحلم ms0793 الاناة، وهي ترك العجلة، فالامهال بفعل النعمة بدلا من ~~النقمة كالاناة بترك العجلة. ومنه الحلم في النوم، لأن حال السكون والدعة ~~كحال الاناة. ومنه الحلمة: رأس الثدي، لخروج اللبن الذي يحلم الصبي. # وذكر البلخي أن الذين بقوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد فلم ~~ينهزموا ثلاثة عشر رجلا: خمسة من المهاجرين: علي (ع) وأبو بكر، وطلحة، ~~وعبد الرحمن ابن أبي عوف، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الانصار. فعلي ~~وطلحة، لا خلاف فيهما. والباقون فيهم خلاف. وأما عمر، فروي عنه أنه قال: ~~رأيتني أصعد في الجبل كأني أروى. وعثمان انهزم، فلم يرجع إلا بعد ثلاثة ~~[أيام] فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): لقد ذهبت فيها عريضة. وفي ~~الآية دليل على فساد قول المجبرة: من أن المعاصي من الله، لأنه تعالى نسب ~~ذلك في الآية إلى استزلال الشيطان. ### || [3.156] # المعنى، واللغة، والاعراب: # هذا خطاب متوجه إلى المؤمنين الذين نهاهم الله أن يكونوا مثل الذين ~~كفروا، وقالوا لأخوانهم، وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه - في قول ~~السدي ومجاهد -: { إذا ضربوا في الأرض } أي سافروا فيها لتجارة أو طلب ~~معيشة - في قول ابن اسحاق، والسدي -، فأصله الضرب باليد. وقيل الأصل في ~~الضرب في الارض الا يغال في السير { أو كانوا غزى } أي جمع غاز كما ~~قالوا: شاهد وشهد، وقائل وقول، قال رؤبة: # فاليوم قد نهنهني تنهنهي # وأول حلم ليس بالمسفه # وقول: الاده فلاده # ويجوز فيه غزاة كقاض، وقضاة. وغزاء ممدود كمخارب وخراب، وكاتب وكتاب. ~~ويجوز { قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض، } ولايجوز اكرمتك إذا زرتني ~~على أن توقع إذا موضع إذ، لأمرين: # أحدهما - لأنه متصل ب { لا تكونوا } كهؤلاء إذا ضرب اخوانكم في الأرض. # الثاني - لأن (الذي) إذا كان مبهما غير موقت يجري مجرى ما في الجزاء، ~~فيقع الماضي فيه. وقع المستقبل، نحو # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله # معناه يكفرون، ويصدون. ومثله # إلا من تاب وآمن # معناه إلا من يتوب. ومثله كثير. ويجوز لأكرمن الذي أكرمك ms0794 إذا زرته، ~~لابهام الذي، ولايجوز لأكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته، لتوقيت الذي من ~~أجل الاشارة إليه بهذا ولأنه دخله معنى كلما ضربوا في الأرض، فلا يصح على ~~هذا المعنى إلا باذا دون إذ قال الشاعر: # واني لآتيكم تشكر ما مضى # من الأمر واستيجاب ما كان في غد # أي ما يكون في غد، وهذا قول الفراء واللام في قوله: { ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم } متعلقة ب { لا تكونوا } كهؤلاء الكفار في هذا القول ~~منهم، { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } دونكم. # والثاني - قالوا ذلك ليجعله حسرة على لام العاقبة - وهذا قول أبي علي - ~~والحسرة عليهم في ذلك من وجهين: # أحدهما - الخيبة فيما أملوا من الموافقة لهم من المؤمنين، فلما لم ~~يقبلوا منهم، كان ذلك حسرة في قلوبهم. # والآخر - ما فاتهم من عز الظفر والغنيمة. وقوله: { والله يحيي ويميت } ~~معناه ها هنا الاحتجاج على من خالف أمر الله في الجهاد طلبا للحياة، ~~وهربا من الموت، لأن الله تعالى إذا كان هو الذي يحيي ويميت لم ينفع ~~الهرب من أمره بذلك خوف الموت، وطلب الحياة { والله بما يعملون بصير } أي ~~مبصر. ويحتمل أن يكون بمعنى عليم. وفيه تهديد، لأن معناه أن الله يجازي ~~كلا منهم بعمله ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا. ### || [3.157] # المعنى، والاعراب: # إن قيل كيف قال: { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } مع تفاوت ما ~~بينهما ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الانسان للدرة خير من البعرة؟! قيل: ~~إنما جاز ذلك لأن الناس يؤثرون حال الدنيا على الآخرة حتى أنهم يتركون ~~الجهاد في سبيل الله محبة للدنيا، والاستكثار منها، وما جمعوا فيها. # فان قيل أين جواب الجزاء ب (إن)؟ قيل: استغني عنه بجواب القسم في قوله: ~~{ لمغفرة من الله ورحمة خير } وقد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى ~~جواب، فكان جواب القسم أولى بالذكر - لأن له صدر الكلام - مما يذكر في ~~حشوه. # فان قيل: لم شرط { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } وهو خير ms0795 كيف ~~تصرفت الحال؟ قلنا: لأنه لا يكون { لمغفرة } بالتعرض للقتل في سبيل الله ~~خيرا من غير أن يقع التعرض لذلك لاستحالة استحقاقها بما لم يكن منه، ~~لأنه لم يفعل. # فان قيل: لم جاز جواب القسم مع الماضي في الجزاء دون المستقبل في نحو ~~قولهم لئن قتلتم لمغفرة خير؟ قلنا: لأن حرف الجزاء إذا لم يعمل في الجواب ~~لم يحسن أن يعمل في الشرط، لأن إلغاءه من أحدهما يوجب ألغاءه من الآخر ~~كما أن اعماله في أحدهما يوجب اعماله في الآخر لئلا يتنافر الكلام ~~بالتفاوت. # فان قيل: لم أعملت (ان) ولم تعمل (لو) وكل واحدة منهما تعقد الفعل ~~بالجواب؟ قلنا: لأن (ان) تنقل الفعل نقلين إلى الاستقبال، والجزاء، وليس ~~كذلك (لو) لأنها لما مضى. # ان قيل: كيف وجب بالتعرض للقتل المغفرة وإنما تجب بالتوبة؟ قلنا: لأنه ~~يجب به تكفير الصغيرة مع أنه لطف في التوبة من الكبيرة. ومعنى الآية أن ~~المنافقين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد، على ما تقدم شرحه في هذه ~~السورة فبين الله تعالى لو انكم إن قتلتم أو متم من غير أن تقتلوا { ~~لمغفرة من الله ورحمة } تنالونهما { خير مما يجمعون } من حطام الدنيا، ~~والبقاء فيها، وانتفاعكم في هذه الدنيا، لأن جميع ذلك إلى زوال. ### || [3.158] # اللغة، والاعراب،، والمعنى: # اللام في قوله: { ولئن متم أو قتلتم } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون خلفا من القسم، ويكون اللام في قوله: { لإلى الله } ~~جوابا كقولك: والله ان متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله. # والثاني - أن تكون مؤكدة لما بعدها، كما تؤكد (ان) ما بعدها، وتكون ~~الثانية جوابا لقسم محذوف، والنون مع لام القسم في فعل المضارع لابد ~~منها، لأن القسم أحق بالتأكيد من كلما تدخله النون من جهة أن ذكر القسم ~~دليل أنه من مواضع التأكيد فاذا جازت في غيره من الأمر، والنهي، ~~والاستفهام، والعرض، والجزاء مع ما اذ كان ذكرالقسم قد أنبأ أنه من مواضع ~~التأكيد، لزمت فيه، لأنه أحق بها من غيره. والفرق بين لام القسم ولام ~~الابتداء: أن ms0796 لام الابتداء تصرف الاسم إليه، فلا يعمل فيه ما قبلها نحو ~~(قد علمت لزيد خير منك) (وقد علمت بأن زيدا ليقدم). وليس كذلك لام ~~القسم، لأنها لا تدخل على الاسم، ولا تكسر لها لام (إن) نحو قد علمت ان ~~زيدا ليقومن، ويلزمها النون في المستقبل. والفرق بين (أو) و (أم) أن ~~(أم) استفهام، وفيها معادلة الالف نحو (أزيد في الدار أم عمرو) وليس ذلك ~~في (أو) ولهذا اختلف الجواب فيهما، فكل في (أم) بالتعيين وفي (أو) ب ~~(نعم) أو (لا) # ومعنى الآية الحث على الجهاد وترك التقاعد. ويقال أن الله يحشر العباد ~~ليجزي كل واحد على ما يستحقه: المحسن على احسانه والمسيء على اساءته سواء ~~قتل أو مات كيف تصرفت به الحال. ### || [3.159] # الاعراب والمعنى: # قوله: { فبما رحمة من الله } معناه فبرحمة، وما زائدة باجماع المفسرين ~~ذهب إليه قتادة، والزجاج، والفراء وجميع أهل التأويل. ومثله قوله: { عما ~~قليل ليصبحن نادمين } فجاءت (ما) مؤكدة للكلام وسبيل دخولها لحسن النظم، ~~كدخولها لاتزان الشعر، وكل ذلك تأكيد ليتمكن المعنى في النفس، فجرى مجرى ~~التكرير. قال الحسن بن علي المغربي عندي أن معنى (ما) أي وتقديره فبأي ~~رحمة من الله، وهذا ضعيف. ورحمة مجرورة بالباء، ولو رفعت كان جائزا على ~~تقدير فيما هو رحمة. والمعنى ان لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين، لأنك ~~تأتيهم بالحجج والبراهين مع لين خلق. # اللغة، والمعنى: # وقوله: { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } فالفظ الجافي، ~~والغليظ القلب القاسي، يقال فيه فظظت تفظ فظاظة، فأنت فظ، وهو على وزن ~~فعل إلا أنه ادغم كضب. وأصل الفظاظة الجفوة. ومنه الفظاظة. ومنه الفظاظ: ~~خشونة الكلام. والافتظاظ: شرب ماء الكرش لجفائه على الطباع. # وقوله: { فظا غليظ القلب } انما جمع بين الصفتين مع اتفاقهما في ~~المعنى، لازالة التوهم أن الفظاظة في الكلام دون ما ينطوي عليه القلب من ~~الحال، وهو وجه من وجوه التأكيد إذ يكون لازالة الغلط في التأويل، ~~ولتمكين المعنى في النفس بالتكرير، ومايقوم مقامه. # وقوله: { وشاورهم في الأمر ms0797 } أمر من الله تعالى لنبيه أن يشاور أصحابه ~~يقال شاورت الرجل مشاورة وشوارا وما يكون عن ذلك اسمه المشورة. وبعضهم ~~يقول المشورة. وفلان حسن الشورة، والصورة أي حسن الهيئة واللباس وإنه ~~لشير صير، وحسن الشارة، والشوار: متاع البيت. ومعنى شاورت فلانا أي ~~أظهرت ما عندي في الرأي، وما عنده. وشرت الدابة أشورها: إذا امتحنتها ~~فعرفت هيئتها في سيرها. وقيل في وجه مشاورة النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد ثلاثة أقوال: # أحدها - قال قتادة، والربيع، وابن اسحاق أن ذلك على وجه التطييب ~~لنفوسهم، والتألف لهم، والرفع من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله: " ~~ويرجع إلى رأيه ". # والثاني - قال سفيان بن عيينه: وجه ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ولا ~~يرونها منزلة نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم. # الثالث - قال الحسن، والضحاك: انه للامرين، لاجلال الصحابة واقتداء ~~الأمة به في ذلك. وأجاز أبو علي الجبائي: أن يستعين برأيهم في بعض أمور ~~الدنيا. وقال قوم: وجه ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح في مشورته من الغاش ~~النية. # وقوله: { فاذا عزمت فتوكل على الله } فالتوكل على الله هو تعويض الأمر ~~إليه للثقة بحسن تدبيره، وأصله الاتكال. وهو الاكتفاء في فعل ما يحتاج ~~إليه بمن يسند إليه. ومنه الوكالة، لأنها عقد على الكفاية بالنيابة ~~والوكيل هو المتكل عليه بتفويض الأمر إليه. وقوله: { إن الله يحب ~~المتوكلين } معناه يريد ثوابهم على توكلهم واسنادهم أمورهم إلى الله ~~تعالى. ### || [3.160] # المعنى: # معنى هذه الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة، والتحذير ~~من معصيته التي يستحق بها خذلانه مع ايجاب التوكل عليه الذي يؤمن معه أن ~~يكلهم إلى أنفسهم فيهلكوا، ولأنه إذا نصرهم الله فلا أحد يقدر على ~~مغالبته، وإذا خذلهم فلا أحد يقدر على نصرتهم بعده. و (من) في قوله: { ~~فمن ذا الذي ينصركم من بعده } معناها التقرير بالنفي في صورة الاستفهام ~~أي لا ينصركم أحد من بعده، كما تقول من يعد لك إن فسقك الامام. وإنما ms0798 ~~تضمن حرف الاستفهام معنى النفي، لأن جوابه يجب أن يكون بالنفي، فصار ذكره ~~يغني عن ذكر جوابه. وكان أبلغ لتقرير المخاطب فيه. قال أبو علي الجبائي: ~~وفي الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين لم ينصره الله، ~~لأنه لو نصره لما غلبوه، وذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد من ~~تعريض المؤمنين لمنازل الأبرار بالصبر على الجهاد مع خوف القتل من حيث لم ~~يجعل على أمان من غلبة الفجار، وهذا إنما هو في النصر بالغلبة، فاما ~~النصر بالحجة، فان الله تعالى نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق ~~بما نصب لهم من الأدلة الواضحة والبراهين النيرة، ولولا ذلك لما حسن ~~التكليف. قال البلخي: المؤمنون منصورون أبدا إن غلبوا، فهم المنصورون ~~بالغلبة، وان غلبوا، فهم المنصورون بالحجة. قال الجبائي: والنصر بالغلبة ~~ثواب، لأنه لا يجوز أن ينصر الله الظالمين من حيث لا يريد استعلاءهم ~~بالظلم على غيرهم. وقال ابن الاخشاد: ليس بثواب كيف تصرفت الحال، لأن ~~الله قد أمرنا أن ننصر الفئة المبغي عليها. وقال البلخي لا يجوز أن ينصر ~~الله الكافر على وجه. فأما الخذلان فعقاب بلا خلاف. والخذلان هو الامتناع ~~من المعونة على العدو في وقت الحاجة إليها، لأنه لو امتنع إنسان من معونة ~~بعض الملوك على عدوه مع استغنائه عنها لم يكن خاذلا، وكذلك سبيل المؤمن ~~المغلوب في بعض الحروب ليس يحتاج إلى المعونة مع الاستفساد بها بدلا من ~~الاستصلاح، فلذلك لم يكن ما وقع به على جهة الخذلان. ### || [3.161] # القراءة، والمعنى، والحجة، والنزول، واللغة: # قرأ ابن كثير وابن عمرو، وعاصم { يغل } بفتح الياء وضم الغين. الباقون ~~بضم الياء وفتح الغين. فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه ما كان لنبي ~~أن يخون يقال من الغنيمة غل يغل: إذا خان فيها. ومن الخيانة أغل يغل قال ~~النمر بن تولب: # جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل # جزاء مغل بالامانة كاذب # بما سألت عني الوشاة ليكذبوا # علي وقد أوليتها في النوائب # [ويقال من] الخيانة غل ms0799 يغل، ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين أراد، وما كان ~~لنبي أن يخون أي ينسب إليه الخيانة. ويحتمل أن يكون أراد ما كان لنبي أن ~~يخان بمعنى يسرق منه. ويكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب. قال أبو علي ~~الفارسي: لا يكاد يقال: ما كان لزيد أن يضرب، فهذه حجة من قرأ بفتح ~~الياء. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: سبب نزول هذه الآية أن قطيفة حمراء ~~فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم لعل النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~أخذها. وقال الضحاك إنما لم يقسم للطلائع من المغنم، فعرفه الله الحكم. ~~وروي عن الحسن أنه قال: معنى يغل يخان. وقال بعضهم: هذا غلط، لأنه لا ~~يجوز أن يخان أحد نبيا كان أو غيره، فلا معنى للاختصاص. وهذا الطعن ليس ~~بشيء لأن وجه اختصاصه بالذكر لعظم خيانته على خيانة غيره، كما قال: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # وإن وجب اجتناب جميع الارجاس، وقد يجوز أن يخص النبي بالذكر، لأنه ~~القائم بأمر الغنائم، فيكون بمنزلة ما كان لأحد أن يغل. وأصل الغلول هو ~~الغلل، وهو دخول الماء في خلل الشجر تقول: الغل الماء في أصول الشجر ينغل ~~الغلالا، فالغلول الخيانة، لأنها تجري في الملك على خفى من غير الوجه ~~الذي يحل كالغلل، وانما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة، لأنه يجري إليها ~~بسهولة، لأنها مع عقد الامانة. ومنه الغل الحقد، لأن العداوة تجري به في ~~النفس كالغلل. ومنه الغل. ومنه الغليل: حرارة العطش. والغلة، لأنها تجري ~~في الملك من جهات مختلفة، والغلالة، لأنها شعار تحت. البدن والغلالة ~~مسمار الدرع. وقوله: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - يأتي به حاملا له على ظهره، كما روي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه كان إذا غنم مغنما بعث مناديا ألا لا يغلن أحد مخيطا فما ~~دونه، ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره له رغاء، ألا لا يغلن ~~أحد فرسا فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حمحمة ms0800 - في قول ابن عباس، ~~وأبي هريرة وأبي حميد الساعدي، عبدالله بن انيس وابن عمر، وقتادة - وذلك ~~ليفضح به على رؤوس الاشهاد. قال البلخي: يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على ~~وجه المثل كأن الله تعالى إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون ~~حاملا له وله صوت. # الثاني - يأتي به يوم القيامة، لأنه لم يكفر عنه، كما تكفر الصغائر، فهو ~~يعاقب عليه. # وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى لو عذب الأنبياء ~~والمؤمنين لم يكن ظلما لهم، لأنه قد بين أنه لو لم يوفها ما كسبت، لكان ~~ظلما لها. ### || [3.162] # المعنى، والنزول: # قيل. في معنى الآية ثلاثة أقوال: # أحدها - قال الحسن، والضحاك معناها، أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ~~كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وهو اختيار الطبري قال: لأنه أشبه ~~بما تقدم. # الثاني - قال ابن اسحاق { أفمن اتبع رضوان الله } في العمل بطاعته على ~~ما كره الناس { كمن باء بسخط من الله } في العمل بمعصيته على ما أحبوا. # الثالث - قال الزجاج، وأبو علي: { أفمن اتبع رضوان الله } بالجهاد في ~~سبيله { كمن باء بسخط من الله } بالفرار منه رغبة عنه. # وسبب نزولها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أمر بالخروج إلى أحد قعد ~~عنه جماعة من المنافقين، فأنزل الله فيهم هذه الآية. # اللغة: # { ورضوان الله } - بكسر الراء وضمها - لغتان، وقرأ بالضم حفص عن عاصم ~~على ما حكيناه عنه، فالضم على وزن الكفران. والكسر على وزن حسبان. وباء ~~معناه رجع تقول: باء بذنبه يبوء بوءا إذا رجع به. وبوأته منزلا أي ~~هيأته، لأنه يرجع إليه، لأنه مأواه. والبواء قتل الجاني بمن قتله. والسخط ~~من الله من هو إرادة العقاب بمستحقه، ولعنه وهو مخالف للغيظ، لأن الغيظ ~~هو هيجان الطبع وانزعاج النفس، ولا يجوز اطلاقه على الله تعالى. والمصير: ~~هو المرجع. والفرق بينهما أن المرجع هو انقلاب الشيء إلى حال قد كان ~~عليها. والمصير: انقلاب الشيء إلى خلاف الحال التي هو عليها نحو مصير ms0801 ~~الطين خزفا، ولم يرجع خزفا، لأنه لم يكن قبل ذلك حزفا، فأما مرجع ~~الفضة خاتما فصحيح، لأنه قد كان قبل خاتما وأما مرجع العباد إلى الله، ~~فلأنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا، كما كانوا قبل ما ~~ملكوا. ### || [3.163] # المعنى: # قيل معنى قوله: { هم درجات عند الله } أن تقديره المؤمنون ذووا درجة ~~رفيعة عند الله. والكفار ذووا درجة خسيسة. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - اختلاف مراتب كل فريق من أهل الثواب، والعقاب، لأن النار أدراك ~~لقوله: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار # والجنة طبقات بعضها أعلى من بعض، كما روي أن أهل الجنة ليرون أهل عليين، ~~كما يرى النجم في أفق السماء. # والثاني - اختلاف مرتبتي أهل الثواب، والعقاب بما لهؤلاء من النعيم، ~~والكرامة ولأولئك من العذاب والمهانة. وعبر عن ذلك بدرجات مجازا. فان ~~قيل كيف قال: { هم درجات } وانما لهم درجات قيل، لأن اختلاف أعمالهم قد ~~ميزهم بمنزلة المختلفي الذوات كاختلاف مراتب الدرجات لتبعيدهم من استواء ~~الاحوال، فجاء هذا على وجه التجوز، كما قال ابن هرمة - انشده سيبويه -: # أنصب للمنية تعتريهم # رجالي أم هم درج السيول # وقوله: { والله بصير بما يعملون } معناه عليم. وفيه تحذير من أن يتكل ~~على الاسرار في الأعمال ظنا بأن ذلك يخفى على الله، لأن أسرار العباد ~~عند الله علانية. وفيه توثيق بأنه لا يضيع للعامل لربه شيء لأنه لا يخفى ~~عليه جميعه. # اللغة، والحجة: # وأصل الدرجة الرتبة، فمنه الدرج، لأنه يطوى رتبة بعد رتبة يقال: أدرجه ~~إدراجا. والدرجان مشي الصبي لتقارب الرتب، درج يدرج درجا ودرجانا. ~~والدرج معروف. والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة ~~كالدرجة المعروفة. فان قيل هلا كان القرآن كله حقيقة، ولم يكن فيه شيء من ~~المجاز، فان الحقيقة أحسن من المجاز؟ قلنا: ليس الأمر على ذلك فان المجاز ~~في موضعه أولى، وأحسن من الحقيقة لما فيه من الايجاز من غير اخلال بمعنى، ~~وهي المبالغة بالاستعارة التي لا تنوب منابها الحقيقة، لأن قولهم إذ هو ~~الشمس ms0802 ضياء أبلغ في النفوس من قولهم هو كالشمس ضياء، كذلك الجزاء بالجزاء ~~أحسن من الجزاء بالابتداء، لأنه أدل على تقابل المعنى بتقابل اللفظ، ~~فكذلك { هم درجات } أولى وأبلغ من هم أهل درجات، للايجاز من غير اخلال. ### || [3.164] # اللغة، والمعنى: # قوله: { لقد من الله } معناه أنعم الله. وأصل المن القطع. منه يمنه ~~منا: إذا قطعه. # ولهم أجر غير ممنون # أي غير مقطوع. والمن النعمة، لأنه يقطع بها عن البلية. ويقول القائل: من ~~علي بكذا أي استنقذني به مما أنا فيه. والمن تكدير النعمة، لأنه قطع لها ~~عن وجوب الشكر عليها. والمنة القوة، لأنه يقطع بها الاعمال. وفي تخصيص ~~المؤمن بذكر هذه النعمة وإن كانت نعمة على جميع المكلفين قيل فيه من حيث ~~أنها على المؤمنين أعظم منها على الكافرين، لأنها نعمة عليهم من حيث هي ~~نفع في نفسها. وفيما يؤدي إليه من الايمان بها، والعمل بما توجبه ~~أحكامها، فالمؤمن يستحق اضافتها إليه من وجهين، لما بيناه من حالها، ~~ونظائر ذلك قد بيناه مثل قوله: { هدى للمتقين } وغير ذلك وإنما أضافه إلى ~~المتقين من حيث أنهم المنتفعون بها دون غيرهم. وقوله: { إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - من أنفسهم ليكون ذلك شرفا لهم، فيكون ذلك داعيا لهم إلى ~~الايمان. # الثاني - من أنفسهم، لسهولة تعلم الحكمة عليهم، لأنه بلسانه. # الثالث - من أنفسهم، ليتيسر عليهم علم أحواله من الصدق والأمانة والعفة ~~والطهارة. وقال الزجاج: من عليهم إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم من ~~الأميين، لا يتلو كتابا ولا يخط بيمينه، فنشأ بين قوم يخبرونه ويعرفونه ~~بالصدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتابا ولا لقنه، فتلا عليهم أقاصيص الأمم ~~السالفة، فكان ذلك من أدل دليل على صدقة فيما أتى به. وقوله: { يتلو ~~عليهم آياته } معناه يقرأ عليهم ما أنزله عليه من آيات القرآن { ويزكيهم ~~} يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها - يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين، فيصيروا بهذه المنزلة الرفيعة ~~في الخلق. # الثاني - يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين سالكين سبيل المهتدين. # الثالث ms0803 - قال الفراء يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها. وقوله: { ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة } يعني القرآن، وهو الحكمة. وإنما كرره بواو ~~العطف لأمرين: # أحدهما - قال قتادة: الكتاب القرآن، والحكمة السنة. # والثاني - لاختلاف فائدة الصفتين، وذلك أن الكتاب ذكر للبيان أنه مما ~~يكتب ويخلد ليبقى على الدهر، والحكمة البيان عما يحتاج إليه من طريق ~~المعرفة. # وقوله: { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } يعني أنهم كانوا كفارا. ~~وكفرهم هو ضلالهم فأنقذهم الله بالنبي (صلى الله عليه وسلم). ### || [3.165] # المعنى: # إنما دخلت الواو في { أولما أصابتكم } لعطف جملة على جملة إلا أنه ~~تقدمها ألف الاستفهام، لأن له صدر الكلام. وإنما اتصل الواو الثاني ~~بالأول ليدل على تعلقه به في المعنى، وذلك أنه وصل التقريع على الخطيئة ~~بالتذكير بالنعمة لفرقة واحدة. والمصيبة التي أصابت المسلمين هو ما ~~أصابهم يوم أحد، فانه قتل منهم سبعون رجلا وكانوا هم أصابوا من المشركين ~~يوم بدر مثليها، فانهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين وأسروا منهم سبعين ~~في - قول قتادة، والربيع، وعكرمة، والسدي - فقال الزجاج: لأنهم أصابوا ~~يوم أحد منهم مثلهم، ويوم بدر مثلهم، فقد أصابوا مثليهم. وهذا ضعيف، لأنه ~~خلاف لأهل السير، لأنه لا خلاف أنه لم يقتل من المشركين مثل من قتل من ~~المسلمين بل قتل منهم نفر يسير، فحمله على ما قاله ترك الظاهر. وقوله: ~~حكاية عن المسلمين { أنى هذا } أي من أين هذا. # وقوله: { قل هو من عند أنفسكم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال قتادة، والربيع: لأنهم اختلفوا في الخروج من المدينة للقتال ~~يوم أحد وكان دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يتحصنوا بها ~~ويدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا كنا نمتنع من ذلك في ~~الجاهلية، ونحن في الاسلام، وأنت يا رسول الله نبينا أحق بالامتناع وأعز. # والثاني - روي عن علي (ع) وعبيدة السلماني أن الحكم كان في أسرى بدر ~~القتل، فاختاروا هم الفداء، وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في ~~القابل بعدتهم، فقالوا رضينا بذلك، فانا نأخذ الفداء وننتفع ms0804 به. وإذا قتل ~~منا فيما بعد كنا شهداء. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). # الثالث - لخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~من ملازمة موضعهم. وقوله: { إن الله على كل شيء قدير } معناه ها هنا أنه ~~على كل شيء قدير يدبركم بأحسن التدبير من النصر مع طاعتكم وتركه مع ~~المخالفة إلى ما وقع به النهي، وهذا جواب لقوله: { أنى هذا } وقد تقدم ~~الوعد بالنصرة، وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة: بان المعاصي كلها ~~من فعل الله، لأنه تعالى قال { قل هو من عند أنفسكم } ولو لم يكن فعلوه، ~~لما كان من عند أنفسهم كما أنه لو فعله الله، لكان من عنده. ### || [3.166] # المعنى: # قوله: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان } يعني يوم أحد وما دخل عليهم من ~~المصيبة بقتل من قتل من المؤمنين. وقوله: { فبإذن الله } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - بعلم الله. ومنه قوله: # فأذنوا بحرب من الله # معناه اعلموا ومنه قوله: # وآذان من الله # أي إعلام. ومنه # ءاذناك ما منا من شهيد # يعني أعلمناك. # الثاني - أنه بتخلية الله التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع ~~الموانع، والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف. ولا يجوز أن يكون ~~المراد به بأمر الله، لأنه خلاف الاجماع، لأن أحدا لا يقول: إن الله ~~يأمر المشركين بقتل المؤمنين، ولا انه يأمر بشيء من القبائح، ولأن الأمر ~~بالقبيح قبيح، لا يجوز أن يفعله الله تعالى. ويمكن أن يحمل مع تسليم أنه ~~بأمر الله بأن يكون ذلك مصروفا إلى المنهزمين المعذورين بعد اخلال من ~~أخل بالشعب، وضعفهم عن مقاومة عدوهم، وان حمل على الجميع أمكن أن يكون ~~ذلك بعد تفرقهم وتبدد شملهم وانفساد نظامهم، لأن عند ذلك أذن الله في ~~الرجوع وألا يخاطروا بنفوسهم وقوله: { وليعلم المؤمنين } ليس معناه أن ~~الله يعلم عند ذلك ما لم يكن عالما به، لأنه تعالى عالم بالاشياء قبل ~~كونها وإنما معناه، وليتميز المؤمنون من المنافقين إلا أنه أجرى على ~~المعلوم لفظ العلم مجازا ms0805 على المظاهرة في المجازاة بالقول على ما يظهر ~~من الفعل من جهة أنه ليس يعاملهم بما في معلومه أنه يكون منهم إن بقوا، ~~بل يعاملهم معاملة من كأنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يظهر. ليكونوا على ~~غاية الثقة بأن الله إنما يجازي بحسب ما وقع من الاحسان أو الاساءة. # فان قيل: هل يجوز أن يقول القائل: المعاصي تقع باذن الله، كما قال: { ما ~~أصابكم } من ايقاع المشركين بكم { بإذن الله }؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأن ~~الله تعالى إنما خاطبهم بذلك على وجه التسلية للمؤمنين، فدل ذلك على أن ~~الاذن المراد به التمكين ليتميزوا بظهور الطاعة منهم. وليس كذلك قولهم: ~~المعاصي باذن الله، لأنه لما عري من تلك القرينة صار بمعنى اباحة الله، ~~والله تعالى لا يبيح المعاصي، لأنها قبيحة، ولأن إباحتها تخرجها من معنى ~~المعصية. والفاء انما دخلت في قوله: { فبإذن الله } لأن خبر (ما) التي ~~بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء، لأنه معلق بالفعل في الصلة كتعليقه بالفعل ~~في الشرط، كقولك الذي قام فمن أجل أنه كريم أي، لأجل قيامه صح أنه كريم. ~~ومن أجل كرمه قام. وقد قيل أن (ما) هي بمعنى الجزاء، ولا يصح ها هنا لأن ~~الفعل بمعنى المضي. ### || [3.167] # المعنى: # قوله: { وليعلم الذين نافقوا } عطف على قوله: { وليعلم المؤمنين } وقيل ~~في خبر ليعلم قولان: # أحدهما - أنه مكتف بالاسم، لأنه بمعنى ليعرف المنافقين. # والثاني - أنه محذوف، وتقديره: وليعلم المنافقين متميزين من المؤمنين. ~~وقوله: { وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله } روي أن القائل لهم ذلك ~~كان عبد الله بن عمرو بن خزام يذكرهم الله ويحذرهم أن يخذلوا نبيه عند ~~حضور عدوه - في قول ابن اسحاق والسدي - وقوله: { أو ادفعوا } قيل في ~~معناه قولان: # أحدهما - قال السدي، وابن جريج: ادفعوا بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا ~~معنا. # الثاني - قال ابن عون الانصاري: معناه رابطوا بالقيام على الخيل إن لم ~~تقاتلوا معنا. وقوله: { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } قال ابن اسحاق، ~~والسدي ان القائل لذلك عبد الله بن أبي ms0806 بن سلول، انخزل يوم أحد بثلاثمائة ~~نفس، قال لهم علام نقتل أنفسنا ارجعوا بنا، وقالوا للمؤمنين لا يكون ~~بينكم قتال، ولو علمنا أنه يكون قتال لخرجنا معكم وأضمروا في باطنهم ~~عداوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمؤمنين، فقال الله تعالى: { هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان } لأنهم بهذا الاظهار إلى الكفر أقرب منهم ~~للايمان إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الايمان أقرب حتى هتكوا ~~أنفسهم عند من كانت تخفى عليه حالهم من المؤمنين الذين كانوا يحسنون الظن ~~بهم، وليس المراد أن بينهم وبين المؤمنين قربا يوجب دخول لفظة أفعل ~~بينهم. وانما هو مثل قول القائل: - وهو صادق - لمن هو كاذب: أنا أصدق ~~منك، وإن لم يكن بينهما مقاربة في الصدق. وقوله: { يقولون بأفواههم ما ~~ليس في قلوبهم } انما ذكر الأفواه، وإن كان القول لا يكون إلا بالأفواه ~~لامرين: # أحدهما - للتأكيد من حيث يضاف القول إلى الانسان على جهة المجاز، فيقال: ~~قد قال كذا: إذا قاله غيره ورضي به، وكذلك # يكتبون الكتاب بأيديهم # أي يتولونه على غير جهة الأمر به. # والثاني - لأنه فرق بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب. # وقوله: { والله أعلم بما يكتمون } يعني أعلم من الكافرين الذين قالوا: ~~لا يكون قتال، وما كتموه في نفوسهم من النفاق. ### || [3.168] # الاعراب: # موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: # أحدها - أن يكون نصبا على البدل من الذين نافقوا. # الثاني - الرفع على البدل من الضمير في يكتمون. # الثالث - الرفع على خبر الابتداء، وتقديره: هم { الذين قالوا لإخوانهم } # المعنى: # والمعني بهذا الكلام والقائلون لهذا القول عبد الله بن أبي وأصحابه من ~~المنافقين قالوه في قتلى يوم أحد من أخوانهم - على قول جابر بن عبد الله، ~~وقتادة، والسدي، والربيع - وقوله: { قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم ~~صادقين } معناه ادفعوا قال الشاعر: # تقول إذا درأت لها وضيني # أهذا دينه أبدا وديني # فان قيل كيف يلزمهم دفع الموت عن أنفسهم بقولهم أنهم لو لم يخرجوا لم ~~يقتلوا؟ قيل لأن من علم الغيب في ms0807 السلامة من القتل يجب أن يمكنه أن يدفع ~~عن نفسه الموت فليدفعه، فهو أجدى عليه. # فان قيل: كيف كان هذا القول منهم كذبا مع أنه اخبار على ما جرت به ~~العادة؟ قلنا: لأنهم لا يدرون لعلهم لو لم يخرجوا لدخل المشركون عليهم في ~~ديارهم، فقتلوهم هذا قول أبي علي وقال غيره معنى { إن كنتم صادقين } أي ~~محقين في تثبيطكم من الجهاد فرارا من القتل. ### || [3.169] # المعنى: # ذكر ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه قال لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ~~ترد انهار الجنة، وتأكل من ثمارها. قال البلخي: وهذا ضعيف، لأن الأرواح ~~جماد لا حياة فيها، ولو كانت حية لاحتاجت إلى أرواح أخر وأدى إلى ما لا ~~يتناهى فضعف الخبر من هذا الوجه. وفي الناس من قال: إن تأويل الآية اخبار ~~عن صفة حال الشهداء في الجنة من حيث فسد القول بالرجعة، وهذا ليس بشيء ~~لأنه خلاف الظاهر، ولأن أحدا من المؤمنين لا يحسب أن الشهداء في الجنة ~~أموات، وأيضا، فقد وصفهم الله بأنهم أحياء فرحون في الحال، لأن نصب ~~فرحين هو على الحال. وقوله: { لم يلحقوا بهم من خلفهم } يؤكد ذلك، لأنهم ~~في الآخرة قد لحقوا بهم، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين ~~في سبيل الله أموات. والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم)، والمراد به ~~جميع المكلفين، كما قال: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } وأنه ينبغي ~~أن يعتقد أنهم { أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله } وبهذا قال ~~الحسن، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء واختاره الجبائي، والرماني، وأكثر ~~المفسرين. وقال بعضهم وذكره الزجاج: المعنى ولا تحسبنهم أمواتا في دينهم ~~بل هم أحياء في دينهم، كما قال: # أو من كان ميتا فاحييناه # وقال البلخي معناه: لا تحسبنهم كما يقول الكفار أنهم لا يبعثون بل ~~يبعثون، وهم { أحياء عند ربهم يرزقون فرحين }. وقال قوم: إن أرواحهم تسرح ~~في الجنة وتلتذ بنعيمها، ms0808 فهم { أحياء عند ربهم } وقوله: { عند ربهم } قيل ~~في معناه قولان: أحدهما - أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا إلا ~~ربهم وليس المراد بذلك قرب المسافة لأن ذلك من صفة الاجسام وذلك مستحيل ~~عليه تعالى. # والوجه الآخر - عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس - ذكره ~~أبوعلي -. # الاعراب: # وقوله: { بل أحياء } رفع على أنه خبر الابتداء، وتقديره بل هم أحياء، ~~ولا يجوز فيه النصب بحال، لأنه كان يصير المعنى بل احسبنهم أحياء، ~~والمراد بل اعلمهم احياء. # المعنى والحجة: # فان قيل لم لا يجوز أن يكون المعنى بل أحياء على معنى أنهم بمنزلة ~~الأحياء كما يقال لمن خلف خلفا صالحا أو ثناء جميلا: ما مات فلان بل هو ~~حي؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأنه انما جاز هذا بقرينة دلت عليه من حصول العلم ~~بأنه ميت فانصرف الكلام إلى أنه بمنزلة الحي، وليس كذلك الآية لأن إحياء ~~الله لهم في البرزخ جائز مقدور والحكمة تجيزه. # فان قيل أليس في الناس من أنكر الحديث من حيث أن الروح عرض لا يجوز أن ~~يتنعم؟ قيل: هذا ليس بصحيح، لأن الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح. ~~والدليل على ذلك أن الروح تخرج من البدن وترد إليه وهي الحساسة الفعالة ~~دون البدن، وليست من الحياة في شيء، لأن ضد الحياة الموت وليس كذلك الروح ~~- هذا قول الرماني سؤاله وجوابه -. وفي الآية دليل على أن الرجعة إلى دار ~~الدنيا جائزة لاقوام مخصوصين، لأنه تعالى أخبر أن قوما ممن قتلوا في ~~سبيل الله ردهم الله أحياء كما كانوا، فأما الرجعة التي يذهب إليها أهل ~~التناسخ، ففاسدة، والقول بها باطل لما بيناه في غير موضع، وذكرنا جملة ~~منه في شرح جمل العلم فمن أراده وقف عليه من هناك ان شاء الله. وقال أكثر ~~المفسرين الآية مختصة بقتلى أحد. وقال أبو جعفر (ع)، وكثير من المفسرين: ~~انها تتناول قتلى بدر وأحد معا. ### || [3.170] # الاعراب: # قوله: { فرحين } نصب على الحال من { يرزقون } وهو أولى من رفعه على ms0809 بل ~~أحياء لأن النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على ~~الاستئناف لكان جائزا. وقال الفراء: يجوز نصبه على القطع عن الأول. # المعنى، واللغة: # وقوله: { بما آتاهم الله من فضله } معناه بما أعطاهم الله من ضروب نعمه، ~~ومعنى يستبشرون أي يسرون بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشر ~~بمنزلة من طلب السرور في البشارة، فوجده. وأصل البشارة من البشرة وذلك ~~لظهور السرور بها في بشرة الوجه. ومنه البشر لظهور بشرته. ومعنى قوله: { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } أي هم بمنزلة من قد بشر في صاحبه بما ~~يسر به. ولأهل التأويل فيه قولان: # أحدهما - قال ابن جريج، وقتادة: يقولون: اخواننا يقتلون كما قتلنا ~~فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا. # والآخر - أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من اخوانه يبشر ~~ذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا - ذكره السدي - وقال ~~الزجاج: معناه أنهم لم يلحقوا بهم في الفعل إلا أن لهم فضلا عظيما ~~بتصديقهم وإيمانهم. # ولحقت ذلك والحقت غيري، مثل علمت وأعلمت، وقيل لحقت وألحقت لغتان بمعنى ~~واحد مثل بان وأبان، وعلى ذلك: إن عذابك بالكفار ملحق أي لاحق على هذا ~~أكثر نقاد الحديث. وروى بعض الثقات ملحق بنصب الحاء ذكره البلخي. وقوله: ~~{ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } قيل في موضع أن قولان: # أحدهما - انه خفض بالباء وتقديره بان لا خوف، هذا قول الخليل، والكسائي ~~والزجاج. # الثاني - ان يكون موضعه نصبا على أنه لما حذف حرف الجر نصب بالفعل كما ~~قال الشاعر: # أمرتك الخير # أي بالخير في قول غيرهم. ### || [3.171] # القراءة: # قرأ الكسائي { وإن الله } - بكسر الالف - الباقون بفتحها على معنى وبأن ~~الله، ورجح هذه القراءة أبو علي الفارسي. والكسر على الاستئناف. وفي ~~قراءة عبد الله { والله لا يضيع أجر المؤمنين }. وهو يقوي قراءة من قرأ ~~بالكسر. قوله: " يستبشرون ". # المعنى: # يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم بانهم يرزقون فرحين ~~بما أتاهم الله من فضله، وانهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ms0810 من خلفهم، ~~فوصفهم ها هنا بانهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. وفضل الله وان كان هو ~~النعمة قيل في تكراره ها هنا قولان: # أحدهما - لأنها ليست نعمة مضيقة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور ~~واللذة. # والآخر - للتأكيد لتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. والنعمة هي ~~المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لأن المنفعة ~~على ضربين: # أحدهما - منفعة اغترار، وحيلة، و [الثاني] - منفعة خالصة من شائب ~~الاساءة. والنعمة: تعظيم بفعل غير المنعم، كنعمة الرسول على من دعاه إلى ~~الاسلام فاستجاب له، لأن دعاءه له نفع من وجهين: # أحدهما - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له. # والآخر - قصده الدعاء إلى حق من يعلم انه يستجيب له المدعو وانما يستدل ~~بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة. # وقوله: { وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين } وان كانوا هم علموا ذلك فانما ~~ذكر الله انهم يستبشرون بذلك، لأن ما يعلمونه في دار التكليف يعلمونه ~~بدليل. وما يعلمونه بعد الموت يعلمونه ضرورة. وبينهما فرق واضح، لأن مع ~~العلم الضروري يتضاعف سرورهم، ويشتد اغتباطهم. ### || [3.172] # سبب النزول والقصة: # ذكر ابن عباس والسدي، وابن اسحاق، وابن جريج، وقتادة: ان سبب نزول هذه ~~الآية ان أبا سفيان: صخر بن حرب، وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، ندموا. ~~وقال بعضهم لبعض: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب اردفتم فارجعوا فاغيروا ~~على المدينة، واسبوا ذراريهم. وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إنكم قتلتم عدوكم ~~حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم. ارجعوا فاستأصلوهم. فرجعوا إلى ~~حمراء الاسد وسمع بهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فدعا أصحابه إلى ~~الخروج، وقال: لا يخرج معنا إلا من حضرنا أمس للقتال، ومن تأخر عنا، فلا ~~يخرج معنا. وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) أذن لجابر وحده في الخروج. - ~~وكان خلفه أبوه على بناته يقوم بهن - فاعتل بعضهم بأن قال: بنا جراح، ~~وآلام فانزل الله تعالى { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } وقيل ~~نزلت فيهم أيضا # ولا تهنوا ms0811 في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون # ثم استجابوا على ما بهم إلى اتباعهم وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، ~~فانهزموا من غير حرب. وخرج المسلمون إلى حمراء الاسد. وهي على ثمانية ~~أميال من المدينة. # الاعراب، واللغة: # وموضع { الذين } يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر - على أن يكون نعتا ~~للمؤمنين - والرفع - على الابتداء - وخبر الذين الجملة - والنصب - على ~~المدح - وقوله: { من بعد ما أصابهم القرح } معناه من بعد ما نالهم الجراح ~~وأصله الخلوص من الكدر. ومنه ماء قراح أي خالص. والقراح من الارض: ما خلص ~~طينه من السبخ، وغيره. والقريحة خالص الطبيعة. واقترحت عليه كذا أي ~~اشتهيته عليه لخلوصه على ما تتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته. وفرس ~~قارح أي طلع نابه لخلوصه ببلوغ تلك الحال عن نقص الصغار، وكذلك ناقة قارح ~~أي حامل. فالقرح الجراح، لخلوص ألمه إلى النفس. # وأجاب، واستجاب بمعنى واحد. وقال قوم: استجاب: طلب الاجابة. واجاب: فعل ~~الاجابة. وقوله: { للذين أحسنوا } فالاحسان هو النفع الحسن. والافضال ~~النفع الزائد على أقل المقدار. وقوله: { واتقوا } معناه اتقوا معاصي الله ~~{ أجر عظيم } معناه ها هنا الذين فعلوا الحسن الجميل من طاعة النبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، والانتهاء إلى قوله. وقوله { منهم } معناه تبيين الصفة ~~لا التبعيض. ### || [3.173] # المعنى: # وقيل في المعني بقوله: { الناس } الأول ثلاثة أقوال: # أولها - قال ابن عباس، وابن اسحاق: انهم ركب دسهم أبو سفيان إلى ~~المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال ~~السدي: هو اعرابي ضمن له جعل على ذلك. وقال الواقدي هو نعيم بن مسعود ~~الاشجعي وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: { إن الناس قد جمعوا ~~لكم } المعني به أبو سفيان وأصحابه - في قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: ~~انما كان ذلك في بدر الصغرى وهي سنة أربع وكانت أحد في سنة ثلاث من ~~الهجرة. وإنما عبر بلفظ الجميع عن الواحد في قوله: { قال لهم الناس } ~~لأمرين: # أحدهما - ان تقديره ms0812 جاء القول من قبل الناس، فوضع كلام موضع كلام - ذكره ~~الرماني -. # والثاني - إن الواحد يقوم مقام الناس، لأن { الإنسان } إذا انتظر قوما ~~فجاء واحد منهم، قد يقال: جاء الناس إما لتفخيم الشأن، وأما لابتداء ~~الاتيان. وقوله: { فاخشوهم } حكاية عن قول نعيم بن مسعود للمسلمين. يعني ~~اخشوا أبا سفيان، وأصحابه فبين الله تعالى ان ذلك القول زادهم ايمانا ~~وثباتا على دينهم، واقامة على نصرة نبيهم. وقالوا عند ذلك { حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } ومعناه كافينا الله. # اللغة، والقصة: # وأصله من الحساب، لأن الكفاية بحسب الحاجة، وبحساب الحاجة. ومنه الحسبان ~~وهو الظن. والوكيل: الحفيظ. وقيل: هو الولي. وأصله القيام بالتدبير. ~~والمتولى للشيء قائم بتدبيره، والحافظ له يرجع إلى هذا المعنى. ومعنى ~~الوكيل في صفات الله المتولي للقيام بتدبير خلقه، لأنه مالكهم رحيم بهم. ~~والوكيل في صفة غيره: انما يعقد بالتوكيل. وقال قوم من المفسرين: إن هذا ~~التخويف من المشركين كان في السنة المقبلة، لأن أبا سفيان، لما انصرف يوم ~~أحد، قال موعدكم البدر في العام المقبل. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~لمن حضره: قولوا نعم. فلما كان العام المقبل خرج النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) باصحابه، وكان أبو سفيان كره الخروج، فدس من يخوف النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وأصحابه لم يسمعوا منهم، وخرجوا إلى بدر فلما لم يحضر أحد من ~~المشركين، رجعوا، وكانوا صادفوا هناك تجارة اشتروها فربحوا فيها، وكان ~~ذلك نعمة من الله. وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع). ### || [3.174] # المعنى، واللغة، والاعراب: # الانقلاب، والرجوع، والمصير واحد. وقد فرق بينهما بأن الانقلاب هو ~~المصير إلى ضد ما كان قبل ذلك كانقلاب الطين خزفا. ولم يكن قبل ذلك ~~خزفا والرجوع هو المصير إلى ما كان قبل ذلك وقوله: { بنعمة من الله وفضل ~~} قيل في معناه قولان: # أحدهما - ان النعمة العافية. والفضل: التجارة. والسوء: القتل - في قول ~~السدي، ومجاهد - وقال الزجاج: النعمة ها هنا الثبوت على الايمان في طاعة ~~الله وفضل الربح في تجارتهم، لأنه روي أنهم اقاموا في الموضع ms0813 ثلاثة أيام ~~فاشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه: وقال قوم: إن أقل ما يفعله الله بالخلق ~~فهو نعمة، وما زاد عليه فهو الموصوف بأنه فضل. والفرق بين النعمة ~~والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، لأنه يستحق بها ~~الشكر ولا يستحق الشكر بالقبيح. والمنفعة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة ~~مثل ان يغصب مالا ينتفع به - وإن كان قبيحا - وقوله: { لم يمسسهم سوء } ~~موضعه نصب على الحال. وتقديره: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل سالمين. ~~والعامل فيه { فانقلبوا } والمعني بالآية الذين أمرهم الله تعالى بتتبع ~~المشركين إلى حمراء الاسد، فلما بلغوا إليها وكان المشركون أسرعوا في ~~المضي إلى مكة رجع المسلمون من هناك من غير أن يمسهم قتل ولا جراح غانمين ~~سالمين، وقد امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به. واتبعوا رضوانه { والله ذو ~~فضل عظيم } أي ذو إحسان عظيم على عباده ديني ودنيوي. ### || [3.175] # معنى الآية انما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود من فعل الشيطان، ~~وباغوائه، وتسويله. يخوف أولياءه المؤمنين. قال ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة: يخوف المؤمنين بالكافرين. وقال الزجاج، وأبو علي الفارسي، ~~وغيرهما من أهل العربية: إن تقديره يخوفكم أولياءه. أي من أوليائه بدلالة ~~قوله: { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم مصدقين بالله ~~فقد أعلمتكم أني انصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف. ومثله قوله: # لينذر بأسا شديدا من لدنه # ومعناه لينذركم بأسا والتقدير لينذركم ببأس شديد، فلما حذف الجار نصبه. ~~وقيل: إن { يخوف } يتعدى إلى مفعولين، لأنك تقول: خفت زيدا وخوفت زيدا ~~عمرا. ويكون في الآية حذف أحد المفعولين، كما قلناه في قولهم: فلان يعطي ~~الدراهم ويكسو الثياب. وقال بعضهم: هذا لا يشبه الآية، لأنه انما أجازوا ~~حذف المفعول الثاني في أعطى الدراهم، لأنه لا يشتبه أن الدراهم هي التي ~~اعطيت. وفي الآية تشتبه الحال في من المخوف ومن المخوف وقال قوم: { يخوف ~~أولياءه } أي انما خاف المنافقون ومن لا حقيقة لايمانه. وقال الحسن، ~~والسدي: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين ms0814 ويخوف يتعدى ~~إلى مفعولين كما يتعدى، يعطي لأن أصله خاف زيد القتال. وخوفته القتال. ~~كما تقول عرف زيد أخاك وعرفته أخاك. فان قيل: كيف يكون الاولياء على ~~المفعول الثاني وانما التخويف من الاولياء لغيرهم؟ قيل: ليس التقدير ~~هكذا. وانما هو على (خاف المؤمنون أولياء الشيطان). وهو خوفهم أولياءه. ~~قال الرماني: وغلط من قدر التقدير الأول. وقوله: { فلا تخافوهم } يعني لا ~~تخافوا المشركين. وانما قال: (ذلك) وهي انما يشار بها إلى ما هو بعيد ~~لأنه أراد ذلك القول تقدم من المخوف لهم من قوله: { إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم }. ### || [3.176] # القراءة: # قرأ نافع في جميع القرآن { يحزنك } - بضم الياء - إلا قوله: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # الباقون بفتح الياء في جميع القرآن. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع. ~~فانه فتح في جميع القرآن إلا قوله { لا يحزنهم } فانه ضم الياء وحكى ~~البلخي عن ابن أبي محيص الضم في الجميع. # اللغة: # قال سيبويه: تقول: فتن الرجل، وفتنته. وحزن، وحزنته. وزعم الخليل أنك ~~حيث قلت فتنته، وحزنته، لم ترد أن تقول: جعلته حزينا وجعلته فاتنا. كما ~~انك حين قلت: أدخلته جعلته داخلا، ولكن أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا، ~~وفتنة. فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا. ودهنته جعلت فيه ~~دهنا. فجئت بفعلته - على حده - ولم ترد بفعلته ها هنا نفس قولك حزن وفتن ~~ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته مثل حزن من حزنته قال: ~~وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته إذا جعلته حزينا، وفاتنا، فغيره ~~إلى أفعل - هذا حكاه أبو علي الفارسي حجة لنافع - وقال قوله: { لا يحزنهم ~~} إنما ضم على خلاف أصله لعله اتبع أثرا أو أحب الأخذ بالوجهين: # المعنى: # والمعني بقوله: { الذين يسارعون في الكفر } - على قول مجاهد - وابن ~~اسحاق - المنافقون. وفي قول أبي علي الجبائي: قوم من العرب ارتدوا عن ~~الاسلام. فان قيل: كيف قال: { يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة } ~~والارادة لا تتعلق بألا يكون الشيء وإنما تتعلق بما ms0815 يصح حدوثه؟ قلنا: عنه ~~جوابان: # أحدهما - قال ابن اسحاق: { يريد الله } أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من ~~المعاصي والكبائر. # والثاني - ان الله يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذى عرضوا له بتكليفهم، ~~وهو الذي يليق بمذهبنا، لأن الاحباط عندنا ليس بصحيح فان قيل كيف قال: { ~~يريد الله } وهذا إخبار عن كونه مريدا في حال الاخبار، وإرادة الله ~~تعالى لعقابهم تكون يوم القيامة، وتقديمها على وجه يكون عزما وتوطينا ~~للنفس لا يجوز عليه تعالى؟ قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - قال أبو علي: معناه أنه سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب، ~~لكفرهم الذي ارتكبوه. # والثاني - أن الارادة متعلقة بالحكم بذلك، وذلك حاصل في حال الخطاب. ~~وقال الحسن: يريد بذلك فيما حكم من عدله. وقوله: { يسارعون في الكفر } أي ~~يبادرون إليه. والسرعة وإن كانت محمودة في كثير من المواضع، فانها مذمومة ~~في الكفر. والعجلة مذمومة على كل حال إلا في المبادرة إلى الطاعات. وقيل: ~~إن العجلة هي تقديم الشيء قبل وقته، وهي مذمومة على كل حال، والسرعة فعل ~~لم يتأخر فيه شيء عن وقته، ولا يقدم قبله، ثم بين تعالى أنهم لمسارعتهم ~~إلى الكفر لا يضرون الله شيئا، لأن الضرر يستحيل عليه تعالى. وانما يضرون ~~أنفسهم بأن يفوتوا نفوسهم الثواب، ويستحقوا العظيم من العقاب، ففي الآية ~~تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) عما يناله من الغم باسراع قوم إلى ~~الكفر بأن وبال ذلك عائد عليهم، ولا يضرون الله شيئا. ### || [3.177] # المعنى: # استأنف الله تعالى بهذه الآية الاخبار بأن من اشترى الكفر بالايمان ~~بمعنى استبدل الكفر بالايمان. وقد بينا فيما مضى أن تسمية ذلك شراء مجاز ~~لكن لما فعلوا الكفر بدلا من الايمان شبه ذلك بشراء السلعه بالثمن وبين ~~أن من فعل ذلك لا يضر الله شيئا، لأن مضرته عائدة عليه على ما بيناه. ~~وانما كرر { لن يضروا الله } في هذه الآية، لأنه ذكر في الآية الأولى - ~~على طريقة العلة - لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة، وذكر في ~~هذه الآية على وجه العلة لاختصاص المضرة ms0816 للعاصي دون المعصى. # اللغة: # والفرق بين المضرة والاساءة أن الاساءة لا تكون إلا قبيحة، والمضرة قد ~~تكون حسنة إذا كانت لطفا، أو مستحقة أو فيها نفع يوفي عليها أو دفع ضرر ~~أعظم منها كفعل العقاب، وضرب الصبي للتأديب، وغير ذلك. # الاعراب: # وقوله: { شيئا } نصب على أنه وقع موقع المصدر، وتقديره { لن يضروا الله ~~شيئا } من الضرر. ويحتمل أن يكون نصبا بحذف الباء كأنه قال بشيء مما ~~يضر به، كما يقول القائل: ما ضررت زيدا شيئا من نقص مال، ولا غيره. ### || [3.178] # القراءة، والاعراب: # قرأ حمزه " ولا تحسبن " بالتاء وفتح السين. الباقون بالياء، وهو الأقوى، ~~لأن حسبت يتعدى إلى مفعولين (وأن) على تقدير مفعولين، لأن قوله: { إنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم } سد مسد المفعولين لأنه لا يعمل في { أنما } إلا ~~ما يتعدى إلى مفعولين: نحو حسبت وظننت واخواتهما. وحسبت يتعدى إلى ~~مفعولين أو مفعول يسد مسد المفعوين نحو حسبت أن زيدا منطلق وحسبت أن ~~يقوم عمرو. فقوله: { أنما نملي لهم خير لأنفسهم } سد مسد المفعولين ~~اللذين يقتضيهما { يحسبن } وكسر (إن) مع القراءة بالياء ضعيف وقرئ به. ~~ووجه ذلك قال أبو علي الفارسي (إن) يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام ~~الابتداء، ويدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر (إن) بعد { ~~يحسبن } وعلق عنها الحسبان، كما يعلق باللام، فكأنه قال: لا يحسبن الذين ~~كفروا للاخرة خير لهم. ومن قرأ بالتاء فعلى البدل، كقوله: # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة # وكما قال الشاعر: # فما كان قيس هلكه هلك واحد # ولكنه بنيان قوم تهدما # وقال الفراء: يجوز أن يكون عمل فيه { يحسبن } مقدرة تدل عليها الاولى. ~~وتقديره: ولا تحسبن الذين كفروا يحسبون انما نملي لهم وهكذا في قوله: { ~~هل ينظرون } ويجوز كسر { إنما } مع التاء في { يحسبن } وهو وجه الكلام، ~~لتكون الجملة في موضع الخبر: نحو حسبت زيدا انه كريم. غير انه لم يقرأ ~~به أحد من السبعة. وقوله: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } معنى اللام ~~ها هنا للعاقبة وليست بلام الغرض. كأنه ms0817 قال: إن عاقبة أمرهم ازدياد الاثم ~~كما قال: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وكما قال: # وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله # وكقوله: # لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذ اضربوا في الأرض.. # إلى قوله: # ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم # وما قالوا ذلك ليكون حسرة وإنما كان عاقبته كذلك وقال الشاعر: # وأم سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالده # وقال آخر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال: # وللمنايا تربي كل مرضعة # وللخراب يجد الناس بنيانا # وقال آخر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # [فكلكم يصير إلى ذهاب] # ويقول القائل: ما تزيدك موعظتي الا شرا، وما أراها عليك إلا وبالا. ولا ~~يجوز أن يحمل ذلك على لام الغرض والارادة، لوجهين: # أحدهما - ان ارادة القبيح قبيحة ولا تجوز ذلك عليه تعالى. # والثاني - لو كانت اللام لام الارادة لكان الكفار مطيعين لله من حيث ~~فعلوا ما أراده الله وذلك خلاف الاجماع. وقد قال الله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # وقال: # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله # وقال أبوالحسن الاخفش والاسكافي: في الآية تقديم وتأخير. وتقديره ولا ~~تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم. # وهذا ضعيف، لأنه كان يجب لو كان على التقديم، والتأخير أن تكون انما ~~الاخيرة مفتوحة الهمزة لأنها معمول تحسبن - على هذا القول - وأن تكون ~~الاولى مكسورة، لأنها مبتدأة في اللفظ والتقديم والتأخير لا يغير الاعراب ~~عن استحقاقه وذلك خلاف ما عليه جميع القراء، فانهم أجمعوا على كسر ~~الثانية. والاكثر على فتح الاولى. ويمكن أن يقال: - نصرة لأبي الحسن - أن ~~يكون التقدير ولا تحسبن الذين كفروا قائلين: إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما، بل فليعلموا أنما نملي لهم خير لأنفسهم. فيكون الحسبان قد علق، ~~ولم يعمل. وتكون إنما الثانية كسرت، لأنها بعد القول. وتكون في موضع نصب ~~بالقول المقدر وتكون أنما الاولى منصوبة بالعلم المقدر الذي بيناه. وعلى ~~هذا يجوز أن يكون الوعد عاما، ويكون الوعيد المذكور مشروطا بالمقام ms0818 على ~~الكفر. وعلى الوجه الأول الذي حملنا اللام على العاقبة لا بد من تخصيصها ~~بمن علم منه انه لا يؤمن، لأنه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا ~~الوعيد المخصوص وقال البلخي: معناه لا تحسبن الذين كفروا ان املاءنا لهم ~~رضاء بافعالهم، وقبول لها بل هو شر لهم، لأنا نملي لهم وهم يزدادون إثما ~~يستحقون به عذابا أليما. # ومثله: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # أي ذرأنا كثيرا من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء فعالهم و " ما " في ~~قوله: { إنما } تحتمل أمرين: # أحدهما - أن تكون بمعنى الذي والتقدير: إن الذي نمليه خير لأنفسهم. # والآخر - أن يكون ما نملي بمنزلة الاملاء فتكون مصدرا. وإذا كانت كذلك ~~فلا تحتاج إلى عائد يعود إليها. والاملاء: طول المدة. " فنملي لهم " ~~معناه نطول أعمارهم. ومنه قوله: # واهجرني مليا # أي حينا طويلا. ومنه قوله: عشت طويلا، وتمليت حينا. والملأ: الدهر ~~والملوان: الليل والنهار، لطول تعاقبهما. واملاء الكتاب وانما أنكر تعالى ~~أن يكون الاملاء خير لهم - وان كانت نعمة دنيوية - من وجهين: # أحدهما - قال الجبائي: أراد خير من القتل في سبيل الله، كشهداء أحد # الثاني - قال البلخي: لا تحسبن ان ذلك خير استحقوه بفعلهم، أي لا تغتروا ~~بذلك فتظنوا انه لمنزلة لهم، لأنهم كانوا يقولون: إنه تعالى لو لم يرد ما ~~هم عليه، لم يمهلهم. ### || [3.179] # قرأ حمزة والكسائي { يميز } - بالتشديد - الباقون بالتخفيف. يقال: مازه ~~يميزه، وميزه يميزه - لغتان -. # ومعنى الآية لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه، فلا يميز ~~المؤمن من المنافق، والكافر { حتى يميز الخبيث من الطيب }. وقيل في معنى ~~الخبيث ها هنا: قولان: # أحدهما - قال مجاهد، وابن اسحاق، وابن جريج: هو المنافق. قالوا: كما ميز ~~المؤمن من المنافق يوم أحد. بالامتحان على ما مضى شرحه. # الثاني - قال قتادة، والسدي: حتى يميز المؤمن من الكافر. # وسبب نزول الآية ما قاله السدي: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقا ~~فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ms0819 قوم: ~~إن كان يعلم المنافقين، فما حاجته إلى اختبارهم؟ فأنزل الله تعالى انه ~~يميزهم. وذلك يكون: تارة باختبارهم، وتارة بتعيينهم. # والتمييز بين الكافر وبين المؤمن أو المنافق والمؤمن بالامتحان ~~والاختبار في تكليف الجهاد، ونحوه: مما يظهر به حالهم، وتنكشف ضمائرهم ~~وقيل: بالدلالات، والعلامات التي يستدل بها عليهم من غير نص اعلام لهم ~~فان قيل: هل اطلع نبيه (صلى الله عليه وسلم) على الغيب؟ قلنا: عن ذلك ~~جوابان: # أحدهما - قال السدي: لا، ولكنه اجتباه، فجعله رسولا وقال ابن اسحاق: ~~ولكن الله اجتبى رسوله باعلامه كثيرا من الغايبات. وهذا هو الأليق ~~بالآية. وقال الزجاج قوله: { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } سببه أن ~~قوما قالوا: هلا جعلنا الله أنبياء؟ فأخبر الله تعالى أنه { يجتبي من ~~رسله من يشاء } و (من) في الآية لتبيين الصفة لا للتبعيض، لأن الأنبياء ~~كلهم مجتبون. ### || [3.180] # قرأ حمزة " ولا تحسبن " بالتاء المعجمة من فوق الباقون بالياء، وهو ~~الأقوى، لأن عليه أكثر القراء، فمن قرأ بالتاء، فالتقدير على قراءته ولا ~~تحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم. وجاز حذف ~~البخل مع الفصل لدلالة يبخلون عليه، كما يقال من كذب كان شرا له. ~~والمعنى كان الكذب شرا له. قال الشاعر: # إذا نهي السفيه جرى إليه # وخالف والسفيه إلى خلاف # ومعناه خالف إلى السفه. قال الزجاج: إنما تكون هو، وهما، وهم، وأنا ~~وأنت، ونحن فصولا مع الافعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر سيبويه ~~الفصل مع الابتداء، والخبر. قال: ولو تأول متأول قوله الفصل ها هنا أنه ~~يدل على أنه جائز في المبتدأ والخبر كان جائزا. قال: والقراءة بالياء ~~عندي هو الاجود ويكون الاسم محذوفا، قال: والقراءة بالتاء لا تمتنع مثل ~~قوله: # واسأل القرية # وتقديره ولا تحسبن بخل الباخلين خيرا. # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما قاله السدي: إن المعنى بخلوا أن ~~ينفقوا في سبيل الله كما بخلوا بمنع الزكاة. وقيل إنها نزلت في أهل ~~الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس - على قول ms0820 ابن عباس - والوجه الأول أظهر ~~لأن أكثر المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أبي جعفر (ع) ~~وقوله: { هو خيرا لهم } فلفظة " هو " فصل، بين الاسم، والخبر على تقدير ~~ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيرا لهم فيمن ~~قرأ بالياء وقوله: { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - رواه ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه شجاع أقرع ~~يطوقونه، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ابراهيم النخعي: انهم يطوقون ~~طوقا من نار. وقال أبو علي: هو كقوله: # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم # وقال البلخي معناه سيجازون كأنهم طوقوا. وقوله: { ولله ميراث السماوات ~~والأرض } معناه أنه يبطل ملك كل شيء إلا ملك الله، فيصير كالميراث لصحة ~~الملك الثاني بعد زوال الأول وإن لم يكن في صفات الله على جهة الانتقال، ~~لأنه لم يزل مالكا (عز وجل) والبخل هو منع الواجب لأنه تعالى ذم به ~~وتوعد عليه، وأصله في اللغة مشقة الاعطاء، وإنما يمنع الواجب لمشقة ~~الاعطاء. ### || [3.181] # قرأ حمزة وحده " سيكتب " بضم الياء. الباقون بالنون. ذكر الحسن وقتادة: ~~أن الذين نسبوا الله تعالى إلى الفقر وأنفسهم إلى الغناء هم قوم من ~~اليهود لما نزل قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # قالوا إنما يستقرض الفقير من الاغنياء، فهو فقير ونحن أغنياء، والقائل ~~لذلك حي بن أخطب وفنحاص اليهودي. وقال أبو علي الجبائي: هم قوم من ~~اليهود، وانما قالوا ذلك من جهة ضيق الرزق. وقيل: انهم قالوا ذلك تمويها ~~على ضعفائهم لا أنهم اعتقدوا أن الله فقير على الحقيقة. وقيل: انهم عنوا ~~بذلك إله محمد الذي يدعي أنه رسوله دون من يعتقدون هم أنه على الحقيقة. # فان قيل: كيف الحكاية عنهم بأنهم قالوا ذلك، وإنما قالوه على جهة ~~الالزام دون الاعتقاد؟ قلنا: لأنه إلزام باطل من حيث لا يوجبه الاصل الذي ~~الزموا عليه، لأنه إنما قال تعالى: ms0821 { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~على وجه التلطف في الاستدعاء إلى الطاعة، وحقيقته أن منزلة ما ينفقون في ~~وجوه البر كمنزلة القرض الذي يرجع إليكم ويضاعف به الأجر لكم مع أنهم ~~أخرجوا ذلك مخرج الاخبار عن الاعتقاد. # وفي الآية دلالة على أن الرضا بقبيح الفعل يجري مجراه في عظم الجرم، لأن ~~اليهود الذين وصفوا بقتل الانبياء لم يتولوا ذلك في الحقيقة، وإنما ذموا ~~به، لأنهم بمنزلة من تولاه في عظم الاثم. وقوله: { سنكتب ما قالوا } قيل ~~في معناه قولان: # أحدهما - انه يكتب في صحائف أعمالهم، لأنه أظهر في الحجة عليهم وأجرى ان ~~يستحيوا من قراءة ما أثبت من فضائحهم - على قول الجبائي -. # الثاني - قال البلخي سيحفظ ما قالوا حتى يجازوا به أي هو بمنزلة ما قد ~~كتب في أنه لا يضيع منه شيء. والأول أظهر. وقوله: { وذوقوا عذاب الحريق } ~~يعني المحرق، والفائدة فيه ان يعلم أنه عذاب بالنار التي تحرق، وهي ~~الملتهبة، لأن ما لم يلتهب لا يسمى حريقا، وقد يكون العذاب بغير النار. ~~وقوله: { ذوقوا } يفيد أنكم لا تتخلصون من ذلك كما يقول القائل: ذق هذا ~~البلاء يعني انك لست بناج منه. ### || [3.182] # المعنى: # قوله: " ذلك " اشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: { ونقول ذوقوا عذاب ~~الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم } ومعناه بما جنيتموه على أنفسكم، فان الله ~~لا يظلم أحدا من عبيده، ولا يبخسهم حقهم. # وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنها تدل على أنه لو وقع العقاب ~~من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلما وذلك بخلاف ما يذهبون إليه من أن ~~الله تعالى يعذب الاطفال من غير جرم. فان قيل: لم نفى كثرة الظلم على وجه ~~لا يدخل فيه القليل، وهلا نفى على وجه العموم كقوله: # لا يظلم مثقال ذرة # وكقوله: # لا يظلم الناس شيئا # وقوله: # ولا يظلمون فتيلا # و " نقيرا "؟ قيل: لأنه خرج مخرج الجواب لمن توهم مذهب المجبرة فدل على ~~أنه لو كان على ما يذهبون إليه، لكان ظلاما للعبيد، وما هو ms0822 بظلام لهم. ~~فان قيل: لم أضيف التقديم إلى أيديهم وإنما هو لهم في الحقيقة؟ قيل: لأنه ~~إذا أضيف على هذه الطريقة كان أبعد من توهم الفساد في معنى الاضافة إذ قد ~~يضاف الفعل إلى الانسان على معنى أنه أمر به ودعا إليه. كما قال: # يذبح أبناءهم # وإذا ذكرت اليد دل على تولي الفعل نحو قوله # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما # الاعراب: # { وان الله } انما فتح ان لأنه معطوف على ما عملت فيه الباء، وتقديره ~~وبأن الله ليس بظلام للعبيد أي ذلك العذاب بما سلف من الاجرام وبامتناع ~~ظلم الله للعباد، فموضع أن جر وموضع الباء في قوله: " مما " رفع، لأنها ~~في موضع خبر ذلك وهي متصلة بالاستقرار كأنه قيل ذلك مستقر بما قدمت ~~أيديكم، كما يقول القائل: عقابك مما كسبت يداك. ### || [3.183] # المعني بقوله: { الذين قالوا } هم الذين وصفهم الله بقوله: { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير. الذين قالوا إن الله عهد إلينا }. # الاعراب والمعنى: # والذين في موضع خفض ردا على قوله: { الذين قالوا إن الله فقير } ومعنى ~~قولهم { إن الله عهد إلينا } أي أوصانا في كتبه، وعلى ألسن أنبيائه ألا ~~نصدق لرسول فيما يقوله: من أنه جاء به من عند الله من أمر ونهي، وغير ~~ذلك، فالعهد: العقد الذي يتقدم به للتوثق، وهو كالوصية. وقوله: { حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار } معناه حتى يجيئنا بما يقرب به العبد إلى ~~الله من صدقة وبر. وقربان مصدر على وزن عدوان، وخسران تقول قربت قربانا. ~~وأما قوله: { تأكله النار } فلأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك ~~الزمان كان دليلا على قبول الله له، ودلالة على صدق المقرب فيما أدعى أنه ~~حق فيما نوزع فيه - في قول ابن عباس، والضحاك -، فقال الله تعالى لنبيه ~~(صلى الله عليه وسلم) قل لهم يا معشر من يزعم أن الله عهد إليه ألا يؤمن ~~لرسول حتى يأتيه بقربان تأكله النار، قل: قد جاءكم رسل من الله من قبل. ~~المعنى ms0823 جاء أسلافكم بالبينات يعني بالحجج الدالة على صدق نبوتهم، وحقيقة ~~قولهم: وقد ادعيتم أنه يدل على تصديق من أتى به والاقرار بنبوته من أكل ~~النار قربانه، فلم قتلتموه إن كنتم صادقين؟ يعني قتلتموهم وأنتم مقرون ~~بأن الذين جاءوكم به من ذلك حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين فيما عهد إليكم ~~مما ادعيتموه وأضاف القتل إليهم وإن كان أسلافهم تولوه لأنهم رضوا ~~بأفعالهم فنسب ذلك إليهم كما بيناه فيما تقدم في قوله تعالى: # ويقتلون النبيين بغير الحق # فاراد الله أن يعلم المؤمنين ان هؤلاء معا ندون متعنتون، وإلا فهم ~~عالمون بصفات النبي (صلى الله عليه وسلم) وما ذكره الله تعالى في التوراة ~~وانه صادق فيما يدعيه، وإنما لم ينزل الله ما طلبوه لأن المعجزات تابعة ~~للمصالح وليست على الاقتراحات والتعنت. فان قيل هلا قطع الله عذرهم بالذي ~~سألوا من القربان الذي تأكله النار؟ قيل: له لا يجب ذلك لأن ذلك اقتراح ~~في الأدلة على الله والذي يلزم من ذلك أن يزيح علتهم بنصب الادلة على ما ~~دعاهم إلى معرفته. ### || [3.184] # القراءة، والحجة: # قرأ ابن عامر وحده وبالزبر وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بحذف ~~الباء، فمن حذف فلأن واو العطف أغنت عن تكرار العامل ومن أثبتها فانما ~~كرر العامل تأكيدا، وكلاهما جيدان. # اللغة، والمعنى: # وهذه الآية فيها تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) عما كان يصيبه من ~~الأذى من اليهود وأهل الشرك بتكذيبهم إياه بأن قال فقد كذب أسلافهم من ~~رسل الله من جاءهم بالبينات والحجج القاطعة، والأدلة الواضحة. والزبر جمع ~~زبور وهو البينات وكل كتاب فيه حكمة زبور. ومنه قول امرئ القيس: # لمن طلل ابصرته فشجاني # كخط زبور في عسيب يمان # ويقال زبرت الكتاب إذا كتبته، فهو مزبور وزبرت الرجل أزبره: إذا زجرته ~~والزبرة: القطعة العظيمة من الحديد، ومنه قوله: # آتوني زبر الحديد # والزبير: الحماة. والزبرة مجتمع الشعر على كتف الأسد. وزبرت البئر إذا ~~أحكمت طيها بالحجارة، فهو مزبور وما لفلان زبر أي عقل، والكتاب المراد به ~~التوراة والانجيل، ms0824 لأن اليهود كذبت عيسى، وما جاء به من الانجيل وحرفت ما ~~جاء به موسى من صفة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبدلت عهده إليهم فيه. ~~والنصارى أيضا جحدت ما في الانجيل من نعته وغيرت ما أمرهم فيه به. ~~وقوله: { المنير } معناه الذي ينير، فينير الحق لمن اشتبه عليه، وهو حجة ~~له. وإنما هو من النور، والاضاءة يقال: قد أنار لك هذا الأمر بمعنى أضاء ~~لك وينير انارة فهو منير، وهذا قول الحسن وابن جريج والضحاك، وأكثر ~~المفسرين. فان قيل: لم جمع بين الزبر والكتاب ومعناهما واحد؟ قلنا: لأن ~~أصلهما مختلف، فهو زبور لما فيه من الزجر عن خلاف الحق، وهو كتاب، لأنه ~~ضم الحروف بعضها إلى بعض، وسمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ ~~والزواجر. فان قيل: كيف قال { فإن كذبوك، فقد كذب رسل من قبلك } وهم وان ~~لم يكذبوه أيضا، فقد كذب رسل من قبله؟ قلنا: لأن المعنى فقد جروا على ~~عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد على وجه الايجاز كما تقول: ~~إن أحسنت إلي فقد طالما أحسنت. ### || [3.185] # لا يجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعنى الذي وترفع أجوركم، لأن يوم ~~القيامة يصير من صلة توفون وتوفون من صلة الذين فلا يأتي ما في الصلة بعد ~~أجوركم. وأجوركم خبر، ومعنى الآية إن مصير هؤلاء المفترين على الله من ~~اليهود المكذبين برسوله الذين وصفهم، ومصير غيرهم من جميع الخلق إليه ~~تعالى من حيث حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) لا ~~يحزنك قولهم وتكذيبهم وافتراء من افترى منهم على الله وعليك، وتكذيب من ~~تقدمك من الرسل. فان مرجعهم إلي وأوفي كل نفس منهم جزاء عمله، فقال: ~~توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخيرا وثوابا. وإن شرا فشرا ~~وعقابا، وهو نصب على أنه مفعول به. وقوله: { فمن زحزح عن النار } معناه ~~نحي عن النار، وأبعد منها { وأدخل الجنة فقد فاز } أي نجا وظفر بعظيم ~~الكرامة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد ms0825 فاز، ومعنى " فاز " تباعد من ~~المكروه، ولقي ما يحب. والمفازة: مهلكة. وإنما سموها مفازة أي منجاة كما ~~سموا اللديغ سليما، والاعمى بصيرا. وظاهر الآية يدل على أن كل نفس تذوق ~~الموت، وإن كانت مقتولة - على قول الرماني - ونحن وإن قلنا: إن الموت غير ~~القتل، فلا بد أن نقول: إن المقتول يختار الله أن يفعل فيه الموت إذا كان ~~في فعله مصلحة. وقوله: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } معناه وما ~~لذات الدنيا، وشهواتها، وما فيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، ~~والخداع: المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار والامتحان، لأنكم تلتذون ~~بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب، فلا ~~تركنوا إليه، ولا تسكنوا، فانما هي غرور وإنما أنتم منها في غرور. وقال ~~عكرمة: متاع الغرور، القوارير، وهي في الأصل كل متاع لا بقاء له، وإنما ~~وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لأنها بمنزلة ~~من يغتر بالمحبوب ويبذل ما فيه الفرح والسرور، ليوقع في بلية تؤدي إلى ~~هلكة، مبالغة في التحذير منها - على منا بيناه - وفي الآية دلالة على أن ~~أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره ولذلك قال (صلى الله عليه ~~وسلم): # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها " # واستدل بهذه الآية على أن القتل هو الموت على الحقيقة. ومنهم من قال في ~~المقتول: موت، وقتل وللمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن ~~يموت، ولا يقتل كما قال: # كل نفس بما كسبت رهينة # وهي مختصة بالعقلاء البالغين، ويمكن أن يكون المراد كل نفس تعدم الحياة، ~~فيكون ذلك على وجه الاستعارة. ذكره البلخي. وقوله: { ذائقة الموت } مجاز، ~~لأن الموت لا يذاق في الحقيقة، لأن ذلك مشهور في كلامهم يقولون: ذاق ~~الموت، وشرب بكأس المنون، لأنه بمنزلة ما يذاق بذوق شدائده. والفرق بين ~~الذوق وإدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والادراك ~~للطعم هو وجدانه وإن لم يكن هناك احساس، ولذلك يوصف تعالى بأنه ms0826 مدرك ~~للطعم ولا يوصف بأنه ذائق له. ويقولون: ذقته فلم أجد له طعما أي لابس ~~فمي فلم أحس له طعما. ### || [3.186] # قوله: { لتبلون } معناه لتختبرن أي توقع عليكم المحن، وتلحقكم الشدائد ~~في أنفسكم، وأموالكم من قبل الكفار نحو ما نالهم من الشدائد في أنفسهم ~~يوم أحد، ونحو ما كان الله يفعل بهم من الفقر وشدة العسر، وانما فعله ~~ليصبروا وسماه بلوى مجازا، لأن حقيقته لا تجوز عليه تعالى، لأنها ~~التجربة في اللغة. ويتعالى الله عن ذلك، لأنه عالم بالاشياء قبل كونها. ~~وإنما فعله ليتميز المحق منكم من غيره - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال ~~البلخي: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة والصيام وغيرهما. وفي ~~أموالكم من الانفاق في سبيل الله والزكوات، ليتميز المطيع من العاصي. ~~واللام لام القسم. والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو لسكونها، وسكون النون. ~~ولم تنصب لأنها واو الجمع فرقا بينها وبين واو الاعراب. ويقال للواحد، ~~لتبلين يا رجل وللاثنين لتبليان. ويفتح الياء في لتبلين في الواحد عند ~~سيبويه لسكونها وسكون النون. وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون ~~إليها، كما يبنى ما قبل هاء التأنيث. وللمرأة لتبلين وللمرأتين لتبليان ~~وللنساء لتبتلينان. زيدت الالف لاجتماع النونات وقوله: { ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } يعني ما ~~سمعوه من اليهود ومن كفار مكة وغيرهم من تكذيب النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) ومن الكلام الذي يغمهم ويكرثهم ثم بين تعالى بقوله: { وإن تصبروا ~~وتتقوا } انكم إن صبرتم على ذلك وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعا ~~يبلغ الاثم، { فإن ذلك من عزم الأمور } ومعناه من جزم الامور، أي ما بان ~~رشده وصوابه. ووجب على العاقل العزم عليه. وأذى مقصور. ويكتب بالياء يقال ~~أذى يأذى أذى: إذا سمع ما يسوءه وقد آذاني فلان يؤذيني إيذاءا وتأذيت ~~به تأذيا. وقال عكرمة وغيره: إن هذه الآيات كلها نزلت في فنحاص اليهودى ~~سيد بني قينقاع حين كتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إليه يستمده، فقال ~~فنحاس: قد احتاج ربكم ms0827 أن نمده. وهو القائل: # إن الله فقير ونحن أغنياء # ونزلت فيه أيضا # لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم # وقال الزهري: الآية نزلت في كعب بن الاشرف، وكان يهجو النبي (صلى الله ~~عليه وسلم)، والمؤمنين ويحرض المشركين عليهم حتى قتله محمد بن مسلمة ~~غيلة. والبلوى التي ابتلوا بها، قال الحسن: هي فرائض الدين من الجهاد في ~~سبيل الله، والنفقة في طاعة الله، والتمسك بما يجب لله في كلما أمر به ~~ودعا إليه. ### || [3.187] # القراءة والحجة: # قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم { ليبيننه للناس ولا يكتمونه } ~~بالياء فيهما. الباقون بالتاء فيهما، فمن قرأ بالياء، فلانهم غيب. ومن ~~قرأ بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق " ولتبيننه " ~~لجماعة الرجال وللواحد تفتح النون. # المعنى: # والمعني به اذكروا { إذا أخذ الله } منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) ولا يكتمونه { فنبذوه وراء ظهورهم } أي رموا به في ~~قول ابن عباس، ولم يعملوا به وإن كانوا مقرين به. ويقال لمن يطرح الشيء ~~ولا يعبأ به رميته بظهر، قال الفرزدق: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي # بظهر ولا يعيا علي جوابها # أي لا تتركنها، لا تعبأ بها، فاخبر الله تعالى عما حمل اليهود الذين ~~كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: { واشتروا ~~به ثمنا قليلا } أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم بذلك رئاسة ~~اكتسبوها فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه، ثم ذم تعالى أفعالهم بقوله: { ~~فبئس ما يشترون } لأن ما يكون عاقبته الهلاك والعقاب الدائم، وان كان ~~نفعا عاجلا، فهو بئس الشيء. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي ~~وابن جريج ان المعني بهذه الآية فنحاص اليهودي، وأصحابه الذين كتموا أمر ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وما بينه الله في التوراة. وقال قتادة وكعب ~~وعبد الله بن مسعود هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم كافة، فمن علم ~~شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم، ms0828 فان كتمانه هلاك. وقال الجبائي: ~~المعني بالآية اليهود والنصارى. وقال الحسن { لتبيننه ولا تكتمونه } ~~معناه لتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل. والميثاق الذي ذكره الله في الآية ~~هو الأيمان التي أخذها عليهم أنبياؤهم ليبينن ما في كتبهم من الاخبار ~~والآيات الدالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ولايكتمونه. والهاء ~~في " ليبيننه " عائدة على محمد (صلى الله عليه وسلم) في قول سعيد بن جبير ~~والسدي، فيعود على معلوم غير مذكور. وقال الحسن وقتادة: هي عائدة على ~~الكتاب فيدخل فيه بيان أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه في الكتاب. ### || [3.188] # القراءة والحجة والاعراب: # قرأ أهل الكوفة ويعقوب " لا تحسبن " بالتاء وفتح الباء، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بالياء، وضم الباء. الباقون بالياء وفتح الباء. " وتحسبنهم " ~~الاخير بالتاء بلا خلاف. قال أبو علي من قرأ بالياء، لم يوقع يحسبن على ~~شيء، (والذين) رفع بأنه فاعل (لا تحسبن) قال: ووجه قراءة ابن كثير وأبي ~~عمرو في أن لم يعديا (حسبت) إلى مفعوليه ان (يحسب) في قوله: { فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب } لما جعل بدلا من الأول وعدي إلى مفعوليه ~~استغنى بها في تعدية الأول إليهما كما استغنى في قول الشاعر: # بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليها. فان قال ~~قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولا يدخل بين البدل ~~والمبدل منه الفاء؟ والجواب أن الفاء زائدة، يدلك على ذلك أنها لا يجوز ~~أن تكون التي تدخل على الخبر، لأن ما قبل الفاء ليس بمبتدأ، فتكون الفاء ~~خبره، ولا تكون العاطفة، لأن المعنى { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } ~~ويحبون أنفسهم { بمفازة من العذاب } فاذا كان ذلك لم يجز تقدير العطف، ~~لأن الكلام لم يستقل بعد فيستقيم فيه تقدير العطف. وأما قوله: { فلا ~~تحسبنهم } فان فعل الفاعل الذي هو يحسبون تعدى إلى ضميره، وحذفت واو ~~الضمير لدخول النون الثقيلة. وقوله: { بمفازة من العذاب } في موضع ~~المفعول الثاني، وفيه ذكر ms0829 المفعول الأول. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى ~~إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لأن هذه الأفعال لما كانت تدخل على ~~الابتداء والخبر أشبهت (إن) واخواتها في دخولهن على الابتداء والخبر ~~كدخول هذه الافعال عليهما، وذلك نحو قولك: ظننتني ذاهبا، كما تقول: إني ~~ذاهب، ولو قلت أظن نفسي تفعل، لم يجز كما يجوز أظننتني فاعلا. وقال أبو ~~سعيد الخدري، وأبو وهب، والزجاج: المعني بهذه الآية قوم من أهل الكتاب ~~دخلوا على النبي (صلى الله عليه وسلم) وخرجوا من عنده، فذكروا لمن كان ~~رآهم في ذلك الوقت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أتاهم باشياء قد ~~عرفوها، فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأظهروا خلاف ما أبطنوا، ~~وأقاموا فيما بعد على الكفر، فأعلم الله تعالى نبيه أنهم ليسوا بمفازة أي ~~ليسوا ببعد من العذاب. وقيل معناه ليسوا بمنجاة من العذاب، ووقعت، { فلا ~~تحسبنهم } مكررة لطول القصة كما يقولون: لا تظنن زيدا إذا جاءك كلمك ~~بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا، فيعيد فلا تظننه توكيدا، واعلاما ان ذلك ~~يتعلق بالأول، ولو لم يكرر كان جائزا، لكن مع التأكيد أوضح. # وقوله: { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } قال البلخي: إنهم قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # وأهل الصوم والصلاة وليسوا بأولياء الله، ولا أحباؤه، ولا أهل الصلاة ~~والصيام، ولكنهم أهل شرك ونفاق. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال قوم: " ~~يحبون أن يحمدوا " على أنهم أبطلوا أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، ~~وكذبوا ما أبطلوه، ولا لهم قدرة على ذلك. # النزول، والمعنى: # وروي عن ابن عباس، وسعيد أن الآية نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون ~~باجلال الناس لهم ونسبهم إياهم إلى العلم. وقال الضحاك، والسدي: نزلت في ~~اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال ~~سعيد بن جبير: فرحوا بما أتى الله آل ابراهيم. وقال ابن عباس: إن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) سألهم عن شيء، فكتموه ففرحوا بكتمانهم، وأقوى هذه ~~الأقوال أن يكون قوله: " لا تحسبن الذين ms0830 يفرحون " يعني بها من أخبر الله ~~عنهم أنه أخذ ميثاقهم ليبينن للناس أمر محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا ~~يكتمونه، لأن قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون " في سياق الخبر عنهم وشبيه ~~بقصتهم مع أن أكثر أهل التأويل عليه. وقال الجبائي: الآية في المنافقين، ~~لأنهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد لا على وجه ~~القربة إلى الله بل على وجه الرياء ويفرحون بذلك، ويريدون مع ذلك أن ~~يحمدوا على ذلك ويعتقد أنهم فعلوه لوجه القربة، فقال: " لا تحسبن الذين ~~يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا " بمنزلة المؤمنين الذين ~~يفعلون الافعال لله على وجه القربة إليه. وقال: " فلا تحسبنهم " مع ذلك ~~بمنجاة " من العذاب " بل " لهم عذاب أليم " يعني مؤلم فحسبان الثاني ~~متعلق بغير ما تعلق به الأول، فلذلك كرر. فان قيل: أين خبر " لا تحسبن " ~~الاولى؟ قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - { بمفازة من العذاب } ، لأنها مكررة لطول الكلام. وقيل: الفاء ~~زائدة على هذا، وهو قول الزجاج. # والثاني - ان الخبر محذوف، كأنه قال ناجين، ودل الخبر الاخير عليه. فان ~~قيل: كيف يجوز أن يذم بالفرح وليس من فعل الانسان؟ قلنا ذم بالتعرض له ~~على جهة الاشر والبطر كما قال: { لا يحب الفرحين }. ### || [3.189] # معنى الآية الاخبار من الله تعالى بأنه مالك ما في السماوات، وما في ~~الارض بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما شاء من جميع الوجوه ليس ~~لغيره الاعتراض عليه في ذلك وانه المقتدر على جميع ذلك { وهو على كل شيء ~~قدير } ، وفى الآية تكذيب لمن قال: # إن الله فقير ونحن أغنياء # لأن من ملك ما في السماوات والارض لا يكون فقيرا. وفي قوله: { والله ~~على كل شيء قدير } تنبيه على أنه قادر على إهلاك من يقول هذا القول جهلا ~~منه وعنادا، لكنه يحلم عنه ويؤخر عذابه لضرب من المصلحة وقوله: { على كل ~~شيء قدير } خرج مخرج المبالغة، وهو أخص من قوله: { بكل شيء عليم } لأن ~~أفعال العباد لا توصف بالقدرة عليها، وفرق الرماني بين أن ms0831 يقال هو قادر ~~على أفعال العباد، وبين قادر على فعلهم، فقال قادر عليها يحتمل ما لا ~~يحتمل قادر على فعلهم، لأنه يفيد أنه قادر على تصريفه كما يقولون فلان ~~قادر على هذا الحجر أي قادر على رفعه، ووضعه، وفلان قادر على نفسه أي ~~قادر على ضبطها، ومنعها مما تنازع إليه، فعلى هذا جائز أن يقال انه قادر ~~على أفعال العباد بمعنى أنه قادرعلى المنع منها، والتمكين منها دون ما ~~يستحيل من القدرة على ايجادها. ### || [3.190] # في هذه الآية دلالة على وجوب النظر والفكر، والاعتبار بما يشاهد من ~~الخلق والاستدلال على الله تعالى، ومدح لمن كانت صفته هذه، ورد على من ~~أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لا يكون إلا تقليدا وبالخبر، لأنه تعالى ~~أخبر عما في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار من الدلالات ~~عليه وعلى وحدانيته، لأن من فكر في السماوات وعظمها وعجائب ما فيها من ~~النجوم والافلاك، ومسير ذلك على التقدير الذي تسير عليه، وفكر في الارض ~~وما فيها من ضروب المنافع، وفي اختلاف الليل والنهار ومجيئهما بالأوقات ~~والازمنة التي فيها المصالح، واتساق ذلك وانتظام بعضها إلى بعض، وحاجة ~~بعضها إلى بعض حتى لو عدم شيء منه لم يقم ما سواه [مقامه] علم أن ذلك لا ~~يكون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لأنه لو كان قادرا، ولم يكن ~~عالما بالعواقب لما أغنت القدرة شيئا، ولو كان عالما غير حكيم في فعله ~~لما أغنى العلم شيئا، ولو كانا اثنين ما انتظم تدبير، ولا تم خلق، ولعلا ~~بعضهم على بعض، كما قال تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # فكيف ينسب إلى الفقر من كان جميع ما في السماوات والاض بيده، أم كيف ~~يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره إذا شاء رزقه وإذا شاء حرمه، ويدل على ~~أن خالق الجسم لا يشبهه، لأنه لو أشبهه لكان محدثا مثله، ويدل على أنه ~~قديم، لأنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث ولأدى ذلك إلى ما لا يتناهى ~~ويدل ms0832 أيضا على أنه قادر على جميع الاجناس، لأنه من قدر على الجسم يقدر ~~على سائر الاجناس، ووجه الدلالة من خلق السماوات والارض على الله هو ان ~~الانسان إذا فكر ورأى عظمها، وثقل الارض ووقوفها على غير عمد يقلها، ~~وحركة السماوات حولها لا على شيء يدعمها، علم أن الممسك لذلك هو الذي لا ~~يشبه الاجسام ولا المحدثات، لأنه لو اجتمع جميع الخلق على أن يمسكوا جسما ~~خفيف المقدار، ويقلوه في الجو من غير أن يدعموه لما قدروا عليه، فعلم ~~حينئذ ان الذي يقدر عليه مخالف لجميع الاشياء وعلم أيضا أنها لو كانت ~~السماوات والارض معتمدة على غيرها لكان ذلك الغير يحتاج إلى ما يعتمد ~~عليه وفي ذلك اثبات ما لا يتناهى من الاجسام، وذلك محال فهذا أحد وجوه ~~دلالة السماوات والارض، وهو أحد ما قال { إن في ذلك لآيات لأولي الألباب ~~} ووجه الدلالة من اختلاف الليل والنهار هو أن جميع الخلق لو اجتمعوا على ~~أن يأتوا بالليل بدلا من النهار، أو النهار بدلا من الليل أو ينقصوا، أو ~~يزيدوا من أحدهما في الآخر لما قدروا عليه، كما قال: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله # وقوله: { لأولي الألباب } معناه لذوي العقول. واللب: العقل سمي به لأنه ~~خير ما في الانسان واللب من كل شيء خيره، وخالصه. فان قيل: فما وجه ~~الاحتجاج بخلق السماوات [والأرض] على الله ولم يثبت بعد انها مخلوقة قيل ~~عند ثلاثة أجوبة: # أولها - على تقدير اثبات كونها مخلوقة قبل الاستدلال به لأن الحجة به ~~قامت عليه من حيث أنها لم تنفك من المعاني المحدثة. # الثاني - أن الغرض ذكر ما يوجب صحة الذي تقدم ثم يترقى من ذلك إلى تصحيح ~~ما يقتضيه على مراتبه، كالسؤال ms0833 عن الدلالة على النبوة فيقع الجواب بذكر ~~المعجزة دون ما قبلها من الرتبة. # الثالث - أن تعاقب الضياء والظلام يدل على حدوث الاجسام. ### || [3.191] # موضع { الذين } خفض، لأنه نعت { لأولي الألباب } أي فهؤلاء يستدلون على ~~توحيد الله بخلقه السماوات والارض، وأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم ~~قياما وقعودا، وهو نصب على الحال. وقوله: { وعلى جنوبهم } أي ومضطجعين، ~~وانما عطف على قياما وقعودا، لأن معناه يدل على الحال، لأن الظرف يكون ~~حالا للمعرفة كما يكون نعتا للنكرة، لأنه من الاستقرار (كما تقول: مررت ~~برجل على الحائط أي مستقرا على الحائط، ومررت برجل في الدار مثله، كما ~~نقول أنا أصير إلى فلان ماشيا، وعلى الخيل، ومعناه وراكبا، كما قال: # إذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما # ومعناه مضطجعا أو قائما أو قاعدا فبين تعالى أن هؤلاء المستدلين على ~~حقيقة توحيد الله يذكرون الله في سائر الأحوال. وقال قوم: { يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم } أي يصلون على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم، ~~وهو المروي في أخبارنا، ولا تنافي بين التأويلين، لأنه لا يمتنع أن يصفهم ~~بأنهم يفكرون في خلق السماوات والارض في هذه الاحوال ومع ذلك يصلون على ~~هذه الأحوال في أوقات الصلوات، وهو قول ابن جريج وقتادة. وقوله: { ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا } انما قال هذا ولم يقل هذه ولا هؤلاء، لأنه أراد به ~~الخلق كأنه قال ما خلقت هذا الخلق باطلا أي يقولون { ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا } بل خلقته دليلا على وحدانيتك وعلى صدق ماأتت به أنبياؤك، لأنهم ~~يأتون بما يعجز عنه جميع الخلق. وقوله: { سبحانك } معناه براءة لك من ~~السوء وتنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا قال الشاعر: # أقول - لما جاءني فخره - # سبحان من علقمة الفاخر # وقال آخر: # سبحانه ثم سبحانا يعود له # وقبلنا سبح الجودي والجمد # وقوله: { فقنا عذاب النار } أي فقد صدقنا رسلك بأن لك جنة ونارا فقنا ~~عذاب النار. ووجه اتصال قوله { فقناعذاب النار } بما قبله قيل فيه قولان: # أحدهما - كأنه قال: ms0834 { ما خلقت هذا باطلا } بل تعريضا للثواب بدلا من ~~العقاب { فقنا عذاب النار } بلطفك الذي نتمسك معه بطاعتك. # الثاني - اتصال الدعاء الذي هو طاعة لله بالاعتراف الذي هو طاعة له. # وفي الآية دلالة على أن الكفر والضلال وجميع القبائح ليست خلقا لله، ~~لأن هذه الاشياء كلها باطلة بلا خلاف. وقد نفى الله تعالى بحكايته عن ~~أولي الالباب الذين رضي أقوالهم بأنه لا باطل فيما خلقه، فيجب بذلك القطع ~~على أن القبائح كلها من فعل غيره، وأنه لا يجوز اضافتها إليه تعالى. ### || [3.192] # وهذه أيضا حكاية عن أولي الألباب الذين وصفهم بانهم أيضا يقولون { ~~ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي من ناله عذاب النار وما فيها من ~~الذل والمهانة فهو المخزى. وقال ابن جريج، وقتادة، وأنس بن مالك، وسعيد ~~بن المسيب: الاخزاء يكون بالتأييد فيها. وقال جابر بن عبدالله: إن الخزي ~~يكون بالدخول فيها. وروى عنه عمرو بن دينار وعطا أنه قال: وما أخزاه من ~~أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا، وهذا هو الأقوى، لأن الخزي إنما هو هتك ~~المخزى، وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه،، فقد فضحه وذلك هو الخزي، ~~ولا ينافي ذلك ما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لأنه تعالى إذا ~~عفا عن العاصي لا يكون أخزاه وان أدخله النار ثم أخرجه منها بعد استيفاء ~~العقاب، فعلى قول من قال: الخزي يكون بالدوام لا يكون أخزاه، ومن قال ~~يكون بنفس الدخول، له أن يقول: إن ذلك وإن كان خزيا، فليس مثل خزي ~~الكفار، وما يفعل بهم من دوام العقاب، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: # يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه # وقوله: { وما للظالمين من أنصار } معناه ليس للظالمين من يدفع عنهم على ~~وجه المغالبة والقهر، لأن الناصر هو الذي يدفع عن المنصور على وجه ~~المغالبة ولا ينافي ذلك الشفاعة في أهل الكبائر لأن الشفاعة هي مسألة ~~وخضوع وضرع إلى الله تعالى، وليست من النصرة في شيء وقوله (صلى الله عليه ~~وسلم) # " يخرجون من ms0835 النار بعدما يصيرون حمما وفحما " # صريح بوقوع العفو عن مرتكبي الكبائر وتأول الرماني الخبر تأويلين: # أحدهما - أنه لولا الشفاعة، لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها، ~~فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال أخرجتني من السلعة إذا كان ~~لولا مشورته، لدخل فيها بابتياعه إياها. # الثاني - لولا الشفاعة، لدخلوها بما معهم من الصغيرة ثم أخرجوا عنها إلى ~~الجنة. والأول فاسد، لأنه مجاز. والثاني - ليس بمذهب لأحد من القائلين ~~بالوعيد لأن الصغيرة تقع مكفرة لا عقاب عليها فكيف يدخل بها النار. ### || [3.193] # في هذه الآية أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الالباب وغير ذلك ~~من الأوصاف التي مضت بأنهم يقولون: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان } واختلفوا فيمن المنادي ها هنا، فقال محمد بن كعب القرظي ~~وقتادة: هو القرآن. وقال ابن جريج وابن زيد: هو رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، وهو الذي اختاره الجبائي، واختار الطبري الأول قال: لأنه ليس كل ~~أحد سمع قول النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا رآه ولا عاينه وسمع دعاءه ~~إلى الله تعالى. والقرآن سمعه من رآه ومن لم يره كما قال تعالى مخبرا عن ~~الجن انهم قالوا: { سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } وهذا الذي ذكره ~~ليس بطعن، لأنه إذا بلغه دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) جاز أن يقول { ~~سمعنا مناديا } وإن كان فيه ضرب من التجوز، وقال قتادة سمعوا دعوة من ~~الله فأجابوها وأحسنوا فيها وصبروا عليها. وقوله: { سمعنا مناديا } يعني ~~نداء مناد لأن المنادي لا يسمع وقوله: { للإيمان } معناه إلى الايمان، ~~كما قال: # الحمد لله الذي هدانا لهذا # ومعناه إلى هذا قال الراجز: # أوحى لها القرار فاستقرت # وشدها بالراسيات الثبت # يعني أوحى إليها. ومنه قوله: # بأن ربك أوحى لها # أي إليها، فمعنى الآية { ربنا إننا سمعنا } داعيا يدعو إلى الايمان ~~والتصديق بك، والاقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه، ~~فصدقنا بذلك يا { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } ومعناه استرها علينا، ولا ~~تفضحنا بها في القيامة على رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا { وكفر ms0836 ~~عنا سيئآتنا } معناه امحها بفضلك ورحمتك ايانا { وتوفنا مع الأبرار } ~~معناه واقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الابرار، واحشرنا معهم. # اللغة، والمعنى: # والابرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه حتى أرضوه، فرضي ~~عنهم. وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر وأصل البر الاتساع، فالبر ~~الواسع من الارض خلاف البحر والبرصلة الرحم والبر: العمل الصالح. والبر: ~~الحنطة والابرار على الخصم الزيادة عليه. وابتر من أصحابه إذا انفرد ~~منهم. # فان قيل: إذا كان النداء إنما هو تنبيه المنادى ليقبل بوجهه على المكلم ~~له، فما معنى ربنا؟ قلنا: الأصل في النداء تنبيه المنادى ثم استعمل في ~~استفتاح الدعاء اقتضاء للاجابة واعترافا بالتفضل، ولا يجوز فتح (أن) بعد ~~ربنا بايقاع النداء عليه، لأن بعده لا يكون إلا جملة ولا يقع فيه مفرد، ~~لأنه لا يجوز ربنا ادخالك النار من أخزيته، لأنه ابتداء لا خبر له. فان ~~قيل: ما معنى قوله: { وكفر عنا } وقد أغني عنه قوله: { فاغفر لنا } قلنا: ~~جوابان: # أحدهما - اغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة، وكفر عنا إن تبنا. # والثاني - اغفر لنا بالتوبة ذنوبنا، وكفر عنا باجتناب الكبائر السيئآت، ~~لأن الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من ~~العبد وقوله: { أن آمنوا } تحتمل ان أمرين: # أحدهما - أن تكون بمعنى أي على ما ذكره الرماني. # والثاني - أن تكون الناصبة للفعل، لأنه لا يقع في مثله دخول الباء نحو ~~بأن آمنوا. ### || [3.194] # فهذه أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم يقولون أعطنا ما وعدتنا على لسان ~~رسلك من الثواب ولا تخزنا. والمخزي في اللغة المذل، المحقور بأمر قد لزمه ~~بحجة تقول أخزيته أي ألزمته حجة أذللته معها، والخزي والانقماع والارتداع ~~متقاربة المعنى، والخزاية شدة الاستحياء. وقوله { إنك لا تخلف الميعاد } ~~استئناف كلام ولذلك كسرت (إن) والمعنى انك وعدت الجنة لمن آمن بك، وإنك ~~لا تخلف الميعاد. فان قيل: ما وجه مسألتهم لله أن يؤتيهم ما وعدهم، ~~والمعلوم أن الله ينجز وعده، ولا يجوز عليه الخلف في الميعاد؟ قيل ms0837 عن ذلك ~~أجوبة: # أحدها - ما اختاره الجبائي، والرماني ان ذلك على وجه الانقطاع إليه ~~والتضرع له والتعبد له كما قال: # رب احكم بالحق # وقوله: # لا تحملنا ما لا طاقة لنا به # وأمثال ذلك كثيرة. # والثاني - قال قوم إن ذلك خرج مخرج المسألة ومعناه الخبر، وتقدير الكلام ~~ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمناربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار، لتوفينا ما وعدتنا به ~~على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة لأنهم علموا ان ما وعد الله به فلا بد من ~~أن ينجزه # والثالث - قال قوم: معناه المسألة والدعاء بأن يجعلهم ممن آتاهم ما ~~وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة ~~عند الله في أنفسهم ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم ~~عند أنفسهم، لأنه لو كان كذا، لكانوا زكوا أنفسهم وشهدوا لها أنهم ممن قد ~~استوجب كرامة الله، وثوابه، ولا يليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين. # والرابع - قال قوم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إليه تعالى أن ~~يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر وإعلاء كلمة الحق على ~~الباطل فيجعل ذلك لهم لأنه لا يجوز أن يكونوا مع ما وصفهم الله به غير ~~واثقين ولا على غير يقين ان الله لا يخلف الميعاد فرغبوا إليه في تعجيل ~~ذلك، ولكنهم كانوا وعدوا النصر ولم يوقت لهم في ذلك وقت فرغبوا إليه ~~تعالى في تعجيل ذلك لهم لما لهم فيه من السرور بالظفر وهو اختيار الطبري. ~~وقال الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) من وطنه ~~وأهله مفارقا لأهل الشرك بالله إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~وغيرهم من تباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين رغبوا إليه تعالى ~~في تعجيل نصرهم علي أعدائهم وعلموا انه لا يخلف الميعاد ذلك غير أنهم ~~سألوا تعجيله وقالوا لا صبر لنا على اناتك وحلمك وقوى ذلك بما بعد هذه ~~الآية ms0838 من قوله: { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي ~~وقاتلوا وقتلوا. # .. } الآيات بعدها وذلك لا يليق إلا بما ذكره، ولا يليق بالأقاويل ~~الباقية وإلى هذا أومأ البلخي، لأنه قال في الآية الأخرى: انها والتي ~~بعدها في الذين هاجروا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم). وفي الآية دلالة ~~على أنه يجوز أن يدعو العبد بما يعلم أنه يفعله مثل أن يقول رب احكم ~~بالحق. وقوله: { فاغفر لنا ذنوبنا } خلاف ما يقوله المجبرة، ولا يلزم على ~~ذلك جواز التعبد بأن يدعو بما يعلم أنه لا يكون مثل أن يقول لا يظلم، لأن ~~في ذلك تحكما على فاعله وتجبرا عليه في تدبيره، ولو سوى بينهما كان ~~جائزا كما قلنا في قوله: # لا تحملنا ما لا طاقة لنا به # على أحد الوجهين وقوله: { إنك لا تخلف الميعاد } فيه اعتراف بأنه لا ~~يخلف الميعاد بعد الدعاء بالايجاز لئلا ينوهم عليهم تجويز الخلف على الله ~~تعالى. ### || [3.195] # قرأ حمزة والكسائي وخلف " وقتلوا وقاتلوا " بتقديم المفعولين على ~~الفاعلين الباقون { قاتلوا وقتلو } بتقديم الفاعلين على المفعولين، وشدد ~~التاء من { قتلوا } ابن كثير وابن عامر. وقرأ عمر بن عبد العزيز { وقتلوا ~~} بلا الف { وقتلوا } وقال الطبري القراءة بتقديم المفعولين لا تجوز، ~~وهذا خطأ ظاهر، لأن من اختار اسم الفاعلين على المفعولين، وجه قراءته أن ~~القتال قبل القتل. ومن قدم المفعولين على الفاعلين وجه قراءته يحتمل ~~أمرين: # أحدهما - أن يكون المعطوف بالواو ويجوز أن يكون أولا في المعنى. وان كان ~~مؤخرا في اللفظ، لأن الواو، لا يوجب الترتيب وهي تخالف الفاء في هذا ~~المعنى، وهكذا خلافهم في سورة التوبة. # والثاني - أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا لمكان من ~~قتل منهم كما قال تعالى # فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين # وقوله: { فاستجاب لهم ربهم أني } أي بأني وحذف الباء، ولو قرئ بكسر ms0839 ~~الهمزة كان جائزا على تقدير: قال لهم { إني لا أضيع عمل عامل منكم } ~~ومعنى قوله: { فاستجاب } أجابهم ربهم يعني الداعين بما تقدم وصف الله ~~إياهم وأجاب واستجاب بمعنى قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # أي لم يجبه. { بأني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } من زائدة ~~كما يقال كان من الحديث ومن الأمر ومن القصة. ومن ها هنا أحسن، لأن حرف ~~النفي قد دخل في قوله: " لا أضيع " من ها هنا ليست زائدة، لأنها دخلت ~~لمعنى ولا يصلح الكلام إلا بها، لأنها للترجمة والتفسير عن قوله: " منكم ~~" بمعنى لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والاناث، قالوا ولا تكون من ~~زائدة إلا في موضع جحد. وقوله: { لا أضيع عمل عامل منكم } لم يدركه الجحد ~~لانك لا تقول لا أضرب غلام رجل في الدار، ولا في البيت، فيدخل ولا، لأنه ~~لم ينله الجحد ولكن (من) مفسرة. وقوله: { لأكفرن عنهم سيئآتهم } معناه ~~لأذهبنها واسقط عقابها، وهذه الآية، والتي قبلها - في قول البلخي - نزلت ~~في المتبعين للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمهاجرين معه ثم هي في جميع من ~~سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين. وقوله: { لأكفرن عنهم سيئآتهم } أي ~~لأغطينها وأمحونها وأحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة والجهاد ~~واحتمال تلك الشدائد في جنب الله. وحمل السيئآت على الصغائر. وقوله: { ~~ثوابا من عند الله } نصب على المصدر ذكر على وجه التأكيد، لأن معنى # ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار # لأثيبنهم، ومثله " كتاب الله عليكم " لأن قوله: # حرمت عليكم أمهاتكم وبنانكم # معناه كتب الله عليكم " وكتاب الله عليكم " مؤكد ومثل ذلك # صنع الله الذي # لأن قوله: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب # قد علم منه أن ذلك صنع الله. وقوله: { من ذكر أو أنثى } روي انه قيل ~~لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء ~~في الهجرة، فأنزل الله هذه الآية روي ذلك عن مجاهد، وعمرو ms0840 بن دينار، ~~ويقال ان القائل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت أم سلمة (رض). ~~وقوله: { بعضكم من بعض } قال أبو علي: يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يريد بقوله: { بعضكم } العاملين { من بعض } يعني بعض العمل ~~الذي أمرتم به. # والثاني - أن يكون عنى بقوله: { بعضكم من بعض } أن ذكور المؤمنين ~~وأناثهم مستوون في أن لا يضيع الله لأحد منهم عملا، وان يجازيهم على ~~طاعاتهم، فأناث المؤمنين بعض المؤمنين، وكذلك ذكورهم، فبعضهم كبعض في هذا ~~الباب. وقال الطبري { بعضكم } يعني الذين يذكرونني { قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم } من بعض في النصرة، والملة، والدين، وحكم جميعكم فيما أفعل بكم ~~حكم أحدكم في { أني لا أضيع عمل عامل } ذكر منكم ولا أنثى. والاضاعة: ~~الاهلاك. ضاع الشيء يضيع: إذا هلك. وأضاعه اضاعة وضيعه تضييعا، ومنه ~~الضيعة: القرية. وقوله: { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم } يعني الذين ~~هاجروا عن قومهم من أهل الكفر في الله إلى اخوانهم المؤمنين { وأخرجوا من ~~ديارهم } هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة { وأوذوا في سبيلي } ~~بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله { وقاتلوا } ~~يعني في سبيل الله { وقتلوا } فيها { لأكفرن عنهم سيئآتهم } يعني ~~لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم. وذلك يدل ~~على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال. # { ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا } يعني جزاء لهم على ~~أعمالهم { والله عنده حسن الثواب } معناه أن عنده من حسن الجزاء على ~~الاعمال ما لا يبلغه وصف واصف مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر. ### || [3.196-197] # المعنى: # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم). وقيل في معناه قولان: # أحدهما - ان ذلك على وجه التأديب والتحذير، لأن النبي لا تجوز عليه ~~المعاصي لمكان التحذير من الله والتخويف، كما قال # لئن أشركت ليحبطن عملك # الثاني - ان الخطاب وان توجه إليه، فالمراد به جميع المؤمنين، وتقديره ~~لا يغرنكم أيها المؤمنون ما ترون ان قوما من الكفار كانوا يتجرون ~~ويربحون في الاسفار التي كانوا يسافرونها، ويسلمون فيها لكونهم في ms0841 الحرم، ~~فأعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مأواهم ومصيرهم ~~بكفرهم إلى النار، ولا خير بخير بعده النار. وقوله: { متاع قليل } معناه ~~ذلك الكسب، والربح الذي يربحونه متاع قليل وسماه متاعا، لأنهم متعوا به ~~في الدنيا، والمتاع النفع الذي تتعجل به اللذة اما بوجود اللذة أو بما ~~يكون به اللذة نحو المال الجليل، والملك، وغير ذلك من الاولاد والاخوان. ~~ووصفه بالقلة لسرعة زواله وانقطاعه، وذلك قليل بالاضافة إلى نعيم الآخرة. ~~والمهاد الموضع الذي يسكن فيه الانسان ويفترشه. ووصفه بأنه بئس المهاد ~~على ضرب من المجاز، لما فيه من أنواع العذاب، لأن الذم انما هو على ~~الاساءة كقولك: بئس الرجل - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: هو ~~حقيقة لأنه على وجهين: # أحدهما - من جهة النقص. # والآخر - من جهة الاساءة، وهو معنى قول السدي، وقتادة، وأكثر المفسرين. ~~والغرور ايهام حال السرور فيما الأمر بخلافه في المعلوم، وليس كل ايهام ~~غرورا، لأنه قد يتوهمه مخوفا فيحذر منه، فلا يقال غره. والفرق بين ~~الغرر والخطر ان الغرر قبيح، لأنه ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق منه، ~~والخطر قد يحسن على بعض الوجوه، لأنه من العظم من قولهم: رجل خطير أي ~~عظيم، وبني المضارع مع النون الشديدة، لأنه بمنزلة ضم اسم إلى اسم ~~للتأكيد. ### || [3.198] # قرأ أبو جعفر (لكن) بتشديد النون وفتحها - ها هنا وفي (الزمر) - وقرأ ~~أبو عمرو والكسائي، وحمزة في أكثر الروايات (الاشرار، والابرار، والقرار) ~~بالامالة. الباقون - بالتفخيم - والامالة في فتحة الراء حسنة، لأن الراء ~~المكسورة تغلب المفتوحة كما غلبت المستعلي في قولهم: قارب وطارد، وقادر ~~فيمن أمالهن، فاذا غلبت المستعلي، فان تغلب الراء المفتوحة أولى، لأنه لا ~~استعلاء في الراء، وإنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير. ومن لم يمل، ~~فلأن كثيرا من الناس لا يميل شيئا من ذلك. # لما أخبر الله تعالى عما للكفار من سوء العاقبة وأنواع العذاب بشر ~~المؤمنين بما أعد لهم من الجزاء عند الله وجزيل الثواب، فقال: { لكن ~~الذين اتقوا ms0842 ربهم } بفعل الطاعات، وترك المعاصي { لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله } يعني ثوابا من عند الله، وهو ~~نصب على المصدر على وجه التأكيد، لأن خلودهم فيها انزالهم فيها، كأنه ~~قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها انزالا. ويحتمل أن يكون نصبا على ~~التفسير، كقولك: هو لك هبة. وواحد الابرار بار: مثل صاحب، وأصحاب. ويجوز ~~أن يكون بر وأبرار - على فعل وأفعال - تقول: بررت والدي، فانا بر. وأصله ~~برر لكن ادغمت الراء للتضعيف. وقوله: { وما عند الله خير } يعني من الحبا ~~والكرامة، وحسن المآب خير للابرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، لأن ما ~~يتقلبون فيه زائل فان قليل، وما عند الله دائم غير زائل. وقد بينا معنى ~~(لكن) فيما مضى، وانها للاستدراك بها خلاف المعنى المتقدم من اثبات بعد ~~نفي أو نفي بعد اثبات. فقوله: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } ~~يتضمن معنى فما لهم كبير نفع، فجاء على ذلك، { لكن الذين اتقوا ربهم لهم ~~جنات } وقوله: { تجري من تحتها الأنهار } معناه تجري من تحت شجرها. # ويقال انها تجري معلقة من غير أخدود لها. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، ~~ثم قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، وقوله في الفاجرة: ~~إن الموت خير لها يعني إذا كانت تدوم على فجورها. ### || [3.199] # النزول: # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقال جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، ~~وقتادة، وابن جريج إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما بلغه موت النجاشي، ~~دعا له واستغفر له، وصلى عليه، وقال للمؤمنين: صلوا عليه، فقالوا نصلي ~~على رجل ليس بمسلم؟ وقال قوم منافقون: نصلي على علج بنجران؟ فنزلت هذه ~~الآية، فالصفات التي فيها صفات النجاشي. وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن ~~جريج وابن اسحاق إنها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا، منهم: عبد ~~الله بن سلام، ومن معه. وقال مجاهد: إنها نزلت في كل من أسلم من أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى وهو ms0843 أولى، لأنه عموم الآية، ولا دليل يقطع به ~~على ما قالوه على انها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر، لم يمنع ذلك من ~~حملها على عمومها، في كل من أسلم من أهل الكتاب، لأن الآية قد تنزل على ~~سبب وتكون عامة في كل من تتناوله. # المعنى: # وإنما خصوا بالوعيد، ليبين ان جزاء أعمالهم موفر عليهم، لا يضرهم كفر من ~~كفر منهم فتأويل الآية { وإن من أهل الكتاب }: التوراة والانجيل { لمن ~~يؤمن بالله } أي يصدق بالله ويقر بوحدانيته، { وما أنزل إليكم } أيها ~~المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، { وما ~~أنزل إليهم } يعني إلى أهل الكتاب من الكتب { خاشعين } يعني خاضعين ~~بالطاعة مستكينين له بها متذللين قال ابن زيد: الخاشع: المتذلل الخائف. { ~~لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا } معناه لا يحرفون ما أنزل الله في ~~كتبه من أوصاف محمد (صلى الله عليه وسلم) فيبدلونه، ولا غير ذلك من ~~أحكامه، وحججه لغرض من الدنيا خسيس يعطونه على التبديل، وابتغاء الرئاسة ~~على الجهال، كما فعله غيرهم ممن وصفه بقوله تعالى: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى # وقال: # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة # لكن ينقادون للحق، ويعملون بما أمرهم الله به مما أنزل إليهم، وينتهون ~~عما نهاهم عنه ثم قال: { أولئك } يعني هؤلاء الذين يؤمنون { بالله * وما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم... لهم أجرهم عند ربهم } يعني لهم عوض أعمالهم ~~وثواب طاعاتهم فيما يطيعونه فيها مذخور عند ربهم حتى يوفيهم يوم القيامة ~~{ إن الله سريع الحساب } وصفه بالسرعة لأنه لا يؤخر الجزاء عمن يستحقه ~~لطول الحساب، لأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد أن ~~عملوها، فلا حاجة به إلى احصاء، عدد فيقع في الاحصاء ابطاء وقال الجبائي: ~~لأنه قادر على أن يكلمهم في حال واحدة كل واحد بكلام يخصه. لأنه قادر ~~لنفسه و { خاشعين } نصب على الحال، ويمكن أن يكون حالا من الضمير في { ~~يؤمن } وهو عائد إلى قوله: { لمن يؤمن بالله } ويمكن أن ms0844 يكون حالا من ~~قوله: { إليهم } وقال الحسن: الخشوع: الخوف اللازم للقلب من الله. وأصل ~~الخشوع: السهولة: والخشعة، سهولة الرمل كالربوة. والخاشع من الارض: الذي ~~لا يهتدى له، لأن الرمل يعفي اثاره. # ومنه قوله: # خاشعة أبصارهم # وخشعت الأصوات للرحمن # والخاشع: الخاضع ببصره. والخشوع: التذلل خلاف التصعب. ### || [3.200] # اختلفوا في تأويل هذه الآية، فقال قوم: معنى اصبروا اثبتوا على دينكم ~~وصابروا الكفار ورابطوهم يعني في سبيل الله ذهب إليه الحسن، وقتادة، وابن ~~جريج، والضحاك وقال آخرون: معناها { اصبروا } على دينكم { وصابروا } ~~الوعد الذي وعدتكم به { ورابطوا } عدوي وعدوكم ذهب إليه محمد بن كعب ~~القرظي. وقال آخرون { اصبروا } على الجهاد { وصابروا عدوكم ورابطوا } ~~الخيل عليه ذهب إليه زيد بن أسلم. وقال آخرون: رابطوا الصلوات أي ~~انتظروها واحدة بعد واحدة، لأن المرابطة لم تكن حينئذ وهذا مروي عن علي ~~(ع) ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وجابر بن عبد الله وأبو هريرة ~~والأولى أن تحمل الآية على عمومها في الصبر على كل ما هو من الدين، فعلا ~~كان أوتركا. # وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، والربط الشد، ومنه قولهم: ربط الله على ~~قلبه بالصبر، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراء من أرادهم بسوء ~~وينبغي أن يحمل قوله رابطوا أيضا على المرابطة لما عند الله لأنه العرف ~~في استعمال الخبر، وعلى انتظار الصلاة واحدة بعد أخرى. وقوله: { واتقوا ~~الله } معناه اتقوا ان تخالفوه فيما يأمركم به لكي تفلحوا [وتفوزوا] ~~بنعيم الابد وتنجحوا بطاعتكم من الثواب الدائم. # وروي عن أبي جعفر (ع) انه قال اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ~~ورابطوا عدوكم. وانما جمع بين { اصبروا وصابروا } من أن المصابرة من ~~الصبر، للبيان عن تفصيل الصبر الذي يعني به في الذكر لأن المصابرة صبر ~~على جهاد العدو يقابل صبره لأن المفاعلة بين اثنين. # وإنما وصف (أي) بالموصول ولم يوصف بالمضاف، لأن (الذي) يجري مجرى الجنس، ~~لأن فيه الالف واللام بمنزلة قوله يا أيها المؤمنون، ولا يجوز يا أيها ~~أخو زيد، لأنه لا ms0845 يصح فيه الجنس. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # القراءة والحجة: # قرأ أهل الكوفة { تساءلون به } بتخفيف السين، الباقون بتشديدها، وقرأ ~~حمزة وحده { والأرحام } بجر الميم، الباقون بفتحها. فمن قرأ من أهل ~~الكوفة { تساءلون به } بالتخفيف فوجهه ان أصله تتساءلون، فحذف احدى ~~التاءين وهي الاصلية، لأن الاخرى للمضارعة، وانما حذفوها لاستثقالهم ~~إياها في اللفظ فحذفت لأن الكلام غير ملتبس. ومن شدد أدغم احدى التاءين ~~في السين، لقرب مكان هذه من هذه. # المعنى: # ومعنى { تساءلون به } تطلبون حقوقكم به { والأرحام } القراءة المختارة ~~عند النحويين النصب في الارحام على تقدير: واتقوا الارحام. وتكون معطوفة ~~على موضع { به } ذكره أبو علي الفارسي، فأما الخفض فلا يجوز عندهم إلا في ~~ضرورة الشعر كما قال الشاعر أنشده سيبويه: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والايام من عجب # فجروا الايام عطفا على موضع الكاف في " بك " وقال آخر: # نعلق في مثل السواري سيوفنا # وما بينها والكعب غوط نفانف # فعطف الكعب على الهاء والالف في (بينها) وهو ظاهر على مكنى وقال آخر: # وان الله يعلمني ووهبا # وانا سوف نلقاه سوانا # فعطف وهبا على الياء في يعلمني، ومثل ذلك لا يجوز في القرآن والكلام. ~~قال المازني: لأن الثاني في العطف شريك للأول، فان كان الأول يصلح أن ~~يكون شريكا للثاني جاز وإن لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له لم يجز، قال: ~~فكما لا تقول: مررت بزيد وذاك لا تقول مررت بك وزيد. وقال أبو علي ~~الفارسي: لأن المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم فقبح ~~أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. ويفسد من جهة المعنى من ~~حيث ان اليمين بالرحم لا يجوز، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: # " لا تحلفوا بآبائكم " # فكيف تساءلون به وبالرحم على هذا وقال اسماعيل بن اسحاق: الحلف بغير ~~الله أمر عظيم، وان ذلك خاص لله تعالى، وهو المروي في أخبارنا. وقال ~~ابراهيم النخعي وغيره: انه من قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. وقال ابن ~~عباس، والسدي، وعكرمة، والحسن، ms0846 والربيع، والضحاك، وابن جريج، وابن زيد، ~~وقتادة: المعنى والارحام فصلوها. وهذه الآية خطاب لجميع المكلفين من ~~البشر. # وقوله: { واتقوا ربكم } فيه وعظ بان يتقى عصيانه بترك ما أمر به وارتكاب ~~ما نهى عنه. وحذر من قطع الارحام لما أراد من الوصية بالاولاد والنساء ~~والضعفاء، فأعلمهم انهم جميعا من نفس واحدة، فيكون ذلك داعيا لهم إلى ~~لزوم أمره وحدوده في ورثتهم ومن يخلفون بعدهم، وفي النساء والأيتام عطفا ~~لهم عليهم. ثم اخبر تعالى انه خلق الخلق من نفس واحدة فقال: { الذي خلقكم ~~من نفس واحدة } والمراد بالنفس ها هنا آدم عند جميع المفسرين: السدي ~~وقتادة ومجاهد وغيرهم. # وقوله: { وخلق منها زوجها } يعني حواء. روي انها خلقت من ضلع من أضلاع ~~آدم، ذهب إليه أكثر المفسرين. وقال أبو جعفر (ع): خلقها من فضل الطينة ~~التي خلق منها آدم، ولفظ النفس مؤنث بالصيغة، ومعناه التذكير ها هنا، ولو ~~قيل نفس واحد لجاز. # المعنى، واللغة: # وقوله: { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } معنى بث نشر، يقال: بث الله ~~الخلق. ومنه قوله: # كالفراش المبثوث # وذلك يدل على بث. وبعض العرب يقول أبث الله الخلق، ويقال بثثتك سري، ~~وابثثتك سري لغتان. # وقوله: { إن الله كان عليكم رقيبا } أي حافظا تقول رقب يرقب رقابا ~~وانما قال: { كان عليكم } ولفظ كان يفيد الماضي لأنه أراد أنه كان حفيظا ~~على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وانه كان عالما ~~بما صدر منهم، لم يخف عليه منه شيء. والرقيب الحافظ في قول مجاهد. وقال ~~ابن زيد: الرقيب العالم، والمعنى متقارب، يقال: رقب يرقب رقوبا ورقبا ~~ورقبة. قال أبو داود: # كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد # وقيل في معنى { الذي تسألون به } قولان: # أحدهما - قال الحسن ومجاهد وابراهيم: هو من قولهم: اسألك بالله والرحم، ~~فعلى هذا يكون عطفا على موضع به كأنه قال: وتذكرون الارحام في التساؤل. # الثاني - قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والربيع وابن زيد وهو ~~المروي عن أبي جعفر (ع): واتقوا الارحام أن تقطعوها، فعلى هذا ms0847 يكون ~~معطوفا على اسم الله تعالى، ووجه النعمة في الخلق من نفس واحدة انه أقرب ~~إلى أن يتعطفوا ويأمن بعضهم بعضا ويحامي بعضهم عن بعض، ولا يأنف بعضهم ~~عن بعض، لما بينهم من القرابة والرجوع إلى نفس واحدة، لأن النفس الواحدة ~~ها هنا آدم (ع) باجماع المفسرين: الحسن وقتادة والسدي ومجاهد. وجاز من ~~نفس واحدة لأن حواء من آدم على ما بيناه، فرجع الجميع إلى آدم وانما أنث ~~النفس والمراد بها آدم لأن لفظ النفس مؤنثة، وان عني بها مذكر كما قال ~~الشاعر: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # فانث على اللفظ، وقد حكينا عن أكثر المفسرين: ابن عباس ومجاهد والحسن ~~وقتادة والسدي وابن اسحاق: ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وروي عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " المرأة خلقت من ضلع، وانك ان أردت أن تقيمها كسرتها وان تركتها وفيها ~~عوج استمعت بها " # وروي عن أبي جعفر (ع) أن حواء خلقت من فضل طينة آدم (ع). ### || [4.2] # المعنى: # هذا خطاب لأوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا ~~بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ، وايناس الرشد ~~مجازا، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: # " لا يتم بعد احتلام " # كما قالوا في النبي (صلى الله عليه وسلم) إنه يتيم أبي طالب بعد كبره ~~يعنون انه رباه. وقوله: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } معناه: لا ~~تستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من ~~أموالكم، واختلفوا في صفة التبديل فقال بعضهم كان أوصياء اليتامى يأخذون ~~الجيد من مال اليتيم والرفيع منه ويجعلون مكانه الردئ الخسيس، ذهب إليه ~~ابراهيم النخعي، والسدي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، وقال قوم: معناه ~~{ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق ~~الحلال الذي قدر لكم. ذهب إليه أبو صالح، ومجاهد. وقال ابن زيد: معناه ما ~~كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا يرزقون النساء ولا الصغار ~~بل يأخذه الكبار. وأقوى ms0848 الوجوه الوجه الأول، لأنه ذكر عقيب مال اليتامى ~~وإن حمل على عموم النهي عن التبديل بكل مال حرام كان قويا. وقوله: { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } يعني أموال اليتامى مع أموالكم والتقدير: ~~ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا، فأما خلط مال اليتيم ~~بمال نفسه إذا لم يظلمه فلا بأس به بلا خلاف قال الحسن لما نزلت هذه ~~الآية كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله، ~~فأنزل الله تعالى: # ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم ~~المفسد من المصلح # وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: { إنه كان حوبا ~~كبيرا } يعني إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم حوب كبير، أي اثم كبير ~~في قول ابن عباس ومجاهد. والهاء في قوله: " إنه " دالة على اسم الفعل ~~الذي هو الاكل. والحوب الاثم، يقال: حاب يحوب حوبا وحباة والاسم الحوب. ~~وقرأ الحسن حوبا: ذهب إلى المصدر. ويقال: تحوب فلان من كذا إذا تحرج ~~منه. ويقال نزلنا بحوبة من الارض وبحيب من الارض يعني بموضع سوء. وحكى ~~الفراء عن بني أسد ان الحائب القاتل. وقال الشاعر: # إيها تطيع ابن عبس انها رحم # حبتم بها فانا ختم بجعجاع # أي أثمتم والحوبة الحزن، والتحوب التحزن، والتحوب التأثم، والتحوب ~~الهياح الشديد، والحوباء الروح والكبير العظيم ### || [4.3-4] # النزول، والمعنى: # واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال: # أولها - ما روي عن عائشة انها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر ~~وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا ~~أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب ~~مما سواهن من النساء إلى الاربع { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } من سواهن ~~{ أو ما ملكت أيمانكم } ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا. وقالوا: انها ~~متصلة بقوله: # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ms0849 لهن وترغبون أن تنكحوهن # { فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } الآية ~~وبه قال الحسن والجبائي والمبرد. # والثاني - قال ابن عباس وعكرمة: ان الرجل منهم كان يتزوج الاربع والخمس ~~والست والعشر ويقول ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فاذا فنى ماله مال ~~على مال اليتيم فانفقه، فنهاهم الله تعالى عن أن يتجاوزوا بالاربع إن ~~خافوا على مال اليتيم وإن خافوا من الاربع أيضا أن يقتصروا على واحدة. # والثالث - قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك. وفي احدى ~~الروايات عن ابن عباس قالوا: كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في ~~النساء، ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فقال الله تعالى كما تخافون ~~ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الاربع، فان ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة. # والرابع - قال مجاهد: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى معناه: ان تحرجتم ~~من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا، ~~وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. # والخامس - قال الحسن: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ~~ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت ايمانكم. وبه قال الجبائي ~~وقال: الخطاب متوجه إلى أولياء اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها إذا كان هو ~~وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يتزوجها. # والسادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى ~~فاحرجوا من جمعكم بين اليتامى، ثم لا تعدلون بينهن. وقوله: { فانكحوا ما ~~طاب لكم } جواب لقوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا } على قول من قال ما رويناه ~~أولا عن عائشة وأبي جعفر (ع). ومن قال: تقديره: ان خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فكذلك خافوا في النساء الجواب قوله: { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء } والتقدير: فان خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها ~~فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في ms0850 حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون ~~معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وان خفتم أيضا من ذلك فواحدة، فان خفتم من ~~الواحدة فما ملكت ايمانكم، فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في ~~حقوق النساء لدلالة الكلام عليه وهو قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~أو ما ملكت أيمانكم } ومعنى { ألا تقسطوا } أي لا تعدلوا ولا تنصفوا، ~~فالاقساط هو العدل والانصاف والقسط هوالجور. # ومنه قوله: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # وقد بيناه فيما مضى. واليتامى جمع لذكران اليتامى واناثهم في هذا ~~المعنى. # المعنى، واللغة، والاعراب # وقال الحسين بن علي المغربي: معنى ما طاب أي بلغ من النساء كما يقال: ~~طابت الثمرة إذا بلغت، قال: والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ ~~لئلا يجري عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها، وقيل: معنى { ما طاب ~~لكم من النساء } من أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال: { ما طاب ~~} ولم يقل: من طاب وان كان من لما يعقل وما لما لا يعقل لأن المعنى: ~~انكحوا الطيب أي الحلال هذه العدة، لأنه ليس كل النساء حلالا، لأن الله ~~حرم كثيرا منهن بقوله: # حرمت عليكم أمهاتكم # الآية. هذا قول الفراء. وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحا طيبا. وقال ~~المبرد: " ما " ها هنا للجنس كقول القائل: ما عندك؟ فتقول: رجل أو امرأة، ~~فالمعني بقوله: ما طاب الفعل دون اعيان النساء واشخاصهن، لأن الاعيان لا ~~تحرم ولا تحلل، وإنما يتناول التحريم والتحليل التصرف فيها، وجرى ذلك ~~مجرى قول القائل: خذ من رقيقي ما أردت: إذا أراد خذ منهم ارادتك ولو أراد ~~خذ الذي تريد لم يجز إلا أن يقول خذ من رقيقي من أردت وكذلك قوله: { أو ~~ما ملكت أيمانكم } معناه أو ملك ايمانكم، ومعنى { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع } فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما ~~قال: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة # معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة. وقوله: { مثنى وثلاث ورباع ms0851 } ~~بدل من { ما طاب } وموضعه النصب وتقديره: اثنين اثنين، وثلاثا وثلاثا، ~~واربعا اربعا، إلا انه لا ينصرف لعلتين، احداهما: انه معدول عن اثنين ~~اثنين وثلاث ثلاث في قول الزجاج، وقال غيره: لأنه معدول ولأنه نكرة، ~~والنكرة أصل للاشياء، وقال غيرهم: هو معرفة، وهذا فاسد عند البصريين، ~~لأنه صفة للنكرة في قوله: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # والمعنى اولي اجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الفراء لأنه معدول، ~~لأنه يقع على الذكر والانثى، ولأنه مضاف إلى ما يضاف إليه الثلاث، فكأن ~~لامتناعه من الاضافة كان فيه الالف واللام. # قال الشاعر: # ولكنما اهلي بواد أنيسه # ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا # ومن قال: انه اسم للعدد معرفة استدل بقول تميم بن أبي مقبل: # ترى النعرات الزرق تحت لبانه # احاد ومثنى أصعقتها صواهله # فرد احاد ومثنى على النعرات وهي معرفة، وقد يجيء منكرا مصروفا كما قال ~~الشاعر: # قتلنا به من بين مثنى وموحد # باربعة منكم وآخر خامس # وترك الصرف أكثر قال صخر الغي: # منت لك أن تلاقيني المنايا # احاد احاد في شهر حلال # وقد تقع هذه الالفاظ على الذكر والانثى، فوقوعها على الانثى مثل الآية ~~التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله: { أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع } لأن المراد به الجناح وهو مذكر، ويقال: احاد وموحد وثنى ومثنى، ~~وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع في ما زاد عليه مثل خماس ولا المخمس ~~ولا السداس والسباع إلا بيت للكميت فانه يروى في العشره عشار، وهوقوله: # فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا # يريد عشرا. وقال صخر السلمي في ثنا وموحد: # ولقد قتلكتم ثناء وموحدا # وتركت مرة مثل امس الدابر # ولم يرد أنه قتل الثلاثة، وانما أراد انه قتل نفرا كثيرا منهم واحدا ~~بعد واحد واثنين بعد اثنين، وقوله: { فواحدة } نصب على انه مفعول به، ~~والتقدير: فان خفتم ألا تعدلوا فيما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة، ولو ~~رفع كان جايزا، وقد قرأ به أبو جعفر المدني، وتقديره: فواحدة كافية، أو ~~فواحدة مجزية، كما قال: ms0852 # فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان # ومن استدل بهذه الآية على أن نكاح التسع، جائز فقد اخطأ، لأن ذلك خلاف ~~الاجماع، وأيضا فالمعنى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ان امنتم ~~الجور وإما ثلاث ان لم تخافوا ذلك أو رباع ان امنتم ذلك فيهن، بدلالة ~~قوله: { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } لأن معناه فان خفتم في الثنتين ~~فانكحوا واحدة، ثم قال: فان خفتم أيضا في الواحدة فما ملكت ايمانكم. على ~~أن مثنى لا يصح إلا لاثنين اثنين، أو اثنتين اثنتين على التفريق في قول ~~الزجاج، فتقدير الآية { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث } ~~[فثلاث] بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث، ولو قيل ب (أو) لظن أنه ليس ~~لصاحب مثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. ومن استدل بقوله: { فانكحوا } ~~على وجوب التزويج من حيث أن الامر يقتضي الايجاب، فقد اخطأ، لأن ظاهر ~~الأمر وإن اقتضى الايجاب، فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن ~~التزويج ليس بواجب على أن الغرض بالآية النهي عن العقد على من يخاف ألا ~~يعدل بينهن، والتقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهم، ~~فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه منهن، مما ~~أحللته لكم منهن، من الواحدة إلى الأربع، وقد يراد بصورة الأمر ما يراد ~~بالنهي أو التهديد كقوله: # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # وقال: # ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون # والمراد بذلك كله التهديد والزجر، فكذلك معنى الآية النهي، وتقديرها: ~~فلا تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء على ما بيناه. # وقوله: { ذلك أدنى ألا تعولوا } اشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف ~~من الجور فيما زاد عليها، أو الاقتصار على ما ملكت أيمانكم، ومعنى { أدنى ~~} أقرب { ألا تعولوا } وقيل في معنى { ألا تعولوا } ثلاثة أقوال: # أحدها - وهو الاقوى والاصح أن معناه: ألا تجوروا، ولا تميلوا يقال منه: ~~عال الرجل يعول عولا وعيالة إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لأن سهامها ~~إذا زادت دخلها ms0853 النقص، قال أبو طالب: # بميزان قسط وزنه غير عائل # وقال أبو طالب أيضا: # بميزان قسط لا يخيس شعيرة # له شاهد من نفسه غير عائل # وروي: لا يضل شعيرة، وبهذا قال ابراهيم، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، ~~وقتادة، وأبو مالك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن عباس، واختاره الطبري، ~~والجبائي. وقال قوم: معناه: ألا تفتقروا، وهذا خطأ، لأن [العول] الحاجة، ~~يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة إذا احتاج، كما قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # أي: متى يفتقر. وقال ابن زيد: معناه: ألا تكثر عيالكم، وهذا أيضا خطأ، ~~لأن المراد لو كان ذلك لما أباح الواحدة، وما شاء من مالك الايمان، لأن ~~اباحة كل ما ملكت اليمين أزيد في العيال من أربع حرائر، على أن من كثرة ~~العيال يقال: أعال يعيل فهو معيل، إذا كثر عياله وعال العيال: إذا مانهم، ~~ومنه قوله: ابدأ بمن تعول. وحكى الكسائي، قال: سمعت كثيرا من العرب ~~يقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله. وقوله: { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ~~} فصدقاتهن: جمع صدقة، يقال: هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة ~~المرأة، وصداق المرأة، والفتح اقلها. ومن قال: صدقة المرأة قال: ~~صدقاتهن، كما تقول: غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهن، بضم الصاد وفتح الدال، ~~وصدقاتهن، ذكره الزجاج. ولا يقرأ من هذه إلا بما قرئ به صدقاتهن، لأن ~~القراءة سنة متبعة. وقوله: " نحلة " نصب على المصدر، ومعناه، قال بعضهم: ~~فريضة، وقال بعضهم ديانة، كما يقال: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، ~~ذكره الزجاج، وابن خالويه. قال بعضهم: هي نحلة من الله لهن، أن جعل على ~~الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، وذلك نحلة من الله ~~تعالى للنساء. ويقال: نحلت الرجل: إذا وهبت له نحلة ونحلا، ونحل جسمه ~~ونحل: إذا دق، وسمي النحل نحلا لأن الله نحل الناس منها العسل الذي يخرج ~~من بطونها، والنحلة عطية عليك على غير جهة المثامنة، والنحلة الديانة، ~~والمنحول من الشعر ما ليس له، واختلفوا في المعني بقوله { وآتوا النساء ms0854 ~~} فقال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره الطبري، ~~والجبائي، والرماني، والزجاج: المراد به الازواج، أمرهم الله تعالى ~~باعطاء المهر إذا دخل بها كملا، إذا سمى لها، فأما غير المدخول بها إذا ~~طلقت فان لها نصف المسمى، وإن لم يكن سمى، فلها المتعة على ما بيناه فيما ~~مضى. # وقال أبوصالح: هذا خطاب للأولياء، لأن الرجل منهم كان إذا زوج أيمة أخذ ~~صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية. # وروى هذا أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع)، وذكر المعمر بن سليمان، عن ~~أبيه، قال: زعم حضرمي ان اناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت ~~الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فنهى الله عن ذلك، وأمر باعطاء صداقهن، وأول ~~الأقوال أقوى، لأن الله تعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين ~~للنساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، ولا ينبغي أن يترك الظاهر من غير ~~حجة ولا دلالة، وقوله: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } اختلفوا فيمن ~~المخاطب به، فقال عكرمة، وابراهيم، وعلقمة، وقتادة، وابن عباس، وابن ~~جريج، وابن زيد: الخطاب متوجه إلى الازواج، لأن أناسا كانوا يتأثمون أن ~~يرجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فانزل الله هذه الآية. وقال أبو ~~صالح: المعني به الاولياء، لأنه حمل أول الآية أيضا عليهم، على ما ~~حكيناه عنه، والأول هو الأولى، لأنا بينا أن الخطاب متوجه إلى الازواج ~~الناكحين، فكذلك آخر الآية. ومعنى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } إن ~~طابت لكم أنفسهن بشيء، ونصبه على التمييز، كما يقولون: ضقت بهذا الأمر ~~ذرعا، وقررت به عينا، والمعنى ضاق به ذرعي وقرت به عيني، كما قال ~~الشاعر: # إذا التياز ذو العضلات قلنا # " اليك اليك " ضاق بها ذراعا # وإنما هو على ذرعا وذراعا، لأن المصدر والأسم يدلان على معنى واحد، فنقل ~~صفة الذراع إلى رب الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل، ولذلك وحد ~~النفس لما كانت مفسرة لموقع الخبر، والنفس المراد به الجنس، يقع على ~~الواحد والجمع، كما قال الشاعر: # بها ms0855 جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض وأما جلدها فصليب # ولم يقل: فجلودها، ولو قال: { فإن طبن لكم عن شيء منه } أنفسا لجاز، ~~وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا. فأما قوله: # بالأخسرين أعمالا # إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف الى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة ~~إذا رضوا به، ومالأوا عليه. ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، ~~فلما نقل الى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز. وقوله: { فكلوه هنيئا ~~مريئا } فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، ~~كما قال الشاعر: # متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النقب # فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب. # ومعنى { فكلوه هنيئا مريئا } أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ~~ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي ~~قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: ~~هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فاذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ~~ولا يقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ~~ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلانا المال إذا وهبته له، أهنؤه ~~هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي، ومعنى قوله: { فإن ~~طبن لكم عن شيء منه } يعني من المهر، و " من " ها هنا ليست للتبعيض وانما ~~معناه لتبيين الجنس، كما قال # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلا خلاف. واستدل أبو علي بهذه ~~الآية على أن لولي اليتيمة الذي هو غير الأب أن يزوج اليتيمة، أو يتزوجها ~~قبل أن تحيض، أو يكمل عقلها، بأن قال الخطاب في قوله: { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى } متوجه إلى الاولياء الذين كانوا يتحرجون من العقد ~~على اليتامى اللائى لهم عليهن ولاية، خوفا من الجور، فقال الله لهم: ان ~~خفتم من العقد على أربع فعلى ثلاث، أو اثنتين، أو واحدة، أو ما ملكت ~~أيمانكم من سواهن، ثم أمرهم باعطائهن المهر، ثم قال: { فإن طبن لكم } ~~يعني الأزواج الذين هم ms0856 الاولياء، { عن شيء } من ذلك، { فكلوه هنيئا ~~مريئا } وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لأنه لا يسلم له أولا أنه خطاب ~~للأولياء، فما الدليل على ذلك ثم إن عندنا وعند الشافعي ليس لأحد من ~~الأولياء أن يزوج الصغيرة إلا الأب خاصة فكيف يسلم له ما قاله؟ ومن قال: ~~يجوز ذلك، قال: يكون العقد موقوفا على بلوغها ورضاها، فان لم ترض كان لها ~~الفسخ، فعلى كل حال لا يصح ما قاله. ### || [4.5] # القراءة، والمعنى: # قرأ نافع، وابن عباس، قيما بغير الف. اختلف أهل التأويل فيمن المراد ~~بالسفهاء المذكورين في الآية، فقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ~~والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبو مالك: إنهم النساء والصبيان، وهو ~~الذي رواه أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع) وقال سعيد بن جبير، والحسن ~~وقتادة، في رواية أخرى عنهم: أنهم الصبيان الذين لم يبلغوا فحسب، وقال ~~أبو مالك، معناه: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قيامك وقال ابن ~~عباس في رواية أخرى: إنها نزلت في السفهاء وليس لليتامى في ذلك شيء، وبه ~~قال ابن زيد، وقال ابو موسى الاشعري ثلاثة يدعون فلا يستجيب الله لهم: ~~رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، وقال: اللهم خلصني منها، ورجل ~~أعطى مالا سفيها، وقد قال الله: { ولاتؤتوا السفهاء أموالكم } ، ورجل له ~~على غيره مال فلم يشهد عليه. وقد روي عن أبي عبد الله (ع) ان السفيه شارب ~~الخمر، ومن جرى مجراه، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي ~~أن المراد به النساء خاصة، وروي ذلك عن مجاهد، والضحاك، وابن عمر، ~~والأولى حمل الآية على عمومها في المنع من اعطاء المال السفيه، سواء كان ~~رجلا أو امرأة بالغا أو غير بالغ. # والسفيه هو الذي يستحق الحجر عليه، لتضييعه ماله، ووضعه في غير موضعه، ~~لأن الله تعالى قال عقيب هذه الاوصاف: { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح، فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } فامر الأولياء ~~بدفع الأموال إلى اليتامى إذا بلغوا، وأونس منهم رشد، وقد ms0857 يدخل في ~~اليتامى الذكور والاناث، فوجب حملها على عمومها. # اللغة: # فأما من حمل الآية على النساء خاصة، فقوله ليس بصحيح، لأن فعيلة لا يجمع ~~فعلاء، وانما يجمع فعايل وفعيلات، كغريبة وغرايب وغريبات، وقد جاء: فقيرة ~~وفقراء، ذكره الرماني. فأما الغرباء فجمع غريب # المعنى: # وقوله: { أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم } ~~اختلفوا في معناه. فقال ابن عباس، وأبو موسى الاشعري، والحسن، وقتادة، ~~ومجاهد، وحضرمي. معناه: لا تؤتوا يا أيها الرشد السفهاء من النساء ~~والصبيان - على ما ذكرنا من اختلافهم - { أموالكم التي جعل الله لكم } ~~يعني أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها، فيفسدوها، ويضيعوها، ولكن { ~~ارزقوهم فيها } إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم { وقولوا لهم قولا ~~معروفا }. وقال السدي: معناه: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم ~~الذين ينفقون ويقومون عليك، واطعمهم من مالك، واكسهم. وبه قال ابن عباس، ~~وابن زيد. وقال سعيد ابن جبير: يعني ب { أموالكم } أموالهم، كما قال: # ولا تقتلوا أنفسكم # قال: واليتامى لا تؤتوهم أموالهم، { وارزقوهم فيها واكسوهم }. # والاولى حمل الآية على الامرين، لأن عمومه يقتضي ذلك، فلا يجوز أن يعطى ~~السفيه الذي يفسد المال، ولا اليتيم الذي لم يبلغ، ولا الذي بلغ ولم يؤنس ~~منه الرشد، ولا أن يوصى إلى سفيه، ولا يختص ببعض دون بعض، وإنما يكون ~~اضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، على ضرب من المجاز، أو لأنه ~~أراد: لا تعطوا الأولياء ما يخصهم لمن هو سفيه ويجري ذلك مجرى قول القائل ~~لواحد: يا فلان أكلتم أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد بخطاب الجميع، ~~ويريد به أنك وأصحابك أو قومك أكلتم، ويكون التقدير في الآية: { ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم } التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها. # اللغة: # وقوله: { التي جعل الله لكم قياما } معناه: ماجعله قوام معايشكم ومعايش ~~سفهائكم، التي بها تقومون قياما، وقيما، وقواما، بمعنى واحد. وأصل ~~القيام: القوام، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، كما قالوا: صمت ~~صياما، وحلت حيالا، ومنه: فلان قوام أهله، وقيام أهله. ومنه: قوام الأمر ~~وملاكه، وهو اسم. ms0858 والقيام مصدر. # المعنى: # وبهذا التأويل قال أبو مالك، والسدي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن ~~زيد. وقوله: { وارزقوهم فيها واكسوهم } اختلفوا في تأويله، فمن قال: عنى ~~بقوله: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } يعني أموال أولياء السفهاء، فانهم ~~قالوا: معناه: وارزقوا أيها الناس سفهاءكم، من نسائكم وأولادكم من ~~أموالكم، طعامهم، وما لا بد لهم منه. ذهب إليه مجاهد، والسدي، وغيرهما ~~ممن تقدم ذكره. ومن قال: إن الخطاب للاولياء، بأن لا يؤتوا السفهاء ~~أموالهم، يعني أموال السفهاء، حمل قوله: { وارزقوهم فيها واكسوهم } على ~~أنه من أموال السفهاء، يعني ما لا بد منه من مؤنهم، وكسوتهم، وإذا حملنا ~~الآية على عمومها، على ما بيناه، فالتقدير: وارزقوا أيها الرشد من خاص ~~أموالكم من يلزمكم النفقة عليه، مما لا بد منه من مؤنة وكسوة، ولا تسلموا ~~إليه إذا كان سفيها، فيفسد المال. ويا أيها الاولياء، أنفقوا على ~~السفهاء من أموالهم، التي لكم الولاية عليها، قدر ما يحتاجون إليه من ~~النفقة والكسوة. وقوله: { وقولوا لهم قولا معروفا } قال مجاهد، وابن ~~جريج. قولوا لهم، يعني للنساء والصبيان، وهم السفهاء، { قولا معروفا } ~~في البر والصلة. وقال ابن زيد: ان كان السفيه ليس من ولدك، ولا يجب عليك ~~نفقته، فقل له قولا معروفا، مثل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك. وقال ~~ابن جريج: معناه: يا معاشر ولاة السفهاء، قولوا قولا معروفا للسفهاء، ~~وهو: إن صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها، فاتقوا ~~الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك، مما هو واجب عليكم، ويحثكم على ~~الطاعة،، وينهاكم عن المعصية. وقال الزجاج: معناه: علموهم مع إطعامكم ~~إياهم وكسوتكم إياهم، أمر دينهم. # وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه ~~الرشد، لأن الله تعالى منع من دفع المال إلى السفهاء، وقد بينا أن المراد ~~به أموالهم على بعض الأحوال. # وفي الآية دلالة على وجوب الوصية، إذا كان الورثة سفهاء، لأن ترك الوصية ~~بمنزلة إعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه، وإنما سمي الناقص ~~العقل سفيها، ms0859 وان لم يكن عاصيا، لأن السفه هو خفة الحلم، ولذلك سمي ~~الفاسق سفيها، لأنه لا وزن له عند أهل الدين، والعلم فثقل الوزن وخفته، ~~ككبر القدر وصغره. ### || [4.6] # المعنى: # هذا خطاب لأولياء اليتامى، أمر الله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في ~~أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، ~~والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بينا أن الابتلاء معناه ~~الاختبار فيما مضى. وقوله: { حتى إذا بلغوا النكاح } معناه: حتى يبلغوا ~~الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لأن في ~~الناس من لا يحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين: مجاهد، ~~والسدي، وابن عباس، وابن زيد. ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه ~~الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه حتى يكمل ~~له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لأن هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه ~~المعارف لا غير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في ~~العانة، أو كمال خمس عشرة سنة. وقوله: { فإن آنستم منهم رشدا } معناه: ~~فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس. # اللغة: # تقول: آنست من فلان خيرا إيناسا وأنست به أنسا: إذا ألفته. وفي قراءة ~~عبد الله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم. # ومنه قوله: # آنس من جانب الطور نارا # أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها. # المعنى: # واختلفوا في معنى الرشد، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا ودينا ~~وصلاحا. وقال الحسن، وابن عباس: معناه: صلاحا في الدين، وإصلاحا ~~للمال. وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل. قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله، ~~وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده: العقل. وقال ابن ~~جريج: صلاحا، وعلما بما يصلحه. # والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ما قال ابن ~~عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك ~~لا يجوز الحجر في ماله، وان ms0860 كان فاجرا في دينه، فاذا كان ذلك اجماعا ~~فكذلك إذا بلغ، وله مال في يد وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب ~~عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحا لما له، وإن كان فاسقا ~~في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسدا في ~~ماله، من حيث أنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له، ~~فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو ~~المشهور في أخبارنا. # ومن الناس من قال: لا يجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف. وقوله: ~~{ فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا } فهو خطاب لأولياء ~~اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما ~~فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولا يحبسه عنه. # وقوله: { ولا تأكلوها إسرافا } معناه بغير ما أباحه الله لكم. وقال ~~الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما ~~لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير، غير أنه إذا ~~كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير يقال: ~~سرف يسرف سرفا، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، ~~كما قال الشاعر: # اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية # ما في عطائهم من ولا سرف # يعني لا خطأ فيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطونها. وقوله: { ~~وبدارا أن يكبروا } فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء ~~اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافا بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا ~~مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذرا أن يبلغوا، فيلزمكم تسليمه ~~إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد. # وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نورا، والبدرة: ~~لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع " أن " نصب ~~بالمبادرة، والمعنى: لا تأكلوها مبادرة كبرهم. وقوله: { ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } يعني: من كان غنيا من ولاة ~~أموال اليتامى فليستعفف بماله ms0861 عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم. ~~وقوله: { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } قال عبيدة: معناه القرض، وهو ~~المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم } # { ومن كان فقيرا } فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به ~~إذا كان فقيرا، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبو ~~العالية، وأبو وائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضا ~~على نفسه فيما لا بد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر ~~(ع). وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ما سد ~~الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لأن أجرة ~~المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة ~~المثل، سواء كان قدر كفايته، أو لم يكن. وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له ~~إبل هل له أن يصيب من ألبانها؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، ~~فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولا ناهكه في الحلب. # معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو ~~الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب. # واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال ~~عمرو بن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: { فليأكل بالمعروف } فخصه بالاكل، وقال ~~الجبائي: له ذلك لأن قوله: { بالمعروف } يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ما ~~جرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعا كان له أن يأخذ قدر ~~كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة ~~المثل لا غير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيرا، لأنه ~~ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له ~~أجرة المثل سقط هذا الاعتبار وقوله: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم } خطاب لأولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن ~~يحتاطوا لأنفسهم بالاشهاد ms0862 عليهم، لئلا يقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من ~~التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه دينا على نفوسهم، فان ~~الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب. # وقوله: { كفى بالله حسيبا } معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال ~~السدي: معناه: شهيدا ها هنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافيا من الشهود، ~~ولأن أحسبنى معناه: كفاني، والمعنى: وكفى بالله شهيدا في الثقة بايصال ~~الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى. وولي ~~اليتيم المأمور بابتلائه، وهو الذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، ~~أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان ~~مليا، وفيه خلاف. ### || [4.7] # النزول: # اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: إن ~~أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الاناث، فنزلت هذه الآية ردا ~~لقولهم. وقال الزجاج: كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن ~~الحريم والمال، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وبين أن للرجال نصيبا مما ~~ترك الوالدان والأقربون { وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما ~~قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } يعني حظا مفروضا، قال الزجاج: مفروضا. ~~نصب على الحال، وقال غيره: هو إسم في موضع المصدر، كقولك قسما واجبا، ~~وفرضا لازما، ولو كان إسما ليس فيه معنى المصدر، لم يجز قولك: عندي حق ~~درهما، ويجوز: لك عندي درهم هبة مفترضة وأصل الفرض الثبوت، والفرض: الحز ~~في سية القوس حيث يثبت الوتر، والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة، ~~والفرض: إيجاب الله عز وجل على العبد ما يلزمه فعله لاثباته عليه، ~~والفرض: جند يفترضون، والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه، ~~والفرض: ضرب من التمر. والفارض المسنة، والفرضة: حيث ترمي السفن من النهر ~~وكل ضخم فارض، والفرق بين الفرض والوجوب أن الفرض هو الايجاب، غير أن ~~الفرض يقتضي فارضا فرضه، وليس كذلك الواجب لأنه قد يجب الشيء في نفسه من ~~غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض على الله تعالى، ولم يجز ~~فرضه ms0863 عليه. وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجب الحائط وجوبا فهو واجب، إذا ~~وقع، وسمعت وجبة أي وقعة كالهدة، ومنه # وجبت جنوبها # أي وقعت لجنوبها، ووجب الحق وجوبا، إذا وقع سببه، كوجوب رد الوديعة، ~~وقضاء الدين، ووجوب شكر المنعم، ووجوب الأجر، وإنجاز الوعد، ووجب القلب ~~وجيبا إذا خفق من فزع وقعة كالهدة. # وفي الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لأن الله تعالى فرض الميراث ~~للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال: النساء لا يرثن في موضع، لجاز لآخرين ~~أن يقولوا: والرجال لا يرثون، والخبر المدعى في العصبة خبر واحد، لا يترك ~~له عموم القرآن، لأنه معلوم، والخبر مظنون، وقد بينا ضعف الخبر في كتاب ~~تهذيب الأحكام، فمن أراده وقف عليه من هناك. # وفي الآية أيضا دلالة على أن الانبياء يورثون، لأنه تعالى عم الميراث ~~للرجال والنساء، ولم يخص، نبيا من غيره، وكما لا يجوز أن يقال: النبي لا ~~يرث، لأنه خلاف الآية، فكذلك لا يجوز أن يقال: لا يورث، لأنه خلافها، ~~والخبر الذي يروون أنه قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه ~~صدقة، خبر واحد، وقد بينا ما فيه، في غير موضع، وتأولناه، بعد تسليمه. ### || [4.8] # المعنى: # هذه الآية عندنا محكمة، وليست منسوخة، وهو قول ابن عباس، وسعيد ابن ~~جبير، والحسن، وابراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، ويحيى بن يعمر، ~~والسدي، والبلخي، والجبائي، والزجاج، وأكثر المفسرين والفقهاء. وقال سعيد ~~ابن المسيب، وأبو مالك، والضحاك، هي منسوخة، وإرزاق من حضر قسمة الميراث ~~من هذه الأصناف، ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، وهو الذي اختاره الجبائي، ~~والبلخي، والرماني، وجعفر بن مبشر، وأكثر الفقهاء والمفسرين. وقال مجاهد: ~~هو واجب، وحق لازم ما طابت به أنفس الورثة. وكل من ذهب إلى أنها منسوخة ~~قال: إن الرزق ليس بواجب، وكذلك من قال انها في الوصية. # واختلفوا فيمن المخاطب بقوله: { فارزقوهم } فقال أكثر المفسرين: إن ~~المخاطب بذلك الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين، إذا كانوا لاسهم لهم ~~في الميراث، وقال آخرون إنها تتوجه إلى من حضرته الوفاة، وأراد الوصية، ~~فانه ينبغي ms0864 له أن يوصي لمن لا يرثه من هؤلاء المذكورين، بشيء من ماله. ~~وروي هذا القول الأخير عن ابن عباس، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ~~وسعيد ابن المسيب، واختار الطبري هذا الوجه، والوجه الاول روي عن ابن ~~عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي موسى الاشعرى، وابن سيرين، والحسن، ~~وسعيد بن جبير. قال سعيد بن جبير: إن كان الميت أوصى لهم بشيء أنفذت ~~وصيته، وإن كان الورثة كبارا أرضخوا لهم، وإن كانوا صغارا قال وليهم: ~~إني لست أملك هذا المال، وليس لي، إنما هو للصغار، فذلك قوله: { وقولوا ~~لهم قولا معروفا } وبه قال السدي، وابن عباس. واختلفوا فيمن المامور ~~[بقول] المعروف، فقال سعيد بن جبير: أمر الله أن يقول الولي الذي لا يرث، ~~للمذكورين قولا معروفا، ويقول: إن هذا لقوم غيب أو يتامى صغار، ولكم فيه ~~حق، ولسنا نملك أن نعطيكم منه. وقال قوم: المأمور بذلك الرجل الذي يوصي ~~في ماله، والقول المعروف: أن يدعو لهم بالرزق والغنى، وما أشبه ذلك. وروي ~~عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد: أن الآية في الوصية، على أن ~~يوصوا للقرابة، ويقولوا لغيرهم قولا معروفا. ومن قال إنها على الوجوب، ~~قال: لا يعطي من مال اليتيم شيئا، ويقول قولا معروفا، ذهب إليه ابن ~~عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي. وروى ابن علية، عن عبيدة، أنه ~~ذبح شاة من مال اليتيم، وقسمه بينهم، وقال: كنت أحب أن يكون من مالي لولا ~~هذه الآية. وعمل ابن سيرين في مال اليتيم ما عمل عبيدة، وأقوى الأقوال أن ~~يكون الخطاب متوجها إلى الوراث البالغين، لأن فيه أمرا بالرزق لمن حضر، ~~ولم يخاطب الله من لا يملك أن يخرج من مال غيره شيئا، فكأن الله تعالى ~~حث هؤلاء، ورغبهم في أن يجعلوا للحاضرين شيئا مما يحقهم، ويقولوا لهم ~~قولا معروفا، فيصير ردا جميلا، من غير تأفف، ولا تضجر، وكذلك لو قلنا ~~إنها متوجهة إلى الموصي، لكان محمولا على أنه يستحب له أن يوصي لهؤلاء ~~بشيء من ماله، ms0865 ما لم يزد على الثلث، فان لم يختر ذلك قال لهم قولا جميلا، ~~لا يتألمون منه، ولا يغتمون به. # وفي الآية حجة على المجبرة، لأنه تعالى قال: { فارزقوهم } وفيه دلالة ~~على أن الانسان يرزق غيره على معنى التمليك، وأن الله لا يرزق حراما، ~~لأنه لو رزقه لخرج برزقه إياه من أن يكون حراما، ومثله قوله: { وهو خير ~~الرازقين }. ### || [4.9] # المعنى: # قيل في معنى الآية أربعة أقوال: # أحدها - النهي عن الوصية بما يجحف بالورثة، ويضر بهم، هذا قول ابن ~~عباس، في بعض الروايات، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، ~~ومجاهد. # الثاني - قال الحسن: كان الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من ~~الثلث من مالك، فنهاه الله عن ذلك. # الثالث - روي عن ابن عباس: أنه خطاب لولي مال اليتيم، يأمره بأداء ~~الأمانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه، إذا كانوا ضعافا، ~~وأحب أن يفعل بهم. # الرابع - قال مقسم: هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول ~~الحاضر للوصية: لا توص لأقاربك، ووفر على ورثتك. # اللغة: # والذرية: على وزن فعلية، منسوبة إلى الذر، ويجوز أن يكون أصلها ذرورة، ~~لكن الراء أبدلت ياء، وأدغمت الواو فيها، وهي بضم الذال، ويجوز فيها ~~كسرها، وقد قرئ به في الشواذ، ومن كسر الذال فلكسرة الراء، كما قالوا في ~~عتى عتي، وعصي، وضعاف: جمع ضعيف وضعيفة، كقولك: ظريف وظريفة وظراف، ~~وخبيث وخباث، ويجمع أيضا ضعفاء. وأصل الضعاف من الضعف، وهو النقص في ~~القوة، ومنه المضاعف، لأنه ينفي الضعف، ومنه الضعف. وقوله: { فليتقوا ~~الله } يعني: فليتقوا معاصيه، { وليقولوا قولا سديدا } وهو السليم من ~~خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل في القسم بما لا يجحف بالورثة، ~~ولا يحرم ذوي القربي، وأصل السديد من سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا، ~~والسداد: الصواب، والسداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سداد من عوز، ~~وسدد السهم: إذا قومه، والسد الردم، والسدة في الأنف. # المعنى: # ومعنى الآية، أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته، خاف ms0866 ~~عليهم الفقر والضياع، أن يخشى على ورثة غيره من الفقر والضياع، ولا يقول ~~لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته، وليتق الله في ذلك، وليتق ~~الاضرار بورثة المؤمن، وليقل قولا سديدا، ولذلك نهى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: " والثلث كثير " وقال لسعد # " لأن تدع ورثتك أغنياء أحب الي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم ~~". ### || [4.10] # القراءة والحجة: # قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم: وسيصلون - بضم الياء - الباقون، ~~بفتحها، والفتح أقوى، لقوله: # لا يصلاها إلا الأشقى # وقوله: # إلا من هو صال الجحيم # ومن ضم الياء ذهب إلى أصلاه الله إذا أحرقه بالنار. # المعنى: # وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلما، ~~لأنه قد يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، على ما ~~قلناه. أو يأكل منه بالمعروف على ما فسرناه، أو يأخذه قرضا على نفسه، ~~فان قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه، أو أجرة المثل، فلا يكون أكل مال ~~اليتيم، وإنما أكل مال نفسه. قلنا: ليس الامر على ذلك، لأنه يكون أكل مال ~~اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم ~~يخرج بذلك من استحقاق الاسم بانه مال اليتيم، ولو سلم ذلك، لجاز أن يكون ~~المراد بذلك ضربا من التأكيد وبيانا، لأنه لا يكون أكل مال اليتيم إلا ~~ظلما. ونصب ظلما على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فانه يظلمه ~~ظلما. وقوله: { إنما يأكلون في بطونهم نارا } قيل في معناه وجهان: # أحدهما - ما قاله السدي من أن من أكل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ~~ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من ~~رآه. بأكل مال اليتيم. # الثاني - أنه على وجه المثل، من حيث أن فعل ذلك يصير إلى جهنم، فتمتليء ~~بالنار أجوافهم، عقابا على ذلك الأكل منهم، كما قال الشاعر: # وان الذي اصبحتم تحلبونه # دم غير أن اللون ليس باحمرا # يصف أقواما أخذوا ms0867 الابل في الدية، يقول: فالذي تحلبون من ألبانها ليس ~~لبنا، إنما هو دم القتيل. # اللغة: # وقوله: { وسيصلون سعيرا } فالصلا لزوم النار، للاحراق، أو التسخن، أو ~~الانضاج، يقال: صلي بالنار يصلى صلا بالقصر، قال العجاج: # وصاليات للصلا صلي # ويقال الصلا بالكسر والمد، قال الفرزدق: # وقاتل كلب الحي عن نار أهله # ليربض فيها والصلا متكنف # واصطلى صلى بالنار اصطلاء، وأصليته النار اصلاء، إذا القيته فيها. وفي ~~التنزيل: # فسوف نصليه نارا # والصالي بالشر الواقع فيه قال الشاعر: # لم اكن من جناتها علم الله # واني بحرها اليوم صالي # ومنه شاة مصلية، أي مشوية. والسعير بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب، بمعنى ~~مخضوبة، والسعر اشعال النار تقول سعرتها أسعرها سعرا. ومنه قوله: # وإذا الجحيم سعرت # واستعرت النار في الحطب استعارا، واستعرت الحرب والشر استعارا، ومنه ~~سعر السوق، لاستعارها به في النفاق. # المعنى: # وأكل مال اليتيم على وجه الظلم، وغصبه متساويان في توجه الوعيد إليه، ~~ولا يدل على مثل ذلك في غير مال اليتيم، لأن الزواجر عن مال اليتيم أعظم. ~~وقال الجبائي: هما سواء، ومن غصب من مال اليتيم خمسة دراهم فان الوعيد ~~يتوجه إليه وقال الرماني: لا يتوجه إليه، لأن أقل المال مئتا درهم. وقال ~~الجبائي: يلزمه كما يلزم مانع الزكاة. وقال الرماني: هذا ليس بصحيح، لأنه ~~يجوز أن يكون منع الزكاة أعظم، وما قلناه أولا أولى بعموم الآية. وقوله: ~~لا يسمى المال إلا مئتا درهم دعوى محضة، لا برهان عليها. ### || [4.11] # القراءة والحجة: # قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: يوصى - بفتح الصاد - ~~الباقون بكسرها، وهو الاقوى، لقوله: { مما ترك إن كان له ولد } فتقدم ذكر ~~الميت، وذكر المفروض مما ترك، ومن فتحها فلأنه ليس لميت معين، وإنما هو ~~شائع في الجميع. # سبب النزول والقصة: # وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال السدي، وابن عباس: إن سبب نزولها، أن القوم لم يكونوا ~~يورثون النساء والبنات والبنين الصغار، ولم يورثوا إلا من قاتل وطاعن، ~~فأنزل الله الآية، وأعلمهم كيفية الميراث. وقال عطاء، ms0868 عن ابن عباس، وابن ~~جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنهم كانوا يورثون الولد، وللوالدين ~~الوصية، فنسخ الله ذلك. وقال محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كنت عليلا ~~مدنفا، فعاده النبي (صلى الله عليه وسلم)، ونضح الماء على وجهه فأفاق، ~~وقال: يا رسول الله، كيف أعمل في مالي: فأنزل الله الآية. وروي عن ابن ~~عباس قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين والأقربين، فنسخ ذلك بهذه ~~الآية. # المعنى: # وهذه الآية عامة في كل ولد يتركه الميت، وان المال بينهم للذكر مثل حظ ~~الانثيين، وكذلك حكم البنت والبنتين. والبنت لها النصف، ولهما الثلثان ~~على كل حال، إلا من خصه الدليل من الرق، والكفر، والقتل، فانه لا خلاف أن ~~الكافر، والمملوك، والقاتل عمدا، لا يرثون، وإن كان القائل خطأ، ففيه ~~الخلاف وعندنا يرث من المال دون الدية. فأما المسلم فانه عندنا يرث ~~الكافر، وفيه خلاف، ذكرناه في مسائل الخلاف، والعبد لا يورث لأنه لا يملك ~~شيئا، والمرتد لا يرث وميراثه لورثته المسلمين، وهذا قول علي (ع). وقال ~~سعيد بن المسيب: نرثهم ولا يرثونا وبه قال معاوية، والحسن، وعبد الله بن ~~معقل، ومسروق وقوله (صلى الله عليه وسلم) # " لا يتوارث أهل ملتين " # معناه: لا يرث كل واحد منهما صاحبه، فانا نقول: المسلم يرث الكافر، ~~والكافر لا يرث المسلم، فلم تثبت حقيقة التوارث بينهما. ومعنى: { يوصيكم ~~الله } فرض عليكم، لأن الوصية من الله فرض، كما قال: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به # يعني فرض، عليكم، ذكره الزجاج، وإنما لم يعد قوله: { يوصيكم } إلى ~~(مثل) فينصبه، لأنه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير: قال الله: { ~~في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } ولأن الغرض بالآية الفرق بين الموصى ~~به والموصى له، في نحو أوصيت زيدا بعمرو. وقوله: { فإن كن نساء فوق ~~اثنتين } فالظاهر يقتضي أن الثنتين لا يستحقان الثلثين، وإنما يستحق ~~الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الأمة أن حكم البنتين حكم من زاد ~~عليهما من البنات، فتركنا له الظاهر. # وقال ms0869 أبو العباس المبرد، واختاره إسماعيل بن اسحاق القاضي: إن في الآية ~~دليلا على أن للبنتين الثلثين، لأنه إذا قال: { للذكر مثل حظ الأنثيين } ~~وكان أول العدد ذكرا وأنثى، للذكر الثلثان وللأنثى الثلث علم من ذلك أن ~~للبنتين الثلثين، وأعلم الله أن ما فوق البنتين لهن الثلثان. وحكى الزجاج ~~عمن قال: ذلك معلوم، بقوله تعالى: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك # فجعل للأخت النصف، كما جعل للبنت النصف، ثم قال: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان # فأعطيت البنتان الثلثين، كما أعطيت الاختان الثلثين وأعطي جملة الأخوات ~~الثلثين، فكذلك جملة البنات. وذكر عن ابن عباس: أن البنتين بمنزلة البنت، ~~وإنما استحق الثلثين الثلاث بنات فصاعدا. وحكى النظام، في كتاب النكت، ~~عن ابن عباس: أن للبنتين نصفا وقيراطا، قال: لأن للبنت الواحدة النصف، ~~وللثلاث بنات الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما، ثم يشتركان في ~~النصف وقيراط بالسوية. وقوله: { وإن كانت واحدة فلها النصف } يدل على أن ~~فاطمة (ع) كانت مستحقة للميراث، لأنه عام في كل بنت، والخبر المدعي في أن ~~الأنبياء لا يورثون خبر واحد، لا يترك له عموم الآية لأنه معلوم لا يترك ~~بمظنون. وقوله: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } ~~ليس في ذلك خلاف، وكذلك إن كان واحد من الابوين مع الولد، كان له السدس ~~بالتسمية، بلا خلاف، ثم ينظر، فان كان الولد ذكرا، كان الباقي للولد ~~واحدا كان أو أكثر، بلا خلاف، وكذلك إن كانوا ذكورا واناثا فالمال ~~بينهم، { للذكر مثل حظ الأنثيين } وإن كانت بنتا كان لها النصف، ولأحد ~~الأبوين السدس، والباقي عندنا يرد على البنت وأحد الأبوين على قدر ~~سهامهما، أيهما كان، لأن قرابتهما سواء، ومن خالفنا يقول: إن كان أحد ~~الأبوين ابا كان الباقي له، لأنه عصبة وإن كانت أما ففيهم من يقول ~~بالرد على البنت وعلى الأم ومنهم من يقول: الباقي لبيت المال، وإنما ~~رددنا عليهما لقوله: # وألوا الأرحام ms0870 بعضهم أولى ببعض # وها هنا هما متساويان، لأن البنت تتقرب بنفسها إلى الميت، فكذلك أحد ~~الأبوين، والخبر المدعى في أن ما أبقت الفرائض فلأولي عصبة ذكر، خبر ~~ضعيف، بينا وجهه في تهذيب الاحكام، لا يخص به عموم القرآن. وقوله { فإن ~~لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } فمفهومه أن الباقي للأب وليس ~~فيه خلاف، فان كان في الفريضة زوج كان له النصف، وللأم الثلث بالظاهر، ~~وما بقى فللأب. ومن قال: للأم ثلث ما يبقي، فقد ترك الظاهر، وبمثل ما ~~قلناه قال ابن عباس، فان كان بدل الزوج زوجة، كان الأمر مثل ذلك، للزوجة ~~الربع، وللأم الثلث، والباقي للأب، وبه قال ابن عباس، وابن سيرين. # قوله: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ففي أصحابنا من يقول: إنما يكون ~~لها السدس إذا كان هناك أب لأن التقدير: فان لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث، فان كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، ومنهم من قال: إن ~~لها السدس مع وجود الاخوة، سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع ~~الفقهاء، غير أنا نقول: إن كان هناك أب، كان الباقي للأب، وإن لم يكن أب ~~كان الباقي ردا على الأم، ولا يرث - أحد من الاخوة والأخوات مع الأم ~~شيئا، سواء كانوا من قبل أب وأم أو من قبل أب، أو من قبل أم - على حال، ~~لأن الأم أقرب منهم بدرجة، ولا يحجب عندنا من الاخوة إلا من كان من قبل ~~الأب والأم، أو من قبل الأب، فأما من كان من قبل الأم فحسب، فانه لا يحجب ~~على حال، ولا يحجب أقل من أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات، فأما ~~الأختان فلا يحجبان على حال، وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك فأما الأخوان ~~فلا خلاف أنه تحجب بهما الأم عن الثلث إلى السدس، إلا ما قال إبن عباس: ~~أنه لا يحجب بأقل من ثلثة، لقوله: { إخوة } والثلاثة أقل الجمع، وحكي عن ~~ابن عباس أيضا: أن ما يحجبه الاخوة من ms0871 سهم الأم من الثلث إلى السدس، ~~يأخذه الاخوة دون الأب، وذلك خلاف ما أجمعت الأمة عليه، لأنه لا خلاف أن ~~أحدا من الاخوة لا يستحق مع الابوين شيئا، وإنما قلنا إن اخوة بمعنى ~~أخوين للأجماع من أهل العصر على ذلك، وأيضا فانه يجوز وضع لفظ الجمع في ~~موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة، كما قال: # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما # ويقول القائل: ضربت الرجلين أرؤسهما، ومن أخويك ظهورهما. # فان قيل: لم حجب الاخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب؟ قلنا: قال قتادة: ~~معونة للأب، لأنه يقوم بنفقتهم، ونكاحهم، دون الأم، وهذا بعينه رواه ~~أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الأم لا يحجبون، لأن الأب لا يلزمه ~~نفقتهم على حال، وقوله: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ~~} معناه: لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا، والله يعلمه، ~~فاقسموه على ما بينه من يعلم المصلحة فيه. وقال بعضهم: الأب يجب عليه ~~نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الأب مع الحاجة، ~~فهما في النفع في هذا الباب سواء، لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وقيل: لا ~~تدرون أيكم يموت قبل صاحبه، فينتفع الآخر بماله. # فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفي التي بعدها، مع أن ~~الدين يتقدم عليها بلا خلاف؟ قلنا: لأن (أو) لا توجب الترتيب، وإنما هي ~~لأحد الشيئين، فكأنه قال: من بعد أحد هذين، مفردا أو مضموما إلى الآخر ~~كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس أحدهما مفردا أو مضموما إلى ~~الآخر ويجب البدأة بالدين، لأنه مثل رد الوديعة التي يجب ردها على ~~صاحبها، فكذلك حال الدين، وجب ره أولا، ثم يكون بعده الوصية، ثم ~~الميراث. # وما قلنا اختاره الجبائي، والطبري، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية. ~~وقوله: { فريضة من الله } نصب على الحال من قوله: { لأبويه } وتقديره: ~~فلهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضا، ف { فريضة } مؤكدة لقوله: { يوصيكم ~~الله } هذا قول الزجاج، وقال غيره: هو ms0872 نصب على المصدر من قوله: { يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } فرضا مفروضا. وقال غيره: يجوز ~~أن يكون نصبا على التمييز من قوله: { فلأمه السدس } فريضة، كما تقول: هو ~~لك صدقة، أوهبة. # والثلث، والربع، والسدس، يجوز فيه التخفيف والتثقيل، فالتخفيف لثقل ~~الضمة، وقال قوم: الأصل فيها التخفيف، وإنما ثقل للاتباع، قال الزجاج: ~~هذا خطأ لأن الكلام وضع على الايجاز بالتخفيف عن التثقيل. # وقوله: { إن الله كان عليما حكيما } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، ~~فقيل لهم: { إن الله كان عليما حكيما } لم يزل على ما شاهدتم عليه. # والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالأشياء قبل حدوثها، حكيما فيما ~~يقدره ويدبره منها. # الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال ~~والحال، لأن الأشياء عند الله على كل حال فيما مضى وما يستقبل. # وإنما قال في تثنية الأب والأم: أبوان تغليبا للفظ الأب، ويقال أيضا ~~للأم أبة، ولا يلزم على ذلك أن يقال: في إبن وإبنة: إبنان، لأنه يوهم، ~~فان لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج. ### || [4.12] # قوله: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد } لا خلاف أن للزوج ~~نصف ما تترك الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فان كان لها ولد فله الربع أيضا ~~بلا خلاف سواء كان الولد منه أو من غيره، وإن كان ولد لا يرث لكونه ~~مملوكا، أو كافرا، أو قاتلا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوه ~~كعدمه. وكذلك حكم الزوجة، لها الربع إذا لم يكن للزوج ولد، على ما قلناه ~~في الزوجة سواء، فان كان له ولد، كان لها الثمن، وما تستحقه الزوجة إن ~~كانت واحدة فهو لها، وإن كن اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر ~~من ذلك بلا خلاف، ولا يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الأحوال، ولا ~~الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه، ولا يدخل عليهما النقصان، وكذلك ~~الأبوان لا ms0873 ينقصان في حال من الأحوال من السدسين، لأن العول عندنا باطل ~~على ما بيناه في مسائل الخلاف. وكل من ذكر الله له فرضا، فانما يستحقه ~~إذا أخرج من التركة الكفن، والدين، والوصية، فان استغرق الدين المال لم ~~تنفذ الوصية، ولا ميراث، وإن بقي نفذت الوصية، ما لم تزد على ثلث ما يبقي ~~بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث. وقوله: { وإن كان رجل يورث كلالة أو ~~امرأة وله أخ أو أخت } يعني من الأم، بلا خلاف. # الاعراب: # " وكلالة " نصبه يحتمل أمرين: # أحدهما - على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتكون كان تامة، وتقديره: يورث ~~متكلل النسب كلالة. # والثاني - بأن يكون خبر كان، ذكره الرماني، والبلخي، وتقديره { فإن كان ~~} { رجل } إسم كان ويورث: صفته. وكلالة خبره. والأول هو الوجه، لأن { ~~يورث } هو الذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، ~~بخلاف من يورث ميراث الصلب، ويورث كلالة عصبة وغير عصبة. # المعنى: # واختلفوا في معنى الكلالة، فقال أبو بكر وعمر، وابن عباس، وابن زيد، ~~وقتادة، والزهري، وابن اسحاق: هو ما عدا الوالد والولد. وروي عن ابن عباس ~~في رواية أخرى، أن الكلالة ما عدا الولد، وورث الاخوة من الأم السدس مع ~~الأبوين، وهذا خلاف إجماع أهل الاعصار. وقال ابن زيد: الميت يسمى كلالة. ~~وقال جابر، وابن زيد: من عدا الوالد والولد من الورثة يسمى كلالة، فعلى ~~هذا يسمى الزوج والزوجة كلالة، وقال قوم: الكلالة هو الميت الذي لا ولد ~~له، ولا والد. # وعندنا أن الكلالة هم الاخوة والأخوات، فمن ذكر في هذه الآية هو من كان ~~من قبل الأم، ومن ذكر في آخر السورة فهو من قبل الأب والأم، أو من قبل ~~الأب. # اللغة: # وأصل الكلالة: الاحاطة، فمنه الاكليل، لاحاطته بالرأس، ومنه الكل ~~لاحاطته بالعدد، والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هو الولد والوالد، ~~ومنه الكلال، لأنه تعب قد أحاط. # وقال أبو مسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بعد ~~على كلال وإعياء. وقال الحسين بن علي المغربي: أصله ms0874 عندي ما تركه الانسان ~~وراء ظهره، مأخوذا من الكلالة، وهي مصدر الأكل، وهو الظهر، وقال: قرأت ~~على أبي أسامة في كتاب الجيم، لأبي عمرو الشيباني: تقول العرب: ولاني ~~فلان أكله على وزن أظله، أي: ولاني ظهره، قال وهذا الاسم تعرفه العرب، ~~وتخبر به عن جملة النسب والوراثة، قال عامر بن الطفيل: # وأني وان كنت ابن فارس عامر # وفي السر منها والصريح المهذب # فما سودتني عامر عن كلالة # أبى الله ان أسمو بأم ولا أب # هكذا أنشده الرازي في كتابه، وينشد عن وراثة. وقال زياد بن زيد العذري: # ولم أرث المجد التليد كلالة # ولم يأن مني فترة لعقيب # والكل الثقل، ويقولون لابن الأخ ومن يجري مجراه، ممن يعال على وجه ~~التبرع: هذا كلي، ومن قال: إن الأب لا يدخل في الكلالة استدل بقول ~~الشاعر: # فان أبا المرء أحمى له # ومولى الكلالة لا يغضب # فأفرد الأب من الكلالة. ولا خلاف أن الاخوة والأخوات من الأم يتساوون في ~~الميراث. # الاعراب: # وقوله: { وصية } نصب على المصدر بقوله: { يوصيكم الله } وصية وقال ~~الفراء: نصب بقوله: { فلكل واحد منهما السدس } وصية كما نقول: لك درهمان ~~نفقة إنى أهلك، والأول أعم فائدة، وأولى. وقوله: { والله عليم حليم } ~~معناه ها هنا: عليم بمصالح خلقه، حليم بامهال من يعصيه، فلا يغتر مغتر ~~بامهاله. وقوله: { وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة } ثم قال: { وله أخ ~~أو أخت } ولم يقل: لهما، كما تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، ويجوز: ~~فليصلها، ويجوز: فليصلهما، فالاول يرد الكناية إلى الأخ، والثاني على ~~الاخت، والثالث عليهما، كل ذلك حسن. وقوله: { غير مضار } نصب على الحال، ~~يعني: يوصي بذلك غير مضار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على أنه ~~مفعول به. وحكى البلخي عن أبي عبيدة، وذكره الزجاج: { يورث } بكسر الراء، ~~قال: ومعناه من ليس بولد ولا والد، ومن نصب الراء أراد المصدر. # المعنى: # ومسائل المواريث وفروعها بسطناها في النهاية والمبسوط، وأوجزناها في ~~الايجاز، في الفرائض، لا نطول بذكرها في الكتاب، غير أنا ms0875 نعقد ها هنا ~~جملة تدل على المذهب فنقول: الميراث يستحق بشيئين: نسب وسبب، فالسبب ~~الزوجية، والولاء، والولاء على ثلاثة أقسام: ولاء العتق، وولاء تضمن ~~الجريرة، وولاء الامامة، ولا يستحق الميراث بالولاء إلا مع عدم ذوي ~~الانساب. والميراث بالزوجية ثابت مع جميع الوراث، سواء ورثوا بالفرض أو ~~بالقرابة، ولا ينقص الزوج عن الربع في حال، ولا يزاد على النصف، والزوجة ~~لا تزاد على الربع، ولا تنقص من الثمن على وجه. # والميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض، والقرابة، فالميراث بالفرض لا ~~يجتمع فيه إلا من كانت قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع ~~الوالدين أو أحدهما، فانه متى انفرد واحد منهم أخذ المال كله، بعضه ~~بالفرض، والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ما سمي له، والباقي ~~يرد عليهم، إن فضل. على قدر سهامهم، وان نقص، لمزاحمة الزوج أو الزوجة ~~لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات، دون الأبوين، أو أحدهما، ودون ~~الزوج والزوجة. ولا يجتمع مع الاولاد، ولا مع الوالدين، ولا مع أحدهما ~~أحد ممن يتقرب لهما، كالكلالتين فانهما لا تجتمعان مع الأولاد، ذكورا ~~كانوا أو إناثا، ولا مع الوالدين، ولا مع أحدهما أبا كان أو أما، بل ~~تجتمع كلالة الأب وكلالة الأم، فكلالة الأم إن كان واحدا كان له السدس، ~~وإن كانا إثنين فصاعدا كان لهم الثلث، لا ينقصون منه، والباقي لكلالة ~~الأب، فان زاحمهم الزوج أو الزوجة دخل النقص على كلالة الأب دون كلالة ~~الأم، ولا تجتمع كلالة الأب والأم مع كلاله الأب خاصة، فان اجتمعا كان ~~المال لكلالة الأب والأم، دون كلالة الأب، ذكرا كان أو أنثى، أو ذكورا، ~~أو أناثا، أو ذكورا وأناثا ومن يورث بالقرابة دون الفرض لا يجتمع إلا ~~[مع] من كانت قرباه واحدة، وأسبابه ودرجته متساوية، فعلى هذا لا يجتمع مع ~~الولد للصلب ولد الولد، ذكرا كان ولد الصلب أو أنثى، لأنه أقرب بدرجة، ~~وكذلك لا يجتمع مع الأبوين ولا مع أحدهما من يتقرب بهما من الاخوة ~~والأخوات، والجد والجدة ms0876 على حال، ولا يجتمع الجد والجدة مع الولد للصلب، ~~ولا مع ولد الولد وإن نزلوا، ويجتمع الأبوان مع ولد الولد وإن نزلوا، ~~لأنهم بمنزلة الولد للصلب، إذا لم يكن ولد الصلب، والجد والجدة يجتمعان ~~مع الاخوة والأخوات، لأنهم في درجة واحدة والجد من قبل الأب بمنزلة الاخ ~~من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الأخت من قبله، والجد من قبل الأم بمنزلة ~~الأخ من قبلها، والجدة من قبلها بمنزلة الأخت من قبلها، وأولاد الاخوة ~~والأخوات يقاسمون الجد والجدة، لأنهم بمنزلة آبائهم، ولا يجتمع مع الجد ~~والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة، والخال والخالة، ولا الجد الاعلى، ~~ولا الجدة العليا، وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لا تنحصر، ~~وفيما ذكرناه تنبيه على مالم نذكره. # وأما المسائل التي اختلف قول الصحابة فيها، فقد ذكرناها في خلاف ~~الفقهاء، فلا وجه لذكرها ها هنا، لأنه يطول به الكتاب. ### || [4.13-14] # القراءة، والحجة: # قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون في الموضعين، الباقون بالياء، فمن ~~قرأ بالياء فلأن ما تقدم لفظ الغائب ومن قرأ بالنون عدل عن خطاب الغائب ~~إلى الاخبار عن الله بنون العظمة، كما قال: # بل الله مولاكم # وقال بعده: " سنلقي " فعدل عن الغائب. # المعنى، والاعراب: # قال الفراء، والزجاج: معنى { تلك } هذه، كأنه قال هذه حدود الله ~~واختلفوا في معنى الحدود، فقال السدي: تلك شروط الله، وقال ابن عباس: تلك ~~طاعة الله، وقال قوم: تلك فرائض الله وأمره، وقال قوم: تلك تفصيلات الله ~~لفرائضه، وهو الأقوى، لأن أصل الحد هو الفصل، مأخوذا من حدود الدار التي ~~تفصلها من غيرها، فمعنى الآية: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض ~~التي فرضها لأحيائكم من أمواتكم حدود الله، يعني فصول بين طاعة الله ~~ومعصيته على ما قال ابن عباس، والمعنى تلك حدود طاعة الله، وانما اختص ~~لوضوح المعنى للمخاطبين. # فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله، فما الفائدة في ~~هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - للتأكيد، والثاني - أن الوجه في إعادته ما ms0877 علق به من الوعد ~~والوعيد الصريح. # فان قيل: لم خصت الطاعة في قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واجب في كل طاعة ~~إذا فعلت لوجه الوجوب؟ قلنا: للبيان عن عظم موقع هذه الطاعة، مع التذكير ~~بما يستحق عليها ترغيبا فيها بوعد مقطوع. وقوله: { يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها } نصب على الحال. قال الزجاج والتقدير: يدخلهم ~~مقدرين الخلود فيها، والحال يستقبل فيها، كما تقول: مررت برجل معه باز، ~~صائدا به غدا، أي يقدر الصيد به غدا. وقوله: { وذلك الفوز العظيم } ~~معناه الفلاح العظيم، فوصفه بأنه عظيم ولم يبين بالاضافة إلى ماذا، لأن ~~المراد به أنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الخيانة في التركة، من حيث كان ~~أمر الدنيا حقيرا بالاضافة إلى أمر الآخرة. وقوله: { ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده } معناه يعصي الله فيما بينه من الفرائض، وأموال ~~اليتامى، { ويتعد } معناه: يتجاوز ما بين له، { يدخله نارا خالدا فيها ~~وله عذاب مهين } وخالدا نصب على أحد وجهين: # أحدهما - أن يكون حالا من الهاء في يدخله. # والآخر - أن يكون صفة لنار في قول الزجاج، كقولك: زيد مررت بدار ساكن ~~فيها، على حذف الضمير، والتقدير: ساكن هو فيها، لأن إسم الفاعل إذا جرى ~~على غير من هو له لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل لو قلت: يسكن فيها. ~~واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن فاسق أهل الصلاة مخلد في النار، ~~ومعاقب لا محالة، وهذا لا دلالة لهم فيه من وجوه، لأن قوله: { ويتعد ~~حدوده } إشارة إلى من يتعدى جميع حدود الله، ومن كان كذلك فعندنا يكون ~~كافرا، وأيضا فلا خلاف أن الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة، وإن كان فعل ~~المعصية، وتعدى حدا فانه خارج منها، فان جاز لهم إخراج الصغيرة منها ~~لدليل، جاز لنا أن نخرج من يتفضل الله عليه بالعفو، أو يشفع فيه النبي ~~(صلى الله عليه وسلم). # وأيضا فان التائب لا بد من إخراجه من هذه الآية لقيام الدلالة على وجوب ~~قبول التوبة، فكذلك يجب أن يشترط من يتفضل الله باسقاط ms0878 عقابه، فان قالوا: ~~قبول التوبة واجب، والعفو ليس بواجب، قلنا: قبول التوبة واجب إذا حصلت، ~~وكذلك سقوط العقاب واجب إذا حصل العفو، فان قالوا: يجوز أن لا يختار الله ~~العفو، قلنا: وكذلك يجوز ألا يختار العاصي التوبة، فان جعلوا الآية دالة ~~على أن الله لا يختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالة على أن ~~العاصي لا يختار التوبة، على أن هذه الآية معارضة بآيات كثيرة، في وقوع ~~العفو، كقوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # على ما سنبينه فيما بعد. وقوله: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # وقوله: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # فان شرطوا في آياتنا التوبة، شرطنا في آياتهم إرتفاع العفو، والكلام في ~~ذلك مستقصى في الوعيد، لا نطول بذكره هذا الكتاب. ويمكن - مع تسليم ذلك ~~- أن تحمل الآية على من يتعدى الحدود مستحلا لها، فانه يكون كافرا، ~~ويتناوله الوعيد، على أن عند كثير من المرجئة العموم لا صيغة له، فمن أين ~~ان " من " يفيد جميع العصاة؟ وما المنكر أن تكون الآية مختصة بالكفار. ### || [4.15] # المعنى: # قال أكثر المفسرين، كالضحاك، وابن زيد، والجبائي، والبلخي، والزجاج، ~~ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، والسدي: إن هذه الآية منسوخة، لأنه كان الفرض ~~الأول أن المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك، أربعة شهود، أن تحبس ~~في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في ~~البكرين. واللاتي جمع التي، وكذلك اللواتي، قال الشاعر: # من اللواتي والتي واللاتي # زعمن أن كبرت لداتي # ويجمع اللاتي باثبات الياء وبحذفها، قال الشاعر: # من اللات لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # وقوله: { أو يجعل الله لهن سبيلا } قيل في معنى السبيل ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، وعبد الله بن كثير، أنه الجلد للبكر مائة، وللثيب ~~المحصن الرجم، وإذا جلد البكر فانه ينفى سنة عندنا، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. # و [الثاني] قال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب ~~عليه الرجم فانه يجلد ms0879 أولا ثم يرجم عند أكثر أصحابنا، وبه قال الحسن، ~~وقتادة، وعبادة بن الصامت، وجماعة ذكرناهم في الخلاف. وفي أصحابنا من ~~يقول: ذلك يختص الشيخ والشيخة، فاذا لم يكونا كذلك فليس عليهما غير ~~الرجم، وأكثر الفقهاء على أنهما لا يجتمعان، وثبوت الرجم معلوم من جهة ~~التواتر على وجه لا يختلج فيه شك، وعليه اجماع الطائفة، بل اجماع الأمة، ~~ولم يخالف فيه إلا الخوارج، وهم لا يعتد بخلافهم. وقوله: { يأتين الفاحشة ~~} يعني بالفاحشة، وحذف الباء كما يقولون: أتيت أمرا عظيما، أي: بأمر ~~عظيم، وتكلمت كلاما قبيحا، أي بكلام قبيح. وقال أبو مسلم: { واللاتي ~~يأتين الفاحشة } قال: هما المرأة تخلوا بالمرأة في الفاحشة المذكورة ~~عنهن: { أو يجعل الله لهن سبيلا } فالتزويج والاستغناء بالحلال، وهذا ~~قول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فانهم لا يختلفون أن الفاحشة ~~المذكورة في الآية الزنا، وأن هذا الحكم منسوخ، وهو المروي عن أبي جعفر ~~(ع) وأبي عبد الله (ع). ولما نزل قوله: # الزانية والزاني # قال النبي (صلى الله عليه وسلم): # " قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب ~~بالثيب الجلد ثم الرجم ". ### || [4.16] # القراءة، واللغة: # قرأ ابن كثير: { واللذان } بتشديد النون، وكذلك: " هذان " " وفذانك " ، ~~ووافقه أبوعمرو في: فذانك. الباقون بالتخفيف، قال أبو علي: من شدد النون ~~فوجهه أنه عوض من الحذف الذي لحق الكلمة، لأن قولهم: (ذا) قد حذف لامها، ~~وقد حذف الياء من اللذان في التثنية، لأن أصله اللذيان، فعوض عن ذلك ~~التشديد، وفي العرب من يقول: اللذ بلا ياء، وفي التثنية اللذا، وفي الجمع ~~اللذو، وللمرأة اللت، واللتا، واللات، بلا ياء، وطي تقول مكان الذي: ذو، ~~ومكان التي: ذات. # المعنى: # والمعني بقوله: { اللذان } فيه ثلاثة أقوال: # أولها - قال الحسن، وعطا: الرجل والمرأة، وقال السدي وابن زيد: هما ~~البكران من الرجل والنساء، وقال مجاهد: هما الرجلان الزانيان، قال ~~الرماني: قول مجاهد لا يصح، لأنه لو كان كذلك لم يكن للنثية معنى، لأنه ~~إنما يجيء الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لأنه لكل واحد منهم، أو بلفظ ms0880 الواحد ~~لدلالته على الجنس الذي يعم جميعهم، وأما التثنية فلا فائدة فيها، قال: ~~والأول أظهر. قال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، وروي عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " السحاق زناء النساء بينهن، ومباشرة الرجل للرجل زناء، ومباشرة المرأة ~~للمرأة زناء، " # قال: ولا يعرف في كلام العرب جمع بين الذكر والأنثى في لفظ التذكير إلا ~~إذا تقدمه ما يدل عليه، كقوله: # إن المسلمين والمسلمات # ثم قال: # أعد الله لهم # وإلى هذا التأويل في معنى الرجلين ذهب أهل العراق، فلا يحدون للوطي، ~~وهذا قول بعيد، والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة الزنا، وأن الحكم ~~المذكور في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ~~ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك، والبلخي، والجبائي، والطبري، ~~والزجاج، وغيرهم. وبعضهم قال: نسخها الحدود بالرجم أو الجلد. # وقوله: { فآذوهما } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس: هو التعيير باللسان، والضرب بالنعال. وقال ~~قتادة، والسدي، ومجاهد: هو التعيير والتوبيخ، فان قيل: كيف ذكر الاذى بعد ~~الحبس؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه: # أحدها - قال الحسن إن هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن توضع في التلاوة ~~بعد، فكان الأذى أولا، ثم الحبس، بعد ذلك، ثم نسخ الحبس بالجلد أو ~~بالرجم. # الثاني - قال السدي: انه في البكرين خاصة، دون الثيبين، والأولى في ~~الثيبين دون البكرين. # والثالث - قال الفراء: هذه الآية نسخت الاولى، قال أبو علي الجبائي: في ~~الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة، لأنها نسخت بالرجم أو الجلد، والرجم ~~ثبت بالسنة، ومن خالف في ذلك يقول: هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، ~~وأضيف إليه الرجم زيادة لا نسخا، فلم يثبت نسخ القرآن بالسنة. فأما ~~الأذى المذكور في الآية، فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويعنف، ويوبخ على ~~فعله، ويذم. وإنما لا يقتصر عليه، فزيد في الأذى إقامة الحد عليه، وإنما ~~نسخ الاقتصار عليه. ### || [4.17] # المعنى: # التوبة هي الندم على القبيح مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح، ~~وفي الناس من قال: يكفي الندم ms0881 على ما مضى من القبيح، والعزم على ألا يعود ~~إلى مثله، والاول أقوى، لاجماع الأمة على أنها إذا حصلت على ذلك الوجه ~~أسقطت العقاب، وإذا حصلت على الوجه الثاني ففي سقوط العقاب عنها خلاف، ~~وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن التوبة إنما يقبلها ممن يعمل السوء ~~بجهالة، وقيل في معنى بجهالة أربعة أقوال: # أحدها - قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، وعطا، وابن زيد: هو أن يفعلوها ~~على جهه المعصية لله تعالى، لأن كل معصية لها جهالة، لأنه يدعو اليها ~~الجهل، ويزينها للعبد، وإن كانت عمدا. # الثاني - بجهالة، أي بحال كحال الجهالة، التي لا يعلم صاحبها ما عليه في ~~مثلها من المضرة. # الثالث - قال الفراء: معنى { بجهالة } أي لا يعلمون كنه ما فيه من ~~العقوبة، كما يعلم الشيء ضرورة. # الرابع - { بجهالة } أي وهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي، اختاره الجبائي، ~~قال: يفعلونها بجهالة إما بتأويل يخطؤن فيه. أو بان يفرطوا في الاستدلال ~~على قبحها، قال الرماني: هذا ضعيف، لأنه تأويل بخلاف ما أجمع عليه ~~المفسرون، قال أبو العالية: إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فبجهالة، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك، وأيضا فانه يوجب أن من علم أنها ذنوب ~~أن لا يكون له توبة، لأن قوله: { إنما التوبة } يفيد أنها لهؤلاء دون ~~غيرهم، وظاهر الآية يدل على أن الله يقبل التوبة من جميع المعاصي كفرا ~~كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي، ويقربه أيضا قوله: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق.. # إلى قوله: # إلا من تاب # فاستثنى من القتل، كما استثنى من الزنا والشرك، وحكي عن الحسن أنه قال: ~~لا يقبل الله توبة القاتل. وروي أنه إنما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل ~~رجل على أن يتوب فيما بعد، فأراد صده عن ذلك. وقوله { فأولئك يتوب الله ~~عليهم } بعد قوله { ثم يتوبون من قريب } معناه إن الله ms0882 يقبل توبتهم إذا ~~تابوا وأنابوا، وقوله: { من قريب } حث على أن التوبة يجب أن تكون عقيب ~~المعصية، خوفا من الاخترام، وليس المراد بذلك أنها لو تأخرت لما قبلت. ~~وقال الزجاج: معناه ثم يتوبون قبل الموت، لأن ما بين الانسان وبين الموت ~~قريب، والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت. وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: ~~القريب ما لم يعاين الموت. وقال علي (ع)، وقد قيل له: فان عاد؟ قال: يغفر ~~الله له ويتوب، مرارا، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. ~~وقال السدي، وابن عباس: في حال الصحة قبل الموت. وقوله: { وكان الله ~~عليما حكيما } معناه ها هنا: وكان الله عليما بتوبتهم إن تابوا، ~~وإصرارهم إن أصروا، حكيما في مؤاخذتهم إن لم يتوبوا. وروي عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه قال: # " لما هبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك، لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه ~~جسده، فقال الله: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر ". ### || [4.18] # المعنى: # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يقبل التوبة من الذي يعمل المعاصي ~~حتى إذا حضره الموت قال: إني تبت الآن، وأجمع أهل التأويل على أن الآية ~~تناولت عصاة أهل الصلاة، إلا ما حكي عن الربيع أنه قال: إنها في ~~المنافقين، وهذا غلط لأن المنافقين كفار، وقد بين الله الكفار بقوله: { ~~ولا الذين يموتون وهم كفار } وقال الربيع أيضا: إن الآية منسوخة بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # وهذا خطأ لأن النسخ لا يدخل في الخبر الذي يجري هذا المجرى، ومن جوز ~~العفو بلا توبة يمكنه أن يقول: إن التوبة التي وعد الله باسقاط العقاب ~~عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لا يسقط العقاب، ولا يمنع ذلك من أن ~~يتفضل الله باسقاط العقاب ابتداء بلا توبة، كما لو خرج من دار الدنيا من ~~غير توبة أصلا، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه، فليس في الآية ما ينافي ~~القول بجواز العفو من ms0883 غير توبة. وقال جميع المفسرين، كابن عباس، وابن ~~عمر، وابراهيم، وابن زيد، وغيرهم: إن الذين يحتضرون لا تقبل لهم توبة، ~~غير إن الذين يحضرون الميت لا يعرفون تلك الحال معرفة يمكن بها الاشارة ~~إليها. فان قيل: فلم لم تقبل التوبة في الآخرة؟ قيل: لرفع التكليف، وحصول ~~الالجاء إلى فعل الحسن دون القبيح، والملجأ لا يستحق بفعله ثوابا ولا ~~عقابا، لأنه يجري مجرى الاضطرار. وحكي الرماني عن قوم أنهم قالوا بتكليف ~~أهل الآخرة، وان التوبة إنما لم يجب قبولها، لأن صاحبها هناك في مثل حال ~~المتعوذ بها، لا المخلص فيها، وهذا خطأ، لأن الله تعالى يعلم أسرارهم كما ~~يعلم إعلانهم. وقوله: { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } معناه أعددنا، ~~وقال قوم: التاء بدل من الدال، وقال آخرون هو أفعلنا من العتاد، ومعناه ~~اعددنا، وعتاد الرجل: عدته، وهو الأصل. والشيء العتيد هو المعد، ~~والعتيدة: طبلة معدة للطيب، ومعنى إعداد العذاب لهم، إنما هو بخلق النار ~~التي هي مصيرهم. والاليم بمعنى المؤلم. وليس في الآية ما يمنع من جواز ~~العفو عن مرتكبي الكبائر بلا توبة، لأن قوله: { أولئك } يحتمل أن يكون ~~راجعا إلى الكفار لأنه جرى ذكر الكفار وهم أقرب إلى أولئك من ذكر ~~الفساق، ويحتمل أن يكون التقدير: أعتدنا لهم عذابا، إن لم نشأ العفو ~~عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العذاب، وألا يأمنوا أن ~~يفعل بهم ذلك، وإن كان تعالى يعلم هل يعفو أو لا يعفو. ### || [4.19] # القراءة واللغة: # قرأ { بفاحشة مبينة } بفتح الياء، ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم. الباقون ~~بالكسر، وهو الأقوى، لأنه لا يقصد إلى إظهارها. وقرأ حمزة والكسائي { ~~كرها } بضم الكاف هنا وفي التوبة والأحقاف، وافقهما في الأحقاف عاصم، ~~وابن عامر، إلا الحلواني، ويعقوب. # الكره والكره لغتان، مثل الشهد والشهد، والضعف والضعف، والفقر ~~والفقر. # المعنى: # هذا الخطاب متوجه إلى المؤمنين، نهاهم الله أن يرثوا النساء كرها، ~~واختلفوا في معنى ذلك، فقال الزهري، والجبائي، وغيرهما، وروي ذلك عن أبي ~~جعفر (ع): هو أن يحبس الرجل المرأة عنده، ms0884 لا حاجة له اليها، وينتظر موتها ~~حتى يرثها، فنهى الله (تعالى) عن ذلك. وقال الحسن، ومجاهد: معناه ما كان ~~يعمله أهل الجاهلية، من أن الرجل اذا مات، وترك امرأته قال وليه: ورثت ~~امرأته، كما ورثت ماله، فان شاء تزوجها بالصداق الأول، ولا يعطيها شيئا، ~~وإن شاء زوجها وأخذ صداقها، وروى ذلك أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع). وقال ~~مجاهد: إذا لم يكن الولي ابنها قال أبو مجلز: وكان أولى بالميراث أولى ~~بها من ولي نفسها. وقوله: { ولا تعضلوهن } قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة ~~أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الزوج أمره الله ~~بتخلية السبيل إذا لم يكن له فيها حاجة، ولا يمسكها إضرارا بها، حتى ~~تفتدي ببعض مالها. # والثاني - قال الحسن: هو الوارث، نهي عن منع المرأة من التزويج، كما ~~يفعل أهل الجاهلية على ما بيناه. # والثالث قال مجاهد: المراد الولي. # الرابع - قال ابن زيد: المطلق يمنعها من التزويج، كما كانت تفعل قريش في ~~الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة، فاذا لم توافقه فارقها، على ~~أن لا تتزوج إلا باذنه، فيشهد عليها بذلك، ويكتب كتابا، فاذا خطبها ~~خاطب، فان أعطته وأرضته، أذن لها وإن لم تعطه عضلها، فنهى الله عن ذلك. ~~والأول أظهر الاقاويل. # اللغة: # والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج، وأصله الامتناع، يقال: عضلت ~~الدجاجة ببيضتها: إذا عسرت عليها، ومنه العضلة: لصلابتها، ومنه الداء ~~العضال إذا لم يبرء، وعضل الفضا بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه. # المعنى: # وقوله: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قيل فيه قولان: # أحدهما - قال الحسن، وأبو قلابه، والسدي: يعني الزنا، وقالوا إذا أطلع ~~منها على زنية فله أخذ الفدية. # والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: هو النشوز، والأولى حمل الآية ~~على كل معصية، لأن العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) واختاره ~~الطبري. وقوله: { وعاشروهن بالمعروف } قال السدي: معناه خالطوهن، ~~وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من المصاحبة، ~~بأداء حقوقهن التي أوجبها على الرجال، أو ms0885 تسريح باحسان. # وقوله: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا } يعني في إمساكهن على كره منكم { خيرا كثيرا } من ولد يرزقكم، ~~أو عطفكم عليهن بعد الكراهية، وبه قال ابن عباس، ومجاهد. # الاعراب: # والهاء في فيه، يحتمل أن ترجع إلى الشيء في قوله: { أن تكرهوا شيئا } ~~ويحتمل أن تكون راجعة إلى الذي يكرهونه. وقوله: { ولا تعضلوهن } يحتمل أن ~~يكون جزما بالنهي، ويحتمل أن يكون نصبا بالعطف على قوله: { لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن } وفي قراءة عبدالله: { ولا أن ~~تعضلوهن } باثبات أن. # النزول: # وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أبا قيس بن الأسلت لما مات عن زوجته كبشة ~~بنت معن بن عاصم، أراد ابنه أن يتزوجها، فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) فقالت: يا نبي الله: لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت ~~هذه الآية، ذكره أبو جعفر عليه السلام، وغيره. ### || [4.20] # المعنى: # أخذ مال المرأة، وإن كان محرما على كل حال من غير أمرها، فانما خص الله ~~تعالى الاستبدال بالنهي، لأن مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع، من ~~حيث أن الثانية تقوم مقام الأولى، فيكون لها ما أعطيته الأولى، فبين الله ~~تعالى أن ذلك لا يجوز. والمعنى: إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدل ~~مكانها أو لم يستبدل. وقوله: { وآتيتم إحداهن قنطارا } معناه: ليس ما ~~آتيتموهن موقوفا على التمسك بهن، دون تخليتهن، فيكون إذا أردتم ~~الاستبدال جاز لكم أخذه، بل هو تمليك صحيح، لا يجوز الرجوع فيه. والمراد ~~بذلك ما أعطى المرأة مهرا لها، ويكون دخل بها، فأما إذا لم يدخل بها، ~~وطلقها، جاز له أن يسترجع نصف ما أعطاها، فأما ما أعطاها على وجه الهبة، ~~فظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز له الرجوع في شيء منه. لكن علمنا بالسنة ~~أن ذلك سائغ له، وإن كان مكروها. # اللغة: # والقنطار المال الكثير، واختلفوا في مقداره، فقال بعضهم هو ملء جلد ثور ~~ذهبا، وقال آخرون: هو دية الانسان، وغير ذلك من الاقوال ms0886 التي قدمنا ~~ذكرها فيما مضى. وأصل ذلك مأخوذ من القنطرة، ومنه القنطر الداهية، لأنها ~~كالقنطرة في عظم الصورة، وإحكام البنية. ويقال: قنطر في الأمر يقنطر إذا ~~عظمه، بتكثير الكلام فيه، من غير حاجة إليه. وقوله: { أتأخذونه بهتانا } ~~قيل في معناه قولان: # أحدهما - يعني بهتانا ظلما كالظلم بالبهتان، وقيل بطلانا كبطلان ~~البهتان. # الثاني - بهتانا أي بأن تبهتوا أنكم ملكتموه فتسترجعوه وأصل البهتان ~~الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة، وأصله التحير، ومنه قوله: # فبهت الذي كفر # أي تحير عند انقطاع حجته، فالبهتان كذب يحير صاحبه. ونصب بهتانا على ~~أنه حال في موضع المصدر، والمعنى أتأخذونه مباهتين وآثمين. وقوله { ~~مبينا } أي ظاهرا لا شك فيه. ### || [4.21] # المعنى: # قيل في نسخ هذه الآية، والتي قبلها، ثلاثة أقوال: # أحدها - أنها محكمة ليست منسوخة، لكن للزوج ان يأخذ الفدية من المختلعة، ~~لأن النشوز منها، فالزوج في حكم المكره لا المختار للاستبدال، ولا يتنافى ~~حكم الآيتين، فلا يحتاج إلى نسخ احداهما بالاخرى. # الثاني - قال بكر بن عبد الله المري: هي محكمة، وليس للزوج لأجل ظاهرها ~~أن يأخذ من المختلعة شيئا، ولا من غيرها. # الثالث - قال ابن زيد، والسدي: هي منسوخة بقوله: # إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به # وقيل في معنى الافضاء قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: هو كناية عن الجماع. # الثاني - انه الخلوة، وإن لم يجامع، فليس له أن يسترجع نصف المهر، وإنما ~~يجوز ذلك فيمن لم يدخل بها بالخلوة معها. وكلاهما قد رواه أصحابنا، ~~واختلفوا فيه، والاول هو الأقوى. # اللغة والمعنى: # والافضاء إلى الشيء هوالوصول إليه بالملابسة له، قال الشاعر: # بلى وثاي أفضى إلى كل كئبة # بدا سيرها من ظاهر بعد باطن # أي وصل البلى والفساد إلى الحزز، والفضاء السعة، فضا يفضو فضوا وفضاء ~~إذا اتسع، ومنه: تمر فضا، مقصور أي مختلط، وقوله: { وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا } قيل في معناه أربعة أقوال: # أحدهما - قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، ms0887 والسدي، والفراء، وهو ~~المروي عن أبي جعفر (ع) أنه قوله: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # وقال مجاهد، وابن زيد، هو كلمة نكاح، التي يستحل بها الفرج. # الثالث - قول النبي (صلى الله عليه وسلم): # " أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". # الرابع - قال قتادة. كان يقال للناكح في صدر الاسلام الله عليك لتمكن ~~بمعروف أو لتسرحن باحسان، وهذا الكلام وإن كان ظاهره للاستفهام، فالمراد ~~به التوبيخ، والتهديد، كما يقول القائل لغيره: كيف تفعل هذا وأنا غير راض ~~به، على وجه التهدد له. ### || [4.22] # المعنى: # قيل في معنى الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وعكرمة: إنه حرم عليهم ما كان ~~أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الأب. # والثاني - أن يكون { ما نكح } بمنزلة المصدر، والتقدير: ولا تنكحوا نكاح ~~آبائكم، أي مثل نكاح آبائكم، فعلى هذا يدخل فيه النهي عن حلائل الاباء، ~~وكل نكاح كان لهم فاسدا، وهو اختيار الطبري وقال: إن هذا الوجه أجود، ~~لأنه لو أراد حلائل الآباء لقال: لا تنكحوا من نكح آباؤكم، وهذا ليس ~~بطعن، لأنه ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لا تأخذ ما أخذ أبوك من ~~الاماء، فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره. ب (من). وقوله: { إلا ما قد سلف ~~} معنى إلا لكن، وكذلك كل استثناء منقطع، كقول القائل: لا تبع من متاعي ~~إلا ما بعت، أي لكن ما بعت فلا جناح عليك فيه، وقيل في معنى الآية قولان: # أحدهما - { إلا ما قد سلف } فانكم لا تؤخذون به. # الثاني - حكاه بعضهم: { إلا ما قد سلف } فدعوه، فهو جائز لكم، قال ~~البلخي: وهذا لا يجوز بالاجماع. والهاء في قوله: { إنه كان فاحشة } يحتمل ~~أن تكون عائدة إلى النكاح بعد النهي، ويحتمل أن تكون عائدة على النكاح ~~الذي كان عليه أهل الجاهلية قبل، ولا يكون ذلك إلا وقد قامت عليهم الحجة ~~بتحريمه، من جهة الرسل، فالأول اختاره الجبائي، وهو الأقوى، وتكون { إلا ~~ما قد سلف } فالسلامة منه الاقلاع عنه بالتوبة والانابة، قال البلخي: ~~وليس كل نكاح ms0888 حرمه الله زنا، لأن الزنا هو فعل مخصوص، لا يجري على طريقة ~~لازمة، وسنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية: أولاد زنا، ولا ~~لأولاد أهل الذمة والمعاهدين: أولاد زنا، إذا كان ذلك عقدا بينهم ~~يتعارفونه. # اللغة، والاعراب، والمعنى # والمقت، هو بغض عن أمر قبيح ركبه صاحبه، وهو مقيت، وقد مقت إلى الناس ~~مقاتة، ومقته الناس مقتا، فهو ممقوت. وقيل إن ولد الرجل من امرأة أبيه ~~كان يسمي المقتي، قال المبرد: كان زائدة، والتقدير: إنه فاحشة. وقال ~~الزجاج: هذا ليس بصحيح، لأنها لو كانت زائدة لم تعمل، كما قال الشاعر: # فكيف إذاحللت ديار قوم # وجيران لنا كانوا كرام # لما كانت زائدة لم تعمل في الخبر. قال الرماني: هي كقوله { وكان الله ~~غفورا رحيما } فدخلت كان لتدل على أنه قبل تلك الحال كذا، وقال ~~الجبائي: معناه أنه كان فيما مضى أيضا فاحشة ومقتا، وكان قد قامت الحجة ~~عليهم بذلك. وكل من عقد عليها الأب من النساء تحرم على الابن، دخل بها ~~الأب، أو لم يدخل، بلا خلاف، فان دخل بها الأب على وجه السفاح فهل تحرم ~~على الابن ففيه خلاف، وعموم الآية يقضي بأنها تحرم عليه، لأن النكاح يعبر ~~به عن الوطي، كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما، وامرأة الأب ~~وإن علا تحرم على الابن وإن نزل، بلا خلاف. وقوله: { وساء سبيلا } أي ~~قبح ذلك السبيل الذى سلكوه سبيلا، وهونصب على التمييز. ### || [4.23] # المعنى: # في الناس من اعتقد أن هذه الآية وما يجري مجراها، كقوله: # حرمت عليكم الميتة # مجملة لا يمكن التعلق بظاهرها في تحريم شيء، وإنما يحتاج إلى بيان ~~قالوا: لأن الأعيان لا تحرم ولا تحل، وإنما يحرم التصرف فيها، والتصرف ~~يختلف، فيحتاج إلى بيان التصرف المحرم، دون التصرف المباح، والأقوى أنها ~~ليست مجملة، لأن المجل هو ما لا يفهم المراد بعينه بظاهره، وليست هذه ~~الآية كذلك لأن المفهوم من ظاهرها تحريم العقد عليهن، والوطي، دون غيرهما ~~من أنواع الفعل، فلا يحتاج إلى البيان مع ذلك، وكذلك ms0889 قوله: { حرمت عليكم ~~الميتة } المفهوم الأكل، والبيع، دون النظر إليها، أو رميها، وما جرى ~~مجراهما كيف وقد تقدم هذه الآية ما يكشف عن أن المراد ما بيناه من قوله: ~~{ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } فلما قال. بعده: { حرمت عليكم أمهاتكم } ~~كان المفهوم أيضا تحريم نكاحهن، وقد استوفينا ذلك في العدة في أصول ~~الفقه، فلا نطول بذكره ها هنا. # قال ابن عباس: حرم الله في هذه الآية سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، ~~فالمحرمات من النسب الأمهات، ويدخل في ذلك أمهات الأمهات وإن علون، ~~وأمهات الآباء مثل ذلك، والبنات، ويدخل في ذلك بنات الأولاد وأولاد ~~البنين وأولاد البنات وإن نزلن، والأخوات، سواء كن لأب وأم أو لأب أو ~~لأم، وكذلك العمات والخالات، وإن علون، من جهة الأب كن أو من جهة الأب أو ~~من جهة الأم، وبنات الاخ، وبنات الأخت وإن نزلن. # والمحرمات بالسبب الأمهات من الرضاعة، والأخوات أيضا من الرضاعة، وكل ~~من يحرم بالسبب يحرم مثله بالرضاع، لقوله (صلى الله عليه وسلم): # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # وأمهات النساء يحرمن بنفس العقد، وإن لم يدخل بالبنت، على قول أكثر ~~الفقهاء، وبه قال ابن عباس، والحسن، وعطاء، وقالوا: هي مبهمة، وخصوا ~~التقييد بقوله: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~} ورووا عن علي (ع)، وزيد بن ثابت، أنه يجوز العقد على الأم ما لم يدخل ~~بالبنت، وجعلوا قوله: { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } راجعا إلى جميع من ~~تقدم من أمهات النساء، والربائب. # اللغة: # والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من غيره، ويدخل فيه أولادها وإن ~~نزلن، وسميت بذلك لتربيته إياها، ومعناها مربوبة، نحو قتيلة في موضع: ~~مقتولة، ويجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها وكانت في حجره، أو لم ~~تكن، لأنه إذا تزوج بأمها سمي هو رابها، وهي ربيبته، والعرب تسمي ~~الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم، ويوقعونه، يقولون: هذا مقتول، وهذا ~~ذبيح، وإن لم يقتل بعد ولم يذبح، إذا كان يراد قتله أو ذبحه، وكذلك ~~يقولون: هذه أضحية لما ms0890 أعد للتضحية، وكذلك: هذه قتوبة، وحلوبة، أي مما ~~يقتب، ويحلب فمن قال: إنه لا تحرم بنت الزوجة إلا إذا تربت في حجره فقد ~~أخطأ على ما قلناه ويقال لزوج المرأة: ربيب ابن امرأته، يعنى به رابه، ~~نحو: شهيد، بمعنى شاهد، وخبير، بمعنى خابر، وعليم، بمعنى عالم. # الاعراب: # وقوله: { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } قال المبرد: { اللاتي دخلتم بهن ~~} نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير قال: لاجماع الناس على أن ~~الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها، وإن من أجاز أن يكون قوله: { من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن } هو لأمهات نسائكم فيكون معناه: أمهات نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن، فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب، قال الزجاج: ~~لأن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، لا يجيز النحويون: مررت ~~بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن يكون (الظريفات) نعتا ~~لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء. وقال: من اعتبر الدخول بالنساء، لتحريم ~~أمهاتهن يحتاج أن يقدر: أعني، فيكون التقدير: وأمهات نسائكم أعني اللاتي ~~خلتم بهن، وليس بنا إلى ذلك حاجة. # المعنى: # والدخول المذكور في الآية قيل فيه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس: هو الجماع، واختاره الطبري. # الثاني - قال عطاء: وما جرى مجراه من المسيس، وهو مذهبنا، وفيه خلاف بين ~~الفقهاء. وقوله: { وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم } يعني نساء البنين ~~للصلب، دخل بهن البنون أو لم يدخلوا، ويدخل في ذلك أولاد الأولاد من ~~البنين والبنات، وإنما قال { من أصلابكم } لئلا يظن أن امرأة من يتبنى به ~~تحرم عليه. وقال عطاء: نزلت الآية حين نكح النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~إمرأة زيد بن حارثة، فقال المشركون في ذلك، فنزلت: { وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم } وقال: # وما جعل أدعيائكم أبنائكم # وقال: # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # فأما حلائل الأبناء من الرضاعة فمحرمات بقوله (صلى الله عليه وسلم): # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # وإنما سميت المرأة حليلة لأمرين: # أحدهما - لأنها تحل معه في فراش. # الثاني - لأنه يحل له وطؤها. وقوله: { وأن ms0891 تجمعوا بين الأختين } فيه ~~تحريم الجمع بينهما في عقد واحد، وتحريم الجمع بينهما في الوطي بملك ~~اليمين، فاذا وطأ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يخرج تلك من ملكه، وهو ~~قول الحسن، وأكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابن عباس أنه أجاز الجمع ~~بينهما بملك اليمين، وتوقف فيهما علي وعثمان، وباقي الصحابة حرموا الجمع ~~بينهما. وروي عن علي (ع) أنه قال: حرمتهما آية، وأحلتهما أخرى، وأنا أنهى ~~عنهما نفسي، وولدي، فغلب التحريم. ومن أجاز الجمع بينهما في الوطي بملك ~~اليمين - على ما يذهب إليه داود وقوم من أهل الظاهر - فقد أخطأ في ~~الأختين، وكذلك في الربيبة وأم الزوجة، لأن قوله: { وأمهات نسائكم } يدخل ~~فيه المملوكة، والمعقود عليها، وكذلك قوله: { من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~} يتناول الجميع، وكذلك قوله: { وأن تجمعوا بين الأختين } عام في الجميع ~~على كل حال، في العقد والوطي، وإنما أخرجنا جواز ملكهما بدلالة الاجماع، ~~ولا يعارض ذلك قوله: { أو ما ملكت أيمانكم } لأن الغرض بهذه الآية مدح من ~~يحفظ فرجه إلا عن الأزواج، أو ملك الايمان، فأما كيفية ذلك فليس فيه، ~~ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: { أو ما ملكت أيمانكم } إلا على وجه الجمع ~~بين الأم والبنت، أو الاختين # والسابعة قوله: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم } وهي امرأة الأب، سواء دخل ~~بها أو لم يدخل، ويدخل في ذلك نساء الأجداد وإن علوا، من قبل الأب والأم ~~بلا خلاف. # وقوله: { إلا ما قد سلف } استثناء منقطع، وتقديره: لكن ما سلف لا ~~يؤاخذكم الله به، وليس المراد أن ما سلف حال النهي تجوز استدامته، بلا ~~خلاف. وقيل إن إلا بمعنى سوى. وقوله: { وأن تجمعوا } (أن) في موضع الرفع، ~~والتقدير: حرمت عليكم هذه الأشياء، والجمع بين الأختين، وكل من حرمه الله ~~في هذه الآية فانما هو على وجه التأييد، مجتمعات ومنفردات، إلا الأختين ~~فانهما تحرمان على وجه الجمع دون الانفراد. # ويمكن أن يستدل بهذه الآية على أنه لا يصح أن يملك واحدة من ذوات ~~الانساب المحرمات، لأن التحريم عام، وبقوله (صلى ms0892 الله عليه وسلم) # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # على أنه لا يصح ملكهن من جهة الرضاع، وإن كان فيه خلاف. وأما المرأة ~~التي وطؤها بلا تزويج، ولا ملك، فليس في الآية ما يدل على أنه يحرم وطي ~~أمها وبنتها، ولأن قوله: { وأمهات نسائكم } وقوله: { من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن } يتضمن إضافة الملك، إما بالعقد أو بملك المين، فلا يدخل فيه ~~من وطأ من لا يملك وطأها، غير أن قوما من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوءة ~~بالعقد والملك بالسنة والأخبار المروية في ذلك، وفيه خلاف بين الفقهاء. # وأما الرضاع فلا يحرم عندنا إلا ما كان خمس عشرة رضعة متواليات، لا يفصل ~~بينهن برضاع امرأة اخرى، أو رضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم. ~~وفي أصحابنا من حرم بعشر رضعات. ومتى دخل بين الرضاع رضاع امرأة أخرى، ~~بطل حكم ما تقدم. وحرم الشافعي بخمس رضعات، ولم يعتبر التوالي. وحرم ~~أبو حنيفة بقليله وكثيره، وهو اختيار البلخي. وفي أصحابنا من ذهب إليه. ~~واللبن عندنا للفحل، ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبيانا ~~كثيرين، من أمهات شتى، فانهم جميعهم يصيرون أولاد الفحل، ويحرمون على ~~جميع أولاده الذين ينتسبون إليه ولادة ورضاعا، ويحرمون على أولاد ~~المرضعة الذين ولدتهم، فأما من أرضعته بلبن غير هذا الفحل، فانهم لا ~~يحرمون عليهم، وكذلك إن كان للرجل امرأتان، فأرضعتا صبيين لأجنبيين، حرم ~~التناكح بين الصبيين. # وخالف في هذه ابن علية. # ولا يحرم من الرضاع عندنا إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي من المجرى ~~المعتاد الذي هو الفم، فأما ما يوجر به، أو يسعط، أو ينشق، أو يحقن به، ~~أو يحلب في عينه، فلا يحرم بحال. ولبن الميتة لا حرمة له في التحريم، وفي ~~جميع ذلك خلاف. ولا يحرم من الرضاع إلا ما كان في مدة الحولين، فأما ما ~~كان بعده فلا يحرم بحال. # فأما الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها فحرم بالسنة، ويجوز عندنا نكاح ~~العمة والخالة على المرأة، ونكاح المرأة على العمة والخالة لا ms0893 يجوز إلا ~~برضاء العمة والخالة، وخالف فيه جميع الفقهاء. والمحرمات بالنسب ومن يحرم ~~بالسبب على وجه التأييد يسمون مبهمات، لأنه يحرم من جميع الجهات، مأخوذ ~~من البهيم الذي لا يخالط معظم لونه لون آخر، يقال: فرس بهيم لا شية فيه، ~~وبقرة بهيم، والجمع بهم. # وقوله: { إن الله كان غفورا رحيما } اخبار أنه كان غفورا حيث لم ~~يؤآخذهم بما فعلوه من نكاح المحرمات، وأنه عفى لهم عما سلف، ولا يدل على ~~أنه ليس بغفور فيما بعد، لأن ذلك معلوم بدلالة أخرى، وفي الناس من قال: ~~كان زائدة، وقد بينا أن هذا ضعيف، لأنها تكون عبثا ولغوا، وذلك لا ~~يجوز. ### || [4.24] # القراءة: # قرأ الكسائي: " المحصنات " " ومحصنات " ، بكسر الصاد حيث وقع، إلا قوله: ~~{ والمحصنات من النساء } ها هنا فانه فتح الصاد. وقرأ أهل الكوفة إلا أبو ~~بكر، وأبو جعفر: { وأحل لكم } - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: ~~بفتحها. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: " أحصن " بفتح الهمزة والصاد، الباقون ~~بضم الهمزة وكسر الصاد. # المعنى: # قيل في معنى قوله: { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ثلاثة ~~أقوال: # أحدها - وهو الأقوى - ما قاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو ~~قلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات ~~الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لها زوج. وقال بعضهم، مستدلا ~~على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ~~ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان، دخلوا في الاسلام. # الثاني - قال أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود ~~- في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وابراهيم: إن المراد به ~~ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لأن بيعها طلاقها. ~~وقال ابن عباس: طلاق الأمة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، ~~وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: أن السبي ~~خاصة طلاقها، قالوا لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) خير ms0894 بريرة بعد أن ~~أعتقتها عائشة، ولو بانت بالعتق لما صح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق ~~الحرة. # الثالث - قال أبو العالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره ~~الطبري: ان المحصنات العفائف، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ~~ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الأمة. # اللغة والاعراب: # وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصنا لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع ~~الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الأفراس لمنعه صاحبه من الهلاك، ~~والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد. ومنه قوله: # التي أحصنت فرجها # وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، ~~والحاصن: العفيفة، قال العجاج: # وحاصن من حاصنات ملس # من الأذى ومن قراف الوقس # وقال أبو علي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصنا وهي حصان، مثل: ~~جبنت جبنا فهي جبان، وقالوا حصنا، كما قالوا: علما قال الازهري: يقال ~~للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، ~~وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، ~~بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ~~ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام: # أحدها - يكون بالزوجة، كقوله: { والمحصنات من النساء }. # والثاني - بالاسلام، كقوله: # فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات # والثالث - بالعفة كقوله: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء # الرابع - يكون بالحرية، كقوله: { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم } وقوله: { كتاب الله عليكم } يحتمل نصبه وجهين: # أحدهما - أن يكون مصدرا جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم ~~الله ذلك كتابا من الله، أو كتب كتابا، كما قال: # صنع الله الذي أتقن كل شيء # فنصبه بقوله: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب # فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر: # ورضت فذلت صعبة أي اذلال # لأن معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ~~ويكون { عليكم } مفسرا، والمعنى: الزموا ms0895 كتاب الله. # الثاني - على الاغراء، والعامل محذوف، لأن عليكم لا يعمل فيما قبله: ~~وأنشد: # يا أيها المائح دلوى دونكا # إني رأيت الناس يحمدونكا # والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج. # المعنى: # وقوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } قيل في معناه ~~أربعة أقوال: # أحدها - قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا ~~باموالكم على وجه النكاح. # الثاني - قال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم. # الثالث - قال قتادة: { ما وراء ذلكم } مما ملكت أيمانكم. # الرابع - ما وراء ذوات المحارم إلى الأربع، أن تبتغوا بأموالكم نكاحا، ~~أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لأنه حمل الآية على عمومها في جميع ما ~~ذكر الله، ولا تنافي بين هذه الاقوال. # ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: { كتاب الله علكيم } ~~ومن ضم حمله على { حرمت } وموضع { أن تبتغوا } نصب، ويحتمل نصبه على ~~وجهين: # أحدهما - على البدل من ما. # والثاني - على حذف اللام من " لأن تبتغوا " ، ومن قرأ بالضم جاز عنده ~~الرفع والنصب، وقوله: { محصنين } أي عاقدين التزويج، غير مسافحين: عافين ~~للفروج، فال مجاهد، والسدي: معناه غير زانين وأصله: صب الماء، تقول: سفح ~~الدمع إذا صبه، وسفح الجبل أسفله، لانه مصب الماء منه، وسافح إذا زنا ~~لصبه الماء باطلا. وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين ~~من أحد، فاذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على كل حال، ~~على السفاح واتخاذ الصديق. وقوله: { فما استمتعتم به منهن } قال الحسن، ~~ومجاهد، وابن زيد: هو النكاح، وقال ابن عباس، والسدي: هو المتعة إلى أجل ~~مسمى، وهو مذهبنا، لأن لفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع إلا ~~العقد المؤجل، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يقول بالمتعة، وفلان لا يقول ~~بها، ولا يريدون إلا العقد المخصوص، ولا ينافي ذلك قوله: # والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم # لأنا نقول: إن هذه زوجة، ولا يلزم أن يلحقها جميع أحكام الزوجات، من ~~الميراث، ms0896 والطلاق، والايلاء، والظهار، واللعان، لأن احكام الزوجات تختلف، ~~ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذلك المرتد عندنا، والكتابية لا ~~ترث، وأما العدة فانها تلحقها عندنا، ويلحق بها أيضا الولد، فلا شناعة ~~بذلك، ولو لم تكن زوجة لجاز أن يضم ما ذكر في هذه السورة إلى ما في تلك ~~الآية، لأنه لا تنافي بينهما، ويكون التقدير: إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم أو ما استمتعتم به منهن وقد استقام الكلام. وروي عن ابن مسعود، ~~وابن عباس، وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: أنهم قرأوا { فما استمتعتم به ~~منهن إلى أجل مسمى } وذلك صريح بما قلناه، على أنه لو كان المراد به عقد ~~النكاح الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد، لأنه قال: { فآتوهن ~~أجورهن } يعني مهورهن، عند أكثر المفسرين، وذلك غير واجب بلا خلاف، وإنما ~~يجب الأجر بكماله في عقد المتعة. وفي أصحابنا من قال: قوله: { أجورهن } ~~يدل على أنه أراد المتعة، لأن المهر لا يسمى أجرا، بل سماه الله صدقة ~~ونحلة، وهذا ضعيف، لأن الله سمى المهر أجرا في قوله # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن # وقال: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن # ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبا لما يعلم خلافه، ومن حمل لفظ ~~الاستمتاع على الانتفاع فقد أبعد، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم من ~~لا ينتفع بها شيء من المهر، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه نصف ~~المهر، وإن خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء، وإن ~~لم يلتذ ولم ينتفع. # وأما الخبر الذى يروونه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن المتعة، ~~فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة ~~يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، ~~وقد طعن أيضا في طريقه بما هو معروف، وأدل دليل على ضعفه قول عمر: ~~(متعتان كانتا على عهد رسول ms0897 الله (صلى الله عليه وسلم) أنا أنهى عنهما ~~وأعاقب عليهما) فأخبر أن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم)، وأنه الذي نهى عنهما، لضرب من الرأي. فان قالوا. إنما نهى ~~لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان نهى عنهما، قلنا: لو كان كذلك لكان ~~يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهى عنهما، ~~وأنا أنهى عنهما أيضا، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل ~~على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وصح ما قلناه. # وقال الحكم بن عتيبة، قال علي (ع) لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا ~~شقي. وذكر البلخي، عن وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، ~~عن عبد الله بن مسعود: قال كنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ونحن شباب، ~~فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي، قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة ~~بالثوب، إلى أجل. وقوله: { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة } قال الحسن، وابن زيد: أي تراضيتم به من حط بعض الصداق أو ~~تأخيره، أو هبة جميعه. وقال السدي وقوم من أصحابنا: معناه: لا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم ~~عليها، فتزيدها في الأجر وتزيدك في المدة. وفي الآية دلالة على جواز نكاح ~~المرأة على عمتها وخالتها، لأن قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عام في ~~جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وما يروى من قوله (صلى الله عليه ~~وسلم): # " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها " # خبر واحد لا ينسخ به القرآن، ولو كان معلوما لما جاز أن ينسخ به القرآن ~~عند أكثر الفقهاء، لأن نسخ القرآن لا يجوز عندهم بالسنة، وادعاؤهم ~~الاجماع على الخبر غير مسلم، لأنا نخالف فيه. وقوله: { إن الله كان ~~عليما حكيما } معناه عليما بما يصلح أمر الخلق، حكيما فيما فرض لهم من ~~عقد ms0898 النكاح الذى به حفظت الأموال، والانساب. قال البلخي: والآية دالة على ~~أن نكاح المشركين ليس بزنا. لأن قوله: { والمحصنات من النساء } المراد به ~~ذوات الازواج من أهل الحرب، بدلالة قوله: { إلا ما ملكت أيمانكم } بسبيهن ~~ولا خلاف أنه لا يجوز وطي المسبية إلا بعد استبرائها بحيضة. ### || [4.25] # القراءة، واللغة: # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا { فإذا أحصن } - بضم الهمزة وكسر الصاد - ~~الباقون بفتحهما، وقرأ { المحصنات } - بكسر الصاد - الكسائي وحده، قوله: ~~{ ومن لم يستطع منكم طولا } معناه: من لم يجد منكم طولا، وقيل في معنى ~~الطول قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن ~~زيد: هو الغنى، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). # والثاني - قال ربيعة، وجابر، وعطاء، وابراهيم: أنه الهوى، قال: إذا هوي ~~الأمة فله أن يتزوجها وإن كان ذا يسار. وقال الحسن، والشعبي: لا يجوز ~~ذلك، والقول الأول هو الصحيح، وعليه أكثر الفقهاء. والطول الغنى، وهو ~~مأخوذ من الطول خلاف القصر، فشبه الغنى به، لأنه ينال به معالي الأمور، ~~وقولهم ليس فيه طائل. أي: لا ينال به شيء من الفوائد، والتطول الافضال ~~بالمال، والتطاول على الناس الترفع عليهم، وكذلك الاستطالة، وتقول: طال ~~فلان طولا، أي كأنه فضل عليه في القدرة، وقد طالت طولك وطيلك أي طالت ~~مدتك، قال الشاعر: # إنا محيوك فاسلم أيها الطلل # وإن بليت وإن طالت بك الطيل # والطول الحبل. # المعنى: # وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، لأنه قيد جواز ~~العقد على الاماء إذا كن مؤمنات، وهو قول مالك بن أنس، ومجاهد، وسعيد بن ~~عبد العزيز، وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، والحسن، والطبري، وقال ~~أبو ميسرة، وأبو حنيفة، وأصحابه: يجوز ذلك، لأن التقييد هو على جهة الندب ~~دون التحريم، والأول أقوى، لأنه الظاهر، وما قالوه عدول عنه. ومنهم من ~~قال: لأن التأويل: من فتياتكم المؤمنات دون المشركات من عبدة الأوثان، ~~بدلالة الآية التي في المائدة، وهي قوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # وهذا ليس ms0899 بشيء، لأن الكتابية لا تسمى مؤمنة. ومن أجاز العقد على ~~الكتابية له أن يقول: آية المائدة مخصوصة بالحرائر منهن دون الاماء، ~~وظاهر الآية يقتضي أن من وجد الطول من مهر الحرة ونفقتها، ولا يخاف ~~العنت. لا يجوز له تزويج الأمة، وإنما يجوز العقد عليها مع عدم الطول، ~~والخوف من العنت. وهو مذهب الشافعي، غير أن أكثر أصحابنا قالوا: ذلك على ~~وجه الأفضل، لا أنه لو عقد عليها وهو غني كان العقد باطلا، وبه قال أبو ~~حنيفة، وقووا ذلك بقوله: # ولأمة مؤمنة خير من مشركة # إلا أن من شرط صحة العقد على الأمة عند أكثر الفقهاء، أن لا تكون عنده ~~حرة، وهكذا عندنا، إلا أن ترضى الحرة بأن يتزوج عليها أمة، فان أذنت كان ~~العقد صحيحا عندنا، ومتى عقد عليها بغير إذن الحرة كان العقد على الأمة ~~باطلا. # وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الأمة، أو تفسخ عقد ~~نفسها، والاول أظهر، لأنه إذا كان العقد باطلا لا يحتاج إلى فسخه، فأما ~~تزويج الحرة على الأمة، فجائز، وبه قال الجبائي. وفي الفقهاء من منع منه، ~~غير أن عندنا لا يجوز ذلك إلا باذن الحرة، فان لم تعلم الحرة بذلك كان ~~لها أن تفسخ نكاحها، أو نكاح الأمة، وفي الناس من قال: في عقده على الحرة ~~طلاق الأمة. وقوله: { من فتياتكم المؤمنات } فالفتى الشاب، والفتاة ~~الشابة، والفتاة الأمة، وإن كانت عجوزا لأنها كالصغيرة في أنها لا توقر ~~توقير الكبيرة، والفتوة حال الحداثة، ومنه الفتيا، تقول: أفتى الفقيه. ~~يفتي لأنه يسأله مسألة في حادثة. # وقوله: { والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض } قيل في معناه قولان: # أحدهما - كلكم ولد آدم. # والثاني - كلكم على الايمان. ويجوز أن تكون الأمة أفضل من الحرة، وأكثر ~~ثوابا عند الله، وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الأمة، إذا جوز أن تكون ~~أكثر ثوابا عند الله، مع اشتراكهم بأنهم ولد آدم، وفي ذلك صرف عن ~~التغاير بالأنساب. ومن كره نكاح الأمة قال: لأن الولد عندنا يلحق بالحرية ms0900 ~~في كلا الطرفين. # وقوله: { فانكحوهن بإذن أهلهن } أي اعقدوا عليهن باذن أهلهن، وفيه دلالة ~~واضحة على أنه لا يجوز نكاح الأمة بغير اذن وليها الذي هو مالكها. وقوله: ~~{ وآتوهن أجورهن } معناه: اعطوا مالكهن مهورهن، لأن مهر الأمة لسيدها، { ~~بالمعروف } وهو ما وقع عليه العقد وتراضي. وقوله: { محصنات غير مسافحات } ~~يعني بالعقد عليهن، دون السفاح معهن، { ولا متخذات أخدان } وقد بينا ~~الفرق بين الخدن والسفاح فيما مضى، والخدن هو الصديق يكون للمرأة، بزني ~~بها سرا، كذا كان في الجاهلية، والسفاح ما ظهر منه، وكان فيهم من يحرم ~~ما ظهر من الزنا، ولا يحرم ما خفي منه، ذكر ذلك ابن عباس، وغيره من ~~المفسرين. وخدن الرجل وخدينه صديقه. # وقوله: { فإذا أحصن } من قرأ بالضم، قال: معناه تزوجن، ذكر ذلك ابن ~~عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. ومن فتح الهمزة قال: معناه أسلمن، ~~روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، والشعبي، وابراهيم، والسدي. وقال الحسن: ~~يحصنها الزوج، ويحصنها الاسلام، وهو الأولى، لأنه لا خلاف أنه يجب عليها ~~نصف الحد إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، كما أن عليها ذلك وان كان لها ~~زوج، لأنه وإن كان لها زوج لا يجب عليها الرجم، لأنه لا يتبعض، فكان ~~عليها نصف الحد خمسين جلدة. على أن قوله: { فعليهن نصف ما على المحصنات } ~~يعني نصف ما على الحرائر، وليس المراد به ذوات الأزواج، فالاحصان المذكور ~~للأمة التزويج، والمذكور للمحصنات الحرية، وبينا أنه يعبر به عن الأمرين. ~~وقال بعضهم: إذا زنت الأمة قبل أن تتزوج، فلا حد عليها، وإنما عليها نصف ~~الحد إذا تزوجت بظاهر الآية. # وقوله: { ذلك لمن خشي العنت منكم } ، فالعنت معناه ها هنا الزنا في قول ~~ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، والضحاك، وابن زيد. وقال قوم: هو ~~الضرر الشديد في الدين أو الدنيا، مأخوذ من قوله: # ودوا ما عنتم # والأول أقوى، وقوله: { وإن تصبروا خير لكم } يعني: عن نكاح الاماء، في ~~قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وعطية. وأكمة عنوت صعبة ms0901 ~~المرتقى. ومتى اجتمع عند الرجل حرة وأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم، ~~وعندنا أن بيع الأمة طلاقها، إلا أن يشاء المشتري إمضاء العقد، وكذلك ~~الهبة، وكل ما ينتقل به الملك من الميراث، والسبي، وغيره. فأما عتقها ~~فانه يثبت به لها الخيار، كما ثبت لبريره، ومتى كانت تحت الزوج الحر أو ~~عبد لغيره، لم يكن للمولى التفرقة بينهما، فان كانا جميعا له كان ~~التفرقة إلى المولى. # واستدلت الخوارج على بطلان الرجم بهذه الآية، قالوا: لما قال الله ~~تعالى: { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ، وكان الرجم لا يمكن ~~تبعيضه، دل على أنه لا أصل له، وعلى ما بيناه من أن المراد فعليهن نصف ما ~~على الحرائر، دون ذوات الأزواج، يسقط هذا السؤآل. ويدل على أن الاحصان ~~يعبر به عن الحرية زائدا على ما تقدم، قوله في أول الآية: { ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم } ولا شك ~~أنه أراد الحرة أو العفائف، لأن التي لها زوج لا يمكن العقد عليها، وجد ~~طولها أو لم يجد، وقوله: { والذين يرمون المحصنات } يدل عليه أيضا، لأن ~~المراد به المسلمة الحرة، سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، بلا خلاف. والرجم ~~معلوم من دين المسلمين بالتواتر فانهم لا يختلفون أنه (صلى الله عليه ~~وسلم) رجم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم يهوديا ويهودية، وعليه جيمع ~~الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، فخلاف الخوارج لا يلتفت إليه. وفي ~~الناس من قال: إن قوله: { أن ينكح المحصنات } المراد به الحرائر دون أن ~~يكون مختصا بالعفائف، لأنه لو كان مختصا بالعفائف لما جاز العقد على من ~~ليس كذلك، لأن قوله: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } إلى قوله: # وحرم ذلك على المؤمنين # منسوخ بالاجماع، وبقوله: # فانكحوا ما طاب # وبقوله: # وانكحوا الأيامى # ويمكن أن يخص بالعفائف على الأفضل دون الوجوب، وقوله: { فعليهن } معناه ~~لازم لهن نصف ما يلزم المحصنات، دون أن يكون ذلك واجبا عليهن، وقوله: { ~~وإن تصبروا } في موضع رفع، والتقدير ms0902 والصبر عن نكاح الأمة خير لكم. وفي ~~الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم } أي فلينكح مما ملكت أيمانكم { من ~~فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض والله أعلم بأيمانكم } ذكره الطبري وهو ~~جيد مليح. ### || [4.26] # الاعراب: # اللام في قوله: { ليبين لكم } للنحويين فيه ثلاثة أقوال: # أولها - قال الكسائي، والفراء، والكوفيون: إن معناها (أن)، وإنما لا ~~يجوز ذلك في أردت وأمرت لأنها تطلب الاستقبال، لا يجوز أردت أن قمت، ولا ~~أمرت أن قمت فلما كانت (أن) في سائر الافعال تطلب الاستقبال، استوثقوا له ~~باللام، وربما جمعوا بين اللام وكي لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: # أردت لكيما لا ترى لي عثرة # ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل # وقال الفراء: ربما جاء مع غير الارادة والأمر، أنشدني بن الجراح: # أحاول إعنا اتي بما قال أم رجا # ليضحك مني أو ليضحك صاحبه # ومعناه: رجا أن يضحك، ومثله: # وأمرنا لنسلم # وفي موضع آخر: # أمرت أن أكون أول من أسلم # وربما جمعوا بين اللام وكي وأن، قال الشاعر: # أردت لكيما أن تطير بقربتي # فتتركها شنا ببيداء بلقع # ولا يجوز في الظن أن تقع اللام بمعنى أن، لأن الظن يصلح معه الماضي ~~والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وظننت أن تقوم، ولا يجوز: ظننت لتقوم ~~بمعنى: ظننت أن تقوم. # الثاني - قال الزجاج لا يجوز أن تقع اللام بمعنى أن، واستشهد بقول ~~الشاعر: # أردت لكيما يعلم الناس إنها # سراويل سعد والوفود شهود # فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا تدخل أن على كي، قال: ~~الرماني: ولقائل أن يقول: إن هذه لام الاضافة مردودة إلى أصلها، فلا يجب ~~وقوع أن موقعها، ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام دخلت في هذا على تقدير ~~المصدر، أي: ارادة للبيان لكم، نحو قوله: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # ردف لكم بعض الذي تستعجلون # ومعناه: إن كنتم تعبرون الرؤيا، قال كثير: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # أي: إرادتي لهذا. # الثالث - ضعف هذين ms0903 الوجهين بعض النحويين، بأن جعل اللام بمعنى (أن) لم ~~تقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد بمعنى ضربت ~~زيدا، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم، نحو لزيد ضربت وللرؤيا ~~تعبرون، لأن عمل الفعل في التقديم يضعف، كعمل المصدر في التأخير، ولذلك ~~لم يجز إلا في المتصرف، فأما " ردف لكم " فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، ~~وعلى ذلك يريد ما يريد لكم، وكذلك قوله: # وأمرنا لنسلم # أي أمرنا بما أمرنا لنسلم، فهي تجري بهذا على أصولها، وقياس بابها. وقال ~~قوم معناه: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، كما قال: # وأمرت لأعدل بينكم # معناه: وأمرت بهذا من أجل ذلك، وإنما لم يجز أن يراد الماضي لأمرين: # أحدهما - أن الارادة لاستدعاء الفعل، ومحال أن يستدعي ما قد فعل، كما ~~أنه محال أن يؤمر بما قد وقع، لأنه لا يحسن أن يقول: إفعل أمس، أو أريد ~~أمس. # والثاني - أن بالارادة يقع الفعل على وجه دون وجه، من حسن أو قبح، أو ~~طاعة أو معصية، وذلك محال فيما مضى. # المعنى: # وقوله: { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } قيل فيه قولان: # أحدهما - { يهديكم سنن الذين من قبلكم } من أهل الحق، لتكونوا على ~~الاقتداء بهم في اتباعه لما لكم فيه من المصلحة. # الثاني - { سنن الذين من قبلكم } من أهل الحق، وغيرهم، لتكونوا على ~~بصيرة فيما تفعلون أو تجتنبون من طرائقهم، وفي الآية دلالة على بطلان ~~مذهب المجبرة، لأن الله تعالى بين أنه يريد أن يتوب على العباد، وهم ~~يزعمون أنه يريد منهم الاصرار على المعاصي. وقال أبو علي الجبائي: في ~~الآية دلالة على أن ما ذكر في الآيتين من تحريم النكاح أو تحليله، قد كان ~~على من قبلنا من الأمم، لقوله تعالى: { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي ~~في الحلال والحرام. قال الرماني: لا يدل ذلك على اتفاق الشريعة، وإن كنا ~~على طريقتهم في الحلال والحرام، كما لا يدل عليه وإن كنا على طريقتهم في ~~الاسلام، وهذا هو الأقوى. ### || [4.27] # المعنى: ms0904 # معنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه يريد من المواجهين بها، أن يتوب ~~عليهم، بمعنى أن يقبل توبتهم، عما سلف من آثامهم، ويتجاوز عما كان منهم ~~في الجاهلية، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والأبناء، ~~وغير ذلك مما كانوا يستحلونه، وهو حرام عليهم. إن قيل: لم كرر قوله: { ~~والله يريد أن يتوب عليكم }؟ مع ما تقدم من قوله: { يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم } قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه لما قال في الأول، وتقديره: يريد الله ليتوب عليكم أنى في ~~الثاني ب (أن) ليزول الايهام أنه يريد ليتوب، ولا يريد أن يتوب علينا. # والآخر - أن يبين أن ارادته منا خلاف إرادة أصحاب الأهواء لنا، لنكون ~~على بصيرة من أمرنا، وجاء الثاني على التقابل، بأن الله يريد شيئا ~~ويريدون خلافه. # والمعني: بقوله: { ويريد الذين يتبعون الشهوات } قيل فيه أربعة أقوال: # الأول - قال ابن زيد: كل مبطل، لأنه يتبع شهوة نفسه في باطله. # الثاني - قال مجاهد: يعني به: الزناة. # الثالث - قال السدي: هم اليهود والنصارى. # الرابع - اليهود خاصة، لأنهم يحلون نكاح الأخت من الأب، والأول أقوى، ~~لأنه أعم فائدة، وأوفق لظاهر اللفظ. وقوله: { أن تميلوا ميلا عظيما } ~~معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة ~~هي المؤدية إلى الثواب، والفوز بالسلامة من العقاب، وأما الميل عن ~~الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب. فان قيل: ما معنى إرادتهم ~~الميل بهم؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم، وقد يكون لتمام الأنس بهم في ~~المعصية، فبين الله أن إرادته لهم خلاف ارادتهم منهم، وليس في الآية ما ~~يدل على أنه لا يجوز اتباع داعي الشهوة في شيء البته، لأنه لا خلاف أن ~~اتباع الشهوة فيما أباحه الله تعالى جائز، وإنما المحظور من ذلك ما يدعو ~~إلى ما حرمه، لكن لا يطلق [على] صاحبه بانه متبع للشهوة، لأن إطلاقه يفيد ~~اتباع الشهوة فيما حرم عليه. ### || [4.28] # المعنى واللغة: # معنى قوله: { يريد الله أن يخفف عنكم } ها ms0905 هنا أي في نكاح الاماء، لأن ~~الانسان خلق ضعيفا في أمر النساء، هذا قول مجاهد، وطاووس، وزيد. وأصل ~~التخفيف خفة الوزن، والتخفيف على النفس بالتيسير، كخفة الحمل بخفة الوزن، ~~ومنه الخفافة النعامة السريعة، لأنها تسرع أسراع الخفيف الحركة، والخفوف ~~السرعة، ومنه الخف الملبوس لأنه يخف به التصرف، ومنه خف البعير. والمراد ~~بالتخفيف ها هنا تسهل التكليف، بخلاف التصعب فيه، فتحليل نكاح الاماء ~~تيسير بدلا من تصعيب، وكذلك جميع ما يسره الله لنا إحسانا منه إلينا، ~~ولطفا بنا. فان قيل: هل يجوز التثقيل في التكليف، مع خلق الانسان ضعيفا ~~عن القيام به بدلا من التخفيف؟ قيل: نعم إذا أمكنه القيام به، وإن كان ~~فيه مشقة، كما ثقل التكليف على بني اسرائيل في قتل أنفسهم، غير أن الله ~~لطف بنا فكلمنا ما يقع به صلاحنا، بدلا من فسادنا. وفي الآية دلالة على ~~فساد قول المجبرة: ان الله يكلف عباده ما لا يطيقون، لأن ذلك مناف لارادة ~~التخفيف عنهم في التكليف، من حيث أنه غاية التثقيل. وقوله: { وخلق ~~الإنسان ضعيفا } أي يستميله هواه. ### || [4.29] # القراءة، والاعراب: # قرأ أهل الكوفة: { تجارة } نصبا، الباقون: بالرفع، فمن رفع ذهب إلى أن ~~معناه: إلا أن تقع تجارة، ومن نصب فمعناه: إلا أن تكون الأموال تجارة، أو ~~أموال تجارة، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاستثناء ~~منقطعا، ويجوز أن يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، كما قال ~~الشاعر: # إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # وتقديره: إذا كان اليوم يوما ذا كواكب، ذكره أبو علي النحوي. وقال ~~الرماني التقدير: إلا أن تكون الاموال تجارة، ولم يبين. والقول ما قال ~~أبو علي، لأن الأموال ليست تجارة. ومن شأن خبر كان أن يكون هو إسمها في ~~المعنى. وقيل: الرفع إقوى، لأنه أدل في الاستثناء على الانقطاع، فان ~~التحريم لأكل المال بالباطل على الاطلاق. وفي الناس من زعم أن نصبه على ~~قول الشاعر: # إذا كان طعنا بينهم وعناقا # أي إذا كان الطعن طعنا. قال الرماني: وهذا ليس بقوي، لأن الاضمار ms0906 قبل ~~الذكر ليس يكثر في مثل هذا، وإن كان جائزا، فالرفع يغني عن الاضمار فيه. # المعنى: # وفي معنى قوله: { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قولان: # أحدهما - قال السدي: بالربا، والقمار، والبخس، والظلم، وهو المروي عن ~~أبي جعفر (ع). # الثاني - قال الحسن: بغير استحقاق من طريق الأعواض. وكان الرجل يتحرج أن ~~يأكل عند أحد من الناس بعدما نزلت هذه الآية، إلى أن نسخ ذلك بقوله في ~~سورة النور: # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم.. # إلى قوله: # جميعا أو أشتاتا # والأول أقوى، لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فليس هو أكل بالباطل. ~~وقيل: معناه التخاون، ولذلك قال: { بينكم }. # وقوله: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } فيه دلالة على بطلان قول من ~~حرم المكاسب، لأنه تعالى حرم أكل الأموال بالباطل، وأحله بالتجارة على ~~طريق المكاسب. ومثل قوله: # وأحل الله البيع وحرم الربا # وقيل في معنى التراضي بالتجارة قولان: # أحدهما - إمضاء البيع بالتفرق، أو بالتخاير بعد العقد في قول شريح، وابن ~~سيرين، والشعبي، لقوله (صلى الله عليه وسلم): # " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيع خيار " # وربما قالوا: أو يقول أحدهما للآخر اختر، وهو مذهبنا. # الثاني - إمضاء البيع بالعقد - على قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي ~~يوسف، ومحمد - بعلة رده إلى عقد النكاح، ولا خلاف أنه لا خيار فيه بعد ~~الافتراق، وقيل: معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فانه جائز. # وقوله: { ولا تقتلوا أنفسكم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال عطاء، والسدي، وأبو علي الجبائي، والزجاج: لا يقتل بعضهم ~~بعضا من حيث كانوا أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، كما يقول القائل: ~~قتلنا ورب الكعبة، ومعناه قتل بعضنا، لأنه صار كالقتل لهم، ومثله قوله: # فاذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم # الثاني - قال البلخي: فيه نهي عن قتل نفسه في حال غضب، أو زجر، والأول ~~أقوى، لأنه أكثر وأغلب، وأيضا فانه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه، ~~لأنه بمنزلة قتل نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه. # الثالث - قال ms0907 قوم: معناه: لا تقتلوا أنفسكم، بأن تهلكوها بارتكاب ~~الآثام، والعدوان في أكل المال بالباطل، وغيره من ارتكاب المعاصي، التي ~~تستحقون بها العقاب. وروي عن أبي عبد الله (ع): أن معناه لا تخاطروا ~~بنفوسكم في القتال، فتقاتلون من لا تطيقونه. # وقوله: { إن الله كان بكم رحيما } قال ابن عباس: كان صلة، والمعنى إن ~~الله غفور رحيم، ويحتمل أن يكون المراد: { إن الله كان بكم رحيما } حيث ~~كلفكم الامتناع من أكل المال بالباطل الذي يؤدي إلى العقاب، وحرم عليكم ~~قتل نفوسكم التي حرمها عليكم، ويعلم انه رحيم فيما بعد بدليل آخر. ### || [4.30] # المعنى: # قيل في تعليق الوعيد والاشارة بقوله: { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما... ~~} الآية، أربعة أقوال: # أولها - وهو أقواها - انه على أكل الاموال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، ~~والوعيد بكل واحدة من الخصلتين، لأن الوعيد ذكر عقيب ذكر النهي عن ~~الأمرين، وهو اختيار الطبري. # الثاني - قال عطاء: هو على قتل النفس المحرمة خاصة. # الثالث - على فعل كلما نهى الله عنه، من أول السورة. # الرابع - أنه راجع إلى قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها # لأن ما قبله مقرون بالوعيد. # وقوله: { وكان ذلك على الله يسيرا } معناه: أنه قادر على إنجاز الوعيد، ~~لا يمكن صاحبه الامتناع منه، ولا الهرب منه، فيتعذر الايقاع به، فيجب أن ~~تنزلوا الوعيد منزلته، وتكونوا على بصيرة فيه، غير مغترين بامر يصرف عنه، ~~وإنما قيد قوله: { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما } لأن من وقع منه قتل ~~النفس على وجه السهو والخطأ في خلاف المراد، لم يتناوله الوعيد، وكذلك ~~إذا أكل من أموال الناس على وجه مباح، لم يتوجه إليه الوعيد. والعدوان ~~تجاوز ما أمر الله به، والظلم أن يأخذه على غير وجه الاستحقاق، وأصله وضع ~~الشيء في غير موضعه. وفي المرجئة من قال: إنما قيد بذلك لأن المراد من ~~استحل أكل المال بالباطل، واستحل أيضا قتل النفوس، وذلك لا يكون إلا ~~كافرا، فلذلك هدده بالوعيد المخصوص، فأما إذا فعل ذلك محرما له، فانه ms0908 ~~يجوز أن يعفو الله عفو، فلا يتناوله الوعيد قطعا على كال حال، ولو لم ~~تحمل الآية على المستحلين، لأمكننا أن نخص الآية بمن لا يعفو الله عنه، ~~كما أنهم لا بد لهم أن يخصوها بمن لم يتب من ذلك ولا تكون معصية صغيرة، ~~فليس في الآية ما يمنع من القول بجواز العفو. # وإنما قال: { وكان ذلك على الله يسيرا } وإن كان يسيرا عليه الآن وفي ~~مستقبل الاوقات، ليعلم أن الأوقات متساوية في ذلك على كل حال، ولا يجوز ~~أن يقال قياسا على ذلك وكان الله قديما، لأن قولنا قديم أغنى عن كان، ~~إذ لم يختص بالحال بل أفاد الوجود في الأزل، فلا معنى لادخال كان فيه. ~~واليسير السهل، يقال: يسر الشيء إذا سهل فهو يسير، وعسر فهو عسير، إذا لم ~~يتسهل. ### || [4.31] # القراءة، والحجة: # قرأ نافع، وأبو بكر، عن عاصم: مدخلا - بفتح الميم - الباقون بضمها، وهو ~~الأقوى، لأنه من ادخلوا والآخر جائز، لأن فيه معنى: فيدخلون، وليس كقول ~~الشاعر: # الحمد لله ممسانا ومصبحنا # بالخير صبحنا ربي ومسانا # ويروى بفتح الميم فيهما، أنشده البلخي في البيت، لأنه ليس فيه فعل، ولكن ~~قد حكي بالفتح على التشبيه بالأول، ويحتمل أن يكون من قرأ بفتح الميم ~~أراد: مكانا كريما، كما قال: # ومقام كريم # وقرأ المفضل، عن عاصم " يكفر " " ويدخلكم " بالياء فيهما، الباقون ~~بالنون، وهو الأجود، لأنه وعد على وجه الاستئناف، فالاحسن ألا يعلق ~~بالأول من جهة ضمير الغائب، واختاره الاخفش، ومن قرأ بالياء رده إلى ذكر ~~الله في قوله: { إن الله كان بكم رحيما }. # المعنى: # والمعاصي وإن كانت كلها عندنا كبائر، من حيث كانت معصية لله تعالى، فانا ~~نقول: إن بعضها أكبر من بعض، ففيها إذا كبير بالاضافة إلى ما هو أصغر ~~منه. وقال ابن عباس: كلما نهى الله عنه فهو كبير. وقال سعيد بن جبير: ~~كلما أوعد الله عليه النار فهو كبير، ومثله قال أبو العالية، ومجاهد، ~~والضحاك. وعند المعتزلة أن كل معصية توعد الله تعالى عليها بالعقاب، أو ~~ثبت ذلك عن ms0909 النبي (صلى الله عليه وسلم) أو كان بمنزلة ذلك، أو أكبر منه، ~~فهو كبير، وما ليس ذلك حكمه فانه يجوز أن يكون صغيرا، ويجوز أن يكون ~~كبيرا، ولا يجوز أن يعين الله الصغائر، لأن في تعيينها الاغراء بفعلها، ~~فمن المعاصي المقطوع على كونها كبائر: قذف المحصنات، وقتل النفس التي حرم ~~الله، والزنا، والربا، والفرار من الزحف في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ~~والحسن، والضحاك، ومثله عن أبي عبد الله (ع)، وزاد: وعقوق الوالدين، ~~والشرك، وإنكار الولاية. وقال ابن مسعود: كلما نهى الله عنه، من أول ~~السورة إلى رأس الثلاثين، فهو كبير. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~أنه قال: # " عقوق الوالدين، وشهادة الزور، كبير ". # فعلى مذهب المعتزلة: من اجتنب الكبائر، وواقع الصغائر، فان الله يكفر ~~الصغائر عنه، ولا يحسن مع اجتناب الكبائر عندهم المؤآخذة بالصغائر، ومتى ~~آخذه بها كان ظالما. وعندنا أنه يحسن من الله تعالى ان يؤآخذ العاصي بأي ~~معصية فعلها، ولا يجب عليه إسقاط عقاب معصية لمكان اجتناب ما هو أكبر ~~منها، غير أنا نقول: إنه تعالى وعد تفضلا منه أن من اجتنب الكبائر فانه ~~يكفر عنه ما سواها، بأن يسقط عقابها عنه تفضلا، ولو أخذه بها لم يكن ~~ظالما، ولم يعين الكبائر التي إذا اجتنبها كفر ما عداها، لأنه لو فعل ~~ذلك لكان فيه إغراء بما عداها، وذلك لا يجوز في حكمته تعالى. وقوله: { إن ~~تجتنبوا كبائر } معناه من تركها جانبا والمدخل الكريم: هو الطيب الحسن ~~المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه. ### || [4.32] # القراءة: # قرأ ابن كثير، والكسائي " وسلوا " بغير همزة، وكذلك كلما كان أمر ~~للمواجه في جميع القرآن، الباقون بالهمزة، ولم يختلفوا في: # وليسألوا ما أنفقوا # لأنه أمر لغائب. قال أبو علي الفارسي. كلاهما جيد، إن ترك الهمزة ~~واثباتها. # النزول: # وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت: (يا رسول الله لا نغزو مع ~~الرجال، ولنا نصف الميراث، يا ليت كنا رجالا، فكنا نقاتل معهم) فنزلت هذه ~~الآية، في قول مجاهد. وقال الزجاج: ms0910 قال الرجال: ليتنا كنا فضلنا في ~~الآخرة على النساء، كما فضلنا عليهن في الدنيا، وبه قال السدي. # اللغة: # والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا لما لم يكن، وليت لم يكن كذا لما ~~كان. وفي الناس من قال: هو معنى في القلب. وقال الرماني: هو ما يجب على ~~جهة الاستمتاع به، ومن قال: هو معنى في القلب قال: ليس هو من قبيل ~~الشهوة، ولا من قبيل الارادة، لأن الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه، ~~والتمني قد يتعلق بما مضى، والشهوة أيضا كالارادة في أنها لا تتعلق بما ~~مضى. # المعنى: # وظاهر الخطاب يقتضي تحريم تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض وقال ~~الفراء: هو على جهة الندب والاستحباب، والاول هو حقيقة التمني، والذي ~~قلناه هو قول أكثر المفسرين، ووجه تحريم ذلك أنه يدعو الى الحسد، وأيضا ~~فهو من دنايا الاخلاق، وأيضا فان تمني الانسان لحال غيره قد يؤدي الى ~~تسخط ما قسم الله له، ولا يجوز لأحد أن يقول ليت مال فلان لي، وإنما يحسن ~~أن يقول: ليت مثله لي. وقال البلخي: لا يجوز للرجل أن يتمنى أن كان ~~امرأة، ولا للمرأة أن تتمنى لو كانت رجلا، بخلاف ما فعل الله، لأن الله ~~لا يفعل من الأشياء إلا ما هو أصلح، فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، أو ما ~~يكون مفسدة. ويمكن أن يقال: إن ذلك يحسن بشرط أن لا يكون مفسدة، كما يقول ~~في حسن السؤال سواء. # وقوله: { وللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } قيل في ~~معناه أقوال: # أحدها - أن لكل واحد حظا من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات ~~بحسن تدبيره، فمتى فعل ذلك استحق به علو المنزلة، فلا تتمنوا خلاف هذا ~~التدبير، لما فيه من حرمان الحظ الجزيل. # الثاني - أن كل أحد إنما له جزاء ما اكتسب، فلا يضيعه بتمني ما لغيره، ~~مما يؤدي إلى إبطال عمله، فكأنه قيل: لا تضيع ما هو لك، بتمني ما لغيرك. # والثالث - أن لكل فريق من ms0911 الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعيم ~~الدنيا، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من أنواع المكاسب، فينبغي أن يقنع ~~ويرضى بما قسم له. # وروي عن ابن عباس أنه قال: ذلك في الميراث، للرجال نصيب منه، وللنساء ~~نصيب منه. # والأجوبة الأولى أقرب، لأن الميراث ليس مما يكتسبه الرجال والنساء، ~~وإنما هو شيء يورثهم الله تعالى، والآية تضمنت أن لهم نصيبا مما ~~اكتسبوا، وذلك لا يليق إلا بما تقدم. # وقوله: { واسألوا الله من فضله } معناه: إن احتجتم إلى ما لغيركم، ~~فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله، بشرط أن لا يكون فيه مفسدة لكم ~~ولا لغيركم، لأن المسألة لا تحسن إلا كذلك، وقال سعيد بن جبير: واسألوا ~~الله العبادة، وبه قال السدي،، ومجاهد. # وقوله: { إن الله كان بكل شيء عليما } معناه: إنه قسم الأرزاق على ما ~~علمه من الصلاح للعباد، بدلا من الفساد، فينبغي أن ترضوا بما قسمه، ~~وتسألوه من فضله، غير منافسين لغيركم في عطيته. ### || [4.33] # القراءة، والاعراب، والحجة: # قرأ أهل الكوفة { عقدت } بغير ألف، الباقون بألف، فمن قرأ باثبات الالف، ~~قال: لأن المعاقدة تدل على عقد الحلف باليمين من الفريقين، وقال بعضهم ~~إنه يعني عن ذلك جميع الأيمان، قال الرماني: هذا خطأ، لأنها قد تجمع ~~لردها على أحد الفريقين الحالف بها، قال أبو علي الفارسي: الذكر الذي ~~يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون منصوبا، فالتقدير: والذين ~~عاقدتم أيمانكم، فجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على ~~الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانكم، ~~فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فعاقدت أشبه بهذا المعنى، لأن لكل ~~نفس من المعاقدين يمينا على المحالفة. ومن قال: { عقدت أيمانكم } كان ~~المعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف الحلف، وأقام المضاف إليه مقامه، ~~والأولون حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين، ~~ومن قال: { عقدت } حمل على اللفظ، لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يسند إلى ~~أصحاب الأيمان في اللفظ، وإنما أسند إلى الأيمان. # المعنى واللغة: # ومعنى الآية جعلنا ms0912 الميراث لكل من هو مولى الميت، والموالي المذكورون في ~~الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: هم العصبة، وقال السدي: ~~هم الورثة: وهو أقواها، والتقدير ولكلكم جعنا ورثة مما ترك الوالدان ~~والأقربون، ثم استأنف: والذين. # وأصل الموالي من ولي الشيء يليه ولاية، وهو الاتصال للشيء بالشيء، من ~~غير فاصل، والمولى على وجوه: فالمولى المعتق، والمولى المعتق، والمولى ~~العصبة، والمولى إبن العم، والمولى الحليف، والمولى الولي، والمولى ~~الأولى بالشيء والاحق. فالمعتق مولي النعمة بالعتق، والمعتق لأنه مولى ~~النعمة، والمولى الورثة، لأنهم أولى بالميراث، والمولى الحليف، لأنه يلي ~~المحالف أمره بعقد اليمين، والمولى إبن العم، لأنه يلي النصرة لتلك ~~القرابة، والمولى الولي، لأنه يلي بالنصرة. وفي التنزيل: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم # أي لا ناصر لهم، وهو ناصر المؤمنين، والمولى السيد. لأنه أولى بمن ~~يسوده. قال الاخطل: # فاصبحت مولاها من الناس كلهم # وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا # والمولى الأولى والأحق، ومنه قوله (ع): # " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل " # أي بغير إذن من هو أولى بها وأحق. وقال الفضل ابن العباس في المولى ~~بمعنى ابن العم: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تظهرون لنا ما كان مدفونا # والمراد بقوله: { والذين عاقدت أيمانكم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: إنهم الحلفاء. # الثاني - قال الحسن، وسعيد بن المسيب: هم رجال كانوا يتبنون، على عادة ~~الجاهلية. ليجعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا، فذهب نصيبهم بهلاكهم. # الثالث - في رواية أخرى عن ابن عباس، وابن زيد انهم قوم آخى بينهم رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم). # والاول أقوى وأظهر في أقوال المفسرين. # وقال أبو مسلم: أراد بذلك عقد المصاهرة والمناكحة. وقال أبو علي: الحليف ~~لم يؤمر له بشيء أصلا، لأنه عطف على قوله { ترك الوالدان والأقربون } أي: ~~وترك الذين عاقدت أيمانكم، فآتوا كلا نصيبه من الميراث. وهذا ضعيف لأنه ~~يفيد التكرار، لأن قوله: { الوالدان والأقربون } عام في كل أحد. وعلى ما ms0913 ~~قال المفسرون، يكون قوله: { ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان } إذا ~~كانوا مناسبين له، ثم استأنف حكم الحلفاء، فقال: { فآتوهم نصيبهم }. فان ~~قيل: بم يتصل قوله: { مما ترك الوالدان } وما العامل فيه؟ قيل فيه قولان: # أحدهما - يتصل ب " موالي " على جهة الصفة، والعامل الاستقرار، كأنه ~~قال: موالي مما خلف الوالدان والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الورثة. # الثاني - يتصل بمحذوف، والتقدير: موالي يعطون مما ترك الوالدان ~~والأقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الميراث. وقال أبو علي الجبائي ~~تقديره: ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون وارث من الميراث. قال ~~الرماني: وهذا لا يجوز، لأنه فصل بين الصفة والموصوف بما عمل في الموصوف، ~~نحو: لكل رجل - جعلت درهما - فقير. # والنصيب الذي أمر به للحليف قيل فيه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: ~~انه نصيب على ما كانوا يتوارثون بالحلف في الجاهلية، ثم نسخ ذلك بقوله: { ~~وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض }. # الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والسدي: انه النصيب ~~من النصرة والنصيحة دون الموارثة، فعلى هذا الآية غير منسوخة. وروي عنه ~~أنه قال: لا حلف في الاسلام، فأما ما كان في الجاهلية فلم يزده الاسلام ~~إلا شدة. وقوله: { إن الله كان على كل شيء شهيدا } أي: شاهدا، وذلك ~~دال على أنه عالم به، لأنه لا يشهد إلا بما علم. ### || [4.34] # القراءة والنزول: # قرأ أبو جعفر المدني: { بما حفظ الله } - بالنصب - ومعناه: بالذي حفظ ~~الله، ويحتمل أن يكون معناه: بحفظ الله وهو ضعيف، لأنه يكون حذف الفاعل ~~وهو ضعيف. # وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج، والسدي: أن رجلا ~~لطم امرأته فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) تلتمس القصاص، فنزلت ~~الآية: { الرجال قوامون على النساء }. # المعنى واللغة: # والمعنى: { الرجال قوامون على النساء } بالتأديب والتدبير لما { فضل ~~الله } الرجال على النساء في العقل والرأي. وكان الزهري يقول: ليس بين ~~الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس. ويقال: رجل قيم، وقوام، وقيام. ~~ومعناه: إنهم يقومون ms0914 بأمر المرأة بالطاعة لله ولهم. وقوله: { فالصالحات ~~قانتات } قال قتادة: وسفيان: معنى { قانتات } مطيعات لله ولأزواجهن. وأصل ~~القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. وقوله: { حافظات ~~للغيب بما حفظ الله } معناه: قال قتادة، وعطاء، وسفيان: حافظات لما غاب ~~عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعايته وحاله، وما يلزم من صيانتها ~~نفسها له، { وبما حفظ الله } قال عطاء، والزجاج: أي بما حفظهن الله في ~~مهورهن، وألزم الزوج النفقة عليهن. وقال بعضهم: معناه، والله أعلم: ~~بالشيء الذي يحفظ أمر الله، ودين الله. # وقوله: { واللاتي تخافون } قيل فيه قولان: # أحدهما - تعلمون، لأن خوف النشز للعلم بموقعه، فلذلك جاز أن توضع مكان ~~تعلم، كما قال الشاعر: # ولا تدفنني بالفلاة فانني # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # وقال آخر: # أتاني كلام عن نصيب يقوله # وما خفت يا سلام انك عائبي # وقال الفراء: معناه: ما ظنت، ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): # " أمرت بالسواك حتى خفت أن أدرد ". # الثاني - الخوف الذي هو خلاف الأمن، كأنه قال: تخافون نشوزهن لعلمكم ~~بالأحوال المؤذنة به، ذكره محمد بن كعب. ومعنى النشوز ها هنا: قال ابن ~~عباس، والسدي، وعطاء، وابن زيد: انه معصية الزوج، وأصله الترفع على الزوج ~~بخلافه، مأخوذا من قولهم: هو على نشز من الارض، أي ارتفاع، يقال: نشزت ~~المرأة تنشز وتنشز، قرئ بهما: # وإذا قيل انشزوا فانشزوا # فالنشوز يكون من قبل المرأة خاصة، والشقاق منهما. وقوله: { فهظوهن } أي ~~خوفوهن بالله، فان رجعن وإلا فاهجروهن في المضاجع. وقيل في معناه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هجر الكلام. # وقال سعيد بن جبير: هو هجر الجماع. وقال مجاهد، والشعبي، وابراهيم: هو ~~هجر المضاجعة، وهو قول أبي جعفر (ع). وقال: يحول ظهره إليها. وقال بعضهم: ~~" اهجروهن " اربطوهن بالهجار، من قولهم: هجر الرجل البعير إذا ربطه ~~بالهجار، وقال امرؤ القيس: # رأت هلكا بنجاف الغبيط # فكادت تجد لذاك الهجارا # وهذا تعسف في التأويل، ويضعفه قوله: { في المضاجع } ولا يكون الرباط في ~~المضجع. وأما الضرب فانه غير ms0915 مبرح بلا خلاف قال أبوجعفر (ع): هو ~~بالسواك. والمضاجع جمع مضجع، وأصله الاستلقاء، يقال: ضجع ضجوعا واضطجع ~~اضطجاعا إذا استلقى للنوم، وأضجعته إذا وضعت جنبه بالارض، فكل شيء أملته ~~فقد أضجعته. وقوله: { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن } أي لا تطلبوا، تقول: ~~بغيت الضالة إذا طلبتها، قال الشاعر يصف الموت: # بغاك وما تبغيه حتى وجدته # كأنك قد واعدته أمس موعدا # وأصل الهجر الترك عن قلى، تقول: هجرت فلانا أي تركت كلامه عن قلى، ~~والهجر القبيح من الكلام، لأنه مهجور، والهجار حبل يشد به البعير، لأنه ~~يهجر به التصرف، والهاجرة نصف النهار، لأنه وقت يهجر فيه العمل. وقوله: { ~~إن الله كان عليا كبيرا } أي متعاليا عن أن يكلف إلا بالحق، ومقدار ~~الطاقة، وقد قيل: معناه إنه قادر عليه، قاهر له، وليس المراد به علو ~~المكان، لأن ذلك يستحيل عليه تعالى. والكبير السيد، يقال: لسيد القوم ~~كبيرهم، والمعنى: فان استقمن لكم فلا تطلبوا العلل في ضربهن، وسوء ~~معاشرتهن، فان الله تعالى قادر على الانتصاف لهن. ### || [4.35] # المعنى واللغة # قوله: { وإن خفتم } في معناه قولان: # أحدهما - إن علمتم. # الثاني - الخوف الذي هو خلاف الأمن، وهو الأصح، لأنه لو علم الشقاق ~~يقينا لم يحتج إلى الحكمين، فان أريد به الظن كان قريبا مما قلناه. ~~والشقاق الخلاف، والعداوة، واشتقاقه من الشق، وهو الجزء الباين، ومنه إسم ~~المتشاقين، لأن كل واحد منهما في شق أي في ناحية، ومنه المشقة في الأمر، ~~لأنه يشق على النفس، فأمر الله متى خيف ذلك بين الزوجين أن يبعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها، والحكم القيم بما يسند إليه. # والمأمور ببعث الحكمين قيل فيه قولان: # أحدهما - قال سعيد بن جبير، والضحاك، وأكثر الفقهاء، وهو الظاهر في ~~اخبارنا: انه السلطان الذي يترافعان إليه. # والثاني - قال السدي: انه الرجل والمرأة، وقيل: أيهما كان ناب عن الآخر، ~~وهو اختيار الطبري. واختلف الفقهاء في الحكمين هل هما وكيلان، أو هما ~~حكمان، فعندنا أنهما حكمان، وقال قوم: هما وكيلان، واختلفوا هل للحكمين ~~أن يفرقا بالطلاق إن ms0916 رأياه أم لا؟ فعندنا ليس لهما ذلك إلا بعد أن ~~يستأمراهما، أو كان اذن لهما في الأصل في ذلك، وبه قال الحسن، وقتادة، ~~وابن زيد، عن أبيه. ومن قال: هما وكيلان، قال: لهما ذلك، ذهب إليه سعيد ~~بن جبير، والشعبي، والسدي، وابراهيم، وشريح، ورووه عن علي (ع). # وقوله: { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } معناه يوفق الله بينهما، ~~والضمير في بينهما عائد على الحكمين، والمعنى: إن أرادا إصلاحا في أمر ~~الزوجين يوفق الله بينهما. وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. ~~وأصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الأمور. والتوفيق هو ~~اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والتوفيق بين نفسين هو الاصلاح بينهما، ~~والاتفاق في الجنس والمذهب المساواة بينهما، والاتفاق في الوقوع كرمية من ~~غير رام لمساواتهما نادرا. # وقوله: { إن الله كان عليما خبيرا } يعني بما يريد الحكمان من ~~الاصلاح. أو الافساد. وقيل معناه أنه عالم بما تعبدكم به، لعلمه بما فيه ~~صلاحكم في دينكم ودنياكم. " وشقاق بينهما " إنما أضافه إلى البين لأن ~~البين قد يكون اسما كما قال: # لقد تقطع بينكم # ممن قرأ بالرفع. ### || [4.36] # المعنى: # هذا خطاب لجميع المكلفين، أمرهم الله بأن يعبدوه وحده، ولا يشركوا ~~بعبادته شيئا سواه { وبالوالدين إحسانا } نصب على المصدر، وتقديره: ~~وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، ويحتمل أن يكون نصبا على تقدير: واستوصوا ~~بالوالدين إحسانا، لأن قوله: " اعبدوا الله " بمنزلة استوصوا بعبادة ~~الله، وأن تحسنوا إلى ذي قرباكم، وإلى اليتامى الذين لا أب لهم، ~~والمساكين وهم الفقراء، والجار ذي القربي، يعني الجار القريب. # اللغة: # وأصل الجار العدول، جاوره مجاورة وجوارا، فهو مجاور له وجار له، لعدوله ~~إلى ناحيته في مسكنه، والجور الظلم، لأنه عدول عن الحق، ومنه جار السهم ~~إذا عدل عن قصده، وجار عن الطريق إذا عدل عنه، واستجار بالله، لأنه يسأله ~~العدول به عن النار، وجواز الذمة، لأنه عدول بها إلى ناحية صاحبها. # { والجار الجنب } أصل الجنب التنحية، جنبت فلانا عن كذا فتجنب أي ~~نحيته، ومنه قوله: # وأجنبني وبني أن نعبد ms0917 الأصنام # والجانبان الناحيتان، لتنحي كل واحدة عن الأخرى، ومنه جنب الانسان وكل ~~حيوان، والاجتناب الترك للشيء، والجار الجنب معناه الغريب الأجنبي، ~~لتنحيه عن القرابة، قال علقمة بن عبدة: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فاني امرؤ وسط القباب غريب # أي عن غربة. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: الجار ~~ذي القربى القريب في النسب، والجار الجنب: الغريب، أي عن غربة. وروي عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " الجيران ثلاثة، جار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق ~~الاسلام. وجار له حقان: حق الجوار، وحق الاسلام. وجار له حق الجوار، ~~المشرك من أهل الكتاب ". # المعنى واللغة: # { والصاحب بالجنب } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، ~~والضحاك: هو الرفيق. # الثاني - قال عبد الله بن مسعود، وعلي (ع) وابراهيم، وابن أبي ليلى: ~~الزوجة. # الثالث - قال ابن زيد، وابن عباس،، في رواية أخرى عنه: إنه المنقطع اليك ~~رجاء رفدك. وقيل إنه جميع هؤلاء، وهو أعم فائدة. # وقال الزجاج. الجار ذي القربى الذي يقاربك ويعرفك وتعرفه، والجار الجنب ~~البعيد. وروي أن حد الجوار إلى أربعين دارا. وروي إلى أربعين ذراعا. # { وابن السبيل } معناه صاحب الطريق، وقيل في المراد به ها هنا قولان: # أحدهما - قال مجاهد، والربيع: إنه المسافر. # الثاني - قال قتادة، والضحاك: انه الضيف، وقال أصحابنا: يدخل فيه ~~الفريقان. { وما ملكت أيمانكم } يعني المماليك من العبيد والاماء، أمر ~~الله بالاحسان إلى هؤلاء أجمع. وقوله: { إن الله لا يحب من كان مختالا } ~~فالمختال الصلف التياه، والاختيال هو التطاول، وإنما ذكره الله ها هنا ~~وذمه، لأنه أراد بذلك من يختال فيأنف من قراباته وجيرانه إذا كانوا ~~فقراء، لكبره وتطاوله، فأما الاختيال في الحرب فممدوح، لأن في ذلك تطاولا ~~على العدو واستخفافا به. # وأصل المختال من التخيل، وهو التصور، فالمختال لأنه يتخيل بحاله مرح ~~البطر، ومنه الخيل، لأنها تختال في مشيها، أي تتبختر، والخيال، لأنه ~~يتخيل به صاحبه، والأخيل الشقراق، لأنه يتخيل في لونه الخضرة ms0918 من غير ~~خلوصها، والخول الحشم، وخلته راكبا خيلانا أي تخيلته، والخال المختال، ~~والخال أخ الأم، " والفخور " هو الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا، وأما ~~الذي يعددها اعترافا بالنعم فيها فهو شكور غير فخور. وروي عن المفضل عن ~~عاصم أنه قرأ: { والجار الجنب } - بفتح الجيم - قال أبو الحسن: هو لغة في ~~الجنب، قال الراجز: # الناس جنب والامير جنب # يعني ناحية: قال أبو علي الفارسي: يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يريد الناحية، والتقدير: ذي الجنب، فحذف المضاف، لأن المعنى ~~مفهوم، لأن الناحية لا تكون هي الجار. # والثاني - أن يكون وصفا، مثل: ضرب وندب وفسل، فهذا وصف جرى على موصوف. ### || [4.37] # القراءة: # قرأ حمزة، والكسائي ها هنا وفي الحديد: { بالبخل } بفتح الباء والخاء. ~~الباقون بضم الباء وتسكين الخاء. فمن نصب قال: لأنه مصدر بخل يبخل بخلا، ~~الباب كله هكذا، ومن اختار الضم وتسكين الخاء فلأنه نقيض الجود فحمل على ~~وزنه، فهما لغتان. وحكي لغة ثالثة { بالبخل } - بفتح الباء وسكون الخاء. # الاعراب: # وقوله: { الذين } يحتمل أن يكون موضعه نصبا من وجهين، ورفعا من وجهين، ~~فأحد وجهي النصب أن يكون بدلا من " من " في قوله: { لا يحب من كان }. ~~والثاني - على الذم. وأحد وجهي الرفع - على الاستئناف بالذم، ويكون خبره # إن الله لا يظلم # والآية الثانية عطفا عليها. والوجه الثاني - على البدل من الضمير في " ~~فخور ". والبخل أصله مشقة الاعطاء. # المعنى واللغة: # وقالوا في معناه ها هنا قولان: # أحدهما - أنه منع الواجب، لأنه إسم ذم لا يطلق إلا على مرتكب كبيرة. # والثاني - هو منع ما لا ينفع منعه، ولا يضر بذله، ومثله الشح، وضده ~~الجود، والأول أليق بالآية، لأنه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة، ~~وذلك لا يليق إلا بمنع الواجب. قال الرماني: معناه منع الاحسان لمشقة ~~الطباع، ونقيضه الجود وهو بذل الاحسان لانتفاء مشقة الطباع، وقال ابن ~~عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: إن الآية نزلت في اليهود، إذ بخلوا ~~باظهار ما علموه وكتموه من صفة محمد (صلى الله عليه وسلم). وقال الجبائي، ~~والبلخي: الآية في ms0919 كل من كان بهذه الصفة، وإنما ذكروا بالكفر لكتمانهم ~~نعمة الله عليهم. والآمر بالبخل يتناوله الوعيد، كما أن من فعل البخل ~~يتناوله الوعيد. وقيل: معنى { يكتمون ما آتاهم الله من فضله } يجحدون ~~اليسار والثروة اعتذارا في البخل، وقوله: { وأعتدنا } قد فسرناه فيما ~~مضى وهو أن معناه أعددناه، وجعلناه ثابتا لهم " وللكافرين " يعني ~~الجاحدين ما أنعم الله عليهم { عذابا مهينا } أي يهينهم ويذلهم. ### || [4.38] # الاعراب: # قوله: { والذين } عطف على { الذين } في الآية الأولى. واعرابه يحتمل ما ~~قلناه في الآية الأولى سواء. وقال الزجاج وغيره: المعني بهذه الآية ~~المنافقون. وقال مجاهد: المعني بها اليهود، والأول أقوى وأظهر، لأن ~~الرياء ضرب من النفاق وواو العطف يقوي ذلك، لأنه لو أراد الموصوفين في ~~الآية الأولى لقال: { الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } ، مع أنه قد ورد ~~عطف الصفات بالواو لموصوف واحد على ما بيناه فيما مضى، غير أن الأجود ما ~~قلناه. # المعنى واللغة: # فذم الله تعالى بهذه الآية من ينفق ماله رئاء الناس دون أن ينفقه لوجهه ~~وطلب رضاه، ولا يؤمن بالله أي لا يصدق به، { ولا باليوم الآخر } الذي فيه ~~الثواب والعقاب. ثم قال: { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } ~~معناه من قبل من الشيطان، وأطاعه فيما يدعوه إليه فبئس القرين قرينه. ~~والقرين أصله الاقتران، ومنه قرن الثور لاقتران بعض ببعض، والقرن أهل ~~العصر من الناس، وقرنة الشيء حرفه، والقرن المقاوم في الحرب، # وما كنا له مقرنين # أي مطيقين، والقرين الصاحب المألوف. قال عدي بن زيد: # عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه # فان القرين بالمقارن يقتدي # ويمكن الانسان الانفكاك من مقارنة الشيطان بالمخالفة له، فلا يعتد ~~بالمقارنة. وقال أبو علي: لا يمكن ذلك، لأنه يقرن به الشيطان في النار ~~فلا يمكنه الانفكاك منه، وقوله: { فساء قرينا } نصب على التفسير، كقوله: ~~{ ساء مثلا } وتقديره: ساء مثلا مثل الذين، وتقول: نعم رجلا، وتقديره ~~نعم الرجل رجلا. ### || [4.39] # المعنى والاعراب: # معنى قوله: { وماذا عليهم.. } الآية الاحتجاج على المتخلفين عن الايمان ~~بالله واليوم الآخر بما عليهم فيه ms0920 ولهم، وذلك أنه يجب على الانسان أن ~~يحاسب نفسه فيما عليه وله، فاذا ظهر له ما عليه في فعل المعصية من ~~استحقاق العقاب اجتنبها، وما له في تركها من استحقاق الثواب عمل في ذلك ~~من الاختيار له، أو الانصراف عنه. وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة ~~في أن الكافر لا يقدر على الايمان، لأن الآية نزلت على أنه لا عذر للكفار ~~في ترك الايمان، ولو كانوا غير قادرين لكان فيه أوضح العذر لهم، ولما جاز ~~أن يقال: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله } لأنهم لا يقدرون عليه، كما لا ~~يجوز أن يقال لأهل النار: ماذا عليهم لو خرجوا منها إلى الجنة، من حيث لا ~~يقدرون عليه، ولا يجدون السبيل إليه، ولذلك لا يجوز أن يقال للعاجز: ماذا ~~عليه لو كان صحيحا، ولا للفقير: ماذا عليه لو كان غنيا. وموضع " ذا " ~~يحتمل من الاعراب وجهين: # أحدهما - أن يكون رفعا، لأنه في موضع الذي، وتقديره: ما الذي عليهم لو ~~آمنوا. # الثاني - لا موضع له، لأنه مع (ما) بمنزلة إسم واحد، وتقديره: وأي شيء ~~عليهم لو آمنوا بالله، ففي الآية تقريع على ترك الايمان بالله واليوم ~~الآخر، وتوبيخ على الانفاق مما رزقهم الله في غير أبواب البر وسبيل الخير ~~على وجه الاخلاص، دون الرياء. وقوله: { وكان الله بهم عليما } معناه ها ~~هنا ان الله بهم عليم، يجازيهم بما يسرون من قليل أو كثير، فلا ينفعهم ما ~~ينفقونه على جهة الرياء. ### || [4.40] # القراءة، والحجة، والاعراب: # قرأ: { وإن تك حسنة } بالرفع ابن كثير، ونافع. الباقون بالنصب، فمن نصب ~~معناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، أو: وإن فعلته حسنة، ومن رفع ذهب إلى أن ~~كان تامة، وتقديره: وإن تحدث حسنة. وأصل (تك) تكون، فحذفت الضمة للجزم، ~~والواو لسكونها وسكون النون، لكثرة الاستعمال، وقد ورد القرآن باثباتها، ~~قال الله تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا # فاجتمع في النون أنها ساكنة وأنها تشبه حروف اللين، فحذفت لكثرة ~~الاستعمال، كما قالوا لا أدر، ولم ابل، والأجود: لم أبال، ولا ms0921 أدري { ~~ويؤت } بغير ياء، سقطت الياء للجزم بالعطف على { يضاعفها }. ولدن في موضع ~~خفض. وفيها لغات، يقال: لد ولدن ولدا ولدا، والمعنى واحد، ومعناه من ~~قبله، ولدن لما يليك، وعند يكون لما يليك ولما بعد منك، تقول: عندي مال ~~وإن كان بينك وبينه بعد، فاذا أضفته إلى نفسك فقلت: من لدني ومن لدنا زدت ~~فيها نونا أخرى، وأدغموا الأولى منهما ليسلم سكون النون ومثله قالوا في ~~(من)، إذا أضافوه قالوا: مني ومنا. وقرأ ابن كثير، وابن عامر: { يضعفها } ~~مشدده، الباقون: { يضاعفها } من المضاعفة. والظلم هو الألم الذي لا نفع ~~فيه يوفي عليه، ولا دفع مضرة أعظم منه عاجلا ولا آجلا، ولا هو مستحق، ولا ~~هو واقع على وجه المدافعة. # اللغة: # وأصله وضع الشيء في غير موضعه، وقيل: أصله الانتقاص، من قوله: # ولم تظلم منه شيئا # أي لم ينقص. والظلم انتقاص الحق، والظلمة انتقاص النور بذهابه، والظلم ~~الثلج، لانتقاصه بالجمود، وشبه به ماء الأسنان، وفي المثل (من أشبه أباه ~~فما ظلم)، وسقاء مظلوم إذا شرب منه قبل أن يدرك، والظليم ذكر النعام، ~~لأنه يضع الشيء في غير موضعه من حيث يحضن غير بيضه. وأصل المثقال الثقل، ~~فالمثقال مقدار الشيء في الثقل، والثقل ما ثقل من متاع السفر، والمثقل ~~الذي أثقله المرض، والثقيل البطيء في عمله { فمثقال ذرة }: مقدار ذرة في ~~الزنة. والذرة النملة الحمراء في قول ابن عباس، وابن زيد، وهي أصغر ~~النمل، وهي من ذررت الشيء أذره ذرا إذا بددته سحوقا. # المعني: # وفي الآية دلالة على أن منع الثواب ظلم لأنه لو لم يكن ذلك ظلما لما ~~كان لهذا الكلام معنى على هذا الترتيب. وفيه أيضا دلالة على أنه قادر ~~على الظلم، لأنها صفة تعظيم وتنزيه عن فعل ما يقدر عليه من الظلم، ولو لم ~~يكن قادرا عليه لما كان فيه مدحة، غير أنه وإن كان قادرا عليه فانه لا ~~يفعله لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، ولأنه لو فعل لكان ظالما، لأن ~~الاشتقاق يوجب ذلك وذلك منزه عنه تعالى. ### || [4.41] ms0922 # الاعراب: # " كيف " لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها ها هنا التوبيخ، والتقدير فكيف ~~يكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف لدلالة الكلام عليه. والعامل في " كيف ~~" الابتداء المحذوف، لأن التقدير: كيف حالهم، على ما بيناه. وإنما جاز ~~خروج كيف عن الاستفهام إلى التوبيخ لأنه يقتضي إقرار العبد على نفسه بما ~~كان من قبيح عمله، كما يقتضي الجواب في الاستفهام، ولا يجوز أن يكون ~~العامل في " كيف " " جئنا " لاضافة " إذا " إليه والمضاف إليه لا يعمل ~~فيما قبله كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول، لأنه من تمام الاسم # . المعنى: # والشهادة تقع يوم القيامة من كل نبي بأنه بلغ قومه ما تقوم به عليهم ~~الحجة، وأنه أدى ما تقوم به الحجة عليها من مراد الله، هذا قول عبد الله، ~~وابن جريج، والسدي. وقال الجبائي: يشهد عليهم باعمالهم. وقال الزجاج، ~~والطبري: يشهد لهم وعليهم بما عملوه، ووجه حسن الشهادة ما في ذلك من ~~اقامة الحجة عليهم، فيستجيبون عند تصور تلك الحال من خزي ذلك المقام، وفي ~~ذلك أكبر الاتعاظ. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ على النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) سورة النساء فلما بلغ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } فاضت عيناه وقوله: { وجئنا بك } يعني محمدا (صلى ~~الله عليه وسلم) { على هؤلاء } يعني على أمته. وقال السدي: إن أمة نبينا ~~تشهد للأنبياء بالأداء والتبليغ، ويشهد النبي لأمته بتصديقهم في تلك ~~الشهادة، كما قال: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا ### || [4.42] # القراءة، والحجة: # قرأ حمزة، والكسائي: " تسوى " مفتوحة التاء خفيفة السين. وقرأ نافع وابن ~~عامر - بفتح التاء وتشديد السين - الباقون بضم التاء وتخفيف السين. وقال ~~الطبرى: الاختيار فتح التاء، لموافقته لقوله: # يا ليتني كنت ترابا # ولم يقل: كونت. وقال الرماني هذا ليس بشيء، لأن التمني فيه معنى الفعل، ~~وبضم التاء أبين وليس كذلك الآخر، لأنه بمنزلة التمني لأن يكون معدوما ~~لم يوجد قط. قال أبو علي: من قرأ بضم التاء أراد: لو جعل ms0923 هو والأرض سواء، ~~ومن فتح التاء أراد: تتسوى، وإنما أدغم التاء في السين، قال: وفي هذا ~~تجوز، لأن الفعل مسند إلى الأرض وليس ذلك المراد، لأنه لا فائدة لهم أن ~~تصير الأرض مثلهم. وإنما ودوا أن يتستووا هم بما لا يتسوى بهم، ومن فتح ~~التاء وخفض السين أراد هذا، غير أنه حذف إحدى التائين وهي الأصلية دون ~~التي للمضارعة. # المعنى: # ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أن الكفار يوم القيامة يودون - ~~لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب والخلود في النار - أنهم لن يبعثوا أو ~~أنهم كانوا والارض سواء. وروي في التفسير أن البهائم يوم القيامة تصير ~~ترابا، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا، وهذا لا يجيزه إلا ~~من قال: إن العوض منقطع، فأما من قال: هو دائم لم يصحح هذا الخبر. وقوله: ~~{ وعصوا الرسول } ضموا الواو لأنها واو الجمع، وحركت لالتقاء الساكنين. ~~وقوله: { لو استطعنا } كسرت على أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما وجب ~~لواو الجمع الضم لأنها لما منعت مالها من ضم ما قبلها، جعلت الضمة عند ~~الحاجة إلى حركتها فيها. والعامل في { يومئذ } { يود الذين } وإنما عمل ~~في { يومئذ } ما بعد { إذا } ولم يجز مثل ذلك في { إذا جئنا من كل أمة } ~~لأنه لما أضيف { يوم } إلى { إذ } بطلت إضافته إلى الجملة، وجاء التنوين ~~ليدل على تمام الاسم. يبين ذلك قوله: # من عذاب يومئذ ببنيه # وقوله: { ولا يكتمون الله حديثا } لا ينافي قوله: # والله ربنا ما كنا مشركين # لأنه قيل في معنى الآية سبعة أقوال: # أحدها - قال الحسن إن الآخرة مواطن، فموطن # لا تسمع إلا همسا # أي صوتا خفيا، وموطن يكذبون فيقولون: # ما كنا نعمل من سوء # { والله ربنا ما كنا مشركين } وموطن يعترفون بالخطأ بأن يسألوا الله أن ~~يردهم إلى دار الدنيا. # الثاني - قال ابن عباس: إن قوله: { ولا يكتمون الله حديثا } داخل في ~~التمني بعد ما نطقت جوارحهم بفضيحتهم، فكأنهم لما رأوا المؤمنين دخلوا ~~الجنة كتموا فقالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين } فختم الله أفواههم، ms0924 ~~وأنطق جوارحهم بما فعلوه، فحينئذ تمنوا أن يكونوا { تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا } فتمنوا الأمرين وقال الفراء: تقديره: { يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } ويودون لا يكتمون الله ~~حديثا. # الثالث - قال أبو علي: انه لا يعتد بكتمانهم، لأنه ظاهر عند الله لا ~~يخفى عليه شيء منه. # الرابع - لم يقصدوا الكتمان، لأنهم إنما أخبروا على ما توهموا، ولا ~~يخرجهم من أن يكونوا كذبوا. # والخامس - قال بعضهم: إن قوله: # انظر كيف كذبوا على أنفسهم # انما معناه: أوجبوا العذاب بمثل حال الكاذب في الاقرار، كما يقال: كذب ~~عليك الحج، قال الشاعر: # كذب العتيق وماء شن بارد # إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي # وقال الرماني: هذا التأويل ضعيف، لأنه يجري مجرى اللغز. # والسادس: قال الحسين بن علي المغربي: تمنوا أن يكونوا عدما، وتم الكلام ~~ثم استأنف فقال: { ولا يكتمون الله حديثا } أي لا تكتمه جوارحهم وإن ~~كتموه هم. # السابع - قال البلخي: { ولا يكتمون الله حديثا } على ظاهره لا يكتمون ~~الله شيئا، لأنهم ملجأون إلى ترك القبائح والكذب. وقوله: { ما كنا ~~مشركين } أي عند أنفسنا، لأنهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من ~~حيث يقربهم إلى الله تعالى. ### || [4.43] # القراءة والمعنى: # قرأ حمزة، والكسائي: { أو لمستم النساء } بغير ألف، الباقون { لامستم } ~~بألف، فمن قرأ { لامستم } بالف قال: معناه الجماع: وهو قول علي (ع)، وابن ~~عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو علي الجبائي، واختاره أبو حنيفة. ومن قرأ بلا ~~الف أراد اللمس باليد وغيرها بما دون الجماع، ذهب إليه ابن مسعود، ~~وعبيدة، وابن عمر، والشعبي، وابراهيم، وعطاء، واختاره الشافعي. والصحيح ~~عندنا هو الأول، وهو اختيار الجبائي، والبلخي، والطبري، وغيرهم. ~~والملامسة واللمس معناهما واحد، لأنه لا يلمسها إلا وهي تلمسه، وقيل: ان ~~الملامسة بمعنى اللمس، كما قيل: عافاه الله، وعاقبت اللص. # النزول: # وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابراهيم: إنها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح. # والثاني - قالت عائشة نزلت في قوم من الصحابة أعوزهم الماء. # المعنى واللغة: ms0925 # وظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لا يقربوا الصلاة وهم سكارى، ~~يعني في حال سكرهم، يقال: قرب يقرب متعد، وقرب يقرب لازم، وقرب الماء ~~يقربه إذا ورده. وقيل في معنى السكر المذكور في الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابراهيم: إنه السكر من الشراب، ~~وقال مجاهد، والحسن، وقتادة نسخها تحريم الخمر. # الثاني - قال الضحاك هو سكر النوم خاصة. وأصل السكر من السكر، وهو سد ~~مجرى الماء يقال سكره يسكره، وإسم الموضع السكر والسكر، لانسداد طريق ~~المعرفة به. سكر يسكر سكرا وأسكره إسكارا، وسكرة الموت غشيته. فان قيل: ~~كيف يجوز نهي السكران في حال سكره مع زوال عقله، وكونه بمنزلة الصبي ~~والمجنون؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقص العقل إلى ما لا ~~يحتمل الامر والنهي. # الثاني - إنما نهوا عن التعرض للسكر مع أن عليهم صلاة يجب أن يؤدوها في ~~حال الصحو. وقال أبو علي: فيه جواب ثالث وهو أن النهي إنما دل على أن ~~عليهم أن يعيدوها إن صلوها في حال السكر. # فان قيل: كيف يسوغ تأويل من ذهب إلى أن السكران مكلف أن ينتهي عن الصلاة ~~في حال سكره؟ مع أن عمل المسلمين على خلافه، لأن من كان مكلفا تلزمه ~~الصلاة، قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه منسوخ. # والآخر - إنه نهي عن الصلاة مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في جماعة. # وقوله: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } يقال: رجل جنب إذا أجنب، ورجل جنب ~~أي غريب، ولا يثنى ولا يجمع، ويجمع أجنابا أي غرباء، وإنما نصب لأنه عطف ~~على قوله: { وأنتم سكارى } وهي جملة في موضع الحال. وقيل في معناه قولان. # أحدهما - قال علي (ع)، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم، وابن ~~كثير، وابن زيد: إلا مسافرين فلكم أن تتيمموا. # الثاني - قال ابن عباس في رواية أخرى، وجابر، والحسن، وسعيد بن جبير، ~~وابراهيم، والزهري، وعطاء، والجبائي: ان معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من ~~المساجد إلا مجتازين، وهو قول أبي ms0926 جعفر (ع)، وحذف لدلالة الكلام عليه، ~~وهو الأقوى، لأنه تعالى بين حكم الجنب في آخر هذه الآية إذا عدم الماء، ~~فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، وإنما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول ~~المساجد في أول الآية، وحكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها. # وقوله: { وإن كنتم مرضى أو على سفر } فالمرض الذي يجوز معه التيمم مرض ~~الجراح، والكسير، وصاحب القروح، إذا خاف من مس الماء في قول ابن مسعود، ~~والضحاك، والسدي، وابراهيم، ومجاهد وقتادة. وقال الحسن، وابن جبير: هو ~~المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، ولا يكون هناك من يناوله. وكان ~~الحسن لا يرخص للجريح التيمم، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) ~~جواز التيمم عند جميع ذلك. وقوله: { أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط } يعني الحدث المخصوص، وأصله المطمئن من الأرض، يقال: غائط ~~وغيطان، والتغوط كناية عن الحدث في الغائط، والغوطة موضع كثير الماء ~~والشجر بدمشق، وقوله: { أو لامستم النساء } قد فسرناه، وعندنا المراد به ~~الجماع. وقوله: { فتيمموا صعيدا طيبا } فالتيمم التعمد، ومثله التأمم ~~قال الأعشى: # تيممت قيسا وكم دونه # من الأرض من مهمه ذي شزن # يعني تعمدت، وقال سفيان: معنى تيمموا تعمدوا وتحروا، والصعيد وجه الارض ~~من غير نبات ولا شجر، في قول ابن زيد قال ذو الرمة: # كأنه بالضحى ترمي الصعيد به # دبابة في عظام الراس خرطوم # ومنه قوله: # فتصبح صعيدا زلقا # فبين أن الصعيد قد يكون زلقا. والصعدات الطرقات، قال الزجاج: لا أعلم ~~خلافا بين أهل اللغة بأن الصعيد وجه الارض، سواء كان عليه تراب أو لم ~~يكن، وهذا يدل على ما نقوله من أن التيمم يجوز بالحجارة سواء كان عليها ~~تراب أو لم يكن { وطيبا } أي طاهرا، وقال سفيان: يعني حلالا. وأصل ~~الصعيد من الصعود، وهو ما تصعد على وجه الأرض من ترابها، والاصعاد في ~~الماء بخلاف الانحدار، والصعود عقبة يشق صعودها، ومنه قوله: # سأرهقه صعودا # وقيل: انه جبل في النار يؤخذ بصعوده، والصعدة هي القناة ms0927 التي نبتت ~~مستوية، لأنها تصعد في نباتها على استقامة، والصعداء تنفس بتوجع. # وقوله: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } قيل في صفة التيمم ثلاثة أقوال: # أحدها - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ذهب إليه ابن عمر، ~~والحسن، والشعبي، والجبائي، وأكثر الفقهاء، وبه قال قوم من أصحابنا. # الثاني - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الزندين، ذهب إليه عمار بن ياسر، ~~ومكحول، واختاره الطبري، وهو مذهبنا إذا كان التيمم بدلا من الجنابة، وان ~~كان بدلا من الوضوء فيكفيه ضربة واحدة يمسح بها الوجه إلى طرف أنفه ~~واليدين إلى الزندين. # الثالث - قال أبو اليقظان، والزهري: انه إلى الابطين، وقال قوم انه جائز ~~أن يضرب بيديه على الرمل فيمسح بهما وجهه، وإن لم يعلق بهما شيء، وبه ~~نقول. ويجوز للجنب أن يتيمم عندنا، وعند أكثر الفقهاء وأهل العلم. وبه ~~قال عمار بن ياسر ورواه عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وروي عن عمر، ~~وابن مسعود، وابراهيم: أنه لا يجوز للجنب أن يتيمم، لقوله: { ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل } وقد بينا نحن أن المراد بذلك النهي عن دخول المساجد، ~~فكأنه قال: ولا تقربوا المساجد للصلاة وأنتم سكارى { ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل } لأن من لم يكن له طريق غير المسجد، أو أصابه الاحتلام في المسجد ~~جاز له أن يجتاز فيه، ولا يلبث فيه. # والسكران الذي زال عقله لا تصح صلاته، ويجب عليه قضاؤها، ولا يصح منه ~~شيء من العقود ولا رفعها، كالنكاح، والطلاق، والعتق، والبيع، والشراء، ~~وغير ذلك. وقضاء الصلاة يلزمه إجماعا، وأما ما يلزم به الحدود والقصاص ~~فعندنا أن جميع ذلك يلزمه، إن سرق قطع، وإن قذف جلد، وإن زنا حد، وغير ~~ذلك، لاجماع الفرقة المحقة على ذلك، ولعموم الآية المتناولة لذلك، ولا ~~يلزم على ذلك تكليف من قطع رجل نفسه الصلاة قائما، لأن ذلك تكليف مالا ~~يطاق، وإيجاب قضاء الصلاة على السكران ليس كذلك، وكذلك إقامة الحدود، لأن ~~ذلك تابع للشرع، وفيه خلاف. # ويجوز أن يصلي صلوات الليل والنهار عندنا بتيمم واحد، وهو كالوضوء في ~~هذا الباب، ms0928 ما لم يحدث، أو يتمكن من استعمال الماء، وبه قال الحسن، ~~وعطاء، وأبو حنيفة وأصحابه، وقال إبن عمر، والشعبي، وقتادة، وابراهيم، ~~والشافعي يجب التيمم لكل صلاة، ورووا ذلك عن علي (ع)، وذلك عندنا محمول ~~على الاستحباب. # ولا يجوز التيمم عندنا إلا عند تضيق الوقت، والخوف من فوته، واختار ذلك ~~البلخي. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، وقال أبو حنيفة: ~~يتيمم أي وقت شاء، وإن كان قبل الوقت فهو كالوضوء. ومسائل التيمم ~~استوفيناها في المبسوط، والنهاية، ولا نطول بذكرها ها هنا. # وقوله: { إن الله كان عفوا غفورا } أي يقبل منكم العفو، ويغفر لكم، ~~لأن قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل علينا. وقيل: يعفو بمعني يصفح ~~عنكم الذنوب، ويغفرها أي يسترها عليكم. ### || [4.44-45] # القراءة والنزول: # في الكوفي جعلوا { السبيل } آخر الأولى. وآية واحدة في غير الكوفي. # ذكر ابن عباس، وقتادة، وعكرمة: أن الآية نزلت في قوم من اليهود، وكانوا ~~يستبدلون الضلالة بالهدى، لتكذيبهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بدلا من ~~التصديق به، مع قيام الحجة عليهم بما ثبت من صفته عندهم، فكأنهم اشتروا ~~الضلالة بالهدى. وقال أبو علي الجبائي، وغيره: كانت اليهود تعطي أحبارها ~~كثيرا من أموالهم على ما كانوا يصفونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم. وقال ~~الزجاج: كانوا يأخذون الرشا. # المعنى: # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها التأكيد للأحكام التي يجب العمل بها، ~~بالتحذير ممن يدعو إلى خلافها، ويكذب بها. وقوله: { ألم تر } قال الزجاج، ~~معناه: ألم تخبر في جميع القرآن؟ وقال غيره: ألم تعلم؟ وقال الرماني، ~~معناه: رؤية البصر، والمرئي هو الدين، وإنما دخلت { إلى } ، لأن الكلام ~~يتضمن معنى التعجب، كقولك: ألم تر إلى زيد ما أكرمه؟ تقديره: ألم تر ~~عجبا بانتهاء رؤيتك إلى زيد؟ ثم بين ذلك بقوله: ما أكرمه، ومثله قوله: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # كأنه قال: ألم تر عجبا بانتهاء رؤيتك إلى تدبير ربك كيف مد الظل؟ قال: ~~ومن فسره على: ألم تخبر، ألم تعلم، فانما ذهب إلى ما يؤول المعنى إليه، ms0929 ~~لأن الخبر والعلم لا يصلح فيهما (إلى) كما يصلح مع الرؤية. وقوله: { ~~ويريدون أن تضلوا السبيل } معناه: يريد هؤلاء اليهود أن تضلوا، معشر ~~المؤمنين، أي تزلوا عن قصد الطريق، ومحجة الحق، فتكذبوا بمحمد فتكونون ~~ضلالا، وفي ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الاسلام في ~~شيء من أمورهم لدينهم ودنياهم، ثم بين تعالى أنه أعلم منكم بعداوة اليهود ~~لكم أيها المؤمنون، فانتهوا إلى طاعتي، وامتثال أوامري فيما نهيتكم عنه ~~من استنصاحهم في دينكم، فاني أعلم بباطنهم منكم، وما هم عليه من الغش، ~~والحسد، والعداوة. وقيل معناه: والله يجازيهم على عداوتهم، كقولك: إني ~~أعلم ما تفعل أي اجازيك عليه. # وقوله: { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } معناه: إن ولاية الله ~~لكم، ونصرته إياكم، تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود ومن جرى مجراهم، ممن ~~تطمعون في نصرته. ودخلت الباء في قوله: { بالله } لأحد أمرين: # أحدهما - للتأكيد، لأن الاسم في " كفى الله " كان يتصل اتصال الفاعل، ~~فلما دخلت الباء صار يتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل، ليعلم أن الكفاية ~~منه ليست كالكفاية من غيره في المرتبة، وعظم المنزلة، فضوعف لفظها ~~لمضاعفة معناها. # الثاني - لأنه دخله معنى: اكتفوا بالله، ذكره الزجاج، وموضعه رفع بلا ~~خلاف. # اللغة: # والعداوة الابعاد من حال النصرة، وضدها الولاية، وهي التقرب من حال ~~النصرة، وأما البغض فهو إرادة الاستخفاف والاهانة، وضده المحبة وهي إرادة ~~الاعظام والكرامة. والكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفى يكفي كفاية ~~فهو كاف، والاكتفاء الاجتزاء بشيء دون شيء، ومثله الاستغناء، والنصرة ~~الزيادة في القوة للغلبة، ومثلها المعونة، وضدها الخذلان، ولا يكون ذلك ~~إلا عقوبة، لأن منع المعونة مع الحاجة عقوبة. ### || [4.46] # المعنى والاعراب: # قيل في معنى قوله: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه } قولان: # أحدهما - قال الفراء، والزجاج، والرماني: ان يكون تبيينا للذين { أوتوا ~~نصيبا من الكتاب } ويكون العامل فيه { أوتوا } وهو في صلة الذين، ويجوز ~~ألا يكون في الصلة، كما تقول: انظر إلى النفر من قومك ما صنعوا. # الثاني - أن يكون على الاستئناف، والتقدير: ms0930 { من الذين هادوا } فريق { ~~يحرفون الكلم } كما قال ذو الرمة: # فضلوا ومنهم دمعه سابق له # وآخر يثني دمعة العين بالمهل # وأنشد سيبويه: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وقال آخر: # لو قلت ما في قومها لم تيثم # يفضلها في حسب وميسم # أي أحد يفضلها وقال النابغة: # كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن # يريد كأنك جمل من جمال بني أقيش. # قال الفراء: المحذوف { من } والتقدير: من الذين هادوا من يحرفون الكلم ~~كما يقولون: منا يقول ذاك ومنا لا يقوله، قال: والعرب تضمر (من) في مبتدأ ~~الكلام بمن، لأن من بعض لما هي منه، كما قال: # وما منا إلا له مقام معلوم # وقال: # وإن منكم إلا واردها # وأنشد بيت ذي الرمة الذي قدمناه، قال: ولا يجوز إضمار (من) في شيء من ~~الصفات على هذا المعنى إلا في من لما قلناه، وضعف البيت الذي أنشدناه: ~~(لو قلت ما في قومها لم تيثم) وهي لغة هوازن، وتأثم رواية أخرى. وقال ~~انما جاز في (في) لأنك تجد (في) تضارع معنى (من) لأنه بعض ما أضيف، لأنك ~~تقول: فينا الصالحون وفينادون ذلك، كأنك قلت: منا، ولا يجوز: في الدار ~~يقول ذاك، وتريد: من يقول ذاك، لأنه إنما يجوز إذا أضفت (في) إلى جنس ~~المتروك. وقال أبو العباس، والزجاج ما قاله الفراء لا يجوز، لأن (من) ~~تحتاج إلى صلة أو صفة تقوم مقام الصلة، فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء ~~الصلة، كما لا يحسن حذف بعض الكلمة، وإنما قال: { من الذين هادوا } لأنه ~~ليس جميع اليهود حرفوا، وإنما حرف أحبارهم وعلماؤهم. # وقوله: { يحرفون الكلم عن مواضعه } يعني يغيرونها عن تأويلها، والكلم ~~جمع كلمة. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة. # وقوله: { سمعنا وعصينا } يعني اليهود يقولون: سمعنا قولك يا محمد، ~~ويقولون سرا عصينا. # وقوله: { واسمع غير مسمع } اخبار من الله تعالى عن اليهود الذين كانوا ~~حوالي المدينة في عصره، لأنهم كانوا يسبون رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) ويؤذونه بالقبيح من القول، ms0931 ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كما ~~يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح: اسمع لا أسمعك الله، ذكره ابن عباس، ~~وابن زيد. وقال مجاهد، والحسن: ان تأويل ذلك اسمع غير مقبول منك، أي غير ~~مجاب. # وقوله: { وراعنا ليا بألسنتهم } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - أن هذه اللفظة كانت سبا في لغتهم، فاعلم الله نبيه ذلك ونهاهم ~~عنها. # الثاني - انها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء والسخرية. # الثالث - انها كانت تجري منهم على حد الكبر، كما يقول القائل: انصت ~~لكلامنا، وتفهم عنا. وانما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة. وقوله: { ~~ليا بألسنتهم } يعني تحريكا منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى ~~المكروه. # اللغة: # وأصل اللي القتل، تقول: لويت العود ألويه ليا، ولويت الغريم إذا ~~مطلته، واللوى من الرمل - مقصور - مسترقه، ولواء الجيش ممدود، واللوية ما ~~تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر إذا أفناهم، ~~ولوي البقل إذا اصفر ولم يستحكم يبسه. # واللسان آلة الكلام، واللسان اللغة، ومنه قوله: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # ولسن فلان فلانا بلسنه إذا أخذه بلسانه، ورجل لسن: بين اللسن. ولسان ~~الميزان، ولسان القوم: متكلمهم، وشيء ملسن إذا كان طرفه كطرف اللسان. ~~وقوله: { وطعنا في الدين } فالاصل الطعن بالرمح ونحوه. والطعن باللسان ~~كالطعن بالرمح. ومنه تطاعنوا في الحرب. وأطعنوا مطاعنة وطعانا، وطعن ~~يطعن ويطعن طعنا. وقوله: { ولو أنهم قالوا } يعني هؤلاء اليهود { سمعنا ~~} يا محمد قولك { وأطعنا } أمرك، وقبلنا ما جئتنا به { واسمع } منا { ~~وانظرنا } بمعنى انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا { لكان خيرا لهم وأقوم } ~~يعني أعدل وأصوب في القول، مأخوذا من الاستقامة، ومنه قوله: # وأقوم قيلا # بمعنى وأصوب. وقوله: { ولكن لعنهم الله بكفرهم } يعني أبعدهم الله من ~~ثوابه. ثم أخبر تعالى، فقال: { فلا يؤمنون } في المستقبل { إلا قليلا } ~~منهم فانهم آمنوا. وقال البلخي: معناه لا يؤمنون إلا ايمانا قليلا كما ~~قال الشاعر: # فالفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # يريد إلا ذكرا قليلا. وسقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين. وقال ms0932 أبو ~~روق: إلا قليلا ايمانهم قولهم: الله خالقنا ورازقنا، وليس لعن الله لهم ~~بمانع لهم من الايمان، وقدرتهم عليه، لأنه إنما لعنهم الله لما كفروا ~~فاستحقوا ذلك، ولو تركوا الكفر وآمنوا، لزال عنهم استحقاق اللعن. ### || [4.47] # المعنى: # هذه الآية خطاب لأهل الكتاب: اليهود، والنصارى أمرهم الله بأن يؤمنوا ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وما أنزل عليه من القرآن، وغيره من الاحكام ~~مصدقا لما معهم من التوراة والانجيل اللذين تضمنا صفة النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وصحة ما جاء به. وقوله: { من قبل أن نطمس وجوها فنردها على ~~أدبارها } قيل في معناه أربعة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: معناه نمحو آثارها حتى تصير ~~كالقفا. ونجعل عيونها في قفاها، فتمشي القهقرى. # الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن أبي نجيح، والسدي، ورواه أبو ~~الجارود عن أبي جعفر (ع): أن معناه نطمسها عن الهدى، فنردها على أدبارها ~~في ضلالتها ذما لها بأنها لا تصلح أبدا، وهم وإن كانوا في الضلالة في ~~الحال فتوعدهم بأنهم متى لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ازدادوا ~~بذلك ضلالا إلى ضلالتهم وإيآسا لهم أن يؤمنوا فيما بعد. # الثالث - قال الفراء، واختاره البلخي، والحسين بن علي المغربي: إن معناه ~~نجعل في وجوههم الشعر كوجه القرود. # الرابع - قال قوم: معناه أن يردهم إلى الشام من الحجاز الذي هو مسكنهم، ~~وهو أضعف الوجوه، لأنه ترك للظاهر، وخلاف أقوال المفسرين: والأدبار: جمع ~~دبر. # فان قيل: كيف يجوز تأويل من قال نجعلها كالاقفاء وهذا لم يجز على ما ~~توعد به؟ قيل عنه جوابان: # أحدهما - لأنه آمن جماعة من أولئك الكفار كعبد الله بن سلام وثعلبة بن ~~شعبة وأسد بن ربيعة، وأسد بن عبيد، ومخيرق، وغيرهم. وأسلم كعب في أيام ~~عمر حين سمع هذه الآية، فأما من لم يؤمن منهم فانه يفعل به ذلك في الآخرة ~~على أنه تعالى قال: أو نلعنهم، والمعنى أنه يفعل أحدهما، ولقد لعنهم الله ~~بذلك. وقوله: { كما لعنا أصحاب السبت } يعني المسخ الذي جرى عليهم، ذكره ms0933 ~~البلخي. # والجواب الثاني - أن الوعيد يقع بهم في الآخرة، لأن الله تعالى لم يذكر ~~أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا تعجيلا للعقوبة ذكره البلخي أيضا، والجبائي. # اللغة: # والطمس هو الدثر، وهو عفو الأثر، والطامس، والداثر، والدارس بمعنى واحد. ~~وطمست أعلام الطريق تطمس طموسا: إذا دثرت، قال كعب بن زهير: # من كل نضاحة الذفرى إذا غرقت # عرضتها طامس الاعلام مجهول # والعين التي هي الجارحة عبارة عن الشق بين الجفنين. والادبار جمع دبر، ~~وأصله من الدبر يقولون دبره يدبره دبرا فهو دابر: إذا صار خلفه. ~~والدبر: خلاف القبل. والدابر: التابع. ومنه قوله: # والليل إذا أدبر # أي تبع النهار. فأما أدبر فمعناه ولى. والدبور: الريح، لأنها تدبر ~~الكعبة إلى جهة المشرق. والدبار الهلاك. ودابرة الطائر: الاصبع التى من ~~خلف. # والدبر: النحل. والدبر: المال الكثير، والتدبير، لأنه احكام ادبار ~~الأمور، وهي عواقبها. # المعنى: # وقوله: { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } قال السدي، وقتادة، والحسن: ~~معناه نمسخهم قردة وإنما كنى عنهم بقوله: { أو نلعنهم } بعد أن خاطبهم ~~بقوله: { يا أيها الذين } لأمرين: # أحدهما - التصرف في الخطاب، والانتقال من مواجهة إلى كناية كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك # فخاطب ثم قال: # وجرين بهم # فكنى. # والثاني - أن يعود الضمير على أصحاب الوجوه، لأنه بمنزلة المذكور. ~~وقوله: { وكان أمر الله مفعولا } قيل في معناه قولان: # أحدهما - ان كل أمر من أمور الله من وعد أو وعيد أو مخبر خبر فانه يكون ~~على ما أخبر به، ذكره الجبائي. # والثاني - ان معناه { وكان أمر الله مفعولا } أي الذين يأمر به بقوله: ~~" كن " وذلك يدل على أن كلامه محدث. وقال البلخي: معناه أنه إذا أراد ~~شيئا من طريق الاجبار. والاضطرار كان واقعا لا محالة. لا يدفعه دافع، ~~كقبض الارواح، وقلب الارض وارسال الحجارة، والمسخ وغير ذلك، فأما ما يأمر ~~به على وجه الاختيار، فقد يقع، وقد لا يقع. ولا يكون في ذلك مغالبة له ~~لأنه تعالى لو أراد إلجاءه إلى ما أمره به لقدر عليه. ### || [4.48] # قال الفراء قوله: { أن ms0934 يشرك } في موضع النصب، وتقديره { إن الله لا يغفر ~~} الشرك قال: ويحتمل أن يكون موضعه الجر وتقديره لا يغفر الذنب مع الشرك. ~~وقال قوم: الفرق بين قوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ، وبين قوله: ~~{ إن الله لا يغفر } الشرك به من وجهين: # أحدهما - أن { أن } تدل على الاستقبال. # والآخر - ذكره الرماني أنها تدل على وجه الفعل في الارادة، ونحوها. إذ ~~كان قد يريد الانسان الكفر مع ظنه أنه ايمان، كما يريد النصارى عبادة ~~المسيح. ولا يجوز ارادته أن يكفر مع التوهم انه ايمان وكذلك لا يريد الضر ~~مع التوهم أنه نفع، ولا يجوز ارادته أن يضر مع التوهم أنه نفع، وكذلك ~~أمره بالخطأ مع التوهم أنه صواب، ولا يجوز أمره أن يخطىء مع التوهم أنه ~~صواب، وهذا عندي ليس بصحيح، لأن الشرك مذموم على كل حال سواء علمه فاعله ~~كذلك، أو لم يعلم. ألا ترى أن النصارى يستحقون اللعنة والبراءة على ما ~~يعتقدونه من التثليث وإن اعتقدوا هم صحته، فالفرق الاول هو الجيد وظاهر ~~الآية يدل على أن الله تعالى لا يغفر الشرك أصلا، لكن أجمعت الامه على ~~أنه لا يغفره مع عدم التوبة، فأما إذا تاب منه فانه يغفره، وإن كان عندنا ~~غفران الشرك مع التوبة تفضلا، وعند المعتزلة هو واجب، وهذه الآية من آكد ~~ما دل على أن الله تعالى يعفو عن المذنبين من غير توبة ووجه الدلالة منها ~~أنه نفى أن يغفر الشرك إلا مع التوبة وأثبت أنه يغفر ما دونه، فيجب أن ~~يكون مع عدم التوبة، لأنه إن كان ما دونه، لا يغفره إلا مع التوبة، فقد ~~صار ما دون الشرك مثل الشرك، فلا معنى للنفي، والاثبات. وكان ينبغي أن ~~يقول: { إن الله لا يغفر } المعاصي إلا بالتوبة ألا ترى أنه لا يحسن أن ~~يقول الحكيم أنا لا أعطي الكثير من مالي تفضلا، واعطي القليل إذا استحق ~~علي، لأنه كان يجب أن يقول: أنا لا أعطي شيئا من مالي إلا إذا استحق علي ~~كيف ms0935 وفي الآية ذكر العظيم الذي هو الشرك، وذكر ما هو دونه؟ والفرق بينهما ~~بالنفي والاثبات، فلا يجوز ألا يكون بينهما فرق من جهة المعنى. فان قيل: ~~نحن نقول: إنه يغفر ما دون الشرك من الصغائر من غير توبة. قلنا: هذا فاسد ~~من وجهين: # أحدهما - انه تخصيص، لأن ما دون الشرك يقع على الكبير والصغير. والله ~~تعالى أطلق أنه يغفر ما دونه، فلا يجوز تخصيصه من غير دليل. # الثاني - ان الصغائر تقع محبطة فلا يجوز المؤاخذة بها عند الخصم وما هذا ~~حكمه لا يجوز تعليقة بالمشيئة وقد علق الله تعالى غفران ما دون الشرك ~~بالمشيئة، لأنه قال: { لمن يشاء } فان قيل: تعليقة بالمشيئة يدل على أنه ~~لا يغفر ما دون الشرك قطعا. # قلنا: المشيئة دخلت في المغفور له لا فيما يغفر، بل الظاهر يقتضي انه ~~يغفر ما دون الشرك قطعا، لكن لمن يشاء من عباده، وبذلك تسقط شبهة من قال ~~القطع على غفران ما دون الشرك من غير توبة، اغراء بالقبيح الذي هو دون ~~الشرك، لأنه إنما يكون اغراء لو قطع على أنه يغفر ذلك لكل أحد. فأما إذا ~~علق غفرانه لمن يشاء، فلا اغراء لأنه لا أحد إلا وهو يجوز أن يغفر له، ~~كما يجوز أن يؤاخذ به فالزجر حاصل على كل حال، ومتى عارضوا هذه الآية ~~بآيات الوعيد كقوله: # ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا # وقوله: # ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها # وقوله: # إن الفجار لفي جحيم # كان لنا أن نقول: العموم لا صيغة له، فمن أين لكم أن المراد به جميع ~~العصاة ثم نقول نحن نخص آياتكم بهذه الآية ونحملها على الكفار. فمتى ~~قالوا لنا: بل نحن نحمل آياتكم على أصحاب الصغائر. فقد تعارضت الآيات ~~ووقفنا وجوزنا العفو بمجرد العقل، وهو غرضنا وقد استوفينا ما في ذلك في ~~الاصول في باب الوعيد من أراده وقف عليه من هناك. وقوله: { ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما } معناه من يشرك بالله، فقد كذب، لأنه ~~يقول: ms0936 إن عبادته يستحقها غير الله. وذلك افتراء، وكذب. وقوله: { إثما ~~عظيما } نصب على المصدر فكأنه قال: افترى، وأثم { إثما عظيما } لأن ~~افترى بمعنى أثم، فلذلك نصب المصدر به. وقال ابن عمر: لما نزل قوله: { إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا } ظن أنه تعالى يغفر الشرك أيضا، فانزل الله ~~هذه الآية. وقال ابن عمر: ما كنا نشك معشر أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، ~~حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن هذه الشهادة. وهذا يدل على أن الصحابة ~~كانت تقول بما نذهب إليه من جواز العفو عن فساق أهل الملة من غير توبة، ~~بخلاف ما يذهب إليه أصحاب الوعيد من المعتزلة، والخوارج، وغيرهم. ### || [4.49] # المعنى: # قد فسرنا معنى { ألم تر إلى الذين } فيما مضى، وأن معناه ألم تعلم في ~~قول أكثر أهل العلم، واللغة وقال بعضهم: معناه ألم تخبر وفيه سؤال على ~~وجه الاعلام. # وتأويله اعلم قصتهم ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم؟ وقيل ~~في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر ~~(ع): انهم اليهود، والنصارى في قوله: # نحن أبناء الله وأحباؤه # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم # قال الزجاج: اليهود جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بأولادهم ~~الاطفال، فقالوا يا محمد أعلى هؤلاء ذنوب؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): ~~لا، فقالوا: كذلك نحن ما نعمل بالليل يغفر بالنهار، وما نعمل بالنهار ~~يغفر بالليل، فقال الله تعالى: { بل الله يزكي من يشاء } وقال: مجاهد، ~~وأبو مالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لا ذنب لهم. وقال ~~ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عند الله. # الثاني - روي عن عبد الله بن مسعود انه تزكية الناس بعضهم بعضا لينالوا ~~بذلك مالا من مال الدنيا، فأخبر الله تعالى أنه الذي يزكي من يشاء. ~~وتزكيتهم أنفسهم هو أن يقولوا: نحن أزكياء. # اللغة والاعراب والنظم: # والزكا النمو يقال زكا الزرع ms0937 يزكو وزكا الشيء: إذا نما في الصلاح ~~وقوله: { ولا يظلمون فتيلا } قال الزجاج: لا يظلمون مقدار فتيل. فيكون ~~نصبه على أنه مفعول ثان: كقولك: ظلمته حقه أي انتقصته حقه. قال الرماني: ~~ويحتمل أن يكون نصبا على التمييز كقولك: تصببت عرقا. وقيل في معنى ~~الفتيل ها هنا قولان: # أحدهما - هو قول ابن عباس في رواية وقول عطاء ابن أبي رياح، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك، وعطية: إنه الذي في شق النواة. وقال الحسن: الفتيل ما ~~في بطن النواة، والنقير: ما في ظهرها، والقمطير قشرها. # الثاني - ما فتلت بين اصبعيك من الوسخ. في رواية أخرى عن ابن عباس، وأبي ~~مالك، والسدي: والفتل: لي الشيء يقال. فتلت الحبل أفتله فتلا، وانفتل ~~فلان في صلاته. والفتيلة معروفة. واقة فتلاء. إذا كان في ذراعيها فتل عن ~~الجنب. والفتيل في معنى المفتول. # ووجه اتصال قوله: { ولا يظلمون فتيلا } بما قبله أنه لما قال: { بل ~~الله يزكي من يشاء } نفى عن نفسه الظلم لئلا يظن أن الامر بخلافه. ### || [4.50] # اللغة: # النظر هو الاقبال على الشيء بالبصر ومن ذلك النظر بالقلب، لأنه إقبال ~~على الشيء بالقلب، فكذلك النظر بالرحمة، ونظر الدهر إلى الشيء: إذا ~~أهلكه، والنظر إلى الشيء تلمسه والنظر إليه بالتأميل له. والانتظار: ~~الاقبال على الشيء بالتوقع له. والانظار التأخير إلى وقت. والاستنظار ~~سؤال الانظار. والمناظرة: اقبال كل واحد على الآخر بالمحاجة. والنظير مثل ~~الشيء لا قباله على نظيره بالمماثلة. والفرق بين النظر بالعين، وبين ~~الرؤية أن الرؤية هي إدراك المرئي، والنظر إنما هو الاقبال بالبصر نحو ~~المرئي، ولذلك قد تنظر ولا نراه، كما يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره، ~~ولذلك يجوز أن يقال في الله أنه رائي. ولا يجوز أن يقال ناظر. وقوله: { ~~كيف يفترون } فالافتراء والاختلاق متقاربان، والفرق بينهما أن الافتراء ~~هو القطع على كذب أخبر به، واختلق قدر كذبا اخبر به، لأن الفري القطع، ~~والخلق التقدير. # المعنى: # وافتراؤهم الكذب على الله ها هنا المراد به تزكيتهم لأنفسهم بانا { ~~أبناء الله وأحباؤه } وأنه { لن يدخل الجنة إلا ms0938 من كان هودا أو نصارى } ~~ذكره ابن جريج وقوله: { وكفى به إثما مبينا } معناه تعظيم اثمه وإنما ~~يقال كفى به في العظم على جهة المدح أو الذم، كقولك: كفى بحال المؤمن ~~نبلا وكفى بحال الكافر إثما كأنه قيل: ليس يحتاج إلى حال أعظم منه في ~~المدح أو الذم. كما يقال ليس يحتاج إلى أكثر مما به. ويحتمل أن يكون ~~معناه كفى هذا إثما أي ليس يقصر عن منزلة الاثم. ### || [4.51] # المعنى: # قيل في المعني بهذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة: هم جماعة من اليهود منهم: حي بن أخطب ~~وكعب بن الاشرف، وسلام بن أبي الحقيق، والربيع بن الربيع. قالوا لقريش: ~~أنتم أهدى سبيلا ممن آمن بمحمد. # الثاني - قال عكرمة إن المعني به كعب بن الاشرف، لأنه قال هذا القول، ~~وسجد لصنمين كانا لقريش. وقيل في معنى الجبت، والطاغوت خمسة أقوال: # أحدها - قال عكرمة: إنهما صنمان. وقال أبو علي: هؤلاء جماعة من اليهود ~~آمنوا بالاصنام التي كانت تعبدها قريش، والعرب مقاربة لهم ليعينوهم على ~~محمد (صلى الله عليه وسلم). # الثاني - قال ابن عباس: الجبت الاصنام. والطاغوت: تراجمة الاصنام الذين ~~يتكلمون بالتكذب عنها. # الثالث - إن الجبت الساحر. والطاغوت الشيطان، قاله ابن زيد. وقال مجاهد: ~~الجبت: السحر. # الرابع - قال سعيد بن جبير، وأبو العالية: الجبت: الساحر. والطاغوت: ~~الكاهن. # والخامس - في رواية عن ابن عباس والضحاك: ان الجبت حي بن أخطب، والطاغوت ~~كعب بن الاشرف، لأنهما جاءا إلى مكة، فقال لهما أهل مكة: أنتم أهل الكتاب ~~وأهل العلم القديم، فأخبرونا عنا وعن محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقالا: ~~ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء، ونفك ~~العناة، ونصل الارحام، ونسقي الحجيج. ومحمد منبوز قطع أرحامنا، واتبعه ~~سراق الحجيج بنو غفار فقالا: أنتم خير منه، وأهدى سبيلا فانزل الله هذه ~~الآية. وقال الزجاج، والفراء، والبلخي: هما كل معبود من دون الله تعالى. # اللغة: # ووزن طاغوت فعلوت على وزن رهبوت. قال الخليل: هو من طغا وقلبت اللام إلى ~~موضع ms0939 العين كما قيل: لاث في لايث. وشاك في شايك. وهذا تغيير لا يقاس ~~عليه، لكنه يحمل على النظير. والجبت لا تصريف له في اللغة العربية. وقيل: ~~هو الساحر بلغة حبش عن سعيد بن جبير: والسبيل المذكور في الآية هو الدين. ~~وإنما سمي سبيلا، لأنه كالسبيل الذي هو الطريق في الاستمرار عليه ليؤدي ~~إلى الغرض المطلوب. ونصبه على التمييز كقولك هو أحسن منك وجها وأجود منك ~~ثوبا لأنك في قولك: هذا أجود منك قد أبهمت الشيء الذي فضلته به إلا أن ~~تريد ان جملته أجود من جملتك فتقول هذا أجود منك وتمسك. ### || [4.52] # النزول: # قوله: { أولئك } اشارة إلى الذين ذكرهم في الآية الاولى. وقال قتادة: ~~لما قال كعب بن الاشرف، وحي بن أخطب { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سيبلا ~~} وهما يعلمان أنهما كاذبان. أنزل الله هذه الآية { أولئك الذين لعنهم ~~الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } فالوعيد فيها على ما تقدم من ~~القول على جهة العناد، لأنها اشارة إلى ما تقدم من صفتهم الدالة على ~~عنادهم. # اللغة والمعنى: # { أولئك } لفظ جمع، وواحده ذا في المعنى كما قالوا: نسوة في جماعة ~~النساء. وللواحدة امرأة. وغلب على أولاء (ها) التي للتنبيه. وليس ذلك في ~~أولئك، لأن في حرف الخطاب تنبيها للمخاطب إذ كان الكاف انما هو حرف لحق، ~~لتنبيه المخاطب، فصار معاقبا للهاء التي للتنبيه في أكثر الاستعمال. ~~واللعنة: الابعاد من رحمة الله عقابا على معصيته، فلذلك لا يجوز لعن ~~البهائم، ولا من ليس بعاقل من المجانين، والاطفال، لأنه سؤال العقوبة لمن ~~لا يستحقها. فمن لعن حية أو عقربا أو نحو ذلك مما لا معصية له فقد اخطأ، ~~لأنه سأل الله عز وجل ما لا يجوز في حكمته. فان قصد بذلك الابعاد لا على ~~وجه العقوبة، كان ذلك جائزا. فان قيل: كيف قال: { فلن تجد له نصيرا } ~~مع تناصر أهل الباطل على باطلهم؟ قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - { فلن تجد له نصيرا } ينصره من عقاب الله الذي يحله به مما قد ~~أعده ms0940 له، لأنه الذي يحصل عليه وما سواه يضمحل عنه. # الثاني - { فلن تجد له نصيرا } ، لأنه لا يعتد بنصرة ناصر له مع خذلان ~~الله إياه. ### || [4.53] # النظم والاعراب: # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال الصفة بالبخل، والصفة بالحسد ~~والجهل، لأن قوله: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ~~} يدل على أنهم حسدوا المؤمنين وأنهم يعملون أعمال الجاهلين، إلا أن ~~الكلام خرج مخرج الاستفهام، للتوبيخ، والتقريع بتلك الحال. وجاءت أم ها ~~هنا غير معادلة للالف لتدل على اتصال الثاني بالاول. والمعنى بل ألهم ~~نصيب من الملك؟ وتسمى أم هذه المنقعطة عن الالف لأنها بخلاف المتصلة بها ~~على المعادلة. ومثله # ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه # وقال بعضهم: إن الالف محذوفة، لأن أم لا تجيء مبتدأة على تقدير أهم أولى ~~بالنبوة { أم لهم نصيب من الملك } فيلزم الناس طاعتهم. وهذا ضعيف، لأن ~~حذف الالف إنما يجوز في ضرورة الشعر بالاجماع ولا ضرورة في القرآن. " ~~وإذا " لم تعمل في يؤتون لأنها إذا وقعت بين الفاء، والفعل، جاز أن تقدر ~~متوسطة فتلغى كما تلغى (أرى) إذا توسطت أو تأخرت، لأن النية به التأخير. ~~والتقدير أم لهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيرا اذا، وكذلك إذا ~~كان معها واو، نحو # وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا # ويجوز أن تقدر مستأنفة، فتعمل مع حرف العطف. و (اذن) لا تعمل إلا بشروط ~~أربعة: أن تكون جوابا لكلام، وأن تكون مبتدأة في اللفظ، ولا يكون ما ~~بعدها متعلقا بما قبلها، ويكون الفعل بعدها مستقبلا. ومتى نقص واحد من ~~هذه الشروط لم تعمل. # المعنى واللغة: # وقوله: { لا يؤتون الناس نقيرا } اخبار من الله تعالى عن لومهم، وبخلهم ~~أي لا يؤتونهم نقيرا. وقيل في معنى النقير ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وعطاء، والضحاك، وابن زيد: إنه ~~النقطة التي في ظهر النواة. وقال مجاهد: هو الحبة ms0941 التي في بطن النواة. ~~وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن النقير ما نقر الرجل باصبعه، كما ينقر ~~الدرهم. والنقر: النكت ومنه المنقار، لأنه ينقر به. والناقور: الصور، لأن ~~الملك ينقر فيه بالنفخ المصوت. والنقرة: حفرة في الارض أو غيرها، ~~والنقير: خشبة تنقر وينبذ فيها. والمناقرة: مراجعة الكلام. وانتقر: اختص ~~كما يختص بالنقر واحدا واحدا. والمنقر: القلع عن الشيء، لأنه كما يقلع ~~في النقر، ثم يعود إليه. # ومعنى { أم لهم نصيب من الملك } ما يدعيه اليهود أن الملك يعود إليهم. ~~وقوله: { فإذا لا يؤتون الناس } يعني العرب. وذكر الزجاج في معناه ~~وجهين: # أحدهما - بل لهم نصيب، لأنهم كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في غاية ~~البخل. # والثاني - أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا من بخلهم اختاره ~~البلخي وبه قال السدي، وابن جريج. ### || [4.54] # المعنى: # المعني بقوله: { أم يحسدون الناس } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وعكرمة: إنه النبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، وهو قول أبي جعفر (ع)، وزاد فيه وآله. # الثاني - قال قتادة: هم العرب: محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، لأنه ~~قد جرى ذكرهم في قوله: { يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا } ذكره الجبائي. # والفضل المذكور في الآية قيل فيه قولان: # أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن جريج: النبوة. وهو قول أبي جعفر (ع) ~~قال وفي آله الامامة. # الثاني - قال ابن عباس: والضحاك والسدي ما أباحه الله للنبي من نكاح ~~تسعة. # اللغة: # والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها، ~~والغبطة: تمني مثل النعمة، لأجل السرور بها لصاحبها، ولهذا كان الحسد ~~مذموما والغبطة غير مذمومة. وقيل: إن الحسد من افراط البخل، لأن البخل ~~مع النعمة، لمشقة بذلها. والحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها لها بالعمل ~~فيها على المشقة بنيل النعمة. ثم قال { فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } فما حسدوهم على ذلك فكيف حسدوا محمدا ~~وآله ما أعطاهم الله إياه. # المعنى: # والملك المذكور ms0942 في الآية ها هنا قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس: هو ملك سليمان، وبه قال عطية العوفي. # الثاني - قال السدي: هو ما أحل لداود من النساء تسع وتسعون امرأة، ~~ولسليمان مئة لأن اليهود عابت النبي (صلى الله عليه وسلم) بكثرة النساء ~~فبين الله ان ذلك وأكثر منه كان في آل ابراهيم. # الثالث - قال مجاهد، والحسن: إنه النبوة. وقال أبو جعفر (ع): انه ~~الخلافة، من أطاعهم، أطاع الله ومن عصاهم عصى الله. ### || [4.55] # المعنى: # الضمير في قوله: { فمنهم من آمن } يحتمل أن يكون عائدا إلى أحد أمرين: # أحدهما - قال مجاهد، والزجاج، والجبائي: إن من أهل الكتاب من آمن بمحمد ~~(صلى الله عليه وسلم) لتقدم الذكر في # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم # الثاني - فمن أمة ابراهيم من آمن بابراهيم، ومنهم من صد عنه. كما أنكم ~~في أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) كذلك. وليس في ذلك توهين لأمره كما ليس ~~فيه توهين لأمر ابراهيم. واتصال الكلام على هذا الوجه ظاهر وعلى الوجه ~~الأول تقديره وقع هذا كله { فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه } وقال ~~قوم: { فمنهم من آمن } بداود وسليمان { ومنهم من صد عنه } وليس في الآية ~~دلالة على أن ما تقدم من الوعيد إنما صرف عنهم لأيمان هذا الفريق، لأنه ~~قال في الآخرة # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # وقال بعضهم: فيه دلالة على ذلك، ولذلك قال: { وكفى بجهنم سعيرا } أي ان ~~كان صرف بعض العقاب، فكفى بجهنم استغرافا بالعذاب. # اللغة: # وسعير بمعنى مسعورة وترك - لأجل الصرف - التأنيث للمبالغة في الصفة كما ~~قالوا: كف خضيب ولحية دهين. وتركت علامة التأنيث، لأنها لما كان دخولها ~~فيما ليست له، للمبالغة نحو رجل علامة كان سقوطها فيما بقي له للمبالغة ~~فحسن هذا التقابل في الدلالة. والسعر: ايقاد النار ومنه قوله: # وإذا الجحيم سعرت # واستعرت النار والحرب والشر استعارا. واسعرتها اسعارا. وسعرتها ~~تسعيرا. والسعر: سعر المتاع وسعروه تسعيرا وذلك لاستعار السوق بحماها ~~في البيع. والساعور كالتنور ms0943 في الارض. والمسعور: الذي قد ضربته السموم، ~~والعطش. وزيدت الباء في قوله: { وكفى بجهنم } لتأكيد الاختصاص، لأنه ~~يتعلق به من وجهين: وجه الفعل في كفى جهنم كقولك: كفى الله، ووجه الاضافة ~~في الكفاية بجهنم. وعلى ذلك قيل: كفى بالله للدلالة على أن الكفاية تضاف ~~إليه من أوكد الوجوه، وهو وجه الفعل، ووجه المصدر. ### || [4.56] # المعنى واللغة: # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من جحد معرفته وكذب أنبياءه، ودفع ~~الآيات التي تدل على توحيده، وصدق نبيه أنه سوف يصليه نارا لتدل على أن ~~ذلك يفعله بهم في المستقبل، ولم يكن دخولها للشك، لأنه تعالى عالم ~~بالأشياء لا يخفى عليه أمر من الأمور. ومعنى نصليه نارا: نلزمه إياها ~~تقول: أصليته النار: إذا القيته فيها، وصليته صليا: إذا شويته: وشاة ~~مصلية أي مشويه. والصلا الشواء. وصلي فلان بشر فلان. وصلي برجل سوء. # وقوله: { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال الرماني: إن الله يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت ~~وتعدم المحترقة على ظاهر القرآن من أنها غيرها، لأنها ليست بعض الانسان. ~~قال قوم هذا لا يجوز، لأنه يكون عذب من لا يستحق العذاب. قال الرماني: لا ~~يؤدي إلى ذلك، لأن ما يزاد لا يألم، ولا هو بعض لما يألم، وإنما هو شيء ~~يصل به الألم إلى المستخق له. وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون المراد ان ~~يزاد جلدا على جلده، كلما نضجت لأنه لو كان كذلك لوجب أن يملأ جسد كل ~~واحد من الكفار جهنم إذا أدام الله العقاب، لأنه كلما نضجت تلك الجلود ~~زاد الله جلدا آخر، فلا بد أن ينتهي إلى ذلك. # والجواب الثاني - اختاره البلخي والجبائي، والزجاج: ان الله تعالى ~~يجددها بان يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة، كما يقال جئتني ~~بغير ذلك الوجه وكذلك، إذا جعل قميصه قباء جاز أن يقال جاء بغير ذلك ~~اللباس أو غير خاتمه فصاغه خاتما آخر جاز أن يقال هذا غير ذلك الخاتم، ~~وهذا هو ms0944 المعتمد عليه. # والثالث - قال قوم: إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله في ~~قوله: # سرابيلهم من قطران # فأما الجلود فلو عذبت ثم أوجدت، لكان فيه تفتير عنهم، وهذا بعيد، لأنه ~~ترك للظاهر وعدول بالجلود إلى السرابيل، ولا نقول إن الله تعالى يعدم ~~الجلود بل على ما قلناه يجددها ويطريها بما يفعل فيها من المعاني التي ~~تعود إلى حالتها، فأما من قال: إن الانسان غير هذه الجملة، وأنه هو ~~المعذب، فقد تخلص من هذا السؤال. ويقوي ما قلناه ان أهل اللغة يقولون: ~~أبدلت الشيء بالشيء إذا أزلت عينا بعين، كما قال الراجز: # عزل الامير بالامير المبدل # وبدلت - بالتشديد - إذا غيرت هيئة، والعين واحدة. يقولون: بدلت جبتي ~~قميصا: إذا جعلنها قميصا ذكره المغربي، وقال البلخي: ويحتمل وجها آخر ~~وهو أن يخلق الله لهم جلدا آخر فوق جلودهم، فاذا احترق التحناني أعاده ~~الله. # وهكذا يتعقب الواحد الآخر قال: ويحتمل أن يخلق الله لهم جلدا لا يألم ~~يعذبهم فيه، كما يعذبهم في سرابيل القطران. # فان قيل: كيف قال: { ليذوقوا العذاب } مع أنه دائم لازم؟ قيل: لأن ~~احساسهم في كل حال كاحساس الذائق في تجدد الوجدان من غير نقصان، لأن من ~~استمر على الأكل، لا يجد الطعم، كما يجد الطعم من يذوقه. وقوله: { إن ~~الله كان عزيزا حكيما } معناه أنه قادر قاهر لا يمتنع عليه انجاز ما ~~توعد به أو وعد، وحكيم في فعله لا يخلف وعيده، ولا يفعل إلا قدر المستحق ~~به فينبغي للعاقل أن يتدبره، ويكون حذره منه على حسب علمه به ولا يغتر ~~بطول الامهال، والسلامة من تعجيل العقوبة. ### || [4.57] # المعنى: # لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى ما توعد به الكفار والجاحدين لآياته ~~تعالى، وعد في هذه الآية المصدقين به تعالى، والعاملين الأعمال الصالحات، ~~وهي الحسنات التي هي طاعات الله، وصالح يجري على وجهين: # أحدهما - على من يعمل الطاعة. # الثاني - على نفس العمل ويقال: رجل صالح، ومعناه ذو عمل صالح، ويقال: ~~عمل صالح، فيجري عليه الوصف بأنه صالح. وعدهم بأن ms0945 سيدخلهم جنات وهي جمع ~~جنة وهي البستان التي يجنها الشجر { تجري من تحتها الأنهار } وفيه محذوف، ~~لأن التقدير تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الماء هو الجاري دون ~~الأنهار غير أنه بعرف الاستعمال سقط عنه اسم مجاز، كما سقط في قولهم: هذا ~~شعر امرئ القيس وان كان المراد انه حكاية عنه، فأما قوله: { واسأل القرية ~~} مجار لا محالة، لأنه لا بد فيه من تقدير أهلها، وقوله: { خالدين فيها ~~أبدا لهم فيها أزواج مطهرة } يعني من النفاس والحيض ومن جميع الأقذار، ~~والادناس. # اللغة: # والطهارة نقيض النجاسة. والنجاسة في الاصل هي ما كان نتنا نحو الجيف، ~~وغيرها، وشبه بذلك نجاسة الحكم تبعا للشريعة كما يقال في الخمر: إنها ~~نجسة. وقوله: { ويدخلهم ظلا ظليلا } فالظل أصله الستر من الشمس قال ~~رؤبة: كل موضع يكون فيه الشمس، فتزول عنه، فهو ظل وفيء. وما سوى ذلك فظل، ~~لا يقال فيه فيء. والظل: الليل، لأنه كالستر من الشمس. والظلة: السترة، ~~وظل يفعل كذا: إذا فعله نهارا، لأنه في الوقت الذي يكون للشمس ظل. ~~والاظلال الدنو، لأن الشيء بدنوه، كأنه قد ألقى عليك ظله. والاظل: باطن ~~منسم البعير، لأن المنسم يستره. والظليل: هو الكنين، لأنه لا شمس فيه ولا ~~سموم. قال الحسن: ربما كان ظل ليس بظليل، لأنه يدخله الحر والسموم، فلذلك ~~وصف ظل الجنة بأنه ظليل. ومنه قوله: # وظل ممدود # لأنه ليس كل ظل ممدودا. وروي أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة عام، لا يقطعها وهي شجرة الخلد. وقيل: إنما قال { ظلا ظليلا } ~~فرقا بينه وبين # ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب # وقيل يدخلهم ظلا ظليلا في الموقف حيث لا ظل إلا ظل عرشه. ### || [4.58] # المعنى: # قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة أقوال: # أولها - ما قال ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن ~~أبي جعفر (ع)، وأبي عبد الله (ع): إن كل مؤتمن على شيء يلزمه رده. # الثاني - قال زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب: ms0946 إن المراد به ولاة ~~الأمر وهو اختيار الجبائي، وروي ذلك عن أبي جعفر أيضا وأبي عبد الله (ع) ~~وقالوا: أمر الله الأئمة كل واحد منهم أن يسلم الأمر إلى من بعده، وعلى ~~الوجه الأول يدخل هذا فيه، لأن ذلك من جملة ما ائتمنه الله عليه. ولذلك ~~قال أبو جعفر (ع): إن اداء الصلا ة والزكاة والصوم والحج من الأمانة، ~~ويكون الأمر للآمر بأداء الأمانة من الغنائم والصدقات، وغير ذلك مما ~~يتعلق به حق الرعية. # الثالث - قال ابن جريج: نزلت في عثمان بن طلحة. أمر الله تعالى نبيه أن ~~يرد إليه مفاتيح الكعبة، والمعتمد هو الأول، وإن كان الاخير روي أنه سبب ~~نزول الآية، غير أنه لا يقصر عليه. # اللغة والمعنى: # تقول: أديت الشيء أؤديه تأدية، وهو المصدر الحقيقي، ولو قلت: أديت أداء ~~كان جائزا يقام الاسم مقام المصدر. ويقال: أدوت للصيد آدو له ادوا: إذا ~~ختلته، لتصيده. وأدى اللبن يأدي: إذا حمض. وقوله: { وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل } أمر الله تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا ~~بالجور { إن الله نعما يعظكم به } معناه نعم الشيء شيئا يعظكم الله به ~~من أداء الامانة وكتبت (ما) في (نعما) موصولة، لأنها بمنزلة الكافة في ~~(إنما)، و (ربما)، غير انها في نعما اسم يعود إليه الضمير في (به) ~~فتقديره نعم شيئا يعظكم به أو نعم وعظا يعظكم به، ولا يجوز إسكان العين ~~مع الميم في نعما لأنه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة من غير ~~اشباع الكسرة، كالاختلاس في { يأمركم } و " بارئكم " وعلى هذا تحمل قراءة ~~أبي عمر. وقال الزجاج: اجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين. # والسميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت ~~والبصير من كان على صفة يجب لاجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت. والسامع ~~هو المدرك للمسوعات. والمبصر هو المدرك للمبصرات. ولذلك يوصف تعالى فيما ~~لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف بأنه سامع مبصر إلا بعد وجود المبصرات ~~والمسموعات. # وقوله: ms0947 { إن الله سميعا بصيرا } اخبار بأنه كان سميعا بصيرا فيما ~~مضى. وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به فاذا كان لا يجوز خروجه عن كونه ~~حيا، فلا يجوز خروجه عن كونه سميعا بصيرا. ### || [4.59] # المعنى: # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ~~ويطيعوا أولي الأمر منهم، فالطاعة هي امتثال الأمر. فطاعة الله هي امتثال ~~أوامره والانتهاء عن نواهيه. وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره وطاعة ~~الرسول أيضا هي طاعة الله، لأنه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع ~~الرسول، فقد أطاع الله كما قال # من يطع الرسول فقد أطاع الله # فأما المعرفة بأنه رسول، فمعرفة بالرسالة ولا يتم ذلك إلا بعد المعرفة ~~بالله، وليست احداهما هي الأخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد ~~وفاته، لأن بعد وفاته يلزم اتباع سنته، لأنه دعا إليها جميع المكلفين إلى ~~يوم القيامة، كما أنه رسول إليهم أجميعن. فأما أولو الأمر، فللمفسرين فيه ~~تأويلان: # أحدهما - قال أبو هريرة، وفي رواية عن ابن عباس، وميمون بن مهران، ~~والسدي، والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الامراء. # الثاني - قال جابر بن عبد الله، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، ~~والحسن، وعطاء، وأبي العالية: انهم العلماء. وروى أصحابنا عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (ع) أنهم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وسلم) فلذلك ~~أوجب الله تعالى طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ~~ولا يجوز ايجاب طاعة أحد مطلقا إلا من كان معصوما مأمونا منه السهو ~~والغلط، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولا العلماء، وإنما هو واجب في ~~الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم، فأما من قال المراد به ~~العلماء، فقوله بعيد، لأن قوله { وأولي الأمر } معناه أطيعوا من له ~~الأمر، وليس ذلك للعلماء، فان قالوا: يجب علينا طاعتهم إذا كانوا محقين، ~~فاذا عدلوا عن الحق فلا طاعة لهم علينا. قلنا: هذا تخصيص لعموم ايجاب ~~الطاعة لم يدل عليه دليل. وحمل الآية على العموم، فيمن يصح ذلك فيه أولى ~~من تخصيص الطاعة ms0948 بشيء دون شيء كما لا يجوز تخصيص وجوب طاعة الرسول وطاعة ~~الله في شيء دون شيء. وقوله: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول } فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى ~~سنته. وقول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الأئمة ~~يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم # ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى ~~الرسول في هذا الباب. وقوله: { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي ~~تصدقون بهما. { ذلك خير وأحسن تأويلا } ذلك اشارة إلى الرد إلى الله ~~وإلى الرسول { وأحسن تأويلا } قال قتادة، والسدي، وابن زيد: أحمد عاقبة. # وقال مجاهد: معناه أحسن جزاء. # وهو من آل يؤول إذا رجع والمآل المرجع والعاقبة مآل، لأنها بمنزلة ما ~~تفرقت عنه الاشياء ثم رجعت إليه. وتقول: إلى هذا يؤول الأمر أي يرجع. ~~وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله ~~وسنة نبيه، وهذا هو الأقوى، لأن الرد إلى الله والرسول والأئمة المعصومين ~~أحسن من تأويل بغير حجة. # واستدل جماعة بهذه الآية على أن الاجماع حجة بأن قالوا: إنما أوجب الله ~~الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد ~~التنازع، لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، وهذا إن استدل به مع ~~فرض أن في الامة معصوما حافظا للشرع كان صحيحا، وإن فرضوا مع عدم ~~المعصوم كان باطلا، لأن ذلك استدلال بدليل خطاب، لأن تعليق الحكم بشرط أو ~~صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر المحصلين، فكيف يعتمد عليه ها ~~هنا، على أنهم لا يجمعون على شيء إلا عن كتاب أو سنة، فكيف يقال: إذا ~~أجمعوا لا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، وهم قد ردوا إليهما على أن ~~ذلك يلزم في كل جماعة، وإن ms0949 لم يكونوا جميع الأمة إذا اتفقوا على شيء ألا ~~يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، لأن قوله: { فإن تنازعتم } يتناول ~~جماعة ولا يستغرق جميع الأمة، فعلم بذلك فساد الاستدلال بما قالوه. وقد ~~بينا الكلام على ذلك مستوفى في العدة في أصول الفقه. ### || [4.60] # المعنى واللغة: # عجب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) في هذه الآية ممن يزعم أنه ~~آمن بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)، وما أنزل من قبله بأن قال ~~ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين ذكرنا وصفهم يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمرهم الله أن يكفروا به. وقال الحسن، والجبائي: نزلت الآية ~~في قوم منافقين احتكموا إلى الأوثان بضرب القداح. وقد بينا معنى الطاغوت ~~فيما تقدم. وقيل في معناه ها هنا قولان: # أحدهما - أنه كاهن تحاكم إليه رجل من المنافقين، ورجل من اليهود هذا قول ~~الشعبي، وقتادة. وقال السدي اسمه أبو بردة. # الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك: إنه كعب ابن الاشرف ~~رجل من اليهود، فاختار المنافق التحاكم إلى الطاغوت، وهو رجل يهودي. ~~وقيل: كعب بن الاشراف، لأنه يقبل الرشوة، واختار اليهودي التحاكم إلى ~~محمد نبينا (صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يقبل الرشوة. ومعنى الطاغوت ذو ~~الطغيان - على جهة المبالغة في الصفة - فكل من يعبد من دون الله فهو ~~طاغوت، وقد تسمى به الأوثان كما تسمى بأنها رجس من عمل الشيطان، ويوصف به ~~كل من طغى، بأن حكم بخلاف حكم الله تعالى غير راض بحكمه تعالى. وروي عن ~~أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن الآية في كل من يتحاكم إلى من يحكم بخلاف ~~الحق، و (زعم)، يحتاج إلى اسم، وخبر، { وإنهم } في الآية نائب عن الاسم، ~~والخبر، لأنها على معنى الجملة، ومخرج المفرد، وليس بمنزلة ظننت ذلك، ~~لأنه على معنى المفرد ومخرج المفرد، لأن قولك: زعمت أنه قائم يفيد ما ~~يفيد هو قائم، وكذلك ظننت ذاك، لأنه يدل دلالة الاشارة إلى ما تقدر علمه ~~عند المخاطب. # وقوله: { ويريد الشيطان أن يضلهم ms0950 ضلالا بعيدا } يدل على بطلان قول ~~المجبرة: إن الله تعالى يفعل المعاصي ويريدها، لأن الله تعالى نسب ~~إضلالهم إلى أنه بارادة الشيطان على وجه الذم لهم، فلو أراد تعالى أن ~~يضلهم بخلق الضلال فيهم، لكان ذلك أوكد وجوه الذم في إضلالهم. # وأصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لأنه ضد الهدى ~~الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع إلى ~~هذه النكتة ذكرناه فيما مضى. وأضله الله معناه: سماه الله ضالا أو حكم ~~عليه به، كما يقال أكفره بمعنى سماه بالكفر، ولا يجوز أن يقال أكفره الله ~~بمعنى أنه دعاه إلى الكفر، لأنه منزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. ### || [4.61] # قال ابن جريج: الداعي إلى حكم الرسول هو المسلم الذي يدعو المنافق إلى ~~حكم الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقال قتادة: هو يهودي دعا المنافق إلى ~~حكم الرسول، لعلمه أنه لا يجوز في الحكم " وتعالوا " أصله من العلو وهو ~~تفاعلوا، منه كقولك: توافقوا، فاذا قلت لغيرك: تعال، فمعناه ارتفع علي - ~~وان كان في اتخفاض من الارض - لأنه جعله كالرفيع بكونه فيه، ويجوز أن ~~يكون أصله للمكان العالي حتى صار لكل مكان. وقوله: { يصدون عنك صدودا } ~~قيل في سبب صد المنافقين عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قولان: # أحدهما - لعلمهم بأنه لا يأخذ الرشا على الحكم وأنه يحكم بمر الحق. # والثاني - لعداوتهم للدين. # وصددت الأصل فيه ألا يتعدى، لأنك تقول: صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت ~~عنه، ويجوز صددت فلانا عن فلان - بالتعدي - لأنه دخله معنى منعته عنه. ~~ومثله رجعت أنا ورجعت غيري، لأنه دخله معنى رددته، فلذلك جاز رجعته، " ~~وصدودا " نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله: # وكلم الله موسى تكليما # ومعنى ذلك أنه ليس ذلك على بيان كالكلام بل كلمه في الحقيقة. وقيل في ~~معنى { تكليما } أنه كلمه تكليما شريفا عظيما ويمكن مثله في الآية. ~~ولا يكون تقديره رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا عظيما. ### || [4.62] # الاعراب: # قيل في موضع ms0951 كيف من الاعراب قولان: # أحدهما - انه رفع بتقدير: فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم، كأنه قال الاساءة صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الاحسان بالتوبة من ~~جرمهم. # والثاني - انه نصب وتقديره: كيف يكونون أمصرين أم تائبين يكونون؟ ويجوز ~~الرفع على معنى كيف بك. كأنه قال أصلاح أم فساد؟ # المعنى: # وقيل في معنى المصيبة في الآية قولان: # أحدهما - ذكره الزجاج: ان بعض المنافقين أظهر أنه لا يرضى بحكم رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم)، فقتله عمر، ثم جاء إخوانه من المنافقين ~~يطالبون بدمه { يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } كذبا ~~وزورا. # الثاني - ان أصابتهم نقمة من الله لم ينيبوا تائبين من المعصية بل ~~يزدادون جرأة بحلفهم كاذبين بالله عز وجل. وقال الحسين بن علي المغربي: ~~الآية نزلت في عبد الله بن أبي وما أصابه من الذل عند مرجعهم من غزوة بني ~~المصطلق هي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع ~~والاعتذار، وذلك مذكور في تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الاقالة والاستغفار واستوهبه ~~ثوبه، ليتقي به النار يقولون: ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أي بكلامه ~~بين الفريقين المتازعين في غزوة بني المصطلق. وقوله: { فأعرض عنهم } ~~يأسا منهم { وعظهم } ايجابا للحجة عليهم { وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا } فيه دلالة على فضل البلاغة وحث على اعتمادها. وقوله: { إن أردنا ~~إلا إحسانا أردنا وتوفيقا } معناه قيل فيه قولان: # أحدهما - أي ما اردنا بالمطالبة بدم صاحبنا إلا احسانا إلينا، وما وافق ~~الحق في أمرنا. # الثاني - ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة توفيقا بين الخصوم، واحسانا ~~بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. كل ذلك كذب منهم وافك. # ان قيل كيف يقتضي الانتقام منهم الاعتذار لما سلف من جرمهم؟ قلنا: عنه ~~جوابان: # أحدهما - للتقريع بتعجيل العقاب على ما ارتكبوا من الاثام. # الثاني - ان الانتقام قد يكون اقصاء النبي (صلى الله عليه وسلم) واذلاله ~~إياهم، وتخويفه بالنفي أو القتل ان لم ms0952 ينتهوا عن قبائحهم - هذا قول ~~الجبائي - والحلف: القسم. ومنه الحلف، لتحالفهم فيه على الامر. وحليف ~~الجود ونحوه، لأنه كالحلف في اللزوم، أو حلف الغلام إذا قارب البلوغ. ### || [4.63] # المعنى: # { أولئك } اشارة إلى المنافقين الذين تقدم وصفهم، وإنما قال: يعلم ما في ~~قلوبهم وإن كان معلوما ذلك بدلالة العقل لأمرين: # أحدهما - تأكيدا لما علمناه. # والثاني - انه يفيد أنه لا يغني عنهم كتمان ما يضمرونه شيئا من العقاب، ~~لأن الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق. وكذلك كل ما ذكره الله مما هو ~~معلوم عند المخاطب. إنما الفائدة في مقارنته بما ليس بمعلوم على جهة ~~الاحتجاج به، أو غيره من الوجوه. وقوله: { فأعرض عنهم وعظهم } جمع بين ~~معنى الاعراض والاقبال. وقيل في معناه ثلاثة أوجه: # أحدها - فاعرض عنهم بعداوتك لهم، وعظهم. # الثاني - فاعرض عن عقابهم وعظهم. # الثالث - قال الجبائي: أعرض عن قبول الاعتذار منهم. وقوله: { وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا } قال الحسن: القول البليغ الذي أمر به في الآية أن ~~يقول: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فهذا يبلغ من نفوسهم كل مبلغ. وقال ~~الجبائي: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه. ويجوز ~~أن يكون المراد ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر. # اللغة: # وأصل البلاغة البلوغ، تقول: بلغ الرجل بالقول بليغ بلاغة، فهو بليغ: إذا ~~كان بعبارته يبلغ كثير ما في قلبه. ويقال: أحمق بليغ، وبلغ ومعناه. أنه ~~أحمق يبلغ حيث يريد. وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة. وفي الآية دلالة على ~~فضل البلاغة، وأنها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي ~~يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب. ### || [4.64] # المعنى: # " ما " في قوله: { وما أرسلنا } نافية فلذلك قال: { من رسول } ، لأن ~~(من) لا تزاد في الايجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني ~~من أحد. والتقدير في الآية: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع، فيمتثل ما نأمره ~~به. والذي اقتضى ذكر طاعة الرسول إعراض هؤلاء المنافقين - الذين تحاكموا ~~إلى الطاغوت - عن طاعته، وهم يزعمون ms0953 أنهم يؤمنون به حتى كأنه قد قيل لهم: ~~من الايمان أن لا تطيعوه في كل ما يدعو إليه، فبين الله تعالى أنه كغيره ~~من الرسل الذي ما أرسل إلا ليطاع. وقوله: { بإذن الله } معناه بأمر الله ~~الذي دل على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه: يكون بمعنى اللطف، كقوله: # وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله # ومنها الأمر مثل هذه الآية. ومنها التخلية نحو # وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله # وقوله: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم } معناه إذ بخسوها حقها بادخال الضرر ~~عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة. # الاعراب والمعنى: # وموضع { أنهم } رفع. والمعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم { ~~لوجدو الله توابا رحيما } و (لو) موضوعة للفعل، لما فيها من معنى ~~الجزاء تقول: لو كان كذا، لكان كذا. ولا يقع بعدها إلا (أن). وإنما اجيز ~~في (أن) خاصة أن تقع بعدها، لأنها كالفعل في إفادة معنى الجملة. وفتحت ~~(ان) لأنها مبنية على (لو) بترتيبها على نحو ترتيبها بعد العامل فيها. ~~وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: من أن الله تعالى يريد أن يعصي ~~الانبياء قوم ويطيعهم آخرون، لأنه تعالى بين أنه ما أرسلهم إلا ليطاعوا، ~~واللام لام الغرض ومعناه إلا وأراد من المبعوث إليهم أن يطيعوا. وذلك ~~خلاف مذهبهم. وفيها أيضا دلالة على أن من كان مرتكبا لكبيرة يجب أن ~~يستغفر الله فان الله سيتوب عليه ويقبل توبته، ولا ينبغي لأحد أن يستغفر ~~مع كونه مصرا على المعصية بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعل ويعزم على ~~أن لا يعود إلى مثله ثم يستغفر باللسان ليتوب الله عليه. وقوله: { لوجدوا ~~الله } يحتمل أمرين: # أحدهما - لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم ورحمته إياهم. # والثاني - لعلموا الله توابا رحيما. والوجدان قد يكون بمعنى الادراك، ~~فلا يجوز عليه تعالى أنه تعالى غير مدرك في نفسه. وذكر الحسن في هذه ~~الآية: أن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق ~~وائتمروا به ms0954 فيما بينهم، فاخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، ~~فقال رسول الله: # " إن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا ~~به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع ~~لهم ". # فلم يقم أحد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): # " ألا تقومون؟ مرارا -. ثم قال: قم يا فلان وأنت يا فلان " # ، فقالوا يا رسول الله نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا. قال # " الآن أنا كنت في إول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع ~~إلى الاجابة أخرجوا عني " # ، فأخرجوا عنه حتى لم يرهم. ### || [4.65] # قيل في معنى دخول (لا) في أول الكلام قولان: # أحدهما - أنها رد لكلام. كأنه قيل لا الامر كما يزعمون من الايمان وهم ~~على تلك الحال من الخلاف، ثم استؤنف قوله: { وربك لا يؤمنون حتى.. }. # الثاني - انها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول ~~الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي له صدر الكلام. وقد اقتضى القسم ~~أن يذكر في الجواب. # النزول: # وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - أنها نزلت في الزبير ورجل من الانصار تخاصما إلى النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) في سراح من الحرة كانا يسقيان منه نخلا لهما، فقال النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) # " اسق يا زبير ثم ارسل إلى جارك " # ، فغضب الانصاري، وقال: يا رسول الله ان كان ابن عمتك؟! فتلون وجه رسول ~~الله حتى عرف ان قد ساءه، ثم قال # " يا زبير احبس الماء إلى الجدد أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماء " # ، فنزلت الآية. وقال أبو جعفر (ع) كانت الخصوصة بين الزبير، وحاطب بن ~~أبي بلتعة روي ذلك عن الزبير وأم سلمة. وذهب إليه عمر بن شبه، والواقدي. ~~وقال قوم وهو اختيار الطبري: إنها نزلت في المنافق واليهودي اللذين ~~احتكما إلى الطاغوت. قال: لأن سياق الكلام بهذا أشبه. # اللغة والمعنى: # وقوله: { فيما شجر بينهم } معناه فيما وقع بينهم من الاختلاف. تقول شجر ~~يشجر شجرا وشجورا وشاجره ms0955 في الأمر: إذا نازعه فيه مشاجرة، وشجارا ~~وتشاجروا فيه: تشاحوا. وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر ~~بالتفافه. وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لأنه إذا وجب الرضى ~~بفعل النبي (صلى الله عليه وسلم) فالرضا بفعل الله تعالى أولى، ولو كان ~~خلق الكفر والمعاصي لوجب على الخلق الرضا به. وذلك خلاف الاجماع. وقيل في ~~معنى الحرج قولان: # أحدهما - قال مجاهد هو الشك. وقال الضحاك: الاثم. وأصل الحرج الضيق ~~فكأنه قال ضيق شك أو اثم وكلاهما يضيق الصدر. ومعنى الآية أن هؤلاء ~~المنافقين لا يؤمنون حتى يحكموا النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما وقع ~~بينهم من الاختلاف، ثم لا يجدوا حرجا مما قضى به أي لا تضيق صدورهم به، ~~ويسلموا لما يحكم به لا يعارضونه بشيء فحينئذ يكونون مؤمنين. و { تسليما ~~} مصدر مؤكد والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا كأنك قلت: سلمت ~~تسليما ومن حق التوكيد أن يكون محققا لما تذكره في صدر كلامك، فاذا ~~قلت: ضربت ضربا، فمعناه أحدثت ضربا احقه حقا ولا أشك فيه. ومثله في ~~الآية انهم يسلمون من غير شك يدخلهم فيه. وقال أبو جعفر (ع): لما حكم ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) للزبير على خصمه، لوى شدقه وقال لمن سأله عمن ~~حكم له، فقال: لمن يقضي؟ لابن عمته. فتعجب اليهودي وقال: إنا آمنا بموسى ~~فأذنبنا ذنبا فأمرنا الله تعالى بأن نقتل أنفسنا، فقتلناها فأجلت عن ~~سبعين ألف قتيل. وهؤلاء يقرون بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ويطؤون عقبه ~~ولا يرضون بقضيته، فقال ثابت بن الشماس لو أمرني الله أن أقتل نفسي ~~لقتلتها فأنزل الله { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم.. } إلى ~~قوله: { إلا قليل منهم } يعني ابن الشماس ذكره السدي. ### || [4.66] # القراءة، والحجة: # قرأ ابن عامر وحده { إلا قليلا } بالنصب، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. ~~الباقون بالرفع. وقيل: إن النصب قراءة أبي، فمن رفع فعلى البدل من المضمر ~~كأنه قال: ما فعله إلا قليل منهم. وهذا يجوز في النفي دون الاثبات، لأنه ms0956 ~~لا يجوز أن يقول فعله إلا قليل منهم، لأن الفعل ليس للقليل في الاثبات ~~كما هو لهم في النفي. وقال الكسائي: ارتفع بالتكرار. والمعنى ما فعلوه ما ~~فعله إلا قليل. ومن نصب فانه قال: الاستثناء بعد تمام الكلام، لأن قوله: ~~{ ما فعلوه } كلام تام كما أن قولك فعل القوم كلام تام. فاستثنى بعده، ~~ولم يجعل ما بعد إلا عليه الاعتماد. والوجه الرفع، لأن الفعل لهم. فهو ~~أدل على المعنى. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي { إن اقتلوا } ~~بضم النون وبضم الواوفي قوله: { أو اخرجوا } وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما ~~وكسر النون. وضم الواو أبو عمرو. فمن ضمهما فلان الثالث مضموم أنبع ~~الضمة. ومن كسرهما فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين. وأبو عمرو ضم الواو ~~تشبيها بواو # اشتروا الضلالة # ولا تنسوا الفضل بينكم # المعنى: # ومعنى قوله: { ولو أنا كتبنا عليهم } أي لو أنا ألزمناهم وأوجبنا عليهم ~~{ أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } أي لو كتبنا عليهم ذلك - كما ~~أوجبنا على قوم موسى وقتلوا أنفسهم وأخرجهم إلى التيه - ما فعله هؤلاء ~~للمشقة التي فيه مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه، لما لهم فيه من الحظ، لأنا ~~لم نكن لنأمرهم به إلا لما تقتضيه الحكمة، وما فيه من المصلحة مع تسهيلنا ~~تكليفهم وتيسيرنا عليهم، فما يقعدهم عنه مع تكامل أسباب الخير فيه وسهولة ~~طريقه؟ ولو فعلوا ما يوعظون به أي ما يؤمرون به، لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - ان البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة لما يعتري فيها من الحيرة ~~واضطراب النفس الذي يتميز من حال المعرفة بسكون النفس إليه. # الثاني - ان اتباع الحق أثبت منفعة لأن الانتفاع بالباطل يضمحل بما يعقب ~~من المضرة وعظيم الحسرة. فالاول لأجل البصيرة. والثاني لأجل دوام ~~المنفعة. وقال البلخي معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما ~~فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما ~~فعلوه. فاذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به ms0957 مما هو أسهل عليهم ~~منه، فان ذلك خير لهم وأشد تثبيتا لهم على الايمان. وفي الدعاء اللهم ~~ثبتنا على ملة رسولك. ومعناه اللهم الطف لنا ما نثبت معه على التمسك ~~بطاعة رسولك والمقام على ملته. ### || [4.67-68] # قيل: ان " إذا " دخلت ها هنا لتدل على معنى الجزاء، كأنه قال ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما جزاء على فعلهم ~~[ومعنى] " إذا " جواب وجزاء وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة وإنما تعمل ~~متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذا أظنك خارجا. وتلغى ~~اذا عن العمل من بين أخواتها لأنها تشبه أظن في الاستدراك بها تقول: زيد ~~في الدار أظن فتستدرك بها بعد ما مضى صدر الكلام على اليقين. وكذلك يقول ~~القائل: أنا أجيئك فتقول: وأنا أكرمك اذن. أردت أن تقول: وأنا أكرمك ثم ~~استدركته باذن. ولدن مبنية ولم تبن عند، لأنها أشد إبهاما إذا كانت تقع ~~في الجواب نحو أين زيد، فتقول: عند عمرو، فلا يقع لدن هذا الموقع، فجرت ~~لشدة الابهام مجرى الحروف. ومعنى { لدنا } ها هنا من عندنا. وإنما ذكر { ~~من لدنا } تأكيدا للاختصاص، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه قد ~~يؤتي بما يجريه على يد غيره. وقد يؤتي بما يختص بفعله. وذلك أشرف له ~~وأعظم في النعمة ولأنه متحف بما لا يقدر عليه غيره. وقوله: { ولهديناهم } ~~معناه ولفعلنا من اللطف بهم ما يثبتون معه على الطاعة، ولزوم الاستقامة ~~وإنما لم يفعل بهم هذا اللطف مع الحال التي هم عليها، لأنه يخرجهم من ~~معنى اللطف حتى يصيروا بمنزلة من لا لطف له على وجه. ومثله { اهدنا ~~الصراط المستقيم } أي ثبتنا بلطفك على الصراط المستقيم. وقال أبو علي: ~~معناه الأخذ بهم على طريق الجنة في الآخرة. قال: ولا يجوز أن يكون المراد ~~بالهداية ها هنا الارشاد إلى الدين لأنه تعالى وعد بهذا من يكون مؤمنا ~~مطيعا. ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى، فان قيل: لم جاز أن يمنعوا اللطف ~~لسوء فعلهم. ولم يجز ms0958 أن يمنعوا لسوء فعل غيرهم إذ قد صاروا بمنزلة من لا ~~لطف لهم؟ قلنا: لأنهم يؤتون في معاصيهم من قبل أنفسهم ولا يجوز أن يؤتوا ~~فيها من قبل غيرهم ولو جاز ذلك لجاز أن يقتطعوا عن التوبة بالقتل فيكونوا ~~قد أوتوا في معاصيهم من قبل المتقطع لهم وتكون التخلية فيه بمنزلة ~~الاماتة. والواجب في هذا ان يمنع غير هذا المكلف من سوء الفعل الذي فيه ~~ارتفاع اللطف. فان كان لطف هذا المكلف متعلقا بفعل غيره، وقد علم انه لا ~~يفعله، لم يحسن تكليف هذا المكلف لأنه ان منع هذا من الايمان، فسد، وان ~~ترك وسوء الفعل فسد. واللام في قوله: { ولهديناهم صراطا مستقيما } لام ~~الجواب التي تقع في جواب (لو) كما تقع في جواب القسم. كما قال امرؤ ~~القيس: # حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما ان من حديث ولا صال # والفرق بين لام الجواب ولام الابتداء ان لام الابتداء لا تدخل إلا على ~~الاسم المبتدأ إلا في باب (ان) خاصة فانها تدخل على الفعل لمضارعته ~~الاسم. يبين ذلك قولك: قد علمت ان زيدا ليقوم. وقد علمت ان زيدا ليقومن ~~فتكسر (ان) الأولى وتفتح الثانية. # وقوله: { صراطا } نصب على أنه مفعول ثان، لأنه في معنى مفعول كسوته ~~ثوبا، أي فاكتسى ثوبا. فكذلك ولهديناهم فاهتدوا صراطا. ### || [4.69-70] # المعنى واللغة والنزول: # لما جرى ذكر الطاعة فيما تقدم والحض عليها اقتضى ذكر طاعة الله، وطاعة ~~الرسول، والوعد عليها. وقيل: إنه وعد بامر مخصوص على الطاعة من مرافقة ~~النبيين ومن ذكر معهم وهو أعم فائدة. ومعنى قوله: { فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين } انه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم، والحضور ~~معهم. فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين انه لا يراهم. # وقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والربيع، والسدي، وعامر: إن ~~سبب نزول هذه الآية ان بعض الناس توهم ذلك، فحزن له، وسأل النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) عن ذلك، فانزل الله الآية. # وقيل في معنى الصديق قولان: # أحدهما ms0959 - المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق. # الثاني - ان الصديق هو المتصدق بما يخلص له من عمل البر. والاول أظهر. ~~والشهداء جمع شهيد. وهو المقتول في سبيل الله. وفي تسميته شهيدا قولان: # أحدهما - لأنه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله. # والآخر - انه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله. وليست ~~الشهادة هي القتل، لأنها معصية، ولكنها حال المقتول في اخلاص القيام ~~بالحق لله مقرا به، وداعيا إليه. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره ~~الله به من قتال عدوه والانقياد له. فأما الصبر على الألم بترك الأنين ~~فليس بممنوع، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله. وقال الجبائي: ~~الشهداء جمع شهيد. وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة. فهم عدول ~~الآخرة. وهذا على مذهبه بعيد، لأن أهل الجنة كلهم عدول عنده، لأن من ليس ~~بعدل لا يدخل الجنة. والله تعالى وعد من يطيعه ويطيع رسوله بأنه يحشره مع ~~هؤلاء. فينبغي أن يكونوا غير الموعود لهم. وإلا يصير تقديره إنهم مع ~~نفوسهم. # والصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله. والمصلح المقوم لعمل يحسنه. ويقال: ~~الله يصلح في تدبير عباده. بمعنى أنه يحسن تدبير عباده. ولا يوصف بانه ~~صالح. # الاعراب # وقوله: { وحسن أولئك رفيقا } نصب على التمييز. ولذلك لا يجمع. وهو في ~~موضع رفقاء وقيل إنه لم يجمع، لأن المعنى، حسن كل واحد منهم رفيقا كما ~~قال: # يخرجكم طفلا # وقال الشاعر: # نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا # باسهم أعداء وهن صديق # ومن قال: { رفيقا } نصب على التمييز، قال: لأنه قد سمع حسن أولئك من ~~رفقاء، وكرم زيد من رجل. وقال قوم: هو نصب على الحال، فانه قد تدخل (من) ~~في مثله. فاذا سقطت (من) فالحال هو الاختيار، لأنه من أسماء الصفات ~~كأسماء الاجناس. ويكون التوحيد لما دخله من معنى حسن كل واحد منهم ~~مرافقا. # ونظيره: لله درهم فارسا، أي حال الفروسية. # اللغة: # والرفيق: مشتق من الرفق في العمل. وهو الارتفاق فيه. ومنه الترفق في ~~السير، ونحوه. ومنه ms0960 المرافقة. والمرفق من اليد - بكسر الميم - لأنه يرتفق ~~به. ويقال أيضا في العمل نحو قوله: # ويهيئ لكم من أمركم مرفقا # أي رفقا يصلح به أمركم. والمرفق: - بفتح الميم - من مرافق الدار. ~~والرفقة: الجماعة في السفر، لارتفاق بعضهم ببعض. وقوله: { ذلك الفضل } ~~اشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين، والصديقين. والتقدير ذلك هو الفضل ~~من الله. وهو وإن كان مستحقا، فلم يخرج من أن يكون تفضلا، لأن سببه الذي ~~هو التكليف، تفضل. والفضل: هو الزائد على المقدار إلا أنه قد كثر على ما ~~زاد من الانتفاع. وكل ما يفعله تعالى فهو فضل، وتفضل، وافضال، لأنه زائد ~~على مقدار الاستحقاق الذي يجري على طريق المساواة. وقوله: { وكفى بالله ~~عليما } انما ذكر، ليعلم انه لا يضيع عنده شيء من جزاء الاعمال. من حيث ~~كان تعالى: عالما به، وبما يستحق عليه. وتقديره، وكفى بالله عليما بكنه ~~الجزاء على حقه، وتوفير الحظ فيه. ودخلت الباء في اسم الله زائدة ~~للتوكيد. والمعنى كفى الله. ووجه التأكيد أن اتصال الاسم بالفعل من جهة ~~بنائه عليه وجه من وجوه الاتصال واتصاله بالباء وجه آخر من وجوه الاتصال، ~~فاذا اجتمعا كان أوكد. ووجه آخر هو أن معناه اكتفى العباد بالله. ووجه ~~ثالث وهو أنه توطئة لباب سير بزيد وأكرم بزيد من جهة أن موضعه رفع، وفيه ~~حرف من حروف الجر. والكفاية مقدار مقاوم للحاجة. ولا يخلو المقدار من أن ~~يكون فاضلا أو مقصرا أو كافيا، فهذه الأقسام الثلاثة متقابلة. ### || [4.71] # المعنى واللغة: # هذا خطاب للمؤمنين الذين صدقوا بالله، وبرسوله. ومعناه أيقنوا بالله، ~~ورسوله. أمرهم الله أن يأخذوا حذرهم. وقيل في معناه: قولان: # أحدهما - قال أبو جعفر (ع) وغيره: خذوا سلاحكم، فسمي السلاح حذرا لأن ~~به يقى الحذر. # الثاني - احذروا عدوكم باخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك. بمعنى ~~احذر. والحذر والحذر لغتان. مثل الاذن والاذن. والمثل المثل. ثم أمرهم ~~بان ينفروا. والنفور: الفزع نفر ينفر نفورا: إذا فزع. ونفر إليه: إذا ~~فزع من أمر إليه. والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم. ms0961 ومنه النفر: جماعة تفزع ~~إلى مثلها. والنفير إلى قتال العدو. ونفر الحاج يوم الثاني والثالث من ~~التشريق، لأنهم يفزعون إلى الاجتماع للرجوع إلى الاوطان. والمنافرة: ~~المحاكمة للفزع إليها فيما يختلف فيه وقيل: إنما كانت، لأنهم يسألون ~~الحاكم أينا أعز نفرا. ونفره تنفيرا. ونافره منافرة. وتنافروا تنافرا. ~~واستنفره استنفارا. وقوله: { ثبات } قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، ~~وقتادة، والسدي: إن معناه انفروا فرقة بعد فرقة، أو فرقة في جهة وفرقة في ~~جهة. أو انفروا جميعا من غير تفرق بالاوقات، والجهات. والثبات جمع ثبة ~~وهي جماعات في تفرقة أي يأتون متفرقين. وقال أبو جعفر: الثبات: السرايا ~~والجميع العسكر. قال أبو ذؤيب: # فلما اجتلاها بالايام تحيرت # ثبات عليها ذلها واكتئابها # يصف العاسل، وتدخينه على النحل. والايام - بكسر الهمزة على وزن لجام - ~~الدخان ويجمع ثبة على ثبتين، أيضا. قال زهير: # وقد اغدوا على ثبة كرام # نشاوى واجدين لما نشاء # وانما جاز أن يجع ثبة ثبون - وان كان هذا الجمع يختص ما يعقل - للعوض من ~~النقص الذي لحقه، لأن أصله ثبوة. ومثله عضين وسنين وعرين. فان صغرت قلت ~~ثبيات وسنيات، لأن النقص قد زال. وقيل: ان الثبة عصبة منفردة من (عصب). ~~وتقول ثبيت على الرجل اثبي تثبية: إذا اثنيت عليه. وذكرت محاسنه في حال ~~حياته. وتصغير ثبة ثبية. فأما ثبة الحوض، فهي وسطه. الذي يثوب إليه ~~الماء. وهي من ثاب يثوب، لأن تصغيرها ثويبة. [وقوله: { أو انفروا جميعا ~~} وقد مضى معناه]. ### || [4.72] # قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد: نزلت هذه الآية في ~~المنافقين الذين كانوا يثبطون الناس عن الجهاد. فاذا أصابتهم مصيبة فيه، ~~من قتل أو هزيمة، قالوا قول الشامت بهم في تلك الحال: قد أنعم الله علينا ~~إذ لم نكن معهم شهداء أي حضورا. وقال أبو جعفر (ع): من يتمنى التأخر عن ~~جماعة المسلمين، لا يكون إلا كافرا. فقوله: { وإن منكم لمن ليبطئن } ~~خطاب للمؤمنين. وانما أضاف المنافقين إليهم لأمرين: # أحدهما - ان من عدادكم ودخلائكم. # الثاني - أي منكم في الحال الظاهرة، أو حكم ms0962 الشريعة من حقن الدم، ونحو ~~ذلك من الموارثة، والمناكحة. واللام الاولى لام الابتداء بدلالة دخولها ~~على الاسم، والثانية لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد. ~~وتقديره إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن. وانما جاز صلة " من " بالقسم، ولم ~~يجز بالامر والنهي لأن القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في ~~قولك: مررت برجل لتكرمنه، لأنه خصصه بوقوع الاكرام به في المستقبل من كل ~~رجل غيره. وليس كذلك الامر في قولك: مررت برجل أضربه، لأنه لا يتخصص ~~بالضرب في الامر كما، تخصص في الخبر. قال: الفراء تدخل اللام في النكرات ~~وفي من وما والذى. فاذا جئت بالمعرفة الموقتة، لم يجز ادخال اللام فيها. ~~لا تقول إن عبد الله ليقومن وان زيدا ليذهبن، لأن زيدا، وعبد الله، لا ~~يحتاجان إلى صلة، والابطاء: اطالة مدة العمل لقلة الانبعاث. وضده ~~الاسراع. وهو قصر مدة العمل، للتدبير فيه. والاناة: اطالة الاحكام الذي ~~لا سبيل إليه إلا بالتثبت فيه. وضدها العجلة وهي قصر المدة من غير إحكام ~~الصنعة تقول: بطؤ في مشيه يبطؤ بطاء: إذا ثقل وتباطأ تباطيا وبطأ تبطيا ~~واستبطأ استبطاء وأبطأ إبطاء: إذا تأخر. ### || [4.73] # المعني بهذه الآية المنافقون الذين وصفهم الله بانهم يفرحون بتأخرهم عن ~~المؤمنين إذا اصيبوا، وانهزموا. فاخبر عنهم انه إذا أصاب المؤمنين فضل من ~~الله بان يظفروا أو يقهروا العدو، بانهم يتمنون الكون معهم، فيفوزوا ~~فوزا عظيما. وانما ذمهم الله بهذا التمني لأحد أمرين: # أحدهما - لانهم قالوه على وجه ايثار الغنيمة لا على حال المثوبة من جهة ~~الله لشكهم في الجزاء من الله. # الثاني - قال قتادة وابن جريج انهم قالوا: ذلك على جهة الحسد للمؤمنين. ~~والاصابة. ملامسة المرمي لما وقعت به الرمية. فاذا قيل: أصاب - مطلقا - ~~فمعناه أصاب الغرض. ويجوز أن ينفى فيقال: لم يصب. يعني الغرض، وان أصاب ~~غيره. وقوله: { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - انه اعتراض بين القول، والتمني، ولا يكون له موضع من الاعراب. ~~وتقديره ليقولن: يا ليتني كنت ms0963 معهم، فأفوز فوزا عظيما. كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة. # الثاني - أن يكون اعتراضا وموضعه التقديم. وتقديره فان أصابتكم مصيبة، ~~قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا كأن لم يكن بينكم، وبينه ~~مودة. واختار هذا الوجه أبو علي النحوي. # الثالث - أن يكون في موضعه على موضع الحال. كما تقول: مررت بزيد كأن لم ~~يكن بينك وبينه معرفة فضلا عن مودة. والزجاج أجاز الوجوه الثلاثة. # المعنى: # وفي معنى الآية قولان: # أحدهما - قال الجبائي: المعنى ليقولن لهؤلاء الذين أقعدهم عن الجهاد، ~~كأن لم يكن بينكم وبينه أي وبين محمد (صلى الله عليه وسلم) مودة، فيخرجكم ~~لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # الثاني - انه يقول قول الممنوع بالعداوة. وانما أنى من جهله بتلك الحال. ~~وهو الاظهر. والمعنى كأنه لم يعاقدكم على الايمان ولم يظهر لكم مودة على ~~حال يخاطبون بذلك من اقعدوه عن الخروج، ثم يقول من قبل نفسه: يا ليتني ~~كنت معهم. وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى ليس يتمنون الكون معهم في ~~الخبر، والشر، كأهل المودات، وانما يتمنون ذلك عند الغنيمة كالبعداء ~~يذمهم بسوء العهد مع سوء الدين. # وانما نصب جواب التمني بالفاء، لأنه مصروف عن العطف محمول على تأويل ~~المصدر. وتقديره يا ليتني كان لي حضور، معهم ففوز. ولو كان على العطف، ~~لكان يا ليتني كنت معهم ففزت. وقرأ أبو جعفر المدني، وحفص، ورويس، ~~والبرجمي: { كأن لم تكن } - بالتاء - لأن لفظة المودة مؤنثة. ومن قرأ ~~بالياء، فلان التأنيث ليس بحقيقي، ومع ذلك قد وقع فصل بين الفعل، ~~والفاعل. ### || [4.74] # لما أخبر الله تعالى في الآية الاولى ان قوما من المنافقين يثبطون ~~المؤمنين عن جهاد العدو والقتال في سبيل الله، حث في هذه الآية على ~~الجهاد، بأن قال: لا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله ~~بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الأجر وأكبر الحظ. وقال الزجاج: ~~فليكن من الذين يقاتلون في سبيل الله أو عمن كان بينه وبينكم عقد مودة. ms0964 ~~ومعنى { يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة. ~~وبيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، ~~وأموالهم في سبيل الله، وبتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله. # يقال: شريت بمعنى بعت. واشتريت: ابتعت. ويشرون: يبيعون - في قول الحسن، ~~والسدي، وابن زيد، وجميع أهل اللغة -. قال يزيد بن مفرغ: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامة # وبرد اسم غلامه. وشريته بمعنى بعته. وفي الآية حذف. والتقدير يشرون ~~الحياة الدنيا بالحياة الآخرة. كأنه قال: يبيعون الحياة الفانية بالحياة ~~الباقية. ويجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة، ثم قال: { ومن يقاتل ~~في سبيل الله فيقتل أو يغلب }. # فالوعد على القتال، لا على القتل، والغلبة. وقوله: { فيقتل } عطف على ~~يقاتل. ولذلك جزمه والجواب قوله: { فسوف نؤتيه } وإنما قال: أو يغلب، لأن ~~الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال، لأنه أعظم الجهاد. وعليه أعظم ~~الأجر. # والاجر العظيم هو أعلى أثمان العمل. وذلك أن ثمن العمل على ثلاثة أوجه. ~~ثمن أعلى، وثمن أدنى، وثمن أوسط بينهما فالله تعالى يثامن عليه بالثمن ~~الاعظم الاعلى، فلذلك حسن وصف الاجر بالعظم من غير تقييد له، إذ كان لا ~~ثمن أعظم مما يثامن الله عليه في ذلك العمل. ### || [4.75] # المعنى والاعراب: # معنى قوله: { وما لكم } أي شيء لكم. و { لا تقاتلون } في موضع الحال ~~كأنه قال: أي شيء لكم تاركين، أي في حال القتال مع هذه الامور التي تقتضي ~~الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم ألا تقاتلوا في سبيل الله، ومثله قوله: # فما لهم عن التذكرة معرضين # وقوله: { والمستضعفين } خفض بالعطف على ما عملت فيه (في) وتقديره في ~~المستضعفين. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - وعن المستضعفين، فوقع (في) موقع (عن) فاذا ذكرت (عن) فلصرف ~~الأذى عنهم إذ كانت لما عدا الشيء وإذا ذكرت (في) فلأن القتال مضمن بهم، ~~لخلاصهم، إذا كانت في للوعاء. # الثاني - ان يكون على محذوف، وتقديره وفي اعزاز المستضعفين، وقد قال ~~المبرد: هو عطف على اسم الله بتقدير، وسبيل المستضعفين { من الرجاء ~~والنساء ms0965 والوالدان }. # اللغة والمعنى: # والوالدان جمع ولد على مثال خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، مثل ~~ولد وولدان، وهو من ابنية الكثير، والاغلب على بابه فعال نحو جبال وجمال. ~~وقوله: { الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها } قال ابن ~~عباس والحسن وابن أبي نجيح، والسدي ومجاهد وابن زيد: إنها مكة، لأن أهل ~~مكة كانوا قد اجتهدوا أن يفتنوا قوما من المؤمنين عن دينهم، والأذى لهم ~~وكانوا مستضعفين في أيديهم. وقال تعالى { ما لكم } لا تسعون في خلاصهم. ~~وهم يسمون كل مدينة قرية، وإنما جاز أن يجري صفة ظالم على الأول وهو في ~~المعنى للثاني، لأنها قوية في العمل لقربها من الفعل متمكنة من الوصف ~~بأنها تصرف تصرفه في التأنيث والتذكير والتثنية، والجمع، خلاف باب أفعل ~~منك، فلذلك جاز مررت برجل ظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه. ~~والولي القيم بالأمر حتى يستنقذهم من أمر أعدائهم، لأنه يتولى الأمر ~~بنفسه، ولا يكله إلى غيره. وحكى أبو علي ان منهم سلمة بن هشام، والوليد ~~بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل، وانما قال: { يقولون.. ~~الظالم أهلها } وان كان فيهم الولدان لا ينطقون تغليبا للاكثر، كقولك ~~قال أهل البصرة، وإن كان قولا لبعضهم. ### || [4.76] # المعنى: # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين صدقوا بالله، ورسوله يقاتلون في ~~سبيل الله، وفي معنى سبيل الله قولان: # أحدهما - طاعة الله، لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها ~~لاوليائه. # الثاني - قال أبو علي: إنه دين الله الذي شرعه الذي يؤدي إلى ثوابه ~~ورحمته. وتقديره في نصرة دين الله، ثم قال: { والذين كفروا } يعني الذين ~~جحدوا آيات الله الدالة على توحيده، ونبوة نبيه. وقوله: { يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت } قد فسرناه فيما مضى. فقال قوم: هو الشيطان. وقال آخرون: ~~هو ما عبد من دون الله. والأول قول الحسن والشعبي. والثاني حكاه الزجاج. # وقال أبو العالية: هو الكاهن. وهو يؤنث ويذكر قال الله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ms0966 أن يكفروا به # فذكره وقال: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # فانث قال أبو عبيدة هو ها هنا في موضع جماعة، كما قال: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # وكان المراد به الجنس. وقوله: { فقاتلوا أولياء الشيطان } يقوي قول من ~~قال: المراد بالطاغوت الشيطان. وقوله: { إن كيد الشيطان كان ضعيفا } ~~إنما دخلت { كان } ها هنا مؤكدة لتدل على ان الضعف لكيد الشيطان لازم في ~~جميع الاوقات فيما مضى، والحال، والمستقبل. وليس هو عارضا في حال دون ~~حال. # والكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاده يكيده كيدا، ~~فهو كائد له. إذا عمل في ايقاع الضرر به على وجه الحيلة عليه. وانما وصف ~~تعالى كيد الشيطان، بالضعف لامرين: # أحدهما - لضعف نصرته، لاوليائه بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين - ذكره ~~الجبائي - وقال الحسن: أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفا. # الثاني - لضعف دواعي أوليائه إلى القتال بانها من جهة الباطل إذ لا نصير ~~لهم. وانما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة. والمؤمنون يقاتلون بما تدعو ~~إليه الحجة. ### || [4.77] # القراءة، والحجة: # قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون ~~بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ بالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن ~~قرأ بالتاء فعلى المواجهة. # النزول: # وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ~~ناس من الصحابة استأذنوا النبي (صلى الله عليه وسلم) قال ابن عباس: منهم ~~عبد الرحمن ابن عوف. وهم بمكة في قتال المشركين. فلم يأذن لهم: فلما كتب ~~عليهم القتال. وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية. فان ~~قيل: كيف. وز ذلك، والله تعالى يقول: { كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } فامرهم باقامة الصلاة وايتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ ~~قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك والاقوى عندي أن يكون الله قال ذلك ~~على وجه الندب، والاستحباب دون ms0967 الزكاة المقدرة على وجه مخصوص. # الثاني - قال مجاهد: نزلت في اليهود. نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا مثل ~~صنيعهم. # المعنى: # قوله: { ألم تر } معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيبا من ذلك. ولو ~~قال: ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كما ~~يظهر ب (إلى)، لأنها تؤذن بحال بعيدة قد لا ينتهي إليها، لبعدها، لما ~~فيها من العجب الذي يقع بها. وقوله: { الذين قيل لهم كفوا أيديكم } يعني ~~حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة { ~~فلما كتب عليهم القتال } يعني الجهاد { إذا فريق منهم } يعني جماعة { ~~يخشون الناس كخشية الله } قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طبعوا عليه ~~من البشرية والخوف، لا على وجه كراهة المخالفة. وقال أبو علي: هو من صفة ~~المنافقين، لأنهم كانوا كذلك حرصا منهم على الدنيا والبقاء فيها ~~والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من ~~قبل الله. وقوله: { أو أشد خشية } ليس معنى (أو) ها هنا الشك، لأن ذلك لا ~~يجوز عليه تعالى. وقيل في معناها قولان: # أحدهما - أنها دخلت للابهام على المخاطب. والمعنى أنهم على احدى ~~الصفتين. وهذا أصل (أو) وهو معنى واحد على الابهام. # الثاني - على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. ومعناه ~~إن قلت يخشون الناس كخشية الله فأنت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك ~~فأنت مصيب لأنه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة. وقولهم: { لم كتبت ~~علينا القتال } معناه ألزمتنا وأوجبت علينا. # وقوله: { لولا أخرتنا } معناه هلا أخرتنا { إلى أجل قريب } وهو إلى أن ~~نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير ~~لأهل التقى وأعلمهم أن آجالهم لا تخطئهم { ولا يظلمون فتيلا } أي لا ~~يبخسون هذا القدر، وكيف ما زاد عليه. والفتيل: ما تقتله بيدك من الوسخ ثم ~~تلقيه في قول ابن عباس. وقيل: هو ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول ~~في شق النواة. ### || [4.78] # اللغة ms0968 والمعنى: # أعلمهم الله تعالى في هذه الآية أن الآجال لا تخطئهم، ولا تنفعهم الخشية ~~من القتل ولو كانوا في بروج مشيدة، وأينما كانوا من المواضع أدركهم الموت ~~بمعنى أصابهم. " وأينما " كتبت موصولة. وفي قوله: { إن ما توعدون } ~~مفصولة، لأن الأولى زائدة. # والثاني - بمعنى الذي ففصلت هذه كما تفصل الاسماء، ووصلت تلك كما توصل ~~الحروف. وقيل في معنى البروج ثلاثة أقوال: # أحدها - قال مجاهد، وابن جريج: هي القصور. # الثاني - قال السدي، والربيع: هي قصور في السماء، باعيانها. وقال ~~الجبائي: هي البيوت التي تكون فوق الحصون. وأصل البروج الظهور. يقال ~~تبرجت المرأة: إذا أظهرت محاسنها. والبرج - في العين - اتساعها لظهورها ~~بالاتساع. والمشيدة: المزينة بالجص. وهو الشيد. قال الجبائي: معناه ~~المجصصة. وقال الزجاج، وغيره: معناه المطولة في ارتفاع. وقال قوم: ~~المشدد، والمخفف سواء إلا من جهة تكثير الفعل. وقال آخرون: المشيدة ~~بالتشديد - المطولة. والمشيدة بالتخفيف - المطلية بالجص والنورة. والشيد ~~رفع البناء. تقول شاد بناء يشيده شيدا: إذا رفعه. والشيد: الجص، لأنه ~~مما يرفع به البناء. ويجوز أشاد الرجل بناءه. فأما بالذكر فتقول أشاد ~~بذكره لا غير: إذا رفع منه. # وقوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~هذه من عندك } حكاية عن المنافقين، وصفة لهم. في قول الحسن، وأبي علي ~~وأبي القاسم. وقال الزجاج: قيل: هو في صفة اليهود. وبه قال الفراء. وذلك ~~أن اليهود، لما قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة، فكانوا إذا زكت ~~ثمارهم، واخصبوا، قالوا هذا من عند الله، فاذا أجدبوا، وخاست ثمارهم، ~~قالوا هذا لشؤم محمد (صلى الله عليه وسلم). وفي معنى الحسنة، والسيئة ها ~~هنا قولان: # قال ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية: هو السراء والضراء والبؤس. ~~والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب، والجدب. وقال الحسن، وابن زيد: هو ~~النصر، والهزيمة. وقوله: { من عندك } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن زيد: معناه بسوء تدبيرك. # والثاني - قال الجبائي، والبلخي، والزجاج. أي بشؤمك الذي لحقنا كما حكي ~~عن قوم موسى { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن ms0969 معه } فأمر الله تعالى ~~نبيه أن يقول: إن جميع ذلك من عند الله، ثم قال: { فما لهؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا } قال الفراء: (مال) كثرت في الكلام حتى توهموا أن ~~اللام متصلة بما، وانها حرف واحد، ففصلوا اللام بما خفضت في بعض المواضع، ~~ووصلوها في بعض المواضع. والاتصال الوجه. والوقف على اللام، لا يجوز، ~~لأنها لام الخفض. والمعنى أي شيء لهؤلاء القوم، لا يفقهون حديثا، أي لا ~~يفهمون معناه. تقول: فقه الرجل يفقه فقها والاسم الفقيه: وصار بعرف ~~الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين. وفقه الرجل يفقه فقها: ~~إذا صار فقيها. وأفقهته: أفهمته والتفقه: تعلم الفقه وتفاقه: إذا تعاطى ~~ليرى انه فقيه. وليس هو كذلك. ومثله تعالم وقيل: معنى الحديث ها هنا ~~القرآن. وقوله: { لا يكادون } معناه لا يقاربون فيه معنى الحديث الذي هو ~~القرآن، لأنهم بعيدون منه باعراضهم عنه، وكفرهم به ولا يفهمون ان ما ~~ذكرناه من السراء، والضراء، والشدة والرخاء على ما وصفناه. ### || [4.79] # المعنى: # قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد به الامة. كما ~~قال # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # فان المراد به الامة. وقال قوم: المخاطب به الانسان، كأنه قال: ما أصابك ~~أيها الانسان - في قول قتادة، والجبائي -. وقيل في معنى الحسنة والسيئة ~~ها هنا قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، والحسن: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الظفر، ~~والغنيمة. والسيئة ما أصابه يوم أحد من كسر رباعيته (صلى الله عليه ~~وسلم)، والهزيمة. وقال الجبائي: معناهما النعمة، والمصيبة. ويدخل في ~~النعمة نعمة الدنيا، والدين. وفي المصيبة مصائب الدنيا، والدين إلا أن ~~أحدهما من عمل العبد للطاعة، وما جر إليه ذلك العمل. # والآخر - من عمل العبد للمعصية وما جر إليه عمله لها. وهذا يوافق الأول ~~الذي حكيناه عمن تقدم. # والثاني - ان الحسنة، والسيئة: الطاعة، والمعصية - ذكره أبو العالية، ~~وأبو القاسم - ويكون المعنى ان الحسنة التي هي الطاعة باقدار الله، ~~وترغيبه فيها، ولطفه لها. والسيئة بخذلانه على وجه العقوبة له على ~~المعاصي ms0970 المقدمة. وسماه سيئة كما قال: # وجزاء سيئة سيئة مثلها # والتقدير ما أصابك من ثواب حسنة فمن الله، لأنه الذي عرضك للثواب، ~~وأعانك عليها. وما أصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لأنه تعالى نهاك عنها، ~~وزجرك عن فعلها. فلما ارتكبتها كنت الجاني على نفسك. وانما احتاج إلى ~~التقدير، لأن ما أصابك ليس هو ما أصبته. ويجوز أن يكون المراد بالسيئة ما ~~يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لأنه لا يجوز أن يكون ذلك عقابا أو بعض ~~ما يستحقونه. وقوله: { فمن نفسك } معناه فبذنبك في قول الحسن، وقتادة، ~~والسدي، وابن جريج، والضحاك. قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو ~~عقوبة ذنب كبير. ويحتمل أن يكون المراد أو تأديب وقع لأجل تفريط. فان ~~قيل: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولى، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة ~~انها من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك. وقد اثبت مثله ~~في هذه الآية؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - ان ذلك على وجه الحكاية. والتقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، ~~فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك. ويكون (يقولون) محذوفا، لدلالة ~~سياق الكلام عليه. # الثاني - ان معناهما مختلف، فالاول عند أكثر أهل العلم ان المراد به ~~النعمة، والمصيبة من الله تعالى. وفي الآية الثانية المراد به الطاعة، ~~والمعصية. فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا. ويكون وجه ذكر هذه الآية عقيب ~~الاولى ألا يظن ظان ان الطاعات والمعاصي من فعل الله، لما قال في الآية ~~الاولى: { قل كل من عند الله } وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، ~~لأنه تعالى قال: { فمن نفسك } فاضاف المعصية إلى العبد ونفاها عن نفسه ~~تعالى. # ولو كانت من خلقه، لكانت منه على أوكد الوجوه. ولا ينافي ذلك قوله في ~~الآية الاولى { كل من عند الله } لأنا بينا وجه التأويل فيه. قال ~~الرماني: وفي الآية دلالة على أنه تعالى، لا يفعل الالم إلا على وجه ~~اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لأن المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب ~~العبد، ms0971 فهي اما عقوبة، واما من قبل تأديب المصلحة. # وقوله: { وأرسلناك للناس رسولا } معناه من الحسنة ارسالك يا محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) ومن السيئة خلافك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) وكفى ~~بالله شهيدا لك وعليك. والمعنى وكفى الله. وقوله: { ما أصابك من حسنة } ~~معنى " من " هنا للتبيين ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت زائدة لا معنى ~~لها. # الاعراب والحجة: # { ورسولا } نصب بارسلناك، وانما ذكره تأكيدا لأن أرسلناك دل على أنه ~~رسول، " وشهيدا " نصب على التمييز، لأنك إذا قلت كفى الله ولم تبين في ~~أي شيء الكفاية كنت مبهما. وقوله: { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } دخلت ~~الفاء في الجواب لأن معنى (ما) من وادخل من على السيئة، لأن ما نفي و ~~(من) يحسن ان تزاد في النفي مثل ما جاءني من أحد. ### || [4.80] # بين الله تعالى بهذه الآية أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة ~~الله. وانما كان كذلك، لأن طاعة الرسول بأمر الله، فهي طاعة الله على ~~الحقيقة، وبارادته وان كانت أيضا طاعة للنبي من حيث وافقت ارادته ~~المستدعية للفعل. فأما الامر الواحد، فلا يكون من آمرين كما لا يكون فعل ~~واحد من فاعلين. # وقوله: { ومن تولى } أي اعرض ولم يطع { فما أرسلناك عليهم حفيظا } وقيل ~~في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن زيد: حافظا لهم من التولي حتى يسلموا. # والثاني - حافظا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، لأن الله تعالى هو ~~المجازي عليها. # الثالث - قال أبو علي: حافظا لهم من المعاصي حتى لا تقع. قال ابن زيد: ~~هذا أول ما بعث، كما قيل له: # إن عليك إلا البلاغ # ثم أمر فيما بعد بالجهاد ووجه جواب الجزاء في قوله: { فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا } من المعاصي حتى لا تقع - في قول أبي علي - وعلى القول الآخر ~~لأنك لم ترسل عليهم حفيظا لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا ~~تقوم بها. وفي الآية دلالة على ان الرسول لا يأمر بالخطأ، لأن الله تعالى ~~جعل طاعته طاعة نفسه. والله ms0972 لا يأمر بالخطأ بلا خلاف. # النظم: # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها انه لما ذكر الحسنة التي هي نعمة من ~~الله، بين أن منها ارسال نبي الله ثم بين أن منها طاعة الرسول التي هي ~~طاعة الله. فهو في ذكر نعم الله مجملة، ومفصلة. وفيها تسلية للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) في تولي الناس عنه وعن الحق الذي جاء به، مع تضمنها ~~تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله. ### || [4.81] # قرأ أبو عمر بادغام التاء في الطاء. وبه قرأ حمزة: والباقون بالاظهار ~~والفتح. وفرق الكسائي بين بيت طائفة فاظهر في الفعل وادغم في الاسم إذا ~~قال بيتت طائفة. قال المبرد، والزجاج: لا وجه لذلك، بل هما سواء. وانما ~~حسن ادغام التاء في الطاء، لقرب مخرجهما. ولم يجز إدغام الطاء في التاء، ~~لما فيها من الاطباق. وكذلك يجوز إدغام الباء في الميم في " تكتب ما ~~يبيتون " ولا يجوز ادغام الميم في الباء نحو { لا أقسم بهذا البلد } لأنه ~~يخل باذهاب الغنة في ذلك، ولا يخل بها في الاول. ويحتمل رفع طاعة وجهين: # أحدهما - أمرنا طاعة. # والثاني - منا طاعة. قال الزجاج: الاول أحسن، لأنه أجمع. ويجوز طاعة " ~~نصبا " على معنى نطيع طاعة. ولم يقرأ به. ومن القائلون لهذا القول؟ قيل ~~فيه قولان: # [أحدهما] - قال الحسن، والسدي، والضحاك: هم المنافقون. # الثاني - انهم الذين حكى عنهم انهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~وقوله: { فإذا برزوا من عندك } يعني خرجوا من عندك بيت طائفة منهم يعني ~~دبر جماعة منهم ليلا. قال المبرد: التبييت كل شيء دبر ليلا. وقال الجبائي ~~معناه دبروه في بيوتهم وهذا بعيد لا وجه له في اللغة. قال الرماني: وفيه ~~معنى الاخفاء في النفس، وكذلك لا يوصف تعالى به. قال عبيدة بن همام: # أتوني فلم أرض ما بيتوا # وكانوا أتوني بشيء نكر # لأنكح أيمهم منذرا # وهل ينكح العبد حر لحر؟! # ومعنى { بيت طائفة منهم غير الذي تقول } [أي غير ما تقول بأن اضمروا ~~الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه - هذا ms0973 قول ابن عباس، وقتادة: ~~والسدي. وقال الحسن: قدرت طائفة منهم] غير الذي تقول على جهة التكذيب. # وقوله: { والله يكتب ما يبيتون } فيه قولان: # الاول - نكتبه في اللوح المحفوظ ليجازوا به. # التاني - قال الزجاج: يكتب بان ينزله اليك في الكتاب. ثم أمر الله نبيه ~~بالاعراض عنهم، وألا تسميهم باعيانهم ابقاء عليم، وبستر أمورهم إلى أن ~~يستقر أمر الاسلام. وأمره بان يتوكل عليه { وكفى بالله وكيلا } يعني ~~حفيظا، لما يجب تفويضه إليه من التدبير. وأصل الوكيل القائم بما فوض ~~إليه من التدبير. ومعنى بيت اضمر. وأصله إحكام الامر ليلا من البيات. ### || [4.82] # المعنى: # هذا الآية تدل على أربعة أشياء: # أحدها - على بطلان التقليد، وصحة الاستدلال في اصول الدين، لأنه حث ودعا ~~إلى التدبر. وذلك لا يكون إلا بالفكر والنظر. # والثاني - يدل على فساد مذهب من زعم ان القرآن، لا يفهم معناه إلا ~~بتفسير الرسول له من الحشوية، والمجبرة، لأنه تعالى حث على تدبره، ~~ليعلموا به. # الثالث - يدل على أنه لو كان من عند غير الله، لكان على قياس كلام ~~العباد من وجود الاختلاف فيه. # الرابع - تدل على أن المتناقض من الكلام ليس من فعل الله، لأنه لو كان ~~من فعله، لكان من عنده، لا من عند غيره. # اللغة: # والتدبر: هو النظر في عواقب الامور. وأصله الدبر. والتدابر: التقاطع، ~~لأن كل واحد يولي الآخر دبره، بعداوته له. ودبر القوم يدبرون دبارا: إذا ~~هلكوا، لأنهم يذهبون في جهة الادبار عن الغرض. وادبر القوم: إذا ولى ~~أمرهم عن الرشد. والدبر: النحل. والدبر: المال الكثير. والتدبير: اصلاح ~~الامر لعاقبة. وفي الحديث # " لا تدابروا " # أي لا تكونوا أعداء. والفرق بين التدبر والتفكر ان التدبر تصرف القلب ~~بالنظر في العواقب، والتفكر تصرف للقلب بالنظر في الدلائل. والاختلاف: هو ~~امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لا ~~يسد مسد البياض، وكذلك الذهاب في الجهات المختلفة جهة الخلف، والقدام ~~واليمين، والشمال. وقيل في معنى الاختلاف ها هنا ثلاثة أقوال: # أحدها - قال أبو علي من ms0974 جهة بليغ، ومرذول. وقال الزجاج: الاختلاف في ~~الاخبار بما يسرون. # الثالث - قال قتادة، وابن زيد: اختلاف تناقض من جهة حق، وباطل. ~~والاختلاف على ثلاثة اضرب: اختلاف تناقض، واختلاف تفاوت، واختلاف تلاوة. ~~وليس في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، لأن اختلاف التفاوت هو ~~في الحسن والقبح، والخطأ والصواب، ونحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة أو يصرف ~~عنه. وأما اختلاف التلاوة، فهو ما تلاءم في الحسن، فكله صواب، وكله حق. ~~وهو اختلاف وجوه القراءات واختلاف مقادير الآيات والسور واختلاف الاحكام ~~في الناسخ والمنسوخ. ومن اختلاف التناقض ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى ~~فساد الآخر. وكلاهما باطل. نحو مقدارين وصف أحدهما بأنه أكبر من الآخر ~~ووصف الآخر بأنه أصغر منه، فكلاهما باطل إذ هو مساو له. وفي الناس من ~~قال: انتفاء التناقض عن القرآن إنما يعلم انه دلالة على أنه من فعل الله، ~~لما أخبرنا الله تعالى بذلك. ولولا أنه تعالى أخبر بذلك كان لقائل أن ~~يقول: إنه يمكن أن يتحفظ متحفظ في كلامه ويهذبه تهذيبا، لا يوجد فيه شيء ~~من التناقض وعلى هذا لا يمكن أن يجعل ذلك جهة اعجاز القرآن قبل أن يعلم ~~صحة السمع، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم). ### || [4.83] # أخبر الله تعالى عن المنافقين، الذين تقدم وصفهم بأنهم إذا جاءهم { أمر ~~من الأمن أو الخوف } وهو ما كان يرجف به من الاخبار في المدينة: اما من ~~قبل عدو يقصدهم أو يظهر المؤمنين على عدوهم، أو هلاك بعض أعدائهم وهو ~~الامن. والاول: الخوف اذاعوا به، وتحدثوا به من غير أن يعلموا صحته، فكره ~~تعالى ذلك، لأن من فعل هذا لا يخلو كلامه من الكذب. ولما يدخل على ~~المؤمنين به من الخوف ومعنى اذاعوا به: أعلنوه، وأفشوه في قول ابن عباس، ~~والحسن، وقتادة، وابن حريج وأصله اشاعة الخبر في الجماعة. # اللغة: # يقال: اذاعه اذاعة واذاعوا به قال الشاعر: # اذاع به في الناس حتى كأنه # بعلياء نار أوقدت بثقوب # وأصل الاذاعة التفريق. قال تبع: لما ورد المدينة: # ولقد شربت على ms0975 براجم شربة # كادت بباقية الحياة تذيع # أي تفرق. وبراجم: ماء بالمدينة كان يشرب منه، فنشبت بحلقه علقة. وذاع ~~الخبر ذيعا. ورجل مذياع: لا يستطيع كتمان خبر. واذاع الناس بما في ~~الحوض: إذا شربوه. وكذلك اذاعوا بالمتاع: إذا ذهبوا به. واذاعة السر: ~~اظهاره. والاذاعة، والاشاعة، والافشاء، والاعلان، والاظهار، نظائر وضده ~~الكتمان، والاسرار، والاخفاء. # المعنى: # ثم قال: { ولو ردوه إلى الرسول } بمعنى لو ردوه إلى سنته { وإلى أولي ~~الأمر منهم }. قال أبو جعفر (ع): هم الأئمة المعصومون. وقال ابن زيد، ~~والسدي، وأبو علي: هم امراء السرايا، والولاة، وكانوا يسمعون باخبار ~~السرايا ولا يتحققونه فيشيعونه ولا يسألون أولي الامر. وقال الحسن، ~~وقتادة، وابن جريج، وابن أبي نجيح، والزجاج: هم أهل العلم، والفقه ~~الملازمين للنبي (صلى الله عليه وسلم)، لأنهم لو سألولهم عن حقيقة ما ~~أرجفوا به، لعلموا به. قال الجبائي: هذا لا يجوز، لأن أولي الامر من لهم ~~الامرعلى الناس بولاية والاول أقوى، لأنه تعالى بين أنهم متى ردوه إلى ~~أولي العلم علموه. والرد إلى من ليس بمعصوم، لا يوجب العلم لجواز الخطأ ~~عليه بلا خلاف سواء كانوا امراء السرايا، أو العلماء. وقوله: { يستنبطونه ~~} قال ابن عباس، وأبو العالية: معناه يتحسسونه. وقال الزجاج: يستخرجونه. # اللغة والاعراب والمعنى: # والاستنباط، والاستخراج، والاستدلال، والاستعلام، نظائر، وأصل الاستنباط ~~الاستخراج. يقال لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين، أو معرفة القلب: ~~قد استنبط. والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر. وانبط فلان أي ~~استنبط الماء من طين حر. ومنه اشتقاق النبط، لاستنباطهم العيون. والضمير ~~في قوله: { منهم } يحتمل أن يعود إلى أحد أمرين: # أحدهما - وهو الاظهر انه عائد إلى أولي الامر. # والآخر - إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة. # وقوله: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } معناه لولا اتصال مواد الالطاف ~~من جهة الله، { لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } وقيل فيما وقع الاستثناء ~~منه: أربعة أقوال: # أحدها - { لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } منكم، فانه لم يكن يتبع ~~الشيطان. # ويكون الفضل ها هنا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والقرآن - في ms0976 قول ~~الضحاك -، وهو اختيار الجبائي. # الثاني - لاتبعتم الشيطان إلا قليلا من الاتباع. ويكون الفضل على جملة ~~اللطف، لأن ذلك لم يكن يزكو به أحد منهم. # الثالث - قال الحسن، وقتادة. وذكره الفراء، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~إلا قليلا. # الرابع - قال ابن عباس، وابن زيد: اذاعوا به إلا قليلا هو اختيار ~~الكسائي والفراء والمبرد والبلخي والطبري. وتقديره يستنبطونه منهم إلا ~~قليلا. قال المبرد: لأن العلم بالاستنباط في الناس أقل. وليس كذلك ~~الاذاعة. وغلط الزجاج النحويين في ذلك. وقال: كل هذه الاقوال جائزة. وقال ~~قوم حكاه الطبري: ان مخرجه الاستثناء. وهو دليل الجمع، والاحاطة. والمعنى ~~انه لولا فضل الله لم ينج أحد من الضلالة. فجعل قوله: { إلا قليلا } ~~دليلا على الاحاطة كما قال الطرماح يمدح بزيد بن المهلب: # قليل المثالب والقادحة # والمعنى انه لا مثالب. ### || [4.84] # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) خاصة أمره الله أن يقاتل في سبيل ~~الله وحده بنفسه. وقوله: { لا تكلف إلا نفسك } ومعناه لا تكلف إلا فعل ~~نفسك، لأنه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد ~~فعليهم ضرر ذلك، وليس المراد لا يأمر أحدا بالجهاد. وانما أراد ما قلناه ~~ألا ترى أنه قال { وحرض المؤمنين } على القتال يعني حثهم على الجهاد. ~~وفي ذلك دلالة على أنه لا يجوز أن يؤاخذ الله الأطفال بكفر آبائهم ويؤيده ~~قوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } لأن مفهوم هذا الكلام أنه لا يجوز أن ~~تؤخذ بذنب غيرك. والفاء في قوله: { فقاتل في سبيل الله } قيل في معناه ~~قولان: # أحدهما - أن يكون جوابا لقوله: # ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما # هكذا ذكره الزجاج، لأنه محمول على المعنى من حيث دل على معنى إن أردت ~~الفوز، فقاتل. # الثاني - أن يكون متصلا بقوله: # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله # فقال في سبيل الله. كذا ذكره الزجاج ووجهه لاحظ لك في ترك القتال ~~فتتركه، ثم وضع فقاتل موضع فتتركه. وقوله: { وحرض المؤمنين } معناه ~~حثهم ms0977 { عسى الله أن يكف } قال الحسن، والبلخي، والزجاج: إن { عسى } من ~~الله واجب ووجه ذلك ان اطماع الكريم انجاز وانما الاطماع تقوية أحد ~~الامرين على الآخر دون قيام الدليل على التكافؤ في الجواز. وخرج { عسى } ~~في هذا من معنى الشك كخروجها في قول القائل: أطع ربك في كل ما أمرك به، ~~ونهاك عنه عسى ان تفلح بطاعتك. ومعنى { أن يكف بأس الذين كفروا } ان يمنع ~~شدة الكفار، ثم قال: { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } فالبأس: الشدة في ~~كل شيء ومعنى التنكيل قال الحسن، وقتادة: هو العقوبة. وقال أبو علي ~~الجبائي: هو الشدة بالأمور الفاضحة ونكل به، وشوه به، وندد به نظائر. ~~وأصله النكول: وهو الامتناع للخوف. نكل عن اليمين، وغيرها ينكل نكولا. ~~والنكال: ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب. والنكل القيد. ### || [4.85] # المعنى واللغة: # قيل في معنى الشفاعة ها هنا قولان: # أحدهما - قال أبو علي: الشفاعة الحسنة: الدعاء للمؤمنين. والشفاعة ~~السيئة: الدعاء عليهم، لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعدهم الله تعالى ~~عليه. وقال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: الشفاعة هي مسألة الانسان في صاحبه ~~أن يناله خير بمسألته. وقال الازهري معنى { من يشفع شفاعة حسنة } من يزد ~~عملا إلى عمل. والشفع: الزيادة. سئل تغلب عن اشتقاق الشفعة، فقال: ~~الزيادة وهو أن يشفعك في ما تطلبه حتى تضمه إلى ما عندك، فتشفعه أي تزيده ~~بها إن كان واحدا، فضمت إليه ما زاد صار شفعا. # وعندنا ان حقيقة الشفاعة هي المسألة في اسقاط الضرر. وانما تستعمل في ~~مسألة المنافع مجازا، لأن أحدا لا يقول: إنا نشفع في النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) إذا سألنا الله أن نزيد في كراماته، ولو كان الامر على ما ~~قاله الحسن، ومجاهد، لكنا شافعين فيه. ووجه اتصال هذا الكلام بما تقدم، ~~انه لما قيل { لا تكلف إلا نفسك } عقب ذلك بان لك مع هذا في دعاء ~~المؤمنين إلى الحق ما للانسان في شفاعة صاحبه بخير يصل إليه، لئلا يتوهم ~~ان العبد من أجل انه ms0978 لا يؤخذ بعمل غيره، لا يتزيد فعله بعمل غيره. # الثاني - ان الشفاعة تصير الانسان شفعا لصاحبه في جهاد عدوه من الكفار. ~~والكفل: قال الحسن، وقتادة: هو الوزر، وهو قول أبي جعفر (ع). وقال السدي، ~~والربيع، وابن زيد: هو النصيب. ومنه قوله: { يؤتكم كفلين من رحمته } وأصل ~~الكفل: المركب الذي يهيأ كالسرج للبعير من كسا، أو خرق أو نحوه حول ~~السنام. وانما قيل كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله. وانما ~~استعمل نصيب منه. وقال الازهري: الكفل الذي لا يحسن ركوب الفرس. وأصله ~~الكفل: وهو ردف العجز. ومنه الكفالة بالنفس، وبالمال. والكفل المثل. ~~والمقيت: قيل في معناه خمسة أقوال: # قال السدي، وابن زيد، والكسائي: هو المقتدر. # والثاني - قال ابن عباس، واختاره الزجاج: إنه الحفيظ. # والثالث - قال مجاهد: هو الشهيد. # والرابع - المقيت: الحسيب عنه. # والخامس - قال الجبائي: هو المجازي كأنه قال: وكان الله على كل شيء من ~~الحسنات، والسيئات مجازيا. وأصل المقيت: القوت، قاته يقوته قوتا: إذا ~~أعطاه ما يمسك رمقه. والمقيت: المقتدر لاقتداره على ما يمسك رمقه. يقال ~~منها قات الرجل يقيت اقاتة حكاه الكسائي وينشد للزبير بن عبد المطلب عم ~~النبي (صلى الله عليه وسلم): # وذي ضغن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا # فهذه لغة قريش. وقال كثير: # وما ذاك عنها عن نوال اناله # ولا انني منها مقيت على ود # أي مقتدر فأما قول اليهودي: # ألي الفضل أم علي إذا حو # سبت اني على الحساب مقيت # قيل: ومعناه موقوف. أي كما ان من يحتاج إلى القوت موقوف على سد خلته. ~~ويحتمل معنى مقيت أي مقتدر على الحساب بتوجيه إلى انه لي أو علي بحسب ~~عملي. وقال ابن كثير: المقيت الواصب وهو القائم على كل شيء بالتدبير. ~~وأقوى الوجوه معنى المقتدر بدلالة البيت الذي للزبير بن عبد المطلب. ### || [4.86] # هذا خطاب من الله تعالى لجميع المكلفين، يأمرهم إذا دعى لهم انسان بطول ~~الحياة، والبقاء والسلامة، ان يحيوهم باحسن من ذلك أو يردوا عليهم مثله. ~~قال النحويون: أحسن ها هنا ms0979 صفة لا ينصرف، لأنه على وزن افعل وهو صفة لا ~~تنصرف والمعنى حيوا بتحية أحسن منها. والتحية: مفعلة من حييت. ومعناها ها ~~هنا السلام قال السدي: وابن جريج وعطا، وإبراهيم: إنه إذا سلم عليك واحد ~~من المسلمين، فسلم عليه باحسن مما سلم عليك. أو رد عليه مثل ما قال. وذلك ~~إذا قال السلام عليك، فقل أنت وعليك السلام ورحمة الله أو تقول كما قال ~~لك. وقال قتادة، وابن عباس، ووهب: فحيوا باحسن منها أهل الاسلام، أو ~~ردوها على أهل الكفر والاول أقوى، لأنه روي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم)، انه قال: إذا سلم عليك أهل الكتاب، فقولوا وعليكم. وقال الحسن، ~~وجماعة من متقدمي المفسرين: إن السلام تطوع. والرد فرض، لقوله: { وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } وذلك أمر يقتضي الايجاب. # وقوله: { إن الله كان على كل شيء حسيبا } قيل في معنى الحسيب قولان: # أحدهما - قال مجاهد:، وابن أبي نجيح: معنى حسيب حفيظ وقال قوم: معناه ها ~~هنا من قولهم: احسبني الشيء يحسبني احسابا بمعنى كفاني. ومنه قولهم: ~~حسبي كذا وكذا أي كفاني. وقال بعضهم: الحسيب في هذا الموضع فعيل من ~~الحساب الذي هو بمعنى الاحصاء يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا وهو ~~حسيبه وذلك إذا كان صاحب حسابه. قال الزجاج: معناه يعطي كل شيء من العلم ~~والحفظ والجزاء مقدارما يحسبه أي يكفيه. ومنه قوله: # عطاء حسابا # أي كافيا. وسمي الحساب حسابا، لأنه يعلم به ما فيه الكفاية وذكر ~~الحسن: انه دخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) رجل، فقال: السلام عليكم، ~~فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): # " وعليك السلام ورحمة الله " # ، ثم دخل آخر فقال. السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي (صلى الله عليه ~~وسلم): # " وعليك السلام ورحمة الله، وبركاته " # ، ثم دخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وبركاته، فقال النبي (صلى ~~الله عليه وسلم): # " وعليك السلام ورحمة الله وبركاته " # قال بعضهم يا رسول الله كيف هذا فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) # " الاولان بقيا من ms0980 التحية بقية فرددتها. وهذا لم يبق منها شيئا فرددت ~~عليه ما قال ". ### || [4.87] # قد بينا فيما تقدم معنى الله. وهو الذي تحق له العبادة. وانه من كان ~~قادرا على خلق اصول النعم التي يستحق بها العبادة. وليس هو عبارة عمن ~~يستحق العبادة، لأنه لو كان كذلك، لما كان تعالى إلها فيما لم يزل. وإذا ~~ثبت انه موصوف به فيما لم يزل، دل على ان المراد ما قلناه. وإذا ثبت ذلك، ~~فقد بين تعالى بهذه الآية انه لا يستحق العبادة سواه. وقوله: { ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة } اللام في ليجمعنكم لام القسم كقولك: والله ليجمعنكم. ~~وقيل في معناه قولان: # أحدهما - ليبعثنكم من بعد مماتكم، ويحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي ~~يجازي فيه كلا بعمله، ويقضي فيه بين أهل طاعته، ومعصيته. # الثاني - قال الزجاج: معناه ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم. وقوله: { ~~لاريب فيه } معناه لا شك فيما أخبركم به. من قوله: اني جامعكم يوم ~~القيامة. وقيل في تسمية ذلك اليوم بالقيامة قولان: # أحدهما - لأن الناس يقومون من قبورهم. # الثاني - انهم يقومون للحساب. قال الله تعالى # يوم يقوم الناس لرب العالمين # وقوله: { ومن أصدق من الله حديثا } تقرير في صورة الاستفهام ومعناه لا ~~أحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به من حيث لا يجوز عليه الكذب في ~~شيء من الاشياء، لأنه لا يكذب إلا محتاج يجتلب به نفعا، أو يدفع به ~~ضررا. وهما يستحيلان عليه تعالى. فاذا يستحيل عليه الكذب. وانما يجوز ~~ذلك على من سواه. فلذلك كان تعالى أصدق القائلين. ونصب حديثا على ~~التمييز كما تقول: من أحسن من زيد فهما أو خلقا؟ ### || [4.88] # المعنى والنزول: # خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين. فقال: ما شأنكم أيها المؤمنون في ~~أهل النفاق فرقتين مختلفتين { والله أركسهم بما كسبوا } يعني بذلك والله ~~ردهم إلى أحكام أهل الشرك في اباحة دمائهم، وسبي ذراريهم { بما كسبوا } ~~يعني بما كذبوا الله ورسوله، وكفروا بعد إسلامهم. والاركاس. الرد. ومنه ~~قول أمية بن أبي الصلت: # فاركسوا في حميم النار ms0981 انهم # كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا # قال الفراء: يقال منه أركسهم، وركسهم وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله ~~وأبي { والله ركسهم } بغير الف. وفيمن نزلت هذه الآية قيل فيه خمسة ~~أقوال: # أحدها - قال قوم نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~في الذين تخلفوا عن رسول الله يوم أحد، وانصرفوا إلى المدينة. وقالوا ~~لرسول الله وأصحابه لو نعلم قتالا لاتبعناكم. ذكر ذلك زيد بن ثابت. # والثاني - قال مجاهد، وأبو جعفر (ع)، والفراء: إنها نزلت في اختلاف كان ~~بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قوم كانوا قدموا المدينة من ~~مكة، واظهروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة، لأنهم استوخموا ~~المدينة، واظهروا لهم الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة. ~~فاراد المسلمون أن يأخذوهم وما معهم فاختلفوا. وقال قوم: لا نفعل ذلك ~~لأنهم مؤمنون. وقال آخرون: هم مرتدون. فأنزل الله فيهم الآية. # الثالث - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: بل كان اختلافهم في قوم من أهل ~~الشرك كانوا أظهروا الاسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، ~~فقال قوم: دماؤهم، وأموالهم حلال وقال آخرون: لا بل هو حرام. # الرابع - قال السدي نزلت في قوم كانوا بالمدينة أرادوا الخروج عنهم ~~نفاقا. وقالوا للمؤمنين أصابنا جدب وخصاصة نخرج إلى الظهر حتى نتماءل، ~~ونرجع، فقال قوم: هم منافقون. وقال آخرون: هم مؤمنون. # والخامس - قال ابن زيد: بل نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله في قصة أهل ~~الافك عبد الله بن أبي، وأصحابه، لما تكلموا في عائشة. # الاعراب: # وقوله: { فئتين } يحتمل نصبه أمرين: # أحدهما - قال بعض البصريين هو نصب على الحال كقولك: مالك قائما. ومعناه ~~مالك في حال القيام. وقال الفراء: هو نصب على فعل ما لكم ولا ينافي كان ~~المنصوب في مالك: معرفة، أو نكرة. ويجوز أن تقول مالك السائر معنا، لأنه ~~كالفعل الذي ينصب بكل، وأظن، وما أشبهما قال: وكل موضع صلحت فيه فعل ~~ويفعل من المنصوب، جاز نصب المعرفة، والنكرة. كما تنصب كان وأظن، لأنهما ~~نواقص في ms0982 المعنى. وان ظننت انهن تامات. واختلفوا في معنى اركسهم، فقال ~~ابن عباس: معناه ردهم. وفي رواية أخرى عنه: أوقعهم. وقال قتادة: اهلكهم ~~[وقال السدي: معناه أضلهم بما كسبوا. # ومعناه أيضا اهلكهم] وقوله: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يظلل ~~الله فلن تجد له سبيلا } معناه أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى ~~الاسلام من أضله الله. ويحتمل معنيين: # أحدهما - أن من وجده الله ضالا، وسماه بأنه ضال، وحكم به من حيث ضل بسوء ~~اختياره. # والثاني - أضله الله بمعنى خذله. ولم يوفقه كما وفق المؤمنين، لأنهم لما ~~عصوا وخالفوا استحقوا هذا الخذلان عقوبة لهم على معصيتهم، فيريدون الدفاع ~~عن قتالهم مع ما حكم الله بضلالهم وخذلانهم. وقال الجبائي: المعنى ومن ~~يعاقبه الله على معاصيه، فلا تجد له طريقا إلى الجنة. وطعن على الأول من ~~قول البغداديين ان المراد به التسمية، والحكم بأن قال: لو أراد ذلك، ~~لقال: ومن ضلل الله وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: أكفرته وكفرته، وأكرمته ~~وكرمته: إذا سميته بالكفر أو الكرم قال الكميت: # فطائفة قد أكفروني بحبكم # وطائفة قالوا مسيئ ومذنب # ويحتمل أن يكون المراد وجدهم ضلالا، كما قال الشاعر: # هبوني امرأ منكم أضل بعيره # أي وجده ضالا، ثم قال لهم أليس الله قال: # ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # أترى أراد أن الشيطان يخلق فيهم الضلالة؟ بل انما أراد يدعوهم إليها ولا ~~خلاف أن الله تعالى لا يدعو إلى الضلالة، ويقوي قول من قال: المراد به ~~التسمية. قوله: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } وانما أراد ان تسموهم ~~مهتدين لأنهم كانوا يزعمون أنهم مؤمنون فحينئذ رد الله عليهم، فقال: لا ~~تختلفوا في هؤلاء، وقولوا باجمعكم: إنهم منافقون. ولم يكونوا يدعونهم إلى ~~الايمان، فخالفهم أصحابهم، فعلم ان الصحيح ما قلناه، ثم أخبر الله تعالى ~~فقال: { ومن يضلل الله } يعني من خذله { فلن تجد له سبيلا } يا محمد ولا ~~طريقا. ومن قال من المجبرة: إن قوله: { أركسهم بما كسبوا } يدل على أنه ~~أوقعهم في النفاق. فقولهم باطل، لأنه قال: ms0983 بما كسبوا، فبين انه فعل بهم ~~ذلك على وجه الاستحقاق. وذلك لا يليق إلا بما قدمناه، لأنه لو أوقعهم في ~~النفاق لمعصية تقدمت، لكان يجب أن يكون أوقعهم فيها لمعصية أخرى. وذلك ~~يؤدي إلى ما لا يتناهى أو ينتهي إلى معصية ابتدأهم بها وذلك ينافي قوله: ~~{ بما كسبوا } والفئة الفرقة من الناس. مأخوذ من فأيت رأسه إذا شققته. ~~الفأو: الشعب من شعاب الجبل. والركس: الرد إلى الحالة الاولى. ومنه قيل ~~للعذرة، والروث: ركس. ### || [4.89] # أخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء المنافقين أنهم يودون ويتمنون ~~أن تكفروا أي تجحدوا وحدانية الله تعالى وتصديق نبيكم كما جحدوا، هم { ~~فتكونون سواء } يعني مثلهم كفارا تستوون أنتم، وهم في الكفر بالله، ثم ~~نهاهم أن يتخذوا منهم أولياء، ويستنصحوهم، بل ينبغي أن يتهموهم، ولا ~~ينتصحوهم، ولا يستنصروهم، ولا يتخذوا منهم وليا ناصرا، ولا خليلا ~~مصافيا { حتى يهاجروا في سبيل الله } ومعناه حتى يخرجوا من دار الشرك. ~~ويفارقوا أهلها المشركين { في سبيل الله } يعني في ابتغاء دين الله. وهو ~~سبيله، فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم - وهو قول ~~ابن عباس - ثم قال: { فإن تولوا } يعني هؤلاء المنافقين عن الاقرار ~~بالله، ورسوله، وعن الهجرة من دار الشرك، ومفارقة أهله { فخذوهم } أيها ~~المؤمنون { واقتلوهم حيث وجدتموهم } أي أصبتموهم من أرض الله. # { ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } يعني ولا تتخذوا منهم خليلا ولا ~~ولا ناصرا ينصركم على أعدائكم - وهو قول ابن عباس والسدي -. ### || [4.90] # لما أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الذين لا يهاجرون عن بلاد الشرك حيث ~~وجدوهم، وألا يتخذوا منهم وليا ولا نصيرا استثنى من جملتهم من وصل منهم ~~إلى قوم بينكم وبينهم موادعة، وعهد وميثاق، فدخلوا فيهم وصاروا منهم. ~~ورضوا بحكمهم فان لمن وصل إليهم ودخل فيهم راضيا بحكمهم حكمهم في حقن ~~دمائهم بدخوله فيهم. والمعني بقوله: { إلا الذين يصلون } بنو مدلج، كان ~~سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ~~أحد، فقال له: ms0984 أنشدك الله والنعمة. وأخذ منه ألا يغزو قومه، فان أسلمت ~~قريش أسلموا، لأنهم كانوا في عقد قريش، فحكم الله فيهم ما حكم في قريش، ~~وحرم منهم ما حرم منهم، ففيهم نزلت هذه الآية - على ما ذكره بن شبة -. ~~وقال أبو جعفر (ع) قوله تعالى: { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } قال: هو ~~هلال بن عويمر السلمي. واثق عن قومه ألا تخيف يا محمد من أتاك ولا نخيف ~~من أتانا. وبمثل هذا التأويل قال السدي، وابن زيد، وعكرمة وقال أبو عبيدة ~~{ يصلون } بمعنى ينتسبون إليهم. والعرب تقول قد اتصل الرجل: إذا انتمى ~~إلى قوم وقال الاعشى يذكر امرأة انتسبت إلى قومها: # إذا اتصلت قالت: ابكر بن وائل # وبكر سبتها والانوف رواغم # وقد ضعف هذا الجواب، لأن تعيين الانتساب لو أوجب أن يكون حكم المنتسب ~~حكم من انتسب إليه ممن بينهم وبينهم ميثاق، لوجب ألا يقاتل النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) قريشا، لما بينهم وبين المؤمنين من الانتساب. وحرمة ~~الايمان أعظم من حرمة الموادعة. فان قيل: هذه الآية منسوخة قيل: لعمري ~~إنها منسوخة لكن لا خلاف أنها نسخت بقوله في سورة براءة { اقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم } وبراءة نزلت بعد فتح مكة، فكان يجب ألا يقاتل ~~قريشا على دخول مكة وقد علمنا خلافه وقوله: { أو جاؤكم حصرت صدورهم } ~~قال عمر بن شبة يعني به أشجع فانهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم ~~مسعود بن دخيلة فأخرج إليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) احمال التمر ~~ضيافة. وقال: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة. وقال لهم: ما جاءكم؟ قالوا: ~~قربت دارنا منك، وكرهنا حربك، وحرب قومنا، يعنون بني ضمرة الذين بينهم ~~وبينهم عهد لقلتنا فيهم، فنزلت الآية. وقوله: { جاؤكم حصرت صدورهم } ~~معناه قد حصرت، لأنه في موضع الحال والماضي إذا كان المراد به الحال قدر ~~معه قد، كما يقولون: جاء فلان، وذهب عقله. والمعنى قد ذهب عقله. وسمع ~~الكسائي من العرب من يقول: أصبحت نظرت إلى ذات التنانير بمعنى قد نظرت. ~~وانما جاز ذلك، لأن قد تدني الفعل ms0985 من الحال. وقرأ الحسن، ويعقوب { حصرة ~~صدورهم } منصوبا على الحال. # وأجاز يعقوب الوقف بالهاء. وهو صحيح في المعنى وقراءة القراء بخلافه. ~~ومعنى { حصرت صدورهم } ضاقت عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم وكل من ضاقت ~~نفسه عن شيء من فعل أوكلام يقال: قد حصر. ومنه الحصر في القراءة وما ~~قلناه معنى قول السدي وغيره. وقوله: { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } مثل ~~قوله: # ولو شاء الله لأعنتكم # ومعناه الاخبار عن قدرته على ذلك لو شاء لكنه لا يشاء ذلك، بل يلقي في ~~قلوبهم الرعب حتى يفزعوا، ويطلبوا الموادعة، والمسالمة، ويدخل بعضهم في ~~حلف من بينكم وبينهم ميثاق وفي ذمتهم، ثم قال: { فإن اعتزلوكم } يعني ~~هؤلاء الذين أمرنا بالكف عن قتالهم من المنافقين بدخولهم في أهل عهدكم أو ~~بمصيرهم إليكم { حصرت صدورهم } ، فلم يقاتلوكم { وألقوا إليكم السلم } ~~يعني صالحوكم، واستسلموا، كما يقول القائل: أعطيتك قيادي والقيت إليك ~~خطامي إذا استسلم له وانقاد لامره، فكذلك قوله: { وألقوا اليكم السلم } ~~يريد به الصلح وقال أكثر المفسرين: البلخي والطبري والجبائي، وغيرهم: إن ~~المراد به الاسلام. قال الطرماح: # وذاك ان تميما غادرت سلما # للأسد كل حصان وعثة اللبد # يعني استسلاما. وقال: { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } يعني إذا ~~استسلموا لكم فلا طريق لكم على نفوسهم، وأموالهم. قال الربيع: السلم ها ~~هنا الصلح، ثم نسخ ذلك بقوله: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # الآية. وبه قال عكرمة والحسن قالا. نسخت هذه الآية إلى قوله: { سلطانا ~~مبينا } وقوله: في الممتحنة: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم # إلى قوله: # الظالمون # نسخت هذه الاربع آيات بقوله: في براءة الآية التي تلوناها، وبه قال ~~قتادة وابن زيد: ### || [4.91] # النزول # قيل في الذين نزلت فيهم هذه الآية ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد: نزلت في ناس كانوا يأتون النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش، ويرتكسون في الأوثان ~~يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا وها هنا، فأمر الله بقتالهم إن لم يعتزلوا، ~~ويصلحوا. # الثاني ms0986 - قال قتادة: نزلت في حي كانوا بتهامة قالوا: يا نبي الله لا ~~نقاتلك، ولا نقاتل قومنا. وأرادوا أن يأمنوا قومهم ويأمنوا نبي الله فأبى ~~الله عليهم ذلك. فقال: { كلما ردوا إلى الفتنة } يعني إلى الكفر { أركسوا ~~فيها } يعني وقعوا فيها. # الثالث - قال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الاشجعي، وكان يأمن في ~~المسلمين بنقل الحديث بين النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمشركين، فنزلت ~~هذه الآية، وقال مقاتل: نزلت في أسد وغطفان. # المعنى: # وقال أبو العالية معنى قوله: { كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها } يعني ~~كلما ابتلوا بها عموا فيها. وقال قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. ~~والفتنة في اللغة هي الاختبار. والاركاس: الرجوع. فمعنى الكلام كلما ردوا ~~إلى الاختبار، ليرجعوا إلى الكفر والشرك رجعوا إليه. وقوله: { فإن لم ~~يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم } معناه وان لم يعتزلوكم أيها ~~المؤمنون هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وهم كلما دعوا إلى ~~الشرك أجابوا إليه # { ويلقوا إليكم السلم } يعني ولم يستسلموا لكم فيعطوكم المقادة ~~ويصالحوكم ويكفوا أيديهم عن قتالكم { فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ~~يعني حيث أصبتموهم. ثم قال: { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا } ~~يعني حجة ظاهرة. وقال السدي، وعكرمة: السلطان الحجة # وقال أبو علي: نزلت في قوم كانوا يظهرون الاسلام، فاذا اجتمعوا مع قريش ~~اظهروا لهم الكفر. وهو قوله: { كلما ردوا إلى الفتنة } يعني الكفر { ~~أركسوا فيها } بمعنى وقعوا فيها، فما داموا مظهرين للاسلام وكافين عن ~~قتال المسلمين، فلا يتعرض لهم. ومتى لم يظهروا الاسلام، وجب قتالهم على ~~ما ذكره الله، ثم قال قوم: الآية منسوخة وان من لم يحارب مع المؤمنين، ~~وجب قتاله. واختار هو أنها غير منسوخة. قال: لأنه لا دليل على ذلك. ### || [4.92] # المعنى والاعراب: # قوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } معناه لم يأذن الله، ~~ولا أباح لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيما عهده إليه، لأنه لو أباحه وأذن فيه ~~ما كان خطأ. والتقدير إلا أن يقتله خطأ، فان حكمه هكذا على ما ذكر. ms0987 فذهب ~~إلى هذا قتادة وغيره. # وقوله: { إلا خطأ } استثناء منقطع - في قول أكثر المفسرين - وتقديره إلا ~~أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، وليس ذلك مما جعل الله له، ومثله قول ~~الشاعر: # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ # على الارض إلا ريط برد مرجل # والمعنى لم تطأ على الارض إلا أن تطأ ذيل البرد، وليس ذيل البرد من ~~الارض. وقد ذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، ولا نطول باعادتها. وتقدير الآية: ~~إلا أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ وليس ذلك مما جعل الله له. وقال قوم: ~~الاستثناء متصل والمعنى: لم يكن للمؤمن أن يقتل متعمدا مؤمنا. ومتى ~~قتله متعمدا لم يكن مؤمنا فان ذلك يخرجه من الايمان، ثم قال: { إلا خطأ ~~} ومعناه إن قتله له خطأ لا يخرجه من الايمان. ثم أخبر تعالى بحكم من قتل ~~من المؤمنين مؤمنا خطأ، فقال: { ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ~~}. ومعناه فعليه تحرير رقبة مؤمنة. يعني مظهرة للايمان وظاهر ذلك يقتضي ~~أن تكون بالغة ليحكم لها بالايمان وذلك في ماله خاصة. { ودية مسلمة إلى ~~أهله } تؤديها عنه عاقلته إلى أولياء المقتول إلا أن يصدق أولياء المقتول ~~حينئذ تسقط عنهم. وموضع (أن) من قوله: { إلا أن يصدقوا } نصب، لأن المعنى ~~فعليه ذلك إلا أن يصدقوا # النزول: # وقيل: إن الآية نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي: أخي أبي جهل، لأنه ~~كان أسلم، وكان قد قتل رجلا مسلما بعد اسلامه، وهو لا يعلم باسلامه. ~~وهذا قول مجاهد، وابن جريج، وعكرمة، والسدي. وقالوا: المقتول هو الحارث ~~بن يزيد بن أبي نبشية العامري. ولم يعلم أنه اسلم، وكان أحد من رده عن ~~الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، قتله بالحرة بعد الهجرة. وقيل: ~~قتله بعد الفتح وقد خرج من مكة وهو لا يعلم باسلامه. ورواه أبو الجارود ~~عن أبي جعفر (ع). وقال ابن زيد: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كان في ~~سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلا من القوم في غنم ms0988 له، ~~فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله! فبدر فضربه ثم جاء بغنمه إلى ~~القوم ثم وجد في نفسه شيئا فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكر ~~ذلك له، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): ألا شققت عن قلبه فقال: ما ~~عسيت أن أجد! هل هو إلا دم أو ماء؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد ~~أخبرك بلسانه فلم تصدقه قال كيف بي يا رسول الله؟ قال: فكيف بلا إله إلا ~~الله؟! قال فكيف بي يا رسول الله؟ قال: وكيف بلا إله إلا الله؟! حتى ~~تمنيت أن يكون ذلك اليوم مبتدأ إيماني، ثم نزلت هذه الآية والذي ينبغي أن ~~يعول عليه ان ما تضمنته الآية حكم من قتل خطأ ويجوز في سبب نزول الآية كل ~~واحد مما قيل. # المعنى: # وقال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والحسن، وقتادة: الرقبة المؤمنة لا ~~تكون إلا بالغة قد آمنت وصامت وصلت. فأما الطفل فانه لا يجزي ولا الكافر. # وقال عطاء: كل رقبة ولدت في الاسلام فهي تجزي. والاول أقوى، لأن المؤمن ~~على الحقيقة لا يطلق إلا على بالغ عاقل مظهر للايمان ملتزم لوجوب الصوم ~~والصلاة، إلا أنه لا خلاف أن المولود بين مؤمنين يحكم له بالايمان، فبهذا ~~الاجماع ينبغي أن يجزي في كفارة قتل الخطأ. # وأما الكافرة والمولود بين كافرين فانه لا يجزي بحال. # والدية المسلمة إلى أهل القتيل هي المدفوعة إليهم موفرة غير منتقصة حقوق ~~أهلها منها { إلا أن يصدقوا } معناه يتصدقوا فادغمت التاء في الصاد لقرب ~~مخرجها وفي قراءة أبي { إلا أن يتصدقوا }. # وقوله: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } يعني إن ~~كان هذا القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم هم أعداء لكم مشركون وهو ~~مؤمن، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في معناه، فقال قوم: إذا ~~كان القتيل في عداد قوم أعداء وهو مؤمن بين أظهر هم لم يهاجر، فمن قتله ~~فلا دية له. وعليه تحرير رقبة مؤمنة، لأن الدية ميراث، وأهله ms0989 كفار لا ~~يرثونه. هذا قول ابراهيم، وابن عباس، والسدي، وقتادة، وابن زيد، وابن ~~عياض. وقال آخرون: بل عنى به أهل الحرب من يقدم دار الاسلام فيسلم ثم ~~يرجع إلى دار الحرب إذا مر بهم جيش من أهل الاسلام فهرب قومه وأقام ذلك ~~المسلم فيهم فقتله المسلمون، وهم يحسبونه كافرا. ذكر ذلك عن ابن عباس في ~~رواية أخرى. # وقوله: { فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير ~~رقبة مؤمنة } ومعناه إن كان القتيل الذي قتله المؤمن خطأ من قوم بينكم ~~وبينهم أيها المؤمنون ميثاق أي عهد وذمة وليسوا أهل حرب لكم { فدية مسلمة ~~إلى أهله } تلزم عاقلة قاتله. وتحرير رقبة على القاتل كفارة لقتله. ~~واختلفوا في صفة هذا القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق أهو مؤمن ~~أم كافر؟ فقال قوم: هو كافر إلا أنه يلزم قاتله دية، لأن له ولقومه ~~عهدا. ذهب إليه ابن عباس، والزهري، والشعبي، وابراهيم النخعي، وقتادة، ~~وابن زيد. # وقال آخرون: بل هو مؤمن، فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين، ~~لأنهم أهل ذمة. # روي ذلك أيضا عن ابراهيم والحسن. وهو المروي في أخبارنا. إلا أنهم ~~قالوا: يعطي ديته ورثته المسلمين دون الكفار. والميثاق هو العهد. وقد ~~بيناه فيما مضى. والمراد ها هنا الذمة، وغيرها من العهود وبه قال السدي ~~والزهري، وابن عباس والخطأ هو ان تريد شيئا فتصيب غيره. وهو قول ~~ابراهيم، وأكثر الفقهاء. والدية الواجبة في قتل الخطأ مئة من الابل ان ~~كانت العاقلة من أهل الابل - بلا خلاف - وان اختلفوا في أسنانها فقائل ~~يقول. هي أرباع: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون ابنة ~~مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون. روي ذلك عن علي (ع). وقال آخرون: هي أخماس: ~~عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنت ~~مخاض. وينسب ذلك إلى ابن مسعود. وروى الأمرين معا أصحابنا. وقال قوم: هي ~~أرباع غير أنها ثلاثون حقة، وثلاثون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون ~~بنو لبون. ms0990 روي ذلك عن عثمان وزيد بن ثابت. قال الطبري: هذه الروايات ~~متكائة. والاولى التخيير. ولا يحمل على العاقلة صلح، ولا اقرار، ولا ما ~~كان دون الموضحة. وأما الدية من الذهب فالف دينار، ومن الورق عشرة آلاف ~~درهم. وقال بعضهم: اثني عشرألفا والاول عندنا هو الاصح. ودية عمد الخطأ ~~مئة من الابل مغلظة اثلاثا - وروي أرباعا - ثلث بنت لبون، وثلث حقة، ~~وثلث جذعة. وتستأدى في سنين. ودية الخطأ في ثلاث سنين. ودية العمد إذا ~~تراضوا بها في سنة. وأما دية أهل الذمة فقال قوم: هي دية المسلم سواء. ~~ذهب اليه أبو بكر، وعثمان، وابن مسعود، وابراهيم، ومجاهد، والزهري، وعامر ~~الشعبي، واختاره الطبري، وأبو حنيفة وأصحابه. وقال قوم: على النصف من دية ~~المسلم. ذهب إليه عمرو بن شعيب رواه عن عمر بن الخطاب وبه قال عمر بن عبد ~~العزيز. وقال قوم: هي على الثلث من دية المسلم ذهب إليه سعيد بن المسيب، ~~والشافعي غير أنها أربعة آلاف واختلاف الفقهاء قد ذكرناه في الخلاف. وأما ~~دية المجوسي فلا خلاف أنها ثمانمئة وكذلك عندنا دية اليهودي والنصراني. { ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما } ~~يعني فمن لم يجد الرقبة المؤمنة كفارة عن قتله المؤمن لاعتباره فعليه ~~صيام شهرين متتابعين. واختلفوا في معناه: فقال قوم: مثل ما قلناه ذهب ~~إليه مجاهد. وقال آخرون: { فمن لم يجد } الدية فعليه. صوم الشهرين عن ~~الدية والرقبة. وتأويل الآية فمن لم يجد رقبة مؤمنة ولا دية يسلمها إلى ~~أهلها فعليه صوم شهرين متتابعين، ذهب إليه مسروق والاول هو الصحيح، لأن ~~دية قتل الخطأ على العاقلة، والكفارة على القاتل باجماع الأمة على ذلك. # وصفة التتابع في الصوم أن يتابع الشهرين لا يفصل بينهما بافطار يوم. ~~وقال أصحابنا: إذا صام شهرا وزيادة ثم أفطر اخطأ وجاز له البناء. # وقوله: { توبة من الله } نصب على القطع. ومعناه رجعة من الله لكم إلى ~~التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من فرض تحرير الرقبة المؤمنة ~~بايجاب صوم ms0991 الشهرين المتتابعين توبة { وكان الله عليما حكيما } معناه ~~لم يزل الله عليما بما يصلح عباده فيما يكلفهم من فرائضه حكيما بما يقضي ~~فيهم. ويدبره. وقال الجبائي: انما قال: { توبة من الله } تعالى بهذه ~~الكفارة التي يلتزمها بدرء عقاب القاتل. وذمه لأنه يجوز أن يكون عاصيا ~~في السبب، وإن لم يكن عاصيا في القتل من حيث أنه رمى في موضع هو منهي ~~عنه بأن يكون رجمة، وإن لم يقصد القتل وهذا ليس بشيء لأن الآية عامة في ~~كل قاتل خطأ، وما ذكره ربما اتقق في الآحاد. والزام دية قتل الخطأ ~~العاقلة ليس هو مؤاخذة البريء بالسقيم، لأن ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم ~~شرعي تابع للمصلحة. ولو خلينا والعقل ما أوجبناه. وقيل: إن ذلك على وجه ~~المواساة والمعاونة. ### || [4.93] # المعنى: # أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يقتل مؤمنا متعمدا يعني قاصدا ~~إلى قتله ان جزاؤه جهنم خالدا فيها أي مؤبدا في جهنم وغضب الله عليه. ~~وقد بينا ان غضب الله هو ارادة عقابه، والاستخفاف به. { ولعنه } معناه ~~أبعده من ثوابه ورحمته { وأعد له عذابا عظيما } يعني لا يعلمون قدر ~~مبلغه لكثرته واختلفوا في صفة قتل العمد، فعندنا أن من قصد قتل غيره بما ~~يقتل مثله في غالب العادة سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو مثقلة من حديد ~~أو خنق أو سم أو إحراق أو تفريق أو موالات ضرب بالعصا حتى يموت أو بحجارة ~~ثقيلة فان جميع ذلك عمد يوجب القود، وبه قال ابراهيم، وعبيد بن عمير، ~~والشافعي، وأصحابه، واختاره الطبري. وقال قوم: لا يكون قتل العمد إلا ما ~~كان بحديد. ذهب إليه سعيد ابن المسيب، وابراهيم، والشافعي في رواية أخرى، ~~وطاووس وأبو حنيفة وأصحابه غير أن عندنا أنه إذا قتله بغير حديدة فلا ~~يستقاد منه إلا بحديدة. وقال الشافعي يستقاد منه بمثل ما قتل به فأما ~~القتل شبيه العمد فهو ان يضربه بعصا أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول ~~الموت عنده، فاذا مات منه، كان شبيه العمد، وفيه ms0992 الدية مغلظة في مال ~~القاتل خاصة لا يلزم العاقلة. وقد بينا اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف ~~في هذه المسألة. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة مخلد ~~في نار جهنم. وأنه اذا قتل مؤمنا، فانه يستحق الخلود، ولا يعفى عنه ~~بظاهر اللفظ. ولنا أن نقول: ما أنكرتم أن يكون المراد بالآية للكفار ومن ~~لا ثواب له أصلا. فأما من هو مستحق للثواب، فلا يجوز أن يكون مرادا ~~بالخلود أصلا، لما بيناه فيما مضى من نظائره. وقد روى أصحابنا أن الآية ~~متوجهة إلى من يقتل المؤمن لايمانه، وذلك لا يكون إلا كافرا. وقال ~~عكرمة، وابن جريج: إن الآية نزلت في انسان بعينه ارتد ثم قتل مسلما، ~~فانزل الله تعالى فيه الآية، لأنه كان مستحلا لقتله، على أنه قد قبل: إن ~~قوله: { خالدا فيها } لا يفهم من الخلود في اللغة الا طول اللبث، فأما ~~البقاء ببقاء الله، فلا يعرف في اللغة، ثم لا خلاف أن الآية مخصوصة بمن ~~لا يتوب، لأنه إن تاب فلا بد من العفو عنه اجماعا، وبه قال مجاهد. وقال ~~ابن عباس: لا توبة له ولا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم وتاب. وبه قال ~~ابن مسعود، وزيد بن ثابت والضحاك. ولا يعترض على ما قلناه قول من يقول ان ~~قاتل العمد لا يوفق للتوبة، لأن هذا القول إن صح فانما يدل على أنه لا ~~يختار التوبة. # ولا ينافي ذلك القول بأنها لو حصلت، لا زالت العقاب. وإذا كان لا بد من ~~تخصيص الآية واخراج التائبين عنها، جاز لنا أن نخرج منها من يتفضل الله ~~عليه بالعفو على أن ظاهر الآية يتضمن أن جزاءه جهنم فمن أين أن ذلك لا بد ~~من حصوله، وان العفو لا يجوز حصوله؟ وهذا قول أبي مجلز وأبي صالح. ولا ~~يدفع ذلك قوله: { وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } لأن ذلك ~~اخبار عن انه مستحق لذلك، فمن أين حصوله لا محالة؟ وقال الجبائي: الجزاء ~~عبارة عما يفعل، وما لا يفعل ms0993 لا يسمى جزاء. ألا ترى أن الأجير اذا استحق ~~الاجرة على من استأجره، لا يقال في الدراهم التي مع المستأجر انها جزاء ~~عمله؟! وانما يسمى بذلك اذا أعطاه إياها. وهذا ليس بشيء، لأن الجزاء ~~عبارة عن المستحق سواء فعل، أو لم يفعل الا ترى أنا نقول: جزاء من فعل ~~الجميل أن يقابل عليه بمثله، وان كان ما فعل بعد؟ وانما يراد أنه ينبغي ~~أن يقابل بذلك. ونقول: من استحق عليه القود، أو حد من الحدود إن جزاء هذا ~~أن يقتل، أو يقام عليه الحد. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ألا يكون ~~الخلود في النار جزاء للكفار، لأنه لم يقع بعد، ولا يصح أن يقع، لأن ما ~~يوجد منه لا يكون إلا متناهيا وانما لم يقل في الدراهم، إنها جزاء ~~لعمله، لأن ما يستحقه الاجير في الذمة لا يتعين في دراهم معينة. ~~وللمستأجر أن يعطيه منها، ومن غيرها. فلذلك لم توصف هذه المعينة بانها ~~جزاء للعمل، ثم لنا أن نعارض بآيات الغفران، كقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # وقوله: # إن الله يغفر الذنوب جميعا # وقوله: # إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # وإذا تعارضا، وقفا وبقينا على جواز العفو عقلا. وقال الجبائي والبلخي: ~~الآية نزلت في أهل الصلاة. لأنه تعالى بين في الآية الأولى حكم قتل الخطأ ~~من الدية، والكفارة. وذلك يختص أهل الصلاة، ثم عقب ذلك بذكر قتل العمد ~~منهم. وهذا ليس بصحيح، لأن لزوم الدية في الخطأ يتناول المسلم، والمعاهد. ~~وأما الكفارات فان عندنا تلزمهم أيضا لأنهم متعبدون بالشرائع. ولو سلمنا ~~ان الآية الاولى تختص المسلمين، لم يلزم ان تختص الثانية بهم، بل لا ~~يمتنع ان يراد بها الكفار على وجه الخصوص أو الكفار، والمسلمين على وجه ~~العموم. غير انا قد علمنا انه لا يجوز ان يراد بها من هو مستحق الثواب، ~~لأن الثواب دائم. ولا يجوز مع ذلك أن يستحق العقاب الدائم مع ثبوت بطلان ~~الاحباط، لاجماع الآية ms0994 على خلافه. ### || [4.94] # القراءة، والحجة: # قرأ أهل المدينة، وابن عباس، وخلف { السلم } بغير الف. الباقون بالف. ~~وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما فتثبتوا (بالثاء) من الثبوت في الموضعين ها ~~هنا وفي الحجرات الباقون { فتبينوا } من التبين. وقرئ من طريق النهرواني ~~لست مؤمنا - بفتح الميم الثانية - الباقون بكسرها وبه قرأ أبو جعفر محمد ~~بن علي (ع) على ما حكاه البلخي. فمن قرأ بالثاء من الثبوت. فانما اراد ~~التثبت الذي هو خلاف العجلة. ومن قرأ بالياء والنون، أراد من التبيين ~~الذي هو النظر، والكشف عنه حتى يصح. والمعنيان متقاربان، لأن المثبت ~~متبين، والمتبين مثبت. ومن قرأ { السلم } بلا الف أراد الاستسلام. ومنه ~~قوله: # وألقوا إلى الله يومئذ السلم # أي استسلموا. وقوله: { ورجلا سلما } أي مستسلما. وروى أبان عن عاصم ~~بكسر السين. والمعنى خلاف الحرب. ومن قرأ بالف ذهب إلى التحية. ويحتمل أن ~~يكون المراد لا تقولوا لمن اعتزلكم وكف عن قتالكم: لست مؤمنا. قال أبو ~~الحسن: يقولون: انما فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا. # المعنى: # خاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين الذين إذا ضربوا في الارض بمعنى ~~ساروا فيها للجهاد وأن يتأنوا في قتال من لا يعلمون كفره، ولا ايمانه، ~~وعن قتل من يظهر الايمان وان ظن به الكفر باطنا. ولا يعجلوا حتى يبين ~~لهم أمرهم فانهم ان بادروا ربما أقدموا على قتل مؤمن. ولا يقتلوا من ~~استسلم لهم، وكف عن قتالهم، واظهر انه اسلم. وألا يقولوا لمن هذه صورته: ~~لست مؤمنا، فيقتلوه طلب عرض { الحياة الدنيا } يعني متاع الحياة الدنيا ~~الذي لا بقاء له. فان عند الله مغانم كثيرة وفواضل جسيمة فهو خير لكم إن ~~أطعتم الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه. # النزول: # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال عمر بن شبة: نزلت في مرداس رجل من ~~غطفان، غشيتهم خيل المسلمين، فاستعصم قومه في الجبل، وأسهل هو مسلما ~~مستسلما، فاظهر لهم اسلامه، فقتلوه، وأخذوا ما معه. وقال أبو عمر ~~والواقدي، وابن اسحاق. نزلت في عامر بن الاضبط الاشجعي ms0995 لقيته سرية لأبي ~~قتادة فسلم عليه فشد محلم بن جثامة فقتله لاحنة كانت بينهم، ثم جاء النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) وسأل ان يستغفر له فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) # " لا غفر الله لك " # وانصرف باكيا فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك فدفن، ثم لفظته الارض ~~فجاؤا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخبروه فقال (ع): إن الارض تقبل ~~من هو شر من محلم صاحبكم، لكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم، ثم طرحوه بين ~~صد في جبل، والقوا عليه الحجارة، فنزلت الآية. # وقال ابن عباس: لحق ناس رجلا في غنيمة له، فقال السلام عليكم، فقتلوه ~~وأخذوا غنمه. فنزلت الآية. قال ابن عباس: فكان الرجل يسلم في قومه، فاذا ~~غزاهم أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهرب أصحابه وقف، وأظهر تحية ~~الاسلام (السلام عليكم) فيكفون عنه، فلما خالف بعضهم، وقتل من أظهر ذلك ~~نزلت فيه الآية وبه قال السدي: وقال الرجل السلام عليكم، أشهد ان لا إله ~~إلا الله، وان محمدا رسول الله. فشد عليه أسامة بن زيد وكان أمير القوم، ~~فقتله، فنزلت الآية. وقال قوم: كان صاحب السرية المقداد. وقال آخرون: ابن ~~مسعود. وكل واحد من هذه الاسباب يجوز أن يكون صحيحا، ولا يقطع بواحد ~~منها بعينه. والذي يستفاد من ذلك أن من اظهر الشهادتين لا يجوز لمؤمن أن ~~يقدم على قتله، ولا إذا أظهر ما يقوم مقامها من تحية الاسلام. # المعنى: # وقوله. { كذلك كنتم من قبل } اختلفوا في معناه، فقال قوم: كما كان هذا ~~الذي قتلتموه بعدما القى إليكم السلام مستخفيا من قومه بدينه خوفا على ~~نفسه منهم، كنتم أنتم مستخفين باديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم فمن ~~الله عليكم، ذهب إليه سعيد بن جبير وقال ابن زيد معناه كما كان هذا ~~المقتول كافرا فهداه الله، كذلك كنتم كفارا، فهداكم الله. وبه قال ~~الجبائي. وقال المغربي: معناه كذلك كنتم أذلاء آحادا إذا صار الرجل منكم ~~وحده، خاف أن يختطف. # وقوله: { فمن الله عليكم } قيل في معناه ms0996 قولان: # أحدهما - قال سعيد بن جبير: فمن الله عليكم باظهار دينه، واعزاز أهله ~~حتى أظهرتم الاسلام بعد ما كنتم تكتمونه من اهل الشرك. وقال السدي: معناه ~~تاب الله عليكم { فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا } معناه انه كان ~~عليما بما تعملونه قبل أن تعملوه. قال البلخي في الآية دلالة على أن ~~المجتهد لا يضل، لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يضلل مقدادا ولا ~~تبرأ منه. ومن قرأ { لست مؤمنا } بفتح الميم الثانية، قال: معناه لا ~~تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنك. وهو وجه حسن. ### || [4.95-96] # القراءة، والحجة: # قرأ أهل المدينة وابن كثير غير أولي الضرر - نصبا - الباقون بالرفع. ~~فمن رفع جعله نعتا للقاعدين. ومن نصبه فعلى الاستثناء. وهو اختيار أبي ~~الحسن الاخفش. # المعنى: # بين الله بهذه الآية انه { لا يستوي } ومعناه لا يعتدل { القاعدون } ~~يعني المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الايمان بالله وبرسوله. ~~المؤثرون الدعة والرفاهية على مقاساة الحر والمشقة بلقاء العدو، والجهاد ~~في سبيله إلا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم، وغير ذلك من العلل التي لا ~~سبيل لأهلها إلى الجهاد للضرار الذي بهم { والمجاهدون في سبيل الله } ~~ومنهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا والمستفرغون وسعهم في قتال أعداء ~~الله، وأعداء دينهم { بأموالهم } انفاقا لها فيما يوهن كيد أعداء أهل ~~الايمان. وقال قوم: إن قوله: { غير أولي الضرر } نزل بعد قوله: { لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاء عمر بن أم ~~مكتوم، وكان أعمى فقال: يا رسول الله كيف وأنا أعمى، فما برح حتى نزل ~~قوله: { غير أولي الضرر }. ذكر ذلك البراء بن عازب، وزيد بن أرقم وزيد بن ~~ثابت. وهو يقوي قراءة من قرأ بالنصب. # الاعراب والمعنى: # " والقاعدون " رفع بيستوي ويستوي ها هنا يقتضي فاعلين، فصاعدا وقوله: { ~~والمجاهدون } معطوف عليه. والتقدير لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر ~~والمجاهدون. وقال الفراء: الرفع أجود لاتصال { غير } بقوله: { القاعدون } ~~والاستثناء كان يجب أن يكون بعد تمام الكلام بقوله: { لا يستوي ~~القاعدون... والمجاهدون غير ms0997 أولي الضرر } قال ويجوز خفضه نعتا للمؤمنين ~~وما قرئ به. والأول أقوى. ويحتمل النصب على الحال كقولك: جاء زيد غير ~~مريب. فان قيل: أيجوز أن يساوي أهل الضرر المجاهدين على وجه، فان قلتم: ~~لا، فقد صاروا مثل من ليس من أولي الضرر؟ قلنا: يجوز أن يساووهم بأن ~~يفعلوا طاعات أخر تقوم مقام الجهاد، فيكون ثوابهم عليهم مثل ثواب الجهاد. ~~وليس كذلك من ليس بأولي الضرر، لأنه قعد عن الجهاد، بلا عذر. وظاهر الآية ~~يمنع من مساواته على وجه. وقال ابن عباس لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~عن بدر، والخارجين إلى بدر ثم قال: { وفضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة } قال ابن جريج وغيره معناه فضل الله ~~المجاهدين باموالهم وأنفسهم درجة على القاعدين من أهل الضرر ثم قال: { ~~وكلا وعد الله الحسنى } يعني وعد الله الحسنى المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ~~والقاعدين أولي الضرر. والمراد بالحسنى ها هنا الجنة في قول قتادة وغيره ~~من المفسرين. وبه قال السدي. وقوله: { وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما } معناه فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~من غير أولي الضرر أجراعظيما. # وقوله: { درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } # قال قتادة هو كما يقال: الاسلام درجة، والفقه درجة، والهجرة درجة، ~~والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال عبد الله بن زيد: ~~معنى الدرجات هي التسع درجات التي درجها في سورة براءة. وهي قوله: # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله # (صلى الله عليه وسلم) # ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ~~في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولا ينالون من عدو نيلا # إلى قوله: # ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون # قال: هذه التسع درجات. وقال قوم: المراد بالدرجات ها هنا الجنة. واختاره ~~الطبري. { ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } معناه لم يزل الله ~~غفارا للذنوب صافحا لعبيده عن العقوبة. رحيما بهم متفضلا عليهم. فان ~~قيل: ms0998 كيف قال في أول الآية { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة } ثم قال في آخرها { وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما درجات } وهذا ظاهر التناقض؟! قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أن في أول الآية فضل الله المجاهدين على القاعدين أولي الضرر ~~درجة وفي آخرها فضلهم على القاعدين غير أولي الضرر درجات ولا تناقض في ~~ذلك، لأن قوله: { وكلا وعد الله الحسنى } يدل على أن القاعدين لم يكونوا ~~عاصين مستخفين. وان كانوا تاركين للفضل. # والثاني - قال أبو علي الجبائي: أراد بالدرجة الأولى علو المنزلة ~~وارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال: فلان أعلى درجة عند الخليفة ~~من فلان يريدون بذلك أنه أعظم منزلة. وبالثانية أراد الدرجات في الجنة ~~التي تتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم، ولا تنافي ~~بينهما. وقال الحسين بن علي المغربي انما كرر لفظ التفضيل، لأن الاول ~~أراد تفضيلهم في الدنيا على القاعدين والثاني أراد تفضليهم في الآخرة ~~بدرجات النعيم. ### || [4.97-99] # هذه الآية نزلت في قوم أظهروا للنبي (صلى الله عليه وسلم) الاسلام بمكة، ~~فلما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) وهاجر أصحابه فتنوهم آباؤهم عن ~~دينهم فافتتنوا وخرجوا مع المشركين يوم بدر فقتلوا كلهم. وقيل: انهم ~~كانوا خمسة نفر. قال عكرمة: هم قيس بن الفاكة بن المغيرة، والحارث بن ~~زمعة بن الاسود بن أسد، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن ميتة ~~بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف. وذكر أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) مثله، ~~فانزل الله فيهم الآيات. وقال (ع): ان الذين توفاهم الملائكة يعني قبض ~~أرواحهم { ظالمي أنفسهم } نصب على الحال يعني في حال هم فيها ظالموا ~~نفوسهم بمعنى بخسوها حقها من الثواب وأدخلوا عليها العقاب بفعل الكفر. ~~وقالت لهم الملائكة { فيم كنتم } أي في أي شيء كنتم من دينكم على وجه ~~التقرير لهم والتوبيخ لفعلهم { قالوا كنا مستضعفين في الأرض } يستضعفنا ~~أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، ويمنعونا من ~~الايمان بالله واتباع رسوله ms0999 على جهة الاعتذار فقالت لهم الملائكة { ألم ~~تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } يعني فتخرجوا من أرضكم وداركم ~~وتفارقوا من يمنعكم من الايمان بالله وبرسوله إلى أرض يمنعكم أهلها من ~~أهل الشرك، فتوحدوه وتعبدوه وتتبعوا نبيه ثم قال تعالى { فأولئك مأواهم ~~جهنم } يعني مسكنهم جهنم { وساءت } يعني جهنم لأهلها الذين صاروا إليها { ~~مصيرا } وسكنا ثم استثنى من ذلك المستضعفين الذين استضفعهم المشركون { ~~من الرجال والنساء والولدان } وهم الذين يعجزون عن الهجرة لاعسارهم وقلة ~~حيلتهم { ولا يهتدون سبيلا } يعني في الخلاص من مكة. وقيل معناه لا ~~يهتدون لسوء معرفتهم بالطريق من أرضهم إلى أرض الاسلام استثنوا من جملة ~~من أخبر أن مأواهم جهنم للعذر الذي هم فيه. # ونصب المستضعفين بالاستثناء من الهاء والميم في قوله: { مأواهم جهنم } ~~فقال تعالى: { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } يعني لعل الله أن يعفو ~~عنهم لما هم عليه من الفقر ويتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة من ~~حيث لم يتركوها اختيارا { وكان الله عفوا غفورا } ومعناه لم يزل الله ~~ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك عقوبتهم على معاصيهم { غفورا } ساترا ~~عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها. قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين. ~~قال عكرمة وكان العباس منهم وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو في دبر ~~صلاة الظهر اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن ربيعه وضعفة ~~المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ~~وبالجملة التي ذكرناها قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، ~~والضحاك، وابن وهب، وابن جبير. # وقوله: { توفاهم } يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ويكون موضعه الفتح لأن ~~الماضي مبني على الفتح. والثاني أن يكون رفعا والمعنى تتوفاهم وقد حذف ~~أحد التائين وقد بينا فيما مضي أن { عسى } من الله معناه الوجوب قال ~~المغربي: ذكر { عسى } ها هنا تضعيف لأمر غيرهم كما يقول القائل ليت من ~~أطاع الله سلم، فكيف من عصاه. ومثله قول الشاعر: # ولم تر كافر نعمى نجا # من السوء ليت نجا الشاكر ms1000 # والتوفي هو الاحصاء قال الشاعر: # إن بني أدرد ليسوا من أحد # ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد # ولا توفاهم قريش في العدد # بمعنى أحصاهم. والملائكة تتوفى. وملك الموت يتوفى. والله يتوفى. وما ~~يفعله ملك الموت والملائكة يجوز أن يضاف إلى الله إذا فعلوه بأمره وما ~~تفعله الملائكة جاز أن يضاف إلى ملك الموت، إذا فعلوه بامره. ### || [4.100] # أخبر الله تعالى في هذه الآية ان من يفارق وطنه، ويخرج من أرض الشرك ~~وأهله هربا بدينه إلى أرض الاسلام وأهلها والمهاجر في سبيل الله يعني ~~منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه يجد في الارض مراغما كثيرا { ~~يجد } مجزوم، لأنه جواب الشرط. # اللغة: # والمراغم المضطرب في البلاد والمذهب يقال منه: راغم فلان قومه مراغما ~~ومراغمة قال الفراء: هما مصدران ومنه قول النابغة الجعدي: # كطود يلاذ بأركانه # عزيز المراغم والمهرب # وقال الشاعر: # إلى بلد غير داني المحل # بعيد المراغم والمضطرب # والمراغم مأخوذ من الرغام وهو التراب ومعنى راغمت فلانا هجرته. ولم ~~أبال رغم أنفه أي وان لصق بالتراب أنفه. # المعنى: # واختلف أهل التأويل في معناه، فقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى ~~أرض وبه قال الضحاك، والربيع، والحسن، وقتادة، ومجاهد. وقال السدي يعني ~~معيشة. وقال ابن زيد يعني مهاجرا. وقال ابن عباس يعني سعة في الرزق. وبه ~~قال الربيع بن أنس والضحاك. وقال قتادة: سعة من الضلالة إلى الهدى. وقال ~~يزيد بن أبي حبيب: ان أهل المدينة يقولون من خرج فاصلا من أهله يريد ~~الغزو وجب سهمه لقوله: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } ~~وقوله: { وسعة } يحتمل أمرين: أحدهما - السعة في الرزق. الثاني - السعة ~~مما كان فيه من تضيق المشركين عليهم في أمر دينهم بمكة. ثم أخبر تعالى أن ~~من خرج مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله وأدركه الموت ~~قبل بلوغه دار الهجرة وأرض الاسلام { فقد وقع أجره على الله } يعني ثواب ~~عمله وجزاء هجرته عليه تعالى { وكان الله غفورا } يعني ساترا على عباده ~~ذنوبهم بالعفو عنهم ms1001 { رحيما } بهم رفيقا. # النزول: # وقيل في سبب نزول الآية ان الله لما أنزل ان الذين { توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم } كتب المسلمون بالآيات وبعثوها إلى أخوانهم من أهل مكة ~~فخرج حينئذ منها جماعة، فقالوا: لم يبق لنا عذر فهاجروا. وقال سعيد بن ~~جبير وعكرمة والضحاك والسدي وابن زيد وابن عباس ورواه أبو الجارود عن أبي ~~جعفر (ع) أنها نزلت في ضمرة بن العيص بن ضمرة بن زنباع أو العيص بن ضمرة ~~وكان مريضا فأمر أهله أن يفرشوا له على سريرة ويحملوه إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) قال ففعلوا فأتاه الموت بالتغيم، فنزلت فيه الآية. ~~وبه قال قتادة وقال: قال ضمرة وأنا أعرف الطريق ولي سعة في المال أخرجوني ~~فأخرج، فمات. وقال عمر بن شبة: هو أبو أمية ضمرة بن حندب الخزاعي. وقال ~~الزبير بن بكار: هو خالد بن حزام أخو حكيم بن حزام خرج مهاجرا فمات في ~~الطريق. قال عكرمة وخرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون وفتنوهم عن ~~دينهم فافتتنوا، فانزل الله فيهم # ومن الناس من يقول أمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله # وكتب بها المسلمون من المدينة إليهم ثم نزل فيهم { ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم }. ### || [4.101] # معنى قوله: { وإذا ضربتم في الأرض } إذا سرتم فيها فليس عليكم جناح يعني ~~حرج ولا اثم ان تقصروا من الصلاة يعني من عددها فتصلوا الرباعيات ركعتين. ~~وظاهر الآية يقتضي أن التقصير لا يجوز إلا إذا خاف المسافر، لأنه قال { ~~إن خفتم أن يفتنكم } ولا خلاف اليوم أن الخوف ليس بشرط، لأن السفر ~~المخصوص بانفراده سبب للتقصير. والظاهر يقتضي ان التقصير جائز لا اثم ~~فيه. ويقتضي ذلك انه يجوز الاتمام، وعندنا وعند كثير من الفقهاء أن فرض ~~المسافر مخالف لفرض المقيم، وليس ذلك قصرا، لاجماع أصحابنا على ذلك. ~~ولما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " فرض المسافر ركعتان غير قصر ms1002 " # وأما الخوف بانفراده فعندنا يوجب القصر. وفيه خلاف وقد روي عن ابن عباس ~~أن صلاة الخائف قصر من صلاة المسافر. وانها ركعة ركعة. وقال قوم: معنى ~~قوله: { ليس عليكم جناح أن تقصروا } يعني من حدود الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا. وهو الذي رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف. وأنه يصلي ~~إيماء والسجود اخفض من الركوع. فان لم يقدر فان التسبيح المخصوص يكفي عن ~~كل ركعة. ثم أخبر تعالى أن الكافرين يعني الجاحدين لتوحيد الله ونبوة ~~نبيه فقد أبانوا عداوتهم لكم بماصبتهم لكم الحرب على عبادتكم الله، ~~وترككم عبادة الاوثان. # وفي قصر الصلاة ثلاث لغات تقول: قصرت الصلاة أقصرها وهي لغة القرآن. ~~وقصرتها تقصيرا، واقصرتها إقصارا. # واختلف أهل التأويل في قصر الصلاة فقال قوم: هي قصر من صلاة الحاضر ما ~~كان يصلي أربع ركعات أذن له في قصرها، فيصليها ركعتين. ذهب إليه يعلى ابن ~~أمية، وعمر بن الخطاب. وإن يعلى قال لعمر كيف نقصر الصلاة وقد أمنا فقال ~~عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك فقال: # " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " # وبه قال ابن جريج وقتادة. وفي قراءة أبي { وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا } ولا يقرأ { إن ~~خفتم } ومعنى هذه القراءة الا يفتنكم الذين كفروا وحذف (لا) كما حذف في ~~قوله: # يبين الله لكم أن تضلوا # ومعناه ألا تضلوا. وقال قوم: القصر لا يجوز إلا مع الخوف روي ذلك عن ~~عائشة، وسعد بن أبي وقاص. وقال قوم: عنى بهذه الآية قصر صلاة الخوف في ~~غير حال المسابقة، وفيها نزلت. ذهب إليه مجاهد وغيره. وقال آخرون: عنى ~~بها قصر الصلاة صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف. وعنى به قصر الصلاة من ~~صلاة السفر لا من صلاة الاقامة، لأن صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير ~~قصر، كما قلناه - ذهب إليه السدي، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وجابر بن عبد ~~الله، وكعب - وكان ms1003 من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) قطعت يده يوم ~~اليمامة وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وثعلبة ابن زهدم ~~اليربوعي وكان من الصحابة - وأبو هريرة. # وروي عن ابن عباس في رواية اخرى إن القصر المراد به صلاة شدة الخوف تقصر ~~من حدودها وتصليها إيماء وهو مذهبنا. وأما حد السفر الذي يجب فيه ~~التقصير فعندنا انه ثمانية فراسخ. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: مسيرة ثلاثة ~~أيام. وقال الشافعي ستة عشر فرسخا ثمانية وأربعين ميلا. وقال قوم: يجب ~~في قليل السفر وكثيره. بينا الخلاف فيه في كتاب الخلاف. # وانما قال في الاخبار عن الكافرين انهم عدو، ولم يقل أعداء لأن لفظة ~~فعول وفعيل تقع على الواحد والجماعة، وفتنت الرجل أفتنه فهو مفتون لغة ~~أهل الحجاز وتميم وربيعة. وأهل نجد كلهم وأسد يقولون: أفتنت الرجل فهو ~~فاتن. وقد فتن فتونا: إذا دخل في الفتنة. ### || [4.102] # قوله { إذا كنت فيهم } معناه في الضاربين في الارض من أصحابك يا محمد ~~الخائفين عدوهم أن يفتنوهم، فأقمت لهم الصلاة يعني أتممت لهم الصلاة ~~بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تقصرها القصر الذي يجب في صلاة شدة الخوف ~~من الاقتصار على الايماء. فلتقم طائفة من أصحابك الذين كنت فيهم معك في ~~صلاتك وليكن سائرهم في وجه العدو. ولم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة ~~غير المصلية لدلالة الكلام عليه { وليأخذوا أسلحتهم } قال قوم: الفرقة ~~المامورة بأخذ السلاح هي المصلية مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~والسلاح مثل السيف يتقلد به والخنجر يشده إلى درعه وكذلك السكين ونحو ذلك ~~من سلاحه وهو الصحيح. وقال ابن عباس الطائفة المأمورة بأخذ السلاح هي ~~التي بازاء العدو دون المصلية، فاذا سجدوا يعني الطائفة التي قامت معك ~~مصلية بصلاتك، وفرغت من سجودها فليكونوا من ورائكم يعني فليصيروا بعد ~~فراغهم من سجودهم مصافين للعدو. وعندنا انهم يحتاجون أن يتموا صلاتهم ~~ركعتين، والامام قائم في الثانية ثم ينصرفون إلى موضع أصحابهم ويجيء، ~~الآخرون فيستفتحون الصلاة فيصلي بهم الامام الركعة الثانية، ويطيل تشهده ~~حتى يقوموا ms1004 فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم الامام. ومن قال: إن صلاة ~~الخائف ركعة، قال: الأولون إذا صلوا ركعة فقد فرغوا. وكذلك الفرقة ~~الثانية. # وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع). ورواه مسلمة عن أبي عبد الله (ع) ~~وهذا عندنا انما يجوز في صلاة شدة الخوف. وفي الناس من قال: ان النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) يسلم بهم ثم يقومون فيصلون تمام صلاتهم. وقد بينا ~~اختلاف الفقهاء في مسائل الخلاف في صلاة الخوف. وقوله: { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم } يعني الطائفة الثانية يأخذون السلاح والحذر في حال الصلاة. ~~وذلك يبين ان المأمورة بأخذ السلاح في الأول هم المصلون دون غيرهم. ~~وقوله: { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } معناه تمنى ~~الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم وتشتغلون عن أخذها تأهبا ~~للقتال وعن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها { فيميلون ~~عليكم ميلة واحدة } معناه يحملون عليكم، وأنتم متشاغلون بصلاتكم عن ~~أسلحتكم، وأمتعتكم حملة واحدة فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم، ويستبيحون ~~عسكركم، وما معكم. والمعنى لا تشاغلوا باجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو، ~~فتمكنوا عدوكم من أنفسكم، وأسلحتكم، ولكن أقيموها على ما بينت. وخذوا ~~حذركم باخذ السلاح. ومن عادة العرب أن يقولوا: ملنا عليهم بمعنى حملنا ~~عليهم. قال العباس بن عبادة بن نصلة الانصاري لرسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) ليلة العقبة الثانية: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن غدا على أهل ~~منى باسيافنا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # " لم نؤمر بذلك " # يعني في ذلك الوقت وقوله: { ولاجناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } معناه لا جرم عليكم ولا اثم إن ~~كان بكم أذى من مطر يعني إن نالكم من مطر، وأنتم مواقفو عدوكم، أو كنتم ~~مرضى يعني أعلاء، أو جرحى ان تضعوا اسلحتكم إذا ضعفتم عن حملها، لكن إذا ~~وضعتموها، فخذوا حذركم. يعني احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم غافلون ~~غارون، ثم قال: { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } يعني ms1005 عذابا مذلا ~~يبقون فيها أبدا. وقيل { وإن كنتم مرضى } نزلت في عبد الرحمن بن عوف ~~وكان جريحا. ذكره ابن عباس. # واللام في قوله: { فلتقم } لام الأمر وهي تجزم الفعل. ومن حقها أن تكون ~~مكسورة إذا ابتدىء بها. وبنو سليم يفتحونها. يقولون: ليقم زيد. كما تنصب ~~تميم لام كي يقولون جئت لآخذ حقي. فاذا اتصلت بما قبلها من الواو والفاء ~~جاز تسكينها وكسرها. ذكره الفراء. # وقال: { طائفة أخرى } ولم يقل: آخرون، ثم قال: { لم يصلوا فليصلوا معك } ~~ولم يقل: فلتصل معك حملا للكلام تارة على اللفظ وأخرى على المعنى كما ~~قال: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # ولو قال: اقتتلنا لكان جائزا ومثله # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # وفي قراءة أبي: حق عليه الضلالة ومثله # نحن جميع منتصر # ولم يقل منتصرون ومثله كثير. وفي الآية دلالة على نبوة النبي (صلى الله ~~عليه وسلم). وذلك ان الآية نزلت والنبي (صلى الله عليه وسلم) بعسفان ~~والمشركون بضجنان، فتواقفوا فصلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه ~~صلاة الظهر بتمام الركوع، والسجود فهم بهم المشركون أن يغيروا عليهم، ~~فقال بعضهم: لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه يعنون العصر، فأنزل الله ~~عليه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف، ويقال: إنه كان ذلك سبب اسلام ~~خالد بن الوليد، لأنه كان هم بذلك فعلم أنه ما أطلع النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) على ما هموا به غير الله تعالى فأسلم وفي الناس من قال: من حكم ~~صلاة الخوف اختص به النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال آخرون - وهوالصحيح - ~~انه يجوز لغيره. ### || [4.103] # المعنى: # معنى الآية انكم أيها المؤمنون إذا فرغتم من صلاتكم - وأنتم مواقفو ~~عدوكم - التي بيناها لكم { فاذكروا الله قياما وقعودا } أي في حال ~~قيامكم وفي حال قعودكم، ومضطجعين على جنوبكم. والجنب: الجانب تقول نزلت ~~جنبه أي جانبه بالتعظيم له والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم لعل الله أن ~~يظفركم بهم. وينصركم عليهم. وذلك مثل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ms1006 كثيرا لعلكم ~~تفلحون # وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين. وقوله: { فإذا اطمأننتم فأقيموا ~~الصلاة } اختلفوا في تأويله، فقال قوم معناه اذا استقررتم في أوطانكم ~~وأقمتم في أمصاركم { فأقيموا الصلاة } يعني أنمو التي أذن لكم في قصرها ~~في حال خوفكم في سفركم وضربكم في الارض. ذهب إليه مجاهد، وقتادة وقال ~~آخرون معناه إذا استقررتم بزوال الخوف من عدوكم وحدوث الأمن لكم، فأقيموا ~~الصلاة أي فأتموا حدودها بركوعها، وسجودها. ذهب إليه السدي، وابن زيد، ~~ومجاهد في رواية أخرى. وهو اختيار الجبائي، والبلخي الطبري. وأقوى ~~التأويلين قول من قال: إذا زال خوفكم من عدوكم، وأمنتم فأتموا الصلاة ~~بحدودها غير قاصرين لها عن شيء من حدودها، لأنه تعالى عرف عباده الواجب ~~عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: # احداهما - حال شدة الخوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة على ما بيناه من قصر ~~حدودها، والاقتصار على الايماء. # والثانية - حال غير شدة الخوف امرهم فيها باقامة حدودها وإتمامها على ما ~~مضى من معاقبة بعضهم بعضا في الصلاة خلف أئمتها، لأنه قال: { وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة } فلما قال: { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة } كان ~~معلوما انه يريد إذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا فيها مقيمين ~~صلاتكم فأقيموا الصلاة بجميع حدودها غير قاصرين لها. # وقال ابن مسعود نزلت الآية في صلاة المرضى. والظاهر بغيره أشبه. وقوله: ~~{ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } اختلفوا في تأويله، فقال ~~قوم: معناه ان الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة، ذهب إليه عطية ~~العوفي، وابن عباس، وابن زيد، والسدي، ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر ~~(ع) وأبي عبد الله (ع). وقال آخرون: كانت على المؤمنين فرضا واجبا. ذهب ~~إليه الحسن، ومجاهد، في رواية، وابن عباس في رواية وأبو جعفر في رواية ~~أخرى عنه، والمعنيان متقاربان بل هما واحد. وقال آخرون: معناه كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا يعني منجما يؤدونها في انجمها ذهب إليه ابن ~~مسعود وزيد بن أسلم وقتادة. وهذه الأقوال متقاربة، لأن ما كان مفروضا ~~فهو واجب وما ms1007 كان واجبا اداؤه في وقت بعد وقت فمفروض منجم. واختار ~~الجبائي والطبري القول الأخير قال: لأن موقوتا مشتق من الوقت فكأنه قال: ~~هي عليهم فرض في وقت وجوب أدائها. ### || [4.104] # المعنى: # معنى قوله: { ولا تهنوا } لا تضعفوا يقال وهن فلان في الأمر يهن وهنا ~~ووهونا. وقوله في ابتغاء القوم يعني في طلب القوم. والقوم هم أعداء الله ~~وأعداء المؤمنين من أهل الشرك { إن تكونوا } أيها المؤمنون { تألمون } ~~مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا { فانهم } يعني المشركين { يألمون } ~~أيضا مما ينالهم منكم من الجراح والاذى مثل ما تألمون أنتم من جراحهم ~~واذاهم { وترجون } أنتم أيها المؤمنون { من الله } الظفر عاجلا والثواب ~~آجلا على ما ينالكم منهم { ما لا يرجون } هم على ما ينالهم منكم يقول: ~~فأنتم إن كنتم مؤمنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم مكذبون ~~به فأولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم. وهو ~~قول قتادة، والسدي، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، وابن عباس، وابن جريج. # النزول: # وقال ابن عباس، وعكرمة: الآية نزلت في أهل أحد لما أصاب المسلمين ما ~~أصابهم وصعد النبي (صلى الله عليه وسلم) الجبل وجاء أبو سفيان وقال يا ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم لنا ويوم لكم، فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) # " أجيبوه " # ، فقال المسلمون لا سواء لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ~~فقال أبو سفيان عزى لنا ولا عزى لكم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان اعل هبل، فقال النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) قولوا له: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان موعدنا ~~وموعدكم بدر الصغرى، ونام المسلمون وبهم الكلوم وفيهم نزلت { إن يمسسكم ~~قرح فقد.. } الآية. وفيهم نزلت { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون } لأن الله تعالى أمرهم على ما بهم من الجراح ان يتبعوهم وأراد ~~بذلك ارهاب المشركين فخرجوا إلى بعض الطريق وبلغ المشركين ذلك فاسرعوا ~~حتى دخلوا مكة. # المعنى ms1008 واللغة: # وقال بعضهم معنى { وترجون من الله ما لا يرجون } أي تخافون من جهته ما ~~لا يخافون كما قال: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله # بمعنى لا يخافون. وقال قوم لا يعرف في كلام العرب الرجاء بمعنى الخوف ~~إلا إذا كان في الكلام جحد سابق كما قال: # ما لكم لا ترجون لله وقارا # بمعنى لا تخافون لله عظيمة. وقال الشاعر: # لا ترتجى حين تلاقي الزائدا # أسبعة لاقت معا أو واحد # وقال أبو ذؤيب الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وحالفها في بيت نوب عوامل # قال: الفراء: نوب ونوب، وهو النحل. ولا يجوز أن تقول رجوتك بمعنى خفتك. ~~وانما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لأن الرجاء أمل قد يخاف ألا يتم. وهي ~~لغة حجازية. قال الكسائي: لم أسمعها إلا بتهامة ويذهبون معناها إلى ~~قولهم: ما أبالي وما أحفل قال الشاعر: # لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما # على أي جنب كان لله مصرعي # أي ما أبالي. وقوله: { كان الله عليما } يعني بمصالح خلقه حكيما في ~~تدبيره أياهم وتقديره أحوالهم. ### || [4.105-106] # المعنى: # خاطب الله بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم)، فقال: { إنا أنزلنا ~~إليك } يا محمد (صلى الله عليه وسلم) { الكتاب } يعني القرآن { بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله } يعني بما أعلمك الله في كتابه { ولا تكن ~~للخائنين خصيما } نهاه أن يكون لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ~~ماله خصيما يخاصم عنه، ويدفع من طالبه عنه بحقه الذي خانه فيه. ثم أمره ~~بأن يستغفر الله في مخاصمته عن الخائن مال غيره { إن الله كان غفورا ~~رحيما } يصفح عن ذنوب عباده ويسترها عليهم، ويترك مؤآخذتهم بها. وعندنا ~~أن الخطاب وإن توجه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من حيث خاصم من رآه ~~على ظاهر الايمان والعدالة، وكان في الباطن بخلافه فلم يكن ذلك معصية، ~~لأنه (ع) منزه عن القبائح فانما ذكر ذلك على وجه التأديب له في أن لا ~~يبادر فيخاصم ويدفع عن خصم إلا بعد أن ms1009 يبين الحق منه. والمراد بذلك امته ~~عليه السلام. على أنا لا نعلم أن ماروي في هذا الباب وقع من النبي (صلى ~~الله عليه وسلم)، لأن طريقه الآحاد، وليس توجه النهي إليه بدال على أنه ~~وقع منه ذلك المنهي قال # لئن أشركت ليحبطن عملك # ولا يدل ذلك على وقوع الشرك منه. وقال قوم من المفسرين: انه لم يخاصم عن ~~الخصم وإنما هم به فعاتبه الله على ذلك. # القصة والنزول: # والآية نزلت في بني أبيرق كانوا ثلاثة أخوة بشر وبشير ومبشر وكان بشر ~~يكنى أبا طعمة فنقبوا على عم قتادة بن النعمان وأخذوا له طعاما وسيفا، ~~ودرعا فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة وكان قتادة بدريا فجاء إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) فذكر له القصة، وكان معهم في الدار رجل يقال له ~~لبيد بن سهل وكان فقيرا شجاعا مؤمنا، فقال بنو ابيرق لقتادة هذا عمل ~~لبيد بن سهل، فبلغ لبيدا ذلك، فاخذ سيفه وخرج إليهم. وقال يا بني ابيرق ~~أترموني بالسرق وأنتم أولى به مني، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله ~~وتنسبون إلى قريش لتبنين ذلك أو لأضعن سيفي فيكم فداروه. وقالوا: ارجع ~~رحمك الله فانت بريء من ذلك. وبلغهم ان قتادة مضى إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) فمشوا إلى رجل من رهطهم يقال له أسير بن عروة، وكان ~~منطيقا لسنا فأخبروه، فمشى أسير إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ~~جماعة، فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن قتادة بن النعمان رمى ~~جماعة من أهل الحسب منا بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم وجاء قتادة إلى ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فأقبل عليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقال ~~عمدت إلى أهل بيت حسب ونسب رميتهم بالسرق وعاتبه فاغتم قتادة ورجع إلى ~~عمه، فقال: ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقد ~~قال لي ما كرهت، فقال عمه الله المستعان، فنزلت هذه الآية # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا ms1010 # يعني لبيد بن سهل حين رماه بنو ابيرق بالسرق { فقد احتمل بهتانا وإثما ~~مبينا } إلى قوله: # وكان فضل الله عليك عظيما # فبلغ ذلك بني ابيرق فخرجوا من المدينة، ولحقوا بمكة وارتدوا فلم يزالوا ~~بمكة مع قريش فلما فتح مكة هربوا إلى الشام فانزل الله فيهم # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى # إلى آخر الآيات. ولما مضى إلى مكة نزل على سلامة بنت سعد ابن شهيد امرأة ~~من الانصار كانت ناكحا في بني عبد الدار بمكة فهجاها حسان، فقال: # وقد أنزلته بنت سعد وأصبحت # ينازعها جلد استها وتنازعه # ظننتم بأن يخفي الذي قد صنعتم # وفينا نبي عنده الوحي واضعه # فحملت رحله على رأسها وألقته بالابطح وقالت. ما كنت تأتيني بخير أهديت ~~إلي شعر حسان. ونزل فيه قوله: # ومن يشاقق الرسول # هذا قول مجاهد، وقتادة بن النعمان، وابن زيد، وعكرمة، إلا أن قتادة، ~~وابن زيد، وعكرمة قالوا: إن بني ابيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له زيد ~~بن السمين، فجاء اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبمثله قال ~~ابن عباس. وقال ابن جريج: هذه الآيات كلها نزلت في أبي طعمة بن أبي ابيرق ~~إلى قوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # وقال: رمى بالدرع في دار أبي مليك ابن عبد الله الخزرجي فلما نزل القرآن ~~لحق بقريش، وقال الضحاك: نزلت في رجل من الانصار استودع درعا فجحد ~~صاحبها فخونه رجال من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) فغضب له قوم ~~فأتوا نبي الله، فقالوا: أخونوا صاحبا، وهو أمين مسلم؟ فعذره النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) وكذب عنه. وهو يرى أنه يريء مكذوب عليه، فأنزل الله فيه ~~الآيات. واختار الطبري هذا الوجه وقال: لأن الخيانة إنما تكون في الوديعة ~~فأما السارق فلا يسمى خائنا فحمله عليه أولى وكل ذلك جائز. ### || [4.107] # نهى الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم بمعنى يخونون أنفسهم فيجعلونها خونة بخيانتهم ms1011 ما خانوا من ~~الأموال. وهم الذين تقدم ذكرهم من بني ابيرق فقال: لا تخاصم عنهم فيما ~~خانوا فيه ثم أخبر { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } يعني من كان ~~صنعته خيانة الناس في أموالهم { أثيما } يعني مأثوما وبمثله قال من ~~تقدم من المفسرين قال قتادة: وفيهم نزلت الآيات إلى قوله: { ومن يشاقق ~~الرسول }. ### || [4.108] # معنى يستخفون يكتمون فأخبر الله تعالى ان هؤلاء الخائنين يكتمون خيانتهم ~~من الناس الذين لا يقدرون لهم على شيء إلا الذكر لهم بقبيح ما أتوه من ~~فعلهم وتشنيع ما ركبوه إذا اطلعوا منهم على ذلك حياء منهم وحذرا من قبح ~~الاحدوثة ولا يستخفون من الله الذي هو معهم بمعنى أنه مطلع عليهم لا يخفى ~~عليه شيء من أمرهم وبيده العقاب. والنكال وتعجيل العذاب فهو أحق بأن ~~يستحيا منه وأولى بأن يعظم من أن يراهم حيث يكرهه إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول معناه حين يسرون ليلا ما لا يرضى من القول فيغيرونه عن وجهه. ~~ويكونون فيه. والتبييت هو كل كلام أو أمر أصلح ليلا وأصله من فكرهم فيه ~~ليلا. وقال الشاعر: # أتوني فلم أرض ما بيتوا # وكانوا أتوني بشيء نكر # وحكي عن بعض طيء ان التبييت في لغتهم التبديل. وأنشد الاسود بن عامر بن ~~جوين الطائي في معاتبة رجل: # وبيت قولي عبد المليك # قاتلك الله عبدا كنودا # يعني بدلت قولي. وروي عن الاعمش عن أبي رزين: ان معنى { يبيتون ما لا ~~يرضى } يؤلفون ما لا يرضى يعني في رمي البريء بجرم السقيم. والمعنى ~~متقارب، لأن التأليف والتشويه والتغيير عما هو عليه وتحويله عن معناه إلى ~~غيره واحد والمعني بالآية الرهط الذين مشوا إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) في مسألة المدافعة عن بني ابيرق، والجدال عنه { وكان الله بما ~~تعملون محيطا } يعني يعلم ما يعلمه هؤلاء المستخفون من الناس وتبييتهم ~~ما لا يرضى من القول وغيره من أفعالهم { محيطا } بمعنى عالما محصيا لا ~~يخفى عليه شيء منه حافظا لجميعه ليجازيهم عليه ما ms1012 يستخفونه قال الزجاج: ~~الذي بيتوه قولهم إن اليهودي سارق الدرع وعزمهم على أن يحلفوا انهم ما ~~سرقوا وان يمينهم تقبل دون يمين اليهودي، لأنه مخالف الاسلام. ### || [4.109] # ها أنتم (ها) للتنبيه واعيدت مع (أولاء) والمعنى ها أنتم الذين جادلتم، ~~لأن (هؤلاء، وهذا) يكون في الاشارة للمخاطبين التي أنفسهم بمنزلة الذين. ~~وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، قال يزيد بن مفرغ: # نجوت وهذا تحملين طليق # أي والذي تحملين طليق. قال الزجاج هؤلاء بمعنى الذين، لأن المخاطب ~~المواجه لا يحتاج إلى الاشارة إلى نفسه. وقال المغربي: هؤلاء كناية عن ~~اللصوص الذين يجادل عنهم. وهو غير أنتم ولذلك حسن التكرير. ومعنى الآية ~~ها أنتم الذين جادلتم. والجدال أشد الخصومة مأخوذ من جدلت الحبل إذا ~~أحكمت فتله. ورجل مجدول شديد. والأجدل الصقر، لأنه أشد الطيور. والمعنى ~~يا معاشر من جادل عن بني أبيرق في الحياة الدنيا. والهاء والميم في عنهم ~~كناية عن الخائنين، فمن يجادل الله عنهم. معناه من ذا يخاصم الله عنهم ~~يوم تقوم الساعة يوم يقوم الناس من قبورهم إلى محشرهم فيدافع عنهم ما ~~الله فاعل بهم. والمعنى إنكم إن دافعتم في عاجل الدنيا فانهم سيصيرون في ~~الآخرة إلى من لا يدافع عنده عنهم أحد فيما يفعل بهم من العذاب وأليم ~~النكال. # وقوله: { أم من يكون عليهم وكيلا } معناه ومن ذا الذي يكون وكيلا على ~~هؤلاء الخائنين يوم القيامة يتوكل عنهم في خصومة الله عنهم يوم القيامة. ~~وقد بينا أن الوكالة هي القيام بأمر من يوكل له. ### || [4.110] # [المعنى]: # المعنى من يعمل ذنبا، وهو السوء، أو يظلم نفسه باكتساب المعاصي التي ~~يستحق بها العقوبة { ثم يستغفر الله } يعني يتوب اليه مما عمل من ~~المعاصي، ويراجعه { يجد الله غفورا رحيما } ومعناه يعلمه ساترا عليه ~~ذنبه بصفحه له عن عقوبة جرمه { رحيما } به. # واختلفوا فيمن عنى بهذه الاية، فقال قوم: عنى بها الخائنين الذين وصفهم ~~في الآية الاولى. # وقال آخرون: عنى الذين كانوا يجادلون عن الخائنين. قال لهم: { ها أنتم ~~جادلتم عنهم في الحياة ms1013 الدنيا }. والاولى حمل الآية على عمومها في كل من ~~عمل سوءا أو ظلم نفسه، وان كان سبب نزولها فيمن تقدم ذكره من الخائنين ~~أو المجادلين. وبه قال أكثر المفسرين: الطبري، والبلخي، والجبائي، وابن ~~عباس، وعبد الله ابن معقل، وابو وائل، وغيرهم. ### || [4.111] # [المعنى]: # المعنى من يأت ذنبا على عمد منه ومعرفة فانما يجترح وبال ذلك الذنب، ~~وضره وخزيه وعاره على نفسه دون غيره من سائر خلق الله. # والمعنى ولا تجادلوا أيها الناس الذين يجادلون عن هؤلاء الخونة - فانكم ~~وإن كنتم لهم عشيرة وقرابة - فيما أتوه من الذنب، ومن التبعة التي يتبعون ~~بها، فانكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم كنتم مثلهم، فلا تدافعوا ~~عنهم ولا تخاصموا { وكان الله عليما حليما } يعني عالما بما تفعلون ~~أيها المجادلون عن الخائنين أنفسهم، وغير ذلك من أفعالهم وافعال غيرهم { ~~حكيما } في أفعاله من سياستكم وتدبيركم، وتدبير جميع خلقه. # وقيل: إنها نزلت في أبريق. وفي الآية دلالة على أنه لا يؤخذ أحد بجرم ~~غيره، ولا يعاقب الاولاد بذنوب الآباء على ما يذهب اليه قوم من أهل ~~الحشو. ومثله قوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى ### || [4.112] # [ اللغة، والمعنى]: # الخطيئة، والخطيء: الأثم العمد، تقول: خطىء يخطأ: إذا تعمد الذنب، وأخطأ ~~يخطأ: إذا لم يتعمد. قال الزجاج: لما سمى الله تعالى المعاصي بانها خطيئة ~~ووصفها دفعة أخرى بأنها إثم، فصل بينهما ها هنا حتى يدخل الجنسان فيه. ~~وقال غيره: المعنى من يعمل خطيئة، وهي الذنب، أو إثما، وهو ما لا يحل من ~~المعصية، وفرق بين الخطيئة والاثم، لأن الخطيئة قد تكون عمدا وغير عمد، ~~والاثم لا يكون إلا عمدا. فبين تعالى أن من يفعل خطيئة على غير عمد منه ~~لها مما يلزمه فيه الغرامة، وان لم يكن إثم فيه، أو آثما فيه على عمد ~~منه، وهو ما يستحق به العقاب { ثم رمى به بريئا } يعني أضافه إلى من هو ~~بريء منه { فقد احتمل بهتانا } يعني فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذبا { ~~وإثما مبينا } يعني وجرما عظيما. # والبهتان: الكذب ms1014 الذي تتحير فيه من عظمه وبيانه. يقال: بهت فلان: إذا ~~كذب، وبهت يبهت: إذا تحير، قال الله تعالى: # فبهت الذي كفر # وإنما قال { به } وقد ذكر الخطيئة والاثم قال الفراء: لأنه يجوز أن يكنى ~~عن الفعلين أحدهما مؤنث والآخر مذكر بلفظ التذكير والتوحيد ولو كثر لجازت ~~الكناية بالتوحيد، لأن (الافاعيل) تقع على فعل واحد، فكذلك جاز، فان شئت ~~جعلتها لواحد، وإن شئت جعلت الهاء للاثم خاصة كما قال: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # فجعله للتجارة. وفي قراءة عبد الله { وإذا رأوا لهوا أو تجارة } فجعله ~~للتجارة في تقديمها وتأخيرها. ولو ذكر على نية اللهو لجاز وقد جاء مثنى، ~~قال تعالى: # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # وفى قراءة أبي { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم }. وفي قراءة ~~عبد الله بن مسعود مثله، لأنه في مذهب الجمع كما يقول: أصبح الناس صائما ~~ومفطرا، فأدى اثنان عن الجمع. وقال الزجاج: المعنى ثم يرمي بذلك بريئا. ~~قال رؤبة: # فيه خطوط من سواد وبلق # كأنه في الجلد توليع البهق # أي كأن ذلك. واختلفوا فيمن عنى به بقوله: { بريئا } بعد إجماعهم على أن ~~الرامي ابن أبيرق، فقال قوم: البريء رجل مسلم يقال له: لبيد بن سهل. وقال ~~آخرون: بل هو رجل يهودي يقال له زيد بن السمين. وقد ذكرناه فيما مضى. ~~وبالاخير قال ابن سيرين، ورواه ابو الجارود عن ابي جعفر (ع). ### || [4.113] # معنى الآية أنه لولا أنه تعالى تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وبيانه ~~لك أمر هذا الخائن حتى كففت عن الجدال عنه { لهمت طائفة } ومعناه لقد همت ~~فرقة منهم، بتقدير (قد) ذكره الفراء. ويعني بالفرقة التي همت من الخائنين ~~أنفسهم { أن يضلوك } بمعنى يزلوك عن الحق، ويخطئوك. وقيل: يهلكوك ~~بتلبيسهم أمر الخائن عليك وشهادتهم عندك بانه بريء مما ادعي عليه، ثم قال ~~تعالى: { وما يضلون } هؤلاء الذين هموا باضلالك عن الواجب في أمر هذا ~~الخائن { إلا أنفسهم }. واضلالهم انفسهم كان بأن الله لما كان قد بين ms1015 ~~لهم ما ينبغي أن يعملوا عليه من المعاونة على البر والتقوى، والا ~~يتعاونوا على الاثم والعدوان، فلما عدلوا عن ذلك وتعاونوا على الاثم ~~والعدوان، فكانوا بذلك مضلين انفسهم عن طريق الحق. # وقوله: { وما يضرونك من شيء } يعني هؤلاء الذين هموا بازلالك، لا ~~يضرونك، لأن الله قد يثبتك ويسددك في أمورك، ويبين لك أمر المحق والمبطل. # { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } معناه ومن فضل الله عليك يا محمد، ~~ما تفضل به عليك، انزاله عليك الكتاب الذي هو القرآن، وفيه تبيان كل شيء ~~وهدى وموعظة وانزل عليك الحكمة مضافة إلى الكتاب، وهي بيان ما ذكره في ~~الكتاب مجملا من أحكام الكتاب: من الحلال والحرام، والامر والنهي { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم } من خبر الاولين والآخرين وما كان وما هو كائن. وكل ذلك ~~من فضل الله. # وقوله: { وكان فضل الله عليك عظيما } يعني لم يزل فضل الله عليك يا ~~محمد عظيما، فاشكره على ما أولاك من نعمه واحسانه. قال الجبائي: وفي ~~الآية دلالة على أن التسمية بالضلال تسمى اضلالا، لأنه لو كان ذلك ~~صحيحا، لكانوا قد اضلوا النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث نسبوه إلى ~~الضلال وقد نفى الله عنه ذلك. وهذا ليس بصحيح لامرين: # أحدهما - انهم ما سموه بهذا الفعل ضالا، وانما قصدوا التمويه، والتلبيس ~~عليه، فلما كشف الله تعالى ذلك بطل غرضهم. # والثاني - ان من قال: إن الضلال يكون بمعنى التسمية لم يقل: إنه لا يكون ~~إلا كذلك، لان الاضلال على وجوه مختلفة: بمعنى التسمية، وغير ذلك مما ~~بيناه فيما تقدم. والاضلال يكون بمعنى الدفن قال النابغة: # وآب مضلوه بغير جلية # وغودر بالجولان جرم ونائل # يعني دافنوه. ### || [4.114] # (القراءة والحجة): # قرأ { فسوف يؤتيه } - بالياء - ابو عمر، وحمزة، وقتيبة، وخلف. الباقون ~~بالنون من قرأ بالياء حمله على قوله: { ومن يفعل }. ومن قرأ بالنون حمله ~~على المعنى. # أخبر الله تعالى: أنه لا خير في كثير من نجوى الناس جميعا. والنجوى هو ~~ما ينفرد به الاثنان أو الجماعة سرا كان أو جهرا. ويقال: نجوت ms1016 الشيء: ~~إذا خلصته والقيته. يقال: نجوت الجلد: إذا القيته عن البعير، وغيره قال ~~الشاعر: # فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنه # سيرضيكما منها سنام وغاربه # ونجوت فلانا: اذا استنكهته قال الشاعر: # نجوت مجالدا فوجدت منه # كريح الكلب مات حديث عهد # ونجوت الوتر واستنجيته إذا خلصته كما قال الشاعر: # فتبازت فتبازخت لها # جلسة الاعسر يستنجي الوتر # وأصله كله من النجوة، وهو ما ارتفع من الارض، قال الشاعر يصف سيلا: # فمن بنجوته كمن بعقوته # والمستكن كمن يمشي بقرواح # ويقول: ما أنجا فلان شيئا وما نجا شيئا منذ أيام إذا لم يتغوط. ~~والتقدير في الآية { لا خير في كثير } مما يديرونه بينهم من الكلام { إلا ~~} كلام { من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس }. # [الاعراب]: # قال الزجاج يحتمل موضع من نصبا وأن يكون خفضا، فالخفض على إلا في نجوى ~~من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح. والنصب على أن يكون إستثناء منقطعا ~~بمعنى لكن كأنه قال: لكن من أمر بصدقة أو معروف ففي نجواه خير. وطعن ~~بعضهم على الوجه الأول بأن قال لا يجوز أن يعطف بالا على الهاء والميم ~~في مثل هذا الموضع من أجل أنه لم ينله الجحد. وقال الفراء: يحتمل الخفض ~~على تقدير لا خير فى كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة فيكون النجوى على ~~هذا هم الرجال المتناجون كما قال: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم # وكما قال: # وإذ هم نجوى # والنصب على أن يجعل النجوى فعلا فيكون نصبا، لانه حينئذ يكون استثناء ~~منقطعا، لان (من) خلاف النجوى ومثله قول الشاعر: # وقفت فيها اصيلالا أسائلها # أعيت جوابا وما بالدار من أحد # إلا الأواري لاياما ابينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # ويحتمل وجها ثالثا أن يكون رفعا كما قال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير والا العيس # واقوى الوجوه أن تجعل (من) في موضع خفض بالرد على النجوى، ويكون بمعنى ~~المتناجين، خرج مخرج السكرى والجرحى، ويكون التقدير لا خير في كثير من ~~نجواهم يعني من المتناجين يا ms1017 محمد إلا فيمن أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح ~~بين الناس، فان أولئك فيهم الخير. # وقوله: { ومن يفعل ذلك } اشارة إلى ما تقدم من الامر بالصدقة والمعروف ~~والاصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله يعني طلب مرضاة الله ونصب ابتغاء ~~على أنه مفعول له وتقديره لابتغاء مرضاة الله، وهو في معنى المصدر، لأن ~~التقدير ومن يتبع ذلك ابتغاء مرضاة الله، وقوله: { فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } يعني ثوابا جزيلا في المستقبل. ### || [4.115] # المعنى: # معنى يشاقق الرسول يباين الرسول معاديا له، فيفارقه على العداوة، لأن ~~المشاقة هي المباينة على وجه العداوة { من بعد ما تبين له الهدى } معناه ~~من بعد ما نبين له وظهر أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله حق، ~~وهدى موصل إلى الصراط المستقيم بما معه من الآيات والمعجزات مثل القرآن ~~وغيره. وقوله: { ويتبع غير سبيل المؤمنين } معناه ويتبع غير سبيل من صدقه ~~وسلك منهاجا غير منهاجهم { نوله ما تولى } معناه نجعل ناصره ما استنصره ~~واستعان به من الأوثان والاصنام وهي لا تغنيه ولا تدفع عنه من عذاب الله ~~شيئا { ونصله جهنم } أي ونجعله صلى نار جهنم معناه نحرقه بها وقد بينا ~~معنى الصلى فيما تقدم { وساءت مصيرا } يعني موضعا يصير إليه من صار ~~اليه. # [القراءة]: # وقرأ ابو عمرو وحمزة وابو بكر الا البرجمي، والداجوى عن هشام، وابو جعفر ~~من طريق النهرواني قوله " ونصله، ونوده " " ولا يؤده " حيث وقع بسكون ~~الهاء فيهن، قال الزجاج يقول في ذلك كسر الهاء، واثبات الياء وضم الهاء، ~~واشباعها بالواو وبكسر الهاء بلا ياء. ولا يجوز اسكان الهاء بلا كسر، لان ~~الهاء من حقها أن تكون معها ياء فحذف الياء. واثبات الياء وضم الهاء ~~ضعيف، ولا يجوز حذف الياء إلا اذا كان هناك كسرة يدل عليها النزول ~~والمعنى. ونزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: { ولا ~~تكن للخائنين خصيما } لما أبى التوبة أبو طعمة بن الابيرق ولحق ~~بالمشركين من عبدة الاوثان بمكة مرتدا مفارقا رسول الله (صلى الله عليه ms1018 ~~وسلم) وهو قول مجاهد وقتادة، واكثر المفسرين. وهو المروي عن أبى جعفر ~~عليه السلام. # وقد استدل خلق من المتكلمين، والفقهاء بهذه الآية على أن الاجماع حجة، ~~بأن قالوا: توعد الله على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة ~~الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلولا أن اتباعهم واجب لم يجز ذلك، وهذا ليس ~~بصحيح من وجوه: # أحدها - أن الآية نزلت في من تقدم ذكره وكان قد ارتد ولحق بالمشركين ~~فيجب أن يتناوله ويتناول كل من يجري مجراه من المرتدين ومخالفي الاسلام. # والثاني - أن من أصحابنا من قال: لا نسلم أنه أزاد ب (من) في هذه الآية ~~الاستغراق، ولا بلفظة { سبيل } جميع السبل، ولا ب { المؤمنين } جميع ~~المؤمنين، فمن أين لهم وجوب الاستغراق. وإذا احتمل التخصيص، جاز لنا أن ~~نحمل على سبيل الايمان الذي من خالفه كان كافرا، أو المؤمنين أراد به ~~الائمة المعصومين، ولو جاز حملها على العموم، لوجب حملها على أهل جميع ~~الأعصار على وجه الجمع دون أهل كل عصر، لأن العموم يقتضي ذلك، فاذا خصوا ~~بأهل كل عصر، خصصنا ببعض أهل العصر على أنه إنما حرم اتباع غير سبيل ~~المؤمنين، فمن أين وجوب اتباع سبيلهم، ولم لا يجوز أن يكون اتباع غير ~~سبيلهم محصورا. # واتباع سبيلهم موقوفا على الدليل، ويجوز أن يكون أيضا محظورا مثله أو ~~مباحا أو مندوبا، فمن أين الوجوب مع احتمال جميع ذلك على أنه لو سلم ~~جميع ذلك، لكان يجب علينا اتباع إذا كانوا مؤمنين، لأنه هكذا أوجب، فمن ~~أين انهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين. ووجوب الاتباع تابع لكونهم مؤمنين، ~~فيحتاجون الى دليل آخر في أنهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين غير الآية على ~~أن ظاهر الآية يتضمن أن من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين يتناوله ~~الوعيد، فمن أين أنه إذا انفرد احدهما عن الآخر يتناوله الوعيد. ونحن ~~إنما نعلم تناول الوعيد على مشاقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بانفرادها ~~بدليل غير الآية، فعلى من خالف أن يقول: إن اتباع غير سبيل ms1019 المؤمنين ~~يتناوله الوعيد بدليل غير الآية. وقد استوفينا ما في هذه الآية في أصول ~~الفقه، وغيره من كتبنا مشروحا لا نطول بذكره ها هنا. ### || [4.116] # اخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغفر الشرك، وأنه يغفر ما دونه، ~~وقد بينا الاستدلال بذلك على ما نذهب اليه من جواز العفو عن مرتكبي ~~الكبائر من أهل الصلاة، وإن لم يتوبوا فيما مضى، فلا وجه لاعادته وقيل ~~أنه عنى بهذه الآية أبا طعمة الخائن حين أشرك ومات على شركه بالله، غير ~~أن الآية وإن نزلت بسببه، فعندنا وعند جميع الأمة أن الله لا يغفر لمن ~~أشرك به بلا توبة: لتناول العموم لهم، فان قيل: فعلى هذا من لم يشرك ~~بالله بان لا يعبد معه سواه، وإن كان كافرا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~من اليهود النصارى ينبغي أن يكون داخلا تحت المشيئة، لأنه مما دون الشرك! ~~قلنا: ليس الامرعلى ذلك لأن كل كافر مشرك، لأنه إذا جحد نبوة النبي اعتقد ~~أن ما ظهر على يده من المعجزات - ليست من فعل الله، ونسبها الى غيره، وان ~~الذي صدقه بها ليس هو الله، ويكون ذلك اشراكا معه على أن الله تعالى أخبر ~~عنهم بأنهم قالوا: - يعني النصارى - # المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزيز بن الله # وذلك هو الشرك بالله تعالى على أنه لو لم يكونوا داخلين في الشرك ~~لخصصناهم من جملة من تناولتهم المشيئة لاجماع الأمة على أن الله تعالى لا ~~يغفر الكفر على وجه الابتوبة. # وقوله: { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } يعني من يجعل في عبادته ~~مع الله شريكا، فقد ذهب عن طريق الحق وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا، ~~لأنه باشراكه مع الله في عبادته فقد أطاع الشيطان، وسلك طريقه وترك طاعة ~~ربه. ### || [4.117] # اختلفوا في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: # فقال أبو مالك، والسدي، وابن زيد، والزجاج: ان المراد بذلك آلهتهم، ~~واللات، والعزى، ومنات، وساف، ونائله سماهن إناثا بتسمية المشركين اياها ~~باسماء الاناث. # الثاني - قال ابن عباس، وقتادة، ms1020 والحسن: معناه إن يدعون من دونه الا ~~اناثا يقول ميتا ليس فيه روح، قال الحسن: الاناث كل شيء ميت ليس فيه ~~روح، مثل خشبة يابسة أو حجر يابس. وقال الزجاج: لان الموات يخبر عنها ~~بلفظ التأنيث كما يعبر عن المؤنث تقول: الاحجار تعجبني ولا تقول يعجبوني. # الثالث - قال الحسن في رواية أخرى: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم ~~أناثا، وكان لكل حي صنم يسمونها أنثى. # الرابع - قال مجاهد: الاناث هي الاوثان. وروي عن عروة عن أبيه أن في ~~مصحف عائشة الا أوثانا وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأها إلا وثنا جمع ~~وثن كأنه جمع وثنا، وثنا، ثم قلب الواو همزة مضمومة مثل وجوه وأوجه ~~وقتت واقتت، وقرأ بعضهم أنثا جمع أناث مثل ثمار وثمر والقراءة المشهورة ~~أناثا، وعليه القراء من أهل الامصار. # الخامس - قال الحسين بن علي المغربي: إلا اناثا معناه ضعافا عاجزين لا ~~قدرة لهم يقولون: سيف أنيث وميناثة بالهاء وميناث أي غير قاطع. قال صخر ~~الغي: # فتخبره بأن العقل عندي # جراز لا أفل ولا أنيث # وأنث في أمره: اذالان، وضعف والانيث المخنث، وقال الكميت: # وشذبت عنهم شوك كل قتادة # بفارس يخشاها الانيث المغمز # قال الازهري: والاناث الموات. وقوله: { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } ~~المعنى إن هؤلاء الذين يعبدون غير الله ليس يعبدون الا الجمادات، والا ~~الشيطان المريد وهو المتمرد على الله في خلافه فيما أمر به ونهى عنه وهو ~~ابليس، وبه قال قتادة واكثر المفسرين " ويدعون " معناه يعبدون، لأنهم، ~~إذا دعوا الله مخلصين، فقد عبدوه، ومثله قوله: # ادعوني أستجب لكم # اي اعبدوني بدلالة قوله: # إن الذين يستكبرون عن عبادتي # قال الزجاج: المريد هو الخارج عن الطاعة يقال حائط ممرد أي مملس وشجرة ~~مرداء إذا تناثر ورقها ومنه سمي أمرد ومن لا لحية له أي أملس موضع ~~اللحية، ويقال مرد الرجل يمرد مرودا ومرادة: إذا عتا وخرج عن الطاعة. ### || [4.118] # معنى لعنه الله ابعده الله من ثوابه، واخزاه واقصاه والهاه في { لعنه } ~~الله كناية عن الشيطان والتقدير، وان ms1021 يدعون إلا شيطانا مريدا قد لعنه ~~الله وابعده من كل خير. # وقوله: { وقال لأتخذن } يعني بذلك ان الشيطان المريد قال لربه (عز وجل) ~~اذ لعنه: لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا يعني قسما معلوما وبه قال ~~الضحاك. واتخاذ الشيطان النصيب من عباد الله يكون باغوائه اياهم عن قصد ~~السبيل، ودعائه اياهم إلى طاعته، وتزيينه لهم الضلال والكفر، فمن أجاب ~~دعاءه واتبعه، فهو من نصيبه المعلوم، وحظه المقسوم، وانما اخبر بذلك ~~ليعلم الذين شاقوا الرسول من بعد ما تبين له الهدى انهم من نصيب الشيطان ~~الذي لعنه الله. والمفروض: الموقت. والمعنى ها هنا ما افترضه عليهم من ~~طاعتي والفرض: القطع والفريضة الثلمة تكون في النهر والفريضة: كل ما أمر ~~الله به والزمه وقوله: # وقد فرضتم لهن فريضة # أي قطعة من المال وفرضت للرجل: إذا جعلت له قطعة من مال الفيء والفرض ~~التمر قال الشاعر: # إذا اكلت سمكا وفرضا # ذهبت طولا وذهبت عرضا # وإنما سمي التمر فرضا لأنه يؤخذ في فرائض الصدقة يقال: سقاها بالفراض ~~والفرض والفرض الحز يكون في المسواك يشد فيه الخيط، والفرض في القوس: ~~الحز يشد فيه الوتر. ### || [4.119-121] # [المعنى]: # قوله: { ولأضلنهم } إخبار عن الشيطان المريد الذي وصف صفته في الآية ~~الاولى انه قال لربه: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا. ولأضلنهم } ~~ومعناه ولاصدن النصيب المفروض الذي اتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى ~~الضلال ومن الاسلام إلى الكفر { ولأمنينهم } ومعناه أوهمهم انهم ينالون ~~في الآخرة حظا لأزيغنهم بما أجعل في أنفسهم من الاماني عن طاعتك وتوحيدك ~~الى طاعتي والشرك بي { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } يعني لامرن ~~النصيب المفروض من عبادك بعبادة غيرك من الانداد والاوثان ينسكوا له ~~ويحرموا يحللوا ويشرعوا غير الذي شرعه الله لهم فيتبعوني ويخالفوك. # [اللغة]: # والتبتيك: القطع تقول بتكت الشيء ابتكه تبتيكا: إذا قطعته. وبتكه وبتك ~~مثل قطعه وقطع وسيف باتك: قاطع والمراد في هذا الموضع قطع اذن البحيرة، ~~ليعلم انها بحيرة. واراد الشيطان بذلك دعاءهم إلى البحيرة فيستجيبون له، ~~ويعملون بها طاعة له. قال قتادة: البتك ms1022 قطع اذان البحيرة والسائبة ~~لطواغيتهم وقال السدي: كانوا يشقونها. وبه قال عكرمة وقوله: { ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } اختلفوا في معناه فقال ابن عباس، والربيع بن انس عن ~~انس: انه الاخصاء وكرهوا الاخصاء في البهائم وبه قال سفيان، وشهر بن ~~حوشب، وعكرمة وابو صالح وفي رواية أخرى عن ابن عباس فليغيرن دين الله وبه ~~قال إبراهيم ومجاهد وروي ذلك عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهم السلام قال ~~مجاهد: كذب العبد يعني عكرمة في قوله: إنه الاخصاء وإنما هو تغيير دين ~~الله الذي فطر الناس عليه في قوله: # فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم # وهو قول قتادة، والحسن والسدي، والضحاك، وابن زيد. وقال قوم: هو الوشم. ~~روي ذلك عن الحسن والضحاك وابراهيم ايضا وعبد الله. وقال عبد الله: لعن ~~الله الواشمات والموتشمات والمتفلجات المغيرات خلق الله وقال الزجاج: خلق ~~الله تعالى الانعام ليأكلوها، فحرموها على انفسهم وخلق الشمس والقمر ~~والحجارة مسخرة للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون وأقوى الاقوال من ~~قال: فليغيرن خلق الله بمعنى دين الله بدلالة قوله: { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } ويدخل في ذلك جميع ما ~~قاله المفسرون، لانه إذا كان ذلك خلاف الدين فالآية تتناوله، ثم اخبر ~~تعالى عن حال نصيب الشيطان المفروض الذين شاقوا # ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى # فقال ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله وخلاف امره { فقد خسر ~~خسرانا مبينا } معناه هلك هلاكا ظاهرا، وبخس نفسه حظها خسرانا مبينا ~~عن عطيه وهلاكه، لأن الشيطان لا يملك له نصيرا من الله إذا أراد عقابه، ~~ثم اخبر تعالى الشيطان أنه يعد من يتبعه ويمنيهم فيعدهم النصر ممن ~~ارادهم، ويمنيهم الظفر على من أرادهم بمكروه، ثم قال تعالى: { وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } يعني باطلا وسماه غرورا، لانهم كانوا يظنون أن ذلك ~~حق، فلما بان لهم أنه باطل، كان غرورا وقوله: { أولئك مأواهم جهنم } ~~إشارة إلى هؤلاء الذين ms1023 اتخذوا الشيطان وليا من دون الله مأواهم يعني ~~مصيرهم الذين يصيرهم اليه جهنم ولا يجدون عنها محيصا يعني لا يجدون عنها ~~معدلا إذا حصلوا فيها. # [اللغة]: # يقول حاص فلان عن هذا الامر يحيص حيصا وحوصا: اذا عدل عنه ومنه حديث ~~ابن عمر (بعثا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سرية، كنت فيهم فلقينا ~~المشركين فحصنا حيصة) وقال بعضهم: فجاضوا جيضة وهما بمعنى واحد، غير انه ~~لا يقرأ إلا بالصاد والحاء وحصت احوص حوصا وحياصا إذا خطت يقال حص عين ~~صقرك، اي خط عينه والحوص في العين مؤخرها. والخوص غورها. ### || [4.122] # لما ذكرالله تعالى حكم من يشاقق الرسول، ويتبع غير سبيل المؤمنين، وذكر ~~ان من يشرك به لا يغفر له وبين حكم من يتبع الشيطان ويكون من نصيبه، ذكر ~~في هذه الآية حكم من يؤمن به ويوحده، ويقر بنبيه ويصدقه ويضيف الى ذلك ~~عمل الصالحات، وانه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا على ~~اعمالهم، وجزاء إيمانهم، ويخلدهم فيها " وخالدين " نصب على الحال ~~والمعنى ان هذه الحال ستدوم لهم، وتتأبد، وان ذلك وعد حق من الله لهم ~~وقوله: { ومن أصدق من الله قيلا } صورته صورة الاستفهام والمراد به ~~التقرير والانكار والمعنى لا أحد اصدق من الله قيلا أي قولا ووعدا، ~~لانه لا يجوز عليه خلف الميعاد ولا الاخلال بما يجب عليه من الثواب. ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [4.123] # المعنى: # في { ليس } ضمير والتقدير ليس الثواب بامانيكم، ولا أماني أهل الكتاب ~~والاماني يخفف ويثقل فيقال بامانى وامانى على وزن افاعيل وفعالل كقراقير ~~وقراقر. واختلفوا في من عنى بهذه الآية فقال مسروق تفاخر المسلمون، وأهل ~~الكتاب، فقال المسلمون نحن اهدى منكم. وقال أهل الكتاب: نحن اهدى منكم. ~~فانزل الله تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز ~~به } فقال أهل الكتاب نحن وأنتم سوآء فانزل الله تعالى { ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر وأنثى وهو مؤمن } ففلح المسلمون. ذهب الى ذلك قتادة ~~والسدي، والضحاك وابو صالح. وقال مجاهد ms1024 معناه ليس بامانيكم يعني أهل ~~الشرك من قريش، لانهم قالوا: لا نبعث ولا نعذب، ولا اماني أهل الكتاب ~~انهم خير من المسلمين، ولا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ذهب ~~اليه ابن زيد وهذا الوجه أقوى لانه لم يجر لاماني المسلمين ذكر وقد جرى ~~ذكر اماني الكفار في قوله: { ولأمنينهم } يعني الذي يتخذهم الشيطان ~~نصيبا مفروضا ويقوي ذلك أن الله تعالى قد وعد المؤمنين بقوله: { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } بادخال الجنة والخلود فيها. وتلك غاية أماني ~~المسلمين، فكيف ينفي بعد ذلك امانيهم؟. # وقوله: { ومن يعمل سوء يجز به } اختلفوا في تأويله فقال قوم: إنه يريد ~~بذلك جميع المعاصي صغائرها وكبائرها وإن من ارتكب شيئا منها، فان الله ~~يجازيه عليها. اما في الدنيا أو في الآخرة ذهب اليه قتادة وعائشة، ~~ومجاهد. وقال آخرون: من يعمل سوء من أهل الكتاب، نجزيه ذهب اليه، الحسن. ~~قال: كقوله: # وهل نجازي إلا الكفور # وبه قال ابن زيد والضحاك وهو الذي يليق بمذهبنا، لانا نقطع على ان ~~الكفار لا يغفر لهم على حال والمسلمون يجوز أن يغفر لهم ما يستحقونه من ~~العقاب، فلا يمكننا القطع على أنه لا بد أن يجازي بكل سوء. وقال قوم: ~~معنى السوء ها هنا الشرك فمعنى الآية من يعمل الشرك يجز به ذهب اليه ابن ~~عباس وسعيد بن جبير. وروى أبو هريرة انه لما نزلت هذه الآية شقت على ~~المسلمين، فشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال (صلى الله عليه ~~وسلم): # " فادفعوا وتشددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها ~~او الشوكة يشاكها " # وقيل لبعض الصحابة: أليس بمرض، اليست تصيب اللأواء؟. قال: بلى فهو ما ~~تجزون به. # وقوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } معناه ولا يجد الذي ~~يعمل سوء من معاصي الله، وخلاف أمره وليا يلي أمره وينصره ويحامي عنه، ~~ويدفع عنه ما ينزل به من عقوبة الله، { ولا نصيرا } يعني ناصرا ينصره ~~مما يحل به من عقاب الله، واليم ms1025 عذابه. # واستدلت المعتزلة على المنع من غفران معاصي أهل الصلاة بهذه الآية. ~~قالوا: لأنه تعالى بين أنه يجازي على كل سيئة، وذلك يمنع من جواز العفو ~~قلنا: قد تكلمنا على نظير ذلك فيما مضى بما يمكن اعتماده ها هنا منها انا ~~لا نسلم انها تستغرق جميع من فعل السوء، بل في أهل التأويل من قال: ~~المراد به الشرك. وهو ابن عباس وقد قدمناه، ثم لا خلاف أن الآية مخصوصة، ~~لأن التائب ومن كانت معصيته صغيرة، لا يتناوله العموم، فاذا جاز لهم ~~تخصيص الفريقين، جاز لنا أن نخص من يتفضل الله عليه بالعفو. وهذا واضح ~~وقد بينا الجواب عما يزاد على ذلك من الاسئلة بما فيه كفاية فيما مضى وفي ~~كتاب شرح الجمل، لا نطول بذكره ها هنا. ### || [4.124] # [القراءة]: # قرأ ابن كثير وابو عمرو، وابو بكر، الا الكسائى وابو جعفر وروم { ~~يدخلون } بضم الياء وفتح الخاء ها هنا وفي مريم والمؤمن. وافقهم رويس ~~الا في هذه السورة. # [المعنى]: # وعد الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من الذكور والاناث إذا عملوا ~~الاعمال الصالحات، وهم مؤمنون مقرون بتوحيد الله وعدله، مصدقون بنبيه ~~(صلى الله عليه وسلم)، عاملون لما اتى به بأنه يدخلهم الجنة وينيبهم ~~فيها، ولا يبخسهم شيئا مما يستحقونه من الثواب، وان كان مقدار نقير في ~~الصغر، وهي النقطة التي في ظهر النواة، وقيل منها تنبت النخلة. # ومن ضم الياء وفتح الخاء، فلانه قال: { ولا يظلمون } فضم الياء، ليزدوج ~~الكلام، ولأنهم لا يدخلونها حتى يدخلوها. ومن فتح الياء، فلانهم إذا ~~ادخلوا الجنة، فقد دخلوها. فان قيل ظاهر الآية يقتضي انه لا يثيب الا من ~~آمن وعمل الصالحات فمن انفرد بالايمان، لا يستحق الثواب، وكذلك من فعل ~~بعض الصالحات قلنا: ظاهر العموم مخصوص بلا خلاف لانه لو آمن بالله واليوم ~~الآخر واخترم عقيبه، لا خلاف انه يدخل الجنة، فكذلك إذا اخل ببعض ~~الصالحات أو ارتكب معصية، فانا نعلم دخوله الجنة بدليل آخر على أن (من) ~~في قوله: { من الصالحات } يقتضي أنه لو ms1026 فعل بعض الصالحات لأدخل الجنة، ~~لأنها للتبعيض. وانما تقتضي الاستغراق إذا حملت على ان معناها بيان ~~الصفة، فاذا احتمل الظاهر ما قلناه، سقطت المعارضة فاما من قال: ان (من) ~~زائدة فلا يعول على قوله، لانه إذا امكن حمل الكلام على فائدة، لم يجز أن ~~يحمل على الزيادة. وبما قلناه في معنى النقير، قال مجاهد وعطية والسدي ~~وغيرهم. ### || [4.125] # قضى الله تعالى في هذه الآية للاسلام بالفضل على سائر الملل بقوله: ومن ~~أحسن دينا ايها الناس وهو في صورة الاستفهام. والمراد به التقرير. ~~والمعنى من احسن دينا وأصوب طريقا، واهدى سبيلا ممن اسلم وجهه لله يعني ~~استسلم وجهه لله. والوجه يراد به ها هنا نفسه وذاته كما قال: # كل شيء هالك إلا وجهه # فانقاد له بالطاعة ولنبيه (صلى الله عليه وسلم) بالتصديق { وهو محسن } ~~بمعنى وهو فاعل للفعل الحسن مما امره الله به { واتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~} يعني واتبع الذي كان عليه (ابراهيم)؛ وامر به نبيه من بعده، وأوصاهم به ~~من الاقرار بتوحيده، وعدله وتنزيهه عما لا يليق به { حنيفا } يعني ~~مستقيما على منهاجه وسبيله. وقد بينا فيما مضى معنى الحنيف، فلا فائدة في ~~إعادته، وبمثل ذلك قال الضحاك، وغيره من المفسرين. # وقوله: { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ومعنى الخليل يحتمل أمرين: # احدهما - المحبة، مشتقا من الخلة بضم الخاء والمعنى اتخذ الله ابراهيم ~~محبا وتكون خلة ابراهيم: موالاته لاولياء الله ومعاداته لاعدائه. وخلة ~~الله له نصرته على من اراده بسوء مثل ما اراد نمرود من احراقه بالنار، ~~فانقذه الله منها، وأعلى حجته عليه. وكما فعل بملك مصر حين راوده عن ~~اهله، وجعله اماما لمن بعده من عباده، وقدوة لهم. # والثاني - ان يكون ذلك مشتقا من الخلة التي هي الفقر بفتح الخاء - كما ~~قال زهير يمدح هرم بن سنان: # وان أتاه خليل يوم مسألة # يقول لا غائب مالي ولاحرم # ويروى يوم مسغبة وهو الاظهر وانما انشد البلخي يوم مسألة، وهو بخلاف ~~الروايات. وقال آخر: # واني وان لم تسعفانى بحاجة # إلى آل ليلى مرة ms1027 لخليلي # أي لمحتاج. وقيل: انه أصاب أهل ناحية ابراهيم (ع) جدب، فارتحل الى خليل ~~له من أهل مصر يلتمس طعاما لاهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب ~~من أهله مر بمفازة ذات رمل لينة فملأ غرائره من ذلك الرمل لئلا يغم أهله ~~برجوعه بغير ميرة، فيظنوا ان معه طعاما فحول الله تعالى غرائره دقيقا، ~~فلما وصل إلى اهله قام أهله، ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقا، فعجنوا منه، ~~فخبزوا فاستيقظ ابراهيم فسألهم من اين خبزوا؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت ~~به من عند خليلك المصري فقال: لا بل من عند خليلي الله (عز وجل) فسماه ~~الله خليلا. فهذا ما روي وهو من آيات الانبياء (صلى الله عليه وسلم) فاما ~~الاشتقاق فالخلة بضم الخاء: الصداقة. والخلة بفتح الخاء: الحاجة، واستعمل ~~فى الحاجة، للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يحتاج اليه. والخلة بمعنى ~~الصداقة، فلان كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة، والحاجة. وقيل: ~~لانه يطلعه على اسراره فكانه في خلل قلبه والخلل: كل فرجه تقع في شيء ~~والخلال: هو ما يتخلل به لانه يتبع به الخلل بين الاسنان. # قال الشاعر: # ونظرن من خلل الستور باعين # مرضى مخالطها السقام صحاح # يعني نظرن من الفرج التي في الستور وقولهم: لك خلة من خلال. تأويله إني ~~أخلي لك من رأيي، او مما عندي عن خلة من خلال ومعنى أخلي أخلل. فابدل من ~~إحدى اللامين ياء. ويجوز أن يكون أخلي من الخلوة، والخلوة والخلل يرجعان ~~إلى معنى واحد. والخل: الطريق في الرمل إذا انفرجت منه فرجة فصارت ~~طريقا. والخل ما يؤكل معروف. واختار الفراء والبلخي أن يكون من الخلة ~~التى هي الفقر قال: ويخالف المحبة، لان المحبة من الله لعبده هي الثناء ~~عليه ومدحه له، ولانه يحب الانسان ما ليس من جنسه، ولا يخاف إلا ما هو من ~~جنسه. وعلى ما بيناه، لا يمنع ذلك وإن كان فيه بعض التجوز. وقال الازهري: ~~الخليل الذي خص بالمحبة يقال: دعا فلان فخلل أي خص. واختار الجبائي هذا ms1028 ~~الوجه وقال: كل نبي فهو خليل الله، لأنه خصه بما لم يخص به غيره. والخلة: ~~الخصلة، وجمعها خلال. وانما خص الله تعالى ابراهيم بأنه خليله من الفقر، ~~وان كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته تشريفا له بالنسبة اليه، واختصاصه ~~به من حيث انه فقير اليه لا يرجو لسد خلته سواه. وخص ابراهيم من بين سائر ~~الانبياء بانه خليل الله على المعنيين، كما خص موسى بانه كليم الله ومحمد ~~(صلى الله عليه وسلم) بانه حبيب الله، وعيسى بانه روح الله ولا يلزم على ~~ذلك تسمية عيسى بانه ابن الله، لان هذه اللفظة لا تستعمل حقيقتها إلا في ~~من خلق من مائه أو ولد على فراشه، ومجازها في من يجوز ذلك فيه. ولذلك لا ~~يجوز أن يتخذ الشاب شيخا ابنا، وان جاز ان يتبنى بصبي، ولا يجوز أن ~~يتخذ البهيمة ابنا، لما لم يجز أن تكون مخلوقة من مائه على وجه. # والحنيفية التي أمر الله نبيه بأن يتبع ابراهيم فيها عشرة اشياء: خمسة ~~في الرأس وخمسة في الجسد. فالتي في الرأس: المضمضة. والاستنشاق، والسواك، ~~وقص الشارب، والفرق لمن يكون طويل الشعر، والتي في الجسد: فالاستنجاء، ~~والختان، وحلق العانة، ونتف الابط وقص الاظفار وجميع ذلك مستحب الا ~~الختان والاستنجاء، فانهما واجبان. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقال ~~الجبائي كلما كان تعبد الله به ابراهيم، فانه تعبد به النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وأمته وزاده اشياء لم يتعبد بها ابراهيم (ع) وعموم الآية ~~يقتضي ما قاله، وإن كان ذلك شرعا لنبينا من حيث اعلمه الله ذلك، وتعبده ~~به بوحي من جهته. ### || [4.126] # لما ذكر الله تعالى انه اتخذ ابراهيم خليلا لطاعته ربه واخلاصه له ~~العبادة، ومسارعته الى رضاه، بين ذلك بفضله لا من حاجة الى خلته فقال: ~~وكيف يحتاج الى خلته من له ما فى السماوات والارض من قليل وكثير ملكا، ~~ومع ذلك مستغن عن جميع خلقه. وجميع الخلق يحتاجون اليه فكيف يحتاج الى ~~خلة ابراهيم، لكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه وامتثاله ما ms1029 يأمره به. # { وكان الله بكل شيء محيطا } يعني لم يزل الله عالما بجميع ما فعل ~~عباده ان كان محسنا اثابه، وان كان مسيئا عاقبه ان شاء. ### || [4.127] # [المعنى]: # يسألك يا محمد، اصحابك ان تفتيهم في أمر النساء، والواجب لهن وعليهن. ~~واكتفى بذكر النساء من ذكر شأنهن لدلالة الكلام على المراد { قل الله ~~يفتيكم فيهن } يعني قل يا محمد، انه يفتيكم فيهن يعني في النساء وما يتلى ~~عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن. # [الاعراب]: # واختلفوا في اعراب { ما يتلى }. قال الزجاج والفراء معا: يحتمل ان يكون ~~موضع (ما) رفعا والتقدير في قول الزجاج، والذي يتلى عليكم في الكتاب ~~أيضا يفتيكم فيه. وقال الفراء تقديره الله يوصيكم فيهن وما يتلى عليكم. ~~وقالا جميعا يجوز ان يكون موضع (ما) خفضا بالعطف على فيهن إلا ان ~~الزجاج ضعف هذا وقال: هذا بعيد لان عطف المظهر على المضمر لا يجوز. وقال ~~الفراء: يجوز على تقدير فيهن وما يتلى عليكم. # واختلفوا في تأويل { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي ~~لا تؤتونهن ما كتب لهن } فقال قوم: الذي يتلى عليكم هو آيات الفرائض التي ~~في أول السورة. روى ذلك سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان اهل الجاهلية ~~لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فانزل الله آية الميراث ~~أول السورة، وهو معنى { اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن }. وبه قال مجاهد: ~~وروي ذلك عن ابي جعفر (ع). وقال قوم: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة بها ~~ذمامة، ولها مال، فكان يرغب عنها ان يتزوجها ويحبسها لما لها طمعا أن ~~تموت فيرثها، فنزلت الآية. ذهب اليه عائشة، وقتادة والسدي وابو مالك ~~وابراهيم قال السدي: كان جابر بن عبد الله الانصاري ثم السلمي له بنت عم ~~عمياء ذميمة قد ورثت عن أبيها مالا، فكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا ~~ينكحها مخافة أن يذهب الروج بما لها فسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ~~ذلك وقال: اترث إذا ms1030 كانت عمياء؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): نعم فانزل ~~الله فيه هذه الآية. وقال قوم: معناه يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في ~~آخر السورة من قوله: { يستفتونك قل الله يفتيكم } في الكلالة ذهب اليه ~~ابن جبير وقالت عائشة: كان الرجل تكون في حجره اليتيمة تشاركه في ماله ~~فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، ~~فنهى الله عن ذلك في قوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا } ~~من غيرهن { ما طاب لكم } قالت: وقوله: { وما يتلى عليكم } هو ما ذكره في ~~أول السورة من قوله: { وإن خفتم ألا تقسطوا }. فعلى هذه الاقوال (ما) في ~~موضع خفض بالعطف على الهاء والنون في قوله: { فيهن } والتقدير قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم، وعلى ما قال الفراء: قل الله يفتيكم فيهن ما ~~يتلى عليكم في الكتاب وقال آخرون: نزلت الآية في قوم من اصحابه (صلى الله ~~عليه وسلم) سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر ~~كانوا يفعلونها، فافتاهم الله فيما سألوه عنه، وفيما تركوا المسألة عنه ~~ذهب اليه محمد بن أبي موسى. # ويكون معنى قوله: وما يتلي عليكم في الآية التي بعدها وقيل: هم اليتامى ~~الصغار من الذكور والاناث. وما بعدها قوله: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا } والذي سألوا عنه، فاجيبوا ما كتب الله لهن من ~~الميراث في آية الميراث. واختار الطبري أن يكون المراد به آيات الفرائض ~~قال: لأن الصداق ليس مما كتب الله للنساء الا بالنكاح، فما لم تنكح فلا ~~صداق لها عند احد. # وقوله: { والمستضعفين من الولدان } في موضع جر وتقديره وفي المستضعفين ~~من الولدان. وقيل هم اليتامى الصغار من من الذكور والاناث، لانهم كانوا ~~لا يورثون الصغار من الذكور حتى يبلغ. # { وأن تقوموا لليتامى } والمعنى وفي ان تقوموا لليتامى بالقسط على ما ~~قاله في قوله: { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى }: فأمرهم أن يؤتوا ~~المستضعفين من الولدان حقوقهم من الميراث، ويعدلوا فيهم، ويعطونهم ما ms1031 ~~فرضه الله لهم في كتابه. وبه قال السدي، وابن زيد، ومجاهد، وابن عباس. # وقوله: { وترغبون أن تنكحوهن } معناه ترغبون عن أن تنكحوهن. وقال الحسن ~~في قوله: { والمستضعفين من الولدان } قال: يعني في يتامى النساء اللاتى ~~لا تؤتونهن أي الا يأكلوا اموالهم إلا بالقسط، يعني بالعدل. وقال عبيدة ~~السليمانى فيما رواه ابن سيرين عنه ان معنى { وترغبون أن تنكحوهن } ~~ترغبون فيهن. وفي رواية ابن عون عن ابن شيرين يرغبون عنهن. وقال الحسن: ~~يرغبون عنهن وكان عيينة بن حضن يقول: يا محمد أتعطي الوالدان المال؟ ~~وانما يأخذ المال من يقاتل ويجوز الغنيمة، فنزل قوله: { والمستضعفين من ~~الولدان }. # وقوله: { وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } المعنى مهما ~~فعلتم، أيها المؤمنون من عدل في أمر اليتامى التي أمركم الله أن تقوموا، ~~فيهن بالقسط، وأنتهيتم فيه إلى أمره وإلى طاعته، فان الله كان به عالما ~~لم يزل وقيل معنا إن الله سيجازيكم عليه كما يقول القائل أنا أعرف لك ما ~~تفعله بمعنى اجازيك عليه. ### || [4.128] # [القراءة والحجة]: # قرأ اهل الكوفة أن يصلحا بضم الياء وكسر اللام وبسكون الصاد. الباقون ~~يصالحا بتشديد الصاد فمن شدد الصاد، قال معناه يتصالحا ويكون قوله: { ~~صلحا } اسما لا مصدرا ومن قرأ بخلافه قال: هو مصدر. # [المعنى]: # يقول الله تعالى: { وإن امرأة خافت } ومعناه علمت { من بعلها } ، أي ~~زوجها { نشوزا } يعني استعلاء بنفسه عنها الى غيرها. وارتفاعا بها ~~عنها: إما لبغضه، واما لكراهة منه شيئا منها إما ذمامتها، واما سنها ~~وكبرها، أو غير ذلك { أو إعراضا } يعني انصرافا بوجهه او ببعض منافعه ~~التي كانت لها منه { فلا جناح عليهما } أي لا حرج عليهما ان يصالحا ~~بينهما صلحا بان تترك المرأة له يومها، او تضع عنه بعض ما يجب لها. من ~~نفقة او كسوة، وغير ذلك تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك ~~بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، ثم قال: { والصلح } بترك بعض الحق ~~استدامة للخدمة، وتمسكا بعقد النكاح خير من طلب الفرقة، وقال بعضهم: ~~الصلح خير من ms1032 النشوز، والاعراض والأول أشبه. هذا إذا كان بطيبة من نفسها، ~~فان لم يكن كذلك، فلا يجوز له الا ما يسوغ في الشرع من القيام بالكسوة ~~والنفقة، والقسمة وإلا يطلق. وبهذه الجملة قال علي عليه السلام، وعمر ~~وابن عباس، وسعد بن جبير وعائشة وعبيدة السلماني، وابراهيم والحكم ~~وقتادة، ومجاهد وعامر الشعبي والسدى، وابن زيد قال ابن عباس: خشيت سودة ~~بنت زمعة ان يطلقها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت لا تطلقنى ~~واجلسنى مع نسائك ولا تقسم لي، فنزلت { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ~~أو إعراضا } وقال سعيد بن المسيب عن سليمان بن يسار. ان رافع بن خديج ~~كانت تحته امرأة قد علا من سنها، قال أبو جعفر (ع) هي بنت محمد بن مسلمة، ~~فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فابت الاولى أن تقر على ذلك، فطلقها ~~تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسيرا قال: إن شئت راجعتك وصبرت على ~~الاثرة، وان شئت تركتك حتى يخلو أجلك، ثم طلقها الثانية، وفعل فيها ما ~~فعل اولا، قالت: بل راجعنى واصبر على الاثرة، فراجعها. فذلك الصلح الذي ~~بلغنا أن الله أنزل فيه { وإن امرأة خافت.. الآية }. # وقوله: { وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } واختلفوا في تأويله فقال بعضهم واحضرت الانفس النساء الشح على ~~انصبائهن من انفس ازواجهن واموالهم وايامهن منهم. ذهب اليه ابن عباس وسعد ~~بن جبير وعطا، وابن جريج والسدي. ويزعم انها في سورة بنت زمعة، ورسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) لانها كانت كبرت، فاراد رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) ان يطلقها، فاصطلحا على ان يمسكها ويجعل يومها لعائشة، فشحت ~~بمكانها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم). # وقال آخرون: واحضرت انفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه. ~~وهو اعم فيكون شح المرأة بترك حقها من النفقة والقسمة وغير ذلك وشح الرجل ~~إنفاقه على التي لا يريدها، وبذلك قال ابن وهب، وابن زيد. والشح: افراط ~~في الحرص على الشيء ويكون ms1033 بالمال وبغيره من الاعراض يقال: هو شحيح بمودتك ~~اي حريص على دوامها ولا يقال في ذلك بخيل والبخل يكون بالمال خاصة. قال ~~الشاعر: # لقد كنت في قوم عليك اشحة # بفقدك إلا ان من طاح طائح # يودون لو خاطوا عليك جلودهم # وهل يدفع الموت النفوس الشحائح # فان قيل: قوله: { وإن امرأة خافت } ليس فيه ان الرجل نشز على امرأة ~~والخوف ليس معه يقين قلنا: عنه جوابان: # احدهما - إن الخوف في الآية بمعنى العلم وتقديره، وإن امرأة علمت. # والثاني - انها لا تخاف النشوز من الرجل إلا وقد بدأ منه ما يدل على ~~النشوز والاعراض من أمارات ذلك ودلائله. وقوله: { وإن امرأة خافت } ~~ارتفعت المرأة بفعل مضمر دل عليه ما بعد الاسم، وتقديره وإن خافت امرأة ~~خافت والتفرقة بين ان التي للجزاء والفعل الماضي قال الزجاج هو جيد، ولا ~~يجوز ذلك في الفعل المستقبل. لا تقول: ان امرأة تخف، (ان) لا تفصل بينهما ~~وبين ما يجزم ويجوز ذلك في ضرورة الشعر قال الشاعر: # فمتى واغل بينهم يحيوه # ويعطف عليه كاس الساقي # وانما جاز في الماضي مع الاختيار، لان (ان) غير عاملة في لفظه وان لم ~~تكن من حروف الجزاء، فجاز أن يفرق بينهما وبين الفعل، وغير ان يقبح فيه ~~الفصل مع الماضي والمستقبل لا تقول: متى زيد جاءنى اكرمته، ويجوز ان ~~تقول: إن الله أمكنني فعلت. # وقوله: { وإن تحسنوا } خطاب للرجال يعني ان تفعلوا الجميل بالصبر على من ~~تكرهون من النساء، وتتقوا من الجور عليهن في النفقة والعشرة بالمعروف، ~~فان الله عالم بذلك. وكان عالما بما تعملون فيما قبل فيجازيكم على ذلك. ### || [4.129] # [المعنى]: # نفى الله تعالى في هذه الآية ان يقدر احد من عباده على التسوية بين ~~النساء والازواج في حبهن والميل إليهن حتى لا يكون ميله الى واحدة منهن ~~الا مثل ما يميل الى الاخرى. لان ذلك تابع لما فيه من الشهوة، وميل ~~الطبع. وذلك من فعل الله تعالى، ولا صنع للخلق فيه، وان حرص على ذلك كل ~~الحرص. وليس يريد ms1034 بذلك نفي القدرة على التسوية بينهن في النفقة، والكسوة ~~والقسمة، لأنه لو كان كذلك لما أمر الله تعالى بالتسوية في جميع ذلك، ~~لانه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه. كما قال: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # وقال: # لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها # ولا تجوز المناقضة في كلامه تعالى. ولو حملنا على انه نفى الاستطاعة في ~~التسوية بينهن في النفقة، جاز أن يكون المراد به ان ذلك لا يخف عليكم بل ~~يثقل ويشق عليكم تسويتهن، لميلكم الى بعضهن، فاباح الله تعالى حينئذ ورخص ~~ان يفضل بعضهن على بعض في ما زاد على الواجب من القسمة والنفقة، ولا ~~يؤاخذه بذلك. # وقوله: { فلا تميلوا كل الميل } معناه فلا تعدلوا باهوائكم عمن لم ~~تملكوا محبته منهن كل الميل حتى يحملكم ذلك على أن تجوروا على صواحبها في ~~ترك أداء الواجب لهن عليكم من حق القسمة، والنفقة والكسوة، والعشرة ~~بالمعروف، { فتذروها كالمعلقة } ، يعني تذورا التي لا تميلون اليها ~~كالمعلقة يعني كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي ايم. وبه قال مجاهد وعبيدة، ~~والحسن وابن عباس، وقتادة وابن زيد والضحاك وسفيان، والطبري والجبائي ~~والبلخي وغيرهم. وهو المروي عن ابي جعفر (عليه السلام) وابى عبد الله ~~(عليه السلام). وروى ابو ملكية أن الآية نزلت في عائشة وروى ابو قلابة عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) انه كان يقسم بين نسائه ويقول: اللهم هذه ~~قسمتي في ما املك فلا تلمنى فيما تملك، ولا املك وقوله: { وإن تصلحوا } ~~يعني في القسمة بين الازواج والتسوية بينهن في النفقة، والكسوة والعشرة ~~بالمعروف، وتتركوا الميل الذي نهاكم الله عنه، من تفضيل واحدة على الاخرى ~~في ذلك، { فإن الله كان غفورا رحيما } تستر عليكم ما مضى منكم من الحيف ~~في ذلك اذا تبتم، ورجعتم الى الاستقامة والتسوية بينهن، ويرحمكم بترك ~~المؤاخذة على ذلك، وكذلك كان يفعل فيما مضى مع غيركم يعني في قبول التوبة ~~من كل تائب مقلع نادم على ما فرط وروي عن علي (عليه السلام) انه ms1035 كان له ~~امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الاخرى. وروي عن جعفر ~~بن محمد عن ابيه عن ابائه (عليهم السلام) ان النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~كان يقسم بين نسائه في مرضه، فيطاف [به] بينهن، وكان معاذ بن جبل له ~~امرأتان ماتتا في الطاعون أقرع بينهما ايهما تدفن قبل الأخرى؟. ### || [4.130] # [المعنى]: # إن الزوجين اللذين تقدم ذكرهما، متى أبى كل واحد منهما مصالحة الآخر فإن ~~تطالب المرأة بنصيبها من القسمة والنفقة والكسوة ويمتنع الزوج من اجابتها ~~الى ذلك، لميله إلى الاخرى ومحبته لها، أو لصغر سنها أو جمالها ويتفرقا ~~حينئذ بالطلاق، فان الله يغني كل واحد منهما من سعته يعني من فضله ورزقه ~~{ وكان الله واسعا حكيما } يعني كان لم يزل هكذا واسع الفضل على عباده، ~~رحيما بهم في ما يدبرهم به وفي الآية دليل على ان الارزاق كلها بيد الله ~~وهو الذي يتولاها لعباده وإن كان ربما أجراها على يدي من يشاء من عباده ~~وقال ابن عباس: { كلا من سعته } يعني من رزقة وهذه الجملة بها قال مجاهد ~~وجميع المفسرين. ### || [4.131-134] # لما ذكر الله قوله: وأن يتفرقا يغن الله كلا من سعته بين فى هذه الآية ~~بان له ملك ما في السموات وما في الارض، لا يتعذر عليه إغناء كل واحد من ~~الزوجين عند التفرق، وإيناسه من وحشته ثم رجع إلى توبيخ من سعى في أمر ~~بني أبيرق وتعنيفهم، ووعيد من فعل فعل المرتد منهم، فقال: ولقد وصينا أهل ~~التوراة والانجيل وهم الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أي وأمرناكم ~~أيضا أيها الخلق { أن اتقوا الله } والتقدير بان اتقوا الله وأحذروا أن ~~تعصوه، وتخالفوا أمره ونهيه { وإن تكفروا } يعني تجحدوا وصيته إياكم أيها ~~المؤمنون، فتخالفوها، { فإن لله ما في السماوات وما في الأرض } يعني له ~~ملك ما فيهما، فلا يستحضر بخلافكم وصيته ولا ان تكونوا أمثال اليهود ~~والنصارى، بل تضرون انفسكم بما يحل بكم من عقابه، وغضبه { وكان الله ~~غنيا } لم يزل، غير محتاج إلى ms1036 خلقه وإن الخلق هم المحتاجون إليه { ~~حميدا } يعني مستوجب الحمد عليكم بصنائعه الحميدة إليكم، والائه ~~الجميلة، فاستدعوا ذلك باتقاء معاصيه، والمسارعة إلى طاعته فيما يامركم ~~به وهذه الجملة مروية عن علي (عليه السلام) وهو قول جميع المفسرين، ثم ~~قال: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } بمعنى له ملك ما فيهما، وهو ~~القيم بجميعه والحافظ له لا يغرب عنه علم شيء ولا يؤوده حفظه وتدبيره { ~~وكفى بالله وكيلا } يعني كفى الله حافظا. فان قيل لم كرر قوله: { ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض } الآيتين، احداهما عقيب الاخرى؟ قلنا: ~~لاختلاف الخبرين: الاول في الآية الاولى عن حاجة الخلق إلى بارئه، وغناه ~~تعالى عن خلقه، وفي الثانية حفظ الله تعالى إياهم وعلمه بهم، وتدبيره لهم ~~فان قيل: هلا قال: وكان الله غنيا حميدا أو كفى به وكيلا؟ قيل: ما ذكره ~~في الآية الاولى يصلح ان يختم به وصف الله تعالى بالغناء وأنه محمود، ولم ~~يذكر فيها ما يقتضي وصفه بالحفظ والتدبير، فلذلك كرر قوله: { ولله ما في ~~السماوات }. # وقوله: { إن يشأ يذهبكم } معناه، ان يشأ الله ايها الناس ان يهلككم، ~~ويفنيكم ويأت بقوم آخرين غيركم ينصرون نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ~~ويؤازرونه، كان الله تعالى على ذلك قديرا، فوبخ تعالى بهذه الآيات ~~الخائنين الذين خانوا الدرع وساعدوهم على ذلك، ودافعوا عنهم وحذر أصحاب ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يكونوا مثلهم وان يفعلوا فعل المرتد منهم ~~في ارتداده ولحاقه بالمشركين وبين أن من فعل ذلك لا يضر إلا نفسه، لانه ~~المحتاج إليه (تعالى) وغناه عنه (عز وجل) وعن جميع الخلق وروي عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) انه لما نزلت هذه الآية ضرب بيده علي ظهر سلمان، ~~فقال: # " هم قوم هذا " # رواه ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم أخبر (تعالى) من كان ~~ممن أظهر الايمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) من أهل النفاق الذين يبطنون ~~الكفر، ويظهرون الايمان. يريد ثواب الدنيا يعني عرض الدنيا باظهاره ~~بلسانه في ms1037 الايمان، { فعند الله ثواب الدنيا } يعني جزاؤه في الدنيا ~~منها، وثوابه فيها هو ما يأخذ من الفيء والغنيمة إذا شهد مع المسلمين ~~الحرب، وأمنه على نفسه وماله وذريته. وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم. { ~~وكان الله سميعا بصيرا } يعني انه كان لم يزل على صفة يجب ان يسمع ~~المسموعات إذا وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت. وهذه الصفة هي كونه حيا ~~لا آفة فيه والصفة حاصلة له في الازل والافات مستحيلة عليه، فوجب وصفه ~~بانه سميع بصير وانما ذكر ها هنا ذلك، ليبين ان ما يقوله المنافقون اذا ~~لقوا المؤمنين فان الله يسمعه ويعلمه وهو قولهم: إنا مؤمنون بصيرا بما ~~يضمرونه وينطوون عليه من النفاق. وموضع كان في قوله: { من كان } جزم، ~~لانه شرط والجواب الفاء. وارتفعت (يريد) لانه ليس فيها حرف عطف كما قال: # من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها # وقال: # من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # جزم، لأنه جواب الشرط. ### || [4.135] # [القراءة والحجة]: # قرأ ابن عامر وحمزه { وإن تلوا } بضم اللام، بعدها واو واحدة ساكنة. ~~الباقون يسكنون اللام بواوين بعدها أولهما مضمومة. حجة من قرأ بواو واحدة ~~أن قال: إن ولاية الشيء اقبال عليه وخلاف الاعراض عنه. والمعنى ان تقبلوا ~~أو تعرضوا فإن الله بما تعملون خبيرا فيجازي المحسن المقبل باحسانه، ~~والمسيء المعرض باعراضه وتركه الاقبال على ما يلزمه ان يقبل عليه قال: ~~ولو قرأت بالواوين، لكان فيه تكرار، لان اللي كالاعراض ألا ترى ان قوله: # لووا رؤسهم ورايتهم يصدون # معناه أعراض منهم، وترك الانقياد للحق ومثله # ليا بألسنتهم # معناه أنحراف وأخذ فيما لا ينبغي ان يأخذوا به. وحجة من قرأ بالواوين من ~~لووا ان تقول لا يمتنع ان تتكرر اللفظتان المختلفتان بمعنى واحد على وجه ~~التأكيد، كقوله: { فسجد الملآئكة كلهم أجمعون } وكقول الشاعر: # وهند اتى من دونها # النأي والبعد # وقول آخر: # والفى قولها كذبا ومينا # وقالوا: أيضا يجوزان يكون تلوا كان أصله تلووا، وان الواو التي هي عين ~~همزت لانضمامها، كما همزت في ms1038 قوله: (أدروا) والقيت حركة الهمزة على اللام ~~التي هي فاء، فصار تلوا أجاز ذلك الزجاج والفراء وأبو علي الفارسي. # [المعنى واللغة]: # ومعنى الآية ان الله تعالى لما حكى عن الذين سعوا إلى رسول الله في امر ~~بني أبيرق وقيامهم لهم بالعذر، وذبهم عنهم من حيث كانوا أهل فقر وفاقة، ~~أمر الله المؤمنين ان يكونوا { قوامين بالقسط } يعني بالعدل والقسط، ~~والاقساط: العدل يقال: أقسط الرجل إقساطا إذا عدل وأتى بالقسط وقسط ~~ويقسط قسوطا: إذا أجار وقسط البعير يقسط قسطا إذا يبست يده ويد قسط، أي ~~يابسة { شهد الله } وهو جمع شهيد ونصب شهداء على الحال من الضمير في ~~قوله: { قوامين } وهو ضمير الذين آمنوا وقوله: { ولو على أنفسكم } يعني ~~ولو كانت شهادتكم على أنفسكم أو على والديكم أو على أقرب الناس اليكم، ~~فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها، وقولوا فيها الحق، ولا ~~تميلوا فيها لغنى غني، ولا فقر فقير، فتجوروا، فان الله قد سوى بين الغني ~~والفقير فيما ألزمكم من أقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل، وهو تعالى ~~أولى بهما وأحق، لانه مالكهما والههما دونكم وهو اعلم بما فيه مصلحة كل ~~واحد منهما في ذلك، وفي غيره من الامور كلها منكم، فلا تتبعوا الهوى في ~~الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني أو فقير الى احدهما، فتعدلوا عن الحق ~~أي تجوزوا عنه وتضلوا ولكن قوموا بالقسط، وأدوا الشهادة على ما امركم ~~الله عز وجل بادائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله، فان قيل كيف تكون شهادة ~~الانسان على نفسه حتى يامر الله تعالى بذلك، قلنا: بان يكون عليه حق ~~لغيره، فيقر له ولا يجحده، فادب الله تعالى المؤمنين أن يفعلوا ما فعله ~~الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا واضافتهم ~~ذلك الى غيرهم فهذا اختيار الطبري. # وقال السدي: انها نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد اختصم اليه ~~رجلان غني وفقير، فكان ضلعه مع الفقير، لظنه أن الفقير لا يظلم الغني، ~~فابى الله تعالى إلا القيام ms1039 بالقسط في أمر الغني والفقير قال: { إن تكن ~~غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } وهذا الوجه فيه بعد، لانه لا يجوز على ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحكم ان يميل إلى احد الخصمين سواء كان ~~غنيا أو فقيرا فان ذلك ينافي عصمته وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه ~~المؤمنين أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم، او ابنائهم، ولا يجابوا غنيا ~~لغناه، ولا مسكينا لمسكنته وهذا هو الاولى، لانه أليق بالظاهر من غير ~~عدول عنه. # وفي الآية دلاله على جواز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، وكل ذي ~~قرابة لمن يقرب منه، فقال ابن شهاب: كان سلف المسلمين على ذلك حتى دخل ~~الناس فيما بعدتهم، وظهرت فيهم امور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت ~~شهادة من يتم إذا كان من اقربائهم وجاز ذلك من الولد والوالد والأخ ~~والزوج والمرأة وبمعنى قول ابن عباس، قال قتادة، وابن زيد. # وقوله: { فالله أولى بهما } إنما ثنى، ولم يقل به لانه أراد (فالله أولى ~~بغناء الغني وفقر الفقير) لان ذلك منه تعالى وقال قوم: لم يقصد غنيا ~~بعينه، ولا فقيرا بعينه وهو مجهول وما ذلك حكمه جاز الرد عليه التوحيد ~~والتثنية والجميع. وفي قراءة ابي { فالله أولى بهم } وقال قوم: (او) ~~بمعنى الواو في هذا الموضع، فلذلك ثنى وقال آخرون: جاز تثنية قوله { بهما ~~} ، لانهما قد ذكرا، كما قيل: وله اخ أو أخت فلكل واحد منهما وقيل جاز ~~ذلك، لانه أضمر فيه (من) كانه قال: وله أخ او اخت إن يكون من خاصم غنيا ~~او فقيرا، بمعنى غنيين أو فقيرين { فالله أولى بهما }. # وقوله: { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } يحتمل ثلاثة اوجه: # احدها - لا تتبعوا الهوى في ان تعدلوا عن الحق، فتجوروا بترك إقامة ~~الشهادة بالحق. # والثاني - ان يكون التقدير لا تتبعوا اهوآء أنفسكم هربا من ان تعدلوا ~~في إقامة الشهادة. # والثالث - فلا تتبعوا الهوى، لتعدلوا، كما يقال: لا تتبع هواك لترضي ~~ربك، بمعنى انهاك عنه كيما ترضى ربك بتركه. ذكره الفراء والزجاج. # وقوله: { وإن تلووا ms1040 أو تعرضوا } اختلفوا في تأويله فقال قوم: معناه وان ~~تلووأ ايها الحكام في الحكم لاحد الخصمين على الاخر، أو تعرضوا فان الله ~~كان بما تعملون خبيرا وحملوا الاية على انها نزلت في الحكام ذهب اليه ~~السدي على ما قال: إنها نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لي القاضي ~~واعراضه لاحدهما على الاخر وقال اخرون: معناه وان تلووا ايها الشهداء في ~~شهادتكم، فتحرفوها، فلا تقيموها أو تعرضوا عنها، فتتركوها ذهب اليه ابن ~~عباس ومجاهد وقال مجاهد: معنى تلووا تبدلوا الشهادة أو تعرضوا أي تكتموها ~~وهو قول ابي جعفر (ع) وبه قال ابن زيد والضحاك وأولى التأويلين قول من ~~قال: إنه لي الشهادة لمن شهد له أو عليه بان يحرفها بلسانه أو يتركها، ~~فلا يقيمها، ليبطل بذلك شهادته وأعراضه عنها فلو ترك اقامتها فلا يشهد ~~بها. # وسياق الآية يدل على ما قال ابن عباس وقوله: { فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } معناه انه كان عالما بما يكون منهم من اقامة الشهادة، وتحريفها ~~والاعراض عنها، واللي هو المطل لما يجب من الحق قال الاعشى: # يلوينني ديني النهار واقتضي # ديني إذا رقد النعاس الرقدا ### || [4.136] # [القراءة والحجة]: # قرأ ابن كيثر وأبو عمر وابن عامر والكسائي عن أبي بكر { الكتاب الذي نزل ~~والكتاب الذي أنزل } بضم النون، والهمزه وكسر الزاء الباقون بفتحهما، فمن ~~فتحهما حمله على قوله: { أنا نحن نزلنا الذكر } وقوله: { وأنزلنا إليك ~~الذكر } ومن ضمها حملهما على قوله: { ولنبين للناس ما نزل إليهم } وقوله: ~~{ يعلمون أنه منزل } وكل جيد سايغ. # قيل في تأويل أمر من آمن - آمن يؤمن - بالله ورسوله ثلاثة اقوال: # احدها - وهو المعتمد عليه عندنا واللايق بمذهبنا ان المعنى يا أيها ~~الذين آمنوا في الظاهر بالاقرار بالله ورسوله، وصدقوهما، آمنوا بالله ~~ورسوله في الباطن، ليطابق باطنكم ظاهركم ويكون الخطاب خاصا بالمنافقين ~~الذين كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون. والكتاب الذي نزل على رسوله هو ~~القران امرهم بالتصديق به ms1041 والكتاب الذي انزل من قبل، يعنى التوراة ~~والانجيل امرهم بالتصديق بهما، وانهما من عند الله. # والثاني - ما اختاره الجبائي والزجاج والبلخي ان يكون ذلك خطابا لجميع ~~المؤمنين الذين هم مؤمنون على الحقيقة ظاهرا أو باطنا أمرهم الله تعالى ~~أن يؤمنوا به في المستقبل بان يستديموا الايمان، ولا ينتقلوا عنه، لان ~~الايمان الذي هو التصديق لا يبقى وانما يستمر بان يجدده الأنسان حالا بعد ~~حال وهذا أيضا وجه جيد. # الثالث - ما اختاره الطبري من ان ذلك خطاب لأهل الكتاب اليهود والنصارى ~~امرهم الله (تعالى) بان يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، والكتاب ~~الذي أنزل عليه كما آمنوا بما معهم من الكتب: التوراة والانجيل ويكون ~~قوله: { والكتاب الذي نزل من قبل } اشارة الى ما معهم من الانجيل ~~والتوراة ويكون وجه أمرهم بالتصديق لهما وان كانوا مصدقين بهما، لاحد ~~امرين: # احدهما - ان التوراة والانجيل اذا كان فيهما صفات النبي (صلى الله عليه ~~وسلم)، وما ينبئ عن صدق قوله وصحة نبوته فمن لم يصدق النبي (صلى الله ~~عليه وسلم)، ولم يصدق الكتاب الذي أنزل معه، لا يكون مصدقا بما معه، لان ~~في تكذيبه، تكذيب ما معه من التوراة والانجيل، فيجب عليه أن يصدق النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) ويقر بما انزل عليه، ليكون مصدقا بما معه، ~~ومعترفا به. والثاني - أن يكون متوجها إلى اليهود الذين آمنوا بالتوراة ~~دون الانجيل والقران، فيكون الله أمرهم بالاقرار بمحمد (صلى الله عليه ~~وآله) وبما انزل من قبل يعني الانجيل. وذلك لا يصح الا بالاقرار بعيسى ~~(عليه السلام) أيضا وانه نبي من قبل الله وقوله: { ومن يكفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر } معناه ان من كفر بمحمد (صلى الله ~~عليه وسلم) فيجحد نبوته ويجحد ما انزله الله عليه، فكانه جحد جميع ذلك، ~~لأنه لا يصح ايمان احد من الخلق الا بالايمان بما امره الله بالايمان به، ~~والكفر بشيء منه كفر بجميعه فكذلك قال: { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر } فعقب خطابه لاهل الكتاب وأمره اياهم بالايمان ms1042 بمحمد ~~(صلى الله عليه وسلم) تهديدا لهم، وان كانوا مقرين بوحدانية الله تعالى ~~والملائكة والكتب والرسل، واليوم الآخر سوى محمد (صلى الله عليه وآله) ~~وما جاء به من القران فبين لهم ان من جحد محمدا بنبوته لا ينفعه الايمان ~~بشيء سواه، ويكون وجوده وعدمه سواء وقوله: { فقد ضل ضلالا بعيدا } ~~معناه فقد ذهب عن قصد السبيل وجاز عن محجة الطريق ألى المهالك ضلالا ~~ذهابا، وجورا بعيدا. ### || [4.137] # [المعنى]: # قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة اقوال: # [الأول] قال قتادة عنى بذلك الذين امنوا بموسى، ثم كفروا بان عبدوا ~~العجل، ثم آمنوا يعني النصاري بعيسى، ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرا ~~بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وقال الزجاج والفراء: آمنوا بموسى، ~~وكفروا بعزير، ثم امنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد ~~(صلى الله عليه وسلم). # والثاني - قال مجاهد وابن زيد يعني بذلك أهل النفاق أنهم آمنوا، ثم ~~ارتدوا ثم آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ازدادوا كفرا بموتهم على كفرهم. # والثالث - قال ابو العالية: هم اليهود والنصارى أذنبوا ذنبا في شركهم، ~~ثم تابوا فلم تقبل توبتهم، ولو تابوا من الشرك لقبل منهم واقوى الاقوال ~~عندنا قول مجاهد، لان المؤمن على الحقيقة عندنا لا يجوز أن يكفر، لان ~~الايمان يستحق عليه الثواب الدائم والكفر يستحق عليه العقاب الدائم بلا ~~خلاف فيهما والاحتياط عندنا باطل، فلو اجزنا الارتداد بعد الايمان ~~الحقيقي لادى إلى اجتماع استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم والاجماع ~~بخلافه واختار الطبري الوجه الاول وقال الجبائي والبلخي يجوز ان تكون ~~الآية نزلت في قوم كانوا آمنوا ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم أزدادوا ~~كفرا وقوله: # { لم يكن الله ليغفر } معناه لم يكن الله ليغفر لهم الايمان الثاني ~~الكفر المتقدم، لانه لما ارتد فيما بعد، دل على ان ما تقدم، لم يكن ~~ايمانا فلا يستحق به غفران عقاب الكفر المتقدم وهو الذي اختاره الزجاج ~~وقال البلخي والزجاج: لم يكن الله ليغفر لهم إذا لم يتوبوا منه وهذا الذي ~~ذكروه لا يصح، لان ms1043 الكفر على كل حال ولو مرة واحدة، لا يغفر الله الا ~~بالتوبه، فلا معنى لنفي الغفران عن كفر بعد إيمان تقدمه كفر تقدمه ايمان. # وقوله: { ولا ليهديهم سبيلا } معناه لا يهديهم سبيل الجنة والثواب ~~فيها، لانهم غير مستحقين له ويحتمل ان يكون المراد بذلك أنه لا يلطف لهم ~~فيما بعد بل يخذلهم عقوبة لهم على كفرهم المتقدم. ولا يجوز ان يكون ~~المراد به أنه لا ينصب لهم الدلالة، لأن نصب الأدلة قد تقدم في الكليف ~~الاول والمرتد عندنا على ضربين: احدهما - لا يستتاب ويقتل على كل حال وهو ~~من ولد على فطرة الاسلام بين مسلمين متى كفر فانه يقتل على كل حال. ~~والآخر وهو من كان كافرا فاسلم، ثم ارتد فانه يستتاب ثلاثا فان تاب ~~والا قتل، ولا يستتاب اكثر من ذلك. وبه قال علي عليه السلام وابن عمر. ~~وقال قوم: يستتاب ابدا. ذهب اليه ابراهيم وغيره. واختاره الطبري. ~~والمرأة تستتاب على كل حال فان تابت، والا خلدت في السجن ولا تقتل بحال ~~وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. ### || [4.138-139] # المعنى: # معنى قوله { بشر المنافقين } جعل موضع بشارتهم لهم العذاب والعرب تقول: ~~تحيتك الضرب وعقابك السيف، أي بدلا من ذلك. قال الشاعر: # وخيل قد دلفت لها بخيل # تحية بينهم ضرب وجميع # امر الله (تعالى نبيه) ان يبشر المنافقين بان لهم عذابا أليما وهو ~~المؤلم الموجع. على نفاقهم، ثم وصف هؤلاء المنافقين فقال: { الذين يتخذون ~~} أهل الكفر بالله ونبيه اولياء يعني انصارا وأحلافا من دون المؤمنين ~~يعني من غيرهم، ثم قال: { يبتغون عندهم العزة } معناه يطلبون عندهم ~~المنفعة والقوة باتخاذهم اولياء من دون اهل الايمان به (تعالى)، ثم أخبر ~~ان العزة باجمعها له (تعالى) وان هؤلاء الذين يطلبون من جهنم العزة ~~والمنعة، لا منعة عندهم، بل النصر والمنعة من عند الله الذي له العزة ~~والمنعة الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء. واصل العزة الشدة ومنه قيل ~~للارض الصلبة الشديدة: عزاز ويقال: استعز المريض اذا اشتد مرضه وتعزز ~~اللحم: ms1044 إذا اشتدو منه قيل: عز علي ان يكون كذا، اي اشتد علي ومنه ~~قولهم: " من عزيز " أي من غلب سلب. وقولهم: عز الشيء معناه صعب وجوده ~~واشتد حصوله. ### || [4.140] # قرأ عاصم ويعقون { وقد نزل } بفتح النون والزاي وتشديده. الباقون بضم ~~النون وكسر الزاي والمنزل في الكتاب. # قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~إلى قوله.. الظالمين # اعلم الله تعالى في هذه الآية المؤمنين ان المنافقين يهزءون بكتاب الله ~~الذي هو القرآن، وأمرهم ان لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا، يعني يأخذوا في ~~حديث غير القرآن، ثم قال: انكم ان جالستموهم على الخوض في كتاب الله ~~والهزء به، فانتم مثلهم، وانما حكم بانهم مثلهم متى رضوا بما هم فيه، ولم ~~ينكروا عليهم مع القدرة على الانكار، ولم يظهروا كراهية، فانهم متى كانوا ~~راضين بالكفر، كانوا كفارا، لان الرضاء بالكفر كفر. وفي الآية دلالة على ~~وجوب انكار المنكر مع القدرة على ذلك، وزوال العذر عنه. وإن من ترك ذلك ~~مع القدرة عليه كان مخطئا آثما. وكذلك فيها دلالة على انه لا يجوز ~~مجالسة الفساق، والمبتدعين من اي نوع كان. وبه قال جماعة من المفسرين. ~~ذهب اليه ابو وائل، وابراهيم وعبد الله. وقال ابراهيم: من ذلك إذا تكلم ~~الرجل في مجلس بكذب، يضحك منه جلساؤه، فسخط الله عليهم. وبه قال عمر بن ~~عبد العزيز وقيل: إنه ضرب صائما كان قاعدا مع قوم يشربون الخمر. وقال ~~ابن عباس: امر الله بذلك الانفاق، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، والمراء ~~والخصومة. وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وجماعة من المفسرين. قال ابو ~~علي الجبائي: اما الكون بالقرب منهم بحيث يسمع صوتهم ولا يقدر على ~~انكاره، فليس بمحظور، وانما المحظور مجالستهم من غير اظهار كراهية ما ~~سمعه أو يراه. وقوله: { إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا ~~} ومعناه ان الله يجمع الفريقين من اهل الكفر، والنفاق في القيامة في ~~النار. والعقوبة فيها كما اتفقوا في الدنيا على عداوة المؤمنين، ~~والمؤازرة عليهم. ms1045 قال الجبائي: في الآية دلالة على بطلان قول الاصم، ~~ونفاة الاعراض وقولهم: انه ليس ها هنا غير الاجسام، لانه قال: { حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } فاثبت غيرا لما كانوا فيه. وذلك هو العرض. ### || [4.141] # { الذين } في موضع خفض صفة للمنافقين والكافرين في قوله: { إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين }. # أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين اي ينتظرون ~~بهم فان فتح الله على المؤمنين فتحا من عدوهم، فأفاء عليهم فيئا من ~~الغنائم، قالوا لهم الم نكن معكم نجاهد عدوكم ونغزوهم معكم، فاعطونا ~~نصيبنا من الغنيمة، فانا شهدنا القتال وان كان للكافرين نصيب أي حظ ~~باصابتهم من المؤمنين، وليس المراد بذلك ان لهم نصيبا من الله، لانه ~~(تعالى) لم يجعل لهم غلبة المسلمين، ولا اباح لهم شيئا من اموالهم، بل ~~حظر ذلك عليهم. وقوله: { قالوا } يعني قال المنافقون للكافرين: الم ~~نستحوذ عليكم بمعنى الم نغلب عليكم؟ في قول السدي. وقال ابن جريج: معناه ~~ألم نبين لكم انا على ما انتم عليه والاستحواذ الغلبة ومنه قوله: { ~~استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله } ومعناه غلب عليهم. يقال منه: حاذ عليه ~~يحوذ. واستحاذ يستحيذ. وحاذ يحيذ. قال العجاج يصف ثورا وكلاما: # يحوذهن وله حوذي # وانشده ابو عبيد والاصمعي بالزاي يحوزهن وله حوزي والمعنيان متقاربان. ~~وقال لبيد في صفة عيرواتن على احاذ. # إذا اجتمعت واحوذ جانبيها # واوردها على عوج طوال # العوج الطوال القوائم. وقيل: هي النخيل الطوال. فمعنى احوذ جانبيها لم ~~يشذ منها شيء. والاحوذ: الجاد المنكمش الخفيف في اموره كلها. وكان القياس ~~يقتضي أن يقول: استحاذ، لان الواو إذا كانت عين الفعل وكانت محركة ~~بالفتح، وما قبلها ساكن تقلب حركتها الى فاء الفعل، وقلبوها الفا اتباعا ~~لحركة ما قبلها. كقولهم: استحاذ واستبان واستنار واستعاذ بالله وها هنا ~~تركت على الاصل وهي لغة القرآن. وقوله: { ونمنعكم من المؤمنين } يعني ~~يقول المنافقون الكافرون منعنا المؤمنين منكم بتخذيلنا اياهم، واطلاعنا ~~اياكم على اخبارهم، وكوننا عيونا لكم حتى انصرفوا عنكم وغلبتموهم. وقوله: ~~{ فالله يحكم بينكم يوم القيامة } اخبار ms1046 منه (تعالى) انه الذي يحكم بين ~~الخلائق يوم القيامة ويفصل بينهم بالحق، وينصر المؤمنين { ولا يجعل ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا } اي بالغلبة والقهر. وان حملناه على دار ~~الدنيا يمكن حمله على انه لا يجعل لهم عليهم سبيلا بالحجة، وان جاز ان ~~يغلبوهم بالقوة، لكن المؤمنين منصورون بالحجة والدلالة. وبالتأويل الاول ~~قال علي (عليه السلام): والسدى وابو مالك وابن عباس. قال السدي: السبيل - ~~ها هنا - الحجة. وبالثاني قال: الزجاج والجبائي والبلخي. وقال الجبائي: ~~ولو حملنا ذلك على الغلبة، كان أيضا صحيحا، لان غلبة الكفار للمؤمنين ~~ليس مما فعله الله، لان ذلك قبيح، والله لا يفعل القبيح. وليس كذلك غلبة ~~المؤمنين للكفار، لانه حسن وطاعة، فكان ذلك منسوبا إلى الله (تعالى). ### || [4.142-143] # - قد بينا - في اول البقرة معنى الخداع من المنافقين، ومن الله (تعالى) ~~وجملته ان الخداع من المنافقين اظهارهم الايمان الذي حقنوا به دماءهم ~~واموالهم، كما حقن المؤمنون على الحقيقة. وقال: الحسن والزجاج والازهري ~~ان معناه يخادعون نبي الله فسماه خداعا لله للاختصاص، كما قال: إن الذين ~~ببايعونك انما يبايعون الله فسمى مبايعة النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~مبايعة الله، للاختصاص، لانه بأمره. ومعنى الخداع من الله يحتمل امرين: # احدهما - ان يجازيهم على خداعهم فسمى الجزاء باسم الشيء، للازدواج، كما ~~قال: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } والجزاء ليس بسيئة. وقال: { ومكروا ومكر ~~الله } والله لا يمكر، غير انه يجازي عليه. # والثاني - ما حكم الله فيهم من منع دمائهم بما اظهروه من الايمان ~~بلسانهم مع علمه بباطنهم، واعتقادهم الكفر استدراجا منه لهم في الدنيا ~~حتى يلقوه يوم القيامة، فيوردهم بما ابطنواهم نار جهنم. وقال السدي: ~~يعطيهم الله نورا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، كما كانوا في ~~الدنيا، ثم يسلبهم ذلك النور، ويضرب بينهم بسور، فذلك هو الخداع منه ~~(تعالى). وبه قال ابن جريج، والحسن وغيرهم من المفسرين: على ما بيناه ~~فيما مضى. وقوله: { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس } ~~يعني ان المنافقين لا يعملون شيئا من اعمال العبادات التي اوجبها ms1047 على ~~المؤمنين على وجه القربة الى الله، لانهم غير موقنين بها، ولا ان لهم ~~عليها ثوابا أو عقابا وانما يفعلون ذلك إبقاء على انفسهم، وحذرا من ~~المؤمنين أن يقتلوهم، ويسلبوا اموالهم، فهم إذا قاموا الى الصلاة، قاموا ~~كسالى اليها رياء للمؤمنين، ليحسبوهم المؤمنون منهم، وليسوا منهم، لانهم ~~لا يعتقدون فرضها. وبه قال قتادة وابن زيد. وقوله: { ولا يذكر الله إلا ~~قليلا } إنما وصف ما استثناه من ذكرهم لله بالقلة من حيث انهم لا يقصدون ~~به وجه الله، ولا التقرب اليه، لا ان شيئا من ذكر الله يوصف بانه قليل، ~~بل يوصف جميعه بانه كثير، قال الحسن: وصفه بالقلة، لانه كان لغير الله. ~~وقال قتادة: لانه لم يقبله الله وكلما رده الله، فهو قليل، وما قبله فهو ~~كثير. وقال الجبائي: لانهم. إذا قاموا الى الصلاة، لم يذكروا غير تكبيرة ~~الاحرام. # وقوله: { مذبذبين } في موضع نصب على الحال. ومعناه انهم يقومون الى ~~الصلاة يعني المنافقين مترددين، لا الى هؤلاء يعني المؤمنين فيفعلونه، ~~فيستحقون به الثواب ولا الى هؤلاء يعني الكفار فيجاهرون بالكفر، بل بين ~~ذلك يظهرون الايمان، فيجري عليهم حكم أهله، ويبطنون الكفر فيستحقون به ~~عقاب أهله. واصل التذبذب التحرك والاضطراب. قال النابغة: # الم تر ان الله اعطاك سورة # يرى كل ملك دونها يتذبذب # وقال الحسن بن علي المغربي: مذبذبين مطرودين من هؤلاء، ومن هؤلاء، من ~~الذب الذي هو الطرد. وصف الله تعالى هؤلاء المنافقين بالحيرة في دينهم، ~~وانهم لا يرجعون إلى صحة فيه، لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع الكفار ~~على جهالة. وقال ابن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان مثلهم مثل ~~الشاة العائرة بين الغنمين تتحير، فتنظر إلى هذه والى هذه، لا تدري ايهما ~~تتبع. وبهذه الجملة قال السدي وقتادة ومجاهد وابن جريج وابن زيد وغيرهم ~~من المفسرين. وقوله: { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } يحتمل امرين: # احدهما - من يضله الله عن طريق الجنة، فلن تجد له سبيلا الى طريق الجنة. # والثاني - من يجد له ms1048 عقوبة على معاصيه عن طريق الرشاد والاسلام، ولم ~~يوفقه، لحرمانه نفسه التوفيق بسوء اختياره، فلن تجد له سبيلا يعني طريقا ~~الى الحق يفضيه اليه. ### || [4.144] # هذا خطاب للمؤمنين نهاهم الله ان يتخذوا الكافرين اولياء وانصارا من ~~دون المؤمنين، فيكونون مثلهم في ركوب ما نهاهم الله عنه من موالاة اعدائه ~~{ أتريدون أن تجعلوا الله عليكم سلطانا مبينا } يعني حجة ظاهرة. قال ~~عكرمة، كل ما في القرآن من ذكر سلطان، فمعناه حجة. وبه قال مجاهد ~~والزجاج. وهو يذكر ويؤنث وقيل للامير سلطان، لان معناه ذو الحجة ومعنى ~~الاية النهي عن اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين. فمن فعل ذلك، فقد ~~جعل لله على نفسه الحجة، وتعرض لغضبه وعقابه وفي الآية دلالة على أنه لا ~~يجوز أن يبتدئ الله الخلق بالعذاب، ولا يعاقب الاطفال بذنوب الآباء، لانه ~~لو كان ذلك شائعا، لما قال للمؤمنين: { تجعلون لله عليكم سلطانا مبينا ~~} يعني باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين، لان ذلك دلالة على انه ~~لم يكن له ذلك، وانه لا كان له حجة على الخلق لولا معاصيهم ومخالفتهم له ~~تعالى. ### || [4.145-146] # [القراءة والحجة]: # قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر، الا العلمي { الدرك } بسكون الراء الباقون ~~بفتحها وهما الغتان مثل نهر ونهر وشمع وشمع فمن فتح الراء قال في الجمع: ~~إدراك في القلة والكثرة ومن سكنها قال إدراك وفي الكثير الدرك والتسكين ~~لغة وليس يسكن من المفتوح، لان مثل ذلك لا يجوز تسكينه، فلا يسكن جمل ~~وجبل وانما هما لغتان مثل شمع وشمع ونهر ونهر. قالوا بفتح الراء افصح، ~~سمع من العرب من يقول: أعطني دركا اصل به حبلي، يعني ما يصل به حبله ~~الذي عجز عن بلوغ الركية. # [المعنى]: # ومعنى الاية الاخبار من الله أن المنافقين في الطبق الاسفل من النار. ~~قال عبد الله: المنافقون في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار وبه قال ~~ابو هريرة، وابن عباس. قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثير وأبو عبيدة، ~~سمعنا ان جهنم إدراك منازل. وليس يمتنع ms1049 ان يجعل الله قوما من الكفار في ~~الدرك الاسفل، كفرعون وهامان وأبى جهل، فان هؤلاء اعظم كفرا من ~~المنافقين وليس في اخبار الله ان المنافقين هناك ما يمنع أن يكون غيرهم ~~فيه أيضا، وان تفاضلوا في العقاب قال ابن جريج: هذه الايات نزلت في عبد ~~الله بن ابي واصحابه. قال البلخي يجوز أن يكون الأدراك منازل بعضها أسفل ~~من بعض بالمسافة، ويجوز أن يكون ذلك اخبارا عن بلوغ الغاية في العقاب ~~والاهانة، كما يقال بلغ فلانا السلطان الحضيض، وبلغ فلانا العرش. ~~ويريدون بذلك علو المنزلة وانحطاطها لا المسافة. # وقوله: { ولن تجد له نصيرا } معناه لا تجد يا محمد، لهؤلاء المنافقين ~~إذا جعلهم الله في اسفل طبقة من النار ناصرا ينصرهم، فينقذهم من عذابه، ~~ويدفع عنهم أليم عقابه، ثم استثنى فقال: { إلا الذين تابوا } فاستثنى ~~منهم التائبين من نفاقهم إذا اصلحوا نباتهم، واخلصوا الدين لله، وتبرؤا ~~من الآلهة والانداد، واعتصموا يعني تمسكوا بكتاب الله وصدقوا رسله، فانهم ~~إذا فعلوا ذلك فانهم يكونون مع المؤمنين في الجنة، ومحل الكرامة، ويسكنهم ~~مساكنهم وما وعدهم من الجزاء على توبتهم، وسوف يؤتي الله المؤمنين اجرا ~~عظيما. فكان تقدير الآية إن الذين راجعوا الحق، واقروا بوحدانية الله، ~~وتصديق رسوله، وما جاء به من عند الله، واصلحوا اعمالهم فعملوا بما امرهم ~~الله به وادوا فرضه وانتهوا عما نهاهم، وانزجروا عن معاصيه، وتمسكوا بعهد ~~الله وميثاقه، فقطع حينئذ انه تعالى يؤتي المؤمنين، أي يعطيهم أجرا، ~~يعني ثوابا عظيما، ودرجات في الجنة كما اعطى من مات على النفاق منازل في ~~النار في اسفل طبقة منها. وهذه الجملة معنى قول حذيفة بن اليمان، وجميع ~~المفسرين. # { وسوف يؤت الله } كتبت في المصحف بلا ياء تخفيفا ومثله { يوم يأت لا ~~تكلم } وقوله: { ما كنا نبغ } وغير ذلك. وكان الكسائي يثبت الياء في ~~الوصل دون الوقف، ثم رجع عنه. وابو عمرو يثبتها في الوصل واهل المدينة ~~يثبتونها في الحالين ### || [4.147] # خاطب الله (تعالى) بهذه الآية المنافقين الذين تابوا وآمنوا، واصلحوا ~~اعمالهم، فقال: إن ms1050 انتم تبتم الى الله وراجعتم الحق الواجب لله عليكم، ~~وشكرتمره على نعمه واخلصتم عبادته، واعتصمتم به وتركتم رياء الناس، ~~وآمنتم برسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) وصدقتم به، واقررتم بما جاء به ~~من عند الله ما يصنع بعذابكم، أي لا حاجة بالله الى عذابكم، وجعلكم في ~~الدرك الاسفل من جهنم، لانه لا يجتلب بعذابكم نفعا، ولا يدفع عن نفسه ~~ضررا، لانهما مستحيلان عليه. # { وكان الله شاكرا } يعني لم يزل الله مجازيا للشاكر على شكره في جميع ~~عباده عليما بما يستحقونه على طاعاته من الثواب، ولا يضيع عنده شيء منه، ~~ولا يفوته شيء من معاصي من عصاه، فيجازي بذلك من يشاء منهم على سوء ~~أفعالهم جزآء بما كسبوه. وبه قال قتادة وغيره من المفسرين. والشكر هو ~~الاعتراف بالنعمة مع ضرب من تعظيم المنعم، وذلك لا يجوز الشكر منه بمعنى ~~الجزاء عليه كما قال: { ومكروا ومكر الله } { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ~~والجزاء ليست سيئة ولكن اطلق ذلك لازدواج الكلام. ### || [4.148] # [القراءة والحجة]: # الفراء ضم الظاء في قوله: { إلا من ظلم } وكسر اللام. وقرأ زيد بن اسلم ~~والضحاك بن مزاحم { ظلم } بفتح الظاء واللام. فمن ضم الظاء، اختلفوا في ~~تأويله فقال قوم: معنى ذلك لا يحب الله ان يجهر احد بالدعاء على احد، وهو ~~الجهر بالسوء إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، لا يكره ذلك وذلك انه رخص له ~~فيه. ذهب اليه ابن عباس وقتادة والحسن. # [الاعراب]: # و (من) على قول ابن عباس في موضع رفع، لانه وجهه إلى ان الجهر بالسوء في ~~معنى الدعاء. واستثنى المظلوم منه وقال الزجاج: وجه الرفع أن يكون بدلا ~~من احد وتقديره لا يحب الله أن يجهر احد بالسوء إلا من ظلم وقال الفراء ~~تقديره لا يحب الله أن يجهر بالسوء الا المظلوم، فلا حرج عليه في الجهر ~~اما بان يدعو عليه، أو بان يخبر بما فعله به، ويذمه عليه. وبه قال ~~الجبائي قال: ولا يجوز لمن ليس بمظلوم أن يذكر احدا بسوء لان الله ~~(تعالى) أمره ms1051 بالستر عليه والكتمان، وانما يجب عليه أن ينكر عليه فيما ~~بينه وبينه على وجه لا يفضحه، وانما جاز ذلك للمظلوم، لانه خصم يجوز له ~~ان يدعي على خصمه ما ظلمه فيه، فان أقام بذلك بينة استوفى له حقه، والا ~~ابطل دعواه. وقال بعض النحويين: هذا خطأ في العربية، لان من لا يجوز أن ~~يكون رفعا بالجحد لانها في صلة أن، ولم ينله الجحد، فلا يجوز العطف ~~عليه. لا يجوز ان يقول: لا يعجبني أن يقوم الا زيد. ويحتمل أن يكون (من) ~~نصبا في تأويل ابن عباس. # [المعنى]: # وقوله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } يكون كلاما، ثم قال: { ~~إلا من ظلم فلا حرج عليه } فيكون (من) استثناء من الفعل، وان لم يكن قبل ~~الاستثناء شيء ظاهر يستثنى منه، كما قال: { لست عليهم بمسيطر إلا من تولى ~~وكفر }. وكقولهم: إني لاكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلا يريد الله ~~بذلك. ولم يذكر فيه شيء من الاشياء ذكره الفراء. وقال آخرون: معناه لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم فيخبر بما ينل منه. ذهب اليه ~~مجاهد قال مجاهد: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن اليه فقد رخص له أن يقول ~~ذلك فيه وروي عن أبي عبد الله انه قال: هو الضيف ينزل بالرجل، فلا يحسن ~~ضيافته، جاز أن يقول ذلك فيه. وقال آخرون: الا من ظلم فانتصر من ظلمه، ~~فان ذلك قد أذن له فيه، ذهب اليه السدي وهو المروي عن ابي جعفر (ع) و ~~(من) على هذا يكون في موضع نصب على انقطاعه من الاول. # ومن شان العرب ان تنصب ما بعد الا في الاستثناء المنقطع. فالمعنى على ~~هذا القول سوى قول ابن عباس: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن من ~~ظلم فلا حرج عليه ان يخبر بما ينل منه، ينتصر ممن ظلمه. ومن فتح الظاء ~~قال تأويله: لا يجب الله الجهر بالسوء من القول، الا من ظلم، فلا بأس أن ~~يجهر له بالسوء من القول. ms1052 ذهب اليه ابن زيد قال: يجهر له بالسوء حتى ~~يفزع. (ومن) على هذا القول في موضع نصب والمعنى لا يحب الله الجهر أن ~~يجهر أحد لاحد من المنافقين بالسوء من القول إلا من ظلم منهم فاقام على ~~نفاقه، فانه لا بأس بالجهر بالسوء من القول. قال الزجاج: وفيه وجه آخر لم ~~يذكره النحويون وهو أن يكون الا من ظلم، لكن الظالم! اجهروا له بالسوء من ~~القول، وهو استثناء ليس من الاول. وهذا الذي ذكره هو قول ابن زيد بعينه. ~~وقال الفراء: موضع (من) نصب في القراءتين معا. ويجوز الرفع على تقدير لا ~~يحب الله أن يجهر بالسوء الا المظلوم. وقال البلخي: كان الضحاك يقول: فيه ~~تقديم وتأخير والتقدير ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وامنتم إلا من ظلم ~~بفتح الظاء ثم قال: لا يحب الله الجهر بالسوء من القوم على كل حال. قال ~~البلخي: ويجوز أن يكون (إلا) بمعنى الواو، كانه قال: لا يحب الله الجهر ~~بالسوء، ولا من ظلم، فانه لا يحب الجهر بالسوء منه. وقال قطرب: يجوز أن ~~يكون المراد به المكره في قوله: { إلا من ظلم } لانه إذا اكره على الجهر ~~بالسوء من القول، فلا شيء عليه. والقراءة المعروفة أولى بالصواب، لان هذه ~~شاذة. # والتأويل فيه لا يحب الله ان يجهر احد لاحد بالسوء من القول إلا من ظلم، ~~فلا حرج عليه أن يخبر بما اسيء اليه. وتكون (من) في موضع نصب لانقطاعها ~~عما قبلها، فانه لا اسماء قبله يستثنى منها. وهو مثل قوله: { لست عليهم ~~بمسيطر إلا من تولى وكفر } وقوله: { وكان الله سميعا عليما } يعني ~~سميعا لما يجهرون من سوء القول لمن يجهرون له، وغير ذلك من كلامكم ~~واصواتكم عليما بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن يخفون له به فلا ~~يجهرون يحصي ذلك كله عليكم فيجازي على ذلك كل المسيء باساءته. والمحسن ~~باحسانه. ### || [4.149] # [المعنى]: # هذا خطاب لجميع المكلفين. يقول الله لهم: { إن تبدوا } بمعنى ان تظهروا ~~{ خيرا } اي حسنا جميلا من القول لمن ms1053 احسن اليكم شكرا على إنعامه ~~عليكم، أو تخفوه أي تتركوا اظهاره، فلا تبدوه، { أو تعفوا عن سوء } معناه ~~أو تصفحوا عمن اساء اليكم عن اساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي ~~أذنت لكم أن تظهروه، وتجهروا به { فإن الله كان عفوا } يعني لم يزل كان ~~صفوحا عن خلقه يصفح لهم عن معاصيه { قديرا } يعني قادرا على الانتقام ~~منهم. وانما أراد بذلك انه مع صفحه قادرا على الانتقام، ليكون اعظم ~~للمدح ليحث بذلك الخلق على العفو عمن أساء اليهم. إذا قدروا على الانتقام ~~منهم، والمكافات لهم. ولا يجهروا له بالسوء من القول مع القدرة عليه، ~~ويتأدبوا في ذلك بأدب الله تعالى. وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم): { إن الله عفو يحب العفو }. ### || [4.150-151] # [المعنى]: # معنى الآية الاخبار من الله تعالى { إن الذين يكفرون } ومعناه يجحدون ~~بالله ورسله من اليهود والنصارى { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } أي ~~يكذبوا رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه وأوحى اليهم ويزعمون انهم كاذبون ~~على الله. وذلك معنى إرادتهم التفريق بين الله ورسله { ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض } ومعناه أنهم يقولون نصدق بهذا ونكذب بهذا، كما فعلت اليهود ~~صدقوا موسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا عيسى ومحمد (صلى الله عليه ~~وسلم) وكما فعلت النصارى صدقت عيسى ومن تقدمه من الانبياء، وكذبوا محمدا ~~(صلى الله عليه وسلم) { ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا } يعني يريد ~~المفرقون بين الله ورسله الزاعمون انهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض أن ~~يتخذوا بين قولهم: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض سبيلا يعني طريقا إلى الضلالة ~~التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها يدعون جهال الناس اليه، ثم اخبر عن ~~حالهم فقال: { أولئك هم الكافرون حقا } أي هؤلاء الذين أخبر عنهم بانهم ~~يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وتفريقهم بين الله ورسله هم الكافرون حقا ~~فاستيقنوا ذلك ولا ترتابوا بدعواهم انهم يقرون بما زعموا انهم فيه مقرون ~~من الكتب والرسل، فانهم يكذبون في دعواهم هذه، لأنهم لو كانوا صادقين في ~~ذلك، ms1054 لصدقوا جميع رسل الله، لانه لا يصح أن يكونوا عارفين بالله ورسوله ~~مع جحودهم، لنبوة بعض الانبياء على ما يذهب اليه في الموافات. وعند من ~~قال بالاحباط لا يمتنع أن يكونوا عارفين بالله، وبعض رسله فاذا كفروا ~~ببعضهم، انحبط ما معهم من الثواب على ايمانهم وهذا لا يصح على مذهبنا في ~~بطلان الاحباط فالصحيح إذا ما قلناه. # وقوله: { واعتدنا } معناه أعددنا للكافرين يعني الجاحدين الذين ذكرهم ~~ولغيرهم من اصناف الكفار { عذابا } في الاخرة { مهينا } يهينهم ويذلهم ~~مخلدون في ذلك وقال قتادة والسدي ومجاهد نزلت في اليهود والنصارى وانما ~~قال: إن هؤلاء هم الكافرون حقا، وإن كان غيرهم أيضا كافرا حقا على ~~وجه التأكيد لئلا يظن أنهم ليسوا كفارا لقولهم: نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~وقيل إنه قال ذلك استعظاما لكفرهم، كما قال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم إلى قوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } وقد يكون مؤمنا ~~حقا من لم يلحق هذه الخصال بلا خلاف. ### || [4.152] # [القراءة والحجة]: # قرأ يؤتيهم بالياء حفص الباقون بالنون حجة حفص قوله: { سوف يؤت الله ~~المؤمنين } ومن قرأ نؤتيهم - بالنون - فلقوله: { وآتيناه أجره } وقوله: { ~~أولئك سنؤتيهم أجرا } وغير ذلك من الآي. # [المعنى]: # لما ذكر الله تعالى حكم من فرق بين الله ورسله، والايمان ببعض دون بعض، ~~وانهم الكافرون، وانه أعد لهم العذاب المهين، اخبر عقيبه عمن آمن بالله ~~ورسله، وصدقهم وأقر بنبوتهم، ولم يفرقوا بين احد منهم، بل آمنوا بجميعهم، ~~فان الله (تعالى) سيؤتيهم أجورهم بمعنى سيعطيهم ثوابهم الذي استحقوا على ~~ايمانهم بالله ورسله، والاقرار بهم، وإنه يعطيهم جزاءهم على ذلك. { وكان ~~الله غفورا رحيما } ومعناه يغفر لمن هذه صفته ما سلف له من المعاصي ~~والآثام، ويسيرها عليهم، ويترك العقوبة عليها، فانه لم يزل كان غفورا ~~رحيما أي متفضلا عليهم بالهداية إلى سبيل الحق موفقا لهم لما فيه خلاص ~~رقابهم من عقاب النار. ### || [4.153] # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) يسألك يا محمد اهل الكتاب يعني ~~اليهود أن تنزل عليهم كتابا من السماء، ms1055 واختلفوا في الكتاب الذي سأل ~~اليهود محمد (صلى الله عليه وسلم) أن ينزل عليهم من السماء فقال قوم: ~~سألوا ان ينزل كتابا من السماء مكتوبا، كما جاء موسى بني اسرائيل ~~بالتوراة مكتوبة من عند الله في الألواح. ذهب اليه السدي ومحمد بن كعب ~~القرطي، فانزل الله فيهم هذه الآية إلى قوله: { على مريم بهتانا عظيما ~~} وقال اخرون: بل سألوه أن ينزل عليهم كتابا خاصا لهم ذهب اليه قتادة. ~~وقال آخرون: بل يسألون أن ينزل على رجال منهم بأعيانهم كتبا بالامر ~~بتصديقه، واتباعه ذكر ذلك ابن جريج، واختاره الطبري وقال الزجاج: ذلك حين ~~سألوا فقالوا: { لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } وقال ~~الجبائي: كان سؤالهم على وجه التعنت والافكان فيما أنزله الله من القران ~~دلالة واضحة على نبوته. # وقوله: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } فانه توبيخ من الله تعالى، سئل ~~انزال الكتاب عليهم، وتفريع منه لهم بقوله لنبيه (صلى الله عليه وسلم): ~~يا محمد لا يعظمن عليك مسألتهم، إياك ذلك فانهم من جهلهم بالله عز وجل ~~وجرأتهم عليه، واغترارهم بحلمه، لو أنزلت عليهم الكتاب الذي سألوه ~~لخالفوا امر الله، كما خالفوا بعد أحياء الله اوائلهم من صعقتهم، فعبدوا ~~العجل، واتخذوه آلها فعبدوه من دون خالقهم وبارئهم الذي أراهم قدرته، ~~وعظمته وسلطانه بما أراهم، ثم قص من قصتهم وقصة موسى ما قص، فقال: { فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذلك } يعني سأل اسلاف هؤلاء اليهود موسى (ع) اعظم مما ~~سألوك فقالوا أرنا الله جهرة أي عيانا نعاينه وننظر اليه. وقد بينا معنى ~~الجهرة فيما مضى. وحكي عن ابن عباس أنه قال: فيه تقديم وتأخير، وتقديره ~~إنما قالوا جهرة أرنا الله: وهو الذي اختاره أبو عبيدة. وقال غيره: أراد ~~رؤية بالبصر ظاهرة منكشفة، لان من علم الله فقد رآه. وهواختيار الزجاج ~~لقوله تعالى: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وقول ابن عباس يدل على ~~انه كان يذهب إلى استحالة الرؤية عليه تعالى، لان على تأويله بنفس سؤال ~~الرؤيه، اخذتهم الصاعقة ms1056 دون رؤية مخصوصة على ما يذهب اليه من قال ~~بالرؤية. وقوله: { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } يعني فصعقوا بظلمهم انفسهم ~~عن سؤالهم موسى أن يريهم الله، لان ذلك مما هو مستحيل عليه (تعالى) وفي ~~ذلك دلالة واضحة على استحالة الرؤية عليه (تعالى) واستعظام لتجويزها، ~~لانهم كانوا يكفرون به ويجحدونه ولم ينزل عليهم الصاعقة، فلما سألوا ~~الرؤية أنزلها عليهم. وفي ذلك دلالة على أن اصل كل تشبيه تجويز الرؤية ~~عليه تعالي على قوله ابي على. # وقد بينا معنى الصاعقة فيما مضى، فلا نطول باعادته. # وقوله: { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات } معناه، ثم اتخذ ~~هؤلاء الذين سألوا موسى ما سألوا من رؤية الله بعد ما احياهم وبعثهم من ~~صعقتهم - العجل الذي كان السامري أضلهم به. وقد بينا فيما مضى السبب الذي ~~من اجله اتخذوا العجل، وكيف كان أمرهم. وقوله: { من بعد ما جاءتهم ~~البينات } معناه من بعد ما جاءت هؤلاء الذين سألوا موسى البينات من الله، ~~ومن الدلالات الواضحات بان الرؤية مستحيلة عليه، ومنها اصعاق الله اياهم ~~عند مسألتهم موسى يريدون ان يريهم ربهم جهرة، ثم احياؤه اياهم بعد مماتهم ~~مع غيره من الآيات التي أراهم الله دلالة على ذلك، فقال الله مقبحا ~~فعلهم، وموضحا عن جهلهم ونقص عقولهم باقرارهم للعجل بانه الههم، وهم ~~يرونه عيانا، وينظرون اليه، فعكفوا على عبادته مصدقين بالآهيته ثم قال ~~تعالى: { فعفونا عن ذلك } ومعناه عفونا للذين عبدوا العجل عن عبادتهم بعد ~~ان اراهم الله آية على أنهم لا يرون ربهم. وقوله: { وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا } معناه اعطينا موسى حجة ظاهرة تبين عن صدقه وحقيقة نبوته، وتلك ~~الحجة هي الآيات التي اتاه الله اياها. ### || [4.154] # [القراءة والحجة]: # قرأ أهل المدينة { لا تعدوا } بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ~~ساكنين بمعنى لا تعتدوا، ثم ادغم التاء في الدال فصارت دالا مشددة ~~مضمومة، كما قرأ من قرأ { يهتدي } بتسكين الهاء - وقووا ذلك بقوله: { ~~ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } فجاء في هذه القصة افتعلوا ~~وقال: { لا تعتدوا ms1057 فإن الله لا يحب المعتدين } وقرأ الباقون بتسكين العين ~~- من عدوت في الامر: اذا تجاوزت الحق فيه أعدو عدوانا وعداء وعدوا قال ~~ابو زيد: عدا على اللص: اشد العدو. والعدو والعداء والعدوان اي سرقك ~~وظلمك. وعدت عينه عن ذلك اشد العدو وتعدو وحجتهم قوله: إذ يعدون في السبت ~~في هذه القصة وقوله: فاولئك هم العادون. # [المعنى]: # معنى قوله: { ورفعنا فوقهم الطور } يعني الجبل لما امتنعوا من العمل بما ~~في التوراة وقبول ما جآءهم به موسى بميثاقهم يعني بما اعطوا الله من ~~الميثاق والعهد، ليعملن بما في التوراة. { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ~~} يعني باب حطه حين امرهم الله ان يدخلوا فيه سجودا، فدخلوا على استاههم ~~يزحفون. وقلنا لهم: { لا تعدوا في السبت } اي لا تتجاوزوا في يوم السبت ~~ما أبيح لكم الى ما حرم عليكم. قال قتادة: امرهم الله ان لا يأكلوا ~~الحيتان يوم السبت، ولا يعرضوا لها. واحل لهم ما عداه. وقوله: { وأخذنا - ~~منهم ميثاقا غليظا } يعني عهدا مؤكدا بأنهم يعملون ما أمرهم الله به ~~وينتهون عما نهاهم الله عز وجل عنه. وقد بينا فيما مضى السبب الذي من ~~أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدا، وما كان من أمرهم في ذلك. قال ابن ~~عباس: رفع الله فوقهم الجبل، فقيل لهم: إما ان تأخذوا التوراة بما فيها، ~~أو يلقى عليكم الجبل. وقال ابو مسلم: رفع الله الجبل فوقهم ظلالا لهم من ~~الشمس بميثاقهم أي بعهدهم جزاء لهم على ذلك. والاول قول اكثر المفسرين. ### || [4.155-156] # [المعنى]: # المعني في قوله: { بما نقضهم } قولان: # احدهما - قال الفراء والزجاج وغيرهما: " إن (ما) زائدة ". وتقديره ~~فبنقضهم. # والثاني - انها بمعنى شيء. وتقديره فبشيء ونقضهم. بدل منه ومجرور به. ~~مثله قوله: # مثلا ما بعوضة # وفيه القولان. والتقدير فبنقض هؤلاء الذين وصفهم من اهل الكتاب وميثاقهم ~~يعني عهودهم التي عاهدوا الله عليها أن يعملوا بما في التوراة { وكفرهم ~~بآيات الله } يعني جحودهم بايات الله. وهي اعلامه، وادلته التي احتج بها ~~عليهم في صدق انبيائه، ورسله { وقتلهم الأنبياء بغير ms1058 حق } يعني وقتلهم ~~الانبياء بعد قيام الحجة عليهم بصدقهم بغير حق يعني بغير استحقاق منهم، ~~لكبيرة أتوها ولا خطيئة استوجبوا بها القتل. وقتل الانبياء، وان كان لا ~~يكون إلا بغير حق، فانما اكده بقوله: { بغير حق } ومعناه ما قدمنا القول ~~فيه أنه لا يكون ذلك إلا بغير حق، كما قال: { ومن يدع مع الله إلها آخر ~~لا برهان له به } والمعنى إن هذا لا يكون عليه برهان. ومثله قول الشاعر: # على لا حب لا يهتدى بمناره # وانما اراد لا منارها هناك يهتدى به. وقد استوفينا ما في ذلك فيما مضى { ~~وقولهم قلوبنا غلف } تقديره يقولون: قلوبنا عليها غشاوة وأغطية لا نفقه ~~ما تقول، ولا نعلق له، فاكذبهم الله في ذلك وقال الفراء والزجاج: معناه ~~قلوبنا أوعية للعلم لا نفقة ما تقول. وقد بينا معنى الغلف فيما مضى. ~~قوله: { بل طبع الله عليها بكفرهم } والمعنى كذبوا في قولهم قلوبنا غلف ~~ما هي بغلف، ولا عليها اغطية، بل طبع الله عليها بكفرهم. وقد بينا معنى ~~الطبع فيما مضى. وهو أنه السمة والعلامة وسم الله تعالى وعلم على قلوب ~~قوم من الكفار الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون فيما بعد، وجعل ذلك ~~عقوبة لهم على كفرهم الذي ارتكبوه في الحال تعرفه الملائكة. وقوله: { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } معناه فلا يصدقون الا تصديقا قليلا. وإنما وصفه ~~بالقلة لانهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به لكن صدقوا ببعض الانبياء، ~~وبعض الكتب وكذبوا بالبعض، فكان تصديقهم بما صدقوا به قليلا، لانهم، وان ~~صدقوا به من وجه، فهم يكذبون به من وجه آخر. ويجوز أن يكون الاستثناء من ~~الذين نفى الله عنهم الايمان فكانه علم انه يؤمن منهم جماعة قليلة فيما ~~بعد، فاستثناهم من جملة من اخبر عنهم انهم لا يؤمنون. وبهذه الجملة قال ~~جماعة المفسرين: قتادة وغيره. واختلفوا في قوله: { فبما نقضهم } هل هو ~~متصل بما قبله من الكلام او منفصل منه، فقال قتادة هو منفصل وقال لما ترك ~~القوم أمر الله، وقتلوا رسله ms1059 وكذبوا بآياته ونقضوا ميثاقه طبع الله على ~~قلوبهم بكفرهم، ولعنهم وقال قوم: بل هو متصل بما قبله. # قالوا: معناه فاخذتهم الصاعقة بظلمهم بنقضهم ميثاقهم، وبكفرهم بايات ~~الله، وبقتلهم الأنبياء بغير حق، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة، فتبع الكلام ~~بعضه بعضا. ومعناه مردود على أوله، وجوابه قوله " فبظلم " من الذين قالوا ~~الزجاج هو بدل من قوله: { فبما نقضهم } واختار الطبري الاول، وأنه منفصل ~~من معنى ما قبله والمعنى. فيما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بايات الله وبكذا ~~وكذا لعناهم، وغضبنا عليهم، فترك ذكر لعناهم لدلالة قوله: { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم } على معنى ذلك من حيث كان من طبع على قلبه، فقد لعن وسخط ~~عليه قال: وانما قلنا ذلك، لأن الذين اخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، ~~الذين قتلوا الانبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا قتلنا ~~عيسى، كانوا بعد موسى بدهر طويل، ومعلوم أن الذين اخذتهم الصاعقة لم ~~تأخذهم عقوبة على رميهم مريم بالبهتان، ولا لقولهم: أنا قتلنا المسيح ~~فبان بذلك أن الذين قالوا هذه المقالة غير الذين عوقبوا بالصاعقة. # وقوله: { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } معناه وبكفر هؤلاء ~~الذين وصفهم، وقولهم على مريم بهتانا يعني رميهم لها بالزنا، وهو ~~البهتان وبفريتهم عليها، لانهم رموها وهي بريئة بغير بينة ولا برهان به ~~بل هتوها بباطل القول. وهو قول ابن عباس والسدي والضحاك. ### || [4.157-158] # [المعنى]: # هذه الآية عطف على ما قبلها وتقديره، فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بايات ~~الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم: قلوبنا غلف وقولهم إنا قتلنا ~~المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، أنزلنا من العذاب، وأوجبنا لهم من ~~العقاب، لان اخبارهم انهم قتلوا المسيح يقينا، وما قتلوه، كفر من حيث هو ~~جرأة على الله في قتل أنبيائه، ومن دلت المعجزات على صدقه، ثم كذبهم الله ~~في قولهم: إنا قتلناه فقال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }. # واختلفوا في كيفية التشبيه الذي شبه لليهود في أمر عيسى فقال وهب بن ~~منبه: أنى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فاحاطوا ms1060 بهم، فلما ~~دخلوا عليهم صيرهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم سحرتمونا ليبرزن ~~لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا، فقال عيسى لاصحابه: من يشري نفسه منكم ~~اليوم بالجنة، فقال رجل منهم: انا، فخرج اليهم فقال: أنا عيسى، وقد صيره ~~الله على صورة عيسى، فاخذوه وقتلوه، وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، وظنوا انهم ~~قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ~~ذلك. وبه قال قتادة والسدي وابن اسحاق ومجاهد وابن جريج، وان اختلفوا في ~~عدد الحواريين، ولم يذكر احد غير وهب ان شبهه ألقي على جميعهم، بل قالوا: ~~ألقي شبهه على واحد، ورفع عيسى من بينهم قال ابن اسحاق: وكان اسم الذي ~~القي عليه شبهه سرجس، وكان احد الحواريين، ويقال: إن الذي دلهم عليه وقال ~~هذا عيسى أحد الحواريين أخذ على ذلك ثلاثين درهما، وكان منافقا، ثم انه ~~ندم على ذلك فاختنق حتى قتل نفسه، وكان اسمه بودس زكريا بوطا، وهو ملعون ~~في النصارى، وبعض النصارى يقول: إن بودس زكريا بوطا هو الذي شبه لهم ~~فصلبوه، وهو يقول: لست بصاحبكم الذي دللتكم عليه. قال الطبري: الاقوى قول ~~ابن المنبه، وهو ان سبعة عشر القي على جماعتهم شبه عيسى، لانه لو كان ~~ألقي على واحد منهم مع قول عيسى ايكم يلقى عليه شبهي وله الجنة، ثم رأوا ~~عيسى قد رفع من بين أيديهم لما اشتبه عليهم، وما اختلفوا فيه، وان جاز أن ~~يشتبه على أعدائهم من اليهود الذين لم يكونوا يعرفونه، لكن لما ألقي شبهه ~~على جميعهم، فكان يرى كل واحد بصورة عيسى، فلما قتل واحد منهم اشتبه ~~الحال عليهم. وهذا الذي ذكره قريب. وقال الجبائي: وجه التشبيه ان رؤساء ~~اليهود اخذوا إنسانا فقتلوه وصلبوه على موضع عال، ولم يمكنوا احدا من ~~الدنو منه فتغيرت حليته وتنكرت صورته. وقالوا: قتلنا عيسى، ليوهموا بذلك ~~على عوامهم، لانهم كانوا احاطوا بالبيت الذي فيه عيسى فلما دخلوه كان رفع ~~عيسى من بينهم، فخافوا أن يكون ذلك سبب إيمان اليهود ms1061 به، ففعلوا ذلك. # والذين اختلفوا غير الذين صلبوا من صلبوه، وهم باقي اليهود، فان قيل: هل ~~يجوز أن يلقي الله شبه زيد على عمر حتى لا يفصل الناظر اليهما بينهما، ~~كما كان يفصل قبل القاء الشبه؟ قيل: ذلك مقدور لله بلا خلاف، ويجوز ان ~~يفعله عندنا تغليظا للمحنة، وتشديدا للتكليف، وان كان ذلك خارقا ~~للعادة، يجوز أن يجعل ذلك معجزة أو كرامة، لبعض اوليائه الصالحين، أو ~~الائمة المعصومين (ع). وعند المعتزلة لا يجوز ذلك الا على يدي الانبياء ~~أو في وقتهم، لانه لا يجوز خرق العادة عنهم إلا على يده. وقد قيل: إن ~~اصحاب عيسى (ع) تفرقوا عنه حتى لم يبق غير عيسى، وغير الذي القي شبهه ~~عليه، فلذلك اشتبه على النصارى، فان قيل: كيف يجوز من الخلق العظيم ان ~~يخبروا بالشيء على خلاف ما هو به، وقد علمنا كثرة اليهود والنصارى، ومع ~~كثرتهم اخبروا ان عيسى صلب وقتل، فكيف يجوز ان يكونوا مع كثرتهم كذابين؟ ~~ولئن جاز هذا لم نثق بشيء من الاخبار اصلا ويؤدي ذلك إلى قول السنمية! ~~قلنا: هؤلاء القوم دخلت عليهم الشبهة، لان اليهود لم يكونوا يعرفون عيسى، ~~وانما اخبروا انهم قتلوا واحدا، وقيل لهم انه عيسى، فهم في ذلك صادقون، ~~وان لم يكن المقتول عيسى. وأما النصارى فاشتبه عليهم، لانه كان ألقي شبهه ~~على غيره، فلما رأوا من هو في صورته مقتولا، ظنوا انه عيسى، فلم يخبر احد ~~من الفريقين بما ظن ان الامر على ما اخبر به، فلا يؤدي ذلك الى بطلان ~~الاخبار بحال. # وقوله: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع ~~الظن وما قتلوه يقينا } يعني به الذين أحاطوا بعيسى واصحابه حيث أرادوا ~~قتله لانهم كانوا قد عرفوا عدة من في البيت، فلما دخلوا عليهم فقدوا ~~واحدا منهم، فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحدا من العدة، وقتلوا من ~~قتلوا على شك منهم في أمر عيسى. هذا على قول من قال: لم يتفرق أصحابه حتى ~~دخل عليهم ms1062 اليهود واما من قال تفرقوا عنه، فانه يقول: اختلافهم كان بأن ~~عيسى هل كان في من بقي في البيت أو كان في الذين خرجوا. فاشتبه الامر ~~عليهم. قال الزجاج: وجه اختلاف النصارى أن منهم من ادعى انه له لا يقتل، ~~ومنهم من قال قتل، فكذب الله الجميع. وقوله: { إلا اتباع الظن } استثناء ~~منقطع. وتقديره لم يكن لهم بمن قتلوه علم لكنهم اتبعوه ظنا منهم انه ~~عيسى، ولم يكن به. # وقوله: { وما قتلوه يقينا } معناه وما قتلوا ظنهم الذي اتبعوا المقتول ~~الذي قتلوه، وهم يحسبونه عيسى يقينا إنه عيسى، ولا انه غيره، لكنهم ~~كانوا منه على ظن وشبهة، كما يقول القائل: ما قتلت هذا الامر علما، وما ~~قتلته يقينا: إذا تكلم فيه بالظن على غير يقين. # فالهاء في { قتلوه } عائدة على الظن. وقال ابن عباس وجويبر وما قتلوا ~~ظنهم يقينا. وحكى الزجاج عن قومهم: أن الهاء راجعة إلى عيسى (ع). نفى ~~الله عنه القتل على وجه التحقيق واليقين. وقال السدي: وما قتلوا أمره ~~يقينا إن الرجل هو عيسى (ع) وقوله: { بل رفعه الله إليه } يعني بل رفع ~~الله المسيح اليه، ولم يقتلوه، ولم يصلبوه، لكن الله رفعه وطهره من الذين ~~كفروا وقوله: { كان الله عزيزا حكيما } معناه لم يزل الله عزيزا ~~منتقما من اعدائه كانتقامه من الذين اخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه من ~~نقض ميثاقه وفعل ما قصه الله، حكيما في افعاله وتدبيراته وتصريفه خلقه في ~~قضائه، واحذروا أيها السائلون محمدا ان ينزل عليكم كتابا من السماء - ~~حلول عقوبته بكم، كما حل باوائلكم الذين فعلوا فعلكم في تكذيبهم رسلي ~~وأفترائهم على اوليائى. وبه قال ابن عباس. # وقوله: { بل رفعه الله }. # [القراءة والحجة]: # في القراء من ادغم اللام في الراء وعليه الاكثر. وهو الأقوى لقرب مخرج ~~اللام من مخرج الراء. وهو أقوى من ادغام الراء في اللام، لان في الراء ~~تكويرا فهو يجري مجرى الحرفين. ومن لم يدغم قال: لانه من كلمتين. وقال ~~الفراء: لا يجوز غير الادغام. وقال سيبويه: الادغام اجود وتركه ms1063 جائز وهي ~~لغة حجازية. # وقوله: { بل رفعه الله إليه } معناه انه رفعه إلى الموضع الذي يختص الله ~~(تعالى) بالملك، ولم يملك احدا منه شيئا. وهو السماء، لانه لا يجوز ان ~~يكون المراد انه رفعه إلى مكان هو (تعالى)، فيه لان ذلك من صفات الاجسام ~~(تعالى الله عن ذلك) وعلى هذا يحمل قوله حكاية عن ابراهيم { إني ذاهب إلى ~~ربي } يعني إلى الموضع الذي امرني به ربي ومثل قوله: { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله } يعني مهاجرا إلى الموضع الذي أمره الله ~~بالهجرة اليه. ### || [4.159] # معنى (ان) معنى (ما) النافية وموضعها الرفع وهي مثل قوله: { وإن منكم ~~إلا واردها } أي ما منكم احد إلا واردها. ومعنى الآية الاخبار منه ~~(تعالى) بانه إلا ليؤمنن به يعني بعيسى قبل موته واختلفوا في الهاء إلى ~~من ترجع فقال قوم: هي كناية عن عيسى، كانه قال: لا يبقى احد من اليهود ~~الا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى بأن ينزله الله إلى الارض إذا اخرج المهدي ~~(عج) وانزله الله لقتل الدجال، فتصير الملل كلها ملة واحدة وهي ملة ~~الاسلام الحنيفية دين ابراهيم (ع). ذهب اليه ابن عباس وأبو مالك والحسن ~~وقتادة، وابن زيد وذلك حين لا ينفعهم الايمان. واختاره الطبري. قال: ~~والآية خاصة لمن يكون في ذلك الزمان وهو الذي ذكره علي بن ابراهيم في ~~تفسير أصحابنا. وروى شهر بن حوشب عن محمد بن علي بن الحنفية ان الحجاج ~~سأله عن هذه الآية وقال: نرى اليهود تضرب رقبته، فلا يتكلم بشيء فقال: ~~حدثنى محمد بن علي أن الله يبعث اليه ملكا ينفضه ويضرب رأسه ودبره، ويقول ~~له: كذبت عيسى، فيؤمن حينئذ ويقول: كذبت عيسى ويعترف به. فقال الحجاج: ~~عمن؟ فقال: عن محمد بن علي فقال له، جئت بها من عين صافية. فقيل لشهر ما ~~أردت بذلك؟ قال: اردت ان اغيظه وذكره البلخي مثل ذلك وضعف هذا الوجه ~~الزجاج وقال: الذين يبقون إلى زمن نزول عيسى (ع) من أهل الكتاب قليل. ~~والآية تقتضي عموم إيمان ms1064 أهل الكتاب أجمع قال: إلا ان تحمل على ان جميعهم ~~يقول: ان عيسى الذي ينزل لقتل الدجال نحن نؤمن به فعلى هذا يجوز. واختار ~~الوجه الثاني وقال قوم: الهاء كناية عن الكتابي، وتقديره أنه لا يكون احد ~~من أهل الكتاب يخرج من دار الدنيا إلا ويؤمن بعيسى عند موته إذا زال ~~تكليفه، وتحقق الموت، ولكن لا ينفعه الايمان حينئذ ذهب اليه ابن عباس في ~~رواية أخرى، ومجاهد. قال ابن عباس: لو ضربت رقبته لم تخرج نفسه حتى يؤمن ~~وبه قال عكرمة والضحاك. وفي رواية عن الحسن وقتادة وقال قوم: الهاء كناية ~~عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والتقدير وليس من أهل الكتاب إلا من يؤمن ~~بمحمد (صلى الله عليه وسلم) قبل موت الكتابي ذهب اليه عكرمة وطعن الطبري ~~على هذا الوجه بان قال: لو كان ذلك صحيحا لما جاز اجزاء احكام الكفار ~~عليهم إذا ماتوا من ترك الصلاة عليهم. ومنع المدافنة والموراثه. وغير ~~ذلك. ووجب اجراء حكم الاسلام عليهم. وهذا الذي ذكره ليس بشيء لان ايمانهم ~~بمحمد (صلى الله عليه وسلم) انما يكون في حال زوال التكليف، فلا حكم لذلك ~~الايمان. # وذلك مثل إيمان فرعون حين غرق وقال: { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنو اسرائيل } فقال الله تعالى له: { الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ~~} فكذلك إيمان هؤلاء لا يعتد به، وانما يضعف هذا الجواب من حيث انه لم ~~يجر لمحمد (صلى الله عليه وسلم) ذكر فيما تقدم، ولا ها هنا ضرورة موجبة ~~لرد الكناية عليه. وما هذه صورته لا تجوز الكناية عنه. وانما قلناه في ~~قوله: حتى توارت بالحجاب إنها كناية عن الشمس للضرورة، لانه يتحمل سواها. ~~وقد جرى ذكر عيسى والكتابي فامكن ان يكون كناية عن كل واحد منهما، فلا ~~يجوز العدول عنه. وقوله: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } قال قتادة ~~وابن جريح: يكون عيسى عليهم شهيدا على أنه قد بلغ رسالة ربه، واقر على ~~نفسه بالعبودية مكذبا من كذبه ومصدقا من صدقه. ### || [4.160-161] ms1065 # هاتان الآيتان معطوفتان على ما تقدم. # قال الزجاج: قوله: { فبظلم } بدل من قوله: { فبما نقضهم ميثاقهم } ~~والعامل في الياء قوله: { حرمنا عليهم طيبات } لما طال الكلام أجمل ~~(تعالى) ما ذكره ها هنا في قوله: فبظلم واخبر انه حرم على اليهود الذين ~~نقضوا ميثاقهم الذين واثقوا الله عليه، وكفروا باياته، وقتلوا أنبياءه، ~~وقالوا، البهتان على مريم وفعلوا ما فعلوا مما وصفه الله في كتابه طيبات ~~من المأكل وغيرها، وكانت لهم حلالا، عقوبة لهم بظلمهم الذي أخبر الله عنه ~~لانهم لما فعلوا ما فعلوا، اقتضت المصلحة تحريم هذه الاشياء عليهم. وهو ~~قول مجاهد واكثر المفسرين. وقوله: { وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } يعنى ~~بمنعهم عباد الله عن دينه وسبيله التي شرعها لعباده صدا كثيرا، وكان ~~صدهم عن سبيل الله بقولهم على الله الباطل، وادعائهم ان ذلك عن الله، ~~وتبديلهم كتاب الله وتحريفهم معانيه عن وجوهه. ومن أعظم ذلك جحدهم نبوة ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) وتركهم بيان ما قد عملوا من أمره من جهل امره ~~من الناس، وهو قول مجاهد وغيره. وقوله: { وأخذهم الربا } يعني على رؤوس ~~أموالهم بتأخيرهم له عن محله إلي محل آخر وقد نهوا عنه يعني عن الربا، ~~وأكلهم اموال الناس بالباطل يعني بغير استحقاق، ولا استيجاب. وهو ما ~~كانوا يأخذونه من الرشا على الاحكام، كما قال تعالى: { وأكلهم السحت لبئس ~~ما كانوا يعملون } ومنه ما كانوا يأخذونه من اثمان الكتب التي كانوا ~~يكتبونها بايديهم، ويقولون هذا من عند الله، وما اشبه ذلك من المآكل ~~الخسيسة الخبيثة، فعاقبهم الله تعالى على جميع ذلك بتحريم ما حرم عليهم ~~من الطيبات. وقوله: { واعتدنا للكافرين منهم عذابا } معناه وجعلنا ~~للظالمين أنفسهم بكفرهم بالله، وجحدهم رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) ~~من هؤلاء اليهود العذاب الاليم. وهو المؤلم الموجع يصلونها في الاخرة عدة ~~لهم. قال ابو علي: حرم الله (تعالى) هذه الطيبات على الظالمين منهم عقوبة ~~لهم على ظلمهم ومن لم يكن ظالما منهم نسخه منهم اما على لسان عيسى أو ~~على لسان محمد ms1066 (صلى الله عليه وسلم) نبينا وهو ما حرمه من كل ذي ناب من ~~السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك مما ذكره في قوله: { وعلى الذين هاد ~~واحرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلي قوله.. ذلك ~~خزيناهم ببغيهم } فهذا البغي هو الظلم الذي ذكره ها هنا. ### || [4.162] # استثنى الله تعالى من اليهود الذين وصف صفتهم فيما مضى من الآيات في ~~قوله: يسألك أهل الكتاب إلى ها هنا من هداه الله لدينه، ووفقه لرشده ~~فقال: { لكن الراسخون } وهم الذين رسخوا في العلم وثبتوا فيه. وقد مضى ~~معنى الرسوخ فيما مضى في العلم الذي جاء به الانبياء، واحكام الله التي ~~ادوها إلى عباده، والمؤمنون بالله ورسوله منهم يؤمنون بالقرآن الذي أنزله ~~الله اليك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) وبالكتب التي انزلها على من قبلك ~~من الانبياء، والرسل، ولا يسألونك ما يسأل هؤلاء الجهال من انزال كتاب من ~~السماء، لانهم قد علموا صدق قولك بما قرأوا من الكتب التي انزلها على ~~الانبياء، ووصفك فيها وأنه يجب عليهم اتباعك، فلا حاجة بهم إلى ان يسألوك ~~معجزة اخرى، ولا دلالة غير ما علموا من امرك بالعلم الراسخ في قلوبهم وهو ~~قول قتادة والمفسرين. وقوله: { والمقيمين الصلاة } اختلفوا هل هم ~~الراسخون في العلم أو غيرهم؟ فقال قوم: هم هم. واختلف هؤلاء في إعرابه ~~ومخالفته لاعراب الراسخين فقال قوم منهم: هو غلط من الكتب وانما هو، لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون والمقيمون الصلاة ذكر ذلك حماد بن سلمة ~~عن الزبير. قال: قلت لابان بن عثمان بن عفان. ما شانها كتبت لكن الراسخون ~~في العلم منهم والمؤمنون والمقيمين الصلاة فقال: قال: إن الكاتب لما كتب ~~لكن الراسخون في العلم منهم إلى قوله: من قبلك قال: ما اكتب؟ قيل له: ~~اكتب والمقيمين الصلاة. وروى عروة بن الزبير قال: سألت عائشة عن قوله: { ~~والمقيمين الصلاة } ، وعن قوله: { والصابئون } وعن قوله: { إن هذان } ~~فقالت: يا بن اخي هذا عمل الكتاب أخطأوا في الكتابة وفي مصحف ابن ms1067 مسعود { ~~والمقيمون الصلوة } وقال الفراء أو الزجاج وغيرهما من النحويين: هو من ~~صفة الراسخين، لكن لما طال، واعترض بينهما كلام نصب المقيمين على المدح ~~وذلك سائغ في اللغة كما قال في ألايات التي تلوناها، وفي قوله: { ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء } وقال اخرون: ~~هو من صفة الراسخين في العلم ها هنا، وان كان الراسخون في العلم من ~~المقيمين. قالوا: وموضع { المقيمين } خفض عطفا على ما في قوله: يؤمنون ~~بما أنزل اليك وما انزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة. والمعنى ~~يؤمنون باقام الصلاة وقوله: والمؤتون الزكاة. قالوا: عطف على قوله: { ~~والمؤمنون } وقال آخرون المقيمون الصلاة هم الملائكة. واقامتهم للصلاة ~~تسبيحهم ربهم، واستغفارهم لمن في الارض. ومعنى الكلام والمؤمنون يؤمنون ~~بما انزل اليك وما انزله من قبلك، وبالملائكة. واختاره الطبري. قال لانه ~~في قراءة أبي كذلك، وكذلك هو في مصحفه. فلما وافق مصحفه لمصحفنا ذلك على ~~انه ليس بغلط. # وقال اخرون: المعنى المؤمنون يؤمنون بما انزل اليك، وما انزل من قبلك، ~~ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وهم الائمة المعصومون، والمؤتون الزكاة، كما ~~قال: يؤمن بالله، ويؤمن للمؤمنين. وانكروا النصب على المدح. قالوا: وانما ~~يجوز ذلك بعد تمام خبره قالوا وخبر الراسخين قوله: { أولئك سنؤتيهم أجرا ~~عظيما } فلا يجوز نصب المؤمنين على المدح في وسط الكلام قبل تمام الخبر. ~~واختار الزجاج ذلك. قال: يجوز أن تقول مررت بزيد كريم. بالجر والنصب ~~والرفع: النصب على المدح، والخفض على الصفة، والرفع على تقدير هو الكريم. ~~وانشد في النصب على المدح بيت خرنق: # لا يبعدن قومي الذين # هم سم العداة وافة الجزر # النازلين بكل معترك # والطيبون معاقد الازر # على معنى اذكر النازلين وهم الطيبون. ولو نصب لكان جائزا. وقال قوم ~~المعنى لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة قالوا فموضعه ~~خفض. وقال: قوم: المعنى يؤمنون بما أنزل. اليك وإلى المقيمين الصلاة ~~وهذان الوجهان الأخيران ضعيفان عند النحويين، لانه لا يكاد يعطف ظاهر على ~~مكنى. # قوله: { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } إشارة الى هؤلاء الذين وصفهم ms1068 الله ~~فاخبر أنه سيعطينهم أجرا أي ثوابا، وجزآء على ما كان منهم من طاعة الله ~~واتباع أمره من الخلود في الجنة. وقيل من جملة الراسخين: عبد الله بن ~~سلام وابن يامين وابن صوريا، واسد وثعلبة، وسلام وغيرهم من علماء اليهود ~~الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وسلم). ### || [4.163] # [القراءة والحجة]: # قرأ حمزة وخلف { زبورا } بضم الزاي. الباقون بفتحها حيث وقعت من ضم ~~الزاي احتمل ذلك وجهين: احدهما أن يكون جمع زبر، فاوقع على المزبور ~~الزبر. كما قيل: ضرب الامير ونسج اليمن. كما يسمى المكتوب الكتاب، ثم جمع ~~الزبر على زبور لوقوعه موقع الاسماء التى ليست مصادر، كما يجمع الكتاب ~~كتب، فلما استعمل استعمال الأسماء، قالوا: زبور والوجه الآخر ان يكون جمع ~~زبور بحذف الزيادة على زبور، كما قالوا: ظريف وظروف، وكروان وكروان، ~~وورشان وورشان ونحو ذلك مما يجمع بحذف الزيادة يدل على قوة هذا ان ~~التكسير مثل التصغير. وقد اطرد هذا الحذف في ترخيم التصغير نحو ازهر ~~وزهير، وحارث وحريث وثابت وثبيت والجمع مثله في القياس، وإن كان اقل منه ~~في الاستعمال، ومن فتح الزاي أراد الكتاب المنزل على داود (ع) كما سمى ~~المنزل على موسى التوراة، والمنزل على عيسى الانجيل، والمنزل على محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) الفرقان. # [المعنى]: # قال الحسين بن علي المغربى: زبور جمع زبور ومثله تخوم وتخوم وعذوب وعذوب ~~قال: ولا يجمع فعول - بفتح الفاء - على فعول - بضم الفاء - إلا هذه ~~الثلاثة فيما عرفنا. والزبر احكام العمل في البئر خاصة يقال: بئر مزبورة: ~~اذا كانت مطوية بالحجارة. ويقال: ما لفلان زبر اي عقل. وزبر الحديد: قطعة ~~واحدها زبرة. ويقول زبرت الكتاب ازبره زبرا مثل اذبره ذبرا - بالذال ~~المعجمة -. # [المعنى]: # هذا خطاب من الله للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول الله: إنا اوحينا ~~اليك يا محمد أي ارسلنا اليك رسلنا بالنبوة كما أرسلنا إلى نوح وسائر ~~الانبياء الذين سميناهم لك من بعد والذين لم نسمهم لك. وقيل: إن هذه ~~الآية نزلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) ms1069 لان بعض اليهود لما فضحهم ~~الله بالآيات - التي انزلها على رسوله (صلى الله عليه وسلم) من عند قوله: ~~{ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء، وما بعده } فتلا ذلك ~~عليهم رسول الله، قالوا: ما انزل الله على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل ~~الله هذه الآيات تكذيبا لهم، واخبر نبيه والمؤمنين بها انه قد انزل على ~~من بعد موسى من الذين سماهم في هذه الآية وعلى من لم يسمهم وهو قول ابن ~~عباس. وقال آخرون بل قالوا لما انزل الله الايات التي قبل هذه في ذكرهم: ~~ما انزل الله على بشر من شيء، ولا على عيسى. ذهب اليه محمد بن كعب القرطي ~~وفيم نزل قوله: { وما قدروا الله حق قدره اذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء } والاسباط في ولد اسحاق كالقبائل في اولاد اسماعيل. وقد بعث منهم ~~عدة رسل: كيوسف وداود وسليمان، وموسى وعيسى، فيجوز أن يكون أراد بالوحي ~~اليهم الوحي إلى الانبياء منهم، كما تقول: أرسلت الى بني تميم، وإن ارسلت ~~إلى وجوههم وليس يصح عندنا ان الاسباط الذين هم اخوة يوسف، كانوا انبياء. ### || [4.164] # [الاعراب والمعنى]: # يحتمل نصب { ورسلا } امرين: # احدهما - على قول الفراء - انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح، والى ~~رسل قد قصصناهم عليك، ورسل لم نقصصهم عليك. فلما حذف الى نصب رسلا. وقال ~~الزجاج: تقديره انه لما قال: { إنا أوحينا } كان معناه ارسلناك رسولا عطف ~~على ذلك، فقال: ورسلا. وتقديره وارسلنا رسلا، فعطف الرسل على معنى ~~الاسماء قبلها في الاعراب كما قال الشاعر: # أوحيت بالخبز له ميسرا # والبيض مطبوخا معا والسكرا # لم يرضه ذلك حتى يشكرا # والوجه الثاني - أن يكون نصبا بفعل يفسره ما بعده، ويتلوه، وهو اختيار ~~الزجاج. وتقديره وقصصنا عليك رسلا قد قصصناهم عليك، كما قال: { والظالمين ~~أعد لهم } والتقدير واعد للظالمين اعد لهم عذابا اليما. # وقرأ ابي ورسل - بالرفع - لما كان في الفعل عائد اليهم، وهو قوله: { وقد ~~قصصناهم عليك } وقوله: # { وكلم الله موسى تكليما } نصب تكليما ms1070 على المصدر وفائدة وكلم الله ~~موسى بلا واسطة خصوصا من بين سائر الانبياء كلمهم الله بواسطة الوحي ~~وقيل: إنما قال ذلك، ليعلم، ان كلام الله من جنس هذا المعقول الذي يشقق ~~من التكلم على خلاف ما يقول المبطلون. وقيل انما اتى بالمصدر تاكيدا. ~~وقيل: انما أراد بذلك تعظيم كلامه، كانه قال: كلم الله موسى تكليما شريفا ~~كما قال: { فغشيهم من اليم ما غشيهم } يريد بذلك تعظيم ما غشيهم من ~~الاهوال # فاما قول من قال: ان الله كلم موسى باللغات كلها التي لم يفهمها. فلما ~~كان آخر شيء كلمه بكلام فهمه، فان ذلك لا يجوز عليه تعالى، لان خطاب من ~~لا يفهم خطابه عبث يجري مجرى قبح خطاب العربي بالزنجية، والله (يتعالى عن ~~ذلك) قال البلخي: وفي الآية دلالة على أن كلام الله محدث من حيث انه كلم ~~موسى خاصة دون غيره من الانبياء، وكلمه في وقت دون وقت، ولو كان الكلام ~~قديما ومن صفات ذاته لم يكن في ذلك اختصاص ومن فصل بين الكليم والتكلم، ~~فقد ابعد لان المتكلم لغيره لا يكون الا متكلما، وإن كان يجوز ان يكون ~~متكلما وان لم يكن مكلما فالمتكلم يجمع الامرين. ### || [4.165] # نصب { رسلا } على القطع من اسماء الانبياء الذين ذكر اسماءهم { مبشرين ~~} نصب على الحال. والتقدير أرسلت هؤلاء الانبياء رسلا إلى خلقي وعبادي ~~مبشرين بثوابي من اطاعني وصدق رسلي { ومنذرين } يعني مخوفين من عقابي من ~~عصاني وخالف أمري، وكذب رسلي { لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ~~وقال ابوعلي: ذلك مخصوص بمن علم الله من حاله أن له في بعثه الانبياء ~~لطفا، لانه إذا كان كذلك متى لم يبعث اليهم نبيا يعرفهم ما فيه لطفهم، ~~كان في ذلك اتم الحجة عليه (تعالى) وذلك يفسد قول من قال: في مقدوره من ~~اللطف ما لو فعله بالكافر لآمن به، لانه لو كان الامر على ما قالوه، ~~لكانت لهم الحجة بذلك على الله (تعالى) قائمة. فاما من لم يعلم من حاله ~~ان له في انفاذ ms1071 الرسل اليه لطفا، فالحجة قائمة عليه بالعقل، وأدلته على ~~توحيده، وصفاته وعدله، ولو لم تقم الحجة بالعقل ولا قامت إلا بانفاذ ~~الرسل، لفسد ذلك من وجهين: # أحدهما - ان صدق الرسل لا يمكن العلم به الا بعد تقدم العلم بالتوحيد ~~والعدل فان كانت الحجة، لم تقم عليه بالعقل فكيف الطريق له إلى معرفة ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وصدقه. # والثاني - انه لو كانت الحجة لا تقوم الا بالرسول لاحتاج الرسول أيضا ~~إلى رسول آخر حتى تقوم عليه الحجة. والكلام في رسوله كالكلام في هذا ~~الرسول ويؤدي ذلك إلى ما لا يتناهى. وذلك فاسد فمن استدل بهذه الآية على ~~ان التكليف، لا يصح بحال الا بعد انفاذ الرسل، فقد ابعد على ما قلناه. ~~وقوله: { وكان الله عزيزا حكيما } معناه انه مقتدر على الانتقام ممن ~~يعصيه ويكفر به لا يمنعه منه مانع لعزته حكيم فيما امر به خلقه وفي جميع ~~افعاله. ### || [4.166] # قال الزجاج: الرفع مع تخفيف (لكن) والنصب مع تشديده جائز، لكن لم يقرأ ~~بالتشديد احد. # ومعنى { لكن الله يشهد } أي يبين ما تشهد به ويعلم مع ابانته انه حق. # { والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا } دخلت الباء مؤكدة. والمعنى ~~اكتفوا بالله في شهادته والمعنى في الآية ان هؤلاء اليهود الذين سألوك ان ~~ينزل عليهم كتابا من السماء وقالوا لك ما أنزل الله على بشر من شيء، قد ~~كذبوا ليس الامر كما قالوا، لكن الله يشهد بتنزيل ما انزله اليك من كتابه ~~ووحيه انزل ذلك إليك، وهو عالم بانك خيرته من خلقه، وصفوته من عباده يشهد ~~لك بذلك ملآئكته، فلا يحزنك تكذيب من كذبك، وخلاف من خالفك { وكفاك بالله ~~شهيدا } أي حسبك بالله شاهدا على صدقك، دون ما سواه. قال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية في جماعة من اليهود كان النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاهم ~~إلي اتباعه، واخبرهم أنهم يعلمون حقيقه نبوته فجحدوا نبوته، وانكروا ~~معرفته، فانزل الله فيهم هذه الآية تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~وتعزية له عن تكذيب من ms1072 كذبه. ومن استدل بهذه الآية على انه تعالى عالم ~~بعلم، فقد اخطأ لان، قوله بعلمه معناه، وهو عالم به. ولو كان المراد بذلك ~~ذاتا اخرى، لوجب أن يكون العلم آلة في الانزال، كما يقولون كتبت بالقلم، ~~وقطعت بالسكين، ونجرت بالفاس. ولا خلاف ان العلم ليس بآلة في الانزال. ~~وقال الزجاج معناه إنزال القرآن الذي علمه فيه. وهو اختيار الازهري. ### || [4.167] # المعنى: # ان الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها من أهل الكتاب الذين ذكر قصتهم، ~~وانكروا ان الله تعالى أوحى اليك وانزل كتابه عليك، وصدوا عن سبيل الله ~~يعني عن الدين الذي بعثك به الي خلقه. وهو الاسلام بقولهم للذين يسألونهم ~~عن صحة نبوتك ما نجد صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) في كتبنا، وادعاؤهم ~~عهد إليهم ان النبوة لا تكون إلا في ولد هارون. ومن ذرية داود، وما اشبه ~~ذلك فقد ضلوا ضلالا بعيدا يعني جاروا عن قصد الطريق جورا شديدا، ~~وزالوا عن المحجة التي هي دين الله الذي ارتضاه لعباده وبعثك به الي خلقه ~~زوالا بعيدا، ابعدوا من الرشاد. ### || [4.168-169] # هذا خبر من الله تعالى بان الذين جحدوا رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) ~~كفروا بالله، وجحدوه بجحودهم رسالة نبيه وظلموا نبيه بتكذيبهم اياه، ~~ومقامهم على الكفر على علم منهم بظلمهم عباد الله، وحسدا للعرب، وبغيا ~~على رسوله { لم يكن ليغفر لهم } يعني لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بترك ~~عقابهم عليها، لكنه تعالى يفضحهم بها (جل ثنآؤه) بعقوبته إياهم عليه، ولا ~~ليهديهم طريقا يعني لا يهديهم لطريق الجنة، لان الهداية إلى طريق ~~الايمان قد سبقت، وقد عم الله أيضا بها جميع المكلفين. ويحتمل أن يكون ~~المراد لم يكن الله يفعل بهم ما يؤمنون عنده في المستقبل عقوبة لهم على ~~كفرهم الماضي، واستحقاقهم حرمان ذلك، وانه يخذلهم عن ذلك حتى يسلكوا طريق ~~جهنم، ويكون المعنى لم يكن الله ليوفقهم للاسلام، لكنه يخذلهم عنه إلى ~~طريق جهنم جزاء لهم على ما فعلوه من الكفر خالدين فيها مقيمين ابدا { ~~وكان ذلك ms1073 على الله يسيرا } المعنى وكان تخليد هؤلاء الذين وصفت لكم ~~صفتهم في جهنم على الله يسيرا، لانه تعالى إذا أراد ذلك به لم يقدر على ~~الامتناع منه، ولا يصعب عليه عقاب من يعصيه، فذلك كان يسيرا عليه. ### || [4.170] # خاطب الله بهذه الآية جميع الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) من مشركي العرب، وجميع اصناف الكفار، وبين انه قد جاءهم ~~الرسول - يعني محمد (صلى الله عليه وآله) - بالحق من ربكم - يعني ~~بالاسلام الذي ارتضاه الله لعباده دينا من ربكم. يعنى من عند ربكم { ~~فآمنوا خيرا لكم } معناه صدقوه وصدقوا ما جاءكم به من عند ربكم من الدين ~~فان الايمان بذلك خير لكم من الكفر { وإن تكفروا } اي تجحدوا نبوته ~~وتكذبوا رسالته وبما جاء به من عند الله فان ضرر ذلك يعود عليكم دون الله ~~تعالى الذي له ملك السماوات، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من امره، ~~وعصيانكم فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئا. { وكان الله عليما } ~~بما انتم صائرون اليه من طاعته أو معصيته { حكيما } في امره اياكم ونهيه ~~عما نهاكم عنه وفي غير ذلك من تدبيره فيكم، وفي غيركم من خلقه. # [الاعراب]: # واختلفوا في نصب { خيرا لكم } فقال الخليل، وجميع البصريين: إن ذلك ~~محمول على المعنى، لانك إذا قلت: انته خيرا لك، فانت تدفعه عن امر، ~~وتدخله في غيره، كانك قلت: انته وات خيرا لك، وادخل فيما هو خير لك ~~وانشد الخليل وسيبويه قول عمر بن ابي ربيعة: # فواعديه سرحتي ما لك # او الربا بينهما اسهلا # وتقديره وأنني مكانا اسهلا وقال الكسائي: انتصب بخروجه من الكلام. قال: ~~وهذا تفعله العرب في الكلام التام، نحو قولك لتقو من خيرا لك، وانته ~~خيرا لك، فاذا كان الكلام ناقصا، لم يخبر غير الرفع تقول: ان تنته خير ~~لك، وان تصبروا خير لكم. وقال الفراء انتصب ذلك لانه متصل بالامر وهو من ~~صفته. الا ترى انك، تقول: انته هو خير لك؟ فلما اسقطت هو اتصل بما قبله، ~~وهو معرفة ms1074 فانتصب وقال ابو عبيدة: انتصب ذلك على اضمار كان، كانه قال: ~~فامنوا يكن الايمان خيرا لكم. قال: وكذلك كل امر ونهي قال الفراء: يلزم ~~على ذلك ما يبطله. ألا ترى انك تقول: اتق الله تكن محصنا، ولا يجوز ان ~~تقول: اتق الله محسنا باضمار كان، ولا يصلح ان تقول: انصرنا اخانا، وانت ~~تريد تكن اخانا. وقال قوم. انتصب ذلك بفعل مضمر اكتفى في ذلك المضمر ~~بقوله: لا تفعل ذلك وافعل صلاحا لك. ### || [4.171] # هذا خطاب من الله تعالى لاهل الكتاب الذي هو الانجيل وهم النصارى نهاهم ~~الله (تعالى) ان يغلوا في دينهم بان يجاوزوا الحق فيه، ويفرطوا في دينهم، ~~ولا يقولوا في عيسى غير الحق، فان قولهم في عيسى أنه ابن الله قول بغير ~~الحق، لانه (تعالى) لم يتخذ ولدا فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابنا له، ~~ونهاهم أن يقولوا على الله. الا الحق، وهو الاقرار بتوحيده، وانه لا شريك ~~له ولا صاحبة ولا ولد. واصل الغلو في كل شيء تجاوز حده يقال: غلا فلان في ~~الدين يغلو غلوا. وغلا بالجارية عظمها ولحمها: إذا انسرعت الشباب، ~~وتجاوزت لذاتها. يغلو بها غلوا وغلاء قال الحارث بن خالد المخزومي: # خمصانة فلق موشحها # رود الشباب غلا بها عظم # وقوله: انما المسيح عيسى بن مريم، فأصل المسيح المموح - نقل من مفعول ~~إلى فعيل. سماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب، وقيل مسح من الذنوب ~~والادناس التي تكون في الادميين كما يمسح الشيء من الاذى الذي يكون فيه. ~~وهو قول مجاهد. وقال ابو عبيدة: هذه الكلمة عبرانية أو سريانية مشيحا، ~~فعربت فقيل المسيح، كما عرب سائر أسماء الانبياء في القرآن، نحو اسماعيل ~~واسحاق وموسى وعيسى. وقال قوم ليس هذا مثل ذلك، لان اسماعيل واسحاق وما ~~اشبههما اسماء، لا صفات. والمسيح صفة ولا يجوز ان يخطب العرب وغيرها من ~~اجناس الخلق في صفة شيء إلا بما يفهم، فعلم بذلك انها كلمة عربية وقال ~~ابراهيم: المسيح المسيح الصديق واما المسيح الدجال فانه ايضا بمعنى ~~الممسوح العين ms1075 صرف من مفعول إلى فعيل فمعنى المسيح في عيسى (ع) الممسوح ~~البدن من الادناس والآثام. ومعنى المسيح في الدجال الممسوح العين اليمنى ~~أو اليسرى كما يروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك. وقوله: رسول ~~الله اخباره منه (تعالى) ان المسيح أرسله الله وجعله نبيا. وقوله: { ~~كلمته ألقاها إلى مريم } فانه يعني بالكلمة الرسالة التي امر الله ~~ملائكته أن يأتي بها بشارة من الله (تعالى) لها التي ذكرت في قوله: { ~~قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } يعني برسالة منه وبشارة ~~من عنده وقال قتادة والحسن: هو قوله: " كن فكان " واختار الطبري الاول ~~وقال الجبائي: ذلك مجاز، وانما اراد بالكلمة انهم يهتدون بعيسى، كما ~~يهتدون بكلامه. وكذلك يحيون به في دينهم كما يحيى الحي بالروح، فلذلك ~~سماه روحا. # وقوله: { ألقاها إلى مريم } فمعناه اعلمها بها وأخبرها كما يقال القيت ~~اليك كلمة حسنة بمعنى أخبرتك بها. وكلمتك بها. وقال الجبائي: معنى القاها ~~الى مريم خلقه في رحمها. # وقوله: { وروح منه } اختلفوا فيه على ستة اقوال: # فقال قوم: معناه ونفحة منه وسماه روحا، لانه حدث عن نفحة جبرائيل في درع ~~مريم بامر الله له بذلك، ونسب الى الله، لانه كان بامره. # وانما سمي النفخ روحا، لانها ريح تخرج من الروح. واستشهدوا على ذلك قول ~~ذي الرمة - واسمه غيلان - في صفة نار نفثها. # فلما بدت كفنتها وهي طفلة # بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا # وقلت له: ارفعها اليك واحيها # بروحك واقتتها لها قيتة قدرا # وظاهر لها من يابس الشخت، واستعن # عليها الصبا واجعل يديك لها سترا # معنى احيها بروحك اي بنفخك. # وقال بعضهم: معناه انه كان انسانا باحياء الله اياه بتكوينه بلا واسطة ~~من جماع، ونطفة على مجرى العادة. # وقال قوم: قوله: { وروح منه } معناه ورحمة منه. كما قال في موضع: { ~~وأيدهم بروح منه } ومعناه ورحمة منه. قال: فجعل الله عيسى رحمة على من ~~اتبعه، وآمن به وصدقه، لانه هداهم الى سبيل الرشاد. # وقال آخرون: معنى ذلك وروح من الله ms1076 خلقها فصورها، ثم أرسلها الى مريم، ~~فدخلت في فيها فصيرها الله تعالى روح عيسى ذهب اليه ابو العالية عن أبي ~~ابن كعب. # وقال بعضهم: ان معنى الروح - ها هنا - القوة التي كان بها يحيي الموتى ~~قال الراجز: # اذ عرج الليل بروح الشمس # وقال قوم: معنى الروح ها هنا جبرائيل. قالوا: والروح معطوفة به على ما ~~في قوله من ذكر الله تعالى. والمعنى إن القاء الكلمة الى مريم كان من ~~الله تعالى. ثم من جبرائيل. وقوله: { فآمنوا بالله ورسله } أمر من الله ~~اياهم بتصديق الله تعالى، والاقرار بوحدانيته، وتصديق رسله فيما جاؤا به ~~من عند الله، وفيما اخبرهم به أن الله لا شريك له، ولا صاحبة ولا ولدا. # وقوله: { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا } نهي لهم عن أن يقولوا الارباب ~~ثلاثة، وانما رفع ثلاثة بمحذوف دل عليه ظاهر الكلام. وتقديره ولا ~~تقولوا: هم ثلاثة. وانما جاز ذلك، لان القول حكاية ومثل ذلك قوله: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم # وكذلك كلما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه اضمار اسم رافع ~~لذلك الاسم، ثم قال متوعدا لهم على عظيم قولهم الذي قالوه في الله: ~~انتهوا أيها القائلون الله ثالث ثلاثة عما تقولون من الزوج والشرك بالله، ~~والانتهاء عن ذلك خير لكم من قولكم لما لكم عند الله من العقاب العاجل ~~لكم على قولكم ذلك ان أقمتم عليه، ولم ترجعوا إلى الحق. # ووجه النصب في { انتهوا خير لكم } ما قلناه في قوله آمنوا خيرا لكم، ~~فلا وجه لاعادته. # وقوله: { إنما الله إله واحد } معناه الاخبار من الله (تعالى) ان الذي ~~يحق له العبادة واحد، لان من كل له ولد، لا يكون آلها وكذلك من كان له ~~صاحبة لا يجوز ان يكون إلها معبودا، ولكن الله الذي له الالوهية ~~والعبادة إله واحد، ومعبود واحد لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا ~~شريك، ثم نزه تعالى نفسه وعظمها ورفعها عما قاله المبطلون الكافرون فقال: ~~{ سبحانه أن يكون له ولد } ولفظة سبحان تفيد التنزيه عما ms1077 لا يليق به من ~~الولد والصاحبة، لان من يملك ما في السماوات والارض وما بينهما وله ~~التصرف فيهما، وفيهم عيسى وامه، وهم عبيده، وهو رازقهم وخالقهم، وهم أهل ~~الحاجة إليه والفاقة، فكيف يكون المسيح ابنا له، وهو إما في الارض أو في ~~السماء. # وهو تعالي يملك جميع ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب لانه يصلح ان يقال ~~عن ان يكون او من ان يكون، فاذا حذف حرف الجر كانت في موضع نصب. وكان ~~الكسائي يقول هو في موضع خفض. والاول قول الفراء وغيره. # وقوله: { وكفى بالله وكيلا } معناه حسب ما في السموات وما في الارض ~~بالله قيما ومدبرا، ورازقا من الحاجة معه إلى غيره ومعنى كفى بالله ~~اكتفوا بالله. وقد شبهت النصارى قولها: انه ثلاثة أقانيم جوهر واحد ~~بقولنا: سراج واحد، ثم نقول. انه ثلاثة اشياء دهن وقطن ونار وللشمس انها ~~شمس واحدة، ثم نقول انها جسم وضوء وشعاع. قال البلخي، وهذا غلط، لانا وان ~~قلنا إنه سراج واحد، لا نقول هو شيء واحد، ولا الشمس انها شيء واحد بل ~~نقول هو أشياء على الحقيقة، كما نقول عشرة واحدة، وانسان واحد، ودار ~~واحدة، وشهر واحد، وهي اشياء متغايرة. فان قالوا: إن الله شيء واحد حقيقة ~~كما انه إله واحد، فقولهم بعد ذلك انه ثلاثة مناقضه لا يشبه ما قلناه. ~~وان قالوا: هو اشياء، وليس بشيء واحد دخلوا في قول المشبهة، وتركوا القول ~~بالتوحيد. والعجب أنهم يقولون: إن الأب له ابن والابن لا اب له، ثم ~~يزعمون ان الذي له ابن هو الذي لا اب له، ويقولون إن من عبد الانسان، فقد ~~اخطأ وضل، ثم يزعمون أن المسيح إله انسان، وانهم يعبدون المسيح. وقد ~~تكلمنا على ما نعقل من مذاهبهم في الاقانيم والاتحاد والنبوة في كتاب شرح ~~الجمل بما لا مزيد عليه لا نطول بذكره ها هنا. ### || [4.172] # معنى { لن يستنكف المسيح } لم يأنف. وأصله في اللغة من نكفت الدمع: إذا ~~نحيته باصبعك من خدك. قال الشاعر: # فباتوا فلولا ما ms1078 تذكر منهم # من الخلف لم ينكف لعينيك مدمع # فتأويل { لن يستنكف } لن ينقبض ولن يمتنع. فمعنى الآية { لن يستكبر ~~المسيح أن يكون عبدا } بمعنى من ان يكون عبدا لله ولا الملائكة ~~المقربون. ومعناه ولا يستنكف الملائكة أيضا، ولا يأنفون، ولا يستكبرون ~~من الاقرار لله بالعبودية، والاذعان له بذلك { المقربون } الذين قربهم ~~ورفع منازلهم على غيرهم من خلقه. وقال الضحاك: المقربون معناه انه قربهم ~~إلى السماء الثانية. وقوله: { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر } معناه من ~~يأنف من عبادة الله، ويتعظم عن التذلل والخضوع له، والطاعة له من جميع ~~خلقه { فسيحشرهم }. ومعناه فسيبعثهم يوم القيام جميعا يجمعهم لموعدهم ~~عنده. ومعنى إليه إلى الموضع الذي لا يملك التصرف فيه سواه، كما يقال صار ~~أمر فلان إلي القاضي أي لا يملكه غير القاضي، ولا يراد بذلك المكان الذي ~~فيه القاضي. واستدل قوم بهذه الآية على ان الملائكة أفضل من الانبياء، ~~قالوا: لا يجوز أن يقول القائل: لا يأنف الأمير أن يركب الي ولا غلامه. ~~وانما يجوز أن يقال: لا يأنف الوزير أن يركب الي ولا الامير، فيعطف ~~بعالي الرتبة على الادون، ولا يعطف بالادون على الاعلى. وهذا الذي ذكروه ~~لا دلالة فيه من وجوه: # احدها - ان يكون هذا القول متوجها إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من ~~الانبياء، فاجرى الكلام على اعتقادهم، كما يقول القائل لغيره: لا يستنكف ~~ابي من من كذا، ولا ابوك. وإن كان القائل يعتقد ان اباه أفضل. # الثاني - انه لا تفاوت بين الانبياء والملائكة التفاوت البعيد كتفاوت ~~الامير والحارس، وما يجري مجرى ذلك. ويجوز أن يقدم الفاضل ويؤخر المفضول. ~~ألا ترى أنك تقول: لا يستكف الامير فلان من كذا، ولا الامير فلان؟ وان ~~كان الاول افضل. # والثالث - انه اخر ذكر الملائكة، لان جميع الملائكة اكثر ثوابا لا ~~محالة من المسيح منفردا فمن اين ان كل واحد منهم افضل من المسيح، او ~~غيره من الانبياء؟ ### || [4.173] # أخبر الله تعالى في هذه الاية ووعد ان الذين يقرون بوحدانيته تعالى، ~~ويعترفون بربوبيته، ويخضعون ms1079 لعبادته، ويعملون الاعمال الصالحات التي أمر ~~الله بها، وبعث بها رسله انه يوفيهم اجورهم. ومعناه يؤتيهم جزاء أعمالهم ~~الصالحة وافيا تاما، ويزيدهم من فضله يعني يزيدهم ما كان وعدهم به من ~~الجزاء على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من الفضل، والزيادة هو ما لم ~~يعرفهم مبلغه لانه (تعالى) وعد على الحسنة عشر أمثالها من الثواب، ~~والزيادة على ذلك تفضل من الله عليهم، وإن كان كل ذلك من فضله إلى عباده. ~~وقد روي ان الزيادة إلى سبعين ضعفا وإلى سبعمائة وإلى الفين وكل ذلك ~~جائز على ما يختاره الله ويفعله. # وقوله { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } معناه أن الذين يأنفون عن ~~الاقرار بتوحيد الله، ويتعظمون عن الاعتراف بعبوديته، والاذعان له ~~بالطاعة، واستكبروا عن التذلل له، وتسليم ربوبيته يعذبهم عذابا اليما أي ~~مؤلما موجعا، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. وانما رفع ~~ولا يجدون بالعطف على ما بعد فيعذبهم ولو جزم على موضع ما بعد الفاء، كان ~~جائزا يعني ولا يجد المستنكفون والمستكبرون لانفسهم وليا ينجيهم من ~~عذابه، وناصرا ينقذهم من عقابه. ### || [4.174] # هذا خطاب من الله (تعالى) لجميع الخلق من الناس المكلفين من سائر اصناف ~~الملل الذين قص قصصهم في هذه السورة من اليهود والنصارى والمشركين { قد ~~جاءكم } يعني أتاكم حجة من الله تبرهن لكم عن صحة ما أمركم به، وهو محمد ~~(صلى الله عليه وآله) جعله الله حجة عليكم، وقطع به عذركم، { وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا } يعني وانزلنا اليكم معه نورا مبينا يعني بين لكم ~~المحجة الواضحة، والسبل الهادية إلى ما فيه لكم النجاة من عذاب الله ~~واليم عقابه، وذلك النور هو القرآن الذي أنزله الله على محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) وهو قول مجاهد، وقتادة والسدي وابن جريج، وجميع المفسرين. ~~وانما سماه نورا لنا فيه من الدلالة على ما امر الله به ونهى عنه ~~والاهتداء به تشبها بالنور الذي يهتدي به في الظلمات وفي الآية دلالة على ~~أن كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال فلو كان قديما، لما ms1080 جاز ذلك ~~عليه. ### || [4.175] # هذا اخبار من الله ووعد منه لمن صدق الله وأقر بوحدانيته، واعترف بما ~~بعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وآله من أهل الملل، واعتصم به وتمسك ~~بالنور الذي أنزله إلى نبيه. قال ابن جريج الهاء في (به) كناية عن ~~القرآن، فسيدخلهم في رحمة منه معناه ستنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، ~~وتوجب لهم ثوابه، وجنته، ويلحقهم ما لحق أهل الايمان به، والتصديق لرسله، ~~{ ويهديهم إليه صراطا مستقيما } يعني يوفقهم لاصابة فضله الذي تفضل به ~~على أوليائه ويسددهم لسلوك منهج من أنعم عليه من أهل طاعته واقتفاء ~~اثارهم واتباع دينهم. وذلك هو الصراط المستقيم. وهو الاسلام الذي ارتضاه ~~الله دينا لعباده. # ونصب { صراطا مستقيما } على القطع من الهاء في قوله { إليه } ويحتمل ~~أن يكون المراد بقوله: { ويهديهم إليه } يعني إلى ثوابه. ### || [4.176] # [النزول]: # روى البراء بن عازب قال: آخر سورة نزلت كاملة براءة. وآخر آية نزلت ~~خاتمة سورة النساء { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وقال جابر بن ~~عبد الله: نزلت في المدينة وقال ابن سيرين: نزلت في مسير كان فيه رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) واصحابه. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال ~~سعيد بن المسيب: سأل عمر النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الكلالة، فقال: ~~اليس قد بين الله ذلك؟ قال: فنزلت { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ~~} وقال جابر بن عبد الله: اشتكيت وعندي تسع اخوات لي أو سبع، فدخل علي ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) فنفخ في وجهي، فافقت. فقلت: يا رسول الله ألا ~~أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: # " أحسن " # قلت: الشطر. قال: # " احسن " # ، ثم خرج وتركني، ورجع الي فقال: # " يا جابر اني لا اراك ميتا من وجعك هذا، وان الله عز وجل قد أنزل في ~~الذي لاخواتك فجعل لهن الثلثين " # قال: وكان جابر يقول: نزلت هذه الآية في. وقال قتادة: ان اصحاب رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) همهم شأن الكلالة، فانزل الله (عز وجل)، فيها ~~هذه الآية. # [المعنى]: # معنى يستفتونك ms1081 يسألونك يا محمد ان تفتيهم في الكلالة. وحذف اقتصارا لما ~~دل الجواب عليه. والاستفتاء والاستقضاء واحد يقال: قاضيته وفاتيته. قال ~~الشاعر: # تعالوا نفاتيكم أأعيا وفقعس # إلى المجد أدنى ام عشيرة حاتم # هكذا انشده الحسين بن علي المغربي. وقد فسرنا معنى الكلالة وذكرنا ~~اختلاف العلماء في ذلك فأغنى عن الاعادة. وقوله: { إن امروء هلك ليس له ~~ولد } قال السدي: معناه مات ليس له ولد ذكر وانثى، { وله أخت } يعني ~~وللميت اخت لأبيه وامه، فلها نصف ما ترك، فان لم يكن أخت لاب وأم،، وكانت ~~اختا لاب قامت مقامها، والباقي عندنا رد على الاخت سواء كان هناك عصبة، ~~او لم يكن. وقال جميع الفقهاء: إن الباقي للعصبة، وإن لم يكن هناك عصبة، ~~وهم العم وبنو العم، واولاد الاخ. قال فمن قال: الرد على ذوي الارحام، رد ~~على الاخت الباقي وهو اختيار الجبائي، وأكثر اهل العلم. وقال زيد بن ~~ثابت، والشافعي وجماعة: إن الباقي لبيت المال يرثه جميع المسلمين. وقوله: ~~{ وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } يعني إن كانت الأخت هي الميتة، ولها أخ ~~من أب وأم، أو من اب فالمال كله له بلا خلاف إذا لم يكن هناك ولد، سواء ~~كان ولدها ذكرا، أو انثى، فان كان ولدها ذكرا، فالمال له بلا خلاف ~~ويسقط الاخ، وإن كانت بنتا كان لها النصف بالتسمية بلا خلاف والباقي رد ~~عليها، لانها اقرب دون الأخ، ولأن الله (تعالى) انما قال: { وهو يرثها } ~~يعني الاخ إذا لم يكن لها ولد. # والبنت [ولد] بلا خلاف ومن خالف في تسمية البنت ولدا فقد اخطأ. ذكر ذلك ~~البلخي واستدل على ذلك بان قال: لو مات وخلف بنتا وأبوين إن للابوين ~~الثلث، مع قوله: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس إن كان له ولد } وإنما ~~أراد الولد الذكر. وهذا الذي ذكره خطأ، لانه خلاف لاهل اللغة. لانه لا ~~خلاف في تسمية البنت بانها ولد، ولانه قال: { يوصيكم الله في أولادكم } ~~ثم فسر الاولاد فقال: { للذكر مثل حظ الأنثيين } فلو كان الولد ms1082 لا يقع ~~على الانثى، لكان المال بينهم بالسوية، وذلك خلاف القرآن. على انا نخالف ~~في المسألة التي ذكرها، فنقول للابوين السدسان، وللبنت النصف والباقي رد ~~عليهم على قدر سهامهم، فنجعل الفريضة من خمسة ومن رد الباقي على الأب ~~فانما يرده بالتعصيب، لا لان البنت لا تسمى ولدا، فبان بطلان ما قاله. ~~ومن خالفنا من الفقهاء في مسألة الأخ والبنت، يقول: الباقي للاخ، لقوله ~~(ع): (ما ابقت الفرائض فلا ولي عصبته) ذكر هذا الخبر عندنا ضعيف، لانه ~~أولا خبر واحد. وقد طعن على صحته. ضعفه أصحاب الحديث بما ذكرناه في مسائل ~~الخلاف، وتهذيب الاحكام، وغير ذلك من كتبنا. وما هذه صفته لا يترك له ~~ظاهر القران. وقوله: { فإن كانتا إثنتين } يعني ان كانت الأختان اثنتين، ~~فلهما الثلثان. وهذا لا خلاف فيه والباقي على ما بيناه من الخلاف في ~~الأخت الواحدة. عندنا، رد عليها دون عصبتها، ودون ذوي الأرحام، وإذا كان ~~هناك عصبة، رد الفقهاء الباقي عليهم، وإن لم يكن رد على ذوي الارحام. من ~~قال بذلك فرد على الأختين، لانهما أقرب، ومن لم يقل بذلك رد على بيت ~~المال. فان كانت احدى الاختين لاب وام، والاخرى لاب، فللاخت للاب والام ~~النصف، بلا خلاف. والباقي رد عليها عندنا، لانها تجمع السببين ولا شيء ~~للاخت للاب، لانها انفردت بسبب واحد وعند الفقهاء لها السدس تكملة ~~الثلثين والباقي على ما بيناه من الخلاف، وإن كانوا أخوة رجالا ونساء ~~يعني يكون الورثة أخوة رجالا ونساء للاب، والام، أو للاب فللذكر مثل حظ ~~الانثيين. بلا خلاف فان كان الذكور منهم للاب والام والاناث للاب، انفرد ~~الذكور بجميع المال بلا خلاف. وإن كان الاناث للاب والام والذكور للاب ~~كان للاناث الثلثان ما سمي بلا خلاف والباقي عندنا، رد عليهن لما بيناه ~~من اجتماع السببين لهن. وعند جميع الفقهاء ان الباقي للاخوة من الأب، ~~لانهم عصبة. وقد قلنا ما عندنا في خبر العصبة ويمكن ان يحمل خبر العصبة ~~مع تسليمه على من مات، وخلف زوجا أو زوجة وأخا ms1083 لاب وأم، وأخا للاب أو ~~ابن اخ لاب وأم، أو ابن أخ لأب أو ابن عم لاب وام، وابن عم لاب فان ~~للزوج سهمه المسمى والباقي لمن يجمع كلالة الاب والام دون من يتفرد ~~بكلالة الاب. # وقوله: { يبين الله لكم أن تضلوا } قال الفراء: معناه لئلا تضلوا. قال ~~القطامي: # رأينا ما رأى البصراء فيها # فآلينا عليها ان تباعا # والمعنى الاتباعا. وقال الزجاج والبصريون: لا يجوز إضمار لا. والمعنى ~~يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وحذف كراهة، لدلالة الكلام عليه. قالوا: ~~وانما جاز الحذف في قوله: { وسل القرية } والمعنى وسل اهل القرية، لانه ~~بقي المضاف فدل على المحذوف. فاما حذف (لا) وهى حرف جاء لمعنى النفي، فلا ~~يجوز، لكن قد تدخل في الكلام مؤكدة وهي لغو كقوله: { لئلا يعلم أهل ~~الكتاب } والمراد لئن يعلم. ومثله قول الشاعر: # وما الوم البيض الا تسخرا # إذا راين الشمط القفندرا # والمعنى وما الوم البيض ان تسخر ومثله قوله: # لا أقسم بهذا البلد # ولا أقسم بيوم القيامة # والمعنى أقسم. ولا يجوز على القياس على ذلك أن تقول: لا أخلف عليك وتريد ~~أخلف عليك، لان (لا) إنما تلغى إذا مضى صدر الكلام على غير النفي، فاذا ~~بنيت الكلام على النفي، فقد نقضت الايجاب وانما جاز الغاء (لا) في اول ~~السورة، لان القرآن كله كالسورة الواحدة ألا ترى أن جواب الشيء فيه يقع ~~وبينهما سور؟ كما قال تعالى جوابا لقوله: # وقالوا يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون # فقال: # نون والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون # وبينهما سور كثيرة. ذكره الزجاج. وقوله: { إن امرؤ هلك } قال الفراء { ~~هلك } في موضع جزم. ومثله قوله: # وإن واحد من المشركين استجارك # ولو كان موضعها يفعل كان جزما. وقال الزجاج: جاز مع ان تقديم الاسم قبل ~~الفعل، لان (ان) لا تعمل في الماضي، ولانها (ام) في الجزاء قال: ~~والتقدير ان هلك امرؤ هلك. وانشد الفراء: # صعدة قد نبتت في حائر # اينما الريح تميلها تمل # فجزم تميلها. وقد حال بينها ms1084 وبين اينما بالاسم وهو الريح. وقال عمر: ~~سألت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الكلالة، فقال: # " ألم تسمع الآية التي انزلت في الصيف. وفي خبر آخر - تكفيك آية الصيف ~~". # وقوله: { امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } يمنع أن يكون ~~الاخت ترث مع البنت، لانه شرط في ميراثها عدم الولد. والبنت ولد بلا خلاف ~~بين أهل اللغة. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الاخوات مع ~~البنات عصبة خبر واحد، لا يلتفت اليه، لأنه يخالف نص القرآن. وبما قلناه ~~قال ابن عباس، لانه لم يجعل الاخوات مع البنات عصبة. # وموضع (ان) في قوله { أن تضلوا } نصب في قول الاكثر، لاتصالها بالفعل ~~وفي قول الكسائي: خفض، لان تقديره عنده لئلا تتولوا، فان قيل: ما وجه ~~قوله: { اثنتين } مع أن قوله: { فإن كانتا } قد دل على الثنتين؟ قيل: ~~يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون ذلك تاكيدا للمضمر يقول القائل: فعلت أنا. # والثاني - ان يبين بذلك ان المطلوب في ذلك العدد، لا غيره من الصفات من ~~صغر او كبر أو عقل أو عدمه، وغير ذلك من الصفات، بل متى جعل العدد ثبت ما ~~ذكره من الميراث. # وقوله: { والله بكل شيء عليم } معناه عالم بكل شيء من مصالح عباده في ~~قسمته مواريثهم، وغيرها من جميع الاشياء، لا يخفى عليه شيء من جميعه. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين المعترفين بوحدانيته تعالى المقرين ~~له بالعبودية المصدقين لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في نبوته، وفيما جاء ~~به من عند الله من شريعة الاسلام، أمرهم الله بايفاء العقود وهي العهود ~~التي عاهدوها مع الله وأوجبوا على انفسهم حقوقا، والزموا نفوسهم بها ~~فروضا امرهم الله تعالى بالاتمام بالوفاء والكمال لما لزمهم يقال: أوفى ~~بالعهد ووفى به وأوفى به لغة أهل الحجاز. وهي لغة القرآن، واختلف اهل ~~التأويل في العقود التي امر الله (تعالى) بالوفاء بها في هذه الآية بعد ~~اجماعهم على ان المراد بالعقود العهود، فقال قوم: هي ms1085 العقود التي كان اهل ~~الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة. والمظاهرة على من حاول ~~ظلمهم او بغاهم سوء وذلك هو معنى الحلف. ذهب اليه ابن عباس ومجاهد، ~~والربيع ابن أنس والضحاك وقتادة والسدي وسفيان الثوري. # والعقود جمع عقد. وأصله عقد الشيء بغيره. وهو وصله به، كما يعقد الحبل ~~إذا وصل به شيئا. يقال منه: عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده. ~~قال الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم # شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # وذلك إذا واثقه على امر عاهده على عهد بالوفاء له بما عاقده عليه من ~~امان، أو ذمة أو نصرة، أو نكاح أو غيره ذلك. قال قتادة: هي عقود الجاهلية ~~الحلف. ويقال: اعقدت العسل فهو عقيد ومعقد وروى بعضهم عقدت، العسل ~~والكلام وأعقدت. وقال آخرون: هي العهود التي أخذ الله على عباده بالابان ~~به، وطاعته فيما احل لهم أو حرم عليهم. روي ذلك عن ابن عباس وقال: هو ما ~~أحل وحرم وما فرض، وما حد في القرآن كله، فلا تعدوا أو لا تنكثوا، ثم سدد ~~فقال: { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى قوله: سوء الدار }. ~~وبه قال أيضا مجاهد: وقال قوم: بل العقود التي يتعاقدها الناس بينهم ~~ويعقدها المرء على نفسه كعقد الايمان، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد ~~البيع، وعقد الحلف. ذهب اليه عبد الله بن عبيدة وابن زيد، وهو عبد الرحمن ~~بن زيد بن اسلم عن ابيه. وقال اخرون: ذلك امر من الله لاهل الكتاب ~~بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في التوراة والأنجيل في تصديق ~~محمد (صلى الله عليه واله) وما جاء به من عند الله. ذكر ذلك ابن جريج ~~وأبو صالح. وقال الجبائي: أراد به الوفاء بالايمان فيما يجوز الوفاء به. ~~فاما ما كان يمينا بالمعصية، فعليه حنثه وعليه الكفارة. وعندنا ان ~~اليمين في معصية لا تنعقد، ولا كفارة في خلافها. وأقوى هذه الاقوال ما ~~حكيناه عن ابن عباس أن معناه أوفوا بعقود الله التي أوجبها عليكم، وعقدها ~~فيما ms1086 أحل لكم وحرم، وألزمكم فرضه. # وبين لكم حدوده. ويدخل في جميع ذلك ما قالوه إلا ما كان عقدا على ~~المعاونة على أمر قبيح. فان ذلك محظور بلا خلاف. # وقوله: { أحلت لكم بهيمة الأنعام } اختلفوا في تأويل بهيمة الانعام في ~~هذه الآية فقال قوم: هي الانعام كلها: الابل والبقر، والغنم. ذهب اليه ~~الحسن وقتادة والسدي والربيع والضحاك، وقال اخرون: أراد بذلك اجنة ~~الأنعام التي توجد في بطون امهاتها إذا ذكيت الامهات. وهي ميتة. ذهب اليه ~~ابن عمر وابن عباس. وهو المروي عن ابي عبد الله. والأولى حمل الآية على ~~عمومها في الجميع. # والانعام جمع نعم، وهو اسم للابل، والبقر والغنم خاصة عند العرب كما قال ~~تعالى: { والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } ثم قال: { ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ففضل جنس النعم من غيرها من ~~اجناس الحيوان وأما بهائمها فانها أولادها. وقال الفراء بهيمة الانعام: ~~وحشها كالظباء، وبقر الوحش، والحمر الوحشية. وانما سميت بهيمة الانعام، ~~لان كل حي لا يميز، فهو بهيمة الانعام، لانه ابهم عن ان يميز. # وقوله: { إلا ما يتلى عليكم } اختلفوا في المراد بقوله { إلا ما يتلى ~~عليكم } فقال بعضهم: أراد بذلك أحلت لكم أولاد الابل، والبقر والغنم إلا ~~ما بين الله تعالى فيما يتلى عليكم بقوله: { حرمت عليكم الميته والدم... ~~الآية } ذهب اليه مجاهد وقتادة وقال: الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. ~~وبه قال السدي وابن عباس. وقال اخرون: استثنى من ذلك الخنزير روي ذلك ~~أيضا عن ابن عباس، والضحاك. والاول أقوى، لان قوله: { إلا ما يتلى عليكم ~~} يجب حمله على عمومه في جميع ما حرم الله (تعالى) في كتابه. والذي حرمه ~~هو ما ذكره في قوله: { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به... إلى آخر الآية } والخنزير وإن كان محرما، فليس من بهيمة ~~الانعام، فمتى حملناه عليه كان الاستثناء منقطعا، ومتى خصصنا بالميتة ~~والدم، كان الاستثناء متصلا. وإن حملناه على الكل نكون غلينا حكم الميتة ~~وما ذكر بعده، فيكون ms1087 الاستثناء أيضا حقيقة ومتصلا. واختار الطبري تخصيصه ~~بالميتة والدم، وما أهل لغير الله به. قال الحسين ابن علي المغربي إلا ما ~~يتلى معناه من البحيرة والسائبة والوصيلة فلا تكون المحرم، واستثنى ها ~~هنا ما حرمه (تعالى) فلا يليق بذلك. # وقوله: { غير محلي الصيد وأنتم حرم } اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: ~~معناه أوفوا بالعقود غير محلين الصيد وانتم حرم أحلت لكم بهيمة الانعام. ~~ويكون فيه التقديم والتاخير، فغير يكون منصوبا على هذا الحال مما في ~~قوله: { أوفوا بالعقود } من ذكر الذين آمنوا. وتقدير الكلام أوفوا أيها ~~الذين آمنوا بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه لا محلين الصيد، وانتم ~~حرم. # وقال اخرون: معنى ذلك احلت لكم بهيمة الانعام الوحشية من الظباء، والبقر ~~والحمر غير محلي الصيد غير مستحلين اصطيادهم، وانتم حرم، وإلا ما يتلى ~~عليكم (فغير) على هذا منصوب على الحال من الكاف، والميم اللين في قوله: { ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام } والتقدير أحلت لكم يا أيها الذين آمنوا بهيمة ~~الانعام، لا مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم وقال اخرون: معناه أحلت لكم ~~بهيمة الانعام كلها إلا ما يتلى عليكم. بمعنى إلا ما كان منها وحشيا، ~~فانه صيد، ولا يحل لكم وانتم حرم. والتقدير على هذا أحلت لكم بهيمة ~~الانعام كلها إلا ما بين لكم من وحشها غير مستحلي اصطيادها في حال ~~إحرامكم، فتكون (غير) منصوبة على الحال في الكاف والميم في قوله: إلا ما ~~يتلى عليكم. ذهب إلى ذلك الربيع، والحرم جمع حرام. وهو المحرم قال ~~الشاعر: # فقلت لها حثي اليك فانني # حرام وإني بعد ذاك لبيب # أي واني ملب. # وقوله: { إن الله يحكم ما يريد } معناه إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من ~~تحليل ما يريد تحليله، وتحريم ما يريد تحريمه، وايجاب ما يريد ايجابه. ~~وغير ذلك من احكامه وقضاياه، فافعلوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم ~~عنه. # [الاعراب]: # (وما) في قوله: { إلا ما يتلى عليكم } في موضع نصب بالاستثناء. وقال ~~الفراء يجوز أن يكون موضعها الرفع. كما تقول جاءني ms1088 القوم، إلا زيدا وإلا ~~زيد قال الزجاج: وهذا لا يجوز إلا أن تكون إلا بمعنى غير، فتكون صفة. ~~فاما بمعنى الاستثناء، فلا يجوز. وقوله عليه السلام: # " ذكاة الجنين ذكاة امه عندنا " # معناه انه إذا ذكيت الام وخرج الولد ميتا، قد اشعر او اوبر، جاز أكله. ~~وبه قال الشافعي وأهل المدينة وقال ابو حنيفه: معناه انه يذكى كما تذكى ~~امه وهو اختيار البلخي. ### || [5.2] # [القراءة]: # قرأ أبو بكر عن عاصم، وابو جعفر واسماعيل المسيبي { شنئآن } بسكون النون ~~الاولى في الموضعين. الباقون بفتحها وقرأ ابن كثير وأبو عمر { وإن صدوكم ~~} بكسر الهمزة الباقون بفتحها. # [المعنى]: # هذا خطاب من الله (تعالى) للمؤمنين ينهاهم ان يحلوا شعائر الله. ~~واختلفوا في معنى شعائر الله على سبعة اقوال: # فقال بعضهم: معناه لا تحلوا حرمات الله، ولا تعدوا حدوده، وحملوا ~~الشعائر على المعالم. وارادوا بذلك معالم حدود الله وأمره ونهيه، وفرائضه ~~ذهب اليه عطا وغيره. # وقال قوم: معناه لا تحلوا حرم الله وحملوا شعائر الله على معالم حرم ~~الله من البلاد. ذهب اليه السدي. # وقال اخرون: معنى شعائر الله مناسك الحج. والمعنى لا تحلوا مناسك الحج، ~~فتضيعوها. ذهب اليه ابن جريج، ورواه عن ابن عباس. # وقال ابن عباس: كان المشركون يحجون البيت، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة ~~المشاعر، ويتجرون في حججهم، فاراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله ~~عن ذلك. # وقال مجاهد: شعائر الله الصفا والمروة والهدي من البدن، وغيرها. كل هذا ~~من شعائر الله. # وقال الفراء كانت عامة العرب لا ترى الصفا والمروة من الشعائر، ولا ~~يطوفون بهما، فنهاهم الله عن ذلك وهو قول ابي جعفر (عليه السلام). # وقال قوم: معناه لا تحلوا ما حرم الله عليكم في إحرامكم. روي ذلك عن ابن ~~عباس في رواية اخرى. # وقال الجبائي الشعائر: العلامات المنصوبة للفرق بين الحل، والحرم نهاهم ~~الله أن يتجاوزوها إلى مكة بغير إحرام. وقال الحسين بن علي المغربي: ~~المعنى لا تحلوا الهدايا المشعرة. وهو قول الزجاج واختاره البلخي. وأقوى ~~الاقوال قول عطا من أن معناه، لا ms1089 تحلوا حرمات الله، ولا تضيعوا فرائضه ~~لان الشعائر جمع شعيرة وهي. على وزن فعيلة، واشتقاقها من قولهم: شعر فلان ~~بهذا الامر: إذا علم به، فالشعائر المعالم من ذلك، وإذا كان كذلك، وجب ~~حمل الآية على عمومها، فيدخل فيه مناسك الحج، وتحريم ما حرم في الاحرام، ~~وتضييع ما نهى عن تضييعه واستحلال حرمات الله، وغير ذلك من حدوده وفرائضه ~~وحلاله وحرامه، لان كل ذلك من معالمه، فكان حمل الآية على العموم اولى. # وقوله: { ولا الشهر الحرام } معناه ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم ~~فيه اعداءكم من المشركين، كما قال: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~قل قتال فيه كبير } وهو قول ابن عباس وقتادة. والشهر الحرام الذي عناه ~~الله ها هنا قال قوم: هو رجب، وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال. وقال ~~قوم: هو ذو العقدة. ذكره عكرمة. وقال ابو علي الجبائي: هو اشهر الحرام ~~كلها، نهاهم الله عن القتال فيها. وهو اليق بالعموم. وبه قال البلخي. # وقوله: { ولا الهدي ولا القلائد } فالهدي جمع واحده هدية واصله هدية وهو ~~ما هداه الانسان من بعير او بقرة أو شاة أو غير ذلك إلى بيت الله تقربا ~~به إلى الله (تعالى) وطلبا لثوابه يقول الله: لا تستحلوا ذلك فتغصبوه ~~أهله عليه، ولا تحولوا بينهم وبين ما اهدوا من ذلك إلى بيت الله ان ~~يبلغوه محله من الحرم، ولكن خلوهم حتى يبلغوا به المحل الذي جعله عز وجل ~~له. وهو كعبته. قال ابن عباس: والهدي يكون هديا قبل ان يقلد ما جعله على ~~نفسه أن يهديه ويقلده. وقوله: { ولا القلائد } معناه ولا تحلوا القلائد. ~~واختلفوا في معناه فقال بعضهم: عنى بالقلائد الهدي. وانما كرر، لانه أراد ~~المنع من حل الهدي الذي لم يقلد، والهدى الذي قلد. وهو قول ابن عباس. ~~وقال آخرون: يعني بذلك القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا ~~الحج مقبلين إلى مكة من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين ~~منها إلى المشعر. ذهب اليه قتادة وقال كان في الجاهلية ms1090 إذا خرج الرجل من ~~أهله يريد الحج تقلد من السمر، فلا يعرض له أحد وإذا رجع تقلد قلادة شعر، ~~فلا يعرض له احد. وقال عطا: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم يأمنون به ~~إذا خرجوا من الحرم. وقال الفراء: كان اهل الحرم يتقلدون بلحاء الشجر، ~~واهل غير الحرم يتقلدون بالصوف والشعر وغيرهما، فنزلت { لا تحلوا شعائر ~~الله... } وقال مجاهد: وهو اللحافي رقاب الناس. والبهائم امن لهم. وهو ~~قول السدي. وقال ابن زيد: إنما عنى بالمؤمنين نهاهم أن ينزعوا شيئا من ~~شجر الحرم يتقلدون به، كما كان المشركون يفعلونه في جاهليتهم. ذهب اليه ~~عطا في رواية والربيع بن أنس. وقال ابو علي الجبائي: القلائد هو ما قلده ~~الهدي، نهاهم عن حلها، لانه كان يحب أن يتصدق بها. قال: ويحتمل أن تكون ~~عبارة عن الهدي المقلد. والأقوى أن يكون المراد بذلك النهي عن حل ~~القلائد، فيدخل فيه الانسان والبهيمة إذ هو نهي عن استحلال حرمة المقلد، ~~هو هديا كان ذلك أو انسانا. # قوله: { ولا آمين البيت الحرام } معناه، ولا تحلوا قاصدين البيت الحرام. ~~يقال: أممت كذا: إذا قصدته وعمدته. وبعضهم يقول يممته قال الشاعر: # إني كذاك إذا ما ساءني بلد # يممت صدر بعيرى غيره بلدا # والبيت الحرام بيت الله بمكة، وهو الكعبة. # وقوله: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } معناه يلتمسون أرباحا في ~~تجارتهم من الله { ورضوانا } يعني وان ترضى عنهم منسكهم. نهى الله تعالى ~~أن يحل ويمنع من هذه صورته. فاما من قصد البيت ظلما لأهله، وجب منعه ~~ودفعه عنهم. # [النزول]: # وقال ابو جعفر (عليه السلام): نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يقال ~~له: الحطم. قال السدي: أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وحده، وخلف خيله خارجة من المدينة، فدعاه فقال: الام تدعو ~~فاخبره وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: لاصحابه: يدخل اليوم ~~عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي (صلى الله عليه ~~وآله) قال: انظروا لعلي اسلم ولي ms1091 من اشاوره، فخرج من عنده فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمر بسرج من ~~سرج المدينة فساقه وانطلق به، وهو يرتجز ويقول: # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي ابل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # باتوا نياما وابن هند لم ينم # بات يقاسيها غلام كالزلم # خدلج الساقين ممسوح القدم # ثم اقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا، فاراد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أن يبعث اليه، فنزلت هذه الآية { ولا آمين البيت الحرام } هذا قول ~~ابن جريج، وعكرمة والسدي وقال ابن زيد: نزلت يوم الفتح في ناس يأمون ~~البيت من المشركين بهلون بعمرة. فقال المسلمون: يا رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) إنما هؤلاء مشركون، مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم، فانزل الله ~~تعالى الآية قال ابن عباس: ذلك في كل من توجه حاجا. وبه قال الضحاك ~~والربيع بن انس. # [النسخ]: # واجمعوا على انه نسخ من حكم هذه الآية شيء إلا ابن جريج فانه قال: لم ~~ينسخ منها شيء، لانه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في أشهر الحرم بالقتال ~~إلا إذا قاتلوا. وهو المروي عن ابي جعفر (ع) وقال الشعبي: لم ينسخ من ~~المائدة غير هذه الآية وقال أبو ميسرة: في المائدة ثمانية عشر فريضة ليس ~~منها شيء منسوخ. واختلفوا فيما نسخ منه فقال بعضهم: نسخ جميعها ذهب إليه ~~الشعبي وقال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد. وبه قال مجاهد: قال: نسخها قوله: ~~{ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وبه قال قتادة والضحاك وحبيب بن ابي ~~ثابت وابن زيد. وقال اخرون: نسخ منها قوله: { ولا الشهر الحرام، آمين ~~البيت الحرام } ذكر ذلك عن ابن ابي عروبة عن قتادة وقال: نسخها قوله: { ~~اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله: { ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله } وقوله: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام... ~~الآية } في السنة التي نادى علي (عليه السلام) ms1092 فيها بالاذان. وبه قال ابن ~~عباس وقال قوم: لم ينسخ منه إلا القلائد. وروي ذلك عن ابن ابى بحيح عن ~~مجاهد. وأقوى الأقوال قول من قال: نسخ منها { ولا الشهر الحرام ولا ~~القلائد ولا آمين البيت الحرام } لاجماع الامة على أنه (تعالى) أحل قتال ~~أهل الشرك في أشهر الحرام وغيرها من شهور السنة. # واجمعوا أيضا على أن مشركا لو قلد لحا جميع أشجار الحرم عنقه او ذراعه، ~~لم يكن ذلك أمانا له من القتل إذا لم يتقدم له امان. # [المعنى]: # وقوله: { ولا آمين البيت } ظاهره يحتمل المسلم والمشرك لعموم اللفظ، لكن ~~خصصنا المشركين بقوله: { اقتلوا المشركين.. الآية } ويحتمل أيضا أن يكون ~~مخصوصا بأهل الشرك. وعليه اكثر المفسرين. فان كان مخصوصا بهم، فلا شك ~~أيضا أنه منسوخ بما قدمناه من الآية والاجماع. وقوله: { يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا } معناه يلتمسون ويطلبون الزيادة، والارباح في التجارة ~~ورضوان الله عنهم وألا يحل بهم ما حل بغيرهم من الامم بالعقوبة في غالب ~~دنياهم. وهو قول قتادة وقال: هي للمشركين يلتمسون فضل الله، ورضوانه بما ~~يصلح لهم دنياهم. وبه قال ابن عباس والربيع بن انس ومجاهد وفي الآية ~~دلالة على جواز حمل المتاع للتجارة في الحج. وقوله: إذا حللتم، فاصطادوا ~~فأهل الحجاز يقولون: حللت من الاحرام أحل، والرجل حلال. وكذلك سعد بن بكر ~~وكذا يقولون: حرم الرجل فهو حرام: إذا صار محرما، وقوم حرم واسد وقيس ~~وتميم يقولون: أحل من احرامه، فهو محل وأحرم فهو محرم. معناه إذا ~~حللتم من إحرامكم، فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تحلوه، وأنتم حرم. وهو ~~بصورة الامر. ومعناه الاباحة. وتقديره لا حرج عليكم في اصطياده فاصطادوه ~~ان شئتم حينئذ لأن السبب المحرم قد زال. وهو قول جميع المفسرين: مجاهد ~~وعطا، وابن جريج وغيرهم. # وقوله: { ولا يجرمنكم } قال ابن عباس: ولا يحملنكم شنآن قوم. وهو قول ~~قتادة. واختلف اهل اللغة في تأويلها، فقال الاخفش، وجماعة من البصريين، ~~لا يحقن لكم، مثل قوله: { لا جرم أن لهم النار } ومعناه حق ان لهم ms1093 النار. ~~وقال الكسائي والزجاج معناه: لا يحملنكم وقال بعض: الكوفيين معناه لا ~~يحملنكم. قال: يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا أي حملني عليه. وقال ~~الفراء: معناه لا يكسبنكم شنآن قوم. واستشهد الجميع بقول الشاعر: # ولقد طعنت ابا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا # فمنهم من حمل قوله: جرمت على ان معناه حملت. ومنهم من حمله على أن معناه ~~أحقت الطعنة، لفزارة الغضب. ومنهم من قال: معناه كسبت فزارة أن يغضبوا ~~وقال المغربي: معناه قطعت فزارة وليس من هذا في شيء. وسمع الفراء من ~~العرب من يقول: فلان جريمة أهله أي كاسبهم. وخرج يجرمهم أي يكسبهم. ~~والأقاويل متقاربة المعاني. وقراءة القراء المعروفين { لا يجرمنكم } - ~~بفتح الياء من جرمته. وقرأ يحيى بن وثاب، والاعمش { يجرمنكم } بضم الياء ~~من أجرمته فهو يجرمني. وقيل: هما لغتان. والاولى أفصح، وأعرف، وأجاز أبو ~~علي الفارسي معنى جرم كسب. قال: وهو فعل يتعدى الي مفعولين مثل كسب يدل ~~على ذلك قول الشاعر في صفة عقاب: # جريمة ناهض في رأسه نيق # يرى لعظام ما جمعت صليبا # معناه تكسب لفرخها. جريمة ناهض يحتمل تقريرين: # احدهما - جريمه قوت ناهض اي كاسب قوته، كما قالوا ضارب قداح، وضريب قداح ~~وعريف وعارف. # والآخر - أن تقدر حذف المضاف، وتضيف جريمة الى ناهض. والمعنى كاسب ناهض، ~~فجرم يستعمل في الكسب وما يريد من سعي الانسان عليه. # وأما جرم فمعناه اكتسب الاثم قال الله تعالى: { إنا من المجرمين منتقمون ~~} وقال: { فعلي إجرامي } ومعناه فعلي عقوبة إجرامي أو اثم إجرامي ومعنى { ~~لا يجرمنكم شنئآن قوم } لا تكتسبوا لبغض قوم عدوانا، ولا تفتنوه، فمن ~~فتح أن أوقع النهي في اللفظ على الشنئآن. والمعنى بالنهي المخاطبون، كما ~~قالوا: لا أريتك ها هنا ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. # [الاعراب]: # وكذلك قوله: لا يجرمنكم شقاقي ان يصيبكم المفعول الثاني واسماء ~~المخاطبين المفعول الاول، كما أن المفعول الاول في الآية الأخرى ~~المخاطبون. والثاني قوله: { أن تعتدوا } ولفظ النهي واقع على الشقاق. ~~والمعني بالنهي المخاطبون. قال الزجاج: موضع (ان) الأولى ms1094 نصب بانه مفعول ~~له. وتقديره لا يحملنكم بغض قوم لان صدودكم عن المسجد يعني النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) واصحابه، لما صدوهم عن مكة. وموضع ان الثانية مفعول به ~~ومعناه لا يكسبنكم بغض قوم أي بغضكم قوما الاعتداء عليهم، لصدهم عن ~~المسجد الحرام. # وقوله: { شنئآن قوم } معناه بغض قوم في قول ابن عباس، وقتادة وابن زيد، ~~وغيرهم يقول: شنئت الرجل اشناه شنئا وشنأنا وشنا ومنشأة: إذا أبغضته ~~وذهب سيبويه الى أن ما كان من المصادر على فعلان لم يتعد فعله إلا أن ~~يشد شيء نحو شنيته شنأنا ولا يجوز أن يكون شنيته يراد به حذف الجر، ~~كقول سيبويه في فرقته وحذرته أن اصله حذرت منه لان اسم الفاعل منه على ~~فاعل، نحو شاني و { إن شانئك هو الأبتر } وقال الشاعر: # بشانيك الضراعة والكلول # قال ابو علي: هذا يقوي أنه مثل علم يعلم، فهو عالم، ونحوه من المتعدي ~~وأيضا، فان شنيت في المعنى بمنزلة أبغضت، فلما كان معناه عدي كما عدي ~~أبغضت كما أن الرفث لما كان بمعنى الافضاء عدي بالجار، كما عدى الافضاء ~~به. وقال سيبويه: قالوا: لويته حقه ليانا على فعلان، فيجوز أن يكون شنان ~~فيمن أسكن النون مصدرا كالليان فيكون المعنى لا يحملنكم بغض قوم، لو فتح ~~النون. قال ابو عبيدة: " شنأن قوم " بغضاء وهي متحركة الحروف مصدر شنيت، ~~وبعضهم يسكنون النون الاولى وانشد للاحوص: # وما العيش الا ما تلذ وتشتهي # وان عاب فيه ذو الشنان وفندا # فحذف الهمزة قال أبو علي: ويجوز أن يكون خففها. وقال أبو عبيدة: وشنيت ~~أيضا بمعنى أقررت به، وبؤت به وانشد للعجاج. # زل بنو العوام عن آل الحكم # وشنؤا الملك لملك ذو قدم # وقال الفرزدق: # ولو كان هذا الامر في جاهلية # شنئت به أوغص بالماء شاربه # قال ابو علي: وقد جاء فعلان مصدرا ووصفا وهما جميعا قليلان. فمما حل ~~مصدرا ما حكاه سيبويه من قولهم: خصمان وندمان. وانشد ابو زيد ما ظاهره ~~أن يكون فعلان منه صفة وهو: # لما استمر بها شيحان ms1095 منبجح # بالبين عنك بها مولاك شنأنا # [اللغة]: # حكي أبو زيد في مؤنث شنآن شنآنى. ويقرب أن يكون شيحان فعلان. وفي الحديث ~~(ثم اعرض وأشاح) قال ابو علي: وترك صرف شيحان في البيت مع أنه لا فعلى ~~له. ويجوز أن يكون، لانه اسم علم. ويجوز أن يكون على قول من يجوز ترك صرف ~~ما يتصرف في الشعر. فاما الشنان قال ابو علي: فعلان يجيء على ضربين: # احدهما - اسم، والاخر - صفة فالاسم على ضربين: # احدهما ان يكون مصدرا، كالنقر ان والغليان، والطوفان والغثيان. وعامة ~~ذلك يكون معناه التحرك والتقلب. والاسم الذي ليس بمصدر نحو الورشان ~~والعلجان. وأما مجيئه فنحو الزفيان والقطوان والصميان، وكبش اليان ونعجة ~~اليانة، وكباش الي، ومثله حمار قطوان واتان قطوانة من قطا يقطو قطوا ~~وقطوا: إذا قارب بين خطوه. ومن خفف النون ذهب إلى انه مصدر، مثل ليان. ~~ومعنى الاية لا يحملنكم بغض قوم أي بغضكم قوما لصدهم إياكم ومن اجل صدهم ~~اياكم ان تعتدوا فاضيف المصدر الي المفعول وحذف الفاعل كقوله: من دعاء ~~الخير وسؤال نعجتك وقوله: ان صدوكم من كسر الهمزة الي ان (ان) للجزاء ~~يقوي ذلك ان في قراءة ابن مسعود ان يصدوكم فمتى؟ قيل كيف تكون للجزاء ~~والصد ماض، لانه كان سنة الحديبية من المشركين للمسلمين، وما يكون ماضيا ~~لا يكون شرطا؟ قيل: ذكر ابو علي ان الماضي قد يقع في الجزاء لا ان ~~المراد بالماضي الجزاء، لكن على انه إن كان مثل هذا الفعل، فيكون اللفظ ~~على ما مضى والمعنى على مثله، كانه يقول: إن وقع مثل هذا الفعل يقع منكم ~~كذا. وعلى ذلك حمل قول الشاعر: # إذا ما انتسبنا لم تلدنى لئيمة # ولم تجدي من أن تقري به بدا # إن قد أغنى عنه ما تقدم من قوله: { لا يجرمنكم } والمعنى إن صدوكم قوم ~~عن المسجد الحرام، فلا تكسبوا عدوانا. ومن فتح الهمزة، فلانه مفعول له ~~والتقدير لا يجرمنكم شنأن قوم، لان صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، ~~فان الثانية في موضع نصب بانه ms1096 المفعول الثاني. والأولى منصوبة، لانه ~~مفعول له وقوله: { أن تعتدوا } معناه إن تجاوزوا حكم الله فيهم إلى ما ~~نهاكم عنه. وذكر انها نزلت في النهي عن الطلب بدخول الجاهلية. ذهب اليه ~~مجاهد وقال: هذا غير منسوخ. وهو الاولى. وقال غيره هو منسوخ ذهب اليه ابن ~~زيد. وإنما قلنا: إنه غير منسوخ، لان معناه لا تتعدوا الحق فيما امرتكم ~~به. # وإذا احتمل ذلك، لم يخبر أن يقال هو منسوخ إلا بحجة. # وقوله: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ليس ~~بعطف على أن تعتدوا، فيكون في موضع نصب، بل هو استئناف كلام أمر الله ~~تعالى الخلق بان يعين بعضهم بعضا على البر وهو العمل بما امرهم الله به، ~~واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم ان يعين بعضهم بعضا على الاثم. وهو ترك ما ~~أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، ونهاهم ان يجاوزوا ما حد ~~الله لهم في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم وبه قال ابن عباس وابو العالية ~~وغيرهما من المفسرين. # وقوله: { واتقوا الله إن الله شديد العقاب } أمر من الله، ووعيد وتهديد ~~لمن اعتدى حدوده، وتجاوز أمره بقول الله: اتقوا الله. ومعناه احذروا ~~معاصيه وتعدي حدوده فيما امركم به ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه متى ~~خالفتم وتستحقوا اليم عقابه، ثم وصف عقابه بالشدة فقال: إن الله شديد ~~العقاب لمن يعاقبه من خلقه، لأنه نار لا يطفى حرها، ولا يخمد جمرها، ولا ~~يسكن لهيبا (نعوذ بالله منها). ### || [5.3] # [اللغة]: # بين الله (تعالى) في هذا الآية ما استثناه في قوله: { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم } فهذا مما تلاه علينا فقال مخاطبا للمكلفين: ~~{ حرمت عليكم الميتة } وأصله الميتة مشدد غير انه خفف، ولو قرئ على الاصل ~~كان جائزا إلا انه لم يقرأ به احد ها هنا إلا أبا جعفر المدني يقال: ميت ~~بمعنى واحد. وقال بعضهم الميت لما لم يمت والميت لما قد مات وهذا ليس ~~بشيء لان ميت يصلح لما قد مات، ولما سيموت. قال الله (تعالى): ms1097 { إنك ميت ~~وإنهم ميتون } وقال الشاعر في الجمع بين اللغتين: # ليس من مات فاستراح بميت # انما الميت ميت الاحياء # فجعل الميت مخففا من الميت وقال بعضهم: الميتة كلما له نفس سائلة من ~~دواب البر، وطيره مما اباح الله اكلها أهليها ووحشيها فارقتها روحها بغير ~~تذكية. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه سمى الجراد والسمك ~~ميتا فقال: # " ميتتان مباحان: الجراد، والسمك ". # وقوله: { والدم } تقديره، وحرم عليكم الدم. وقيل: إنهم كانوا يجعلون في ~~المباعر يشوونها وياكلونها، فاعلم الله تعالى ان الدم المسفوح أي المصبوب ~~حرام، فاما المتلطخ باللحم، فهو كاللحم، وما كان منه كاللحم مثل الكبد ~~فهو مباح. وأما الطحال، فهو محرم عندنا. وقد روي كراهته عن " علي عليه ~~السلام، وابن مسعود واصحابهما " وعند جميع الفقهاء أنه مباح. وانما شرطنا ~~في الدم المحرم ما كان مسفوحا، لانه (تعالى) بين ذلك في آية اخرى فقال: { ~~أو دما مسفوحا }. # وقوله: { ولحم الخنزير } معناه وحرم عليكم لحم الخنزير اهليه وبريه، ~~فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج العموم. والمراد بهما الخصوص. ولحم ~~الخنزير على ظاهره في العموم. وكذلك كل ما كان من الخنزير حرام كلحمه من ~~الشحم والجلد، وغير ذلك وقوله: { وما أهل لغير الله به } موضع ما رفع ~~وتقديره وحرم عليكم ما اهل لغير الله به. ومعنى اهل لغير الله به ما ~~ذبح للاصنام والأوثان أي ذكر اسم غير الله عليه، لان الاهلال رفع الصوت ~~بالشيء. ومنه استهلال الصبي وهو صياحه إذا سقط من بطن امه. ومنه إهلال ~~المحرم بالحج أو العمرة: إذا لبى به. قال ابن احمر: # يهل بالفرقد ركباننا # كما يهل الراكب المعتمر # فما تقرب به من الذبح لغير الله او ذكر عليه غير اسمه حرام، وكل ما حرم ~~اكله مما عددناه يحرم بيعه وملكه، والتصرف فيه. # والخنزير يقع على الذكر والانثى. وفي الاية دلالة على ان ذبائح من خالف ~~الاسلام، لا يجوز اكله، لانهم يذكرون عليه اسم غير الله لانهم يعنون بذلك ~~من ابد شرع موسى، أو اتخذ عيسى ms1098 ابنا، وكذب محمد بن عبد الله (صلى الله ~~عليه وسلم) وذلك غير الله، فيجب أن لا يجوز أكل ذبيحته. # فاما من اظهر الاسلام، ودان بالتجسيم، والصورة وقال بالجبر والتشبيه أو ~~خالف الحق، فعندنا لا يجوز اكل ذبيحته. فاما الصلاة عليه ودفنه في مقابر ~~المسلمين وموارثته، فانه يجري عليه، لان هذه الأحكام تابعة في الشرع ~~لاظهار الشهادتين. واما مناكحته فلا تجوز عندنا. وقال البلخي حاكيا عن ~~قوم: إنه لا يجوز أجراء شيء من ذلك عليهم. وحكى عن آخرين أنه يجري جميع ~~ذلك عليهم، لانها تجري على من اظهر الشهادتين دون المؤمنين على الحقيقة، ~~وكذلك أجريت على المجانين، والاطفال. فاما التسمية على الذبيحة، فعندنا ~~واجبة من تركها متعمدا، لا يجوز اكل ذبيحته، وان تركها ناسيا، لم يكن ~~به بأس. وكذلك إن ترك استقبال القبلة متعمدا لم يحل أكل ذبيحته، وان ~~تركه ناسيا، لم يحرم... وفي ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. # والمنخنقة قال السدي: هي التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق ~~وتموت. وقال الضحاك: هي التي تخنق وتموت. وقال قتادة: هي التي تموت في ~~خناقها. وقال ابن عباس: هي التي تختنق، فتموت. وحكي عن قتادة ان أهل ~~الجاهلية كانوا يخنقونها، ثم يأكلونها. والاولى حمل الآية على عمومها في ~~جميع ذلك وهي التي تختنق حتى تموت، سواء كان في وثاقها أو بادخال رأسها ~~في موضع لا تقدر على التخلص أو غير ذلك، لان الله (تعالى) وصفها بأنها ~~المنخنقة، ولو كان الامر على ما حكي عن قتادة، لقال: " والمخنوقة ". # وقوله: { والموقوذة } يعني التي تضرب حتى تموت: يقال: وقذتها أقذها ~~وقذا وأوقذها يوقذها إيقاذا: إذا اثخنتها ضربا. قال الفرزدق: # شفارة تقذ الفصيل برجلها # فطارة لقوادم الابكار # وهو قول ابن عباس، وقتادة والضحاك والسدي: # وقوله: { والمتردية } يعني التي تقع من جبل، أو تقع في بئر أو من مكان ~~عال، فتموت. وهو قول ابن عباس. وقتادة والسدي، والضحاك ومتى وقع في بئر ~~ولا يقدر على موضع ذكاته، جاز أن يطعن ويضرب بالسكين في غير ms1099 المذبح حتى ~~يبرد، ثم يؤكل. وقوله: { والنطيحة } يعني التي تنطح أو تنطح، فتموت ~~والنطيحة بمعنى المنطوحة، فنقل من مفعول الي فعيل، فان قيل: كيف تثبت ~~فيها الهاء، وفعيل إذا كان بمعنى مفعول مثل لحية دهين، وعين كحيل وكف ~~خضيب، بلا هاء، التأنيث في شيء من ذلك؟ قيل: اختلف في ذلك فقال: بعض ~~البصريين اثبت فيها الهاء أعني في النطيحة، لانها جعلت كالاسم، مثل ~~الطويلة والظريفة فوجه. هذا تأويل النطيحة الي معنى الناطحة. ويكون ~~المعنى حرمت عليكم الناطحة التي تموت من نطاحها. وقال بعض الكوفيين: إنما ~~يحذف الهاء من فعيلة بمعنى مفعولة إذا كانت صفة لاسم قد تقدمها، مثل كف ~~خضيب، وعين كحيل، فاما إذا حذف الكف والعين والاسم الذي يكون فقيل نعتا ~~له واجتزوا بفعيل أثبتوا فيه هاء التأنيث، ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة ~~للمؤنث دون المذكر فيقول: راينا كحيلة وخضيبة واكيلة السبع، فلذلك دخلت ~~الهاء في النطيحة، لانها صفة المؤنث. # والقول بأن النطيحة بمعنى المنطوحة هو قول اكثر المفسرين: ابن عباس، ~~وابو ميسرة والضحاك، والسدي وقتادة، لانهم اجمعوا على تحريم الناطحة ~~والمنطوحة إذا ماتا. # وقوله: { وما أكل السبع } موضع (ما) رفع وتقديره وحرم عليكم ما اكل ~~السبع بمعنى ما قتله السبع. وهو قول ابن عباس، والضحاك وقتادة، وهو فريسة ~~السبع. # وقوله: { إلا ما ذكيتم } معناه إلا ما ادركتم ذكاته، فذكيتموه من هذه ~~الاشياء التي وصفها. وموضع (ما) نصب بالاستثناء. واختلفوا في الاستثناء ~~إلى ماذا يرجع فقال قوم: يرجع إلى جميع ما تقدم ذكره من قوله: { حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع } الا ما لا يقبل الذكاة من ~~الخنزير والدم. وهو الاقوى. ذهب اليه علي (عليه السلام) وابن عباس قال: ~~وهو أن تدركه تتحرك أذنه او ذنبه، أو تطرف عينه. وهو المروى عن ابي جعفر ~~وابي عبد الله (ع) وبه قال الحسن وقتادة وإبراهيم وطاووس، وعبيد بن عمير ~~والضحاك، وابن زيد وقال اخرون: هو استثناء من التحريم، لا ms1100 من المحرمات، ~~لان الميتة لا ذكاة لها، ولا الخنزير قالوا: والمعنى حرمت عليكم الميتة ~~والدم وسائر ما ذكر إلا ما ذكيتم مما احله الله لكم بالتذكية، فانه حلال ~~لكم. ذهب اليه مالك وجماعة من أهل المدينة، والجبائي وسئل مالك من الشاة ~~يخرق جوفها السبع حتى يخرج أمعاءها فقال لا أرى ان تذكى ولا يؤكل أي شيء ~~يذكى منها. وقال كثير من الفقهاء إنه يراعي أن يلحق فيه حياة مستقرة، ~~فيذكى ويجوز أن يؤكل وما يعلم أنه لا حياة فيه مستقرة، فلا يجوز بحال. ~~واختار الطبري الأقل. وقال: كل ما أدرك ذكاته مما ذكر من طير أو بهيمة ~~قبل خروج نفسه ومفارقة روحه جسده، فحلال اكله إذا كان مما أحله الله ~~لعباده واختار البلخي، والجبائي الاول، فان قيل: فما وجه تكرير قوله: { ~~وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة } وجميع ما عدد تحريمه في هذه ~~الآية وقد افتتح الآية بقوله: { حرمت عليكم الميتة } والميتة تعم جميع ~~ذلك وان اختلفت أسباب موته من خنق أو ترد أو نطح أو اهلال لغير الله به ~~أو اكيل سبع. وانما يكون لذلك معنى على قول من يقول: إنها، وان كانت فيها ~~حياة إذا كانت غير مستقرة، فلا يجوز أكلها. قيل: الفائدة في ذلك ان الذين ~~خوطبوا بذلك لم يكونوا يعدون الميت إلا ما مات حتف انفه من دون شيء من ~~هذه الاسباب، فاعلمهم الله ان حكم الجميع واحد، وان وجه الاستباحة هو ~~التذكية المشروعة. # وقال السدي إن ناسا من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك، ولا يعدونه ميتا. ~~انما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. # والتذكية: هو فري الاوداج والحلقوم إذا كانت فيه حياة، ولا يكون بحكم ~~الميت. واصل الذكاء في اللغة تمام الشي فمن ذلك الذكاء في السن، والفهم ~~وهو تمام السن. قال الخليل: الذكاء أن تأتي في السن على قروحه، وهو سن في ~~ذات الحافر، هي البزولة في ذات الخف، وهي الصلوغه في ذات الظلف. وذلك ~~تمام استكمال القوة. قال الشاعر: # يفضله اذا اجتهدا ms1101 عليها # تمام السن منه والذكاء # وقيل جرى المذكيات غلاب اي جرى المسار التي قد أسنت ومعنى تمام السن ~~النهاية في الشباب، فاذا نقص عن ذك أو زاد، فلا يقال له الذكاء. والذكاء ~~في الفهم أن يكون فهما تاما سريع القبول وذكيت النار إنما هو من هذا ~~تأويله أتممت اشعالها فالمعنى على هذا ما ذكيتم أي ما ادركتم ذبحه على ~~التمام. # وقوله: { وما ذبح على النصب } فالنصب: الحجارة التي كانوا يعبدونها وهي ~~الاوثان. واحدها نصب، ويجوز أن يكون واحدا، وجمعه أنصاب. (وما) موضعه ~~رفع عطفا على ما تقدم. وتقديره وحرم عليكم ما ذبح على النصب. وبه قال ~~مجاهدو ابن جريج، وقتادة. وقال ابن جريج: النصب ليست اصناما الصنم يصور ~~وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجرا. ومنهم من يقول ثلثمائة منها ~~لخزاعه، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت، وشرحوا ~~اللحم، وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: كان أهل الجاهلية يعظمون ~~البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه، فانزل الله { لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها... الاية } وقوله: { وإن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق } موضع (ان) ~~رفع. وتقديره. وحرم عليكم الاستقسام بالازلام. وواحد الأزلام زلم وزلم ~~قال الراجز: # بات يراعيها غلام كالزلم # وهي سهام كانت للجاهلية مكتوب على بعضها أمرني ربي، وعلى بعضها نهاني ~~ربي، فاذا أرادوا سفرا أو أمرا يهتم به. ضربوا تلك القداح فان خرج ~~السهم الذي عليه أمرني ربي، مضى لحاجته وإن خرج الذي عليه نهاني ربي، لم ~~يمض، وإن خرج ما ليس عليه شيء أعادوها فبين الله (تعالى) أن ذلك حرام ~~العمل به. # والاستقسام الاستفعال من قسمت أمري أي قلبته ودبرته قال الراعي: # وتركت قومي يقسمون امورهم # اليك أم يتلبثون قليلا # وقيل: معناه طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها في ~~اسفارهم وابتداءات أمورهم قال الشاعر يفتخر بقوة عزيمته وانه لا يلتفت ~~إلى ذلك. # أولم اقسم فترثبني القسوم # وبه قال ابن عباس، وقتادة وسعيد بن جبير، ومجاهد والسدي قال مجاهد: هي ~~سهام العرب، وكعاب فارس والروم ms1102 كانوا يتقامرون بها. # وقوله: { ذلكم فسق } معنى هذه الاشياء التي ذكرها فسق يعني خروج من طاعة ~~الله إلى معصيتة وهو قول ابن عباس، وأصله من فسقت الرطبة: إذا خرجت من ~~قشرها. # قال الزجاج: ولو كان بعض هذه المرفوعات نصبا بتقدير وحرم الله الدم ~~ولحم الخنزير، لكان جائزا إلا انه لم يقرأ به احد والقراءة متبعة، لا ~~يجوز خلاف ما قرئ به. # وقوله: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } نصب اليوم على الظرف. ~~والعامل فيه يئس ذو والفسق اليوم. وليس يراد به يوما بعينه ومعناه الآن ~~يئس الذين كفروا من دينكم، كما يقول القائل: أنا اليوم قد كبرت، وهذا لا ~~يصلح إلى اليوم يريد الآن. # وبئس على وزن فعل ييأس على وزن يفعل - بفتح العين، وروي بكسرها - وقيل: ~~يئس على وزن لعب بكسر اللام، والعين - وذكر يأيس. # والمعنى ان الله قد حول الخوف الذي كان يلحقكم منكم اليهم، ويئسوا من ~~بطلان الاسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون به من قوله، ليظهره على الدين كله. ~~والدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالقيام به. ومعنى يئس ~~انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه إلى الشرك. وبه قال ابن ~~عباس والسدي وعطا. وقيل: إن اليوم الذي ذكر هو يوم عرفة من حجة الوداع ~~بعد دخول العرب كلها في الاسلام. ذهب اليه مجاهد، وابن جريج وابن زيد. ~~وقيل: يوم جمعة، لما نظر النبي (صلى الله عليه وآله) فلم ير الا مسلما ~~موحدا، أو لم ير مشركا. # وقوله { فلا تخشوهم } هذا خطاب للمؤمين نهاهم الله ان يخشوا ويخافوا من ~~الكفار أن يظهروا على دين الاسلام، ويقهروا المسلمين ويردوهم عن دينهم، ~~ولكن اخشوني وخافوني إن خالفتم امري وارتكبتم معصيتي ان احل بكم عقابي ~~وأنزل عليكم عذابي وهو قول ابن جريج، وغيره. # وقوله: { اليوم أكملت لكم دينكم } في تأويله ثلاثة اقوال: # احدها - قال ابن عباس، والسدي واكثر المفسرين إن معناه أكملت لكم فرائضي ~~وحدودي وأمري ونهيي وحلالي وحرامي بتنزيلي ما انزلت، وتبياني ما بينت ~~لكم، ms1103 فلا زيادة في ذلك، ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم. وكان ذلك ~~اليوم عام حجة الوداع قالوا: ولم ينزل بعد هذا على النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) شيء من الفرائض في تحليل شيء، ولا تحريمة وأنه (عليه السلام) مضى ~~بعد ذلك بأحدى وثمانين ليلة. وهو اختيار الجبائي والبلخي، فان قيل: أكان ~~دين الله ناقصا في حال حتى أتمه ذلك اليوم؟ قيل: لم يكن دين الله ناقصا ~~في حال، ولا كان إلا كاملا، لكن لما كان معرضا للنسخ، والزيادة فيه. ~~وذلك يجري مجرى وصف العشرة بانها كاملة العدد، ولا يلزم أن توصف بانها ~~ناقصة، لما كان عدد المئة اكثر منها، واكمل. # فكذلك ما قلناه. وقال الحكم وسعيد بن جبير وقتادة معناه أكملت لكم حجكم ~~وأفردتكم بالبلد الحرام تحجون دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك وهو الذي ~~اختاره الطبري قال لان الله قد انزل بعد ذلك قوله: { يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة } وقال الفراء هي آخر آية نزلت. وهذا الذي ذكره لو صح ~~لكان ترجيحا لكن فيه خلاف. وقال الزجاج: معنى اكملت لكم الدين كفيتكم ~~خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك. وكمل لنا ما ~~نريد أي كفينا ما كنا نخافه. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن ~~الآية نزلت بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وسلم) عليا علما للامة يوم ~~غد يرخم منصرفه عن حجة الوداع، فانزل الله يومئذ { اليوم أكملت لكم دينكم ~~}. # وقوله: { وأتممت عليكم نعمتي } خاطب الله (تعالى) جميع المؤمنين بأنه ~~أتم نعمته عليهم باظهارهم على عدوهم المشركين، ونفيهم إياهم عن بلادهم، ~~وقطعه طمعهم من رجوع المؤمنين، وعودهم إلى ملة الكفر، وانفراد المؤمنين ~~بالحج والبلد الحرام. و: قال ابن عباس وقتادة والشعبي. # وقوله: { ورضيت لكم الإسلام دينا } معناه رضيت لكم الاستسلام لأمري ~~والانقياد لطاعتي على ما شرعت لكم من حدوده، وفرائضه ومعالمه دينا يعني ~~بذلك طاعة منكم لي. فان قيل: أو ما كان الله راضيا الاسلام دينا لعباده ~~الا يوم أنزلت هذه ms1104 الاية؟ قيل: لم يزل الله راضيا لخلقه الاسلام دينا، ~~لكنه لم يزل يصف نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) واصحابه في درجات ~~الاسلام، ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال حتى ~~اكمل لهم شرائعه وبلغ بهم أقصى درجاته، ومراتبه، ثم قال: حين أنزلت هذه ~~الآية { ورضيت لكم الإسلام دينا } فالصفة التي لها اليوم والحال التي ~~انتم عليها، فالزموه، ولا تفارقوه. قال ابن عباس وعمر وعامر الشعبي ~~وقتادة، كان ذلك يوم الجمعة. وقال الطاووس بن شهاب، وشهر ابن خوشب، واكثر ~~المفسرين نزلت هذه الآية يوم عرفة حجة الوداع. وروى حنش عن ابن عباس، ~~قال: ولد النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم ~~الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت المائدة يوم الاثنين، وانزلت ~~{ اليوم أكملت لكم دينكم يوم الاثنين } ورفع الذكر يوم الاثنين. وقال ~~الربيع بن أنس: نزلت في المسير من حجة الوداع. وقوله: { فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لاثم } معناه من دعته الضرورة في مجاعة لان المخمصة شدة ~~ضمور البطن. لاثم أي غير مائل إلى إثم. # والمخمصة مفعلة، مثل المجنبة والمنجلة من خمص البطن وهو طيه، واضطماره ~~من الجوع، وشدة السغب ها هنا دون أن يكون مخلوقا كذلك. قال النابغة ~~الدنباني في صفة امرأة بخمص البطن: # والبطن ذوعكن خميص لين # والنحر ينفجه بثدي مقعد # ولم يرد بذلك وصفها بالجوع، لكن أراد وصفها بلطافة طي ما علا الاوراك ~~والافخاذ من جسدها، لان ذلك المحمود من النساء. فاما الاضطمار من الضر ~~فكقول أعشى ثعلبة: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم # وجاراتكم غبر تبئن خماصا # يعني يبتن مضطمرات البطن من الجوع. وقال بعض نحوي البصريين: المخمصة ~~المصدر من خمصه الجوع. وغيره يقول: هو اسم للمصدر، وكذلك تقع المفعلة ~~اسما في المصادر للتأنيث، والتذكير: والذي قلناه هو قول ابن عباس وقتادة ~~والسدي وابن زيد. # وقوله: { غير متجانف لإثم } نصب على الحال. والمتجانف المتمايل للاثم ~~المنحرف اليه. ومعناه في هذا الموضع المعتمد له القاصد اليه من جنف ~~القوم: إذا ms1105 مالوا. وكل اعوج، فهو اجنف. # والمعنى فمن اضطر الى أكل الميتة، وما عدد الله تحريمه عند المجاعة ~~الشديدة غير متعمد الى ذلك، ولا مختار له، ولا مستحل له على كل حال، فان ~~الله أباحه له. تناول ذلك مقدار ما يمسك رمقه، لا زيادة عليه. وهو قول ~~أهل العراق. وقال أهل المدينة: يجوز أن يشبع منه عند الضرورة. وما قلناه ~~قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة. قال قتادة: { غير متجانف لإثم } أي غير عاص ~~بان يكون باغيا أو محاربا أو خارجا في معصيتة. وقال ابن زيد: لا تأكل ~~ذلك ابتغاء الاثم ولا جرأة عليه. # وقوله: { فإن الله غفور رحيم } في الكلام متروك دل ما ذكر عليه، لان ~~المعنى فمن اضطر في مخمصة الى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية غير ~~متجانف لأثم، فاكله لدلالة الكلام عليه. # ومعنى { فإن الله غفور رحيم } ان الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه ~~الآية أكله في مخمصة متجانف، لأثم غفور لذنوبه أي ساترعليه أكله، ويعفو ~~عن مؤاخذته به، وليس يريد أن يغفر له عقاب ذلك، لانه اباحه له، فلا يستحق ~~عليه العقاب وهو رحيم أي رفيق بعباده. لان رحمته ورفقه أنه أباح لهم أكل ~~ما حرم عليهم في حال الخوف على النفس وروى المثنى قال: قلنا يا رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) إنا بارض يصيبنا فيها مخمصة، فما يصلح لنا من ~~الميتة؟ قال: # " إذا لم تصطبحوا أو تعتبقوا أو تختفؤا بها بقلا، فشأنكم بها بقلا " # ، وقال الحسن: يأكل منها مسكته. # وذكر في تختفئوا خمس لغات: تختفئوا بالهمزة وتختفوا - بحذفها - وتختفيوا ~~- بقلبها ياء - وتختفوا وتخفوا - بالتخفيف - والخفا أصل البردي كانوا ~~يقشرونه ويأكلونه في المجاعة، فمع وجود ذلك لا يجوز اكل الميتة. # وقوله: { فإن الله غفور رحيم } عقيب قوله: { فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم } لا يدل على ان له أن يعاقبهم على فعل المباح، لان الوجه في ~~ذلك أنه أراد أن يصف نفسه بمغفرة الذنوب وسترها، والصفح عنها ليدل بذلك ~~على أنه أحرى ms1106 ألا يؤخذ بفعل المباحات التي ليست بذنوب، كما قال: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فدل على أن ما ~~يفعله من المغفرة أو العقوبة صواب وحكمة، ليكون أعم في الدلالة على ~~استحقاقه الاوصاف المحمودة. واجاز بعضهم أن يكون ذلك ثوابا لبعض ~~المكلفين قدمه، كما انه يجوز ان تكون الحدود عقابا لهم قدمه فلا شبهة في ~~ذلك. ### || [5.4] # موضع (ما) رفع ويحتمل أن يكون وحدها اسما وخبرها قوله: (ذا) واحل من صلة ~~ذا. وتقديره أي شيء الذي احل لهم؟ ويحتمل أن يكون ما وذا اسما واحدا، ~~ورفع بالابتداء وتقديره أي شيء احل لهم؟ واحل لهم خبر الابتداء. فمعنى ~~الآية يسألك يا محمد اصحابك ما الذي احل لهم اكله من المطاعم، فقل لهم: ~~احل لكم الطيبات منها وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح ~~على قول الطبري والجبائي، وغيرهما وقال البلخي: الطيبات هو ما يستلذ به. ~~قال قوم: واحل لكم ايضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح وهي الكواسب من ~~سباع الطير، والبهائم ولا يجوز أن يستباح عندنا أكل شيء مما اصطاده ~~الجوارح من السباع سوى الكلب إلا ما ادرك ذكاته. وسميت الطير جوارح، ~~لجرحها أربابها وكسبها اياهم أقواتهم من الصيد يقال منه: جرح فلان أهله ~~خيرا إذا كسبهم خيرا. وفلان جارحة أهله يعني كاسبهم، ولا جارحة لفلانة ~~أي لا كاسب لها قال اعشى بني ثعلبة: # ذات خد منضج ميسمها # تذكر الجارح ما كان اجترح # يعني اكتسب. وقوله: { وما علمتم } تقديره وصيد ما علمتم من الجوارح وحذف ~~لدلالة الكلام عليه، لان القوم على ما روي كانوا سألوا رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحل لهم اتخاذه منها، وصيده. ~~فأنزل الله (تعالى) فيما سألوا عنه هذه الآية، فاستثنى (عليه السلام) مما ~~كان حرم اتخاذه منها، وأمر بقتله كلاب الصيد، وكلاب الماشية، وكلاب الحرث ~~وأذن في اتخاذ ذلك ذكرت ذلك سلمى ام رافع عن أبي رافع. قال جاء جبرائيل ~~إلى ms1107 النبي (صلى الله عليه وسلم) يستأذن عليه، فاذن له فقال: قد اذنا لك ~~يا رسول الله فقال: اجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب. قال ابو رافع: ~~فأمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أقتل كل كلب بالمدينة، فقتلت ~~حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها. وجئت إلى ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاخبرته، فأمرني فرجعت، وقتلت الكلب، ~~فجاؤا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الامة التي أمرت بقتلها، ~~فسكت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانزل الله { يسألونك ماذا أحل لهم ~~قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين } وبه قال عكرمة ومحمد ~~بن كعب القرطي واختلفوا في الجوارح التي ذكر الي الاية: بقوله: { وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين } فقال قوم: هو كل ما علم فصيد فيتعلمه بهيمة ~~كانت او طائرا. ذهب اليه الحسن، ومجاهد وحثيمة بن عبد الرحمن. ورووه عن ~~ابن عباس، وطاووس وعلي بن الحسين وابي جعفر (ع) وقالوا: الفهد والبازي من ~~الجوارح. # وقال قوم: عنى بذلك الكلاب خاصة دون غيرها من السباع. ذهب اليه الضحاك ~~والسدي وابن عمر وابن جريج. وهو الذي رواه أصحابنا عن ابي عبد الله ~~(عليهما السلام) فاما ما عدا الكلاب، فما ادرك ذكاته، فهو مباح، وإلا فلا ~~يحل أكله. ويقوي قولنا قوله تعالى: { مكلبين } وذلك مشتق من الكلب ومن ~~صاد بالباز والصقر لا يكون مكلبا. # وقوله: { مكلبين } نصب على الحال وتقديره وأحل لكم صيد ما علمتم من ~~الجوارح مكلبين أي في هذة الحال. يقال: رجل مكلب وكلاب إذا كان صاحب صيد ~~بالكلاب. وفي ذلك دليل على أن صيد الكلب الذي لم يعلم، حرام إذا [لم] ~~تدرك ذكاته. # وقوله: { تعلمونهن مما علمكم الله } معناه تؤدبون الجوارح، فتعلمونهن ~~طلب الصيد لكم بما علمكم الله من التأديب الذي أدبكم به. وقال بعضهم: ~~معناه كما علمكم الله. ذهب اليه السدي. وهذا ضعيف لأن من المعنى الكاف لا ~~يعرب في اللغة، ولا بينهما تقارب، لان الكاف للتشبيه ms1108 ومن للتبعيض ~~واختلفوا في صفة التعليم للكلب فقال بعضهم: هو ان يستشلى لطلب الصيد إذا ~~أرسله صاحبه، ويمسك عليه إذا أخذه، فلا يأكل منه ويستجيب له إذا دعاه. ~~فاذا توالي منه ذلك كان معلما. ذهب إليه ابن عباس وعط وابن عمرو الشعبي ~~وطاووس وابراهيم والسدي. قال عطا: إذا أكل منه فهو ميتة. وقال ابن عباس: ~~إذا اكل الكلب من الصيد، فلا تأكل منه فانما امسك على نفسه. وهو الذي دلت ~~عليه أخبارنا. غير أنهم اعتبروا ان يكون اكل الكلب للصيد دائما. فاما ~~إذا كان نادرا، فلا بأس باكل ما أكل منه. وقال ابو يوسف، ومحمد: حد ~~التعليم أن يفعل ذلك ثلاث مرات. وقال قوم: لاحد لتعليم الكلاب، فاذا فعل ~~ما قلناه، فهو معلم. وقد دل على ذلك رواية اصحابنا، لانهم رووا أنه إذا ~~أخذ كلب مجوسي فعلمه في الحال، فاصطاد به، جاز أكل ما يقتله. وقد بينا أن ~~صيد غير الكلب، لا يحل أكله الا ما أدرك ذكاته. فلا يحتاج أن تراعي كيف ~~تعلمه، ولا اكله منه. ومن أجاز ذلك أجاز أكل ما اكل منه البازي والصقر. ~~ذهب اليه عطا وابن عباس والشعبي وابراهيم، وقالوا: تعلم البازي هو أن ~~يرجع إلى صاحبه. وقال قوم: جوارح الطير والسباع سواء في ذلك ما أكل منه، ~~وما لا يؤكل. روي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والشعبي وعكرمة، ~~وابن جريج. وقال قوم: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد وهو أن يشلى ~~على الصيد، فيستشلى، ويأخذ الصيد، ويدعوه صاحبه، فيجيب، فاذا كان كذلك ~~كان معلما اكل منه أو لم يأكل. روي ذلك عن سلمان رواه قتادة عن سعيد بن ~~المسيب، عن سلمان، قال: وان اكل ثلثه فكل. # وبه قال سعد بن ابي وقاص. وقال لو لم يبق إلا جذية، جاز أكلها وبه قال ~~ابو هريرة، وابن عمر. وقد بينا مذهبنا في ذلك وهو الذي رواه عدي بن حاتم ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله). # وقوله: { فكلوا مما امسكن عليكم } يقوي قول من ms1109 قال: ما أكل منه الكب لا ~~يجوز أكله، لانه أمسك على نفسه. ومن شرط استباحة ما يقتله الكلب أن يكون ~~صاحبه سمى عند إرساله، فان لم يسم لم يجز له اكله إلا إذا ادرك ذكاته ~~وحده أن يجده يتحرك: عينه أو أذنه أو ذنبه، فيذكيه حينئذ بفري الحلقوم ~~والاوداج، واختلفوا في (من) [من] قوله: { مما أمسكن عليكم } فقال قوم: هي ~~زائدة، لان جميع ما يمسكه، فهو مباح. وتقديره فكلوا ما امسكن عليكم. وجرى ~~ذلك مجرى قوله: { يكفرعنكم من سيئاتكم } وقوله: { وينزل من السماء من ~~جبال فيها من برد } وتقديره وينزل من السماء جبالا فيها برد. وقال بعضهم: ~~وينزل من السماء من جبال فيها من برد أي من السماء من برد يجعل الجبال من ~~برد في السماء ويجعل الانزال منها وانكر قوم ذلك وقالوا (من) للتبعيض ~~ويقوي قولهم: قد كان من مطر وكان من حديث. يقول هل كان من مطر، وهل كان ~~من حديث عندكم ونكفرعنكم من سيئاتكم ما يشآؤه ويريده. وقوله: { وينزل من ~~السماء من جبال فيها من برد } يجيز حذف (من) برد ولا يجيز حذفها من ~~الجبال. ويقول: المعنى وينزل من السماء من امثال جبال بردا، ثم أدخلت في ~~من البرد مفسر عنده عن أمثال الجبال. وقد أقيمت الجبال مقام الامثال. ~~والجبال هي جبال فلا يجيز حذف (من) من الجبال، لانها دالة على أن في ~~السماء الذي أنزل منه البرد أمثال جبال برد، لا جبال برد. واجاز حذف (من) ~~من برد، لان البرد مفسر من الامثال، كما يقال: عندي رطلان زيتا، ومن ~~زيت. وليس عندك الرطلان وانما عندك المقدار، فمن تدخل في المفسر وتخرج ~~منه، وكذلك عند هذا القائل من السماء من امثال جبال، وليس بجبال. وقال: ~~فان كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا، ثم حذف الجبال الثانية ~~فالجبال الأولى في السماء جاز كما يقال: أكلت من الطعام يريد اكلت من ~~الطعام طعاما، ثم يحذف الطعام، ولا يحذف (من). والاقوى أن تكون من في ~~الآية للتبعيض، ms1110 لان ما يمسكه الكلب من الصيد، لا يجوز أكل جميعه لان في ~~جملته ما هو حرام من الدم، والفرث والغدد، وغير ذلك مما لا يجوز أكله، ~~فاذا قال: فكلوا مما امسكن عليكم، أفاد ذلك بعض ما أمسكن، وهو الذي أباح ~~الله أكله من اللحم، وغيره. وقوله: { ونكفر عنكم من سيئاتكم } قد بينا ~~الوجه فيه وسنبين الوجه في قوله: { من السماء جبال فيها من برد } إذا ~~انتهينا اليه ان شاء الله. # وقوله: { واذكروا اسم الله عليه } صريح في وجوب التسمية عند الارسال. ~~وهو قول ابن عباس والسدي وغيرهما. وقوله: { واتقوا الله } معناه واجتنبوا ~~ما نهاكم عنه، فلا تقربوه، واحذروا معاصيه في ارتكاب ما نهاكم عنه في أن ~~تأكلوا من صيد الكلب غير المعلم، أو مما لم يمسكه عليكم، أو تأكلوا مما ~~لم يسم الله عليه من الصيد، والذبائح مما صاده اهل الاوثان والاصنام { ~~إن الله سريع الحساب } معناه التخويف بأنه سريع حسابه لمن حاسبه على ~~نعمه، لا يشغله حساب بعض عن بعض. ومتى غاب الكلب والصيد عن العين، ثم رآه ~~ميتا لا يجوز أن يأكله، لانه يجوز أن يكون مات من غير قتل الصيد. وفي ~~الحديث: # " كل ما أصميت ولا تأكل ما أنميت " # فمعنى اصميت أن تصطاد بكلب أو غيره، فمات وأنث تراه مات بصيدك. واصل ~~الصميان السرعة والخفة: ومعناه ها هنا ما أسرع فيه الموت وأنت تراه. ~~ومعنى ما أنميت ما غاب عنك فلا تدري مات بصيدك أو بعارض آخر يقال نمت ~~الرمية: إذا مضت والسهم فيها. وأنميت الرمية: إذا رميتها، فمضيت، والسهم ~~فيها قال امرؤ القيس: # فهو لا تنمى رميته # ما له لا عد من نفره # وقال الحارث بن وعلة الشيباني: # قالت سليمى فد غنيت فتى # فالآن لا تصمى ولا تنمى # أي عشت ومتى اخذ الكلب الصيد ومات في يده من غير أن يجرحه، لم يجز أكله. ~~واجاز قوم ذلك. والاول أحوط. وكل من لا تؤكل ذبيحته من أجناس الكفار، لا ~~يؤكل صيده أيضا. فأما الاصطياد بكلابه المتعلمه فجائز ms1111 إذا صاده المسلم. ### || [5.5] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أحل للمؤمنين الطيبات، وهي الحلال ~~على ما بينا القول فيه في الآية الاولى، دون ما حرم في الآية المتقدمة. ~~وقيل: معنى الطيبات ما يستلذ ويستطاب. وظاهر الآية على هذا يقتضي تحليل ~~كل مستطاب إلا ما قال دليل على تحريمه. # وقوله: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } رفع بالابتداء { وحل لكم } ~~خبره وذلك يختص عند اكثر اصحابنا بالحبوب، لانها المباحة من أطعمة أهل ~~الكتاب، فاما ذبائحم وكل مائع يباشرونه بايديهم فانه نجس ولا يحل ~~استعماله وتذكيتهم لا تصح لان من شرط صحتها التسمية لقوله: ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه وهؤلاء لا يذكرون اسم الله. وإذا ذكروه قصدوا ~~بذلك اسم من ابد شرع موسى أو عيسى أو اتخذ عيسى ابنا. وكذب محمدا (صلى ~~الله عليه وآله) وذلك غير الله. وقد حرم الله ذلك بقوله: { وما أهل لغير ~~الله به } على ما مضى القول فيه واكثر المفسرين على أن قوله: { وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب } المراد به ذبائحهم وبه قال قوم من اصحابنا: فممن ~~ذهب اليه الطبري والبلخي والجبائي واكثر الفقهاء، ثم اختلفوا، فمنهم من ~~قال: أراد بذلك ذباحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والانجيل، أو ممن ~~دخل في ملتهم ودان بدينهم، وحرم ما حرموا، وحلل ما حللوا. ذهب اليه ابن ~~عباس والحسن وعكرمة وسعيد بن المسيب، والشعبي وابن جريج، وعطا والحكم ~~وقتادة. واجازوا ذبائح نصارى بني تغلب وقال آخرون: إنما عنى به الذين ~~أنزلت التوراة والانجيل عليهم، ومن كان دخيلا فيهم من سائر الامم، ودان ~~بدينهم، فلا تحل ذبائحهم. حكى ذلك الربيع عن الشافعي من الفقهاء. وروي ~~تحريم ذبائح نصارى تغلب عن علي (عليه السلام) ورواه سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس. وقال مجاهد، وابراهيم وابن عباس وقتادة والسدي والضحاك، وابن زيد ~~وابو الدرداء إن اطعام الذين اوتوا الكتاب ذبائحهم وغيرها من الاطعمة. ~~وبه قال الطبري والجبائي والبلخي وغيرهم. # وقوله: { وطعامكم حل لهم } فيه بيان إن طعامنا ايضا ms1112 حل لهم، فان قيل ~~فما معنى ذلك، وهم لا يستحلون طعامنا بتحليلنا لهم ذلك؟ قلنا عنه جوابان: # احدهما - ان الله بين بذلك أنه حلال لهم ذلك سواء قبلوه، أو لم يقبلوه. # والثاني - أن يكون حلال للمسلمين بذله لهم، ولو كان محرما عليهم، لما ~~جاز لمسلم بذله اياه. # وقوله: { والمحصنات من المؤمنات } معناه واحل لكم العقد على المحصنات ~~يعني العفائف من المؤمنات. وقيل هن الحرائر منهن، ولا يدل ذلك على تحريم ~~من ليس بعفيفة، لان ذلك دليل خطاب يترك لدليل يقوم على خلافه، ولا خلاف ~~أنه لو عقد على من ليس بعفيفة، ولا امة كان عقده صحيحا غير مفسوخ، وان ~~كان الاولى تجنبه. # وكذلك لو عقد على أمة بشرط جواز العقد على الأمة على ما مضى القول فيه. ~~واختلف المفسرون في المحصنات التي عناهن ها هنا فقال بعضهم عنى بذلك ~~الحرائر خاصة: فاجرة كانت أوعفيفة وحرموا إماء اهل الكتاب بكل حال لقوله: ~~{ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات فمما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات }. ذهب اليه مجاهد وطارق بن شهاب، وعامر الشعبي والحسن ~~وقتادة. وقال اخرون: أراد بذلك العفائف من الفريقين: حرائر كن او إماء، ~~وأجازوا العقد على الامة الكتابية. روى ذلك أيضا عن مجاهد، وعامر الشعبي ~~وسفين وابراهيم والحسن بن ابي الحسن وقتادة في رواية، ثم اختلفوا في ~~المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فقال قوم: هو عام في العفائف منهن: حرة ~~كانت أو أمة، حربية كانت او ذمية. وهو قول من قال المراد بالمحصنات ~~العفائف. وقال اخرون: أراد الحرائر منهن: حربيات كن أو ذميات. وعلى قول ~~الشافعي المراد بذلك من كان من نساء بني اسرائيل دون من دخل فيهن من سائر ~~الملل. وقال قوم: أراد بذلك الذميات منهن. ذهب اليه ابن عباس. واختار ~~الطبري أن يكون المراد بذلك الحرائر من المسلمات والكتابيات. وعندنا لا ~~يجوز العقد على الكتابية نكاح الدوام، لقوله تعالى: { ولا تنكح المشركات ~~حتى يؤمن، } ولقوله: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فاذا ثبت ذلك، قلنا في ~~قوله: ms1113 { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } تأويلان. # احدهما - ان يكون المراد بذلك اللائي أسلمن منهن. والمراد بقوله: { ~~والمحصنات من المؤمنات } من كن في الاصل مؤمنات. ولدن على الاسلام قيل: ~~إن قوما كانوا يتحرجون من العقد على الكافرة إذا اسلمت فبين الله بذلك ~~انه لا حرج في ذلك، فلذلك أفردهن بالذكر حكى ذلك البلخي. # والثانى - أن يخص ذلك بنكاح المتعة أو ملك اليمين، لانه يجوز عندنا ~~وطؤهن بعقد المتعة، وملك اليمين على أنه روى أبو الجارود عن أبي جعفر (ع) ~~أن ذلك منسوخ بقوله: { ولا تنكح المشركات حتى يؤمن } روى عن ابي عبد الله ~~(ع) انه قال: هو منسوخ بقوله: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وقوله: { وإذا ~~آتيتموهن أجورهن } يعني مهورهن. وهو عوض الاستمتاع بهن. وهو قول ابن ~~عباس، وجيمع المفسرين. # وقوله: { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } نصب على الحال وتقديره ~~أحل لكم المحصنات من الفريقين، وانتم محصنون غير مسافحين، ولا متخذي ~~أخدان يعني اعفاء غير مسافحين بكل فاجرة، وهو الزنا، ولامتخذي اخدان يعني ~~اعنا غير مسافحين، ولا متخذي أخدان، ولا متفردين ببغية واحدة، خادنها ~~وخادنته اتخذها لنفسه صديقة يفجر بها. وقد بينا معنى الاحصان ووجوهه، ~~ومعنى السفاح والخدن في سورة النساء، فلا وجه لاعادته وبذلك قال ابن عباس ~~وقتادة والحسن. # وقوله: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين } ~~يعني من يجحد ما أمر الله الاقرار به، والتصديق به من توحيد الله، ونبوة ~~نبيه، والاقرار بما جاء به فقد حبط عمله يعني الاعمال التي يعملها، ~~ويعتقدها قربات إلى الله، فانها تنحبط، ولايستحق عليها ثوابا، بل يستحق ~~عليها العقاب، { وهو في الآخرة من الخاسرين } يعني الهالكين الذين غبنوا ~~نفوسهم حظها من ثواب الله بكفرهم، واستحقاقهم العقاب على جحدهم التوحيد، ~~والاسلام. وقال قوم: إن قوله: { ومن يكفر بالايمان } عنى به اهل الكتاب، ~~لان قوما تحرجوا من نكاح نساء أهل الكتاب، واكل طعامهم وما بين الله في ~~هذه الآية. ذهب اليه قتادة وابن جريج ومجاهد وابن عباس. فان قيل ما معنى ms1114 ~~{ ومن يكفر بالإيمان } قيل: الايمان هو الاقرار بتوحيد الله، وصفاته، ~~وعدله، والاقرار بالنبي (صلى الله عليه وآله) وما جاء به من عند الله. ~~فمن جحد ذلك أو شيئا منه كان كافرا بالايمان. وقد حبط عمله الذي يرجو ~~به الفوز والنجاة. وهو في الاخرة من الخاسرين. وقال مجاهد: معناه من يكفر ~~بالله. قال البلخي لا يعرف تأويل مجاهد في اللغة. ### || [5.6] # [القراءة] # قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب، والاعشى إلا النقار { وأرجلكم ~~} - بالنصب - الباقون بالجر وقرأ لمستم بلا الف حمزة والكسائي وخلف ~~الباقون لامستم بالف ها هنا وفي النساء هذا خطاب للمؤمنين أمرهم الله إذا ~~أرادوا القيام إلى الصلاة، وهم على غير طهر، أن يغسلوا وجوههم، ويفعلوا ~~ما أمرهم الله به فيها. وحذف الارادة، لان في الكلام دلالة عليه، ومثله { ~~فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ومعناه وإذا اردت قراءة القرآن فاستعذ، ~~وإذا قمت فيهم فاقمت لهم الصلاة ومعناه فاردت أن تقيم لهم الصلاة. ثم ~~اختلفوا هل يجب ذلك كلما أراد القيام إلى الصلاة او بعضها او في اي حال ~~هي؟ فقال قوم: المراد به إذا اراد القيام اليها، وهو على غير طهر. وهو ~~الذي اختاره الطبري والبلخي والجبائي والزجاج وغيرهم. وهو المروي عن ابن ~~عباس، وسعد بن ابي وقاص، وابي موسى الاشعري وأبي العالية، وسعيد بن ~~المسيب وجابر بن عبد الله، وابراهيم والحسن والضحاك، والاسود والسدي، ~~وغيرهم. وقال آخرون: معناه إذا قمتم من نومكم إلي الصلاة ذهب اليه زيد ~~ابن اسلم والسدي وقال آخرون: المراد به كل حال قيام الانسان إلى الصلاة، ~~فعليه ان يجدد طهر الصلاة. ذهب اليه عكرمة. وقال: كان علي يتوضأ عند كل ~~صلاة، ويقرأ هذه الآية. وقال ابن سيرين إن الخلفاء كانوا يتوضؤن لكل ~~صلاة، والاول هو الصحيح عندنا. وما روي عن علي (عليه السلام) في تجديد ~~الوضوء عند كل صلاة محمول على الندب. وقال قوم: كان الفرض أن يتوضأ لكل ~~صلاة، ثم نسخ ذلك بالتخفيف، وهو المروي عن ابن عمر انه حدثته أسماء بنت ~~زيد ms1115 بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن ابي عامر الغسيل حدثها أن النبي ~~صلى الله عليه وآله أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ~~ورفع عنه الوضوء إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أن فرضه عليه، فكان يتوضأ ~~وروى سليمان بن بريدة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال عمر: ~~يا رسول الله صنعت شيئا ما كنت تصنعه! قال: عمدا فعلته ياعمر. وقال ~~الحسين بن علي المغربي: معنى إذا قمتم إذا عزمتم عليها وهممتم بها. قال ~~الراجز للرشيد: # ما قاسم دون الفتى ابن امه # وقد رضيناه فقم فسمه # فقال: يا أعرابي، ما رضيت ان تدعونا إلى عقد الامر له قعودا حتى أمرتنا ~~بالقيام، فقال: قيام عزم لا قيام جسم. وقال حريم الهمداني: # فحدثت نفسي أنها أو خيالها # اتانا عشاء حين قمنا لنهجعا # أي حين عزمنا للهجوع. وأقوى الاقوال ما حكيناه أولا من ان الفرض بالوضوء ~~يتوجه إلى من اراد الصلاة وهو على غير طهر، فاما من كان متطهرا، فعليه ~~ذلك استحبابا. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابة في تجديد ~~الوضوء، فهو محمول على الاستحباب في جميع الأحوال، لاجماع أهل العصر على ~~أن الفرض في الوضوء كان في كل صلاة، ثم نسخ، فعلمنا بذلك أن ما روي من ~~تجديد الوضوء، كان على وجه الاستحباب. وقال قوم: إن الله (تعالى) أنزل ~~هذه الآية اعلاما للنبي (صلى الله عليه وآله) أنه لا وضوء عليه إلا إذا ~~قام إلى الصلاة دون غيرها من الاعمال، لانه كان إذا أحدث امتنع من ~~الاعمال حتى يتوضأ فاباح الله له بهذه الآية أن يفعل ما بدا له من ~~الاعمال بعد الحدث إلى عمل الصلاة، توضأ أو لم يتوضأ. وأمره بالوضوء ~~للصلاة. روى ذلك عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن ~~علقمة عن ابيه قال: كان رسول الله (صلى الله ms1116 عليه وآله) إذا بال لم يرد ~~جواب السلام حتى يتطهر للصلاة، ثم يجيب حتى نزلت هذه الآية. # وقوله: { فاغسلوا وجوهكم } امر من الله بغسل الوجه واختلفوا في حد الوجه ~~الذي يجب غسله، فحده عندنا من قصاص شعر الرأس إلى محاذي شعر الذقن طولا ~~وما دخل بين الوسطى والابهام عرضا، وما خرج عن ذلك فلا يجب غسله. وما ~~نزل من الشعر عن المحادر، فلا يجب غسله. وقال بعضهم: ما ظهر من بشرة ~~الانسان من قصاص شعر رأسه منحدرا إلى منقطع ذقنه طولا، وما بين الاذنين ~~عرضا. قالوا والاذنان وما بطن من داخل الفم والانف والعين، فليس من ~~الوجه، ولا يجب غسل ذلك، ولا غسل شيء منه. واما ما غطاه الشعر كالذقن، ~~والصدغين، فان امرار الماء على ما علا الشعر عليه يجزي من غسل ما بطن منه ~~من بشرة الوجه، لان الوجه عندهم ما ظهر لعين الناظر من ذلك يقابلها دون ~~غيره. وهذا بعينه مذهبنا. إلا ما خرج عن الابهام والوسطى إلى الاذن، فانه ~~لا يجب غسله. ذهب إلى ما حكيناه إبراهيم، ومغيرة والحسن وابن سيرين، ~~وشعبة والزهري وربعية وقتادة، والقاسم بن محمد وابن عباس، وابن عمر. قال ~~ابن عمر: الاذنان من الرأس. وبه قال قتادة والحسن، ورواه أبو هريرة عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وقال آخرون: الوجه كل ما دون منابت شعر الرأس ~~إلى منقطع الذقن طولا، ومن الاذن إلى الاذن الأخرى عرضا ما ظهر من ذلك ~~لعين الناظر، وما بطن منه من منابت شعر اللحية، والعارضين، وما كان منه ~~داخل الفم والأنف، وما أقبل من الاذنين على الوجه. وقالوا: يجب غسل جميع ~~ذلك ومن ترك شيئا منه لم تجزه الصلاة. # ذهب اليه ابن عمر في رواية نافع عنه، وابو موسى الأشعري. ومجاهد وعطا ~~والحكم، وسعيد بن جبير وطاووس، وابن شيرين والضحاك، وانس بن مالك وام ~~سلمة، وابو ايوب وابو امامة، وعمار بن ياسر وقتادة كلهم قالوا بتخليل ~~اللحية، فاما غسل باطن الفم، فذهب اليه مجاهد، وحماد وقتادة. واما من ms1117 ~~قال: ما أقبل من الاذنين يحب غسله، وما أدبر يجب مسحه فالشعبي. وقد بينا ~~مذهبنا في ذلك. والذي يدل على صحة ذلك أن ما قلناه مجمع على انه من ~~الوجه. ومن ادعى الزيادة فعليه الادلة. واستوفينا. ذلك في مسائل الخلاف ~~وتهذيب الاحكام. # وقوله: { وأيديكم إلى المرافق } منصوب بالعطف على الوجوه الواجب غسلها. ~~ويجب عندنا غسل الأيدي من المرافق، وغسل المرافق معها إلى رؤوس الاصابع، ~~ولا يجوز غسلها من الاصابع إلى المرافق (وإلي) في الآية بمعنى مع كقوله: ~~{ تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } وقوله: { من أنصاري إلى الله } وأراد ~~بذلك (مع) قال امرؤ القيس: # له كفل كالدعص لبده الندى # الي حارك مثل الرتاج المضبب # وقال النابغة الجعدي: # ولوح ذراعين في بركة # الى جؤجؤ رهل المنكب # اراد مع حارك ومع رهل. وطعن الزجاج على ذلك فقال: لو كان المراد بالى ~~مع، لوجب غسل اليد إلى الكتف، لتناول الاسم له. وانما المراد بالى الغاية ~~والانتهاء، لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، ~~لانا لو خلينا وذلك، لقلنا بما قاله. لكن خرجنا بدليل. ودليلنا علي صحة ~~ما قلناه: اجماع الامة على أنه متى بدأ من المرافق كان وضوءه صحيحا وإذا ~~جعلت غاية ففيه الخلاف. واختلف أهل التأويل في ذلك، فقال مالك بن أنس: ~~يجب غسل اليدين إلى المرفقين، ولا يجب غسل المرفقين. وهو قول زفر. وقال ~~الشافعي: لا أعلم خلافا في ان المرافق يجب غسلها. وقال الطبري: غسل ~~المرفقين، وما فوقهما مندوب اليه غير واجب. وانما. اعتبرنا غسل المرافق، ~~لاجماع الأمة على أن من غسلهما صحت صلاته. ومن لم يغسلهما، ففيه الخلاف. ~~والمرافق جمع مرفق. وهو المكان الذي يرتفق به، ويتكأ عليه على المرفقة ~~وغيرها. # وقوله: { وامسحوا برؤسكم } اختلفوا في صفة المسح، فقال قوم: يمسح منه ما ~~يقع عليه اسم المسح، وهو مذهبنا. وبه قال ابن عمر، والقاسم بن محمد، وعبد ~~الرحمن بن ابي ليلى، وابراهيم والشعبي وسفيان. واختاره الشافعي واصحابه ~~والطبري. وذهب قوم إلى انه يجب مسح جميع الرأس ذهب ms1118 اليه مالك. وقال ابو ~~حنيفة، وابو يوسف ومحمد: لا يجوز مسح الرأس باقل من ثلاثة أصابع. وعنه ~~روايتان فيهما خلاف، ذكرناهما في الخلاف. وعندنا لا يجوز المسح إلا على ~~مقدم الرأس. وهو المروي عن ابن عمر والقاسم بن محمد، واختاره الطبري. ولم ~~يعتبر احد من الفقهاء ذلك. # وقالوا: أي موضع مسح أجزاه وإنما اعتبرنا المسح ببعض الرأس، لدخول الباء ~~الموجبة، للتبعيض لان دخولها في الموضع الذي يتعدى الفعل فيه بنفسه لا ~~وجه له غير التبعض وإلا كان لغوا. وحملها على الزيادة لا يجوز مع إمكان ~~حملها على فائدة مجددة، فان قيل: يلزم على ذلك المسح ببعض الوجه في ~~التيمم قلنا كذلك نقول، لانا نقول بمسح الوجه من قصاص الشعر إلى طرف ~~الانف ومن غسل الرأس، فانه لا يجزيه عن المسح عندنا وخالف جميع الفقهاء ~~في ذلك، وقالوا يجزيه لانه يشتمل عليه. وهذا غير صحيح، لان حد المسح هو ~~إمرار العضو الذي فيه نداوة على العضو الممسوح من غير أن يجري عليه ~~الماء. والغسل لا يكون الا بجريان الماء عليه، فمعناهما مختلف، وليس إذا ~~دخل المسح في الغسل يسمى الغسل مسحا، كما أن العمامة لا تسمى خرقة، وان ~~كانت تشتمل على خرق كثيرة. # وقوله: { وأرجلكم إلى الكعبين } عطف على الرؤوس فمن قرأ بالجر ذهب إلى ~~انه يجب مسحهما كما وجب مسح الرأس، ومن نصبهما ذهب إلى انه معطوف على ~~موضع الرؤوس، لان موضعها نصب لوقوع المسح عليها، وانما جر الرؤوس لدخول ~~الباء الموجبة للتعبيض على ما بيناه فالقراءتان جميعا تفيدان المسح على ~~ما نذهب اليه. وممن قال بالمسح ابن عباس والحسن البصري وابو على الجبائي ~~ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم ممن ذكرناهم في الخلاف، غير أنهم أوجبوا ~~الجمع بين المسح والغسل المسح بالكتاب، والغسل بالسنة وخيرة الطبري في ~~ذلك. وأوجبوا كلهم استيعاب جميع الرجل ظاهرا وباطنا. وعندنا أن المسح ~~على ظاهرهما من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. وهما الناتئان في وسط القدم ~~على ما استدل عليه. وقال عكرمة عن ابن عباس: الوضوء ms1119 غسلتان ومسحتان. وبه ~~قال أنس بن مالك. وقال عكرمة ليس على الرجلين غسل إنما فيهما المسح. وبه ~~قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا. ~~وقال قتادة افترض الله مسحتين وغسلتين. روى أوس ابن أبي أوس قال: رأيت ~~النبي (صلى الله عليه وآله) توضأ ومسح على نعليه، ثم قام فصلي. وروى ~~حذيفة قال: أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سباطة قوم، فبال عليها ~~قائما، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه. وروى حبة الغربي قال: رأيت ~~علي ابن ابي طالب (عليه السلام) شرب في الرحبة قائما، ثم توضأ ومسح علي ~~نعليه. وروي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فمسح على رجليه. وعنه أنه قال: إن كتاب الله المسح ويأبى الناس الا ~~الغسل. وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال ما نزل القرآن إلا ~~بالمسح. فان قيل: القراءة بالجر ليست على العطف على الرؤوس في المعنى. # وانما عطف عليها على طريق المجاورة، كما قالوا: حجر ضب خرب، وخرب، من ~~صفات الحجر لا الضب وكما قال الشاعر: # كان بثيرا في عرانين وبله # كبير اناس في بجاد مزمل # والمزمل من صفة الكبير لا البجاد. وقال الاعشى: # لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضى لبانات ويسام سائم # قلنا: هذا لا يجوز من وجوه: # احدها - ما قال الزجاج أن الاعراب بالمجاورة، لا يجوز في القرآن، وانما ~~يجوز ذلك في ضرورة الكلام والشعر. # والثاني - أن الاعراب بالمجاورة لا يكون مع حرف العطف فاما قول الشاعر: # فهل انت ان ماتت اتانك راحل # الى آل بسطام بن قيس فخاطب # قالوا: جر مع حرف العطف الذي هو الفاء، فانه يمكن أن يكون أراد الرفع ~~وانما جر الراوي وهما. ويكون عطفا على راحل يكون قد أقوى لان القصيدة ~~مجرورة. وقال قوم: أراد بذلك الامر وإنما جر لاطلاق الشعر. # والثالث - أن الاعراب بالمجاورة إنما يجوز مع ارتفاع اللبس. فاما مع ~~حصول اللبس، فلا يجوز، ولا يشتبه على ms1120 احد أن خرب من صفة حجر، لا الضب. ~~وكذلك قوله: مزمل من صفة الكبير لا البجاد. وليس كذلك في الآية، لان ~~الأرجل يمكن أن تكون ممسوحة ومغسولة، فاما قول الشاعر: ثواء ثويته، ~~فانما جره بالبدل من الحول والمعنى لقد كان في ثواء ثويته تقضى لبانات. ~~وهو من بدل الاشتمال، كقوله: { قتل أصحاب الأخدود النار }. وقول الشاعر: # لم يبق الا اسير غير منفلت # وموثق في عقال الاسر مكبول # فليس خفض موثق على المجاورة، لان معنى البيت لم يبق غير اسير قالا بمعنى ~~غير وهي تعاقبها في الاستثناء. فقوله غير موثق عطف المعنى على موضع اسير. ~~وتقديره لم يبق غير اسير وغير منفلت. واما قوله: { وحور عين } في قراءة ~~من جرهما، فليس بمجرور على المجاورة، بل يحتمل امرين: # احدهما - أن يكون عطفا على قوله: { يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين } الى قوله: { وحور عين } عطف على اكواب. وقولهم: ~~انه لا يطاف إلا بالكاس غير مسلم، بل لا يمتنع أن يطاف بالحور العين كما ~~يطاف بالكاس وقد ذكر في جملة ما يطاف به الفاكهة واللحم. # والثاني - أنه لما قال: { أولئك المقربون في جنات النعيم } عطف بحور عين ~~على جنات النعيم فكانه قال: هم في جنات النعيم. وفي مقاربة أو معاشرة حور ~~عين. ذكره أبو علي الفارسي، فاما من قال: الرجلان ممسوحان ويراد بالمسح ~~الغسل، فقوله: يبطل بما قلناه من أن المسح غير الغسل. واستشهادهم بقولهم: ~~تمسحت للصلاة وأنهم سموا الغسل مسحا. وقوله: { فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق } ، وانه أراد غسلها باطل بما قدمناه، ولانه لو كان ذلك محتملا ~~لغة، لما احتمل شرعا، لان الشرع فرق بين الغسل والمسح، ولذلك قالوا بعض ~~اعضاء الطهارة مغسولة، وبعضها ممسوحة. # وفلان يرى غسل الرجلين، وفلان يرى مسحهما، ولانه لا خلاف أن الرأس ممسوح ~~مسحا ليس بغسل، فلا بد ان يكون حكم الرجلين حكمه، لكونهما معطوفتين ~~عليه. وقولهم: تمسحت للصلاة، فلأنهم لما أرادوا أن يخبروا بلفظ مختصر عن ~~جميع أفعال الصلاة، لم يخز أن يقولوا اغتسلت ms1121 للصلاة، لان في الطهارة ما ~~ليس بغسل. واستطالوا أن يقولوا أغتسلت وتمسحت للصلاة قالوا: بدلا من ذلك ~~تمسحت توسعا، ومجازا. وقوله: { فطفق مسحا بالسوق } فاكثر المفسرين على ~~ان المراد به فطفق ضربا. ذهب اليه الفراء وأبو عبيدة. وقال آخرون: أراد ~~المسح في الحقيقة، وأنه كان مسح أعراقها وسوقها. وانما حمل على الغسل شاذ ~~منهم ومن قال القراءة تقتضي المسح غير أنه المسح على الخفين، فقوله باطل، ~~لان الخف لا يسمى رجلا في لغة ولا شرع. والله (تعالى) أمر بايقاع الفرض ~~علي ما يسمى رجلا في الحقيقة. واما لقراءة بالنصب، فقد بينا أنها معطوفة ~~علي موضع الرؤوس لان موضعها النصب، والحكم فيها المسح والعطف على الموضع ~~جائز، لانهم يقولون: لست بقائم ولا قاعدا. ويقولون حسبت بصدره وصدر زيد ~~وان زيدا في الدار وعمرو، فيرفع عمرو بالعطف على الموضع. وقال الشاعر: # معاوي اننا بشر فاسجح # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # وقال اخر: # هل انت باعث دينار لحاجتنا # او عبد رب اخا عون بن مخراق # وانما نصب عبد رب، لان التقدير باعث دينارا، فحمله على الموضع، وقد ~~سوغوا العطف على المعنى، وان كان اللفظ لا يقتضيه قال الشاعر: # جئني بمثل بني عمرو لقومهم # أو مثل اسرة منظور بن سبار # لما كان معنى جئني هات مثلهم، أو اعطني مثلهم. قال: أو مثل بالنصب عطفا ~~على المعنى، وعطف الأرجل على الايدي لا يجوز، لان الكلام متى حصل فيه ~~عاملان: قريب وبعيد لا يجوز إعمال البعيد دون القريب مع صحة حمله، عليه. ~~لا يجوز أن يقول القائل: ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا. ويريد ~~بنصب بكر العطف على زيد أو عمرو المضروبين، لان ذلك خروج عن فصاحة ~~الكلام، ودخول في معنى اللغو وبمثل ما قلناه ورد القران واكثر الشعر قال ~~الله تعالى: { وإنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } ولو اعمل ~~الاول، لقال: كما ظننتموه. وقال { آتوني أفرغ عليه قطرا } ولو اعمل ~~الاول، لقال أفرغه. وقال: { هاؤم اقرأوا كتابيه } ولو اعمل الاول لقال: ~~هاؤم اقرأوه. ms1122 وقال الشاعر: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # ولو أعمل الاول، لقال: فوفاه غريمه. فاما قول أمرئ القيس: # فلو انما أسعى لادنى معيشة # كفاني ولم اطلب قليل من المال # فانما أعمل الاول للضرورة، لانه لم يجعل القليل مطلوبا وانما كان ~~المطلوب عنده الملك. وجعل القليل كافيا. # ولو لم يرد هذا ونصب، لفسد المعنى. فاما من نصب بتقدير واغسلوا أرجلكم، ~~كما قالوا: # متقلدا سيفا ورمحا # وعلفها تبنا وماء باردا # فقد اخطأ، لان ذلك إنما يجوز إذا استحال حمله على اللفظ. فاما إذا جاز ~~حمله علي ما في اللفظ، فلا يجوز هذا التقدير. ومن قال يجب غسل الرجلين، ~~لانها محدودتان كاليدين، فقوله ليس بصحيح، لانا لا نسلم ان العلة في كون ~~اليدين مغسولتين كونهما محدودتين. وانما وجب غسلهما، لانهما عطفا على ~~عضو مغسول. وهو الوجه. فكذلك إذا عطف الرجلين على ممسوح هو الرأس، وجب أن ~~يكونا ممسوحين. والكعبان عندنا هما الناتئان في وسط القدم. وبه قال محمد ~~بن الحسن وإن أوجب الغسل. وقال اكثر المفسرين والفقهاء: الكعبان هما عظما ~~الساقين يدل على ما قلناه أنه لو أراد ما قالوا، لقال إلى الكعاب، لان في ~~الرجلين منها أربعة. وايضا فكل من قال: يجب مسح الرجلين، ولا يجوز الغسل ~~قال الكعب هو ما قلناه، لان من خالف في أن الكعب ما قلناه على قولين: ~~قائل يقول بوجوب الغسل، وآخر يقول يالتخيير. قال الزجاج: كل مفصل للعظام ~~فهو كعب. # وفي الآية دلالة على وجوب الترتيب في الوضوء من وجهين: # احدهما - ان الواو يوجب الترتيب لغة على قول الفراء وأبي عبيد وشرعا على ~~قول كثير من الفقهاء، ولقوله (عليه السلام): ابدأوا بما بدأ الله به. # والثاني - ان الله أوجب على من يريد القيام الى الصلاة إذا كان محدثا ~~أن يغسل وجهه أولا، لقوله: { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } والفاء توجب ~~التعقيب والترتيب بلا خلاف، فاذا ثبت أن البداءة بالوجه هو الواجب، ثبت ~~في باقي الاعضاء، لان أحدا لا يفرق ويقويه قوله (عليه ms1123 السلام) للاعرابي ~~- حين علمه الوضوء، فقال: # " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " # ، فان كان رتب فقد بين انه الواجب الذى لا يقبل الله الصلاة إلا به، وان ~~لم يرتب لزم أن يكون من رتب، لا يجزيه وقد اجتمعت الامة على خلافه. وفي ~~الآية دلالة على أن من مسح على العمامة أو الخفين لا يجزيه، لان العمامة ~~لا تسمى رأسا. والخف لا يسمى رجلا كما لا يسمى البرقع وما يستر اليدين ~~وجها ولا يدا. وما روي من المسح على الخفين أخبار احاد لا يترك لها ~~ظاهر القرآن. على أنه روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: نسخ ذلك بهذه ~~الآية وكذلك قال لمن قال: اقبل المائدة أو بعدها. وفي الآية دلالة على ~~وجوب النية في الوضوء، لانه قال: إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا. وتقديره ~~فاغسلوا للصلاة كما يقول القائل: إذا أردت لقاء عدوك، فخذ سلاحك بمعنى ~~فخذ سلاحك للقائه ولا يمكن أن يكون غاسلا هذه الاعضاء للصلاة إلا بنية. # وقوله: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } معناه وإن أصابتكم جنابة وأردتم ~~القيام الى الصلاة فاطهروا بالاغتسال. والجنابة تكون بشيئين: # احدهما - بانزال الماء الدافق في النوم أو اليقظة. وعلى كل حال بشهوة ~~كان أو بغير شهوة. # والآخر - بالتقاء الختانتين وحده غيبوبة الحشفة أنزل أو لم ينزل، والجنب ~~يقع على الواحد والجماعة والاثنين، والمذكر والمؤنث مثل رجل عدل، وقوم ~~عدل، ورجل زور وقوم زور، ونحو ذلك وهو بمنزلة المصدر قال الزجاج: تقديره ~~ذو جنب. ويقال أجنب الرجل وجنب واجتنب والفعل الجنابة وقد حكي في جمعه ~~أجناب والأول أظهر. واصل الجنابة البعد قال علقمة: # فلا تحرمني نائلا عن جنابة # فاني امرؤ وسط القباب غريب # وقوله: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء } معناه وان كنتم مرضى يعني ان كنتم جرحى أو مجدرين أو مرضى يضر ~~بكم استعمال الماء وكنتم جنبا أو على غير وضوء قد بينا ذلك في سورة ~~النساء وقوله: { أو على سفر } معناه وإن ms1124 كنتم مسافرين وأنتم جنبا وجاء ~~أحد منكم من الغائط معناه أو جاء أحد منكم من الغائط قد قضى حاجته فيه، ~~وهو مسافر أو لامستم النساء معناه أو جامعتم النساء، وانتم مسافرون. وقد ~~بينا اختلاف الفقهاء في اللمس، وبينا أصح الأقوال في ذلك، فلا وجه ~~لاعادته، فان قيل: ما معنى تكرير قوله: لامستم النساء إن كان معنى اللمس ~~الجماع مع انه قد تقدم ذكر الواجب عليه لقوله: { وإن كنتم جنبا فاطهروا ~~} قلنا وجه ذلك أن المعني في قوله: { وإن كنتم جنبا } غير المعني الذي ~~الزمه الله بقوله: او لامستم النساء، لانه (تعالى) بين الحكم بقوله: { ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا } معناه إذا كنتم واجدين للماء ممكنين لاستعماله، ~~ثم بين حكمه إذا عدم الماء، أو لا يتمكن من استعماله أو هو مسافر غير ~~مريض مقيم، فاعلمه أن التيمم هو فرضه، وهو طهارته. وقد بينا حكم التيمم ~~ومعناه وكيفيته فيما مضى. # وقوله: { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه } قد بينا جميع ذلك فيما مضى. جملته أنه يقول: أيها المؤمنون إذا ~~قمتم الى الصلاة، وانتم على غير طهر، ولم تجدوا ماء، ولا تتمكنون من ~~استعماله، فاقصدوا وجه الارض طاهرا نظيفا غير نجس، ولا قذر { فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه } يعني مما يعلق بايديكم منه يعني من الصعيد وقد ~~بينا كيفية التيمم، وأنه من قصاص الشعر الى طرف الانف، ومن الزند الي ~~اطراف الاصابع في اليدين. وقد بينا اختلاف المفسرين والفقهاء في ذلك، فلا ~~معنى لاعادته. وقوله: { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } معناه ما يريد ~~الله مما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم الى الصلاة والغسل من الجنابة ~~والتيمم صعيدا طيبا عند عدم الماء أو تعذر استعماله، ليلزمكم في دينكم ~~من ضيق، ولا لنفتنكم فيه، وهو قول علي (عليه السلام) ومجاهد وجميع ~~المفسرين. # وقوله: { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } معناه لكن ~~يريد الله ليطهركم بما فرض عليكم من الوضوء والغسل من الاحداث والجنابة ~~أن ينظف بذلك اجسامكم من ms1125 الذنوب. واللام في قوله: { ليطهركم } دخلت ~~لتبيين الارادة والمعنى ارادته لتطهيركم كما قال الشاعر: # اريد لانسى ذكرها فكانما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # روي ما قلناه عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي امامة ان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) قال: # " إن الوضوء يكفر ما قبله " # وقوله: { وليتم نعمته عليكم } معناه ويريد الله مع تطهيركم من ذنوبكم ~~بطاعتكم اياه فيما فرض عليكم من الوضوء والغسل إذا قمتم الى الصلاة مع ~~وجود الماء، والتيمم مع عدمه، أن يتم نعمته باباحته لكم التيمم، وتصييره ~~لكم الصعيد الطيب طهورا رخصة منه لكم في ذلك مع سوابغ نعمه التي أنتم ~~بها عليكم { لعلكم تشكرون } معناه ولتشكروا الله على نعمه التي أنعم بها ~~عليكم بطاعتكم اياه فيما امركم به ونهاكم عنه. ### || [5.7] # في هذه الآية اذكار بنعم الله تعالى عليهم برسوله (صلى الله عليه وآله) ~~وميثاقه الذي واثقهم به عندما ضمنوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~السمع والطاعة، ثم حذرهم ان ينقضوا ذلك بقلوبهم، واعلمهم أنه عليم بذات ~~الصدور. # والميثاق الذي واثقهم به قال البلخي: والجبائي هو ما أخذ عليهم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) عند اسلامهم وبيعتهم بأن يطيعوا الله في كل ما ~~يفرضه عليهم مما ساءهم أو سرهم. قال الجبائي: هو مبايعتهم له ليلة العقبة ~~وبيعة الرضوان وهو قول ابن عباس وقال اخرون: هو ما اخذه عليهم حين أخرجهم ~~من صلب آدم (ع) واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى. ذهب اليه ~~مجاهد. والصحيح قول ابن عباس لامرين: # احدهما - ان الخبر مروي في أخذ الميثاق على من استخرج من صلب ادم (ع) ~~ضعيف تحيله العقول. # والثاني - أن الله (تعالى) ذكر بعقب تذكيره المؤمنين ميثاقه الذي واثق ~~به اهل التوراة بعدما أنزل كتابه على نبيه موسى (ع) فيما أمرهم به ونهاهم ~~عنه، فقال: { ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~} الايات بعدها منبها بذلك أصحاب رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) ~~على مواضع حظوظهم من الوفاء ms1126 لله بما عاهدهم عليه وتعريفهم سوء عاقبة هل ~~الكتاب في تضييعهم من الوفاء لله بما عاهدهم عليه وما ضيعوا من ميثاقه ~~الذي واثقهم به في أمره ونهيه زاجرا لهم عن نكث عهده لئلا يحل بهم ما حل ~~بمن تقدم من الناكثين عهده من اهل الكتاب. وقال ابو الجارود عن ابى جعفر ~~(ع) - الميثاق هو ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم كل مسكر وكيفية ~~الوضوء على ما ذكره الله وغير ذلك ونصب امير المؤمنين (عليه السلام) ~~اماما للخلق وهذا داخل فيما حكيناه عن ابن عباس إذ هو بعض ما أمر الله ~~به ### || [5.8] # هذا خطاب للمؤمنين امرهم الله تعالى ان يكونوا قوامين بالقسط أي قائمين ~~بالعدل يقومون به، ويدومون عليه شهدا. لله أي مبينون عن دين الله، لان ~~الشاهد يبين ما شهد عليه. # و { قوامين } نصب بانه خبر كان { شهداء } نصب على الحال. # وقوله: { ولا يجرمنكم } قد فسرناه فيما مضى. قال الكسائي: وابو عبيدة ~~معناه لا يحملنكم بغض قوم على الا تعدلوا يقال: جرمني فلان على أن فعلت ~~كذا أي حملني عليه وقال الفراء يجرمنكم يكسبنكم يقال: جرمت على أهلي أي ~~كسبتهم. وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال الكسائي: وفيه لغتان جرمت اجرم ~~جرما وأجرمت اجرم أجراما. وشنآن قال الكسائي: معناه البغض وفيه لغتان: ~~فتح النون الاولى وجزمها. وقد بينا اختلاف القراء فيه. قال الزجاج: من ~~حرك النون اراد بغض قوم. ومن سكن اراد بغيض قوم. وحكى ايضا جرم واجرم ~~لغتين وقيل اجرمته ادخلته في الجرم كما قيل أثمته ومعناه ادخلته في الاثم ~~والمعنى لا يحملنكم شنآن قوم اي بغض قوم ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، ~~وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم. وقال عبد الله بن كثير: نزلت هذه الآية في ~~يهود حين مضى النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى حصن بني قريظة يستعينهم في ~~دية فهموا أن يقتلوه، فنزلت هذه الآية، ثم أمرهم بعد النهي عن الجور أن ~~يفعلوا العدل مع كل أحد وليا كان أو عدوا، فان فعل العدل ms1127 أقرب لكم أيها ~~المؤمنون إلى التقوى، ثم حذرهم تعالى فقال { واتقوا الله } أي خافوا ~~عقابه باجتناب معاصيه وفعل طاعاته، فان الله خبير أي عالم باعمالكم ~~والكناية في قوله: { هو أقرب للتقوى } كناية عن العدل أي العدل أقرب ~~للتقوى، ولو لم يكن هو في الكلام، لكان أقرب نصبا، كما قال: انتهوا ~~خيرا لكم وكنى عن الفعل في هذا الموضع بهو. ### || [5.9] # وعد الله تعالى في هذه الآية الذين صدقوا بوحدانية الله وأقروا بنبوة ~~نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وعملوا الصالحات ان لهم مغفرة او وعدهم ~~مغفرة ووقعت الجملة موقع المفرد كما قال الشاعر: # وجدنا الصالحين لهم جزاء # وجنات وعينا سلسبيلا # وتكون الجملة التي هي لهم مغفرة في موضع النصب، ولذلك عطف في البيت ~~وعينا، فنصب على الموضع، ويحتمل ان يكون موضع { لهم مغفرة } في موضع ~~الرفع، ويكون الموعود به محذوفا، ويكون التقدير لهم مغفرة وأجر عظيم ~~فيما وعدهم أو لهم مغفرة وأجر عظيم هو الجنة. وهو معنى قول الحسن ~~والجبائي والوعد، هو الخبر الذي يتضمن النفع من المخبر. والوعيد: هو ~~الخبر الذي يتضمن الضرر من المخبر. وتقول: وعدته خيرا وأوعدته شرا والا ~~يعاد مطلقا يكون في الشر. والوعد مطلقا في الخير، فاذا قيدته بذكر ~~الخير او الشر، قلت فيهما معا وعدته وأوعدته معا فيما حكاه الزجاج. ~~والمغفرة اصلها التغطية ومعناها تكفير السيئة. والتكفير ايضا: التغطية ~~ومنه تكفر في السلاح: اذا تغطى به قال لبيد: # في ليلة كفر النجوم غمامها # والاجر المذكور في الآية هو الثواب الذي وعد الله المؤمنين به على فعلهم ~~الطاعات. والفرق بين الثواب والاجر في العرف أن الثواب هو الجزاء على ~~الطاعات. والاجر قد يكون مثل ذلك وقد يكون في المعنى المعاوضة على ~~المنافع بمعنى الاجر. ### || [5.10] # قوله: { والذين كفروا } معناه جحدوا توحيد الله، وصفاته وعدله، وانكروا ~~نبوة نبيه، والاعتراف بما جاء به من عند الله، وكذبوا بآيات الله أخبر ~~الله عنهم أنهم اصحاب الجحيم. وجحيم اسم من اسماء جهنم، فعلى هذا قوله، { ~~والذين } في موضع رفع ms1128 على الابتداء " وكفروا " في صلة الذين وكذبوا ~~باياتنا عطف على ما في الصلة. وقوله: اولئك اصحاب الجحيم جملة في موضع ~~خبر الذين. # وحد الكفر عندنا كل معصية يستحق بها عقاب دائم، لان ما ليس بكفر من ~~المعاصي لا يستحق عليه إلا عقاب منقطع، ثم ينقسم قسمين فان كان كفر ردة، ~~تعلقت عليه أحكام من منع الموارثة من المسلم والصلاة عليه، والدفن في ~~مقابر المسلمين، وغير ذلك. وان كان كافر ملة بأن يكون مظهرا للشهادتين ~~لم يجر عليه شيء من هذه الاحكام. وقال قوم: إن الكفر أعظم الاجرام، لانه ~~جحد انعم الله، ونعمته أعظم النعم، ويستحق عليها أعظم الشكر، فيجب أن ~~يكون كفرها وجحدها أعظم الاجرام والمكذب بآيات الله، وان يعلمها ايات، ~~فهو كافر إذا كان له سبيل إلى معرفتها. ومعنى أصحاب الجحيم أنهم يخلدون ~~في النار، لان المصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال اصحاب الصحراء بمعنى ~~الملازمين لها. ### || [5.11] # هذا خطاب للمؤمنين ذكرهم الله نعمته عليهم حين هم قوم أن يبسطوا اليهم ~~أيديهم. واختلفوا في الباسطين أيديهم على خمسة اقوال: # فقال مجاهد وقتادة وابو مالك: هم اليهود هموا بأن يقتلوا النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) لما مضى إلى بني قريظة يستعين بهم على دية مقتولين من ~~بني كلاب بعد بئر معونة كانا وفدا على النبي (صلى الله عليه واله) ~~فلقيهما عمرو بن أمية الضمري فقال: أمسلمين؟ فقالا: بل رافدين، فقتلهما، ~~فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) # " قتلت قتيلين قبل أن يبلغا الماء والله لادينهما " # ومضى إلى يهود بني قريظة يستعين بهم. # وقيل: كان يستقرض لأجل الدية لانه كل يحملها، فهمت بنو قريظة بالفتك به ~~وبقتله، فأعلم الله تعالى النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك فانصرف عنهم. # وقال الحسن: إنما بعثت قريش رجلا ليفتك بالنبي (صلى الله عليه واله) ~~فاطلع الله نبيه على امره ومنعه الله منه، لانه دخل على النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وسيفه مسلول فقال له: أرنيه فاعطاه اياه، فلما حصل في يده ~~قال: ما الذي يمنعني من ms1129 قتلك؟ فقال النبي (صلى الله عليه واله) # " الله يمنعك فرمى بالسيف وأسلم " # واسم الرجل عمرو بن وهب الجمحي بعثه صفوان بن أمية ليغتاله (صلى الله ~~عليه واله) بعد بدر، فاعلمه الله ذلك. وكان ذلك سبب إسلام عمرو بن وهب. # وقال الواقدي. غزا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جمعا من بني ذبيان ~~ومحارب بذي أمر فتحصنوا برؤوس الجبال، ونزل رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) بحيث يراهم، فذهب لحاجته فاصابه مطر فبل ثوبه، فنشره على شجرة ~~واضطجع تحته بعيدا من أصحابه، والاعراب ينظرون اليه فاخبروا سيدهم دعشور ~~بن الحارث المحاربي فجاء حتى وقف على رأسه بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) من يمنعك منى اليوم؟ فقال: الله ودفع جبرائيل في ~~صدره ووقع السيف من يده، فاخذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقام على ~~رأسه وقال: من يمنعك مني اليوم؟ فقال: لا احد وانا اشهد ان لا اله إلا ~~الله، وان محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنزلت الآية. # وقال ابو علي الجبائي المعني بذلك ما لطف الله (تعالى) المسلمين من كف ~~أعدائهم عنهم حين هموا باستئصالهم باشياء شغلهم بها من الامراض والقحط، ~~وموت الاكابر، وهلاك المواشي وغير ذلك من الاسباب التي انصرفوا عندها عن ~~قتل المؤمنين: # وقال ابن عباس. كانت اليهود دعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى ~~طعام لهم، وعزموا على الفتك به، فاعلم الله ذلك نبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) فلم يحضر. # وقال اخرون: نزلت الآية فيما عزم المشركون على الايقاع بالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وأصحابه يوم بطن النخلة إذا دخلوا في الصلاة، فاعلمه الله ~~ذلك، فصلى بهم صلاة الخوف. وانما جعل الله تخليص النبي مما هموا به نعمة ~~على المؤمنين من حيث كان إمامهم وسيدهم، وكان مبعوثا اليهم بما فيه ~~مصالحهم، فمقامه بينهم نعمة على المؤمنين، فلذلك اعتد به عليهم. وقال ~~قوم: هو مردود على قوله: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ومعناه جملة ~~الظفر. # [اللغة]: # والذكر هو حضور المعنى ms1130 للنفس يقال: ذكر يذكر ذكرا. واذكره إذكارا ~~وتذاكروا تذاكرا. وذاكره مذاكرة. وذكره تذكيرا. واستذكر استذكارا ~~وادكر ادكار. وقد يستعمل الذكر بمعنى القول، لأن من شأنه أن تذكر به ~~المعنى. والتذكر هو طلب المعني لا طلب القول. والفرق بين الذكر والعلم ان ~~الذكر ضده الجهل. وقد يجمع الذكر للشيء والجهل به من وجه واحد. ومحال ان ~~يجتمع العلم به والجهل به من وجه واحد والفرق بين الذكر والخاطر أن ~~الخاطر مرور المعنى على القلب. والذكر حصول المعنى في النفس وايضا الذكر ~~يجري على نقيض النسيان، لانه يستعمل بعدما نسيه. وليس كذلك الخاطر. # والهم بالامر هو حديث النفس بفعله. يقال: هم بالامر يهم هما. ومنه الهم. ~~وهو الفكر الذي يغم. وجمعه هموم واهتم اهتماما. وأهمه الأمر إذا عني به، ~~فحدث نفسه به والفرق بين الهم بالشيء والقصد اليه انه قد يهم بالشيء قبل ~~أن يريده ويقصده بان يحدث نفسه به وهو مع ذلك مميل في فعله ثم يعزم اليه ~~ويقصد اليه. ### || [5.12] # الميثاق: اليمين المؤكدة، لانه يستوثق بها من الأمر، فاخذ الله ميثاقهم ~~باخلاص العبادة له، والايمان برسله. وما يأتون به من شرايع دينه. # وقوله: { بعثنا منهم اثني عشر نقيبا } فالنقيب فيه أربعة أقوال: # قال الحسن: هو الضمين وقال الربيع: هو الامين. # وقال قتادة: هو الشهيد على قومه. وقال قوم: هو الرئيس من العرفاء. # [اللغة]: # واصل النقيب في اللغة النقب وهو الثقب الواسع. وقال ابو مسلم: هو فعيل ~~بمعنى مفعول كانه اختير ونقر عليه، فقيل نقيب، لانه ينقب عن احوال القوم، ~~كما ينقب عن الاسرار. ومنه نقاب المرأة. ومنه المناقب وهي الفضائل. ~~والنقب: الطريق في الجبل. ويقال نقب الرجل على القوم ينقب نقبا: إذا صار ~~نقيبا. ونكب عليهم ينكب نكابة: إذا صار منكبا. وهو عون العريف. وقد نقب ~~نقابة. والنقبة سراويل بغير رجلين لاتساع نقبه تلبسة المرأة. وأول الجرب ~~النقبة وجمعها النقب. والنقب قال الشاعر: # متبذلا تبدو محاسنه # يضع الهاء مواضع النقب # ويقال: كلب نقيب إذا نقب حنجرته، لئلا يرتفع صوته في ms1131 نباحه يفعل ذلك ~~البخلاء، لئلا يطرقهم ضيف بسماع نباح الكلاب. ومنه نقبت الحائط: إذا بلغت ~~في النقب آخره. # وفي معنى قوله: { اثني عشر نقيبا } قولان: # احدهما - قال الحسن والجبائي: أنه اخذ من كل سبط منهم ضمينا بما عقد ~~عليهم بالميثاق من امر دينهم. # الثاني قال مجاهد والسدي: إنهم بعثوا إلى الجبارين، ليقفوا على آثارهم ~~ويرجعوا بذلك إلى موسى، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم لما رأوا من شدة ~~بأسهم، وعظم خلقهم إلى اثنين منهم. # وقال البلخي: يجوز أن يكون النقباء رسلا ويجوز ان يكونوا قادة. وقوله: { ~~بعثنا } لا يدل على أنهم رسل، كما اذا قال القائل: الخليفة بعث الامير أو ~~القضاة لا يفيد أنهم رسل، بل يفيد أنه ولاهم وقلدهم. والغرض بذلك إعلام ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هؤلاء الذين هموا بقتل النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) صفاتهم وأخلاقهم أخلاق أسلافهم الغدر، ونقض العهد. # وقوله: { وقال الله إني معكم } معناه ناصركم على عدوكم وعدوي الذي ~~أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم، ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. ~~وفي الكلام حذف، وتقديره وقال الله: إني معكم. وإنما حذف استغناء بقوله: ~~{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } ثم ابتدأ تعالى قسما، لئن أقمتم ~~الصلاة معشر بني إسرائيل { وآتيتم الزكاة } أي اعطيتموها { وآمنتم برسلي ~~} معناه وصدقتم بما اتاكم به رسلي من شرائع ديني وقال الربيع بن أنس: هذا ~~الخطاب من الله للنقباء وقال غيره: هو خطاب لنبي اسرائيل. والتقديران ~~موسى (ع) قال لهم عن الله تعالى: إن الله ناصركم على عدوكم ما اقمتم ~~الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي { وعززتموهم } قيل معناه قولان: # احدهما - قال مجاهد والسدي: معناه نصرتموهم وهو اختيار الزجاج. # الثاني - قال عبد الرحمن بن زيد: معناه ونصرتموهم وأطعتموهم. وبه قال ~~أبو عبيدة. والعزز - في اللغة -: الرد والمنع في قول الفراء تقول: عزرت ~~فلانا: إذا أدبته، وفعلت به ما يردعه عن القبيح. وقال تعالى: { وتعزروه ~~وتوقروه } ومعناه تنصروه. وإلا كان تكرارا. وهو اختيار الطبري وأنشد أبو ~~عبيدة في التعزير بمعنى التوقير قول الشاعر: # وكم ms1132 من ما جد لهم كريم # ومن ليث يعزر في الندي # أي يعظم. وهو قول أبي علي. # وقوله: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } معناه وانفقتم في سبيل الله، وجهاد ~~عدوه وعدوكم قرضا حسنا. وقيل: معناه بطيبة نفس. وقيل معناه الا يتبعه ~~من ولا اذى. وقيل من الحلال دون الحرام. وانما قال: قرضا، ولم يقل ~~إقراضا، لانه رده إلي قرض قرضا، كما قال: # أنبتكم من الأرض نباتا # ولم يقل إنباتا ويقال: اعطيته عطاء. وقال امرؤ القيس: # ورضت فذلت صعبة اي إذلال # لان فيه معنى اذللت. # وقوله: { لأكفرن عنكم سيئاتكم } اللام جواب القسم. وهو قوله: { لئن ~~أقمتم الصلاة } فالأولى لام القسم والثانية جوابه، وقال قوم: كل واحد ~~منهما قسم. وصحيح الأول، لان الكلام لم يتم في قوله: { لئن أقمتم الصلاة ~~وآتيتم الزكوة } ومعنى { لأكفرن } لاعطين بعفوي وصفحي عن عقوبتكم على ما ~~مضى اجرامكم، ولادخلنكم مع ذلك جنات تجري من تحتها الانهار والجنات ~~البساتين والكفر معناه الجحود، والتغطية والستر. قال لبيد: # في ليلة كفر النجوم غمامها # وقوله تجري من تحتها يعني من تحت اشجار هذه الجنات الانهار. # وقوله: فمن كفر بعد ذلك منكم يعني من جحد منكم يا معشر بني اسرائيل ما ~~أمرته به، فتركه أو ركب ما نهيته عنه بعد اخذي الميثاق عليه، فقد ضل يعني ~~أخطأ قصد الطريق الواضح، وزال عن منهاج السبيل القاصد. والضلال هو الركوب ~~على غير هدى. وسواء السبيل يعني وسطه. ### || [5.13] # [القراءة]: # قرأ حمزه والكسائي قسية بلا الف - وقرأ الباقون قاسية - بالف. # [المعنى]: # المعني بالآية تسلية النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال الله له: لا تعجبن ~~من هؤلاء اليهود الذين هموا ان يبسطوا ايديهم اليك وإلى اصحابك ونكثوا ~~العهد الذي بينك وبينهم، وغدروا بك، فان ذلك من عادتهم، وعادات اسلافهم، ~~لاني اخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر ~~نقيبا، فنقضوا ميثاقي، ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم. وفي الكلام ~~محذوف اكتفى بدلالة الظاهر عليه. والمعنى فمن كفر بعد ذلك منكم، فقد ضل ~~سواء السبيل، فنقضوه، ms1133 فلعنتهم فبما نقضهم ذلك لعناهم فاكتفى بقوله: فبما ~~نقضهم من ذكر فنقضوا. # (وما) زائدة والتقدير فبنقضهم (وما) مؤكدة. وهو قول قتادة وجميع ~~المفسرين ومثله قول الشاعر: # لشيء ما يسود من يسود # والهاء والميم كنايتان عن بني اسرائيل واللعن هو الطرد للسخط على العبد، ~~وهو الابعاد من رحمة الله على جهة العقوبة. وقال الحسن: هو المسخ الذي ~~كان فيهم حين صاروا قردة، وخنازير. ومعنى جعلنا - ها هنا - قال البلخي: ~~سميناها بذلك عقوبة على كفرهم، ونقض ميثاقهم. قال: ويجوز أن يكون المراد ~~ان الله بكفرهم لم يفعل بهم اللطف الذي تنشرح به صدورهم كما يفعل ~~بالمؤمن. وذلك مثل قولهم: افسدت سيفك: إذا تركت تعاهده حتى صدئ. ويقولون: ~~جعلت اظافيرك سلاحك: إذا لم تقصها. ويشهد للاول قوله تعالى: { وجعلوا لله ~~شركاء الجن } وأراد بذلك انهم سموا لله شركاء. وقال ابو علي: هو البيان ~~عن حالهم، وجفا قلوبهم عن الايمان بالله ورسوله، كما يقال: جعلته فاسقا ~~مهتوكا: إذا أبان عن حاله للناس. # ومعنى قاسية. أي يابسة يقال للرحيم: لين القب، ولغير الرحيم: قاسي ~~القلب. والقاسي والقاسح - بالحاء - الشديد الصلابة. ويقال: قسا يقسو قسوة ~~ومنه { فهي كالحجارة أو أشد قسوة } وقسية أشد مبالغة. وقاسية أعرف وأكثر ~~في الاستعمال. وقال ابو عبيدة: قاسية معناه فاسدة من قولهم: درهم قسي أي ~~زائف قال أبو زبيد: # لها صواهل في صم السلام كما # صاح القسيات في ايدي الصياريف # يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال ابو عباس: الدرهم انما سمي قسيا اذا ~~كان فاسدا لشدة صوته بالقس الذى فيه، فهو راجع الى الاول. وقال الراجر: # وقد قسوت وقسا لداتي # وقوله: { يحرفون الكلم } فالتحريف يكون بأمرين: بسوء التاويل، وبالتغيير ~~والتبديل، كما قال تعالى: { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } ~~بعد قوله: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب } والكلم جمع كلمة. # وقوله: { ونسوا حظا مما ذكروا به } معناه تركوا نصيبا مما ذكروا به ~~يعني مما أنزل على موسى. # وهو قول الحسين ms1134 والسدي وابن عباس. # وقوله: { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } معناه على خيانة منهم وفاعله ~~في اسماء المصادر كثير، نحو عافاه لله عافية. { والمؤتفكات بالخاطئة } و ~~{ أهلكوا بالطاغية } ويقال: قائلة بمعنى القيلولة. كل ذلك بمعنى المصدر ~~وراغية الابل وثاغية الشاة. ويقال: رجل خائنة قال الشاعر: # حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن # للغدر خائنة مغل الاصبع # فخائنة على وجه المبالغة، كما قالوا: رجل نسابة، لانه يخاطب رجلا. ~~ومعناه لا تخن، فتغلل اصبعك في المتاع أي تدخلها الخيانة، ومغل بدل من ~~خائنة. ويجوز أن يكون على خائنة معناه على فرقة خائنة. # وقوله: { إلا قليلا منهم } نصب على الاستثناء من الهاء والميم في قوله: ~~{ على خائنة منهم }. # وقوله: { فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } قال قتادة: هو منسوخ ~~بقوله: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } وقال ابو علي ~~بقوله: { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } وقال البلخي: ~~يجوز أن يكون أمر بالعفو والصفح بشرط التوبة أو بذل الجزية، لانهم إذا ~~بذلوا الجزية لا يؤاخذون بشيء من كفرهم. وهو قول الحسن، وجعفر بن مبشر. ~~واختار الطبري هذا. فعلى هذا لا يكون منسوخا وقوله: { يحرفون الكلم } لا ~~يدل على أنه جعل قلوبهم قاسية، ليحرفوا بل يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون كلاما مستأنفا ويكون التمام عند قوله: { قاسية } ثم ~~أخبر عنهم بانهم يحرفون الكلام عن مواضعه. # الثاني - أن يكون ذلك حالا، لقوله: { فبما نقضهم ميثاقهم يحرفون } اي ~~يحرفون الكلم ناسين لحظوظهم { لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية }. ### || [5.14] # قوله: { ومن الذين قالوا إنا نصارى } انما لم يقل: من النصارى لما قاله ~~الحسن: من أنه اراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي ~~هم عليها اليوم، وتسموابها. # وقوله: { أخذنا ميثاقهم } يعني بتوحيد الله عز وجل، والاقرار بنبوة ~~المسيح، وجميع انبياء الله وانهم كلهم عبيد الله لا يذكر. وقال ابو علي: ~~معناه تركوا العمل به، فكان كالذي لا يذكر. # وقوله: { مما ذكروا به } يعني فيما أنزله الله على موسى وعيسي في ~~التوراة والانجبيل، ms1135 والكتب المتقدمة. # وقوله: { فأغرينا بينهم } قال مجاهد وقتادة وابن زيد والسدي والجبائي: ~~معناه بين اليهود والنصارى. وقال الربيع والزجاج والطبري: # معناه بين النصارى. وهو ما وقع بينهم من الخلاف نحو الملكية، وهم الروم ~~والنسطورية، واليعقوبية من العداوة. وأصل الاغراء تسليط بعضهم على بعض. ~~وقيل: معناه التحريش. وأصله اللصوق. يقال: غريت بالرجل غرى - مقصور ~~وممدود - ومعناه لصقت به. قال كثير: # إذا قيل مهلا قالت العين بالبكا # غراء ومدتها حوافل تهمل # واغريت زيدا بكذا حتى غرى به. ومنه الغراء الذى يغرى به للصوق والاغراء ~~بالشيء معناه الالصاق من جهة التسليط. وانما أغرى بينهم بالاهواء ~~المختلفة في الدين في قول إبراهيم. وقيل. بالقاء البغضاء بينهم - عن ~~الحسن وقتادة - وقيل: يامر بعضهم أن يعادي بعضا في قول ابي علي فكأنه ~~يذهب إلى ما تقدم من الامر لهم بمعاداة الكفار. والذي يقوله أن الوجه في ~~اغراء الله فيما بينهم أنه امر النصارى بمعاداة اليهود فيما يفعله اليهود ~~من القبيح في التكذيب بالمسيح، وشتم امه، والقذف لها والغرية عليها، ~~واضافتها اليه تعالى، ووصفها بما لا يليق، وامر اليهود بمعاداة النصارى ~~في اعتقادهم التثليث، وان المسيح ابن الله وغير ذلك من اعتقاداتهم ~~الفاسدة، نقضوا هذا الميثاق واعرضوا عنه حتى صار بمنزلة المنسي فكان في ~~ذلك أمر كل واحد منهما بالطاعة، فان قيل يمنع من ذلك قوله: { فنسوا حظا ~~مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } فجعل اغراءه لهم بالعداوة ~~جوابا لقوله: { فنسوا حظا مما ذكروا به } لان الفاء تدل على الجواب. ~~واذا كانت جوابا، وجب أن يكون (تعالى) إنما أغرى بينهم، لاجل نسيانهم ~~للحظ الذي ذكروا به، وانه عاقبهم بهذا الاغراء، وليس في الامر والنهي ~~والعبادات عقوبات - بلا خلاف - فدل جوابه بالفاء في قوله: { فأغرينا } ~~عقيب قوله: { فنسوا حظا } على أنه عاقب بالاغراء لا على ما قلتموه؟ قيل: ~~قوله { فنسوا حظا مما ذكروا به } جوابه وانه فعل هذا الاغراء، لاجل ~~نسيانهم. غير أنه ليس بعقوبة، وان كان جوابا. فكا لاجل نسيانهم. غير أنه ~~ليس بعقوبة، وان كان ms1136 جوابا. فكان الاغراء إنما وقع بينهم من أجل نسيانهم ~~لحظهم من قبل أنهم نسوا ما ذكروا به من معرفة التوحيد، والتدين به، ~~فصاروا إلى القول بالاتحاد والشرك والفرية عليه (تعالى) فلاجل ذلك أمر ~~الله أضدادهم بمعاداتهم، واغرائهم بهم. # فان قيل: فان الله (تعالى) ذكر النصارى في هذه الآية بنسيان حظهم ثم ~~أجاب بالفاء في قوله: { فأغرينا بينهم } وليس يصح على هذا أن يكون أغرى ~~بينهم من اجل ما فعله النصارى من الكفر، لانه إذا أمر اليهود بمعاداة ~~النصارى، لاجل نسيان النصارى وكفرهم فانما هذا عن امر الله اليهود بهم، ~~وليس باغراء بعضهم ببعض، وقوله: { فأغرينا بينهم } يدل على ان الله بعث ~~كل واحد من الفريقين على صاحبه، وهذا يوجب خلاف قولكم؟! قيل: الامر على ~~ما قلتم من أن امر اليهود بمعاداة النصارى هو إغراء لهم بهم، وليس باغراء ~~بين النصارى، لكنه تعالى قد ذكر اليهود فيما تقدم من هذه السورة، ~~وتكذيبهم، وفريتهم على الله، ثم ذكر النصارى، فلما جمع بين الفريقين في ~~الذكر في هذه السورة، وان لم يجمعهم في هذه الآية، جاز ان يذكر انه اغرى ~~بينهم العداوة بان امر كل واحد منهما بمعاداة عدوه فيما عصى فيه. وصح ~~الاغراء بينهم والقاء العداوة والتباعد والمنافرة، وصح أن يجعل ذلك ~~جوابا. وقد قال البلخي جوابا آخر: وهو ان يكون الاغراء بين النصارى ~~خاصة بعضهم لبعض على ظاهر الآية، وهو أن الله تعالى نصب الادلة على ابطال ~~قول كل فرقة من فرق النصارى، فاذا عرفت طائفة منها فساد مذهب الأخرى فيما ~~نصب الله لها من الادلة، وان جهلت فساد مقالة نفسها لتفريطها في ذلك، ~~وسوء اختيارها، فجاز على هذا أن يضاف الاغراء في ذلك إلى الله من حيث انه ~~امر كل فرقة منها بمعاداة الاخرى على ما تعتقده، وان أمرها ايضا بأن ~~تترك ما هي متمسكة به لفساده وهذا واضح بحمد الله، فان قيل: أيجوز على ~~هذا ان يقال ان الله اغرى بين المؤمنين والكفار العداوة؟ قلنا: اما اغراء ~~المؤمن بالكفر ms1137 فصحيح، واما اغراء الكافر بالمؤمن، فليس بصحيح، لان ما ~~عليه المؤمنون حق، وما عليه الكفار، باطل. وإنما يقال: إن الله اغرى بين ~~قوم وقوم إذا كان على بطلان قول كل طائفة منهما دليل يدل على فساد قول من ~~يخالفها فعلى هذا لا يصح إطلاق القول بما قالوه، ومتى قيد القول على ما ~~بيناه، جاز، وأن لم يخبر مع الاطلاق. # وقوله: { وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } لما قال (تعالى) لنبيه: { ~~فاعف عنهم واصفح } بين انه من وراء الانتقام منهم، وانه سيجازيهم عند ~~ورودهم عليه، بما كانوا يصنعون في الدنيا من نقض الميثاق، ونكث العهد ~~ويعاقبهم على ذلك بحسب استحقاقهم. ### || [5.15-16] # آيتان كوفي وثلاث بصري ومدني. هذا خطاب لأجل الكتاب من اليهود والنصارى ~~الذين عصوا الرسول فيما أمرهم به، ودعاهم اليه، فقال لهم. قد جاءكم ~~رسولنا محمد (صلى الله عليه واله) يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب أي يبين للناس ما كنتم تخفونه. وقال ابن عباس وقتادة: إن مما بينه ~~رجم الزانين، وأشياء كانوا يحرفونها بسوء التأويل. وانما لم يقل: يا أهل ~~الكتابين، لأن الكتاب اسم جنس. وفيه معنى العهد، وهو أو جزوا حسن في ~~اللفظ من حيث كانوا، كانهم أهل كتاب واحد. والوجه في تبيين بعضه، وترك ~~بعضه أنه يبين ما فيه دلالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من ~~صفاته، ونعته، وبشارته به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له ~~الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كما اتفق في الرجم وما عدا ~~هذين مما ليس في تفصيله فائدة يكفي ذكره في الجملة. # وقوله: { ويعفو عن كثير } معناه يترك كثيرا لا يأخذكم به، ولا يذكره ~~لانه لم يؤمر به على قول ابي علي وقال الحسن: ويصفح عن كثير بالتوبة منه. ~~ومعنى النور في الآية يحتمل امرين: # احدهما - أنه النبي (صلى الله عليه واله) في قول الزجاج # والاخر - هو القرآن على قول ابي علي وانما سمي نورا، لانه يهتدى به كما ~~يهتدى بالنور، ويجب ms1138 ان يتبع لانه نور مبين عن الحق من الباطل في الدين. ~~والاولى ان يكون كناية عن النبي، لأن قوله: { وكتاب مبين } المراد به ~~القرآن، # وقوله: { يهدي به الله } يعني يفعل اللطف المؤدي الى سلوك طريق الحق ~~يعني بالنبي (صلى الله عليه واله) او الكتاب { من اتبع رضوانه } يعني رضا ~~الله والرضوان والرضا من الله ضد السخط. وهو ارادة الثواب لمستحقه وقال ~~قوم: هو المدح على الطاعة والثناء. وقال الرماني: هو جنس من الفعل يقتضي ~~وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها، ويضاد الغضب. قال لان الرضا بما كان ~~يصح، وارادة ما كان لا يصح إذ قد يصح أن يرضى بما كان، ولا يصح أن يريد ~~ما كان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الرضا عبارة عن ارادة حدوث الشيء ~~من الغير، غير انها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهة، ~~فتسميتها بالرضا، موقوفة على وقوع المراد إلا أن بعد وقوع المراد بفعل ~~ارادة هي رضا لما كان فسقط ما قاله. # وقوله: { سبل السلام } السبل جمع سبيل. وفي السلام قولان: # احدهما - هو الله في قول الحسن والسدي - والمعنى دين الله. وقال: { هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن } # الثاني - قال الزجاج: إنه السلامة من كل مخافة ومضرة إلا ما لا يعتد به، ~~لانه يؤول إلى نفع في العاقبة. # وقوله: { يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه } معناه من الكفر الى ~~الايمان، لان الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، ويهتدي ~~بالايمان إلى النجاة كما يهتدي. بالنور وقوله: { بإذنه } معناه بلطفه. # وقوله: { يهديهم إلى صراط مستقيم } معناه يرشدهم إلى طريق الحق. وهو دين ~~الحق. وقال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتي يؤديه إلى الجنة. وبه قال أبو ~~علي. ومعنى { صراط مستقيم } طريق مستقيم وهو دين الله القويم الذي لا ~~اعوجاج فيه. ### || [5.17] # اللام في قوله: { لقد كفر } جواب للقسم وتقديره أقسم لقد كفر الذين ~~قالوا. وانما كفروا بقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم على وجه ms1139 التدين ~~به، لانهم لو قالوه على وجه الحكاية منكرين لذلك لم يكفروا به. وانما ~~كانوا بذلك كافرين من وجهين: # احدهما - انهم كفروا بالنعمة من حيث أضافوها إلى غير الله ممن ادعوا ~~الهيته. # والثاني - كفر صفة لانهم وصفوا المسيح وهو محدث بصفات الله تعالى، ~~فقالوا: هو إله واحد فكل جاهل بالله كافر، لانه لما ضيع حق نعمة الله، ~~كان بمنزلة من أضافها إلى غيره ومعنى من يملك من الله شيئا من يقدر ان ~~يدفع من أمر الله شيئا، من قولهم: ملكت على فلان أمره: إذا اقتدرت عليه ~~حتى لا يمكنه انفاذ شيء من امره الا بك. وتقديره من يملك من امره شيئا. ~~ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان المسيح إلها، لقدر على دفع أمر الله اذا ~~اتى باهلاكه واهلاك غيره، وليس بقادر عليه لاستحالة القدرة على مغالبة ~~القديم (تعالى) إذا ذلك من صفات المحتاج الذليل. # وقوله: { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما } انها لم يقل وما بينهن ~~مع ذكر السموات على الجمع، لانه أراد به النوعين أو الصنفين كما قال ~~الشاعر: # طرقا فتلك هما همى اقريهما # قلصا لواقح كالقسي وحولا # فقال: طرفا، ثم قال: فتلك هما همى. فان قيل: كيف حكى عنهم ان الله هو ~~المسيح بن مريم. وعندهم هو ابن الله؟ قلنا: لانهم زعموا انه اله. وهذا ~~الاسم انما هو للاله بمنزلة ذلك، كما لو قال الدهري: إن الجسم قديم لم ~~يزل، وان لم يذكره بهذا الذكر. ### || [5.18] # روي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود قالوا للنبي حين حذرهم بنقمات الله ~~وعقوباته، فقالوا: لا تخوفنا فاننا ابناء الله واحباؤه وقال السدي: إن ~~اليهود تزعم ان الله عز وجل أوحى الى بني اسرائيل إن ولدك بكر من الولد. ~~وقال الحسن: انما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد. واما قول ~~النصارى، فقيل فيه: إنهم تأولوا ما في الأنجيل من قول عيسى اذهب الى ابي ~~وأبيكم. وقال قوم: لما قالوا: المسيح ابن الله أجرى ذلك على جميعهم، كما ~~يقولون: هذيل ms1140 شعراء أي منهم شعراء وكما قالوا في رهط مسيلمة قالوا: نحن ~~انبياء أي قال قائلهم. وكما قال جرير: # ندسنا ابا مندوسة القين بالقنى # فقال: ندسنا. وانما النادس رجل من قوم جرير. # وقوله: { وأحباؤه } جمع حبيب، فقال الله لنبيه محمد (صلى الله عليه ~~واله) قل لهؤلاء المفترين على ربهم: { فلم يعذبكم بذنوبكم } فلاي شيء ~~يعذبكم بذنوبكم إن كان الأمر على ما زعمتم، فان الأب يشفق على ولده. ~~والحبيب على حبيبه، لا يعذبه وهم يقرون بأنهم معذبون، لانهم لو لم يقولوا ~~به، كذبوا بكتبهم وأباحوا الناس ارتكاب فواحشهم. واليهود تقر انهم يعذبون ~~أربعين يوما. وهي عدد الايام التي عبدوا فيها العجل. # وقوله: { بل أنتم بشر } معناه قل لهم: ليس الامر على ما زعمتم انكم ~~ابناء الله واحباؤه، بل انتم بشر ممن خلق من بني آدم ان أحسنتم جوزيتم ~~على إحسانكم مثلهم، وإن اسأتم، جوزيتم علي إساءتكم، كما يجازى غيركم. ~~وليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه. # وقوله: { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فانه وان علق العذاب بالمشيئة، ~~فالمراد به المعصية، لانه تعالى لا يشاء العقوبة إلا لمن كان عاصيا، ~~فكان ذكرها أوجزوأ بلغ، لما في ذلك من رد الامر الى الله الذي يجازي به ~~على وجه الحكمه. وانما هذا وعيد من الله لهؤلاء اليهود والنصارى المتكلين ~~على منازل أسلافهم في الجنان عندهم. فقال الله تعالى: لا تغتروا بذلك ~~فانهم نالوا ما نالوا بطاعتي وايثار رضاي، لا بالاماني. وقال السدي: معنى ~~{ يغفر لمن يشاء } يعني يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء ~~على كفره، فيعذبه. # وقوله تعالى: { ولله ملك السماوات والأرض } معناه انه يملك ذلك وحده لا ~~شريك له يعارضه، فقد وجب اليأس مما قدروا من كل جهة، وأنه لا منجي لهم ~~الا بالعمل بطاعة الله واجتناب معاصيه. وقال أبو علي: ذلك بأنه يملك ~~السموات، والارض وما بينهما على أنه لا ولد له، لان المالك لذلك لا شبه ~~له، ولان المالك لا يملك ولده لخلقه له. # وقوله: ms1141 { وإليه المصير } معناه انه يوؤل اليه امر العباد في أنه لا يملك ~~ضرهم، ولا نفعهم غيره - عز وجل -، لانه يبطل تمليكه لغيره ذلك اليوم كما ~~ملكهم في دار الدنيا كما يقال: صار أمرنا الى القاضي لا على معنى قرب ~~المكان، وإنما يراد بذلك أنه المتصرف فينا والآمر لنا دون غيره. ### || [5.19] # هذا خطاب لليهود والنصارى ناداهم الله خصوصا لينبههم على ما يذكر لهم. # وقوله { قد جاءكم رسولنا يبين لكم } يدل على أنه اختصه من العلم بما ليس ~~مع غيره { على فترة من الرسل } يعني على انقطاع من الرسل. وفيه دلالة على ~~أن زمان الفترة: لم يكن فيه نبي. والفترة انقطاع ما بين النبيين عند جميع ~~المفسرين. والأصل فيها الانقطاع عما كان عليه من الجد فيه من العمل، ~~يقال: فتر عن عمله وفترته عنه. وفتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من ~~البرد الى السخونة. وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر. وفتور ~~البدن كفتور الماء، والفتر ما بين السبابة والابهام إذا فتحا. وقال ~~الحسن: كانت هذه الفترة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ستمائة سنة ~~وقال قتادة خمسمائة وخمسين سنة. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضعا وستين ~~سنة. # وقوله { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } يدل على بطلان مذهب ~~المجبرة في القدرة، لان الحجة بمنع القدرة أوكد من الحجة بمنع اللطف، ~~وتكون الحجة في ذلك لمن علم الله أن بعثة الأنبياء مصلحة لهم، فاذا لم ~~يبعث، تكون لهم الحجة، فاما من لا يعلم ذلك فيهم، فلا حجة لهم، وان لم ~~يبعث اليهم الرسل. ومعنى { أن تقولوا } ألا تقولوا { ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير }. على قول الفراء وغيره من الكوفيين، كقوله تعالى: { يبين الله ~~لكم أن تضلوا } ومعناه ألا تضلوا. وقال البصريون: معناه كراهة أن تضلوا، ~~وكراهة أن تقولوا، وحذفت كراهة. كما قال { واسأل القرية } وإنما أراد ~~أهلها. وأن { تقولوا } في موضع نصب عند أكثر البصريين وقال الخليل ~~والكسائي: موضعه الجر وتقديره لئلا تقولوا. والبيان الذي أتاهم ms1142 به النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) هو دين الاسلام الذي ارتضاه الله. وهو بيان نفس ~~الحق من الباطل، وما يجب. # والبشير هو المبشر لكل مطيع بالثواب. والنذير هو المنذر المخوف كل عاص ~~لله بالعقاب ليتمسك المطيع بطاعته، ويجتنب العاصي لمعصيته. والجملة التي ~~ذكرناها قول ابن عباس وقتادة وجميع المفسرين. ### || [5.20] # في هذه الآية اعلام من الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) قديم ~~تمادي هؤلاء اليهود في الغي وبعدهم من الحق وسوء اختيارهم لانفسهم وشدة ~~خلافهم لانبيائهم مع كثرة نعم الله عليهم وتتابع أياديه وآلائه عليهم، ~~مسليا بذلك نبيه (صلى الله عليه وسلم) من مقاساتهم في ذات الله. فقال: ~~فاذكر يا محمد إذ قال موسى لهم { يا قوم اذكروا. نعمة الله عليكم } ~~وأياديه لديكم وآلائه عليكم. وهو قول ابن عباس وابن عيينة. # وقوله { إذ جعل فيكم أنبياء } يعني ان موسى ذكر قومه بنعمه عليهم، ~~وبلائه لديهم فقال لهم { اذكروا نعمة الله عليكم } إذ فضلكم بأن جعل فيكم ~~أنبياء يخبرونكم بأنباء لغيب، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا، وقيل ان ~~الأنبياء الذين ذكرهم الله أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى إلى ~~الجبل: وهم السبعون الذين ذكرهم الله تعالى فقال # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا # وقال قوم: هم الأنبياء الذين كانوا بعد موسى (ع). # وقوله { وجعلكم ملوكا } معناه سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم. وقال ~~قتادة: لأنهم أول من سخر لهم الخدم من بني اسرائيل، وملكوا. وقال قوم: كل ~~من ملك بيتا أو خادما أو امرأة ولا يدخل عليه إلا بأمره فهو ملك - ~~كائنا من كان - ذهب اليه عمرو بن العاص وزيد بن اسلم والحسن والفراء ~~قال: هؤلاء إنما خاطبهم موسى بذلك لأنهم كانوا يملكون الدور والخدم ولهم ~~نساء وأزواج. وبه قال الحسن وابن عباس ومجاهد. وروي عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم). وقال السدي جعلهم ملوكا يملك الرجل منهم نفسه وأهله وماله. ~~وقال الزجاج: جعلكم الله تملكون أمركم ولا يغلبكم عليه غالب. وقال ~~البلخي: ليس ينكر أن يكون ms1143 الله جعل لهم الملك والسلطان ووسع عليهم ~~التوسعة التي يكون الانسان بها ملكا. وقال المؤرج: معناه - بلغة كنانة ~~وهذيل - جعلكم أحرارا. وقال أبو علي: الملك هو الذي له ما يستغني به عن ~~تكلف الاعمال وتحمل المشاق، والتسكع في المعاش. وقال ابن عباس، ومجاهد: ~~جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام. وزاد الجبائي: وبغير ذلك من ~~الاموال. وقال قوم: ملكوا أنفسهم بالتخلص من الغيظ. # وقوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } يعني أعطاكم ما لم يعط ~~أحدا من عالمي زمانهم. وهو قول الحسن والبلخي. وقال أبو علي: أعطاكم ~~مالم يعط أحدا من العالمين أي من اجتماع هذه الامور وكثرة الأنبياء ~~فيهم، والآيات التي جاءتهم، إنزال المن والسلوى عليهم. وهو قول الفراء ~~والزجاج. وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: هذا خطاب موسى لامته - وهو الأظهر ~~- وقال سعيد بن جبير، وأبو مالك: هو خطاب من الله لامة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم). وإنما قلنا: أن الاول أولى لأن الله أخبر حاكيا عن موسى ~~(ع) أنه قال لهم { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ~~ملوكا } ثم عطف على ذلك قوله: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } ~~فالعدول عن ذلك من غير ضرورة لا يجوز. # وقوله: { أنيباء } لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لان علامة التأنيث فيها ~~لازمة مثل حمراء تأنيث أحمر. ويخالف ذلك علامة التأنيث في طلحة وقائمة ~~تأنيث قائم فلذلك انصرف هذا في النكرة دون المعرفة. ### || [5.21] # هذه حكاية عن موسى (ع) أنه خاطب قومه وأمرهم بالدخول الى الارض المقدسة ~~وهي: بيت المقدس على قول ابن عباس، وابن زيد، والسدي وأبي علي. وقال ~~الزجاج والفراء: هي دمشق وفلسطين وبعض الاردن. قال الفراء بتشديد النون - ~~وقال قتادة: هي الشام. وقال مجاهد هي أرض الطور. # والمقدسة في اللغة: المطهرة. وقيل: إنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا ~~وقرارا للأنبياء والمؤمنين، والاصل التقديس، وهو التطهير، ومنه قيل ~~للسطل الذي يتطهر منه: القدس. وقيل: بيت المقدس لانه يطهر من الذنوب. ~~ومنه تسبيح الله وتقديسه سبوح ms1144 قدوس، وهو تنزيهه عما لا يجوز عليه من نحو ~~الصحابة والولد والظلم والكذب. # وقوله: { كتب الله لكم } يعني في اللوح المحفوظ. فان قيل: كيف كتب الله ~~لهم مع قوله { فإنها محرمة عليهم }؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - قال ابن اسحاق: إنها كانت هبة من الله لهم ثم حرمهم إياها. # والثاني - إن ظاهر ذلك يقتضي العموم بأن الله كتب لهم، فلما قال { ~~إنها محرمة عليهم أربعين سنة } استثنى ذلك من جملته. # ويحتمل أن يكون المراد انها يدخلها قوم منهم. وقيل: ان القوم الذين كتب ~~لهم دخولها غير الذين حرم عليهم، والذين كتب لهم دخولها مع يوشع بن نون ~~بعد موت موسى بشهرين. # وقوله: { ولا ترتدوا على أدباركم } فيه قولان: # أحدهما - لا ترجعوا عن طاعة الله الى معصيته - في قول أبي علي. # الثاني - لا ترجعوا عن الارض التي أمرتم بدخولها. # وقوله { فتنقلبوا خاسرين } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أنه كان فرض عليهم دخولها كما فرضت الصلاة والصوم والزكاة ~~والحج، فلما لم يفعلوا فقد خسروا الثواب. هذا قول قتادة والسدي. # والثاني - أنه أراد بذلك خسران حظهم كالخسران في البيع بذهاب رأس المال. # وخاسرين نصب على الحال، والعامل فيه { فتنقلبوا } دون قوله { ولا ترتدوا ~~}. ### || [5.22] # هذه حكاية من الله عن قوم موسى لما أمرهم بدخول الأرض المقدسة، انهم ~~قالوا: إن في الارض قوما جبارين، ونصب { جبارين } ب { أن } و { فيها } ~~خبر { إن } قدم على الاسم. والجبار هو الذي لا ينال بالقهر وأصله - في ~~النخل - ما فات اليد طولا والجبار من الناس هو الذي يجبرهم على ما يريد. # وقال ابن عباس: بلغ من جبرية هؤلاء القوم أنه لما بعث موسى من قومه اثنى ~~عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في ~~كمه مع فاكهة كان حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال ~~معجبا للملك منهم: هؤلاء يريدون قتالنا؟ فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم ~~فاخبروه خبرنا. # وقال قتادة ومجاهد مثله. قال مجاهد كانت فاكهتهم لا يقدرعلى حمل عنقود ~~لهم ms1145 خمسة رجال بالخشب. ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال. وان موسى كان ~~طوله عشرة أذرع وله عصا طولها مثل ذلك ونزا من الارض مثل ذلك، فبلغ كعب ~~عوج بن عوق فقتله. وقيل كان سريره مئة ذراع. # وأصل الجبار من الاجبار على الامر وهو الاكراه عليه. والجبر جبر العظم ~~وهو كالاكراه على الصلاح. قال العجاج: # قد جبر الدين الاله فجبر # وعور الرحمن من ولى العور # أي أصلحه ولأمه كجبر العظم كرها. والجبار هدر الارش لأن فيه معنى ~~الكره. والجبار في صفات الله صفة التعظيم، لانه يفيد الاقتدار، وتقول: لم ~~يزل الله جبارا بمعنى أن ذاته تدعو العارف بها إلى تعظيمها. والفرق بين ~~الجبار والقهار أن القهار هو الغالب لمن ناوأه أو كان في حكم المناوئ ~~بمعصيته إياه، ولا يوصف فيما لم يزل بأنه قهار. والجبار في صفة ~~المخلوقين صفة ذم، لانه يتعظم بما ليس له من العظمة. فان العظمة لله ~~تعالى. # وقوله { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } يعني هؤلاء الجبارين { فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون } تمام الحكاية عن قوم موسى. ### || [5.23] # هذا إخبار من الله تعالى عن رجلين من جملة النقباء الذين بعثهم موسى ~~لتعرف خبر القوم. وقيل هما يوشع بن نون، وكالب، وقيل كلاب بن يوفنا، في ~~قول ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع. وقال الضحاك: هما رجلان كانا ~~في مدينة الجبارين وكانا على دين موسى (ع). وقوله: { من الذين يخافون } ~~قال قتادة: يخافون الله - عز وجل - وقال أبو علي يخافون الجبارين أي لم ~~يمنعهم الخوف من الجبارين أن قالوا الحق { أنعم الله عليهما } بالتوفيق ~~للطاعة. وقال الحسن: أنعم الله عليهما بالاسلام. وكان سعيد بن جبير يقرأ ~~{ يخافون } بضم الياء. وروي تأويل ذلك عن ابن عباس: انهما كانا من ~~الجبارين أنعم الله عليهما بالاسلام. # وقوله: { ادخلوا عليهم الباب فإذت دخلتموه فإنكم غالبون } اخبار عن قول ~~الرجلين انهما قالا ذلك. وإنما صار الظفر بدخول باب مدينة الجبارين لما ~~رأوا من رعبهم وما ألقى الله في قلوبهم من حكمة بأنه ms1146 كتبها لهم، وما تقدم ~~من وعد موسى (ع) إياهم بأنهم إن دخلوا الباب غلبوا. # وقوله { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } معناه فتوكلوا على الله في ~~نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مؤمنين بالله، وبما آتاكم به رسوله من ~~عنده. ### || [5.24] # هذا إخبار عن قوم موسى أنهم قالوا: لا ندخل هذه المدينة ما دام الجبارون ~~فيها، لانهم جنبوا وخافوا من قتال الجبارين لعظم أجسامهم وشدة بطشهم، ولم ~~يثقوا بوعد نبيهم بالنصر لهم عليهم والغلبة لهم. # وقوله { فاذهب أنت وربك } إنما أبرز الضمير ليصح العطف عليه، لانه لا ~~يجوز العطف على الضمير قبل أن يؤكد. وإنما جاز في قوله # فأجمعوا أمركم وشركاءكم # ذلك، لأن ذكر المفعول صار عوضا عن المنفصل مثل (لا) في # لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا # وإنما لم يقرن قوله { اذهب أنت وربك فقاتلا } بالنكير - إذ الذهاب لا ~~يجوز عليه تعالى - لأمرين: # أحدهما - لأن الكلام كله يدل على الافكار عليهم والتعجب من جهلهم في ~~تلقيهم أمر نبيهم بالرد له والمخالفة عليه. # الثاني - لانهم قالوا ذلك على المجاز بمعنى وربك معين لك - على ما ذكره ~~البلخي - والأول أقوى لأنه أظهر من أولئك الجهال. وإنما يتأول على ما ~~قاله البلخي لو كانوا ممن لا يجوز عليهم مثل ذلك. وقال الحسن: هذا القول ~~منهم يدل على أنهم كانوا مشبهة وأنهم كفروا بذلك بالله. وقال أبو علي: ~~إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان الى مكان فهو كفر، لان ذلك جل ~~بالله تعالى. وإن قالوه على وجه الخلاف فهو فسق. # فان قيل: هل يجوز وصفه تعالى بالقتال كما قال # قاتلهم الله أنى يؤفكون # قلنا: هذا مجاز، والمعنى إن عداوته لهم عداوة المقاتل، وانه يحل بهم ما ~~يحله بالمقاتل المستعلي بالاقتدار وعظم السلطان، وليس كذلك قول هؤلاء ~~الجهال. ### || [5.25] # في هذه الآية إخبار من الله تعالى عما قاله موسى (ع) عقيب ما كان من ~~قومه من الخلاف وقلة القبول على نبيهم، وخرج ذلك مخرج الغضب منه على قومه ~~لما كان من ms1147 عصيانهم إياه. ومثل ذلك لا يخرج إلا على غضب. # وقوله { لا أملك إلا نفسي وأخي } مجاز، لأن الانسان لا يصح أن يملك ~~نفسه، لأن الأصل في الملك القدرة، والمالك هو القادر، ومحال أن يقدر ~~الانسان على نفسه، ثم من حق المملوك أن يكون مقدورا عليه أو في حكم ~~المقدور عليه في أن له أن يصرفه تصريف المقدور عليه كملك الانسان للمال ~~والعبد ونحوه، فلا يجوز على هذا أن يملك نفسه. ومعنى الآية أنه لما ملك ~~تصريف نفسه في طاعة الله جاز أن يصف نفسه بأنه يملكها، لانه مما يجوز أن ~~يملكه. وقوله: { وأخي } لأنه كان أيضا طائعا له فيما يأمره به، فكان ~~كالقادر عليه. ويحتمل موضعه أربعة أوجه: # أحدها - الرفع على موضع { إن } وتقديره: إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~لا يملك الا نفسه. # الثاني - الرفع أيضا بالعطف على الياء في { إني }. # الثالث - النصب بالعطف على الياء في { إني }. # الرابع - النصب بالعطف على نفسي. # وقوله { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } قيل في الوجه الذي سأل الفرق ~~بينه وبينهم قولان: # أحدهما - أن يحكم ويقضي بما يدل على بعدهم عن الحق وذهابهم عن الصواب ~~فيما ارتكبوا من العصيان ولذلك القوا في التيه. هذا قول ابن عباس ~~والضحاك. # الثاني - قال أبو علي إنما دعا بأن يفرق بينه وبينهم في الآخرة بأن يكون ~~هؤلاء في النار، وأن يكون هؤلاء في الجنة. ولو دعا بالهلاك في الدنيا ~~لأهلكهم الله. # وقال قوم: إنما سأل أن ينصره الله عيلهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال ~~البلخي معناه باعد، وافصل. وحكي عن المؤرج ان معناه: اقض - بلغة مدبن - ~~والفرق الذي يدل على المباعدة مثل قول الراجز: # يا رب فافرق بينه وبيني # أشد ما فرقت بين اثنين # وقوله { الفاسقين } في الآية - لا يدل على ان ما وقع منهم كان فسقا لا ~~كفرا، لأن الكفر قد يوصف بالفسق، لأن الفسق هو الخروج من الطاعة الى ~~المعصية على وجه التمرد، ويكون ذلك في الكفر قال الله تعالى # إلا إبليس كان من الجن ms1148 ففسق عن أمر ربه # وكان بذلك كافرا بلا خلاف. ### || [5.26] # هذه الآية إخبار من الله، وخطاب لموسى (ع) أن قومه قد حرم عليهم دخول ~~بلد الجبارين أربعين سنة، وفي كيفية التحريم قولان: # أحدهما - قول أكثر المفسرين: أنه تحريم منع كما قال الشاعر: # جالت لتصرعني فقلت لها اقصري # اني امرؤ صرعي عليك محرم # يعني دابته التي هو راكبها ويريد بذلك إني فارس لا يمكنك أن تصرعني. ~~وقال أبو علي: يجوز أن يكون المراد به تحريم تعبد - والأول هو الأظهر - ~~وقال البلخي: يجوز أن يكونوا أمروا بأن يطوفوا فيه أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض يعني في المسافة التي بينهم وبينها. وقال الربيع: وكان مقداره ستة ~~فراسخ. وقال مجاهد، والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا. ويمسون حيث أصبحوا. ~~وقال الحسن: لم يمت موسى (ع) في التيه. وروي عن ابن عباس أنه مات في ~~التيه على علم منه فيه. وأما هارون فانه مات قبل موسى في التيه، وكان ~~أكبر من موسى. واستخلف موسى يوشع بعده. وقال: إن الله بعثه نبيا. وفي ~~دخوله أيضا مدينة الجبارين خلاف. # وأصل التيه التحير الذي لا يهتدى لأجله للخروج عن الطريق الى الغرض ~~المقصود. وأصله الحيرة. يقال: تاه يتيه تيها: إذا تحير. وتيهته، ~~وتوهته، والياء أكثر. والتيهاء - من الارض - هي التي لا يهتدى فيها. ~~يقال: أرض تيه وتيهاء. قال الشاعر: # تيه أتاويه على السفاط # فان قيل: يجوز على جماعة - عقلا - كثيرين أن يسيروا في فراسخ يسيرة فلا ~~يهتدوا للخروج منها؟ قلنا عنه جوابان: # أحدهما - قال أبو علي: يكون ذلك بأن تحول الأرض التي هم عليها إذا ~~ناموا فيردهم الى المكان الذي ابتدؤا منه. # الثاني - أن يكون بالاشتباه. والاسباب المانعة من الخروج عنها إما بأن ~~يمحو العلامات التي يستدل بها أو بآن يلقى شبه بعضها على بعض، ويكون ذلك ~~معجزة خارقة للعادة. # وقيل: إن التيه كان عقوبة لهم بعدد الايام التي عبدوا فيها العجل عن كل ~~يوم سنة. ومن قال هذا قال: لم يكن موسى وهارون فيها، أو كانا فيها غير ms1149 ~~متوهين، كما كان ابراهيم في نار نمرود غير متألم بها. # وقوله: { أربعين سنة } نصبه يحتمل أمرين: # أحدهما - على قول الربيع ب { محرمة } حرمها عليهم أربعين سنة. # والثاني - { يتيهون } على قول الحسن وقتادة، لانهما قالا: إنه ما دخلها ~~أحد منهم. وقيل: انه دخلها يوشع بن نون وكالب بن يوفنا بعد موت موسى ~~بشهرين. قالوا لانه لا خلاف بين المفسرين أن دخولها كان محرم عليهم على ~~طريق التأييد. وإنما دخلها أولادهم مع يوشع وكالب بن يوفنا. وقوله: { ~~فلا تأس على القوم الفاسقين } خطاب لموسى (ع) أمره الله أن لا يحزن على ~~هلاكهم لفسقهم. والاسى: الحزن يقال أسى يأسى أسى أي حزن قال امرؤ القيس: # وقوفا بها صحبي على مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقال الزجاج: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم). ### || [5.27-28] # وجه إتصال هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى أراد أن يبين أن حال ~~اليهود في الظلم ونقض العهد وارتكاب الفواحش من الامور كحال ابن آدم ~~قابيل في قتله أخاه هابيل، وما عاد عليه من الوبال بتعديه. فأمر نبيه أن ~~يتلو عليهم اخبارهما وفيه تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) لما ناله من ~~جهلهم بالتكذيب في جحوده وتبكيت اليهود. # وقوله: { إذ قربا قربانا } متعلق بنبأ، وتقديره: اقرأ عليهم خبر ابني ~~آدم وما جرى منهما إذ قربا قربانا. والقربان يقصد به القرب من رحمة ~~الله من أعمال البر وهو على وزن فعلان من القرب، كالفرقان من الفرق، ~~والعدوان من العدو، والشكران من الشكر، والكفران من الكفر. # قال ابن عباس وعبد الله بن عمر، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين: إن ~~المتقربين كانا ولدي آدم لصلبه: قابيل، وهابيل. وقال الحسن، وأبو مسلم ~~محمد بن بحر، والزجاج: هما من بني اسرائيل، لأن علامة تقبل القربان لم ~~تكن قبل ذلك. وكان سبب قبول قربان أحدهما. ورد الآخر أحد أمرين: # أحدهما - أنه رد قربان أحدهما لأنه كان فاجرا فاسقا. وقبل قربان هابيل ~~لانه كان متقيا مطيعا، ولذلك قال الله { إنما يتقبل الله من المتقين ~~}. # الثاني ms1150 - انه قرب بشر ماله وأخسه. وقرب الآخر بخير ماله، وأشرفه. ~~فتقبل الأشرف، ورد الاخس. # وقال قوم ان سبب القربان أنه لم يكن هناك فقير فمن أراد القربان أخرج من ~~ماله ما أحب، ففعلا ذلك، فأكلت النار قربان أحدهما دون الآخر، ولم يكن ~~ذلك عن أمر الله. وقال أكثر المفسرين ورواه أبو جعفر وغيره من المفسرين: ~~أنه ولد لكل واحد من قابيل وهابيل اخت توأم له فأمر آدم كل واحد بتزويج ~~اخت الآخر. وكانت اخت قابيل أحسن من الاخرى، فارادها، وحسد أخاه عليها، ~~فقال آدم قربا قربانا، فأيكما قبل قربانه فهي له، وكان قابيل صاحب زرع ~~فعمد الى اخبث طعام. وعمد هابيل الى شاة سمينة ولبن وزبد، فصعدا به الجبل ~~فأتت النار فأكلت قربان هابيل، ولم تعرض لقربان قابيل. وكان آدم غائبا ~~عنهما بمكة، فقال قابيل لا عشت يا هابيل في الدنيا، وقد تقبل قربانك ولم ~~يتقبل قرباني. وتريد أن تأخذ اختي الحسناء. وآخذ اختك القبيحة، فقال له ~~هابيل: ما حكاه الله تعالى، فشدخه بحجر فقتله، ثم حمله على عاتقه وكان ~~يضعه على الارض ساعة ويبكي ويعود يحمله كذلك ثلاثة أيام إلى أن رأى ~~الغرابين. # وقوله: { لأقتلنك } معناه قال الذي لم يتقبل قربانه: و { قال إنما ~~يتقبل الله } يعني الذي تقبل قربانه، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه. # وقيل في علامة القبول قولان: # قال مجاهد كانت النار تأكل المردود. # وقال غيره بل كانت العلامة في ذلك نارا تأتي فتأكل المتقبل ولا تأكل ~~المردود. # وقال قوم في الآية دلالة على ان طاعة الفاسق غير متقبلة لكنها تسقط عقاب ~~تركها. واما النافلة فيصل اليه ضرب من النفع بها. وتقبل الطاعة إيجاب ~~الثواب عليها - وهذا الذي ذكروه غير صحيح - لأن قوله { إنما يتقبل الله ~~من المتقين }: معناه إنما يستحق الثواب على الطاعات من يوقعها لكونها ~~طاعة فاما إذا فعلها لغير ذلك فانه لا يستحق عليها ثوابا. فاذا ثبت ~~ذلك، فلا يمتنع أن تقع من الفاسق يوقعها على الوجه الذي يستحق عليها ~~الثواب فيستحق الثواب ولا ms1151 تحابط عندنا بين ثوابه وما يستحق عليه العقاب. ~~والاتقاء يكون لكل شئ يمتنع منه غير أنه لا يطلق اسم المتقين إلا على ~~المتقين للمعاصي خاصة بضرب من العرف، لأنه أحق ما يجب أن يخاف منه كما لا ~~يطلق خالق إلا على الله - عز وجل - لأنه أحق بهذه الصفة من كل فاعل، لان ~~جميع أفعاله تقع على تقدير وترتيب وقوله: { إنما يتقبل الله من المتقين ~~} يعني القرابين إنما # قوله تعالى: # { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين } آية # يتقبلها الله من الذين يتقون معاصي الله خوف عقابه دون من لا يتقيها. # في هذه الآية إخبار عن ولد آدم المقتول، وهو هابيل أنه قال لاخيه حين ~~هدده بالقتل لما تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، فقال { لئن بسطت ~~إلي يدك } ومعناه لئن مددت إلي يدك. والبسط هو المد وهو ضد القبض " ~~لتقتلني " معناه لأن تقتلني ما أنا باسط يدي اليك لأن أقتلك. # فان قيل لم قال ذلك وقد وجب بحكم العقل الدفع عن النفس وإن أدى إلى ~~قتل المدفوع؟! قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - أن معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك لا على أني لا ادفعك عن ~~نفسي إذا قصدت قتلي هذا قول ابن عباس وجماعة، وقيل: إنه قتله غيلة بأن ~~ألقى عليه وهو نائم صخرة شدخه بها. # الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والجبائي: إنه كان كتب عليهم إذا أراد ~~الرجل قتل رجل تركه ولم يمتنع منه. وكان عمرو بن عبيد يجيز الوجهين وهو ~~الأقوى لأن كلا الامرين جائز. # فان قيل كيف يجوز الوجه الاخير وفيه اطماع في النفس؟! # قلنا: ليس فيه شيء من ذلك لأنه يجري مجرى قول القائل لغيره لئن ظلمتني ~~لم أظلمك، ولئن قبحت في أمري لم أقبح في أمرك بل في ذلك غاية الزجر ~~والردع عن القبيح، لأن القبيح منفر عن نفسه صارف عن فعله. # وقوله: { إني أخاف الله رب العالمين } يعني أخاف الله في ابتداء مدي ~~اليك يدي لقتلك { رب ms1152 العالمين } يعني رب الخلائق. # واللام في قوله { لئن } لام القسم وتقديره أقسم { لئن بسطت إلي يدك } ~~وجوابه { ما أنا بباسط } ولا تقع (ما) جوابا للشرط والفرق بينهما أن ل ~~(ما) صدر الكلام والقسم لا يخرجها عن ذلك كما جاز ان يكون جواب القسم ب ~~(أن) ولام الابتداء، ولم يجز بالفاء لأن المقسم عليه ليس يجب بوجوب القسم ~~وإنما القسم يؤكده، وجواب الشرط يجب بوجوبه، واذا اجتمع القسم والجزاء ~~كان جواب القسم أولى من جواب الجزاء، لانه لما تقدم وصار الجزاء في حشو ~~الكلام غلبه على الجواب فصار له واكتفى به من جواب الجزاء لدلالته عليه. # وروى غياث بن ابراهيم عن ابي اسحق الهمداني عن علي (ع) أنه قال: لما قتل ~~ابن آدم (ع) اخاه بكا وقال: # تغيرت البلاد ومن عليها # فوجه الارض مغبر قبيح # تغير كل ذي لون وطعم # وقل بشاشة الوجه المليح # فأجاب آدم (ع): # أيا هابيل قد قتلا جميعا # وصار الحي بالموت الذبيح # وجاء بشرة قد كان فيه # على خوف فجاء بها يصيح ### || [5.29] # في هذه الآية إخبار عن ابن آدم (ع) المقتول أنه قال: لا أبدأك بالقتل ~~لأني { أريد أن تبوء بإثمي } ومعناه أن ترجع، وأصله الرجوع الى المنزل ~~يقال: باء إذا رجع الى المباءة وهي المنزل # وباءوا بغضب من الله # أي رجعوا. والبواء الرجوع بالقود، وهم في هذا الأمر بواء أي سواء، لانهم ~~يرجعون فيه الى معنى واحد. وقال الشاعر: # ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي # محارمنا لا يبؤؤ الدم بالدم # أي لا يرجع الدم بالدم. وقوله { بإثمي وإثمك } معناه اثم قتلي ان ~~قتلتني، واثمك الذي كان منك قبل قتلي - هذا قول ابن عباس، وابن مسعود ~~والحسن، وقتادة، والضحاك، ومجاهد - وقال مجاهد معناه خطيأتي ودمي، ذهب ~~الى ان المعنى مثل إثمي. وقال الجبائي، والزجاج. وإثمك الذي من أجله لم ~~يتقبل قربانك. ويجوز أن يريد باثمي الأول اثم قتلي ان قتلتني واثمك الذي ~~قتلتني، فاضافه تارة الى المفعول واخرى الى الفاعل، لأنه مصدر يصح ذلك ~~فيه، كما تقول ms1153 ضرب زيد عمرا وضرب عمرو زيد فتضيفه تارة الى الفاعل ~~واخرى الى المفعول. # فان قيل: كيف جاز أن يريد منه الاثم وهو قبيح؟ # قلنا: المراد بذلك عقاب الاثم، لأن الرجوع بالاثم رجوع بعقابه، لأنه لا ~~يجوز لأحد أن يريد معصية الله من غيره كما لا يجوز أن يريدها من نفسه، ~~وهو قول أبي علي وغيره. وقال قوم: التقدير إني أريد أن لا تبوء باثمي ~~كما قال { يبين الله لكم أن تضلوا } ومعناه ألا تضلوا. وهذا وجه يحتمله ~~الكلام لكن الظاهر خلافه، وإنما يحمل على ذلك إذا دل الدليل على أنه لا ~~يجوز أن يريد من غيره الاثم. وليس ها هنا ما يدل عليه والكلام يدل على ~~أنه أراد العقاب لا محالة لو أراد الاثم. وقوله { فتكون من أصحاب النار ~~وذلك جزاء الظالمين } لا يدل على فساد القول بالارجاء، لان ظاهره يقتضي ~~أنه يستحق بذلك النار والعذاب، وان ذلك جزاءه وليس في ذلك ما يمنع من ~~جواز اسقاطه بغير توبة فينبغي أن لا يمنع منه. # وفي الآية دلالة على أن الوعيد بالنار قد كان في زمن آدم بخلاف ما يدعيه ~~جماعة من اليهود والنصارى. ### || [5.30] # قيل في معنى { طوعت له نفسه } ثلاثة أقوال: # احدها - شجعته نفسه على قتل أخيه في قول مجاهد. وقال قتادة زينت له ~~نفسه قتل أخيه. وقال قوم: معناه ساعدته نفسه على قتل اخيه، فلما حذف حرف ~~الجر نصب قوله { قتل أخيه }. # ومن قال معناه زينت نصبه كأنه مفعول به. يقال طاع لهذه الظبية اصول ~~الشجرة، وطاع لفلان كذا أي أتاه طوعا، ويقال أيضا انطاع. ولا يقال ~~اطاعته نفسه، لأن (أطاع) يدل على قصد لموافقة معنى الأمر، وليس كذلك ~~طوع، لأنه بمنزلة انطاع له اصول الشجرة. وفي الفعل ما يتعدى الى نفس ~~الفاعل نحو حرك نفسه، وقتل نفسه. وفيه ما لا يتعدى نحو أمر ونهى، لأن ~~الأمر والنهي لا يكون إلا ممن هو أعلى لمن هو دونه. # وقال ابن عباس وابن مسعود وأبو مالك وأبو جعفر (عليه السلام): ms1154 إنه قتله ~~بصخرة شدخ رأسه بها، وقال مجاهد: لم يدر كيف يقتله حتى ظهر له ابليس ~~فعلمه ذلك، ظهر في صورة طير، فأخذ طيرا آخر وترك رأسه بين حجرين فشدخه، ~~وقابيل ينظر اليه ففعل مثله. وقيل هو أول قتل كان في الناس. وقوله: { ~~فأصبح من الخاسرين } لا يدل على أنه قتله ليلا، لأن معناه صار من ~~الخاسرين بقتله ليلا أو نهارا، لأنه يحسن في هذا أن يقال: أصبح، لأنه ~~بمنزلة الأمر الذي بيت ليلا، فكانت ثمرته الوبال والخسران، والمعنى - ~~ها هنا - ذهاب رأس المال بهلاك نفسه. وذلك أعظم الخسران كما قال تعالى { ~~خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } فمعنى الآية أصبح من الذين باعوا ~~الآخرة بالدنيا، فخسروا في ذلك وخابت صفقتهم. ### || [5.31] # قرأ الحسن { يا ويلتي } مضاف، وهما لغتان يقال يا ويلتا ويا ويلتي ذكره ~~الأزهري. # قيل: إنه كان أول ميت من الناس فلذلك لم يدر كيف يواريه وكيف يدفنه حتى ~~بعث الله غرابين أحدهما حي والآخر ميت، وقيل كانا حيين فقتل أحدهما صاحبه ~~ثم بحث الحي الأرض فدفن فيه الغراب الميت، ففعل به مثل ذلك قابيل، وهو ~~قول ابن عباس وابن مسعود وابن مالك ومجاهد والضحاك وقتادة. وفي ذلك دلالة ~~على فساد ما قال الحسن وأبو علي وأبو مسلم إنهما كانا من بني اسرائيل، ~~لأنه لم يكن الناس الى زمان بني اسرائيل، لا يدرون كيف يدفنون ميتهم، قال ~~الرماني ولا يجوز أن يكون الغراب مكلفا، لأن المعلوم من دعوة الرسول أن ~~المكلفين هم الملائكة والانس والجن، والمعلوم ضرورة أنه لا مطيع لله أحد ~~إلا من هذه الثلاثة أصناف، وأيضا فقد بعث الله النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) الى كل مكلف سوى الملائكة ولا يقول أحد: إنه مبعوث الى الغربان. ~~ومعنى { فبعث الله غرابا } ألهمها ذلك. وقال الزجاج أكرم الله المقتول ~~بأن بعث غرابا حثا عليه التراب ليريه كيف يواري سوأة أخيه. وقال قوم: ~~كان ملكا في صورة الغراب. وقال أبو علي يجوز أن يكون الغراب قد زاد الله ~~في عقله ms1155 ما عقل أمر الله لا على وجه التكليف كما نأمر صبياننا وأولادنا ~~فيفهمون عنا. # ومعنى { سوءة أخيه } قيل فيه قولان: أحدهما - قال أبو علي: إنه جيفة ~~أخيه، لأنه كان تركه حتى أنتن فقيل لجيفته سوءة. وقال غيره: معناه عورة ~~أخيه والظاهر يحتمل الأمرين. وأصل السوء التكره تقول ساءه يسوءه إذا ~~أتاه بما يكرهه. # وروى الحسن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) # " أن الله ضرب لكم مثلا ابني آدم فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما ". # وقوله { قال ويا ويلتا } فيه حذف لأن تقديره ليريه كيف يواري سوأة أخيه ~~فواراه قال والقائل أخاه يا ويلتاه. وقال الزجاج الوقف في غير القرآن ~~عليها يا ويلتاه، والنداء لغير الآدميين نحو # يا حسرتا على العباد # و # يا ويلتا أألد وأنا عجوز # وقال يا ويلتا وإنما وقع في كلام العرب على تنبيه المخاطب وان الوقت ~~الذي يدعي هذه الأشياء هو وقتها. والمعنى يا ويلتا تعالي فانه من ابانك ~~أي قوله: مني الويل وكذلك يا عجبا: المعنى يا أيها العجب هذا وقتك. وقال ~~سيبويه: الويل كلمة تقال عند الهلكة. وقيل الويل واد في جهنم وقوله { ~~أعجزت } يقال عجزت عن الأمر أعجز عجزا ومعجزة. # وقوله { فأصبح من النادمين } قيل كانت توبته غير صحيحة، لانها لو كانت ~~صحيحة لاستحق عليها الثواب. وقال أبو علي: ندم على قتله على غير الوجه ~~الذي يكون الندم توبة لانه ندم لانه لم ينتفع به وناله ضرر بسببه من أبيه ~~واخوته. ولو كان على الوجه الصحيح لقبل الله توبته. وعلى مذهبنا كان ~~يستحق الثواب لو كانت صحيحة، وإن لم يسقط العقاب. ### || [5.32] # قرأ أبو جعفر والزبير { من أجل } ذلك بفتح النون واسكان الهمزة ومثله { ~~قد أفلح } وما أشبهه. الباقون يقطعون الهمزة بفتح النون بنقل الحركة من ~~الهمزة الى ما قبلها. ومن اسكنها تركها على أصلها. # ومعنى { من أجل } من جراء ذلك وجريرته. وقال الزجاج: معناه من جناية ~~ذلك. يقال أجلت الشئ أجلا إذا اجنيته. قال الخواني: # وأهل خباء صالح ذات بينهم # قد احتربوا في عاجل ms1156 أنا آجله # أي جانيه وقيل جاره عليهم. وقال عدي بن زيد: # أجل ان الله قد فضلكم # فوق من احكأ صلبا بارزا # وأصله الجر. ومنه الاجل الوقت الذي يجر اليه العقد الأول ومنه الآجل ~~نقيض العاجل. ومنه (أجل) بمعنى نعم، لأنه انقياد الى ما يجر اليه ومنه ~~الآجال القطيع من بقر الوحش، لأن بعضها ينجر الى بعض. # و " ذلك " اشارة الى قتل أحد ابني آدم أخاه ظلما. حكمنا الى بني ~~اسرائيل أنه من قتل منهم نفسا بغير نفس أو فساد كان منها في الارض ~~فاستحقت بذلك قتلها. وفسادها في الارض إنما يكون بالحرب لله ولرسوله ~~واخافة السبيل - على ما سنبينه فيما بعد - وهو قول الضحاك وجميع ~~المفسرين. واختلفوا في تأويل قوله { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ~~على ستة أقوال: # أحدها - قال الزجاج: معناه إنه بمنزلة من قتل الناس جميعا في أنهم ~~خصومه من قبل ذلك الانسان. # والثاني - قال أبو علي: إن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لأنه سن ~~القتل وسهله لغيره، فكان بمنزلة المشارك فيه. ومثله قوله (ع): # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها ". # الثالث - قال الحسن وقتادة ومجاهد: إن معناه تعظيم الوزر والمأثم ~~وتقديره يا ابن آدم انك لو قتلت الناس جميعا كان لك من عملك ما تفوز به ~~وتنجو من النار؟! - والله - كذبتك نفسك والشيطان، فكذلك قتلك ظلما ~~الانسان أي كنت تستحق الخلود في النار كما كنت تستحقه بقتل الناس جميعا. # الرابع - قال ابن عباس: معناه من شد على عضد نبي أو امام عدل، فكأنما ~~أحيا الناس جميعا. ومن قتل نبيا أو إماما عدلا، فكأنما قتل الناس ~~جميعا. # الخامس - قال ابن مسعود وغيره من الصحابة: معناه { من قتل نفسا بغير ~~نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } عند المقتول { ومن ~~أحياها فكأنما ms1157 أحيا الناس جميعا } عند المستنفذ. # السادس - قال ابن زيد معناه انه عليه من القود والقتل مثل ما يجب عليه ~~لو قتل الناس جميعا. # وقوله: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } قال مجاهد معناه من ~~نجاها من الهلاك مثل الغرق والحرق. وقال الحسن وابن زيد معناه من عفا عن ~~دمها وقد وجب القود عليها. وقال أبو علي معناه من زجر عن قتلها بما فيه ~~حياتها على وجه يقتدى به فيها بأن يقتدى به فيها بأن يعظم تحريم قتلها ~~كما حرمه الله. فلم يقدم عليه فقد حي الناس بسلامتهم منه وذلك احياؤه ~~إياها. وهو اختيار الطبري والله تعالى هو المحيي للخلق لا يقدر على ذلك ~~غيره تعالى. وإنما قال: { أحياها } على وجه المجاز بمعنى نجاها من الهلاك ~~كما حكى عن نمرود ابراهيم { أنا أحيي وأميت } فاستبقا واحدا وقتل الآخر. ~~قوله { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات } قسم من الله تعالى أن رسله أتت بني ~~اسرائيل الذين ذكر قصصهم وأخبارهم بالآيات الواضحة والحجج الدالة على صدق ~~رسله وصحة ما أتوا به ثم أخبر أن كثيرا منهم يعني من بني اسرائيل ~~لمسرفون بعد مجيئ رسل الله اليهم ومعنى { لمسرفون } لعاملون بمعاصي الله، ~~ومخالفون أمره ونهيه باتباعهم غير رسل الله. والاسراف الخروج عن التقصير ~~والاقتصاد وضده التقطير. والاقتصاد هو التعديل بلا إسراف ولا اقتار وقد ~~يمدح بالاقتصاد. وقال أبو جعفر (ع): المسرفون هم الذين يستحلون المحارم ~~ويسفكون الدماء. ### || [5.33] # المحارب عندنا هو الذي أشهر السلاح وأخاف السبيل سواء كان في المصر أو ~~خارج المصر، فان اللص المحارب في المصر وغير المصر سواء. وبه قال ~~الاوزاعي ومالك والليث بن سعد وابن لهيعة والشافعي والطبري. وقال قوم: هو ~~قاطع الطريق في غير المصر ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه وهو المروي عن عطاء ~~الخراساني. ومعنى { يحاربون الله } يحاربون أولياء الله ويحاربون رسوله { ~~ويسعون في الأرض فسادا } وهو ما ذكرناه من أشهار السيف واخافة السبيل. ~~وجزاءهم على قدر الاستحقاق إن قتل قتل وان أخذ المال وقتل قتل وصلب وان ~~أخذ المال ms1158 ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف. وان اخاف السبيل فقط فانما ~~عليه النفي لا غير هذا مذهبنا. وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي ~~عبد الله (ع) وهو قول ابن عباس وابي مجلز وسعيد بن جبير، والسدي، وقتادة، ~~والربيع وابراهيم - على خلاف عنه - وبه قال أبو علي الجبائي والطبري وحكي ~~عن الشافعي أنه إن أخذ المال جهرا كان للامام صلبه حيا وان لم يقتل. # { وأن يقتلوا } في موضع رفع وتقديره إنما جزاؤهم القتل، والصلب أو ~~القطع من موضع الخلاف، ومعنى (إنما) ليس جزاؤهم الا هذا قال الزجاج: اذا ~~قال جزاؤك عندي درهم جاز أن يكون معه غيره، فاذا قال انما جزاؤك درهم كان ~~معناه ما جزاؤك إلا درهم. # واختلفوا في سبب نزول هذه الاية فقال ابن عباس والضحاك، نزلت في قوم كان ~~بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) موادعة فنقضوا العهد، وأفسدوا في ~~الارض، فخير الله نبيه في ما ذكر في الآية، وقال الحسن وعكرمة نزلت في ~~أهل الشرك. وقال قتادة، وأنس وسعيد بن جبير والسدي: انها نزلت في ~~العرنيين والعكليين حين ارتدوا وأفسدوا في الارض فأخذهم النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم وفي بعض الاخبار ~~أحرقهم بالنار. # ثم اختلفوا في نسخ هذا الحكم الذي فعله بالعرنيين، فقال البلخي وغيره ~~نسخ ذلك بنهيه عن المثلة. ومنهم من قال: حكمه ثابت في نظرائهم لم ينسخ. ~~وقال آخرون لم يسمل النبي (صلى الله عليه وسلم) أعينهم وإنما أراد أن ~~يسمل فأنزل الله آية المحاربة، والذي تقوله: إن عندنا ان كان فيهم طليعة ~~لهم حتى يقتلوا قوما سملت عين الربيئة وأجري على الباقين ما ذكرناه. ~~وقال قوم: الامام مخير فيه ذهب اليه ابن عباس في رواية ومجاهد والحسن ~~وسعيد بن المسيب، وعطا وابراهيم في رواية عنه. فمن قال بالاول، ذهب الى ~~أن (أو) في الآية تقتضي التفصيل ومن قال بالثاني ذهب الى انها للتخيير. # ومعنى قوله: { وأرجلهم من خلاف } معناه أن يقطع اليد اليمنى ms1159 والرجل ~~اليسرى. # ولو كان موضع (من) (على) أو (الباء) لكان المعنى واحدا. وقوله { أو ~~ينفوا من الأرض } في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه يخرج من بلاد الاسلام ينفى من بلد الى إلا بلد إلا أن يتوب ~~ويرجع وهو الذي نذهب اليه. وبه قال ابن عباس، وأنس بن مالك، ومالك ابن ~~أنس، والحسن والسدي والضحاك، وقتادة، وسعيد بن جبير، والربيع ابن انس، ~~والزهري. وقال أصحابنا لا يمكن أيضا من دخول بلاد الشرك، ويقاتل ~~المشركون على تمكينهم من ذلك حتى يتوبوا ويرجعوا إلى الحق. وقال الفراء ~~النفي أن يقال: من قتله فدمه هدر. # والثاني - انه ينفى من بلد الى بلد غيره ذهب اليه سعيد بن جبير في رواية ~~أخرى، وعمر بن عبد العزيز. # الثالث ان النفي هو الحبس ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه. # أصل النفي الاهلاك ومنه النفي الاعدام، فالنفي الاهلاك بالاعدام. ومنه ~~النفاية لردئ المتاع. ومنه النفي، وهو ما تطاير من الماء عن الدلو، قال ~~الراجز: # كأن متنيه من النفي # مواقع الطير على الصفي # والنفي الطرد قال أوس بن حجر: # ينفون عن طرق الكرام # كما ينفى المطارق ما يلي الفرد # وقوله { ذلك لهم خزي في الدنيا } معناه أن فعل ما ذكرناه من الاحكام خزي ~~في الدنيا، والخزي الفضيحة يقال خزي يخزي خزيا إذا افتضح وخزى يخزى ~~خزاية إذا استحيا وخزوته اخزوه خزوا إذا سسته ومنه قول لبيد: # واخزها بالبر لله الاجل # { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } معناه زيادة على ذلك وهذا يبطل قول من قال ~~اقامة الحدود تكفير للمعاصي لانه يقال مع اقامة الحدود عليهم بين ان لهم ~~في الآخرة عذابا عظيما ومعنى ان لهم في الآخرة عذابا عظيما انهم ~~يستحقون ذلك ولا يدل على انه يفعل بهم ذلك لا محالة لانه يجوز أن يعفو ~~الله عنهم ويتفضل عليهم باسقاط عقابهم. ### || [5.34] # قال الزجاج يحتمل الذين ان يكون في موضع الرفع بالابتداء وخبره فاعلموا ~~ان الله غفور رحيم والمعنى غفور رحيم لهم والمعنى لكن التائبون من قبل ~~القدرة عليهم فالله غفور ms1160 رحيم. ويجوز أن يكون في موضع نصب بالاستثناء من ~~قوله { فاعلموا أن الله غفور رحيم }.. # لما بين الله حكم المحارب - على ما فصلناه - استثنا من جملتهم من يتوب ~~مما ارتكبه قبل أن يؤخذ، ويقدر عليه لأن توبته بعد حصوله في قبضة الامام، ~~وقيام البينة عليه بذلك لا ينفعه، ووجب اقامة الحد عليه. # واختلفوا فيمن تدرأ عنه التوبة الحدود: هل هو المشرك أو من كان مسلما ~~من أهل الصلوة؟ فقال الحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك: هو المشرك دون من ~~كان مسلما. فأما من أسلم، فانه لم يؤاخذ بما جناه إلا أن يكون معه عين ~~مال قائمة فانه يجب عليه ردها وما عداه يسقط. وأما علي (ع) فانه حكم بذلك ~~فيمن كان مسلما وهو حارثة بن بدر، لانه كان قد خرج محاربا ثم تاب فقبل ~~علي (ع) توبته. وجعل له أمانا على يد سعيد بن قيس. وحكم به أبو موسى ~~الاشعري في فلان المرادي جاء تائبا بعد كونه محاربا فقبل توبته. وأبو ~~هريرة في علي الاسدي وبه قال السدي ومالك بن أنس إلا أن مالكا قال يؤخذ ~~بالدم اذا طالب به وليه. وقال الليث بن سعيد لا يؤاخذ به وقال الشافعي ~~تضع توبته عنه حد الله الذي وجب لمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم ~~وهو مذهبنا، فعلى هذا إن أسقط الآدمي حق نفسه ويكون ظهرت منه التوبة قبل ~~ذلك لا يقاص عليه الحد، وإن لم يكن ظهرت منه التوبة أقيم الحد، لأنه ~~محارب فيتحتم عليه الحد. وهو قول أبي علي. ولا خلاف أنه إذا اصيب المال ~~بعينه في يده أنه يرد الى أهله. فاما المشرك المحارب فمتى أسلم وتاب سقطت ~~عنه الحدود، سواء كان ذلك منه قبل القدرة عليه أو بعدها بلا خلاف. # فاما السارق إذا قدر عليه بعد التوبة وتكون التوبة منه بعد قيام البينة ~~فانه لا يسقط عنه الحد. وإن كان قبل قيام البينة اسقطت عنه. وقال قوم: ~~لا تسقط التوبة الحد عن السارق - ولم يفصل. وادعي في ذلك الاجماع. ms1161 قالوا ~~لأن الله جعل هذا الحكم للمحارب بالاستثناء بقوله: { فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم } ولم يكن غير المحارب في معناه فيقاص عليه، لأن ظاهر هذا ~~التفرد وليس كذلك هو في المحارب الممتنع بفئة وفي الآية حجة على من قال ~~لا تصح التوبة مع الاقامة على معصية أخرى يعلم صاحبها أنها معصية، لأنه ~~تعالى علق بالتوبة حكما لا يحل به الاقامة على معصية هي السكر أو شرب ~~نبيذ التمر على غير التأويل باجماع المسلمين. ### || [5.35] # خاطب الله في هذه الآية المؤمنين وأمرهم أن يتقوه ومعناه أن يتقوا ~~معاصيه ويجتنبوها ويبتغوا اليه معناه يطلبون إليه الوسيلة وهي القربة في ~~قول الحسن ومجاهد وقتادة وعطا والسدي وابن زيد وعبد الله بن كثير وأبي ~~وابل. وهي على وزن (فعيلة) من قولهم توسلت اليك أي تقربت قال عنترة ابن ~~شداد: # إن الرجال لهم اليك وسيلة # أن يأخذوك فلجلجي وتخضبي # وقال الآخر: # اذا غفل الواشون عدنا لوصلنا # وعاد التصافي بيننا والوسائل # يقال منه سلت أسال أي طلبت وهما يتساولان أي يطلب كل واحد منهما من ~~صاحبه. والأصل الطلب والوسيلة التي ينبغي أن يطلب مثلها. # فان قيل كيف قال تعالى { اتقوا الله } وهو غاية التحذير مع أنه تعالى ~~رغب في الدعاء إليه وهما كالمتنافرين؟ قيل إنما قال ذلك لئلا يكون ~~المكلف على غرور من أمره بكثرة نعم الله عليه فيظن أنها موجبة للرضاء عنه ~~فحقيقة الدعاء اليه باتقائه من جهة اجتناب معاصيه والعمل بطاعته. فان قيل ~~هل يجوز أن يتقى المعاقب من أجل عقابه كما يحمد المحسن من أجل إحسانه. ~~قلنا: لا لأن أصل الاتقاء الحجز بين الشيئين لئلا يصل أحدهما الى الآخر ~~من قولهم اتقاه بالترس. ومنه اتقاه بحقه، فالطاعة له تعالى حاجزة بين ~~العقاب وبين العبد أن يصل إليه. وأما حمد الانسان، فمجاز لأن المحمود في ~~الحقيقة يستحق الولاية والكرامة. # وقوله: { وجاهدوا في سبيله } أمر منه تعالى بالجهاد في دين الله، لأنه ~~وصلة وطريق الى ثوابه. ويقال لكل شئ وسيلة الى غيره هو طريق إليه ms1162 فمن ~~ذلك طاعة الله فهي طريق الى ثوابه. والدليل على الشئ طريق الى العلم به ~~والتعرض للشئ طريق الى الوقوع فيه واللطف طريق الى طاعة الله والجهاد في ~~سبيل الله قد يكون باللسان واليد والقلب والسيف والقول والكتاب. # وقوله: { لعلكم تفلحون } يحتمل أمرين: # أحدهما - اعملوا لتفلحوا ومعناه ويكون غرضكم الصلاح فهذا يصح مع اليقين. # الثاني - اعملوه على رجاء الصلاح به فهذا مع الشك في خلوصه مما يحبطه ~~وهذا الوجه لا يصح إلا على مذهب من قال بالاحباط. فاما من لا يقول به ~~فلا يصح ذلك فيه غير أنه يمكن أن يقال الشك فيه يجوز أن يكون في هل أوقعه ~~على الوجه المأمور به أم لا؟ لأنه لا حال إلا وهو يجوز أن يكون فرط فيما ~~أمر به " والمفلحون " هم الفائزون بما فيه غاية صلاح أحوالهم. ### || [5.36-37] # أخبر الله تعالى في هذه الآية { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه } وافتدوا بجميع ذلك من العذاب الذي يستحقونه على كفرهم ~~{ ما تقبل منهم }. # والذين في موضع نصب بان وخبر (ان) الجملة في (لو) وجوابها. وقوله: { ~~ولهم عذاب أليم } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون في موضع الحال. # والثاني - أن يكون عطفا على الخبر، ولا يجوز أن يكون خبرا من { يريدون ~~} أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها. و (لو) في موضع الحال كما ~~تقول مررت بزيد لو رآه عدوه لرحمه، لأنه في موضع معتمد الفائدة مع أن ~~الثاني في استئناف (إنه) ولا يحكم بقطع الخبر، وإنما اجيبت (لو) ب ~~(ما) ولم يجز أن يجاب (أن) ب (ما) لأن (ما) لها صدر الكلام وجواب (لو) ~~لا يخرجها من هذا المعنى كما لا يخرجها جواب القسم، لأنه غير عامل. و ~~(أن) عاملة فلذلك صلح أن يجاب ب (لا) ولم يصلح ب (ما) كقولك إن تأتي ~~لا يلحقك سوء، ولا يجوز (ما) لأن (لا) تنفي عما بعدها ما وجب لما قبلها ~~في أصل موضوعها كقولك قام زيد لا عمرو و ms1163 (ما) تنفي عما بعدها ما لم يجب ~~لغيرها، فلذلك كان لها صدر الكلام. وإنما نفى الله أن يقبل منهم فدية من ~~غير تقييد بالتوبة، لأمرين: # أحدهما لأنهم لا يستحقون هذه الصفة لو وقعت منهم التوبة مع البيان عن أن ~~الآخرة لا تقبل فيها توبة. # الثاني ان ذلك مقيد بدليل العقل والسمع الذي دل على وجوب اسقاط العقاب ~~عند التوبة كقوله # غافر الذنب وقابل التوب # وعندنا أنه لم يقيده بالتوبة لأن التوبة لا يجب اسقاط العقاب عندها ~~عندنا. وإنما يتفضل الله بذلك عند التوبة فأراد الله أن يبين أن الخلاص ~~من عقابه الذي استحق على الكفر به ومعاصيه لا يستحق على وجه. وإنما يكون ~~ذلك تفضلا على كل حال. # واللام في قوله: { ولهم عذاب أليم } لام الملك لأن حقيقتها الاضافة على ~~معنى الاختصاص غير أنها إذا اضيفت تصح أن يكون فعلا إلى ما يصح أن يكون ~~فاعلا فالاضافة بمعنى اضافة الفعل الى الفاعل نحو " إن قام زيد " ويجوز ~~أن يكون على معنى المفعول بقرينة ككلام زيد ونحوه. وقوله: { لو أن لهم ما ~~في الأرض جميعا } يدل على أنه ليس لهم ما في الارض جميعا، لأنه لو كان ~~لهم لكان الأبلغ أن يقال يسلبون النعمة به من غير فدية تسقط عنهم شيئا ~~من العقوبة. وقوله: { يريدون أن يخرجوا من النار } في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال أبو علي معناه يتمنون أن يخرجوا منها فجعل الارادة ها هنا ~~تمنيا. # وقال الحسن معناه الارادة على الحقيقة، لأنه قال كلما رفعتهم النار ~~بلهبها رجوا أن يخرجوا منها، وهو قوله: # كلما أرادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها # وقال بعضهم معناه يكادون أن يخرجوا منها، إذا رفعتهم بلهبها كما قال - ~~عز وجل - # جدارا يريد أن ينقض # أي يكاد ويقارب. # فان قيل كيف يجوز أن يريدوا الخروج من النار مع علمهم بأنهم لا يخرجون؟ ~~قلنا: لأن العلم بأن الشئ لا يكون لا يصرف عن إرادته. كما أن العلم بأنه ~~يكون لا يصرف عن إرادته وإنما يدعو إلى الارادة ms1164 حسنها أو الحاجة اليها ~~كما أن المراد بهذه المنزلة. فان قيل: هل يجوز أن يطمعوا في الخروج من ~~النار كما قال الحسن قلنا الخروج منها الى غير عذاب يجري مجرى عذابها فلا ~~يجوز لعلمهم بأن العذاب دائم لا يفتر عنهم فان كان معه العلم بأنهم لا ~~يخرجون منها لم يجز أن يطمعوا في الخروج، لأن العلم ينافي الطمع ولا ~~ينافي الارادة كما لا يطمع العاقل في أن يعود في الدنيا شابا كما كان. ~~وقال أبو علي: إنما يتمنون الخلاص منها قبل دخولها، لما في التمني من ~~التروح، وليس ذلك من صفة أهلها. ولا يجوز أن يقال في الكلام يريدون أن ~~يستخرجون من النار كما جاز # علم أن سيكون منكم مرضى # لأن أن المخففة من الشديدة لتحقيق كائن في الحال أو الماضي أو المستقبل، ~~وليس في الارادة تحقيق وقوع المراد لا محالة، كما ليس في الأمر تحقيق ~~وقوع المأمور به، فلذلك لم يجز أمرته أن سيقوم، وجاز أمرته أن يقوم. قوله ~~{ وما هم بخارجين منها } يعني من جهنم { ولهم عذاب مقيم } أي دائم ثابت ~~لا يزول ولا يحول، كما قال الشاعر: # فان لكم بيوم الشعب مني # عذابا دائما لكم مقيما # وروي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس يا أعمى القلب يا أعمى البصر تزعم ~~ان قوما يخرجون من النار وقد قال الله تعالى: { وما هم بخارجين منها }! ~~فقال ابن عباس ويحك أو ما فقهت هذه للكفار؟!. ### || [5.38] # وقوله { والسارق والسارقة } قال سيبويه الأجود فيه النصب ومثله { ~~الزانية والزاني }. وبالنصب قرأ عيسى بن عمر وهو بخلاف ما عليه القراء لا ~~يجوز أن يقرأ به والوجه الرفع. ومثله { اللذان يأتيانها منكم فآذوهما }. # ويحتمل رفعهما شيئين: # أحدهما - قال سيبويه إنه على تفسير فرض فيما يتلى عليكم حكم السارق ~~والسارقة. ومنه # واللذان يأتيانها منكم # الثاني - قال المبرد والفراء لأن معناه الجزاء وتقديره من سرق فاقطعوه، ~~وله صدر الكلام. وقال الفراء ولو أردت سارقا بعينه لكان النصب الوجه ~~ويفارق ذلك قولهم زيدا فاضربه، لأنه ليس ms1165 فيه معنى الجزاء. # وظاهر قوله { والسارق والسارقة } يقتضي عموم وجوب القطع على كل من يكون ~~سارقا أوسارقة، لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسماء المشتقة أفادا ~~الاستغراق إذا لم يكونا للعهد دون تعريف الجنس - على ما ذهب اليه قوم -. ~~وقد دللنا على ذلك في أصول الفقه. فأما من قال القطع لا يجب إلا على من ~~كان سارقا مخصوصا من مكان مخصوص مقدارا مخصوصا وظاهر الآية لا ينبئ ~~عن تلك الشروط، فيجب أن تكون الآية مجملة مفتقرة الى بيان، فقوله فاسد ~~لأن ظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على كل من يسمى سارقا وإنما يحتاج الى ~~معرفة الشروط ليخرج من جملتهم من لا يجب قطعه فأما من يجب فانا نقطعه ~~بالظاهر، فالآية مجملة فيمن لا يجب قطعه دون من يجب قطعه فسقط ما قالوه. # وقوله { فاقطعوا أيديهما } أمر من الله بقطع أيدي السارق والسارقة. # والمعنى ايمانهما. وإنما جمعت أيدي لأن كل شيء من شيئين، فتثنيته بلفظ ~~الجمع كما قال - عز وجل -: # فقد صغت بكما # وقال الفراء كلما كان في البدن منه واحد فتثنيته بلفظ الجمع لأن أكثر ~~أعضائه فيه منه اثنان، فحمل ما كان فيه الواحد على مثل ذلك، فقيل قلوبهما ~~وظهورهما. كما قيل عيونهما وأيديهما. وقال الفراء إنما فعلوا ذلك للفصل ~~بين ما في البدن منه واحد وبين ما في البدن منه اثنان، فجعل ما في البدن ~~منه واحد تثنيته وجمعه بلفظ واحد ولم يثن أصلا، لأن الاضافة تدل عليه، ~~ولأن التثنية جمع، لأنه ضم شئ الى شئ. وإن ثني جاز قال الشاعر: # ظهراهما مثل ظهور الترسين # فجمع بين الأمرين. وإنما اعتبرنا قطع الايمان، لاجماع المفسرين على ذلك. ~~كالحسن والسدي والشعبي وغيرهم. وفي قراءة ابن مسعود { والسارقون ~~والسارقات فاقطعوا أيمانهما } والنصاب الذي يتعلق القطع به قيل فيه ستة ~~أقوال: # أولها - على مذهبنا، وهو ربع دينار. وبه قال الاوزاعي والشافعي، لما روي ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال القطع في ربع دينار. # الثاني - ثلاثة دراهم وهو قيمة المجن. # ذهب اليه ms1166 مالك بن أنس. # الثالث - خمسة دراهم روي ذلك عن علي (ع) وعن عمر، وانهما قالا: لا يقطع ~~الخمس إلا في خمسة دراهم وهو اختيار أبي علي، قال: لأنه بمنزلة من منع ~~خمسة دراهم من الزكوة في أنه فاسق. # الرابع - قال الحسن: يقطع في درهم، لأن ما دونه تافه. # الخامس - عشرة دراهم ذهب اليه أبو حنيفة وأصحابه لما رووا أنه كان قيمة ~~المجن عشرة دراهم. # السادس - قال أصحاب الظاهر وابن الزبير يقطع في القليل والكثير. # ولا يقطع إلا من سرق من حرز. والحرز يختلف، فلكل شئ حرز يعتبر فيه حرز ~~مثله في العادة. وحده أصحابنا بأنه كل موضع لم يكن لغيره الدخول اليه ~~والتصرف فيه إلا باذنه فهو حرز. وقال أبو علي الجبائي الحرز أن يكون في ~~بيت أو دار مغلق عليه وله من يراعيه ويحفظه. # ومن سرق من غير حرز لا يجب عليه القطع. قال الرماني، لأنه لا يسمى ~~سارقا حقيقة وإنما يقال ذلك مجازا كما يقال سرق كلمة أو معنى في شعر ~~لأنه لا يطلق على هذا اسم سارق على كل حال. وقال داود: يقطع اذا سرق من ~~غير حرز. # وكيفية القطع عندنا يجب من أصول الأصابع الأربعة ويترك الابهام والكف - ~~وهو المشهور عن علي (ع): وقال أكثر الفقهاء: إنه يقطع من الرسغ. وهو ~~المفصل بين الكف والساعد. وقالت الخوارج يقطع من الكتف. وأما الرجل ~~فعندنا تقطع الأصابع الأربعة من مشط القدم ويترك الابهام والعقب. # دليلنا أن ماقلناه مجمع على وجوب قطعه. وما قالوه ليس عليه دليل. ولفظ ~~اليد يطلق على جميع اليد الى الكتف ولا يجب قطعه - بلا خلاف إلا ما ~~حكيناه عمن لا يعتد به. وقد استدل قوم من أصحابنا على صحة ما قلناه بقوله # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم # وإنما يكتبونه بالاصابع. - والمعتمد ما قلناه - وعليه اجماع الفرقة ~~المحقة. # ومتى تاب السارق قبل أن يرفع الى الامام. وظهر ذلك منه ثم قامت عليه ~~البينة، فانه لا يقطع. غير أنه يطالب بالسرقة وإن تاب بعد قيام البينة ms1167 ~~عليه وجب قطعه على كل حال. وقال الفقهاء يجب قطعه على كل حال. فان كان ~~تاب كان قطعه امتحانا، وان لم يكن تاب كان عقوبة وجزاء. ومتى قطع فانه ~~لا يسقط عنه رد السرقة سواء كانت باقية أو هالكة، فان كانت باقية ردها - ~~بلا خلاف - وإن كانت هالكة رد عندنا قيمتها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا ~~يجمع عليه القطع والغرامة معا، فان قطع سقطت الغرامة وان غرم سقط القطع. ~~وقد دللنا على صحة ما قلناه - في مسائل الخلاف - ومتى سرق بعد قطع اليد ~~دفعة ثانية قطعت رجله اليسرى حتى يكون من خلاف. # فان سرق ثالثة حبس عندنا. وبه قال الحسن. وقال أبو علي تقطع اليد ~~الاخرى، فان سرق في الحبس قتل عندنا. ولا يعتبر ذلك أحد من الفقهاء. ~~وظاهر الآية يقتضي وجوب قطع العبد والأمة إذا سرقا لتناول اسم السارق ~~والسارقة لهما. # وقوله: { جزاء بما كسبا } معناه استحقاقا على فعلهما { نكالا من الله ~~} أي عقوبة على ما فعلاه. قال زهير: # ولولا أن ينال أبا طريف # عذاب من خزيمة أو نكال # أي عقوبة. ونصبه يحتمل أمرين: # أحدهما - مفعول له وتقديره لجزاء فعلهما. # الثاني - نصب على المصدر الذي دل عليه فاقطعوا لأن معنى فاقطعوا: جازوهم ~~ونكلوا بهم. وقال الازهري معناه لينكل غيره نكالا عن مثل فعله يقال نكل ~~ينكل إذا جبن، فهو ناكل { والله عزيز حكيم } أي مقتدر لا يغالب { حكيم ~~} فيما يأمر به من قطع السارق والسارقة، وفي غيره من الافعال. ### || [5.39] # أخبر الله تعالى أن من تاب وأقلع وندم على ما كان منه من فعل الظلم ~~بالسرقة وغيرهما وفعل الفعل الجميل الصالح { فإن الله يتوب عليه } ومعناه ~~يقبل توبته باسقاط العقاب بها عن المعصية التي تاب منها. ووصف الله تعالى ~~بانه يتوب على التائب فيه فائدة عظيمة، لأن في ذلك ترغيبا للعاصي في فعل ~~التوبة، ولذلك قال تعالى واصفا نفسه بأنه تواب رحيم. ووصف العبد بأنه ~~تواب معناه أواب وهي صفة مدح من أجل المدح على التوبة التي يسقط العقاب ms1168 ~~عندها. ولا خلاف في سقوطه عندها وهي الندم على ما مضى من القبيح أو ~~الاخلال بالواجب والعزم على ترك الرجوع الى مثله في القبح. وفي الناس من ~~قال يكفي الندم مع العزم على ترك المعاودة. والذي ذكرناه أولى، لأن سقوط ~~العذاب عنده مجمع عليه. وان اختلفوا هل هو واجب أو تفضل؟ وما قالوه فيه ~~خلاف. ويمكن التوبة من الحسن إلا أن حسنه لا يدعو الى التوبة منه كما ~~يدعو قبح القبيح الى التوبة منه لكن قد يتوب الانسان منه لقبحه فيما ~~يتوهمه أو لمضرة تلحقه به. ولا يجوز التوبة من الحسن كيف تصرفت الحال ~~لانه تحريم لما ليس بحرام، وتقبيح لما ليس بقبيح. ويمكن أن تكون التوبة ~~من القبيح معصية لله كالذي يتوب من الالحاد ويدخل في النصرانية. # وقال مجاهد: ان الحد كفارة. وهذا غير صحيح، لأن الله تعالى دل على ~~معنى الأمر بالتوبة. وإنما يتوب المذنب من ذنبه. والحد من فعل غيره. ~~وأيضا فمتى كان مصرا كان اقامة الحد عليه عقوبة. والعقوبة لا تكفر ~~الخطيئة. كما لا يستحق بها الثواب. وقوله { إن الله غفور رحيم } يدل على ~~ما نذهب اليه من أن قبول التوبة واسقاط العقاب عندنا تفضل من الله، فلذلك ~~صح وصفه بأنه غفور رحيم. ولو كان الغفران واجبا عند التوبة لم يلق به ~~غفور رحيم. ### || [5.40] # قيل فيمن يتوجه هذا الخطاب اليه قولان: # أحدهما - انه متوجه الى النبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به امته ~~كما قال { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء }. # والثاني - أنه متوجه الى كل مكلف من الناس وتقديره: ألم تعلم يا انسان. ~~واتصال هذا الخطاب بما قبله اتصال الحجاج والبيان عن صحة ما تقدم من ~~الوعد والوعيد. وما ذكره من الأحكام. # والمعنى ألم تعلم يا انسان { أن الله له ملك السماوات والأرض } يعني له ~~التصرف فيهما من غير دافع ولا منازع { يعذب من يشاء } إذا كان مستحقا ~~العقاب { ويغفر لمن يشاء } إذا عصاه ولم يتب، لانه إذا تاب، فقد وعد ~~بأنه لا يؤاخذ ms1169 به بعد التوبة. وعند المخالفة يقبح مؤاخذته بعدها. فعلى ~~الوجهين معا لا يعلق ذلك بالمشيئة. وفي ذلك دلالة على أنه قادر على أن ~~يعاقب على وجه الجزاء، لأنه لو لم يكن قادرا عليه لما كان فيه وجه مدح ~~{ والله على كل شيء قدير } معناه ها هنا أن من ملك السموات والأرض وقدر ~~على هذه الاجسام والاعراض التي يتصرف فيها ويديرها، فهو لا يعجزه شئ ~~لقدرته على كل جنس من أجناس المعاني. وقوله { على كل شيء قدير } عام في ~~كل ما يصح أن يكون مقدرا له تعالى. ولا يحتاج الى أن يقيد بذكر ما تصح ~~القدرة عليه لأمرين: # أحدهما - ظهور الدلالة عليه، فجاز ألا يذكر في اللفظ. # والآخر - أن ذلك خارج فخرج المبالغة كما يقول القائل أتاني أهل الدنيا. ~~ولعله لم يجئه الا خمسة فاستكثرهم. ### || [5.41] # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) نهاه الله أنه يحزنه الذين يسارعون ~~في الكفر أي يبادرون فيه. و { يحزنك } - بفتح الياء وضمها - لغتان. وقد ~~قرئ بهما. وقد قدمنا ذكره مستوفى. # من المنافقين { الذين قالوا آمنا } يعني صدقنا { بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم } يعني لم تصدق قلوبهم { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك } وقف ها هنا. و { سماعون } فيه مبالغة من سامع مثل ~~جابر وجبار. وقيل في رفع { سماعون } قولان: # أحدهما - قال سيبويه رفع على الابتداء والخبر { من الذين هادوا } كما ~~تقول من قومك عقلاء. # الثاني - قال الزجاج: على أنه خبر الابتداء. وتقديره: المنافقون هم، ~~واليهود سماعون للكذب. وقيل في معنى ذلك قولان: # أحدهما - { سماعون } كلامك للكذب عليك سماعون كلامك { لقوم آخرين لم ~~يأتوك } ليكذبوا عليك اذا رجعوا اليهم أي هم عيون عليك. وقيل انهم كانوا ~~رسل أهل خيبر لم يحضروا. فلهذا جالسوك، هذا قول الحسن والزجاج وأبو علي. # الثاني - قال أهل التفسير { سماعون للكذب } قابلون له كما يقال لا تسمع ~~من فلان أي لا تقبل منه، ومنه سمع الله لمن حمده { سماعون لقوم آخرين } ~~ارسلوا بهم في قضية زان محصن. فقالوا ms1170 لهم: إن أفتاكم محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) بالجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوه، لأنهم قد كانوا ~~حرفوا حكم الجلد الذي في التوارة الى جلد أربعين، وتسويد الوجه والاشهار ~~على حمار. هذا قول ابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب والسدي، وابن زيد. ~~وقال قتادة: إنما كان ذلك في قتيل منهم قالوا: إن أفتاكم بالدية ~~فاقبلوه وإن أفتاكم بالقود فاحذروه. وقال أبو جعفر (ع) نزلت الآية في ~~أمر بني النضير وبني قريظة وقوله: { يحرفون الكلم } قيل في معنى ~~(تحريفهم) قولان: # أحدهما - تحريف كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد سماعه، للكذب { ~~يقولون إن أوتيتم هذا } أي دين اليهود فاقبلوه { وإن لم تؤتوه فاحذروا ~~} أن تقبلوا خلافه - في قول الحسن وابي علي. # الثاني - جعلهم بدل رجم المحصن جلد أربعين تغييرا لحكم الله - في قول ~~المفسرين. # وقوله: { من بعد مواضعه } لأن المعنى من بعد استقراره في مواضعه، ومضي ~~الايام عليه. وقال الزجاج من بعد أن فرض فروضه، وأحل حلاله، وحرم ~~حرامه. ولو قال مكان { بعد مواضعه } عن مواضعه لجاز، لأن معناهما متقارب، ~~هذا كما يقول القائل: أتيتك عن فراغي من الشغل، وبعد فراغي منه، ولا يجوز ~~قياسا على ذلك أن تقول بدل قولك: رميت عن القوس، رميت بعد القوس، ولا في ~~قولك: جاء زيد بعد عمرو، أن تقول: عن عمرو، لأن المعنى يختلف. # وذلك أن (عن) لما عدا الشئ الذي هو كالسبب له، و (بعد) إنما هي لما ~~تأخر عن كون الشئ، فما صح معنى السبب ومعنى التأخر جاز فيه الأمران، وما ~~لم يصح إلا أحد المعنيين لم يجز إلا أحد الحرفين. # وقوله: { ومن يرد الله فتنته } في الفتنة ثلاثة أقوال: # أحدها - قال الزجاج معناه من يرد فضيحته باظهار ما ينطوي عليه. # الثاني - قال السدي من يرد الله هلاكه. # الثالث - قال الحسن وأبو علي والبلخي من يرد الله عذابه من قوله { يوم ~~هم على النار يفتنون } أي يعذبون. وقوله { ذوقوا فتنتكم } أي عذابكم. ~~وقوله { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } يعني الذين عذبوا. ms1171 # وأصل الفتنة التخليص من قولهم: فتنت الذهب في النار أي خلصته من الغش ~~والفتنة الاختبار تسمى بذلك لما فيها من تخليص الحال لمن أراد الاضلال. ~~وإنما أراد الحكم عليه بذلك بايراد الحجج. ففيه تمييز وتخليص لحالهم من ~~حال غيرهم من المؤمنين. ومن فسره على العذاب فلأنهم يحرقون كما يحرق ~~خبث الذهب فهم خبث كلهم. ومن فسره على الفضيحة فلما فيها من الدلالة ~~عليهم التي يتميزون بها من غيرهم. وقوله { أولئك لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم } قيل فيه قولان: # أحدهما - قال أبو علي وغيره لم يرد الله أن يطهرها من الحرج والضيق ~~الدال على دنس الكفر عقوبة لهم. # الثاني - قال البلخي وغيره: لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم بأنها ~~بريئة منه ممدوحة بضده كما يطهر قلوب المؤمنين بذلك. ولا يجوز أن يكون ~~المراد بذلك الذين لم يرد الله منهم الايمان، لأنه لو لم يكن مريدا منهم ~~الايمان، لم يكن مكلفا لهم، لأن التكليف هو إرادة ما فيه المشقة ~~والكلفة، ولأن الله أمرهم بالايمان - بلا خلاف - والأمر لا يكون أمرا ~~إلا بارادة المأمور به على ما بين في غير موضع. # وقوله: { لهم في الدنيا خزي } يعني لهؤلاء الكفار والمنافقين الذين ~~ذكرهم في الآية، فبين أن لهم خزيا عن عذاب الله في الدنيا. وهو ما كان ~~يفعله بهم من الذل والهوان، والبغض والزام الجزية على وجه الصغار { ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم } مضافا الى عذاب الدنيا وخزيها. # وقال أبو جعفر (ع) وجماعة من المفسرين ذكرنا أسماءهم: إن امرأة من خيبر ~~- في شرف منهم - زنت وهي محصنة فكرهوا رجمها، فأرسلوا الى يهود المدينة ~~يسألون النبي (صلى الله عليه وسلم) طمعا أن يكون أتى برخصة، فسألوه، ~~فقال: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فأنزل الله عليه الرجم، فأبوه. فقال ~~جبرائيل: سلهم عن إبن صوريا، ثم اجعله بينك وبينهم، فقال: تعرفون شابا ~~أبيضا أعورا أمردا يسكن فدكا يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم هو أعلم ~~يهودي على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى. # قال: ms1172 فارسلوا اليه فأسلوا فأتى، فقال له رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم): أنت عبد الله بن صوريا. قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود قال: كذلك ~~يقولون. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فاني أناشدك الله الذي لا ~~إله إلا هو القوي إله بني اسرائيل الذي أخرجكم من أرض مصر، وفلق لكم ~~البحر فأنجاكم وأغرق آل فرعون، وظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن ~~والسلوى، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون في كتابكم الذي ~~جاء به موسى الرجم على من أحصن؟ قال عبد الله بن صوريا: نعم، والذي ~~ذكرتني لولا مخافتي من رب التوراة أن يهلكني إن كتمت ما اعترفت لك به، ~~فأنزل الله فيه # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير # فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم ~~قال: هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير أمرت أن تعفو عنه، ~~فأعرض النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك، ثم سأله ابن صوريا عن نومه وعن ~~شبه الولد بأبيه وامه وما حظ الأب من أعضاء المولود؟ وما حظ الام؟ ~~فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، والشبه يغلبه أي المائين علا، وللأب ~~العظم والعصب والعروق، وللام اللحم والدم والشعر. فقال: أشهد أن أمرك أمر ~~نبي، وأسلم، فشتمه اليهود. فقال المنافقون لليهود: إن أمركم محمد بالجلد ~~فاقبلوه وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا. وهو قوله: { يقولون إن أوتيتم ~~هذا فخذوه } يعني الجلد { وإن لم تؤتوه فاحذروا } وسلاه عن ذلك بقوله: { ~~لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } فلما أرادوا الانصراف تعلقت قريظة ~~بالنضير، فقالوا يا أبا القاسم - وكانوا يكرهون أن يقولوا يا محمد لئلا ~~يوافق ذلك ما في كتابهم من ذكره - هؤلاء اخواننا بنوا النضير اذا قتلوا ~~منا قتيلا لا يعطونا القود وأعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم ~~قتيلا أخذوا القود ومعه سبعون وسقا من تمر، وإن أخذوا الدية أخذوا منا ~~مئة ms1173 وأربعين وسقا. وكذلك جراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فأنزل الله تعالى # وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط # فحكم بينهم بالسواء، فقالوا: لا نرضى بقضائك، فأنزل الله # أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون # ثم قال { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } شاهدا لك بما ~~يخالفونك. ثم فسرما فيها من حكم الله فقال { وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس } الآية { فإن تولوا } يعني بني النضير، لما قالوا لا نقبل حكمك { ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم } وهو إجلاؤهم من ديارهم. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية. # وقال السيدي نزلت في ابي لبابة الانصاري لقوله لبني قريظة حين حاصرهم ~~النبي (صلى الله عليه وسلم): إنما هو الذبح فلا تنزلوا على حكم سعد. # وقال عكرمة وعامر الشعبي: نزلت في رجل من اليهود قتل رجلا من أهل دينه ~~فقال القاتل لحلفائهم من المسلمين سلوا لي محمدا (صلى الله عليه وسلم) ~~فان بعث بالدية اختصمنا اليه وان كان يأمرنا بالقتل لم نأته. وقال أبو ~~هريرة: نزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتد بعد إسلامه على ما ~~وصفناه عن أبي جعفر (ع) وقال ابن جريج ومجاهد: نزلت في المنافقين وهم ~~السماعون لقوم آخرين والأصح من هذه الأقوال أنها نزلت في ابن صوريا على ~~ما قدمناه عن أبي جعفر (ع) وهو اختيار الطبري لأنه رواه أبو هريرة ~~والبراء بن عازب وهما صحابيان. ### || [5.42] # قرأ السحت - بضم السين والحاء - ابن كثير وأهل البصرة والكسائي وأبو ~~جعفر (ع) الباقون باسكان الحاء. # وقوله: { سماعون للكذب } وصف لهؤلاء اليهود الذين تقدم وصفهم. ورفعه كما ~~رفع سماعون الأول سواء، لانه صفة بعد صفة. وقد يجوز النصب في الموضعين ~~على القطع لكن لم يقرأ به، وقد فسرنا معنى الكذب. # وقوله: { أكالون للسحت } معناه أنه يكثر أكلهم للسحت، وهو الحرام. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " السحت الرشوة في الحكم " # وفي السحت لغتان ضم الحاء وإسكانها. وقد قرىء بهما على ما بيناه، ~~فالسحت اسم للشئ ms1174 المسحوت وليس بمصدر، والمصدر بفتح السين. وقال الحسن ~~سمعوا كذبه وأكلوا رشوته. وقال ابن مسعود وقتادة وابراهيم ومجاهد والضحاك ~~والسدي: السحت الرشى وروي عن علي (ع) أنه قال: (السحت الرشوة في الحكم ~~ومهر البغي وعسب الفحل، وكسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن ~~الميتة، وحلوان الكاهن والاستعجال في المعصية). وروي عن ابي هريرة مثله. ~~وقال مسروق سألت عبد الله عن الجور في الحكم قال: ذلك الكفر، وعن السحت ~~فقال الرجل يقضي لغيره الحاجة فيهدي له الهدية. # وأصل السحت الاستئصال اسحت الرجل إسحاتا وهو أن يستأصل كل شئ يقال: ~~سحته وأسحته اذا استأصله. وأذهبه. قال الفرزدق: # وعض زمان يابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # ويقال للحالق: اسحت أي استأصل، ومنه قوله: # فيسحتكم بعذاب # أي يستأصلكم به وفلان مسحوت المعدة اذا كان أكولا شرها. وقد اسحت ماله ~~إذا أفسده وأذهبه. ففي اشتقاق السحت أربعة أقوال: # قال الزجاج لانه يعقب عذاب الاستئصال والبوار. وقال أبو علي هو حرام لا ~~بركة فيه لأهله، لأنه يهلك هلاك الاستئصال، وقال الخليل هو القبيح الذي ~~فيه العار نحو ثمن الكلب والخمر فعلى هذا يسحت مروة الانسان. وقال ~~بعضهم حرام يحمل عليه الشره، فهو كشره المسحوت المعدة. # وقوله: { فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال ابن عباس، والحسن، ~~ومجاهد، وابن شهاب: خيره الله تعالى في الحكم بين اليهود في زناء المحصن، ~~وفي رواية اخرى عن ابن عباس، وقتادة، وابن زيد أنه خيره في الحكم بينهم ~~في قتيل قتل من اليهود. وكلا القولين قد رواه أصحابنا على ما قدمناه. ~~وروي أن عليا (ع) دخل في بيت المال فأفرط فيه ثم قال لا أمسي وفيك درهم ~~ثم أمر رجلا فقسمه بين الناس، فقيل له لو عوضته شيئا، فقال إن شاء لكنه ~~سحت وفي اختيار الحكام، والأئمة الحكم بين أهل الذمة إذا احتكموا اليهم ~~قولان: # أحدهما - قال ابراهيم الشعبي وقتادة وعطاء والزجاج، والطبري، وهو المروي ~~عن علي (ع) والظاهر في رواياتنا أنه حكم ثابت والتخيير حاصل. ms1175 # وقال الحسن وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والحكم، وجعفر بن مبشر، واختاره ~~الجبائي: أنه منسوخ بقوله # وأن أحكم بينهم بما أنزل الله # فنسخ الاختيار وأوجب الحكم بينهم بالقسط، وهو العدل يقال أقسط إقساطا ~~إذا عدل { إن الله يحب المقسطين } يعني العادلين، وقسط يقسط قسوطا اذا ~~جار. ومنه قوله: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # أي الجائرون وقوله: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } أي لا يقدرون لك ~~على ضر في دين، ولا دنيا، فدع النظر ان شئت وإن حكمت فاحكم بما أنزل ~~الله. ### || [5.43] # المعنى كيف يحكمك هؤلاء اليهود يا محمد بينهم، فيرضوا بك حكما، وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله التي أنزلها على موسى التي يقرون بها أنها كتابي # وجه التعجب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وفيه تقريع لليهود الذين نزلت ~~فيهم فكأنه قال الذي أنزلته على نبيي وإنه الحق وإن ما فيه حكم من حكمي ~~لا يتناكرونه ويعلمونه، وهم مع ذلك يتولون: أي يتركون الحكم به جرأة علي ~~كيف تقرون أيها اليهود بحكم نبيي محمد مع جحدكم نبوته، وتكذيبكم إياه ~~وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه واجب وأنه حق من عند الله. # وقوله: { فيها حكم الله } قال أبو علي فيه دليل على أنه لم ينسخ لأنه لو ~~نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن حكم الله تحليل ~~الخمر أو تحريم السبت. وقال الحسن { فيها حكم الله } بالرجم. وقال قتادة ~~وعصيانا لي. # { فيها حكم الله } بالقود. # فان قيل كيف يقولون { فيها حكم الله } وعندكم أنها محرفة مغيرة؟:. ~~قلنا: على ما قال الحسن وقتادة لا يتوجه، لأنها وإن كانت مغيرة محرفة ~~لا يمتنع أن يكون فيها هذان الحكمان غير مبدلين، وهو رجم المحصن ووجوب ~~القود. ويحتمل أن يكون المراد بذلك فيها حكم الله عندهم، لأنهم لا يقرون ~~بأنها مغيرة بل يدعون أنها هي التي أنزلت على موسى (ع) بعينها. # والحكم هو فصل الأمر على وجه الحكمة فيما يفصل به، وقد يفصل بالبيان أنه ~~الحق وقد يفصل بالزام ms1176 الحق والأخذ به كما يفصل الحكام بين الخصوم بما ~~يقطع الخصومة وتثبت القضية. وقوله: { ثم يتولون } فالتولي هو الانصراف عن ~~الشئ والتولي عن الحق. الترك له. وهو خلاف التولي اليه؛ لأن الاقبال عليه ~~والتولي له فالله صرف النصرة والمعونة اليه ومنه تولي الله للمؤمنين. # وقوله: { من بعد ذلك } قال عبد الله بن كثير: إشارة الى حكم الله في ~~التوراة. وقال قوم هو إشارة الى تحكيمك، لأنهم ليسوا منه على ثقة، ~~وإنما طلبوا به الرخصة. وقوله: { وما أولئك بالمؤمنين } قيل في معناه ~~قولان: أحدهما - وما هم بالمؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم نبوتك ~~والعدول عما يعتقدونه حكما لله فيه لا على من يقرون بنبوته، فبين أن ~~حالهم ينافي حال المؤمن به. والثاني - قال أبو علي أن من طلب غير حكم ~~الله من حيث لم يرض به فهو كافر بالله وهكذا هؤلاء اليهود. ### || [5.44] # قرأ " اخشوني " بياء في الوصل أهل البصرة وأبو جعفر، واسماعيل، ويقف ~~يعقوب بالياء. # أخبر الله تعالى أنه الذي أنزل التوراة فيها هدى أي بيان أن أمر النبي ~~حق وأن ما سألوك عنه في حكم الزانيين حق، والقود حق { ونور } يعني فيها ~~جلاء ما أظلم عليهم وضياء ما التبس عيلهم { يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا } يعني يحكم بالتوراة النبيون الذين أذعنوا بحكم الله وأقروا به. ~~وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: إن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) داخل في ذلك، بل قال أكثرهم: هو المعني بذلك لما حكم في رجم ~~المحصن، ولا يدل ذلك على أنه كان متعبدا بشرع موسى (ع) لأن الله تعالى ~~هو الذي أوجب عليه بوحي أنزل عليه لا بالرجوع الى التوراة فصار ذلك شرعا ~~له وإن وافق ما في التوراة وإنما نبه اليهود بذلك على صحة نبوته من حيث ~~علم ما هو من غامض علم التوراة ومما قد التبس على كثير منهم وهو قد عرف ~~ذلك من غير قراءة كتبهم، والرجوع الى علمائهم، فلم يكن ذلك إلا باعلام ~~الله له ذلك وذلك من ms1177 دلائل صدقه (صلى الله عليه وآله). # وقوله: { للذين هادوا } العامل في { الذين } أحد شيئين: # أحدهما { يحكم } في قول الزجاج وابي علي وجماعة من أهل التأويل. # والثاني - قال قوم العامل { أنزلنا } كأنه قال أنزلناها للذين هادوا. # والربانيون. قد فسرناه فيما مضى وهو جمع رباني وهم العلماء البصراء ~~بسياسة الناس وتدبير أمورهم، قال السدي: عنا به ابن صوريا. وقال الباقون ~~- وهو الأولى - إنه على الجمع، والاحبار جمع حبر، وهو العالم مشتق من ~~التحبير وهو التحسين فالعالم يحسن الحسن ويقبح القبيح، وقال الفراء، ~~أكثر ما سمعت فيه حبر بالكسر. وقوله { بما استحفظوا } معناه بما ~~استودعوا. والعامل في الباء أحد سببين: # أحدهما - " الاحبار " كأنه قال العلماء بما استحفظوا. # والثاني - { يحكم } بما استحفظوا. # وقوله: { وكانوا عليه شهداء } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس شهداء على حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) في ~~التوراة. # الثاني - شهداء على ذلك الحكم أنه الحق من عند الله. # وقوله: { فلا تخشوا الناس واخشوني } قيل في معناه قولان: # أحدهما - لا تخشوهم يا علماء اليهود في كتمان ما أنزلت ذهب اليه السدي. # الثاني - لا تخشوهم في الحكم بغير ما انزلت بل اخشوني فان النفع والضر ~~بيدي { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } معناه لا تأخذوا بترك الحكم ~~الذي أنزلته على موسى (ع) أيها الاحبار خسيسا. وهو الثمن القليل. وإنما ~~نهاهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله وتغييرهم حكمه، وهو قول ابن ~~زيد والسدي. # وقوله: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } معناه من كتم ~~حكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكما بين عباده، فأخفاه وحكم بغيره: ~~من رجم المحصن والقود { فأولئك هم الكافرون }. # واختلفوا هل الآية على عمومها أم لا؟ فقال ابن مسعود والحسن وابراهيم هي ~~على عمومها. وقال ابن عباس: هي في الجاحد لحكم الله. وقيل في اليهود خاصة ~~في قول الجبائي، لأنه قال لا حجة للخوارج فيها من حيث هي خاصة في اليهود. ~~وقال البلخي يجوز أن تكون (من) بمعنى (الذي) وتكون للعهد، وهو من ms1178 تقدم ~~ذكره من اليهود. ويحتمل أن يكون خرج مخرج الشتم لا على وجه المجازاة كما ~~يقول القائل: من فعل كذا فهو الذي لا حسب له ولا أصل، ولا يريد أنه استحق ~~الدناءة بالفعل الذي ذكروا أنه إنما كان غير حسيب من أجل فعله وإنما ~~يريدون الشتم وإن كان قد يفعل ذلك لعارض الحسيب العظيم الهمة. واختار ~~الرماني قول ابن مسعود غير أنه قال الحكم هو فصل الأمر على وجه الحكمة ~~عند الحاكم بخلاف ما أنزل الله، لأنه بمنزلة من قال الحكمة خلاف ما أنزل ~~الله. والأولى أن تقول هي عامة فيمن حكم بغير ما أنزل الله مستحلا لذلك، ~~فانه يكون كافرا بذلك - بلا خلاف - ومتى لم يكن كذلك فالآية خاصة على ما ~~قاله ابن عباس في الجاحدين أو ما قاله أبو علي في اليهود. # وروى البراء بن عازب عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن هذه الآيات ~~الثلاث: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون } في الكفار خاصة، وبه قال ابن مسعود وأبو صالح. وقال ليس في ~~أهل الاسلام منها شئ وبه قال الضحاك وأبو مجلز وعكرمة وقتادة. وقال ~~الشعبي: نزلت " الكافرون " في المسلمين " والظالمون " في اليهود " ~~والفاسقون " في النصارى وقال عطا وطاووس أراد به كفرا دون كفر، وظلما ~~دون ظلم، وفسقا دون فسق. ورووه عن ابن عباس. وقال ابراهيم هي عامة في ~~بني اسرائيل وغيرهم من المسلمين، وبه قال الحسن: وقد بينا الأقوى من هذه ~~الأقاويل. ### || [5.45] # قرأ الكسائي { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن } ~~بالرفع فيهن. وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأنه كان يقرأ به. ~~وقرأ نافع " الاذن " بسكون الذال حيث وقع. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف ~~ويعقوب { والجروح قصاص } بالنصب. # قوله { وكتبنا } أي فرضنا عليهم يعني اليهود الذين تقدم ذكرهم { فيها } ~~يعني في التوراة { أن النفس بالنفس } ومعناه إذا قتلت نفس نفسا ms1179 أخرى ~~متعمدا أنه يستحق عليها القود إذا كان القاتل عاقلا مميزا، وكان ~~المقتول مكافيا للقاتل، أما بأن يكونا مسلمين حرين أو كافرين أو ~~مملوكين، فأما أن يكون القاتل حرا مسلما والمقتول كافرا أو مملوكا ~~فان عندنا لا يقتل. وفيه خلاف بين الفقهاء. وإن كان القاتل مملوكا أو ~~كافرا أو المقتول مثله أو فوقه فانه يقتل به - بلا خلاف -. # وقوله: { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص } من نصب جميع ذلك عطفه على المنصوب بواو الاشتراك ثم ~~استأنف، فقال والجروح قصاص. ومن نصب الجروح عطفها على ما قبلها من ~~المنصوبات. ومن لم ينصب غير النفس فعلى أن ذلك هو المكتوب عليهم. ثم ~~ابتدأ ما بعده بيانا مبتدأ. ويحتمل أن يكون الواو عاطفة جملة على جملة ~~ولا يكون الاشتراك فيمن نصب. ويحتمل أن يكون حمل على المعنى، لأن التقدير ~~قلنا لهم { إن النفس بالنفس } فحمل { العين بالعين } على المعنى دون ~~اللفظ. ويحتمل أن يكون عطف على الذكر المرفوع في الظرف الذي هو الخبر، ~~وإن لم يؤكد المعطوف عليه بضمير منفصل، كما قال # لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا # فلم يؤكد كما أكد في قوله: # يراكم هو وقبيله # ذكر الوجوه الثلاثة الزجاج، وأبو علي الفارسي ومن نصب الجميع جعل الكل ~~فيما كتب عليهم. # هذا وإن كان إخبار من الله أنه ما كتب عليهم في التوراة فانه لا خلاف ~~أن ذلك ثابت في هذا الشرع ويراعى في قصاص الاعضاء ما يراعى في قصاص النفس ~~من التكافؤ. ومتى لم يكونا متكافئين، فلا قصاص على الترتيب الذي رتبناه ~~في النفس سواء. وفيه أيضا خلاف، ويراعى في الاعضاء التساوي أيضا، فلا ~~تقلع العين اليمنى باليسرى، ولا تقطع اليمين باليسار. وتقطع الناقصة ~~بالكاملة. فمن قطع يمين غيره وكانت يمين القاطع شللا. قال أبو علي: يقال ~~له إن شئت قطعت يمينه الشلاء أو تأخذ دية يدك. وقد ورد في أخبارنا أن ~~يساره تقطع إذا لم يكن للقاطع يمين، فأما عين الأعور، فانها تقلع بالعين ~~التي ms1180 قلعها سواء كانت المقلوعة عوراء أو لم تكن. وان قلعت العين العوراء ~~كان فيها كمال الدية إذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من الله أو يقلع احدى ~~عيني القالع ويلزمه مع ذلك نصف الدية. # وفي ذلك خلاف ذكرناه في الخلاف. # وأما الجروح، فانه يقتص منها إذا كان الجارح مكافيا للمجروح على ما ~~بيناه في النفس، وتقتص بمثل جراحته الموضحة بالموضحة والهاشمة بالهاشمة ~~والمنقلة بالمنقلة ولا قصاص في المأمومة وهي التي ام الرأس ولا الجايفة، ~~وهي التي تبلغ الجوف، لأن في القصاص منها تعزيرا بالنفس. ولا ينبغي أن ~~يقتص من الجراح إلا بعد أن تندمل من المجروح، فاذا اندمل اقتص حينئذ من ~~الجارح. وإن سرت الى النفس كان فيها القود. وكسر العظم لا قصاص فيه، ~~وإنما فيه الدية. وكل جارحة كانت ناقصة فاذا قطعت كان فيها حكومة. ولا ~~يقتص لها الجارحة الكاملة كيد شلاء وعين لا تبصر وسن سوداء متأكلة، فان ~~جميع ذلك حكومة لا تبلغ دية تلك الجارحة. وقد روي أن في هذه الأشياء ~~مقدرا وهو ثلث دية العضو الصحيح. وتفصيل أحكام الجنايات والديات ~~استوفيناه في النهاية والمبسوط في الفقه لا نطول بذكره ها هنا. # وقوله: { فمن تصدق به فهو كفارة له } الهاء في { كفارة له } يحتمل عودها ~~الى أحد أمرين: # أحدهما - وهو الأقوى - ما قاله عبد الله بن عمر والحسن وقتادة وابن زيد ~~وابراهيم - على خلاف عنه - والشعبي بخلاف عنه: إنها عائدة على المتصدق ~~من المجروح أو ولي المقتول، لانه إذا تصدق بذلك على الجارح لوجه الله ~~كفر الله عنه بذلك عقوبة ما مضى من معاصيه. # الثاني - على المتصدق عليه لأنه يقوم مقام أخذ الحق عنه ذهب اليه ابن ~~عباس ومجاهد، وإنما رجحنا الأول، لأن العائد يجب أن يرجع الى مذكور، وهو ~~من تصدق، والمتصدق عليه لم يجر له ذكر، ومعنى " من تصدق " به عفا عن الحق ~~واسقط. # فان قيل: هل يكفر الذنب إلا التوبة أو اجتناب الكبيرة؟ # قلنا: على مذهبنا يجوز أن يكفر الذنب شئ من أفعال الخير، ms1181 ويجوز أن يتفضل ~~الله باسقاط عقابها. وقال قوم: يجوز أن يكفر بالطاعة الصغيرة حتى يسقط ~~بها. # وقوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قد بينا أن في ~~الناس من قال ذلك يختص باليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله في التوراة ~~من القود والرجم. ويمكن أن يحمل على عمومه في كل من لم يحكم بما أنزل ~~الله وحكم بخلافه بأنه يكون ظالما لنفسه بارتكاب المعصية الموجبة ~~للعقاب. وهذا الوجه يوجب أن ما تقدم ذكره من الأحكام يجب العلم به في هذا ~~الشرع وإن كان مكتوبا في التوراة. ### || [5.46] # قوله: { وقفينا } معناه أتبعنا يقال: قفاه يقفوه وقفوا ومنه قافية ~~الشعر لأنها تتبع الوزن ومنه القفا، ويثنى قفوان، واستقفاه إذا قفا أثره ~~ليسلبه. والقفي الضيف، لأنه يقفى بالبر واللطف. وقوله { على آثارهم } ~~فالآثار جمع أثر وهو العسل الذي يظهر للحس، وآثار القوم ما أبقوا من ~~أعمالهم، ومنه المأثرة، وهي المكرمة التي يأثرها الخلف عن السلف، لأنها ~~عمل يظهر نصا للنفس، والأثير الكريم على القوم لأنهم يؤثرونه بالبر، ~~ومنه الايثار بالاختيار، لأنه اظهار أحد العملين على الآخر واستأثر فلان ~~بالشئ إذا اختاره لنفسه. والهاء والميم في قوله: { آثارهم } قيل فيمن ~~يرجع اليه قولان: # أحدهما - اختاره البلخي والرماني: انهما يرجعان الى النبيين الذين ~~أسلموا، وقد تقدم ذكرهم. وقال أبو علي يعودان على الذين فرض عليهم الحكم ~~الذي مضى ذكره، لأنه أقرب. والأول أحسن في المعنى. وهذا أجود في العربية. # وقوله: { بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة } نصب مصدقا ~~على الحال. والمعنى أنه يصدق على ما مضى من التوراة الذي أنزلها الله على ~~موسى ويؤمن بها. وإنما قال لما مضى قبله بين يديه لانه إذا كان ما يأتي ~~بعده خلفه، فالذي مضى قبله قدامه وبين يديه. # وقوله { وآتيناه الإنجيل } يعني عيسى أنزلنا عليه الانجيل { فيه } يعني ~~في الانجيل { هدى } يعني بيان، وحجة { ونور } سماه نورا لما فيه من ~~الاهتداء به كما يهتدى بالنور و " هدى " رفع بالابتداء " وفيه " خبره ms1182 ~~قدم عليه. و " نور " عطف عليه و { مصدقا لما بين يديه من التوراة } ~~نصب على الحال وليس ذلك بتكرير لأن الأول حال لعيسى (ع) وأنه يدعوا الى ~~التصديق بالتوراة. والثاني - أن في الانجيل ذكر التصديق بالتوراة وهما ~~مختلفان و " هدى " في موضع نصب بالعطف على " مصدقا ". و " موعظة " عطف ~~على " هدى للمتقين ". وإنما اضافه الى المتقين، لأنهم المنتفعون بها. ~~وقد مضى مثل ذلك فيما مضى. والمتقون هم الذين يتقون معاصي الله وترك ~~واجباته خوفا من عقابه والوعظ والموعظة هو الزجر عما كرهه الله الى ما ~~يحبه الله والتنبيه عليه. ### || [5.47] # قرأ حمزة { وليحكم } بكسر اللام، ونصب الميم. الباقون بجزم الميم وسكون ~~اللام على الأمر. # حجة حمزة أنه جعل اللام متعلقة بقوله { وآتيناه الإنجيل } لأن إيتاءه ~~الانجيل انزال ذلك عليه، فصار كقوله # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس # وحجة من جزم الميم انه جعله أمرا بدلالة قوله: { وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله } فكما أمرالنبي (صلى الله عليه وسلم) بالحكم بما أنزل عليه ~~كذلك أمر عيسى (ع) بالحكم بما أنزل الله في الانجيل. وفي معنى الأمر ~~قولان: # أحدهما - وقلنا: { ليحكم أهل الإنجيل } فيكون على حكاية ما فرض عليهم ~~وحذف القول لدلالة ما قبله في قوله وقفينا، وآتينا كما قال: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # أي يقولون سلام عليكم. # الثاني - أنه استأنف الأمر لأهل الانجيل على غير حكاية، لأن أحكامه كانت ~~حينئذ موافقة لأحكام القرآن. ولم تنسخ بعد - هذا قول ابي علي - والأول ~~أقوى - وهو اختيار الرماني. # وقوله: { بما أنزل الله فيه } يعني الانجيل، وهو يذكر ويؤنث، والانجيل ~~إفعيل من النجل وهو الأصل، والنجل النز من الماء. والنجل الولد. ~~والنجل القطع. ومنه سمي المنجل. وقرأ الحسن { أنجيل } بفتح الهمزة وهو ~~شاذ وهو ضعيف. لأنه ليس في كلام العرب شئ على وزن (أفعيل) وإنما جزمت ~~لام الامر ونصبت لام كي، لأن لام الأمر توجب معنى لا يكون للاسم فأوجبت ~~إعرابا لا يكون للاسم ولام كي يقدر بعدها (أن) ms1183 بمعنى الاسم. وقوله: { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } قيل فيه قولان: # أحدهما - قال أبو علي ان (من) بمعنى الذي وهو خبر عن قوم معرفين، وهم ~~اليهود الذين تقدم ذكرهم. # والثاني - قال غيره ان ذلك خرج مخرج المجاراة والمعنى أن من لم يحكم بما ~~أنزل الله من المكلفين فهو فاسق، لأن اطلاق الصفة يدل على أنه ذهب الى ان ~~الحكمة في خلاف ما أمر الله به، فلهذا كان كافرا. # وقال ابن زيد: الفاسقون - ها هنا - وفي أكثر القرآن بمعنى الكاذبين ~~كقوله # إن جاءكم فاسق # يعني كاذب. ### || [5.48] # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه تعالى أنزل إليه الكتاب يعني ~~القرآن { بالحق مصدقا } نصب على الحال يصدق ما بين يديه من الكتاب يعني ~~التوراة والانجيل وما فيهما من توحيد الله وعدله والدلالة على نبوته (ع) ~~والحكم بالرجم والقود على ما تقدم ذكره. وفيه دلالة على أن ما حكا الله ~~أنه كتبه عليهم في التوراة حكم بأنه يلزمنا العمل به، لأنه جعل القرآن ~~مصدقا لذلك ومهيمنا عليه. # وقيل في معنى { المهيمن } خمسة أقوال: أحدهما - قال ابن عباس والحسن ~~وقتادة، ومجاهد: معناه أمين عليه وشاهد. وقال قوم: مؤتمن. وقال آخرون: ~~شاهد. وقال آخرون: حفيظ. وقال بعضهم: رقيب. والأصل فيه (مؤيمن) فقبلت ~~الهمزة هاء، كما قيل في أرقت الماء: هرقت. هذا قول ابي العباس والزجاج ~~وقد صرف، فقيل (هيمن) الرجل إذا ارتقب، وحفظ وشهد، يهيمن هيمنة فهو ~~مهيمن. وقال بعضهم مهيمنا - بفتح الميم الثانية - وهو شاذ. وفي معنى ~~المهيمن ها هنا قولان: # قال ابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: إنه صفة للكتاب. الثاني - قال ~~مجاهد هو صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) والأول أقوى، لأجل حرف العطف، ~~لأنه قال: { فأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } ~~ثم قال: { ومهيمنا } ولا يجوز أن يعطف على حال لغير الأول. لا تقول ضربت ~~هند زيدا قاعدا وقائمة، ولو قلت قائمة بلا واو لكان جائزا. ويجوز أن ~~يكون عطفا على مصدقا ويكون ms1184 مصدقا حالا للنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~والأول أظهر. # وقوله { فاحكم بينهم بما أنزل الله } قال ابن عباس، والحسن، ومسروق: يدل ~~على أن أهل الكتاب إذا ترافعوا الى الحكام يجب أن يحكموا بينهم بحكم ~~القرآن وشريعة الاسلام، لأنه أمر من الله تعالى بالحكم بينهم والأمر ~~يقتضي الايجاب. وقال أبو علي ذلك نسخ بالتخيير في الحكم بين أهل الكتاب ~~والاعراض عنهم والترك. وقوله: { ولا تتبع أهواءهم } نهي له (صلى الله ~~عليه وسلم) عن اتباع أهوائهم في الحكم، ولا يدل ذلك على أنه كان اتبع ~~أهواءهم، لأنه مثل قوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # ولا يدل ذلك على أن الشرك كان وقع منه. وقوله { عما جاءك من الحق } أي ~~لا تتبع أهواءهم عادلا عما جاءك من الحق. # وقوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } فالشرعة والشريعة واحد وهي ~~الطريقة الظاهرة. والشريعة هي الطريق الذي يوصل منه الى الماء الذي فيه ~~الحياة فقيل الشريعة في الدين أي الطريق الذي يوصل منه الى الحياة في ~~النعيم، وهي الامور التي تعبد الله - عز وجل - بها من جهة السمع قال ~~الشاعر: # اتنسونني يوم الشريعة والقنا # بصفين في لباتكم قد تكسرا # يريد شريعة الفرات والأصل فيه الظهور اشرعت القنا اذا أظهرته. وشرعت في ~~الأمر شروعا إذا دخلت فيه دخولا ظاهرا، والقوم في الأمر شرع سواء أي ~~متساوون. والمنهاج الطريق المستمر يقال: طريق نهج ومنهج أي بين قال ~~الراجز: # من يك ذا شك فهذا فلج # ماء رواء وطريق نهج # وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستمر قال: وهذه ~~الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة منه. ومنه قول الحطيئة: # ألا حبذا هند وأرض هند # وهند أتى من دونها النأي والبعد # قال فالنأي لما قل بعده والبعد لما كثر بعده فالنأي للمفارقة، وقد جاء ~~بمعنى واحد. قال الشاعر: # حييت من طلل تقادم عهده # أقوى واقفر بعد أم الهيثم # واقفر وأقوى معناهما خلا # وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك { شرعة ومنهاجا } أي سنة ~~وسبيلا والشرعة التي جعلت { لكل } قيل فيه قولان: احدهما ms1185 - قال مجاهد ~~شريعة القرآن لجميع الناس لو آمنوا به. الثاني - قال قتادة وغيره واختاره ~~الجبائي أنه شريعة التوراة وشريعة الانجيل وشريعة القرآن. وقوله { منكم } ~~قيل في المعنى به قولان: # أحدهما أمة نبينا وأمم الأنبياء قبله على تغليب المخاطب على الغائب. # الثاني - أنه أراد امة نبينا وحده، وهو قول مجاهد. والاول أقوى لانه ~~تعالى بين أنه جعل لكل شرعة ومنهاجا غير شرعة صاحبه ويقوي ذلك قوله { ~~ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } ولو كان الأمر على ما قال مجاهد لما كان ~~لذلك معنى، لأنه تعالى قد جعلهم أمة واحدة بأن أمرهم بالدخول فيها ~~والانقياد لها. وقوله { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة } قيل في معناه ~~أقوال: # أحدها قال الحسن والجبائي انه اخبار عن القدرة كما قال # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # الثاني قال البلخي معناه لو شاء الله لفعل ما يختارون عنده الكفر، لكنه ~~لا يفعله، لأنه مناف للحكمة ولا يلزم على ذلك أن يكون في مقدوره ما ~~يؤمنون عنده فلا يفعله، لأن ذلك لو كان مقدورا لوجب أن يفعله ما لم يناف ~~التكليف. # الثالث قال قوم: لو شاء الله لجمعهم على ملة واحدة في دعوة جميع ~~الأنبياء والأول أصح لأن دعوة الأنبياء تابعة للمصالح، فلا يمكن جمع ~~الناس على شريعة واحدة مع اختلاف المصالح. # الرابع قال الحسين بن علي المغربي: معناه لو شاء الله ألا يبعث اليهم ~~نبيا، فيكونون متعبدين بما في العقل ويكونون أمة واحدة. وأقوى الوجوه ~~أولها. # وقوله { ولكن ليبلوكم فيما أتاكم } معناه ليختبركم بما كلفكم من ~~العبادات وهو عالم بما يؤل اليه أمركم، لأنه عالم لنفسه وقد فسرنا معنى ~~البلوى فيما مضى. { فاستبقوا الخيرات } قيل في معناه قولان: # أحدهما - بادروا فوت الحظ بالتقدم في الخير. # الثاني - بادروا الفوت بالموت ذكره الجبائي. # وقوله { إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } أي الى ~~الله مرجعكم يعني الى الموضع الذي لا يملك أحد فيه لكم ضرا ولا نفعا ~~غيره فجعل رجوعهم الى هذا الحد بالموت رجوعا اليه ms1186 تعالى وبين أنه يعلمهم ~~ما كانوا يختلفون فيه في الدنيا من أمر دينهم وأنه يحكم في ذلك بينهم ~~بالحق. ### || [5.49] # موضع " أن احكم " نصب والعامل فيها وانزلنا والتقدير وأنزلنا اليك أن ~~احكم بينهم بما انزل الله. ويجوز أن يكون موضعها رفعا وتقديره ومن ~~الواجب أن احكم بينهم بما أنزل الله. ووصلت أن بالامر ولا يجوز صلة الذي ~~بالامر لأن (الذي) اسم ناقص مفتقر الى صلة في البيان عنه فتجري مجرى صفة ~~النكرة ولذلك لا بد لها من عائد يعود اليها وليس كذلك " ان " لانها حرف، ~~وهي مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد فلما كان في فعل الأمر معنى المصدر جاز ~~وصل الحرف به على معنى مصدره. # وانما كرر الأمر بالحكم بينهم، لامرين: # أحدهما - أنهما حكمان أمر بهما جميعا لانهم احتكموا اليه في زناء ~~المحصن ثم احتكموا اليه في قتيل كان منهم ذكره أبو علي وهو المروي عن ابي ~~جعفر (ع). # الثاني - ان الأمر الاول مطلق والثاني دل على أنه منزل. # وقوله { ولا تتبع أهواءهم } نهي له (صلى الله عليه وسلم) أن يتبع ~~أهواءهم فيحكم بما يهوونه. # وقوله { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } في قولان: # أحدهما - قال ابن عباس احذرهم ان يضلوك عن ذلك الى ما يهوون من الأحكام ~~اطماعا منهم في الاستجابة الى الاسلام. # الثاني - قال ابن زيد احذرهم ان يضلوك بالكذب عن التوراة بما ليس فيها ~~فاني قد بينت لك حكمها. وقال الشعبي الآية وان خرجت مخرج الكلام على ~~اليهود فان المجوس داخلون فيها. # وقوله { فإن تولوا } معناه فان أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله { فاعلم ~~أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } قيل في معناه أربعة أقوال: # أحدها - قال الجبائي انه وان ذكر لفظ الخصوص فان المراد به العموم كما ~~قد يذكر العموم ويراد به الخصوص. # الثاني - انه على تغليط العقاب أي يكفي أن يؤخذوا ببغض ذنوبهم في ~~اهلاكهم والتدمير عليهم. # الثالث ان يعجل بعض العقاب بما كان من التمرد في الاجرام لان ذلك ms1187 من حكم ~~الله في العباد. # الرابع - قال الحسن: ان المراد به اجلاء بني النضير بنقض العهد وقتل بني ~~قريظة وقوله { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } معناه تسلية للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) عن اتباع هؤلاء القوم الى اجابته والاقرار بنبوته بأن ~~قليلا من الناس الذين يؤمنون، وان الاكثر هم الفاسقون، فلا ينبغي ان يعظم ~~ذلك عليك. ### || [5.50] # قرأ { تبغون } بالتاء ابن عامر وحده الباقون بالياء. من قرأ بالتاء فعلى ~~معنى قل لهم، ومن قرأ بالياء، فلأن ما قبله على لفظ الغيبة وهو قوله { ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون } فحملوا عليه. والكناية في قوله { أفحكم ~~الجاهلية تبغون } قيل فيها قولان: # أحدهما - إنها كناية عن اليهود في قول مجاهد، وأبو علي قال أبو علي ~~لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه. واذا وجب على ~~أقويائهم بالغنى والشرف في الدنيا لم يأخذوهم به، فقيل لهم { أفحكم ~~الجاهلية } يعني عبدة الأوثان " تبغون " وأنتم أهل كتاب. # الثاني - انها كناية عن كل من طلب غير حكم الله أي انما خرج منه الى حكم ~~الجاهلية. وكفى بذلك خزيا أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم. # ونصب { أفحكم الجاهلية يبغون } وهو مفعول به ومعنى تبغون تطلبون يقال ~~بغى يبغي بغيا اذا طلبه والبغاة هم الذين يطلبون التآمر على الناس ~~والترأس بغير حق والبغي الفاجرة لانها تطلب الفاحشة، ومنه قوله # ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله # أي من طلب عليه الاستعلاء بالظلم. وقوله { ومن أحسن من الله حكما } نصب ~~على التمييز أي فصلا بين الحق والباطل من غير محاباة، ولا مقاربة لأنه لا ~~يجوز للحاكم أن يحابي في الحكم بأن يعمل على ما يهواه بدلا مما يوجبه ~~العدل وقد يكون حكم أحسن من حكم بأن يكون أولى منه وأفضل منه وكذلك لو ~~حكم بحق يوافق هواه كان ما يخالف هواه أحسن مما يوافقه وقوله { لقوم ~~يوقنون } معناه عند قوم يوقنون بالله وبحكمه فاقيمت اللام مقام (عند) هذا ~~قول ابي علي، ms1188 وهذا جائز إذا تقاربت المعاني ولم يقع اللبس لأن حروف ~~الصفات يقوم بعضها مقام بعض. ### || [5.51] # قوله { بعضهم أولياء بعض } إخبار منه تعالى ان الكفار يوالي بعضهم بعضا ~~وقوله { ومن يتولهم منكم } يعني من استنصرهم واتخذهم أنصارا فانه منهم ~~أي محكوم له بحكمهم في وجوب لعنه والبراءة منه ويحكم بأنه من أهل النار. ~~وقوله { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } معناه لا يهديهم الى طريق ~~الجنة لكفرهم، واستحقاقهم العذاب الدائم بل يضلهم عنها الى طريق النار، ~~هذا قول ابي علي. وقال غيره: معناه لا يحكم لهم بحكم المؤمنين في المدح ~~والثناء والنصرة على الاعداء. ### || [5.52] # هذا خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) أعلمه الله أنه يرى الذين في ~~قلوبهم مرض أي شك ونفاق { يقولون } في موضع الحال، وتقديره قائلين نخشى ~~أن تصيبنا دائرة. والذين يخشون أن تصيبهم دائرة قيل فيه قولان: # أحدهما - قال مجاهد وقتادة والسدي وأبو علي الجبائي: إنهم قوم من ~~المنافقين. # وقال عطية بن سعد وعبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: إنه عبد الله ~~ابن ابي بن سلول. # و " الدائرة " الدولة التي تحول الى من كانت له عمن هي في يديه، قال ~~الشاعر: # ترد عنك القدر المقدروا # ودائرة الدهر أن تدورا # يعني دول الدهر الدائرة من قوم الى قوم. # وقوله { فعسى الله أن يأتي بالفتح } عسى موضوعة في اللغة للشك وهي من ~~الله تعالى تفيد الوجوب، لأن الكريم اذا أطمع في خير يفعله، فهو بمنزلة ~~الوعد به في تعلق النفس به وإرجائها له، ولذلك حق لا يضيع ومنزلة لا ~~تخيب. والفتح القضاء والفصل - وهو قول قتادة - ومنه قوله # افتح بيننا وبين قومنا بالحق # وقال أبو علي هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقال السدي: هو فتح ~~مكة. ويقال للحاكم الفتاح، لأنه يفتح الحكم ويفصل به الأمر. وقوله { أو ~~أمر من عنده } قيل فيه ثلاثة أقوال: # قال السدي: هو تجديد أمر فيه إذلال المشركين وعز للمؤمنين، وقيل هو ~~الجزية. # وقيل: هو اظهار نفاق المنافقين مع الأمر بقتلهم في ms1189 قول الحسن والزجاج. # وقال أبو علي: هو أمر دون الفتح الأعظم أو موت هذا المنافق، لأنه إذا ~~أتى الله المؤمنين ذلك ندم المنافقون والكفار على تقويتهم بأنفسهم ذلك، ~~وكذلك إذا ماتوا أو تحققوا ما يصيرون اليه من العقاب ندموا على ما فعلوه ~~في الدنيا من الكفر والنفاق. ### || [5.53] # قرأ ابن كثير، وعامر، ونافع " يقول " بلا واو. الباقون بالواو، وكلهم ~~قرأ بضم اللام إلا أبا عمرو، فانه فتحها. من نصب اللام فالمعنى عسى أن ~~يقول، ومن رفعه فعلى الاستئناف. # فان قيل كيف يجوز النصب ولا يجوز أن يقول الذين آمنوا؟ # قيل: قال أبو علي الفارسي يحتمل ذلك أمرين غير هذا: # أحدهما - أن يحمل على المعنى، لأنه إذا قال عسى الله أن يأتي بالفتح ~~وكأنه قال عسى أن يأتي الله بالفتح، { ويقول الذين آمنوا } كما قال { ~~فاصدق وأكن } كأنه قال: أصدق وأكن، وقد جاء مثله نحو قوله # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم # وقال # عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا # ووجه آخر وهو: أن يبدل { أن يأتي } من اسم الله اسم كما أبدلت (أن) من ~~الضمير الذي في قوله # وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره # فاذا أبدلته فكأنك قلت عسى أن يأتي الله بالفتح، ويقول الذين آمنوا. ~~وأما من رفع فلانه عطف جملة على جملة، ولم يجعلها عاطفة على مفرد. ويقوى ~~الرفع قراءة من قرأ بلا واو وأما إسقاط الواو وإثباتها فجميعا حسنان: ~~أما الحذف فلان في الجملة المعطوفة ذكرا في المعطوف عليها وذلك أن من ~~وصف بقوله { يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } الى قوله { ~~نادمين } هم الذين قال فيهم { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم } فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر فيما ~~تقدم من الأخرى حسن عطفها بالواو وبغير الواو، كما أن قوله # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم # لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما تقدم اكتفى بذلك عن ms1190 الواو. ويدل ~~على حسن اثبات الواو قوله { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم }. # وقوله { ويقول الذين آمنوا } أي الذين صدقوا بالله ورسوله ظاهرا ~~وباطنا تعجبا من نفاق المنافقين { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم إنهم لمعكم } في معاونتكم على أعدائكم ونصرتكم { حبطت أعمالهم } ~~أي ضاعت أعمالهم التي عملوها، لانهم اوقعوها على خلاف الوجه المأمور به، ~~لأن ما فعلوه فعلوه على وجه النفاق دون التقرب به الى الله. وقوله { ~~فأصبحوا خاسرين } ليس المراد به معنى الصباح، وإنما معناه صاروا خاسرين، ~~ومثل ذلك قولهم: ظل فلان يفعل كذا، وبات يفعل كذا، وليس بمراد وقت بعينه، ~~وإنما وصفهم بالخسران، لأنهم فوتوا نفوسهم الثواب واستحقوا عوضا منه ~~العقاب فأي خسران أعظم من ذلك. ### || [5.54] # قرأ نافع وأهل المدينة " يرتدد " بدالين، وبه قرأ ابن عامر، وكذلك هو في ~~مصاحفهم. الباقون بدال واحدة مشددة، وكذلك هو في مصاحفهم. من أظهر ولم ~~يدغم قال: لأن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنا ولا يمكن الادغام في ~~الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لان اللسان يرتفع عن المدغم والمدغم فيه ~~ارتفاعة واحدة، فاذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، واذا لم ~~يرتفع كذلك لم يمكن الادغام، فاذا كان كذلك لم يسغ الادغام في الساكن لأن ~~المدغم إذا كان ساكنا والمدغم فيه كذلك التقى ساكنان، والتقاء الساكنين ~~في الوصل في هذا النحو ليس من كلامهم فأظهر الحرف الاول في حركة وأسكن ~~الثاني من المثلين، وهذه لغة أهل الحجاز، فلم يلتق الساكنان. # وحجة من أدغم أنه لما اسكن الحرف الاول من المثلين للادغام لم يمكنه أن ~~يدغمه في الثاني والثاني ساكن فحرك المدغم فيه لالتقاء الساكنين وهذه لغة ~~بني تميم. وفي القرآن نظيره قال الله تعالى: # ومن يشاقق الرسول # وقال: # ومن يشاقق الله ورسوله # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقول: # فقال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج إنها نزلت في ابي بكر. # الثاني - قال السدي: نزلت في الانصار. # الثالث - قال مجاهد: نزلت في أهل اليمن، وروي ذلك عن النبي (صلى الله ~~عليه ms1191 وسلم) واختاره الطبري لمكان الرواية. وروي أنهم قوم أبي موسى ~~الأشعري. وكانت وفودهم قد أتت أيام عمر، وكان لهم في نصرة الاسلام أثر. ~~وقال أبو جعفر وأبوعبد الله (ع) وروي ذلك عن عمار وحذيفة، وابن عباس: ~~أنها نزلت في أهل البصرة ومن قاتل عليا (ع) فروي عن أمير المؤمنين (ع) ~~أنه قال: يوم البصرة " والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم " وتلا هذه ~~الآية. ومثل ذلك روى حذيفة، وعمار وغيرهما. والذي يقوي هذا التأويل أن ~~الله تعالى وصف من عناه بالآية بأوصاف وجدنا أمير المؤمنين (ع) مستكملا ~~لها بالاجماع، لأنه قال: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين } وقد شهد النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) لأمير المؤمنين (ع) بما يوافق لفظ الآية في قوله ~~وقد ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فرعنها واحدا بعد واحد (لأعطين الراية ~~غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى ~~يفتح الله على يديه) فدفعها الى أمير المؤمنين، فكان من ظفره ما وافق خبر ~~الرسول (صلى الله عليه وسلم). ثم قال { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين } فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم، والعزة على ~~الكافرين. # والعزيز على الكافرين هو الممتنع من أن ينالوه مع شدة نكايته فيهم ~~ووطأته عليهم، وهذه أوصاف أمير المؤمنين (ع) التي لا يدانى فيها ولا ~~يقارب. ثم قال { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } فوصف - جل ~~اسمه - من عنا بهذا الجهاد وبما يقتضي الغلية فيه، وقد علمنا أن أصحاب ~~الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين رجلين: رجلا لا عناء له في الحرب ولا ~~جهاد. والآخر له جهاد وعناء، ونحن نعلم قصور كل مجاهد عن منزلة أمير ~~المؤمنين (ع) في الجهاد، فانهم مع علو منزلتهم في الشجاعة وصدق البأس لا ~~يلحقون منزلته ولا يقاربون رتبته لانه عليه السلام المعروف بتفريج الغمم، ~~وكشف الكرب عن وجه الرسول (صلى الله عليه وسلم) ms1192 وهو الذي لم يحم قط عن ~~قرن، ولا نكص عن هول، ولا ولى الدبر، وهذه حالة لم تسلم لأحد قبله ولا ~~بعده فكان (ع) بالاختصاص بالآية أولى لمطابقة أوصافه لمعناها. # فاما من قال أنها نزلت في أبي بكر فقوله بعيد من الصواب، لأنه تعالى ~~إذا كان وصف من أراده بالآية بالعزة على الكافرين وبالجهاد في سبيله مع ~~اطراح خوف اللوم كيف يجوز أن يظن عاقل توجه الآية الى من لم يكن له حظ في ~~ذلك الموقف لأن المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في المشركين، ولا ~~قتيل في الاسلام، ولا وقف في شئ من حروب النبي (صلى الله عليه وسلم) موقف ~~أهل البأس والفناء، بل كان الفرار شيمته، والهرب ديدنه، وقد انهزم عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) في مقام بعد مقام، فانهزم يوم أحد ويوم حنين، ~~وغير ذلك، فكيف يوصف بالجهاد في سبيل الله - على ما يوصف في الآية - من ~~لا جهاد له جملة. وهل العدول بالآية عن أمير المؤمنين (ع) مع العلم ~~الحاصل بموافقة أوصافه لها الى غيره إلا عصبية ظاهرة. ولم يذكر هذا ~~طعنا على أبي بكر (رضى الله عنه) ولا قدحا فيه، لان اعتقادنا فيه أجمل ~~شئ، بل قلنا أليس في الآية دلالة على ما قال. # ومعنى { أذلة على المؤمنين } أي أهل لين ورقة { أعزة على الكافرين } أي ~~أهل جفاة وغلظة. والذل بكسر الذال غير الذل بضمها، لأن الأول اللين ~~والانقياد والثاني الهوان والاستخفاف. وروي عن علي (ع) وابن عباس (رحمة ~~الله عليه) أن معنى { أذلة } أهل رحمة ورقة. ومعنى { أعزة } أهل غلظة ~~وشدة. وقال الاعمش " أذلة " يعني ضعفاء. # ومحبة الله تعالى لخلقه إرادة ثوابهم وإكرامهم وإجلالهم. ومحبتهم له ~~إرادتهم لشكره وطاعته وتعظيمه. والارتداد - عندنا - على ضربين: مرتد عن ~~فطرة الاسلام، فانه يجب قتله ولا يستتاب، ويقسم ماله بين ورثته وتعتد منه ~~زوجته عدة الوفاة من يوم إرتداده. # والآخر من أسلم عن كفر ثم ارتد فهذا يستتاب، فان تاب وإلا وجب عليه ~~القتل، فان ms1193 لحق بدار الحرب. اعتدت منه زوجته عدة الطلاق، فان رجع الى ~~الاسلام في زمان العدة كان أملك بها، وإن لم يرجع وانقضت العدة فقد ملكت ~~نفسها، ولا سبيل له عليها وإن رجع فيما بعد. وأما المرأة فانها تستتاب ~~على كل حال، فان تابت وإلا حبست حتى تموت. وفي ذلك خلاف قد بيناه في ~~مسائل الخلاف، فأما من يعتقد الجبر والتشبيه وأزلية صفات قديمة معه تعالى ~~فهو كافر بلا خلاف بين أهل العدل. واختلفوا فمنهم من قال حكمه حكم المرتد ~~يستتاب فان تاب وإلا قتل. ومنهم من قال يستتاب ولا يقتل لانه لم يخرج عن ~~الملة لاقراره بالشهادتين. # وقوله { يجاهدون في سبيل الله } صفة للقوم الذين وعد الله أن يأتي بهم ~~إن ارتدوا. وقوله { ولا يخافون لومة لائم } أي لا يخشون لوم أحد وعذله ~~ولا يصدهم ذلك عن العمل بما أمرهم الله به وذلك اشارة الى هذا النعت الذي ~~نعتهم به { ذلك فضل الله } أي ذلك فضل من الله وتيسر منه ولطف منه، ومنة ~~من جهته { والله واسع عليم } يعني جواد على من يجود به عليه لا يخاف نفاد ~~ما عنده { عليم } بموضع جوده وعطائه ولا يبذله الا لمن تقتضي الحكمة ~~إعطاؤه. ### || [5.55] # اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فيه، فروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام ~~القرآن على ما حكاه المغربي عنه، والطبري، والرماني، ومجاهد، والسدي: ~~إنها نزلت في علي (ع) حين تصدق بخاتمه وهو راكع، وهو قول ابي جعفر وابي ~~عبد الله (ع) وجميع علماء أهل البيت. وقال الحسن والجبائي: انها نزلت في ~~جميع المؤمنين. وقال قوم نزلت في عبادة بن الصامت في تبرئه من يهود بني ~~قينقاع، وحلفهم الى رسول الله والمؤمنين. وقال المكلبي نزلت في عبد الله ~~بن سلام وأصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم، فنزلت الآية. # واعلم إن هذه الآية من الأدلة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين (ع) ~~بعد النبي بلا فصل. # ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى الأولى والأحق. ~~وثبت أيضا ms1194 أن المعني بقوله { والذين آمنوا } أمير المؤمنين (ع) فاذا ثبت ~~هذان الاصلان دل على إمامته، لأن كل من قال: ان معنى الولي في الآية ما ~~ذكرناه قال إنها خاصة فيه. ومن قال باختصاصها به (ع) قال المراد بها ~~الامامة. # فان قيل دلوا أولا على ان الولي يستعمل في اللغة بمعنى الأولى والاحق ثم ~~على ان المراد به في الآية ذلك، ثم دلوا على توجهها الى أمير المؤمنين ~~(ع). # قلنا: الذي يدل على أن الولي يفيد الأولى قول أهل اللغة للسلطان المالك ~~للأمر: فلان ولي الأمر قال الكميت: # ونعم ولي الأمر بعد وليه # ومنتجع التقوى ونعم المؤدب # ويقولون: فلان ولي عهد المسلمين إذا استخلف للأمر لأنه أولى بمقام من ~~قبله من غيره وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) # " أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل " # يريد من هو أولى بالعقد عليها. وقال تعالى: # فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب # يعني من يكون أولى بحيازة ميراثي من بني العم. وقال المبرد: الولي ~~والأولى والأحق والمولى بمعنى واحد والأمر فيما ذكرناه ظاهر، فاما الذي ~~يدل على أن المراد به في الآية ما ذكرناه هو ان الله تعالى نفى ان يكون ~~لنا ولي غير الله وغير رسوله، والذين آمنوا بلفظة { إنما } ولو كان ~~المراد به الموالاة في الدين لما خص بها المذكورين، لأن الموالاة في ~~الدين عامة في المؤمنين كلهم. قال الله تعالى # والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # وإنما قلنا: أن لفظة { إنما } تفيد التخصيص، لأن القائل، إذا قال ~~إنما لك عندي درهم فهم منه نفي ما زاد عليه، وقام مقام قوله: ليس لك ~~عندي إلا درهم. ولذلك يقولون انما النحاة المدققون البصريون ويريدون نفي ~~التدقيق عن غيرهم. ومثله قولهم: إنما السخاء سخاء حاتم يريدون نفي ~~السخاء عن غيره، قال الاعشى: # ولست بالأكثر منهم حصى # وإنما العزة للكاثر # أراد نفي العزة عن من ليس بكاثر. واحتج الانصار بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله أنه قال # " إنما الماء ms1195 من الماء " # في نفي الغسل من غير انزال. وادعى المهاجرون نسخ الخبر، فلولا أن ~~الفريقين فهموا التخصيص لما كان الأمر كذلك ولقالوا { إنما } لا تفيد ~~الاختصاص بوجوب الماء من الماء. ويدل أيضا على أن الولاية في الآية ~~مختصة أنه قال: { وليكم } فخاطب به جميع المؤمنين ودخل فيه النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) وغيره ثم، قال ورسوله، فاخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~من جملتهم لكونهم مضافين الى ولايته، فلما قال { والذين آمنوا } وجب ~~أيضا أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية. وإلا. أدى ~~الى أن يكون المضاف هو المضاف اليه وأدى الى أن يكون كل واحد منهم ولي ~~نفسه، وذلك محال. واذا ثبت أن المراد بها في الآية ما ذكرناه، فالذي يدل ~~على أن أمير المؤمنين (ع) هو المخصوص بها أشياء: # منها - أن كل من قال: ان معنى الولي في الآية معنى الأحق قال إنه هو ~~المخصوص به. ومن خالف في اختصاص الآية يجعل الآية عامة في المؤمنين وذلك ~~قد ابطلناه. # ومنها - ان الطائفتين المختلفتين الشيعة وأصحاب الحديث رووا أن الآية ~~نزلت فيه (عليه السلام) خاصة. # ومنها - أن الله تعالى وصف الذين آمنوا بصفات ليست حاصلة إلا فيه، لأنه ~~قال: { والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } ~~فبين أن المعني بالآية هو الذي أتى الزكاة في حال الركوع. وأجمعت الأمة ~~على أنه لم يؤت الزكاة في حال الركوع غير أمير المؤمنين (ع)، وليس لأحد ~~أن يقول: إن قوله { وهم راكعون } ليس هو حالا ل { يؤتون الزكاة } بل ~~المراد به أن من صفتهم إيتاء الزكاة، لأن ذلك خلاف لأهل العربية، لأن ~~القائل إذا قال لغيره لقيت فلانا، وهو راكب لم يفهم منه الا لقاؤه له في ~~حال الركوب، ولم يفهم منه أن من شأنه الركوب. واذا قال: رأيته وهو جالس ~~أو جاءني وهو ماش لم يفهم من ذلك كله إلا موافقة رؤيته في حال الجلوس أو ~~مجيئه ماشيا. واذا ثبت ذلك وجب أن يكون حكم الآية ms1196 مثل ذلك. # فان قيل: ما انكرتم أن يكون الركوع المذكور في الآية المراد به الخضوع ~~كأنه قال يؤتون الزكاة خاضعين متواضعين كما قال الشاعر: # ولا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # والمراد علك أن تخضع، قلنا الركوع هو التطأطأ المخصوص، وإنما يقال ~~للخضوع ركوعا تشبيها ومجازا، لأن فيه ضربا من الانخفاض، يدل على ما ~~قلناه نص أهل اللغة عليه، قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه فتمس ركبتيه ~~الارض أولا تمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع قال لبيد: # أخبر أخبار القرون التي مضت # أدب كأني كلما قمت راكع # وقال ابن دريد: الراكع الذي يكبو على وجهه، ومنه الركوع في الصلاة قال ~~الشاعر: # وأفلت حاجب فوق العوالي # على شقاء تركع في الظراب # أي تكبوا على وجهها. وإذا كانت الحقيقة ما قلناه، لم يجز حمل الآية على ~~المجاز. # فان قيل قوله { الذين آمنوا } لفظ جمع كيف تحملون ذلك على الواحد؟ # قيل: قد يعبر عن الواحد لفظ الجمع إذا كان معظما عالي الذكر قال تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقال: { رب ارجعون } وقال # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # ونظائر ذلك كثيرة. وقال: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم # ولا خلاف في أن المراد به واحد، وهو نعيم بن مسعود الاشجعي. وقال: # أفيضوا من حيث أفاض الناس # والمراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال # الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا # نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول. # فاذا ثبت استعمال ذلك كان قوله { الذين يقيمون الصلاة } محمولا على ~~الواحد الذي قدمناه. # فان قيل: لو كانت الآية تفيد الامامة لوجب أن يكون ذلك إماما في الحال ~~ولجاز له أن يأمر وينهى ويقوم بما يقوم به الأئمة. # قلنا: من أصحابنا من قال: إنه كان إماما في الحال ولكن لم يأمر لوجود ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان وجوده مانعا من تصرفه، فلما مضى النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) قام بما كان ms1197 له. ومنهم من قال - وهو الذي نعتمده - ~~أن الآية دلت على فرض طاعته واستحقاقه للامامة. وهذا كان حاصلا له. وأما ~~التصرف فموقوف على ما بعد الوفاة كما يثبت استحقاق الأمر لولي العهد في ~~حياة الامام الذي قبله وإن لم يجز له التصرف في حياته. وكذلك يثبت ~~استحقاق الوصية للوصي وان منع من التصرف وجود الموصي. وكذلك القول في ~~الأئمة وقد استوفينا الكلام على الآية في كتب الامامة بما لا يحتمل بسطه ~~ها هنا. # فان قيل: أليس قد روي أنها نزلت في عبادة بن الصامت أو عبد الله بن سلام ~~وأصحابه؟ فما أنكرتم أن يكون المراد بالذين آمنوا هم دون من ذهبتم اليه؟ # قلنا: أول ما نقوله: إنا دللنا على أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين ~~(ع) بنقل الطائفتين، ولما اعتبرناه من اعتبار الصفة المذكورة في الآية ~~وأنها ليست حاصلة في غيره بطل ما يروى في خلاف ذلك، على أن الذي روي في ~~الخبر من نزولها في عبادة بن الصامت لا ينافي ما قلناه، لأن عبادة لما ~~تبرأ من حلف اليهود أعطي ولاية من تضمنته الآية، فأما ما روي من خبر عبد ~~الله بن سلام فبخلاف ما ذهبوا اليه، لأنه روي أن عبد الله بن سلام لما ~~اسلم قطعت اليهود حلفه وتبرؤوا منه فاشتد ذلك عليه، وعلى أصحابه فأنزل ~~الله تعالى الآية تسلية لعبد الله ابن سلام وأصحابه وأنه قد عوضهم من ~~محالفة اليهود، ولاية الله وولاية رسوله وولاية الذين آمنوا. # والذي يكشف عما قلناه أنه قد روي أنها لما نزلت خرج النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) من البيت، فقال لبعض أصحابه # " هل أعطى أحد سائلا شيئا " # فقالوا: نعم يا رسول الله قدأعطى علي بن أبي طالب السائل خاتمه، وهو ~~راكع. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) # " الله أكبر قد أنزل الله فيه قرآنا " # ثم تلا الآية الى آخرها. وفي ذلك بطلان ما قالوه. وقد استوفينا ما يتعلق ~~بالشبهات المذكورة في الآية في كتاب الاستيفاء وحللناها بغاية ما يمكن، ~~فمن ms1198 أراده وقف عليه من هناك. فأما الولي بمعنى الناصر فلسنا ندفعه في ~~اللغة لكن لا يجوز أن يكون مرادا في الآية لما بيناه من نفي الاختصاص. # وإقامة الصلاة إتهامها بجميع فروضها من قولهم فلان قائم بعمله الذي ~~وليه أي يوفي العمل جميع حقوقه، ومنه قوام الآمر. وفي الآية دلالة على أن ~~العمل القليل لا يفسد الصلاة. ### || [5.56] # قيل في معنى قوله { ومن يتولى الله ورسوله } قولان: # أحدهما - قال أبو علي من يتولى القيام بطاعة الله ورسوله ونصرة ~~المؤمنين. # الثاني - من يكون وليا لله ورسوله والمؤمنين: بنصرة دين الله والاخلاص ~~له. ولا يدل ذلك على أن الولاية الأولى هي تولي النصرة من حيث كان في هذه ~~الآية كذلك، لأنه لا تنافي بين أن تفيد الآية الاولى الطاعة وإن أفادت ~~الثانية تولى النصرة وليس يجب أن تحمل الثانية على الآية الاولى من غير ~~ضرورة. # على أن في أصحابنا من قال: هذه الآية مطابقة للأولى وأنها تفيد وجوب ~~طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة الذين آمنوا، وهم الذين ذكرهم الله في الآية ~~فعلى هذا زالت الشبهة. # و " من " رفع بالابتداء. والجملة خبر عنه وفي { يتولى } ضمير يعود الى ~~(من) والعائد الى " من " معنى الخبر، كأنه قال، فهو غالب وصار هذا الكلام ~~في موضعه، وهذا العائد في موضع الجواب. ومعنى " من " في الجزاء معنى " ~~إن " فلهذا جزمت الفعل المضارع، و " لو " لا تجزم لانها للماضي، وليست ~~بمعنى " إن " وإنما يعرب الفعل المضارع دون الماضي. والفرق بين " من " ~~و " الذي " من ثلاثة أوجه أحدها - أن " من " لما يعقل و " الذي " مشتركة. ~~و " من " في الجزاء لما يستقبل، وهي في معنى " إن " وليس كذلك " الذي " ~~وثالثها - أن " من " تجزم ولا تحتاج في الجزاء والاستفهام الى صلة ولا ~~يكون جوابها إلا بالفعل والفاء. # وقوله: { فإن حزب الله هم الغالبون } قال الحسن حزب الله جند الله. وقال ~~غيره انصار الله قال الشاعرة: # وكيف أضوى وبلال حزبي # أي كيف استضام وبلال ناصري. وأصله النائبة من قولهم: حزبه الأمر يجزبه ~~حزبا ms1199 اذ أنابه، وكل قوم تشابهت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب. ومنه قوله # أولئك الأحزاب # كل حزب بما لديهم فرحون # و { إن حزب الشيطان هم الخاسرون } وتحزب القوم اذا اجتمعوا كالاجتماع ~~على النائبة. وأرض حزبة غليظة وحمار حزابية مجتمع الخلق غليظ. ### || [5.57] # قرأ { والكفار } بالجر أبو عمرو، ونافع، والكسائي. والباقون بالنصب، فمن ~~نصب عطف على { الذين اتخذوا دينكم } وحجتهم في ذلك قوله: { لا يتخذوا ~~المؤمنون الكافرين أولياء }. ومن جرعطف على { من الذين أوتوا الكتاب } أي ~~ومن الكفار أولياء وحجتهم في ذلك أن الحمل على أقرب العاملين أجود، لانها ~~لغة القرآن وحسن الحمل على الجر، لان فرق الكفار ثلاث المشرك. والمنافق. ~~والكتابي الذي لم يسلم وقد كان منهم الهزء فساغ لذلك أن يكون الكفار ~~مجرورا وتفسيرا للموصول وموضحا له. وقد اخبر الله تعالى أن المشركين ~~كان منهم إستهزاء بقوله # إنا كفيناك المستهزئين # وعن المنافقين في قوله: # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن # واخبر عن الكتابي في هذه الآية. فقال { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار } وإن وقع على ~~جميع الأصناف، فهو في من ليس من أهل الكتاب أليق، وعليه أغلب، فلذلك أفرد ~~بالذكر. وقال الحسن: المعنى بالكفار مشركوا العرب، وإنما دخل غيرهم في ~~الحكم بما صحب الكلام من الدليل وقال غيره: يدخل فيه جميع أصناف الكفار، ~~وانما وصفهم الله تعالى بما كانوا عليه من التلاعب بالدين لامرين: # أحدهما - لاغراء المؤمنين بعداوتهم والبراءة منهم. # الثاني - ذما لهم وتحذيرا من مثل حالهم لأنها حال السفهاء الذين لا ~~خلاق لهم. وقال ابن عباس: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث ~~قد أظهرا الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فانزل الله ~~هذه الآية ويجوز في " هزوا " أربعة أوجه: الاول " هزؤا " بضم الزاي ~~وتخفيف الهمزة، الثاني هزوا بالواو ومن غير همز على التخفيف لأن الهمزة ~~مفتوحة قبلها ضمة كجون، الثالث هزأ بسكون الزاي والهمز. الرابع هزى على ~~وزن هدى بفتح الزاي واسقاط ms1200 الهمزة. والهزء السخرية وهو اظهار ما يلهي ~~تعجبا مما يجري. قال الله تعالى: # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن # وقال الشاعر: # ألا هزئت واعجبها المشيب # فلا نكر لديك ولا عجيب # ويقال هزئ به يهزأ هزوا وهزؤا واستهزؤا به استهزاءا. و (اللعب) الأخذ ~~على غير طريق الحق، ومثله العبث وأصله من لعاب الصبي يقال: لعب يلعب ~~لعبا اذا سال لعابه لانه يخرج الى غير جهته وكذلك اللاعب يمر في غير جهة ~~الصواب. # وقوله: { إن كنتم مؤمنين }: قيل في معناه قولان: # أحدهما - ان كنتم مؤمنين بوعده ووعيده. # الثاني - إن من كان مؤمنا غضب لايمانه على من طعن فيه. وكافاه بما ~~يستحقه من المقت له. ### || [5.58] # النداء والدعاء بمد الصوت على طريقة يا فلان وأصله ندى الصوت وهو بعد ~~مذهبه وضجة جرمه. ومنه قولهم: أناديك ولا أناجيك أي أعالنك النداء، ولا ~~أسر لك النجوى، وأصل الباب الندو، وهو الاجتماع يقال ندى القوم يندون ~~ندوا اذا اجتمعوا في النادي، ومنه دار الندوة وندى الماء، لانه يجتمع ~~قليلا قليلا وندى الصوت لانه عن جرم ندي. # أخبر الله تعالى عن صفة الكفار الذين نهى الله المؤمنين عن اتخاذهم ~~أولياء بانهم اذا نادى المؤمنون الى الصلاة ودعوا اليها اتخذوها هزوا ~~ولعبا وفي معنى ذلك قولان: # قال قوم: إنهم كانوا اذا أذن المؤمنون للصلاة تضاحكوا فيما بينهم ~~وتغامزوا على طريق السخف والجنون تجهيلا لاهلها، وتنفيرا للناس عنها، ~~وعن الداعي اليها. # الثاني - أنهم كانوا يرون المنادي اليها بمنزلة اللاعب الهازئ بفعلها ~~جهلا منهم بمنزلها وقال أبو ذهيل الجمحي: # وابرزتها من بطن مكة بعدما # أصات المنادي بالصلاة فأعتما # وقوله تعالى: { بأنهم قوم لا يعقلون } قيل في معناه قولان: # أحدهما - انهم لا يعقلون ما لهم في اجابتهم لو أجابوا اليها من الثواب، ~~وما عليهم في استهزائهم بها من العقاب. # الثاني - انهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح ويردعه عن الفواحش ~~وقال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن ms1201 لا ~~اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: حرق ~~الكاذب فدخلت خادمة له ليلة بنار وهو نائم وأهله فسقطت شرارة فأحرق البيت ~~واحترق هو وأهله. ### || [5.59] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب أهل الكتاب فيقول ~~لهم { هل تنتقمون منا } وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها هل تسخطون. ~~الثاني هل تنكرون. والثالث هل تكرهون، والمعنى متقارب يقول نقم ينقم ~~نقما ونقم ينقم والاول اكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات: # ما نقموا من بني أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا # قال ابن عباس: أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفر من يهود فيهم أبو ~~ياسر بن أخطب ورافع ابن أبي رافع وغيره، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، ~~فقال أؤمن # بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط ~~وأما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون # فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن به وبمن آمن به، فانزل الله ~~هذه الآية. # وقوله { وإن أكثركم فاسقون } في موضع نصب، لانه مصدر في تقدير بان ~~اكثركم، ولو أستأنفه كان صوابا لكن لم يقرأ به. وقيل في معناه ثلاثة ~~أقوال: # قال الزجاج والفراء هل تكرهون منا إلا ايماننا وفسقكم، والمعنى ليس هذا ~~مما ينقم. # الثاني - قال الحسن: لفسقكم نقمتم ذلك علينا. # الثالث - قال أبو علي: نقموا فسق اكثرهم، لانهم لم يتابعوهم عليه. فان ~~قيل كيف قال: { وإن أكثركم فاسقون } وهم جميعا فساق؟ قلنا عنه ثلاثة ~~اجوبة: # أحدها أنهم خارجون عن أمر الله طلبا للرئاسة وحسدا على منزلة النبوة. # الثاني - فاسقون بركوب الاهواء. الثالث - على التلطف للاستدعاء. # ومعنى الآية هل تكرهون إلا ايماننا وفسقكم أي انما كرهتم ايماننا وانتم ~~تعلمون أنا على حق، لانكم فسقتم بأن اقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة ~~وتكسبكم بها الاموال. # فان قيل كيف يعلم عاقل أن دينا من الاديان حق فيؤثر الباطل على على ~~الحق؟! # قلنا: أكثر ms1202 ما نشاهده كذلك، من ذلك أن الانسان يعلم ان القتل يورده ~~النار، فيقتل إما إيثارا لشفاء غيظ أو لاخذ مال. وكما فعل ابليس مع ~~علمه بأن الله يدخله النار بمعصيته فآثر هواه على القربة من الله وعمل ~~لما يدخله النار. وهذا ظاهر في العادات. ### || [5.60] # قراء حمزة { وعبد الطاغوت } بضم الباء وخفض التاء يريد خدم الطاغوت في ~~قول الاعمش، ويحيى بن رئاب. الباقون بفتح الباء والدال ونصب التاء # قال أبو علي: حجة حمزة أنه حمل على ما عمل فيه { جعل } كأنه قال وجعل ~~منهم من عبد الطاغوت. ومعنى { جعل } خلق، كما قال # وجعل منها زوجها # وقال # وجعل الظلمات والنور # قال: وليس { عبد } لفظ جمع لانه ليس في أبنية الجمع شئ على هذا البناء ~~لكنه واحد في موضع جمع كما قال # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها # وجاء على (فعل) لأن هذا البناء يراد به الكثرة نحو يقط وندس و { عبد } ~~في الاصل صفة، وان كان استعمل استعمال الاسماء، ولا يزيل ذلك عنه كونه ~~صفة كما لم يزل في الأبرق والأبطح حيث كسر تكسير الاسماء لم يزل عنهما ~~معنى الصفة بدلالة أنهم تركوا صرفهما كما تركوا صرف (أحمر) ولم يجعلوه ~~كأوكل وابدع. # وأما من فتح فانه عطفه على مثال الماضي الذي في الصلة، وهو قوله { لعنه ~~الله وغضب عليه } وأفرد الضمير في { عبد } وان كان المعنى فيه كثرة لأن ~~الكلام محمول على لفظ (من) دون معناه، ولو حمل الكلام أو البعض على ~~المعنى لكان صوابا قال الفراء: وقرأ أبي وعبد الله { وعبد الطاغوت } على ~~الجمع، والمعنى والذين عبد الطاغوت - بضم العين والباء - مثل ثمار وثمر، ~~وعبيد وعبد، على أنه جمع جمع، ويكون المعنى وجعل منهم عبد الطاغوت كما ~~تقول: جعلت زيدا أخاك أي نسبته اليك ويجوز على هذا رفع الدال على تقدير، ~~وهم عبد الطاغوت لكن لم يقرأ به أحد. قال: ولو قرأ قارئ وعبد الطاغوت كان ~~صوابا يريد به عبدة الطاغوت ويحذف الهاء للاضافة كما قال الشاعر: # قام ولاها فسقوه ms1203 صر خدا # يريد ولاتها وحكي في الشواذ و { عبد الطاغوت } على ما لم يمسي فاعله، ~~ذكره الرماني. قال الطبري هي قراءة أبي جعفر المدني. وحكى البلخي { عابد ~~الطاغوت، وعبد الطاغوت } مثل شاهد وشهد. وحكى ايضا { عباد الطاغوت } مثل ~~كافر وكفار، ولا يقرأ بشيء من ذلك. وقال الطبري عن يريدة الاسلمي انه قرأ ~~{ عابد الطاغوت } فهذه ثمانية أوجه، لكن لا يقرأ إلا بقرائتين أو ثلاثة، ~~لان القراءة متبوعة يؤخذ بالمجموع عليه، قال الفراء { عبد } على ما قرأ ~~حمزة إن كانت لغة فهو مثل حذر وحذر، وعجل وعجل فهو وجه والا فانه أراد ~~قول الشاعر: # أبنى لبيني إن أمكم # أمة وإن أباءكم عبد # فحرك وهذا في ضرورة الشعر لا في القراءة وأنشد الاخفش: # أنسب العبد الى آبائه # اسود الجلدة من قوم عبد # أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب الكفار ~~ويقول لهم { هل أنبئكم } أي هل اخبركم { بشر من ذلك } أي من الذي طعنتم ~~عليه من المسلمين، ومما رغبتم عنه ونقمتم عليه، وانما قال { بشر من ذلك } ~~وان لم يكن من المؤمن شر وكذلك قوله { أولئك شر مكانا } على الانصاف في ~~الخطاب والمظاهرة في الحجاج لأن الكفار يعتقدون ان هؤلاء أشرار، وأن ما ~~فيهم شر فخرج على ما يعتقدونه. # وقوله: { مثوبة } معناها الثواب الذي هو الجزاء ووزنها مفولة مثل مقولة ~~ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر وقال الشاعر: # وكنت اذا جاري دعا لمضوفة # أشمر حتى ينصف الساق مئزري # وقال ابو عبيدة هي (مفعلة) مثل مكرهة ومعقلة ومشغلة. # وموضع (من) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: أحدها - الجر والتقدير بشر من ~~ذلك لمن لعنه الله والرفع على من لعنه الله، والنصب على أنبئكم من لعنه ~~الله. وقيل في معنى { الطاغوت } قولان: # أحدهما قال الحسن: هو الشيطان، لانهم أطاعوه طاعة المعبود. # والثاني كل ما دعا الى عبادته من دون الله من الفراعنة، فشبه به ما عبد ~~من الاصنام ونحوها. قال ابو علي: وهو ها هنا العجل الذي عبدته اليهود، ~~لأن ms1204 الكلام كله في صفتهم. # وقوله { أولئك شر مكانا } يعني هؤلاء الذين وصفهم بأنهم لعنهم وغضب ~~عليهم، وانهم عبدة الطاغوت شر مكانا يعني في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. ~~وهو نصب على التمييز وقوله { وأضل عن سواء السبيل } يعني أجوز عن الطريق ~~المستقيم. وظن بعضهم ان قوله { وجعل منهم القردة جعلهم كذلك والخنازير ~~وعبد الطاغوت } يفيد أنه جعلهم يعبدون الطاغوت - يتعالى الله عن ذلك - ~~لأنه لو كان جعلهم كذلك لما كان عليهم لوم، وانما المعنى ما قلناه: من ~~أنه اخبر عمن هو شر ممن عابوه، وهم الذين لعنهم وغضب عليهم، ومن جعل منهم ~~القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت، لأنه تعالى هو الخالق لهم، وان كان ~~لم يخلق عبادتهم للطاغوت. وقال ابو علي: هو معطوف على قوله { من لعنه ~~الله وغضب عليه } ومن { عبد الطاغوت } ومن جعل منهم القردة والخنازير ~~وليس بمعطوف على قوله { وجعل منهم القردة والخنازير } فعلى هذا سقطت ~~الشبهة. ### || [5.61] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين بانهم اذا جاؤا المؤمنين { قالوا ~~آمنا } أي صدقنا { وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } قيل فيه قولان: # أحدهما - قال الحسن وابن عباس والسدي وقتادة وأبو علي: وقد دخلوا بالكفر ~~بخلاف ما أظهروه على النبي (صلى الله عليه وسلم) وخرجوا به من عنده. # الثاني - وقد دخلوا به في احوالهم وقد خرجوا به الى احوال أخر كقولك هو ~~يتقلب في الكفر ويتصرف به، ومعناه تقريب الماضي من الحال ولهذا دخلت (في) ~~هذا الموضوع. وقال الخليل: ويكون لقوم ينتظرون الخبر كقولك قد ركب الأمير ~~لمن كان ينتظره، وهو راجع الى ذلك الاصل لانه تقريب من الحال المنتظرة ~~وأصل الدخول الانتقال الى محيط كالوعاء إلا أنه قد كثر حتى قيل دخل في ~~هذا الامر، ولا يدخل في المعنى ما ليس منه. ودخل في الاسلام. وخرج بالردة ~~منه. وكان ذلك مجاز. وقوله: { جاؤكم } لا يجوز ان يكون عاملا في " إذا " ~~كما يعمل في " متى " لو قيل: متى جاؤكم، قالوا آمنا، لان " إذا " مضافة ~~الى ما بعدها والمضاف اليه ms1205 لا يعمل في المضاف لانه من تمامه. وليس كذلك " ~~متى " لانها جزاء. # وقوله { والله أعلم بما كانوا يكتمون } معناه ما يكتمونه من نفاقهم اذ ~~اظهروا بألسنتهم ما اضمروا خلافه في قلوبهم فبين الله للناس أمرهم. ### || [5.62] # وصف الله تعالى المنافقين الذين تقدم وصفهم لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ~~بأنه { ترى كثيرا منهم يسارعون } أي يبادرون في الاثم والعدوان. # قال السدي: الاثم الكفر، وقال غيره وهو يقع على كل معصية وهو الاولى. ~~والفرق بين الاثم والعدوان أن الاثم الجرم كائنا ما كان، والعدوان الظلم، ~~فهم يسارعون في ظلم الناس وفي الجرم الذي يعود عليهم بالوبال والخسران. ~~وقيل - العدوان من عدوهم على الناس بما لا يحل. وقيل - لمجاوزتهم حدود ~~المجاوزتهم حدود الله وتعديتهم اياها. ويقال تأثم اذا تحرج من الاثم. ~~والآثم الفاعل للاثم. والسحت الرشوة في الحكم - في قول الحسن - وأصله ~~استئصال القطع فيكون من هذا لانه يقتضي عذاب الاستئصال ويتكرر لانه يقتضي ~~استئصال المال بالذهاب. # وانما قال { يسارعون } بدل قوله { يعجلون } وان كانت العجلة أدل على ~~الذم لامرين: # أحدهما - أنهم يبادرون اليه كالمبادرة الى الحق، فأفاد { يسارعون } أنهم ~~يعملونه كأنهم محقون فيه. # والآخر - لازالة إيهام أن الذم من جهة العجلة، وايجابه في الاثم ~~والعدوان. # وقوله { لبئس ما كانوا يعملون } يدل على أن الحمد والذم يكونان للافعال، ~~لانه بمنزلة بئس العمل عملهم، وهذا ذم لذلك العمل إلا انه جرى على طريقة ~~الحقيقة أو طريقة المجاز بدليل آخر يعلم. وقد كثر استعماله حتى قيل ~~الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة. ونعم ما صنعت وبئس ما صنعت وأصل ~~الذم واللوم واحد إلا أن الذم كثر في نفس العمل دون اللوم، لانه لا ~~يقال: لمت عمله كما يقال ذممت عمله. و (ما) في قوله { لبئس ما } يحتمل ~~أمرين: أحدهما - ان تكون كافة كما تكون في انما زيد منطلق وليتما عمرو ~~قائم، فلا يكون لها على هذا موضع. الثاني ان تكون نكرة موصوفة كأنه قيل: ~~لبئس شيئا كانوا يعملون. ### || [5.63] # معنى " لولا " ها هنا هلا. واصلها ان يمتنع ms1206 الشيء لوجود غيره. (لو) ~~معناها امتناع الشئ لامتناع غيره. وقال الرماني أصلها التقدير لوجوب ~~الشيء عن الاول فنقلت الى التحضيض على فعل الثاني من أجل الاول. وان لم ~~يذكر ولا بد معها من دلالة دخلها معنى: لم لا يفعل. # فان قيل كيف تدخل { لولا } على الماضي وهي للتحضيض وفي التحضيض معنى ~~الامر؟! # قيل: لانها تدخل للتحضيض والتوبيخ، فاذا كانت مع الماضي فهي توبيخ كقوله ~~تعالى # لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء # وقوله # ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا # و " الرباني " العالم بالدين الذي من قبل الرب، وهو منسوب الى الرب على ~~وجه تغيير الاسم، كما قالوا روحاني في النسبة الى الروح، وبحراني في ~~النسبة الى البحر. وقال الحسن { الربانيون } علماء أهل الانجيل والاحبار ~~علماء أهل التوراة. وقال غيره كله في اليهود، لانه يتصل بذكرهم. # وقوله: { لبئس ما } اللام فيه لام القسم ولا يجوز أن تكون لام الابتداء، ~~لانها لا تدخل على الفعل الا في باب " أن " خاصة لانها زحلقت عن الاسم ~~الى الخبر لئلا يجمع بين حرفين في موضع واحد بمعنى واحد والصنع والعمل ~~واحد. وقيل الفرق بينهما أن الصنع مضمن بالجودة من قولهم: ثوب صنيع، ~~وفلان صنيعة فلان اذا استخلصه الى غيره وصنع الله لفلان أي احسن اليه وكل ~~ذلك كالفعل الجيد. ### || [5.64] # أخبر الله تعالى في هذه الآية عن اليهود انها قالت: إن { يد الله ~~مغلولة } وقيل في معني { مغلولة } قولان: أحدهما قال ابن عباس وقتادة، ~~والضحاك: إن المراد بذلك أنها مقبوضة من العطاء على وجه الصفة له بالبخل ~~كما قال تعالى # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط # وانما قالوا ذلك لما نزل قوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # قالوا: إن رب محمد فقير يستقرض منا فأنزل الله هذه الآية. # الثاني قال الحسن معناه انها مقبوضة عن عذابنا. # وقال البلخي يجوز ان يكون اليهود، قالوا قولا واعتقدوا مذهبا معناه ~~يؤدي الى ان الله يبخل في حال ويجود في حال أخرى، فحكى ms1207 الله تعالى ذلك ~~على وجه التعجب منهم والتكذيب لهم. ويجوز أن يكون ذلك على وجه التعجب ~~منهم والتكذيب لهم. ويجوز ان يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء حيث لم ~~يوسع على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أصحابه. وليس ينبغي أن يتعجب ~~من قوم يقولون لموسى: { إجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ومن اتخذ العجل ~~إلها، ومن زعم أن ربه أبيض الرأس واللحية جالس على كرسي، كيف يقولون ~~إن الله يبخل مرة ويجود اخرى. وقال الحسين بن علي المغربي حدثني بعض ~~اليهود الثقات منهم بمصر ان طائفة قديمة من اليهود قالت ذلك بهذا اللفظ. # وأما اليد فانها تستعمل على خمسة أوجه: أحدها - الجارحة. والثاني - ~~النعمة. الثالث - القوة. الرابع - الملك. الخامس - تحقيق إضافة الفعل، ~~قال الله تعالى # أولي الأيدي والأبصار # معناه القوى ويقال لفلان على فلان يد أي نعمة وله علي يد أشكرها أي ~~نعمة. وقال الشاعر: # له في ذوي الحاجات أيد كأنها # مواقع ماء المزن في البلد القفر # ومثل ذلك يقولون له عليه صنع حسنة. وقوله # الذي بيده عقدة النكاح # معناه من يملك ذلك وقوله # لما خلقت بيدي # أي توليت خلقه. وقوله { غلت أيدهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الزجاج وغيره معناه الزموا البخل على مطابقة الكلام الأول ~~فهم أبخل الناس. # الثاني - قال الحسن وأبو علي { غلت أيديهم } في جهنم. # وقوله { ولعنوا بما قالوا } أي أبعدوا من رحمة الله وثوابه. وقوله { بل ~~يداه مبسوطتان } تكذيب منه تعالى لما قالوا وإخبار أن يديه مبسوطتان أي ~~نعمه مبسوطة. وقيل في وجه تثنية اليد ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه أراد نعمة الدنيا ونعمة الدين أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة. # الثاني - قال الحسن معناه قوتاه بالثواب والعقاب والغفران والعذاب بخلاف ~~قول اليهود إن يده مقبوضة عن عذابنا. # الثالث - أن التثنية للمبالغة في صفة النعمة مثل قولهم: لبيك وسعديك، ~~وكما يقول القائل: بسط يديه يعطي يمنة ويسرة ولا يريدون الجارحة وإنما ~~يريدون كثرة العطية وقال الاعشى: # يداك يدا مجد فكف مفيدة # وكف إذا ما ضن ms1208 بالزاد تنفق # وقوله تعالى { ينفق كيف يشاء } معناه يعطي من شاء من عباده ويمنع من شاء ~~منهم، لأنه متفضل بذلك ويفعل حسب ما تقتضيه المصلحة. # وقوله { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } أي ~~وسيزدادون عند ذلك طغيانا وكفرا لأن القرآن لا يفعل شيئا من ذلك، كما ~~يقول القائل: وعظتك فكانت موعظتي وبالا عليك. وما زادتك إلا شرا أي ~~انك ازددت عندها شرا. وذلك مشهور في الاستعمال. والطغيان هنا هو الغلو ~~في الكفر. # وقوله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } قيل فيه قولان: # أحدهما - إن المراد بذلك بين اليهود والنصارى على ما قلناه في قوله # فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء # هذا قول الحسن ومجاهد. وقد جرى ذكرهم في قوله # لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء # الثاني - ان الكناية راجعة على اليهود خاصة. والمراد ما وقع بينهم من ~~الخلاف بين الاشمعينية والعنانية وغيرهم من طوائف اليهود ذكره الرماني. # وبماذا القي بينهم العداوة والبغضاء؟ قيل فيه قولان: # أحدهما - قال أبو علي بتعريف اليهود قبح مذهب النصارى في عبادة المسيح ~~وبتعريف النصارى قبح مذهب اليهود في الكفر بالمسيح. # الثاني - قال الرماني بوضع البغضاء عقابا على الاختلاف بالباطل. # وقوله { إلى يوم القيامة } فيه دلالة على أنهم لا يجتمعون على مذهب واحد ~~الى يوم القيامة. ولا بد أن يكون ذلك مختصا بمن يعلم الله من حالهم انهم ~~لا يؤمنون. # وقوله { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن ومجاهد: لحرب محمد (صلى الله عليه وسلم) وفي ذلك ~~دلالة ومعجزة، لأن الله أخبر عن الغيب وكان كما أخبر، لأن اليهود كانت ~~أشد أهل الحجاز بأسا وأمنعهم دارا حتى أن قريشا كانت تعتضد بهم والأوس ~~والخزرج تستبق الى محالفتهم والتكثر بنصرتهم، فأباد الله حضراءهم واقتلع ~~أصلهم فأجلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بني قينقاع وبني النضير، وقتل ~~بني قريظة وشرد أهل خيبر وغلب على فدك ودان له أهل وادي القرى. فمحي الله ~~آثارهم صاغرين وحقق بخبر نبيه (صلى الله عليه وسلم). وهذه كلمة ms1209 مستعملة ~~في اللغة في التشاغل بالحرب والاستعداد لها. قال عوف ابن عطية: # إذا ما اجتنينا جنا منهل # شببنا لحرب بعلياء نارا # الثاني - قال قتادة: هو عام. والمعنى إن الله أذلهم بذاك لا يغزون ~~أبدا وإنما يطفئ الله بلطفه نار حربهم وما يوقي نبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) من نقض ما يبرمون. وما يطلعه عليه من أسرارهم ويمن به عليه من ~~النصر والتأييد، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود { يسعون في الأرض فسادا ~~} يعني بمعصية الله وتكذيب رسله ومخالفة أمره ونهيه، واجتهادهم في دفع ~~الاسلام ومحو ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) من كتبهم، وذلك هو سعيهم ~~بالفساد، ثم قال { والله لا يحب المفسدين } بعني لا يحب من كان عاملا ~~بمعاصيه في أرضه. ### || [5.65] # قد بينا أن معنى (لو) امتناع الشئ لامتناع غيره. وقال الرماني معناه ~~وجوب المعنى الثاني، بالأول على جهة التقدير بطريقة لو كان كذا لكان كذا، ~~فان قطع الأول قطع الثاني بطريقة كقولك وقد كان كذا وكذا، وقد كان كذا ~~وما كان كذا، فما كان كذا فنحوه. وما كفرنا عنهم سيئاتهم فما آمنوا ~~واتقوا. والفرق بين (لو) و (إن) - مع أن كل واحدة منهما تعلق المعنى ~~الأول - أن " لو " للماضي و " ان " للمستقبل كقولك: ان أتيتني أكرمتك. ~~ولو اتيتني لاكرمتك، فيقدر الاكرام بالاتيان في الماضي. وفي " إن " وعد ~~وليس في " لو " ذلك. # أخبر الله تعالى أن هؤلاء اليهود والكفار لو آمنوا واتقوا معاصيه لكفر ~~عنهم سيئاتهم أي غطاها عليهم وأزال عقابها عنهم وأثابهم على إيمانهم ~~وتقواهم. # { ولأدخلناهم جنات النعيم } اللام لام القسم وأصل التكفير التغطية. ومنه ~~يكفر في السلاح قال الشاعر: # في ليلة كفر النجوم غمامها # وقوله { ولأدخلناهم جنات النعيم } وان كان على لفظ الماضي فالمراد به ~~الاستقبال وإنما كان كذلك، لانه قدر تقدير الماضي كما قال { ولو ردوا ~~لعادوا } وذلك يدل على أن " لو " أوسع من " ان. ### || [5.66] # قد بينا معنى { لو } فيما مضى وإنما فتحت { أنهم } بعدها لأن هذا موضع ~~قد خالف الابتداء بأنه بالفعل أولى ms1210 فصار بمنزلة العامل الذي يختص بالفعل ~~دون الاسم أو الاسم دون الفعل يبين ذلك امتناع اللام من الدخول على الخبر ~~في { لو } وليس كذلك { حتى } و { الا }. ومعنى { أقاموا التوراة والإنجيل ~~} علموا بما فيهما على ما فيهما دون أن يحرفوا شيئا منهما أو يغيروا أو ~~يبدلوا كما كانوا يفعلون ويحتمل أن يكون معناه بما فيهما بأن أقاموهما ~~نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودهما. # وقوله { وما أنزل إليهم من ربهم } يحتمل أمرين: # أحدهما - قال ابن عباس وأبو علي وغيرهما: المراد به الفرقان. # الثاني - قال قوم: كل ما دل الله عليه من امور الدين. وقوله { لأكلوا من ~~فوقهم } بارسال السماء عليهم مدرارا { ومن تحت أرجلهم } باعطاء الأرض ~~خيرها وبركتها وقال قوم { من فوقهم } ثمار النخل والأشجار { ومن تحت ~~أرجلهم } الزرع. والمعنى لو آمنوا لأقاموا في أوطانهم، وأموالهم وزروعهم، ~~ولم يجلوا عن بلادهم، ففي ذلك التأسيف لهم على ما فاتهم، والاعتداد بسعة ~~ما كانوا فيه من نعمة الله عليهم، وهو جواب التبخيل في قولهم # يد الله مغلولة # الثاني ان المعنى فيه التوسعة، كما يقال: هو في الخير من قرنه الى قدمه ~~أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها. واختار الطبري الوجه الأول. # وقد جعل الله التقى من أسباب الرزق فقال # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # وقال # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض # وقال # استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم ~~بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا # وقال # وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا # وقوله { منهم أمة مقتصدة } يعني من هؤلاء الكفار قوم معتدلون في العمل ~~من غير غلو ولا تقصير. قال أبو علي: وهم الذين أسلموا منهم، وتابعوا ~~النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهو المروي في تفسير أهل البيت. # وقال قوم: نزلت في النجاشي وأصحابه. وحكى الزجاج عن قوم أنهم قالوا: ~~نزلت في قوم لم يناصبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) ms1211 مناصبة هؤلاء. والأول ~~أقوى، لأن الله تعالى لا يجوز أن يسمي الناصب مقتصدا بحال. ويحتمل أن ~~يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد الله، ولا يدعي فيه الالهية ~~والبنوة. وقال مجاهد: هم مسلموا أهل الكتاب. وبه قال ابن زيد، والسدي. # واشتقاق المقتصدين من القصد، لأنه القاصد الى ما يعرف، فكان خلاف الطالب ~~المتحير في طلبه. والاقتصاد الاستواء في العمل المؤدي الى الغرض. وقوله { ~~وكثير منهم ساء ما يعملون } أخبار منه تعالى أن أكثر هؤلاء اليهود ~~والنصاري. يعملون الاعمال السيئة وهم الذين يقيمون على الكفر والجحود ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله { ساء } معناه قبح و { ما يعملون } ~~يحتمل أن تكون { ما } مع ما بعدها بمنزلة المصدر والتقدير: بئس شيئا ~~عملهم كما قال: { ساء مثلا القوم الذين كذبوا }. والثاني أن تكون { ما } ~~بمعنى الذي وما بعدها صلة لها والعائد محذوف. ### || [5.67] # قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر " رسالاته " على الجمع. ~~الباقون " رسالته " على التوحيد. من قرأ على الجمع ذهب الى أن الأنبياء ~~يبعثون بضروب الرسائل واختلاف العبادات. ومن وحد، فلأنه يدل على الكثرة. # قيل في سبب نزول هذه الاية أربعة أقوال: # أحدها - قال محمد بن كعب القرطي، وغيره: إن اعرابيا هم بقتل النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) فسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه شجرة حتى انتثر ~~دماغه. # الثاني - أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يهاب قريشا فأزال الله - ~~عز وجل - بالآية تلك الهيبة. وقيل كان للنبي (صلى الله عليه وسلم) حراس ~~بين أصحابه، فلما نزلت الآية قال الحقوا بملاحقكم، فان الله عصمني من ~~الناس. # الثالث - قالت عائشة إن المراد بذلك إزالة التوهم أن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) كتم شيئا من الوحي للتقية. # الرابع - قال أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام) إن الله تعالى: ~~لما أوحى الى النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يستخلف عليا كان يخاف أن ~~يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له على ~~القيام ms1212 بما أمره بادائه. # والآية فيها خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وإيجاب عليه تبليغ ما ~~أنزل اليه من ربه وتهديد له إن لم يفعل وانه يجري مجرى إن لم يفعل ولم ~~يبلغ رسالته. # فان قيل كيف يجوز ذلك؟ ولا يجوز أن يقول: إن لم تبلغ رسالته فما بلغتها ~~لأن ذلك معلوم لا فائدة فيه! # قلنا: قال ابن عباس: معناه إن كتمت آية مما أنزل اليك فما بلغت رسالته ~~والمعنى ان جريمته كجريمته لو لم يبلغ شيئا مما أنزل اليه في انه يستحق ~~به العقوبة من ربه. # وقوله { والله يعصمك من الناس } معناه يمنعك أن ينالوك بسوء من فعل أو ~~شر أو قهر. وأصله عصام القربة، وهو وكاؤها الذي يشد به من سير أو خيط. ~~قال الشاعر: # وقلت عليكم مالكا إن مالكا # سيعصمكم إن كان في الناس عاصم # أي سيمنعكم. وقوله تعالى { إن الله لا يهدي القوم الكافرين } قيل في ~~معناه قولان: # قال الجبائي: إن الله لا يهدي الى الثواب والجنة الكافرين. # وقال الرماني: معنى الهداية ها هنا المعونة بالتوفيق والألطاف الى الكفر ~~بل إنما يهديهم الى الايمان والثواب، لأن من هداه الى غرضه فقد أعانه ~~على بلوغه، ولا يجوز أن يكون المراد به أنه لا يهديهم الى الايمان، لأنه ~~تعالى هداهم اليه بأن دلهم عليه ورغبهم فيه وحذرهم من خلافه. # وفي الآية دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) من وجهين: # أحدهما أنه لا يقدم على الاخبار بذلك محققا إلا من يأمن أن يكون مخبره ~~على ما هو به، لأنه لا داعي له الى ذلك غير الصدق. # والثاني - أنه لما وقع مخبره على ما أخبر به فيه وفي نظائره دل على أنه ~~من عند علام الغيوب. وحكى البلخي أن بعد قوله تعالى { والله يعصمك من ~~الناس } لم يكن الكفار قادرين على قتل النبي ولا منهيون عن قتله، لأن مع ~~المنع لا يصح النهي عنه، قال وإنما هم منهيون عن أسباب القتل التي تقتل ~~غالبا، لأنهم كانوا قادرين عليها. ms1213 قال ووجه آخر أنهم كانوا قادرين لكن ~~علم أنهم لا يقتلونه. وأنه يحول بينهم وبين القتل. والأول لا يصح، لأن ~~القدرة على بعض الاجناس قدرة على كل جنس تتعلق القدرة بها. ### || [5.68] # سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود، ~~فقالوا: يا محمد ألست تقول: إن التوراة من عند الله؟ قال بلى. قالوا ~~فانا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها فنزلت الآية. # ومعناها أنه تعالى أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لأهل الكتاب { ~~لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل }. وقيل في معناه قولان: # أحدهما - حتى تقيموهما بالتصديق بما فيهما من البشارة بالنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) والعمل بما يوجب ذلك فيهما. # الثاني - قال أبو علي يجوز أن يكون الأمر باقامة التوراة والانجيل وما ~~فيهما إنما كان قبل النسخ لهما. # وقوله { وما أنزل إليكم من ربكم } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يريد به القرآن الذي أنزله على جميع الخلق. # الثاني - أن يريد جميع ما نصبه الله من الأدلة الدالة على توحيده وصفاته ~~وصدق نبيه (صلى الله عليه وسلم). # وقوله: { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ~~والمراد أنهم يزدادون عند نزوله طغيانا وكفرا، لأن القرآن المنزل لا ~~يزيد شيئا طغيانا. # فان قيل هذا هو المفسدة بعينه، لأنهم إذا فسدوا عنده ولولاه لما فسدوا ~~كان ذلك مفسدة.!!! # قيل ليس في الآية أنه لو لم ينزل القرآن لم يكونوا يفعلون الكفر بل لا ~~يمتنع أنه لو لم ينزل القرآن لفعلوا من الكفر ما هو أعظم، فصار إنزال ~~القرآن لطفا في استنقاص الكفر وتقليل المفسدة، فالمفسدة زائلة واللطف ~~حاصل، على أنه لا يمنع أن يكونوا يفعلون الكفر بعينه لو لم ينزل القرآن ~~فحقيقة المفسدة اذا ليست بحاصلة، لأن حد المفسدة ما وقع عنده الفساد ~~ولولاه لم يقع من غير أن يكون تمكينا. # والطغيان ههنا تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه وأصله تجاوز الحد. ومنه ~~قوله تعالى: # إنا لما طغى الماء # وقوله: # إن الإنسان ms1214 ليطغى # أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق. # وقوله: { فلا تأس على القوم الكافرين } معناه لا تحزن تقول أسى يأسى ~~أسا إذا حزن. قال الشاعر: # وانحلبت عيناه من فرط الأسى # وهذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وليس بنهي عن الحزن، لأنه لا ~~يقدر عليه لكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن. قال البلخي ذلك يدل على ~~بطلان ما روي من أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا للكفار بالهداية، ~~لأنه نهاه عن الحزن وأمره بلعنهم ولا يجتمع قول اللهم العنهم، واهدهم ~~واغفر لهم. ### || [5.69] # أخبر الله تعالى أن الذين صدقوا الله وأقروا بنبوة نبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) { والذين هادوا } يعني الذين اعتقدوا اليهودية ونبوة موسى، وتأييد ~~شرعه { والصابئون } وهو جمع صابئ، وهو الخارج عن دين عليه امة عظيمة من ~~الناس الى ما عليه فرقة قليلة، وهم عباد الكواكب. وعندنا لا يؤخذ منهم ~~الجزية. وعند المخالفين يجرون مجرى أهل الكتاب وصبأ ناب البعير وسن الصبي ~~إذا خرج. وضبأ - بالضاد المعجمة - معناه اختبأ في الأرض، ومنه اشتق ضابي ~~البرجمي. و { النصارى } وهم الذين يقرون بالمسيح (ع) وقوله: { من آمن ~~بالله } قيل فيه قولان: # أحدهما - يعني الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون ~~ذكره الزجاج. # الثاني - من دام على الايمان والاخلاص ولم يرتد عن الاسلام. # وقيل في معنى رفع الصابئين ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: إنه على ~~التقديم والتأخير والتقدير: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون ~~كذلك. قال الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم # بغاة ما بقينا في شقاق # والمعنى فاعلموا انا بغاة ما بقينا في شقاق وأنتم كذلك. وقال ضابئ ~~البرجمي: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فاني وقياربها لغريب # والثاني - قال الكسائي هو عطف على الضمير في { هادوا } وكأنه قال هادوا ~~هم والصابئون. قال الرماني هذا غلط من وجهين: أحدهما ان الصابئ لا يشارك ~~اليهود في اليهودية. والآخر أنه عطف على الضمير المتصل من غير تأكيد ~~بالمنفصل. ms1215 # والثالث قال الفراء: إنه عطف على ما لا يتبين فيه الاعراب وهو { الذين ~~} ويجوز النسق على مثل { الذين } وعلى المضمر نحو اني وزيد قائمان، فعطف ~~على موضع { أن }. # وقوله { وعمل صالحا } فالعمل والفعل واحد. وقال الرماني: فعل الشئ ~~إحداثه وايجاده بعد أن لم يكن وعمله إحداث ما يكون به متغيرا سواء ~~كان إحداثه نفسه أو احداث حادث فيه. # وقوله تعالى { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } مع ما يمر بهم من أجل يوم ~~القيامة لأمرين: أحدهما - أن ذلك لا يعتد به لأنه عارض، ثم يصيرون الى ~~النعيم الدائم. ومنه قوله # لا يحزنهم الفزع الأكبر # وهو عذاب النار كما يقال للمريض لا بأس عليك. الثاني أن أهوال يوم ~~القيامة إنما تنال الضالين دون المؤمنون. والأول أقوى لعموم قوله: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم)أن الناس يلجمهم العرق. وانهم يحشرون ~~حفاة عراة عزلا، فقالت عائشة لا يحتشمون من ذلك، فقال (صلى الله عليه ~~وسلم): # لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه # فأما قوله { من آمن بالله } وقد ذكر الذين آمنوا، فلأن المعني بالذين ~~آمنوا ها هنا - في قول الزجاج - المنافقون بدلالة قوله # لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم # والتقدير من آمن منهم. وقال قوم: من آمن يرجع الى من عدا الذين آمنوا ~~وحمل { الذين آمنوا } على ظاهره من حقيقة الايمان. ومنهم من قال: يرجع ~~الى الجميع ويكون المعنى في { من آمن } من يستديم على الايمان ويستمر ~~عليه. وقد استوفينا ما يتعلق بذلك في سورة البقرة. ### || [5.70] # اللام في قوله { لقد } لام القسم. أقسم الله تعالى أنه أخذ الميثاق وهو ~~الأيمان المؤكدة التي أخذها أنبياءهم على بني اسرائيل في قول ابي علي. ~~وقال غيره: يجوز أن يكون الميثاق هي الآيات البينة التي قرر بها علم ذلك ~~عندهم. وإنما أخذ ميثاقهم على الاخلاص لتوحيد ms1216 الله تعالى، والعمل بها ~~أمر به، والانتهاء عما نهى عنه والتصديق برسله والبشارة بالنبي الامي ~~والاقرار به، حسب ما تقدمت صفته عندهم. # ووجه الاحتجاج على أهل الكتاب بما أخذ على آبائهم من الميثاق أنهم قد ~~عرفوا ذلك في كتبهم، وأقروا بصحته، فحجته لازمة لهم، والعمل به واجب ~~عليهم، وعيب المخالفة يلحقهم كما لحق آباءهم الذين نقضوا الميثاق الذي ~~أخذ عليهم. # وقوله { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } والهوى هو لطف محل الشئ ~~من النفس مع الميل اليه بما لا ينبغي، فلذلك غلب على الهوى صفة الذم، كما ~~قال تعالى # ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى # ويقال: منه: هوى يهوى ويقال: هوى يهوي هويا إذا انحط في الهواء وأهوى ~~بيده إذا انحط بها ليأخذ شيئا. و # فأمه هاوية # أي جهنم، لأنه يهوي فيها. وهم يتهاوون في الهواء اذا سقط بعضهم في أثر ~~بعض والفرق بين الهوى والشهوة: أن الشهوة تتعلق بالمدركات فيشتهي الانسان ~~الطعام، ولا يهوى الطعام. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور. وقوله { ~~وأفئدتهم هواء } قيل فيه قولان: أحدهما - أنها منحرفة لا تعي شيئا كهواء ~~الجو. والآخر أنه قد أطارها الخوف. ومنه قوله # كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران # أي استهوته من هوى النفس. # وقوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } نصب فريقا في الموضعين بأنه ~~مفعول به قدم. وإنما قال في الأول { كذبوا } بلفظ الماضي. وفي الثاني { ~~يقتلون } بلفظ المستقبل لأمرين: # أحدهما - ليدل بذلك على أن من شأنهم ذلك وعادتهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ~~ويكذبون ويقتلون مع موافقته لرؤوس الآي. # الثاني - أن يكون على معنى فريقا كذبوا، ولم يقتلوا وفريقا كذبوا ~~وقتلوا فيكون يقتلون صفة الفريق. ### || [5.71] # قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { ألا تكون } بالرفع. الباقون بالنصب. ولم ~~يختلفوا في رفع { فتنة } فمن رفع، فالمعنى حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، ~~لأنهم كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ومن نصبه فلأن " أن " ~~تنصب الفعل المضارع. وقال أبو علي الفارسي الافعال على ثلاثة أضرب: فعل ~~يدل على ثبات الشئ واستقراره ms1217 نحو العلم، وفعل يدل على خلاف الاستقرار ~~والثبات، وفعل يحتمل الأمرين، فما كان معناه العلم وقع بعده (أن) ~~الثقيلة، ولم تقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، لأن الثقيلة معناها إثبات ~~الشئ واستقراره والعلم بأنه كذلك أيضا، فاذا أوقع عليه واستعمل معه كان ~~وقعه ملائما له. ولو استعملت الناصبة للفعل بعد ما معناه العلم واستقرار ~~الشئ له لتباينا وتدافعا، فمن استعمال الثقيلة بعد العلم وايقاعه عليها ~~قوله: # ويعلمون أن الله هو الحق المبين # و # ألم يعلم بأن الله يرى # ، لأن الباء زائدة. وكذلك التبين والتيقن، وما كان معناه العلم كقوله # ثم بدا لهم من بعد ما رءوا الآيات # فهذا ضرب من العلم لأنه تبين لأمر قد بان فلذلك كان قسما كما كان علمت ~~قسما في نحو قوله: # ولقد علمت لتأتين منيتي # وكذلك # ثم بدا لهم من بعد مارءوا الآيات ليسجننه حتى حين # فهو بمنزلة علموا ليسجننه وعلى ذلك قول الشاعر: # بدا لي أني لست مدرك ما مضى # (ولا سابقا شيئا اذا كان جائيا) # فأوقع بعدها الشديدة كما يوقعها بعد علمت واما ما كان معناه ما لم يثبت ~~ولم يستقر فنحو (أطمع) و (أخاف) و (اشفق) و (أرجو) فهذا ونحوه لا يستعمل ~~بعده إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله تعالى: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي # وقوله # تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم # وقوله: # إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله. فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله # وقوله: # فخشينا أن يرهقهما # وقوله # أأشفقتم أن تقدموا # وكذلك أرجو، وعسى، ولعل فأما ما يستعمل في الامرين نحو حسبت وظننت وزعمت ~~فهذا النحو يجعل مرة بمنزلة (أرجو) و (أطمع) من حيث كان أمرا غير مستقر ~~ومرة يجعل بمنزلة العلم من حيث استعمل استعماله. ومن حيث كان خلافه. ~~والشئ قد يجري مجرى الخلاف نحو (عطشان) و (ريان) فاما استعمالهم استعمال ~~العلم، فلأنهم قد أجابوه بجواب القسم. حكى سيبويه ظننت ليسقيني. وقيل في ~~قوله # وظنوا ما لهم من محيص # ان النفي جواب الظن كما كان جوابا لعلمت في قوله ms1218 # علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات # وكلا الوجهين جاء به القرآن مثل قراءة من نصب قوله # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم # ألم أحسب الناس أن يتركوا # ومثل قراءة من رفع قوله # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم # أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين # أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه # فهذه مخففة من الشديدة. ومثل ذلك في الظن قوله: # تظن أن يفعل بها فاقرة # وقوله # إن ظنا أن يقيما حدود الله # ومن الرفع قوله: # وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن.. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث ~~الله أحدا # وإن ها هنا الخفيفة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا تقع بعدها (أن) ~~لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال كما لم تجتمع الناصبة مع ~~السين، ولم يجتمعا كما لم يجتمع الحرفان بمعنى واحد. ولذلك كانت (ان) في ~~قوله # علم أن سيكون # المخففة من الشديدة. ومن ذلك قوله # وظنوا أنهم أحيط بهم # فاما قوله: # الذين يظنون إنهم ملاقوا ربهم # وقوله: # ظننت أني ملاق حسابيه # فالظن ها هنا بمعنى العلم، وحسن وقوع الخفيفة من الشديدة في قول من رفع ~~وإن كان بعده فعل لدخول (لا) وكونها عوضا من حذف الضمير معه وايلاء ما ~~لم يكن يليه. ولو قلت علمت أن يقول لم يجز حتى يأتي بما يكون عوضا نحو ~~(قد) و (لا) والسين وسوف، كما قال { علم أن سيكون } ولا يدخل على ذلك ~~قوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # فلم يدخل بين (أن) و (ليس) شئ لأن (ليس) ليس بفعل على الحقيقة. وأما ~~(فتنة) فلو نصب لكان صحيحا في العربية على تقدير: أن لا يكون قولهم ~~فتنة. ولكن لم يقرأ به أحد. قال الرماني: وحد الحسبان هو قوة أحد ~~النقيضين. في النفس على الآخر وأصله الحساب، فالنقيض القوي يحتسب به دون ~~الآخر أي هو فيما يحتسب ولا يطرح ومنه الحسب لانه مما يحسب ولا يطرح لأجل ~~الشرف ومنه قولهم: حسبك أي ms1219 يكفيك، لأنه بحساب الكفاية ومنه احتساب الأجر، ~~لأنه فيما يحتسب ويكفي. # والفتنة ها هنا العقوبة. وقيل البلية - في قول السدي وقتادة والحسن ~~ومجاهد - وقيل: الشدة. وكل ذلك متقارب. وقال ابن عباس: الفتنة - ها هنا - ~~الشرك. وأصل الفتنة الاختبار، ومنه افتتن بفلانة اذا هواها، لأنه يظهر ما ~~يطوي من خبره بها. وفتنت الذهب في النار اذا خلصته ليظهر خبره في نفسه ~~متميزا من شائب غيره. وقوله # يوم هم على النار يفتنون # أي يحرقون. فاذا هم خبث كلهم # وفتناك فتونا # أي اختبرناك اختبارا أي ليظهر خبرك على خلوص أمرك في طاعتك أو غير ذلك ~~من حالك. # وقوله { فعموا وصموا } معناه عن الحق على وجه التشبيه بالأعمى والاصم ~~لانه لا يهدي الى طريق الرشد في الدين كما لا يهتدي هذا الى طريق الرشد ~~في الدنيا لأجل العمى والصمم، فكذلك اولئك لاعراضهم عن النظر. # وقوله { ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا } إخبار منه تعالى أن هؤلاء ~~الكفار حسبوا أن لا يكون فتنة على ما فسرناها { فعموا وصموا } وقتلوا ~~الأنبياء وكذبوهم ثم أن فريقا منهم تابوا فتاب الله عليهم { ثم عموا ~~وصموا } يعني عادوا الى ما كانوا عليه. # وقيل قوله { ثم عموا وصموا } في الاقرار بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~وقوله: { كثير منهم } قال الزجاج يحتمل رفعه ثلاثة أوجه: # أحدها - ان يكون بدلا من الفاء، فكأنه لما قال { عموا وصموا } ابدل ~~الكثير منهم أي عمي وصم كثير منهم كما يقول جاءني قومك أكثرهم. # والثاني - أن يكون جمع الفعل متقدما على لغة من قال اكلوني البراغيث، ~~وذهبوا قومك. قال أبو عمرو الهذلي: # ولكن ديا في ابوه وامه # بحوران يعصرن السليط اقاربه # الثالث ان يكون (كثيرا) خبر ابتداء محذوف والتقدير ذو العمى والصمم { ~~كثير منهم } ثم بين تعالى { إنه بصير } أي عالم { بما يعملون } أي ~~بأعمالهم. ### || [5.72] # اللام في قوله { لقد } لام القسم. أقسم الله تعالى بأنه { كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } والكفر هو الجحود لما يجب عليه ~~الاقرار به، والتصديق له. ms1220 وقال الرماني: هو تضييع حق النعمة بالجحد او ما ~~جرى مجراه في عظم الجرم. ولذلك كان من قتل نبيا فهو كافر وان أقر بجميع ~~نعم الله. وعندنا إن قتل نبي يدل على ان قاتله جاحد لما يجب عليه ~~الاقرار به، والاعتقاد لتصديقه. # والذين يقولون من النصارى: إن الله هو المسيح بن مريم هم اليعقوبية، ~~وهم مع ذلك مثلثة، لأنهم يقولون إن الأب والابن وروح القدس إله واحد. ~~وغيرهم يقولون: إن المسيح ابن الله. ولا يقولون هو الله وأجمعوا على أنه ~~إله. # وقوله: { وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } اخبار عن ~~المسيح (ع) أنه قال لبني اسرائيل الذين كانوا في زمانه { اعبدو الله ربي ~~وربكم } الذي يملكني وإياكم وإني واياكم عبيده، ومن خلقني وخلقكم { ~~إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } فالشرك هو الكفر. وإنما ~~يطلق على من أشرك في عبادة الله غيره، وإنما كان كافرا، لأنه جحد نعمة ~~الله باضافتها الى غيره، وزعمه أن غيره يستحق العبادة مع ما ثبت أنه لا ~~يقدر أحد على ما يستحق به العبادة سوى الله تعالى. والشرك أصله الاجتماع ~~في الملك، فاذا كان الملك بين نفسين، فهما شريكان وكذلك كل شئ يكون بين ~~نفسين، ولا يلزم على ذلك ما يضاف الى كل واحد منهما منفردا كالعبد يكون ~~ملكا لله وهو ملك للانسان، لأنه لو بطل ملك الانسان، لكان ملكا لله كما ~~كان، لم يزد في ملكه شئ لم يكن. # وقوله: { فقد حرم الله عليه الجنة } اخبار من المسيح لقومه أن من يشرك ~~بالله، فان الله يمنعه الجنة. والتحريم ها هنا هو تحريم منع لا تحريم ~~عبادة. # وقوله: { ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } معناه أنهم مع حرمانهم ~~الجنة مستقرهم النار، ولا ناصر لهم يدفع عنهم ويخلصهم مما هم فيه من ~~أنواع العذاب. ### || [5.73] # وهذا قسم آخر من الله بأنه كفر من قال: { إن الله ثالث ثلاثة } ~~والقائلون بهذه المقالة هم جمهور النصارى من الملكانية، واليعقوبية ~~والنسطورية، لأنهم يقولون: أب، ms1221 وابن، وروح القدس إله واحد، ولا يقولون ~~ثلاثة آلهة. ويمنعون من العبارة. وإن كان يلزمهم أن يقولوا إنهم ثلاثة ~~آلهة. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة. وإنما قلنا: يلزمهم، ~~لانهم يقولون الابن إله والأب إله وروح القدس إله. والابن ليس هو ~~الأب. # ومعنى { ثالث ثلاثة } أحد ثلاثة. وقال الزجاج، لا يجوز نصب ثلاثة لكن ~~للعرب فيه مذهب آخر وهو أنهم يقولون رابع ثلاثة، فعلى هذا يجوز الجر ~~والنصب، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم. # ثم أخبر تعالى، فقال { وما من إله إلا إله واحد } أي ليس إلا اله ~~واحد. ودخلت (من) للتوكيد. # وقوله: { وإن لم ينتهوا عما يقولون } أي إن لم يرجعوا ويتوبوا عما ~~يقولون من القول بالتثليث أقسم { ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } ~~يعني الذين يستمرون على كفرهم والمس - ها هنا - ما يكون معه احساس وهو ~~حلوله فيه، لأن العذاب لا يمس الحيوان إلا أحس به ويكون المس بمعنى ~~اللمس، لأن في اللمس طلبا لاحساس الشئ، فلهذا اختير ها هنا المس. واللمس ~~ملاصقة معها إحساس وإنما قال { ليمسن الذين كفروا منهم } لأمرين: # أحدهما - ليعم الوعيد الفريقين الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، ~~والذين قالوا هو ثالث ثلاثة والضمير عائد الى أهل الكتاب. # الثاني - أنه من أقام منهم على الكفر لزمه هذا الوعيد في قول أبي علي، ~~والزجاج، وليس في الآية ما يدل على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر لأن ~~الذي فيها هو الاخبار عن أن من قال الله ثالث ثلاثة فهو كافر، وهذا لا ~~خلاف فيه. وليس فيها أن هذا القول بعينه هو كفر أو دلالة على الكفر، فمن ~~يقول الكفر هو الجحود، وان الايمان هو التصديق بالقلب يقول إن في أفعال ~~الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود في القلب مثل القول الذي ذكره ~~الله تعالى. ومثل ذلك السجود للشمس وعبادة الاصنام وغير ذلك، فلا دلالة ~~في الآية على ما قالوه. ### || [5.74] # الألف في قوله { أفلا } الف إنكار ms1222 وأصلها الاستفهام، لأنه لا يصح ~~للسؤال جواب عن مثل هذا فيكون حينئذ تقريعا لهم وإنكارا عليهم ترك ~~التوبة وإنما دخلت { إلى } في قوله: { يتوبون إلى الله } لأن معنى ~~التوبة الرجوع الى طاعة الله، لأن التائب بمنزلة من ذهب عنها ثم عاد ~~اليها، وقد بينا فيما مضى أن التوبة طاعة يستحق بها الثواب، فأما إسقاط ~~العقاب عندها فهو تفضل من الله غير واجب. # والفرق بين التوبة والاستغفار أن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء أو ~~التوبة أو غيرهما من الطاعة. والتوبة الندم على القبيح مع العزم على أن ~~لا يعود إلى مثله في القبيح أو الاخلال بالواجب والاستغفار مع الاصرار ~~على القبيح لا يصح ولا يجوز. وفي الآية تحضيض على التوبة والاقلاع من كل ~~قبيح والانكار لتركها، وحث على الاستغفار { والله غفور رحيم } إخبار منه ~~تعالى أنه يستر الذنوب ويغفرها رحمة منه لعباده. ### || [5.75] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس المسيح بن مريم إلا رسول أرسله ~~الله { قد خلت من قبله الرسل } أي انه رسول ليس بإله كما ان الأنبياء ~~قبله رسل ليسوا بآلهة. وانه أتى بالمعجزات من قبل الله كما أتوا بها من ~~قبل ربهم، فمن ادعى له الآلهية فهو كمن ادعى الالهية لجميعهم لتساويهم في ~~المنزلة ومعنى " خلت " مضت. { وأمه صديقة } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أنها كانت تصدق بآيات ربها ومنزلة ولدها، وتصدقه فيما أخبرها ~~به بدلالة قوله # وصدقت بكلمات ربها # ذكر ذلك الحسن، والجبائي. # الثاني - لكثرة صدقها وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها أو سميت صديقة ~~على وجه المبالغة، كما قيل: رجل سكيت. أي مبالغ في السكوت. # وقوله { كانا يأكلان الطعام } فيه احتجاج على النصارى، لأن من ولدته ~~النساء، وكان يأكل الطعام لا يكون إلها للعباد لأن سبيله سبيلهم في ~~الحاجة الى الصانع المدبر، لأن من فيه علامة الحدث، لا يكون قديما. ومن ~~يحتاج الى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شئ وقيل إن ذلك كناية عن قضاء ~~الحاجة لأن من أكل الطعام لا بد أن ms1223 يحدث حدثا مخصوصا على مجرى العادة. # وقوله { انظر كيف نبين لهم الآيات } أمر للنبي وامته بأن يفكروا فيما ~~بين الله من الآيات والدلالات لهم على بطلان ما اعتقدوه من ربوبية ~~المسيح، وبنوته ثم أمره بأن ينظر ثانيا { أنى يؤفكون } أي كيف يؤفكون. ~~وقيل من أين يؤفكون ومعنى { يؤفكون } يصرفون. وقيل يقلبون. والمعنى ~~متقارب، لأن المعنى انظر كيف يصرفون عن الآيات التي بيناها لهم ويقال: ~~لكل مصروف عن شئ مأفوك عنه، وقد افكت فلانا عن كذا أي صرفته عنه صرفا. ~~فأنا آفكه إفكا فهو مأفوك وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، والافك ~~الكذب، لأنه صرف الخبر عن وجهه. والمؤتفكات المنقلبات من الرياح، وغيرها، ~~لأنها صرفت بقلبها عن وجهها. ### || [5.76] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء النصارى الذين ~~قالوا { إن الله ثالث ثلاثة }: { أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا } أي توجهون عبادتكم الى من لا يقدر على الضر والنفع، لأن ~~القادر عليهما هو الله تعالى او من يمكنه الله من ذلك. ولو جاز توجيه ~~العبادة الى المسيح الذي لا يملك ذلك لجاز توجيهها الى الاصنام كما يقوله ~~عباد الاصنام. وقد علمنا خلاف ذلك. # والملك: هو القدرة على تصريف ما للقادر عليه أن يصرفه، فملك الضرر ~~والنفع أخص من القدرة عليهما، لأن القادر عليهما قد يقدر من ذلك على ما ~~له أن يفعل، وقد يقدر منه على ما ليس له أن يفعله. والنفع: هو فعل اللذة ~~أو السرور او ما أدى اليهما أو الى واحد منهما مثل الملاذ التي تحصل في ~~الحيوان. والصلة بالمال والوعد باللذة، فان جميع ذلك نفع، لأنه يؤدي الى ~~اللذة، والضرر هو فعل الالم أو الغم أو ما أدى اليهما أو الى واحد منهما ~~كالآلام التي توجد في الحيوان والقذف والسب، لأن جميع ذلك يؤدي الى ~~الآلام والغضب ضرر لأنه من الأسباب المؤدية الى الآلام. # وقوله { والله هو السميع العليم } قيل في معناه ها هنا قولان: # أحدهما - أنه ms1224 ذكر للاستدعاء الى التوبة فهو يسمع قول العبد فيها وما ~~يضمره منها. # والآخر التحذير من الجزاء بالسيئة، لأنه يعلم الاعمال ويسمع الأسرار ~~والاعلان. وذلك دليل على ملك الجزاء بالثواب والعقاب. ### || [5.77] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب أهل الكتاب، وهم ~~النصارى ها هنا. وقال قوم: المراد به اليهود والنصارى، لأن اليهود أيضا ~~غلوا في تكذيب عيسى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ويقول لهم { لا تغلو في ~~دينكم } ومعناه لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم الى الازدياد. وضده ~~التقصير وهو الخروج عن الحد الى النقصان. والزيادة في الحد والنقصان معا ~~فساد أي ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو، والتقصير، وهو الاقتصاد. # وقوله { ولا تتبعوا أهواء قوم } وقل لهم: لا تسلكوا سبيل الأوائل، لأن ~~الاتباع هو سلوك الثاني طريقة الأول على وجه الاقتداء به وقد يتبع الثاني ~~الأول في الحق وقد يتبعه في الباطل. وإنما يعلم أحدهما بدليل. والمراد ~~ها هنا النهي عن اتباع سبيلهم الباطل. و { الأهواء } ها هنا المذاهب التي ~~تدعو اليها الشهوة دون الحجة، لأن قد يستثقل النظر لما فيه من المشقة، ~~ويميل طبعه الى بعض المذاهب فيعتقده، وهو ضلال فيهلك به. وقوله: { قد ~~ضلوا من قبل } فيه قولان: # قال الحسن، ومجاهد: هم اليهود. # وقال أبو علي هم أسلافهم الذين هم رؤساء ضلالتهم الذين سنوا لهم هذا ~~الكفر من الفريقين اليهود والنصارى { وأضلوا كثيرا } يعني هؤلاء الذين ~~ضلوا من قبل وأضلوا أيضا كثيرا من الخلق. ونسب الاضلال اليهم، من حيث ~~كان بدعائهم وإغوائهم. # وقوله { وضلوا عن سواء السبيل } قيل في معناه قولان: # أحدهما - ضلوا باضلالهم غيرهم في قول الزجاج. # الثاني - وضلوا من قبل، وضلوا من بعد، فلذلك كرر. وقيل { وضلوا من قبل } ~~عن الهدى في الدنيا { وأضلوا كثيرا } عن طريق الجنة. و { سواء السبيل } ~~معناه مستقيم الطريق. والمعنى فيه الحق من الدين، لأنه يستقيم بصاحبه الى ~~الجنة، والخلود في النعيم. وقيل له: سواء لاستمراره على استواء. ### || [5.78] # قيل في معنى { لعن الذين ms1225 كفروا من بني إسرائيل } الآية ثلاثة أقوال: # أحدها - إيآسهم من مغفرة الله مع الاقامة على الكفر والمعصية لله - عز ~~وجل - لدعاء الأنبياء (عليهم السلام) عليهم بالعقوبة ودعوتهم مستجابة مع ~~ما في ذلك من الفضيحة، وانطواء أولياء الله لهم على العداوة، والمظاهرة ~~عليهم في إقامة الحجة. # الثاني - قال الحسن ومجاهد وقتادة وأبو مالك لعنوا على لسان داود، ~~فصاروا قردة وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير. وانما ذكر عيسى وداود، ~~لأنهما انبه الأنبياء المبعوثين بعد موسى (ع) ولما ذكر داود أغنى عن ذكر ~~سليمان، لأن قولهما واحد. وقال أبو جعفر (ع) أما داود فلعن أهل ايلة لما ~~اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال: اللهم البسهم اللعنة مثل ~~الرداء ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله قردة. وأما عيسى فلعن ~~الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك. # الثالث - قال أبو علي الجبائي: إنه إنما أظهر ذلك لئلا يوهموا الناس ~~أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من عقوبة المعاصي. # واللعن هو الابعاد من رحمة الله، فلعنه الله يعني أبعده الله من رحمته ~~الى عقوبته، ولا يجوز لعن من لا يستحق العقوبة من الاطفال والمجانين ~~والبهائم، لانه تعالى لا يبعد من رحمته من لا يستحق الابعاد عنها. وقوله: ~~{ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } إشارة الى اللعن الذي تقدم ذكره ~~بمعصيتهم واعتدائهم. # ف (ذا) لما قرب و { ذلك } لما بعد، لأنه اجتزئ في دلالة الخطاب لما قرب ~~بالاقبال عليه. وفي القريب بالاشارة اليه فلما بعد لم يصلح الاجتزاء ~~فيهما كما يصلح فيما قرب، فاتى بالكاف للخطاب واكد ذلك باللام وكسرت ~~لالتقاء الساكنين والكاف في ذلك حرف وفي غلامك إسم، ولهذا لم يؤكد بما ~~يؤكد في غلامك لأنك لا تقول ذلك نفسك. كما تقول في غلامك نفسك. وإنما ~~قال: { بماعصوا وكانوا يعتدون } وإن كان الكفر أعظم الاجرام ليدل على أن ~~من خلصت معصيته مما يكفرها أو بقته، وأنهم مع كفرهم قد عصوا بغير الكفر ~~من الجرم الذي فسر في الآية التي بعد. ### || [5.79] # أخبر الله تعالى ms1226 أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم لم يكونوا يتناهون عن منكر ~~أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا مثل قولك لا يتضاربون ولا يترامون ولا ينتهون ~~ومعناه لا يكفون عما نهوا عنه. # وقوله: { لبئس ما كانوا يفعلون } وفتحت اللام لام القسم وتقديره اقسم ~~لبئس ما كانوا يفعلون كما فتحت لام الابتداء لأنها لما لم تكن عاملة ك ~~(لام الاضافة) اختير لها أخف الحركات. ولا يجوز أن تكون لام الابتداء، ~~لأنها لا تدخل على الفعل الا في باب { أن } ولا تدخل على الماضي. و { ما ~~} في قوله " لبئس ما " قيل فيها قولان: أحدهما - أن تكون { ما } كافة ل ~~{ بئس } كما تكف في { إنما } و { بعدما } و { ربما } ) والآخر - أن تكون ~~اسما نكرة كأنه قال: بئس شيئا فعلوه، كما تقول بئس رجلا كان عندك. # وفي الآية دلالة على وجوب انكار المنكر، لأن كل شئ ذم الله عليه فواجب ~~تركه إلا أن يقيد بوقت يخصه، لأن ظاهر ذلك يقتضي قبحه، والتحذير منه. ~~والمنكر هو القبيح، سمي بذلك لأنه ينكره العقل من حيث أن العقل يقبل ~~الحسن ويعترف به، ولا يأباه وينكر القبيح ويأباه والانكار ضد الاقرار. ~~فما يقر به العقل هو الحق، وما ينكره، فهو الباطل. # وقيل في معنى { المنكر } - ها هنا - ثلاثة أقوال: أحدها صيد السمك في ~~السبت. والثاني - أخذ الرشوة في الحكم. والثالث - أكل الربا وأثمان ~~الشحوم. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) # " لا قدست أمة لا تأخذ لضعيفها حقه غير مضيع ". ### || [5.80] # هذا خطاب من الله للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول له { ترى كثيرا منهم ~~} يعني من هؤلاء اليهود في قول الحسن وأبي علي. وقال غيرهما يعني أهل ~~الكتاب أي { يتولون الذين كفروا } من عبدة الاوثان في قول الحسن وغيره. ~~وقال أبو جعفر يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهوائهم ليصيبوا من ~~دنياهم. # فان قيل: كيف يتولى أهل الكتاب عبدة الأوثان مع إكفارهم إياهم على تلك ~~العبادة؟! قلنا لانهم يعملون عمل المتولي بالنصرة والمعاونة والرضا بما ~~يكون منهم من عداوة النبي ms1227 (صلى الله عليه وسلم) ومحاربته. ويجوز أن ~~يكونوا تولوهم على ذلك في الحقيقة، فيكون على جهة تقييد الصفة. # فان قيل ما الفائدة في اخباره (صلى الله عليه وسلم) يراه وهو عالم به؟ ~~قلنا: عنه جوابان: # أحدهما - التوبيخ لصاحبه فيقرعون بما هو معلوم من حالهم. # والآخر التنبيه على باطن أمرهم بما يدل عليه ظاهر حالهم المعلومة فينكشف ~~باطنهم القبيح. # وقوله { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما بئس شيئا قدموه من العمل لمعادهم في الآخرة في قول أبي علي. ~~واللام لام القسم على ما بيناه. # والثاني - أنه يجري مجرى قوله: { سولت لهم أنفسهم } أي قدمت لهم أنفسهم ~~بما بعثهم على تولي الذين كفروا مع مخالفتهم. وقوله: { أن سخط الله عليهم ~~} قيل في موضع { أن سخط الله } قولان: # أحدهما - رفع كقولك: ما قدموه لانفسهم سخط الله أي هو سخط الله عليهم ~~وخلودهم في النار بما كان من توليهم ورفعه كرفع (زيد) في قولك: بئس رجلا ~~زيد. # الثاني - أنه جر على تقدير لان سخط الله عليهم وحصلوا على الخلود في ~~النار وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على تقدير بئس الشئ ذلك، لأن ~~أكسبهم السخطة عليهم. ### || [5.81] # قيل في معنى قوله { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم } مع العلم بأنهم لا يؤمنون بالنبي قولان: # أحدهما - قال الحسن ومجاهد أنه في المنافقين من اليهود. # الثاني - المراد بالنبي موسى (ع) ومنعى (لو) - ها هنا - النفي لايمانهم ~~وإن لم يكون حرف نفي لكنه خرج مخرج الحجاج الذي يدل على نفي الايمان. ~~وانما معناه تعليق الثاني بالأول في أنه يجب بوجوبه، فاذا ظهر أن الثاني ~~لم يجب دل على ان الأول لم يكن قد دخله معنى النفي من هذه الجهة. # فان قيل: إذا كان المؤمن بالله لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا وهو مؤمن ~~بالنبي وبما أنزل اليه فلم ذكرا؟. # قلنا للدلالة على التفصيل لان تلك الصفة وان كانت دالة فانما تدل على ~~طريق الجملة وقوله { ما اتخذوهم أولياء } يعني ms1228 هؤلاء لو كانوا مؤمنين على ~~الحقيقة لما اتخذوا المشركين أولياء و (ما) يجوز أن تكون جواب (لو) ولا ~~يجوز أن تكون جواب (ان) لأن حرف الجزاء يعمل فيما قبله و (ما) لها صدر ~~الكلام فلا يعمل فيها. وليس كذلك (لم) فلذلك لم يجز ان آتيني ما ضرك ~~ويجوز ان آتيني لم يضرك، لانه يجوز أن تقول زيدا لم أضرب ولا يجوز أن ~~تقول زيدا ما ضربت وقوله: { ولكن كثيرا منهم فاسقون } إنما وصفهم ~~بالفسق وإن كان الكفر أعظم في باب الذم لامرين: # أحدهما إن معناه خارجون عن أمر الله فهذا المعنى لا يظهر بصفة كافر. # والآخر ان الفاسق في كفره هو المتمرد فيه والكلام يدل على أنهم فاسقون ~~في كفرهم أي خارجون الى التمرد فيه. ### || [5.82] # قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: إنها نزلت في ~~النجاشي ملك الحبشة وأصحابه لما اسلموا. # وقال قتادة: نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة ~~عيسى (ع) فلما جاء محمد (صلى الله عليه وآله) آمنوا به. # وقال مجاهد: نزلت في الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب (رحمه الله) ~~مسلمين واللام في قوله { لتجدن } لام القسم. والنون دخلت لتفصل بين الحال ~~والاستقبال، هذا مذهب الخليل، وسيبويه وغيرهما. وقوله: { عداوة } منصرف ~~منتصب على التمييز. # وصف الله تعالى اليهود والمشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، لأن ~~اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى ~~والتوراة التي أتى بها، فكان ينبغي أن يكونوا الى من وافقهم في الايمان ~~بنبيهم وكتابهم أقرب. وظاهروا المشركين حسدا للنبي (عليه السلام). # وقوله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } يعني ~~الذين قدمنا ذكرهم - عن المفسرين. وقال الزجاج يجوز أن يكون أراد به ~~النصارى، لأنهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين، وبه قال الجبائي. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: من زعم أنها في النصارى فقد كذب. وإنما هم النصارى ~~الأربعون الذين فاضت أعينهم حين قرأ ms1229 النبي (صلى الله عليه وسلم) عليهم ~~القرآن إثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وسارعوا الى ~~الاسلام ولم يسارع اليهود. # والمودة هي المحبة إذا كان معها ميل الطباع يقال: وددت الرجل أوده ودا ~~وودادا ومودة: إذا أحببته وودته: إذا تمنيته أوده ودا. ومنه قوله # ودوا لو تدهن فيدهنون # وقوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبان } فالقسيسون العباد في قول ابن زيد ~~والقس والقسيس واحد إلا أنه قد صار كالعلم على رئيس من رؤساء النصارى في ~~العبادة. ويجمع قسوسا وأصله في اللغة النميمة يقس قسا إذا نم الحديث. ~~قال رؤبة بن العجاج: # يضحكن عن قس الاذى غوافلا # لا جعبريات ولا طهاملا # الطهامل من النساء القباح. ومصدره القسوسة والقسيسة فالقس الذي ينم حاله ~~بالاجتهاد في العبادة. والرهبان جمع راهب، كراكب وركبان وفارس وفرسان. ~~قال الشاعر: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # والعصم من شعف العقول الفادر # وقيل: إنه يكون واحدا ويجمع رهابين كقربان وقرابين ورهابنة أيضا قال ~~الشاعر: # لو عاينت رهبان دير في القلل # لاقبل الرهبان يمشي ونزل # وكل ذلك من الرهبة التي هي المخافة ورهب يرهب رهبا إذا خاف والترهيب ~~ضد الترغيب. وقوله { وإنهم لا يستكبرون } معناه إن هؤلاء النصارى الذين ~~آمنوا لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له كما استكبر اليهود وعباد ~~الأوثان وانفوا من قبول الحق، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن مجاوري ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) من اليهود، ومودة النجاشي وأصحابه الذين ~~أسلموا معه من الحبشة لأن الهجرة كانت الى المدينة وبها اليهود والى ~~الحبشة وبها النجاشي وأصحابه فأخبر عن عداوة هؤلاء ومودة اولئك. ### || [5.83] # هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة ~~للمؤمنين بأنهم اذا سمعوا ما أنزل الله من القرآن يتلى { ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع } يعني من آمن من هؤلاء النصارى. قال الزجاج وأبو علي: تقديره ~~ومنهم اذا سمعوا ولم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما ~~بعده. وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه فيض ms1230 النهر من الماء ~~وفيض الاناء، وهو سيلانه عن شدة امتلاء، ومنه قول الشاعر: # ففاضت دموعي فظل الشؤو # ن إما وكيفا وإما انحدارا # وخبر مستفيض أي شائع، وفاض صدر فلان بسره، وأفاض القوم من عرفات إلى منى ~~اذا دفعوا، وأفاض القوم في الحديث اذا اندفعوا فيه، والدمع الماء الجاري ~~من العين ويشبه به الصافي، فيقال دمعة. والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة ~~تسيل دما. # وقوله { مما عرفوا من الحق } أي مما علموه من صدق النبي وصحة ما أتى به ~~{ يقولون ربنا } في موضع الحال، وتقديره قائلين { ربنا آمنا } أي صدقنا ~~بما أنزلت { فاكتبنا مع الشاهدين } قيل في معناه قولان: # أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون. # الثانى - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ. و { الشاهدين } ~~قال ابن عباس وابن جريج: مع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) الذين يشهدون ~~بالحق من قوله تعالى # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس # وقال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. وقال أبو علي الذين يشهدون ~~بتصديق نبيك وكتابك. ### || [5.84] # هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا: { وما لنا } ~~قال الزجاج: وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم. وقال ~~غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه، فاجابوا بذلك. وقوله { لا ~~نؤمن } في موضع نصب على الحال، وتقديره أي شىء لنا تاركين للايمان أي في ~~حال تركنا للايمان. والايمان هو التصديق عن ثقة، لأن الصدق راجع الى ~~طمأنينة القلب بما صدق به. والحق هو الشىء الذي من عمل عليه نجا، ومن عمل ~~على ضده من الباطل هلك. ومعنى { من } - ها هنا - قيل في معناه قولان: # أحدهما - تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: والجائي لنا ~~الذي هو حق. # وقال آخرون: إنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل. ووصف ~~القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، ومعناه نزل به الملك، فكذلك جاء ~~به الملك. ويقال: جاء بمعنى حدث نحو # جاءت سكرة الموت # وجاء ms1231 البرد والحر. # وقوله { ونطمع } فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى المحبوب، ~~ونظيره الأمل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون. { أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين } معناه أن يدخلنا معهم الجنة. والصالح هو الذي ~~يعمل الصلاح في نفسه واذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف الله ~~تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح. ### || [5.85] # معنى { فأثابهم الله } جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب ~~الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع. ومنه قوله # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # أي هل رجع اليهم جزاء عملهم. وقوله { بما قالوا } يعني قولهم { ربنا ~~آمنا } وقوله { جنات تجري من تحتها الأنهار } إنما ذكرها بلفظ الجمع ~~وإن كانت هي جنة الخلد، لأنها جنة فيها جنات أي بساتين، وتذكر بالجمع ~~لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها، ~~ووجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافا اليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا ~~أنها مرة تذكر على طريق الجنس، ومرة على غير طريق الجنس. وقوله { وذلك ~~جزاء المحسنين } (ذلك) إشارة إلى الثواب. # والاحسان هو إيصال النفع الحسن الى الغير، وضده الاساءة، وهي إيصال ~~الضرر القبيح اليه، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا، ~~فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يبطله، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان ~~الخالص مما يحبطه، وعندنا لا يحتاج الى شرط خلوه مما يبطله، لأن الاحباط ~~عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه القبح. وقوله ~~{ وذلك جزاء المحسنين } وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى بالمحسنين ~~الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لأنه وعد به، ألا ترى أن الله تعالى يفعل ~~الاحسان وإن كان لا يصح عليه الثواب لأنه مضمن بمن يجوز عليه المنافع ~~والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لأنه خرج مخرج استدعاء ~~العباد الى فعل الاحسان. ### || [5.86] # لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، والثاني كفروا، وذكر الوعد ~~للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر ms1232 منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ~~ولكل من جرى مجراهم، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالآيات ~~وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب، لأن صفة الكفار من أهل الكتاب ~~أنهم يكذبون بالآيات، فلم يصلح - ها هنا - لو كذبوا لأنهم قد جمعوا ~~الأمرين، ولأن دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بوعيد الكفار ظاهرة مع ~~مجيء القرآن به في نحو قوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء # فلم يقع فيه اشكال لهذا. وقوله { أولئك } يعني هؤلاء الكفار. # و { أصحاب الجحيم } يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل ~~أصحاب الاموال، لأن معنى ذلك ملاك الأموال. وليس من شرط المكذب أن يكون ~~عالما أن ما كذب به صحيح بل اذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا، وإن لم ~~يعلم أنه كذب، وإنما يستحق الذم، لأنه جعل له طريق الى أن يعلم صحة ما ~~كذب به. و { الجحيم } النار الشديدة الايقاد وهو إسم من أسماء جهنم ~~ويقال: جحم فلان النار اذا شدد ايقادها، ويقال أيضا لعين الاسد: جحمة ~~لشدة ايقادها، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر: # والحرب لا تبقى لجا # حمها التخيل والمراح # إلا الفتى الصبار في النج # دات والفرس الوقاح ### || [5.87] # هذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم. ~~والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، ~~وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلا يجوز لهم العمل فيه، وتحليله ~~تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الآن العمل فيه. والطيبات اللذيذات التي ~~تشتهيها النفوس وتميل اليها القلوب. ويقال: طيب بمعنى حلال. وتقول: يطيب ~~له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضوع، لأنه لا يقال: لا تحرموا ~~حلال ما أحل الله لكم. # والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ما قال ابن عباس ومجاهد ~~وأبو مالك وقتادة وابراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم ~~الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا ms1233 في الأرض، ~~وحرموا النساء، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم الله عن ~~ذلك. وقال أبو علي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب. ~~واختار الرماني الوجه الأول، لأن أكثر المفسرين عليه. # وقال السدي: نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه. # وقال عكرمة: هو ما همت به الجماعة: من تحريم النساء والطعام واللباس ~~والنوم. # وقال الحسن: لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم وهو أعم فائدة. والاعتداء ~~مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع، ~~وهو تجاوز المرء ما له الى ما ليس له. وقوله { إن الله لا يحب المعتدين } ~~معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وانما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا ~~النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين، وكأنه قيل يكفيهم في ~~الهلاك ألا يحبهم الله. ### || [5.88] # سبب نزول هذه الآية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو مالك ~~وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إن جماعة من الصحابة منهم ~~علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر، هموا بصيام ~~الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم. فروي # " أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت: يا رسول ~~الله إئذن لي في الترهب فقال: " لا إنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة " فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في السياحة ~~قال: " سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في ~~الاختصاء فقال: " ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم " ". # وقوله { وكلوا } لفظه لفظ الأمر والمراد به الاباحة أباح الله تعالى ~~للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا، فالرزق هو ما للحي الانتفاع ~~به وليس لغيره منعه منه. وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ~~ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند اذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في كل ~~شهر أو ms1234 في كل سنة. قال الرماني: وكلما خلقه الله في الأرض مما يملك، فهو ~~رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إلا أنه وإن كان رزقا لهم ~~في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الأملاك، ولا يجوز أن يكون ~~الرزق حراما، لأن الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراما اذا ~~حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لا يحل، قال وما افترسه السبع رزق له ~~بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لأن ~~المشرك يملك ما في يده، فاذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقا لنا في هذه ~~الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن ~~نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال ~~التعذر علينا. # وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول: ~~إن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إما بأن يكون ملكا ~~لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقا له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع ~~على بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك، والأصل فيه قوله تعالى # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه. # فان قيل: اذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال: { حلالا }؟ # قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال # وكلم الله موسى تكليما # وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح # ومما رزقناهم ينفقون # وقوله: { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } استدعاء إلى التقوى بألطف ~~الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في ~~التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في جميع ~~معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى. # وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح ms1235 والذم وغير ذلك من ~~المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي { أنتم به مؤمنون } وفي ~~هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه ~~الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض. ### || [5.89] # قرأ " عاقدتم " بالألف ابن عامر، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف ~~حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراءة ~~بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إلا مع تكرير اليمين والمؤاخذة ~~تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد اليمين إن يعقدها ~~بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا، وهو ~~كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة. وقال أبو علي ~~الفارسي من شدد احتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله { ولكن يؤاخذكم } مخاطبا الكثرة، ~~فهو مثل # وغلقت الأبواب # والآخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لا ~~يراد به فعل من اثنين. وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، ~~وهو أنه اذا كرر اليمين على محلوف واحد فاذا حنث لم يلزمه إلا كفارة ~~واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي. # ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إلا ان ~~فعل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، ~~وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقدا ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى ~~به القسم، قال الشاعر: # قوم اذا عقدوا عقدا لجارهم # ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد. وحكى أبو اسحاق عقدت العسل. والأول ~~أكثر. # فأما قراءة ابن عامر فيحتمل أمرين: # أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت ~~اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي ~~يقتضي فاعلين فصاعدا، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما ~~كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد عداه ب (على) كما يعدى عاهد بها. ~~قال الله تعالى # ومن أوفى بما عاهد عليه ms1236 الله # والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف ~~الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم ~~بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعا كما لا يقتضيه في قوله # ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون # وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح ~~والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الآية. # وقال ابن زيد # " نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا ~~يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ~~ان لم يأكلا، فأكل عبد الله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) بذلك فقال له: أحسنت " # ونزلت هذه الآية. واللغو في اللغة هو ما لا يعتد به قال الشاعر: # أو مائة تجعل أولادها # لغوا وعرض المائة الجلمد # أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقا أي لا يعتد به ~~بأولادها. ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول ~~القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي. وقال الحسن وأبو مالك: هو ~~اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند ~~أكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه. # بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الأيمان وأنه يؤآخذ بما ~~عقد عليه قلبه ونواه. # وقوله { فكفارته } (الهاء) يحتمل رجوعها الى أحد ثلاثة أشياء. أحدها - ~~الى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان. الثاني - على اللغو. الثالث - على ~~حنث اليمين لانه مدلول عليه. والأول هو الصحيح، وبه قال الحسن والشعبي ~~وأبو مالك وعائشة. وقوله { إطعام عشرة مساكين } إنما ذكر بلفظ المذكر ~~تغليبا للتذكير في كلامهم لأنه لا خلاف أنه لو أطعم الاناث لأجزاه، ~~ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا ms1237 أن يعطي كل واحد مدين ~~أو مدا، وقدره رطلان وربع منفردا، أو يجمعهم على ما هذا قدره ~~ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه ~~خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. # وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات ~~تدل على إجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في ~~الآية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب ~~فلأنه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلأجل ذلك لم يبين. وعندنا أن ~~حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر. # وقوله { من أوسط ما تطعمون } قيل فيه قولان: # أحدهما - الخبز والأدم دون اللحم، لأن أفضله الخبز واللحم والتمر، ~~وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر ~~والاسود وعبيدة وشريح. # الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب ~~العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن ~~يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير ~~والشعبي ومجاهد. وقال: يكفيه مد - ذهب اليه زيد ابن ثابت والشافعي ~~والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا. # وقوله { أو كسوتهم } فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، ~~وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب. وقوله ~~{ أو تحرير رقبة } فالرقبة التي تجزي في الكفارة كل رقبة كانت سليمة من ~~العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لأن ~~الآية مطلقة مبهمة. # وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ~~ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة. وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال ~~الفرزدق: # ابني عدانة انني حررتكم # فوهبتكم لعطية بن جعال # أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا ~~خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير. وقال قوم إن الواجب منها واحد لا ~~بعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي ms1238 وفيه خلاف. # وقوله { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء ~~وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعا بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. ~~وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه ~~وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن ~~كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه ~~في قراءة ابن مسعود وابي { صيام ثلاثة أيام متتابعات }. وقال مالك ~~والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز. فاما اذا قال القائل: إن فعلت كذا ~~فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - ~~يلزمه به مئة دينار. وقال أبو علي عليه كفارة يمين - لقوله { ذلك كفارة ~~أيمانكم } وهو عام في جميع الأيمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر ~~يلزمه الوفاء به لقوله # أوفوا بالعقود # واليمين على ثلاثة أقسام: # أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف ~~كقوله: والله لا شربت خمرا، ولا قتلت نفسا. # الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لا صليت ولا صمت، فاذا ~~جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء في ذلك ~~واوجبوا عليها عليه الكفارة. # الثالث - أن يكون عقدها مباحا كقوله: والله لا لبست هذا الثوب فمتى حنث ~~تعلق به الكفارة بلا خلاف. وقوله { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } معناه ~~حنثتم. # وقوله { واحفظوا أيمانكم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لا تحلفوا. # الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لأن الحلف مباح إلا في معصية ~~بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية ~~غير منعقدة، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، واذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة ~~على ما بيناه. # وقوله { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون } معناه إن الله يبين ~~لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم ~~أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إقسام ~~الأيمان ms1239 وما ينعقد منها وما لا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه ~~مشروحة لا نطول بذكرها الكتاب. ### || [5.90] # هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم الله تعالى أن الخمر والميسر والانصاب ~~والازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيره ~~وقليله. والخمر حرام وتسمى خمرا لأنها بالسكر تغطي على العقل، والأصل في ~~الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الأناء اذا غطيته، ومنه دخل في خمار ~~الناس اذا خفي فيما بينهم بسترهم له والخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، ~~وخمار المرأة، لأنها تغطي رأسها به. وخامره الحزن اذا خالطه منتشرا في ~~قلبه واستخمرت فلانا أي استعبدته. والاصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم ~~كثر حتى جرى في كل شىء يأمر به. وعلى هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ ~~وكل مسكر على اختلاف أنواعه خمرا، لاشتراكها في المعنى وان يجري عليها ~~أجمع جميع أحكام الخمر. # و { الميسر } القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على ~~القمار فيه والذي يدخل فيه ييسر والذي لا يدخل فيه برم. قال أبو جعفر (ع) ~~ويدخل فيه الشطرنج والنرد وغير ذلك حتى اللعب بالجوز. والأصل فيه اليسر ~~خلاف العسر وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها. وقيل: بل لأنها ~~تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، وذهب يسرة خلاف يمنة. # { والأنصاب } الاصنام واحدها نصب. وقيل لها أنصاب، لانها كانت تنصب ~~للعبادة وأصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصبا. ومنه النصب التعب عن ~~العمل الذي ينتصب له، ونصاب السكين، لأنها تنصب فيه، ومناصبة العدو: ~~الانتصاب لعداوته قال الاعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # و { الأزلام } القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها ويجعلون عليها علامات ~~(إفعل، ولا تفعل) ونحو ذلك على ما يخرج من ذلك في سفر أو إقامة أو غير ~~ذلك من الامور المهمة، وكانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، وزلم. وقال ~~الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزءا. وقال أبو عمرو: ~~كان عددها على عشرة. وقال أبو عبيدة: لا علم لي بمقدار عدتها، وقد ذكرت ms1240 ~~أسماؤها مفصلا، وهي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة وأسماؤها: الفذ، ~~والتوءم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. والاغفال التي لا ~~حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، والمنيح، والوغد. ذكر القتيبي ذلك. # وقوله { رجس } أي نجس { والرجز } العذاب. ومنه قوله # لئن كشفت عنا الزجر # أي العذاب وقوله # والرجز فاهجر # يعني الاوثان. ومعناه الرجس فاهجر، وأصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة ~~رجزاء اذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. وقال الزجاج: يقال: رجس يرجس اذا ~~عمل عملا قبيحا. والرجس بفتح الراء شدة الصوت، وسحاب الرجاس، ورعد رجاس ~~اذاكان شديد الصوت قال الشاعر: # وكل رجاس يسوق الرجسا # وقوله { من عمل الشيطان } إنما نسبها الى عمل الشيطان وهي أجسام لما ~~يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار ~~لاستعمال الاخلاق الدنيئة ويأمر بعبادة الأوثان لما فيها من الكفر بالله ~~العظيم، ويأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق. # وقوله { فاجتنبوا } أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية { لعلكم ~~تفلحون } ومعناه لكي تفوزوا بالثواب. # وفي الآية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الأشياء الأربعة من أربعة أوجه: # أحدها - أنه وصفها بأنها رجس وهي النجس والنجس محرم بلا خلاف. # الثاني - نسبها الى عمل الشيطان وذلك لا يكون الا محرما. # والثالث - أنه أمرنا باجتنابه. والامر يقتضي الايجاب. # الرابع - أنه جعل الفوز والفلاح باجتنابه. # والهاء في قوله { فاجتنبوه } راجعة الى عمل الشيطان، وتقديره اجتنبوا ~~عمل الشيطان. قال ابن عباس: الرجس - ها هنا - معناه السخط. وقال ابن زيد: ~~هو الشر. ### || [5.91] # قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - أنه لاحق سعد بن أبي وقاص رجلا من الانصار، وقد كانا شربا ~~الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعد بن ابي وقاص، فنزلت هذه الآية. # الثاني - أنه لما نزل قوله # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية. # والشيطان انما يريد إيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ~~ذلك حتى اذا سكروا زالت عقولهم وأقدموا ms1241 من المكاره والقبائح على ما كانت ~~تمنعه منه عقولهم. وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر، ~~ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. # وقوله { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة } أي يمنعكم من الذكر لله ~~بالتعظيم له والشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء الى الصلاح ~~واستقامة الحال في الدين والدنيا بالرغبة فيما عنده، والتوسل اليه ~~بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال ومكارم الاخلاق. # وقوله { فهل أنتم منتهون }؟ صيغته صيغة الاستفهام ومعناه النهي، وانما ~~جاز ذلك، لأنه اذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه، فاذا ~~قيل له: أتفعله؟ بعد ما قد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه باقراره. # فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، وبين لا تشربوا الخمر، # قلنا: لأنه اذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لأمر ينافي شرب الخمر. ~~وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لأنه قد ينصرف عن الشرب الى أخذ ~~أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لأنه لا ينصرف عنه إلا في محذور. ~~والمنهي عنه قد ينصرف عنه الى غير مفروض. ### || [5.92] # لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والانصاب والازلام أمر في هذه ~~الآية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى. والطاعة هي امتثال ~~الأمر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين ~~بأن يوافق أمرهما وإرادتهما. # وقوله { واحذروا } أمر منه تعالى بالحذر، وهو امتناع القادر من الشىء ~~لما فيه من الضرر. والخوف هو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه. والجزع ~~مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. الفزع والرعب مثل الجزع. # وقوله { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } معناه ~~الوعيد والتهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما ~~أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الاداء الظاهر الواضح، فوضح كلام موضع ~~كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لأن عليهم أن ~~يعلموا ذلك تولوا أو ms1242 لم يتولوا. و " ما " في قوله: { أنما } كافة ل " أن ~~" عن عملها، وذلك أنها لما كانت من عوامل الاسماء خاصة ثم احتيج الى ~~ادخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها. ### || [5.93] # قال ابن عباس وابن مالك والبراء بن عازب ومجاهد، وقتادة والضحاك: إنه ~~لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من اخواننا وهو يشربها، ~~فأنزل الله الآية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شىء اذا كانوا مؤمنين عاملين ~~للصالحات، ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم. # فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الآية؟ # قيل: الأول المراد به اتقاء المعاصي. الثاني - الاستمرار على الاتقاء. ~~والثالث - اتقاء مظالم العباد، وضم الاحسان الى الاتقاء على وجه الندب ~~واعتبر أبو علي في الثالث الأمرين. # وقوله { والله يحب المحسنين } أي يريد ثوابهم واجلالهم واكرامهم. ~~والاحسان النفع الحسن الواصل الى الغير، ولا يقال لكل حسن إحسان، لأنه ~~لا يقال في العذاب بالنار أنه إحسان وان كان حسنا. والصلاح استقامة ~~الحال وهو مما يفعله العبد، وقد يفعل الله تعالى له الصلاح في دينه ~~باللطف فيه. والايمان هو الاطمئنان الى الصواب بفعله مع الثقة به وهو من ~~أفعال العباد. وعلى هذا يحمل قوله { وآمنوا } والاول على الايمان بالله ~~الذي هو التصديق. وروي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد ~~عمر أن يقيم عليه الحد فقال { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا } فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها. فقال أمير ~~المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية ~~التحريم، فأدرؤا عنه، وان كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فان ~~لم يتب وجب عليه القتل. ### || [5.94] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين وقسم منه أنه يبلوهم بشىء من الصيد، ~~لأن اللام في قوله: { ليبونكم } لام القسم والواو مفتوحة لالتقاء ~~الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. وأما واو { ليبونكم } قال سيبويه ~~هي مبنية ms1243 على الفتح. وقال الزجاج: فتحت واو { ليبلونكم } لأنها حرف ~~الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات وضمت واو { لتبلون } لأنها واو الجمع، ~~فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله # فلا تخشوا الناس واخشون # ومعنى { ليبلونكم } ليختبرن طاعتكم من معصيتكم { بشيء من الصيد } وأصله ~~اظهار باطن الحال ومنه البلاء للنعمة لأنه يظهر به باطن حال المنعم عليه ~~في الشكر، والكفر. والبلاء النقمة، لانه يظهر به ما يوجبه كفر النعمة. ~~والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه. # وقوله { بشيء من الصيد } قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه: # أحدها - صيد البر، دون البحر. والآخر صيد الاحرام دون الاحلال. # الثالث - للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الاوثان - في قول الزجاج - وقوله ~~{ تناله أيديكم ورماحكم } يعني به فراخ الطيور وصغار الوحش في قول ابن ~~عباس ومجاهد، وزاد مجاهد: والبيض. والذي تناله الرماح الكبار من الصيد. ~~قال أبو علي: معنى { تناله أيديكم ورماحكم } إن صيد الحرم يقرب من الناس ~~ولا ينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله. وقال الحسن ~~ومجاهد: حرم الله بهذه الآية صيد البر كله. وقال أبو علي: صيد الحرم هو ~~المحرم بهذه الآية. وقال الزجاج: بين النبي (صلى الله عليه وسلم) تحريم ~~صيد الحرم على المحرم وغيره بهذه الآية، وهذا صحيح. وصيد غير المحرم إنما ~~يحرم على المحرم دون المحل. # وقوله { ليعلم الله من يخافه بالغيب } معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن ~~يعلم، مظاهرة في العدل. ووجه آخر - ليظهر المعلوم، والأول أحسن. واختار ~~البلخي الوجه الثاني، قال والله تعالى وان كان عالما بما يفعلونه فيما ~~لم يزل، فانه لا يجوز أن يثيبهم ولا يعاقبهم على ما يعلم منهم، وانما ~~يستحقون ذلك اذا علمه واقعا منهم على وجه كلفهم، فاذا لا بد من التكليف ~~والابتلاء. # وقوله { من يخافه بالغيب } يعني من يخشى عقابه اذا توارى بحيث لا يقع ~~عليه الحس - في قول الحسن - تقول: غاب يغيب غيابا فهو غائب عن الحس، ~~ومنه الغيبة وهي الذكر بظهر الغيب بالقبيح. وقال قوم: معناه من يخاف صيد ~~الحرم ms1244 في السر كما يخافه في العلانية، فلا يعرضون له على حال. وقوله { ~~فمن اعتدى بعد ذلك } يعني من تجاوز حد الله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه ~~بالصيد في الحرم، وفي حال الاحرام { فله عذاب أليم } أي مؤلم. قال ~~البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، ويجوز أن يكون غير ذلك من صنوف ~~الآلام والعقوبات، قال سليمان # لأعذبنه عذابا شديدا # يعني الهدهد ولم يرد عذاب النار. ### || [5.95] # قرأ أهل الكوفة ويعقوب { فجزاء } منونا { مثل } رفع. الباقون بالاضافة. ~~وقرأ ابن عامر وأهل المدينة { أو كفارة } بغير تنوين { طعام } بالخفض. ~~الباقون بالتنوين وأجمعوا على جمع مساكين. وقرأ بعضهم { أو عدل ذلك } ~~بالكسر قال الاخفش: وهو الوجه، لأن العدل هو المثل. والعدل مصدر عدلت هذا ~~بهذا عدلا حسنا. والعدل أيضا المثل # ولا يقبل منها عدل # أي مثل. قال الفراء: العدل - بفتح العين - ما عدل الشيء من غير جنسه - ~~وبكسر العين - المثل، تقول: عندي غلام عادل غلامك - بالكسر - لأنه من ~~جنسه وان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لأنها من غير جنسه. قال ~~أبو علي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء والمعنى فعليه جزاء من ~~النعم مماثل المقتول. والتقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه ~~جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. وقوله { من النعم } على هذه ~~القراءة صفة للنكرة التي هي { جزاء } وفيه ذكر، ويكون مثل صفة للجزاء لان ~~المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. والمماثلة في القيمة ~~أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. ولا ينبغي إضافة { جزاء } الى ~~المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، وانما عليه جزاء ~~المقتول لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. واذا ~~كان كذلك علمت ان الجزاء لا ينبغي أن يضاف الى { مثل } ولا يجوز أن يكون ~~قوله { من النعم } على هذه القراءة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار ~~متعلقا به في قوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # ب { مثلها ms1245 } لأنك قد وصفت الموصول، واذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد ~~الوصف شيئا كما انك اذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد ~~العطف عليه والتأكيد له. فأما في قراءة من أضاف الجزاء الى المثل، فان ~~قوله { من النعم } يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نون، ولم يضف صفة ~~له. # ويجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون ووصف: وهو أن يقدره متعلقا ~~بالمصدر. ولا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لما كان ~~صفة. وانما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لأنك لم تصف الموصول كما ~~وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به. # وأما من أضاف الجزاء الى { مثل } فانه وإن كان جزاء المقتول لا جزاء ~~مثله فانهم قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، وكذلك اذا قال { ~~فجزاء مثل } فالمراد جزاء ما قتل، فاذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى ~~كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. # ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر واضفته الى المثل كما تضيف المصدر الى ~~المفعول به لكان في قول من جر { مثلا } على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى ~~أن المعنى { فجزاء مثل } أي يجازى مثل ما قتل، والواجب عليه في الحقيقة ~~جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول. # خاطب الله بهذه الآية المؤمنين ونهاهم عن قتل الصيد وهم حرم وقوله { ~~وأنتم حرم } قيل فيه ثلاثة أوجه: # أحدها - وانتم محرمون لحج أو عمرة. # الثاني - وانتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال ~~أنجدنا واتهمنا. # الثالث - وأنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم اذا دخل في الشهر الحرام. ~~قال أبو علي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج، ~~والعمرة وحين الكون في الحرم. وقال الرماني: يدل على الاحرام بالحج أو ~~العمرة فقط. والذي قاله أبو علي أعم فائدة، وأما القسم الثالث فلا خلاف ~~أنه غير مراد. # وقاتل الصيد اذا كان محرما لزمه الجزاء عامدا ms1246 كان في القتل أو أخطأ أو ~~ناسيا لاحرامه أو ذاكرا. وبه قال مجاهد، والحسن - بخلاف عنه - وابن ~~جريج، وابراهيم، وابن زيد، وأكثر الفقهاء، واختاره البلخي والجبائي. وقال ~~ابن عباس وعطاء والزهري واختاره الرماني: انه يلزمه اذا كان متعمدا ~~لقتله ذاكرا لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر. والأول يشهد به روايات أصحابنا. # واختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن وابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء ~~والضحاك: هو أشبه الاشياء به من النعم: إن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك في البدنة. وان قتل أروى فبقرة. وان قتل ~~غزالا أو أرنبا، فشاة. وهذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا. # وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى ~~الى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء ~~ذكرناه في الخلاف واختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، ~~فقال ابراهيم، والنخعي وحماد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: يقوم ~~بالمكان الذي أصاب فيه إن كان بخراسان أو غيره. وقال ابن عامر والشعبي: ~~يقوم بمكة أو منى. # وقوله: { يحكم به ذوا عدل منكم } يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه ~~جزاء مثل ما قتل من الصيد. # وقوله: { هديا بالغ الكعبة } ف { هديا } نصب على المصدر. ويحتمل ان ~~يكون نصبا على الحال، و { بالغ الكعبة } صفة له وتقديره يهديه هديا يبلغ ~~الكعبة وقوله { بالغ الكعبة } فهو وان كان مضافا الى المعرفة فالنية فيه ~~الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون ولم يكن قد فعل، فانه ~~يكون نكرة، والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، وهو ~~قول أبي علي. # وقال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. وان قتل طائرا أو ~~نحوه قال أبو علي عليه دم شاة. وعندنا فيه دم. وقال قوم يجوز ان يهدي ~~سخلة أو جديا. والنعم هي الابل والبقر والغنم. وقوله { أو كفارة طعام ~~مسكين } فمن رفع { طعام مساكين } جعله عطفا على الكفارة ms1247 عطف بيان لان ~~الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة الى الطعام، لانها ليست للطعام وانما ~~هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة الى الطعام. ومن اضافها الى الطعام، ~~فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، والطعام، والصيام اجاز ~~الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام، ~~فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الاشياء وقيل في معناه قولان: # أحدهما - يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا. وهو ~~مذهبنا. # وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما. # وقوله: { أو عدل ذلك صياما } نصب صياما على التمييز وفي معناه قولان: # أحدهما - لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. وقال غيره: عن كل مدين ~~يوم وهو مذهبنا. وقال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام الى عشرة أيام. # وقوله { ليذوق وبال أمره } يعني عقوبة ما فعله ونكاله. وقال المغربي: ~~الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، وهو قول الازهري ~~قال كثير: # فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها # مشوم البلاد يشتكون وبالها # وقوله: { عفا الله عما سلف } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن: عفا الله عما سلف من امر الجاهلية. # وقال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام. # وقوله: { ومن عاد فينتقم الله منه } اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة ~~على قولين: # أحدهما - قال عطاء وابراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد: يلزمه الجزاء ~~بالمعاودة وهو قول بعض أصحابنا. # الثاني - قال ابن عباس، وشريح، والحسن، وابراهيم، بخلاف عنه: لا جزاء ~~عليه وينتقم الله منه، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، واختار الرماني ~~الاول. وبه قال أكثر الفقهاء، قال: لانه لا ينافي الانتقام منه. واختلفوا ~~في (أو) في الآية هل هي على جهة التخيير أم لا؟ على قولين: # أحدهما - قال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والسدي وهو الظاهر في ~~رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب. وانما دخلت (أو) لأنه لا ~~يخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إن لم يجد الجزاء فالاطعام ms1248 وان لم ~~يجد الاطعام فالصيام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، وعطاء والحسن وابراهيم ~~- على خلاف عنه - واختاره الجبائي، وهو قول بعض أصحابنا انه على التخيير. # وقوله { والله عزيز ذو انتقام } معناه قادر لا يغالب { ذو انتقام } ~~معناه ينتقم ممن يتعدا أمره ويرتكب نهيه. وليس في الآية دليل على العمل ~~بالقياس، لان الرجوع الى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع الى ~~المقولين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس. ### || [5.96] # قال ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، ~~والسدي، ومجاهد: الذي أحل من هذه الآية من صيد البحر الطري منه وأما ~~العتيق فلا خلاف في كونه حلالا، واذا حل صيد البحر حل صيد الانهار، لأن ~~العرب تسمى النهر بحرا. ومنه قوله # ظهر الفساد في البر والبحر # والاغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن اذا اطلق دخل فيه الانهار ~~بلا خلاف. # وقوله { وطعامه } يعني طعام البحر وقيل في معناه قولان: # أحدهما - قال أبو بكر وعمر، وابن عباس وابن عمر، وقتادة هو ما قذف به ~~ميتا. # الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~وقتادة ومجاهد وابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، واختار الرماني الاول. ~~وقال لأنه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في ~~الكلام والذي يقتضيه ويليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله { صيد البحر ~~} المراد به ما أخذ طريا. # وقوله { وطعامه } ما كان منه مملوحا، لأن ما يقذف به البحر ميتا لا ~~يجوز عندنا أكله لغير المحرم ولا للمحرم. وقال قوم معنى { وطعامه } ما ~~نبت بمائة من الزرع والثمار حكاه الزجاج. # وقوله { متاعا لكم وللسيارة } نصب متاعا على المصدر لان قوله { أحل لكم ~~} يدل على انه قد متعهم متاعا وقال ابن عباس والحسن وقتادة معناه منفعة ~~للمقيم والمسافر. # وقوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } يقتضي ظاهره تحريم الصيد في ~~حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وبه قال علي (ع) وابن عباس ms1249 وابن عمر ~~وسعيد بن جبير، وقال عمر وعثمان والحسن، لحم الصيد لا يحرم على المحرم ~~اذا صاده غيره، ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل ~~احرامه. وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم، والصيد يعبر به عن الاصطياد ~~فيكون مصدرا ويعبر به عن المصيد، فيكون اسما. ويجب أن تحمل الآية على ~~تحريم الجميع. وقوله { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أمر منه تعالى بان ~~يتقي جميع معاصيه ويجتنب جميع محارمه من الصيد في الاحرام وغيره، لأن ~~اليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر والنفع سواه، وهو يوم ~~القيامة فيجازي كلا بعمله: المحسن على إحسانه والمسيء على اساءته. ### || [5.97] # قرأ ابن عامر وحده { قيما للناس } بلا الف. الباقون قياما بالألف. # قال أبو علي الفارسي: قوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~} تقديره جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب ~~الناس، لأنه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك ~~معايشهم، واستقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ والعيال. وعلى هذا لحقته ~~تاء التأنيث في هذه المصادر فجاءت (فعالة) كالزيادة والسياسة والحياكة، ~~فكما جاءت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون ~~على (فعال). # ووجه قراءة ابن عامر أحد أمرين: إما أن يكون جعله مصدرا كالشبع أو حذف ~~الالف وهو يريدها كما يقصر الممدود، وهذا الوجه انما يجوز في الشعر دون ~~الكلام. وانما أعلوا الواو فقلبوها ياءا لاعتلال الفعل، ولم يصححوها كما ~~صحت في الحول والعوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة وديم، وحيلة وحيل فأعلوها ~~في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى. # والقوام هو العماد تقول: هو قوام الامر وملاكه، وهو ما يستقيم به أمره ~~وقلبت الواو ياءا لانكسار ما قبلها في مصدر (فعل، يفعل) وهو قام بالأمر ~~قياما كقولك صام صياما. فأما صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حوارا ~~قال الراجز: # قوام دنيا وقوام دين # وتقدير الآية جعل الله حج الكعبة أو نصب ms1250 الكعبة قياما لمعاش الناس ~~ومصالحهم. # وقوله { والشهر الحرام } معطوف على المفعول الأول ل { جعل } كما تقول ~~ظننت زيدا منطلقا وعمرا أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في ~~السماوات والارض، وما يجري عليه شأنهم في معاشهم وغير ذلك مما يصلحهم { ~~وأن الله بكل شيء عليم } بما يقيمهم، ويصلحهم عليه. # وقيل في قوله { قياما للناس } ان معناه أمنا لهم. وقيل انه مما ينبغي ~~أن يقيموا به. والاول أقوى. وقال قوم لما كان في المناسك زجرا عن القبيح ~~ودعا الى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه. وقال سعيد بن ~~جبير { قياما للناس } صلاحا لهم. وقيل: يقوم به أبدانهم. وقيل { قياما ~~} يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد وعكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها. # وقال أهل اللغة وانما قيل كعبة البيت واضيف لأن كعبة تربع اعلاه ~~والكعوبة: النتوء، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. ومنه كعب ثدي ~~الجارية اذا نتأ ومنه كعب الانسان لنتوئه. وسميت الكعبة حراما لتحريم ~~الله إياها ان يصاد صيدها أن يخلى خلاءها أو يعضد شجرها. وقوله { والشهر ~~الحرام } قال الحسن: هي الاشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد ~~مذهب الجنس. وهي واحد فرد، وثلاثة سرد، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم. # و { القلائد } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر والجوع الى ان ~~يأكل العصب فيلقى الهدي مقلدا فلا يعرض له. # الثاني - أن من أراد الاحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه ~~من الناس حتى يأتي أهله. # الثالث - قال الحسن: القلائد ان يقلد الابل والبقر النعالا أو الخفاف، ~~تقور تقويرا، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، وهذا هو ~~المعتمد عليه عندنا. # فان قيل: ما معنى قوله { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما ~~في الأرض } بعد قوله { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس } وأي ~~تعلق لها بذلك؟ وما في ذلك مما يدل على أنه بكل شيء عليم؟ قيل ms1251 عن ذلك ~~ثلاثة أجوبة: # أحدها - أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى وعيسى ~~وقومهما وبالتوراة والانجيل، وما فيهما من الاحكام واخبار الامم وفصله، ~~وذلك كله مما لم يشاهده محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا قومه ولا أحد في ~~عصره ولا وقفوا على شيء من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن الله تعالى لولا أنه ~~بكل شيء عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شيء ~~عليم. وأيضا فان ما جعله الله من البلد الحرام والشهر الحرام من الآيات ~~والاعاجيب دالا على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، لأنه جعل البيت الحرام ~~والحرم أمنا، يأمن فيه كل شيء ويسكن قلبه فالظبي يأنس بالسبع والذئب ~~مادام في الحرم، فاذا خرج عن الحرم خاف وطلبه السبع وهرب منه الظبي حتى ~~يرجع الى الحرم، فاذا رجع اليه كف عنه السبع، وهذا من عظيم آيات الله ~~وعجيب دلائله، وكذلك الطير والحمامة تأنس بالانسان، فاذا خرج من الحرم ~~خافه ولم يدن من أحد حتى يعود الى الحرم، والطير يستشفي بالبيت الحرام ~~اذا مرض يسقط على سطح البيت استشفاء به، فاذا زال عنه المرض لم ير على ~~سطح البيت ولا محاذيه في الهواء إجلالا له وتعظيما، مع أمور كثيرة ~~يطول ذكرها، فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق ~~وبكل شيء. وأيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ماهم صائرون اليه ~~من القتال والغارة والسبي والسلب فجعل من سنن ابراهيم واسماعيل ان من دخل ~~الحرم لم يقتل. وكذلك من عاذ بالبيت. وأن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال ~~وأن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، وكل ذلك يدل على أن من دبره عالم ~~بالعواقب ولا يخفى عليه شيء من الاشياء على وجه من الوجوه. ### || [5.98] # أمر الله تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم ما اقتضى سكون ~~النفس، وان شئت قلت هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس الى ms1252 ما ~~اعتقده، والأول أخص، ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لأن المعرفة هي ~~العلم، ولا يحد الشيء بنفسه. والعلم يتناول الشيء على ما هو به وكذلك ~~الرؤية. والفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لا ~~تتعلق إلا على وجه واحد. والعلم محله القلب. والرؤية ليست معنى على ~~الحقيقة وانما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. ومن قال هو معنى قال محلها ~~العين. # وفي الآية دلالة على أن المعرفة بالله وبصفاته ليست ضرورية، لأنها لو ~~كانت ضرورية لما أمرنا بها. وليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، ~~والتنبيه، لان ذلك ترك للظاهر. # والعقاب هو الضرر المستحق على جهة الاهانة والمقارن بالاستخفاف، ولو ~~اقتصرت على ان تقول هو الضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف ~~واهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق ولا يقارنه استخفاف ~~وإهانة وانما سمي عقابا لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه. # وقوله { وأن الله غفور رحيم } منصوب ب { إعلموا } وتقديره واعلموا ان ~~الله غفور رحيم، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصلها الستر ومنه ~~المغفرة وضم ذكر الرحمة الى المغفرة لبيان سبوغ نعم الله تعالى، وانه اذا ~~أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. وذلك يدل على أن ~~الغفران عند التوبة غير واجب وأنه تفضل وإلا لم يكن كذلك. ### || [5.99] # لما أنذر تعالى في الآية الأولى شدة العقاب وبشر بالعفو والغفران ذكر ~~في هذه أنه ليس على الرسول إلا البلاغ. وأما القبول والامتثال فانه ~~متعلق بالمكلفين المبعوث اليهم. # وأصل الرسول الاطلاق من قولهم أرسل الطير إرسالا اذا أطلقه ومنه قولهم: ~~ترسل في القراءة ترسلا اذا تثبت. واسترسل الشيء اذا تسلل وانطلق. ~~ورسله مراسلة، وتراسلوا تراسلا. والرسل اللبن لاسترساله من الضرع. وفي ~~الحديث # " اعطي من رسلها " # وقوله: # والمرسلات عرفا # قيل: هي الخيل. وقيل هي الرياح. والفرق بين الرسول والنبي أن النبي ~~لايكون الا صاحب المعجز الذي ينبىء عن الله أي يخبر، والرسول اذا كان ~~رسول الله فهو بهذه الصفة، وقد يكون ms1253 الرسول رسولا لغير الله، فلا يكون ~~بهذه الصفة. والانباء عن الشيء قد يكون من غير تحميل النبأ. والارسال ~~لايكون الا بتحميل الرسالة. والبلاغ وصول المعنى الى غيره، وهو ها هنا ~~وصول الانذار الى نفوس المكلفين. وأصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ ~~بلوغا وأبلغه ابلاغا وتبلغ تبلغا وبالغ مبالغة وبلغه تبليغا، ومنه ~~البلاغة لأنها إيصال المعنى الى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتبالغ ~~الرجل اذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية لأنه يبلغ ~~مقدار الحاجة. # { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } معناه أنه لا يخفى عليه شيء من ~~احوالكم التي تظهرونها أو تخفونها وتكتمونها وفي ذلك غاية التهديد ~~والزجر. ### || [5.100] # معنى قوله { لا يستوى } لا يتساوى. والاستواء على أربعة اقسام: استواء ~~في المقدار. واستواء في المكان. واستواء في الذهاب. واستواء في الانفاق. ~~والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع الى الاستواء في المكان، لأنه تمكن ~~واقتدار وقوله { الخبيث والطيب } قيل في معناهما قولان: # أحدهما - الحرام، والحلال في قول الحسن وأبي علي. # الثاني - قال السدي الكافر، والمؤمن. والخبيث الردي بالعاجلة ويسوى ~~بالآجلة. ومنه خبث الحديد، وهو رديئه بعدما يخلص بالنار جيدة ففي الخبيث ~~امتزاج جيد بردىء ولذلك قال { ولو أعجبك كثرة الخبيث } والاعجاب سرور بما ~~يتعجب منه. والعجب والاعجاب والتعجب من أصل واحد. وعجب يعجب عجبا والعجب ~~مذموم، لانه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها. وعجب الذنب أصله عجوب الرمل ~~أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد ما يتعجب منه. # ومعنى الآية أنه لا يتساوى الحرام والحلال وان أعجبك يا محمد كثرة ما ~~تراه من الحرام والمراد به أمته. وقوله { فاتقوا الله } معناه أجتنبوا ما ~~حرمه عليكم { يا أولي الألباب } يعني يا اولي العقول { لعلكم تفلحون } ~~معناه لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم الدائم. ### || [5.101-102] # قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس وأنس وابو هريرة والحسن وقتادة وطاوس والسدي: أنه ~~سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجل يقال له عبد الله وكان يطعن في ~~نسبه فقال: يا رسول الله ms1254 من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الآية. وقال أبو ~~هريرة ومجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لما انزل { ولله على الناس حج ~~البيت } فقالوا: في كل عام؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجب. وقال قوم وقع ~~السؤال الاول والثاني في مجلس واحد، فخاطب الله تعالى بهذه الآية ~~المؤمنين ونهاهم عن مسألة الاشياء التي اذا أبديت وأظهرت ساءت واحزنت من ~~أظهرت له. # يقال بدا يبدو بدوا. وابداه إبداء اذا أظهره وبدا له في الامر بدوا ~~وبدا وبداء اذا تغير رأيه، لأنه ظهر له. والبادية خلاف الحاضرة. والبدو ~~خلاف الحضر من الظهور. وقيل في وزن { أشياء } ثلاثة أقوال: # قال الكسائي: هو أفعال إلا انه لم يصرف، لأنهم شبهوه بحمراء فالزمه ~~الزجاج ألا يصرف اسماء ولا انباء. # الثاني - قال الاخفش والفراء هي (فعلاء) كقولك هين وأهوناء فالزمه ~~المازني وقال: سله كيف يصغرها؟ فقال الاخفش { أشياء } فقال يجب ان يصغرها ~~شيئات كما يصغر اصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صديقون. قال الزجاج ~~إنما قيل في هين: أهوناء لأن هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على ~~أفعلاء كنصب وانصباء. # الثالث - قال الخليل وسيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (انيق) عن انوق، ~~وقسمي عن قؤوس. # وقوله { تسؤكم } معناه تحزنكم. وقوله { عفا الله عنها والله غفور رحيم } ~~قيل فيما يعود الضمير اليه في { عنها } قولان: # احدهما - قال قوم على المسألة، لان قوله { لا تسألوا } دليل عليها فيكون ~~العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم. # الثاني - على الاشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية، وما جرى مجراها ~~مما يسؤهم تشديد المحنة فيها. # وقوله { قد سألها قوم من قبلكم } قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال ~~المائدة ثم كفروا بها. وقال غيره: هم قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها ~~وكفروا بها. وقال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهبا. وقال أبو ~~علي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الاشياء يعني من آيات ونحوها ~~فلما أخبرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروا ms1255 ~~به. # وقال الرماني: السؤال هو طلب الشيء اما بايجاده واما بإحضاره واما ~~بالبيان عنه، والذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه من أمر دين أو ~~دنيا. وما لا يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لا يجوز السؤال عنه ولا ~~يجوز أن يسأل الله تعالى شيئا إلا بشرط انتفاء وجود القبح عن الاجابة، ~~فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الانسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد ~~على فراش انسان حكم بأنه ولده. وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة ~~بخلافه سفه لا يجوز. ### || [5.103] # هذه الآية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن ~~الله تعالى هو الخالق للكفر والمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها من القبائح، ~~لأنه تعالى نفى أن يكون هو الذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو ~~الحام، وعندهم ان الله تعالى هو الجاعل له والخالق، تكذيبا لله تعالى ~~وجرأة عليه. ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا بالله وأفتروا ~~عليه بأن أضافوا اليه ما ليس بفعل له، وذلك واضح لا إشكال فيه. # ومعنى { ما جعل الله من بحيرة } أي ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية، ~~ولا أمر بها. و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة ~~أبحرها بحرا، والناقة مبحورة، وبحيرة: اذا شققتها شقا واسعا، ومنه ~~البحر لسعته. وكانوا في الجاهلية اذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ~~ذكرا بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولم تطرد عن ~~ماء، ولم تمنع من رعي. واذا لقيها المعيي لم يركبها. # و (السائبة) المخلاة وهي المسيبة. وكانوا في الجاهلية اذا نذر إنسان ~~نذرا لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، ~~فكانت كالبحيرة في التخلية، وكان اذا أعتق الانسان عبدا، فقال: هو سائبة ~~لم يكن بينهما عقل، ولا ولاء، ولا ميراث. # و (الوصيلة) الانثى من الغنم اذا ولدت انثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها ~~فلم يذبحوه. وقال أهل اللغة: ms1256 كانت الشاة اذا ولدت انثى فهي لهم، واذا ~~ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم في زعمهم، واذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت ~~أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم. # و (الحام) الفحل من الابل الذي قد حمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد ~~تكون من صلبه. وكانت العرب اذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ~~ظهره فلا يحمل عليه شيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وقال محمد ابن إسحاق: ~~البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة اذا تابعت بين عشر أناث ليس ~~فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما ~~نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ~~ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها. # و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس ~~فيها ذكر جعلت وصيلة، وقالوا قد وصلت وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون ~~الأناث. # وقوله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } إخبار منه تعالى بأن ~~هؤلاء الذين كفروا يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله ~~أو بأمره. وقوله { وأكثرهم لا يعقلون } خص الاكثر بأنهم لا يعقلون لأنهم ~~أتباع، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء - في قول ~~قتادة والشعبي - وقال ابو علي { أكثرهم لا يعقلون } ما أحل لهم وما حرم ~~عليهم، يعني أن المعاند هو الاقل منهم. ### || [5.104] # أخبر الله تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لا يعقلون، والذين ~~جعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، و { الذين يفترون على الله ~~الكذب } من كفار قريش وغيرهم من العرب بأنه { إذا قيل لهم تعالوا } أي ~~هلموا { إلى ما أنزل الله } من القرآن واتباع ما فيه، والاقرار بصحته { ~~وإلى الرسول } وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله { قالوا } في الجواب عن ~~ذلك { حسبنا } أي كفانا { ما وجدنا عليه آباءنا } يعني مذاهب آبائنا. ثم ~~اخبر تعالى منكرا عليهم فقال { أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ms1257 ~~يهتدون } أي إنهم يتبعون آباءهم في ما كانوا عليه من الشرك وعبادة ~~الأوثان وإن كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون اليه. وقيل ~~في معنى (لا يهتدون) قولان احدهما - الذم بأنهم ضلال. والثاني - أنهم لا ~~يهتدون الى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق. # وفي الآية دلالة على فساد التقليد، لأن الله تعالى أنكر عليهم تقليد ~~الآباء فدل ذلك على أنه لا يجوز لأحد أن يعمل على شيء من أمر الدين إلا ~~بحجة. # وفيها دلالة على وجوب المعرفة وأنها ليست ضرورية، لأن الله تعالى بين ~~الحجاج عليهم في هذه الآية ليعرفوا صحة ما دعا الرسول اليه، ولو كانوا ~~يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لآبائهم وكان يجب أن يكون آباؤهم ~~أيضا عارفين ضرورة، ولو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يهتدون. وانما نفى عنهم الاهتداء والعلم معا لان بينهما ~~فرقا، وذلك أن الاهتداء لا يكون إلا عن بيان وحجة. والعلم مطلق وقد ~~يكون الاهتداء ضرورة. ### || [5.105] # لما بين الله تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم واسلافهم وركنوا ~~اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الآية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه وأنه ~~لا يضره ضلال من ضل اذا كان هو مهتديا، حتى يعلم بذلك أنه لا يلزمهم من ~~ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب. # و { أنفسكم } نصب على الاغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل ~~غيركم. والعرب تغري ب (عليك، واليك، ودونك، وعندك) فينصبون الاسماء بها، ~~ولم يغروا ب (منك) كما أغروا ب (اليك)، لأن (اليك) أحق بالتنبيه من ~~(منك). والاغراء تنبيه على ما يجب أن يحذر، ولذلك لم يغروا ب (فيك) ~~ونحوها من حروف الاضافة. وحكى المغربي: أنه سمع من يغري ب (وراءك) و ~~(قدامك). # وليس في الآية ما يدل على سقوط انكار المنكر. وإنما يجوز الاقتصار على ~~الاهتداء بأتباع أمر الله في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن ~~الانسان إنما يكون مهتديا اذا اتبع أمر الله في نفسه وفي ms1258 غيره بالانكار ~~عليه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال # " اذا رأوا الناس منكرا فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب " # وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الاطفال، لأنه لو كان ~~الامر على ما قالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، وقد بين ~~الله تعالى أن الامر بخلافه مؤكدا لما في العقل. # وقوله { إلى الله مرجعكم جميعا } معناه اليه تعالى مآلكم في الوقت الذي ~~لا يملك أحد الضرر والنفع سواء بخلاف دار الدنيا التي مكن الله تعالى ~~الخلق من الضرر والنفع فيها. وقوله { فينبئكم } معناه يخبركم بأعمالكم ~~التي عملتموها في الدنيا من الطاعات والمعاصي، ويجازيكم بحسبها، وفي ذلك ~~غاية الزجر والتهديد. # وقوله { لا يضركم } يحتمل أن يكون جزما لأنه جواب الامر، وحرك الراء ~~لانها ثقيلة وأولها ساكن، فلا يستقيم إسكان آخرها، فيلتقي ساكنان. قال ~~الاخفش: والأجود أن يكون رفعا على الابتداء، لأنه ليس بعلة لقوله { ~~عليكم أنفسكم } وإنما أخبر أنه لا يضرهم. ### || [5.106] # ذكر الواقدي وابو جعفر (ع) أن سبب نزول هذه الآية ما قال أسامة بن زيد ~~عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما الى مكة، ~~فلما هاجر رسول الله (ع) الى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن ~~العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى ~~اذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه ~~وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي، فلما مات فتحا ~~المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال الى الورثة، فلما فتش القوم ~~المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم، ونظروا الى الوصية فوجدوا المال ~~فيها تاما وكلموا تميما وصاحبه، فقالا: لا علم لنا به وما دفعه الينا ~~أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم الى النبي (صلى الله عليه وسلم) فنزلة هذه ~~الآية. # قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } قيل في معنى الشهادة - ~~ها هنا - ثلاثة أقوال: # أحدها - الشهادة التي ms1259 تقام بها الحقوق عند الحكام. # الثاني - شهادة الحضور لوصيين. # الثالث - شهادة أيمان بالله اذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد ~~بالله اني لمن الصادقين. والأول أقوى واليق بالقصة. وفي كيفية الشهادة ~~قيل قولان: # أحدهما - أن يقول صحيحا كان أو مريضا: اذا حضرني الموت فافعلوا كذا ~~وكذا. ذكره الزجاج. # الثاني - اذا حضرت أسباب الموت من المرض. # وقيل في رفع { شهادة } ثلاثة أقوال: # أحدها - أن يكون رفعا بالابتداء وتقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، ~~ويرتفع { اثنان } بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه ~~مقامه. قال أبو علي الفارسي: واتسع في (بين) وأضيف اليه المصدر، وذلك يدل ~~على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل إسما في غير ~~الشعر، كما قال تعالى # لقد تقطع بينكم # فيمن رفع. وجاء في الشعر: # فصادف بين عينيه الجبوبا # الثاني - على تقدير محذوف وهو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة ~~بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله. # والثالث - ان يكون الخبر { إذا حضر } فعلى هذا لا يجوز أن يرتفع { اثنان ~~} بالمصدر، لأنه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد ~~اثنان، ولا يجوز أن يتعلق اذا حضر بالوصية لأمرين: # أحدهما - ان المضاف اليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأنه لو عمل فيما ~~قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فاذا قدر ذلك لزم تقديم المضاف عليه ~~على المضاف، ومن ثم لم يجز (القتال زيدا) حين يأتي. # والآخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به ما يتقدم عليه. # وقوله { إذا حضر أحدكم الموت } يعني قرب أحدكم من الموت كما قال # حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن # وقال # حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا # وقال # حتى إذا جاء أحدكم الموت قال رب ارجعون # وكل ذلك يريد به المقاربة. ولولا ذلك لما أسند اليه القول بعد الموت. # وقوله { حين الوصية } فلا يجوز أن يحمل على الشهادة، لأنها اذا عملت في ~~ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، ويمكن ms1260 حمله على أحد ثلاثة أشياء: # أحدها - أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه. # الثاني - على حضر أي اذا حضر: هذا الحين. # الثالث - أن يحمله على البدل من { إذا } لأن ذلك الزمان في المعنى هو ~~ذلك الزمان، فيبدله منه، ويكون بدل الشيء من الشيء اذا كان إياه. وقوله ~~{ اثنان ذوا عدل منكم } خبر المبتدإ الذي هو { شهادة } وتقديره شهادة ~~بينكم شهادة اثنين على ما بيناه، لان الشهادة لا تكون إلا من اثنين ~~وقوله { منكم } صفة لقوله { اثنان } كما ان { ذوا عدل } صفة لهما، وفي ~~الظرف ضمير وفي معنى { منكم } قولان: # أحدهما - قال سعيد بن المسيب وعبيدة ويحيى بن يعمر ومجاهد وقتادة وابن ~~عباس: أي من المسلمين، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع). # الثاني - قال سعيد بن المسيب وعبيدة - في رواية اخرى - وعكرمة: إنهما ~~من حي الموصي والاول أظهر وأصح، وهو اختيار الرماني، لأنه لا حذف فيه. ~~وقوله { أو آخران من غيركم } تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف ~~المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. و (من غيركم) صفة للآخرين. وقيل في معنى ~~{ من غيركم } قولان: # أحدهما قال ابن عباس وأبو موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير ~~وشريح وابراهيم وابن سيرين ومجاهد وابن زيد واختاره أبو علي الجبائي، وهو ~~قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع) أنهما من غير أهل ملتكم. # الثاني - قال عكرمة وعبيدة - بخلاف عنه - وابن شهاب والحسن: يعني من غير ~~عشيرتكم. قال الحسن لأن عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار ~~الزجاج. وقال: لأنه لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم وفسقهم وكذبهم ~~على الله. ومعنى (أو) - ها هنا - للتفصيل لا للتخيير، لأن المعنى أو ~~آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وهو قول ابي عبيدة وشريح ويحيى بن ~~يعمر وابن عباس وابراهيم وسعيد بن جبير والسدي، وهو قول أبي جعفر وابي ~~عبد الله (ع). وقال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أو ~~كافر. # وقوله { إن أنتم ضربتم ms1261 في الأرض } يعني ان انتم سافرتم كما قال # وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ### || [5.107] # قرأ حفص والاعشى الا النفار والكسائي عن ابي بكر { استحق } بفتح التاء ~~والحاء. الباقون - بضم التاء وكسر الحاء - والابتداء على الاول بكسر ~~الهمزة. وقرأ حمزة وأبو بكر إلا الاعشى - في غير رواية النفار - ويعقوب، ~~وخلف { الأولين } بتشديد الواو، وكسر اللام وفتح النون على الجمع. ~~والباقون بسكون الواو، وفتح اللام وكسر النون على التثنية. # وقد ذكرنا سبب نزول الآية عمن رويناه عنه فذكروا أنها نزلت في أمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) ان يستحلفوهما (والله ما قبضنا له غير هذا ولا ~~كتمناه) ثم ظهر على إناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا من ~~متاعه، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا إلى رسول الله فنزلت قوله تعالى: { ~~فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق.. } ~~فامر رسول الله رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيبا، وفحلف ~~عبد الله ابن عمر والمطلب بن أبي وداعة فاستحقا. ثم ان تميما اسلم وتابع ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان يقول: صدق الله، وبلغ رسول الله، ~~أنا أخذت الاناء. # ومعنى { عثر } ظهر على، تقول: عثرت على خيانته وأعثرت غيري على خيانته ~~أي أطلعته. ومنه قوله # وكذلك أعثرنا عليهم # أي أطلعنا عليهم وأصله الوقوع بالشيء من قولهم: عثر الرجل يعثر عثورا ~~اذا وقع اصبعه بشيء صدمته، وعثر الفرس عثارا قال الشاعر: # بذات لوث عفرناة اذا عثرت # فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا # وأعثر الرجل يعثر عثرا اذا أطلع على أمر كان خافيا عنه، لأنه وقع عليه ~~بعد خفائه، والعثير الغبار الساطع، لانه يقع على الوجه وغيره، والعثير ~~الاثر الخفي، لأنه يوقع عليه من خفاء. # وقوله: { على أنهما } يعني على أن الوصيين المذكورين أولا في قوله { ~~اثنان } في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس: على أن الشاهدين استحقا ~~اثما يعني خانا وظهر وعلم منهما ذلك { فآخران يقومان مقامهما ms1262 } يعني من ~~الورثة - في قول سعيد بن جبير وغيره - و { من الذين استحق عليهم الأوليان ~~} قيل في قوله { الأوليان } ثلاثة أقوال: # أحدها - قال سعيد بن جبير وابن زيد: الاوليان بالميت. الثاني قال ابن ~~عباس وشريح: الاوليان بالشهادة وهي شهادة الايمان. الثالث قال الزجاج: ~~الاوليان أن يحلفا غيرهما وهما النصرانيان. ويقال هو الاولى بفلان ثم ~~يحذف بفلان فيقال: هو الاولى، وهذان الاوليان كما يقال هو الاكبر بمعنى ~~الكبير وهذان الاكبران. وفي رفع الاوليان ثلاثة أقوال: # أحدها - بانه اسم ما لم يسم فاعله والمعنى استحق عليهم اثم الاولين أي ~~استحق منهم، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه. # الثاني - بانه بدل من الضمير { في يقومان } على معنى فليقم الاوليان من ~~الذين استحق عليه الوصية وهو اختيار الزجاج. # الثالث - بدل من قوله { فآخران }. وزعم بعض الكوفيين انه لا يجوز ~~إبداله من " آخرين " لتأخر العطف في { فيقسمان } ، لانه يصير بمنزلة ~~(مررت برجل قام زيد وقعد) قال الرماني: يجوز على العطف بالفاء جملة على ~~جملة. وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وقد أخر. ~~وتقديره فالاوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام ~~الخائنين اللذين عثر عليهما كقولك: تميمي أنا. ويجوز أن يكون خبر ابتداء ~~محذوف، وتقديره فآخران يقومان مقامهما هما الاوليان. واختار أبو الحسن ~~الاخفش أن يكون الاوليان صفة لقوله { فآخران } لانه لما وصف اختص. فوصف ~~لأجل الاختصاص بما توصف به المعارف. واما الجمع فعلى اتباع { الذين } ~~وموضعه الجر وتقديره من الاولين الذين استحق عليهم الايصاء والاثم. وانما ~~قيل لهم الاولين من حيث كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه تقدم { يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم } وكذلك { اثنان ذوا عدل منكم } ذكرا في اللفظ، ~~قيل قوله { أو آخران من غيركم } وحجتهم في ذلك أن قالوا: أرأيت ان كان ~~الاوليان صغيرين أراد انهما اذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في ~~الشهادة ولم يكونا لصغرهما اولى بالميت، وان كانا لو كانا كبيرين كانا ~~أولى به. # وانما قال { استحقا إثما ms1263 } لان آخذه انما يأخذه آثم فسمي { إثما } كما ~~يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة. قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك ~~قهرا، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. وقيل: معناه استحقا عذاب إثم ~~وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه كما قال # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # بعقاب اثمي وعقاب اثمك. وقيل في معنى { عليهم } ثلاثة أقوال: # أحدها - ان تكون (على) بمعنى (من) كأنه. قال من الذين استحق منهم الاثم ~~كما قال # إذا اكتالوا على الناس # أي من الناس. # الثاني - ان يكون المعنى كما تقول: استحق على زيد مال بالشهادة أي لزمه ~~ووجب عليه الخروج منه، لان الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ~~ما ولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك ~~الولاية لها فصار اخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم ~~عليه الخروج مما وجب عليه. # الثالث - أن يكون (على) بمنزلة (في) كأنه استحق فيهم، وقام (على) مقام ~~(في) كما قام (في) مقام (على) في قوله # ولأصلبنكم في جذوع النخل # والمعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا. # فان قيل: هل يجوز أن يسند (استحق فيه) إلى الاوليان؟ # قلنا لا يجوز ذلك لأن المستحق انما يكون الوصية أو شيء منها، ولا يجوز ~~أن يستحق الاوليان وهما الاوليان بالميت، والاوليان بالميت لا يجوز أن ~~يستحقا فيسند { استحق } اليهما. # وقوله { فيقسمان بالله } أي يحلفان بالله. وقوله { لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما } جواب القسم في قوله { فيقسمان بالله } وقوله { وما اعتدينا } ~~يعني فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما { إنا إذا لمن الظالمين } ~~تقديره إنا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا. # قال الزجاج: هذه الآية أصعب آية في القرآن اعرابا. # فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين أو خيانتهما ~~حتى حل لهما أن يحلفا؟ # قيل: يجوز ذلك بوجوه: أحدها - أن يسمعا اقرارهما بالخيانة من حيث لا ~~يعلمان أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقر - ان بأنهما كذبا أو ~~خانا؟ ms1264 أو تقوم البينة عندهما على أنه أوصى بغير ذلك أو على أن هذين لم ~~يحضرا الوصية أو يعرفان بغير ذلك من الاسباب. ### || [5.108] # قوله { ذلك أدنى } معناه ذلك الاحلاف والاقسام او ذلك الحكم أقرب الى ان ~~يأتوا بالشهادة على وجهها أي حقها وصدقها، لان اليمين يردع عن أمور كثيرة ~~لا يرتدع عنها مع عدم اليمين. # واختلفوا في ان اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا؟ # فقال ابن عباس: انما هي على الكافر خاصة وهو الصحيح. # وقال غيره: هي على كل شاهدين وصيين اذا ارتيب بهما. # واختلفوا في نسخ حكم الآيتين المتقدمتين مع هذه على قولين: # فقال ابن عباس وابراهيم وأبو علي الجبائي: هي منسوخة الحكم. # وقال الحسن وغيره: هي غير منسوخة. وهو الذي يقتضيه مذهبنا واخبارنا. ~~وقال البلخي: أكثر أهل العلم على أنه غير منسوخ، لانه لم ينسخ من سورة ~~المائدة شيء، لانها آخر ما نزلت. ووجه قول من قال: هي منسوخة أن اليمين ~~لا يجب اليوم على الشاهدين بالحقوق. وانما كان قبل الامر باشهاد العدول ~~في قوله # وأشهدوا ذوي عدل منكم # فنسخت هذه الآية ودلت على أن شهادة الذمي لا تقبل إلا على الذمي اذا ~~ارتفعا الى حكام المسلمين لان الذمي ليس بعدل ولا ممن يرضى من الشهداء، ~~وهو قول أبي علي الجبائي. ومن ذهب الى انها منسوخة جعلها بمعنى شهادة ~~الايمان على الوصيين فاذا ظهروا على خيانة منهما مما وجد في أيديهما صارا ~~مدعيين وصار الورثة في معنى المنكر فوجبت عليهما اليمين من حيث صارا ~~مدعيين. # وقوله { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يعني أهل الذمة يخافوا أن ~~ترد أيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا وينكشف ~~بذلك للناس بطلان شهادتهم ويسترد منهم ما أخذوه بغير حق، حينئذ يؤدوا ~~الشهادة على وجهها ويحذروا من الكذب. # وقوله { واتقوا الله واسمعوا } يعني اجتنبوا معاصيه واحذروا ان تحلفوا ~~ايمانا كاذبة أو تخونوا أمانة واسمعوا مواعظ الله { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } يعني لا يهدي الفاسقين - الذين خرجوا ms1265 من طاعة الله إلى معصيته ~~- إلى الجنة. وقيل ان معنى { لا يهدي } لا يحكم للفاسقين بانهم مهتدين ~~ولا يجري عليهم مثل هذه الصفة لانها صفة مدح. ### || [5.109] # في ما ينتصب به قوله { يوم }؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: # أحدها - انه انتصب بمحذوف تقديره احذروا { يوم يجمع الله الرسل }. # الثاني - اذكروا يوم يجمع الله. # الثالث - قال الزجاج: ينتصب بقوله { اتقوا الله }. وقال المغربي: يتعلق ~~بقوله { لا يهدي القوم الفاسقين } إلى الجنة { يوم يجمع الله } ولا يجوز ~~أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل، لانهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ~~لكن انتصب على انه مفعول به. واليوم لا يتقى ولا يحذر، وانما يتقى ما ~~يكون فيه من العقاب والمحاسبة والمناقشة كأنه قال اتقوا عقاب يوم، وحذف ~~المضاف واقام المضاف اليه مقامه. # وقوله { ماذا أجبتم } تقرير للرسل في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ ~~للمنافقين عند اظهار فضيحتهم وهتك أستارهم على رؤوس الاشهاد. # وقول الرسل { لا علم لنا } قيل فيه ثلاثة أقوال: # أولها - قال الحسن والسدي ومجاهد أنهم قالوا ذلك لذهولهم من هول ذلك ~~المقام. فان قيل كيف يجوز ذهولهم مع انهم آمنون لا يخافون؟ كما قال # لا يحزنهم الفزع الأكبر # وقال # لا خوف عليهم ولا هم يحزنون # قيل ان الفزع الاكبر دخول جهنم. وقوله { ولا خوف عليهم } هو كقولك ~~للمريض لا خوف عليك، ولا بأس عليك، مما يدل على النجاة من تلك الحال، ~~وخالف أبو علي في هذا ولم يجز الا ما نحكيه عنه. # الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد - في رواية أخرى - ان معناه لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه. # الثالث - قال الحسن في رواية أخرى وابو علي الجبائي: ان معناه لا علم ~~لنا بباطن ما أجاب به أممنا لان ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء. # وقال بعضهم معناه لا علم لنا مع علمك أي ليس عندنا شيء مما نعلمه الا ~~وانت عالم به وبكل ما غاب وحضر بدلالة قوله { إنك أنت علام الغيوب } # وقيل في معنى قوله { إنك أنت ms1266 علام الغيوب } انه قال علام للبالغة ها هنا ~~لا للتكثير المعلوم. ### || [5.110] # قرأ حمزة والكسائي وخلف " ساحر " بألف ها هنا وفي أول سورة يونس، وفي ~~هود، وفي الصف. وأفقهم ابن عامر وعاصم في يونس. # وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه من صفة يوم القيامة كما ان ما قبله ~~من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق ~~التوبيخ من اممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم. # العامل في { إذ } يحتمل أحد أمرين: أحدهما - الابتداء عطفا على قوله { ~~يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } قال وذلك { إذ قال } فيكون موضعه ~~رفعا كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا اذ ~~صاح بك صائح فاجبته وتركتني. # الثاني - اذكر اذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد ~~عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لانه من صفة (يوم القيامة) وعندي لا يمتنع ~~أن يكون المراد بذلك اخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) اذ قال الله لعيسى ~~بن مريم إذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك اذ ~~أيدتك بروح القدس. وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله { إذ قال } ولم يقل ~~(يقول) لانه عطف على ما قبله لانه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ما قواه ~~به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه. ووزن { ~~أيدتك } فعلتك من الايد على وزن قربتك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك ~~من الايد. وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الايد. وروح القدس ~~جبرائيل قال الحسن والقدس هو الله. # وقوله { تكلم الناس في المهد } أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبيا ~~في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ما كنت كهلا. قال أبو ~~علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله الله به إلى ~~عباده، وما يدعوهم اليه من طاعة الله وتصديق رسله، لانه كان بين لهم عند ~~كلامه في المهد # إني عبد الله ms1267 آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا ~~شقيا # فبين لهم في هذا وفي وقت ما صار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد ~~من الانبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه ~~النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك. # ونصب قوله { كهلا } يحتمل أمرين: # أحدهما - على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيرا وكهلا. # الثاني - أن يكون عطفا على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة. # وقوله { وإذ علمتك الكتاب } يعني واذكر { إذ }. # وقيل في معنى { الكتاب } قولان: # أحدهما - انه اراد الخط الكتابة. # الثاني - الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة والانجيل. # وقوله { والحكمة } يعني العلم بما في تلك الكتب. # وقوله { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } أي واذكر ذلك أيضا كل ذلك ~~تذكير له بنعمه عليه والخلق هو الفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، ~~فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لانه ليس فيها شيء على ~~وجه السهو والغفلة، ولا على سبيل المجازفة. ومعنى ذلك أنه خلق من الطين ~~كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. وسماه خلقا لانه كان ~~يقدره. # وقوله { بإذني } أي تفعل ذلك باذني وأمري. # وقوله { فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني } معناه انه نفخ فيها الروح، لأن ~~الروح جسم ويجوز أن ينفخها المسيح بامر الله. والطير يؤنث ويذكر فمن أنث ~~أراد الجمع ومن ذكر فعلى اللفظ. والطير واحده طائر مثل ضائن وضأن وراكب ~~وركب. وقد قالوا (أطيار) مثل صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، ويمكن أن يكون ~~(أطيار) جمع طير مثل ثبت واثبات وبيت وابيات. # قال أبو علي وقد ينفخها في الجسم على ما أخبر الله به جبرائيل، وعلى ما ~~روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يبعث اليه ملكا عند تمام مئة ~~وعشرين يوما فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه وشقي هو أم سعيد، وبين ~~بقوله { فيكون طيرا بإذني } أنه اذا نفخ ms1268 المسيح (ع) فيها الروح قلبها ~~الله لحما ودما، وخلق فيها الحياة فصارت طائرا باذن الله وإرادته لا ~~بفعل المسيح (ع) فلذلك قال { فيكون طيرا بإذني }. # وقوله { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني } معناه إنك تدعوني حتى أبرىء ~~الاكمه، وهوالذي خلق أعمى. وقال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيرا ~~والأصل الاول. والأبرص معروف ونسب ذلك الى المسيح لما كان بدعائه وسؤاله. # وقوله { وإذ تخرج الموتى بإذني } أي اذكر اذ تدعوني فأحيي الموتى عند ~~دعائك وأخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. وانما نسبه إلى عيسى ~~لما بينا من أنه كان بدعائه. # وقوله { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } أي اذكر إذ كففت ~~هؤلاء عن قتلك وإذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم وعتوهم مع قولهم ~~ان ما جئت به من الآيات سحر مبين. ويجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لا ~~يقدر عليها غيره، ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر كما منع من أراد قتل ~~نبينا (صلى الله عليه وسلم) وقيل لأنه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه ~~ونجا. # ومن قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. والسحر هو الباطل ~~المموه بالحق. وقوله في أول الآية { اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } أي ~~اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه ~~إله وأنه لم يكن عبدا منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على ما بينا. ~~وقال الطبري: انما عدد الله تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه اليه ~~فلذلك قال { إذ قال الله }. ### || [5.111] # التقدير واذكر إذ أوحيت الى الحواريين. وفي معنى { أوحيت } قولان: ~~أحدهما - أن معناه الهمتهم كما قال # وأوحى ربك إلى النحل # أي ألهمها. وقيل أمرتهم. # الثاني - القيت اليهم بالآيات التي أريتهم إياها كما قال الشاعر: # الحمد لله الذي استقلت # باذنه السماء واطمأنت # أوحى لها القرار فاستقرت # أي القى اليها ويروى وحى لها. والفرق بين أوحى ووحى من وجهين: أحدهما - ~~أن أوحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، ms1269 ووحى جعل فيها معنى ~~الصفة، لأن أفعل أصله التعدية. وقال قوم: هما لغتان. وقال البلخي معنى { ~~أوحيت إلى الحواريين } أي أوحيت اليك أن تبلغهم أو الى رسول متقدم. وقوله ~~(أوحيت اليهم) يعني أوحيت الى الرسول الذي جاءهم. وفي معنى الآية قولان: # أحدهما - قال أبو علي إذكر نعمتي عليك اذ أوحيت إلى الحواريين الذين هم ~~أنصارك. # الثاني - اذكر نعمتي على الحواريين لما في ذلك من العلم بنعم الله خاصة ~~وعامة. وانما حسن الحذف في التذكير بالنعمة للشهرة وعظم المنزلة باجلال ~~النعمة ولذلك يحسن الحذف في الافتخار كقول الأعشى: # إن محلا وان مرتحلا # وإن في السفر اذ مضوا مهلا # أي لنا محلا. و (الحواريون) قال الحسن هم أنصار عيسى. وقيل: هم وزراؤه ~~على أمره. وقيل: هم خاصة الرجل وخلصائه. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وآله للزبير أنه حواري، ومعناه خالصتي من الناس، والرفيق الحواري، لانه ~~أخلص اليه من كل ما يشوبه، وأصله الخلوص، ومنه حار يحور أي رجع الى حال ~~الخلوص، ثم كثر حتى قيل صار لكل راجع وقيل: انهم كانوا قصارين. ### || [5.112] # قرأ الكسائي والأعشى إلا النفار { هل تستطيع } بالتاء { ربك } بنصب ~~الباء. الباقون بالياء وضم الباء. وأدغم الكسائي اللام في التاء. # قيل في العامل في { إذ } قولان: أحدهما - أوحيت. الثاني - اذكر إذ قال ~~الحواريون. وكلاهما يحتمل. # وقيل في معنى قوله { هل يستطيع ربك } ثلاثة أقوال: # أحدها - هل يقدر وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله ~~تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز من الصفات، ولذلك أنكر عليهم نبيهم، ~~فقال { اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ، لانه لم يستكمل ايمانهم في ذلك ~~الوقت. # الثاني - هل يفعل ذلك قاله الحسن، كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض ~~أي هل تفعل، لأن المانع من جهة الحكمة أو الشهوة قد يجعل بمنزلة المنافي ~~للاستطاعة. # الثالث - هل يستجيب لك ربك. قال السدي هل يطيعك ربك ان سألته، فهذا على ~~معنى استطاع وأطاع كقولهم استجاب بمعنى أجاب، وانما حكى سيبويه استطاع ~~بمعنى أطاع ms1270 على زيادة السين. ومعنى قراءة الكسائي { هل تستطيع } ان ~~تستدعي اجابة ربك. وأصله هل تستدعي طاعته فيما قبله من هذا - هذا قول ~~الزجاج وفيه وجه آخر وهو هل تقدر أن تسأل ربك. # والفرق بين الاستطاعة والقدرة أن الاستطاعة انطياع الجوارح للفعل ~~والقدرة هي ما أوجبت كون القادر قادرا ولذلك يوصف تعالى بأنه قادر، ولا ~~يوصف بانه مستطيع. والمائدة الخوان لانها تميد بما عليها أي تحركه. قال ~~أبو عبيدة: هي (مفعولة) في المعنى ولفظها (فاعلة) كقوله # عيشة راضية # أي مرضية واصل المائدة الحركة من قولهم ماد يميد ميدا اذا تحرك، عن ~~الزجاج. ومنه المائد المدار به في البحر ماد يميد ميدا. وماده اذا أعطاه ~~ومنه قول رؤبة: # نهدي رؤوس المترفين الانداد # الى أمير المؤمنين الممتاد # أي المستعطي ومادهم يميدهم ميدا اذا اطعمهم على المائدة ثم كثر حتى قيل ~~لكل مطعم. وقوله { قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } معناه اتقوا معاصيه ~~وكثرة سؤال الآيات، لانكم ان كنتم مؤمنين بالله وبصحة نبوة عيسى، فقد ~~أغناكم ما عرفتموه عن الآيات واتقوا سؤال نزول المائدة، فانكم لا تعلمون ~~ما يفعل الله بكم عند هذا السؤال. ### || [5.113] # قيل في معنى (الارادة) ها هنا قولان: # أحدهما - ان يكون بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع. # الثاني - ان تكون الارادة التي هي من أفعال القلوب، ويكون التقدير فيه ~~نريد بسؤالنا هذا، كأنهم قالوا: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا، وهذه ~~الارادة وان تقدمت المراد بأوقات لا توصف بأنه عزم، لانها متعلقة بفعل ~~الغير وقوله { تطمئن قلوبنا } يجوز أن يكونوا قالوه وهم مستبصرون في ~~دينهم مؤمنون كما قال ابراهيم (ع) # أرني كيف تحيي الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # تحقيقه لنزداد طمأنانية الى ما نحن عليه من المعرفة، وان كانت المعرفة ~~لا تكون إلا مع الثقة التامة، فان الدلائل كلما كثرت مكنت في النفس ~~المعرفة. # وقوله { ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } يعني الشاهدين له ~~بتوحيده بالدليل الذي نراه في المائدة والشهادة لك بالنبوة ms1271 من جهة ذلك ~~الدليل. والصدق هو الاخبار بالشيء على ما هو به والكذب هو الاخبار بالشيء ~~لا على ما هو به. ### || [5.114] # أخبر الله تعالى عن عيسى (ع) أنه سأل ربه أن ينزل عليه مائدة من السماء ~~تكون عيدا لهم لأولهم وآخرهم على ما يقترحه قومه. ورفع (تكون) لانه صفة ~~للمائدة كما قال # فهب لي من لدنك وليا يرثني # في قراءة من رفعه لأنه جعله صفة. وفيه محذوف، لأن تقديره عيدا لنا ~~ولأولنا وآخرنا لتصح الفائدة في تكرير اللام في أولنا وآخرنا، وقيل في ~~معناه قولان: # أحدهما - نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا - في ~~قول السدي وقتادة وابن جريج - وهو قول أبي علي. # الثاني - يكون ذلك عائدة فضل من الله ونعمة منه تعالى. والاول هو وجه ~~الكلام. وقيل: إنها نزلت يوم الاحد. وقوله { وآية منك } فالآية هي ~~الدلالة العظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الاقرار بمدلولها، ~~والاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها، فهي دلالة على توحيدك وصحة نبوة ~~نبيك. وقيل في طعام المائدة ثلاثة أقوال: # أولها - قال ابن عباس وأبو عبد الرحمن: هو خبز وسمك، وهو المروي عن أبي ~~جعفر وأبي عبد الله (ع) قال عطية كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام. # الثاني - قال عمار بن ياسر: كانا ثمرا من ثمار الجنة. # الثالث - قال زادان وابو ميسرة: كان عليها من كل طعام إلا اللحم. # وقوله: { وارزقنا } قيل في معناه - ها هنا قولان: # أحدهما - واجعل ذلك رزقا لنا. # الثاني - وارزقنا الشكر عليها - ذكرهما الجبائي - وانما يكون الشكر رزقا ~~منه لنا لأنه لطف فيه ووفق له وإعانة عليه كما يكون المال رزقا لنا اذا ~~ملكنا إياه لا بخلقه له. # وفي الآية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا بدلالة قوله { وأنت خير ~~الرازقين } لانه لو لم يصح ذلك لم يجز { خير الرازقين } كما أنه لما لم ~~يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول أنت خير الآلهة، وصح # أرحم الراحمين # و # أحكم الحاكمين # و # أسرع ms1272 الحاسبين # و # أحسن الخالقين ### || [5.115] # قرأ { منزلها } بالتشديد أهل المدينة وابن عامر، وعاصم. الباقون ~~بالتخفيف. # من خفف طابق بينه وبين قوله { أنزل علينا } ومن ثقل، فلأن نزل وأنزل ~~بمعنى قال تعالى # تبارك الذي نزل الفرقان # وقال # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # لما سئل الله عيسى (ع) أن ينزل عليه المائدة تكون عيدا لأولهم وآخرهم، ~~قال تعالى مجيبا له إلى ما التمسه { إني منزلها عليكم } يعني المائدة { ~~فمن يكفر بعد منكم } يعني بعد إنزالها عليكم { فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } وقيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال قتادة: مسخوا قردة وخنازير، وهو المروي عن أبي عبد الله ~~عليه السلام ولم يمسخ أحد خنازير سواهم. # الثاني - أنه أراد به من عالمي زمانهم. # الثالث - أنه أراد به جنسا من العذاب لا يعذب به أحدا غيرهم. وانما ~~استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة لانهم كفروا بعدما رؤا ~~الآية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر لم يرها غيرهم بعد سؤالهم لها ~~وتعلق سببهم بها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بضرب من العذاب عظيم الموقع. كما ~~اختصت آيتهم بضرب من الزجر في عظيم الموقع. وقال الحسن ومجاهد: ان ~~المائدة لم تنزل عليهم، لانهم استعفوا من نزولها لما سمعوا الوعيد ~~المقرون بها. وقال قوم: هذا غلط من قائله، لانه تعالى وعد بانزالها ولا ~~خلاف لقوله وأكثر أهل العلم على أنها أنزلت: منهم ابن عمر، وعمار بن ياسر ~~وأبو عبد الرحمن السلمي، وقتادة والسدي، وهو ظاهر القرآن. وأيضا فلا يجوز ~~أن يسأل نبي على رؤوس الملا آية لايجاب اليها، لان ذلك ينفر عنه. وقال ~~الحسن: انما كان الوعد من الله بانزال المائدة بشرط أن يكون بتقدير اني ~~منزلها عليكم ان تقبلتم الوعيد فيها { فمن يكفر بعد منكم.. } الآية، وهذا ~~الشرط الذي ذكره لا دليل عليه. والمطلق لا يحمل على المقيد الا بقرينة ~~وقال قوم: انها لو نزلت فكفروا لعذبوا وأنزل ذلك في القرآن ولو لم يكفروا ~~لكانت المائدة قائمة للمسلمين الى يوم ms1273 القيامة. وهذا ليس بصحيح لانه يجوز ~~أن يكون عنى بالعذاب ما يفعله بالآخرة. ويجوز أن يكون عنى عذاب الدنيا ~~ولم يذكره، لانه ليس بواجب أن يكون كل من اختصه بضرب من العذاب لا بد أن ~~يخبرنا عنه في القرآن، لانه يكون تجويز ذلك على منازل عظيمة في الجملة ~~أهول وأملأ للصدر من ذكره بالتصريح على تفصيل أمره. وأما بقاؤها الى يوم ~~القيامة فلا يلزم لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدا لهم ولمن ~~بعدهم ممن كان على شريعتهم. ### || [5.116] # قوله { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } أي اذكر ويحتمل ~~ثلاثة أوجه: # أولها - أن يكون معطوفا على ما قبله، كأنه قال { يوم يجمع الله الرسل ~~فيقول ماذا أجبتم } ثم قال: وذلك اذ يقول يا عيسى اذكر نعمتي واذ يقول له ~~أأنت قلت للناس. # الثاني - قال البلخي: يمكن أن يكون لما رفع الله عيسى اليه قال له ذلك، ~~فيكون المقال ماضيا. # والثالث - ذكره أيضا البلخي أن (إذ) استعملت بمعنى (إذا) فيصح حينئذ ~~أن يكون القول من الله يوم القيامة، ومثله # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # كأنه قال اذ يفزعون، وقال # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون # كأنه قال اذا وقفوا لان هذا لم يقع بعد، وقال أبو النجم: # ثم جزاه الله عنا اذ جزا # جنات عدن في العلالي العلا # والمعنى اذا جرى، وقال الاسود (أعشى بني نهشل) # فالآن اذ هازلتهن قائما # يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا # وقال أوس: # الحافظ الناس في تحوط اذا # لم يرسلوا تحت مائذ ربعا # وهبت الشامل البليل واذ # بات كميع الفتاة ملتفعا # يقال (إذا) و (إذ) بمعنى واحد، وقال بعض أهل اليمن: # وندمان يزيد الكأس طيبا # سقيت اذا تغورت النجوم # فقال (إذا) والمعنى (إذ) لانه انما يخبر عما مضى. وقال أبو عبيدة (إذ) ~~صلة. والمعنى قال الله: يا عيسى. وقد بينا فساد هذا القول فيما مضى فأما ~~لفظ { قال } في معنى يقول فمستعمل كثيرا وان كان مجازا، قال الله تعالى # ونادى أصحاب الجنة أصحاب ms1274 النار # والمراد ينادي. وقد استعمل المستقبل بمعنى الماضي، قال زياد الاعجم في ~~المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته: # فاذا مررت بقبره فانحر به # خوص الركاب وكل طرف سابح # وانضج جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخادم وذبائح # فقال (يكون) ومعناه (كان) لدلالة الكلام عليه، لانه في مرثية له بعد ~~موته. وقوله { يا عيسى بن مريم } يحتمل عيسى أن يكون منصوبا مثل ما تقول: ~~يا زيد بن عبد الله، وهو الاكثر في كلام العرب. وانما يجوز ذلك اذا وقع ~~الابن بين علمين، فأما اذا قلت يا زيد ابن الرجل لم يجز في زيد إلا ~~الضم. ويحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم ويكون نداء { ابن } كأنه قال يا ~~عيسى يا ابن مريم. # وقوله { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } تقريع في ~~صورة الاستفهام والمراد بذلك تقريع وتهديد من ادعى ذلك، لأنه تعالى كان ~~عالما بذلك هل كان أو لم يكن. ويحتمل وجها آخر - ذكره البلخي ان الله ~~تعالى أراد أن يعلم عيسى أن قومه اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إلهان كما ~~أن الواحد منا اذا أرسل رسولا الى قوم أن يفعلوا فعلا فأدى الرسالة ~~وانصرف فخالفوا ذلك وعلم المرسل ولم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل ~~للرسول: أأنت أمرتهم بذلك؟ وغرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. # وانما قال { إلهين } تغليبا للذكر على الانثى. والغرض بالكلام أن ~~النصارى يعتقدون في المسيح أنه صادق لا يكذب وأنه الذي أمرهم بأن يتخذوه ~~وأمه إلهين، فاذا كذبهم الصادق عندهم الذي ينسبون الامر به اليه كان ذلك ~~آكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ لهم والتوبيخ ضرب من العقوبة. وقيل ~~في قوله تعالى { إلهين } ثلاجة أوجه: # أحدها - أنهم لما عظموهما تعظيم الآلهة أطلق ذلك عليهما كما قال # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله # وانما أراد تقريعهم على معصيتهم. # والثاني - انهم جعلوه إلها وجعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع البشر ~~تمييزا شابهت الالهية وأطلق ذلك، لانه مستخرج من قصدهم. وان لم يكن صريح ~~ألفاظهم، ms1275 على طريقة الالزام لهم. # الثالث - انهم لما سموه إلها وعظموها هي، وكانا مجتمعين سماهما ~~إلهين على طريقة العرب كقولهم: القمران للشمس والقمر، والعمران لابي بكر ~~وعمر قال الشاعر: # جزاني الزهدمان جزاء سوء # وكنت المرء يجزى بالكرامة # يريد زهدما وقيسا ابني حزن القيسين، وهذا كثير، وذكر لي بعض النصارى ~~الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانة مثله: أنه سأله عن ~~هذا فقال: كنت شاكا في ذلك الى أن قرأت في كتاب ذكره أن فيما مضى كان قوم ~~يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة، فعلى هذا القول ~~أقرب. وورد كما قلناه في الحكاية عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله. ~~وقد ذكرناه في سورة التوبة. # وقوله { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } معناه أنزهك أن يكون ~~معك الهة وأن يكون للأشياء إله غيرك، واعترف بأنه لم يكن لي أن أقول هذا ~~القول. وقوله { إن كنت قلته فقد علمته } أي لم أقله لاني لو كنت قلته ~~لما خفي عليك إذ كنت علام الغيوب. وقوله { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك } أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، لان ما في نفس عيسى وما في قلبه ~~هو ما يغيبه عن الخلق، وانما يعلمه الله، وسمي ما يختص الله بعلمه بأنه ~~في نفسه على طريق الازدواج في الكلام كما قال # ومكروا ومكر الله # الله يستهزىء بهم # يخادعون الله وهو خادعهم # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وإن عاقبتم فعاقبوا # وكل ذلك وجه ازدواج الكلام، ويقوى هذا التأويل قوله { إنك أنت علام ~~الغيوب } لانه علل أنه انما يعلم ما في نفس عيسى، لانه علام الغيوب، ~~وعيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم ما يختص الله بعلمه. # والنفس في اللغة على ضروب: أحدها - نفس الانسان التي بها حياته، يقولون ~~خرجت نفسه أي روحه وفي نفسى أن افعل أي في روعي. # وثانيها أن نفس الشيء ذات الشيء يقولون: قتل فلان نفسه أي ذاته، وعلى ~~هذا حمل قوله # ويحذركم ms1276 الله نفسه # أي ذاته وقيل عذابه. والنفس الهم بالشىء كما يحكى أن سائلا سأل الحسن ~~فقال: ان لي نفسين احداهما تقول لي حج، والآخر تزوج، فقال الحسن: النفس ~~واحدة وانما لك همان هم بكذا وهم بكذا والنفس الأنفة كقولهم: ليس لفلان ~~نفس أي لا أنفة له، والنفس الارادة يقولون نفس فلان في كذا أي ارادته قال ~~الشاعر: # فنفساي نفس قالت ائت ابن بحدل # تجد فرجا من كل غمى تهابها # ونفس تقول أجهد نجاءك ولا تكن # كخاضبة لم يغن عنها خضابها # والنفس أيضا العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين ومنه ~~قوله (صلى الله عليه وسلم) في رقيا # " بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل عاهة فيك من كل عين عاين ونفس نافس ~~وحسد حاسد " # وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: # تنقي نفسها النفوس عليها # فعلى نحرها الرقى والتميم # وقال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس، والنفس أيضا من ~~الدباغ مقدار الدبغة. ### || [5.117] # هذا اخبار عن عيسى (ع) أنه يقول لله تعالى في جواب ما قرره عليه اني لم ~~أقل للناس الا ما أمرتني به، من الاقرار لك بالعبودية وأنك ربي وربهم ~~وإلهي والههم، وأمرتهم بأن يعبدوك وحدك ولا يشركوا معك في العبادة. ~~وقال: اني كنت شهيدا أي شاهدا عليهم ما دمت فيهم بما شاهدته منهم ~~وعلمته وبما بلغتهم من رسالتك التي حملتنيها وأمرتني بأدائها اليهم ما ~~دمت حيا بينهم { فلما توفيتني } أي قبضتني اليك وأمتني { كنت أنت الرقيب ~~عليهم } والرقيب هو الذي يشاهد القوم ويرقب ما يعملون ويعرف ذلك، ثم ~~اعترف بأنه تعالى { على كل شيء شهيد } لانه عالم بجميع الاشياء لا يخفى ~~عليه خافية ولا يغيب عنه شيء فهو يشهد على العباد بكل ما يعملونه. وفي ~~اخباره تعالى عن المسيح أنه نفى القول الذي أدعوه عليه تأكيد لتبكيت ~~النصارى وتكذيب لهم وتوبيخ على ما ادعوه من ذلك عليه. قال الجبائي وفي ~~الآية دلالة على انه تعالى أمات عيسى (ع) وتوفاه عندما رفعه، لانه بين ~~انه ms1277 كان شهيدا عليهم. وتوفيه اياه بعد ان كان بينهم انما كان عند رفعه ~~اياه الى السماء عندما أرادوا قتله. وعندي أن الذي ذكره لا يدل على أنه ~~أماته، لان التوفي هو القبض اليه ولا يستفاد منه الموت الا بشاهد الحال. ~~ولذلك قال تعالي # الله يتوفي الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها # فبين انه يتوفى التي لم تمت فنفس التوفي لا يفيد الموت بحال. # وقوله { أن اعبدوا الله } يجوز أن تكون (أن) بمعنى (أي) مفسرة في قول ~~سيبويه، كما قال # وانطلق الملأ منهم أن امشوا # أي أمشوا، لانها مفسرة لما قبلها. والمعنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ~~أن أعبدوا الله. ويجوز أن تكون (أن) في موضع خفض على البدل من الهاء ~~وتكون (أن) موصولة ب { اعبدوا الله }. ومعناه الا ما أمرتني به بأن ~~يعبدوا الله، ويجوز أن تكون موضعها نصبا على البدل من (ما) والمعنى ما ~~قلت لهم شيئا الا أن أعبدوا الله، أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. وقوله ~~{ أن اعبدوا الله ربي وربكم } شاهد بلفظ الانجيل فأنه ذكر في الفصل ~~الرابع من انجيل لوقا، قال المسيح:، مكتوب أن اسجد لله ربك وإياه وحده ~~فأعبد، وهذا لفظه وهو صريح التوحيد. ### || [5.118] # ظاهر هذه الآية يدل على أن عيسى لم يكن أعلمه الله أن الشرك لا يغفر على ~~كل حال، فلذلك قال { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الذين كفروا بك وجحدوا ~~إلهيتك وكذبوا رسلك { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }. # وقال البلخي: ان عيسى (ع) أخبر أنه لا علم له بما صنعوا بعده من الكفر ~~به حتى قيل له: ماذا أجبت؟ قال لا علم لي، ثم قال: ان كانوا كفروا ~~فعذبتهم فهم عبادك وان كانوا ثبتوا على ما دعوتهم اليه أو تابوا من كفرهم ~~فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم. # ومن ذهب الى أن قول الله { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس } إخبار ~~عما مضى وأن الله قال ذلك عندما رفعه اليه، قال: انما عنى عيسى ms1278 ان تعذبهم ~~بمقامهم على معصيتك فانهم عبادك وان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم ~~كانوا في الدنيا لان عيسى لم يشك في الآخرة أنهم مشركون. وقد أنطقعت ~~التوبة، وانما قال ذلك في الدنيا وجعل قول الله تعالى { هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم } جوابا للرسل حين سألهم ماذا أجبتم { قالوا لا علم لنا } ~~فصدقهم الله في ذلك. ومثل ذلك قال عمرو ابن عبيد والجبائي والزجاج وكلهم ~~شرط التوبة. وهذا الذي ذكروه ترك للظاهر وزيادة شرط في ظاهرها ليس عليه ~~دليل. وقوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به # انما هو اخبار لامة نبينا بأن لا يغفر الشرك ولا نعلم ان مثل ذلك أخبر ~~به الامم الماضية فلا متعلق بذلك. ويمكن أن يكون الوجه في الآية مع تسليم ~~ان كان عارفا بأن الله لا يغفر أن يشرك به وانه أراد بذلك تفويض الامر ~~الى مالكه وتسليمه الى مدبره والتبري من أن يكون له شيء من أمر قومه، كما ~~يقول الواحد منا اذا تبرء من تدبير أمر من الامور ويريد تفويضه الى غيره: ~~هذا الامر لا مدخل لي فيه فان شئت أن تفعله وان شئت ان تتركه مع علمه ان ~~أحدهما لا يكون منه. # وقوله { فإنك أنت العزيز الحكيم } معناه انك القادر الذي لا يغالب وأنت ~~حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك. # وقيل معناه { إنك أنت العزيز } القدير الذي لا يفوتك مذنب ولا يمتنع من ~~سطوتك مجرم { الحكيم } فلا تضع العقاب والعفو الا موضعهما. ولو قال: ~~الغفور الرحيم كان فيه معنى الدعاء لهم والتذكير برحمته، على أن العذاب ~~والعفو قد يكونان غير صواب ولا حكمة فالاطلاق لا يدل على الحكمة والحسن. ~~والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على العذاب والرحمة اذا كانا صوابين. وقال ~~الحسين بن علي المغربي رأيت على باب بمصر في موضع يقال له (بيطار بلال) ~~معروف لوحا قديما من ساج عليه هذا العشر وفيه { فإنك أنت الغفور الرحيم ~~} وتأريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها ولعلها باقية الى اليوم. ms1279 # فان قيل قول عيسى ان تعذبهم فأنهم عبادك يدل على ان الله تعالى له أن ~~يعاقب عبيده من غير جرم كان منهم لانه علل حسن ذلك بكونهم عبيدا لا ~~بكونهم عصاة، وذلك خلاف ما تذهبون اليه؟ قلنا: لا يجوز ان يريد عيسى (ع) ~~بكلامه ما يدل على أن الفعل على كونه غير جائز عليه تعالى. ولا يحسن منه ~~تعالى أيضا أن يترك انكار ذلك فلما عملنا أن الله تعالى لا يجوز ان يعاقب ~~خلقه من غير معصية سبقت منهم من حيث كان ذلك ظلما محضا، علمنا ان عيسى ~~أراد بقوله ذلك { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الجاحدون لك المتخذون معك ~~إلها غيرك لان ما تقدم من الكلام دل عليه فلم يحتج ان يذكره في اللفظ ~~فبطل ما توهموه. ### || [5.119-120] # قرأ { يوم ينفع } بفتح الميم نافع. الباقون بضمها. # من رفع (يوما) جعله خبر المبتدأ الذي هو (هذا) وأضاف (يوما) الى (ينفع). ~~والجملة التي هي من المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما ~~تقول: قال زيد عمر أخوك. ومن نصب احتمل أمرين: # أحدهما - ان يكون مفعول قال وتقديره قال الله هذا القصص، وهذا الكلام { ~~يوم ينفع الصادقين } فيوم ظرف للقول (وهذا) اشارة الى ما تقدم ذكره من ~~قوله: { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } وجاء على لفظ الماضى وان كان ~~المراد به المستقبل، كما قال # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # ونحو ذلك على ما بيناه. وليس ما بعد (قال) حكاية في هذا الوجه كما كان ~~إياها في الوجه الآخر. # ويجوز ان يكون المعنى على الحكاية وتقديره قال الله تعالى { هذا يوم ~~ينفع } أي هذا الذي أقتصصنا. به يقع أو يحدث يوم ينفع، ف " يوم " خبر ~~المبتدأ الذي هو (هذا) الامر إشارة الى حدث. وظروف الزمان تكون اخبارا ~~عن الاحداث. والجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال الفراء: { يوم ~~} منصوب لانه مضاف الى الفعل وهو في موضع رفع بمنزلة (يومئذ) مبني على ~~الفتح في كل حال، قال الشاعر: # على ms1280 حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت ألما تصح والشيب وازع # قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين، لانهم لا يجيزون هذا يوم آتيتك، ~~يريدون هذا يوم اتيانك، لان (آتيتك) فعل مضارع فالاضافة اليه لا يزيل ~~الاعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون (ذلك يوم يقع زيد أصدقه) لان الفعل ~~الماضي غير مضارع للمتمكن فهي اضافة الى غير متمكن والى غير ما ضارع ~~المتمكن ويجوز { هذا يوم } منونا { ينفع الصادقين } على إضمار هذا يوم ~~ينفع # وما الدهر الا تارتانا فمنهما # أموت وأخرى ابتغي العيش اكدح # والمعنى فمنهما تارة أموت فيها. # وقوله { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين } يعني يوم القيامة، ودل على أن ~~قول الله للمسيح { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله } ~~يكون يوم القيامة، ثم بين ان الصادقين ينفعهم صدقهم وهو ما صدقوا فيه في ~~دار التكليف، لان يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه ~~الا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم الذي يقولونه يوم القيامة اذا أقروا ~~على أنفسهم بسوء أعمالهم، ثم بين ان { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~، وأنهم { خالدون فيها أبدا } في نعيم مقيم لا يزول، وان الله قد { رضى ~~عنهم ورضوا } هم عن الله وبين ان ذلك { هو الفوز العظيم } وهو ما يحصلون ~~فيه من الثواب والنجاة من النار، ثم قال تعالى: { لله ملك السماوات ~~والأرض وما فيهن } يعني ان ملك السماوات والارض وما بينهما له بالقدرة ~~على التصرف فيهما وفيما بينهما على وجه ليس لاحد منعه منه ولا معارضته ~~فيه خاصة، ثم بين انه تعالى: { على كل شيء قدير } مما كان ويكون مما يصح ~~ان يكون مقدورا له. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # آية في الكوفي والبصري، وآيتان في المدنيين، قوله { والنور } آخر آية # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن المستحق للحمد من خلق السماوات والارض ~~وجعل الظلمات والنور أي خلقهما لما أشتملا عليه من عجائب الخلق ومتقن ~~الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ما ترى في السماوات والارض ms1281 من الدلالة ~~على أنه الواحد الذي لا شريك له، وقد بينا فيما تقدم وجه دلالة ذلك على ~~أنه واحد ليس باثنين. وقوله { بربهم يعدلون } أي يجعلون له مثلا يستحق ~~العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لا نظير له عندي ولا أحد ~~يستحق ما يستحقه. قال الكسائي: يقال عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا اذا ~~ساويته، وعدل في الحكم يعدل عدلا. وقال الحسن ومجاهد: معنى يعدلون ~~يشركون. # وانما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، وعلى من ~~كذب بالبعث والنشور فابتدأ، فقال { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } ~~فذكر أعظم الاشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، والارض غير ~~مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر الليل والنهار، وهما مما به قوام ~~الخلق. فأعلم الله تعالى أن هذه خلق له، وأن خالقها لا شىء مثله. # وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، وشيعها سبعون ~~الف ملك حين أنزلت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فعظموها، وبجلوها، ~~فان اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا. ولو يعلم الناس ما في قراءتها ~~من الفضل ما تركوها. ### || [6.2] # معنى قوله { هو الذي خلقكم } أي انشأكم، وأخترعكم { من طين } ومعناه خلق ~~أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، ~~فلما كان أصلنا من الطين جازان يقول { خلقكم من طين }. # وقوله { ثم قضى } معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون ~~الاتمام والاكمال. # وقوله { أجلا وأجل مسمى عنده } قيل في معنام قولان: # أحدهما - قال ابو علي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، ~~وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا الى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، ~~لان أجل الحياة، هو وقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت { وأجل مسمى ~~عنده } يعني آجالكم في الآخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال ~~له { مسمى عنده } ، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع ~~الذي لا يملك ms1282 فيه الحكم على الخلق سواه. # وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهو الوقت الذي تحدث فيه الحياة، ~~ويحيون فيه { وأجل مسمى عنده } يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، ~~وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال بعضهم: { قضى أجلا } يعني ~~أجل من مضى من الخلق { وأجل مسمى عنده } أجل الباقين. # والذي نقوله: ان الاجل هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولا يجوز ~~ان يكون المقدر أجلا، كما لا يجوز أن يكون ملكا، فان سمي - ما يعلم الله ~~تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش اليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لا ~~يعيش اليه. ولا يمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لو لم يقتله ~~القاتل لعاش الى وقت آخر. وكذلك ما روي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في ~~الاجل، وما روي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد في ~~آجالهم، لا يمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لما قلناه. # وقوله: { ثم أنتم تمترون } خطاب للكفار الذين يشكون في البعث والنشور. ~~احتج الله بهذه الآية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من ~~طين، ونقلهم من حال الى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون ~~بأنه لا محيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار ~~على ما يشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لا ~~بد من جزاء المسيىء والمحسن، ومثله قوله: # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم # ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا. # وقوله { وأجل مسمى عنده } رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: { ثم ~~قضى أجلا }. ### || [6.3] # قوله { وهو الله في السماوات وفي الأرض } يحتمل معنيين: # أحدهما - قال الزجاج والبلخي، وغيرهما: انه المعبود في السماوات والأرض، ~~والمتفرد بالتدبير في السماوات وفي الارض، لان ms1283 حلوله فيهما أو شيء منهما ~~لا يجوز عليه. ولا يجوز أن تقول هو زيد في البيت، والدار، وأنت تريد أنه ~~يدبرهما الا ان يكون في الكلام ما يدل على ان المراد به التدبير كقول ~~القائل: فلان الخليفة في الشرق والغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر ~~فيهما. # ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو الله وهو في السماوات وفي ~~الارض. ومثل ذلك قوله # وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله # والوجه الثاني - قال أبو علي: ان قوله { وهو الله } قد تم الكلام، وقوله ~~{ في السماوات وفي الأرض } يكون متعلقا بقوله { يعلم سركم وجهركم } في ~~السماوات وفي الارض لأن الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو ~~البشر والجن، فهم في الارض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه ~~خافية، ويقويه قوله { ويعلم ما تكسبون } أي يعلم جميع ما تعملون من ~~الخير والشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، ولا يخفى عليه شيء منها، وفي ذلك ~~غاية الزجر والتهديد. # وفي الآية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى في مكان دون مكان ~~تعالى الله عن ذلك. ### || [6.4] # في هذه الآية اخبار من الله تعالى أنه لا يأتي هؤلاء الكفار - المذكورين ~~في أول الآية - من آيات من ربهم، وهي المعجزات التي يظهرها على رسوله ~~وآيات القرآن التي كان ينزلها على نبيه (صلى الله عليه وسلم) { إلا كانوا ~~عنها معرضين } لا يقبلونها، ولا يستدلون بها على ما دلهم الله عليه من ~~توحيده وصدق رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم). ### || [6.5] # في هذه الآية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذبوا بالحق الذي أتاهم به ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) لما جاءهم بالقرآن، وسائر أمور الدين، وانه ~~سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هو ~~الذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول الله إياهم به وبنزوله بهم. # فبين أن ذلك سيحل بهم وسيقفون على صحته. ودل ذلك على أنهم كانوا ~~يستهزؤن، وان كان لم يذكره ms1284 ها هنا وذكره في موضع آخر. ومثل ذلك قول ~~القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. وانما يريد ستجازى على عملك. # وقال الزجاج: معنى { أنباء ما كانوا به يستهزؤن } أي تأويله. والمعنى ~~سيعلمون ما يؤل اليه استهزاؤهم. ### || [6.6] # قوله { ألم يروا } خطاب للغائب وتقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا ~~{ كم أهلكنا من قبلهم من قرن }. ثم قال { مكناهم في الأرض ما لم نمكن ~~لكم } فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم ~~خاطبه معهم، كما قال: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بربح طيبة # فذكر لفظ الغائب بعد خطاب المواجه. ومعنى { من قرن } من أمة. قال الحسن: ~~القرن عشرون سنة. وقال ابراهيم: اربعون سنة. وقال ابو ميسرة: هو عشر ~~سنين. وحكى الزجاج والفراء: أنه ثمانون سنة وقال قوم: هو سبعون سنة. وقال ~~الزجاج: عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل ~~العلم، قلت السنون او كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة قوله (ع): { خيركم ~~قرني } يعني أصحابي { ثم الذين يلونهم } يعني التابعين { ثم الذين يلونهم ~~} يعني تابعي التابعين. قال: وجائز أن يكون القرن جملة الامة، وهؤلاء قرن ~~فيها. # واشتقاق القرن من الاقتران. وكل طبقة مقترنين في وقت قرن، والذين يأتوا ~~بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر. # وقوله { مكناهم في الأرض } معناه جعلناهم ملوكا وأغنياء تقول مكنتك، ~~ومكنت لك واحد. # وقوله { وأرسلنا عليهم السماء مدرارا } معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا ~~من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، وما زلنا نطأ السماء حتى ~~أتيناكم، يعنون المطر. وقوله { مدرارا } يعني غزيرا دائما كثيرا. وهو ~~قول ابن عباس وأبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدرارا ~~اذا كان مطرها غزيرا حادا، كقولهم امرأة مذكار: اذا كانت كثيرة الولادة ~~للذكور، ومئناث في الاناث. ومفعال لا يؤنث، يقال: امرأة معطار ومئناث ~~ومذكار، بغير هاء. # بين الله تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم الله هذه المنافع وأجرى من تحتهم ~~الانهار، ووسع عليهم، ومكنهم في الارض، لما كفروا بنعم ms1285 الله وارتكبوا ~~معاصيه أهلكهم الله بذنوبهم، وانه انشأ قوما آخرين بعدهم. يقال: انشأ ~~فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه. وموضع (كم) نصب ب (أهلكنا)، لان لفظ ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فلذلك لا يجوز أن يكون منصوبا ب (يروا). # فان قيل: كيف قال: { أو لم يروا } والقوم كانوا غير مقرين بما أخبروا به ~~من شأن الامم قبلهم؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الآية ~~الى النظر والتدبر ليعرف بذلك ما عرفه غيره. ### || [6.7] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة ~~مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم ويدركوه بحواسهم، لانهم سألوا النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) ان يأتيهم بكتاب يقرؤونه من الله تعالى فلان بن ~~فلان أن آمن بمحمد، وانه لو أجابهم الى ذلك لما آمنوا، ونسبوه الى السحر ~~لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم وعزمهم على أن لا يؤمنون على كل حال. وعرفه أن ~~التماسهم هذه الآيات ضرب من العنت ومتى فعلوا ذلك أصطلمهم واستأصلهم، ~~وليس تقتضى المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، وعلمه بمن ~~يخرج من أصلابهم من المؤمنين وأن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلا يجوز أخترام ~~من هذه صفته - عند ابي علي والبلخي. # وقوله { إن هذا إلا سحر مبين } معناه ليس هذا الا سحر مبين. واحتج ابو ~~علي بهذه الآية على أنه متى كان في معلوم الله تعالى انه لو آتاهم الآيات ~~التي طلبوها لآمنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: ولولا ذلك كذلك لم ~~يحتج على العباد في منعه اياهم الآيات التي طلبوها أي انما منعتهم اياها ~~لأنهم كانوا لا يؤمنون، ولو آتاهم إياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. ~~وبهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، وانه يجوز ان يمنعهم الله ~~ما طلبوا وان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك ويكفرون لو منعهم اياه. ### || [6.8-9] # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا { لولا } ~~ومعناه: هلا { أنزل عليه } يعنون على ms1286 محمد { ملك } يشاهدونه فيصدقه. ثم ~~أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا ~~به، واقتضت الحكمة استئصالهم وألا ينظرهم ولا يمهلهم. وذلك بخلاف ما علم ~~الله تعالى من المصلحة على ما بيناه. # ومعنى { لقضي الأمر } أي أتم إهلاكهم وقضي على ضروب كلها ترجع الى معنى ~~تمام الشىء وانقطاعه في قول الزجاج. فمنه # قضى أجلا وأجل مسمى عنده # معناه ثم ختم بذلك وأتمه، ومنه الامر كقوله # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا اياه # الا أنه أمر قاطع ومنه الاعلام نحو قوله # وقضينا إلى بني إسرائيل # أي أعلمناهم إعلاما قاطعا. ومنه الفصل في الحكم نحو قوله # ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم # أي لفصل الحكم بينهم. ومنه قولهم قضى القاضي. ومن ذلك قضى فلان دينه، أي ~~قطع ما لغريمه عليه وأداه اليه وقطع ما بينه وبينه وكلما أحكم فقد قضي، ~~تقول قضيت هذا الثوب وهذه الدار، أي عملتها وأحكمت عملها، قال أبو ذؤيب # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقال مجاهد معنى { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } يريدون في صورته. قال ~~الله تعالى { ولو أنزلنا ملكا } في صورته { لقضي الأمر } أي لقامت الساعة ~~أو وجب استئصالهم ثم قال { ولو جعلناه ملكا لجعلناه } في صورة رجل، لان ~~أبصار البشر لا تقدر على النظر الى صورة ملك على هيئته للطف الملك وقلة ~~شعاع أبصارنا وكذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي (صلى الله عليه وسلم) في ~~صورة دحية الكلبي، وكذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة ~~الاضياف حتى قدم اليهم عجلا جسدا، لانه لم يعلم أنهم ملائكة، وكذلك لما ~~تسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان اليه. وقال ~~بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه { لجعلناه رجلا } ~~والاول أصح. # وقوله { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يقال: لبست الامر على القوم ألبسه ~~اذا شبهته عليه، ولبست الثوب البسه، وكان رؤساء الكفار يلبسون على ~~ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر ms1287 مثلكم، فقال الله تعالى { ولو ~~أنزلنا ملكا } فرأوا الملك رجلا ولم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس ~~ما يلحق ضعفائهم منهم. واللبوس ما يلبس من الثياب واللباس الذي قد لبس ~~واستعمل. # فان قيل: قوله: انه لو جعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس ~~بالاضلال والتلبيس؟ # قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لانه لم يخبر أنه لبس عليهم وانما قال لو جعلته ~~ملكا للبست ولم يجعله ملكا فاذا ما لبس، كما قال تعالى # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء # وليس يجوز عليه اتخاذ الولد ولا الاصطفاء له بحال، فسقط ما قالوه. ### || [6.10] # لما أخبر الله تعالى أنه لو أنزل الآيات التي أقترحوها وامتنعوا عند ذلك ~~من الإقرار بالله وتصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت ~~المصلحة استئصال من تقدم من الامم الماضية عند نزول الآيات المقترحة، كما ~~فعل بقوم صالح وغيرهم من أمم الانبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من ~~استمرارهم على الكفر. ومعنى (الحيق) ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله ~~كما قال: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # أي لا ترجع عاقبة مكروهه الا عليهم. والمعنى فحاق بالساخرين منهم: { ما ~~كانوا به يستهزؤن } من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحو ما نزل ~~بقوم عاد وثمود وغيرهم من الامم. وقال ابو علي: حاق وحق بمعنى واحد. ~~والمعنى انه لما نزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان ~~أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم). ### || [6.11] # أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا ~~في الارض لينظروا الى آثار تلك الامم فانها مشهورة ومتواتر خبرها معلوم ~~مساكنها واراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) والتحذير لهم من ~~ان ينزل بهم من العذاب ما نزل بالمكذبين للرسل من قبلهم. ### || [6.12-13] # أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم وموبخا على ~~كفرهم { لمن ما في السماوات والأرض } ثم امره (ع) ms1288 ان يقول لهم ان ذلك { ~~لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم } واللام لام القسم وتقديره والله ~~ليجمعنكم ولذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين. وقال الزجاج ~~يجوز أن يكون { ليجمعنكم } بدلا من الرحمة مفسرا لها، لأنه لما قال كتب ~~على نفسه الرحمة، فسر رحمته بأنه يمهلهم الى يوم القيامة. وقال الفراء: ~~يجوز أن يكون قوله { كتب على نفسه الرحمة } غاية ثم استأنف قوله { ~~ليجمعنكم... لا ريب فيه } تمام، ومعنى { كتب على نفسه الرحمة } أي كتب ~~على نفسه ألا يستأصلكم ولا يعجل عقوبتكم بل يعذر وينذر ويجمع آخركم الى ~~أولكم قرنا بعد قرن الى يوم القيامة، وهو الذي لا ريب فيه. # وفي قوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } احتجاج على من أنكر البعث ~~والنشور فقال ليجمعنكم الى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء الى ~~هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع. وقوله { الذين خسروا أنفسهم } قال الاخفش ~~{ الذين } بدل من الكاف والميم. والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين ~~خسروا أنفسهم الى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرون به. وقال الزجاج: هو في ~~موضع رفع على الابتداء وخبره { فهم لا يؤمنون } لان { ليجمعنكم } مشتمل ~~على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم. # وقوله { وله ما سكن في الليل والنهار } أي ما اشتمل عليه الليل والنهار ~~فجعل الليل والنهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لانه ليس يخرج منهما شىء ~~فجمع كل الاشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، وهذا من أفصح ما يكون من ~~الكلام. وقال النابغة: # فانك كالليل الذي هو مدركي # وان خلت ان المنتأى عنك واسع # فجعل الليل مدركا إذ كان مشتملا عليه. # وفي هذه الآية وفي التي قبلها إحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون ~~الله تعالى، فقال تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض }؟ وكانوا لا ~~يشركون بالله في خلق السماوات والارض وما بينهما احدا وانما كانوا ~~يشركون في العبادة، ويقولون: آلهتهم تقربهم الى الله زلفى، لا أنها تخلق ~~شيئا، ثم قال: { قل لله } فانهم لا ينكرون ذلك، وهو كقوله # ولئن سألتهم من خلقهم ms1289 ليقولن الله # فذكرهم ما هم به مقرون ليتنبهوا ويشهدوا بالحق ويتركوا ما هم عليه، ~~ومعنى { خسروا أنفسهم } أهلكوها باستحقاق المصير الى العذاب الاليم ~~الدائم، الذي لا ينتفعون معه بنفوسهم إذ كانوا لا يؤمنون. ومن أهلك نفسه ~~فقد خسرها. وانما قال { وله ما سكن في الليل والنهار } لان في الحيوان ما ~~يسكن في الليل، وفيه ما يسكن بالنهار وخص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر ~~من المتحرك، ولان الآية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم. ### || [6.14] # أجمع القراء على ضم الياء وفتح العين من قوله { ولا يطعم } وقرىء في ~~الشواذ بفتح الياء والعين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لا يطعمه في ~~مقابلة قوله: { وهو يطعم }. ومن فتح الياء أراد أنه نفسه لا يطعم. ~~والمعنى هو يرزق الخلق ولا يرزقه أحد. والطعمة والطعم والاطعام الرزق، ~~قال امرؤ القيس: # مطعم للصيد ليس له # غيرها كسب على كبره # وقال علقمة بن عدي: # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة # أنى توجه والمحروم محروم # ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الاطعام، كما يوضع أبدا مقابلا ~~للرزق. وقيل: إنه ذكر الاطعام، لان حاجة العباد اليه أشد، ولان نفيه عن ~~الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الاطعام لا يجوز الا على الاجسام. # والاختيار في { فاطر } الخفض لانه من صفة { الله }. والرفع، والنصب ~~جائزان على المدح. فمن رفع فعلى اضمار (هو)، وتقديره: هو فاطر السماوات ~~والارض، وهو يطعم ولا يطعم. ومن نصب فعلى معنى: اذكروا عني. # ومعنى: { فاطر السماوات والأرض } خالقهما، كما قال: # وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون # أي خلقني. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى { فاطر } حتى اختصم الي ~~اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وأصل الفطر الشق، ~~ومنه قوله تعالى: # إذا السماء انفطرت # أي انشقت. # ومعنى { فطر السماوات والارض } خلقهما خلقا قاطعا. والإنفطار، والفطور ~~تقطع وتشقق وفي الآية دلالة وحجة على الكفار، لان من خلق السماوات والارض ~~وأنشأ ما فيها، وأحكم تدبيرهما، واطعم من فيهما هو ms1290 الذي ليس كمثله شىء ~~وان الخلق فقراء اليه وهو الغني القادر القاهر، فلا يجوز لمن عرف ذلك أو ~~جعل له السبيل الى معرفته ان يعبد غيره. # وقوله { وأمرت أن أكون أول من أسلم } معناه أن أكون اول من خضع، وآمن ~~وعرف الحق من قومي، وأن اترك ما هم عليه من الشرك. ومثله قوله # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # بأنه لم يكن للرحمان ولد، يعني من هذه الامة، لأنه قد عبد الله النبيون ~~والمؤمنون قبله، ومثله قوله # سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين # ممن سألك أن تريه نفسك - بأنك لا ترى. وقول السحرة # إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين # بأن هذا ليس بسحر، وأنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، ومعنى الولي - ~~ها هنا - الإله الذي أعبده ليتولاني، ويحفظني. # وقوله: { وأمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين } أي أمرت ~~بالامرين معا: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، وألا أكون من ~~المشركين. والمعنى أمرت بذلك ونهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا ~~يكون الشىء، لانه لا يكون أمرا إلا بارادة المأمور، والارادة لاتتعلق ~~بألا يكون الشىء. وانما المراد ما قلناه: أنه كره مني الشرك. ### || [6.15] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية أن يقول لهؤلاء ~~الكفار: إنه يخاف - ان عصاه - عذابه وعقوبته في يوم عظيم وهو يوم ~~القيامة. ومعنى العظيم - ها هنا - أنه شديد على العباد، وعظيم في قلوبهم. # وفي الآية دلالة على ان من زعم أن من علم الله أنه لا يعصى فلا يجوز أن ~~يتوعده بالعذاب. وعلى من زعم أنه لا يجوز أن يقال فيما قد علم الله أنه ~~لا يكون أنه لو كان لوجب فيه كيت وكيت، لانه كان المعلوم لله تعالى أن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يعصي معصية يستحق بها العقاب يوم القيامة، ~~ومع هذا فقد توعده به. ### || [6.16] # قرأ اهل الكوفة الا حفصا، ويعقوب { من يصرف } بفتح الياء ms1291 وكسر الراء. ~~الباقون بضم الياء وفتح الراء. # وفاعل { يصرف } هو الضمير العائد الى " ربي " من قوله: { إني أخاف إن ~~عصيت ربي }. ويكون حذف الضمير العائد الى العذاب، والمعنى من يصرف الله ~~عنه، وكذلك هو في قراءة أبي. قال أبو علي: وليس حذف الضمير بالسهل لانه ~~ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة اذا عاد الى الموصول، نحو # أهذا الذي بعث الله رسولا # و # سلام على عباده الذين اصطفى ءالله # أي بعثهم الله واصطفاهم، ولا يعود الضمير المحذوف - ها هنا - الى موصول ~~ولا الى { من } التي للجزاء، وانما يرجع الى العذاب من قوله { إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم } ، وليس هذا بمنزلة قوله # والحافظين فروجهم # لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما الى المفعول، فعلم بتقدير ~~الاول أن الثاني بمنزلته. # والذي يحسن قراءة من قرأ { يصرف } بفتح المياء أن ما بعده من قوله { فقد ~~رحمه } فعل مسند الى ضمير اسم الله. فقد اتفق الفعلان في الاسناد الى هذا ~~الضمير، فيمن قرأ { يصرف } بفتح الياء. ويقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من ~~(يصرفه) لما كان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على ~~الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة. # ومن ضم الياء فالمسند اليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ~~ذكره، ويقوي ذلك قوله # ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم # ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، وفيه ضمير العذاب. وقال الزجاج: التقدير ~~من يصرف الله عنه العذاب فيمن فتح الياء. ومن ضم الياء، فتقديره من يصرف ~~عنه العذاب. ### || [6.17-18] # معنى الآية الاولى أنه لا يملك النفع والضرر الا الله تعالى أو من يملكه ~~الله ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته { فلا كاشف له إلا هو } ولا ~~يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون ولا أحد سوى الله، وأنه إن ناله بخير ~~فهو على ذلك قادر. وقوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. ~~فجعل المس لله على وجه المجاز، وهو ms1292 في الحقيقة الخير والضر، وهو مجاز في ~~الخير والضر أيضا، لانهما عرضان لا تصح عليهما المماسة. وأراد تعالى ~~بذلك الترغيب في عبادته، وحده، وترك عبادة سواه، لانه المالك للضر والنفع ~~دون غيره، وأنه القادر عليهما. والقاهر هو القادر على أن يقهر غيره. فعلى ~~هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر. وفي الناس من قال: لا يسمى قاهرا ~~الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لا يوصف تعالى فيما لم يزل بذلك. ومثل ~~قوله { فوق عباده } قوله # يد الله فوق أيديهم # والمراد أنه أقوى منهم، وأنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لا ~~يجوز عليه تعالى، لانه من صفات الاجسام. فاذا المراد بذلك أنه مستعل ~~عليهم، مقتدر عليهم. وكل شىء قهر شيئا فهو مستعل عليه، ولما كان العباد ~~تحت تسخيره وتذليله وأمره ونهيه، وصف بأنه فوقهم. وقوله { وهو الحكيم ~~الخبير } معناه أنه مع قدرته عليهم لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة، ولا ~~يفعل ما فيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالما بقبح الاشياء وبأنه غني ~~عنها. ### || [6.19] # اختلفوا في الهمزتين اذا كانت الاولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة ~~واحدة نحو (أئنك) و (أإذا) و (أإنا) و (أإفكا) فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة ~~وروح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إلا في قوله { أئنكم لتشهدون } ها هنا. ~~وفي الاعراف # أئنكم لتأتون الرجال # و # أإن لنا لأجرا # و (أاما) حيث وقع. و # أإنك لأنت يوسف # و # أإذا ما مت # وفي العنكبوت # أإنكم لتأتون الفاحشة # و # أإنا لمغرمون # في الواقعة. والاستفهامين في الرعد. وبني اسرائيل. والمؤمن. والنحل. ~~وسجدة لقمان. والصافات. والواقعة. والنازعات. وسنذكر الخلاف فيها في ~~مواضعها. الباقون بتحقيق: الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل ~~المدينة. الا ورشا، وابو عمرو، والحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن ~~هشام على الفصل في قوله { أإنا لتاركوا آلهتنا }. و { أإذا متنا } في ~~(ق). وأما قوله { أئنكم }. ها هنا فقرأه ابن عامر وأهل الكوفة الا ~~الكسائي عن أبي بكر وروح بتحقيق الهمزتين إلا أن الحلواني عن هشام يفصل ~~بينهما ms1293 بألف الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل ~~المدينة الا ورشا وأبو عمرو والكسائي عن أبي بكر. وقد روي عن الكسائي عن ~~أبي بكر أنه لا يفصل. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء الكفار { أي ~~شيء أكبر شهادة } لانهم كانوا مقرين بأنه لا شىء أكبر شهادة من الله، ~~واذا أقروا بأنه الله حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني وبينكم على ~~ما بلغتكم ونصحتكم وقررت عندكم من أن إلهكم إله واحد، وعلى براءتي من ~~شرككم. # والوقوف على قوله { قل الله } وقف تام. # وفي الآية دلالة على من قال: لا يوصف تعالى بأنه شيء. لانه لو كان كما ~~قال لما كان للآية معنى كما أنه لا يجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق؟ ~~فيجاب ب (جبرائيل) لما لم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة. # فان قيل قوله { أي شيء أكبر شهادة } تمام، وقوله { قل الله } ابتداء، ~~وليس بجواب، ولو كان جوابا كان ما بعده من قوله { شهيد بيني وبينكم } لا ~~ابتداء له ولا معنى له؟! # قيل: لسنا ننكر ذلك - الا أن هذا وان كان هكذا لولا أنه متقررا عند ~~السائل والمسؤل - ان الله شهيد - ما كان للكلام معنى، ولكان قوله: { قل ~~أي شيء أكبر شهادة } لغوا وحشوا، وذلك منزه عن كلامه تعالى. # وقوله: { لأنذركم به ومن بلغ } وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم ~~به، فقد انذرته كما انذرتكم، وهو قول الحسن رواه عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم): انه قال: # " من بلغه أني أدعو الى لا إله الا الله، فقد بلغه ". # يعني بلغته الحجة، وقامت عليه. وقال مجاهد: { لأنذركم به } يعني اهل ~~مكة. { ومن بلغ } من أسلم من العجم وغيرهم. # وقوله { آلهة أخرى } ولم يقل اخر، لان الآلهة جمع والجمع يقع على ~~التأنيث، كما قال: { ولله الأسماء الحسنى } و { قال فما بال القرون ~~الأولى } ولم يقل الاول. والشاهد: هو المبين لدعوى المدعي. قال الحسن: ~~قال المشركون لرسول الله (صلى ms1294 الله عليه وسلم): من يشهد لك؟ فنزلت هذه ~~الآية. وهي قوله: { وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به } أي اني أخوفكم به، ~~لان الانذار هو الاعلام على وجه التخويف. { ومن بلغ } يعني القرآن و (من) ~~في موضع نصب بالانذار. ثم قال موبخا { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى } ثم قال لنبيه: قل أنت يا محمد: لا أشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إله ~~واحد { وإنني برىء مما تشركون } بعبادته مع الله واتخاذه إلها. ### || [6.20] # { الذين آتيناهم الكتاب } رفع بالابتداء. وقوله { يعرفونه } خبر. وقوله ~~{ الذين خسروا أنفسهم } أيضا رفع، ويحتمل رفعه وجهين: # أحدهما - ان يكون نعتا ل { الذين } الاولى - ويحتمل ان يكون رفعا على ~~الابتداء وخبره { فهم لا يؤمنون }. فان حملته على النعت كان المعني به ~~أهل الكتاب وان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار. # وقال بعض المفسرين: ما من كافر الا وله منزلة في الجنة وأزواج فان أسلم ~~وسعد صار الى منزله وأزواجه، وان كفر صار منزله وأزواجه الى من أسلم، ~~فذلك قوله # الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون # وقوله: { الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } وهذه الآية لا بد أن ~~تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، وهم الذين عرفوا التوراة والانجيل ~~فعرفوا صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) بما كانوا عرفوه من صفاته ~~المذكورة، ودلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا ابناءهم في أنها ~~صحيحة لا مرية فيها ولم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطرارا، كما عرفوا ~~أبناءهم ضرورة على أن احدا لا يعرف أن من ولد على فراشه ابنه على ~~الحقيقة، لانه يجوز ان يكون من غيره، وان حكم بأنه ولده لكونه مولودا ~~على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) آكد من معرفتهم ~~بابنائهم لهذا المعنى. ولم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الآية. # فان قيل: كيف يصح - على مذهبكم في الموافاة - ان يكونوا عارفين بالله، ~~وبنبيه ثم يموتون على الكفر؟! # قلنا عنه جوابان: # احدهما - ان لا يكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين أعتقاد تقليد، ms1295 ~~ويعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال الله تعالى { يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم } في اعتقادهم، لا انهم يعرفونه على الحقيقة كما قال # ذق إنك أنت العزيز الكريم # يعني عند نفسك، وقومك. # الثاني - ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لا يستحق به الثواب، لانهم يكونون ~~نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لا يستحق ~~بها الثواب. وقد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى فسقط السؤال. # وقوله { الذين خسروا أنفسهم } يعني بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ~~على وجه المعاندة { فهم لا يؤمنون } وخسرانهم أنفسهم اهلاكهم لها بهذا ~~الكفر، وتصييرهم لها الى ان لا ينتفعون بها. ومن جعل نفسه بحيث لا ينتفع ~~بها فقد خسر نفسه. ### || [6.21] # أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، واخبر ~~عنه بخلاف ما اخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لا أحد أظلم لنفسه منه اذ ~~كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر ~~أن الظالم لا يفلح أي لا يفوز برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولا بالنجاة من ~~النار، لان الظلم - ها هنا هو الكفر بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) ~~وذلك لا يغفر بلا خلاف. ### || [6.22] # قرأ يعقوب { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول } بالياء فيهما. الباقون بالنون ~~فيهما من قرأ بالياء رده الى الله تعالى في قوله { على الله كذبا } ~~وتقديره: يوم يحشرهم الله فيقول. ومن قرأ بالنون ابتدأ، وتقدير الآية ~~إذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لانهم يحشرون فيه جميعا من ~~قبورهم الى موضع الحساب، وأنه يقول - للذين اشركوا بالله، وعبدوا معه ~~الها غيره - في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي؟! وأين ~~شركائي في زعمكم؟! وإنما يقول هذا توبيخا لهم وتبكيتا على ما كانوا ~~يدعون أنهم يعبدونه من الاصنام والاوثان، ويعتقدون أنها شركاء لله، وأنها ~~تشفع لهم، يوم القيامة، فاذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، ولم ينتفعوا ~~بهذه الاوثان ولا بعبادتهم، فيعلمون أنهم ms1296 كانوا كاذبين في أقوالهم. ### || [6.23-24] # قرأ حمزة والكسائي والعليمي، ويقعوب { ثم لم يكن } بالياء. الباقون ~~بالتاء. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص الا ابن شاهين { فتنتهم } ~~بالرفع. الباقون بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وخلف { والله ربنا } بنصب ~~الباء. الباقون بكسرها. # من قرأ بالتاء ورفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. وتكون (أن) في موضع نصب. ~~وتقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم. وقد روى شبل عن ابن كثير { تكن } ~~بالتاء { فتنتهم } نصبا مثل قراءة نافع وأبي عمرو عن عاصم. ووجهه انه ~~أنث { أن قالوا } لما كان الفتنة في المعنى، كما قال # فله عشر أمثالها # فأنث لما كانت الامثال في المعنى الحسنات. ومثله كثير في الشعر، قال ~~ابو علي والاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ. ويقوي قراءة من ~~قرأ: { فتنتهم } بالنصب أن قوله { أن قالوا } أن يكون الاسم دون الخبر ~~أولى لان (أن) اذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن ~~المضمر اذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الا سم أحسن، كذلك اذا كانت (أن) ~~مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى. # ومن قرأ { والله ربنا } - بكسر الباء - فعلى جعل الاسم المضاف وصفا ~~للمفرد، لان قوله (والله) جربوا ولاقسم. ولو أسقطت لقال: (الله) بالنصب ~~ومثله قولهم: رأيت زيدا صاحبنا وبكرا جارك، ويكون قوله { ما كنا مشركين ~~} جواب القسم. # ومن نصب الباء يحتمل أمرين: # احدهما - أن ينصبه بفعل مقدر، وتقديره: اعني ربنا. # والثاني - على النداء. ويكون قد فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم ~~عليه بالنداء، وذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. وقد حال الفصل ~~بين الفعل ومفعوله في قوله: # إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك # والمعنى آتيتهم أموالا ليضلوا ولا يؤمنوا وقد جاء الفصل بين الصلة ~~والموصول، وهو اشدها قال الشاعر: # ذاك الذي وأبيك يعرف مالك # والحق يدفع ترهات الباطل # وقال ابو عبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها ونصب { فتنتهم } أضمر ~~في (يكن) إسما مؤنثا ثم يجيىء بالتاء ms1297 لذلك الاسم، وانما جعله مؤنثا ~~لتأنيث (فتنة) قال لبيد: # فمضى وقدمها وكانت عادة # منه اذا هي عودت أقدامها # فأنث الاقدام لتأنيث (عادة). وقوله: { ثم لم تكن فتنتهم } أي لم تكن ~~بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم. # ومعنى الآية: أنه تعالى لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين ~~بشركهم، أعلم النبي (صلى الله عليه وسلم) أن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم ~~عليه لم يكن الا أن تبرءوا منه، وقالوا انهم ما كانوا مشركين، كما يقول ~~القائل اذا رأى إنسان انسانا يحب غاويا فاذا وقع في هلكة تبرأ منه ~~فيقول له ما كانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه. # فان قيل: كيف قالوا وحلفوا أنهم ما كانوا مشركين - وقد كانوا مشركين - ~~وهل هذا إلا كذب، والكذب قبيح ولا يجوز من أهل الآخرة أن يفعلوا قبيحا، ~~لانهم ملجؤن الى ترك القبيح، لانهم او صح لم يكونوا ملجئين وكانوا ~~مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، وإلا أدى الى اغرائهم ~~بالقبيح وذلك لا يجوز، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين ولوجب ~~أن يتناولهم الوعد والوعيد، وذلك خلاف الاجماع، وقد وصفهم الله تعالى ~~أيضا بأنهم كذبوا على انفسهم، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن ~~أن يرفع ذلك؟ وما الوجه فيه؟ # والجواب عن ذلك من وجوه: # احدها - ما قاله البلخي: إن القوم كذبوا على الحقيقة، لانهم كانوا ~~يعتقدون أنهم على الحق، ولا يرون أنهم مشركون، كالنصارى ومن أشبههم، ~~فقالوا في الموقف ذلك. وقيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم ~~كانوا على باطل فيقولوا { والله ربنا ما كنا مشركين } وهم صادقون عند ~~أنفسهم وكذبهم الله في ذلك، لان الكذب هو الاخبار بالشىء لا على ما هو ~~به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } كذبا في الحقيقة جاز أن يقال لهم { أنظر كيف كذبوا على أنفسهم ~~}. قال البلخي: ويدل على ذلك قوله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب ~~عنهم وأغفلوه، لانهم لم يكونوا ms1298 نظروا نظرا صحيحا ولم يجاروا في نظرهم ~~الالف والعادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، ولو صاروا الى العذاب ~~لعلموا أنهم كانوا مشركين، واستغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر. ~~وقيل: الجزاء بدلالة أول الآية. وقال مجاهد: قوله { أنظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم } تكذيب من الله إياهم. # وقال الجبائي: قولهم { والله ربنا ما كنا مشركين } اخبار منهم أنهم لم ~~يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لانهم كانوا يظنون انهم على ~~الحق، فقال الله تعالى مكذبا لهم { انظر } يا محمد { كيف كذبوا على ~~أنفسهم } في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الآخرة، لانهم كانوا مشركين ~~على الحقيقة، وان اعتقدوا أنهم على الحق. وقوله: { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم: ~~إنها شفعاؤنا عند الله غدا، فذهبت عنهم في الآخرة فلم يجدوها، ولم ~~ينتفعوا بها. # وقال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش، لانهم يصيرون ~~كالصبيان الذين لا تمييز لهم ولا تحصيل معهم - اختاره أحمد ابن علي بن ~~الاخشاد. وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم ~~فيها، وهذا بعيد. والوجهان الاولان أقرب. # وقيل فيه وجه آخر، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على ما ~~أرادوا، لان من عادة الناس أنهم اذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا ~~وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، وظنوا أن عذاب الآخرة كذلك، ~~فقالوا: { والله ربنا ما كنا مشركين } وقالوا # ربنا ظلمنا أنفسنا # وقالوا # ربنا غلبت علينا شقوقنا # و # قالوا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا # فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف ~~ولم يكن لهم فيه راحة، فقال الله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } أي خابوا ~~فيما أملوا من سهولة العذاب وذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر: # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها # مراغمة ما دام للسيف قائم # وقال آخر: # كذبتم وبيت الله لا تنكحونها # بني شاب ms1299 قرناها تصرو تحلب # أي كذبكم أملكم. وقال ابو داود الازدي: # قلت لما نصلا من فتنة # كذب العير وان كان برح # والمعنى أمل أنه يتخلص بشىء فكذبه أمله، لانه ظن أنه اذا مر بارحا وهو ~~أن يأخذ في ناحية الشمال الى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب ~~رمحه وطعنه قال: كذب العير أي كذب أمله. # و (الفتنة) في الآية معناها المعذرة - في قول قتادة - لانها اعتذار عن ~~الفتنة، فسميت بأسم الفتنة. وقال قوم: هي المحنة. وقال قوم: تقديره عاقبة ~~فتنتهم. وفتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب وظنوا ~~أنه سينجيهم، وكذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته اليهم صار عليهم وان ~~قصدوا أن يكون لهم. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان الله تعالى ~~أخبر عنهم أنهم قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } فلا يخلو أن يكونوا ~~صادقين أو كاذبين، فان كانوا صادقين لانهم كانوا عارفين في دار الدنيا ~~فقد كذبهم الله في ذلك بقوله { انظر كيف كذبوا } وان كانوا كاذبين لانهم ~~كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الآخرة، وذلك لا يجوز. ومعنى الآية ~~على ما بيناه من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار ~~الدنيا وان الله كذبهم وأنهم كانوا كاذبين على الحقيقة وان أعتقدوا خلافه ~~في الدنيا. فأما معارفهم في الآخرة فضرورية عند البصريين، وعند البلخي ~~ومن وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤن اليها، فعلى الوجهين معا لا يجوز أن ~~يقع منهم القبيح لا محالة. ### || [6.25] # قال مجاهد قوله { ومنهم من يستمع إليك } يعني قريشا. وقال البلخي: أي من ~~أهل الكتاب والمشركين من يجالسك ويريد الاستماع منك والاصغاء اليك { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة } لانهم لا يفقهوه، لألفهم الكفر وشدة عداوتهم { ~~حتى إذا جاءوك يجادلونك } أي حتى اذا صار الامر الى الجدال أظهروا الكذب ~~وعاندوا، فقالوا { إن هذا إلا أساطير الأولين } أي ليس هذا إلا أساطير ~~الاولين. وقال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة. وقال الضحاك: ms1300 معنى ~~أساطير الاولين أحاديث الاولين وكل شىء في القرآن أساطير، فهو أحاديث. # و (الاكنة) جمع كنان - بكسر الكاف - وهو كالغطاء والاغطية { وفي آذانهم ~~وقرا } أي ثقلا، والوقر بكسر الواو الحمل، يقال وقرت الاذن لوقر قال ~~الشاعر: # وكلام سيىء قد وقرت # أذني منه وما بي من صمم # ونخلة موقرة وموقر، ونخيل مواقير. قال يونس سألت رؤبة، فقال وقرت أذنه - ~~بضم الواو وكسر القاف - يوقر - بفتح الياء والقاف - اذا كان فيها الوقر. ~~وقال أبو زيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة - بضم الميم وفتح القاف - ومن ~~الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. ومن السمع وقرت سمعه - بتشديد القاف ~~- فهو موقر، قال الشاعر: # ولي هامة قد وقر الضرب سمعها # واساطير واحدها أسطورة، وإسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز: # اني وأسطار سطرن سطرا # لقائل يا نصر نصرا نصرا # وأسطار جمع سطر. ومن قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، وجمع الجمع ~~أساطير، ومعناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام. وقال الاخفش: أساطير ~~جمع لا واحد له، نحو (مذاكير وأبابيل) وقال بعضهم: واحد الابابيل إبيل - ~~بتشديد الباء وكسر الالف -. # ومعنى قوله: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } قد مضى نظائره. في ~~قوله: # وجعلنا قلوبهم قاسية # أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين وتبعثهم على الازدياد من الطاعة، ~~لان الله تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء والبيان والانذار والترغيب ~~والترهيب فأبوا الا كفرا وعنادا وتمردا على الله وإعراضا عنه وعما ~~دعاهم اليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لا ينتفعون بذلك ولا ~~ينتهون الى الحق، وألفوا الكفر وأحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق وصارت ~~قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة وفي ~~آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك اذا ترك استعماله حتى ~~يصدي، وجعلت أظافيرك سلاحا اذا لم يقلمها. ويقال للرجل اذا آيس من عبده ~~أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه واقصاه قد جعلته بحيث لا يفلح أبدا ~~وتركته أعمى أصما، وجعلته ثورا وحمارا، وان كان ms1301 لم يفعل به شيئا من ~~ذلك ولم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك ~~أنه كلفهم ما لا يطيقونه، وذلك لا يليق بحكمته تعالى، ولكانوا غير ملومين ~~في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، وكانوا ممنوعين منه، وكانت الحجة لهم ~~على الله تعالى دون أن تكون الحجة له، وذلك باطل، بل لله الحجة البالغة. # قوله { وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها } أي كل علامة ومعجزة تدلهم على ~~نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لا يؤمنون بها لعنادهم. قال الزجاج { أن ~~يفقهوه } في موضع نصب لانه مفعول له، والمعنى جعلنا على قلوبهم أكنة ~~لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، ولما حذفت الكراهة أنتقل ~~نصبها الى (أن). قال أبو علي: كانوا اذا سمعوا القرآن من النبي آذوه ~~ورجموه وشغلوه عن صلاته، فحال الله بينهم وبين استماع ذلك في تلك الحال ~~التي كانوا عازمين فيها على ما ذكرناه بأن ألقى عليهم النوم اذا قعدوا ~~يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراءته ولا يفقهون أنه قرآن، ولا ~~يعرفون مكانه ليسلم النبي (صلى الله عليه وسلم) من شرهم وأذاهم فجعل منعه ~~إياهم عن استماع القرآن، وعن التعرف لمكان النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~لئلا يرجموه ولا يؤذوه { أكنة أن يفقهوه } أنه قرآن وأن محمدا هو الذي ~~يقرأه. وبين أن كل آية يرددها عليهم النبي (صلى الله عليه وسلم) من قبل ~~الله لا يؤمنون بها، فلهذا منعهم الله من إستماع القرآن، لانهم لم ~~يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد الله وصحة نبوة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) وانما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه ويرجموه، فلهذا ~~منعهم الله من استماع القرآن وفهمه ولو كانوا ممن يؤمن ويقبل ما يردد ~~عليه من الآيات من قبل الله ويستدلوا بها على نبوة محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) ما كان الله يمنعهم من سماع ذلك وفهمه. # وقوله { حتى إذا جاءوك يجادلونك } يعني أنهم اذا دخلوا اليه بالنهار ~~انما يجيئون مجيىء مخاصمين مجادلين ms1302 رادين مكذبين، ولم يكونوا يجيئون ~~مجيىء من يريد الرشاد والنظر في الدلالة الدالة على توحيد الله ونبوة ~~نبيه (صلى الله عليه وسلم) وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير ~~الاولين، يعنون إنه من كلام الاولين وحوادثهم. وفي معنى هذه الآية قوله ~~تعالى في بني اسرائيل: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا # فمعنى الآيتين واحد وسبب نزولهما واحد، وانما أنزلت هذه الآيات لئلا ~~يمتنع النبي من قراءة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه ~~فيغتمون لذلك وتفوتهم مصلحته بل حثه الله على قراءته وضمن له المنع من ~~أذاهم. # وقوله: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } كالتعليل لجعله قلوبهم في ~~أكنة، والوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لا يؤمنون ~~وأنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرق الاذى به عليك منهم، وقولهم { إن هذا ~~إلا أساطير الأولين }. # وتحتمل الآية وجها آخر وهو: أنه يعاقب الكفار الذين لا يؤمنون بعقوبات ~~يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، ويجعل هذه ~~العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم واستماعهم من الملائكة، وشاهد منها هذه ~~العقوبات، على أنهم لا يؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين ~~الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن وبمنزلة ~~الوقر في الآذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزا واستعارة. ووجه الشبه ~~بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لا يؤمن كما أن من على ~~قلبه أكنة لا يؤمن، وكما سمي الكفر عما، سماه باسم العمى على وجه ~~التشبيه. # ويحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد الله وجحد نبوة ~~نبيه، سماه كنا تشبيها ومجازا، وإعراضهم عن تفهم القرآن والاصغاء اليه ~~على وجه الاستعارة وقرا توسعا، لان مع الكفر والاعراض لا يحصل الايمان ~~والفهم كما أن مع الكن - والوقر لا يحصلان، ونسب هذا الجعل الى نفسه، ~~لانه الذي شبه ms1303 أحدهما بالآخر وذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره - ~~اذا أثنى على إنسان وذكر فضائله ومناقبه - جعلته فاضلا خيرا عدلا، وان ~~كان لم يفعل به ذلك. وبالعكس من ذلك اذا ذكر مقابحه ومخازيه وفسقه يحسن ~~أن يقال له: جعلته فاسقا شريرا، وان لم يفعل في الحالين شيئا من ذلك ~~وكل ذلك مجاز. ومنه قولهم: جعل القاضى فلانا عدلا وجعله ثقة وجعله ساقطا ~~فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والابانة عن حاله كما قال الشاعر: # جعلتني باخلا كلاب ورب معنى # اني لأسمح كفا منك في اللزب # أي سمتني باخلا. وقوله { ومنهم من يستمع إليك.. } فكنى عنها بلفظ الواحد ~~حملا له على اللفظ، فلما قال { وجعلنا على قلوبهم أكنة } رده الى المعنى ~~فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد وعلى الجمع حقيقة. ### || [6.26] # وقوله { وهم } كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين: ~~الجبائي والبلخي وغيرهم. وقال قوم: نزلت في أبي لهب، لانه كان يتبعه في ~~المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن اتباعه. والاول أشبه بسياق الآية. ~~وقيل: نزلت في أبي طالب، وهذا باطل عندنا، لانه دل الدليل على إيمانه ~~بما ثبت عنه من شعره المعروف وأقاويله المشهورة الدالة على أعترافه ~~بالنبي (صلى الله عليه وسلم). وقال مجاهد: نزلت في قريش. # بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع ~~القرآن، وقبوله والتصديق بنبوة نبيه، ويبعدون عنه، لان معنى (ينأون) ~~يبعدون الى حيث لا يسمعونه خوفا من أن يسبق الى قلوبهم الايمان به ~~والعلم بصحته. # وقوله { وإن يهلكون إلا أنفسهم } معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم { وما ~~يشعرون } انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله، وبعدهم عنه { إلا أنفسهم } ~~لانهم لا يعلمون اهلاكهم اياها بذلك وإهلاكهم اياهاهو ما يستحقون به ~~الصيرورة الى العذاب الابدي في النار. وهل هناك هلاك أعظم من ذلك؟!. ~~والنأي: البعد " ينأون " أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشىء أنأى نأيا، ~~اذا بعدت عنه. والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف ms1304 لان لا يدخله الماء ~~من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع ~~التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن ~~البيت. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة، وأن من لا يعرف ~~الله ولا يعرف نبيه لا حجة عليه، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا ~~أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لا يشعرون ولا يعلمون ~~باهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لا يعرف الله ولا نبيه ولا دينه لا حجة ~~عليه، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف ما نطق به ~~القرآن. ### || [6.27] # قرأ حمزة ويعقوب وحفص { ولا نكذب.. ونكون } بالنصب فيهما، وافقهم ابن ~~عامر في { ونكون } الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع أحتملت قراءته ~~أمرين: # أحدهما - ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: { نرد ولا نكذب.. ونكون } ~~داخلا في التمني ويكون قد تمني الرد وألا يكذب وأن يكون من المؤمنين، وهو ~~اختيار البلخي والجبائي والزجاج. # والثاني - أن يكون مقطوعا عن الاول، ويكون تقديره يا ليتنا نرد ولا نكذب ~~كما يقول القائل: دعني ولا أعود، أي فأني ممن لا يعود، فانما يسألك ~~الترك، وقد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. ولم يقصد أن يسأل أن ~~يجمع له الترك وأن لا يعود. وهذا الوجه الذي اختاره أبو عمرو في قراءة ~~جميع ذلك بالرفع، فالاول الذي هو الرد داخل في التمني وما بعده على نحو ~~دعني، ولا أعود، فيكونون قد أخبروا على النيات أن لا يكذبوا ويكونوا من ~~المؤمنين. # واستدل أبو عمرو على خروجه من المتمني بقوله { وإنهم لكاذبون } فقال ~~ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم يتمنوا، لان التمنى لا يقع ~~فيه الكذب وانما يقع في الخبر دون التمني. # ومن نصب { نكذب.. ونكون } أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو ~~كالاستفهام والامر والنهي والعرض، في إنتصاب ما بعد ذلك كله من الافعال ~~اذا دخلت عليها الفاء ms1305 أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، ~~كأنه قال: يا ليتنا يكون لنا رد، وانتفاء للتكذيب وكون من المؤمنين. # ومن نصب " نكون " فحسب، ورفع { نرد ولا نكذب } يحتمل أيضا وجهين: # احدهما - أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب. # والثاني - انه يخبر على النيات أن لا يكذب رد أو لم يرد. # ومن نصب { ولا نكذب.. ونكون } جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من ~~رفع وعطفه على التمني كان كذلك. فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد الى ~~الدنيا وقد علموا عند ذلك انهم لا يردون؟ # قيل عن ذلك أجوبة: # احدها - قال البلخي: إنا لا نعلم أن أهل الآخرة يعرفون جميع أحكام ~~الآخرة، وانما نقول: انهم يعرفون الله بصفاته معرفة لا يتخالجهم فيها ~~الشك لما يشاهدونه من الآيات والعلامات الملجئة لهم الى المعارف. وأما ~~التوجع والتأوه التمني للخلاص والدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم وأن ~~تدعوهم أنفسهم اليه. وقال أبو علي الجبائي والزجاج: يجوز أن يقع منهم ~~التمني للرد، ولان يكونوا من المؤمنين، ولا مانع منه. وقال آخرون: التمني ~~قد يجوز لما يعلم انه لا يكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لا يكون فعل ~~ما قد فعله ومضى وقته، وهذا لا حيلة فيه، فعلى هذا قوله في الآية الثانية ~~{ وإنهم لكاذبون } يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كما قال: # وكلبهم باسط ذراعيه # وكما قال # وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة # وانما هو حكاية للحالة الآتية. # وقوله { ولو ترى إذ وقفوا على النار } أمال فى الموضعين أبو عمرو وغيره ~~وهي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة وهو حرف كأنه مكرر ~~في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة. وقوله { إذ ~~وقفوا } يحتمل ثلاثة أوجه: # احدها - أن يكون عاينوها ووردوها قبل ن يدخلوها. ويجوز أن يكونوا أقيموا ~~عليها نفسها. # والثاني - أن يكونوا عليها وهي تحتهم. # وثالثها - أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل: ~~قد وقفت على ما عند فلان، أي ms1306 فهمته وتبينته. قال الكسائي: يقال: وقفت ~~الدابة وغيرها اذا حبستها - بغير ألف وهي لغة القرآن، وهو الافصح، وكذلك ~~وقفت الارض اذا جعلتها صدقة. وقال أبو عمرو ما سمعت احدا من العرب يقول: ~~أوقفت الشىء بالالف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك ها هنا ~~لرأيته حسنا. # وأستدل أبو علي بهذه الآية على ان القدرة قبل الفعل خلافا للمجبرة بأن ~~قال تمنوا الرد الى دار الدنيا الى مثل الحالة التي كانوا عليها، ولا ~~يجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد الى الدنيا ويخلق فيه القدرة الموجبة ~~للكفر، لان ذلك لا يخلصه من العذاب بل يؤديه الى حالته التي كان عليها. ~~وهذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد ورفع التكذيب وحصول ~~الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، ولا تحصل لهم قدرة التكذيب، وليس في ~~الآية أنهم سألوا الرد الى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك. ~~واستدل ايضا على أنه اذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته ~~بأن قال: أخبر الله أنه انما لم يردهم لانهم { لو ردوا لعادوا لما نهو ~~عنه } وظاهر ذلك يقتضى أنه لو علم أنه لو ردهم لآمنوا، لوجب أن يردهم، ~~واذا وجب أن يردهم اذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم اذا علم أنهم ~~يؤمنون أولى. وهذا أيضا ضعيف. لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه، وليس فيه أنهم لو ردوا لآمنوا أو ما حكمهم بل هو موقوف على ~~الدلالة، لانه دليل الخطاب على أن غاية ما فيه أنه يفيد أنه لو علم من ~~حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟! وهل هذا الا ~~كقوله { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } في أنه لا خلاف بين أهل العدل ~~أنه كان يجوز له أن يعذب وان لم يبعث رسولا بأن لا تقتضي المصلحة بعثته ~~ويقتصر بهم على التكليف العقلي، فانهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا ~~شبهة في الآية. ### || [6.28] ms1307 # قوله { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } معناه من عقاب الله فعرفوه ~~معرفة من كانوا يسترونه عنه. وقال قوم: بدا لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم ~~يخفونه عن جهالهم وضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم. وقيل: ~~معناه بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه، فأظهره الله وشهدت به جوارحهم. ~~وقال الزجاج: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه من أمر البعث ~~والنشور، لان المتصل بهذا قوله { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما نحن بمبعوثين } لنجزى على المعاصى. # وقوله: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } قال بعضهم: لو ردوا ولم ~~يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب الى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم الى ~~الارتداع، وهذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا ويعلموا أمر ~~القيامة ويعاينوا النار بدلالة قوله: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ~~وهذه الآيات كلها في المعاندين، لانه قال في أولها { الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ثم قال بعد ذلك { وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها } وقال ابو علي الجبائي: الآية مخصوصة بالمنافقين وظهر لهم ~~ما كانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال والآية الاولى وان كان ~~ظاهرها يقتضي جميع الكفار والمنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم ~~بهذا الحكم. قال: ويحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي ~~يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك والخوف وأخفوه ~~عن ضعفائهم وعوامهم، فاذا كان يوم القيامة ظهر ذلك وان أخفوه في الدنيا ~~فيتمنون حينئذ الرد الى حال الدنيا. وقيل: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون ~~من قبل } معنى { يخفون } يجدونه خافيا. ومعنى { بل بدا } ليس تمنيهم ~~الرجعة واظهار الانابة حقا للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب ~~الاليم. # وقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } معناه إنهم لو ردوا الى حال ~~التكليف والى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان ~~والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ما كانوا عليه ms1308 من الكفر الذي نهوا ~~عنه. وقوله تعالى { وإنهم لكاذبون } قد بينا ان المراد به الحكاية عن ~~حالهم في الدنيا وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله ~~والقرآن. وقال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذبا، ~~لانهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. وقد علم الله أنهم لو ~~عادوا الى الدنيا لعادوا الى كفرهم، وكان إخبارهم بذلك كذبا، وان لم ~~يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ما أخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف، لانهم ~~اذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لا يكونون ~~كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، وهو على ما أخبروا فكيف يكذبون فيه، ~~والاول أقوى. # فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلا خلاف بين أبي علي وأبي القاسم ~~أنه لا يجوز أن يقع منهم في الآخرة، لان أهل الآخرة ملجؤن الى ترك ~~القبيح، لانهم لو لم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح ~~بالامر والنهي والثواب والعقاب، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، ولا خلاف ~~أنه ليس هناك تكليف. وإن لم يزجروا ولم يلجؤا الى تركه كانوا مغريين ~~بالقبيح وذلك فاسد. فاذا لا يجوز أن يقع منهم القبيح بحال. # وقال بعض المفسرين # " سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) فقيل له: ما بال أهل النار عملوا في ~~عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير ~~بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة؟! فقال: " ان الفريقين كان كل واحد منهما ~~عازما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك " ". ### || [6.29-30] # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن الكفار الذين ذكرهم في الآية الاولى، ~~وبين أنهم قالوا لما دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) الى الايمان ~~والاقرار بالبعث والنشور وخوفهم من العقاب في خلافه، وحذرهم عذاب الآخرة ~~والحشر والحساب على سبيل الانكار لقوله والتكذيب له { ما هي إلا حياتنا ~~الدنيا } وعنوا أنه لا حياة لنا في الآخرة على ما ذكرت، وانما هي هذه ~~حياتنا ms1309 التي حيينا بها في الدنيا وانا لسنا بمبعوثين الى الآخرة بعد ~~الموت. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال { ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم } يعني على ما وعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الآخرة ~~والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وعرفوا صحة ما كان اخبرهم به من الحشر ~~والحساب. وقال لهم ربهم عند مشاهدتهم ووقوفهم عليه { أليس هذا بالحق؟ ~~قالوا بلى وربنا } مقرين بذلك مذعنين له وان كانوا قبل ذلك في الدنيا ~~ينكرونه، قال حينئذ { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بذلك. ويحتمل أن ~~يكون معنى { إذ وقفوا على ربهم } أنهم حبسوا ينتظر بهم ما يأمر كقول ~~القائل: احبسه على أمره به. وقد ظن قوم من المشبهة أن قوله { إذ وقفوا ~~على ربهم } أنهم يشاهدونه، وهذا فاسد، لان المشاهدة لا تجوز الا على ~~الاجسام أو على ما هو حال في الاجسام، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلا يجوز ~~أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث. وقد بينا أن المراد بذلك: وقوفهم على ~~عذاب ربهم وثوابه، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون ~~المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته، فبطل ما ظنوه، وايضا فلا خلاف أن الكفار ~~لا يرون الله، والآية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون المراد بها ~~الرؤية! فلا بد للجمع من التأويل الذي بيناه. ويجوز ان يكون المراد بذلك ~~اذا عرفوا ربهم، لانه سيعرفهم نفسه ضرورة في الآخرة، وتسمى المعرفة ~~بالشىء وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، والمعنى علمته، ~~واذا كان الكفار لا يعرفون الله في الدنيا وينكرونه، عرفهم الله نفسه ~~ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فاذا عرفوه قال لهم { أليس هذا بالحق } ~~يعني ما وعدهم به، فيقولون { بلى } لانهم شاهدوا العقاب والثواب ولم ~~يشكوا فيهما. ### || [6.31] # اخبر الله تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار { الذين كذبوا بلقاء الله } يعني ~~الذين كذبوا بما وعد الله به من الثواب والعقاب وجعل لقاءهم لذلك لقاء له ~~تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد ms1310 لقي الله وصار اليه. ~~وانما يعنون: لقي ما يستحقه من الله وصار الى الموضع الذي لا يملك الامر ~~فيه سواه، كما قال # ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون # والموت لا يشاهد، وانما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا ~~أسبابه، فقد رأيتم أسبابه وانتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاءه. # وقوله { حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة } كل شىء أتى فجأة، فقد بغت يقال: ~~قد بغته الامر يبغته بغتا وبغتة اذا أتاه فجأة قال الشاعر: # ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة # وافظع شىء حين يفجؤك البغت # وقوله { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } قد علم أن الحسرة لا تدعى ~~وانما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما ~~يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد. قال الزجاج: العرب اذا اجتهدت ~~في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ما ~~ينبه، والمنبه به غيره، كقوله # يا حسرة على العباد # وقوله # يا حسرتى على ما فرطت # و # يا ويلتا أألد وأنا عجوز # و # يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا # ، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد وابلغ من ان يقول: الحسرة ~~علينا في تفريطنا. قال سيبويه: اذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر وتعال يا ~~عجب، فانه من أزمانك. وتأويل { يا حسرتنا } انتبهوا على أنا قد خسرنا. ~~وقوله { على ما فرطنا فيها } يعني قدمنا العجز. وقيل معناه ما ضيعنا فيها ~~يعني في الساعة. وانما يحسروا على تفريطهم في الايمان والتأهب لكونها ~~بالاعمال الصالحة. # وقوله { وهم يحملون أوزارهم } يعني ثقل ذنوبهم، وهذا مثل جائزان يكون ~~جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، لان الثقل قد يستعمل في ~~الوزن وقد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، ومعناه ~~كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. ويحتمل أن يكون المراد بالاوزار العقوبات ~~التي استحقوها بالذنوب والعقوبات قد تسمى اوزارا، فبين أنه لثقلها عليهم ms1311 ~~يحملونها على ظهورهم. وذلك يدل على عظمها. و (الوزر) الثقل في اللغة ~~واشتقاقه من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به. ومنه قيل: وزير، كأنه يعتصم ~~الملك به، ومنه قوله # واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي # وقال # وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا # وقوله { ألا ساء ما يزرون } يعني بئس الشىء شيئا يزرونه أي يحملونه، وقد ~~بينا عمل (بئس، ونعم) فيما مضى. ومثله # ساء مثلا القوم # ومعناه ساء مثلا مثل القوم. وقال بعضهم: معنى { يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم } وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم وعجزهم عن عبور ~~الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين. ومعنى قوله { ألا ساء } ما ينالهم ~~جزاء لذنوبهم واعمالهم الردية اذ كان ذلك عذابا ونكالا. # وقوله { يزرون } من وزر يزر وزرا اذا أثم. وقيل أيضا، وزر، فهو موزور ~~اذا فعل به ذلك. ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن # " أرجعن موزورات غير مأجورات " # والعامة تقول ما زورات. ### || [6.32] # قرأ ابن عامر { ولدار الآخرة } بلام واحدة مع تخفيف الدال. وخفض { ~~الآخرة } على الاضافة. الباقون بلامين وتشديد الدال وضم الآخرة. وقرأ اهل ~~المدينة وابن عامر وحفص ويعقوب { تعقلون } بالتاء ها هنا وفي (الاعراف ~~ويوسف) وافقهم يحيى والعليمي في (يوسف). ومن قرأ بلامين وشدد الدال جعل { ~~الآخرة } صفة ل { وللدار } ، وأجراها في الاعراب مجراها. واستدل على ~~كونها صفة { للدار } بقوله: # وللآخرة خير لك من الأولى # فاقامتها مقامها يدل على أنها هي وليس غيرها. فيجوز أن يضيف اليها، ~~وقووا ذلك بقوله # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # وقوله # تلك الدار الآخرة # ومن قرأ بلام واحدة وخفف الدال فانه لم يجعل { الآخرة } صفة (للدار) لان ~~الشىء لا يضاف الى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة ~~الآخرة، وجاز وصف الساعة ب { الآخرة } كما وصف اليوم بالآخر في قوله: # وارجوا اليوم الآخر # وحسن اضافة (الدار) الى الآخرة ولم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام ~~الموصوف، لان الآخرة صارت كالابطح والابرق، ألا ترى أنه قد جاء # وللآخرة خير لك من ms1312 الأولى # واستعملت استعمال الاسماء ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال ~~الآخرة. ومثل { الآخرة } في انها استعملت استعمال الاسماء قولهم: الدنيا، ~~لما استعملت استعمال الاسماء حسن أن لا تلحق لام التعريف في نحو قول ~~الشاعر: # في سعي دنيا طال ما قد مدت # وقال الفراء: جعلت (الدار) ها هنا اسما و (الآخرة) صفتها، وأضيفت في غير ~~هذا الموضع. ومثله مما يضاف الى مثله قوله: # حق اليقين # والحق هو اليقين، ومثله قولهم بارحة الاولى، ويوم الخميس، فيضاف الشىء ~~الى نفسه اذا اختلف اللفظ، واذا اتفق لم يجز ذلك، لا يقولون حق الحق ولا ~~يقين اليقين، لانهم يتوهمون اذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في ~~المعنى. # بين الله تعالى في هذه الآية أن ما يتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب ~~واللهو، اللذين لا عاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في ~~أدنى مدة وأسرع زمان، لانه لا ثبات لهما ولا بقاء، فأما الاعمال ~~الصالحات، فهي من أعمال الآخرة وليست بلهو ولا لعب. وبين ان الدار الآخرة ~~وما فيها من أنواع النعيم والجنان خير للذين يتقون معاصى الله، لانها ~~باقية دائمة لا يزول عنهم نعيمها ولا يذهب عنهم سرورها. # وقوله { أفلا تعقلون } أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا ~~ويرغبوا في نعيم الآخرة بفعل ما يؤديهم اليه من الاعمال الصالحة. # ومن قرأ { يعقلون } بالياء، فلأنه قد تقدم ذكر الغيبة في قوله { للذين ~~يتقون } والتقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الآخرة خير لهم من هذه ~~الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. # ومن قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به. # والعقل هو الامساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها على الحسن والحجا أيضا ~~احتباس وتمكث، قال الشاعر: # فهن يعكفن به اذا حجا # وانشد الاصمعي # حيث يحجا مطرق بالفالق # حجا أقام بالمكاره، والحجا مصدر كالشبع، ومنه الحجيا اللغز للتمكث الذي ~~يلقى عليه حتى يستخرجها. قال ابو زيد: جمع حجى حجيات، فجاءت الحجيا مصغرة ~~كالثريا والجديا، والنهى يحتمل أن يكون جمعا ms1313 بدلالة قوله # لأولي النهى # لانه اضافه الى الجمع. ويجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، وهو في معنى ~~ثبات، وحسن. ومنه النهي، والنهى والتنهية للمكان الذي ينتهي اليه الماء ~~فينتقع فيه لتسفله ويمنعه ارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه ~~الارض. ### || [6.33] # قرأ نافع والكسائي والاعشى الا النفار { لا يكذبوك } بسكون الكاف وتخفيف ~~الدال، وهو المروي عن علي (ع) وعن ابي عبد الله (ع). الباقون بفتح الكاف ~~وتشديد الذال من التكذيب. وقرأ نافع { إنه ليحزنك } بضم الياء وكسر ~~الزاي. الباقون بفتحها وضم الزاي. قال ابو علي الفارسى (فعل، وفعلته) جاء ~~في حروف، والاستعمال في (حزنته) أكثر من (أحزنته) فالي كثرة الاستعمال ~~ذهب عامة القراء. وقال تعالى # إني ليحزنني أن تذهبوا به # ويقال حزن يحزن حزنا وحزنا، قال تعالى # ولا تحزن عليهم # ثم قال: # ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # قال سيبويه: قالوا (حزن الرجل، وحزنته) قال وزعم الخليل: أنك حيث قلت ~~(حزنته) لم ترد ان تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته اردت جعلته ~~داخلا، ولكنك أردت ان تقول جعلت فيه حزنا كما قلت كحلته أي جعلت فيه ~~كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا، ولم يرد ب (فعلته) هذا تعدية قوله حزن، ولو ~~أردت ذلك لقلت احزنته ومثل ذلك ستر الرجل وسترت عليه، فاذا اردت تغيير ~~ستر الرجل قلت أسترت كما تقول فزع وافزعته. # وحجة نافع أنه اراد تغيير (حزن) فنقله بالهمزة. وقال الخليل: اذا أردت ~~تغيير (حزن) قلت (أحزنته) فدل ذلك على أن (أحزن) مستعمل وان كان ~~(حزنته) اكثر. وحكى أبو زيد: أحزنني الامر احزانا، وهو يحزنني، ضموا ~~الياء. وقال سيبويه: قال بعض العرب: افنيت الرجل وأحزنته وارجعته واعورت ~~عينه، أي جعلته حزينا وفانيا، فغيروا ذلك كما فعلوا بالباب الاول. # وقوله { قد نعلم إنه } انما كسرت الهمزة، لان في خبرها لاما للتأكيد. # لما علم الله تعالى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يحزنه تكذيب الكفار ~~له وجحدهم نبوته سلاه عن ذلك بأن قال { فإنهم لا يكذبونك ولكن ms1314 الظالمين ~~بآيات الله يجحدون } # ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه لا يلفونك كاذبا، كما يقولون: سألته فما ~~ابخلته، وقاتلته فما أجبنته أي ما وجدته بخيلا ولا جبانا. وقال أبو عبد ~~الله (ع) معنى { لا يكذبونك } لا يأتون بحق يبطلون به حقك. وقال الفراء: ~~معنى التخفيف لا يجعلونك كذابا، وانما يريدون أن ما جئت به باطل، لانهم ~~لم يفتروا عليك كذبا، فيكذبوا لانهم لم يعرفوه (صلى الله عليه وسلم) ~~وانما قالوا: ان ما جئت به باطل لا نعرفه من النبوة، فأما التكذيب بأن ~~يقال له كذبت، وقال بعض اهل اللغة: هذا المعنى لا يجوز، لانه لا يجوز أن ~~يصدقوه ويكذبوا ما جاء به، وهو ان الله ارسلني اليكم وأنزل علي هذا ~~الكتاب وهو كلام ربي. ومن قرأ بالتشديد احتمل وجوها: # احدها - انهم لا يكذبونك بحجة يأتون بها أو برهان يدل على كذبك، لان ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) اذا كان صادقا فمحال أن يقوم على كذبه حجة، ~~ولم يرد أنهم لا يكذبونه سفها وجهلا به. # والثاني - أنه اراد فانهم لا يكذبونك بل يكذبوني لان من كذب النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) فقد كذب الله، لان الله هو المصدق له كما يقول القائل ~~لصاحبه: فلان ليس يكذبك، وانما يكذبني دونك، يريد ان تكذيبه اياك راجع ~~الى تكذيبي، لاني أنا المخبر لك وانت حاك عني. # وثالثها - ان يكون اراد انهم لا ينسبونك الى الكذب لانك كنت معروفا ~~عندهم بالامانة والصدق فانه (صلى الله عليه وسلم) كان يدعى فيهم الامين ~~قبل الوحي، وكان معروفا بينهم بذلك لكنهم لما أتيتهم بالآيات جحدوها ~~بقصدهم التكذيب بآيات الله وجحدها لا لتكذيبك، قال أبو طالب: # ان ابن آمنة الامين محمدا # ورابعها - ان تكون الآية مخصوصة بقوم معاندين كانوا عارفين بصدقه ولكنهم ~~يجحدونه عنادا وتمردا. وقال الحسن: معناه { نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ~~} انك ساحر وانك مجنون فانهم لا يكذبونك، لان معرفة الله في قلوبهم بانه ~~واحد { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }. # وخامسها - قال الزجاج: لا يكذبونك، لا يقدرون أن ms1315 يقولوا لك فيما انبأت ~~به بما في كتبهم كذبت. قال أبو علي: يجوز ان يكون المعنى - فيمن ثقل - ~~قلت له كذبت، مثل زنيته وفسقته اذا نسبته الى الزنا والفسق. و (فعلت) ~~جاء على وجوه نحو خطأته أي نسبته الى الخطأ، وسقيته ورعيته، أي قلت له ~~سقاك الله ورعاك، وقد جاء في هذا المعنى أفعلته، قالوا: أسقيته، أي قلت ~~له سقاك الله، قال الشاعر: # وأسقيته حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدا، وان اختلف اللفظان، كما ~~تقول: قللت وكثرت وأقللت وأكثرت بمعنى واحد حكاه سيبويه، وقال الكميت: # فطائفة قد اكفروني بحبكم # وطائفة قالوا مسيىء ومذنب # وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل اذا أخبرت انه جاء بكذب، وكذبته اذا ~~اخبرت انه كذاب بقوله كذبته اذا اخبرت انه جاء بكذب، كقولهم: اكفرته اذا ~~نسبوه الى الكفر، وكذبته اخبرته أنه كذاب مثل فسقته اذا اخبرت انه فاسق. # وقوله { ولكن الظالمين } يعني هؤلاء الكفار { بآيات الله } يعني القرآن ~~والمعجزات يجحدون ذلك بغير حجة، سفها وجهلا وعنادا. ### || [6.34] # سلى الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) بان اخبر ان ~~الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، وصبر الرسل على تكذيبهم وعلى ما نالهم من ~~أذاهم، وتكذيب الكفار لهم، حتى اذا جاء نصر الله اياهم على المكذبين، ~~فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب ومكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، ومنهم من ~~نصرهم عليهم بان أهلكهم واستأصلهم كما أهلك عادا وثمودا وقوم نوح ولوط، ~~وغيرهم. # فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) بالصبر على كفار قومه وأذاهم الى ~~ان يأتيه نصره كما صبرت الانبياء. وقوله { لا مبدل لكلمات الله } معناه ~~لا أحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة، ولا على إخلاف وعده فان ما ~~أخبر الله به ان يفعل بالكفار، فلا بد من كونه لا محالة، وما وعدك به من ~~نصره فلا بد من حصوله، لانه لا يجوز الكذب في اخباره، ولا الخلف في وعده. ~~وقيل: معناه انه لا ms1316 مبطل لحججه وبراهينه ولا مفسد لادلته. # وقوله { ولقد جاءك من نبأ المرسلين } معناه انه لا تبديل لخبر الله ولا ~~خلف لذلك ولا تكذيب، وان ما أخبر الله به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل ~~بهم كما فعل بأمم من تقدم من الانبياء الذين أنزل الله عليهم العذاب ~~واستأصلهم بتكذيبهم أنبياءهم وعرفك أخبارهم على صحتها. ### || [6.35] # خاطب الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال له { إن كان ~~كبر عليك } وعظم عندك { إعراضهم } أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به ~~من القرآن والمعجزات وامتناعهم من اتباعك والتصديق لك وكنت حزينا لذلك { ~~فإن استطعت } وقدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الارض مسكنا ~~وهو النفق { في الأرض } اذا كان له منفذ { أو سلما في السماء } أو ان ~~تصعد الى السماء بسلم { فتأتيهم بآية } يعني بآية تلجئهم الى الايمان ~~وتجمعهم عليه وعلى ترك الكفر فافعل ذلك. وحذف فافعل لدلالة الكلام عليه، ~~كما تقول: ان رأيت ان تقوم ومعناه فقم، وان أراد غير ذلك لم يجز ان يسكت ~~الا بعد ان يأتي بالجواب، لانه ان اراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلا بد ~~من الجواب، ولم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لانه تعالى فعل بهم ~~الآيات التي تزاح علتهم بها ويتمكنون معها من فعل الايمان لانه لو علم ~~تعالى أنه اذا فعل بهم آية من الآيات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها ~~بهم. وبين انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف وهم لا يؤمنون كما قال # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة # الآية، وكما قال # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك # وانما لم يفعل ما يلجئهم الى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف ويسقط ~~استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، وانما أراد الله تعالى ان يبين ~~لنبيه (صلى الله عليه وسلم) انه لا يستطيع هذا ولا يقدر عليه، فلا ينبغي ~~ان يلزم نفسه الغم والجزع لكفرهم واعراضهم عن الايمان والتصديق به، وجعل ~~ذلك عزاء ms1317 لنبيه (صلى الله عليه وسلم) وتسلية له. # ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الالجاء لكان على ذلك ~~قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، وجرى ذلك مجرى قوله # إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين # فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاءهم الى الايمان لكان ~~عليه قادرا. ولا يدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار ~~منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان الله تعالى قد شاء ~~منهم الايمان على هذا الوجه وانما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم الى ~~الايمان، لانه متى ألجأهم اليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، ~~والغرض بالآية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه ~~بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ~~ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، ولا ينافي التكليف. # وقوله { فلا تكونن من الجاهلين } انما هو نهي محض عن الجهل ولا يدل ذلك ~~على ان الجهل كان جائزا منه (صلى الله عليه وسلم) بل يفيد كونه قادرا ~~عليه، لانه تعالى لا يأمر ولا ينهى الا بما يقدر المكلف عليه، ومثله قوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # وان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه. ~~والمراد ها هنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان، وانهم لم ~~يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرون على ~~المصائب، ويأثمون لشدة الجزع. # والنفق: الطريق النافذ في الارض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع يحفره ~~من باطن الارض الى جلدة الارض فاذا بلغ الجلدة أرقها فاذا رابه ريب وقع ~~برأسه هذا المكان وخرج منه، ومنه سمي المنافق منافق لانه أبطن غير ما ~~أظهر، والسلم مشتق من السلامة لانه يسلمك الى مصعدك. ### || [6.36] # الوقف عند قوله { الذين يسمعون } ومعنى الآية انما يستجيب الى الايمان ~~بالله وما أنزل اليك من يسمع ms1318 كلامك ويصغي اليك، والى ما تقرأ عليه من ~~القرآن وما تبين له من الحجج والآيات ويفكر في ذلك لانه لا يتبين الحق من ~~الباطل الا لمن تفكر فيه واستدل عليه بما يستمع أو يعرف من الآيات ~~والادلة على صحته، وجعل من لم يتفكر ولم ينتفع بالآيات بمنزلة من لم ~~يستمع كما قال الشاعر: # لقد اسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # وكما جعله الشاعر بمنزلة الاصم في قوله: # اصم عما ساءه سميع # وقوله { والموتى يبعثهم الله } معناه ان الذين لا يصغون اليك من هؤلاء ~~الكفار ولا يسمعون كلامك ان كلمتهم، ولا يسمعون ما تقرأه عليهم وتبينه ~~لهم من حجج الله وآياته، وينفرون عنه اذا كلمتهم بمنزلة الموتى، فكما ان ~~الموتى لا يستجيبون لمن يدعوهم الى الحق والايمان، فكذلك هؤلاء الكفار لا ~~يستجيبون لك اذا دعوتهم الى الايمان، فكما آيست ان يسمع الموتى كلامك الى ~~ان يبعثهم الله والى ان يرجعوا اليه، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يسمعوا ~~كلامك وأن يستجيبوا لك. وبين أن الموتى اذا بعثهم الله بمعنى أحياهم انهم ~~يرجعون بعد الحشر والبعث الى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه عليهم غير ~~الله تعالى، ولا يملك محاسبتهم وضرهم ونفعهم غيره، فجعل رجوعهم الى ذلك ~~الموضع رجوعا الى الله وذلك مستعمل في اللغة. # وقال مجاهد: { إنما يستجيب الذين يسمعون } يعني المؤمنين يسمعون الذكر { ~~والموتى يبعثهم الله } يعني المشركين الصم يبعثهم الله فيحييهم من شركهم ~~حتى يؤمنوا { ثم إلينا يرجعون } يوم القيامة. ### || [6.37] # قرأ ابن كثير { ينزل } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. # ومعنى { وقالوا } اخبار عما قاله الكفار من انهم قالوا { لولا } ومعناه: ~~هلا { أنزل عليه آية } يعني الآية التي سألوها واقترحوا أن يأتيهم بها من ~~جنس ما شاءوا لما قالوا # فليأتنا بآية كما أرسل الأولون # يعنون فلق البحر واحياء الموتى. وانما قالوا ذلك حين أيقنوا بالعجز عن ~~معارضته فيما أتى به من القرآن، فاستراحوا الى أن يلتمسوا مثل آيات ~~الاولين، فقال الله تعالى # أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب ms1319 # وقال ها هنا قل يا محمد { إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } ما في إنزالها من وجوب الاستئصال لهم اذا لم يؤمنوا عند ~~نزولها. وما في الاقتصار بهم على ما أوتوا من المصلحة لهم. وبين في آية ~~أخرى انه لو أنزل عليهم ما أنزل لم يؤمنوا، وهو قوله # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة # الى قوله: # ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله # ان يكرههم. وقال # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون # يعني الآيات التي اقترحوها انما لم نأتهم بها، لانا لو أتيناهم بها ولم ~~يؤمنوا وجب استئصالهم، كما وجب استئصال من تقدمهم ممن كذب بآيات الله. ~~وقال في سورة العنكبوت # وقالوا لا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا ~~نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب # الآية. فبين ان الآيات لا يقدر عليها الا الله، وقد أتاهم بما فيه كفاية ~~وإزاحة لعلتهم وهو القرآن، وغيره مما شاهدوه ومن المعجزات والآيات، ولا ~~يلزم اظهار المعجزات بحسب اقتراح المقترحين، لانه لو لزم ذلك لوجب ~~اظهارها في كل حال ولكل مكلف وذلك فاسد. # وقد طعن قوم من الملحدين، فقالوا: لو كان محمد قد أتى بآية لما قالوا له ~~{ لولا أنزل عليه آية } ولما قال { إن الله قادر على أن ينزل آية }. # قيل: قد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة وتلك لم يؤتوها وان كان الله ~~تعالى قادرا عليها، وانما لم يؤتوها لان المصلحة منعت من انزالها، وانما ~~اتى بالآيات الاخر التي دلت على نبوته من القرآن وغيره على ما اقتضته ~~المصلحة، ولذلك قال فيما تلوناه { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب } ~~فبين ان في انزال الكتاب كفاية ودلالة على صدقه وانه لا يحتاج معه الى ~~أمر آخر فسقط ما قالوه. ### || [6.38] # الوقف عند قوله { أمم أمثالكم } وقف تام. # ابتدأ الله تعالى بهذه الآية فأخبر بشأن سائر الخلق. وبازاحة علة عباده ~~المكلفين في البيان ليعجب عباده في الآية ms1320 التي بينها من الكفار وذهابهم ~~عن الله تعالى فقال: { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } ~~فجمع جميع الخلق بهذين اللفظين، لان جميع الحيوان لا يخلو من أن يكون مما ~~يطير بجناحيه أو يدب { إلا أمم أمثالكم } أي هم اجناس واصناف كل صنف ~~يشتمل على العدد الكثير والانواع المختلفة وان الله خالقها ورازقها، وانه ~~يعدل عليها فيما يفعله، كما خلقكم ورزقكم وعدل عليكم، وان جميعها دالة ~~وشاهدة على مدبرها وخالقها وانتم بعد ذلك تموتون والى ربكم تحشرون. فبين ~~بهذه العبارة أنه لا ينبغي لهم ان يتعدوا في ظلم شىء منها، فان الله ~~خالقها وهو الناهي عن ظلمها والمنتصف لها. # وفي قوله: { يطير بجناحيه } أقوال: احدها - ان قوله بجناحيه تأكيد كما ~~يقولون: رأيت بعيني، وسمعت باذني، وربما قالوا: رأت عيني وسمعت اذني، كل ~~ذلك تأكيد. وقال الفراء: معنى ذلك انه اراد ما يطير بجناحيه دون ما يطير ~~بغير جناحين، لانهم يقولون قد مر الفرس يطير طيرا وسارت السفينة تطير ~~تطيرا، فلو لم يقل { بجناحيه } لم يعلم انه قصد الى جنس ما يطير بجناحيه ~~دون سائر ما يطير بغير جناحين. وقال قوم: انما قال { بجناحيه } لان السمك ~~عند اهل الطبع طائر في الماء، ولا أجنحة لها، وانما خرج السمك عن الطائر، ~~لانه من دواب البحر، وانما أراد ما فى الألارض وما في الجو، ولا حيوان ~~موجود غيرهما. وقال قوم: انما قال ذلك ليدل على الفرق بين طيران الطيور ~~بأجنحتها وبين الطيران بالاسراع تقول: طرت في جناحين، اذا أسرعت، قال ~~الشاعر: # فلو أنها تجري على الارض أدركت # ولكنها تهفوا بتمثال طائر # وانشد سيبويه: # فطرت بمنصلي في يعملات # دوام الايد يحبطن السريحا # وقال المغربي: أراد ان يفرق بين الطائر الذي هو الفائز الفالج في القسم، ~~وقال مزاحم العقيلي: # وطير بمخراق أشم كأنه # سليل جيادلم تنله الزعانف # أي فوزي واغنمي. وقوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } قيل { ما فرطنا } ~~معناه ما تركنا. وقيل: ما قصرنا. وفي الكتاب قولان: # احدهما - انه أراد الكتاب ms1321 المحفوظ عنده من أجال الحيوان وأرزاقه وآثاره ~~ليعلم ابن آدم ان عمله اولى بالاحصاء والاستقصاء، ذكره الحسن. # الثاني - ما فرطنا في القرآن من شىء يحتاج اليه في أمور الدين والدنيا ~~الا وقد بيناه اما مجملا أو مفصلا، فما هو صريح يفيد لفظا، وما هو مجمل ~~بينه على لسان نبيه وأمر باتباعه في قوله # وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا # ودل بالقرآن على صدق نبوته ووجوب أتباعه، فاذا لا يبقى أمر من امور ~~الدين والدنيا الا وهو في القرآن - وهذا الوجه اختاره الجبائي - وقال ~~البلخي: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي لم ندع الاحتجاج بما يوضح الحق ~~ويدعو الى الطاعة والمعرفة ويزجر عن الجهل والمعصية، وتصريف الامثال وذكر ~~أحوال الملائكة وبني آدم وسائر الخلق من أصناف الحيوان. وكل جنس من ~~الحيوان أمة، لان الامة الجماعة ويقال للصبيان: أمة وان لم يجب عليهم ~~التكليف. # وقوله تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون } معناه يحشرون الى الله بعد موتهم ~~يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض وينتصف ~~لبعضها من بعض، فاذا عوضهما، قال قوم: انها تصير ترابا فحينئذ يتمنى ~~الكافر فيقول # يا ليتني كنت ترابا # وقال قوم: يديم الله أعواضها ويخلقها على أحسن ما يكون من الصور فيسر ~~بها المثابون ويكون ذلك من جملة ما ينعمون به، ذكره البلخي. وقال قوم: { ~~يحشرون } معناه يموتون ويفنون وهذا بعيد، لان الحشر في اللغة هو بعث من ~~مكان الى غيره، وها هنا لا معنى للحشر الذي هو الفناء وانما معناه انهم ~~يصيرون الى ربهم ويبعثون اليه. # واستدل قوم من التناسخية بهذه الآية على ان البهائم والطيور مكلفة، لانه ~~قال { أمم أمثالكم } وهذا باطل، لانا قد بينا من أي وجه قال: انها { أمم ~~أمثالكم } ولو وجب حملها على العموم لوجب ان تكون أمثالنا في كونها ناسا ~~وفي مثل صورنا واخلاقنا، فمتى قالوا لم يقل امثالنا في كل شىء، قلنا: ~~وكذلك الامتحان والتكليف، على انهم مقرون بان الاطفال غير مكلفين ولا ~~ممتحنين، فما ms1322 يحملون به أمتحان الصبيان بعينه نحمل بمثله امتحان البهائم، ~~وكيف يصح تكليف البهائم والطيور وهي غير عاقلة. والتكليف لا يصح الا ~~لعاقل، على ان الصبيان أعقل من البهائم ومع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح ~~تكليف البهائم؟! واما قوله # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر والجن، والملائكة بدلالة أن ~~الاطفال أمم وليس فيها نذيره واستدل ابو القاسم البلخي بهذه الآية على ان ~~العوض دائم بان قال: بين الله تعالى انه يحشر الحيوان كلها ويعوضها، ~~فلو كان العوض منقطعا لكان اذا أماتها استحقت اعواضا أخر على الموت وذلك ~~يتسلسل، فدل على انه دائم وهذا ليس بشىء، لانه يجوز ان يميت الله الحيوان ~~على وجه لا يدخل عليهم الالم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولى ان يقول: ~~ان دام دام تفضلا منه تعالى. # وقوله { ولا طائر } فانه جر، عطف على دابة وتقديره ولا من طائر، وكان ~~يجوز ان يقرأ بالرفع حملا على المعنى، كما تقول: وما جاءني من رجل ولا ~~امرأة، وتقديره ما جاءني رجل ولا امرأة ومثله قوله # ولا أصغر من ذلك ولا أكبر # في موضع بالنصب وفى موضع آخر بالرفع على ما قلناه. ### || [6.39] # الوقف التام عند قوله { في الظلمات }. وقوله { صم وبكم في الظلمات } ~~يحتمل امرين: # احدهما - ان يراد ان هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في ~~الظلمات في الآخرة على الحقيقة عقوبة لهم على كفرهم، لانه ذكرهم عند ذكر ~~الحشر. # والثاني - ان يكون عنى انهم صم وبكم في الظلمات في الدنيا، فمتى أريد ~~الاول كان ذلك حقيقة، لانه تعالى لا يمتنع ان يجعلهم صما بكما في ~~الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن الصراط الذي يسلكه المؤمنون اليها ~~ويصيرهم الى النار. وان أريد به الوجه الثاني، فانه يكون مجازا وتوسعا. ~~وانما شبههم بالصم والبكم الذين في الظمات، لان المكذبين بآيات الله لا ~~يهتدون الى شىء مما ناله المؤمنون من منافع الدين ولا يصلون الى ذلك، كما ~~أن الصم البكم الذين في الظلمات ms1323 لا يهتدون الى شىء من منافع الدنيا ولا ~~يصلون اليها، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم. # وقال البلخي { صم وبكم في الظلمات } معناه في الجهل والشرك والكفر. # وقوله { من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } لا يجوز ان ~~يكون على عمومه، لانا قد علمنا ان الله تعالى لا يشاء ان يضل الانبياء ~~والمؤمنين ولا يهدي الكافرين، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ~~ان يضله، فقال # وما يضل به إلا الفاسقين # وقال # ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء # وقال # والذين اهتدوا زادهم هدى # وقال: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # وقال # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # وقوله { ومن يشأ الله يضلله } ها هنا يحتمل امرين: # احدهما - { ومن يشأ الله يضلله } أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه ~~وفوائده، وذلك اذا واتر عليه الادلة وأوضح له البراهين فأعرض عنها ولم ~~يمعن النظر فيها، فصار كالاصم الاعمى، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله. # والثاني - من يشأ الله اضلاله عن طريق الجنة، ونيل ثوابها يضلله على وجه ~~العقوبة { ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } ومعناه من يشأ ان يرحمه ~~ويهديه الى الجنة ونيل الثواب يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون الى ~~الجنة، ويعدل الكافرين عنه الى النار ولا يلحق الاضلال الا الكفار ~~والفساق المستحقين للعقاب وكذلك لا يفعل الثواب والخلود في الجنة الا ~~بالمؤمنين، لانه ثواب لا يستحقه سواهم. ### || [6.40-41] # قرأ الكسائي وحده " أريتكم " وما جاء منه اذا كان استفهاما بحذف الهمزة ~~التي بعد الراء. والباقون باثباتها، وتحفيفها الا أهل المدينة، فانهم ~~جعلوها بين بين، فان كان غير استفهام اتفقوا على اثبات الهمزة وتخفيفها ~~الا ما رواه ورش في تحقيقها في ستة مواضع ذكرت في باب الهمزة في ~~القراءات. من حقق الهمزة، فلانه (فعلت) من الرؤية، فالهمزة عين الفعل، ~~ومن خفف فانه جعلها بين بين، وهذا التخفيف على قياس التحقيق، ومن حذف ~~الهمزة فعلى غير مذهب التخفيف، لان التخفيف القياس فيها أن تجعل بين ms1324 بين، ~~كما فعل نافع، وهذا حذف، كما قالوا، ويلمه، وكما أنشد احمد بن يحيى: # ان لم أقاتل فالبسوني برقعا # وقال ابو الاسود: # يابا المغيرة رب أمر معضل # وذكر أن عيسى كذلك كان يقرأها ويقوي ذلك قول الراجز: # أريت ان جاءت به أملودا # مرجلا ويلبس البرودا # وقال الفراء: العرب لها في (أرأيت) لغتان: # احدهما - ان يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدا بعينك؟ فهذه مهموزة، فاذا ~~أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على غير هذه الحال تريد هل رأيت نفسك ~~على غير هذه الحال ثم يثنى ويجمع، فتقول للرجلين أرايتما كما، وللقوم ~~أرايتموكم، وللنسوة أرأيتنكن، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء ولا يجوز إلا ~~ذلك. # والآخر - ان تقول ارأيتك. وانت تريد اخبرني، فتهمزها وتنصب التاء منها ~~وتترك الهمز ان شئت، وهو اكثر كلام العرب، وتترك التاء مفتوحة للواحد، ~~والجمع مؤنثه ومذكره، تقول للمرأة: أرايتك زيدا، وللنساء أرايتكن زيدا ما ~~فعل. وانما تركت العرب التاء واحدة لانهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها ~~واقعا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف ووجهوا التاء الى المذكر ~~والتوحيد، اذا لم يكن الفعل واقعا على نفسها. # واختلفوا في هذه الكاف، فقال الفراء: موضعها نصب وتأويلها رفع، مثل ~~قولك: دونك زيدا، فموضع الكاف خفض، ومعناه الرفع، لان المعنى خذ زيدا. ~~قال الزجاج: هذا خطأ ولم يقله أحد قبله، قال: لان قولك أرايتك زيدا ما ~~شأنه يصير أرايت قد تعدت الى الكاف والى زيد، فنصب أرايت اسمين فيصير ~~المعنى: أرايت نفسك زيدا ما حاله. وهذا محال. قال والصحيح الذي عليه ~~النحويون ان الكاف لا موضع لها والمعنى أرايت زيدا ما حاله، والكاف زيادة ~~في بيان الخطاب، وهو المعتمد عليه في الخطاب ولذلك تكون التاء مفتوحة في ~~خطاب المذكر والمؤنث والواحد والجمع. فنقول للرجل أرايتك زيدا ما حاله ~~بفتح التاء والكاف وللمرأة أرايتك بفتح التاء وكسر الكاف، لانها صارت آخر ~~ما في الكلمة، وللاثنين أرايتكما، وللجمع أرايتكم، فتوحد التاء، فكما وجب ~~ان توحدها في التثنية والجمع، كذلك وجب ان تذكرها مع المؤنث، فان ms1325 عديت ~~الفاعل الى المفعول في هذا الباب صارت الكاف مفعوله تقول: رأيتني عالما ~~بفلان، فاذا سألت علي هذا الشرط قلت للرجل: أريتك عالما؟ وللاثنين ~~أرأيتماكما وللجمع أرأيتموكم، لان هذا في تأويل أرأيتم أنفسكم، وللمرأة ~~ارأيتك، وللثنتين أرايتما كما، وللجماعة أرايتنكن، فعلى هذا قياس هذين ~~البابين. # قال ابو علي الفارسى: لا يخلو ان يكون الكاف للخطاب مجردا، ومعنى الاسم ~~مخلوعا منه أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، والدليل على ~~انه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنه لو كان اسما وجب ان يكون الاسم الذي ~~بعده في نحو قوله # أرأيتك هذا الذي كرمت علي # وقولهم: أريتك زيدا ما صنع هو الكاف في المعنى، ألا ترى ان (رأيت) يتعدى ~~الى مفعولين يكون الاول منهما هو الثاني في المعنى واذا لم يكن المفعول ~~الذي بعده هو الكاف في المعنى، وإنما هو غيره وجب ان يدل ذلك على أنه ليس ~~باسم، واذ لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أن ~~الكاف في (ذلك وهنالك) للخطاب ومثله التاء في (أنت) لانه للخطاب معرى من ~~معنى الاسم فاذا ثبت انه للخطاب معرى من معنى الاسماء ثبت ان التاء لا ~~يجوز أن تكون بمعنى الخطاب ألا ترى أنه لا ينبغي ان يلحق الكلمة علامتان ~~للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث، ولا علامتان للاستفهام، فلما لم ~~يجز ذلك افردت التاء في جميع الاحوال لما كان الفعل لا بد له من فاعل ~~وجعل في جميع الاحوال على لفظ واحد، لان ما يلحق الكاف من معنى الخطاب ~~يبين الفاعلين، لتخصيص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، فلو لحق ~~علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب بما كان يلحق التاء ~~وما يلحق الكاف وذلك يؤدي الى ما لا نظير له فرفض لذلك. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية ان يقول لهؤلاء ~~الكفار الذين يعبدون الاصنام { أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله } كما اتى ~~الكافرين من قبلكم كعاد وثمود، وغيرهم { أو آتتكم الساعة ms1326 } وهي القيامة. ~~قال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد واسم للوقت الذي تبعث ~~فيه، والمعنى أرأيتكم الساعة التي وعدتم فيها بالبعث والفناء، لان قبل ~~البعث يموت الخلق كلهم، اتدعون فيها - لكشف ذلك عنكم - هذه الاوثان التي ~~تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها ولا غيرها؟! أو تدعون لكشف ذلك عنكم ~~الله تعالى الذي هو خالقكم ومالككم ومن يملك ضركم ونفعكم؟ ودلهم بذلك على ~~انه لا ينبغي لهم ان يعبدوا ما لا يملك لهم نفعا ولا يقدر أن يدفع عنهم ~~ضرا وان يعبدوا الله وحده الذي هو خالقهم ومالكهم والقادر على نفعهم ~~وضرهم. # وقوله { إن كنتم صادقين } يعني في ان هذه الاوثان آلهة لكم، فبين الله ~~لهم بذلك انها ليست آلهة وانهم في هذا القول غير صادقين. # وقوله { بل إياه تدعون } معنى { بل } استدراك وايجاب بعد نفي تقول ما ~~جاءني زيد بل عمرو. واعلمهم الله تعالى انهم لا يدعون في حال الشدائد الا ~~إياه، لانه إذا لحقهم الشدائد والاهوال في البحار والبراري القفار، ~~التجؤا فيه اليه وتضرعوا لديه، كما قال # وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين # وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لانهم عبدوا الاصنام. # وقوله { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } معناه يكشف الضر الذي من اجله ~~دعوتم، وهو مجاز كقوله { واسأل القرية } ومعناه واسأل أهل القرية. # وقوله { وتنسون ما تشركون } معنى تنسون يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون بمعنى ما تشركون بالله. # الثاني - أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من نسيهم، وهذا الذي أحتج الله به ~~على الكفار دلالة على صحة الاحتجاج في الدين على كل من خالف الحق، لانه ~~لو كان الاحتجاج لا يجوز ولا يفضي الى الحق لما احتج به على عباده في ~~كتابه. وانما قال: { إن شاء } لانه ليس كلما يدعون لكشفه يكشفه عنهم بل ~~يكشف ما شاء من ذلك مما تقتضيه المصلحة وصواب التدبر، وتوجبه الحكمة. ~~والاستثناء راجع الى العذاب دون الساعة، لانها لا تكشف ولا محيص عنها. ### || [6.42-43] # اعلم ms1327 الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية انه قد ارسل ~~الرسل قبله الى اقوام بلغوا من القسوة الى ان أخذوا بالشدة في أنفسهم ~~واموالهم ليخضعوا ويذلوا لامر الله لان القلوب تخشع والنفوس تضرع عندما ~~يكون من أمر الله البأساء والضراء. وقال قوم: البأساء الجوع، والضراء ~~النقص في الاموال والانفس. والبأساء: من البأس والخوف والضراء من الضر، ~~وقد يكون البأساء من البؤس، فأعلمه الله انه ارسل الى أمم واخذها ~~بالبأساء والضراء، فلم تخشع ولم تضرع. وقال: { لعلهم يتضرعون } ومعناه ~~لكي يتضرعوا. وقيل: معناها الترجي للعباد، كما قال: # لعله يتذكر أو يخشى # قال سيبويه: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما، والله عالم بما يكون من ~~وراء ذلك. # وقوله { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } معناه هلا اذ جاءهم بأسنا تضرعوا ~~{ ولكن قست قلوبهم } أي أقاموا على كفرهم. قال الفراء كلما رأيت في ~~الكلام (لولا) ولم تر بعدها اسما، فهي بمعنى (هلا)، كقوله: # لولا أخرتني إلى أجل قريب # و # فلولا أن كنتم غير مدينين # واذا كان بعدها اسم، فهي بمعنى (لو) التي تكون في جوابها اللام، و ~~(لوما) فيها ما في (لولا) من الاستفهام والخبر. # وقد اخبر الله في هذه الآية ان الشيطان هو الذي يزين الكفر للكافر بخلاف ~~ما يقول المجبرة من ان الله هو المزين لهم ذلك، وفيها حجة على من قال: ان ~~الله لم يرد من الكافر الايمان، وانه ارسل الرسل بينة عليهم، وعلى من زعم ~~ان أخذه الكافرين بالبأساء والضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم، ~~لانه بين الله انما فعل بهم ذلك ليتضرعوا، وهذه لام الغرض، لان الشك لا ~~يجوز عليه تعالى { ويتضرعون } معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان اذا بخع ~~له وسأله أن يعطيه، وفلان ضارع أي نحيف. ### || [6.44-45] # قرأ ابن عامر وابو جعفر، وورش { فتحنا } وفي الاعراف { لفتحنا } وفي ~~الانبياء { فتحت } وفى القمر { ففتحنا أبواب السماء } بالتشديد فيهن، ~~وافقهم روح في الانبياء والقمر. والباقون بالتخفيف فيهن. # ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف أراد الفعل مرة ms1328 واحدة. # بين الله تعالى بهذه الآية ان هؤلاء الكفار لما لم ينتفعوا بالبأساء ~~والضراء على ما اقتضت مصلحتهم، ونسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسى ~~ابتليناهم بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الآخرة، وينبهوا عليه، ~~فيطيعوا ويرجعوا عما هم عليه، فلما لم ينجع ذلك فيهم ولم يرتدعوا عن ~~الفرح بما أوتوا، ولم يتعظوا ولم ينفعهم الزجر بالضراء والسراء، ولا ~~الترغيب بالتوسعة والرخاء احللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا ~~يشعرون { فإذا هم مبلسون }. قال الزجاج: (المبلس) الشديد الحسرة و ~~(البائس) الحزين. وقال البلخي: معنى مبلسون يعني: أذلة خاضعين. وقال ~~الجبائي: معنى { مبلسون } آيسون، وقال الفراء المبلس: المنقطع الحجة، قال ~~رؤبة: # وحضرت يوم خميس الاخماس # وفى الوجوه صفرة وابلاس # وقال مجاهد: الابلاس السكوت مع اكتآب. # وقوله { كل شيء } المراد به التكثير دون العموم، وهو مثل قوله # وأوتيت من كل شيء # وكقول القائل: أكلنا عنده كل شىء ورأينا منه كل خير، وكما يقال هذا قول ~~اهل العراق، واهل الحجاز، ويراد به قول اكثرهم. وقال تعالى: # ولقد أريناه آياتنا كلها # وكل ذلك يراد به الخصوص، وموضوعه التكثير، والتفخيم. واذا علمنا في ~~الجملة بالعقل ان هذه الآيات مخصوصة، فلا ينبغي ان يعتقد فيها تخصيص شىء ~~بعينه، وليس علينا اكثر من ان نعتقد أنهم اوتوا خيرا كثيرا، وفتح عليهم ~~أبواب أشياء كثيرة كانت متغلقة عليهم، وليس يلزمنا اكثر من ذلك. # فان قيل الذي يسبق الى القلوب غير ما تأولتم عليه وهو ان الله انما فتح ~~عليهم أبواب كل شىء ليفرحوا ويمرحوا ليستحقوا العقاب. # قلنا: الظاهر وان كان كذلك انصرفنا عنه بدليل، كما انصرفنا عنه قوله: # الرحمن على العرش أستوى # وعن قوله # وجاء ربك # وعن قوله: # أأمنتم من في السماء # فكما يجب ان نترك ظاهر هذه الآيات وان كان ظاهرها التشبيه فكذلك ترك ما ~~ظاهره يوجب اضافة القبيح اليه وينافى عدله ويعدل الى ما يليق بحكمته ~~وعدله. # وقوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } معناه أخذهم الذي يدبرهم ~~ويدبرهم، لغتان - بضم الباء وكسرها - وهو ms1329 الذي يكون في أعقابهم. # وروي عن أبي عبد الله (ع) انه قال: من الناس من لا يأتي الصلاة إلا ~~دبريا - بضم الدال - يعني في آخر الوقت، هذا قول اصحاب الحديث. وقال أبو ~~زيد الا دبريا بفتح الدال والباء. ثم حمد الله تعالى نفسه بأن استأصل ~~ساقتهم وقطع دابرهم بقوله { والحمد لله رب العالمين } لانه تعالى أرسل ~~اليهم وانظرهم بعد كفرهم وأخذهم بالبأساء والضراء، والنعمة والرخاء، ~~فبالغ في الانذار والامهال، فهو محمود على كل حال. ### || [6.46] # روي عن ورش: { به أنظر } بضم الهاءء الباقون بكسرها. # قال ابو علي: من كسر الهاء حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو به انظر، ~~لالتقاء الساكنين والالف من { أنظر }. ومن قرأ بضم الهاء فهو على قول من ~~قال: { فخسفنا بهو وبدار هو } ، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف ~~الياء في (بهي) لذلك، فصار { به أنظر } ومما يحسن هذا الوجه ان الضمة فيه ~~مثل الضمة في (ان أقتلوا) أو (انقص) ونحو ذلك. # وقوله: { أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم } ثم قال: ~~{ يأتيكم به } قال ابو الحسن هو كناية عن السمع او على ما أخذ منكم وقال ~~الفراء: الهاء كناية عن الهدى. # أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار { أرأيتم أن أخذ الله ~~سمعكم } أي أصمكم، { وأبصاركم } أي أعماكم، تقول العرب: أخذ الله سمع ~~فلان وبصره، أي أصمه وأعماه { وختم على قلوبكم } بأن سلب ما فيها من ~~العقول التي بها يتهيأ لكم ان تؤمنوا بربكم وتتوبوا من ذنوبكم ووسمها ~~بسمة من يكون خاتمة امره المصير الى عذاب النار، فلو فعل بكم، هل من اله ~~غيره يأتيكم بهذا الذي سلبكم الله اياه؟! وهل يقدر على ذلك اله غير ~~الله؟! فبين بهذا انه كما لا يقدر على ذلك غير الله فكذلك يجب ان لا ~~يعبدوا سواه: القادر على جميع ذلك. # وقوله { أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } تنبيه للعباد على هذه ~~الآية وعلى أمثالها من الآيات التي بين فيها انه لا يستحق العبادة ms1330 سواه ~~تعالى. ثم بين انهم مع ظهور هذه الآيات يصدفون أي يعرضون عن تأملها، ~~والتفكر فيها. يقال: صدف عنه، اذا أعرض. # وفي الآية دليل على ان الله قد مكنهم من الاقبال على ما ورد عليهم من ~~البيان وانه لم يخلق فيهم الاعراض عنه ولا حملهم عليه، ولا اراده منهم ~~ولا زينه لهم، لانه لو كان فعل شيئا من ذلك لم يكن لتعجيبه من ذلك معنى. ### || [6.47] # أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يخاطب كفار قومه، ويقول لهم أرايتم { إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة } والبغتة المفاجأة وهو ان يأتيهم العذاب، ~~وهم غافلون غير متوقعين لذلك { أو جهرة } أي وهم شاهدون له، ومعاينون ~~نزوله. وقال الحسن: (البغتة) ان يأتيهم ليلا و (جهرة) نهارا. ثم قال: { ~~هل يهلك } بهذا العذاب { إلا القوم الظالمون } الكافرون الذين يكفرون ~~بالله ويفسدون في الارض. وهل ينجو منه الا المؤمنون العابدون لربهم. ومتى ~~هلك فيهم اطفال او قوم مؤمنون فانما يهلكون امتحانا ويعوضهم الله على ذلك ~~أعواضا كثيرة، يصغر ذلك في جنبها، فجعل ذلك تحذيرا من المقام على الكفر ~~وترغيبا في الايمان والنجاة من العذاب. ### || [6.48-49] # بين الله تعالى في هاتين الآيتين انه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على ~~كل شىء يسألون عنه من الآيات او يخترعونه بل انما يرسلهم لما في ذلك من ~~المصلحة لهم ومنبهين على ما في عقولهم من توحيد الله، وعدله وحكمته ~~مبشرين بثواب الله لمن آمن به وعرفه، ومخوفين لمن انكره وجحده، ثم اخبر ~~ان المرسل اليهم مختارون غير مجبرين ولا مضطرين ودل على انه غير محدث ~~لشىء من افعالهم فيهم، وان الافعال لهم، هم يكتسبونها بما خلق الله فيهم ~~من القدرة، وانه قد هداهم، وبين لهم وبشرهم وانذرهم فمن آمن أثابه ومن ~~عصاه عاقبه. ولو كانوا مجبورين على المعاصى مخلوقا فيهم الكفر ولم يجعل ~~فيهم القدرة على الايمان لما كان للآية معنى. ### || [6.50] # امر الله تعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لعباده: { لا ~~أقول لكم عندي خزائن ms1331 الله } اغنيكم منها { ولا أعلم الغيب } الذي يختص ~~بعلم الله تعالى فاعرفكم مصالح دنياكم، وانما اعلم قدر ما يعلمني الله من ~~امر البعث والجنة والنار، وغير ذلك، ولا ادعي اني ملك، لاني انسان تعرفون ~~نسبي، لا اقدر على ما يقدر عليه الملك، وما أتبع الا ما يوحي الله به ~~إلي. # وبين لهم ان الملك من عند الله، والوحي هو البيان الذي ليس بايضاح نحو ~~الاشارة والدلالة، لان كلام الملك كان له على هذا الوجه. وانما امره بأن ~~يقول ذلك لئلا يدعوا فيه ما أدعت النصارى في المسيح، ولئلا ينزلوه منزلة ~~خلاف ما يستحقه. ثم امره بأن يقول لهم: { هل يستوي الأعمى والبصير } أي ~~هل يستوي العارف بالله تعالى وبدينه العالم به مع الجاهل به وبدينه، فجعل ~~الاعمى مثلا للجاهل والبصير مثلا للعارف بالله ونبيه، هذا قول الحسن ~~والجبائي. # وقال البلخي: معناه هل يستوي من صدق على نفسه واعترف بحاله التي هو ~~عليها من الحاجة والعبودية لخالقه، ومن ذهب عن البيان وعمي عن الحق { ~~أفلا تتكفرون } فتنصفوا من أنفسكم وتعملوا بالواجب عليكم من الاقرار ~~بوحدانيته تعالى ونفي الشركاء والتشبيه عنه، وهذا وان كان لفظه لفظ ~~الاستفهام فالمراد به الاخبار أي انهما لا يستويان. # وقال مجاهد: الاعمى الضال والبصير المهتدي. ثم قال: { أفلا تتفكرون } ~~تنبيها لهم على الفكر في ما يدعوهم الى معرفته ويدلهم عليه من آياته ~~وأمثاله التي بينها في كتابه، للفرق بين الحق والباطل، والكافر والمؤمن. # وقال الحسن: { لا أقول لكم عندي خزائن الله } يعني خزائن الغيب الذي فيه ~~العذاب لقولهم: ائتنا بعذاب الله، ولا اعلم الغيب متى يأتيكم العذاب { ~~ولا أقول لكم إني ملك } من ملائكة الله. وانما أنا بشر تعرفون نسبي. ~~ولكني رسول الله يوحى الي، ولا أتبع الا ما يوحى الي ولا أؤدي الا ما ~~يأمرني بأدائه # واستدل الجبائي والبلخي وغيرهما بهذه الآية على ان الملائكة افضل من ~~الانبياء لانه قال { ولا أقول لكم إني ملك } فلولا ان الملائكة أفضل ~~وأعلى منزلة ما جاز ذلك. وهذا ليس ms1332 بشىء لان الفضل الذي هو كثرة الثواب لا ~~معنى له ها هنا، وانما المراد { ولا أقول إني ملك } فاشاهد من امر الله ~~وغيبته عن العباد ما يشاهده الملائكة المقربون المختصون بملكوت السماوات ~~وان لم يكن في ذلك استحقاق ثواب زائد. ### || [6.51] # امر الله تعالى نبيه (ع) ان ينذر بهذه الآيات أي يخوف بها من هو مقر ~~بالبعث والنشور من المؤمنين، ومن يقر بذلك من الكفار ويعتقد انه لا معونة ~~عند الشركاء يومئذ، لان الامر هناك له تعالى وحده. وقد كان خلق من مشركي ~~العرب يعتقدون ذلك، فأمر الله ان يخص هؤلاء بالانذار، لان الحجة لهم ألزم ~~وان كانت لازمة للجميع. # وقوله: { يخافون أن يحشروا إلى ربهم } أي يعلمون ذلك، فهم خائفون منه أي ~~عاملون بما يؤديهم الى السلام عنده. # وقال الفراء: يخافون الحشر الى ربهم علما بأنه سيكون فلذلك فسره ~~المفسرون يخافون بمعنى يعلمون. # وقال الجبائي: امر الله ان يخوف بالعقاب من هو خائف، لانه لما أعلمهم ان ~~الله يعذبهم بكفرهم اذا حشروا، كانوا يخافون الحشر لكونهم شاكين فيما ~~أخبرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) من الحشر والعذاب. وكانوا يخافون ~~ذلك لشكهم فيه، وان كانوا غير مؤمنين. والاول قول البلخي والزجاج. # وقوله: { ليس لهم من دونه ولي } أو من يدفع عنهم ما يريد الله إنزاله ~~بهم من عذابه، وعقوباته، ولا شفيع يشفع يدفع بشفاعته عنهم ما يريد الله ~~انزاله بهم من ذلك على ما قالت النصارى انهم ابناء الله واحباؤه. # وقوله: { لعلهم يتقون } أي لكي يتقوا معاصيه. والهاء في قوله { به } قال ~~الزجاج: راجعة الى القرآن. وقال الجبائي: راجعة الى العذاب. وقال البلخي: ~~راجعة الى الانذار. ### || [6.52] # قرأ ابن عامر { بالغدوة } هنا وفى الكهف - بضم الغين واسكان الدال ~~واثبات واو بعدها. الباقون بفتح الغين والدال واثبات الف بعد الدال. # سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن مسعود وغيره: ان ملأ من قريش - وقال ~~الفراء: من الكفار، منهم عيينة بن حصين الغزاي - دخلوا على النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) وعنده ms1333 بلال وسلمان وصهيب وعمار، وغيرهم، فقال عيينة بن ~~حصين يا رسول الله لو نحيت هؤلاء عنك، لاتاك أشراف قومك، وأسلموا، وكان ~~ذلك خديعة منهم له وكان الله تعالى عالما ببواطنهم. # فأمر الله نبيه ان { لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعني ~~انه نهاه عن طردهم لانهم يريدون باسلامهم ودعائهم وجه الله. قال الضحاك: ~~{ يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعني بذلك الصلاة المفروضة في هذين ~~الوقتين وقال ابراهيم هم اهل الذكر. وقال قوم: الدعاء ها هنا هو التحميد ~~والتسبيح. # وقوله: { يريدون وجهه } شهادة للمعنيين بالآية بالاخلاص وانهم يريدون ~~بعبادتهم الله خالصا. # وقال البلخي: قراءة ابن عامر غلط، لان العرب اذا ادخلت الالف واللام ~~قالوا: الغداة يقولون: رأيتك بالغداة، ولا يقولون بالغدوة، فاذا نزعوا ~~الالف واللام قالوا رأيتك غدوة. وانما كتبت واو في المصحف، كما كتبوا ~~الصلاة والزكاة والحياة كذلك. # قال ابو علي الفارسى: الوجه الغداة، لانها تستعمل نكرة وتتعرف باللام ~~فأما غدوة فمعرفة أبدا، وهو علم صيغ له. قال سيبويه: غدوة وبكرة جعل كل ~~واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا # ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك ~~اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة. # وقوله { فتطردهم } نصب الدال، لانه جواب النفي في قوله: { ما عليك من ~~حسابهم } ونصب فيكون لانه جواب لقوله: { ولا تطرد الذين.. فتكون من ~~الظالمين.. ما عليك من حسابهم من شيء } قال قوم يعني من حساب رزقهم في ~~الدنيا ليس رزقهم في يدك ولا رزقك في أيديهم، بل الله رازق الجميع. # وقال الجبائي وهو الاظهر: ما عليك من اعمالهم، ولا عليهم من أعمالك، بل ~~كل واحد يؤاخذ بعمله، ويجازي على فعله، لا على فعل غيره. وقوله { فتطردهم ~~فتكون من الظالمين } اخبار منه تعالى انه لو طرد كل هؤلاء تقريبا الى ~~الكبراء منهم كان بذلك ظالما. والنبي (صلى الله عليه وسلم) وان لم يقدم ~~على القبيح جاز ان ينهى عنه، لانه قادر عليه وان كان النهي ms1334 والزجر يمتنع ~~منه، كما قال تعالى { لئن أشركت ليحبطن عملك } وان كان الشرك مأمونا منه. ### || [6.53] # معنى الآية انه تعالى اخبر انه يمتحن الفقراء بالاغنياء والاغنياء ~~بالفقراء فيختبر صبر الفقراء على ما يرون من حال الاغنياء، واعراضهم عنهم ~~الى طاعة الرسل ويختبر شكر الاغنياء واقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، ~~والموالي والعبيد الى الايمان بالرياسة في الدين والتقدم فيه. # وقوله: { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } فليس المراد باللام ~~لام الغوص لان الله لو قصد ذلك لكان قد قصد بما فعل ان يقولوا هذا القول ~~فيكفروا به ويعصوا ويتعالى الله عن ذلك فكيف يقصده؟! وقد عابه من قولهم ~~وهو يعاقبهم عليه وعابهم به ولكن اللام لام العاقبة. # والمعنى اني فعلت ذلك بهم ليصبروا ويشكروا، فكان عاقبة أمرهم ان قالوا { ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } ومثله قوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وقال الشاعر: # وام سماك فلا تجزعي # فللشكل ما تلد الوالداه # والذي قال { أهولاء من الله عليهم من بيننا } هو عيينة بن حصين ~~واصحابه وقال الزجاج: أي ليقول الكبراء { أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا } أي ليكون ذلك آية بينة انهم اتبعوا الرسول وصبروا على الشدة في ~~حال شديدة. # وقال الجبائي: معنى قوله { فتنا بعضهم ببعض } أي شددنا التكليف على ~~أشراف العرب وكبرائهم بأن امرناهم بالايمان برسول الله وبتقديم هؤلاء ~~الضعفاء على نفوسهم لتقدمهم اياهم في الايمان، وكونهم افضل عند الله. ~~وهذا أمر كان شاقا عليهم، فلذلك سماه الله فتنة. # وقوله { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } أي فعلنا هذا بهم ~~ليقول بعضهم لبعض على وجه الاستفهام منه لا على وجه الانكار { أهؤلاء ~~من الله عليهم من من بيننا } يعني بالايمان اذ رأوا النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) يقدم هؤلاء عليهم ويفضلهم وليرضوا بذلك من فعل رسول الله، ولم ~~يجعل هذه الفتنة والشدة في التكاليف ليقولوا ذلك على وجه الانكار، لان ~~إنكارهم ذلك كفر بالله ومعصية له والله تعالى لا يريد ذلك ولا يرضاه، ~~لانه لو ms1335 أراد ذلك منهم، وفعلوه كانوا مطيعين له لا عاصين وقد ثبت خلافه. # وقوله: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } معناه ان الله تعالى أعلم ~~بالشاكرين له ولنعمه من خلقه فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من الثواب ~~والتعظيم والاجلال. # والشاكرون المعنيون بالآية هم هؤلاء الضعفاء ويدخل معهم في ذلك سائر ~~المؤمنين. # فان قيل فعلى هذا الوجه الذي ذكرتموه قد وجد من الكفار القول على ما ~~أراده فيجب ان يكونوا مطيعين. # قلنا: ليس في الآية ذلك وأنهم على أي وجه قالوه على وجه الانكار أو على ~~وجه الاستفهام؟ وانما بين انه فعل بهم ليقولوا ذلك على وجه الاستفهام لا ~~على وجه الانكار، فان كانوا قالوه على ما أراده الله فهم مطيعون وان ~~قالوه منكرين فهم عصاة، فلما علمنا أن الله تعالى ذمهم بهذا القول علمنا ~~أنهم لم يقولوه على وجه المراد منهم انما قالوه على خلاف ما أريد منهم. ### || [6.54] # قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: { أنه من عمل.. فإنه غفور رحيم } بفتح ~~الهمزة فيهما وافقهم اهل المدينة في الاولى منهما. الباقون بالكسر فيهما. # قال ابو علي الفارسى من كسر { أنه } الاولى جعلها تفسير للرحمة كما أن ~~قوله { لهم مغفرة وأجر كريم } تفسير للوعد. واما كسر (إن) في قوله { ~~فإنه غفور رحيم } فلأن ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله # ومن عاد فينتقم الله منه # على أرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه. # ومن فتح (أن) في قوله { أنه } فانه جعل (ان) الاولى بدلا من الرحمة كأنه ~~قال كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم. واما فتحها بعد الفاء ~~فانه غفور رحيم، فعلى انه أضمر له خبرا تقديره، فله انه غفور رحيم أي فله ~~غفرانه. أو اضمر مبتدأ تكون (أن) خبره، كأنه قال فأمره انه غفور رحيم. # واما قراءة نافع: بفتح الاولى وكسر الثانية فالقول فيهما انه أبدل من ~~الرحمة واستأنف ما بعد الفاء. قال سيبويه: بلغنا ان الاعرج قرأ { أنه من ~~عمل.. فإنه غفور رحيم }. ونظيره قول ابن مقبل: # واني اذا ملت ms1336 ركابي مناخها # فاني على حظي من الامر جامح # يريد ان قوله: (واني اذا ملت ركابي) محمول على ما قبله كما ان قوله { ~~أنه من عمل } محمول على ما قبله. وقوله: فاني على حظي مستأنف مثل قوله { ~~فإنه غفور رحيم } مستأنف به منقطع عما قبله. # قال الفراء: واختاره الزجاج ويجوز ان يحمل (فانه) على التكرار، قال: لان ~~الكتاب يحتاج الى (ان) مرة واحدة ولكن الخبر هو موضعها فلما دخلت في ~~ابتداء الكلام أعيدت الى موضعها، كما قال: # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون # فلما كان موضع (ان) أيعدكم انكم مخرجون اذا متم دخلت في اول الكلام ~~وآخره. ومثله # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله # ومثله # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له # قال ولك ان تكسر (ان) بعد الفاء في هذه الاحرف. قال ابو علي هذا غير ~~صحيح، لان (من) لا يخلو من ان تكون للجزاء الجازم الذي بني اللفظ عليه او ~~تكون موصولة، ولا يجوز ان يقدر التكرير مع الموصولة فلو كانت موصولة لبقي ~~المبتدأ بلا خبر، ولا يجوز ذلك في الجزء الجازم، لان الشرط يبقى بلا جزاء ~~على اثبات الفاء في قوله: (فأن له) ويمتنع من ان يكون بدلا لانه لا يكون ~~بين المبدل والمبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فان قيل: هي ~~زائدة بقى الشرط بلا جزاء، فاذا بطل الامران اثبت ما قدمناه. # واما من كسرهما فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } قال: { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~عفور رحيم } بالكسر، ودخلت الفاء جوابا للجزاء. # هذه الآية متصلة بالاولى: نهى الله تعالى نبيه (ع) في الاولى عن ان ~~يطردهم. ثم امره في هذه الآية ان يقول لمن ورد عليه منهم اعني المؤمنين ~~المصدقين بآيات الله وحججه وبراهينه عربيا كان او أعجميا ضعيفا كان أو ~~قويا - { سلام عليكم } فيبدأهم بالتحية، ويبشرهم بالرحمة ويقوي قلوبهم ~~ويعرفهم أن من اذنب منهم ثم ms1337 تاب، فتوبته مقبولة كل ذلك خلافا على ~~الكافرين فيما أرادوه عليه من طردهم والغلظة عليهم. # وقال محمد بن يزيد: السلام في اللغة أربعة اشياء: احدها - سلمت سلاما ~~مصدر. وثانيها - السلام جمع سلامة. وثالثها - السلام من أسماء الله. ~~ورابعها - السلام شجر. # ومعنى السلام الذي هو مصدر سلمت دعاء للانسان ان يسلم في دينه ونفسه، ~~ومعناه التخلص. والسلام الذي هو اسم الله معناه ذو السلام أي الذي يملك ~~السلام الذي هو تخليص من المكروه. والسلام الذي هو الشجر، فهو شجر عظيم ~~سمي بذلك لسلامته من الآفات. والسلام حجار صلبة لسلامتها من الرخاوة ~~ويسمى الصلح: السلام والسلم والسلم، لان معناه السلامة من الشر. والسلام ~~دلولها مروة واحدة نحو دلو السقائين. والسلم السبب الى لشىء. والسلم الذي ~~يرتقى عليه لانه يسلمك الى حيث تريد وقوله { من عمل منكم سوءا بجهالة } ~~ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لانه لو أتى المسلم ما يجهل أنه سوء ~~لكان كمن لم يتعمد سوءا. وتحتمل الآية أمرين: # احدهما - انه عمله وهو جاهل بالمكروه فيه أي لم يعرف أن فيه مكروه. # والآخر - انه أقدم مع علمه ان عاقبته مكروهة فآثر العاجل، فجعل جاهلا ~~لانه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعاقبة الدائمة. # ويحتمل عندي أن يكون أراد { من عمل منكم سوءا بجهالة } بمعنى أنه لا ~~يعرفها سوءا، لكن لما كان له طريق الى معرفته وجب عليه التوبة منه، فاذا ~~تاب قبل الله توبته. # فان قيل: قوله { وأصلح } هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أولا؟ فان لم ~~يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما. # قيل: لا خلاف أن التوبة متى حصلت على شرائطها التي قدمنا ذكرها في غير ~~موضع، فانه يقبل التوبة ويسقط العقاب، وان لم يعمل بعدها عملا صالحا غير ~~أنه اذا تاب وبقي بعد التوبة، فان لم يعمل الصالح عاد الى الاصرار، لانه ~~لا يخلو في كل حال من واجب عليه أو ندب من تجديد معرفة الله ومعرفة نبيه، ~~وغير ذلك من المعارف وكثير من أفعال الجوارح، فاما ان قدرنا ms1338 اختراعه عقيب ~~التوبة من غير فعل صلاح، فان الرحمة باسقاط العقاب تلحقه بلا خلاف. ### || [6.55] # قرأ اهل الكوفة الا حفصا و { ليستبين } بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ~~اهل المدينة " سبيل " بالنصب. الباقون بالرفع. # من قرأ بالتاء ورفع السبيل، فلأن السبيل يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، ~~والتأنيث لغة أهل الحجاز فأنث - ها هنا - كما قال # قل هذه سبيلي # ومن قرأ بالياء فانه ذكر السبيل، لانه الطريق. وهو يذكر، كما قال # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا # ومن قرأ بالتاء، ونصب (السبيل) أراد أن يكون خطابا للنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) كأنه قال: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. والنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وان كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به فيجوز أن يكون ذلك ~~على وجه التأكيد، ولان يستديم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به الامة، ~~فكأنه قال ليزداد استبانة، ولم يحتج ان يقول: ولتستبين سبيل المؤمنين، ~~لان سبيل المجرمين اذا بانت، فقد بان معها سبيل المؤمنين، لانها خلافها. ~~ويجوز ان يكون المراد، ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المؤمنين، ~~وحذف أحدى الجملتين لدلالة الكلام عليه، كما قال # سرابيل تقيكم الحر # ولم يقل تقيكم البرد، لان الساتر يستر من الحر والبرد، لكن جرى ذكر ~~الحر، لانهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد، وكذلك سبيل ~~المجرمين، خص بالذكر، لان الكلام في وصفهم، وترك ذكر المؤمنين لدلالة ~~الكلام عليه. وهذه الآية معطوفة على الآيات التي احتج الله بها على مشركي ~~العرب، وغيرهم فلذلك قال { وكذلك } أي كما قدمنا { نفصل الآيات } أي ~~نميزها ونبينها ونشرحها لتلزمهم الحجة و { لتستبين سبيل } من عاند بعد ~~البيان أو ذهب عن فهم ذلك بالاعراض عنه لمن أراد التفهم منهم، ومن ~~المؤمنين ليجانبوها ويسلكوا غيرها. ### || [6.56] # روي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ { ضللت } بكسر اللام. والقراء كلهم على ~~فتحها، وهما لغتان. فمن كسر اللام فتح الضاد من " يضل ". ومن فتح اللام ~~كسر الضاد. فقال " يضل " وقال أبو عبيدة اللغة الغالبة بالفتح. # وروى ابو العالية أن النبي (صلى ms1339 الله عليه وسلم) قرأ هذه الآية عند ~~الكعبة وأظهر لهم المفارقة. وهذه الآية فيها خطاب للنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وأمر له بأن يقول للكافرين: ان الله قد نهاني أن اعبد هذه الاوثان ~~التي تعبدونها من دون الله وتدعونها آلهة وأنها تقربكم الى الله زلفى، ~~وأن يقول لهم اني لا أتبع أهواءكم في عبادة الاوثان، واني لو فعلت ذلك ~~لكنت قد ضللت عن الصواب، وبعدت عن الرشد ولم أكن من المهتدين الى الخير ~~والصلاح. ومعناه معنى الشرط وتقديره قد ضللت ان عبدتها. وقال الزجاج: { ~~وما أنا من المهتدين } أي وما أنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى. ### || [6.57] # قرأ اهل الحجاز وعاصم { يقص الحق } من القصص وهو المروي عن ابن عباس ~~ومجاهد. الباقون - بالضاد - المعجمة من فوقها من القضاء. وكان أبو عمرو ~~يقوي القراءة بالضاد بقوله { وهو خير الفاصلين }. ويقول الفصل في القضاء ~~لا في القصص ويقوي ذلك بقوله { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل }. # وحجة من قرأ بالصاد قوله: # نقص عليك أحسن القصص # وقوله: # إن هذا لهو القصص # وأما الفصل الذي قوى به أبو عمرو قراءته فقد جاء الفصل في القول كما جاء ~~في الحكم والقضاء في نحو قوله # إنه لقول فصل # وقال: # أحكمت آياته ثم فصلت # وقال # نفصل الآيات # وقال # لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفتري ولكن تصديق ~~الذي بين يديه وتفصيل كل شيء # فذكر في القصص انه تفصيل. والحق في قوله # يقص الحق # يحتمل امرين: # احدهما - أن يكون صفة لمصدر محذوف وتقديره يقضي القضاء الحق أو يقص ~~القصص الحق. # والثاني - أن يكون مفعولا به يعجل الحق كقول الهذلي: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أن صنع السوابغ تبع # أي صنعهما داود. # وفي هذه الآية أمر من الله لنبيه ان يقول للكفار انه على بينة من ربه، ~~أي على أمر بين من معرفة الله وصحة نبوته، لا متبع للهوى. # وقوله { وكذبتم به } الهاء راجعة الى البيان، لان البينة والبيان واحد، ~~وتقديره وكذبتم بالبيان الذي هو ms1340 القرآن. وقال قوم: بينة من ربي من نبوتي ~~{ وكذبتم به } يعني بالله. وعلى الاول يكون تقديره كذبتم بما أتيتكم، ~~لانه هو البيان. # وقوله: { ما عندي ما تستعجلون به } (ما) بمعنى ليس. والذي استعجلوا به ~~يحتمل امرين: # احدهما - العذاب، كما قال # ويستعجلونك بالعذاب # والثاني - أن يكونوا استعجلوا الآيات التي أقترحوها عليه فأعلمهم الله ~~أن ذلك عند الله وأن الحكم له تعالى { يقض الحق وهو خير الفاصلين } وكتبت ~~يقضى بغير ياء، لانها اسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، كما كتبوا # سندع الزبانية # بغير واو. # ومن قرأ: بالصاد من القصص حمله على أن جميع ما أنبأ به وأمر به، فهو من ~~أقاصيص الحق. # وقال الحسن: (البينة) النبوة و { كذبتم به } بالنبوة التي جاءت من عند ~~الله و { ما تستعجلون به } من العذاب جواب لقولهم: # أتنا بعذاب الله # وفي قراءة ابن مسعود { يقص بالحق } ولم يقرأ به احد. # وقوله { يقضي بالحق } يدل على بطلان قول من يقول: ان الظلم والجور بقضاء ~~الله، لان ذلك كله ليس بحق. ### || [6.58] # امر الله تعالى نبيه ان يقول للكفار لو كان { عندي ما تستعجلون به } من ~~كون العذاب وأنزاله بكم برأيي وارادتي لفعلت ذلك بكم ولانزلته عليكم و { ~~لقضي الأمر بيني وبينكم } بذلك ولا نفصل ولا نقطع، ولكن ليس ذلك إلي ~~وانما هو الى الله { والله أعلم بالظالمين } وبمن ينبغي امهاله منهم ومن ~~يجب معالجته بالعقوبة فهو يدبر ذلك بحسب ما يعلم من وجه الحكمة والصواب. ### || [6.59] # { مفاتح الغيب } معناه الامور التي بها يستدل على الغائب فتعلم حقيقته، ~~يقال: فتحت على الرجل، أي عرفته أولا، ويستدل به على آخر، وجملة يعرف بها ~~التفصيل. ومنه قولهم أفتح علي أي عرفني. قال الزجاج: معناه وعنده ~~الوصلة الى علم الغيب وكل ما لا يعلم اذا استعلم. # وروي عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: مفاتح الغيب ~~خمس لا يعلمها الا الله: ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما ~~فى الارحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ms1341 وما تدري نفس بأي أرض تموت. # ومعنى الآية أن الله تعالى عالم بكل شىء من مبتدءات الامور وعواقبها فهو ~~يعجل ما تعجيله أصلح وأصوب، ويأخر ما تأخيره أصلح واصواب، وأنه الذي يفتح ~~باب العلم لمن يريد إعلامه شيئا من ذلك من أنبيائه وعباده، لانه لا يعلم ~~الغيب سواه، فلا يتهيأ لاحد ان يعلم العباد ذلك، ولا أن يفتح لهم باب ~~العلم به الا الله، وبين أنه يعلم ما في البر والبحر من الحيوان والجماد. ~~وبين أنه ما تسقط من ورقة من شجرة الا يعلمها ولا حبة في جوف الارض وفي ~~ظلماتها الا ويعلمها ولا رطب ولا يابس جميع أصناف الاجسام، لانها أجمع لا ~~تخلو من احدى هاتين الصفتين. # وقوله: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } المعنى أنه يعلمها ساقطة وثابتة ~~كما تقول: ما يجيئك من أحد الا وأنا أعرفه، معناه الا وانا أعرف في حال ~~مجيئه. وقوله: { ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس } خبر على ~~تقدير (من). ويجوز الرفع فيها على معنى ولا تسقط ورقة ولا حبة. ويجوز ان ~~يرفعه على الابتداء ويقطعه عن الاول ويكون خبره { إلا في كتاب مبين }. # وقوله: { في كتاب مبين } يحتمل أمرين: # احدهما - ان يكون معناه في علم الله مبين. # وثانيهما - ان يكون { في كتاب مبين } ان يكون الله تعالي أثبت ذلك في ~~كتاب قبل أن يخلقه، كما قال { ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } ويكون الغرض بذلك اعلام الملائكة أنه ~~علام الغيوب ليدل على أنه عالم بالاشياء قبل كونها. ويجوز ان يكون المراد ~~بذلك أنه كتب جميع ما يكون ثم امتحن الملائكة بكتبه وتعبدهم باحصائه، كما ~~تعبد سائر خلقه بما يشاء مما فيه صلاحهم. وقال البلخي: { في كتاب مبين } ~~أي هو محفوظ غير منسي ولا مغفول كما يقول القائل لصاحبه: ما تصنعه عندي ~~مسطر مكتوب. وانما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافأته عليه، قال الشاعر: # ان لسلمى عندنا ديوانا # ويجوز ms1342 أن يكون المراد بذكر الورقة والحبة والرطب واليابس التوكيد في ~~الزجر عن المعاصى والحث على البر والتخويف لخلقه بأنه اذا كانت هذه ~~الاشياء التي لا ثواب فيها ولا عقاب عليها محصاة عنده محفوظة مكتوبة، ~~فأعمالكم التي فيها الثواب والعقاب أولى، وهو قول الحسن. وقال مجاهد: ~~البر القفار والبحار كل قرية فيها ماء. وعن أبي عبد الله: الورقة السقط ~~والحبة الولد. وظلمات الارض الارحام والرطب ما يبقى ويحيا واليابس ما ~~تغيض. ### || [6.60] # قوله: { وهو } كناية عن الله تعالى. و { الذي } صفة له { يتوفاكم بالليل ~~} قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الجبائي: يقبضكم، وقال الزجاج: ينيمكم بالليل فيقبضكم الله ~~اليه، كما قال: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # وقال البلخي: واختاره الحسين بن علي المغربي { يتوفاكم } بمعنى يحصيكم ~~عند منامكم وأستقراركم، قال الشاعر: # ان بني الادرم ليسوا من أحد # ليسوا من قيس وليسوا من أسد # ولا توفاهم قريش في العدد # معناه لا تحصيهم في العدد. # وقوله: { ويعلم ما جرحتم بالنهار } أي كسبتم، تقول فلان جارحة أهله أي ~~كاسبهم، ومنه قوله: # وما علمتم من الجوارح مكلبين # أي من الكواسب التي تكسب على أهلها، وهو قول مجاهد. # وقوله: { ثم يبعثكم فيه } أي في النهار، فجعل أنتباههم من النوم بعثا { ~~ليقضى أجل مسمى } ليستوفى الاجل المسمى للحياة الى حين الموت. ثم { إليه ~~مرجعكم } يعني يوم القيامة فيحشرهم الله الى حيث لا يملك فيه الامر سواه. ~~{ ثم ينبئكم } يعني يخبركم ويعلمكم { بما كنتم تعملون } في الدنيا ~~فيجازيكم على أعمالكم، وفيها دلالة على خزيهم وحاجتهم، واحتجاج عليهم أنه ~~لا يستحق العبادة سواه اذ هو الفاعل لجميع ما يستحق به العبادة مما عدده ~~والقادر عليه دون من يعبدونه من الاوثان والاصنام. ### || [6.61-62] # كلهم قرأ { توفته رسلنا } بالتاء الا حمزة فانه قرأ " توفاه ". وحجة من ~~قرأ بالتاء قوله # كذبت رسل من قبلك # وقوله # إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم # و # جاءتهم رسلهم بالبينات # و # قالت رسلهم # وحجة حمزة انه فعل متقدم مسند الى مؤنث غير حقيقي. وانما التأنيث للجمع، ~~فهو ms1343 مثل قوله # وقال نسوة في المدينة # وما أشبه ذلك مما يأتيه تأنيث الجمع، قال وليس ذلك خلافا للمصحف، لان ~~الالف الممالة تكتب ياء. # وقوله { وهو القاهر } معناه والله المتقدر المستعلي على عباده الذين هو ~~فوقهم لا على أنه في مكان مرتفع فوقهم وفوق مكانهم، لان ذلك لا يجوز ~~عليه، لانه صفة للاجسام. ومثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان، يراد به ~~أنه أعلى امرا، وانفذ قولا. ومثله قوله تعالى # يد الله فوق أيديهم # والمراد أنه أقوى واقدر منهم وانه القاهر لهم. # وقوله: { ويرسل عليكم حفظة } يعني يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم ~~ويحصونها عليكم ويكتبونها ليعلموا بذلك أن عليهم رقيبا من عند الله ~~ومحصيا عليهم فينزجروا عن المعاصي. وبين ان هؤلاء الحفظة هم شهداء عليكم ~~بهذه الاعمال يوم القيامة. # وقوله { حتى إذا جاء أحدكم الموت } يعني وقت الموت { توفته رسلنا } يعني ~~قبضت الملائكة روح المتوفى، وهم رسل الله الذين عناهم الله بهذه الآية. ~~وقال الحسن: { توفته رسلنا } قال هو ملك الموت وأعوانه وأنهم لا يعلمون ~~آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قبل الله بقبض أرواح العباد. وقوله: { ~~توفته رسلنا } أي تقبضه، والتوفى هو القبض على مابيناه. ثم إن هؤلاء ~~الرسل { لا يفرطون } أي لا يقصرون - في قول الزجاج - ولا يغفلون، ولا ~~يتوانون. وقال الجبائي: لا يأخذون روحه قبل أجله ويبادرون الى ما أمروا ~~به عن غير تقصير، ولا تفريط. والمعنى في التوفي ان يعلم العباد أنهم ~~يحصون اذا ماتوا فلا يرون أنهم يهملون اذا ماتوا وأن احدا منهم لا يثبت ~~ذكره ليجزى بعمله. # ثم بين ان هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة الى الله فيردهم ~~الى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه الا الله ولا يملك نفعهم ولا ~~ضرهم سواه فجعل ردهم الى ذلك الموضع ردا الى الله، وبين أنه هو { مولاهم ~~الحق } لانه خالقهم ومالكهم، والقاهر عليهم القادر على نفعهم وضرهم، ولا ~~يجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك كان مولاهم الحق. وقال البلخي: ~~(الحق) اسم ms1344 من اسماء الله وهو خفض، لانه نعت لله، ويجوز الرفع على معنى ~~الله مولاهم الحق، ويجوز ان ينصب على معنى يعني مولاهم، والقراءة بالخفض. # وقوله: { ألا له الحكم } معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم ~~القيامة هو له وحده؟، ولا يملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك ~~الحكم في الدنيا غيره بتمليك الله اياه. # وقوله: { وهو أسرع الحاسبين } روي أنه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب ~~شاة، وذلك يدل على أنه لا يحتاج ان يكلفهم مشقة وآلة على ما يقوله ~~المشبهة، لانه لو كان كذلك لاحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله ~~محاسبته عن محاسبة غيره. وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له: كيف ~~يحاسب الله الخلق وهم لا يرونه؟ قال: كما يرزقهم ولا يرونه. # والمعنى في الآية أنه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة وتوفوا من ~~الانفس لا يخفى عليه من ذلك خافية ولا يحتاج في عده الى فكر ونظر. ### || [6.63-64] # قرأ يعقوب { قل من ينجيكم } مخففا. الباقون بالتشديد. وقرأ أبو بكر { ~~وخفية } بكسر الخاء - ها هنا -، وفي الاعراف. وقرأ اهل الكوفة الا ابن ~~شاهي " أنجانا " على لفظ الاخبار عن الواحد الغائب، وأماله حمزة والكسائي ~~وخلف. الباقون " أنجيتنا " على وجه الخطاب. # وقرأ اهل الكوفة الا العبسى وهشام وأبو جعفر { قل الله ينجيكم } ~~بالتشديد. الباقون بالتخفيف. يقال: نجا زيد ينجو، قال الشاعر: # نجا سالم والنفس منه لشدقه # فاذا نقلت الفعل حسن أن تنقله بالهمزة فتقول انجيته، ويجوز أن ننقله ~~بتضعيف العين، فتقول نجيته، ومثله فرحته وأفرحته وعرضته وأعرضته، قال ~~الله تعالى # فأنجاه الله من النار # فأنجيناه والذين معه # وقال # ونجينا الذين # فلما أستوت اللغتان وجاء التنزيل بهما تساوت القراءتان. # ووجه قراءة من قرأ { لئن أنجانا } أنه حمله على الغيبة كقوله { ~~تدعونه... لئن أنجانا } ، وكذلك ما بعده { قل الله ينجيكم } { قل هو ~~القادر } فهذا كله أسماء غيبة ف (أنجانا) أولى من (انجيتنا) لكونه على ~~ما قبله، وما بعده من لفظ الغيبة، وموضع (يدعونه) نصب على ms1345 الحال، وتقديره ~~قل من ينجيكم داعين وقائلين { لئن أنجيتنا }. ومن قرأ من الكوفيين { لئن ~~أنجانا } طلب المشاكلة. ومن قرأ بالتاء واجه بالخطاب ولم يراع المشاكلة. ~~ويقوي ذلك قوله في أخرى { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل ~~الله ينجيكم } فجاء انجيتنا على الخطاب وبعده اسم غيبة. # وأما إمالة حمزة والكسائي فحسنة، لان هذا النحو من الفعل اذا كان على ~~أربعة أحرف أستمرت فيه الامالة، لانقلاب الالف ياء في المضارع. # ومن قرأ { خفية } بكسر الخاء، فلأن أبا عبيدة قال { خفية } تخفون في ~~أنفسكم وخفي غيره خفية، وخفية لغتان، وحكي خفوة وخفوة بالواو، كما قالوا ~~حل حبوته وحبيته، ولا يقرأ بذلك. فأما قوله { تضرعا وخيفة } ففعلة من ~~الخوف. وانقلبت الواو، للكسرة. والمعنى أدعوا خائفين خافيين، قال الشاعر: # فلا تقعدن على زخة # وتضمر في القلب وجدا وخيفا # يريد جمع خيفة. # أمر الله تعالى نبيه ان يخاطب الخلق ويقول لهم على وجه التقريع لمن يعبد ~~الاصنام منهم - { من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } ومعناه شدائد البر ~~والبحر، تقول العرب لليوم الذي يلقى فيه الشدة: يوم مظلم حتى أنهم ~~يقولون: يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، قال الشاعر: # ابني أسد هل تعلمون بلاءنا # اذا كان يوم ذو كواكب أشهب # وقال آخر: # فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي # اذا كان يوم ذو كواكب أشهب # فمعنا ظلمات البر والبحر شدائدهما. وقوله: { تدعونه.. وخفية } أي مظهرين ~~الضراعة، وهي شدة الفقر الى الشىء والحاجة و { تدعونه.. خفيه } أي تدعونه ~~في أنفسكم بما تضمرون من حاجاتكم اليه كما تظهرون. # وقوله { لئن أنجيتنا من هذه } أي في شدة وقعوا فيها، يقولون { لئن ~~أنجيتنا من هذه } لنشكرنك، فأمر الله ان يسألهم على وجه التوبيخ لهم ~~والتقرير بأنه ينجيهم وأنه القادر على نفعهم وضرهم. ثم أعلمهم ان الله ~~الذي أقروا بأنه ينجيهم هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الاصنام التي قد ~~علموا أنها من صنعهم وأنها لا تضر ولا تنفع وأنه تعالى على تعذيبهم قادر. ### || [6.65] # هذا أمر ms1346 من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء ~~الكفار: ان الله قادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم نحو الحجارة التي ~~أمطرها على قوم لوط، والطوفان الذي غرق به قوم نوح { أو من تحت أرجلكم } ~~نحو الخسف الذي نال قارون ومن خسف به { أو يلبسكم شيعا } معنى يلبسكم ~~يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق يقال: لبست عليه الامر ألبسه اذا لم ~~تبينه، وخلطت بعضه ببعض، ومنه قوله # وللبسنا عليهم ما يلبسون # ويقال لبست الثوب ألبسه. ومعنى { شيعا } أي يجعلكم فرقا لا تكونون شيعة ~~واحدة فاذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله { ويذيق بعضكم ~~بأس بعض } وانما يلبسهم الله شيعا بأن يكلهم الى أنفسهم ولا يلطف لهم ~~اللطف الذي يؤمنون عنده ويخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، فيلبس عند ~~ذلك عليهم أمرهم، فيختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. ثم أكد الاحتجاج ~~عليهم، فقال: { أنظر كيف نصرف الآيات } لتفقهوا. # وقال الحسن: الآية متناولة، لاهل الكتابين في التهديد بالخسف، وانزال ~~العذاب { أو يلبسكم شيعا } يتناول أهل الصلاة. وقال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم): # " سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، وسألته ألا ~~يهلكم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلالة، فأعطاني، وسألته أن ~~لا يلبسهم شيعا، فمنعني ذلك ". # وفي الآية دلالة على أنه تعالى أراد من الكفار الايمان، لانه قال: فعلت ~~هذا بهم { لعلهم يفقهون } ومعناه لكي يفقهوا، لان معنى الشك لا يجوز عليه ~~تعالى. واذا ثبت أنها دخلت للغرض ثبت أنه أراد ان يؤمنوا به ويوحدوه، ~~ويفقهوا أدلته ويعرفوها. # وروي عن ابي عبد الله (ع) أنه قال معنى { عذابا من فوقكم } السلطان ~~الجائر { ومن تحت أرجلكم } السفلة، ومن لا خير فيه { أو يلبسكم شيعا } ~~قال: العصبية { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال سوء الجوار، ويكون معنى البعث ~~على هذا الوجه التمكين ورفع الحيلولة دون أن يفعل ذلك أو يأمر به، يتعالى ~~الله عن ذلك. ### || [6.66-67] # آية في المدنيين والبصري وآيتان ms1347 في الكوفي، آخر الاولى { بوكيل }. # قوله تعالى { وكذب به قومك } أي بما صرف من الآيات التي ذكرها في الآية ~~الاولى - في قول البلخي والجبائي - وقال الازهري: الهاء راجعة الى ~~القرآن. ثم أخبر تعالى، فقال { وهو الحق } وأمره أن يقول لقومه { لست ~~عليكم بوكيل } أي لم أؤمر بمنعكم من التكذيب بآيات الله وان أحفظكم من ~~ذلك وان أحول بينكم وبينه، لان الوكيل على الشىء هو القائم بحفظه، والذي ~~يدفع الضرر عنه. # وقال البلخي: هذه نزلت بمكة قبل أن يؤمر بالقتال، ثم امر فيما بعد ذلك. ~~وأمره ان يخبرهم ان { لكل نباء } يخبرهم به { مستقر } وهو وقته الذي ~~يعلمون فيه صحة ما وعدهم به وحقيقته، وذلك عند كون مخبره، اما في الدنيا، ~~واما في الآخرة { وسوف تعلمون } فيه تهديد لهم بكون ما أخبرهم به من ~~العذاب النازل بهم في الدنيا والآخرة، ووقت كون هذا العذاب هو مستقر ~~الخبر. وقال بعضهم: أنبأه الله بالوقت الذي يظفره فيه بهم. وقال الزجاج ~~يجوز أن يكون اراد وقت الاذن في محاربتهم حتى يدخلوا في الاسلام أو ~~يقبلوا الجزية ان كانوا أهل كتاب. # وقوله: { وكذب به قومك } المراد به الخصوص، لان في قومه جماعة صدقوا به، ~~وهو كما يقول القائل: هؤلاء عشيرتي، يشير الى جماعة وان لم يكونوا جميع ~~عشيرته. ### || [6.68] # قرأ ابن عامر { وإما ينسينك } بتشديد السين. الباقون بالتخفيف. # خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بهذه الآية، فقال له { إذا ~~رأيت } هؤلاء الكفار { الذين يخوضون في آياتنا }. قال الحسن، وسعيد بن ~~جبير: معنى { يخوضون } يكذبون { بآياتنا } وديننا والخوض التخليط في ~~المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم واليقين. ومثله قول القائل: ~~تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سداد، فهم يذهبون ويجيئون من غير تحقيق ~~ولا قصد للواجب - أمره حينئذ ان يعرض عنهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } ~~لان من حاج من هذه حاله وأراد التبيين له فقد وضع الشىء في غير موضعه وحط ~~من قدر الدعاء، والبيان والحجاج. ثم قال له (صلى الله عليه ms1348 وسلم) ان ~~انساك الشيطان ذلك { فلا تقعد بعد الذكرى } - والذكرى والذكر واحد - { مع ~~القوم الظالمين } يعني هؤلاء الذين يخوضون في ذكر الله وآياته. ثم رخص ~~للمؤمنين بقوله: # وما على الذين يتقون من حسابهم # بأن يجالسوهم اذا كانوا مظهرين للتكبر عليهم غير خائفين منهم، ولكن ذكرى ~~يذكرونهم أي ينبهونهم ان ذلك يسوءهم { لعلهم يتقون } ثم نسخ ذلك بقوله # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها # الى قوله: # إنكم إذا مثلهم # وبهذا قال سعيد بن جبير والسدي وجعفر بن مبشر، واختاره البلخي وقال: في ~~أول الاسلام كان ذلك يخص النبي (صلى الله عليه وسلم) ورخص المؤمنين فيه، ~~ثم لما عز - الاسلام، وكثر المؤمنون نهوا عن مجالستهم ونسخت الآية. # واستدل الجبائي بهذه الآية على انه لا يجوز على الائمة المعصومين على ~~مذهبنا التقية. (وقال: لانهم اذا كانوا الحجة كانوا مثل النبي، وكما لا ~~يجوز عليه التقية فكذا الامام - على مذهبكم -)! # وهذا ليس بصحيح، لانا لا نجوز على الامام التقية فيما لا يعرف الا من ~~جهته، كالنبي وانما يجوز التقية عليه فيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة ~~الى العلم، لان المكلف علته مزاحة في تكليفه، وكذلك يجوز في النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أن لا يبين في الحال، لامته ما يقوم منه بيان منه أومن ~~الله أو عليه دلالة عقلية، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر ~~حين سأله عن الكلالة فقال # " يكفيك آية الصيف " # وأحال آخر في تعرف الوضوء على الآية، فأما ما لا يعرف الا من جهته، فهو ~~والامام فيه سواء لا يجوز فيهما التقية في شىء من الاحكام. # واستدل الجبائي أيضا بالآية على ان الانبياء يجوز عليهم السهو والنسيان ~~قال بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنه لا يجوز عليهم شىء من ذلك. ~~وهذا ليس بصحيح أيضا لأنا نقول انما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما ~~يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فانه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ~~ذلك ms1349 إلى الاخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ~~ويغشى عليهم، والنوم سهو وينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا وما جرى لهم ~~فيما مضى من الزمان، والذي ظنه فاسد. # وقال أيضا في الآية دلالة على وجوب انكار المنكر لانه تعالى أمره ~~بالاعراض عنهم على وجه الانكار والازدراء لفعلهم وكل أحد يجب عليه ذلك ~~اقتداء بالنبي. ### || [6.69] # فية تأويلان: # أحدهما - قال الجبائي والزجاج واكثر المفسرين ان المراد ليس على المتقين ~~من حساب الكافرين وما يخوض فيه المشركون، ولا من مكروه عاقبته شىء { ولكن ~~ذكرى } أي نهوا عن مجالستهم ليزدادوا تقى وأمروا ان يذكروهم وينبهوهم على ~~خطأهم لكي يتقي المشركون اذا رأوا أعراض هؤلاء المؤمنين عنهم، وتركهم ~~مجالستهم فلا يعودون لذلك. # والثاني - قال البلخي: ليس على المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه ولا ~~تبعة ولكنه أعلمهم بأنهم محاسبون وحكم بذلك عليهم لكي يعلموا أن الله ~~يحاسبهم، فيتقوا فعلى الاول الهاء والميم كناية عن الكفار وعلى الثاني عن ~~المؤمنين. # و { ذكرى } يحتمل ان يكون في موضع رفع ونصب، فالنصب على تقدير ذكرهم ~~ذكرى والرفع على وجهين: احدهما - ولكن عليكم ان تذكروهم، كما قال: # إن عليك إلا البلاغ # والثاني - على تقدير ولكن الذي يأمرونهم به ذكرى ليتقوا عذاب الله. # وقال أبو جعفر (ع): لما نزلت { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } ~~قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزء المشركون بالقرآن قمنا ~~وتركناهم فلا ندخل اذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام، فأنزل الله ~~تعالى { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } وامرهم بتذكيرهم ~~وتبصيرهم ما أستطاعوا. ### || [6.70] # معنى قوله { ذر } دع يقال: وذر يذر مثل ودع يدع، فاذا أمرت منه قلت: ~~ذركما قال { ذرهم يأكلوا }. # وقوله { الذين أتخذوا دينهم لعبا ولهوا } يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم ~~انهم أتخذوا دين الله لعبا ولهوا، لانه لا معنى لمحاجة من كانت هذه ~~سبيله، لانه لاعب عابث، لا يصغي لما يقال له، فالمكلم له والمحتج عليه ~~غير منتفع ولا نافع. وقد قطع الله ms1350 عذر هؤلاء الذين يذهبون مذهب اللعب بما ~~أدركوه بعقولهم، وما شاهدوه من آياته { وغرتهم الحياة الدنيا }. ثم امر ~~نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يذكر به، يعني القرآن. وقيل الحساب، لكي لا ~~تبسل نفس بما كسبت أي تدفع الى الهلكة على وجه الغفلة وتسلم لعملها غير ~~قادرة على التخلص، قال الشاعر في الغريب المضيف: # وابسالي بني بغير جرم # بعوناه ولا بدم مراق # أي اسلامي اياهم. بعوناه اجترمناه، والبعو الجناية. وقيل: معنى تبسل ~~ترهن ويسلم لعمله. قال الاخفش: معنى " تبسل " تجازى من ابسل ابسالا، ومنه ~~قوله # أولئك الذين أبسلوا # قال الكسائي: " تبسل " تجزى يعني في الكلام. وقال الفراء: معناه يسلم ~~ويقال اعط الراقي بسلته أي أجرته على رقيته. ويقال أسد باسل، معناه ان ~~معه من الاقدام ما يستبسل له قرنه، ويقال هذا بسل أي حرام، وهو بسل أي ~~حلال. وهذا من الاضداد. # { شراب من حميم } قال الضحاك الحميم هو الماء الذي احمي حتى انتهى ~~غليانه. # وقوله: { وإن تعدل كل عدل } قال بعضهم ان يفد كل فدية يريد ان يجعلها ~~عدلا لها من قوله # لا يقبل منها عدل # وقال غيره معناه وان تقسط كل قسط لا يقبل منها في ذلك اليوم لان التوبة ~~انما هي في الحياة الدنيا. ثم أخبر تعالى انه ليس لهؤلاء الكفار { ولي ~~ولا شفيع } أي لا ناصر لهم، ولا من يسأل فيهم واخبر أيضا أن هؤلاء في ~~قوله { أولئك الذين أبسلوا } هم الذين يجازون بما كسبوا وان لهم شرابا من ~~حميم وعقابا أليما بما كانوا يكفرون، نعوذ بالله منها. وقيل: ما من أمة ~~الا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون، الا أمة محمد فان أعيادهم صلاة وتكبير ~~ودعاء وعبادة. ### || [6.71] # قرأ حمزة { استهواه الشياطين } بألف ممالة، الباقون بالتاء المعجمة من ~~فوق قال ابو عبيدة { كالذي استهوته الشياطين } أي استمالت به، ذهبت به، ~~ومنه # فأزلهما الشيطان عنها # وكذلك هوى وأهوى غيره، قال تعالى: # والمؤتفكة أهوى # يقال أهويته واستهويته، كما قال { فأزلهما الشيطان } و # إنما استزلهم الشيطان # ، فكما أن ازله بمعنى ms1351 استزله كذلك استهواه بمنزلة أهواه، وكما أن معنى ~~استجابه أجابه في قول الشاعر: # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقرأ حمزة ها هنا مثل قراءته " توفاه " وكلا المذهبين حسن. # وقوله: { استهواه } انما هو من قولهم: هوى من حالق اذا تردى منه. ويشبه ~~به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن زل انما هو من العباد، والمكان ~~أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمؤمنين أن يقولوا لهؤلاء الذين ~~يدعونهم الى عبادة الاوثان والاصنام { أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا } ~~ان عبدناه، ولا يضرنا ان تركنا عبادته { ونرد على أعقابنا } بعد الهدى ~~والرشاد وبعد معرفتنا بالله وتصديق رسله الى الضلال، وذلك مثل يقال فيمن ~~رجع عن خير الى شر: رجع على عقبيه، وكذلك اذا خاب من مطلبه، يقال رد على ~~عقبيه، ويصير في الحيرة { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران } لا ~~يهتدي الى طريق، ولا معرفة { له أصحاب يدعونه } الى الطريق الواضح وهو ~~الهدى ويقولون له { ائتنا } ولا يقبل منهم، ولا يصير اليهم غير انه لذهاب ~~عقله من فعل الله، فيستولي الشيطان حينئذ عليه، ولا يقبل من أحد لحيرته. ~~شبه الله به الكافر الذي يرجع عن ايمانه وهداه الى الضلال. قال ولا يقدر ~~أحد من الشياطين على اذهاب عقل أحد، لانهم لو قدروا على ذلك لسلبوا عقول ~~العلماء من حيث انهم أعداؤهم، فلما لم يقدروا على ذلك دل على أنه لا ~~يقدر على ذلك الا الله. # ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء الكفار { إن هدى الله هو الهدى } أي دلالة ~~الله لنا على توحيده وأمر دينه هو الهدى الذي يؤدي المستدل به الى الفلاح ~~والرشاد في دينه وهو الذي يجب أن يعمل عليه ويستدل به دون ما يدل عليه ~~غيره من سوى أمور الدين. وقوله { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } معناه ~~أمرنا أن نسلم امورنا لله رب العالمين وان نفوضها اليه ونتوكل عليه لا ~~على غيره مما يعبده المشركون. # و { حيران } نصب الحال، وتقديره كالذي استهونه الشياطين في حال حيرته. ~~وقوله { له ms1352 أصحاب يدعونه الى الهدى } قيل: نزلت في عبد الرحمن ابن أبي ~~بكر، كان أبواه يدعوانه الى الايمان ويقولان له { ائتنا } ، أي تابعنا في ~~ايماننا { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } تقول العرب: أمرتك ان تفعل وأمرتك ~~لتفعل وأمرتك بأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للالصاق. ~~والمعنى وقع الامر بهذا الفعل. ومن قال أمرتك أن تفعل حذف الباء، ومن قال ~~أمرتك لتفعل المعنى أمرنا للاسلام. قال الزجاج: يكون اللام لام التعليل ~~والتقدير أمرنا كي نسلم قال الشاعر: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # أي كي أنسى. وقال الطبري: معناه وأمرنا لنخضع له بالذلة والطاعة ونخلص ~~ذلك له دون ما سواه من الانداد والالهة. ### || [6.72] # تحتمل هذه الآية وجهين: # احدهما - أن يكون التقدير أمرنا لان نسلم، ولان نقيم الصلاة. # والثاني - ان يكون محمولا على المعنى، لان معناه أمرنا بالاسلام، واقامة ~~الصلاة، وموضع (أن) نصب، لان الباء لما أسقطت أفضى الفعل، فنصب. ويحتمل ~~أن يكون محمولا على قوله { يدعونه إلى الهدى ائتنا } وان { أقيموا الصلاة ~~} أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة. وهذه الآية موصولة بالتي قبلها أي { ~~أمرنا لنسلم لرب العالمين } وقيل لنا { أقيموا الصلاة واتقوه } اي اتقوا ~~رب العالمين بأن تجتنبوا معاصيه وتتقوا عقابه. ثم بين أنه { هو الذي إليه ~~تحشرون } أن تجمعون اليه يوم القيامة فيجازي كل عامل منكم بعمله، وتوفى ~~كل نفس بما كسبت. ### || [6.73] # آيتان في البصري والمدنيين وآية في الكوفي. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء الكفار الذين ~~يعبدون الاصنام، ويدعون المؤمنين الى عبادتها { وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين } الذي خلق السماوات والارض بالحق، وفي معنى بالحق قولان: # احدهما - قال الحسن والبلخي والجبائي والزجاج والطبري: ان معناه خلقهما ~~للحق لا للباطل. ومعناه خلقهما حقا وصوابا لا باطلا وخطأ، كما قال تعالى: # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا # وادخلت الباء والالف واللام كما أدخلت في نظائرها يقولون: فلان يقول ~~بالحق، بمعنى أنه يقول الحق، لا أن الحق معنى غير القول بل التقدير ms1353 ان ~~خلق الله السماوات والارض حكمة وصواب من حكم الله، وهو موصوف بالحكمة في ~~خلقهما وخلق ما سواهما من جميع خلقه لا أن هناك حقا سوى خلقهما خلقهما ~~به، وذلك يدل على بطلان ما يقوله المجبرة: ان هذا كله باطل وسفه، وما ~~يخالف الحكمة هو من فعل الله، تعالى الله عن ذلك. # والثاني - قال قوم: معنى ذلك أنه خلق السماوات والارض بكلامه، وهو قوله # ائتيا طوعا أو كرها # قالوا: فالحق هو كلامه واستشهدوا على ذلك بقوله # ويوم يقول كن فيكون قوله الحق # أن الحق هو قوله وكلامه. قالوا والله خالق الاشياء بكلامه، وذلك يوجب أن ~~يكون كلامه قديما غير مخلوق، وقد بينا فساد هذا الوجه فيما تقدم، ~~والمعتمد الاول. # وقوله { ويوم يقول كن فيكون } نصب (يوم) على وجوه: # احدها - على معنى واتقوا { يوم يقول كن فيكون } نسقا على الهاء كما قال: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا # والثاني - أن يكون على معنى واذكر يوم يقول كن فيكون لان بعده { وإذ قال ~~إبراهيم } والمعنى واذكر { يوم يقول كن فيكون } واذكر { إذ قال إبراهيم } ~~وهو الذي أختاره الزجاج. # والثالث - أن يكون معطوفا على { السماوات والأرض بالحق } وخلق { يوم ~~يقول كن فيكون }. فان قيل: ان يوم القيامة لم يخلق بعد؟ قيل: ما أخبر ~~الله بكونه فحقيقة واقع لا محالة وقال قول: التمام عند قوله { كن } وقوله ~~{ فيكون قوله الحق } ابتداء أي ما وعدوا به من الثواب وحذروا به من ~~العقاب كائن حق قوله بذلك. # وقوله { كن فيكون } قال قوم هو خطاب للصور. والمعنى ويوم يقول للصور كن ~~فيكون. وقد بينا فيما مضى أن ذلك عبارة عن سرعة الفعل وتيسيره وانه لا ~~يتعذر عليه شىء بمنزلة أن يقول كن فيكون، لا أن هناك أمر على الحقيقة ~~وكيف يكون هناك أمر والامر لا يتوجه الا الى الحي القادر؟! والمعدومات ~~والجمادات لا يحسن أمرها ولا خطابها. والغرض بالآية الدلالة على سرعة أمر ~~البعث والساعة، كأنه قال ويوم يقول للخلق: موتوا فيموتون وانتشروا ~~فينتشرون اي ms1354 لا يتعذور عليه ولا يتأخر عن وقت ارادته. # وقيل { يوم يقول كن فيكون قوله الحق } أي يأمر فيقع امره. والحق من صفة ~~قوله. كما يقول القائل قد قلت، فكان قولك. والمعنى ليس انك قلت فكان ~~الكلام. وانما المعنى انه كان ما دل عليه القول. وعلى القول الاول يرفع { ~~قوله } بالابتداء و { الحق } خبر الابتداء. وحكي عن قوم من السلف { فيكون ~~} بالنصب باضمار (ان). وتقديره كن فأن يكون، وهذا ضعيف. # وقوله { وله الملك يوم ينفخ في الصور } يحتمل نصب { يوم ينفخ } ثلاثة ~~أوجه: # احدها - ان يكون متعلقا ب { له الملك } والتقدير له الملك يوم ينفخ في ~~الصور وانما خص ذلك اليوم بأن الملك له كما خصه في قوله { لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار }. وقرأ بعضهم { ينفخ } بفتح الياء. و { عالم ~~الغيب والشهادة } فاعل { ينفخ } وهو شاذ، روي عن ابن عباس ذلك، والوجه ~~أنه لا يبقى ملك من ملكه الله في الدنيا او يغلب عليه بل ينفرد هو تعالى ~~بالملك. # والثاني - ان يكون يوم ينفخ بيانا على قوله { يوم يقول كن فيكون } # الثالث - ان يكون منصوبا ب { قوله الحق }. والمعنى وقوله الحق يوم ~~ينفخ، الصور. والوجه في اختصاص ذلك اليوم بالذكر ما بيناه في الوجه ~~الاول، لان قوله حق في جميع الاوقات. وفي معنى الصور قولان: # احدهما - ما عليه اكثر المفسرين من انه اسم لقرن ينفخ فيه الملك فيكون ~~منه الصوت الذي يصعق له اهل السماوات واهل الارض، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى ~~للنشور، وهو الذي اختاره البلخي والجبائي والزجاج والطبري واكثر ~~المفسرين. # والثاني - أنه جمع صورة مثل قولهم سورة وسور اختاره ابو عبيدة. # وقرأ بعضهم في الشواذ في الصور بفتح الواو وذلك يقوى ما قاله ابو عبيدة، ~~ويكون تقديره يوم ينفخ في الاموات. ويقوي الاول قوله تعالى # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات # ثم قال # ثم نفخ فيه أخرى # ولم يقل فيها أخرى او فيهن وذلك يدل على انه واحد. وروى ابو سعيد الخدري ~~قال قال رسول الله (صلى ms1355 الله عليه وسلم): # " كيف انعم وقد التقم صاحب القرن وحنا جنبيه وأصغا سمعه ينتظر ان يؤمر، ~~فينفخ؟! قالوا: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال قالوا: حسبنا الله ونعم ~~الوكيل ". # والعرب تقول نفخ الصور ونفخ في الصور، قال الشاعر: # لولا ابن جعدة لم يفتح قهندركم # ولا خراسان حتى ينفخ الصور # وروي عن ابن عباس ان الصور يعني به النفخة الاولى. ثم بين انه عالم ~~الغيب والشهادة اي ما يشاهده الخلق وما لا يشاهدونه وما يعلمونه وما لا ~~يعلمونه، ولا يخفى عليه شىء من ذلك. وبين انه الحكيم في أفعاله الخبير ~~العالم بعباده وبأفعالهم، ورفع عالم الغيب لانه نعت للذي في قوله { وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض بالحق عالم الغيب والشهادة } ويحتمل ان يكون ~~اسم ما لم يسم فاعله كما يقولون اكل طعامك عبد الله، فيظهر اسم فاعل ~~الاكل بعد ان قد جرى الخبر بما لم يسم فاعله، والاول أجود، فأما من فتح ~~الياء في ينفخ فانه جعل عالم الغيب فاعله مرتفعا به. ### || [6.74] # قرأ اكثر القراء { آزر } بنصب الراء. وقرأ ابو بريد المدني والحسن ~~البصري ويعقوب بالضم. فمن قرأ بالنصب جعل { آزر } في موضع خفض بدلا من ~~أبيه. ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره يا آزر. # وقال الزجاج: لا خلاف بين اهل النسب ان اسم ابي ابراهيم تارخ والذي في ~~القرآن يدل على ان اسمه { آزر } وقيل { آزر } ذم في لغتهم كأنه قال: واذ ~~قال ابراهيم لابيه يا مخطىء اتتخذ أصناما فعلى هذا قال الزجاج الاختيار ~~الرفع. قال: ويجوز أن يكون وصفا له كأنه قال واذ قال ابراهيم لابيه ~~المخطىء. قال الزجاج: وقيل { آزر } اسم صنم، فموضعه نصب على اضمار الفعل، ~~كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه أتتخذ آزر، وجعل { أصناما } بدلا من آزر ~~واشباهه. فقال بعد أن قال اتتخذ آزر الها اتتخذ اصناما آلهة. والذي قاله ~~الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا، ان آزر كان جده لامه أو كان عمه، لان أباه ~~كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أن آباء ms1356 النبي (صلى الله عليه وسلم) الى آدم ~~كلهم كانوا موحدين لم يكن فيهم كافر، وحجتهم في ذلك اجماع الفرقة المحقة، ~~وقد ثبت أن اجماعها حجة لدخول المعصوم فيها، ولا خلاف بينهم في هذه ~~المسألة. وأيضا روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " نقلني الله من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات لم يدنسني بدنس ~~الجاهلية " # ، وهذا خبر لا خلاف في صحته، فبين النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الله ~~نقله من أصلاب الطاهرين فلو كان فيهم كافر لما جاز وصفهم بأنهم طاهرون، ~~لان الله وصف المشركين بأنهم أنجاس، فقال # إنما المشركون نجس # ولهم في ذلك أدلة لا نطول بذكرها الكتاب لئلا يخرج عن الغرض. # واختلفوا في معنى (آزر) هل هو اسم أو صفة، فقال السدي ومحمد ابن اسحاق ~~وسعيد بن عبد العزيز والجبائي والبلخي: انه اسم أبي ابراهيم، وهو تارخ ~~كما قيل ليعقوب: اسرائيل، قالوا: ويجوز ان يكون لقبا غلب عليه. وقال ~~مجاهد: ليس آزر أبا ابراهيم وانما هو اسم صنم. وقال قوم هو سب وعبث ~~بكلامهم، ومعناه معوج. و { إذ } في الآية متعلقة بقوله واذكر { وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } والالف الف انكار لا استفهام وان ~~كان قد خرج مخرج الاستفهام. # وقوله { إني أراك في ضلال مبين } يعني في ضلال عن الصواب وقوله { مبين } ~~يدل على انه قال ذلك منكرا، والمبين هو البين الظاهر، والغرض بالآية حث ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) على محاجة قومه الذين يدعونه الى عبادة ~~الاصنام والازدراء على فعلهم والاقتداء في ذلك بأبيه ابراهيم (صلى الله ~~عليه وسلم) وصبره على محاجة قومه العابدين للاصنام ليتسلى بذلك ويقوي ~~دواعيه الى ذلك. والاصنام جمع صنم وهو مثال من حجر او خشب او من غير ذلك ~~في صورة انسان وهو الوثن. وقد يقال للصورة المصورة على صورة الانسان في ~~الحائط وغيره صنم ووثن. ### || [6.75] # معنى قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت } أي مثل ما وصفنا من قصة ابراهيم ~~من قوله لابيه ما قال نريه { ملكوت ms1357 السماوات } أي انا كما أريناه أن قومه ~~في عبادة الاصنام ضالون كذلك نريه ملكوت السماوات والارض # وقيل في معنى الملكوت أقوال: قال الزجاج، والفراء والبلخي والجبائي ~~والطبري وهو قول عكرمة: ان الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذه اللفظة ابلغ ~~من الملك، لان الواو والتاء يزادان للمبالغة. ومثل الملكوت الرغبوت ~~والرهبوت ووزنه (فعلوت) وفى المثل (رهبوت خير من رغبوت) ومن روى (رهبوتي ~~خير من رحموتي) معناه أن يكون له هيبة يرهب بها خير من أن يرحم. # وقال مجاهد (ملكوت السماوات والأرض) ملكهما بالنبطية. # وقال الضحاك: يعني خلقهما، وبه قال ابن عباس، وقتادة. وروي عن مجاهد ~~أيضا أن معناه آيات السماوات والارض. وروي عن مجاهد وابن عباس أيضا أنه ~~أراد بذلك ما أخبر الله عنه أنه أراه من النجوم والشمس والقمر، حين خرج ~~من المغارة، وبه قال القتادة. وقال الجبائي: المعنى انا كنا نري ابراهيم ~~ملكوت السماوات والارض والحوادث الدالة على أن الله مالك لها، ولكل شىء ~~بنفسه، لا يملكه سواه، فأجرى الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات ~~والارض مجازا. # وقوله { وليكون من الموقنين } أي اريناه ملكوت السماوات ليستدل به على ~~الله وليكون من الموقنين أن الله هو خالق ذلك والمالك له. والموقن هو ~~العالم الذي يتيقن الشىء بعد أن لم يكن مثبتا، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه ~~متيقن كما يوصف بأنه عالم، لانه تعالى عالم بها فيما لم يزل،. وقال أبو ~~جعفر (ع): كشط الله له السموات والارض حتى رآهن وما عليهن من الملائكة ~~وحملة العرش، وذلك قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض }. # فان قيل كيف يجوز أن يرى ما تحت الارضين والارض حجاب لما تحتها وكذلك ~~السماء فوقها؟ # قلنا: لا يمتنع أن يجعل الله تعالى منها خروقا ومنافذ ويقوي شعاعه حتى ~~ينفذ فيها فيرى ما فوقها وما تحتها ولا يمنع من ذلك مانع، ومثل هذا روي ~~عن مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وسلمان. ### || [6.76-79] # قرأ ابن ذكوان، وحمزة والكسائي وخلف، ويحيى والكسائي عن أبي بكر (رأى) ~~بكسر الراء ms1358 وامالة الهمزة منه ومن قوله # رأى أيديهم # في هود، و { رآى قمصه } و # رأى برهان ربه # في يوسف و # رأى نارا # في طه و # لقد رأى # في النجم سبعة مواضع. وهو ما لم يقله ساكن ولم يتصل بمكنى، وافقهم ~~العليمي في { رأى كوكبا } حسب. # وقرأ أبو عمرو - بفتح الراء - وإمالة الهمزة فيهن. الباقون بفتح الراء ~~والهمزة. فأن لقي (رأى) ساكنا، وهو ستة مواضع ها هنا: { رأى القمر } و { ~~رأى الشمس } وفي النحل # وإذا رأى الذين أشركوا # وفي الكهف # ورأى المجرمون # وفى الاحزاب # ولما رأى المؤمنون # بكسر الراء وكسر الهمزة فيهن حمزة وخلف وبصير وأبو بكر الا الاعشى. ~~البرجمي. الباقون بفتح الراء والهمزة فان اتصل رأى بمكنى نحو (رآه ورآك ~~ورآها) فكسر الراء وامال الهمزة حيث وقع حمزة والكسائى وخلف ويحيى ~~والكسائي عن أبي بكر. # وقرأ أبو عمرو والداحوني عن ابن ذكوان - بفتح الراء وامالة الهمزة - ~~الباقون بفتحهما. قال ابو علي الفارسي: وجه قراءة من لم يملها انه ترك ~~الامالة كما تركوا الامالة في قولهم: دعا، ورمى. فلما لم يمل الالف لم ~~يمل الالف التي قبلها، كما أمالها من يرى الامالة ليميل الالف نحو الياء. # ومن قرأ بين الفتح والكسر كما قرأ نافع، فلا يخلو أن يريد الفتحتين ~~اللتين على الراء والهمزة، او الفتحة التي على الهمزة وحدها، فان كان ~~يريد فتحة الهمزة فأنما أمالها نحو الكسرة ليميل الالف التي في " رأى " ~~نحو الياء كما أمال الفتحة التي على الدال من (هدى) والميم من (رمى). وان ~~كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعا التي على الراء والتي على الهمزة، ~~فإمالة فتحة الهمزة على ما تقدم ذكره، واما امالة الفتحة التي على الراء ~~فأنما أمالها لاتباعه اياها امالة فتحة الهمزة، كأنه امال الفتحة كما ~~أمال الالف في قولك: رأيت عمادا، اذ الفتحة الممالة بمنزلة الكسرة فكما ~~أميلت الفتحة في قولك: من عامر، لكسرة الراء كذلك أميلت فتحة الراء من ~~(رأى) لامالة الفتحة التي على الهمزة. والتقديم والتأخير في ذلك سواء. # ومن كسر الراء ms1359 والهمزة فالوجه فيه أنه كسر الراء من (رأى) لان المضارع ~~منه على (يفعل) واذا كان المضارع منه على (يفعل) كان الماضى على (فعل) ~~ألا ترى ان المضارع في الامر العام اذا كان على (يفعل) كان الماضى على ~~فعل. وعلى هذا قالوا: إيت بيتنا، فكسروا حرف المضارعة. كما كسروا في نحو ~~يحيى، ويعلم، ويفهم. وكسروا الياء أيضا في هذه الحروف، فقالوا: إيتنا، ~~ولم يكسروها في (يعلم ويفهم) اذا كان الماضى على فعل فيما يترك كسر الراء ~~التي هي فاء، لان العين همزة. # وحروف الحلق اذا جاءت في كلمة على زنة (فعل) كسرت فيها الفاء لكسر العين ~~في الاسم والفعل، نحو قولهم: غير قعر، ورجل حبر، وفحل، وفي الفعل نحو ~~(شهد ولعب ونعم) فكسرة الياء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة ~~ممالة، واما كسرة الهمزة فأنه يراد به امالة فتحتها الى الكسرة، لتميل ~~الالف نحو الياء. # ومن ترك الامالة اذا لقيها ساكن، فانهم كانوا يميلون الفتحة لميل الالف ~~نحو الياء، فلما سقطت الالف بطلت امالتها بسقوطها، وبطلت بذلك امالة ~~الفتحة نحو الكسرة لسقوط الالف التي كانت الفتحة الممالة لميلها نحو ~~الياء في مثل { رأى الشمس } و { رأى القمر } ونحوهما في جميع القرآن. ومن ~~وافق في بعض ذلك دون بعض أحب الاخذ باللبس. # ووجه قراءة أبي بكر وحمزة في { رأى الشمس } و { رأى القمر } بكسر الراء ~~وفتح الهمزة في جميع القرآن، أن كسر الراء انما هو للتنزيل الذي ذكرناه، ~~وهو معنى منفصل من إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى انه يجوز ان يعمل هذا ~~المعنى من لا يرى الامالة كما يجوز ان يعمله من يراها. واذا كان كذلك كان ~~انفصال أحدهما من الآخر سائغا غير ممتنع. فأما رواية يحيى عن أبي بكر - ~~بكسر الراء والهمزة معا - فانما يريد بكسرة الهمزة إمالة فتحتها، فوجه ~~كسر الراء قد ذكروا امالة فتحها مع زوال ما كان يوجب امالتها من حذف ~~الالف، فلأن الالف محذوفة لالتقاء الساكنين. وما يحذف لالتقاء الساكنين ~~ينزل تنزيل المثبت. ألا ترى انهم ms1360 أنشدوا: # ولا ذاكر الله الا قليلا # فنصب الاسم بعد (ذاكر) وان كانت النون محذوفة لما كان الخذف لالتقاء ~~الساكنين. والحذف لذلك في تقدير الاثبات، من حيث كان التقاؤهما غير لازم ~~ولذلك لم تزد الالف في نحو (رمت المرأة) ويشهد لذلك أنهم قالوا: شهد، ~~فكسروا الفاء لكسر العين، ثم أسكنوا فقالوا - شهد، فأبقوا الكسرة في ~~الفاء مع زوال ما كان أصلها وانشد قول الاخطل: # اذا غاب عنا غاب عنا فرأتنا # وان شهد أجدى فضله وجداوله # وقالوا: صعق، ثم نسبوا اليه فقالوا: صعقي، فأقروا كسرة الفاء مع زوال ~~كسرة العين التي لها كسرت الفاء. وزعم أبو الحسن ان ذلك لغة مع ما فيه من ~~وجوه التلبيس وأنها قراءة. # يقال: جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجنه، وأجن عليه، ومع حذف " على " ~~فأجنه بالالف أفصح من جنه الليل. وكل ذلك مسموع، فلغة أسد جنه الليل، ~~ولغة تميم أجنه، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا وأجن إجنانا. ~~ويقال: أتانا فلان في جن الليل. والجن مشتق من ذلك، لانهم استجنوا عن ~~أعين الناس، فلا يرون، وكلما توارى عن أبصار الناس، فان العرب تقول: قد ~~جن. # ومنه قول الهذلي: # وماء وردت قبيل الكرى # وقد جنه السدف الادهم # وقال عبيد: # وخرق تصيح الهام فيه مع الصدى # مخوف اذا ما جنه الليل مرهوب # وتقول: اجننت الميت اذا واريته في اللحد وجننته وهو مثل جنون الليل في ~~معنى غطيته وسمي الترس مجنا لانه يجن اي يغطي، وقال الشاعر: # فلما أجن الليل بتنا كأننا # على كثرة الاعداء محترسان # قوله { فلما جن عليه الليل } أي أظلم. وقوله { فلما أفل } معناه غاب ~~يقال: أفل يأفل أفولا، وتقول اين أفلت عنا، واين غبت عنا، قال ذو الرمة: # مصابيح ليست باللواتي تقودها # نجوم ولا بالآفات الدوالك # وقوله { رأى القمر بازغا } أي طالعا، يقال: بزغت الشمس بزوغا اذا طلعت، ~~وكذلك القمر، وقوله للشمس { هذا ربي } وهي مؤنثة معناه هذا الشىء الطالع ~~ربي او على أنه حين ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرب في كلامهم، فقال ms1361 ~~لهم هذا ربي؟! # وقيل في معنى هذه الآية وجوه أربعة: # الوجه الاول - ما قاله الجبائي: ان ما حكى الله عن ابراهيم في هذه الآية ~~كان قبل بلوغه، وقبل كمال عقله ولزوم التكليف له، غير انه لمقاربته كمال ~~العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من ~~هذه الحوادث، فلما رأى الكوكب - وقيل: انه الزهرة - وبان نوره مع تنبيهه ~~بالخواطر على الفكر فيه وفي غيره ظن انه ربه، وأنه هو المحدث لما شاهده ~~من الاجسام وغيرها { فلما أفل قال لا أحب الآفلين } لانه صار منتقلا من ~~حال الى حال وذلك مناف لصفات القديم { فلما رأى القمر بازغا } عند طلوعه ~~رأى كبره واشراق ما انبسط من نوره في الدنيا { قال هذا ربي } فلما راعاه ~~وجده يزول ويأفل، فصار عنده بحكم الكوكب الذي لا يجوز ان يكون بصفة ~~الاله، لتغيره وانتقاله من حال الى حال، { فلما رأى الشمس بازغة } أي ~~طالعة قد ملأت الدنيا نورا ورأى عظمها وكبرها { قال هذا ربي هذا أكبر ~~فلما أفلت } وزالت وغابت، فكانت شبيهة بالكوكب والقمر قال حينئذ لقومه { ~~إني برىء مما تشركون } فلما أكمل الله عقله ضبط بفكره النظر في حدوث ~~الاجسام بأن وجودها غير منفكة من المعاني المحدثة، وأنه لا بد لها من ~~محدث، قال حينئذ لقومه { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.. } الى ~~آخرها. # والوجه الثإني - ما قاله البلخي وغيره: من أن هذا القول كان من ابراهيم ~~في زمان مهلة النظر، لان مهلة النظر مدة، الله العالم بمقدارها، وهي اكثر ~~من ساعة. وقال البلخي: وأقل من شهر، ولا يدري ما بينهما الا الله، فلما ~~أكمل الله عقله وخطر بباله ما يوجب عليه النظر وحركته الدواعي على الفكر ~~والتأمل له. قال ما حكاه الله، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله، ~~وانما اكتسب المعرفة لما أكمل الله عقله، وخوفه من ترك النظر بالخواطر، ~~فلما رأى الكوكب - وقيل هو الزهرة - رأى عظمها واشراقها وما هي عليه من ~~عجيب الخلق، وكان قومه يعبدون الكواكب، ms1362 ويزعمون أنها آلهة - قال هذا ~~ربي؟! على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت، وعلم ان الافول لا ~~يجوز على الله علم انها محدثة متغيرة لتنقلها، وكذلك كانت حاله في رؤية ~~القمر والشمس، وأنه لما رأى افولهما قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهما، ~~وقال في آخر كلامه { إني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } وكان هذا القول منه عقيب ~~معرفته بالله وعلمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه. # فان قيل: كيف يجوز ان يقول: هذا ربي مخبرا، وهو يجوز أن يكون مخبره لا ~~على ما اخبر، لانه غير عالم بذلك، وذلك قبيح في العقول، ومع كمال عقله لا ~~بد أن يلزمه التحرز من الكذب؟! # قلنا عن ذلك جوابان: # احدهما - انه قال ذلك فارضا مقدرا، لا مخبرا بل على سبيل الفكر والتأمل، ~~كما يقول الواحد منا لغيره اذا كان ناظرا في شىء ومحتملا بين كونه على ~~إحدى صفتين: انا نفرضه على احداهما لننظر فيما يؤدي ذلك الفرض اليه من ~~صحة او فساد، ولا يكون بذلك مخبرا، ولهذا يصح من احدنا اذا نظر في حدوث ~~الاجسام وقدمها ان يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي اليه ذلك الفرض من ~~الفساد. # والثإني - انه اخبر عن ظنه وقد يجوز ان يكون المفكر المتأمل ظانا في حال ~~نظره وفكره ما لا اصل له ثم يرجع عنه بالادلة والعلم ولا يكون ذلك منه ~~قبيحا. # فان قيل: ظاهر الآيات يدل على ان ابراهيم ما كان رأى هذه الكواكب قبل ~~ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون الى مدة ~~كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم؟! # قلنا: لا يمتنع ان يكون ما رأى السماء الا في ذلك الوقت، لانه روي أن ~~أمه ولدته في مغارة لا يرى السماء، فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج ~~من المغارة ورأى السماء وفكر فيها. وقد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه ~~لم يفكر فيها ولا ms1363 نظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلما كمل ~~عقله وحركته الخواطر فكر في الشىء الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا ~~فيه. # والوجه الثالث - ان ابراهيم لم يقل ما تضمنته الآيات على وجه الشك ولا ~~في زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، ~~فانه لا يجوز ان يكون بصفة الكوكب، وانما قال ذلك على سبيل الانكار على ~~قومه والتنبيه لهم على ان ما يغيب وينتقل من حال الى حال لا يجوز ان يكون ~~إلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. # ويكون قوله { هذا ربي } محمولا على أحد وجهين. # احدهما - أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم كما يقول احدنا للمشبه على وجه ~~الانكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك ويسكن وان كان عالما بفساد ذلك. # والثإني - أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، ~~كما قال الاخطل: # كذبتك عينك أم رايت بواسط # غلس الظلام من الرباب خيالا # وقال آخر: # لعمرك ما أدري وان كنت داريا # بسبع رمين الجمر ام بثمانيا # وقال ابن أبي ربيعة: # ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد النجم والحصى والتراب # وقال أوس بن حجر: # لعمرك ما أدري وان كنت داريا # شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر # وانما أراد أشعيب بن سهم أم شعيب بن منقر. # فان قيل: حذف حرف الاستفهام انما يجوز اذا كان في الكلام عوضا منه نحو ~~(أم) للدلالة عليه، ولا يستعمل مع فقد العوض، وفى الابيات عوض عن حرف ~~الاستفهام، وليس ذلك في الآية. # قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع ثبوت العوض تارة وأخرى مع فقده اذا زال ~~اللبس، وبيت ابن أبي ربيعة ليس فيه عوض ولا فيه حرف الاستفهام، وانشد ~~الطبري: # رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع # فقلت وانكرت الوجوه هم هم # أي أهم هم؟، وروي عن ابن عباس في قوله { فلا اقتحم العقبة } أنه قال ~~معناه أفلا اقتحم العقبة، وحذف حرف الاستفهام. واذا جاز ان يحذفوا حرف ~~الاستفهام لدلالة الخطاب جاز أن ms1364 يحذفوه لدلالة العقل، لان دلالة العقل ~~أقوى من غيرها. # والوجه الرابع - أن ابراهيم قال ذلك على وجه المحاجة لقومه بالنظر كما ~~يقول القائل: اذا قلنا: ان لله ولدا لزمنا أن نقول له زوجة، وان يطأ ~~النساء وأشباه ذلك، وليس هذا على وجه الاقرار والاخبار والاعتقاد بذلك، ~~بل على وجه المحاجة فيجعلها مذهبا ليرى خصمه المعتقد لها فسادها. # وكل هذه الآيات فيها تنبيه لمشركي العرب وزجر لهم عن عبادة الاصنام وحث ~~على الاخذ بدين ابراهيم ابيهم وسلوك سبيله في النظر والفكر والتدين، ~~لانهم كانوا قوما يعظمون أسلافهم وآباءهم فأعلمهم الله تعالى ان اتباع ~~الحق من دين ابيهم الذي يقرون بفضله اوجب عليهم ان كان بهم تعظيم الآباء ~~والكراهة لمخالفتهم. # وفي الآية دلالة على ان معرفة الله ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية ~~لما احتاج ابراهيم الى الاستدلال على ذلك، ولكان يقول لقومه: كيف تعبدون ~~الكواكب وانتم تعلمون حدوثها وحدوث الاجسام ضرورة، وتعلمون ان لها محدثا ~~على صفات مخصوصة ضرورة، وما كان يحتاج الى تكلف الاستدلال والتنبيه على ~~هذا. # وقوله { لئن لم يهدني ربي } معناه لئن لم يلطف بي ويسددني ويوفقني ~~لاصابة الحق في توحيده { لأكونن من القوم الضالين } الذين ضلوا عن الحق ~~وأخطأوا طريقه، فلم يصيبوا الهدى. # وليس الهداية - ها هنا - الادلة، لان الادلة كانت سبقت حال زمان النظر، ~~فان التكليف لا يحسن من دونها ولا يصح مع فقدها. # وقوله في الشمس { هذا أكبر } يعني من الكواكب وحذف لدلالة الكلام عليه. ~~وقوله { إني وجهت وجهي } معناه أخلصت عبادتي وقصدت بها الى الله الذي خلق ~~السماوات والأرض. وفيه اخبار عن ابراهيم واقرار منه واعتراف بأنه (ع) ~~خالف قومه أهل الشرك، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قول ~~الحق لقلة تابعيه. وقال لهم { إني برىء مما تشركون } مع الله - الذي ~~خلقني وخلقكم - في عبادته من آلهتكم بل { وجهت وجهي } في عبادتي الي الذي ~~خلق السماوات ولارض الذي يبقى ولا يفنى، الحي الذي لا يموت. واخبر انه ~~يوجه عبادته ويخلصها له ms1365 تعالى. والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من ~~التوحيد لا على الوجه الذي توجه له من حيث ليس بحنيف. ومعنى الحنيف هو ~~المائل الى الاستقامة على وجه الرجوع فيه. وقوله { وما أنا من المشركين } ~~إني لست منكم، ولا ممن يدين بدينكم، ويتبع ملتكم أيها المشركون. ### || [6.80] # قرأ اهل المدينة وابن ذكوان { أتحاجوني } بتخفيف النون. الباقون ~~بتشديدها. # وقرأ الكسائي والعبسي { وقد هداني } بالامالة. الباقون بالتفخيم. # قال ابو علي: من شدد فلا نظر في قوله. ومن خفف فانه حذف النون الثانية ~~لالتقاء الساكنين. والتضعيف يكره، فيتوصل الى ازالته تارة بالحذف نحو علم ~~أني فلان، وتارة بالابدال نحو لا املاه عني تفارقا، ونحو ديوان وقيراط، ~~فحذفوا الثانية منهما كراهية التضعيف. ولا يجوز ان يكون المحذوفة الاولى، ~~لان الاستثقال يقع بالتكرير في الامر الاعم وفي الاولى أيضا أنها دلالة ~~الاعراب ولذا حذفت الثانية كما حذف الشاعر في قوله: # ليتي أصادفه وافقد بعض مالي # وقال بعضهم حذف هذه النون لغة غطفان. وحكى سيبويه هذه القراءة مستشهدا ~~بها في حذف النونات كراهية التضعيف. اما إمالة (هداني) فحسنة، لانه من ~~هدى يهدي، فهو من الياء. واذا كانوا أمالوا (غزا، ودعا)، لانه قد يصير ~~الى الياء في غزي ودعي. فهذا لا اشكال في حسنه. # قوله { وحاجة قومه } يعني في وجوب عبادة الله وترك عبادة آلهتهم ~~وخوفوه من تركها وان لا يأمن ان تخبله آلهتهم من الاصنام وغيرها، فقال ~~لهم ابراهيم (ع) { أتحاجوني في الله وقد هداني } بأن وفقني لمعرفته ولطف ~~بي في العلم بتوحيده وترك الشرك واخلاص العبادة له { ولا أخاف ما تشركون ~~به } أي لا اخاف منه ضررا ان كفرت به ولا أرجو نفعا إن عبدته، لانه بين ~~صنم قد كسر، فلم يدفع عن نفسه أو نجم دل أفوله على حدوثه، فكيف تحاجوني ~~وتدعونني الى عبادة من لا يخاف ضرره ولا يرجا نفعه { إلا أن يشاء ربي ~~شيئا } فيه قولان: # احدهما - الا أن يقلبها الله، فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع، فيكون ضررها ~~ونفعها اذ ذاك دليلا على ms1366 حدوثها أيضا، وعلى توحيد الله وأنه المستحق ~~للعبادة دون غيره وانه لا شريك له في ملكه، ثم أثنى عليه تعالى فأخبر ~~بأنه عالم بكل شىء، وامرهم بالتذكر والتدبر لما أورده عليهم مما لا ~~يدفعونه ولا يقدرون على انكاره ان انصفوا. # الثاني - قال الحسن: قوله: { ولا أخاف ما تشركون به } أي لا اخاف ~~الاوثان { إلا أن يشاء ربي شيئا } استوجبه على الله تعالى، او يشاء الله ~~ان يدخلني في ملتكم بالكفر. والاول هو الاجود. # { أتحاجوني } أصله (أتحاجونني) بنونين احداهما للجمع والاخرى لاسمه، ~~فأدغمت احداهما في الاخرى، فشددت ومثله (تأمر ونني) وقد يخفف مثل هذا في ~~بعض المواضع، قال الشاعر: # أبا لموت الذي لا بد أني # ملاق لا أباك تخوفيني # فجاء بنون واحدة وخففها، والاول أجود واكثر في العربية. ### || [6.81] # في هذه الآية احتجاج من ابراهيم (ع) على قومه وتأكيد لما قدم من الحجاج ~~لانه قال لهم: وكيف تلزمونني ان اخاف ما أشركتم به من الاوثان المخلوقة ~~وقد تبين حالهم، وانهم لا يضرون ولا ينفعون، وانتم لا تخافون من هو ~~القادر على الضر والنفع بل تتجرؤن عليه وتتقدمون بين يديه بأن تجعلوا ~~له شركاء في ملكه وتعبدونهم من دونه، فأي الفريقين احق بالامن: نحن ~~المؤمنون الذين عرفنا الله بأدلته ووجهنا العبادة نحوه؟ ام أنتم المشركون ~~بعبادته غيره من الاصنام والاوثان؟ ولو أطرحتم الميل والحمية والعصبية ~~لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا. # وقوله { ما لم ينزل به سلطانا } أي حجة لان السلطان هو الحجة في اكثر ~~القرآن، وذلك يدل على ان كل من قال قولا واعتقد مذهبا بغير حجة مبطل. # وقوله { إن كنتم تعلمون } معناه ان كنتم تستعملون عقولكم وعلومكم ~~وتحكمونها على ما تهوونه وتميل اليه أنفسكم. # وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول بالتقليد وتحريم النظر والحجاج، ~~لان الله تعالى مدح ابراهيم لمحاجته لقومه وامر نبيه بالاقتداء به في ذلك ~~فقال # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه # ثم قال بعد ذلك: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } اي بأدلتهم ~~اقتده. ### || [6.82] # تحتمل ms1367 هذه الآية ان تكون اخبارا عن الله تعالى دون الحكاية عن ابراهيم ~~بأنه قال تعالى: ان من عرف الله تعالى وصدق به وبما أوجب عليه ولم يخلط ~~ذلك بظلم، فان له الامن من الله بحصول الثواب والامان من العقاب وهو ~~المحكوم له بالاهتداء - وهو قول ابن اسحاق وابن زيد والطبري والجبائي ~~وابن جريج - وقال البلخي: ان ذلك من قول ابراهيم، لانه لما قطع خصمه ~~والزمه الحجة أخبر ان الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فانهم ~~الآمنون المهتدون. قال: وكذلك يفعل من وضحت حجته وانقطع بعد البيان خصمه. # والظلم المذكور في الآية هو الشرك عند أكثر المفسرين: ابن عباس وسعيد ~~ابن المسيب وقتادة ومجاهد وحماد بن زيد وأبي بن كعب وسلمان (رحمة الله ~~عليه) قال أبي ألم تسمع قوله # إن الشرك لظلم عظيم # وهو قول حذيفة. # وروي عن عبد الله بن مسعود انه قال لما نزلت هذه الآية شق على الناس، ~~وقالوا يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه، فقال: انه ليس الذي تعنون ألم ~~تسمعوا الى ما قال العبد الصالح # يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # وقال الجبائي والبلخي واكثر المعتزلة: انه يدخل فيه كل كبيرة تحبط ثواب ~~الطاعة، قال فان من هذه صورته لا يكون آمنا ولا مهتديا. قال البلخي: ولو ~~كان الامر على ما قالوه انه يختص بالشرك لوجب ان يكون مرتكب الكبيرة اذا ~~كان مؤمنا يكون آمنا وذلك خلاف القول بالارجاء. # وهذا الذي ذكروه خلاف أقاويل المفسرين من الصحابة والتابعين. وما قاله ~~البلخي لا يلزم لانه قول بدليل الخطاب لان المشرك غير آمن بل هو مقطوع ~~على عقابه بظاهر الآية، ومرتكب الكبيرة غير آمن لانه يجوز العفو، ويجوز ~~المؤاخذة وان كان ذلك معلوما بدليل، وظاهر قوله { ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } وان كان عاما في كل ظلم، فلنا ان نخصه بدليل أقوال المفسرين وغير ~~ذلك من الادلة الدالة على أنه يجوز العفو من غير توبة. وروي عن علي (ع): ~~أن الآية مخصوصة بابراهيم. وقال عكرمة ms1368 مختصة بالمهاجرين. واما الظلم في ~~أصل اللغة فقد قال الاصمعي هو وضع الشيء في غير موضعه، قال الشاعر يمدح ~~قوما: # هرت الشقاشق ظلامون للجزر # فوصفهم انهم ظلامون للجزر، لانهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه، ~~وكذلك الارض المظلومة سميت بذلك لانه صرف عنها المطر، ومنه قول الشاعر: # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # سماها مظلومة لانهم كانوا في سفر فتحوضوا حوضا لم يحكموا صنعته ولم ~~يضعوه في موضعه. ### || [6.83] # قرأ اهل الكوفة ويعقوب { درجات من نشاء } الباقون بالاضافة، من اضاف ذهب ~~الى ان المرفوعة هي الدرجات لمن نشاء ومن نون اراد ان المرفوع صاحب ~~الدرجات، وتقديره نرفع من نشاء درجات، والدرجات معناها المراتب. وفي أصل ~~اللغة هي المراقي فشبه علو المنازل بها. # أخبر الله تعالى ان الحجج التي ذكرها ابراهيم لقومه آتاه الله اياها ~~واعطاها اياه، بمعنى انه هداه لها فانه احتج بها بأمر الله ورضيها منه ~~وصوبه فيها، ولهذا جعلها حجة على الكفار. # وقوله { نرفع درجات من نشاء } من المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويطيعونه ~~ويبلغون من الايمان والدعاء إلى الله منزلة عظيمة وأعلا درجة ممن لم يبلغ ~~من الايمان مثل منزلتهم، وبين انه حكيم فيما يدبره من أمور عباده عليم ~~بهم وبأعمالهم، وفي ذلك دلالة على صحة المحاجة والمناظرة في الدين ~~والدعاء الى توحيد الله والاحتجاج على الكافرين، لانه تعالى مدح ذلك ~~واستصوبه. ومن حرم الحجاج فقد رد - صريح القرآن. ### || [6.84-90] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { اليسع } بتشديد اللام، وفتحها وسكون الياء ها ~~هنا، وفي (ص). الباقون بسكون اللام وفتح الياء. قال الزجاج التشديد ~~والتخفيف لغتان. وقال ابو علي الالف واللام ليستا للتعريف بل هما زائدتان ~~وكان الكسائي يستصوب القراءة بلامين ويخطىء من قرأ بغيرهما كأن الاسم ~~عنده { ليسع } ثم يدخل الالف واللام. قال ولو كانت (يسع) لم يجز أن يدخل ~~الالف واللام، كما لا يدخل في (يزيد) و { يحيى }. قال الاصمعي فقلت له، ~~ف (اليرصع) من الحجارة و (اليعمل) من الابل و (اليحمد) حي من اليمن، ~~فكأنما ألقمته حجرا، وبعدها فانا ms1369 قد سمعناهم يسمعون ب (يسع) ولم نرهم ~~يسمعون ب (ليسع). وقال الفراء: القراءة بالتشديد اشبه بالاسماء العجمية ~~التخفيف. قال لانهم لا يكادون يدخلون الالف واللام في ما لا يجر مثل ~~(يزيد، ويعمر) الا في الشعر أنشدني بعضهم: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله # قال وانما أدخلوا الالف واللام في يزيد لدخولهما في الوليد، فاذا فعلوا ~~ذلك فقد أمسوا الحرف مدحا. # قوله { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } الهاء في (له) كناية عن ابراهيم (ع) { ~~كلا هدينا } نصب كلا ب (هدينا) و { نوحا هدينا من قبل } معناه هديناه ~~قبل ابراهيم. وقوله { ومن ذريته داود وسليمان } تقديره وهدينا داود ~~وسليمان نسقا على نوح. ويحتمل أن يكون قوله { ومن ذريته } الهاء راجعة ~~الى نوح لان الانبياء المذكورين كلهم من ذريته. قال الزجاج ويجوز أن يكون ~~من ذريته ابراهيم لان ذكرهما جميعا قد جرى، وأسماء الانبياء التي جاءت ~~بعد قوله { ونوحا هدينا من قبل } نسق على (نوح) نصب كلها، ولو رفعت على ~~الابتداء كان صوابا. قال أبو علي الجبائي: الهاء لا يجوز أن تكون كناية ~~عن ابراهيم، لان فيمن عدد من الانبياء لوطا وهو كان ابن اخته، وقيل ابن ~~اخيه، ولم يكن من ذريته. # وهذا الذي قاله ليس بشىء، لانه لا يمنع أن يكون غلب الاكثر. وجميع من ~~ذكر من نسل ابراهيم، على أنه قال فيما روى عنه ابن مسعود أن الياس: ~~إدريس، وهو جد نوح، ولم يكن من ذريته، ومع هذا لم يطعن على قول من ~~قال: إنها كناية عن نوح. وقال ابن اسحاق: الياس هو ابن اخي موسى ويجوز ~~أن تكون الهاء كناية عن ابراهيم ويكون من سماهم الى قوله { وكل من ~~الصالحين } من ذريته، ثم قال { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا } فعطفهم ~~على قوله { ونوحا هدينا }. # وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين من ولد رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم)، لأن عيسى جعله الله من ذرية ابراهيم أو نوح، وإنما كانت أمه من ~~ذريتهما، والوجه في الآيات أن الله تعالى ms1370 أخبر أنه رفع درجة ابراهيم بما ~~جعل في ذريته من الانبياء وجزاه بما وصل اليه من السرور والابتهاج عندما ~~أعلمه عن ذلك وبما أبقى له من الذكر الرفيع في الاعقاب، والجزاء على ~~الاحسان لذة وسرور من أعظم السرور واكثر اللذات إذا علم الانسان بأنه ~~يكون من عقبة وولده المنسوبين اليه أنبياء يدعون الى الله ويجاهدون في ~~سبيله ويكونون ملوكا وخلفاء يطيعون الله ويحكمون بالحق في عباد الله. # ثم اخبر انه جزى نوحا بمثل ذلك على قيامه في الدعاء اليه والجهاد في ~~سبيله. والهداية في الآيات كلها هو الارشاد الى الثواب دون الهداية التي ~~هي نصب الادلة، لانه تعالى قال في آخر الآيات: { وكذلك نجزي المحسنين } ~~فبين أن ذلك جزاء ولا يليق إلا بالثواب الذي يختص به المحسنون دون ~~الهداية التي هي الدلالة ويشترك فيها المؤمن والكافر، وهو قول أبي علي ~~الجبائي والبلخي. # وقوله: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة } إشارة الى من ~~تقدم ذكره من الانبياء. # وقوله { فإن يكفر بها هؤلاء } يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) في ذلك الوقت، { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } ~~معنى { وكلنا بها } اي وكلنا بمراعاة أمر النبوة وتعظيمها والأخذ بهدي ~~الانبياء قوما ليسوا بها بكافرين. وإنما اضاف ذلك إلى المؤمنين وان كان ~~قد فعل بالكافرين أيضا ازاحة العلة في التكليف من حيث أن المؤمنين هم ~~الذين قاموا بذلك وعملوا به فأضافه اليهم، كما أضاف قوله { هدى للمتقين } ~~وان كان هداية لغيرهم. # وقيل في المعنيين بقوله { ليسوا بها بكافرين } ثلاثة اقوال: احدها - انه ~~عنى بذلك الانبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) في وقت مبعثهم وهو قول الحسن والزجاج والطبري والجبائي. قال ~~الزجاج لقوله تعالى { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وذلك اشارة ~~الى الانبياء الذين ذكرهم ووصفهم وامر النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~بالاقتداء بهداهم. # والثاني - انه عنى به الملائكة، ذهب اليه أبو رجاء العطاردي. # وقال قوم عنى به من آمن من ms1371 أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) في وقت ~~مبعثه. # وقال الفراء والضحاك: قوله { فإن يكفر بها هؤلاء } يعني أهل مكة { فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } يعني أهل المدينة، والأول أقوى. # وفى الآية دلالة على ان الله تعالى يتوعد من يعلم انه لا يشرك ولا يفسق ~~وان الوعد والوعيد قد يكونان بشرط. # وقوله: { أولئك الذين هدى الله } معناه اولئك الذين حكم الله لهم بالهدى ~~والرشاد، وزادهم هدى حين اهتدوا. والمراد به الانبياء الذين تقدم ذكرهم ~~ألثمانية عشر. وأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن يسلك سبيلهم ويأخذ ~~بهداهم في تبليغ الرسالة والصبر على المحن وان يقول لقومه { لا أسألكم ~~عليه أجرا } يعني على الاداء والابلاغ، ولكنه يذكر به العالمين وينبههم ~~على ما يلزمهم من عبادة الله والقيام بشكره. # وقوله { فبهداهم اقتده } قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب والكسائي عن ابي ~~بكر بحذف الهاء في الوصل واثباتها في الوقف. الباقون باثباتها في الوصل ~~والوقف وسكونها، إلا ابن ذكوان فانه كسرها، ووصلها بياء في اللفظ وإلا ~~هشاما فانه كسرها من غير صلة بتاء، ولا خلاف في الوقف انها بالهاء ساكنة. # قال ابو علي الفارسي الوجه الوقف بالهاء لاجتماع الكثرة، والجمهور على ~~إثباته، ولا ينبغي أن يوصل والهاء ثابتة، لانه هذه الهاء في السكت ~~بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل ~~للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة في الوصل كذلك ينبغي أن لا تثبت ~~الهاء. قال ابو علي وقراءة ابن عامر بكسر الهاء وإشمام الهاء الكسرة من ~~غير بلوغ ياء ليس بغلط، ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي ~~تلحق للوقف. وحسن اضماره لذكر الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: # فجال على وحشية وتخاله # على ظهره سبأ حديدا يمانيا # كأنه قال تخال خيلا على ظهره سبأ حديدا، ومثل ذلك قول الشاعر: # هذا سراقة للقرآن يدرسه # والمرؤ عند الرشا أن يلقها ذئب # فالهاء كناية عن المصدر، ويدل يدرسه على الدروس، ولا يجوز أن يكون ضمير ms1372 ~~القرآن، لان الفعل قد تعدى اليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى اليه والى ~~ضميره كما أنك إذا قلت أزيدا ضربته لم ينصب زيدا بضربت لتعديه الى ~~الضمير، وقياسه إذا وقف عليه أن يقول اقتده فيكسر (هاء) الضمير، كما ~~تقول اشتره في الوقف. وفي الوصل اشتريه لنا يا هذا. # واستدل قوم بقوله { فبهداهم اقتده } على ان النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~كان متعبدا بشريعة من قبله من الانبياء وهذا لا دلالة فيه، لان قوله { ~~فبهداهم اقتده } معناه فبأدلتهم اقتده. والدلالة ما اوجبت العلم ويجب ~~الاقتداء بها، لكونها موجبة للعلم لا غير ولذلك قال تعالى { ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشاء من عباده } فنسب الهدى الى نفسه، فعلم بذلك أنه أراد ما ~~قلناه. وقوله { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } يدل على أن الهدى ~~في قوله { واجتبيناهم وهديناهم } هداية الثواب على الاعمال الصالحة، لان ~~الثواب على الاعمال هو الذي ينحبط تارة ويثبت اخرى دون الهداية التي هي ~~الادلة الحاصلة للمؤمن والكافر. وقوله { وكلا فضلنا على العالمين } يعني ~~على عالمي زمانهم الذين ليسوا أنبياء وإنما دخلت (من) في قوله { من ~~آبائهم وذرياتهم } للتبعيض كأنه قال: وبعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض ~~اخوانهم هديناهم ولو لم تدخل (من) لاقتضى انه هدى جميعهم الهداية التي هي ~~الثواب، والامر بخلافه. وقوله { اجتبيناهم } معناه اخترناهم. # وقوله { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } لا يدل على صحة ثواب ~~طاعاتهم التي اشركوا في توجيهها الى غير الله لانهم اوقعوها على خلاف ~~الوجه الذي يستحق به الثواب، فأما ما تقدم فليس في الآية ما يقتضي بطلانه ~~غير أنا قد عملنا أنه إذا أشرك لا ثواب معه أصلا، لاجماع الامة على أن ~~المشرك لا يستحق الثواب، فلو كان معه ثواب وقد ثبت أن الاحباط باطل، لكان ~~يؤدي الى أن معه ثوابا وعقابا، لانا قد بينا بطلان القول بالتحابط في غير ~~موضع وذلك خلاف الاجماع. ### || [6.91] # قرأ ابن كثير وأبو عمرو { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } بالتاء ~~فيهن. الباقون بالياء ms1373 فيهن. ومن قرأ بالياء حمله على أنه للغيبة بدلالة ~~قوله: { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ~~قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى يجعلونه } فيحمله على الغيبة لان ما ~~قبله غيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب يعني قل لهم: { تجعلونه ~~قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } ويقوي القراءة بالتاء، قوله { وعلمتم ما ~~لم تعلموا } فجاء على الخطاب، وكذلك ما قبله. # ومعنى { تجعلونه قراطيس } تجعلونه ذوي قراطيس اي تودعونه إياها { ~~وتخفون } أي تكتمونه، وموضع قوله { تبدونها وتخفون كثيرا } يحتمل أمرين: # احدهما - ان يكون صفة القراطيس، لان النكرة توصف بالجمل. # والآخر - أن نجعله حالا من ضمير الكتاب من قوله { تجعلونه قراطيس } على ~~أن تجعل القراطيس الكتاب في المعنى، لانه مكتوب فيها. # روي أن سبب نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى حبرا من ~~أحبار اليهود سمينا يقال له: مالك بن الضيف، وقيل: فنحاص، فقال له النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) # " أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " # ؟ فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فلعنته اليهود وتبرأت منه، ~~فنزلت هذه الآية، ذكر ذلك عكرمة وقتادة، وقال محمد بن كعب القرطي: نزلت ~~في جماعة من اليهود. وروي مثل ذلك عن ابن عباس. وقال مجاهد نزلت في مشركي ~~قريش، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وهو أشبه بسياق الآية، لانهم الذين ~~أنكروا أن يكون الله أنزل كتابا على بشر، دون اليهود والنصارى. # ومعنى قوله { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عرفوه حق معرفته وما وصفوه ~~بما هو أهل أن يوصف به { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } أي ما ~~أرسل الله رسولا، ولم ينزل على بشر من شيء، مع أن المصلحة والحكمة ~~يقتضيان ذلك، ودلت المعجزات الباهرة على بعثة كثير منهم. ثم أمر الله ~~نبيه أن يقول لهم { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } ~~فانهم يقرون بذلك، وان الله أنزله وبعث موسى ms1374 (ع) نبيا وإن لم يقروا ~~بذلك فقد خرجوا من اليهودية الى قول من ينكر النبوات. والكلام على من ~~انكر ذلك أصلا مذكور في النبوات مستوفى لا نطول بذكره ها هنا. # وعلى ما قلناه: من أن الآية متوجهة الى مشركي قريش من حيث أن الله تعالى ~~من أول السورة الى ها هنا في الاخبار عن أوصاف المشركين وعن أحوالهم ~~وكذلك أول الآية في قوله { وما قدروا الله حق قدره } لأنهم كانوا لا ~~يعتقدون التوحيد ويعبدون مع الله الاصنام، وأهل الكتاب كانوا بخلاف ذلك، ~~لأنهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلك، وإن كان اليهود عندنا ~~أيضا غير عارفين بالله على وجه يستحقون به الثواب. # والقول الآخر أيضا محتمل. # فعلى ما اخترنا يكون قوله { قل من أنزل الكتاب } متوجها الى اليهود ~~والنصارى، لأنهم المقرون بذلك دون قريش ومشركى العرب، ويجوز أن يكون ~~متناولا للمشركين أيضا، ويكون على وجه الاحتجاج عليهم، والتنبيه لهم على ~~ما ظهر من معجزات موسى وظهور نبوته، وهذا الذي اخترناه قول مجاهد واختاره ~~الطبري والجبائي. # وقوله { تجعلونه قراطيس } أي تقطعونه فتجعلونه كتبا متفرقة وصحفا تبدون ~~بعضها وتخفون بعضها، يعني ما في الكتب من صفات النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) والبشارة به. ثم عطف على ما ابتدأ به من وصف الكتاب الذي جاء به ~~موسى وانه نور وهدى، فقال { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } على ~~لسان النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم أجاب عن الكلام الاول، فقال { قل ~~الله } وهذا معروف في كلام العرب، لان الانسان اذا أراد البيان والاحتجاج ~~بما يعلم أن الخصم مقر به ولا يستطيع دفعه ذكر ذلك. ثم تولى الجواب عنه ~~بما قد علم أن لا جواب له غيره. # وقوله { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } يقال مثل هذا لمن قامت عليه الحجة ~~الواضحة التي لا يمكنه دفعها، وليس على إباحة ترك الدعاء والانذار بل ~~على ضرب من الوعيد والتهديد، كأنه قال دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم. ويجوز ~~أن يكون أراد: دعهم فلا تقاتلهم، ولا تعمل ms1375 على قهرهم على قبول قولك الى ~~أن يؤذن لك في ذلك، فيكون إنما أباح ترك قتالهم لا ترك الدعاء والتحذير ~~وترك البيان والاحتجاج " ويلعبون " رفعه لانه لم يجعله جوابا لقوله { ~~ذرهم } ولو جعله جوابا لجزمه، كما قال # ذرهم يأكلوا ويتمتعوا # وكان ذلك جوابا وموضع { يلعبون } نصب على الحال، وتقديره ذرهم لاعبين في ~~خوضهم. وقال قوم: إن هذه الآية مدنية مع الآيتين اللتين ذكرناهما في أول ~~السورة، ويجوز أن يكون ذلك بمكة أيضا. ### || [6.92] # قرأ أبو بكر وحده " ولينذر " بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالتاء، ~~فلقوله # إنما أنت منذر من يخشاها # وقوله # وأنذر به الذين يخافون # ومن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لان فيه إنذارا لانه قد خوف ~~به في قوله # هذا بلاغ للناس ولينذروا به # وقوله # إنما أنذركم بالوحي # فلا يمتنع أسناد الانذار اليه على وجه التوسع. # وقوله { وهذا كتاب } إشارة الى القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ~~(صلى الله عليه وسلم) فعطف هذه الآية على ذكره الكتاب الذي جاء به موسى ~~(ع) فلما وصفه قال تعالى { وهذا كتاب أنزلناه مبارك }. وانه مصدق لما بين ~~يديه يعني ما مضى من كتب الانبياء كالتوراة والانجيل وغيرهما، وبين انه ~~انما انزله لتنذر به اهل مكة وهي ام القرى، ومن حولها. # قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: ام القرى مكة، ومن حولها اهل الارض كلهم ~~وانما خص اهل مكة بذلك لانها اعظم قدرا لان فيها الكعبة ولان الناس ~~يقصدونها بالحج والعمرة من جميع الآفاق. وإنذاره بالقرآن هو تخويفه ~~إياهم بألوان عذاب الله وعقابه ان اقاموا على كفرهم بالله ولم يؤمنوا به ~~وبرسوله. # وقوله: { والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } يعني بالقرآن. ويحتمل ان ~~يكون كناية عن محمد (صلى الله عليه وسلم) لدلالة الكلام عليه، وهذا يقوي ~~مذهبنا في انه لا يجوز ان يكون مؤمنا ببعض ما أوجب الله عليه دون بعض. ~~وبين انهم { على صلاتهم } يعني على أوقات صلاتهم { يحافظون } بمعنى ~~يراعون أوقاتها ليؤدوها في الاوقات ويقوموا باتمام ركوعها وسجودها وجميع ~~فرائضها. # وقيل ms1376 سميت مكة ام القرى لانها اول موضع سكن في الارض، وقيل ان الارض ~~كلها دحيت من تحتها فكانت اما لها. وقال الزجاج سميت بذلك لانها أعظم ~~القرى شأنا. ### || [6.93] # اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال اكثر المفسرين ان قوله { ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا } نزلت في مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة. وقال ~~انه يوحى اليه، وان قوله { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } نزلت في عبد ~~الله بن سعد ابن ابي سرح، فانه كان يكتب الوحي للنبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وكان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما. وإذا قال: ~~اكتب غفورا رحيما، كتب حكيما، وارتد ولحق بمكة. وقال إني انزل مثل ما ~~أنزل الله، ذهب اليه عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي والجبائي والفراء ~~والزجاج وغيرهم. # وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة. # وقال آخرون: نزلت في ابن ابي سرح خاصة والاول هو المروى عن أبي جعفر ~~(ع). # وقال البلخي: قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا وقال أوحي إلي ~~} هم الذين ادعوا النبوة بغير برهان وكذبوا على الله { ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله } هم الذين قالوا { لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين } فادعوا بما لم يفعلوا واعرضوا وبذلوا الانفس والاموال ~~واستعملوا في اطفاء نور من جاء بالكتاب سائر الحيل. ثم اخبر تعالى عن حال ~~من فعل ذلك، فقال: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت } وحذف جواب { ~~لو } وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما ~~وكل من كان في شيء كثير يقال له: غمر فلانا ذلك. ويقال قد غمر فلانا ~~الدين معناه كثر، فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر وغطى من كثرته ~~وقوله { والملائكة باسطوا أيديهم } معناه باسطوا ايديهم بالعذاب وقيل ~~بقبض ارواح الكفار. # وقوله: { أخرجوا أنفسكم اليوم } يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون تقديره يقولون: اخرجوا انفسكم، كما تقول للذي تعذبه ~~لازهقن نفسك ولاخرجن نفسك، فهم يقولون لهم اخرجوا انفسكم ms1377 على معنى الوعيد ~~والتهديد، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه ويكرهه على المضي بأن يجره او ~~بغير ذلك، وهو في ذلك يقول امض الآن لترى ما يحل بك. # والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر ~~الاشياء فيغطيها. وقال ابن عباس غمرات الموت سكراته، وبسط الملائكة ~~ايديها فهو مدها، وقال ابن عباس ايضا: البسط الضرب، يضربون وجوههم ~~وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم، وقال الضحاك: بسطها ايديها بالعذاب. # والثاني - ان يكون معناه خلصوا انفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص { ~~اليوم تجزون عذاب الهون } اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد، والهون - ~~بفتح الهاء وسكون الواو - من الرفق والدعة، كقوله { وعباد الرحمن الذين ~~يمشون على الأرض هونا } وقال الشاعر: # هونا كما لا يرد الدهر ما فاتا # لا تهلكن أسفا في أثر من ماتا # وقد روي فتح الهاء في معنى الهوان، قال عامر بن جوين: # يهين النفوس وهون النفو # س عند الكريهة اغلى لها # والمعروف ضم الهاء اذا كان بمعنى الهوان. قال ذو الاصبع العدواني: # اذهب اليك فما امي براعية # ترعى المخاض ولا اغضي على الهون # يعني على الهوان، وعن ابي جعفر (ع) عذاب الهون يعني العطش. # وقوله: { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } في موضع جر كأنه قال: ومن ~~اظلم ممن قال ذلك. ### || [6.94] # قرأ اهل المدينة والكسائي وحفص { بينكم } بنصب النون. الباقون برفعها. ~~والبين مصدر بان يبين إذا فارق قال الشاعر: # بان الخليط برامتين فودعوا # او كلما ظعنوا لبين تجرع # وقال ابو زيد: بان الحي بينونة وبينا إذا ضعنوا، وتباينوا تباينا اذا ~~كانوا جميعا فتفرقوا، قال والبين ما ينتهي اليه بصرك من حائط او غيره ~~واستعمل هذا الاسم على ضربين: احدهما - ان يكون اسما منصرفا كالافتراق. ~~والآخر - ان يكون ظرفا فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسما ويدل على ~~جواز كونه اسما قوله: # هذا فراق بيني وبينك # وقوله # من بيننا وبينك حجاب # فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز ان يسند اليه الفعل الذي هو تقطع ms1378 ~~في قراءة من رفع. ويدل على ان هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا انه لا ~~يخلو من ان يكون الذي هو ظرف اتسع فيه او يكون الذي هو مصدر ولا يجوز ان ~~يكون الذي هو مصدر، لان التقدير يصير لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف ~~المعنى المراد، لان المراد لقد تقطع وصلكم، وما كنتم تتألفون عليه. # فان قيل كيف جاز ان يكون بمعنى الوصل واصله الافتراق والتباين وعلى هذا ~~قالوا: بان الخليط اذا فارق، وفي الحديث ما بان من الحي فهو ميتة؟!. # قيل: انه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك شركة، وبيني ~~وبينه صداقة ورحم صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة فلذلك صار { ~~لقد تقطع بينكم } بمعنى لقد تقطع وصلكم ومثل بين في انه يجري في الكلام ~~ظرفا ثم يستعمل إسما بمعنى (وسط) ساكن العين ألا ترى أنهم يقولون: جلست ~~وسط القوم، فيجعلونه ظرفا لا يكون الا كذلك، وقد استعملوه إسما كما قال ~~الشاعر: # من وسط جمع بني قريظة بعدما # هتفت ربيعة يا بني خوات # وحكى سيبويه: هو احمر بين العينين. واما من نصب بينكم ففيه وجهان: # احدهما - انه اضمر الفاعل في الفعل ودل عليه ما تقدم من قوله: { وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } لان هذا الكلام فيه دلالة ~~على التقاطع والتهاجر وذلك المضمر هو الاصل، كأنه قال لقد تقطع وصلكم ~~بينكم # والثاني - ان يكون على مذهب ابي الحسن ان يكون لفظه منصوبا ومعناه ~~مرفوعا، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه في اكثر ~~الكلام وكذلك تقول في قوله # يوم القيامة يفصل بينكم # وكذلك قوله: # وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك # فدون في موضع رفع عنده وان كان منصوب اللفظ، كما تقول منا الصالح ومنا ~~الطالح فترفع. # وقال الزجاج: الرفع أجود وتقديره لقد تقطع وصلكم. والنصب جائز على تقدير ~~لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. # وقال الفراء في قراءة عبد الله { لقد تقطع ما بينكم }: وهو وجه الكلام ms1379 ~~اذا جعل الفعل ل (بين) ترك نصبا في موضع رفع، لانه صفة، فاذا قالوا هذا ~~دون من الرجال، فلم يضيفوه رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول بين الرجلين ~~بين بعيد وبون بعيد اذا افردته اجريته في العربية وأعطيته الاعراب. قال ~~مهلهل: # كأن رماحهم اشطان بئر # بعيد بين جاليها جرور # فرفع بين حيث كانت اسما. وقال مجاهد: معنى تقطع بينكم اي تواصلكم، وبه ~~قال قتادة وابن عباس، فمعنى الآية الحكاية عن خطاب الله تعالى يوم ~~القيامة لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله اندادا وشركاء، وانه يقول ~~لهم عند ورودهم: { لقد جئتمونا فرادى } وهو جمع فرد، وفريد، وفرد، وفردان ~~قال الازهري لا يجوز فرد على هذا المعنى. والعرب تقول: فرادى وفراد فلا ~~يصرفونها يشبهونها بثلاث ورباع قال الشاعر: # ترى النعرات الزرق تحت لبانه # فرادى ومثنى أضعفتها صواهله # وقال نابغة بني ذبيان: # من وحش وجرة موشي أكارعه # طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد # وكان يونس يقول: فرادى جمع فرد كما قيل: توآم وتوءم. ومثل الفرادى ~~الردافى والعرابى، ورجل افرد وامرأة فرداء: إذا لم يكن لها اخ. وقد فرد ~~الرجل فهو يفرد فرودا يراد به تفرد فهو فارد. # فمعنى قوله { جئتمونا فرادى } اي وحدانا لا مال لكم ولا أثاث ولا رقيق ~~ولا شيء مما كان الله خولكم في الدنيا { كما خلقناكم أول مرة }. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " يحشرون حفاة عراة عزلا " # والعزل هم الغلف. وروي ان عايشة قالت لرسول الله حين سمعت ذلك واسوأتاه ~~ينظر بعضهم الى سوءة بعض من الرجال والنساء، فقال رسول الله: # " لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " # فيشغل بعضهم عن بعض. # قال الزجاج: يحتمل ان يكون المعنى كما بدأكم اول مرة، اي كان بعثكم ~~كخلقكم من غير كلفة ولا مشقة. # وقال الجبائي: معناه جئتم فرادى واحدا واحدا { كما خلقناكم أول مرة } اي ~~بلا ناصر ولا معين كما خلقكم في بطون امهاتكم، ولا احد معكم. # وقوله: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } يعني ما ملكناكم في الدنيا ~~مما ms1380 كنتم تتباهون به في الدنيا وهذا تعيير من الله لهم لمباهاتهم التي ~~كانوا يتباهون في الدنيا باموالهم، يقال: خولته اي اعطيته. ويقال خال ~~الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء وهو خائل ومنه قول ابي النجم: # اعطى فلم يبخل ولم يبخل # كوم الذرى من خول المخول # { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } يقول تعالى ~~لهؤلاء الكفار: ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء الذين ~~كنتم تزعمون في الدنيا انهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. # وقال عكرمة: ان الآية نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع ~~في اللات والعزى، فنزلت الآية. # وقوله { لقد تقطع بينكم } اي وصلكم { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } اي جار ~~عن طريقكم ما كنتم تزعمون من آلهتكم انه شريك لله تعالى وانه يشفع لكم ~~عند ربكم فلا شفيع لكم اليوم. ### || [6.95] # في هذه الآية تنبيه لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة عبدوها، ~~وحجة عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه من عبادة الاصنام، بأن قال: ~~إن الذي له العبادة ومستحقها هو الله الذي فلق الحب، يعني شقه من كل ما ~~ينبت عن النبات، فأخرج منه الزروع على اختلافها، { والنوى } من كل ما ~~يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر، والحب هو جمع حبة، والنوى جمع نواة ~~وذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى القادر بنفسه، لان القادر بقدرة لا ~~يقدر على شق ذلك الا بآلة، ولا يقدر على انبات شيء واخراج شيء منهما، ~~فعلم انه من فعل ذلك هو الله الذي لا يشبه شيئا من الاجسام، ولا يشبهه ~~شيء، القادر على اختراع الاعيان بلا معاناة ولا مزاولة. # ثم أخبر أنه { يخرج الحي من الميت } لان الله تعالى يخلق الحي من ~~النطفة، وهي موات، ويخلق النطفة، وهي موات من الحي، وهو قول الحسن وقتادة ~~وابن زيد وغيرهم. وقال الضحاك وابن عباس: معنى { فالق الحب والنوى } ~~خالقهما. وقال مجاهد وابو مالك: هو الشق الذي في الحبة والنوى. والاول ms1381 ~~أقوى الاقوال. # وقال قوم: أراد باخراج الحي من الميت إخراج السنبل وهي حي من الحب ~~وهو ميت، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، ~~والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي الشجر ما دام غضا قائما بانه ~~حي، فاذا يبس أو قطع من أصله او قلع سموه ميتا، ذهب اليه السدي والطبري ~~والجبائي. وما ذكرناه أولا قول ابن عباس، وهو الاقوى، لانه الحقيقة. وما ~~ذكروه مجاز، وان كان جائزا محتملا. # وقوله { ذلكم الله فأنى تؤفكون } معناه أن فاعل ذلك كله الله تعالى فأنى ~~وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون، وعن العذاب تصدفون، أفلا ~~تتدبرون، فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم - فخلق الحب ~~والنوى واخرج من الحي الميت، ومن الميت الحي، ومن الحب الزرع ومن النوى ~~الشجر - شريك في عبادته ما لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: إن الله تعالى يحول بين العبد ~~وبين ما دعاه اليه إذ يخلق فيه ما نهاه عنه، لانه قال: فانى تؤفكون، ~~ولو كان شيئا من ذلك لكان هو المؤفك لهم والصارف. تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. ومعنى قوله { فأني تؤفكون } اي تصرفون عقولكم، وهو قول الحسن ~~وغيره والافك هو الكذب. ### || [6.96] # قرأ أهل الكوفة { جعل الليل } على الفعل. الباقون " جاعل " على الفاعل. ~~من قرأ " جاعل " على وزن فاعل فلأن قبله اسم فاعل، وهو قوله: { فالق الحب ~~والنوى.. } و { فالق الإصباح } فقرأ { وجاعل الليل } ليكون (فاعل) ~~المعطوف على (فاعل) المعطوف عليه، فيكون متشاكلا، لان من حكم الاسم ان ~~يعطف على اسم مثله، لانه به أشبه من الفعل بالاسم، وهذه المشاكلة مراعاة ~~في كلام العرب، ومثله # فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة # وقوله # يدخل من يشاء في رحمته والظالمين # وقوله # وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا # نصبوا هذا كله ليكون القاريء بنصبها كالعاطف جملة من فعل وفاعل على جملة ~~من فعل وفاعل، فكما أن الفعل أشبه من ms1382 المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم ~~أشبه من الفعل بالاسم، ويقوي ذلك قول الشاعر: # للبس عباءة وتقر عيني # أحب الي من لبس الشفوف # ومن قرأ { وجعل } فلأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان ~~(فاعل) بمعنى (فعل) في المعنى عطف عليه بالفعل لموافقته له في المعنى ~~ويدلك على أنه بمنزلة (فعل) أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، وهو قوله { ~~والشمس والقمر حسبانا } ألا ترى أنه لما كان المعنى (فعل) حمل المعطوف ~~على ذلك فنصب الشمس والقمر على (فعل) لما كان فاعل كفعل. ويقوي ذلك ~~قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس، فالدرهم محمولا على (اعطى)، لان اسم ~~الفاعل اذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل، فاذا جعل (معطي) بمنزلة ~~(أعطى) كذلك جعل (فالق) بمنزلة (فلق) لان اسم الفاعل لما مضى، فعطف على ~~(فعل) لما كان بمنزلته، ولا يجوز حمل (جاعل) على الليل، لان اسم الفاعل ~~اذا كان لما مضى لا يعمل عمل الفعل، وقد أجازه بعض الكوفيين. # معنى قوله { فالق الإصباح } أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، وذلك دال ~~على القدرة العجيبة التي لا يقدر عليها غير الله، ويحتمل أن يكون معناه ~~خالقه على ما حكيناه عن الضحاك وذكره الزجاج، ورفع { فالق } لانه خبر عن ~~الله تعالى بعد خبر كأنه قال { إن الله فالق الحب والنوى } فالق الاصباح. # ويحتمل أن يكون خبر أبتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الاصباح. والاصباح ~~مصدر أصبحنا إصباحا، والمراد أصبح كل يوم، فهو في معنى الاصباح. وروي ~~عن الحسن أنه قرأ { فالق الإصباح } بفتح الالف وما قرأ به غيره. ومعنى { ~~وجاعل الليل سكنا } أي تسكنون فيه وتتودعون فيه، وهو قول مجاهد والضحاك ~~وقتادة وابن عباس وأكثر المفسرين. وروي عن ابن عباس أن معناه، خالق الليل ~~والنهار. وقوله { والشمس والقمر حسبانا } نصبهما عطفا على موضع الليل، ~~لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل. # واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس والسدي والربيع وقتادة، ومجاهد ~~والجبائي: إنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة ~~ويقطعه القمر ms1383 في شهر قدره الله تعالى به، فهو قوله # والشمس والقمر بحسبان # وقوله: # وكل في فلك يسبحون # وقال قتادة معناه انه جعل الشمس والقمر ضياء. والاول أجود لان الله ~~تعالى ذكر بمثل هذا من اياديه عند خلقه وعظيم سلطانه بفلقه الاصباح لهم ~~واخراج النبات والغراس من الحب والنوى، وعقب ذلك بذكر خلق النجوم ~~للاهتداء بها في البر والبحر، وكان وصفه اجراء الشمس والقمر بمنافعهم ~~أشبه، وأنها تجري بحسبان ما يحتاج الخلق اليه في معائشهم ومعاملاتهم: أما ~~الشمس فللزرع والحرث، واما القمر فللمواعيد وآجال الديون في المعاملات، ~~وفيها منافع لا يعرف تفصيلها الا الله تعالى، لانه قال { فالق الإصباح } ~~ذكر الضياء ولا معنى لتكريره دفعة ثانية. والحسبان جمع حساب على وزن ~~شهبان وشهاب. وقيل في هذا الموضع انه مصدر حسبت الحساب أحسبه حسابا. وحكي ~~عن بعض العرب على ذلك حسبان فلان وحسبته أي حسابه. والحسبان - بكسر الحاء ~~- جمع حسبانة، وهي وسادة صغيرة. ونصب حسبانا على تقدير بحسبان، فلما حذف ~~الباء نصبه. وقال قوم: هو نصب لقوله { وجعل }. # وقوله: { ذلك تقدير العزيز العليم } أي هذا الذي وصفه بأنه فعله من فلقه ~~الاصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه ~~فلا يقدر أحد أراده بسوء او عقاب او انتقام على الامتناع منه العليم ~~بمصالح خلقه وتدبيرهم، لا تقدير الاصنام والاوثاق التي لا تسمع ولا تبصر ~~ولا تفقه شيئا ولا تعقل. ### || [6.97] # هذه الآية موصولة بالتي قبلها، ومعناهما متقارب، وهو أن الله تعالى عدد ~~نعمه على خلقه وأن من جملتها أنه جعل لهم النجوم بمعنى خلقها ليهتدوا بها ~~في اسفارهم في ظلمات البر والبحر، وأنه قد فصل آياته لقوم يعلمون. وانما ~~أضاف الآيات الى الذين يعلمون وان كانت آيات لغيرهم، لانهم المنتفعون ~~بها، كما قال { هدى للمتقين } وليس في قوله انه خلقها ليهتدوا بها في ~~ظلمات البر والبحر ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي: بل ~~يشهد أنه خلقها لامور جليلة عظيمة. ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر ms1384 ~~الكبير، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها، وظهور منافع الشمس والقمر في ~~نشؤ الحيوان والنبات علم أن الامر كذلك. ولو لم يخلقها إلا للاهتداء لما ~~كان لخلقها صغارا وكبارا، ولاختلاف سيرها معنى. قال الحسين بن علي ~~المغربي: هذا من البلخي اشارة منه الى دلالتها على الاحكام. ### || [6.98] # قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وروح { فمستقر } بكسر القاف. الباقون بفتحها. # قال ابو علي النحوي: قال سيبويه: قالوا: قر في مكانه واستقر، كما ~~قالوا: جلب وأجلب، يراد بهما شيء واحد، فكما بني هذا على (أفعلت) بني ~~هذا على (استفعلت) فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار، والخبر مضمر، ~~وتقديره منكم مستقر كقولك: بعضكم مسقر أي مستقر في الارحام. وقال # يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق # كما قال # وقد خلقكم أطوارا # ومن فتح فليس على أنه مفعول، لان استقر لا يتعدى، واذا لم يتعد لم يبن ~~منه اسم مفعول، فاذا له يكن مفعولا كان اسم الفاعل مكانه، فالمستقر ~~بمنزلة المقر كما أن المستقر بمعنى القار، وعلى هذا، لا يجوز أن يكون ~~خبره المضمر (منكم) كما جاز في قول من كسر القاف، واذا لم يجز ذلك جعلت ~~الخبر المضمر (لكم) وتقديره: لكم مقر، ومستودع، فان استودع فعل يتعدى الى ~~مفعولين تقول: استودعت زيدا ألفا وأودعت زيدا الفا، فاستودع مثل أودع، ~~ومثل استجاب واجاب، فالمستودع يجوز ان يكون الانسان الذي استودع ذلك ~~المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه. فمن فتح القاف في (مستقر) جعل ~~المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه أي فلكم مكان استقرار ومكان ~~استيداع. ومن كسر القاف، فالمعنى منكم مستقر في الارحام ومنكم مستقر في ~~الاصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير ~~المكان. قال الزجاج: ويحتمل ان يكون مستقرا في الدنيا موجودا ومستودعا في ~~الاصلاب لم يخلق بعد. ويحتمل مستقر - بكسر القاف - في الاحياء، ومنكم ~~مستودع في الثرى. ورفع (مستقر ومستودع) على معنى فلكم مستقر ومستودع. ومن ~~كسر فمعناه فمنكم مستقر ومنكم مستودع. وقال الفراء: تقديره ثم مستقر ~~ومستودع. ms1385 # واختلف المفسرون في قوله { فمستقر ومستودع } فقال عبد الله بن مسعود: ~~المستقر ما في الرحم، والمستودع حيث يموت، وبه قال ابراهيم ومجاهد. وقال ~~سعيد ابن جبير: مستودع ما كان في أصلاب الرجال، فاذا قروا في أرحام ~~النساء وعلى ظهر الارض وفى بطونها، فقد استقروا به. وقال ابن عباس، وروي ~~عن مجاهد - في رواية أخرى - المستقر الارض، والمستودع عند ربك. وروي عن ~~ابن مسعود - في رواية - ان مستقرها في الآخرة ومستودعها في الصلب. وقال ~~عكرمة: مستقر في الآخرة ومستودع في صلب لم يخلق سيخلق. وبه قال قتادة ~~والضحاك والسدي وابن زيد. وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في ~~الدنيا. # ومعنى الآية أن الله تعالى هو الذي أنشأ الخلق ابتداء من نفس واحدة يعني ~~آدم، منهم مستقر ومستودع، واذا حمل على العموم، فانه يتناول كل أحد على ~~تأويل من قال المستقر في القبر والمستودع في الحشر، وعلى تأويل من قال ~~المستودع من كان في الاصلاب والمستقر من كان في الارحام، لان كل الخلائق ~~داخلون فيه، فالأولى حمل الآية على عمومها وهو اختيار الطبري. # وقوله { قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } معناه قد بينا الحجج وميزنا ~~الآيات والادلة والاعلام، واحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع ~~العبر، ويعرفون الآيات والذكر، وهو قول قتادة والمفسرين. ### || [6.99] # روى الأعشى والبرجمي { وجنات } بالرفع. الباقون " جنات " على النصب. ~~وقرأ حمزة والكسائي وخلف { ثمره } و { كلوا من ثمره } وفي (يس) { لتأكلوا ~~من ثمره } بضم الثاء والميم فيهن. الباقون بفتحها. من كسر التاء فلأنها ~~تاء جمع المؤنث في موضع النصب عطفا على قوله { فأخرجنا به نبات كل شيء } ~~فأخرجنا به " جنات " ومن رفع عطفها على القنوان في الاعراب وإن لم يكن ~~من جنسها، كما قال الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا # أي وحاملا رمحا. ومن قرأ { ثمره } بالفتح فيهما فوجهه ان سيبويه يرى ان ~~الثمر جمع ثمرة مثل بقرة وبقر وشجر وشجر وخرزة وخرز: ويقويه قوله ايضا # ومن ثمرات النخيل والأعناب # وقد كسر على (فعال) فقالوا: ثمار كما قالوا ms1386 أكمة واكام، وجذبة وجذاب ~~ورقبة ورقاب. ومن جمعها احتمل امرين: # أحدهما - أن يكون جمع ثمرة على ثمر، مثل خشبة وخشب في قوله # كأنهم خشب مسندة # واكمة واكم في قول الشاعر: # ترى الاكم منه سجدا للحوافر # ومن المعتل ساحة وسوح، وقارة وقور، ولابة ولوب وناقة ونوق. # والثاني - أن يكون جمع ثمار على ثمر، فيكون ثمر جمع الجمع، وجمعوه على ~~(فعل) كما جمعوه على (فعايل) في قولهم جمال وجمايل. # ومعنى الآية أن الذي يستحق العبادة خالصة لا شريك له فيها سواه هو الذي ~~أنزل من السماء ماء. وأصل الماء ماه إلا أن الهمزة ابدلت من الهاء ~~بدلالة قولهم أمواه في الجمع ومويه في التصغير. # وقوله { فأخرجنا به نبات كل شيء } معناه أخرج بالماء الذي أنزله من ~~السماء من غذاء الانعام والبهائم والطير والوحش وارزاق بني آدم واقواتهم ~~ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون، ويكون معنى قوله { فأخرجنا ~~به نبات كل شيء } أخرجنا به ما ينبت كل شيء وينمو عليه ويصلح. ويحتمل أن ~~يكون المراد أخرجنا به جميع أنواع النبات فيكون كل شيء هو اصناف النبات. ~~والاول أحسن. # وقوله { فأخرجنا به } يعني من الماء { خضرا } يعني أخضر رطبا من الزرع. ~~والخضر والاخضر واحد يقال: خضرت الارض خضرا وخضارة. والخضرة رطب البقول ~~يقال: نخلة خضرة اذا كانت ترمي ببسرها أخضرا قبل ان ينضج، وقد اختضر ~~الرجل واغتضر اذا مات شابا مصححا، ويقال: هو لك خضرا مضرا أي هنيئا ~~مريئا. # وقوله { يخرج منه حبا متراكبا } يعني يخرج من الخضر حبا يعنى ما في ~~السنبل من الحنطة والشعير والارز وغيرها من السنابل، لان حبها يركب بعضه ~~بعضا. # وقوله { ومن النخل من طلعها } إنما خص الطلع بالذكر لما فيه من المنافع ~~العجيبة والاغذية الشريفة التي ليست في شيء من كمام الثمار. # قوله { قنوان دانية } تقديره ومن النخل من طلعها ما قنوانه دانية، ولذلك ~~رفع القنوان. # والقنوان جمع قنو، كصنوان وصنو، وهو العذب، يقال لواحده قنو وقنو، ~~وقني ويثنى قنوان على لفظ الجمع وقنيان وانما يميز بينهما ms1387 بأعراب النون، ~~ويجمع قنوان وقنوان وفي الجمع القليل ثلاثة أقناء، فالقنوان لغة أهل ~~الحجاز، والقنوان لغة قيس قال امرؤ القيس: # فأتت اعياله وآدت اصوله # ومال بقنوان من البسر أحمر # وقنيان وقنوان لغة تميم وقوله { دانية } معناه قريبة متهدلة، وهو قول ~~ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك. وقال الجبائي دانية أي متدانية في حلوق ~~النخل متكور بها. # وقوله { وجنات } يعني وأخرجنا به أيضا جنات من أعناب يعني بساتين من ~~اعناب. # وقوله { والزيتون والرمان } عطف الزيتون على الجنات على تقدير وأخرجنا ~~الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، قال قتادة متشابه ورقه مختلف ثمره. ~~ويحتمل أن يكون المراد مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم. وقال الجبائي ~~مشتبها ما كان من جنس واحد، وغير متشابه اذا اختلف جنسه. والمعنى وشجر ~~الرمان والزيتون، فاكتفى بذكر ثمره عن ذكر شجره، كما قال { واسأل القرية ~~} فاكتفى بذكر القرية عن ذكر أهلها لدلالة الحال عليه. # وقوله { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } الثمر جمع ثمرة، وهو ما انعقد ~~على الشجر يقال: ثمر الثمر اذا نضج والمراد اذا أطلع ثمره. # وقوله " وينعه " قال بعضهم: اذا فتحت ياؤه فهو جمع يانع مثل صاحب وصحب ~~وتاجر وتجر. وقال آخرون: هو مصدر قولهم ينع الثمر فهو ينع ينعا. ويحكى في ~~مصدره ثلاث لغات ينع وينع وينع، وكذلك نضج ونضج ونضج قال الشاعر: # في قباب حول دسكرة # حولها الزيتون قد ينعا # وسمع أيضا أينعت الثمرة تونع إيناعا فمعنى { وينعه } نضجه وبلوغه حين ~~يبلغ وفي ينعه لغتان: فتح الياء وضمها، فالفتح لغة اهل الحجاز والضم لغة ~~نجد. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك والطبري والزجاج وغيرهم: معنى ~~وينعه ونضجه. # وقوله { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } يعني في انزال الله الماء من ~~السماء الذي أخرج به نبات كل شيء، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب ~~وسائر ما عدد في الآية { لآيات } أي دلالات أيها الناس اذا نظرتم فيها ~~أداكم الى التصديق بتوحيده وخلع الانداد دونه، وأنه لا يستحق العبادة ~~سواه، لان في ذلك بيانا وحججا وبرهانا ms1388 لقوم يؤمنون، فتصدقون بوحدانية ~~الله وقدرته على ما يشاء. وانما خص المؤمنين بالذكر، لانهم المنتفعون ~~بذلك والمعتبرون به، كما قال { هدى للمتقين } وفي الآية دلالة على بطلان ~~قول من يقول بالطبع، لان من الماء الواحد والتربة الواحدة يخرج الله ~~ثمارا مختلفة وأشجارا متباينة ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى. ### || [6.100] # قرأ أهل المدينة { خرقوا } بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها، قال أبو ~~عبيدة { وخرقوا له بنين وبنات } أي جعلوا له وأشركوه. يقال: خرق واخترق ~~واختلق بمعنى، اذا افتعل وافترا وكذب، قال أحمد بن يحيى: خرق واخترق، ~~وقال ابو الحسن الخفيفة أحب الي، لانها أكثر. # وقيل ان المعنى المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى المسيح ~~ابن الله واليهود عزير ابن الله ومن شدد كأنه ذهب الى التكثير. # أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار العادلين عن الحق المتخذين معه آلهة ~~جعلوا له أندادا وشركاء الجن، كما قال # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # وقال # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أناثا # وقال # ويجعلون لله البنات # ووصفهم بالجن لخفائهم عن الابصار وقوله { وجعلوا لله شركاء الجن } أراد ~~به الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله والنصارى الذين جعلوا المسيح ~~ابن الله، واليهود الذين جعلوا عزيرا ابن الله، ولذلك قال { وخرقوا له ~~بنين وبنات } ففصل أقوالهم. # وقيل ان معنى { شركاء الجن } في استعاذتهم بهم. # وقيل ان المعنى ان المجوس تنسب الشر الى إبليس وتجعله بذلك شريكا. # والهاء والميم في قوله { وخلقهم } يحتمل أن تكون عائدة الى الكفار الذين ~~جعلوا لله الجن شركاء. ويحتمل أن تكون عائدة على الجن، ويكون المعنى { ~~وجعلوا لله شركاء الجن } والله خلق الجن فكيف يكونون شركاء له. وفي نصب ~~الجن وجهان أحدهما - ان يكون تفسيرا للشركاء وبدلا منه. والآخر - ان يكون ~~مفعولا به ومعناه وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم. وروي عن يحيى بن ~~يعمر انه قرأ " وخلقهم " بسكون اللام بمعنى أن الجن شركاء لله في خلقه ~~إيانا، وهذه القراءة ضعيفة. والقراءة المعروفة أجود، لان المعنى وخلقهم ~~بمعنى أن الله خلقهم متفردا ms1389 بخلقه اياهم. # وقوله { وخرقوا له بنين وبنات } معناه تخرصوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم، فيتلخص الكلام أن هؤلاء الكفار جعلوا لله ~~الجن شركاء في عبادتهم اياه مع انه المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ~~ولا ظهير { وخرقوا له بنين وبنات } معناه تخرصوا له كذبا بنين وبنات { ~~بغير علم } أي بغير حجة. ويحتمل أن يكون معناه بغير علم منهم بما عليهم ~~عاجلا وآجلا ويحتمل ان يكون معناه بغير علم منهم بما قالوه على حقيقة ما ~~يقولون، لكن جهلا منهم بالله وبعظمته، لانه لا ينبغي لمن كان الها أن ~~يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك، ثم نزه نفسه ~~تعالى وأمرنا بتنزيهه عما أضافوه اليه، وأنه يجل عن ذلك ويتعالى عنه، ~~فقال { سبحانه وتعالى عما يصفون } من ادعائهم له شركاء واختراقهم له بنين ~~وبنات لان ذلك لا يليق بصفته ولا بواحدانيته. ### || [6.101] # البديع هو المبدع وهي صفة معدولة عن (مفعل) الى (فعيل) ولذلك تعدى ~~(فعيل) لانه يعمل عمل ما عدل عنه، فاذا لم يكن معدولا للمبالغة لم يتعد ~~نحو طويل وقصير، وارتفع بديع، لانه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو بديع ~~السموات والارض. ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره { أنى يكون له ولد ~~}. # والفرق بين الابتداع والاختراع فعل ما لم يسبق الى مثله، والاختراع فعل ~~ما لم يوجد سبب له، ولذلك يقال: البدعة والسنة، فالبدعة احداث ما لم يسبق ~~اليه مما خالف السنة، ولا يوصف بالاختراع غير الله، لان حد ما ابتدىء في ~~غير محل القدرة عليه، ولا يقدر على ذلك الا القادر للنفس، لان القادر ~~بقدرة اما ان يفعل مباشرا وحده ما ابتدىء في محل القدرة عليه او متولد ~~وحده ما وقع بحسب غيره، وهو على ضربين: احدهما تولده في محل القدرة عليه. ~~والآخر انه يتعداه بسبب هو الاعتماد لا غير، ولا يقدر غير الله على ~~الاختراع أصلا. فاما الابتداع فقد يقع منه، لانه قد يفعل فعلا لم يسبق ~~اليه. واما { بديع ms1390 السماوات والأرض } فلا يوصف به غير الله لانه خالقهما ~~على غير مثال سبق. # وقوله { أنى يكون له ولد } معناه وكيف يكون له ولد. وقيل: معناه من اين ~~يكون له ولد؟ ولم تكن له صاحبة، فالولد هو الحيوان المتكون من حيوان، ~~فعلى هذا آدم ليس بولد، لانه لم يتكون عن والد، والمسيح (ع) ولد، لان ~~مريم ولدته فهو متكون عنها، وان لم يكن عن ذكر، والصاحب هو القرين ~~اللازم، ولذلك يقال: اصحاب الصحراء وفي القرآن اصحاب النار وأصحاب الجنة. ~~ومعناه المقارنون لها. وقد يكون المقارن لما هو من جنسه وما ليس من جنسه، ~~فيوصف بانه صاحب الا انه لا بد من مشاكلته ويقال: صاحب القرآن أي حافظه، ~~وصاحب الدار مالكها. # وقوله: { وخلق كل شيء } يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون اراد ب { خلق } قدر، فعلى هذا تكون الآية عامة، لانه ~~تعالى مقدر كل شيء. # ويحتمل ان يكون احدث كل شيء، فعلى هذا يكون مخصوصا، لانه لم يحدث اشياء ~~كثيرة من مقدورات غيره، وما هو معدوم لم يوجد على مذهب من يسميها أشياء. ~~وكقديم آخر، لانه يستحيل. # وقوله: { وهو بكل شيء عليم } عام، لان الله تعالى يعلم الاشياء كلها ~~قديمها ومحدثها، موجودها ومعدومها، لا تخفى عليه خافية. ### || [6.102] # " ذلك " اشارة الى ما تقدم ذكره من وصف الله بانه { بديع السماوات ~~والأرض } وغير ذلك من صفاته تعالى. وانما ادخل فيه الميم، لانه خطاب ~~لجميع الخلق. { الله ربكم } صفة بعد صفة. # وقوله: { لا إله إلا هو } اخبار بانه لا معبود سواه تحق له العبادة. ~~وبين انه { خالق كل شيء } من اصناف الخلق. وحذف اختصارا - في المبالغة - ~~لقيام الدلالة على انه لا يدخل فيه ما لم يخلقه من اصناف الاشياء من ~~المعدوم، وافعال العباد والقبائح، ومثله في المبالغة قوله: # تدمر كل شيء بأمر ربها # وقوله: # وأوتيت من كل شيء # ثم امر الخلق بعبادة من كان خالق الاشياء كلها، والمنعم على خلقه بما ~~يستحق به العبادة: من خلق الحياة والقدرة والشهوة والبقاء، وغير ذلك. ~~واخبر انه تعالى ms1391 { على كل شيء وكيل } أي حافظ. والوكيل على الشيء هو ~~الحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه. وانما وصف بانه وكيل مع انه مالك ~~الاشياء، لانه لما كانت منافعه لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار، صحة ~~الصفة له من هذه الجهة بانه وكيل، وكان فيها تذكير بالنعمة مع كونه مالكا ~~من جهة انه قادر عليه له ان يصرف اتم التصريف مما يريده بمنزلة ما يريده ~~الوكيل في ان منافعه تعود على غيره، ولا يلزم على هذا ان يقال: هو وكيل ~~على القبائح والفواحش، لانه يوهم انها عرض وانما تدخل في الجملة على طريق ~~التبع، لانه يجازي عليها بالعذاب المستحق بها. # ورفع { خالق كل شيء } بانه خبر ابتداء محذوف كأنه قيل هو خالق كل شيء، ~~لانه تقدم ذكره فاستغني عن ذكره. ولا يجوز رفعه على ان خبره { فاعبدوه } ~~لدخول الفاء. وكان يجوز نصبه على الحال لانه نكرة اتصل بمعرفة بعد ~~التمام. ### || [6.103] # في هذه الآية دلالة واضحة على انه تعالى لا يرى بالابصار، لانه تمدح ~~بنفي الادراك عن نفسه. وكلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لا يكون ~~الا نقصا، والنقص لا يليق به تعالى. فاذا ثبت انه لا يجوز ادراكه، ولا ~~رؤيته، وهذه الجملة تحتاج الى بيان اشياء: # احدها - انه تعالى تمدح بالآية. # والثاني - ان الادراك هو الرؤية. # والثالث - ان كلما كان نفيه مدحا لا يكون اثباته الا نقصا. والذي يدل ~~على تمدحه شيآن: # احدهما - اجماع الامة، فانه لا خلاف بينهم في انه تعالى تمدح بهذه ~~الآية، فقولنا: تمدح بنفي الادراك عن نفسه لاستحالته عليه. وقال المخالف: ~~تمدح لانه قادر على منع الابصار من رؤيته، فالاجماع حاصل على ان فيها ~~مدحة. # والثاني - ان جميع الاوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الآية وبعدها ~~مدحة، فلا يجوز ان يتخلل ذلك ما ليس بمدحة. والذي يدل على ان الادراك ~~يفيد الرؤية ان اهل اللغة لا يفرقون بين قولهم: ادركت ببصري شخصا، وآنست، ~~واحسست ببصري. وانه يراد بذلك اجمع الرؤية. فلو جاز الخلاف في ms1392 الادراك، ~~لجاز الخلاف فيما عداها من الاقسام. # فاما الادراك في اللغة، فقد يكون بمعنى اللحوق، كقولهم: ادراك قتادة ~~الحسن. ويكون بمعنى النضج، كقولهم ادركت الثمرة، وادركت القدر، وادرك ~~الغلام اذا بلغ حال الرجال. وأيضا فان الادراك اذا اضيف الى واحد من ~~الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة. فيه ألا ترى انهم يقولون: ادركته بأذني ~~يريدون سمعته، وادركته بانفي يريدون شممته وادركته بفمي يريدون ذقته. ~~وكذلك اذا قالوا: ادركته ببصري يريدون رأيته. واما قولهم ادركت حرارة ~~الميل ببصري فغير معروف ولا مسموع، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد، لان ~~قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة، ولو قال ~~ادركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية. وقولهم ان الادراك هو ~~الاحاطة باطل، لانه لو كان كذلك لقالوا: أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب ~~بالماء وأدرك السور بالمدينة لاحاطة جميع ذلك بما فيه، والامر بخلاف ذلك. ~~وقوله # حتى إذا أدركه الغرق # فليس المراد به الاحاطة بل المعنى حتى اذا لحقه الغرق، كما يقولون أدركت ~~فلانا اذا لحقته، ومثله # فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون # أي لملحقون، والذي يدل على أن المدح اذا كان متعلقا بنفي فاثباته لا ~~يكون الا نقصا، قوله # لا تأخذه سنة ولا نوم # وقوله # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله # لما كان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا. # فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من ~~المعدومات والضمائر. # ؟ # قلنا: انما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للأبصار وبذلك يميز من جميع ~~الموجودات لانه ليس في الموجودات ما يدرك ولا يدرك. # فان قيل: ولم اذا كان يدرك ولا يدرك يجب ان يكون ممدوحا؟؟ # قلنا: قد ثبت ان الآية مدحة بما دللنا عليه، ولا بد فيها من وجه مدحة ~~فلا يخلو من أحد وجهين: اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه ~~رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على ms1393 منع الابصار من رؤيته بأن لا يفعل ~~فيها الادراك، وما قالوه باطل لقيام الدلالة على أن الادراك ليس بمعنى ~~الاحاطة، فاذا بطل ذلك لم يبق الا ما قلناه، والا خرجت الآية من كونها ~~مدحة. # وقد قيل: ان وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلا أو في ~~حكم المقابل وذلك يدل على مدحته، وهذا دليل من أصل المسألة لا يمكن ان ~~يكون جوابا في الآية. # فان قيل: انه تعالى نفى أن تكون الابصار تدركه فمن أين ان المبصرين لا ~~يدركونه؟ # قلنا: الابصار لا تدرك شيئا البتة فلا اختصاص لها به دون غيره، وأيضا ~~فان العادة ان يضاف الادراك الى الابصار ويراد به ذووا الابصار، كما ~~يقولون: بطشت يدي وسمعت أذني وتكلم لساني ويراد به أجمع ذووا الجارحة # فان قيل: انه تعالى نفى أن جميع المبصرين لا يدركونه، فمن أين أن البعض ~~لا يدركونه وهم المؤمنون؟ # قلنا: اذا كان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لما قدمناه فلا اختصاص لذلك ~~براء دون رائي، ولك ان تستدل بأن تقول: هو تعالى نفى الادراك عن نفسه ~~نفيا عاما كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاما فلو جاز ان يخص ذلك بوقت دون وقت ~~لجاز مثله في كونه مدركا. واذا ثبت نفي ادراكه على كل حال فكل من قال ~~بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه. ومن أجاز الرؤية لم ينفها نفيا عاما ~~فالقول بنفيها عموما مع جواز الروية عليه قول خارج عن الاجماع. فان عورضت ~~هذه الآية بقوله # وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة # فانا نبين انه لا تعارض بينهما وانه ليس في هذه الآية ما يدل على جواز ~~الرؤية اذا انتهينا اليها ان شاء الله. # وقوله { وهو اللطيف الخبير } قيل في معنى { اللطيف } قولان: # أحدهما - أنه اللاطف لعباده بسبوغ الانعام، غير انه عدل من وزن (فاعل) ~~الى (فعيل) للمبالغة. # الثاني - أنه لطيف التدبير، وحذف لدلالة الكلام عليه. # والخبير هو العالم بالاشياء المتبين لها، وما ذكرناه من أن معنى الآية ~~نفي الرؤية عن نفسه ms1394 على كل حال قول جماعة منهم عائشة، روى مسروق عن عائشة ~~انها قالت: من حدثك أن رسول الله رأى ربه فقد كذب { لا تدركه الأبصار وهو ~~يدرك الأبصار } و # ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب # ولكن رأى جبرائيل في صورته مرتين. وفي رواية أخرى أن مسروقا لما قال ~~لها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: سبحان الله، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت ~~الآية. وقال الشعبي قالت عائشة من قال: ان أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية ~~على الله، وقرأت الآية، وهو قول السدي وجماعة أهل العدل من المفسرين ~~كالحسن والبلخي والجبائي والرماني وغيرهم. وقال أهل الحشو والمجبرة بجواز ~~الرؤية على الله تعالي في الآخرة وتأولوا الآية على الاحاطة وقد بينا ~~فساد ذلك. ### || [6.104] # البصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب العلم الذي يبصر به نفس الشيء ~~على ما هو به والمراد ها هنا قد جاءكم القرآن الذي فيه الحجج والبراهين، # قال الشاعر: # جاؤا بصائرهم على أكتافهم # وبصيرتي يعدو بها عتد وأي # ونعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. وأما الابصار فهو الادراك ولذلك ~~يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك ويسمى بأنه بصير، لانه يجب أن ~~يدرك المبصرات اذا وجدت وانما وصفت الدلالة بأنها جائية وان كان لا يجوز ~~أن يقال جاءت الحركة، ولا جاء السكون ولا الاعتماد، وغير ذلك من الاعراض ~~لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال ~~جاءت العافية وانصرف المرض وأقبل السعد وأدبر النحس. # وقوله { فمن أبصر فلنفسه } يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتى ~~اوجبت له العلم وتبين بها، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بما نظر. ومن عمي ~~فلم ينظر فيها وصدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم له وحال ~~به، فسمي العلم والتبيين إبصارا مجازا، وسمي الجهل عمى توسعا. وفي ذلك ~~دلالة على ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم. # ثم خاطب الله تعالى نبيه (صلى الله ms1395 عليه وسلم) وأمره بأن يقول لهم { وما ~~أنا عليكم بحفيظ } يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها، - في ~~قول الحسن - بل هو شهيد عليهم، لانه يرجع الى الحال الظاهرة التي تقع ~~عليها المشاهدة. قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم ~~بالسيف عن عبادة الاوثان. # وهذه الآية فيها أمر من الله لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاءكم حجج ~~من الله وهو ما ذكره في قوله # فالق الحب والنوى # الى ها هنا. وما يبصرون به الهدى من الضلال، فمن نظر وعلم فلنفسه نفع، ~~ومن جهل وعمي فلنفسه ضر. ولست أمنعكم منه ولا أحول بينكم وما تحتاجون، ~~وهو قول قتادة وابن زيد. ### || [6.105] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { دارست } بألف وفتح التاء. الباقون بلا الف { ~~درست } بفتح التاء، الا ابن عامر فانه قرأ { درست } بسكون التاء وفتح ~~السين بمعنى (انمحت) وذكر الاخفش { درست } وهو أشد مبالغة في الامحاء ~~وقيل { درست } على ما لم يسم فاعله. والمعاني متقاربة غير ان هذين لم ~~يقرأ بهما أحد من المعروفين. وفي قراءة عبد الله { درس } أي ليقولوا درس ~~محمد. قال أبو زيد: درست أدرس دراسة وهي القراءة. وانما يقال ذلك اذا ~~قرأت على غيرك. قال الاصمعي أنشدني ابن ميادة: # يكفيك من بعض إزديار الآفاق # سمراء مما درس ابن مخراق # يقال درس يدرس مثل داس يدوس. قال: وقال بعضهم: سمراء ناقته، ودرسها ~~رياضها قال ودرس السورة من هذا أي يدرسها لتخف على لسانه، والدريس الثوب ~~الخلق، وأصل الدرس استمرار التلاوة. وقال ابو علي النحوي: من قرأ { دارست ~~} معناه أهل الكتاب وذاكرتهم، قال وقد يحذف الالف في مثل هذا في المصحف. ~~قال ويقوي ذلك قوله # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا # وقالوا # إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون # ومن قرأ { درست } قال لان أبيا وابن مسعود قرءا به فاسندا الفعل فيه ~~الى الغيبة كما اسند الى الخطاب ومعناه درست فتعلمت من أهل الكتاب. وقال ~~المغربي: درست معناه ms1396 علمت كما قال # ودرسوا ما فيه # أي علموه فعلى هذا يكون اللام لام الغرض، كأنه قال فعلنا ذلك ليقولوا ~~علمت. ووجه قراءة ابن عامر انه ذهب الى الدرس الذي هو تعفية الاثر ~~وإمحاء الرسم. واللام من قوله { وليقولوا درست } على ضربين: # من قال { درست } بلا الف، فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا: ~~درست، كما قال # يبين الله لكم أن تضلوا # ومعناه لئلا تضلوا وكراهة ان تضلوا، والمعنى اني فصلت الآيات وأحكمتها ~~لئلا يقولوا: انها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها، ~~كما قالوا # أساطير الأولين # لان تلك الاخبار لا تخلو من خلل فاذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع ~~طعن. # والثاني - ليقولوا (درست) ذلك بحضرتنا أي ليقروا بورود الآية عليهم ~~فتقوم الحجة عليهم. # وقال الزجاج: اللام لام العاقبة ومن قرأ { دارست } فاللام على قوله ~~كالتي في قوله # ليكون لهم عدوا وحزنا # ولم يلتقطوه لذلك لكن كان عاقبته كذلك كما أنه تعالى لم يفصل الآيات ~~ليقولوا دارست ودرست. لكن لما قالوا ذلك أطلق ذلك عليه اتساعا. # وموضع الكاف في وكذلك نصب، لان المعنى نصرف الآيات في غير هذه السورة ~~مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر كأنه قال تصريفا مثل ~~هذا التصريف. قال الرماني: التصريف اجراء المعنى الدائر في المعاني ~~المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة. # وقال الحسن ومجاهد والسدي وابن عباس وسعيد بن جبير { دارست } أي ذاكرت ~~أهل الكتابين وقارأتهم، وقوله { ولنبينه لقوم يعلمون } معناه لنبين ~~الذي هذه الآيات دالة عليه لقوم يعلمون ما نورده عليهم من هذه الآيات، ~~ويعقلون ذلك وهم الذين يلزمهم الاستدلال بذلك على الله وعلى صحة دينه. # وقال قوم { ليقولوا درست } معناه التهديد كما يقول القائل: قل لفلان: ~~يوفينا حقنا وليصنع ما شاء، وقل للناس الحق وليقولوا ما شاؤا أي ذلك لا ~~يضرك، ولان ضرره يعود عليهم من العقاب والذم. ### || [6.106] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يتبع ما أوحي اليه من ربه، ~~والاتباع هو أن ms1397 يتصرف الثاني بتصريف الاول، والنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فلذلك كان متبعا، وكذلك كل متدبر بتدبير ~~غيره فهو متبع له والايحاء هو القاء المعنى الى النفس من جهة يخفى، وانما ~~أعاد قول { لا إله إلا هو } لان المعنى ادعهم الى انه لا اله الا هو، ~~فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن. وقال الجبائي: لانه بمعنى الزمه ~~وحده. وقال غيره: لان معناه اتبع ما أوحي اليك من أنه لا اله الا هو. # وقوله { وأعرض عن المشركين } أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالاعراض ~~عن المشركين، ولا ينافي ذلك أمره اياه بدعائهم الى الحق وقتالهم على ~~مخالفتهم لامرين: # أحدهما - أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من ~~الاشراك بربهم. # الثاني - قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله # فاقتلوا المشركين # وأصل الاعراض هو الانصراف بالوجه الى جهة العرض. والعرض خلاف الطول، ~~ومنه (واعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض ومنه العارضة لظهور ~~المساواة بها كالظهور بالعرض، والاعتراض المنع من الشيء بحاجز عنه عرضا ~~ومنه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لا يلبث. وحد أيضا بانه ما ~~يظهر في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر. ### || [6.107] # ان قيل: كيف قال تعالى { ولو شاء الله ما أشركوا } والمشيئة لا تتعلق ~~الا بفعل يصح حدوثه، ولا تتعلق بأن لا يكون الشيء؟! # قلنا: التقدير لو شاء الله ان يكونوا على غير الشرك قسرا ما أشركوا ~~فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا ~~بالاقتطاع عن الشرك عجزا او منعا أو الجاء. وانما لا يشاء الله هذه الحال ~~لانها تنافي التكليف. وانما لم يمنع العاصي من المعصية لانه انما اتى بها ~~من قبل نفسه، والله تعالى فعل به جميع ما فعل بالمطيع من ازاحة العلة، ~~فاذا لم يطع وعصى كانت الحجة عليه. وربما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب ~~تبقيته وليس لاحد ان يقول الآية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لانه ~~لو أراد ذلك ms1398 لاهتدوا، وذلك أنه لو لم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة ~~بمخالفة الاهتداء، لان المعاصي هو الذي خالف ما أريد منه ولما صح أمرهم ~~أيضا بالاهتداء. # والفرق بين الحفيظ والوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، ~~والوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في ~~تناول ما يجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك ولا وكيل في هذا، فذلك قال تعالى: ~~انه لم يجعل نبيه حفيظا ولا جعله وكيلا عليهم، بل الله تعالى هو الرقيب ~~الحافظ عليهم والمتكفل بأرزاقهم. وانما النبي (صلى الله عليه وسلم) مبلغ ~~منذر ومخوف. وقيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال. ### || [6.108] # قرأ الحسن ويعقوب { عدوا } بضم العين والدال وتشديد الواو. والباقون ~~بفتح العين وبسكون الدال. وأصل ذلك من العدوان. و { عدوا } مخففا و { ~~عدوا } لغتان، يقال عدا علي عدوا وعدوانا وعداءا اذا ظلم مثل ضرب ضربا. ~~وعدا فلان على فلان أي ظلمه. والاعتداء افتعال من عدا. # نهى الله تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون الله. والسب الذكر ~~بالقبيح ومثله الشتم والذم وهو الطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه ~~بالسنان، وأصله السبب، فهو تسبب الى ذكره بالعيب. # والمعنى في الآية لا تخرجوا في مجادلتهم ودعائهم الى الايمان ومحاجتهم ~~الى ان تسبوا ما يعبدونه من دون الله، فان ذلك ليس من الحجاج في شيء، وهو ~~أيضا يدعوهم الى أن يعارضوكم ويسبوا الله بجهلهم وحميتهم، فأنتم اليوم ~~غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، وهم أيضا لا يتقونكم، لان الدار ~~دارهم ولم يؤذن لكم في القتال. # وكان سبب نزول الآية - في قول الحسن - أن المسلمين كانوا يسبون آلهة ~~المشركين من الاوثان، فاذا سبوها يسب المشركون الله تعالى، فأنزل الله ~~تعالى الآية. وقال أبو جهل: والله يا محمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن ~~الهك الذي بعثك، فنزلت الآية. وفي ذلك دلالة على ان المحق يلزمه الكف ~~عن سب السفهاء الذين يسرعون الى سبه مقابلة له، لانه بمنزلة البعث على ~~المعصية ms1399 والمفسدة فيها. وانما قال { يدعون من دون الله } بمعنى يعبدون، ~~لان معناه يدعونه إلها فلما قال { من دون الله } وهو من صفة الكفار ~~دل على هذا المعنى فحذف اختصارا. وانما قال { من دون الله } مع انهم ~~كانوا يشركون في العبادة بين الله وبين الاصنام لامرين: # أحدهما - ان ما وجهوه من العبادة الى الاوثان انما هو عبادة لها لا لله، ~~وليس كالتوجه الى القبلة عبادة لله. # والثاني - أن ذلك غير معتد به، لانهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه ~~المأمور به فما أطاعوا الله بحال.. # وقوله { كذلك زينا لكل أمة عملهم } قيل في معناه أربعة أقوال: # أحدها - قال الحسن والجبائي والطبري والرماني: انا كما أمرناكم بحسن ~~الدعاء الى الله تعالى وتزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للامم ~~المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم اليها بأن رغبناهم في ~~الثواب، وحذرناهم من العقاب ويسمى ما يجب على الانسان أن يعمله بأنه عمله ~~كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ما ينبغي له أن ~~يفعله، لان ما وجد وتقضى لا يصح الامر بأن يفعله. # الثاني - زينا الحجة الداعية اليها والشبهة التي من كمال العقل ان يكون ~~المكلف عليها، لانه متى لم يفعل معنى الشبهة لم يكن عاقلا. # الثالث - التزيين المراد به ميل الطبع الى الشيء فهو الى الحسن ليفعل ~~والى القبيح ليجتنب. # والرابع - ذكره البلخي أيضا، وهو أن المعنى ان الله زين لكل امة عملهم ~~من تعظيم من خلقهم ورزقهم وانعم عليهم، والمحامات عنه وعداوة من عاداه ~~طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاءهم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم ~~يقربونهم الى الله زلفى، حاموا عنهم وتعصبوا لهم وعارضوا من شتمهم بشتم ~~من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا ما زينه الله لهم في الحملة، لكن ~~غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا وضلوا. وقوله { عدوا } نصب ~~على المصدر، وقرىء { عدوا } والمعنى جماعة يعني أعداء وعلى هذا يكون نصبا ~~على الحال. ### || [6.109] # قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب ms1400 وابو بكر الا يحيى ونصير وخلف { وما ~~يشعركم أنها } بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. # وقرأ ابن عامر وحمزة { لا تؤمنون } بالتاء. الباقون بالياء. # و (ما) في قوله { وما يشعركم } استفهام وفاعل { يشعركم } ضمير (ما) ولا ~~يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلا فاعل، ولا يجوز ان يكون نصبا ~~ويكون الفاعل ضمير اسم الله، لان التقدير يصير، وما يشعركم الله انتفاء ~~ايمانهم، وهذا ليس بصحيح، لان الله قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة.. # فالمعنى وما يدريكم ايمانهم اذا جاءت الايات، فحذف المفعول، وتقديره وما ~~يدريكم ايمانهم اذا جاءت أي هم لا يؤمنون مع مجىء الآية. ومن كسر الالف ~~فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت ب { يشعركم } كان ~~عدوا لهم، ويجوز فتحها على وجهين: الاول قال الخليل: بمعنى لعلها اذا ~~جاءت لا يؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه ~~لعلك، قال عدي بن زيد: # أعاذل ما يدريك ان منيتي # الى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد # وقال دريد بن الصمة: # ذريتي أطوف في البلاد لانني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلد # وقال آخر: # هل أنتم عائجون بنا لأنا # نرى العرصات أو أثر الخيام # وقال الفراء: انهم يقولون: لعلك، ولعنك، ورعنك، وعلك، ورأنك، ولانك ~~بمعنى واحد. وقال ابو النجم: # قلت لشيبان ادن من لقائه # انا نغدى اليوم من شوائه # الثاني - قال الفراء (لا) - ها هنا - صلة كقوله # ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك # والتقدير وما يشعركم انها اذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا لو جاءت لم ~~يؤمنوا ومثل زيادة (لا) قول الشاعر: # أبا جوده لا النجل واستعجلت به # نعم من فتى لا يمنع الجود فاعله # بنصب النجل وجره، فمن نصب جعلها زيادة، وتقديره أبا جوده النجل ومن جره ~~أضاف (لا) الى (النجل) ومثله قوله تعالى # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # وهو يحتمل أمرين: # احدهما - ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدإ ms1401 الذي ~~هو (حرام) وتقديره وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، كما قال # فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون # والثاني - أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكنا، والتقدير ~~بأنهم لا يرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لانهم لا يرجعون الى أهليهم ~~للاستئصال الواقع بهم. وخبر الابتداء محذوف وتقديره حرام على قرية ~~أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم ونحو ذلك. # من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله { وأقسموا } انما يراد به قوم مخصوصون ~~بدلالة # ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة.. # وليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى وما يشعركم ايها المؤمنون لعلهم اذا ~~جات الآيات التي اقترحوها لم يؤمنوا. # ومن قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة الى الخطاب، ويكون المراد ~~بالمخاطبين في { يؤمنون } هم القوم المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم ~~لا يؤمنون، ومثله قوله { الحمد لله } ثم قال { إياك نعبد } ونحو ذلك مما ~~ينصرف فيه الى خطاب بعد الغيبة. # وقوله { جهد أيمانهم } أي اجتهدوا في اليمين وبالغوا فيه. والآية التي ~~سألوا النبي (صلى الله عليه وسلم) اظهارها قيل فيها قولان: # أحدهما - انهم سألوا تحول الصفا ذهبا. # الثاني - ما ذكره في موضع آخر من قوله # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # الى قوله # كتابا نقرؤه # والمعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~وبالغوا في أيمانهم أنهم اذا جاءتهم الآية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي ~~عندها، فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم: إنما الآيات ~~عند الله. # فان قيل: كيف قال { الآيات عند الله } وذلك معلوم؟! # قيل: معناه من أجل أن الآيات عند الله، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، ~~لانه لا يجوز أن يتخلف عنكم ولا عن غيركم ما فيه المصلحة في الدين لانه ~~تعالى لا يخل بذلك. # قوله { وما يشعركم } فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس لهم ان ~~يدعوا ما لا سبيل لهم الى علمه. وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب متوجه الى ~~المشركين وقال الفراء وغيره: هو متوجه الى المؤمنين، لانهم ms1402 قالوا ظنا ~~منهم أنهم لو اجيبوا الى الآيات لآمنوا. ### || [6.110] # أخبر الله تعالى أنه يقلب الله أفئدة هؤلاء الكفار، وأبصارهم عقوبة لهم ~~وفي كيفية تقليبها قيل قولان: قال ابو علي الجبائي: انه يقلبها في جهنم ~~على لهب النار وحر الجمر، وجمع بين صفتهم في الدنيا وصفتهم في الآخرة، ~~كما قال # هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية # لان قوله { وجوه يومئذ خاشعة } يعني في الآخرة، و { عاملة ناصبة } في ~~الدنيا. # الثاني - انه يقلبها بالحسرة التي تغم وتزعج النفس. وقوله { كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة } قيل فيه قولان: # أحدهما - أول مرة أنزلت الآيات، فهم لا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من ~~الآيات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الآيات، وهو قول ابن عباس وابن ~~زيد ومجاهد. # الثاني - روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا وكذلك لو اعيدوا ~~ثانية، كما قال تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # والكاف في قوله { كما لم يؤمنوا به أول مرة } قيل فيه قولان: # أحدهما - انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لو ~~يؤمنوا به أول مرة. # والثاني - انها دخلت على معنى الجزاء كما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # والهاء في قوله { به } يحتمل ان تكون عائدة على القرآن وما أنزل من ~~الآيات. ويحتمل أن تكون عائدة على النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال ~~بعضهم: انها عائدة على التقليب، لانه الحائل بينهم وبين الايمان. # وهذا خطأ لانه لو حيل بينهم وبين الايمان لما كانوا مأمورين به، ولان ~~تقليب الابصار لا يمنع من الايمان كما لا يمنع الاعمى عماه من الايمان. # وقوله { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } لا يدل على أنه تركهم فيه ليطغوا ~~لانه انما أراد انه خلى بينهم وبين اختيارهم وان لم يرد منهم الطغيان، ~~كما ان الأئمة والصالحين اذا خلوا بين اليهود والنصارى في دخولهم كنائسهم ~~لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا. # وقال الحسين بن علي المغربي قوله { ونقلب ms1403 أفئدتهم وأبصارهم } معناه إنا ~~نحيط علما بذات الصدور، وخائنة الاعين - وهو حشو بين الجملتين - وهو ان ~~يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر. ### || [6.111] # قرأ ابن عامر ونافع وابو جعفر { قبلا } بكسر القاف وفتح الباء. الباقون ~~بضمها، قال أبو زيد: يقال لقيت فلانا قبلا وقبلا وقبلا وقبيلا ~~ومقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراءات. # وقال ابو عبيدة " قبلا " أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف وفتح الباء ~~أراد معناه عيانا، ومن قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: معناه مقابلة. # الثاني - قال مجاهد وعبد الله بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة ~~فيكون جمع قبيل، وقبيل جمع قبيلة نحو سفين وسفينة ويجمع أيضا سفنا. # الثالث - قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف ورغف لقوله { أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا } أي يضمنون ذلك. # قال ابو على الفارسي: وهذا الوجه ضعيف لانهم اذا لم يؤمنوا مع انزال ~~الملائكة عليهم وكلام الموتى لهم مع ظهوره وبهوره ومشاهدته والضرورة ~~اليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر أجدر، اللهم ~~الا ان يقال موضع الآية الباهرة انه جمع القبيل الذى هو الكفيل هو حشر كل ~~شيء، وفي الاشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فاذا نطق بالكفالة من لا ~~ينطق كان ذلك موضع بهر الاية وكان ذلك قويا. فاما اذا حملت قوله { قبلا } ~~على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الايات هو حشر جميع الاشياء جنسا ~~جنسا، وليس في العادة ان يحشر جميع الاشياء الى موضع واحد، فاذا اجتمعت ~~كذلك كان ذلك باهرا واذا حملت { قبلا } بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من ~~المفعول به، والمعنى حشرناه معاينة ومواجهة، فيكون في معنى قراءة نافع { ~~قبلا } أي معاينة. فأما قوله { العذاب قبلا } فمعناه مواجهة أو جمع ~~قبيل. والمعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا. وقيل فيمن نزلت هذه الاية قولان: # احدهما - قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم ms1404 الله انهم ~~لا يؤمنون على حال. # الثاني - قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الآيات. # أخبر الله تعالى بهذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الآيات وعلم من ~~حالهم أنهم لا يؤمنون ولو فعل بهم ما فعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى بأن يحييهم الله حتى يكلموهم، وحشر عليهم كل شيء قبلا، على ~~المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه والمعجزة الباهرة فيه لم ~~يؤمنوا لشدة عنادهم وعتوهم في كفرهم. ثم قال { إلا أن يشاء الله } ومعناه ~~احد أمرين: # أحدهما - قال الحسن: إلا أن يشاء الله أن يجبرهم على الايمان بأن ~~يمنعهم من اضداد الايمان كلها فيقع منهم الايمان. # الثاني - قال ابو علي الجبائي: الا ان يشاء الله ان يلجئهم بأن يخلق ~~فيهم العلم الضروري بانهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الانسان ملجأ ~~الى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذا العلم. وانما قلنا: ذلك، لان الله تعالى ~~قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لانه أمرهم به وكلفهم اياه، وذلك ~~لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، ولو أراد الله من الكفار الكفر للزم ~~أن يكونوا مطيعين اذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ما أريد من المكلف. وللزم ~~أيضا أن يصح أن يأمرهم. ولجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو ~~تعالى # وفي الآية دلالة على ان ارادة الله محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك ~~لانها لو كانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كما لا يجوز ان يقول القائل: ~~لا يدخل زيد الدار الا أن يقدر الله أو الا ان يعلم الله لحصول هذه ~~الصفات فيما لم يزل. # وقوله { ولكن أكثرهم يجهلون } انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم ~~لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ما آمنوا طوعا. وفي الآية دلالة ~~على انه لو علم الله انه لو فعل بهم من الآيات ما اقترحوها لامنوا أنه ~~كان يفعل ذلك بهم وأنه يجب في حكمته ذلك، لانه لو لم يجب ms1405 ذلك لما كان ~~لهذا الاحتجاج معنى. وتعليله بأنه انما لم يظهر هذه الآيات لعلمه بأنه لو ~~فعلها لم يؤمنوا، وذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في ~~معلوم الله ما اذا فعله بالكافر آمن، لانه لو كان ذلك معلوما لفعله ~~ولآمنوا والامر بخلافه. ### || [6.112] # التشبيه في قوله { وكذلك } يحتمل أن يرجع الى أحد أمرين: # أحدهما - أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء. # الثاني - جعلنا تمكين من يعادي الانبياء وتخليتنا بينهم وبين اختيارهم ~~كتمكين غيرهم من السفهاء. وانما جعلهم اعداء على أحد معنيين: # أحدهما - بأن حكم بأنهم أعداء، وهو قول ابي علي. # الثاني - بأن خلى بينهم وبين اختيارهم ولم يمنعهم من العداوة. # ويجوز ان يكون المراد بذلك أن الله تعالى لما أنعم على انبيائه بضروب ~~النعم وبعثهم الى خلقه وشرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، وعادوهم عليه، ~~فجاز أن يقال على مجاز القول بأن الله جعل لهم اعداء كما يقول القائل اذا ~~أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم وعادوه لاجلها: جعلت لك أعداء. ~~وقيل المعنى أمرنا الانبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الانبياء. ~~وهذا القول من الله تعالى تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) في أنه أجراه ~~مجرى غيره من الانبياء، ولا يجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر ~~كفرا، لان فيه ايهاما. # وقوله { شياطين الإنس والجن } قيل في معناه قولان: # أحدهما - انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس والجن، وهو قول الحسن ~~وقتادة ومجاهد. # الثاني - قال السدي وعكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن ~~الذين هم من ولد ابليس. ويحتمل نصب { عدوا } وجهين: # أحدهما - على انه مفعول { جعلنا } وشياطين الانس بدل منه. # الثاني - على أنه خبر { جعلنا } في الاصل ويكون هنا مفعول { جعلنا } ~~كأنه قال جعلنا شياطين الانس والجن عدوا. # وقوله { يوحي بعضهم إلى بعض } معناه يلقي اليه بكلام خفي، وهو الدعاء ~~والوسوسة. وقوله { زخرف القول } معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة اذا ~~زينه و { غرورا } نصب على المصدر. # ثم ms1406 أخبر الله تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك ويحول بينهم وبينه ~~لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، ولو حال بينهم وبينه لما فعلوه. # ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يتركهم وما يفترون أي وما يكذبون ~~بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه ولا يمنعهم منه بالقهر، فان الله تعالى ~~سيجازيهم على ذلك. وهو تهديد لهم كقوله # اعملوا ما شئتم # دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أو ندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: ~~دعني واياه، ويريد بذلك التهديد لا غير. # وروي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله { يوحي بعضهم إلى بعض } ان ~~الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي اليه ما يغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم ~~من بعض. ### || [6.113] # العامل في قوله { ولتصغى } قوله { يوحي } وهي لام الغرض وتقديره يوحي ~~بعضهم الى بعض زخرف القول ليغرونهم ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة، وتكون الهاء في قوله { إليه } عائدة الى القول المزخرف، ولا ~~يجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان الله تعالى لا يجوز أن يريد منهم أن ~~تصغى قلوبهم الى الكفر ووحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة ~~كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، ولم يصح ذلك أيضا ~~في قوله { وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } لانه غير معلوم حصول جميع ~~ذلك. # وعلى ما قلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض ويكون مرادا كله ~~للشياطين. وقال الجبائي: ان هذه لام الامر، والمراد بها التهديد، كما قال # واستفزز # وقال # اعملوا ما شئتم # قال لان علامة النصب والجزم تتفق في سقوط النون في قوله { وليرضوه ~~وليقترفوا } وهذا غير صحيح، لانها لو كانت لام الامر لقال { ولتصغ } بحذف ~~الالف وما قاله انما يمكن ان يقال في قوله { وليرضوه وليقترفوا } فأما في ~~قوله { ولتصغى } فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي. وقال الزجاج والبلخي: ~~اللام في { ولتصغى } لام العاقبة وما بعده ms1407 لام الامر الذي يراد به ~~التهديد، وهذا جائز غير أن فيه تعسفا. ومعنى (صغا) مال و { لتصغى } أي ~~لتميل، وهو قول ابن عباس وابن زيد، تقول: صغوت اليه أصغى صغوا وصغوا ~~وصغيت أصغي بالياء أيضا وأصغيت اليه اصغاء بمعنى قول الشاعر: # ترى السفيه به عن كل محكمة # زيغ وفيه الى التشبيه اصغاء # ويقال أصغيت الاناء اذا أملته لتجمع ما فيه فاصله الميل لغرض من ~~الاغراض. # وقوله { وليقترفوا } عطف على { ولتصغى } والاقتراف اكتساب الاثم، ومعناه ~~وليكتسبوا الاثم - في قول ابن عباس وابن زيد والسدي - ويقال: خرج يقترف ~~لاهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الامر اذا واقعه وعمله وقرفتني بما ~~ادعيت علي أي رميتني بالريبة، وقرف القرحة أي أقشر منها، واقترف كذبا قال ~~رؤبة: # أعيا أقتراف الكذب المقروف # يقوي البغي وعفة العفيف # وأصله اقتطاع قطعة من الشيء ولام كي تنصب باضمار (أن) مثل (حتى) غير ~~أنها قد تظهر مع اللام، ولا تظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، ~~ومعناها (الى أن) لما فى (حتى) من الاشتراك. وليس في اللام حمل على تأويل ~~حرف آخر. وقال البلخي: الاقتراف الادعاء والتهمة، يقول الرجل لغيره: أنت ~~قرفتني أي نسبتني الى التهم. ### || [6.114] # قرأ ابن عامر وحفص { منزل } بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف # من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # ومن خفف فلقوله # إنا أنزلناه في ليلة مباركة # وما أشبهها. # امر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم { أفغير ~~الله أبتغي حكما } أي أطلب سوى الله حاكما، ونصب أفغير الله بفعل مقدر ~~يفسره { أبتغي } تقديره أأبتغي غير الله أبتغي حكما، والحكم والحاكم ~~بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم اليه فهو أمدح من ~~الحاكم، والحاكم جار على الفعل، وقد يحكم الحاكم بغير الحق، والحكم لا ~~يقضي الا بالحق لانها صفة مدح وتعظيم. # والمعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم الله رغبة عنه، لانه لا يرضى به؟! ~~أو هل يجوز مع حكم ms1408 الله حكم يساويه في حكمه؟! # وقوله { وهو الذي } يعني الله الذي { أنزل إليكم الكتاب مفصلا } وانما ~~مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط ~~المعمي للمعنى، وينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. ~~وانما فصل القرآن بالآيات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل ~~في كل فن. # وقيل: معنى { مفصلا } أي بما يفصل بين الصادق والكاذب من أمور الدين. ~~وقيل: فصل فيه الحرام من الحلال، والكفر من الايمان، والهدى من الضلال - ~~في قول الحسن -. # وقوله { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } لا يجوز ~~ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لا يعرفون. ~~وقوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، وبمعنى الاقرار أخرى، ~~كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. ويقال لجميع المسلمين أهل القرآن ~~بمعنى أنهم مقرون به. وقوله { يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } قيل في ~~معناه قولان: # احدهما - يعلمون ان كل ما فيه بيان عن الشيء على ما هو به، فترغيبه، ~~وترهيبه، ووعده، ووعيده، وقصصه، وأمثاله، وغير ذلك مما فيه كله بهذه ~~الصفة. # والثاني - أن معنى { بالحق } البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به. # فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة ونفي الاحباط وصف الكفار بأنهم ~~يعلمون الحق وذلك مما يستحق به الثواب ولا خلاف أن الكافر لا ثواب معه؟!. # قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن تكون الآية مخصوصة بمن آمن منهم في ~~المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين بالله وبأن القرآن حق ثم ~~يظهرون الاسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لا يحصل دفعة ~~واحدة بل يحصل جزءا فجزءا، لان أوله العلم بحدوث الاجسام، ثم ان لها ~~محدثا، ثم العلم بصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ثم العلم بالثواب ~~والعقاب وما يتبعهما، وذلك يحصل في أوقات كثيرة. # والثاني - أن يكونوا علموه على وجه لا يستحقون به الثواب لانهم يكونون ~~نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك ms1409 فحصل لهم العلم وان ~~لم يستحقوا به ثوابا. # ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لانهم اذا كانوا ~~معتقدين بصحة التوراة وأنها من عند الله، وفيها دلالة على صحة نبوة النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) وهم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم اذا على قولهم ~~عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق. # ويحتمل أن يكون المراد بقوله { الذين آتيناهم الكتاب } المؤمنين ~~المسلمين دون أهل الكتاب، ويكون المراد بالكتاب القرآن لانا قد بينا أن ~~الله سماه كتابا بقوله # الر كتاب أحكمت # وبقوله # هو الذي أنزل عليك الكتاب # فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب # وقوله { فلا تكونن من الممترين } معناه لا تكونن من الشاكين. والامتراء ~~الشك وكذلك المرية ويكون الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمرادبه ~~الامة. وقيل المراد بذلك { فلا تكونن من الممترين } يا محمد في أنهم ~~يعلمون أن ذلك من ربك بالحق. ### || [6.115] # قرأ أهل الكوفة ويعقوب { كلمة } على التوحيد. الباقون " كلمات " جمع ~~كلمة، والكلمة والكلمات ما ذكره الله من وعده ووعيده وثوابه وعقابه، فلا ~~تبديل فيه، ولا تغيير له كما قال # ما يبدل القول لدي # وقال # لا تبديل لكلمات الله # وكان التقدير، وتمت ذوات الكلمات، ولا يجوز أن يعني بالكلمات الشرائع ها ~~هنا كما عنى بقوله # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # وقوله # وصدقت بكلمات ربها # لانه قال لا مبدل لكلماته. والشرائع يدخلها النسخ. وقوله { صدقا وعدلا } ~~مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة وتقديره صادقة عادلة، وقال قوم: ~~هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لما كان جمعا في المعنى ~~جمعه. ومن أفرد فلأن الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في ~~كلمته، يعني في قصيدته وقال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يقع على ~~الكثرة فاغنى عن الجمع ومثله # وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل # وقيل انه أراد به بقوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا } الى آخر ~~الآية فسمى هذا القصص كلمة. # وقال مجاهد في قوله # كلمة ms1410 التقوى # قول لا إله الا الله. ومعنى { وتمت كلمات ربك } انها بتمامها موافقة ~~لما توجبه المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. والتمام والكمال والاستيفاء ~~نظائر. وان جميعه صدق ولا كذب فيه كما يقال: كمل فلان اذا تمت محاسنه. # وفي الآية دلالة على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالتمام والعدل وذلك ~~لا يكون الا حادثا. والتبديل وضع شيء مكان شيء، فلا أحد يقدر ان يضع مكان ~~كلمة الله يناقضها به. وقال قتادة: لا مبدل لها فيما حكم به لانه وان ~~أمكن التغيير والتبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة والانجيل، ~~فانه لا يعتد بذلك، لانه لا يقلبه بحق ينقضه. ويجوز أن يكون المراد بقوله ~~{ وتمت كلمات ربك } أنها أتتك شيئا بعد شيء حتى كملت. # وقوله { وهو السميع العليم } معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات ~~اذا وجدت عالم بما يكون ظاهرا وباطنا، فلا يظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي ~~عليه تعالى. ### || [6.116] # هذا خطاب من الله لنبيه ولجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الارض من ~~الكفار ويتبع ما يريدونه يضلوه عن سبيل الله، لانه كان في ذلك الوقت أكثر ~~أهل الارض كفارا. والطاعة هي امتثال الامر واجابة ما أريد منه اذا كان ~~المريد فوقه، والفرق بينه وبين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة ~~الارادة الواقعة موقع المسألة، ولا تكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة ~~الدعاء بالامر، ومن أجله لا يراعي فيها الرتبة. # والفرق بين الاكثر والاعظم أن الاعظم قد يوصف به واحد، ولا يوصف بالاكثر ~~واحد بحال، ولهذا يقال في الله تعالى انه عظيم وأعظم من كل شيء، ولا يقال ~~أكثر وانما يقال أكبر بمعنى أعظم. # وانما قال: ان تطعهم يضلوك، وان كانت البدأة بالاغواء منهم لامرين: # احدهما - ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فاذا كان من الداعي أمر بشيء ~~من الاشياء كان اطاعة وصدق بأنه مطيع. # والثاني - ان دعاءهم لا يوصف بأنه اضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه ~~قال: ان تجبهم تستحق الصفة بأنهم ms1411 قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء ~~الكفار انهم لا يتبعون الا الظن الذي يخطيء ويصيب { وإن هم إلا يخرصون } ~~ومعناه وما هم الا كاذبين. والخرص الكذب يقال: خرص يخرص خرصا وخروصا، ~~وتخرص تخرصا واخترص اختراصا وأصله القطع قال الشاعر: # ترى قصد المران تلقى كأنها # تذرع خرصان بأيدي الشواطب # يعني جريدا يقطع طويلا ويتخذ منه الحصر، وهو جمع الخرص. ومنه خرص النخل ~~يخرصه خرصا اذا جزره، والخريص الخليج ينقطع اليه الماء، والخريص حبة ~~القرط اذا كانت منفردة، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه. # وقيل معنى { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } يعني في أكل ~~الميتة، لأنهم قالوا للمسلمين: أتاكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ~~ربكم؟! فهذا إضلالهم. وقال بعضهم قوله { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون } مثل قوله # يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # يعني المتعمدين المتردين. # وفى الآية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، وبطلان قولهم ان الله ~~تعالى لا يتوعد من لا يعلم الحق، لان الله بين في هذه الآية أنهم يتبعون ~~الظن ولا يعرفونه، وتوعدهم على ذلك. وذلك بخلاف مذهبهم. ### || [6.117] # خاطب الله تعالى بهذه الآية نبيه (صلى الله عليه وسلم) وان عنى به جميع ~~الامة انه تعالى { أعلم من يضل عن سبيله } بمعنى أعرف، والمعنى انه أعلم ~~به ممن يعلمه، لانه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لانه تعالى يعلم ما كان ~~وما يكون، وما هو كائن الى يوم القيامة، وعلى جميع الوجوه التي يصح ان ~~تعلم الاشياء عليها وليس كذلك غيره، لان غيره لا يعلم جميع الاشياء، وما ~~يعلمه لا يعلمه من جميع وجوهه. وأما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال الله ~~أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم وزيادة لمن وصف بأنه ~~أعلم، وهذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، ولا يصح أن يقال: هو ~~تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ms1412 ذكر ~~الوجه الذي يعلم منه وهو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، وأن ~~هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك. # وذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب: # قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء وتقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا ~~لقوله { وهو أعلم بالمهتدين }. # وقال الفراء والزجاج: موضعها الرفع لانها بمعنى (أي) كقوله # لنعلم أي الحزبين # وصفة (أفعل) من كذا لا تتعدى لانها غير جارية على الفعل، ولا معدولة عن ~~الجارية كعدل ضروب عن ضارب ومنحار عن ناحر. وقال قوم: ان (اعلم) ها هنا ~~بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي: # فخالفت طي من دوننا خلفا # والله أعلم ما كنا لهم خولا # وقالت الخنساء: # القوم أعلم ان جفنته # تغدو غداة الريح أو تسري # قال الرماني: هذا لا يجوز لانه لا يطابق قوله { وهو أعلم بالمهتدين } ~~فمعنى الآية ان الله تعالى أعلم بمن يملك سبيل الضلال المؤدي الى الهلاك ~~بالعقاب، ومن سلك سبيل الهدى المفضي به الى النجاة والثواب. ### || [6.118] # قيل في دخول الفاء في قوله { فكلوا } قولان: # أحدهما - انه جواب لقول المشركين لما قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ~~ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فكأنه قيل: اعرضوا عن جهلكم فكلوا. # والثاني - ان يكون عطفا على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على ~~الهدى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. # وقوله { فكلوا } ، وان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان ~~الاكل ليس بواجب ولا مندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة ~~الله، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، وربما كان واجبا، فأما ما يمسك الرمق ~~فخارج عن ذلك، لانه عند ذلك يكون الانسان ملجأ الى تناوله. ومثل هذه ~~الآية في لفظ الامر والمراد به الاباحة قوله # وإذا حللتم فاصطادوا # وقوله # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # والاصطياد والانتشار مباحان بلا خلاف. # وقوله { مما ذكر اسم الله عليه } فالذكر المسنون هو قول بسم الله. وقيل ~~كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة ms1413 كقوله بسم الله الرحمن الرحيم أو ~~بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، وما يجري مجرى ذلك. ~~والاول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جوازه غيره، ولقوله # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # وقوله { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } خطاب للمؤمنين وفيه دلالة على ~~وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن ما لا يسمى عليه لا يجوز ~~أكله بدلالة قوله { إن كنتم بآياته مؤمنين } لان هذا يقتضي مخالفة ~~المشركين في أكلهم ما لم يذكر اسم الله عليه، فأما ما لم يذكر اسم الله ~~عليه سهوا أو نسيانا فانه يجوز أكله على كل حال. والآية تدل على أن ذبائح ~~الكفار لا يجوز أكلها، لانهم لا يسمون الله عليها. ومن سمى منهم لانه لا ~~يعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى ~~وكذب محمد بن عبد الله، وذلك لا يكون الله، فاذا هم ذاكرون اسم شيطان ~~والاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. وذلك مفتقر الى معرفته واعتقاده، ~~والكفار على مذهبنا لا يعرفون الله تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى؟! ~~وفي ذلك دلالة واضحة على ما قلناه. # ومعنى قوله { إن كنتم بآياته مؤمنين } ان كنتم عرفتم الله وعرفتم رسوله ~~وصحة ما أتاكم به من عند الله، وهذا التحليل عام لجميع الخلق وان خص به ~~المؤمنين بقوله { إن كنتم بآياته مؤمنين } لان ما حلل الله للمؤمنين، فهو ~~حلال لجميع المكلفين وما حرم عليهم حرام على الجميع. ### || [6.119] # قرأ نافع وحفص عن عاصم { وقد فصل لكم ما حرم } بفتح الفاء والصاد والحاء ~~والراء. وقرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء ~~والحاء. وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم ~~الحاء. وقرأ أهل الكوفة { ليضلون } بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح ~~الياء. # من ضم الفاء والحاء، فلقوله # حرمت عليكم الميتة والدم # فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) وكذلك (فصل) لان هذا المفصل ms1414 هو ذلك ~~المحرم الذي حل في هذه الآية. # ومن فتحهما فلقوله # أتل ما حرم ربكم # وقوله # فصلنا الآيات # وكذلك قوله # الذين يشهدون أن الله حرم هذا # ولانه قال { وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل } ~~فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله. # ومن فتح الفاء وضم الحاء، فلقوله { فصلنا الآيات } وقوله { حرمت عليكم ~~الميتة والدم } # وقوله { وما لكم } خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الآية الاولى ومعناه لم ~~لا تأكلوا، وقيل بينهما فرق، لان (لم لا تفعل) أعم من حيث انه قد يكون ~~لحال يرجع اليه وقد يكون لحال يرجع الى غيره، فأما (ما لك أن لا تفعل) ~~فلحال يرجع اليه. وقيل في معنى { لا } في قوله { أن لا تأكلوا } قولان: # احدهما - انها للجحد، وتقديره أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، اختاره ~~الزجاج وغيره من البصريين. # والثاني - أن يكون صلة، والمعنى ما منعكم ان تأكلوا، لان (ما لك ان لا ~~تفعل) (وما لك لا تفعل) بمعنى واحد. وقال قوم: معناه ليس لكم ان لا ~~تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي امرناكم بفعله، ويجوز حذف (في) ~~من { ما لكم إلا تأكلوا } ولا يجوز حذفها من ما لكم في ترك الاكل لان ~~(ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصدر لا تلزمه ~~الصلة، كما حسن حذف الهاء من صلة (الذي) ولم يحسن من الصفة. # وقوله { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } يعني ما ذكره في مواضع من قوله # حرمت عليكم الميتة # الآية وغيرها. # وقوله { إلا ما اضطررتم إليه } معناه الا اذا خفتم على أنفسكم الهلاك من ~~الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ما حرمه الله في قوله # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # وما حرمه في هذه الآية. # واختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لا يجوز له ان ~~يتناول الا ما يمسك الرمق. وفي الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه اذا ~~اضطر اليه وان يحمل ms1415 منها معه حتى يجد ما يأكله. وقال الجبائي: في الآية ~~دلالة على أن ما يكره عليه من أكل هذه الاجناس أنه يجوز له أكله، لان ~~المكره يخاف على نفسه مثل المضطر. # ومن قرأ { ليضلون } بفتح الياء ذهب الى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي ~~يضلون باتباع أهوائهم، كما قال # واتبع هواه # أي يضلون في انفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ~~ما ذكر اسم الله عليه وغير ذلك. # ومن قرأ بضم الياء اراد انهم يضلون أشياعهم، فحذف المفعول به، وحذف ~~المفعول كثير، ويقوي ذلك قوله # وما أضلنا إلا المجرمون # وقوله # ربنا هؤلاء أضلونا # وقوله { وإن كثيرا } أوقع (ان) على النكرة، لان الكلام اذا طال احتمل ~~ودل بعضه على بعض. ### || [6.120] # الواو في قوله { وذروا } ، واو العطف ولا يستعمل " وذر " لما مضى ولا " ~~واذر " لاسم الفاعل واستغني عنه ب (ترك) وانما يستعمل منه يذر و (ذر) ~~وامثاله ومثله (يدع) لم يستعمل منه (فعل) ولا (فاعل) استغنوا أيضا ب ~~(ترك) و (تارك) وأشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها ~~هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها. والظاهر هو الكائن على وجه يمكن ادراكه. ~~والباطن هو الكائن على وجه يتعذر ادراكه. # أمر الله تعالى في هذه الآية بترك الاثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، ~~ونهى عن ارتكابه سرا وعلانية، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومجاهد، لان ~~الجاهلية كانت ترى ان الزنا اذا أظهر واعلن كان فيه اثم، فاذا استسر ~~به صاحبه لم يكن اثما - ذكره الضحاك - وقال الجبائي الظاهر أفعال ~~الجوارح، والباطن أفعال القلوب. وقال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا ~~والباطن الزنا. والاول أعم على ما قلناه - ذكره ابن زيد - وقال قوم: ظاهر ~~الاثم الزنا، وباطنه اتخاذ الاخدان - ذكره السدي والضحاك - وقال سعيد بن ~~جبير ظاهر الاثم امرأة الاب وباطنه الزنا. # أمر الله تعالى باجتناب الاثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون ~~الاثم يعني المعاصي والقبائح وسيجازيهم الله يوم القيامة بما كانوا ~~يرتكبونه. وقد بينا أن ms1416 معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. والكسب هو فعل ما ~~يجتلب به نفع الى نفسه أو يدفع به ضرر، ولذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب ~~ولا يوصف الله تعالى به، والكواسب الجوارح من الطير، لانها تكسب ما ينتفع ~~به. ### || [6.121] # نهى الله تعالى في هذه الآية عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وذلك ~~صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لانها لو لم تكن واجبة، لكان ترك ~~التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن ~~تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها. # وكان الحسن يقول: يجوز له أن يأكل منها. وقال ابن سيرين: لا يجوز أن ~~يأكل منها. وبه قال الجبائي. # فأما اذا تركها متعمدا فعندنا لا يجوز اكله بحال. وفيه خلاف بين الفقهاء ~~فقال قوم: اذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. وقال ~~آخرون لا يجوز أكلها كما قلنا. # وذلك يدل على ان ما يذبحه أهل الكتاب لا يجوز أكله، لانهم لا يعتقدون ~~وجوب التسمية ولا يذكرونها، ومن ذكر اسم الله منهم فانما يقصد به اسم من ~~أبدى شرعهم، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وآله، بل كذبه، وذلك ليس هو ~~الله، فلا يجوز اكل ذبيحتهم. ولانهم لا يعرفون الله، فلا يصح منهم القصد ~~الى ذكر اسمه. # فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه. # وليست الآية منسوخة ولا شيء منها، ومن ادعى نسخ شيء منها فعليه الدلالة. # وقال الحسن وعكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم # وعندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح. # وقال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم الله على ذبيحته، ~~وليس واحد من هؤلاء معنيا بالآية، فلا يحتاج الى النسخ. # وقوله { وإنه لفسق } يعني ما لم يذكر اسم الله عليه أي أكله فسق. وحذف ~~لدلالة الكلام عليه. # وقوله { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } يعني بالشياطين ~~علماءهم ورؤساءهم المتمردين في كفرهم يوحون ويشيرون ms1417 الى أوليائهم الذين ~~اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة. وقال الحسن ~~يجادلونهم بقولهم: ان ما قتل الله أولى بأن يؤكل مما قتله الناس وقال ~~عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس { إلى أوليائهم } من ~~مشركي قريش. وقال ابن عباس: المراد بالشياطين ها هنا ابليس وجنوده بأن ~~يوسوسوا اليهم ويوحون الى أهل الشرك بذلك، وبه قال قتادة. وقال قوم: ~~الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) بأن ما قتله الله أولى بالاكل مما قتله الناس. ثم قال تعالى { وإن ~~أطعتموهم } ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة وغيره { ~~إنكم لمشركون } لان من استحل الميتة كافر بالاجماع. ومن اكلها محرما لها ~~مختارا، فهو فاسق وهو قول الحسن وجماعة من المفسرين. والتقدير في قوله { ~~إنكم } فانكم، لان جواب الشرط لا يكون ب (أن) بلا فاء. # وانما يكون ذلك جواب القسم. # واختلفوا في ما عناه الله تعالى بقوله { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه } فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الاوثان ~~كانت العرب تذبحها وقريش. وقال ابن عباس ذلك الميتة. وقال قوم: عنى بذلك ~~كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. وهذا الوجه أقوى على ما بيناه. ومن حمل ~~الآية على الميتة فقد أبعد، لان احدا من العرب ما كان يستحل الميتة. ~~وانما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالآية اما أن تكون مختصة بما كانت تذبح ~~للاصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم الله عليه الا ~~ما أخرجه الدليل. وقد بينا ان ذلك أعم وأولى بحمل الآية عليه. ### || [6.122] # قرأ أهل المدينة ويعقوب { ميتا } بالتشديد. الباقون بالتخفيف. قال أبو ~~عبيدة الميتة مخففة ومثقلة معناهما واحد، وانما خفف إستثقالا، قال ابن ~~الرعلاء الغساني: # ليس من مات فاستراح بميت # انما الميت ميت الاحياء # انما الميت من يعيش كئيبا # كاسفا باله قليل الرجاء # وقد وصف الله الكفار بأنهم أموات بقوله # أموات غير أحياء وما ms1418 يشعرون أيان يبعثون # وكذلك { أو من كان ميتا فاحييناه } والمعنى من كان ميتا بالكفر فصار حيا ~~بالاسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره؟! # وقوله { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يحتمل امرين: # أحدهما - أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى # نورهم بين أيديهم # وقوله # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم # الثاني - أن يراد بالنور الاحكام التي يؤتاها المسلم باسلامه، لانه اذا ~~جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه. # ومن خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت ~~بالقلب # اختلفوا في من نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس والحسن وغيرهما من ~~المفسرين: نزلت في كل مؤمن وكافر. وقال عكرمة: نزلت في عمار بن ياسر وابي ~~جهل، وهو قوله ابي جعفر (ع). وقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وقال ~~الزجاج: نزلت في النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي جهل. والاول أعم فائدة، ~~لانه يدخل فيه جميع ما قالوه. # بين الله تعالى أن { من كان ميتا } يعني كافرا { فأحييناه } يعني وفقناه ~~للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمنا بأن آمن، لان الاحياء بعد الإماتة - ها ~~هنا - هو الاخراج من الكفر الى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس ~~والحسن ومجاهد والبلخي والجبائي وغيرهم. # وقوله { وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يعني جعلنا له علما، فسمى ~~العلم نورا وحياة، والجهل ظلمة وموتا، لان العلم يهتدى به الى الرشاد، ~~كما يهتدى بالنور في الظلمات، وتدرك به الامور كما تدرك بالحياة. والظلمة ~~كالجهل لانه يؤدي الى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا تدرك به ~~حقيقة. وانما قال { كمن مثله في الظلمات } ولم يقل كمن هو في الظلمات، ~~لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات ويجوز أن يدل بأن مثله في ~~الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ~~ذلك. # وقيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان: # أحدهما - قال الحسن: وهو القرآن. وقال غيره: هو الايمان الذي ms1419 لطف له به. # ووجه التشبيه في قوله { كذلك زين للكافرين } أي زين لهؤلاء الكفر، ~~فعملوه كما زين لأولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال ~~أولئك فيه، كما قال # كل حزب بما لديهم فرحون # وانما زين الله تعالى الايمان عند المؤمنين، وزين الغواة من الشياطين ~~وغيرهم الكفر عند الكافرين وهو قول الحسن وأبي علي والرماني والبلخي ~~وغيرهم. # وفي الآية دلالة على وجوب طلب العلم، لانه تعالى رغب فيه بأن جعله ~~كالحياة في الادراك بها والنور في الاهتداء به. ### || [6.123] # معنى قوله { كذلك جعلنا } أي جعلنا ذا المكر من المجرمين، كما جعلنا ذا ~~النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا ~~بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحد منهما جعل بمعنى ~~صار به كذا الا أن الاول باللطف، والثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه ~~جعل كذا. # وموضع الكاف في { وكذلك } نصب بالعطف على قوله { كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون } والمعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. ~~ومثل ذلك { جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها } وانما خص أكابر المجرمين ~~بهذا المعنى دون الاصاغر، لانه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الاكابر ~~اذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر. # والاكابر جمع الاسماء، والكبر جمع الصفات تقول: كبير وأكابر ويجوز أن ~~يكون جمع أكبر على أكابر. وقد قالوا: الاكابرة والاصاغرة، كما قالوا: ~~الاساورة والاحامرة قال الشاعر: # ان الاحامرة الثلاثة أهلكت # ما لي وكنت بهن قدما مولعا # الخمر واللحم السمين أحبه # والزعفران فقد أبيت مودعا # وقوله { ليمكروا فيها } اللام لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة، كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وقال الشاعر: # فاقسم لو قتلوا مالكا # لكنت لهم حية راصدة # وام سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالدة # وليس المراد بها لام الغرض، لانه تعالى لا يريد أن يمكروا، وقد قال # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # وإرادة القبيح قبيحة. والتقدير وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ~~ليطيعوني ويمتثلوا أمري، ms1420 وكان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين وخدعوهم، فقال ~~الله تعالى { وما يمكرون إلا بأنفسهم } لان عقاب ذلك يحل بهم. والمكر هو ~~فتل الشيء الى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر. والمكر والختل والغدر ~~نظائر. وأصل المكر القتل. ومنه جارية ممكورة أي مفتولة البدن. ووجه مكر ~~الانسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال وما يضرون بذلك المكر ~~الا أنفسهم، وما يشعرون انهم يمكرون بها، ولا يصح أن يمكر الانسان بنفسه ~~على الحقيقة، لانه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها ويصح ~~أن يخفي ذلك عن غيره. # وفائدة الآية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة ~~لله، اذ كأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة. ### || [6.124] # قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ونصب التاء. الباقون على الجمع. ~~ومن وحد، فلأن الرسالة تدل على القلة والكثرة لكونها مصدرا. ومن جمع، ~~فلما تكرر من رسل الله وتحميله اياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع. # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنه اذا جاءتهم آية ودلالة من عند الله ~~تدل على توحيد الله وصدق انبيائه ورسله { قالوا لن نؤمن } اي لا نصدق بها ~~{ حتى نؤتي } أي نعطى آية مثل ما أعطي رسل الله حسدا منهم للانبياء ~~(عليهم السلام). ثم أخبر تعالى على وجه الانكار عليهم بأنه تعالى أعلم ~~منهم ومن جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، ولا ~~يبعث الله تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لا يتعلق ~~ذلك به. ومن يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لا يقوم بها. وتوعدهم ~~فقال: { سيصيب الذين أجرموا } أي سينال الذين انقطعوا الى القبيح وأقدموا ~~عليه { صغار عند الله } والصغار الذل الذي يصغر الى الانسان نفسه يقال: ~~صغر يصغر صغارا وصغرا، وقيل في معنى الصغار عند الله ثلاثة اقوال: # اولها - صغار أي ذلة من عند الله، ولا يجوز على هذا أن يقال: زيد عند ~~عمر بمعنى من عنده، لان حذف ms1421 (من) تلبيس - ها هنا -. # الثاني - قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عند الله. # الثالث - قال الزجاج يعني صغار في الآخرة، وهو أقواها، لقوله { وعذاب ~~شديد بما كانوا يمكرون } في دار الدنيا، و { عند الله } يتعلق بقوله { ~~سيصيب الذين أجرموا صغار } ويجوز أن يكون متعلقا ب { صغار } ، وتقديره ~~سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عند الله. # ومعنى الآية الانكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، والوعيد على ~~ما فعلوا. # وقوله { رسل الله } اللام مفخمة في { الله } ولا تفخم من قوله { الله ~~أعلم } لان ما وقع بعد فتح وضم صح تفخيمه، كقولك من الله، لانه بمنزلة ~~تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحو كامل وعالم وترك التفخيم في الثاني ~~كما ترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، وانما فخمت اللام في تلك ~~المواضع لتعظيم الاسم من غير اخلال بالخروج عن نظيره. ### || [6.125] # قرأ ابن كثير { ضيقا } بتخفيف الياء وسكونها - ها هنا - وفي الفرقان. ~~الباقون بتشديدها وكسرها. وقرأ أهل المدينة وأبو بكر " حرجا " بكسر ~~الراء. الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير { يصعد } بتخفيف الصاد والعين ~~وسكون الصاد من غير الف، ورواه أبو بكر بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف ~~العين. الباقون بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير الف. # قال ابو علي النحوي: الضيق والضيق مثل الميت والميت في أن معناهما ~~واحد. والياء والواو يشتركان في الحذف، وان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت ~~الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا ~~في أيسار الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتعد. وقال غيره: يجوز أن يكون من ~~ضاق الامر يضيق ضيقا. وقد قرأه من قرأ { ولا تك في ضيق }. ومن فتح الراء ~~من (حرج) جعلها وصفا للمصدر، لان المصادر قد توصف بمثل ذلك، كقولهم رجل ~~دنف أي ذو دنف ولا يكون كبطل لان اسم الفاعل في الاكثر من (فعل) انما ~~يجيء على (فعل). ومن كسر الراء فهو مثل دنف، وفرق. قال ابو زيد وحرج ~~عليه السحور والسحر: اذا أصبح ms1422 قبل أن يتسحر وحرج عليه حرجا وهما واحد، ~~وحرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، وحرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى ~~واحد، ويقال حرج فلان يحرج اذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر وهو ~~كاره. # وقال غيره: هما بمعنى واحد كالدنف والدنف، والوحد والوحد، والفرد ~~والفرد وقيل: الحرج الاثم والحرج الضيق الشديد. # ومن قرأ { يصعد } من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الاسلام، وثقله ~~عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع. # ومن قرأ { يصعد } بتشديد الصاد والعين بلا الف أراد يتصعد فادغم. ~~والمعنى كأنه يتكلف ما يثقل عليه. وكأنه تكلف شيئا بعد شيء كقولك يتصرف ~~ويتحرج وغير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شيء ويصاعد مثل يصعد ومثل ~~ضاعف وضعف وناعم ونعم. # والضمير في قوله { يشرح صدره للإسلام } يحتمل ان يكون راجعا الى (من) ~~وتقديره ان المهدي يشرح صدر نفسه، وهو جيد ويكون تقديره: من أراد الله أن ~~يثيبه ويهديه الى طريق الجنة فليطعه. ومن أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة ~~واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج والضيق. ويقوي ذلك قوله # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله # فان الطمأنينة الى الايمان فعلهم لا محالة، لانه ايمان. ثم نسب تعالى ~~شرح صدورهم بالكفر اليهم. # والثاني - أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا الى اسم الله تعالى وهو الاقوى ~~لقوله { فمن شرح الله صدره للإسلام } وقوله # ألم نشرح لك صدرك # وكذلك يكون الضمير في قوله { يشرح صدره للإسلام } عائدا لاسم الله ~~تعالى. والمعنى ان الفعل مستند الى اسم الله في اللفظ وفي المعنى للمشروح ~~صدره، وانما نسبه الى ضمير اسم الله لانه بقدرته كان وتوفيقه، كما قال # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # ويدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل الى الكافر في قوله { ~~ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله } فكما اسند الفعل الى فاعل ms1423 ~~الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى الى فاعل الايمان، ومعنى شرح الصدر ~~اتساعه للايمان أو الكفر وأنقياده له وسهولته عليه، بدلالة وصف خلاف ~~المؤمن بخلاف الشرح الذي هو اتساع. # وقوله { ومن يرد أن يضله } يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كانما يفعل ما يعجز عنه ولا يستطيعه لثقله عليه وتكاؤده ~~عليه. # وقوله { يصعد } ويصاعد من المشقة وصعوبة الشيء. ومن ذلك قوله # يسلكه عذابا صعدا # وقوله # سأرهقه صعودا # اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا. ومن ذلك قول عمر: ما يصعدني شيء كما ~~يصعدني خطبة النكاح أي ما يشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ~~ارتقاء صعودا. وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت، وعقبة كؤد، ولا يكون ~~السماء في هذا الموضع - على هذا القول - هي المظلة للارض لكن كما قال ~~سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، ومثله # قد نرى تقلب وجهك في السماء # واما قوله { يجعل صدره ضيقا حرجا } فانه يحتمل امرين: # احدهما - التسمية كقوله # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا # اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا لمحاولته الايمان وحرجا عنه # والآخر - الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا أي حكمت ~~بذلك ولا يكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق ولا الذي يراد به الالقاء ~~كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض. وقوله # ويجعل الخبيث بعضه على بعض # وقيل في معنى الهداية والاضلال في الآية قولان: # احدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل الى الاسلام بالدلائل التي يشرح ~~بها الصدر، والاضلال تصعيب السبيل اليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، ~~لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك مانع له ولا تدبير ~~غيره أولى منه، وانما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل ~~الصدر، ولا يضيق بدعائها الى خلاف ما سبق من العقد، والهدى الى ما طلبه ~~طالب الحق، والاضلال عما طلبه طالب تاكيد الكفر. # والثاني - ان يراد بالهداية الهداية الى الثواب ms1424 وبالاضلال الإضلال عن ~~الثواب والسلوك به الى العقاب، ويكون التقدير من يرد الله أن يهديه ~~للثواب في الآخرة فيشرح صدره للاسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي ~~يختار عنده الاسلام، ومن يرد أن يعاقبه ويعدل به عن الثواب الى النار ~~يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره للكفر جزاء على فعله ويخذله ~~ويخلي بينه وبين ما يريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق والحرج، أو ~~يسميه بذلك على ما فسرناه. # وهذا الاضلال لا يكون الا مستحقا كما أن تلك الهداية لا تكون الا ~~مستحقة، وقد سمى الله تعالى الثواب هداية في قوله # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله # وقال # والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم # والهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، وقال تعالى # والذين اهتدوا زادهم هدى # وقال # ومن يؤمن بالله يهد قلبه # يهدي به الله من اتبع رضوانه # وقال # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # وكل ذلك يراد به الثواب وقد سمى العقاب ضلال في قوله # ويضل الله الظالمين # وقوله # وما يضل به إلا الفاسقين # وهذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي والبلخي، والاول قول الرماني وقيل ~~أيضا: انما يشرح قلب المؤمن بالآيات والدلائل لكونه طالب للحق، ولم يفعل ~~ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر وفي هذا الوجه حض على طلب الحق. # والحرج الضيق الشديد، وقال ابن عباس: أصله الحرجة، وهي الشجرة الملتفة ~~بالشجر حولها، فلا يصل اليها الراعي، فكذلك قلب هذا لا يصل اليه خير - في ~~قول عمر - وقال ابن عباس لا يصل اليه حكمة. # وقوله { كأنما يصعد في السماء } قيل في معناه قولان: # أحدهما - كأنما كلف الصعود الى السماء بالدليل الذي يدعوه الى خلاف ~~مذهبه. وقال سعيد بن جبير: كأنه لا يجد مسلكا الا صعدا. # والثاني - كأنما ينزع قلبه الى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في ~~الهرب. # وفى معنى الرجس قولان: # احدهما - قال مجاهد: كلما لا خير فيه. وقال ابن ms1425 زيد وغيره من أهل اللغة: ~~هو العذاب. ويقال الرجس والنجس لما كان رجسا، ولقد رجس رجاسة ونجس نجاسة. ~~ووجه التشبيه في قوله # كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون # أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك ~~على وجه الاستحقاق. ولا يجوز أن يكون المراد بالآية ان الله تعالى يجعل ~~سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، ~~وانهما جميعا من فعل الله على ما يقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل ~~القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلو كان كما قالوه لكانت ~~الحجة عليه لا له على انه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، ~~وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحو قوله # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # وقال # وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة # وقال # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى # وقال # قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها # فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كما هدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك ~~في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها؟! ومتى حملنا ~~الآيات على ما قلناه ووفقنا بينها لم يؤد الى المناقضة ولا التضاد، ويقوي ~~ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من ~~الكفار غير ضيقي الصدر بما هم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح ~~بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟! ولا يلزمنا ذلك اذا ~~قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى اذا كان يفعل بهم ~~ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك اذا أراد عقابهم لا في جميع الاحوال، ولا ~~يلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لا يكون ~~الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لا يصلح ~~لضده ms1426 من الايمان، لانه لو صلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لا يفعل ~~القبيح. وانما ذكر الله ضيق صدر الكافر، وهو مما يصح ان يدعا به الى ~~الايمان في بعض الاحوال، كما يصح ان يدعا بانشراحه في غير تلك الحال. ~~ويقوي ما قلناه قوله { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } وانما ~~أريد بذلك ما يفعله بهم من العقاب والبراءة واللعنة والشتم والاسماء ~~القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب. وقال الحسن: معناه انه يكون مقبول ~~الايمان منشرح الصدر، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، ومعناه انه ~~يثقل عليه ما يدعا اليه من الايمان كانما يصعد الى السماء، فبذلك صار ضيق ~~الصدر عن الايمان. { ويجعل الله الرجس } يعني رجاسة الكفر على الذين لا ~~يؤمنون. # ووجه آخر في الآية، وهو أن نحملها على التقديم والتأخير كأنه قال: من ~~يشرح الله صدره للاسلام يرد الله أن يهديه، ومن يجعل صدره ضيقا حرجا يرد ~~الله أن يضله. # ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى لما دعاهم الى الايمان وأمرهم ففعلوه ~~انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك الى الله تعالى، ولما ضاقت صدور الكفار عند ~~دعاء الله واقامة الحجج عليهم وامره اياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ~~ينسب اضلالهم اليه، كما يقولون: أضل فلان بعيره اذا ضل عنه، وهو لم يرد ~~ذلك. # واللام في قوله { للإسلام } يحتمل أمرين: # احدهما - أن يكون الله تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك ~~بالاسلام والاستبصار فيه، ولا يكون فعل ذلك بالكفار وان لم يخل بينهم ~~وبين الايمان ولا منعهم منه، لانه تعالى قد اعطى الكافر الصحة والسلامة ~~والقوة، وجميع ما يتمكن به من فعل ما أمره به، وانما لم يفعل بهم اللطف ~~الذي يؤمنون عنده، لانهم لما عدلوا عن النظر في آيات الله وحججه خرجوا من ~~أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان وصاروا مخذولين، فخلى الله تعالى ~~بينهم وبين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا. # والثاني - ان يكون اللام ms1427 بمعنى لأجل الشيء وبسببه كما يقول القائل: ~~انما قلت هذا الكلام لزيد ولمراعات عمرو، المعنى من أجله وبسببه، فيكون ~~المعنى انه شرح صدره من أجل الاسلام، لانه فعل اسلاما استحق به شرح ~~الصدر. ### || [6.126-127] # الاشارة بقوله { وهذا صراط ربك مستقيما } يمكن ان تكون الى أحد شيئين: # احدهما - ما قال ابن عباس: انه راجع الى الاسلام. # والثاني - أن تكون اشارة الى البيان الذي في القرآن، وأضيف الصراط الى ~~الله في قوله { صرط ربك مستقيما } لانه لما كانت الاضافة فيه انما هي على ~~أنه الذي نصبه ودل به، وغلب عليه الاستعمال. ولم يجز قياسا على ذلك ان ~~يقال: هذا طريق ربك، لانه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا ~~قولهم: هذا في سبيل الله، ولم يقولوا في طريق الله، لما قلناه. # وقوله { مستقيما } نصب على الحال ومعناه الذي لا اعوجاج فيه. # فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة؟! # قلنا: لانها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها الى الحق، وكأنها طريق واحد ~~لسلامة جميعها من التناقض والفساد، وكلها تؤدي من تمسك بها الى الثواب # وقوله { قد فصلنا الآيات } أي بيناها { لقوم يذكرون } وانما أعيد ذكر ~~تفصيل الآيات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الآيات التي فصلها الله عز ~~وجل للعباد. وقوله { يذكرون } أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت ~~الاولى في الثانية، ولم يجز قلب الذال الى الدال كما جاز في { فهل من ~~مدكر } لانهم لما لم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لانها أفضل منها ~~بالجهر، قلبت الى الدال لتعديل الحروف وليس كذلك ادغام التاء في الذال. ~~وانما خص الآيات بقوم يتذكرون لانهم المنتفعون بها وان كانت آيات لغيرهم، ~~كما قال { هدى للمتقين }. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ~~ضرورية لم يكن لتفصيل الآيات ليتذكر بها فائدة. # وقوله { لهم دار السلام } هذه لام الاضافة وانما فتحت مع المضمر وكسرت ~~مع الظاهر لامرين: # احدهما - طلبا للتخفيف، لان الاضمار موضع تخفيف، وفتحت في الاستغاثة في ~~(يالبكر) ms1428 تشبيها بالكناية، ولانه موضع تخفيف بالترخيم وحذف التنوين. # والثاني - أن اصلها الفتح، وانما كسرت مع الظاهر للفرق بينها وبين لام ~~الابتداء. # وقيل في معنا { السلام } ها هنا قولان: # احدهما - قال الحسن والسدي: انه الله وداره الجنة. # والثاني - قال الزجاج والجبائي: انها دار السلامة الدائمة من كل آفة ~~وبلية. # وقوله { عند ربهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - مضمون عند ربهم حتى يوصله اليهم. # الثاني - في الآخرة يعطيهم اياه. وقوله { وهو وليهم } يعني الله. وفي ~~معنى (الولي) قولان: # احدهما - انه يتولى ايصال المنافع اليهم ودفع المضار عنهم. # الثاني - ناصرهم على اعدائهم. # وقوله { بما كانوا يعملون } يعني جزاء باعمالهم، وهو وان كان مطلقا ~~فالمراد بما كانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان ما لم يكن طاعة ~~فلا ثواب عليه. ويجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله { يذكرون } عليه. ~~والموعود بهذا الوعد المتذكر لآيات الله بحقها، وهو العامل بها. ### || [6.128] # قرأ حفص وروح { ويوم يحشرهم } بالياء. الباقون بالنون. # من قرأ بالياء فلقوله { لهم دار السلام عند ربهم. ويوم يحشرهم } والنون ~~كالياء في المعنى، ويقوي النون قوله # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # وقوله # ونحشره يوم القيامة أعمى # والذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. والمعنى ويوم نحشرهم جميعا ~~نقول { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي قد استكثرتم ممن أضللتموه ~~من الانس بالاغواء والاضلال. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه ~~استكثرتم من اغوائهم واضلالهم { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض }. وقيل في وجه الاستمتاع من بعضهم ببعض قولان: # احدهما - بتزيين الامور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها. # والثاني - قال الحسن وابن جريج والزجاج والفراء وغيرهم: انه اذا كان ~~الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: اعوذ بسيد هذا ~~الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا # ووجه استمتاع الجن بالانس أنهم اذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، ~~ويعتقدون انهم ينفعونهم ويضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إذا ms1429 أغووهم كان في ~~ذلك تعظيم لهم وسرور ونفع، ذكر ذلك الزجاج والبلخي والرماني. وقال ~~البلخي: ويحتمل ان يكون قوله { استمتع بعضنا ببعض } مقصورا على الانس، ~~فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن. # وقوله { بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن والسدي: انه الموت. # الثاني - الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك ما ~~مضى، والحشر أجل الجزاء. وقال ابو علي: في الآية دلالة على انه لا اجل ~~الا واحد، قال لانه لوكان له اجلان فكان اذا اقتطع دونه بأنه قتل ظلما لم ~~يكن بلغ اجله، والآية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا اجلنا الذي اجلت ~~لنا. وقال الرماني وغيره من البغداديين: لا تدل على ذلك، بل لا يمتنع ان ~~يكون له أجلان: احدهما ما يقع فيه الموت، والآخر ما يقع فيه الحشر، وما ~~كان يجوز أن يعيش اليه. # وقوله { قال النار مثواكم } جواب من الله تعالى لهم بأن النار مثواهم، ~~وهو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر: # لقد كان في حول ثواء ثويته # تقضي ليانات ويسأم سائم # ومعنى الآية التقريع للغواة من الجن والانس مع إعترافهم بالخطيئة في ~~وقت لا ينفعهم الندم على ما سلف، وخاصة اذا كان الجواب لهم بأن مثواهم ~~النار { خالدين فيها } أي مؤبدين فيها، وهو نصب على الحال. # وقوله { إلا ما شاء الله } قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال: # احدها - { إلا ما شاء الله } من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت ~~الحشر الى زمان المعاقبة، وتقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ~~ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، لان ما فات يجوز اسقاطه بالعفو عنه. # والفائت من الثواب لا يجوز تركه، لانه بخس لحقه، ذكره الرماني والبلخي ~~والطبري والزجاج والجبائي. # الثاني - { إلا ما شاء الله } من تجديد الخلود بعد احتراقهم وتصريفهم في ~~انواع العذاب فيها، والتقدير خالدين فيها على صفة واحدة الا ما شاء الله ~~من هذه الامور. # الثالث - ما حكي عن ابن عباس، حكاه ms1430 الرماني والطبري عنه أنه قال: هذه ~~الآية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب الى ان وعيدهم بالقطع يدل ~~عليه فيما بعد، وهو قوله # إن الله لا يغفر أن يشرك به # وقال قوم: معنى (ما) (من) وتقديره الا من شاء الله اخراجه من النار من ~~المؤمنين الذين لهم ثواب بعد استيفاء عقابهم. # وقوله { إن ربك حكيم عليم } أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم. # وعالم بذلك وبغيره من المعلومات لا يخفى عليه شيء منها. ### || [6.129] # قيل في معنى قوله { نولي بعض الظالمين بعضا } قولان: # احدهما - انا نكل بعضهم الى بعض في النصرة والمعونة في الحاجة، ولا نحول ~~بينهم. # الثاني - نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض. # وقيل في كيفية تولية الله الظالمين بعضهم بعضا أقوال: # أحدها - بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال ~~التي يتفقون عليها. # الثاني - بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم. # وثالثها - ما قال قتادة: انه من الموالات والتتابع في النار، أي يدخل ~~بعضهم عقيب بعض. # ووجه التشبيه في قوله { وكذلك } قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية ~~بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم ~~يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق. وقال الجبائي: المعنى ~~إنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والانس بعضهم الى بعض يوم القيامة ~~وتبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم الى بعض يوم القيامة ونكل الاتباع ~~الى المتبوعين، ونقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب. ~~والغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة ولي يدفع عنهم شيئا من ~~العذاب. وقال غيره: لما حكى الله تعالى ما يجري بين الجن والانس من ~~الخصام والجدال في الآخرة، قال الله لهم: النار مثواكم. ثم قال { وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا } أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار ~~وتولية بعضهم بعضا وجعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على ~~أعمالهم. # والفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت ms1431 مقام هاء ~~التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك ولا تقول هذلك. ولا يجوز إمالة ~~(ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، والاصل في الحروف ألا تمال، لان التصريف ~~انما هو للافعال والاسماء. # وقوله { بما كانوا يكسبون } معناه بما كانوا يكسبونه من المعاصي وان ما ~~يفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة. ### || [6.130] # أخبر الله تعالى انه يخاطب الجن والانس يوم القيامة بأن يقول { يا معشر ~~الجن والإنس } والمعشر الجماعة. والفرق بينه وبين المجمع: أن المعشر يقع ~~عليهم هذا الاسم مجتمعين كانوا او مفترقين كالعشيرة، وليس كذلك المجمع، ~~لانه مأخوذ من الجمع. والجن مشتق الاجتنان عن العيون وهو اسم علم لجنس ~~مما يعقل متميز عن جنس الانسان والملك. والانس هم البشر. # وقوله { ألم يأتكم رسل منكم } احتجاج عليهم بأن الله بعث اليهم الرسل ~~إعذارا وانذارا وتأكيدا للحجة عليهم، ولا بد أن يكون خطابا لمن بعث الله ~~اليهم الرسل، فأما اول الرسل فلا يمكن ان يكونوا داخلين فيه، لانه كان ~~يؤدي الى ما لا نهاية لهم من الرسل وذلك محال. # وقوله { منكم } وان كان خطابا لجميعهم، الرسل من الانس خاصة، فانه يحتمل ~~ان يكون لتغليب احدهما على الآخر، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما قال ~~{ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } بعد قوله # مرج البحرين يلتقيان # وانما يخرج اللؤلؤ من الملح دون العذب. وكقولهم أكلت خبزا ولبنا وانما ~~شرب اللبن. وكما يقولون: في هذه الدار سرو، وانما هو في بعضها. وهذا قول ~~أكثر المفسرين: منهم ابن جريج والفراء والزجاج والرماني والبلخي والطبري. ~~وروي عن ابن عباس انه قال: هم رسل الانس الى غيرهم من الجن كما قال تعالى # ولوا إلى قومهم منذرين # وقال الضحاك: ذلك يدل على انه تعالى ارسل سلا من الجن. وبه قال الطبري ~~واختاره البلخي أيضا، وهو الاقوى. وقال الجبائي والحسين بن علي المغربي: ~~المعنى { ألم يأتكم } يعني معشر المكلفين والمخلوقين { رسل منكم } يعني ~~من المكلفين. # وهذا اخبار وحكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الآخرة، وليس بخطاب ~~لهم في ms1432 دار الدنيا، وهم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية على ما ~~قلناه. # وقوله { يقصون عليكم آياتي } مثل يتلون عليكم دلائلي وبيناتي { ~~وينذرونكم } يعني يخوفونكم { لقاء يومكم هذا } يعني لقاء ما تستحقونه من ~~العقاب في هذا اليوم وحصولكم فيه. ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون على ~~أنفسهم بالاعتراف بذلك والاقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، ويشهدون أيضا ~~بانهم كانوا كافرين في دار الدنيا، فلذلك كرر الشهادة. # ومعنى غرتهم الحياة الدنيا أي غرتهم زينة الدنيا ولذتها وما يرون من ~~زخرفها وبهجتها. # واستدل بهذه الآية قوم على ان الله لا يجوز ان يعاقب الا بعد ان يرسل ~~الرسل، وان التكليف لا يصح من دون ذلك، وهذا ينتقض بما قلناه من اول ~~الرسل، وانه صح تكليفهم وان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم الله ~~ان الشرع مصلحة له، فان الله لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل اليهم الرسل ~~ويقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فاذا خالفوا بعد ذلك استحقوا ~~العقاب. ### || [6.131] # موضع { ذلك } من الاعراب يحتمل أمرين: # احدهما - أن يكون رفعا كأنه قال: الامر ذلك، لانه لم يكن { ذلك } إشارة ~~الى ما تقدم ذكره من العقاب والجواب بأن مثواهم النار. # والثاني - ان يكون نصبا، وتقديره فعلناه ذلك لهذا. # وانما جازت الاشارة بذلك الى غير حاضر لان ما مضى صفة حاضرة للنفس فقام ~~مقام حضوره، ويجوز الاشارة الى هذا الذي تقدم ذكره. # وقوله { أن لم يكن } ف (أن) هي المخففة من الثقيلة. والمعنى لانه لم ~~يكن ومثلها التي في قول الشاعر: # في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن هالك كل من يحفى وينتعل # ف (أن) المفتوحة لا بد فيها من إضمار الهاء، لانه لا معنى لها في ~~الابتداء وانما هي بمعنى المصدر المبني على غيره. والمكسورة لا تحتاج الى ~~ذلك، لانها يصح ان تكون حرفا من حروف الابتداء فلا تحتاج الى اضمار. # وقوله { بظلم } قيل في معناه قولان: # احدهما ما ذكره الفراء والجبائي: انه بظلم منه على غفلة من غير تنبيه ~~وتذكير ومثله قوله ms1433 # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون # الثاني - بظلم منهم حتى يبعث اليهم رسلا يزجرونهم ويذكرونهم على وجه ~~الاستظهار في الحجة دون ان يكون ذلك واجبا، لانهم بما فعلوه من الظلم قد ~~اسحقوا العقاب. # ومن استدل بذلك على انه لا يحسن العقاب الا بعد انفاذ الرسل، فقد أجبنا ~~عن قوله في الآية الاولى. ### || [6.132] # قرأ ابن عامر { عما تعملون } بالتاء. الباقون بالياء. # ومن قرأ بالياء حمله على الغيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب ~~للمواجهة. وفي الآية حذف وتقديرها، ولكل عامل بطاعة الله او معصيته منازل ~~من عمله حتى يجازيه ان خيرا فخيرا، وان شرا فشرا. وما تقدم من ذكر ~~الغافلين يدل على هذا الحذف. # و (قبل. وبعد) بنيتا عند حذف المضاف في مثل قوله # لله الأمر من قبل ومن بعد # لانهما في حال الاعراب لم يكونا على التمكن التام، لانه لا يدخلهما ~~الرفع في تلك الحال، فلما انضاف الى هذا النقصان من التمكن بحذف المضاف ~~اليه أخرجا الى البنأ، وليس كذلك (كل) فانه متمكن على كل حال ولذلك لم ~~يبن. # و (الدرجات) يحتمل أمرين: احدهما - الجزاء. والثاني - الاعمال فاذا وجهت ~~الى الجزاء كان تقديره: ولكل درجات جزاء من اجل ما عملوا، واذا حمل على ~~الاعمال كان تقديره: ولكل درجات أعمال من اعمالهم. وانما مثل الاعمال ~~بالدرجات ليبين انه وان عم احد قسميها صفة الحسن، وعم الآخر صفة ~~القبيح، فليست في المراتب سواء، وانه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالاعظم من ~~العقاب للاعظم من المعاصي، والاعظم من الثواب للاعظم من الطاعات. # وقوله { وما ربك بغافل عما يعملون } انما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شىء ~~منهما ولا من مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، وفيه تنبيه ~~وتذكير للخلق في كل امورهم. # والغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه. والغفلة عن المعنى والسهو عنه ~~والغروب عنه نظائر، وضد الغفلة اليقظة، وضد السهو الذكر، وضد الغروب ~~الحضور. ### || [6.133] # اخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه الغني. والغني هو الحي الذي ليس ms1434 ~~بمحتاج. والغني عن الشيء هو الذي يكون وجود الشيء وعدمه وصحته وفساده ~~عنده بمنزلة واحدة، في انه لا يلحقه صفة نقص. و { ذو الرحمة } يعني صاحب ~~الرحمة، وهو تعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده. # ثم اخبره عن قدرته وانه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم ويهلكهم ~~ويستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشيء بعد هلاكهم كما أنشأهم في الاول من ~~ذرية من تقدمهم. وكذلك ينشيء قوما آخرين من نسلهم وذريتهم، والجواب محذوف ~~والكاف في { كما } في موضع نصب وتقديره ويستخلف من بعدكم ما يشاء مثل ما ~~استخلفكم. وفي ذلك دلالة على انه يصح القدرة على ما علم انه لا يكون لانه ~~بين انه لو شاء لذهب بهم وأتى بقوم آخرين ولم يفعل ذلك، فدل ذلك على انه ~~يقدر على ما يعلم انه لا يفعله. # و { من } في قوله { ويستخلف من بعدكم } للبدل كقولك: اعطيتك من دينارك ~~ثوبا اي مكان دينارك وبدله، ومعنى (من) في قوله { كما أنشأكم من ذرية قوم ~~آخرين } ابتداء الغاية لان التقدير، ان ابتداء غايتكم من قوم آخرين وقيل ~~في وزن { ذرية } ثلاثة أقوال: اولها - فعلية من الذر. الثاني - فعيلة على ~~وزن خليفة من ذرأ الخلق يذرأهم. الثالث - فعولة من (ذروة) الا أن الهمزة ~~ابدلت واوا، ثم قلبت ياء، فيكون بمنزلة علية من علوة. وقرىء في الشواذ ~~(ذرية) بكسر الذال وهما لغتان. # وانشأ الله الخلق اذا خلقه وابتدأه وكل من ابتدأ شيئا فقد انشأه. ومنه ~~قولهم: انشأ فلان قصيدة، والنشأة الاحداث من الاولاد، واحدها ناشىء مثل ~~خادم وخدم، ويقال للجواري أنشاء، وللذكور نشاء، قال نصيب: # ولولا أن يقال صبا نصيب # لقلت بنفسي النشأ الصغار # ويقال لهذا السحاب نشؤ حسن، وهو اول ظهوره في السماء. ### || [6.134] # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذي أوعد الخلق به من عقابه على ~~معاصيه والكفر به واقع بهم لان (ما) في قوله " إنما " بمعني الذي، وليست ~~كافة مثل قولك: انما قام زيد، لان خبرها جاء بعدها، وهو قوله " لآت " وهي ~~في ms1435 موضع نصب، والجنس في موضع رفع، والكافة لا خبر لها، واللام في قوله ~~(للآت) لام الابتداء ولا يجوز ان تكون لام القسم، لان لام القسم لا تدخل ~~على الاسماء ولا الافعال المضارعة الا أن تكون معها النون الثقيلة، ولا ~~تعلق الفعل في (علمت ان زيدا ليقومن). # ومعنى { توعدون } من الايعاد بالعقاب يقال: اوعدته اوعده إيعادا، وقال ~~الحسن: انما توعدون من مجيء الساعة، لانهم كانوا يكذبون بالبعث، فعلى هذا ~~يجوز ان يكون المصدر الوعد لاختلاط الخير والشر، فيكون على التغليب إذ ~~مجيء الساعة خير للمؤمنين وشر على الكافرين. # وقال الجبائي: ان معناه { إن ما توعدون } من الثواب والعقاب، فان الله ~~يأتي به. # وقوله { وما أنتم بمعجزين } أي لستم معجزين الله عن الاتيان بالبعث ~~والعقاب، وانما قيل ذلك لان من يعبد الوثن يتوهم انه ينفعه في صرف ~~المكروه عنه جهلا منه ووضعا للامر في غير موضعه. وايضا فانهم يعملون عمل ~~من كان يفوته العقاب لتأخره عنه وطول السلامة بالامهال فيه. ### || [6.135] # قرأ ابو بكر { مكاناتكم } على الجمع. الباقون على التوحيد، وقرأ حمزة ~~والكسائي يكون بالياء. الباقون بالتاء المعجمة من فوق. ومن قرأ بالياء ~~فلان المصدر المؤنث يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى. ومن قرأ ~~بالتاء فعلى اللفظ، فمما جاء منها على اللفظ قوله # فأخذتهم الصيحة # وقوله # قد جاءتكم موعظة من ربكم # وعلى المعنى قوله # وأخذ الذين ظلموا الصيحة # فمن جاءه موعظة # ومن وحد { مكانتكم } فلانه مصدر، والمصادر في الاكثر لا تجمع. ومن جمع ~~فلأنها قد تجمع كقولهم: الحلوم والاحلام. # قال ابو عبيدة { مكانتكم } أي على حيالكم. وقال ابو زيد: رجل مكين عند ~~السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة، كأنه قال: اعملوا على قدر منزلتكم ~~وتمكنكم من الدنيا، فانكم لن تضرونا بذلك شيئا. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يخاطب المكلفين من قومه ~~ويأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم، والمكانة الطريقة يقال: هو يعمل على ~~مكانته ومكينته أي طريقته وجهته. وقال ابن عباس والحسن: على ناحيتكم. ~~وقال الجبائي: على ms1436 حالتكم. وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد على تمكنكم، ~~وهذا وان كان صيغته صيغة الامر فالمراد به التهديد كما قال # اعملوا ما شئتم # وانما جاء التهديد بصيغة الامر لشدة التحذير، أي لو امر بهذا لكان يجوز ~~قبول أمره. ووجه آخر - هو ان التقدير { اعملوا على مكانتكم } ان رضيتم ~~بالعقاب أي انكم في منزلة من يؤمر به ان رضيتم بالعقاب، فهذا على التبعيد ~~أن يقيموا عليه، كالتبعيد أن يرضوا. ووجه ثالث هو ان الضرر يخص المقيم ~~على المنكر، لان غيره بمنزلة الآمن في انه لا يأمره بما يضره. # وقوله { إني عامل } إخبار من الرسول انه عامل بما امر الله تعالى به. # وقوله { فسوف تعلمون } فيه تهديد، ومعناه فسوف تعلمون جزاء اعمالكم. # وقوله { من تكون } يحتمل موضع (من) أمرين من الاعراب: # احدهما - الرفع وتقديره أينا يكون له عاقبة الدار. # والثاني - النصب بقوله { يعلمون } ويكون بمعنى الذي. # وانما قال: ان عاقبة الدار للمؤمنين دون الكافرين وان كان الكفار أيضا ~~لهم عاقبة من حيث يصيرون الى العقاب المؤبد وهي للمؤمنين من حيث يصيرون ~~الى النعيم الدائم، كما يقول العرب: لهم الكرة، ولهم الحملة، لانه اذا ~~فصل قيل: لهم وعلى اعدائهم. # وقوله { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يفوز الظالمون بشيء من الثواب ~~والمنافع، وانما لم يقل { الكافرون } وان كان الكلام في ذكرهم لانه أعم ~~واكثر فائدة، ولانه اذا لم يفلح الظالم، فالكافر بذلك اولى، على ان ~~الكافر يسمى ظالما فيجوز ان يكون عنى به انه لا يفلح الظالمون الذين هم ~~الكافرون، كما قال # والكافرون هم الظالمون # وقال # إن الشرك لظلم عظيم ### || [6.136] # قرأ الكسائي { بزعمهم } بضم الزاي في الموضعين. الباقون بفتحها. وفي ~~الزعم ثلاث لغات: الفتح والضم، والكسر مثل فتك وفتك وفتك. وقبل وقبل ~~وقبل. وود وود وود. ولم يقرأ بالكسر احد. فالفتح لغة اهل ~~الحجاز، والضم لغة تميم، والكسر لغة بعض بني قيس. # اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم أنهم يجعلون شيئا من ~~أموالهم لله وشيئا لشركائهم تقربا اليهما، من جملة ms1437 ما خلقه الله واخترعه، ~~لان الذرأ هو الخلق على وجه الاختراع، واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني ~~وذرآني، لظهور بياضة. والذرأة ظهور الشيب. قال الراجز: # وقد علتني ذرأة بادي بدي # وريثة تنهض في تشددي # يقال: ذرأ الله الخلق يذرأهم ذرءا وذروا. ويقال: ذرئت لحيته ذرءا اذا ~~شابت. ومنه طعنه فأذراه - غير مهموز - اذا ألقاه، وذرت الريح التراب ~~تذروه ذروا اذا أبادته، وذروة كل شيء أعلاه. و { الحرث } الزرع و { الحرث ~~} الارض التي تثار للزرع، ومنه حرثها يحرثها حرثا، ومنه قوله # نساؤكم حرث لكم # لان المرأة للولد كالارض للزرع و { الأنعام } المواشي من الابل والبقر ~~والغنم، مأخوذ من نعمة الوطىء، ولا يقال لذوات الحافر: أنعام. # وانما جعلوا الاوثان شركاءهم، لانهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه ~~عليها فشاركوها في نعمهم. # وقوله { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - قال ابن عباس وقتادة: انه اذا اختلط شيء مما جعلوه لاوثانهم ~~بشيء مما جعلوه لله ردوه الى ما لاوثانهم، واذا اختلط بشيء مما جعلوه لله ~~لم يردوه الى ما لله. # الثاني - قال الحسن والسدي: كان اذا هلك الذي لاوثانهم أخذوا بدله مما ~~لله، ولا يفعلون مثل ذلك في ما لله (عز وجل). # الثالث - قال ابو علي: انهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة ~~على اوثانهم، ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للاوثان. # وقوله { ساء ما يحكمون } فيه قولان: احدهما - قال الزجاج: تقديره ساء ~~الحكم حكمهم، فيكون على هذا موضع (ما) رفعا. وقال الرماني: يجوز ان يكون ~~موضع (ما) نصبا وتقديره ساء حكما حكمهم. ### || [6.137] # قرأ ابن عامر وحده { زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم } بضم ~~الزاي، ونصب (الاولاد) وخفض { شركائهم }. الباقون بفتح الزاي، { قتل } ~~مفتوح اللام { أولادهم } بجر الدال { شركاؤهم } بالرفع بالتزيين. # فوجه قراءة ابن عامر انه فرق بين المضاف والمضاف اليه بالمفعول، ~~والتقدير: قتل شركائهم اولادهم، وشركاؤهم فاعل القتل، وانما جرب الاضافة ~~ومن اضاف القتل الى الاولاد ms1438 في القراءة الآخرى يكون الاولاد في موضع ~~النصب، وهو مفعول به بالقتل وانشدوا فيه بيتا على الشذوذ أنشده بعض ~~الحجازيين ذكره ابو الحسن: # فزججتها بمزجة # زج القلوص أبي مزاده # وذلك لا يجوز عند اكثر النحويين لان القراءة لا يجوز حملها على الشاذ ~~القبيح، ولانه اذا ضعف الفصل بالظرف حتى لم يجز الا في ضرورة الشعر كقول ~~الشاعر: # كما خط الكتاب بكف يوما يهودي # فان لا يجوز في المفعول به أجدر، ولم يكن بعد الضعف الا الامتناع. وقيل ~~انما حمل ابن عامر على هذه القراءة انه وجد { شركائهم } في مصاحف اهل ~~الشام بالياء لا بالواو، وهذا يجوز فيه قتل اولادهم شركائهم على ايقاع ~~الشرك للاولاد يعني شركائهم في النعم وفي النسب وفي الاولاد، ولو قيل ~~أيضا زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم على ذكر الفاعل بعد ما ~~ذكر الفعل على طريقة ما لم يسم فاعله جاز كما قال الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # أي ليبكه ضارع. ومثله # يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال # وتقديره كأنه لما قال { زين لكثير من المشركين قتل أولادهم } قال قائل ~~من زينه؟ قيل زينه شركاؤهم. وقال الفراء تكون { شركائهم } على لغة من قال ~~في عشاء عشاي كما قال الشاعر: # اذا الثريا طلعت عشايا # فبع لراعي غنم كسايا # وابو العباس يأبى هذا البيت، ويقول الرواية الصحيحة بالهمزة. # ووجه التشبيه في قوله { وكذلك زين } أنه كما جعل اولئك في الآية الاولى ~~ما ليس لهم كذلك زين هؤلاء ما ليس لهم ان يزينوه. والشركاء الذين زينوا ~~قتل الاولاد قيل فيهم خمسة اقوال: # احدها - قال الحسن ومجاهد والسدي: هم الشياطين زينوا لهم وأد البنات ~~أحياء خوف الفقر والعار. # والثاني - قال الفراء والزجاج: هم قوم كانوا يخدمون الاوثان. # والثالث - انهم الغواة من الناس. # والرابع - قيل: شركاؤهم في نعمهم. # والخامس - شركاؤهم في الاشراك. # وقوله { ليردوهم } فالارداء الاهلاك، تقول: أراده يرديه إرداء وردي ~~يردي ردى اذا هلك، وتردي ترديا، ومنه قوله # وما يغني عنه ماله إذا تردى # والمراد ms1439 به الحجر يتردى من رأس جبل. # واللام في قوله { ليردوهم } قال قوم هي لام العاقبة، كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # لانهم لم يكونوا معاندين فيقصدوا أن يردوهم ويلبسوا عليهم دينهم، هذا ~~قول أبي علي. وقال غيره: يجوز ان يكون فيهم المعاند، ويكون ذلك على ~~التغليب. # وقوله { ولو شاء الله ما فعلوه } معناه لو شاء ان يضطرهم الى تركه، او ~~لو شاء ان يمنعهم منه لفعل، ولو فعل المنع والحيلولة لما فعلوه، لكن ذلك ~~ينافي التكليف. ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يذرهم اي يتركهم ولا ~~يمنعهم ويخلي بينهم وبين ما يكذبون وذلك غاية التهديد كما يقول القائل: ~~دعني وإياه. ### || [6.138] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم { قالوا هذه أنعام وحرث } يعني ~~الانعام والزرع الذي جعلوهما لآلهتهم وأوثانهم. وقوله { بزعمهم } يدل على ~~أنهم فعلوا ذلك بغير حجة بل بقولهم العاري عن برهان. # وقيل في الانعام الاولى قولان: # احدهما - قال الجبائي: التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لاوثانهم كما جعلوا ~~الحرث للنفقة عليها في خدامها وما ينوب من أمرها. وقيل: قربانا للاوثان. ~~وأما الانعام التي ذكرت ثانيا، فهي السائبة والبحيرة والحام، وهو الفحل ~~الذي يخلونه ويقولون: حمى ظهره، وهو قول الحسن ومجاهد. وأما التي ذكرت ~~ثالثا - قيل فيه قولان: أحدهما التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها ~~لم يذكروا اسم الله عليها، وهو قول السدي وغيره. # والثاني قال ابو وائل هي التي لا يحجون عليها. # وقوله { حجر } معناه حرام تقول: حجرت على فلان كذا أي منعته منه ~~بالتحريم، ومنه قوله # حجرا محجورا # والحجر لامتناعه بالصلابة، والحجر العقل للامتناع به من القبيح، قال ~~المتلمس: # حنت الى النخلة القصوى فقلت لها # حجر حرام ألا تلك الدهاريس # وقال رؤبة: # وجارة البيت لها حجري # وقال الآخر: # فبت مرتفقا والعين ساهرة # كأن نومي علي الليل محجور # وقيل: حجر وحرج مثل جذب وجبذ، وبه قرأ ابن عباس. وبضم الحاء قراءة الحسن ~~وقتادة. ويقال: حجر وحجر وحجر بمعنى المنع بالتحريم، وحجر الانسان، ms1440 ~~وحجره بالكسر والفتح. وانما أعيبوا بتحريم ظهور الانعام، والواجب ~~تحريمها عقلا حتى يرد سمع باباحته، لانهم حرموا ذلك على وجه الكذب على ~~الله، وانه اوجب ذلك اذا كانت على صفة مخصوصة. وانما أعيبوا بأكلها بعد ~~ذبحها، وهي حينئذ تجري مجرى الميتة، وذلك لا يعلم تحريمه عقلا، لانهم ~~ادعوا انه على وجه التذكية إفتراء على الله، فقصدوا به هذا القصد، ولذلك ~~أعيبوا بتملكها وان كانوا سبقوا اليها، وانما وجب تحريم الانتفاع ~~باستهلال الانعام، لان الايلام لا يحسن الا مع تضمن العوض الموافي عليه، ~~وذلك مفتقر الى السمع. # وقوله { افتراء } يعني كذبا، وفي نصبه قولان: أحدهما - قالوا: إفتراء ~~على الله، الثاني - لا يذكرون اسم الله افتراء على الله، كأنه قيل: ~~افتروا بتركهم التسمية الذي أضافوه الى الله إفتراء عليه. ### || [6.139] # قرأ ابن كثير { وإن يكن } بالياء { ميتة } رفع. وقرأ ابن عامر الا ~~الداحوني عن هشام، وابو جعفر " تكن " بالتاء { ميتة } رفع. وقرأ ابو بكر ~~عن عاصم الا الكسائي " يكن " باليا " ميتة " نصب. الباقون بالتاء " ميتة ~~" نصب. وجه قراءة الاكثر ان يحمل على (ما) وتقديره وان يكن ما في بطون ~~الانعام ميتة. ووجه قراءة ابن عامر ان يضيف الفعل الى الميتة فيرتفع ~~الميتة به، فلذلك انث الفعل. ووجه قراءة ابي بكر ان ما في بطون الانعام ~~مؤنث، لانها من الانعام. ويجوز ان يكون اراد ان تكون الاجنة ميتة. ووجه ~~قراءة ابن كثير ان يضيف الفعل الى الميتة، لكن لما لم يكن تأنيث الميتة ~~تأنيث ذوات الفروج، وتقدم الفعل جاز ان يذكر، كما قال # فمن جاءه موعظة # و # أخذ الذين ظلموا الصيحة # وتكون (كان) تامة، ومعناه وان وقع ميتة. # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم أنهم { قالوا ~~ما في بطون هذه الأنعام } التي تقدم ذكرها أحياء، فهو خالص لذكروهم، ~~ومحرم على ازواجهم الاناث وبناتهم. وقال بعضهم انه يختص بالزوجات، ~~والاولى عموم النساء تفضيلا للذكور على الاناث. وقيل ان الذكور كانوا ~~القوام بخدمة الاوثان. # والمراد بما في بطون الانعام قيل ms1441 فيه ثلاثة أقوال: # احدها - قال قتادة المراد به الالبان. # والثاني - قال مجاهد والسدي: انه الاجنة. # الثالث - ان المراد به الجميع، وهو أعم. # وقوله { خالصة لذكورنا } معناه لا يشركهم فيها أحد من الاناث وليس ~~المراد به تسوية تصفية شيء عن شيء كالذهب الخالص والفضة الخالصة، ومن ذلك ~~إخلاص التوحيد واخلاص العمل لله. # والهاء في قوله { خالصة } قيل فيها ثلاثة أقوال: # احدها - أنها للمبالغة في الصفة كالعلامة والراوية. # الثاني - على تأنيث المصدر كالعاقبة والعافية، ومنه قوله # بخالصة ذكرى الدار # الثالث - لتأنيث ما في بطونها من الانعام. ويقال فلان خالصة فلان ومن ~~خلصائه. وحكى الزجاج والفراء: انه قرىء خالصة لذكورنا، والمعنى ما خلص ~~منها. وقيل أصل (الذكور) من الذكر سمي الذكر بذلك، لانه أنبه واذكر من ~~الانثى. # وقوله { وإن يكن ميتة } معناه ان كان جنين الانعام ميتة فالذكور والاناث ~~فيه سواء، فقال الله تعالى { سيجزيهم وصفهم } يعني سيجزيهم جزاء وصفهم، ~~وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه. # وقوله { إنه حكيم عليم } معناه انه تعالى حكيم فيما يفعل بهم من العقاب ~~آجلا، وفي امهالهم عاجلا { عليم } بما يفعلون لا يخفى عليه شيء منها. # وقوله { خالصة } رفع بانه خبر الابتداء والمبتدأ قوله { ما في بطون } ~~ولا يجوز عند البصريين النصب، لان العامل فيه لا يتصرف، فلا يتقدم عليه، ~~وأجازه الفراء مع قوله انهم لا يكادون يتكلمون به، لا يقولون زيد قائما ~~فيها، ولكنه قياس. # وقد عاب الله على الكفار في هذه الآية من أربعة اوجه: # أولها - ذبحهم الانعام بغير إذن الله. # وثانيها - أكلهم على ادعاء التذكية افتراء على الله. # وثالثها - تحليلهم للذكور وتحريمهم على الاناث تفرقة بين ما لا يفترق ~~الا بحكم من الله. # ورابعها - تسويتهم بينهم في الميتة من غير رجوع الى سمع موثوق. ### || [6.140] # قرأ ابن كثير وابن عامر { قتلوا } بتشديد التاء. الباقون بالتخفيف. من ~~شدد حمله على التكرار، كقوله # جنات عدن مفتحة # ومن خفف فلانه يدل على الكثرة. # اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار الذين قتلوا أولادهم الاناث خوفا من ~~الفقر وهربا من ms1442 العار قد خسروا، ومعناه هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك ~~عذاب الابد. والخسران هلاك رأس المال. # وقوله { سفها بغير علم } نصب على انه مفعول له ويجوز ان يكون نصبا على ~~المصدر، وتقديره سفهوا بما فعلوه سفها خوفا من الفقر وهربا من العار. ~~والسفه خفة الحلم بالعجلة الى ما لا ينبغي ان يعجل اليه. واصله الخفة. ~~وضد السفيه الحليم. والفرق بين السفه والنزق ان السفه عجلة يدعو اليها ~~الهوى، والنزق عجلة من جهة حدة الطبع والغيظ. # وقوله { وحرموا ما رزقهم الله } يعني ما حرموه على نفوسهم من الحرث ~~بزعمهم انه حجر. وقال الحسن: انه راجع الى الانعام. وقال الرماني: لا ~~يجوز ذلك لانها محرمة عليهم بحجة العقل حتى يأتي بسمع. والقتل نقض البنية ~~التي تحتاج الحياة اليها والموت - عند من أثبته معنى ضد الحياة. # وقوله { افتراء على الله } يعني كذبا. ونصبه على المصدر والعامل فيه ~~قوله { وحرموا } لان ذلك قول منهم أضافوه الى الله. ثم اخبر تعالى انهم ~~قد ضلوا بما فعلوه وجازوا عن طريق الحق وأنهم لم يكونوا مهتدين الى طريق ~~الرشاد والحق. ### || [6.141] # قرأ اهل البصرة وابن عامر وعاصم (حصاده) - بفتح الحاء - الباقون بكسرها. ~~وهم لغتان. وقال سيبويه: جاءوا بالمصادر حين أرادوا أنتهاء الزمان على ~~مثال (فعال) نحو الضرام والجزاز، والجداد والقطاف والحصاد. وربما دخلت ~~اللغتان في بعض هذا، وكان فيه (فعال وفعال). # لما اخبر الله عن هؤلاء الكفار وعن عظيم ما ابتدعوه وافتروا به على الله ~~وشرعوا من الدين ما لم يأذن الله فيه، عقب ذلك البيان بأنه الخالق لجميع ~~الاشياء فلا يجوز اضافة شيء منها الى الاوثان، ولا تحليله، ولا تحريمه ~~الا بأذنه، فقال { وهو الذي أنشأ جنات معروشات } والانشاء هو احداث ~~الافعال ابتداء لا على مثال سبق، وهو كالابتداع. والاختراع هو أحداث ~~الافعال في الغير من غير سبب، والخلق هو التقدير والترتيب. والجنات جمع ~~جنة، وهي البساتين التي يجنها الشجر من النخل وغيره. والروضة هي الخضرة ~~بالنبات والزهور المشرقة باختلاف الالوان الحسنة. # وقوله { معروشات وغير معروشات } قيل ms1443 في معناه قولان: # احدهما - ما قال ابن عباس والسدي: المعروشات هو ما عرش الناس من الكروم ~~ونحوها، وهو رفع بعض اغصانها على بعض { وغير معروشات } ما يكون من قبل ~~نفسه في البراري والجبال. # والثاني - قال ابو علي يعرشه أي يرفع له حظائر كالحائط. واصله الرفع ~~ومنه قوله تعالى # خاوية على عروشها # يعني على اعاليها، وما ارتفع منها لم يندك فيستوي بالارض، ومنه العرش ~~للسرير لارتفاعه. # و { معرشات } في موضع النصب، لانها صفة ل { جنات } والنخل والزرع معناه ~~وأنشأ النخل والزرع { مختلفا أكله } يعني طعمه، ونصب مختلفا على الحال، ~~وانما نصبه على الحال، وهو يؤكل بعد ذلك بزمان، لامرين: # احدهما - ان معناه مقدرا اختلاف أكله كقولهم: مررت برجل معه صقر صايدا ~~به غدا أي مقدرا الصيد به غدا. # الثاني - ان يكون معنى { أكله } ثمره الذي يصلح ان يؤكل منه. # { والزيتون والرمان } أي وانشأ الزيتون والرمان. وانما قرن الزيتون الى ~~الرمان، لانه لما ذكر الكرم والنخل والزرع اقتضى ذكر ما خرج عن ذلك، ~~فقرنا لفضلهما بعدما ذكره. وقيل: لانهما يشتبهان باكتناف الاوراق في ~~اغصانها { متشابها وغير متشابه } معناه متماثلا وغير متماثل. وقيل { ~~متشابها } في النظر { وغير متشابه } في الطعم بل الطعم مختلف. # وقوله { كلوا من ثمره إذا أثمر } المراد به الاباحة لا الامر. وقال ~~الجبائي وجماعة: ان ذلك يدل على جواز الاكل من ثمره، وان كان فيه حق ~~للفقراء. # وقوله { وآتوا حقه يوم حصاده } أمر ايجاب بايتاء الحق يوم الحصاد على ~~طريق الجملة، والحق الذي يجب اخراجه يوم الحصاد فيه قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن أسلم والحسن وسعيد بن ~~المسيب وطاووس وجابر بن عبد الله وبريد وقتادة والضحاك: انه الزكاة ~~العشر، او نصف العشر. # الثاني - روي عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) وعطاء ومجاهد وابن عامر وسعيد بن ~~جبير والربيع بن أنس: انه ما ينثر مما يعطي المساكين. # وروي أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة. # وقال ابراهيم والسدي: الآية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر، قالوا: ms1444 لان ~~الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، وقالوا لان هذه الآية مكية وفرض الزكاة نزل ~~بالمدينة. ولما روي بأن فرض الزكاة نسخ كل صدقة. # قال الرماني: وهذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه، وليس بظرف الايتاء ~~المأمور به. # وقوله { ولا تسرفوا } قيل في المخاطبين به ثلاثة أقوال: # احدها - قال ابو العالية وابن جريح انه يتوجه الى ارباب الاموال، لانهم ~~كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة يسرفون فيه، فروي عن ثابت بن شماس انه كان ~~له خمس مئة رأس نخلا فصرمها وتصدق بها، ولم يترك لاهله منها شيئا فنهى ~~الله عن ذلك، وبين أنه مسرف، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ابدأ ~~بمن تعول. # الثاني - قال ابن زيد انه خطاب للسلطان. # الثالث - انه خطاب للجميع وهو أعم فائدة. # وقيل: ان السرف يكون في التقصير، كمايكون في الزيادة قال الشاعر: # اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية # ما في عطائهم من ولا سرف # معناه ولا تقصير. وقيل ولا إفراط، لانه لا يستكثر كثيرهم. والاسراف هو ~~مجاوزة حد الحق وهو افراط وغلو. وضده تقصير واقتار. ومسرف صفة ذم في ~~العادة. # وينبغي ان يؤدي الحق الذي في الغلات الى امام المسلمين ليصرفه الى اهل ~~الصدقات ولهم ان يخرجوه الى المساكين اذا لم يأخذهم الامام بذلك فأما ~~مقدار ما يجب من الزكاة، والنصاب الذي يتعلق به وصفه الارض الزكوية فقد ~~بيناه في كتب الفقه مستوفى لا نطول بذكره الكتاب. ### || [6.142] # العامل في قوله { حمولة وفرشا } قوله { أنشأ } المتقدم، كأنه قال وانشأ ~~لكم من الانعام { حمولة وفرشا. وقيل في معنى: { حمولة وفرشا } ثلاثة ~~أقوال: # أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس في احدى الروايتين، والحسن في ~~رواية - ومجاهد: ان الحمولة كبار الابل، والفرش الصغار. # الثاني - ما روي عن الحسن - في رواية - وقتادة والربيع والسدي والضحاك ~~وابن زيد: ان الحمولة ما حمل من الابل والبقر، والفرش الغنم. # الثالث - ما روي عن ابن عباس - في رواية - ان الحمولة كل ما حمل من ~~الابل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، كأنه ذهب ms1445 الى أنه ~~يدخل في الانعام ذو الحافر على الاتباع. # و (الحمولة) لا واحد لها من لفظها كالركوبة والجزورة. و (الحمولة) بضم ~~الحاء هي الاحمال، وهي الحمول. وانما قيل للصغار: فرش، لامرين: # احدهما - لاستواء اسنانها في الصغر والانحطاط، كاستواء ما يفترش. # الثاني - من الفرش وهي الارض المستوية التي يتوطأها الناس. # وقال الجبائي: في التفسير، وابو بكر الرازي في احكام القرآن: ان الفرش ~~ما يفترش من البسط، والزرابي. وهذا غلط قبيح جدا في اللغة. # وقوله { خطوات } يجوز فيه ثلاثة أوجه - بضم الخاء والطاء، وضم الخاء ~~وسكون الطاء، وضم الخاء وفتح الطاء - وفي معناه قولان: # احدهما - ما يتخطى بكم الشيطان اليه من تحليل الى تحريم، ومن تحريم الى ~~تحليل. # الثاني - طرق الشيطان، فانه لا يسعى الا في عصيان. # وقوله { إنه } الهاء كناية عن الشيطان { لكم عدو مبين } فيه اخبار من ~~الله ان الشيطان عدو للبشر { مبين } أي ظاهر. وقيل في معنى { مبين } ~~قولان: # أحدهما - أنه أبان عداوته لكم بما كان منه الى أبيكم آدم حين اخرجه من ~~الجنة. # الثاني - بين العداوة أي لاظهاره ذلك في حزبه، وأوليائه من الشياطين هذا ~~قول الحسن. ### || [6.143] # قرأ ابن كثير الا ابن فليح وابن عامر الا الداحوني عن هشام واهل البصرة ~~{ المعز } بفتح العين. الباقون بسكونها. قال ابو علي من قرأ بالفتح اراد ~~الجمع بدلالة قوله { من الضأن اثنين } ولو كان واحدا لم يسغ فيه هذا، ~~ونصب اثنين على تقدير: وانشأ ثمانية ازواج: انشأ من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين، ونظير معز جمع ماعز خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس، وقال ~~ابو الحسن: هو جمع على غير واحد، وكذلك المعزى، وحكى ابو زيد إمعوز ~~وانشد: # كالتيس في إمعوزه المربل # وقالوا: المعيز كالكليب، ومن سكن العين، فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب ~~وتاجر وتجر وراكب وركب. وابو الحسن: يرى هذا الجمع مستمرا، ومن يرده في ~~التصغير الى الواحد، فيقول في تحقير ركب رويكبون، وفي تجر: تويجرون، ~~وسيبويه يراه اسما من أسماء الجمع، وانشد ابو عثمان حجة لقول سيبويه: ms1446 # بنيته بعصبة من ماليا # أخشى ركيبا او رجيلا عاديا # - بالعين والغين - عن غير ابي علي فتحقيره له على لفظه من غير ان يرده ~~الى الواحد الذي هو فاعل - والحاق الواو والنون أو الياء والنون، يدل على ~~إنه اسم للجمع وأنشد ابو زيد: # واين ركيب واضعون رحالهم # الى أهل نار من أناس بأسود # وقال ابو عثمان البقرة عند العرب نعجة، والظبية عندهم ماعزة، الدليل على ~~ذلك قول ذي الرمة: # اذا ما رآها راكب الضيف لم يزل # يرى نعجة في مرتع فيثيرها # مولعة خنساء ليست بنعجة # يدمن اجواف المياه وقيرها # قوله لم يزل يرى نعجة يريد بقرة، ألا ترى انه قال مولعة خنساء، والخنس ~~والتوليع إنما يكونان في البقر دون الظباء. وقوله ليست بنعجة معناه انها ~~ليست بنعجة أهلية، لانه لا يخلو من ان يريد أنها ليست بنعجة أهليه، أو ~~ليست بنعجة، ولا يجوز ان يريد انها ليست بنعجة، لانك ان حملته على هذا ~~فقد نفيت ما أوجبه من قوله: لم يزل يرى نعجة، واذا لم يجز ذلك علمت انه ~~اراد ليست بنعجة أهلية، والدليل على ان الظبية ماعزة قول أبي ذؤيب. # وعادية تلقى الثياب كأنها # تيوس ظباء محصها وانبتارها # فقوله تيوس ظباء كقوله: تيوس معز، ولو كانت عندهم ضائنية لقال كأنها ~~كباش ظباء، والوقير الشاة يكون فيها كلب وحمار في قوله الاصمعي. # قوله { ثمانية أزواج } منصوب، لانه بدل من { حمولة وفرشا } لدخوله في ~~الانشاء، وتقديره وأنشأ حمولة وفرشا ثمانية أزواج { من الضأن اثنين } نصب ~~{ اثنين } بتقدير انشأ من الضأن اثنين، ولو رفع على تقدير منها ماعز ~~إثنان كما تقول رأيت القوم منهم قائم وقاعد كان جائزا، وانما أجمل ما ~~فصله في الاثنين للتقدير على شيء منه، لانه اشد في التوبيخ من ان يكون ~~دفعة واحدة. # وقوله { ثمانية أزواج } يريد ثمانية افراد، لان كل واحد من ذلك يسمى ~~زوجا، والانثى زوج، وانما سمي بذلك، لانه لا يكون زوج الا ومعه آخر له ~~مثل اسمه، فلما دل على الاثنين من اقرب الوجوه، وقع ms1447 على طريقه، ومنه قول ~~لبيد. # من كل محفوف يظل عصيه # زوج عليه كلة وقرامها # ومثل ذلك قولهم: خصم للواحد والاثنين، وقوله { من الضأن اثنين } يعني ~~ذكر وأنثى، فالضأن الغنم ذوات الاصواف والاوبار، والمعز الغنم ذوات ~~الاشعار والاذناب القصار، وواحد الضأن ضائن، كقولهم تاجر وتجر في قول ~~الزجاج. والانثى ضائنة. وقال غيره: هو جمع لا واحد له، ويجمع ضئين ~~كقولهم: عبد وعبيد، ويقال فيه (ضئين) كما يقولون في شعر شعير، وكذلك ماعز ~~ومعز، الا أنه يجوز فتحه لدخول حرف الحلق فيه ويجمع مواعز. # وروي عن أبي عبد الله (ع) ان المراد بقوله { من الضأن اثنين } أهلي ~~ووحشي وكذلك المعز والبقر { ومن الإبل اثنين } العرابي والبخاتي. # وانما خص هذه الثمانية أزواج، لانها جميع الانعام التي كانوا يحرمون ~~منها ما يحرمونه مما تقدم ذكره. # فان قيل: اذا كان ما حرموه معلوما فلم عدل بهم في السؤل الى غيره؟ # قيل على وجه المعارضة لهم على طريقة الحجاج أي انكم بمنزلة من قال هذا، ~~ولذلك وقع السؤال أعلى كذا أم كذا؟ وان لم يتقدم دعوى أن أحدهما كذا، ~~لانهم في حكم هذا المدعى. # وقوله { آلذكرين حرم أم } منصوب ب { حرم } ، والمعنى في قوله { آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين } اجاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبحيرة ~~والوصيلة والحام من الذكرين أم من الانثيين، فالالف ألف استفهام والمراد ~~به التوبيخ، فلو قالوا من قبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، ولو قالوا من قبل ~~الانثى حرمت عليهم كل أنثى. ثم قال { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } ~~فلو قالوا ذلك حرم عليهم الذكر والانثى، لان الرحم يشتمل عليهما، قال ~~الحسن معناه ما حملت الرحم. # وقوله { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } في ذلك. # وقوله { آلذكرين } دخلت الف الاستفهام على الف الوصل لئلا يلتبس بالخبر، ~~ولو اسقطت جاز، لان (أم) تدخل على الاستفهام، وعلى هذا أجاز سيبويه قول ~~الشاعر ان يكون استفهاما: # فو الله ما ادري وان كنت داريا # شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر # اجاز تقديره أشعيب. و (ما) في ms1448 قوله { أما اشتملت } في موضع نصب عطفا على ~~الانثيين، وانما قال: الانثيين مثنى، لانه اراد من الضأن والمعز. ### || [6.144] # قوله { ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } تفصيل لتمام الثمانية أزواج ~~التي أجملها في الآية الاولى. وقد بينا معنى قوله { آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } واصل الاشتمال الشمول تقول: ~~شملهم الامر يشملهم شمولا فهو شامل، ومنه الشمال لشمولها على ظاهر الشيء ~~وباطنه بقوتها ولطفها والشمول الخمر لاشتمالها على العقل. وقيل: لان لها ~~عصفة كعصفة الشمال. # وقوله { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } ف (أم) معادلة لقوله { ~~آلذكرين } وانما قال { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا } لان طرق ~~العلم اما الدليل الذي يشترك العقل في ادراك الحق بها أو المشاهدة التي ~~يختص بها بعضهم دون بعض، فاذا لم يكن واحد من الامرين سقط المذهب. # والمعنى أعلمتم ذلك بالسمع والكتب المنزلة فأنتم لا تقرون بذلك أم ~~شافهكم الله به فعلتموه؟! فاذا لم يكن واحد منهما علم بطلان ما تذهبون ~~اليه. # والوصية مقدمة مؤكدة فيما يفعل او يترك، يقال: وصاه يوصيه توصية وأوصاه ~~يوصيه إيصاء، والوصي الموصى اليه. # وقوله { فمن أظلم ممن افترى على الله } يعني من أظلم لنفسه ممن يكذب ~~عليه فيضيف اليه تحريم ما لم يحرمه وتحليل ما لم يحلله { ليضل الناس بغير ~~علم } أي عمل القاصد الى إضلالهم من اجل دعائه الى ما يشك بصحته مما لا ~~يؤمن ان يكون فيه هلاكهم وان لم يقصد إضلالهم، فلذلك قال { ليضل الناس ~~بغير علم }. # ثم أخبر { إن الله لا يهدي } الى الثواب { القوم الظالمين } لانهم ~~مستحقون للعقاب الدائم بكفرهم وضلالهم. ### || [6.145] # قرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء { ميتة } بالنصب. وقرأ ابن عامر ~~بالتاء والرفع. الباقون بالياء والنصب. # من قرأ بالياء ونصب الميتة جعل في " تكون " ضميرا ونصب الميتة بأنه خبر ~~كان وتقديره: الا ان يكون ذلك او الموجود ميتة. # ومن قرأ بالتاء ورفع الميتة رفعها ب { يكون } ويكون من كان التامة دون ~~الناقصة التي تدخل على المبتدأ ms1449 والخبر، وهذه القراءة ضعيفة، لان ما بعده ~~{ أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } بالعطف عليه، فلو كان مرفوعا لضعف ذلك. # ومن قرأ بالتاء ونصب الميتة جعل في { يكون } ضمير العين او النفس، ~~وتقديره الا أن تكون النفس ميتة، ونصب الميتة بأنه خبر كان. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار انه لا ~~يجد في ما أوحي اليه شيئا محرما الا نحو ما ذكره في المائدة كالمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة، لان جميع ذلك يقع عليه اسم الميتة، وفي ~~حكمها، فبين هناك على التفصيل، وها هنا على الجملة وأجود من ذلك ان يقال: ~~ان الله تعالى خص هذه الثلاثة أشياء تعظيما لتحريمها وبين ما عداها في ~~موضع آخر. وقيل: انه خص هذه الاشياء بنص القرآن وما عداه بوحي غير ~~القرآن. وقيل: ان ما عداه حرم فيما بعد بالمدينة والسورة مكية. # والميتة عبارة عما كان فيه حياة فقدت من غير تذكية شرعية. والدم المسفوح ~~هو المصبوب، يقال: سفحت الدمع وغيره أسفحه سفحا اذا صببته، ومنه السفاح ~~الزنا، لصب الماء صب ما يسفح والسفح والصب والاراقة بمعنى وانما خص ~~المسفوح بالذكر، لان ما يختلط بالدم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو ~~مباح، وهو قول ابي محلز، وعكرمة وقتادة. # وقوله { أو لحم خنزير } فانه وان خص لحم الخنزير بالذكر، فان جميع ما ~~يكون منه من الجلد والشعر والشحم وغير ذلك محرم. # وقوله { فإنه رجس } يعني ما تقدم ذكره، فلذلك كنا عنه بكناية المذكر، ~~والرجس العذاب أيضا. # وقوله { أو فسقا } عطف على قوله { أو لحم خنزير } فلذلك نصبه، والمراد ~~بالفسق { ما أهل لغير الله به } يعني { مما لم يذكر اسم الله عليه } او ~~تذكر الاصنام والاوثان، وسمي ما ذكر عليه أسم الوثن: فسقا لخروجه عن أمر ~~الله. # وأصل الإهلال رفع الصوت بالشيء، ومنه اهل الصبي اذا صاح عند ولادته. # وقوله { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } قيل فيه قولان: # أحدهما - غير طالب بأكله التلذذ. # والثاني - غير قاصد لتحليل ما حرم ms1450 الله. وروى أصحابنا في قوله { غير باغ ~~} ان معناه ان لا يكون خارجا على إمام عادل أي لا يعتدى بتجاوز ذلك الى ~~ما حرمه الله. # وروى أصحابنا ان المراد به قطاع الطريق، فانهم غير مرخصين بذلك على حال. # والضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع. وانما ~~قال عند التحليل للمضطر { فإن ربك غفور رحيم } لان هذه الرخصة لانه { ~~غفور رحيم } أي حكم بالرخصة كما حكم بالمغفرة. وفي ذلك بيان عن عظم موقع ~~النعمة. # وقد استدل قوم بهذه الآية على إباحة ما عدا هذه الاشياء المذكورة. وهذا ~~ليس بصحيح، لان ها هنا محرمات كثيرة غيرها كالسباع، وكل ذي ناب وكل ذي ~~مخلب، وغير ذلك. وكذلك أشياء كثيرة اختص اصحابنا بتحريمها، كالجرى والمار ~~ما هي، وغير ذلك، فلا يمكن التعلق بذلك. # ويمكن ان يستدل بهذه الآية على تحريم الانتفاع بجلد الميتة فانه داخل ~~تحت قوله { إن يكون ميتة } ويقويه قوله (عليه السلام) لا ينتفع من الميتة ~~بأهاب ولا عصب. فأما دلالته على ان الشعر والصوف والريش منها والناب ~~والعظم محرم، فلا يدل عليه، لان ما لم تحله الحياة لا يسمى ميتة على ما ~~مضى القول فيه. ### || [6.146] # أخبر الله تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى كل ذي ظفر. # واختلفوا في معنى { كل ذي ظفر } فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة والسدي: انه كل ما ليس بمنفرج الاصابع، كالابل، والنعام، والاوز، ~~والبط. # وقال أبو علي الجبائي: يدخل في ذلك جميع انواع السباع والكلاب والسنانير ~~وسائر ما يصطاد بظفره من الطير. # وقال البلخي: هو كل ذي مخلب من الطائر، وكل ذي حافر من الدواب. ويسمى ~~الحافر ظفرا مجازا، كما قال الشاعر: # فما رقد الولدان حتى رأيته # على البكر يمريه بساق وحافر # فجعل الحافر موضع القدم. واخبر تعالى انه كان حرم عليهم شحوم البقر ~~والغنم من الثرب، وشحم الكلى، وغير ذلك مما في أجوافها، واستثنى من ذلك ~~بقوله { إلا ما حملت ظهورها } ما حملته ظهورها فانه ms1451 لم يحرمه، واستثنى ~~أيضا ما على الحوايا من الشحم، فانه لم يحرمه. # واختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ~~ومجاهد والسدي: هي المباعر. وقال ابن زيد: هن بنات اللبن. وقال الجبائي: ~~الحوايا الامعاء التي عليها الشحم من داخلها. # وحوايا جمع حوية وحاوية. وقيل في واحده حاوياء - في قول الزجاج - على ~~وزن راضعات ورواضع، وضاربة وضوارب، ومن قال: حوية قال وزنه فعائل مثل ~~سفينة وسفائن في الصحيح، وهي ما يجري في البطن فاجتمع واستدار، ويسمى ~~بنات اللبن والمباعر والمرابض وما فيها الامعاء بذلك. # واستثنى أيضا من جملة ما حرم { ما اختلط بعظم } وهو شحم الجنب والإلية، ~~لانه على العصص - في قول ابن جريج والسدي - وقال الجبائي: الإلية تدخل ~~في ذلك، لانها لم تستثن وما اعتد بعظم العصص. # وموضع { الحوايا } من الاعراب يحتمل أمرين: # احدهما - قول اكثر اهل العلم: انه رفع عطفا على الظهور على تقدير: وما ~~حملت الحوايا. # الثاني - نصب عطفا على ما في قوله { إلا ما حملت } فأما قوله { أو ما ~~اختلط بعظم } فيكون نسقا على ما حرم لا على الاستثناء. والتقدير - على ~~هذا القول - حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا او ما اختلط بعظم الا ما ~~حملت الظهور، فانه غير محرم. و { أو } دخلت على طريق الاباحة كقوله # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # والمعنى إعص هذا وأعص هذا، فان جميعهم اهل ان يعصى، ومثله جالس الحسن ~~أو ابن سيرين اي جالس أيهما شئت. # وهذه الاشياء وإن كان الله تعالى حرمها على اليهود في شرع موسى، فقد ~~نسخ تحريمها على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وأباحها، وتدعي النصارى ~~ان ذلك نسخ في شرع عيسى (ع) ولسنا نعلم صحة ما يقولونه. # وقوله { ذلك جزيناهم ببغيهم } معناه انا حرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم على ~~بغيهم. # فان قيل: كيف يكون التكليف عقابا، وهو تابع للمصلحة، ومع ذلك فهو تعريض ~~للثواب؟؟ # قلنا: إنما سماه عقوبة، لان عظيم ما أتوه من الاجرام والمعاصي اقتضى ~~تحريم ذلك وتغير المصلحة، وحصول ms1452 اللطف فيه، فلذلك سماه عقوبة، ولولا عظم ~~جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك. # وقوله { وإنا لصادقون } يعني فيما أخبرنا به من تحريم ذلك على اليهود ~~فيما مضى. وان ذلك عقوبة لاوائلهم ومصلحة لمن بعدهم الى وقت النسخ. وحكي ~~عن ابن علية أنه كان يقول: ان ما يذبحه اليهود لا يجوز أكل شحمه وان جاز ~~أكل لحمه، لان الشحوم كانت حراما عليهم. وعندنا ان ما يذبحه اليهود لا ~~يجوز استباحة شيء منه، وهم بمنزلة الميتة غير ان الذي ذكره غير صحيح، ~~لانه يلزم عليه انه لو نحر اليهود جملا ان لا يجوز اكله، لانه كان ~~حراما عليهم، وذلك باطل عنده. ### || [6.147] # المعنى بقوله { فإن كذبوك } قيل فيه قولان: # احدهما - قال مجاهد والسدي: انهم اليهود، لانهم زعموا أنهم حرموا ~~الثروب، لان اسرائيل حرمها على نفسه، فحرموها هم اتباعا له دون ان يكون ~~الله حرم ذلك على لسان موسى. # الثاني - انه يرجع الى جميع المشركين في قول الجبائي وغيره على ظاهر ~~الآية، فقال الله لنبيه { فإن كذبوك } يا محمد في اني حرمت ذلك على ~~اليهود على لسان موسى { فقل } لهم { ربكم ذو رحمة واسعة } واقتضى ذكر ~~الرحمة أحد امرين: # الاول - انه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة عاجلا - في قول أبي ~~علي الجبائي -. # الثاني - انه ذكر ذلك ترغيبا لهم في ترك التكذيب وتزهيدا في فعله وانما ~~قابل بين لفظ الماضى في قوله { كذبوك } بالمستقبل في قوله { فقل } لتأكيد ~~وقوع القول بعد التكذيب اذ كونه جوابا يدل على ذلك. و { ذو } بمعنى صاحب. ~~والفرق بينهما ان احدهما يصح ان يضاف الى المضمر، ولا يصح في الآخر، لان ~~{ ذو } وصلة الى الصفة بالجنس، ولذلك جعل ناقصا لا يقوم بنفسه دون المضاف ~~اليه، والمضمر ليس بجنس ولا يصح ان يوصف به. # وقوله { ولا يرد بأسه } معناه لا يمكن احدا أن يرده عنهم، وهو أبلغ من ~~قوله بأسه نازل بالمجرمين، لانه دل على هذا المعنى وعلى ان أحدا لا يمكنه ~~رده. وقوله { عن القوم المجرمين } معناه ان أحدا لا ms1453 يتمكن من رد عقاب ~~الله عن العصاة المستحقين للعقاب مع انه تعالى ذو رحمة واسعة. ### || [6.148] # اخبر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأن هؤلاء المشركين سيحتجون ~~في إقامتهم على شركهم، وعلى تحريمهم ما أحله الله من الانعام التي تقدم ~~وصفها بأن يقولوا: لو شاء الله ان لا نفعل نحن ذلك ولا نعتقده ولا ~~آباؤنا، او أراد منا خلاف ذلك { ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا } ~~شيئا من ذلك. فكذبهم الله تعالى بذلك في قوله { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم } ومعناه مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء - في انه منكر - { كذب ~~الذين من قبلهم } وانما قال كذلك لتقضي الخبر، ولو قال (كذا) لجاز، لانه ~~قريب بعد الاول، و (كذلك) أحسن، لان ما فيه من تأكيد الاشارة تغني عن ~~الصفة. # وحكي انه قرىء { كذب الذين } بالتخفيف، فمن خفف اراد ان هؤلاء كاذبون ~~كما كذب الذين من قبلهم على الله بمثله. ومن قرأ بالتشديد، فلأنهم بهذا ~~القول كذبوا رسول الله لانهم قالوا له: ان الله أراد منا ذلك وشاءه، ولو ~~أراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (صلى الله عليه وسلم) كما كذب من ~~تقدم انبياءهم فيما أتوا به من قبل الله. # ثم بين بقوله { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا } أن ما قالوه باطل ~~وكذب على الله لانه لو كان صحيحا لما رده عليهم. # ثم أكد تكذيبهم بقوله { إن تتبعون إلا الظن } أي ليس يتبعون إلا ظنا من ~~غير علم { وإن أنتم إلا تخرصون } يعني تكذبون، والخرص الكذب كقوله # قتل الخراصون # وفى هذه الآية أدل دلالة على ان الله تعالى لا يشاء المعاصي والكفر، ~~وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك الى الله مع قيام ادلة العقل على انه تعالى لا ~~يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، ولان هذه صفة ~~نقص، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # وقوله { حتى ذاقوا بأسنا } معناه حتى ذاقوا عذابنا، واراد به حلول ~~العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا. وجاز ms1454 قوله { ما أشركنا ولا ~~آباؤنا } ولم يجز ان يقال: قمنا وزيد، لان العطف على المضمر المتصل لا ~~يحسن الا بفصل، فلما فصلت (لا) حسن، كما حسن: ما قد قمنا ولا زيد كان ~~كذلك، لان الضمير المتصل يغير له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه. # فان قيل: انما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول، لانهم جعلوا هذا القول ~~حجة في إقامتهم على شركهم، فأعلم الله عز وجل ان { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله، ~~ولو كان منكرا لذلك، لقال: كذلك كذب الذين - يتخفيف الذال -. # قلنا: لا يجوز ذلك، لانه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله { وإن ~~أنتم إلا تخرصون } أي تكذبون، فاما كذبوا فقد حكينا أنه قرىء - بالتخفيف ~~- ومن شدد الذال، فلان تكذيب الصادق كذب، وهو يدل على الامرين، فان ~~قالوا: انما عابهم، لانهم كانوا متهزئين بهذا القول لا معتقدين ولا ~~متدينين. # قلنا: المعروف من مذهبهم خلافه، لانهم كانوا يعتقدون ان جميع ما يفعلونه ~~قربة الى الله، وان الله تعالى ارادة واخبر عنه، فكيف يكونون متهزئين، ~~على ان الهازىء بالشيء لا يسمى كاذبا، فكيف سماهم الله كاذبين؟ على انه ~~اذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر على احد ما يعتقده، لانه ~~اعتقد ما شاء الله. ومن فعل ما شاء كان مطيعا له، لان الطاعة هي امتثال ~~الامر والمراد منه. وهذا باطل بالاجماع. # فان قيل: انما عاب الله المشركين بهذه الآية، لانهم قالوا ذلك حدسا وظنا ~~لا عن علم، وذلك لا يدل على انهم غير صادقين، وقد يجوز ان يكون الانسان ~~صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن. # قلنا: لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين اذا كان مخبر ما ~~أخبروا به على ما أخبروا، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله { كذلك كذب ~~الذين من قبلهم } وبقوله { وإن أنتم إلا تخرصون } على ان من ظن شيئا ~~فاخبر عنه لا يوصف بأنه ms1455 كاذب وان كان على خلاف ما ظنه فكيف اذا كان على ~~ما ظنه. ### || [6.149] # امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين ~~احتجوا بما قالوه ان الله لو شاء منهم ذلك لما كان لله الحجة البالغة ~~يعني الحجة التي احتج بها على الكافرين في الآية الاولى، وجميع ما احتج ~~به على عباده في صحة دينه الذي كلفهم اياه. ومعنى { البالغة } التي تبلغ ~~قطع عذر المحجوج وتزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها واستدل أيضا بها. وانما ~~كانت حجة الله صحيحة بالغة، لانه لا يحتج الا بالحق وما يؤدي الى العلم. ~~وقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } يحتمل امرين: # احدهما - لو شاء لألجأ الجميع الى الايمان غير ان ذلك ينافي التكليف. # الثاني - انه لو شاء لهداهم الى نيل الثواب ودخول الجنة، وبين بذلك ~~قدرته على منافعهم ومضارهم. وبين انه لم يفعل ذلك، لانه يوجب زوال ~~التكليف عنهم والله تعالى اراد بالتكليف تعريضهم للثواب الذي لا يحسن ~~الابتداء به، ولو كان الامر على ما قالته المجبرة من ان الله تعالى شاء ~~منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على الله من حيث فعلوا ما شاء الله، وكان ~~يجب ان يكونوا بذلك مطيعين له ولا تكون الحجة عليهم من حيث انه خلق فيهم ~~الكفر وأراد منهم الكفر، فأي حجة مع ذلك. ### || [6.150] # معنى هذه الآية ان الحجاج بأن الطريق الموصل الى صحة مذهبهم غير منسد ~~اذ لم يثبت من جهة حجة عقل ولا سمع. وما لم يصح ان يثبت من أحد هذين ~~الوجهين باطل لا محالة، لان ما لا يصح ان يعلم فاسد لا محالة. # امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار الذين ~~تقدم وصفهم " هلموا " ومعناه هاتوا. وهلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع ~~(ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الاعشى: # وكان دعا قومه دعوة # هلم الى أمركم قد صرم # ومن قال: هلموا، فانه لم يبنه مع (ها) بل قدره على الانفصال. والاول ~~أفصح، لانها ms1456 لغة القرآن، وهي لغة اهل الحجاز. واهل نجد يقولون: هلم وهلما ~~وهلموا وهلمي وهلميا وهلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم اليه (لم) فبني ~~فقيل: هلم، وهات فصل ولم يتصل بما يبنى معه، فلذلك لا بد ان يقال ~~للجماعة: هاتوا. و (هلم) لفظ يتعدى تارة، واخرى لا يتعدى، فاذا كانت ~~بمعنى (هاتوا) فانها تتعدى مثل قوله { هلم شهداءكم } واذا كانت بمعنى ~~(تعالوا) نحو # هلم إلينا # فانها لا تتعدى ونظيره: عليك زيدا يتعد الى واحد، وعلي زيدا يتعدى الى ~~اثنين بمعنى أولني زيدا، ومثله من الفعل: رجع ورجعته، ولا يجوز في (هلم) ~~الضم والكسر، كما يجوز في ورد: ورد. قال الزجاج: لانها لا تتصرف على ~~طريقة: فعل يفعل، مع ما اتصلت بها من هاء. # ومعنى الآية هاتوا شهداءكم الذين يشهدون بصحة ما تدعون من ان الله حرم ~~هذا الذي ذكرتموه. وقوله { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } فان قيل كيف دعاهم ~~الى الشهادة مع أنهم اذا شهدوا لم تقبل شهادتهم؟؟! # قلنا عنه جوابان أحدهما - قال ابو علي: لانهم لم يشهدوا على الوجه دعوا ~~ان يشهدوا بينة عادلة تقوم بها الحجة. # الثاني - شهداء من غيرهم، ولن يجدوا ذلك، ولو وجدوه ما وجب قبول ~~شهاداتهم، لانها لا ترجع الا الى دعوى مجردة. ولكن المذهب مع هذه الحال ~~أبعد عن الصواب، لانهم لا يجدون من يشهد لهم. وهو قول الحسن. # وقوله { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا } نهى من الله لنبيه ~~والمراد به أمته ان يعتقدوا مذهب من اعتقد مذهبه هوى، ويمكن اتخاذ المذهب ~~هوى من وجوه. # احدها - هوى من سبق اليه فقلده فيه. # والثاني - ان يدخل عليه شبهة فيتخيله بصورة الصحيح مع ان في عقله ما ~~يمنع منه. ومنها - ان يقطع النظر دون غايته، للمشقة التي تلحقه فيعتقد ~~المذهب الفاسد. ومنها - ان يكون نشأ على شيء وألفه واعتاده فيصعب عليه ~~مفارقته. وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله. # وانما قال { الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة } وكلهم كفار ~~ليفصل وجوه كفرهم، لان منه ما يكون ms1457 مع الاقرار بالآخرة كحال اهل الكتاب، ~~ومنه ما يكون مع الانكار كحال عبدة الاوثان. وقوله { وهم بربهم يعدلون } ~~معناه يعدلون به عن الحق لاتخاذهم مع الله شركاء واضافتهم اليه ما لم ~~يقله وافترائهم عليه. # وفي الآية دلالة على فساد التقليد لانه لو كان التقليد جائزا لما طالب ~~الله الكفار بالحجة على صحة مذهبهم، ولما كان عجزهم عن الايتان بها دلالة ~~على بطلان ما ذهبوا اليه. ### || [6.151] # لما حكى الله تعالى عن هؤلاء القوم انهم حرموا ما لم يحرمه الله ~~وأحلوا ما حرمه، قال لنبيه { قل } لهم { تعالوا } حتى أبين لكم ما ~~حرمه الله. و { تعالوا } معناه أدنوا، وهو مشتق من العلو، وتقديره كأن ~~الداعي في المكان العالي، وان كانا في مستوى من الارض كما يقال للانسان: ~~ارتفع الى صدر المجلس. # وقوله { أتل } مشتق من التلاوة مثل القراءة. والمتلو مثل المقروء، ~~فالمتلوا هو المقروء الاول، والتلاوة هي الثاني منه على طريق الاعادة، ~~وهو مثل الحكاية والمحكي. وقوله { أتل } مجزوم بأنه جواب الامر، وعلامة ~~الجزم فيه حذف الواو، ومن شأن الجازم أن يأخذ الحركة اذا كانت على الحرف، ~~فان لم يكن هناك حركة أخذ نفس الحرف. # وقوله { ما حرم ربكم } (ما) في موضع نصب ب (أتل) وهي بمعنى الذي، ~~وتقديره أتل الذي حرم ربكم عليكم: ان لا تشركوا به شيئا، ويجوز ان يكون ~~نصبا ب (حرم) وتقديره أي شيء حرم ربكم، لان (أتلو) بمنزلة أقول. # وقوله { أن لا تشركوا به شيئا } يحتمل موضع (ان) ثلاثة اوجه من الاعراب: # احدها - الرفع على تقدير ذلك ان لا تشركوا به شيئا. # والثاني - النصب على تقدير أوصى ان لا تشركوا به شيئا. # وقيل فيه وجه رابع - ان يكون نصبا ب (حرم) وتكون (لا) زائدة، وتقديره ~~حرم ربكم ان تشركوا به شيئا، كما قال # ما منعك أن لا تسجد # ونظائر ذلك قد قدمنا طرفا منها. وموضع تشركوا يحتمل امرين، احدهما - ~~النصب ب (ان). الثاني - الجزم ب (لا) على النهي. # وقال ابو جعفر (عليه السلام): ادنى الشرك الرياء. ms1458 # وقوله { وبالوالدين إحسانا } العامل فيه (أمر) أي امر بالوالدين ~~إحسانا، واوصى بالوالدين احسانا. ودليله من وجهين: احدهما - ان في (حرم ~~كذا) معنى اوصى بتحريمه، وامر بتجنبه. الثاني { ذلكم وصاكم به } # وقوله { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } عطف بالنهي على الخبر، لان قوله ~~{ ولا تقتلوا } نهي، وقوله اوصى ألا تشركوا به شيئا، وأوصى بالوالدين ~~احسانا خبر، وجاز ذلك كما جاز في قوله # قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين # وقال الشاعر: # حج وأوصى بسليمى الا عبد # ان لا قرى ولا تكلم أحدا # ولا تمش بفضاء بعدا # ولا يزل شرابها مبردا # والاملاق: الافلاس من المال والزاد يقال: املق إملاقا ومنه الملق لانه ~~اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية. # وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جريج والضحاك: الاملاق الفقر، نهاهم ~~الله ان يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر. وقال { نحن نرزقكم وإياهم } وقوله ~~{ ولا تقربوا الفواحش } نهي عن الفواحش وهي القبائح. وقيل: الفاحش العظيم ~~القبح، والقبيح يقع على الصغير والكبير، لانه يقال القرد قبيح الصورة ولا ~~يقال فاحش الصورة. # وضد القبيح الحسن وليس كذلك الفاحش. قال الرماني ويدخل في الآية النهي ~~عن الصغير، لان قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح. وقوله { ما ظهر منها ~~وما بطن } قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والضحاك والسدي: ~~كانوا لا يرون بالزنا بأسا سرا، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في ~~الحالتين. # الثاني - لئلا يظن ويتوهم ان الاستبطان جائز. # وقال ابو جعفر (عليه السلام) ما ظهر هو الزنا، وما بطن المخالة. وقيل ~~معناه ما علن وما خفي يعني من جميع أنواع الفواحش وهو اعم فائدة. # وقوله { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } فالنفس المحرم ~~قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الكافر الحربي، والحق الذي يستباح به ~~قتل النفس المحرمة ثلاثة اشياء: قود بالنفس الحرام، والزنا بعد احصان، ~~والكفر بعد الايمان. # وقوله { ذلكم وصاكم به } خطاب لجميع الخلق { لعلكم تعقلون } معناه لكي ~~تعقلوا عنه ما وصاكم به فتعملوا به. ms1459 ### || [6.152] # قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر { تذكرون } بتخفيف الذال حيث وقع. الباقون ~~بالتشديد. قال سيبويه: ذكرته ذكرا مثل شربا، قال ابو علي: (ذكر) فعل ~~يتعدى الى مفعول واحد، كقوله { فاذكروني أذكركم } فاذا ضاعفت العين تعدى ~~الى مفعولين كقولك ذكرته اباه قال الشاعر: # يذكرنيك حنين العجول # ونوح الحمامة تدعو هديلا # فان نقله بالهمزة كان كنقله بالتشديد، وتقول: ذكرته فتذكر، لان تذكر ~~مطاوع (فعل) كما تفاعل مطاوع فاعل، قال تعالى # إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا # وقد تعدى تفعلت قال الشاعر: # تذكرت أرضا بها أهلها # أخوالها فيها وأعمامها # وأنشد ابو زيد: # تذكرت ليلى لات حين أذكارها # وقد حني الاضلال ضلا بتضلال # فقال اذكارها، كما قال # وتبتل إليه تبتيلا # ونحو ذلك مما لا يحصى مما لا يجيء المصدر على (فعلة)، وجاء المصدر على ~~(فعلى) بالف التأنيث، فقالوا ذكرى وقالوا في الجمع الذكر، فجعلوه بمنزلة ~~(سدرة، وسدر) وقالوا: الدكر بالدال غير المعجمة حكاه سيبويه، والمشهور ~~بالذال. # فمن قرأ بتشديد الذال اراد يتذكرون ويأخذون به، ولا يطرحونه وادغم التاء ~~في الذال، والمعنى يتذكرون، كما قال # والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر # أي يتفكر وقال # أولا يذكر الإنسان # معناه اولا يتفكر، وقال # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا # أي ليتفكروا فيه. # ومن قرأ - بتخفيف الذال - أراد لكي يذكروه ولا ينسوه فيعملوا به. ~~والقراءتان متقاربتان غير ان هذا حذف التاء الاولى، والاولون أدغموا ~~التاء في الذال. والمعنى فيها لعلكم تتذكرون. # هذه الآية عطف على ما حرم الله في الآية الاولى واوصى به، فنهى في هذه ~~الآية ان تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن، والمراد بالقرب التصرف ~~فيه، وانما خص اليتيم بذلك وان كان واجبا في كل احد، لان اليتيم لما كان ~~لا يدفع عن نفسه ولا له والد يدفع عنه، فكان الطمع في ماله أقوى تأكد ~~النهي في التصرف في ماله. # وقوله { إلا بالتي هي أحسن } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - حفظه عليه الى ان يكبر فيسلم اليه. # وقيل معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد والضحاك ms1460 والسدي. # والثالث - ما قاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة. # وقوله { حتى يبلغ أشده } اختلفوا في حد الاشد، فقال ربيعة وزيد بن أسلم ~~ومالك وعامر الشعبي: هو الحلم. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال قوم: ثماني ~~عشرة سنة. لانه اكثر ما يقع عندهم البلوغ واستكمال العقل. # وقال قوم قوم: انه لا حد له وانما المراد به حتى يكمل عقله ولا يكون ~~سفيها يحجر عليه. والمعنى حتى يبلغ اشده فيسلم اليه ماله او يأذن في ~~التصرف في ماله، وحذف لدلالة الكلام عليه. هذا أقوى الوجوه. # وواحد الاشد قيل فيه قولان: # احدهما - شد مثل اضر جمع ضر، واشد جمع شد. # والشد القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما شد النهار ارتفاعه. وحكى ~~الحسين بن علي المغربي عن أبي اسامة أن واحدة شدة. مثل نعمة وانعم. وقال ~~بعض البصريين: الاشد واحد مثل الافك. ومن قال ان واحده شد استدل بقول ~~عنترة: # عهدي به شد النهار كأنما # خضب البنان ورأسه بالعظلم # هكذا رواه المفضل الضبي. وقال الآخر: # يطيف به شد النهار ظعينه # طويلة انقاء اليدين سحوق # وقوله { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } أمر من الله بتوفية كيل ما يكال ~~وتوفية وزن ما يوزن بالقسط يعني بالعدل وفاء من غير بخس. # وقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } معناه هنا انه لما كان التعويل في ~~الوزن والكيل على التحديد من اقل القليل يتعذر، بين انه لا يلزم في ذلك ~~الاجتهاد في التحرز. # وقوله { وإذا قلتم فاعدلوا } يعني قولوا الحق. ولو كان على ذي قرابة ~~لكم. وانما خص القول بالعدل دون الفعل، لان من جعل عادته العدل في القول ~~دعاه ذلك الى العدل في الفعل، لان ذلك من آكد الدواعي اليه والبواعث ~~عليه. # وقوله { وبعهد الله أوفوا } قيل في معنى العهد ها هنا قولان: # احدهما - كل ما أوجبه على العبد فقد عهد اليه بايجابه عليه وتقديم القول ~~فيه والدلالة عليه. # الثاني - قال ابو علي عهد الله الحلف بالله، فاذا حلف في غير معصية الله ~~وجب عليه ms1461 الوفاء. وقوله { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - لئلا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به والقيام بما يلزم منه. # الثاني - لتتذكروا كل ما يلزمكم بتذكر هذا فتعملوا به. ### || [6.153] # قرأ الكسائي وحمزة " وان هذا " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. وكلهم شدد ~~النون الا ابن عامر فأنه خففها. وكلهم سكن الياء من { صراطي } الا ابن ~~عامر فانه فتحها. وبه قرأ يعقوب. وقرأ ابن كثير وابن عامر " سراطي " ~~بالسين. الباقون بالصاد الا حمزة، فانه قرأ بين الصاد والزاي. وروى ابن ~~فليح والبزي الا القواس { فتفرق } بتشديد التاء. ووجهه ان أصله { فتتفرق ~~} فأدغم احدهما في الآخرى. # ومن فتح (أن) احتمل ذلك وجهين: # احدهما - ان يكون عطفا على { أن لا تشركوا }. # والثاني - ولان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. # ومن كسر (ان) احتمل ايضا وجهين: احدهما - عطفه على { أتل ما حرم ربكم ~~} واتل " ان هذا " بمعنى اقول. والثاني - استأنف الكلام. # ومن خفف (ان) فأن المخففة في قوله تتعلق بما تتعلق به المشددة. # وموضع { هذا } رفع بالابتداء وخبره { صراطي } وفي (ان) ضمير القصة ~~والشأن. وعلى هذه الشريطة تخفف، وليست المفتوحة كالمكسورة اذا خففت. ~~والفاء في قوله { فاتبعوه } على قول من كسر (ان) عاطفة جملة على جملة. ~~وعلى قول من فتح زائدة ونصب { مستقيما } على الحال. والفائدة ان هذا ~~صراطي وهو مستقيم، فاجتمع له الامران، ولو رفع مستقيم، لما أفاد ذلك. # وانما سمى الله تعالى ان ما بينه وذكره من الواجب والمحرم صراط وطريق ~~لان امتثال ذلك على ما أمر به يؤدي إلى الثواب في الجنة، فهو طريق اليها، ~~والى النعيم فيها وقوله { فاتبعوه } أمر من الله تعالى باتباع صراطه وما ~~شرعه للحق. وطريق اتباع الشرع - وفيه الحرام والحلال والمباح - هو اعتقاد ~~ذلك فيه، والعمل على ما ورد الشرع به فيفعل الواجب والندب، ويجتنب ~~القبيح، ويكون مخيرا في المباح. ولا يجب فعل جميعه، لان ذلك خلاف ~~الاتباع. وانما قيل لاعتقاد صحة الشرع اتباع له، لانه تعالى اذا حظر شيئا ~~أو حظر تركه كان حكمه، ووجب اتباعه ms1462 في انه محرم وواجب، وكذلك الندب ~~والمباح. # وقوله { ولا تتبعوا السبل } يعني سبل الشيطان واتباع اهل البدع من ~~اليهود والنصارى وغيرهم، فنهى تعالى عن اتباع ذلك فان اتباع غير سبيله ~~تصرف عن اتباع سبيله، ولا يمكن ان يجتمعا { ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ~~معناه امركم به وأوصاكم بأمتثاله لكي تتقوا عقابه باجتناب معاصيه. وانما ~~اتى بلفظة (لعل) لان المعنى انكم تعاملون في التكليف والجزاء معاملة الشك ~~للمظافرة في العدل. ### || [6.154] # قيل في معنى قوله { ثم آتينا موسى الكتاب } مع ان كتاب موسى قبل القرآن ~~و (ثم) تقتضي التراخي قولان: # احدهما - ان فيه خذفا، وتقديره: ثم اتل { آتينا موسى الكتاب } وقال ابو ~~مسلم عطفه على المنن التي امتن بها على ابراهيم من قوله { ووهبنا له ~~إسحاق } الى قوله { إلى صراط مستقيم } واستحسنه المغربي. # وقوله { تماما على الذي أحسن } قيل فيه خمسة أقوال: # احدها - قال الربيع والفراء: تماما على احسانه اي احسان موسى كأنه قال ~~ليكمل احسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة. # الثاني - قال مجاهد: تماما على المحسنين. وقيل في قراءة عبد الله { ~~تماما على الذين احسنوا } كأنه قيل اتماما للعنة على المحسنين الذين هو ~~أحدهم. # الثالث قال ابن زيد: تماما على احسان الله الى انبيائه. # الرابع - قال الحسن وقتادة: لتمام كرامته في الجنة على احسانه في ~~الدنيا. # الخامس - قال ابو علي: تماما على احسان الله الى موسى بالنبوة، وغيرها ~~من الكرامة. وقال أبو مسلم تماما على الذي احسن ابراهيم، فجعل ما اعطى ~~موسى منة على ابراهيم واجابة لدعوته بما تقدم من احسانه وطاعته، وذلك ~~اذ يقول ابراهيم # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # وقوله { تماما على الذي } يقتضي مضاعفة (عليه). ولو قال: تماما، لدل على ~~نقصانه قبل تكميله. وقوله { أحسن } في موضع خفض عند الفراء، زعم ان العرب ~~تقول مررت بالذي خير منك، وبالذي أخيك. ولا يقولون: بالذي قائم، لانه ~~نكرة وأنشد عن الكسائي: # ان الزبيري الذي مثل الحكم # مشى بأسلابك في اهل العلم # قال الزجاج: أجمع البصريون على ms1463 انه لا يجوز ذلك، لان (الذي) يقتضي صلة، ~~ولا يصح ان يوصف الا بعد تمام وصلته. # وقوله { وهدى ورحمة } صفتان للكتاب الذي أنزله على موسى، ومعناه حجة ~~ورحمة { وتفصيلا لكل شيء } مثل ذلك. وقوله { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } ~~معناه لكي يؤمنوا بجزاء ربهم، فسمى الجزاء لقاء الله تفخيما لشأنه ~~وتعظيما له مع الاختصار والايجاز. و { تماما } و { تفصيلا } نصب على انه ~~مفعول له، وتقديره إنا فعلنا للتمام والتفصيل لكل ما شرعنا له. وروي في ~~الشواذ { أحسن } رفعا وتقديره على الذي هو أحسن. ### || [6.155] # قوله { وهذا } اشارة الى القرآن، وصفه بأنه كتاب انزله الله وانما وصفه ~~بأنه كتاب وان لم يكن قرآنا من اجل انه يكتب، لانه لما كان التقييد ~~بالكتاب من اكثر ما يحتاج اليه في الدلائل والحكم، وصف بهذا الوصف. لبيان ~~انه مما ينبغي ان يكتب، لانه اجل الحكم، وذكر في هذا الموضع بهذا الذكر ~~ليقابل ما تقدم من ذكر كتاب موسى (ع). # وقوله { مبارك } فالبركة ثبوت الخير بزيادته ونموه، واصله الثبوت، ومنه ~~(تبارك) أي تعالى بصفة اثبات لا اول له ولا آخر، وهذا تعظيم لا يستحقه ~~غير الله تعالى. ورفعه بأنه صفة للكتاب، ولو نصب على الحال كان جائزا غير ~~ان الرفع يدل على لزوم الصفة للكتاب، والنصب يجوز ان يكون لحالة عارضة في ~~وقت الفعل. # وقوله { فاتبعوه } امر من الله باتباعه وتدبر وما فيه وامتثاله. # وقوله { واتقوا } أمر منه تعالى باتقاء معاصيه، وتجنب مخالفة كتابه. # وقوله { لعلكم ترحمون } أي لكي ترحموا، وانما قال { اتقوا لعلكم ترحمون ~~} مع انهم اذا أتقوا رحموا لا محالة لامرين: # احدهما - اتقوا على رجاء الرحمة، لانكم لا تدرون بما توافون في الآخرة. # الثاني - أتقوا لترحموا، ومعناه ليكن الغرض بالتقوى منكم طلب ما عند ~~الله من الرحمة والثواب. ### || [6.156] # العامل في (أن) قوله { أنزلناه } وتقديره لان لا تقولوا، فحذف (لا) ~~لظهور المعنى في انه أنزله لئلا يكون لهم حجة بهذا، وحذف (لا) في قول ~~الفراء، وقال الزجاج: تقديره كراهة ان تقولوا، ولم يجز حذف ms1464 (لا) ها هنا، ~~واذا كان يجوز حذف المضاف في غير (أن) فهو مع (أن) اجدر، لطولها بالصلة، ~~و (أن) اذا كانت بمعنى المصادر تعمل، ولا تعمل اذا كانت بمعنى (أي) لان ~~هذه تختص بالفعل، والآخرى تدخل للتفسير، فتارة تفسير جملة من ابتداء ~~وخبر، وتارة جملة من فعل وفاعل. # وقوله { إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } معنى (إنما) الاختصاص، ~~وانما كان كذلك، لان (أن) كانت تحقيقا بتخصيص المعنى مما خالفه، فلما ~~صحبتها (ما) ممكنة لها ظهر هذا المعنى فيها. # والمعني " بالطائفتين من قبلنا " اليهود والنصارى - في قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وابن جريج وقتادة والسدي - وانما خصا بالذكر لشهرتهما ~~ولظهور أمرهما. # وقوله { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } اللام في قوله { لغافلين } لام ~~الابتداء، ولا يجوز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها الا في باب (إن) خاصة ~~لانها زحلقت معها عن الاسم الى الخبر للفصل بين حرفين بمعنى واحد، وتقدير ~~الآية: انا أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا يقولوا: انما أنزل الكتاب ~~على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولو أريد منا ما أريد ممن قبلنا ~~لانزل الينا كتاب كما أنزل على من قبلنا { وإن كنا عن دراستهم لغافلين } ~~وتقديره وان كنا غافلين عن تلاوة كتبهم يعني الطائفتين اللتين أنزل عليهم ~~الكتاب، لانهم كانوا أهله دوننا. ### || [6.157] # هذه الآية عطف على ما قبلها والتقدير: انا أنزلنا القرآن المبارك لئلا ~~يقولوا: انه ما انزل علينا الكتاب، كما أنزل على من قبلنا، او يقولوا: لو ~~أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم في المبادرة الى قبوله والتمسك به، كما ~~يقول القائل: لو أتيت بدليل لقبلته منك. ومثل هذا يستبق الى النفس. # وقوله { أهدى منهم } فلا دلالهم بالاذهان والافهام. وقد يكون العارف ~~بالشيء أهدى اليه من عارف آخر، بأن يعرفه من وجوه لا يعرفها الآخر، وبأن ~~يكون ما يعرفه به أثبت مما يعرفه به الآخر. # قال الرماني: والفرق بين الهداية والدلالة ان الهداية مضمنة بأنها نصبت ~~ليهتدي بها صاحبها، وليس كذلك الدلالة، قال: ولذلك كثر تصرفها ms1465 في القرآن، ~~كما كثر تصرف الرحمة، لانها على المحتاج. وهذا فرق غير صحيح لان الدلالة ~~أيضا لا تسمى دلالة الا اذا نصبت ليستدل بها، ولذلك لا يقال: اللص دل على ~~نفسه اذا فعل آثار امكن ان يستدل بها على مكانه، ولم يقصد ذلك. # وقوله { لو أنا } فتحت (أن) بعد (لو) مع انه لا يقع فيه المصدر، لان ~~الفعل مقدر بعد (لو) كأنه قيل: لو وقع الينا أنا أنزل هذا الكتاب علينا، ~~الا أن هذا الفعل لا يظهر من اجل طول (أن) بالصلة، ولا يحذف مع المصدر ~~الا في الشعر قال الشاعر: # لو غيركم علق الزبير بحبله # أدى الجوار الى بني العوام # فقال الله لهم { فقد جاءكم بينة من ربكم } يعني حجة واضحة { وهدى ورحمة ~~} وادلة مؤدية الى الحق، ورحمة منه تعالى وانعام { فمن أظلم ممن كذب ~~بآيات الله } يعني فمن أظلم لنفسه ممن كذب بآيات الله { وصدف عنها } أي ~~اعرض عنها غير مستدل بها ولا مفكر فيها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي. # فان قيل كيف قال { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } بأن يجحدها، ولو فرضنا ~~انه ضم الى ذلك قتل النفوس وانتهاك المحارم كان اظلم؟. # قلنا عنه جوابان: # احدهما - للمبالغة لخروجه الى المنزلة الداعية الى كل ضرب من الفاحشة. # والآخر - انه لا خصلة ممن ظلم النفس اعظم من هذه الخصلة. # ثم قال تعالى { سنجزي الذين يصدفون } أي يعرضون { عن آياتنا سوء العذاب ~~} أي شديده { بما كانوا يصدفون } أي جزاء بما كانوا يعرضون وهو ما أعد ~~الله للكفار نعوذ بالله. # فان قيل: فهل للذين ماتوا قبل من خوطب بهذه الآية ان يقولوا هذا القول؟ # قيل: لا، ليس له ذلك، لان عذره كان مقطوعا بعقله، وبما تقدم من الاخبار ~~والكتب وهؤلاء أيضا لو لم يأتهم الكتاب والرسول لم يكن لهم حجة، لكن فعل ~~الله تعالى ما علم ان المصلحة تعلقت به لهؤلاء، ولو علم ذلك فيمن تقدم، ~~لانزل عليهم مثل ذلك، لكن لما لم ينزل عليهم علمنا ان ذلك ms1466 لم يكن من ~~مصلحتهم. ### || [6.158] # قرأ حمزة والكسائي { يأتيهم الملائكة } بالياء. الباقون بالتاء. # وقد مضى الكلام في أمثال ذلك فيما مضى، فلا وجه للتطويل باعادته. # قوله { هل ينظرون } ما ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم. ~~وقال ابو علي: معناه هل تنتظر انت يا محمد واصحابك الا هذا؟ وهم وان ~~انتظروا غيره فذلك لا يعتد به في جنب ما تنتظرونه من الاشياء المذكورة ~~لعظم شأنها، وهو مثل قوله # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # ، وتكلمت ولم تتكلم بما لا يعتد به. # وقوله { إلا أن يأتيهم الملائكة } يعني لقبض ارواحهم. وقال مجاهد وقتادة ~~والسدي: تأتيهم الملائكة، لقبض ارواحهم { أو يأتي ربك } أي يوم القيامة { ~~أو يأتي بعض آيات ربك } ، كطلوع الشمس من مغربها. # وقوله { أو يأتي ربك } قيل في معناه قولان: # احدهما - او يأتي امر ربك بالعذاب. وحذف المضاف واقام المضاف اليه ~~مقامه، ومثله # وجاء ربك # وقوله # إن الذين يؤذون الله ورسوله # يعني يؤذون اولياء الله. # الثاني - او يأتي ربك بعظم آياته فيكون { يأتي } به على معنى الفعل ~~المعتدي، ومثل ذلك قول الناس: اتانا الروم يريدون أتانا حكم الروم ~~وسيرتهم. # وقوله { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~}. قيل في الآيات التي تحجب من قبول التوبة ثلاثة أقوال: # احدها - قال الحسن، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال # " بادروا بالاعمال قبل ستة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، ~~والدخان، وخويصة احدكم - اي موته - وامر القيامة " # يعني القيامة. # الثاني - قال ابن مسعود: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الارض، وهو ~~قول ابي هريرة. # الثالث - طلوع الشمس من مغاربها رواها جماعة عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم). # وقوله { أو كسبت في إيمانها خيرا } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - الابهام في احد الامرين: # الثاني - التغليب، لان الاكثر ممن ينتفع بايمانه حينئذ من كان كسب في ~~ايمانه خيرا قبل. # الثالث - انه لا ينفعه ايمانه حينئذ وان اكتسب فيه خيرا الا أن يكون ممن ~~آمن ms1467 قبل - في قول السدي - ومعنى كسب الخير في الايمان عمل النوافل ~~والاستكثار من عمل البر بعد اداء الفرائض. والاول عندي أقواها، لان ~~المعنى انه لا ينفع نفسا ايمانها الا اذا كانت آمنت قبل، فانها اذا آمنت ~~قبل نفعها ايمانها بانفراده او اذا ضمت الى ايمانها افعال الخير، فان ذلك ~~ينفعها أيضا، فانه ازداد خيرا. # وقوله { قل انتظروا } خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء ~~الكفار: انتظروا اتيان الملائكة وهذه الآيات، فانا منتظرون حصولها. ومعنى ~~الآية الحث على المبادرة الى الايمان قبل الحال التي لا تقبل فيها ~~التوبة، وهي ظهور الآيات التي تقدم ذكرها، وفي ذلك غاية التهديد. ### || [6.159] # قرأ حمزة والكسائي { فارقوا } بألف، وهو المروي عن علي (ع) الباقون { ~~فرقوا } بلا الف مع تشديد الراء. والمعنيان متقاربان، لان القراءتين ~~يؤلان الى شيء واحد، لان جميع ذلك مخالف لما يوجبه دينهم، فهم بتفريقه من ~~جهة اكفار بعضهم بعضا على جهالة فيه مخالفون له، وهم بخروجهم عنه الى ~~غيره مفارقون له مخالفون. وقيل في المعنيين بهذه الآية اربعة أقوال: # احدها - قال مجاهد: هم اليهود، لانهم كانوا يمالؤن عبدة الاوثان على ~~المسلمين. # الثاني - قال قتادة: هم اليهود والنصارى، لان بعض النصارى يكفر بعضا ~~وكذلك اليهود. # الثالث - قال الحسن هم جميع المشركين، لانهم جميعا بهذه الصفة. # الرابع - قال ابو جعفر (ع): هم اهل الضلالة والبدع من هذه الامة. وهو ~~قول ابي هريرة والمروي عن عائشة. # حذرهم الله تعالى من تفرق الكلمة ودعاهم الى الاجتماع على ما تقوم عليه ~~الحجة. والدين الذي فارقوه: قيل فيه قولان: # قال ابو علي وغيره: هو الدين الذي امر الله باتباعه وجعله دينا لهم. # الثاني - الدين الذي هم عليه، لانكار بعضهم بعضا بجهالة فيه. # ومعنى الشيع الفرق التي يمالىء بعضهم بعضا على امر واحد مع اختلافهم في ~~غيره، وقيل اصله الظهور من قولهم: شاع الخبر يشيع اذا ظهر. وقال الزجاج: ~~اصله الاتباع من قولك: شايعه على الامر اذا اتبعه. # وقوله { لست منهم في شيء } خطاب للنبي (صلى الله ms1468 عليه وسلم) واعلام له ~~انه ليس منهم في شيء، وانه على المباعدة التامة من ان يجتمع معهم في معنى ~~من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض، لانهم يجتمعون في معنى من ~~الباطل وان افترقوا في غيره، فليس منهم في شيء، لانه برىء من جميعه وقال ~~الفراء: معناه النهي عن قتالهم، ثم نسخ بقوله # فاقتلوا الشركين # وهو قول السدي. # اخبر الله تعالى ان الذين فرقوا دينهم - وخالفوه وباينوه وصاروا فرقا ~~يمالىء بعضهم بعضا على أمر واحد مع أختلافهم في غيره - ليس النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) منهم في شيء وانه مباين لهم لفساد ما هم عليه. ثم قال { ~~إنما أمرهم إلى الله. ثم ينبئهم بما كانوا يعملون } يعني ان الله تعالى ~~هو الذي يخبرهم بأفعالهم ويجازيهم عليها دون غيره يعني يوم القيامة. ### || [6.160] # يجوز في قوله { فله عشر أمثالها } ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه ~~جميع القراء الا يعقوب. ورفع { أمثالها } مع التنوين على الصفة، وبه قرأ ~~الحسن ويعقوب. ونصبه على التمييز، كما تقول عندي خمسة أترابا ذكر ذلك ~~الزجاج، والفراء. # ومعنى القراءة الاولى، فله عشر حسنات أمثالها، ويجوز في العربية فله عشر ~~مثلها، فيكون المثل في لفظ الواحد وفى معنى الجمع، كما قال # إنكم إذا مثلهم # ومن قال: أمثالها فهو كقوله # لا يكونوا أمثالكم # وانما جاز في (مثل) التوحيد في معنى الجمع، لانه على قدر ما يشبه به، ~~تقول: مررت بقوم مثلكم وبقوم أمثالكم. وقال الرماني: كلما لم يتميز ~~بالصورة فان جمعه يدل على الاختلاف، كقولك: رمال ومياه، فأما (رجال) فلا ~~يدل على الاختلاف، لانه يتميز بالصورة، ويجوز ان يكون (المثل) في موضع ~~الجمع ولا يجوز مثل ذلك في (العدل) لان (المثل) لا يضاف الى الجماعة الا ~~على معنى انه مثل لكل واحد منهم. وليس كذلك (العدل) لانه يكون لجماعتهم ~~دون كل واحد منهم. # وقال اكثر اهل العدل ان الواحد من العشرة مستحق وتسعة تفضل. وقال بعضهم: ~~المعنى فله من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها، وهذا لا يجوز، لانه يقبح ms1469 ~~ان يعطي غير العامل مثل ثواب العامل كما يقبح ان يعطي الاطفال مثل ثواب ~~الانبياء ومثل اجلالهم واكرامهم وان يرفع منزلتهم عليهم. # وانما لم يتوعد على السيئة الا بمثلها، لان الزائد على ذلك ظلم. والله ~~يتعالى عن ذلك، وزيادة الثواب على الجزاء تفضل واحسان فجاز ان يزيد عليه. ~~قال الرماني: ولا يجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالاضافة لان ~~المعنى ظاهر في ان المراد عشر حسنات امثالها، وقال غيره لان الصالحات لا ~~تعد، لانها اسماء مشتقة. وانما تعد الاسماء. و (المثل) اسم فلذلك جاز ~~العدد به، وقال الرماني: دخول الهاء في قوله (الحسنة) يدل على ان تلك ~~الحسنة ما هو مباح لا يستحق عليه المدح والثواب. ولو قيل: دخول الالف ~~واللام فيها يدل على ان الحسنة هي المأمور بها، ودخلا للعهد، والله لا ~~يأمر بالمباح، لكان اقوى مما قاله، ويجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في ~~العدد والكثرة، ويتميز منه الثواب بمقارنة التعظيم والتبجيل اللذين ~~لولاهما لما حسن التكليف. وانما قلنا: يجوز ذلك لان وجه حسن ذلك: الاحسان ~~والتفضل، وذلك حاصل في كل قدر زائد. وفي الناس من منع من ان يساوي التفضل ~~الثواب في باب الكثرة. والصحيح ما قلناه اولا. # فان قيل: كيف تجمعون بين قوله { فله عشر أمثالها } وبين قوله # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مئة حبة # وقوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة # ولان المجازاة بدخول الجنة مثابا فيها على وجه التأبيد، لا نهاية له، ~~فكيف يكون ذلك عشر أمثالها، وهل هذا الا ظاهر التناقض؟! # قلنا: الجواب عن ذلك ما ذكره الزجاج وغيره: ان المعنى في ذلك ان جزاء ~~الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقيد في ~~النفوس، ويضاعف الله عن ذلك بما بين عشرة اضعاف الى سبعمائة ضعف الى ~~أضعاف كثيرة، ففائدة ذلك انه لا ينقص من الحسنة عن عشر أمثالها، وفيما ~~زاد على ذلك ms1470 يزيد من يشاء من فضله واحسانه. # وقال قوم: المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها، والمستحق ~~مقداره لا يعلمه الا الله وليس يريد بذلك عشر أمثالها في العدد، كما يقول ~~القائل للعامل الذي يعمل معه: لك من الاجر مثل ما عملت اي مثل ما تستحقه ~~بعملك. # وقال آخرون: المعنى في ذلك ان الحسنة لها مقدار من الثواب معلوم لله ~~تعالى فأخبر الله تعالى انه لا يقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثواب ~~حتى تبلغ ذلك ما أراد وعلم أنه أصلح لهم، ولم يرد العشرة بعينها لكن اراد ~~الاضعاف كما يقول القائل: لئن اسديت الي معروفا لأكافينك بعشرة ~~أمثاله، وعشرة اضعافه. وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لاكلمنك عشرة، وليس ~~يريدون بذلك العدد المعين لا اكثر منها، وانما يريدون ما ذكرناه. # وقال قوم: عني بهذه الآية الاعراب، واما المهاجرون فحسناتهم سبع مئة، ~~ذهب اليه ابو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر. # وقال قوم: معنى { عشر أمثالها } لانه كان يؤخذ منهم العشر في الزكاة، ~~وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة ايام والباقي لهم. # وقال قوم { من جاء بالحسنة } يعني الايمان، فله يعني للايمان عشر ~~أمثالها، وهو ما ذكره في قوله # إن المسلمين والمسلمات.. # الى آخر الآية. وهذان الوجهان قريبان، والمعتمد ما قدمناه من الوجوه. # وقال اكثر المفسرين: ان السيئة المذكورة في الآية هي الشرك، والحسنة ~~المذكورة فيها هي التوحيد واظهار الشهادتين. # فان قيل كيف يجوز الزيادة في نعم المثابين مع ان الثواب قد استغرق جميع ~~مناهم وما يحتملونه؟ # قلنا عنه جوابان: احدهما - انه ليس للمنية نهاية مما يحتمله من اللذات. ~~والثاني - ان يزاد في البنية والقوة مثل أن يزاد في قوة البصر حتى يرى ~~الجزء الذي لا يتجزء وان لم يزد في اخفاء الانسان. ### || [6.161] # قرأ ابن عامر واهل الكوفة { قيما } بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها. ~~الباقون بفتح القاف مع تشديد الياء. # من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله # وذلك دين القيمة # كأنه قال دين الملة القيمة، ويكون وصفا للدين اذا ms1471 كان نكرة، كما كان ~~وصفا للملة، لان الملة هي الدين. قال ابو الحسن: قال اهل المدينة { دينا ~~قيما } وهي حسنة، ولم اسمعها من العرب. قال ابو الحسن: وهو في معنى ~~المستقيم. # فأما من قرأ بالتخفيف، فانه اراد المصدر، مثل الشبع، ولم يصحح (عوض ~~وحول). قال الزجاج: لانه جاء على (فعل) معتل، وهو (قام) والاصل (قوم، ~~اقوم قوما) قال ابو علي: وكان القياس يقتضى ان يصحح، لكنه شذ عن ~~القياس، كما شذ (اشياء) ونحوه عن القياس نحو (ثيرة) في جمع (ثور) ونحو ~~(جياد) في جمع (جواد) وكان القياس الواو، كما قالوا: طويل وطوال قال ~~الاعشى: # جيادك في الصيف في نعمة تصا # ن الجلال وتعطى الشعيرا # وقوله { دينا قيما } يحتمل نصبه ثلاثة اوجه: # احدها - انه قال { إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } واستغنى بجري ذكر ~~الفعل عن ذكره، فقال { دينا قيما } كما قال { اهدنا الصراط المستقيم }. # والثاني - نصبه على تقدير عرفني، لان هدايتهم اليه تعريف لهم فحمله على ~~عرفني دينا قيما. # وقال الزجاج: معناه عرفني دينا قيما. وان شئت حملته على الاتباع كما قال # اتبعوا ما أنزل # وقال الفراء: هو نصب على المصدر، كأنه قال هداني اهتداء، ووضع { دينا } ~~موضعه. # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول للخلق وخاصة لهؤلاء ~~الكفار { إنني هداني ربي } وقيل في معنى الهداية قولان: # احدهما - قال ابو علي: اراد بالهداية الدلالة وأضافه الى نفسه دونهم، ~~وان كان قد هداهم أيضا، لانه اهتدى دونهم. # وقال غيره: اراد به لطف لي ربي في الاهتداء. # و { إلى صراط مستقيم } قد فسرناه في غير موضع. وانه الطريق الموصل الى ~~ثواب الله من غير اعوجاج، وانما قال { إلى صراط مستقيم } - ها هنا - وقال ~~في موضع آخر # ويهديك صراطا مستقيما # لانه اذا ضمن معنى النهاية دخلت (إلى) واذا لم تضمن لم تدخل (إلى) وصار ~~بمعنى عرفني. والاول بمنزلة ارشدني، وانما كرر (مستقيم، وقيم) ~~للمبالغة، كأنه قال: هو مستقيم على نهاية الاستقامة. وقوله " ملة ابراهيم ~~فالملة الشريعة وهي مأخوذة من الاملاء ms1472 " كأنه ما يأتي به السمع ويورده ~~الرسول من الشرائع المتجددة فيمله على امته ليكتب او يحفظ. # فأما التوحيد والعدل فواجبان بالعقل، ولا يكون فيهما اختلاف. والشرائع ~~تختلف، ولهذا يجوز ان يقال ديني دين الملائكة. ولا يقال ملتي ملة ~~الملائكة. والملة دين، وليس كل دين ملة. # وانما وصف دين النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه ملة ابراهيم ترغيبا فيه ~~للعرب لجلالة ابراهيم في نفوسهم وغيرهم من أهل الاديان. # وقوله { حنيفا } معناه مخلصا لعبادة الله في قول الحسن. واصله الميل من ~~قولهم: رجل احنف اذا كان مائل القدم باقبال كل واحدة منهما على الاخرى من ~~خلقة لا من عارض. وقال الزجاج: الحنيف هو المائل الى الاسلام ميلا لازما ~~لا رجوع معه. وقال ابو علي: اصله الاستقامة. وانما جاء (أحنف) على ~~التفاؤل { وما كان من المشركين } يعني ابراهيم (ع) و { حنيفا } نصب على ~~الحال من (إبراهيم) و { ملة أبيكم } نصب على المصدر - في قول الفراء - ~~وقال الزجاج: هو بدل من قوله { دينا قيما }. ### || [6.162-163] # أسكن الياء من { محياي } أهل المدينة. قال ابو علي الفارسي: اسكان الياء ~~من { محياي } شاذ خارج عن القياس والاستعمال، فشذوذه عن القياس ان فيه ~~التقاء الساكنين، ولا يلتقيان على هذا الحد، وشذوذه عن الاستعمال انك لا ~~تجده في نظم ولا نثر الا شاذا. ووجهه ما حكى بعض البغداديين انه سمع او ~~حكي له: التقت حلقتا البطان باسكان الالف مع سكون لام المعرفة، وحكى ~~غيره: له ثلثا المال وليس هذا مثل قوله # حتى إذا أداركوا فيها # لان هذا في المنفصل مثل دأبه في المتصل. ومثل ما أجاز يونس من قوله: ~~اضربان زيدا، وسيبويه ينكر هذا من قول يونس. قال الرماني: ولو وصله على ~~نية الوقف جاز. # امره ان يقول لهؤلاء الكفار { إن صلاتي ونسكي } وقد فسرنا معنى الصلاة ~~فيما مضى. # وقيل في معنى و { نسكي } ثلاثة أقوال: # احدها - قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: ذبيحتي في الحج ~~والعمرة. وقال الحسن { نسكي } ديني. وقال الزجاج والجبائي { نسكي } ~~عبادتي. قال ms1473 الزجاج: والاغلب عليه امر الذبح الذي يتقرب به الى الله. ~~ويقولون: فلان ناسك بمعنى عابد. وانما ضم الصلاة الى اصل الواجبات من ~~التوحيد والعدل لان فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن ~~التي تدعو الى كل بر، وقرر فيها الركوع والسجود وهما خضوع لله. وفيها ~~التسبيح وهو تنزيه لله. # وقوله { ومحياي ومماتي } يقولون حيي يحيا حياة ومحيا، ومات يموت موتا ~~ومماتا. وانما جعل للفعل الواحد مصادر في الثلاثي لقوته، ولانه الاكثر ~~الاغلب. وانما جمع بين صلاته وحياته، واحدهما من فعله، والآخر من فعل ~~الله، لانهما جميعا بتدبير الله تعالى وان كان احدهما من حيث ايجاده ~~واعدامه لما فيه من الصلاح. ووجه ضم الموت الى اصل الواجب الرغبة الى من ~~يقدر على كشفه الى الحياة في النعيم الدائم بطاعته في اداء الواجبات. # وقوله { لا شريك له } فالشركة هي تلك المساهمة، فلما كان عبدة الاوثان ~~جعلوا العبادة على هذه الصفة كانوا مشركين في عبادة الله، فأمر الله ان ~~ينفي عنه هذا الشرك ويقول { لا شريك له }. والمعنى لا يستحق العبادة ~~سواه. ثم امره بأن يقول اني أمرت بذلك يعني بنفي الاشراك مع الله وتوجيه ~~العبادة اليه تعالى وحده { وأنا أول المسلمين } قال الحسن: معناه اول ~~المسلمين من هذه الامة. وبه قال قتادة وبين ذلك لوجوب اتباعه (صلى الله ~~عليه وسلم) ولبيان فضل الاسلام اذا كان اول مسارع اليه نبينا (صلى الله ~~عليه وسلم) ومعنى الآية وجوب نفي الشرك عن الله ووجوب اعتقاد بطلانه ~~واخلاص العبادة اليه تعالى. ### || [6.164] # امر الله تعالى نبيه ان يخاطب هؤلاء الكفار، ويقول على وجه الانكار ~~لفعلهم { أغير الله أبغي } أي أتخذ { ربا } معبودا؟! فالكلام خرج ~~مخرج الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه لا جواب لصاحبه الا بما هو ~~قبيح، لان تقديره ايجوز أن اطلب الضر والنفع بعبادتي ممن هو مربوب مثلي؟! ~~عادلا بذلك عن رب كل شيء وليس بمربوب؟! أم هذا قبيح في العقول؟ وهو لازم ~~لكم على عبادة الاوثان. والرب اذا أطلق افاد المالك لتصريف الشيء ms1474 بأتم ~~التصريف واذا أضيف فقيل رب الدار، ورب الضيعة، فمعناه المالك لتصريفه ~~بأتم تصريف العباد واصله التربية وهي تنشئة الشيء حالا بعد حال حتى يصير ~~الى الكمال. ثم صرف الى معنى الملك لهذه الاحوال من الشيء وما جرى ~~مجراها. والفرق بين الرب والسيد، أن السيد هو المالك لتدبير السواد ~~الاعظم، والرب المالك لتدبير الشيء حتى يصير الى الكمال مع اجرائه على ~~تلك الحال. # وقوله { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } معناه لا يكون جزاء عمل كل نفس الا ~~عليها. ووجه اتصاله بما قبله أنه لا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم ~~عليه من ذلك، لانه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له، لانه { لا تزر وازرة ~~وزر أخرى } وقيل: ان الكفار قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) اتبعنا، ~~وعلينا وزرك ان كان خطأ، فأنزل الله الآية. وفيها دلالة على فساد قول ~~المجبرة من وجهين: # احدهما - ان قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يدل على انه لا يعذب الطفل ~~بكفر أبيه. # والثاني - أنه لا يعذب احدا بغير ذنب كان منه، لانهما سواء في أن كل ~~منهما مستحق. وتقول: وزر يزر وزرا، ووزر، يوزر، فهو موزور، وكله ~~بمعنى الاثم. والوزر الملجأ. ومنه قوله # كلا لا وزر # فحال الموزور كحال الملتجىء من غير ملجأ. ومنه الوزير لان الملك يلتجيء ~~اليه في الامور. وقيل: أصله الثقل، ومنه قوله # ووضعنا عنك وزرك # وكلاهما محتمل { ثم إلى ربكم مرجعكم } يعني مالككم ومصيركم الى الله في ~~يوم لا يملك فيه الامر غيره تعالى. # وقوله { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } معناه انه يخبركم بالحق فيما ~~اختلفتم فيه من الباطل، فيظهر المحسن من المسيء بما يزول معه الشك، ~~والارتياب ويقع معه الندامة في وقت قد فات فيه استدراك الخطيئة، فمعنى ~~الآية الحجة على ان كل شيء سوى الله فالله ربه من كل وجه يصح منه ~~الربوبية، وفيها دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يعذب على غير ذنب. ### || [6.165] # اخبر الله تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الارض، ms1475 ومعناه ان كل اهل عصر ~~يخلفون اهل العصر الذي قبله كلما مضى واحد خلفه آخر على انتظام واتساق ~~وذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ: # تصيبهم وتخطيني المنايا # وأخلف في ربوع عن ربوع # وواحد الخلائف خليفة، مثل صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، ووصيفة ووصائف، ~~هذا قول الحسن والسدي. وقال قوم: معناه انه جعلهم خلفاء الجان قبل آدم. ~~وقال آخرون معناه والمراد به امة نبينا (صلى الله عليه وسلم) لان الله ~~جعلهم خلفاء سائر الامم. # وقوله { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } وجه الحكمة في ذلك مع انه يخلقهم ~~كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم ما فيه من الالطاف ~~الداعية الى الواجبات والصارفة عن القبائح، لان من كان غنيا في ماله ~~شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك الى طاعة من يملكها رغبة فيها. ~~والحال في أضدادها ربما كان دعته الى طاعته رهبة منها ومن أمثالها ورجاء ~~أن ينقل عنها الى حال جليلة يغتبط عليها. وقال السدي: رفع بعضهم فوق بعض ~~في الرزق وقوة الاجسام وحسن الصورة، وشرف الانسان. وغير ذلك بحسب ما علم ~~من مصالحهم. وقوله { درجات } يحتمل نصبه ثلاثة أشياء: # احدها - ان يقع موقع المصدر كأنه قال رفعة فوق رفعة. # الثاني - الى درجات، فحذفت (الى) كما في قولهم: دخلت البيت، وتقديره ~~دخلت الى البيت. # الثالث - أن يكون مفعولا من قولك: ارتفع درجة ورفعته درجة مثل اكتسى ~~ثوبا وكسوته ثوبا. # وقوله { ليبلوكم فيما آتاكم } معناه فعل بكم ذلك ليجزيكم فيما أعطاكم. ~~والقديم تعالى لا يبتلي خلقه ليعلم ما لم يكن عالما به، لانه تعالى عالم ~~بالاشياء قبل كونها. وانما قال ذلك، لانه يعامل معاملة الذي يبلو، مظاهرة ~~في العدل. وانتفاء من الظلم. # وقوله { إن ربك سريع العقاب } انما وصف نفسه بأنه سريع العقاب مع وصفه ~~تعالى بالامهال ومع ان عقابه في الآخرة من حيث كان كل آت قريبا، فهو اذا ~~سريع، كما قال # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # وقد يكون ms1476 سريع العقاب بمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير الواقع في ~~الخطيئة على هذه الجهة. وقيل معناه انه قادر على تعجيل العقاب، فاحذروا ~~معاجلته. وانما قابل بين العقاب والغفران ولم يقابل بالثواب، لان ذلك ~~ادعى الى الاقلاع عما يوجب العقاب، لانه لو ذكر الثواب لجاز ان يتوهم انه ~~لمن لم يكن فيه عصيان. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-2] # قد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف ~~المقطعة، وقلنا: ان الاقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، وهو قول ~~الحسن والبلخي والجبائي، واكثر المحصلين. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي ~~اختصار من كلام لا يفهمه الا النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الشاعر: # فادوهم أن الجموا ألا تا # قالوا جميعا كلهم ألافا # يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا. وبني قوله { المص } على السكون في الوصل ~~مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لانه يجزي على ~~تفصيل الحروف، للفرق بينها وبين ما وصل للمعاني، وكأن مجموع الحروف يدل ~~على معنى واحد، ومتى سميت رجلا ب (المص)، وجبت الحكاية. فان سميته ب ~~(صاد) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، وقاف، لهما نظير في الاسماء ~~المفردة، مثل، باب، وناب، ونار. وليس كذلك (المص) لانه بمنزلة الجملة، ~~وليس له نظير في المفرد. وانما عد الكوفيون { المص } آية، ولم يعدوا (ص) ~~لان { المص } بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، ~~فلما اجتمع هذان السببان، وكل واحد منهما يقتضي عده عدوه. ولم يعدوا ~~(المر) لان آخره لا يشبه المردف. ولم يعدوا (ص) لانه بمنزلة اسم مفرد، ~~وكذلك (ق) و (ن). # وانما سميت السورة بالحروف المعجمة، ولم تسم بالاسماء المنقولة لتضمنها ~~معاني أخرى مضافة الى التسمية، وهو أنها فاتحة لما هو منها، وأنها فاصلة ~~بينها وبين ما قبلها، ولانه يأتي من التأليف بعدها ما هو معجز مع انه ~~تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها. # وقيل في موضع (المص) من الاعراب قولان: # اولهما - انه رفع بالابتداء ms1477 وخبره كتاب، او ان يكون على هذه (المص) في ~~قول الفراء. # الثاني - لا موضع له، لانه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: ~~أنا الله أعلم وافصل - اختاره الزجاج. # وقوله { كتاب أنزل إليك } قيل في العامل في قوله { كتاب } ثلاثة أقوال: # أحدها - هذا كتاب، فحذف لانها حال اشارة وتنبيه. # الثاني - { المص كتاب } على أنه اسم للسورة وكتاب خبره. # وقال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لانها قبله، كأنك قلت الالف واللام ~~والميم والصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) ~~عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث ثمانية وعشرون حرفا. وكذلك ~~تقول قرأت الحمد، فصار اسما لفاتحة الكتاب. # وقوله { فلا يكن في صدرك حرج } يحتمل دخول الفاء وجهين: # احدهما - أن يكون عطفا وتقديره اذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في ~~صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى اذا. # والثاني - ان النهي وان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن ~~التعرض للحرج، وجاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لا ينهى، وكان مخرج له ~~برده الى نهي المخاطب ابلغ، لما فيه من أن الحرج لو كان مما ينهي له ~~لنهيناه عنك، فأنته انت عنه بترك التعرض له. # وقيل في معنى الحرج في الآية ثلاثة أقوال: # قال الحسن: معناه الضيق أي لا يضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم، ~~بحقه، وانما أنزل اليك لتنذر به. الثاني - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والسدي: ان معناه الشك ها هنا والمعنى لا تشك فيما يلزمك له فانما أنزل ~~اليك لتنذر به. # الثالث - قال الفراء: لا يضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال - عز وجل - ~~{ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا }. # وقوله { لتنذر به } يعني لتخوف بالقرآن. وقال الفراء والزجاج واكثر أهل ~~العلم: هو على التقديم والتأخير، وتقديره أنزل اليك لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين، والذكرى مصدر ذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير وفيه ~~مبالغة، ومثله الرجعى، وقيل في موضعه ثلاثة أقوال: # أولها - النصب على ms1478 أنزل، للانذار وذكرى، كما تقول جئتك للاحسان وشوقا ~~اليك. # الثاني - الرفع بتقدير وهو ذكرى. # الثالث - قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر وذكرى. قال ~~الرماني: هذا ضعيف، لانه لا يجوز ان يحمل الجر على التأويل، كما لا يجوز ~~مررت به وزيد. ### || [7.3] # قرأ حمزة، والكسائي وحفص { تذكرون } بتخفيف الذال بتاء واحدة. الباقون ~~بالتشديد الا ابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء وتاء، قال الزجاج: التخفيف ~~على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا ~~استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول ~~بمعنى الاستقبال، لا يجوز حذفها، والثانية يدل عليها تشديد العين. # ومن قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب ~~مخرجهما، لان التاء مهموسة والذال مجهورة. والمجهورة أزيد صوتا وأقوى من ~~المهموس فحسن ادغام الانقص في الازيد. ولا يسوغ ادغام الا زيد في الانقص، ~~ألا ترى ان الصاد وأختيها لم يدغمن في مقاربهن لما فيهن من زيادة ~~الصفير. # وقراءة ابن عامر بالياء والتاء: انه مخاطبة للنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب. # قوله { اتبعوا } خطاب من الله للمكلفين وأمر منه بأن يتبعوا ما أنزل ~~عليهم من القرآن. ويحتمل ان يكون المراد قل لهم يا محمد: اتبعوا ما أنزل ~~اليكم، لانه قال قبل ذلك { لتنذر به } وكان الخطاب متوجها اليه. ~~والاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول وتدبيره، فالاول امام والثاني مؤتم. ~~والفرق بين الإتباع والاتباع ان احدهما يتعدى الى مفعول، والثاني ~~يتعدى الى مفعولين، تقول: اتبعت زيدا وأتبعت زيدا عمرا. ووجوب الإتباع ~~فيما أنزل الله يدخل فيه الواجب والندب والمباح، لانه يجب ان يعتقد في كل ~~جنس ما أمر الله به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه. # وقوله { ولا تتبعوا من دونه أولياء } نهي من الله ان يتبعوا من دون الله ~~ويتخذوا أولياء. وأولياء جمع ولي وهو ضد العدو، وهو يفيد الاولى ويفيد ~~الناصر وغير ذلك مما بيناه فيما مضى. # وقوله { قليلا ما تذكرون } معناه ms1479 الاستبطاء في التذكر، وخرج مخرج الخبر ~~وفيه معنى الامر، ومعناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، وما ~~أوجبه الله عليكم. واخبر انهم قليلا ما يتذكرون و (ما) زائدة، وتذكر ~~معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شيء مثل تفقه وتعلم، ويقال: تقيس اذا ~~انتمى الى قيس، ولم يكن منهم، لانه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شيء. ### || [7.4] # (كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. وانما كان كذلك، لان (رب) ~~حرف، و (كم) اسم. والتقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى ~~التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول الى بيان المجيب ~~والخبر الى بيان المخبر، وانما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر ~~او يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، ف (كم) مبهمة قال الفرزدق: # كم عمة لك يا جرير وخالة # فدعاء قد حلبت علي عشاري # فدل ب (كم) على كثرة العمات، وموضع (كم) في الآية رفع بالابتداء وخبرها ~~(أهلكناها) ولو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله # إنا كل شيء خلقناه بقدر # والاول أجود. # اخبر الله تعالى - على وجه الترهيب للكفار والايعاد لهم - أنه اهلك ~~كثيرا من القرى، يعني أهلها بما ارتكبوه من معاصيه، والكفر به، وانه أنزل ~~عليهم بأسه، يعني عذابه { بيانا } يعني في الليل { أو هم قائلون } يعني ~~في وقت القيلولة، وهو نصف النهار. وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته ~~منه باعفائي اياه من عقده، وقلت اذا استرحت الى النوم، في وسط النهار: ~~القائلة. والاخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين ~~بالذكر. # وقيل في دخول الفاء في قوله { فجاءها بأسنا بياتا } ثلاثة أقوال: # أحدها - أهلكناها في حكمنا { فجاءها بأسنا } وقد قيل: هو مثل زرني ~~واكرمني فان نفس الاكرام هي الزيارة، قال الرماني: وليس هذا مثل ذلك، لان ~~هذا انما جاز لانه قصد الزيارة. ثم الاكرام بها. # والثاني - قال قوم { أهلكناها فجاءها بأسنا } أي فكان صفة اهلاكنا أن ~~جاءهم بأسنا. # والثالث - أهلكناها فصح انه جاءها بأسنا. وقال الفراء الفاء بمعنى ~~الواو، ms1480 وقال الرماني: هذا لا يجوز، لانه نقل للحرف عن معناه بغير دليل. ~~وقال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا ~~عقوبة على المعصية، وهذا لا يجوز لانه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من ~~طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها. # وقوله { أو هم قائلون } قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، وتقديره أو { ~~وهم قائلون } وانما حذفت استخفافا. وقال الزجاج وجميع البصريين لا يحتاج ~~الى ذلك، لانه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاءني زيد راجلا ~~او هو فارس، او جاءني زيد هو فارس لم يحتج الى واو، لان الذكر قد عاد على ~~الاول. # فمعنى الآية ان الله اهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، وحذر من ~~ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل ما نزل بهم. ### || [7.5] # اخبر الله تعالى انه لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكهم عقوبة على معاصيهم ~~وكفرهم في الوقت الذي جاءهم بأس الله، وهو شدة عذابه، ومنه البؤس شدة ~~الكفر. والبئس الشجاع لشدة بأسه، وبئس من شدة الفساد الذي يوجب الذم. { ~~إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم واقرارهم ~~به، وكان هذا القول منهم عند معاينة البأس واليقين بأنه نازل بهم، ويجوز ~~ان يكون قالوه حين لابسهم طرف منه، لم يهلكوا منه، و (دعواهم) خبر كان ~~واسمها { أن قالوا } وهو بمعنى قولهم، وهما معرفتان يجوز ان يجعل كل واحد ~~منهما اسما والآخر خبرا، كما قال { ما كان حجتهم إلا أن قالوا } بالرفع، ~~والنصب، وانما قدم الخبر على الاسم، لان الثاني وقع موقع الايجاب، والاول ~~موقع النفي، والنفي احق بالخبر. # والدعوى، والدعاء واحد. وفرق قوم بينهما بأن في الدعوى اشتراكا بين ~~الدعاء والإدعاء المال وغيره، واصله الطلب قال الشاعر: # ولت ودعواها كثير صخبه # أي دعاؤها، ويجوز ان يقال: اللهم اشركنا في دعوى المسلمين يريد دعاء ~~المسلمين حكاه سيبويه، قال الشاعر: # وان مذلت رجلي دعوتك اشتفي # بدعواك من مذل بها فيهون # معنى مذلت اي خدرت. ### || [7.6-7] # الفاء في قوله ms1481 { فلنسئلن الذين } عطف جملة على جملة، وقد يكون لهذا، وقد ~~يكون لعطف مفرد على مفرد، وقد يكون للجواب. وانما دخلت الفاء وهي موجبة ~~للتعقيب مع تراخي ما بين الاول والثاني، وذلك يليق ب (ثم) لتقريب ما ~~بينهما، كما قال # اقتربت الساعة # وقال # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # وقال # أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم # وبينهما بعد. # والنون في قوله { فلنسألن } نون التأكيد يتلقى بها القسم، وانما بني ~~المضارع مع نون التأكيد، لانه انما دخلت عليه طلبا للتصديق، كما ان ~~الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد وتثبت مع الفعل، لان هذه ~~الزيادة التي لا تكون للاسم باعدته كما باعدت الالف واللام ما لا ينصرف ~~من الفعل، فانصرف. # أقسم الله تعالى في هذه الآية انه يسأل المكلفين الذين ارسل اليهم رسله ~~واقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن ~~الابلاغ ويسأل اولئك عن الامتثال، وهو تعالى وان كان عالما بما كان منهم، ~~فانما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك ~~السؤال. # وحقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، وحقيقة الاستخبار طلب الخبر ~~بأداته في الكلام. # وقوله { فلنقصن عليهم بعلم } قسم آخر، واخبار منه تعالى انه يقص عليهم ~~بما عملوه فانه علم جميع ذلك. وانما ذكره بنون الجمع لاحد أمرين: # احدها - ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف الى ~~أوليائهم. # والثاني - ان الملائكة تقص عليهم بأمر الله. # وقال ابن عباس نقص عليه بما نجده في كتاب عمله. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " ان الله يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه وبينه ترجمان " # والقص ما يتلو بعضه بعضا. ومنه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، ومنه ~~القصة من الشعر، والقصة من الكتاب، ومنه القصاص لانه يتلو الجناية في ~~الاستحقاق، ومنه المقاصة في الحق، لانه يسقط ما له قصاصا بما عليه. وانما ~~دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، ms1482 لانها تؤذن بطلب ~~الفعل الذي تدخل فيه نحو (لأكرمن زيدا) فان فيه طلب الاكرام بأداته، ~~فالتصديق بالقسم، ولهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، وفتحت هذه ~~النون ما قبلها في جمع المتكلم، ولم تفتحه في الغائب، لان الضمة يجب ان ~~تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصن) بالياء وليس كذلك المتكلم، ~~لانه لا واو فيه. # ومعنى قوله { بعلم } قيل فيه وجهان: احدهما بأنا عالمون، والآخر بمعلوم، ~~كما قال # ولا يحيطون بشيء من علمه # أي من معلومه، ووجه المسألة له والقصص عليهم أنه سؤال توبيخ وتقريع ~~للضالين، وسؤال تذكير وتنبيه للمؤمنين، فبمقدار ما يغتم أولئك يسر ~~هؤلاء. # ثم يسأل الرسل لان من الامم من يجحد، فيقول ما جاءنا من بشير ولا نذير، ~~ومنهم من يقول: والله ربنا ما كنا مشركين. # فان قيل كيف يجمع بين قوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # وقوله { فلنسألن الذين أرسل إليهم }؟ # قلنا فيه قولان: احدهما - انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد واستعلام ~~وانما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت. الثاني - تنقطع المسألة عند حصولهم في ~~العقوبة، كما قال # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # وقال في موضع آخر # وقفوهم إنهم مسئولون # والوجه ما قلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فاذا دخلوها ~~انقطع سؤالهم. والسؤال في اللغة على اربعة اقسام: # احدها - سؤال استرشاد واستعلام، كقولك؟ اين زيد؟، ومن عندك؟ وهذا لا ~~يجوز عليه تعالى. # والثاني - سؤال توبيخ وتقريع، وهو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك ~~فكفرت نعمتني؟؟ ألم اعطيك فجحدك عطيتي؟!. ومنه قوله تعالى # ألم أعهد إليكم # وقوله # ألم يأتكم رسل # وقوله # ألم تكن آياتي تتلى عليكم # وقال الشاعر: # ألستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح # ولو كان سائلا لما كان مادحا، وقال العجاج: # اطربا وانت قنسري # معنى قنسري كبير السن، وهذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر والشيب. # الثالث - سؤال التحضيض وفيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، وألا تضرب زيدا ~~أي قم واضرب زيدا. # والرابع - سؤال تقرير بالعجز ms1483 والجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب؟ وهل ~~تعرف ما يكون غدا؟ وهل تقدر ان تمشي على الماء؟ وكما قال الشاعر: # وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر # المعنى وليس يصلح العطار ما أفسد الدهر، فاذا ثبت ذلك فقوله # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # وقوله # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # المراد به لا يسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم، لانه ~~تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم. واما قوله { فنسألن الذي أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين } وقوله # فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون # فهو مسألة توبيخ وتقريع، كقوله # ألم أعهد إليكم # وسؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ ولا تقريع لكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم ~~أيضا. واما قوله # فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتسائلون # فمعناه سؤال تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، ~~كما قال # لكل امرىء منهم يومنذ شأن يغنيه # وقوله # وأقبل بعضهم على بعض يتسألون # فهو سؤال توبيخ وتقريع وتلاوم، كما قال # فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون # وكقوله # أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم # وقوله # ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار # وهذا كثير في القرآن، وليس في شيء من ذلك تضاد بين المسألتين، ولا تنافي ~~بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شيء آخر ومثله قول الشاعر: # فأصبحت والليل لي ملبس # واصبحت الارض بحراطما # فقوله: واصبحت والليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لانه لو أراد لما نفاه ~~ب (والليل لي ملبس) وانما أراد اصبحت بمعنى اشعلت المصباح وهو السراج أي ~~اسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين. # وقوله { وما كنا غائبين } فالغائب البعيد عن حضرة الشيء، ومعناه في ~~الآية انه لا يخفى عليه شيء وذلك يدل على انه ليس بجسم، لانه لو كان جسما ~~على العرش على ما يذهب اليه المجسمة لكان غائبا عما في الارضين السفلى، ~~لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا. ### || [7.8-9] # ارتفع قوله { والوزن } بالابتداء، وخبره { الحق } ، وهو الوجه المختار. ~~وقال الفراء: يجوز ان يكون خبره ms1484 { يومئذ } وينصب { الحق } على المصدر. ~~وتقديره والوزن يومئذ - يعني في يوم القيامة - حقا، فينصب الحق وان كان ~~فيه الالف واللام، كما قال # فالحق والحق أقول # والوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالآخر حتى يظهر مقداره، وقد ~~استعمل في غير ذلك تشبيها به، منها وزن الشعر بالعروض، ومنها قولهم: ~~فلان يزن كلامه وزنا قال الاخطل: # واذا وضعت أباك في ميزانهم # رجحوا وشال ابوك في الميزان # وقيل في معنى الوزن في الآية أربعة أقوال: # قال الحسن: موازين الآخرة لها كفتان فالحسنات والسيئات توضعان فيهما ~~وتوزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، وهو ~~قول عبد الله بن عمر. وقال ابو علي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة ~~السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، وذهب عبيد بن عمير الى انه يوزن ~~الانسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلا يزن جناح بعوضة. وقال مجاهد: ~~الوزن عبارة عن العدل في الآخرة وانه لا ظلم فيها على أحد، وهو قول ~~البلخي وهو أحسن الوجوه، وبعده قول الجبائي. ووجه حسن ذلك - وان كان الله ~~تعالى عالما بمقادير المستحقات - ما فيه من المصلحة في دار التكليف وحصول ~~الترهيب به والتخويف. # وقوله { يومئذ } يجوز في { يومئذ } الاعراب والبناء، لان اضافته الى ~~مبني اضافة غير محضة تقربه من الاسماء المركبة، واضافته الى الجملة تقربه ~~من الاضافة الحقيقة. ونون يومئذ لانه قد قطع عن الاضافة اذ شأن التنوين ~~ان يعاقبها، وقد قطع (اذ) في هذا الموضع عنها. # و (الحق) وضع الشيء موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. وقد استعمل مصدرا على ~~هذا المعنى وصفة، كما جرى ذلك في العدل، قال الله تعالى # ذلك بأن الله هو الحق # فجرى على طريق الوصف. # وقوله { فمن ثقلت موازينه } فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ~~ونقيضه الخفة، وهي اعتماد لازم علوا، ومثلت الاعمال بهما لما ذكر من ~~المقارنة. والمعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب الله. ~~ومن قلت طاعاته { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } بأن استحقوا عذاب الابد ~~جزاء على ما كانوا يظلمون ms1485 أنفسهم بجحود آياتنا وجحتنا. # وقوله { موازينه } فالموازين جمع ميزان، وأصله من الواو، وقلبت ياء ~~لسكونها وانكسار ما قبلها. ولم يقلب في (خوان) لتحركها وأنها لم تجر على ~~فعل لها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن اعظم رأس المال النفس، فاذا أهلك ~~نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. وظلمهم بآيات الله مثل كفرهم بها وجحدهم ~~اياها. ### || [7.10] # روى خارجة عن نافع همز { معايش } وروي ذلك عن الاعمش، وعبد الرحمن ~~الاعرج. الباقون غير مهموز. # وعند جميع النحويين أن { معايش } لا يهمز، ومتى همز كان لحنا، لان الياء ~~فيها اصلية، لانه من عاش يعيش، ولم يعرض فيها علة كما عرض في (اوائل) وهي ~~في (مدينة) زائدة علة لا تدخلها الحركة كما لا تدخل الالف، ومثله (مسألة، ~~ومسائل، ومنارة ومنائر، ومقام ومقاوم) قال الشاعر: # واني لقوام مقاوم لم يكن # جرير ولا مولى جرير يقومها # ووزنه (مفعلة) مثل مسورة ومساور، ومن همزها اعتقدها (فعيلة) على وزن ~~(صحيفة) فجمعها على (فعائل) مثل (صحائف) وذلك غلط، لان الياء أصلها ~~لقولهم عاش يعيش عيشا ومعيشة. قال ابو علي من همز (مدائن) لم يجعله ~~(مفعلة) ولكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، ولا يجوز ان يكون (مفعلة) من ~~دان يدين، ومن أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء. واعتل ~~(معيشة) لانه على وزن (يعيش) وزيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج ~~الى الفصل بين الاسم والفعل، كما احتيج اليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو ~~الهمزة في (أجاد) و (هو أجود منك)، وموافقة الاسم لبناء الفعل توجب في ~~الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلوا (بابا) و (دارا) لما كانا على وزن ~~الفعل. وصححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لما لم تكن على مثال الفعل، ~~ف (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، وتكسيرها يزيل ~~مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للاعلال في الواحد ~~وفى الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان ~~التكسير معنى لا يكون في الفعل، وانما يختص الاسم به، فاذا ms1486 زالت مشابهة ~~الفعل وجب تصحيحه. # ومن همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) ومثله جاء في جمع ~~(مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) وانما هو ~~(مفعلة) وحكى يعقوب: مسيل وميسل، فالميم على هذا فاء ومسيل (فعيل)، وعلى ~~الاول (مفعل) من سال. # قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا: أقب ~~في (وقب) وهذا ان وقع في أول الكلام. وقد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، ~~فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة. # ويقال: عاش فلان بمعنى حيي، وطيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة ~~مضمنة بالحياة. وحد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب المطعم ~~والمشرب والملبس الى ما فيه الحياة. # اخبر الله تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده ~~في الارض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، والتمكين اعطاء ما يصح معه الفعل ~~مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج الى القدرة فقد يحتاج الى آلة والى ~~سبب، كما يحتاج الى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك. # والارض هذه الارض المعروفة، وفى الأصل عبارة عن قرار يمكن أن يتصرف عليه ~~الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة. # وقوله { وجعلنا لكم فيها معايش } فالجعل وجود ما به يكون الشيء على خلاف ~~ما كان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لانك فعلت فيه الحركة، ونظيره ~~التصيير والعمل،. وجعل الشيء أعم من حدوثه، لانه قد يكون بحدوث غيره فيه ~~مما يتغير به. # وقوله { قليلا ما تشكرون } نصب قليلا ب { تشكرون } ، وتقديره تشكرون ~~قليلا. و (ما) زائدة. ويحتمل ان تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره ~~قليلا شكركم. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والحمد ~~مثله. وقيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، لان الانسان ~~يحمد على احسانه الى نفسه، ولا يشكر عليه، كما انه يذم على اساءته الى ~~نفسه، ولا يجوز ان يكفر من اجل اساءته الى نفسه. ms1487 ### || [7.11] # هذا خطاب من الله تعالى لخلقه بأنه خلقهم. والخلق هو احداث الشيء على ~~تقدير تقتضيه الحكمة، لا زيادة على ما تقتضيه، فيخرج الى الاسراف، ولا ~~ناقص عنه فيخرج الى الاقتار. وقد استوفينا اختلاف الصور، والصورة بنية ~~مقومة على هيئة ظاهرة. # وقوله { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } فالسجود هو وضع الجبهة على ~~الارض واصله الانخفاض من قول الشاعر: # ترى الا كم فيها سجدا للحوافر # وقيل فى معنى السجود لآدم قولان: # احدهما - انه كان تكرمة لآدم وعبادة لله، لان عبادة غير الله قبيحة لا ~~يأمر الله بها. وعند اصحابنا كان ذلك دلالة على تفضيل آدم على الملائكة ~~على ما بينا في سورة البقرة. وقال أبو علي الجبائي: امروا ان يجعلوه ~~قبله، وأنكر ذلك بكر بن أحمد بن علي الاخشاد بأن قال: هو تكرمة. لأن الله ~~تعالى امتن به على عباده، وذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال { ثم قلنا ~~للملائكة } مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا وتصويرنا؟ # قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة: # احدها - قال الحسن وابو علي الجبائي: المراد به خلقنا اياكم ثم صورنا ~~اياكم. ثم قلنا للملائكة، وهذا كما يذكر المخاطب ويراد به أسلافه، وذكرنا ~~لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور # أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدائا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم ~~صورناه، ثم قلنا. # الثاني - قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والضحاك والسدي: ان المعنى ~~خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة. # الثالث - خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كم ~~تقول: اني راحل ثم اني معجل. وقال الاخفش (ثم) ها هنا بمعنى الواو، كما ~~قال { ثم الله شهيد على ما تعملون } ومثله قوله # ثم كان من الذين آمنوا # على قول بعض المتأخرين معناه وكان من الذين آمنوا، ومثله # استغفروا ربكم ثم توبوا إليه # على بعض الاقوال معناه وتوبوا اليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع ~~النحويين. وقال الشاعر: # سألت ربيعة من خيرها # ابا ثم اما فقالوا ms1488 لمه # معناه سألت اولا عن الاب ثم الام. وقال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور ~~آبائكم ثم صورناكم في بطون امهاتكم. وقال قوم: في الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ~~ثم صورناكم. ### || [7.12] # هذا حكاية لما كان من خطاب الله لابليس حين امتنع من السجود لادم، انه ~~قال له { ما منعك } بمعنى اي شيء منعك { أن لا تسجد } وفيه ثلاثة أقوال: # احدها - ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كما قال # لئلا يعلم أهل الكتاب # ومعناه ليعلم، كقوله { لا أقسم بيوم القيامة } وكقوله { فلا أقسم بمواقع ~~النجوم } وكما قال الشاعر: # أبى جوده لا البخل واستعجلت به # نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله # معناه أبى جوده البخل، وروى أبو عمرو بن العلا: أبى جوده لا البخل ~~بالجر، كأنه قال ابى جوده كلمة البخل، ورواه كذا عن العرب. وقال الزجاج: ~~فيه وجه ثالث لا البخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول ~~(لا) فقال نعم. وهي حكاية في كل هذا. # الثاني - انه دخله معنى ما دعاك ان لا تسجد. # الثالث - معنى { ألا تسجد } ما الحال ان لا تسجد أو ما أحوجك. وقال ~~الفراء لما تقدم الجحد في اول الكلام أكد بهذا، كما قال الشاعر: # ما ان رأينا مثلهن لمعشر # سود الرؤوس فوالج وفيول # ف (ما) للنفي و (ان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا. # فان قيل كيف قال { ما منعك } ولم يكن ممنوعا؟! # قلنا: لان الصارف عن الشىء بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي اليه ~~بمنزلة الحامل عليه. # وقوله { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } حكاية لجواب ابليس ~~حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بما قال، وهذا الجواب غير ~~مطابق لانه كان يجب أن يقول معنى كذا، لان قوله { أنا خير منه } جواب لمن ~~يقول أيكما خير، ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل ~~لغيره: كيف كنت، فيقول أنا صالح، وكان يجب أن يقول كنت صالحا ms1489 لكنه جاز ~~ذلك، لأنه أفاد انه صالح في الحال مع ما كان صالحا فيما مضى. ووجه دخول ~~الشبهة عليه في أنه خلقه من نار وخلق آدم من طين أنه ظن أن النار اذا ~~كانت أشرف لم يجز أن يسجد الأشرف للأدون، وهذا خطأ، لأن ذلك تابع لما ~~يعلم الله من مصالح العباد، وما يتعلق به من اللطف لهم، ولم يكن ذلك ~~استخفافا بهم بالاعمال. # وقد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لأنها أكثر منفعة للخلق من ~~حيث أن الأرض مستقر الخلق وفيها معايشهم، ومنها تخرج أنواع أرزاقهم لان ~~الخيرية في الأرض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة ~~الثواب، لان الثواب لا يكون إلا للمكلف المأمور، وهذان جمادان. # وعلى ما يذهب اليه أصحابنا أن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة وكان ~~ذلك مستحقا، فلذلك أسجد الله الملائكة له. # فإن قيل: لم اعترض إبليس على الله مع علمه أنه لا يفعل إلا الحكمة؟ # قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه اعترض كما يعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من ~~غير فكر في العاقبة. # والثاني - أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. وعلى ما نذهب اليه من أنه ~~لم يكن عرف الله قط سقطت الشبهة. # واستدل أيضا بهذه الآية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لا شىء أبعد ~~الى الحيوان من الجماد، فاذا جاز أن ينقلب الطين حيوانا وإنسانا جاز ~~أن ينقلب الى كل حال من أحوال الجواهر، لأنه لا فرق بينهما في العقل. # واستدل أيضا بهذه الآية على أن الأمر من الله يقتضي الايجاب بأن الله ~~تعالى ذم إبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلو كان الأمر يقتضي ~~الندب لما استحق العيب بالمخالفة وترك الامتثال، والامر بخلاف ذلك في ~~الآية. ### || [7.13] # قوله { قال فاهبط منها } حكاية لقول الله تعالى لابليس وأمره إياه أن ~~يهبط منها، وما بعد القول وإن كان استئنافا والفاء لا يستأنف بها وانما ~~يكون كذلك، لأن ما قيل له بعد جوابه الذي أجاب به، ms1490 فهو حكاية ما كان من ~~الكلام له الثاني بعد الاول. # والهبوط والنزول واحد. وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله الى جهة ~~السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لأنه كالانحدار في المرور الى ~~جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر: # كل بني حرة مصيرهم # قل وإن أكثروا من العدد # إن يغبطوا يهبطوا وإن # أمروا يوما فهم للفناء والفند # وقيل في الضمير الذي في قوله { منها } قولان: # احدهما - قال الحسن: إنه كناية عن السماء، لأنه كان في السماء فاهبط ~~منها. # الثاني - قال أبو علي: كناية عن الجنة. # فان قيل من أين علم ابليس أن الله تعالى قال له هذا القول؟ # قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال ابو علي: إنه قال له على لسان بعض ~~الملائكة. # الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك. # وقوله { فما يكون لك أن تتكبر فيها } معناه ليس لك أن تتكبر فيها، ~~والتكبر إظهار كبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العباد ذم، وفي ~~صفة الله مدح، كما قال تعالى # الجبار المتكبر # فالجبار القاهر لجميع الاشياء. والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من ~~جميع الاشياء. وقوله { فاخرج إنك من الصاغرين } أمر من الله لابليس ~~بالخروج، لأنه من الصاغرين. والصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر ~~صغرا وصغارا، وتصاغرت اليه نفسه ذلا ومهانة، والأصل الصغر. ### || [7.14-15] # في الآية الأولى حكاية عن إبليس أنه سأل الله تعالى أن ينظره. والانظار ~~الامهال الى مدة فيها النظر في الأمر طال أمر قصر. والانظار والامهال ~~والتأخير والتأجيل نظائر في اللغة، وبينها فرق. وضد الامهال الاعجال. ~~وأصل الانظار المقابلة، وهي المناظرة. و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، ~~ونظر اليه بعينه أى قابله لينظر له ونظر اليه بيده، ليظهر له حال في ~~اللين والخشونة أو الحرارة والبرودة. # وقوله { إلى يوم يبعثون } مدة للانظار الذي طلبه. والبعث الاطلاق في ~~الامر، والانبعاث الانطلاق. والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر. # ويجوز في { يوم يبعثون } ثلاثة أوجه من العربية: بالجر وترك التنوين على ~~الاضافة، والجر مع التنوين على الصفة. ms1491 والفتح وترك التنوين على البناء. ~~وليس بالوجه، لان الفعل معرب. # والوجه في مسألة إبليس الانظار - مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه - ~~علمه بأن الله يظاهر الى عباده بالاحسان، ويعمهم بفضله وإنعامه، فلم ~~يصرف ارتكابه المعصية وإصراره على الخطيئة عن المسألة طامعا في ~~الاجابة، وعن انس من بلوغ المحبة. # وقيل في قوله { قال إنك من المنظرين } هل فيه إجابة الى ما التمسه أم ~~لا؟ # فقال السدي وغيره: إنه لم يجبه { إلى يوم يبعثون } لأنه يوم القيامة، ~~وهو يوم بعث لا يوم موت، ولكن انظر الى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في ~~سورة اخرى. ويقوي ذلك قوله { إنك من المنظرين } وليس لأحد أن ينظر أحدا ~~الى يوم القيامة على هذا المعنى. # الثاني - أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة الى يوم يبعثون. لما خاف من ~~تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا. وقال قوم: انظر الى يوم القيامة، والأقوى ~~الوجه الثاني، لأنه لا يجوز أن يعلم الله أحدا من المكلفين الذين ليسوا ~~بمعصومين أنه يبقيهم الى وقت معين، لأن في ذلك إغراء له بالقبح من حيث ~~أنه يعلم انه باق الى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فاذا قارب الوقت جدد ~~التوبة فيسقط عنه العقاب. # وهل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا؟ فيه خلاف: # فذهب أبو علي الى أنه لا يجوز، لما في ذلك في التعظيم والتبجيل لمجاب ~~الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه اذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك ~~على أنه صالح المؤمنين. وأجاز ذلك أبو بكر بن الاخشاد على وجه الاستصلاح. ~~وكان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه. # وكسرت " إن " لأنها حكاية بعد القول، وهي تكسر في هذا الموضع، وفي ~~الابتداء بها، واذا كان في خبرها لام التأكيد. وانما عملت (إن) لشبهها ~~بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الآخر، فهي بمنزلة ~~(كان) إلا أنه خولف بعملها لأنها حرف. ### || [7.16-17] # قوله { قال فبما } حكاية عن قول إبليس، لما لعنه الله، وطرده وحكى ~~سؤاله الانظار، واجابة الله تعالى الى شىء ms1492 منه، قال حينئذ { فبما أغويتني ~~} أي فبالذي أغويتني. وقيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال: # احدهما - اني مع اغوائك إياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك. # الثاني - معناه اللام، والتقدير فلإغوائك إياي. # الثالث - أنها بمعنى القسم كقولك بالله لأفعلن. # وقيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال: # أحدها - قال أبو علي والبلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال ~~الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يعولا يعدم على الغي لائما # أي من يخب، وقال قوم: يجوز أن يكون أراد إنك امتحنتني بالسجود، لآدم ~~فغويت عنده، فقال { أغويتني } كما قال # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # الثاني - قال ابن عباس وابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك: أضللتني أي ~~حكمت بضلالتي. # الثالث - أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إياي، كما قال الشاعر: # معطفة الاثناء ليس فصيلها # برازئها درا ولا ميت غوى # أي ولا ميت هلاكا بالقعود عن شرب اللبن. ومنه قوله # فسوف يلقون غيا # أي هلاكا. ويقولون: غوى الفصيل اذا أنفذ اللبن فمات. والمصدر غوى ~~مقصورا وقوله { لأقعدن لهم } جواب القسم. والقسم محذوف، لأن غرضه ~~بالكلام التأكيد، وهو ضد قوله # ص والقرآن ذي الذكر # فانه حذف الجواب، وهي القسم، لأن الغرض تعظيم المقسم به. # وقعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصد عنه بالاغواء حتى ~~يصرفه الى طريق الباطل عداوة له وكيدا. # وقوله { صراطك المستقيم } قيل في نصب { صراطك } أنه نصب على الحذف دون ~~الظرف، وتقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر ~~والبطن قال الشاعر: # لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب # وقال آخر: # كأني اذا أسعى لأظفر طائرا # مع النجم في جو السماء يصوب # أي لاظفرعلى طائر، وإغواء الله تعالى لابليس لم يكن سببا لضلاله، لأنه ~~تعالى علم أنه لو لم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أو أعظم، فأما ~~قول من قال: إنه لو كان ما يفعل به الايمان هو ما يفعل به الكفر، لكان ~~قوله " بما أغويتني " وبما أصلحتني بمعنى ms1493 واحد، فكلام غير صحيح، لأن صفة ~~الآلة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها اذا وقع بها الكفر. وإن كانت ~~واحدة كالسيف. ولا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل ~~لا يمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إغواء، وإن استعمل ~~في الايمان سمي هداية، وإن كان ما يصح به الايمان والكفر والضلال ~~واحدا. # وقوله { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ~~قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس وقتادة وابراهيم بن الحكم والسدي وابن جريج: من ~~قبل دنياهم وآخرتهم. # ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم. # الثاني - قال مجاهد: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون. # الثالث - قال البلخي وأبو علي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها. وقال ~~ابن عباس: ولم يقل من فوقهم، لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل ~~من تحت أرجلهم، لأن الاتيان منه موحش. وقال أبو جعفر (ع) { ثم لآتينهم من ~~بين أيديهم } معناه أهون عليهم أمر الآخرة، ومن خلفهم آمرهم بجمع ~~الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم { وعن أيمانهم } وأفسد عليهم ~~أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة { وعن شمائلهم } بتحبيب اللذات ~~اليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم. # وقال الزجاج: { من بين أيديهم } معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث ~~والنشور، { ومن خلفهم } حتى يجحدوا ما كان من أخبار الأمم الماضية ~~والأنبياء السالفة. # وإنما دخلت (من) في الخلف والقدام، و (عن) في اليمين والشمال، لأن في ~~القدام والخلف معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. ~~ودخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم. # وقوله { ولا تجد أكثرهم شاكرين } إخبار من إبليس أن الله لا يجد أكثر ~~خلقه شاكرين. وقيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين: # أحدهما - قال أبو علي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار الله تعالى ~~إياهم. # الثاني - قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى { ~~ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ms1494 } لأنه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا ~~أضعف منه، وظن أنهم سيجيبونه ويتابعونه. ### || [7.18] # حكي عن عاصم في الشواذ { لمن تبعك } بكسر اللام، ويكون خبره محذوفا ~~وتقديره لمن تبعك النار، وليس بمعروف. # هذا خبر من الله تعالى أنه { قال أخرج منها } يعني من الجنة { مذؤما } ~~قال ابن عباس: معناه معيبا. وقال ابن زيد: مذموما، يقال: ذأمه يذأمه ~~ذأما وذامه يذيمه ذيما وذاما. وقيل الذأم والذيم أشد العيب. ومثله ~~اللوم قال الشاعر: # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها # وأكثر الرواية ألومها. وقوله { مدحورا } فالدحر الدفع على وجه الهوان ~~والاذلال يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا. وقيل الدحر الطرد - في قول ~~مجاهد والسدي -. # وقوله { لمن تبعك منهم } جواب القسم، وحذف جواب الجزاء في { لمن تبعك } ~~لأن جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، ولو كان في حشو ~~الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إن تأتني والله أكرمك، ولا يجوز أن ~~تكون (من) ها هنا بمعنى الذي، لأنها لا تقلب الماضي الى الاستقبال، ويجوز ~~أن تقول: والله لمن جاءك أضربه بمعنى لأضربه، ولم يجز بمعنى لأضربنه، كما ~~يجوز والله أضرب زيدا بمعنى لأضرب ولا يجوز بمعنى لأضربن، لأن الايجاب ~~لا بد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج. # وإنما قال { لأملأن جهنم منكم } بلفظ الجمع وإن كان المخاطب واحدا ~~على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما يغلب ~~الأخف على الأثقل في قولهم: سنة العمرين، لأن المفرد أخف من المضاف، لأن ~~المعنى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، كما ذكره في موضع آخر. # وقوله { أجمعين } تأكيد لقوله { منكم } وهو وإن كان بلفظ الغائب أكد به ~~المخاطب، لأنه تابع للأول، فإن كان غائبا فهو غائب وإن كان مخاطبا، ~~فهو مخاطب وإن كان متكلما، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، ~~لأن الاتباع قد دل على ذلك. ### || [7.19] # في هذه الآية حكاية خطاب الله تعالى لآدم وأمره إياه أن يسكن هو وزوجه ms1495 ~~حواء الجنة. واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها. # فقال قوم: إنها جنة الخلد، لأن الجنة اذا أطلقت معرفة بالألف واللام لا ~~يعقل منها في العرف إلا جنة الخلد، كما أن السموات والأرض إذا أطلق لم ~~يعقل منه إلا السموات المخصوصة دون سقف البيت. # وقوله { وزوجك } إنما جاء به على لفظ التذكير، لأن الاضافة أغنت عن ذلك ~~وأبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لأنه أوجز يقال: لصاحب المنزل ساكن ~~فيه، وإن كان يتحرك فيه أحيانا للتغليب، لأن سكونه فيه أكثر، بجلوسه ~~ونومه في ليله. وغير ذلك من أوقاته، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا من ~~حيث شاءا، وأين شاءا ما شاءا، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه ~~الشجرة. # وعندنا إن ذلك لم يكن محرما عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر ~~وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير، وإن لم يفعلا بذلك قبيحا، ولا أخلا ~~بواجب. # ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة. ومن ~~قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهوا ونسيانا. ومنهم من قال: ~~وقع ذلك تأويلا من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ ~~في التأويل. وقد بينا فساد ذلك فيما مضى. # وقوله { فتكونا من الظالمين } يحتمل أن يكون نصبا على جواب النهي. # والثاني - أن يكون جزما عطفا على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه ~~الشجرة، ولا تكونا من الظالمين. ومعنى { الظالمين } على مذهبنا المراد به ~~الباخسين نفوسهم ثوابا كثيرا، والمفوتين نعيما عظيما. ومن قال: ~~إنهما ارتكبا قبيحا قال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. وعلى مذهب من ~~يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لا بد أن يحمل الظلم ها هنا على ~~نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو علي: ذهب الى أن ذلك ~~وقع منه نسيانا. وقال البلخي وقع منه تأويلا، لأنه نهي عن جنس الشجرة ~~فتأوله على شجرة بعينها، وهذا خطأ، لأن ما يقطع سهوا أو نسيانا لا ~~يحسن المؤاخدة به. وأما الخطأ في ms1496 التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحا آخر. ~~أحدهما ارتكاب المنهي. والثاني الخطأ في التأويل به. ### || [7.20] # قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم { إلا أن تكونا ملكين } بكسر اللام من ~~قوله { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } الباقون بفتح اللام. # أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما ~~الشيطان. والوسوسة الدعاء الى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة قال رؤبة ~~مراجعة: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا وقد أون تأوين العقق # وقال الأعشى: # تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # وقوله { ليبدي لهما } فالابداء الاظهار، وهوجعل الشىء على صفة ما يصح أن ~~يدرك، وضده الاخفاء وكل شىء أزيل عن الساتر فقد أبدي. وقوله { ما ووري } ~~فالمواراة جعل الشىء وراء ما يستره. ومثله المساترة، وضده المكاشفة، ولم ~~يهمز، لأن الثانية مدة، ولولا ذلك لوجب الهمز. # وقيل للفرج سوأة، لأنه يسوء صاحبه إظهاره، وكلما قبح إظهاره سوأة، ~~والسوء من هذا المعنى. واذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، ولم يقصد آدم ~~وحواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إبليس والطاعة له ~~بل إنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، ولو قصدا القبول منه لكان ذلك ~~قبيحا لا محالة. وقال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين. # وفرق بين وسوس اليه ووسوس له مثل قولك ألقى اليه المعنى، ووسوس له معناه ~~أوهمه النصيحة له. فان قيل كيف وصل إبليس الى آدم وحواء حتى وسوس لهما؟ ~~وهو خارج الجنة، وهما في الجنة، وهما في السماء وهو في الأرض؟ قلنا: فيه ~~أقوال. # أحدها - قال الحسن: كان يوسوس من الأرض الى السماء والى الجنة فوصلت ~~وسوسته بالقوة التي خلقها الله له. # الثاني - قال أبو علي إنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما وهما هناك. # الثالث - قال أبو بكر بن الاخشيد إنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. # وقوله { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } فيه ~~قولان: # أحدهما - أن فيه حذفا وتقديره إلا أن تكونا ملكين ولستما ms1497 ملكين. ~~ومعناه لئلا تكونا ملكين. # الثاني - الا كراهة أن تكونا ملكين. # فإن قيل كيف يموه عليهما أن الأكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة ~~البشرية الى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟! # قلنا: عن ذلك جوابان: # احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة. # الثاني - أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة. # واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من البشر، ~~والأنبياء منهم. وهذا ليس بشىء، لأنه لم يجر ها هنا ذكر لكثرة الثواب وأن ~~الملائكة أكثر ثوابا من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لآدم ما نهاك ~~الله عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقد نهاكما، ~~وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن ~~المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولا ~~تعلق لذلك بكثرة الثواب ولا بقلته وعلى قول من كسر اللام لا متعلق في ~~الآية ولا شبهة. # والشجرة التي نهي عنها آدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. ~~وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة. ### || [7.21] # المقاسمة لا تكون إلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لآدم، لأن آدم ~~مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص وطارقت النبل وناولت ~~الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه ~~قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، ~~وقال الهذلي: # وقاسمها بالله جهدا لانتم # ألذ من السلوى اذا ما نشورها # أي حالفها، وفي موضع آخر # قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # أي تحالفوا - وسئل الحسن فقيل له: أليس الله خلق آدم ليكون خليفة في ~~الارض قال: بلى، وقال وكان لا بد له من ان يهبط الارض، قال: لا والله، ~~ولكن لو هبط مطيعا لله كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، ولم يعاتبه الله ~~على الهبوط، وانما عاتبه على مخالفة الأمر. وأصل القسم ms1498 القسمة، قال أعشى ~~بني ثعلبة: # رضيعي لبان ثدي أم تقاسما # باسحم داج عوض لا نتفرق # والقسم تأكيد الخبر بطريقة والله، وبالله، وتالله. # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان ابليس حلف، لآدم وحواء انه لهما ناصح ~~في دعائهما الى التناول من الشجرة ولذلك تأكدت الشبهة عندهما، وظنا ان ~~أحدا لا يقدم على اليمين بالله إلا صادقا، فكان ذلك داعيا لهما الى ~~تناول الشجرة. # ويجوز ان تقول: اني لك لناصح، ولا يجوز ان تقول: أنا لك لناصح، لان لام ~~الابتداء موضعها صدر الكلام لا تؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع ~~حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الاصل في اجتماع ~~الحرفين في موضع انه لا ينوب احدهما عن الآخر، وتقدير الكلام، وقاسهما ~~اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن ~~الناصحين فقدم الصلة على الموصول، ومثله قوله # وأنا على ذلكم من الشاهدين # وتقديره وأنا على ذلكم شاهد، وبينه بقوله من الشاهدين. ### || [7.22] # معنى قوله { فدلاهما } حطهما الى الخطيئة بغرور، ومنه قولهم: فلان يتدلى ~~الى الشر، لان الشر سافل والخير عال. وقيل: دلاهما من الجنة الى الأرض ~~بغرور. الغرور إظهار النصح مع ابطان الغش، وأصله الغر: طي الثوب ~~يقال: اطوه على غره أي على كسر طيه، وقال الشاعر: # كأن غر متنه اذ نجنبه # سير صناع في خريز تكلبه # فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال واخفاء حال، ومنه الغرر لخفاء ~~ما لا يؤمن فيه. والغر الذي لم يجرب الامور، لانها تخفى عليه. والغرة ~~الاخذ على غفلة. والغرارة الوعاء، لانها تخفي ما فيها. والاغر الابيض ~~لظهور الثوب في غره، ومنه الغرة في الجبهة. # وقوله { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما } أي ظهرت عورتاهما، ولم يكن ~~ذلك على وجه العقوبة، لان الانبياء لا يستحقون العقوبة، وانما كان ذلك ~~لتغير المصلحة، لانهما لما تناولا من الشجرة اقتضت المصلحة اخراجهما من ~~الجنة ونزعهما لباسهما الذي كان عليهما، واهباطهما الى الارض، وتكليفهما ~~فيها. # وقوله { وطفقا } قال ms1499 ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، ومثله قولهم: ظل يفعل ~~واخذ يفعل وابتدأ يفعل، فقد يكون ذلك بأول الفعل قد يكون بالقصد الى ~~الفعل، ويقال: طفق يطفق وطفق يطفق طفقا. # وقوله { يخصفان عليهما من ورق الجنة } معناه يقطفان من ورق الجنة ~~ليستترا به، ويحوزان بعضه الى بعض، ومنه المخصف: المثقب الذي يخصف به ~~النعل، والخصاف الذي يرقع النعل قال الشاعر: # واسعى للندى والثوب جرد # محاسرة وفى نعلي خصاف # يعني ترقيع، وقال الاعشى: # قالت أرى رجلا في كفه كتف # او يخصف النعل لهفي آية صنعا # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) # " خاصف النعل في الحجرة " # يعني عليا (ع). والاخصاف سرعة العدو، لانه يقطعه بسرعة. والخصف ثياب ~~غلاظ جدا، لانه يعسر قطعها لغلظها. وكان الحسن يقرأ { يخصفان } بمعنى ~~يختصفان. # وقوله { من ورق الجنة } قيل: انه من ورق التين. واصل الورق ورق الشجرة، ~~ومنه الورق اسم الدراهم. والورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي ~~بهذه الصفة، وحمامة ورقاء. # وفي ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت. # وقوله { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } حكاية عما قال ~~الله تعالى لآدم وحواء - بعد ان بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق ~~الشجر - أليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، وانما قال { تلكما } لانه ~~خاطب اثنين واشار الى الشجرة، فلذلك قال { تلكما } و { أقل لكما } عطف ~~على { أنهكما } فلذلك جزمه { إن الشيطان لكما عدو مبين } يعني ظاهر ~~العداوة. # وقد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا وان ما توجه اليه بصورة النهي كان ~~المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، وانما قلنا ذلك لقيام الدلالة على ~~عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها، فعلى هذا لا يحتاج ان نقول: ~~انهما تأولا فأخطئا، على ما قال البلخي والرماني، أو وقع منهما سهوا على ~~ما قاله الجبائي: ### || [7.23] # في هذه الآية حكاية عما قال آدم وحواء (ع) لما عاتبهما الله ووبخهما على ~~ارتكابهما ما نهاهما عنه، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا { ~~ربنا ms1500 ظلمنا أنفسنا } ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو ~~النقص. # وعلى مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لا بد ان يحمل قوله { ظلمنا أنفسنا ~~} على تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ~~ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة تقع مكفرة من غير ان تنقص من ثواب ~~فاعلها شيء، فلا يتصور معنى لقوله { ظلمنا أنفسنا } ولا يثبت فيهما ~~فائدة، لانهما لم يستحقا عقابا بلا خلاف. # وصفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، ~~وظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب والذم، كما ان اسم (مؤمن) اسم مدح ~~لمستحق الثواب، وآمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد. # وقوله { وإن لم تغفر لنا } معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر ~~على ما بيناه فيما مضى، وعلى مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت ~~مكفرة لا معنى لقوله { وإن لم تغفر لنا } ، لان الغفران كائن لا محالة، ~~ولا يحسن المؤاخذة به. # وقوله { لنكونن من الخاسرين } المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي تتم ~~بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، ولم ~~يربح. والانسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، ولا ~~يدفع عنها ضررا أعظم، ولا يجتلب منفعة توفي عليه. ولا يصح ان يكون معاقبا ~~لنفسه، ويجوز ان يأمر الله تعالى المكلف ان يضر بنفسه، ولا يحسن ان ~~يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في الشىء، ولا يجوز ~~أن يرغبه في عقابه، كما لا يجوز ان يرغبه في ذمه ولعنه. ### || [7.24] # اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال السدي وأبو علي الجبائي وأبو بكر ~~ابن الاخشيد: ان المراد بالخطاب آدم وحواء وابليس، جمع بينهم في الذكر، ~~وان كان الخطاب لهم وقع في أوقات متفرقة، لان ابليس امر بالهبوط حين ~~أمتنع من السجود، وآدم وحواء حين أكلا من الشجرة، وانتزع لباسهما. وقال ~~ابو صالح: الخطاب متوجه الى آدم وحواء والحية. ms1501 وقال الحسن - قولا بعيدا ~~من الصواب - وهو ان المراد به آدم وحواء والوسوسة، وهذا قول منعزب عنه، ~~لان الوسوسة لا تخاطب. # والهبوط هو النزول بسرعة، والبعض هو أحد قسمي العدة، وأحد قسمي العشرة ~~بعضها، واحد قسمي الاثنين بعضهما ولا بعض للواحد، لانه لا ينقسم. وقوله { ~~بعضكم لبعض } أضاف (البعض) الى جملة هو منها، ولا يجوز ان يضاف (غير) الى ~~جملة هو منها، لان اضافة (غير) الى الجملة والتفصيل لصحة ان يكون لكل ~~واحد غير، وليس كذلك بعض، لانه لا يصح ان يكون لكل واحد بعض فأضافته الى ~~الجملة فقط. # والعدو ضد الولي، ومن صفة العدو انه مراصد بالمكاره. ومن صفة ~~الولي انه مراصد بالمحاب. وقال الرماني: العدو هو النائي بنصرته في وقت ~~الحاجة الى معونته، والولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة الى معونته. # وقوله { ولكم في الأرض مستقر } فالمستقر قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابو العالية: هو موضع استقرار. # الثاني - انه الاستقرار بعينه، لان المصدر يجيء على وزن المفعول نحو و { ~~ندخلكم مدخلا كريما } أي ادخالا كريما قال الشاعر: # أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا # وانجو اذا غم الجبان من الكرب # وقوله { ومتاع إلى حين } فالمتاع الانتفاع بما فيه عاجل استلذاذ، لان ~~المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. والحين الوقت، قصيرا ~~كان او طويلا، الا انه قد استعمل على طول الوقت - ها هنا - وليس بأصل فيه ~~كقول القائل: ما لقيته منذ حين قال الشاعر: # وما مزاحك بعد الحلم والدين # وقد علاك مشيب حين لا حين # أي وقت لا وقت، وقال البلخي { إلى حين } معناه الى القيامة. ### || [7.25] # قرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب { تخرجون } بفتح التاء وضم ~~الراء. الباقون بضم التاء وفتح الراء. من قرأ بضم التاء، فلقوله # أنكم مخرجون # وقوله # كذلك نخرج الموتى # ومن فتح التاء، فلاجماع الكل في قوله # ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون # بفتح التاء ولقوله # إلى ربهم ينسلون # فأسند الفعل اليهم، ولانه اشبه بما قبله من ms1502 قوله # فيها تحيون وفيها تموتون # وكما قال # كما بدأكم تعودون # اضاف الفعل اليهم. # وفي الآية اخبار من الله تعالى وحكاية عما قاله لآدم انكم تحيون في هذه ~~الارض التي تهبطون اليها، وفيها تموتون، ومنها تخرجون، للبعث يوم ~~القيامة. قال الجبائي في الآية دلالة على ان الله (عز وجل) يخرج ~~العباد يوم القيامة من هذه الارض التي حيوا فيها بعد موتهم، وانه يفنيها ~~بعد ان يخرج العباد منها في يوم الحشر، واذا أراد افناءها زجرهم عنها ~~زجرة فيصيرون الى ارض اخرى وهذا معنى قوله # فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ### || [7.26] # قرأ أهل المدينة، وابن عامر والكسائي { ولباس التقوى } بالنصب. الباقون ~~بالرفع، ومن نصب حمله على (انزل) من قوله { قد أنزلنا عليكم لباسا، ~~ولباس التقوى } وانزلنا ها هنا مثل قوله # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد # ومثل قوله # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج # أي خلق. وانما قال { أنزلنا عليكم لباسا } لاحد أمرين. # أحدهما - لانه ينبت بالمطر الذي ينزل من السماء، في قول الحسن والجبائي. # الثاني - لأن البركات تنسب الى أنها تأتي من السماء كقوله # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد # وقوله { ذلك } على هذا مبتدأ وخبره (خير)، ومن رفع قطع اللباس من الاول ~~واستأنف، فجعله مبتدأ وجعل قوله { ذلك } صفة له أو بدلا أو عطف بيان. ومن ~~قال { ذلك } لغو فقد أخطأ، لأنه يجوز أن يكون على أحد ما قلناه، و (خير) ~~خبر ل (لباس) وتقديره لباس التقوى خير لكم إذا أخذتم به وأقرب لكم الى ~~الله مما خلق لكم من اللباس والرياش الذي يتجمل به، وأضيف اللباس الى ~~التقوى كما أضيف في قوله # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف # الى (الجوع). # وهذه الآية خطاب من الله تعالى لاهل كل زمان من المكلفين على ما يصح ~~ويجوز من وصول ذلك اليهم، كما يوصي الانسان لولده وولد ولده - وان نزلوا ~~- بتقوى الله وايثار طاعته، ويجوز خطاب المعدوم بمعنى أن يراد بالخطاب ~~اذا كان المعلوم أنه سيوجد وتتكامل فيه شروط التكليف، ولا يجوز أن ms1503 يراد ~~من لا يوجد لان ذلك عبث لا فائدة فيه. # واللباس كلما يصلح للبس من ثوب أو غيره من نحو الدرع، وما يغشى به البيت ~~من نطع او كسوة. واصله المصدر تقول: لبسه يلبسه لبسا ولباسا، ولبسا ~~- بكسر اللام - قال الشاعر: # فلما كشفن اللبس عنه مسحنه # بأطراف طفل زان غيلا موشما # الغيل الساعد، ووصفها بلطف الكف. (والريش): ما فيه الجمال، ومنه ريش ~~الطائر، وقيل اصله المصدر من راشه يريشه، وقد تريش فلان أي صار له ما ~~يعيش به، قال الشاعر أنشده سيبويه: # وريشي منكم وهواي معكم # وإن كنت زيارتكم لماما # وقال سعيد الجهني الرياش المعاش. وقال الزجاج: الريش اللباس يقولون: ~~اعطيت الرجل فريشته أي كسوته، وجمعه رياش. # قال مجاهد: وإنما ذكر اللباس - ها هنا - لأن المشركين كانوا يتعرون في ~~الطواف حتى تبدو سوآتهم باغواء الشياطين، كما أغوي أبويهم قبل هذا ~~الاغواء. وقوله { يواري سوآتكم } معناه يستر ما يسوءكم إنكشافه من ~~الجسد، لأن السوءة ما يسوء انكشافه من الجسد، والعورة ترجع الى النقيصة ~~في الجسد قال الشاعر: # خرقوا جيب فتاتهم # لم يبالوا سوءة الرجله # ولباس التقوى فيه خمسة أقوال: # احدها - قال ابن عباس: هو العمل الصالح. # الثاني - قال قتادة والسدي وابن جريج هو الايمان. # الثالث - قال الحسن: هو الحياء الذي يكسبكم التقوى. # الرابع - قال الجبائي: هو الذي يقتصر عليه من أراد التواضع والنسك في ~~العبادة من لبس الصوف والخشن من الثياب. # الخامس - قال الرماني: هو العمل الذي يقي العقاب، وفيه الجمال مثل جمال ~~الناس من الثياب. وقال الحسين بن علي المغربي { لباس التقوى } يعني الذي ~~كان عليكما في الجنة خير لكم بدلالة قوله { ذلك } وهي للبعيد. # وقوله { ذلك من آيات الله } معناه إن الذي فعلناه بكم من حجج الله التي ~~دلتكم على توحيده من الله { لعلهم يذكرون } معناه لكي يتفكروا فيها ~~ويؤمنوا بالله وبرسوله. ### || [7.27] # هذا خطاب من الله لأولاد آدم العقلاء منهم المكلفين، فنهاهم أن يفتنوا ~~بفتنة الشيطان. والفتنة هي الاختبار والابتلاء وافتتان الشيطان يكون ~~بالدعاء الى المعاصي من الجهة ms1504 التي تميل اليها النفوس وما تشبهيه. وانما ~~جاز ان ينهي الانسان بصيغة النهي للشيطان، لأنه أبلغ في التحذير من حيث ~~يقتضي أنه يطلبنا بالمكروه، ويقصدنا بالعداوة، فالنهي له يدخل فيه النهي ~~لنا عن ترك التحذير منه. # وقوله { كما أخرج أبويكم من الجنة } يعني أغوى أبويكم آدم وحواء حتى ~~خرجا من الجنة، فنسب الاخراج اليه لما كان باغوائه، وجرى ذلك مجرى ذم ~~الله تعالى فرعون بأنه يذبح أبناءهم وإنما أمر بذلك، وتحقيق الذم فيها ~~راجع الى فعل القتل المذموم، ولكنه يذكر بهذه الصفة لبيان منزلة فعله في ~~عظم الفاحشة. # وقوله { ينزع عنهما لباسهما } في موضع الحال من الشيطان، وتقديره نازعا ~~عنهما لباسهما لكي تبدو سوءاتهما فيرياها، والنزع قلع الشىء من موضعه ~~الذي هو ملابس له ويقال: نزع من الأمر ينزع نزوعا تشبيها بهذا، ونازعه ~~اذا حاول كل واحد منهما أن يزيل صاحبه عما هو عليه، وغرض الشيطان في ان ~~يريا سوآتهما هو ان يغمهما ذلك ويسوءهما ان تبدو لغيرهما، كما بدالهما، ~~لان ذلك صفة كل من له مروءة. واللباس الذي ينزع عنهما قيل فيه ثلاثة ~~أقوال: # احدها - قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر. # وقال وهب بن منية كان لباسهما نورا. # وقال قوم هي ثياب من ثياب الجنة. # وقوله { إنه } يعني الشيطان { يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم } ~~وانما كانوا يرونا ولا نراهم لان أبصارهم احد من ابصارنا، وأكثر ضوءا من ~~أبصارنا، فابصارنا قليلة الشعاع، ومع ذلك أجسامهم شفافة وأجسامنا كثيفة، ~~فصح أن يرونا ولا يصح منا أن نراهم، ولو تكثفوا لصح منا أيضا أن نراهم. # وقال أبو علي: في الآية دلالة على بطلان قول من يقول: إنه يرى الجن من ~~حيث أن الله عمم أن لا نراهم، قال: وإنما يجوز أن يروا في زمن ~~الانبياء بأن يكثف الله أجسامهم. # وقال أبو الهذيل وأبو بكر بن الاخشيد: يجوز أن يمكنهم الله أن يتكثفوا ~~فيراهم حينئذ من يختص بخدمتهم. # وقبيل الشيطان، قال الحسن وابن زيد: هو نسله، وبه قال أبو علي، واستدل ms1505 ~~على ذلك بقوله # أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو # وقوله { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } معناه إنا حكمنا ~~بذلك لانهم يتناصرون على الباطل، ومثله قوله # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا # أي حكموا بذلك حكما باطلا. # و (حيث) في موضع خفض بحرف (من) غير أنها بنيت على الضم، وأصلها ان تكون ~~مرفوعة لانها ليست لمكان بعينه، وان ما بعدها صلة لها ليست بمضافة اليه. ~~ومنهم من يقول (من حيث) خرجت - بالفتح - لالتقاء الساكنين. ومنهم من يقول ~~(حوث) ولا يقرأ بهما. ### || [7.28] # الكناية في قوله { فعلوا فاحشة } كناية عن المشركين، الذين كانوا يبدون ~~سوآتهم في طوافهم: النساء والرجال الحمس خاصة، وله خبر طويل - في قول ابن ~~عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسدي، وقالت العامرية: # اليوم يبدو بعضه او كله # وما بدا منه فلا أحله # قال الفراء: كانوا يعملون ستا من سور مقطعة يشدون على حقوهم فسمي ~~حوقا، وإن عمل من صوف سمي رهطا. # وقال الحسن وأبو علي: هي كناية عن عبدة الاوثان وفواحشهم الشرك بالله ~~والكفر بنعمه. والفاحشة ما عظم قبحه في قول الزجاج، يقال فحش يفحش فحشا، ~~ولا يقال في الصغيرة - عند من قال بها - فاحشة، وإن قيل فيها: إنها ~~قبيحة، كما لا يقال في القوم فاحش، وإن قيل: قبيح. # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم { إذا فعلوا فاحشة } وارتكبوا ~~قبيحا اعتذروا لنفوسهم بأن قالوا: وجدنا آباءنا يفعلونها. قال الحسن: ~~وإنما دعاهم الى هذا القول، لأن أهل الجاهلية كانوا أهل اجبار، وقالوا: ~~لو كره الله ما نحن عليه من هذا الدين لنقلنا عنه، فهو قوله { والله ~~أمرنا بها } وقال غيره: إنهم توهموا أن آباءهم لم يفعلوا ذلك إلا وهو ~~من قبل الله. وإنما قال آباؤهم بسببه فحينئذ رد الله عليهم قولهم بأن ~~قال { إن الله لا يأمر بالفحشاء } ثم قالى على وجه الانكار { أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون }؟! لأنهم ان قالوا لا، نقضوا مذهبهم، وإن قالوا: ~~نعم، افتضحوا في قولهم وقال الزجاج: ms1506 معنى { أتقولون على الله } أتكذبون ~~عليه؟! # وفي الآية حجة على أصحاب المعارف، وأهل التقليد، لأنه ذم الفريقين، ولو ~~كان الأمر على ما يقولون لما توجه عليهما الذم!!. # فإن قيل: إنما أنكر الله قولهم: إن الله أمرنا بها، ولا يدفع ذلك أن ~~يكون مريدا لها، لأن الأمر منفصل من الارادة. # قلنا: الأمر لا يكون أمرا إلا بارادة المأمور به، فما أراده فقد رغب ~~فيه ودعا اليه فاشتركا في المعنى. ### || [7.29-30] # آيتان، تمام الأولى في الكوفي { تعودون } وفي البصري تمام الأولى { ~~مخلصين له الدين } وتمام الأخرى عند الجميع { مهتدون }. # لما أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إن الله أمرنا بما ~~نفعله ونعتقده من الفواحش، ورد عليهم بقوله { إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء } أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول " إن الله يأمر بالقسط ~~" وهو العدل - في قول مجاهد والسدي وأكثر المفسرين - وأصله العدول، فاذا ~~كان الى جهة الحق، فهو عدل. ومنه قوله # إن الله يحب المقسطين # وإذا كان الى جهة الباطل، فهو جور، ومنه قوله # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # وأمرهم أن يقيموا وجوههم عند كل مسجد وقيل فيه وجوه: # أحدها - قال مجاهد والسدي وابن زيد: معناه توجهوا الى قبلة كل مسجد في ~~الصلاة على استقامة. # الثاني - قال الربيع: توجهوا بالاخلاص لله، لا للوثن ولا غيره. وقال ~~الفراء: معناه اذا دخل عليك وقت الصلاة في مسجد فصل فيه، ولا تقل آتى ~~مسجد قومي، وهو اختيار المغربي: # وقوله { وادعوه مخلصين له الدين } أمرهم بالدعاء والتضرع اليه تعالى على ~~وجه الاخلاص. وأصل الاخلاص إخراج كل شائب من الخبث، ومنه إخلاص الدين ~~لله (عز وجل) وهو توجيه العبادة اليه خالصا دون غيره. # وقوله { كما بدأكم تعودون } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد: كما خلقكم أولا ~~تعودون بعد الفناء، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال # " يحشرون عراة حفاة عزلا، كما بدأنا أول خلق نعيده. وعدا علينا انا ~~كنا فاعلين ". # الثاني - قال ابن عباس ms1507 وجابر في رواية أنهم يبعثون على ما ماتوا عليه: ~~المؤمن على إيمانه والكافر على كفره. وإنما ذكر هذا القول، لأحد أمرين: # أحدهما - قال الزجاج: على وجه الحجاج عليهم، لأنهم كانوا لا يقرون ~~بالبعث. # الثاني - على وجه الأمر بالاقرار به، كأنه قيل وأقروا أنه كما بدأكم ~~تعودون. والبدأ فعل الشىء أول مرة، والعود فعله ثاني مرة. قد يكون فعل ~~أول خصلة منه بدأ، كبدء الصلاة، وبدء القراءة، بدأهم وأبداهم لغتان. # وقوله { فريقا هدى } فالفريق جماعة انفصلت من جماعة، وذكر (فريق) ها هنا ~~أحسن من ذكر (نفر وقوم أو نحوه) لما فيه من الاشعار بالمباينة ونصب { ~~فريقا هدى }. وقوله { وفريقا حق عليهم الضلالة } لتقابل فريقا هدى ~~بعطف فعل على فعل، وتقديره وفريقا أضل إلا انه فسره ما بعده نظير قوله # يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما # وقال الفراء: نصب فريقا على الحال، والعامل فيه (تعودون) فريقا، ~~والثاني عطف عليه، ولو رفع على تقدير أحدهما كذا، والآخر كذا، كان جائزا ~~كما قال # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة # والهدي والاضلال في الآية يحتمل أربعة أوجه: # أحدها - أنه حكم بأن هؤلاء مهتدون مدحا لهم، وحكم بأن اولئك ضالون ذما ~~لهم. # الثاني - الدلالة التي انشرح بها صدور هؤلاء للاهتداء، وضاقت بها صدور ~~أولئك لشدة محبتهم لما هم عليه من مذهبهم. # الثالث - هدى بأن لطف لهؤلاء بما اهتدوا عنده، وصار كالسبب لضلال أولئك ~~بتخيرهم لينتقلوا عن فاسد مذهبهم. # الرابع - أنه هدى هؤلاء الى طريق الثواب. وأولئك لعمى والاضلال عنه ~~بالعقاب في النار. # وقوله { إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله } اخبار منه تعالى انه ~~فعل بهم ما فعل من الضلال، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ~~والاتخاذ الافتعال من الأخذ بمعنى اعداد الشىء لأمر من الامور، فلما ~~أعدوا الشياطين لنصرتهم، كانوا قد اتخذوهم أولياء باعدادهم. # وقوله { ويحسبون أنهم مهتدون } يعني هؤلاء الكفار يظنون أنهم مهتدون. ~~والحسبان والظن واحد، وهو ما قوي عند الظان ms1508 كون المظنون على ما ظنه ~~مع تجويزه أن يكون على غيره، فبالقوة يتميز من اعتقاد التقليد والتخمين، ~~وبالتجويز يتميز من العلم، لأن مع العلم القطع. ### || [7.31] # أمر الله تعالى في هذه الآية أولاد آدم الذكور منهم، - لأن (بني) جمع ~~ابن، وإنما نصب لأنه نداء مضاف، والابن هو الولد الذكر، والبنت الولد ~~الانثى - أمرهم الله بأن يأخذوا، ومعناه أن يتناولوا زينتهم. والزينة هي ~~اللبسة الحسنة، ويسمى ما يتزين به زينة، كالثياب الجميلة والحلية. ونحو ~~ذلك. وقوله { عند كل مسجد } روي عن أبي جعفر (ع) أنه قال في الجمعات ~~والأعياد. وقال ابن عباس وعطاء وابراهيم والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير: ~~كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهاهم الله عن ذلك. وقال مجاهد: ما وارى ~~العورة، ولو عباءة. وقال الزجاج: هو أمر بالاستتار في الصلاة، قال أبو ~~علي: ولهذا صار التزين للاعياد، والجمع سنة. # وقيل في وجه شبهتهم في تعريهم في الطواف وإبداء السوأة وجهان: # أحدهما - أن الثياب قد دنستها المعاصي فيجردوا منها. # الثاني - تفألوا بالتعري من الذنوب. # وقوله { وكلوا واشربوا } صورته صورة الأمر، ومعناه إباحة الأكل والشرب. # وقوله { ولا تسرفوا } نهي لهم عن الاسراف، وهو الخروج عن حد الاستواء في ~~زيادة المقدار. وقيل: المراد الخروج عن الحلال إلى الحرام، وقيل: الخروج ~~مما ينفع الى ما يضر، وقيل: الزيادة على الشبع فالاسراف والاقتار ~~مذمومان. # وقوله { إنه لا يحب المسرفين } معناه يبغض المسرفين، لأنه ذم لهم، ولو ~~كان بمعنى لا يحبهم ولا يبغضهم لم يكن ذما لهم ولا مدحا، وقال أبو علي: ~~من لا يحبه الله فهو يبغضه ويعاديه. ### || [7.32] # قرأ نافع وحده { خالصة يوم القيامة } بالرفع. الباقون بالنصب. # من رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو (هي) ويكون { للذين آمنوا } تبيينا ~~للخلوص، ولا شىء فيه على هذا. ومن قال هذا حلو حامض أمكن أن يكون { للذين ~~آمنوا } خبرا و { خالصة } خبرا آخر. ومن نصب { خالصة } كان حالا مما ~~في قوله { للذين آمنوا } ألا ترى أن فيه ذكرا يعود الى المبتدأ الذي هو ~~(هي) فخالصة حال عن ms1509 ذلك الذكر، والعامل في الحال ما في اللام من معنى ~~الفعل، و { هي } متعلقة بمحذوف يعود اليه الذكر الذي كأن يكون في ~~المحذوف، ولو ذكر ولم يحذف، وليس متعلقا بالخلوص، كما تعلق به في قول من ~~رفع. وتقديره هو للذين آمنوا في الحياة الدنيا لهم خالصة، ذكره الفراء. # وحجة من رفع أن المعنى هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، وإن شركهم ~~فيها غيرهم من الكافرين في الدنيا. # ومن نصب فالمعنى عنده هي ثابتة للذين آمنوا في حال خلوصها يوم القيمة ~~لهم وانتصابه على الحال أشبه بقوله # إن المتقين في جنات وعيون آخذين # ونحو ذلك مما انتصب الأمر فيه على الابتداء وخبره، وما يجري مجراه إذا ~~كان فيه معنى (فعل). # لما أباح الله تعالى وحث على تناول الزينة في كل مسجد وندب اليه وأباح ~~الاكل والشرب، ونهى عن الاسراف، وهناك قوم يحرمون كثيرا من الاشياء من ~~هذا الجنس، قال الله تعالى منكرا ذلك { من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق }. وقيل في معنى الطيبات قولان: أحدهما - ~~المستلذ من الرزق. الثاني - الحلال من الرزق، والاول أشبه بخلوصه يوم ~~القيامة. وإنما ذكر الطيبات من جملة ذلك - في قول ابن زيد والسدي - ~~لأنهم كانوا يحرمون البحائر والسوائب، وظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز ~~لأحد تجنب الزينة والملاذ الطيبة على وجه التحريم، وأما من اجتنبها على ~~ان غيرها أفضل منها فلا مانع منه. # ثم أخبر تعالى فقال { هي } يعني الطيبات { للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~خالصة يوم القيامة } وقيل في معنى { خالصة يوم القيامة } قولان: # أحدهما - قال ابن عباس والحسن والضحاك وابن جريج، وابن زيد: هي خالصة ~~للمؤمنين دون أعدائهم من المشركين. # وقال أبو علي: هي خالصة لهم من شائب مضرة تلحقهم. # وقال أبو علي الفارسي: لا يخلو قوله { في الحياة الدنيا } من أن يتعلق ~~ب (حرم) أو ب (زينة) أو ب (أخرج) أو ب { الطيبات } أو ب { الرزق } ~~من قوله { من الرزق } أو بقوله { آمنوا } ولا يجوز أن يتعلق ب ms1510 (حرم) ~~فيكون التقدير قل من حرم في الحياة الدنيا، ويكون المعنى قل من حرم في ~~وقت الحياة الدنيا، ولا يجوز أن يتعلق ب (زينة) لأنه مصدر أو جار مجراه، ~~ولما وصفها لم يجز أن يتعلق بها شىء بعد الوصف كما لا يتعلق به العطف ~~عليه، ويجوز أن يتعلق ب (أخرج) لعباده في الحياة الدنيا. # فإن قيل: كيف يتعلق ب (أخرج) وفيه فصل بين الصلة والموصول بقوله { قل ~~هي للذين آمنوا } وهو كلام مستأنف ليس في الصلة؟ # قيل لا يمنع الفصل به، لأنه مما يسدد القصة، وقد قال # والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة # فقوله { وترهقهم ذلة } معطوف على كسبوا، فكذلك قوله { قل هي للذين آمنوا ~~}. # ويجوز أن يتعلق ب { الرزق } أيضا إن كان موصولا. # ويجوز أن يتعلق ب { آمنوا } الذي هو صلة (الذين) أي آمنوا في الحياة ~~الدنيا، وكل ما ذكرناه من هذه الأشياء يجوز أن يتعلق به هذا الظرف. # وقوله { كذلك نفصل الآيات } أي كما نميز لكم الآيات وندلكم بها على ~~منافعكم وصلاح دينكم، كذلك نفصل الآيات لكل عاقل يعلم معناها ودلالتها. ### || [7.33] # لما أنكر تعالى على من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق، وذكر أنه أباح ذلك للمؤمنين في دار الدنيا بين عقيب ذلك ما حرمه ~~عليهم، فقال { قل } يا محمد { إنما حرم ربي الفواحش } ومعناه لم يحرم ~~ربي إلا الفواحش، لأنا قد بينا أن { إنما } تدل على تحقيق ما ذكر، ونفي ~~ما لم يذكر. # والتحريم هو المنع من الفعل باقامة الدليل على وجوب تجنبه، وضده ~~التحليل، وهو الاطلاق في الفعل بالبيان عن جواز تناوله. وأصل التحريم ~~المنع من قولهم: حرم فلان الرزق، فهو محروم حرمانا، وحرم الرجل اذا لج في ~~الشىء بالامتناع منه، وحرمه تحريما، وأحرم بالحج إحراما وتحرم ~~بطعامه تحرما، واستحرمت الشاة اذا طلبت الفحل، لانها تتبعه كما تتبع ~~الحرمة البعل، والحرم مكة وما حولها مما هو معروف، وأشهر الحرم ذو ~~القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، والمحرم القرابة التي لا يحل ms1511 تزوجها، ~~وحريم الدار ما كان من حقوقها، والمحرم السوط الذي لا يلين لأنه حرام أن ~~يضرب به حتى يلين. # والفواحش جمع فاحشة، وهي أقبح القبائح. وهي الكبائر. # وقوله { ما ظهر منها وما بطن } يعني ما علن وما خفي. # وقد قدمنا اختلاف المفسرين في ذلك، وانما ذكر مع الفواحش هذه القبائح، ~~وهي داخلة فيها لأحد أمرين: # أحدهما - للبيان عن التفصيل، كأنه قيل الفواحش التي منها الاثم، ومنها ~~البغي، ومنها الاشراك بالله. # والثاني - ان الفواحش - ها هنا - الزنا وهو الذي بطن، والتعري في ~~الطواف، وهو الذي ظهر - في قول مجاهد - وقال قوم: الاثم هو الخمر، وما ~~ظهر الزنا، وما بطن هو نكاح امرأة الأب، والاثم يعم جميع المعاصى، وأنشد ~~ابن الانباري في أن الاثم هو الخمر: # شربت الاثم حتى ضل عقلي # كذاك الاثم يصنع بالعقول # وقال الفراء: الاثم ما دون الحد، والبغي هو الاستطاعة على الناس، وحده ~~طلب الترأس بالقهر من غير حق. وأصل البغي الطلب، تقول: هذه بغيتي أي ~~طلبتي، وأبتغي كذا ابتغاء. وما تبغي؟ أي ما تطلب، وينبغي كذا أي هو ~~الأولى أن يطلب. # وقوله { ما لم ينزل به سلطانا } السلطان الحجة - في قول الحسن وغيره - ~~ومثله البرهان والبيان والفرقان، وحدودها تختلف، فالبيان إظهار المعنى ~~للنفس كاظهار نقيضه، والبرهان إظهار صحة المعنى وفساد نقيضه، والفرقان ~~إظهار تميز المعنى مما التبس به. والسلطان إظهار ما يتسلط به على نقيض ~~المعنى بالابطال. # و { أن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي وحرم عليكم ذلك، وذلك يدل على ~~بطلان التقليد، لأن المقلد لا يعلم صحة ما قلد فيه. ### || [7.34] # قيل الفرق بين أن تقول: ولكل أمة أجل، وبين ولكل أحد أجل من وجهين: # أحدهما - أن ذكر الأمة يقتضي تقارب أعمار أهل العصر. # والثاني - أنه يقتضي إهلاكهم في الدنيا بعد إقامة الحجة عليهم باتيان ~~الرسل. # والامة الجماعة التي يعمها معنى. وأصله أمه يؤمه إذا قصده، فالأمة ~~الجماعة التي على مقصد واحد. والأجل الوقت المضروب لانقضاء المهل، لأن ~~بين العقد الأول الذي يضرب لنفس الأجل، ms1512 وبين الوقت الآخر مهلا، مثل أجل ~~الدين، وأجل الوعد، وأجل العمر. # وقال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على أن الأجل واحد، لأنه لا يجوز ~~أن يكون الظالم بقتل الانسان قد اقتطعه عن أجله. وقال أبو بكر ابن ~~الاخشيد: ليس الأمر على ذلك لانها قد دلت أنه غير هذا على الاجلين. # وقوله { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } معنى لا ~~يستأخرون، لا يتأخرون، وإنما قيل لا يستأخرون من أجل أنهم لا يطلبون ~~التأخر، فهو أبلغ في المعنى من لا يتأخرون، لأن الاستئخار طلب التأخر. # وقوله { ولا يستقدمون } معناه لا يتقدمون، والمعنى اذا قرب أجلهم لا ~~يطلبون التقدم ولا التأخر، لأن بعد حضور الأجل ونزول الاملاك يستحيل منهم ~~طلب ذلك، كما يقال جاء الشتاء وجاء الصيف إذا قارب وقته لأنه متوقع ~~كتوقعه. ### || [7.35] # هذا خطاب من الله تعالى لجميع بني آدم المكلفين منهم أنه يبعث إليهم ~~رسلا منهم يقصون عليهم آيات الله وحججه وبراهينه، وهو ما أنزله عليهم من ~~كتبه ونصب لهم من أدلته. # وقوله { إما } أصله (إن) حرف الشرط دخلت عليه (ما) ولدخولها دخلت ~~النون الثقيلة في { يأتينكم } ولو قال: إن يأتينكم، لم يجز، وإنما كان ~~كذلك، لأن (ما) جعلته في حكم غير الواجب، لأنه ينزل منزلة ما هو غير كائن ~~حتى احتيج معه الى القسم مع خفاء أمره من جهة المستقبل، ولم يجز دخول ~~النون على الواجب في مثل هو، هون، لأن هذه النون تؤذن بأن ما دخلت عليه ~~قد احتاج الى التأكيد لخفاء أمره من جهة المستقبل. وانه غير واجب لخفاء ~~أمره من هاتين الجهتين، لأجله احتاج الى نون التأكيد. وإنما قال { رسل ~~منكم } بلفظ الجمع، وإنما أتى هؤلاء رسول منهم لأنه على تقدير يأتين لكل ~~أمة، فصار كأنه خطاب لجميع المكلفين. وجواب (إن) يحتمل أن يكون أحد ~~أمرين: # أحدهما - أن يكون قوله { فمن اتقى } منكم { وأصلح } لأن التفصيل يقتضي ~~منكم. # الثاني - أن يكون محذوفا يدل الكلام عليه كأنه قال فأطيعوهم. # وقوله { يقصون } فالقصص وصل الحديث ms1513 بالحديث في وصل الحديث الممتنع بحديث ~~مثله. # وقوله { فمن اتقى وأصلح } معناه فمن اتقى منكم وأصلح { فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } وظاهر الآية يدل على أن من اتقى معاصي الله واجتنبها، ~~وأصلح بأن فعل الصالحات، لا خوف عليهم في الآخرة - وهو قول الجبائي - ~~وقال أبو بكر بن الاخشيد: لا يدل على ذلك، لأن الله تعالى قال في وصفه ~~يوم القيامة # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى # وإنما هو كقول الطبيب للمريض لا بأس علكى، ولا خوف عليك، ومعناه أن ~~أمره يؤل الى السلامة والعافية. والاول أقوى، لأنه الظاهر غير أن ذلك ~~يكون لمن اتقى جميع معاصي الله، فأما من جمع بين الطاعات والمعاصي فان ~~خوفه من عقاب الله على معاصيه لا بد منه، لأنا لا نقطع على أن الله تعالى ~~يغفر له لا محالة، ولا نقول بالاحباط فنقول ثواب إيمانه أحبط عقاب ~~معاصيه، فاذا اجتمعا فلا بد من أن يخاف من وصول العقاب اليه. ومن قال ~~لفظة " اتقى " لا تطلق إلا للمؤمن من أهل الثواب، لانها صفة مدح، فلا بد ~~من أن يكون مشروطا بالخلوص مما يحبطه، فما ذكروه أولا صحيح نحن نعتبره، ~~لأن المتقي لا يكون إلا مؤمنا مستحقا للثواب، غير أنه ليس من شرطه ألا ~~يكون معه شىء من العقاب، بل عندنا يجتمعان، فلا يستمر ما قالوه. ### || [7.36] # أخبر الله تعالى أن الذين كذبوا بحججه وبراهينه -، ولم يصدقوه، ~~واستكبروا عنها - انهم أصحاب النار الملازمون لها على وجه الخلود ~~والتأبيد. # والتكذيب هو تنزيل الخبر على أنه كذب. والتصديق تنزيل الخبر على انه ~~صدق، فالتكذيب بآيات الله كفر، والتكذيب بالطاغوت إيمان، فذلك توعد على ~~التكذيب بآيات الله بعقاب الابد. والاستكبار طلب الترفع بالباطل، ولفظة { ~~مستكبر } صفة ذم في جميع الخلق، والخلود هو لزوم الشىء على ما هو فيه. ~~ومعنى # أخلد إلى الأرض # لزوم الركون اليها. والصاحب والقرين متقاربان غير أن القرين فيه معنى ~~النظير، وليس ذلك في ms1514 الصاحب فلذلك قيل: أصحاب رسول الله، ولم يقل قرناؤه. # ولفظة { الذين } مبنية على هذه الصيغة في جميع الأحوال: الرفع، والنصب، ~~والجر، وإنما تثبت مع بعدها بالجمع عن الحرف، لأن العلة التي لها هي ~~التي موجودة فيه، وهي نقصانه عن سائر الاسماء حتى تأتي صلته فتتمه، وليس ~~هذا كالشبيه العارض الذي يزول على وجه. فأما من قال: الذون والذين فانه ~~اعتد بتبعيد الجمع، فجعله على طريقة المعرف، ولان هذه الطريقة لما لم تكن ~~اعرابا تاما لم يمنعوه لما وقع بعده من شبه الحرف بالجمع. ### || [7.37] # قوله { فمن أظلم } صورته صورة الاستفهام، والمراد به الاخبار عن عظم جرم ~~من يفتري على الله كذبا أو يكذب بآيات الله، لا أنه أحد أظلم لنفسه ~~منه. وانما أورد هذا الخبر بلفظ الاستفهام، لأنه ابلغ برد المخاطب الى ~~نفسه في جوابه مع تحريك النفس له بطريق السؤال. وقد بينا فيما مضى من ~~الكتاب حقيقة الظلم، وأن أجود ما حد به أن قيل: هو الضرر المحض الذي ~~لا نفع فيه يوفى عليه، ولا دفع ضرر أعظم من دفعه، لا عاجلا ولا آجلا، ~~ولا يكون مستحقا ولا واقعا على وجه المدافعة. وقد حد الرماني الظلم ~~بأنه الضرر القبيح من جهة بخس الحق به، وهذا ينتقض بالألم الذي يدفع به ~~ألم مثله، لما قلناه. # وقوله { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } فالنيل هو وصول النفع الى ~~العبد إذا أطلق، فان قيد وقع على الضرر، لأن أصله الوصول الى الشىء من ~~نلت النخلة أنالها نيلا، قال امرؤ القيس: # سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا # ونائل ذا اذا صحا واذا سكر # والبخل منع النائل لمشقة الاعطاء. # وقيل في معنى { ينالهم نصيبهم من الكتاب } أقوال: # أحدها - قال الزجاج والفراء: هو ما ذكره الله تعالى من أنواع العذاب ~~للكفار مثل قوله # فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى # وقوله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم # وغير ذلك مما كتب الله في اللوح المحفوظ. # الثاني - قال ms1515 الربيع وابن زيد: من الرزق والعمر، والعمل: من الخير والشر ~~في الدنيا. # الثالث - قال مجاهد: جميع ما كتب لهم وعليهم، وهو قول عطية. # وقال بعضهم معناه ينالهم نصيبهم من خير أو شر في الدنيا، لأنه قال { حتى ~~إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } وهي الانتهاء. والاجوبة الاولى أقوى لأن ~~الاظهار فيما يقتضيه عظم الظلم في الفحش الوعيد والعذاب الأبدي. # وقال سيبويه والزجاج: لا تجوز إمالة (حتى) لانها حرف لا يتصرف، ~~والامالة ضرب من التصريف، وكذلك (إما، وايا، والا، ولا). و (أينما) كتبت ~~بالياء مع امتناع إمالتها تشبيها ب (حبلى) من جهة أن الالف رابعة، ولم ~~يجز مثل ذلك في (إلا) لأن (إلا) تشبه الى. ولا في (اما) التي للتخيير، ~~لأنها بمنزلة (إن ما) التي للجزاء. # وقوله { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يعني الملائكة التي تنزل ~~عليهم لقبض أرواحهم. وقيل في معنى الوفاة - ها هنا - قولان: # احدها - الحشر الى النار يوم القيامة بعد الحشر الثاني، وفات الموت الذي ~~يوبخهم عنده الملائكة - في قول أبي علي - والوجه في مسألة الملك لمن ~~يتوفاه: التبكيت لمن لم يقم حجته، والبشارة لمن قام بحجته. وفي الاخبار ~~عن ذلك مصلحة السامع اذا تصور الحال فيه. # وقوله { قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله } حكاية سؤال الملائكة لهم ~~وتوبيخهم أن الذين كانوا يدعونهم من دون الله من الاوثان والاصنام لم ~~ينفعوهم في هذه الحال، بل ضروهم. # وقوله { قالوا ضلوا عنا } حكاية عن جواب الكفار للملائكة أنهم يقولون: ~~ضل من كنا ندعوه من دون الله عنا { وشهدوا على أنفسهم } يعني الكفار ~~أقروا على أنفسهم { أنهم كانوا كافرين } جاحدين بالله، وكافرين لنعمه ~~بعبادتهم الانداد من دون الله. ### || [7.38] # هذا حكاية عن قول الله تعالى للكفار يوم القيامة وأمره لهم بالدخول في ~~جملة الأمم الذين تبعوا من قبلهم من جملة الجن والانس وهم في النار. ~~ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن جعله إياهم في جملة اولئك في النار، من ~~غير أن يكون هناك قول، كما قال # كونوا قردة خاسئين # والمراد أنه جعلهم ms1516 كذلك. # ومعنى الخلو انتفاء الشىء عن مكانه فكل ما انتفى من مكانه، فقد خلا منه، ~~وكذلك { خلت } بمعنى مضت، لانها إذا مضت بالهلاك، فقد خلا مكانها منها. ~~والجن جنس من الحيوان مستترون عن أعين البشر لرقتهم، يغلب عليهم التمرد ~~في أفعالهم، لأن الملك أيضا مستتر لكن غلب عليه أفعال الخير. وعند قوم: ~~أنهم أجمع رسل الله. والانس جنس من الحيوان يتميز بالصورة الانسانية. # وقوله { كلما دخلت أمة لعنت أختها } يعني في دينها لا في نسبها، فأما ~~قوله # وإلى مدين أخاهم شعبيا # يعني أنه منهم في النسب. وقوله { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } فوزن ~~اداركوا (تفاعلوا) فأدغمت التاء في الدال واجتلبت ألف الوصل ليمكن النطق ~~بالساكن الذي بعده، ومعناه تلاحقوا. # وقوله { قالت أخراهم لأولاهم } يعني الفرقة المتأخرة التابعة تقول للامة ~~المتقدمة المتبوعة، وتشير اليها { هؤلاء أضلونا } عن طريق الحق وأغوونا { ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار } دعاء منهم عليهم أن يجعل عذابهم ضعفا، ~~فقال الله تعالى { لكل ضعف ولكن لا تعلمون } والضعف المثل الزائد على ~~مثله، فاذا قال القائل: اضعف هذا الدرهم معناه أجعل معه درهما آخر، لا ~~دينارا، وكذلك اضعف الاثنين أي اجعلهما أربعة. وحكي أن المضعف في كلام ~~العرب ما كان ضعفين، والمضاعف ما كان أكثر من ذلك. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود أن الضعف أفاعي وحيات. واستعمل الضعف بمعنى المثل، ومنه قوله # يضاعف لها العذاب ضعفين # يعني مثلين. # وقرأ أبو بكر عن عاصم { ولكن لا يعلمون } بالياء. الباقون بالتاء. ومن ~~قرأ بالتاء، فتقديره لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منهم. ومن قرأ ~~بالياء تقديره لكن لا يعلم كل فريق ما على الآخر من العقاب. ### || [7.39] # هذا حكاية عن جواب قول الامة الاولى المتبوعة للاخرى التابعة حين سمعت ~~دعاءها عليهم بأن يؤتيهم ضعفا من العذاب { فما كان لكم علينا من فضل } ~~وقيل في معناه قولان: # أحدهما - ما كان لكم علينا من فضل في ترك الضلال، وهو قول أبي مخلد ~~والسدي. وقال الجبائي: لمساواتكم لنا في الكفر. # الثاني - من ms1517 فضل في التأويل فتطالبونا بتضييع حقه. # ولفظة (أفعل) على ثلاثة أوجه: # أحدها - ما فيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا لا يجوز فيه التأنيث ~~والتذكير والتثنية والجمع مضافا كان أو على طريقة (أفعل من كذا) كقولك ~~أفضل من زيد وأفضل القوم لتضمنه معنى الفعل، والمصدر كقولك أفضل القوم ~~بمعنى يزيد فضله على فضلهم. # الثاني - ما لم يقصد فيه معنى يزيد كذا على كذا، فهذا يجوز فيه كل ذلك ~~كقولك: الاكبر والكبرى والاكابر. # الثالث - (أفعل) من الألوان والعيوب الظاهرة للحاسة، فهذا يجيء على ~~(أفعل، وفعلاء) وجمعه (فعل) نحو أحمر، وحمراء وحمر. وأعرج وعرجاء وعرج. # وأما (أفعل) إذا كان اسم جنس، فانه يثنى ويجمع ولا يؤنث، وكذلك اذا كان ~~علما نحو أفكل وأفاكل وأحمد وأحامد. فاما ابطح وأباطح وأجزع واجازع، ~~فأجري هذا المجرى، لأنه استعمل على طريقة إسم الجنس وأصله الوصف، ولا ~~يجوز في (أفعل) الفعول إلا بالتعريف لأيذان معنى (أفعل) معنى أفعل من ~~كذا، قال سيبويه: لا يجوز نسوة صغر ولا كبر حتى تعرفه فتقول: النسوة ~~الصغر والكبر. ### || [7.40] # قرأ حمزة والكسائي وخلف " لا يفتح " بالياء والتخفيف، وقرأ أبو عمرو ~~بالتاء والتخفيف. الباقون بالتاء، والتشديد. من شدد ذهب الى التكثير. ~~والمعنى أنهم ليسوا كحال المؤمن في التفتيح مرة بعد أخرى. ومن قرأ ~~بالتاء، فلان الابواب جماعة فأنث تأنيث الجماعة. ومن قرأ بالياء، فلأن ~~التأنيث غير حقيقي، وذهب الى معنى الجمع. # أخبر الله تعالى في هذه الآية { إن الذين كذبوا } بآيات الله وجحدوها، ~~واستكبروا عنها بمعنى طلبوا التكبر والترفع عن الانقياد لها { لا تفتح ~~لهم أبواب السماء } هوانا لهم واستخفافا، بهم فان فتحت فتحت عليهم ~~بالعذاب. وقال ابن عباس والسدي: لأنها تفتح لروح المؤمن، ولا تفتح لروح ~~الكافر، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وابراهيم: لا تفتح لدعائهم، ~~ولا أعمالهم. # وقال أبو جعفر (ع) أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم الى السماء، ~~فتفتح لهم أبوابها. وأما الكافر، فيصعد بعمله وروحه حتى اذا بلغ السماء ~~نادى مناد: اهبطوا بعمله الى سجين، وهو واد ms1518 بحضرموت يقال له: برهوت. # وقال الحسن لا تفتح لدعائهم. وقال ابن جريج: لا تفتح لأرواحهم ولا ~~أعمالهم. وقال أبو علي: لا تفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة، لان الجنة ~~في السماء. # ثم قال { ولا يدخلون الجنة } يعني هؤلاء المكذبين بآيات الله ~~والمستكبرين عنها سواء كانوا معاندين في ذلك أو غير عالمين بذلك. وإنما ~~تساويا في ذلك، لان من ليس بعالم قد ازيحت علته باقامة الحجة، ونصب ~~الأدلة على تصديق آيات الله، وترك الاستكبار عنها. # وقوله { حتى يلج الجمل في سم الخياط } إنما علق الجائز، وهو دخولهم ~~الجنة بمحال، وهو دخول الجمل في سم الخياط، لأنه لا يكون، كما قال ~~الشاعر: # إذ شاب الغراب أتيت أهلي # وصار القار كاللبن الحليب # والآخر أنه مضمر بما لا يمكن من قلب الدليل، والجمل هو البعير - ها هنا ~~- في قول عبد الله والحسن ومجاهد والسدي وعكرمة وأكثر المفسرين. والسم ~~الثقب. ومنه قيل: السم القاتل، لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل ~~الى القلب فتنتقض بنيته، وكل ثقب في البدن لطيف فهو سم وسم بضم السين ~~وفتحها وجمعه سموم، وقال الفرزدق: # فنفست عن سميه حتى ينفسا # وقلت له لا تخش شيئا ورائيا # يعني بسميه ثقبي أنفه، ويجمع السم القاتل سماما. والخياط والمخيط ~~الابرة. وقيل خياط ومخيط، كما قيل لحاف وملحف، وقناع ومقنع، وإزار ~~ومئزر، وقرام ومقرم - ذكره الفراء -. ### || [7.41] # أخبر الله تعالى أن لهؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا ~~عنها لهم من جهنم مهاد، و { جهنم } في موضع جر ب (من) لكن فتح لأنه لا ~~ينصرف لاجتماع التأنيث والتعريف فيه، واشتقاقه من الجهومة، وهي الغلظ، ~~رجل جهم الوجه غليظه، فسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب، نعوذ بالله منها. ~~والمهاد الوطأ الذي يفترش. ومنه مهد الصبي، ومهدت له لأمر اذا وطأته له، ~~وإنما قيل: مهاد من جهنم أي موضع المهاد، كما قال تعالى # فبشرهم بعذاب أليم # وقال الحسن { مهاد } فراش من نار، و { غواش } ظلل منها. # وقوله { ومن فوقهم غواش } فالغواش لباس مجلل، ومنه غاشية ms1519 السرج، وفلان ~~يغشى فلانا أي يأتيه ويلابسه. ومنه غشي المرض، والغشاوة التي تكون على ~~الولد. وقال محمد بن كعب: الغواشي هي اللحف، وهي أزر الليل محشوة كانت أو ~~غير محشوة، ذكره الأزهري، وروى الطبري مثله. وقيل في دخول التنوين على ~~(غواش) مع أنه على (فواعل) وهو لا ينصرف قولان: # أحدهما - قال سيبويه: إن التنوين عوض من الياء المحذوفة وليس بتنوين ~~الصرف. # الثاني - أنه تنوين الصرف عند حذف الياء لإلتقاء الساكنين في التقدير. # وقوله { وكذلك نجزي الظالمين } أي مثل ما نجزي هؤلاء المكذبين بآيات ~~الله المستكبرين عنها نجزي كل ظالم وكل كافر. والوصف ب (ظالم) يقتضي ~~لحوق الذم به في العرف. ### || [7.42] # لما أخبر الله تعالى بصفة المكذبين المستكبرين عن آياته، وما أعد لهم ~~من أنواع العذاب والخلود في النيران، أخبر بعده بما أعده للمؤمنين، ~~العاملين بالاعمال الصالحات، فقال { والذين آمنوا } يعني الذين صدقوا ~~بآيات الله واعترفوا بها، ولم يستكبروا عنها. ثم أضافوا الى ذلك الأعمال ~~الصالحات، وهو ما أوجبه الله عليهم أو ندبهم اليه. # وقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } فالتكليف من الله هو إرادة ما فيه ~~المشقة، وقال قوم: هو اعلام وجوب ما فيه المشقة او ندبه. والارادة شرط. ~~وقال قوم: التكليف هو تحميل ما يشق في الأمر والنهي، ومنه الكلفة، وهي ~~المشقة. وتكلف القول أي تحمل ما فيه المشقة حتى أتى على ما ينافره العقل. # أخبر الله تعالى أنه لا يلزم نفسا إلا قدر طاقتها وما دونها، لأن ~~الوسع دون الطاقة. وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة: من أن الله ~~تعالى كلف العبد ما لا قدرة له عليه ولا يطيقه. # وموضع { لا يكلف نفسا إلا وسعها } قيل فيه قولان: # أحدهما - ان يكون رفعا بأنه الخبر على حذف العائد، كأنه قيل: منهم، ولا ~~من غيرهم، وحذف لأنه معلوم. # والآخر - ألا يكون له موضع من الاعراب، لأنه اعتراض، والخبر الجملة في { ~~أولئك } لأن قوله { والذين آمنوا } مبتدأ، وقوله { أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون } خبر بأن هؤلاء الذين آمنوا ms1520 وعملوا الصالحات ملازمون الجنة ~~مخلدون لنعمتها. ### || [7.43] # نزع الغل في الجنة تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، وإعطاء كل نفس ~~مناها، ولا يتمنى أحد ما لغيره. # قرأ ابن عامر { ما كنا لنهتدي } بلا واو، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. ~~الباقون باثباتها. وجه الاستغناء عن الواو أن الجملة متصلة بما قبلها ~~فأغنى التباسها بها عن حرف العطف. ومثله { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } ~~فاستغنى عن حرف العطف بالالتباس من احدى الجملتين بالأخرى. ومن أثبت ~~الواو فلعطفه جملة على جملة. # في هذه الآية إخبار عما يفعله بالمؤمنين في الجنة بعد أن يخلدهم فيها، ~~بأن ينزع ما في صدورهم من غل، فالنزع رفع الشىء عن مكانه المتمكن فيه، ~~إما بتحويله، وإما باعدامه. ومعنى نزع الغل - ها هنا - إبطاله. # وقيل في ما ينزع الغل من قلوبهم قولان: # أحدهما - قال أبو علي: بلطف الله لهم في التوبة حتى تذهب صفة العداوة. # الثاني - بخلوص المودة حتى يصير منافيا لغل الطباع. # والثاني أقوى، لأن قوله { تجري من تحتهم الأنهار } حال لنزع الغل، وكأنه ~~قال: ونزعنا ما في صدورهم من غل في حال تجري من تحتهم الأنهار وعلى ~~الأولى يكون { تجري من تحتهم الأنهار } مستأنفا. # والغل: الحقد الذي ينقل بلطفه الى صميم القلب، ومنه الغلول، وهو الوصول ~~بالحيلة الى دقيق الخيانة، ومنه الغل الذي يجمع اليدين والعنق بانغلاله ~~فيها. والصدر: ما يصدر من جهته التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: صدر، ~~وقيل صدر المجلس. # وقوله { تجري من تحتهم الأنهار } فالجريان انحدار المائع، فالماء يجري، ~~والدم يجري، وكذلك كل مايصح أن يجري، فهو مائع، وجرى الفرس في عدوه مشبه ~~بجري الماء في لينه وسرعته. # وقوله { تجري من تحتهم الأنهار } فالنهر المجرى الواسع من مجاري الماء، ~~ومنه النهار لاتساع ضيائه، وانهار الدم لاتساع مخرجه. # وقوله { وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنتهدي لولا أن هدانا ~~الله } إخبار عن قول أهل الجنة واعترافهم بالشكر لله تعالى الذي عرضهم ~~له بتكليفه إياهم ما يستحقون به الثواب. وقيل: معنى { هدانا لهذا } يعني ~~لنزع الغل ms1521 من صدورنا. وقيل: هدنا لثبات الايمان في قلوبنا. وقيل: هدنا ~~لجواز الصراط. # وقوله { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } إقرار من أهل الجنة واعتراف بأن ما ~~جاءت به الرسل اليهم من جهة الله أنه حق لا شبهة فيه، ولا مرية في صحته. # وقوله { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } فالنداء ~~الدعاء بطريقة يا فلان كأنه قيل لهم: أيها المؤمنون { أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } جزاء لكم على ذلك، على وجه التهنئة لهم بها. # و (أن) مخففة من الثقيلة و (الهاء) مضمرة، والتقدير ونودوا بأنه تلكم ~~الجنة. # وقال الزجاج { أن تلكم } تفسير للنداء، والمعنى قيل لكم: تلكم الجنة. ~~وإنما قال { تلكم } لأنهم وعدوا بها في الدنيا، وكأنه قيل لهم هذه تلكم ~~التي وعدتم بها. ويجوز أن يكونوا عاينوها، فقيل لهم - قبل أن يدخلوها - ~~إشارة اليها { تلكم الجنة }. # ومن أدغم، فلان الثاء والتاء مهموستان متقاربتان فاستحسن الادغام. # ومن ترك الادغام في { أورثتموها } وهو ابن كثير، ونافع وعاصم وابن عامر ~~- فلتباين المخرجين، وأن الحرفين في حكم الانفصال، وإن كانا في كلمة ~~واحدة، كما لم يدغموا # ولو شاء الله ما اقتتلوا # وإن كانا مثلين لا يلزمان لأن تاء (افتعل) قد يقع بعدها غير التاء، ~~فكذلك أورث، قد يقع بعدها غير التاء، فلا يجب الادغام. # واستدل الجبائي بذلك على ان الثواب يستحق بأعمال الطاعات، ولا يستحق من ~~جهة الاصلح، لان الله تعالى بين انهم اورثوها جزاء بما عملوه من طاعته ~~(عز وجل). ### || [7.44] # قرأ حمزة، والكسائي وابن كثير في رواية شبل { أن } مشددة النون. ~~الباقون خفيفة. وكذلك ابن كثير في رواية قنبل بتخفيف النون وسكونها ورفع ~~{ لعنة }. الباقون بتشديد النون ونصب { لعنة }. وقرأ الكسائي وحده { ~~قالوا نعم } بكسر العين. وفي الشعراء { قال نعم } وفي الصافات { قل نعم } ~~بفتح النون. قال ابو الحسن الاخفش: نعم ونعم لغتان، فالكسر لغة كنانة ~~وهذيل، والفتح لغة باقي العرب، وفي القراءة الفتح. وقال سيبويه { نعم } ~~عدة وتصديق فاذا استفهمت اجبت ب { نعم }. ولم يحك سيبويه الكسر، ومعنى ms1522 ~~قوله: عدة وتصديق انه يستعمل عدة ويستعمل تصديقا، ولا يريد أن العدة ~~تجتمع مع التصديق ألا ترى انه اذا قال قائل: اتعطيني، فقال: نعم، كان ~~عدة، ولا تصديق في ذلك، واذا قال: قد كان كذا وكذا، فقلت نعم، فقد صدقته، ~~ولا عدة في هذا. # وقوله { فأذن مؤذن } بمنزلة اعلم معلم، قال سيبويه: أذن اعلام بصوت، ~~فالتي تقع بعد العلم. و (أن) إنما هي الشددة او المخفضة عنها والتقدير ~~اعلم معلم ان لعنة الله. ومن خفف (ان) كان على اضمار القصة والحديث، ~~فتقديره انه لعنة الله، ومثل ذلك قوله # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # والتقدير (انه) ولا تخفف (ان) الا مع اضمار الحديث فالقصة تراد معها. ~~ومن ثقل نصب ب (ان) ما بعدها، كما ينصب بالمشددة المكسورة. والمكسورة ~~اذا خففت لا يكون ما بعدها على اضمار القصة والحديث، كما تكون المفتوحة ~~كذلك. # والفرق بينهما ان المفتوحة موصولة، والموصولة تقتضي صلتها، فصارت ~~لاقتضائها الصلة اشد اتصالا بما بعدها من المكسورة، فقدر بعدها الضمير ~~الذي هو من جملة صلتها، وليست المكسورة كذلك، لان (ان) المفتوحة بمعنى ~~المصدر، فلا بد لها من اسم وخبر، لانها تلتغي بأن يكون دخولها كخروجها، ~~وليس كذلك (ان)، ومن المفتوحة قول الاعشى: # في فتية كسيوف الهند قد علموا # ان هالك كل من يخفى وينتعل # وأما قراءتهم في النور # أن غضب الله # فان (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، واما قراءة نافع { أن غضب الله ~~} فحسن، وهو بمنزلة قوله # وآخر دعواهم أن الحمد لله # وليس لاحد ان يقول: هذا لا يستحسن لان المخففة من الشديدة لا يقع بعدها ~~الفعل حتى يقع عوض من حذف (ان) ومن أنها تولى ما يليها من الفعل، يدل على ~~ذلك # علم أن سيكون منكم # وقوله # لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء # وذلك انهم استجازوا ذلك وان لم يدخل معه شيء من هذه الحروف، لانه دعاء، ~~وليس شيء من هذه الحروف يحتمل الدخول معه، ونظير هذا في انه لما كان ms1523 دعاء ~~لم يلزمه العوض قوله # نودي أن بورك من في النار ومن حولها # فولي قوله { بورك } (ان) وان لم يدخل معها عوض، كما لم يدخل في قراءة ~~نافع # أن غضب الله عليها # والدعاء قد استجيز معه ما لم يستجز مع غيره ألا ترى انهم قالوا: (اما ان ~~جزاك الله خيرا من) حمله سيبويه على اضمار القصة في (ان) المكسورة ولم ~~يضمر القصة مع المكسورة الا فى هذا الموضع. # وقوله { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } معناه وقال اصحاب الجنة يا ~~أصحاب النار بعد دخول هؤلاء الجنة ودخول هؤلاء النار. والصاحب هو المقارن ~~للشيء على نية طول المدة، والصحبة والمقارنة نظائر، الا ان في الصحبة ~~الارادة. ومنه قيل أصحاب الصحراء. # وقوله { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } معناه وجدنا ما وعدنا الله على ~~لسان رسله من الثواب على الايمان وعمل الطاعات { فهل وجدتم ما وعد ربكم } ~~على السنتهم { حقا } جزاء على الكفر من العقاب وعلى معاصيه من أليم ~~العذاب، فأجابهم اهل النار: بأن { قالوا نعم } والغرض بهذا النداء تبكيت ~~الكفار وتوبيخهم، وان الله تعالى صدق فيما وعد به على لسان نبيه ليحزن ~~الكفار بذلك ويتحسروا عليه. # والوجدان على ضربين: احدهما بمعنى العلم فهو يتعدى الى مفعولين. والآخر ~~بمعنى الاحساس يتعدى الى واحد. وانما كان كذلك، لان الذي بمعنى العلم ~~يتعلق بمعنى الجملة، والذي يتعلق بالاحساس يتعلق بمعنى المفرد من حيث ان ~~الاحساس لا يتعلق بالشيء الا من وجه واحد. # وجواب الايجاب يكون (نعم) وجواب النفي (بلى)، لان (نعم) تحقق معنى الخبر ~~المذكورة في الاستفهام و (بلى) تحققه باسقاط حرف النفي. # وقوله { فأذن مؤذن بينهم } معناه نادى مناد نداء أسمع الفريقين { أن ~~لعنة الله على الظالمين } ولعنة الله غضبه وسخطه وعقوبته على من كفر به ~~فيسر بذلك اهل الجنة ويغتم اهل النار. # وقال الاخفش والزجاج: يجوز ان تكون (ان) بمعنى اي { قد وجدنا } ولا يجب ~~ان تكون (أن) بمعنى أي { قد وجدنا }. ونادوهم مشرفين عليهم من السماء في ~~الجنة، لان الجنة في ms1524 السماء، والنار في الارض. # وقوله { وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } إنما أضافوا الوعد بالجنة الى ~~نفوسهم، لأن الكفار ما وعدهم الله بالجنة والثواب إلا بشرط أن يؤمنوا، ~~فلما لم يؤمنوا فكأنهم لم يوعدوا، وكذلك قوله { ما وعد ربكم } يعنون من ~~العقاب لان المؤمنين لما كانوا مطيعين مستحقين للثواب فكأنهم لم يوعدوا ~~بالعقاب، وانما خص الكفار. ### || [7.45] # { الذين } في موضع جر، لانه صفة للظالمين، والتقدير ألا لعنة الله على ~~الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، وذلك يبين ان المراد ~~بالظالمين الكفار، لان ما ذكرهم به من اوصاف الكفار. # والصد هو العدول عن الشيء عن قلى، والصد والاعراض بمعنى واحد، إلا ان ~~الصد يجوز ان يتعدى تقول: صده عن الحق يصده صدا، وصد هو عنه أيضا، ~~والاعراض لا يتعدى. # وقوله { عن سبيل الله } يعني الحق الذي دعا الله اليه ونصب عليه الادلة ~~وبعث به رسله. وقيل: هو دين الله. وقيل: الطريق الذي دل الله على انه ~~يؤدي الى الجنة والمعنى متقارب. # وقوله { يبغونها عوجا } معنى يبغونها يطلبون لها العوج بالشبه التي ~~يلبسون بها ويوهمون انها تقدح فيها، وانها معوجة عن الحق بتناقضها. و ~~(العوج) بالكسر يكون في الطريق وفي الدين، وبالفتح يكون في الخلقة ~~كقولك: في ساقه عوج بفتح العين، قال الشاعر: # قفا نسأل منازل آل ليلى # على عوج اليها وانثناء # بكسر العين، ويحتمل نصب عوجا أمرين: # احدهما - ان يكون مفعولا به كقولك ببغون لها العوج. # الثاني - ان يكون نصبا على المصدر، وكأنه قال: يطلبونها هذا الضرب من ~~الطلب، كما تقول: رجع القهقرى أي هذا الضرب من الرجوع اي طلب الاعوجاج. ### || [7.46] # قوله { وبينهما } يعني بين أصحاب الجنة واصحاب النار { حجاب } والحجاب ~~هو الحاجز المانع من الادراك، ومنه قيل للضرير: محجوب، وحاجب الامير، ~~وحاجب العين. وحجبه عنه أي منعه من الوصول اليه. # وقوله { وعلى الأعراف رجال } فالاعراف المكان المرتفع أخذ من عرف الفرس ~~ومنه عرف الديك، وكل مرتفع من الارض يسمى عرفا، لانه بظهوره أعرف مما ~~انخفض، قال الشماخ: # وظلت ms1525 بأعراف تغالي كأنها # رماح نحاها وجهة الرمح راكز # وقال آخر: # كل كناز لحمه نياف # كالعلم الموفى على الاعراف # يعني بنشوز من الارض، وقيل: هو سور بين الجنة والنار، كما قال تعالى # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # وهو قول مجاهد والسدي. # واختلفوا في الذين هم على الاعراف على أربعة اقوال: # احدها - أنهم فضلاء المؤمنين - في قول الحسن ومجاهد - قال ابو علي ~~الجبائي هم الشهداء، وهم عدول الآخرة، وقال ابو جعفر (ع) هم الائمة، ~~ومنهم النبي (صلى الله عليه وسلم). # وقال ابو عبد الله (ع) الاعراف كثبان بين الجنة والنار، فيوقف عليها كل ~~نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من اهل زمانه، كما يوقف قائد الجيش مع ~~الضعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون الى الجنة، فيقول ذلك الخليفة ~~للمذنبين الواقفين معه انظروا الى اخوانكم المحسنين، قد سبقوا الى الجنة ~~فيسلم المذنبون عليهم. وذلك قوله { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم }. # ثم اخبر تعالى انهم { لم يدخلوها وهم يطمعون } يعني هؤلاء المذنبين لم ~~يدخلوا الجنة، وهم يطمعون ان يدخلهم الله اياها بشفاعة النبي والامام، ~~وينظر هؤلاء المذنبون الى اهل النار، فيقولون { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين }. ثم ينادي اصحاب الاعراف، وهم الانبياء والخلفاء اهل ~~النار مقرعين لهم { ما أغنى عنكم جمعكم... أهؤلاء الذين أقسمتم } يعني ~~هؤلاء المستضعفين الذين كنتم تحتقرونهم وتستطيلون بدنياكم عليهم. ثم ~~يقولون لهؤلاء المستضعفين عن أمر الله لهم بذلك # ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون # ويؤكد ذلك ما رواه عمر بن شيبة وغيره: ان عليا (ع) قسيم الجنة والنار، ~~فروى بن شيبة بأسناده عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " يا علي كأني بك يوم القيامة وبيدك عصا من عوسج تسوق قوما الى الجنة ~~وآخرين الى النار ". # الثاني - قال ابو مجلز: هم ملائكة يرون في صورة الرجال. # الثالث - قال حذيفة: هم قوم تبطىء بهم صغائرهم الى آخر الناس. # الرابع - قال الفراء والزجاج وغيرهما: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، ~~فأدخلهم ms1526 الله تعالى الجنة متفضلا عليهم. وطعن الرماني والجبائي على هذا ~~الوجه بأن قالا: الاجماع منعقد على انه لا يدخل الجنة من المكلفين الا ~~المطيع لله. # وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لان هذا الاجماع دعوى ليس على صحته دليل، بل ~~من قال ما حكيناه لا يسلم ذلك، واكثر المرجئة أيضا لا يسلمون ذلك. # وقوله { يعرفون كلا بسيماهم } يعني هؤلاء الرجال الذين هم على الاعراف ~~يعرفون جميع الخلق بسيماهم اهل الجنة بسيما المطيعين واهل النار بسيما ~~العصاة. # والسيماء العلامة، وهي في اهل النار سواد الوجوه ورزقة العيون، وفي اهل ~~الجنة بياض الوجوه وحسن العيون - في قول الحسن وغيره - وقيل في وزن سيما ~~قولان: # احدهما - انه (فعلى) من سام ابله يسومها اذا أرسلها في المرعى، وهي ~~السائمة. # الثاني - ان وزنه وزن (فعلى)، وهو من وسمت، فقلبت الواو الى موضع ~~العين، كما قالوا له جاه في الناس أي وجه، وقالوا: اضمحل وامضحل وارض ~~خامة أي وخيمة، وفيها ثلاث لغات القصر والمد. وسيماء، قال الشاعر: # غلام رماه الله بالحسن يافعا # له سيماء لا تشق على البصر # على زنة (كبرياء). وقوله { ونادوا أصحاب الجنة } يعني هؤلاء الذين على ~~الاعراف ينادون يا أصحاب الجنة { سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون } ~~قيل في الطامعين قولان: # احدهما - قال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة انهم اصحاب الاعراف. ~~وقال أبو مجلز: هم اهل الجنة الذين ما دخلوها بعد. والطمع - ها هنا - هو ~~يقين بلا شك، لانهم عالمون بذلك ضرورة. وهو مثل قول ابراهيم # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # ولم يكن ابراهيم (ع) شاكا في ذلك بل كان عالما قاطعا، وانما حسن ذلك ~~لعظم شأن المتوقع في جلالة النعمة به، وهو قول الحسن وابي علي الجبائي ~~واكثر المفسرين. ### || [7.47] # هذا اخبار من الله تعالى عن أحوال هؤلاء الذين على الاعراف انه اذا صرف ~~ابصارهم. والصرف هو العدول بالشيء من جهة الى جهة. والتلقاء جهة اللقاء، ~~وهي جهة المقابلة، ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان تقول: هو تلقاك، كقولك ms1527 ~~هو حذاك. والابصار جمع بصر، وهو الحاسة التي يدرك بها المبصر وقد يستعمل ~~بمعنى المصدر، فيقال له: بصر بالاشياء أي علم بها، وهو بصير بالامور اي ~~عالم. { وأصحاب النار } هم اهل النار وانما يفيد { أصحاب } انهم ملازمون ~~لها. والاصل يقتضي المناسبة فيهم لسبب لازم، كالنسيب، كما يقال اهل ~~البلد. # وحد الرماني { النار } بأن يقال: جسم لطيف فيه الحرارة والضياء، وزيد ~~فيه ومن شأنه الاحراق. # وقوله { قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } أي لا تجمعنا واياهم ~~في النار وانما حسنت المسألة مع علمهم الضروري بأن الله لا يفعل بهم ذلك، ~~لما لهم في ذلك من السرور بموقف الخاضع لله في دعائه الشاكر بخضوعه لربه، ~~وكما يجوز ان يريدوا من الله النعيم كذلك يجوز ان يسألوا السلامة من ~~العذاب مع العلم بهما. ونظير ذلك قوله تعالى # يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا # وان كان النبي ومن معه من المؤمنين يعلمون ذلك. ### || [7.48] # قوله { ونادى أصحاب الأعراف } معناه سينادي، وانما جاز ان يذكر الماضي ~~بمعنى المستقبل، لامرين: # احدهما - لتحقيق المعنى كأنه قد كان. # والثاني - على وجه الحكاية والحذف. التقدير اذا كان يوم القيامة { نادى ~~أصحاب الأعراف }. # ونادى معناه دعا، غير ان في { نادى } معنى امتداد الصوت ورفعه، لانه ~~مشتق من النداء يقال: صوت نداء أي يمتد وينصرف خلاف الواقف، وليس كذلك ~~(دعا) لانه قد يكون بعلامة كالاشارة من غير صوت ولا كلام، ولكن اشارة ~~تنبىء عن معنى يقال. # في هذه الآية اخبار وحكاية من الله تعالى ان اصحاب الاعراف ينادون قوما ~~يعرفونهم من الكفار بسيماهم من سواد الوجوه وزرقة العين وضروب من تشويه ~~الخلق يبينون به من اهل الجنة وغيرهم { ما أغنى عنكم جمعكم } معناه ما ~~نفعكم ذلك. وقيل في معنى (الجمع) قولان: احدهما - جماعتكم التي استندتم ~~اليها. الثاني - جمعكم الاموال والعدد في الدنيا. # قوله { وما كنتم تستكبرون } معناه ولا نفعكم تكبركم وتجبركم في دار ~~الدنيا عن الانقياد ms1528 لانبياء الله واتباع امره. ### || [7.49] # قيل في القائل لهذا القول الذي هو { أهؤلاء الذين أقسمتم } قولان: # احدهما - قال الحسن وابو مجلز والجبائي واكثر المفسرين: انهم اصحاب ~~الاعراف يقولون للكفار مشيرين الى اهل الجنة { أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة } وهذا يدل على ان الواقفين على الاعراف هم ذووا ~~المنازل الرفيعة والمراتب السنية. # الثاني - انه من قول الله تعالى في اصحاب الاعراف. # وقوله { أهؤلاء } مبتدأ وخبره { الذين أقسمتم } ولا يجوز ان يكون { ~~الذين } صفة لهؤلاء من وجهين: احدهما - ان المبهم لا يوصف الا بالجنس. ~~والآخر - انه يبقى المبتدأ بلا خبر. ويجوز نصب { هؤلاء } بالفعل في { ~~أهؤلاء الذين أقسمتم } ولا يجوز مع { الذين أقسمتم } لان ما بعد الموصول ~~لا يعمل فيما قبله، لانه من تمام الاسم. والاقسام تأكيد الخبر تقول: ~~والله وتالله، للقطع عليه او ليدخل في قسم ما يقطع به العمل عليه. # وقوله { لا ينالهم الله برحمة } فالنيل هو لحوق البر. واصله اللحوق، ~~تقول: نلت الحائط اناله نيلا اذا لحقته. # وقوله { ادخلوا الجنة } أمر بدخول الجنة للمؤمنين. # وقوله { لا خوف عليكم } فالخوف هو توقع المكروه، وضده الامن وهو الثقة ~~بانتفاء المكروه { ولا أنتم تحزنون } معناه ادخلوا الجنة، لا خائفين ولا ~~محزونين، وفائدة الآية تقريع الزارئين على ضعفاء المؤمنين حتى حلفوا أنهم ~~لا خير لهم عند الله، فقيل لهم { ادخلوا الجنة } على اكمل سرور وأتم ~~كرامة. ### || [7.50] # في هذه الآية حكاية ان اصحاب النار يوم القيامة ينادون اصحاب الجنة ~~واصحاب النار هو المخلدون في عذابها، لا جميع من فيها، لان فيها الزبانية ~~الموكلون بعذاب اهلها. # وانما توعد الله بالعقاب بالنار دون اختراع لآلام او غيره من الاسباب، ~~لانه أهول في النفس واعظم في الزجر، لما يتصور من الحال فيه، وما تقدم من ~~ادراك البصر له، وانهم يسألونهم ان يفيضوا عليهم شيئا من الماء. والافاضة ~~اجراء المائع من عل، ومنه قولهم: افاضوا في الحديث أي اخذوه بينهم من ~~أوله لانه بمنزلة اعلاه. وافاضوا من عرفات الى مزدلفة معناه صاروا اليها. ~~قال الرماني: ms1529 حد الماء جسم سيال يروي العطشان من غير غذاء الحيوان، وهو ~~جوهر عظيم الرطوبة يزيد على جميع المائعات في كثرة المنفعة. # وقوله { أو مما رزقكم الله } قال ابن زيد والسدي: طلبوا مع الماء شيئا ~~من الطعام. وقال ابو علي: طلبوا شيئا من نعيم الجنة، فأجابهم اهل الجنة ~~بتحريم المنع، لا تحريم العبادة، فقالوا: { إن الله حرمهما على الكافرين ~~} وانما جاز ان يطلبوا شيئا من نعيم الجنة مع اليأس منه، لانهم لا يخلون ~~من الكلام به او السكوت عنه، وكلاهما لا فرج لهم فيه. وانما لم يدرك اهل ~~الجنة - مع خيريتهم - رقة على اهل النار، لان من الخيرية القسوة على ~~اعداء الله واعدائهم، وذلك من تهذيب طباعهم كما يبغض المسيء ويحب المحسن، ~~وذلك دلالة على ان الله تعالى بنى هذه الجملة بنية لا تستغني عن الغذاء، ~~لان اهل النار مع ما هم عليه من العذاب يطلبون الطعام والشراب. ### || [7.51] # يحتمل قوله { الذين اتخذوا دينهم } أن يكون في موضع جر بأن يكون صفة ~~للكافرين، ويكون ذلك من قول أهل الجنة، وتقديره { إن الله حرمهما على ~~الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا }. ويحتمل أن يكون رفعا ~~بالابتداء ويكون إخبارا من الله تعالى على وجه الذم لهم. # و { اتخذوا } وزنه وزن (افتعلوا) والاتخاذ الافتعال، وهو أخذ الشىء ~~باعداد الأمر من الأمور، فهؤلاء أعدوا الدين للهو واللعب. ومعنى الدين ~~- ها هنا - ما أمرهم الله تعالى به ورغبهم فيه مما يستحق به الجزاء. واصل ~~الدين الجزاء، ومنه قوله { ملك يوم الدين } واللهو طلب صرف الهم بما لا ~~يحسن أن يطلب به، فهؤلاء طلبوا صرف الهم بالتهزيء بالدين وعيب ~~المؤمنين، واللعب طلب المدح بما لا يحسن ان يطلب به مثل حال الصبي في ~~اللعب واشتقاقه من اللعاب وهو المرور على غير استواء. وأصل اللهو ~~الانصراف عن الشىء ومنه قوله (إذا استأثر الله بشىء لاه عنه) أي انصرف ~~عنه. # وقوله { وغرتهم الحياة الدنيا } فمعنى الغرور تزيين الباطل للوقوع ~~فيه، غره يغره غرورا. وإنما اغتروا هم بالدنيا في الحقيقة ms1530 فصارت ~~وكأنها غرتهم. والدنيا هي النشأة الاولى. والآخرة النشأة الآخرى، وسميت ~~الدنيا دنيا لدنوها من الحال، وهما كرتان، فالكرة الاولى الدنيا، والكرة ~~الثانية هي الآخرة. # وقوله { فاليوم ننساهم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - نتركهم من رحمتنا بأن نجعلهم في النار - في قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد والسدي - فسمى الجزاء على تركهم طاعة الله نسيانا، كما ~~قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # والجزاء ليس سيئة. # الثاني - أنه يعاملهم معاملة المنسيين في النار، لأنه لا يجاب لهم دعوة ~~ولا يرحم لهم عبرة - في قول الجبائي - { كما نسوا لقاء يومهم } معناه كما ~~تركوا الاستعداد للقاء يومهم، هذا على القول الاول. وعلى الثاني - كما ~~نسوا في أنهم لم يعملوا به مثل الناسين لذلك لا نجيب لهم دعوة، لأنهم ~~نسوا. # وقوله { وما كانوا بآياتنا يجحدون } فالجحد إنكار معنى الخبر. واما ~~إنكار المنكر، فبكل ما يصرف عن فعله الى تركه. و (ما) في الموضعين مع ما ~~بعدها بمنزلة المصدر، والتقدير كنسيانهم لقاء يومهم هذا، وكونهم جاحدين ~~لآياتنا. ### || [7.52] # هذا إخبار من الله تعالى أنه أتى هؤلاء الكفار بكتاب، والمجيء نقل ~~الشىء الى حضرة المذكور، جئته بكذا ضد ذهبت به عنه، لان ذلك نقل اليه، ~~وهذا نقل عنه. والكتاب المراد به القرآن. وأهل الكتاب صحيفة فيها كتابة، ~~والكتابة حروف مسطورة تدل بتأليفها على معان مفهومة. # وقوله { فصلناه } معناه ميزنا معانيه على وجه يزول معه اللبس، والتفصيل ~~والتبيين والتقسيم نظائر. # وقوله { على علم } معناه فصلناه، ونحن عالمون به، لأنه لما كانت صفة ~~(عالم) مأخوذة من العلم جاز أن يذكر ليدل به على العالم، كما أن الوجود ~~في صفة الموجود كذلك. # وقوله { هدى ورحمة لقوم يؤمنون } إنما جعل القرآن نعمة على المؤمن دون ~~غيره مع أنه نعمة على جميع المكلفين من حيث أنهم عرضوا به للهداية، غير ~~أن المؤمن لما اهتدى به كانت النعمة بذلك عليه أعظم فأضيف اليه، وغير ~~المؤمن لم يتعرض للهداية فلم يهتد، فالمؤمنون على صفة زائدة. # وقوله { هدى ورحمة } يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: النصب من ms1531 وجهين: ~~الحال، والمفعول له، وبه القراءة. والرفع على الاستئناف، والجر على ~~البدل. وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى للكفار لئلا يتوهم أنهم اهتدوا به ~~وإن كان هداية لهم بمعنى أنه دلالة لهم وحجة. ### || [7.53] # قوله { هل ينظرون } معناه هل ينتظرون. لأن النظر قد يكون بمعنى ~~الانتظار، قال أبو علي: معناه هل ينتظر بهم أو هل ينتظر المؤمنون بهم ~~إلا ذلك. وإنما أضافه اليهم مجازا، لأنهم كانوا جاحدين لذلك غير ~~متوقعين، وإنما كان ينتظر بهم المؤمنون، لايمانهم بذلك واعترافهم به. ~~والانتظار هو الاقبال على ما يأتي بالتوقع له. وأصله الاقبال على الشىء ~~بوجه من الوجوه. وإنما قيل لهم: ينتظرون وإن كانوا جاحدين، لأنهم في ~~منزلة المنتظر أي كأنهم ينتظرون ذلك، لأنه يأتيهم لا محالة إتيان ~~المنتظر. # والتأويل معناه ما يؤل اليه حال الشىء تقول: أوله تأويلا، وتأوله ~~تأولا، وآل اليه أمره يؤل أولا، وقيل { تأويله } عاقبته من الجزاء به - ~~في قول الحسن وقتادة ومجاهد - وقال أبو علي { تأويله } ما وعدوا به من ~~البعث والنشور والحساب والعقاب. # وقوله { يقول الذين نسوه من قبل } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال مجاهد: أعرضوا عنه فصار كالمنسي. # الثاني - قال الزجاج: يقول الذين تركوا العمل به. # وقوله { قد جاءت رسل ربنا بالحق } إخبار عن اعتراف الكفار الذين ~~أعرضواعن حجج الله وبيناته والاقرار بتوحيده ونبوة أنبيائه، وإقرار ~~منهم بأن ما جاءت به الرسل كان حقا. والحق ما شهد بصحته العقل، وضده ~~الباطل، وهو ما يشهد بفساده العقل. # وقوله { فهل لنا من شفعاء فيشفعوا } والشفيع هو السائل لصاحبه اسقاط ~~العقاب عن المشفع فيه، والعفو عن خطيئته فيتمنون ذلك مع يأسهم منه - في ~~قول أبي علي - وقوله { فيشفعوا لنا } في موضع نصب، لأنه جواب التمني ~~بالفاء { أو نرد } عطف بالرفع على تأويل هل يشفع لنا شافع { أو نرد } ولو ~~نصب { أو نرد } كان جائزا. ومعناه فيشفعوا لنا إلا أن نرد، وما قرىء ~~به. # وقوله { فنعمل غير الذي كنا نعمل } إخبار من الكفار وتمنيهم أن يردوا ~~الى الدنيا حتى يعملوا ms1532 غير ما عملوه من الكفر والضلال. فأخبر الله تعالى ~~عند ذلك، فقال { قد خسروا أنفسهم } أي أهلكوها بالكفر والمعاصي { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون }. # وفى الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة من وجهين: # أحدهما - أنهم كانوا قادرين على الايمان في الدنيا فلذلك طلبوا تلك ~~الحال، ولو لم يكونوا قادرين لما طلبوا الرد الى الدنيا والى مثل حالهم ~~الأولى. # والآخر - بطلان مذهب المجبرة في تكليف أهل الآخرة، قال أبو علي: وهو ~~مذهب الحسين النجار وهو خلاف القرآن والاجماع، ولو كانوا مكلفين لما ~~طلبوا الرجوع الى الدنيا ليؤمنوا بل كانوا يؤمنون في الحال. # ومعنى { خسروا أنفسهم } أي منعوا من الانتفاع بها، ومن منع الانتفاع ~~بنفسه فقد خسرها { وضل عنهم ما كانوا يفترون } معناه ضل عنهم ما كانوا ~~يدعون أنهم شركاء لله وآلهة معه، وهذا كان افتراؤهم على الله. ### || [7.54] # قرأ اهل الكوفة الا حفصا ويعقوب { يغشي الليل } بالتشديد، وكذلك في ~~الرعد. وقرأ ابن عامر { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } بالرفع فيهن. ~~الباقون بالنصب. # هذا خطاب من الله تعالى لجميع الخلق وإعلام لهم بأن ربهم الذي أحدثهم ~~وأنشأهم هو الله تعالى { الذي خلق } بمعنى اخترع { السماوات والأرض } ~~فابتدعهما وأوجدهما لا من شىء، ولا على مثال { في ستة أيام } وقيل: إن ~~هذه الستة أيام هي الأحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس والجمعة، ~~فاجتمع له الخلق في يوم الجمعة، فلذلك سميت: جمعة - في قول مجاهد - و { ~~السماوات } إنما جمعت بالواو، لأنه رد الى أصله، لأن أصله سماوة، وليس ~~مثل ذلك (قراءة) لأن أصلها الهمزة، ولذلك قيل في الجمع قراءات. والوجه في ~~خلقه إياهما { في ستة أيام } مع أنه قادر على إنشائهما دفعة واحدة قيل ~~فيه وجوه: # أحدها - أن تدبير الحوادث على إنشاء شىء بعد شىء على ترتيب، أدل على ~~كون فاعله عالما قديرا يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته. وقال أبو ~~علي: ذلك لاعتبار الملائكة بخلق شىء بعد شىء. وقال الرماني: يجوز أن يكون ~~الاعتبار بتصور الحال في الاخبار، ومعناه إذا أخبر الله تعالى بأنه { ~~خلق السماوات ms1533 والأرض في ستة أيام } كان فيه لطف للمكلفين، وكان ذلك وجه ~~حسنه. # وقوله { ثم استوى على العرش } قيل في معناه قولان: # أحدهما - أنه استولى كما قال البغيث: # ثم استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # يريد بشر بن مروان. # الثاني - قال الحسن: استوى أمره. وقيل في معنى { ثم استوى } ثلاثة ~~أقوال: # أحدها - قال أبو علي: ثم رفع العرش بأن استولى عليه ليرفع. # الثاني - ثم بين أنه مستوي على العرش. # الثالث - ثم صح الوصف بأنه مستوي على العرش، لأنه لم يكن عرشا قبل ~~وجوده. # وقوله { يغشى الليل النهار } معناه يجلل الليل النهار أي يدخل عليه. ~~وقال الأزهري: أقبل عليه. والاغشاء هو إلباس الشىء ما رق بما يجلله، ~~ومنه غاشية السرج، والغشاوة التي تخرج على الولد، وغشي على الرجل اذا ~~غشيه ما يزيل عقله من عارض علة. # ومن شدد العين، فلانه يدل على الكثرة. وغشى فعل يتعدى الى مفعول واحد، ~~كقوله { وتغشى وجوههم النار } فاذا نقلته بالهمزة أو التضعيف تعدى الى ~~مفعولين، وقد ورد القرآن بهما قال الله تعالى # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # فالمفعول الثاني محذوف، وتقديره فأغشيناهم العمى، وفقد الرؤية. ~~وبالتضعيف نحو قوله # فغشاها ما غشى # (ما) في موضع نصب بأنه مفعول ثان. # ومن خفف، فلأنه يحتمل القليل. والكثير، والليل هو الذي يلبس النهار في ~~هذا الموضع، لأنه منقول من غشي الليل النهار. # وقوله { يطلبه حثيثا } معناه أنه يستمر على منهاج واحد وطريقة واحدة من ~~غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث. # وقيل: إن معنى الحثيث السريع بالسوق. # وقوله { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } عطف على { خلق السماوات } ~~كأنه قال وخلق { الشمس والقمر والنجوم مسخرات } وهي نصب على الحال، ومن ~~رفع استأنف وأخبر عنها بأنها مسخرة. # وقوله { ألا له الخلق والأمر } إنما فصل الخلق من الأمر، لأن فائدتهما ~~مختلفة " لأن له الخلق " يفيد أن له الاختراع، " وله الأمر " معناه له أن ~~يأمر فيه بما أحب فأفاد الثاني ما لم يفده الأول. # فمن استدل بذلك على أن كلام ms1534 الله قديم، فقد تجاهل لما بينا، ولو كان ~~معناهما واحدا لجاز أيضا مع اختلاف اللفظين، كما قالوا: كذب ومين ~~وأشباهه. وقوله { تبارك الله رب العالمين } معناه تبارك تعالى بالوحدانية ~~فيما لم يزل ولا يزال وأصله الثبات من قول الشاعر: # ولا ينجي من الغمرات إلا # براكاء القتال أو الفرار # فهو بمعنى تعالى بدوام الثبات. ويحتمل تعالى بالبركة في ذكر اسمه. # وقيل في معنى { العرش } قولان: # أحدهما - أنه سرير تعبد الله تعالى الملائكة بحمله. وقيل: المراد به ~~الملك. ### || [7.55] # قرأ أبو بكر { خفية } بكسر الخاء - ها هنا - وفي الأنعام. الباقون ~~بضمهما، وهما لغتان. أمر الله تعالى عباده المكلفين أن يدعوه والدعاء، ~~طلب الفعل بطريقة (اللهم افعل) وقد يجيء بطريقة غفر الله له، فهذه صيغة ~~الخبر، والأول صيغة الأمر غير أنه إنما يسمى أمرا اذا كان المقول له ~~دون القائل، وإن كان فوقه سمي دعاء وطلبا. وأما قول القائل: يا الله يا ~~رحمن يا رحيم يا غفور يا قدير يا سميع وما أشبه ذلك من اسماء الله، فانما ~~هو على جهة النداء ومعناه التعظيم. # وقوله { تضرعا } فالتضرع التذلل، وهو اظهار الذل الذي في النفس، ومثله ~~الخشع ومنه الطلب لأمر من الأمور. وأصل التضرع الميل في الجهات ذلا من ~~قولهم: ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بأصبعه يمينا وشمالا، ذلا ~~وخوفا. ومنه ضرع الشاة، لأن اللبن يميل. ومنه المضارعة للمشابهة لأنها ~~تميل الى شبهه بمعنى المقاربة، والضريع نبت لا يسمن ولا يغني من جوع، ~~لأنه يميل مع كل داء. # وقوله { وخفية } فالخفية خلاف العلانية. قال ابن عباس: الخفية هي ~~السر، وبه قال الحسن. وقال أبو علي: إنما ذاك لئلا يشوب الدعاء معنى ~~الرياء، وحد الاخفاء خلاف حد الاظهار، والاظهار اخراج الشىء الى حيث يقع ~~عليه الادراك. والاخفاء إغماضه بحيث لا يقع عليه الادراك. # وقوله { إنه لا يحب المعتدين } فالمحبة من الله تعالى للعبد إرادة ~~الثواب، ولذلك يحب المؤمن ولا يحب الكافر، ويحب الصلاح ولا يحب الفساد. ~~والاعتداء تجاوز حد الحق أي لا تتجاوزوا حد ms1535 الحق في الدعاء فتطلبوا ~~منازل الانبياء وما لا يجوز أن يعمل في الدنيا - في قول أبي مجلز - وقال ~~ابن جريج يكره الصياح في الدعاء و { تضرعا وخفية } مصدران في موضع ~~الحال، وتقديره ادعوا الله متضرعين في حال السر والعلانية. والخفية ~~والاخفاء، والخيفة والخوف والرهبة نظائر. والهمزة في الاخفاء منقلبة عن ~~الياء بدلالة الخفية والاخفاء، ضد الاعلان. ويقال أحفيت الشىء اذا أظهرته ~~قال الشاعر: # يحفى التراب بأظلاف ثمانية ### || [7.56] # نهى الله تعالى في هذه الآية عن الفساد في الارض وهو الاضرار بما تمنع ~~الحكمة منه يقال: أفسد الحر التفاحة اذا أخرجها الى حال الضرر بالتغيير. # والاصلاح النفع بما تدعو اليه الحكمة ولذلك لم تكن الآلام في النار ~~إصلاحا لأهلها، لأنه لا نفع لهم فيها. وقال الحسن: إفساد الأرض بالقتل ~~للمؤمنين والاعتداء عليهم. وقيل: إفساد الأرض العمل فيها بمعاصي الله، ~~وإصلاحها العمل فيها بطاعة الله. # وقوله { وادعوه خوفا وطمعا } أمر من الله تعالى لهم أن يدعوه خوفا ~~وطمعا، وهما منصوبان على المصدر، وهما في موضع الحال. وتقديره ادعوا ~~ربكم خائفين من عقابه طامعين في ثوابه. والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمن، ~~والأمن سكون النفس الى انتفاء المضار، والخوف يكون بالعصيان. والأمن ~~بالايمان. والطمع توقع المحبوب، ونقيضه اليأس وهو القطع بانتفاء المحبوب. # وقوله { إن رحمة الله قريب من المحسنين } إخبار منه تعالى أن رحمته ~~قريبة واصلة الى المحسن. والاحسان هو النفع الذي يستحق به الحمد. ~~والاساءة هي الضرر الذي يستحق به الذم. وقيل: المراد بالمحسنين من تكون ~~أفعاله كلها حسنة وهذا لا يقتضيه الظاهر، بل الذي يفيده أن رحمة الله ~~قريب الى من فعل الاحسان، وليس فيها أنها لا تصل الى من جمع بين الحسن ~~والقبيح بل ذلك موقوف على الدليل. وقال الفراء: إنما لم يؤنث قوله { ~~قريب } وهو وصف ل { رحمة } لأنه ذهب مذهب المكان، وما يكون كذلك لا يثنى ~~ولا يجمع ولا يؤنث. ولو ذهب به مذهب النسب أنث وثني وجمع قال عروة بن ~~حزام: # عشية لا عفراء منك قريبة # فتدنوا ms1536 ولا عفراء منك بعيد # وقال الزجاج هذا غلط بل كل ما قرب من مكان أو نسب فهو جائز عليه التأنيث ~~والتذكير. وجعله الأخفش من باب الصيحة والصياح، لأن الرحمة والاحسان ~~والانعام من الله واحد. وقال بعضهم المراد بالرحمة ها هنا المطر فلذلك ~~ذكر. ### || [7.57] # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائى وخلف { الريح } على التوحيد، ها هنا وفي ~~النمل، والثانى من الروم وفي فاطر وقرأ عاصم { بشرا } بالباء وضمها ~~وسكون الشين. وقرأه نافع بالنون وضمها وضم الشين وهم أهل الحجاز والبصرة، ~~وكذلك الخلاف في الفرقان، والنمل. # قال أبو علي (الريح) إسم على وزن (فعل)، والعين منه واو فانقلبت ياء ~~في الواحد للكسرة وصحت في الجمع القليل، لأنه لا شيء يوجب الاعلال ألا ~~ترى أن الفتحة لا توجب اعلال هذه الواو في مثل يوم وقول وعون قال ذو ~~الرمة: # اذا هبت الأرواح من نحو جانب # به آل مي هاج شوقي هبوبها # وليس ذلك كعيد وأعياد، لأن هذا بدل لازم وليس البدل في الريح كذلك. فاما ~~في الجمع الكثير فرياح انقلبت الواو بالكسرة التي قبلها كما انقلبت في ~~نحو ديمة وديم، وحيلة وحيل، وفي رياح أجدر، لوقوع الالف بعدها، والالف ~~تشبه الياء، والياء إذا تأخرت عن الواو وجب فيها الاعلال فكذلك الألف ~~لشبهها بها، والريح على لفظ الواحد، ويجوز ان يراد بها الكثرة، لقولهم: ~~كثير الدرهم والدينار، وقوله { إن الإنسان لفي خسر } ثم قال # إلا الذين آمنوا # فكذلك من قرأ { الريح بشرا } فأفرد، ووصفه بالجمع، فانه حملها على ~~المعنى. وقد أجاز أبو الحسن ذلك وقال الشاعر: # فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا # ومن نصب جاء قوله على المعنى، لأن المفرد يراد به الجمع، وهذا وجه قراءة ~~ابن كثير لأنه أفرد (الريح) ووصفه بالجمع، فلا يكون (الريح) على هذا اسم ~~جنس وقول من جمع الريح اذا وصفها بالجمع أحسن إذ الحمل على المعنى أقل ~~من الحمل على اللفظ، ويؤكد ذلك قوله # الرياح مبشرات # فلما وصفت بالجمع جمع الموصوف أيضا. فأما ما جاء في الحديث من أن ms1537 النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) كان يقول اذا هبت ريح: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # فلأن عامة ما جاء بلفظ الرياح السقيا والرحمة، كقوله # وأرسلنا الرياح لواقح # وقوله # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات # وقوله # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء # وما جاء بخلاف ذلك جاء على الافراد كقوله # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # وقوله # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر # وقوله # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # قال أبو عبيدة { نشرا } أي متفرقة من كل جانب، وقال أبو زيد: # انشر الله الموتى إنشارا اذا بعثها وأنشر الله الريح مثل أحياها، ~~فنشرت الجنوب وأحييت، والدليل على ذلك قول المراد الفقسي: # وهبت له ريح الجنوب واحييت # له ريدة يحيي المياه نسيمها # والريدة والريدانة الريح، قال الشاعر: # إني لأرجو أن تموت الريح # فأقعد اليوم واستريح # ومن قرأ " نشرا " بضم النون والشين يحتمل ضربين: جمع ريح، ريح نشور ~~وريح ناشر، ويكون على معنى النسب فاذا جعله جمع نشور احتمل أمرين: ~~أحدهما - أن يكون النشور بمعنى المنشر كما أن الركوب بمنزلة المركوب كان ~~المعنى ريح أو رياح منشرة، ويجوز أن يكون نشرا جمع نشور يريد به الفاعل ~~مثل طهور ونحوه من الصفات. # ويحتمل أن يكون نشر جمع ناشر كشاهد وشهد ونازل ونزل وقايل وقيل، قال ~~الاعشى: # إنا لأمثالكم يا قومنا قيل # وقول ابن عامر { بشرا } يحتمل الوجهين: أن يكون جمع فعول وفاعل فخفف ~~العين، كما خفف في كتب ورسل، ويكون جمع فاعل كبارك وبرك وغايظ وغيظ. # ومن فتح النون وسكون الشين فانه يحتمل ضربين: أحدهما - أن يكون المصدر ~~حالا من الريح فاذا جعلته حالا منها احتمل أمرين أحدهما - أن يكون ~~النشر الذي هو خلاف الطبي، كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية، ويجوز على ~~تأويل أبي عبيدة أن تكون متفرقة في وجوهها. والآخر - أن يكون النشر الذي ~~هو الحياة من قوله: # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # فاذا حملته على ذلك - وهو الوجه - كان المصدر يراد ms1538 به الفاعل، كما تقول ~~أتانا ركضا أي راكضا، ويجوز أن يكون المصدر يراد به المفعول كأنه يرسل ~~الرياح انشارا أي محياة فحذف الزوائد من المصدر، كما يقال عمرك الله. ~~وكما يقال: فان يهلك فذلك كان قدري أي تقديري. والضرب الآخر - أن يكون { ~~نشرا } على هذه القراءة ينصب انتصاب المصادر من باب # صنع الله # لأنه إذا قال يرسل الرياح دل هذا الكلام على تنشير الريح نشرا. # وقراءة عاصم { بشرا } بالباء فهو جمع بشير وبشر من قوله # يرسل الرياح مبشرات # أي تبشر بالمطر والرحمة وجمع (بشير) على (بشر) ككتاب وكتب. # لما أخبر الله تعالى في الآية الأولى أنه الذي خلق السماوات والارض وخلق ~~الشمس والقمر والنجوم مسخرات، وأنه الذي يجلل الليل النهار، عطف على ذلك ~~بأن قال { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } تعدادا لنعمه على ~~خلقه. والارسال هو الاطلاق بتحميل معنى، كما تقول: أرسلت فلانا أي حملته ~~رسالة، فلما أطلق الله الرياح كان ذلك بمنزلة المطوي في الامتناع من ~~الادراك ثم صارت تدرك في الآفاق، كانت كنشر الثوب بعد طيه في الادراك قال ~~امرؤ القيس: # كان المدام وصوب الغمام # وريح الخزامي ونشر القطر # وقال الفراء: النشر من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشىء السحاب، ~~والسحاب الغيم الجاري في السماء مشتقا من الاسحاب، يقال: سحبه سحبا ~~وأسحب إسحابا وتسحب تسحبا. # وقوله { بين يدي رحمته } معناه قدام رحمته، كما يقدم الشىء بين يدي ~~الانسان، كما قال # لما خلقت بيدي # أي توليت خلقه، كما يقول الانسان: عملت بيدي، والرحمة يراد بها - ها هنا ~~- الغيث. # وقوله { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } فالاقلال حمل الشىء بأسره حتى يقل ~~في طاقة الحامل له بقوة جسمه، يقال: استقل بحمله استقلالا. # وأقله إقلالا، والثقال جمع ثقيل، والثقيل ما فيه الاعتماد الكثير ~~سفلا. وقال قوم: هو ما تجمع أجزاؤه كالذهب والحجر، وقد يكون بكثرة ما ~~حمل كالسحاب الذي يثقل بالماء. # وقوله { سقناه لبلد ميت } أي الى بلد، فالسوق حث الشىء في السير حتى يقع ~~الاسراع فيه، ساقه يسوقه سوقا، ms1539 واستاقه استياقا، وساوقه مساوقة، ~~وتساوقوا تساوقا، وتسوق تسوقا، وانساق انسياقا، وسوقه تسويقا. # (والبلد الميت) هو الذي اندرست مشاربه وتعفت مزارعه. # وقوله { فأنزلنا به الماء } الهاء في (به) راجعة الى البلد. ويحتمل أن ~~تكون راجعة الى السحاب. وقوله { فأخرجنا به من كل الثمرات } فالهاء في ~~(به) يحتمل أن تكون راجعة الى البلد، ويكون التقدير أخرجنا بهذا البلد. ~~ويحتمل أن تكون راجعة الى الماء، فكأنه قال فأخرجنا بهذا الماء من كل ~~الثمرات. ويحتمل أن تكون (من) للتبعيض. ويحتمل أن تكون لتبيين الجنس. # وقوله { كذلك نخرج الموتى } معناه كما أخرجنا الثمرات. كذلك نخرج الموتى ~~بعد موتها بأن نحييها { لعلكم تذكرون } معناه لكي تتذكروا، وتتفكروا ~~وتعتبروا بأن من قدر على انشاء الاشجار والثمار في البلد الذي لا ماء فيه ~~ولا زرع، فانه يقدر على أن يحيي الاموات بأن يعيدها الى ما كانت عليه بأن ~~يخلق فيها الحياة والقدرة. # واستدل البلخي بهذه الآية على أن كثيرا من الاشياء تكون بالطبع. قال: ~~لأن الله تعالى بين انه يخرج الثمرات بالماء الذي ينزله من السماء، قال: ~~ولا ينبغي أن ينكر ذلك وإنما ينكر قول من يقول بقدم الطبائع أو قول من ~~يقول: إن الجمادات تفعل. فأما من قال: إن الله تعالى يفعل هذه الأشياء ~~غير أنه يفعلها تارة مخترعة بلا وسائط وتارة بوسائط، فلا كراهة في ذلك ~~كما تقول في السبب والمسبب، وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنه إن اشار ~~بالطبع الى رطوبات مخصوصة ويبوسات مخصوصة، فلا خلاف في ذلك غير أن هذه ~~الأشياء لا تتولد عنها ذوات أخر، بل ما يحصل عندها الله تعالى يفعلها ~~مبتدأ، وليس كذلك السبب والمسبب، لان السبب الذي يفعل الفعل بها وهو ~~الاعتماد والمجاوزة يوجب التأليف، وما عدا ذلك فليس فيه شىء تولد أصلا، ~~وإن أراد بالطبع غير هذا المعقول فليس في الآية دلالة على صحته بحال. ### || [7.58] # قرأ أبو جعفر { نكدا } بفتح الكاف. الباقون بكسرها، والوجه في ذلك ~~أنهما لغتان. وحكى الزجاج { نكدا } بضم النون وسكون الكاف. ولا يقرأ به. ms1540 ~~وقال الفراء: يقتضي القياس أيضا { نكدا } بضم الكاف، وفتح النون، غير ~~أني لم أسمعه مثل دنف ودنف وحذر وحذر، ويقظ ويقظ ويقظ، بالفتح والضم ~~والكسر. # قوله { والبلد الطيب } فالبلد هو الارض التي تجمع الخلق الكثير، وتنفصل ~~بما لهم فيها من العمل، والتأثير. والبلدة خلاف الفلاة، والصحراء، وأما ~~البادية فكالبلد للأعراب ونحوهم من الأكراد والأتراك. والطيب ما فيه ~~أسباب التلذذ، وضده الخبيث، وهو ما فيه أسباب النكرة. وقال ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة والسدي: هذا مثل، ضربه الله للمؤمنين فشبه المؤمن - ~~وما يفعله من الطاعات والأفعال، والانتفاع بما أمره الله ونهاه عنه - ~~بالأرض العذبة التربة التي تخرج الثمرة الطيبة بما ينزله الله عليها من ~~الماء العذب، والكافر - وما يفعله من الكفر والمعاصي - بالأرض السبخة ~~الملحة التي لا ينتفع بنزول المطر عليها، فينزع عنها البركة. # وقوله { يخرج نباته بإذن ربه } فالاخراج نقل الشىء من محيط به الى غيره، ~~فهذا النبات كأنه كان في باطن الأرض فخرج منه، (والاذن) هو الاطلاق في ~~الفعل برفع المنعة فيه، فكذلك منزلة هذا البلد، كأنه قد أطلق في اخراج ~~النبت الكريم. # ووجه ضرب المثل بالأرض الطيبة والأرض الخبيثة مع أنهما من فعل الله ~~وكلاهما حكمة وصواب، والطاعات والمعاصي أحدهما بأمر الله والآخر بخلاف ~~أمره، هو أن الله تعالى لما جعل المنفعة بأحدهما والمضرة بالآخر مثل بذلك ~~الانتفاع بالعمل الصالح والاستضرار بالمعاصي والقبائح. # وقوله { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } فالنكد العسر بشدته الممتنع من ~~إعطاء الخير على وجه البخل تقول: نكد ينكد نكدا، فهو نكد ونكد. وقد ~~نكد إذا سئل فبخل، ونكد ينكد نكدا، قال الشاعر: # لا تنجز الوعد إن وعدت وإن # أعطيت أعطيت تافها نكدا # وقال الآخر: # واعط ما أعطيته طيبا # لا خير في المنكود والناكد # وقال السدي: النكد القليل الذي لا ينتفع به. وقوله { كذلك نصرف الآيات ~~لقوم يشكرون } فالتصريف توجيه الشىء في جهتين فصاعدا، فلما كان معنى ~~الآية يوجه في الدلالات المختلفة كانت الآية متصرفة، فالنشأة الثانية ~~مصرفة بأنها كاحياء الأرض بالماء للبنات، وبأنها ms1541 كالخارج من الأرض في ~~الاختلاف، فمنه طيب، ومنه خبيث، وبأنها في حال المؤمن المؤمن والكافر، ~~كحال الأرض في الطيب والخبث. والمعنى أنه تعالى يبين لهم آية بعد آية، ~~وحجة بعد أخرى، ويضرب مثلا بعد مثل { لقوم يشكرون } الله على إنعامه ~~عليهم هدايته إياهم لما فيه نجاتهم وتبصيرهم سبيل أهل الضلال وأمره ~~إياهم تجنب ذلك والعدول عنه. ### || [7.59] # قرأ أبو جعفر والكسائي { من إله غيره } - بخفض الراء وكسر الهاء ووصلها ~~- بناء في اللفظ حيث وقع. الباقون بضم الراء وضم الهاء وإشباعها بالواو، ~~قال الكسائي تقديره ما لكم غيره من إله. في قراءة نافع. # قال أبو علي الفارسي: من جر جعل (غير) صفة ل (إله) على اللفظ وجعل ~~(لكم) مستقرا أو غير مستقر، وأضمر الخبر، والخبر ما لكم في الوجود أو في ~~العالم ونحو ذلك لا بد من هذا الاضمار إذا لم يجعل (لكم) مستقرا، لأن ~~الصفة. والموصوف لا يستقل بهما الكلام. # ومن رفع حجته قوله # وما من إله إلا الله # فكما أن قوله { إلا الله } بدل من قوله { من إله } كذلك قوله { غيره } ~~يكون بدلا من قوله { من إله } و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد ~~(إلا)، وهذا الذي ذكرناه أولى أن يحمل عليه من أن يجعل (غير) صفة ل ~~(إله) على الموضع. فان قلت ما ينكر أن يكون { إلا الله } صفة ل ~~(إله)؟ قيل: إن (إلا) بكونها استثناء أعرف وأكثر من كونها صفة. وإنما ~~جعلت صفة على التشبيه بغير، فاذا كان الاستثناء أولى حملنا # هل من خالق غير الله # على الاستثناء من النفي في المعنى، لأن قوله { هل من خالق غير الله } ~~بمنزلة ما من خالق غير الله، ولا بد من اضمار الخبر، كأنه قال: ما من ~~خالق للعالم غير الله، ويؤكد ذلك قوله # لا إله إلا الله # فهذا استثناء من منفي مثل لا أجد في الدار إلا زيدا. # فأما حمزة والكسائي فانهما جعلا (غير) صفة لخالق وأضمرا الخبر، كما ~~تقدم. والباقون جعلوه استثناء بدلا من النفي، وهو أولى لما ms1542 تقدم من ~~الاستشهاد عليه من قوله # وما من إله إلا الله # أخبر الله تعالى وأقسم على خبره - لأن اللام في قوله " لقد " لام القسم ~~- بأنه أرسل نوحا (ع) الى قومه وإرساله اياه هو تكليفه القيام بالرسالة ~~وهي منزلة جليلة شريفة يستحق بهاالرسول بتقلبه إياها والقيام باعبائها ~~أن يعظم أعلى تعظيم البشر، وأخبر أن نوحا قال لقومه { يا قوم اعبدوا ~~الله } والعبادة هي الخضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع يعظم به من له ~~أعظم النعم، فلذلك لا يستحق العبادة غير الله، وأخبر أنه أمرهم بأن تكون ~~عبادتهم لله وحده، لأنه لا إله لهم غيره، ولا معبود لهم سواه. وقال لهم ~~{ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } يريد به يوم القيامة، والعذاب هو ~~الألم الجاري على استمرار، وقد يكون غير عقاب، إلا أن المراد به - ها ~~هنا - العقاب. والعقاب الألم على ما كان من المعاصي. ولم يجعل خوفه عليهم ~~على وجه الشك، بل أخبرهم أن هذا العذاب سيحل بهم إن لم يقبلوا ما أتاهم ~~به، لأن الخوف قد يكون مع اليقين كما يكون مع الشك ألا ترى أن الانسان ~~يخاف من الموت، ولا يشك في كونه. ### || [7.60] # { قال } أصله (قول) فانقلبت الواو الفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. # أخبر الله تعالى عن الملأ من قوم نوح. وقيل في معنى الملأ قولان: # أحدهما - أنهم الجماعة من الرجال سموا بذلك لأنهم يملؤن المحافل. # والثاني - أنهم الاشراف، وقيل: الرؤساء، لأنهم يملؤن الصدر بعظم شأنهم، ~~ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم) أولئك الملأ من قريش. والقوم يقال لمن ~~يقوم بالأمر، ولا نسوة فيهم - على قول الفراء - وهو مأخوذ من القيام. # وإنما سموا بالمصدر، كما قال بعض العرب اذا أكلت طعاما أحببت نوما ~~وابغضت قوما أي قياما. # وقوله { إنا لنراك } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - انه من رؤية القلب الذي هو العلم. # الثاني - من رؤية العين، كأنهم قالوا نراك بأبصارنا على هذه الحال. # الثالث - أنه من الرأي الذي هو غالب الظن وكأنه قال: إنا لنظنك. # وقوله { في ms1543 ضلال مبين } أرادوا بالضلال ها هنا العدول عن الصواب الى ~~الخطأ فيما زعموا مخالفتهم إياه فيما دعاهم اليه من اخلاص العبادة لله ~~تعالى. # و { مبين } أي بين ظاهر. ### || [7.61] # في هذه الآية إخبار عما أجابهم به نوح (ع) وقال لهم { ليس بي ضلالة } ~~أي ليس بي عدول عن الحق، ويقال،: به ضلالة لأن فيه معنى عرض به كما يقال ~~به جنة، ولا يجوز أن يقال: به معرفة، لأنها ليست مما تعرض بصاحبها، ولكن ~~يصح أن يقال: به جوع، وبه عطش، لأنه عارض به. # قوله { يا قوم } أصله يا قومي، فحذفت ياء الاضافة لقوة النداء على ~~التغيير، حتى يحذف للترخيم، فلما جاز أن يحذف في غيره للاجتزاء بالكسرة ~~منها، لزم أن يحذف فيه لاجتماع السببين فيه. # وقوله { ولكني رسول من رب العالمين } معنى (لكن) والاستدراك الخفيفة ~~يستدرك بها معنى المفرد. والمشددة يستدرك بها معنى الجملة، فلذلك صارت من ~~أخوات (إن). { ولكني } أصله (ولكنني) وحذفت النون لاجتماع النونات، ~~ويجوز الاتمام، لأنه الأصل، وكذلك (اني، وكأني) فأما (ليتني) فلا يجوز ~~فيه الا اثبات النون، لأنه لم يعرض فيه علة الحذف. واما (لعلي) فيجوز فيه ~~الوجهان، لأن اللام قريبة من النون. # ومعنى (من) - ها هنا - لابتداء الغاية، ومعناه أن الله تعالى هو الذي ~~ابتدأني بالرسالة، وكل مبتدىء بفعل فذلك الفعل منه. وأصل (من) موضع ~~ابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد الى الكوفة أي ابتداء خروجي من ~~بغداد. ### || [7.62] # قرأ أبو عمرو وحده { أبلغكم } مخففة اللام. الباقون بتشديدها. # و (بلغ) فعل يتعدى الى مفعول واحد تقول: بلغني خبركم، وبلغت أرضكم، فاذا ~~نقلته تعدى الى مفعولين. والنقل يكون تارة بالهمزة وأخرى بتضعيف العين، ~~وقد ورد بهما التنزيل، قال الله تعالى # فإن تولوا فقد أبلغتكم # فنقل بالهمزة، وقال # يا أيها الرسول بلغ # فنقل بتضعيف العين، فعلى هذين الوجهين اختلفوا في القراءة. # وفي الآية حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أنه قال لهم بعد ما أنكر عليهم ~~أنه ليس به ضلالة، وانه رسول من عند الله، وأنه بلغهم ms1544 ما حمله الله من ~~رسالات ربه. والإبلاغ إيصال ما فيه بيان وافهام، ومنه البلاغة، وهي ~~إيصال المعنى الى النفس بأحسن صورة من اللفظ. والبليغ الذي ينشىء ~~البلاغة، لا الذي يأتي بها على وجه الحكاية. والفرق بين الإبلاغ والاداء ~~أن الاداء لما يسمع، وحسن الاداء للقراءة. والرسالات جمع رسالة، وهي جملة ~~من البيان يحملها القائم بها ليؤديها الى غيره. وانما جمع - ها هنا - { ~~رسالات } وفي موضع آخر # رسالة # على التوحيد، لأنه يشعر تارة بالجملة وتارة بالتفصيل، فلما دعا الى ~~عبادة الله وطاعته واجتناب محارمه والعمل بشريعته، كان هذا تفصيل رسالات ~~الله تعالى. ورسالات الله حكم: من ترغيب، وتحذير، ووعد، ووعيد، ومواعظ، ~~ومزاجر، وحجج، وبراهين وأحكام يعمل بها، وحدود ينتهى اليها. # وقوله { وأنصح لكم } فالنصيحة اخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. ~~و (النصح) خلاف الغش في العمل، ولا يكون الغش إلا بسوء النية. وقوله { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } فيه حث لهم على طلب العلم من جهته، وتحذير ~~من مخالفته، لما يعلم من العاقبة، فكأنه قال: أنا أعلم بحلول العقاب ~~بمخالفتكم وترك القبول مني { ما لا تعلمون } أنتم، ويجوز أن يريد { وأعلم ~~من } توحيد الله وصفاته وحكمته { ما لا تعلمونه }. وفي ذلك بطلان مذهب ~~القائلين بأن معرفة الله ضرورة - وأن من لم يعرفه ضرورة فليس بمكلف - لأن ~~نوحا (ع) بين أنه خاف عليهم مع أنه يعلم ما لا يعلمونه. ### || [7.63] # في هذه الآية تقريع من نوح (ع) لقومه على صورة الاستفهام بأنهم عجبوا أن ~~جاءهم ذكر من ربهم. وإنما دخل الاستفهام معنى التقريع، لأن المجيب لا ~~يأتي الا بما يسوء من القبيح، فهو إنكار وتقريع، وقد يدخل معنى التمني، ~~لأنه بمنزلته في انه طلب، لأن يكون أمر، وإنما فتحت الواو في قوله { ~~أوعجبتم } لأنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فالكلام مستأنف من ~~وجه، متصل من وجه، كما أن المبتدأ في خبر الأول بهذه الصفة. والتعجب تغير ~~النفس بما خفي سببه، وخرج عن العادة مثله، لأنه لا مثل له في ms1545 العادة. ~~والذكر حضور المعنى للنفس، والذكر على وجهين: ذكر البيان وذكر البرهان، ~~فذكر البيان احضار المعنى للنفس، وذكر البرهان الشهادة بالمعنى في النفس، ~~وكلا الوجهين يحتمل في الآية. # وقوله { على رجل منكم } فالرجل هو إنسان خارج عن حد الصبي من الذكران، ~~وكل رجل انسان، وليس كل انسان رجلا، لأن المرأة انسان. # وقيل في دخول (على) في قوله { على رجل منكم } قولان: # أحدهما - أنه بمعنى مع رجل منكم، قال الفراء: كما تقول: جاءني الخير على ~~وجهك ومع وجهك. # الثاني - لأن فيه معنى منزل { على رجل منكم }. # وقوله { لينذركم } فالانذار هو الاعلام بموضع المخافة، والتحذير هو ~~الزجر عن موضع المخافة. وقوله { ولتتقوا ولعلكم ترحمون } معناه إن الله ~~تعالى أرسل هذا الرسول مع هذا الذكر، وأراد انذاركم، وغرضه أن تتقوا ~~معاصيه لكي يرحمكم ويدخلكم الجنة ونعيم الأبد. # وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة: أن الله تعالى لم يرد منهم أن ~~يتقوا ولا أن يؤمنوا. ### || [7.64] # هذا اخبار من الله تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف ولا ~~الوعظ والزجر، وأنهم كذبوه يعني نوحا. ومعناه أنهم نسبوا خبره الى ~~الكذب، لأن التكذيب نسبة الخبر الى الكذب، والتصديق نسبة الخبر الى ~~الصدق، وهذا مما يختلف فيه معنى (فعل، وفعل). # وقوله { فأنجيناه } إخبار من الله تعالى انه أنجا نوحا، والانجاء هو ~~التخليص من الهلكة، والاهلاك الايقاع فيها وهي المضرة الفادحة. { ومن معه ~~} يعني وأنجا من معه من المؤمنين به { في الفلك } وهي السفن ويقع على ~~الواحد والجمع بلفظ واحد، وأصله الدور مشتق من قولهم: فلك ثدي الجارية، ~~إذا استدار، ومنه الفلكة والفلك من هذا، لأنه يدور على الماء كيف أداره ~~صاحبه. # وقوله { وأغرقنا الذين كذبوا } والاغراق هو الغوص المتلف في الماء، ~~وأصله الغوص في الشىء، فمنه اغرق في النزع، ولا تغرق في هذا الأمر. # وقوله { إنهم كانوا قوما عمين } فيه بيان أنه إنما أغرقهم وأهلكهم، ~~لأنهم كانوا عمين. والعمى الضلال عن طريق الهدى، فهم كالعمي في أنهم لا ~~يبصرون طريق الرشد، فهم ms1546 عمي عن الحق. ### || [7.65] # انتصب قوله { أخاهم هودا } بقوله { أرسلنا } في أول الكلام وإن تطاول ~~ما بينهما، لأن تفصيل القصص يقتضي ذلك، والتقدير وأرسلنا { وإلى عاد ~~أخاهم هودا } ويجوز في مثله الرفع وتقديره، والى عاد أخوهم هود مرسل. # و (الأخ) أحد الولدين لواحد. وإنما قال لهود (ع) أنه أخوهم، لأنه كان ~~من قبيلهم، وجاز ذلك على غير الاخوة في الدين، لأنه احتج عليهم أن يكون ~~رجلا منهم، لأنهم عنه أفهم واليه أسكن. # وصرف (هود) لخفته، كما صرفت جمل لخفتها، وهو أحق بالصرف، لأنه أكثر في ~~الاستعمال. # في هذه الآية إخبار من الله تعالى انه أرسل الى قوم عاد هودا، وأنه قال ~~لهم { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وقد فسرنا معنى ذلك أجمع ~~وبينا أيضا حقيقة العبادة، وأنه لا يستحقها غير الله، لانها على أصول ~~النعم، والشكر قد يستحقه غير الله، لانه يستحق بالنعمة وان قلت، وكذلك ~~الطاعة قد تجب لغير الله، فعلى هذا تكون عبادة اثنين شركا، ولا يكون طاعة ~~اثنين شركا، كما أن الشكر على النعمة لاثنين لا يكون كذلك اذا لم يكن ~~واقعا على وجه العبادة. وقوله { أفلا تتقون } معناه، فهلا تتقون، وهو ~~بصورة الاستفهام والمراد به حضهم على تقوى الله واتقاء معاصيه. ### || [7.66] # في هذه الآية إخبار عما قالت الجماعة الكافرة من قوم هود له { إنا ~~لنراك في سفاهة } والسفاهة خفة الحلم، كما قال الشاعر: # مبذرا وعاتب سيعى....... # أي سفيه، وثوب سفيه اذا كان خفيفا (وقال) المؤرج: السفاهة الجنون بلغة ~~حمير، وقوله { في سفاهة } معناه منغمس في السفاهة، فالسفاهة بمعنى أنت ~~سفيه، أقيم المصدر مقام اسم الفاعل، ولا يجوز قياسا على ذلك أن يقال في ~~إرادة بمعنى مريد، وكسرت (إن) لانها وقعت بعد القول حكاية، والحكاية ~~تقتضي استئناف المحكي و (إن) اذا شددت عملت، ولا تعمل اذا خففت، لأنها ~~مشددة تشبه (كان) فلما خففت قل الشبه الا ان يحمل على كان محذوفة، وليس ~~قوة حملها عليها تامة كقوة حملها محذوفة، وحذفت الهمزة في ms1547 مضارع رأيت دون ~~ماضيه، لاجتماع ثلاثة أشياء: الزيادة في أوله، وكثرة الاستعمال لها، ولان ~~فيما بقي دليل عليها، ولم يلزم في نأيت تنأى مثل ذلك. # وقوله { وإنا لنظنك } ولم يقولوا نعلمك لامرين: احدهما - قال الحسن: ~~لان تكذيبهم كان على الظن دون اليقين. وقال الرماني: معناه انك تجري مجرى ~~من أخبر عن غائب لا يعلم ممن هو منهم. الثاني - انهم أرادوا بالظن العلم ~~كما قال الشاعر: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المشدد # معناه أيقنوا. وفائدة الآية أن أمة هود جرت على طريقة أمة نوح في ~~الكفر بنبيها كأنهم قد تواصوا بالتكذيب بالحق ومعاندة أهله والرد لما ~~أوتوا به. ### || [7.67] # هذه الآية فيها إخبار عما قال هود (ع) لقومه مجيبا لهم حين قالوا له: { ~~إنا لنراك في سفاهة } وأنه قال { ليس بي سفاهة } وموضع { قوم } نصب، ~~لانه نداء مضاف فلو وصفته لما جاز في صفته الا النصب، وانما حذفت ~~بالاضافة، لان النداء أحق بالحذف الذي يكون في غيره لقوة اليقين فيه. # وقوله { ولكني رسول من رب العالمين } استدراك ب (لكن) لان فيه معنى ما ~~دعاني الى امركم السفه، ولكن دعاني اليه أني رسول من رب العالمين. وقد ~~بينا أن (من) ها هنا بمعنى ابتداء الغاية، والتقدى المبتدىء بالرسالة رب ~~العالمين والمنتهى اليه الرسالة لامته، لانه ارسل اليهم. ### || [7.68] # قد بينا معنى الابلاغ، وهو احضار الشيء غيره على وجه الانتهاء، ومنه ~~قوله # ثم أبلغه مأمنه # وقد يكون احضارا لنفس البيان للافهام، والابلاغ أشد اقتضاء للمنتهى اليه ~~من الايصال، لانه يقتضي بلوغ فهمه وعقله كالبلاغه التي تصل الى سويداء ~~قلبه. ولا يجوز بدل { رسالات ربي } نبوات ربي، لان النبوة تكليف القيام ~~بالرسالة، فانما يبلغ الرسالة ولا يبلغ التكليف. # وقوله { وأنا لكم ناصح أمين } معناه اني ناصح لكم فيما أدعوكم اليه من ~~طاعة الله واخلاص عبادته. وقيل: ان معناه اني كنت فيكم أمينا قبل النبوة ~~والنصح إخلاص المعاملة من شائب الفساد في النية. والامين المأمون من أن ~~يكون منه تغيير له أو ms1548 تبديل. # وفى الآية دلالة على أنه يجوز للانسان أن يزكي نفسه عند الحاجة اليه. ### || [7.69] # قد بينا معنى قوله { أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم } فلا معنى لاعادته. وانما أنكر العجب مع أنه خفي بسببه، وخرج عن ~~العادة لظهور الدلائل فيه وقيام البراهين عليه من الارسال اليهم من ~~تنبيههم على ما اغفلوه وتعريفهم ما جهلوه. والفرق بين العجب والعجب، أن ~~العجب - بضم العين - عقد النفس على فضيلة لا ينبغي ان يعجب منها السبب ~~لها، وليس كذلك العجب - بفتح العين والجيم - لانه قد يكون حسنا. وقد قيل ~~في المثل (لا خير فيمن لا يتعجب من العجب وأرذل منه المتعجب من غير عجب). # وقوله { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } فخلفاء جمع خليفة، وهو الكائن بدل ~~غيره ليقوم بالامر مقامه في تدبيره. وخلفاء جمعه على التذكير مثل ظريف ~~وظرفاء، ولو جمعه على اللفظ لقال: خلائف نحو كريمة وكرائم، وورد ذلك في ~~القرآن، قال الله تعالى # هو الذي جعلكم خلائف # وقوله { من بعد قوم نوح } امتنان عليهم بما مكنهم في الارض وجعلهم بدل ~~قوم نوح حين أهلكهم الله. وقوله { وزادكم في الخلق بسطة } قريء بالسين ~~والصاد وقيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن زيد: زادهم قوة. وقال ~~غيره: أراد به المرة من بسط اليدين اذا فتحت على أبعد أقطارها. وقال ~~الزجاج والرماني: كان أقصرهم طوله سبعين ذراعا وأطولهم مئة ذراع. وقال ~~قوم: كان أقصرهم اثني عشر ذراعا. وقال ابو جعفر (ع): كانوا كأنهم النخل ~~الطوال، وكان الرجل منهم ينحت الجبل بيده فيهدم منه قطعة. وقوله { ~~فاذكروا الآء الله } قال الحسن وغيره: الآلاء النعم في واحدها لغات: ~~(ألا) مثل (معا) و (ألا) مثل " قفا " و " الي " مثل " حسي " و " إلى ~~" مثل " دمى " قال الشاعر: # أبيض لا يرهب الهزال ولا # يقطع رحما ولايخون إلا # إلا وألا رويا جميعا. وقوله { لعلكم تفلحون } معناه اذكروا نعم الله ~~واشكروه عليها لكي تفوزوا بثواب الجنة والنعيم الدائم الابدي. ### || [7.70] # قيل في الفرق بين { قالوا } وتكلموا، أن ms1549 القول مضمن بالحكاية من حيث هو ~~على صفة القول، وليس كذلك من حيث هو على صفة الكلام. # وفى الآية حكاية ما قال قوم هود، وهم قبيلة عاد لهود (ع) { أجئتنا } ~~ومعناه أتيتنا { لنعبد الله وحده } وتريد منا أن نوجه عبادتنا الى الله ~~وحده. والمجيء والاتيان والاقبال واحد، وقال قوم المجيء إتيان من أي جهة ~~كان، والاتيان إقبال من قبل الوجه. # وقوله { ونذر } ومعناه ونترك، ولم تستعمل فيه (وذرنا) استغناء بتركنا، ~~ولا يلزم أن يستغنى بنترك عن نذر، لان نذر خفيفة، لان الواو حذفت منه. { ~~ما كان يعبد آباؤنا } تمام الحكاية عن الكفار أنهم قالوا: كيف نترك ما ~~كان يعبد آباؤنا؟! وأنهم قالوا { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن كنت ~~صادقا } { من } جملة { الصادقين } وانما لم يجب اتباع الآباء، وان كانوا ~~عقلاء ووجب اتباع العقلاء، لانه انما يجب اتباع العقلاء فيما علموه ~~بعقولهم ضرورة، فأما ما طريقه الدليل فانه يجوز أن يغلطوا فيه فلا يجوز ~~حينئذ اتباعهم وان كانوا أباءا. ### || [7.71] # في هذه الآية حكاية عما قال هود لقومه جوابا عما قالوه في الآية الاولى: ~~أنه { قد وقع عليكم رجس وغضب } فالوقوع والسقوط والنزول نظائر. والوقوع ~~وجود الشيء نازلا بالحدوث، فقد يكون بحدوثه، وقد يكون بحدوث غيره، كوقوع ~~الحائط ونحوه. والرجس العذاب. وقيل: الرجس والرجز واحد فقلبت الزاي ~~سينا، كما قلبت السين تاء في قول الشاعر: # ألا لحى الله بني السعلات # عمرو بن يربوع لئام النات # ليسوا باعفاف ولا أكيات # يريد الناس، ويريد أكياس. وقال رؤبة: # كم قد رأينا من عديد ميزي # حتى أقمنا كيده بالرجز # حكي ذلك عن أبي عمرو بن العلا. وقال ابن عباس: الرجس السخط، والغضب معنى ~~يدعو الى الانتقام دعاء الانتقاص الطباع لشدة الانكار، ونقيضه الرضا، وهو ~~معنى يدعو الى الانعام دعاء ميل الطباع. ومثل الغضب السخط، هذا قول ~~الرماني. وقال غيره: الغضب هو ارادة العقاب بمستحقيه، ومثله السخط. ~~والرضا هو الارادة إلا أنها لا توصف بذلك إلا اذا وقع مرادها ولم ~~يتعقبها كراهة، ولهذا جاز إطلاق ms1550 ذلك على الله، ولو كان الأمر على ما ~~قاله الرماني لما جاز أن يقال: إن الله غضب على الكفار، ولا أنه سخط ~~عليهم. # وقوله { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من ~~سلطان } يعني ما أنزل الله بها من برهان، ولا نصب عليها حجة. والمعنى ~~أتنازعونني في أسماء سميتموها يعني تسميتهم ما يعبدون من دون الله آلهة، ~~ما أنزل الله عليكم بذلك حجة بما عبدتم، فالبينة عليكم بما ادعيتم ~~وسميتم، وليس علي ان آتيكم بالبينة على ما تعبدون من دون الله بل ذلك ~~عليكم، وعلي أن آتيكم بسلطان مبين أن الله تعالى هو المعبود وحده دون ~~من سواه وأني رسوله. # وقوله { فانتظروا إني معكم من المنتظرين } قال الحسن: معناه انتظروا ~~عذاب الله فانه نازل بكم، فاني معكم من المنتظرين لنزوله بكم، وهو قول ~~الجبائي وغيره من المفسرين. ### || [7.72] # في هذه الآية إخبار من الله تعالى أنه أنجى هودا والذين آمنوا معه ~~برحمة منه، والانجاء التخليص من الهلاك، وأصله من النجوة وهي الارتفاع من ~~الارض والنجاء السرعة في السير، لأنه ارتفاع فيه بالاسراع وإنما جاز أن ~~يقول: برحمة منا مع أن النجاة هي الرحمة، لأنه عقد معنى النجاة بالرحمة، ~~فصار كأنه يعمل بالقدرة. # وقوله { وقطعنا } فالقطع هو افراد الشىء عن غيره مما كان على تقدير ~~الاتصال به، فلما أفردوا بالهلاك عما كان على تقدير التبع لهم من نسلهم ~~وآثارهم من بعدهم كان قد قطع دابرهم. وقال الحسن: معناه قطعنا أصل الذين ~~كذبوا بديننا وما كانوا مؤمنين. وقال ابن زيد: قطعنا دابرهم معناه: ~~استأصلناهم عن آخرهم. والدابر الكائن خلف الشىء. ونقيضه القابل، ويكون ~~القابل الآخذ للشىء من قبل وجهه. # وقوله { وما كانوا مؤمنين } انما أخبر بذلك عن حالهم مع أنه معلوم منهم ~~ذلك لبيان أن هذه الصفة لا تجوز أن تلحق المكذب بآيات الله الجاحد لها ~~وإن في نفيها عن المكلف ذما له. ### || [7.73] # هذه الآية عطف على ما تقدم، والتقدير وأرسلنا الى ثمود أخاهم صالحا. # وثمود اسم قبيلة، ms1551 وقد جاء مصروفا وغير مصروف، فمن صرفه، فعلى أنه اسم ~~لحي مذكر، ومن ترك صرفه، فعلى أنه اسم القبيلة، كما قال تعالى # ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # صرف الأول ولم يصرف الثاني. واختير ترك الصرف في موضع الجر، لأنه أخف. # ويجوز في قوله { ما لكم من إله غيره } ثلاثة أوجه من العربية: الجر على ~~اللفظ، والرفع على الموضع، وقد قرىء بهما، وقد بيناه فيما مضى، والنصب ~~على الاستثناء والحال، ولم يقرأ به. ويجوز عند الفراء الفتح على البناء، ~~لانه أجاز ما جاءني غيرك، ومنع منه الزجاج. وقال: إنما يجوز ذلك اذا ~~أضيف الى غير متمكن إضافة غير حقيقية، كما قال الشاعر: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات أو قال # وقوله { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } قد بيناه فيما مضى. # وقوله { قد جاءتكم بينة من ربكم } فالبينة العلامة التي تفصل الحق من ~~الباطل من جهة شهادتها به. والبيان هو إظهار المعنى للنفس الذي يفصله من ~~غيره حتى يدركه على ما يقويه كما يظهر نقيضه، فهذا فرق بين البينة ~~والبيان. # وقوله { هذه ناقة الله لكم آية } فالناقة الانثى من الجمال والاصل فيها ~~التوطئة والتذليل من قولهم بعير منوق أي موطأ مذلل، وتنوق في العمل أي ~~جوده كالموطأ المذلل. والناق الحز بين ألية الابهام وطرفها، لأنه وطأ ~~به لقبض الكف وبسطها. وانما قال { ناقة الله } لأنه لم يكن لها مالك سواه ~~تعالى. ونصب { آية } على الحال. والآية هي البينة العجيبة بظهور الشهادة ~~ولطف المنزلة. والآية والعبرة والدلالة والعلامة نظائر. والآية التي كانت ~~في الناقة خروجها من صخرة ملساء تمخضت بها كما تتمخض المرأة ثم انفلقت ~~عنها على الصفة التي طلبوها، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله ~~وتسقيهم اللبن بدله، ولهم شرب يوم يخصهم لا تقرب فيه ماءهم، في قول أبي ~~الطفيل، والسدي وابن اسحاق. # وقوله { فذروها } أي اتركوها { تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء } يعني ~~بعقر أو نحر ms1552 { فيأخذكم عذاب أليم } أي ينالكم عذاب مؤلم. ### || [7.74] # في هذه الآية حكاية لقول صالح (ع) لقومه بعد أن أمرهم بعبادة الله وحده ~~لا شريك له، ونهيه إياهم أن يمسوا الناقة بسوء، وحذرهم من المخالفة التي ~~يستحق بها العذاب المؤلم فقال - عاطفا على ذلك - و { اذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد عاد } أي تفكروا فيما أنعم الله عليكم حيث جعلكم بدل قوم ~~عاد بعد أن أهلكهم وأورثكم ديارهم { وبوأكم في الأرض } أي مكنكم من منازل ~~تأوون اليها، يقال بوأته منزلا اذا مكنته منه ليأوى اليه. وأصله من ~~الرجوع من قوله # فباءوا بغضب على غضب # وقوله # وباءوا بغضب من الله # أي رجعوا، قال الشاعر: # وبوأت في صميم معشرها # فتم في قومها مبوأها # أي انزلت ومكنت من الكرم في صميم النسب. # وقوله { تتخذون من سهولها } فالسهل ما ليس فيه مشقة على النفس من عمل أو ~~أرض، يقال: السهل والجبل، وأرض سهلة. وقوله { قصورا } جمع قصر، وهو ~~الدار الكبيرة بسور تكون به مقصورة. وأصله القصر الذي هو الجعل على منزلة ~~دون منزلة، فمنه القصير، لأنه قصر به على مقدار دون ما هو أطول منه، ~~والقصر الغاية، يقال: قصره الموت لأنه قصر عليه، واقصر عن الأمر أي كف ~~عنه. والقصر العشي، ومنه القصار لأنه يقصر الثوب على النقاء دون ما هو ~~عليه. والقصرة أصل العنق. # وقوله { وتنحتون الجبال بيوتا } فالجبل جسم عظيم بعيد الاقطار عال في ~~السماء، ويقال: جبل الانسان على كذا أي طبع عليه، لأنه يثبت عليه لصوق ~~الجبل، والمعنى انهم كانوا ينحتون في الجبال سقوفا كالأبنية، فلا ينهدم، ~~ولا يخرب، { فاذكروا آلاء الله } معناه تفكروا في نعمه المختلفة كيف ~~مكنكم من الانتفاع بالسهل والجبل { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } معناه لا ~~تضطربوا في الارض مفسدين يقال: عاث يعيث عيثا، وعثى يعثي بمعنى واحد. ~~ومفسدين نصب على الحال. ومعنى الآية التذكير بنعم الله من التمكين في ~~الأرض والتسخير حتى تبوأوا القصور وشيدوا المنازل والدور مع طول الآمال ~~وتبليغ الآجال. ### || [7.75] # قرأ ابن عامر { وقال ms1553 الملأ } بزيادة واو، وكذلك في مصاحف أهل الشام ~~الباقون بلا واو. # في هذه الآية حكاية عما قال الملأ من قوم صالح، وهم جماعة من أشراف قومه ~~ورؤساء أمته { الذين استكبروا } أي طلبوا الكبر فوق القدر، لان ~~الاستكبار هو طلب الكبر فوق القدر، حتى يؤدي صاحبه الى إنكار ما دعي ~~اليه من الحق، أنفة من اتباع الداعي الى الحق { للذين استضعفوا } ~~فالاستضعاف طلب الضعف بالأحوال التي تقعد صاحبها عما كان يمكن غيره من ~~القيام بالأمر، والأصل في باب (استفعل) الطلب منه. # وقوله { لمن آمن منهم } موضعه من الاعراب نصب على البدل من اللام الاولى ~~وهو بدل البعض من الكل إلا أنه أعيد فيه حرف الجر، كقولك مررت بأخوتك ~~بعضهم. وانما فعل ذلك لئلا يظن انهم كانوا مستضعفين غير مؤمنين، لأنه قد ~~يكون المستضعف مستضعفا في دينه، فلا يكون مؤمنا. فأزال هذه الشبهة. # وقوله { أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } حقيقة ويقينا ام لا تعلمون ~~ذلك؟ وغرضهم بذلك الاستبعاد، لأن يكون صالح نبيا مرسلا من قبل الله. # وقوله { إنا بما أرسل به مؤمنون } جواب من هؤلاء المستضعفين لهم انهم ~~مؤمنون بالذي أرسل به صالح مصدقون. وقد بينا أن حد العلم هو ما اقتضى ~~سكون النفس. وحد الرماني - ها هنا - العلم بأنه اعتقاد للشىء على ما هو ~~به عن ثقة من جهة ضرورة أو حجة، قال: والعالم هو المبين للشىء بعلم أو ~~ذات تنبىء عن العلم. ### || [7.76] # هذه الآية عما قال المستكبرون للذين آمنوا منهم حين سمعوا منهم الايمان ~~به والاعتراف بنبوته والتصديق لقوله { إنا بالذي آمنتم به } يعني صدقتم ~~به { كافرون } أي جاحدون. والقول هو الكلام، ومنه المقول، وهو اللسان، ~~لأن صاحبه يقول به. وتقول بمعنى كذب وقال الكذب. والمقيال المخبر إلى ~~نفسه بالقول امرا من خير أو شر. والقيل ملك دون الملك الأعظم بلغة ~~حمير، وجمعه أقيال، لأنه يقول عنه كالوزير. ### || [7.77] # في هذه الآية إخبار من الله تعالى عما فعل المستكبرون من قوم صالح ~~وأنهم عقروا الناقة التي هي آية ms1554 الله فى الأرض، والعقر الجرح الذي يأتي ~~على أصل النفس، وهو من عقر الحوض وهو أصله، قال الشاعر: # بازاء الحوض أو عقره # ومنه العقار، لأنه اعتقار أصل مال، لأن ثبوته كثبوت الأصل. ومنه العاقر، ~~لأنها قد حدث ما عقر الحال التي يجيء منها الولد فأبطل الأصل، والمعاقرة ~~على الشراب منه، لأنه كالأصل في الثبوت على تلك الحال. # وقوله { وعتوا عن أمر ربهم } أي تجاوزوا الحد في الفساد. وقيل: العتو ~~الغلو في الباطل - في قول مجاهد - ومنه جبار عات، والعاتي في الكبر ومنه ~~{ وقد بلغت من الكبر عتيا } أي بلغت حال العاتي كبرا، والعتو عن الأمر ~~هو المخالفة إلا أن في العتو مخالفة على وجه التهاون به والاستكبار عن ~~قبوله. # وقوله { يا صالح ائتنا } إن وصلته همزته، وان ابتدأته لم تهمز بل تقول: ~~(إيتنا) وانما كان كذلك، لأن أصله (إئتنا) بهمزتين، فكره ذلك فقلبوا ~~الثانية ياء على ما قبلها، فاذا وصل سقطت ألف الوصل وظهرت همزة الأصل. # وقوله { بما تعدنا } فالوعد الخبر بخير أو شر بقرينة في الشر. # وقوله { ائتنا بما تعدنا } أي من الشر، لأنا قد علمنا ما توعدتنا عليه ~~فأت الآن بالعذاب الذي خوفتنا منه، ومتى تجرد عن قرينة، فهو بالخير ~~أحق للفصل بين الوعد والوعيد. ### || [7.78-79] # أخبر الله تعالى في هذه الآية بما حل بثمود من العذاب، فقال { فأخذتهم ~~الرجفة } وهي حركة القرار المزعجة لشدة الزعزعة تقول: رجف بهم السقف ~~رجوفا اذا اضطرب من فوقهم، وقال مجاهد والسدي: الرجفة الصيحة. وقال ~~آخرون: هي زلزلة أهلكوا بها، قال الأخطل: # اما تريني حناني الشيب من كبر # كالنشر أرجف والانسان مهدود # وقوله { فأصبحوا في دارهم جاثمين } إنما قال دراهم على التوحيد لأمرين: # أحدهما - إن المعنى في بلدهم، وهو واحد. # والآخر - أن معناه في دورهم، وإنما وحد كما توحد أسماء الأجناس كقوله # إن الإنسان لفي خسر # والأخذ نقل الشىء عن حاله الى جهة الناقل له، وضده الترك كأخذ الدينار ~~وترك الدرهم. ومعنى { جاثمين } باركين على ركبهم موتى، جثم يجثم جثوما ~~اذا برك ms1555 على ركبتيه. وقيل: صاروا رمادا كالرماد الجاثم، لأن الصاعقة ~~أحرقتم، وقال جرير: # عرفت المنتأى وعرفت منها # مطايا القدر كالجدء الجثوم # وقوله { فتولى عنهم } يعني أن صالحا تولى عن قومه، والتولي الذهاب عن ~~الشىء وهو الاعراض عنه، وانما تولى، لأنه أقبل عليهم بالدعاء الى توحيد ~~الله وطاعته، فلما خالفوا ونزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم وتولاه ~~بمعنى أولاه نصرته ومعونته، ومنه قولهم (تولاك الله بحفظه) وقوله # ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا # فهو مثل قوله # إن تنصروا الله ينصركم # أي إن تنصروا دين الله، وتولى عنه بمعنى أعرض عنه. # وقوله { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة بي } انما جاز أن يناديهم مع ~~كونهم جاثمين موتى لما في تذكر ما أصارهم الى تلك الحال العظيمة التي ~~صاروا بها نكالا لكل من اعتبر بها وفكر فيها من الحكمة والموعظة الحسنة. ~~وقوله { ونصحت لكم } يقال: نصحته ونصحت له مثل شكرته وشكرت له، ومعناه ~~وكنت نصحت لكم { ولكن لا تحبون الناصحين } فمحبة الشىء إرادة الحال ~~الجليلة له عند المريد، فمن أحب الناصح قبل منه، لنهيه لهم عن ركوب ~~أهوائهم واتباع شهواتهم، وقد روي أنه لم يعذب أمة نبي قط ونبيها فيها، ~~فلذلك خرج، فأما اذا أهلك المؤمنون فيما بينهم، فان الله سيعوضهم على ما ~~يصيبهم من الآلام والغموم. ### || [7.80] # العامل في قوله { ولوطا } يحتمل أن يكون أحد أمرين: # أحدهما - أن يكون عطفا على ما مضى، فيكون تقديره وأرسلنا لوطا. # والثاني - أن يكون على تقدير واذكر لوطا إذ قال لقومه - في قول الأخفش ~~- ولا يجوز في قصة عاد وثمود إلا (وأرسلنا)، لأن فيها ذكر الى. و (لوط) ~~مصروف لخفته، لأنه على ثلاث أحرف ساكن الاوسط، ولا ينصرف يعقوب، لأنه ~~أعجمي معرفة. # واختلفوا في اشتقاق (لوط) فقال بعض أهل اللغة: إنه مشتق من لطت الحوض ~~اذا الزقت عليه الطين وملسته به، ويقال: هذا (ألوط) بقلبي أي ألصق، ~~والليطة القشر للصوقه بما اتصل به، وقال الزجاج: هو اسم غير مشتق، لأن ~~العجمي لا يشتق من العربي، وانما ms1556 قال ذلك لأنه لم يوجد علما إلا في ~~أسماء الأنبياء. # وقوله { أتأتون الفاحشة }؟! فالفاحشة هي السيئة العظيمة القبح. # وقوله { ما سبقكم بها من أحد } فالسبق وجود الشىء قبل غيره. وقيل: ما ~~ذكر على ذكر قبل قوم لوط، ذكره عمرو بن دينار، فلذلك قال { ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين } وبه قال أكثر المفسرين، قال البلخي: يحتمل أن يكون ~~أراد { ما سبقكم بها من أحد العالمين } يريد عالمي زمانهم، كما قال # وأني فضلتكم على العالمين # قال: ويحتمل أن يكون ما سبقكم الى ذلك أحد على وجه القهر والمجاهرة به ~~على ما كانوا يفعلونه. وقال بعضهم: العقل كان يبيح ذلك وانما منع منه ~~السمع. قال البلخي: هذا خطأ، لأنه يؤدي الى انقطاع النسل، ولأن الطباع ~~مبنية على الاستنكاف من ذلك وان يكون الانسان مفعولا به، ولو كان الفاعل ~~لذلك غير مقبح لما لحق المفعول به من ذلك وصمة، كما أن المرأة المنكوحة ~~بالعقد الصحيح لا يلحقها بذلك وصمة ولا عيب بلا خلاف. قال: ومن حمل نفسه ~~على استحسان ذلك وانه يجوز أن يكون مفعولا به كان ما جنا ملوما عند ~~جميع العقلاء. ### || [7.81] # قرأ أهل المدينة وحفص ها هنا { إنكم } على الخبر، وكذلك مذهبه في ~~قراءته ان يكتفي بالاستفهام الأول من الثاني في كل القرآن، وهو مذهب ~~الكسائي إلا في قصة لوط. الباقون بهمزتين الثانية مكسورة، وخففها ابن ~~عامر وأهل الكوفة إلا حفصا، والحلواني عن هشام يفصل بينهما بالألف، ~~وابن كثير وأبو عمرو وورش تحقق الأولى وتلين الثانية، وفصل بينهما بألف ~~أبو عمرو. # وقال أبو علي: قوله { أتأتون الفاحشة... إنكم لتأتون الرجال } كل واحد ~~من الاستفهامين كلام مستقل بنفسه لا حاجة لو احد منهما الى الآخر، فاذا ~~كان كذلك، فمن قرأ (أإنكم) على الاستفهام جعل ذلك تفسيرا للفاحشة، كما ~~أن قوله # للذكر مثل حظ الأنثيين # تفسير للوصية. ومن قرأ على الخبر استأنف، ومن أراد أن يلين همزة (إنكم) ~~فانه يجعلها بين بين، لأن ألف الاستفهام بمنزلة المنفصل، ولولا ذلك لوجب ~~أن ms1557 يقلب الثانية على ما قبله ثم يحذف لالتقاء الساكنين. # ومعنى قوله { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } قال الحسن: إن ~~قوم لوط كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ولا ينكحون إلا الغرباء ولا ~~ينكح بعضهم بعضا. وقوله { شهوة من دون النساء } فالشهوة مطالبة النفس ~~بفعل ما فيه اللذة، وليست كالارادة، لأنها قد تدعو الى الفعل من جهة ~~الحكمة. والشهوة من فعل الله ضرورة فينا، والارادة من فعلنا، تقول شهيت ~~أشهي شهوة، قال الشاعر: # واشعث يشهى النوم قلت له ارتحل # اذا ما النجوم اعرضت واسبكرت # فقام يجر البرد لو أن نفسه # يقال له خذها بكفيك خرت # وقوله { بل أنتم قوم مسرفون } معناه الاضراب عن الأول الى جميع المعايب ~~من عبادة الاوثان وإتيان الذكران وترك ما قام به البرهان، وتقديره إنكم ~~مستوفون لجميع المعائب إتيان الذكران وغيره، ويحتمل أن يكون بل لاسرافكم ~~لا تفلحون. والاسراف الخروج عن حد الحق الى الفساد. ### || [7.82] # الوجه في قوله { جواب قومه } بالنصب أنه وقع الاسم بعد { إلا } موقع ~~الايجاب، وذلك أن ما قبلها اذا كان إيجابا كان ما بعدها نفيا، واذا ~~كان ما قبلها نفيا كان ما بعدها ايجابا، والجواب خبر يقتضيه أول ~~الكلام، والغالب عليه جواب النداء والسؤال، ويكون على وجوه كجواب الجزاء ~~وجواب القسم وجواب (لو). # أخبر الله في هذه الآية بما أجاب به قوم لوط (ع) حين قال لهم { إنكم ~~لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين } كأنهم قالوا: بعضهم ~~لبعض { أخرجوهم } يعنون لوطا وأهله الذين آمنوا به. والاخراج نقل الشىء ~~عن محيط الى غيره، كما أن الادخال النقل الى محيط عن غيره. وقال الزجاج ~~والفراء: أرادوا اخرجوا لوطا وابنتيه. # وقوله { من قريتكم } فالقرية هي المدينة، كما قال أبو عمرو بن العلاء: ~~ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن إلا أنه ~~صار بالعرف عبارة عن مجتمع الناس في منازل متجاورة بقرب ضيعة يأوى اليها ~~للاكراء. # وقوله { إنهم أناس يتطهرون } قيل فيه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس ms1558 ومجاهد وقتادة: يعني يتطهرون عن اتيان الرجال في ~~الأدبار فعابوهم بما يجب أن يمدحوا به. # الثاني - أنه أراد يتطهرون يتنزهون عن أفعالكم وطرائقكم. ### || [7.83-84] # أخبر الله تعالى أنه أنجى لوطا ومن معه بمعنى أنه خلصه من الهلاك { ~~وأهله } يعني المختصين به. والأهل هو المختص بالشىء اختصاص القرابة، ~~ولذلك قيل: أهل البلد لأنهم بلزومهم سكناه قد صاروا على مثل لزوم ~~القرابة. وقوله { إلا امرأته } استثنى من جملة من أنجاه مع لوط من أهله ~~امرأته، لأن امرأته أراد به زوجته ولا يقال: مرؤها بمعنى زوجها، لأنه صار ~~بمنزلة المالك لها. وليست بمنزلة المالكة له. وإنما تجري هذه الاضافة ~~التي بمعنى اللام على طريقة الملك. وقوله { كانت من الغابرين } يعني من ~~الباقين في عذاب الله - في قول الحسن وقتادة. # فان قيل: فعلى هذا يجب أن تكون امرأته ممن نجى لأنه تعالى قال { كانت من ~~الغابرين } أي الباقين. # قلنا: المعنى إنها من الباقين في عذاب الله، على ما حكيناه عن الحسن ~~وقتادة. وقال قوم: معناه إنها من الباقين قبل الهلاك والمعمرين الذين قد ~~أتى عليهم دهر طويل حتى هرمت فيمن هرم من الناس، وكانت ممن غبر الدهر ~~عليه قبل هلاك القوم. ثم هلكت فيمن هلك من قوم لوط. # وقيل: أراد بذلك من الباقين في عذاب الله، ذكر ذلك قتادة. # وانما قلنا: إنها كانت من الهالكين، لقوله في سورة هود # إنه مصيبها ما أصابهم # ذكر ذلك البلخي والطبري، فالغابر الباقي. ويقال: غبر يغبر غبورا وغبرا ~~اذا بقي قال الأعشى: # عض بما أبقى المواسي له # من أمه في الزمن الغابر # وقال آخر: # وأبي الذي فتح البلاد بسيفه # فأذلها لبني أبان الغابر # وقال الزجاج { من الغابرين } عن النجاة. ومنه الغبرة بقية أثر البياض ~~بعد الامتزاج بغيره من الألوان. وقال الرماني: هذا استثناء متصل، لأنه ~~يجوز أن يدخل الزوجة في الأهل على التغليب في الجملة دون التفصيل كما قال # يا نوح إنه ليس من أهلك # ومن أجل التغليب قال { من الغابرين } ولم يقل من الغابرات. ويقوي في ~~نفسي ms1559 أنه استثناء منقطع، لأن الزوجة لا تدخل تحت قولنا: الأهل حقيقة، وقد ~~بينا ذلك في سورة البقرة مستوفا. # وقوله { وأمطرنا عليهم مطرا } وأمطرها الله إمطارا. وقيل: أمطر عليهم ~~حجارة من سجيل، وهذا اخبار من الله تعالى عما أنزله الله بقوم لوط من ~~العذاب. # وقوله { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } أمر للنبي (صلى الله عليه وسلم) ~~والمراد به جميع المكلفين بأن يتفكروا في ذلك ويعلموا كيف كان عاقبة ~~المجرمين، يعني الى ما صار اليه عاقبة هؤلاء العاصين. و (كيف) سؤال عن ~~حال إلا أنها تقع في التسوية، لأن فيها ادعاء. واذا قال القائل: كيف هو، ~~معناه قد علمت ما يطلبه الطالب كيف هو من حاله. والعاقبة آخر ما تؤدي ~~اليه التأدية، وأصله كون الشىء في أثر الشىء ومنه العقاب، لأنه يستحق ~~عقيب الذنب، ومنه العقاب لأنه يعقب على صيده لشدته، والعقب، لأنه عقب ~~به بشدة شيئا بعد شىء. والاجرام اقتراف السيئة، أجرم إجراما اذا أذنب ~~والجرم الذنب وأصله القطع فالمجرم منقطع عن الحسنة الى السيئة، وفائدة ~~الآية الاخبار عن سوء عاقبة المجرمين بما أنزل عليهم عاجلا من عذاب ~~الاستئصال قبل عذاب الآخرة بالنيران. ### || [7.85] # هذه الآية عطف على ما تقدم والتقدير فيها فأرسلنا { إلى مدين } وهي ~~قبيلة، قال أبو اسحاق: أصله (مديان) وهو مديان بن ابراهيم وهؤلاء ولده. و ~~{ مدين } لا ينصرف، لأنه معرب في حال تعريفه. والعلة المانعة من الصرف هي ~~العجمة والتعريف وقال الزجاج: لأنه اسم قبيلة وهو معرفة وجائز أن يكون ~~أعجميا. # وقوله { أخاهم شعيبا } نسب اليهم بالاخوة في النسب دون غيره. وقال لهم ~~{ قد جاءتكم بينة من ربكم } يعني أتتكم حجة من الله تعالى ومعجزة دالة ~~على صدق قولي، وأخبر انه أمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان. والايفاء ~~إتمام الشيء الى حد الحق فيه، ومنه إيفاء العهد وهو اتمامه بالعمل ~~به. والكيل تقدير الشىء بالمكيال حتى يظهر مقداره منه. والوزن تقدير ~~الشىء بالميزان، والمساحة تقدير الشىء بالذراع أو ما زاد عليه أو نقص. { ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم } نهي ms1560 من شعيب إياهم عن بخس الحقوق وتنقيصها ~~في الكيل والميزان وغيرهما، والبخس النقص عن الحد الذي يوجبه الحق تقول: ~~بخس يبخس بخسا فهو باخس. والبخص بالصاد فقأ العين. وقال قتادة والسدي: ~~البخس الظلم، ومنه المثل (تحسبها حمقاء وهي باخسة). # وقوله { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } يعني بعد أن أصلحها الله ~~بالأمر والنهي وبعثة الأنبياء وتعريف الخلق مصالحهم. والافساد اخراج ~~الشىء الى حد لاينتفع به بدلا عن حال ينتفع بها، وضده الاصلاح، والمعنى ~~لا تخرجوا الى العمل في الأرض بالقبائح بعد أن أصلحها الله بالمحاسن. # وقوله { ذلكم } إشارة لقومه الى ما أمرهم به ونهاهم عنه بأن امتثاله ~~والانتهاء اليه خير لهم وأعود عليهم إن كانوا مؤمنين مصدقين بالله، ~~وانما علق خيريته بالايمان وإن كان هو خيرا على كل حال من حيث أن من لا ~~يكون مؤمنا بالله، وعارفا بنبيه لم يمكنه أن يعلم أن ذلك خير له، وكأنه ~~قال لهم: كونوا مؤمنين لتعلموا أن ذلك خير لكم. ويحتمل أن يكون المراد لا ~~ينفعكم ايفاء الكيل والميزان إلا بعد أن تكوا مؤمنين. قال الفراء: لم ~~يكن لشعيب آية على النبوة. قال الزجاج وغيره: هذا غلط، لأنه قال { قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا } فجاء بالفاء جوابا للجزاء، فكيف يقول { قد ~~جاءتكم بينة } ولم يكن له آية على النبوة، فان كان مع النبوة آية فقد ~~جاءهم بها لأنه لو ادعى النبوة من غير آية لم يقبل منه. وآيات شعيب وإن ~~لم يذكرها الله في القرآن لا يجب أن يقال: لا آية له، لأن نبينا (صلى ~~الله عليه وسلم) لم يذكر الله آياته كلها في القرآن ولا أكثرها وإن كانت ~~له آيات كثيرة، ولم يوجب ذلك نفيها. ### || [7.86] # قيل في معنى قوله { ولا تقعدوا } بكل صراط توعدون قولان: أحدهما - قال ~~ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: إنهم كانوا يقعدون على طريق من قصد ~~شعيبا للايمان به فيخوفونه بالقتل. وقال أبو هريرة: إنما نهاهم عن قطع ~~الطريق. # وقوله { بكل صراط توعدون } يجوز فيه تعاقب حروف ms1561 الاضافة بأن يقول: على ~~كل صراط، وفي كل صراط، لأن معاني هذه الحروف اجتمعت فيه - ها هنا - كما ~~تقول: قعد له بكل مكان، وعلى كل مكان، وفى كل مكان، لأن الباء للالصاق ~~وهو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و (في) للمحل ~~وهو قد حل المكان. ويقال: قعد عن الأمر بمعنى ترك العمل به كائنا ما ~~كان، وقام به إذا عمل به كالقعود عن الواجب ونحوه. ومعنى الايعاد الاخبار ~~بالعذاب على صفة من الصفات، وهو الوعيد والتهديد، فاذا ذكر المتعلق من ~~الخير أو الشر قلت: وعدته كذا، كما قال تعالى # النار وعدها الله الذين كفروا # واذا لم يذكر قيل في الخير وعدته، وفى الشر أوعدته. وتقول: وعدته خيرا ~~بلا باء وأوعدته بالشر باثبات الباء. # وقوله { وتصدون عن سبيل الله } فالصد هو الصرف عن الفعل بالاغواء فيه، ~~كما يصد الشيطان عن ذكر الله وعن الصلاة. تقول: صده عن الأمر يصده صدا، ~~وهو كالمنع. # وقوله { من آمن به } (من) في موضع نصب، لأنه مفعول به، وتقديره وتصدون ~~المؤمنين بالله عن اتباع دينه، وهو سبيل الله. # وقوله { وتبغونها عوجا } فالهاء راجعة الى السبيل، ومعنى " تبغون " ~~تطلبون، والبغية الطلبة: بغاه يبغيه بغية. والمعنى - ها هنا - وتبغون ~~السبيل عوجا عن الحق، وهو أن يقولوا: هذا كذب وباطل وما أشبه ذلك، وهو ~~قول قتادة. والعوج - بكسر العين - في الدين وكل ما لا يرى - وبفتح العين ~~- في العود وكل ما يرى كالحائط وغيره. # وقوله { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } قال الزجاج: يحتمل أشياء: # أحدها - اذكروا نعمة الله عليكم إذ كثر عددكم. # وثانيها - انه كثركم بالغنى بعد الفقر. # وثالثها - كثركم بالقدرة بعد الضعف، ووجهه أنهم كانوا فقراء وضعفاء، فهم ~~بمنزلة القليل في قلة الغناء. # وقوله { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } معناه فكروا فيما مضى من ~~إهلاك من تقدم بأنواع العذاب وانزال العقوبات بهم واستئصال شأفتهم وما ~~فعل الله بالمفسدين، وكيف كان عاقبتهم في ذلك وما حل - بهم من البوار. ### || [7.87] # الطائفة الجماعة من الناس، ms1562 وهو من الطوف صفة غالبة أقيمت مقام الموصوف ~~مأخوذة من أنها تجتمع على الطواف، وقد يكون جماعة الكتب والدور ونحو ذلك. # وقوله { وطائفة لم يؤمنوا } إنما جاز أن يخبر عمن لم يؤمن بأنهم طائفة ~~وإن كانوا هم الأكثر لتقابل قوله { طائفة منكم آمنوا } ولأن من حق الضد ~~أن يأتي على حد ضده، كما تقول: ضربت زيدا وما ضربت زيدا، وإنما ذكر ~~طائفة، لأنه راجع الى الرجال، وان كان اللفظ مؤنثا فغلب فيه المعنى في ~~هذا الموضع ليدل على معنى التذكير، والمعنى إن شعيبا قال لقومه: وإن ~~انقسمتم قسمين، ففرقة آمنت وفرقة كفرت، فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، على ~~وجه التهديد لهم والانكار على من خالف منهم، والصبر حبس النفس عما تنازع ~~اليه من الجزع وأصله الحبس، ومنه قوله (ع): (اقتلوا القاتل واصبروا ~~الصابر) ومنه قيل للسيء: صبر، لانه يحبس النفس عن لفظه ليداويه. والحكم ~~المنع من الخروج عن الحق بدعاء الحكمة اليه من جهة معروفة أو حجة، وأصله ~~المنع قال الشاعر: # أبني حنيفة احكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # وقوله { وهو خير الحاكمين } لانه لا يجوز عليه الجور، ولا المحاباة في ~~الحكم، وإنما علق جواب الجزاء بالصبر، وهو لازم على كل حال، لأن المعنى ~~فسيقع جزاء كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب، كأنه قال: فأنتم مصبورون ~~على حكم الله بذلك. قال البلخي: أمرهم في هذه الآية بالكف عما كانوا ~~يفعلون من الصد عن الدين والتوعد عليه، والكف عن ذلك خير ورشد، ولم ~~يأمرهم بالمقام على كفرهم والصبر. وفي ذلك دلالة على أنه ليس كل أفعال ~~الكافرين كفرا ومعصية، كما يذهب اليه بعض أهل النظر. ### || [7.88] # أخبر الله تعالى في هذه الآية عن الملأ، وهم الجماعة الأشراف والرؤساء ~~من قوم شعيب الذين استكبروا، ومعناه امتنعوا من اتباع الحق أنفة عن ~~الداعي اليه أن يتبعوه فيه، وتكبروا عليه جهلا منهم بمنزلة الحق ومنزلة ~~الداعي اليه، إذ أنهم قالوا لشعيب وأقسموا { لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو ms1563 لتعودن في ملتنا } وقيل في معنى { لتعودن } ~~قولان: أحدهما - على توهمهم أنه كان فيها على دين قومه. # الثاني - أن الذين اتبعوا شعيبا قد كانوا فيها. وقال الزجاج: وجائز أن ~~يقال: قد عاد علي من فلان مكروه وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك أي ~~لحقني منه مكروه، ووجه هذا أنه قد كان قبل ذلك في قصده لي كأنه قد أتى ~~مرة بعد مرة. وقال الشاعر: # لئن كانت الأيام أحسن مرة # الي فقد عادت لهن ذنوب # والعود هو الرجوع، وهو مصير الشىء الى الحال التي كان عليها قبل، ومنه ~~إعادة الخلق، وقوله تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # وتستعمل لفظة الاعادة في الفعل مرة ثانية حقيقة، وفى فعل مثله مجازا، ~~وكلاهما يسمى اعادة، لكن لما كان مثله كأنه هو في أنه يقوم مقامه جرت ~~عليه الصفة كقولك: أعدت الكتابة والقراءة ومعناه فعلت مثله. # وقوله { أولو كنا كارهين } حكاية لما قال شعيب لأمته من أنه لا يعود في ~~ملتهم إلا أن يكون على وجه الاكراه منهم لذلك وأنهم يريدون أن يردوا ~~المؤمنين الى مثل ماهم عليه من المعاصي مع كراهتهم لذلك ويقينهم لبطلانه، ~~فبين بهذا أنا مع كراهتنا لذلك مع ما عرفناه من بطلانه لا نرجع، وتقديره ~~أتعيدوننا في ملتكم وإن كرهناها؟! فأدخل ألف الاستفهام على (لو). ### || [7.89] # في هذه الأية اخبار من الله عما قال شعيب لقومه من أنه قد افترى هو ومن ~~آمن به على الله كذبا إن عاد في ملتهم بأن يحللوا ما يحللونه ويحرموا ~~ما يحرمونه وينسبونه الى الله بعد إذ نجاهم الله منها. # والافتراء الكذب، ومنه الافتعال، والاختلاق وهو القطع بخبر مخبره لا على ~~ما هو به، مشتقا من فري الأديم تقول فريت الأديم أفريه فريا. # والملة الديانة التي تجتمع على العمل بها فرقة عظيمة. والأصل فيه تكرر ~~الامر من قولهم طريق مليل اذا تكرر سلوكه حتى توطأ، ومنه الملل وهو تكرر ~~الشىء على النفس حتى تضجر. والملة الرماد الحار يدفن فيه الخبز حتى ينضج ~~لتكرر ms1564 الحمي عليها، ومنه المليلة من الحمى. والملة لتكرر العمل فيها على ~~ما تأتي به الشريعة. # وقوله { بعد إذ نجانا الله منها } باقامة الدليل والحجج على بطلانها، ~~وعلمنا بذلك وانتهائنا عنها. وقوله { ربنا افتح } قال ابن عباس: ما كنت ~~أدري معنى قوله { ربنا افتح } حتى سعمت بنت سيف بن ذي يزن تقول: تعال حتى ~~أفاتحك يعني أقاضيك. # وقوله { وما يكون لنا أن نعوذ فيها إلا أن يشاء الله ربنا } إخبارعن ~~قول شعيب لهم أنه ليس له أن يعود في ملتهم، ويرجع فيها إلا بعد مشيئة ~~الله ذلك. وقيل في معنى هذه المشيئة مع حصول العلم بأنه لا يشاء تعالى ~~عبادة الاصنام والأوثان ثلاثة أقوال: # أحدها - أن في ملتهم أشياء كان يجوز أن يتعبد الله بها، فلو شاءها منهم ~~لوجب عليهم الرجوع فيها. # الثاني - أنه اذا فعل ما شاء الله كان ذلك طاعة لله تعالى. # الثالث - أنه علق ما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد كما ~~قال الشاعر: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي # وصار القار كاللبن الحليب # وكما قال تعالى # حتى يلج الجمل في سم الخياط # وجه ذلك - ها هنا - أنه كما لا يشاء الله عبادة الأصنام والقبائح - لأن ~~ذلك لا يليق بحكمته - فكذلك لا أعود في ملتكم. وقال قوم: فيه وجه رابع، ~~وهو أن الهاء في قوله { فيها } راجعة الى القرية، وكأنه قال: وما يكون ~~لنا أن نعود في قريتكم غانمين لكم ظاهرين عليكم بعد اذ نجانا الله منها ~~بخروجنا منها سالمين إلا أن يشاء الله أن ينصرنا عليكم ويشاء منا الرجوع ~~فيها. # وقوله { وسع ربنا كل شيء علما } نصب (علما) على التمييز. # وقيل في وجه اتصال ذلك بما قبله قولان: # أحدهما - أن الملة إنما يتعبد بها على حسب ما في معلومه من مصلحة ~~العباد بها، فهو تعالى لا يخفى عليه ذلك. # والثاني - أنه عالم بما يكون منا من عود أو ترك دوننا. # ثم حكى عن شعيب أنه قال لهم { على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين ms1565 ~~قومنا بالحق } سؤال من شعيب ورغبة منه اليه تعالى أن يحكم بينه وبين قومه ~~بالحق، والفتح القضاء. ومعنى افتح إقض - في قول ابن عباس والحسن وقتادة ~~والسدي - والحاكم الفاتح والفتاح، وفاتحته في كذا قاضيته. وإنما قيل ~~ذلك، لأنه يفتح باب العلم الذي انغلق على غيره. # وقوله { بالحق } فيه وجهان: # أحدهما - سؤال الله ما يجوز عليه، كما قال في موضع آخر # رب احكم بالحق # والآخر - ما ينكشف به لمخالفينا أنا على الحق من انزال العذاب عليهم، ~~وقال الفراء: اهل عمان يسمون الحاكم الفتاح، قال الشاعر: # ألا أبلغ بني عصم رسولا # فأني عن فتاحتكم غني # أي قضائكم وحكمكم، وقال الجبائي: معنى { افتح بيننا وبين قومنا } انزل ~~بهم ما يستحقون من العقوبة لكفرهم بالله وظلمهم المؤمنين. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانه قال { وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله } فعلم أن لهم الرجوع فيها اذا شاء الله، ~~فاذا لم يشأ لم يكن ذلك، فيجب على هذا إن كان الله يريد الكفر أن يكون ~~للكافر الرجوع في الكفر، وهذا لا يقوله أحد، فبطل ما قالوه. على أن ~~الظاهر من معنى الملة هو ما يعلم بالشرع، وذلك يجوز أن ينسخه الله فيريد ~~منهم الرجوع فيه، وليس لأحد أن يقول إن قوله { بعد إذ نجانا الله منها ~~} لا يليق بما قلتم وانما يليق بما قالوه، وذلك أن قوله { بعد إذ نجانا ~~الله منها } معناه على هذا القول أزاله عنا ونسخه عنا، فان شاء أن يعيدنا ~~ثانيا جاز لنا الرجوع فيها. ### || [7.90] # في هذه الآية حكاية ما قالت الجماعة الكافرة الجاحدة بآيات الله ولنبوة ~~شعيب للباقين منهم وأقسموا عليهم { لئن اتبعتم شعيبا } وانقدتم له ~~ورجعتم الى أمره ونهيه لأن الاتباع هو طلب الثاني موافقة الأول فيما دعا ~~اليه تقول: اتبعه اتباعا وتبعه تبعا، وهو متبع وتابع { إنكم إذا ~~لخاسرون } وقوله { إنكم } جواب القسم واللام في { لخاسرون } لام التأكيد ~~في خبر (إن) و (الخسران) ذهاب رأس المال، فكأنهم قالوا: لئن تبعتموه ~~كنتم ms1566 بمنزلة من ذهب رأس ماله أو أعظم من ماله، لأنكم لا تنتفعون باتباعه ~~فتخسرون في اشتغالكم بما لا تنتفعون به وبانقضاء عمركم إذ لم تكسبوا فيه ~~نفعا لأنفسكم. وقيل: معناه لهالكون، وقيل: لمفتونون. # و (إذا) من عوامل الأفعال، وانما دخلت - ها هنا - على الاسم، لأنها ~~ملغاة، واذا ألغيت من العمل صلح ذلك فيها، لأنها حينئذ تجري مجرى الف ~~الاستفهام في أنها لا تختص، لأنها لا تعمل. # وقوله { إنكم إذا لخاسرون } جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط من قوله ~~{ لئن } ولا يجوز قياسا على ذلك إن أتاك زيد إنه لكريم، لأن جواب ~~الشرط انما هو بالفعل أو الفاء لترتب الثاني بعد الأول بلا فصل. ### || [7.91] # قد مضى تفسير مثل هذه الآية فلا معنى لاعادته. والفاء في فأخذتهم عطف ~~على قوله { قال الملأ } وفيها معنى الجواب كأنه قيل: كان جواب ما ارتكبوا ~~من عظيم الفساد أخذ الرجفة لهم بالعذاب وأخذ الرجفة إلحاقها بهم مدمرة ~~عليهم، ولا يقال أخذتهم الرحمة، لأن العذاب لما كان يذهب بهم اهلاكا، ~~صلح فيه الأخذ ولا يصلح في النعيم. # والرجفة الزلزلة، وهي حركة تزلزل الاقدام وتوجب الهلاك لشدتها. والاصباح ~~الدخول في الصباح، والامساء الدخول في المساء ويستعمل على وجهين: أحدهما ~~- ما يحتاج الى خبر. والآخر - مكتف بالاسم بمنزلة (سواء) والجثوم البروك ~~على الركبة، جثم يجثم جثوما، وقد جثم هذا الأمر على قلبي أي ثقل عليه ~~لثبوته على تلك الحال. ### || [7.92] # { الذين } الأولى في موضع رفع بأنه مبتدأ وخبره { كأن لم يغنوا فيها }. # وهذه الآية إخبار من الله تعالى عن حال هؤلاء الكفار الذين كذبوا ~~شعيبا. وشبههم بمن لم يغن فيها، ومعنى { لم يغنوا } لم يقيموا اقامة ~~مستغن بها عن غيرها، والغاني النازل، والمغاني المنازل، وغنى بالمكان اذا ~~أقام به يغني غناء وغنيا، وقال النابغة: # غنيت بذلك اذ هم لك جيرة # منها بعطف رسالة وتودد # وقال آخر: # ولقد تغنى بها جيرانك المم # سكوا منك بعهد الوصال # وقال رؤبة: # وعهد مغني رمته بضلفعا # وقال حاتم طي: # غنينا زمانا بالتصعلك ms1567 # فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر # ووجه التشبيه في قوله { كأن لم يغنوا فيها } أن حال المكذبين يشبه حال ~~من لم يكن قط في تلك الديار، لما أخذتهم الرجفة بالاهلاك، وهذا مما يتحسر ~~عليه الناس اعظم الحسرة كما قال الشاعر: # كأن لم يكن بين الجحون الى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي والجدود العواثر # وإنما أعيد ذكر (الذين) دفعة ثانية من غير كناية لتغليظ الأمر في ~~تكذيبهم شعيبا مع بيان أنهم الذين حصلوا على الخسران، لا من نسبوه الى ~~ذلك من أهل الايمان. # و { هم } في قوله { هم الخاسرون } فصل، ويسميه الكوفيون عمادا، وإنما ~~دخل الفصل مع أن المضمر لا يوصف، لأنه يحتاج فيه الى التوكيد ليتمكن ~~معناه في النفس، وان الذي بعده من المعرفة لا يخرجه ذلك من معنى الخبر، ~~وإن كان الأصل في الخبر النكرة. # وهذه الآية جواب لقولهم { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } فبين ~~الله في هذه الآية أن الخاسرين هم الذين كذبوه لا الذين اتبعوه. ### || [7.93] # هذا إخبار من الله تعالى عما فعل شعيب (ع) مع قومه لما أبلغهم رسالات ~~ربه تعالى، فلما لم يقبلوها وأقاموا على تكذيبه وجحد ما أتى به، أنه تولى ~~عنهم ومعناه أعرض عنهم إعراض آيس منهم، فنزل بهم العذاب { فتولى عنهم } ~~لأنه كان مقبلا عليهم بالوعظ والدعاء الى الحق، فلما تمادوا في غيهم ~~وأخذهم الله ببأسه تولى عنهم، وانما قال لمن هلك { لقد أبلغتكم رسالات ~~ربي } لأن معناه إن ما نزل بكم من البلاء وان كان عظيما، فهو حق، لأنه ~~بجنايتكم على أنفسكم، فلا ينبغي أن يحزن عليهم للأمور التي ذكرناها من ~~شأنهم. قال ابن اسحاق عزى نفسه عنهم بعد أن كان حزن عليهم. # وقوله { رسالات ربي } إنما أتى بلفظ الجمع ليدل على اختلاف معاني ~~الرسالة اذا جمعت، فهي تجري مجرى جمع الاجناس، كقولك تمور، وأما ضربات ~~فانما يدل على عدد المرات. # وقوله { فكيف ms1568 آسى } أحزن - في قول ابن عباس والحسن والسدي - والأسى شدة ~~الحزن يقال أسى يأسى أسى قال الشاعر: # وانحلبت عيناه من فرط الأسى # وقال امرؤ القيس: # وقوفا بها صحبي على مطيهم # يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وقوله فكيف { آسى } لفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، وانما كان ~~كذلك: لأن جوابه في هذا الموضع لا يصح إلا بالنفي، كما يدخله معنى ~~الانكار لهذه العلة. قال العجاج: # أطربا وأنت قنسري # أي لا يكون ذلك مع كبر السن، وهذا تسل من شعيب (ع) بما يذكر من حاله ~~معهم في مناصحته لهم وتأدية رسالة ربه اليهم، وأنه لا ينبغي أن يأسى ~~عليهم مع تمردهم في كفرهم وشدة طغيانهم، وانه لا حيلة في فلاحهم، قال ~~البلخي: وفي ذلك دلالة على انه لا يجوز للمسلم ان يدعو للكافر بالخير كما ~~يقول: لعن الله فلانا واخزاه ثم يقول هداه الله وارشده ورحمه. وقال ابو ~~عبد الله البجلي: ابو جاد، وهواز، وحطي، وكلمون، وصعفص، وقرشت: أسماء ~~ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب (كلمون) فقالت أخت كلمن ~~تبكية: # كلمون هد ركني # هلكه وسط المحلة # سيد القوم أتاه الحت # ف نارا وسط ظله # جعلت نارا عليهم # دارهم كالمضمحلة ### || [7.94] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يرسل رسولا الى اهل قرية الا واخذ ~~أهلها بالباساء والضراء تغليظا في المحنة وتشديدا للتكليف ليلين ~~قلوبهم، ولكي يتضرعوا الى ربهم في كشف ما نزل بهم في ذلك، وانما يفعل بهم ~~ذلك لعلمه بما لهم فيه من الصلاح لكي يتضرعوا. والقرية أصلها الجمع من ~~قولهم: قريت الماء أقريه قريا اذا جمعته، فالقرية مجتمع الناس في المنازل ~~المتجاورة مما هو دون المدينة، وكذلك تسمى المدينة أيضا قرية. والنبي هو ~~الذي يؤدي عن الله تعالى بلا واسطة من البشر، وقيل: هو من كان ينبىء ~~بالوحي عن الله تعالى مما أنزله عليه. # وقيل: في معنى { بالبأساء والضراء } ثلاثة أقوال: # احدها - ان البأساء ما نالهم من الشدة في أنفسم، والضراء ما نالهم في ~~أموالهم. # والثاني ms1569 - ما قال الحسن: ان البأساء الجوع، والضراء الآلام من الامراض ~~والشدائد التي تصيبهم. # الثالث - قال السدي: ان البأساء الجوع والضراء الفقر. # وقيل في معنى { لعلهم } قولان: # احدهما - انما عاملناهم معاملة الشاك في ايراد أسباب التضرع مظاهرة ~~عليهم في الحجة. # الثاني - ان يكون (لعل) بمعنى اللام وتقديره ليضرعوا. واصل { يضرعون } ~~يتضرعون فادغمت التاء في الضاد ولا يدغم الضاد في التاء، لأن في التاء ~~استطالة، وانما يدغم الناقص في الزائد، ولا يدغم الزائد في الناقص لما في ~~ذلك من الاخلال. ### || [7.95] # أخبر الله تعالى في هذه الآية انه بدل مكان السيئة الحسنة { وقالوا قد ~~مس آباءنا الضراء والسراء } ومعناه انه تعالى بعد ان يفعل بهم البأساء ~~والضراء ليتضرعوا يبدل مكان السيئة الحسنة. والتبديل وضع أحد الشيئين ~~مكان الآخر، فلما رفعت السيئة عنهم ووضعت الحسنة كانت مبدلة بها. وقال ~~ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: المراد بالسيئة والحسنة - ها هنا - الشدة ~~والرخاء وهو ما يسؤ صاحبه او يحسن اثره عليه. وقال ابو علي: جرى في هذا ~~الموضع على سبيل المثل. # وقوله { حتى عفوا } قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: معناه حتى ~~كثروا. وقال الحسن حتى سمنوا، وأصله الترك من قوله # فمن عفي له من أخيه شيء # أي ترك له، وعفوا تركوا حتى كثروا، قال الشاعر: # ولكنا نعض السيف منها # بأسوق عافيات الشحم كوم # وقوله { وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء } معناه ان الكفار قال ~~بعضهم لبعض: ان هكذا عادة الدهر، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ~~فلم ينفكوا عن تلك الحال فينتقلوا. # وقوله { فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } اخبار من الله تعالى انه أخذ من ~~ذكره ممن لم يقبل مواعظ الله وخرج عن طاعته الى عداوته { بغتة } يعني ~~فجاءة وهي الاخذ على غرة من غير تقدمة تؤذن بالنازلة تقول: بغته يبغته ~~بغتة كما قال الشاعر: # وافظع شيء حين يفجؤك البغت # ومعنى الآية انه تعالى يدبر خلقه الذين يعملون بمعاصيه ان يأخذهم تارة ~~بالشدة واخرى بالرخاء، فاذا فسدوا على الامرين جميعا اخذهم ms1570 بغتة ليكون ~~ذلك اعظم في الحسرة، وابلغ في باب العقوبة. ومعنى قوله { وهم لا يشعرون } ~~أي لم يشعروا بنزول العذاب الا بعد حلوله. ### || [7.96] # قرأ ابن عامر { لفتحنا } بتشديد التاء. الباقون بتخفيفها. # من شدد ذهب الى التكثير، ومن خفف، فلانه يحتمل القلة والكثرة. # ومعنى (لو) امتناع الشيء لامتناع غيره، و (لولا) معناه امتناع الشيء ~~لوجود غيره. وقال الرماني: معنى (لو) تعليل الثاني بالاول الذي يجب ~~بوجوبه، وينتفي بانتفائه على طريقة ان كان، و (ان) فيها هذا المعنى على ~~طريقة يكون. والفرق بين (لو) و (ان) أن (ان) تعلق الثاني بالاول الذي ~~يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون كقولك ان آمن هذا الكافر استحق الثواب، ~~وهذا مقدور وليس كذلك (لو) لانها قد تدخل على ما لا يمكن ان يكون كقولك: ~~لو كان الجسم قديما لاستغنى عن صانع. وفتحت (أن) بعد (لو) لانها مبنية ~~على شبه التعليل اللفظي لاختصاصه بالفعل الماضي، فكأنه قيل لو كان أن اهل ~~القرى آمنوا، وصارت (لو) خلفا منه. واما (لولا انه خارج لاتيته) فتشبه ~~(لو) من جهة تعليق الثاني بالاول فأجريت مجراها. # يقول الله تعالى { لو أن أهل } هذه { القرى } التي اهلكناها: من قوم لوط ~~وصالح، وشعيب وغيرهم أقروا بوحدانيتي وصدقوا رسلي { لفتحنا عليهم بركات } ~~وهي الخيرات النامية، وأصله الثبوت فنمو الخير يكون كناية عن ثبوته ~~بدوامه، فبركات السماء بالقطر، وبركات الارض بالنبات والثمار، كما وعد ~~نوح بذلك أمته، فقال # يرسل السماء عليكم مدرارا.. # الآيات. وقيل بركات السماء اجابة الدعاء، وبركات الارض تيسير الحوائج { ~~ولكن كذبوا } يعني كذبوا برسلي فأخذناهم بما كانوا يكسبون من المعاصي ~~ومخالفتي. # والكسب العمل الذي يجتلب به نفع او يدفع به ضرر عن النفس، وقد يكسب ~~الطاعة ويكسب المعصية اذا اجتلب النفع من وجه يقبح. # قال البلخي: وفى الآية دلالة على أن المقتول ظلما لو لم يقتل لم تجب ~~اماتته، لانه تعالى قال { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض } وهذا انما يقوله لقوم أهلكهم ودمر عليهم، ms1571 وقد ~~كان عالما بما ينزل بهم من الهلاك، فأخبر أنهم لو آمنوا لم يفعل بهم ذلك، ~~ولعاشوا حتى ينزل عليهم بركات من السماء فيتمتعوا بذلك. ### || [7.97-98] # قرأ اهل المدينة وابن عامر (او) بسكون الواو الا ان ورشا على أصله في ~~القاء حركة الهمزة على الساكن فتصير قراءته مثل قراءة الباقين. # الالف في قوله { أفأمن أهل } ألف الانكار، أنكر عليهم ان يأمنوا، وانما ~~دخل حرف الاستفهام معنى الانكار لظهور المعنى فيه، وان الجواب عنه لا ~~يكون الا بالنفي. والفاء في قوله { أفأمن } فاء العطف دخل عليها حرف ~~الاستفهام، وانما جاز ذلك مع منافات العطف للاستئناف، لانهما انما ~~يتنافيان في المفرد، لان الثاني اذا عمل فيه الاول كان من الكلام الاول، ~~والاستئناف قد أخرجه عن ان يكون منه. واما في عطف جملة على جملة فيصح، ~~لانه على استئناف جملة بعد جملة. # و (الامن) سكون النفس الى الحال المنافية لانزعاجها. والامن والثقة ~~والطمئنية نظائر في اللغة، وضد الامن الخوف، وضد الثقة الريبة، وضد ~~الطمأنينة الانزعاج. والامن الثقة بالسلامة من الخوف. والبأس العذاب، ~~والبؤس الفقر والاصل الشدة، ورجل بئس شديد في القتال، ومنه قولهم: بئس ~~الرجل زيد، معناه شديد الفساد. والنوم نقيض اليقظة. والنوم سهو يغمر ~~القلب ويغشي العين ويضعف الحس وينافي العلم. نام الرجل ينام نوما وهو حسن ~~النيمة اذا كان حسن هيئة النوم، ورجل نومة - بسكون الواو - اذا كان خسيسا ~~لا يؤبه به - ذكره الزجاج - ورجل نومة - بفتح الواو - كثير النوم، ~~والنيم: فرو النوم، لانه يغشي كما يغشي النوم أو لانه من شأنه أن ينام ~~فيه. # ومعنى الآية الابانة عما يجب ان يكون عليه العبد من الحذر لبأس الله ~~وسطوته، بالمسارعة الى طاعته واتباع مرضاته. والمعني بقوله { أهل القرى } ~~هم اهل القرى الظالم اهلها، والمقيمون على معاصي الله في كل وقت وكل ~~أوان، وان نزلت بسبب أهل القرى الظالم اهلها المشركين في زمن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم). # وقوله { أو أمن أهل القرى } انما قال - ها هنا - بالواو، وفي الآية ~~الاولى بالفاء، ms1572 لان الفاء تدل على ان الثاني ادى اليه الاول، كأنه قيل: ~~أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله من أجل ما هم عليه من تضييع امر الله، لانه ~~يشبه الجواب، وليس كذلك الواو بل هي لمجرد العطف، وانما دخلت ألف ~~الاستفهام عليها للانكار على ما بيناه، والواو مفتوحة في " أو أمن " ~~لأنها واو العطف دخل عليها حرف الاستفهام، وانما فتحت لانها أخف الحركات، ~~ولمثل ذلك فتحت ألف الاستفهام وكسرت باء الاضافة ولامها، لانهما حرفان ~~لازمان لعمل الجر. ومن قرأ هذه القراءة قال لانها أشبه بما قبلها وما ~~بعدها، لانه قال قبلها { أفأمن } وقال بعدها { أو لم يهد } ومن سكن الواو ~~أراد الاضراب عن الاول من غير ان يبطل الاول، لكن كقوله # الم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه # فجاء هذا على معنى أمنوا هذه الضروب من معاقبتهم والاخذ لهم. وان شئت ~~جعلته مثل (أو) التي في قولك ضربت زيدا او عمرا، كأنك اردت أفأمنوا احدى ~~هذه العقوبات، و (أو) حرف يستعمل على ضربين: # احدهما - بمعنى احد الشيئين، كقولك: جاءني زيد أو عمرو، كما تقول: جاءني ~~احدهما، ومن ذلك قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، لأنه مخير في مجالسة ~~ايهما شاء. # والثاني - ان يكون بمعنى الاضراب بعد الخبر كقولك: انا أخرج ثم تقول: أو ~~أقيم، فتضرب عن الخروج وتثبت الاقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم. ومن ثم قال ~~سيبويه في قوله # ولا تطع منهم آثما او كفورا # لو قلت ولا تطع كفورا انقلب المعنى، وانما كان ينقلب المعنى لانه لو كان ~~للاضراب لجاز ان يطيع الآثم، وذلك خلاف المراد، لان الغرض لا تطع هذا ~~الضرب، ولا تطع هؤلاء. # و (الضحى) صدر النهار في وقت انبساط الشمس واصله الظهور من قولهم: ضحا ~~الشمس يضحو ضحوا اذا ظهر، وفعل ذلك الامر ضاحية اذا فعله ظاهرا والا ~~ضحية من هذا، لأنها تذبح عند الضحى يوم العيد، قال رؤبة: # هابي العشي ديسق ضحاؤه # وقال آخر: # عليه من نسج الضحى شفوف # فشبه السراب ms1573 بالسور البيض. (واللعب) هو العمل للذة لا يراعى فيه الحكمة ~~كعمل الصبي، لانه لا يعرف الحكيم ولا الحكمة، وانما يعمل للذة، واصله ~~الذهاب على غير استقامة، كلعاب الصبي اذا سال على فيه، وانما خص وقت ~~الضحى بهذا الذكر، لانهم بمنزلة لا يجوز لهم ان يأمنوا ليلا ولا نهارا - ~~في قول الحسن - ولانه ابتداء الدخول في الاستمتاع. ومعنى الآية البيان عن ~~وجوب الاخذ بالجرم في كل ما لا يؤمن معه هلاك النفس، لانكار الله عليهم ~~ان يكونوا على حال الامن وقد ضيعوا الواجب من الامر. ### || [7.99] # انما دخلت الفاء فى { أفأمنوا } بعد الواو في { أوأمن } لان فيها معنى ~~(بعد) كأنه قيل ابعد هذا كله أمنوا مكر الله. ثم صار الفاء في { فلا يأمن ~~مكر الله } كأنها جواب لمن قال قد أمنوا، والمكر اخذ العبد بالضر من ~~حيث لا يشعر الا أنه قد كثر استعماله في الحيلة عليه، قال الخليل: المكر ~~الاحتيال باظهار خلاف الاضمار، وانما جاز اضافة المكر الى الله لما في ~~ذلك من المبالغة من جهة انه قد صار العذاب كالمكر على الحقيقة، لانه اخذ ~~للعبد بالضر من حيث لا يشعر، واصل المكر الالتفاف، فمنه ساق ممكورة أي ~~ملتفة حسنة قال ذو الرمة: # عجزاء ممكورة خمصانة قلق # عنها الوشاح وثم الجسم والعصب # والمكور شجر ملتف قال الراجز: # يستن في علقي وفي مكور # ورجل ممكور قصير ملتف الخلقة ذكره الخليل في هذا الباب تقول: مكر يمكر ~~مكرا اذا التف تدبيره على مكروه لصاحبه. # وقوله { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } انما ارتفع ما بعد ~~(الا) لان الرافع مفرغ له فارتفع لانه فاعل، وكلما فرغ الفعل لما بعد ~~(الا) فهي فيه ملغاة، وكل ما شغل بغيره فهي فيه مسلطة، لان الاسم لا يتصل ~~على ذلك الوجه الا بها. وانما قال { فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون } مع ان الانبياء المعصومين يأمنون ذلك لامرين: # أحدهما - انهم لا يأمنون عقاب الله للعاصين، ولذلك سلموا مواقعة الذنوب # الثاني - { فلا يأمن مكر الله } من ms1574 المذنبين { إلا القوم الخاسرون }. # ومعنى الآية الابانة عما يجب ان يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، ~~ليسارع الى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك، فيكون قد خسر ~~في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح. ### || [7.100] # قيل في فاعل { يهد } من جهة الاعراب قولان: # احدهما - انه مضمر كأنه قيل: أو لم يهد الله لهم، وقوي ذلك بقراءة من ~~قرأ بالنون على ما ذكره الزجاج. # الثاني - او لم يهد لهم مشيؤنا، لان { أن لو نشاء } في موضعه والتقدير ~~أو لم يكن هاديا لهم استئصالنا لمن اهلكناه. # وقيل في معنى الهداية - ها هنا - قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد: يهدي لهم يبين لهم. # الثاني - أن الهداية الدلالة المؤدية الى البغية، والمعنى اولم نبين ~~للذين متعناهم في الارض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها. وجعلنا آباءهم ~~المالكين لها بعدهم، انا لو شئنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم وأهلكناهم بالعذاب ~~كما أهلكنا الامم الماضية قبلهم. # وقوله { للذين يرثون الأرض من بعد أهلها } فالارث ترك الماضي للباقي ما ~~يصير له بعده، وحقيقة ذلك في الاعيان التي يصح فيها الانتقال، وقد استعمل ~~على وجه المجاز في الاعراض، فقيل: العلماء ورثة الانبياء لانهم تعلموا ~~منهم، وقاموا بما أدوه اليهم. # وقوله { أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } الاصابة ايقاع الشيء بالغرض ~~المنصوب، وضده الخطأ وهو ايقاع الشيء بخلاف الغرض المطلوب. # وقوله { ونطبع على قلوبهم } قيل في معنى الطبع - ها هنا - قولان: # أحدهما - الحكم بأن المذموم كالممنوع من الايمان لا يفلح، وهو أبلغ ~~الذم. # الثاني - انه علامة وسمة في القلب من نكتة سوداء ان صاحبه لا يفلح تعرفه ~~الملائكة. # وحكي عن البكرية في تأويل هذه الآية ان معنى الآية لو نشاء طبعنا على ~~قلوبهم، وانكر ابو علي ذلك، وقال: هذا غلط لان معنى قوله: اني لو شئت ~~اصبتهم بعقاب ذنوبهم وأهلكتهم كما أهلكت الامم قبلهم بعقوبة ذنوبهم، فلا ~~يجوز ان يعني اني لو شئت أهلكتهم فلا يتهيأ لهم ان يسمعوا بعد اهلاكهم، ~~لان من المعلوم للعقلاء أجمع ان ms1575 الموتى لا يسمعون، ولا يقبلون الايمان. # وقوله { ونطبع على قلوبهم } انما هو استئناف وخبر منه أنه يفعل ذلك، ولم ~~يرد أني لو شئت لطبعت لانه بين في هذه الآية وغيرها انه مطبع على قلوب ~~الكافرين، كقوله { بل طبع الله عليها } يعني على القلوب # بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # أي الا قليلا منهم، لان أهل الطبع قد يؤمن بعضهم، وهو خلاف قول الحسن، ~~فان تأويله عنده الا ايمانا قليلا. وقال الزجاج: هو على الاستئناف، لانه ~~لو كان محمولا على اصبنا لكان وجه الكلام ولطبعنا، وهو قول الفراء. # وقوله { فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون الايمان مع هدايتنا لهم وتخويفنا ~~اياهم. وفائدة الآية الانكار على الجهال تركهم الاعتبار بمن مضى من الامم ~~قبلهم، وانه قد طبع على قلوب من لا يفلح منهم عيبا، وذما لهم. # وقال البلخي: شبه الله تعالى الكفر بالصدى الذي يركب المرآة والسيف لانه ~~يذهب عن القلوب بحلاوة الايمان ونور الاسلام، كما يذهب الصدى بنور السيف، ~~وصفاء المرآة، ولما صاروا عند امر الله لهم بالايمان الى الكفر جاز ان ~~يضيف الطبع الى نفسه، كما قال { زادتهم رجسا إلى رجسهم } وان كانت السورة ~~لم تزدهم ذلك. ### || [7.101] # أخبر الله تعالى عن اهل القرى التي ذكرها وقص خبرها واشار ب { تلك } ~~اليها، لانه خاطب النبي (صلى الله عليه وسلم). وقوله { نقص عليك من ~~أنبائها } يعني قصص انباء القرى ما فيه من الاعتبار بما كانوا عليه من ~~الاغترار بطول الامهال مع اسباغ النعم وتظاهر المنن حتى توهموا أنهم على ~~صواب فيما دعاهم اليه الشيطان من قبح الطغيان. # والقصص اتباع الحديث، ويقال فلان يقص الاثر أي يتبعه ومنه # قالت لأخته قصيه # أي اتبعي اثره، ومنه المقص لانه يتبع في القطع أثر القطع. و (النبأ) هو ~~الخبر الا ان النبأ خبر عن امر عظيم الشأن وأخذ منه اسم نبي، ويقال: أنبأ ~~بكذا بمعنى اخبر به. # وقوله { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يعني اتتهم رسلهم بالآيات ~~والدلالات، وانما أضاف الرسل اليهم مع أنهم رسل الله، لان ms1576 الاختصاص فيها ~~على طريقة الملك اذ المرسل مالك لرسالته، وقد ملك العباد الانتفاع بها ~~والاهتداء بما فيها من البيان والبرهان. # وقوله { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه بمنزلة قوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } في قول ~~مجاهد أي انا لم نهلكهم الا وفى معلومنا أنهم لا يؤمنون. # الثاني - ان عتوهم في كفرهم وتمردهم فيه يحملهم على ان لا يتركوه الى ~~الايمان - في قول الحسن والجبائي - فالآية على هذا مخصوصة بمن علم من ~~حاله انه لا يؤمن. وقال الاخفش { بما كذبوا } معناه بتكذيبهم فجعل (ما) ~~مصدرية. والمعنى لم يكونوا ليؤمنوا بالتكذيب. # وقوله { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } وجه التشبيه فيه أن دلالته ~~على انهم لا يؤمنون ذما بأنهم لا يفلحون كالطبع على قلوب الكافرين الذين ~~فى مثل صفتهم في المعلوم. ### || [7.102] # معنى قوله { وما وجدنا } أي ما أدركنا، لان الوجدان والالفاء والادراك ~~والمصادفة نظائر. وقوله { لأكثرهم من عهد } فالعهد العقد الذي تقدم ~~لتوطين النفس على أداء الحق، واذا أخذ على الانسان العهد فنقضه، قيل ليس ~~عليه عهد أي كأنه لم يعهد اليه، فلما كان الله تعالى اخذ عليهم العهد بما ~~جعله في عقولهم من وجوب شكر المنعم والقيام بحق المنعم، وطاعة المالك ~~المحسن في اجتناب القبائح الى المحاسن فألقوا ذلك لم يكن لهم عهد وكأنه ~~قال وما وجدنا لاكثرهم من طاعة لانبيائهم - وقيل العهد ما عهد اليهم مع ~~الانبياء ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وهو قول الحسن وابي علي. والمعنى ~~في النفي يؤل الى انه لم يكن لاكثرهم عهد فيوجد. # وقوله { من عهد } قيل في دخول (من) ها هنا قولان: # احدهما - انها للتبعيض لانه اذا لم يوجد بعض العهد فلم يوجد الجميع لانه ~~لو وجد جميعه لكان قد وجد بعضه. # الثاني - انها دخلت على ابتداء الجنس الى النهاية. وقوله { وإن وجدنا ~~أكثرهم لفاسقين } معنى (ان) هي المخففة جاز الغاؤها من العمل وان يليها ~~الفعل، لانها حينئذ قد صارت حرفا من حروف ms1577 الابتداء. واللام في قوله { ~~لفاسقين } لام الابتداء التي تكسر لها (ان) وانما جاز ان يعمل ما قبلها ~~فيما بعدها، لانها مزحلقة عن موضعها اذ لها صدر الكلام ولكن كره الجمع ~~بينها وبين (ان) فأخرت. # وقال قوم: المعنى وما وجدنا أكثرهم الا فسقة. فان قيل: كيف قال { أكثرهم ~~لفاسقين } وهم كلهم فاسقون؟ # قيل يجوز ان يكون الرجل عدلا في دينه غير متهتك ولا مرتكب لما يعتقد ~~قبحه وتحريمه، فيكون تأويل الآية وما وجدنا أكثرهم - مع كفره - الا فاسقا ~~في دينه غير لازم لشريعته خائنا للعهد قليل الوفاء، وان كان ذلك واجب ~~عليه في دينه. # وفيها دلالة على انه يكون في الكفار من يفي بعهده ووعده وبعيد عن الخلف ~~وان كان كافرا. وكذلك قد يكون منهم المتدين الذي لا يرى ان يأتي ما هو ~~فسق في دينه كالغصب والظلم، فأخبر تعالى انهم مع كفرهم كانوا لا وفاء لهم ~~ولا يدينون بمذهبهم بل كانوا يفعلون ما هو فسق عندهم، وذلك يدل على صحة ~~قول من يقول تجوز شهادة أهل الذمة في بعض المواضع. ### || [7.103] # أخبر الله تعالى في هذه الآية انه بعد ارسال من ذكر قصته من الانبياء، ~~وكفر قومهم، وانزال عذابه بهم. فالهاء والميم يجوز ان يكون كناية عن ~~الانبياء الذين جرى ذكرهم، ويحتمل ان يكون كناية عن الامم التي - قد تقدم ~~ذكرهم واهلاكهم - بعث اليهم موسى وارسله اليهم. والبعث الارسال وهو في ~~الاصل النقل باعتماد يوجب الاسراع الى الشيء، فمنه قوله # أنظرني إلى يوم يبعثون # أي من القبور، ومنه قوله # ثم بعثناكم من بعد موتكم # أي نقلناكم الى حال الحياة، وكذلك نقلنا موسى عن حاله بالارسال الى ~~فرعون وملائه { بآياتنا } يعني بحججنا وبراهيننا. وقوله { فظلموا بها } ~~معناه ظلموا أنفسم بجحدها، لان الظلم بالشيء على وجوه: منها السبب والآلة ~~والجهة، نحو ظلم بالسيف الذي قتل به الناس، وظلم بذنبه له، وظلم بغصبه ~~المال، وظلم بجحده الحق. وقيل " ظلموا بها " أي جعلوا بدل الايمان الكفر ~~بها، لان الظلم وضع الشيء في غير موضعه ms1578 الذي هو حقه. # وقوله { فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } معنى النظر هو محاولة التصور ~~للشيء بالفكر فيه، وهو طلب ادراك المعنى بالتأويل له. وقيل: هو تحديق ~~القلب الى المعنى لادراكه، وكأنه قيل فانظر - يعني بالقلب - كيف كان ~~عاقبتهم، وموضع (كيف) نصب لانه خبر (كان) وتقديره انظر أي شيء كان عاقبة ~~المفسدين. ### || [7.104] # في هذه الآية حكاية لما قال موسى (ع) لفرعون ونداؤه له: اني رسول من قبل ~~رب العالمين مبعوث اليك والى قومك و (من) في قوله { من رب العالمين } ~~لابتداء الغاية، لان المرسل المبتدىء بالرسالة وانتهاؤها المرسل اليه. و ~~(موسى) على وزن (مفعل) والميم في موسى زائدة لكثرة زيادتها أولا كالهمزة ~~التي صارت أغلب من زيادة الالف أخيرا. و (أفعى) على وزن (أفعل) لهذه ~~العلة. و (موسى) اسم لا ينصرف، لانه أعجمي ومعرفة، وموسى الحديد عربي ان ~~سميت به رجلا لم تصرفه، لانه مؤنث ومعرفة على أكثر من ثلاثة احرف، كما لو ~~سميته ب (عناق) لم تصرفه. ولو سميته (فقد) صرفته. و (فرعون) على وزن " ~~فعلون " ومثله برذون، فالواو زائدة، لانها جاءت مع سلامة الاصول الثلاثة، ~~والنون زائدة للزومها. و (فرعون) لا ينصرف لانه أعجمي معرفة، وعرف في حال ~~تعريفه لانه نقل من الاسم العلم، ولو عرب في حال تنكيره لا ينصرف كما ~~ينصرف (بأقرب) اسم رجل. ### || [7.105] # قرأ نافع وحده { حقيق علي } بتشديد الياء. الباقون بتخفيف الياء. # فمن قرأ بالتشديد قال تقديره: واجب علي ان لا أقول. ومن خفف فعلى ~~تقدير: حريص على أن لا أقول، قال ابو علي قوله { حقيق } يحتمل وجهين: # احدهما - ان (حق) الذي هو (فعل) قد تعدى ب { على } قال الله # فحق علينا قول ربنا # وقال { فحق عليها القول } فحقيق يصل ب (على) من هذا الوجه. # والثاني - ان حقيقا بمعنى واجب، فكما ان واجب يتعدى ب (على) كذلك تعدى ~~حقيق بها. # ومن لم يشدد أجاز تعديه ب (على) من الوجهين اللذين ذكرناهما، وقد ~~قالوا: هو حقيق بكذا، فيجوز على هذا أن تكون (على) بمعنى ms1579 الباء فتوضع ~~(على) موضع الباء، قال ابو الحسن: كما قال # ولا تقعدوا بكل صراط توعدون # والمعنى (على) قال أبو علي: والاول أحسنها، لان أبا الحسن قال: لان ~~(على) بمعنى الباء ليس بمقيس ألا ترى انك لو قلت ذهبت على زيد تريد بزيد ~~لم يجز، وقال: وجاز في الآية لان القراءة وردت به، وتقدير { حقيق على أن ~~لا أقول } حقيق بأن لا أقول قال الفراء: العرب تقول: رميت على القوس ~~وبالقوس وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، ومعناهما متقارب، لانه مستقل على ~~القول بالنظر حتى يؤديه على الحق فيه. والحق أيضا منعقد بالقول فيه لا ~~ينفك. # وقوله { إلا الحق } نصب بأنه مفعول القول على غير الحكاية بل على معنى ~~الترجمة عن المعنى دون حكاية اللفظ. # وقوله { قد جئتكم ببينة من ربكم } خطاب من موسى لقومه أنه قد جاء قومه ~~بدلائل من ربه عز وجل. وقوله { فأرسل معي بني إسرائيل } خطاب من موسى ~~لفرعون، وأمره اياه أن يخلي عن بني اسرائيل من اعتقاله، لانه كان قد ~~اعتقلهم للاستخدام في الاعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن ونقل التراب وما ~~أشبه ذلك. # ومعنى الآية البيان عن وجوب اتباع موسى (ع) لمكان الادلة التي تشهد ~~بصدقه، وبأنه لا يقول على الله الا الحق ولا يدعو الا الى الرشد. ### || [7.106] # هذا حكاية عما قال فرعون لموسى (ع) من انه ان كان معك حجة ودلالة تشهد ~~لك على ما تقول { فأت بها } أي هات بها { إن كنت } صادقا { من الصادقين } ~~على طريق اليأس منه بذلك وجهله بصحته وامكانه. # واختلف النحويون - ها هنا - في نقل (ان) الماضي الى الاستقبال. فقال ابو ~~عباس لم تنقله هنا من أجل قوة (كان) لانها أم الافعال، ولم يجزه من ~~غيرها، وقال ابن السراج: المعنى ان تكن جئت بآية أي ان يصح ذلك، لانه اذا ~~أمكن ان يجري الحرف على اصله لم يجز اخراجه، وانما جاز نقل (ان) الماضي ~~الى المستقبل للبيان عن قوتها في النقل اذ كانت تنقل الفعل نقلين الى ~~الشرط ms1580 والاستقبال، كما أن (لم) تنقله الى النفي والماضي. وضمير المخاطب ~~في { كنت } يرجع الى المكنى، ولا يجوز مثل ذلك في (الذي) لان (الذي) ~~غائب فحقه أن يعود اليه ضمير الغائب، وقد أجازوه - اذا تقدمت كناية ~~المتكلم كما في قول الشاعر: # وانا الذي قتلت بكرا بالقنا # وتركت تغلب غير ذات سنام # فعلى هذا لا يجوز أتيت الذي ضربك عمرو، والوجه ضربه. وانما جاز وقوع ~~الامر في جواب الشرط، لان فيه معنى: ان كنت جئت بآية فاني ألزمك أن تأتي ~~بها، فقد عاد الى انه يجب الثاني بوجوب الاول. ولا يجوز مثل ذلك في ~~الاستفهام، لانه لم يقع معرفة غيره، ولو اتسع فيه جاز، مثل أن تقول: ان ~~كان عندك دليل فما هو؟، ولا يجوز: ان قدم زيد، فأعمرو أقدمه؟ لان الالف ~~لها صدر الكلام. ### || [7.107-108] # هذا اخبار من الله تعالى عن القاء موسى عصاه، والعصا عود كالقضيب يابس ~~وأصله الامتناع بيبسه يقال: عصى يعصي اذا أمتنع قال الشاعر: # تصف السيوف وغيركم يعصي بها # يابن القيون وذاك فعل الصيقل # وقيل: عصى بالسيف اذا أخذه أخذه العصا، ويقال لمن استقر بعد تنقل: ألقي ~~عصاه، قال الشاعر: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما فر عينا بالاياب المسافر # والعصى من بنات الواو، والمعصية من بنات الياء قال الشاعر: # فجاءت بنسج العنكبوت كأنه # على عصويها سابري مشبرق # وتقول عصى يعصي فهو عاص مثل رمى يرمي واصل ألقى من اللقاء الذي هو ~~الاتصال، فألقى عصاه أي أزال اتصالها عما كان، ومنه إلتقاء الحدين يعني ~~اتصالهما، والملاقات كالمماسة، وزيدت ألف ألقي لتدل على هذا المعنى وانما ~~صارت الياء الفا في ألقي، لانها في موضع حركة قبلها فتحة، ولذلك رجعت الى ~~أصلها في ألقيت. وانما وجب هذا، لانه بمنزلة التضعيف في موضع يقوى فيه ~~التغيير مع نقل الحركة في حروف العلة. # وقوله { فإذا هي ثعبان } فالثعبان هو الحية الضخمة الطويلة. وقال ~~الفراء: الثعبان أعظم الحيات، وهو الذكر، وهو مشتق من ثعبت الماء أثعبه ~~ثعبا اذا فجرته. والمثعب موضع انفجار ms1581 الماء، فسمي الثعبان، لأنه يجري ~~كعنق الماء عند الانفجار قال الشاعر: # على نهج كثعبان العرين # وقيل: إن ذلك الثعبان فتح فاه، وجعل فيه فرعون بين نابيه فارتاع فرعون ~~واستغاث بموسى أن يأخذ، ففعل - في قول ابن عباس والسدي وسفيان - ومعنى { ~~مبين } أي بين أنه حية لا لبس فيه. # وقوله { ونزع يده } فالنزع هو ازالة الشىء عن مكانه الملابس له المتمكن ~~فيه كنزع الرداء عن الانسان، والنزع والقلع والجذب نظائر، واليد معروفة ~~وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، لانها بمنزلة ما اشتدت بالجارحة، ~~وقد يكون اليد بمعنى تحقيق الاضافة في الفعل، لأنه بمنزلة ما عمل باليد ~~التي هي جارحة. # وقوله { فإذا هي بيضاء للناظرين } معنى (اذا) - هنا - المفاجأة. وهي ~~بخلاف (إذا) التي للجزاء، قال الزجاج هي من ظروف المكان مثل (ثم، ~~وهناك)، والمعنى بيضاء للناظرين هناك، والبيضاء ضد السوداء وهو أن يكون ~~به المحل أبيض، وكان موسى (ع) أسمر شديد السمرة. وقيل: أخرج يده من جيبه ~~فاذا هي بيضاء # من غير سوء # يعني برص. ثم أعادها الى كمه فعادت الى لونها الأول - في قول ابن عباس ~~ومجاهد والسدي - وقال أبو علي: كان فيها من النور والشعاع ما لم يشاهد ~~مثله في يد أحد والناظر هو الطالب لرؤية الشىء ببصره لأن النظر هو تطلب ~~الادراك للمعنى بحاسة من الحواس، أو وجه من الوجوه. ### || [7.109-110] # هذا حكاية ما قال أشراف قوم فرعون، أن موسى ساحر عليهم بالسحر، وإنما ~~قيل للأشراف الملأ لأمرين: أحدهما - قال الزجاج: لأنهم مليئون بما يحتاج ~~اليه منهم. الثاني - لأنه يملأ الصدر هيبتهم، فالملأ جعل الوعاء على كل ~~ما يحتمل مما يلقى فيه كامتلاء المكيال ونحوه. ويقال: الخلاء والملأ على ~~وجه التقابل، وقوم فرعون هم الجماعة الذين كانوا يقومون بأمره ومعاونته ~~ونصرته، ولهذا لا يضاف القوم الى الله، فلا يقال: يا قوم الله كما يقال ~~يا عباد الله، والسحر لطف الحيلة في إظهار أعجوبة توهم المعجزة وقال ~~الأزهري السحر صرف الشىء عن حقيقته الى غيره، والساحر إنما يكفر بادعاء ~~المعجزة، لأنه ms1582 لا يمكن مع ذلك علم النبوة. # وأصل السحر خفاء الأمر، ومنه خيط السحارة، لخفاء الأمر فيها، ومنه قوله ~~تعالى { إنما أنت من المسحرين } أي الذين يعدون لخفاء الأمر في العدو، ~~والسحر العدو، والسحر آخر الليل لخفاء الشخص ببقية ظلمته، والسحور ~~طعام السحر، والسحر الرئة وما تعلق بها لخفاء أمرها في انتفاخها تارة ~~وضمورها أخرى، قال ذو الرومة: # وساحرة الشراب من الموامي # يرقص في نواشرها الأروم # ويقال: سحر الأرض المطر اذا جادها فقطع نباتها من أصوله بقلب الأرض ~~ظهرا لبطن، سحرها سحرا والأرض مسحورة، فشبه سحر الساحر بذلك بتخييله ~~الى من سحره أنه يرى الشىء بخلاف ما هو به. # ومعنى قوله تعالى { يريد أن يخرجكم من أرضكم } بإزالة ملككم بتقوية ~~أعدائكم عليكم. وقوله { من أرضكم } فالأرض المستقر الذي يمكن الحيوان ~~التصرف فيه عليه. وجملة الأرض التي جعلها الله قرارا للعباد فاذا أضيفت، ~~فقيل أرض بني فلان، فمعناه مستقرهم خاصة. # وقوله { فماذا تأمرون } موضع (ما) يحتمل أن يكون رفعا، ويكون المعنى ~~فما الذي تأمرون، ويجوز أن يكون نصبا بمعنى فبأي شىء تأمرون، ويجعل (ما) ~~مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، وفي الجواب يتبين الاعراب، ويحتمل أن يكون ~~قوله { فماذا تأمرون } من كلام الملأ بتقدير أن يكون قال بعضهم لبعض: ~~ماذا تأمرون، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك لفرعون على خطاب الملوك، ويحتمل ~~أن يكون من كلام فرعون والتقدير قال فرعون: فماذا تأمرون خطابا لقومه، ~~فعلى هذا تقول قلت لجاريتك قومي أنا قائمة، وتقديره قالت: أنا قائمة، وهو ~~قول الفراء وأبي علي الجبائي، وأنشد الفراء قول عنترة، وزعم أن فيه معنى ~~الحكاية: # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين إذا لقيتهما دمي # لأن المعنى قالا إذا لقينا عنترة لنقتلنه. ### || [7.111-112] # قرأ أهل الكوفة إلا عاصما { سحار } بتشديد الحاء وألف بعدها. ~~الباقون (ساحر) بألف قبل الحاء على وزن (فاعل) وقرأ عاصم إلا يحيى وحمزة ~~{ أرجه } بسكون الهاء من غير همزة. وقرأ أهل البصرة والداحوني عن هشام ~~ويحيى بالهمزة، وضم الهاء من غير اشباع. وقرأ ابن كثير والحلواني عن ms1583 هشام ~~كذلك إلا أنهما وصلا الهاء بواو في اللفظ، وروى ابن ذكوان بالهمز وكسر ~~الهاء من غير اشباع. وقرأ أبو جعفر من طريق بن العلاف وقالون والمسيبي ~~بكسر الهاء من غير اشباع، وبغير همز. الباقون وهم الكسائي وخلف واسماعيل ~~وورش، وأبو جعفر من طريق النهرواني بكسر الهاء ووصلها بياء في اللفظ من ~~غير همز، وكذلك اختلافهم في الشعراء. # والهمزة لغة قيس وغيرهم، وترك الهمزة لغة تميم وأسد يقولون: أرجيت ~~الأمر، وقال أبو زيد: أرجيت الأمر إرجاء اذا أخرته. وقوله تعالى " ~~أرجيه " أفعله من هذا، ولا بد من ضم الهاء مع الهمزة، لا يجوز غيره، والا ~~يبلغ الواو أحسن، لأن الهاء خفية فلو بلغ بها الواو لكان كأنه قد جمع بين ~~ساكنين، ألا ترى أن من قال: رده يا فتى بضم الدال اذا وصل بالهاء في ~~ضمير المؤنث، قال ردها ففتح، كما تقول رد لخفاء الهاء، وكذلك " أرجهه ~~" لا ينبغي أن يبلغ بها الواو فيصير كأنه جمع بين ساكنين، ومن ألحق الواو ~~فلأن الهاء محركة ولم يلتق ساكنان لان الهاء فاصل، قال (أرجيهوا) كما ~~يقال (أضربهو) فلو كان الياء حرف لين، لكان وصلها بالواو أقبح نحو ~~(عليهو) لاجتماع حروف متقاربة مع أن الهاء ليست بحاجز قوي في الفصل، ~~واجتماع المتقاربة كاجتماع الامثال. # قال أبو علي الفارسي: من وصل الهاء ب (يا)، فلأن هذه الهاء توصل في ~~الادراج بواو، أو ياء، نحو (بهي) أو (بهو) و (ضربهو) ولا تقول في الوصل ~~(به) ولا (به) ولا (ضربه) حتى تشبع فتقول " بهو " ما علم (بهي) الا في ~~ضرورة الشعر كقوله: # وما له من مجلد يلبد # وقال: ومن كسر الهاء مع الهمز، فقد غلط وانما يجوز اذا كان قبله ياء ~~فقال " أرجيه " بكسر الهاء، ولم يستقم، لأن هذه الياء في تقدير الهمزة، ~~فكما لم يدغم الواو اذا خففت الهمزة لأن الواو في تقدير الهمزة كذلك لا ~~يحسن تحريك الهاء بالضم مع الياء، المنقلبة عن الهمزة، وقياس من قال ~~(رويا) فادغم أن يحرك الياء أيضا بالضم، ms1584 وعلى هذا المسلك من قال ~~(يتيهم) إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياء، قال: ومعنى { أرجه } أخره، ~~وقال قتادة: # معناه إحبسه، يقال أرجأت الأمر إرجاء ومنه قولهم: المرجئة، وهم الذين ~~يجيزون الغفران لمرتكبي الكبائر من غير توبة. # قال الرماني: لا وجه لقراءة حمزة عند البصريين في القياس، ولا الاستعمال ~~على لغة من همز، وقال الزجاج إسكان هاء الضمير لا يجوز عند حذاق ~~النحويين، وأجاز الفراء ذلك، قال يقولون: هذه طلحة أقبلت، وأنشد قول ~~الراجز: # أنحى علي الدهر رجلا ويدا # يقسم لا يصلح إلا أفسدا # فيصلح اليوم يفسده غدا # وزعم ان اسكان هاء التأنيث جائز وأنشد: # لما رأى ان لادعه ولا شبع # مال الى ارطاه حقف فاضطجع # وقال الآخر: # لست لزعبلة إن لم أغي # ر بكلتي إن لم أساو بالطول # كلتي معناه طريقتي، و (الطول) جمع امرأة طولى، قال الزجاج: هذا الشعر ~~الذي أنشده الفراء لا يعرف، ولا وجه له، وإنما لم يلين أبو عمرو الهمزة ~~الساكنة على أصله فى تخفيف الهمزة لأن سكونه علامة للجزم، فلا يترك همزه، ~~لأن التسكين عارض وكذلك { مؤصدة } لا يترك همزه، لأنه يخرج من لغة الى ~~لغة. # والأخ هو من النسب بولادة الأدنى من أب أو أم أو منهما ويقال الأخ ~~الشقيق ويسمى الصديق الأخ تشبيها بالنسيب فأما الموافق في الدين فانه أخ ~~بحكم الله في قوله # إنما المؤمنون أخوة # ومعنى الآية أن قوم فرعون أشاروا عليه بأن يؤخر موسى وأخاه الى أن ~~يرسل في بلاد مملكته حاشرين، وقال ابن عباس: هم الشرط، وقال مجاهد ~~والسدي: يحشرون من يعلمونه من السحرة والعالمين بالسحر ليقابل بينهم وبين ~~موسى جهلا منهم بأن ذلك ليس بسحر، ومثله في عظم الاعجاز لا تتم فيه ~~الحيلة، لأن السحر هو كل أمر يوهموه على من يراه، ولا حقيقة له، وإنما ~~يشتبه ذلك على الجهال والاغبياء دون العقلاء المحصلين. # وقوله { يأتوك بكل ساحر عليم } (يأتوك) جزم، لأنه جواب الأمر، والمعنى ~~إن ترسل يأتوك، وحجة من قال { ساحر } قوله # ما جئتم به السحر ms1585 # والفاعل من السحر ساحر، ويقويه قوله # فألقى السحرة ساجدين # والسحرة جمع ساحر، ولأنه قال # سحروا أعين الناس # واسم الفاعل ساحر، ومن قرأ { سحار } فلأنه وصف ب (عليم)، ووصفه به ~~يدل على تناهيه فيه وحذقه، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة. # والاتيان هو الانتقال الى مطلوب، ومثله المجيء أتى يأتي إتيانا وأتي ~~يؤتى إيتاء اذا أعطي، وإنما دخلت (كل) وهي للعموم على واحد، لأنه في ~~معنى الجمع، كأنه قال بكل السحرة اذا أفردوا ساحرا ساحرا. والفرق بينه ~~وبين كل السحرة أنه اذا قيل بكل السحرة، فالمعنى المطلوب للجميع، واذا ~~قيل: بكل ساحر، فالمعنى المطلوب لكل واحد منهم، ويبين ذلك قول القائل: ~~لكل ساحر درهم، ولكل السحرة درهم، فان الأول يفيد أن لكل واحد درهما، ~~والثاني أن الجميع لهم درهم. # والباء في قوله { بكل } قيل فيه قولان: # أحدهما - انه للتعدية كما يعدى بالالف، ومنه ذهبت به وأذهبته وأتيت به ~~وأتيته. # الثاني - أنها بمعنى (مع) أي يأتون ومعهم كل ساحر عليم. ### || [7.113-114] # قرأ أهل الحجاز وحفص { إن لنا لأجرا } بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ ~~بهمزتين مخففتين ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصا وروح، إلا أن الحلواني ~~عن هشام يفصل بينهما بألف، وأبو عمرو ورويس لا يفصل. قال أبو علي: ~~الاستفهام في هذا الموضع أشبه، لأنهم يستفهمون عن الأجر، وليس يقطعون أن ~~لهم الأجر، ويقوي ذلك إجماعهم في الشعراء، وربما حذفت همزة الاستفهام، ~~قال الحسن قوله تعالى # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل # إن من الناس من يذهب الى انه على الاستفهام وقد جاء ذلك في الشعر: # أفرح أن أرزأ الكرام وأن # أورث ذودا شصائصا نبلا # وهذا أقبح من قوله: # وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشر # أتوني فقالوا من ربيعة أم مضر # لأن (أم) تدل على الهمزة. وفى الكلام حذف، لأن التقدير فأرسل فرعون في ~~المدائن حاشرين يحشرون السحرة، فحشروهم { فجاء السحرة فرعون قالوا: إن ~~لنا لأجرا } أي ان لنا ثوابا على غلبتنا موسى عندك { إن كنا نحن } يا ~~فرعون { الغالبين ms1586 } ، وهو قول ابن عباس والسدي. # وتقول: جئته وجئت اليه، فاذا قلت: جئت اليه، ففيه معنى الغاية لدخول ~~(الى) فيه وجئته معناه قصدته بمجيئي، واذا لم يعده لم يكن فيه دلالة على ~~القصد كما تقول: جاء المطر. # وقوله { وجاء السحرة فرعون قالوا } إنما لم يقل: فقالوا حتى يتصل ~~الثاني بالأول، لأن معناه لما جاؤا قالوا، فلم يصلح دخول الفاء على هذا ~~الوجه، وانما قالوا: أئن لنا لأجرا، ولم يقولوا: لنا أجر، لأن أحدهما ~~سؤال عن تحقيق الأجر وتأكيده، كما لو قال أبا لله لنا أجر، وليس كذلك ~~الوجه الآخر. # وقوله { إن كنا نحن } موضع (نحن) يحتمل وجهين: # أحدهما - أن يكون رفعا ويكون تأكيدا للضمير المتصل في كنا. # والثاني - لا موضع له، لأنه فصل بين الخبر والاسم. # والأجر الجزاء بالخير، والجزاء قد يكون بالشر بحسب العمل وبحسب ما ~~يقتضيه العدل. والغلبة ابطال المقاومة بالقوة، ومن هذا قيل في صفة الله ~~(عز وجل) القاهر الغالب، لأنه القادر الذي لا يعجزه شىء. # وقوله { قال نعم } حكاية عن قول فرعون مجيبا لهم عما سألوه من أن لهم ~~أجرا أو لا؟ بأن قال نعم لكم الأجر، و (نعم) حرف جواب مع أنه يجوز الوقف ~~عليها، لأنها في الايجاب نظيرة (لا) في النفي، وإنما جاز الوقف عليها، ~~لأنها جواب لكلام يستغني بدلالته عما يتصل بها. # وقوله { قال } أصله (قول) فانقلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ~~وإنما قلبوها مع خفة الفتحة لتجري على (قلت وتقول) في الاعلال مع أن ~~الالف الساكنة أخف من الواو المتحركة، وان كانت بالفتحة. والواو في قوله ~~تعالى " وانكم " واو العطف كأنه قال: لكم ذاك، وانكم لمن المقربين، وهو ~~في مخرج الكلام، كأنه معطوف على الحرف. # وكسرت الف " إنكم " لأنها في موضع استئناف بالوعد، ولم تكسر لدخول ~~اللام في الخبر، لانه لو لم يكن اللام لكانت مكسورة. ومثل هذا قوله تعالى # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام # ومعنى { من المقربين } انكم من المقربين الى مراتب الجلالة التي يكون ~~فيها الخاصة، ms1587 ولا يتخطى فيها العامة. # وفي الآية دليل لقوم فرعون على حاجته وذلته لو استدلوا واحسنوا النظر ~~لنفوسهم، لأنه لم يحتج الى السحرة الا لذلة وعجز، وكذلك في طلب السحرة ~~الأجر دليل على عجزهم عما كانوا يدعون من القدرة على قلب الاعيان، لأنهم ~~لو كانوا قادرين على ذلك لاستغنوا عن طلب الأجر من فرعون، ولقلبوا الصخر ~~ذهبا ولقلبوا فرعون كلبا واستولوا على ملكه. # قال ابن اسحاق: وكان السحرة خمسة عشر ألفا. وقال ابن المكندر: كانوا ~~ثمانين ألفا، وقال كعب الاحبار: كانوا إثنى عشر الفا. وقال عكرمة: ~~كانوا سبعين ألفا ذكره الطبري. ### || [7.115-116] # هذا حكاية قول السحرة أنهم قالوا لموسى اختر أحد شيئين إما أن تلقي أنت ~~عصاك أو نحن نلقي عصينا، وانما دخلت (أن) في قوله { إما أن تلقي } ولم ~~تدخل في # إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # لأن فيه معنى الأمر كأنهم قالوا: اختر إما أن تلقي أي إما القاؤك ~~وإما القاؤنا، ومثله # إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا # فموضع (ان) نصب، ويجوز أيضا ان يكون التقدير إما إلقاؤك مبدوء به ~~وإما القاؤنا، ويجوز أن تقول: يا زيد اما أن تقوم أو تقعد، ولا يجوز أن ~~تقول يا زيد ان تقوم أو تقعد، لأن (إما) يبتدأ بالمعنى فيها أي بمعنى ~~التخيير، فلذلك تدل على معنى اختر، وليس كذا (أو) وقد يقع موقع (اما) ~~وليس بجيد، كما قال الشاعر: # فقلت لهن امشين إما نلاقه # كما قال او تشفى النفوس فنعذرا # وقال ذو الرمة: # فكيف بنفس كلما قلت أشرفت # على البرء من حوصاء هيض اندمالها # تهاض بدار قد تقادم عهدها # واما بأموات ألم خيالها # على أن يلقي أحدنا فيبطل ما أتى به الآخر. # وقوله { ألقوا } حكاية عن قول موسى (ع) للسحرة (ألقوا) أنتم { فلما ~~ألقوا سحروا أعين الناس } قال البلخي: معناه غشوا أعين الناس، وقال: ~~السحر هو الخفة، والافراط فيها حتى تخيل بها الاشياء عن الحقيقة ~~والاحتيال بما يخفى على كثير من الناس كتغييرهم الطرجهالة والحيلة فيها ~~ان يجعل (الطرجهالة) طاقين ms1588 ويرقق بغاية الترقيق، ويجعل بين الطبقتين ~~زيبق، فاذا وضعت في الشمس حمي الزيبق فسار بالطرجهالة، لأن من طبع الزيبق ~~اذا حمي ان يتحرك ويفارق مكانه. # وقال قوم: معناه خيلوا الى أعين الناس بما فعلوه من لتخييل والخدع أنها ~~تسعى، كما قال تعالى # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # وقال الرماني: معنى سحر الاعين قلبها عن صحة إدراكها بما يتخيل من ~~الامور المموهة لها بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفة والشعبذة مما لا ~~يرجع الى حقيقة، والمحدث لهذا التخيل هو الله تعالى عندما أظهروا من تلك ~~المخاريق وإنما نسب اليهم لأنهم لو لم يعرضوا بما يعملونه لم يقع، كما ~~لو جعل أحد طفلا تحت البرد، فمات، فهو القاتل له في الحكم، والله تعالى ~~أماته، وإنما جاز من موسى (ع) أن يأمرهم بالقاء السحر وهو كفر لأمرين: # أحدهما - إن كنتم محقين فالقوا. # الثاني - القوا على ما يصح ويجوز، لا على ما يفسد ويستحيل. # وقال الجبائي: هذا على وجه الزجر لهم والتهديد، وليس بأمر. # وقوله { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } والفرق بين (لما) و (إذا) هو ~~الفرق بين (لو) و (أن) فى ان أحدهما للماضي والآخر للمستقبل، وكل هذه ~~الأربعة تعليق أول بثان، الا ان (لو) على طريقة الشك، و (لما) يقين. # وقوله { واسترهبوهم } معناه طلبوا منهم الرهبة، وهو خلاف الارهاب، لأنه ~~جعل الرهبة للذي يرهب، والعظيم ما يملأ الصدر بهوله، ووصف السحر بأنه ~~عظيم لبعد مرام الحيلة فيه، وشدة التمويه به، فهو لذلك عظيم الشأن عند من ~~يراه من الناس، ولأنه على ما ذكرناه من الخلاف في عدة السحرة من سبعين ~~ألفا أو ثمانين الفا كان مع كل واحد حبل وعصا، فلما ألقوها وخيل الى ~~الناس أنها تسعى استعظموا ذلك وخافوه، فلذلك وصفه الله بأنه سحر عظيم. # و (إما) اذا كانت للتخيير، فأهل الحجاز ومن جاورهم من قيس وبعض تميم ~~يكسرونها وينصبها قيس وأسد و (أما) اذا كانت منصوبة فهي التي يقتضي أن ~~يكون في جوابها الفاء. ### || [7.117-118] # قرأ حفص عن عاصم ms1589 { تلقف } خفيفة. الباقون بتشديد القاف، وقرأ ابن كثير ~~فاذا هي { تلقف } بتشديد التاء والقاف في رواية البزي عنه إلا النقاش، ~~وابن فليح. # والوحي هو القاء المعنى الى النفس من جهة تخفى، ولذلك لم يشعر به إلا ~~موسى (ع) حتى امتثل ما أمر به فاذا العصاحية تسعى. # وفي هذه الآية إخبار من الله تعالى أنه أوحى الى موسى (ع) حين ألقى ~~السحرة سحرهم وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم: أن ألق عصاك ~~ف (أن) يحتمل أمرين: # أحدهما - أن تكون مع ما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره أوحينا ~~الى موسى بالالقاء. # الثاني - أن تكون (أن) بمعني أي لأنه تفسير ما أوحي اليه. # { فإذا هي تلقف ما يأفكون } معنى تلقف تبتلغ تناولا بفيها بسرعة منها، ~~فهي تلتقمه استراطا حالا فحالا قال الشاعر: # وأنت عصى موسى التي لم تزل # تلقف ما يأفكه الساحر # يقال: لقفته ألقفه لقفا ولقفانا، ولقفته ألقفه وتلقفته تلقفا ~~إذا أخذته في الهواء. ومن قرأ بتشديد التاء قال: أصله تتلقف فادغم احدى ~~التائين في الأخرى بعد أن سكن الثانية. ومن خفف القاف أخذه من لقفته. ومن ~~شددها قال: هو من تلقف. # وقوله { ما يأفكون } فالافك هو قلب الشىء عن وجهه، ومنه # المؤتفكات # المنقلبات. والافك الكذب لانه قلب المعنى عن جهة الصواب. وقال مجاهد: { ~~ما يأفكون } أي يكذبون. وفي الآية حذف، وتقديره فألقى عصاه فصارت حية { ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون } والمعنى إنها تلقف المأفوك الذي حل فيه ~~الافك، وعلى هذا يحمل قوله تعالى # والله خلقكم وما تعملون # ومعناه وما تعملون فيه. # وقوله { فوقع الحق } معناه ظهر الحق - في قول الحسن ومجاهد - وأصل ~~الوقوع السقوط كسقوط الحائط والطائر تقول: وقع يقع وقعا ووقوعا وأوقعه ~~ايقاعا، ووقع توقيعا وتوقع توقعا وأوقعه مواقعة، والميقعة ~~المطرقة. والواقعة النازلة من السماء، والوقائع الحروب. قال الرماني: # الوقوع ظهور الشيء بوجوده نازلا الى مستقره. و (الحق) كون الشيء في ~~موضعه الذي اقتضته الحكمة. والحق موافق لداعي الحكمة، ولذلك يقال وقع ~~الشىء في حقه. و (الباطل) الكائن ms1590 بحيث يؤدي الى الهلاك، وهو نقيض الحق، ~~فالحق كون الشىء بحيث يؤدي الى النجاة. والعمل تصيير الشىء على خلاف ما ~~كان اما بايجاده أو بايجاد معنى فيه ومثله التغيير. # و (ما) في قوله { ما كانوا يعملون } يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون بمعنى المصدر، والتقدير وبطل عملهم. # والثاني - أن يكون بمعنى الذي وتقديره وبطل الحبال والعصي التي عملوا ~~بها السحر. و (ما) اذا كانت بمعنى المصدر لا تعمل عمل (إن) اذا كانت ~~بمعنى المصدر، لأمرين: أحدهما - أن (ما) اسم، والاسم لا يعمل في الفعل. ~~والآخر - أن تنقل الفعل نقلين الى المصدر والاستقبال تقول: يعجبني ما ~~تصنع، ويعجبني أن تصنع الخير. ### || [7.119-122] # أخبر الله تعالى أنه لما القى موسى عصاه وصارت حية، وتلقفت ما أفكت ~~السحرة: أن السحرة { غلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } والغلبة الظفر ~~بالبغية من العدو، وفي حال المنازعة تقول: غلب يغلب غلبة، فهو غالب وذاك ~~مغلوب أي مقهور، وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا وغلب تغليبا. ومعنى ~~(هنالك) أي عند ذلك الجمع، فهو ظرف مبهم كما أن (ذا) مبهم وفيه معنى ~~الاشارة. وقيل: هنا وهنالك وهناك، مثل ذا وذاك وذلك. وإنما دخلت اللام ~~في (هنالك) لتدل على بعد المكان المشار اليه، كما دخلت في (ذلك) لبعد ~~المشار اليه، ف (هنا) لما بعد قليلا، وهنالك لما كان أشد بعدا. وإنما ~~دخل كاف المخاطبة مع بعد الاشارة ليشعر بتأكيد معنى الاشارة الى المخاطب ~~ليتنبه على بعد المشار اليه من المكان، والبعيد أحق بعلامة التنبيه من ~~القريب. # وقوله { وانقلبوا صاغرين } أي رجعوا أذلاء، والصاغر الذليل، والصغر ~~والصغار الذلة، يقال: صغر الرجل يصغر صغرا وصغارا اذا ذل، وأصله صغر ~~القدر. # وقوله تعالى { وألقى السحرة ساجدين } إنما جاء على ما لم يسم فاعله ~~لأمرين: # أحدهما - أنه بمعنى ألقاهم ما رأوا من عظيم آيات الله بأن دعاهم الى ~~السجود لله والخضوع له. # الثاني - أنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، فكأن ملقيا ألقاهم، ولم ~~يكن ذلك على وجه الاضطرار الى الايمان، لأنه لو كان كذلك لما مدحوا عليه ~~بل ms1591 علموا ذلك بدليل، وهو عجزهم من ذلك مع تأتي سائر أنواع السحر منهم. ~~والالقاء اطلاق الشىء الى جهة السفل ونقيضه الامساك، ومثله الاسقاط ~~والطرح. ومعنى الآية البيان عن حال من تيقن البرهان، فظهر منه الاذعان ~~للحق والخضوع بالسجود لله تعالى، ولم يكن ممن تعامى عن الصواب وتعاشى عن ~~طريق الرشاد. # وقوله تعالى { قالوا آمنا برب العالمين } حكاية لما قالت السحرة عند ~~تبينهم الحق ووقوعهم للسجود لله تعالى واعترافهم بأنهم آمنوا برب ~~العالمين الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق موسى وهارون، والقول ~~كلام يدل على الحكاية، ولو قيل: (تكلموا) لم يقتض حكاية كلامهم على ~~صورته، فاذا قيل: (قالوا) اقتضى حكاية كلامهم. والايمان هو التصديق الذي ~~يؤمن من العقاب، وهو التصديق بما أوجب الله عليهم. وقال الرماني: يجوز ~~أن يقال لله أنه لم يزل ربا ولا مربوب، كما جاز لم يزل سميعا ولا ~~مسموع، لأنه صفة غير جارية على الفعل كما تجري صفة مالك على ملك يملك، ~~فالمقدور هو المملوك. وأصل الصفة ب (رب) التربية وهي تنشئة الشىء، حالا ~~بعد حال حتى يصير الى حال التمام والكمال، ومنه رب النعمة يربها ربا ~~إذا تممها، وربي الطفل تربية، والله تعالى رب العالمين المالك لهم ~~ولتدبيرهم. # و (العالم) كل أمة من الحيوان وجمعة العالمون على تغليب ما يعقل، وهو ~~مأخوذ من العلم، لكنه كثر في استعمال أهل النظر على أنه لجميع ما أحاط به ~~الفلك من الأجسام المتصرفة في الأحوال، وقال قوم (عالم) لا يقع إلا ~~لجماعة العقلاء. وقد بينا ذلك في فاتحة الكتاب. # وقوله { رب موسى وهارون } إنما خص موسى وهارون بالذكر بعد دخولهما في ~~الجملة من { آمنا برب العالمين } لأمرين: # أحدهما - أن فيه معنى الذي دعا الى الايمان موسى وهارون. # الثاني - خصا بالذكر لشرف ذكرهما على غيرهما على طريق المدحة لهما ~~والتعظيم. والرب بالاطلاق لا يطلق إلا على الله تعالى، لأنه يقتضي أنه ~~رب كل شىء يصح ملكه، وفي الناس يقال: رب الدار ورب الفرس، ومثله (خالق) ~~لا يطلق إلا فيه ms1592 تعالى، وفى غيره يقيد، يقال خالق الأديم. # قال الرماني: وإنما جاز نبيان في وقت ولم يجز إمامان في وقت، لأن ~~الامام لما كان يقام بالاجتهاد كانت إمامة الواحد أبعد من المناقشة ~~واختلاف الكلمة وأقرب الى الإلفة ورجوع التدبير الى رضا الجميع. # وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن العقل غير دال على أن الامام يجب أن يكون ~~واحدا كما أنه غير دال على أنه يجب أن يكون النبي واحدا، وإنما علم ~~بالشرع أنه لا يكون الامام في العصر الواحد إلا واحدا كما علمنا أنه لم ~~يكن في عصر النبي (صلى الله عليه وسلم) نبي آخر، واستوى الأمران في هذا ~~الباب. ### || [7.123-124] # قرأ حفص وورش ورويس { آمنتم } على الخبر. الباقون بهمزتين على ~~الاستفهام. وحقق الهمزتين أهل الكوفة إلا حفصا وروحا. الباقون بتحقيق ~~الأولى وتليين الثانية إلا أن قنبلا في غير رواية ابن السائب يقلب همزة ~~الاستفهام واوا اذا اتصلت بنون فرعون، ولم يفصل أحد بين الهمزتين بألف، ~~قال أبو علي: قياس قول أبي عمرو ومذهبه أن يفصل بين الهمزتين بألف كما ~~يفصل بين النونات في (اخشينان) إلا أنه يشبه أن يكون ترك القياس، وقوله ~~هنا لما كان يلزم منه اجتماع المتشابهات فترك الألف التي تدخل بين ~~الهمزتين، وخفف الهمزة الثانية التي هي همزة (افعل) من (آمن) فأما رواية ~~أبي الاخريط عن ابن كثير بابدال الهمزة واوا، فانه أبدل من ألف ~~الاستفهام واوا، لانضمام ما قبلها وهي النون المضمومة في (فرعون) وهذا ~~في المنفصل مثل المتصل من نوره، فقوله (نوأ) على وزن (نود) وفى رواية ~~قنبل عن القواس مثل رواية البزي عن أبي الاخريط غير انه يهمز بعد الواو، ~~قال أبو علي: من همز بعد الواو، لأن هذه (الواو) هي منقلبة عن همزة ~~الاستفهام، وبعد همزة الاستفهام همزة (أفعلتم) فخففها، ولم يخففها كما ~~خفف في القول الاول، ووجهه ان الاولى لما زالت عن لفظ الهمزة وانقلبت ~~واوا حقق الهمزة بعدها، لأنه لم يجتمع همزتان. ووجه القول الأول أن ~~(الواو) لما كان انقلابها عن ms1593 الهمزة تخفيفا قياس، كان في حكم الهمزة فلم ~~يحقق معها الثانية كما لا تحقق مع الهمزة نفسها، لأن الواو في حكمها، كما ~~كانت في حكمها في (رويا) في تخفيف (رؤيا) فلم يدغموها في الياء، كما لم ~~يدغم الهمزة فيها. # ومن قرأ على الخبر فوجهه أنه يخبرهم بايمانهم على جهة التقريع لهم ~~بايمانهم، والانكار عليهم. ووجه الاستفهام أنه استفهام على وجه التوبيخ ~~والتقريع، والانكار عليهم. وحمزة والكسائي قرءا بهمزتين الثانية ممدودة، ~~لأن الهمزة الثانية تتصل بها الألف المنقلبة عن الهمزة التى هي فاء في ~~(آمن). # في هذه الآية حكاية لما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وصدقوه لظهور ~~الحق، فقال لهم { آمنتم به }؟ وإنما قال لهم ذلك، لأنه توهم أن الاقدام ~~على خلاف الملك بما عمل قبل الاذن فيه منكر يقتضي سطوة الملك بصاحبه ~~والتنكيل به، وعندنا أن فرعون لم يعرف الله قط معرفة يستحق بها الثواب. ~~وقال الرماني: لا يمتنع أن يكون عارفا بالله، وإنما قال هذا القول ~~تمويها على قومه وللتحذير من مثل حال السحرة الذين أقدموا على المخالفة ~~له في الايمان بموسى (ع). # وقوله تعالى { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة } معناه تواطأتم على هذا ~~الأمر لتستولوا على العباد والبلاد، فتخرجوا من المدينة أهلها وتتغلبوا ~~عليها، والمكر قيل الاغترار بالحيلة الى خلاف جهة الاستقامة وأصله الفتل ~~والالتفاف كما قال ذو الرمة. # عجزاء ممكورة خمصانة قلق # عنها الوشاح وثم الجسم والعصب # والمكر والخدع نظائر في اللغة، وقوله { فسوف تعلمون } تهديد من فرعون ~~لهم وتخويف من مخالفته، وإنما هدد فرعون ب (سوف تعلم)، لأن فيه معنى ~~أقدمت بالجهل على سبب الشر، فسوف تعلم حين يظهر مسببه الذي أدى اليه كيف ~~كانت منزلته، فهو أبلغ من الافصاح به. # وقوله { لأقطعن أيديكم } فالتقطيع تكثير القطع ونظيره التفصيل والتفريق، ~~ونقيضه التوصيل تقول: قطع قطعا وأقطع اقطاعا، وقطع تقطيعا وتقطع ~~تقطعا واقتطع اقتطاعا وتقاطع تقاطعا واستقطع استقطاعا وقاطع مقاطعة ~~وانقطع انقطاعا. والأيدي جمع يد، وهي الجارحة المخصوصة، واليد النعمة، ~~لأنها تسدي الى صاحبها باليد. ms1594 والارجل جمع رجل وهي الجارحة التي يمشي بها ~~من يمين وشمال. والراجل خلاف الراكب وترجل الانسان اذا نزل عن دابته ~~واقفا على رجله، ورجله غيره، وارتجل القول ارتجالا إذا كان فيه ~~كالراجل الذي لم يستعن بركوب غيره. ورجل الشعر إذا سرحه حاطا له عن ~~ركوب بعضه بعضا. # و { التقطيع من خلاف } هو قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، وهو قول ~~الحسن، وقال غيره: وكذلك يكون قطع اليد اليسرى مع الرجل اليمنى. # وقوله { ثم لأصلبنكم أجمعين } القراء كلهم على ضم الهمزة، وتشديد اللام ~~من (أصلبكم) وذكر الفراء { ولأصلبنكم } بفتح الهمزة وكسر اللام من الصلب، ~~وهو الشد على الخشبة أو ما جرى مجراها من الاشخاص البارزة، وهو مشتق من ~~صلابة الشد، يقال: صلب صلابة وصلبه تصليبا وتصلب تصلبا. # وقال ابن عباس: أول من صلب وقطع الايدي والارجل من خلاف فرعون. ### || [7.125] # وهذا إخبار عن جواب السحرة حين آمنوا، وتوعد فرعون إياهم بقطع الأيدي ~~والأرجل والصلب بأنهم { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } أي راجعون وغرضهم ~~بهذا التسلي في الصبر على الشدة، لما عليه من المثوبة، مع مقابلة وعيده ~~بوعيد هو أشد عليه هو عقاب الله. # وأصل { إنا } إننا وحذفت احدى النونين لكثرة النونات، فاذا قيل ~~إننا، فلأنه الأصل واذا قيل { إنا } فللاستخفاف مع كراهة التضعيف، ~~والانقلاب الى الله هو الانقلاب الى جزائه والمصير اليه، إلا أنه فخم ~~بالاضافة الى الله لعظم شأنه، والانقلاب مصير الشىء على نقيض ما كان عليه ~~مما يتغير به، واذا صار الى الآخرة بعد الدنيا فانقلب اليها، واذا كان ~~على خلق فتركه ألى ضده فقد انقلب اليه. ### || [7.126] # في هذه الآية إخبار عما قالت السحرة حين آمنوا وتوعدهم فرعون بأنواع ~~العذاب بأنهم قالوا له: إنا راجعون الى الله، وقالوا له أيضا: ليس تنقم ~~منا إلا إيماننا بالله وتصديقنا بآياته التي جاءتنا. والنقمة الأخذ ~~بالعقوبة: نقم ينقم، ونقم ينقم، واللغة الاولى أفصح وانتقم انتقاما ~~ونقمة، فالنقمة ضد النعمة. # والفرق بين النقمة والاساءة ان النقمة قد تكون بحق، جزاء على كفر ms1595 ~~النعمة، ولذلك يقال انتقم الله من فلان نقمة عاجلة، والاساءة لا تكون ~~إلا قبيحة، لأنه ليس لأحد أن يسىء في فعله، والمسىء مذموم على اساءته. # وقوله تعالى { ربنا أفرغ علينا صبرا } حكاية عن قول هؤلاء السحرة الذين ~~آمنوا، وأنهم بعد أن قالوا لفرعون ما قالوه، سألوا الله تعالى أن يفرغ ~~عليهم صبرا، ومعناه أن يفعل بهم من اللطف ما يصبرون معه على عذاب فرعون ~~ويتشجعوا عليه، ولا يفزعوا منه. # والافراغ صب ما في الاناء أجمع، حتى يخلو، مشتقا من الفراغ، والفراغ ~~نقيض الشغل، وقيل: أفرغ عليه الصبر تشبيها بافراغ الاناء، كما يقال صب ~~عليه العذاب صبا، والصبر هو حبس النفس عن إظهار الجزع، صبر يصبر صبرا ~~والصبر على الحق عز، كما أن الصبر على الباطل ذل. والصبر في الجملة ~~محمود، قال الله تعالى { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور }. # وقوله تعالى { وتوفنا مسلمين } رغبة منهم الى الله تعالى وسؤالهم إياه ~~بأن يقبضهم اليه ويميتهم في حال السلامة. ### || [7.127] # قرأ أهل الحجاز { سنقتل أبناءهم } بالتخفيف. الباقون بالتثقيل، فمن ثقل ~~ذهب الى التكثير، ومن خفف، فلأحتماله التكثير والتقليل. # في هذه الآية إخبار عن إنكار قوم فرعون وأشرافهم ورؤسائهم على فرعون ~~تركه موسى وقومه ليفسدوا في الأرض على اعتقادهم، وإنما أنكروا على فرعون ~~ذلك مع عبادتهم له، لأنه جرى على خلاف عادة الملوك في السطوة بمن خالف ~~عليهم وشق العصا في ملكهم. وكان ذلك بلطف من الله تعالى وحسن دفاعه عن ~~موسى. وعنوا بالافساد في الارض دعاء الخلق الى مخالفة فرعون في عبادته ~~وتجهيله إياه في ديانته لما يتفق عليه من ذلك مما لا قبل له به مما فيه ~~انتقاض أمره وبطلان ملكه. # وقوله تعالى { ويذرك وآلهتك } معناه قال الحسن: إنه كان يعبد الأصنام، ~~فعلى هذا كان يعبد ويعبد، كما حكى الله تعالى عنه من قوله # أنا ربكم الأعلى # وقال السدي: كان يعبد ما يستحسن من البقر، وعلى ذلك أخرج السامري # عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ms1596 # وقال الزجاج: إنما كانت له أصنام يعبدها قومه تقربا اليه. وقرأ ابن ~~عباس { ويذرك وإلهتك } بمعنى وعبادتك. وقال كان فرعون يعبد ولا يعبد، ~~وقال بعضهم (إلاهتك) إنما هو تأنيث إله وجمعه آلهتك كما قال الشاعر، ~~وهو عتيبة بن شهاب اليربوعي. # تروحنا من اللعباء قصرا # فأعجلنا الاهة ان تؤوبا # يعني الشمس، فأدخل التاء في هذا كما أدخلوا في قولهم: ولدتي وكوكبتي ~~وهالتي وهو أهلة ذاك، كما قال الراجز: # يا مضر الحمراء أنت اسرتي # وأنت ملجاتي وأنت ظهرتي # وقوله تعالى { سنقتل أبناءهم } إنما تهددهم بقتل أبنائهم مع ان موسى هو ~~الذي دعاهم الى الله دونهم من حيث أنه لم يطمع فيه، لما رأى من قوة أمره ~~وعلو شأنه فعدل الى ضعفاء بني اسرائيل بقتل ابنائهم ليوهم انه يتم له ~~ذلك فيهم. # وقوله تعالى { ونستحيي نساءهم } معناه نستبقي من تولد من بناتهم للمهنة ~~والخدمة من غير أن يكون لهم نجدة ولا عندهم منعة. # ونصب قوله { ويذرك } لاحد وجهين: احدهما - الصرف، والآخر العطف. والصرف ~~على ان يكون تقديره ليفسدوا في الارض الى ان يذرك وآلهتك، والعطف على ~~ليفسدوا ويذرك. وقرأ الحسن { ويذرك } بالرفع عطفا على أتذر، ويجوز فيه ~~الاستئناف، وهو يذرك. ### || [7.128] # هذا حكاية من الله تعالى عما قال موسى لقومه حين تهددهم فرعون بقتل ~~ابنائهم واستحياء نسائهم، وانه امرهم ان يستعينوا بالله والاستعانة طلب ~~المعونة، وقد يسأل السائل المعونة لغيره يقول: اللهم أعنه على أمره الا ~~ان الغالب على الاستعانة طلب المعونة لنفس الطالب. # وقوله { واصبروا } أمر من موسى اياهم بالصبر وهو حبس النفس عما يؤدي الى ~~ترك الحق مع تجرع مرارة ذلك الحبس ونقيضه الجزع قال الشاعر: # فان تصبرا فالصبر خير مغبة # وان تجزعا فالامر ما تريان # وقوله { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } اخبار عما قال موسى ~~لقومه من ان الارض كلها ملك لله يورثها من يشاء من عباده، والارث جعل ~~الشيء للخلف بعد السلف، والاغلب ان يكون ذلك في الاموال، وقد يستعمل في ~~غيرها مجازا كقولهم: العلماء ورثة ms1597 الانبياء، وقولهم ما ورث والد ولدا ~~أجل من ادب حسن. # ومعنى { يورثها من يشاء من عباده } قيل في معناه قولان: # أحدهما - التسلية لهم بأنها لا تبقي على أحد لانها تنقل من قوم الى قوم ~~اما محنة او عقوبة. # الثاني - الاطماع في ان يورثهم الله ارض فرعون وقومه. # والمشيئة هي الارادة وهي ما أثرت في وقوع الفعل على وجه دون وجه من حسن ~~أو قبح او غيرهما من الوجوه. # وقوله تعالى { والعاقبة للمتقين } فالعاقبة ما تؤدي اليه التأدية من خير ~~او شر الا انه اذا قيل: العاقبة له فهو في الخير، فاذا قيل: العاقبة عليه ~~فهو في الشر مثل الدائرة له وعليه وقال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع ~~موسى ستمائة ألف من بني اسرائيل. ### || [7.129] # هذا اخبار من الله تعالى عن ما قال قوم موسى لموسى بأنا اوذينا من قبل ~~أن تأتينا بالرسالة. والاذى ضرر لا يبلغ بصاحبه ان يأتي على نفسه، تقول: ~~آذاه يؤذيه اذى وتأذى به تأذيا، ومثله آلمه يؤلمه ايلاما وتألم به تألما. ~~والاذى الذي كان بهم قيل: هو استعباد فرعون اياهم وقتل ابنائهم واستحياء ~~نسائهم للاستخدام. والذي كان بعد مجيء موسى الوعيد لهم بتجديد ذلك العذاب ~~من فرعون والتوعيد عليه، وكان هذا على سبيل الاستبطاء منهم لما وعدهم ~~فجدد الوعد لهم وحققه، وقال الحسن: كان يأخذ منهم الجزية. # وقوله { قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم } قال سيبويه: لعل وعسى طمع واشفاق، ~~وقال الحسن (عسى) من الله واجبة، وبه قال الزجاج. وقال ابو علي الفارسي { ~~عسى } ها هنا يقين. # وقوله { ويستخلفكم في الأرض } قال أبو علي: استخلفوا في مصر بعد موت ~~موسى (ع) في التيه. ثم فتح الله لهم بيت المقدس مع يوشع بن نون. ثم فتح ~~الله لهم مصر وغيرها في زمن داود وسليمان، فملكوها في ذلك الزمان على ما ~~وعدوا به من الاستخلاف. # وقوله تعالى { فينظروا كيف تعملون } قيل: ان معنى ينظر - ها هنا - يعلم، ~~وقيل يرى وكلا منهما مجاز لان النظر هو الطلب لما ms1598 يدرك وهذا لا يجوز عليه ~~تعالى، ولكنه جاء على قوله # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين # وفائدة الآية تسلية موسى (ع) لقومه بما وعدهم عن الله من اهلاك فرعون ~~وقومه وجعل قومه بدلا منهم ليعملوا بطاعته. ### || [7.130] # أخبر الله تعالى في هذه الآية، واقسم عليه بأنه اخذ آل فرعون بالسنين ~~وهي الاعوام المقحطة، واللام في قوله " لقد " لام القسم، (وقد) معناه ~~الاخبار عن متوقع وهي تقرب الماضي من الحال، لانه اذا توقع كون أمر فقيل ~~قد كان، دل على قربه من الحال. والآل خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم اليه، ~~ولذلك يقال: اهل البلد، ولا يقال: آل البلد، لان في الاهل معنى القرب في ~~نسب او مكان، وليس كذلك الآل. # ومعنى { أخذناهم بالسنين } أخذناهم بالجدوب، والعرب تقول: أخذتهم السنة ~~اذا كانت قحطة يقال أسنت القوم اذا أجدبوا، وانما قيل للمجدبة: السنة ولم ~~يقل للخصبة، لانها نادرة في الانفراد بالجدب، والنادر أحق بالافراد ~~بالذكر، لانفراده بالمعنى الذي ندر به. وقال الفراء: معنى بالسنين ~~بالجدوبة تقول العرب (وجدنا البلاد سنين) أي جدوبا، قال الشاعر: # وأموال اللئام بكل أرض # تجحفها الجوائح والسنون # وقال آخر: # كأن الناس إذ فقدوا عليا # نعام جال في بلد سنينا # أي في بلد جدوب وأهل الحجاز وعلياء قيس يقولون: هن السنون، فيجعلونها ~~بالواو في الرفع، وبالياء في الخفض والنصب على هجائين، وبعض تميم يقول هي ~~السنين، فاذا ألقوا الألف واللام لم يجروها، فقالوا قد مضت له سنون ~~كثيرة، وكنت عندهم بضع سنين، وبنو عامر، فانهم يجرونها في النصب والجر ~~والرفع فيقولون: أقمت عنده سنينا كثيرة. وقال الكسائي: على هجائين هي ~~اللغة الغالبة في كلام العرب: السنون، والسنين وينصبون النون على كل حال ~~مثل نون الجمع في الموضعين، وعليه اجماع القراء، قال: وبعض العرب يجعلها ~~على هجاء واحد، ويلزم النون الاعراب بجعلها كأنها من نفس الكلمة، وأنشد: # سنيني كلها واسيت حربا # أقاس مع الصلادمة الذكور # وأنشد: # ولقد ولدت بنين صدق سادة # ولأنت بعد الله كنت السيدا # فأثبت النون في بنين وهي ms1599 مضافة. # وقوله تعالى { ونقص من الثمرات } أي وأخذناهم مع القحط وجدب الأرض ~~بنقصان من الثمار. # وقوله تعالى { لعلهم يذكرون } معناه لكي يتفكروا في ذلك ويرجعوا الى ~~الحق وإنما قال { لعلهم } وهي موضوعة للشك، وهو لا يجوز في كلام الله ~~لأنهم عوملوا معاملة الشاك مظاهرة في القول كما جاء الابتلاء والاختيار ~~مثل ذلك. والآية تدل على بطلان مذهب المجبرة من أن الله تعالى يريد الكفر ~~المعاصي، لأنه بين أنه فعل بهم ذلك لكي يذكروا،، ويرجعوا فقد أراد منهم ~~الاذكار، فكأنه قال من أجل أن يذكروا، وليس كذلك اذا كلفهم من أجل ~~الثواب، لأن إرادة المريد لما يكون من فعله في المستأنف عزم، وذلك لا ~~يجوز عليه تعالى، وليس كذلك إرادته لفعل غيره، قال مجاهد: السنين ~~الحاجة، ونقص من الثمرات دون ذلك، وقال قتادة: كان السنين بباديتهم، { ~~ونقص من الثمرات } كان في أمصارهم وقراهم. وقال كعب: يأتي على الناس زمان ~~لا تحمل النخلة الا تمرة. ### || [7.131] # المراد بالحسنة - ها هنا - النعمة من الخصب والسعة في الرزق والعافية ~~والسلامة. و (السيئة) النقمة من الجدب وضيق الرزق والمرض والبلاء، وفيه ~~ضرب من المجاز، لأن حقيقة الحسنة ما حسن من الفعل في العقل، والسيئة ما ~~قبح من الفعل، وإنما شبه هذا بذلك، لتقبل العقل لهذا كتقبل الطبع لذلك. ~~وقال قوم: هو مشترك لظهور العلم في ذلك في الناس جميعا على منزلة سواء. # أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنه إذا جاءهم الخصب والسعة والنعمة من ~~الله { قالوا لنا هذه } والمعنى إنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا ~~من نعمنا وسعة أرزاقنا في بلادنا، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ~~ويؤدوا حق النعمة، لئلا يسلبهم الله إياها. # وقوله { وإن تصبهم سيئة } يعني جدب وقحط وبلاء { يطيروا بموسى ومن معه ~~} والمعنى إنهم تشاءموا بهم، وهو قول الحسن ومجاهد، وابن زيد، لأن العرب ~~كانت تزجر الطير، فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرك ~~بالسانح، وهو الذي يأتي من جهة اليمين، قال الشاعر: # زجرت لها طير ms1600 الشمال فإن يكن # هواك الذي يهوى يصبك اجتنابها # وقال آخر: # فقلت غراب لا اغتراب من النوى # وبان لبين ذي العيافة والزجر # وأصل الطائر النصيب، يقال: طار له من القسم كذا وكذا، وأنشد ابن ~~الاعرابي: # واني لست منك ولست مني # اذا ما طار من مالي الثمين # أي أخذت الزوجة ثمنها من ميراثه. # وقوله تعالى { ألا إنما طائرهم عند الله } معناه إن الله هو الذي يأتي ~~بطائر البركة وطائر الشؤم، من الخير والشر والنفع والضر، فلو عقلوا ~~طلبوا الخير من جهته، والسلامة من الشر من قبله. # وموضع (إذا) نصب بأنها ظرف للقول، ولا يجوز أن يعمل فيها الفعل الذي ~~يليها، لأنها مضافة اليه، ولو جازيت بها جاز عمله فيها، وقال الأزهري ~~والزجاج: معنى { إنما طائرهم عند الله } شؤمهم الذي وعدوا به من العقاب ~~عند الله يفعله بهم يوم القيامة، وقال ابن عباس معناه إن مصائبهم عند ~~الله. ### || [7.132] # { مهما } أي شىء، وقال الخليل: أصلها (ما) إلا أنهم أدخلوا عليها (ما) ~~كما يدخلونها على حروف الجزاء، فيقولون (ماما) و (متى ما) و (اذا ما) ~~فغيروا ألفها بأن أبدلوها هاء، لئلا يتوهم التكرير وصار (ما) فيها مبالغة ~~في معنى العموم، وقال غيره: أصلها (مه) بمعنى أكفف دخلت على (ما) التي ~~للجزاء. # والفرق بين (ما) و (مهما) أن (مهما) خالصة للجزاء وفي (ما) اشتراك، ~~لأنها قد تكون استفهاما تارة، وبمعنى الذي أخرى، وتارة بمعنى الجزاء، ~~وإن كان الأصل في (مهما) (ما)، لأن (ما) يجازى به من الاسماء ما قد لا ~~يستعمل في الجزاء، والتركيب ظاهر فيها لفظا ومعنى. # وقوله تعالى { تأتنا } في موضع جزم، وعلامة الجزم فيه حذف الياء، وإنما ~~حذف الحرف للجزم، لأنه من حروف المد واللين، وهي مجانسة لحركات الاعراب، ~~ومن شأن الجازم أن يحذف ما يصادفه من الحركة، فإن لم يصادف حركة عمل في ~~نفس الحرف، لئلا يتعطل عن العمل. # في هذه الآية إخبار من الله تعالى، وحكاية ما قال قوم فرعون لموسى (ع) ~~بأنهم قالوا له: أي شىء تأتينا به من ms1601 المعجزات وتسحرنا بها، فانا لا ~~نصدقك عليه، ولا نؤمن بك. و (الآية) هي المعجزة الدالة على نبوته، وهو كل ~~ما يعجز الخلق عن معارضته ومقاومته، كما لا يمكن مقاومة الشبهة للحجة، ~~وكما لا يمكن أن يقاوم الجهل للعلم، والسراب للماء، وان توهم ذلك قبل ~~النظر والاعتبار، ويخيل قبل الاستدلال الذي يزول معه الالتباس، وقد بينا ~~حقيقة السحر فيما مضى، وقد يسمى السحر ما لا يعرف سببه وإن لم يكن ~~محظورا، كما روي عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " إن من البيان لسحرا " # وكما قال الشاعر: # وحديثها السحر الحلال لو أنه # لم يجز قتل المسلم المتحرز # وذلك مجاز وتشبيه دون أن يكون حقيقة. ### || [7.133] # أخبر الله تعالى إنه لما قال فرعون وقومه ما قالوا - من أنهم لا ~~يؤمنون، وان أتى بجميع الآيات، فانهم لا يصدقونه على نبوته - أنه أرسل ~~عليهم الطوفان، وهو السيل الذي يعم بتفريقه الأرض، وهو مأخوذ من الطوف ~~فيها، وقيل: هو مصدر كالرجحان والنقصان. وقال الاخفش: واحده طوفانة، وأما ~~المفسرون فانهم اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس في بعض الروايات عنه: ~~إنه الغرق. وقال مجاهد: هو الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان ~~أمرا من الله تعالى طاف بهم، وقال تعالي في قصة نوح # فأخذهم الطوفان وهم ظالمون # وقال الحسن بن عرفطة: # غير الجدة من آياتها # خرق الريح بطوفان المطر # وقال الراعي: # تضحى إذا العيس أدركنا نكائثها # خرقاء يعتادها الطوفان والزؤد # الزؤد الفزع، وقال أبو النجم: # قد مد طوفان فبث مددا # شهرا شآبيب وشهرا بردا # وقال أبو عبيدة: الطوفان من السيل البعاق، ومن الموت الذريع. # وقوله تعالى { والقمل } فاختلفوا في معناه، فقال ابن عباس - في رواية ~~عنه - وقتادة ومجاهد: إنه بنات الجراد، وهو الدبا صغار الجراد الذي لا ~~أجنحة له. وفي رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد: أنه السوس الذي يقع في ~~الحنطة. وقال ابن زيد هو البراغيث. وقال أبو عبيدة: هو الحمنان واحده ~~حمنة. وقيل: حمنانة وهو كبار القردان. وقال الحسن وسعيد بن جبير: ms1602 هو دواب ~~صغار سود واحدته قملة، قال الأعشى: # قوم تعالج قملا أبناؤهم # وسلاسلا أجدا وبابا مؤصدا # وقوله { والضفادع } فهو جمع ضفدع، فهو ضرب من الحيوان يكون في الماء له ~~نقيق واصطخاب، وهو معروف. وقيل: إنه كان يوجد في فرشهم وأبنيتهم ويدخل ~~في ثيابهم، وفيشتد أذاهم به. # و { الدم } معروف وقد حده الرماني: بأنه جسم مائع أحمر مسترق عرض له ~~الجمود كهذا الذي يجري في العروق. وقيل: إن مياههم كانت عذبة طيبة ~~فانقلبت دما، فكان الاسرائيلي اذا أغترف صار ماء، واذا اغترف القبطي كان ~~دما، حتى ان المرأة القبطية تقول للمرأة الاسرائيلية مجي من فيك في ~~فمي فاذا فعلت ذلك تحول دما، وقال زيد بن أسلم: الذي سلط الله عليهم، ~~كان الرعاف. # وقوله { آيات مفصلات } نصب على الحال، قال مجاهد: معجزات مبينات ظاهرات ~~وأدلة واضحات. وقال غيره: لأنها كانت تجيء شيئا بعد شىء، وقيل: إنها ~~كانت تمكث من السبت الى السبت، ثم ترفع شهرا - في قول ابن جريج. # قوله { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } معناه إنهم مع مشاهدتهم لهذه ~~الآيات العظيمة والمعجزات الظاهرة، أنفوا من الحق وتكبروا عن الاذعان ~~والانقياد له، وكانوا قوما عصاة مرتكبين للاجرام والآثام. ### || [7.134-135] # (لما) للماضي مثل (لو). و (إذا) للمستقبل مثل (أن) وإن دخلت على ~~الماضي. # أخبر الله تعالى عن هؤلاء القوم أنه حين وقع عليهم الرجز... وهو العذاب ~~- في قول الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وفي قول سعيد بن جبير: هو الطاعون ~~وقال قوم هو الثلج ولم يكن وقع قبل ذلك، وأصل الرجز الميل عن الحق، ومنه ~~قوله تعالى # والرجز فاهجر # يعني عبادة الوثن، والعذاب رجز، لأنه عقوبة على الميل عن الحق، ومنه ~~الرجازة ما يعدل به الحمل اذا مال، والرجازة أيضا صوف أحمر يزين به ~~الهودج، لأنه كالرجازة التي هي تقويم له اذا مال والرجز: رعدة في رجل ~~الناقة لداء يلحقها يعدل بها عن حق سيرها، والرجز ضرب من الشعر أخذ من ~~رجز الناقة، لأنه متحرك وساكن ثم متحرك وساكن في كل أجزائه، فهو كالرعدة ms1603 ~~في رجل الناقة، يتحرك بها، ثم يسكن، ثم يستمر على ذلك. # وقوله { قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك } حكاية لمسألة قوم ~~فرعون لموسى أن يدعو الله لهم بما عهد عند موسى، والعهد التقدم في الأمر ~~فمنه العهد الوصية، والعهود الوثائق والشروط. والعهد مطر بعد مطر قد عهد ~~قبله. والمعاهد المعاقد على الذمة، والتعاهد التقدم في تفقد الشىء وكذلك ~~العهد وقيل في معنى { بما عهد عندك } قولان: # أحدهما - بما تقدم اليك به وعلمك أن تدعوه به فإنه يجيبك كما أجابك في ~~آياتك. # الثاني - بما عهد عندك من العهد على معنى القسم. # وقوله { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } فيه إخبار من الله ~~تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب عند ذلك وأخرهم الى أجل هم بالغوه يعني ~~أجل الموت { إذا هم ينكثون } وانهم عند ذلك نكثوا ما قالوه ولم يفوا ~~بشىء منه. # والعامل في (إذا) { ينكثون } ، وليست (اذا) هذه (إذا) المضافة الى ~~جملة، بل هي بمنزلة - هناك - وهي المكتفية بالاسم، ولو قال (إذا النكث) ~~صح الكلام، كما تقول: خرجت فاذا زيد. ومعنى (إذا) المفاجأة وفيه وقوع ~~خلاف المتوقع منهم، لأنه أتى منهم نقض العهد بدلا من الوفاء، فكأنه فاجأ ~~الرأي عجب من نكثهم، والبلوغ منتهى المرور، ومثله الوصول، غير أن في ~~الوصول معنى الإتصال، وليس كذلك البلوغ. والانتهاء نقيض الابتداء في كل ~~شىء، وإن لم يكن فيه معنى المرور. والنكث نقض العهد الذي يلزم الوفاء ~~به. ومثله الغدر، إلا أن (الغدر) فيما عقد من الايمان على النفس، ولذلك ~~جاء في نقض الغزل في قوله تعالى # كالتي نقضت غزلها من بعد قوة إنكاثا # وأصله النكاثة وهي تشعيب الشىء من حبل أو غيره. وانتكث الشىء اذا تشعب ~~والنكيثة نقض العهد، وجواب (لما) (إذا) ومثله قوله # وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون # ولا يجوز أن يجاب بعد (إذ)، لأنها لوقت الماضي والجواب بعد الأول، ~~يقتضي الاستقبال، ولذلك صلحت فيه الفاء ولم يصلح الواو، وحرف الجزاء يقلب ~~الفعل ms1604 دون الوقت. ### || [7.136] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه بعد أن أظهر الآيات التي مضى ذكرها ~~وفزع قوم فرعون الى موسى ليسأل الله أن يرفع عنهم العذاب، فانهم اذا رفع ~~عنهم ذلك آمنوا، ففعل موسى، ورفع الله عنهم ذلك، ولم يؤمنوا ونكثوا ما ~~عهدوا به من القول وأنه انتقم منهم، ومعناه سلب نعمهم بانزال العذاب ~~عليهم وحلول العقاب بهم. # وقوله { فأغرقناهم في اليم } فالاغراق في الأمر أو النزع، فهو مشبه ~~بالاغراق في الماء. و { اليم } البحر في قول الحسن وجميع أهل العلم - قال ~~ذو الرمة: # دوية ودجى ليل كأنهما # يم تواطن في حافاته الروم # وقال الراجز: # كبازخ اليم سقاه اليم # وقوله تعالى { بأنهم كذبوا بآياتنا } معناه إنا فعلنا بهم ذلك جزاء بما ~~كذبوا من آيات الله وحججه وبراهينه الدالة على نبوة موسى وصدقه { وكانوا ~~عنها غافلين } معناه أنهم أنزل عليهم العذاب وكانوا غافلين عن نزول ذلك ~~بهم. والغفلة حال تعتري النفس تنافى الفطنة واليقظة تقول: غفل يغفل ~~غفولا، وغفلا وغفلة، وتغافل تغافلا وأغفل الأمر إغفالا، واستغفله ~~استغفالا، واغتفله اغتفالا وتغفل تغفلا، وغفله تغفيلا وهو مغفل. # فإن قيل كيف جاء الوعيد على الغفلة، وليست من فعل البشر؟! # قلنا عنه ثلاثة أجوبة: # أحدها - أنهم تعرضوا لها حتى صاروا، لا يفطنون بها. # الثاني - أن الوعيد على الاعراض عن الآيات حتى صاروا كالغافلين عنها. # الثالث - أن المعنى وكانوا عن النعمة غافلين ودل عليه (انتقمنا). ### || [7.137] # آية في الكوفي والبصري، وفي المدنيين آيتان آخر الاولى { بني إسرائيل } # قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يعرشون } بضم الراء. الباقون بكسرها، ~~وهما لغتان فصيحتان: الكسر والضم، والكسر أفصح. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أورث الأرض مشارقها ومغاربها الذين ~~استضعفوا في يدي فرعون وقومه. وإنما أورثهم بأن أهلك من كان فيها ومكن ~~هؤلاء، وحكم بأن لهم أن يتصرفوا فيها على ما أباحه الله تعالى لهم. ~~والاستضعاف طلب الضعف بالاستطالة والقهر. وقد استعمل استضعفته بمعنى ~~وجدته ضعيفا بامتحاني إياه، كأنه قال طلبت حال ضعفه بمحنته، فوجدته ms1605 ~~ضعيفا. وقوله { باركنا فيها } يعني باخراج الزروع والثمار وسائر صنوف ~~النبات والأشجار الى غير ذلك من العيون والأنهار وضروب المنافع للعباد. ~~وقيل { باركنا فيها } بالخصب الذي حصل فيها. # ومشارق الأرض ومغاربها يريد جهات المشرق بها والمغرب. وقال الحسن هي أرض ~~الشام ومصر. وقال قتادة هي أرض الشام. وقال أبو علي: هي أرض مصر. وقال ~~الزجاج: كان من بني اسرائيل داود وسليمان ملكا جميع الأرض. # وقوله { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل } يعني صح كلامه بانجاز ~~الوعد الذي تقدم باهلاك عدوهم، واستخلافهم في الارض، وإنما كان الانجاز ~~تمام للكلام لتمام النعمة به. وقيل كلمته الحسنى هي قوله تعالى { ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ~~ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون }. ~~وإنما قيل الحسنى، وإن كانت كلمات الله كلها حسنة، لأنه وعد بما يحبون. # وانتصب قوله تعالى { مشارق الأرض ومغاربها } لأحد أمرين: # أحدهما - بأنه مفعول (أورثنا) كقولك: أورثه المال. # الثاني - بأنه ظرف كأنه قال: أورثتهم الأرض التي باركنا فيها في مشارقها ~~ومغاربها، والأول أظهر. # وقوله { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } معناه أهلكنا ما كان عمله ~~فرعون وقومه مما كانوا يستعبدونهم ويسعون في افساد أمر موسى ويستعينون به ~~في أمرهم { وما كانوا يعرشون } معناه ما كانوا يبنونه من الأبنية والقصور ~~- في قول ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هو تعريش الكرم. وقال أبو علي: ~~تعريش الشجر والأبنية. وأصل التعريش الرفع، قال أبو عبيدة { يعرشون } ~~معناه يبنون، و (العرش) في هذا الموضع البناء، يقال: عروش مكة أي بناؤها، ~~وقال أبو الحسن: هما لغتان، ومثله نبطش ونبطش ونحشر ونحشر، في أمثال ~~ذلك. ### || [7.138] # قرأ حمزة والكسائي وخلف يعكفون - بكسر الكاف - الباقون بضمها وهما ~~لغتان، ومثله يفسقون - بكسر السين - والضم، في أمثال ذلك. # المجاوزة الاخراج عن الحد يقال: جاوز الوادي جوازا اذا قطعه وخلفه ~~وراءه وتقول: جاز يجوز جوازا، وأجازه إجازة، وجاوزه مجاوزة، وتجاوز ~~تجاوزا، واجتاز اجتيازا، وتجوز تجوزا، وجوزه تجويزا، واستجاز ~~استجازة. ms1606 والبحر الواسع العظيم السعة من مستقر الماء مما هو أعظم من كل ~~نهر، وأصله السعة، ومنه البحيرة التي يبحر أذنها أي توسع شقتها، وتبحر في ~~العلم: اذا اتسع فيه، وقوي تصرفه به. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه حين أجاز قوم موسى وقطع بهم البحر ~~وأنجاهم من العدو وأغرق عدوهم فرعون وقومه، وأنهم بلغوا الى قوم عاكفين ~~على أصنام لهم - ومعنى (العكوف) اللزوم للامر بالاقبال عليه والمراعاة له ~~تقول: عكف عكوفا واعتكف اعتكافا، ومنه الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة ~~فيه، وعكف عليه أي واظب عليه - وأنه لما رأى قوم موسى أولئك العاكفين ~~على أصنامهم والملازمين لها دعاهم جبلتهم الى التشبيه بعبادة الأوثان، ~~لما في طبع الانسان من الحكاية - أن قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة. وفي طبع كل حيوان الحكاية، وأقوى الحيوان طبعا في الحكاية ~~القرد، وله حكايات عجيبة، وهذا الطلب منهم يدل على جهل عظيم من بني ~~اسرائيل بعد ما رأوا الآيات التي توالت على فرعون وقومه حتى غرقهم الله ~~فى البحر بكفرهم بعد ما نجا بني اسرائيل، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا ~~لموسى (ع) { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } وتوهمهم أنه يجوز عبادة غير ~~الله، وإن اعتقدوا أنه لا يشبه الاشياء ولا تشبهه، ولا يدل طلبهم ذلك ~~على أنهم مشبهة، لما قلناه. # وقوله تعالى { إنكم قوم تجهلون } حكاية عما أجابهم به موسى (ع) فقال ~~لهم: إنكم قوم تجهلون من المستحق للعبادة وما الذي يجوز أن يتقرب به ~~الى الله تعالى، ويحتمل أن يكون أراد تجهلون من صفات الله ما يجوز عليه ~~وما لا يجوز. ### || [7.139] # في هذه الآية حكاية عما قال موسى (ع) لقومه حين سألوه أن يجعل لهم ~~إلها بعد أن قال لهم { إنكم قوم تجهلون } ما يجوز أن يعبد وما لا يجوز ~~وأنه أخبرهم { أن هؤلاء متبر ما هم فيه } يشير فيه الى العابد والمعبود ~~من الأصنام ومعناه مهلك، فالمتبر المهلك المدمر عليه، والتبار الهلاك، ~~ومنه قوله تعالى # ولا تزد الظالمين إلا ms1607 تبارا # ومنه التبر للذهب سمي بذلك لأمرين: أحدهما - أن معدنه مهلكة، وقال ~~الزجاج: يقال لكل أناء متكسر متبر، وكسارته تبره. # وقوله تعالى { وباطل ما كانوا يعملون } فالبطلان انتفاء المعنى بعدمه، ~~وبأنه لا يصح في عدم ولا وجود. والمعنى في بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم ~~بنفع ولا يدفع ضرر، فكأنه بمنزلة ما لم يكن من هذا الوجه، والعمل إحداث ~~ما به يكون الشىء على نقيض ما كان، وهو على ضربين: أحدهما - إحداث ~~المعمول. والآخر - إحداث ما يتغير به. # و { هؤلاء } أصله أولاء ادخلت عليه (هاء) التنبيه، وهو مبني لتضمنه معنى ~~الاشارة المعرفة، وهو مع ذلك مستبهم استبهام الحروف، إذ هو مفتقر في ~~البيان عن معناه الى غيره. ### || [7.140] # في هذه الآية إخبار أيضا عما قال موسى لقومه بعد إزرائه على الأصنام ~~وعلى من كان يعبدها وأن ما يفعلونه باطل مهلك: أأطلب غير الله لكم ~~إلها؟! قاله على وجه الانكار عليهم وإن كان بلفظ الاستفهام، فنصب { ~~أغير الله } على أنه مفعول به، ونصب { إلها } على أحد شيئين: # أحدهما - كأنه قال أأطلب لكم غير الله تعالى معبودا؟!. # والثاني - أن يكون نصب إلها على أنه مفعول به، ونصب (غير) على الحال ~~التي لو تأخرت كانت صفة. # و (بغى) يتعدى الى مفعولين، وطلب يتعدى الى مفعول واحد، لأن معنى بغي ~~أعطى: بغاه الخير أعطاه الخير، وليس كذلك طلب، لأنه غير مضمن بالمطلوب، ~~وقد يجوز أن يكون بمعنى أبغي لكم. # وقوله { وهو فضلكم على العالمين } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن وأبو علي وغيرهما: يريد على عالمي زمانهم. # الثاني - معناه خصكم بفضائل من النعم بالآيات التي آتاكم، وارسال موسى ~~وهارون، وهما رجلان منكم، ومن إهلاك عدوكم بالتغريق في البحر، ونجاتكم. ~~وكل ذلك بمرءى ومستمع منكم. والفرق بين التعظيم والتفضيل أن التفضيل يدل ~~على فضل في النفس، وهو زيادة على غيره، وليس كذلك التعظيم، ولذلك جاز وصف ~~الله تعالى بالتعظيم ولم يجز بالتفضيل. ### || [7.141] # قرأ ابن عامر { نجيناكم } على لفظ الماضي. الباقون " أنجيناكم " وقرأ ~~نافع ms1608 وحده { يقتلون } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. من شدد أراد التكثير. ~~ومن خفف، فلأنه يحتمل القلة والكثرة. # وقد مضى تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة فلا وجه للتطويل بتفسيرها، ~~وإنما نذكر جملها، فنقول: هذا خطاب لبقية بني اسرائيل الذين كانوا في ~~زمن النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم على وجه الامتنان عليهم بما ~~أنعم على آبائهم وأسلافهم واذكروا { إذ أنجيناكم } من آل فرعون بمعنى ~~خلصناكم لأن النجاة الخلاص مما يخاف الى رفعة من الحال، وأصله الارتفاع، ~~فمنه النجا أي الارتفاع في السير، ومنه قوله # ننجيك ببدنك # أي نلقيك على نجوة من الأرض، والنجو كناية عن الحدث، لأنه كان يلقى ~~بارتفاع من الارض للابعاد به، وقد كان أيضا يطلب به الانخفاض للابعاد ~~به. # والفرق بين (أنجيناكم) وبين (نجيناكم) أن ألف (أنجيناكم) للتعدية وتشديد ~~(نجيناكم) يحتمل التعدية، ويحتمل التكثير. # وقوله تعالى { يسومونكم } معناه يولونكم اكراها ويحملونكم اذلالا { سوء ~~العذاب } وأصل السوم مجاوزة الحد فمنه السوم في البيع، وهو تجاوز الحد ~~في السعر الى الزيادة، والسائمة من الابل الراعية، لأنها تجاوزت حد ~~الانبات للرعي، ومنه فلان سيم الخسف أي ألزمه إكراها، و (السوء) مأخوذ ~~من أنه يسوء النفس لنافرية لها. { يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم } ~~معناه إن فرعون كان يقتل من تولد من بني اسرائيل ذكرا ويستبقي الإناث ~~للاستخدام. # وقوله تعالى { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } فالمراد بالبلاء ها هنا ~~النعمة وقد يكون بمعنى النقمة، وأصله المحنة، فتارة تكون المحنة بالنعمة، ~~وأخرى بالنقمة، وبالخير تارة وبالشر أخرى. ### || [7.142] # قيل في فائدة قوله { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } ولم يقل ~~أربعين ليلة أقوال: # أحدها - أنه أراد شهرا وعشرة أيام متوالية. وقيل: إنه ذو العقدة وعشر ~~من ذي الحجة. ولو قال أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر، ~~ولا أن الأيام كانت متوالية، ولا أن الشهر شهر بعينه، هذا قول الفراء، ~~وهو معنى قول مجاهد وابن جريج ومسروق وابن عباس، وأكثر المفسرين. # الثاني - أن المعنى وعدناه ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتفرد للعبادة ms1609 بها. ~~ثم أتمت بعشر الى وقت المناجاة. وقيل في العشر نزلت التوراة فلذلك أفردت ~~بالذكر. # الثالث - قال أبو جعفر (ع) كان أول ما قال لهم: إني أتأخر عنكم ثلاثين ~~يوما، ليسهل عليهم، ثم زاد عليهم عشرا، وليس في ذلك كذب، لأنه إذا تأخر ~~عنهم أربعين ليلة، فقد تأخر ثلاثين قبلها. وقال الحسن كان الموعد أربعين ~~ليلة في أصل الوعد، فقال في البقرة # واعدنا موسى أربعين ليلة # وفصله - ها هنا - على وجه التأكيد فقال ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر. # وقوله تعالى { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } ومعناه فتم الميقات أربعين ~~ليلة، وإنما قال ذلك مع أن ما تقدم دل على هذا العدد، لأنه لو لم يورد ~~الجملة بعد التفصيل وهو الذي يسميه الكتاب الفذلكة، لظن قوله { وأتممناها ~~بعشر } أي كملنا الثلاثين بعشر حتى كملت ثلاثين، كما يقال: تممت العشرة ~~بدرهمين وسلمتها اليه. # وقيل في معنى قوله تعالى { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } ينفرد فيها ~~للعبادة في المكان الذي وقت له ثم أتم الأربعين. # والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الاعمال ~~والوقت وقت الشيء قدره مقدر أولم يقدره، ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي ~~المواضع التي قدرت للاحرام بها. # وقوله تعالى { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع ~~سبيل المفسدين } الذين يفسدون في الأرض، وانما أمره بذلك مع أنه نبي ~~مرسل، لأن الرياسة كانت لموسى (ع) على هارون وجميع أمته، ولم يكن يجوز أن ~~يقول هارون لموسى مثل ذلك. وقال أبو علي: السبعون الذين اختارهم موسى ~~للميقات كانوا معه في هذا الخروج، وسمعوا كلام الله لموسى (ع) وكانوا ~~شهدوا له بذلك. # وقوله { هارون } في موضع جر، لأنه بدل من قوله (لأخيه) وإنما فتح ~~لأنه لا ينصرف، ولو رفع على النداء كان جائزا ولم يقرأ به أحد. ### || [7.143] # قرأ أهل الحجاز إلا عاصما " دكاء " بالمد والهمزة من غير تنوين - ها ~~هنا وفى الكهف - وافقهم عاصم في الكهف. الباقون { دكا } منونة مقصورة في ~~الموضعين، قال أبو زيد: يقال: ms1610 دككت على الميت التراب أدكه دكا: اذا ~~دفنته وأهلت عليه، وهما بمعنى واحد، ودككت الركية دكا اذا دفنته، ودك ~~الرجل فهو مدكوك اذا مرض، وقال أبو عبيدة { جعله دكا } أي مندكا، ~~والدك والدكة مصدره، وناقة دكاء ذاهبة السنام والدك المستوي، وانشد ~~للأغلب: # هل غير عاد دك عادا فانهدم # وقال أبو الحسن: لما قال { جعله دكا } فكأنه قال: دكه أي أراد جعله ذا ~~دك، ويقال: دكاء جعلوها مثل الناقة الدكاء التي لا سنام لها. قال أبو علي ~~الفارسي: المضاف محذوف - على تقدير في قول أبي الحسن، وفي التنزيل # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة # وقال # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا # وقال الرماني: معنى دكا مستويا بالأرض، يقال: دكه يدكه دكا إذا سحقه ~~سحقا، ومنه الدكة. واندك السنام اذا لصق بالظهر. وقال الزجاج: دكا يعني ~~مدقوقا مع الأرض، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها ~~لا تبلغ أن تكون جبلا. وقيل: إيه سباخ في الأرض - في قول الحسن وسفيان ~~وأبي بكر الهذلي. وقال ابن عباس: صار ترابا، وقال حميد: # يدك أركان الجبال هزمه # يخطر بالبيض الرقال بهمه # وقيل في معنى قراءة من قرأها ممدودة قولان: # احدهما - انه شبه الجبل بالناقة التي لا سنام لها، فيقال لها: دكاء ~~فكأنه قال فجعله مثل دكاء. # الثاني - فجعله أرضا دكاء. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن موسى (ع) لما جاء الى مقات ربه وهو ~~الموضع الذي وقته له، وكلمه الله تعالى فيه سأل الله تعالى أن يريه لينظر ~~اليه. واختلف المفسرون في وجه مسألة موسى (ع) ذلك مع أن الرؤية بالحاسة ~~لا تجوز عليه تعالى على ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه سأل الرؤية لقومه حين، قالوا له # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # بدلالة قوله # أتهلكنا بما فعل السفهاء منا # فإن قيل على هذا ينبغي أن يجوزوا أن يسأل الله تعالى هل هو جسم أم لا ~~أو يسأله الصعود والنزول، وغير ذلك مما لا يجوز عليه؟! # قلنا عنه جوابان: # أحدهما - أنه يجوز ذلك ms1611 إذا علم أن في ورود الجواب من جهة الله مصلحة، ~~وأنه أقرب الى زوال الشبهة عن القوم بأن ذلك لا يجوز عليه تعالى، كما جاز ~~ذلك في مسألة الرؤية. وقال الجبائي: إنهم سألوا الله تعالى قبل ذلك هل ~~يجوز عليه تعالى النوم أم لا؟ وقالوا له: سل الله أن يبين لنا ذلك، فسأل ~~الله تعالى ذلك، فأمره بأن يأخذ قدحين يملأ أحدهما ماء، والآخر دهنا، ~~ففعل وألقى عليه النعاس، فضرب أحدهما على الآخر فانكسرا، فأوحى الله ~~تعالى اليه أن لو جاز عليه تعالى النوم لاضطراب أمر العالم، كما اضطرب ~~القدحان في مدة حتى تكسرا. # الثاني - عن هذا السؤال أنه إنما يجوز أن يسأل الله ما يمكن أن يعلم ~~صحته بالسمع، وما يكون الشك فيه لا يمنع من العلم بصحة السمع، وإنما ~~يمنع من ذلك سؤال الرؤية التي تقتضي الجسمية والتشبيه، لأن الشك في ~~الرؤية التي لا تقتصي التشبيه مثل الشك في رؤية الضمائر والاعتقادات، وما ~~لا يجوز عليه الرؤية، وليس كذلك الشك في كونه جسما أو ما يتبع كونه ~~جسما من الصعود والنزول، لأن مع الشك في كونه جسما، لا يصح العلم بصحة ~~السمع من حيث أن الجسم لا يجوز أن يكون غنيا ولا عالما بجميع ~~المعلومات، وكلاهما لا بد فيه من العلم بصحة السمع، فلذلك جاز أن يسأل ~~الرؤية التي لا توجب التشبيه ولم يجز أن يسأل كونه جسما، وما أشبهه. # والجواب الثاني - في أصل المسألة: أنه سأل العلم الضروري الذي يحصل في ~~الآخرة، ولا يكون في الدنيا ليزول عنه الخواطر والشبهات، والرؤية تكون ~~بمعنى العلم، كما تكون الادراك بالبصر، كما قال # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # وأمثاله. وللانبياء أن يسألوا ما يزول عنهم الوساوس والخواطر، كما سأل ~~ابراهيم ربه # قال رب أرني كيف تحيي الموتى # غير أنه سأل ما يطمئن قلبه الى ذلك وتزول عنه الخواطر والوساوس، فبين ~~الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا. # الثالث - أنه سأل آية من آيات الساعة التي يعلم ms1612 معها العلم الذي لا ~~يختلج فيه الشك كما يعلم في الآخرة وهذا قريب من الثاني. # وقال الحسن والربيع والسدي: إنه سأل الرؤية بالبصر على غير وجه ~~التشبيه. # وقوله { لن تراني } جواب من الله تعالى لموسى أنه لا يراه على الوجه ~~الذي سأله، وذلك دليل على أنه لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأن ~~(لن) تنفي على وجه التأبيد، كما قال # ولن يتمنوه أبدا # وهذا إنما يمكن أن يعتمده من قال بالجواب الأول، فأما من قال: انه سأل ~~العلم الضروري أو علما من أعلام الساعة لا يمكنه أن يعتمده، لأن ذلك ~~يحصل في الآخرة، فيجري ذلك مجرى اختصاص الرؤية بالبصر على مذهب المخالف ~~بحال الدنيا. # وقوله تعالى { فإن استقر مكانه فسوف تراني } معناه إن استقر الجبل في ~~حال ما جعله دكا متقطعا فسوف تراني، فلما كان ذلك محالا لأن الشىء لا ~~يكون متحركا ساكنا في حال واحدة، كانت الرؤية المتعلقة بذلك محالة، ~~لأنه لا يعلق بالمحال إلا المحال. # وقوله { فلما تجلى ربه للجبل } معناه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل ~~لحاضري الجبل بأن { جعله دكا }. # وقيل: إن الله تعالى أبرز من ملكوته ما تدكدك به إذ في حكمه أن الدنيا ~~لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السموات، كما قيل: إنه ابرز ألخنصر ~~من العرش، ويجوز أن يكون المراد { فلما تجلى ربه } لأهل الجبل، كما قال # واسأل القرية # والتجلي هو الظهور، ويكون ذلك تارة بالرؤية، وأخرى بالدلالة، قال ~~الشاعر: # تجلى لنا بالمشرفية والقنا # وقد كان عن وقع الأسنة نائيا # وإنما أراد الشاعر أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبر لذلك وأن ~~تدبيره صواب، فقال تجلى أي علم، ولم ير بالابصار، ولا أدرك بالحواس، لأنه ~~كان عن وقع الأسنة نائيا، ولكن استدل عليه بحسن تدبيره. # وقال قوم: معناه فلما تجلى بالجبل لموسى قالوا: وحروف الصفات تتعاقب ~~فيكون (اللام) بمعنى (الباء). وقال قوم: لو أراد موسى الرؤية بالبصر لقال ~~أرينك أو أرني نفسك، ولا يجوز غير ذلك في اللغة. ms1613 # وقوله { وخر موسى صعقا } قيل في معنى ذلك قولان: # أحدهما - قال ابن عباس والحسن وابن زيد وأبو علي الجبائي: إنه وقع ~~مغشيا عليه من غير أن يكون قد مات بدلالة قوله { فلما أفاق } ولا يقال ~~للميت اذا عاش أفاق، وإنما يقال: عاش أو حيي، وقال قتادة: معناه مات. ~~وقوله { قال سبحانك تبت إليك } قيل في معنى توبته ثلاثة أقوال: # أحدها - أنه تاب، لأنه سأل قبل أن يؤذن له في المسألة، وليس للأنبياء ~~ذلك. # الثاني - أنه تاب من صغيرة ذكرها. # الثالث - أنه قال ذلك على وجه الانقطاع اليه والرجوع الى طاعته، وإن ~~كان لم يعص، وهذا هو المعتمد عندنا دون الأولين، على أنه يقال لمن جوز ~~الرؤية على الله تعالى اذا كان موسى (ع) إنما سأل ما يجوز عليه فمن أي ~~شىء تاب؟ فلا بد لهم من مثل ما قلناه من الأجوبة. # فإن قيل: كيف يجوز أن يكون تجويز الرؤية صغيرا مع أنه جهل بالله على ~~مذهب من قال إنه كان ذلك صغيرة؟! # قيل: لأنه إذا لم تكن الرؤية المطلوبة على وجه التشبيه جرى مجرى تجويزه ~~أن تكون هذه الحركة من مقدورات الله في أنه لا يخرجه من أن يكون عارفا ~~به تعالى، وإنما شك في الرؤية والحركة. # وقوله { وأنا أول المؤمنين } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الجبائي: أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك شىء من خلقك فأنا ~~أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية. # الثاني - قال مجاهد: وأنا أول المؤمنين من بني اسرائيل. ### || [7.144] # قرأ أهل الحجاز، وروح " برسالتي " على التوحيد. الباقون { برسالاتي } ~~على الجمع. والرسالة تجري مجرى المصدر فتفرد في موضع الجمع، وإن لم يكن ~~المصدر من (أرسل) يدلك على أنه جار مجراه قول الأعشى: # ففادك بالخيل أرض العدو # وجذعانها كلقيطة العجم # فاعماله إياها إعمال المصدر بذلك على أنه يجري مجراه، والمصدر قد يقع ~~لفظ الواحد فيه والمراد به الكثرة، وكان المعنى على الجمع لأنه مرسل ~~لضروب من الرسالة، والمصادر قد تجمع مثل الحلوم والألباب. وقال تعالى # إن ms1614 أنكر الأصوات لصوت الحمير # فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت ~~الحمار، وإن كان المراد به الكثرة، لأنه صوت واحد. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه نادى موسى (ع) وقال له { يا موسى إني ~~اصطفيتك } ومعنى الاصطفاء استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة. والفضائل ~~على وجوه كثيرة: أجلها قبول الاخلاق الكريمة والأفعال الجميلة، ولهذا ~~المعنى اصطفي موسى (ع) حتى استحق الرسالة، وأن يكلم بتلقين الحكمة. # وقوله تعالى { برسالاتي وبكلامي } فيه بيان ما به اصطفاه وهو أن جعله ~~نبيا وخصه بكلامه بلا واسطة، وهما نعمتان عظيمتان منه تعالى عليه، فلذلك ~~امتن بهما عليه، وإنما صار في كلام الجليل نعمة على المكلم، لأنه كلمه ~~بتعليم الحكمة من غير واسطة بينه وبين موسى، ومن أخذ العلم عن العالم ~~المعظم كان أجل رتبة، ولو كلم إنسانا بالانتهار والاستخفاف، لكان نقمة ~~عليه بالضد من تلك الحال. # وقوله تعالى { فخذ ما آتيتك } معناه تناول ما أعطيتك { وكن من الشاكرين ~~} يعني من المعترفين بنعمتي، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها ~~على حسب مرتبتها، فاذا كانت من أعظم النعم، وجب أن تقابل بأعظم الشكر، ~~وهو شكر العباد لله وحده على وجه الاخلاص له. ### || [7.145] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب لموسى (ع) في الألواح من كل شىء ~~موعظة وتفصيلا لكل شىء، وقال الجبائي: المكتوب في الألواح التوراة، فيها ~~اخبار الامم الماضية، وفصل فيها الحرام والحلال. و (الألواح) جمع لوح، ~~وقال الزجاج: كانا لوحين فجمع، قال: ويجوز أن تكون ألواحا جماعة، واللوح ~~صفيحة مهيأه للكتابة فيها، وقد يقال لوح فضة تشبيها باللوح من الخشب، ~~ومثله لو عمل من حجر، وقال الحسن: وكانت الالواح من خشب نزلت من السماء، ~~ومعنى كتبنا له من كل شىء كتبنا اليه كل ما في شرعه من حلال وحرام، وحسن ~~وقبيح، وواجب وندب، وغير ذلك مما يحتاجون الى معرفته. وقيل: كتب له ~~التوراة فيها من كل شىء من الحكم والعبر. # وأصل اللوح اللمع يقال: لاح الامر ms1615 يلوح، لوحا اذا لمع وتلألأ. والتلويح ~~تضمير، ولوحه السفر والعطش إذا غيره تغييرا تبين عليه أثره، لأن ~~حاله يلوح بما نزل به، واللوح الهواء، لأنه كاللامع في هبوبه، واللوح ~~مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. و (الموعظة) التحذير بما يزجر عن ~~القبيح وتبصر مواقع الخوف تقول: وعظه يعظه وعظا وموعظة، واتعظ اتعاظا ~~إذا قيل الوعظ. # وقوله { وتفصيلا لكل شيء } يعني تمييزا لكل ما يحتاجون اليه. # وقوله { فخذها بقوة } قيل: معناه بجد واجتهاد. وقيل: بصحة عزيمة، ولو ~~أخذه بضعف نية لأداه الى فتور العمل به. # وقوله { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } معناه يأخذوا بأحسن المحاسن، وهي ~~الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن المباح، لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ~~ثواب. وقال الجبائي: أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه، لأن العمل ~~بهذا المنسوخ قبيح. وقال الزجاج: يأخذوا بأحسنها معناه بما هو حسن دون ما ~~هو قبيح، وهذا تأويل بعيد، لأنه لا يقال في الحسن أنه أحسن من القبيح. ~~ويجوز أن يكون المراد بأحسنها حسنها، كما قال تعالى # وهو أهون عليه # ومعناه هين. ويحتمل ان يكون اراد بأحسنها الى ما دونه من الحسن، ألا ترى ~~أن استيفاء الدين حسن وتركه أحسن، وأما القصاص في الجنايات فحسن والعفو ~~أحسن ويكون ذلك على وجه الندب. # وقوله عز وجل { سأوريكم دار الفاسقين } قال الحسن ومجاهد والجبائي: يعني ~~به جهنم، والمراد به فليكن منكم على ذكر لتحذروا أن تكونوا منهم، وقال ~~قتادة: هي منازلهم أي لتعتبروا بها وبما صاروا اليه من النكال فيها. ### || [7.146] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { الرشد } بفتح الراء والشين. الباقون بضم الراء ~~وسكون الشين. وفرق بينهما أبو عمرو بن العلاء، فقال: الرشد - بضم الراء - ~~الصلاح، كقوله # فإن آنستم منهم رشدا # أي صلاحا، لدفعه اليهم، والرشد الاستقامة في الدين، كقوله # على أن تعلمني مما علمت رشدا # وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزن والحزن، والسقم ~~والسقم، والرشد سلوك طريق الحق تقول: رشد يرشد رشدا، ورشد يرشد رشدا، ~~وارشده ارشادا، واسترشد أسترشادا، وضده الغي: غوي يغوى ms1616 غيا وغواية، ~~وأغواه إغواء، واستغواه استغواء. # وقال الجبائي والرماني: معنا { سأصرف عن آياتي } أي سأصرف عن أياتي من ~~العز والكرامة بالدلالة التي كسبت الرفعة في الدنيا والآخرة، ويجوز ان ~~يكون معناه أي احكم عليهم بالانصراف واسميهم بأنهم منصرفون عنها، لانهم ~~قد انصرفوا عنها، كما قال # ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم # ويحتمل أن يكون المراد اني سأصرفهم عن التوراة والقرآن، وما أوحى الله ~~من كتبه بمعنى امنعهم من إفساده وتغييره وإبطاله، لأنه قال في أول ~~الآية { وكتبنا له في الألواح } الى قوله تعالى { سأصرف عن آياتي } ويجوز ~~ان يكون المراد { سأريهم آياتي } فينصرفون عنها وهم الذين يتكبرون في ~~الارض بغير الحق، كما يقول القائل: سأحير فلانا أي اسأله عن شيء فيتحير ~~عند مسألتي، وسأنجل فلانا أي أسأله ما ينجل عنده، وكذلك يقال: سأقطع ~~فلانا بكلامي، والمراد انه سينقطع عند كلامي، وكل ذلك واضح بحمد الله. # ويجوز أن يكون المراد انهم لما عاندوا وتمردوا بعد لزوم الحجة عليهم ~~وحضروا للتلبيس والشغب على ما حكاه الله عنهم انهم قالوا # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # صرفهم الله بلطفه عن الحضور كما كانوا يحضرونه، ويحتمل أن يكون المراد ~~سأصرف عن جزاء آياتي. # ومن زعم انه بمعنى سأصرف عن الايمان بآياتي فقد أخطأ، لانه تعالى لا ~~يأمر بالايمان ثم يمنع منه، لان حكمته تمنع من ذلك. # والصرف نقل الشيء الى خلاف جهته، يقال: صرفه يصرفه صرفا، وصرفه ~~تصريفا، وتصرف تصرفا، وصارفه مصارفة، انصرف انصرافا. # وقوله تعالى { الذين يتكبرون في الأرض } والتكبر اظهار كبر النفس على ~~غيرها، وصفة متكبر صفة ذم في جميع البشر، وهو مدح في صفات الله تعالى، ~~لانه يستحق اظهار الكبر على كل شيء سواه، لان ذلك حق، وهذا المعنى في صفة ~~غيره باطل، فمعنى الآية الاخبار من الله انه يصرف عن ثواب آياته { الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } يعني الذين ~~اذا شاهدوا الحجج والبراهين لا ينقادون لها، ولا يصدقون بها { وإن ~~يروا سبيل الرشد ms1617 لا يتخذوه سبيلا } ومعناه انهم متى رأوا سبيل الصلاح ~~عدلوا عنه، ولم يتخذوه طريقا لهم بمعنى انهم لا يعملون بذلك { وإن يروا ~~سبيل الغي. # . } يعني وان يروا ضد الرشد من الكفر والضلال سلكوه وارتكبوا معصية الله ~~في ذلك. # وقوله تعالى { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } يحتمل ذلك أن يكون في موضع رفع ~~أي امرهم ذلك، ويحتمل ان يكون نصبا أي فعلنا بهم ذلك، لانهم تكبروا ~~وكذبوا، ومعناه: أفعل ذلك بهم، يعني صرفي لهم عن ثواب الآيات الجزيل ~~والمنزلة الجليلة. # ومن قال من المجبرة: ان الله تعالى يصرفه عن الايمان قوله باطل، لانه ~~تعالى لا يجوز ان يصرف احدا عن الايمان، لانه لو صرفه عنه ثم أمره به ~~لكان كلفه ما لا يطيقه، وذلك لا يجوز عليه تعالى. وأيضا فان الله تعالى ~~بين انه يصرفهم عن ذلك في المستقبل، جزاء لهم على كفرهم الذي كفروا، فكيف ~~يكون ذلك صرفا عن الايمان! # وقيل: إن معنى الآية أي سأصرف عن آياتي، ولا أظهرها لهم كما أظهرتها ~~للمؤمنين، ويريد بذلك المعجزات الباهرات، لعلمي بأن إظهارها مفسدة لهم ~~يزدادون عندها كفرا، تبين ذلك في قوله تعالى { وإن يروا سبيل الرشد لا ~~يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا }. # وقيل: معناه سأصرف عن إبطالها والطعن فيها بما أظهره من حججها، كما ~~يقال: سأمنعك من فلان أي من أذاه، ذكره البلخي. ### || [7.147] # هذا إخبار من الله تعالى أن الذين كذبوا بآياته، وجحدوا البعث والنشور ~~في الآخرة. وهي الكرة الثانية، لأنه حقيق على من عرف النشأة الأولى ألا ~~ينكر النشأة الأخرى، لأن الذي قدر على الأولى، فهو على الثانية أقدر، كما ~~أن من بنى دارا ابتداء، فهو على اعادتها أقدر. # وأصل اللقاء إلتقاء الحدين. ثم يحمل على الادراك، فيقال لما أدركه: ~~لقيه، فهؤلاء، كذبوا بادراك الآخرة استبعادا لكونها. # وقوله { حبطت أعمالهم } إخبار من الله تعالى أن من كذب بآياته وجحد ~~البعث والنشور تنحبط أعماله، لأنها تقع على خلاف الوجه الذي يستحق بها ~~المدح والثواب فيصير وجودها وعدمها سواء، ms1618 والحبوط سقوط العمل حتى يصير ~~بمنزلة ما لم يعمل. # وأصل الاحباط الفساد مشتق من الحبط، وهو داء يأخذ البعير في بطنه من ~~فساد الكلأ عليه، يقال: حبطت الابل تحبط: إذا أصابها ذلك، واذا عمل ~~الانسان عملا على خلاف الوجه الذي أمر به يقال: أحبطه، بمنزلة من يعمل ~~شيئا ثم يفسده. # وقوله { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي به، وصورته صورة الاستفهام ~~والمراد به الانكار والتوبيخ، والمعنى ليس يجزون إلا ما كانوا يعملون ~~إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا. ### || [7.148] # قرأ حمزة والكسائي { من حليهم } - بكسر الحاء واللام - الباقون بضم ~~الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، وقرأ يعقوب بفتح الحاء، وسكون اللام، ~~وتخفيف الياء، فوجه قراءة يعقوب أن (الحلي) اسم جنس يقع على القليل ~~والكثير. ومن قرأ بضم الحاء، فلأنه جمع (حلي) نحو ثدي وثدي، وإنما ~~جمعه لأنه أضافه الى جمع. # ومن قرأ بكسر الحاء أتبع الكسرة الكسرة، وكره الخروج من الضمة الى ~~الكسرة، واجراه مجرى (قسي) جمع (قوس). # أخبر الله تعالى عن قوم موسى أنهم اتخذوا من بعد مفارقة موسى لهم ~~ومضيه الى ميقات ربه من حليهم، ومعنى الاتخاذ الاعداد، وهو (إفتعال) ~~من الأخذ وأصله يتخذ إلا أن الياء تقلب في (إفتعل) وتدغم لانها في موضع ~~ثقيل في كلمة واحدة، ولا يجوز في مثل (أحسن نوما) الادغام، والاتخاذ ~~اجتباء الشيء لامر من الامور، فهؤلاء اتخذوا العجل للعبادة، والحلي ما ~~أتخذ للزينة من الذهب والفضة، يقال: حلي بعيني يحلا، وحلا في فمي يحلو ~~حلاوة، وحليت الرجل تحلية اذا وضعته بما يرى منه. وقد تحلى بكذا أي تحسن ~~به، والعجل ولد البقرة القريب العهد بالولادة، وهو العجول أيضا، وإنما ~~أخذ من تعجيل أمره لصغره. # وقيل: إنهم عملوا العجل من الذهب، وقوله { جسدا له خوار } فالجسد جسم ~~الحيوان مثل البدن، وهو روح وجسد، والروح ما لطف، والجسد ما غلظ، والجسم ~~يقع على جسد الحيوان وغيره من الجمادات، والخوار صوت الثور، وهو صوت غليظ ~~كالجؤار، وبناء (فعال) يدل على الآفة نحو الصراخ، والعوار والسكات ms1619 ~~والعطاش والنباح. وفي كيفية خوار العجل مع أنه مصوغ من الذهب خلاف، فقال ~~الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبرائيل (ع) يوم قطع البحر ~~فقذف ذلك التراب في فم العجل، فتحول لحما ودما، وكان ذلك معتادا غير ~~خارق للعادة، وجاز أن يفعل الله لمجرى العادة. وقال الجبائي والبلخي: ~~إنما احتال بادخال الريح فيه حتى سمع له كالخوار، كما قد يحتال قوم ~~اليوم كذلك. # ثم أخبر تعالى فقال { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } على ~~وجه الانكار عليهم والتعجب من جهلهم وبعد تصورهم، فقال: كيف يعبدون هذا ~~العجل، وهم يشاهدونه، ولا يكلمهم ولا يتأتى منه ذلك، ولا يهديهم الى سبيل ~~خير. ثم قال { اتخذوه } إلها { وكانوا ظالمين } في اتخاذهم له إلها ~~واضعين للعبادة في غير موضعها. # والحلي الذي صاغ السامري منه العجل كانوا أصابوه من حلي آل فرعون قذفه ~~البحر، فقال السامري ل (هارون): إن هذا حرام كله وينبغي أن نحرقه كله ~~أو نصرفه في وجه المصلحة، فأمر هارون بجمع ذلك كله، وأخذه السامري لأنه ~~كان مطاعا فيهم، فصاغه عجلا وكان صائغا، وطرحه في النار وطرح معه ~~التراب الذي معه. ### || [7.149] # قرأ أهل الكوفة إلا عاصما { لئن لم ترحمنا } بالتاء { ربنا } بالنصب ~~على النداء. الباقون بالياء { ربنا } بالرفع على الخبر. # ومعنى قوله { سقط في أيديهم } وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من ~~يده فيه، يقال: ذلك للنادم عندما يجده مما كان خفي عليه، ويقال أيضا: ~~سقط في يديه أي صار الذي كان يضربه في يديه. # ومعنى قوله { ورأوا } علموا { أنهم قد ضلوا } وتبينوا بطلان ما كانوا ~~عليه من عبادة العجل والكفر والضلال، لأن ما تعلق به الرؤية، لا يجوز أن ~~يكون مدركا بالبصر، وهو معنى الجملة، وإنما يصح أن يعلم وإن يدخل على ~~الجملة، وهي في تقدير المفرد، ومتى ظهر فساد الاعتقاد، فلا بد أن يندم ~~صاحبه عليه، لانه لا معنى للاقامة عليه مع توافر الدواعي الى خلافه، كما ~~أنه لا معنى أن يكذب على ms1620 نفسه مع علمه بكذبه، غير أنه مع ظهور الضلالة ~~لهم لم يكونوا ملجئين الى الندم، لأن الالجاء يقع إما بالعلم بالمنع أو ~~تخوف من المضرة العاجلة أو النفع العظيم العاجل الذي مثله يلجيء، ولم يكن ~~القوم على واحد من الأمرين، لأنهم كانوا مكلفين للندم. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول لا محجوج الا عارف، لأن الله ~~وصفهم بأنهم سقط في أيديهم عندما رأوا من ضلالهم، فدل على أنهم كانوا ~~محجوجين في ترك الضلال الذي إن لم يغفر لهم هلكوا. # وقوله { لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } أخبار عما قال القوم حين ~~تبينوا ضلالهم وسقط في أيديهم والتجائهم الى الله واعترافهم بأنه ان لم ~~يغفر لهم ربهم ويتغمدهم بمغفرته يكونوا من جملة الخاسرين الذين خسروا ~~أنفسهم بما يستحقونه من العقاب الدائم. # وقال الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون بدلالة قول موسى # رب اغفر لي ولأخي # ولو كان هناك مؤمن غيرهما لدعا له، وقال الجبائي: إنما عبد بعضهم ~~بدلالة ما ورد من الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما روي عنه في ~~هذا المعنى. ### || [7.150] # قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر " ابن أم " بكسر الميم. الباقون ~~بالفتح والقراء كلهم على { تشمت } بضم التاء. وقرأ حميد الاعرج، ومجاهد ~~" لا تشمت " بفتح التاء. واللغة الفصيحة بضم التاء من (أشمت) وقد ذكر: ~~شمت يشمت، وأشمت يشمت. # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن موسى حين رجع من مناجاة ربه رجع غضبان ~~آسفا، لما رأى من عكوف قومه على عبادة العجل. والغضب معنى يدعو الى ~~الانتقام على ما سلف وهو يضاد الرضا، يقال: غضب غضبا وأغضبه إغضابا ~~وغاضبه مغاضبة وتغضب تغضبا، والأسف الغضب الذي فيه تأسف على فوت ما سلف. ~~وقال ابن عباس: أسفا يعني حزينا، وقال أبو الدرداء: معناه شديد الغضب ~~بدلالة قوله تعالى # فلما آسفونا انتقمنا # ومعناه أغضبونا كغضب المتحسر في الشدة، وهو مجاز في الصفة. # وقوله تعالى { بئس ما خلفتموني من بعدي } معناه بئس ما عملتم خلفي، ~~يقال: خلفه ms1621 بما يكره وخلفه بما يحب إذا عمل خلفه ذلك العمل يقال: خلف ~~خلفا، وأخلف إخلافا، وخالفه مخالفة، واختلف اختلافا، واستخلف ~~استخلافا وتخلف تخلفا، وخلف تخليفا، وتخالفا تخالفا. # وقوله { أعجلتم أمر ربكم } قال الجبائي معناه أعجلتم منه ما وعدكم من ~~ثوابه ورحمته، فلما لم تروه فعل بكم ذلك كفرتم، واستبدلتم به عبادة ~~العجل، والعجلة التقدم بالشىء، قبل وقته، والسرعة عمله في أول وقته، ~~ولذلك صارت العجلة مذمومة، والسرعة محمودة ويقال: عجلته أي سبقته وأعجلته ~~استحثثته. # وقوله { وأخذ برأس أخيه يجره إليه } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال الجبائي: إنما هو كقبض الرجل منا على لحيته وعضه على شفته ~~أو إبهامه، فأجرى موسى هارون مجرى نفسه، فقبض على لحيته، كما يقبض على ~~لحية نفسه اختصاصا. وقال أبو بكر بن الاخشيد: إن هذا أمر يتغير بالعادة ~~ويجوز أن تكون العادة في ذلك الوقت أنه اذا أراد الانسان أن يعاتب غيره ~~لا على وجه الهوان أخذ بلحيته وجره اليه ثم تغيرت العادة الآن وقال: انما ~~أخذ برأسه ليسر اليه شيئا أراده. وقال { يابن أم } حكاية عما قال هارون ~~لموسى حين أخذ برأسه خوفا من أن يدخل الشبهة على جهال قومه، فيظنون أن ~~موسى فعل ذلك على وجه الاستخفاف به والانكار عليه { يابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني }. # ومن فتح ميم (أم) تحتمل قراءته أمرين: # أحدهما - أنه بني لكثرة اصطحاب هذين حتى صار بمنزلة اسم واحد مع قوة ~~النداء على التغيير نحو خمسة عشر. # الثاني - أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الاضافة، كما قال الشاعر: # يا بنية عما لا تلومي واهجعي # والقياس يابن أمي، ومن كسر الميم اضافة الى نفسه بعد أن جعله اسما ~~واحدا، ومن العرب من يثبت الياء كما قال الشاعر: # يابن أمي ويا شقيق نفسي # أنت خليتني لدهر شديد # وقال الآخر: # يابن أمي ولو شهدتك إذ # تدعو تميما وأنت غير مجاب # وقال الحسن: كان أخاه لأبيه وأمه، والعرب تقول ذلك على وجه الاستعطاف ~~بالرحم. # وقوله { فلا تشمت بي الأعداء } فالشماتة ms1622 سرور العدو بسوء العاقبة تقول: ~~شمت به شماتة وأشمته إشماتا اذا عرضته لتلك الحال. # وقوله { وألقى الألواح } يعني رماها. وقال مجاهد: كانت من زمرد أخضر. ~~وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال أبو العالية: كانت من ~~زبرجد، وقال الحسن: كانت من خشب. # وقوله { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } سؤال من هارون لموسى ألا يشمت ~~به عدوه ولا يجعله في جملة القوم الظالمين لبراءة ساحته مما فعل قومه، ~~فلما ظهر لموسى براءة ساحة هارون بأن له عذرا، عذره في المقام بينهم من ~~خوفه على نفسه قال عند ذلك { رب اغفر لي ولأخي }. ### || [7.151] # في هذه الآية حكاية عن دعاء موسى (ع) ربه عز وجل - حين تبين له ما نبهه ~~عليه هارون من خوف التهمة، ودخول الشبهة عليهم بجره رأسه اليه - بأن يغفر ~~له ولأخيه، وأن يدخلهما رحمته، والمقتضي لهذا الدعاء بالمغفرة قيل فيه ~~قولان: # أحدهما - ما أظهره من الموجدة على هارون وهو بريء مما يوجب العتب عليه، ~~لأنه لم يكن منه تقصير في الانكار على من عبد العجل، لأنه بلغ معهم من ~~الانكار إلى أن هموا بقتله لشدة إنكاره، ولذلك قال { إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني }. # والثاني - قال أبو علي: إنه بين بذلك لبني اسرائيل أنه لم يأخذ برأسه ~~على جهة الغضب عليه، وإنما فعل ذلك كما يفعله الانسان بنفسه عند شدة ~~غضبه على غيره، ولم يكن منه في تلك الحال معصية. # وكان هذا الدعاء من موسى انقطاعا منه الى الله تعالى، وتقربا اليه لا ~~أنه كان وقع منه أو من أخيه قبيح صغير أو كبير يحتاج أن يستغفر منه، ومن ~~قال: إنه استغفر من صغيرة كانت منه أو من أخيه، فقد أخطأ. ويقال له: ~~الصغيرة على مذهبكم تقع مكفرة محبطة، فلا معنى لسؤال المغفرة لها. وقد ~~بينا في غير موضع أن الانبياء (ع) لا يجوز عليهم شيء من القبائح لا ~~كبيرها ولا صغيرها لأن ذلك يؤدي الى التنفير عن قبول قولهم، والأنبياء ~~منزهون عما ينفر عنهم على كل ms1623 حال. # وقوله { وأنت أرحم الراحمين } اعتراف من موسى بأن الله تعالى أرحم ~~الراحمين وإعترافه بذلك دليل على قوة طمعه في نجاح طلبته، لأن من هو ~~أرحم الراحمين يؤمل الرحمة من جهته ومن هو أجود الاجودين يؤمل الجود من ~~قبله. ### || [7.152] # في هذه الآية حذف، وتقديره إن الذين اتخذوا العجل إلها ومعبودا ~~سينالهم غضب، فحذف لدلالة الكلام عليه، وقوله في موضع آخر # فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين اتخذوا العجل إلها وعبدوه من ~~دون الله سينالهم غضب، ومعناه فسيلحقهم، والنول اللحوق وأصله مد اليد ~~الى الشىء الذي يبلغه، ومنه قولهم: نولك أن تفعل كذا أي ينبغي أن تفعله ~~فانه يلحقك خيره ونواله. وتقول: ناوله مناولة، وتناول تناولا، وأناله ~~إنالة. # وقوله { غضب من ربهم } يعني عقاب من الله تعالى وإنما ذكر الغضب مع ~~الوعيد بالنار لانه ابلغ في الزجر عن القبيح، كما أن ارادة الحسنة في ~~الدعاء اليها والترغيب فيها أبلغ من الاقتصار على الوعد بها. # وقوله { وذلة في الحياة الدنيا } بمعنى صغر النفس والاهانة، يقال: ذل ~~يذل ذلة، اذله إذلالا، وتذلل تذللا، وذلله تذليلا، واستذله ~~استذلالا. # وقيل المراد به ما يؤخذ منهم من الجزية على وجه الصغار. # وقوله { وكذلك نجزي المفترين } إخبار منه تعالى أنه مثل هذا الوعيد ~~والعذاب والغضب يجزي الكاذبين والمتخرصين عليه، وإنما كان عبادة غير ~~الله كفرا لأنه تضييع لحق نعمة الله كتضييعه بالجحد للنعمة في عظم ~~المنزلة، وذلك لما ينطوي عليه من تسوية من أنعم بأجل النعمة بمن لم ينعم، ~~وفى ذلك إبطال لحق النعمة. ### || [7.153] # لما توعد الله تعالى الذين عبدوا مع الله غيره وعطف على وعيدهم توعيد ~~المفترين عليه والمتخرصين في دينه ما لم يأمر الله به، عطف على ذلك، فقال ~~{ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا } وهي جمع سيئة وهي ~~الخصلة التي تسوء صاحبها عاقبتها، وهي نقيض الحسنة، كما أن الاساءة نقيض ~~الاحسان { ثم تابوا من بعدها وآمنوا ms1624 } يعني رجعوا الى الله تعالى بعد ~~فعلهم السيئة وندموا عليها وعزموا على أن لا يعودوا الى مثلها في ~~القبح، وآمنوا بما أوجب الله عليهم أجمع { إن ربك } يا محمد { من بعدها ~~} يعني من بعد السيئة { لغفور رحيم } يعني يغفرها لهم ويسترها عليهم، ~~لرحمته بعباده. # وقد بينا فيما مضى أن التوبة التي أجمعوا على سقوط العقاب عندها هي ~~الندم على القبيح، والعزم على أن لا يعود الى مثله في القبح، وفي غيرها ~~خلاف، يقال: تاب يتوب توبة و (تاب الله عليه) بمعنى وفقه للتوبة على ~~الدعاء له، و (تاب عليه) أيضا: بمعنى قبل توبته، والتوبة طاعة يستحق بها ~~الثواب بلا خلاف ويسقط العقاب عندها بلا خلاف، إلا أن عندنا يسقط ذلك ~~تفضلا من الله تعالى بورود السمع بذلك وعند المعتزلة العقل يوجب ذلك. # فإن قيل كيف قال { تابوا من بعدها وآمنوا } والتوبة هي إيمان؟ # قلنا عنه ثلاثة أجوبة: # أحدها - تابوا من بعد المعصية وآمنوا بتلك التوبة. # الثاني - استأنفوا عمل الايمان. # الثالث - آمنوا بأن الله قابل التوبة. وقيل: إن الآية نزلت فيمن تاب من ~~الذين كانوا عبدوا العجل، فانهم تابوا وندموا، وأكثرهم تعبدهم الله بأن ~~يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا، واستسلموا لذلك، فقتل في يوم واحد سبعون ~~ألفا ثم رفع عنهم ذلك وقبل توبتهم. ### || [7.154] # معنى قوله { ولم سكت } سكن، وسمي ذلك سكوتا وإن كان الغضب لا يتكلم، ~~لأنه لما كان بفورته دالا على ما في النفس من المغضوب عليه كان بمنزلة ~~الناطق بذلك، فاذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلما به ~~والسكوت في هذا الموضع أحسن من السكون، لتضمنه معنى سكوته عن المعاتبة ~~لأخيه، مع سكون غضبه. والسكوت هو الامساك عن الكلام بهيئة منافية لسببه، ~~وهو تسكين آلة الكلام. # وإنما قيل: سكت الغضب وسكت الحزن على طريق المجاز إلا أنه في شيء يظهر ~~أثره، فيكون بمنزلة الناطق به، قال أبو النجم: # وهمت الافعى بأن تسيحا # وسكت المكاء أن يصيحا # فإن قيل: كيف جاز أن يستفزه غضب الحمية عن ms1625 غضب الحكمة؟ # قلنا: ليس كذلك، ولكن غضب الحكمة صحبه غضب الحمية لما توجبه الحكمة. ~~وسكون الغضب عن موسى (ع) لا يدل على أن قومه كانوا تابوا من عبادة العجل، ~~لأنه يحتمل أن تكون زالت فورة الغضب ولم يزل الغضب، لأنه لم يخلص توبتهم ~~بعد. # ويحتمل أن يكون زال غضبه لتوبتهم من كفرهم، وإذا احتمل الأمران لم يحكم ~~بأحدهما إلا بدليل. # وقوله تعالى { أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ~~} معناه أنه لما سكن غضبه رجع فأخذ الألواح التي كان ألقاها، وكان ~~الالواح مكتوبا فيها ما هو هدى وحجة وبيان ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ~~بمعنى يخافون عقابه، ويجوز أن يقال: لربهم يرهبون، ولا يجوز يرهبون ~~لربهم، لأنه اذا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه فصار بمنزلة ما لا يتعدى ~~في دخول اللام عليه تقدم أو تأخر، كما قال تعالى # ردف لكم # وفي الآية دلالة على أنه يجوز إلقاء التوراة للغضب الذي يظهر بالقائها ~~ثم أخذها، للحكمة التي فيها من غير أن يكون إلقاؤها رغبة عنها. ### || [7.155] # الاختيار هو إرادة ما هو خير يقال: خيره بين أمرين فاختار أحدهما: ~~والاختيار والايثار بمعنى واحد. # أخبر الله تعالى أن موسى (ع) اختار من قومه سبعين رجلا وحذف (من) ~~لدلالة الفعل عليه مع ايجاز اللفظ قال الشاعر: # ومنا الذي اختير الرجال سماحة # وجودا إذا هب الرياح والزعازع # وقال غيلان: # وأنت الذي اخترت المذاهب كلها # بوهبين إذ ردت علي الأباعر # وقال آخر: # فقلت له اخترها قلوصا سمينة # ونابا عليها مثل نابك في الحيا # يريد أختر منها، وقال العجاج: # تحت الذي اختار له الله الشجر # وإنما اختار اخراجهم للميقات. والميقات المذكور - ها هنا - هو الميقات ~~المذكور أولا، لأنه في سؤال الرؤية، وقد ذكر أولا ودل عليه ثانيا. ~~وقيل هو غيره، لأنه كان في التوبة من عبادة العجل. # وقوله { فلما أخذتهم الرجفة } قيل في السبب الذي، لأجله أخذتهم الرجفة ~~قولان: # أحدهما - لأنهم سألوا الرؤية في قول ابن اسحاق. # الثاني - قال ابن عباس: لأنهم لم ms1626 ينهوا عن عبادة العجل. وقد بينا معنى ~~الرجفة فيما مضى، وأنها الزلزلة العظيمة والحركة الشديدة. # وقوله { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } حكاية عما قال موسى لله ~~تعالى، وأنه ناداه، وقال يارب لو شئت أهلكتني وإياهم من قبل هذا الموقف. # وقوله { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } معناه النفي، وإن كان بصورة ~~الانكار كما تقول (أتشتمني وأسكت عنك) أي لا يكون ذلك، والمعنى إنك لا ~~تهلكنا بما فعل السفهاء منا، فبهذا نسألك رفع المحنة بالاهلاك عنا. # وقوله { إن هي إلا فتنتك } معناه إن الرجفة إلا اختبارك وابتلاؤك ~~ومحنتك أي تشديدك تشديد التبعد علينا بالصبر على ما أنزلته بنا من هذه ~~الرجفة والصاعقة اللتين جعلتهما عقابا لمن سأل الرؤية وزجرا لهم ~~ولغيرهم، ومثله قوله # أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين # يعني بذلك الأمراض والأسقام التي شدد الله بها التعبد على عباده، فسمى ~~ذلك فتنة من حيث يشدد الصبر عليها، ومثله # الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون # ومعناه لا ينالهم شدائد الدنيا والامراض وغيرها، ويحتمل أن يكون المراد ~~بذلك ان هي الا عذابك وقد سمى الله تعالى العذاب فتنة في قوله # يوم هم على النار يفتنون # أي يعذبون، فكأنه قال ليس هذا الإهلاك إلا عذابك لهم بما فعلوه من ~~الكفر وعبادة العجل، وسؤالهم الرؤية، وغير ذلك. # والسبعون الذين كانوا معه وإن لم يعبدوا العجل، فقد كانوا سألوا موسى ~~أن يسأل الله تعالى ان يريه نفسه، ليخبروا بذلك أمته ويشهدوا له بأن الله ~~كلمه، فإن بني اسرائيل قالوا لموسي: لا نصدقك على قولك إن الله كلمك من ~~الشجرة، فاختار السبعين حتى سمعوا كلام الله، وشهدوا له بذلك عند قومه، ~~فسألوا أن يسأل الله الرؤية أيضا ليشهدوا له، فلذلك استحقوا الاهلاك ولم ~~يثبت أن السبعين كانوا معصومين، ولا أنهم كانوا أنبياء، فينتفى عنهم ذلك. # وقيل المراد بقوله { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } أي أتميتنا بالرجفة ~~التي تميتهم بها، وإن لم يكن ذلك عقوبة لنا. ms1627 والهلاك الموت، لقوله # إن امرؤ هلك # والفتنة الكشف والاختبار، قال المسيب بن علس: # إذ تستبيك بأصلتي ناعم # قامت لتفتنه بغير قناع # أي لتكشفه وتبرزه. وقوله { تضل بها من تشاء } معناه تضل بترك الصبر على ~~فتنتك وترك الرضا بها من تشاء عن نيل ثوابك. ودخول جنتك، وتهدي بالرضا ~~بها والصبر عليها من تشاء، وإنما نسب الضلال الى الله لأنهم ضلوا عند ~~أمره وامتحانه، كما أضيفت زيادة الرجس الى السورة في قوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # وإن كانوا هم الذين ازدادوا عندها. والمعنى تختبر بالمحنة من تشاء ~~لينتقل صاحبه عن الضلالة، وتهدي من تشاء معناه تبصره بدلالة المحنة ليثبت ~~صاحبها على الهداية من تشاء. # وقوله { أنت ولينا }. معناه أنت ناصرنا وأولى بنا { فاغفر لنا } سؤال ~~منه المغفرة له ولقومه. وقوله { وارحمنا وأنت خير الغافرين } إخبار من ~~موسى بأن الله خير الساترين على عباده والمتجاوزين لهم عن جرمهم. ### || [7.156] # هذا تمام الاخبار عما قال موسى وقومه الذين كانوا معه، وأنهم سألوا الله ~~تعالى المغفرة وأن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة وهي النعمة، وإنما سميت ~~النعمة حسنة وإن كانت الحسنة اسم الطاعة لله لأمرين: # أحدهما أن النعمة تتقبلها النفس كما يتقبل العقل الحسنة التي هي الطاعة. ~~والآخر - أن النعمة ثمرة الطاعة لله عز وجل، وإنما سألوا أن يكتب لهم، ~~ولم يسألوا أن يجعل لهم، لأن ما كتب من النعمة أثبت لا سيما اذا كانت ~~الكتابة خبرا بدوام النعمة، ويقال كتب له الرزق في الديوان، فيدل على ~~ثبوته على مرور الأزمان. { وفي الآخرة } معناه واكتب لنا في الآخرة أيضا ~~النعمة التي هي الثواب { إنا هدنا إليك } قال ابن عباس معناه تبنا اليك، ~~وبه قال سعيد بن جبير وابراهيم وقتادة ومجاهد. وأصله الرجوع من هاد يهود، ~~فهو هايد اذا رجع، فمعناه رجعنا بتوبتنا اليك، والتهويد الترفق في السير ~~والتفريج والتمكث. وقال أبو وجرة: - هدنا - بكسر الهاء من هاد يهيد، وهو ~~شاذ، وثوب مهود أي مرقع ذكره الجبائي، وليس اليهود مشتقا منه، بل إنما ~~قيل يهودي، ms1628 لأنه نسب الى يهوذا، لكن العرب غيرته في النسب. # وقوله { قال عذابي أصيب به من أشاء } حكاية عما أجابهم الله به من أن ~~عذابه يصيب به من يشاؤه ممن استحقه بعصيانه. وقيل: إنما علقه بالمشيئة ~~ولم يعلقه بالمعصية لأمرين: # أحدهما - الاشعار بأن وقوعه بالمشيئة له، دون المعصية. # الثاني - انه لا يشأ ذلك إلا على المعصية، فأيهما ذكر دل على الآخر ~~وعندنا أنه علقه بالمشيئة، لأنه كان يجوز الغفران عقلا بلا توبة. # وقوله { ورحمتي وسعت كل شيء } معناه إني أقدر أن أنعم على كل شىء يصح ~~الانعام عليه، وقيل: المعنى إنها تسع كل شىء إن دخلوها، فلو دخل الجميع ~~فيها لو سمعتهم الا أن فيهم من يمتنع منها بالضلال بأن لا يدخل معه فيها، ~~وقال ابن عباس: وهي خاصة في المؤمنين، وقال الحسن وقتادة هي عامة للبر ~~والفاجر - في الدنيا - خاصة. وفي الآخرة للبر. # وقوله { فسأكتبها للذين يتقون } معناه إن الرحمة في الآخرة مكتوبة ~~للذين يتقون معاصيه ويحذرون عقابه { ويؤتون الزكاة } قيل في معناه - ها ~~هنا - قولان: # أحدهما - يخرجون زكاة أموالهم، فذكره، لانه من أشق فرائضهم. # الثاني - يطيعون الله ورسوله في قول ابن عباس والحسن ذهبا الى ما يزكي ~~النفس ويطهرها من الأعمال، والذين هم بآياتنا يؤمنون يعني أكتبها للذين ~~يصدقون بآيات الله وحججه وبيناته، وليس اذا كتب الرحمة للذين يتقون منع ~~أن يغفر للعصاة والفساق بلا توبة، لأن الذي تفيده الآية القطع على وصول ~~الرحمة الى المتقين، والفساق ليس ذلك بمقطوع لهم وإن كان مجوزا. ### || [7.157] # قرأ { إصارهم } ابن عامر وحده على الجميع. الباقون { إصرهم } على ~~التوحيد. ومن وحد فلأن (الاصر) مصدر يقع على الكثير والقليل بدلالة قوله ~~تعالى { إصرهم } فأضافه الى الكثرة. وقال # ولا تحمل علينا إصرا # ومن جمع أراد ضروبا من الماصر مختلفة، فلذلك جمع. # قوله { الذين } في موضع جر، لأنه صفة ل (الذين) في الآية الاولى بعد ~~صفة في قوله { فسأكتبها للذين يتقون } فذكر أن من تمام صفاتهم اتباعهم ~~للرسول { النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ms1629 التوراة والإنجيل } ~~يعني محمدا (صلى الله عليه وسلم). # و (الأمي) الذي لا يكتب. وقيل: إنه منسوب الى الأمة. والمعنى أنه على ~~جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة. وقيل: إنه منسوب الى الأم، ومعناه ~~أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة. وعن أبي جعفر الباقر (ع) أنه ~~منسوب الى مكة، وهي أم القرى. وقيل: إنه نسب الى العرب، لأنها لم تكن ~~تحسن الكتابة. # ومعنى { يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } أنهم يجدون نعته ~~وصفته، ولأنه مكتوب في التوراة (أتانا الله من سينا وأشرف من ساعير، ~~واستعلن من جبال فاران) وفيها (سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك واجعل ~~كلامي في فمه فيقول لهم كلما أوصيه به) وفيها، (وأما ابن الأمة فقد باركت ~~عليه جدا جدا وسيلد اثني عشر عظيما وأؤخره لأمة عظيمة). # وفي الانجيل بشارة بالفار قليط في مواضع منها (يعطيكم فار قليط آخر يكون ~~معكم آخر الدهر كله) وفيها أنه (اذا جاء فند أهل العلم) وفيها (أنه ~~يدبركم بجميع الخلق، ويخبركم بالأمور المزمعة ويمدحني ويشهد لي). # وقوله تعالى { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } صفة للنبي (صلى الله ~~عليه وسلم) الأمي، وهو في موضع الحال، وتقديره آمرا بالمعروف ناهيا عن ~~المنكر، وسمي الحق (معروفا) والباطل (منكرا) لأن الحق يعرف صحته العقل ~~إذ الاعتماد في المعرفة على الصحة، وينكر الباطل بمعنى ينكر صحته. # وقوله { ويحل لهم الطيبات } معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة التي ~~كانت حراما عليهم، ويحرم عليهم الخبائث يعني القبائح، وما يعافي ~~الأنفس. # وقوله { ويضع عنهم أصرهم } يعني الثقل بأمور محرمة وفي تكليفها مشقة، ~~كتحريم العروق والغدد وتحريم السبت، وكانت كالاغلال في أعناقهم، كما ~~يقولون هذا طوق في عنقك. وقيل: ما امتحن به بنو اسرائيل من قبل نفوسهم، ~~وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم وإلتزام للمكاره في كل شىء يخالفون الله ~~فيه. # وقوله { فالذين آمنوا به } يعني صدقوا بهذا النبي { وعزروه } يعني عظموه ~~بمنعهم كل من أراد كيده، وأصله المنع، ومنه تعزير الجاني وهو منعه ~~بتأديبه من العود، وقال قوم: عزرته معناه ms1630 رددته، وقال آخرون: معناه ~~أعنته. وقال بعضهم معناه نصرته. وقال آخرون: منعته ونصرته. # وقوله { واتبعوا النور الذي أنزل معه } يعني القرآن سماه نورا لأنه ~~يهتدى به كما يهتدى بالنور. واخبر عنهم بأن من فعل ما قلناه فأولئك هم ~~المفلحون الفائزون بثواب ربهم. ### || [7.158] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب الخلق، ويقول لهم إني ~~رسول الله أرسلني اليكم يعني إلى الناس أجمع { الذي له ملك السماوات ~~والأرض } يعني ارسلنى اليكم الذي له التصرف في السماوات والارض من غير ~~دافع، ولا منازع { لا إله } اي لا معبود { إلا هو يحيي ويميت فآمنوا ~~بالله } أمر من النبي صلى الله عليه وآله للخلق بأن يصدقوا بتوحيد الله ~~ويقروا بنبوة النبي { الأمي الذي يؤمن } يعني يصدق بالله وكلماته، وأمرهم ~~بأن يتبعوه ويرجعوا إلى طاعته لكي يهتدوا إلى الثواب والجنة. # و { جميعا } نصب على الحال من ضمير المخاطب الذي عمل حرف الاضافة فيه ~~والعامل في الحال معنى الفعل في { رسوله } الا أنه لايتقدم على حرف ~~الاضافة، لانه قد صار بمنزلة العامل. # وإنما وصفه بأنه يحيي ويميت لأنه لا يقدر على الاحياء إلا الله، ولاعلى ~~الاماتة أيضا سواه لانه لو قدر أحد على الاماتة لقدر على الاحياء، لأن ~~من شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على ضده، وانما استعمل بمعنى ~~لتهتدوا على الرجاء والطمع في الفوز به من العذاب. ### || [7.159] # أخبر الله تعالى أن من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. # قال ابن عباس والسدي: قوم وراء الصين. # وقال ابوجعفر عليه السلام: هم قوم خلف الرمل لم يغيروا ولم يبدلوا. # وأنكر الجبائي قول ابن عباس، وقال شرع موسى عليه السلام، منسوخ بشرع ~~عيسى عليه السلام وشرع محمد صلى الله عليه وآله فلو كانوا باقين لكفروا ~~بنبوة محمد. # وهذا ليس بشيء، لأنه لا يمتنع ان يكون قوم لم تبلغهم الدعوة من النبي ~~صلى الله عليه وآله فلا نحكم بكفرهم. # وقال الجبائي يحتمل ذلك وجهين: # احدهما - انهم كانوا قوما متمسكين بالحق في وقت ms1631 ضلالتهم بقتل أنبيائهم. # والاخر - انهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مثل ابن سلام وابن ~~صوريا وغيرهما. # وتقدير الكلام في معنى الآية إذا: كان من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون، قد مدحوا بذلك وعظموا، فعلى كل أمة أن يكونوا كهذه الأمة الكريمة ~~في هذا المعنى. والامة الجماعة التي تؤم أمرا بأن تقصده وتطلبه وأمة ~~محمد صلى الله عليه وآله تؤم شريعته وأمة موسى وعيسى مثل ذلك. # وليس في الآية ما يدل على ان في كل عصر أمة هادية من قوم موسى لأن بعد ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وآله لم يبق أحد يجب اتباعه في شرع موسى عليه ~~السلام وكذلك قوله تعالى # وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # ولا دلالة في ذلك على ان تلك الأمة موجودة في كل عصر، بل لو لم توجد هذه ~~الأمة الا في وقت واحد هادية بالحق عادلة به لصح معنى الآية على ان عندنا ~~في كل عصر لا يخلون من قوم بهذا الوصف وهم حجج الله على خلقه، المعصومين ~~الذين لا يجوز عليهم الخطأ والزلل، فقد قلنا بموجب الآية. # وصريح الآية يدل على بطلان قول من قال لا يهدي إلى الحق الا الله تعالى، ~~لأن الله تعالى بين ان فيمن خلقه امة يهدون بالحق وبه يعدلون، وظاهر ذلك ~~الحقيقة وصريح الآية بخلاف ما يقوله المخالف، ولا ينافي ذلك قوله تعالى # من يهد الله فهو المهتدي # لانه يصح اجتماعه مع ذلك، والمعنى من يهده الله إلى الجنة فهو المهتدي ~~اليها على ان قوله تعالى # من يهد الله فهو المهتدي # لا يمنع من ان يهديه ايضا غير الله ويهتدي، لان المتعلق بذلك تعلق ~~بدليل الخطاب. وهو ليس بصحيح عند اكثر العلماء، على ان من هدى غيره إلى ~~الحق فانما يهديه بأن ينبهه على الحجج التي نصبها الله على الحق فجاز ان ~~يضاف ذلك إلى انه بهداية الله. ومن حمل قوله تعالى { يهدون } على ان ~~المعنى يهتدون فقد غلط، لان ذلك لا يعرف ms1632 في اللغة. ### || [7.160] # قد مضى تأويل معنى اكثر هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى للتطويل بذكر ~~ما مضى وانما نذكر ما لم يذكر هناك: انما انث قوله اثنتي عشرة اسباطا ~~لان النية التقديم والتأخير والتقدير وقطعناهم امما اثنتي عشرة اسباطا ~~ولم يقل سبطا لاحد ثلاثة اشياء: # احدها - انه بدل ليس بتمييز والمعنى قطعناهم اسباطا ذكر ذلك الزجاج. # الثاني - على ان كل قسم اسباط لان الواحد يقال له سبط، فيجوز على هذا ~~عندي عشرون دراهم على ان كل قسم منها دراهم قال كثير: # علي والثلاثة من بنيه # هم الاسباط ليس بهم خفاء # فسبط سبط ايمان وبر # وسبط غيبته كربلا # الثالث - ان يكون اقام الصفة مقام الموصوف. وتقديره اثنتي عشرة فرقة ~~اسباطا. # والسبط: الجماعة التي تجري في الامر بسهولة لاتفاقهم في الكلمة على انه ~~مأخوذ من السبوط. وقيل انه مأخوذ من السبط ضرب من الشجر، فجعل الاب الذي ~~يجمعهم كالشجرة التي تتفرع عنها الأغصان الكثيرة. وقال ابو علي لانهم ~~كانوا بني اثني عشر رجلا من ولد يعقوب وقيل انما فرقوا اسباطا لاختلاف ~~رتبتهم. # والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، فكان يبتدئ ~~بقلة ثم يتسع حتى يصير إلى الكثرة، فلذلك ذكره ها هنا بالانبجاس وفي ~~البقرة بالانفجار. # والظلة السترة التي تقي من الشمس، والأغلب عليها العلو. # فجعل الله عز وجل لهم من الغمام ظلة تكنهم لما احتاجوا إلى ذلك في التيه ~~كما اعطاهم المن والسلوى. والمن ضرب من الحلاوة يسقط على الشجر. والسلوى ~~طائر كالسماني. وانما انث { اثنتا عشرة أسباطا } مع ان السبط ذكر، لاحد ~~ثلاثة اشياء: # احدها - اثنتي عشرة فرقة ثم حذف. # الثاني - وقطعناهم قطعا اثنتي عشرة، فحذف على هذا التقدير. # الثالث - أن السبط لما وقع على الامة أنث. كما قال الشاعر: # وان كلابا هذه عشر أبطن # وانت بريء من قبائلها العشر # وقوله تعالى { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } معناه: ما أنقصونا ~~شيئا ولكن انقصوا أنفسهم تقول العرب: ظلمت سقاك إذا سقيته قبل أن يخرج ~~زبده، ويقال: ظلم ms1633 الوادي إذا بلغ الماء منه موضعا لم يكن ناله فيما مضى، ~~قال الفراء وانشدني بعضهم: # يكاد يطلع ظلما ثم يمنعه # عن الشواهق فالوادي به شرق # ويقال هو أظلم من حية. لانها تأتي حجرا لم تحفره فتسكنه ويقال ما ظلمك ~~ان تفعل كذا أي ما منعك. والارض المظلومة التي لم ينلها المطر. ### || [7.161] # قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب { يغفر } بالياء وضمها، وفتح الفاء ~~الباقون بالنون وكسر الفاء، وقرأ اهل المدينة ويعقوب { خطيئاتكم } على ~~جمع السلامة ورفع التاء، وقرأ ابن عامر على التوحيد ورفع التاء، وقرأ ابو ~~عمرو { خطاياكم } بغير همز على جمع التكسير، الباقون وهم ابن كثير واهل ~~الكوفة { خطيآتكم } على جمع السلامة وكسر التاء. # من قرأ { يغفر } حمله على قوله تعالى { وإذ قيل لهم } ادخلوا... يغفر، ~~والتي في البقرة { نغفر } بالنون، فالنون هناك احسن لقوله { وإذ قلنا } ~~وجاز ها هنا بالنون كأنه قيل لهم ادخلوا... نغفر. أي إن دخلتم غفرنا. # ومن قرأ تغفر بالتاء المضمومة فلانه اسند اليها خطيئاتكم وهو مؤنث فأنث ~~وبنى الفعل للمفعول اشبه بما قبله، لان قبله واذ قيل. # ومن قرأ بالنون فلقوله { سنزيد المحسنين }. # وخطايا جمع خطيئة جمع تكسير { وخطياتكم } مسكنا لأنه يكثر فيه السكون ~~وسميت القرية قرية لأن الماء يقري اليها يقال قريت الماء في الحوض أقريه ~~قريا إذا جمعته. ويجوز ان يكون مشتقا من اجتماع الناس اليها. # وقد مضى تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة فلا معنى لاعادته. وإنما ~~نذكر جمل ذلك فنقول: # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول اذكر يا ~~محمد اذ قيل لبني اسرائيل اسكنوا هذه القرية وهي بيت المقدس على قول ~~الجبائي وغيره من المفسرين. # وقال الحسين هي ارض الشام. وقال قوم غير ذلك. وقد ذكرنا اختلافهم في ~~سورة البقرة لأنه كان امرهم بدخولها واخراج من فيها من الكفار وغيرهم ~~ووعدهم ان يوسع عليهم فيها الزرق ويبيحهم ذلك ليأكلوا من حيث شاؤا ما ~~يريدون من انواع الاغذية والرزق. وقال لهم: { كلوا من حيث ms1634 شئتم } على ~~كثرة الرزق والغذاء في هذه القرية وفي كل ناحية منها. # وقوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } يعني متواضعين وكانوا امروا بأن ~~يدخلوا بابا منه معينا في هذا الموضع كانوا فيه - في قول الجبائي - وقال ~~ذلك قبل دخلوهم إلى بيت المقدس، قال ولم يرد ان يدخلوا الباب سجدا ~~منحنين. # قال ابن عباس كان هناك باب ضيق امروا بان يدخلوه ركعا فدخلوه على ~~استاههم. وقيل لهم { قولوا حطة } أي مغفرة، فقالوا حنطة. وذكرنا اختلاف ~~الناس في ذلك. # وقوله { وقولوا حطة } معناه قولوا حط عنا ذنوبنا وهو بمنزلة الاستغفار ~~والتوبة. # وقوله { نغفر لكم خطاياكم } جواب الأمر وفيه معنى الجزاء. والتقدير انكم ~~ان فعلتم ذلك غفرنا لكم خطاياكم. وقوله { سنزيد المحسنين } معناه سنزيد ~~المحسنين منكم نعما وفضلا في الدنيا والاخرة، ولا نقتصر لهم على نعم هذه ~~القرية. # ورفع حطة على تقدير مسألتنا حطة ومطلوبنا حطة. وان نصب جاز بمعنى حط عنا ~~حطة. وقوله سجدا نصب على الحال من دخول الباب. وقال ابو علي ليس بحال ~~لدخول الباب، لانهم بدلوا في حياة موسى. ### || [7.162] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين امرهم بدخول القرية متواضعين، وان ~~يقولوا حطة لذنوبنا، انهم بدلوا قولا غير الذي قيل لهم. # والتبديل تغيير الشيء برفعه إلى بدل، فقال الحسن قالوا حنطة بدل حطة. # وقال قوم: قالوا قولا ينافي الاستغفار ويخالف التوبة. وقالوا ما يدل على ~~الاصرار. # واخبر تعالى انه ارسل عليهم عند ذلك رجزا وهو العذاب والعقوبة جزاء بما ~~كانوا يفعلونه من معاصي الله تعالى ويظلمون بها انفسهم. # واصل الرجز الميل عن الحق فمنه الرجازة وما يعدل به الحمل اذا مال عن ~~خفة والرجز عبادة الوثن والناقة الرجزاء التي تميل في احد شقيها لداء ~~يعرض لها في عجزها. ### || [7.163] # القراء كلهم على فتح الياء في قوله تعالى { لا يسبتون } وروي عن الحسن ~~ضمها. # من قال أسبتوا اراد دخلوا في السبت ومن فتح الياء اراد يفعلون السبت اي ~~يقومون بأمره كما يفعل المسلون يوم الجمعة، ومثله أجمعنا اي مرت بنا ~~جمعة، ms1635 وجمعنا شهدنا الجمعة. قال الفراء: قال لي بعض العرب: أترانا اشهرنا ~~منذ لم نلتق يريد مر بنا شهرا. # امر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يسأل بني اسرائيل الذين كانوا في ~~وقته عن القرية التي كانت حاضرة البحر، وعن سبب هلاكها، سؤال تقرير ~~وتوبيخ لا سؤال استفهام، كما يقول الرجل لغيره أنا فعلت كذا؟ وانت تعلم ~~أنك لم تفعل، وانما تسأله لتقريره وتوبيخه، فوجه امر النبي صلى الله عليه ~~وآله ان يسأل اهل الكتاب عن اهل هذه القرية مع ما اخبره الله تعالى ~~بقصتها لتقريرهم تقديم كفرهم وتعلمهم ما لا يعلم الا بكتاب او وحي، وهو ~~صلى الله عليه وآله لم يكن ممن قرأ الكتب، فعلموا بذلك ان ذلك وحي انزل ~~عليه. # وقوله تعالى { اذ يعدون في السبت } معناه اذ يظلمون في السبت، يقال عدا ~~فلان يعدو عدوانا، وعدا عدوا اذا ظلم. # وقوله تعالى { اذ تأتيهم حيتانهم } في موضع نصب بيعدون. # والمعنى سلهم اذ عدوا في وقت اتيان الحيتان { شرعا } اي ظاهرة والحيتان ~~جمع حوت واكثر ما يسمي العرب السمك بالحيتان والنيتان، وكانت الحيتان ~~تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بحبسها يوم السبت ثم يأخذونها في يوم الأحد. ~~وقال قوم: جاهروا بأخذها يوم السبت. # وقوله تعالى { كذلك نبلوهم } اي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم. وموضع ~~الكاف نصب بقوله: { نبلوهم بما كانوا يفسقون } اي شددت عليهم المحنة ~~بفسقهم. قال الزجاج ويحتمل ان يكون { ويوم يسبتون لا تأتيهم كذلك } اي لا ~~تأتيهم شرعا ويكون { نبلوهم } مستأنفا. والأول قول اكثر المفسرين. # والوجه في تشديد المحنة التي هي التكليف أن الله تعالى أمر بني اسرائيل ~~بامساك السبت والتفرغ فيه للعبادة وأن لا يتشاغلوا بشيء من أمر الدنيا ~~فيه فتهاون قم ممن كان يسكن هذه القرية وهي (ايلة) في قول قوم من ~~المفسرين. وقال قوم هي مدين. ورويا جميعا عن ابن عباس، ولم يقوموا بما ~~وجب عليهم فشدد الله على من اخذوه. قال الحسن: كانت تشرع على ابوابهم ~~كأنها الكباش البيض فيعدون فيأخذونها وتبعد عنهم في ms1636 باقي الايام وامرهم ~~ان لا يصطادوا يوم السبت فكان ذلك تشديدا للتكليف وتغليظا للمحنة ~~والبلوى، وكان ذلك عقوبة على تهاونهم بما أوجب الله عليهم فخالفوا ~~فأرسلوا الشباك يوم السبت واخرجوها يوم الاحد. ### || [7.164] # قرأ حفص وحده عن عاصم { معذرة } بالنصب. الباقون بالرفع. # من رفع فعلى تقدير موعظتنا معذرة الى ربكم. ومن نصب فعلى المصدر، كما ~~يقول القائل لغيره: معذرة الى الله واليك من كذا على النصب. # والمعنى قالوا نعتذر معذرة واعذارا. # قال ابو زيد عذرته اعذره عذرا ومعذرة وعذرى. والتقدير واذكر اذ قالت ~~امة منهم لطائفة منهم لم تعظون قوما علمتم انهم هالكون في الدنيا ~~ويعذبهم الله عذابا شديدا في الآخرة، فقالوا في جوابهم وعظناهم إعذارا ~~إلى الله اي نعظهم اعتذارا إلى ربكم لئلا يقول لنا لم لم تعظوهم ولعلهم ~~ايضا بالوعظ يتقون ويرجعون. # وفي ذلك دليل على انه يجب النهي عن القبيح وإن علم الناهي ان المنهي لا ~~ينزجر ولا يقبل، وان ذلك هو الحكمة والصواب الذي لا يجوز غيره. # واختلفوا في هذه الفرقة التي قالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ هل كانت ~~من الناجية او من الهالكة عن الاعتداء في السبت. ذهب اليه ابن عباس وقال ~~نجت الطائفتان من الهلاك الناهية والتي قالت لها لم تعظون، وبه قال ~~السدي. # وقال قوم الفرقة التي قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم كانت من الفرقة ~~الهالكة ذهب اليه ابن عباس في رواية اخرى عنه. # وقال قتادة عن ابن عباس هم ثلاث فرق التي وعظت والموعظة، فنجت الاولى ~~وهلكت الثانية، والله اعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا لم ~~تعظون واختاره الجبائي. # وقال الكلبى: هما فرقتان الواعظة والموعظة. # وقال الجبائي لم يريدوا بذلك الا نهيهم اياهم عن ذلك القبيح. وانما ~~قالوا ذلك على سبيل الاياس من قبولهم منهم. # وقوله { لم } اصله (لما) الا انه حذف الألف مع حرف الجر نحو { عم ~~يتساءلون } ولم يقولوا (عن ما). ### || [7.165] # قرأ أبو بكر إلا العليمي " بيئس " بفتح الباء وبعدها ياء ساكنة وبعدها ~~همزة مفتوحة ms1637 على وزن (فيعل) وروي عنه بكسر الهمزة. وقرأ اهل المدينة ~~والداحوني عن هشام بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة من غير همز. وقرأ مثل ذلك ~~ابن عامر الا الداحونى عن هشام إلا أنه همز. الباقون بفتح الباء وبعدها ~~همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (فعيل). وروى خارجة عن نافع بفتح ~~الباء بعدها ياء بلا همز على وزن (فعل). # قال ابو زيد: قد بؤس الرجل يبؤس بأسا إذا كان شديد البأس، وفي البؤس ~~بئس وبيس يبأس بؤسا وبيئسا وباسا والبأساء الاسم. # قال أبو علي: من قرأ على وزن (فعيل) يحتمل أمرين: # أحدهما - أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس إذا كان شديد البأس مثل # من عذاب شديد # قال ابو محمد الفقعسي: # أشعث غير حسن اللبوس # باق على عيش له بئيس # أي شديد. # والثاني - أن يكون من عذاب ذي بئيس. فوضعه بالمصدر، والمصدر قد يجيء على ~~(فعيل) مثل نكير ونذير وشحيح وعذير الحي، والتقدير من عذاب ذي بئيس أي ~~عذاب ذي بؤس. # ومن قرأ بكسر الباء من غير همز فانه جعلها اسما، فوصفه به مثل قوله صلى ~~الله عليه وآله # " إن الله نهى عن قيل وقال " # ومثله: منذ شب الى رب. ونظيره من الصفة نقض وبصق. # ومن فتح الباء من غير همز فهو أيضا (فعل) في الاصل وصف به وابدلت ~~الهمزة ياء وحكى سيبوية أنه سمع بعض العرب يقول: بيس فلا يحقق الهمزة ~~ويدع الحرف على الأصل الذي هو (فعل) كأنه يسكن العين كما يسكن من (علم) ~~ويقلب الهمزة ياء الا أنه لما أسكنها لم يجز أن يجعلها بين بين فأخلصها ~~ياء. # وقراءة ابن عامر مثل قراءة نافع إلا أن ابن عامر حقق الهمزة. # وقراءة ابي بكر على وزن " فيعل " فانه جعله وصفا كضيغم وحيدر، وهذا ~~البناء كثير في الصفة ولا يجوز كسر العين من بيئس لان " فيعل " بناء اختص ~~به ما كان عينه ياء أو واوا مثل سيد وطيب، ولم يجئ مثل ضيغم وجاء في ~~المعتل حكى سيبويه عين وانشد لرؤبة. # ما ms1638 بال عيني كالشعيب العين # فينبغي ان يحمل بيئس على الوهم عمن رواه عن عاصم والاعمش بالكسر وقد ~~أنشد بعضهم: # كلاهما كان رئيسا بيئسا # يضرب في يوم الهياج القونسا # أعلى كل شي قونسه بكسر العين. فمن كسر العين حمله على هذه اللغة. # أخبر الله تعالى أنه لما ترك أهل هذه القرية الرجوع عن ارتكاب المعصية ~~بصيد السمك يوم السبت بعد أن ذكرهم الواعظون ذلك ولم ينتهوا عن ذلك أنه ~~انجى الناهين عن ذلك وأخذ الذين ظلموا انفسهم بعذاب شديد جزاء بما كانوا ~~يفسقون ويخرجون عن طاعة الله إلى معصيته. # وروي عن عطا أن رجلا دخل على ابن عباس وبين يديه المصحف وهو يبكى وقد ~~أتى على هذه الاية إلى آخرها، فقال ابن عباس قد علمت ان الله اهلك الذين ~~أخذوا الحيتان وانجى الذين نهوهم، ولا ادري ما صنع بالذين لم ينهوهم ولم ~~يواقعوا المعصية وهي حالنا. # و { نسوا } في الاية معناه تركوا ويحتمل ان يكون تركهم القبول في منزلة ~~من نسي، ولايجوز أن يكون المراد النسيان الذي هو السهو، لأنه ليس من ~~فعلهم فلا يذمون عليه. # وقال الجبائي العذاب الشديد لحقهم قبل ان يمسخوا قردة خاسئين. ### || [7.166] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت، ونهوا ~~فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد، فلما عتوا ~~عما نهى الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين. # والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة. والعتو ~~الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب. وقوله " خاسئين " معناه مبعدين من ~~قولهم خسأت الكلب إذا أقصيته فخسأ أي بعد. وقال الحسن معناه صاغرين، ~~وقال: إن أهل المسخ يتناسلون. وقال ابن عباس: لا يتناسلون، وأجاز الزجاج ~~كلا الامرين. وسئل ابو مالك: أكانت القردة والخنازير قبل ان يمسخوا؟ قال: ~~نعم وكانوا فيما خلق الله من الأمم. وقول ابن عباس أصح، لان المعلوم أن ~~القردة ليست من ولد آدم كما أن الكلاب ليست من ولد آدم. قال قتادة: صاروا ~~قردة لها ms1639 أذناب تعاوي بعد ما كانوا نساء ورجالا. # وقوله تعالى: { كونوا قردة } صيغته صيغة الامر والمراد به الاخبار: من ~~أنه جعلهم قردة على وجه يسهل عليه ولم يتعب به ولم ينصب كما قال تعالى: # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون # وقال # ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين # ولم يكن هناك أمر لانه تعالى لا يأمر المعدوم، وإنما هو إخبار عن تسهيل ~~الفعل، وأجاز الزجاج أن يكون قيل لهم ذلك بكلام سمعوه فيكون ذلك أبلغ في ~~الآية النازلة بهم لما يدل على وقوع الأول الذي تبعه الثاني. وليس كذلك ~~إذا قلت: لما جاء المطر خرج النباب، وقوله تعالى { ولو ردوا لعادوا } فلا ~~يقع الرد أصلا. ### || [7.167] # التقدير اذكر يا محمد { إن تأذن ربك } ومعنى تأذن: أعلم، والعرب تقول ~~تعلم ان هذا كذا بمعنى إعلم، قال زهير: # تعلم أن شر الناس حي # ينادي في شعارهم يسار # ويسار اسم عبد. وقال زهير ايضا: # فقلت تعلم ان للصيد غرة # والا تضيعه فانك قاتله # وقال الزجاج معنى { تأذن } تألا ربك ليبعثن. وقال قوم: معناه امر من اذن ~~يأذن. وقوله: { ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } قسم ~~من الله تعالى انه يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب اي من يوليهم سوء ~~العذاب. # قال ابو جعفر عليه السلام وابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير والحسن: اراد ~~به امة محمد صلى الله عليه وآله يأخذون منهم الجزية. # فان قيل فقد جعلوا قردة كيف يبقون ال يوم القيامة؟ # قلنا: إن الذكر لليهود فمنهم من مسخ فجعل منهم القردة والخنازير ومن بقى ~~قمع بذل من الله، فهم اذلاء بالقتل او اذلاء باعطاء الجزية، فهم في كل ~~مكان اذل اهله لقوله تعالى # ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس # اى إلا ان يعطوا الذمة والعهد. # وفي الآية دليل على ان اليهود لا يكون لهم دولة إلى يوم القيامة ولا عز ~~لهم ايضا وقيل في معنى البعث ها هنا قولان: ms1640 احدهما - الأمر والاطلاق. ~~والاخر - التخلية، وإن وقع على وجه المعصية، كما قال تعالى: # أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا # وقوله تعالى: { إن ربك لسريع العقاب } معناه إن ربك يا محمد لسريع ~~العقاب لمن يستوجبه على كفره ومعصيته { وإنه لغفور رحيم } اي صفوح عن ~~ذنوب من تاب إليه من معاصيه ورجع إلى طاعته يستر عليهم بعفوه وبفضله رحمة ~~بهم فلا ينبغي لأحد ان يصر ويأمن عقابه بل ينبغي ان يجوز سرعة عقابه ~~فيبادر إلى التوبة والاستغفار. ### || [7.168] # اخبر الله تعالى انه قطع بني اسرائيل يعنى فرقهم فرقا في الارض { أمما ~~} يعني جماعات شتى متفرقين في البلاد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وعلى اي ~~وجه فرقهم؟ قيل فيه قولان: # احدهما - فرقهم حتى تشتت امرهم وذهب عزهم عقوبة لهم. # الثاني - فرقهم على ما علم انه اصلح لهم في دينهم. # ثم اخبر عنهم فقال: من هؤلاء الصالحون يعني من بني اسرائيل الصالحون، ~~وهم الذين يؤمنون بالله ورسله، ومنهم دون ذلك يعني دون الصالح، وإنما ~~وصفهم بذلك لما كانوا عليه قبل ارتدادهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم، ~~وذلك قبل ان يبعث فيهم عيسى عليه السلام. # وقوله: { وبلوناهم بالحسنا والسيئات } معناه اختبرناهم بالرخاء في العيش ~~والحفض في الدنيا والدعة والسعة في الرزق، وهي الحسنات. ويعني بالسيئات ~~الشدائد في الحبس والمصائب في الأنفس والأموال { لعلهم يرجعون } اي لكي ~~يرجعوا الى طاعته وينيبوا إلى إمتثال امره. # فان قيل كيف قال: لكي يرجعوا الى الحق. وهم لم يكونوا عليه قط؟! # قلنا عنه جوابان: # احدهما - انهم مارون على وجوههم إلى جهة الباطل فدعوا الى الرجوع الى ~~جهة الحق لأن الانصراف عن الباطل رجوع إلى الحق. # الثاني - انهم ولدوا على الفطرة وهي دين الحق الذي يلزمهم الرجوع اليه. ### || [7.169] # معنى الآية ان الله اخبر انه خلف - بعد القوم الذين كانوا فرقهم في ~~الارض - خلف، وهم قوم نشؤوا بعدهم من اولادهم ونسلهم، يقال للقرن الذي ~~يجيء في اثر قرن خلف، والخلف ما اخلف عليك بدلا مما اخذ منك. ويقال في ~~هذا ms1641 خلف ايضا. فأما ما اخلف عليك بدلا مما ذهب منك، فهو - بفتح اللام - ~~افصح. قال الفراء: يقال: اعطاك خلفا مما ذهب لك، فأنت خلف صدق وخلف سوء، ~~قال الله تعالى # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة # واكثر ما يجيء في المدح - بفتح اللام - وفي الذم بتسكينها - وقد تحرك في ~~الذم وتسكن في المدح، فمن ذلك في تسكين اللام في المدح قول حسان بن ثابت: # لنا القدم الاولى اليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # ويقال: خلف اللبن إذا حمض من طول تركه من السقاء حتى يفسد، فالرجل ~~الفاسق مشبه به، ومنه خلوف فم الصائم وهو تغيره. وأما بتسكين اللام في ~~الذم فقول لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الاجرب # وقيل ان الخلف الذين ذكرهم الله في هذه الآية أنهم خلفوا من قبلهم هم ~~النصارى - ذهب اليه مجاهد - وهذا الذي قاله جائز، وجائز أيضا أن يكون ~~المراد به قوم خلفوهم من اليهود. # وقوله تعالى { ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى } قال قوم: كانوا ~~يرتشون على الأحكام، ويحكمون بجور. وقال آخرون: كانوا يرتشون ويحكون بحق، ~~وكل ذلك عرض خسيس، ومعنى { هذا الأدنى } هذا العاجل, و { يقولون سيغفر ~~لنا } معناه إذا فعلوا ذلك يقولون الله يغفر لنا ذلك تمنيا منهم ~~للاباطيل كما قال تعالى # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ~~ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون # وقوله تعالى { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } دليل على اصرارهم وأنهم ~~تمنوا أن يغفر لهم مع الاصرار، لان المعنى وان جاءهم حرام من الرشوة بعد ~~ذلك أخذوه واستحلوه، ولم يرتدعوا عنه - وهو قول سعيد بن جبير وقتادة ~~والسدي وابن عباس وقال الحسن: معناه لا يشبعهم شيء. # وقوله { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~ودرسوا ما فيه } معناه الم يؤخذ على هؤلاء المرتشين في الاحكام القائلين ~~سيغفر لنا هذا اذا عوتبوا على ذلك و { ميثاق الكتاب ms1642 } هو ما أخذ الله على ~~بني اسرائيل من العهود باقامة التوارة والعمل بما فيها، فقال تعالى ~~لهؤلاء الذين قصهم توبيخا لهم على خلافهم امره ونقضهم عهده وميثاقه: ألم ~~يأخذ الله عليهم الميثاق في كتابه ان لا يقولوا على الله الا الحق، ولا ~~يضيفوا اليه الا ما انزله على رسوله موسى في التوراة ولا يكذبوا عليه ~~وانما احتج عليهم بميثاق الكتاب، ولم يحتج عليهم بالعقل، ليعلمنا ما لا ~~نعلمه مما هو في كتبهم من ادلة تؤكد ما في العقل. # وقوله تعالى: { ودرسوا ما فيه } المعنى قرؤوا ما فيه ودرسوه فضيعوه، ~~وتركوا العمل به. والدرس تكرر الشيء يقال درس الكتاب اذا كرر قراءته، ~~ودرس المنزل: اذا تكرر عليه مرور الأمطار والرياح حتى يمحى اثره. # وقوله تعالى { والدار الآخرة خير للذين يتقون } أي ما اعده الله تعالى ~~لاوليائه في دار الآخرة من النعيم والثواب وذخره للعاملين بطاعته ~~الحافظين لحدوده { خير للذين يتقون } يعني يجتنبون معاصي الله ويحذرون ~~عقابه. # وقوله: { أفلا تعقلون } فمن قرأ بالياء معناه أفلا تعقل هذه الطائفة ~~التي تقدم ذكرها وهم الذين يأخذون عرض هذا الأدنى على أحكامهم ويقولون ~~سيغفر لنا. ومن قرأ بالتاء قال: معناه قل لهم: افلا تعقلون ان الامر على ~~ما اخبر الله به. # وحكي ان طيا تقول في جمع ميثاق: مياثيق، وفي جمع ميزان: ميازين، وحكي ~~عن غيرهم من اهل الحجاز أيضا ذلك وانشد بعض الطائيين: # حمى لا يحل الدهر الا باذننا # ولا نسل الاقوام عقد المياثيق ### || [7.170] # قرأ ابو بكر { يمسكون } بتسكين الميم، الباقون بفتحها وتشديد السين. من ~~خفف السين فلقوله تعالى # فإمساك بمعروف # وقوله # أمسك عليك زوجك # وقوله # فكلوا مما أمسكن # ومن شدد أراد التكثير، وهو اولى لقوله تعالى # وتؤمنون بالكتاب كله # اي لا تؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه بل تؤمنون بجميعه. ويقوي التشديد ما ~~روي عن أبي أنه قرأ { مسكوا بالكتاب } ومعنى { يمسكون } اي يأخذون فيه من ~~حلاله وحرامه. # أخبر الله تعالى ان الذين يعملون بما في الكتاب ويقيمون الصلاة مع ~~دخولها في التمسك بالكتاب ms1643 لجلالة موقعها وشدة تأكدها أنه لا يضيع جزاء ~~عملهم، ويثيبهم بما يستحقونه، لاني لا اضيع لاحد - أصلح عمله فعمل بطاعتي ~~- أجر عمله، وهو قول ابن زيد ومجاهد، وجميع المفسرين. والتقدير إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين منهم لان من كان غير مؤمن واصلح فأجره ساقط، لأنه ~~يوقعه على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب. ويمسكون بالكتاب ويمسكون ~~ويتمسكون ويستمسكون بمعنى واحد أي يعتصمون به ويعملون بما فيه. وخبر { ~~الذين } قوله { إنا لا نضيع أجر المصلحين } فاستغنى بذكر العلة عن ذكر ~~المعلول. ### || [7.171] # هذا خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وآله يقول الله له: اذكر يا محمد ~~الوقت الذي نتقنا فيه الجبل اي رفعناه فوقهم حتى صار كأنه ظلة. وقيل: إنه ~~رفع الجبل على عسكرهم فرسخا في فرسخ. # وامرأة منتاق وناتق كثيرة الولد. وقال ابن الاعرابي الناتق الرافع، ~~والناتق الفاتق، الناتق الباسط، وقال العجاج: # ينتق انتقاق الشليل نتقا # يعني يرفعه عن ظهره. وقال الآخر: # ونتقوا أحلامنا الاثاقلا # وقال النابغة: # لم يحرموا حسن الغذاء وامهم # دحقت عليك بناتق مذكار # ويروى طفحت عليك بناتق. ويقال: تتق السير اذا حركه، ويقال: ما ينتق ~~برجله ولا يركض، والنتق نتق الدابة صاحبها حين تعدوبه وتتبعه حتى تربو ~~فذلك النتق. وقال بعضهم: معنى { نتقنا الجبل فوقهم } فرفعناه بنتقه ~~نتقا. قال ابو عبيدة: سمعت من يقول: أخذ الجراب فنتق ما فيه إذا نثر ما ~~فيه والاصل نتقت كل شيء وقوله عز وجل { كأنه ظلة } يعني به غماما من ~~الظلال وقوله { وظنوا أنه واقع بهم } قال الحسن معناه علموا. وقال ~~الجبائي والرماني: هو الظن بعينه، لأنه قوي في نفوسهم ذلك. # وقوله { خذوا ما آتيناكم بقوة } أي قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد يعني ~~ما ألزمناكم من احكام كتابنا وفرائضه فاقبلوه باجتهاد منكم في اوانه من ~~غير تقصير ولا توان. وقال الجبائي: معناه خذوه بالقدرة التي آتاكم الله ~~وأقدركم بها لأنهم لو لم يكونوا قادرين لما كلفهم الله ذلك، وذلك يفسد ~~مذهب من قال القدرة مع الفعل. # وقوله { واذكروا ما فيه ms1644 } معناه ما في كتابه من العهود والمواثيق التي ~~أخذناها عليكم، بالعمل بما فيه لكي تتقوا ربكم فتخافوا عقابه بترككم ~~العمل به إذا ذكرتم ما اخذ عليكم فيه من مواثيق. # وكان سبب رفع الجبل عليهم ان موسى عليه السلام لما اتاهم بالتوراة ~~ووقفوا على ما فيها من الاحكام والحدود والتشديد في العبادة ابوا أن ~~يقبلوا ذلك وان يتمسكوا به وان يعملوا بما فيه. وقالوا: إن ذلك يغلظ ~~علينا، فرفع الله الجبل كالظلة عليهم، وعرفهم موسى انهم إن لم يقبلوا ~~التوراة ولم يعملوا بما فيها وقع عليهم فأخذوا بالتوراة وقبلوا ما فيها ~~وصرف الله نزول الجبل عليهم. قال ابن عباس فلذلك صارت اليهود تسجد على ~~قرنها الأيسر، لأنهم سجدوا كذلك ينظرون إلى الجبل وكأنها سجدة نصبها ~~الله. وإنما اتخذت النصارى المشرق قبلة، لأن مريم عليها السلام اتخذت ~~مكانا شرقيا حين حملت بعيسى. وقال مجاهد: معناه إن أخذتموه بجد وحسن ~~نية وإلا القي الجبل عليكم. وقال ابو مسلم إن رفع الجبل كان ليظلهم من ~~الغمام، وذلك خلاف اقوال المفسرين وما يقتضيه سياق الكلام. ### || [7.172-173] # قرأ ابن كثير وأهل الكوفة { ذريتهم } على التوحيد. الباقون ذرياتهم على ~~الجمع. وقرأ ابو عمرو " وأن يقولوا، أو يقولوا " بالياء فيهما. الباقون ~~بالتاء. # و (الذرية) قد يكون جمعا نحو قوله تعالى { وكنا ذرية من بعدهم } وقوله ~~تعالى # ذرية من حملنا مع نوح # وقد يكون واحدا كقوله: # هب لي من لدنك ذرية طيبة.. فنادته الملائكة.. أن الله يبشرك بيحيى # فهو مثل قوله: # فهب لي من لدنك وليا يرثني # فقال الله: # يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى # فمن أفرد جعله اسما واستغنى عن جمعه بوقوعه على الجمع. # ومن جمع قال: لانه إن كان واقعا على الواحد فلا شك في جواز جمعه وإن ~~كان جمعا فجمعه أيضا حسن، لأنه قد وردت الجموع المكسرة وقد جمعت نحو ~~الطرقات وصواحبات يوسف. # وحجة من أفرد قال: لا يقع على الواحد والجميع. فأما وزن { ذرية } فانه ~~يجوز أن تكون (فعلولة) من الذر، فابدلت من الراء ms1645 التي هي لام الفعل ~~الأخيرة ياء كما أبدلت من دهرية، يدلك على البدل فيه قولهم: دهرورة، ~~ويحتمل ان تكون فعلية منه فأبدلت من الراء الياء، كما تبدل من هذه الحروف ~~في التضعيف وإن وقع فيها الفصل. ويحتمل أن تكون (فعليه) نسبة إلى الذر ~~وأبدلت الفتحة منها ضمة كما أبدلوا في الاضافة إلى الدهر دهري والى سهل ~~سهلي ويجوز أن تكون (فعلية) من ذرأ الله الخلق، أجمعوا على تخفيفها كما ~~أجمعوا على تخفيف البرية. ويجوز ان تكون من قوله # تذروه الرياح # ابدلت من الواو الياء لوقوع ياء قبلها. # وحجة أبي عمرو في قراءته بالياء ان ما تقدم ذكره من الغيبة وهو قوله عز ~~وجل { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم } ~~كراهية أن يقولوا أو لئلا يقول، ويؤكد ذلك ما جاء بعد من الاخبار عن ~~الغيبة وهو قوله: { قالوا بلى }. # وحجة من قرأ بالتاء انه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله { ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا } وكلا الوجهين حسن لأن الغيب هم المخاطبون في المعنى. # وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله قال الله تعالى له: واذكر أيضا ~~الوقت الذي اخذ الله فيه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم ~~الست بربكم؟. # واختلفوا في معنى هذا الأخذ فيه وهذا الاشهاد: # فقال البلخي والرماني اراد بذلك البالغين من بني آدم واخراجه اياهم ذرية ~~قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر واشهاده إياهم على انفسهم تبليغه إياهم ~~وإكماله عقولهم، وما نصب فيها من الأدلة الدالة بأنهم مصنوعون وان ~~المصنوع لا بد له من صانع، وبما اشهدهم مما يحدث فيهم من الزيادة ~~والنقصان والآلام والأمراض الدال بجميع ذلك على ان لهم خالقا رازقا تجب ~~معرفته والقيام بشكره، وما اخطر بقلوبهم من تأكيد ذلك والحث على الفكر ~~فيه، ثم إرساله الرسل وإنزاله الكتب، لئلا يقولوا إذا صاروا إلى العذاب: ~~إنا كنا عن هذا غافلين، لم ينبه علينا ولم تقم لنا حجة عليه ولم تكمل ~~عقولنا فنفكر فيه، او ms1646 يقول قوم منهم: إنما أشرك آباؤنا حين بلغوا وعقلوا ~~فأما نحن فكنا أطفالا لا نعقل ولا نصلح للفكر والنظر والتدبير. # وقال الجبائي: أخذه ذرياتهم من ظهورهم انه خلقهم نطفا من ظهور الآباء، ~~ثم خلقهم في ارحام الامهات، ثم نقلهم من خلقة إلى خلقة، وصورة إلى صورة، ~~ثم صاروا حيوانا بأن احياهم الله في الأرحام، واتم خلقهم، ثم اخرجهم من ~~الارحام بالولادة وقوله تعالى: { وأشهدهم على أنفسهم } يعني عند البلوغ ~~وكمال العقل وعندما عرفوا ربهم فقال لهم على لسان بعض انبيائه { ألست ~~بربكم }؟ فقالوا: بلى شهدنا بذلك واقررنا به لأنهم كانوا بالله عارفين ~~انه ربهم. # وقوله تعالى { أن تقولوا... إنا كنا عن هذا غافلين } معناه لئلا تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين فأراد بذلك اني انا قررتكم بهذا ~~لتواظبوا على طاعتي وتشكروا نعمتي ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن ~~هذا غافلين. # وقوله تعالى { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } ~~فنشأنا على شركهم فتحنجوا يوم القيامة بذلك، فبين انى قد قطعت بذلك حجتكم ~~هذه بما قررتكم به من معرفتي واشهدتكم على انفسكم باقراركم وبمعرفتكم ~~إياي. # وقوله { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } من آبائنا. وهذا يدل على انها ~~مخصوصة في قوم من بني آدم وانها ليست في جميعهم، لأن جميع بني آدم لم ~~يؤخذوا من ظهور بني آدم لان ولد آدم لصلبه لا يجوز ان يقال: إنهم اخذوا ~~من ظهور بني آدم فقد خرج ولد آدم لصلبه من ذلك وخرج ايضا اولاد المؤمنين ~~من ولد آدم الذين لم يكن آباؤهم مشركين، لانه بين ان هؤلاء الذين اقروا ~~بمعرفة الله واخذ ميثاقهم بذلك كان قد سلف لهم في الشرك آباء. فصح بذلك ~~انهم قوم مخصوصون من اولاد آدم. # فأما ما روي ان الله تعالى اخرج ذرية آدم من ظهره واشهدهم على انفسم وهم ~~كالذر، فان ذلك غير جائز لان الاطفال فضلا عمن هو كالذر لا حجة عليهم، ~~ولا يحسن خطابهم بما يتعلق بالتكليف، ثم ان الآية تدل ms1647 على خلاف ما قالوه. ~~لأن الله تعالى قال { وإذ أخذ ربك من بني آدم } وقال { من ظهورهم } ولم ~~يقل من ظهره. وقال { ذريتهم } ولم يقل ذريته، ثم قال { أو تقولوا إنما ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ~~فأخبر ان هذه الذرية قد كان قبلهم آباء مبطلون وكانوا هم بعدهم. # على ان راوي هذا الخبر سليمان بن بشار الجهني، وقيل مسلم بن بشار عن عمر ~~بن الخطاب وقال يحيى بن معين: سليمان هذا لا يدري اين هو. وايضا فتعليل ~~الآية يفسد ما قالوه. لأنه قال: فعلت هذا لئلا يقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين والعقلاء اليوم في دار الدنيا عن ذلك غافلون. # فان قيل نسوا ذلك لطول العهد او لأن الزمان كان قصيرا كما يعلم الواحد ~~منا اشياء كثيرة ضرورة ثم ينساها كما ينسى ما فعله في امسه وما مضى من ~~عمره. # قلنا: إنما يجوز ان ينسى ما لا يتكرر العلم به ولا يشتد الاهتمام به، ~~فأما الامور العظيمة الخارقة للعادة، فلا يجوز ان ينساها العاقل. الا ترى ~~ان الواحد منا لو دخل بلاد الزنج وراى الأفيلة ولو يوما واحدا من الدهر ~~لا يجوز ان ينسى ذلك حتى لا يذكره اصلا مع شدة اجتهاده واستذكاره؟! ولو ~~جاز ان ينساه واحد لما جاز ان ينساه الخلق بأجمعهم. ولو جوزنا ذلك للزمنا ~~مذهب التناسخ وان الله كان قد كلف الخلق فيما مضى واعادهم، إما لينعمهم ~~او ليعاقبهم. ونسوا ذلك. وذلك يؤدي إلى التجاهل. # على ان أهل الآخرة يذكرون ما كان منهم من احوال الدنيا ولم يجب ان ينسوا ~~ذلك لطول العهد، ولا المدة التي مرت عليهم وهم اموات وكذلك اصحاب الكهف ~~لم ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مع طول المدة في حال نومهم، ~~فعلمنا ان هؤلاء العقلاء لما كانوا شاهدوا ذلك وحضروه وهم عقلاء لما جاز ~~ان يذهب عنهم معرفة ذلك لطول العهد، ولوجب أن يكونوا كذلك عارفين. # وقال قوم وهو المروي ms1648 في أخبارنا إنه لا يمنع ان يكون ذلك مختصا بقوم ~~خلقهم الله وأشهدهم على أنفسهم بعد ان أكمل عقولهم واجابوه ب { بلى } ، ~~وهم اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه، ولا يكون ذلك عاما في جميع العقلاء ~~وهذا وجه ايضا قريب يحتمله الكلام. # وحكى أبو الهذيل في كتابة الحجة: أن الحسن البصري واصحابه كانوا يذهبون ~~إلى ان نعيم الاطفال في الجنة ثواب عن إيمانهم في الذر. # وحكى الرماني عن كعب الاحبار: انه كان يخبر خبر الذر غير انه يقول ليس ~~تأويل الآية على ذلك. وإنما فعل ليجروا على الاعراف الكريمة في شكر ~~النعمة والاقرار لله بالوحدانية، كما روي انهم ولدوا على الفطرة. # ويدل على فساد قولهم قوله تعالى # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا # فهم لو كانوا أخرجوا من ظهر آدم على صورة الذر كانوا بعد من ان يعلموا ~~او يعقلوا ومتى قالوا أكمل الله عقولهم فقد مضى الكلام عليهم. # وذكر الأزهري وروي ذلك عن بعض من تقدم ان قوله: { وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } تمام ~~الكلام. وقوله { شهدنا أن تقولوا يوم القيامة } حكاية عن قول الملائكة ~~انهم يقولون شهدنا لئلا تقولوا. # وهذا خلاف الظاهر وخلاف ما عليه جميع المفسرين لأن الكل قالوا { شهدنا } ~~من قول من قال { بلى } وان اختلفوا في كيفية الشهادة على ان الملائكة لم ~~يجر لها ذكر، فكيف يكون ذلك إخبارا عنهم. ### || [7.174] # إنا كما بينا لكم هذه الآيات كذلك نفصلها للعباد ونبينها لهم. وتفصيله ~~الآيات هو تمييز بعضها من بعض ليتمكنوا من الاستدلال بكل واحدة منها على ~~جهتها وبين أنه فعل ذلك بهم ليتوبوا وليرجعوا عن معاصيه الى طاعته وعن ~~الكفر الى الايمان به. ### || [7.175] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يأمره بأن يقرأ على ~~بني اسرائيل وغيرهم من أمته خبر الذي اتاه الله حججه وبيناته فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان وكان من جملة الغاوين الخائبين الخاسرين. وقيل معناه ~~الضالين الهالكين. ms1649 # واختلفوا في المعني بقوله { آتيناه آياتنا }: فقال ابن عباس ومجاهد: هو ~~بلعام بن باعورا من بني اسرائيل. وقال: معنى { فانسلخ منها } ما نزع منه ~~من العلم. وروي عن عبد الله بن عمر انها نزلت في أمية بن ابى الصلت. وقال ~~مسروق وعبد الله: هي في رجل من بني اسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء. ~~وقال قوم: هو رجل من الكنعانيين. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله للكافر ~~آتاه الله آيات دينه { فانسلخ منها } يقول اعرض عنها وتركها { فأتبعه ~~الشيطان } خذله الله وخلى عنه وعن الشيطان، وهو مثل قوله تعالى # كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله # اى كتب على الشيطان انه من تولى الشيطان فان الشيطان يضله. وقال الجبائي ~~اراد به المرتد الذي كان الله آتاه العلم به وبآياته فكفر به وبآياته ~~وبدينه من بعد ان كان به عارفا فانسلخ من العلم بذلك ومن الايمان. # وقوله { فأتبعه الشيطان } معناه ان الشيطان اتبعه كفار الانس وغواتهم ~~حتى اتبعوه على ما صار اليه من الكفر بالله وبآياته. وقيل اتبعه الشيطان ~~بالتزيين والأغواء حتى تمسك بحبله وكان من الغاوين الخائبين من رحمة ~~الله، قال وهو رجل من المتقدمين يقال له: بلعام بن باعورا. # اتبعه الشيطان، واتبعه لغتان وبالتخفيف معناه قفاه، وبالتشديد حذا حذوه ~~وإذا اردت اقتدا به فبالتشديد لا غير. فأما ما روي أن الآية كانت النبوة ~~فانه باطل، فان الله تعالى لا يؤتي نبوته من يجوز عليه مثل ذلك، وقد دل ~~دليل العقل والسمع على ذلك قال الله تعالى # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # وقال # المصطفين الأخيار # فكيف يختار من ينسلخ عن النبوة. # وقيل: إن الآية كانت الاسم الاعظم وهذا ايضا نظير الاول لا يجوز ان ~~يكون مرادا، والقول هو ما تقدم من اكثر المفسرين: ان المعني به بلعم بن ~~باعورا ومن قال امية بن ابي الصلت قال كان اوتي علم الكتاب فلم يعمل به. ~~والوجه الذي قاله الحسن يليق بمذهبنا دون الذي قاله الجبائي، لان عندنا ~~لا يجوز ان يرتد ms1650 المؤمن الذي عرف الله على وجه يستحق به الثواب. # والنبأ الخبر عن الامر العظيم ومنه اشتقاق النبوة: نباه الله جعله نبيا ~~وإنما آتاه الله الايات باللطف حتى تعلمها وفهم معانيها وقال ابو مسلم: ~~الاية في كل كافر بين الله له الحق فلم يتمسك به. وقال ابو جعفر عليه ~~السلام في الاصل بلعم ثم ضرب مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله تعالى من ~~اهل القبلة. ### || [7.176] # الهاء في { لرفعناه } كناية عن الذي تقدم ذكره، وهو الذي آتاه الله ~~آياته فانسلخ منها، فأخبره الله تعالى انه لو شاء لرفعه بتلك الايات. # واختلفوا في معنى هذه المشيئة فقال الجبائي: المعنى لو شئنا لرفعناه ~~بايمانه ومعرفته قبل ان يكفر لكن ابقيناه ليزداد الايمان، فكفر. وقال ~~البلخي هذا اخبار عن قدرته انه لو شاء لحال بينه وبين الكفر والارتداد، ~~وهو الذي نختاره لأنا قد بينا ان المؤمن لا يجوز ان يرتد. وقال الزجاج: ~~معناه لو شئنا ان نحول بينه وبين المعصية لفعلنا. # وقوله { ولكنه أخلد إلى الأرض } معناه سكن إلى الدنيا وركن اليها ولم ~~يسم إلى الغرض الأعلى. يقال أخلد فلان إلى كذا وكذا وخلد، وبالألف اكثر ~~في كلام العرب، والمعنى إنه سكن إلى لذات الدنيا واتبع هواه أي لم نرفعه ~~بالايات لاتباع هواه. وقيل معنى أخلد قعد ويقال: فلا مخلد إذا أبطأ عنه ~~الشيب ومخلد إذا لم تسقط اسنانه - هكذا ذكره الفراء - ومن الدواب الذي ~~تبقى ثناياه حتى تخرج رباعيتاه. وأخلد بالمكان اذا اقام به، قال زهير: # لمن الديار غشيتها بالفدفد # كالوحي في حجر المسيل المخلد # وقال مالك بن نويرة: # بأبناء حي من قبائل مالك # وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا # وقال ابو عبيدة هو اللزوم للشيء والتقاعس فيه وقال سعيد بن جبير معناه ~~ركن إلى الارض، وقال مجاهد: معناه سكن اليها. # وقوله: { فمثله كمثل الكلب } ضرب الله مثل التارك لآياته والعادل عنها ~~بأخس مثل في أخس احواله، فشبهه بالكلب، لأن كل شيء يلهث فانما يلهث في ~~حال الاعياء والكلال إلا الكلب فانه يلهث ms1651 في حال الراحة والتعب، وحال ~~الصحة وحال المرض. وحال الري وحال العطش وجميع الاحوال، فقال تعالى إن ~~وعظته فهو ضال وان لم تعظه فهو ضال كالكلب إن طردته وزجرته فانه يلهث، ~~وإن تركته يلهث، وهو مثل قوله # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون # وقوله تعالى { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } يعني هذا المثل الذى ~~ضربه بالكلب هو مثل الذين كذبوا بآيات الله. وقال الجبائي إنما شبهه ~~بالكلب لانه لما كفر بعد ايمانه صار يعادي المؤمنين ويؤذيهم، كما ان ~~الكلب يؤذي الناس طردته أو لم تطرده فانه لايسلم من اذاه. # وقوله تعالى { فاقصص القصص } معناه فاقصص على الناس ما نبينه لك لكي ~~يتذكروا ويتفكروا فيرجعوا إلى طاعة الله وينزجروا عن معاصيه. وقال ابن ~~جريج مثله بالكلب، لان الكلب لا فؤاد له فيقطعه الفؤاد حملت عليه او ~~تركته، شبه من ترك الآيات كأنه لافؤاد له. واللهث التنفس الشديد من شدة ~~الاعياء، وفي الكلب طباع يقال: لهث يلهث لهثا فهو لاهث ولهثان. ### || [7.177] # التقدير ساء مثلا مثل القوم، وحذف لدلالة الكلام عليه و { أنفسهم } نصب ~~ب { يظلمون } وصف الله تعالى هذا المثل الذي ضربه وذكره بأنه ساء مثلا ~~اي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وانهم بذلك لا يظلمون إلا ~~انفسهم دون غيرهم، لأن عقاب ما يفعلونه من المعاصي يحل بهم فان الله ~~تعالى لا يضره كفرهم ولا معصيتهم كما لا ينفعه طاعتهم وإيمانهم. ### || [7.178] # { فهو المهتدي } كتب - ها هنا - بالياء ليس في القرآن غيره بالياء، ~~واثبت الياء في اللفظ ها هنا جميع القراء. وقال الجبائي: معنى الآية من ~~يهديه الله إلى نيل الثواب. كما يهدي المؤمن إلى ذلك والى دخول الجنة فهو ~~المهتدي للايمان والخير، لأن المهتدي هو المؤمن فقد صار مهتديا إلى ~~الايمان والى نيل الثواب. ومن يضله الله عن الجنة وعن نيل ثوابها عقوبة ~~على كفره او فسقه، { فأولئك هم الخاسرون } لأنهم خسروا الجنة ونعيمها ~~وخسروا انفسهم والانتفاع بها. وقال البلخي ms1652 المهتدي هو الذي هداه الله ~~فقبل الهداية واجاب اليها، والذي أضله الله هو الضال الذي اختار الضلاله ~~فأضله الله بمعنى خلى بينه وبين ما اختاره وترك منعه بالخير على انه إذا ~~ضل عن امر الله عند امتحانه وتكليفه جاز أن يقال: ان الله أضله. وقيل: ~~معنى { من يهدي الله } من يحكم الله بهدايته { فهو المهتدى } ومن حكم ~~بضلالته فهو الخائب الخاسر. ### || [7.179] # معنى { ذرأنا } خلقنا يقال: ذرأهم يذرأهم واللام في { لجهنم } لام ~~العاقبة. والمعنى انه لما كانوا يصيرون اليها بسوء اختيارهم وقبح أعمالهم ~~جاز أن يقال: إنه ذرأهم لها والذي يدل على ان ذلك جزاء على اعمالهم قوله ~~{ لهم قلوب لا يفقهون بها } وأخبر عن ضلالهم الذي يصيرون به إلى النار، ~~وهو مثل قوله تعالى # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما # ومثل قوله # ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك # ومثل قوله عز وجل # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وإنما التقطوه ليكون قرة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه # قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولدا # ومثله قول القائل: اعددت هذه الخشبة ليميل الحائط فاسنده بها وهولا يريد ~~ميل الحائط. ومثله قول الشاعر: # وللموت تغذو الوالدات سخالها # كما لخراب الدهر تبنى المساكن # وقال الآخر: # اموالنا لذوي الميراث نجمعها # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال الآخر: # وام سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالدة # وقال آخر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # فكلكم يصير إلى ذهاب # وقوله { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها } معناه انهم لما لم يفقهوا بقلوبهم ولم يسمعوا بآذانهم ولم ~~يبصروا بعيونهم ما كانوا يؤمرون به ويدعون اليه سموا بكما عميا صما. ~~ولما لم ينتفعوا بجوارحهم اشبهوا العمي البكم الصم، لان هؤلاء لا ينتفعون ~~بجوارحهم فأشبهوهم في زوال الانتفاع بالجوارح وسموا باسمائهم، ومثله قول ~~مسكين الدارمي: # أعمي اذا ما جارتي خرجت # حتى يواري جارتي الخدر # ويصم عما كان ms1653 بينهما # سمعي وما بي غيره وقر # فجعل نفسه اصما واعمى لما لم ينظر ولم يسمع وقال آخر: # وكلام سيء قد وقرت # أذني عنه ومابي من صمم # وقال آخر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وهذا كثير. ويجوز أن يكون قوله تعالى { ذرأنا لجهنم } معناه ميزنا. # ويقال: ذرأت الطعام والشعير أي ميزت ذلك من التبن والمدر، فلما كان الله ~~تعالى قد ميز اهل النار من اهل الجنة في الدنيا بالتسمية والحكم والشهادة ~~جاز ان يقول ذرأناهم اي ميزناهم. ثم وصفهم بصفة تخالف اوصاف اهل الجنة ~~يعرفون بها فقال { لهم قلوب لا يفقهون بها } إلى آخرها. # ويجوز ان يكون قوله { ذرأنا } بمعنى سنذرأ كما قال: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # بمعنى سينادون، فكأنه قال سيخلقهم خلقا ثانيا للنار بأعمالهم التي ~~تقدمت منهم في الدنيا إذ كانوا استحقوا النار بتلك الاعمال. ولا يجوز أن ~~يكون معنى الاية إن الله خلقهم لجهنم واراد منهم ان يفعلوا المعاصي ~~فيدخلوا بها النار، لأن الله تعالى لا يريد القبيح، لأن إرادة القبيح ~~قبيحة، ولان مريد القبيح منقوص عند العقلاء تعالى الله عن صفة النقص، ~~ولأنه قال # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # فبين انه خلق الخلق للعبادة والطاعة وقال # وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع # وقال # ولقد صرفناه بينهم ليذكروا # وقال # ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط # وقال # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله # ونظائر ذلك اكثر من ان تحصى، فكيف يقول بعد ذلك { ولقد ذرأنا لجهنم } ~~وهل هذا إلا تناقض تنزه كلام الله عنه. # وقوله { أولئك كالأنعام } يعني هؤلاء الذين لا يتدبرون بآيات الله ولا ~~يستدلون بها على وحدانيته وصدق رسله اشباه الانعام والبهائم التي لا تفقه ~~ولا تعلم ثم قال { بل هم أضل } يعني من البهائم، لأن في البهائم ما إذا ~~زجرتها انزجرت واذا أرشدتها إلى طريق اهتدت. وهؤلاء لعتوهم وكفرهم لا ~~يهتدون إلى شيء من الخيرات مع ما ركب الله فيهم من ms1654 العقول التي تدلهم على ~~الرشاد وتصرفهم عن الضلال وليس ذلك في البهائم. ومع ذلك تهتدي إلى ~~منافعها وتتحرز عن مضارها، والكافر لا يفعل ذلك. ثم قال { أولئك هم ~~الغافلون } يعني هؤلاء هم الغافلون عن آياتي وحججي والاستدلال بها ~~والاعتبار بتدبرها على ما تدل عليه من توحيده، لان البهائم التي هي مسخرة ~~مصروفة لا اختيار لها. ### || [7.180] # قرأ حمزة { يلحدون } بفتح الحاء والياء - ها هنا - وفي النحل وحم السجدة ~~وافقه الكسائي وخلف في النحل، والباقون بضم الياء. من قرأ بكسر الحاء، ~~فلقوله # ومن يرد فيه بإلحاد # وألحد أكثر في الكلام قال الشاعر: # ليس الامام بالشحيح الملحد # ولا يكاد يسمع لأحد # والالحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه اللحد الذي يحفر في ~~جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه فمعنى { يلحدون في آياتنا } ~~يجورون عن الحق فيها. وروى ابو عبيدة عن الأحمر: لحدت جرت وملت وألحدت ~~ماريت وجادلت قال: وقال ابو عبيدة: لحدت له والحدت للميت بمعنى واحد. # قال أبن جريج اشتقوا العزى من العزيز واللات من الله. وكان ذلك إلحادا. ~~وقال ابن عباس: الحادهم تكذيبهم. وقال قتادة: هو شركهم. وقال قوم: هو ~~تسميتهم الاصنام بآنها آلهة. # أخبر الله تعالى ان له الاسماء الحسنى نحو قوله تعالى { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } وغير ذلك من الاسماء التي تليق به، وهي الاسماء الراجعة إلى ~~ذاته او فعله نحو العالم العادل، والسميع البصير المحسن المجمل، وكل اسم ~~لله فهو صفة مفيدة لأن اللقب لا يجوز عليه. وامر تعالى ان يدعوه خلقه بها ~~وان يتركوا اسماء اهل الجاهلية وتسميتهم اصنامهم آلهة ولاتا وغير ذلك. ~~وقال الجبائي: يحتمل أن يكون اراد تسميتهم المسيح بأنه ابن الله وعزيرا ~~بأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقال قوم: هذا يدل على ~~أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه. # وقوله { وذروا الذين يلحدون } فيه تهديد للكفار وأن الله تعالى سيعاقبهم ~~على عدولهم عن الحق في تغيير أسمائه. # وقوله تعالى { سيجزون ما كانوا يعملون ms1655 } معناه سيجزون جزاء ما كانوا ~~يعملون من المعاصي بانواع العذاب. قال الرماني الاسم كلمة تدل على المعني ~~دلالة الاشارة، والفعل كلمة تدل على المعني دلالة الافادة. والصفة كلمة ~~مأخوذة للمذكور من اصل من الاصول لتجري عليه تابعة له. ### || [7.181] # أخبر الله تعالى أن من جملة من خلقه جماعة يهدون بالحق. وهداهم بالحق هو ~~دعاؤهم الناس إلى توحيد الله والى دينه وتنبيههم إياهم على ذلك. وقال قوم ~~معنى { يهدون } يهتدون { وبه يعدلون } معناه إنهم يعملون بالعدل والانصاف ~~فيما بينهم وبين الناس. # وهذا إخبار ان فيما خلق قوما هذه صفتهم ولا يدل ذلك على ان في كل عصر ~~يوجد قوم هذه صفتهم ولو لم يوجدوا إلا في وقت واحد كانت الفائدة حاصلة ~~بالاية، فلا يمكن الاستدلال بها على ان اجماع اهل الاعصار حجة. على ان ~~عندنا انه لايخلوا وقت من الاوقات ممن يجب اتباعه وتثبت عصمته ويكون حجة ~~الله على خلقه فيمكن أن يكون المراد بالآية من ذكرناه. وقال ابو جعفر ~~عليه السلام وقتادة وابن جريج: الآية في أمة محمد صلى الله عليه وآله وهو ~~مثل قوله تعالى # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # فكما أنه لا يدل على وجود أئمة في كل وقت فكذلك ما قالوه. ### || [7.182-183] # المعنى إن الذين كذبوا بآيات الله التي تضمنها القرآن والمعجزات الدالة ~~على صدق النبي صلى الله عليه وآله وكفروا بها سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~استدراجا لهم إلى الهلكة حتى يقعوا فيها بغتة من حيث لا يعلمون، كما قال ~~تعالى # بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها # وقال: # فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون # فيقولوا هل نحن منظرون؟ ويجوز ان يكون من عذاب الآخرة. # فأما من قال من المجبرة: إن معنى الآية أن الله يستدرجهم إلى الكفر ~~والضلال فباطل، لأن الله تعالى لا يفعل ذلك لانه قبيح ينافي الحكمة، ثم ~~إن الآية بخلاف ذلك لأنه بين أن هؤلاء الذين يستدرجهم كفار بالله ورسوله ~~وبآياته، وانه سيستدرجهم في المستقبل لأن السين لا تدخل إلا على المستقبل ~~فلا معنى ms1656 لقوله { إن الذين كفروا سنستدرجهم } إلى الكفر، لأنهم كفار قبل ~~ذلك، ولا يجب في الكافر أن يبقى حتى يواقع كفرا آخر، لأنه يجوز أن يميته ~~الله تعالى، فبان بذلك أن المراد أنه سيستدرجهم إلى العذاب والعقوبات من ~~حيث لا يعلمون في مستقبل أمرهم بقوا أو لم يبقوا. على ان الاستدراج عقوبة ~~من الله والله لا يعاقب أحدا على فعل نفسه كما لا يعاقبهم على طولهم او ~~قصرهم. # ويحتمل ان يكون معنى الآية إنا نعاقبهم على استدراجهم للناس وإغوائهم ~~إياهم ونعاقبهم على كيدهم، فجعل العقوبة على الاستدراج استدراجا، ~~والعقوبة على الكيد كيدا، كما قال # سخر الله منهم # وقال # الله يستهزئ بهم # وقال # يخادعون الله وهو خادعهم # وقال # والله خير الماكرين # وما اشبه ذلك. # ويحتمل ان يكون المراد: إني سأفعل بهم ما يدرجون في الفسوق والضلال عنده ~~ويكون ذلك إخبار عن بقائهم على الكفر عند إملائه لهم، فسمى ذلك استدراجا ~~لأنهم عند البقاء كفروا وازدادوا كفرا ومعصية. وان كان الله لم يرد منهم ~~ذلك ولا بعثهم عليه، كما قال # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # كما يقول القائل: أبطر فلان فلانا بانعامه عليه. ولقد ابطرته النعمة ~~واكفرته السلامة، وإن كان المنعم لا يريد ذلك بل اراد ان يشكره عليها. # ومعنى قوله { وأملي لهم } أؤخر هؤلاء الكفار في الدنيا وابقيهم مع ~~إصرارهم على الكفر ولا أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم، لانهم لا يفوتوني ولا ~~يعجزوني، ولا يجدون مهربا ولا ملجأ. # وقوله تعالى { إن كيدي متين } معناه إن عذابي وسماه كيدا لنزوله بهم من ~~حيث لا يشعرون. وقيل: إنه اراد أن جزاء كيدهم وسماه كيدا للازدواج على ~~ما بينا نظائره. ومعنى { متين } شديد قوي قال الشاعر: # عدلن عدول اليأس والشيخ يبتلى # افانين من الهوب شد مماتني # يعني شد او شديدا باقيا لا ينقطع. والمتن أصله اللحم الغليظ الذي عن ~~جانب الصلب وهما متنان. والكيد والمكر واحد، وهو الميل إلى الشر في خفى، ~~كاد يكيد كيدا ومكيدة، وفلان يكيد بنفسه. # وأصل الاستدراج اغترار المستدرج من ms1657 حيث يرى أن المستدرج محسن اليه حتى ~~يورطه مكروها. والاستدراج أن يأتيه من مأمنه من حيث لا يعلم. # و { أملي } بمعنى أؤخر من الملي - ثقيلة الياء - يقال مضى عليه ملي من ~~الدهر وملاؤ من الدهر - بفتح الميم وضمها وكسرها - أي قطعة منه. ووجه ~~الحكمة في اخذهم من حيث لا يعلمون أنه لو اعلمهم وقت ما يأخذهم وعرفهم ~~ذلك لأمنوه قبل ذلك وكانوا مغريين بالقبيح قبله تعويلا على التوبة فيما ~~بعد وذلك لا يجوز عليه تعالى. والاستدراج على ضربين: # احدهما - ان يكون الرجل يعادي غيره فيطلب له المكايدة والختل من وجه ~~يغتره به ويخدعه ويدس اليه من يوقعه في ورطة حتى يشفي صدره ولا يبالي كيف ~~كان ذلك، فهذا سفيه غير حكيم. # والآخر - أن يحلم فيه ويتأنى ويترك العجلة في عقوبته التي يستحقها على ~~معاصيه كيدا ومكرا واستدراجا. ألا ترى لوان إنسانا عادى غيره فجعل ~~يشتمه ويعيبه وذاك يعرض عنه ولا يكافيه مع قدرته على مكافاته جاز أن يسمى ~~كيدا واستدراجا ومكرا وحيلة، ولجاز ان يقال: فلان متين الكيد شديد ~~الاستدراج، بعيد الغور محكم التدبير. # وقيل في معنى { سنستدرجهم } سنأخذهم قليلا قليلا ولا نباغتهم، يقال: ~~امتنع فلان على فلان واتى عليه حتى استدرجه اي خدعه حتى حمله على ان درج ~~اليه درجانا أي اخذ في الحركة نحوه كما يدرج الصبي اول ما يمشي، ويقال: ~~صبي دراج: ويقال: درجوا قرنا بعد قرن اي فنيوا قليلا قليلا. ### || [7.184-185] # هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه ~~وآله إلى الجنون على وجه التوبيخ لهم والتقريع { أولم يتفكروا ما بصاحبهم ~~من جنة } اي وليس بالنبي صلى الله عليه وآله جنة وهي الجنون، فانه لا ~~يأتي بمثل ما يأتي به المجنون، وهم يرون الاصحاء منقطعين دونه ويرون صحة ~~تدبيره واستقامة أعماله وذلك ينافي أعمال المجانين. # وبين انه ليس به صلى الله عليه وآله إلا الخوف للعباد من عقاب الله، لأن ~~الانذار هو الاعلام عن المخاوف، فبين لهم ما عليهم من أليم ms1658 العذاب ~~بمخالفته ثم قال { أولم ينظروا } ومعناه يفكروا { في ملكوت السماوات ~~والأرض } وعجيب صنعهما فينظروا فيهما نظر مستدل معتبر، فيعرفون بما يرون ~~من اقامة السماوات والارض مع عظم أجسامهما وثقلهما على غير عمدو تسكينها ~~من غير آلة فيستدلوا بذلك على انه خالقها ومالكها وأنه لا يشبهها ولا ~~تشبهه. # وقوله { وما خلق الله من شيء } يعني وينظروا فيما خلق الله تعالى من ~~اصناف خلقه فيستدلوا بذلك على انه تعالى خالق جميع الاجسام وأنه أولى ~~بالالهية من الاجسام المحدثة. # وقوله تعالى { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } معناه اولم يتفكروا في ~~ان عسى ان يكون قد اقترب اجلهم، وهو اجل موتهم فيدعوهم ذلك إلى ان ~~يحتاطوا لدينهم ولانفسهم فيما يصيرون اليه بعد الموت من امور الآخرة ~~ويزهدهم في الدنيا وفيما يطلبونه من فخرها وعزها وشرفها فيدعوهم ذلك إلى ~~النظر في الأمور التي أمرهم بالنظر فيها. # وقوله تعالى { فبأي حديث بعده يؤمنون } معناه بأي حديث بعد القرآن ~~يؤمنون مع وضوح دلالته على أنه كلام الله إذ كان معجزا لا يقدر أحد من ~~البشر ان يأتي بمثله، وسماه حديثا لأنه محدث غير قديم لأن إثباته حديثا ~~ينافي كونه قديما. # وفي الآية دلالة على وجوب النظر وفساد التقليد، لان النظر المراد به ~~الفكر دون نظر العين، لان البهائم ايضا تنظر بالعين، وكذلك الاطفال ~~والمجانين، والفكر موقوف على العقلاء. # وقال الحسن وقتادة سبب نزول الآية ان النبي صلى الله عليه وآله وقف على ~~الصفا يدعوا قريشا فخذا فخذا، فيقول: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم ~~بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بأن يصوت على الصباح: ~~فأنزل الله الآية. # والملكوت هو الملك الاعظم للمالك الذي ليس بمملك. ### || [7.186] # قرأ أهل العراق { ويذرهم } بالياء، واسكن الراء منه حمزة والكسائي وخلف ~~الباقون بالنون وضم الراء من قرأ بالنون قال لأن الشرط من الله، فكأنه ~~قال { من يضلل الله... فنذرهم }. ومن قرأ بالياء رده إلى اسم الله تعالى ~~وتقديره الله يذرهم. ومن ضم الراء قطعه عن ms1659 الأول ولم يجعله جوابا. ويجوز ~~أن يكون أضمر المبتدأ وكان تقديره ونحن نذرهم، فيكون في موضع الجزم. ~~ويجوز أن يكون استأنف الفعل فيرفعه ومن جزمه فانه عطفه على موضع الفاء ~~وما بعدها من قوله { فلا هادي له } لان موضعه جزم، فحمل { ونذرهم } على ~~الموضع، ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى # فأصدق وأكن # لأنه لو لم يلحق الفاء لقلت لولا أخرتني أصدق، لان معنى # لولا أخرتني # أخرني أصدق. فحمل قوله تعالى { وأكن } على الموضع. # ومعنى قوله { من يضلل الله فلا هادي له } اي يمتحنه الله فيضل عند ~~امتحانه وأمره إياه بالطاعة والخير والرشاد { فلا هادي له } أي لا يقدر ~~أحد أن يأتيه بالهدى والبرهان بمثل الذي آتاه الله تعالى، ولا بما يقارنه ~~أو يزيد عليه { ويذرهم في طغيانهم } بمعنى يخلي بينهم وبين ذلك، وترك ~~اخراجه بالقسر والجبر، ومنعه إياه لطفه الذي يؤتيه من آمن واهتدى وقيل ~~الوعظ. # والطغيان الغلو في الكفر، والعمه: التحير والتردد في الكفر. ويحتمل ان ~~يكون المراد من يضلل الله عن الجنة عقوبة على كفره فلا هادي له اليها وإن ~~الله لا يحول بين الكافر بل يتركه مع اختياره لأن ما فعله من الزجر ~~والوعيد كاف في ازاحة علة المكلف. وقيل معناه من حكم الله تعالى بضلاله ~~وسماه ضالا بما فعله من الكفر والضلال فلا احد يقدر على إزالة هذا الاسم ~~عنه ولا يوصف بالهداية، وكل ذلك واضح بحمد الله تعالى. ### || [7.187] # { أيان } معناه متى، وهي سؤال عن الزمان على وجه الظرف. # أخبر الله تعالى ان الكفار يسألون النبي صلى الله عليه وآله عن الساعة، ~~وهي القيامة { أيان مرساها } أي وقت قيامها وثباتها. ومعنى { أيان } متى ~~قال الراجز: # ايان تقضي حاجتي أيانا # أما ترى لنججها إبانا # و { مرساها } في موضع رفع بالابتداء، يقال: رسى يرسوا إذا ثبت فهو راس ~~وجبال راسيات ثابتات، وارساها الله اي ثبتها. وقيل معنى { مرساها } الوقت ~~الذي يموت فيه جميع الخلق، ومعنى سؤالهم عنها اي متى وقوعها وكونها. فأمر ~~الله تعالى نبيه صلى ms1660 الله عليه وآله ان يجيبهم ويقول لهم { علمها عند ~~الله } لم يطلع عليها احدا كما قال # إن الله عنده علم الساعة # وقوله تعالى { لا يجليها لوقتها إلا هو } اي لا يظهرها في وقتها إلا ~~الله. # وقوله تعالى { ثقلت في السماوات والأرض } قيل في معناه قولان: # احدهما - ثقل علمها على السماوات والأرض ذهب اليه السدي وغيره. # الثاني - ثقل وقوعها على اهل السموات والأرض - ذكره ابن جريج وغيره -. # ثم اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بكيفية وقوعها فقال { لا ~~تأتيكم إلا بغتة } يعني فجأة. # وقوله { يسألونك كأنك حفي عنها } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - ان معناه وتقديره حفي عنها يسألونك عن الساعة ووقتها كأنك عالم ~~بها وقيل: معناه كأنك فرح بسؤالهم عنها. وقيل: معناه كأنك اكثرت السؤال ~~عنها ذكره مجاهد. يقال حفيف بفلان في المسألة إذا سألته سؤالا أظهرت فيه ~~المحبة والبر، قال الشاعر: # سؤال حفي عن أخيه كأنه # بذكرته وسنان او متواسن # ويقال: احفى فلان بفلان في المسألة إذا اكثر عليه. ويقال: حفيت الدابة ~~تحفى حفا مقصورا إذا اكثر عليها الم المشي، والحفاء - ممدودا - المشي ~~بغير نعل. ثم امر الله نبيه ان يقول { إنما علمها عند الله } اي لا ~~يعلمها إلا الله. # وقوله تعالى { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } معناه اكثر الناس لا يعلمون ~~ان ذلك لا يعلمه إلا الله، ويظنون انه قد يعلمه الأنبياء وغيرهم من خلقه. ~~وقال الجبائي معناه { لكن أكثر الناس لا يعلمون } لم اخفى الله تعالى علم ~~ذلك على التعيين على الخلق. والوجه فيه انه ازجر لهم عن معاصيه لانهم إذا ~~جوزوا في كل وقت قيام الساعة وزوال التكليف كان ذلك صارفا لهم عن فعل ~~القبيح خوفا من فوات وقت التوبة. وقوله في اول الآية { قل إنما علمها ~~عند ربي } يعني علم وقت قيامها. وقوله في آخرها { قل إنما علمها عند الله ~~} معناه علم كيفيتها وشرح هيئتها وتفصيل ما فيها لا يعلمه إلا الله، فلا ~~تكون تكرارا لغير فائدة. # وقال قتادة الذين سألوا عن ms1661 ذلك قريش. وقال ابن عباس: هم قوم من اليهود ~~وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها يسألونك عنها كأنك حفي بهم. # قال الجبائي وفي الاية دليل على بطلان قول الرافضة من أن الأئمة معصومون ~~منصوص عليهم واحدا بعد الآخر إلى يوم القيامة، لأن على هذا لا بد أن ~~يعلم آخر الأئمة أن القيامة تقوم بعده ويزول التكليف عن الخلق، وذلك خلاف ~~قوله { قل إنما علمها عند الله }. # وهذا الذي ذكره باطل لأنه لا يمتنع أن يكون آخر الائمة يعلم أنه لا إمام ~~بعده وإن لم يعلم متى تقوم الساعة، لانه لا يعلم متى يموت، فهو يجوز أن ~~يكون موته عند قيام الساعة إذا أردنا بذلك انه وقت فناء الخلق. وإن قلنا ~~إن الساعة عبارة عن وقت قيام الناس في الحشر فقد زالت الشبهة، لأنه إذا ~~علم أنه يفنى الخلق بعده لا يعلم متى يحشر الخلق. على انه قد روي أن بعد ~~موت آخر الأئمة يزول التكليف لظهور اشراط الساعة وتواتر إماراتها نحو ~~طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك، ومع ذلك فلا يعلم وقت قيام ~~الساعة، ولهذا قال الحسن وجماعة من المفسرين: بادروا بالتوبة قبل ظهور ~~الست: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة، وغير ذلك مما قدمناه فعلى ~~هذا سقط السؤال. ### || [7.188] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين إني { لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله } ان يملكني إياه فمشيئته تعالى في ~~الآية واقعة على تمليك النفع والضر لا على النفع والضر، لانه لو كانت ~~المشيئة إنما وقعت على النفع والضر كان الانسان يملك ما شاء الله من ~~النفع، وكان يملك الأمراض والاسقام وسائرها ما يفعله الله فيه مما لا يجد ~~له عن نفسه دفعا. ومعنى الاية إني املك ما يملكني الله من الاموال وما ~~اشبهها مما يملكهم ويمكنهم من التصرف فيها على ما شاؤا، وكيف شاؤا. والضر ~~الذي ملكهم الله إياه هو ما مكنهم منه من الاضرار بأنفسهم وغيرهم، ومن ms1662 لم ~~يملكه الله شيئا منه لم يملكه. # وذلك يفسد تأويل المجبرة الذين قالوا: معنى الاية إن الله يريد جميع ما ~~ينال الناس من النفع والضرر وإن كان ظلما وجورا من أفعال عباده. # وقوله عز وجل { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } ~~معناه إني لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما يربح من التجارات في المستقبل وما ~~يخسر من ذلك فكنت اشتري ما اربح واتجنب ما اخسر فيه، فتكثر بذلك الاموال ~~والخيرات عندي، وكنت أعده في زمان الخصب لزمان الجدب { وما مسني السوء } ~~يعني الفقر إذا فعلت ذلك. وقيل: وما مسني تعذيب. وقيل: وما مسني جنون ~~جوابا لهم حين نسبوه إلى الجنون. وقال ابن جريج { لو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت } من العمل الصالح قبل حضور الاجل، وهو قول مجاهد وابن زيد. ~~وقال البلخي: لو كنت اعلم الغيب لكنت قديما، والقديم لا يمسه السوء لان ~~احدا لا يعلم الغيب الا الله. # وفي الآية دلالة على ان القدرة قبل الفعل، لأن قوله { لو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير } يفيد أنه كان قادرا لأنه لو لم تكن القدرة إلا مع ~~الفعل لو علم الغيب لما امكنه الاستكثار من الخير وذلك خلاف الآية. # وقوله تعالى { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } معناه لست الا ~~مخوفا من العقاب محذرا من المعاصي ومبشرا بالجنة حاثا عليها غير عالم ~~بالغيب { لقوم يؤمنون } فيصدقون بما اقول، وخصهم بذلك لانهم الذين ~~ينتفعون بانذاره وبشارته دون من لا يصدق به كما قال { هدى للمتقين }. ### || [7.189-190] # قرأ اهل المدينة وابو بكر وعكرمة والاعرج " شركا " بكسر الشين منونا ~~الباقون بضم الشين على الجمع. وقرا ابن يعمر " فمرت " بتخفيف الراء وهو ~~شاذ. # قال ابو علي الفارسي: من قرا " شركا " بكسر الشين منونا - حذف المضاف ~~كأنه اراد جعلا له ذا شرك اي ذا نصيب او ذوي شرك، ويكون كقول من جمع ~~فالقراءتان يؤلان إلى معنى واحد. والضمير في قوله { له } يعود إلى اسم ~~الله كأنه قال جعلا لله شركاء. # وقال ms1663 ابو الحسن: كان ينبغي لمن قرأ - بكسر الشين - أن يقول جعلا لغيره ~~شركا. وقول من قرا { جعلا له شركاء } يجوز ان يريد جعلا لغيره فيه شركاء, ~~فحذف المضاف، فالضمير على هذا ايضا في { له } راجع إلى الله تعالى. وقال ~~ابو علي يجوز ان يكون الكلام على ظاهره، ولا يقدر حذف المضاف في قوله ~~تعالى { جعلا له } وانت تريد لغيره ولكن يقدر حذف المضاف الى شرك فيكون ~~المعنى جعلا له ذوي شرك، واذا جعلا له ذوي شرك كان في المعنى مثل لغيره ~~شركا، فلا يحتاج إلى تقدير جعلا لغيره شركا. # قال ابو علي: ويجوز ان يكون قوله تعالى { جعلا له شركاء } جعل احدهما له ~~شركاء او ذوي شرك فحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه كما حذف من قوله ~~تعالى { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } والمعنى على رجل ~~واحد من احد رجلي القريتين. وحكى الازهري ان الشرك والشريك واحد ويكون ~~بمعنى النصيب. # قوله { هو الذي } كناية عن الله تعالى وإخبار عن الذي خلق البشر من نفس ~~واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها يعني حواء. # وقيل: انه خلقها من ضلع من اضلاعه وبين انه إنما خلقها ليسكن اليها آدم ~~ويأنس بها. # وقوله { فلما تغشاها } معناه لما وطأها وجامعها. وقيل: تغشاها بدنوه بها ~~لقضاء حاجة، فقضى حاجته منها { حملت } ففي الكلام حذف { حملت حملا ~~خفيفا } لأن الحمل اول ما يكون خفيفا، لانه الماء الذي يحصل في رحمها. ~~والحمل - فتح الحاء ما كان في الجوف وكذلك ما كان على نخلة او شجرة فهو ~~مفتوح. - وبكسر الحاء - ما كان من الثقل على الظهر. # وقوله تعالى { فمرت به } معناه استمرت به وقامت وقعدت وقيل: شكت له ~~وآلمها ثقلها. ومن خفف الراء اراد شكت ومارت فلم تدر هي حامل ام لا. وقال ~~الحسن أغلاما ام جارية. # وقوله تعالى { فلما اثقلت } اي صارت ذات ثقل كما يقال اثمر اي صار ذا ~~ثمر، وذلك قرب ولادتها. { دعوا الله ربهما } يعني آدم وحواء دعوا الله اي ~~سألاه ms1664 { لئن آتيتنا صالحا } اي لو أعطيتنا ولدا صالحا. # قال الجبائي: صالحا يعني سليما من الآفات صحيح الحواس والآلات. وقال ~~غيره: معنى صالحا مطيعا فاعلا للخير { لنكونن من الشاكرين } اي نكونن ~~معترفين نعمك علينا نعمة بعد نعمة تسديها الينا. # وقوله عز وجل { فلما آتاهم صالحا } يعني فلما آتى الله آدم وحواء ولدا ~~صالحا جعلا له شركاء، واختلفوا في الكناية إلى من ترجع في قوله { جعلا ~~}: # فقال قوم هي راجعة إلى الذكور والاناث من اولادهما او إلى جنسي من اشرك ~~من نسلهما، وإن كانت الادلة تتعلق بهما. ويكون تقدير الكلام فلما آتى ~~الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار اولادهما ذلك ~~مضافا إلى غير الله. ويقوي ذلك قوله تعالى { فتعالى الله عما يشركون } ~~فلو كانت الكناية عن آدم وحواء لقال عما يشركان. وإنما اراد تعالى الله ~~عما يشرك هذان النوعان او الجنسان وجمعه على المعنى. وقد ينتقل الفصيح من ~~خطاب إلى خطاب غيره. ومن كناية إلى غيرها. قال الله تعالى # إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله # فانصرف من مخاطبة الرسول إلى المرسل اليهم ثم قال # وتعزروه وتوقروه # يعني الرسول ثم قال { وتسبحوه } يعني الله تعالى، قال الهذلي: # يا لهف نفسي كان جده خالد # وبياض وجهك للتراب الأعفر # ولم يقل وبياض وجهه. وقال كثير: # اسيء بنا او احسني لا ملومة # لدنيا ولا مقلية إن تقلت # فخاطبها ثم ترك الخطاب. وقال الاخر: # فدى لك ناقتي وجميع اهلي # وما لي إنه منه آتاني # ولم يقل منك اتاني. وليس لاحد ان يقول كيف يكني عمن لم يجر له ذكر، وذلك ~~ان لنا عنه جوابين: # احدهما - انه يجوز ذلك إذا دل الدليل عليه، كما قال # حتى توارت بالحجاب # ولم يتقدم للشمس ذكر. وقال الشاعر: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # ولم يتقدم للنفس ذكر. # والجواب الثاني - انه تقدم ذكر ولد آدم في قوله { هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة } واراد بذلك جميع ولد آدم، وتقدم ايضا ms1665 في قوله { فلما آتاهما ~~صالحا } لان معناه ولدا صالحا، ويريد بذلك الجنس. وإن كان لفظه ~~واحدا، وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما وجب ان يضاف إلى ~~الاخر، والشرك لا يليق بآدم، لأنه نبي نزهه الله عن ذلك، وعن جميع ~~القبائح، ويلق بكفار ولده ونسله فوجب ان نرده اليهم. # وقال الزجاج وإبن الاخشاد: جعل من كل نفس زوجها كأنه قال: وجعل من النفس ~~زوجها على طريق الجنس واضمر لتقدم الذكر. # وقال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الكناية في جميع ذلك غير متعلقة ~~بآدم وحواء وجعل الهاء في { تغشاها } والكناية في { دعوا الله ربهما، ~~وآتاهما صالحا } راجعين إلى من اشرك ولم يتعلق بآدم وحواء إلا قوله: { ~~خلقكم من نفس واحدة } والاشارة بذلك إلى جميع الخلق. # وكذلك قوله { وجعل منها زوجها } ثم خص بها بعضهم، كما قال # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة # فخاطب الجماعة ثم خص راكب البحر، فكذلك اخبر الله تعالى عن جملة امر ~~البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم وحواء ثم عاد الذكر ~~إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما اعطاه إياه ادعى له الشركاء في ~~عطيته. # وقال قوم: يجوز ان يكون عنى بقوله { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } ~~المشركين خصوصا، إذ كان كل بني آدم مخلوقون من نفس واحدة كأنه قال: خلق ~~كل احد من نفس واحدة وخلق من النفس الواحدة زوجها، ومثله كثير نحو قوله ~~عز وجل # فاجلدوهم ثمانين جلدة # والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم. وقال قوم: ان الهاء في قوله: { جعلا له ~~شركاء } راجعة إلى الولد لا إلى الله ويكون المعنى انهما طلبا من الله ~~تعالى امثالا للولد الصالح فاشركا بين الطلبتين، كما يقول القائل: طلبت ~~مني درهما فلما اعطيتكه شركته بآخر أي طلبت آخر مضافا اليه، فعلى هذا ~~يجوز أن تكون الكناية من اول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء. # فان قيل: فعلى هذا فأي تعلق لقوله { فتعالى ms1666 الله عما يشركون } بذلك. ~~وكيف ينزه نفسه عن ان يطلب منه ولد آخر؟! # قلنا: لم ينزه نفسه عن ذلك وإنما نزهها عن الاشراك به، ليس يمتنع ان ~~يقطع هذا الكلام عن حكم الاول، لانه قال بعد ذلك { ايشركون ما لا يخلق ~~شيئا وهم يخلقون } فنزه نفسه عن هذا الشرك دون ما تقدم. # فأما الخبر المدعى في هذا الباب، فلا يلتفت اليه، لأن الاخبار تبنى على ~~ادلة العقول، فاذا علمنا بدليل العقل ان الأنبياء لا يجوز عليهم المعاصي ~~تأولنا كل خبر يتضمن خلافه او ابطلناه، كما نفعل ذلك بأخبار الجبر ~~والتشبيه. على ان هذا الخبر مطعون في سنده، لأنه يرويه قتادة عن الحسن عن ~~سمرة، وهو مرسل، لأن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا - في قول البغداديين - ~~ولأن الحسن قال بخلاف ذلك فيما روى عنه عروة - في قوله عز وجل { فلما ~~آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما } قال هم المشركون. ويعارض ذلك ~~ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم: من ان الشرك غير منسوب إلى ~~آدم وزوجته، وأن المراد به غيرهما على ان في الخبر اشركا إبليس اللعين ~~فيما ولد لهما بأن سمياه عبد الحرث، والاية تقضي انهم اشركوا الاصنام ~~التي لا تخلق وهي تخلق، والتي لا تستطيع ضرا ولا نفعا وليس لابليس في ~~الآية ذكر، ولو كان له ذكر لقال أتشركون من. وقال في آخر القصة { ألهم ~~أرجل يمشون بها... } وكذا، ولا يليق ذلك بابليس. ويقوي ان الاية مصروفة ~~عن ادم إلى ولده انه قال { فلما تغشاها } ولو كان منسوقا على النفس ~~الواحدة لقال فلما تغشتها، لان ذلك هو الأجود والأفصح وإن جاز خلافه. ~~وحكى البلخي عن قوم انهم قالوا: لو صح الخبر لم يكن في ذلك الا إشراكا ~~في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية كبيرة، وذهب اليه كثير من المفسرين ~~واختاره الطبري. ### || [7.191-193] # قرأ نافع { لا يتبعوكم } وفي الشعراء { يتبعهم } بالتخفيف. الباقون ~~بالتشديد وهما لغتان، وبالتشديد اكثر. قال ابو زيد تقول: رأيت القوم ~~فأتبعتهم إتباعا ms1667 إذا سبقوك فأسرعت نحوهم ومروا علي فاتبعتهم اتباعا إذا ~~ذهبت معهم ولم يسبقوك، قال: وتبعتهم اتبعهم تبعا مثل ذلك. # وفي الآية توبيخ من الله وتعنيف للمشركين، وإن خرج مخرج الاستفهام، ~~بأنهم يعبدون مع الله جمادا لا يخلق شيئا من الاجسام ولا ما يستحق به ~~العبادة، وهم مع ذلك مخلوقون محدثون ولهم خالق خلقهم. ونبههم بذلك على ~~انه لا ينبغي أن يعبد إلا من يقدر على إنشاء الاجسام واختراعها وخلق اصول ~~النعم التي يستحق بها العبادة، وان ذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي ~~ليس بجسم، والقادر لنفسه، ثم بين أن هذه الاشياء التي يعبدونها ~~ويتخذونها آلهة واشركوا بها مع الله تعالى لا تقدر لمن عبدها واتخذها ~~إلها على نفع ولا على ضر ولا أن ينصروهم، ولا ان ينصروا انفسهم إن اراد ~~بهم غيرهم سوءا، ومن هذه صورته فهو على غاية العجز، ولا يجوز أن يكون ~~إلها. وإنما يجب ان يكون كذلك من يقدر على الضر والنفع ونصرة اوليائه. # وقوله تعالى { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } معناه إن الاصنام ~~والأوثان التي كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة إن دعوها إلى الهدى والرشد ~~لم يستمعوا ذلك، ولا تمكنوا من اتباعهم، لأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل - ~~في قول ابي وغيره - وقال الحسن: إن ذلك راجع إلى قوم من المشركين قد عموا ~~بالكفر فهم لا يعلمون. # ثم قال { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } يعني سواء عندها دعاؤها ~~والسكوت عنها لكونها جمادا لا تعقل وإنما قال { أم أنتم صامتون } ولم ~~يقل أم صمتم ليكون في مقابلة { أدعوتموهم } فيفيد الماضي والحال لأن ~~المقابلة دلت على معنى الماضي، واللفظ يدل على معنى الحال، وعليه أكثر ~~الكلام يقولون: سواء علي أقمت أم قعدت، ولا يقولون أقمت أم أنت قاعد، قال ~~الشاعر: # سواء إذا ما اصلح الله امرهم # علينا ادثر ما لهم ام اصارم # وانشد الكسائي: # سواء عليك النفر ام بت ليلة # بأهل القبا من نمير بن عامر # وانشد بعضهم: # (ام انت بائت) ### || [7.194] # إنما قال { إن ms1668 الذين } وهو يريد الاصنام، لأنها لما كانت عندهم معبودة ~~تنفع وتضر، جاز أن يكني عنها بما يكنى عن الحي، كما قال في موضع آخر # بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم # ولم يقل فعله كبيرها فاسألوها، وقال # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # لما أضاف السجود إليها جمعها بالواو والنون التي تختص بالعقلاء ومعنى { ~~من دون الله } غير الله، كأنه قال كل مدعو إلها غير الله { عباد أمثالكم ~~} و { من } لابتداء الغاية في أن الدعاء دون دعاء الله إلى حيث انتهى ~~إنما هو لعباد الله. ثم قال { عباد أمثالكم } فانما سماها كذلك لأن ~~التعبد التذلل، فلما كانت الاصنام تنصرف على مشيئة الله، وهي غير ممتنعة ~~عما يريد الله تعالى بها كانت بذلك في معنى العباد. ويقال عبدت الطرق إذا ~~وطئته حتى تقرر وسهل سلوكه. ومنه قوله تعالى # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل # اي ذللتهم واستخدمتهم ضروبا من الخدم. وقال الجبائي وغيره: معنى { عباد ~~} أي املاك لربهم كما انتم عبيد له، فان كنتم صادقين في ادعائكم انها ~~آلهة فادعوهم ليستجيبوا لدعائكم. وهذه لام الأمر على معنى التهجين كما ~~قال # هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # فاذا لم يستجيبوا لكم، لانها لا تسمع دعاءكم فاعلموا انها لا تنفع ولا ~~تضر ولا تستحق العبادة. # فأما من قال الاصنام تعبد الله على الحقيقة كما يعبد العقلاء، وان كنا ~~لا نفقه ذلك فقد تجاهل، لأن العبادة ضرب من الشكر، والشكر هو الاعتراف ~~بالنعمة مع ضرب من التعظيم. والعبادة وان كانت شكرا فانه يقارنها خضوع ~~وتذلل. وكل ذلك يستحيل من الجماد. # ويحتمل من حيث انهم توهموا انها تضر وتنفع فقيل لهم ليس يخرج هؤلاء بذلك ~~عن حكم الله تعالى. وقال الحسن: معناه إنها مخلوقة امثالكم. والعبد ~~المملوك من جنس ما يعقل، لأن الثوب مملوك، ولا يسمى عبدا. # وقيل الدعاء الأول في الآية تسميتهم الاصنام آلهة كأنه قال: { إن الذين ~~تدعون } آلهة من دون الله فاطلبوا منهم المنافع وكشف المضار، فاذا كان ~~ذلك ميؤسا منها، فعبادتها جهل وسخف. ms1669 وقوله { إن كنتم صادقين } قال ~~الحسن: معناه في أنهم آلهة. ### || [7.195] # قرأ ابو جعفر { يبطشون } ويبطش - بظم الطاء - حيث وقع. الباقون بكسرها. ~~وهما لغتان، والكسر افصح واكثر. وقرأ { كيدوني } بياء في الحالين الوقف ~~والوصل الحلواني عن هشام ويعقوب وافقهما في الوصل أبو عمرو وابو جعفر ~~واسماعيل والدحواني عن هشام. الباقون بغير ياء في الحالين. و { تنظروني } ~~بياء في الحالين عن يعقوب. # قال ابو علي الفارسي: الفواصل وما أشبهها من الكلام التام تجري مجرى ~~القوافي لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الآية، كما ان القافية آخر البيت ~~وقد الزموا الحذف في هذا الباب في القوافي كقوله: # فهل يمنعن ارتيادي البلاد # من قدر الموت أن يأتين # والياء التي هي لام الكلمة كذلك نحو قوله: # يلمس الأحلاس في منزله # بيديه كاليهودي المصل # أكد الله تعالى في هذه الآية الحجة على المشركين في انه لا ينبغي لهم أن ~~يعبدوا هذه الاصنام ولا يتخذونها آلهة، فقال { ألهم أرجل يمشون بها }. ~~لأن لفظه وإن كان لفظ الاستفهام، فالمراد به الانكار، اي ليس لهم ارجل ~~يمشون بها ولالهم أيد يبطشون بها ولا اعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون ~~بها، فعرفهم بذلك انهم دون منزلتهم وأن الكفار مفضلون عليهم بما انعم ~~الله عليهم من هذه الحواس التي لم تؤت الاصنام. واذا كنتم مفضلين عليها ~~وكنتم أقدر على الاشياء وأعلم، فكيف يجوز لكم ان تتخذوها مع ذلك آلهة ~~لأنفسكم. # وقوله تعالى { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } معناه ادعوا هذه ~~الاوثان والاصنام التي تزعمون أنها آلهة وتشركونها في اموالكم فتجعلون ~~لها حظا من الاموال والمواشي وتوجهون عبادتكم الهيا اشركا بالله لها. ~~واسألوها ان يضروني وان يكيدوني معكم، ولا تؤخروا ذلك إن قدروا عليه، ~~ومتى لم يتمكنوا من ذلك فتبينوا انها لا تستحق العبادة، لانها في غاية ~~الضعف والعجز. ### || [7.196] # روى ابن خنيس عن السوسي { إن ولي الله } بياء مشددة مفتوحة. الباقون ~~بثلات ياءات الأولى ساكنة والثانية مكسورة والثالثة مفتوحة - على الاضافة ~~- ومن قرأ مشددا حذف الوسطى وادغم الاولى في ms1670 الثالثة. ولا يجوز إدغام ~~الثانية في الثالثة، لأنها متحركة وقبلها ساكن لا يمكن الأدغام. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للمشركين { إن وليي ~~الله الذي } يحفظني وينصرني ويحوطني ويدفع شرككم عني هو الله الذي خلقني ~~وإياكم جميعا ويملكني ويملككم الذي نزل القرآن، وهو ينصر الصالحين الذين ~~يطيعونه ويجتنبون معاصيه تارة بالحجة واخرى بالدفع عنهم. ### || [7.197] # هذا عطف على الاية الاولى، فكأنه قال قل وليي الله القادر على نصرتي ~~عليكم وعلى من اراد بي ضرا. والذين تتخذونهم انتم آلهة لا يقدرون على ~~ان ينصروكم ولا أن يدفعوا عنكم ضررا. ولا يقدرون ان ينصروا أنفسهم ~~ايضا لو ان إنسانا اراد بهم سوءا من كسر او غيره. # وإنما كرر هذا المعنى لأنه ذكره في الاية التي قبلها على وجه التقريع، ~~وذكره ها هنا على وجه الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ممن لا تجوز، ~~كأنه قال: إن ناصري الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون. # وانما قال تدعون من دونه وهم يدعونهم معه، لأن معنى من دونه من غيره ومع ~~ذلك فانه بمنزلة من افرد غيره بالعبادة في عظم الكفر والشرك. ### || [7.198] # قال الفراء والزجاج: المعنى إن دعوتم هؤلاء الذين تعبدونهم من الأصنام ~~إلى صلاح ومنافع لا يسمعوا دعاءكم، وتراهم فاتحة اعينهم نحوكم على ما ~~صورتموهم عليه من الصور، وهم مع ذلك لا يبصرونكم. # قال الجبائي: جعل الله انفتاح عيونهم في مقابلتهم نظرا منهم اليهم ~~مجازا، لان النظر حقيقة تقلب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ~~وذلك لا يتأتى في الجماد. ويقال في اللغة: تناظر الحائطان إذا تقابلا وكل ~~شيء قابل غيره يقال: نظر اليه. # وقال الحسن: المعنى وإن تدع يا محمد المشركين، فلم يجعل الكناية عن ~~الاوثان. # وقال الرماني: الكناية عن الاوثان لأنهم جعلوها تضر وتنفع، كما يكون ذلك ~~فيما يعقل. # وفي الآية دلالة على ان النظر غير الرؤية، لانه تعالى أثبت النظر ونفى ~~الرؤية وقوله { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } وجه الخطاب إلى النبي ~~صلى الله ms1671 عليه وآله ولو كان امره بخطاب المشركين بمعنى قل لهم لقال ~~وترونهم. وقال السدي ومجاهد: اراد به المشركين، فعلى هذا يكون قوله { وإن ~~تدعوهم } خطابا للنبي صلى الله عليه وآله انه إن دعا المشركين إلى الهدى ~~لا يسمعوا بمعنى لا يقبلوا وهم يرونه ولا ينتفعون برويته. ### || [7.199] # امر الله تعالى نبيه أن يأخذ مع الناس بالعفو، وهو التساهل فيما بينه ~~وبينهم وقبول اليسير منهم الذي سهله عليهم ويسر فعله لهم، وان يترك ~~الاستقصاء عليهم في ذلك، وهذا يكون في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى ~~وللناس وغيرها. وهو في معنى الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله # " رحم الله سهل القضاء سهل الاقتضاء " # ولا ينافي ذلك ان لصاحب الحق والديون وغيرها استيفاء الحق وملازمة صاحبه ~~حتى يستوفيه، لأن ذلك مندوب إليه دون ان يكون واجبا. وقد يكون العفو في ~~قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة بالاساءة. # وقوله { وأمر بالعرف } يعني بالمعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله او ~~في الشرع، ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء. # وقوله عز وجل { وأعرض عن الجاهلين } امر بالاعراض عن الجاهل: السفيه ~~الذي إن كلمه سفه عليه وآذاه بكلامه. وأمره إذا أقام عليهم الحجة وبين ~~بطلان ما هم عليه من الكفر والمعاصي أن يعرض عنهم ولا يجاوبهم في مكروه ~~يسمعه، صيانة لنفسه عنهم. وقال عطا العفو: الفضل. وقال مجاهد: العفو من ~~اخلاق الناس، وعفو أموالهم من غير تجسس عليهم. وقال: ما عفا لك من ~~أموالهم، وذلك قبل فرض الزكاة. وقال السدي: نسخ ذلك بآية الزكاة وقال ابن ~~زيد: امره بالاعراض عنهم ثم نسخ بقوله # واغلظ عليهم # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله: { وأمر بالعرف } أن جبرائيل ~~قال له معناه تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك. ### || [7.200] # النزغ ادنى حركة تقول: نزغته اذا حركته. والمعنى ان نالك يا محمد من ~~الشيطان ادنى حركة من معاندة وسوء عشرة { فاستعذ بالله } اي سل الله ان ~~يعيذك، ويحفظك منه فانه سميع للمسموعات ms1672 وعالم بالخفيات يسمع دعاء من ~~يدعوه ويعلم دعاءه وما يستحقه بذلك من الله. # والنزغ الفساد ايضا يقال: نزغ فلان بيننا اي افسد، ومنه قوله تعالى: # نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # ونزع ينزع ونغز ينغز اذا افسد. وموضع ينزغنك جزم ب (إن) التي للجزاء الا ~~انه لا يبين فيه الاعراب، لأنه مبني مع نون التأكيد على الفتح واذا كانت ~~مشددة لا بد من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين والنزغ الازعاج ~~بالاغواء واكثر ما يكون ذلك عند الغضب واصل النزغ الازعاج بالحركة نزغته ~~انزغه نزغا. ### || [7.201] # قرأ ابن كثير واهل البصرة والكسائي { طيف } بغير الف وبغير همز. الباقون ~~بألف بعدها همزة. قال الحسن: الطيف في كلام العرب اكثر من طائف. وقال ابو ~~زيد: طاف الرجل يطوف طوفا إذا اقبل وادبر واطاف يطوف طوفا إذا جعل ~~يستدبر القوم ويأتيهم من نواحيهم. وطاف الخيال طيفا إذا ألم في المنام. ~~وقال ابو عبيدة: طيف من الشيطان بأن يلم به، لما يقال منه: طفت اطيف ~~طيفا. وقال قوم: الطائف ما أطاف بك من وسوسة الباطل. والطيف اللمم ~~والمس. وقال ابو عمرو ابن العلا: الطيف الوسوسة. وحكى الرماني: ان الطيف ~~اصله طوف من الواو مثل سيد وميت، فخفف، وانشد ابو عبيدة للاعشى في ~~الالمام. # ونصبح عن غب السرى وكأنما # ألم بها من طائف الجن اولق # وكأن معنى الآية إذا مسهم من ينظر لهم نظرة من الشيطان. ويكون طائف مثل ~~العاقبة والعافية، مما جاء المصدر منه على فاعل وفاعلة، فالطيف اكثر لان ~~المصدر على هذا الوزن اكثر منه على وزن فاعل، والطائف كالخاطر. وقال ~~الحسن معناه يطوف عليهم الشيطان بوساوسه، فيقبل بعض وحبه من يعصي الله. ~~وقوله { تذكروا } أي تذكروا ما عندهم من المخرج والتوبة { فاذا هم مبصرون ~~} قد تابوا. وقال مجاهد: هم المؤمنون إذا مسهم طيف أي غضب تذكروا. وقال ~~سعيد ابن جبير: هو الرجل يغضب الغضب فيذكر فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو ~~الرجل يهم بالذنب فيذكر الله تعالى فيتركه. # اخبر الله تعالى بأن الذين ms1673 يتقون الله باجتناب معاصيه إذا وسوس اليهم ~~الشيطان واغراهم بمعاصيه تذكروا، فعرفوا ما عليهم من العقاب بذلك ~~فيجتنبونه ويتركونه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الطيف الغضب. وقال ابن ~~عباس والسدي: هي الزلة التي إذا ارتكبها تاب منها. و " اذا " الأولى ~~بمنزلة الجزاء ولها جواب، والثانية بمعنى المفاجأة كقولك خرجت، فاذا زيد. ~~وقال ابن عباس الطيف النزغ. وقال أبو عمرو بن العلا: الوسوسة. وقال غيره ~~هو اللمم. ### || [7.202] # قرئ { يمدونهم } بضم الياء وكسر الميم عن نافع. الباقون بفتح الياء وضم ~~الميم ومعنى الآية أن إخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي، ~~ومعناه يزيدونهم في الغواية، والاضلال، ويزينون لهم ما هم فيه. # ثم اخبر ان هؤلاء مع ذلك { لا يقصرون } كما يقصر الذين اتقوا إذا مسهم ~~طيف من الشيطان. وهو قول ابن عباس والسدي وابن جريج وابي علي، وأكثر ~~المفسرين. وقال مجاهد: هم إخوان المشركين من الشياطين. وقال قتادة قوله { ~~ثم لا يقصرون } يعني الشياطين { لا يقصرون } عن استغوائهم ولا يرحمونهم. # وقصرت واقصرت لغتان، والقراءة على لغة اقصرت، ومن ضم الياء من { يمدونهم ~~} فلقوله تعالى # أنما نمدهم به من مال وبنين # وقوله عز وجل # وأمددناهم بفاكهة # وقوله # أتمدونني بمال # ومن فتح الياء فلقوله تعالى # ويمدهم في طغيانهم يعمهون # وأمددت فيما يستحب، ومددت فيما يكره. قال ابو زيد: امددت القائد بالجند ~~وامددت الدواة وامددت القوم بالمال والرجال. وقال ابو عبيدة { يمدونهم في ~~الغي } اي يزينون لهم يقال: مد له في غيه. هكذا يتكلمون به ووجه قراءة ~~نافع قوله تعالى { فبشرهم بعذاب أليم }. ### || [7.203] # معنى الآية انك يا محمد إذا لم تأتهم بآية يقترحونها، قالوا: لم لا ~~تطلبها من الله فيأتينا بها. وقوله { لولا } معناه هلا { اجتبيتها } ~~معناه اختلقتها واقتلعتها من قبل نفسك في قول الزجاج، والفراء والحسن، ~~والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، وابن عباس. # وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة: معناه هلا اخذتها من ربك وتقبلتها ~~منه. ويكون الاجتباء بمعنى الاختيار. وقال الفراء: اجتبيت الكلام ~~واختلقته وارتجلته إذا اقتعلته من ms1674 قبل نفسك. وقال ابو عبيدة: اخترعته مثل ~~ذلك. وقال ابو زيد: هذه الحروف تقولها العرب للكلام يبتدؤه الرجل لم يكن ~~اعده قبل ذلك في نفسه. # فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم إني لست آتي ~~بالآيات من عندي وإنما يفعلها الله ويظهرها على حسب ما يعلم من المصلحة ~~في ذلك لا بحسب اقتراح الخلق، وإنما اتبع ما يوحي إلي. # وقوله { هذا بصائر من ربكم } يعني هذا القرآن حجج وبراهين وأدلة من ~~ربكم. والبصائر جمع بصيرة، وهي البراهين الواضحة والحجج النيرة. وتكون ~~البصائر جمع بصيرة. وهي طريق الدم. والبصيرة الرأس ايضا. وجمها بصائر، ~~ومعناه ظهور الشيء وبيانه. وإنما قال { هذا بصائر } لأن المراد به ~~القرآن، وقوله تعالى { وهدى } يعني بيان وحجة ورحمة لقوم يؤمنون، فأضافه ~~اليهم لأنهم هم المنتفعون بها، دون غيرهم من الكفار، وان كان بيانا ~~للكل. وقال الجبائي قوله { هذا بصائر } إشارة إلى الادلة الدالة على ~~توحيده وصفاته وعدله وحكمته وصحة نبوة النبي وصحة ما أتى به النبي صلى ~~الله عليه وآله. ### || [7.204] # امر الله تعالى المكلفين بأنه إذا قرئ القرآن ان يسمعوا له ويصغوا إليه ~~ليفهموا معانيه ويعتبروا بمواعظه وان ينصتوا لتلاوته ويتدبروه ولا يلغوا ~~فيه ليرحمهم بذلك ربهم، وباعتبارهم به وإتعاضهم بمواعظه. # واختلفوا في الوقت الذي أمروا بالانصات والاستماع: # فقال قوم: امروا حال كون المصلي في الصلاة خلف الامام الذي يأتم به. وهو ~~يسمع قراءة الامام، فعليه أن ينصت ولا يقرأ ويتسمع لقراءته. # ومنهم من قال: لأنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم ويسلم بعضهم على بعض، وإذا ~~دخل داخل وهم في الصلاة قال لهم كم صليتم فيخبرونه وكان مباحا فنسخ ذلك، ~~ذهب اليه عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة والزهري وعطا عبيد الله بن أبي ~~عمير ومجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وابراهيم ~~وعامر الشعبي وابن عباس وابن زيد، واختاره الجبائي. # وقال قوم: هو امر بالانصات للامام إذا قرأ القرآن في خطبته. روي ذلك عن ~~مجاهد. وقال قوم: هو امر بذلك ms1675 في الصلاة والخطبة. وروي ذلك عن مجاهد ~~ايضا، والحسن. واقوى الأقوال الاول. لأنه لا حال يجب فيها الانصات ~~لقراءة القرآن إلا حال قراءة الامام في الصلاة، فان على المأموم الانصات ~~لذلك والاستماع له. فأما خارج الصلاة فلا خلاف أنه لا يجب الانصات ~~والاستماع. وعن أبى عبد الله عليه السلام انه في حال الصلات وغيرها. وذلك ~~على وجه الاستحباب. # وقال الجبائي: يحتمل ان يكون اراد الاستماع إذا قرأ النبي صلى الله عليه ~~وآله عليهم ذلك، فانه كان فيهم من المنافقين من لا يستمع. والاول اكثر ~~فائدة وأعم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الأمر بالاستماع للقرآن للعمل بما ~~فيه وان لا يتجاوزه كما تقول سمع الله لمن حمده بمعنى أجاب الله دعاه، ~~لأن الله سميع عليم. # والانصات السكوت مع الاستماع، قال الطرماح يصف وحشا، وحذرها الصيادين: # يخافتن بعض المضغ من خشية الردى # وينصتن للسمع إنصات القناقن # والقناقن عراف الماء. ### || [7.205] # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يذكره على حال التضرع ~~والمراد به الأمة. ونصب { تضرعا } على الحال، وعلى وجه الخوف من عذابه، ~~والخيفة هو الخوف ويكون دعاؤه خالصا لله ويفعل هذا الدعاء { بالغدو } ~~وهو أول النهار، { والآصال } وهو جمع اصل. والاصل جمع الاصيل، فالآصال ~~جمع الجمع وتصغيره أصيلال على بدل النون. وقال قوم: هو جمع اصل، والاصل ~~يقع على الواحد والجمع ومعناه العشيات، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. # وقال ابن زيد: الخطاب متوجه إلى المستمع للقرآن إذا تلي ثم اكد توصيته ~~له في الدعاء بقوله { ولا تكن من الغافلين } والمعنى لا تكن من الغافلين ~~عما امرتك به من الدعاء له والذكر لله. وقال الجبائي: في الآية دليل على ~~ان الذين يرفعون اصواتهم بالدعاء ويجهرون بها مخطؤن على خلاف الصواب. # ومن قرأ " خفية " اراد اخف الدعاء واترك الاجهار، وهو تأكيد لما امر به ~~من الدعاء إخفاء # وقوله { ودون الجهر } يعني دعاء باللسان في خفاء الاجهار. # وقال قوم: الآية متوجهة إلى من أمر بالاستماع للقرآن والانصات له الذين ~~كانوا ms1676 اذا سمعوا القرآن رفعوا اصواتهم بالدعاء عند ذكر الجنة او النار - ~~ذهب اليه ابن زيد ومجاهد وابن جريج، واختاره الطبري - والاولى ان يكون ~~ذلك متوجها إلى النبي، والمراد به جميع الامة، فانه اكثر فائدة. # وإنما امره بالذكر في النفس وإن كان لا يقدر عليه العبد لامرين: # أحدهما - ان المراد به التعرض للذكر من جهة الفكر، وهذا في الذكر المضاد ~~للسهو. # الثاني - انه امر بالذكر الذي هو القول فيما يخفى كحديث النفس. ### || [7.206] # بين الله تعالى ان الذين عنده، وهم الملائكة، ومعناه انهم عنده بالمنزلة ~~الجليلة لا بقرب المسافة، لأنه تعالى ليس في مكان ولا جهة فيقرب غيره ~~منه، لأن ذلك من صفات الأجسام، وهذا حث منه على الطاعة والاستكانة ~~والخضوع له، لأن الملائكة مع فضلها وارتفاع منزلتها إذا كانت لا تستكبر ~~عن عبادته بل تسبحه دائما وتسجد مثل ذلك فبنوا آدم بذلك اولى واحق ولهم ~~أوجب والزم. # قال الجبائي معنى { عند ربك } إنهم في المكان الذي لا يملك فيه الحكم ~~بين الخلق سواه لأنه ملك عباده الحكم في الارض على وجه حسن. قال: ويجوز ~~ان يكون المراد بذلك أنهم رسله الذين يبعثهم في أمور الانس، واذا كانوا ~~رسله جاز أن ينسبهم إلى نفسه فيقول: إنهم عنده، كما يقال: عند الخليفة ~~جيش كثير، ولا يراد به في مكانه، ولا بالقرب منه، وإنما يراد انهم اصحابه ~~وإن كانوا متفرقين في البلاد. وقال الزجاج: من قرب من رحمة الله وفضله ~~فهو عند الله اي قريب من تفضله وإحسانه. # وهذا اول سجدات القرآن، وهي - عندنا - مستحبة غير واجبة وفي ذلك خلاف ~~بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. # وسبب نزول الآية ان قريشا لما قالت: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟! ~~نزلت هذه الآية. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # اختلف المفسرون في معنى الأنفال - ها هنا - فقال بعضهم: هي الغنائم التي ~~غنمها النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر، فسألوه لمن هي؟ فأمر الله تعالى ~~نبيه أن يقول لهم: هي لله ولرسوله - ذهب اليه عكرمة ومجاهد والضحاك وابن ms1677 ~~عباس وقتادة وابن زيد - وقال قوم: هي أنفال السرايا - ذهب اليه علي بن ~~صالح بن يحيى - وقال قوم: وهو ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد او ~~جارية من غير قتال او ما اشبه ذلك - عن عطا - وقال: هو للنبي صلى الله ~~عليه وآله خاصة يعمل به ما يشاء. # وروي عن ابن عباس - في رواية اخرى - انه ما سقط من المتاع بعد قسمة ~~الغنائم من الفرس والدرع والرمح. وفي رواية اخرى - أنه سلب الرجل وفرسه ~~ينفل النبي صلى الله عليه وآله من شاء. # وقال قوم: هو الخمس، روي ذلك مجاهد، قال: قال المهاجرون: لم يرفع منا ~~هذا الخمس ويخرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول. # وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (أن الانفال كل ما اخذ من ~~دار الحرب بغير قتال إذا انجلى عنها أهلها). ويسميه الفقهاء فيئا، ~~وميراث من لا وارث له، وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، ~~والآجام وبطون الأودية والموات وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. وقالا: ~~هو لله وللرسول وبعده للقائم مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ومن ~~يلزمه مؤنته ليس لاحد فيه شيء. وقالا: إن غنائم بدر كانت للنبي صلى الله ~~عليه وآله خاصة، فسألوه أن يعطيهم. # وفي قراءة اهل البيت: { يسألونك الأنفال } فأنزل الله تعالى قوله { قل ~~الأنفال لله والرسول } ولذلك قال { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ولو ~~سألوه عن موضع الاستحقاق لم يقل لهم: اتقوا الله. # والانفال جمع نفل والنفل هو الزيادة على الشيء، يقال: نفلتك كذا إذا ~~زدته قال لبيد بن ربيعة: # إن تقوى ربنا خير نفل # وباذن الله ريثي والعجل # والنفل هو ما أعطيته المرء على البلاء، والفناء على الجيش على غير قسمة. ~~وكل شيء كان زيادة على الأصل فهو نفل ونافلة، ومنه قيل لولد الولد: ~~نافلة، ولما زاد على فرائض الصلاة نافلة. # واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قوم: نزلت في غنائم بدر، لأن ~~النبي صلى الله عليه وآله كان ms1678 نفل أقواما على بلاء فأبلى اقوام وتخلف ~~آخرون مع النبي صلى الله عليه وآله فلما انقضى الحرب اختلفوا، فقال قوم: ~~نحن اخذنا، لأنا قتلنا. وقال آخرون: نحن احطنا بالنبي صلى الله عليه وآله ~~ولو أردنا لأخذنا. # وقال آخرون: نحن كنا وراءكم نحفظكم فأنزل الله هذه الآية يعلمهم أن ما ~~فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ماض جائز - ذهب اليه ابن عباس ~~وعكرمة وعبادة بن الصامت -. # وقال قوم: نزلت في بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وآله سأل من المغنم ~~شيئا قبل قسمتها فلم يعطه إياها إذ كان شركا بين الجيش، فجعل الله جميع ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله روي ذلك عن سعد بن مالك، وهو ابن ابي وقاص. ~~قال: وكان سيف سعد بن العاص لما قتله اخوته، وكان يسمى ذا الكثيفة، قال ~~سعد أتيت النبي صلى الله عليه وآله فسألته سيفا فقال: ليس هذا لي ولا لك ~~فوليت عنه. قال: فاذا رسول الله صلى الله عليه وآله خلفي فقال: إن السيف ~~قد صار لي فأعطانيه، ونزلت الآية. # وروي عن ابي أسيد مالك بن ربيعة قال: اصبت سيف ابن عابد، وكان يسمى ~~المرزبان فألقيته في النفل، فقام الأرقم بن ابي الأرقم المخزومي، فسأل ~~رسول الله فأعطاه إياه. # وقال آخرون: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله سألوه أن يقسم غنيمة بدر ~~عليهم يوم بدر، واعلمهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونهم ليس لهم فيه شيء. # وقالوا معنى { عن } ها هنا معنى { من } وكان ابن مسعود يقرأه { يسألونكم ~~الأنفال } على هذا التأويل. وهذا مثل ما رويناه عن ابي جعفر وابي عبد ~~الله عليهما السلام وروي ذلك عن الأعمش، والضحاك عن ابن مسعود، وروي ذلك ~~عن ابن عباس وابن جريح وعمرو ابن شعيب عن ابيه عن جده وعن الضحاك، ~~وعكرمة، واختاره الطبري وهو قول الحسن. وقال الحسن: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: # " أيما سرية خرجت بغير إذن إمامها فما أصابت من شيء، فهو غلول " # وقال الزجاج: كانت الغنائم ms1679 قبل النبي صلى الله عليه وآله حراما، فسألوا ~~النبي عن ذلك، فنزلت الآية، وهذا بعيد. # واختلفوا هل هي منسوخة أم لا؟ # فقال قوم: هي منسوخة بقوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء... } الاية وروي ~~ذلك عن مجاهد وعكرمة والسدي وعامر الشعبي واختاره الجبائي. # وقال آخرون: ليست منسوخة، ذهب اليه ابن زيد واختاره الطبري، وهو الصحيح، ~~لان النسخ محتاج إلى دليل، ولا تنافي بين هذه الآية وبين آية الخمس، ~~فيقال انها نسختها. # واختلفوا هل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وآله ان ينفل احدا - ذكرناه ~~في الخلاف - فقال سعيد بن المسيب لا نفل بعد رسول الله. وبه قال عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده. وعندنا وعند جماعة من الفقهاء واختاره الطبري: أن ~~للأئمة أن يتأسوا بالنبي صلى الله عليه وآله في ذلك. # وقوله { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } امر من الله للمكلفين أن ~~يتقوا معاصيه ويفعلوا طاعاته ان يصلحوا ذات بينهم. # واختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ان النبي صلى الله عليه وآله كان ينفل ~~الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفار إذا قتله، فلما نزلت الاية امرهم ~~أن يرد بعضهم على بعض، ذهب اليه قتادة وابن جريج. # وقال قوم: هذا نهي من الله للقوم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر ~~الغنيمة يوم بدر. ذهب اليه مجاهد وابن عباس وسفيان والسدي. # واختلفوا لم قال { ذات بينكم } فأنث، والبين مذكر؟ فقال قوم: أراد { ذات ~~بينكم } للحال التي للبين، كما يقولون ذات العشاء يريدون الساعة التي ~~فيها العشاء، ولم يصفوا مذكرا لمؤنث ولا مؤنثا لمذكر. قال الزجاج: اراد ~~الحال التي يصلح بها أمر المسلمين. وقال الأخفش: جعله { ذات } لأن بعض ~~الاشياء يوضع عليه اسم المؤنث وبعضه يذكر مثل الدار والحائط انث الدار ~~وذكر الحائط. # وقوله { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } امر من الله للخلق ان ~~يطيعوه ولا يعصوه، ويطيعوا رسوله فيما يأمرهم به إن كانوا مصدقين لرسوله ~~فيما يأتيهم به من قبل الله، لأنهم متى لم يطيعوه ولم يقبلوا منه لم ms1680 ~~يكونوا مؤمنين. # وروي: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قسم غنائم بدر بينهم عن تواء، ~~يعني سواء، ولم يخمس وإنما خمس بعد ذلك. # وقال الزجاج: { ذات بينكم } معناه حقيقة وصلكم، والبين الوصل، لقوله ~~تعالى { لقد تقطع بينكم } اي وصلكم. ### || [8.2-4] # استدل - من قال: إن الايمان يزيد وينقص وان أفعال الجوارح قد تكون ~~إيمانا - بهذه الآيات، فقالوا: نفى الله ان يكون المؤمن إلا من إذا ذكر ~~الله وجل قلبه وإذا تليت عليه آياته أي قرئت زادتهم الاية إيمانا، بمعنى ~~أنهم يزدادون عند تلاوتها ايمانا، وانهم على الله يتوكلون في جميع ~~أمورهم { الذين يقيمون الصلاة } بمعنى يأتون بها على ما بينها النبي صلى ~~الله عليه وآله وينفقون مما رزقهم الله في ابواب البر. وإخراج الواجبات ~~من الزكاة وغيرها. ثم وصفهم بأن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الأوصاف هم ~~المؤمنون حقا، يعني الذين اخلصوا الايمان، لا كمن كان له اسمه على ~~الظاهر، وإن لهم الدرجات عند الله وهي المنازل التي يتفاضل بها بعضهم على ~~بعض وإن لهم المغفرة والرزق الكريم فدل على أن من ليس كذلك ليس له ذلك. # ومن خالف في ذلك قال: هذه اوصاف افاضل المؤمنين، وخيارهم، وليس يمتنع أن ~~يتفاضل المؤمنون في الطاعات وان لم يتفاضلوا في الايمان، يبين ذلك انه ~~قال في اول الاية { إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ووجل القلب ليس بواجب بلا ~~خلاف، وانما ذلك من المندوبات. وقوله { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } لانه اذا صدق بآية آية انها من عند الله، ~~فلا شك ان معارفه تزداد وإن لم يزد بفعل الجوارح. # وقوله { الذين يقيمون الصلاة } يدخل في ذلك الفرائض والنوافل، ولا شك أن ~~الاخلال بالنوافل لا يخرج من الايمان ولا ينقص منه عند الأكثر. والانفاق ~~أيضا قد يكون بالواجب والنفل. والاخلال بما ليس بواجب منه لا يخرج من ~~الايمان بلا خلاف. وقوله { أولئك هم المؤمنون حقا } يبين ذلك انه اشار ~~به: إلى خيارهم وافاضلهم، لأن هذه اوصافهم فمن اين ان غيرهم وإن ms1681 كان ~~دونهم في المنزلة لا يكون مؤمنا؟! # وقال ابن عباس: اراد ان المنافق لا يدخل قلبه شيء من ذلك عند ذكر الله. ~~وأن هذه الأوصاف منتفية عنه. # والوجل والخوف والفزع واحد، يقال وجل فلان يوجل وجلا، ويقال ياجل وييجل ~~وأفصحها يوجل. قال الله تعالى " لا توجل " أي لا تخف وقال الشاعر: # لعمرك ما ادري وإني لأوجل # على أينا تعدوا المنية أول # وإنما وصفهم بالوجل - ها هنا - وباطمئنان القلوب في قوله: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # لأن الوجل يكون بالخوف من عقابه وبارتكاب معاصيه. والاطمئنان بذكر الله ~~معناه: بنعمه وعدله، ووصفهم بالوجل يكون في دار الدنيا، وأما في الآخرة ~~فانه # لا يحزنهم الفزع الأكبر # وقال الربيع: معنى زادتهم إيمانا زادتهم حسنة، والدرجات عند الله، قال ~~قوم: معناه أعمال رفيعة وقضائل استحقوها في أيام حياتهم - ذهب اليه مجاهد ~~- وقال غيره: معناه لهم مراتب رفيعة. والرزق الكريم، قال قتادة: هو ~~الجنة. وقال غيره: هو ما اعد الله ووعدهم به في الجنة من انواع النعيم ~~والمغفرة يعني لذنوبهم ومعاصيهم سترها الله عليهم. # وقوله { حقا } منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، وهي قوله { أولئك هم ~~المؤمنون } والمعنى احق ذلك حقا. والتوكل هو الثقة بالله في كل امر ~~يحتاج اليه تقول وكلت الأمر إلى فلان، إذا جعلت اليه القيام به، ومنه ~~الوكيل القائم بالامر لغيره. والكريم القادر على النعم من غير مانع، ولم ~~يزل الله كريما بهذا المعنى. ### || [8.5-6] # من مد الف { كما } فلأن المد يقع في حروف اللين، وهي الالف والواو ~~والياء، فاذا كان الحروف منها قبل همزة، وكانت الواو والياء ساكنتين ~~والالف لا تكون الا ساكنة مدوا الالف كألف هذه الكلمة، وكقوله # من السماء من ماء # بمد الف السماء والف ماء، والياء نحو قوله # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # بمد الياء من الهوي، والواو نحو قوله # قالوا أأنت فعلت هذا # بمد الواو. # واختلفوا في الكاف من قوله { كما } إشارة إلى ماذا؟ فقال الزجاج وغيره: ~~قوله { كما أخرجك } معطوف على قوله ms1682 { قل الأنفال لله والرسول } والمعنى ~~في ذلك أن رسول الله لما جعل النفل لمن جعله له وسلمه المؤمنون لذلك على ~~كراهية بعضهم له كراهية طباع، فقال { الأنفال لله والرسول } فامض لذلك، ~~وإن كرهه قوم كما مضيت { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } وهم كارهون أيضا ~~لأنهم كانوا كرهوا خروجه الكراهية التي ذكرناها، وليس على المؤمنين في ~~هذه الكراهية حرج، إذا سلموا الأمر لله ورسوله وعملوا بما فيه طاعاتهما. ~~وقال غيره: ذلك معطوف على قوله { يسألونك عن الأنفال } كأنه قال: يسألونك ~~الأنفال كما جادلوك عند ما اخرجك ربك من بيتك، فذلك قوله { يجادلونك في ~~الحق بعد ما تبين }. وقال قوم: يجوز أن يكون الكاف عطفا على قوله { ~~أولئك هم المؤمنون حقا... كما أخرجك ربك من بيتك بالحق }. وقال بعضهم { ~~كما أخرجك ربك من بيتك... فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم }. وقال مجاهد { ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق... يجادلونك في الحق من بعد ما تبين } يعني ~~يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به. وقال الفراء: قوله { كما أخرجك ربك ~~من بيتك بالحق } جواب قوله { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } فقال: ~~فامض لأمرك في الغنائم على ما شئت { كما أخرجك ربك } مجاز اليمين كأنه، ~~قال والذي اخرجك ربك، فتكون " ما " في موضع الذي كقوله # وما خلق الذكر والأنثى # وتقديره والذي خلق الذكر، وقال ابو عبيدة معمر بن المبنى: " ما " في ~~قوله { كما أخرجك } كما في قوله # وما بناها # اي وبنائها. وقال عكرمة: المعنى { اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } فان ~~ذلك خير لكم { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } وكان خير لكم. # وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) كأنه قال: إمض على الذي اخرجك من بيتك. ~~والحق الذي جادلوا فيه هو القتال في قول مجاهد. و { بيتك } يراد به ~~المدينة، اخرجه الله إلى بدر - في قوله ابن جريج، وابن ابي نجيح واكثر ~~المفسرين - # ووجه كراهية القتال - ما ذكره ابن عباس - من ان أبا سفيان لما اقبل بعير ~~قريش من الشام فيها أموالهم، ندب النبي صلى ms1683 الله عليه وآله المسلمين إلى ~~الخروج اليها، قال لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب اليهم، فخف بعضهم، وثقل ~~بعضهم، ولم يظنوا أن رسول الله ملقي كيدا ولا حزنا، وهو قول السدي ~~والمفسرين. # واختلفوا في المؤمنين الذين كرهوا القتال، وجادلوا النبي صلى الله عليه ~~وآله. فقال قوم: أراد به أهل الايمان يوم بدر - ذكر ذلك عن ابن عباس، ~~وابن اسحاق - وقال قوم: عنى المشركين - ذهب اليه ابن زيد - وقال: هؤلاء ~~المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعوهم إلى الاسلام، ~~وهم ينظرون، قال وتكون هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. وقول ابن عباس هو ~~الظاهر، وعليه اكثر المفسرين، وهو ان هذا صفة للمؤمنين لكن كرهوا ذلك ~~كراهية الطبع، لكونهم غير مستعدين للقتال، ولقلتهم وكثرة المشركين، ويقوي ~~ذلك قوله بعد هذه الآية { وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ~~ان غير ذات الشوكة تكون لكم } فبين بذلك انهم كانوا يودون العير دون ~~الحرب. # وقوله { بعد ما تبين } انك يا محمد لا تصنع إلا ما امرك الله به. وقال ~~ابن عباس معناه يجادلونك في القتال بعد ما امرت به. والجدل شدة الفتل ~~ومنه قولهم: جدلت الزمام إذا شددت فتله، والاجدل الصقر لشدته. # وقوله { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } معناه كأن هؤلاء الذين ~~يجادلونك في لقاء العدو في كراهتهم للقتال إذا دعوا اليه وصعوبته عليه ~~بمنزلة من يساق إلى الموت، وهم يرونه أو يتوقعونه. # والسوق الحث على السير عجلة. والاخراج في الاية معناه الدعاء إلى الخروج ~~الذي يقع به، تقول: اخرجه فخرج اي دعاه فخرج، ومثله اضربت زيدا عمرا، ~~فضربه وسمي البيت بيتا لأنه جاء مهيئا للبيتوتة فيه. وقوله " من بيتك " ~~قال الحسن وابن ابي برة وابن جريج معناه من المدينة. ### || [8.7-8] # تقدير الاية واذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين إما العير وإما ~~قريشا. قال الحسن كان المسلمون يريدون العير، ورسول الله يريد ذات ~~الشوكة لما وعده الله. وقوله { إحدى الطائفتين } يعني عير قريش او ~~قريشا، وكان الله وعد نبيه ms1684 حصول احداهما. # وقوله { إحدى الطائفتين } في موضع نصب ب { يعدكم الله } وقوله { أنها ~~لكم } نصب بدل من قوله { إحدى الطائفتين } ومثله # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة # فانها في موضع نصب بدلا من (الساعة). ومثله: # ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم # قال الزجاج: تقديره لو لا أن تطؤهم. # وقوله { وتودون } معناه وتحبون { أن غير ذات الشوكة } يعني القتال. ~~وانما قال { ذات الشوكة } فأنث لأنه عنى الطائفة، والشوكة الجد، يقال: ما ~~اشد شوكة بني فلان، وفلان شاك في السلاح وشائك وشاك - بتشديد الكاف - من ~~الشكة. ومثله شاك في قوله الشاعر: # فيوهموني انني هو ذا كم # شاك سلاحي في الحوادث معلم # وقال الضحاك، وغيره: كرهوا القتال واعجبهم أن يأخذوا العير. # وقوله { ويريد الله أن يحق الحق } معناه إن الله يريد أن يظهر محمدا ~~صلى الله عليه وآله ومن معه على الحق { ويبطل الباطل } اي يبطل ما جاء به ~~المشركون. # وقيل: هذه الآية نزلت قبل قوله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } وهي في ~~القراءة بعدها - ذكره البلخي والحسن - # وفي الاية دلالة على ان الله لا يريد الباطل ولا يريد ابطال الحق بخلاف ~~ما يقول المجبرة من ان كل ما في الأرض من باطل وسفه وفسق فان الله يريده ~~لأن ذلك خلاف الاية. # وقوله { ويقطع دابر الكافرين } معناه يريد الله ان يجتث الجاحدين من ~~اصلهم والدابر المأخر، وقطعه الاتيان على جميعهم - وهو قول ابن زيد وغيره ~~- وقال قوم: الحق في هذا الموضع القرآن. والباطل ابليس. وقيل الحق ~~الاسلام، والباطل الشرك. # وقال ابن عباس: كان عدة اهل بدر مع النبي صلى الله عليه وآله ثلثمائة ~~وثلاث عشر رجلا وروي # " أن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغه خروج قريش لحماية العير شاور ~~أصحابه، فقال قوم: خرجنا غير مستعدين للقتال. وقال المقداد: إمض لما ~~أمرك الله به، فوالله لو خضت بنا الجمر لتبعناك، فجزاه خيرا. وأعاد ~~الاستشارة، فقال سعد بن معاذ (رحمه الله) يا رسول الله لعلك تريدنا؟ قال: ~~نعم فقال ms1685 سعد: إنا آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق وأعطيناك ~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما ~~أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لنخوضنه معك، فسر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال سيروا على بركة ~~الله وأبشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر ~~إلى مصارع القوم ". # و { الحق } وقوع الشيء في موضعه الذي هو له فاذا اعتقد شيء بضرورة او ~~حجة فهو حق، لأنه وقع موقعه الذي هو له، وعكسه الباطل. # وروي ان احدا لم يشاهد الملائكة يوم بدر إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله. ومعنى قوله { ليحق الحق } ليظهر تحقيق الحق للمخلوقين، ويبطل ~~الباطل، لا أنهما لم يكونا كذلك عنده. ### || [8.9] # قرأ أهل المدينة ويعقوب { مردفين } بفتح الدال. والباقون بكسرها. قال ~~ابو علي: من قرأ بكسر الدال احتمل شيئين: # أحدهما - ان يكونوا مردفين مثلهم. كما تقول: اردفت زيدا دابتي فيكون ~~المفعول الثاني محذوفا في الاية وذلك كثير. # الثاني - ان يكون معنى { مردفين } جاءوا بعدهم. قال ابو الحسن: تقول ~~العرب بنو فلان يردفوننا أي هم يجيئون بعدنا. وهو قول ابي عبيدة. وردفني ~~وأردفني واحد. قال الشاعر: # إذا الجوزاء اردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا # وقال قوم: ردفه صار له ردفا واردفه جعله له ردفا. ويكون أردفت الثريا ~~الجوزاء. ومعنى البيت ان الجوزاء إذا طلعت في شدة الحر لم يبق حينئذ احد ~~من البوادي في مناجعهم، لأن مياه الغدر ان يبست فتفرق الحلل بعد اجتماعها ~~فتفترق ظنونه في امر فاطمة انها اي ماء تأخذ لتعلق قلبه بها، وهي فاطمة ~~بنت حل بن عدي. # وقول ابي عبيدة: ردفني وأردفني واحد أقوى لقوله { إذ تستغيثون ربكم ~~فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } اي جاء من بعد ~~إستغاثتكم ربكم ف { مردفين } على هذه صفة للالف الذين هم الملائكة. # ومن قرأ بفتح الدال فمعناه اردفوا الناس أي انزلوا بعدهم، فيجوز على هذا ~~أن ms1686 يكون حالا من الضمير المنصوب في { ممدكم } مردفين بألف من الملائكة، ~~والعامل في { إذ } يحتمل شيئين: احدهما - ويبطل الباطل (إذا) والثاني - ~~بتقدير اذكروا { إذ } فعلى الوجه الأول يكون متصلا بما قبله وعلى الثاني ~~يكون مستأنفا. # والاستغاثة طلب المعونة وهو سد الخلة في وقت شدة الحاجة. وقيل: في معنى ~~{ تستغيثون ربكم } تستجيرون به من عدوكم والاستجابة موافقة المسألة ~~بالعطية، وأصله طلب الموافقة بالارادة وليس في الاجابة معنى الطلب من هذه ~~الجهة. # وقيل في معنى { مردفين } ثلاثة أقوال: # قال ابن عباس: مع كل ملك ملك ردفا له، وقال الجبائي: هم ألفان لأن مع ~~كل واحد واحد ردفا له. # والثاني - قال السدي وقتادة: إن معناه متتابعين. # والثالث - قال مجاهد ممدين بالارداف وامداد المسلمين بهم. ويقال هذه ~~دابة لا ترادف. ولا يقال تردف، ويقال: أردفت الرجل إذا جئت بعده. وكان ~~يجوز أن يقرأ بتشديد الدال وفتح الراء وضمها - لأن الأصل مرتدفين، وقرئ ~~في الشواذ - بضمها - فمن فتح الراء نقل فتحة التاء اليها، ومن كسرها ~~فلاجتماع الساكنين ومن ضمها فللاتباع. # أخبر الله تعالى عن حال اهل بدر انهم لقلة عددهم استغاثوا بالله ~~والتجأوا اليه فأمدهم الله بألف من الملائكة مردفين، رحمة لهم ورأفه بهم، ~~وهو قول ابن عباس، وقال: الداعي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ~~قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وابي صالح وهو المروي عن عمر بن الخطاب. ~~وقيل: إنهم قتلوا يومئذ سبعين واسروا سبعين. وقال الحسن: جميع ما امدوا ~~به من الملائكة خمسة آلاف: ما ذكر هنا، وما ذكر في آل عمران. وقال غيره: ~~جميعهم ثمانية آلاف. وقال الحسن: اردف بهؤلاء الألف الثلاثة آلاف الذين ~~ذكرهم في آل عمران ثم أردفهم بألف آخر فصاروا خمسة آلاف. ### || [8.10] # الهاء في قوله { جعله الله } يحتمل أن تكون عائدة الى الامداد، لأنه ~~معتمد الكلام. وقال الفراء: هي راجعة إلى الارداف. # ويحتمل أن تكون عائدة على الخبر بالمدد، لان تقديم ذلك اليهم بشارة في ~~الحقيقة اخبر الله تعالى أنه لم يجعل هذه الذي أخبر ms1687 به من إمداد الملائكة ~~إلا بشرى. وإنما جعله بأن اراده به فقلبه إلى هذا المعنى. وقيل: جعله ~~بشرى بأن امر الملائكة أن تبشر به، والجعل على ضروب: اولها - أن يكون ~~بمعنى القلب، كقولك: جعلت الطين خزفا. وبمعنى الحكم كقولك: جعله الحاكم ~~فاسقا. وبمعنى الظن كقولك جعلته كريما بحسن ظني به. وبمعنى الأمر كقولك ~~جعله الله مسلما بمعنى امره بالاسلام. # وقوله { ولتطمئن به قلوبكم } فالاطمئنان الثقة ببلوغ المحبوب، وهو خلاف ~~الانزعاج. والطمأنينة: السكون والدعة. # وقوله { وما النصر إلا من عند الله } معناه لا يكون النصر وقهر الاعداء ~~من الكفار إلا بفضل من عند الله ونصر من جهته. وليس ذلك بشدتكم وقوة ~~بأسكم وإنما أضافه إلى الله، لئلا يظن أنه من قبل الملائكة من غير امره. # فأما الغلبة بكثرة العدد، فقد ينفق للكافر والمبصل، فعلى هذا المؤمن وان ~~قتل، فهو منصور غير مخذول، والكافر وإن غلب وقتل فهو مخذول. # وهل قاتلت الملائكة يوم بدر قيل فيه قولان: # قال ابو علي الجبائي: ما قاتلت، وإنما أراد الله بالامداد البشارة ~~بالنصر واطمئنان القلب ليزول عنهم الخوف الذي كان بهم، قال لأن ملكا ~~واحدا يقدر ان يدمر على جميع المشركين كما اهلك جبرائيل قريات لوط. # وروي عن ابن مسعود: أنها قاتلت. وقيل: سأل ابو جهل من اين كان يأتينا ~~الضرب ولا نرى الشخص، قالوا له: من قبل الملائكة، فقال هم غلبونا لا ~~أنتم. وقوله { إن الله عزيز } يعني قادر لا يغالب { حكيم } في أفعاله ~~ليثقوا بوعده. ### || [8.11] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { يغشاكم } بفتح الياء وسكون الغين وبألف مخفف. ~~وقرأه اهل المدينة - بضم الياء وسكون الغين وكسر الشين مخفا من غير الف. ~~الباقون بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين وكسرها من غير الف. وكلهم نصب ~~النعاس إلا ابن كثير وابو عمرو، فانهما رفعاه. # وحجة من فتح الياء قوله # أمنة نعاسا يغشى # فكما اسند الفعل إلى النعاس والأمنة، كذلك ها هنا. ومن قرأ بضم الياء ~~وشدد الشين او خففها، فالمعنى واحد. قال الله تعالى # فأغشيناهم فهم ms1688 لا يبصرون # وقال # فغشاها ما غشى # وقال # كأنما أغشيت وجوههم # وحجتهما أنه أشبه بما بعده. لأنه قال { وينزل عليكم من السماء ماء } ~~فكما أن { ينزل } مسند إلى اسم الله كذلك { يغشي }. و " الغشيان " لباس ~~الشيء ما يتصل به، ومنه غشي الرجل إمرأته، فكأن النعاس قد لابسهم ~~بمخالطته إياهم. و { النعاس } ابتداء حال النوم قبل الاستثقال فيه، وهو ~~السنة، تقول: نعس ينعس نعاسا فهو ناعس. وحكى الفراء أنه سمع نعسان. و " ~~الأمنة " الدعة التي تنافي المخافة، تقول: أمن أمنا وأمانا وأمنة. ~~وانتصب { أمنة } بأنه المفعول له، والعامل فيه " يغشى ". # وقوله { وينزل عليكم من السماء ماء } يعني مطرا وغيثا. # وقوله: { ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } قال ابن عباس: معناه يذهب ~~عنكم وسوسة الشيطان، بأنه غلبكم على الماء المشركون حتى تصلوا وانتم ~~مجنبين، لأن المسلمين باتوا ليلة بدر على غير ماء، فأصبحوا مجنبين، فوسوس ~~اليهم الشيطان، فيقول: تزعمون أنكم على دين الله وانتم على غير الماء ~~تصلون مجنبين، وعدوكم على الماء، فأرسل الله عليهم السماء، فشربوا ~~واغتسلوا وأذهب به وسوسة الشيطان، وكانوا في رمل تغوص فيه الأقدام، فشدده ~~المطر حتى تثبت عليه الرجال فهو قوله { ويثبت به الأقدام }. والهاء في { ~~به } راجعة إلى الماء. وقال ابن زيد: يذهب بوسوسته أنه ليس لكم بهؤلاء ~~طاقة. وقال الجبائي: لان الاحتلام بوسوسة الشيطان. # وقوله { وليربط على قلوبكم } معناه ليشد عليها بما يسكنها. # وقوله { ويثبت به الأقدام } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وأكثر المفسرين: لتلبيده الرمل ~~الذي لا يثبت عليه القدم. # والثاني - الصبر الذي افرغه عليهم عند ذلك حتى ثبتوا لعدوهم - في قول ~~ابي عبيدة والزجاج -. و { إذ } في موضع نصب على معنى وما جعله الله إلا ~~بشرى في ذلك الوقت، ويجوز على تقدير إذكروا { إذ يغشاكم }. ### || [8.12] # معنى الآية اذكروا { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم } يعني بالمعونة ~~والنصرة، كما يقال: فلان مع فلان بمعني ان معونته معه. وذكر الفراء قال: ~~كان الملك يأتي الرجل من اصحاب النبي صلى ms1689 الله عليه وآله فيقول سمعت ~~المشركين يقولون، والله لئن حملوا علينا لنكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم ~~بعضا فيقوي انفسهم بذلك و " الايحاء " إلقاء المعنى إلى النفس من وجه ~~يخفى، وقد يكون ذلك بنصب دليل يخفى إلا على من إلقي اليه من الملائكة. # وقوله { فثبتوا الذين آمنوا } قيل في معناه قولان: احدهما - احضروا معهم ~~الحرب. والثاني - قال الحسن: قاتلوا معهم يوم بدر. وقال قوم: معنى ذلك ~~الاخبار بأنه لا بأس عليهم من عدوهم. # وقوله { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } اخبار من الله تعالى انه ~~يلقي في قلوب الكفار الرعب، وهو الخوف. تقول: رعبته ارعبه رعبا ~~ورعبانا، فانا راعب، وذاك مرعوب. و { الرعب } إنزعاج النفس بتوقع ~~المكروه. واصل الرعب التقطيع من قولهم رعبت السنام ترعيبا: اذا قطعته ~~مستطيلا. والرعب يقطع حال السرور بضده من انزعاج النفس بتوقع المكروه. ~~وجارية رعبوبة اذا كانت شطنة مشبهة بقطعة من السنام. ورعب السيل فهو ~~راعب: اذا امتلا منه الوادي، لأنه انقطع اليه من كل جهة. والرعيب من ~~الرجال النصير. قال الراجز: # ولا أجيب الرعب ان دعيت # وقوله { فاضربوا فوق الأعناق } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - اضربوا الاعناق - ذهب اليه عطية - وقال غيره اضربوا على ~~الاعناق. وقال قوم اضربوا فوق جلدة الاعناق. # وقوله { واضربوا منهم كل بنان } قال ابن جريج والضحاك والسدي: أراد بنان ~~الأطراف من اليدين والرجلين والواحد بنانة. ويقال: للاصبع بنانة. واصله ~~اللزوم من قولهم: أبنت السحابة إبنانا إذا لزمت. وأبن بالمكان اذا لزمه ~~فسمي البنان بنانا، لأنه يلزم به ما يقبض عليه، قال الشاعر: # ألا ليتني قطعت مني بنانة # ولاقيته في البيت يقظان حاذرا # وقال الفراء: أعلمهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. ~~وقال الزجاج: اباح الله قتلهم بكل نوع يكون في الحرب. و { إذ } في موضع ~~نصب على قوله " وليربط.. إذ يوحي " ويجوز على تقدير واذكروا. ### || [8.13] # أخبر الله تعالى أنه فعل بهؤلاء الكفار، ما فعل وامر بقتلهم وضرب ~~اعناقهم وقطع بنانهم جزاء بما شاقوا الله ورسوله. قال الزجاج: معناه ~~جانبوا ms1690 الله، اي صاروا في جانب غير جانب المؤمنين، ومثله حاربوا الله. و ~~" الشقاق " اصله الانفصال من قولهم: انشق انشقاقا، وشقه شقا، واشتق ~~القوم إذا مر بينهم، وشاقه شقاقا إذا صار في شق عدوه عليه، وتشقق ~~تشققا، وشقق تشقيقا، ومنه اشتقاق الكلام لأنه انفصال الكلمة عما يحتمله ~~الأصل. ومعنى { شاقوا الله } شاقوا اولياء الله كما قال # إن الذين يؤذون الله ورسوله # وقوله { ومن يشاقق الله } يجوز في العربية الاظهار والادغام، فاما أن ~~يأتي على الأصل للحاجة إلى حركة الأول، وإما ان يحرك الثاني - لالتقاء ~~الساكنين - بالكسر. ويجوز الفتح والأول اجود مع الألف واللام لتأكد سببه. # وقوله { فإن الله شديد العقاب } شدة العقاب عظمه بجنس فوق جنس أدنى منه، ~~لأن العظم على ضربين: احدهما - بالتضاعف في المرتبة الواحدة. والثاني - ~~بالترقي الى مرتبة بجنس يخالف الجنس الذي في ادنى مرتبة. ### || [8.14] # العامل في { ذلكم } يحتمل احد وجهين: أحدهما - الابتداء على تقدير الأمر ~~{ ذلكم } ، قال الزجاج: من قال: إنه يرفع { ذلكم } بما عاد عليه من الهاء ~~او بالابتداء وجعل { فذوقوه } الخبر، فقد أخطأ، لأن ما بعد الفاء لا يكون ~~خبر المبتدأ لا يجوز " زيد فمنطلق " ولا " زيد فاضربه " الا ان تضمر هذا ~~كقول الشاعر: # وقائله خولان فانكح فتاتهم # وأكرومة الحيين خلو كما هيا # أي هذه خولان. الثاني - أن يكون نصبا بذوقوا، كما تقول: زيدا فاضربه. ~~والكاف في قوله { ذلكم } لا موضع له من الاعراب لانه حرف خطاب، ولو كان ~~اسما لجاز أن يؤكد بالنفس وذلك غير جائز اجماعا. والاشارة بذلك إلى ما ~~تقدم من انواع العقوبات، وانما ضم إلى الكاف الميم، لأنه خطاب للمشركين. # وقوله { فذوقوه } فالذوق طلب ادراك الطعم بتناول اليسير بالفم كما ان ~~الشم طلب ادراك الرائحة بالانف، وليس بالادراك، لأنه يقال ذقتة فلم أجد ~~له طعما، وشممته فلم اجد له رائحة، وانما قال { فذوقوه } والذوق اليسير ~~من الطعام، لان المعنى كونوا للعذاب كالذائق للطعام، لأن معظمه بعده. ~~وقيل: لان الذائق أشد احساسا بالطعم من المستمر عليه، فكأن حالهم ابدا ~~حال الذائق ms1691 في شدة احساسه نعوذ بالله منه. # وقوله { وأن للكافرين } فموضع { أن } يحتمل النصب والرفع، فالرفع بالعطف ~~على ذلكم كأنه قال { ذلكم فذوقوه } وذلكم { أن للكافرين عذاب النار } مع ~~ذا والنصب من وجهين: احدهما - وبان للكافرين، والآخر - واعلموا ان ~~للكافرين، كما انشده الفراء: # تسمع للأحشاء منه لغطا # ولليدين جسأة وبددا # اي وترى لليدين وانما قدم الخبر في قوله: { وأن للكافرين } على الاسم ~~لدلالته على الكفر الذي هو السبب للعذاب. ومرتبة السبب قبل المسبب. ### || [8.15] # هذا خطاب للذين آمنوا من بين المكلفين ناداهم الله ليقبلوا إلى امر الله ~~بما يأمرهم به وانتهائهم عما ينهاهم عنه بالتأمل له والتدبر لموجبه ~~ليعملوا به ويكونوا على يقين منه. وقوله { إذا لقيتم الذين كفروا } ~~فالالتقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأن الاجتماع قد يكون على غير وجه ~~المقاربة، فلا يكون لقاء كاجتماع الاعراض في المحل الواحد. و { الذين ~~كفروا } هم الذين جحدوا نعم الله او من كان بمنزلة الجاحد. فالمشرك كافر، ~~لأنه في حكم الجاحد لنعم الله إذا عبد غيره. # وقوله { زحفا } نصب على المصدر، فالزحف هو الدنو قليلا قليلا والتزاحف ~~التداني، زحف يزحف زحفا، وازحفت القوم اذا دنوت لقتالهم وثبت لهم، ~~والمزحف من الشعر الذى قد تدانت حروفه على ما ابطلت وزنه. # وقوله: { فلا تولوهم الأدبار } نهي لهم عن الفرار عند لقائهم الكفار ~~وقتالهم اياهم. ### || [8.16] # اخبر الله تعالى ان { من يولهم } يعني الكفار { يومئذ } يوم القتال { ~~دبره فقد باء بغضب من الله }. والتولية جعل الشيء يلي غيره وهو متعد إلى ~~مفعولين. ولاه دبره اذا جعله يليه، ومنه ولاه البلد من ولاية الامارة، ~~وتولى هو اذا قبل الولاية واولاه نعمة، لانه جعلها تليه. # وقوله { يومئذ } يجوز اعرابه وبناؤه، فاعرابه لأنه متمكن اضيف على تقدير ~~الاضافة الحقيقية، كقولك هذا يوم ذلك، وأما البناء فلانه اضيف إلى مبني ~~اضافة غير حقيقية، فأشبه الأسماء المركبة، وقوله { إلا متحرفا لقتال } ~~فالتحرف الزوال من جهة الاستواء إلى جهة الحرف. تقول تحرف تحرفا، وانحرف ~~انحرافا وحرفه تحريفا واحترف احترافا، لأنه يقصد جهة ms1692 الحرف لطلب ~~الرزق، مثل ابعد في طلب الرزق، والمحارف المحدود من جهة الرزق إلى جهة ~~الحرف. ومنه حروف الهجاء لأنها اطراف الكلمة كحرف الجبل، ونحوه. # وقوله { أو متحيزا إلى فئة } فالتحيز طلب حيز يتمكن فيه، تحيز تحيزا ~~وانحاز انحيازا وحازه يحوزه حوزا، والحيز المكان الذي فيه الجوهر. ~~والفئة القطعة من الناس، وهي جماعة منقطعة عن غيرها. وذكر الفئة في هذا ~~الموضع حسن جدا، وهو من فأوت راسه بالسيف اذا قطعته. # وفي تناول الوعيد لكل فار من الزحف خلاف. # فقال الحسن وقتادة والضحاك: انما كان ذلك يوم بدر خاصة. # وقال ابن عباس: هو عام، وهو قول ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام. # ثم اخبر تعالى ان من ولي دبره على غير وجه التحرف للقتال، او التحيز إلى ~~الفئة انه باء بغضب من الله. أي رجع بسخطه تعالى واستحقاق عقابه. وان ~~مستقره { جهنم وبئس المصير } هي لمن صار اليها. # وقوله { متحرفا لقتال } نصب على الحال، وتقديره الا ان يتحرف لأن ~~يقاتل، وكذلك " متحيزا " نصب على الحال وتقريره حال تحيزه إلى فئة، ~~ويجوز النصب فيهما على الاستثناء، تقديره الا رجلا متحيزا او يكون ~~متفردا، فينحاز ليكون مع المقاتلة. واصل متحيز متحيوز فأدغمت الياء في ~~الواو بعد قلبها ياء. ### || [8.17] # قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف { ولكن الله قتلهم... ولكن الله رمى } ~~بالتخفيف فيهما ورفع اسم الله فيهما. والباقون بتشديد النون ونصب { الله ~~}. # نفى الله ان يكون المؤمنون قتلوا المشركين يوم بدر فقال { فلم تقتلوهم ~~ولكن الله قتلهم } وإنما نفى القتل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى ~~نفسه وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي ~~اليه من إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم فيه، والقاء الرعب في ~~قلوب اعدائهم المشركين حتى خذلوا وقتلوا على شركهم عقابا لهم. وقوله { ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } مثل الأول في انه نفى الرمى عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وإن كان هو الرامي وأضافه إلى نفسه من حيث كان بلطفه، ms1693 ~~واقداره. # وهذه الرمية ذكر جماعة من المفسرين، كابن عباس وغيره: أن النبي صلى الله ~~عليه وآله أخذ كفا من الحصباء فرماها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، ~~فقسمها الله تعالى على ابصارهم، وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون، ~~وقتلوهم كل مقتل. وقال بعضهم: اراد بذلك رمي النبي صلى الله عليه وآله ~~أبي امية بن الخلف الجمحي يوم احد فأصابه فقتله. وقال آخرون: اراد بذلك ~~رمية سهمه يوم خيبر، فأصاب ابن ابي الحقيق في فراشة رأسه، فقتله. والأول ~~أشهر الأقوال. # فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة، بأن قال: لما قال { ولكن الله رمى } ~~- وكان النبي هو الرامي - دل ذلك على انه هو الله تعالى، فهو جهل وقلة ~~معرفة بوجوه الكلام لانه لو كان على ما قالوه لكان الكلام متناقضا، لأنه ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأنه لم يرم، فان كان هو الله تعالى فالى ~~من توجه الخطاب؟ وإن توجه اليه الخطاب دل على ان الله غيره. وأيضا فاذا ~~كان هو الله فقد نفى عنه الرمي فاذا أضافه بعد ذلك إلى الله كان متناقضا ~~على انه قد دلت الأدلة العقلية على ان الله ليس بجسم، ولا حال في جسم، ~~فبطل قول من قال إن الله كان حل في محمد صلى الله عليه وآله وليس هذا ~~موضع نقضه. وقد ذكرنا الكلام في ذلك واستوفيناه في الاصول. # وأما من قال: إن الفعل واجد، وهو من الله تعالى بالايجاد، ومن العبد ~~بالاكتساب فباطل، لأنه خلاف المفهوم من الكلام، ولو كان كذلك لم يجز أن ~~ينفى عنه إلا بتقييد كما لا ينفى عن الله الا بتقييد. # وقوله { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا } معناه لينعم عليهم نعمة حسنة. ~~والمعنى ولينصرهم الله نصرا جميلا ويختبرهم بالتي هي احسن، ومعنى يبليهم ~~- ها هنا - يسدي اليهم. وقيل للنعمة بلاء وللمضرة أيضا مثل ذلك، لأن ~~أصله ما يظهر به الأمر من الشكر أو الصبر، ومنه يبتلي بمعنى يختبر ويمتحن ~~وسميت النعمة بذلك لاظهار الشكر، والضر لاظهار الصبر الذي يجب به الأجر. ms1694 # وقوله { إن الله سميع عليم } معناه انه يسمع دعاء من يدعوه ويعلم ما له ~~فيه من المصلحة فيجيبه اليه. ### || [8.18] # قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: { موهن } خفيفة منونة. ~~وقرا ابو عمرو وابن كثير ونافع شديدة. وقرأ حفص عن عاصم خفيفة مضافة وخفض ~~{ كيد }. وقرأ الباقون بنصب كيد. # تقول: وهن الشيء واوهنته انا كما تقول: فرح وافرحته، وخرج واخرجته فمن ~~قرأ { موهن } مخففا فمن اوهن اي جعله واهنا، ومن شدد فمن قولهم: وهنته ~~كما تقول خرج وخرجته وعرف وعرفته. ومنه قوله # فما وهنوا لما أصابهم # وتقول: وهن يهن مثل ومق يمق وولي يلي، وهو أيضا ينقل بالهمزة وتثقيل ~~العين ايضا والامران جميعا حسنان، واختار الاخفش القراءة بالتخفيف. ~~والوهن الضعف ومنه قولهم: توهن توهنا اي ضعف، ومن قال قوله { ذلكم } في ~~موضع رفع قال الزجاج: تقديره الامر { ذلكم وأن الله } والامر ان الله. # وقوله { ذلكم } اشارة إلى قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا وابتلاء ~~المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم وامكانهم من قتلهم واسرهم فعلنا الذي ~~فعلناه. ومعنى { وأن الله موهن كيد الكافرين } يضعف مكرهم حتى يذلوا ~~ويهلكوا. وفي فتح { أن } من الوجوه ما في قوله { ذلكم فذوقوه، وأن ~~للكافرين عذاب النار } - وقد بيناه - والكيد يقع بأشياء منها الاطلاع على ~~عوراتهم، ومنها إبطال حيلتهم، ومنها إلقاء الرعب في قلوبهم، ومنها تفريق ~~كلمتهم، ومنها نقض ما ابرموا باختلاف عزومهم ### || [8.19] # قرأ نافع وابن عامر وحفص { وأن الله } بفتح الالف. الباقون بالكسر، من ~~فتح الهمزة فوجهه { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت } ولأن الله مع ~~المؤمنين اي لذلك لا تغني عنكم فئتكم شيئا. ومن كسر قطعه عما قبله ~~واستأنفه، وقوي ذلك لما روي ان في قراءة ابن مسعود { والله مع المؤمنين ~~}. والكسر اختيار الفراء، ومن نصب فعلى ان موضعه نصب بحذف حرف الجر، ~~ويجوز ان يكون عطفا على قوله { وأن الله موهن }. # والاستفتاح طلب النصرة التي بها يفتح بلاد العدو كأنه قال ان تستنصروا ~~على اعدائكم فقد جاءكم النصر بالنبي صلى ms1695 الله عليه وآله. وقال الزجاج: ~~يجوز ان يكون المراد استحكموا لأن الاستفتاح الاستقضاء. ويقال للقاضي: ~~الفتاح، والمعنى فقد جاءكم الحكم من عند الله، وهو قول الضحاك وعكرمة ~~ومجاهد والزهري، والأول قول ابن عباس وغيره، والمعنيان متقاربان. وقيل في ~~معنى الاية قولان: # أحدهما - قال الحسن ومجاهد والزهري والضحاك والسدي والفراء: انه خطاب ~~للمشركين لانهم استنصروا بان قالوا: اللهم اقطعنا للرحم، واظلمنا لصاحبه ~~فانصرنا عليه روي ان ابا جهل قال ذلك. # الثاني - قال ابو علي: هو خطاب للمؤمنين والمعنى وان تعودوا إلى مثل ما ~~كان منكم يوم بدر في الأشر والبطر بالنعمة بعد الانكار عليكم. وقال الحسن ~~وان تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه وآله نعد عليكم بالقتل والاسر يا ~~معشر قريش وجماعة الكفار وان تنتهوا عن الكفر بالله العظيم ورسوله وعن ~~قتال نبيه فهو خير لكم وانفع لكم واقرب إلى مرضاة الله. # والانتهاء ترك الفعل لاجل النهي عنه، تقول نهيته عن كذا فانتهى، وامرتة ~~فاتمر، على فعل المطاوع وقد يطاوع بأن يقال: كسرته فانكسر، وقد يكون ~~الانتهاء بمعنى بلوغ الغاية. # وقوله تعالى { ولن تغني عنكم فئتكم شيئا } معناه انه لن يغني عنكم ~~جمعكم في الدفاع عنكم والنصرة - وان كانوا كثيرين - وإن الله مع المؤمنين ~~بالنصرة لهم والمعونة. ### || [8.20] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين، وإنما خصهم بالخطاب، لان غيرهم بمنزلة ~~من لا يعتد به في العمل بما يجب عليه مع ما في إفراده إياهم بالخطاب من ~~إعظام لهم واجلال ورفع من اقدارهم، وإن دخل في معناه غيرهم. # والايمان: هو التصديق بما اوجب الله على المكلف او ندبه اليه. # وقال الرماني: هو التصديق بما يؤمن من العقاب مع العمل به. # امر الله تعالى المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله، والطاعة هي امتثال امره ~~وموافقة إرادته الجاذبة إلى الفعل بطريق الرغبة او الرهبة، والاجابة ~~موافقة الارادة فيما يعمل من اجلها. وقوله { ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ~~} معناه ولا تعرضوا عن امره ونهيه وانتم تسمعون دعاءه لكم، فنهاهم عن ~~التولي في هذه الحال. وقال الحسن: ms1696 معناه وانتم تسمعون الحجة. ### || [8.21] # { ولا تكونوا } في موضع جزم وحذف النون دلالة على الجزم. # نهى الله تعالى المؤمنين الذين خصهم بالذكر في الآية الاولى عن ان ~~يكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، وفي الكلام حذف المنهي عنه، ~~لانه قد دل عليه من غير جهة الذكر له، وفي ذلك غاية البلاغة، والتقدير ~~ولا يكونوا في قولهم المنكر هذا " كالذين " والتشبيه على ثلاثة اوجه: ~~أعلى وأدنى واوسط، فالاعلى هو الذي حذف معه أداة التشبيه، كقولهم ~~للانسان: هذا الأسد، والاوسط تثبت معه مجردة كقوله # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة # والادنى تأتي معه مقيدة كقولهم الجسم كالعرض في الحدوث. # ومعنى قوله { قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } معناه سمعنا سماع عالم قابل، ~~وليسوا كذلك، وهو من صفة المنافقين في قول ابن اسحاق وابي علي. وقال ~~الحسن: يعني به أهل الكتاب. وقيل: هو من صفة المشركين، فجعلوا بمنزلة من ~~لا يسمع في أنهم لم ينتفعوا بالمسموع. وقال ابو علي: هي نفي القبول من ~~قولك سمع الله لمن حمده. وقال الزجاج: يعني الذين قالوا { لو نشاء لقلنا ~~مثل هذا } فسماهم الله لا يسمعون لانهم استمعوا استماع عداوة وبغضاء فلم ~~يتفهموا ولم يتفكروا فكانوا بمنزلة من لم يسمع. وقال ابن اسحاق: أراد به ~~الذين يظهرون الايمان ويسرون النفاق. ### || [8.22] # اخبر الله تعالى { إن شر الدواب عند الله الصم } والشر إظهار السوء الذي ~~يبلغ من صاحبه وهو نقيض الخير. وقيل الشر الضر القبيح، والخير النفع ~~الحسن. وقيل الشر الضر الشديد. والخير النفع الكثير، واصل الشر الاظهار ~~من قول الشاعر: # كما اشرت بالأكف المصاحف # اي أظهرت، وشر الرجل يشر شرا وشروت الثوب إذا بسطته في الشمس وشرر ~~النار ما تطاير منه لظهوره بانتشاره وتفرقه، ومنه الشر وهو ما يظهر من ~~الضرر كشرر النار. # والدواب جمع دابة وهي مادب على وجه الارض إلا انه تخصص في العرف بالخيل ~~دب يدب دبيبا. # فبين ان هؤلاء الكفار شر ما دب على الارض من الحيوان. ثم شبههم بالصم ~~البكم الذين لا يعقلون ms1697 من حيث لم ينتفعوا بما كانوا يسمعون من وعظ الله ~~ولا يتكلمون بكلمة الحق، والصمم آفة في الاذن تمنع السمع، ثم يصم صمما ~~وهو اصم. وصمم على الامر إذا حقق العزم عليه وتصام عن القول إذا تغافل ~~عنه. وعود اصم خلاف المجوف وأصله المطابقة من غير خلل. والبكم الخرس: ~~الذي يولد به صاحبه لانه قد يكون لآفة عارضة، وقد يكون لآفة لازمة. # وقال ابو جعفر عليه السلام نزلت الآية في بني عبد الدار لم يكن اسلم ~~منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له سويبط. وقيل: نزلت الآية في ~~النضر ابن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي. ### || [8.23] # معنى الآية ان الله تعالى اخبر انه لو علم فيهم. يعني هؤلاء الكافرين ~~انهم يصلحون بما يورده عليهم من حججه وآياته لأسمعهم إياها ولم يخلف عنهم ~~شيئا منها وإن كان قد أزاح علتهم في التكليف بما نصب لهم من الأدلة ~~الموصلة إلى الحق، ولكنهم لا يصلحون بل يتولون وهم معرضون. # وقال ابن جريج وابن زيد: لاسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهم. # وقال ابو علي: لاسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم من قصي بن كلاب ~~وغيره. # وقال الزجاج: لاسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. # والاعراض خلاف الاقبال وهو الانصراف بالوجه عن جهة الشيء والاقبال ~~الانصراف بالوجه إلى جهته والاستماع إيجاد السماع بايجاده والتعريض له. ~~فان الله تعالى يسمعهم بأن يوجد السماع لهم. والانسان يسمعهم بأن يعرضهم ~~للسماع الذي يوجد لهم، هذا على مذهب من قال: إن الادراك معنى، ومن قال: ~~انه ليس بمعنى، فمعنى الاسماع هو ان يوجد من كلامه الدال على ما يجب أن ~~يسمعوه لكونهم أحياء لا آفة بهم في حواسهم. # وقال الزجاج المعنى { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } كلما يسألون ~~عنه ولو اسمعهم كلما يخطر ببالهم لتولوا وهم معرضون. وقال الحسن: هو ~~إخبار عن علمه كما قال # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول: يجوز ان يكون في مقدوره ms1698 لطف لو ~~فعله بالكافر لآمن. ### || [8.24] # أمر الله المؤمنين ان يجيبوا الله والرسول إذا دعاهم وان يطلبوا موافقته ~~والاستجابة طلب موافقة الداعي فيما دعا اليه على القطع به. وقال ابو ~~عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا اجيبوا. وقال كعب بن سعد الغنوي: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # اي لم يجبة. والفرق بين الدعاء إلى الفعل وبين الامر به أن الامر فيه ~~ترغيب في الفعل المأمور به، ويقتضي الرتبة. وهي ان يكون متوجها إلى من ~~دونه، وليس كذلك الدعاء لأنه يصح من دونك لك. # وقوله { إذا دعاكم لما يحييكم } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - دعاكم إلى احياء امركم بجهاد عدوكم مع نصر الله إياكم، وهو قول ~~ابن اسحاق والفراء والجبائي. وقال البلخي: معناه لما يبقيكم ويصلحكم ~~ويهديكم ويحيي امركم. # الثاني - معناه لما يورثكم الحياة الدائمة في نعيم الاخرة من اتباع ~~الحق: القرآن. # الثالث - معناه لما يحييكم بالعلم الذي تهتدون به من اتباع الحق، ~~والاقتداء بما فيه. # وقوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قيل في معناه ثلاثة ~~اقوال: # احدها - ان يفرق بين المرء وقلبه بالموت او الجنون وزوال العقل. فلا ~~يمكنه استدراك ما فات. والمعنى بادروا بالتوبة من المعاصي قبل هذه الحال. # الثاني - ان معناه بادروا بالتوبة لأنه اقرب إلى المرء من حبل الوريد لا ~~يخفى عليه خافية من سره وعلانيته وفي ذلك غاية التحذير. # والثالث - تبديل قلبه من حال إلى حال لانه مقلب القلوب من حال الأمن إلى ~~حال الخوف ومن حال الخوف إلى حال الأمن على ما يشاء. # وروي عن ابي عبد الله عليه السلام في معنى قوله { يحول بين المرء وقلبه ~~} قال لا يستيقن القلب أن الحق باطل أبدا ولا يستيقن أن الباطل حق ~~ابدا. # فأما من قال من المجبرة: إن المراد إن الله يحول بين المرء والايمان بعد ~~امره إياه به فباطل، لانه تعالى لا يجوز عليه أن يأمر أحدا بما يمنعه ~~منه ويحول بينه وبينه، لان ذلك غاية السفه، ms1699 تعالى الله عن ذلك. وايضا ~~فلا احد من الامة يقول: إن الايمان مستحيل من الكافر، فانهم وان قالوا ~~إنه لا يقدر على الايمان يقولون يجوز منه الايمان ويتوقع منه ذلك، ومن ~~ارتكب ذلك فقد خرج من الاجماع. # ويحتمل ان يكون المراد ان امر الله بالموت يحول بين المرء وقلبه، كما ~~قال # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # أي أمر الله. # وقال قوم: يجوز ان يكون معناه يحول بينه وبين قلبه بان يسلبه قلبه فيبقى ~~حيا بلا قلب وهذا قريب من معنى زوال العقل، قالوا: يجوز أن يكون المراد: ~~انه عالم بما ينظرون اليه، وما يضمره العبد في نفسه من معصيته فهو في ~~المعنى كأنه حائل بينه وبينه، لأن العبد لا يقدر على اضمار شيء في قلبه ~~إلا والله عالم به، وهذا وجه حسن وروي في التفسير أن الله يحول بين ~~المؤمن وبين الكفر. # والمعنى في ذلك ان الله يحول بينه وبين الكفر بالوعد والوعيد، والامر ~~والنهي، والترغيب في الثواب والعقاب. فأما ما روي عن سعيد بن جبير وغيره ~~من ان الله يحول بين الكافر والايمان فقد بينا ان ذلك لا يجوز على الله. ~~والعقل مانع منه. ولو صح ذلك لكان الوجه فيه ان الله يحول بين الكافر ~~وبين الايمان في المستقبل بان يميته، لأنه لا يجب تبقيته حتى يؤمن، بل لو ~~ابقاه لكان حسنا، وان لم يبقه كان ايضا حسنا. وقوله تعالى { وأنه إليه ~~تحشرون } معناه انكم تحشرون يوم القيامة للجزاء على اعمالكم إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر، فلذلك يجب المبادرة بالطاعة والاقلاع عن المعصية ~~بالتوبة وترك الاصرار على القبائح. ### || [8.25] # امر الله تعالى المكلفين من خلقه أن يتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا ~~منهم خاصة والفتنة البلية التي يظهر بها باطن امر الانسان فيها. والفتنة ~~الهرج الذي يركب فيه الناس بالظلم قال ابن عباس امر الله المؤمنين ان لا ~~يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقال عبد الله: هو من ~~قوله تعالى # أنما أموالكم وأولادكم فتنة # وقال ms1700 الحسن: الفتنة البلية. وقال ابن زيد: هي الضلالة. وقال الجبائي: هي ~~العذاب. { لا تصيبن } فالاصابة الايقاع بالشيء بحسب الارادة، وضده الخطأ. ~~يقال: أصاب الغرض او أخطأه. # وقوله { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } معناه انها تعم لان الهرج إذا ~~وقع دخل ضرره على كل أحد. ويجوز أن يقال يخص الظالم، ولا يعتد بما وقع ~~بغيره للعوض الذي يصل إليه. ويحتمل أن يكون اراد إن هذه العقوبة على ~~فتنتكم لا تختص بالظالمين منكم بل كل ظالم منكم كان أو من غيركم فستصيبه ~~عقوبة ظلمه وفسقه وفتنته واراد بذلك تحذير الناس كلهم، وأنهم سواء في ~~المعصية، وما توجبه من العقوبة ليكون الزجر عاما. # وفي دخول النون الثقيلة في { تصيبين } قولان: # احدهما - قال الفراء: لانه نهي بعد أمر وفيه معنى الجزاء كقوله # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده # ومثله لا ارينكم ها هنا. # والثاني - أن يكون خرج مخرج جواب القسم. # وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نهيا بعد أمر وتقديره اتقوا فتنة، ثم نهى، ~~فقال { لا تصيبن الذين ظلموا } أي لا يتعرض الذين ظلموا لما ينزل معه ~~العذاب. ومثله قال في قوله { لا يحطمنكم } فيكون لفظ النهي لسليمان، ~~ومعناه النمل، كما يقول القائل لا أرينك ها هنا، فلفظ النهي لنفسك، ~~والمراد لا تكون ها هنا، فاني اراك. # و { الخاصة } للشيء ما كان له دون غيره ونقيضة العامة. # وقوله { واعلموا أن الله شديد العقاب } معناه لمن لم يتق معاصيه ولم ~~يتبع اوامره، # وقال الحسن والسدي ومجاهد وابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل الجمل. وقال ~~قتادة قال الزبير: لقد نزلت وما نرى ان أحدا منا يقع فيها ثم اختلفنا ~~حتى اصابتنا خاصة. وروي ذلك عن الزبير من جهات. ### || [8.26] # الذكر ضد السهو، وهو إحضار المعنى للنفس. وإنما أمروا بالتعرض له، لان ~~إحضار المعنى بقلوبهم ليس من فعلهم. # وقوله { إذ أنتم قليل } فالقلة النقصان عن المقدار في العدد وكان اصحاب ~~النبي صلى الله عليه وآله قليلين في الأصل فلطف الله لهم حتى كثروا ms1701 ~~وعزوا، وقل اعداؤهم وذلوا وكانوا مستضعفين، فقووا. # والاستضعاف طلب ضعف الشيء بتهوين حاله. والضعف خلاف القوة. والاستضعاف ~~استجلاب ضعفه بتحقير حاله، فامتن الله عليهم بذلك وبين انهم كانوا قليين ~~فكثرهم وكانوا مستضعفين، فقواهم بلطفه. # وقوله { تخافون أن يتخطفكم الناس } فالتخطف الاخذ بسرعة انتزاع، تخطف ~~تخطفا وخطف خطفا واختطف اختطافا، فبين انهم كانوا خائفين من ان ينال ~~منهم العدو. # وقوله { فآواكم } اي جعل لكم مأوى حريزا ترجعون إليه وتسكنون فيه وقال ~~السدي { آواكم } إلى المدينة. وقوله { وأيدكم بنصره } يعني بالانصار في ~~قول السدي وقيل في المعني بقوله { الناس } قولان: # احدهما - مشركوا قريش في قول عكرمة وقتادة. # وقال وهب بن منية يعني فارس والروم، # وقوله { ورزقكم من الطيبات } أي أطعمكم غنيمتكم حلالا طيبا { لعلكم ~~تشكرون } أي لكي تشكروه على هذه النعم المترادفة والآلاء المتضاعفة. ### || [8.27] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم ان يخونوا الله والرسول. ~~والخيانة منع الحق الذي قد ضمن التأدية فيه. وهي ضد الامانة. وأصل ~~الخيانة ان تنقص من ائتمنك أمانته، قال زهير: # بارزة الفقاوة لم تخنها # قطاف في الركاب ولا خلاء # أي لم تنقص من فراهتها. والمعنى لا تخونوا مال الله الذي جعله لعباده ~~فلا يخن بعضكم بعضا فيما ائتمنه عليه في قول ابن عباس. وقال الحسن، ~~والسدي: لا تخونوه كما صنع المنافقون. وقال الجبائي: نهاهم ان يخونوا ~~الغنائم. وقال ابن زيد: الأمانة ها هنا الدين، نزلت في بعض المنافقين. ~~والامانة مأخوذة من الأمن من منع الحق وهي حال يؤمن معها منع الحق الذي ~~تجب فيه التأدية # وقوله " وأنتم تعلمون " قيل في معناه قولان: # أحدهما - وأنتم تعلمون انها امانة من غير شبهة. # والثاني - وانتم تعلمون ما في الخيانة من الذم والعقاب بخلاف الجهال ~~بتلك المنزلة. # وقوله: { وتخونوا } موضعه الجزم بتقدير، ولا تخونوا في قول ابن عباس ~~وقال السدي: هو نصب على الظرف أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم ~~أماناتكم. قال الفراء، ومثله قول الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأت مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # وحكى الفراء ms1702 في بعض القراآت: { ولا تخونوا أمانتكم } # وقال جابر بن عبد الله: نزلت الاية في بعض المنافقين حين انذر أبا سفيان ~~بخروج النبي لأخذ العير. وقال الزهري: نزلت في ابي لبابة في قصة بني ~~قريظة وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام). ### || [8.28] # أمر الله تعالى المكلفين ان يعلموا ويتحققوا ان اموالهم واولادهم فتنة. ~~وإنما يمكنهم معرفة ذلك بالنظر والفكر في الأدلة المؤدية إليه، وهو ما ~~يدعوا إليه الهوى في الاموال والاولاد، وما يصرف عنه فمن تفقد ذلك وتحرز ~~منه نجاه من مضرته. # والمراد بالفتنة ها هنا المحنة التي يظهر بها ما في النفس من اتباع ~~الهوى او تجنبه فيخلص حاله للجزاء بالثواب او العقاب بحسب الاستحقاق. # والولد حيوان يتكون من حيوان بخلق الله له، فعلى هذا لم يكن آدم ولدا ~~وكان عيسى ولد مريم. والمال هو النصاب الذي تتعلق به الزكاة من ذهب او ~~فضة او ابل او بقر او غنم عند بعض المفسرين. وأصله الكسر من العين ~~والورق. # و (العظيم) استحقاق الصفة بالغنى. فالكثير عظيم للاستغناء به عن القليل ~~من جنسه، والقليل لا يستغنى [به] عنه. # بين الله تعالى ان الاموال والاولاد في هذه الدنيا محنة وبلاء وان الله ~~تعالى عنده الثواب العظيم على الطاعات وترك المعاصي. # وروي عن ابن مسعود انه قال: ليس احد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة لقوله ~~{ واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } فاسألوا الله تعالى ان يعيذكم ~~منها. ### || [8.29] # هذا خطاب للمؤمنين خاطبهم الله بأنهم ان يتقوا معاصيه ويمتثلوا طاعاته ~~ويتقوا عقابه باجتناب معاصيه يجعل لهم اجرا على ذلك { فرقانا }. وقيل ~~في معنى الفرقان اقوال: - # احدها - قال ابن زيد وابن اسحاق يجعل هداية في قلوبكم تفرقون بها بين ~~الحق والباطل. # وقال مجاهد: معناه يجعل لكم مخرجا في الدنيا والآخرة. # وقال السدي: معناه يجعل لكم نجاة. وقال الفراء: يجعل لكم فتحا ونصرا ~~وعزا كقوله: # يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # وقال الجبائي: يجعل لكم نصرا وعزا وثوابا لكم، وعلى اعدائكم خذلانا ~~وذلا وعقابا ms1703 كل ذلك يفرق بينكم وبينهم في الدنيا والآخرة. # وانما جاز الشرط في اخبار الله مع اقتضائه شك المخبر منا من حيث ان الله ~~تعالى يعامل عباده في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل ولذلك جازت ~~صفة الابتلاء والاختبار لما في ذلك من البيان ان الجزاء على ما يظهر من ~~الفعل دون ما في المعلوم مما لم يقع منه. ثم بين انه يضيف إلى ذلك تكفير ~~سيئاتهم وغفران ذنوبهم وسترها عليهم تفضلا منه تعالى. # وقوله { والله ذو الفضل العظيم } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الجبائي: معناه ان من ابتدأكم بالفضل العظيم لأنه كريم ~~لنفسه لا يمنعكم ما استحقيتموه بطاعاتكم له. # الثاني - انه الذي يملك الفضل العظيم فينبغي ان يطلب من جهته. ### || [8.30] # خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال: واذكر { إذ يمكر بك ~~الذين كفروا } والمكر الفتل إلى جهة الشر في خفى وأصله الالتفاف من قول ~~ذي الرمة. # عجزاء ممكورة خمصانة قلق # عنها الوشاح وتم الجسم والقصب # اي ملتفة. والمكر والختل والغدر نظائر. والفرق بين المكر والغدر ان ~~الغدر نقض العهد الذي يلزم الوفاء به، والمكر قد يكون ابتداء من غير عقد. # ووصف الله تعالى بأنه ماكر يحتمل وجهين: # احدهما - انه سمى الجزاء على المكر مكرا للازدواج، كقوله # الله يستهزئ بهم # اي يجازيهم على الاستهزاء فيكون التقدير والله خير المجازين على المكر، ~~ذكره الزجاج، # والثاني - ان يكون على غير تضمن الحيلة لكن على اصل اللغة. قال ابو علي: ~~ومكره بهم حق وصواب { وهو خير الماكرين } مكرا. # وقوله " ليثبتوك " قيل في معناه قولان: # احدهما - ليثبتوك في الوثاق، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. # والثاني - قال عطا وعبد الله بن كثير، والسدي { ليثبتوك } في حبس وقال ~~ابو علي الجبائي: معناه ليخرجوك، يقال: اثبته في الحرب إذا جرحه جراحة ~~ثقيلة. # وقوله { او يخرجوك } قال الفراء: او يخرجوك علي بعير تطرد به حتى تهلك ~~او يكفيكموه بعض العرب. وهو قول ابي البختري وهشام. # وكان سبب ذلك أنهم تآمروا في دار الندوة، ms1704 فقال عمرو بن هشام: قيدوه ~~تتربصون به ريب المنون. وقال البختري: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم. ~~وقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه بان يجتمع عليه من كل بطن رجل ~~فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد، فترضى حينئذ بنو هاشم بالدية فصوب ~~إبليس هذا الرأي وخطأ الأولين وزيفهما، فاوحى الله تعالى إلى نبيه صلى ~~الله عليه وآله بذلك فامره بالخروج، فخرج إلى الغار، في قول ابن عباس، ~~ومجاهد وقتادة، وهو قوله { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } ولا ~~خلاف بين المفسرين أنه بات علي تلك الليلة، وهي الليلة التي أمر النبي ~~صلى الله عليه وآله بالخروج على فراشه إلى أن اصبح، وكانوا يحرسونه إلى ~~الصباح، ولما طلع الفجر ثاروا اليه فاذا علي، قالوا له أين صاحبك؟ قال: ~~لا أدري، فتركوه وخرجوا في أثره. ### || [8.31] # اخبر الله تعالى عن عناد هؤلاء الكفار ومباهتتهم للحق بأنهم بلغوا في ~~ذلك إلى رفع الحق بما ليس فيه شبهة. وهو أنه { إذا تتلى عليهم آياتنا } ~~يعني القرآن قالوا { لو نشاء لقلنا مثل هذا } وقد أبان التحدي كذبهم في ~~ذلك وتخرصهم فيه بما ظهر من عجزهم عن سورة مثله، وانما قالوا { لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا } ولم يجز أن يقولوا لو نشاء لقلبنا الجماد حيوانا، لأنه ~~يتموه هذا على كثير من الناس ولا يتموه ذلك، على أن قوم فرعون ظنوا أن ~~السحرة يمكنهم قلب الجماد حيوانا. # وقوله { قد سمعنا } معناه أدركناه بآذاننا. والسماع إدراك الصوت بحاسة ~~الأذن، ولو لم نذكر الصوت لا نتقض بالحرارة والبرودة والآلام واللذة اذا ~~ادرك بها، ولا يسمى سماعا. وعلى هذا اذا قيل: ما الرؤية بالبصر؟ ينبغي ~~أن يقال: هي ادراك المرئيات بها، لأنه قد يدرك الحرارة والبرودة بها. ~~فاذا قلنا المرئيات لم ينتقض بذلك. # ثم أخبر الله تعالى عن قولهم بأن قالوا ليس هذا الذي سمعناه { إلا ~~أساطير الأولين } والأساطير جمع واحده أسطورة في قول الزجاج. وقال غيره: ~~هو جمع أسطر، واسطر جمع سطر، وزيدت الياء للمد، كما قالوا دراهم، ms1705 وارادوا ~~ما هذا إلا ما سطره من الاحاديث بكتبه سطرا بعد سطر. ### || [8.32] # تقديره واذكر يا محمد إذ قال هؤلاء الكفار { إن كان هذا } القرآن { هو ~~الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } شديد ~~مؤلم. قال سعيد ابن جبير، ومجاهد: كان الطالب لذلك النضر بن الحارث بن ~~كلدة لأنه كان سمع سجع اهل الحيرة وكلام الرهبان، فقتله النبي صلى الله ~~عليه وآله يوم بدر صبرا فقال: يا رسول الله من للصبيه؟ قال النار وقيل ~~عقبة بن ابي معيط، والمطعم بن عدي، قتل هؤلاء الثلاثة صبرا من جملة من ~~أسر، وفي النضر نزل قوله # سأل سائل بعذاب واقع للكافرين # يعني ما سأله ها هنا. وهذا القول من قائله يجوز أن يكون عنادا، فان ~~المعاند قد تحمله شدة عداوته للحق على اظهار مثل هذا القول. ليوهم انه ~~على بصيرة في أمره. ويجوز أن يكون ذلك لشبهة تمكنت في نفوسهم. # وقال الجبائي: ذلك دليل على اعتقادهم خلاف الحق الذي اتى به النبي صلى ~~الله عليه وآله وهو حجة اهل المعارف، لأنهم لو عرفوا بطلان ما هم عليه، ~~لما قالوا مثل هذا القول. # فان قالوا كيف طلبوا بالحق من الله العذاب وانما يطلب به الخير ~~والثواب؟. # قلنا: لانهم قالوا ذلك على أنه ليس بحق من الله عندهم. واذا لم يكن حقا ~~من الله لم يصبهم البلاء الذي طلبوه. # فان قيل لم قالوا { امطر علينا حجارة من السماء } والامطار لا يكون إلا ~~من السماء؟ قلنا عنه جوابان: # احدهما - أن امطار الحجارة يمكن ان يكون من عل دون السماء. # والثاني - ان يكون على جهة البيان ب (من). # والحجارة واحد الاحجار، وهو ما صلب من الاجسام، يقال استحجر الطين إذا ~~صلب، فصار كالحجر. واكثر ما يقال حجر للمدر، مع ذلك فالياقوت حجر ولذلك ~~يقال الياقوت افضل الحجارة، ولا يقال الياقوت افضل الزجاج، لانه ليس من ~~الزجاج وكل شيء من العذاب يقال امطرت ومن الرحمة يقال مطرت. # وقوله { هو } يجعل عمادا في ظننت ms1706 واخواتها. ويسميه البصريون صلة زائدة ~~وتوكيدا كزيادة (ما) ولا يزاد إلا في كل فعل لا يستغنى عن خبره، وفي لغة ~~تميم يرفع ذلك كله، فيقولون { إن كان هذا هو الحق } وكذلك قوله # ولكن كانوا هم الظالمين # و # تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا # كل ذلك يرفعونه. وعلى الاول ينصب ما بعدها ومثله قوله # ويرى الذين أوتوا العلم # إلى قوله # هو الحق ### || [8.33] # اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله على وجه الامتنان عليه واعلامه ~~منزلته عنده انه لا يعذب احدا من هؤلاء الكفار بهذا العذاب الذي اقترحوه ~~على وجه الفساد للحق { وانت } يا محمد { فيهم } موجود. # والتعذيب تجديد الآلام حالا بعد حال، لأن اصله الاستمرار، فالعذب من ~~استمرار الشيء لما فيه من الملاذ. والعذاب من استمراره لما فيه من الآلام ~~واللام في قوله { ليعذبهم } لام الجحد. واصلها لام الاضافة. وإنما دخلت ~~في النفي ولم تدخل في الايجاب لتعلق الخبر بحرف النفي، كما دخلت الباء في ~~خبر (ما) ولم تدخل في الايجاب. # وإنما لم يعاقب الله تعالى الخلق مع كون النبي صلى الله عليه وآله فيهم ~~على سلامته مما ينزل بهم، لأنه تعالى أرسله رحمة للعالمين. وذلك يقتضي ~~ألا يعذبهم وهو فيهم. # وقوله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قيل في معناه أقوال: # احدها - ان النبي صلى الله عليه وآله لما خرج من مكة بفي فيها بقية من ~~المؤمنين يستغفرون، وهو قول ابن عباس، وعطية، وابي مالك، والضحاك، ~~واختاره الجبائي. # وقال آخرون: اراد بذلك لا يعذبهم بعذاب الاستئصال في الدنيا، وهم يقولون ~~يارب غفرانك. ويعذبهم على شركهم في الآخرة، وذلك عن ابن عباس في رواية ~~أخرى، وهو قول أبي موسى، ويزيد بن رومان، ومحمد بن مبشر. # الثالث - أنهم لو استغفروا لم يعذبوا، وفي ذلك استدعاء إلى الاستغفار ~~روي ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وبه قال مجاهد وقتادة والسدي وابن ~~زيد. # وقال الزجاج: معناه لا يعذب الله من يؤل إلى الاسلام. # وقال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بالتي ms1707 بعدها. قال الرماني: هذا ~~غلط، لأن الخبر لا ينسخ. ### || [8.34] # { ما } في قوله { وما لهم أن لا يعذبهم الله } خرجت مخرج الاستفهام ~~ومعناه إيجاب العذاب، وجاز ذلك، لأنه ابلغ في معنى الايجاب، من حيث انه ~~لا جواب - لمن سأل عن مثل هذا - يصح في نفي العذاب، والمعنى لم لا يعذبهم ~~وهذا فعلهم. # وموضع { أن } نصب بمعنى أي شيء لهم في أن لا يعذبهم، لكن لما حذف الجار ~~عمل معنى الفعل من الاستقرار، وجاز الحذف مع { أن } ولم يجز مع المصدر ~~لطول { أن } بالصلة اللازمة من الفعل والفاعل، وليس كذلك المصدر. وحكي عن ~~الاخفش ان { أن } زائدة مع عملها. # وقوله { وهم يصدون عن المسجد } والصد المنع، والصد الاعراض عن الشيء من ~~غير حيلولة بينه وبين غيره والمراد ها هنا المنع. # وقوله: { وما كانوا أولياءه } جمع ولي وهو الذي يستحق القيام بأمر الشيء ~~ويكون احق به من غيره، فعلى هذا الله تعالى ولي المتقين دون المشركين. ~~وقال ابو جعفر عليه السلام والحسن قال المشركون: نحن اولياء المسجد، فرد ~~الله ذلك عليهم، فقال { وما كانوا أولياءه }. ثم اخبر الله تعالى { إن ~~أولياؤه } بمعنى ليس أولياء المسجد إلا المتقون الذين يتركون معاصي الله ~~ويجتنبونها. # وقال قوم: المعنى إن اولياء الله إلا المتقون والاول احسن: لانه مما ~~يقتضيه الانكار. # وقيل في معنى { لا } قولان: احدهما - ان معناها الجحد اي ما لهم في ~~الامتناع من العذاب. وقيل هي صلة، لان المعنى ايجاب العذاب، كما قال ~~الشاعر: # لو لم تكن غطفان لادنوت لها # إذن للام ذووا احسابها عمرا # والاول احسن، لأن المعنى لم لا يعذبهم الله. فان قيل: كيف تجمعون بين ~~الآيتين على قول من لا ينسخ الاولى، فان في الاولى نفى ان يعذبهم الله ~~وهم يستغفرون وفي الثانية اثبت ذلك؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: # احدها - ان يكون أراد وما لهم ان لا يعذبهم الله في الآخرة. # والثاني - ان يكون يعني بالاولى عذاب الاستئصال كما فعل بالامم الماضية ~~وبالثانية اراد عذاب السيف والاسر وغير ذلك ويكون قوله ms1708 { وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } اي انه لا يعذبهم بعذاب الدنيا، والآخرة إذا تابوا ~~واستغفروا. # الثالث - أنه لا يعذبهم ما دام النبي فيهم وما داموا يستغفرون وإن كانوا ~~يستحقون العذاب بكفرهم وعنادهم. # وقوله: { ولكن أكثرهم لا يعلمون } دليل على بطلان قول من قال المعارف ~~ضرورة. ### || [8.35] # روى الحسين العجفي عن ابي بكر { صلاتهم } نصبا { إلا مكاء وتصدية } رفع ~~فيهما. والصواب ما عليه القراء، لان { صلاتهم } معرفة و { مكاء وتصدية } ~~نكرة ولا يجوز ان يجعل اسم كان نكرة وخبره معرفة. ومن قرأ كذلك فلان ~~الصلاة لما كانت مؤنثة ولم يكن في كان علامة التأنيث اضاف الفعل إلى ~~المذكر وهو { مكاء }. وهذا ليس بصحيح، لأن { صلاتهم } لما كان مضافا إلى ~~المذكر جاز ان يذكر كما ان المذكر إذا اضيف إلى المؤنث جاز ان يؤنث، نحو ~~قولهم: ذهبت بعض اصابعه. # ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه لم تكن صلاة هؤلاء الكفار ~~الصادين عن المسجد الحرام { إلا مكاء } لئلا يظن ظان ان مع كونهم مصلين ~~ومستغفرين لا يعذبهم الله، كما قال في الآية الاولى، فبين ان صلاتهم كانت ~~مكاء وتصدية. # والمكاء صفير كصفير المكاء. وهو طائر يكون بالحجاز وله صفير قال الشاعر: # ومكا بها فكأنما يمكو بأعصم عاقل # وأصل المكاء جمع الريح للصفير. ويقال مكا يمكوا مكاء إذا صفر بفيه ومنه ~~يمكوا است الدابة إذا انتفخت بالريح. والاست: الكوة، والمكو ان يجمع ~~الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح. ومنه قول عنترة: # وحليل غانية تركت مجدلا # تمكو فريضته كشدق الاعلم # اي يصفر بالريح لما طعنه والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق ~~بيديه. ومنه الصدى صوت الجبل، ونحوه. ومنه تصدى للملك إذا تعرض له ~~ليكلمه. وقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وعطية، ومجاهد، وقتادة والسدي: ~~المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، قال الراجز: # ضنت بخد وجلت عن خد # فأنا من غرو الهوى أصدي # أي اصفق بيدي تعجبا. والغرو: العجب. # وقال ابو علي الجبائي: كان بعضهم يتصدى لبعض ليراه بذلك الفعل، وكان ~~يصفر ms1709 له. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: التصدية صدهم عن البيت الحرام. ~~وقيل: إنهم كانوا يخلطون ويشوشون بذلك على النبي صلى الله عليه وآله. # وإنما سمي مكاؤهم بأنه صلاة لأمرين: # احدهما - انهم كانوا يقيمونه فعلهم الصفير والتصفيق مقام الصلاة والدعاء ~~والتسبيح. # والاخر - انهم كانوا يعملون كعمل الصلاة مما فيه هذا. # وقوله { فذوقوا العذاب } قال الحسن، والضحاك، وابن جريج، وابن اسحاق: إن ~~معناه عذاب السيف. وقال ابو علي الجبائي: يقال لهم في الاخرة { ذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } في دار الدنيا وهو قول البلخي. والمعنى باشروه ~~وليس المراد به من ذوق الفم. ### || [8.36] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار بأنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل ~~الله وغرضهم المنع عن سبيل الله. وسبيل الله ها هنا، هو دين الله الذي ~~أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسمي سبيل الله ها هنا، لان بسلوكه ~~واتباعه يبلغ ما عند الله، وإن لم يعلموا أنها سبيل الله لانهم قصدوا إلى ~~الصد عنها، وهي سبيل الله على الحقيقة. ويجوز أن يقال قصد الصد عن سبيل ~~الله، وإن لم يعلم. ولا يجوز قصد أن يصد من غير أن يعلم، لأن (أن) تفسر ~~الوجه الذي منه قصد، فلا يكون إلا مع العلم بالوجه كقولك قصد أن يكذب، ~~وقصد الكذب من غير ان يعلم أنه كذب. # وإنما قال { ينفقون } ثم قال { فسينفقونها } ، لأن الاول معناه ان من ~~شأنهم ان ينفقوا للصد، والثاني - معناه انه سيقع الانفاق الذي يكون حسرة ~~بما يرونه من الغلبة. والحسرة الغم بما انكشف من فوت استدراك الخطيئة. ~~والاصل الكشف من قولهم حسر عن ذراعه يحسر حسرا والحاسر خلاف الدارع. ~~وحسر حسرة وهو حسير قال المراد: # ما انا اليوم على شيء خلا # يا بنة القين تولي يحسرا # وكان الانفاق المذكور في الاية القائم به أبو سفيان: صخر بن حرب استأجر ~~يوم أحد ألفين من الاحابيش من كنانة في قول سعيد، وابن ابرى، ومجاهد ~~والحكم ابن عيينة. وفي ذلك قال كعب بن مالك: # وجئنا إلى موج ms1710 من البحر وسطه # احابيش منهم حاسر ومقنع # ثلاثة آلاف ونحن نصية # ثلاث مئين ان كثرن فأربع # وقال الضحاك: إنما عنى بالآية الانفاق يوم بدر. # وفي الآية دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانه اخبر بالشيء ~~قبل كونه فكان على ما اخبر به. ### || [8.37] # قرأ حمزة والكسائي { ليميز } مضمومة الياء مشددة، والباقون بفتح الياء ~~خفيفا. # اخبر الله تعالى انه يحشر الكفار إلى جهنم { ليميز الخبيث } الذي هو ~~الكافر { من الطيب } الذي هو المؤمن. (والتمييز) هو إخراج الشيء عما ~~خالفه مما ليس منه، وإلحاقه بما هو منه. تقول مازه يميزه، وميزه تمييزا. ~~وامتاز امتيازا وانماز انميازا والخبيث الرديء من كل شيء. وضده الطيب. ~~ومنه خبث الحديد وخبث الفضة، وخبث الانسان خبثا، وتخبث تخبثا، وتخابث ~~تخابثا وخبثه تخبيثا و { الطيب } المستلذ من الطعام والطيب الحلال من ~~الرزق، والطيب من الولد الذي يفرح به والطيب نقيض الخبيث، وهو الجيد من ~~كل شيء. # وقيل المعنى ليميز الله ما انفقه المؤمنون في طاعة الله مما انفقه ~~المشركون في معاصيه. وقوله { ويجعل الخبيث بعضه على بعض } معناه إن ~~الكافر يكون على اسوء حال كالمتاع والركام، هوانا، وتحقيرا، وإذلالا. # وقوله { فيركمه جميعا } معناه تراكب بعضه فوق بعضه. كالرمل الركام وهو ~~المتراكب. ركمه يركمه ركما وتراكم تراكما وارتكم ارتكاما. ومنه قوله ~~تعالى في صفة السحاب # ثم يجعله ركاما # وقال الحسن يركمهم الله مع ما انفقوا في جهنم، كما قال # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم # ثم اخبر انه اذا ركمه جميعا يجعله في جهنم واخبر عنهم بأنهم الخاسرون ~~نفوسهم باهلاكهم اياها بارتكاب المعاصي والكفر المؤدي إلى عذاب الابد. ### || [8.38] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للكفار إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف والمعنى إن انابوا عن الكفر والمعاصي وتابوا منها توبة ~~خالصة، لأن الكف عن المعاصي مع الاصرار لا يوجب الغفران. وإنما اطلق ~~الوعد في الآية بالانتهاء عن المعصية، لان الانتهاء عنها لا يكون مع ~~الاصرار عليها، ms1711 لان الاصرار معصية. # وقوله { وان يعودوا فقد مضت سنة الأولين } معناه وان يعودوا، ويرجعوا ~~إلى المعصية { فقد مضت سنة الأولين } في تعجيل العقاب لهم في الدنيا ~~بعذاب الاستئصال وما جرى مجراه من الاسر والقتل، يوم بدر، وبالنصر من ~~الله، من قول الحسن ومجاهد، والسدي. # والسلوف: التقدم، تقول سلف يسلف سلوفا واسلف إسلافا وتسلف تسلفا ~~وسلفه تسلفا وتسليفا واستسلف استسلافا، والسالفة اعلى العنق، والسلافة ~~اخلص الخمر واجودها. والسلفان المتزوجان باختين والسنة الطريقة التي يجري ~~عليها الامر، ومنه قولهم هذا مستمر على سنن واحد. ### || [8.39-40] # أمر الله تعالى بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين ان ~~يقاتلوا الكفار { حتى لا تكون فتنة } وهي الكفر من غير اهل العهد، وما ~~جرى مجراه من البغي، لأنهم يدعون الناس إلى مثل حالهم بتعززهم على اهل ~~الحق وتطاولهم فيفتنونهم في دينهم. # وقال ابن عباس، والحسن: معناه حتى لا يكون شرك. وقال ابن اسحاق حتى لا ~~يفتن مؤمن عن دينه. والفرق بين قوله { حتى لا تكون فتنة } وبين قوله حتى ~~لا يكون كفر هو ان الذليل والأسير والشريد لا يفتن الناس في دينهم لان ~~الذل لا يدعوا إلى حال صاحبه كما يدعو العز. # وقوله { ويكون الدين كله لله } معناه ان يجمع اهل الباطل وأهل الحق على ~~الدين الحق فيما يعتقدونه ويعملون به، فيكون الدين كله حينئذ لله ~~بالاجتماع على طاعته وعبادته، والدين ها هنا الطاعة بالعبادة. # وقوله { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير } معناه فان رجعوا عن ~~الكفر وانتهوا عنه فان الله يجازيهم مجازاة البصير بهم وبأعمالهم باطنها ~~وظاهرها لا يخفى عليه شيء منها. # وقوله { وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم } قيل في معناه قولان: # احدهما - وان تولى هؤلاء الكفار واعرضوا عن الدين الحق واتباعه فثقوا ~~بالله وتذكروا ما وعدكم به ايها المؤمنون تسكينا لنفوسهم وتمكينا للحق ~~عندهم. # والثاني - فاعلموا ان الله ينصركم عليهم على طريق الأمر بعلم هذا ~~ليكونوا على بصيرة في ان الغلبة لهم وقوله { وإن تولوا } شرط. وقوله { ~~فاعلموا أن الله } امر ms1712 في موضع الجواب، وإنما جاز ذلك لان فيه معنى ~~الخبر، فلم يخرج من ان يجب الثاني بالاول، كأنه قال فواجب عليكم العلم ~~بأن الله مولاكم او فينبغي ان تعلموا ان الله مولاكم. # والمولى ها هنا هو الناصر. وهو الذي يوليكم عن الغلبة. والمولى على ~~اقسام بمعنى الناصر وبمعنى الحليف، وبمعنى المعنق والمعتق. وبمعنى الأولى ~~والأحق كما قال لبيد: # فقدت كلا الفرحين يحسب انه # مولى المخافة خلفها وامامها # ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله # " ايما امراة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل " # اي من هو اولى بالعقد عليها. وقال الأخطل يمدح عبد اللملك بن مروان: # فاصبحت مولاها من الناس كلهم # واحرى قريش ان تهاب وتحمدا # وقال ابو عبيدة: ومنه قوله " النار مولاهم " معناه الاولى بهم واستشهد ~~ببيت لبيد المتقدم ذكره. وقد استوفينا اقسام مولى في غيره هذا الموضع فلا ~~نطول بذكره ها هنا. والتولي عن الدين هو الذهاب عنه إلى خلافه وهو ~~والاعراض بمعنى واحد والتولي في الدين هو الذهاب إلى جهة الحق ومتابعة ~~النبي صلى الله عليه وآله والنصرة له والمعونة له. ### || [8.41] # الغنيمة ما اخذ من اموال اهل الحرب من الكفار بقتال. وهي هبة من الله ~~تعالى للمسلمين. والفيء ما اخذ بغير قتال في قول عطا بن السائب، وسفيان ~~الثوري وهو قول الشافعي، وهو المروي في اخبارنا. # وقال قوم: الفيء والغنيمة واحد. وقالوا إن هذه الاية ناسخة للتي في ~~الحشر من قوله # ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل # لأنه بين في هذه الآية ان الأربعة اخماس للمقاتلة. وعلى القول الأول لا ~~يحتاج إلى هذا، وعند اصحابنا ان مال الفيء للامام خاصة يفرقه فيمن شاء ~~بعضه في مؤنة نفسه وذوي قرابته. واليتامى والمساكين وابن السبيل من اهل ~~بيت رسول الله ليس لسائر الناس فيه شيء. واما خمس الغنيمة، فانه يقسم ~~عندنا ستة اقسام: فسهم لله، وسهم لرسوله للنبي، وهذان السهمان مع سهم ذي ~~القربى، للقائم مقام النبي صلى الله ms1713 عليه وآله ينفقها على نفسه وأهل بيته ~~من بني هاشم، وسهم لليتامى: وسهم للمساكين: وسهم لأبناء السبيل من أهل ~~بيت الرسول لا يشركهم فيها باقي الناس لأن الله تعالى عوضهم ذلك عما اباح ~~لفقراء المسلمين ومساكينهم وابناء سبيلهم من الصدقات إذا كانت الصدقات ~~محرمة على أهل بيت الرسول عليهم السلام وهو قول علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب، ومحمد بن على الباقر ابنه عليهم السلام رواه الطبري باسناده ~~عنهما. # وقال الحسين بن علي المغربي حاكيا عن الصابوني من اصحابنا، إن هؤلاء ~~الثلاثة فرق لا يدخلون في سهم ذي القربى وإن كان عموم اللفظ يقتضيه، لأن ~~سهامهم مفردة، وهو الظاهر من المذهب. والذين يستحقون الخمس عندنا من كان ~~من ولد عبد المطلب، لأن هاشما لم يعقب إلا منه: من الطالبيين والعباسيين ~~والحارثيين واللهبيين، فاما ولد عبد مناف من المطلبيين، فلا شيء لهم فيه، ~~وعند اصحابنا الخمس يجب في كل فائدة تحصل للانسان من المكاسب وأرباح ~~التجارات والكنوز والمعادن والغوص وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. # ويمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية، لأن جميع ذلك يسمى غنيمة. # وقال ابن عباس، وابراهيم، وقتادة، وعطا: الخمس يقسم خمسة أقسام فسهم ~~الله وسهم الرسول واحد. # وقال قوم: يقسم أربعة أقسام سهم لبني هاشم وثلاثة للذين ذكروا بعد ذلك ~~من سائر المسلمين، ذهب اليه الشافعي. # وقال اهل العراق: يقسم الخمس ثلاثة اقسام، لان سهم الرسول صرفه الأئمة ~~الأربعة إلى الكراع والسلاح. # وقال مالك: يقسم على ما ذكره الله. ويجوز للامام ان يخرج عنهم حسب ما ~~يراه وإنما جاء على طريق الاولى في بعض الاحوال. # وقال ابو العالية - وهو رجل من صالحي التابعين - يقسم ستة اقسام، فسهم ~~الله للكعبة، والباقي لمن ذكر بعد ذلك. # وقال ابن عباس ومجاهد: ذو القربى هم بنو هاشم، وقد بينا نحن ان المراد ~~بذي القربى اهل بيت النبي صلى الله عليه وآله: وبعد النبي القائم مقامه، ~~وبه قال علي بن الحسين عليه السلام وروى جبير بن مطعم عن النبي ms1714 صلى الله ~~عليه وآله انهم بنو هاشم، وبنوا المطلب واختاره الشافعي وقال الحسن ~~وقتادة: سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى لولي الأمر من بعده وهو مثل ~~مذهبنا. وقال ابو علي الجبائي: إن الأئمة الأربعة جعلوا سهم الرسول وذي ~~القربى في الكراع والسلاح واجمعوا على ان سهم اليتامى والمساكين وابن ~~السبيل شائع في الناس بخلاف ما قلناه. # واليتيم من مات أبوه وهو صغير قبل البلوغ. وكل حيوان يتيم من قيل أمه ~~إلا ابن آدم، فانه من قبل ابيه. # واما ابن السبيل، فهو المنقطع به في سفره. وإنما قيل ابن السبيل بمعنى ~~اخرجه إلى هذا المستقر، كما يخرجه ابوه من مستقره لقي محتاجا. # والمسكين المحتاج الذي من شأنه ان تسكنه الحاجة عما ينهض به الغنى. # وقوله { فأن الله خمسه } قيل في فتح (أن) قولان: احدهما - فعلى ان لله ~~خمسه وحذف حرف الجر فنصب. الثاني - انه عطف على (أن) الاولى وحذف خبر ~~الأولى لدلالة الكلام عليه، وتقديره اعلموا ان ما غنمتم من شيء يجب قسمته ~~واعلموا ان لله خمسه. قال الفراء: إنه جزاء بمنزلة # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا # قال الرماني: هذا غلط لأن (أن) لا تدخل على الجزاء إلا مع العماد، كما ~~لا تدخل (أن) إلا على هذا الوجه. # وقوله { إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم ~~التقى الجمعان } معناه اعلموا أنما غنمتم من شيء لهؤلاء الذين ذكرناهم ان ~~كنتم مؤمنين بالله مصدقين له في اخباره وما انزله على عبده محمد صلى الله ~~عليه وآله من القرآن. # وقال الزجاج يجوز ان يكون قوله { إن كنتم آمنتم بالله } متعلقا بقوله { ~~فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير. إن كنتم آمنتم بالله وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } اي فايقنوا ان الله ناصركم إذ كنتم ~~شاهدتم من نصره ما شاهدتم. ومعنى { يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } يوم ~~بدر وسمي يوم الفرقان لانه تميز اهل الحق مع قلة عددهم من المشركين مع ms1715 ~~كثرة عددهم بنصر الله المؤمنين. وقيل كان يوم السابع عشر من شهر رمضان ~~وقيل التاسع عشر، سنة اثنتين من الهجرة؟ وهو المروي عن ابي عبد الله عليه ~~السلام ثم قال { والله على كل شيء قدير } اي هو قادر على مجازاة من اطاعه ~~بجزيل الثواب، وعلى عقاب من عصاه بأليم العذاب. ### || [8.42] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { بالعدوة } بكسر العين، الباقون بضمها وهما ~~لغتان قال الراعي في الكسر: # وعينان حمر مآقيهما # كما نظر العدوة الجؤذر # وقال أوس بن حجر في الضم: # وفارس لا يحل الحي عدوته # ولوا سراعا وما هموا باقبال # والعدوة شفير الوادي. وقال البصريون: الكسر اكثر اللغات. وقال احمد ابن ~~يحيي: بالضم اكثر. وقال قوم: هما لغتان سواء، وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم ~~وابن كثير في رواية البزي وشبل " حيي " باظهار الياءين. وقرأ الباقون ~~بالادغام وإنما جاز الادغام في (حيي) للزوم الحركة في الثاني يجري مجرى ~~(ردوا) إذا اخبروا عن جماعة قالوا: حيوا فخففوا وقد جاء مدغما، فقالوا ~~حيوا ومن اختار الاظهار، فلامتناع الادغام في مضارعه من يحيي فجرى على ~~شاكلته قال الزجاج، لأن الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياء تقول حيي يحيى ~~فاما احيا يحيي فلا يجوز فيه الادغام عند البصريين، لان الثاني إذا سكن ~~في الصحيح من المضاعف في نحو لم يردد كان الاظهار أجود فالمعتل بذلك ~~أولى، لان سكونه ألزم فلذلك وجه الاظهار في (يحيي) لانه أحق من (لم يردد) ~~لان السكون له ألزم وقد أجاز الفراء الادغام في يحيي وانشد بيتا لا يعرف ~~شاعره: # وكانها بين النساء سبيكة # تمشي بشدة بأنها فتعي # تقدير معنى الآية واذكروا أيها المؤمنون { إذ أنتم بالعدوة } وهي الجهة ~~التي هي نهاية الشيء من احد جانبيه. ومنه قولهم عدوتا الوادي. وهما ~~شفيراه وجانباه. و { الدنيا } بمعنى الأدنى إلى المدينة. و { القصوى } ~~بمعنى الأقصى منها إلى جهة مكة، وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله ~~واصحابه نزلوا بالجانب الأدنى إلى المدينة. وقريش نزلت بالجانب الأقصى ~~منها إلى مكة فنزلا الوادي بهذه ms1716 الصفة، قد اكتنفا شفيريه. وقوله { والركب ~~أسفل منكم } يعني ابا سفيان واصحابه في موضع اسفل منكم إلى ساحل البحر. ~~وإنما نصب اسفل، لان تقديره بمكان اسفل. فهو في موضع خفض، ونصب لانه لا ~~ينصرف وكان يجوز الرفع على تقدير والركب أشد سفلا منكم، ومن نصب يجوز ان ~~يكون اراد والركب مكانا اسفل منكم بجعله ظرفا. والذي حكيناه، هو قول ~~الحسن، وقتادة، وابن اسحاق ومجاهد والسدي. # واصل الدنيا الدنو بالواو، بدلالة قولهم دنوت إلى الشيء أدنو دنوا، ~~فقلبت الواو ياء. ولم تقلب مثل ذلك في القصوى، لأنه ذهب بالدنيا مذهب ~~الاسم في قولهم الدنيا والاخرة، وان كان اصلها صفة، فخففت. لأن الاسم احق ~~بالتخفيف. وتقول: ادناه ادناء واستدناه استدناء، وتدانوا تدانيا. وداناه ~~مداناة. و (العلو) قرار تحته قرار. و (السفل) قرار فوقه قرار، تقول: سفل ~~يسفل سفلا، وتسفل تسفلا وتسافل تسافلا وسفل تسفيلا، وسافله مسافلة، وهو ~~الاسفل، وهي السفلى. # وقوله { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } والمواعدة وعد كل واحد من ~~الاثنين الآخر وتواعدوا تواعدا. و (الاختلاف) مذهب كل واحد من الشيئين ~~في نقيض الآخر، ومنه الاختلاف في الميعاد لذهاب كل واحد من الفريقين فيما ~~يناقض الميعاد من التقدم والتأخر والزيادة والنقصان عما انعقد به ~~الميعاد. # وقيل: اختلافهم في الميعاد بمعنى " لو تواعدتم " أيها المؤمنون على ~~الاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم ~~لتأخرتم فنقضتم الميعاد، في قول ابن اسحاق. ووجه آخر { ولو تواعدتم } من ~~غير لطف الله لكم { لاختلفتم } بالعوائق والقواطع فذكر الميعاد لتأكيد ~~امره في الاتفاق ولولا لطف الله مع ذلك لوقع على الاختلاف كما قال ~~الشاعر: # جرت الرياح على محل ديارهم # فكانما كانوا على ميعاد # وقوله { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } معناه ليفصل الله امرا كان ~~مفعولا من عز الاسلام وعلو اهله على عبدة الاوثان وغيرهم من الكفار بحسن ~~تدبيره ولطفه. # وقوله { ليهلك من هلك عن بينة } معناه ليهلك من هلك عن قيام حجة عليه ~~بما رأى من المعجزات الباهرات للنبي صلى الله ms1717 عليه وآله في حروبه وغيرها ~~{ ويحيى من حي عن بينة } يعني ليستبصر من استبصر عن قيام حجة، فجعل الله ~~المتبع للحق بمنزلة الحي، وجعل الضال بمنزلة الهالك. # وقوله: { وإن الله لسميع عليم } معناه " سميع " لما يقوله القائل في ذلك ~~" عليم " بما يضمره، فهو يجازيه بحسب ما يكون منه. ### || [8.43] # التقدير واذكر يا محمد { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } والهاء ~~والميم كناية عن الكفار الذين قاتلوه يوم بدر { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر } وهذه الرؤية كانت في المنام عند اكثر المفسرين. ~~والرؤيا في المنام تصور يتوهم معه الرؤية في اليقظة والرؤيا على اربعة ~~اقسام: رؤيا من الله عز وجل، ولها تأويل ورؤيا من وسوسة الشيطان، ورؤيا ~~من غلبة الاخلاط، ورؤيا من الافكار، وكلها أضغاث أحلام إلا الرؤيا من قبل ~~الله تعالى التي هي إلهام في المنام يتصور به الشيء كأنه يرى في اليقظة. ~~ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله هذه بشارة له، وللمؤمنين بالغلبة. # وقال الحسن: معنى { في منامك } في عينك التي تنام بها، وليس من الرؤيا ~~في النوم، وهو قول البلخي، وهو بعيد، لأنه خلاف الظاهر من مفهوم الكلام. # قال الرماني: ويجوز أن يريه الله الشيء في المنام على خلاف ما هو به، ~~لأن الرؤيا في المنام يخيل له المعنى من غير قطع وإن جاء معه تطلع من ~~الانسان على المعنى وإنما ذلك على مثل تخييل السراب ماء من غير تطلع على ~~أنه ماء، فهذا يجوز ان يفعله الله. ولا يجوز ان يلهمه إعتقاد الشيء على ~~خلاف ما هو به. لان ذلك يكون جهلا، ولا يجوز أن يفعله الله تعالى. # والنوم ضرب من السهو يزول معه معظم الحس، تقول نام ينام نوما ونومه ~~تنويما وأنامه إنامة وتناوم تناوما واستنام استنامة. و (المنام) موضع ~~النوم والمضطجع موضع الاضطجاع. # و (القلة) نقصان عن عدد، كما أن الكثرة زيادة على عدد يقال: قل يقل قلة ~~وقلله تقليلا، واستقل استقلالا وتقلل تقللا. والشيء يكون قليلا بالاضافة ~~إلى ماهو اكثر منه. ويكون ms1718 كثيرا بالاضافة إلى ما هو أقل منه. وأقله ~~إقلالا إذا أطاقه فصادفه قليلا في طاقته، فهو مشتق من هذا واستقل من ~~المرض إذا قوي قوة يزول بها المرض اي وجده قليلا في قوته لا يعتد به. # وقوله { لفشلتم } فالفشل ضعف الوجل لان الضعف قد يكون لمرض من غير فزع ~~وقد يكون من فزع. فالفشل إنما هو الضعف عن فزع. وفشل يفشل فشلا فهو فاشل، ~~وفشله تفشيلا: إذا نسبه إلى الفشل، وتفاشلوا تفاشلا. # وقوله { ولتنازعتم } فالتنازع الاختلاف الذي يحاول كل واحد منهم نزع ~~صاحبه مما هو عليه تنازعوا تنازعا، ونازعه منازعة ونزع عن الامر ينزع ~~نزوعا، واستنزعه إذا طلب نزوعه. وانتزعه إذا اقتلعه عن مكانه. # وقوله { ولكن الله سلم } فالسلامة النجاة من الآفة. سلم يسلم سلامة ~~وأسلمه إسلاما إذا دفعه على السلامة، وأسلم الانسان إذا دخل في السلامة ~~من جهة الدين وسلمه تسليما إذا نجاه. واستسلم استسلاما اذا سلم نفسه ~~للامر، وتسلم تسلما إذا طلب السلامة، واستلم الحجر إذا طلب لمسه على ~~السلامة وسالمه مسالمة، وتسالما تسالما. # وقوله { إنه عليم بذات الصدور } فالصدر الموضع الأجل لكون القلب فيه. ~~وصدر المجلس أجله، لانه موضع الرئيس، وصدر الدار مشبه بصدر الانسان لانه ~~المستقبل منه كاستقباله من الانسان يقال صدر يصدر صدورا واصدره اصدارا ~~وتصدر تصدرا وصدره تصديرا وصادره مصادرة، وتصادروا تصادرا. # ففائدة الآية إن الله لطف للؤمنين بما لو لم يكن لفشلوا ولاضطرب امرهم ~~واختلفت كلمتهم. ولكن سلمهم الله من ذلك بلطفه لهم واحسانه بهم حتى بلغوا ~~ما ارادوه من عدوهم. ### || [8.44] # التقدير اذكروا أيها المؤمنون إذ يريكموهم، فالهاه والميم كناية عن ~~المشركين، والكاف والميم كناية عن المؤمنين، أرى الله تعالى الكفار ~~قليلين في أعين المؤمنين ليشتد بذلك طمعهم فيهم وجرأتهم عليهم، وقلل ~~المؤمنين في أعين الكفار لئلا يتأهبوا ولا يستعدوا لقتالهم ولايكترثوا ~~بهم ويظفر بهم المؤمنون. والمراد بالرؤية ها هنا الرؤية بالبصر، وهو ~~الادراك بحاسة البصر والرائي هو المدرك. والعين حاسة يدرك بها البصر، ~~والعين مشتركة، فمنها عين الماء، وعين الميزان، وعين ms1719 الركبة، وعين الذهب، ~~والعين النفس، والالتقاء اجتماع الاتصال، لان الاجتماع على وجهين: اجتماع ~~الاتصال واجتماع في معنى من غير اتصال كاجتماع القوم في الدار، وان لم ~~يكن هناك اتصال. ويقال للعسكرين إذا تصافا التقيا لوقوع العين على العين. # فان قيل كيف قللهم الله في أعينهم مع رؤيتهم لهم؟ # قلنا: بأنه يتخيلوهم بأعينهم قليلا من غير رؤية على الصحة لجميعهم وذلك ~~بلطف من ألطافه تعالى مما يصد به عن الرؤية من قتام يستر بعضهم ولا يستر ~~بعضا آخر. وروي عن ابن مسعود انه قال رأيناهم قليلا حتى قلت لمن كان إلى ~~جانبي أتراهم سبعين رجلا؟ فقال لي هم نحو المئة. فلما اسرنا رجلا منهم ~~سألناه كم كانوا، فقال ألفا. # وقوله { ليقصي الله أمرا كان مفعولا } إنما كرره في هذه الآية مع ذكره ~~في الآية الاولى، لاختلاف الفائدة، فمعناه في الآية الاولى { ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من الالتقاء ~~على الصفة التي حصلتم عليها. ومعناه في الثانية يقلل كل فريق في عين ~~صاحبه { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من اعزاز الدين بجهادكم على ما ~~دبره لكم. وإنما قال { كان مفعولا } والمعنى يكون مفعولا في المستقبل ~~لتحقيق كونه لا محالة حتى صار بمنزلة ما قد كان إذ قدم علم الله انه كائن ~~لا محالة. # وقوله تعالى { وإلى الله ترجع الأمور } اي ترجع الامور إلى ملكه وتدبيره ~~خاصة، ويزول ملك كل من ملكه في دار الدنيا. ### || [8.45] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين خاصة يأمرهم بأنهم اذا لقوا جماعة من ~~الكفار لحربهم أن يثبتوا ويذكروا الله كثيرا، ويستنصروه عليهم لكي ~~يفلحوا ويفوزوا بالظفر بهم، وبالثواب عند الله يوم القيامة. وقد بينا ان ~~معنى الايمان هو التصديق بما أوجبه الله على المكلفين أو ندبهم اليه. ~~والفئة الجماعة المنقطعة من غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف اذا قطعته. ~~والثبوت حصول الشيء في المكان على استمرار، يقال لمن استمر على صفة: قد ~~ثبت كثبوت الطين. والذكر ضد السهو، وقد يكون الذكر ms1720 القول من غير سهو. ~~والفئة المذكورة في الآية وان كانت مطلقة، فالمراد بها المشركة او ~~الباغية، لأن الله لا يأمر المؤمنين بالثبوت لقتال احد الا من هو بهذه ~~الصفة، ولا يأمر بقتال المؤمنين. ### || [8.46] # أمر الله تعالى هؤلاء المؤمنين الذين ذكرهم بأن يطيعوا الله ورسوله، ولا ~~يختلفوا فيضعفوا عن الحرب. والعامل في { فتفشلوا } الفاء التي هي بدل من ~~(أن) على معنى جواب النهي كقولك لا تأت زيدا فيهينك، ولذلك عطف بالنصب ~~في قوله { وتذهب ريحكم } عليه. # وقوله { وتذهب ريحكم } معناه كالمثل أي ان لكم ريحا تنصرون بها يقال ~~ذهب ريح فلان اي كان يجري في امره على السعادة بريح تحمله اليها، فلما ~~ذهبت وقف امره، فهذه بلاغة حسنة. وقيل: المعنى ريح النصرة التي يبعثها ~~الله مع من ينصره على من يخذله، في قول قتادة وابن زيد. وقيل: تذهب ~~دولتكم، من قولهم ذهب ريحه، أي ذهبت دولته. في قول ابي عبيدة وابي علي. ~~وقال عبيد ابن الابرص: # كما حميناك يوم النعف من شطب # والفضل للقوم من ريح ومن عدد # اي من ريح عز ومن عدد. وقال أبو جعفر عليه السلام: هذه الآية نزلت حين ~~أشار خباب بن المنذر على النبي صلى الله عليه وآله ان ينتقل من مكانه حتى ~~ينزلوا على الماء ويجيؤهم من خلفهم، فقال بعضهم لا تنغفر معصاتك يا رسول ~~الله. فتنازعوا، فنزلت الآية وعمل النبي صلى الله عليه وآله على قول ~~خباب. ### || [8.47] # نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية ان يكونوا مثل { الذين خرجوا من ~~ديارهم بطرا ورئاء الناس } وهم قريش، لما خرجت لتحمي العير، فلما نجا ~~ابو سفيان ارسل اليهم ان ارجعوا، فقد سلمت عيركم وهم بالجحفة: فقال أبو ~~جهل والله لا نرجع حتى نرد بدرا وننحر جزرا، ونشرب خمرا وتعزف علينا ~~القيان ويرانا من غشينا من اهل الحجاز، ذكره ابن عباس ومجاهد وعروة بن ~~الزبير وابن اسحاق. والبطر الخروج عن موجب النعمة - من شكرها، والقيام ~~بحقها - إلى خلافه. وأصله الشق فمنه البيطار الذي يشق اللحم ms1721 بالمبضع، ~~وبطر الانسان بطرا وابطره كثرة النعمة عليه إبطارا وبطره تبطيرا. ~~والرئاء اظهار الجميل مع ابطان القبيح تقول: راءى يرائي مراءاة ورياء. ~~والمرائي رجل سوء لما بينا. والنفاق اظهار الايمان مع ابطان الكفر. والصد ~~المنع. وقيل هو جعل ما يدعو إلى الاعراض فهؤلاء يصدون عن سبيل الله بما ~~يدعون الناس إلى الاعراض عنها من معادات اهلها وقتالهم عليها وتكذيبهم ~~بما جاء به الداعي اليها. والفرق بين الصد والمنع أن المنع ما يتعذر معه ~~الفعل والصد ما يدعو إلى ترك الفعل. # وقوله { والله بما تعملون محيط } معناه يحتمل أمرين: احدهما - انه يحيط ~~علمه بما يعملونه. الثاني - انه قادر على جزاء ما يعملونه من ثواب أو ~~عقاب. ### || [8.48] # التقدير: واذكر { إذ زين لهم } يعني المشركين { زين لهم الشيطان أعمالهم ~~} بمعنى حسنها في نفوسهم والتزيين هو التحسين. والمعنى أن ابليس حسن ~~للمشركين أعمالهم وحرضهم على قتال محمد، وخروجهم من مكة، وقوى نفوسهم، ~~وقال لهم { لا غالب لكم اليوم من الناس }. تقول غلب يغلب غلبة، فهو غالب، ~~وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا وغلبه تغليبا. والغلبة القهر للمنازع، ~~والملك لامره. # وقوله { وإني جار لكم } حكاية عما قال ابليس للمشركين، فانه قال لهم اني ~~جار لكم، لأنهم خافوا بني كنانة لما كان بينهم، فأراد إبليس بأن يسكن ~~خوفهم، والجار هو الدافع عن صاحبه السوء أجاره يجيره جوارا. ومنه قوله # وهو يجير ولا يجار عليه # اي يعقد لمن احب دفع الضرر عنه من كل احد ولا يعقد عليه، فالجار المجير. ~~وقوله { فلما تراءت الفئتان } معناه، فلما التقتا ورأى بعضهم بعضا { نكص ~~} يعني ابليس { على عقبيه } والنكوص هو الرجوع ققهرى خوفا مما يرى. نكص ~~ينكص نكوصا، قال زهير: # هم يضربون حبيك البيض اذ لحقوا # لا ينكصون اذا ما استلحموا وحموا # واختلفوا في ظهور الشيطان لهم حتى رأوه، فقال ابن عباس، والسدي وقتادة، ~~وابن اسحاق: ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي في ~~جماعة من جنده، وقال لهم: هذه كنانة قد أتتكم نجدة، فلما رأى الملائكة ms1722 { ~~نكص على عقبيه } فقال الحارث بن هشام إلى اين يا سراقة، فقال { إني أرى ~~ما لا ترون } وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل إنه راى ~~جبرائيل بين يدي النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابو علي الجبائي حوله ~~الله على صورة إنسان علما للنبي صلى الله عليه وآله بما يخبر به عنه. ~~وقال الحسن والبلخي: إنما هو يوسوس من غير ان يحول في صورة انسان. # وقوله { إني أخاف الله والله شديد العقاب } حكاية عن قول ابليس حين ولى ~~فقال لقريش اني ارى من الملائكة ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد ~~العقاب. وانما خافه من ان يأخذه في تلك الحال بعقوبته دون ان يكون خاف ~~معصيته فامتنع منها. # قال الحسن: إبليس عدو الله لا يخاف الله لكن كلما استؤصل جند من جنوده ~~وقعت بذلك عليه مخافة وذلة. وقال البلخي هو كقولك للرجل جمعت بين ~~الفريقين حتى اذا وقع الشر بينهم خليتهم وانصرفت، وقلت اعملوا ما شئتم ~~وتريد بذلك انك خليت بينهم دون ان يكون هناك قول، والاول هو المشهور في ~~التفاسير. # والواو دخلت في قوله { وإذ زين لهم الشيطان } للعطف على خروجهم بطرا ~~ورئاء الناس، فعطف حالهم في تزيين الشيطان اعمالهم على حالهم في خروجهم ~~بطرا. ### || [8.49] # العامل في " إذ " يحتمل أن يكون شيئين: احدهما - الابتداء والتقدير ذاك ~~{ إذ يقول } والآخر بتقدير اذكر { إذ يقول المنافقون } وهم الذين يبطنون ~~الكفر ويظهرون الايمان { والذين في قلوبهم مرض } الشاكين في الاسلام مع ~~اظهارهم كلمة الايمان، وهم بمكة جماعة خرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما ~~رأوا قلة المسلمين قالوا هذا القول، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة ~~والحارث بن زمعة وعلي بن أمية والعاص بن المنبه بن الحجاج، هذا قول ~~مجاهد، والشعبي وقال الحسن: المرض الشرك { والذين في قلوبهم مرض } ~~المشركون. وقال ابو علي فصلوا في الذكر لان المنافقين كانوا يضمرون عداوة ~~النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين، وكانوا هؤلاء مرتبتين وكلهم في معنى ~~المنافقين، لان الشك في ms1723 الاسلام كفر. # وقوله { غر هؤلاء دينهم } معناه ان المسلمين اغتروا بالاسلام. والغرور: ~~اظهار النصح مع إبطان الغش تقول: غره يغره غرورا واغتر به اغترارا ومنه ~~الغرر، لانه عمل بما لا يؤمن معه الغرور. وقوله { ومن يتوكل على الله } ~~معناه ومن يسلم لأمر الله ويثق به ويرضى بفعله، لان التوكل على الله هو ~~التسليم لأمره مع الثقة والرضا به، تقول: وكل امره إلى الله، يكل واتكل ~~عليه يتكل اتكالا وتوكل توكلا وتواكل القوم تواكلا اذا اتكل بعضهم على ~~بعض، ووكل توكيلا. وقوله { فإن الله عزيز حكيم } معناه انه قادر لا يغالب ~~واضع للاشياء مواضعها ### || [8.50] # قرأ ابن عامر { إذ تتوفى } بتأءين فأدغم احدهما في الاخرى هشام عنه. ~~الباقون بالياء والتاء. من قرأ بالتاء أسند الفعل إلى الملائكة كقوله # إذ قالت الملائكة # ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي. # هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى له: { ~~ولو ترى } الوقت الذي تتوقى الملائكة الذين كفروا بمعنى انهم يقبضون ~~أرواحهم على استيفائها، لان الموت انما يكون باخراج الروح على تمامها. ~~وجواب " لو " محذوف، وتقديره لرأيت منظرا عظيما او امرا عجيبا او ~~عقابا شديدا، وحذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الكلام يدل عليه. ~~والمرئي ليس بمذكور في الكلام لكن فيه دلالة عليه لان تقديره: لو رأيت ~~الملائكة يضربون من الكفار الوجوه والادبار، وحذفه ابلغ وأوجز مع أن ~~الكلام يدل عليه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: معنى أدبارهم استاههم لكنه ~~كنى عنه. وقال الحسن: معناه ظهورهم. وقال ابو علي: المعنى ستضربهم ~~الملائكة عند الموت. قال الرماني: وهذا غلط، لأنه خلاف الظاهر، وخلاف ~~الاجماع المتقدم أنه يوم بدر. وروى الحسن: ان رجلا قال يا رسول الله إني ~~رأيت بظهر أبي جهل مثل الشرك، فقال: ذاك ضرب الملائكة. وروي عن مجاهد ان ~~رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله اني حملت على رجل من المشركين فذهبت ~~لاضربه فبدر رأسه، فقال: سبقك اليه الملائكة. وعن ابن عباس انه كان يوم ~~بدر. ms1724 # وقوله: { وذوقوا عذاب الحريق } تقديره، ويقولون يعني الملائكة للكفار ~~يقولون لهم ذوقوا عذاب الحريق يوم القيامة وحذف لدلالة الكلام عليه. ~~ومثله قوله # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا # أي يقولون ربنا أبصرنا، ودل الكلام عليه. والحريق تفريق الاجسام الكبيرة ~~العظيمة بالنار العظيمة يقال: احترق احتراقا واحرق إحراقا وتحرق تحرقا ~~وحرقه تحريقا، وجواب " لو " محذوف، وتقديره لرأيت منظرا هائلا وإنما ~~حذف جواب " لو " لأن ذكره يخص وجها ومع الحذف يظن وجوه كثيرة فهو أبلغ. ### || [8.51] # قوله { ذلك } إشارة من الملائكة للكفار إلى ما تقدم ذكره من قولهم { ~~ذوقوا عذاب الحريق } قالوا ذلك العذاب { بما قدمت أيديكم } وموضع { بما ~~قدمت أيديكم } يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - الرفع بأنه خبر ذلك. ~~والثاني - النصب بأنه متصل بمحذوف، وتقديره ذلك جزاؤكم { بما قدمت أيديكم ~~} وإنما قيل بما قدمت أيديكم مع أن اليد لا تعمل شيئا لتبين أنه بمنزلة ~~ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب، وإن كان بها معتمد ~~العصيان، لانه قصد إظهار ما يقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس. ~~والتقديم ترتيب الشيء أولا قبل غيره: قدمه تقديما وتقدم تقدما واستقدم ~~استقداما وتقادم عهده تقادما واقدم على الأمر إقداما. # وقوله: { إن الله ليس بظلام للعبيد } العامل في " ان " يحتمل شيئين: # احدهما - أن يكون موضعه نصبا بتقدير وبأن الله او خفضا على الخلاف ~~فيه. # والثاني - ان يكون رفعا بمعنى وذلك ان الله كما تقول ذلك هذا. # وإنما نفى المبالغة في الظلم عنه تعالى دون نفي الظلم رأسا، لأنه جاء ~~على جواب من اضاف اليه فعل جميع الظلم، ولأن ما ينزل بالكفار لولم يكن ~~باستحقاق لكان ظلما عظيما، ولكان فاعله ظلاما. ### || [8.52] # العامل في قوله: { كدأب آل فرعون } الابتداء وتقديره دأبهم كدأب آل ~~فرعون، فموضعه رفع، لانه خبر المبتدأ، كما تقول زيد خلفك، فموضع خلفك رفع ~~بأنه خبر المبتدأ، ولفظه نصب بالاستقرار، فكذلك الكاف في { كدأب }. ~~والداب العادة والطريقة تقول ما ذلك دأبه ودينه وديدنه. # والمعنى انه جوزي ms1725 هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق. وقال ~~الزجاج الدأب إدامة الفعل داب يدأب في كذا إذا دام عليه، ودأب يداب دابا ~~ودؤبا فهو دائب يفعل كذا اي يجري فيه على عادة. وقال خداش بن زهير ~~العامري: # وما زال ذاك الداب حتى تجادلت # هوازن وارفضت سليم وعامر # وآل فرعون المراد به اتباعه فيما دعاهم اليه من ربوبيته. سموا { آل } ~~لأن مرجع امرهم اليه بسبب اكيد. والفرق بين " آل فلان " و " الأصحاب " ان ~~الاصحاب مأخوذ من الصحبة لطلب علم او غيره. كالأصحاب في السفر، وكثر في ~~الموافقة على المذهب، كما يقولون اصحاب مالك واصحاب الشافعي يراد به ~~الموافقة في المذهب، لا يوصفون بأنهم آل الشافعي او ابي حنيفة. والآل ~~يرجعون اليه بالسبب الأوكد الأقرب. # وقوله: { إن الله قوي } معناه قادر وقد يكون القوي بمعني الشديد، وذلك ~~لا يجوز اطلاقة على الله، وكذلك لا يوصف بأنه شديد العقاب وإنما وصف ~~عقابه بأنه شديد دون الله تعالى. # فمعنى الآية تشبيه حال المشركين في تكذيبهم بآيات الله التى اتى بها ~~محمد صلى الله عليه وآله بحال آل فرعون في التكذيب بآيات الله التي اتى ~~بها موسى عليه السلام لأن تعجيل العقاب لهؤلاء بالاهلاك كتعجيله لأولئك ~~بعذاب الاستئصال. ### || [8.53] # الاشارة بقوله: { ذلك } إلى ما تقدم ذكره من اخذ الله الكفار بالعقاب ~~فكأنه قال ذلك العقاب المدلول عليه بأن الله لا يغير النعمة إلى النقمة ~~إلا بتغيير النفس إلى الحال القبيحة، ف { ذلك } ابتداء وخبره { بأن الله ~~} كما يقول القائل: العقاب بذنوب العباد، والكاف في { ذلك } للخطاب و { ~~ذلك } إشارة إلى البعيد و " ذاك " إشارة إلى ما دونه، و " ذا " اشارة إلى ~~ما هو حاضر. وقوله { لم يك } اصله يكون فحذفت الواو للجزم وإلتقاء ~~الساكنين، ثم حذفت النون استخفافا لكثرة الاستعمال مع انه لا يقع بالحذف ~~إخلال بالمعنى، لأن " كان ويكون " أم الافعال الا ترى أن كل فعل فيه ~~معناها، لأنك إذا قلت ضرب معناه كان ضرب، ويضرب معناه يكون يضرب فلما ~~قربت بأنها ام ms1726 الأفعال وكثر استعمالها احتمل الحذف ولم يحتمل نظائرها، ~~وذلك مثل لم يجز ولم يصن كما جاز فيها. والتغيير تصيير الشيء على خلاف ما ~~كان بما لو شوهد لشوهد على خلاف ما كان. وانما قيل بما لو شوهد لشوهد على ~~خلاف ما كان للتفريق بينه وبين ما يصير على خلاف ما كان بالحكم فيه بما ~~لم يكن عليه، ألا ترى ان المعلوم بعد ان لم يكن معلوما لا يتغير بهذا ~~العلم، لأنه لو شوهد لم يشاهد على خلاف ما كان، والقدرة شوهدت على خلاف ~~ما يشاهد العجز. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنها تدل على انه لا يكون ~~العقاب الا بتغيير النفس إلى ما لا يجوز ان يغير اليه، وهذا يبين انه لا ~~يحسن من الله العقاب الا لمن فعل قبيحا او اخل بواجب، وذلك يبطل قول من ~~قال: يجوز ان يعاقب الله البريء بجرم السقيم، وجملة معنى الآية إنا اخذنا ~~هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا من مشركي قريش ببدر بذنوبهم، وتغييرهم نعمة ~~الله عليهم من بعث رسوله وتكذيبهم إياه واخراجهم له من بين اظهرهم، ~~ففعلنا بهم مثل ما فعلنا بالماضين من الكفار. ### || [8.54] # انما اعاد قوله: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } لا على وجه التكرار ~~بلا فائدة بل لوجهين: احدهما - قال ابو علي: لأنه على نوعين مختلفين من ~~العقاب وقال الرماني: فيه تصريف القول في الذم بما كانوا عليه من قبح ~~الفعل وتقدير الكلام: دأب هؤلاء الكفار مثل داب آل فرعون. ويحتمل ان يكون ~~كناية عن هؤلاء الكفار { كذبوا بآياتنا }. # والتكذيب نسبة الخبر إلى الكذب، فالتكذيب بالحق مذموم، والتكذيب بالباطل ~~- لأنه باطل - ظاهره امره محمود، وانما وجب في التكذيب بآيات الله تعجيل ~~العقوبة، ولم يجب ذلك في غيره، لما في تعجيل عقوبتهم من الزجر لغيرهم، ~~فيصلحون به مع علم الله بأنه ليس فيهم من يفلح - على مذهب من يقول: لو ~~علم الله ان فيهم من يؤمن، لأبقاه. وانما كان التكذيب بآيات الله من اعظم ~~الاجرام، لما يتبعه من ms1727 تضييع حقوق الله فيما يلزم من طاعاته التي لا تصح ~~الا بالتصديق بآياته التي جاءت بها رسله. اخبر الله انه كما اهلك هؤلاء ~~الكفار بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وآله كذلك اهلك من الكفار قوما ~~آخرين بتكذيبهم بآيات الله، واغرق آل فرعون بمثل ذلك، ثم اخبر ان كل ~~هؤلاء كانوا ظالمين لنفوسهم بارتكاب معاصي الله وبترك طاعاته. ### || [8.55] # الشر الرمي بالمكاره كشرر النار ومثله الضرر، وضد الشر الخير وضد الضرر ~~النفع. والدابة ما من شأنه ان يدب على الأرض لكن بالعرف لا يطلق إلا على ~~الخيل، ومن ذلك قوله # وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها # وقوله { عند الله } معناه في معلوم الله وفي حكمه. وأصل { عند } أن يكون ~~ظرفا من ظروف المكان إلا أنه قد تصرف فيها على هذا المعنى. والفاء في ~~قوله { فهم لا يؤمنون } عطف جملة على جملة، وهو من الصلة، كأنه قال: ~~كفروا مصممين على الكفر { فهم لا يؤمنون } وانما حسن عطف جملة من ابتداء ~~وخبره على جملة من فعل وفاعل، لما فيها من التأدية إلى معنى الحال وذلك ~~ان صلابتهم بالكفر ادى إلى الحال في انهم لا يؤمنون. # فاخبر الله تعالى في هذه الآية ان شر خصلة يكون الانسان عليها هو الكفر ~~لما في ذلك من تضييع نعم الله التي توجب اعظم العقاب. # والآية متناولة لمن علم الله منه انه لا يؤمن، لأن قوله { فهم لا يؤمنون ~~} اخبار عن نفى ايمانهم فيما بعد. ### || [8.56] # قال مجاهد: هذه الآية نزلت في بني قريظة، لما نقضت عهد النبي صلى الله ~~عليه وآله في ألا يحاربوه ولا يمالؤا عليه، فنقضوا عهده، ومالؤا عليه، ~~وعاونوا قريشا يوم الخندق، فانتقم الله منهم. والمعاهدة المعاقدة على ~~أمر يتقدم فيه للوثيقة به بالأيمان المؤكدة على ما يعقد عليه، ونقض العهد ~~مثل نقض الوعد لأنه حق للمعاهد كما ان ذلك حق للموعود. ونقض العزم هو ~~الرجوع عما عزم عليه. والنقض يكون بشيئين: احدهما - فيما كان من بناء ~~وشبهه. الثاني - في عقد ms1728 او امر يعزم عليه. وقوله تعالى { ثم ينقضون } عطف ~~المستقبل على الماضي، لان الغرض ان من شأنهم نقض العهد مرة بعد اخرى في ~~مستقبل اوقاتهم بعد العهد اليهم. وقوله { وهم لا يتقون } معناه نقضوا ~~عهدك من غير ان يتقوا عقاب الله عاجلا وآجلا. ### || [8.57] # معنى { تثقفن } تصادفن وتلقين. واصله الادراك بسرعة تقول ثقف الكلمة فهو ~~ثقف، وثقفه اذا قومه وثاقفة مثاقفة اذا تدارك كل واحد منهما امر صاحبه ~~بسرعة ودخلت نون التأكيد لما دخلت " ما " ولو لم تدخله لما حسن دخول ~~النون، لان دخول " ما " كدخول القسم في أنه علامة تؤذن أنه من مواضع ~~التأكيد المطلوب من التصديق، لأن النون تدخل لتأكيد المطلوب فيما يدل على ~~المطلب، وهي في ستة مواضع: الأمر، والنهي، والإستفهام، والعرض، والقسم، ~~والجزاء مع " ما ". # وقوله { فشرد بهم من خلفهم } يحتمل معنيين: # احدهما - اذا اسرتهم فنكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفا ~~منك، وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد. # الثاني - افعل بهم من القتل ما يفرق من خلفهم، في قول الزجاج. # والتشريد التفريق على اضطراب، شرد يشرد شرودا وشرده تشريدا وتشرد ~~تشردا. ودابة شرود. والتشريد والتطريد والتبديد والتفريق نظائر. # وقوله { لعلهم يذكرون } معناه لكي يفكروا فيتعظوا وينزجروا عن الكفر ~~والمعاصي. وروي في الشواذ { من خلفهم } والمعنى نكل بهم انت يا محمد من ~~ورائهم والاول اجود. وعليه القراء. ### || [8.58] # بني المضارع مع نون التأكيد، لأن النون لما أبطلت السكون اللازم للجزم ~~الذي هو أمكن في الفعل، كانت على إبطال غيره من الاعراب أقوى. وإنما بني ~~على الفتح لسلامتها من البابين الكسرة والضمة في المؤنث والجمع، في قولهم ~~لا تحسبن يا امرأة، ولا تحسبن يا قوم. وتثبت الألف مع الجازم في { إما ~~تخافن } ولم تثبت مع الجازم في قولك (لا تخف القوم) لان الحركة في هذا ~~عارضة، لأن التقاء الساكنين من كلمتين. # أمر الله تعالى نبيه انه متى خاف - ممن بينه وبينه عهد - خيانة أن ينبذ ~~اليه عهده على سواء. والخيانة نقض ms1729 العهد فيما ائتمن عليه، تقول: خانه ~~يخونه خيانة، واختان المال اختيانا. وتخونه تخونا وخونه تخوينا و ~~(النبذ) القاء الخبر إلى من لا يعلمه بما يوجب أنه حرب بنقض عهد أو إقامة ~~على بغي تقول: نبذ ينبذ نبذا وانتبذ انتباذا وتنابذ القوم تنابذا، ~~ونابذه منابذة. # وقوله { على سواء } قيل في معناه قولان: احدهما - على استواء في العلم ~~به أنت وهم في انكم حرب لئلا يتوهموا أنك العهد بنصب الحرب. والثاني - ان ~~معناه على عدل من قول الراجز: # فاضرب وجوه الغدر الاعداء # حتى يحيوك على السواء # أي على العدل. ومنه قيل للوسط سواء، لاعتداله إلى الجهات، كما قال حسان ~~بن ثابت: # يا ويح انصار النبي ورهطه # بعد المغيب في سواء الملحد # اي في وسطه. وقال الوليد بن مسلم: معناه على مهل وهذا بعيد، لأنه لا ~~يعرف في اللغة. فان قيل كيف جاز نبذ العهد ونقضه بالخوف من الخيانة؟ # قيل: انما فعل ذلك لظهور امارات الخيانة التي دلت على نقض العهد ولم ~~تشتهر ولو اشتهرت لم يجب النبذ، كما حارب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أهل مكة، لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه ~~وآله فلما فعلوا ذلك فعلا ظاهرا مشهورا أغنى ذلك عن نبذ العهد اليهم، ~~ولو نقضوه على خفى لم يكن بد من نبذ العهد اليهم، لئلا ينسب إلى نقض ~~العهد والغدر. # وقوله { إن الله لا يحب الخائنين } معناه انه يبغضهم وانما عبر بحرف ~~النفي، لأن صفة النفي تدل على الاثبات إذا كان هناك ما يدل عليه، وهو ~~أبلغ في هذا الموضع لأن معناه: انهم حرموا محبة الله بخيانتهم واوجب ذلك ~~بغضه اياهم. ومحبة الله للخلق ارادة منافعهم وبغضه اياهم ارادة عقابهم. # والآيتان معا نزلتا في بني قريظة، قال الواقدي: نزلت هذه الآية في بني ~~قينقاع، وبهذه الآية سار النبي صلى الله عليه وآله اليهم. ### || [8.59] # قرأ ابن عامر وحمزة وحفص وأبو جعفر { ولا يحسبن } بالياء. الباقون ~~بالتاء. وقرأ ابن عامر " انهم " بفتح الهمزة. الباقون ms1730 بكسرها. # قال أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء جعل { الذين كفروا } المفعول الأول ~~و { سبقوا } المفعول الثاني، وموضعه النصب، وهو واضح. ومن قرأ بالياء ~~احتمل ثلاثه اشياء: # احدها - { لا يحسبن الذين كفروا } وهو قول أبي الحسن. # الثاني - أن يكون أضمر المفعول الأول وتقديره: ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم سبقونا واياهم سبقوا. # الثالث - ان يقدر على حذف (أن) كانه قال: ولا يحسبن الذين كفروا ان ~~سبقوا. قال الزجاج يقوي ذلك، ان في قراءة ابن مسعود { إنهم لا يعجزون } ~~فعلى هذا يكون ان سبقوا سد مسد المفعولين، كما ان قوله # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا # كذلك. ومن فتح الهمزة جعل الجملة متعلقة بالجملة الاولى والتقدير ولا ~~تحسبنهم سبقوا، لانهم لا يفوتون فهم يجازون على كفرهم. ومن كسر استأنف ~~الكلام، قال ابو عبيدة: سبقوا معناه فاتوا، فانهم لا يعجزون اي لا ~~يفوتون، ومثله # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # ثم استأنف، فقال: # ساء ما يحكمون # فكذلك ها هنا استأنف الكلام. وانما امتنع الاقتصار على احد المفعولين في ~~(حسب) لأن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل متعلق بما دلت عليه ~~الجملة فهو بخلاف (اعطيت) في هذا. # والحسبان هو الظن. وقال الرماني: هو شك يقوى فيه احدى النقيضين لقوة ~~المعنى في حيز القولين. وأصله الحساب، لأن المعنى فيه داخل فيما يحسب به ~~ويعمل عليه. والاحتساب قبول الحساب والاعتداد به وفي المضارع لغتان، ~~فتميم تفتح السين وأهل الحجاز يكسرونها. والسبق تقدم الشيء على طالب ~~اللحوق به: سبق يسبق سبقا وتسابقا تسابقا، وسابقة مسابقة واستبقوا ~~استباقا وسبقه تسبيقا إذا أعطاه السبق. والسابق والمصلي في صفة الفرس. ~~والاعجاز ايجاد ما يعجز عنه: أعجزه إعجازا وعجزه تعجيزا وعاجزه معاجزة ~~واستعجز استعجازا. وقال ابو عبيدة: معنى { لا يعجزون } لا يفوتون. وقال ~~الحسن: معنى لا يعجزون الله لا يفوتونه حتى لا يثقفنهم يوم القيامة. وقال ~~الجبائي: معناه لا يعجزونك حتى يظفرك الله بهم. وقال الزجاج: المعنى لا ~~يحسبن من أفلت من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة. وقال الزجاج: ms1731 يجوز أن ~~تكون (لا) صلة على ضعف فيه. والمعنى لا يحسبن الذين كفروا انهم يعجزون. ~~اي يفوتون. ### || [8.60] # امر الله تعالى المؤمنين ان يعدوا ما قدروا عليه من السلاح وآلة الحرب ~~والخيل وغير ذلك. والاعداد اتخاذ الشيء لغيره مما يحتاج اليه في امره ولو ~~اتخذه له في نفسه محبة له لم يكن اعدادا وهو مما يعد فيما يحتاج اليه من ~~غيره والاستطاعة معنى تنطاع بها الجوارح للفعل مع انتفاء المنع، تقول: ~~استطاع استطاعة، وطاوع مطاوعة واطاع طاعة، وتطوع تطوعا، وانطاع ~~انطياعا. وقوله تعالى { من قوة } اي مما تقوون به على عدوه. وقيل: معناه ~~من الرمي، ذكره الفراء. ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله عقبة بن عامر، ~~على ما ذكره الطبري. وقال عكرمة: اراد به الحصون. # وقوله تعالى: { ومن رباط الخيل } فالرباط شد ايسر من العقد. ربطه يربطه ~~ربطا ورباطا وارتبطه ارتباطا ورابطه مرابطة. # وقوله { ترهبون به عدو الله وعدوكم } فالهاء في (به) راجعة إلى الرباط ~~وذكره لأنه على لفظ الواحد وان كان في معنى الجمع، لانه كالجراب والقراب ~~والذراع. والارهاب ازعاج النفس بالخوف تقول: ارهبه ارهابا ورهبه ترهيبا ~~ورهب رهبة وترهب ترهبا واسترهبه استرهابا، وقال طفيل: # ويل ام حي دفعتم في نحورهم # بني كلاب غداة الرعب والرهب # والعدو المراصد بالمكاره لتعديتها إلى صاحبها والعدو ضد الولي. # وقوله { وآخرين من دونهم } لا تعلمونهم تقديره وترهبون آخرين، فهو نصب ~~ب { ترهبون } يجوز ان يكون نصبا بقوله: { وأعدوا لهم } وللآخرين من ~~دونهم. وقيل في المعنيين بذلك خمسة اقوال: احدها - قال مجاهد: هم بنو ~~قريظة وقال السدي. هم اهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون. ~~الرابع - الجن، وهو اختيار الطبري، قال: لأن الاعداد للاعداء دخل فيه ~~جميع المتظاهرين بالعداوة فلم يبق إلا من لا يشاهد. الخامس - قال ~~الجبائي: كل من لا تعرفون عداوته داخل فيه. ومعنى { لا تعلمونهم } لا ~~تعرفونهم فلذلك لم يكن معه المفعول الثاني. # وقوله: { الله يعلمهم } معناه يعرفهم كما قال الشاعر: # فان الله يعلمني ووهبا # وإنا سوف نلقاه كلانا ms1732 # وقوله تعالى: { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون } يعني ما من شيء تنفقونه في الجهاد إلا والله يوفيكم ثوابه على ~~ذلك بأتم الجزاء ولا تبخسون، فمعنى الآية الأمر باعداد السلاح والكراع ~~لاخافة اعداء الله بما يملأ صدورهم من الاستعداد لقتالهم مع تضمن اخلاف ~~ما انفق في سبيل الله بأحوج ما يكون صاحبه اليه بما تربح فيه تجارته. ### || [8.61] # قرأ ابو بكر عن عاصم " السلم " بكسر السين. الباقون بفتحها وفي ذلك ثلاث ~~لغات: الفتح والكسر مع سكون اللام، وفتح السين واللام معا ومعناها ~~المسالمة ولذلك أنث قال رجل من اليمن جاهلي: # أنا بل انني سلم # لاهلك فاقبلي سلمى # قال ابو الحسن: السلم فيها الكسر والفتح لغتان. وقال غيره: السلم بفتح ~~السين واللام على ثلاثة أوجه. تقول: أخذت الأسير سلما اي على الاستسلام. ~~والسلم السلف على السلامة. والسلم شجر واحده سلمة، تقول له بالسلامة. # وقوله: { وإن جنحوا للسلم } معناه ان مالوا إلى المسالمة، تقول: جنح ~~يجنح جنوحا وجنحت السفينة إذا مالت إلى الوقوف، ومنه جناح الطائر لانه ~~يميل به في احد شقيه. ولا جناح عليه في كذا اي لا ميل إلى مأثم، قال ابو ~~زيد: جنح يجنح جنوحا إذا اعطى بيده او عدل إلى ما يحب القوم، وجنح العدو ~~والخيل، وجنحت الابل إذا اخفضت في السير. وليس في الآية ما يدل على ان ~~الكفار إذا ما لو إلى الهدنة وجب اجابتهم اليها على كل حال، لأن الأحوال ~~تختلف في ذلك، فتارة تقتضي الاجابة، وتارة لا تقتضي، وذلك إذا وتروا ~~المسلمين بأمر يقتضي الغلظة مع حصول العدة والقوة. # فان قيل: اذا جازت الهدنة مع الكفار فهلا جاز المكافة في أمر الامامة ~~حتى يجوز تسليمها إلى من لا يستحقها؟ قلنا: تسليم الامامة إلى من لا ~~يستحقها فساد في الدين كفساد تسليم النبوة إلى مثله. وقوله { وتوكل على ~~الله } اي فوض امرك اليه تعالى وثق بأنه لا يدبره الا على ما تقتضيه ~~الحكمة. # واختلفوا هل في الآية نسخ؟ فقال ms1733 الحسن وقتادة وابن زيد: نسخها قوله: # اقتلوا المشركين # وقال قوم: ليست منسوخة، لانها في الموادعة لاهل الكتاب والاخرى في عباد ~~الاوثان، والصحيح أنها ليست منسوخة، لأن قوله: # فاقتلوا المشركين # نزلت في سنة تسع وبعث بها رسول الله إلى مكة ثم صالح اهل نجران بعد ذلك ~~على الفي حلة: ألف في صفر وألف في رجب. وقوله { إنه هو السميع العليم } ~~معناه انه يسمع دعاء من يدعوه عليم بما تقتضي المصلحة من اجابته وحسن ~~تدبيره ### || [8.62-63] # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول له: { إن يريدوا } يعني الكفار. ~~وقيل هم بنو قريظة، ومعناه ان قصدوا بالصلح خديعتك. والخديعة اظهار ~~المحبوب في الامر للاستجابة له مع ابطان خلافه: خدع خدعا وخديعة واختدعه ~~اختداعا وتخادع له تخادعا. وانخدع انخداعا. وقوله { فإن حسبك الله } ~~معناه، فان الله كافيك يقال: اعطاني ما احسبني اي كفاني. واصله الحساب، ~~وانما اعطاه بحساب ما يكفيه. وقوله { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين } ~~فالتأييد التكمين من الفعل على اتم ما يصح فيه، تقول: ايده تأييدا وتأيد ~~تأيدا. والأيد القوة. والمعنى ان الله قواه بالنصر من عنده، بالمؤمنين ~~الذين ينصرونه على اعدائه. وقوله { وألف بين قلوبهم } والتأليف الجمع على ~~تشاكل، فلما جمعت قلوبهم على تشاكل فيما تحبه وتنازع اليه كانت قد الفت، ~~ولذلك قيل: هذه الكلمة تأتلف مع هذه، ولا تأتلف. والمراد بالمؤمنين ~~الانصار وبتأليف قلوبهم ما كان بين الأوس والخزرج من العداوة والقتال، ~~هذا قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وبشر بن ثابت الانصاري وابن اسحاق. ~~وقال مجاهد: هو في كل متحابين في الله. وانما كان الجمع على المحبة ~~تأليفا بين القلوب، لأنه مأخوذ من الالفة وهي الاجتماع على الموافقة في ~~المحبة، ولا يجوز في الجمع على البغضاء ان يمسى بذلك. وقوله { لو أنفقت ~~ما في الأرض جميعا } فالانفاق اخراج الشيء عن الملك. والمعنى { لو أنفقت ~~ما في الأرض جميعا } لتجمعهم على الالفة ما تم لك ذاك، ولكن الله الف ~~بينهم بلطف من الطافه وحسن تدبيره، وبالاسلام الذي هداهم الله ms1734 اليه. ونصب ~~" جميعا " على الحال. # وقوله { إنه عزيز حكيم } معناه قادر لا يمتنع عليه شيء يريد فعله { حكيم ~~عليم } لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة فعلى ذلك جمع قلوبهم على الالفة. ### || [8.64] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له: يكفيك ~~ان يكون ناصرك على اعدائك الله تعالى، والذين اتبعوك من المؤمنين من ~~المهاجرين والانصار، وانما كرر قوله { حسبك } مع انه قد ذكر فيما قبل، ~~لأن المعنى هناك إن أرادوا اخداعك كفاك الله امرهم. وها هنا معناه عام في ~~كل ما يحتاج فيه إلى كفاية الله اياه. وقوله { ومن اتبعك } يحتمل اعرابه ~~وجهين: # احدهما - ان يكون نصبا. والمعنى ويكفي من اتبعك على التأويل، لأن الكاف ~~في موضع خفض بالاضافة لكنه مفعول به في المعنى، فعطف على المعنى، وليس ~~ذلك بكثير. واجاز الفراء الرفع لقوله { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مئتين } ومثله قوله # إنا منجوك وأهلك # وقال الشاعر: # اذا كانت الهيجاء وانشقت العصا # فحسبك والضحاك سيف مهند # وهو معنى قول الشعبي وابن زيد. وقال الحسن: هو عطف على اسم الله، فيكون ~~رفعا. والكسائي، والفراء، والزجاج أجازوا الوجهين وحمل عليهما معا ابو ~~علي الجبائي. والاتباع موافقة الداعي فيما يدعوا اليه من اجل دعائه. ~~والمؤمنون يوافقون النبي صلى الله عليه وآله في كل ما دعا اليه. وقال ~~الواقدي: نزلت هذه الاية في بني قريظة وبني النضير لما قالوا له: نحن ~~نسلم ونتبعك. ### || [8.65] # وهذا ايضا خطاب للنبى صلى الله عليه وآله يأمره الله بأن يحرض المؤمنين ~~على قتال المشركين. # والتحريض والحث نظائر، وهو الدعاء الأكيد بتحريك النفس على أمر من ~~الامور. وضده التفتير. والمعنى حثهم على القتال. والتحريض الحث على الشيء ~~الذي يعلم معه انه حارض إن خالف وتأخر. والحارض هو الذي قارب الهلاك. ~~ومنه قوله: { حتى تكون حرضا } اي حتى تذوب غما على ذلك وتقارب الهلاك # أو تكون من الهالكين # وحارض فلان على أمره إذا واظب عليه. والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث ~~على المبادرة اليه ms1735 مع الصبر عليه. والقتال محاولة الصد والمنع بما فيه ~~تعرض للقتل. والمجاهدة ان يقصد إلى قتل المشركين بقتاله، ومن يدفع عن ~~نفسه فليس كذلك. والصبر هو حبس النفس عما تنازع اليه من صد ما ينبغي أن ~~يكون عليه وضده الجزع، وقال الشاعر: # فان تصبروا فالصبر خير مغبة # وان تجزعا فالامر ما تريان # والغلبة الظفر بالبغية في المحاربة قتلا او اسرا او هزيمة. وقد يقال ~~في الظفر بالبغية في المنازعة بالغلبة. ومعنى { لا يفقهون } ها هنا انهم ~~على جهالة، خلاف من يقاتل على بصيرة، وهو يرجو به ثواب الاخرة. وقال قوم: ~~معناه لا يعلمون ما لهم من استحقاق الثواب بالقتال. وقوله { إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مئتين } وان كان بلفظ الخبر، فالمراد به الأمر، ويدل ~~على ذلك قوله { الآن خفف الله عنكم } لأن التخفيف لا يكون الا بعد ~~المشقة. ### || [8.66] # قرأ اهل الكوفة " إن يكن... مئة. وإن يكن... ألف " بالياء فيهما وافقهم ~~اهل البصرة في الاولى. وقرأ اهل الكوفة الا الكسائي { ضعفا } بفتح الضاد ~~الباقون بضمها، ولكنهم سكنوا العين الا ابا جعفر، فانه فتحها ومد وهمز ~~على وزن " فعلاء " على الجمع. ومن قرأ { إن يكن } بالياء فلان المراد به ~~المذكر بدلالة قوله { يغلبوا } وكذلك ما وصف به المئة بقوله { صابرة } ~~لأنهم رجال: حملا على المعنى كما حمل على المعنى في قوله # فله عشر أمثالها # فأنث لما كانت في المعنى حسنات. ومن قرأ بالتاء فلان اللفظ لفظ التأنيث. ~~ومن قرأ الاول بالتاء والثاني بالياء فلان القراءة بالتاء في الاولى أشد ~~مشاكلة لقوله { مئة صابرة } وليس كذلك في الاخرى، لانه اخبر عنهم بقوله { ~~يغلبوا }. وقال سيبويه يقال: ضعف ضعفا فهو ضعيف. قال وقالوا الفقر كما ~~قالوا الضعف، فعل ذلك انهما لغتان. # هذه الاية نسخت حكم ما تقدمها، لأن في الاولى كان وجوب ثبات الواحد ~~للعشرة والعشرة للمئة، فلما علم الله تعالى ان ذلك يشق عليهم وتغيرت ~~المصلحة في ذلك نقلهم إلى ثبات الواحد للاثنين والمئة للمئتين، فخفف ذلك ~~عنهم، وهو قول ابن ms1736 عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد والسدي وعطا والبلخي ~~والجبائي والرماني، وجميع المفسرين. والتخفيف رفع المشقة بالخفة. والخفة ~~نقيض الثقل والخفة والسهولة بمعنى واحد. والضعف نقصان القوة، وهو من ~~الضعف لانه ذهاب بعض القوة وقوله { بإذن الله } فالاذن الاطلاق في الفعل، ~~لأنه يسمع بالاذن، ومنه الأذان والايذان والاستئذان، وقوله { الآن } مبني ~~مع الالف واللام لأنه خرج عن التمكن بشبه الحرف، لأنه ينكر تارة ويعرف ~~أخرى، فاستبهم استبهام الحروف بأنه للفصل بين الزمانين على انتقال معناه ~~إلى الذي يليه من الوقت كما ينتقل امس، فالامس والغد والان نظائر ~~واحكامها مختلفة لعلل لزمتها. # وقوله تعالى { والله مع الصابرين } معناه انه معهم بالمعونة لهم. ~~والمعنى ان معونة الله مع الصابرين وحقيقة " مع " ان تكون للمصاحبة للجهة ~~بالمعونة وذلك لا يجوز عليه تعالى. وقيل هذه الآية نزلت بعد الاولى بمدة. ### || [8.67] # قرأ اهل البصرة وابن شاهي { أن تكون } بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابو ~~جعفر { أسارى } ومن الاسارى - بفتح الهمزة منهما وبألف بعد السين - وافقه ~~ابو عمرو في الثاني. الباقون بفتح الهمزة وسكون السين من غير الف فيهما. # من قرأ بالتاء فلان لفظ الأسرى لفظ التأنيث، فحمله على اللفظ. # ومن قرأ بالياء فلان الفعل متقدم والأسرى المراد به المذكورون. وايضا ~~فقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر الفعل ~~معه، مثل جاء الرجل وحضر القاضي امرأة، فاذا اجتمعت هذه الاشياء كان ~~التذكير اولى. واختار الأخفش التذكير. وقال ابو علي الفارسي: الأسرى اقيس ~~من الأسارى لأن اسير فعيل بمعنى مفعول، وما كان كذلك لا يجمع بالواو ~~والنون، ولا بالالف والتاء. وإنما يجمع على فعلى مثل جريح وجرحى وقتيل ~~وقتلى وعفير وعفرى، ولديغ ولدغى، وكذلك لك من اصيب في بدنه مثل مريض ~~ومرضى واحمق وحمقى وسكران وسكرى. ومن قرأ اسارى شبهه بكسالى وقالوا كسلى ~~شبهوه باسرى. واسارى في جمع اسير ليس على بابه، وقال ابو الحسن: الاسرى ~~ما لم يكن موثقا والاسارى موثوقون. قال: والعرب لا تعرف ذلك بل هما ~~عندهم سواء. وقال ms1737 الأزهري: الاسارى جمع اسرى فهو جمع الجمع، والأسر الشد ~~على المحارب بما يصير به في قبضة الأخذ له. واصله الشد، يقال: قتب مأسور ~~اي مشدود وكانوا يشدون الاسير بالفداء. # والمعنى: ما كان لنبي ان يحبس كافرا للفداء والمن حتى يثخن في الأرض، ~~والاثخان في الأرض تغليظ الحال بكثرة القتل. وقال مجاهد: الاثخان القتل. ~~والثخن والغلظ والكثافة نظائر. وقوله { يريدون عرض الدنيا } يعني تريدون ~~الفداء والعرض متاع الدنيا وسماه عرضا لقلة لبثه لانه بمعنى العرض في ~~اللغة. # وقوله { والله يريد الآخرة } معناه والله يريد عمل الاخرة من الطاعات ~~التي تؤدي إلى الثواب وإرادة الله لنا خير من إرادتنا لانفسنا. # وقوله { والله عزيز حكيم } معناه يريد عمل الاخرة، فانه يعزكم ويرشدكم ~~إلى اصلاحكم، لانه عزيز حكيم، فلا تخافوا قهرا مع إعزازه اياكم. # وهذه الاية نزلت في اسارى بدر قبل ان يكثر الاسلام، فلما كثر المسلمون ~~قال الله تعالى # فإما منا بعد وإما فداء # وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال فادوهم بأربعة آلاف، وفي الاية دليل على ~~بطلان مذهب المجبرة لانه تعالى فصل إرادة نفسه من إرادتهم، ولو كان يريد ~~ما ارادوه لم يصح هذا الفعل من التفصيل. # فان قيل: كيف يكون القتل فيهم كان اصلح وقد اسلم منهم جماعة، ومن علم ~~الله من حاله انه يؤمن يجب تبقيته؟! قلنا: في ذلك خلاف، فمن قال: لا يجب ~~ذلك لا يلزمه السؤال. ومن قال: ذلك اوجب قال: ان الله اراد ان يأمرهم ~~بأخذ الفداء وإنما عاتبهم على ذلك لانهم بادروا اليه قبل ان يؤمروا به. ### || [8.68] # قيل في معنى قوله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم } قولان: # قال الحسن لولا ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من انه لا يعذبهم على ~~ذلك. وقال غيره: لولا ما كتب الله فيه انه يغفر لأهل بدر ما تقدم وما ~~تأخر. # الثاني - قال مجاهد: يعني ما ذكره من قوله # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # فكأنه قال: لا اعذب إلا بعد المظاهرة في البيان وتكرير الحجة ms1738 به. وقال ~~قوم " لولا ما كتبه الله " من ان الفدية ستحل لهم فيما بعد، ذهب اليه ~~سعيد ابن جبير. ومعنى الاية { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم } ~~من فداء الاسرى والغنيمة عذاب عظيم، لانهم اخذوه قبل ان يؤذن لهم. وقد ~~كان سبق ان الله سيحله لهم في قول ابن عباس والحسن، وقال الجبائي: ~~والمعنى { لولا كتاب من الله سبق } وهو القرآن الذي آمنتم به واستحقيتم ~~لذلك غفران الصغائر لمسكم فيما اخذتم به من الفداء عذاب عظيم. ولا يجوز ~~ان يكون المراد به الا الصغائر لانهم قبل الغفران لم يكونوا فساقا ~~اجماعا. قال الجبائي: وقد كان من النبي صلى الله عليه وآله في هذا معصية ~~اجماعا من غير تعيين ما هي، واظن انها في ترك قتل الاسرى وهذا الذي ذكره ~~غير صحيح، لانه لا إجماع في ذلك بل عندنا لا يجوز على النبي صلى الله ~~عليه وآله فعل شيء من القبائح صغيرا كان او كبيرا لما في ذلك من ~~التنفير عنه على ما بيناه في غير موضع. واكثر المفسرين على ان النبي صلى ~~الله عليه وآله لم يقع منه خلاف لأمر الله وقد روي ان النبي صلى الله ~~عليه وآله كره اخذ الفداء حتى راى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال ~~يا رسول الله هذا اول حرب لقينا فيه المشركين اردت ان يثخن فيهم القتل ~~حتى لا يعود احد بعد هذا إلى خلافك وقتالك، فقال رسول الله: قد كرهت ما ~~كرهت، ولكن رايت ما صنع القوم، فالمعصية في ذلك كانت من قوم من الصحابة ~~الذين مالوا إلى الدنيا واخذ الفداء. وقد قال البلخي ايضا إن اجلاء ~~الصحابة براء من ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال # " إن الغنائم احلت لي ولم تحل لنبي قبلي ". # ومعنى { لولا } امتناع الثاني لوقوع الأول كقولك: لولا زيد بالمكان الذي ~~هو به لاتيتك، فامتنع الاتيان لمكان زيد. والسبق يكون تقدما في الزمان ~~والمكان والرتبة بأن يكون له وإن لم ms1739 يكن فيها. والمس مماسة يقع معها ~~إدراك، وهو كاللمس في الحقيقة. # والعظيم ما يصغر فيه قدر غيره، ويكون ذلك بعظم الجثة تارة وبعظم الشأن ~~أخرى. والعظيم هو المستحق للصفة بأن قدر غيره صغير عنده. وقال أبو جعفر ~~عليه السلام كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أوقية من فضة ~~والاوقية أبعون مثقالا إلا العباس فان فداءه كان مئة اوقية وكان أخذ منه ~~حين أسر اثنين وعشرين اوقية ذهبا، فقال النبي صلى الله عليه وآله ذاك ~~غنيمة ففاد نفسك وابني اخيك عقيل ونوفل بن الحارث، فقال: ليس معي، فقال: ~~اين الذهب الذي سلمته إلى ام الفضل وقلت: ان حدث بي حدث، فهو لك وللفضل ~~وعبد الله وميثم، فقال من اخبرك بهذا؟ قال: الله، قال: اشهد انك رسول ~~الله، والله ما اطلع على هذا احد إلا الله تعالى. ### || [8.69] # أباح الله تعالى للمؤمنين بهذه الاية أن يأكلوا مما غنموه من اموال ~~المشركين بالقهر من دار الحرب. ولفظه وإن كان لفظ الامر. فالمراد به ~~الاباحة ورفع الحظر. والغنيمة ما أخذ من دار الحرب بالقهر. والفيء ما رجع ~~إلى المسلمين، وانتقل اليهم من المشركين. والاكل تناول الطعام بالفم مع ~~المضغ والبلع، فمتى فعل الصائم هذا فقد أكل في الحقيقة. والفرق بين ~~الحلال والمباح ان الحلال من حل العقد في التحريم والمباح من التوسعة في ~~الفعل وان اجتمعا في الحل والطيب المستلذ، وشبه الحلال به فسمي طيبا. ~~واللذة نيل المشتهى. قال الزجاج: الفاء في قوله { فكلوا } على تقدير قد ~~أحللت لكم الفداء فكلوه. # وقوله { واتقوا الله } معناه اتقوا معاصيه فان الله غفور رحيم لمن اطاعه ~~وترك معاصيه. ### || [8.70] # قرأ ابو عمرو وحده من السبعة وابو جعفر { الأسارى } الباقون { الأسرى } ~~وابو عمرو جمع المذهبين في الاول والثاني. وحمله الباقون على النظير في ~~المعنى. # وقد فسرنا فيما مضي الاسير من اخذ من دار الحرب من أهلها، ولو اخذ مسلم ~~لكان قد فك اسره. خاطب الله بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله وامره ان ~~يقول ms1740 لمن حصل في يده من الاسرى يعني من حصل في وثاقه وسماه في يده لانه ~~بمنزلة ما قبض على يده بالاستيلاء عليه ولذلك يقال في الملك المتنازع فيه ~~لمن اليد؟ وقوله { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } يعني اسلاما. وقيل ~~معناه إن يعلم منكم خيرا في المستقبل بأن يفعلوه فيعلمه الله موجودا، ~~لان ما لم يفعل لا يعلمه موجودا والخير النفع العظيم، وهو ها هنا ~~البصيرة في دين الله وحسن النية في امر الله. وقوله { يؤتكم خيرا } يعني ~~يعطيكم خيرا { مما أخذ منكم } من الفداء. وقال الحسن اطلقهم بالفداء، ~~ولو لم يسلمو لم يتركهم. # وقوله { ويغفر لكم } يعني زيادة مما يؤتيهم يغفر لهم معاصيهم ويسترها ~~عليهم لانه غفور رحيم. وروي عن العباس انه قال: كان معي عشرون اوقية ~~فأخذت مني فاعطاني مكانها عشرين عبدا ووعدني بالمغفرة. وقال العباس في ~~نزلت وفي اصحابي هذه الاية، وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم. ### || [8.71] # معنى الاية ان هؤلاء الاسارى ان علم الله في قلوبهم خيرا اخلف عليهم ~~خيرا مما اخذ منهم. وان عزموا على الخيانة، ونقض العهد وفعلوا خلاف ما ~~وقع عليه العقد من تأدية فرض الله، فقد خانوا الله من قبل هذا. والمعنى ~~فقد خانوا أولياء الله، لأن الله لا يمكن ان يخان، لأنه عالم بالأشياء ~~كلها لا يخفى عليه خافية. والخيانة ها هنا نقض عقد الطاعة لله ورسوله ~~التى شهدت بها الدلالة. وقوله { فأمكن منهم } المعنى لما خانوا بأن خرجوا ~~إلى بدر وقاتلوا مع المشركين، فقد امكن الله منهم بان غلبوا واسروا. فان ~~خانوا ثانيا فيمكن الله منهم مثل ذلك. والامكان هو القدرة على الشيء مع ~~ارتفاع المانع، وما لو حرص عليه صاحبه اتم الحرص لم يصح ان يقع منه لا ~~يكون امكانا، فالامكان ينافي المنع والالجاء كما ينافي العجز القدرة. # وقوله { والله عليم حكيم } معناه عالم بما تقولونه وما في نفوسكم وبجميع ~~الاشياء { حكيم } فيما يفعله. والحكيم هو العالم بوجوه الحكمة في الفعل ~~مما يصرف عن خلافها والاصل في ms1741 الحكمة المنع فهي تمنع الفعل من الخلل ~~والفساد. ### || [8.72] # قرأ حمزة { ولايتهم } بكسر الواو. الباقون بفتحها. قال الزجاج: إنما جاز ~~الكسر لأنه يشبه الصناعة كالخياطة والقصارة والحياكة، وقال الشاعر في ~~الفتح: # دعيهم فهم ألب علي ولاية # وحفرهم ان يعلموا ذاك دائب # قال ابو عبيدة: بفتح الواو مصدر المولى تقول: مولى بين الولاية وإذا ~~كسرت فهو من وليت الشيء. قال ابو الحسن: يفتح الواو من الولاية إلا ~~الولاية في السلطان بكسر الواو، وكسر الواو في الاخرى لغة. وقرأ الاعمش ~~بكسر الواو من الولاية في الدين هنا. قال ابو علي الفارسي: الولاية ها ~~هنا في الدين والفتح أجود. قال ابو الحسن. وهي قراءة الناس. وعن الأعمش ~~أنه كسر الواو، وهي لغة. وليست بذلك. قال المبرد عن الاصمعي: ان الأعمش ~~لحن في كسره لذلك. قال ابو علي: إذا كان ذلك لغة لا يكون لحنا. قال ~~الفراء: والكسر أحب الي، لأنها ولاية المواريث. وقال الازهري: في النصرة ~~والنسب بفتح الواو. وفي الامارة بكسرها. # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن احوال المؤمنين الذين هاجروا من مكة ~~إلى المدينة بقوله { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله } وعن احوال الأنصار بقوله { والذين آووا ونصروا } يعني النبي ~~صلى الله عليه وآله. ثم قال { أولئك } يعني المهاجرين والانصار { بعضهم ~~أولياء بعض } والهجرة فراق الوطن إلى غيره من البلاد فرارا من المفتنين ~~في الدين، لأنهم هجروا دار الكفار إلى دار الاسلام. والجهاد تحمل المشاق ~~في قتال اعداء الدين جاهد جهادا وجهده الأمر جهدا واجتهد اجتهادا، ~~وجاهد مجاهدة. والايواء ضم الانسان صاحبه اليه بانزاله عنده وتقريبه له، ~~تقول: آواه يؤويه ايواء واوى يأوي اويا، وأويت معناه رجعت إلى المأوى. ~~والولاية عقد النصرة للموافقة في الديانة. # ثم اخبر الله تعالى عن الذين آمنوا ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة فقال ~~{ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء } وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - ولاية القرابة نفاها عنهم لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة ~~والنصرة دون الرحم - في ms1742 قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي - وعن ابي ~~جعفر عليه السلام انهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. # الثاني - انه نفي الولاية التي يكونون بها يدا واحدة في الحل والعقد، ~~فنفى عن هؤلاء ما اثبته للأولين حتى يهاجروا. ثم قال { وإن استنصروكم } ~~اي طلبوا نصركم { في الدين } يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا { فعليكم ~~النصر } اي نصرهم بسبب الايمان الذي يجب علكيم ان تنصروهم على الكفار { ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } ، يعني موادعة ومهادنة تقتضيه من جهة ~~ان عقدهم بخلاف عقدهم. # وقيل انه نسخ ذلك بقوله # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض # وقوله { والله بما تعملون بصير } يعني عالم بما يعملونه. ### || [8.73] # اخبر الله تعالى عن الكافرين أن بعضهم اولياء بعض بمعنى النصرة، لأنه ~~ينصر بعضهم بعضا. وقوله { الا تفعلوه } الهاء عائدة إلى معنى ما أمروا ~~به في الآية الاولى والثانية، ومخرجه مخرج الخبر والمراد به الأمر، ~~وتقديره الا تفعلوا ما امرتم به من التناصر والتعاون والبراءة من الكفار ~~{ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } على المؤمنين الذين لم يهاجروا. ~~فالفتنة ها هنا المحنة بالميل إلى الضلال لأنه إذا لم يتوال المؤمن ~~المؤمن على ظاهر حاله من الايمان والفضل، ولم يدعه إلى التبري من الضلال ~~ادى ذلك إلى الضلال. والفساد ضد الصلاح وهو الانقلاب إلى الضرر القبيح. ~~والصلاح جريان الشيء على استقامة. والولي هو المختص بالعقد على النصرة في ~~وقت الحاجة، وقد يعقد بالعزم، وقد يعقد بالحكم. وقيل في معنى قوله { ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } قولان: احدهما - في الميراث، في قول ابن ~~عباس، وابي مالك. والثاني - قال قتادة وابن اسحاق في النصرة. ### || [8.74] # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله ~~وهاجروا من ديارهم وأوطانهم، يعني من مكة إلى المدينة، وجاهدوا مع ذلك في ~~سبيل الله وقتال اعدائه. والذين آووا من الأنصار ومعناه ضموهم اليهم ~~ونصروا النبي صلى الله عليه وآله بأنهم المؤمنون حقا، وقيل في معناه ~~قولان: احدهما انهم المؤمنون الذين حققوا ايمانهم لما يقتضيه من الهجرة ms1743 ~~والنصرة بخلاف من اقام بدار الشرك. الثاني - قال ابو علي الجبائي: معناه ~~انهم المؤمنون حقا، لان الله حقق ايمانهم بالبشارة التي بشرهم بها، ولو ~~لم يهاجروا ولم ينصروا لم يكن مثل هذا. # واختلفوا في هل تصح الهجرة في هذا الزمان أو لا؟ # فقال قوم: لا تصح لان النبي صلى الله عليه وآله قال: # " لا هجرة بعد الفتح " # ولأن الهجرة انتقال من دار الكفر إلى دار الاسلام على هجر الاوطان، وليس ~~يقع مثل هذا في هذا الزمان لاتساع بلاد الاسلام إلا أن يكون نادرا لا ~~يعتد به. # وقال الحسن: بقيت هجرة الاعراب إلى الامصار إلى يوم القيامة. # والأقوى أن يكون حكم الهجرة باقيا، لأن من أسلم في دار الحرب ثم هاجر ~~إلى دار الاسلام كان مهاجرا، وسمي الجهاد في سبيل الله لأنه طريق إلى ~~ثواب الله في دار كرامته. # وقوله { لهم مغفرة ورزق كريم } اخبار منه تعالى أن لهؤلاء المغفرة ~~لذنوبهم والرزق الكريم يعني العظيم الواسع والكريم الذي يصح منه الكرم من ~~غير مانع. والكرم الجود العظيم والشرف قال الشاعر: # تلك المكارم لأقعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وقيل: الرزق الكريم هنا طعام الجنة لانه لا يستحيل إلى أجوافهم نجوا بل ~~يصير كالمسك ريحا. ### || [8.75] # اخبر الله تعالى بأن الذين هاجروا بعد هجرة من هاجر، وقيل أراد بعد ~~الفتح وجاهدوا مع المؤمنين بأن قال { فأولئك منكم } ومعناه حكمهم حكمكم ~~في وجوب موالاتهم ومواريثهم ونصرتهم. وقوله { وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله } قيل في معنى { كتاب الله } قولان: # احدهما - في كتاب الله من اللوح المحفوظ، كما قال # ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها # والثاني - قال الزجاج: يعني في حكم الله. # ومعنى { أولوا } ذووا، واحده ذو، ولا واحد له من لفظه. # وفي الآية دلالة على ان من كان قرباه أقرب إلى الميت كان أولى بالميراث ~~سواء كان عصبة او لم يكن او له تسمية او لم يكن لان مع ms1744 كونه اقرب تبطل ~~التسمية. ومن وافقنا في توريث ذوي الارحام يستثني العصبة، وذوي السهام. # وهذه الآية نسخت حكم التوارث بالنصرة والهجرة فانهم كانوا لا يورثون ~~الاعراب من المهاجرين على ما ذكره في الايات الاول. ومن قال: الولاية في ~~الاية الأولى ولاية النصرة دون الميراث يقول: ليست هذه ناسخة لها بل هما ~~محكمتان. # ودخلت الفاء في قوله: { فاولئك } كما تقول الذي يأتيني فله درهم، لأن ~~فيه معنى المجازات وقال مجاهد: في هذه الآيات الثلاث ذكر ما ولاية رسول ~~الله بين المهاجرين والانصار في الميراث، ثم نسخ ذلك بآخرها من قوله { ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } وقال عبد الله بن الزبير ~~نزلت في العصبات كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وارثك فنزلت { وأولو ~~الأرحام } إلى آخرها. # وقال الحسن: والذين آمنوا من بعد يعني بعد فتح مكة. وقوله { منكم } ~~معناه مؤمنون مثلكم، ولا هجرة بعد فتح مكة، وقال: الهجرة إلى الامصار ~~قائمة إلى يوم القيامة. وكان الحسن يمنع ان يتزوج المهاجر إلى اعرابية. ~~وروي عن عمر انه قال: لا تنكحوا أهل مكة، فانهم اعراب. # وأكثر هذه السورة في قصة بدر. وكانت في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان ~~على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة، من شهد هذه الواقعة فله الفضل. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # قيل في علة ترك افتتاح هذه السورة ب { بسم الله الرحمن الرحيم } قولان: # احدهما - ما روي عن ابي بن كعب أنه ضمت هذه السورة إلى الانفال ~~بالمقاربة، فكانتا كسورة واحدة لأن الاولى في ذكر العهود والاخرى في رفع ~~العهود. وقال عثمان لاشتباه قصتهما، لان الاولى في ذكر العهود والاخرى في ~~رفع العهود. وقال المبرد: لأن { بسم الله الرحمن الرحيم } أمان وبراءة ~~نزلت لرفع الامان. # ويحتمل رفع { براءة } وجهين: # احدهما - ان يكون خبرا لمبتدأ محذوف وتقديره هذه الآيات براءة. # والثاني - ان يكون مبتدأ وخبره الظرف في قوله { إلى الذين }. والاول ~~اجود لانه يدل على حصول المدرك كما تقول لما تراه حاضرا: حسن والله اي ~~هذا حسن. ms1745 # ومعنى البراءة انقطاع برئ براءة وابرأه ابراءا وتبرأ تبرؤا وبرئت من ~~المرض وبرأت أبرأ وأبرؤ وبرأ تبريئا. وروى أهل اللغة برأت أبرؤ برءا، ~~ولم يجيء من المهموز (فعلت أفعل) إلا في هذا الحرف الواحد وبريت القلم ~~أبريه بريا بغير همز، وبراه السير إذا هزله. وبرئ له يبرئ إذا تعرض له، ~~وباراه إذا عارضه وأبرأت البعير إذا جعلت لانفه براه بالالف. # ومعنى الآية برئ الله من المشركين ورسوله { إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين } من اعطائتم الامان، والعهود والوفاء لهم بها إلا إذا نكثوا، ~~لانهم كانوا ينكثون ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله، فأمر ~~الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله ان ينبذ ايضا اليهم عهدهم. وقوله { ~~إلا الذين عاهدتم من المشركين } فالعهد العقد الذي يتقدم به لتوثيق الامر ~~عهد عهدا وعاهد معاهدة وتعاهد الامر تعاهدا وتعهده تعهدا وقوله: { ~~عاهدتم } انما جاء بلفظ الخطاب، لأن فيه دلالة على الأمر بالنبذ إلى ~~المشركين برفع الامان ولولا ذلك لجاز عاقدنا، لان معاقدة النبي صلى الله ~~عليه وآله انما هي عن الله عز وجل. ويجوز رفع الامان والبراءة من غير نقض ~~العهد إذا كان مشروطا إلى ان يرفعه الله اليهم. ### || [9.2] # السيح السير في الأرض على مهل تقول: ساح يسيح سيحا وسياحة وسيوحا ~~وسيحانا وإنساح الماء إنسياحا وسيحه تسييحا. # امر الله تعالى في هذه الآية ان يقال لهؤلاء المشركين أن يسيحوا في ~~الأرض أربعة اشهر آمنين وإنما احلهم هذه الاشهر لانها الاشهر الحرم إلى ~~آخر المحرم من أول شوال، في قول ابن عباس والزهري. وقال الفراء: كانت ~~المدة إلى آخر المحرم لأنه كان فيهم من كان مدته خمسين ليلة، وهو من لم ~~يكن له عهد من النبي صلى الله عليه وآله فجعل الله ذلك له. قال: ومعنى ~~الاشهر الحرم المحرم وحده وإنما جمعه لانه متصل بذي الحجة وذي القعدة ~~فكأنه قال: فاذا انقضت الثلاثة أشهر. وقال ابو عبد الله عليه السلام اول ~~الاربعة الاشهر يوم النحر وآخرها العاشر من شهر ربيع الآخر، ms1746 وهو قول محمد ~~بن كعب القرطي ومجاهد، وقال الحسن: إنما جعل لهم هذه المدة، لان منهم من ~~كان عهده اكثر من اربعة اشهر فحط اليها. ومنهم من كان اقل فرفع اليها. ~~وقال ابو علي الجبائي: كان يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من ~~ربيع الاول، لان الحج كان تلك السنة في ذلك الوقت ثم صار في السنة ~~الثانية في ذي الحجة وفيها حجة الوداع، وكان سبب ذلك النسيء الذي كان في ~~الجاهلية. # وقرأ براءة على الناس يوم النحر بمكة علي بن ابي طالب عليه السلام لأن ~~أبا بكر كان على الموسم في تلك السنة فاتبعه النبي صلى الله عليه وآله ~~بعلي عليه السلام، وقال: # " لا يبلغ عني الا رجل منى " # - في قول الحسن وقتادة ومجاهد والجبائي - وروى أصحابنا ان النبي صلى ~~الله عليه وآله كان ولاه ايضا الموسم، وأنه حين أخذ البراءة من أبي بكر ~~رجع أو بكر فقال: يا رسول الله انزل في قرآن؟ فقال: لا، ولكن لا يؤدي ~~إلا أنا او رجل مني. وروى الشعبي عن محرز بن ابي هريرة: قال: قال ابو ~~هريرة: كنت أنادي مع علي عليه السلام حين أذن المشركين فكان اذا اضمحل ~~صوته مما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا ابه اي شيء كنتم تقولون؟ قال: كنا ~~نقول لا يحج بعد عامنا هذا مشرك - قال وما حج بعد عامنا مشرك - ولا يطوف ~~بالبيت عريان ولا يدخل الجنة الا مؤمن ومن كانت بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وآله مدة فان اجله إلى اربعة اشهر فاذا انقضت اربعة اشهر فان ~~الله بريء من المشركين ورسوله. وفتحت مكة سنة ثمان ونزلت براءة سنة تسع ~~وحج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع سنة عشر. وقوله { واعلموا ~~أنكم غير معجزي الله } معناه انكم غير فائتين كما يفوت ما يعجز عنه لانكم ~~حيث ما كنتم في سلطان الله وملكه والاعجاز ايجاد العجز والعجز ضد القدرة ~~عند من أثبته معنى. # وقوله { وأن الله مخزي الكافرين ms1747 } فالاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة ~~والعار. والخزي النكال الفاضح. ### || [9.3] # الاذان الاعلام في قول ابن زيد والزجاج والجبائي، تقول: أذنني فلان كذا ~~فأذنت اي اعلمني فعلمت. وقال بعضهم: معناه النداء الذي يسمع بالاذن. # وقال الفراء والزجاج: انما ارتفع لأنه عطف على قوله { براءة } وقيل ~~معناه عليكم اذان، لأن فيه معنى الامر. والحج المقصد إلى اعمال المناسك ~~على ما امر الله به وقد بينا شرائط الحج واركانه وفرائضه في كتب الفقه، ~~ولا نطول بذكره ها هنا والحج الاكبر قال عطا، ومجاهد، وعامر وبشر بن ~~عبادة: هو ما فيه الوقوف بعرفه، والاصغر العمرة، وقال مجاهد: الحج الاكبر ~~هو القران، والحج الاصغر هو الافراد. وقيل في معنى { يوم الحج الأكبر } ~~ثلاثة اقوال: # احدها - ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: عرفة، وهو المروي ~~عن عمر وابن عباس بخلاف فيه وبه قال عطا ومجاهد وابن الزبير وابو حنيفة. # الثاني - في رواية اخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ~~وابن عباس وسعيد ابن جبير، وعبد الله بن ابي أوفى، وابراهيم ومجاهد أنه ~~يوم النحر، وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام. وسمي بالحج الاكبر ~~لانه حج فيه المشركون والمسلمون ولم يحج بعدها مشرك. # الثالث - قال مجاهد وشعبة: هو جميع ايام الحج. # اعلم الله تعالى في هذه الاية المشركين انه ورسوله بريء من المشركين ~~وانه ان تبتم ورجعتم إلى الايمان وطاعة الرسول { فهو خير لكم } وان ~~اعرضتم وتوليتم فاعلموا انكم لا تفوتون الله وان الله يبشر الكافرين ~~بعذاب اليم اي شديد مؤلم. # قال الحسن الحج الاكبر ثلاثة ايام الحج اجتمعت في تلك الايام الثلاثة ~~اعياد المسلمين واعياد اليهود واعياد النصارى، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لم يكن فيما خلا ولا يكون إلى يوم القيامة. ### || [9.4] # استثنى الله تعالى من براءته عز وجل، وبراءة ورسوله صلى الله عليه وآله ~~من المشركين من كان لهم العهد، في قول الزجاج. وقال الفراء: هذا استثناء ~~في موضع نصب، وهم قوم من ms1748 بني كنانة كان قد بقي من اجلهم تسعة اشهر، فقال ~~الله تعالى { فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } لا تحطوهم إلى الاربعة ~~اشهر، وقال مجاهد: عنى بذلك جماعة من خزاءة ومدلج. وقال ابن عباس: توجه ~~ذلك إلى كل من كان بينه وبين رسول الله عهد قبل براءة. وينبغي أن يكون ~~ابن عباس اراد بذلك من كان بينه وبينه عقد هدنة او إلى قوم من المشركين ~~لم يتعرضوا له صلى الله عليه وآله بعداوة ولا ظاهروا عليه عدوه، لان ~~النبي صلى الله عليه وآله صالح اهل هجر واهل البحرين وايلى ودومة الجندل، ~~وادرج، واهل معنا، وهم ناس من اليهود في توجهه إلى تبوك او في مرجعه ~~منها، وله عهود الصلح والحرب غير هذه، ولم ينبذ اليهم بنقض عهد، ولا ~~حاربهم بعد ان صاروا اهل ذمة إلى ان مضى لسبيله. ووفى لهم بذلك من بعده، ~~فمن حمل ذلك على جميع العهود فقد اخطأ. وقال الحسن: هذا استثناء من قوله ~~تعالى { اقتلوا المشركين } ، { إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } ثم ~~نقلت إلى ها هنا وباقي الناس على خلافه. # وقوله { ثم لم ينقصوكم شيئا } النقصان حط العدة عن عدة، والزيادة الحاق ~~العدة بعدة. والمعنى ثم لم ينقصوكم من شروطكم العهد شيئا، ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فالمظاهرة المعاونة على العدو للظهور عليه فهؤلاء إن لم ~~يعاونوا عليكم احدا من اعدائكم ولا نقصوكم شيئا من حقكم في عهدهم ~~فأتموا اليهم عهدهم إلى مدتهم، وهو أمن من الله تعالى إلى ان يبلغوا ~~المدة التي وافقهم عليها. قال قتادة: وهم مشركوا قريش كانوا عاهدوه في ~~الحديبية وبقي من مدتهم اربعة اشهر بعد يوم النحر. والاتمام بلوغ الحد في ~~العدة من غير زيادة ولا نقصان فهنا معناه امضاء الامر على ما تقدم به ~~العهد إلى انقضاء اجل العقد. والمدة زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مددت ~~له في الاجل للمهلة. والمعنى إلى انقضاء مدتهم. # وقرأ عطاء { ثم لم ينقضوكم } بالضاد المعجمة وهي شاذة { وأن } بفتح ~~الهمزة، لان تقديره بأن الله بريء ms1749 من المشركين، ولا يجوز أن يكون المراد ~~نبذ العهد إلى مكة، لأن مكة فتحت سنة ثمان وصارت دار الاسلام، ونبذ العهد ~~كان في سنة تسع فعلم بذلك ان المراد غيرهم. ### || [9.5] # الانسلاخ اخراج الشيء مما لابسه، وكذلك سلخ الشاة إذا نزع الجلد عنها ~~وسلخنا شهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا. وقيل في الأشهر الحرم قولان: # احدهما - رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد وواحد فرد. # الثاني - الاشهر الأربعة التي جعل لهم ان يسيحوا فيها آمنين، وهي عشرون ~~من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الاول، وعشر من ربيع الآخر، في ~~قول الحسن والسدي وغيرهما. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين انه اذا انقضت مدة ~~هؤلاء المعاهدين، وهي الاربعة اشهر ان يقتلوا المشركين حيث وجدوهم. قال ~~الفراء: سواء كان في الاشهر الحرم او غيرها وسواء في الحل او في الحرم، ~~وان يأخذوهم، ويحصروهم. # والحصر المنع من الخروج عن محيط واحصر الرجل إحصارا وحاصره العدو ~~محاصرة وحصارا، وحصر في كلامه حصرا وانحصر الشيء انحصارا. والحصر ~~والحبس والأسر نظائر. وقوله { واقعدوا لهم كل مرصد } يعني كل موضع يرقب ~~فيه العدو والمرصد الطريق ومثله المرقب والمربأ، يقال: رصده يرصده رصدا، ~~ونصب كل مرصد على تقدير على كل مرصد - على قول الاخفش - كما قال الشاعر: # نغالي اللحم للاضياف نيا # ونرخصه اذا نضج القدور # اي نغالي باللحم. وقال الزجاج هو ظرف كقولك ذهبت مذهبا وقال الشاعر: # إن المنية للفتى بالمرصد # فجعله بمنزلة المحدود، والمرصد مبهم، والطريق محدود، فهذا فرق ما ~~بينهما. # واستدل بهذه الاية على ان تارك الصلاة متعمدا يجب قتله، لأن الله تعالى ~~اوجب الامتناع من قتل المشركين بشرطين: احدهما - ان يتوبوا من الشرك. ~~والثاني - ان يقيموا الصلاة، فاذا لم يقيموا الصلاة وجب قتلهم. ### || [9.6] # قوله { أحد } ليست التي تقع في النفي في مثل قولك (ما جاءني احد) لأن ~~الايجاب لا يصح فيه اعم العام الذي هو هو على الجملة والتفصيل كقولك: ~~ليسوا مجتمعين، ولا متفرقين. ولا يصح مثل ذلك في الايجاب، ms1750 ويصح في ~~الاستفهام لان فيه معنى النفي، ولولا ذلك لم يصح جوابه ب " لا " ~~والتقدير وإن استجارك احد من المشركين استجارك فاضمر الفعل، ولم يجز في ~~الجواب ان يقول: إن يقوم احد زيد يذهب، لقوة { إن } إنها للفعل خاصة ~~ومثله انشد الاخفش: # لا تجزعي إن منفسا اهلكته # فاذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # فاخبر، ثم جزم على جواب الجزاء، لانها شرط وليس كذلك الجواب، لانه قد ~~يكون بالفاء ولا يجوز اضمار الفعل في شيء من حروف المجازاة إلا في { إن } ~~لانها ام الباب، وهي الاصل الذي يلزمه، قال الشاعر: # فان انت تفعل فللفاعلي # ن انت المجيرين تلك الغمارا # واما قول الشاعر: # فمتى واغل ينبهم يحيو # ه ويعطف عليه كأس الساقي # فانما هو ضرورة، لا يجوز مثله في الكلام قال الفراء { استجارك } في موضع ~~جزم، وانه فرق بين الجازم والمجزوم ب { أحد } وذلك جائز في { إن } خاصة ~~وقد يفرق بينهما وبين المجزوم بالمنصوب والمرفوع، فالمنصوب مثل قولك: إن ~~اخاك ضربت ظلمت، والمرفوع مثل قوله تعالى # إن امرؤ هلك ليس له ولد # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله انه متى استجارك احد من ~~المشركين الذين امرتك بقتالهم اي طلب منه الجار في رفع الاذى عن صاحبه. ~~وقيل: المعنى ان استأمنك احد فأمنه { حتى يسمع كلام الله } والمشرك يصح ~~ان يسمع كلام الله على الحقيقة لان حكاية كلام الله يطلق عليه الاسم بأنه ~~كلام الله لظهور الامر فيه، ولا يحتاج ان يقدر اصل له، كما يقال: كلام ~~سيبويه وغيره. ومن ظن ان الحكاية تفارق المحكي لاجل هذا الظاهر فقد غلط، ~~لان المراد ما ذكرناه فيما يقال في العرف انه كلام الله. وقوله { ثم ~~أبلغه مأمنه } فالابلاغ النصيير إلى منتهى الحد. والابلاغ والاداء نظائر. ~~وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ~~كذلك لما كان لطلب ما هو عالم به معنى. ومعنى قوله { لا يعلمون } اخبار ~~عن جهلهم في افعالهم، لا انهم لا يعقلون، وإنما اراد لا ينتفعون ms1751 بمثله. ~~ولا يعرفون مالهم وعليهم من الثواب والعقاب. ### || [9.7] # قال الفراء: هذا على التعجب كما تقول: كيف تستبقي مثلك؟! اي لا ينبغي ان ~~يستبقى، وفي قراءة عبد الله: كيف يكون لهم عهد عند الله، ولا ذمة، فادخل ~~الكلام " لا " مع الواو، ولان معنى الاول جحد. وقال غيره: في الكلام حذف ~~لان الكلام خرج مخرج الانكار عليهم. وتقديره كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله مع اضمار الغدر في عهدهم، فجاء الانكار ان يكون لهم عهد ~~مع ما ينبذ من العهد على ذلك، وذلك يقتضي اضمار الغدر فيما وقع من العهد. ~~ثم استثنى من ذلك { الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } فكان ذلك ايجابا ~~فيهم لان ما قبله في معنى النفي، والتقدير ليس للمشركين عهد الا الذين. ~~وموضع { الذين } يحتمل الجر والنصب. وحكى الكسائي: اين كنت لتنجو مني اي ~~ما كنت. # و { المسجد } الموضع المهيأ لصلاة الجماعة، والمراد ها هنا مسجد مكة ~~خاصة واصله موضع السجود كالمجلس موضع الجلوس و { الحرام } المحظور بعض ~~احواله فالخمر حرام لحظر شربها وسائر انواع التصرف فيها. والام حرام بحظر ~~نكاحها والمسجد الحرام لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله ما يبتذل به ~~غيره. وقوله { فما استقاموا لكم } معناه ما استمروا لكم على العهد. ~~والاستقامة الاستمرار على جهة الصواب. ومتى كان الاستمرار على وجه الخطأ ~~لا يسمى استقامة. ومعنى { فاستقيموا لهم } استمروا لهم على العهد مثلهم ~~والمراد بالذين عوهدوا عند المسجد الحرام، قيل فيهم ثلاثة اقوال: قال ~~مجاهد: هم خزاعة. وقال ابن اسحاق: هم قوم من بني كنانة. وقال ابن عباس: ~~هم قريش. # وقوله { إن الله يحب المتقين } اخبار منه تعالى انه يحب من يتقي معاصيه ~~ويعمل بطاعاته وانه يريد ثوابه ومنافعه. وفي الآية دليل على ان تمكين ~~الحربي من المقام في دار الاسلام بعد قضاء حاجته ليس بجائز. ### || [9.8] # تقدير الاية كيف لهم عهد وكيف لا تقتلونهم وحذف، لان قوله في الاية ~~الاولى { كيف يكون للمشركين عهد } دل على ذلك ومثله قول الشاعر: # وخبرتماني أنما الموت ms1752 في القرى # فكيف وهاتا هضبة وقليب # ويروى وهذي اي كيف مات وليس في قرية. وقال الحطيئة في حذف الفعل بعد ~~كيف: # فكيف ولم أعلمهم خذلوكم # على معظم ولا اديمكم قدوا # أي كيف تلومونني على مدح قوم وتذمونهم. والمعنى كيف لهم يعني لهؤلاء ~~المشركين عهد، وهم إن يظهروا عليكم بمعنى يعلوا عليكم بالغلبة، لان ~~الظهور هو العلو بالغلبة. واصله خروج الشيء إلى حيث يصح ان يدرك { لا ~~يرقبوا فيكم } معناه لا يراعون فيكم، والرقوب هو العمل في الامر على ما ~~تقدم به العهد. والمراقبة والمراعاة نظائر في اللغة. وقوله: { إلا ولا ~~ذمة } قيل في معنى الئل ستة اقوال: # اولها - قال مجاهد وابن زيد: إن معناه العهد. والثاني - في رواية اخرى ~~عن مجاهد أنه اسم الله. ومنه قول أبي بكر لما سمع كلام مسيلمة: لم يخرج ~~هذا من إل، فأين يذهب بكم. الثالث - قال ابن عباس: هو القرابة. الرابع - ~~قال الحسن: هو الجوار. الخامس - قال قتادة: هو الحلف. السادس - قال ابو ~~عبيدة: هو التميز. والاصل في جميع ذلك العهد وهو مأخوذ من الأليل وهو ~~البريق، يقال: أل يؤل إذا لمع والألة الحربة للمعانها، وأذن مؤللة مشبهة ~~بالحربة في تحديدها وقال الزجاج: اصله التحديد قال الشاعر: # وجدناهم كاذبا إلهم # وذو الال والعهد لا يكذب # أي ذو العهد، وقال ابن مقبل: # أفسد الناس خلوف خلفوا # قطعوا الال واعراق الرحم # يعنى القرابة، وقال حسان: # لعمرك إن إلك في قريش # كال السقب من رأل النعام # وقوله { يرضونكم بأفواههم } معناه يقولون قولا يرضيكم بذلك في الظاهر ~~وتأبى قلوبهم أن يذعنوا لكم بتصديق ما يبدونه لكم. ثم اخبر الله تعالى عن ~~حالهم لان الفاسق هو الخارج من الشيء من قولهم فسقت الرطبة. وإنما كان ~~اكثرهم بهذه الصفة ولم يكن جميعهم وإن كانوا كلهم فاسقين لأن المراد به ~~رؤساءهم. ### || [9.9] # قيل في من نزلت هذه الآية بسببه قولان: # قال مجاهد: نزلت في ابي سفيان لما جمعهم على طعامه فاطعم حلفاءه وترك ~~حلفاء النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابو ms1753 علي الجبائي: نزلت في قوم من ~~اليهود دخلوا في العهد فيما دلت عليه هذه الصفة. ومعنى { اشتروا بآيات ~~الله } استبدلوا بحجج الله وبيناته العظيمة الشأن { ثمنا قليلا } اي ~~عرضا قليلا. واصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن، ونقيضه ~~البيع، وهو العقد على تسليم المتاع بالثمن. والثمن ما كان من العين ~~والورق - في الأصل - ثم قيل لما اخذوه بدل آيات الله ثمن، لأنه بمنزلته ~~في أنه يستبدل به. وقوله { فصدوا عن سبيله } اي صدوا عن الاسلام، ومعنى ~~هذه الفاء كمعنى جواب الجزاء، لان اشتراءهم هذا اداهم إلى الصد عن سبيل ~~الله. والصد هو المنع. ثم اخبر تعالى عنهم انهم بئس ما كانوا يعملونه من ~~هذا الاستبدال. ### || [9.10] # قد بينا ان المراقبة هي المراعاة لما تقدم من العهد الذي يلزم الديانة، ~~لئلا يقع اخلال بشيء منه. والئل العهد. والذمة عقد الجوار، وهما ~~متقاربان. وفصل بينهما بأن الذمة عقد قوم يذم نقضه. والئل الذي هو العهد ~~عقد يدعو إلى الوفاء والبيان الذي فيه، لأنه يلوح المعنى الذي يدعوا إلى ~~الوفاء إذا ضل كل واحد منهما يقتضي هذا. وانما اعيد ذكر { لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة } لانه في صفة الذين { اشتروا بآيات الله ثمنا } ~~والأول في صفة جميع الناقضين للعهد. وقال في الثاني { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } ، فلذلك كرر بوصفين مختلفين. ~~وقال الجبائي: لأنه في صفة اليهود خاصة، والأول في صفة الناقضين عامة، ~~وإنما ذموا بترك المراقبة، لأن مع تركها الغالب ان يقع إخلال بما تقدم من ~~العقد، فلزمت المراقبة لهذه العلة. وترك المراقبة في عهد المؤمن أعظم ~~منها في ترك عهد غيره لكثرة الزواجر عن الغدر بالمؤمن، لأنه ليس من شأنه ~~الغدر. # اخبر الله تعالى عن هؤلاء المشركين انهم لا يراعون في المؤمن عقد العهد ~~ولا ذمة الجواز، وانهم مع ذلك معتدون. والاعتداء الخروج من الحق واصله ~~المجاوزة، ومنه التعدي وهو تجاوز الحد ومعاداة القوم مجاوزة الحد في ~~البغضة وكذلك العداوة. والاستعداء طلب معاملة العدو ms1754 في الايقاع به، ~~والعدو مجاوزة حد السعي. والغرض بالآية حث المسلمين على قتالهم، وأن لا ~~يبقوا عليهم كما انهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا عليهم. ### || [9.11] # شرط الله لهؤلاء المشركين بأنهم إن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشرك ~~إلى طاعة الله والاعتراف بوحدانيته، والاقرار بالنبي صلى الله عليه وآله، ~~وأقاموا الصلاة المفروضة على ما شرعها الله واعطوا الزكاة الواجبة عليهم، ~~فانهم يكونون اخوان المؤمنين في الدين، والايمان وتقديره فهم اخوانكم. ~~والتوبة هي الندم على القبيح لقبحه مع العزم على ترك العود إلى مثله في ~~القبح، وفي الناس من قال إلى مثله في صفته فمن قال ذلك قال توبة المجبوب ~~من الزنا هي الندم على الزنا مع العزم على ترك المعاودة إلى مثله على ما ~~يصح ويجوز من الامكان، وهو انه لو رد الله عز وجل عضوه ما زنى، فاما من ~~نسي الذنب فان توبته صحيحة لا يؤاخذ بالذنب، لانه مكلف قد ادى جميع ما ~~عليه في الحال، فقد تخلص بذلك من العقاب. فان قيل لم شرط مع التوبة من ~~الشرك وحصول الايمان ايتاء الزكاة؟ مع انه ليس كل مسلم عليه الزكاة! ~~قلنا: انما يجب عليه بشرط الامكان فاذا اقر بحكم الزكاة مع التعذر عليه ~~دخل في حكم الصفة التي يجب بها. # وقوله { ونفصل الآيات } معناه نبينها ونميزها بخاصة لكل واحد منها بما ~~يتميز به من غيرها حتى يظهر مدلولها على اتم ما يكون من الظهور فيها { ~~لقوم يعلمون } ذلك ويثبتونه دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله. ### || [9.12] # قرأ أهل الكوفة وابن عامر { أئمة } بهمزتين، إلا هشاما عن ابن عامر ~~فانه فصل بين الهمزتين بالف. الباقون بهمزة واحدة وياء بعدها. وفصل ~~بينهما بالف ابو جعفر والمرى عن المسيبي والسوسنجرذي عن يزيد بن اسماعيل. ~~وقرأ ابن عامر والحسن { لا إيمان لهم } بكسر الألف. الباقون بفتحها. ~~والكسر يحتمل وجهين: احدهما - انهم ارتدوا، ولا إسلام لهم، ذكره الزجاج ~~قال: ويجوز { لا إيمان لهم } على المصدر، وتقديره لا تأمنوهم بعد نكثهم ~~العهد. ms1755 والآخر - لانهم كفروا { لا إيمان لهم } ويحتمل أن يكون المراد ~~أنهم آمنوا إيمانا لا يفون به فلا إيمان لهم. ومن فتح الهمزة فلقوله: { ~~وإن نكثوا أيمانهم } ولقوله { عهدهم } وأثبت لهم الايمان. فان قيل كيف ~~نفى فقال { إنهم لا أيمان لهم } وقد اثبتها في الأول من الآية بقوله { ~~وإن نكثوا أيمانهم }؟! # قلنا: اليمين التي اثبتها هي ما حلفوا بها وعقدوا عليها، ولم يفوا، ~~وانما المراد به انهم لا أيمان لهم يفون بها، ويتمسكون بموجبها. وقال ابو ~~علي النحوي { أئمة } على وزن " افعلة " جمع إمام نحو مثال وامثلة فصار ~~أئمة، واجتمع همزتان الف أفعلة، والهمزة التي هي فاء الفعل، والتي هي فاء ~~الفعل ساكنة فنقل اليها حركة التي بعدها ليمكن النطق بها. فمن خففها اتى ~~بالهمزتين الاولى مفتوحة والثانية مكسورة. ومن كره ذلك قلب الثانية ياء ~~ولم يجعلها بين بين، لأن همزة بين بين في تقدير التحقيق وذلك مكروه ~~عندهم. وقال الرماني: انما جاز اجتماع الهمزتين في كلمة، لئلا يجتمع على ~~الكلمة تغيير الادغام والانقلاب مع خفة التحقيق لأجل ما بعده من السكون، ~~وهو مذهب ابن ابي اسحاق من البصريين. والباقون لا يجيزونه، ذكره الزجاج، ~~قال: لانه يلزم عليه ان يقرأ " أأم " بهمزتين وذلك باطل بالاتفاق. وعلى ~~هذا القول هذا أأم بهمزتين، قال: وانما قلبت الهمزة في أئمة على حركتها ~~دون حركة ما قبلها، لان الحركة إنما نقلها إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة، ~~فلو ذهبت تقلبها على ما قبلها لكان مناقضا للغرض فيها واذا بنيت من ~~الامامة هذا افعل من هذا قلت هذا أوم من هذا - في قول المازني - لأن اصله ~~كان أأم فلم يمكنه ان يبدل منها الفاء لاجتماع الساكنين، فجعلها واوا ~~كما قالوا في جمع آدم أوادم. قال الزجاج: وهو القياس وهذا ايم من هذا في ~~قول الأخفش، قال: لانها صارت الياء في أيمة بدلا لازما. # وقوله { وإن نكثوا أيمانهم } فالنكث نقض العهد الذي جعل لتوثيق الامر ~~وذلك بالخلاف لما تقدم من العزم. و " الأيمان " جمع يمين، وهو القسم ~~والقسم ms1756 هو قول عقد بالمعنى لتأكيده، وتغليظ الأمر فيه نحو والله ليكونن ~~وتالله ما كان، فيجوز أن يكون من اعطى صفقة بيمينه، ويجوز أن يكون من يمن ~~التيسير في فعله. # وقوله { وطعنوا في دينكم } فالطعن هو الاعتماد بالعيب. واصله الطعن ~~بالرمح، ونحوه في الشيء لنقض بنيته. # وقوله { فقاتلوا أئمة الكفر } امر من الله تعالى بقتال أئمة الكفر، وهم ~~رؤساء الضلال والكفار، والامام هو المتقدم الاتباع، فأئمة الكفر رؤساء ~~الكفر والامام في الخير مهتد هاد، وفي الشر ضال مضل، كما قال تعالى # وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار # والمعني بائمة الكفر رؤساء قريش، في قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: ~~هم ابو جهل بن هشام، وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وابو سفيان بن حرب، ~~وسهيل بن عمرو، وهم الذين هموا باخراجه، وكان حذيفة يقول: لم يأت أهل هذه ~~الآية. # وروي عن ابي جعفر عليه السلام انها نزلت في اهل الجمل وروي ذلك عن علي ~~عليه السلام وعمار، وغيرهما. ويقول حذيفة قال يزيد بن وهب: قوله { إنهم ~~لا أيمان لهم } معناه لا تأمنوهم. ومن كسر معناه، لانهم كفروا لا إيمان ~~لهم. # وقوله: { لعلهم ينتهون } معناه لكي ينتهوا. # وفي الاية دلالة على ان الذمي إذا اظهر الطعن في الاسلام فانه يجب قتله، ~~لان عهده معقود على أن لا يطعن في الاسلام، فاذا طعن فقد نكث عهده. ### || [9.13] # قوله { ألا } كلمة موضوعة للتحضيض على الفعل، وأصلها " لا " دخلت عليها ~~الف الاستفهام، فصارت تحضيضا كما انها إذا دخلت على " ليس " صارت ~~تقريرا و " ألا " موافقة للتحضيض بالاستقبال و " أليس " إنما هي للحال، ~~فهي موافقة للحال بهذا المعنى. وإذا قال: { ألا تقاتلون } كان معناه ~~التحضيض على قتالهم وإذا قال: " الا قاتلتم " كان ذلك تأنيبا، لأن ما ~~يلزم اذا ترك ذم على تركه ويحض على فعله قبل وقته. حض الله تعالى ~~المؤمنين على قتال الكفار الذين { نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول } ~~من مكة اي قصدوه. والهم مقاربه الفعل بالعزم من غير اتباع له، وقد ذموا ~~بهذا الهم ففيه ms1757 دليل على العزم وقد يستعمل الهم على مقاربة العزم. # وقوله { وهم بدؤكم أول مرة } فالبدوء فعل ما لم يتكرر والمرة الفعلة من ~~المر، والمرة والكرة والدفعة نظائر. ومعنى { بدؤكم أول مرة } بدؤا حلفاء ~~النبي صلى الله عليه وآله بالقتال من خزاعة، في قول الزجاج، وقال ابن ~~اسحاق والجبائي: بدؤوا بنقض العهد. وقال الطبري: بدؤهم بخروجهم إلى بدر، ~~لقتالهم. # وقوله { أتخشونهم } معناه اتخافونهم. ثم قال: { والله أحق أن تخشوه } أي ~~تخافوه { إن كنتم مؤمنين } وفي ذلك غاية الفصاحة لانه جمع بين التقريع ~~والتشجيع. والمعنى أتخشون ان ينالكم من قتالهم مكروه، فالله احق ان تخشوا ~~عقابه في ارتكاب معاصيه إن كنتم مصدقين بعقابه وثوابه. ### || [9.14-15] # هذا امر من الله تعالى للمؤمنين بأن يقاتلوا هؤلاء الناقضين للعهد ~~البادئين بقتال حلفاء النبي صلى الله عليه وآله من خزاعة، فانهم اذا ~~قاتلوهم يعذب الله الكفار بأيديهم يعني بأيدي المؤمنين الذين يقاتلونهم، ~~وينصركم ايها المؤمنون ينصركم الله { عليهم ويشف } بذلك { صدور قوم ~~مؤمنين } وفي ذلك دليل على انه اشتد غضب جماعة المؤمنين لله، فوعدهم الله ~~النصر، في قول قتادة والزجاج. وفيها دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه ~~وآله لأنه وعده النصر فكان الأمر على ما قال. وقوله { ويذهب غيظ قلوبهم } ~~قيل المراد بهم خزاعة الذين قاتلوهم، في قول السدي وغيره، لانهم كانوا ~~حلفاء النبي صلى الله عليه وآله. والتعذيب ايقاع العذاب لصاحبه والعذاب ~~الم يستمر به، قال عبيد ابن الابرص: # والمرء ما عاش في تكذيب # طول الحياة له تعذيب # ومعنى { يعذبهم الله بأيديكم } اي انكم اذا تناولتموهم بالسلاح من ~~السيوف والنبل والرماح انزل الله بهم العذاب. وقال ابو علي: ذلك مجاز ~~والمعنى انه لما كان ذلك بأمر الله اضافه إلى نفسه، وهو احسن من الاول. # وقوله { ويخزهم } معناه يذلهم والاخزاء الاذلال بما فيه الفضيحة على ~~صاحبه خزي خزيا واخزاه الله إخزاء. ويجوز في { ويخزهم } ثلاثة أوجه من ~~الاعراب: الجزم باللفظ وعليه القراء. والنصب على الظرف، والرفع على ~~الاستئناف ولم يقرأ بهما. # وقوله { ويشف صدور قوم ms1758 مؤمنين } فالشفاء سلامة النفس بما يزيل عنها ~~الأذى، فكلما وافق النفس وأزال عنها الهم فهو شفاء وقيل { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } يعني خزاعة، لأنهم نقضوا العهد بقتالهم - في قول مجاهد والسدي - ~~والصدور جمع الصدر وهو الموضع الاجل الذي يصدر عنه الأمر، ومنه الايراد ~~والاصدار. # وقوله { ويذهب غيظ قلوبهم } معناه يبطل غيظهم ويعدمه. والاذهاب جعل ~~الشيء يذهب والذهاب الانتقال عن الشيء، والمجيء الانتقال إلى الشيء، ~~والغيظ نقض الطبع بانزعاج النفس. تقول: غاظه يغيظه غيظا واغتاظ اغتياظا ~~وغايظه مغايظة. # وقوله { ويتوب الله على من يشاء } معناه يقبل الله توبة من يشاء من ~~عباده. # ووجه اتصال قوله { ويتوب الله على من يشاء } بما قبله من وجهين: # احدهما - بشارتهم بأن فيهم من يتوب ويرجع عن الكفر إلى الايمان. # والآخر - انه ليس في قتالهم اقتطاع لأحد منهم عن التوبة. # ورفع { ويتوب } بخروجه عن موجب القتال فاستأنفه. # وقوله { والله عليم حكيم } معناه عليم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم ~~بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا ويرجعوا، لان أفعاله كلها صواب وحكمة. ### || [9.16] # قوله { أم حسبتم } من الاستفهام الذي يتوسط الكلام فيجعل ب { أم } ~~ليفرق بينه وبين الاستفهام المبتدأ الذي لم يتصل بكلام ولو كان المراد ~~الابتداء لكان اما بالالف أو ب { هل } كقوله # هل أتى على الإنسان # والمعنى ظننتم أن تتركوا. والظن والحسبان نظائر، والحسبان قوة المعنى في ~~النفس من غير قطع، وهو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به { ان تتركوا ~~} معنى الترك هو ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه. ويستعمل ~~بمعنى (ألا يفعل) كقوله # وتركهم في ظلمات لا يبصرون # وقوله { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } إذا قيل: لما يفعل، فهو نفي ~~للفعل مع تقريب لوقوعه. وإذا قيل: لم يفعل، فهو نفي بعد اطماع في وقوعه. ~~والمعنى ولما يجاهدوا ويمتنعوا ان يتخذوا وليجة ويعلم الله ذلك منكم فجاء ~~مجيء نفي العلم لنفي المعلوم، لأنه متى كان علم الله انه كائن. وكان ابلغ ~~وأوجز، لأنه اتى على طريقة نفي صفات الله تعالى. # وقوله ms1759 { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجه } تقديره ~~ولما يعلم الله الذين آمنوا لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجه، ~~فالوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم تقول: ولج يلج ولوجا وأولج إيلاجا ~~وتولج تولجا بمعنى الدخول. # والوليجة والدخيلة والبطانة نظائر. وكل شيء دخل في شيء وليس منه فهو ~~وليجة، قال طرفة: # فان القوافي يتلجن موالجا # تضايق عنها ان تولجها الابر # وقال آخر: # متخذا من ضعوات تولجا # متخذا فيها ايادا دولجا # يعني الكأس. وقال الفراء: نهوا ان يتخذوا بطانة يفشون اليهم اسرارهم. ~~وقال الجبائي: اتخاذ الوليجة من دون الله ودون رسوله هو النفاق. نهوا أن ~~يكونوا منافقين، وهو قول الحسن، فانه قال: الوليجة هي الكفر والنفاق. وفي ~~الآية دلالة على انه لا يجوز ان يتخذ من الفساق وليجة، لان في ذلك ~~تأليفا بالفسق يجري مجرى الدعاء اليه مع ان الواجب معاداة الفساق ~~والبراءة منهم، ومع ذلك فهو غير مأمون على الأسرار والاطلاع عليها. قال ~~الزجاج: كانت براءة تسمى الحافرة، لانها حفرت عن قلوب المنافقين، لأنه ~~لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي ~~اعداءهم. ### || [9.17] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { مسجد الله } على التوحيد. الباقون على الجمع، ~~فمن قرأ على التوحيد، قال الحسن اراد به المسجد الحرام وبه قال الجبائي. ~~ويحتمل ان يكون اراد المساجد كلها، لأن لفظ الجنس يدل على القليل ~~والكثير. ومن قرأ على الجمع يحتمل ان يكون اراد جميع المساجد. ويحتمل ان ~~يكون اراد المسجد الحرام. وإنما جمع لأن كل موضع منه مسجد يسجد عليه. ~~والقراءتان متناسبتان. والاصل في المسجد هو موضع السجود في العرف يعبر به ~~عن البيت المهيأ لصلاة الجماعة فيه. # اخبر الله تعالى انه ليس لمشرك ان يعمر مسجد الله. والعمارة ان يجدد منه ~~ما استرم من الأبنية، ومنه قولهم: اعتمر اذا زار، لأنه يجدد بالزيارة ما ~~استرم من الحال. وقوله { شاهدين على أنفسهم بالكفر } نصب على الحال، ~~فالشهادة خبر عن علم مشاهد بأن يشاهد المعنى او ms1760 يظهر ظهور ما يشاهد كظهور ~~المعنى في شهادة أن لا إله إلا الله. والمعني بذلك أحد شيئين: # احدهما - ان فيما يخبرون به دليلا على كفرهم، لان أنهم يقولون نحن كفار، ~~ولكن كما يقال للرجل ان كلامك ليشهد انك ظالم - هذا قول الحسن. # والثاني - قال السدي: ان النصراني إذا سئل ما انت؟ قال نصراني واليهودي ~~يقول انا يهودي وعابد الوثن يقول مشرك فذلك شهادتهم على انفسهم بالكفر. ~~وقال الكلبي: معناه شاهدين على النبي بالكفر، وهو من انفسهم. وقوله { ~~أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون } اخبار منه تعالى ان اعمال ~~هؤلاء الذين شهدوا على انفسهم بالكفر باطلة بمنزلة ما لم يعمل، لأنهم ~~اوقعوها على وجه لا يستحق بها الثواب، وانهم مع ذلك مخلدون في نار جهنم ~~معذبون بأنواع العذاب. ### || [9.18] # اخبر الله تعالى في هذه الآية انه ينبغي الا { يعمر مساجد الله } إلا { ~~من آمن بالله } واقر بوحدانيته واعترف باليوم الآخر يعني يوم القيامة ثم ~~اقام بعد ذلك { الصلاة } بحدودها. وأعطى { الزكاة } الواجبة - ان وجبت ~~عليه - مستحقيها ولم يخف سوى الله احدا من المخلوقين، فاذا فعلوا ذلك ~~فانهم { يكونوا من المهتدين } إلى الجنة ونيل ثوابها، لان عسى من الله ~~واجبة ليست على طريق الشك، وهو قول ابن عباس والحسن. وقال قوم: انما قال ~~عسى ليكونوا على طريق الحذر، مما يحبط اعمالهم، ويدخل في عمارة المساجد ~~عمارتها بالصلاة فيها، والذكر لله. والعبادة له، لأن تجديد احوال الطاعة ~~لله من أوكد الاسباب التي تكون بها عامرة، كما ان اهمالها من اوكد ~~الأسباب في اخرابها، وذكر قوله { وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا ~~الله } بعد ذكر قوله { من آمن بالله واليوم الآخر } يدل على ان الايمان ~~لا يقع على افعال الجوارح، لانه لو كان الايمان متناولا لذلك اجمع لما ~~جاز عطف ما دخل فيه عليه. ومن حمل ذلك على ان المراد به التفصيل وزيادة ~~البيان فيما يشتمل على الايمان تارك للظاهر. والخشية انزعاج النفس لتوقع ~~ما لا يؤمن من الضرر تقول: خشي يخشى ms1761 خشية فهو خاش، ومثله خاف يخاف خوفا ~~ومخافة، فهو خائف. والخاشي نقيض الآمن. والاهتداء المذكور في الآية هو ~~التمسك بطاعة الله التي تؤدي إلى الجنة وفاعلها يسمى مهتديا. ### || [9.19] # خاطب الله تعالى بهذه الآية قوما جعلوا القيام بسقي الحجيج وعمارة ~~المسجد الحرام من الكفار مع مقامهم على الكفر مساويا أو افضل من ايمان ~~من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، فأخبر تعالى انهما لا ~~يستويان عند الله في الفضل لان الذي آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله افضل ممن يسقي الحجيج ولم يفعل ذلك. وفي الآية حذف احد امرين: ~~احدهما - ان يكون تقديره كايمان من آمن بالله وأقام الاسم مقام المصدر، ~~لأن اصل السقاية مصدر كما قال الشاعر: # لعمرك ما الفتيان ان تنبت اللحى # ولكنما الفتيان كل فتى ندى # اي فتيان نبات. والسقاية آلة تتخذ لسقي الماء. وقيل كانوا يسقون الحجيج ~~الماء والشراب. وبيت البئر سقاية ايضا قال الرماني المشبه لا يجوز ان ~~يكون مجاهدا في سبيل الله لانه لا يعرف الله فيتبع امره في ذلك والمجاهد ~~اذا عرف الله صح ان يكون مطيعا بالجهاد لاتباعه امر الله فيه. وروي عن ~~ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان الاية نزلت في امير المؤمنين ~~عليه السلام والعباس. وروى الطبري باسناده عن ابن عباس انها نزلت في ~~العباس حين قال يوم بدر: إن سبقتمونا إلى الاسلام والهجرة لم تسبقونا إلى ~~سقاية الحاج وسدنة البيت، فأنزل الله الاية. وروى الطبري باسناده عن ~~الحسن انها نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة. وقال الشعبي: نزلت في علي ~~والعباس، وبه قال ابن وهب والسدي. # وقوله { والله لا يهدي القوم الظالمين } اخبار منه تعالى انه لا يهدي ~~احدا ممن ظلم نفسه وكفر بآيات الله، وجحد وحدانيته إلى الجنة كما انه ~~يهدي اليها من كان عارفا بذلك فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته. # واختلفوا في سبب نزول الاية فقال قوم: سأل المشركون اليهود فقالوا: نحن ~~سقاة الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل ام محمد واصحابه؟ ms1762 فقالت ~~اليهود لهم: انتم افضل، عنادا للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين. وقال ~~آخرون: تفاخر المسلمون الذين جاهدوا والذين لم يجاهدوا. فنزلت الآية، ~~ذكره الزجاج. ### || [9.20] # موضع { الذين } رفع بالابتداء وخبره اعظم درجة. اخبر الله تعالى ان ~~الذين آمنوا يعني صدقوا بالله واعترفوا بوحدانيته، وأقروا بنبوة نبيه، ~~وهاجروا عن اوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الاسلام، وجاهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله. ومعناه يتضاعف فضلهم عند الله ~~مع شرف الجنس. ولو قال اعلى درجة افاد شرف الجنس فقط. # وقوله { أولئك هم الفائزون } اخبار منه تعالى ان من وصفه هم الذين ~~يظفرون بالبغية ويدركون الطلبة، لان الفوز هو الظفر بالبغية وهو والفلاح ~~والنجاح نظائر. وقيل: إنه يلحق بمثل منزلة المجاهدين من لم يجاهد بأن ~~يجاهد في طلب العلم الديني فيتعلمه ويعلم غيره ويدعو اليه والى الله. ~~وربما كانت هذه المنزلة فوق تلك فان قيل كيف قال { أعظم درجة } من الكفار ~~بالساقية والسدانة؟ قلنا: على ما روينا عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما ~~السلام وابن عباس وغيرهم لا يتوجه السؤال عن ذلك لان المفاضلة جرت بينهم، ~~لان لجميعهم الفضل عند الله ومن لا يقول ذلك يجيب بجوابين: احدهما - انه ~~على تقدير ان لهم بذلك منزلة كما قال تعالى # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا # هذا قول الحسن وأبي علي. والثاني - قال الزجاج المعنى اعظم من غيرهم ~~درجة. و (الذي) يجوز وصفها ولا يجوز وصف " من " اذا كانت بمعنى الذي، لأن ~~" من " تكون تارة معرفة موصولة فلذلك افترقا. وقيل معنى " الفائزي " انهم ~~الظافرون بثواب الله الذي استحقوه على طاعتهم. ### || [9.21] # في الآية اخبار من الله تعالى بالبشارة واعلام للذين آمنوا وهاجروا ~~برحمة من جهته تعالى، والبشرى والبشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في ~~بشرة الوجه تقول بشرته أبشره بشرى وابشر ابشارا واستبشر استبشارا ~~وتباشر تباشرا وبشره تبشيرا فاما باشره مباشرة، فبمعنى لاقاه ببشر ~~ورضوان. وهو معنى يستحق بالاحسان، يدعو إلى الحمد على ما كان، ويضاد سخط ~~الغضبان، ms1763 تقول: رضي رضا ورضوانا وأرضاه إرضاء وترضاه ترضيا وارتضاه ~~ارتضاء واسترضاه استرضاء وتراضوه تراضيا. # وقوله { وجنات } يعني البساتين التي يجنها الشجر، وأما الرياض فهي ~~الموطأة للخضرة التي قد ينبت فيها نبات الزهر ومنه الرياضة لانها توطئة ~~لتقريب العمل. # وقوله { لهم فيها نعيم مقيم } فالنعيم لين العيش اللذيذ، وهو مشتق من ~~النعمة وهي اللين، وأما النعمة بكسر النون، فهي منفعة يستحق بها الشكر ~~لانها كنعم العيش والمقيم الدائم بخلاف الراحل فكأنه قال: المقيم ابدا. ### || [9.22] # { خالدين } نصب على الحال من الهاء والميم في قوله: " لهم " والخلود في ~~العرف الدوام في الشيء كالخلود في الجنة مأخوذ من قولهم: خلد هذا الكتاب ~~في الديوان على تقدير الدوام من غير انقطاع. والابد الزمان المستقبل من ~~غير آخر كما أن (قط) للماضي تقول: ما رأيته قط، ولا أراه ابدا وجمع ~~الابد آباد وأبود تقول لا أفعل ذلك أبدا، وتأبد المنزل اذا اقفر وأتى ~~على الابد، والا وابد الوحوش سميت بذلك لطول أعمارها وبقائها. وقيل: لم ~~يمت وحش حتف أنفه وانما يموت بآفة، وجاء فلان بأبدة اي بداهية وأتان آبد ~~تسكن القفر متأبدة. # وقوله { إن الله عنده أجر عظيم } اخبار منه تعالى ان عنده الجزاء أي في ~~مقدوره الجزاء الذي يستحق بالاعمال تقول: أجره يأجره أجرا وآجره إجارة ~~واستأجره استئجارا ومنه الاجير. # وقوله { عظيم } يعني كبير متضاعف لا تبلغه نعمة غيره من الخلق، والابد ~~قطعة من الدهر متتابعة في اللغة قال الحر بن البعيث: # أهاج عليك الشوق اطلال ذمنة # بناصفة البردين أو جانب الهجل # اتى ابد من دون حدثان عهدها # وجرت عليها كل نافحة شمل # ومن الدليل على أن الابد قطعة من الدهر أنه ورد مجموعا في كلامهم. قالت ~~صفية بنت عبد المطلب تخاطب ولدها الزبير: # وخالجت آباد الدهور عليكم # وأسماء لم تشعر بذلك أيم # فلو كان زبر مشركا لعذرته # ولكن زبرا يزعم الناس مسلم # ويقال: تأبد الربيع إذا مر عليه قطعة من الدهر وليس يعنون انه مر عليه ~~أبد لا غاية له قال مزاحم العقيلي: ms1764 # أتعرف بالغريق دارا تأبدت # من الحي واستبقت عليها العواصف # فأما الخلود، فليس في كلام العرب ما يدل على انه بقاء لا غاية له وإنما ~~يخبرون به عن البقاء إلى مدة كما قال المخبل السعدي: # الا رمادا هامدا دفعت # عنه الرياح خوالد سحم # اراد دفع الرياح عن النؤي إلى هذا الوقت هذه الاثافي التي بقيت إلى هذا ~~الوقت. ### || [9.23] # روي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ان هذه الآية نزلت في حاطب ~~بن بلتعة حيث كتب إلى قريش بخبر النبي صلى الله عليه وآله حين أراد فتح ~~مكة. # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم فيه عن اتخاذ آبائهم وإخوانهم ~~أولياء متى استحبوا الكفر. وآثروه على الايمان. و " الاتخاذ " هو ~~الافتعال من اخذ الشيء. والاتخاذ اعداد الشيء لأمر من الامور. واتخاذهم ~~اولياء: هو ان يعتقدوا موالاتهم ووجوب نصرتهم فيما ينوبهم، وليس ذلك ~~بمانع من صلتهم. والاحسان اليهم، لأنه تعالى حث على ذلك، فقال: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا # والاب والوالد نظائر. والاخ الشقيق في النسب من قبل الأب والام، وكل من ~~رجع مع آخر إلى واحد في النسب من والد ووالدة، فهو أخ. والأولياء جمع ولي ~~وهو من كان مختصا بايلاء التصرف في وقت الحاجة. وقال الحسن: من تولى ~~المشرك. فهو مشرك. وهذا إذا كان راضيا بشركه، ويكون سبيله سبيل من يتولى ~~الفاسق أن يكون فاسقا. # وقوله { إن استحبوا الكفر على الإيمان } معناه إن طلبوا محبة الكفر على ~~الايمان. وقد يكون استحب بمعنى أحب كما ان استجاب بمعنى اجاب. ثم اخبر ~~تعالى ان من استحب الكفار على المؤمنين فانهم أيضا ظالمون نفوسهم ~~والباخسون حظها من الثواب، لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها. ### || [9.24] # قرأ ابو بكر عن عاصم و { عشيراتكم } على الجمع. الباقون على التوحيد. # من جمع فلان كل واحد من المخاطبين له عشيرة، فاذا جمع قال وعشيراتكم. ~~ومن افرد قال العشيرة تقع على الجمع. وقال ابو ms1765 الحسن: العرب لا تجمع ~~العشيرة عشيرات. وانما تقول عشائر. # أمر تعالى بهذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب هؤلاء الذين ~~تخلفوا عن الهجرة إلى دار الاسلام. وأقاموا بدار الكفر، وقال الجبائي: هو ~~خطاب للمؤمنين أجمع وتحذير لهم من ترك الجهاد وحث لهم عليه، فأمره أن ~~يقول لهم { إن كان آباؤكم } الذين ولدوكم { وأبناؤكم } الذين ولدتموهم، ~~وهم الأولاد الذكور { وأزواجكم } جمع زوجة وهي المرأة التي عقد عليها ~~عقدة نكاح صحيح، لأن ملك اليمين والمعقود عليها عقد شبهة لا تسمى زوجة { ~~وعشيرتكم } وهي الجماعة التي ترجع إلى عقد كعقد العشرة. ومنه المعاشرة، ~~وهي الاجتماع على عقد يعم. ومنه العشار النوق التي أتى على حملها عشرة ~~أشهر { وأموال } جمع مال { اقترفتموها } أي اقتطعتموها واكتسبتموها، ~~ومثله الاحتراف. والاقتراف اقتطاع الشيء عن مكانه إلى غيره { وتجارة ~~تخشون كسادها } يعني ما اشتريتموه طلبا للربح تخافون خسرانها ووقوفها { ~~ومساكن } جمع مسكن وهي المواضع التي تسكنونها وترضونها { أحب إليكم من ~~الله ورسوله } يعني آثر في نفوسكم وأقرب إلى قلوبكم. والمحبة إرادة خاصة ~~للشيء فمن أحب الجهاد فقد أراد فعله ومن أحب الله أراد شكره وعبادته ومن ~~أحب النبي أراد إجلاله وإعظامه. والذي اقتضى نزول هذه الاية محبتهم التي ~~منعتهم الهجرة. وقوله { فتربصوا } اي فتثبتوا. والتربص التثبت في الشيء ~~حتى يجيء وقته. والتربص والتنظر والتوقف نظائر في اللغة. ونقيضه التعحل ~~بالامر. # وقال مجاهد قوله { حتى يأتي الله بأمره } من عقوبة عاجلة أو آجلة. وقوله ~~{ والله لا يهدي القوم الفاسقين } معناه إنه لا يهديهم إلى الثواب والجنة ~~لأنه تعالى قد هداهم إلى الايمان فقال # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ### || [9.25] # أقسم الله تعالى في هذه الاية - لأن لام { لقد } لام القسم - بأنه نصر ~~المؤمنين في مواطن كثيرة ومواطن في موضع جر ب { في } وانما نصب، لأنه لا ~~ينصرف لانه جمع لا نظير له في الآحاد، فلا ينصرف. وجر كثيرة على المواضع ~~وأنثه على اللفظ. ومواطن جمع موطن. ومعنى النصر الغلبة على العدو. ~~والمعونة قد تكون في ms1766 حمل الثقيل، وتكون في شراء متاع وتكون في قضاء حاجة، ~~ولا يكون النصر إلا المعونة على العدو خاصة. والمواطن هو الموضع الذي ~~يقيم فيه صاحبه وإنما قد أقاموا في هذه المواطن للقتال. ومعنى كثيرة روي ~~عن أبي عبد الله عليه السلام انها كانت ثمانين موطنا، والكثيرة عدة ~~زائدة على غيرها فهي كثيرة بالاضافة إلى ما دونها قليلة بالاضافة إلى ما ~~فوقها. # وقوله { ويوم حنين } ، وحنين اسم واد بين مكة والطائف في قول قتادة. # وقال عروة: هو واد إلى جانب ذي المجاز، فلذلك صرف، ويجوز ترك صرفه على ~~انه اسم للبقعة قال الشاعر: # نصروا نبيهم وشدوا أزره # بحنين يوم تواكل الابطال # وقوله { إذ أعجبتكم كثرتكم } فالاعجاب السرور بما يتعجب منه، والعجب ~~السرور بالنفس على الفخر بما يتعجب منه. وقال قتادة: إنه كان سبب انهزام ~~المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين يوم حنين لانهم ~~كانوا اثني عشر ألفا، فقال: لن نغلب اليوم عن قلة. فانهزموا بعد ساعة. ~~وقيل: إنهم كانوا عشرة آلاف. وقال بعضهم: ثمانية آلاف والأول أشهر. ولما ~~انهزموا لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله الا تسعة نفر من بني هاشم ~~وأيمن ابن ام ايمن. والعباس بن عبد المطلب. وابو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام في آخرين، فأخذ النبي صلى الله ~~عليه وآله كفا من الحصباء فرماهم به، وقال شاهت الوجوه فانهزم المشركون. # وقوله { فلم تغن عنكم شيئا } معناه لم تغن كثرتكم شيئا، والاغناء ~~اعطاء ما يرفع الحاجة. ولذلك قيل في الدعاء أغناك الله { فلم تغن عنكم ~~شيئا } معناه لم تعطلكم ما يرفع حاجتكم. # وقوله { وضاقت عليكم الأرض بما رحبت } معناه ليس فيها موضع يصلح لكم ~~لفراركم عن عدوكم. والضيق مقدار ناقص عن مقدار، والرحب السعة في المكان ~~وقد يكون في الرزق. والسعة في النفقة. # وقوله { ثم وليتم مدبرين } فالادبار الذهاب إلى جهة الخلف والاقبال إلى ~~جهة القدام. والمعنى وليتم عن عدوكم منهزمين. وتقديره وليتموهم الادبار. # وكانت غزوة ms1767 حنين عقيب الفتح في شهر رمضان أو في شوال سنة ثمان. # فان قيل كيف قال انه نصرهم في مواطن كثيرة؟ والمؤمنون منصورون في جميع ~~الاحوال؟ # قلنا عنه جوابان: أحدهما - ان ذلك اخبار بأنه نصرهم دفعات كثيرة ولا يدل ~~على انه لم ينصرهم في موضع آخر، والثاني - لأنهم لما انهزموا لم يكونوا ~~منصورين وكان ذلك منهم خطأ وإن وقع مكفرا. ### || [9.26] # اخبر الله تعالى أنه حين انهزم المسلمون وبقي النبي صلى الله عليه وآله ~~في نفر من قومه أنه أنزل السكينة، وهي الرحمة التي تسكن اليها النفس ~~ويزول معها الخوف حتى رجعوا اليهم. وقاتلوهم وهزمهم الله تعالى بأن أنزل ~~النصر وأنزل السكينة. وقيل السكينة هي الطمأنينة والامنة. وقال الحسن: هي ~~الوقار قال الشاعر: # لله قبر غالها ماذا يجن # لقد اجن سكينة ووقارا # وقوله { وأنزل جنودا لم تروها } والجنود هي الجموع التي تصلح للحروب. ~~والمراد بها ها هنا الملائكة، جند واجناد وجنود، فانزل الله الملائكة ~~مدادا للمؤمنين وقال الجبائي: إنما نزلت الملائكة يوم حنين من جهة ~~الخاطر الذي يشجع قلوبهم ويجبن عنهم اعداءهم، ولم تقاتل إلا يوم بدر ~~خاصة. # وقوله { وعذب الذين كفروا } معناه - ها هنا - القتل والأسر وسلب الاموال ~~مع الاذلال والصغار. ثم قال { وذلك } يعني ذلك العذاب { جزاء الكافرين } ~~من جحد نعم الله وانكر وحدانيته، وجحد نبوة نبيه مع ما أعده لهم من عذاب ~~النار. ### || [9.27] # معنى { ثم } ها هنا العطف على الفعل الاول، وقد ذكرت { ثم } في ثلاثة ~~مواضع متقاربة: فالاول - عطف على ما قبلها. والثانية - عطف على { وليتم ~~مدبرين، ثم أنزل الله سكينته } والثالثة - عطف على (أنزل.. ثم يتوب) ~~وانما حسن عطف المستقبل على الماضي لانه مشاكله فان الأول تذكير بنعمه ~~والثاني وعد بنعمه. # والتوبة هي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله ~~إما في الجنس او في القبح على الخلاف فيه، فشرط الندم بالعزم، لان الندم ~~إنما هو على الماضي والعزم على ما يستقبل، فلو لم يجتمعا لم تكن توبة. ~~ومعنى ms1768 { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } انه يقبل التوبة من بعد ~~هزيمة من انهزم. ويجوز أن يكون المراد بعد كفر من كفر يقبل توبة من يتوب ~~ويرجع إلى طاعة الله والاسلام ويندم على ما فعل من القبيح { على من يشاء ~~} وإنما علقه بالمشيئة، لأن قبول التوبة واسقاط العقاب عندها تفضل - ~~عندنا - ولو كان ذلك واجبا لما جاز تعلق ذلك بالمشيئة كما لم يعلق ~~الثواب على الطاعة والعوض على الألم في موضع بالمشيئة. ومن خالف في ذلك ~~قال: إنما علقها بالمشيئة، لأن منهم من له لطف يؤمن عنده فالله تعالى ~~يشاء أن يلطف له مع صرف العمل في ترك التوبة إلى الله. # وقوله { والله غفور رحيم } معناه انه ستار للذنوب لا يفضح احدا على ~~معاصيه بل يسترها عليه إذا تاب منها، وهو رحيم بعباده. ### || [9.28] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يخبرهم فيه أن المشركين انجاس ويأمرهم ~~ان يمنعوا المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا أي الذي ~~أشار اليه، وهي سنة تسع من الهجرة التي نبذ فيها براءة المشركين. وكانت ~~بعده حجة الوداع - وهو قول قتادة وغيره من المفسرين - والمراد بالمسجد ~~الحرام الحرم كله - في قول عطاء وغيره - وكل شيء مستقذر في اللغة يسمى ~~نجسا، فاذا استعمل مفرد قيل: نجس - بفتح النون والجيم معا - ويقع على ~~الذكر والانثى سواء. وظاهر الآية يقتضي أن الكفار أنجاس، ولا يجوز مع ذلك ~~أن يمكنوا من دخول شيء من المساجد، لأن شركهم أجري مجرى القذر الذي يجب ~~تجنبه، وعلى هذا من باشر يد كافر، وجب عليه ان يغسل يده إذا كانت يده او ~~يد المشرك رطبة. وإن كانت ايديهما يابستين مسحها بالحائط. وقال الحسن: من ~~صافح مشركا فليتوضأ، ولم يفصل. # واختلفوا في هل يجوز دخولهم المسجد الحرام بعد تلك السنة أم لا؟. # فروي عن جابر ابن عبد الله، وقتادة أنه لايدخله احد إلا أن يكون عبدا ~~او أحدا من اهل الذمة. وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجوز لهم ms1769 دخول المسجد ~~الحرام، ولا يدخل احد من اليهود والنصارى شيئا من المساجد بحال. وهذا هو ~~الذي نذهب اليه. وقال الطبري وقتادة: سموا انجاسا، لأنهم لا يغتسلون من ~~جنابة. وقوله { وإن خفتم عيلة } فالعيلة الفقر، تقول: عال يعيل إذا افتقر ~~قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وكانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين، فقال الله تعالى { وإن خفتم ~~عيلة } يعني فقرا بانقطاعهم، فالله يغنيكم من فضله إن شاء - في قول ~~قتادة ومجاهد - وإنما علقه بالمشيئة لأحد أمرين: أحدهما - لان منهم من لا ~~يبلغ هذا المعنى الموعود به، لأنه يجوز ان يموت قبله - في قول ابي علي - ~~والثاني - لتنقطع الآمال إلى الله تعالى، كما قال # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين # وقوله { إن الله عليم حكيم } معناه عالم بمصالحكم حكيم في منع المشركين ~~من دخول المسجد الحرام. ### || [9.29] # قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } امر من ~~الله تعالى لنبيه وللمؤمنين بأن يقاتلوا الذين لا يعترفون بتوحيد الله، ~~ولا يقرون باليوم الاخر والبعث والنشور. وذلك يدل على صحة مذهبنا في ~~اليهود والنصارى وأمثالهم انه لا يجوز أن يكونوا عارفين بالله وإن أقروا ~~بذلك بلسانهم. وانما يجوز أن يكونوا معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم. ~~والاية صريحة بأن هؤلاء الذين هم أهل الكتاب الذين تؤخذ منهم الجزية لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر وانه يجب قتالهم { حتى يعطوا الجزية عن يد ~~}. ومن قال: إنهم يجوز أن يكونوا عارفين بالله تعالى، قال: الاية خرجت ~~مخرج الذم لهم، لأنهم بمنزلة من لا يقربه في عظم الجرم. كما انهم بمنزلة ~~المشركين في عبادة الله بالكفر. وقال الجبائي: لأنهم يضيفون اليه ما لا ~~يليق به فكأنهم لا يعرفونه. وانما جمعت هذه الأوصاف لهم ولم يذكروا ~~بالكفار من اهل الكتاب للتحريض على قتالهم بما هو عليه من صفات الذم التي ~~توجب البراءة منهم والعداوة لهم. # وقوله { ولا يدينون دين الحق } يدل على ان دين اليهودية والنصرانية غير ~~دين الحق، وذلك ms1770 يقوي انهم غير عارفين بالله، لأنهم لو كانوا عارفين كانوا ~~في ذلك محقين، فأما اعتقادهم لشريعة التوارة فانما وصف بأنه غير حق ~~لامرين: احدهما - انها نسخت فالعمل بها بعد النسخ باطل غير حق. الثاني - ~~ان التوراة التي هي معهم مغيرة مبدلة لقوله # يحرفون الكلم عن مواضعه # ويقلبونه عن معانيه. # وقوله { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } معناه انهم لا يعترفون ~~بالاسلام الذي هو الدين الحق، ولا يسلمون لأمر الله الذي بعث به نبيه ~~محمد صلى الله عليه وآله في تحريم حرامه وتحليل حلاله. والدين في الاصل ~~الطاعة قال زهير: # لئن حللت بجو في بني اسد # في دين عمرو وحالت بيننا فدك # وقوله { حتى يعطوا الجزية عن يد } فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر ~~بالله على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل الذمة - وهو على ~~وزن جلسة، وقعدة - لنوع من الجزاء. وإنما قيل { عن يد } ليفارق حال الغصب ~~على اقرار أحد. وقال ابو علي: معناه يعطونا من ايديهم يجيئون بها بنفوسهم ~~لا ينوب عنهم فيها غيرهم إذا قدروا عليه. فيكون أذل لهم. وقال قوم: معناه ~~عن نقد كما يقال: باع يدا بيد. وقال آخرون: معناه عن يد لكم عليهم ونعمة ~~تسدونها اليهم بقبول الجزية منهم. وقال الحسين بن علي المغربي: معناه عن ~~قهر، وهو قول الزجاج. # وقوله { وهم صاغرون } فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه، صغر ~~يصغر صغارا، فهو صاغر. # وقيل: الصغار اعطاء الجزية قائما، والآخذ جالس ذهب اليه عكرمة والجزية ~~لا تؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس. وأما غيرهم فلا يقبل منهم ~~غير الاسلام أو السبي. وانما كان كذلك لما علم الله تعالى من المصلحة في ~~اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم، لأن هؤلاء على كفرهم يقرون ~~بألسنتهم بالتوحيد وبعض الأنبياء، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين. ~~واولئك يجحدون ذلك كله، فلذلك فرق بينهما. # فان قيل: اعطاء الجزية منهم لا يخلوا أن يكون طاعة او معصية، فان كان ~~معصية فكيف أمر الله ms1771 بها؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله. # قلنا: إعطاؤهم ليس بمعصية. وأما كونها طاعة لله فليس كذلك، لأنهم انما ~~يعطونها دفعا للقتل عن انفسهم لا طاعة لله. فان الكافر لا يقع منه طاعة ~~عندنا بحال، لأنه لو فعل طاعة لله لاستحق الثواب والاحباط باطل، فكان يجب ~~ان يكون مستحقا للثواب وذلك خلاف الاجماع. ### || [9.30] # قرأ { عزير } بالتنوين عاصم والكسائي وعبد الوارث عن ابي عمرو. الباقون ~~بترك التنوين. وقرأ عاصم وحده { يضاهؤن } بالهمزة. الباقون بغير همزة. # من ترك التنوين في { عزير } قيل في وجه ذلك ثلاثة أقوال: أحدها - انه ~~اعجمي معرفة لا ينصرف. والثاني - لأن ابن ها هنا صفة بن علمين والخبر ~~محذوف والتقدير معبودنا أو نبينا عزير ابن الله. الثالث - انه حذف ~~التنوين لالتقاء الساكنين تشبيها بحرف اللين، كما قال الشاعر: # فالفيته غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # هذا الوجه قول الفراء: وعند سيبويه هو ضرورة في الشعر قال أبوعلي: من ~~نونه جعله مبتدأ وجعل ابنا خبره، ولا بد مع ذلك من التنوين في حال السعة ~~والاختيار، لأن ابا عمرو وغيره يصرف عجميا كان او عربيا. # ومن حذف التنوين يحتمل وجهين: أحدهما - أنه جعل الموصوف والصفة بمنزلة ~~اسم واحد، كما يقال: لا رجل ظريف. وحذف التنوين ولم يحرك لالتقاء ~~الساكنين، كما يحرك يا زيد العاقل، لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف ~~كلمة واحدة، فحذف الأول منهما ولم يحرك لكثرة الاستعمال. والوجه الاخر - ~~أن يجعل مبتدأ والاخر الخبر مثل من نون وحذف التنوين لالتقاء الساكنين، ~~وعلى هذا قراءة من قرأ { قل هو الله احد الله } فحذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين. # فان قيل كيف أخبر الله عن اليهود بانهم يقولون عزير ابن الله واليهود ~~تنكر هذا؟! قلنا: إنما اخبر الله بذلك عنهم، لأن منهم من كان يذهب اليه، ~~والدليل على ذلك ان اليهود في وقت ما انزل الله القرآن سمعت هذه الآية ~~فلم تنكرها. وهو كقولك: الخوارج تقول بتعذيب الاطفال، وإنما يقول بذلك ~~الازارقة منهم خاصة. قال ابن عباس: القائل ms1772 لذلك جماعة جاءوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وآله، فقالوا له ذلك، وهم سلام ابن مشكم، ونعمان بن اوفى، ~~وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فانزل الله فيهم الآية. # وقوله { ذلك قولهم بأفواههم } معنا انه لا يرجع إلى معنى صحيح: فهو لا ~~يجاوز افواههم، لأن المعنى الصحيح ما رجع إلى ضرورة العقل او حجته او ~~برهانه او دليل سمعي. وقوله { يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل } معناه ~~يشابهون. ومنه قولهم امرأة ضهياء التي لا تحيض، ولا يخرج ثدياها اي اشبهت ~~الرجال. وقال أبو علي الفارسي: ليست يضاهؤن من قولهم امرأة ضهياء، لأن ~~هذه الهمزة زائدة غير اصلية لأنه ليس في الكلام شيء على وزن (فعيآء) ~~ويشبه ان يكون ذلك لغة، كما قالوا ارجأت وأرجيت. واختار الزجاج أن تكون ~~الهمزة أصلية، كما جاء كثير من الاشياء على وزن لا يطرد نحو (كنهبل) وهو ~~الشجر العظام، وكذلك (قرنفل) لا نظيرله. # ووزنه (فعنلل). # وقال ابن عباس { الذين كفروا } اراد به عبدة الاوثان، وقال الفراء: ~~يشابهونهم في عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى. وقال قوم في ~~قولهم: الملائكة بنات الله. وقال الزجاج: شابهوهم في تقليدهم اسلافهم في ~~هذا القول. # وقوله { قاتلهم الله } قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس ~~معناه لعنهم الله. الثاني - معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله من ~~السوء. الثالث - كالمقاتل لغيره في عداوة الله. # وقوله { أنى يؤفكون } معناه كيف يصرفون عن الحق إلى الافك الذي هو ~~الكذب، ورجل مأفوك عن الخير وارض مأفوكة صرف عنها المطر قال الشاعر: # أنى الم بك الخيال تطيف ### || [9.31] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء اليهود والنصارى الذين حكى حكايتهم انهم ~~اتخذوا احبارهم، وهو جمع حبر، وهو العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن ~~البيان وقيل حبر وحبر - بفتح الباء وكسرها - حكاه الفراء. والرهبان جمع ~~راهب وهو الخاشي الذي يظهر عليه للناس الخشية. وقد كثر استعماله في ~~متنسكي النصارى وروي عنه صلى الله عليه وآله أن معنى اتخاذهم أربابا ~~أنهم قبلوا منهم التحريم والتحليل بخلاف ما ms1773 أمر الله تعالى، وهو المروي ~~عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، فسمى الله ذلك اتخاذهم إياهم ~~أربابا من حيث كان التحريم والتحليل لا يسوغ إلا الله تعالى. وهو قول ~~أكثر المفسرين. # وقوله { والمسيح ابن مريم } عطف على الارباب أي واتخذوا عيسى ربا. # وقوله { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } معناه ان الله تعالى لم ~~يأمر هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له. ثم ~~أخبر فقال { لا إله إلا هو سبحانه } يعني تنزيها عما يشركون. ومعنى ~~سبحانه براءة الله من السوء كما قال الشاعر: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # والآية تدل على أن المشرك مع الله في التحليل والتحريم على مخالفة امر ~~الله كالمشرك في عبادة الله، لأن استحلال ما حرم الله كفر بالاجماع. وكل ~~كافر مشرك ولا يلزم على ذلك أن يكون من قبل من الشيطان باغوائه فارتكب ~~المعاصي أن يكون كافرا على ما استدل به بعض الخوارج، لأنه إذا قبل من ~~الشيطان ما يعتقد انه معصية ولا يقصد بذلك طاعة الشيطان ولا تعظيمه يكون ~~فاسقا، ولا يكون كافرا. وليس كذلك من ذكره الله تعالى في الاية، لأنهم ~~كانوا يقبلون تحريم علمائهم واحبارهم ويقصدون بذلك تعظيمهم. ولا يلزم على ~~ذلك قبول المعاصي من العالم، لأن العامي يعتد بالرجوع إلى العالم فيقبل ~~منه ما أدى اجتهاده اليه وعلمه، فاذا قصد العالم وافتاه بغير ما علمه فهو ~~المخطئ دون المستفتي. وليس كذلك هؤلاء، لأنهم ما كانوا تعبدوا بالرجوع ~~إلى الاحبار والقبول منهم لأنهم لو كانوا تعبدوا بذلك لما ذمهم الله على ~~ذلك. ### || [9.32] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى انهم { يريدون ان ~~يطفؤا نور الله بأفواههم } والاطفاء اذهاب نور النار. ثم استعمل في اذهاب ~~كل نور. و { نور الله } القرآن والاسلام، في قول المفسرين: السدي والحسن. ~~وقال الجبائي: نور الله: الدلالة والبرهان، لأنه يهتدى بها كما يهتدى ~~بالأنوار. # وواحد الأفواه فم في الاستعمال، وأصله فوه فحذفت الهاء وأبدلت من الواو ms1774 ~~ميم، لأنه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها. ولما سمى الله تعالى الحجج ~~والبراهين نورا سمى معارضتهم له اطفاء. وأضاف ذلك إلى الافواه، لأن ~~الاطفاء يكون بالافواه، وهو النفخ، وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من ~~تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم، لأن النفخ يؤثر في الأنوار الضعيفة دون ~~الاقباس العظيمة ذكره الحسين بن علي المغربي. وقوله { ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره } الاباء الامتناع مما طلب من المعنى. قال الشاعر: # وإن أرادوا ظلمنا أبينا # أي منعناهم من الظلم، وليس الاباء من الكراهة في شئ على ما يقول المجبرة ~~لأنهم يقولون: فلان يأبى الضيم، فيمدحونه، ولا مدحة في كراهة الضيم ~~لتساوي الضعيف والقوي في ذلك. وإنما المدح في المنع خاصة، ولذلك مدح عروة ~~بن الورد بأنه أبى للضيم بمعنى أنه ممتنع منه، وقوله (وإن ارادوا ظلمنا ~~أبينا) يدل على ذلك لأنه لا مدحة في ان يكرهوا ظلم من يظلمهم. وإنما ~~المدحة في منع من أراد ظلمهم. والمنع في الاية يمنع الله إلا إتمام نوره. ~~وإن كره الكافرون. ولا يجوز على قياس { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } أن ~~تقول: ضربت إلا أخاك، لأن في الاباء معنى النفي، فكأنه قال: لا يمكنهم ~~الله إلا أن يتم نوره. وإذا لم يكن في اللفظ مستثنى منه لم تدخل " إلا " ~~في الايجاب، وتدخل في النفي على تقدير الحذف قال الشاعر: # وهل لي أم غيرها ان تركتها # أبى الله إلا أن اكون لها ابنما # والتقدير في الآية ويأبى الله كل شيء الا اتمام نوره. في قول الزجاج، ~~وأنكر أن يكون في الآية معنى الجحد. ### || [9.33] # اخبر الله تعالى انه { هو الذي أرسل رسوله } صلى الله عليه وآله وحمله ~~الرسالة التي يؤديها إلى امته { بالهدى } يعني بالحجج والبينات والبيان ~~لما يؤديهم العمل به إلى ابواب الجنة. و { دين الحق } هو الاسلام وما ~~تضمنه من الشرائع، لأنه الذي يستحق عليه الجزاء بالثواب. وكل دين سواه ~~باطل لأنه يستحق به العقاب. ومن شأن الرسول أن يكون أفضل من ms1775 جميع أمته من ~~حيث يجب عليهم طاعته وامتثال ما يأمرهم به بما هو مصلحة لهم، ولأنه رئيس ~~لهم في الدين؛ ويقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما كان أفضل فيه. # وقوله { ليظهره على الدين كله } معناه ليعلي دين الاسلام على جميع ~~الأديان بالحكم والغلبة والقهر لهم. وقال البلخي: ظهوره على جميع الاديان ~~بالحكم، لأن جميع الأديان نال المسلمون منهم وغزوا فيهم وأخذوا سبيهم ~~وجزيتهم. # وفي الآية دلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وآله لأنها تضمنت الوعد ~~بظهور الاسلام على جميع الاديان، وقد صح ظهوره عليها. وقال ابو جعفر عليه ~~السلام ان ذلك يكون عند خروج القائم عليه السلام. وقال ابن عباس: إن ~~الهاء في { ليظهره } عائدة إلى الرسول صلى الله عليه وآله أي ليعلمه الله ~~الاديان كلها حتى لا يخفى عليه شيء منها. ### || [9.34] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يعلمهم أن كثيرا من احبار اليهود ~~وعلمائهم ورؤسائهم، وكثيرا من رهبان النصارى ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل من حيث كانوا يأخذون الرشا في الاحكام - في قول اسحاق والجبائي - ~~وأكل المال بالباطل تملكه من الجهات التي يحرم منها اخذه. وقيل في معنى { ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل } وجهان: احدهما - انهم يتملكون. فوضع ~~يأكلون موضعه لأن الاكل غرضهم. والثاني - يأكلون اموال الناس من الطعام، ~~فكأنهم يأكلون الأموال، لانها من المأكول، كما قول الشاعر: # ذر الآكلين الماء لوما فما أرى # ينالون خيرا بعد أكلهم الماء # اي ثمن الماء. وقوله { ويصدون عن سبيل الله } معناه يمنعون غيرهم من ~~اتباع الاسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم إلى سلوكها. والغرض بذلك ~~التحذير من اتباعهم والتهوين على المسلمين مخالفتهم. # وقوله { والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله } معناه ~~الذين يخبؤن أموالهم من غير ان يخرجوا زكاتها، لأنهم لو اخرجوا زكاتها ~~وكنزوا ما بقي لم يكونوا ملومين بلا خلاف. وهو قول ابن عباس: وجابر، وابن ~~عمر، والحسن والسدي، والجبائي. قال: وهو إجماع. واصل الكنز كبس الشيء ~~بعضه على بعض. ومنه قولهم كنز التمر والطعام قال الهذلي: # لا ms1776 در دري إن أطعمت نازلكم # قرف الحتي وعندي البر مكنوز # الحتي سويق المقل. وقوله { ولا ينفقونها في سبيل الله } إنما لم يقل ولا ~~ينفقونهما لأحد أمرين: احدهما - ان تكون الكناية عائدة إلى مدلول عليه ~~وتقديره ولا ينفقون الكنوز أو الأموال. والآخر - ان يكون اكتفى بأحدهما ~~عن الآخر للايجاز ومثله # وإذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا إليها # وقال حسان: # إن شرخ الشباب والشعر الاس # ود ما لم يعاص كان جنونا # وقال الآخر: # نحن بما عندنا وانت بما # عندك راض والرأي مختلف # وكان يجب ان يقول راضيان. ومعنى البيت نحن بما عندنا راضون وأنت بما ~~عندك راض وحذف الخبر من الاول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في ~~الثاني لدلالة الأول عليه في قوله # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # والتقدير والذاكرات الله. ومثل ذلك الآية. وتقديرها والذين يكنزون الذهب ~~ولا ينفقونه في سبيل الله ويكنزون الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. ~~وموضع { والذين يكنزون } يحتمل وجهين من الاعراب: أحدهما - ان يكون نصبا ~~بالعطف على اسم (إن) وتقديره: يأكلون والذين يكنزون الذهب: والثاني - ان ~~يكون رفعا على الأستئناف. # وقال ابن عمر كل ما اخرجت زكاته فليس بكنز، وبه قال عكرمة. وقال الجبائي ~~وغيره: { الذين يكنزون } نزلت في مانعي الزكاة من أهل الصلاة. وقال قوم: ~~نزلت في المشركين، والأولى أن تحمل الآية على العموم في الفريقين. # وقوله { فبشرهم بعذاب اليم } قيل في معناه قولان: # أحدهما - ان اصل البشرى مما يظهر في بشرة الوجه من فرح او غم، إلا انه ~~كثر استعماله في الفرح كما قال الجعدي. # وأراني طربا في إثرهم # طرب الواله او كالمختبل # لأن أصل الطرب ما يستخف من سرور او حزن. # والثاني - انه وضع الوعيد بالعذاب الاليم موضع البشرى بالنعيم. وروي عن ~~علي عليه السلام انه قال: كلما زاد على أربعة آلاف، فهو كنز. أديت زكاته ~~او لم تؤد، وما دونها فهو نفقة. وقال أبو ذر: من ترك بيضاء او صفراء كوي ~~بها وسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عند نزول هذه ms1777 الآية أي مال يتخذ، ~~فقال: # " لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين احدكم على دينه ". ### || [9.35] # قوله { يوم يحمى } متعلق بقوله { فبشرهم بعذاب أليم } في يوم يحمى ~~عليها. ومعناه انه يدخل الذهب والفضة إلى النار فيوقد عليها يعني على ~~الكنوز التى كنزوا فالهاء في قوله { عليها } عائدة على الكنوز او الفضة. # والاحماء جعل الشيء حارا في الاحساس، وهو فوق الاسخان، وضده التبريد ~~تقول: حمى حما وأحماه احماء إذا امتنع من حر النار. # وقوله { فتكوى } فالكي إلصاق الشيء الحار بالعضو من البدن. ومنه قولهم ~~اخر الداء الكي لغلظ أمره كقطع العضو إذا عظم فساده تقول: كواه يكويه ~~كيا واكتوى اكتواء. وقوله { جباههم } جمع جبهة وهي صفحة اعلى الوجه فوق ~~الحاجبين. وجبهه بالمكروه يجبهه جبها إذا استقبله به { وجنوبهم } جمع ~~جنب والجنب والضلع والأبطل نظائر { وظهورهم } جمع ظهر، وهو الصفحة العليا ~~من خلف، المقابلة للبطن يقال: كتب في ظهر الدرج وبطنه إذا كتب في جانبيه. ~~والمعنى ان الله يحمي هذه الكنوز بالنار ليكوي بها جباه من كنزها ولم ~~يخرج حق الله منها وجنوبهم وظهورهم، فيكون ذلك اشد لعذابهم وأعظم لخزيهم. # وقوله { هذا ما كنزتم } اي يقال لهم: هذا ما ذخرتموه لانفسكم { فذقوا ما ~~كنتم تكنزون } ومعناه فاطعموا جزاء ما كنتم تدخرونه من منع الزكوات ~~والحقوق الواجبة في أموالكم. ### || [9.36] # قرأ ابو جعفر { اثنا عشر } و { أحد عشر } و { تسعة عشر } بسكون الشين ~~فيهن إلا أن النهرواني روى عنه حذف الألف التي قبل العين. # لما ذكر الله تعالى وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير اخراج الزكاة ~~وغيرها من الحقوق التي لله منه اقتضى ذلك ان يذكر النهي عن مثل حاله، وهو ~~الظلم في الاشهر الحرم التي تؤدي إلى مثل حاله او شر منها في سوء ~~المنقلب، فأخبر تعالى { إن عدة الشهور } في السنة على ما تعبد الله ~~المسلمين بأن يجعلوه لسنتهم دون ما يعتبره مخالفوا الاسلام { اثنا عشر ~~شهرا } وانما قسمت السنة اثني عشر شهرا لتوافق أمر الاهلة مع نزول ~~الشمس في اثني ms1778 عشر برجا تجري على حساب متفق، كما قال: # الشمس والقمر بحسبان # والشهر مأخوذ من شهرة أمره لحاجة الناس اليه في معاملاتهم ومحل ديونهم ~~وحجهم وصومهم، وغير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشريعة. # وقوله { في كتاب الله } معناه فيما كتبه الله في اللوح المحفوظ وفي ~~الكتب المنزلة على أنبيائه. # وقوله { يوم خلق السماوات والأرض } متصل ب { عند الله } والعامل فيها ~~الاستقرار. ثم بين أمر هذه الاثني عشر شهرا { منها أربعة حرم } وهي ذو ~~القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب: ثلاثة سرد وواحد فرد كما يعتقده ~~العرب. ومعنى { حرم } انه يعظم انتهاك المحارم فيها اكثر مما يعظم في ~~غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى ان الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه ~~لحرمته. وانما جعل الله تعالى بعض الشهور اعظم حرمة من بعض لما علم في ~~ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها، فعظم منزلتها، وانه ربما أدى ذلك ~~إلى ترك الظلم اصلا لانطفاء النائرة تلك المدة وانكسار الحمية، فان ~~الأشياء تجر إلى اشكالها. # وقوله { ذلك الدين القيم } معناه التدين بذلك هو الدين المستقيم. # وقوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } نهي منه تعالى لخلقه عن أن يظلموا ~~انفسهم لأن من فعل قبيحا يستحق عليه العقاب، فقد ظلم نفسه بذلك بادخال ~~الضرر عليها وقال ابو مسلم: معناه لا تدعوا قتال عدوكم في هذه الأشهر ~~بأجمعكم، ولا تمتنعوا من أحد الا من دخل تحت الجزية والصغار، وكان من ~~أهلها بدلالة قوله { وقاتلوا المشركين كافة } وكافة مشتقة من كفة الشيء ~~وهي طرفه وانما أخذ من أن الشيء إذا انتهى إلى ذلك كف عن الزيادة، ولا ~~يثنى كافة ولا يجمع. # وقوله { وقاتلوا المشركين كافة } امر منه تعالى بقتال المشركين أجمع: ~~امر الله تعالى المؤمنين بأن يقاتلوهم كما أن المشركين يقاتلونهم كذلك، ~~والضمير في قوله { فيهن } يحتمل أن يكون عائدا على الشهور كلها على ما ~~قال ابن عباس، ويحتمل أن يعود على الأربعة الحرم على ما قال قتادة لعظم ~~أمرها. # واختار الفراء رجوعه إلى الاشهر الحرم. قال لانه لو رجع ms1779 إلى الاثني عشر ~~لقال فيها. والصحيح ان الجميع جائز وانما خص الأربعة اشهر بذلك في قول ~~قتادة لتعاظم الظلم لا أن الظلم يجوز فعله على حال من الأحوال. # وقوله { ذلك الدين القيم } معناه ذلك الحساب الصحيح هو الدين القيم لا ~~ما كانت عليه العرب من النسيء. وقيل: معناه ذلك التدين هو الدين القيم. ~~وقوله { كافة } نصب على المصدر، ولا يدخل عليها الالف واللام، لأنه من ~~المصادر التي لا تنصرف لوقوعه موقع معا وجمعا بمعنى المصدر الذي هو في ~~موضع الحال المذكورة، فهو في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة. # وقوله { واعلموا أن الله مع المتقين } لمعاصيهم وما يؤدي إلى عقابه ~~ويكون معهم بالنصرة والولاية دون الاجتماع في مكان او محل، لأن الله لا ~~يجوز عليه ذلك لانه من امارت الحدث. ### || [9.37] # قرأ ابو جعفر وابن فرج عن البزي { إنما النسي } من غير همز قلب الهمزة ~~ياء وادغم الياء الاولى فيها فلذلك شدد.. الباقون { النسيء } ممدود مهموز ~~على وزن فعيل. وروي عن ابن مجاهد وابن مسعود عن عبيد بن عقيل عن شبل عن ~~ابن كثير " النسء " على وزن النسع. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { يضل } ~~بضم الياء وفتح الضاد. وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح ~~الياء وكسر الضاد. قال ابو علي: وجه قراءة ابن كثير اذا قرأت على وزن ~~النسع ان { النسيء } التأخير. قال ابو زيد: نسأت الابل في ظمئها يوما او ~~يومين او اكثر من ذلك، والمصدر { النسيء } ويقال: الابل نسأتها على الحوض ~~وأنا أنسأنها نسئا إذا اخرتها عنه. قال: وما روي عن ابن كثير من قراءته ~~بالياء فذلك على ابدال الياء من الهمزة، ولا أعلمها لغة في التأخير، كما ~~ان ارجيت لغة في ارجأت. وما روي فيه من التشديد فعلى تخفيف الهمز، لأن ~~النسي بتشديد الياء على وزن فعيل بالتخفيف قياسي. وسيبويه لا يجيز نحو ~~هذا القلب الذي في النسيء الا في ضرورة الشعر. وابن زيد يراه ويروي ~~كثيرا عن العرب. ومن قرأ بالمد والهمز ms1780 فلأنه اكثر هذا في المعنى. قال ~~أبو زيد: أنسأته الدين إنساء إذا أخترته واسم ذلك النسيئة والنسأ. وكان ~~النسيء في الشهور تأخير حرمة شهر إلى شهر ليست له تلك الحرمة فيحرمون ~~بهذا التأخير ما أحل الله ويحلون ما حرم الله. والنسيء مصدر كالنذير ~~والنكير وعذير الحي. ولا يجوز أن يكون (فعيلا) بمعنى مفعول لأنه حمل على ~~ذلك كأن معناه انما المؤخر زيادة في الكفر. والمؤخر الشهر وليس الشهر ~~نفسه بزيادة في الكفر، وانما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر ~~آخر ليست له تلك الحرمة. وقال ابو عبيدة فيما روى عن الثوري من قوله: ~~انما النسيء زيادة في الكفر، قال: كانوا قد وكلوا قوما من بني كنانة ~~يقال لهم: بنوا فقيم وكانوا يؤخرون المحرم وذلك نساء الشهور لا يفعلون ~~ذلك الا في ذي الحجة اذا اجتمعت العرب للموسم، فينادي مناد أن افعلوا ذلك ~~لحاجة او لحرب، وليس كل سنة يفعلون ذلك، فان ارادوا ان يحلوا المحرم ~~نادوا هذا صفر وان المحرم الاكبر صفر، وربما جعلوا صفرا محرما مع ذي ~~القعدة حتى يذهب الناس إلى منازلهم إذا نادى المنادي بذلك، وكانوا يسمون ~~المحرم صفرا ويقدمون صفرا سنة ويؤخرونه. وقال الفراء: والذي يتقدم به ~~رجل بني كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الذي ~~لا أعاب ولا أجاب ولايرد لي قضاء فيقولون: نعم صدقت انسئنا شهرا او أخر ~~عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر وأحل المحرم فيفعل ذلك. # وانما دعاهم إلى ذلك توالي ثلاثة اشهر حرم لا يغيرون فيها وكان معاشهم ~~في الغارة. والذي كان ينسأها حين جاء الاسلام هو جنادة بن عوف بن ابي ~~امية وكان في بني معد إن قبل بنو كنانة قال الشاعر: # ألسنا الناسئين على معد # شهور الحل نجعلها حراما # وقال ابن عباس كانوا يجعلون المحرم صفرا وقال ابو علي: كانوا يؤخرون ~~الحج في كل سنة شهرا وكان الذين ينسؤن بنو سليم، وغطفان، وهوازن، ووافق ~~حج المشركين في السنة التي حج فيها ابو ms1781 بكر في ذي القعدة، فلما حج النبي ~~صلى الله عليه وآله في العام المقبل وافق ذلك في ذي الحجة فلذلك قال: ألا ~~إن الزمان قد استدركه كهيئة يوم خلق السماوات والارض وقال مجاهد: فكان ~~النسيء المنهي عنه في الآية تأخير الأشهر الحرم عما رتبها الله، وكانوا ~~في الجاهلية يعملون ذلك وكان الحج يقع في غير وقته واعتقاد حرمة الشهر في ~~غير أوانه، فبين تعالى أن ذلك زيادة في الكفر. # قال ابو علي: من قرأ { يضل } بفتح الياء وكسر الضاد قال الذين كفروا لا ~~يخلوا أن يكونوا مضلين لغيرهم أو ضالين هم في انفسهم فاذا كان كذلك لم ~~يكن في حسن اسناد الضلال في قوله { يضل } اشكال، ألا ترى أن المضل لغيره ~~ضال بفعله اضلال غيره كما ان الضال في نفسه الذي لم يضله غيره لا يمتنع ~~اسناد الضلال اليه ومن ضم الياء وكسر الضاد فمعناه ان كبراءهم واتباعهم ~~يضلونهم بأمرهم اياهم بحملهم على هذا التاخير في الشهور. وروي في التفسير ~~ان رجلا من كنانة يقال له ابو ثمامة كان يقول للناس في منصرفهم من الحج ~~إن آلهتكم قد اقسمت لنحرمن. وربما قال لنحلن هذا الشهر يعني المحرم ~~فيحلونه ويحرمون صفرا وان حرموه احلوا صفرا وكانوا يسمونهما الصفرين ~~فهذا اضلال من هذا المنادي. ومن قرأ بضم الياء وفتح الضاد - وقيل انها ~~قراءة ابن مسعود - يقوي ذلك قوله { زين لهم سوء أعمالهم } اي زين ذلك لهم ~~حاملوهم عليه وداعوهم اليه. وعلى هذه القراءة يكون { الذين كفروا } في ~~موضع رفع بانهم فاعلون والمفعول به محذوف وتقديره يضل منسؤا الشهور الذين ~~كفروا تابعيهم والآخذين لهم بذلك. # ومعنى قوله { ليواطئوا } فالمواطأة موافقة امر التوطئة المعنى ليواطئوا ~~العدة في الاربعة اشهر. # وقوله { زين لهم سوء أعمالهم } قال الحسن وأبو علي المزين لهم انفسهم ~~والشيطان وقيل: زين بالشهوة وليجتنبوا المشتهى فذكر ذلك للتحذير ~~والاعتراف به. والتزيين يكون بمعنى الفعل له ويكون بمعنى تقبل الطبع. ~~وإنما سمي انساؤهم زيادة في الكفر من حيث أنهم اعتقدوا أن ذلك صحيح ms1782 وصواب ~~فلذلك كان كفرا فلا حجة في ذلك ان تكون افعال الجوارح كفرا. # وقوله { والله لا يهدي القوم الكافرين } معناه انه لا يهديهم إلى طريق ~~الجنة اذ كانوا كفارا مستحقين لعذاب الابد. ### || [9.38] # هذا خطاب من الله تعالى لجماعة من المؤمنين وعتاب وتوبيخ لهم بأنهم إذا ~~قيل لهم على لسان رسوله { انفروا في سبيل الله } ومعناه اخرجوا في سبيل ~~الله يعني الجهاد وسماه سبيل الله، لأن القيام به موصل إلى معنى الجنة ~~ورضا الله تعالى والنفر الخروج إلى الشيء لامر هيج عليه وضده الهدوء ~~تقول: نفر إلى الثغر ينفر نفرا ونفيرا ولا يقال النفور إلا في المكروه ~~كنفور الدابة عما تخاف، وقوله { اثاقلتم إلى الأرض } اصله تثاقلتم وادغمت ~~التاء في الثاء لمناسبتها لها وادخلت الف الوصل ليمكن الابتداء بها ومثله ~~اداركوا قال الشاعر: # تولى الضجيع إذا ما استافها خصرا # عذب المذاق إذا ما اتابع القبل # والتثاقل تعاطي اظهار ثقل النفس ومثله التباطئ وضده التسرع. ومعنى { ~~اثاقلتم إلى الأرض } قيل فيه قولان: # احدهما - إلى المقام بارضكم ووطنكم. # الثاني - لما اخرج من الارض من الثمر والزرع. قال الحسن ومجاهد: دعوا ~~إلى الخروج إلى غزوة تبوك بعد فتح مكة وغزوة الطائف، وكان ايام ادراك ~~الثمرة ومحبة القعود في الظل فعاتبهم الله على ذلك. والآية مخصوصة بقوم ~~من المؤمنين دون جميعهم، لأن من المعلوم ان جميعهم لم يكن بهذه الصفة من ~~التثاقل في الجهاد، وهو قول الجبائي وغيره. فقال الله تعالى لهم على جهة ~~التوبيخ، والتعنيف ارضيتم بالحياة الدنيا على الاخرة، آثرتم الحياة ~~الدنيا الفانية على الحياة الآخرة الباقية. وهو استفهام، والمراد به ~~الانكار. والرضا هو الارادة غير انها لا توصف بذلك إلا اذا تعلقت بما مضى ~~من الفعل والارادة توصف بما لم يوجد بعد قال تعالى مخبرا { فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } اي ليس الانتفاع بما يظهر للحواس الا ~~قليل ومنه قولهم: تمتع بالرياض والمناظر الحسان. ويقال للاشياء التي لها ~~أثمان: متاع تشبيها بالانتفاع به. ### || [9.39] # هذا تحذير من الله ms1783 تعالى لهؤلاء الذين استبطأهم ووصفهم بالتثاقل عن سبيل ~~الله بقوله { إلا تنفروا } أي إن لم تخرجوا الى سبيل الله التي دعيتم ~~اليها من الجهاد { يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم } يقومون ~~بنصرة نبيه ولا يتثاقلون فيه. والاستبدال جعل أحد الشيئين بدل الاخر مع ~~الطلب له والتعذيب بطول وقت العذاب، لانه من الاستمرار وقد يكون عقابا ~~وغير عقاب. # وقوله { ولا تضروه شيئا } قيل فيمن يرجع اليه قولان: احدهما - انه يعود ~~على اسم الله في قول الحسن. قال: لأنه غني بنفسه عن جميع الاشياء والاخر ~~- قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله لأن الله عصمه من ~~جميع الناس وقوله { والله على كل شيء قدير } معناه قادر على الاستبدال ~~بكم وعلى غيره من الاشياء. وفيه مبالغة. ### || [9.40] # قرأ يعقوب وحده { وكلمة الله هي العليا } بالنصب على تقدير وجعل كلمة ~~الله هي العليا ومن رفع استأنف، وهو أبلغ لأنه يفيد أن كلمة الله العليا ~~على كل حال. وهذا ايضا زجر آخر وتهديد لمن خاطبه في الاية الاولى بانهم ~~إن لم ينصروا النبي صلى الله عليه وآله ولم يقاتلوا معه ولم يجاهدوا عدوه ~~{ فقد نصره الله } أي قد فعل الله به النصر حين اخرجه الكفار من مكة { ~~ثاني اثنين }. وهو نصب على الحال اي هو ومعه آخر، وهو ابو بكر في وقت ~~كونهما في الغار من حيث { قال لصاحبه } يعني ابا بكر { لا تحزن } اي لا ~~تخف. ولا تجزع { إن الله معنا } أي ينصرنا. والنصرة على ضربين: احدهما - ~~يكون نعمة على من ينصره. والآخر - لا يكون كذلك، فنصرة المؤمنين تكون ~~إحسانا من الناصر إلى نفسه لأن ذلك طاعة لله ولم تكن نعمة على النبي صلى ~~الله عليه وآله. والثاني - من ينصر غيره لينفعه بما تدعوا اليه الحكمة ~~كان ذلك نعمة عليه مثل نصرة الله لنبيه صلى الله عليه وآله. # ومعنى { ثاني اثنين } أحد اثنين يقولون هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ~~ورابع أربعة، وخامس خمسة، لأنه مشتق من المضاف اليه. وقد يقولون خامس ms1784 ~~اربعة أي خمس الاربعة بمصيره فيهم بعد أن لم يكن. # والغار ثقب عظيم في الجبل. قيل: وهو جبل بمكة يقال له ثور، في قول ~~قتادة. وقال مجاهد: مكث النبي صلى الله عليه وآله في الغار مع ابي بكر ~~ثلاثا. وقال الحسن: أنبت الله على باب الغار ثمامة، وهي شجيرة صغيرة. ~~وقال غيره: الهم العنكبوت فنسجت على باب الغار. وأصل الغار الدخول إلى ~~عمق الخباء. ومنه قوله # إن أصبح ماؤكم غورا # وغارت عينه تغور غورا اذا دخلت في رأسه. ومنه أغار على القوم إذا ~~أخرجهم من أخبيتهم بهجومه عليهم. # وقوله { فأنزل الله سكينته عليه } قيل فيمن تعود الهاء اليه قولان: ~~احدهما - قال الزجاج: إنها تعود إلى النبي صلى الله عليه وآله. والثاني - ~~قال الجبائي: تعود على أبي بكر لأنه كان الخائف واحتاج إلى الأمن لأن من ~~وعد بالنصر فهو ساكن القلب. والاول أصح، لأن جميع الكنايات قبل هذا وبعده ~~راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ألا ترى أن قوله { إلا تنصروه } ~~الهاء راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله بلا خلاف، وقوله { فقد نصره ~~الله } فالهاء أيضا راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقوله { إذ ~~أخرجه } يعني النبي صلى الله عليه وآله { إذ يقول لصاحبه } يعني صاحب ~~النبي صلى الله عليه وآله ثم قال { فأنزل الله سكينته عليه } وقال بعده { ~~وأيده بجنود } يعني النبي صلى الله عليه وآله فلا يليق أن يتخلل ذلك كله ~~كناية عن غيره وتأييد الله إياه بالجنود ما كان من تقوية الملائكة لقلبه ~~بالبشارة بالنصر من ربه ومن القاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا ~~خائبين. # وقوله { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } أي جعلها نازلة دنية وأراد بذلك ~~أن يسفل وعيدهم النبي صلى الله عليه وآله وتخويفهم إياه فأبطل وعيدهم ~~ونصر رسول الله والمؤمنين عليهم فعبر عن ذلك بأنه جعل كلمتهم كذلك، لا ~~انه خلق كلمتهم كما قال # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا # وقيل: إن كلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله التوحيد، وهي ms1785 قول: لا اله ~~الا الله. وقيل: كلمتهم هو ما تغامزوا عليه ومن قتله. و { كلمة الله } ما ~~وعد به من النصر والنجاة. ثم أخبر ان { كلمة الله هي العليا } المرتفة اي ~~هي المنصورة بغير جعل جاعل، لأنها لا يجوز أن تدعو إلى خلاف الحكمة. ~~وقوله { والله عزيز } معناه قادر لا يقهر { حكيم } واضع الاشياء مواضعها ~~ليس فيها وجه من وجوه القبح. # وليس في الاية ما يدل على تفضيل أبي بكر، لأن قوله { ثاني اثنين } مجرد ~~الاخبار أن النبي صلى الله عليه وآله خرج ومعه غيره، وكذلك قوله { إذ هما ~~في الغار } خبر عن كونهما فيه، وقوله { إذ يقول لصاحبه } لا مدح فيه ~~أيضا، لأن تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة ألا ترى أن الله تعالى قال في صفة ~~المؤمن والكافر # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك # وقد يسمون البهيمة بأنها صاحب الانسان كقول الشاعر (وصاحبي بازل شمول) ~~وقد يقول الرجل المسلم لغيره: ارسل اليك صاحبي اليهودي، ولا يدل ذلك على ~~الفضل، وقوله { لا تحزن } إن لم يكن ذما فليس بمدح بل هو نهي محض عن ~~الخوف، وقوله { إن الله معنا } قيل إن المراد به النبي صلى الله عليه ~~وآله، ولو أريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة، لأنه يحتمل أن يكون ذلك ~~على وجه التهديد، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يفعل القبيح لا تفعل إن ~~الله معنا يريد أنه متطلع علينا، عالم بحالنا. والسكينة قد بينا أنها ~~نزلت على النبي صلى الله عليه وآله بما بيناه من ان التأييد بجنود ~~الملائكة كان يختص بالنبي صلى الله عليه وآله فأين موضع الفضلية للرجل ~~لولا العناد، ولم نذكر هذا للطعن على ابي بكر بل بينا أن الاستدلال ~~بالاية على الفضل غير صحيح. ### || [9.41] # هذا امر من الله تعالى للمؤمنين أن ينفروا إلى جهاد المشركين خفافا ~~وثقالا وقيل في معنى { خفافا وثقالا } ثمانية أقوال: احدها - قال الحسن ~~ومجاهد والضحاك والجبائي: إن معناه شبانا وشيوخا. وثانيها - قال صالح: ~~معناه أغنياء ms1786 وفقراء. وثالثها - قال ابن عباس وقتادة: نشاطا وغير نشاط. ~~ورابعها - قال ابو عمرو: ركبانا ومشاة. وخامسها - قال ابن زيد: ذا صنعة ~~وغير ذي صنعة. وسادسها - قال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. وسابعها - قال ~~الفراء: ذو العيال، والميسرة: هم الثقال، وذو العسرة وقلة العيال هم ~~الخفاف. وثامنها - ان يحمل على عمومه فيدخل فيه جميع ذلك، وهو الأولى ~~والأليق بالظاهر، وهو اختيار الطبري، والرماني ويكون ذلك على حال خفة ~~النفير وثقله لأن هذا الذي ذكر يجري مجرى التمثيل لما يعمل هذا العمل به. # وقوله { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } أمر من الله لهم بأن يجاهدوا في ~~قتال اعدائه بأموالهم وأنفسهم. والجهاد بالمال واجب كالجهاد بالأنفس، وهو ~~الانفاق في سبيل الله، وظاهر الاية يدل على وجوب ذلك بحسب الامكان. فمن ~~لم يطق الجهاد إلا بالمال فعليه ذلك يعين به من ليس له مال. # وظاهر الآية يقتضي وجوب مجاهدة البغاة كما يجب مجاهدة الكفار، لأنه جهاد ~~في سبيل الله، ولقوله # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # فأوجب قتال البغاة إلى حين يرجعوا إلى الحق. وقوله { ذلكم خير لكم } ~~إشارة إلى الجهاد وتقديره ذلك الجهاد خير لكم. وإنما قال { خير لكم } وان ~~لم يكن في ترك الجهاد خير؛ لأحد أمرين: احدهما - خير من تركه إلى المباح. ~~والثاني - ان فيه الخير لكم لا في تركه، فلا يكون خير بمعنى أفعل من كذا. # وقوله { إن كنتم تعلمون } معناه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا ~~أن هذا خير. وقال أبو علي: معناه { إن كنتم تعلمون } صدق الله فيما وعد ~~به من الثواب الدائم. # وقال أبو الضحى: أول ما نزل من سورة براءة { انفروا }. # وقال مجاهد: أول ما نزل قوله { لقد نصركم الله }. # وقال ابن عباس: نسخ هذه الاية قوله # وما كان المؤمنون لينفروا كافة # وقال جعفر بن قيس: هذا ليس بمنسوخ، لأن المنسوخ ما لا يجوز فعله. وهذا ~~ليس بصحيح، لأنه يجوز أن يكون وجوبه زال إلى الندب او الاباحة. ### || [9.42] # هذه الاية في قوم تخلفوا عن النبي ms1787 صلى الله عليه وآله ولم يخرجوا معه ~~إلى غزوة تبوك. وحسن الكناية عنهم وإن لم يجر لهم ذكر لكونهم داخلين في ~~جملة الذين أمروا بالخروج مع النبي صلى الله عليه وآله إلى الجهاد وأن ~~ينفروا معه. والمعنى لو كان المدعو اليه عرضا قريبا من الغنيمة وما ~~يطمع فيه من المال { وسفرا قاصدا } معناه سفرا سهلا باقتصاده من غير ~~طول في آخره. وسمي العدل قصدا، لأنه مما ينبغي أن يقصد { لاتبعوك } يعني ~~خرجوا معك وبادروا إلى اتباعك { ولكن بعدت عليهم الشقة } اي بعدت عليهم ~~المسافة، لأنهم دعوا إلى الخروج إلى تبوك ناحية الشام، فالشقة القطعة من ~~الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها. ويحتمل أن يكون من الشق ويحتمل ~~ان يكون من المشقة. والشقة السفر والمشاقة. وقريش يضمون الشين، وقيس ~~يكسرونها. وقريش يضمون العين من { بعدت }. # وقوله { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } اخبار منه تعالى ان ~~هؤلاء الذين ذكرهم يحلفون ويقسمون على وجه الاعتذار اليك ويقولون فيما ~~بعد { لو استطعنا لخرجنا معكم } اي لو قدرنا وتمكنا من الخروج لخرجنا ~~معكم ثم اخبر تعالى انهم { يهلكون أنفسهم } بذلك واخبر تعالى انه يعلم ~~انهم يكذبون في هذا الخبر الذي أقسموا عليه. وفي الاية دلالة على أن ~~الاستطاعة قبل الفعل لانهم لا يخلون من احد امرين: إما أن يكونوا ~~مستطيعين من الخروج وقادرين عليه ولم يخرجوا اولم يكونوا قادرين عليه ~~وإنما حلفوا أنهم لو قدروا في المسقبل لخرجوا، فان كان الاول فقد ثبت ان ~~القدرة قبل الفعل، وإن كان المراد الثاني فقد أكذبهم الله في ذلك وبين ~~انه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا، وفي ذلك أيضا تقدم القدرة على ~~المقدور، وليس لهم أن يجعلوا الاستطاعة على آلة السفر وعدة الجهاد، لأن ~~ذلك ترك الظاهر من غير ضرورة فان حقيقة الاستطاعة القدرة وإنما يشبه ~~غيرها بها على ضرب من المجاز، على انه إذا كان عدم الالة والعدة يعذر ~~صاحبه في التأخر فمن ليس فيه قدرة اولى بأن يكون معذورا وفي الاية دلالة ~~على ms1788 النبوة لأنه اخبر انهم سيحلفون في المستقبل على ذلك بالله { لو ~~استطعنا لخرجنا معكم } فجاؤا فيما بعد وحلفوا على ما اخبر به. ### || [9.43] # هذا خطاب فيه بعض العتاب للنبي صلى الله عليه وآله في إذنه من استأذنه ~~في التأخر فأذن له، فأخبر الله بأنه كان الأولى ان لا تأذن لهم وتلزمهم ~~الخروج معك حتى اذا لم يخرجوا ظهر نفاقهم؛ لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا لم ~~يعلم بالنفاق كان تأخرهم أم بغيره. وكان الذين استأذنوه منافقين. وحقيقة ~~العفو الصفح عن الذنب، ومثله الغفران، وهو ترك المؤاخذة على الاجرام. وقد ~~كان يجوز أن يعفو الله عن جميع المعاصي كفرا كان او غيره، غير أنه أخبر ~~أنه لا يعفو عن عقاب الكفر، لاجماع الامة على ذلك، وما عداه من الفسق باق ~~على ما كان عليه من الجواز. # وانما قال { عفا الله عنك } على غير لفظ المتكلم لأنه أفخم من الكناية ~~لأن هذا الاسم من اسماء التعظيم كما أن قولك إن رأي الامير افخم من قولك ~~إني رأيت. # وقال ابو على الجبائي: في الآية دلالة على ان النبي صلى الله عليه وآله ~~كان وقع منه ذنب في هذا الاذن. قال: لأنه لا يجوز أن يقال لم فعلت ما ~~جعلت لك فعله؟ كما لا يجوز أن يقول لم فعلت ما أمرتك بفعله. وهذا الذي ~~ذكره غير صحيح، لأن قوله { عفا الله عنك } إنما هي كلمة عتاب له صلى الله ~~عليه وآله لم فعل ما كان الأولى به أن لا يفعله، لأنه وان كان له فعله من ~~حيث لم يكن محظورا فان الأولى ان لا يفعله، كما يقول القائل لغيره إذا ~~رآه يعاتب أخا له: لم عاتبته وكلمته بما يشق عليه؟ وان كان له معاتبته ~~وكلامه بما يثقل عليه. وكيف يكون ذلك معصية وقد قال الله في موضع آخر: { ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } وإنما اراد الله أنه كان ~~ينبغي أن ينتظر تاكيد الوحي فيه. ومن قال هذا ناسخ لذلك فعليه الدلالة. ms1789 # وقوله { لم أذنت } فالاذن رفع التبعة، عاتب الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وآله لم أذن لقوم من المتأخرين عن الخروج معه إلى تبوك وإن كان له ~~اذنهم لكن كان الاولى ان لا يأذن { حتى يتبين لك } حتى يظهر لك { الذين ~~صدقوا } في قولهم لو استطعنا لخرجنا معكم؛ لأنه كان فيهم من اعتل بالمرض ~~والعجز وعدم الحمولة { وتعلم الكاذبين } منهم في هذا القول. ### || [9.44] # أخبر الله تعالى نبيه بعلامة المنافقين والكاذبين بأن بين أنه لا يستأذن ~~احد النبي صلى الله عليه وآله في التأخر عنه والخروج معه إلى جهاد أعدائه ~~ولا يسأله الاذن في التأخر القوم الذين يؤمنون بالله ويصدقون به ويقرون ~~بوحدانيته ويعترفون باليوم الاخر. والاستئذان طلب الاذن من الآذن. ومعنى ~~قوله { أن يجاهدوا } فيه حذف وتقديره لأن لا يجاهدوا بحذف (لا) لأن ذمهم ~~قد دل عليه - هذا قول ابي علي الجبائي - وقال الحسن: تقديره كراهية أن ~~يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. وقال الزجاج: هو في موضع نصب، لان تقديره في ~~أن يجاهدوا، فلما حذف حرف الجر انتصب، وعند سيبويه وغيره هو في موضع ~~الجر. # وقوله { والله عليم بالمتقين } اخبار منه تعالى بانه يعلم من يتقي معصية ~~الله ويخاف عقابه، ومن لا يتقيه. قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين ~~استأذنوه في القعود عن الجهاد وعذر للمؤمنين، فقال: لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه. والمعنى انه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا انه علم أنهم ليسوا ~~منهم. # فان قيل أي الجهادين أفضل: أجهاد السيف أم جهاد العلم؟ # قيل: هذا بحسب الحاجة اليه والمصلحة فيه، وكذلك الجهاد بالمال والجهاد ~~بالنفس. وإنما يقع التفاضل مع استواء الأحوال الا بمقدار الخصلة الزائدة ~~من خصال الفضل. وأجاز الرماني الجهاد مع الفساق إذا عاونوا على حق في ~~قتال الكفار لأنهم يطيعون في ذلك الفعل كما هم مطيعون في الصلاة والصيام ~~وغير ذلك من شريعة الاسلام. والظاهر من مذهب أصحابنا أنه لا يجوز ذلك إلا ~~ما كان على وجه الدفع عن النفس وعن بيضة الاسلام. ### || [9.45] # أخبر الله تعالى ms1790 في هذه الاية بانه إنما يستأذن النبي صلى الله عليه ~~وآله في التأخر عن الجهاد والقعود عن القتال معه القوم { الذين لا يؤمنون ~~بالله } اي لا يصدقون بالله ولا يعترفون به { واليوم الآخر } يعني بالبعث ~~والنشور { وارتابت قلوبهم } يعني اضطربت وشكت. والارتياب هو الاضطراب في ~~الاعتقاد بالتقدم مرة والتأخر اخرى. والريبة شك معه تهمة: رابني ريبا ~~وريبة وارتاب ارتيابا، واستراب استرابة. # وقوله { فهم في ريبهم يترددون } معناه فهم في شكهم يذهبون ويرجعون ~~والتردد هو التصرف بالذهاب والرجوع مرات متقاربة، مثل المتحير، رده ~~ردا وردده ترديدا، وتردد ترددا وارتد ارتدادا، وراده مرادة، ~~وتراد القوم تردادا، واسترده استردادا. وقوله { في ريبهم يترددون } ~~يدل على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه تعالى أخبر أنهم في ~~شكهم يترددون، صفة الشاك المتحير في دينه الذي ليس على بصيرة من أمره. ~~وقيل في معنى اليوم الاخر قولان: # احدهما - انه آخر يوم من أيام الدنيا والمؤذن بالكرة الأخيرة. # الثاني - وهو الاقوى - انه يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة وهو ~~الاظهر من مفهوم هذه اللفظة. ### || [9.46] # اخبر الله تعالى ان هؤلاء المنافقين لو ارادوا الخروج مع النبي صلى الله ~~عليه وآله نصرة له ورغبة في جهاد الكفار كما أراد المؤمنون ذلك لأعدوا ~~للخروج عدة، وهو ما يتهيأ لهم معها الخروج، ولكن لم يكن لهم في ذلك نية ~~وكان عزمهم على أن النبي صلى الله عليه وآله ان لم يأذن لهم في الاقامة ~~فخرجوا، أفسدوا عليك وضربوا بين أصحابك، وأفسدوا قلوبهم، فكره الله ~~خروجهم على هذا الوجه، لان ذلك كفر ومعصية. والله لا يكره الخروج الذي ~~أمرهم به، وهو أن يخرجوا لنصرة نبيه وقتال عدوه والجهاد في سبيله كما خرج ~~المؤمنون كذلك، فثبطهم الله عن الخروج الذي عزموا عليه ولم يثبطهم عن ~~الخروج الذي أمرهم به، لأن الاول كفر. والثاني طاعة. # وقوله { وقيل اقعدوا مع القاعدين } يحتمل شيئين: أحدهما - أن يكون ~~القائلون لهم ذلك أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي نصرة له ورغبة ~~في الجهاد. والثاني ms1791 - ان يكون ذلك من قول النبي صلى الله عليه وآله لهم ~~على وجه التهديد لا على وجه الاذن، ويجوز أن يكون إذنه لهم في القعود ~~الذي عاتبه الله عليه. وأنه كان الأولى أن لا يأذن لهم فيه، ولا يجوز أن ~~يكون ذلك من قول الله، لأنه لو كان كذلك لكان مباحا لهم التأخر. اللهم ~~إلا أن يكون ذلك على وجه التهديد، فيجوز أن يكون ذلك من قول الله. والعدة ~~والاهبة والآلة نظائر. والانبعاث الانطلاق بسرعة في الأمر، ولذلك يقال: ~~فلان لا ينبعث في الحاجة أي ليس له نفاذ فيها. # والتثبط التوقف عن الامر بالتزهيد فيه ومثله التعقيل. وقوله { مع ~~القاعدين } يعني مع النساء والصبيان والمرضى والزمنى، ومن ليس به حراك. ~~وقال ابن اسحاق: كان الذين استأذنوه اشرافا ورؤساء كعبد الله بن أبي بن ~~ابي سلول والحد بن قيس. وزاد مجاهد رفاعة بن التابوت وأوس بن قبطي. ### || [9.47] # بين الله تعالى في هذه الآية الوجوه في كراهية انبعاثهم ووجه الحكمة في ~~تثبيطهم عن ذلك وهو ما علم من ان في خروجهم مفسدة للمؤمنين، لأنه قال { ~~لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } قال الفراء: لو قال ما زادكم يريد ~~خروجهم لكان جائزا، وهذا من سعة العربية. والخبال الفساد، والخبال ~~الموت، والخبال الاضطراب في الرأي بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لاخرين ~~ليختلفوا وتفترق كلمتهم. وقوله { ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } ~~والايضاع الاسراع في السير بطرح العلق قال الشاعر: # أرانا موضعين لأمر غيب # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقال آخر: # يا ليتني فيها جذع # أخب فيها وأضع # وربما قالوا للراكب: وضع بغير الف، ومنه وضعت الناقة تضع وضعا، ~~وأوضعتها إيضاعا. ومعنى الايضاع ها هنا إسراعهم في الدخول بينهم للتضريب ~~بنقل الكلام على وجه التخويف. قال الحسن: معناه مشوا بينكم بالنميمة، ~~لافساد ذات بينكم. وقوله { وفيكم سماعون لهم } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال قتادة وابن اسحاق: فيكم القابلون منهم عند سماع قولهم، ~~وقوله { إلا خبالا } استثناء منقطع وتقديره ما زادوكم قوة ولكن طلبوا ~~لكم الخبال ويحتمل أن ms1792 يكون المعنى إنهم على خبال في الرأي فيعقده حتى ~~يصير خبالا فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا. # الثاني - قال مجاهد وابن زيد: لهم عيون منهم ينقلون أخباركم إلى ~~المشركين. # وقوله { يبغونكم الفتنة } معناه يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة ~~والفرقة. قال الحسن: يبغونكم أن تكونوا مشركين. وأصل الفتنة إخراج خبث ~~الذهب بالنار، تقول: بغيتك كذا بمعني بغيت لك ومثله جلبتك وجلبت لك و { ~~خلالكم } أي بينكم مشتق من التخلل، وهي الفرج تكون بين القوم في الصفوف ~~وغيرها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله # " تراصوا في الصفوف لا يتخللكم اولاد الخذف ". # وقوله: { والله عليم بالظالمين } معناه - ها هنا - عالم بمن يستأذن ~~النبي صلى الله عليه وآله في التأخر شكا في الاسلام ونفاقا، وعالما ~~بمن سمع حديث المؤمن وينقله إلى المنافقن فان هؤلاء ظالمون انفسهم ~~وباخسون لها حظها من الثواب. ### || [9.48] # اقسم الله تعالى أن هؤلاء المنافقين { ابتغوا } أي طلبوا إفساد ذات ~~بينكم وافترق كلمتكم في يوم أحد حتى انصرف عبد الله بن أبي بأصحابه وخذل ~~النبي صلى الله عليه وآله وكان هو وجماعة من المنافقين يبغون للاسلام ~~الغوائل قبل هذا، فسلم الله المؤمنين من فتنتهم وصرفها عنهم. وقوله { ~~وقلبوا لك الأمور } فالتقليب هو تصريف الشيء بجعل أسفله أعلاه مرة بعد ~~أخرى، فهؤلاء صرفوا القول في المعنى للحيلة والمكيدة وقوله { حتى جاء ~~الحق } أي حتى اتى الحق { وظهر أمر الله وهم كارهون } أي في حال كراهتهم ~~لذلك، فهي جملة موضع الحال. والظهور خروج الشيء إلى حيث يقع عليه الادراك ~~وقد يظهر المعنى للنفس إذا حصل العلم به. ### || [9.49] # قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: نزلت هذه الآية في ألحد بن قيس، وذلك ان ~~النبي صلى الله عليه وآله لما دعا الناس إلى الخروج إلى غزوة تبوك لقتال ~~الروم جاءه ألحد ابن قيس، فقال: يا رسول الله إني رجل مستهتر بالنساء فلا ~~تفتني ببنات الاصفر، قال الفراء: سمي الروم أصفر، لأن حبشيا غلب على ~~ناحية الروم، وكان له بنات قد أخذن من بياض الروم ms1793 وسواد الحبشة فكن ~~صفرا لعسا، فنزلت هذه الآية فيه. وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة وأبو ~~علي والزجاج: معنى ولا تفتني ولا تؤثمني بالعصيان في المخالفة التي توجب ~~الفرقة، فتضمنت الآية ان من جملة المنافقين من استأذن النبي صلى الله ~~عليه وآله في التأخر عن الخروج، والاذن رفع التبعة في الفعل، وهو ~~والاباحة بمعنى، وقال له { لا تفتني } اي لا تؤثمني بأن تكلفني المشقة في ~~ذلك فأهم بالعصيان أو لا تفتني ببنات أصفر على ما حكيناه، فقال الله ~~تعالى { ألا في الفتنة سقطوا } أي وقعوا في الكفر والمعصية بهذا القول ~~وبهذا الفعل. والسقوط الوقوع إلى جهة السفل ووقوع الفعل حدوثه وسقوطه ~~أيضا. وقوله { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } اخبار منه تعالى أن جهنم ~~مطيفة بما فيها من جميع جهاتها بالكافرين. والاحاطة والاطافة والاحداق ~~نظائر في اللغة. ولا يدل ذلك على انها لا تحيط بغير الكفار من الفساق الا ~~ترى أنها تحيط بالزبانية والمتولين للعقاب، فلا تعلق للخوارج بذلك. ### || [9.50] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله بأن هؤلاء المنافقين ~~الذين ذكرهم متى نال النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين حسنة أي نعمة من ~~الله تعالى وظفر باعدائهم وغنيمة ينالونها ساءهم ذلك وأحزنهم، وإن تصبهم ~~مصيبة أي آفة في النفس او الأهل او المال - وأصلها الصوب - وهو الجري إلى ~~الشيء، يقال: صاب يصوب صوبا، ومنه صوب الاناء إذا ميله للجري، والصواب ~~اصابة الحق { يقولوا } يعني هؤلاء المنافقين { قد أخذنا أمرنا من قبل } ~~ومعناه قد حذرنا واحترزنا، في قول مجاهد وغيره، ومعناه، اخذنا امرنا من ~~مواضع الهلكة فسلمنا مما وقعوا فيه { ويتولوا } اي يعرضوا { وهم فرحون } ~~يعني فرحين بتأخرهم وسلامتهم مما نال المؤمنين من المصيبة. والاصابة وقوع ~~الشيء بما قصد به. ### || [9.51] # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين الذين ~~يفرحون بمصيبات المؤمنين وسلامتهم منها { لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ~~} وقيل في معناه قولان: احدهما - ان كل ما يصيبنا من خير أو شر فهو ms1794 مما ~~كتبه الله في اللوح المحفوظ من أمرنا، وليس على ما تظنون وتتوهمون من ~~اهمالنا من غير أن نرجع في أمرنا إلى تدبير ربنا، هذا قول الحسن. الثاني ~~- قال الجبائي والزجاج: يحتمل أن يكون معناه لن يصيبنا في عاقبة أمرنا ~~إلا ما كتب الله لنا في القرآن من النصر الذي وعدنا. وقال البلخي: يجوز ~~ان يكون { كتب } بمعنى علم ويجوز ان يكون بمعنى حكم، والأولان أقوى. فان ~~قيل: ما الفائدة في كتب ما يكون من افعال العباد قبل كونها؟ قلنا في ذلك ~~مصلحة للملائكة ما يقابلون به فيجدونه متفقا في الصحة، مع ان تصور كثرته ~~اهول في النفس وأملأ للصدر. # وقوله: { هو مولانا } يحتمل معنيين: احدهما - انه مالكنا ونحن عبيده. ~~والثاني - فان الله يتولى حياطتنا ودفع الضرر عنا. # وقوله { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } امر منه تعالى للمؤمنين ان ~~يتوكلوا عليه تعالى دون غيره. والتوكل تفويض الامر إلى الله والرضا ~~بتدبيره والثقة بحسن اختياره. كما قال # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # وحرف الجر الذي في معنى الظرف متعلق بالامر في قوله { فليتوكل } وتقديره ~~فليتوكل على الله المؤمنون وانما جاز تقديمه لانه لا يلبس، ولا يجوز ~~تقديمه على حرف الجزاء لانه يلبس بالجزاء في الجواب. ### || [9.52] # روى ابن فليح والبزي إلا النقاش { هل تربصون } بتشديد التاء، وجهه أنه ~~أراد تتربصون فادغم احد التاءين في الاخرى. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين { هل ~~تربصون بنا } والتربص التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ولذلك قيل تربص ~~بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره، وقوله { إلا إحدى الحسنيين } ~~واحدى الشيئين واحدة منهما، واحد العشر واحد منها، واحدى النساء معناه ~~واحدة منهن. والحسنيان عظيمان في الحسن من النعم ومعانيهما ها هنا إما ~~الغلبة بنصر الله عز وجل والشهادة المودية إلى الجنة، في قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم. و { هل } حرف من حروف الاستفهام والمراد ها ~~هنا التقريع بالتربص المؤدي صاحبه إلى كل ما يكرهه من خيبته ms1795 وفوز خصمه. ~~وقوله { ونحن نتربص بكم } أي قل لهؤلاء: ونحن ايضا نتوقع بكم ان يوقع ~~بكم عذابا { من عنده } يهلككم به { او بأيدينا } بأن ينصرنا عليكم ~~فيقتلكم بأيدينا. وقوله { فتربصوا } صورته صورة الأمر والمراد به التهديد ~~كما قال: # اعملوا ما شئتم # واستفزز من استطعت # وانما قلنا ذلك لأن تربص المنافقين بالمؤمنين تمسك بما يؤدي إلى الهلاك ~~وذلك قبيح لا يريده الله ولا يأمر به. وقال الفراء: العرب تدغم لام هل ~~وبل في التاء خاصة وهو كثير في كلامهم. ### || [9.53] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء المنافقين { ~~انفقوا } وصورته صورة الامر وفيه ضرب من التهديد وهو مثل قوله # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # وانما هو بيان عن توسعة التمكين من الطاعة والمعصية، وقال قوم: معناه ~~الخبر الذي تدخل (إن) فيه للجزاء كما قال كثير: # اسيئي بنا او احسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية ان تقلت # كأنه قال: إن أحسنت أو أسأت لم تلامي، وإنما حسن ان يأتي بصيغة الأمر ~~على معنى الخبر بتوسعة التمكين لأنه بمنزلة الأمر في طلب فعل ما يتمكن ~~الذي قد عرفه المخاطب، كأنه قيل اعمل بحسب ما يوجبه الحق فيما مكنت من ~~الامرين. ووجه آخر أن كل واحد من الضربين كالمأمور به في انه لا يعود ~~وبال العائد الاعلى المأمور. وقوله { طوعا } فالطوع الانقياد بارادة لمن ~~عمل عليها. والكره فعل الشيء بكراهة حمل عليها. وقوله { لن يتقبل منكم } ~~معناه لا يجب لكم به الثواب على ذلك مثل تقبل الهدية ووجوب المكافاة ~~وتقبل التوبة وايجاب الثواب عليها، ومثله في كل طاعة. # وقوله { إنكم كنتم قوما فاسقين } اخبار منه تعالى وخطاب لهؤلاء ~~المنافقين بأنهم كانوا فاسقين متمردين عن طاعة الله، فلذلك لم يقبل ~~نفقاتهم وإنما كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله المرياء ودفعا عن ~~انفسهم. ### || [9.54] # قرأ اهل الكوفة الا عاصما { أن يقبل } بالياء. الباقون بالتاء. وجه ~~قراءة من قرأ بالياء ان التأنيث ليس بحقيقي فجاز أن يذكر كقوله # فمن جاء موعظة # ومن ms1796 قرأ بالتاء فعلى ظاهر التأنيث. # والمنع أمر يضاد الفعل وينافيه. والمعنى ها هنا أن هؤلاء المنافقين ~~منعوا انفسهم ان يفعل بهم قبول نفقاتهم، كما يقول القائل: منعته بري ~~وعطائي. # وقوله { أن تقبل } في موضع نصب، وتقديره وما منعهم من أن تقبل وحذف ~~(من). وقوله { إلا أنهم كفروا بالله ورسوله } انهم في موضع رفع والعامل ~~في اعراب انهم يحتمل احد امرين: احدهما - ما منعهم من ذلك إلا كفرهم. ~~والثاني - أن يكون تقديره ما منعهم الله منه إلا لأنهم كفروا بالله. ~~وعندنا ان الكافر لا يقع منه الانفاق على وجه يكون طاعة، لأنه لو أوقعها ~~على ذلك الوجه لاستحق الثواب. والاحباط باطل، فكان يؤدي إلى ان يكون ~~مستحقا للثواب. وذلك خلاف الاجماع وعند من خالفنا من المعتزلة وغيرهم ~~يصح ذلك، غير انه ينحبط بكفره فأما الصلاة فلا يصح أن تقع منهم على وجه ~~تكون طاعة بلا خلاف، لأن الصلاة طريقها الشرع فمن لا يعترف بالشرع لا يصح ~~أن يوقعها طاعة، وليس كذلك الانفاق، لأن العقل دال على حسنه غير انهم وإن ~~علموا ذلك لا يقع منهم كذلك على ما بيناه. # وقوله { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } اي يقومون اليها على وجه ~~الكسل وذلك ذم لهم بانهم يصلون الصلاة على غير الوجه الذي امروا به، من ~~النفاق الذي يبعث على الكسل عنها دون الايمان الذي يبعث على النشاط لها. # وقوله { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } اخبار منه تعالى بأنهم لا ينفقون ~~ما ينفقونه لكونه طاعة بل ينفقونه كارهين لذلك وذلك يقوي ما قلناه. ### || [9.55] # هذا نهي للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به المؤمنون والمعنى: لا يروق ~~ناظركم ايها المؤمنون ظاهر حسنها يعني اموال المنافقين والكفار واولادهم ~~تستحسنونه بالطبع البشري. وانما قلنا ذلك. لأن النبي صلى الله عليه وآله ~~مع زهده لا يجوز ان يعجب بها اعجاب مشته لها. وقوله { إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } وقيل في معنى ذلك وجوه: احدها - قال ابن ~~عباس وقتادة والفراء: ان فيه التقديم ms1797 والتأخير والتقدير فلا تعجبك ~~اموالهم ولا اولادهم في الحياة الدنيا انما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة، فيكون الظرف على هذا متعلقا بأموالهم وأولادهم، ومثله قوله ~~تعالى # فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون # وتقديره فالقه اليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم الثاني - قال ابن ~~زيد: معناه انما يريد الله ليعذبهم بحفظها والمصائب فيها مع حرمان النفقة ~~بها. والثالث - قال الجبائي: تقديره انما يريد الله ليعذبهم في الحياة ~~الدنيا عند تمكن المؤمنين من اخذها وغنمها فيتحسرون عليها ويكون ذلك جزاء ~~على كفرهم نعم الله تعالى بها. والرابع - قال البلخي والزجاج: ان معناه ~~فلا تعجبك اموالهم، فانها وبال عليهم، لأن الله يعذبهم بها اي بما يكلفهم ~~من انفاقها في الوجوه التي امرهم بها فتزهق انفسهم لشدة ذلك عليهم ~~لانفاقهم، وهم مع هذا كله كافرون وعاقبتهم النار فيكون قوله { وهم كافرون ~~} اخبارا عن سوء احوالهم وقلة نفع المال والولد لهم ولا يكون عطفا على ~~ما مضى. والخامس - أن يكون المعنى أن مفارقتها وتركها والخروج عنها ~~بالموت صعب عليهم شديد، لأنهم يفارقون النعم ولا يدرون إلى ماذا يصيرون ~~بعد الموت فيكون حينئذ عذابا عليهم. بمعنى ان مفارقتها غم وعذاب. ومعنى ~~{ وتزهق أنفسهم } اي تهلك وتذهب بالموت يقال: زهق بضاعة فلان اي ذهبت ~~اجمع. السادس - قال الحسن: اخبر الله تعالى عن عاقبتهم انهم يموتون على ~~النفاق. وقال: ليعذبهم بزكاتها وانفاقها في سبيل الله، وهو قول البلخي ~~ايضا والزجاج مع اعتقادهم ان ذلك ليس بقربة، فيكون ذلك عذابا أليما. # واللام في قوله { ليعذبهم } يحتمل ان يكون بمعنى (أن) والتقدير إنما ~~يريد الله أن يعذبهم. والزهق الخروج بصعوبة. وأصله الهلاك، ومنه قوله # قل جاء الحق وزهق الباطل # وكل هالك زاهق، زهق يزهق زهوقا. والزاهق من الدواب السمين الشديد ~~السمن، لأنه هالك يثقل بدنه في السير والكر والفر. وزهق فلان بين ايدي ~~القوم إذا زهق سابقا لهم حتى يهلك منهم. والاعجاب السرور بما يعجب منه ~~تقول: اعجبني حديثه اي سرني بظرف حديثه. # وليس في الآية ms1798 ما يدل على ان الله تعالى اراد الكفر على ما يقوله ~~المجبرة، لأن قوله { وهم كافرون } في موضع الحال كقولك اريد ان تذمه وهو ~~كافر واريد ان تضربه وهو عاص وأنت لا تريد كفره ولا عصيانه بل تريد ذمه ~~في حال كفره وعصيانه، وتقديره الاية إنما يريد الله عذابهم وازهاق انفسهم ~~اي اهلاكها في حال كونهم كافرين، كما يقول القائل للطبيب: اختلف الي كل ~~يوم وأنا مريض، وهو لا يريد المرض، ويقول لغلامه: اختلف الي وأنا محبوس، ~~ولا يريد حبس نفسه. ### || [9.56] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم يقسمون بالله انهم لمنكم يعني ~~من المؤمنين وعلى دينهم الذي يدينون به. ثم قال الله تعالى مكذبا لهم { ~~وما هم منكم } اي ليسوا مؤمنين مثلكم ولا مطيعين لله في اتباع دينه كما ~~انتم كذلك، ولكنهم قوم يفرقون اخبار منه تعالى ان هؤلاء المنافقين يفرقون ~~من اظهار الكفر لئلا يقتلوا والفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر. وأصله من ~~مفارقة الامن إلى حال الانزعاج. ### || [9.57] # قرأ يعقوب { أو مدخلا } بفتح الميم وتخفيف الدال وسكونها. وقرأ شاذ { ~~مدخلا } بضم الميم وسكون الدال. # اخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين انهم لو وجدوا ملجأ. ومعناه لو ~~ادركوا مطلوبهم، يقال: وجدت الضالة وجدانا ووجدت على الرجل وجدا ~~وموجدة. والملجأ الموضع الذي يتحصن فيه ومثله المعقل والموئل، والمعتصم ~~والمنتصر. وقال ابن عباس: معناه ها هنا حرزا. وقال مجاهد: أي حصنا، ~~ومثله يستعمل في الناصر والمساعد. وقوله { أو مغارات } اي لو وجدوا ~~مغارات، وهي جمع مغارة وهي المدخل الساتر من دخل فيه. وقال ابن عباس: ~~معناه المغارات والغيران والغار الثقب الواسع في الجبل، ومنه غارت العين ~~من الماء إذا غابت في الارض، وغارت عينه إذا دخلت في رأسه. والمدخل ~~المسلك الذي يتدسس بالدخول فيه وهو مفتعل من الدخول كالمتلج من الولوج. ~~وأصله متدخل. وقال ابن عباس وأبو جعفر عليه السلام والفراء: المدخل ~~الاسراب في الارض. وقوله { لولوا إليه وهم يجمحون } فالجماح مضي الماء ~~مسرعا على وجهه لا يرده شيء عنه. ms1799 وقال الزجاج: فرس جموع، وهو الذي إذا ~~حمل لم يرده اللجام. وقيل: هو المشي بين المشيين قال مهلهل: # لقد جمحت جماحا في دمائهم # حتى رأيت ذوي أجسامهم جمدوا # وقال الزجاج: معنى (مدخلا) اي لو وجدوا قوما يدخلون في جملتهم أو ~~قوما يدخلونهم في جملتهم يعتصمون بهم لفعلوا. ### || [9.58] # قرأ يعقوب { يلمزك } بضم الميم. الباقون بكسرها، وهما لغتان، وهذه الآية ~~فيها اخبار أن من جملة المنافقين الذين ذكرهم من يلمزك يا محمد صلى الله ~~عليه وآله في الصدقات اي يعيبك. وفي قول الحسن. واللمز العيب على وجه ~~المساترة، والهمز العيب - بكسر العين وغمزها - في قول الزجاج - تقول: ~~لمزه يلمزه ويلمزه - بالكسر والضم - وهي صفتهم قال الشاعر: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة # وان تغيبت كنت الهامز اللمزه # وقال رؤبة: # قالت بين عنقي وجمزي # في ظل عصري باطلي ولمزي # وقال ابو عبيدة: يلزمك معناه يعيبك. وقال قتادة: معناه يطعن عليك. ~~والهمز الغيبة. ومنه قوله # هماز مشاء بنميم # وقيل لاعرابي: أتهمز الفأرة؟ قال: الهر يهمزها، فأوقع الهمز على الاكل، ~~والهمز كاللمز، ومنه قوله # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا # والصدقات جمع صدقة وهي العطية للفقير على وجه البر والصلة، والصدقة ~~الواجبة في الأموال حرام على رسول الله وأهل بيته كأنهم جعلوا في تقدير ~~الأغنياء، فأما البر على وجه التطوع فهو مباح لهم. # وقوله { فإن أعطوا منها رضوا } يعني من الصدقات رضوا بذلك وحمدوك عليه { ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون } يعني إذا لم يعطوا ما طلبوه من ~~الصدقات سخطوا وغضبوا. والصدقة محرمة على من كان غنيا. # واختلفوا في حد الغني، فقال قوم: هو من ملك نصابا من المال. وقال ~~آخرون: هو من كانت له مادة تكفيه، ملك النصاب أو لم يملك، والذي كان يلمز ~~النبي صلى الله عليه وآله في الصدقات بلتعة بن حاطب، وكان يقول: إنما ~~يعطي محمد الصدقات من يشاء فربما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله فيرضى ~~وربما منعه فسخط، فتلكم فيه، فنزلت الآية فيه. ### || [9.59] # اخبر الله تعالى ms1800 في هذه الآية ان هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك ~~الصدقات وعابوك بها لو رضوا بما اعطاهم الله ورسوله { وقالوا } مع ذلك { ~~حسبنا الله } اي كفانا الله وانه سيعطينا الله من فضله وانعامه ويعطينا ~~رسوله مثل ذلك وقالوا { إنا إلى الله راغبون } والجواب محذوف والتقدير ~~لكان خيرا لهم وأعود عليهم وحذف الجواب في مثل هذا ابلغ لأنه لتأكيد ~~الخبر به استغني عن ذكره. ### || [9.60] # اخبر الله تعالى في هذه الآية انه ليست الصدقات التي هي زكاة الاموال ~~إلا للفقراء والمساكين ومن ذكرهم في الآية. # واختلفوا في الفرق بين الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن وجابر ~~وابن زيد والزهري ومجاهد: الفقير المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين الذي ~~يسأل، ذهبوا إلى أنه مشتق من المسكنة بالمسألة. وروى أبو هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله أنه قال # " ليس المسكين الذي ترده الاكلة والاكلتان والتمرة والتمرتان ولكن ~~المسكين الذي لا يجد غنى فيغنيه ولا يسأل الناس إلحافا " # وقال قتادة: الفقير ذو الزمانة من اهل الحاجة. والمسكين من كان صحيحا ~~محتاجا. وقال قوم: هما بمعنى واحد إلا انه ذكر بالصفتين لتأكيد امره قال ~~الشاعر: # انا الفقير كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # ويسمى المحتاج فقيرا تشبيها بأن الحاجة كأنها قد كسرت فقار ظهره يقال: ~~فقر الرجل فقرا وأفقره الله افقارا وافتقر افتقارا، وتفاقر تفاقرا. ~~وسمي المسكين بذلك تشبيها بأن الحاجة كأنها سكنته عن حال اهل السعة ~~والثروة. قال الله تعالى # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # فمن قال: المسكين أحسن حالا احتج بهذه الآية. ومن قال هما سواء قال: ~~السفينة كانت مشتركة بين جماعة لكل واحد منهم الشيء اليسير. # وقوله { والعاملين عليها } يعني سعاة الزكاة وجباتها، وهو قول الزهري ~~وابن زيد وغيرهم. وقوله { والمؤلفة قلوبهم } معناه أقوام أشراف كانوا في ~~زمن النبي صلى الله عليه وآله فكان يتألفهم على الاسلام ويستعين بهم على ~~قتال غيرهم ويعطيهم سهما من الزكاة. وهل هو ثابت في جميع الاحوال ام في ~~وقت دون وقت؟ فقال الحسن ms1801 والشعبي: ان هذا كان خاصا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله. وروى جابر عن ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ~~ذلك. واختار الجبائي انه ثابت في كل عصر الا ان من شرطه ان يكون هناك ~~امام عدل يتألفهم على ذلك. # وقوله { وفي الرقاب } يعني المكاتبين واجاز اصحابنا ان يشترى به عبد ~~مؤمن إذا كان في شدة ويعتق من مال الزكاة، ويكون ولاؤه لأرباب الزكاة، ~~وهو قول ابن عباس وجعفر بن مبشر. # وقوله { والغارمين } قال مجاهد وقتادة والزهري وجميع المفسرين، وهو قول ~~ابي جعفر عليه السلام انهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا إسراف ~~فتقضى عنهم ديونهم، و { في سبيل الله } يعني الجهاد بلا خلاف. ويدخل فيه ~~عند أصحابنا جميع مصالح المسلمين، وهو قول ابن عمر وعطاء. وبه قال ~~البلخي، فانه قال: تبنى به المساجد والقناطر وغير ذلك، وهو قول جعفر بن ~~مبشر. و { ابن السبيل } وهو المسافر المنقطع به فانه يعطى من الزكاة وان ~~كان غنيا في بلده من غير ان يكون دينا عليه، وهو قول مجاهد وقتادة قال ~~الشاعر: # انا ابن الحرب ربتني وليدا # إلى ان شبت واكتهلت لداتي # وقال بعضهم: جعل الله الزكاة لامرين: احدهما - سد خلة. والآخر - تقوية ~~ومعونة لعز الاسلام. واستدل بذلك على ان المؤلفة قلوبهم في كل زمان. # واختلفوا في مقدار ما يعطى الجابي للصدقة، فقال مجاهد والضحاك: يعطى ~~الثمن بلا زيادة. وقال عبد الله بن عمر بن العاص والحسن وابن زيد: هو على ~~قدر عمالته، وهو المروي في اخبارنا. وقال ابن عباس وحذيفة وعمر بن الخطاب ~~وعطاء وابراهيم وسعيد بن جبير، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله عليهما ~~السلام ان لقاسم الزكاة ان يضعها في اي الاصناف شاء. وكان بعض المتأخرين ~~لا يضعها الا في سبعة أصناف لأن المؤلفة قد انقرضوا. وان قسمها الانسان ~~عن نفسه، ففي ستة لأنه بطل سهم العامل، وزعم انه لا يجزي في كل صنف أقل ~~من ثلاثة. وعندنا ان سهم المؤلفة والسعاة وسهم الجهاد ms1802 قد سقط اليوم، ~~ويقسم في الخمسة الباقية كما يشاء رب المال وان وضعها في فرقة منهم جاز. # وقوله { فريضة من الله } نصب على المصدر اي فرض ذلك فريضة وكان يجوز ~~الرفع على الابتداء ولم يقرأ به، ومعناه ان ما فرضه الله وقدره واجب ~~عليكم. # وقوله { والله عليم حكيم } معناه عالم بمصالحكم حكيم فيما يوجبه عليكم ~~من اخراج الصدقات وغير ذلك. ### || [9.61] # قرأ نافع { أذن خير } بالتخفيف الباقون بالتثقيل. وكلهم أضاف. ورفع { ~~ورحمة } الا أبا عمرو فانه جر { ورحمة } وكان يجوز النصب على { ورحمة } ~~يفعل ذلك، ولم يقرأ به أحد، قال أبو علي: تخفيف { أذن } من أذن قياس مطرد ~~نحو طنب وطنب، وعنق وعنق وظفر وظفر لأن ذلك تخفيف وتثقيل لاتفاقهما في ~~الوزن وفي جمع التكسير تقول: آذان وأطناب وأعناق وأظفار، فأما الأذن في ~~الآية فانه يجوز ان يطلق على الجملة وان كان عبارة عن جارحة فيها، كما ~~قال الخليل في الناب من الابل سميت به لمكان الناب البازل، فسميت الجملة ~~كلها به. ويجوز أن يكون (فعلا) من اذن ياذن اذا استمع. ومعناه انه كثير ~~الاستماع مثل شلل وأنف وشحح، قال ابو زيد: رجل اذن ويقن اذا كان يصدق بكل ~~ما يسمع فكما ان (يقن) صفة كبطل كذلك (اذن) كشلل، ويقولون: اذن يأذن اذا ~~استمع، ومنه قوله # وأذنت لربها # اي استمعت، وقوله # ائذن لي # اي استمع. وفي الحديث # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # قال الشاعر: # في سماع يأذن الشيخ له # وحديث مثل ما ذي مشار # والمعنى - في الاضافة - مستمع خير لكم وصلاح ومصغ اليه، لا مستمع شر ~~وفساد. ومن رفع { رحمة } فالمعنى فيه أذن خير ورحمة اي مستمع خير ورحمة ~~فجعله للرحمة لكثرة هذا المعنى فيه، كما قال # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين # ويجوز ان يقدر حذف المضاف من المصدر. وأما من جر فعطفه على { خير } كأنه ~~قال اذن خير ورحمة، وتقديره مستمع خير ورحمة. وجاز هذا كما جاز مستمع ~~خير، لأن الرحمة من الخير وإنما خص تشريفا، ms1803 كما قال # اقرأ باسم ربك الذي خلق # ثم قال # خلق الإنسان من علق # وان كان قوله تعالى { خلق } عم الانسان وغيره. والبعد بين الجار وما عطف ~~عليه لا يمنع من العطف ألا ترى ان من قرأ { وقيله يارب } انما جعله عطفا ~~على # وعنده علم الساعة # وعلم قيله. وروي ان الاعمش قرأ قل { أذن خير ورحمة } وهي قراءة ابن ~~مسعود. # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان من جمله هؤلاء - المنافقين الذين وصفهم ~~وذكرهم - من يؤذي النبي صلى الله عليه وآله والأذى هو ضرر ربما تنفر منه ~~النفس في عاجل الامر وانهم يقولون هو اذن يعنون النبي صلى الله عليه ~~وآله. ومعنى (اذن) انه يصغي إلى كل احد فيقبل ما يقوله - في قول ابن عباس ~~وقتادة ومجاهد والضحاك - وقيل اصله من اذن اذا استمع على ما بيناه قال ~~عدي بن زيد: # ايها القلب تعلل بددن # ان همي في سماع واذن # وقيل السبب في ذلك: ان قوما من المنافقين تكلموا بما ارادوه، وقالوا ان ~~بلغه اعتذرنا اليه، فانه اذن يسمع ما يقال له، فقال الله تعالى { قل } يا ~~محمد { أذن خير لكم } لا اذن شر، وليس بمعنى أفعل. # وانما معناه أذن صلاح ولو رفع خيرا لكان معناه أصلح، وهي قراءة الحسن ~~والاعشى والبرجمي. وانما قال بعد ذلك { يؤمن بالله } لأن معناه انه ~~لايمانه بالله يعمل بالحق فيما يسمع من غيره. وقيل يصغي إلى الوحي من قبل ~~الله. # وقوله { ويؤمن للمؤمنين } قال ابن عباس: معناه ويصدق المؤمنين. وقيل ~~دخلت اللام كما دخلت في قوله # ردف لكم # وتقديره ردفكم، واللام مقحمة ومثله # لربهم يرهبون # ومعناه يرهبون ربهم. واللام مقحمة. # وقال قوم: دخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وايمان الامان. # وقوله { ورحمة للذين آمنوا منكم } يعني ان النبي صلى الله عليه وآله ~~رحمة للمؤمنين منكم وانما خص المؤمنين بالذكر وان كان رحمة للكفار أيضا ~~من حيث انتفع المؤمنون به دون غيرهم من الكفار. ثم قال { والذين يؤذون ~~رسول الله لهم عذاب أليم } اي مؤلم موجع ms1804 جزاء لهم على أذاهم للنبي صلى ~~الله عليه وآله. # وقال ابن اسحاق: نزلت هذه الآية في نبتل بن الحارث كان يقول: إني لأنال ~~من محمد ما شئت، ثم آتيه اعتذر اليه وأحلف له فيقبل، فجاء جبرائيل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: انه يجلس اليك رجل ادلم ثائر شعر ~~الرأس اسفع الخدين احمر العينين كأنهما قدران من صفر كبده اغلظ من كبد ~~الجمل ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره وكان ذلك صفة نبتل بن الحارث من ~~منافقي الانصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله # " من اختار أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " # ، ذكره ابن اسحاق. ### || [9.62] # اخبر الله تعالى أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أنهم على دينكم وأن ~~الذي بلغكم عنهم باطل { ليرضوكم } ومعناه يريدون بذلك رضاكم لتحمدوهم ~~عليه. ثم قال تعالى { والله ورسوله أحق أن يرضوه } أي الله ورسوله أولى ~~بأن يطلبوا مرضاتهما { إن كانوا مؤمنين } مصدقين بالله مقرين بنبوة نبيه، ~~والفرق بين الاحق والأصلح ان الأحق قد يكون موضعه غير الفعل كقولك: زيد ~~أحق بالمال، والاصلح لا يقع هذا الموقع لأنه من صفات الفعل وتقول: الله ~~أحق أن يطاع ولا تقول اصلح، وقيل في رد ضمير الواحد في قوله { والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه } قولان: # احدهما - أنه لما كان رضى رسول الله رضى الله ترك ذكره، لأنه دال عليه ~~والتقدير والله احق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه كما قال الشاعر: # نحن بما عندنا وانت بما # عندك راض والرأي مختلف # والثاني - أنه لا يذكر على طريق المجمل مع غيره تعظيما له بافراد الذكر ~~المعظم بما لا يجوز إلا له، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لمن سمعه ~~يقول: من أطاع الله ورسول هدى (ومن يعصمه فقد غوى) وانما أراد ما قلناه. ### || [9.63] # يقول الله تعالى على وجه التهديد والتقريع والتوبيخ لهؤلاء المنافقين { ~~ألم يعلموا } أي أو ما علموا { أنه من يحادد الله } اي يتجاوز حدود الله ~~التي أمر المكلفين ان لا يتجاوزوها، ms1805 فالمحادة مجاوزة الحد بالمشاقة ومثله ~~المباعدة. والمعنى مصيرهم في حد غير حد أولياء الله. فالمخالفة والمحادة ~~والمجانبة والمعاداة نظائر في اللغة. # وانما قال: لمن لا يعلم { ألم يعلموا } لأحد أمرين: أحدهما - على وجه ~~الاستبطاء لهم والتخلف عن علمه. والآخر - انه يجب ان تعلموا الآن هذه ~~الاخبار. وقال الجبائي: معناه ألم يخبرهم النبي صلى الله عليه وآله بذلك. # وقوله { فأن له نار جهنم خالدا فيها } يحتمل أن يكون على التكرير، لأن ~~الأولى للتأكيد مع طول الكلام، وتقديره فله نار جهنم أو فان له نار جهنم. ~~قال الزجاج: ولو قرئ { فان } بكسر الهمزة على وجه الاستئناف كان جائزا، ~~غير أنه لم يقرأ به احد. وقوله { ذلك الخزي العظيم } معناه ذلك الذي ~~ذكرناه من أن له نار جهنم هو الخزي يعني الهوان بما يستحى من مثله. تقول: ~~خزي خزيا اذا انقمع للهوان فأخزاه إخزاء وخزيا. ### || [9.64] # قيل في معنى يحذر المنافقون قولان: # احدهما - قال الحسن ومجاهد واختاره الجبائي: ان معناه الخبر عنهم بأنهم ~~كانوا يحذرون ان تنزل فيهم آية يفتضحون بها لأنهم كانوا شاكين، حتى قال ~~بعضهم: لوددت ان اضرب كل واحد منكم مئة ولا ينزل فيكم قرآن، ذكره ابو ~~جعفر وقال: نزلت في رجل يقال له مخشى بن الحمير الاشجعي. # الثاني - قال الزجاج: انه تهديد ومعناه ليحذروا، وحسن ذلك لأن موضوع ~~الكلام على التهديد. والحذر اعداد ما يتقي الضرر، ومثله الخوف والفزع ~~تقول: حذرت حذرا وتحذر تحذرا وحاذره محاذرة وحذارا وحذره تحذيرا. ~~والمنافق الذي يظهر من الايمان خلاف ما يبطنه من الكفر واشتق ذلك من ~~نافقاء اليربوع لأنه يخفي بابا ويظهر بابا ليكون إذا أتي من احدهما خرج ~~من الآخر. # وقوله { تنبئهم بما في قلوبهم } أي تخبرهم، غير أن { تنبئهم } يتعدى إلى ~~ثلاثة مفاعيل بمنزلة أعلمت. وقوله { قل استهزؤا } أمر للنبي صلى الله ~~عليه وآله أن يقول لهؤلاء المنافقين { استهزؤا } اي اطلبوا الهزء. والهزء ~~إظهار شيء وابطان خلافه للتهزئ به، وهو بصورة الأمر والمراد به التهديد. ~~وقوله { إن الله مخرج ما تحذرون ms1806 } إخبار من الله تعالى أن الذي تخافون من ~~ظهوره فان الله يظهره بأن يبين لنبيه صلى الله عليه وآله باطن حالهم ~~ونفاقهم. ### || [9.65] # خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فأقسم، لأن اللام لام القسم ~~بأنك يا محمد صلى الله عليه وآله إن سألت هؤلاء المنافقين عما تكلموا به ~~{ ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } قال الحسن وقتادة: هؤلاء قالوا في غزاة ~~تبوك: أيرجو هذا الرجل ان يفتح قصور الشام وحصونها - هيهات هيهات - فأطلع ~~الله نبيه صلى الله عليه وآله على ما قالوه، فلما سألهم النبي عن ذلك على ~~وجه التأنيب لهم والتقبيح لفعلهم: لم طعنتم في الدين بالباطل والزور؟ ~~فأجابوا بما لا عذر فيه بل هو وبال عليهم: بأنا كنا نخوض ونلعب. والخوض ~~دخول القدم فيما كان مائعا من الماء أو الطين هذا في الأصل ثم كثر حتى ~~صار في كل دخول منه أذى وتلويث. واللعب فعل ما فيه سقوط المنزلة لتحصيل ~~اللذة من غير مراعاة الحكمة كفعل الصبي، وقالوا: ملاعب الأسنة اي انه ~~لشجاعته يقدم على الاسنة كفعل الصبي الذي لا يفكر في عاقبة امره. فقال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: { قل } لهم { أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزؤن } قال ابو علي: ذكر الاستهزاء ها هنا مجاز، لانه جعل الهزء ~~بالمؤمنين وبآيات الله هزءا بالله. والهزء ايهام امر على خلاف ما هو به ~~استصغارا لصاحبه. ### || [9.66] # قرأ عاصم { إن نعف } بنون مفتوحة وضم الفاء { نعذب } بالنون وكسر الذال ~~{ طائفة } بالنصب. الباقون بضم الياء في (يعف تعذب طائفة) بضم التاء ~~ورفع طائفة. من قرأ بالنون فلقوله # ثم عفونا عنكم # ومن قرأ بالتاء فالمعنى ذاك بعينه. وأما { تعذب } فمن قرأ بالتاء، فلان ~~الفعل في اللفظ مسند إلى مؤنث. # قوله تعالى: { لا تعتذروا } صورته صورة النهي والمراد به التهديد. ~~والمراد ان الله تعالى امر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء ~~المنافقين الذين يحلفون بأنهم ما قالوه إلا لعبا وخوضا على وجه التهزيء ~~بآيات الله { لا تعتذروا } بالمعاذير الكاذبة ms1807 فانكم بما فعلتموه { قد ~~كفرتم } بعد أن كنتم مظهرين الايمان الذي يحكم لمن اظهره بأنه مؤمن، ولا ~~يجوز ان يكونوا مؤمنين على الحقيقة مستحقين للثواب ثم يرتدون، لما قلناه ~~في غير موضع: ان المؤمن لا يجوز عندنا أن يكفر لأنه كان يؤدي إلى اجتماع ~~استحقاق الثواب الدائم والعقاب الدائم، لبطلان التحابط. والاجماع يمنع من ~~ذلك. والاعتذار اظهار ما يقتضي العذر، والعذر ما يسقط الذم عن الجناية. # وقوله { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } اخبار منه تعالى أنه ان عفا ~~عن قوم منهم إذا تابوا يعذب طائفة أخرى لم يتوبوا. والعفو رفع التبعة عما ~~وقع من المعصية وترك العقوبة عليها. ومثله الصفح والغفران. وقوله { بأنهم ~~كانوا مجرمين } معناه انه انما يعذب الطائفة التي يعذبها لكونها مجرمة ~~مذنبة مرتكبة لما يستحق به العقاب. والاجرام الانقطاع عن الحق إلى ~~الباطل. واصله الصرم تقول: جرم الثمر يجرمه جرما وجراما إذا صرمه. ~~والجرم مصرم الحق بالباطل وتجرمت السنة اذا تصرمت قال لبيد: # دمن تجرم بعد عهد انيسها # حجج خلون حلالها وحرامها # قال الزجاج والفراء: نزلت الآية في ثلاثة نفر فهرئ إثنان وضحك واحد قال ~~ابن اسحاق: كان الذي عفا عنه مخشى بن حصين الأشجعي حليف بني سلمة لأنه ~~انكر منهم بعض ما سمع فجعلت طائفة للواحد ويراد بها نفس طائفة. وأما في ~~اللغة فيقال للجماعة طائفة، لأنهم يطيفون بالشيء. وقوله تعالى # وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين # يجوز أن يراد به واحد على ما فسرناه. ### || [9.67] # أخبر الله تعالى بأن المنافقين الذين يظهرون الايمان ويسرون الكفر بعضهم ~~من بعض. والمعنى إن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، كما يقول ~~القائل لغيره: أنت مني وأنا منك والمعنى إن أمرنا واحد لا ينفصل. وقيل: ~~بعضهم من بعض فيما يلحقهم من مقت الله وعذابه أي منازلهم متساوية في ذلك. ~~ثم أخبر أن هؤلاء المنافقين يأمرون غيرهم بالمنكر الذي نهى الله عنه ~~وتوعد عليه من الكفر بالله ونبيه وجحد آياته { وينهون عن المعروف } يعني ~~الأفعال الحسنة التي أمر ms1808 الله بها وحث عليها، وانهم يقبضون ايديهم اي ~~يمسكون أموالهم عن انفاقها عن طاعة الله ومرضاته وهو قول قتادة، وقال ~~الحسن ومجاهد: أراد إمساكها عن الانفاق في سبيل الله. وقال الجبائي: أراد ~~به إمساك الايدي عن الجهاد في سبيله الله. # وقوله { نسوا الله فنسيهم } معناه تركوا امر الله يعني صار بمنزلة ~~المنسي بالسهو عنه فجازاهم الله بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ~~ورحمته، وذكر ذلك لازدواج الكلام. وقال قتادة: اي نسوا من الخير ولم ~~ينسوا من الشر. ثم اخبر تعالى فقال { إن المنافقين } الذين يخادعون ~~المؤمنين باظهار الايمان مع ابطانهم الكفر { هم الفاسقون } الخارجون عن ~~الايمان بالله وبرسوله وعن طاعاته. ### || [9.68] # اخبر الله تعالى بأنه { وعد المنافقين والمنافقات } الذين يظهرون ~~الاسلام ويبطنون الكفر { نار جهنم } يعاقبون فيها أبد الآبدين وكذلك ~~الكفار الذين يتولونهم، وهم على ظاهر الكفر. فلذلك أفردهم بالذكر ليعلم ~~أن الفريقين معا يتناولهم الوعيد وتقول: وعدته بالشر وعيدا ووعدته ~~بالخير وعدا وأوعدته إيعادا وتوعدته توعدا في الشر لا بالخير، وواعدته ~~مواعدة، وتواعدوا تواعدا وقوله { هي حسبهم } يعني نار جهنم والعقاب فيها ~~كافيهم، ولعنهم الله يعني أبعدهم الله من جنته وخيره { ولهم } مع ذلك { ~~عذاب مقيم } ومعناه دائم لا يزول وقيل معنى { هي حسبهم } أي هي كفاية ~~ذنوبهم، ووفاء لجزاء عملهم. واللعن الابعاد من الرحمة عقابا على ~~المعصية، ولذلك لا يقال لعن البهيمة كما لا يدعا لها بالعفو. ### || [9.69] # الكاف في قوله { كالذين } في موضع نصب، والتقدير احذروا أن يحل بكم من ~~العذاب والعقوبة كالذين. ويحتمل أن يكون المراد وعدكم الله على الكفر كما ~~وعد الذين من قبلكم، فشبه المنافقين في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع ~~بلذات الدنيا بمن قبلكم مع أن عاقبة امر الفريقين يؤل إلى العقاب مع أن ~~الأولين كانوا أشد من هؤلاء قوة في ابدانهم وأطول اعمارا واكثر اموالا ~~وأشد تمكينا فلم يقدروا ان يدفعوا عن نفوسهم ما حل بهم من عقاب الله. # وقوله { فاستمتعوا بخلاقهم } فالاستمتاع هو طلب المتعة وهي فعل ما فيه ~~اللذة من ms1809 المآكل والمشارب والمناكح. ومعناه انهم تمتعوا بنصيبهم من الخير ~~العاجل وباعوا بذلك الخير الآجل فهلكوا بشر استبدال، كما تمتعتم ايها ~~المنافقون بخلاقكم اي بنصيبكم والخلاق النصيب سواء كان عاجلا او آجلا. # وقوله { وخضتم كالذي خاضوا } خطاب للمنافقين بأن قيل لهم خضتم في الباطل ~~والكذب على الله كالذين تابعوهم على ذلك من المنافقين وغيرهم من الكفار { ~~حبطت أعمالهم } لأنهم كانوا أوقعوها على خلاف ما أمرهم الله به فلم ~~يستحقوا عليها ثوابا بل استحقوا عليها العقاب، فلذلك كانوا خاسرين ~~أنفسهم ومهلكين لها بفعل المعاصي المؤدي إلى الهلاك وروي عن ابن عباس انه ~~قال في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة كذلك من قبلكم هؤلاء بنوا ~~اسرائيل لشبهنا بهم لا أعلم إلا انه قال # " والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم حجر ضب لدخلتموه " # ومثله روي عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وعن ابي سعيد ~~الخدري مثله. ### || [9.70] # آية في الكوفي والبصري وآيتان في المدنيين آخر الأولى { وثمود }. # قوله { ألم } صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير والتحذير. وإنما ~~حسن في الاستفهام أن يخرج إلى معنى التقرير لأن الاحتجاج بما يلزمهم ~~الاقرار به فقال الله تعالى مخاطبا لنبيه: ألم يأت هؤلاء المنافقين ~~الذين وصفهم خبر من كان قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابراهيم وأصحاب ~~مدين، على وجه الاحتجاج عليهم فيتعظوا، لأن الامم الماضية والقرون ~~السالفة إذا كان الله تعالى إنما أهلكها ودمرها لتكذيبهم رسلها كان تذلك ~~واجبا في كل أمة يساوونهم في هذه العلة، فأقل احوالهم ألا يأمنوا أن ينزل ~~بهم مثل ما نزل بأولئك. قال الرماني: والحكمة تقتضي إذا تساوى جماعة في ~~استحقاق العقاب ان لا يجوز العفو عن بعضهم دون بعض مع تساويهم في ~~الاحوال. وانما يجوز العدول من قوم إلى قوم في الواحد منا للحاجة وهذا ~~يتم على قول من يقول بالأصلح، ومن لا يقول بذلك يقول: هو متفضل بذلك وله ~~ان يتفضل على من يشاء ولا يلزم ان يفعل ذلك بكل مكلف. # وقوله ms1810 { والمؤتفكات } قال الحسن وقتادة: هي ثلاث قريات لقوم لوط ولذلك ~~جمعها بالالف والتاء. وقال في موضع آخر # والمؤتفكة أهوى # فجاء به على طريق الجنس. قال الزجاج: معناه ائتفكت بأهلها انقلبت. ومدين ~~ابن ابراهيم اسم له. وقوله { أتتهم رسلهم بالبينات } معناه جاءت هؤلاء ~~المذكورين الرسل من عند الله معها حجج ودلالات على صدقها فكذبوا بها ~~فأهلكهم الله، وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال { فما كان الله ليظلمهم } ~~اي لم يكن الله ظالما لهم بهذا الاهلاك { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~بأن فعلوا من الكفر والمعاصي ما استحقوا به الهلاك. # وقيل ان الله تعالى اهلك قوم نوح بالغرق. واهلك عادا بالريح الصرصر ~~العاتية. وأهلك ثمود بالرجفة والصاعقة. وأهلك قوم ابراهيم بالتشتيت وسلب ~~الملك والنعمة. وأهلك اصحاب مدين بعذاب يوم الظلة. وأهلك قوم لوط بانقلاب ~~الارض، كل ذلك عدل منه على من ظلم نفسه وعصى الله واستحق عقابه. ### || [9.71] # لما ذكر الله تعالى المنافقين ووصفهم بأن بعضهم من بعض بالاتفاق ~~والتعاضد اقتضى ان يذكر المؤمنين. ويصفهم بضد أوصافهم، فقال تعالى { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } أي يلزم كل واحد منهم نصرة صاحبه ~~وان يواليه وقال الرماني: العقل يدل على وجوب موالاة المؤمنين بعضهم ~~بعضا، لأنها تجري مجرى استحقاق الحمد على طاعة الله والذم على معصيته. ~~ولا يجوز ان يرد الشرع بخلاف ذلك. وإذا قلنا: المؤمن ولي الله معناه أنه ~~ينصر أولياء الله وينصر دينه، والله وليه بمعنى أولى بتدبيره وتصريفه ~~وفرض طاعته عليه. ثم قال { يأمرون بالمعروف } يعني المؤمنين يأمرون بما ~~اوجب الله فعله أو رغب فيه عقلا أو شرعا وهو المعروف { وينهون عن المنكر ~~} وهو ما نهى الله تعالى عنه وزهد فيه إما عقلا أو شرعا. ويضيفون إلى ~~ذلك إقامة الصلاة اي إتيانها بكمالها والمداومة عليها ويخرجون زكاة ~~اموالهم حسب ما أوجبها الله عليهم، ويضعونها حيث امر الله بوضعها فيه ~~ويطيعون الله ورسوله اي يمتثلون امرهما ويتبعون ارادتها ورضاهما. # ثم قال { أولئك سيرحمهم الله } يعني المؤمنين الذين وصفهم ان ستنالهم في ~~القيامة رحمته. ms1811 ثم اخبر عن نفسه فقال { إن الله عزيز حكيم } فالعزيز ~~معناه قادر لا يغلبه احد من الكفار والمنافقين، حكيم في عقاب المنافقين ~~واثابة المؤمنين. وغير ذلك من الافعال. وإنكار المنكر يجب بلا خلاف سمعا ~~وعليه الاجماع وكذلك الأمر بالمعروف واجب، فأما العقل فلا يدل على ~~وجوبهما أصلا. لانه لو أوجب ذلك لوجب ان يمنع الله من المنكر، لكن يجب ~~على المكلف اظهار كراهة المنكر الذي يقوم مقام النهي عنه. وفي الآية ~~دلالة على ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الاعيان لان الله ~~تعالى جعل ذلك من صفات المؤمنين، ولم يخص قوما دون قوم. ### || [9.72] # اخبر الله تعالى بأنه كما وعد المنافقين بنار جهنم والخلود فيها كذلك { ~~وعد الله المؤمنين } المعترفين بوحدانيته وصدق رسله وكذلك { المؤمنات ~~جنات } يعني بساتين يجنها الشجر { تجري من تحتها الأنهار } وتقديره تجري ~~من تحت اشجارها الأنهار. وقيل: أنهار الجنة أخاديد في الأرض. فلذلك قال { ~~من تحتها } وانهم فيها خالدون اي دائمون { ومساكن طيبة } معناه وعدهم ~~مساكن طيبة. والمسكن الموضع الذي يسكن وروى الحسن انها قصور من اللؤلؤ ~~والياقوت الاحمر والزبرجد الاخضر مبنية بهذه الجواهر. وقوله { في جنات ~~عدن } فالعدن الاقامة والخلود، ومنه المعدن قال الاعشى: # وان يستضافوا إلى حكمه # يضافوا إلى راجح قد عدن # وروي أنها جنة لا يسكنها إلا النبيون والشهداء والصالحون. # وقوله { ورضوان من الله أكبر } قال الرماني: الرضوان معنى يدعو إلى ~~الحمد بالاجابة يستحق مثله بالطاعة فيما تقتضيه الحكمة. وانما رفع { ~~رضوان } لأنه استأنفه للتعظيم كما يقول القائل: اعطيتك ووصلتك ثم يقول: ~~وحسن رأي فيك ورضاي عنك خير من جميع ذلك. وقوله { ذلك هو الفوز العظيم } ~~معناه هذا النعيم الذي وصفه هو النجاح العظيم الذي لا شيء فوقه ولا اعظم ~~منه. ### || [9.73] # امر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وآله أن يجاهد الكفار ~~والمنافقين والجهاد هو ممارسة الأمر الشاق والجهاد يجب باليد واللسان ~~والقلب، فمن امكنه الجميع وجب عليه جميعه. ومن لم يقدر باليد فباللسان ~~فان لم يقدر ms1812 فبالقلب. واختلفوا في كيفية جهاد الكفار والمنافقين. فقال ~~ابن عباس: جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين باللسان والوعظ والتخويف، ~~وهو قول الجبائي. وقال الحسن وقتادة: جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين ~~باقامة الحدود عليهم. وكانوا اكثر من يصيب الحدود. وقال ابن مسعود: هو ~~بالانواع الثلاثة حسب الامكان فان لم يقدر فليكفهر في وجوههم وهو الاعم. # ووري في قراءة اهل البيت عليهم السلام { جاهد الكفار بالمنافقين }. # وقوله { واغلظ عليهم } امر منه تعالى لنبيه ان يقوي قلبه على احلال ~~الالم بهم واسماعهم الكلام الغليظ الشديد ولا يرق عليهم. ثم قال { ~~ومأواهم جهنم } اي منزلهم جهنم ومقامهم. والمأوى منزل مقام، لا منزل ~~ارتحال. ومثله المثوى والمسكن وقوله { وبئس المصير } اخبار منه تعالى ان ~~مرجع هؤلاء ومآلهم بئس المرجع والمآل. ### || [9.74] # اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال عروة وابن اسحاق ومجاهد: إنها ~~نزلت في الخلاس بن سويد بن الصامت بأنه قال: فان كان ما جاء به محمد حقا ~~لنحن شر من الحمير، ثم حلف بالله أنه ما قال. وقال قتادة: نزلت في عبد ~~الله بن ابي بن سلول حين قال # لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل # وقال الحسن: كان ذلك في جماعة من المنافقين. وقال الواقدي والزجاج: نزلت ~~في اهل العقبة فانهم ائتمروا أن يغتالوا رسول الله في عقبة في الطريق عند ~~مرجعهم من تبوك. وأرادوا ان يقطعوا اتساع راحلته، واطلعه الله على ذلك. ~~وكان ذلك من معجزاته صلى الله عليه وآله لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا ~~بوحي من الله تعالى، فسار رسول الله في العقبة وحده وأمر الناس كلهم ~~بسلوك بطن الوادي وكانوا اثني عشر رجلا أو خمسة عشر رجلا على الخلاف فيه. ~~وعرفهم واحدا واحدا عمار بن ياسر وحذيفة، وكان احدهما يقود ناقة رسول ~~الله والآخر يسوقها، والحديث مشروح في كتاب الواقدي. وقال ابو جعفر عليه ~~السلام كانوا ثمانية من قريش واربعة من العرب وقوله { وهموا بما لم ~~ينالوا } قيل فيه ثلاثة اقوال: # احدها - قال مجاهد: هم المنافقون بما ms1813 لم يبلغوه من التنفير برسول الله. # الثاني - قال قتادة: هموا بما ذكر في قوله { ليخرجن الأعز منها الأذل } ~~فلم يبلغوا ذلك. # والثالث - عن مجاهد أنهم هموا بقتل من أنكر عليهم ذلك. وقال بعضهم: كان ~~المنافقون قالوا: لو رجعنا وضعنا التاج على رأس عبد الله ابن ابي، فلما ~~اوقفوا على ذلك حلفوا بأنهم ما قالوا ذلك ولا هموا به، فاخبر الله تعالى ~~عن حالهم انهم يحلفون بالله ما قالوا، ثم اقسم تعالى بانهم قالوا ذلك، ~~لان لام لقد لام القسم وانهم قالوا كلمة الكفر، وهي كل كلمة فيها جحد ~~لنعم الله او بلغت منزلتها في العظم، وكانوا يطعنون في الاسلام والنبوة، ~~وأخبر انهم هموا بما لم يبلغوه. والهم مقاربة الفعل بتغليبه في النفس ~~تقول: هم بالشيء يهم هما، ومنه قوله # ولقد همت به وهم بها لولا أن رءا # وليس الهم من العزم في شيء إلا ان يبلغ نهاية العزم في النفس. والنيل ~~لحوق الأمر. ومنه قوله (نال السيف ونال ما اشتهى او قدر او تمنى) فهؤلاء ~~قدروا في انفسهم من كيد الاسلام ما لم يبلغوه. # وقوله { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } يعني ما فتح ~~الله عليهم من الفتوح وأخذ الغنائم واستغنوا بعد أن كانوا محتاجين وقيل ~~في معناه قولان: احدهما - انهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغنى ~~أن نقموا قال الشاعر: # ما نقموا من بني أمية إلا # انهم يحلمون ان غضبوا # والآخر - انهم بطروا النعمة بالغنى فنقموا بطرا واشرا فهم لا يفلحون ~~بهذه الحال ولا بعدها. والفضل الزيادة في الخير على مقدار ما. والتفضل هو ~~الزيادة من الخير الذي كان للقادر عليه ان يفعله وأن لا يفعله. # ثم قال تعالى { فإن يتوبوا } هؤلاء المنافقون ويرجعوا إلى الحق { يك ~~خيرا لهم } في دينهم ودنياهم فانهم ينالون بذلك رضى الله ورسوله والجنة ~~{ وإن يتولوا } اي يعرضوا عن الرجوع إلى الحق وسلوك الطريق الصحيح { ~~يعذبهم الله عذابا أليما } اي مؤلما { في الدنيا } بما ينالهم من ~~الحسرة والغم وسوء الذكر ms1814 وانواع المصائب وفي { الآخرة } بعذاب النار { ~~وما لهم في الأرض } اي ليس لهم في الارض { من ولي اي محب { ولا نصير } ~~يعني من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله. وقيل: إن خلاسا تاب بعد ذلك، ~~وقال: استثنى الله تعالى لي التوبة فقبل الله توبته. ### || [9.75] # اخبر الله تعالى أن من جملة المنافقين الذين تقدم ذكرهم { من عاهد الله ~~لئن آتانا من فضله لنصدقن } أي منه { ولنكونن من الصالحين } بانفاقه في ~~طاعة الله وصلة الرحم والمواساة وأن يعمل الاعمال الصالحة التي يكون بها ~~صالحا. # وقيل: نزلت الآية في بلتعة بن حاطب كان محتاجا فنذر لئن استغنى ليصدقن ~~فأصاب اثني عشر الف درهم، فلم يتصدق، ولم يكن من الصالحين. هكذا قال ~~الواقدي. وقال ابن اسحاق: هما بلتعة ومقنب بن قشير. وقيل: سبب ذلك أنه ~~قتل مولى له فأخذ ديته اثني عشر ألف درهم: أعطاه النبي صلى الله عليه ~~وآله. # فإن قيل: كيف يصح أن يعاهد الله من لا يعرفه؟ # قلنا: إذا وصفه بأخص صفاته جاز منه أن يصرف عهده اليه وإن جاز أن يكون ~~غير عارف وقال الجبائي: كانوا عارفين، وانما كفروا بالنبي صلى الله عليه ~~وآله. والمعاهدة هي أن يقول علي عهد الله لأفعلن كذا، فانه يكون قد عقد ~~على نفسه وجوب ما ذكره، لأن الله تعالى حكم بذلك وقدر وجوبه عليه في ~~الشرع. # والآية دالة على وجوب الوفاء بالعهد. واللام الاولى من قوله { لئن آتانا ~~من فضله } والثانية من قوله { لنصدقن } جميعهما لام القسم غير أن الأولى ~~وقعت موقع الجواب، والتقدير علينا عهد الله لنصدقن إن آتانا من فضله. ولا ~~يجوز أن تكون اللام الأولى لام الابتداء، لأن لام الابتداء لا تدخل إلا ~~على الاسم المبتدأ، لأنها تقطع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها إلا في باب ~~(إن) فانها زحلقت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، ويجوز ان يقول: ان ~~رزقني الله مالا صلحت بفعل الصلاة والصوم لأن ذلك واجب عليه آتاه مالا ~~أولم يؤته. ### || [9.76] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين ms1815 الذين عاهدوا الله، وقالوا متى ~~آتانا الله من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين أنه آتاهم ما اقترحوه ~~ورزقهم ما تمنوه من الأموال، وانهم لما آتاهم ذلك شحت نفوسهم عن الوفاء ~~بالعهد. # ومعنى (لما) معنى (اذا) إلا أن (لما) الغالب عليها الجزاء، وهي إسم، ~~لأنها تقع في جواب (متى) على تقدير الوقت كقولك: متى كان هذا، فيقول ~~السامع: لما كان ذلك. و (لما) و (لو) لا يكونان إلا لما مضى بخلاف (إن) و ~~(إذا) فانهما لما يستقبل الا أن (لو) على تقدير نفي وجوب الثاني لانتفاء ~~الأول و (لما) يدل على وقوع الثاني لوقوع الاول. # والبخل منع النائل لشدة الاعطاء، ثم صار في اسماء الذي منع الواجب، لأن ~~من منع الزكاة فهو بخيل. قال الرماني: ولا يجوز أن يكون البخل منع الواجب ~~بمشقة الاعطاء قال الزهير: # ان البخيل ملوم حيث كان ول # كن الجواد على علاته هرم # قال: لأنه يلزم على ذلك ان يكون الجود هو بذل الواجب من غير مشقة. وإنما ~~قال زهير ما قاله لأن البخل صفة نقص. قال الرماني: ومن منع ما لا يضره ~~بذله ولا ينفعه منعه مما تدعو اليه الحكمة فهو بخيل، لانه لا يقع المنع ~~على هذه الصفة إلا لشدة في النفس، وإن لم يرجع إلى ضرر؛ وقال عبد الله بن ~~عمر والحسن ومحمد ابن كعب القرطي: يعرف المنافق بثلاث خصال: إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد خلف وإذا ائتمن خان. وخالفهم عطاء ابن ابي رياح في ذلك وقال: إن ~~النبي صلى الله عليه وآله إنما قال ذلك في قوم من المنافقين. وروي ان ~~الحسن رجع إلى قول عطاء. وقوله { وتولوا } اي أعرضوا عما عاهدوا الله ~~عليه. وقوله { وهم معرضون } اخبار منه بأنهم معرضون عن الحق بالكلية. ### || [9.77] # بين الله تعالى أنه أعقب هؤلاء المنافقين ومعناه أورثهم وأداهم إلى نفاق ~~في قلوبهم بخلهم بما آتاهم الله من فضله مع الاعراض عن أمر الله، وهو قول ~~الحسن وقال مجاهد: معناه أعقبهم ذلك بحرمان التوبة كما حرم ابليس، ms1816 وجعل ~~ذلك إمارة ودلالة على أنهم لا يتوبون أبدا لأحد شيئين: من قال: اعقبهم ~~بخلهم رد الضمير اليه. والمعنى يلقون جزاء بخلهم. ومن ذهب إلى ان الله ~~أعقبهم رد الضمير إلى اسم الله. # وقوله { بما أخلفوا الله ما وعدوه } فالاخلاف نقض ما تقدم به العقد من ~~وعد أو عزم وأصله الخلاف، لأنه فعل خلاف ما تقدم به العقد. والوعد متى ~~كان بأمر واجب أو ندب أو أمر حسن قبح الاخلاف، وان كان الوعد وعدا بقبيح ~~كان إخلافه حسنا. وقوله { وبما كانوا يكذبون } يقوي قول من قال: إن ~~الضمير عائد إلى الله لأنه بين انه انما فعل ذلك جزاء على اخلافهم وعده ~~وجزاء على ما كانوا يكذبون في اخبارهم عليه. ### || [9.78] # الالف في قوله { ألم يعلموا } الف استفهام والمراد به الانكار. يقول ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { ألم يعلموا } هؤلاء المنافقون { ~~أن الله يعلم سرهم } يعني ما يخفون في أنفسهم وما يتناجون بينهم، والمعنى ~~انه يجب عليهم أن يعلموا ذلك. تقول: اسره إسرارا، واستسر استسرارا، ~~وساره مسارة وسرارا، وتسارا إسرارا، والاسرار اخفاء المعنى في النفس ~~والنجوى رفع الحديث باظهار المعنى لمن يسلم عنده من اخراجه إلى عدو فيه ~~لأنه من النجاة تقول: ناجاه مناجاة، وتناجوا تناجيا فكأن هؤلاء ~~المنافقون يسرون في أنفسهم الكفر ويتناجون به بينهم. وقيل: السر ~~والنجوى واحد مكرر باختلاف اللفظين كما يقول القائل: آمرك بالوفاء وأنهاك ~~عن الغدر والمعنى واحد مكرر باختلاف اللفظين. وقوله { أن الله علام ~~الغيوب } معناه يعلم كل ما غاب عن العباد مما غاب عن احساسهم او ادراكهم ~~من موجود أو معدوم من كل وجه يصح ان يعلم منه، لأنها صفة مبالغة واقتضى ~~ذكر العلم - ها هنا - حال المنافقين في كفرهم سرا وإظهارهم الايمان ~~جهرا، فقيل لهم ان المجازي لكم يعلم سركم ونجواكم، كما قال: ذو الرمة في ~~معنى واحد بلفظين مختلفين: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي انيابها شنب # فاللعس حوة وكرر لاختلاف اللفظين، ويمكن ان يكون لما ذكر الحوة ms1817 خشي أن ~~يتوهم السامع سوادا قبيحا فبين انه لعس لأنه يستحسن ذلك. ### || [9.79] # قيل: نزلت هذه الآية في علية بن زيد الحارثي وزيد بن اسلم العجلاني فجاء ~~عليه بصاع نم تمر فنثره في الصدقة، وقال: يا رسول الله عملت في النخل ~~بصاعين فصاعا تركته لأهلي وصاعا اقرضته ربي، وجاء زيد بن أسلم بصدقة ~~فقال: معتب ابن قشير وعبد الله بن نهيك إنما أراد الرياء. وقال قتادة ~~وغيره من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في حجاب بن عثمان، لأنه أتى النبي ~~صلى الله عليه وآله بصاع من تمر وقال: يا رسول الله إني عملت في النخل ~~بصاعين من تمر فتركت للعيال صاعا واهديت لله صاعا. وجاء عبد الرحمن بن ~~عوف بأربعة آلاف دينار وهي شطر ماله للصدقة، فقال المنافقون: إن عبد ~~الرحمن لعظيم الرياء، وقالوا في الآخر: إن الله لغني عما أتى به، فأنزل ~~الله تعالى الآية فقال { الذين يلمزون المطوعين } أي ينسبونهم إلى النقص ~~في النفس يقولون: لمزه يلمزه لمزا إذا انتقصه وعابه والمطوعين على وزن ~~(المتفعلين) وتقديره المتطوعين. فأدغمت التاء في الطاء، ومعناه المتقلين ~~من طاعة الله بما ليس بواجب عليهم، لأن الخير قد يكون واجبا وقد يكون ~~ندبا وقد يكون مباحا ولا يستحق المدح الا على الواجب والندب دون ~~المباح، وقوله { والذين لا يجدون الا جهدهم } والجهد هو الحمل على النفس ~~بما يشق تقول: جهده يجهده جهدا وجهدا - بالضم والفتح - كالوجد والوجد ~~والضعف والضعف. وقال الشعبي: الجهد في العمل والجهد في القوت. وقوله { ~~فيسخرون منهم } يعني المنافقين يهزؤون بالمطوعين { سخر الله منهم } اي ~~يجازيهم على سخريتهم بأنواع العذاب { ولهم عذاب أليم } اي مؤلم موجع. ~~ولما كان ضرر سخريتهم عائدا عليهم جاز ان يقال { سخر الله منهم } لا انه ~~يفعل السخرية. ### || [9.80] # قوله { استغفر لهم } صيغته صيغة الأمر والمراد به المبالغة في الأياس من ~~المغفرة انه لو طلبها طلبة المأمور بها أو تركها ترك المنهي عنها لكان ~~ذلك سواء في ان الله لا يفعلها، كما قال في موضع آخر ms1818 # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم # والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى بالدعاء بها والمغفرة ستر المعصية ~~برفع العقوبة عليها. وتعليق الاستغفار بالسبعين مرة، والمراد به المبالغة ~~لا العدد المخصوص، ويجري ذلك مجرى قول القائل: لو قلت ألف مرة ما قبلت، ~~والمراد بذلك إني لا أقبل منك، وكذلك الآية المراد بها نفي الغفران جملة. ~~وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال # " والله لأزيدن على السبعين " # خبر واحد لا يلتفت اليه؛ ولان في ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله ~~استغفر للكفار وذلك لا يجوز بالاجماع. وقد روي أنه قال # " لو علمت اني لو زدت على السبعين مرة لغفر لفعلت ". # وكان سبب نزول هذه الاية ان النبي صلى الله عليه وآله كان اذا مات ميت ~~صلى عليه واستغفر له، ولم يكن بمنزلة المنافقين بعد، فأعلمه الله تعالى ~~ان في جملة من تصلي عليهم من هو منافق وإن استغفاره له لا ينفع قل ذلك ام ~~كثر، ثم نهى الله نبيه أن يصلي على أحد منهم وأن يستغفر له حين عرفه ~~اياهم بقوله # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره # الاية. وقوله { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } اشارة منه تعالى إلى ان ~~ارتفاع الغفران انما كان لأنهم كفروا بالله وجحدوا نعمه، وكفروا برسوله ~~فجحدوا نبوته { والله لا يهدي القوم الفاسقين } فمعناه انه لا يهديهم إلى ~~طريق الجنة والثواب. فأما الهداية إلى الايمان بالاقرار بالتوحيد لله ~~والاعتراف بنبوة النبي صلى الله عليه وآله فقد هدى الله اليه كل مكلف ~~متمكن من النظر والاستدلال؛ بأن نصب له على ذلك الدلالة وأوضحها له. ### || [9.81] # اخبر الله تعالى بأن جماعة من المنافقين الذين خلفهم النبي صلى الله ~~عليه وآله ولم يخرجهم معه إلى تبوك لما استأذنوه في التأخر فأذن لهم، ~~فرحوا بقعودهم خلاف رسول الله. والمخلف المتروك خلف من مضى، ومثله المؤخر ~~عمن مضى تقول: خلف تخليفا وتخلف تخلفا. والفرح ضد الغم، والغم ضيق ms1819 ~~الصدر بفوت المشتهى، وعند البصريين من المعتزلة هو اعتقاد وصول الضرر ~~اليه في المستقبل او دفع الضرر المظنون والمعلوم عنه. ومعنى خلاف رسول ~~الله قال أبو عبيدة: بعد رسول الله وأنشد: # عقب الربيع خلافهم فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # وقال غيره: معناه المصدر من قولك خالف خلافا وهو نصب على المصدر. # وقوله { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } اخبار منه ~~تعالى ان هؤلاء المخلفين فرحوا بالتأخر وكرهوا إنفاق أموالهم والجهاد ~~بنفوسهم في سبيل الله، فالجهاد بالمال هو تحمل لمشقة الانفاق في وجوه ~~البر، والجهاد بالنفس هو تعريضها لما يشق عليها اتباعا لأمر الله. وقوله ~~{ لا تنفروا في الحر } معناه انهم قالوا لنظرائهم ومن يقبل منهم: لا ~~تخرجوا في الوقت الحار، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم ~~{ نار جهنم اشد حرا لو كانوا يفقهون } لأنهم توقوا بالقعود عن الخروج ~~حر الشمس، فخالفوا بذلك أمر الله وأمر رسوله، واستحقوا حر نار جهنم، ~~وكفى بهذا الاختيار جهلا ممن اختاره. وقوله { لو كانوا يفقهون } معناه لو ~~كانوا يفقهون وعظ الله وتحذيره وتزهيده في معاصيه. ### || [9.82] # قوله { فليضحكوا } صيغته صيغة الامر والمراد به التهديد، وإنما قلنا: ~~إنه بصورة الأمر، لأن اللام ساكنة ولو كانت لام الاضافة لكانت مكسورة ~~لأنها تؤذن بعملها للجزاء المناسب لها، فلذلك الزمت الحركة. والمراد ~~بالاية الاخبار عن حال هؤلاء المنافقين وأنها في وجه الضحك كحال المأمور ~~منه فيما يؤل اليه من خير أو شر على صاحبه، فلذلك دخله معنى التهدد، ~~والضحك حال تفتح وانبساط يظهر في وجه الانسان عن تعجب مع فرح، والضحاك هو ~~الانسان خاصة. والبكاء حال يظهر عن غم في الوجه مع جري الدموع على الخد، ~~وهو ضد الضحك تقول: بكا بكاءا، وأبكاه الله ابكاءا، وبكاه تبكية وتباكى ~~تباكيا واستبكى استبكاءا ومعنى الآية أن يقال لهؤلاء المنافقين: ~~فاضحكوا بقليل تمتعكم في الدنيا فانكم ستبكون كثيرا يوم القيامة إذا ~~حصلتم في العقاب الدائم { جزاء بما كانوا يكسبون } نصب (جزاء) على المصدر ~~أي تجزون على ms1820 معاصيكم، ذلك جزاء على أفعالكم التي اكتسبتموها. ### || [9.83] # قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { فإن رجعك الله } يعني ان ردك ~~الله { إلى طائفة منهم يعني جماعة. فالرجوع هو تصيير الشيء إلى المكان ~~الذي كان فيه، تقول: رجعته رجعا كقولك رددته ردا، وقد يكون التصيير ~~إلى الحال التي كان عليها كرجوع الماء إلى حال البرودة. والطائفة الجماعة ~~التي من شأنها أن تطوف ولهذا لا يقال في جماعة الحجارة طائفة، وقد يسمى ~~الواحد بأنه طائفة بمعنى نفس طائفة والأول اظهر. وقوله { فاستأذنوك ~~للخروج } اي طلبوا منك الاذن في الخروج في غزوة أخرى، والاذن رفع التبعة ~~في الفعل وأصله أن يكون بقول يسمع بالاذن. والخروج الانتقال عن محيط، ~~فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم حينئذ { لن تخرجوا معي أبدا ~~} اي لا يقع منكم الخروج أبدا، فالابد الزمان المستقبل من غير انتهاء ~~إلى حد، ونظير للماضي (قط) إلا انه مبني كما بني أمس لتضمنه حروف التعريف ~~واعرب (الابد) كما اعرب (غد) لأن المستقبل أحق بالتنكير. # وقوله { ولن تقاتلوا معي عدوا } اخبار بأنهم لا يفعلون ذلك ابدا ولا ~~يختارونه. وقوله { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } ~~معناه اخبار منه تعالى انهم رضوا بالقعود أول مرة فينبغي ان يقعدوا مع ~~الخالفين. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن وقتادة: هم ~~النساء والصبيان. وقال ابن عباس: هم من تأخر من المنافقين. وقال الجبائي: ~~هم كل من تأخر لمرض او نقص وقيل: معناه مع اهل الفساد مشتقا من قولهم: ~~خلف خلوفا اي تغير إلى الفساد. وقيل: الخالف كل من تأخر عن الشاخص. ### || [9.84] # هذا نهي من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله عن أن يصلي على أحد من ~~المنافقين او يقوم على قبره ومعناه أن يتولى دفنه او ينزل في قبر كما ~~يقال: قام فلان بامر فلان. وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وجابر: صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله على عبد الله ابن أبي بن ابي سلول ms1821 والبسه ~~قمصيه قبل أن ينهي عن الصلاة على المنافقين. وقال أنس: أراد أن يصلي عليه ~~فأخذ جبرائيل بثوبه. وقال له { لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم ~~على قبره }. # والصلاة على الأموات فرض على الكفايات إذا قام به قوم سقط عن الباقين. ~~واقل من يسقط به الفرض واحد وهي دعاء ليس فيها قراءة ولا تسبيح، وفيه ~~خلاف. وفيها خمس تكبيرات عندنا، وعند الفقهاء أربع تكبيرات، فالتكبيرة ~~الأولى يشهد بعدها الشهادتين ويكبر بالثانية، ويصلي بعدها على النبي صلى ~~الله عليه وآله ويكبر الثالثة ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويكبر الرابعة ~~ويدعو للميت إن كان مؤمنا وعليه إن كان منافقا، ويكبر الخامسة ويقف ~~يومي إلى يمينه حتى ترفع الجنازة، وليس فيها تسليم. وسمعت أبا الطيب ~~الطبري وكان امام أصحاب الشافعي يقول: الخلاف بيننا وبينكم في عبارة، لأن ~~عندكم ينصرف بالخامسة. وعندنا بالتسليم، فجعلتم مكان التسليم التكبير. ~~وذلك خلاف في عبارة. # وقوله { مات } موضع { مات } جر لأنه صفة ل { أحد } لان تقديره على احد ~~ميت منهم و { أبدا } منصوب متصل، و { أحد } هذه هي التي تكون في النفي ~~دون الايجاب لأنه يصح النهي عن الصلاة عليهم مجتمعين ومتفرقين، كما يصح ~~في النفي ولا يمكن في الايجاب لأنه كنفي الضدين في حال واحدة، فانه لا ~~يصح اثباتها في حال أصلا. والقبر حفرة يدفن فيها الميت، تقول: قبرته ~~اقبره قبرا فأنا قابر وهو مقبور وأقبرت فلانا اقبارا اذا جعلته بقبره. # وقوله { إنهم كفروا بالله ورسوله } والمعنى انما نهيتك عن الصلاة عليهم ~~لأنهم كفروا بالله ورسوله، فهي للتعليل، وانما كسرت لتحقيق الاخبار بأنهم ~~على الصفة التي ذكرها وأنهم { ماتوا وهم فاسقون } اي خارجون عن طاعة الله ~~إلى معصيته. ### || [9.85] # قد مضى تفسير مثل هذه الآية فلا وجه لاعادته وبينا أنه خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وآله والمراد به الامة، ينهاهم الله أن يعجبوا بما اعطى الله ~~الكفار من الأموال والأولاد في الدنيا حتى يدعوهم ذلك إلى الصلاة عليهم، ~~ولا ينبغي ان يغتروا بذلك فانما يريد الله ms1822 ان يعذبهم بها في الدنيا، ~~لأنهم لا ينفقونها في طاعة الله ولا يخرجون حق الله منها. ويجوز أن ~~يعذبهم بها في الدنيا بما يلحقهم فيها من المصائب والغموم وبما يأخذها ~~المسلمون على وجه الغنيمة وبما يشق عليهم من إخراجها في الزكاة والانفاق ~~في سبيل الله مع اعتقادهم بطلان الاسلام وتشدد ذلك عليهم ويكون عذابا ~~لهم، وان نفوسهم تزهق اي تهلك بالموت { وهم كافرون } أي في حال كفرهم، ~~فلذلك عذبهم الله في الآخرة. والاعجاب هو ايجاد السرور بما يتعجب منه من ~~عظيم الاحسان، تقول: اعجبني امره اعجابا اذا سررت بموضع التعجب منه ~~والزهق خروج النفس بمشقة شديدة ومنه قوله # فإذا هو زاهق # أي هالك. # وقيل: في وجه حسن تكرار هذه الآية دفعتين قولان: # احدهما - قال ابو علي: يجوز أن تكون الآيتان في فريقين من المنافقين كما ~~يقول القائل: لا يعجبك حال زيد ولا يعجبك حال عمرو. # الثاني - أن يكون الغرض البيان عن قوة هذا المعنى فيما ينبغي ان يحذر ~~منه مع أنه للتذكير في موطنين بعد احدهما عن الاخر، فيجب العناية به، ~~وليس ذلك بقبيح، لأن الواحد منا يحسن به أن يقوم في مقام بعد مقام، ويكرر ~~الوعظ والزجر والتخويف ولا يكون ذلك قبيحا. ### || [9.86] # بين الله تعالى في هذه الآية أنه إذا أنزل سورة من القرآن على النبي صلى ~~الله عليه وآله { أن آمنوا } ومعناه بأن آمنوا فحذفت الباء وجعل { أن ~~آمنوا } في موضع نصب والتقدير بالايمان على وجه الأمر ولا يجوز الحذف مع ~~صريح المصدر، وإنما جاز مع (أن) للزوم الصلة والحمل على التأويل في اللفظ ~~كما حمل على المعنى. وهذا خطاب للمؤمنين وأمر لهم بأن يدوموا على الايمان ~~ويتمسكوا به في مستقبل الأوقات ويدخل فيه المنافق ويتناوله الأمر بأن ~~يستأنف الايمان ويترك النفاق ثم يجاهدوا بعد ذلك بنفوسهم وأموالهم لأنه ~~لا ينفعهم الجهاد مع النفاق. # وقوله { استأذنك أولوا الطول } معناه أن ذوي الغنى من المنافقين إذا ~~انزلت السورة يأمرهم فيها بالايمان والجهاد يستأذنون النبي صلى الله عليه ~~وآله ms1823 في القعود والتأخر عنه. مع اعتقادهم بطلان الاسلام فيشد ذلك عليهم ~~ويكون عذابا لهم - وهو قول الحسن وابن عباس - فانهما قالا: إنما لحق ~~هؤلاء الذم لأنهم أقوى على الجهاد. وقوله { وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين ~~} اخبار منه تعالى أن هؤلاء المنافقين من ذوي الغنى يقولون للنبي صلى ~~الله عليه وآله: اتركنا نكن مع القاعدين من الصبيان والزمنى والمرضى ~~الذين لا يقدرون على الخروج. قال الرماني: والسورة جملة من القرآن تشتمل ~~على آيات قد احاطت بها كما يحيط سور القصر بما فيه، وسؤر الهر بقيته من ~~الماء. والجهاد بالقتال دفعا عن النفس معلوم حسنه عقلا لأنه مركوز في ~~العقل وجوب التحرز من المضار، وليس في العقل ما يدل على انه يجب على ~~الانسان ان يمنع غيره من الظلم وإنما يعلم ذلك سمعا. ### || [9.87] # اخبر الله تعالى بأن هؤلاء الذين قالوا { ذرنا نكن مع القاعدين } من ~~المنافقين رضوا لنفوسهم أن يكونوا مع الخوالف وهم النساء والصبيان ~~والمرضى والمقعدون. قال الزجاج: الخوالف النساء لتخلفهن عن الجهاد، ويجوز ~~أن يكون جمع خالفة في الرجال، والخالف والخالفة الذي هو غير نجيب، ولم ~~يأت في (فاعل) (فواعل) صفة إلا حرفين قولهم: فارس وفوارس. وهالك وهوالك. # وقوله { وطبع على قلوبهم } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه تعالى يجعل نكته سوداء في قلب المنافق والكافر لتكون علامة ~~للملائكة يعرفون بها أنه ممن لا يفلح أبدا. # الثاني - أن يكون المراد بذلك الذم لها بأنها كالمطبوع عليها فلا يدخلها ~~صبر ولا ينتفي عنها شر، لأن حال الذم لها يقتضي صفات الذم، كما أن حال ~~المدح يقتضي صفات المدح، كما قال جرير في قصيدة أولها: # أتصحوا أم فؤادك غير صاح # عشية هم صحبك بالرواح # ألستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح # ولا تحمل الا على المدح دون الاستفهام. والطبع في اللغة هو الختم تقول: ~~طبعه وختمه بمعنى واحد. ### || [9.88] # لما أخبر الله تعالى عن حال المتأخرين عن النبي صلى الله عليه وآله ~~والقاعدين عن الجهاد معه وأنهم منافقون قد ms1824 طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون. ~~أخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله ومن معه من المؤمنين المطيعين لله ~~ورسوله بأنهم يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بالاموال التي ~~ينفقونها في مرضاة الله وعدة الجهاد ويقاتلون الكفار بنفوسهم. ثم اخبر ~~عما أعدلهم من الجزاء على أفعالهم تلك وانقيادهم لله ورسوله، فقال { ~~أولئك } يعني النبي والذين معه { لهم الخيرات } في الجنة ونعيمها ~~وخيراتها، وانهم المفلحون ايضا الفائزون بكرامة الله. والخيرات هي ~~المنافع التي تسكن النفس اليها وترتاح بها من النساء الحسان وغيره من ~~نعيم الجنان واحده خيرة - هذا قول ابي عبيدة - وقال رجل من بني عدي: # ولقد طعنت مجامع الربلات # ربلات هند خيرة الملكات # والفلاح النجاح بالوصول إلى البغية من نجح الحاجة وهو قضاؤها. ### || [9.89] # بين الله تعالى انه { أعد } لهؤلاء المؤمنين والرسول { جنات } يعني ~~بساتين { تجري من تحتها } ومعناه من تحت اشجارها { الأنهار }. والاعداد ~~جعل الشيء مهيئا لغيره تقول: اعد إعدادا واستعد له استعدادا وهو من ~~العدد؛ لأنه قد عد الله جميع ما يحتاج إلى تقديمه له من الامور ومثله ~~الاتخاذ. والوجه في اعداد ذلك قبل مجيء وقت الجزاء أن تصوره لذلك ادعى ~~إلى الطاعة وآكد في الحرص عليها ويحتمل أن يكون المراد أنه سيجعل لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار غير أنه ترك للظاهر. وقوله { ذلك الفوز ~~العظيم } اشارة إلى ما أعده لهم واخبار منه بأنه الفوز العظيم. والفوز ~~النجاة من الهلكة إلى حال النعمة، وسميت المهلكة مفازة تفاؤلا بالنجاة ~~وإنما وصفه بالعظيم لأنه حاصل على جهة الدوام. ### || [9.90] # قرأ يعقوب وقتيبة { المعذرون } بسكون العين وتخفيف الذال. الباقون بفتح ~~العين وتشديد الذال، وجه قراءة من قرأ بالتخفيف أنه اراد جاءوا بعذر. ومن ~~قرأ بالتشديد احتمل أمرين: احدهما - انه اراد المعتذرون، كان لهم عذر ~~أولم يكن، وإنما أدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما مثل قوله " يذكرون ~~ويدكرون " وغير ذلك، وأصله يتذكرون. الثاني - انه أراد المقصرون، ~~والمعذر المقصر، والمعذر المبالغ الذي له عذر. وأما المعتذر فانه يقال ~~لمن له عذر ولمن ms1825 لا عذر له قال لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # معناه جاء بعذر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعذرون الذين يعتذرون ~~فيوهمون أن لهم عذرا ولا عذر لهم وروي عن ابن عباس انه قرأ بالتخفيف، ~~وقال: لعن الله المعذرين أراد من يعتذر بغير عذر، وبالتخفيف من بلغ أقصى ~~العذر. وأصل التعذير التقصير مع طلب إقامة العذر، عذر في الامر تعذيرا ~~اذا لم يبالغ فيه. والفرق بين الاعتذار والتعذير، أن الاعتذار قد يكون ~~بعذر من غير تصحيح الأمر، والتعذير تقصير يطلب معه اقامة العذر فيه. ~~واختلفوا في معنى { وجاء المعذرون } على قولين: قال قتادة واختاره ~~الجبائي: انه من عذر في الأمر تعذيرا إذا قصر. وقال مجاهد: جاء أهل ~~العذر جملة على معنى المعتذرين. وقال الحسن: اعتذروا بالكذب. وقال قوم: ~~إنما جاء بنو عفار، خفاف بن ايماء بن رخصة وقومه. # ومعنى الاية أن قوما من الأعراب جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~يظهرون أنهم مؤمنون ولم يكن لهم في الايمان والجهاد نية فيعرفون نفوسهم ~~عليه وغرضهم أن يأذن النبي صلى الله عليه وآله لهم في التخلف، فجعلوا ~~عرضهم أنفسهم عليه عذرا في التخلف عن الجهاد. # وقوله { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } يعني المنافقين، لأنهم الذين ~~كذبوا الله ورسوله فيما كانوا يظهرون من الايمان، فقال الله { سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم } اي ينالهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة. ### || [9.91] # عذر الله تعالى في هذه الآية من ذكره ووصفه، فقال { ليس على الضعفاء } ~~وهو جمع ضعيف، وهو الذي قوته ناقصة بالزمانة وغيرها { ولا على المرضى } ~~وهو جمع مريض وهم الاعلاء { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } يعني من ~~ليس معه نفقة الخروج وآلة السفر { حرج } يعني ضيق وجناح. وأصل الضيق الذي ~~يتعذر معه الامر. وقوله { إذا نصحوا لله ورسوله } شرط تعالى في رفع ~~الجناح والاسم عن المذكورين ان ينصحوا الله ورسوله بأن يخلصوا العمل من ~~الغش، يقال: نصح في عمله نصحا، وناصح نفسه مناصحة، ms1826 ومنه التوبة النصوح. ~~ثم قال { ما على المحسنين من سبيل } أي ليس على من فعل الحسن الجميل ~~طريق. والاحسان هو ايصال النفع إلى الغير لينتفع به مع تعريه من وجوه ~~القبح. ويصح أن يحسن الانسان إلى نفسه ويحمل على ذلك، وهو إذا فعل ~~الأفعال الجميلة التي يستحق بها المدح والثواب. وقوله { والله غفور رحيم ~~} معناه ساتر على ذوي الاعذار بقبول العذر منهم { رحيم } بهم لا يلزمهم ~~فوق طاقتهم. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عابد بن عمرو المزني وغيره. ~~وقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن معقل المزني، فانه وجماعة معه جاءوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: احملنا فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لا أجد ما احملكم عليه. ### || [9.92] # هذه الاية عطف على الاولى والتقدير ليس على الذين جاءوك - وسألوك حملهم ~~حيث لم يكن لهم حملان، فقلت لهم يا محمد { لا أجد ما أحملكم عليه } اي ~~ليس لي حملان فحينئذ { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع } يبكون { حزنا أن ~~لا يجدوا ما ينفقون } في هذا الطريق ويتابعونك - حرج وأثم ولا ضيق وإنما ~~حذف لدلالة الكلام عليه. والحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك ~~تقول حمله يحمله حملا إذا أعطاه ما يحمل عليه. وحمل على ظهره حملا، وحمله ~~الأمر تحميلا وتحمل تحملا، واحتمله احتمالا، وتحامل تحاملا. واللام في ~~قوله { لتحملهم } لام الغرض، والمعنى جاؤك وأرادوا منك حملهم وتقول: وجدت ~~في المال وجدا وجدة، ووجدت الضالة وجدانا ووجدت عليه - من الموجدة - ~~وجدا. والفيض الجري عن امتلاء من حزن قلوبهم، والحزن ألم في القلب لفوت ~~أمر مأخوذ من حزن الأرض وهي الغليظة المسلك. # وقال مجاهد: نزلت هذه الاية في نفر من مزينة، وقال محمد بن كعب القرطي ~~وابن اسحاق: نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى. وقال الحسن: نزلت في ابي ~~موسى واصحابه. وقال الواقدي: البكاؤن سبعة من فقراء الأنصار، فلما بكوا ~~حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبد المطلب رجلين، ويامين بن كعب ms1827 بن ~~نسيل النصري من بني النضير ثلاثة، ومن جملة البكائين عبد الله بن معقل. ~~وقال الواقدي: كان الناس بتبوك ثلاثين الفا، وعشرة آلاف فارس. ### || [9.93] # بين الله تعالى في هذه الآية ان السبيل والطريق بالعقاب والحرج انما هو ~~للذين يطلبون الاذن من رسول الله في المقام، وهم مع ذلك اغنياء يتمكنون ~~من الجهاد في سبيل الله، الراضين بكونهم مع الخوالف من النساء والصبيان ~~ومن لا حراك به. ثم قال: وطبع الله على قلوبهم بمعنى وسم قلوبهم بسمة ~~تعرفها الملائكة فيميزون بينهم وبين غيرهم من المؤمنين، ويحتمل أن يكون ~~المراد انه بمنزلة المطبوع في أن لا يدخلها الايمان كما لو طبعوا على ~~الكفر. ومثله قوله { صم بكم عمي } ومعناه لترك تلفظهم بالحق وعدولهم عن ~~سماع الحق وانصرافهم عن النظر إلى الصحيح كأنهم صم بكم عمي، وهم لا ~~يعلمون ذلك، ولا يدرون إلى ما يصير أمرهم من عقاب الابد، ولا يعرفون ما ~~يلزمهم من احكام الشرع ما يعرفه المؤمنون. وقال البلخي: معناه لالفهم ~~للخلاف والمعصية كأنهم لا يعلمون، والتقدير ان حكم هؤلاء المذكورين بهذه ~~الاوصاف بخلاف من قد تحصن من العقاب بالايمان، لأنهم قد فتحوا على انفسهم ~~ابواب العذاب. ### || [9.94] # اخبر الله تعالى ان هؤلاء القوم الذين تأخروا عن الخروج مع النبي صلى ~~الله عليه وآله من غير عذر كان يبيحهم ذلك اذا عاد النبي صلى الله عليه ~~وآله والمؤمنون إنهم كانوا يجيؤن اليهم ويعتذرون اليهم عن تأخرهم ~~بالأباطيل والكذب، فقال الله تعالى لنبيه: قل يا محمد لهم { لا تعتذروا } ~~فلسنا نصدقكم على ما تقولون، فان الله تعالى قد اخبرنا من اخباركم ~~واعلمنا من امركم ما قد علمنا به كذبكم { وسيرى الله عملكم ورسوله } أي ~~سيعلم الله فيما بعد عملكم هل تتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ ويحتمل ~~أن يكون المراد أنه يحل في الظهور محل ما يرى { ثم تردون } اي ترجعون إلى ~~من يعلم الغيب والشهادة يعني السر والعلانية الذي لا يخفى عليه بواطن ~~أموركم { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي فيخبركم ms1828 باعمالكم كلها حسنها ~~وقبيحها فيجازيكم عليها أجمع. # والاعتذار اظهار ما يقتضي العذر ويمكن ان يكون صحيحا ويمكن ان يكون ~~فاسدا كاعتذار هؤلاء المنافقين. والفرق بين الاعتذار والتوبة ان التوبة ~~اقلاع عن سيئة قد وقعت، والاعتذار اظهار مايقتضي انها لم تقع، ولذلك يجوز ~~ان يتوب إلى الله ولا يجوز ان يعتذر اليه. والاعتذار الذي له قبول هو ما ~~كان صاحبه محقا، فأما الاعتذار بالباطل فهو أسوء لحال صاحبه قال الشاعر: # إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه # وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب ### || [9.95] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين يعتذرون بالباطل إلى النبي والمؤمنين في ~~تأخرهم عن الخروج معهم أنهم سيقسمون أيضا على ذلك للمؤمنين { إذا انقلبتم ~~إليهم } يعني اذا رجعتم اليهم { لتعرضوا عنهم } اي لتصفحوا عنهم ولا ~~توبخوهم ولا تعنفوهم. ثم أمر الله تعالى المؤمنين والنبي صلى الله عليه ~~وآله أن يعرضوا عنهم اعراض المقت وبين { إنهم رجس } اي هم كالنتن في قبحه ~~وهم انجاس ويقال: رجس نجس على الاتباع، وان { مأواهم } يعني مصيرهم ~~ومآلهم ومستقرهم { جهنم جزاء } اي مكافاة على ما كانوا يكسبونه من ~~المعاصي. والجزاء مقابلة العمل بما يقتضيه من خير او شر. قال احمد بن ~~يحيى ثعلب: اللام في قوله { لتعرضوا عنهم } ليست لام غرض وانما معناه ~~لاعراضكم، وانما علق - ها هنا - بذلك لئلا يتوهم أنه اذا رضي المؤمنون ~~فقد رضي الله عنهم أيضا فذكر ذلك ليزول هذه الالباس لأن المنافقين لم ~~يحلفوا لهم لكي يعرضوا، ولكنهم حلفوا تبرئا من النفاق ولاعراض المسلمين ~~عنهم وأنشد: # سموت ولم تكن أهلا لتسمو # ولكن المضيع قد يصاب # أراد ما كنت أهلا للسمو. ### || [9.96] # بين الله تعالى أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله طلبا لمرضاتكم عنهم { ~~فإن ترضوا } ايها المؤمنون { عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } ~~الخارجين من طاعته إلى معصيته، والمعنى انه لا ينفعهم رضاكم مع سخط الله ~~عليهم وارتفاع رضاه عنهم: رضي المؤمنون عنهم او لم يرضوا، وانما علق ها ~~هنا بذلك لئلا يتوهم أنه اذا رضي المؤمنون ms1829 فقد رضي الله عنهم أيضا، فذكر ~~ذلك ليزول هذا الالباس ولأن المراد بذلك انه اذا كان الله لا يرضى عنهم ~~فينبغي لكم ايضا أن لا ترضوا عنهم. ### || [9.97] # أخبر الله تعالى في هذه الاية أن الاعراب الجفاة الذين لا يعرفون الله ~~ورسوله حق معرفتهما أشد كفرا ونفاقا وجحودا لنعم الله، وأعظم نفاقا ~~من غيرهم. وقيل: انها نزلت في اعراب كانوا حول المدينة من اسد وغطفان، ~~فكفرهم اشد، لأنهم أقصى وأجفى من أهل المدن، ولأنهم أبعد عن سماع التنزيل ~~ومخالطة أهل العلم والفضل، ويقال: رجل عربي إذا كان من العرب وإن سكن ~~البلاد، وإعرابي اذا كان ساكنا في البادية. وروي أن زيد بن صوحان كانت ~~يده اليسرى قد قطعت يوم اليمامة وكان قاعدا يوما يروي الحديث والى ~~جانبه إعرابي، فقال له: ان حديثك يعجبني وان يدك تريبني فقال زيد: إنها ~~الشمال، فقال: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال، فقال زيد: صدق ~~الله، وقرأ { الأعراب أشد كفرا } الآية. # وقوله { وأجدر } معناه أخلق وأولى وأقرب إلى { أن لا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله } من الشرائع والأحكام. وموضع { أن } نصب لأن تقديره ~~أجدر بأن، فحذف الباء فانتصب، وتقديره أجدر بترك العلم غير أن الباء لا ~~تحذف مع المصدر الصريح، وإنما تحذف مع { أن } للزوم العلم بها وحملها على ~~التأويل. و { أجدر } مأخوذ من جدر الحائط. وقوله { والله عليم حكيم } ~~معناه عالم بأحوالهم وبواطنهم حكيم فيما يحكم به عليهم من الكفر وغير ذلك ~~من أفعاله. ### || [9.98] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { دائرة السوء } بضم السين. الباقون بفتح السين. ~~من فتح أراد المصدر، وإنما أضاف الدائرة إلى السوء تأكيدا كما يقال: ~~عيني رأسه وشمس النهار، تقول: سؤته أسوءه سوءا ومساءة ومسائية، وقوله # ما كان أبوك امرأ سوء # لا يجوز فيه غير فتح السين، وكذلك في قوله # وظننتم ظن السوء # لأن الضم بمعنى الاسم، وتقديره عليهم دائرة العذاب والبلاء. # أخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء المنافقين من الأعراب من يتخذ ما ~~ينفقه في ms1830 الجهاد وغيره من طرق الخير { مغرما } اي غرما من قولهم: غرمته ~~غرما وغرامة. والغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية، ومنه قوله # من مغرم مثقلون # وأصل المغرم لزوم الأمر، ومنه قوله # إن عذابها كان غراما # أي لازما، وحب غرام أي لازم، والغريم كل واحد من المتداينين، وغرمته ~~كذا الزمته إياه في ماله. وقوله { ويتربص بكم الدوائر } فالتربص التمسك ~~بالشيء لعاقبة ومنه التربص بالطعام لزيادة السعر، فهؤلاء يتربصون ~~بالمؤمنين لعاقبة من الدوائر. # والدائرة جمعها دوائر وهي العواقب المذمومة. وقال الفراء والزجاج: كانوا ~~يتربصون بهم الموت والقتل، وإنما خص رفع النعمة بالدوائر دون رفع النقمة، ~~لأن النعمة أغلب واعم لأن كل واحد لا يخلو من نعم الله وليس كذلك النقمة، ~~لأنها خاصة. والنعمة عامة. وقد قيل: دارت لهم الدنيا بخلاف دارت عليهم. ~~ثم قال تعالى { عليهم دائرة السوء } يعني على هؤلاء المنافقين دائرة ~~العذاب والبلاء - في قراءة من قرأ بالضم - وقوله { والله سميع عليم } ~~معناه - ها هنا - انه يسمع ما يقوله هؤلاء المنافقون ويعلم بواطن أمورهم، ~~ولا يخفى عليه شيء من حالهم وحال غيرهم. ### || [9.99] # قرأ ورش واسماعيل { قربة } بضم الراء، اتبع الضمة التي قبلها. وقال ابو ~~علي: لا يجوز ان يكون اتباعا لما قبله لأن ذلك إنما يجوز في الوقف آخر ~~الكلم وإنما الضمة فيها الأصل، وإنما خففت في قولهم: رسل وطنب، فقالوا: ~~رسل وطنب فاذا جمع فلا يجوز فيه غير ضم الراء، لأن الحركة الأصلية لا بد ~~من ردها في الجمع. # لما ذكر الله تعالى ان من جملة الأعراب من يتخذ انفاقه في سبيل الله ~~مغرما ذكر ان من جملتهم ايضا { من يؤمن بالله } اي يصدق به وباليوم ~~الآخر يعني يوم القيامة وانه يتخذ ما ينفقه في سبيل الله قربات عند الله. ~~قال الزجاج: يجوز في { قربات } ثلاثة اوجه - ضم الراء وإسكانها وفتحها - ~~وما قرىء إلا بالضم، والقربة هي طلب الثواب والكرامة من الله تعالى بحسن ~~الطاعة، وهي تدني من رحمة الله والتقدير انه يتخذ نفقته وصلوات الرسول اي ms1831 ~~دعاءه له قربة إلى الله. وقال ابن عباس والحسن: معنى وصلوات الرسول ~~استغفاره لهم، وقال قتادة: معناه دعاؤه بالخير والبركة قال الاعشى: # تقول بنتي وقد قربت مرتحلا # يا رب جنب ابي الاوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي # نوما فان لجنب المرء مضطجعا # ثم قال { ألا إنها } يعني صلوات الرسول { قربة لهم } اي تقربهم إلى ثواب ~~الله. ويحتمل ان يكون المراد ان نفقتهم قربة إلى الله. وقوله { سيدخلهم ~~الله في رحمته } وعد منه لهم بان يرحمهم ويدخلهم فيها، وفيه مبالغة، فان ~~الرحمة وسعتهم وغمرتهم، ولو قال فيهم رحمة الله لأفاد انهم اتسعوا للرحمة ~~من الله تعالى وقوله { إن الله غفور رحيم } معناه إنه يستر كثيرا على ~~العصاة ذنوبهم ولا يفضحهم بها لرحمته بخلقه { وغفور رحيم } جميعا من ~~الفاظ المبالغة فيما وصف به نفسه من المغفرة والرحمة. ### || [9.100] # قرأ ابن كثير وحده { جنات تجري من تحتها } باثبات { من } وكذلك هو في ~~مصاحف اهل مكة. الباقون بحذف { من } ونصبوا تحتها على الظرف. وقرأ يعقوب ~~{ والأنصار والذين } بضم الراء. الباقون بجرها. من رفع عطف على قوله { ~~والسابقون الأولون } ورفع على الابتداء والخبر قوله { رضي الله عنهم }. ~~ومن جر عطفه على { المهاجرين } كأنه قال: من المهاجرين ومن الأنصار. ومن ~~اثبت { من } فلأن في القرآن مواضع لا تحصى { جنات تجري من تحتها } ومن ~~أسقطها تبع مصحف غير أهل مكة. والمعنى واحد. # اخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الايمان بالله ورسوله والاقرار ~~بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة والى الحبشة، ومن الانصار الذين ~~سبقوا اولا غيرهم إلى الاسلام من نظرائهم من أهل المدينة، والذين تبعوا ~~هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الاسلام بعدهم وسلوكهم منهاجهم. وقال ~~الفراء: يدخل في ذلك من يجيء بعدهم إلى يوم القيامة. وقال الزجاج: مثله. # ثم اخبر أن الله رضي عنهم ورضي أفعالهم ورضوا هم ايضا عن الله لما أجزل ~~لهم من الثواب على طاعاتهم وإيمانهم به وبنبيه. والسبق كون الشيء قبل ~~غيره. ومنه قيل في الخيل السابق، والمصلي ms1832 هو الذي يجيء في اثر السابق ~~يتبع صلاه. وإنما كان السابق إلى الخير أفضل لانه داع اليه بسبقه - ~~والثاني تابع - فهو امام فيه وكذلك من سبق إلى الشر كان اسوء حالا لهذه ~~العلة. والاتباع طلب الثاني لحال الاول أن يكون على مثلها على ما يصح ~~ويجوز، ومثله الاقتداء. والاحسان هو النفع الواصل إلى الغير مع تعريه من ~~وجوه القبح. فأما قولهم أحسن فمن فعله فقد يكون بفعل النفع وبفعل الضرر، ~~لأنه تعالى اذا فعل في الآخرة العقاب يقال إنه أحسن لكن لا يقال: أحسن ~~اليه. وقوله { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار } اخبار منه تعالى انه ~~مع رضاه عنهم ورضاهم عنه أعد لهم الجنات يعني البساتين التي تجري تحت ~~اشجارها الأنهار، وقيل: ان انهارها اخاديد في الأرض فلذلك قال: تحتها { ~~خالدين فيها أبدا } اي يبقون فيها ببقاء الله لا يفنون، منعمين. وقوله { ~~ذلك الفوز العظيم } معناه إن ذلك النعيم الذي ذكره هو الفلاح العظيم الذي ~~تصغر في جنبه كل نعمة. # واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال ابو موسى وسعيد بن المسيب وابن ~~سيرين وقتادة: نزلت فيمن صلى القبلتين، وقال الشعبي: نزلت فيمن بايع بيعة ~~الرضوان وهي بيعة الحديبية، وقال: من اسلم بعد ذلك وهاجر فليس من ~~المهاجرين الأولين. وقال ابو علي الجبائي: نزلت في الذين أسلموا قبل ~~الهجرة. وروي أن عمر قرأ { والأنصار } بالرفع { الذين اتبعوهم } باسقاط ~~الواو، فقال أبي: والذين اتبعوهم بأمير المؤمنين فرجعوا إلى قوله. ### || [9.101] # معنى قوله { وممن حولكم } من جملة من حولكم يعني حول مدينتكم وحول الشيء ~~المحيط به، وهو مأخوذ من حال يحول إذا دار بالانقلاب. ومنه المحالة لأنها ~~تدور في المحول. وقوله { من الأعراب } والاعراب هم الذين يسكنون البادية ~~إذا كانوا مطبوعين على العربية وليس واحدهم عربا، لأن العرب قد يكونوا ~~حاضرة والاعراب بادية. وقوله { منافقون } معناه من يظهر الايمان ويبطن ~~الكفر { ومن أهل المدينة } أيضا منافقون، وانما حذف لدلالة الأول عليه { ~~مردوا على النفاق } يقال: مرد على الشيء يمرد مرودا فهو مارد ms1833 ومريد إذا ~~عتا وطغى وأعيا خبثا، ومنه (شيطان مارد، ومريد) وقال ابن زيد: معناه ~~أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب غيرهم. وقال ابن اسحاق: معناه لجوا فيه ~~وأبوا غيره. وقال الفراء: معناه مرنوا عليه وتجرءوا عليه وقال الزجاج: ~~فيه تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الاعراب منافقون مردوا على ~~النفاق ومن اهل المدينة ايضا مثل ذلك. وأصل المرود الملاسة. ومنه قوله # صرح ممرد من قوارير # اي مملس ومنه الأمرد الذي لا شعر على وجهه، والمرودة والمرداء الرملة ~~التي لا تنبت شيئا، والتمراد بيت صغير يتخذ للحمام مملس بالطين، ~~والمرداء الصخرة الملساء. { لا تعلمهم } معناه لا تعرفهم يا محمد { نحن ~~نعلمهم } اي نعرفهم. # وقوله: { سنعذبهم مرتين } قيل في معناه أقوال: # احدها - قال الحسن وقتادة والجبائي: يعني في الدنيا وفي القبر. وقال ابن ~~عباس: نعذبهم في الدنيا بالفضيحة لأن النبي صلى الله عليه وآله ذكر رجالا ~~منهم واخرجهم من المسجد يوم الجمعة في خطبته قال: اخرجوا فانكم منافقون، ~~والاخرى في القبر. وقال مجاهد: يعني في الدنيا بالقتل والسبي والجوع. وفي ~~رواية اخرى عن ابن عباس: أن إحداهما اقامة الحدود عليهم، والاخرى عذاب ~~القبر، وقال الحسن: إحداهما أخذ الزكاة منهم: والاخرى عذاب القبر، وقال ~~ابن اسحاق: إحداهما غيظهم من اهل الاسلام، والاخرى عذاب القبر. وكل ذلك ~~محتمل غير أنا نعلم ان المرتين معا قبل ان يردوا إلى عذاب النار يوم ~~القيامة. وقوله { ثم يردون إلى عذاب عظيم } معناه ثم يرجعون يوم القيامة ~~إلى عذاب عظيم مؤبد في النار. وروي أن الآية نزلت في عيينة بن حصين ~~واصحابه. ### || [9.102] # روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن غزوة ~~تبوك فيهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى سواري المسجد إلى أن ~~قبلت توبتهم. وقيل: كانوا سبعة منهم ابو لبابة. وقال ابو جعفر عليه ~~السلام: نزلت في ابي لبابة. ولم يذكر غيره، وكان سبب نزولها فيه ما جرى ~~منه في غزوة بني قريظة وبه قال مجاهد. وقال الزهري: نزلت ms1834 في أبي لبابة ~~خاصة حين تأخر عن تبوك. واكثر المفسرين ذكروا أن أبا لبابة كان من جملة ~~المتأخرين عن تبوك. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في قوم من الأعراب. وقيل: ~~نزلت في خمسة عشر نفسا ممن تأخر عن تبوك. # هذه الآية عطف على قوله { ومن أهل المدينة } أي ومنهم { آخرون اعترفوا ~~بذنوبهم } أي أقروا بها مع معرفتهم بها فان الاعتراف هو الاقرار بالشيء ~~عن معرفة والاقرار مشتق من قر الشيء إذا ثبت. والاعتراف من المعرفة. ~~وقوله { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } معناه انهم يفعلون افعالا ~~جميلة، ويفعلون افعالا سيئة قبيحة، فيجتمعان، وذلك يدل على بطلان القول ~~بالاحباط، لأنه لو كان صحيحا لكان أحدهما إذا طرأ على الآخر أحبطه، فلا ~~يجتمعان، فكيف يكون خلطا. # وقوله { عسى الله أن يتوب عليهم } قال الحسن وكثير من المفسرين: إن { ~~عسى } من الله واجبة. وقال قوم: انما قال { عسى } حتى يكونوا على طمع ~~واشفاق فيكون ذلك أبعد من الاتكال على العفو واهمال التوبة، والتقدير في ~~قوله { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } اي بآخر سيء ومثله قولك: خلطت ~~الماء واللبن اي بالبن. وقد يستعمل ذلك في الجمع من غير امتزاج كقولهم: ~~خلطت الدراهم والدنانير. وقال قوم: هو يجري مجرى قولهم: استوى الماء ~~والخشبة اي مع الخشبة. وقال اهل اللغة: خلط في الخير مخففا وخلط في الشر ~~مشددا. وقوله { إن الله غفور رحيم } تعليل لقبول التوبة من العصاة لأنه ~~غفور رحيم. ### || [9.103] # قرأ اهل الكوفة الا ابا بكر { إن صلاتك } على التوحيد ونصب التاء ~~الباقون على الجمع وكسر التاء، لأنه جمع السلامة. فمن قرأ على التوحيد ~~فلأنه مصدر يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج إلى جمعه. ومثله # لصوت الحمير # ومما ورد في القرآن بلفظ التوحيد والمراد به الجمع قوله # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء # وقوله # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # ومن جمع فلاختلاف الصلاة، كما ان قوله # إن أنكر الأصوات # جمع لاختلاف ضروبه والصلاة في اللغة الدعاء قال الأعشى في الخمر: # وقابلها الريح في دنها ms1835 # وصلى على دنها وارتسم # ومعنى { صل عليهم } ادع لهم، فان دعاءك سكن لهم بمعنى تسكن اليه نفوسهم ~~وتطيب به، ولفظ التوحيد - ها هنا - أحسن لأن المراد دعاء النبي صلى الله ~~عليه وآله لهم لا أداء الصلوات، والجمع على ضروب دعائه. وقولهم: صلى الله ~~على رسول الله وعلى ملائكته، ولا يقال: إنه دعاء لهم من الله كما لا يقال ~~في نحو (ويل للمكذبين) أنه دعاء عليهم، لكن المعنى أن هؤلاء ممن يستحق ~~عندكم أن يقال فيهم هذا اللغو من الكلام. ومثله قوله # بل عجبت ويسخرون # فيمن ضم التاء هذا مذهب سيبويه، وذكر الفراء وغيره أن هؤلاء الذين تابوا ~~وأقلعوا قالوا للرسول: خذ من أموالنا ما تريد، فقال رسول الله: لا أفعل ~~حتى يؤذن لي فيه، فأنزل الله { خذ من أموالهم صدقة } فأخذ منهم بعضا ~~وترك الباقي وروي ذلك عن ابن عباس وزيد بن اسلم وسعيد بن جبير وقتادة ~~والضحاك، وهي في أبي لبابة وجد بن قيس وأوس وحذام. وقوله { خذ من أموالهم ~~صدقة } امر من الله تعالى أن يأخذ من المالكين لنصاب الزكاة: الورق إذا ~~بلغ مئتين، والذهب إذا بلغ عشرين مثقالا، والابل إذا بلغت خمسا، والبقر ~~إذا بلغت ثلاثين، والغنم إذا بلغت أربعين، والغلات اذا بلغت خمسة أوسق. # وقوله { خذ من أموالهم } يدل على أن الأخذ من اختلاف الأموال، لأنه ~~جمعه. ولو قال: خذ من مالهم أفاد وجوب الاخذ من جنس واحد متفق. و { من } ~~دخلت للتبعيض، فكأنه قال: خذ بعض مختلف الأموال. وظاهر الآية لا يدل على ~~انه يجب أنه يأخذ من كل صنف لأنه لو اخذ من صنف واحد لكان قد اخذ بعض ~~الاموال وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. والصدقة عطية ما له قيمة للفقر ~~والحاجة. والبر عطية لاجتلاب المودة. ومثله الصلة. # وقوله { تطهرهم وتزكيهم بها } انما ارتفع { تطهرهم } لاحد امرين: # احدهما - ان تكون صفة للصدقة وتكون التاء للتأنيث، وقوله { بها } تبيين ~~له والتقدير صدقة مطهرة. # والثاني - أن تكون التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وآله والتقدير فانك ms1836 ~~تطهرهم بها، وهو صفة للصدقة ايضا الا انه اجتزأ بذكر { بها } في الثاني ~~عن الاول. # وقيل: انه يجوز ان يكون على الاستئناف، وحمله على الاتصال أولى، ولا ~~يجوز ان يكون جوابا للامر لانه لو كان كذلك لكان مجزوما. وقوله { ~~وتزكيهم } تقديره وأنت تزكيهم على الاستئناف. وقيل في هذه الصدقة قولان: ~~قال الحسن: انها هي كفارة الذنوب التي أصابوها، وقال أبو علي: هي الزكاة ~~الواجبة. وأصل التطهير إزالة النجس، والمراد - ها هنا - إزالة النجس: ~~الذبوب بما يكفرهم من الطاعة. وقوله { وصل عليهم } أمر من الله تعالى ~~للنبي أن يدعو لمن يأخذ منه الصدقة. وقال الجبائي: يجب ذلك على كل ساع ~~يجمع الزكوات ان يدعوا لصاحبها بالخير والبركة، كما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. وقوله { والله سميع عليم } معناه انه تعالى يسمع دعاءك ~~لهم بنياتهم في الصدقة التي يخرجونها. ### || [9.104] # الالف في قوله { ألم يعلموا } الف استفهام والمراد بها التنبيه على ما ~~يجب ان يعلم المخاطب اذا رجع إلى نفسه وفكر فيما نبه عليه علم وجوبا. ~~وإنما وجب ان يعلم ان الله يقبل التوبة، لأنه اذا علم ذلك كان ذلك داعيا ~~له إلى فعل التوبة والتمسك بها والمسارعة اليها، وما هذه صورته وجب عليه ~~ان يعلمه ليتخلص به من العقاب ويحصل له الثواب. وسبب ذلك انهم لما سألوا ~~النبي صلى الله عليه وآله ان يأخذ من ما لهم ما يكون كفارة لذنوبهم ~~فامتنع النبي من ذلك وقال: حتى يؤذن لي فيه فبين الله تعالى انه ليس إلى ~~النبي قبول توبتكم وان ذلك إلى الله تعالى دونه، فانه الذي يقبل التوبة ~~ويقبل الصدقات. وفعل التوبة يستحق به الثواب لانها طاعة. فأما اسقاط عقاب ~~المعاصي المتقدمة عندها فالعقل لا يوجب ذلك. وانما علم ذلك سمعا لان ~~السمع قطع العذر بأن الله يسقط العقاب عند التوبة الصحيحة. وقد بينا في ~~غير موضع فيما تقدم ان التوبة التي يسقط العقاب عندها قطعا هي الندم على ~~القبيح والعزم على ان لا يعود إلى مثله في ms1837 القبح، لان الامة مجمعة على ~~سقوط العقاب عند هذه التوبة وفيما خالف هذه التوبة خلاف. # وقوله { ويأخذ الصدقات } معناه انه يأخذها بتضمن الجزاء عليها كما تؤخذ ~~الهدية كذلك. وقال ابو علي الجبائي: جعل الله أخذ النبي صلى الله عليه ~~وآله والمؤمنين للصدقة أخذا من الله على وجه التشبيه والمجاز، ومن حيث ~~كان بأمره. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله ان الصدقة قد تقع في يد ~~الله قبل ان تصل إلى يد السائل، والمراد بذلك انها تنزل هذا التنزيل ~~ترغيبا للعباد في فعلها، وذلك يرجع إلى تضمن الجزاء عليها. # وقوله { وأن الله هو التواب الرحيم } عطف على قوله { ألم يعلموا } ولذلك ~~فتح { أن } لانها مفعول به. والتواب في صفة الله معناه انه يقبل التوبة ~~كثيرا وفي صفة العبد يفيد انه يفعل التوبة كثيرا وقيل في معنى # وتاب الله عليكم # صفح عنكم ولم يكونوا اذنبوا فيتوبوا ليتوب الله عليهم وكذلك قوله # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم # بمعنى صفح لانهم لم يتوبوا. ### || [9.105] # هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين { ~~اعملوا } ما أمركم الله به من الطاعة واجتنبوا معاصيه فان الله { سيرى ~~عملكم ورسوله والمؤمنون } وفي ذلك ضرب من التهديد، كما قال مجاهد، ~~والمراد بالرؤية ها هنا العلم الذي هو المعرفة ولذلك عداه إلى مفعول ~~واحد، ولو كان بمعنى العلم الذي ليس بمعرفة لتعدى إلى مفعولين، وليس ~~لأحد أن يقول: ان اعمال العباد من الحركات يصح رؤيتها لمكان هذه الآية، ~~لأنه لو كان المراد بها العلم لعداه إلى الجملة وذلك أن العلم الذي يتعدى ~~إلى مفعولين ما كان بمعنى الظن، وذلك لا يجوز على الله وانما يجوز عليه ~~ما كان بمعنى المعرفة. وروي في الخبر أن أعمال العباد تعرض على النبي صلى ~~الله عليه وآله في كل اثنين وخميس فيعلمها، وكذلك تعرض على الأئمة عليهم ~~السلام فيعرفونها، وهم المعنيون بقوله { والمؤمنون } ، وإنما قال { فسيرى ~~الله } على وجه الاستقبال. وهو عالم بالأشياء قبل ms1838 وجودها. لأن المراد ~~بذلك انه سيعلمها موجودة بعد أن علمها معدومة وكونه عالما بأنها ستوجد ~~من كونه عالما بوجودها إذا وجدت لا يجدد حال له بذلك. وقوله { وستردون ~~إلى عالم الغيب والشهادة } معناه سترجعون إلى الله الذي يعلم السر ~~والعلانية { فينبئكم } اي يخبركم { بما كنتم تعملون } ويجازيكم عليه. ### || [9.106] # قرأ أهل المدينة عن أبي بكر { مرجون } بغير همزة. الباقون بالهمزة. ~~والوجه فيهما أنهما لغتان.. ويقال: أرجأت وأرجيت بمعنى واحد. # وهذه الآية عطف على قوله { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق... وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم... وآخرون مرجون لأمر الله } والارجاء تأخير الامر إلى ~~وقت، يقال: أرجأت الأمر إرجاء وأرجيته بالهمزة وترك الهمزة لغتان. # وقوله { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } فلفظة { إما } لوقوع أحد الشيئين ~~والله اعلم بما يصير اليه امرهم إلا ان هذا للعباد، خوطبوا بما يعلمون. ~~والمعنى وليكن امرهم عندكم على هذا اي على الخوف والرجاء. والآية تدل على ~~صحة قولنا في جواز العفو عن العصاة، لأنه تعالى بين ان قوما من هؤلاء ~~العصاة أمرهم مرجأ إلى الله: ان شاء عذبهم وان شاء قبل توبتهم فعفا عنهم ~~فلو كان سقوط العقاب عند التوبة واجبا، لما جاز تعليق ذلك بالمشيئة على ~~وجه التخيير، لأنهم ان تابوا وجب قبول توبتهم عند الخصم واسقاط العقاب ~~عنهم، وان أصروا ولم يتوبوا فلا يعفي عنهم، فلا معنى للتخيير - على ~~قولهم - وانما يصح ذلك على ما نقوله: من أن مع حصول التوبة تحسن المؤاخذة ~~فان عفا فبفضله وان عاقب فبعدله. وقوله { وإما يتوب عليهم } معناه وإما ~~يقبل توبتهم. وقوله { والله عليم حكيم } معناه عالم بما يؤل اليه حالهم { ~~حكيم } فيما يفعله بهم. والفرق بين الآخر والآخر أن الآخر يفيد أنه بعد ~~الأول، والآخر مقابل لأحد في تفصيل ذكر اثنين احدهما كذا والآخر كذا. # وقال مجاهد وقتادة: الاية نزلت في هلال بن امية الرافعي وفزارة بن ربعي ~~وكعب بن مالك من الاوس والخزرج، وكان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون ~~عليه، وانما تخلف توانيا عن الاستعداد حتى ms1839 فاته المسير وانصرف رسول الله ~~ولم يعتذر اليه بالكذب. وقال: والله مالي من عذر، فقال صلى الله عليه ~~وآله: # " صدقت فقم حتى يقضي الله فيك " # وجاء الرجلان الآخران فقالا مثل ذلك وصدقا، فنهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله عن كلامهم بعد ما عذر المنافقين وجميع المتخلفين، وكانوا نيفا ~~وثمانين رجلا فاقام هؤلاء الثلاثة على ذلك خمسين ليلة حتى هجرهم ولدانهم ~~ونساؤهم طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله بأمره. وبنى كعب خيمة على ~~سلع يكون فيها وحده. وقال في ذلك: # أبعد دور بني القين الكرام وما # شادوا علي بنيت البيت من سعف # ثم نزلت التوبة عليهم في الليل فأصبح المسلمون يبتدرونهم يبشرونهم، قال ~~كعب: فجئت إلى رسول الله في المسجد وكان اذا سر يستبشر كأن وجهه فلقة قمر ~~فقال لي ووجهه يبرق من السرور: ابشر بخير يوم طلع عليك شرفه منذ ولدتك ~~أمك قال كعب، فقلت له: أمن عند الله او من عندك يا رسول الله؟ قال فقال: ~~من عند الله. وتصدق كعب بثلث ما له شكرا لله على توبته. ### || [9.107] # قرأ ابن عامر وأهل المدينة { الذين اتخذوا } باسقاط الواو. الباقون ~~باثبات الواو. فمن أثبت الواو، عطفه على ما تقدم من الآيات وتقديره: ~~ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا ومن حذفها ابتدأ الكلام وحذف الخبر ~~لطول الكلام قال الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. وعاصم بن ~~عمر بن قتادة: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، قال ~~الفراء: كانوا من بني عمرو ابن عوف من الأنصار. وقال غيره: كانوا من بني ~~غنم ابن عوف من الأنصار الذين بنوا مسجد الضرار. وقيل انهم كانوا خمسة ~~عشر رجلا منهم عبد الله بن نفيل - في قول الواقدي - وقال ابن اسحاق: هو ~~نفيل بن الحارث ولم يذكر عبد الله وهذا المختلف في اسمه هو الذي كان ينقل ~~حديث النبي إلى المنافقين فأعلم الله نبيه ذلك. وأخبر الله عنهم انهم ~~بنوا المسجد الذي بنوه ضرارا اي مضارة. ونصب على أنه ms1840 مفعول له أي بنوه ~~للمضارة. والضرار هو طلب الضر ومحاولته كما أن الشقاق محاولة ما يشق، ~~تقول: ضاره مضارة وضرارا. والآية تدل على ان الفعل يقع بالارادة على وجه ~~القبح دون الحسن، أو الحسن دون القبح، لأنهم لو بنوا المسجد للصلاة فيه ~~لكان حسنا، لكن لما قصدوا المضارة كان ذلك قبيحا ومعصية. # وقوله { وتفريقا بين المؤمنين } أي بنوه للمضارة والكفر والتفريق بين ~~المؤمنين. وانما يكون تفريقا بين المؤمنين بأن يتحزبوا، فحزب يصلي فيه ~~وحزب يصلي في غيره لتختلف الكلمة وتبطل الالفة. واتخذوه ايضا ليكفروا ~~فيه بالطعن على النبي صلى الله عليه وآله والاسلام والمسلمين. وقوله { ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } معناه اتخذوه له ليكون متى أراد ~~الاجتماع معهم حضره وأنس به، وهو رجل يقال له ابو عامر الراهب لحق بقيصر ~~فتنصر وبعث الهيم سآتيكم بجند فأخرج به محمدا واصحابه. فبنوه يترقبونه، ~~وهو الذي حزب الأحزاب وحارب مع المشركين، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، ~~فلما اسلم اهل الطائف لحق بالشام وخرج إلى الروم وتنصر، وابنه عبد الله ~~قتل يوم احد - وهو غسيل الملائكة - ذهب اليه اكثر المفسرين كابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. وأصل الارصاد الارتقاب تقول: رصده يرصده رصدا وأرصد له ~~وراصده مراصدة وتراصد تراصدا وارتصده إرتصادا. # وقوله { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } معناه إن هؤلاء يحلفون على أنهم ~~ما أرادوا ببناء هذا المسجد إلا الحسنى يعني إلا الفعلة الحسنى، فقال ~~الله تعالى تكذيبا لهم { والله يشهد إنهم لكاذبون } وكفى بمن يشهد الله ~~بكذبه خزيا ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله قبل قدومه من تبوك عاصم ~~بن عون العجلاني ومالك بن الدخثم وكان مالك من بني عوف، فقال لهما # " انطلقا إلى هذا المسجد الظالم اهله فاهدماه ثم حرقاه " # فخرجا يشتدان سريعين على أقدامهما ففعلا ما أمرهما به فثبت قوم من ~~جملتهم زيد بن حارثة بن عامر حتى أحترقت البتة. ### || [9.108] # نهى الله نبيه - وعنى معه جميع المؤمنين - أن يقوموا في المسجد الذي بني ~~ضرارا { أبدا } أو يصلوا فيه، وأقسم ان ms1841 المسجد الذي { أسس على التقوى ~~من أول يوم أحق أن تقوم فيه } وقيل في المسجد الذي اسس على التقوى قولان: # احدهما - قال ابن عباس والحسن وعطية: إنه مسجد قباء. # وقال ابن عمرو ابن المسيب: هو مسجد المدينة. وقال عمر بن شبه: المسجد ~~الذي اسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله والذي اسس على ~~تقوى ورضوان مسجد قباء كذلك فصل بينهما، ورواه عن أشياخه. والتقوى خصلة ~~من الطاعة يحترز بها من العقوبة، والمتقي صفة مدح لا تطلق الا على مستحق ~~الثواب. وواو (تقوى) ابدلت من الياء، لأنه من تقيت وانما ابدلت للفرق بين ~~الاسم والصفة في الابنية. ومثله شروى من شريت، فأما الصفة فنحو خزيا. ~~ولو قيل: كيف يبنى (فعلى) من قصيت؟ قلت: قصوى في الاسم وقصيا في الصفة. ~~وقوله { من أول يوم } معناه اول الأيام اذا ميزت يوما يوما، لان افعل ~~بعض ما اضيف اليه. ومثله اعطيت كل رجل في الدار اي كل الرجال إذا ميزوا ~~رجلا رجلا. والفرق بين من اول يوم، ومنذ اول يوم، ان (منذ) اذا كانت ~~حرفا، فهي الوقت الخاص كقولك: منذ اليوم ومنذ الشهر ومنذ السنة، وليس ~~كذلك (من) وإذا كانت اسما وقع على ما بعدها على تقدير كلامين و (من) على ~~النهاية لأنها نقيض (إلى) قال زهير: # لمن الديار بقنة الحجر # أقوين من حجج ومن شهر # وقوله { أحق أن تقوم فيه } مع أن القيام في الأخر قبيح منهي عنه، وانما ~~قال ذلك على وجه المظاهرة بالحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا ~~أحق. ويجوز على هذا أن تقول: عمل الواجب أصلح من تركه. وقيل: المراد به ~~القيام فيه حق ظاهرا وباطنا اذ كانت الصلاة في المساجد على ظاهرها حق. # وقوله { فيه رجال } الأول ظرف للقيام. والثاني ظرف لكون الرجال وقوله { ~~يحبون أن يتطهروا } قال الحسن: معناه يريدون أن يتطهروا من الذنوب وقيل: ~~يتطهرون بالماء من الغائط والبول، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله ~~عليهما السلام ثم ms1842 قال { والله يحب المطهرين } اي يريد منافع المتطهرين من ~~الذنوب وكذلك المتطهرين من النجاسة بالماء. # " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأهل قباء " ماذا تفعلون في ~~طهركم فإن الله أحسن عليكم الثناء " قالوا: نغسل أثر الغائط فقال " أنزل ~~الله فيكم والله يحب المطهرين " " # وقيل: إن سبب نزول هذه الاية أن أهل مسجد ضرار جاءوا اليه، فقالوا يا ~~رسول الله بنينا مسجدا للضعيف في وقت المطر نسألك أن تصلي فيه وكان ~~متوجها إلى تبوك فوعدهم أن يفعل إذا عاد فنهاه الله عن ذلك. وقوله { ~~والذين اتخذوا مسجدا } مبتدأ وخبره في قوله { لا تقم فيه أبدا } كما ~~تقول: والذي يدعوك إلى الغي فلا تسمع دعاءه. والتقدير في الآية لا تقم في ~~مسجدهم أبدا. واسقط ذلك اختصارا. ### || [9.109] # قرأ نافع وابن عباس { أسس بنيانه } بضم الهمزة وكسر السين ورفع النون من ~~بنيانه في الموضعين جميعا. الباقون بفتح الهمزة ونصب النون من بنيانه. ~~وقرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام وحمزة وخلف وأبوا بكر الا الاعشى ~~والبرجمي { جرف } بسكون الراء. الباقون بضمها. وقرأ ابو عمرو والكسائي ~~والداحوني عن ابي ذكوان وهبة الله عن حفص من طريق النهرواني والدوري عن ~~سليم من طريق ابن فرج وابو بكر الا الأعشى والبرجمي { هار } بالامالة. ~~وافقهم على الوقف علي بن مسلم وابن غالب ومحمد في الوقف من طريق السوسي ~~من طريق ابن جيش. قال ابو علي الفارسي: البنيان مصدر، وهوجمع كشعير ~~وشعيرة لأنهم قالوا في الواحد بنيانة قال أوس: # كبنيانة القري موضع رحلها # وآثار نسعيها من الدف أبلق # وجاء بناء المصادر على هذا المثل في غير هذا الحرف نحو الغفران وليس ~~بنيان جمع بناء، لأن فعلانا اذا كان جمعا نحو كثبان وقضبان لم تلحقه ~~تاء التأنيث، وقد يكون ذلك في المصادر، نحو: أكل وأكلة وضرب وضربة من ~~ذلك. وقال ابو زيد يقال: بنيت أبني بنيا وبناء وبنية وجمعها البنى ~~وأنشد: # بنى السماء فسواها ببنيتها # ولم تمد باطناب ولا عمد # فالبناء والبنية مصدران ومن ثم قوبل ms1843 به الفراش في قوله # الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء # فالبناء لما كان رفعا للمبني قوبل به الفراش الذي هو خلاف البناء. ومن ~~ثم وقع على ما كان فيه ارتفاع في نصبته وان لم يكن مبنيا فأما من فتح ~~الهمزة وبنى الفعل للفاعل، فلأنه الباني والمؤسس فأسند الفعل اليه وبناه ~~له كما اضاف البنيان اليه في قوله { بنيانه } فكما ان المصدر مضاف إلى ~~الفاعل كذلك يكون الفعل مبنيا له. ومن بنى الفعل للمفعول لم يبعد ان ~~يكون في المعنى كالاول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان ~~كبنائه هو له. والأول أقوى لما قلناه. وقال ابو علي (الجرف) - بضم العين ~~- هو الأصل، والاسكان تخفيف ومثله الشغل والشغل. ومثله الطنب والطنب. ~~والعنق والعنق، يجوز في جميعه التثقيل والتخفيف. وكلاهما حسن وقال ابو ~~عبيدة { على شفا جرف هار } مثل، قال: لأن ما يبنى على التقوى فهو أثبت ~~أساسا من بناء يبنى على شفا جرف ويجوز ان تكون المعادلة وقعت بين ~~البنائين، ويجوز أن تكون بين البناءين. فاذا عادلت بين البنائين كان ~~المعنى المؤسس بنيانه متقنا خير ام المؤسس بنيانه غير متقن لأن قوله { ~~على شفا جرف } يدل على أن بانيه غير متق لله. ويجوز أن يكون على تقدير ~~حذف المضاف كأنه قال: أبناء من أسس بنيانه على تقوى خير أم بناء من أسس ~~بنيانه على شفا جرف. # والبنيان مصدر يراد به المبني، كما أن الخلق يراد به المخلوق إذا أردت ~~ذلك، وضرب الامير اذا اردت به المضروب. وكذلك نسج اليمن يراد به المنسوج، ~~فانما قلنا ذلك لأنه لا يجوز أن يراد به الحدث، لأنه إنما يؤسس المبني ~~الذي هو عين. يبين ذلك قوله { على شفا جرف } والحدث لا يكون على شفا جرف. ~~والجار في قوله { على تقوى } وفي قوله { على شفا جرف } في موضع نصب، ~~والتقدير افمن اسس بنيانه متقيا خير ام من اسس بنيانه معاقبا على ~~بنيانه، وفاعل (انهار) البنيان، وتقديره انهار البنيان بالباني في نار ~~جهنم، لأنه ms1844 معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين ~~المؤمنين. ومن أمال { هار } فقد أحسن لما في الراء من التكرير فكأنك لفظت ~~براءين مكسورتين وبحسب كثرة الكسرات تحسن الامالة. ومن لم يمل فلأن ~~كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات. وترك الامالة هو الأصل. وأما ألف ~~{ هار } فمنقلبة عن الواو، لأنهم قالوا: تهور البناء إذا تساقط وتداعى، ~~والانهيار والانهيال متقاربان في المعنى. والالف في قوله { أفمن } الف ~~استفهام يراد بها - ها هنا - الانكار ومعنى { خير } في الآية أفضل، وليس ~~فيه إشتراك، يقولون: هذا خير، وهذا شر، ولا يراد به (أفعل من) قال ~~الشاعر: # والخير والشر مقرونان في قرن # فالخير متبع والشر محذور # وأما قوله: وافعل الخير معناه افعلوا الأفضل. و (الشفا جرف) الشيء ~~وشفيره وجرفه نهايته في المساحة ويثنى شفوان، والجرف جرف الوادي وهو ~~جانبه الذي ينحفر بالماء أصله فيبقى واهيا، وهو من الجرف والاجتراف، وهو ~~اقتلاع الشيء من أصله. ومعنى (انهار) انصدع بالتهدم هار الجرف يهور هورا ~~فهو هائر وتهور تهورا وانهار انهيارا، ويقال ايضا: هار يهار، وأصل هار ~~هائر إلا انه قلب كما قال الشاعر: # لاث به الأشاء والعبري # اي لائث بمعنى دائر، ومثله شاك في السلاح وشائك والاشاء النخل، والعبري ~~السدر الذي على ساقي الأنهار، ومعنى لاث أي مطيف به. # شبه الله تعالى بنيان هؤلاء المنافقين مسجد الضرار ببناء يبنى على شفير ~~جهنم فانهار ذلك البناء بأهله في نار جهنم، ووقع فيه. وروي عن جابر بن ~~عبد الله انه قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارا يخرج منه الدخان، وهو قول ~~ابن جريح. ### || [9.110] # قرأ ابن عامر وحمزة وحفص وابو جعفر ويعقوب { تقطع } بفتح التاء الباقون ~~بضمها. وقرأ يعقوب وحده { إلى أن } على أنه حرف جر. # وقوله { لا يزال } من اخوات (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر وانما عمل في ~~الاسم والخبر، لأنه إنما يتعلق في معنى الجملة، فيدل على انه يدوم إذ ~~المعنى فيه أن يكون الشيء على الصفة أبدا. قال ابو علي: البنيان مصدر ~~واقع على ms1845 المبني وتقديره لا يزال بناء المبني الذي بنوه ريبة أي شكا في ~~قلوبهم فيما كان من إظهار اسلامهم وثباتا على النفاق إلى أن تقطع قلوبهم ~~بالموت والبلى لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون عن النفاق إلى أن تقطع ~~قلوبهم بالموت والبلى. ومن قرأ { إلى أن تقطع } فانه يريد حتى تبلى وتقطع ~~بالبلى أي لا تثلج قلوبهم بالايمان ابدا ولا ينزعون عن الخطيئة في بناء ~~المسجد ولا يتوبون. ومن ضم الياء اضاف الفعل إلى المقطع المبلي للقلوب ~~بالموت، ومن فتحها اسند الفعل إلى القلوب لما كانت هي البالية، كما ~~قالوا: مات زيد ومرض عمرو، ووقع الحائط. وفي قراءة ابي (حتى الممات). # ومعنى قوله { الذي بنوا } مع قوله { بنيانهم } انما هو ليعلم ان البناء ~~ماض دون المستقبل اذ قد تجوز الاضافة على جهة الاستقبال كقولك للغير: ~~أقبل على عملك. وقيل في معنى الريبة في الاية ثلاثة اقوال: احدها - ان ~~هذا البنيان الذي بنوه لا يزال شكا في قلوبهم. وقيل معناه حزازة في ~~قلوبهم، وقيل حسرة في قلوبهم يترددون فيها. وقوله { إلا أن تقطع قلوبهم ~~} موضع { أن تقطع } نصب والتقدير الا على تقطع قلوبهم غير ان حرف الاضافة ~~يحذف مع (ان) ولا يحذف مع المصدر. ومعنى (إلا) ها هنا (حتى) لأنه استثناء ~~من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منته اليه فاجتمعت مع (حتى) في هذا ~~الموضع على هذا المعنى. قال الزجاج: يحتمل ان يكون المراد الا ان يتوبوا ~~توبة تتقطع بها قلوبهم ندما واسفا على تفريطهم. وقوله { والله عليم ~~حكيم } اي عالم بنيتهم في بناء مسجد الضرار { حكيم } في امره بنقضه ~~والمنع من الصلاة فيه. ### || [9.111] # قرأ حمزة والكسائي { فيقتلون ويقتلون } على مفعول وفاعل. الباقون على ~~فاعل ومفعول. من قدم الفعل المسند إلى الفاعل، فلأنهم يقتلون اولا في ~~سبيل الله ويقتلون، ولا يقتلون اذا قتلوا. ومن قدم الفعل المسند إلى ~~المفعول جاز أن يكون اراد ذلك المعنى ايضا لأن المعطوف بالواو يجوز أن ~~يراد به التقديم وان لم يقدر ذلك كأن المعنى يقتل بعضهم ms1846 ويقتل من بقي ~~منهم بعد قتل من قتل منهم، كما أن قوله # فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله # ومعناه ما وهن من بقي منهم لقتل من قتل من المؤمنين. وحقيقة الاشتراء لا ~~تجوز على الله تعالى، لأن المشتري انما يشتري ما لا يملك، والله تعالى ~~مالك الأشياء كلها. وانما هو كقوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # في أنه اجري بحسن المعاملة والتلفظ في الدعاء إلى الطاعة مجرى ما لا ~~يملكه المعامل فيه، ولما كان الله تعالى رغب في الجهاد وقتال الأعداء ~~وضمن على ذلك الثواب عبر عن ذلك بالاشتراء. فجعل الثواب ثمنا والطاعات ~~مثمنا على ضرب من المجاز، وكما أن في مقابلة الطاعة الثواب فكذلك في ~~مقابلة الألم العوض غير أن الثواب مقترن بالاجلال والاكرام، والعوض خال ~~منهما، والمثاب محسن مستحق على احسانه المدح وليس كذلك المعوض. # أخبر الله تعالى أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بما ضمن لهم على ~~بذلها من الثواب في قوله { بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله } اعداء ~~الله واعداء نبيه فيقتلون اعداء الله ويقتلهم اعداء الله فيصبرون على ~~ذلك. ومن قدم المفعول اراد يقتل بعضهم، فيقتل الباقون أعداء الله. # وقوله { وعدا عليه حقا } نصب { وعدا } على المصدر بما دل عليه اشترى ~~اذ يدل على أنه وعد، ومثله # صنع الله الذي أتقن كل شيء # و # فطرة الله التي فطر الناس عليها # والوعد خبر بما يفعله المخبر من الخير بغيره. والوعيد خبر بما يفعله ~~المخبر من الشر بغيره. وقوله { حقا } معناه يتبين الوعد بالحق الواجب من ~~الوعد بما لم يكن واجبا. فالوعد بالثواب دل على وجوبه من وجهين: احدهما ~~- من حيث انه جزاء على الطاعة. والثاني - أنه إنجاز الوعد. وقوله { في ~~التوراة والإنجيل والقرآن } معناه إن هذا الوعد للمجاهدين مذكور في هذه ~~الكتب. قال الزجاج: وذلك يدل على أن. الجهاد كان واجبا على أهل كل ملة. ~~وقوله { ومن أوفى بعهده من الله؟! } معناه لا أحد أحق بالوفاء بالعهد من ~~الله { فاستبشروا } ايها المؤمنون ms1847 { ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم } يعني ذلك الشراء والبيع هو الفلاح العظيم الذي لا يقارنه شيء. ### || [9.112] # قيل في ارتفاع قوله { التائبون } ثلاثة اقوال: احدها - انه ارتفع بالمدح ~~والتقدير هم التائبون. الثاني - بالابتداء وخبره محذوف بعد قوله: { ~~والحافظون لحدود الله } لهم الجنة. الثالث - على أن يكون بدلا من الضمير ~~في " يقاتلون " أي إنما يقاتل في سبيل الله من هذه صفته. وقيل هو كقوله { ~~لكن الرسول والذين آمنوا معه... التائبون } وقرأ أبي كل ذلك بالنصب على ~~أنه صفة للمؤمنين. # وصف الله تعالى المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأنهم ~~التائبون ومعناه الراجعون إلى طاعة الله المنقطعون اليه والنادمون على ما ~~فعلوه من قبيح { العابدون } اي يعبدون الله وحده لا شريك له { الحامدون } ~~يعني الشاكرون لنعم الله عليهم على وجه الاخلاص له. وقال الحسن: هم الذين ~~يحمدون الله على كل حال في سراء كانوا او ضراء، وبه قال قتادة: { ~~السائحون } قيل معناه الصائمون. وقال المؤرج: السائحون الصائمون بلغة ~~هذيل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال # " سياحة امتي الصوم " # وهو قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد. وقال الحسن: ~~هم الذين يصومون ما افترض الله عليهم. وقال غيره: هم الذين يصومون دائما ~~وكذلك قال في قوله { الراكعون الساجدون } انهم الذين يؤدون ما افترض الله ~~عليهم من الصلاة والركوع والسجود. وأصل السيح الاستمرار بالذهاب في الأرض ~~كما يسيح الماء فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المشتهى من المآكل ~~والمشارب والمنكح. # وقوله { الراكعون الساجدون } معناه الذين يقيمون التي فيها الركوع ~~والسجود { الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } معناه الذين يأمرون بما ~~امر الله به من الواجبات والمندوبات وينهون عما نهى الله عنه وزهد فيه من ~~القبائح. # وانما عطف الناهون بالواو دون غيره من الصفات لأنه لا يكاد يذكر على ~~الافراد بل يقال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاءت الصفة مصاحبة ~~للاولى، فأما قوله { والحافظون } فلأنه جاء وهو أقرب إلى المعطوف، ومعنى ~~{ الحافظون لحدود الله } انهم يحفظون ما ms1848 أمر الله به ونهى عنه فلا ~~يتجاوزونه إلى غيره. وقوله: { وبشر المؤمنين } امر للنبي صلى الله عليه ~~وآله ان يبشر المؤمنين المصدقين بالله المعترفين بنبوته بالثواب الجزيل ~~والمنزلة الرفيعة وخاصة إذا جمعوا هذه الأوصاف على كمالها وتمامها دون ~~غيرهم. ### || [9.113] # أخبر الله تعالى أنه لم يكن { للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا } ومعناه ~~أن يطلبوا المغفرة { للمشركين } الذين يعبدون مع الله إلها آخر والذين ~~لا يوحدونه ولا يقرون بالاهيته " وإن كان " الذي يطلب لهم المغفرة أقرب ~~الناس اليهم بعد أن يعلموا أنهم كفار مستحقون للخلود في النار. والقربى ~~معناه القرب في النسب بالرجوع إلى أب أو أم باضافة قريبة. ومعنى قوله { ~~ولو كانوا أولي قربى } أي القرابة وإن دعت إلى الحنو والرقة، فانه لا ~~يلتفت إلى دعائها في الخصلة التي نهى الله عنها. ### || [9.114] # لما ذكر الله تعالى أنه ليس للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة ~~للمشركين بين الوجه في استغفار ابراهيم لابيه مع أنه كان كافرا سواء كان ~~أباه الذي ولده او جده لأمه أو عمه على ما يقوله أصحابنا. وهو أن قال: ~~وجه حسن ذلك أنه كان تقدم ذلك موعدة، فلأجلها وجب عليه الوفاء به. # وقيل في معنى الموعدة التي كانت عليه في حسن الاستغفار قولان: # احدهما - ان الموعدة كانت من ابي إبراهيم لابراهيم أنه يؤمن إن استغفر ~~له فاستغفر له لذلك وطلب له الغفران بشرط أن يؤمن { فلما تبين له } بعد ~~ذلك { أنه عدو لله تبرأ منه }. # والثاني - أن الوعد كان من ابراهيم بالاستغفار ما دام يطمع في الايمان ~~كما قال # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء # فاستغفر له على ما يصح ويجوز من شرائط الحكمة { فلما تبين له أنه عدو ~~لله } وآيس من ايمانه { تبرأ منه }. والذي عندي وهو الأقوى أن أباه أظهر ~~له الايمان وصار اليه، وكان وعده أن يستغفر له إن آمن فلما أظهر الايمان ~~استغفر له، فأعلمه الله ان ما ظهر منه بخلاف ما يبطنه { تبرأ منه ms1849 } ويقوي ~~ذلك قوله # واغفر لأبي إنه كان من الضآلين # اي فيما مضى، ويجوز أن يكون أظهر الكفر بعد ذلك فلما تبين ذلك تبرأ منه. ~~فأما من قال: إن الوعد كان من ابراهيم فالسؤال باق لأن لقائل أن يقول ولم ~~وعد كافرا أن يستغفر له؟ فان قلنا: وعده بأن يستغفر له إن آمن كان ~~الرجوع إلى الجواب الآخر. # والعداوة هي الابعاد من النصرة إلى اعداد العقوبة. والولاية التقريب من ~~النصرة من غير فاصلة بالحياة والكرامة. # وقوله { إن إبراهيم لأواه حليم } قيل في معنى " أواه " ثمانية اقوال: ~~فقال ابن عباس في معنى (أواه) تواب. وقال ابن مسعود: معناه دعاء. وقال ~~الحسن وقتادة: معناه رحيم. وقال مجاهد: معناه موقن. وقال كعب: معناه اذا ~~ذكر النار قال أوه. وقال الضحاك: معناه المؤمن الموقن بالخشية الرحيم. ~~وقال آخرون: معناه فقيه. وقال ابو عبيدة: معناه المتوجع المتضرع إلى الله ~~خوفا وإشفاقا. وأصل الأواه من التأوه وهو التوجع والتحزن تقول، تأوه ~~تأوها وأوه تأويها، قال المثقب العبدي: # إذا ما قمت أرحلها بليل # تأوه آهة الرجل الحزين # والعرب تقول: أوه من كذا بكسر الواو وتسكين الهاء قال الشاعر: # فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها # ومن بعد أرض دونها وسماء # والعامة تقول: أوه يقال ايضا أوه بسكون الواو وكسر الهاء وينشد البيت ~~المتقدم ذكره كذلك، وقال الجعدي: # صروح مروح يتبع الورق بعدما # يعرس شكوى آهة وتنمرا # وقال الراجز: # فأوه الداعي وضوضاء أكلبه # ولو جاء منه (فعل يفعل) لكان آه يؤوه أوها على وزن (قال يقول قولا) ~~والحليم هو المهمل على وجه حسن. والحلم الامهال على ما تقتضيه الحكمة. ~~وهي صفة مدح. والله حليم عن العصاة بأمهاله لهم مع قدرته على تعجيل ~~عقوبتهم وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إنما تبين عداوته لما مات على ~~كفره. وقال ابو علي الجبائي: لما آيس من فلاحه عند تصميمه على بعد الوعد ~~في الايمان بالله الذي كان وعد باظهاره في وقت بعينه. ### || [9.115] # قال مجاهد: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها هو أنه لما حرم ms1850 الله تعالى ~~على المؤمنين الاستغفار للمشركين بين أنه لم يكن الله ليآخذكم به إلا بعد ~~ان يدلكم على تحريمه وأنه يجب عليكم أن تتقوه. # وقوله { ليضل قوما } معناه - ها هنا - لم يكن الله ليحكم بضلال من عدل ~~عن طريق الحق على وجه الذم له إلا بعد أن ينصب له على ذلك الدليل، والهدى ~~هو الحكم بالاهتداء إلى الحق على وجه الحمد له. والبيان والبرهان والحجة ~~والدلالة بمعنى واحد، وفرق الرماني بين البيان والبرهان، فقال: البيان ~~إظهار المعنى في نفسه بمثل اظهار نقيضه. والبرهان اظهار صحته بما يستحيل ~~في نقيضه كالبيان عن معنى قدم الاجسام ومعنى حدوثها، فالبرهان يشهد بصحة ~~حدوثها وفساد قدمها. وقال مجاهد: معناه حتى يبين لهم ما يتقون من ترك ~~الاستغفار للمشركين لأنهم كانوا يستغفرون لهم، فلما نهوا عنه انتهوا. ~~وقوله { إن الله بكل شيء عليم } معناه انه يعلم جميع المعلومات حتى لا ~~يشذ شيء منها عنه لكونه عالما لنفسه. وقال الحسن: مات قوم من المسلمين ~~على الاسلام قبل فرض الصلاة والزكاة وغيرهما من فرائض الدين. فقال ~~المسلمون: يا رسول الله اخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ ~~فقال الله تعالى { وما كان الله ليضل قوما } وهم مؤمنون ولم يبين لهم ~~الفرائض. ### || [9.116] # وجه اتصال هذه الاية بما قبلها الحض على ما تقدم ذكره من جهاد المشركين ~~ملوكهم وغير ملوكهم، لأنهم عبيد من له ملك السماوات والأرض يأمر فيهم ما ~~يشاء ويدبرهم على ما يشاء. فأخبر الله ان { له ملك السماوات والأرض } ~~ومعناه انه قادر على التصرف فيهما وليس لأحد منعه منهما. والملك اتساع ~~المقدور لمن له السياسة والتدبير. وخزائن الله لا تفنى وملكه لايبيد ولا ~~يبلى، وكل ذلك يرجع إلى مقدوراته في جميع اجناس المعاني. وقوله { يحيي ~~ويميت } معناه انه يحيي الجماد ويميت الحيوان. والحياة معنى يوجب كون ~~الحيوان حيا. والحي المختص بصفة لا يستحيل معها كونه عالما قادرا. ~~والموت عند من اثبته معنى هو ما يضاد الحياة. ومن لا يثبته معنى، يقول: ~~هو عبارة عن فساد ms1851 بنية الحياة. وقوله { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } فالولي هو المقرب بالنصرة من غير فاصلة. والانسان ولي الله، لأنه ~~يقربه بالنصرة من غير فاصلة. والله وليه بهذا المعنى، والنصير والاستنصار ~~طلب النصرة والانتصار والانتصاف بالنصرة. ### || [9.117] # قرأ حمزة وحفص { يزيغ } بالياء. الباقون بالتاء. قال أبو علي النحوي: ~~يجوز أن يكون فاعل (كاد) احد ثلاثة اشياء: # احدها - ان يضمر فيه القصة أو الحديث ويكون (تزيغ) الخبر وجاز ذلك للزوم ~~الخبر لها، فأشبه العوامل الداخلة على الابتداء للزوم الخبر لها، ولا ~~يجوز ذلك في (عسى) لان (عسى) يكون فاعله المفرد في الاكثر ولا يلزمه ~~الخبر، نحو قوله # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم # فاذا كان فاعله المفرد في كثير من الأمر لم يحتمل الضمير الذي احتمله ~~(كاد) كما لم تحتمله سائر الأفعال التي تسند إلى فاعلها مما لا يدخل على ~~المبتدأ. وما يجيء في الشعر من كاد أن يفعل، وعسى يفعل، فلا يعتد به، ~~لأنه من ضرورة الشعر. # الثاني - من فاعل (كاد) أن يضمنه ذكرا مما تقدم، ولما كان النبي صلى ~~الله عليه وآله والمهاجرون والأنصار قبيلا واحدا وفريقا جاز أن يضمر في ~~(كاد) ما يدل عليه ما تقدم ذكره من القبيل والحزب والفريق. وقال: منهم من ~~حمله على المعنى كما قال { من آمن بالله واليوم الآخر } ثم قال # فلا خوف عليهم # فكذلك فاعل (كاد). # والثالث - من فاعل (كاد) أن يكون فاعلها (القلوب) كأنه بعد ما كاد قلوب ~~فريق منهم تزيغ وإنما قدم (تزيغ) كما قدم خبر كان في قوله { وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين } وجاز تقديمه وإن كان فيه ضمير من القلوب ولم يكن ~~ذلك من الاضمار قبل الذكر، لأن النية به التأخير. ومن قرأ بالياء يجوز ان ~~يكون جعل في (كاد) ضمير الحديث فاذا اشتغل (كاد) بهذا الضمير ارتفع ~~القلوب ب (تزيغ) فذكر وان كان فاعله مؤنثا لتقدم الفعل. ومن قرأ بالتاء ~~جاز أن يكون ذهب إلى أن ms1852 القلوب مرتفعة ب (كاد) فلا يكون يرفع فعلا ~~مقدما فاذا لم يكن مقدما قبح التذكير لتقدم ذكر الفاعل كما قبح في قول ~~الشاعر: # ولا أرض أبقل إبقالها # ولم يصح أبقل أرض. ويجوز أن يكون الفعل المسند على القصة والحديث يؤنث ~~اذا كان في الجملة التي تفسيرها مؤنث كقوله # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا # ويجوز إلحاق التاء في { كاد } من وجه آخر، وهو أن يرفع " تزيغ قلوب " ب ~~" كاد " فتلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسندا إلى مؤنث كقوله # قالت الأعراب # فعلى هذا يكون في " تزيغ " ضمير القلوب. لأن النية في " تزيغ " التأخير. # اقسم الله تعالى في هذه الاية - لأن لام " لقد " لام القسم - بأنه تعالى ~~تاب على النبي والمهاجرين والأنصار بمعنى أنه بمعنى أنه رجع اليهم، وقبل ~~توبتهم { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } يعني في الخروج مع إلى تبوك. # و " العسرة " صعوبة الأمر وكان ذلك في غزوة تبوك لأنه لحقهم فيها مشقة ~~شديدة من قلة الماء حتى نحروا الابل وعصروا كروشها ومصوا النوى. وقل ~~زادهم وظهرهم - في قول مجاهد وجابر وقتادة - وروي عن عمر أنه قال: أصابنا ~~عطش شديد فأمطر الله السماء بدعاء النبي صلى الله عليه وآله فعشنا بذلك { ~~من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } والزيغ ميل القلب عن الحق، ومنه ~~قوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # ومنه قوله # لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا # وكان أبوخيثمة عبد الله بن خيثمة تخلف إلى أن مضى من مسير رسول الله ~~عشرة أيام ثم دخل يوما على امرأتين له - في يوم حار - عريشين لهما قد ~~رشتاهما وبردتا الماء وهيأتا له الطعام، فقام على العريشين فقال: سبحان ~~الله رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح ~~والحر والقر يحمل سلاحه على عاتقه وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ ~~وأمرأتين حسناوين ما هذا بالنصف، ثم قال. والله لا أكلم واحدة منكما كلمة ~~ولا ادخل عريشا حتى الحق بالنبي صلى الله عليه وآله ms1853 فأناخ ناضحه واشتد ~~عليه وتزود وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما ثم سار حتى اذا دنا من ~~تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق فقال النبي صلى الله عليه وآله كن ~~ابا خيثمة، فلما دنا قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله فأناخ راحلته ~~وسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له النبي صلى الله عليه وآله ~~أولى لك. فحدثه الحديث، فقال له خيرا، ودعا له، فهو الذي زاغ قلبه ~~للمقام. ثم ثبته الله. # وقيل: إن من شدة ما لحقهم هم كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم، وقيل ~~من بعد ما كان شك جماعة منهم في دينه ثم تابوا فتاب الله عليهم، وقوله { ~~ثم تاب عليهم } أي رجع عليهم بقبول توبتهم { إنه بهم رؤف رحيم } إخبار ~~منه تعالى أنه بهم رؤف، فالرأفة أعظم الرحمة، قال كعب بن مالك الانصاري: # نطيع نبينا ونطيع ربا # هو الرحمن كان بنا رؤوفا # وقال آخر: # ترى للمسلمين عليك حقا # كمثل الوالد الرؤف الرحيم ### || [9.118] # تقدير الكلام وتاب الله على الثلاثة الذين خلفوا. وقيل نزلت هذه الاية ~~بسبب الثلاثة الذين تخلفوا عن غزاة تبوك ولم يخرجوا مع النبي صلى الله ~~عليه وآله لا عن نفاق، لكن عن توان، ثم ندموا، فلما ورد النبي صلى الله ~~عليه وآله جاءوا اعتذروا، فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وآله وتقدم إلى ~~المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان وأهاليهم ~~وجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعتزلهم، فقال: لا ولكن ~~لا يقربونكن فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤس الجبال، فكان أهاليهم ~~يجيئون لهم بالطعام ويتركونه لهم ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد ~~هجرنا الناس ولا يكلمنا أحد، فهلا نتهاجر نحن ايضا، فتفرقوا ولم يجتمع ~~منهم اثنان، وثبتوا على ذلك نيفا وأربعين يوما. وقيل سنة يضرعون إلى ~~الله تعالى ويتوبون اليه، فقبل الله تعالى حينئذ توبتهم، وانزل فيهم هذه ~~الاية والثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن امية وفزارة بن ربيعة، وكلهم من ms1854 ~~الأنصار - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر - والتخليف تأخير الشيء ~~عمن مضى، فأما تأخير الشيء عنك في المكان، فليس بتخليف، وهو من الخلف ~~الذي هو مقابل لجهة الوجه. وقال مجاهد: خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول ~~توبة من قبل توبته من المنافقين، كما قال تعالى فيما مضى # وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # وقال قتادة { خلفوا } عن غزوة تبوك كما تخلفوا هم. وبه قال الحسن. وفي ~~قراءة اهل البيت عليهم السلام { خالفوا } قالوا لأنهم لو خلفوا لما توجه ~~عليهم العتب. # وقوله { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } فالضيق ضد السعة ومنه ضيق ~~الصدر، خلاف اتساعه بالهم الذي يحدث فيه فيشغله عن غيره، وليس كذلك ~~السرور لأنه لا يشغل عن ادراك الامور. ومعنى { بما رحبت } اي بما اتسعت ~~تقول: رحبت رحبا، ومنه مرحبا واهلا اي رحبت بلادك واهلت، وضيق انفسم ها ~~هنا بمعنى ضيق صدورهم، بالهم الذي حصل فيها. وقوله { وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه } معناه وعلموا انه لا يعصمهم منه موضع إذا اعتصموا به ~~والتجؤا اليه كأنه قال: لا معتصم من الله إلا به، لجأ يلجأ لجاء وألجأه ~~إلى كذا إلجاء إذا صيره إليه بالمنع من خلافه. والتجأ اليه التجاء ~~وتلاجؤا تلاجؤا. وقوله { ثم تاب عليهم ليتوبوا } قيل في معناه ثلاثة ~~اقوال: احدها - لطف لهم في التوبة، كما يقال في الدعاء: تاب الله عليه. ~~الثاني - قبل توبتهم ليتمسكوا بها في المستقبل. الثالث - قبل توبتهم ~~ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم. وقال الحسن: جعل لهم التوبة ليتوبوا بها، ~~والمخرج ليخرجوا به. # وقوله { إن الله هو التواب الرحيم } اخبار منه تعالى بأنه يقبل توبة ~~عباده كثيرا ويغفر ذنوبهم إذا رجعوا اليه لرحمته عليهم ورأفته بهم. وكان ~~أبو عمرو يحكي عن عكرمة بن خالد { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } بفتح الخاء ~~والتخفيف وكان لا يأخذ بها. فان قيل: ما معنى التوبة عليهم واللائمة لهم ~~وهم قد خلفوا فهلا عذروا؟ # قيل: ليس المعنى انهم أمروا بالتخلف او رضي ms1855 منهم به بل كقولك لصاحبك: ~~أين خلفت فلانا؟ فيقول: بموضع كذا ليس يريد انه امره بالتخلف هناك بل ~~لعله ان يكون نهاه وانما يريد انه تخلف هناك ### || [9.119] # هذا امر من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بالله والمقرين بنبوة نبيه بأن ~~يتقوا معاصي الله ويجتنبوها وأن يكونوا مع الصادقين الذين يصدقون في ~~اخبارهم ولا يكذبون، قال ابن مسعود: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا ان ~~يعد احدكم ولده شيئا ثم لا ينجزه ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله.. } الآية وقال: هل ترون في هذه رخصة؟. وقال نافع والضحاك: أمروا ~~بأن يكونوا مع النبيين والصديقين في الجنة بالعمل الصالح. وقيل: إن ~~المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في قوله { رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه } وهم حمزة وجعفر # ومنهم من ينتظر # يعني عليا عليه السلام فأمر الله تعالى بالاقتداء بهم والاهتداء ~~بهديهم، وهم الذين وصفوا في قوله: # ليس البر أن تولو وجوهكم قبل... # الآية إلى قوله # أولئك الذين صدقوا # فأمر بالاقتداء بهؤلاء. # وقال بعضهم: ان (مع) بمعنى (من) وكأنه أمر بأن يكونوا في جملة الصادقين ~~وفي قراءة ابن مسعود { وكونوا من الصادقين }. وقيل: اراد كونوا مع كعب بن ~~مالك واصحابه الذين صدقوا في اقوالهم ولم يكذبوا في الاعتذار. والصادق هو ~~القائل بالحق العامل به، لأنها صفة مدح لا تطلق الا على من يستحق المدح ~~على صدقه. فأما من فسق بارتكاب الكبائر فلا يطلق عليه اسم صادق ولذلك مدح ~~الله الصديقين وجعلهم تالين لنبيين في قوله # فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين ### || [9.120] # لما قص الله تعالى قصة الذين تأخروا عن النبي صلى الله عليه وآله ~~والخروج معه إلى تبوك ثم اعتذارهم عن ذلك وتوبتهم منه وأنه قبل توبة من ~~ندم على ما كان منه لرأفته بهم ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه ~~التوبيخ لهم والازراء على ما كانوا فعلوه فقال: لم يكن لأهل المدينة ولا ~~من يسكن حول ms1856 المدينة من الاعراب والبوادي { أن يتخلفوا } بمعنى ان ~~يتأخروا عن رسول الله { ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } ومعناه ولا أن ~~يطلبوا نفع نفوسهم، لأن الرغبة المنفعة ونقيضها الرهبة. ويقال رغب فيه ~~اذا طلب المنفعة به ورغب عنه طلب المنفعة بتركه، والترغيب ضد الترهيب ~~ومعنى { يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } اي يطلبون المنفعة بترفيه انفسهم دون ~~نفسه وهذه فريضة الزمهم الله اياها؛ لحقه فيما دعاهم من الهدى الذي ~~اهتدوا به وخرجوا من ظلمة الكفر إلى نور الايمان. # وقوله { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } اشارة إلى ما الزمهم الله ~~اياه من تحمل هذه المشقة لأنهم لا يصيبهم ظمأ وهو شدة العطش تقول: ظمئ ~~يظمأ ظمأ وهو ظميء وظمآن وأظمأه الله إظماء. ومنه قيل: أنا ظمآن إلى رؤية ~~فلان ومعنى { ولا نصب } اي تعب تقول: نصب ينصب نصبا فهو نصب. ومثله ~~الوصب قال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل اقاسيه بطيء الكواكب # وقوله { ولا مخمصة } يعني مجاعة وأصله ضمور البطن للمجاعة ومنه رجل خميص ~~البطن وأمرأة خمصانة. وقوله { في سبيل الله } يعني من قتال اعدائه ~~المشركين. وقوله { ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار } اي لا يخطون خطوة إلا ~~كتب لهم اجرها، والموطئ الأرض، والغيظ انتقاض الطبع بما يرى مما يشق. ~~والغضب هو ما يدعوا إلى الانتقام على ما سلف من المعصية مما هي متعلقة ~~به، وهو مستحق بها ولذلك جاز ان يطلق الغضب على الله ولم يجز اطلاق الغيض ~~عليه. # وقوله { ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح } والنيل لحوق ~~الشيء تقول: نلته اناله نيلا اذا نلته بيدك وهو منيل، وليس من التناول ~~لأن هذا من الواو تقول: نلته بخير انوله نولا ونوالا وانالني خيرا ~~انالة. # والمعنى ان هؤلاء المؤمنين لا يصيبون من المشركين امرا، من قتل او جراح ~~او مال، او امر يغمهم الا ويكتب الله للمؤمنين { به عملا صالحا ان الله ~~لا يضيع اجر المحسنين } اخبار منه تعالى انه لا يضيع اجر من فعل الأفعال ~~الحسنة ms1857 التي يستحق بها المدح وقد يكون فاعل الحسن لا يستحق المدح مثل ~~فاعل المباح. وقال قتادة: حكم هذه الآية مختص بالنبي فانه اذا غزا النبي ~~صلى الله عليه وآله لم يكن لأحد ان يتخلف عنه، فاما من بعده من الخلفاء ~~فان ذلك جائز، وقال الاوزاعي وعبد الله بن المبارك والفرازي والسبيعي ~~وأبو جابر وسعيد بن عبد العزيز: ان هذه الاية لأول الأمة وآخرها من ~~المجاهدين في سبيل الله. وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلين، ~~فلما كثروا نسخ بقوله { وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طائفة } وهذا هو الأقوى لأنه لا خلاف ان الجهاد من فروض ~~الكفايات فلو لزم كل احد النفر لصار من فروض الأعيان ### || [9.121] # هذه الاية عطف على ما تقدم ذكره في الاية الاولى من قوله { ولا يطؤن ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا... ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة } اي لا ينفق هؤلاء المؤمنون في سبيل الله وجهاد اعدائه نفقة صغيرة ~~ولا كبيرة يريدون بها اعزاز دين الله ونفع المسلمين والتقرب إلى الله ~~بها، لأن الانفاق متى كان للشهوة أو ليذكر بالجود كان ذلك مباحا. وان ~~كان للرياء والسمعة وللمعاونة على فساد كان معصية. والصغير ما نقص ثوابه ~~عن ثواب ما هو اكبر منه، والكبير ما زاد ثوابه على ثواب ما هو دونه. ~~وقوله { ولا يقطعون واديا } معناه ولا يتجاوزون واديا. # وقوله { إلا كتب لهم } ثواب ذلك لهم { ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون } معناه انه يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها أحسن مما فعلوه. وقال ~~الرماني: ذلك يدل على انه يكون حسن أحسن من حسن، قال: لان لفظة أفعل ~~تقتضي التفاضل فيما شاركه في الحسن. وهذا ليس بشيء لأن المعنى ان الله ~~تعالى يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون يعني ما له مدخل في استحقاق المدح ~~والثواب من الواجبات والمندوبات دون المباحات التي لا مدخل لها في ذلك ~~وان كانت حسنة. ### || [9.122] # قوله { فلولا نفر } معناه هلا نفر، وهي للتحضيض ms1858 إذا دخلت على الفعل، ~~فاذا دخلت على الاسم فهي بمعنى امتناع الشيء لأجل وجود غيره. وقيل في ~~معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن: حث الله تعالى الطائفة النافرة ~~على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها. وقال قتادة: ان المعنى. انه لم ~~يكن لهم ان ينفروا بأجمعهم في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه وآله ~~بالمدينة وحده، ولكن تبقى بقية لتتفقه البقية ثم تنذر النافرة وبه قال ~~الضحاك وابن عباس، وقال ابو علي الجبائي: تنفر الطائفة من كل ناحية إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله لتسمع كلامه وتتفقه عنه، ثم يبينوا ذلك لقومهم ~~إذا رجعوا اليهم. وقال مجاهد: نزلت الآية في قوم خرجوا إلى البادية ~~ليفقهوهم ولينالوا منهم خيرا، فلما عاتب الله من تأخر عن النبي عند ~~خروجه إلى تبوك وذم آخرين خافوا ان يكونوا منهم فنفروا بأجمعهم، فقال ~~الله: هلا نفر بعضهم ليفقه عن النبي صلى الله عليه وآله ما يجب عليهم وما ~~لا يجب ويرجعون فيخبرون اصحابهم بذلك ليحذروا. والنفور عن الشيء هو ~~الذهاب عنه لتكره النفس له، والنفور اليه الذهاب اليه لتكره النفس لغيره. ~~والتفقه تعلم الفقه. والفقه فهم موجبات المعنى المضمنة بها من غير تصريح ~~بالدلالة عليها، وصار بالعرف مختصا بمعرفة الحلال والحرام، وما طريقه ~~الشرع. وقوله { لعلهم يحذرون } معناه لكي يحذروا، لأن الشك لا يجوز على ~~الله. والحذر تجنب الشيء لما فيه من المضرة يقال: حذر حذرا وحذرته ~~تحذيرا وحاذره محاذرة وتحذر تحذرا. # واستدل جماعة بهذه الآية على وجوب العمل بخبر الواحد بأن قالوا: حث الله ~~تعالى الطائفة على النفور والتفقه حتى إذا رجعوا إلى غيرهم لينذروهم ~~ليحذروا، فلولا انه يجب عليهم القبول منهم لما وجب عليهم الانذار ~~والتخويف. والطائفة تقع على جماعة لا يقع بخبرهم العلم بل تقع على واحد. ~~لأن المفسرين قالوا في قوله { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } أنه ~~يكفي أن يحضر واحد. # وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لأن الذي يقتضيه ظاهر الاية وجوب النفور على ~~الطائفة من كل فرقة، ووجوب التفقه والانذار إذا ms1859 رجعوا، ويحتمل ان يكون ~~المراد بالطائفة الجماعة التي يوجب خبرهم العلم، ولو سلمنا انه يتناول ~~الواحد او جماعة قليلة، فلم اذا وجب عليهم الانذار وجب على من يسمع ~~القبول؟ والله تعالى إنما اوجب عليه المنذرين الحذر، والحذر ليس من ~~القبول في شيء بل الحذر يقتضي وجوب البحث عن ذلك حتى يعرف صحته من فساده ~~بالرجوع إلى الأدلة، ألا ترى ان المنذر إذا ورد على المكلف وخوفه من ترك ~~النظر فانه يجب عليه النظر ولا يجب عليه القبول منه قبل ان يعلم صحته من ~~فساده، وكذلك إذا ادعى مدع النبوة وان معه شرعا وجب عليه ان ينظر في ~~معجزه ولا يجب عليه القبول منه وتصديقه قبل ان يعلم صحة نبوته. # فكذلك لا يمتنع ان يجب على الطائفة الانذار ويجب على المنذرين البحث ~~والتفتيش حتى يعلموا صحة ما قالوه فيعملوا به، وقد استوفينا الكلام في ~~ذلك في كتاب اصول الفقه لا نطول بذكره ها هنا. # وقيل: ان اعراب اسد قدموا على النبي صلى الله عليه وآله المدينة فغلت ~~الأسعار وملؤوا الطرق بالعذرة فانزل الله تعالى الآية يقول: فهلا جاء ~~منهم طوائف ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم بما تعلموا. وروى الواقدي ان ~~قوما من خيار المسلمين خرجوا إلى البدو يفقهون قومهم فاحتج المنافقون في ~~تأخرهم عن تبوك بأولئك فنزلت { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } قال: ~~وفيهم نزلت # والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة # يعني ان احتجوا بتأخير هؤلاء في البادية فانهم مستجيبون مؤمنون، فكيف ~~يكون لهم بهم اسوة او حجة في تأخرهم وهم منافقون مدهنون. وقال ابو جعفر ~~عليه السلام كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله ان ينفر منهم طائفة وتقيم ~~للتفقه وان يكون الغزو نوبا. ### || [9.123] # روى المفضل عن عاصم { غلظة } بفتح الغين. الباقون بكسرها، قال ابو الحسن ~~قراءة الناس بالكسر، وهي العربية، قال وبه أقرأ ولا أعلم الفتح لغة. وقال ~~غيره: هي لغة. وذكر الزجاج أن فيه ثلاث لغات الفتح والضم والكسر، والكسر ~~أفصحها والكسر ms1860 لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم. # امر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار الذين يلونهم يعني الأقرب ~~فالأقرب وذلك يدل على أنه يجب على اهل كل ثغر أن يقاتلوا دفاعا عن ~~أنفسهم اذا خافوا على بيضة الاسلام إذا لم يكن هناك إمام عادل، وانما جاز ~~من الله تعالى ان يأمر بالقتال ليدعوهم إلى الحق، ولم يجز ان يمنعهم من ~~الكفر، لأن المنع ينافي التكليف. ومن قاتل الأبعد من الكفار وترك الأقرب ~~فالاقرب فان كان باذن الامام كان مصيبا وان كان بغير أمره كان مخطئا، ~~ولو قال: قاتلوا الأقرب فالأقرب لصح لأنه يمكن ذلك. ولو قال: قاتلوا ~~الأبعد فالابعد لم يصح لأنه لا حد للأبعد يبتدأ منه كما للأقرب. وقوله { ~~وليجدوا فيكم غلظة } معناه وليخشوا منكم بالغلظة، والغلظة ضد اللين وخلاف ~~الرقة، وهي الشدة في احلال النقمة، ومخرج الكلام على الأمر بالوجود، ~~وإنما معناه يجدون ذلك، ويجوز ان يكون المراد وليعلموا منكم الغلظة. # وقوله { واعلموا ان الله مع المتقين } امر من الله للمؤمنين ان يتيقنوا ~~أن الله مع الذين يتقون معصيته، بالنصرة لهم، ومن كان الله ناصره في ~~الحرب لم يغلبه احد. فأما إذا نصره بالحجة في غير الحرب فانه يجوز أن ~~يغلب بالحرب لضرب من المحنة وشدة والتكليف. ### || [9.124] # { ما } في قوله: { وإذا ما } يحتمل امرين: أحدهما - ان تكون دخلت لتسليط ~~(اذا) على الجزاء. والثاني - أن تكون صلة مؤكدة، وقوله { فمنهم من يقول } ~~الضمير عائد على المنافقين في قول الحسن والزجاج، والتقدير فمن المنافقين ~~من يقول بعضهم لبعض على وجه الانكار { أيكم زادته هذه إيمانا } وقال ~~الجبائي: يقول المنافقون لضعفة المؤمنين على وجه الاستهزاء. فأخبر الله ~~تعالى انه متى نزلت سورة من القرآن قال المنافقون على وجه الاستهزاء ~~والانكار { أيكم زادته هذه إيمانا } ثم قال تعالى { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا } المعنى ازدادوا عندها ايمانا. وانما أضافه إلى السورة ~~لأن عندها ازدادوا، فوجه زيادة الايمان انهم يصدقون بأنها من عند الله ~~ويعترفون بذلك ويعتقدونه وذلك زيادة اعتقاد على ما كانوا ms1861 معتقدين له. ~~وقوله { وهم يستبشرون } جملة في موضع الحال، وتقديره انهم يزدادون ~~الايمان عندها مستبشرين بذلك فرحين بما لهم في ذلك من السرور والثواب. ~~والزيادة ضم الشيء إلى جنسه لأنك لو ضممت حجرا إلى ذهب لم تكن زدت، ولو ~~ضممت ذهبا إلى ذهب أو حجرا إلى حجر لكنت زدته. ### || [9.125] # لما بين الله تعالى ان المؤمنين يزدادون الايمان عند نزول السورة بين ان ~~الذين في قلوبهم مرض يعني شك ونفاق من الاسلام يزدادون عند ذلك رجسا إلى ~~رجسهم اي نفاقا وكفرا إلى كفرهم، لانهم يشكون في هذه السورة كما يشكون ~~في الذي تقدم، فكان ذلك هو الزيادة. وسمي الشك في الدين مرضا، لأنه فساد ~~يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن الذي يحتاج إلى مداواة. ومرض القلب أعضل ~~وعلاجه أعسر ودواؤه أعز واطباؤه أقل. والرجس والنجس واحد. وسمي الكفر ~~رجسا على وجه الذم، وأنه يجب تجنبه كما يجب تجنب الانجاس. وانما أضاف ~~الزيادة إلى السورة لأنهم يزدادون عندها، ومثله كفى بالسلامة داء، كما ~~قال الشاعر: # ارى بصري قد رابني بعد صحة # وحسبك داء أن تصح وتسلما # وقوله { وماتوا وهم كافرون } فيه بيان أن المرض في القلب أداهم إلى ان ~~ماتوا على شر حال، لأنها تسوق إلى النار نعوذ بالله منها، وانما قال { ~~وماتوا } على لفظ الماضي لأنه عطف على قوله { زادتهم رجسا إلى رجسهم } ~~والمعنى انهم يموتون وهم كافرون. ### || [9.126] # قرأ حمزة ويعقوب { أولا ترون } بالتاء. الباقون بالياء. # قوله { أولا يرون } تنبيه وتقريع لمن عنى بالخطاب. # فمن قرأ بالتاء فوجهه أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر ~~والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروا، لأنهم يمتحنون بالأمراض ~~والأسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم ولا ينزجرون عما ~~هم عليه من النفاق، فلا يقدمون عليه اذا ماتوا فنبه المسلمين على قلة ~~اعتبارهم واتعاظهم. # ومن قرأ بالياء وجه التقريع - بالاعراض عما يجب أن لايعرضوا عنه من ~~التوبة والاقلاع عما هم عليه من النفاق - إلى المنافقين دون المسلمين، ~~لان المسلمين ms1862 قد عرفوا ذلك من امرهم. وكان الاولى أن يلحق التنبيه من ~~يراد تنبيهه وتقريعه بتركه ما ينبغي ان يأخذ به. وتحتمل الرؤية في الآية ~~على القراءتين أن تكون متعدية إلى مفعولين. وأن تكون من رؤية العين أولى ~~فاذا جعلت متعدية إلى مفعولين سد (أن) مسدهما. وإن جعلت من رؤية العين ~~كان أولى، لأنهم مبتلون في الاعراض عنه على ترك الاعتبار به، وهذا أبلغ ~~من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر ممن يكابر ~~المشاهدات. ولو قرئ بضم الياء وبني الفعل للمفعول به كان (ان) في موضع ~~نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وفتحت الواو في قوله { أولا ~~} لأنها واو العطف دخلت عليها الف الاستفهام، فهو متصل بذكر المنافقين ~~ومتصل بذكر آخرين ذكرهم بدليل العلامتين الواو والألف. # والفتنة المحنة بالقتل والسبي ونصر الله لنبيه حتى يستعلي على كل من ~~ناواه - في قول الحسن وقتادة - وقال مجاهد: هي بالقحط والجوع. وقال ~~الجبائي: هي بالمرض الذي ينزل بهم. وقيل: تهتك استارهم بما يظهره الله من ~~سوء نياتهم وخبث سرائرهم. وقال الزجاج: معناه انهم يختبرون بالدعاء إلى ~~الجهاد، وهو قول الحسن وقتادة: واجاز الرماني أن تفعل التوبة خوفا من ~~العقاب، كما يجوز أن تفعل لقبح المعصية. قال: لأن كل واحد من الأمرين ~~يدعوا اليه الفعل. ومن جحد أحد الأمرين كمن جحد الآخر. والذي عليه أكثر ~~أهل العدل أنه لا يجوز أن تفعل التوبة الا لوجه قبح المعصية. ومتى فعلت ~~لخوف العقاب لم تكن مقبولة. # وقوله { ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } اخبار منه تعالى انه مع ما ~~يمتحنهم في كل سنة دفعة او دفعتين فانهم لا يقلعون عن المعاصي ولا يتوبون ~~منها ولا يتفكرون فيها. والتذكير طلب الذكر بالفكر فيه. ### || [9.127] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه متى أنزل سورة من القرآن { نظر بعضهم ~~إلى بعض } نظرا يومئون به { هل يراكم من أحد } وانما يفعلون ذلك؛ لأنهم ~~منافقون يتحذرون أن يعلم بهم، فكأنهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من ms1863 أحد ~~ثم يقومون فينصرفون. ويحتمل أن يكون انصرافهم عن العمل بشيء مما يستمعون. ~~فقال الله تعالى { صرف الله قلوبهم } يعني عن رحمته عقوبة لهم { بأنهم ~~قوم لا يفقهون } مواعظ الله ولا أمره ونهيه. وإنما صرف قلوبهم عن السرور ~~بالفائدة التي تحصل للمؤمنين بسماع الوحي، فيحرمون ما للمؤمنين من ~~الاستبشار بتلك الحال. والفقه فهم موجب المعنى المضمن به، وقد صار علما ~~على علم الفتيا في الشريعة لان المعتمد على المعنى. وكان القوم عقلاء ~~يفقهون الاشياء؛ وإنما نفى الله عنهم ذلك لانهم لم ينظروا فيه، ولم ~~يعملوا بموجبه، فكأنهم لم يفقهوه، كما قال # صم بكم عمي # لما لم ينتفعوا بما سمعوه ورأوه. ### || [9.128] # أقسم الله تعالى في هذه الآية بأنه قد { جاءكم رسول من أنفسكم } لان لام ~~{ لقد } هي اللام التي يتلقى بها القسم. والخطاب متوجه إلى جميع الخلق. ~~ومعنى { من أنفسكم } أي انكم ترجعون إلى نفس واحدة كما قال # قل إنما أنا بشر مثلكم # ويحتمل ان يكون المراد به من العرب انكم كذلك. ويكون - على هذا - الخطاب ~~متوجها إلى العرب خاصة، فأنتم تخبرونه قبل مبعثه. وقيل: إنه لم يبق بطن ~~من العرب إلا وولد النبي صلى الله عليه وآله وإنما ذكر ذلك لانه أقرب إلى ~~الالفة، وأبعد من المحك واللجاج، واسرع إلى فهم الحجة، فهو من انفسكم في ~~اشرف نسبه منكم، ومن أنفسكم في القرب منكم، ومن انفسكم بالاختصاص بكم. # وقوله { عزيز عليه } أي شديد عليه لأنه لا يقدر على ازالته، والعزيز في ~~صفات الله معناه المنيع القادر الذي لا يتعذر عليه فعل ما يريده. والعزة ~~امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه، وهو على ثلاثة أوجه: امتناع ~~الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة. وقوله { ما عنتم } يعني ما يلحقكم ~~من الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدى للخروج منه. ومنه قيل: فلان يعنت ~~في السؤال، ومنه قوله تعالى # ولو شاء الله لأعنتكم # أي ضيق عليكم حتى لا تهتدوا للخروج منه، والعنت إلقاء الشدة. و (ما) في ~~قوله { ما عنتم ms1864 } بمعنى الذي، وهو في موضع رفع بالابتداء وخبره { عزيز } ~~قدم عليه. وقال الفراء: هو رفع ب { عزيز }. وقوله { حريص عليكم } ~~فالحرص شدة الطلب للشيء على الاجتهاد فيه. والمعنى: حريص عليكم ان تؤمنوا ~~- في قول الحسن - ثم استأنف فقال { بالمؤمنين رؤوف رحيم } أي رفيق بهم ~~رحيم عليهم. ### || [9.129] # معنى { فإن تولوا } إن ذهبوا عن الحق واتباع الرسول وما يأمرهم به ~~واعرضوا عن قوله. ونقيض التولي عنه التوجه اليه. ومثل التولي الاعراض. ~~وقال الحسن: المعنى فان تولوا عن طاعة الله. وقيل { فإن تولوا } عنك، ~~ومعناه فان ذهبوا عنك هؤلاء الكفار، ولم يقروا بنبوتك { فقل } يا محمد { ~~حسبي الله } ومعناه كفاني الله وهو من الحساب لأنه تعالى يعطي بحسب ~~الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيد من نعمه ما لا يبلغ إلى حد ونهاية؛ اذ ~~نعمه دائمة ومننه متظاهرة. وقوله { لا إله إلا هو } جملة في موضع الحال، ~~وتقديره حسبي الله مستحقا لإخلاص العبادة والاقرار بأن لا إله إلا هو. ~~وقوله { عليه توكلت } فالتوكل تفويض الأمر إلى الله على الثقة بحسن ~~تدبيره وكفايته، باخلاص النية في كل شيء يحذر منه، ومنه قوله # حسبنا الله ونعم الوكيل # أي المتولي للقيام بمصالح عباده وفي هذه الصفة بلطف. وقوله { وهو رب ~~العرش العظيم } قيل في تخصيصه الذكر بأنه { رب العرش العظيم } ثلاثة ~~أقوال: أحدها - انه لما ذكر الاعظم دخل فيه الاصغر. الثاني - أنه خص ~~بالذكر تشريفا له وتفخيما لشأنه. الثالث - ليدل به على أنه ملك الملوك ~~لأنه رب السرير الاعظم. وجر القراء كلهم { العظيم } على أنه صفة للعرش. ~~وقال الزجاج: يجوز رفعه بجعله صفة لرب العرش. # قال ابي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: هذه آخر آية نزلت من ~~القرآن ولم ينزل بعدها شيء. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # إنما لم تعد { الر } آية كما عد { الم } آية في عدد الكوفيين لأن آخره ~~لا يشاكل رؤس الآي التي بعده؛ إذ هي بمنزلة المردف بالياء. و { طه } عد؛ ~~لأنه يشاكل رؤس الآي التي بعده. وقرأ { الر } بالتفخيم ابن ms1865 كثير ونافع ~~وأبو جعفر. وقرأ بالامالة أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة والكسائي. واختلفوا ~~عن عاصم: فروى هبيرة عن حفص بكسر الراء. الباقون عنه بالتفخيم. قال ابو ~~علي الفارسي: من ترك الامالة؛ فلأن كثيرا من العرب لا يميل ما يجوز فيه ~~الامالة كما يمنعها المستعلي. ومن أمال؛ فلانها اسم لما يلفظ به من ~~الاصوات، فجازت الامالة من حيث كانت اسما ولم تكن كالحروف التي تمنع ~~فيها الامالة. وقال الرماني: انما جاز إمالة حروف الهجاء، لأن ألفه في ~~تقدير الانقلاب عن ياء. # وقد بينا في أول سورة البقرة معنى هذه الحروف التي في أول السور، ~~واختلاف المفسرين، وقلنا: إن أقوى الوجوه أنها اسماء السور، فلا وجه ~~لاعادته. # وقوله { تلك } قال ابو عبيدة معنا هذه. وقال الزجاج: المعنى الآيات التي ~~تقدم ذكرها، وهو قول الجبائي. وقال قوم: انما قال { تلك } لتقدم الذكر ~~(الرفي) كقولك هند هي كريمة. وانما اضيفت الآيات إلى الكتاب لأنها أبعاض ~~الكتاب، كما أن السورة ابعاضه، وكذلك محكمه ومتشابهه واسماؤه وصفاته ~~ووعده ووعيده وأمره ونهيه وحلاله وحرامه والآية العلامة التى تنبئ عن ~~مقطع الكلام من جهة مخصوصة. والقرآن مفصل بالايات مضمن بالحكم النافية ~~للشبهات وانما وصف الكتاب بأنه حكيم، لأنه دليل على الحق كالناطق ~~بالحكمة، ولأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق الهلاك من طريق ~~النجاة. وقال ابو عبيدة: حكيم ها هنا بمعنى محكم وأنشد لأبي ذؤيب: # يواعدني عكاظ لننزلنه # ولم يشعر إذن أني خليف # أي مخلف من اخلفته الوعد. ويؤكد ذلك قوله { الر كتاب أحكمت آياته } ~~والايات العلامات. والكتاب اسم من اسماء القرآن وقد بيناه فيما مضى. وحكي ~~عن مجاهد أنه قال { تلك } اشارة إلى التوراة الانجيل. وهذا بعيد لأنه لم ~~يجر لهما ذكر. ### || [10.2] # قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي { لساحر مبين } بألف. الباقون بغير ~~ألف. قال أبو علي الفارسي: يدل على ساحر قوله { وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب } ويدل على " سحر " قوله # ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون # والقول في الوجهين أنه قد ms1866 تقدم قوله { أن أوحينا إلى رجل منهم } فمن قال ~~" ساحر " أراد به الرجل ومن قال " سحر " أراد الذي أوحي " سحر " أي الذي ~~يقول أنه وحي " سحر " وليس بوحي. # ومعنى قوله { أكان للناس عجبا } أكان أيحاؤنا القرآن إلى رجل منهم ~~عجبا؟ وإنذارهم عقاب الله على معاصيه كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى ~~من قبله إلى مثله من البشر، فعجبوا من وحينا اليه الآن؟ فالألف ألف ~~استفهام والمراد به الانكار. وقال ابن عباس ومجاهد وابن جريح: عجبت العرب ~~وقريش أن يبعث الله منهم نبيا فأنزل الله الآية. وقال الحسن: معنا ليس ~~بعجب ما فعلنا في ذلك. والمعنى ألم يبعث الله رسولا من أهل البادية ولا ~~من الجن ولا من الانس. والعجب تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن ~~العادة إلى ما يجوز كونه. والانذار هو الاخبار على وجه التخويف، فمن حذر ~~من معاصي الله فهو منذر. وهذه صفة النبي صلى الله عليه وآله. وقوله { أن ~~أوحينا } في موضع رفع وتقديره أكان للناس عجبا وحينا و { أن أنذر } في ~~موضع نصب، وتقديره وحينا بأن أنذر، فحذف الجار فصار موضعه نصبا، و { أن ~~لهم } نصب بقوله { وبشر الذين آمنوا } ولو قرئ بالكسر كان جائزا لأن ~~البشارة هي القول إلا أنه لم يقرأ به. وقوله { وبشر الذين آمنوا } أمر ~~للنبي صلى الله عليه وآله أن يبشر المؤمنين، وهو أن يعرفهم ما فيه ~~السرور بالخلود في نعيم الجنة على وجه الاكرام والاجلال بالأعمال ~~الصالحة. وقوله { أن لهم قدم صدق عند ربهم } معناه ان لهم سابقة إخلاص ~~الطاعة كاخلاص الصدق من شائب الكذب. وقالوا: له قدم في الاسلام، ~~والجاهلية. وهو كالقدم في سبيل الله، قال حسان: # لنا القدم العليا اليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # وقال ذو الرمة: # لكم قدم لا ينكر الناس أنها # مع الحسب العادي طمت على البحر # وقال أبو سعيد الخدري وأبو عبد الله عليه السلام: معناه إن محمدا صلى ~~الله عليه وآله لهم شفيع يوم القيامة، وهو المروي عن ms1867 ابي عبد الله عليه ~~السلام. وقال مجاهد: معناه لهم قدم خير بأعمالهم الصالحة. وقال قتادة: ~~معناه لهم سلف صدق. وقال الضحاك: لهم ثواب صدق. وقال ابن عباس: لهم ما ~~قدموه من الطاعات. # وقوله { قال الكافرون إن هذا لساحر مبين } حكاية عن الكفار أنهم يقولون ~~إن النبي ساحر مظهر، أو ما إتى به سحر مبين على اختلاف القراءات. والسحر ~~فعل يخفى وجه الحيلة فيه حتى يتوهم أنه معجز. والعمل بالسحر كفر لادعاء ~~المعجزة به، ولا يمكن مع ذلك معرفة النبوة. وقال الزجاج: المراد ب { ~~الناس } في الآية أهل مكة. وقيل إنهم قالوا: لم يجد الله من يبعثه رسولا ~~إلا يتيم أبي طالب؟! ### || [10.3] # خاطب الله تعالى بهذه الاية جميع الخلق وأخبرهم بأن الله الذي يملك ~~تدبيركم وتصريفكم بين أمره ونهيه ويجب عليكم عبادته { الله الذي خلق ~~السماوات والأرض } فاخترعهما وأنشأهما على ما فيهما من عجائب الصنعة ~~ومتقن الفعل. وإطلاق الرب لا يقال إلا فيه تعالى، فاما غيره فانه يقيد ~~له، فيقال: رب الدار، ورب الضيعة بمعنى أنه مالكها. وكذلك معنى قوله { رب ~~العرش } والربوبية ملك التدبير الذي يستحق به العبادة. وقيل في الوجه { ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } بلا زيادة ولا نقصان مع قدرته ~~على إنشائهما دفعة واحدة قولان: # أحدهما - أن في اظهارهما كذلك مصلحة للملائكة وعبرة لهم. # والثاني - لما فيه من الاعتبار إذا أخبر عنه بتصرف الحال كما صرف الله ~~الانسان من حال إلى حال، لأن ذلك أبعد من توهم الاتفاق فيه. # وقوله { ثم استوى على العرش } معناه استولى عليه بانشاء التدبير من جهته ~~كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره، قال الشاعر: # ثم استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # يعني بشر بن مروان. ودخلت { ثم } لأن التدبير من جهة العرش بعد استوائه. ~~وقوله { يدبر الأمر } فالتدبير تنزيل الامور في مراتبها على إحكام ~~عواقبها، وهو مأخوذ من الدبور، فتجري على أحكام الدابر في الباري. # وقوله { وما من شفيع إلا من بعد إذنه } فالشفيع ms1868 هو السائل في غيره ~~لاسقاط الضرر عنه. وعند قوم أنه متى سأله في زيادة منفعة توصل اليه كان ~~شفيعا. والذي اقتضى ذكره - ها هنا - صفات التعظيم مع اليأس من الاتكال ~~في دفع الحق على الشفيع. والمعنى - ها هنا - ان تدبيره للأشياء وصنعته ~~لها ليس يكون منه بشفاعة شفيع ولا بتدبير مدبر لها سواه، وأنه لا يجسر ~~أحد أن يشفع اليه إلا بعد ان يأذن له فيه، من حيث كان تعالى أعلم بموضع ~~الحكمة والصواب من خلقه بمصالحهم. وقوله { ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا ~~تذكرون } معناه إن الموصوف بهذه الصفات هو ربكم وإلهكم فاعبدوه وحده، ~~لأنه لا إله لكم سواه، ولا يستحق هذه الصفات غيره. وحثهم على التذكر ~~والتفكر في ذلك وعلى تعرف صحة ما أخبرهم به وقيل: ان العرش المذكور - ها ~~هنا - هو السماوات والأرض، لأنهن من بنائه. والعرش البناء. ومنه قوله # يعرشون # أي يبنون. وأما العرش المعظم الذي تعبد الله الملائكة بالحفوف به ~~والاعظام له وعناه بقوله # الذين يحملون العرش ومن حوله # فهو غير هذا. وانما ذكر الشفيع في الآية ولم يجر له ذكر، لأن المخاطبين ~~بذلك كانوا يقولون الاصنام شفعاؤهم عند الله. وذكر بعدها # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله # واذا كانت الأصنام لا تعقل فكيف تكون شافعة؟! مع أنه لا يشفع عنده الا ~~من ارتضاه الله. # واختار البلخي أن يكون خلق السموات والأرض في ستة أيام إنما كان لان ~~خلقه لهما دفعة واحدة لم يكن ممكنا كما لا يمكن الجمع بين الضدين، ولا ~~يمكن الحركة إلا في المتحرك. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن خلق السموات ~~والأرض خلق الجواهر واختراعها، والجواهر لا تختص بوقت دون وقت، فلا حال ~~إلا ويصح اختراعها فيه ما لم يكن فيما لم يزل. وانما يصح ما ذكره في ~~الاعراض التي لا يصح عليها البقاء او ما يستحيل جمعه للتضاد، فأما غيره ~~فلا يصح ذلك فيه. ### || [10.4] # قرأ أبو جعفر { حقا أنه } بفتح الهمزة. الباقون ms1869 بكسرها. من فتح، فمعناه ~~اليه مرجعكم، لأنه يبدأ. ومن كسر استأنف. قال الفراء: من فتح جعله مفعول ~~حقا كأنه قال حقا أنه. قال الشاعر: # أحقا عباد الله ان لست زائرا # بثينة او يلقى الثريا رقيبها # اخبر الله تعالى أن الذي خلق السموات والأرض هو الله تعالى، وهو الذي ~~يستحق العبادة لا غيره وان اليه مرجع الخلق كلهم. والمرجع يحتمل معنيين: # احدهما أن يكون في معنى الرجوع فيكون مصدرا. # والاخر - موضع الرجوع فيكون ظرفا، كأنه قال: اليه موضع رجوعكم يكونه ~~اذا شاء. ومعنى الرجوع اليه يحتمل أمرين: احدهما - ان يعود الأمر إلى ان ~~لا يملك أحد التصرف في ذلك الوقت غيره تعالى بخلاف الدنيا، لأنه تعالى قد ~~ملك كثيرا من خلقه التصرف في دار الدنيا ومكنهم من ذلك. والثاني - ان ~~يكون معناه انكم ترجعون اليه احياء بعد الموت أي إلى موضع جزائه. # وقوله { وعد الله حقا } نصب على المصدر وتقديره احقه حقا او وعد الله ~~وعدا حقا، لأن في قوله { مرجعكم } انه وعد بذلك الا انه لما لم يذكر ~~الفعل اضيف المصدر إلى الفاعل، كما قال كعب بن زهير: # يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم # انك يا ابن أبي سلمى لمقتول # اي ويقولون قيلهم. وقوله { انه يبدأ الخلق ثم يعيده } اخبار منه تعالى ~~انه الذي أنشأ الخلق ابتداء، وهو الذي يعيدهم بعد موتهم النشأة الاخرى ~~ليدل بذلك خلقه على أنه اذا كان قادرا على الابتداء فهو قادر على ~~الاعادة. # وقوله { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فيه بيان أنه انما يعيد ~~الخلق ليعطيهم جزاء اعمالهم من طاعة ومعصية، والعطاء اذا كان ابتداء لا ~~يسمى جزاء. # وقوله { بالقسط } معناه بالعدل، لأنه لو زاد الجزاء او نقص لخرج عن ~~العدل، ولكن يجزيهم وفق اعمالهم حتى لا يكون الجزاء على النبوة كالجزاء ~~على الايمان بل كل طاعة يستحق الجزاء على قدرها. # وقوله { والذين كفروا لهم شراب من حميم } معناه ان الذين يجحدون نعم ~~الله ويكفرون بوحدانيته ويجحدون رسله { لهم شراب من حميم } وهو الذي اسخن ~~بالنار اشد ms1870 اسخان. قال المرقش الاصغر: # وكل يوم لها مقطرة # فيها كباء معد وحميم # الكباء العود الذي يتبخر به. وقوله { وعذاب أليم } معناه مؤلم { بما ~~كانوا يكفرون } اي جزاء على كفرهم. ### || [10.5] # روى ابن مجاهد عن قنبل. والمولى عن الربيبي (ضئاء) بهمزة بعد الضاد مكان ~~الياء حيث وقع. الباقون بياء بعد الضاد ومدة بعدها. قال ابوعلي الفارسي: ~~لا يخلو { ضياء } من أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط، وحوض وحياض، او مصدر ~~(ضاء) يضوء ضياء مثل عاذ يعوذ عياذا أو قام يقوم قياما، وعلى أي ~~الوجهين حملته فالمضاف محذوف، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا ~~نور. أو يكون جعل النور والضياء لكثرة ذلك فيهما، فأما الهمزة في موضع ~~العين من { ضياء } فيكون على القلب كأنه قدم اللام التي هي همزة إلى موضع ~~العين وأخر العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفا بعد الف ~~زائدة قلبت همزة. كما فعلوا ذلك في (سقاء وعلاء) وهذا اذا قدر جمعا كان ~~أسوغ. كما قالوا قوس وقسي. فصححوا الواحد وقلبوا في الجمع، واذا قدرته ~~مصدا كان أبعد، لأن المصدر يجري على فعله في الصحة والاعتلال، والقلب ~~ضرب من الاعتلال فاذا لم يكن في الفعل يمتنع أن يكون أيضا في المصدر ألا ~~ترى انهم قالوا: لاذ لواذا وباع بياعا، فصححوها في المصدر كصحتها في ~~الفعل، وقالوا: قام قياما فأعلوه ونحوه، لاعتلاله في الفعل. وقرأ ابن ~~كثير واهل البصرة وحفص (يفصل) بالياء. الباقون بالنون. من قرأ بالياء ~~فلأنه قد تقدم ذكر الله تعالى فأضمر الاسم في الفعل. ومن قرأ بالنون فهذا ~~المعنى يريد. ويقويه بقوله { تلك آيات الله نتلوها } وقد تقدم { أوحينا } ~~فيكون نفصل محمولا على { أوحينا } والياء أقوى، لأن الاسم الذي يعود اليه ~~أقرب اليه من { أوحينا }. # اخبر الله تعالى ان الذي يرجع اليه الخلق هو الله { الذي جعل الشمس ضياء ~~} والجعل وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، فتارة يكون ~~باحداثه وأخرى باحداث غيره. والشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى ms1871 لما ~~فيهما من عظم النور، ومسيرهما بغير علاقة ولا دعامة، وفيهما أعظم الدلالة ~~على وحدانية الله تعالى. والنور شعاع فيه ما ينافي الظلام. ونور الشمس ~~لما كان أعظم الأنوار سماه الله ضياء، كما قيل للنار نارا؛ لما فيها من ~~الضياء، ولما كان نور القمر دون ذلك سماه نورا، لأن نور الشمس وضياءها ~~يغلب عليه، ولذلك يقال أضاء النهار، ولا يقال اضاء الليل بل يقال انار ~~الليل، وليلة منيرة. ويقولون: في قلبه نور، ولا يقال فيه ضياء، لأن الضوء ~~يقال لما يحس بكثرته. وقوله { وقدره منازل } انما وحد في قوله { وقدره } ~~ولم يقل وقدرهما، لأحد أمرين: احدهما - أنه أراد به القمر، لأن بالقمر ~~تحصى شهور الأهلة التي يعمل الناس عليها في معاملتهم. والاخر - ان معناه ~~التثنية غير أنه وحده للايجاز اكتفاء بالمعلوم، كقوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # وقال الشاعر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي # بريئا ومن جول الطوي رماني # وقوله { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } معناه لم يخلق ما ذكره من السموات ~~والارض والشمس والقمر وقدرهما منازل إلا حقا. وقوله { يفصل الآيات } اي ~~يميز بعضها من بعض { لقوم يعلمون } ذلك ويتبينونه. وقال قوم: معناه لقوم ~~لهم عقول يتناولهم التكليف ويصح منهم الاستدلال دون البهائم ومن لا عقل ~~له. ### || [10.6] # الاختلاف ذهاب كل واحد من الشيئين في غير جهة الاخر، فاختلاف الليل ~~والنهار ذهاب أحدهما في جهة الضياء والآخر في جهة الظلام. والليل عبارة ~~عن وقت غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وهو جمع ليلة كتمرة وتمر. ~~والنهار عبارة عن اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. ~~والنهار واليوم معناهما واحد إلا أن في النهار فائدة اتساع الضياء. وقوله ~~{ وما خلق الله في السماوات والأرض } معناه ما قدر فيهما وفعله على مقدار ~~تقتضيه الحكمة: من الحيوان والنبات وغيرهما ومن غير نقصان ولا زياد، وإن ~~في رفعه السماء بلا عمد، وتسكينه الارض بلا سند، مع عظمها لأعظم آيات لمن ~~تفكر في ذلك وتعقله، ويتقي مخالفته. والخلق مأخوذ من خلقت ms1872 الأديم اذا ~~قدرته. وإنما خص ما خلق في السموات والأرض بالذكر للاشعار بوجوه الدلالات ~~إذ قد تكون الدلالة في الشيء من جهة الخلق، وقد تكون من جهة اختلاف ~~الصورة ومن جهة حسن المنظر، ومن جهة كثرة النفع ومن جهة عظم الأمر، ~~كالجبل والبحر. وقوله { لآيات لقوم يتقون } معناه ان في هذه الاشياء التي ~~ذكرها دلالات على وحدانية الله لقوم يتقون معاصيه ويخافون عقابه، وخص ~~المتقين بالذكر لما كانوا هم المنتفعين بها دون غيرهم. ### || [10.7] # معنى { إن الذين لا يرجون لقاءنا } يحتمل أمرين: # احدهما - لا يخافون عقابنا، كما قال الهذلي: # اذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عواسل # والثاني - أن يكون معناه لا يطمعون في ثوابنا، كما يقال تاب رجاء لثواب ~~الله وخوفا من عقابه. والملاقاة وإن كانت لا تجوز الا على الاجسام. ~~فانما اضافها إلى نفسه، لان ملاقاة ما لا يقدر عليه إلا الله يحسن ان ~~يجعل لقاء الله تفخيما لشأنه كما جعل إتيان ملائكته اتيانا لله في قوله # هل ينظرون الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # وكما قال # وجاء ربك # وانما يريد وجاء امر ربك. # ومعنى قوله { ورضوا بالحياة الدنيا } قنعوا بها دون غيرها من خير الاخرة ~~ومن كان على هذه الصفة، فهو مذموم لانقطاعه بها عن الواجب من أمر الله. ~~وقوله { واطمأنوا بها } معناه ركنوا اليها على وجه التمكين فيه، فهؤلاء ~~مكنوا الاحوال الدنيا، فصاحبها يفرح لها ويغتم لها ويرضى لها ويسخط لها. ~~وقوله { والذين هم عن آياتنا غافلون } معناه الذين يذهبون عن تأمل هذه ~~الايات ولا يعتبرون بها. # والغفلة والسو نظائر، وهو الذهاب المعنى عن القلب بما يضاده وقد تستعمل ~~الغفلة في التعرض لها، ولذلك يقولون: تغافل ولا يقولون مثله في السهو. ### || [10.8] # { أولئك } اشارة إلى الذين تقدم ذكرهم في الاية الأولى، والكاف في { ~~أولئك } حرف الخطاب، مثل الكاف في قولهم أنا ذاك، ولهذا لم يجز تأكيده ~~ولا البدل منه، ولو كان اسما لجاز: أولئك نفسك، وأولاء مبني على الكسر، ~~وإنما بني ms1873 لتضمنه معنى الاشارة إلى المعرفة لأن أصله أن يتعرف بعلامة؛ اذ ~~لم يوضع للشيء بعينه، كما وضع زيد وعمرو، وبني على الحركة لالتقاء ~~الساكنين، وبني على الكسر لأنها في الأصل في حركة إلتقاء الساكنين إذا ~~كثر ذلك في الفعل لما يدركه من الجزم فاستحق الكسر لأنه لما يدخله في حال ~~الاعراب و (هؤلاء) لما قرب و (أولئك) لما بعد، كما تقول في (هذا) و (ذاك) ~~لأن ما بعد يقتضي التعريف بالخطاب وما قرب يكفي فيه التنبيه. اخبر الله ~~تعالى أن الذين تقدم وصفهم في الاية الاولى مستقرهم النار جزاء بما كانوا ~~يكسبون من المعاصي. ### || [10.9] # لما ذكر الله تعالى الكفار وما يستحقونه من المصير إلى النار في الآيات ~~الأول ذكر في هذه { إن الذين آمنوا } يعني صدقوا بالله ورسوله، واعترفوا ~~بهما وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات { يهديهم } الله تعالى جزاء ~~بايمانهم إلى الجنة { تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم } يعني ~~البساتين التي تجري تحت أشجارها الانهار التي فيها النعيم يعني أنواع ~~اللذات والمنافع يتنعمون فيها. ومعنى { تجري من تحتهم الأنهار } تجري بين ~~أيديهم، وهم يرونها من عل، كما قال تعالى # قد جعل ربك تحتك سريا # ومعلوم انه لم يجعل السري تحتها وهي قاعدة عليه، لان السري هو الجدول، ~~وإنما أراد أنه جعل بين يديها. وقال حاكيا عن فرعون # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي # وقيل من تحت بساتينهم وأسرتهم وقصورهم - في قول ابي علي. معنى الهدى - ~~هنا - الارشاد إلى طريق الجنة ثوابا على أعمالهم الصالحة، ألا ترى انه ~~قال { يهديهم ربهم بإيمانهم } يعني جزاء على إيمانهم، وذلك لا يليق إلا ~~بما قلناه. ويحتمل أن يكون وصفهم بالهداية على وجه المدح جزاء على ~~إيمانهم بالله تعالى. ### || [10.10] # معنى { دعواهم فيها } ان دعاء المؤمنين لله في الجنة، وذكرهم له فيها هو ~~ان يقولوا { سبحانك اللهم } ويقولون ذلك ولهم فيها لذة لا على وجه ~~العبادة، لانه ليس هناك تكليف. وقيل: إنه اذا مر بهم الطير ويشتهونه ~~قالوا { سبحانك اللهم ms1874 } فيؤتون به، فاذا نالوا منه شهوتهم قالوا { الحمد ~~الله رب العالمين } هذا قول ابن جريح. وقال الحسن: آخر كلام يجري لهم في ~~كل وقت { الحمد لله رب العالمين } لا أنه ينقطع. والدعوى قول يدعى به إلى ~~أمر، ومعنى { سبحانك اللهم } ننزهك يا ألله من كل ما لا يليق بك ولا يجوز ~~من صفاتك من تشبيه أو فعل قبيح. وقيل معناه براءة الله من السوء فيما ~~يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وقال الشاعر: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # أي براءة منه. والتحية التكرمة بالحال الجليلة، ولذلك يسمون الملك ~~التحية، قال عمرو بن معد يكرب: # ازور بها أبو قابوس حتى # أنيخ على تحيته بجند # وقال زهير بن خباب الكلبي: # من كل ما نال الفتى # قد نلته الا التحيه # وهو مأخوذ من قولهم احياك الله حياة طيبة. والمعنى تحية بعضهم لبعض سلام ~~اي سلمت وامنت مما ابتلى به اهل النار. و { أن } في الآية هي المخففة من ~~الثقيلة وجاز ان لا تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل، كما قال الشاعر: # في فتية كسيوف الهند قد علموا # ان هالك كل من يحفى وينتعل # والميم في اللهم بمعنى (يا) كأنه قال يا ألله، ولم يجعل في موضع (يا) ~~لئلا يكون كحروف النداء التي تجري في كل اسم. ### || [10.11] # قرا ابن عامر ويعقوب { لقضي إليهم أجلهم } بفتح القاف. الباقون بضمها ~~على ما لم يسم فاعله. قال ابو علي الفارسي: اللام في قوله { لقضي إليهم ~~أجلهم } جواب (لو) في قوله { ولو يعجل الله للناس } والمعنى { ولو يعجل ~~الله للناس } دعاء { الشر } اي ما يدعون به من الشر على انفسهم في حال ~~ضجر وبطر { استعجالهم } اياه بدعاء " الخير " فأضاف المصدر إلى المفعول ~~به وحذف الفاعل كقوله دعاء الخير، وحذف ضمير الفاعل، والتقدير { ولو يعجل ~~الله للناس الشر } استعجالا مثل { استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم } ~~قال ابو عبيدة: معناه الفراغ من اجلهم ومدتهم المضروبة للحياة، فهلكوا. ~~وهو قريب من قوله # ويدعو الإنسان بالشر دعاؤه ms1875 بالخير وكان الإنسان عجولا # وقيل للميت مقضي كأنه قضي إذا مات وقضى فعل، التقدير استوفى أجله، قال ~~ذو الرمة: # إذا الشخص فيها هزه الآل أغمضت # عليه كاغماض المقضي هجولها # والمعنى أغمضت هجول هذه البلاد على الشخص الذي فيها، فلم ير لقربه ~~كاغماض المقضي، وهو الميت. فأما قوله { لقضي إليهم } وبما يتعلق هذا ~~الجار، فانه لما كان معنى (قضى) معنى (فرغ) وكان قولك (فرغ) قد يتعدى ~~بهذا الحرف وفي التنزيل # سنفرغ لكم # فانه يمكن أن يكون الفعل يتعدى باللام كما يتعدى ب (إلى) كما ان اوحى في ~~قوله { وأوحينا إليه } قد تعدى ب (إلى) وفي قوله # بأن ربك أوحى لها # تعدى باللام، فلما كان معنى قضى فرغ، وفرغ تعلق بها (إلى) كذلك تعلق ~~بقضى. ووجه قراءة ابن عامر واسناده الفعل إلى الفاعل، لأن الذكر قد تقدم ~~في قوله { ولو يعجل الله للناس } فقال (لقضى) الله - على هذا - وقوى ذلك ~~بقوله # ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده # فقوله { قضى أجلا } اضافه إلى الفاعل فكذلك في هذه الآية. وقوله { وأجل ~~مسمى عنده } يعني أجل البعث بدلالة قوله # ثم أنتم تمترون # أي تشكون في البعث. ومن ضم القاف وبنى الفعل للمفعول، فلأنه في المعنى ~~مثل قول من بنى الفعل للفاعل. # أخبر الله تعالى في هذه الاية انه لو عجل للخلق الشر، والتعجيل تقديم ~~الشيء قبل حينه. وقد يكون تقديم الشيء في المكان، فلا يكون تعجيلا. ~~والفرق بين التعجيل والاسراع ان التعجيل بالشيء عمله قبل وقته الذي هو ~~أولى به. والاسراع عمله في وقته الذي هو احق به، وضده الابطاء. الشر ظهور ~~ما فيه الضرر. واصله الاظهار من قولهم: شررت الثوب اذا اظهرته للشمس، ~~ومنه شرر النار لظهوره وانتشاره. وقوله { لقضي إليهم أجلهم } قيل: إن ~~معناه لأميتوا كأنه قيل لقطع اجلهم وفرغ منه قال ابو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقال الحسين بن علي المغربي: معناه رد قطع أجلهم اليهم لكون السبب فيه ~~دعاؤهم. # وقوله { استعجالهم بالخير } نصب استعجالهم على المصدر ms1876 وتقديره ولو يعجل ~~الله للناس تعجيله استعجالهم بالخير اذا دعوا. وقيل في معناه قولان ~~احدهما - قال مجاهد وقتادة: وهو كقول الرجل لولده وماله في حال غضبه: ~~اللهم لا تبارك فيه والعنه. وقال الحسن: هو كقوله # ويدعو الإنسان بالشر دعاؤه بالخير # وقال الجبائي: معناه إنهم يطلبون الخير قبل حينه، وسبيله في أنه لا ~~ينبغي أن يكون كسبيل الشر من الاهلاك بالعقاب قبل حينه لما فيه من ~~الاقتطاع عن التوبة واللطف. # وقوله { فنذر الذين لا يرجون لقاءنا } معناه نترك الذين لا يخافون ~~لقاءنا أو لا يطمعون فيه بمعنى أنهم لا يخافون عقاب معاصينا، ولا يطمعون ~~في ثواب طاعتنا { في طغيانهم يعمهون } فالطغيان الغلو في ظلم العباد ~~والطاغي والباغي نظائر. و (العمه) شدة الحيرة، وتقديره نتركهم وهم ~~يترددون في ضلالتهم، لا أنه يريد منهم العمه في الطغيان، لأنه إنما ~~يتركهم ليتوبوا من ذلك ويؤمنوا لكنه بين أنه لا يعاجلهم بالعقاب في ~~الدنيا، وهم مع ذلك لا يرعوون بل يترددون في الطغيان. وقيل المعنى نتركهم ~~في الاخرة يتحيرون في جزاء طغيانهم. ### || [10.12] # اخبر الله تعالى في هذه الاية عن قلة صبر الانسان، اذا ناله الضر دعا ~~ربه على سائر حالاته التي يصيبه ذلك عليها، سواء كان قائما أو قاعدا إذا ~~أطاقه، أو على جنبه من شدة المرض فيجتهد الدعاء لأن يهب الله له العافية. ~~وليس غرضه بذلك نيل الثواب للآخرة. وانما غرضه زوال ما هو فيه من الآلام، ~~فاذا كشف الله عنه ذلك الضرر، ووهب له العافية، مر معرضا عن شكر ما ~~وهبه له من نعمة وعافية فلا يتذكر ما كان فيه من الآلام، وصار في الاعراض ~~عن ذلك بمنزلة من لم يدع الله كشف ألمه ولا سأله ازالة الضرر عنه الذي ~~كان به. وقوله { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } قال ابو علي ~~الجبائي: الشياطين الذين دعوا المسرفين إلى المعاصي واغووهم بها وبترك ~~شكر نعم الله زينوا لهؤلاء المسرفين ما كانوا يعملونه من المعاصي ~~والاعراض عن ذكر نعمه واداء شكره. والغرض بذلك انه ms1877 ينبغي لمن وهب الله له ~~العافية بعد المرض ان يتذكر حسن صنع الله اليه وجزيل نعمه عليه، فيشكره ~~على ذلك ويسأله ادامة ذلك عليه. ونبه بذلك على انه يجب عليه الصبر عند ~~المرض وترك الجزع عند احتساب الأجر وطلب الثواب في الصبر على ذلك، وأن ~~يعلم أن الله محسن اليه بذلك، وليس بظالم له. وقال الحسن التزيين هو ~~التحسين من الشيطان والغواة. وقال غيره هو التحبيب بالشهوة لتحبيب ~~المشتهى. وقوله { أو قاعدا أو قائما } نصب على الحال. وقوله { كأن } هي ~~المخففة عن الثقيلة، وتقديره كأنه لم يدعنا، ومثله قول الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى متقى # اذ الناس اذ ذاك من عز بز # اي كأنهم. وقوله { مر كأن لم } اي استمر على طريقته الأولى كأنه لم ~~يدعنا ولم يسألنا ذلك. وموضع الكاف نصب على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ~~والمعنى زين للمسرفين عملهم { كذلك } أي مثل ذلك. ### || [10.13] # أقسم الله تعالى في هذه الاية أنه اهلك من كان قبل هذه الأمة من القرون، ~~وهو جمع قرن. وسمي أهل كل عصر قرنا لمقارنة بعضهم لبعض. والقرن هو ~~المقاوم لقرينه في الشدة، ويعني بذلك الذين كذبوا رسل الله الذين بعثهم ~~الله اليهم فكفروا بذلك بربهم وظلموا أنفسم، فأهلكهم الله بأنواع العذاب ~~وفنون الاستئصال كما أهلك قوم لوط وقوم موسى وغيرهم، وبين بقوله { وما ~~كانوا ليؤمنوا } ان هذه الأمم التي أهلكهم لم يكونوا مؤمنين ولو أبقاهم ~~الله لم يؤمنوا بالرسل الذين أتوهم والكتب التي جاؤهم بها، ولما كان ذلك ~~المعلوم من حالهم استحقوا من الله تعالى العذاب فأهلكهم. # وقوله { كذلك نجزي القوم المجرمين } اي نعاقب مثل عقوبة هؤلاء المجرمين ~~اذا استحقوا أو كانوا ممن لا يؤمن ولا يصلح. وجعل ابو علي الجبائي ذلك ~~دليلا على ان تبقية الكافر إذا علم من حاله أنه يؤمن فيما بعد واجبة. ### || [10.14] # بين الله تعالى بهذه الاية أنه إنما جعل المخاطبين بهذه الخطاب بعد ~~إهلاك من أهلك وتكليفه إياهم بطاعته وتصديق رسله مثل ما كان كلفهم { ~~لننظر ms1878 كيف تعملون } معناه إنكم إن عملتم بالمعاصي مثل ما عمل بها أولئك ~~وكذبتم الرسل ولم ترجعوا عن الكفر أهلككم ببعض العقاب كما أهلك من تقدم. ~~وإن آمنتم أثابكم الله في الدنيا والآخرة ورضي عنكم، فجعل قوله { لننظر ~~كيف تعملون } دلالة لهم على اني أفعل بكم احد هذين: الثواب إن آمنتم ~~وأطعتم، والعذاب إن كفرتم وعصيتم. واستعمل ذلك على هذا المعنى مجازا كما ~~يستعمله اهل اللغة على هذا المعنى، لانهم لا يعلمون ما يكون من المكلفين ~~وما يفعل بهم من الثواب والعقاب وهو عالم بذلك. ومثل ذلك يستعمله العرب ~~فيما يعلمه الانسان يقول القائل لغلامه الذي يأمره: إني سأعاقبك وأضربك ~~لأنظر كيف صبرك، واعطيك مالا لأنظر كيف تعمل، وإن كان عالما بما يؤل ~~اليه الأمر في ذلك. # وموضع { كيف } نصب بقوله { تعملون } وإنما قدم لانه للاستفهام ولا يجوز ~~أن يكون معمولا { لننظر } لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام ولو ~~قلت لننظر أخيرا يعملون أو شرا؟ كان العامل في (خير، وشر) يعملون. ### || [10.15] # اخبر الله تعالى في هذه الآية أنه إذا قرأ النبي صلى الله عليه وآله على ~~الكفار آيات الله وكلامه. و { بينات } نصب على الحال. وهي الآيات التي ~~امر فيها عباده بأشياء ونهاهم عن اشياء { قال الذين لا يرجون لقاءنا } اي ~~لقاء عذاب الله او ما وعدهم به من ثوابه ان اطاعوه { ائت بقرآن غير هذا } ~~الذي تتلوه علينا { أو بدله } فاجعله على خلاف ما تقرأه علينا، وإنما فرق ~~بين قوله { ائت بقرآن غير هذا أو بدله } لان الاتيان بغيره قد يكون معه، ~~وتبديله لا يكون إلا برفعه، والاتيان بغيره. وانما لم يرجوا ثواب الله ~~وعذابه لأنهم كانوا غير مقرين بالله ولا معترفين بنبوة نبيه صلى الله ~~عليه وآله ولا يصدقونه فيما يخبرهم به عن الله ويذكرهم به من البعث ~~والنشور والحساب والجزاء. وكان قولهم هذا له على وجه التعنت والتسبب إلى ~~الكفر به وتكذيبه، واحتجاجا عليه بما ليس بحجة لأنه صلى الله عليه وآله ~~كان قد بين ms1879 لهم ان هذا القرآن ليس من كلامه وانه ليس له تغييره وتبديله، ~~فأرادوا أن يوهموا ان الأمر موقوف على رضاهم به، وليس يرضون بهذا فيريدون ~~غيره. وقال الزجاج: إنه كان غرضهم اسقاط ما فيه من عيب آلهتم وتسفيه ~~أحلامهم ومن ذكر البعث والنشور، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم في ~~جواب ذلك: ليس لي { أن أبدله من تلقاء نفسي } أي من جهة نفسي ومن ناحية ~~نفسي كأنه قيل له: قل ليس لي أن اتلقاه بالتبديل كما ليس لي أن اتلقاه ~~بالرد. والتلقاء جهة مقابلة الشيء إلا أنه قد يستعمل ظرفا فيقال: هو ~~تلقاءه كما يقال: هو حذاه وقبالته وتجاهه. # قوله { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أى ليس لي أن أتبع إلا الذي يوحى إلي ~~{ إني أخاف إن عصيت ربي } في اتباع غيره { عذاب يوم عظيم } يعني يوم ~~القيامة. # ومن استدل بهذه الاية على أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز فقد أبعد؛ لأنه ~~اذا نسخ ما يتضمنه القرآن بالسنة، فالسنة لا يقولها النبي صلى الله عليه ~~وآله إلا بوحي من الله. وليس بنسخه من قبل نفسه. بل يكون ذلك النسخ ~~مضافا إلى الله. وانما لا يكون قرآنا لأنه تعالى قد يوحي إلى نبيه ما ~~هو قرآن وما ليس بقرآن، لأن جميع ما بينه النبي صلى الله عليه وآله من ~~الشريعة لم يبينها إلا بوحي من الله لقوله # وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى # وان كان تفصيل ذلك ليس بموجود في القرآن فالاستدلال بذلك على ما قالوه ~~بعيد. ### || [10.16] # حكي عن الحسن انه قرأ { ولا أدراكم به } وقرأ ابو ربيعة وقنبل الا ~~المالكي والعطار { ولأدراكم به } يجعلانها (لاما) ادخلت على (ادراكم) ~~وأمال { أدراكم } و (ادراك) في جميع القرآن ابو عمرو وحمزة والكسائي وخلف ~~والداحوني عن ابن ذكوان، والكسائي عن ابي بكر، وافقهم يحيى والعليمي في ~~هذه السورة. حكى سيبويه: دريته ودريت به، قال واكثر الاستعمال التعدي ~~بالباء، يبين ذلك قوله { ولا أدراكم به } ولو كان على اللغة ms1880 الاخرى لقال ~~ولا ادراكموه، وقالوا: الدرية على وزن (فعلة) كما قالوا الشعرة والفطنة، ~~وهي مصادر يراد بها ضروب من العلم. فأما الدراية فكالهداية والدلالة، ~~وكأن الدراية التأني والتعمل لعلم الشيء وعلى هذا المعنى ما تصرف من هذه ~~الكلمة، وقالوا: داريت الرجل اذا لاينته وختلته فعلى هذا لا يوصف الله ~~تعالى بالداري، واما قول الراجز. # اللهم لا أدري وانت الداري # فلا يكون حجة في جواز ذلك لأمرين: احدهما - انه لما تقدم قوله: لا أدري ~~استجاز أن يذكر الداري بعده، ليزدوج الكلام، كما قال تعالى # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # ونظائره كثيرة. والثاني - إن الأعراب ربما ذكروا أشياء امتنع جوازها كما ~~قال: # لو خافك الله عليه حرمه # وقال آخر: # اللهم إن كنت الذي بعهدي # ولم تغيرك الأمور بعدي # فاما الهمزة على ما حكي عن الحسن، فلا وجه له لأن الدرء الدفع، كما قال # فادرءوا عن أنفسكم الموت # وقال # فادارأتم فيها # وقوله عليه السلام (ادرأوا الحدود بالشبهات) قال الفراء: ان كان ما حكي ~~عن الحسن لغة، وإلا يجوز أن يكون الحسن ذهب إلى طبعه وفصاحته فذهب إلى ~~درأت الحد، وقد يغلط بعض العرب في الحرف اذا ضارعه آخر في الهمزة فيهمز ~~ما ليس مهموزا، سمعت امرأة من غني تقول: رثأت زوجي بأبيات، ويقولون: ~~لبأت بالحج وحلأت السويق. وكل ذلك غلظ، لأن (حلأت) انما هو من دفع الابل ~~العطاش عن الماء و " لبأت " من اللباء الذي يؤكل، و " رثأت " من الرثية ~~اذا حلبت الحليب على الرايب، ومن أمال فتحة الراء وأمال الالف بعدها، ~~فلان هذه الألف تنقلب ياء في أدريته، وهما مدريان. ومن لم يمل فلأن الاصل ~~عدم الامالة، ولأن كثيرا من الفصحاء لا يميل ذلك. # ومعنى قوله { ولا أدراكم به } قال ابن عباس ولا أعلمكم به من (دريت به) ~~وأدراني الله به. ومعنى الاية الأمر للني صلى الله عليه وآله بأن يقول ~~لهؤلاء الكفار لو اراد الله ان يمنعهم فائدته ما أعلمهم به، ولا أمر ~~النبي صلى الله عليه وآله بتلاوته عليهم. # وقوله ms1881 { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } معناه لبثت عليه هذه الصفة لا ~~أتلوه عليكم ولا يعلمكم الله به حتى أمرني به وشاء اعلامكم. # وقال قتادة: لبث في قومه أربعين سنة قبل أن يوحى اليه. # وقوله { أفلا تعقلون } معناه هلا تتفكرون فيه بعقولكم فتتبينوا بذلك ان ~~هذا القرآن من عند الله انزله تصديقا لنبيه صلى الله عليه وآله. قال ~~الرماني: والعقل هو العلم الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد على الغائب. ~~الناس يتفاضلون فيه بالأمر المتفاوت فبعضهم أعقل من بعض اذ كان أقدر على ~~الاستدلال من بعض. ومعنى ذلك ان يقول لهم قد لبثت فيكم حينا طويلا ونشأت ~~بين أظهركم وعرفتم منصرفي ومنقلبي فلو كان ما أتيت به مخترعا او كان ما ~~فيه من الاخبار من عند غير الله لكنتم عرفتم ذلك اذ فيكم ولدت ونشأت ~~ومعكم تصرفت { أفلا تعقلون } في التدبير والنظر والانصاف فتفعلون فعل من ~~يعقل. وعلى انه صلى الله عليه وآله لو كان اخذ ذلك من غيره وخالط اهلها، ~~او لو كان شاعرا، اولو كان يعلم السحر - كما ادعوا - ثم خفي ذلك اجمع ~~عليهم حتى لم يعرفوا الوجه الذي منه اخذ لكان في ذلك أعظم الحجة. وعلى ما ~~روي عن قنبل يكون المعنى { لو شاء الله ما تلوته } يكون نفيا للتلاوة { ~~ولأدراكم } ولأعلمكم ثبوته، ويكون اثباتا للعلم، وعلى قراءة الباقين ~~يكون نفيا للأمرين معا. ### || [10.17] # قوله { فمن أظلم ممن } ظاهره الاستفهام والمراد به الاستعظام والاخبار ~~به انه لا احد اظلم ممن اخترع كلاما او خبرا ثم اضافه إلى الله ويريد ~~به النبي نفسه لو كان فعل { أو كذب بآياته } يعنيهم { إنه لا يفلح } اي ~~لا يفوز { المجرمون } وانما قال: لا احد اظلم ممن هذه صفته، لانه ظلم ~~كفر، وهو اعظم من ظلم ليس بكفر. والتقدير لا احد اظلم ممن يظلم ظلم كفر، ~~فعلى هذا من يدعي الربويية داخل في هذه الجملة لان ظلمه ظلم كفر، كأنه ~~قيل لا احد اظلم من الكافر، وليس لاحد ان يقول: المدعي للربوبية اظلم ms1882 من ~~المدعي للنبوة وهو كاذب. والكذاب بآيات الله ظالم لنفسه بما يدخل عليها ~~من استحقاق العقاب وظالم لغيره ممن يجوز ان تلحقه المنافع والمضار ~~بتكذيبه اياه ورده عليه، لان من شأنه ان يعمه مثل هذا الكتذيب. و (من) في ~~الآية للاستفهام وهي لا توصل لانها تضمنت حرف الاستفهام فعوملت معاملته، ~~كما انها اذا كانت بمعنى الجزاء لم توصل لتضمنها معنى (إن) التي هي ام ~~الباب في الجزاء. ### || [10.18] # قرأ اهل الكوفة الا عاصما { عما تشركون } بالتاء ها هنا وفي النحل في ~~موضعين وفي الروم. الباقون بالياء. من قرأ بالتاء بناه على ما تقدم من ~~قوله { اتنبئون الله بما لا يعلم } فلما خاطبهم بذلك وجه اليهم الخطاب ~~بتنزيهه عما يشركون. ومن قرأ بالياء بناه على الخبر عن الغائب لأن اول ~~الآية مبني على ذلك، وهو قوله { ويعبدون من دون الله } وكلاهما حسن. # اخبر الله تعالى على وجه الذم للكفار بأنهم يوجهون عبادتهم إلى من هو ~~دون الله من الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع. # فان قيل: كيف ذمهم على عبادة الوثن الذي لا ينفع ولا يضر مع انه لو نفع ~~وضر لم تجز عبادته؟! قلنا: لانه اذا كان من يضر وينفع قد لا يستحق ~~العبادة اذا لم يقدر على اصول النعم، فمن لا يقدر على النفع والضر اصلا ~~ابعد من ان يستحق العبادة. # وقوله { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } اخبار منه تعالى عن هؤلاء ~~الكفار انهم يقولون انا نعبد هذه الاصنام لتشفع لنا عند الله، فتوهموا ان ~~عبادتها اشد في تعظيم الله من قصده تعالى بالعبادة، فحلت من هذه الجهة ~~محل الشافع عند الله. وقال الحسن: شفعاء في صلاح معاشهم في الدنيا، لانهم ~~لا يقرون بالبعث بدلالة قوله { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت } والعبادة خضوع بالقلب في اعلى مراتب الخضوع، فكل طاعة فعلت على ~~هذا الوجه فهي عبادة. وانما قال { ويعبدون من دون الله } مع انهم كانوا ~~يشركون في عبادة الله لامرين: # احدهما - ان عابد الوثن ms1883 خاصة قد اشرك في استحقاق العبادة. # الثاني - ان من عبد الله وعبد الوثن فقد عبده من دون اخلاص العبادة لله. # وقوله { اتنبئون الله بما لا يعلم } امر منه تعالى لنبيه ان يقول لهم ~~على وجه الالزام اتخبرون الله بما لا يعلم من حسن عبادة الاوثان وكونها ~~شافعة لان ذلك لو كان صحيحا لكان الله به عالما ولما نفى العلم بذلك ~~نفي المعلوم. # وقوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } تنزيه منه تعالى لنفسه، وتنزيه من ~~ان يعبد معه إله او يتخذ من دونه معبود. ### || [10.19] # اخبر الله تعالى في هذه الاية انه لم يكن الناس فيما مضى الا امة واحدة ~~والامة الجماعة التي على معنى واحد في خلق او ما يستمر على عبادته ~~بالظاهر، فعلى هذا الناس أمة والطير أمة. والمراد - ها هنا - أنها كانت ~~على دين واحد. واختلفوا في الدين الذي كانوا مجتمعين عليه قبل حدوث ~~الاختلاف بينهم على قولين: فقال الحسن كانوا على الشرك كما قال تعالى # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين # وقال الزجاج: أراد بذلك العرب الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه ~~وآله فانهم كانوا مشركين، فلما بعث النبي آمن به قوم وكفر به آخرون. وقال ~~الجبائي: انهم كانوا على الاسلام، في عهد آدم وولده وأنكر الأول. قال لأن ~~الله تعالى قال # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # فلو كانوا كلهم على الكفر لما كان فيهم شهيدا أصلا قال الرماني: لا ~~يمتنع ان يكون الأمر على ما قال الحسن ويكون المراد التغليب كأن المسلمين ~~كانوا قليلين، فلا يعتد بهم، فيجوز أن يقال فيهم أنهم امة مشركة كما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال # " ان الله نظر إلى اهل الأرض فمقتهم الا بقايا من أهل الكتاب " # وقال مجاهد: فاختلفوا حين قتل ابن آدم أخاه. والاختلاف هو الذهاب في ~~الجهتين فصاعدا من الجهات، وحد المختلفين ان لا يسد احدهما مسد صاحبه ~~فيما يرجع إلى ذاته كما ms1884 لا يسد السواد مسد البياض. # وقوله { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } معناه لولا كلمة سبقت من ~~ربك من انه لا يعاجل العصاة بالعقوبة انعاما عليهم في التأني بهم { لقضي ~~بينهم } في اختلافهم بما يضطرهم إلى علم المحق من المبطل. وقيل معنى ذلك ~~{ لقضي بينهم } اي فصل بينهم بأن اهلك العصاة وانجى المؤمنين، لكنه أخرهم ~~إلى يوم القيامة تفضلا منه وزيادة في الانعام عليهم. ### || [10.20] # حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: هلا أنزل على محمد آية ~~وأرادوا بذلك أنه يضطرهم إلى المعرفة ولا يحتاجون معها إلى النظر ~~والاستدلال، ولم يطلبوا معجزة يستدل بها على صدقه؛ لأنه قد كان أتاهم ~~بالمعجزات التي تدل على صدقه فلم يجبهم الله على مال التمسوه؛ لأن ~~التكليف يمنع من الاضطرار إلى المعرفة؛ لأن الغرض بالتكليف التعريض ~~للثواب. ولو عرفوا الله تعالى ضرورة لما استحقوا ثوابا فكان ذلك ينقض ~~غرضهم. وقال ابو علي: طلبوا آية سوى القرآن. # والاصل في (لولا) امتناع الثاني لكون الأول كقولك: لولا زيد لجئتك فخرجت ~~إلى معنى التحضيض بأنه ليس ينبغي ان يمتنع ذا لكون غيره. # قوله { فقل إنما الغيب لله } معناه إن ما لا تعرفونه ولا نصب لكم عليه ~~دليل يجب أن تسلموا علمه إلى الله؛ لانه العالم بالخفيات وما يكون في ~~المستقبل، فلأجل ذلك لا يفعل الآية التي اقترحتموها في هذا الوقت لما في ~~ذلك من حسن التدبير ووجه المصلحة. والغيب خفاء الشيء عن علم العباد، ~~والله تعالى عالم الغيب والشهادة لأنه عالم لنفسه يعلم الأشياء قبل كونها ~~وبعد كونها لا يخفى عليه خافية. # وقوله { فانتظروا } معناه انتظروا ما وعدكم الله من نصر المؤمنين وقهر ~~الكافرين وانزال الذل والعقاب بهم إن أقاموا على كفرهم ف { إني معكم من ~~المنتظرين } لذلك. ### || [10.21] # روى روح { يمكرون } بالياء. الباقون بالتاء. # أخبر الله تعالى بأنه إذا أذاق الناس يعني الكافرون { رحمة } بأن أنعم ~~عليهم واوسع أرزاقهم وأخصب أسعارهم { من بعد ضراء } يعني بعد شدة كانوا ~~فيها من جدب وضيق نالتهم { مكروا ms1885 في آياتنا } فجواب { إذا } الأولى في { ~~إذا } الثانية وإنما جعلوا { إذا } جوابا إذا كانت بمعنى الجملة على ما ~~فيها من المفاجأة، كما قال تعالى # وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون # وحقيقة الذوق تناول ما له طعم بالفم ليوجد طعمه. وانما قال: اذقناهم ~~الرحمة على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة. والمكر فتل الشيء إلى غير ~~وجهه على طريق الحيلة فيه، فهؤلاء محتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون ~~السبيل اليه من شبهة او تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة. ~~وقال مجاهد: مكرهم استهزاؤهم وتكذيبهم. # فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهم { الله أسرع مكرا } ~~يعني اقدر جزاء على المكر، وذلك أنهم: جعلوا جزاء النعمة المكر مكان ~~الشكر، فقوبلوا بما هو أشد. والسرعة عمل الشيء في وقته الذي هو أحق به، ~~والمعنى: إن ما يأتيهم من العقاب اسرع مما أتوه من المكر اي وقع في حقه. ~~وقوله { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } إخبار منه تعالى أن ملائكة الله ~~الموكلين بهم يكتبون ما يمكرون من كفرهم وتكذيبهم، ففي ذلك غاية الزجر ~~والتهديد على ما يفعلونه من المكر والحيل في امر النبي صلى الله عليه ~~وآله وقيل انما سمى جزاء المكر مكرا، لأنهم اذا نالهم العذاب على مكرهم ~~بحيث لا يحتسبونه ولا يتوقعونه فكأنه مكربهم. ### || [10.22] # قرأ ابن عامر وابو جعفر { ينشركم } بالنون والشين من النشر. الباقون ~~بالياء والسين وتشديد الياء من التسيير. قال ابو علي: حجة ابن عامر أن { ~~ينشركم } مثل قوله # وبث منهما رجالا كثيرا ونساء # فالبث تفريق ونشر. وحجة الباقين قوله # قل سيروا في الأرض # فامشوا في مناكبها # فالمعنيان متقاربان. # امتن الله على خلقه في هذه الآية وعدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال، ~~فقال { هو الذي يسيركم في البر والبحر } وتسييره إياهم اما في البحر، ~~فلأنه بالريح والله المحرك لها دون غيره، فلذلك نسبه إلى نفسه، واما في ~~البر فلأنه كائن باقداره وتمكينه وتسبيبه، فلذلك نسبه إلى نفسه. والتسيير ~~التحريك في ms1886 جهة تمتد كالسير الممدود، والبر الأرض الواسعة التي تقطع من ~~بلد إلى بلد، ومنه البر لاتساع الخير به والبحر مستقر الماء الواسع حتى ~~لا يرى من وسطه حافتاه وجمعه أبحر وبحور، ويشبه به الجواد، فيقال انما هو ~~بحر لاتساع عطائه. وقوله { حتى إذا كنتم في الفلك } خص الخطاب براكبي ~~البحر. والفلك السفن، وسميت فلكا لدورانها في الماء، وأصله الدور، ومنه ~~فلكة المغزل، والفلك الذي تدور فيه النجوم. وتفلك ثدي الجارية اذا ~~استدار. والفلك - ها هنا - جمع، وقد يكون واحدا. كقوله # في الفلك المشحون # وقوله { وجرين بهم بريح طيبة } عدل عن الخطاب إلى الاخبار عن الغائب ~~تصرفا في الكلام مع انه خطاب لمن كان في تلك الحال وإخبار لغيره من ~~الناس، قال لبيد: # باتت تشكي الي النفس مجهشة # وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # وقوله { وفرحوا بها } يعني بالريح الطيبة { جاءتها ريح عاصف } يعني ~~ريحا شديدة يقولون: عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة، ومنهم من يقول: أعصفت ~~فهي معصف ومعصفة. والريح مؤنثة، وانما قال عاصف، لأنه لا يوصف بذلك غير ~~الريح فجرى مجرى قولهم امرأة حائض، قال الشاعر: # حتى اذا عصفت ريح مزعزعة # فيها قطار ورعد صوته زجل # وقوله { وجاءهم الموج من كل مكان } معناه جاء راكبي الفلك الأمواج ~~العظيمة الهائلة من جميع الوجوه. { وظنوا أنهم أحيط بهم } أي ظنوا انهم ~~هالكون لما أحاط بهم من الأمواج { دعوا الله مخلصين له الدين } اي عند ~~هذه الشدائد والأهوال والتجؤا إلى الله ودعوه وجه الاخلاص، ولم يذكروا ~~الأوثان والاصنام لعلمهم بأنها لا تنفع ها هنا شيئا وقالوا { لئن ~~أنجيتنا } يارب من هذه الشدة { لنكونن } من جملة من يشكرك لنعمك، ويقوم ~~بآدابها. ويقال لمن اشرف على الهلاك أحيط به، ومنه قوله # وأحيط بثمره # أي اهلكت. ### || [10.23] # قرأ حفص { متاع الحياة } بنصب العين. الباقون بالرفع. من رفع يحتمل ~~أمرين: احدهما - ان يكون رفعا بأنه خبر المبتدأ والمبتدأ قوله { بغيكم } ~~الثاني - ان يكون بغيكم مبتدأ، وقوله { على أنفسكم } خبره. ورفع متاع على ~~تقدير ذلك متاع الحياة الدنيا. ومن ms1887 نصب فعلى المصدر. قال أبو علي الفارسي ~~{ على أنفسكم } يحتمل أن يكون متعلقا بالمصدر، لأن فعله متعد بهذا الحرف ~~كما قال # بغى بعضنا على بعض # وقال # ثم بغي عليه لينصرنه الله # فاذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر متاع الحياة الدنيا والمعنى ~~بغي بعضكم على بعض متاعا في الحياة الدنيا. ويجوز ان تجعله متعلقا ~~بمحذوف، ولا تجعله من صلة المصدر، وفيه ذكر يعود إلى المصدر. والتقدير ~~انما بغي بعضكم على بعض عائد على أنفسكم، فعلى هذا يتعلق بالمحذوف دون ~~المصدر المبتدأ وهو في المعنى كقوله # ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله # وقوله # فمن نكث فإنما ينكث على نفسه # فاذا رفعت متاع الحياة على هذا كان خبر مبتدأ محذوف كأنك قلت: ذاك متاع ~~الحياة الدنيا أو هو متاع. ومن نصب احتمل وجهين: احدهما - ان يجعل من صلة ~~المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ ~~محذوفا، وحسن ذلك لطول الكلام، لأن بغيكم يدل على تبغون. والآخر - ان ~~يجعل على أنفسكم خبر المبتدأ، ويكون نصب متاع على أحد وجهين: احدهما - ~~يمتعون متاع الحياة فيدل انتصاب المصدر عليه والآخر - ان يضمر تبغون كأنه ~~قال تبغون متاعا، فيكون مفعولا له. ولا يجوز أن يتعلق بالمصدر إذا جعلت ~~{ على } خبرا، لقوله إنما بغيكم على انفسكم، لفصلك بين الصلة والموصول. # اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين اذا رأوا الأهوال ~~والشدائد في الفلك في البحر فزعوا إلى الله ودعوه مخلصين له الدين، ~~وقالوا متى انجيتنا من هذه { لنكونن من الشاكرين } أنه اذا انجاهم وخلصهم ~~من تلك الشدائد عادوا إلى البغي وهو الاستعلاء بالظلم. واصل البغي الطلب. ~~تقول بغاه يبغيه اذا طلبه. والبغية الطلبة، والنجاة التخلص من الهلاك. ~~والتخليص من الاختلاط لا يسمى نجاة. ومعنى " لما " ايجاب وقوع الثاني ~~بالأول كقولك: لما قام قمت، ولما جاء زيد قام عمرو. والحق وضع الشيء في ~~موضعه على ما يدعوا العقل اليه، والحق والحسن معناهما واحد. وقوله { يا ~~أيها الناس إنما بغيكم ms1888 على أنفسكم } خطاب من الله تعالى للخلق بأن بغيكم ~~على انفسكم من حيث ان عقابه يلحقكم دون غيركم { متاع الحياة الدنيا } ~~معناه إنكم تطلبون بالبغي بغير الحق التمتع في الحياة الدنيا. ثم بعد ذلك ~~ترجعون إلى الله بعد موتكم فيجازيكم بأعمالهم بعد أن يعلمكم ما عملتموه ~~وما استحققتم به من انواع العقاب. وقال مقاتل: معنى { يبغون في الأرض ~~بغير الحق } يعبدون غير الله. وقال غيره: معناه كلما أنعمنا عليهم بغوا ~~للدين وأهله الغوائل. ### || [10.24] # المثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالأول. وقيل { مثل الحياة الدنيا } ~~صفة الحياة الدنيا. وقيل في المشبه والمشبه به في الآية ثلاثة اقوال: # احدها - قال الجبائي: إنه تعالى شبه الحياة الدنيا بالنبات على ما وصفه ~~الله تعالى في الاغترار به والمصير إلى الزوال كالنبات الذي يصير إلى مثل ~~ذلك. # الثاني - انه شبه الحياة الدنيا بالماء فيما يكون به من الانتفاع ثم ~~الانقطاع. # الثالث - انه شبه الحياة الدنيا بحياة مقدرة على هذه الأوصاف، لما ~~يقتضيه { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } أي علموا الانتفاع بها. # وقوله { فاختلط به نبات الأرض } فالاختلاط تداخل الأشياء بعضها في بعض ~~فربما كان على صفة مدح، وربما كان على صفة ذم. وقوله { حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها } فالزخرف حسن الألوان كالزهر الذي يروق البصر، ومنه قيل ~~زخرفت الجنة لأهلها وقوله { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } معناه ظنوا ~~أنهم قادرون على استصحاب تلك الحال منها - جعلها على غير شيء منها، لأن ~~القادر عليهم وعليها أهلكها. وقوله { وازينت } أصله تزينت فأدغمت التاء ~~في الزاي واجلبت الهمزة لامكان النطق بها. وقرأ الأعرج وغيره { وازينت } ~~على وزن (افعلت) والأول أجود لأن عليه القراء. وقوله { كأن لم تغن بالأمس ~~} معناه كأن لم تقم على تلك الصفة فيما قبل، يقال: غني بالمكان إذا أقام ~~به والمغاني المنازل، قال النابغة: # غنيت بذلك إذهم لك جيرة # منها بعطف رسالة وتودد # وقوله { كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } معناه مثل ذلك نميز الايات ~~ونبينها لقوم يفكرون فيها ويعتبرون بها، لأن من لا ms1889 يفكر فيها ولا يعتبر ~~بها كأنها لم تفصل له، فلذك خصصهم بالذكر. ### || [10.25] # أخبر الله تعالى بأنه الذي يدعو عباده إلى دار السلام. والدعاء طلب ~~الفعل بما يقع لأجله، والداعي إلى الفعل خلاف الصارف عنه. وقد يدعو اليه ~~باستحقاق المدح عليه. والفرق بين الدعاء والأمر أن في الأمر ترغيبا في ~~الفعل، وزجرا عن تركه، وله صيغة تنبئ عنه، وليس كذلك الدعاء، وكلاهما ~~طلب. وايضا الأمر يقتضي أن يكون المأمور دون الآمر في الرتبة. والدعاء ~~يقتضي أن يكون فوقه. وفي معنى دار السلام قولان: احدهما - قال الحسن: ~~السلام هو الله. وداره الجنة. وبه قال قتادة. الثاني - قال الجبائي ~~والزجاج: معناه دار السلامة. وقوله { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } ~~قيل في الهداية ها هنا ثلاثة اقوال: احدها - يفعل الألطاف التي تدعوهم ~~إلى طريق الحق لمن كان المعلوم أن له لطفا. الثاني - الأخد بهم في ~~الآخرة إلى طريق الجنة. الثالث - قال ابو علي: يريد به نصب الأدلة لجميع ~~المكلفين دون الأطفال والمجانين. والاستقامة المرور في جهة تؤدي إلى ~~البغية، فالادلة طرق إلى العلم على الاستقامة لأنها تؤدي اليه. ### || [10.26] # أخبر الله تعالى بأن للذين يفعلون الحسن من الطاعات التي أمرهم الله بها ~~جزاء على ذلك { الحسنى } وهي الجنة ولذاتها. وقيل: جامعة المحاسن من ~~السرور واللذات على أفضل ما يكون وهي تأنيث الأحسن. وقوله { وزيادة } ~~معناه إن لهم زيادة التفضل على قدر المستحق على طاعاتهم من الثواب، وهي ~~المضاعفة المذكورة في قوله # فله عشر أمثالها # ذهب اليه ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعلقمة ابن قيس. وقال ابو جعفر ~~عليه السلام { وزيادة } معناه ما أعطاهم الله في الدنيا لا يحاسبهم به في ~~الآخرة. وقوله { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } فالرهق لحاق الأمر، ومنه ~~راهق الغلام إذا لحق حال الرجال، ورهقه في الحرب إذا أدركه. و (الرهاق) ~~الاعجال. و (القتر) الغبار. والقترة الغبرة. ومنه الاقتار في النفقة ~~لقلته، قال الشاعر: # متوج برداء الملك يتبعه # موج ترى فوقه الرايات والقترا # والذلة صغر النفس بالاهانه. والذلة ms1890 نقيض العزة. وقد يكون صغر النفس بضيق ~~المقدرة. وقوله { أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } اخبار منه تعالى ~~بأن الذين وصفهم الملازمون للجنة على وجه الخلود والنعيم فيها ولا زوال ~~لذلك عنهم. ### || [10.27] # لما وصف الله تعالى المطيعين، وما لهم من الثواب الجزيل في الجنة ~~والخلود فيها، ذكر حكم العصاة الذين يرتكبون السيئات ويكسبونها وأن لهم ~~جزاء كل سيئة مثلها يعني قدر ما يستحق عليها من غير زيادة، لأن الزيادة ~~على قدر المستحق من العقاب ظلم، وليس كذلك الزيادة على قدر المستحق من ~~الثواب، لأن ذلك تفضل يحسن فعله ابتداء. فالمثل - في الآية - المراد به ~~مقدار المستحق من غير زيادة ولا نقصان. والكسب فعل يجتلب به نفع او يدفع ~~به ضرر، وقد يكتسب الانسان الحسنة والسيئة، ولهذا لا يوصف الله تعالى ~~بالكسب. وقوله { وترهقهم ذلة } اي يلحقهم هوان في أنفسهم. { وما لهم من ~~الله من عاصم } أي ما لهم مانع من عقاب الله. وفي رفع { جزاء } في الآية ~~وجهان: احدهما - ان تقديره فلهم جزاء سيئة بمثلها ليشاكل { للذين أحسنوا ~~}. والآخرة - ان يكون الخبر بمثلها والباء زيادة كزيادتها في قولك ليس ~~زيد بقائم. وقوله { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما } شبه سواد ~~وجوههم بقطع من الليل المظلم وانما ذكر ووحد مظلم لاحد أمرين: احدهما - ~~ان يكون حالا من الليل. والثاني - على قول الشاعر: # لو أن مدحة حي تنشرن أحدا # أحيا أبا كن يا ليلى الأماديح # و (القطع) قرأه بتسكين الطاء ابن كثير والكسائي. الباقون بالتحريك، وهما ~~لغتان. وقوله { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } اخبار منه تعالى بأن ~~من وصفهم ملازمون للنار خالدون فيها غير زائل عنهم عذابها. قال ابو عبيدة ~~{ قطعا من الليل } وهو بعض الليل تقول اتيته لقطع من الليل اي ساعة من ~~الليل، وقطع واقطاع. وقال ابو علي: القطع الجزء من الليل الذي فيه ظلمة. ~~فأما قوله { مظلما } اذا اجريته على (قطع) فيحتمل نصبه وجهين: احدهما - ~~ان يكون صفة من القطع وهو احسن، لانه على قياس قوله ms1891 # وهذا كتاب أنزلناه مبارك # وصف الكتاب بالمفرد بعد ما وصفه بالجملة واجراه على النكرة. والثاني - ~~يجوز أن يكون حالا من الذكر الذي في الظرف. ومن قرأ { قطعا } لم يكن ~~مظلما صفة ل (قطع) ولا حالا من الذكر الذي في قوله { من الليل } ولكن ~~يكون حالا من الليل المظلم فلما حذف الألف واللام نصب على ا لحال. ### || [10.28] # اخبر تعالى في هذه الآية أنه يوم يحشر الخلائق أجمعين. والحشر هو الجمع ~~من كل أوب إلى الموقف، وإنما يقومون من قبورهم إلى ارض الموقف { ثم نقول ~~للذين أشركوا } يعني من اشرك مع الله في عبادته غيره، والمشرك بالاطلاق ~~لا يقال إلا فيمن أشرك في العبادة، لانها صفة ذم مثل كافر وظالم وقوله { ~~مكانكم } معناه انتظروا مكانكم. { جميعا } نصب على الحال و { مكانكم } ~~نصب على الامر كأنه قال انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم. ويقول المتوعد ~~لغيره: مكانك فانتظر، يستعمل ذلك في الوعيد. وقوله { أنتم وشركاؤكم } ~~يعني انتظروا انتم مع شركائكم الذين عبدتموهم من دون الله. وقوله { ~~فزيلنا بينهم } مأخوذ من قولهم زلت الشيء عن مكانه ازيله - وزيلنا للكثرة ~~من هذا - اذا نحيته عن مكانه وزايلت فلانا إذا فارقته. وقال القتيبي: ~~وهو مأخوذ من زال يزول، وهو غلط وخلاف لقول جميع المفسرين وأهل اللغة. ~~والتزييل التفريق. والمعنى فرقنا بين المشركين بالله وما أشركوا به. # وقوله { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } قيل في معناه قولان: ~~احدهما - قال مجاهد: انه ينطق الأوثان يوم القيامة فيقولوا: ما كنا نشعر ~~بأنكم إيانا تعبدون. والثاني - ان ذلك قول من كانوا يعبدونهم من ~~الشياطين. # وفي كيفية جحدهم لذلك قولان: احدهما - انهم يقولون ذلك على وجه الاهانة ~~بالرد عليهم. والمعنى ما اعتذرنا بذلك لكم. والآخر - انه في حال دهش ككذب ~~الصبي. وقال الجبائي: يريد انكم لم تعبدونا بأمرنا ودعائنا ولم يرد انهم ~~لم يعبدوها أصلا، لأن ذلك كذب وهو لا يقع في الآخرة لكونهم ملجئين إلى ~~ترك القبيح. وهذه الاية نظيرة قوله # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # وكان ms1892 مجاهد يقول: الحشر ها هنا هو الموت. والأول اولى. ### || [10.29] # هذا اخبار من الله تعالى عن شركاء المشركين من الآلهة والأوثان يوم ~~القيامة حين قال المشركون إنا إنما إياكم كنا نعبد، وأنهم يجحدون ذلك ~~ويقولون: حسبنا الله شاهدا بيننا وبينكم أيها المشركون بأنه تعالى عالم ~~أنا ما علمنا ما تقولون، وأنا كنا عن عبادتكم إيانا غافلين، لا نشعر به ~~ولا نعلمه. وإنما قال { شهيدا بيننا } ولم يقل علينا، لأنه إذا قال ~~بيننا فمعناه لنا وعلينا، فهو أعم وأحسن. ونصب { شهيدا } على التمييز، ~~وتقديره وكفى بالله من الشهداء. وقال الزجاج: نصب على الحال وتقديره كفى ~~بالله في حال الشهادة. وقوله { إن كنا } فهذه (إن) المخففة عن الثقيلة ~~بدلالة دخول اللام في الخبر للفرق بين (إن) الجحد و (إن) المؤكدة. وقال ~~الزجاج: هي بمعنى (ما) ومعناه ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين. ### || [10.30] # قرأ اهل الكوفة الا عاصما { تتلوا } بالتاء من التلاوة. الباقون بالباء. ~~من قرأ بالباء فمعناه تختبر من قوله # وبلوناهم بالحسنات والسيئات # اي اختبرناهم، ومنه قولهم البلاء ثم الثناء أي الاختبار للثناء عليه ~~ينبغي أن يكون قبل الثناء ليكون عن علم بما يوجبه. ومعنى اختبار النفس ما ~~اسلفت إن قدم خيرا أو شرا جزي عليه، كما قال # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # وغير ذلك. ومن قرأ بالتاء فمن التلاوة. ويقوي ذلك قوله # فأولئك يقرؤن كتابهم # وقوله # اقرأ كتابك # وقوله # ورسلنا لديهم يكتبون # ويكون (تتلو) بمعنى تتبع ويكون المعنى هنالك تتبع كل نفس ما أسلفت من ~~حسنة وسيئة، فمن أحسن جوزي بالحسنات ومن أساء جوزي به، فعلى هذا يكون ~~المعنى مثل قراءة من قرأ بالباء. وقال ابن زيد: معنى " تتلو " تعاين. ~~وقال الفراء: معناه تقرأ، وقال غيره تتبع. وقال ابن عباس معنى (تتلو) ~~تخبر قال الشاعر: # قد جعلت دلوي تستتليني # ولا أحب تبع القرين # اي تتبعني من ثقلها، ومعنى { هنالك } في ذلك المكان، وهو ظرف ف (هنا) ~~للقريب و (هنالك) للبعيدو (هناك) لما بينهما ms1893 قال زهير: # هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا # وإن يسألوا يعطوا وإن ييسيروا يغلوا # والاسلاف تقديم امر لما بعده، فمن أسلف الطاعة لله جزي بالثواب. ومن ~~أسلف المعصية جزي بالعقاب. وقوله { وردوا إلى الله } فالرد هو الذهاب ~~إلى الشيء بعد الذهاب عنه، فهؤلاء ذهبوا عن أمر الله فأعيدوا اليه. والرد ~~والرجع نظائر، ويجوز أن يكون الرد بمعنى النشأة الثانية، وهو الاليق ها ~~هنا. وقوله { مولاهم الحق } فالمولى المالك للعبيد، ومعناه مالكهم لأنه ~~يملك أمرهم، وهو أملك بهم من أنفسهم. وقوله { وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~يعني ما كانوا يدعونهم - بافترائهم من الشركاء - مع الله يضلون عنهم يوم ~~القيامة ويبطلون. ### || [10.31] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار وغيرهم ~~من خلقه { من يرزقكم من السماء } بانزال المطر والغيث، ومن الارض باخراج ~~النبات وانواع الثمار. والرزق العطاء الجاري يقال: رزق السلطان الجند، ~~الا ان كل رزق، فالله رازق به، لانه لو لم يطلقه على يد الانسان لم يجئ ~~منه شيء. والواحد منا يرزق غيره إلا أنه لا يطلق اسم رازق إلا على الله، ~~كما لا يقال: (رب) بالاطلاق إلا في الله وفي غيره يقيد، فيقال رب الدار ~~ورب الفرس. ويطلق فيه، لأنه يملك الجميع غير مملك، وكذلك هو تعالى رازق ~~الجميع غير مرزوق، ولا يجوز أن يخلق الله حيوانا يريد تبقيته إلا ~~ويرزقه، لانه إذا أراد بقاءه فلا بد له من الغذاء، فان لم يرد تبقيته ~~كالذي يولد ميتا فانه لا رزق له في الدنيا. وقوله { أم من يملك السمع ~~والأبصار } يعني من الذي له التصرف فيها بلا مانع يمنعه منها وان شاء ~~اصحها وان شاء امرضها. و { من يخرج الحي من الميت } معناه من الذي يخلق ~~الحيوان ويخرجه من امه حيا سويا اذا ماتت أمه { ويخرج الميت من الحي } ~~يعني من يخرجه غير تام ولا بالغ حد الكمال. وقيل: معناه انه يخرج الحي ~~من النطفة، وهي ميتة ويخرج النطفة من الحي. وقيل: يخرج المؤمن من الكافر ~~والكافر ms1894 من المؤمن. و { من يدبر الأمر } اي ومن الذي يدبر جميع الامور في ~~السما والأرض؟ وليس جواب ذلك لمن انصف ولم يكابر الا ان يقول: الله ~~الفاعل لجميع ذلك. واذا قالوا ذلك واعترفوا به قيل لهم { أفلا تتقون } ~~ومعناه فهلا تتقون خلافه وتحذرون معاصيه؟ وفي الاية دلالة على التوحيد؛ ~~لأن ما ذكره في الاية يوجب أن المدبر واحد ولا يجوز أن يقع ذلك إتفاقا، ~~لاحالة العقل ذلك، ولا يجوز أن يقع بالطبيعة؛ لأنها في حكم الموات لو ~~كانت معقولة، فلم يبق بعد ذلك إلا ان الفاعل لذلك قادر عالم يدبره على ما ~~يشاء، وهو الله تعالى، مع ان الطبيعة مدبرة - مفعولة - فكيف تكون هي ~~المدبرة. وإنما دخلت (أم) على (من) لأن (من) ليست أصل الاستفهام بل ~~أصله الألف، فلذلك جاز الجمع بينهما. ### || [10.32] # " ذلك " إشارة إلى اسم الله الذي ذكره في الآية الاولى، ووصفه بأنه الذي ~~يخرج الحي من الميت، والميت من الحي ويرزق الخلق من السماء والارض. و ~~(الكاف والميم) للمخاطبين، وإنما جمع لأنه أراد جميع الخلق، فأخبر الله ~~تعالى ان الذي وصفه في الاية الأولى هو { الله ربكم } الذي خلقكم ويملك ~~تصرفكم. وإنما وصفه بأنه { الحق } لأن له معنى الالهية دون غيره من ~~الأوثان والأصنام، وهو الرب تعالى وحده. # وقوله { فماذا بعد الحق إلا الضلال } صورته صورة الاستفهام والمراد به ~~التقرير على موضع الحجة، لأنه لا يجد المجيب محيدا عن الاقرار به إلا ~~بذكر ما لا يلتفت اليه، وكلما تدعو اليه الحكمة على اختلافه فهو حق، ~~والمراد انه ليس بعد الاقرار بالحق والانقياد له إلا الضلال والعدول عنه. ~~وقوله { فأنى تصرفون } أي كيف تصرفون وتعدلون عن عبادته مع وضوح الدلالة ~~على أنه لا معبود سواه والصرف هو الذهاب عن الشيء، فالصرف عن الحق ذهاب ~~إلى الباطل، وقد أنكر الله ذلك. وفيه دلالة على أنه من فعل غيره من ~~الغواة لأنه لو كان من فعله لما انكره كما لم ينكر شيئا من أفعال نفسه. ### || [10.33] # قرأ أهل المدينة وابن ms1895 عامر { كلمات } ها هنا وفي آخرها، وفي المؤمن على ~~الجمع. الباقون على التوحيد. قال ابو علي: من قرأ على التوحيد احتمل في ~~ذلك وجهين: # أحدهما - ان يكون جعل ما أوعد به الفاسقين كلمة وإن كانت في الحقيقة ~~كلمات، لانهم قد يسمون القصيدة والخطبة كلمة، فكذلك ما ذكرناه. # والثاني - ان يريد بذلك الجنس وقد اوقع على بعض الجنس كما أوقع اسم ~~الجنس على بعضه في قوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل # ومن جمع فانه جعل الكلمات التي يوعدون بها كل واحدة منها كلمة ثم جمع، ~~فقال: كلمات. وأما قوله # كلمة الله هي العليا # فيجوز ان يكون عنى بها قوله # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # كما فسر قوله # وألزمهم كلمة التقوى # انه لا إلهة الا الله، ذكره مجاهد. والكاف في قوله كذلك في موضع نصب ~~والتقدير مثل أفعالهم جازاهم ربك. وقيل في المشبه به { كذلك حقت كلمة ربك ~~} قولان: # احدهما - المعنى في انه ليس بعد الحق الا الضلال فشبه به كلمة الحق ~~بأنهم لا يؤمنون في الصحة. # الثاني - ما تقدم من العصيان شبه به الجزاء بكلمة العذاب في الوقوع على ~~المقدار. وانما اطلق في الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون، لانه أريد به الذين ~~تمردوا في كفرهم. و { أنهم } في موضع نصب على قول الفراء والتقدير بأنهم ~~أو لأنهم لا يؤمنون فقوله { أنهم لا يؤمنون } بدل من كلمة ربك. فأعلم ~~الله أنهم باعمالهم قد منعوا من الايمان، وجائز ان تكون الكلمة ما وعدوا ~~به من العقاب. والفسق في الشرع هو الخروج في المعصية إلى الكبيرة فان ~~كانت كفرا فالخروج إلى أكبره وكذلك ان كانت منع حق. وفائدة الآية ~~الابانة عن الحال التي لا يفلح صاحبها ليحذر من مثلها، لأنه قد يكون في ~~المعلوم أنه من بلغ ذلك الحد لم يفلح، قال: وأصل المعنى حقت كلمة ربك ان ~~الفساق والكفار ما داموا كفارا فساقا فلا يكونون مؤمنين. وقال الجبائي: ~~معناه وجدانكم إياهم على الكفر والاصرار عليه دليل على ان ما أخبر الله ~~تعالى عنهم ms1896 بأنهم لا يؤمنون حق وصدق. ### || [10.34] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين ~~اتخذوا مع الله آلهة يعبدونها { هل من شركائكم من يبدؤ الخلق } بأن ~~ينشئهم ويخترعهم. ثم اذا أماتهم يعيدهم ويحييهم، لينبئهم بذلك على انه لا ~~يقدر على ذلك الا الله القادر لنفسه الذي لا يعجزه شيء. وقيل في معنى { ~~شركائكم } قولان: احدهما - انهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة. الثاني - ~~الذين جعلوهم شركاء في اموالهم من اوثانهم، كما قال # فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا # والاعاذه ايجاد الشيء ثانيا، وقال لنبيه قل لهم: الله تعالى القادر ~~لنفسه هو الذي يبدؤ الخلق فينشئهم ثم يميتهم ثم يعيدهم لا يعجزه شيء عن ~~ذلك. وقوله { فأنى تؤفكون } معناه أنى تصرفون عن الحق وتقلبون عنه، ومنه ~~الافك، والكذب، لانه قلب المعنى عن جهته. ### || [10.35] # قرأ أهل الكوفة الا عاصما { يهدي } بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف ~~الدال. وقرأه أهل المدينة إلا ورشا بفتح الياء، وسكون الهاء، وتشديد ~~الدال. وقرأه ابن كثير وابن عامر وابو عمرو وورش بفتح الياء والهاء ~~وتشديد الدال، الا أن السوسي من طريق ابن جيش لا يشبع فتحة الهاء، وكذلك ~~روى الحماني عن شجاع وقرأه يعقوب وحفص والاعشى والبرجمي بفتح الياء وكسر ~~الهاء وتشديد الدال ورواه ابو بكر الا الأعشى والبرجمي بكسر الياء والهاء ~~وتشديد الدال. قال ابو علي: من قرأ { يهدي } بفتح الياء والهاء وتشديد ~~الدال فقد نسبهم إلى غاية الذهاب عن الحق في معادلتهم الآلهة بالله ~~تعالى، ألا ترى ان المعنى أفمن يهدي غيره إلى طريق التوحيد والحق أحق ان ~~يتبع أم من لا يهتدي هو إلا أن يهدى، والتقدير أفمن يهدي غيره فحذف ~~المفعول الثاني، فان قيل: هذه التي اتخذوها آلهة لا تهتدي وإن هديت لأنها ~~موات من حجارة وأوثان ونحو ذلك!؟ قيل: تقدير الكلام على أنها إن هديت ~~اهتدت وإن لم تكن في الحقيقة كذلك لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما ~~يعبر عن الذي يجب له العبادة، كما قال # ويعبدون ms1897 من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا ~~يستطيعون # وقال # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم # فاجرى عليه اللفظ كما يجري على من يعلم، كأنه قال أم من لا يهدي الا ان ~~يهدى أي أم من لا يعلم حتى يعلم، ومن لا يستدل على شيء حتى يدل، وإن كان ~~لو دل أو أعلم لم يعلم ولم يستدل. واراد الله بذلك تعجيبهم من أنفسهم ~~وتبيين جهلهم وقلة تمييزهم في تسويتهم من لا يعلم ولا يقدر بالله القادر ~~العالم. وقرأ حمزة والكسائي { أم من لا يهدي } معناه أم من لا يهدي غيره، ~~ولكن يهدى أي لا يعلم شيئا ولا يعرفه، ولكن يهدى أي لا هداية له، ولو ~~هدي أيضا لم يهتد، غير أن اللفظ جرى عليه كما قلناه فيما تقدم. ومن شدد، ~~فلأن أصله يهتدي فأدغم التاء في الدال. ومن حرك الهاء القى حركة الحرف ~~المدغم على الهاء لأنها من كلمة واحدة. ومن كسر الهاء لم يلق الحركة ~~تشبيها بالمنفصل، وكسر الهاء لالتقاء الساكنين. ومن سكن الهاء جمع بين ~~الساكنين. من أشم فلأن الاشمام في حكم التحريك. ومن كسر الياء اتبع الياء ~~ما بعدها من الكسر لان أصله يفتعل. وقال قوم: معنى { أم من لا يهدي إلا ~~أن يهدى } لا يتحرك حتى يحرك. # أمر الله تعالى نبيه أن يقول أيضا لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله ~~شركاء في العبادة { هل من شركائكم } الذين تعبدونهم من دون الله أو ~~تشركون بينهما في العبادة من يهدي غيره إلى الحق والى طريق الرشاد، ثم ~~قال: قل يا محمد { الله يهدي للحق } وأفعال الخير، ثم قال " أفمن يهدي ~~غيره إلى الحق " والى الصراط المستقيم أولى { أن يتبع } ويقبل قوله، { أم ~~من لا يهدي إلا أن يهدى } أي إلا بعد أن يهدى وحكي عن البلخي أنه قال: ~~هدى واهتدى بمعنى واحد. # وقوله { فما لكم كيف تحكمون } أي بما تدعونه من عبادة - من دون الله - ~~فالهداية المعرفة بطريق الرشاد ms1898 من الغي، فكل هداية قائدة إلى سلوك طريق ~~النجاة بدلا من طريق الهلاك. وقال الزجاج { ما لكم } كلام تام، كأنه قال ~~أي شيء لكم في عبادة الأوثان ثم قال لهم { كيف تحكمون؟! } على أي حال، ~~فموضع { كيف } نصب ب { تحكمون } ويقال هديته للحق والى الحق بمعنى واحد. ### || [10.36] # أخبر الله تعالى أنه ليس يتبع أكثر هؤلاء الكفار إلا الظن الذي لا يجزي ~~شيئا، من تقليد آبائهم ورؤسائهم. ثم قال تعالى { إن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا } لأن الحق إنما ينتفع به من عرفه وعلمه حقا؛ لأن الظن حقيقة ~~ما قوي كون المظنون عند الظان على ما ظنه مع تجويز أن يكون على غيره، ~~فاذا كان معه تجويز كون المظنون على خلاف ما ظنه، فلا يكون مثل العلم. ~~وقد يكون للظن حكم إذا قام على ذلك دليل إما عقلي أو شرعي، ويكون صادرا ~~عن إمارات معروفة بالعادة والخبر أورده إلى نظيره عند من قال بالقياس، ~~وكل ذلك إذا اقترن به دليل يوجب العمل به، وكل موضع يمكن أن يقوم عليه ~~دليل ويعلم صحته من فساده فلا يجوز أن يعمل فيه على الظن، لأنه بمنزلة من ~~ترك العلم وعمل على ظن غيره. وقوله { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } ~~معناه انه لا يقوم العلم مع وجوده أو امكان وجوده، وانما يعبد الله في ~~الشرع في مواضع بالرجوع إلى الظن مع أنه كان يمكنه أن ينصب عليه دليلا ~~يوجب العلم لما في ذلك من المصلحة. وقوله { إن الله عليم بما يفعلون } ~~فيه ضرب من التهديد، لأنه أخبر أنه تعالى يعلم ما يفعلونه ولا يخفى عليه ~~منه شيء فيجازيهم على جميعه: على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ### || [10.37] # نفى الله تعالى في هذه الآية أن يكون هذا القرآن الذي أنزله على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وآله مفترى من دون الله والافتراء الاخبار على القطع ~~بالكذب، وهو مأخوذ من فري الاديم، وهو قطعه بعد تقديره. والقرآن عبارة عن ~~هذا الكلام الذي هو ms1899 في أعلى طبقات البلاغة مع حسن النظم والجزالة، وكل ~~شيء منه فيه فائدة وكل فصل منه فيه فائدة أخرى. وقوله { ولكن تصديق الذي ~~بين يديه } شهادة من الله له بأنه صدق وبأنه شاهد لما تقدم من التوراة ~~والانجيل والزبور بأنها حق، وشاهد ايضا من حيث انه مصدق لها اذ جاء على ~~ما تقدمت البشارة به فيها. وقيل مصدق لما بين يديه من البعث والنشور ~~والجزاء والحساب. وقوله { وتفصيل الكتاب } أي تبيين الفصل من المعاني ~~الملتبسة حتى يظهر كل معنى على حقيقته. والتفصيل والتمييز والتقسيم ~~نظائر، وضده التلبيس والتخليط. وقوله { لا ريب فيه } أي لا شك فيه { من ~~رب العالمين } اي نازل من عند مالك العالمين. وقيل: إن معنى { تفصيل ~~الكتاب } أي تفصيل الفروض الشرعية. والكتاب - ها هنا - المفروض. وقال ~~الفراء: معنى { وما كان هذا القرآن أن يفترى } اي لا ينبغي ان يكون ~~افتراء، كما قال تعالى: # وما كان لنبي أن يغل # أي لا ينبغي له. وقال غيره: تقديره وما كان هذا القرآن مفترى. ### || [10.38] # معنى { أم } ها هنا تقرير على موضع الحجة بعد مضي حجة أخرى، وتقديره بل ~~أتقولون افتراه، فالزموا على هذا الاصل الفاسد امكان أن يأتوا بمثله. # وقوله { فأتوا بسورة مثله } صورته صورة الأمر، والمراد به التحدي باتيان ~~سورة، وهو الزام لهم على أصلهم اذ أصلهم فاسد يوجب عليهم أن يأتوا بسورة ~~مثله، فالتحدي يطلب ما يوجبه أصلهم عليهم. وقوله { فأتوا بسورة مثله } ~~معناه سورة منه. وقيل في معناه قولان: أحدهما - أن فيه حذفا وتقديره ~~فاتوا بسورة مثل سورته ذكره بعض البصريين. والاخر - ائتوا بسورة مثله في ~~البلاغة، وهو أحسن الوجهين. والسورة منزلة محيطة بآيات الله كاحاطة سور ~~البناء من أجل الفاتحة والخاتمة، وكل منزلة من سورة البناء محيطة بما ~~فيها. وقوله { وادعوا من استطعتم من دون الله } معناه ادعوهم إلى ~~الموازنة على المعارضة بسورة مثله أي استعينوا بكل من قدرتم عليه. ~~والاستطاعة حالة للحي تنطاع بها الجوارح للفعل وهي مأخوذة من الطوع. ~~والقدرة مأخوذة من القدر، فهي ms1900 معنى يمكن أن يوجد به الفعل وان لا يوجد ~~لتقصير قدره عن ذلك المعنى. وقوله { إن كنتم صادقين } معناه ان كنتم ~~صادقين في أن هذا القرآن مفترى من دون الله فأنتم تقدرون على معارضته، ~~فحيث لا تقدرون على ذلك علم أن الامر بخلاف ما تذكرونه لقدرتم على ~~معارضته لمشاركتكم إياه في النشوء والفصاحة. ### || [10.39] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين حكى عنهم أنهم قالوا إن محمدا ~~صلى الله عليه وآله افترى هذا القرآن ولم ينزله الله عليه بأنهم { كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه } ومعناه بما لم يعلموه من كل وجوهه؛ لان في القرآن ~~ما يعلم المراد منه بدليل، ويحتاج إلى الفكر فيه والرجوع إلى الرسول في ~~معرفة مراده وذلك مثل المتشابه، فالكفار لما لم يعرفوا المراد بظاهره ~~كذبوا به، وقالوا انه افترى على الله كذبا، ومعنى كذبوا انهم شهدوا بان ~~الدعاة إلى الله والدعاة إلى الحق من المؤمنين كاذبون جهلا منهم وتوهما ~~لا حقيقة لهم ولا حجة معهم به. وقوله { ولما يأتهم تأويله } معناه ما ~~يؤول أمره اليه وهو عاقبته. ومعناه متأوله من الثواب والعقاب. ثم حكى ~~الله أنه مثل ذلك كذب الذين من قبلهم أنبياء الله ورسله فأهلكهم الله ~~ودمرهم ثم قال لنبيه { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } يعني ما أدى إلى ~~إهلاكهم بعذاب الاستئصال على ما تقدم من ظلمهم لانفسهم وغيرهم في كذبهم. ~~وقيل في موضع { كيف كان } نصب بأنه خبر كان. ولا يكون معمول (انظر) لأن ~~ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام. ### || [10.40] # أخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء الكفار الذين كذبوا بالقرآن ونسبوه ~~إلى الافتراء من سيؤمن به أي بالقرآن في المستقبل، ومنهم من لا يؤمن بل ~~يموت على كفره. وقوله { وربك أعلم بالمفسدين } معناه من يدوم على الفساد ~~ممن يتوب، وإنما بقاهم الله لما في معلومه انه يتوب منهم. وإنما جاز ان ~~يقول { أعلم } وان لم يكن هناك كثرة علوم لاحد أمرين: احدهما - ان الذات ~~تغني عن كل علم. والثاني - انه يراد ms1901 كثرة المعلوم. ### || [10.41] # خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال { وإن كذبوك } هؤلاء ~~الكفار ولم يصدقوك وردوا عليك بذلك ونسبوك إلى الكذب { فقل لي عملي } أي ~~إن كنت كاذبا فوباله علي { ولكم عملكم } أي ان كنتم غير محقين فيما ~~تردونه علي وتكذبوني، فلكم جزاء عملكم، فانتم تبرؤن مما أعمل وأنا ابرأ ~~من أعمالكم. وفائدة ذلك الاخبار بأنه لا يجازى احد الا على عمله، ولا ~~يؤخذ أحد بجرم غيره كما قال تعالى # ولا تزر وازرة وزر أخرى # والبراءة قطع العلقة التي توجب رفع المطالبة وذلك كالبراءة من الدين، ~~والبراءة من العيب في البيع، ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله هذا القول ~~شكا منه فيما يجازي الله الكفار والمؤمنين به من الثواب والعقاب. وانما ~~قال على وجه التلطف لخصمه وحسن العشرة، وأن لا يستقبلهم بما يكرهونه من ~~الخطاب فربما كان داعيا لهم ذلك إلى الانقياد والنظر في قوله. وقال ابن ~~زيد: هذه الاية منسوخة بآية الجهاد، وعلى ما قلناه لا يحتاج إلى ذلك. ### || [10.42] # اخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء الكفار { من يستمع إليك } يا محمد. ~~والاستماع طلب السمع، فهم كانوا يطلبون السمع للرد لا للفهم، فلذلك لزمهم ~~الذم، فهم اذا سمعوه على هذا الوجه كأنهم صم لم يسمعوه حيث لم ينتفعوا ~~به. وقوله { أفأنت تسمع الصم } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأنه لا ~~يقدر على اسماع الصم الذين لا يسمعون، وبهم صمم، وهم الذين ولدوا صما، ~~والاصم المفسد السمع بما يمنع من ادراك الصوت، وقد صم يصم صمما، والسمع ~~إدراك الشيء بما به يكون مسموعا. وتسمى الأذن السليمة سمعا، لأنه يسمع ~~بها. وقوله { ولو كانوا لا يعقلون } تشبيه من الله تعالى لهؤلاء الكفار ~~في ترك إصغائهم إلى النبي صلى الله عليه وآله واستماع كلامه طلبا ~~للفائدة بالذين لا يسمعون أصلا، وان النبي صلى الله عليه وآله ولا يقدر ~~على اسماعهم على وجه ينتفعون به اذا لم يستمعوا بنفوسهم، للفكر فيه، كما ~~لا يقدر على اسماع الصم. ms1902 وقوله { من } يقع على الجمع كما يقع على الواحد، ~~فلذلك أخبر عنه بلفظ الجمع بقوله { يستمعون إليك } و { لو } في اكثر ~~الأمر يكون ما بعدها أقل مما قبلها تقول: أعطني دابة ولو حمارا، وقد ~~يجيء ما بعدها اكثر مما قبلها، كما يقول الرجل: انا أقاتل الاسد فيستعظم ~~ذلك منه، فيقال: أنت تقاتل الأسد ولو كان ضاريا، وعلى هذا مخرج الاية. ~~قال الزجاج: والمعنى ولو كانوا جهالا كما قال الشاعر: # اصم عما ساءه سميع ### || [10.43] # اخبر الله تعالى بأن من جملة الكفار { من ينظر إليك } يا محمد صلى الله ~~عليه وآله، فلم يخبر بلفظ الجمع لأنه حمله على اللفظ، واللفظ لفظ الواحد. ~~والنظر المذكور في الاية معناه تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا ~~لرؤيته. وقيل: معناه من ينظر إلى أدلتك. والنظر يكون بمعنى الاعتبار ~~والفكر، وهو الموازنة بين الامور حتى يظهر الرجحان او المساواة، وذلك ~~الجمع بين الشيئين في التقدير بما يظهر به شهادة أحدهما بالآخر، ثم قال { ~~أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون } اي نظرهم اليك لا على وجه ~~الاستفادة بمنزلة نظر الأعمى الذي لا يبصر، فكما لا يقدر ان يهدي الاعمى. ~~فكذلك هؤلاء لا ينتفعون بنظرهم اليك، فكأنهم لا يبصرون. والعمى آفة تمنع ~~من الرؤية، وهو على وجهين: عمى العين، وعمى القلب. وكلاهما يصلح له هذا ~~الحد. والابصار إدراك المبصر بما يكون به مبصرا، كما أن السمع إدراك ~~المسموع بما به يكون مسموعا. ### || [10.44] # اخبر الله تعالى في هذه الآية على وجه التمدح به بأنه لا يظلم أحدا ~~شيئا وانما الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بارتكاب ما نهى الله عنه من ~~القبائح فيستحقون بها عقابا، فكأنهم الذين أدخلوا عليها ضررا فلذلك ~~كانوا ظالمين لنفوسهم. والمعنى - ها هنا - ان الله لا يمنع احدا ~~الانتفاع بما كلفهم الانتفاع به من القرآن وأدلته، ولكنهم يظلمون انفسهم ~~بترك النظر فيه والاستدلال به، وتفويتهم انفسهم الثواب وإدخالهم عليها ~~العقاب. ففي الآية دلالة على انه لا يفعل الظلم، لان فاعل الظلم ظالم، ~~كما أن ms1903 فاعل الكسب كاسب، وليس لهم أن يقولوا يفعل الظلم ولا يكون ظالما ~~به، كما يفعل العلم ولا يكون به عالما. وذلك أن معنى قولنا: ظالم أنه فعل ~~الظلم، كقولنا: ضارب، أنه يفيد انه فعل الضرب. وكذلك يكون ظالما بما ~~يفعله من الظلم في غيره، وليس كذلك العالم؛ لأنه يفيد انه على صفة مخصوصة ~~ولذلك قد يكون عالما بما يفعل فيه من العلم، ولا يكون ظالما بما يفعل ~~فيه من الظلم ولا يكون عالما بما يفعل في غيره من العلم وليس كذلك ~~الظلم، فبان الفرق بينهما. وليس لأحد ان يقول: ان الانتفاء من الظلم ~~كالانتفاء من السنة والنوم، في انه ليس بنفي الفعل؛ وذلك أن الظلم مقدور ~~قبل العدل، وليس كذلك النوم واليقظة لانهما يستحيلان عليه. و { لكن } اذا ~~كانت مشددة عملت عمل { إن } واذا خففت لم تعمل لأن المخففة تدخل على ~~المفرد كما يدخل حرف العطف، والثقيلة تدخل على الجملة فتزيل الابتداء. ### || [10.45] # قرأ حفص { يحشرهم } بالياء. الباقون بالنون. قال أبو علي الفارسي: قوله ~~{ كأن لم يلبثوا } يحتمل ثلاثة أوجه: احدها - أن يكون صفة اليوم. والآخر ~~- أن يكون صفة للمقدر المحذوف. والثالث - أن يكون حالا من الضمير في { ~~يحشرهم } فاذا جعلته صفة لليوم احتمل أن يكون التقدير { كأن لم يلبثوا } ~~قبله { إلا ساعة } كما قال # فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف # أي امسكوهن قبله، وكذلك قوله # فإن فاءوا فإن الله # معناه فان فاءوا قبل انقضاء الاربعة أشهر. ويحتمل أن يكون المعنى { كأن ~~لم يلبثوا } قبله، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، ثم حذفت الهاء ~~من الصفة. ومثله # وترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم # والتقدير وجزاؤه واقع بهم. وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير ~~الذي وصفيناه، ومثله { كأن لم يلبثوا } قبله فحذف وأقام المضاف اليه مقام ~~المضاف، ثم حذف العائد من الصفة، كما يحذف من الصلة في نحو قوله # أهذا الذي بعث الله رسولا # وإن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء في اللفظ، لأن ms1904 ~~الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال. والمعنى يحشرهم مشابهة أحوالهم ~~أحوال من لم يلبث الا ساعة. ويحتمل أن يكون معمولا بما دل عليه قوله { ~~كأن لم يلبثوا } فاذا جعلته معمولا ل { يتعارفون } انتصب { يوم } على ~~وجهين: احدهما - أن يكون ظرفا والآخر - ان يكون مفعولا على السعة، على ~~يا سارق الليلة أهل الدار. # ومعنى { يتعارفون } يحتمل امرين: # احدهما - ان يكون المعنى يتعارفون مدة إماتتهم التي وقع حشرهم بعدها ~~وحذف المفعول للدلالة عليه، أو يكون أعمل الفعل الذي دل عليه { يتعارفون ~~} ألا ترى انه قد دل على سيعلمون إذ يتعارفون، فعلى هذا يكون قوله { ويوم ~~يحشرهم } معمول { يتعارفون }. # والآخر - أن يكون { يوم يحشرهم } معمول ما دل عليه قوله { كأن لم يلبثوا ~~} لأن المعنى تشابه أحوالهم أحوال من لم يلبث، فعمل في الظرف هذا المعنى ~~ولا يمنع المعنى من أن يعمل في الظرف وان تقدم الظرف عليه كقولهم: أكل ~~يوم لك ثوب؟ واذا جعلت { يتعارفون } العامل في { يحشرهم } لم يجز أن يكون ~~صفة اليوم، على أنك كأنك وصفت اليوم بقوله كأن لم يلبثوا ويتعارفون، ~~فوصفت يوم يحشرهم بجملتين لم يجز أن يكون معمولا لقوله { يتعارفون } لأن ~~الصفة لا تعمل في الموصوف، وجاز وصف اليوم بالجمل وان أضيف، لأن الاضافة ~~ليست محضة، فلم تعرفه. ومن قرأ بالنون فلقوله # وحشرناهم فلم نغادر # وقوله # فجمعناهم جمعا # وقوله # ونحشره يوم القيامة أعمى # ومن قرأ بالياء فلقوله # ليجمعنكم إلى يوم القيامة # والنون والياء متعارفان في مثل هذا بدلالة قوله # وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه # فعلم من هذا ان كل واحد منهما يجري مجرى الآخر. # يقول الله تعالى في هذه الآية أنه يوم يحشر الخلق إلى المحشر والموقف { ~~كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } عند أنفسهم؛ لقلة بقائهم فيها وسرعة ~~تصرمها عنهم مع طول وقوفهم يوم القيامة ومع علمهم بدوام بقائهم في ~~الاخرة، شبه قرب الوقت إلى ذلك الحين بساعة من النهار لأن كل ما هو آت ~~قريب، كما قال # اقتربت الساعة # ودل ms1905 بذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بطول ما يأمله من البقاء في ~~الدنيا إذ كان عاقبة ذلك إلى الزوال. وقوله { يتعارفون بينهم } اخبار منه ~~تعالى أن الخلق يعرف بعضهم بعضا في ذلك الوقت خسرانهم ويتذاكرونه. ~~وقوله { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } اخبار منه تعالى بأن الذين ~~كذبوا بالبعث والنشور ولقاء ثواب الله ولقاء عقابه يخسرون نفوسهم. ~~والخسران ذهاب رأس المال، فالنفس أكبر من رأس المال. وقوله { وما كانوا ~~مهتدين } معناه لا يكونون مهتدين إلى طريق الجنة لكونهم مستحقين للعقاب. ~~وقال الزجاج: معنى الآية قرب ما بين موتهم كما قالوا # لبثنا يوما أو بعض يوم # و { يتعارفون بينهم } أي يعرف بعضهم بعضا، وفي ذلك توبيخ لم وإثبات ~~الحجة عليهم. ### || [10.46] # نون التأكيد في الجزاء لا تجوز الا مع (ما) كما لا يجوز الجزاء ب (اذ، ~~وحيث) الا مع (ما) يخرجونها عن اخواتها، فدخلت (ما) لتقريبها منها، ~~فالنون تدخل في الأمر والنهي والاستفهام والعرض، وكله طلب، وكله غير ~~واجب. وليس في الجزاء طلب إلا أنه يشبه غير الواجب. # وقوله { نرينك } من رؤية العين لأنها لو كانت من رؤية الاعلام لتعدى إلى ~~مفعولين والبعض شيء يفصل من الكل، والبعض والقسم والجزء نظائر. والتوفي ~~القبض على الاستيفاء بالأمانة، لأن الروح تخرج من البدن على تمام وكمال ~~من غير نقصان. ومعنى الاية إن أريناك يا محمد بعض ما نعد هؤلاء الكفار ~~من العذاب عاجلا بأن ننزل عليهم ذلك في حياتك، وإن أخرنا ذلك عنهم إلى ~~بعد وفاتك ووفاتهم، فان ذلك لا يفوتم، لأنه الينا مرجعهم، والله شاهد ~~بأعمالهم، وعالم بها، وحافظ لها، فهو يوفيهم عقاب معاصيهم. وقال مقاتل: ~~المعنى إما نرينك بعض الذي نعد المؤمنين من النصر والاعلاء، وهو يوم بدر. ~~وقوله { ثم الله } عطف في قول الفراء، وقال غيره: { ثم } بمعنى الواو. ### || [10.47] # أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل جماعة على دين واحد وطريقة واحدة ~~كأمة محمد وأمة موسى وعيسى عليهم السلام رسولا بعثه الله اليهم وحمله ~~الرسالة التي ms1906 يؤديها اليهم ليقوم بأدائها. وقوله { فإذا جاء رسولهم } ~~يعني يوم القيامة - في قول مجاهد - وقال الحسن: في الدنيا، بما أذن الله ~~تعالى من الدعاء عليهم. وقوله { قضي بينهم } معناه فصل بينهم الأمر على ~~الحتم. والله تعالى يقضي بين الخصوم أي يفصل بينهم فصلا لا يرد { بالقسط ~~} يعني بالعدل. والمقسط العادل. والقاسط الجائر، ومنه قوله # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # والأصل واحد، والمقسط العادل إلى الحق والقاسط العادل عن الحق. وقوله { ~~وهم لا يظلمون } إنما نفى عنهم الظلم بعد أن وصف أنه يقضي بينهم بالعدل ~~ليكون العدل في جميع الأحوال من الابتداء إلى الانتهاء، لأنه كان يمكن ان ~~يكون العدل في أوله والظلم في آخره، فنفي بذلك نفيا عاما ليخلص العدل ~~في كل أحوالهم. ### || [10.48] # حكى الله تعالى عن الكفار والذين تقدم وصفهم أنهم { يقولون متى هذا ~~الوعد } الذي تعدوننا به من البعث والنشور والثواب والعقاب { إن كنتم ~~صادقين } في كون ذلك. والقول كلام مضمن في ذكره بالحكاية، وقد يكون كلام ~~لا يعبر عنه، فلا يكون له ذكر متضمن بالحكاية، فلا يكون قولا، لأنه إنما ~~يكون قولا من أجل تضمين ذكره بالحكاية. و { متى } سؤال عن الزمان. و ~~(أين) سؤال عن المكان، وهما ظرفان يتصلان بالفعل من غير حرف إضافة تقول: ~~متى يكون هذا، ولا يجوز أن تقول: ما يكون هذا على معنى الظرف. ولكن في ما ~~يكون هذا. والوعد خبر ما يعطى من الخير. والوعيد خبر ما يعطى من الشر، ~~هذا اذا فصل فان اجمل وقع الوعد على الجميع. والصدق الاخبار عن الشيء على ~~ما هو به. ### || [10.49] # لما حكى الله تعالى عن الكفار استبطاءهم ما وعد الله وقولهم { متى هذا ~~الوعد } امر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم على وجه الانكار ~~عليهم إني { لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } من الثواب والعقاب بل ذلك ~~إلى الله، ولا أملك إلا ما ملكني الله، فكيف أملك لكم. والملك هو القدرة ~~على التصرف في الشيء على وجه ليس لأحد ms1907 منعه منه، فالانسان لا يملك إلا ما ~~ملكه الله، لأن له تعالى منعه منه. وقد يملك الطفل ومن لا عقل له من ~~المجانين بالحكم. والنفع هو اللذة أو السرور أو ما أدى إليهما او إلى ~~واحد منهما. والضرر الألم نفسه أو الغم او ما أدى اليهما او إلى واحد ~~منهما. وقوله { إلا ما شاء الله } أن يملكني إياه من نفع او ضر، فيمكنه ~~مما جعل له أخذه او اوجب عليه تركه. والاجل هو الوقت المضروب لوقوع امر، ~~كأجل الدين وأجل البيع واجل الانسان واجل المسافر فاخبر تعالى انه إذا ~~اتى اجل الموت الذي وقته الله لكل حي بحياة، لا يتأخر ذلك ساعة ولا يتقدم ~~على ما قدره الله تعالى. ### || [10.50] # امر الله تعالى نبيه بهذه الاية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين استبطأوا ~~وعد الله { أرأيتم } اي اعلمتم؟ لانها من رؤية القلب، لانها دخلت على ~~الجملة من الاستفهام { إن أتاكم عذابه } يعني عذاب الله. والعذاب الالم ~~المستمر واصله الاستمرار. ومنه العذوبة لاستمرارها في الحلق { بياتا } ~~وهو إتيان الشيء ليلا يقال بيته تبييتا وبياتا وبات بيتوتة، وفلان لا ~~يستبيت إذا لم يكن له ما يبيت به وجواب { إن } محذوف، وتقدير الكلام ~~ارايتم ماذا يستعجل المجرمون من العذاب إن أتاكم عذابه بياتا او نهارا، ~~ووقع { إن أتاكم } في وسط الكلام موقع الاعتراض. ومعنى (ما) في قوله { ~~ماذا } للانكار لأن يكون في العذاب شيء يستعجل به، وجاء على صيغة ~~الاستفهام، لأنه لا جواب لصاحبه يصح له. وقال ابو جعفر عليه السلام هو ~~عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة. نعوذ بالله منه. وقال ~~الزجاج: موضع (ماذا) رفع من وجهين: احدهما - ان يكون (ذا) بمعنى (الذي) ~~والتقدير ما الذي يستعجل منه المجرمون. ويجوز أن يكون (ماذا) إسما ~~واحدا، والمعنى اي شيء يستعجل منه. والهاء في قوله { منه } عائدة على ~~العذاب ويجوز ان تكون عائدة على الاستعجال. ### || [10.51] # { أثم } دخلت الف الاستفهام على (ثم) ليدل على ان الجملة الثانية بعد ~~الاولى مع أن للألف ms1908 صدر الكلام. وقال الطبري معنى (ثم) - ها هنا - ~~(هنالك) وهذا غلظ، لان (ثم) بالفتح تكون بمعنى هنالك، وهذه مضمومة فلا ~~تكون الا للعطف. والعامل في { إذا } يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون { ~~آمنتم به } على أن تكون (ما) صلة. الثاني - ان يكون العامل { وقع } وتكون ~~(ما) مسلطة على الجزاء. وإنما جاز ان يعمل الفعل الأول في الجزاء دون ~~الثاني، ولم يجز في { إذا } لئلا يختلط الشرط بجزائه وليس كذلك { إذا } ~~لانها مضافة إلى الفعل الذي بعدها. والوقوع الحدوث. وقوله { آلان } مبني ~~على الفتح، لأن تعريفه كتعريف الحرف في الانتقال من معنى إلى معنى. ~~ومعناه عند سيبويه أنحن من هذا الوقت نفعل كذا، وفتحت لالتقاء الساكنين. ~~وقال الفراء: أصلها (آن) دخلت عليها الالف واللام وبنيت كالذين، ودخول ~~الالف واللام على اللزوم لا يمكنه، كما لا يمكن الذي. ومعنى الآية ~~أتأمنون حلول هذا العذاب بكم؟ ثم يقال لكم إذا وقع بكم العذاب وشاهدتموه: ~~آلآن آمنتم به، وكنتم به تستعجلون. وفائدتها الابانة عما يوجبه استعجال ~~العذاب من التوبيخ عند وقوعه حين لا يمكن استدراك الامر فيه بعد أن كان ~~ممكنا لصاحبه. ### || [10.52] # قوله { ثم } عطف على الايمان الذي وقع في حال الالجاء اليه. و { قيل } ~~لهم بعد ذلك هذا القول على وجه التوبيخ والتقريع، لأنها ليست حال استدراك ~~لما فات. والمعنى انه يقال لهؤلاء آلذين آمنوا حين نزول العذاب بهم - ~~وقيل لهم آلآن وقد استعجلتم { ذوقوا عذاب الخلد } يعني الدائم. ويقال لهم ~~{ هل تجزون } بهذا العقاب الا بما كنتم تكسبون من المعاصي والذوق طلب ~~الطعم بالفم في الابتداء، شبهوا بالذائق لانه أشد إحساسا. وقيل لأنهم ~~يتجرعون العذاب بدخوله أجوافهم. ### || [10.53] # معنى { ويستنبؤنك } يستخبرونك أي يطلبون النبأ الذي هو الخبر { أحق هو } ~~يعني هذا الوعيد الذي ذكره الله في هذه الآية الأولى، فقال الله لنبيه { ~~قل إي وربي } أي نعم وحق الله انه لحق. والحق في الدين ما شهدت به الادلة ~~الموجبه للعلم او اقتضاه غالب الظن فيما طريقه الظن. وقوله { وما أنتم ~~بمعجزين } أي ms1909 لستم تقدرون على اعجاز الله عما يريده من انزال العذاب بكم. ### || [10.54] # أخبر الله تعالى على وجه التعظيم لهذا العذاب وشدته بأنه لو كان لمن ظلم ~~بارتكاب المعاصي { ما في الأرض } من الأموال { لافتدت به } من هول ما ~~يلحقه من العذاب. وفتحت { أن } بعد { لو } لأنها مبنية على ما هو بمنزلة ~~العامل لاختصاصها بالفعل، والتقدير لو كان أن لكل نفس، إلا أنه لا يظهر ~~المعنى عن اظهاره بطلب { أن } له. وجاز أن تقع { أن } بعد { لو } ولم يجز ~~المصدر، لأن فتحها يدل على إظمار العامل اللفظي وليس كذلك المصدر، لأنه ~~مما يعمل فيه الابتداء. # والافتداء إيقاع الشيء بدل غيره لدفع المكروه يقال: فداه يفديه فدية ~~وفداء، وافتداه افتداء، وفاداه مفاداة وتفادى تفاديا، وفداه تفدية. # وقوله { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفوا الندامة. وقيل { ~~وأسروا الندامة } رؤساء الضلالة من الاتباع والسفلة. وقيل { أسروا ~~الندامة } أي اخلصوها. والندامة الحسرة على ما كان يتمنى انه لم يكن، وهي ~~حالة معقولة يتأسف صاحبها على ما وقع منه ويود أنه لم يكن أوقعه. وقال ~~ابوعبيدة { أسروا } معناه أظهروا. قال الازهري: هذا غلط إنما يكون بمعنى ~~الاظهار ما كان بالشين المنقطة من فوق وقوله { وقضي بينهم بالقسط } اي ~~فصل بينهم بالعدل { وهم لا يظلمون } في القضاء والحكم بينهم وما يفعل بهم ~~من العقاب، لأنهم جروه على أنفسهم بارتكاب المعاصي. وروي أنه قيل لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله ما يغنيهم اسرار الندامة وهم في النار؟ قال: # " يكرهون شماتة الاعداء " # وروي مثله عن أبي عبد الله عليه السلام. ### || [10.55] # { ألا } كلمة تستعمل في التنبيه، وأصلها (لا) دخلت عليها حرف الاستفهام ~~تقريرا وتأكيدا، فصارت تنبيها وكسرت { إن } بعد { ألا } لأن { ألا } ~~يستأنف ما بعدها لينبه بها على معنى الابتداء: ولذلك وقع بعدها الامر ~~والدعاء كقول امرئ القيس: # ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي # وهل ينعمن من كان في العصر الخالي # ووجه اتصال هذه الاية بما قبلها أحد أمرين: احدهما - للاثبات بعد النفي ~~لأن ما قبلها تقديره ليس ms1910 للظالم ما يفتدي به بل جميع الملك لله تعالى. ~~والثاني - ان يكون معناه من يملك السموات والارض يقدر على ايقاع ما توعد ~~به. والسموات جمع سماء وهو مأخوذ من السمو الذي هو العلو، وهي المزينة ~~بالكواكب وهي سقف الأرض، وهي طبقات، كما قال سبع سموات طباقا. وجمعت ~~السموات، ووحدت الارض في جميع القرآن، لان طبقاتها السبع خفية عن الحس ~~وليس كذلك السموات. وقوله { ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~صحة ذلك لجهلهم به تعالى وبما يجوز عليه وما لا يجوز، وجهلهم بصحة ما أتى ~~به النبي صلى الله عليه وآله. ### || [10.56] # في هذه الاية اخبار منه تعالى أن الذي يملك التصرف في السموات والارض هو ~~الذي يحيي الخلق بعد كونهم أمواتا وهو الذي يميتهم إذا كانوا أحياء. ثم ~~يرجعون اليه يوم القيامة فيجازيهم بمثل أعمالهم إن كانوا مطيعين بالثواب ~~الدائم، وان كانوا كفارا بالعقاب الدائم. قال أبو علي: في هذه الآية ~~دلالة على أنه لا يقدر على الحياة إلا الله لأنه تعالى تمدح بكونه ~~قادرا على الاحياء والاماتة، فلو كان غيره قادرا على الحياة لما كان في ~~ذلك مدح. وفيها دلالة على كونه قادرا على الاعادة لان من قدر على النشأة ~~الأولى يقدر على النشأة الثانية. ### || [10.57] # هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين من الناس يخبرهم الله تعالى بأنه أتاهم ~~موعظة من الله. والموعظة ما يدعوا إلى الصلاح ويزجر عن القبيح بما يتضمنه ~~من الرغبة والرهبة ويدعو إلى الخشوع والنسك، ويصرف عن الفسوق والاثم، ~~ويريد بذلك القرآن وما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من الشريعة. ~~وقوله { وشفاء لما في الصدور } فالشفاء معنى كالدواء لازالة الداء. فداء ~~الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه اقل والشفاء منه أجل. ~~والصدور جمع صدر وهو موضع القلب، وهو اجل موضع في الحي لشرف القلب. وقوله ~~{ وهدى ورحمة للمؤمنين } وصف القرآن بأنه يقال عما يؤدي إلى الحق ودلالة ~~تؤدي إلى المعرفة ونعمة على المحتاج لأنه لا يقال للملك إذا ms1911 اهدى إلى ملك ~~آخر جوهرة أنه قد رحمه بذلك، وإن كانت نعمة يجب بها شكره ومكافأته. وإنما ~~أضافه إلى المؤمنين، لأنهم الذين انتفعوا به دون الكفار الذين لم ينتفعوا ~~به، كما قال { هدى للمتقين } وإن كان هدى لغيرهم. ### || [10.58] # قرأ الحسن { فلتفرحوا } بالتاء. وبه قرأ ابو جعفر المدني ورويس وروي ذلك ~~عن أبي بن كعب. الباقون بالياء. وكان الكسائي يعيب القراءة بالتاء ~~وأجازها الفراء واحتج بقولهم: لتأخذوا مصافكم. واللام في قوله { فليفرحوا ~~} لام الامر وإنما احتيج اليها ليؤمر الغائب بها. وقد يجوز أن يقع في ~~الخطاب للتصرف في الكلام. وقرأ أبو جعفر وابن عامر ورويس { تجمعون } ~~بالتاء. الباقون بالياء. قال ابو علي: الجار في قوله { فبذلك } يتعلق ~~بقوله { فليفرحوا } لان هذا الفعل يصل به قال الشاعر: # فرحت بما قد كان من سيديكما # والفاء في قوله { فبذلك فليفرحوا } زائدة لأن المعنى فافرحوا بذلك ومثله ~~قول الشاعر: # فاذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # فالفاء في قوله فاجزعي زيادة مثل التي في { فليفرحوا } وقال الفراء { ~~فبذلك } بدل من قوله { بفضل الله وبرحمته }. ومن قرأ بالياء جعله أمرا ~~للغائب، واللام انما تدخل على فعل الغائب لان المواجهة استغني فيها عن ~~اللام بقولهم (افعل) فصار مشبها للماضي في قولك (يدع) الذي استغني عنه ~~ب (ترك)، ولو قلت بالتاء لكنت مستعملا لما هو كالمرفوض، وان كان الاصل. ~~ولا يرجح القراءة بالتاء لكونها هي الاصل لانه اصل مرفوض. ومن قرأ بالتاء ~~اعتبر الخطاب الذي قبله من قوله { قد جاءتكم موعظة... فلتفرحوا } وزعموا ~~أنها في قراءة ابي فافرحوا قال ابو الحسن: وزعموا انها لغة وهي قليلة ~~بمعنى لتضرب، وانت تخاطب. فان قيل: كيف جاء الامر للمؤمنين بالفرح، وقد ~~ذم الله ذلك في مواضع من القرآن كقوله # إن الله لا يحب الفرحين # وقال # إنه لفرح فخور # وغير ذلك؟. قيل: اكثر ما جاء مقترنا بالذم من ذلك ما كان مطلقا، فاذا ~~قيد لم يكن ذما كقوله # يرزقون فرحين # وفي الاية مقيد بذلك. فأما قوله # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله # فانه ms1912 مقيد ومع ذلك فهو مذموم، لكنه مقيد بما يقتضي الذم، كما جاء مقيدا ~~بما لا يقتضي الذم وإن قيد بما يقتضي ومقيده بحسب ما يقيد به، فان قيد ~~بما يقتضي الذم، أفاد الذم وإن قيد بما يقتضي المدح أفاد المدح. فأما ~~قوله # فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم # وقوله # ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله # والفرح بنصر الله للمؤمنين محمود، كان ان القعود عن رسول الله بالتقييد ~~في الموضعين مذموم. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين افرحوا بفضل ~~الله، وهو زيادة نعمه وانما جاز أن يقول: فضل الله، وانما هو من افضال ~~الله، لانه في موضع افضال، كما ان النبات في موضع إنبات في قوله # أنبتكم من الأرض نباتا # وايضا فان اضافة الفضل إلى الله بمعنى الملك كما يضاف العبد اليه بمعنى ~~انه مالك له. والفرح لذة في القلب بادراك ما يحب، وان شئت قلت: هو لذة في ~~القلب بنيل المشتهى، وقد حسنه الله في هذه الاية فدل على انه لا يحب ~~الفرحين بمعنى البطرين. # وقوله { هو خير مما يجمعون } قيل فضل الله هو القرآن، ورحمته هو الاسلام ~~{ خير مما يجمعون } من الذهب والفضة. ذكره ابن عباس وابو سعيد الخدري ~~والحسن وقتادة ومجاهد. ومن قرأ بالياء عنى به المخاطبين والغيب، غير أنه ~~غلب الغيب على المخاطبين، كما غلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد به ~~المؤمنين وغيرهم. ومن قرأ بالتاء كان المعنى فافرحوا بذلك ايها المؤمنون ~~اي افرحوا بفضل الله، فان ما آتاكموه من الموعظة شفاء ما في الصدور خير ~~مما يجمع غيركم من اعراض الدنيا. وقال ابو جعفر عليه السلام { بفضل الله ~~} يعني الاقرار برسول الله و { برحمته } الائتمام بعلي عليه السلام { خير ~~مما } يجمع هؤلاء من الذهب والفضة. وإذا حملت الاية على عمومها كان هذا ~~ايضا داخلا فيها. ### || [10.59] # قال الحسن: المعني بهذه الاية مشركوا العرب قال الله لهم { أرأيتم ما ~~أنزل الله لكم من رزق } أي أرزاق العباد من المطر الذي ms1913 ينزله الله { ~~فجعلتم منه حراما وحلالا } يعني ما حرموا من السائبة والوصيلة والحام، ~~وما حرموا من زروعهم. قل يا محمد لهم { آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون؟ } معناه انه لم يأذن لكم في شيء من ذلك بل انتم تكذبون في ذلك ~~على الله. واستدل قوم بذلك على أن القياس في الاحكام لا يجوز. قال الزجاج ~~{ ما } في قوله { ما أنزل الله } في موضع نصب ب { أنزل } والمعنى انكم ~~جعلتم البحائر والسوائب حراما، والله تعالى لم يحرم ذلك وتكون { ما } ~~بمعنى الاستفهام. ويحتمل أن تكون { ما } بمعنى الذي وتكن نصبا ب { ~~أرأيتم }. والرزق منسوب كله إلى الله لأنه لا سبيل للعبد اليه الا ~~باطلاقه بفعله له او اذنه فيه اما عقلا او سمعا. ولا يكون الشيء رزقا ~~بمجرد التمكين لانه لو كان كذلك لكان الحرام رزقا، لان الله مكن فيه. ~~قال الرماني: التحريم عقد بمعنى النهي عن الفعل والتحليل حل معنى النهي ~~بالاذن. ### || [10.60] # المعنى أي شيء يظن الذين يكذبون على الله انه يصيبهم يوم القيامة على ~~افترائهم على الله، اي لا ينبغي ان يظنوا ان يصيبهم على ذلك الا العذاب ~~والعقاب، وجعل ذلك زجرا عن الكذب على الله. ثم اخبر تعالى { إن الله لذو ~~فضل على الناس } بما فعل بهم من ضروب النعم { ولكن أكثرهم لا يشكرون } ~~نعمه ولا يعترفون به ويجحدونه. وهذا خرج مخرج التقريع على افتراء الكذب، ~~وإن كان بصورة الاستفهام وتقديره ايؤديهم إلى خير ام شر؟. وافتراء الكذب ~~أفحش من فعل الكذب بتزويره وتنميقه فالزاجر عنه اشد. وقيل: معنى قوله { ~~لذو فضل على الناس } أي لم يضيق عليهم بالتحريم لما لا مصلحة لهم في ~~تحريمه كما ادعيتم عليه. وقيل: معناه انه لذو فضل على خلقه بتركه معاجلة ~~الكذاب بالعقوبة في الدنيا، وامهاله إياه إلى يوم القيامة. ### || [10.61] # قرأ الكسائي { يعزب } بكسر الزاي هنا وفي سبأ. الباقون بضمها، وهما ~~لغتان. وان كان الضم أفصح واكثر. وقرأ حمزة وخلف ويعقوب { ولا أصغر... ~~ولا أكبر } بالرفع فيهما. الباقون بفتحهما. ms1914 فمن فتح الراء فلأن (افعل) في ~~الموضعين في موضع جر، لأنه صفة المجرور الذي هو قوله { مثقال ذرة } وانما ~~فتح، لأن (افعل) اذا اتصل به منكر كان صفة لا تنصرف في النكرة. ومن رفعه ~~حمله على موضع الموصوف، لأن الموصوف الذي هو { من مثقال ذرة } الجار ~~والمجرور في موضع رفع، كما كانا في موضعه في قوله # كفى بالله # ومثل قوله # من إله غيره # فمن رفع يجوز ان يكون صفة بمنزلة (مثل) ويجوز أن يكون استثناء كما تقول: ~~ما لكم من إله الا الله. ومثله # فاصدق وأكن من # وغير ذلك. ويجوز أن يعطف قوله { ولا أصغر } على { ذرة } فيكون التقدير ~~وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال اصغر، فعلى هذا لا يجوز الا الجر ~~لانه لا موضع للذرة غير لفظها، كما كان لقولك من مثقال ذرة موضع غير ~~لفظه. ولا يجوز على قراءة حمزة ان يكون معطوفا على { ذرة } كما جاز في ~~قول الباقين لأنه اذا عطف على { ذرة } وجب ان يكون اصغر مجرورا، وانما ~~فتح، لأنه لا ينصرف وكذلك يكون على قول من عطفه على الجار الذي هو { من ~~}. # معنى قوله { وما تكون في شأن } ليس تكون في حال من الاحوال، لأن الشأن ~~والبال الحال نظائر وجمعه شؤن. والشأن معنى مفخم على طريق الجملة يقال: ~~ما شأنك وما حالك وما بالك. وقوله { وما تتلو منه من قرآن } اي وليس تتلو ~~من القرآن، فتكون الهاء كناية عن القرآن قبل الذكر لتفخيم ذكر القرآن، ~~كما قال # إنه أنا الله العزيز الحكيم # ويحتمل أن تكون الهاء عائدة على الشأن وتقديره وما يكون من الشأن. وقوله ~~{ وما تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا } اي ليس يخفى على الله شيء من ~~اعمالكم بل يعلمها كلها ويشهدها. والمشاهدة الادراك بالحاسة. والمشاهد ~~المدرك بحاسة اي ذات يعني عن حاسة يقال: شاهد وشهود وشهداء. وقوله { إذ ~~تفيضون فيه } فالاضافة الدخول في العمل على جهة الانصباب اليه، وهو ~~الانبساط اليه في العمل مأخوذ من فيض الاناء اذا ms1915 انصب من جوانبه. ومنه ~~قوله # أفضتم من عرفات # اي تفرقتم كتفرق الماء الذى ينصب من الاناء. ومثله أفاض الماء عليه ~~وافاض في الحديث وقوله { وما يعزب عن ربك } فالعزوب الذهاب عن المعلوم ~~وضده حضور المعنى للنفس. وتعزب اذا انفرد عن اهله. وقال ابن عباس معنى ~~لا يعزب لا يغيب. وقوله { من مثقال ذرة } فالذر صغار النمل واحده ذرة، ~~وهو خفيف الوزن جدا. ومعنى مثقال ذرة وزن ذرة يقال: خذ هذا فانه أخف ~~مثقالا اي اخف وزنا. وقوله { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~} معناه لا يخفى عليه ما وزنه مثقال ذرة ولا ما هو اصغر منها ولا ما هو ~~اكبر الا وقد بينه في الكتاب المحفوظ وكتبته ملائكته وحفظوه. ### || [10.62] # بين الله تعالى في هذه الاية أن أولياءه لا خوف عليهم يوم القيامة من ~~العقاب { ولا هم يحزنون } اي ولا يخافون. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: ~~هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير والاخبات وقال ابن زيد: هم ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون. وقد بينهم في الاية بعدها. وقال قوم: هم ~~المتحابون في الله ذكر ذلك في خبر مرفوع. والاولياء جمع ولي وهو الذي ~~يستحق من الله ان يوليه ثوابه وكرامته، وهو المطيع لله الذي يتولى اجلاله ~~واعظامه. وقيل: الولي النصير ولا يسمى المتولي الانعام على غيره انه ~~وليه، لانه قد يتولى الانعام عليه للمظاهرة بالجميل في امره واستصلاحه ~~الذي يصرف عن القبيح، وان كان عدوه. ولا يجتمع الولاية والعداوة. والخوف ~~انزعاج القلب لما يتوقع من المكروه. والخوف والفزع والجزع نظائر، وضده ~~الأمن، والحزن غلظ الهم مأخوذ من الحزن، وهي الارض الغليظة، وضده السرور. ~~قال الجبائي: هذه الآية تدل على ان المؤمنين المستحقين للثواب لا يخافون ~~يوم القيامة اصلا بخلاف ما يقول قوم انهم يخافون إلى ان يجوزوا الصراط. ~~وقال البلخي: ليس يمتنع ان يخافوا من اهوال يوم القيامة وان علموا ان ~~مصيرهم إلى الجنة والثواب. وعلى ما نذهب اليه من انه يجوز ms1916 ان يعاقب الله ~~بعض الفساق ثم يردهم إلى الثواب ينبغي ان تكون الآية مخصوصة بمن لا يستحق ~~العقاب اصلا. او نقول المراد بذلك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لذلك. وروي ~~عن الحسين عليه السلام انهم الذين ادوا فرائض الله واخذوا بسنن رسول الله ~~وتورعوا عن محارم الله وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله ~~واكتسبوا الطيب من رزق الله لمعايشهم لا يريدون به التفاخر والتكاثر. ثم ~~انفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فاولئك الذين يبارك الله لهم فيما ~~اكتسبوا ويثابون على ما قدموا منه لآخرتهم. ### || [10.63] # يحتمل موضع { الذين } ثلاثة أوجه من الاعراب: احدها - ان يكون نصبا بأن ~~يكون صفة للأولياء. والثاني - ان يكون رفعا على المدح. والثالث - ان ~~يكون رفعا بالابتداء، وخبره { لهم البشرى }. # اخبر الله تعالى ان الذين آمنوا هم الذين يصدقون بالله ويعترفون ~~بوحدانيته وهم مع ذلك يتقون معاصيه. والفرق بين الايمان والتقوى ان ~~التقوى مضمن باتقاء المعاصي مع منازعة النفس اليها. والايمان من الأمن ~~بالعمل من عائد الضرر. والفرق بين الايمان بالله والطاعة له ان الطاعة من ~~الانطياع بجاذب الأمر والاراده المرغبة في الفعل. والايمان هو الامن ~~المنافي لانزعاج القلب. وقوله { يتقون } فالاتقاء اصله من (وقيت) فقلبت ~~الواو، وادغمت في تاء الافتعال كما قلبت في اتجاه وتراث. ### || [10.64] # ذكر الله تعالى ان الذين وصفهم في الاية الاولى من انهم مؤمنون بالله ~~ويتقون معاصيه { لهم البشرى } وهي الخبر بما يظهر سروره في بشرة الوجه. ~~والبشرى والبشارة واحد. وقوله { في الحياة الدنيا } قيل فيه ثلاثة اقوال: # احدها - قال قتادة والزهري والضحاك والجبائي: هو بشارة الملائكة عليهم ~~السلام انها الرؤيا الصادقة الصالحة يراها الرجل او يرى له. وقال ابو ~~جعفر عليه السلام البشرى في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن او يرى ~~له وفي الآخرة الجنة. والثالث - بشرى القرآن بشرف الايمان - ذكره الفراء ~~والزجاج وغيرهما. وقوله { لا تبديل لكلمات الله } معناه لا خلف لما وعد ~~الله تعالى به من الثواب بوضع كلمة اخرى مكانها بدلا منها، لانها ms1917 حق ~~والحق لا خلف له بوجه. وقوله { ذلك هو الفوز العظيم } اشارة إلى هذه ~~البشرى المتقدمة بأنه الفوز الذي يصغر كل شيء في جنبه. ### || [10.65] # ظاهر قوله { ولا يحزنك قولهم } ظاهره النهي والمراد به التسلية للنبي ~~صلى الله عليه وآله عن قولهم الذي يؤذونه به. والنهي في اللفظ القول. ~~وانما هو عن السبيل المؤدي إلى التأذي بالقول. ومثله لا اراك هاهنا ~~والمعنى لا تكن هاهنا فمن كان ها هنا رأيته، فكذلك المراد بالآية لا تعبأ ~~بالاذى فيمن عني به اذاه. وقوله { إن العزة لله جميعا } كسرت { إن } ~~بالاستئناف بالتذكير لما ينفي الحزن لا انها مفعول القول لانها ليست ~~حكاية عنهم، لانهم لم يقولوا ان العزة لله. ولا يجوز نصبها على ان تكون ~~معمول القول لانهم لو قالوه لما احزن ذلك النبي صلى الله عليه وآله ولو ~~فتحت { ان } على معنى (لان) جاز. والعزة القدرة على كل جبار بالقهر بأن ~~لا يرام ولا يضام عز يعز عزا فهو عزيز. والمعنى انه الذي يعزك وينصرك ~~حتى تصير اعز ممن ناواك وقوله { هو السميع العليم } معناه انه يسمع قولهم ~~ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضية حالهم ويدفع عنك شرهم. ### || [10.66] # قد بينا مضى أن أصل { ألا } (لا) وانما دخلت عليها حرف الاستفهام ~~تنبيها. والفرق بين { ألا } و (أما) أن { ألا } للاستقبال ولا تقع بعدها ~~{ إن } الا مكسورة. و (اما) تكون بمعنى حقا كقولهم اما انه منطلق، لأنها ~~للحال ويجوز بعد (اما) كسر { إن } وفتحها. # لما سلى الله النبي صلى الله عليه وآله فقال { لا يحزنك } قول هؤلاء ~~الكفار ف { إن العزة لله } يعني القدرة والقهر فانهم لا يفوتونه، بين ~~بعد ذلك ما يدل عليه وينبه على صحته وهو أن له تعالى { من في السماوات ~~ومن في الأرض } يعني العقلاء. واذا كان له ملك العقلاء فما عداهم تابع ~~لهم، ووجب ان يكون ملكا له وانما خص العقلاء تعظيما للامر. وقوله { وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } تحتمل (ما) في قوله { وما يتبع } ~~وجهين: ms1918 احدهما - ان تكون بمعنى (اي) كأنه قال واي شيء يتبع الذين يدعون ~~من دون الله شركاء، تقبيحا لفعلهم. الثاني - ان تكون نافية، وتقديره وما ~~يتبعون شركاء في الحقيقة والمعرفة. # وقوله { إن يتبعون إلا الظن } معناه ليس يتبعون في اتخاذهم مع الله ~~شركاء الا الظن لتقليدهم اسلافهم في ذلك او لشبهة دخلت عليهم بأنهم ~~يتقربون بذلك إلى الله تعالى وبين بعد ذلك انهم ليسوا الا كاذبين بهذا ~~القول والاعتقاد - في قوله { إن هم إلا يخرصون }. وفائدة الاية الابانة ~~عن انه يجب اخلاص العبادة لمن يملك السموات والارض وان لا يشرك معه في ~~العبادة غيره. ### || [10.67] # بين الله تعالى في هذه الآية ان الذي يملك من في السموات ومن في الارض { ~~هو الذي جعل الليل } اي خلقه { لتسكنوا فيه } اي خلقه وعرضه لتسكنوا فيه ~~وانه لاجل ذلك خلقه ليزول التعب والكلال بالسكون فيه وجعل { النهار ~~مبصرا } وانما يبصر فيه تشبيها ومجازا واستعارة في صفة الشيء بسببه ~~على وجه المبالغة ومثله قول جرير: # لقد لمتنا يا أم عيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # وقال رؤبة: # ونام ليلي وتجلى همي # والفرق بين الجعل والفعل ان جعل الشيء قد يكون باحداث غيره كجعل الطين ~~خزفا ولا يكون فعله إلا باحداثه. والفرق بين الجعل والتغيير أن تغيير ~~الشيء لا يكون الا بتصييره على خلاف ما كان، وجعله يكون بتصييره على مثل ~~ما كان كجعل الانسان نفسه ساكتا على استدامة الحال. # وقوله { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } اخبار منه تعالى وتنبيه على ان ~~هذا جعل لا يقدر عليه الا الله تعالى، وانه لا يصح الا من عالم قاصد، ~~وانه نعمة على الخلق بما لهم في ذلك من النفع والصلاح، وانه من الامور ~~اللازمة الدائرة، وانه منصوب للفكر لا يغيب عنه طرفة عين. ### || [10.68] # الذين أضافوا اتخاذ الولد طائفتان: احداهما - كفار قريش والعرب، فانهم ~~قالوا: الملائكة بنات الله. والاخرى - النصارى الذين قالوا: المسيح ابن ~~الله، فكذب الله الفريقين. ولا يجوز اتخاذ الولد على الله على ms1919 وجه ~~التبني، كما لا يجوز عليه اتخاذ إله على التعظيم، لانه لما استحال حقيقته ~~عليه استحال مجازه المبني عليها. وحقيقة الولد من ولد على فراشه او خلق ~~من مائه، ولذلك لا يقال: تبنى الشاب شيخا، ولا تبنى الانسان بهيمة ~~لماكان ذلك مستحيلا، وهذه الحقيقة مستحيلة فيه تعالى، فاستحال مجازها ~~أيضا. واتخاذ الخليل جائز، لان الخلة اصفاء المودة التي توجب الاطلاع ~~على سره ثقة به. وان كان مشتقا من الخلة - بفتح الخاء - فهو لافتقاره ~~اليه، لان الخلة هي الحاجة. ويجوز ان يقال المسيح روح الله، لان الارواح ~~كلها ملك لله. وانما خص المسيح بالذكر تشريفا له بهذا الذكر كما خص ~~الكعبة بأنها بيت الله، وان كانت الارض كلها لله تعالى. وقوله { سبحانه ~~هو الغني } تنزيه من الله تعالى نفسه عن اتخاذ الولد لكونه غير محتاج إلى ~~ذلك، لانه مالك ما في السموات والارض. وقوله { إن عندكم من سلطان بهذا } ~~إخبار منه أنه ليس مع هؤلاء الذين يتخذون مع الله ولدا برهان ولا حجة، ~~لأن السلطان هو البرهان الظاهر، ووبخهم على قولهم ذلك فقال { أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون } لأن من أقدم على الاخبار عما لا يعلم صحته ولا يأمن ~~كونه كذبا مقبح عند العقلاء. ### || [10.69-70] # قوله { لا يفلحون } وقف تام. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان ~~يقول للمكلفين { إن الذين } يكذبون على الله باتخاذ الولد وغير ذلك { لا ~~يفلحون } اي لا يفوزون بشيء من الثواب. وكسرت { إن } بعد القول، لانه ~~حكاية لما يستأنف الاخبار به ولذلك دخلت لام الابتداء في الخبر، لأنها ~~تؤذن بأنه موضع ابتداء. والكذب يتعاظم الاثم عليه بحسب تعاظم الضرر به ~~وكثرة الزواجر عنه، فالكذب على الله أعظم لكثرة الزواجر عنه لما فيه من ~~تضييع حق المنعم بأجل النعم. وقوله { متاع في الدنيا } رفع بأنه خبر ~~الابتداء. وتقديره ذاك متاع أو هو متاع. ويجوز أن يكون على تقدير لهم ~~متاع. وإنما خص بالدنيا لئلا يغتر به. والمتاع ما يقع به الانتفاع من ~~أثاث أو ms1920 غيره. والانتفاع حصول الالتذاذ. وانما جاز أن يمتعوا في الدنيا ~~دون الاخرة، لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، ولذلك كان التكليف في ~~الدنيا دون الآخرة. وقوله { ثم إلينا مرجعهم } فالمرجع المصير إلى الشيء ~~بعد الذهاب عنه، فهؤلاء ابتدأهم الله ثم يصيرون إلى الهلاك بالموت. ثم ~~يرجعون بالانشاء ثانية. وقوله { ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا ~~يكفرون } معناه انا لا نقتصر بعثهم بعد موتهم بل نوصل اليهم العذاب ~~الشديد وننزله بهم جزاء بما كانوا يكفرون في دار الدنيا. ### || [10.71] # قرأ نافع في رواية الأصمعي عنه { فاجمعوا } من جمع. الباقون بقطع الهمزة ~~وقرأ يعقوب { وشركاؤكم } بالرفع. الباقون بالنصب. قال أبو علي: ما رواه ~~الأصمي عن نافع من وصل الهمزة من جمعت، والاكثر في الامر يقال أجمعت. ~~كقوله # وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم # وكما قال الشاعر: # [يا ليت شعري والمنى لا تنفع] # هل أغدون يوما وأمري مجمع # اي معد ويمكن أن يكون المراد، واجمعوا ذوي الأمر منكم أي رؤساءكم ~~ووجوهكم، كما قال # وأولي الأمر منهم # فحذف المضاف وأجرى على المضاف اليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت. ~~ويجوز ان يكون جعل الامر ما كانوا يجمعونه من كيدهم ثم الذين يكيدونه به، ~~فيكون بمنزلة قوله { فاجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا } على أن أبا الحسن ~~يزعم أن وصل الألف في { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أكثر في كلام العرب. ~~قال: وانما يقطعون الهمزة إذا قالوا أجمعوا على كذا وكذا، قال: والقراءة ~~بالقطع غريبة. ومن وصل الهمزة حمل الشركاء على هذا الفعل الظاهر لانك ~~جمعت الشركاء وجمعت القوم، وعلى هذا قال # ذلك يوم مجموع له الناس # ومن قطع الهمزة أضمر للشركاء فعلا آخر كأنه قال فاجمعوا أمركم واجمعوا ~~شركاءكم أو ادعوا شركاءكم، قال الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # وقال آخر: # شراب البان وتمر واقط # وفي قراءة أبي { وادعوا شركاءكم } ويجوز أن يكون انتصاب الشركاء على انه ~~مفعول معه، وهو قول الزجاج، كما قالوا: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد ~~والطيالسة، وقالوا: لو ترك الفصيل وامه لرضع ms1921 من لبنها. ومن رفع { ~~وشركاؤكم } كيعقوب والحسن حمله على الضمير، وتقديره فاجمعوا أنتم ~~وشركاؤكم. قال الزجاج: وحسن ذلك لدخول المنصوب بينهما. ولو لم يدخل لما ~~حسن. ولا يجوز أن تقول اجمعوا وشركاؤكم. وانما يجوز العطف على الضمير اذا ~~اكد. وزعم ابو الحسن أن قوما يقيسون هذا الباب. وقوما يقصرونه على ما ~~سمع. قال ابو علي الفارسي: والاول عندي أقيس. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقرأ على هؤلاء الكفار أخبار ~~نوح عليه السلام حين { قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي } بين ~~أظهركم { وتذكيري } اياكم { بآيات الله } وحججه وهممتم بقتلي واذاي ~~فافعلوا ما بدا لكم فاني على الله توكلت وإنما جعل جواب الشرط { فعلى ~~الله توكلت } مع انه متوكل عليه في جميع احواله ليبين لهم أنه متوكل في ~~هذا على التفصيل لما في إعلامه ذلك من زجرهم عنه لان الله تعالى يكفيه ~~أمرهم. والتوكل والتفويض جعل الامر إلى من يدبره للثقة به في تدبيره فمن ~~فوض أمره إلى لله فقد توكل عليه. وقوله { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } ~~معناه ليكن امركم ظاهرا مكشوفا ولا يكونن مغطى مستورا من غممت الشيء ~~اذا سترته، فالغمة ضيق الامر الذي يوجب الحزن، والغمة والضغطة والكربة ~~والشدة نظائر، ونقيضه الفرجة. وقيل { غمة } معناه مغطى تغطية حيرة مأخوذة ~~من غم الهلاك. وقوله { فاجمعوا أمركم وشركاءكم } فيه تهديد. وقوله { ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون } معناه افعلوا ما تريدون، على وجه التهديد لهم، ~~وانه اذا كان الله ناصره وعليه وتوكله فلا يبالي بمن عاداه واراد به ~~السوء فان الله يكفيه امره. وقرئ بالفاء ومعناهما متقاربان، ولان معنى ~~اقضوا توجهوا الي. وقال ابن الانباري معنى { اقضوا } امضوا، يقال قضى ~~فلان إذا مات ومضى. ومعنى { ولا تنظرون } ولا تؤخرون. ### || [10.72] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله تمام ما حكاه عن نوح انه قال ~~لقومه إن { توليتم } اي هربتم عن الحق واتباعه ولم تقبلوه ولم تنظروا ~~فيه. والتولي والاعراض والانصراف نظائر. وقوله { فما ms1922 سألتكم من أجر } اي ~~لا اطلب منكم اجرا على ما أؤديه اليكم من الله، فيثقل ذلك عليكم. والاجر ~~النفع المستحق بالعمل والاجرة مضمنة بشريطة او مجرى عادة. وقوله { إن ~~أجري إلا على الله } اي ليس اجري في القيام باداء الرسالة الا على الله. # وقوله { وأمرت أن أكون من المسلمين } معناه قل لهم: امرني الله بأن اكون ~~من المسلمين لأمر الله بطاعته ثقة بأنها خير ما يكسبه العباد. ### || [10.73] # لما حكى الله تعالى ما قال نوح لقومه في الآيتين الأولتين، ذكر ما كان ~~من قومه في مقابلة ذلك، وهو انهم كذبوه اي نسبوه إلى الكذب فيما ذكره من ~~انه نبي الله وان الله بعثه اليهم ليدعوهم إلى طاعته، وانه تعالى عند ذلك ~~نجا نوحا اي خلصه، وخلص الذين معه في السفينة وجعلهم خلائف معه، انه جعل ~~الذين نجوا مع نوح لمن هلك بالغرق عبرة. وقيل انهم كانوا ثمانين نفسا. ~~وقال البلخي: يجوز أن يكون اراد به جعل منهم رؤساء في الارض واهلك باقي ~~أهل الأرض أجمع لتكذيبهم لنوح. والغرق الاهلاك بالماء الغامر، وقد يغرق ~~الحصاة بالماء على هذا المعنى. واما التغريق في رحمة الله. فانما هو ~~تشبيه بما اكتنفه الماء الغامر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " انظر ~~كيف كان عاقبة الذين " خوفوا بالله وعذابه فلم يخافوه، كيف اهلكهم الله ~~ليعلمهم بذلك ان حكم هؤلاء الذين كذبوه وجحدوا نبوته حكم اولئك في أن ~~الله يهلكهم ويدمر عليهم. يسليه بذلك عن ترك انقيادهم له. ### || [10.74] # أخبر الله تعالى انه بعث رسلا - بعد نوح وإهلاك قومه - إلى قومهم الذين ~~كانوا فيهم بعد ان تناسلوا وكثروا فأتوهم بالحجج والمعجزات الدالة على ~~صدقهم وانهم مع ذلك { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } ويحتمل ~~ذلك امرين: احدهما - انهم لم يكونوا ليؤمنوا بما كذبوا به قوم نوح من ~~قبل: من توحيد الله وتصديق انبيائه والثاني - قال البلخي ما كانوا ~~ليؤمنوا بالحجج والبينات بعد اتيان الأنبياء بها بما كذبوا به من قبل ~~يخبر عن عنادهم ms1923 وعتوهم. # وقال { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } معناه إنا جعلنا على قلوب هؤلاء ~~الكفار سمة وعلامة على كفرهم يلزمهم الذم بها، وتعرفهم بها الملائكة وإنا ~~مثل ذلك نفعل بقلوب المعتدين. وليس المراد بالطبع في الآية المنع من ~~الايمان، لان مع المنع من الايمان لا يحسن تكليف الايمان. والطبع جعل ~~الشيء على صفة غيره بمعنى فيه. والمعتدون هم الظالمون لنفوسهم الذين ~~تعدوا حدود الله. ### || [10.75] # هذا اخبار من الله تعالى انه - بعد ارسال من أرسل من الانبياء بعد نوح ~~واهلاك قومه وما ذكره من انهم لم يؤمنوا به وانه طبع على قلوبهم عقوبة ~~لهم على ذلك - بعث ايضا بعدهم موسى وهارون عليهما السلام نبيين مرسلين { ~~إلى فرعون وملائه } يعني رؤسا قومه { بآياتنا } اي بأدلتنا وحججنا وانهم ~~استكبروا عن الانقياد لها والايمان بها { وكانوا قوما مجرمين } في ذلك ~~مستحقين للعقاب الدائم. والملاء الجماعة الذين هم وجوه القبيلة مأخوذ من ~~انهم تملا الصدور هيبتهم عند منظرهم. ومنه قوله صلى الله عليه وآله في ~~قتلى بدر # " اولئك الملاء من قريش " # والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق فأما المتكبر في اوصاف الله فهو ~~الظاهر، فان له اعلى مراتب الكبر، وهو صفة ذم في العباد ومدح في صفة الله ~~تعالى. والاجرام اكتساب السيئة وهي صفة ذم. واصل الاجرام القطع يقال: جرم ~~التمر يجرمه جرما فهو جارم والجمع جرام إذا صرمه، وزمن الجرام زمن ~~الصرام. وتجرمت السنة اذا انصرمت. وفلان جريمة اهله اي كاسبهم. وقوله # لا جرم أن لهم النار # اي لا بد لهم النار قطعا قال الشاعر: # ولقد طعنت ابا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا # اي حملتهم على الغضب بقطعها اياهم. وانجرم الجسيم، والجرم الصوت، والجرم ~~الذنب. ووزن (موسى) مفعل وهو محمول على قياس العربية فزيادة الميم اولا ~~اكثر من زيادة الالف اخيرا وكذلك زيادة همزة الفعل في افعل لهذه العلة. ### || [10.76] # أخبر الله تعالى عن قوم فرعون الذين ذكرهم وأخبر عنهم بالاستكبار انهم ~~قالوا مع ذلك حين جاءهم الحق عند الله: ان هذا ms1924 الذي اتى به موسى من ~~المعجزات والبراهين سحر ظاهر. و (لما) تدل على ما مضى ولا بد لها من ~~الجواب و (اذ) لما مضى وتستغني عن الجواب كقولك: مضى اليه اذ قدم اي يوم ~~قدم. (واذا) تكون للمستقبل كحرف الجزاء. والحق معنى معتقده على ما هو به، ~~وهو ما اتت به الرسل من البيان والبرهان عن الله تعالى. والسحر ايهام ~~المعجزة على طريق الحيلة، ويشبه به البيان في خفاء السبب قال الشاعر: # وحديثها السحر الحلال لو انه # لم يجن قتل المسلم المتحرز # والساحر الذي يعتقد صحة سحره كافر، لأنه لا يمكنه مع ذلك معرفة النبوة ~~فان كان يمخرق بالسحر ويعلم انه باطل لم يكفر ولم يطلق عليه صفة ساحر. ### || [10.77] # حكى الله تعالى عن موسى انه قال لقومه الذين نسبوه إلى السحر { أتقولون ~~للحق لما جاءكم أسحر هذا } ويريد بذلك تبكيتهم وتهجينهم. ثم قال موسى { ~~ولا يفلح الساحرون } اي لا يفوزون بشيء من الخير. ويجوز أن يكون ذلك ~~اخبارا من الله تعالى لا حكاية عن موسى وذلك يدل على بطلان السحر أجمع. ~~وقيل في تكرير الف الاستفهام في قوله { أسحر هذا } بعد ان قال { أتقولون ~~} ثلاثة اقوال: احدها - انه يكون لتأكيد التقريع على الحذف كأنه قال ~~اتقولون للحق لما جاءكم ان هذا لسحر مبين اسحر هذا. والثاني - على وجه ~~التكرار كقولك اتقول اعندك مال. والثالث - أن يكون حكاية قولهم وان ~~اعتقدوا انه السحر كما يقول الرجل للجارية اذا أتته أحق هذا. فيقولونه ~~على التعجب. ولو قالوا الحق لا يكون سحرا. ولكن ليس بحق لقال لهم فلو ~~كان حقا كيف كان الا هكذا من قلب الجماد حيوانا يرونه عيانا وغير ذلك ~~من الايات. ### || [10.78] # روى العليمي { ويكون } بالياء. الباقون بالتاء. وجه الياء انه تأنيث غير ~~حقيقي، وقد فصل بينهما. ومن قرأ بالتاء فلان الكبرياء لفظها لفظ التأنيث. # أخبر الله تعالى عن قوم موسى انهم قالوا له لما اظهر لهم المعجزات ~~ودعاهم إلى التصديق بنبوته { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا } اي ms1925 ~~لتصرفنا عن ذلك واللفت الصرف عن امر تقول: لفته يلفته لفتا. ولفت عنقه ~~اذا لواها، قال رؤبة: # ولفت لفات لها حصاد # وقال ايضا: # لفتا وتهزيعا سواء اللفت # التهزيع الدق واللفت اللي. وقوله { وتكون لكما الكبرياء في الأرض } قال ~~مجاهد: الكبرياء الملك. وقال قوم هي العظمة. وقال آخرون هي السلطان. ~~والكبرياء استحقاق صفة الكبر في أعلى المراتب. والالف في قوله { أجئتنا } ~~الف استفهام، والمراد به الانكار على طريق اللجاج والحجاج منهم. فتعلقوا ~~بالشبهة في انهم على رأي آبائهم. وان من دعاهم إلى خلافه فظاهر امره انه ~~يريد التأمر عليهم. وقوله { وما نحن لكما بمؤمنين } حكاية انهم قالوا ~~لموسى وهارون لسنا بمصدقين لكما فيما تدعيانه من النبوة. ### || [10.79] # قرأ أهل الكوفة إلا عاصما { بكل سحار } بتشديد الحاء والف بعدها ~~الباقون { ساحر } على وزن فاعل. وقد بينا الوجه في ذلك في الاعراف. # حكى الله تعالى عن فرعون انه حين أعجزه المعجزات التي ظهرت لموسى، ولم ~~يكن له في دفعها حيلة قال لقومه ائتوني بكل ساحر عليم بالسحر بليغ في ~~علمه. و { فرعون } لا ينصرف لانه أعجمي معرفة، وهو منقول في حال تعريفه ~~ولو نقل في حال تنكيره انصرف كياقوت. ووزن فرعون فعلون، الواو زائدة، ~~لانها لحقت عند سلامة الثلاثة. ومثله فردوس. وإنما طلب فرعون كل ساحر ~~ليتعاونوا على دفع ما اتى به موسى وحتى لا يفوته شيء من السحر بتأخر ~~بعضهم. وإنما توهم مقاومة السحرة لموسى مع قول موسى له { لقد علمت ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } لأنه إنما عرف ذلك فيما بعد لما ~~بهره الامر فكان قبل ذلك على الجهل لتوهمه ان السحر يقاوم الحق. ### || [10.80] # حكى الله تعالى ان السحرة الذين طلبهم فرعون وامر باحضارهم لما جاؤا ~~فرعون وموسى حاضر { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون } وهذا ظاهره الامر ~~ويحتمل امرين: احدهما - أن يكون قال ذلك على سبيل التحدي والالزام بمعنى: ~~من كان عنده انه يقاوم المعجزات لزمه ان يأتي بها معه حتى تظهر منزلته ~~وانما جاز إلزام ms1926 الباطل على الخصم ليتبين ان اصله الفاسد يوجب عليه ~~اعتقاد ذلك الباطل. كما ان الشيطان يوجب الفساد ويدعوه إلى الضلال. ~~الثاني - أن يكون ذلك امرا على الحقيقة بدليل ان كان معه قوله { ألقوا ~~ما أنتم ملقون } انما لم يقتصر على قوله { ألقوا } لأن المراد به القوا ~~جمع ما انتم ملقون في المستأنف فلا يكفي منه القوا. والالقاء اخراج الشيء ~~عن اليد إلى جهة الارض ويشبه بذلك قولهم القى عليه مسألة والقى عليه ~~كلمة، والالقاء والطرح نظائر. وفي الكلام حذف، لان تقديره قال فرعون ~~ائتوني بكل ساحر عليم فأتوه بهم فقال لهم موسى. ### || [10.81] # قرأ ابو عمرو وحده { آلسحر } على الاستفهام. الباقون على الخبر. # قال ابو علي الفارسي: في قراءة ابي عمرو (ما) يرفع بالابتداء، وجئتم به ~~في موضع الخبر والكلام استفهام، لأن الكلام يستقبل بقوله جئتم به. ولو ~~كانت موصولة احتاج إلى خبر آخر. وهذا الاستفهام المراد به التقرير كما، ~~قال # أأنت قلت للناس # لان موسى كان عالما بأن ذلك السحر. وانما ألحق الف الاستفهام بقوله { ~~السحر } لان السحر بدلا من " ما " المبتدأ ولزم ان يلحق السحر الاستفهام ~~ليساوي المبدل منه في انه استفهام، الا ترى انه ليس في قولك السحر ~~استفهام وعلى هذا قالوا كم مالك أعشرون أم ثلاثون، فجعلت العشرون بدلا من ~~كم فألحقت ام لانك في قولك كم درهما مالك، مدع ان له مالا. ومن قرأ على ~~الخبر جعل (ما) موصولة { وجئتم به السحر } صلة، والهاء مجرورة عائدة على ~~الموصول والسحر خبر المبتدأ الذي هو الموصول. وحكى الفراء: انه دخل الالف ~~واللام في في قوله { السحر } للعهد، لانهم قالوا لما اتى به موسى إنه ~~سحر، قال موسى ما جئتم به فهو من السحر. وفي قراءة اني ما جئتم به سحر ~~بلا الف ولام. ومن قرأ بالاستفهام جعل (ما) في قوله { ما جئتم به } ~~للاستفهام. ومن قرأ على الخبر جعل (ما) بمعنى الذي وفسرت (ما) بالواحد في ~~السحر. لأن المعنى عليه، وانما ذكر للتوبيخ كقولك ما صنعت الفساد. ms1927 # حكى الله تعالى انه لما ألقى السحرة سحرهم قال لهم موسى: الذي جئتم به ~~السحر فمن قرأ على الخبر، واي شيء جئتم به السحر مقررا لهم ثم اخبر ان ~~الله سيبطل هذا السحر الذي فعلتموه { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } ~~فالاصلاح تقديم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر. والصلاح استقامة العمل ~~على هذا الوجه. والافساد تعويج العمل إلى ما يضر بدلا مما ينفع. والفساد ~~اضطراب العمل على هذا الوجه. والصلاح مضمن بالنفع لانه اذا اضيف ظهر معنى ~~النفع فيه كقولك صلاح لزيد، وهو اصلح له اي انفع له وان كان فيه فساد على ~~غيره. ### || [10.82] # هذا عطف على قوله { قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الله الحق بكلماته } وقيل في معناه ثلاثة ~~اقوال: اولها - قال الحسن: بوعده لموسى. الثاني - قال ابو علي: بكلامه ~~الذي يبين به معاني الآيات التي اتاها نبيه صلى الله عليه وآله. الثالث - ~~بما سبق من حكمه في اللوح لمحفوظ بأن ذلك يكون. واحقاق الحق معناه اظهاره ~~وتمكينه بالدلائل الواضحة والآيات البينة حتى يرجع الطاعن على حسيرا ~~والمناصب له مفلولا. وقوله { ولو كره المجرمون } معناه انه يحق الحق وان ~~كرهه من هو مجرم. # وفي الآية دلالة على انه تعالى ينصر المحقين كلهم لنصره اياهم بالحجة ~~فأما بالغلبة في كل حال فموقوف، لان المصلحة قد تكون بالتخلية تارة ~~وبالحيلولة اخرى. والحق على ضربين: احدهما - ما كان يمكن ان يكون حقا ~~وغير حق، فهذا لا يصير حقا إلا بأن يقصد فاعله على ايقاعه حقا. فجاز ان ~~يقال انه حق بالفاعل. والآخر لا يؤثر فيه قصد فاعله فلا يقال في ذلك انه ~~حق بالفاعل. ### || [10.83] # أخبر الله تعالى انه لم يصدق لموسى بالنبوة الا ذرية من قومه مع خوفهم ~~من فرعون ورؤساء قومه ان يفتنوهم. (والذرية) الجماعة من نسل القبيلة. ~~وحكى ابن عباس انه اراد الاقليل من قومه. وقيل كانت امهاتهم من بني ~~اسرائيل وآباؤهم من القبط. وقيل ms1928 سموا ذرية لانهم اولاد الذين ارسل عليهم ~~موسى فلم يستجب الاباء وقيل: الأبناء. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل أخذهم ~~فرعون بتعلم السحر وجعلهم من اصحابه. ويحتمل أن يكون ذرية على وزن ~~(فعلية) مأخوذا من الذر كقمرية. والثاني - أن يكون على وزن (فعلية) من ~~الذرو في تذروه الرياح كقولك مزقته، ويجوز أن يكون من ذرأ الله الخلق ~~فترك همزه والفتنة في الدين الامتحان الذي يصرف عنه. وقد يكون ذلك ~~بالاكراه تارة وبالهدى أخرى، وبالشبهة الداعية إلى الضلال وقوله { إن ~~فرعون لعال في الأرض } فالعلو في الامر عظم الشأن فيه، وكل معنى لا يخلو ~~من أن يكون في صفة عالية أو دانية أو فيما بينهما من الجلالة والضعة. # والضمير في قوله { وملائهم } قيل فيمن يعود اليه ثلاثة اقوال: احدها - ~~إلى الذرية فقط. الثاني - إلى فرعون واتباعه. الثالث - إلى فرعون، لانه ~~معلوم. وقوله { وإنه لمن المسرفين } اخبار منه تعالى ان فرعون لمن جملة ~~من أبعد في مجاوزة الحق. والاسراف قد يكون في القتل وفي الاكثار من ~~المعاصي. ### || [10.84] # حكى الله تعالى عن موسى انه قال لقومه: إن كنتم صدقتم بتوحيد الله ~~فتوكلوا عليه إن كنتم مسلمين وانما اعاد قوله { إن كنتم مسلمين } بعد ~~قوله { إن كنتم آمنتم بالله } ليتبين المعنى بالصفتين من الايمان ~~والاسلام وبالتقييد والاطلاق على أن الثقة بالله توجب الاستسلام لامره. ~~والتوكل التوثق باسناد الامر إلى الله. والوكالة عقد الامر لمن يقوم به ~~مقام مالكه. والله عز وجل أملك بالعبد من نفسه فهو أحق بهذه الصفة. ويوجب ~~التوكل على الله النجاة من كل محذور، والفوز بكل سرور وحبور اذا اخلص ~~العمل فيه وسلمت النية فيه. وحذفت ياء الاضافة من قوله { يا قوم } اجتزاء ~~بالكسرة منها وهو في النداء أحسن من اثباتها لقوة النداء على التغيير. ~~وفائدة الآية البيان عما يعمل عليه عند نزول الشدة من ان من كان يؤمن ~~بالله فليتوكل على الله ويسلم امره اليه ثقة بحسن تدبيره له. ### || [10.85-86] # الفاء في قوله { فقالوا } فاء العطف وجواب الأمر كما ms1929 يقال قال السائل ~~كذا فقال المجيب كذا. وانما جازت الفاء في الجواب ولم تجز الواو، لأن ~~الفاء ترتيب من غير مهلة، فهي موافقة لمعنى وجوب الثاني بالأول وليس كذلك ~~الواو. # لما حكى الله تعالى قول موسى لقومه { إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ~~} حكى ما أجاب به قومه من قولهم: توكلنا على الله، وانهم سألوا الله ~~وقالوا { ربنا لا تجعلنا فتنة } أي محنة واعتبارا { للقوم الظالمين } ~~وخلصنا { برحمتك من القوم } الذين كفروا بآياتك، وكل كافر ظالم لنفسه ~~بتعرضه للعقاب وليس كل ظالم كافرا. والفتنة أصلها البلية وهي معاملة ~~تظهر الامور الباطنة. يقال فتنت الذهب اذا أحرقته بالنار ليظهر الخلاص ~~وقوله # يوم هم على النار يفتنون # اي يحرقون بما فيه من اظهار حالهم في الضلال وقوله # والفتنة أشد من القتل # معناه التعذيب للرد عن الدين، لما فيه من اظهار النصرة أشد، ومعنى { لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } لا تمكنهم من ظلمنا بما يحملنا على اظهار ~~الانصراف عن ديننا - في قول مجاهد - وقال ابو الضحى والجبائي معناه: لا ~~يظهروا علينا فيروا أنهم خير منا. وقوله { ونجنا } معناه خلصنا مما فيه ~~المخافة والشماتة. وانما جاز وصف الله تعالى بالرحمة مع كثرة استعمالها ~~في الرقة لدلالة التعظيم على انتفاء معنى الرقة ان نعمه في الاسباغ ~~والكثرة تقع موقع ما تبعث عليه الرقة. وانما سألوا النجاة من استعباد ~~فرعون وملائه إياهم وأخذهم بالاعمال الشاقة والمهن الخسيسة. ### || [10.87] # أخبر الله تعالى انه أوحى إلى موسى وأخيه بمعنى ألقى اليهما في خفاء ~~والايحاء والايماء والاشارة نظائر، وكله بيان ودلالة. وحكى الرماني أن ~~قوما أجازوا أن يوحي الله إلى من ليس بنبي برؤيا أو إلهام، قال: وليس ~~يجوز عندنا على المعنى الذي يقع الوحي إلى الانبياء، لانه إنما يقع على ~~خلاف مجرى العادة بمعجزة تشهد بأنه تعالى ألقى المعنى اليه. ولا يجوز ان ~~تطلق الصفة بالوحي الا لنبي فان قيد ذلك على خلاف هذا المعنى كان جائزا، ~~كقوله # وأوحى ربك إلى النحل # ومعنى قوله { تبوءا } اتخذا يقال: بوأته ms1930 منزلا أي اتخذته له وأصله ~~الرجوع من # باؤوا بغضب من الله # أي رجعوا، والمبوء المنزل لانه يرجع اليه للمقام فيه ومنه قولهم (بؤ ~~بشسع كليب) أي ارجع به. وقوله { واجعلوا بيوتكم قبلة } معناه مصلى. وقيل ~~قبلة: مسجدا، لانهم كانوا خائفين فأمروا بأن يصلوا في بيوتهم - في قول ~~ابن عباس ومجاهد وابراهيم والسدي والضحاك والربيع - وقال الحسن يعني قبلة ~~نحو الكعبة. ولم يصرف (مصر) لانه مؤنث معرفة كقولك هند، ولو صرفته لخفته ~~كما صرفت هند كان جائزا، وترك الصرف أقيس. وقوله { وأقيموا الصلاة } أمر ~~من الله اياهم باقامة الصلاة والدوام على فعلها { وبشر المؤمنين } أمر ~~منه لموسى ان يبشر المؤمنين بالجنة وما وعد الله تعالى من الثواب وانواع ~~النعيم. ### || [10.88] # حكى الله تعالى في هذه الاية عن موسى عليه السلام أنه قال يا " ربنا انك ~~اعطيت فرعون وملائه " يعني قومه ورؤساءهم { زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا } وإنما اعطاهم الله تعالى ذلك للانعام عليهم مع تعريه من وجوه ~~الاستفساد. و (الزينة) ما يتزين به من الحلي والثياب والمتاع. ويجوز أن ~~يراد به حسن الصورة { ليضلوا عن سبيلك } فهذه لام العاقبة، وهي ما يؤل ~~اليه الأمر كقوله # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # ويحتمل ان يكون المعنى لئلا يضلوا عن سبيلك فحذفت (لا) كقوله # ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما # اي لئلا تضل احداهما، وكقوله # أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين # اي لئلا يقولوا. ولا يجوز أن يكون لام الغرض، لأن الله تعالى لا يفعل ~~بهم الزينة ويعطيهم ويريد منهم ان يضلوا بل إنما يفعل لينتفعوا ويطيعوه ~~ويشكروه. وقال قوم: لو كان أراد منهم الضلال لكانوا إذا ضلوا مطيعين، لان ~~الطاعة هي موافقة الارادة وذلك باطل بالاتفاق. وقوله { ربنا اطمس على ~~أموالهم } إخبار عن موسى انه دعا على قومه فسأل الله ان يطمس على ~~اموالهم. والطمس محو الاثر تقول: طمست عينه اطمسها طمسا وطموسا وطمست ~~الريح آثار الديار. فدعا موسى عليه السلام عليهم بأن يقلب حالهم عن ~~الانتفاع ms1931 بها كقوله # من قبل أن نطمس وجوها # والطمس تغير إلى الدبور والدروس قال كعب بن زهير: # من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت # عرصتها طامس الاعلام مجهول # وقال قتادة والضحاك وابن زيد وابو صالح: صارت اموالهم حجارة. # وقوله { واشدد على قلوبهم } معناه ثبتهم على المقام ببلدهم بعد إهلاك ~~اموالهم فيكون ذلك اشد عليهم. وقوله { فلا يؤمنوا } يحتمل موضعه وجهين من ~~الاعراب: احدهما - النصب على جواب صيغة الامر بالفاء او بالعطف على { ~~ليضلوا } وتقريره لئلا يضلوا فلا يؤمنوا. والثاني - الجزم بالدعاء عليهم، ~~كما قال الاعشى: # فلا ينبسط من بين عينك ما انزوى # ولا تلقني إلا وانفك راغم # وقال الفراء: ذلك دعاء عليهم بأن لا يؤمنوا. وحكى الجبائي عن قوم ان ~~المراد بذلك الاستفهام والانكار كأنه قال: إنك لا تفعل ذلك ليضلوا عن ~~سبيلك. وقال احمد بن يحيى ثعلب: هذه لام الاضافة، والمعنى لضلالتهم عن ~~سبيلك { اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم }. وحكى البلخي: انه يجوز أن ~~يكون ذلك على التقديم والتأخير وتقديره ربنا ليضلوا عن سبيلك فلا يؤمنوا ~~ربنا اطمس على اموالهم وقيل إن قوله { فلا يؤمنوا } خرج مخرج الجواب ~~للامر ومعناه الاخبار، كما يقولون انظر إلى الشمس تغرب. وقيل: ان المعنى ~~لا يؤمنون ايمان الجاء حتى يروا العذاب الأليم وهم مع ذلك لا يؤمنون ~~ايمان اختيار اصلا. وقال بعضهم: اللام لام (كي) وانه اعطاهم الاموال ~~والزينة لكي يضلوا عقوبة وهذا خطأ، لانه يوجب ان يكون ضلالهم عن الدين ~~طاعة لله. ### || [10.89] # حكى الله تعالى أنه اجاب موسى وهارون، فقال لهما { قد أجيبت دعوتكما } ~~والجواب موافقة للدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة. فالله تعالى ~~يجيب الدعاء إذا وقع بشروط الحكمة. واختلفوا في هل يجوز أن يجيب الله ~~تعالى دعوة الكافر أم لا؟ فقال ابو علي الجبائي: لا يجوز لان اجابته ~~إكرام له كما يقولون: فلان مجاب الدعوة اي هو رجل صالح. والكافر ليس بهذه ~~المنزلة. وقال ابو بكر بن الاخشاد: يجوز ذلك إذا كان فيه ضرب من المصلحة. ~~والاجابة قد ms1932 تكون من الاعلى للادون من غير ترغيب المدعو. والطاعة لا تكون ~~إلا من الادنى للاعلى. ولا يجوز عند اكثر المحصلين ان يدعو نبي على قومه ~~من غير إذن سمعي، لانه لا يأمن أن يكون منهم من يتوب مع اللطف في ~~التبقية، فلايجاب. ويكون ذلك فتنة. والدعوة طلب الفعل بصيغة الامر وقد ~~يدعى بصيغة الماضي كقولك: غفر الله لك واحسن اليك، وجزاك الله خيرا. ~~وإنما قال { أجيبت دعوتكما } والداعي موسى لان دعاء موسى كان مع تأمين ~~هارون - على ما قاله الربيع وابن زيد وعكرمة ومحمد بن كعب وأبو العالية - ~~والمؤمن داع، لان المعنى في التأمين اللهم اجب هذا الدعاء. وقوله { ~~فاستقيما } امر منه تعالى لهما بالاستقامة في دعائهما لفرعون وقومه على ~~ما أمرتكما به ولا تتبعا سبيل الجاهلين لوعدي ووعيدي فانه لا خلف له. ~~وقال ابن جريح: مكث فرعون بعد هذه الامور اربعين سنة. # وقوله { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } نهي منه تعالى لموسى وهارون ~~أن يتبعا طريقة من لا يؤمن بالله ولا يعرفه. وقرأ ابن عامر وحده { ولا ~~تتبعان } مخففة النون الا الداحواني عن هشام، فانه خير بين تخفيفها ~~وتشديدها. وقرأ ابن عامر وحده { ولا تتبعان } ساكنة التاء مخففة مشددة ~~النون. وفي قراءة الاخفش الدمشقي عن ابن عامر بتخفيف التاء والنون. ~~الباقون بتشديد التاء والنون. قال ابو علي النحوي: من شدد النون فلأن هذه ~~النون الثقيلة إذا دخلت على (تفعل) فتح لام الفعل، لدخولها وبني الفعل ~~معها على الفتح نحو (لتفعلن) وحذفت النون التي تثبت في (تفعلان) في حال ~~الرفع مع النون الشديدة، وحذف الضم في (لتفعلن)، وإنما كسرت الشديدة بعد ~~ألف التثنية. لوقوعها بعد الف التثنية، فاشبهت التى تلحق الألف في رجلان، ~~لما كانت في هذه مثلها، ودخلت لمعنى كدخولها، ولم يعتد بالنون قبلها، ~~لانها ساكنة، ولانها خفيفة فصارت المكسورة كأنها وليت الألف. ومن خفف ~~النون يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة كما خففوا (رب) و (ان) ونحوهما، ~~وحذفوا الاولى من المثلين كما أبدلوا الاولى من المثلين في ms1933 نحو (قيراط ~~ودينار) ولان اصلهما (قراط ودنار) فأبدلوا من إحدى النونين ياء. ويحتمل ~~ان يكون حالا من قوله { فاستقيما } وتقديره فاستقيما غير متبعين. ويحتمل ~~ان يكون على لفظ الخبر والمراد به الامر. ### || [10.90] # قرأ أهل الكوفة الا عاصما { آمنت إنه } بكسر الألف. الباقون بفتحها. # قال ابو علي: من فتح الهمزة فلأن هذا الفعل فصل بحرف الجر في نحو # يؤمنون بالغيب # و # يؤمنون بالجبت # فلما حذف الحرف وصل الفعل إلى (ان) فصار في موضع نصب او خفض على الخلاف ~~في ذلك. ومن كسر الالف حمله على القول المضمر كأنه قال { آمنت } فقلت ~~إنه، واضمار القول في نحو هذا كثير. وهذا احسن لان قوله { أنه لا إله إلا ~~الله } في المعنى ايمان، واذا قال آمنت فكأنه ذكر ذلك. وقال الرماني: من ~~كسر (إن) جعله بدلا من { آمنت }. ومن فتح جعله معمول { آمنت } وفي ~~الكلام حذف، لأن تقديره فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا فيه فغرقناه ~~حتى اذا ادركه الغرق. # حكى الله تعالى أنه جاوز ببني إسرائيل البحر بمعنى اخرجهم منه بأن جفف ~~لهم البحر وجعله طرقا حتى جاوزوه. والمجاوزة الخروج عن الحد من احدى ~~الجهات الأربعة، لأنه لو خرج عن البحر بقليل وهو متعلق عليه لم يكن قد ~~جاوزه. والبحر مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفه من كان في وسطه. ~~ويقال: ما فلان إلا بحر لسعة عطائه. وقوله { فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ~~وعدوا } فالاتباع طلب اللحاق بالأول: اتبعه إتباعا وتبعه بمعنى. وحكى ~~ابو عبيدة عن الكسائي انه قال إذا اريد انه اتبعه خيرا او شرا قالوا ~~بقطع الهمزة، واذا اريد انه اقتدى بهم واتبع أثرهم قالوا بتشديد التاء ~~ووصل الهمزة. والبغي طلب الاستعلاء بغير حق. والباغي مذموم لقوله تعالى # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # و (عدوا) معناه عدوانا وظلما. # وقوله { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل } اخبار منه تعالى أن فرعون حين لحقه الغرق والهلاك قال ما حكاه ~~الله وكان ms1934 ذلك ايمان إلجاء لا يستحق به الثواب كما لا يستحق بالايمان ~~الضروري. # وقوله { بغيا وعدوا } نصب على المصدر والمراد بغيا على موسى وقومه ~~واعتداء عليهم. ### || [10.91] # قرأ أبو جعفر من طريق النهرواني ونافع إلا ابا طاهر عن اسماعيل واحمد ~~ابن صالح عن قالون والحلواني عن قالون من طريق الحمامي " الان " في ~~الموضعين في هذه السورة بالقاء حركة الهمزة على اللام وحذف الهمزة منهما. ~~قال ابو علي النحوي: اعلم ان لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة ~~فخففت الهمزة فان في تخفيفها وجهين: احدهما - ان تحذف وتلقى حركتها على ~~اللام وتقر همزة الوصل فيقال الحمر بالالف. والثاني - ان يقولوا: كالحمر ~~بلا الف فيحذفون همزة الوصل، فالذين أثبتوا الهمزة فلأن التقدير باللام ~~السكون وان كانت في اللفظ متحركة. واللغة الآخرى كما انشد الكسائي: # فقد كنت تخفي حب سمراء حقبة # فبح لان منها بالذي انت بائح # فاسكن الحاء لما كانت اللام متحركة، ولو لم يعتد بالحركة كما لم يعتد في ~~الوجه الاول تحرك الحاء بالكسر كما يحركه في بح اليوم. ومعنى { الان } ~~فصل بين الزمان الماضي والمستقبل مع انه إلى الحاضر ولهذا بني كما بني ~~(اذا) وعرف { الان } بالالف واللام (وامس) بتضمين حرف التعريف لأن ما مضى ~~بمنزلة المضمن في المعنى في أنه ليس له صورة. والحاضر في معنى المصرح في ~~صحة الصورة. واختلفوا فيمن القائل هذا القول، فقال الجبائي: ان القائل له ~~ملك قال ذلك بأمر الله. وقال (غيره) ان ذلك كلام من الله قاله له على وجه ~~الاهانة والتوبيخ وكان ذلك معجزة لموسى عليه السلام ومعنى الآية حكاية ما ~~قيل لفرعون حين قال { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل } ~~بانك تقول هذا في هذه الساعة { وقد عصيت قبل } هذا { وكنت من المفسدين } ~~في الارض بقتل المؤمنين وادعاء الآلهية، وغيرذلك من انواع الكفر!. ### || [10.92] # قرأ يعقوب وقتيبة { ننجيك } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. # معنى قوله { ننجيك ببدنك } نلقيك على نجوة من الارض ببدنك عريانا دون ~~روحك قال أوس بن ms1935 حجر: # فمن بنجوته كمن بعقوته # والمستكن كما يمشي بقرواح # القرواح حيث لا ماء ولا مطر، والبدن مستكن روح الحيوان على صورته وكل ~~حيوان له روح وبدن، والحي في الحقيقة الروح دون البدن عند قوم، وفيه ~~خلاف. # ومعنى قوله { لتكون لمن خلفك آية } قيل فيه قولان. # احدهما - لمن يأتي بعدك ممن يراك على تلك الصفة وقد كنت تدعي الربوبية. # الثاني - ان بني اسرائيل قالوا: ما مات فرعون، فالقاه الله تعالى على ~~نجوة من الارض ليروه، ذهب اليه ابن عباس وقتادة. وقوله { وإن كثيرا من ~~الناس عن آياتنا لغافلون } اخبار منه تعالى أن كثيرا من الخلق غافلون عن ~~الفكر في حجج الله وبيناته أي ذاهبون عنها والغفلة ذهاب المعنى عن النفس ~~ونقيضها اليقظة، والمراد بذمهم بالغفلة عن آيات الله التعريض بأنهم تركوا ~~النظر في آيات الله. ### || [10.93] # قوله { ولقد بوأنا } اخبار منه تعالى أنه وطأ منزل بني اسرائيل ~~والتبوء توطئة المنزل لصاحبه الذي يأوي اليه، تقول: بوأته منزلا تبويئا ~~وتبوأ، وباء بالامر بواء أي رجع. وقوله { مبوأ صدق } أي منزل صدق أي فيه ~~فضل كفضل الصدق، كما يقال: أخو صدق وقيل: انه يصدق فيما يدل عليه من ~~جلالة النعمة. وقوله { ورزقناهم من الطيبات } أي ملكناهم الاشياء ~~اللذيذة. والرزق العقد على العطاء الجاري، ودلت الآية على سعة ارزاق بني ~~اسرائيل. وقوله { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } قيل في معناه وجهان: ~~احدهما - أنهم كانوا على الكفر فما اختلفوا حتى جاءهم الدليل المؤدي إلى ~~العلم من جهة الرسول والكتاب، فآمن فريق وكفر آخرون - وهو قول الحسن وابن ~~جريح وابن زيد - وقال قوم: كانوا على الاقرار بالنبي قبل مبعثه بصفته ~~ونعته، فما اختلفوا حتى جاءهم معلوم العلم به. والمنزل الصدق الذي أنزلوه ~~قيل فيه ثلاثة اقوال: قال الحسن: هو مصر وهو منزل صالح خصب آمن. وقال ~~قتادة: هو الشام وبيت المقدس. وقال الضحاك: هو الشام ومصر. # وقوله { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } اخبار ~~منه تعالى انه الذي يتولى الفصل بين بني ms1936 اسرائيل في الامور التي يختلفون ~~فيها. ### || [10.94] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له { إن ~~كنت في شك مما } أي من الذي { أنزلنا إليك } والشك هو توقف النفس فيما ~~يخطر بالبال عن اعتقاده على ما هو به، وعلى ما ليس به. وقيل: إن هذا وإن ~~كان خطابا للنبي صلى الله عليه وآله فان المراد به الذين كانوا شاكين في ~~نبوته. وقال قوم: إن معناه فان كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على ~~نبينا اليك، ومثله قول القائل لعبده: إن كنت مملوكي فانتبه إلى امري. ~~وقوله الرجل لابنه: ان كنت ابني فبرني. وقوله: إن كنت والدي فتعطف علي. ~~وحكى الزجاج وجها ثالثا وهو أن يكون معنى (إن) معنى (ما) والتقدير: ما ~~كنت في شك مما أنزلنا اليك { فاسأل الذين } أي لسنا نريد بأمرك لانك شاك ~~لكن لتزداد بصيرة، كما قال لابراهيم # أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # وقوله { فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك } قيل: انما أمره بأن يسأل ~~اهل الكتاب مع جحد اكثرهم لنبوته لامرين: # احدهما - ان يكون امره بأن يسأل من آمن من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وكعب الاحبار وابن صوريا، ذهب اليه ابن عباس ومجاهد وابن زيد والضحاك. # والثاني - سلهم عن صفة النبي صلى الله عليه وآله المبشر به في كتبهم ثم ~~انظر فمن وافق فيه تلك الصفة. وقال البلخي ذلك راجع إلى قوله { فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم } فأمره بأن يسألهم هل الأمر على ذلك؟ ~~فانهم لا يمتنعون عن الاخبار به ولم يأمره بان يسألهم هل هو محق فيه أم ~~لا؟ ولا ان ما انزله عليه صدق ام لا؟ ووجه آخر وهو انه انما امره أن ~~يسألهم ان كان شاكا ولم يكن شاكا فلا يجب عليه مسألتهم وهذا معنى ما ~~روي عنه صلى الله عليه وآله انه قال # " ما شككت ولا انا شاك ". # وقوله { لقد جاءك الحق من ربك } قسم منه تعالى بأنه قد ms1937 جاءك يا محمد ~~الحق من عند ربك لان لام (لقد) القسم. وقوله { فلا تكونن من الممترين } ~~اي لا تكونن من الشاكين. والامتراء طلب الشك مع ظهور الدليل، وهو من مري ~~الضرع اي مسحه ليدر، فلا معنى لمسحه بعد دروره بالحلب. وقال سعيد بن جبير ~~والحسن وقتادة وابو عبد الله عليه السلام: لم يسأل النبي صلى الله عليه ~~وآله ويقوي ان الخطاب متوجه إلى النبي والمراد به غيره قوله بعد هذا { قل ~~يا أيها الناس إن كنتم في شك }. ### || [10.95] # هذا الكلام عطف على قوله { فلا تكونن من الممترين. ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله } أي من جملة من يجحد بآيات الله ولا يصدق بها فانك ان ~~فعلت ذلك كنت من الخاسرين. والمراد بالخطاب غير النبي صلى الله عليه وآله ~~من جملة أمته من كان شاكا في نبوته. والنون في قوله { لا تكونن } نون ~~التأكيد، وهي تدخل في غير الواجب لانك لا تقول انت تكونن، ودخلت في القسم ~~على هذا الوجه لانه يطلب بالقسم التصديق، وبني الفعل مع نون التأكيد ~~لأنها ركبت مع الفعل على تقدير كلمتين كل واحدة مركبة مع الاخرى مع ان ~~الاولى ساكنة، واقتضت حركة بناء لالتقاء الساكنين. وانما شبه الكافر ~~بالخاسر مع ان حاله اعظم من حال الخاسر لان حال الخاسر قد جرت بها عادة. ~~وذاق طعم الحسرة فيها فرد اليها لبيان أمرها، وخسران النفس الذي هو أعظم ~~منها. ### || [10.96-97] # قد ذكرنا اختلافهم في (كلمة وكلمات) وإن من وحد فلأنه اسم جنس. ومن جمع ~~اراد اختلاف الالفاظ. اخبر الله تعالى { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك } ~~يا محمد اي وجب عليه التحقيق بأنهم لا يؤمنون من غير شرط ولا تقييد، ~~تقول: حق الامر يحق حقا. وانما جاز وصف جملة من الكلام بالكلمة لانه لما ~~كان في معنى واحد صار بمنزلة الكلمة الواحدة، ولذلك قالوا في قصيدة من ~~الشعر انها كلمة. وقوله { حتى يروا العذاب الأليم } معناه انهم انما ~~يؤمنون اذا شاهدوا العذاب فآمنوا ملجئين ايمانا لا ms1938 ينفعهم. والرؤية في ~~الآية رؤية العين، لانها تعدت إلى مفعول واحد. والعذاب وان كان ألما وهو ~~لا يصح ان يرى فلأنه ترى اسبابه ومقدماته فصار بمنزلة ما يرى، فلذلك اخبر ~~عنه بالرؤية له. # وقوله { ولو جاءتهم كل آية } اعلام بأن هؤلاء الكفار لا لطف لهم يؤمنون ~~عنده ايمان اختيار وانما جاز تكليفه الايمان باخبار الله تعالى انه لا ~~يؤمن للانعام بالمنافع في احوال التكليف التي لا تحصى كثرة مع ما في ذلك ~~من اللطف لغيره. ولا ظلم فيه لاحد. وانما يظلم الكافر نفسه بسوء اختياره. ~~وانما انث قوله { جاءتهم كل آية } لانه مضاف إلى الآية وهي مؤنثة كما ~~قالوا: ذهبت بعض اصابعه. ومعنى الآية الاخبار عن ان هؤلاء لا يؤمنون ~~ايمانا يستحقون به الثواب، ولا ينافي ذلك قدرتهم على الايمان كما انه ~~اذا اخبر انه لا يقيم القيامة الساعة لم يمنع ذلك من قدرته على اقامتها ~~في الحال. وقيل ان التقدير في الاية ان الذين لا يؤمنون حقت عليهم كلمة ~~ربك. ### || [10.98] # معنى { فلولا } هلا، وهي تستعمل على وجهين: احدهما - على وجه التحضيض ~~والثاني - على وجه التأنيب كقولك: هلا يأتي زيد بحاجتك، وهلا امتنعت من ~~الفساد الذي رغبت اليه. قال الشاعر: # تعدون عقر النيب افضل مجد كم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # أي هلا تعدون الشجعان. # وقوله { إلا قوم يونس } نصب لأنه منقطع كما قال الشاعر: # أعيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما ابينها # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # وحكى الفراء: لا إن ما أبينهما وقال: جمع الشاعر بين ثلاثة أحرف في ~~النفي (لاوان وما) وانما جاز فلولا كانت قرية آمنت لان المراد أهل قرية ~~فحذف اختصارا من غير اخلال بالمعنى. وقوله { فنفعها إيمانها } معناه هلا ~~كانت اهل قرية آمنت في وقت ينفعها الايمان، وجرى هذا مجرى قول فرعون # حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي # فاعلم الله أن الايمان لا ينفع عند نزول العذاب ولا عند حضور الموت، ~~وقوم يونس لم يقع بهم ms1939 العذاب كأنهم لما رأوا الآية الدالة على العذاب ~~آمنوا فلما آمنوا كشف عنهم العذاب. والنفع هو اللذة، ومعناه ها هنا انه ~~وجبت لهم اللذة بفعل ما يؤدي اليها كما أن الصلة بالمال نفع، لانه يؤدي ~~إلى اللذة، وكذلك أكل الطعام الشهي وتناول الكريه عند الحاجة نفع لانه ~~يؤدي إلى اللذة. والخزي هو الهوان الذي يفضح صاحبه ويضع من قدره. وقال ~~الجبائي: المراد بأهل القرية - على قول كثير من أهل التأويل - ثمود الذين ~~أهلكهم الله بكفرهم، والتقدير هلا أهل قرية سوى قوم يونس آمنوا فنفعهم ~~ايمانهم وزال عنهم العذاب كما آمن قوم يونس لما أحسوا بنزول العذاب، فكشف ~~الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعهم وبقاهم أحياء سالمين في ~~الدنيا بعد توبتهم إلى مدة من الزمان. وهذا الذي ذكره إنما كان يجوز لو ~~كان { إلا قوم يونس } رفعا وكان يكون { إلا قوم يونس } صفة أو بدلا من ~~الاول لان المعنى إلا قوم يونس محمول على معنى هلا كان قوم قرية أو قوم ~~نبي آمنوا الا قوم يونس، قال الزجاج: لم يقرأ أحد بالرفع، ويجوز في الرفع ~~أن يكون بدلا من الأول، وإن لم يكن من جنس الأول كما قال الشاعر: # وبلدة ليس لها أنيس # لا اليعافير والا العيس # وقال ابو عبيدة { إلا } ها هنا بمعنى الواو، والمعنى وقوم يونس. وقال ~~الحسن معنى الاية انه لم يكن فيما خلا أن يؤمن أهل قرية بأجمعها حتى لا ~~يشذ منهم أحد الا قوم يونس. فهلا كانت القرى كلها هكذا. وقرأ طلحة بن ~~مصرف يونس ويوسف بكسر النون والسين أراد أن يجعل الاسمين عربيين مشتقين ~~من أسف وأنس، وهو شاذ. # فان قيل: قوله { كشفنا عنهم العذاب } يدل على نزول العذاب بهم فكيف ينفع ~~مع ذلك الايمان، وهل ذلك الا ضد قوله # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا # قلنا: ليس يجب ان يكون العذاب نزل بهم بل لا يمتنع أن يكون ظهرت لهم ~~دلائله وان لم يروا العذاب كما أن العليل المدنف قد يستدرك ms1940 التوبة فيقبل ~~الله توبته قبل ان يتحقق الموت، فاذا تحققه لم يقبل بعد ذلك توبته. وقد ~~قال الله تعالى # وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها # ولا يدل ذلك على انهم كانوا دخلوا النار فأنقذوا منها فكذلك لا يمتنع ان ~~يكون كشف عنهم العذاب وان لم يكن حل بهم ولا عاينوه اذا كان قد قرب منهم ~~واستحقوه في الحكم. ### || [10.99] # أخبر الله تعالى في هذه الآية انه لو شاء وأراد { لأمن من في الأرض كلهم ~~جميعا } فكلهم رفع لأنه تأكيد ل { من } وهي مرتفعة بالايمان و { جميعا ~~} منصوب على الحال. والمشيئة والارادة والايثار والاختيار نظائر، وانما ~~يختلف عليهم الاسم بحسب مواقعها على ما بيناه في الأصول. وقيل: إن الشيء ~~مشتق من المشيئة لانه مما يصح ان يذكر ويشاء، كما اشتقوا المعنى من عنيت. # ومعنى الآية الاخبار عن قدرة الله وانه يقدر على ان يكون الخلق على ~~الايمان، كما قال # إن نشاء ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين # وانما أراد بذلك الاخبار عن قدرته بلا خلاف، ولذلك قال بعد ذلك { أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ومعناه انه لا ينبغي ان يريد إكراههم لان ~~الله عز وجل يقدر عليه ولا يريده، لانه ينافي التكليف، وأراد بذلك تسلية ~~النبي صلى الله عليه وآله والتخفيف عنه مما يلحقه من التحسر والحرص على ~~ايمانهم. # وفي الاية دلالة على بطلان قول المجبرة، فانه تعالى لم يزل شايئا وانه ~~لا يوصف بالقدرة ايضا، لأنه تعالى اخبر انه لو يشاء لقدر عليه لكنه لم ~~يشأ فلذلك لم يوجد ولو كان شايئا لم يزل لما جاز ان يقول ولو شاء ربك ~~كما لا يجوز أن يقول لو شاء لقدر لما كان قادرا حاصلا لم يزل. ### || [10.100] # قرأ ابو بكر إلا الأعشى والبرجمي { ونجعل } بالنون. الباقون بالياء. من ~~قرأ بالياء فلانه تقدم ذكر الله فكنى عنه. ومن قرأ بالنون ابتدأ بالاخبار ~~عن الله. # ومعنى قوله { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } انه لا ms1941 يمكن احد ان ~~يؤمن إلا باطلاق الله له في الايمان وتمكينه منه ودعاءه اليه بما خلق فيه ~~من العقل الموجب لذلك. وقال الحسن وابو علي الجبائي: اذنه ها هنا أمره كا ~~قال # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم # وحقيقة اطلاقه في الفعل بالأمر، وقد يكون الاذن بالاطلاق في الفعل برفع ~~التبعة. وقيل: معناه وما كان لنفس أن تؤمن إلا بعلم الله. وأصل الاذن ~~الاطلاق في الفعل فأما الاقدار على الفعل فلا يسمى أذنا فيه، لان النهي ~~ينافي الاطلاق. قال الرماني: والنفس خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم ~~يبطل ذلك الشيء، ونفسه وذاته واحد إلا انه قد يؤكد بالنفس ولا يؤكد ~~بالذات. والنفس مأخوذة من النفاسة. # وقوله { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } قيل في معناه قولان: احدهما ~~- قال الفراء: الرجس العذاب يجعله على الذين لا يعقلون امر الله ولا نهيه ~~ولا ما يدعوهم اليه. والثاني - قال الحسن: الرجس الكفر أي يجعله بمعنى ~~انه يحكم انهم اهله ذما لهم واسما { على الذين لا يعقلون } اي كانهم ~~لا يعقلون شيئا ذما لهم وعيبا وقال ابن عباس: الرجس الغضب والسخط. ~~وقال ابو عبيدة الرجز العذاب ومثله الرجس، ومنه قوله # لئن كشفت عنا الرجز # وقوله # فلما كشفنا عنهم الرجز # وقوله # والرجز فاهجر # معناه وذا الرجز أي الذي تؤدي عبادته إلى العذاب. وقال الحسن: الرجز بضم ~~الراء العذاب، وبكسرها الرجس. وقال الفراء: يجوز أن يكون الرجز بمعنى ~~الرجس وقلبت الزاي سينا كما قالوا اسد وأزد. ### || [10.101] # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يأمر الخلق بالنظر لأنه ~~الطريق المؤدي إلى معرفة الله تعالى. والنظر المراد في الاية الفكر ~~والاعتبار. وقال الرماني: هو طلب الشيء من جهة الفكر كما يطلب ادراكه ~~بالعين. ومعنى قوله تعالى { ماذا في السماوات والأرض } أي ما فيهما من ~~العبر من مجيء الليل والنهار مجرى البحور والافلاك ونتاج الحيوان وخروج ~~الزرع والثمار، ووقوف السماوات والارض بغير عماد، لان كل ذلك تدبير يقتضي ms1942 ~~مدبرا لا يشبه الاشياء ولا تشبهه. وقوله { وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون } قيل في معناه قولان: # احدهما - أن تكون { ما } نفيا بمعنى ما يغني عنهم شيئا بدفع الضرر، ~~اذا لم يفكروا فيها ولم يعتبروا بها كقولك: وما يغني عنك المال شيئا اذا ~~لم تنفقه في وجوهه. # والاخر - أن تكون { ما } للاستفهام كقولك أي شيء يغني عنهم من اجتلاب ~~نفع أو دفع ضرر إذا لم يستدلوا بها. والنذر جمع نذير وهو صاحب النذارة ~~وهي اعلام بموضع المخافة ليقع به السلامة. ### || [10.102] # خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بلفظ الاستفهام والمراد به ~~النفي لان تقديره ليس ينتظر هؤلاء الكفار الامثل أيام الذين خلوا من ~~قبلهم. وانما قابل بين الايام المنتظرة والايام الماضية في وقوع العذاب ~~والحسرة حين لا تنفع الندامة. والانتظار هو الثبات لموقع ما يكون من ~~الحال، تقول: انتظرني حتى ألحقك ولو قلت توقعني لم تكن أمرته بالثبات. ~~والمثل في الجنس ما سد أحدهما مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته والمثل في ~~غير الجنس ما كان على المعنى يقربه من غيره كقربه من جنسه كتشبيه اعمال ~~الكفار بالسراب. وقوله { قل فانتظروا اني معكم من المنتظرين } أمر من ~~الله لنبيه أن يقول لهم: انتظروا ما وعد الله به من العقاب فاني منتظر ~~نزوله بكم مع جميع المنتظرين كما وعد الله به. ### || [10.103] # قرأ يعقوب { ثم ننجي } بالتخفيف. وقرأ الكسائي ويعقوب وحفص والكسائي عن ~~ابي بكر { ننجي المؤمنين } بالتخفيف. الباقون بالتشديد فيهما. قال ابو ~~علي النحوي: يقال نجا زيد نفسه، فاذا عديته، فان شئت قلت أنجيته وان شئت ~~قلت نجيته. ومن شدد فلقوله # ونجينا الذين آمنوا # ومن خفف فلقوله # فأنجاه الله من النار # وكلاهما حسن. # أخبر الله تعالى أنه إذا اراد إهلاك قوم استحقوا الهلاك نجى رسله من ~~بينهم وخلصهم من العقاب، ويخلص مع الرسل المؤمنين الذين أقروا له ~~بالوحدانية وللرسل بالتصديق. وقوله { كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين } ~~وجه التشبيه في ذلك أن نجاة من يقر من المؤمنين ms1943 كنجاة من مضى في أنه حق ~~على الله ثابت لهم ويحتمل أن يكون العامل في { كذلك } ننجي الاول وتقديره ~~ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك الانجاء ويحتمل أن يعمل فيه الثاني، وكذلك ~~حقا علينا. # ومعنى قوله { حقا علينا } يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون معناه واجبا ~~علينا ننجي المؤمنين من عقاب الكفار، ذكره الجبائي. والثاني - أن يكون ~~على وجه التأكيد كقولك مررت بزيد حقا إلا أن علينا يقتضي الوجه الاول. ~~والنجاة مأخوذة من النجوة وهي الارتفاع عن الهلاك. والسلامة مأخوذة من ~~إعطاء الشيء من غير نقيصه، اسلمته اليه اذا اعطيته سالما من غير آفة. ### || [10.104] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للخلق { يا ~~أيها الناس إن كنتم في شك من ديني } فان ديني أن { لا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله } أي إن كنتم في شك مما أذهب اليه من مخالفتكم فاني أظهره ~~لكم وأبرء مما أنتم عليه وأعرفكم ما أمرت به وهو أن أكون مؤمنا بالله ~~وحده وأن أقيم وجهي للدين حنيفا. # إن قيل: لم قال { إن كنتم في شك من ديني } مع اعتقادهم بطلان دينه؟ قلنا ~~عنه ثلاثة أجوبة: احدها - أن يكون على وجه التقدير أي من كان شاكا في ~~أمري وهو مصمم على أمره فهذا حكمه. والثاني - انهم في حكم الشاك للاضطراب ~~الذي يجدون نفوسهم عليه عند ورود الآيات والثالث - ان فيهم الشاك فغلب ~~ذكرهم، وإنما جعل جواب { إن كنتم في شك } (لا أعبد) وهو لا يعبد غير الله ~~شكوا أو لم يشكوا، لان المعنى لا تطمعوا أن تشككوني بشككم حتى أعبد غير ~~الله كعبادتكم، كأنه قيل: إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله بشككم ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم أي الذي أحياكم ثم يقبضكم ~~وهو الذي يحق له العبادة دون أوثانكم ودون كل شيء سواه. ### || [10.105] # هذه الاية عطف على ما قبلها والتقدير وأمرت أن أكون من المؤمنين، وقيل ~~لي: أقم وجهك وقيل في معناه قولان: ms1944 احدهما - استقم باقبالك على ما أمرت ~~به من القيام باعباء النبوة وتحمل أمر الشريعة ودعاء الخلق إلى الله ~~بوجهك، اذ من أقبل على الشيء بوجهه يجمع همته له فلم يضجع فيه. والثاني - ~~أن يكون معناه أقم وجهك في الصلاة بالتوجه نحو الكعبة. والاقامة نصب ~~الشيء المنافي لاضجاعه تقول: أقام العود إذا جعله على تلك الصفة فأما ~~أقام بالمكان فمعناه استمر به. والوجه عبارة عن عضو مخصوص ويستعمل بمعنى ~~الجهة كقولهم: هذا معلوم في وجه كذا، ويستعمل بمعنى الصواب كقولك: هذا ~~وجه الرأي. # وقيل في معنى الحنيف قولان: احدهما - الاستقامة. وقيل للمايل القدم أحنف ~~تفاؤلا. والثاني - الميل، وقيل الحنف في الدين لأنه ميل إلى الحق. # وقوله { ولا تكونن من المشركين } معناه نهي عن الاشراك مع الله تعالى ~~غيره في العبادة تصريحا بالتحذير عن ذلك والذم لفاعله. ### || [10.106] # قيل في معنى قوله { ولا تدع من دون الله } قولان: احدهما - لا تدعه ~~إلها كما يدعو المشركين الوثن إلها. الثاني - لا تدعه دعاء الآلهة في ~~العبادة بدعائه. والدعاء يكون على وجهين: احدهما - بلفظ النداء كقولك: يا ~~زيد اذا دعوته باسمه. والثاني - أن تدعوه إلى الفعل وتطلب منه فعله كقول ~~القائل لمن فوقه: إفعل. وقوله { ولا تدع من دون الله } معناه لا تدع غير ~~الله إلها. وانما قال { ما لا ينفعك ولا يضرك } مع أنه لو نفع وضر لم ~~تحسن عبادته لامرين: # احدهما - أن يكون معناه ما لا ينفعك ولا يضرك نفع الاله وضره. # والثاني - انه إذا كان عبادة غير الله ممن يضر وينفع قبيحة فعبادة من لا ~~يضر ولا ينفع أقبح وأبعد من الشبهة. وقوله { فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين } معناه انك إن خالفت ما أمرت به من عبادة الله كنت ظالما ~~لنفسك بادخال الضرر الذي هو العقاب عليها. وهذا الخطاب وإن كان متوجها ~~إلى النبي فالمراد به أمته، ويجوز أن يكون الانسان يضر نفسه بما يفعل بأن ~~يؤديها إلى الضرر. ولا يجوز أن ينعم على نفسه لان النعمة تقتضي شكر ~~المنعم عليه ms1945 وذلك لا يمكن من الانسان ونفسه كما لا يمكن أن يثبت له في ~~نفسه مال أو دين. ### || [10.107] # قوله { وإن يمسسك الله بضر } اي ان احل بك الضر، لان المس الحقيقي لا ~~يجوز عليه، لان حقيقتها تكون بين الجسمين، لكن لما ادخل الباء للتعدية ~~جرى مجرى ان تقول يمسك من امسه. وأما اذا لم يتعد فيكون كقوله # مسني الضر # والمماسة والمطابقة والمجامعة نظائر، وضدها المباينة. والكشف رفع الساتر ~~المانع من الادراك. فكأن الضر ها هنا كأنه ساتر يمنع من ادراك الانسان. # وقوله { وإن يردك بخير } تقديره وان يرد بك الخير، وجاز على التقديم ~~والتأخير كما يقول القائل: فلان يريدك بالخير ويريد بك الخير. والمعنى ~~انه لاراد لما يريد الله بخلقه فان اراد بهم سوءا لا يقدر على دفعه احد. ~~وان ارادهم بخير فلا يقدر احد على صرفه عنهم { يصيب به من يشاء من عباده ~~} يعني بالخير. # وقوله { وهو الغفور الرحيم } معناه انه الغفار لكل من تاب من شركه وذنبه ~~فلا ييأس من ذلك احد في حال تكليفه. وعندنا يجوز أن يغفر الله ذنب المؤمن ~~من غير توبة. و { الرحيم } معناه انعامه على جميع خلقه. ### || [10.108] # امر الله تعالى نبيه في هذه الاية أن يقول للخلق قد جاءكم الحق من الله ~~وهو الذي من عمل به من العباد نجا، وضده الباطل وهو الذي من عمل به هلك، ~~فمن علم بالحق كان حكيما. ومن عمل بالباطل كان سفيها. والمراد بالحق ها ~~هنا ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله من القرآن والشرائع والاحكام ~~وغير ذلك من الآيات والدلالات { فمن اهتدى } بها بأن نظر فيها وعرفها ~~حقا وصوابا { فإنما يهتدي لنفسه } ومعناه فان منافع ذلك تعود عليه من ~~الثواب دون غيره { ومن ضل } عنها وعدل عن تأملها والاستدلال بها والعمل ~~بموجبها { فإنما يضل } عن منافع نفسه وهو الجاني عليها. وقوله { وما أنا ~~عليكم بوكيل } معناه وما أنا عليكم بوكيل في منعكم من اعتقاد الباطل بل ~~انظروا لانفسكم نظر من يطالب بعمله ولا ms1946 يطالب غيره بحفظه كأنه قال ما أنا ~~حافظكم من الهلاك اذا لم تنظروا لانفسكم ولم تعملوا بما يخلصها ما يحفظ ~~الوكيل مال غيره. ### || [10.109] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يتبع ما يوحى اليه. والايحاء ~~إلقاء المعنى في النفس على وجه خفي وهو ما يجيء به الملك إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله عن الله تعالى فيلقيه اليه ويخصه به من غير أن يرى ذلك ~~غيره من الخلق. # وقوله { واصبر } امر من الله تعالى له بالصبر وهو تجرع مرارة الامتناع ~~من المشتهى إلى الوقت الذي يجوز فيه تناوله، كصبر الصائم على الجوع ~~والعطش، وكصبر النفس عن تناول المحرمات. وانما يعين على الصبر العلم ~~بعاقبته وكثرة الفكر فيه وفي الخير الذي ينال به وبذكر ما وعد الله على ~~فعله من الثواب وعلى تركه من العقاب. وقوله { حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين } امر منه تعالى للنبي صلى الله عليه وآله بالصبر على اذى ~~المشركين وعلى قولهم انك ساحر كذاب ومجنون، حتى يحكم فيأمرك بالهجرة ~~والجهاد. قال الحسن: وقد كان الله اعلمه انه سيفرض عليه جهاد الكفار. ~~وقيل نسخ ذلك فيما بعد بالامر بالجهاد، والتقدير إلى أن يحكم الله ~~بهلاكهم وعذابهم في يوم بدر وغيره { وهو خير الحاكمين } معناه خير الحكام ~~لانه قد يكون حاكم افضل من حاكم مع كونهما محقين كمن يحكم على الباطن ~~فانه افضل ممن يحكم على الظاهر، لان الأول لا يقع إلا حقا، والاخر يجوز ~~أن يكون حقا في الظاهر وان كان فاسدا في الباطن. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # روى الكسائي عن أبي بكر { من لدن حكيم } ها هنا وفي النمل، بسكون الدال ~~واشمامها الضم وكسر النون. الباقون بضم الدال واسكان النون. ولم يعد أحد ~~من القراء (الر) آية كما عد قوم (طه) و (الم) و (حم) آية؛ لان ثانية لا ~~يشبه رؤس الاي بنفس الحرف ولا بالردف. وقد بينا في أول سورة البقرة ~~اختلاف المفسرين في هذه الحروف وأمثالها وأن الأقوى أن يقال إنها ms1947 أسماء ~~للسور. # وروي عن الحسن أنه قال: ما أدرري تأويل (الر) غير ان المسلمين كانوا ~~يقولون: هي اسماء للسور ومفاتحها. وخرجت هذه الحروف على وجه التهجي لا ~~يعرب شيء منها، لأنها حروف ولو كانت اسماء لدخلها الاعراب. وقال الفراء { ~~الر كتاب } رفع بحروف الهجاء. وقال غيره { كتاب } رفع بأنه خبر المبتدأ ~~وتقديره هو كتاب او هذا كتاب والمراد ب { كتاب } القرآن. # وقوله { أحكمت آياته ثم فصلت } قيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - قال الحسن: احكمت بالامر والنهي، وفصلت بالثواب والعقاب. # الثاني - قال قتادة احكمت آياته من الباطل. ثم فصلت بالحرام والحلال. # الثالث - قال مجاهد { أحكمت آياته } على وجه الجملة { ثم فصلت } اي بينت ~~بذكرها آية آية. والاحكام منع الفعل من الفساد، قال الشاعر: # أبني حنيفة احكموا سفهاءكم # إني اخاف عليكم أن أغضبا # وقوله { من لدن حكيم خبير } معناه من عند حكيم عليم. وقوم يجعلون في { ~~لدن } ضميرا فينصبون ما بعده فيقولون لدن غدوة. وقوم يجعلونه غاية ولا ~~يضمرون فيه شيئا بعينه فيرفعون ما بعده لان ما بعد الغاية مرفوع، ~~فيقولون لدن غدوة. # وروي عن عكرمة انه قرأ { فصلت } بفتح الفاء والصاد وتخفيفها - وهي شاذة ~~لم يقرأ بها احد. # والحكيم يحتمل معينين: احدهما - عليم، فعلى هذا يجوز وصفه بأنه حكيم ~~فيما لم يزل. والثاني - بمعنى أنه محكم لافعاله. وعلى هذا لا يوصف به ~~فيما لم يزل. والحكمة المعرفة بما يمنع الفعل من الفساد والنقص وبها يميز ~~القبيح من الحسن والفاسد من الصحيح وقال الجبائي في الاية دلالة على أن ~~كلام الله محدث بأنه وصفه بأنه أحكمت آياته، والاحكام من صفات الافعال، ~~ولا يجوز أن تكون احكامه غيره لانه لو كان احكامه غيره لكان قبل ان يحكمه ~~غير محكم ولو كان كذلك لكان باطلا، لان الكلام متى لم يكن محكما وجب أن ~~يكون باطلا فاسدا، وهذا باطل. ### || [11.2] # يحتمل (أن) في قوله { أن لا تعبدوا } أمرين: # احدهما - أن يكون بمعنى المصدر كقولك كتبت اليه أن لا تخرج بالجزم وكان ~~يجوز في العربية ms1948 أن لا تعبدون على الوجه الأول، وهو الاخبار بأنهم لا ~~يعبدون كما تقول: كتبت اليه أن لا تخرج أي بأنك لا تخرج. و { أن لا ~~تعبدوا } في موضع نصب وتقديره فصلت آياته بأن لا تعبدوا او لئلا تعبدوا. # والثاني - يحتمل أن يكون المعنى أمرتم بأن لا تعبدوا، فلما حذف الباء ~~نصب بعدها، ومعنى (إلا) في الآية ايجاب للمذكور بعدها وهو ما نفي عن كل ~~ما سواه من العبادة وهي التي تفرغ عامل الاعراب لما بعدها من الكلام. ~~وقوله { إني لكم منه نذير وبشير } اخبار أن النبي صلى الله عليه وآله ~~مخوف من مخالفة الله وعصيانه بأليم عقابه مبشر بثواب الله على طاعاته ~~واجتناب معاصيه، والنذارة اعلام موضع المخافة ليتقى، ونذير بمعنى منذر ~~كأليم بمعنى مؤلم. والبشارة اعلام بما يظهر في بشرة الوجه به المسرة ~~وبشير بمعنى مبشر. وقوله { وأبشروا بالجنة } معناه واستبشروا. ### || [11.3] # هذه الاية عطف على ما قبلها وتقديره ثم فصلت من لدن حكيم خبير بان لا ~~تعبدوا إلا الله وبأن استغفروا ربكم بمعنى سلوا الله المغفرة ثم توبوا ~~اليه، وانما ذكرت التوبة بعد الاستغفار، لان المعنى اطلبوا المغفرة بأن ~~تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إلى مطلوبكم بالتوبة، فالمغفرة أول في الطلب ~~وآخر في السبب. وقيل ان المعنى استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا اليه في ~~المستأنف متى وقعت منكم المعصية، ذكره الجبائي # وقوله { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى } يعني انكم متى استغفرتموه ~~وتبتم اليه متعكم متاعا حسنا في الدنيا بالنعم السابغة والملاذ ~~المختلفة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه. # وقوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } يحتمل امرين: احدهما - أن يعطي كل ذي عمل ~~على قدر عمله في الاخرة دون الدنيا، لانها ليست دار الجزاء والثاني - ~~الترغيب في عمل الخير لانه على مقداره يجازي صاحبه. # وقوله { فإن تولوا فإني أخاف عليكم } يحتمل امرين: احدهما - فان تتولوا، ~~إلا انه حذف للتضعيف ولذلك شدده ابن كثير في رواية البزي عنه. والاخر - ~~ان يكون بمعنى فقل { إني أخاف عليكم عذاب ms1949 يوم كبير } يعني عذاب يوم ~~القيامة ووصف ذلك اليوم بالكبير لعظم ما يكون فيه من الاهوال والمجازاة ~~لكل انسان على قدر عمله. ### || [11.4] # قيل في معنى قوله { إلى الله مرجعكم } قولان: احدهما - اليه مصيركم ~~باعادته اياكم للجزاء. والثاني - إلى الله مرجعكم باعادته إلى مثل ~~الابتداء من انه لا يملك لكم ضرا ولا نفعا سواه تعالى، والمرجع المصير ~~إلى مثل الحال الاولى. # وقوله { وهو على كل شيء قدير } اخبار منه تعالى انه يقدر على كل شيء إلا ~~ما اخرجه الدليل مما يستحيل أن يكون قادرا عليه من مقدورات غيره وما ~~يقضى وقته من الاجناس التي لا يصلح عليها البقاء. ### || [11.5] # روي عن ابن عباس انه قرأ { إلا إنهم يثنون صدورهم } على وزن (يحلون) ~~وأراد المبالغة ومعنى { ألا } التنبيه، وما بعده مبتدأ. # أخبر الله تعالى ان الكفار يثنون صدورهم. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: ~~احدها - قال الفراء والزجاج: يثنونها على عداوة النبي صلى الله عليه ~~وآله. وقال الحسن: يثنونها على ما هم عليه من الكفر. وقال ابو علي ~~الجبائي، يثني الكافر صدره على سبيل الانحناء، في خطابه لكافر مثله ممن ~~يختصه لئلا يعرف الله ما أضمره. وقال ابو عبد الله بن شداد: ولى ظهره إذا ~~رأى النبي صلى الله عليه وآله وغطى وجهه بالثوب واصل الثني العطف تقول: ~~ثنيته عن كذا اي غطيته ومنه الاثنان لعطف احدهما على الاخر في المعنى، ~~ومنه الثناء لعطف المناقب في المدح، ومنه الاستثناء لانه عطف عليه ~~بالاخراج منه. # وقوله { ليستخفوا منه } فالاستخفاء طلب خفاء النفس تقول: استخفى استخفاء ~~وتخفى تخفيا، ونظيره استغشى وتغشى قالت الخنساء: # أرعى النجوم وما كلفت رعيتها # وتارة اتغشى فضل اطماري # والهاء في منه يحتمل أن تكون عائدة إلى اسم الله - في قول الحسن ومجاهد ~~والجبائي - جهلا منهم بأن الله لا يخفى عليه خافية. وقال ابو عبد الله بن ~~شداد: هي عائدة على النبي صلى الله عليه وآله. # وقوله { ألا حين يستغشون ثيابهم } معناه انهم كانوا يتغطون بثيابهم ثم ~~يتفاوضون ما كانوا يدبرونه ms1950 على النبي وعلى المؤمنين ويكتمونه عن الناس، ~~فبين الله تعالى انهم وقت ما يتغطون بثيابهم ويجعلونها غشاء فوقهم عالم ~~بما يسرون وما يعلنون، لا انه يتجدد له العلم في حال استغشائهم بالثوب بل ~~هو عالم بذلك في الأزل. ومعنى { ما يسرون وما يعلنون } اي ما يخفونه في ~~أنفسهم وما يعلنونه أي يظهرونه { إنه عليم بذات الصدور } ومعناه عالم ~~بأسرار ذات الصدور. ### || [11.6] # أخبر الله تعالى أنه ليس في الارض دابة إلا والله تعالى متكفل برزقها. ~~والدابة الحي الذي من شأنه أن يدب يقال: دب يدب دبيبا وأدبه ادبابا، ~~غير انه صار بالعرف عبارة عن الخيل والبراذين دون غيرها من الحيوان. # وقوله { ويعلم مستقرها ومستودعها } فالمستقر الموضع الذي يقر فيه الشيء ~~وهو قراره ومكانه الذي يأوي اليه. والمستودع المعنى المجعول في القرار ~~كالولد في البطن والنطفة التي في الظهر وقيل: مستودعها مدفنها بعد موتها. ~~وقيل: مستقرها في اصلاب الآباء ومستودعها في ارحام الامهات. وقيل: ~~مستقرها ما تستقر عليه، ومستودعها ما تصير اليه. # وقوله { كل في كتاب مبين } خبر من الله تعالى أن جميع ذلك مكتوب في كتاب ~~ظاهر يعني اللوح المحفوظ، وانما اثبت تعالى ذلك مع انه عالم انه لا يعزب ~~عنه شيء لما فيه من اللطف للملائكة او يكون فيه لطف لمن يخبر بذلك. ### || [11.7] # اخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والارض وأنشأهما في ستة ايام، وانما ~~خلقهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته ان يخلقهما في أقل من لمح ~~البصر ليبين بذلك ان الامور جارية في التدبير على منهاج، ولما علم في ذلك ~~من مصالح الخلق من جهة اقتضاء ان ينشأها على ترتيب يدل على انها كانت عن ~~تدبير عالم بها قبل فعلها مثل سائر الافعال المحكمة. # وقوله { وكان عرشه على الماء ليبلوكم } معناه انه خلق الخلق ودبر الامر ~~ليظهر احسان المحسن، لأنه الغرض الذي يجري بالفعل اليه. وفي وقوف العرش ~~على الماء، والماء على غير قرار اعظم للاعتبار لمن امعن النظر واستعمل ~~الفكر. والمراد بقوله { في ستة ms1951 أيام } ما مقدارة مقدار ستة أيام، لانه لم ~~يكن هناك ايام تعد، لان اليوم عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها. # وقوله { ليبلوكم } معناه ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في ~~العدل لئلا يتوهم أنه يجازي العباد بحسب ما في المعلوم أنه يكون منهم قبل ~~أن يفعلوه. # وقوله { أيكم أحسن عملا } فيه دلالة على أنه يكون فعل حسن أحسن من فعل ~~حسن آخر لان لفظة أفعل حقيقتها ذلك. ولا يجوز ترك ذلك الا لدليل، وليس ها ~~هنا ما يوجب الانصراف عنه. # وقوله { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين } إعلام من الله تعالى لنبيه انه لو قال لهؤلاء الكفار ان ~~الله يبعثكم بعد موتكم ويجازيكم على أعمالكم لقالوا: ليس هذا القول الا ~~سحر ظاهر. ومن قرأ { ساحر } اراد ليس هذا يعنون النبي صلى الله عليه وآله ~~الا ساحر مبين. وقال الجبائي في الاية دلالة على انه كان قبل خلق ~~السماوات والارض الملائكة قال: لان خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه الا ~~أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد اذا من حي مكلف. ~~والاقوى ان يقال: انه لا يمتنع ان يتقدم خلق الله لذلك اذا كان في ~~الاخبار بتقدمه مصلحة الملكلفين، وهو الذي اختاره الرماني. وكان علي بن ~~الحسين الموسوي المعروف بالمرتضى (ره) ينصره. # وظاهر الاية يقتضي ان العرش الذي تعبد الله الملائكة بحمله كان مخلوقا ~~قبل السموات والارض، وهو قول جميع المفسرين: كابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والبلخي والجبائي والرماني والفراء والزجاج وغيرهم. وقال ابن عباس: كان ~~العرش على الماء، والماء على الهواء. وقال الجبائي: ثم نقل الله العرش ~~إلى فوق السماوات ### || [11.8] # اللام في قوله { ولئن أخرنا } لام القسم. ولا يجوز ان تكون لام ~~الابتداء، لانها دخلت على (ان) التي للجزاء، ولام الابتداء إنما هي للاسم ~~او ما ضارع الاسم في باب (ان) وجواب الجزاء مستغنى عنه بجواب القسم، لانه ~~اذا جاء في صدر الكلام غلب عليه كما انه اذا ms1952 تأخر او توسط الغي. ومعنى ~~قوله { أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } اخر إلى حين أمة معدودة كما ~~قال # وادكر بعد أمة # اي بعد حين. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والزجاج والفراء وغيرهم. # وقال الجبائي: معناه إلى أمم بعد هؤلاء يكلفهم فيعصونه فتقتضي الحكمة ~~إهلاكهم وإقامة القيامة. وقال الرماني: معناه إلى جماعة معدودة بانه ليس ~~فيها من يؤمن فاذا صاروا إلى هذه الصفة أهلكوا بالعذاب، كما اهلك قوم نوح ~~في الدنيا. وأهلكوا بعذاب الآخرة لكونهم على هذه الصفة. # وقوله { ليقولن ما يحبسه } فالحبس المنع بالحصر في خباء. ويقال حبس ~~الماء إذا منع من النفوذ. وحبس السلطان الرزق اذا معنه. وحبس عنهم العذاب ~~إذا منع من اتيانهم إلى الاجل المعلوم. والتقدير ما الذي يمنع من تعجيل ~~هذا العذاب الذي نتوعد به؟ فقال الله تعالى { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم } ومعناه ان هذا العذاب الذي يستبطئونه اذا نزل بهم في الوقت ~~المعلوم لا يقدر على صرفه أحد عنهم ولا يتمكنون من اذهابه عنهم اذا اراد ~~الله ان تأتيهم به. وقوله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } معناه انه ~~نزل بهم الذي كانوا يسخرون منه من نزول العذاب ويتحققونه. ### || [11.9] # أقسم الله تعالى في هذه الاية انه لو احل تعالى بالانسان رحمة من عنده ~~يعني ما يفعله الله تعالى بهم في الدنيا من الارزاق، فانه يعم بها خلقه ~~كافرهم ومؤمنهم. ثم نزعها منه وسلبها، وسمى احلال اللذات بهم اذاقة ~~تشبيها ومجازا، لان الذوق في الحقيقة تناول الشيء بالفم لادراك الطعم، ~~والانسان حيوان على الصورة الانسانية لأن الصورة الانسانية بانفرادها قد ~~تكون للتمثال ولا يكون انسانا فاذا اجتمعت الحيوانية والصورة لشيء فهو ~~انسان. قال الرماني: وكلما لا حياة فيه فليس بانسان كالشعر والظفر ~~وغيرهما. والنزع رفع الشيء عن غيره مما كان مشابكا له، والنزع والقلع ~~والكشط نظائر. واليأس القطع بأن الشيء لا يكون وهو ضد الرجاء ويؤوس كثير ~~اليأس من رحمة الله وهذه صفة ذم، لانه لا يكون كذلك الا للجهل بسعة ms1953 رحمة ~~الله التي تقتضي قوة الأمل. وفائدة الآية الاخبار عن سوء خلق الانسان ~~وقنوطه من الرحمة عند نزول الشدة وأنه إذا أنعم عليه بنعمة لم يشكره ~~عليها وإذا سلبها منه يئس من رحمة الله وكفر نعمه، وهو مصروف إلى الكفار ~~الذين هذه صفتهم. ### || [11.10] # أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه لو أحل بالانسان { نعماء بعد ضراء ~~مسته } لان الهاء كناية عن الانسان الذي مضى ذكره، والنعماء إنعام يظهر ~~أثره على صاحبه والضراء مضرة تظهر الحال بها؛ لأنها أخرجت مخرج الأحوال ~~الظاهرة كحمراء وعوراء مع ما فيها من المبالغة. ومعنى { مسته } نالته. ~~وقوله { ليقولن ذهب السيئات عني } أي يقول عند نزول النعماء به بعد أن ~~كان في ضدها من الضراء: دهبت الخصال التي تسوء صاحبها من جهة نفور طبعه ~~أو عقله، وهو - ها هنا - بمعنى المرض والفقر، ونحو ذلك. وقوله { إنه لفرح ~~فخور } إخبار منه تعالى أن الانسان فرح فخور. والفرح انفتاح القلب بما ~~يلتذ به وضده الغم، ومثله السرور والمرح. والفرح لذة في القلب أعظم من ~~ملاذ الحواس، والفخور المتطاول بتعديد المناقب، وفخور كثير الفخر، وهي ~~صفة ذم إذا اطلقت لما فيه من التكبر على من لا يجوز أن يتكبر عليه. وقيل: ~~للعالم أن يفخر على الجاهل بالعلم لتعظيم العلم وتحقير الجهل، ولذلك تفخر ~~النبي على الكفار. ### || [11.11] # لما أخبر الله تعالى عن أحوال الخلق وأن أكثرهم إذا حل بهم نعمه تعالى ~~بعد أن كانوا في مضرة شديدة وانهم إذا يقولون ذهب السيئات عنهم وان ~~كثيرا منهم فرح فخور، استثنى من جملتهم المؤمنين بتوحيد الله الصابرين ~~على طاعاته والكف عن معاصيه وأضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحات. والصبر ~~حبس النفس عن المشتهى من المحارم. والصبر على مرارة الحق يؤدي إلى الفوز ~~بالجنة في الآخرة مع ما فيه من الجمال في الدنيا. واستثنى الذين صبروا من ~~الانسان، لانه في معنى الجمع كما قال # والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات # وقال الزجاج والاخفش: (إلا) بمعنى (لكن) لأنه ليس ms1954 من جنس الأول. والأول ~~قول الفراء. وقوله { أولئك لهم مغفرة وأجر كبير } إخبار من الله تعالى عن ~~هؤلاء المؤمنين بأن لهم عند الله المغفرة والأجر العظيم. ### || [11.12] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يحثه على أداء جميع ما ~~بعثه به وأوحى اليه، وينهاه عن كتمانه، ويشجعه على الاداء، ويقول له لا ~~يكون لعظم ما يرد على قلبك ويضيق به صدرك من غيظهم يوهمون عليك انهم ~~يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من امر ربك، وأنك تترك بعض الوحي ويضيق به ~~صدرك مخافة أن يقولوا أو لئلا يقولوا { لولا أنزل عليه كنز } أي هلا انزل ~~عليه كنز فينفق منه { أو جاء معه ملك } يعينه على أمره بل { إنما أنت ~~نذير } أي منذر مخوف من معاصي الله وعقابه { والله على كل شيء وكيل } أي ~~حافظ يكتب عليهم أفعالهم وأقوالهم، ومجازيهم عليها، فلا تغمك اقوالهم ولا ~~أفعالهم ولا يضيق بذلك صدرك فان وبال ذلك عائد عليهم. وضائق وضيق واحد ~~الا ان { ضائق } ها هنا احسن لمشاكلته لقوله: تارك، والضيق قصور الشيء عن ~~مقدار غيره ان يكون فيه، فاذا ضاق صدر الانسان قصر عن معان يتحملها ~~الواسع الصدر. والصدر مسكن القلب ويشبه به رفيع المجالس ورئيس القوم ~~لشرفه على غير. والكنز المال المدفون لعاقبته، وصار في الشرع اسم ذم في ~~كل مال لا يخرج منه حق الله من الزكاة وغيره، وإن لم يكن مدفونا. ### || [11.13] # هذه الآية صريحة بالتحدي وفيها قطع لاعتلال المشركين وبغيهم، لأنهم لما ~~عجزوا عن معارضة القرآن قالوا: إن ما فيه من الاخبار كذب اختلقه واخترعه ~~أو قرأ الكتب السالفة، فقال الله تعالى لهم: افتروا أنتم مثله، وادحضوا ~~حجته فذلك أيسر وأهون مما تكلفتموه، فعجزوا عن ذلك وصاروا إلى الحرب وبذل ~~النفس والمال وقتل الآباء والابناء. ولو قدروا على إطفاء أمره بالمعارضة ~~لفعلوه مع هذا التقريع العظيم. وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وأنها ~~الفصاحة في هذا النظم المخصوص، لانه لو كان غيره لما قنع في المعارضة ms1955 ~~بالافتراء والاختلاق. وقوله { فأتوا } وإن كان لفظه لفظ الأمر فالمراد به ~~التهديد والتحدي والمثل المذكور في الاية ما كان مثله في البلاغة والنظم ~~أو ما يقاربه؛ لأن البلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز، وأدناها وأوسطها ~~ممكن، فالتحدي وقع بما هو في أعلى طبقة في البلاغة، ولا يجوز أن يكون ~~المراد بالمثل إلا المثل في الجنسية؛ لأن مثله في العين يكون حكايته وذلك ~~لا يقع به تحدي. وانما يرجع إلى ما هو متعارف بينهم في تحدي بعضهم بعضا ~~كمناقضات امرئ القيس وعلقمة، وعمر بن كلثوم والحارث بن حلزة، وجرير ~~والفرزدق وغيرهم. ومعنى { أم } تقرير بصورة الاستفهام، وتقديره بل { ~~يقولون افتراه }. وقال بعضهم: إن الاستفهام محذوف، كأنه قال أيكذبونك أم ~~يقولون افتراه. وهذا ليس بصحيح لأن { أم } ها هنا منقطعة ليست معادلة، ~~وانما يجوز حذف الاستفهام في الضرورة. وقوله { ادعوا من استطعتم من دون ~~الله } أي ادعوهم إلى معاونتكم على المعارضة. وهذا غاية ما يمكن من ~~التحدى والمحاجة. وقوله { بعشر سور مثله } اي مثل سورة منه كل سورة ~~منها. ومعنى { مفتريات } أي مختلقات يقال: افترى واختلق واخترق، وخلق ~~وخرق وخرص واخترص إذا كذب. ### || [11.14] # قيل في المعني بقوله { فإن لم يستجيبوا لكم } قولان: # أحدهما - ان المراد به المؤمنون، والتقدير فان لم يقبلوا إجابتك يا ~~محمد والمؤمنين، ولا يأتون بعشر سور معارضة لهذا القرآن، فليعلم ~~المؤمنون إنما أنزل بعلم الله بهذا الدليل، وهو قول مجاهد والجبائي. # والآخر - أن يكون المراد به المشركين، فالتقدير فان لم يستجب لكم من ~~تدعونهم إلى المعاونة ولا يهيأ لكم المعارضة، فقد قامت عليكم الحجة. # والاستجابة في الاية طلب الاجابة بالقصد إلى فعلها، يقال: استجاب وأجاب ~~بمعنى واحد. والفرق بين الاجابة والطاعة أن الطاعة موافقة للارادة ~~الجاذبة إلى الفعل برغبة أو رهبة، والاجابة موافقة الداعي إلى الفعل من ~~أجل أنه دعا به. # وقوله { أنزل بعلم الله } يحتمل أمرين: احدهما - بعلم الله انه حق من ~~عنده أي عالم به. والآخر - بعلم الله بمواقع تأليفه في علو طبقته. وقوله ~~{ وأن لا إله ms1956 إلا هو } اي فاعلموا أن لا إله إلا هو. وقوله { فهل أنتم ~~مسلمون } معناه هل أنتم بعد قيام الحجة عليكم بما ذكرناه من كلام الله ~~وانه أنزله على نبيه تصديقا له فيما أداه اليكم عن الله مسلمون له ~~موقنون به؟ لأن كل من سلم له الأمر فقد استسلم له. قال مجاهد: وهذا خطاب ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله من المسلمين. ### || [11.15] # شرط الله تعالى بهذه الآية أن { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } ~~وحسن بهجتها، ولا يريد الآخرة، فان الله تعالى يوفيه جزاء عمله فيها يعني ~~في الدنيا، ولا يبخسه شيئا منه. والزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو ~~حلية أو هيئة، يقال: زانه يزينه وزينه تزيينا. والتوفية تأديه الحق على ~~تمام. والبخس نقصان الحق، يقال: بخسه بخسا إذا ظلمه بنقصان الحق. وفي ~~المثل (يبخسها حمقاء) وهي باخس. وقيل في العمل الذي يوفون حقهم من غير ~~بخس قولان: أحدهما - قال الضحاك ومجاهد: هو أن يصل الكافر رحمه أو يعطي ~~سائلا سأله أو يرحم مضطرا أو غير ذلك من أفعال الخير، فان الله تعالى ~~يعجل له جزاء عمله في الدنيا بتوسيع الرزق، وإقرار العين فيما خول، ~~ودفع مكاره الدنيا. الثاني - الغزو مع النبي صلى الله عليه وآله للغنيمة ~~دون ثواب الاخرة، أمر الله نبيه أن يوفيهم قسمهم وهذا من صفة المنافقين، ~~ذكره الجبائي. وانما جاز أن يقول { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم } ولم يجز أن تقول: من جاءني اكرمه، لأن الاجود في الشرط ~~والجزاء أن يكونا مستقبلين أو يكونا ماضيين بنية الاستقبال، فان كان ~~أحدهما ماضيا، والآخر مستقبلا كان جائزا على ضعف كما قال زهير: # ومن هاب أسباب المنايا تنلنه # ولو رام أسباب السماء بسلم # قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال الفراء: إن المعنى من يرد الحياة الدنيا ~~و { كان } زائدة. والثاني إن المعنى أن يصح أنه كان، كقوله # إن كان قميصه قد من دبر فكذبت # ولا يجوز مثل هذا في غير { كان } لأنها أم الأفعال. ### || [11.16] # قوله ms1957 { أولئك } كناية عن الذين ذكرهم في الاية الأولى، وهم الذين يريدون ~~الحياة الدنيا وزينتها، دون ثواب الاخرة. فأخبر الله أنه ليس لهم في ~~الآخرة مستقر إلا النار، وأن أعمالهم كلها محبطة لا يستحقون عليها ~~ثوابا؛ لأنهم أوقعوهاعلى غير الوجه المأمور به، وعلى حد لا تكون طاعة، ~~وأن جميع ما فعلوه في الدنيا باطل لا ثواب عليه. وقد بينا فساد القول ~~بالاحباط على ما يذهب اليه المعتزلة وأصحاب الوعيد، سواء قالوا الاحباط ~~بين الطاعة والمعصية أو بين المستحق عليها، فلا معنى للتطويل بذكره ها ~~هنا. وقوله { وباطل ما كانوا يعملون } بعد قوله { حبط ما صنعوا فيها } ~~يحقق ما نقوله: إن نفس الاعمال تبطل بأن توقع على خلاف الوجه الذي يستحق ~~به الثواب. ### || [11.17] # الالف في قوله { أفمن كان } ألف استفهام، والمراد بها التقرير، والتقدير ~~هل الذي كان على بينة - يعني برهان وحجة من الله - والمراد بالبينة ها ~~هنا القرآن والمعني بقوله { أفمن كان على بينة } النبي صلى الله عليه ~~وآله وكل من اهتدى به واتبعه. وقوله { ويتلوه شاهد منه } قيل في معناه ~~أقوال: أحدها - شاهد من الله هو محمد صلى الله عليه وآله. وروي ذلك عن ~~الحسين بن علي عليهما السلام وذهب اليه ابن زيد واختاره الجبائي. والثاني ~~- قال ابن عباس ومجاهد وابراهيم والفراء والزجاج: جبرائيل يتلو القرآن ~~على النبي صلى الله عليه وآله. والثالث - شاهد منه لسانه، روي ذلك عن ~~محمد بن علي أعني ابن الحنفية، وهو قول الحسن وقتادة والرابع - روي عن ~~أبي جعفر محمد ابن علي بن الحسين عليهم السلام أنه علي بن ابي طالب عليه ~~السلام ورواه الرماني، وذكره الطبري باسناده عن جابر بن عبد الله عن علي ~~عليه السلام. وذكر الفراء وجها خامسا - قال: ويتلوه يعني القرآن يتلوه ~~شاهد هو الانجيل، ومن قبله كتاب موسى يعني التوراة. والمعنى ويتلوه في ~~الحجة والبينة. وقوله { ومن قبله كتاب موسى } الهاء في { قبله } عائدة ~~على القرآن المدلول عليه فيما تقدم من الكلام، والمعنى أنه يشهد به ~~بالبشارة التي فيه. ms1958 وقوله { إماما ورحمة } العامل فيه أحد امرين: احدهما ~~- الظرف في قوله ومن قبله. والثاني - وشاهد من قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة، وخبر { من } في قوله { أفمن كان على بينة من ربه } محذوف والتقدير ~~أفمن كان على بينة من ربه وعلى الأوصاف التي ذكرت كمن لا بينة معه، قال ~~الشاعر: # وأقسم ولو شيء أتانا رسوله سواك # ولكن لم نجد عنك مدفعا # وأنشد الفراء: # فما أدري إذا يممت وجها # أريد الخير أيهما يليني # آلخير الذي أنا أبتغيه # أم الشر الذي لا يأتليني # قال: أيهما، وإنما ذكر الخير وحده، لأن المعنى مفهوم، لأن المبتغي للخير ~~متق للشر. وقال قوم خبره قوله { من كان يريد الحياة الدنيا } وقد تقدمه، ~~واستغني به. وقوله { أولئك يؤمنون به } كناية عمن كان على بينة من ربه ~~أنهم يصدقون بالقرآن ويعترفون بأنه حق. وقوله { ومن يكفر به من الاحزاب ~~فالنار موعده } معناه إن كل من يجحده ولا يعترف به من الاحزاب الذين ~~اجتمعوا على عداوته. وقال الفراء: يقال كل كافر حزب النار { والنار موعده ~~} يعني مستقره وموعده { فلا تك } يا محمد صلى الله عليه وآله في شك من ~~ذلك، فالخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع ~~المكلفين. وقوله { إنه الحق من ربك } اخبار منه تعالى بأن هذا الخبر الذي ~~ذكره حق من عند الله. ولكن اكثر الناس لا يعلمون صحته وصدقه لجهلهم بالله ~~وجحدهم نبوة نبيه صلى الله عليه وآله. وروي أن الحسن قرأ { في مرية } بضم ~~الميم، وهي لغة أسد وتميم، وأهل الحجاز يكسرون الميم وعليه القراء. ### || [11.18] # قال الحسن معنى قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } لا أحد أظلم ~~منه إلا انه خرج مخرج الاستفهام مبالغة في انه أظلم لنفسه من كل ظالم، ~~وانما كان المفتري على الله كذبا أظلم من كل ظالم، لأنه يجحد نعم الله ~~ولا يشكرها. وقوله { أولئك يعرضون على ربهم } اخبار منه تعالى أن من هذه ~~صفته يعرض على الله يوم القيامة. والعرض إظهار الشيء بحيث يرى ms1959 للتوقيف ~~على حاله يقال: عرضت الكتاب على فلان، وعرض الجند على السلطان، ومعنى ~~العرض على الله أنهم يقفون في المقام الذي يرى العباد، وقد جعله الله ~~تعالى للمطالبة بالاعمال فهو بمنزلة العرض في الحقيقة، لأنهم لا يخفون ~~عليه في حال من الأحوال بل هو تعالى يراهم حيث كانوا. وقوله { ويقول ~~الأشهاد } يعني الملائكة والأنبياء والعلماء، يشهدون بما كان منهم من ~~الكذب عليه تعالى. وقيل: هو جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، وقيل: جمع شهيد ~~كشريف وأشراف. وقوله { ألا لعنة الله على الظالمين } تنبيه من الله تعالى ~~لخلقه بأن لعنته على الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بادخال الضرر عليها ~~وعلى غيرهم بادخال الآلام عليهم. ولعنة الله إبعاده من رحمته. ### || [11.19] # وصف الله تعالى الظالمين الذين جعل لعنة الله عليهم بأنهم يصدون عن سبيل ~~الله بمعنى أنهم يغرون الخلق ويصرفونهم عن المصير اليه واتباعه، بغير ~~الحق، ويجوز أن يكون صده عن الفساد بدعائه إلى تركه، والصد عن الحق سبب ~~الامتناع منه إذا صادف منه ما يهواه، فيفعله من أجل ذلك الداعي، وانما ~~جاز تمكين الصاد من الفساد لأنه مكلف للامتناع. وليس في منعه لطف بأن ~~ينصرف عن الفساد إلى الصلاح، فهو كشهوة القبيح الذي به يصح التكليف. قال ~~ابو علي: ولو لم يكن إغواء الشيطان إضلالا لعمل من قبل نفسه ذلك أو شرا ~~منه. وقوله { يبغونها عوجا } معناه إنهم يطلبون لسبيل الله عدولا عنه. ~~والعوج العدول عن طريق الصواب، وهو في الدين عوج بالكسر، وفي العود عوج ~~بالفتح، فرقوا بين ما يرى وبين ما لا يرى فجعلوا السهل للسهل والصعب ~~للصعب بالفتح والكسر. والبغية طلبة أمر من الأمور تقول: بغاه يبغيه بغية ~~مثل طلبه يطلبه طلبة. وقوله { وهم بالآخرة هم كافرون } إخبار منه تعالى ~~أن هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله كافرون بالآخرة وبالبعث والنشور ~~والثواب والعقاب أي جاحدون غير مقرين. وقوله { وهم بالآخرة هم كافرون } ~~كرر (هم) مرتين كما قال # أيعدكم أنكم اذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون # كرر (أنكم) مرتين، ووجه ms1960 ذلك أنه لما طال الكلام وفارق فعله كرره مرة ~~أخرى. ### || [11.20] # أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأن عليهم لعنة الله وأنهم ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا بأنهم غير { معجزين في الأرض } ~~أي لم يكونوا فائتين فيها هربا من الله تعالى إذا اراد إهلاكهم كما يهرب ~~الهارب من عدو، وقد جد في طلبه. والاعجاز الامتناع من المراد بما لا يمكن ~~معه إيقاعه، وانهم لم يكن لهم ولي يستطيع الدفاع عنهم من دون الله. ~~والولي الخصيص بأن يلي بالمعاونة لدفع الاذية، ومنه قولهم: تولاك بحفظه، ~~فلا ولي لهؤلاء يعاونهم ويدفع العقوبة عنهم، لأن الله تعالى قد أيأسهم من ~~ذلك. وقوله { يضاعف لهم العذاب } قيل في معناه قولان: احدهما - بحسب ~~تضاعف الاجرام. والآخر - كلما مر ضعف جاء ضعف، وكله على قدر الاستحقاق. ~~وقوله { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } معناه انه كان يثقل ~~عليهم سماع الحق ورؤيته، كما يقال: فلان لا يستطيع النظر إلى فلان، ~~وحقيقة الاستطاعة القوة التي تنطاع بها الجارحة للفعل، ولذلك لا يقال في ~~الله انه يستطيع. وليس المراد بنفي الاستطاعة في الاية نفي القدرة بل ما ~~ذكرناه، لأنه لو لم يكن فيهم قدرة لما حسن تكليفهم. وقد ذكر الفراء فيه ~~وجها مليحا، فقال: المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ~~ولا يعقلون، وحذف الباء كما قال # أليم بما كانوا يكذبون # اي بتكذيبهم وسقوط الباء جائز، كما قال # أحسن ما كانوا يعملون # ويقول القائل: لأجزينك ما عملت، وبما عملت. واختار ذلك البلخي. والسمع ~~إدراك الصوت بما به يكون مسموعا. والابصار إدراك الشيء بما به يكون ~~مبصرا. ### || [11.21] # ثم أخبر عنهم بخبر آخر، وهو أنهم { الذين خسروا أنفسهم } من حيث أنهم ~~فعلوا ما يستحقون به العذاب وهلكوا بذلك في خسران أنفسهم، وخسران النفس ~~اعظم الخسران، لأنه ليس عنها عوض، وعن هلاك رأس المال عوض، فسلامة النفس ~~أجل فائدة، وما كان بعده من نفع فهو ربح. وقوله { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } قيل في معناه ms1961 قولان: أحدهما - ذهب عنهم الانتفاع بالافتراء كما ~~كانوا في الدنيا والثاني - ذهب عنهم الأوثان التي كانوا يأملون بها ~~الانتفاع - في قول الحسن - و { أولئك } اشارة إلى البعيد، (وهؤلاء) إشارة ~~إلى القريب وأولاء مبني على الكسر، لأنه اسم للجمع بمنزلة الواحد والكاف ~~في { أولئك } حرف يدل على أن الكلام الذي معه مخاطبا به. ووجه اتصال { ~~ما } في الآية أن { أولئك } إشارة إلى من تقدم ذكره و { الذين } صفة لهم ~~وهو موصول و { خسروا } صلته و { أنفسهم } معمول الصلة و { ضل } معطوف على ~~الصلة و { كانوا } صلة فاعل معطوف الصلة و { يفترون } خبر صلة فاعل معطوف ~~الصلة، وهو تمام (الاسم). ### || [11.22] # معنى { لا جرم } قال الزجاج: معنى { لا } نفي لما ظنوه أنه ينفعهم كأن ~~المعنى لا ينفعهم ذلك. ثم ابتدأ { جرم أنهم } أي كسب ذلك الفعل لهم ~~الخسران. وقال غيره: معناه لا بد انهم، ولا محالة أنهم. وقيل: معناه حقا ~~أنهم. واصل (الجرم) القطع فكأنه قال لا قطع من انهم في الاخرة هم ~~الاخسرون و (جرم) في قوله { لا جرم } فعل، وتقديره لا قطع قاطع عن ذا، ~~إلا أنهم كثر في كلامهم حتى صار كالمثل وهو من قول الشاعر: # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # اي قطعتهم إلى الغضب، فرواية الفراء نصب فزارة، والمعنى كسبهم أن ~~يغضبوا. وخسران النفس يتعاظم، لأن خسران النفس بعذاب دائم أعظم من ~~خسرانها بعذاب منقطع، و (هم) في قوله { هم الأخسرون } يحتمل أن يكون فصلا ~~والأخسرون خبر (أن) و (هم) إذا كانت فصلا لم تقع في النكرة. وقولهم: ما ~~كانوا في الدار هم القائمون. فلا يكون إلا اسما، فان جعلتهما فصلا قلت: ~~كانوا في الدار هم القائمون. ### || [11.23] # لما ذكر الله تعالى الكفار، ووصف ما أعد لهم من العذاب وخسران النفس ~~أخبر - هنا - أن الذين يؤمنون بالله ويعتقدون وحدانيته ويصدقون رسله، ~~وعملوا الأعمال الصالحة التي أمرهم الله بها ورغبهم فيها { وأخبتوا إلى ~~ربهم } أي خشعوا اليه. والاخبات الخشوع المستمر على استواء فيه، وأصله ms1962 ~~الاستواء من الخبت، وهو الأرض المستوية الواسعة. وقيل: إن الاخبات ~~الانابة - ذكره ابن عباس - وقال مجاهد: هو الاطمئنان إلى ذكر الله. وقال ~~قتادة: هو الخشوع اليه والخضوع له. وقال الحسن: هو الخشوع للمخافة ~~الثابتة في القلب. وقال الجبائي: الاخبات سكون الجوارح على وجه الخضوع ~~لله تعالى. وليس كل عمل صالح يستحق عليه حمد أو مدح، لأنه مثل الحسن في ~~أنه ينقسم قسمين: أحدهما - يستحق عليه الحمد. والآخر - لا يستحق عليه ~~كالمباح، فكذلك الصالحات. والمراد بالصالحات - ها هنا - الطاعة، لأنه وعد ~~عليها الجزاء في قوله # إن الحسنات يذهبن السيئات # وقوله { وأخبتوا إلى ربهم } قال قوم: معناه اخبتوا لربهم، فوضع (إلى) ~~مكان اللام؛ لأن حروف الاضافة توضع بعضها مكان بعض، كما قال # أوحى لها # بمعنى أوحى اليها. والآخر - أن معناه عمدوا باخباتهم إلى الله. وقوله { ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } إشارة إلى المؤمنين الذين وصفهم ~~بأنهم يعملون الصالحات ويخبتون إلى ربهم، فاخبر عنهم أنهم أصحاب الجنة ~~اللازمون لها وأنهم فيها مخلدون دائمون. ### || [11.24] # المثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول، والأمثال لا تغير عن ~~صورتها كقولك للرجل (اطرى انك ناعلة) وكذلك يقال للكافر: هو أعمى أصم أي ~~هو بمنزلة الذين قيل لهم هذا القول، ويجري هذا في كل كافر يأتي من بعد. # و (الواو) في قوله { كالأعمى والأصم } قيل في دخولها قولان: # أحدهما - العموم في التشبيه أي حال الكافر كحال الأعمى وكحال الأصم ~~وكحال من جمع العمى والصمم. # الثاني - أن المعنى واحد، وإنما دخلت الواو لاتصال الصفة الأولى بعلامة. # وإنما قال: هل يستويان، لأنه أراد الفريقين: الموصوف أحدهما بالصمم ~~والعمى، والاخر بالبصر والسمع. وفائدة الآية تشبيه المؤمن والكافر في ~~تباعد ما بينهما فشبههما، بالاعمى والبصير، والأصم والسميع، فالكالفر ~~كالاعمى والاصم في أنه لا يبصر طريق الرشد، ولا يسمع الحق، وأنه مع ذلك ~~على صفة النقص. والصمم عبارة عن فساد آلة السمع، ولو كان معنى يضاد السمع ~~لتعاقبا على الحي، والأمر بخلافه، لأنه قد ينتفي حال الصمم ولا يكون ~~سامعا، ms1963 وكذلك العمى عبارة عن فساد آلة الرؤية، وليس بمعنى يضاد الابصار، ~~لأن الصحيح أن الادراك أيضا ليس بمعنى، ولو كان معنى لما وجب أن يكون ~~العمى ضده. لأنه لو كان ضده لعاقبه على حال الحي وكان يجوز أن يحضر ~~المرئي من الاجسام الكثيفة من غير ساتر فلا يرى مع حصول شروط الادراك ~~لأجل وجود الضد، وكذلك الصمم، ولا ضد له لأنه ليس هناك حال يعاقبه على ~~حال مخصوصة كمعاقبة العجز القدرة على حال الحياة. وقوله { هل يستويان ~~مثلا } وإن كان بصورة الاستفهام فهو لضرب من التوبيخ والتقريع. وقوله { ~~أفلا تتفكرون } معناه أفلا تتفكرون في ذلك فتعلموا صحة ما ذكرنا. ### || [11.25-26] # قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة { إني } بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. # قال أبو علي النحوي. من فتحها حملها على { أرسلنا } أي أرسلناه بأني لكم ~~ولم يقل إنه، لأنه انتقل عن الغيبة إلى الخطاب، ومثله كثير، قال الله ~~تعالى { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة } ثم قال بعده # فخذها بقوة # فكذلك الآية. ومن كسر يضمر القول قبلها كأنه قال: أرسلنا نوحا إلى قومه ~~فقال: إني لكم نذير، ومثله كثير، قال الله تعالى # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم # اي يقولون: سلام عليكم، وقوله تعالى # والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى # أي قالوا: ما نعبدهم، ويكون الكلام على ظاهره لم يرجع من الغيبة إلى ~~الخطاب. وليس لأحد أن يرجع القراءة بالفتح من حيث أن ما بعده من قوله { ~~أن لا تعبدوا إلا الله } محمول على الارسال، فاذا فتحت كان أشكل بما ~~بعدها لحملهما جميعا على الارسال. وذلك أن من كسر حمل قوله { إني لكم } ~~وما بعده على الاعتراض بين المفعول وما يتصل به مما بعده، كما أن قوله { ~~إن الهدى هدى الله } اعتراض بينهما في قوله # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم # فكذلك قوله { إني لكم نذير مبين } لان التقدير ولقد ms1964 أرسلنا نوحا لانذار ~~أن لا تعبدوا الا الله إني أنذركم لتوحدوا الله وأن تتركوا عبادة غيره. # أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل نوحا وأمره أن يقول لهم: إني ~~مؤد عن الله ومخوفكم من عقابه وترك طاعاته، لأن اللام في قوله { لقد } ~~لام القسم، وهي تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه ~~معه، ولام الابتداء للاسم خاصة. ومعنى (قد) وقوع الخبر على وجه التقريب ~~من الحال تقول: قد ركب الامير - لقوم يتوقعون ركوبه -. # وقوله { أن لا تعبدوا إلا الله } يحتمل أن يكون موضع { تعبدوا } من ~~الاعراب نصبا، والمعنى أن لا تعبدوا الا الله، ويجوز أن يكون موضعه ~~جزما على تقدير أي لا تعبدوا. ويحتمل أن يكون متعلقا بقوله { أرسلنا } ~~وتقديره أرسلنا بأن لا تعبدوا الا الله، على ما بينا من الاعتراض وحملها ~~جميعا على الارسال. # وقوله { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } أي مؤلم عذابه وانما قال عذاب ~~يوم اليم بالجر ومعناه مؤلم، لأن الألم يقع في اليوم، فكأنه سبب الألم. ~~ولو نصبته على أن يكون صفة للعذاب كان جائزا، ولم يقرأ به أحد. وانما ~~بدئ بالدعاء إلى العبادة دون سائر الطاعات، لأنها أهم ما يدعى اليه من ~~خالف الحق فيه ولأنه يجب أن يفعل كل واحدة من الطاعات على وجه الاخلاص ~~والعبادة فيها لله. وانما قال { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } مع أن ~~عذاب الكافر معلوم لأنه يخاف ما لم يعلم ما يؤل اليه أمرهم من ايمان أو ~~كفر، وهذا لطف في الاستدعاء وأقرب إلى الاجابة في غالب أمر الناس. ### || [11.27] # قرأ أبو عمرو { بادئ الرأي } بالهمز في بادي. الباقون بلا همز. # قال ابو علي: حدثنا محمد بن السدي أن اللحياني قال: يقال: أنت بادي ~~الرأي تريد ظلمنا لا يهمز (بادي) وبادئ الرأي مهموز. فمن لم يهمز أراد ~~أنت أول الرأي ومبتدؤه وهما في القرآن. وقال أبو علي: من قال (بادي ~~الرأي) بلا همز جعله من بدو الشيء وهو ظهوره، وما اتبعك إلا أراذل ms1965 فيما ~~ظهر لهم من الرأي اي لم يفعلوه بنظر فيه ولا بتبين له. ومن همز أراد ~~اتبعوك في أول الامر من غير فكر فيه ولا روية، والقراءتان متقاربتان، لأن ~~الهمز في اللام منها ابتداء الشيء وأوله وابتداء الشيء يكون ظهورا، وان ~~كان الشيء الظاهر قد يكون مبتدأ وغير مبتدأ، فلذلك يستعمل كل واحد منهما ~~مكان الآخر يقولون: انا بادي بدا وبادئ بدء، فاني أحمد الله. # أخبر الله تعالى في هذه الآية عن جماعة الرؤساء من قوم نوح الذين كفروا ~~وجحدوا نبوته أنهم قالوا له { ما نراك إلا بشرا مثلنا } والبشر مأخوذ من ~~ظهور البشرة، لأن الغالب على الحيوان غير الانسان أن يلبس البشرة منه ~~بالصوف أو الشعر أو الريش أو الصدف. والانسان مأخوذ من النسيان، لأنهم ~~يصغرونه إنيسيان ويجوز أن يكون من الأنسان الا أنهم زادوا الياء في ~~التصغير. والمثل ما سد مسد غيره في الجنس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهد لسد ~~مسده كما يسد الاسود مسد الاسود في الجنس من غير فضل. وقوله { ما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا } حكاية أيضا عما قاله قوم نوح من أنه ما ~~نرى من اتبعك الا أنه رذل خسيس حقير من جماعتنا تقول: رذل وجمعه أرذل، ~~وجمع الجمع أراذل مثل كلب وأكلب وأكالب والعامل في { الذين } قوله { ~~اتبعك } كأنه قال ما اتبعك الا الذين هم أراذلنا ونراك ملغى، ذكره ~~الفراء. قال ابو علي النحوي: هو نصب على الحال، والعامل فيه { اتبعك } ~~وأخر الظرف وأوقع بعد { إلا } ولو كان غيره لم يجز، لأن الظرف اتسع فيه ~~في مواضع. ومعنى { بادئ الرأي } أول الرأي ما نراهم. والرأي والرؤية من ~~قوله # يرونهم مثليهم رأي العين # وهو نصب على المصدر كقولك ضربته أول الضرب. وقال الزجاج: نصبه ب { ~~اتبعوك أول الرأي } من غير فكر كأنه قيل اتبعوك رأيا غير سديد، ومن قرأ ~~بادي الرأي بلا همز اراد ظاهر الرأي قال الشاعر: # وقد علتني ذرأة بادي بدي # وريثة تنهض في تشددي # وقال آخر: # اضحى لخالي شبهي بادي ms1966 بدي # وصار للفحل لساني ويدي # وقوله { وما نرى لكم علينا من فضل } تمام الحكاية عن كفار قوم نوح وانهم ~~قالوا لنوح: إنا لا نرى لك ولا مثالك علينا زيادة خير، لأن الفضل هو ~~زيادة الخير، وانما قالوا ذلك، لأنهم جهلوا في طريقة الاستدلال. وقوله { ~~بل نظنكم كاذبين } ايضا تمام الحكاية عن كفار قومه أنهم قالوا له ولمن ~~آمن معه هذا القول. ### || [11.28] # قرأ حمزة والكسائي وحفص { فعميت } بضم العين وتشديد الميم. الباقون ~~بتخفيف الميم وفتح العين. وقال ابو علي: من قرأ { فعميت } بالتخفيف ~~فلقوله # فعميت عليهم الأنباء يومئذ # وهذه مثلها. ويجوز في قوله { فعميت } أمران: احدهما - ان يكون عموا هم، ~~الا ترى ان الرحمة لا تعمى وانما يعمى عنها، فيكون هذا من المقلوب، ~~كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت الخاتم في أصبعي ونحو ذلك مما ~~يقلب إذا زال الاشكال. والاخر - ان يكون معنى عميت خفيت كقول الشاعر: # ومهمه أطرافه في مهمه # أعمى الهدى في الحائرين العمه # أي خفي الهدى ألا ترى أن الهدى ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، وقد قيل ~~للسحاب: العمى لخفاء ما يخفيه، كما قيل له: الغمام ومن ذلك قول زهير: # ولكنني عن علم ما في غد عمي # ومن شدد اعتبر قراءة الاعمش فانه قرأها فعماها عليهم. وروى ذلك الفراء ~~عن أبي، والمعنيان متقاربان. قال الفراء: يقال عمى علي الخبر وعمي بمعنى ~~واحد. # حكى الله تعالى عن نوح ما قاله لقومه جوابا عما قالوه له مما حكيناه ~~فانه { قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } أي برهان وحجة من المعجزة ~~التي تشهد بصحة النبوة. وخصهم بهذا إذ هو طريق العلم بالحق لا ما التمسوا ~~من اختلاف الخلق. وقوله { آتاني رحمة من عنده } يرد عليهم ما ادعوه من ~~أنه ليس له عليهم فضل، فبين ذلك بالهداية إلى الحق من جهة البرهان المؤدي ~~إلى العلم. وقوله { فعميت } يحتمل امرين: احدهما - خفيت عليكم، لأنكم لم ~~تسلكوا الطريق المؤدي اليها. والاخر - ان يكون المعنى عميتم عنها، واضاف ~~العمى إلى البينة ms1967 لما عموا عنها لضرب من المجاز؛ لأن المعنى ظاهر في ذلك، ~~كما يقال: ادخلت الخاتم في يدي والقلنسوة في راسي، والمراد ادخلت يدي في ~~الخاتم ورأسي في القلنسوة. ومن قرأ بتشديد الميم وضم العين أضاف التعمية ~~إلى غيرهم ممن صدهم عن النظر فيها واغواهم في ذلك من الشياطين والمضلين ~~عن الحق. # وقوله { أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } أنضطركم إلى موجب البينة مع ~~العلم مع كراهتكم لذلك فيبطل تكليفكم الاستدلال بالبينة المؤدية إلى ~~المعرفة أي أضطركم إلى حال الضرورة. ووجه آخر - وهو أن يكون المراد إن ~~الذي علي أن أدل بالبينة، وليس علي أن أضطركم إلى المعرفة. # وفي قوله { أنلزمكموها } ثلاث مضمرات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وضمير ~~الغائب، وهو أحسن ترتيب: بدأ بالمتكلم، لانه اخص بالفعل ثم بالمخاطب ثم ~~بالغائب، ولو اتى بالمنفصل لجاز لتباعده عن العامل بما فرق بينه وبينه، ~~فاشبه ما ضربت إلا إياك، وما ضربني إلا انت. وأجاز الفراء { أنلزمكموها } ~~بتسكين الميم جعله بمنزلة عضد وعضد وكبد وكبد. ولا يجوز ذلك عند ~~البصريين، لأن الاعراب لا يلزم فيه النقل كما يلزم في بناء الكلمة، وإنما ~~يجيزون مثل ذلك في ضرورة الشعر كقول امرئ القيس: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واعل # وقال آخر: # وناع يخبرنا بمهلك سيد # تقطع من وجد عليه الانامل # وقال آخر: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم ### || [11.29] # في هذه الآية حكاية ما قال نوح لقومه أي لا أطلب منكم مالا أجرا على ~~الرسالة ودعائكم إلى الله فتمتنعون من إجابتي بل أجري وثوابي في ذلك على ~~الله. # وقوله { وما أنا بطارد الذين آمنوا } معناه إني لست أطرد المؤمنين من ~~عندي ولا أبعدهم على وجه الاهانة. وقيل: انهم كانوا سألوه طردهم ليؤمنوا ~~أنفة أن يكونوا معهم على سواء، ذكره ابن جريح والزجاج - وقوله { إنهم ~~ملاقوا ربهم } اخبار بأن هؤلاء المؤمنين ملاقوا جزاء ربهم بعقاب من ~~طردهم. في قول الزجاج. وقوله { ولكني أراكم قوما تجهلون } معناه أراكم ~~تجهلون انهم خير منكم لايمانهم بربهم وكفركم به. # وقال قوم: ms1968 إنهم قالوا له إن هؤلاء اتبعوك طمعا في المال على الظاهر دون ~~الباطن، فقال لهم نوح انهم ملاقوا جزاء اعمالهم فيجازيهم على ما يعلم من ~~بواطنهم وليس لي الا الظاهر احملهم على ظاهر الايمان فانتم تجهلون ذلك. ### || [11.30] # ثم قال لهم نوح عليه السلام { يا قوم } وأراد به الجماعة الذين يقومون ~~بالأمر و { قوم } اسم جمع لا واحد له من لفظه. { من ينصرني من الله } أي ~~من يمنعني من الله، يقال: نصره من كذا يعني منعه منه، ونصره عليه بمعنى ~~أعانه عليه حتى يغلب، ونصره إلى كذا بمعنى نصره معه، ومنه قوله # من أنصاري إلى الله # ويجوز أن يقدر الله الكافر على الكفر، ولا يجوز أن ينصره عليه لأن ~~النصرة على الشيء زيادة في القوة ليقع ذلك الشيء، وهذا لا يجوز على الله. ~~والقدرة تصلح للضدين على منزلة سواء ولا دليل فيها على ارادة احدهما. # وقوله { أفلا تذكرون } معناه أفلا تتفكرون، فتعلمون أن الامر على ما ~~قلته. وفرق الطبري بين التذكر والتفكر بأن قال: التذكر طلب معنى قد كان ~~حاضرا للنفس و (التفكر) طلب معرفة الشيء بالقلب وان لم يكن حاضرا ~~للنفس. # و (النصرة) المذكورة في الآية ليست من الشفاعة في شيء، لأن النصرة هي ~~المنع على وجه المغالبة والقهر. والشفاعة هي المسألة على وجه الخضوع. ~~وليس لأحد ان يستدل بذلك على نفي الشفاعة للمذنبين. ### || [11.31] # في هذه الآية تمام الحكاية عما قال نوح لقومه وحاجهم به، وهو أن قال لهم ~~مضافا إلى ما مضى حكايته { ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول إني ملك } والمعنى إني لا أرفع نفسي فوق قدرها، فأدعي أن عندي ~~خزائن الله من الأموال فأعطيكم منها وأستطيل عليكم بها، أو أقول إني أعلم ~~الغيب، أو أقول لكم إني ملك روحاني غير مخلوق من ذكر وأنثى بخلاف ما ~~خلقني الله، بل أنا بشر مثلكم وانما خصني الله بالرسالة وشرفني بها. وقيل ~~معنى خزائن الله مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء. وفي وصفها ms1969 بذلك بلاغة. ~~وقيل { لا أقول لكم عندي خزائن الله } فادعوكم إلى أن أعطيكم منها، ذكره ~~ابن جريح. و { الغيب } ذهاب الشيء عن الادراك، ومنه الشاهد خلاف الغائب. ~~واذا قيل: علم الغيب معناه علم من غير تعلم، وهو جميع الغيب، وعلى هذا لا ~~يعلم الغيب إلا الله تعالى. وقوله { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } أي ~~لست أقول للذين احتقرتهم اعينكم. و (الازدراء) الافتعال من الزراية، ~~يقال: زريت عليه إذا عبته، وازريت عليه اذا قصرت به، والازدراء الاحتقار. ~~وقوله { لن يؤتيهم الله خيرا } معناه لا اقول لهؤلاء المؤمنين الذين ~~احتقرتموهم انهم لا يعطيهم الله في المستقبل خيرا من أعمالهم، ولا ~~يثيبهم عليها، من حيث لا علم لي بباطنهم بل الله اعلم بما في انفسهم، هل ~~هم مؤمنون في باطنهم ام لا، ومتى قلت لا يعطيهم خيرا كنت اذا من ~~الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم. ### || [11.32] # في هذه الآية حكاية عما قال قوم نوح لنوح جوابا عما قاله لهم فيما تقدم ~~{ يا نوح قد جادلتنا } اي خاصمتنا وحاججتنا فأكثرت مجادلتنا، وروي فاكثرت ~~جدلنا - والمعنى واحد، فلسنا نؤمن لك { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن ~~كنت من الصادقين } فيما تقوله على الله تعالى. وحقيقة المجادلة المقابلة ~~بما يقبل الخصم من مذهبه بالحجة أو شبهه، وهو من الجدل لشدة الفتل، ويقال ~~للصقر أجدل، لأنه أشد الطير. و (الاكثار) الزيادة على مقدار الكفاية. و " ~~الاقلال " النقصان عن مقدار الكفاية. والفرق بين الجدال والحجاج: ان ~~المطلوب بالحجاج ظهور الحجة، والمطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب. والمراء ~~مذموم لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهور الحق كمري الضرع بعد دروره، وليس ~~كذلك الجدال. وفي الآية دلالة على حسن الجدال في الدين، لأنه لو لم يكن ~~حسنا لما استعمله نوح مع قومه، لأن الأنبياء لا يفعلون إلا ما يحسن ~~فعله. ### || [11.33] # فأجابهم نوح عليه السلام عما قالوه فقال: إنما يأتي بالعذاب الله تعالى ~~دون غيره يأتي به متى يشاء، ولستم تفوتونه هربا. ومعنى { إنما } اختصاص ~~ما ذكر لمعنى دون غيره، تقول: ms1970 إنما زيد كريم أي هو كريم دون غير. وإنما ~~دخل { إنما } بمعنى الاختصاص بالمذكور دون غيره؛ لأنها لتحقيق المعنى: ~~ومن تحقيقه أن يكون لها دون غيره إذ المشرك لم يحقق على شيء بعينه، وإذا ~~دخلت { إنما } هذه على (اسم) كان الاسم مرفوعا، لأن (ما) كافة للعامل، ~~ولولا ذلك لما دخلت على الفعل، والاعجاز هو الفوت بالهرب. وفي الاية ~~دلالة على أن المجادلة تقوم بها الحجة على مخالف الحق، لأنه لو لم تقم ~~بها الحجة ما جادلهم نوح ولما قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله # وجادلهم بالتي هي أحسن ### || [11.34] # هذه الآية عطف على قول نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله إن شاء ولستم ~~تفوتونه، { ولا ينفعكم نصحي } ويحتمل قوله { يريد أن يغويكم } أمرين: # احدهما - ان كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم ثوابه، ~~ويعاقبكم لكفركم به، ولا ينفعكم نصحي يقال: غوى يغوي غيا، ومنه قوله ~~تعالى # فسوف يلقون غيا # أي خيبة وعذابا وقال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # فلما كان الله قد خيب قوم نوح من رحمته وثوابه وجنته أعلم نبيه نوحا ~~بذلك في قوله # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # وأنهم سيصيرون إلى خيبة وعذاب، أخبرهم الله بذلك على لسان نبيه، فقال { ~~ولا ينفعكم نصحي } مع إتيانكم ما يوجب خيبتكم والعذاب الذي جره عليكم ~~قبيح أفعالكم، ويريد الله إهلاككم وعقوبتكم على ذلك. وحكي عن طي انها ~~تقول: أصبح فلان غاويا أي مريضا. وحكي عن غيرهم سماعا منهم: أغويت ~~فلانا أهلكته، وغوي الفصيل إذا فقد اللبن فمات: بكسر الواو في الماضي، ~~وفتحها في المستقبل، ومنه قوله تعالى # وعصى آدم ربه فغوى # اي خاب من الثواب الذي كان يحصل له بتركه. # والوجه الثاني - أن يكون جرى على عادة العرب في تسمية العقوبة باسم ~~الشيء المعاقب عليه، فيكون المعنى ان كان الله يريد عقوبتكم على اغوائكم ~~الخلق واضلالكم اياهم، فسمى عقوبته اياهم على اغوائهم اغواء كما قال # وجزاء ms1971 سيئة سيئة # ومكروا ومكر الله # و # الله يستهزئ بهم # ونظائر ذلك كثيرة. ومثله قوله حكاية ابليس # بما أغويتني # فانه يحتمل هذين الوجهين، الأول يحتمل أن يكون فبما خيبتني، والثاني - ~~فبما جازيتني على اغوائي الخلق عن الهدى. ولا يجوز أن يكون المراد بذلك ~~أن يجعلهم كفارا على ما يذهب اليه المجبرة؛ لأن الاغواء بمعنى الدعاء ~~إلى الكفر او فعل الكفر لا يجوز عليه تعالى، لقبحه كقبح الامر بالكفر. ~~والنصح اخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه. والنصح نقيض الغش. وكان ~~نصح نوح لقومه اعلامهم موضع الغي ليتقوه، وموضع الرشد ليتبعوه. وانما شرط ~~النصح بالارادة - في قوله { إن أردت أن أنصح } مع وقوع هذا النصح - ~~استظهارا في الحجة؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح، فقال: لو كان نصحا ~~ما نفع من لا يقبله. وقوله { هو ربكم وإليه ترجعون } اخبار من نوح أن ~~الله الذي عذبكم وخيبكم من رحمته هو الذي خلقكم ويميتكم ثم يردكم بأن ~~يحبيكم ليجازيكم على افعالكم ويعاقبكم على كفركم بنعمه حيث لا ينفعكم ~~استدراك ما فات، ولا ينفعكم الندم على ما مضى. وقال الحسن: معنى الاية ان ~~كان الله يريد أن يعذبكم وينزل بكم عذابه فانتم عند ذلك لا ينفعكم نصحي، ~~لأن الله تعالى لا يقبل الايمان عند نزول العذاب. # وقال بعض العلماء: ان قوم نوح كانوا يعتقدون أن ما هم عليه بارادة الله ~~لولا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه، فقال نوح على وجه الانكار عليهم ~~والتعجب من قولهم: ان نصحي لا ينفعكم ان كان القول كما تقولون وتعتقدونه، ~~حكى ذلك البلخي. ### || [11.35] # معنى قوله { أم يقولون } اخبار من الله تعالى بأن هؤلاء الكفار الذين ~~ليس يقبلون ما أتاهم به من عند الله يقولون: ليس هذا القرآن من عند الله ~~بل افتراه وتخرصه وكذبه على الله، فمعنى { أم } في الاية (بل)، فأمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم: إن افتريته، فعلي اجرامي. ~~وقيل في معناه قولان: احدهما - انه وعيد، بأني ان كنت افتريته فيما ~~اخبرتكم ms1972 به من الخبر عن نوح فعلي عقاب جرمي، وان كانت الاخرى فعليكم عقاب ~~تكذيبي، وستعلمون صدق قولي وأينا الاحق. والثاني - انه قال ذلك على وجه ~~الاحتجاج بصحة امره بأن لا يتقول مثل هذا مع ما فيه من العذاب في الاخرة ~~والعار في الدنيا مع انه ذو امانة وصيانة. وهو في خطاب محمد صلى الله ~~عليه وآله. # وقوله { وأنا بريء مما تجرمون } معناه ليس علي من اجرامكم ضرر وانما ضرر ~~ذلك عليكم فاعملوا بحسب ما يقتضيه العقل من التفكر في هذا المعنى. # والفرق بين افتراء الكذب وبين قول الكذب: ان قول الكذب قد يكون على وجه ~~تقليد من الانسان لغيره، واما افتراؤه فهو افتعاله من قبل نفسه. ومعنى ~~اجرم اذنب ومثله جرم قال النميري حار الزبرقان: # طريد عشيرة، ورهين ذنب # بما جرمت يدي وجنى لساني # ومعنى أجرم اقترف السيئة بفعلها لأنه من القطع، وأذنب اي تشبه بالذنب في ~~السقوط، وجرم وأجرم في المأثم أكثر، قال الشاعر: # كذا الناس مجروم عليه وجارم ### || [11.36] # اخبر الله تعالى في هذه الآية انه اوحى إلى نوح، وقال له انه لن يؤمن ~~احد من قومك في المستقبل اكثر من الذين آمنوا، فلا تبتئس أي لا تغتم ولا ~~يلحقك حزن لاجلهم، يقال ابتأس ابتآسا فهو مبتئس، وقد يكون البؤس الفقر ~~والابتآس حزن في الاستكانة انشد ابو عبيدة. # ما يقسم الله أقبل غير مبتئس # منه وأقعد كريما ناعم البال # واصله البؤس وهو الفقر والمسكنة. ولما اعلم الله نوحا عليه السلام أن ~~أحدا من قومه لا يؤمن فيما بعد، ولا من نسلهم قال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا # ذكره قتادة وغيره. والعقل لا يدل على أن قوما لا يؤمنون في المستقبل ~~وإنما طريق ذلك السمع، وقد يغلب في الظن ذلك مع قيام التجويز، ألا ترى ~~انه يغلب في ظنوننا أن الروم مع كثرتهم لا يؤمنون جملة إلا انه ليس يمتنع ~~مع ذلك أن يؤمنوا، لان الله ms1973 كلفهم الايمان، فلو لم يكن ذلك جائزا لما ~~كلفهم. ### || [11.37] # في هذه الآية اخبار من الله تعالى عما أمر به - عز وجل - نوحا عليه ~~السلام حين أيأسه من ايمان قومه فيما بعد، وأنه مهلكهم بالطوفان. بأن ~~يتخذ الفلك ويصنعها، والصنع جعل الشيء موجودا بعد أن كان معدوما، ومثله ~~الفعل، وينفصلان من الحدوث من حيث أن الصنعة تقتضي صانعا، والفعل يقتضي ~~فاعلا من حيث اللفظ، وليس كذلك الحدوث؛ لأنه يفيد تجدد الوجود لا غير. ~~والصناعة الحرفة التي يكتسب بها، والفلك السفينة، ويكون ذلك واحدا ~~وجمعا، كما قيل في أسد وأسد قالوا: في فلك وفلك، لأن (فعلا وفعلا) ~~جمعهما واحد، ويأتيان بمعنى واحد كثيرا يقال عجم وعجم، وعرب وعرب، ومثله ~~فلك وفلك. والفلك والفلكة يقال لكل شيء مستدير أو شيء فيه استدارة، وتفلك ~~ثدي المرأة إذا استدار، ومنه الفلك. وقوله { بأعيننا } معناه بحيث نراها ~~وكأنها ترى بأعين على طريق المبالغة، والمعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك ~~ويملك دفع السوء عنك. # وقال الجبائي بأعين أوليائنا من الملائكة الذين يعلمونك كيفية عملها، ~~والموكلين بك. وقيل: معناه بعلمنا. وقوله { ووحينا } اي على ما أوحينا ~~اليك من صفتها وحالها. قال ابن عباس: امره الله تعالى ان يبنيها على هيئة ~~جؤجؤ الطائر. ويجوز أن يكون المراد بوحينا اليك أن اصنعها. وقوله { ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } نهي لنوح عليه السلام أن يراجع ~~الله تعالى ويخاطبه ويسأله في امرهم بأن يمهلهم، ويؤخر إهلاكهم، لانه حكم ~~بأهلاكهم وأخبر بأنه سيغرقهم، فلا يكون الأمر بخلاف ما أخبر به. ويجوز ~~الامر بما علم أنه لا يكون، ولا يجوز أن يدعو بما يعلم أنه لا يكون، لأن ~~في ذلك إيهاما بأنه لا يرضى باختياره، وليس كذلك الأمر، لانه يتناول من ~~يجوز عليه هذا المعنى. وكسر { إنهم } على الابتداء. ### || [11.38-39] # أخبر الله تعالى في هذه الاية عن نوح أنه أخذ في عمل السفينة، قال ~~الحسن: كان طولها ألف ذراع ومئتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. وقال قتادة: ~~كان طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها ms1974 خمسين ذراعا، وارتفاعها ثلاثين ذراعا، ~~وبابها في عرضها وقال ابن عباس: كانت ثلاث طبقات طبقة للناس، وطبقة للطير ~~وطبقة للدواب والوحش. # وقوله { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } اخبار من الله عن أشراف ~~قومه ورؤسائهم أنهم كلما اجتازوا به وهو يعمل السفينة هزئوا من فعله. ~~وقيل: إنهم كانوا يقولون: يا نوح صرت نجارا بعد النبوة على طريق ~~الاستهزاء. وقال الرماني: السخرية إظهار خلاف الباطن على جهة يفهم منها ~~استضعاف العقل ومنه التسخير: التذليل استضعافا بالقهر. والفرق بين ~~السخرية واللعب أن في السخرية خديعة واستنقاصا، ولا يكون إلا الحيوان، ~~وقد يكون اللعب بجماد لأنه طلب الفرجة من غير مراعاة لما يعقب، كفعل ~~الصبي. وانما كانوا يسخرون من عمل السفينة، لأنه كان يعملها في البر على ~~صفة من الهول، ولا ماء هناك يحمل مثلها فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من ~~عمله. وقوله { إنا نسخر منكم كما تسخرون } جواب من نوح لهم بأنا نسخر ~~منكم يعني نذمكم على سخريتكم، وسماه سخرية، كما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وقوله # ومكروا ومكر الله # وأطلق عليه إسم السخرية على وجه الازدواج. وقال قوم: معناه إن تستجهلونا ~~في هذا الفعل فانا نستجهلكم، كما تستجهلون، ذكره الزجاج. وقوله { فسوف ~~تعلمون } (سوف) ينقل الفعل عن الحال إلى الاستقبال مثل السين سواء إلا أن ~~فيه معنى التسويف وهو تعليق النفس بما يكون من الامور. وقوله { من يأتيه ~~عذاب } قيل في معنى { من } قولان: أحدهما - أن يكون بمعنى (أي) كأنه قال ~~فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب يخزيه. # الثاني - أن يكون بمعنى الذي، والمعنى واحد، و { من } إذا كانت ~~استفهاما استغنت عن الصلة، وإذا كانت الذي فلا بد لها من الصلة، كما ~~استغنت (كم. وكيف) لأن البيان مطلوب من المسؤل دون السائل. والخزي العيب ~~الذي تظهر فضيحته والعار به، ومنه الذل والهوان. وقوله { ويحل عليه } ~~معناه ينزل عليه. وقال الرماني: الحلول النزول للمقام وهو من الحل خلاف ~~الارتحال. وحلول العرض وجوده في الجوهر من غير شغل حيز. وقوله { عذاب ~~مقيم } أي دائم ms1975 لا يزول. ### || [11.40] # قرأ حفص { من كل زوجين } بتنوين في اللام هنا، وفي المؤمنون. وقال ~~أبوالحسن: يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى # ومن كل شيء خلقنا زوجين # يقال للمرأة زوج، وللرجل زوجها، قال الله تعالى # وخلق منها زوجها # وقال # امسك عليك زوجك # وقال بعضهم زوجة، قال الاخطل: # زوجة أشمط مرهوب بوادره # قد صار في رأسه التخويص والنزع # وقال ابو الحسن: يقال للاثنين هما زوج. قال أبو علي الفارسي: يدل على ان ~~الزوج يقع للواحد، قوله # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين # إلى قوله # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # وقال الكسائي أكثر كلام العرب بالهاء. وقال القاسم بن معن أنه سمعها من ~~العرب من اسد شنوءة، وليس في القرآن بالهاء، وهو أفصح من اثباتها عند ~~البصريين. ومن قرأ بالاضافة كان قوله { اثنين } مفعول الحمل. والمعنى ~~احمل من الأزواج اذا كانت اثنين اثنين زوجين، فالزوجان من قوله { من كل ~~زوجين } يريد بهما الشياع، ولا يراد به الناقص من الاثنين، ومنه قول ~~الشاعر: # فمالك بالأمر الذي لا تستطيع بدارا # ومن نون حذف المضاف من (كل) والمعنى من كل شيء أو من كل زوج زوجين ~~اثنين، فيكون انتصاب اثنين على انه صفة لزوجين، وذكر تأكيدا كما قال # إلهين اثنين # اعلم الله نوحا في هذه الاية ان وقت هلاك قومه الكفار فور التنور، وفي ~~{ التنور } اقوال: منها أن الماء اذا فار من التنور الذي يخبز فيه. وقيل: ~~التنور عين ماء معروفة، وتنور الخابزة وافقت فيه لغة العرب العجم. وقيل: ~~ان التنور وجه الأرض، ذكره ابن عباس، واختاره الزجاج. وقيل التنور تنور ~~الصبح، وروي ذلك عن علي عليه السلام. و { حتى } متعلقة بقوله { واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا.. حتى }. # أخبر الله تعالى أنه لما جاء أمره باهلاك قوم نوح عليه السلام ~~لاستحقاقهم ذلك بالكفر، وفار التنور يعني خروج الماء من موضع لم يعهد ~~خروجه منه علامة لنوح عليه السلام وهو تنور الخبز - في قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد - وقيل: هو تنور آدم عليه ms1976 السلام ويقال: فار إذا ارتفع ما ~~فيه، كما يفور القدر بالغليان، فار يفور فورا وفؤرا. وقال ابن عباس: ~~فار إذا نبع. وقوله { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } إخبار منه ~~تعالى أنه أمر نوحا أن يحمل معه في سفينته من كل جنس زوجين: والزوج واحد ~~له شكل إلا أنه قد كثر على الرجل الذي له امرأة: قال الحسن: في قوله { من ~~كل شيء خلقنا زوجين } فالسماء زوج، والأرض زوج والشتاء زوج، والصيف زوج، ~~والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله الفرد الذي لا يشبهه ~~شيء قال الاعشى: # وكل زوج من الديباج يلبسه # أبو قدامة محبوا بذاك معا # وقوله { وأهلك } معناه واحمل معك أهلك { إلا من سبق عليه القول } ~~بالاهلاك قال الضحاك وابن جريح: هو ابنه وامرأته. وقوله { ومن آمن } ~~تقديره واحمل من آمن. ثم أخبر تعالى فقال { وما آمن معه إلا قليل }. قال ~~ابن جريح: القليل الذين نجو معه كانوا ثمانية. وقال الاعمش: كانوا سبعة، ~~وقال ابن عباس: كانوا ثمانين، وكان فيهم ثلاثة: بنيه: يافث، وسام، وحام. ~~وثلاث كائن له ويافث جد الترك والروم والصقالبة وأصناف البيضان. وحام جد ~~السودان، وهم الحبش والنوبة والزنج وغيرهم. وسام أبو فارس وأصناف العجم. ### || [11.41] # قرأ حمزة والكسائي { مجراها } بفتح الميم. الباقون بضمها، وكلهم ضم ميم ~~مرساها. ومن ضمها قابل بينها وبين مرسها لما بينهما من المشاكلة ومن فتح ~~فلانه قال بعده " وهي تجري " ومن اختار الأول، قال التقدير اجري فجرت. ~~قال أبو علي الفارسي: يجوز في { بسم الله مجراها ومرساها } أن يكون حالا ~~من شيئين: احدهما - ان يكون من الضمير الذي في { اركبوا } او من الضمير ~~الذي في { فيها } ، فان جعلت { بسم الله مجراها } خبر مبتدأ مقدم في قول ~~من لا يرفع بالظرف، أو جعلته مرتفعا بالظرف، ولم يكن قوله { بسم الله ~~مجراها } الا جملة في موضع الحال من الضمير الذي في { فيها } ولا يجوز أن ~~يكون الضمير في قوله { اركبوا فيها } ، لأنه لا ذكر فيها يرجع إلى ~~الضمير، ألا ms1977 ترى أن الظرف في قول من يرفع به ارتفع به الظاهر، وفي قول من ~~رفع مثل هذا بالابتداء قد حصل في الظرف ضمير المبتدأ، فاذا كان كذلك خلت ~~الجملة من ضمير يعود من الحال إلى ذي الحال. واذا كان كذلك لم يكن الا ~~حالا من الضمير الذي في { فيها }. والثاني - يجوز أن يكون قوله { بسم ~~الله } حالا من الضمير الذي في { اركبوا } على ان لا يكون الظرف خبرا عن ~~الاسم الذي هو { مجراها } على ما كان في الوجه الأول، ويكون المعنى ~~اركبوا الآن متبركين ببسم الله في الوقتين اللذين لا ينفك الراكبون فيها ~~منهما من الارساء والاجراء، وليس يريد اركبوا في وقت الجري والرسو، فموضع ~~{ مجراها } نصب على هذا الوجه بأنه ظرف عمل فيه على المعنى. وفي الوجه ~~الأول رفع بالابتداء وبالظرف. ومن فتح الميم فلأنه قال " وهي تجري ". ومن ~~ضم، فلأن جرت بهم وأجري بهم متقاربان في المعنى، ويقال: جرى الشيء وجريت ~~به وأجريته، وإنما ضموا الميم من { مرساها } لقوله # أيان مرساها # وقوله # والجبال أرساها # ومن أمال او ترك الامالة، فكلاهما حسنان. # اخبر الله تعالى عما قال نوح حين دنا ركوبهم السفينة { اركبوا فيها } ~~يعني في السفينة، والركوب العلو على ظهر الشيء، فمنه ركوب الدابة وركوب ~~السفينة وركوب البر وركوب البحر. # والعامل في { بسم الله } يحتمل ثلاثة أشياء: احدها - { اركبوا }. ~~والثاني - ابتدؤا ببسم الله. والثالث - أجراها وأرساها. والمجرى يحتمل ~~ثلاثة اوجه: أحدها - أن يكون موضع الاجراء. والثاني - وقت الاجراء. ~~والثالث - نفس الاجراء. وقيل: كان اذا اراد أن تجري قال { بسم الله } ~~فجرت، فاذا أراد أن ترسوا قال { بسم الله } فرست ذكره الضحاك. قال لبيد: # عمرت حين ثلاثا قبل مجرى داحس # لو كان للنفس اللجوج خلود # والارساء إمساك السفينة بما تقف عليه أرساها إرساء ورست ترسو قال عنترة: # فصرت نفسا عند ذلك حرة # ترسوا إذا نفس الجبان تطلع # وقوله { إن ربي لغفور رحيم } إخبار منه تعالى حكاية عما قال نوح لقومه { ~~إن ربي لغفور رحيم } أي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم ms1978 بهم منعم عليهم. # ووجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما ذكرت النجاة بالركوب في السفينة ~~ذكرت النعمة بالمغفرة والرحمة ليجتلب الطاعة كما اجتلب النجاة. ### || [11.42] # أخبر الله تعالى عن حال السفينة بعد الغرق أنها كانت تجري على الماء في ~~أمواج كالجبال. والجري مر سريع كمر الماء على وجه الارض. والسفينة تجري ~~بالماء والفرس يجري في عدوه، ويقال: هذه العلة تجري في أحكامها، أي تمر ~~فيها من غير مانع منها. والموج جمع موجة، وهي قطعة عظيمة ترتفع عن جملة ~~الماء الكثير، ومنه أمواج البحر وأعظم ما يكون إذا اشتدت به الريح، وشبه ~~الله تعالى الامواج بالجبال في عظمها، والجبل جسم عظيم الغلظ شاخص من ~~الأرض هولها كالوتد في عظمه، وجمعه اجبال وجبال. وقوله { ونادى نوح ابنه ~~وكان في معزل } فالمعزل موضع منقطع عن غيره. وكان ابن نوح في ناحية ~~منقطعة عنه حين ناداه وقرأ عاصم { يا بني اركب } بفتح الياء. الباقون ~~بكسرها. وفي قوله { يا بني } ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء الأصل، وياء ~~الاضافة. وفي قوله # يا بني إن الله اصطفى لكم الدين # ياآن، ياء الجمع، وياء الاضافة. قال أبو علي الفارسي: الوجه كسر الياء، ~~لأن اللام من (ابن) ياء أو واو، وحذفت من (ابن) كما حذفت من (إسم) فاذا ~~حقرت ألحقت ياء التحقير، لزم أن ترد اللام الذي حذفت لأنك لو لم تردها ~~لوجب أن تحرك ياء التصغير بحركات الاعراب، وهي لا تحرك أبدا بحركات ~~الاعراب ولا غيرها، فاذا أضفته إلى نفسك أجتمعت ثلاث ياءآت:، الأولى التي ~~للتحقير، والثانية لام الفعل، والثالثة هي التي للاضافة تقول: بني، فاذا ~~ناديت جاز فيه وجهان: إثبات الياء وحذفها، فمن قال يا عبادي فأثبت الياء ~~فقياسه أن يقول يا بني، ومن قال يا عباد يقول يا بني حذفت التي ~~للاضافة، وابقيت الكسرة دلالة عليها. وهذا هو الجيد عندهم. ومن فتح الياء ~~أراد الاضافة كما أرادها في قوله يا بني اذا كسر الياء التي هي آخر ~~الفعل، كأنه قال يا بني ثم أبدل من الكسرة ms1979 الفتحة، ومن الياء الالف. فصار ~~(يا بنيا) كما قال: # يا بنت عما لا تلومي واهجعي # ثم حذفت الالف كما كانت تحذف الياء: في يا بني إنها، وقد حذفت الياء ~~التي للاضافة إذا أبدلت الألف منها قال أبو الحسن: # فلست بمدرك ما فات مني # بلهف ولا بليت ولا لو أني # كذلك سمع من العرب، فقوله: بلهف إنما هو بلهفا، فحذفت الالف. قال أبو ~~عثمان: ووضع الالف مكان الياء في الاضافة مطرد وأجاز يا زيد اقبل إذا ~~أردت الاضافة. ### || [11.43] # حكى الله تعالى في هذه الاية ما أجاب ابن نوح أباه عليه السلام فانه { ~~قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } أي سأرجع إلى مأوى من جبل يعصمني من ~~الماء أي يمنعني منه، يقال آوى يأوي أويا إذا رجع إلى منزل يقيم فيه و ~~(العصمة) المنع من الآفة والمعصوم في الدين الممنوع باللطف من فعل القبيح ~~لا على وجه الحيلولة. # فان قيل كيف دعا نوح ابنه إلى الوكوب معه في السفينة مع أن الله تعالى ~~نهاه أن يركب فيها كافرا. قلنا: فيه جوابان: أحدهما - أنه دعاه إلى ~~الركوب بشرط أن يؤمن. الثاني - قال الحسن والجبائي: انه كان ينافق باظهار ~~الايمان. # فان قيل: هلا كان ما صار اليه ابن نوح من تلك الحال الهائلة إلجاء؟. # قلنا: لا. لان الالجاء لا يكون إلا بأحد شيئين: احدهما - بأن يخلق فيه ~~العلم بأنه متى رام خلافه منع منه. الثاني - تتوفر الدواعي من ترغيب او ~~ترهيب، ولم يحصل له واحد من الأمرين، لأنه جوز أن يكون من عجائب الزمان، ~~وأنه وقع إلى نوح علم به، فتقدم فيه. وقوله { لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم } حكاية لما قال نوح لولده حين { قال سآوي إلى جبل يعصمني من ~~الماء } بأنه لا مانع اليوم من أمر الله. واستثنى من رحم، وقيل فيه ثلاثة ~~اقوال: أحدها - أنه استثناء منقطع، كأنه قال من رحم فانه معصوم. الثاني - ~~لا عاصم إلا من رحمنا برحمة الله سبحانه لنا كأنه قال: لا ms1980 عاصم إلا من ~~عصمه الله فنجا، وهو نوح عليه السلام، وهو اختيار أبي علي النحوي. وقال: ~~لانه يحتمل أن يكون { عاصم } بمعنى معصوم مثل دافق بمعنى مدفوق، فيكون ~~الاستثناء متصلا. وقال ابن كيسان: لما قال { لا عاصم } كان معناه لا ~~معصوم، لأن في نفي العاصم نفي المعصوم ثم قال { إلا من رحم } فاستثناه ~~على المعنى ويكون متصلا. وقوله { وحال بينهما الموج } إخبار منه تعالى ~~انه حال بين نوح وولده الموج، { فكان من المغرقين }. ### || [11.44] # حكى الله تعالى في هذه الآية قصة نوح وقومه بأوجز لفظ وأبلغه، وبلوغ ~~الغاية التي لا تدانيها بلاغة ولا تقاربها فصاحة، لأن قوله { وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك } اخبار منه عن إذهاب الماء عن وجه الارض في أوجز مدة فجرى ~~ذلك مجرى ان قال لها ابلعي فبلعت. والبلع في اللغة انتزاع الشيء من الحلق ~~إلى الجوف، فكانت الأرض تبلع الماء هكذا حتى صار في بطنها الغراء، يقال: ~~بلعت وبلعت بفتح اللام وكسرها. وقوله { ويا سماء اقلعي } اخبار أيضا عن ~~اقشاع السحاب، وقطع المطر في أسرع وقت، فكأنه قال لها اقلعي فأقلعت. ~~والاقلاع إذهاب الشيء من اصله حتى لا يبقى منه شيء. وأقلع عن الأمر إذا ~~تركه رأسا. وقوله { وغيض الماء } أي أذهب به عن وجه الأرض إلى باطنها، ~~يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا ذهب في الارض. وقوله { وقضي الأمر } ~~معناه أوقع الهلاك بقوم نوح على تمام والقضاء وقوع الأمر على تمام ~~وإحكام. وقوله { واستوت على الجودي } جبل معروف. قال الزجاج بناحية أمد، ~~وقال غيره: بقرب جزيرة الموصل، قال زيد بن عمر بن نفيل: # وقبلنا سبح الجودي والجمد # وقيل: أرست على الجودي شهرا، وقال قتادة: اهبطوا يوم عاشوراء. # وقوله { وقيل بعدا للقوم الظالمين } معناه أبعدهم الله من الخير بعدا، ~~على وجه الدعاء. ويجوز أن يكون الله تعالى قال لهم ذلك. ويجوز أن يكون ~~المؤمنون دعوا عليهم بذلك، وهو منصوب على المصدر. # وقيل في هذه الآية وجوه كثيرة من عجيب البلاغة: منها أنه خرج مخرج الأمر ~~على ms1981 وجه التعظيم من نحو # كن فيكون # لأنه من غير معاناة، ولا لغوب. ومنها حسن تقابل المعنى. ومنها حسن ~~ائتلاف الألفاظ. ومن ذلك حسن البيان في تصوير الحال. ومنها الايجاز من ~~غير إخلال. ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال إلى غير ذلك مما عليه هذا ~~الكلام في الحسن العجيب واللطف البديع. ### || [11.45] # حكى الله تعالى عن نوح أنه حين رأى قومه قد أهلكهم الله تعالى " فقال يا ~~رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق " لأنه تعالى كان وعده بأنه ينجيه ~~وأهله، وأمره بأن يحملهم معه في الفلك في قوله { وقلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك } فسأل نوح ربه أن ابنه إن كان ممن وعده بنجاته أن ~~ينجيه، فسأله بهذا الشرط لأنه لا يجوز أن يسأل نبي من أنبياء الله أمرا ~~لا يجاب اليه، وخاصة على رؤس الملأ لأن ذلك ينفر عنهم. وانما يجوز أن ~~يسأل بما يظهر له بشرط مقترن بالكلام وحال يدل عليه، فيعرف أنه لم يحصل ~~الشرط. والرب والمالك واحد. وقيل: ان الرب المالك للشيء من كل وجه يصح أن ~~يملك به، وهو أتم الملك، ولا تصح الصفه به على الاطلاق الا الله تعالى. ~~والانسان قد يكون مالكا بالاطلاق. # وقوله { وأنت أحكم الحاكمين } يعني في قولك وفعلك؛ لأنه حق تدعو اليه ~~الحكمة، فقال نوح ذلك على وجه الاعتراف تعظيما لله تعالى. ### || [11.46] # قرأ الكسائي ويعقوب { إنه عمل غير صالح } على الفعل، ونصب { غير } ~~الكسائي. الباقون { عمل } اسم مرفوع منون { غير } رفع. وقرأ ابن كثير { ~~تسألن } بالتشديد، وفتح النون، وافقه نافع في التشديد الا انه كسر ~~النون. الباقون بالتخفيف وكسر النون الا أن أبا عمرو يثبت الياء في ~~الاصل. قال أبو علي النحوي (سألت) فعل يتعدى إلى مفعولين وليس مما يدخل ~~على المبتدأ وخبره، ويمتنع ان يتعدى إلى مفعول واحد. فمن قرأ بفتح اللام، ~~ولم يكسر النون عداه إلى مفعول واحد في اللفظ. والمعنى على التعدي إلى ~~ثان ومن كسر النون دل على انه عداه إلى مفعولين، ms1982 احدهما: اسم المتكلم. ~~والآخر - الاسم الموصول، وحذف النون المتصلة بياء المتكلم، كما حذفت من ~~قولهم { إني } كراهة اجتماع النونات. ومن اثبت الياء فهو الاصل، ومن ~~حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. # في هذه الآية حكاية عما أجاب الله به نوحا حين سأله نجاة ابنه بأن قال ~~له { يا نوح انه ليس من أهلك... } وقيل في معناه ثلاثة أقوال: # أحدها - قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك واكثر المفسرين: انه ليس من ~~أهلك الذين وعدتك بنجاتهم معك، وانه كان ابنه لصلبه، بدلالة قوله { ونادى ~~نوح ابنه } فأضافه اليه اضافة مطلقة. والثاني - انه اراد بذلك أنه ليس من ~~أهل دينك، كما قال النبي صلى الله عليه وآله # " سلمان منا أهل البيت " # وإنما اراد على ديننا. وثالثها - قال الحسن ومجاهد: انه كان لغيره، وولد ~~على فراشه، فسأل نوح على الظاهر فأعلمه الله باطن الأمر، فنفاه منه على ~~ما علمه، فيكون على هذا هو نفسه عمل غير صالح، كما يقولون: الشعر زهير. ~~وهذا الوجه ضعيف، لأن في ذلك طعنا على نبي وإضافة ما لا يليق به اليه. ~~والمعتمد الأول. وقال ابن عباس: ما زنت امرأة نبي قط، وكانت الخيانة من ~~امرأة نوح انها كانت تنسبه إلى الجنون والخيانة من امرأة لوط انها كانت ~~تدل على أضيافه. وروي عن علي عليه السلام أنه قرأ ونادى نوح ابنها فنسبه ~~إلى المرأة، وأنه كان يربيه. وروي عن محمد بن علي بن الحسين عليهم ~~السلام وعروة بن الزبير أنهما قرءا { ونادى نوح ابنه } بفتح الهاء وترك ~~الالف كراهة ما يخالف المصحف، وأرادا أن ينسباه إلى المرأة، وأنه لم يكن ~~ابنه لصلبه. وقال الحسن: كان منافقا يظهر الايمان ويستر الكفر. # وقوله { إنه عمل غير صالح } فمن قرأ على الفعل، فمعناه انه ليس من اهلك ~~لانه عمل غير صالح، وتقديره انه عمل عملا غير صالح، وحذف الموصوف وأقام ~~الصفة مقامه، وذلك يستعمل كثيرا، وهذه القراءة تقوي قول من قال: إن ابنه ~~لم يكن على دينه، لأن الله تعالى علل كونه ليس ms1983 من أهله بأنه عمل عملا غير ~~صالح. # وأما من قرأ على الرفع والتنوين على الاسم فتقديره إنه ذو عمل غير صالح ~~فجاء على المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فانما هي إقبال وإدبار # قال الزجاج: تقديره فانما هي ذات إقبال وادبار، تصف الناقة في حنينها ~~إلى ولدها. وقيل: ان المعنى ان سؤالك اياي هذا عمل غير صالح، ذكره ابن ~~عباس ومجاهد وابراهيم. وهذا وضعيف؛ لأن فيه اضافة القبيح إلى الأنبياء ~~عليهم السلام وذلك لا يجوز عندنا على حال. فالأول هو الجيد. ويحتمل ان ~~يكون المراد ان كونه مع الكافرين وانحيازه اليهم وتركه الركوب مع نوح عمل ~~غير صالح. # وقوله { فلا تسألني ما ليس لك به علم } معناه لا تسألني ما لا تعلم أنه ~~جائز في حكمي لأن هذا من سؤال الجاهلين، نهاه عن ذلك؛ ولا يدل على أن ما ~~نهاه عنه قد وقع كما أن قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } لا يدل على وقوع ~~الشرك. وقوله { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } فالوعظ الزجر عن القبيح ~~بما يدعوا إلى الجهل على وجه الترغيب والترهيب. والصحيح أن الجهل قبيح ~~على كل حال. وقال الرماني: انما يكون قبيحا اذا وقع عن تعمد، فاما اذا ~~وقع غلطا او سهوا لم يكن قبيحا ولا حسنا. وهذا ليس بصحيح، لأن ~~استحقاق الذم عليه يشرط بالعمد فاما قبحه فلا كما نقوله في الظلم سواء. ### || [11.47] # في هذه الآية اخبار عما قاله نوح عليه السلام حين عرفه الله حال ولده ~~وأنه لا يستحق الغفران ووعظه بان يكون من الجاهلين، فانه قال { إني أعوذ ~~بك أن أسالك ما ليس لي به علم } فالعياذة طلب النجاة بما يمنع من الشر، ~~يقال: عاذ يعوذ عوذا وعياذا فهو عائد بالله. والعياذ الاعتصام بما يمنع ~~من الشر. والمعنى اني أعتصم بك أن اسالك ما لا أعلمه، وانما اعتصم من ~~ذلك، لأن ما يعلمه الانسان يجوز أن يكون حسنا ويجوز كونه قبيحا. ولا ~~يحسن أن يسأل ما ms1984 يجوز كونه قبيحا وان شرط حسن السؤال. وينبغي أن يشرط ان ~~كان ما سأله حسنا فيحسن السؤال حينئذ. وقال الرماني: لا يحسن أن تسال ~~فتقول: اللهم احيي اقاربي في دار الدنيا على ما يصح ويجوز. لأنه قد دل ~~الدليل على أن ذلك لا يحسن في الحكمة فلا يجوز أن يسأله بحال. وانما جاز ~~اطلاق { ما ليس لي به علم } مع أنه قد علمه سؤالا. لأن هذا العلم لا يعتد ~~به لأن المراد علم ما له أن يسأله اياه. # وانما حذفت (يا) من قوله { رب إني أعوذ بك } وأثبته في قوله { يا نوح } ~~لأن ذلك نداء تعظيم. وهذا نداء تنبيه فوجب أن يأتي بحرف التنبيه. وقوله ~~(به) يحتمل وجهين: احدهما - أن يكون كقوله # وكانوا فيه من الزاهدين # و # إني لك من الناصحين # و # أنا على ذلكم من الشاهدين # قال ابو الحسن: انما يجوز في حروف الجر ذلك؛ لأن التقدير فيه التعلق ~~بمضمر يفسره هذا الذي يظهر بعد، وان كان لا يجوز تسليطه عليه. ومثله # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين # فانتصب { يوم يرون } بما دل عليه { لا بشرى يومئذ } ولا يجوز فيما بعد ~~(لا) هذه أن يتسلط على (يوم) وكذلك { ما ليس لك به علم } يتعلق بما دل ~~عليه { علم } المذكور وإن لم يجز أن يعمل فيه. والثاني - أن يكون متعلقا ~~بالمستقر، وهو العامل فيه كتعلق الظروف بالمعاني كما تقول: ليس لك فيه ~~رضاء، فيكون { به } في الاية بمنزلة (فيه). ### || [11.48] # في هذه الآية حكاية ما أمر الله تعالى به نوحا حين استوت السفينة على ~~الجبل، وأنه قال له { اهبط } أي انزل من الجبل، فالهبوط نزول من أعلى ~~مكان في الارض إلى ما دونه ومن السماء. وقوله { بسلام منا } قيل في معناه ~~وجهان: # احدهما - بسلامة منا وتحية منا، قال لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # قيل: انه بمعنى السلام عليكما. وقيل: معناه بتسليم منا عليك وقوله { ~~وبركات عليك } معناه ونعم دائمة وخير ثابت ms1985 حالا بعد حال، وأصله الثبوت، ~~فمنه البروك، والبركة لثبوت النماء فيها قال الشاعر: # ولا ينجي من الغمرات إلا # براكاء القتال أو الفرار # أي الثبوت للقتال. ومعنى تبارك الله ثبت تعظيم ما لم يزل ولا يزال. ~~وقوله { وعلى أمم ممن معك } فالأمة الجماعة الكثيرة على ملة واحدة متفقة، ~~لأنه من (أمه يؤمه أما) إذا قصده، أو الاتفاق في المنطق على نحو منطق ~~الطير والمأكل والمشرب والمنكح، حتى قيل: إن الكلاب أمة. وقيل في معناه - ~~هنا - قولان: أحدهما - أنه أراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، فأخرج ~~الله أمما من نسلهم وجعل فيهم البركة. وقال قوم: يعني بذلك الأمم من ~~سائر الحيوان الذين كانوا معه، لان الله تعالى جعل فيها البركة، وتفضل ~~عليها بالسلامة حتى كان منها نسل العالم. وقوله { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم } معناه إنه يكون من نسلهم أمم سيمتعهم الله في الدنيا ~~بضروب من النعم، فيكفرون نعمه ويجحدون ربوبيته، فيهلكهم الله. ثم يمسهم ~~بعد ذلك عذاب مؤلم موجع. وانما رفع { أمم } لأنه استأنف الاخبار عنهم. ### || [11.49] # الاشارة بقوله { تلك } إلى ما تقدم ذكره من اخبار نوح وقومه وما احل ~~الله بهم من الاهلاك، والتقدير تلك الانباء من أنباء الغيب، ولو قال ذلك ~~كان جائزا، لأن المصادر يكنى عنها بالتأنيث تارة وبالتذكير أخرى يقولون: ~~قدم فلان ففرحت بها وفرحت به أي بقدومه أو بقدمته. والغيب ما غاب عن ~~النفس معرفته بطريق الستر له بخلاف السهو لأنه ذهاب المعنى عن النفس بحال ~~ينافي الذكر. وقوله { نوحيها إليك } أي نوحي اليك تلك الاخبار. وقوله { ~~ما كنت تعلمها أنت ولا قومك } معناه إن هذه الاخبار التي أعلمناك اياها ~~لم تكن تعلمها قبل وحينا اليك ولا قومك من العرب يعرفونها قبل إيحائنا ~~اليك. وقوله { فاصبر إن العاقبة للمتقين } أمر للنبي صلى الله عليه وآله ~~بأن يصبر على أذى قومه وجهلهم بموضعه كما صبر نوح مثل ذلك على قومه؛ وهو ~~أحد الوجوه التي لأجلها كرر الله تعالى قصص الانبياء: في الاعراف، وهود، ~~والشعراء، ms1986 ليصبر النبي صلى الله عليه وآله على أذى قومه حالا بعد حال. ~~وقوله { إن العاقبة للمتقين } اخبار منه تعالى بأن العاقبة المحمودة لمن ~~اتقى معاصي الله وتحرز من عقابه. ### || [11.50] # قوله { أخاهم } نصب بتقدير (ارسلنا) كأنه قال: وأرسلنا إلى عاد أخاهم ~~ودل عليه ما تقدم من قوله { ولقد أرسلنا نوحا } و { عاد } مصروف، لأن ~~المراد به الحي وقد يقصد به القبيلة، فلا يصرف قال الشاعر: # لو شهد عاد في زمان عاد # لابتزها مبارك الجلاد # وإنما سمى هودا أخا عاد مع انهم كفار، وهو نبي لان المراد بذلك الاخوة ~~في النسب، لا في الدين، فحذف لدلالة الحال عليه. # وقوله { ما لكم من إله غيره } حكاية ما قال هود (ع) لهم وأمرهم ان ~~يوجهوا عبادتهم الى الله ونفى ان يكون معبود يستحق العبادة غيره. # ومن ضم الراء حمله على الموضع، لأن فيها معنى الاستثناء، فكأنه قال ما ~~لكم من إله إلا هو، ولا يجوز في هذا الاستثناء الحمل على اللفظ، لأن ~~الواجب لا يدخله (من) الزائدة. # ومن جره حمله على اللفظ. وقال بعضهم تقديره ما لكم إله غيره و (من) ~~زائدة، فلذلك رفع. # وقوله { إن أنتم إلا مفترون } أخبار من الله تعالى: حكاية ما قال هود ~~لهم بأنه ليس انتم إلا متخرصون. وإنما سماهم مفترين بعبادة غير الله، ~~لأنهم في حكم من قال هي جائزة لغير الله، فلذلك قال لهم ذلك. ومساكن عاد ~~كانت بين بلاد الشام واليمن تعرف بالأحقاف، وكانوا أصحاب بساتين وزروع، ~~ويسكنون الرمال، دعاهم هود الى الايمان بالله وتوجيه العبادة اليه، ~~فكفروا به فأهلكهم الله بالريح، فذكر انها كانت تدخل في أفواههم فتخرج من ~~استاههم فتقطعهم عضوا عضوا، نعوذ بالله منها. ### || [11.51] # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن هود أنه قال لقومه: لست أطلب منكم - ~~على دعائي لكم الى عبادة الله - أجرا، لأنه ليس جزائي في ذلك إلا على ~~الله الذي خلقني، فهلا تتفكرون - بعقولكم - في ذلك، فتعلمون أن ذلك محض ~~النصيحة لأنه لو كان لغيره لطلبت عليه ms1987 الأجر. # اللغة # والسؤال والطلب معناهما واحد، الا ان الطلب قد يكون في غير معنى السؤال، ~~لأن من ضاع منه شيء يطلبه، او طلب الماء اذا استعذبه أو طلب المعادن، لا ~~يقال فيه (سأل) ولا هو سائل. و (الاجر) هو الجزاء على العمل على عمل ~~الخير بالخير. وقد يستحق الاجر على الشكر، كالاجر الذي يعطيه الله العبد ~~على شكره لنعمه. و (الفطر) الشق عن أمر الله، كما ينفطر الورق عن الثمر، ~~ومنه فطر الله الخلق. ومنه قوله # إذا السماء انفطرت # و # هل ترى من فطور # ومنه فطر الله الخلق لأنه بمنزلة ما شق عنه فظهر. وقوله { أفلا تعقلون } ~~يقال لمن عدل عن الاستدلال: لا يعقل، لأنه بمنزلة من لا يعقل، في انه لا ~~ينتفع بموجب العقل. وقيل ان المعنى { أفلا تعقلون } أني اطلب بذلك نصحكم ~~وصلاحكم فتقبلوه ولا تردوه. ### || [11.52] # هذه الآية عطف على ما قبلها، وفيها حكاية ايضا عما قال هود لقومه، فانه ~~ناداهم، وقال { يا قوم استغفروا ربكم } اي اطلبوا منه المغفرة { ثم توبوا ~~إليه } وانما قدم الاستغفار قبل التوبة، لأنه طلب المغفرة التي هي ~~الغرض، ثم بين ما به يتوصل اليها هو التوبة، والغرض مقدم في النفس، لان ~~الحاجة اليه ثم السبب، لأنه يحتاج اليه من اجله. وقيل ان (ثم) في الآية ~~بمعنى الواو، كما قال { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } وكان جعل ~~الزوج منها قبل جميع البشر. وقبل ان المعنى استغفروا ربكم من الوجه الذي ~~يصح، من الايمان به وتصديق رسله، والاقلاع عن معاصيه، والتوبة من القبائح ~~{ ثم توبوا إليه } بمعنى استديموا على ذلك وجددوا التوبة بعد التوبة، ~~لئلا يكونوا مصرين. وكل ذلك جائز. # وظاهر هذه الآية يقتضي أن الله تعالى يجعل الخير بالتوبة ترغيبا فيها، ~~لأنه وعد متى تاب العاصي يرسل السماء عليهم مدرارا وهو الدرر الكثير ~~المتتابع على قدر الحاجة اليه دون الزائد المفسد المضر، ونصبه على الحال. # وروي انهم كانوا أجدبوا، وانهم متى تابوا أخصبت بلادهم واثمرت اشجارهم ~~وانزل عليهم الغيث ms1988 الذي يعيشون به. # و (مفعال) صفة للمبالغة كقولهم: منجار، ومعطار، ومغزار. ومثله # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب # ولولا هذا الوعد لما وجب ذلك. واما الثواب على التوبة فمعلوم عقلا. # وقوله { ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين } معنا ان الله تعالى ~~اذا تبتم { يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى } القوة التي فعلها ~~فيكم، ويجوز ان يريد بذلك تمكينهم من النعم التي ينتفعون بها ويلتذون ~~باستعمالها، فان ذلك يسمى قوة. # وقوله { ولا تتولوا مجرمين } تمام الحكاية عنه انه قال لقومه لا تتولوا ~~من عصا الله وترك عبادته. ### || [11.53] # في هذه الآية حكاية عما قاله قوم هود له حين دعاهم الى عبادة الله وترك ~~ما سواه بأنهم قالوا له يا هود لم تجئنا ببينة يعني بحجة دالة على صدقك ~~ولسنا نترك عبادة آلهتنا لأجل قولك ولسنا مصدقيك، ولا معترفين بعبادة ~~إلهك الذي تدعي انك رسوله، فالبينة الحجة الواضحة التي تفصل بين الحق ~~والباطل. والبيان فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس متميزا مما سواه، ~~ويجوز ان يكون حملهم على رفع البينة مع ظهورها أمور: # احدها - تقليد الآباء والرؤساء فدفعوها لذلك. # ومنها اتهامهم لمن جاء بها حيث لم ينظروا فيها. # ومنها انهم دخلت عليهم الشبهة في صحتها. # ومنها اعتقادهم لاصول فاسدة تدعوهم الى جحدها. # واما الداعي الى عبادة الاوثان فيحتمل ان يكون احد اشياء: # احدها - انهم ظنوا انها تقربهم الى الله زلفى اذا عبدوها. # الثاني - ان يكونوا على مذهب المشبهة فجعلوا وثنا على صورته فعبدوه. # الثالث - ان يكون القي اليهم ان عبادتها تحظي في دار الدنيا. # وقوله { عن قولك } معناه بقولك، وجعلت (عن) مكان الباء، لان معنى كل ~~واحد من الحرفين يصح فيه. وقال الرماني: من عبد إلها في الجملة هو ممن ~~عبد غير الله، لان كل واحد منها لم تخلص العبادة له ولا اوقعها على وجه ~~يستحق به الثواب. ### || [11.54] # في هذه الاية تمام الحكاية عن جواب قوم هود لهود، وهو انهم قالوا مع ~~جحدهم ms1989 لنبوته { إن نقول } لسنا نقول { إلا اعتراك } أصابك من قولهم عراه ~~يعروه إذا اصابه، قال الشاعر: # من القوم يعروه اجترام ومأثم # وقيل { اعتراك } اصابك بجنون خبل عقلك، ذهب اليه ابن عباس، ومجاهد. ~~وانما جاز ان يقول { إلا اعتراك } مع انهم قالوا اشياء كثيرة غير هذا، ~~لان المعنى ما نقول في سبب الخلاف الا اعتراك، فحذف، لان الحال يقتضي ان ~~كلامهم في الخلاف وسببه. # وقوله { قال إني أشهد الله } اخبار عما اجابهم به هود بأن قال: اشهد ~~الله على ادائي اليكم ونصحي اياكم، وعلى ردكم ذلك علي وتكذيبكم اياي و { ~~اشهدوا } انتم ايضا انني بريء مما تشركون، وانما اشهدهم - على ذلك وان ~~لم يكونوا اهل شهادة من حيث كانوا كفارا فساقا - اقامة للحجة عليهم لا ~~لتقوم الحجة بهم، فقيل هذا القول اعذارا وانذارا، ويجوز ان يكون يريد ~~بذلك اعلموا كما قال { شهد الله } بمعنى علم الله. ### || [11.55] # في هذه الآية دلالة على صحة النبوة، لانه قال لقوم من اهل البأس والنجدة ~~{ كيدوني جميعا ثم لا تنظرون } اي لا تمهلوني ثقة بأنهم لا يصلون اليه ~~بسوء، لما وعده الله (عز وجل) من العز والغلبة. ومثله قال نوح لقومه # فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون # وقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) # " فان كان لكم كيد فكيدون ". # والفرق بين الانظار والتأخير ان الانظار امهال لينظر صاحبه في امره، ~~والتأخير خلاف التقديم من غير تضمين. # وفي هذه الاية تضمين بما قبلها، لان التقدير اني بريء مما تشركون من ~~دونه، وها هنا يحسن الوقف ويحسن ايضا ان يقف على قوله { تشركون } كان ~~ذلك وقفا كافيا، لانه يحسن الوقف عليه، ولا يحسن استئناف ما بعده. واما ~~الوقف التام فهو الذي يحسن الوقف عليه ويحسن استئناف ما بعده نحو قوله # وإياك نستعين # ثم يستأنف # اهدنا الصراط المستقيم # والكيد طلب الغيظ بالسر وهو الاحتيال بالسر، تقول: كاده يكيده كيدا ~~وكايده مكايدة مثل غايظه مغايظة. ### || [11.56] # هذه الآية فيها حكاية ما قال ms1990 هود لقومه بعد ذكر ما قدم من القول فيه اني ~~توكلت على الله. والتوكل تفويض الامر الى الله تعالى على طاعته فيما امر ~~به، لان ذلك من تسليم التدبير له، لان افعاله كلها جارية على ما هو اصلح ~~للخلق. # وقوله { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } معناه ليس من حيوان يدب الا ~~وهو تعالى آخذ بناصيته اي قادر على التصرف فيه، وتصريفه كيف شاء. و ~~(الناصية) قصاص الشعر ومنه قوله # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # وفي جر الرجل بناصيته اذلال له. واصل الناصية الاتصال من قولهم: (مفازة ~~بناصي مفازة) اذا كانت الاخيرة متصلة بالاولى قال الشاعر: # فيء تناصيها بلا دفيء # وقال ذو الرمه: # ينصو الجماهين # ونصوته انصوه نصوا اذا اتصلت به. وقال ابو النجم: # ان يمس رأسي اشمط العناصي # كأنما فرقه مناصي # اي يجاذب ليتصل به في مره، وانما قال اخذ بناصيتها مع انه مالك لجميعها ~~لما في ذلك من تصوير حالها على عادة معروفة من امرها في اذلالها، فكل ~~دابة في هذه المنزلة في الذلة لله تعالى. وقوله { إن ربي على صراط مستقيم ~~} معناه أن أمر ربي في تدبير خلقه على صراط مستقيم لا عوج فيه ولا ~~اضطراب، فهو يجري على سبيل الصواب لا يعدل الى اليمين والشمال والفساد. ~~والفائدة هنا ان ربي وإن كان قادرا على التصريف في كل شيء فانه لا يفعل ~~إلا العدل ولا يشاء الا الخير. ### || [11.57] # معنى الاية حكاية ما قال هود لقومه من قوله لهم ان توليتم، فليس ذلك ~~لتقصير في ابلاغكم وانما هو لسوء اختياركم في الاعراض عن نصحكم، ويجوز ان ~~يكون ذلك حكاية ما قال الله لهود انهم ان تولوا فقل لهم فقد ابلغتكم. ~~وقال الزجاج: التقدير فان تتولوا فحذف احدى التائين، لدلالة الكلام ~~عليها، فعلى هذا تقديره قل لهم فان تتولوا، ومثله قال الجبائي. والتولي ~~الذهاب الى خلاف جهة الشيء وهو الاعراض عنه. والمعنى هنا التولي عما ~~دعوتكم اليه من عبادة الله، واتباع امره، والابلاغ إلحاق الشيء بنهايته، ~~وذلك انه قد ms1991 يلحق الحرف بالحرف على جهة الوصل، فلا يكون إبلاغا، لانه لم ~~يستمر الى نهايته. # وقوله { ويستخلف ربي قوما غيركم } فالاستخلاف جعل الثاني بدل الاول ~~يقوم مقامه فيما كان عليه الاول، فلما كانوا قد كلفوا، فلم يجيبوا، جعل ~~الثاني بدلا منهم في التكليف. # وقوله { ولا تضرونه شيئا } معناه انه اذا استخلف غيركم، لا تقدرون له ~~على ضر ولا نفع. وقيل ان معناه لا ينقصه هلاككم شيئا، لانه يجل عن الحاق ~~المنافع والمضار به. # وقوله { إن ربي على كل شيء حفيظ } لأعمال العباد حتى يجازيهم عليها. ~~وقيل معناه يحفظني من ان تنالوني بسوء. ### || [11.58] # المعنى ولما جاء امرنا بهلاك عاد، ودلائله { نجينا هودا، والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ } يعنى من عذاب الدنيا والآخرة ~~فسلموا من الامرين. # والنجاة السلامة من الهلاك، وقد تكون السلامة من اصابة الم ما، والرحمة ~~قد تكون مستحقة بدلالة قوله { ونجيناهم برحمة منا } ويجوز ان يكون المراد ~~بما اريناهم من الهدى والبيان الذي هو رحمة. والرحمة مستحقه بالوعد وحسن ~~التدبير في الفصل بين الولي والعدو. والغليظ عظيم الجثة والكثيفة، وانما ~~وصف. به العذاب لانه بمنزلته في الثقل على النفس وطول المكث. ### || [11.59] # قوله { وتلك } اشارة الى من تقدم ذكره، وتقديره و { تلك } القبيلة { عاد ~~جحدوا بآيات ربهم } والجحد الخبر بأن المعنى ليس بكائن على صحة، فعلى هذا ~~جحدوا هؤلاء الكفار بآيات الله، اي اخبروا بأن المعنى لا نعرف صحته، ~~والنفي خبر بعدمه. # وقال صاحب العين: الجحد انكارك بلسانك ما تستيقنه نفسك. # وقوله { وعصوا رسله } فيه أخبار انهم مع جحدهم دلالة رسل الله، وانكارهم ~~آيات الله، خالفوا ما اراده الدعاة الى الله، على طريق الايجاب بالترغيب ~~والترهيب فالرسول دعاهم الى عبادة الله، فخالفوه وانما قال { عصوا رسله } ~~وهم عصوا هودا، لأن الرسل قد تقدمت عليهم بمثل ذلك، وذلك عصيان لهم فيما ~~امروا به ودعوا اليه من توحيد الله وعدله وان لا يشركوا به شيئا. # وقوله { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } والعنيد العاتي الطاغي، عند يعند ~~عندا ms1992 وعنودا اذا حاد عنه كثيرا قال الشاعر. # اني كبير لا اطيق العندا ### || [11.60] # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان عادا لما عصوه، وكفروا به، وكذبوا ~~هودا ألحق الله بهم الهلاك واتبعهم في دار الدنيا لعنة، بمعنى انه اخبر ~~نبينا والأمم المستقبلة باهلاكهم وانه لعنهم وامر بلعنهم، وعرفهم انه ~~ابعدهم من رحمته. # واللعنة الدعاء بالابعاد من قولك لعنه اذا قال عليه لعنة الله، واصله ~~الابعاد من الخير يقال ذئب لعين اي طريد، ولا يجوز ان يلعن شيء من ~~البهائم، وان كانت مؤذية، لأنه لا يجوز ان يدعى عليها بالابعاد من رحمة ~~الله. # وقوله { ويوم القيامة } اي ويتبعون لعنة يوم القيامة، يعني يوم يقوم ~~الناس من قبورهم للجزاء والحساب، كما قال # يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون # وقوله { ألا إن عادا كفروا ربهم } (ألا) معناها التنبيه، وما بعدها ~~أخبار بأن قوم عاد كفروا ربهم. # وقوله { ألا بعدا لعاد قوم هود } نصب (بعدا) على المصدر، والمعنى ~~ابعدهم الله بعدا، ووقع (بعدا) موضع ابعاد، كما وقع نبات موضع انبات في ~~قوله # أنبتكم من الأرض نباتا ### || [11.61] # حكى الله تعالى في هذه الآية أنه أرسل { إلى ثمود أخاهم صالحا } ونصب { ~~أخاهم } بأرسلنا، عطف على ما تقدم، وانه { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره } وقد فسرناه. وقوله { هو أنشأكم من الأرض } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - انه خلقكم من آدم وآدم من تراب. # الثاني - انه خلقكم من الارض، والاول اختيار الجبائي وهو الأقوى. ~~والانشاء الايجاد ابتداء من غير استعانة بشيء من الاسباب، وهما نشأتان ~~الاولى في الدنيا والثانية في الآخرة. # وقوله { واستعمركم فيها } اي جعلكم قادرين على عمارة الأرض، ومكنكم من ~~عمارتها والحاجة الى سكناها. والاستعمار جعل القادر يعمر الارض كعمارة ~~الدار. وقال مجاهد معنى { استعمركم فيها } أي اعمركم بأن جعلها لكم طول ~~اعماركم. ومنه العمرى المسألة المعروفة في الفقه. # وفي الآية دلالة على فساد قول من حرم المكاسب، لانه تعالى امتن على خلقه ~~بأن مكنهم من عمارة ms1993 الأرض فلو كان ذلك محرما لم يكن لذلك وجه، والعبادة ~~لا تستحق إلا بالنعم المخصوصة التي هي أصول النعم فلذلك لا يستحق بعضنا ~~على بعض العبادة ابتداء، وان استحق الشكر، ولذلك لا تحسن العبادة ابتداء، ~~كما لا يحسن الشكر إلا في مقابلة النعم. # وقوله { فاستغفروه ثم توبوا إليه } قد بينا معناه وقوله { إن ربي قريب ~~مجيب } معناه أنه قريب الرحمة لا من قرب المكان، لكنه خرج هذا المخرج ~~لحسن البيان في المبالغة، وقيل ان بلاد ثمود بوادي القرى بين المدينة ~~والشام، وكانت عاد باليمن. ### || [11.62] # في هذه الآية حكاية ما أجاب به قوم صالح له حين قالوا له يا صالح قد كنت ~~فينا مرجوا قبل هذا، ومعناه قد كنا نرجو منك الخير، ونطمع فيه من جهتك ~~قبل هذا لما كنت عليه من الاحوال الجميلة، فالآن يئسنا منك. # والرجاء تعلق النفس بمجيء الخير على جهة الظن، ومثله الأمل والطمع. # وقوله { أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا } معناه تحظر علينا عبادة كان ~~يعبدها أباؤنا. # وقوله { إننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب } معناه إن الذي أتيتنا به لا ~~يوجب العلم بل يوجب الشك فنحن في شك مما جئتنا به. والريبة هي الشك إلا ~~ان مع الريبة تهمة للمعنى ليست في نقيضه، والشك قد يعتدل فيه النقيضان. ### || [11.63] # حكى الله تعالى في هذه الآية ما أجاب به صالح قومه ثمود بأن قال لهم { ~~أرءيتم إن كنت على بينة } أي حجة من ربي ودليل من جهته. ولا مفعول ل ~~(رأيتم) لأنه يلغى كما يلغى اذا دخل عليه لام الابتداء في قولك (رأيت ~~لزيد خير منك) فكذلك الجزاء. وجواب (إن) الاولى الفاء، وجواب (إن) ~~الثانية محذوف، وتقديره ان عصيته فمن ينصرني، إلا انه يستغني بالاول، فلا ~~يظهر. وقوله { فمن ينصرني من الله إن عصيته } صورته صورة الاستفهام، ~~ومعناه النفي كأنه قال فلا ناصر لي من الله ان عصيته، ومعنى الكلام ~~أعلمتم من ينصرني من الله ان عصيته بعد بينة من ربى ونعمة، وانما جاز ~~إلغاء ms1994 (رأيت) لانها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة انها تفيد لو ~~انفردت عن غيرها، و (من) يتعلق بمعناها دون تفصيل لفظها. # وقوله { فما تزيدونني غير تخسير } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - ليس تزيدونني باحتجاجكم بعبادة آبائكم اي ما تزدادون انتم الا ~~خسارا، هذا قول مجاهد. # والثاني - قال قوم: تزيدونني لانهم يعطونه ذاك بعد اول امرهم. # الثالث - قال الحسن معناه ان اجبتكم الى ما تدعونني اليه كنت بمنزلة من ~~يزداد الخسران. # وقال اخرون معناه ما تزيدونني على ما انا عندكم الا خسارا. ### || [11.64] # في هذه الآية حكاية ما قال صالح لقومه بعد ان انذرهم وخوفهم عبادة غير ~~الله، وحذرهم معاصيه. { ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية } واشار الى ناقته ~~التي جعلها الله معجزة، لان الله تعالى اخرجها لهم من جوف صخرة وهم ~~يشاهدونها على تلك الصفة، وخرجت وهي حامل كما طلبوا، انها كانت تشرب ~~يوما فتنفرد به ولهم يوم وتأتي المرعى يوما والوحش يوما. # وقوله { ولا تمسوها بسوء } نهي منه لهم ان يمسوا الناقة بسوء اي بعقر او ~~ضرر. والمس واللمس متقاربان. وفرق بينهما الرماني بان المس يكون بين ~~جمادين واللمس لا يكون إلا بين حيين لما فيه من الادراك، وقوله { فيأخذكم ~~عذاب قريب } جواب النهي بالفاء وكذلك نصبه. والمعنى ان مسستموها بضر ~~اخذكم عذاب عاجل. ### || [11.65] # اخبر الله تعالى عن قوم صالح بانهم عصوه فيما امرهم وارتكبوا ما نهاهم ~~عنه من اذى الناقة وانهم عقروها والعقر قطع العضو الذي له سراية في النفس ~~قال امرؤ القيس: # يقول وقد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرء القيس فانزل # وكان سبب عقرهم لها انهم كرهوا أن يكون لها يوم، ولهم يوم في الشرب لضيق ~~الماء عليهم والمرعى على ماشيتهم فعقرها (احمر ثمود) وضربت به العرب ~~المثل في الشؤم، فلما فعلوا ذلك قال لهم صالح { تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام } أي تلذذوا، فيما يريدون من المدركات الحسان من المناظر والاصوات ~~وغيرها مما يدرك بالحواس، ويقال للبلاد: دار، لانها تجمع ms1995 اهلها كما تجمع ~~الدار. ومنه قولهم: ديار ربيعة، وديار مضر. # وقيل معنى { في داركم } اي في دار الدنيا. وايام اصله (ايوام) فقلبت ~~الواو ياء وادغمت الياء الاولى فيها فصارت ايام لاجتماعها وسكون الاولى ~~وانما وجب ذلك لاشتراكهما في انهما حرفا علة. وقوله { ذلك وعد غير مكذوب ~~} معناه إن ما وعدتكم به من نزول العذاب بعد ثلاثة ايام وعد صدق ليس فيها ~~كذب. ### || [11.66] # قرأ اهل المدينة إلا اسماعيل والكسائي والبرجمي والسموني { يومئذ } بفتح ~~الميم، هنا وفي المعارج. الباقون بكسر الميم على الاضافة. قال ابو علي ~~قوله { يومئذ } ظرف - كسرت او فتحت - في المعنى إلا انه اتسع فيه فجعل ~~اسما كما اتسع في قوله # بل مكر الليل والنهار # فاضيف المكر اليهما وإنما هو فيهما، فكذلك العذاب والخزي والفزع اضفن ~~الى اليوم، والمعنى على ان ذلك كله في اليوم كما ان المكر في الليل ~~والنهار. # ومن كسر الميم من { عذاب يومئذ } فلان يوما اسم معرب اضاف اليه ما ~~اضافه من العذاب والخزي والفزع، فانجر بالاضافة، ولم تفتح اليوم فتبنيه ~~لاضافته الى المعنى، لان المضاف منفصل عن المضاف اليه ولا يلزمه الاضافة، ~~والمضاف لم يلزم البناء. # ومن فتح فقال: من عذاب يومئذ فيفتح مع انه في موضع جر، فلان المضاف ~~يكتسب من المضاف اليه التعريف والتنكير، ومعنى الاستفهام والجزاء في نحو ~~غلام من تضرب اضربه، فلما كان يكتسب من المضاف اليه هذه الاشياء اكتسب ~~منه الاعراب والبناء ايضا، اذا كان المضاف من الاسماء الشائعة المبنية ~~نحو (اين. وكيف) ولو كان المضاف مخصوصا نحو (رجل وغلام) لم يكتسب منه ~~البناء كما اكتسبت من الاسماء الشائعة. ومن اضاف على تقدير من عذاب يومئذ ~~ومن خزي يومئذ، فلانها معارف تعرفت بالاضافة الى اليوم. # اخبر الله تعالى انه لما جاء امره باهلاك قوم صالح الذين هم ثمود نجا ~~صالحا والمؤمنين معه برحمة منه تعالى. # وقوله { ومن خزي يومئذ } فالخزي العيب الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله، ~~خزي يخزى خزيا اذا ظهر له عيب بهذه الصفة. # وقوله { إن ms1996 ربك هو القوي العزيز } فالقوي هو القادر، والعزيز هو القادر ~~على منع غيره من غير ان يقدر أحد على منعه. واصله المنع فمنه عز علي ~~الشيء اذا امتنع بقلبه ومنه العز الارض الصلبة الممتنعة بالصلابة، ومنه ~~تعزز بفلان اي امتنع به ويقال (من عز بز) اي من غلب سلب. # وكانت علامة العذاب في ثمود ما قال لهم صالح: آية ذلك ان وجوهكم تصبح في ~~اليوم الاول مصفرة وفي اليوم الثاني محمرة وفي الثالث مسودة، ذكره الحسن، ~~هذا من حكمته تعالى وحسن تدبيره في الانذار بما يكون من العقاب قبل ان ~~يكون، للمظاهرة في الحجة. # ولم يختر ابو عمرو بناء (يوم) إذا اضيف الى مبني كما اختير في قوله # على حين غفلة # لأن هذا اضيف الى اسم مبني، وذلك اضيف الى فعل مبني فباعده عن التمكن ~~باكثر مما باعده الاول. ### || [11.67] # اخبر الله تعالى أنه لما نجا صالحا والمؤمنين وأراد اهلاك الكفار أخذ ~~الذين ظلموا الصيحة، وهي الصوت العظيم من الحيوان. وقال الجبائي لا تكون ~~الصيحة إلا حدوث صوت في فم وحلق حيوان. وقيل ان جبرائيل عليه السلام صاح ~~بهم، ويجوز ان يكون الله تعالى احدث الصيحة في حلق حيوان، وانما ذكر ~~اللفظ لأنه حمله على المعنى، لان الصيحة والصياح واحد. ويجوز تأنيثه ~~حملا على اللفظ، كما جاء في موضع آخر. وقوله { فأصبحوا في ديارهم جاثمين ~~} معناه أنه لما اتتهم الصيحة ليلا أصبحوا في ديارهم خامدين على هذه ~~الصفة، والعرب تقول في تعظيم الأمر: (واسوأة صباحاه). والجثوم السقوط على ~~الوجوه. وقيل هو القعود على الركب، يقال: جثم على القلب إذا ثقل عليه، ~~وذكرهم الله بالظلم هنا دون الكفر ليعلم أن الكفر ظلم النفس إذ يصير الى ~~أعظم الضرر بعذاب الأبد. ### || [11.68] # قرأ الكسائي وحده " لثمود " بخفض الدال وتنوينها. والباقون بغير صرف. ~~وقرأ حمزة وحفص ويعقوب { ألا إن ثمود } وفي الفرقان. و { عادا وثمود } ~~وفي العنكبوت { وثمود فما أبقى } بغير تنوين فيهن وافقهم يحيى والعليمي ~~والسموني في سورة (النجم). # قال الفراء قلت ms1997 للكسائي: لم صرفت (ثمود) هنا؟ فقال: لانه قرب من ~~المنصوب، وهو مجرور، وانما صرف ثمود في النصب دون الجر والرفع، لأنه لما ~~جاز الصرف اختير الصرف في النصب، لانه اخف. # قال ابو علي الفارسي: الاسماء التي تجري على القبائل والاحياء على اضرب # احدها - ان يكون اسما للحي او للاب. # والثاني - ان يكون اسما للقبيلة. # الثالث - ان يكون غلب عليه الاب دون الحي والقبيلة. # والرابع - ان يستوي ذلك في الاسم فيجري على الوجهين، ولا يكون لاحد ~~الوجهين مزية على الآخر في الكثرة، فمما جاء اسما للحي قولهم ثقيف ~~وقريش، وكلما لا يقال فيه بنو فلان. واما ما جاء اسما للقبيلة فنحو تميم ~~بنت مرة قال سيبويه سمعناهم يقولون: قيس ابنة عيلان، وتميم صاحبة ذلك، ~~وقال تغلب ابنة وابل. واما ما غلب عليه اسم ام الحي او القبيلة، فقد ~~قالوا باهلة ابن اعصر، وقالوا يعصر، وباهلة اسم امرأة، قال سيبويه جعل ~~اسم الحي، ومحوس لم يجعل اسم قبيلة، وسدوس اكثرهم يجعله اسم القبيلة، ~~وتميم اكثرهم يجعله اسم قبيلة. ومنهم من يجعله اسم الأب. واما ما يستوي ~~فيه اسم قبيلة، وان يكون اسما للحي، فقال سيبويه نحو ثمود وعاد، وسماهما ~~مرة للقبيلتين ومرة للحيين، فكثرتهما سواء. قال: وعادا وثمودا، وقال { ~~ألا إن ثمود كفروا ربهم } وقال { وآتينا ثمود الناقة } فاذا استوى في ~~ثمود ان يكون مرة للقبيلة ومرة للحي ولم يكن لحمله على احد الوجهين مزية ~~في الكثرة: # فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا، ومن لم يصرف ايضا كذلك، وكذلك ان ~~صرف في موضع ولم يصرف في موضع آخر إلا انه لا ينبغي ان يخرج عما قرأت به ~~القراء لان القراءة سنة، فلا يجوز ان تحمل على ما يجوز في العربية حتى ~~تنضم اليه الرواية. # معنى قوله { كأن لم يغنوا } أي كأن لم يقيموا فيها لانقطاع آثارهم ~~بالهلاك وما بقي من اخبارهم الدالة على الخزي الذي نزل بهم، يقال غنى ~~بالمكان اذا اقام به والمغاني المنازل قال النابغة: # غنيت بذلك اذ هم ms1998 لك جيرة # منها بعطف رسالة وتودد # واصل الغنى الاكتفاء فمنه الغنى بالمال والغناء الصوت الذي يتغنى به، ~~والغناء الاكتفاء بحال الشيء وغنى بالمكان اذا اقام به، لاكتفائه ~~بالاقامة فيه، والغانية الشابة المتزوجة. و (ألا) معناها التنبيه وهي الف ~~استفهام دخلت على (لا) فالالف يقتضي معنى و (لا) ينفي معنى، فاقتضى ~~الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الفعلية. ### || [11.69] # قرأ حمزة والكسائي " قال سلم " بكسر السين وسكون اللام من غير الف هنا، ~~وفي الذاريات. قال محمد بن يزيد المبرد (السلام) في اللغة يحتمل اربعة ~~اشياء، منها مصدر سلمت، ومنها جمع سلامة، ومنها اسم من اسماء الله، ومنها ~~اسم شجرة، ومنه قول الاخطل: # الاسلام وحرمل # وقوله # دار السلام # يحتمل ان يكون مضافا الى الله تعظيما لها، ويجوز ان يكون دار السلام ~~من العذاب لمن حصل فيها. واما انتصاب قوله { سلاما } فانه لا يحك شيئا ~~تكلموا به فيحكى كما تحكى الجمل، ولكن هو ما تكلمت به الرسل، كما ان ~~القائل اذا قال لا اله الا الله، فقلت له قلت حقا او قلت اخلاصا اعملت ~~القول في المصدر لانك ذكرت معنى ما قال، فلم يحك نفس الكلام الذي هو جملة ~~يحكى، فكذلك نصب سلاما هنا، لما كان معنى ما قيل ولم يكن نفس القول ~~بعينه. وقوله # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # قال بسيبويه زعم ابو الخطاب: ان مثله يراد به مثل قولك سبحان الله الذي، ~~تفسيره براءة الله من السوء، وقولك للرجل سلاما تريد مسلما منك لا ~~ابتلي بشيء من امرك. وقوله " سلام " مرفوع، لانه من جملة الجملة المحكية، ~~وتقديره سلام عليكم فحذف الخبر كما حذف من قوله # فصبر جميل # اي فصبر جميل امثل او يكون المعنى امري سلام وشأني سلام، كما يجوز ان ~~يكون في قوله { فصبر جميل } المحذوف منه المبتدا، ومثله على حذف المبتدا ~~قوله تعالى # فاصفح عنهم وقل سلام # او حذف الخبر ويكون سلام مبتدأ واكثر ما يستعمل { سلام } بغير الف ولام ~~لأنه في معنى الدعاء، فهو مثل قولهم خير بين ms1999 يديك، فمن ذلك قوله # قال سلام عليك سأستغفر لك ربي # وقوله # سلام عليكم بما صبرتم # وقوله # سلام على نوح # و # سلام على إبراهيم # وقوله # سلام على عباده الذين اصطفى # وقد جاء بالالف واللام قال تعالى # والسلام على من اتبع الهدى # و # والسلام علي يوم ولدت # وزعم ابو الحسن ان من العرب من يقول: السلام عليكم، ومنهم من يقول سلام ~~عليكم فمن ألحق فيه الالف واللام حمله على المعهود. ومن لم يلحقه حمله ~~على غير المعهود, وزعم أن منهم من يقول سلام عليكم بلا تنوين، وحمل ذلك ~~على وجهين: # أحدهما - انه حذف الزيادة من الكلمة كما يحذف الاصل في نحو لم يك ولا ~~ادر ويوم يأت. # والآخر - انه لما كثر استعمال هذه الكلمة، وفيها الالف والام جاز حذفها ~~منها لكثرة الاستعمال كما حذفوا من اللهم فقالوا: لا هم كما قال الشاعر: # لا هم لا هم ان عامر العجوز # قد حبس الخيل على يعمور # ومن قرأ (سلم) بلا الف احتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى (سلم) ~~والمعنى أمرنا سلم وسلم عليكم، ويكون سلام بمعنى سلم، كقولهم حل وحلال، ~~وحرم وحرام، انشد الفراء: # وقفنا فقلنا ايه سلم فسلمت # كما اكيل بالبرق الغمام اللوائح # وروي كما انكل. ثم قال الفراء في رفع سلام انه حين نكرهم، قال هو سلم ان ~~شاء الله، من أنتم؟ فعلى هذا القراءتان بمعنى واحد. والآخر أن يكون (سلم) ~~خلاف العدو، والحرب. كأنهم لما كفوا عن تناول ما قدم اليهم فنكرهم واوجس ~~منهم خيفة، قال انا سلم، ولست بحرب ولا عدو، فلا تمتنعوا من تناول طعامي، ~~كما يمتنع من تناول طعام العدو، وقوله { ولقد } دخلت اللام لتأكيد الخبر، ~~كما يؤكد القسم، ومعنى (قد) هنا ان السامع لقصص الأنبياء يتوقع قصة بعد ~~قصة، و (قد) للتوقع فجاءت لتؤذن أن السامع في حال توقع. أخبر الله تعالى ~~أنه لما جاءت رسل ابراهيم يبشرونه. # وقيل في البشارة بماذا كانت قولان: # احدهما - قال الحسن كانت بأن الله تعالى يهب له اسحاق ولدا ويجعله ~~رسولا ms2000 الى عباده. # وقال غيره كانت البشارة باهلاك قوم لوط. وقوله { قالوا سلاما } حكاية ~~ما قال رسل الله لابراهيم مجيبا لهم { سلام }. # وقوله { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } معنى ذلك لم يتوقف حتى جاء - على ~~عادته في اكرام الاضياف وتقديم الطعام اليهم - بعجل، وهو ولد البقرة يسمى ~~بذلك لتعجيل امره بقرب ميلاده. ويقال: فيه عجول وجمعه عجاجيل، و { الحنيذ ~~} المشوي ومعناه محنوذ، فجاء " فعيل " بمعنى " مفعول " كطبيخ ومطبوخ، ~~وقتيل ومقتول تقول: حنذه حنذا ويحنذه قال العجاج: # ورهبا من حنذه أن يهجرا # يعني الحمراء الوحشية أي حنذها حر الشمس على الحجارة. وقال الحسن حنيذ ~~بمعنى نضيج مشوي. وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: نضيج. # وحكى الزجاج أن الحنيذ هو الذي يقطر ماؤه تقول العرب أحنذ هذا الفرس أي ~~جلله حتى يقطر عرقا. # وانما قدم الطعام اليهم وهم ملائكة لأنه رآهم في صورة البشر، فظنهم ~~أضيافا. # وقال الحسن: جاؤوه فاستضافوه، والا لم يخف عليه أن الملائكة لا يأكلون ~~ولا يشربون. وقوله { أن جاء } في موضع نصب بوقوع لبث عليه، كأنه قال فما ~~ابطأ عن مجيئه بعجل، فلما حذف حرف الجر نصب. # قال الفراء: ويحتمل { أن جاء بعجل } أن يكون في موضع رفع بأن تجعل { لبث ~~} فعلا له كأنك قلت فما أبطأ مجيئه بعجل حنيذ، قال الفراء: (الحنيذ) ما ~~حفرت له في الأرض ثم عممته وهو فعل أهل البادية. قال الفراء وغيره: وانما ~~خافهم ابراهيم من حيث لم ينالوا طعامه، لان عادة ذلك الوقت اذا قدم ~~الطعام إلى قوم فلا يمسونه ظنوا أنهم أعداء. ### || [11.70] # قيل في وجه اتيان الملائكة ابراهيم صلى الله عليه وسلم في صورة الاضياف ~~قولان: # احدهما - قال الحسن أنهم اتوه على الصفة التي كان يحبها، لانه كان يقري ~~الضيف. # والآخر - انهم أروه معجزا من مقدور الله في صورتهم مع البشارة له ~~بالولد على الكبر، فاخبر الله تعالى ان ابراهيم لما رآهم ممتنعين من ~~تناول الطعام وان ايديهم لا تصل اليه، والعقل لم يكن مانعا من أكل ~~الملائكة الطعام وإنما علم ms2001 ذلك بالاجماع وبهذه الآية، والا ما كان يجوز ~~أن يقدم ابراهيم الطعام مع علمه بانهم ملائكة. ويجوز بأن يأكلوه وانما ~~جاز ان يتصور الملائكة في صورة البشر مع ما فيه من الايهام لأنهم أتوه به ~~دلالة، وكان فيه مصلحة فجرى مجرى السراب الذي يتخيل انه ماء من غير علم ~~انه ماء. # وقوله { نكرهم } يقال نكرته وانكرته بمعنى. وقيل نكرته اشد مبالغة وهي ~~لغة هذيل واهل الحجاز، وانكرته لغة تميم قال الاعشى في الجمع بين ~~اللغتين: # وانكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث الا الشيب والصلعا # وقال ابو ذؤيب: # فنكرنه فنفرن وافترست به # هوجاء هاربة وهاد خرسع # وقوله { أوجس منهم خيفة } اي اضمر الخوف منهم، والايجاس الاحساس قال ذو ~~الرمة: # وقد توجس ركزا مغفرا ندسا # بنبأة الصوت ما في سمعه كذب # اي تجسيس. وقيل أوجس أضمر، وانما خافهم حين لم ينالوا من طعامه لانه ~~رآهم شبابا اقوياء وكان ينزل طرفا من البلد لم يأمن - من حيث لم ~~يتحرموا بطعامه ان يكون ذلك البلاء حتى قالوا له لا تخف يا ابراهيم { إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط } بالعذاب والاهلاك وقيل انهم دعوا الله فاحيا العجل ~~الذي كان ذبحه ابراهيم وشواه فظهر ورعى، فعلم حينئذ انهم رسل الله. ### || [11.71] # قرأ ابن عباس وحمزة وحفص ويعقوب { فبشرناها } بنصب الباء. الباقون ~~بالرفع. قال ابو علي من رفع فباحد امرين: احدها بالابتداء، والآخر بالظرف ~~على مذهب من رفع وذلك بين. ومن فتح احتمل ثلاثة اشياء: # احدها - ان يكون في موضع جر والمعنى فبشرناها باسحاق ويعقوب، وقال ابو ~~الحسن: وهو قوي في المعنى، لانها قد بشرت به قال وفي اعمالها ضعف، لانك ~~فصلت بين الجار والمجرور بالظرف كما لا يجوز مررت بزيد في الدار والبيت ~~عمرو. وقال الرماني لا يجوز ذلك لانه يجب منه العطف على عاملين، وذلك لا ~~يجوز، لأنه أضعف من العامل الذي قام مقامه وهو لا يجر ولا ينصب. # الثاني - بحمله على موضع الجار والمجرور كقول الشاعر: # اذا ما تلاقينا من اليوم او غدا # وكقراءة ms2002 من قرأ { حورا عينا } بعد قوله { يطاف عليهم } بكذا ومثله ~~قوله: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # وكقول الشاعر: # جئني بمثل بني بدر لقومهم # او مثل اسرة منظور بن سيار # اوعامر بن طفيل في مراكبه # او حارثا حين نادى القوم يا جار # فنصب (عامرا) و (حارثا) كأنه قال او جئتي بعامر فلما اسقط حرف الجر ~~نصب. # الثالث - أن تحمله على فعل مضمر، كأنه قال فبشرناه باسحاق، ووهبنا له ~~يعقوب. # قال ابو علي الفارسي: والوجه الاول نص سيبويه في فتح مثله نحو مررت بزيد ~~اول امس وأمس عمرو، وكذلك قال ابو الحسن قال: لو قلت مررت بزيد اليوم ~~وامس عمرو، كان حسنا ولم يحسن الحمل على الموضع على حد مررب بزيد ~~وعمرا، فالفصل فيها ايضا قبيح كما قبح الحمل على الجار وغير الجار، فهذا ~~في القياس مثل الجار في القبح لأن الفعل يصل بحرف العطف وحرف العطف هو ~~الذي يشرك في الفعل، وبه يصل الفعل الى المفعول به، كما يصل الجار فاذا ~~قبح الامران وجب أن تحمل قراءة من قرأ بالنصب على تقدير فعل آخر مضمر يدل ~~عليه (بشرنا). # وقيل في معنى قوله { وامرأته قائمة } ثلاثة اوجه: # أحدها - انها كانت قائمة بحيث ترى الملائكة فضحكت سرورا بالسلامة وأردف ~~ذلك السرور بما كان من البشارة. # والثاني - انها كانت قائمة من وراء الستر تستمع الى الرسل. # والثالث - انها كانت قائمة تخدم الاضياف وابراهيم جالس. # وقال مجاهد: معنى فضحكت حاضت، قال الفراء: لم أسمع ذلك من ثقة وجدته ~~كتابة قال الكميت. # واضحكت السباع سيوف سعد # لقتلى ما دفن ولا ودينا # يعني بالحيض وقالوا لحرب بن كعب: تقول ضحكت النخلة إذا أخرجت الطلع ~~والبسر، وقالوا الضحك الطلع وسمع من يحكى أضحكت حوضك إذا ملأته حتى فاض، ~~وانشد بعضهم في الضحك بمعنى الحيض قول الشاعر: # وضحك الأرانب فوق الصفا # كمثل دم الجوف يوم القا # وقال قوم: الضحك العجب وانشد لابي ذؤيب. # فجاء بمزج لم ير الناس مثله # هو الضحك إلا انه عمل النحل # وقيل في معنى " ضحكت " ثلاثة ms2003 اقوال: # احدها - انها ضحكت تعجبا من حال الاضياف في امتناعهم من اكل الطعام مع ~~أن ابراهيم وزوجته سارة يخدمانهم. # وثانيها - قال قتادة: ضحكت تعجبا من حال قوم لوط اتاهم العذاب وهم في ~~غفلة. # وثالثها - قال وهب بن منية: انها ضحكت تعجبا من ان يكون لهما ولد، وقد ~~هرما، فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير، كأنه قال فبشرناها باسحاق ~~فضحكت بعد البشارة. # قوله { فبشرناها } يعني امرأة ابراهيم سارة باسحاق انها تلده ومن بعد ~~اسحاق يعقوب من ولده فبشرت بنبي بين نبيين، وهو اسحاق أبوه نبي وابنه ~~نبي. # وقال الزجاج: انما ضحكت لأنها كانت قالت لابراهيم اضمم لوطا ابن اخيك ~~اليك فاني أعلم ان سينزل على هؤلاء القوم عذاب فضحكت سرورا لما اتى ~~الأمر على ما توهمت. # وقال ابن عباس والشعبي والزجاج يقال لولد الولد هذا ابني من ورائي هو ~~ابن ابني. ### || [11.72] # في هذه الآية اخبار عما قالت امرأة ابراهيم حين بشرت بانها تلد اسحاق ~~وهو ان قالت يا ويلتى. ومعنى ياويلتى الانذار بورود الأمر الفظيع تقول ~~العرب يا للدواهي اي تعالين فانه من ازمانك بحضور ما حضر من اشكالك. والف ~~{ يا ويلتى } يجوز ان يكون الف ندبة. ويحتمل ان يكون للاضافة انقلبت من ~~الياء وكان هذا القول من امرأة ابراهيم على وجه التعجب بطبع البشرية، إذ ~~ورد عليها ما لم تجربه العادة قبل ان تفكر في ذلك كما ولى موسى مدبرا ~~حين انقلبت العصا حية حتى قيل له # أقبل ولا تخف # وإلا هي كانت مؤمنة عارفة بأن الله تعالى يقدرعلى ذلك. # قال الرماني: والسبب في ان العجوز لا تلد أن الماء - الذي يخلق الله (عز ~~وجل) منه الولد مع نطفة الرجل - قد انقطع بدلالة ارتفاع الحيض، فجعل الله ~~الولد على تلك الحال معجزا لنبيه ابراهيم (ع). # وقال مجاهد: كان لابراهيم في ذلك مئة سنة ولها تسع وتسعون سنة. # وقال ابن اسحاق: كان لابراهيم مئة وعشرون سنة، ولسارة تسعون سنة. # والبعل الزوج، واصله القائم بالأمر، فيقولون للنخل الذي يستغني بماء ms2004 ~~السماء عن سقي الانهار والعيون: بعل، لأنه قائم بالأمر في استغنائه عن ~~تكلف السقي له، ومالك الشيء القيم بتدبيره: بعل، ومنه قوله تعالى # أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين # و { شيخا } نصب على الحال، والعامل فيه ما في هذا من معنى الاشارة أو ~~التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود بالرفع. ويحتمل الرفع في قوله سيبويه ~~والخليل أربعة أوجه، فيرفع (هذا) بالابتداء، و (بعلي) خبره، و (شيخ) خبر ~~ثاني، كأنه قال هذا شيخ، ويجوز ان يكونا خبرين لهذا، كقولك هذا حلو حامض، ~~ويجوز ان يكون (بعلي) بدلا من (هذا) وبيانا له و (شيخ) خبره. # وقوله { إن هذا لشيء عجيب } ان يكون الولد بين عجوزين شيخين شيء يتعجب ~~منه. ### || [11.73] # في هذه الآية حكاية عما قالت الملائكة لامرأة ابراهيم حين تعجبت من ان ~~تلد بعد الكبر، فانهم قالوا لها { أتعجبين من أمر الله } وهذه الألف ~~للاستفهام ومعناها ها هنا التنبيه، وليست الف انكار، وانما هي تنبيه ~~وتوقيف. والعجب يجري على المصدر وعلى المتعجب منه كقولك: هذا أمر عجب، ~~ولا يجوز العجب من أمر الله، لأنه يجب ان يعلم انه قادرعلى كل شيء من ~~الاجناس، لا يعجزه شيء، وما عرف سببه لا يعجب منه. # وقوله { رحمة الله وبركاته عليكم } يحتمل معنيين: # احدهما - الدعاء لهم بالرحمة والبركة. # الثاني - التذكير بنعمة الله وبركاته عليهم، والإخبار لهم بذلك. # وقوله { أهل البيت } يدل على ان زوجة الرجل تكون من أهل بيته في - قول ~~الجبائي - وقال غيره إنما جعل سارة من أهل البيت لما كانت بنت، عمه على ~~ما قاله المفسرون. # وقوله { إنه حميد مجيد } معناه مستحمد الى عباده. وقال ابو علي: يحمد ~~المؤمنين من عباده، والمجيد الكريم - في قول الحسن - يقال: مجد الرجل ~~يمجد مجدا اذا كرم قال الشاعر: # رفعت مجد تميم باهلال لها # رفع الطراف على العلياء بالعمد ### || [11.74] # أخبر الله تعالى انه حين ذهب عن ابراهيم الروع، وهو الافزاع، يقال: راعه ~~يروعه روعا اذا افزعه قال عنترة: # ما راعني الا حمولة اهلها # وسط الديار تسف حب الخمخم ms2005 # أي ما افزعني، وارتاع ارتياعا اذا خاف. و (الروع) بضم الراء النفس، ~~يقال ألقي في روعي، وهو موضع المخافة و { جاءته البشرى } يعنى بالولد { ~~يجادلنا } وتقديره جعل يجادلنا، فجواب (لما) محذوف لدلالة الكلام عليه، ~~لان (لما) تقتضيه، والفعل خلف منه. وقال الاخفش (يجادلنا) بمعنى جادلنا. ~~وقال الزجاج: يجوز ان يكون ذلك حكاية حال قد جرت، والا فالجيد ان تقول: ~~لما قام قمت، ولما جاء جئت. ويضعف ان تقول: لما قام اقوم، والتقدير في ~~الآية لما ذهب عن ابراهيم الروع وجاءته البشرى اقبل يجادلنا, واخذ ~~يجادلنا. # وقوله { يجادلنا } يحتمل معنيين احدهما يجادل رسلنا من الملائكة - في ~~قول الحسن - الثاني - يسألنا في قوم لوط. والمعنى انه سأل الله، إلا انه ~~استغني بلفظ { يجادلنا } لأنه حرص في السؤال حرص المجادل. # وقيل في ما به جادل ثلاثة اقوال: # احدها - قال الحسن: انه جادل الملائكة بأن قال لهم: # إن فيها لوطا # كيف تهلكونهم، فقالت له الملائكة # نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله # الثاني - قال قتادة انه سألهم: أتعذبون خمسين من المؤمنين ان كانوا؟ ~~قالوا: لا، ثم نزل الى عشرة فقالوا: لا. # الثالث - قال ابو علي: جادلهم ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال وهل ~~ذلك واقع بهم لا محالة أم على سبيل الاخافة؟ ليرجعوا الى الطاعة. ### || [11.75] # هذا إخبار من الله تعالى عن حال ابراهيم، وصفه بانه كان اواها. وقيل في ~~معناه ثلاثة اقوال: # احدها - قال الحسن: الاواه الرحيم. وقال مجاهد هو الرجاع، وقال ~~الفراء: هو كثير الدعاء. # وقال قوم: هو المتأوه. وقال قوم: هو الرجاع المتأوه خوفا من العقاب، ~~ولمثل ذلك حصل له الامان لتمكين الاسباب الصارفة عن العصيان. و (الحليم) ~~هو الذي يمهل صاحب الذنب، فلا يعاجله بالعقوبة. # وقيل: كان ابراهيم ذا احتمال لمن آذاه وخنى عليه لا يتسرع الى المكافأة، ~~وان قوي عليه. والاناة السكون عند الحال المزعجة عن المبادرة، وكذلك ~~التأني: التسكن عند الحال المزعجة من الغضب، ويوصف الله تعالى بانه حليم ~~من حيث لا يعاجل العصاة بالعقاب الذي يستحقونه لعلمه بما ms2006 في العجلة من ~~صفة النقص. # و (المنيب) هو الراجع الى الطاعة عند الحال الصارفة، ومنه قوله # وأنيبوا إلى ربكم # والتوبة الانابة، لانها رجوع الى حال الطاعة، وكون ابراهيم منيبا الى ~~طاعة الله لا يدل على انه كان عاصيا قبل ذلك، بل انه يفيد أنه كان يرجع ~~الى طاعته في المستقبل، وان كان على طاعته أيضا فيما مضى، وقال ابو علي: ~~كان يرجع الى الله في جميع أموره ويتوكل عليه. ### || [11.76] # في هذه الآية حكاية ما قالت الملائكة لابراهيم (ع) فانها نادته بأن قالت ~~{ يا إبراهيم أعرض عن هذا } القول. والاعراض الذهاب عن الشيء في جهة ~~العرض، ويكون انصرافا عنه بالوجه والتفكر. # والاشارة بقوله { عن هذا } الى الجدال، وتقديره يا ابراهيم اعرض عن هذا ~~الجدال في قوم لوط، لان العذاب نازل بهم لا محالة. # وقوله { جاء أمر ربك } يحتمل أمرين: احدهما - جاء امره لنا بالعذاب. ~~والثاني - جاء اهلاكه لهم بما لا مرد له. # وقوله { غير مردود } اي غير مدفوع، والرد اذهاب الشيء الى حيث جاء منه، ~~تقول رده يرده ردا، فهو راد والشيء مردود والردو الدفع واحد، ونقيضه ~~الاخذ. والفرق بين الدفع والرد، ان الدفع قد يكون الى جهة القدام والخلف، ~~والرد لا يكون إلا الى جهة الخلف. ### || [11.77] # في هذه الآية إخبار من الله تعالى أنه لما جاءت رسله لوطا سيء بهم، ~~معناه ساءه مجيؤهم، وأصله سوىء بهم فنقلت حركة الواو الى السين، وقلبت ~~همزة، والضمير في " بهم " عائد الى الرسل، ويجوز تخفيف الهمزة بإلقاء ~~الحركة على ما قبلها، ومنهم من يشدد على الشذوذ. # وقوله { وضاق بهم ذرعا } قال ابن عباس ساء بقومه { وضاق بهم ذرعا } أي ~~باضيافه، وانه لما رأى لهم من جمال الصورة، وقد دعوه إلى الضيافة، وقومه ~~كانوا يسارعون الى امثالهم بالفاحشه، فضاق بهم ذرعا، لهذه العلة. # والمعنى انه ضاق بهم ذرعه: ضاق بأمره ذرعا اذ لم يجد من المكروه ~~مخلصا. # وقوله { ضاق } بحفظهم من قومه ذرعه. حيث لم يجد سبيلا الى حفظم من ~~فجار قومه. # والفرق ms2007 بين السوء والقبيح ان السوء ما يظهر مكروهه لصاحبه، والقبيح ما ~~ليس للقادر عليه ان يفعله. # وقوله { وقال هذا يوم عصيب } حكاية ما قاله لوط في ذلك الوقت بأن هذا ~~يوم شديد الشر، لان العصيب الشديد في الشر خاصة، كأنه التف على الناس ~~بالشر او يكون التف شره بعضه على بعض يقال يوم عصيب، قال عدي بن زيد: # وكنت لزاز قومك لم اعرد # وقد سلكوك في يوم عصيب # وقال الراجز: # يوم عصيب يعصب الأبطالا # عصب القوي السلم الطوالا # وقال آخر: # فانك إن لا ترض بكر بن وائل # يكن لك يوم بالعراق عصيب # وقال كعب بن جعيل: # ويلبون بالحضيض قيام # عارفات منه بيوم عصيب ### || [11.78] # اخبر الله تعالى عن قوم لوط أنهم حين أحسوا بمن نزل بلوط، وظنوهم أضيافه ~~جاءوا لوطا { يهرعون } أي يسرعون، والاسراع: الاهراع في الشيء - في قول ~~مجاهد، وقتادة، والسدي - وانما أهرعوا لطلب الفاحشة، لما اعلمتهم عجوز ~~السوء: امرأة لوط بمكان الاضياف، فقالت ما رأيت احسن وجوها، ولا اطيب ~~ريحا، ولا انطق لسانا وثنايا منهم. وقال الشاعر: # بمعجلات نحوه مهارع # وقال مهلهل: # فجاؤا يهرعون وهم أسارى # نقودهم على رغم الأنوف # وقوله { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } وهي اتيان الذكور في الادبار، ~~ومعناه انهم كانوا قبل هذا المجيء يعملون ذلك. وقيل من قبل ألفوا ~~الفاحشة، فجاهروا بها، ولم يستحيوا منها. # وقوله { قال يا قوم } يعني لوطا لما رآهم هموا باضيافه عرض عليهم ~~النكاح المباح، وأشار الى نساء فقال { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } قال ~~قتادة. كن بناته لصلبه. وقال مجاهد كن بنات امته فكن كالبنات له، فان ~~كل نبي ابو أمته وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم. # وقوله { فاتقوا الله } امر من لوط لهم بتقوى معاصي الله وأن لا يفضحوه ~~في أضيافه. وقوله { أليس منكم رجل رشيد } خرج مخرج الانكار عليهم وان كان ~~لفظه لفظ الاستفهام. والرشيد هو الذي يعمل بما يقتضيه عقله، لانه يدعو ~~الى الحق، ومنه الارشاد في الطرق، فقال: أما منكم من يدعو الى الحق ويعمل ~~به. ms2008 ونقيض الرشد الغي. # ولا يجوز نصب { أطهر } في - قول سيبويه واكثر النحويين - لأن الفصل إنما ~~يدخله مع الخبر ليؤذن بأنه معتمد الفائدة دون ما هو زائد في الفائدة، او ~~على معنى الصفة، فلهذا لم يخبر في الحال. وأجمعوا على انه لا يجوز (قدم ~~زيد هو ابنك) الا بالرفع. ومن اجازه فانما يجيزه مع المبهم من (هذا) ~~ونحوه تشبيها بخبر (كان). وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو بالنصب. # وقيل في وجه عرض المسلمة على الكفار قولان: # قال الحسن: ان ذلك كان جائزا في شرع لوط، وفي صدر الاسلام أيضا، ولذلك ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنته بابي العاص قبل أن يسلم. ثم نسخ بقوله # ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا # والثاني - قال الزجاج إن ذلك عرض بشرط ان يؤمنوا، على ما هو شرط النكاح ~~الصحيح. # والضيف يقع على الواحد والاثنين والجماعة. ### || [11.79] # هذا حكاية ما أجاب به قوم لوط حين عرض عليهم بناته ونهاهم عن الفواحش، ~~ودعاهم الى النكاح المباح؛ بأن قالوا { ما لنا في بناتك من حق } وقيل في ~~معناه قولان: # قال ابن اسحاق والجبائي: معناه انهن لسن لنا بازواج. # والآخر - اننا ليس لنا في بناتك من حاجة، فجعلوا تناول ما ليس لهم فيه ~~حاجة بمنزلة ما لا حق لهم فيه. فمن قال بالاول رده على ظاهر اللفظ. ومن ~~قال بالثاني حمله على المعنى. وقوله { وإنك لتعلم ما نريد } تمام حكاية ~~ما قالوه للوط، كأنهم قالوا له انك تعلم مرادنا من اتيان الذكران دون ~~الاناث. ### || [11.80] # هذه حكاية ما قال لوط عند أياسه من قبول قومه، بأنه قال { لو أن لي بكم ~~قوة } ومعناه اني لو قدرت على دفعكم وقويت على منعكم من اضيافي لحلت ~~بينكم وبين ما جئتم له من الفساد، وحذف لدلالة الكلام عليه. # وقوله { أو آوي إلى ركن شديد } معناه لو كان لي من استعين به في دفاعكم. ~~وقيل معناه لو كان لي عشيرة، قال الراجز: # يأوي الى ركن من الاركان # في عدد طيس ومجد بان # والركن معتمد ms2009 البناء بعد الاساس، وركنا الجبل جانباه. وإنما قال هذا ~~القول مع انه كان يأوي الى الله تعالى، لأنه انما أراد العدة من الرجال، ~~وإلا، فله ركن وثيق من معونة الله ونصره، إلا انه لا يصح التكليف إلا مع ~~التمكين. والقوة القدرة التى يصح بها الفعل، ويقال للعدة من السلاح قوة، ~~كقوله # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # والشدة بجمع يصعب معه التفكك، وقد يكون بعقد يصعب معه التحلل. ### || [11.81] # القراءة والحجة: # قرأ أهل الحجاز { فاسر } بوصل الهمزة من سريت. الباقون بقطعها. وقرأ ابن ~~كثير وابو عمرو { إلا امرأتك } بالرفع. الباقو بالنصب. # فحجة من قرأ بقطع الهمزة قوله تعالى # سبحان الذي أسرى بعبده # ومن وصل الهمزة فالمعنى واحد. # اللغة والمعنى: # يقال اسرى يسرى وسرى يسرى، فهو سار لغتان بمعنى واحد. والاسراء: سير ~~الليل قال امرؤ القيس: # سريت بهم حتى تكل مطيهم # وحتى الجياد ما يقدن بارسان # وقال النابغة: # اسرت عليه من الجوزاء سارية # تزجي الشمال عليه جامد البرد # اخبر الله تعالى عما قالت الملائكة رسله للوط حين رأته كئيبا بسببهم { ~~إنا رسل ربك } بعثنا الله لاهلاك قومك، فلا تغتم، فانهم لا ينالونك بسوء ~~{ فأسر بأهلك } اي امض ومعك اهلك بالليل. # وقوله { بقطع من الليل } والقطع القطعة العظيمية تمضي من الليل. وقال ~~ابن عباس: طائفة من الليل. وقيل هو نصف الليل كأنه قطع نصفين، ذكره ~~الجبائي وقيل معناه في ظلمة الليل. # وقوله { ولا يلتفت منكم أحد } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال مجاهد لا ينظر احد وراءه، كأنهم تعبدوا بذلك للنجاة ~~بالطاعة في هذه العبادة. # والآخر - قال أبو علي لا يلتفت منكم احد الى ماله ولا متاعه بالمدينة، ~~وليس المعنى لا يلتفت من الرؤية، كأنه أراد ان في الرؤية عبرة، فلم ينهوا ~~عنها وانما نهوا عما يفترهم عن الجد في الخروج من المدينة. # ومن رفع { امرأتك } جعله بدلا من قوله { ولا يلتفت منكم أحد } ومن نصبه ~~جعله استثناء من قوله { فأسر بأهلك } كأنه قال فأسر بأهلك إلا امرأتك، ~~وزعموا ان في مصحف ms2010 عبد الله وأبي { فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ~~} ، وليس فيه { ولا يلتفت منكم أحد } وجاز النصب على ضعفه. والرفع الوجه. ~~وقيل ان لوطا لما عرف الملائكة اذن لقومه في الدخول الى منزله، فلما ~~دخلوه طمس جبرائيل (ع) اعينهم فعميت - هكذا ذكره قتادة - وعلى أيديهم، ~~فجفت حكاه الجبائي. # وقوله { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } معناه إن موعد اهلاكهم عند ~~الصبح. وإنما قال { أليس الصبح بقريب } , لأنه لما اقتضى عظيم ما قصدوا ~~له - من الفحش - إهلاكهم، فقالت الملائكة هذا القول تسلية له. # وقيل انه قال لهم اهلكوهم الساعة، فقالت الملائكة له ان وقت اهلاكهم ~~الصبح { أليس الصبح بقريب }. ### || [11.82-83] # آيتان تمام الآية الاولى في المدني قوله { سجيل } وعند الباقين قوله { ~~منضود }. # قيل في قوله { فلما جاء أمرنا } ثلاثة أقوال. # احدها - جاء امرنا الملائكة باهلاك قوم لوط. # الثاني - جاء امرنا يعني العذاب، كأنه قيل (كن) على التعظيم وطريق ~~المجاز، كما قال الشاعر: # فقالت له العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب # والثالث - ان يكون الأمر نفس الاهلاك، كما يقال: لأمر ما، أي لشيء ما ~~وقال الرماني: انما قال أمرنا بالاضافة ولم يجز مثله في شيء، لان في ~~الأمر معنى التعظيم، فمن ذلك الأمر خلاف النهي، ومن ذلك الامارة، ~~والتأمر. # وقوله { جعلنا عاليها سافلها } معناه قلبنا القرية أسفلها أعلاها { ~~وأمطرنا عليها } يعني أرسلنا على القرية حجارة بدل المطر حتى أهلكتهم عن ~~آخرهم. والامطار إحدار المطر من السماء. # وقوله { من سجيل } قيل في معنى سجيل ثمانية أقوال: # احدها - انها حجارة صلبة ليست من جنس حجارة الثلج والبرد. وقيل هو فارسي ~~معرب (سنل، وكل) ذكره ابن عباس وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير. # والثاني - قال الفراء من طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الآجر، ويقويه قوله # لنرسل عليهم حجارة من طين # وقال ابو عبيدة انها شديدة من الحجارة وانشد لابن مقبل: # ضربا تواصى به الابطال سجينا # إلا ان النون قبلت لاما. # الثالث - من مثل السجيل في الارسال، والسجيل الدلو، وقال الفضل ابن ~~العباس: # من ms2011 يساجلني يساجل ماجدا # يملأ الدلو الى عقد الكرب # الرابع - من اسجلته أذا أرسلته، فكأنه مثل ما يرسل في سرعة الارسال. # الخامس - من اسجلته اذا اعطيته، فتقديره مرسل من العطية في الادرار. # السادس - من السجل وهو الكتاب، فتقديره من مكتوب الحجارة، ومنه قوله # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم # وهي حجارة كتب الله ان يعذبهم بها، اختاره الزجاج. # السابع - من سجين اي من جهنم ثم ابتدلت النون لاما. # الثامن - قال ابن زيد من السماء الدنيا، وهي تسمى سجيلا. # ومعنى { منضود } قيل فيه قولان: # احدهما - قال الربيع نضد بعضه على بعض حتى صار حجرا، وقال قتادة مصفوف ~~في تتابع، وهو من صفة سجيل، فلذلك جره. # وقوله { مسومة } يعنى معلمة، وذلك انه جعل فيها علامات تدل على انها ~~معدة للعذاب، فاهلكوا بها، قال قتادة: كانوا أربعة آلاف الف. وقيل: كانت ~~مخططة بسواد وحمرة ذكره الفراء فتلك تعليمها، ونصب { مسومة } على الحال ~~من الحجارة. # وقوله { عند ربك } معناه في خزائنه التي لا يتصرف في شيء منها إلا ~~باذنه، فاذا أمر الملك ان يمطرها على قوم فعل ذلك باذنه. واصل المسومة ~~من السيماء، وهي العلامة، وذلك ان الابل السائمة تختلط في المرعى، فيجعل ~~عليها السيماء لتمييزها. # وقوله { وما هي من الظالمين ببعيد } قيل في معناه قولان: # احدهما - ان مثل ذلك ليس ببعيد من ظالمي قومك يا محمد اراد به اذهاب ~~قريش، وقال ابو علي ذلك لا يكون إلا في زمان نبي أو عند القيامة، لأنه ~~معجز. # والثاني - قال { وما هي من الظالمين ببعيد } يعنى من قوم لوط انها لم ~~تكن تخطيهم. وقال مجاهد: إن جبرائيل (ع) ادخل جناحه تحت الارض السفلى من ~~قوم لوط ثم أخذهم بالجناح الايمن فاخذهم مع سرحهم ومواشيهم. ثم رفعها الى ~~سماء الدنيا حتى سمع اهل السماء نباح كلابهم. ثم قلبها، فكان اول ما سقط ~~منها شرافها، فذلك قول الله تعالى { فجعلنا عاليها سافلها } قال السدي ~~وهو قوله # والمؤتفكة أهوى # وإنما أمطر الله عليهم الحجارة ms2012 بعد أن قبلت قريتهم تغليظا للعذاب ~~وتعظيما له، وقيل قتل بها من كان بقي حيا، وقرية قوم لوط يقال لها: ~~سدوم، بين المدينة والشام. وقيل إن إبراهيم (ع) كان يشرف عليها فيقول: ~~سدوم يوم ما لك. ### || [11.84] # اخبر الله تعالى انه أرسل شعيبا - أخا مدين - اليهم نبيا، وانما سمى ~~شعيبا أخاهم، لأنه كان من نسبهم. وقيل: انهم من ولد مدين بن ابراهيم. ~~وقيل ان مدين اسم القبيلة او المدينة التي كانوا فيها - في قول الزجاج - ~~فعلى هذا يكون التقدير، والى أهل مدين أخاهم كما قال { واسأل القرية } ~~فقال لهم شعيب: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فانه ليس لكم إله ~~يستحق العبادة سواه، ونهاهم ان يبخسوا الناس فيما يكيلوا به لهم ويزينونه ~~لهم، وقال لهم إني أراكم بخير، يعني برخص السعر، وحذرهم الغلاء - في قول ~~ابن عباس والحسن - وقال قتادة وابن زيد: اراد بالخير زينة الدنيا والمال. ~~وقال لهم { إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يعني يوم القيامة، لانه يحيط ~~عذابه بجميع الكفار في قول الجبائي، فوصف اليوم بالاحاطة، وهو من نعت ~~العذاب في الحقيقة، لأن اليوم محيط بعذابه بدلا من إحاطته بنعيمه، وذلك ~~أظهر في الوصف وأهول في النفس. والنقصان اخذ الشيء عن المقدار والزيادة ~~ضم الشيء الى المقدار، وكله خروج عن المقدار أو نقصه عنه. والوزن تعديل ~~الشيء بغيره في الخفة والثقل بآلة التعديل، وإذا قيل شعر موزون معناه ~~معدل بالعروض. ### || [11.85] # وهذا أيضا حكاية ما قال شعيب لقومه، وإنه امرهم ان يوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط يعني بالعدل والسوية، { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي ~~لا تنقصوهم { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي لا تضطربوا بالقبيح. # اللغة: # يقال عثى يعثي عثاء، وعاث يعيث عيثا، بمعني واحد، والوفاء تمام الحق. ~~والوفاء به إتمامه يقال: وفى يفي وأوفى لغتان، ونقيض الوفاء البخس. ~~والفرق بين البخس والظلم أن الظلم أعم، لأن البخس نقصان الحق اللازم، وقد ~~يكون الظلم الألم بغير حق. ### || [11.86] # البقية تركه شيء من شيء قد مضى، والمعنى ms2013 بقية الله من نعمه. وقيل { بقية ~~الله } طاعة الله - في قول الحسن ومجاهد - لانه يبقي ثوابها أبدا، وكانت ~~هذه البقية خيرا من تعجيلهم النفع بالبخس في المكيال والميزان، وانما ~~شرط أنه خير بالايمان في قوله { إن كنتم مؤمنين } وهو خير على كل حال، ~~لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحته. ووجه آخر - ان المراد { إن كنتم ~~مؤمنين } فهو ثابت. # وقوله { وما أنا عليكم بحفيظ } معناه ها هنا ان هذه النعمة التي انعمها ~~الله عليكم لست أقدر على حفظها عليكم. وإنما يحفظها الله عليكم. إذا ~~اطعتموه، فان عصيتموه أزالها عنكم. # وقال قوم { وما أنا عليكم بحفيظ } احفظ عليكم كيلكم ووزنكم حتى توفوا ~~الناس حقوقهم، ولا تظلموهم، وإنما علي ان انهاكم عنه. ### || [11.87] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { أصلاتك } على التوحيد. الباقون على ~~الجمع. # هذا حكاية ما قال قوم شعيب له (ع) حين نهاهم عن بخس المكيال والميزان ~~وأمرهم بايفاء الحقوق { يا شعيب أصلاتك تأمرك } بهذا، قال الحسن ~~وأرادوا بالصلاة الدين أي ادينك. وقال الجبائي يريدون ما كانوا يرونه ~~من صلاته لله وعبادته إياه، وانما اضاف ذلك الى الصلاة، لانها بمنزلة ~~الامر بالخير، والتناهي عن المنكر، وقيل أدينك، على ما حكيناه عن الحسن. # وقوله { إن نترك ما يعبد آباؤنا } كرهوا الانتقال عن دين آبائهم ودخلت ~~عليهم شبهة بذلك، لأنهم كانوا يعظمون آباءهم وينزهونهم عن الغلط في ~~الأمر، فقالوا لو لم يكن صوابا ما فعلوه، وان خفي عنا وجهه. وقوله { إنك ~~لأنت الحليم الرشيد } قيل في معناه قولان: # احدهما - أنهم قالوا ذلك على وجه الاستهزاء - في قول الحسن وابن جريج ~~وابن زيد. والآخر - أنهم ارادوا { أنت الحليم الرشيد } عند قومك، فلا ~~يليق هذا الأمر بك، وقال المؤرج { الحليم الرشيد } معناه الاحمق السفيه، ~~بلغة هذيل، والحليم الذي لا يعاجل مستحق العقوبة بها، والرشيد المرشد. # قال الزجاج { أو أن نفعل } موضع (أن) نصب والمعنى او تأمرك ان نترك او ~~ان نفعل في اموالنا ما نشاء، والمعنى إنا قد تراضينا بالبخس فيما بيننا. ~~وقال الفراء: ms2014 معناه اتامرك ان نترك ان نفعل في اموالنا ما نشاء، ف (ان) ~~مردودة على نترك. ووجه آخر، وهو ان يجعل الأمر كالنهي، كأنه قال أصلاتك ~~تأمرك بذا أو تنهانا عن ذا، فهي حينئذ مردودة على (ان) الاولى ولا اضمار ~~فيه، كانك قلت تنهانا ان نفعل في اموالنا ما نشاء، كما تقول اضربك ان ~~تسيء، كأنه قال انهاك بالضرب عن الاساءة. ويقرأ { أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء }. والذي نقوله ان قوله { أن نفعل } ليس بمعطوف على (ان) الاولى، ~~وانما هو معطوف على (ما) وتقديره فعل مانشاء في اموالنا، وليس المعنى ~~اصلاتك تأمرك ان نفعل في اموالنا ما نشاء، لأنه ليس بذلك امرهم. # و { الرشيد } معناه رشيد الأمر، في امره إياهم ان يتركوا عبادة الاوثان. ~~وقيل ان قوم شعيب عذبوا في قطع الدراهم وكسرها وحذفها. ### || [11.88] # جواب (أن) في الآية محذوف، والتقدير يا قوم إن كنت على حجة ودلالة من ~~ربي، ومع ذلك رزقنى منه رزقا حسنا، وانما وصفه بأنه حسن مع ان جميع رزق ~~الله حسن لامرين: # احدهما - انه اراد ب { حسنا } حسن موقعه لجلالته وعظمته. # والثاني - انه اراد ما هو عليه على وجه التأكيد. وقيل إن الرزق الحسن ها ~~هنا النبوة. وقال البلخي معناه الهدى والايمان، لانهما لا يوصل اليهما ~~إلا بدعائه وبيانه ومعونته ولطفه، وتريدون أن أعدل عما انا عليه من ~~عبادته مع هذه الحال الداعية اليها؟، وانما حذف لدلالة الكلام عليه، ~~والرزق عطاء الخير الجاري في حكم المعطي، والعطية الواصلة من الانسان رزق ~~من الله. وصلة من الانسان، لإدرار الخير على العبد في حكمه. # وقوله { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه }. قيل في معناه قولان: # احدهما - ليس نهيي لكم لمنفعة اجرها الى نفسي بما تتركون من منع ~~الحقوق. # والثاني - أنا لا انهى عن القبيح وافعله مثل من ليس بمستبصر في امره، ~~كما قال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتاتي مثله # عار عليك اذا فعلت عظيم # وقوله { إن أريد إلا الإصلاح } معناه لست أريد بما آمركم ms2015 به وانهاكم عنه ~~الا اصلاح حالكم ما قدرت عليه. # وقوله { وما توفيقي إلا بالله } والتوفيق عبارة عن اللطف الذي تقع عنده ~~الطاعة وذلك بحسب ما يعلم الله تعالى. وانما لم يكن الموفق للطاعة الا ~~الله، لان احدا لا يعلم ما يتفق عنده الطاعة - من غير تعليم - سواه ~~تعالى. # وقوله { عليه توكلت } معناه على الله توكلت وفوضت أمري اليه على وجه ~~الرضا بتدبيره مع التمسك بطاعته { وإليه أنيب } قيل في معناه قولان: ~~احدهما - قال مجاهد: اليه ارجع. والثاني - قال الحسن: اليه ارجع بعملي ~~وبنيتي اي اعمل اعمالي لوجه الله. ### || [11.89] # هذا حكاية ما قال شعيب لقومه حين لم يقبلوا أمره ونهيه { يا قوم لا ~~يجرمنكم } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن وقتادة لا يحملنكم. # والثاني - قال: الزجاج معناه لا يكسبنكم، كانه قال لا يقطعنكم اليه ~~بحملكم عليه. # والشقاق والمشاقة المباعدة بالعداوة الى جانب المباينة، وشقها. وكان سبب ~~هذه العداوة دعاؤه لهم الى مخالفة الاباء والاجداد في عبادة الاوثان. وما ~~يثقل عليهم من الايفاء في الكيل والميزان. # وقوله { إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح } قيل ~~اهلك الله قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم صالح بالرجفة، ~~وقوم لوط بالإئتفاك، فحذرهم شعيب ان يصيبهم مثل ذلك. # وقوله { وما قوم لوط منكم ببعيد } قيل في معناه قولان: # احدهما - قريب منكم في الزمان الذي بينهم وبينكم، في قول قتادة. # والاخر - ان دارهم قريبة من دارهم فيجب ان يتعظوا بهم. ### || [11.90] # في هذه الآية حكاية ما قال شعيب أيضا لقومه بعد تحذيره اياهم عذاب الله ~~وحثهم على ان يطلبوا مغفرة الله. ثم يرجعوا الى طاعته، واخبرهم ان الله ~~رحيم بعباده، يقبل توبتهم ويعفو عن معاصيهم، ودود بهم أي محب لهم، ومعناه ~~مريد لمنافعهم. # وقيل في معنى { استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } قولان: # احدهما اطلبوا المغفرة من الله بأن يكون غرضكم. ثم توصلوا اليها ~~بالتوبة. # الثاني - استغفروا ربكم ثم اقيموا على التوبة. # ووجه ثالث - ان معناه استغفروا ربكم ms2016 على معاصيكم الماضية. ثم ارجعوا ~~اليه بالطاعات في المستقبل. # والمودة على ضربين: احدهما - بمعنى المحبة، تقول وددت الرجل اذا احببته، ~~والثاني - وددت الشيء اذا تمنيته أود فيهما مودة وانا واد، والودود المحب ~~لا غير. ### || [11.91] # في هذه الآية حكاية ما اجاب به قوم شعيب له (ع) فقالوا له حين سمعوا منه ~~الوعظ والتخويف: لسنا نفقه أي لسنا نفهم عنك معنى كلامك، والفقة: فهم ~~الكلام على ما تضمن من المعنى، وقد صار علما لضرب من علوم الدين، فصار ~~الفقة عبارة عن علم مدلول الدلائل السمعية، واصول الدين علم مدلول ~~الدلائل العقلية. # وقوله { وإنا لنراك فينا ضعيفا } قيل في معناه اربعة اقوال: قال الحسن: ~~معناه مهينا، وقال سفيان: معناه ضعيف البصر، وقال سعيد بن جبير وقتادة: ~~كان اعمى. قال الزجاج ويسمى الاعمى بلغة حمير ضعيفا. # وقال الجبائي معناه: ضعيف البدن. # وقوله { ولولا رهطك } فالرهط عشيرة الرجل وقومه، واصله الشد، والترهط ~~شدة الاكل، ومنه الرهطاء جحر اليربوع لشدته وتوثيقه ليخبىء فيه ولده. # وقوله { لرجمناك } فالرجم الرمي بالحجارة، والمعنى لرميناك بالحجارة. # وقيل معناه لسبيناك { وما أنت علينا بعزيز } اي علينا لست بممتنع، فلا ~~نقدر عليك بالرجم، ولا أنت بكريم علينا، وانما تمتنع لمكان عشيرتك. ~~وعشيرته كانوا على دينه. ### || [11.92] # هذا حكاية ما قال شعيب لقومه حين قالوا { لولا رهطك لرجمناك } يا قوم ~~اعشيرتي وقومي أعز عليكم من الله. والاعز الأقوى الامنع. والاعز نقيض ~~الاذل، والعزة نقيض الذلة والعزيز نقيض الذليل. # وقوله { واتخذتموه وراءكم ظهريا } فالاتخاذ اخذ الشيء لامر يستمر في ~~المستأنف كاتخاذ البيت واتخاذ المركوب، والظهري جعل الشيء وراء الظهر قال ~~الشاعر: # وجدنا نبي البرصاء من ولد الظهر # وقال آخر: # تميم بن قيس لا تكونن حاجتي # بظهر ولا يعيا علي جوابها # وقيل فيما تعود الهاء اليه من قوله { اتخذتموه } ثلاثة اقوال: فقال ابن ~~عباس والحسن: انها عائدة على الله. وقال مجاهد: هي عائدة على ما جاء به ~~شعيب. وقال: الزجاج: هي عائدة على أمر الله. # وقوله { إن ربي بما تعملون محيط } قيل في معناه ms2017 ها هنا قولان: # احدهما - انه محص لاعمالكم لا يفوته شيء منها. # الثاني - انه خبير باعمال العباد ليجازيهم بها - ذكره الحسن - قال سفيان ~~كان شعيب خطيب الأنبياء. ### || [11.93] # فقال لهم شعيب ايضا { يا قوم اعملوا على مكانتكم } والمكانة الحال التي ~~يتمكن بها صاحبها من عمل ما، فقال لهم قد مكنتم في الدنيا من العمل، كما ~~مكن غيركم ممن عمل بطاعة الله، وسترون منزلتكم من منزلته. وهذا الخطاب ~~وإن كان ظاهره ظاهر الأمر فالمراد به التهديد، وتقديره كأنكم انما أمرتم ~~بأن تكونوا على هذه الحال من الكفر والعصيان. وفي هذا نهاية الخزي ~~والهوان. # وقوله { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } معناه انكم تعلمون في ~~المستقبل من يحل به العذاب الذي يخزيه اي يفضحه ويذله، وهو أشد من العذاب ~~الذي لا يفضح { ومن هو كاذب } وتعرفون من هو الكاذب مني ومنكم. # وقوله { وارتقبوا } معناه انتظروا ما وعدتكم به من العذاب، يقال رقبه ~~يرقبه رقوبا وارتقبه ارتقابا وترقبه ترقبا { إني معكم رقيب } اي منتظر ~~لنزول ذلك بكم. وموضع { من يأتيه } ان جعلت (من) بمعنى الذي نصب، وقوله { ~~ومن هو كاذب } عطف عليه، وان جعلتها للاستفهام كان موضعها الرفع، ذكره ~~الفراء وادخلوا (هو) في قوله { ومن هو } لانهم لا يقولون: من قائم؟ ولا ~~من قاعد؟، وانما يقولون: من قام؟ ومن يقوم؟ أو من القائم؟ فلما لم يقولوا ~~إلا المعرفة او يفعل، ادخلوا (هو) مع قائم، ليكونا جميعا في مقام (فعل، ~~ويفعل) لانهما يقومان مقام اثنين، وقد ورد في الشعر من قائم؟ قال الشاعر: # من شارب مربح بالكأس نادمني # لا بالحصور ولا فيها بسئوار # قال الفراء: وربما خفضوا بعدها، فيقولون: من رجل يتصدق علي؟ بتأويل هل ~~من رجل؟ ### || [11.94] # اخبر الله تعالى انه { لما جاء أمر } الله باهلاك قوم شعيب، وقد بينا ~~معناه فيما مضى { نجينا شعيبا } اي خلصناه، ونجينا معه من كان مؤمنا من ~~قومه برحمة من جهته تعالى، ويجوز ان يكون في نجاة شعيب، ومن آمن معه لطف ~~لمن سمع بأخبارهم فيؤمن، كما انه ms2018 متى كان في نجاة الظالمين لطف وجب ~~تخليصهم، وكذلك ان كان المعلوم من حال الكافر انه يؤمن فيما بعد وجب ~~تبقيته - عند أبي علي ومن وافقه - وعند قوم آخرين لا يجب. # وقوله { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } انث الفعل ها هنا لانه رده الى ~~الصيحة، وفيما قبل ذكر، لانه رده الى الصياح. # وقوله { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } قال الجبائي: معناه منكبين على ~~وجوههم. وقال قوم: الجثو على الركب. وقال قوم: معناه خامدين موتى. قال ~~البلخي يجوز ان تكون الصيحة صيحة على الحقيقة، كما روي ان الله تعالى امر ~~جبرائيل فصاح بهم صيحة ماتوا كلهم من شدتها، ويجوز ان يكون ضربا من ~~العذاب اهلكهم واصطلمهم تقول العرب: صاح الزمان بآل فلان إذا هلكوا. قال ~~امرؤ القيس: # دع عنك نهبا صيح في حجراته # ولكن حديث ما حديث الرواحل # (معنى صيح في حجراته) اي اهلك وذهب به. ### || [11.95] # شبه الله تعالى هلاك قوم شعيب وانقطاع آثارهم منها بحالهم لو لم يكونوا ~~فيها يقال: غنى بالمكان إذا اقام به على وجه الاستغناء به عن غيره. ~~واتخاذه وطنا ومأوى يأوي اليه، ولذلك قيل للمنازل المغاني، وانما شبه ~~حالهم بحال ثمود خاصة، لانهم أهلكوا بالصيحة كما اهلكت ثمود مثل ذلك مع ~~الرجفة. # وقوله { ألا بعدا لمدين } دعاء عليهم بانتفاء الرحمة عنهم كما أهلك ~~الله تعالى ثمود، فلم يرحمهم، وجعل انتفاء الرحمة بعدا من الرحمة، لانه ~~أظهر فيما يتصور, فكأنهم يرونها حسرة لانها لا تصل اليهم منها منفعة لما ~~يحصلون عليه من مضرة الحسرة، و (كأن) هذه يحتمل ان تكون مخففة من الثقيلة ~~على ان يضمر فيها، كالاضمار في (ان) من قوله # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # ويجوز ان تكون (ان) التي تنصب الفعل بمعنى المصدر. وبعدت وبعدت بالكسر ~~والضم لغتان. وكانت العرب تذهب بالرفع الى التباعد، وبالكسر الى الدعاء، ~~وهما واحد. وقرأ ابو عبد الرحمن السلمي كما بعدت بضم العين. والآخر بعدا ~~فنصب على المصدر، وتقديره ألا أهلكهم الله فبعدوا بعدا. ### || [11.96-97] # اخبر الله تعالى ms2019 واقسم انه ارسل موسى نبيا بالآيات، وهي الحجج ~~والمعجزات الدالة على نبوته { وسلطان مبين } اي وحجة ظاهرة مخلصة من ~~تلبيس وتمويه، على اتم ما يمكن فيه. والسلطان, والآيات وإن كان معناهما ~~الحجج، فأنما عطف احداهما على الأخرى، لاختلاف اللفظ، ولان معناهما ~~مختلف، لان الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها، والسلطان من جهة ~~القوة العظيمة على المبطل، وكل علم له حجة يقهر بها شبهة من نازعه من اهل ~~الباطل تشبهه، فله سلطان. وقد قيل إن سلطان الحجة انفذ من سلطان المملكة، ~~والسلطان متى كان محقا حجة وجب اتباعه، واذا كان بخلافه لا يجب اتباعه. # وقال الزجاج. سمي السلطان سلطانا، لانه حجة الله في ارضه، واشتقاقه من ~~السليط وهو مما يستضاء به، ومن ذلك قيل للزيت السليط. # وقوله { إلى فرعون وملإيه } معناه انه ارسل موسى الى فرعون واشراف قومه ~~الذين تملأ الصدور هيبتهم. # وقوله { فاتبعوا أمر فرعون } فالاتباع طلب الثاني للتصرف بتصرف الاول في ~~اي جهة اخذ، والأمر هو قول القائل لمن دونه: (افعل). وفيه أخبار ان قوم ~~فرعون اتبعوه على ما كان يأمرهم به. ثم اخبر تعالى ان أمر فرعون لم يكن ~~رشيدا. والرشيد هو الذي يدعو الى الخير ويهدي اليه فأمر فرعون بضد هذه ~~الحال، لانه يدعو الى الشر ويصد عن الخير. # واستدل قوم بهذه الآية على ان لفظة الأمر مشتركة بين القول والفعل، لأنه ~~قال { وما أمر فرعون برشيد } يعني وما فعل فرعون برشيد، وهذا ليس بصحيح، ~~لانه يجوز ان يكون اراد بذلك الأمر الذي هو القول، او يكون مجازا. ### || [11.98] # هذا اخبار من الله تعالى ان فرعون يوم القيامة يقدم قومه، ومعناه يمشي ~~على قدمه يقودهم الى النار، ولو قال يسبق، لجاز ان يوجده الله (عز وجل) ~~قبلهم في النار. والقيامة هو وقت قيام الناس من قبورهم للجزاء والحساب ~~باعمالهم. # وقوله { فأوردهم النار } معناه اوجب ورودهم الى النار، والايراد ايجاب ~~الورود الى الماء او ما يقوم مقامه. قال ابو علي: انما لم يقل يوردهم ~~النار، لانه ذكر ms2020 ليوم القيامة انه يقدمهم فيه، يدل على انه فعل مستقبل ~~فأجرى الماضي مجرى المستقبل لدلالة الكلام عليه. # وقوله { وبئس الورد المورود } قال ابو علي: انه مجاز، والمعنى بئس وارد ~~النار. وقال البلخي: بل هو حقيقة، لانه تعالى وصف النار بانها بئس الورد ~~المورود، وهي كذلك. والورد الماء الذي ترده الابل، والورد الابل التي ترد ~~الماء، والورد ما يجعله عادة لقراءة أو تلاوة للقرآن. والورد ورد الحمى، ~~كل ذلك بكسر الواو، وحكي عن ابن عباس ان الورد الدخول. والمعنى ان ما ~~وردوه من النار هو المورود بئس الورد لمن ورده. ويقال إنهم اذا وردوه ~~عطاشا فيردون على الحميم والنيران ولا يزيدون بذلك إلا عذابا وعطشا. ~~وانما وصف بأنه بئس، وان كان عدلا حسنا لما فيه من الشدة مجازا. ### || [11.99] # معنى قوله { واتبعوا في هذه لعنة } ان الله لعنهم والملائكة والمؤمنون، ~~فاختصر على وجه ما ذكرنا على ما لم يسم فاعله، لان الايجاز لا يخل بهذا ~~المعنى. واللعن من العباد الدعاء والمسألة لله تعالى بالابعاد من الرحمة ~~- في قولهم لعنة الله - والذم الوصف بالقبيح على وجه التحقير. # ومعنى الآية انهم كيف تصرفوا، وحيث كانوا، فاللعنة تتبعهم. واللعنة من ~~الله الابعاد من رحمته بان يحكم بذلك، فمن لعنه الله فقد حكم بابعاده من ~~رحمته وانه لا يرحمه. # وقوله { ويوم القيامة بئس الرفد } والرفد العون على الأمر، وانما قيل ها ~~هنا - رفد، لان اللعنة جعلت بدلا من الرفد بالعطية، ويقال: رفده وهو ~~يرفده رفدا، ورفد - بفتح الراء وكسرها - قال الزجاج كل شيء جعلته عونا ~~لشيء واسندت به شيئا فقد رفدته، يقال عهدت الحائط ورفدته بمعنى واحد، ~~والرفد القرح العظيم، وروي - بفتح الراء - في الاية وهي لغة شاذة. ### || [11.100] # قوله { ذلك } اشارة الى النبأ كأنه قال النبأ من انباء القرى، وقد تقدم ~~ذكره. ثم وقعت الاشارة اليه، والانباء جمع نبأ كالاخبار جمع خبر الا انه ~~لا يقال نبأ الا في خبر عظيم، يقال لهذا الأمر نبأ اي خبر عظيم. # قوله { نقصه عليه } فالقصص الخبر عن ms2021 الامور التي يتلو بعضها بعضا، يقال ~~قص قصصا وهو يقص اثره اي يتبع اثره، واقتص منه اي يتبعه بجنايته. # وقوله { منها قائم وحصيد } فالقائم المعمور، والحصيد الخراب من تلك ~~الديار، لان الاهلاك قد اتى عليها ولم تعمر فيما بعد. وقيل { منها قائم } ~~على بنائه وان كان خاليا من اهله، والحصد قطع الزرع من الاصل، فالحصيد ~~منهم كالزرع المحصود، وحصدهم بالسيف اذا قتلهم. ### || [11.101] # اخبر الله تعالى انه بما فعله بالامم التي أهلكها لم يظلم احدا منهم، ~~ولكن ظلموا هم انفسهم بأن ارتكبوا المعاصي التي استحقوا بها الهلاك فكان ~~ذلك ظلمهم لانفسهم، وبين انه { ما أغنت عنهم آلهتهم } يعني الاوثان التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله ما دفعت عنهم ولا اعانتهم بشيء لما جاء امر ~~الله واهلاكه وعذابه { وما زادوهم غير تتبيب } بمعنى غير تخسير - في قول ~~مجاهد وقتادة - مأخوذ من تبت يده أي خسرت، ومنه تبا له، وقال جرير: # عرادة من بقية قوم لوط # ألا تبا لما فعلوا تبابا # وانما قال يدعون من دون الله، لانهم كانوا يسمونها آلهة ويطلبون الحوائج ~~منها، كما يطلب الموحدون من الله. ومعنى { من دون الله } من منزلته ادنى ~~من منزلة عبادة الله، لانه من الأدون، وهو الأقرب الى جهة السفلى. ### || [11.102] # وجه التشبيه في قوله { وكذلك أخذ ربك } ان اخذه الظالم الذي يساوي من ~~تقدمه في ظلمه وحاله في بطلان الفلاح ببقائه، كأخذه الذي قبله، لانه ليس ~~هناك محاباة لاحد من خلقه. والاخذ نقل الشيء الى جهة الآخذ، فلما نقلهم ~~الله الى جهة عقابه كان قد اخذهم به، والظالم الفاعل للظلم والعادل ~~الفاعل للعدل. ثم اخبر تعالى ان اخذه للظالم مؤلم شديد، والشدة تجمع يصعب ~~معه التفكك، ويقال للنقص شدة، وشدة الألم لجمعه على النفس بما يعسر ~~زواله. ### || [11.103] # أخبر الله تعالى ان فيما أخبر به - من إهلاك من ذكره على وجه العقوبة ~~لهم على كفرهم - آية أي علامة عظيمة بما فيها من البيان عن الامر الكثير ~~قال الشاعر: # بآية تقدمون الخيل زورا # كأن ms2022 على سنابكها مداما # قوله { لمن خاف عذاب الأخرة } أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة، ~~والخوف انزعاج النفس بتوقع الشر ونقيضه الامن، وهو سكون النفس بتوقع ~~الخير. والفرق بين العذاب والالم أن العذاب استمرار الالم قال عبيد: # فالمرؤ ما عاش في تكذيب # طول الحياة له تعذيب # وقوله { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } معناه ان يوم القيامة ~~يوم يجمع فيه الناس ويشهده جميع الخلائق، وليس يوصف في هذه الصفة يوم ~~سواه، والجمع ضم احد الشيئين الى الآخر. وقيل هو جعل الشيئين فصاعدا في ~~معنى، والقبض ضم الشيء الى الوسط كقبض البساط، وهو نقيض بسطه من غير تبري ~~اجزائه. ### || [11.104-105] # قرأ أهل الكوفة إلا الكسائي وابن عامر يوم { يأت } بغير ياء. الباقون ~~بياء في الوصل دون الوقف، إلا ابن كثير، فانه أثبت الياء في الحالين. # قال أبو علي: من أثبت الياء في الوصل، فهو القياس البين، لأنه لا شيء - ~~ها هنا - يوجب حذف الياء في الوصل، ومن حذفها في الوقف شبهها بالفاصلة، ~~وان لم يكن فاصلة، لأن هذه الياء تشبه الحركات المحذوفة بدلالة انهم قد ~~حذفوها كما حذفوا الحركة، فكما ان الحركة تحذف في الوقف، فكذلك ما يشبهها ~~من هذه الحروف، فكان في حكمها، ومن اثبتها في الحالين فقد أحسن، لأنها ~~أكثر من الحركة في الصوت، فلا ينبغي اذا حذفت الحركة للوقف ان تحذف الياء ~~له، كما لا تحذف سائر الحروف، ومن حذف الياء في الحالين جعلها في الحالين ~~بمنزلة ما يستعمل محذوفا مما لم يكن ينبغي في القياس ان يحذف نحو (لم ~~يك، ولا أدر) وهي لغة هذيل، وقال الشاعر: # كفاك كفا لا تليق درهما # جوادا وأخرى تعط بالسيف الدما # فحذف الياء في تعط، وليس هذا ما يوجب حذفها. # والضمير في قوله { وما نؤخره } عائدعلى قوله { يوم مشهود } وهو يوم ~~الجزاء. ومعناه الاخبار بأنه تعالى ليس يؤخر يوم الجزاء إلا ليستوفي ~~الاجل المضروب لوقوع الجزاء فيه. وانما قال { لأجل } ولم يقل الى اجل، ~~لان قوله { لأجل } يدل على ms2023 الغرض، وان الحكمة أقتضت تاخيره. ولو قال الى ~~اجل لما دل على ذلك. وقوله { يوم يأت } يعنى يوم القيامة الذي تقدم ذكره ~~بأنه مشهود. والضمير في { يأت } حين الجزاء، لانه قد تقدم الدليل عليه ~~في قوله { يوم مشهود } واحسن الاضمار ما يدل الكلام عليه، وانما أضاف { ~~يوم } الى الفعل، لانه اسم زمان فناسب الفعل للزمان من حيث انه لا يخلو ~~منه، وانه يتصرف بتصرفه. وانه لا يكون حادثا الا وقتا، كما ان الزمان ~~لا يبقى. # ومعنى قوله { لا تكلم نفس إلا بإذنه } أي لا تتكلم فحذف أحدى التائين ~~لدلالة الكلام عليه. وقيل في معنى { لا تكلم } قولان: # احدهما - ان فيه وقتا يمنعون من التكلم إلا بالحق فهو باذنه تعالى. # والاخر - انه لا يتكلم بكلام ينفع إلا بإذنه: من شفاعة ووسيلة، بدلالة ~~قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون # وقال الجبائي: الاذن الجاؤهم الى الحسن، لانه لا يقع منهم ذلك اليوم ~~قبيح. # وقوله { فمنهم شقي وسعيد } اخبار منه تعالى بأنهم ينقسمون قسمين منهم ~~الاشقياء، وهم المستحقون للعقاب، ومنهم السعداء وهم المستحقون للثواب. # والشقاء قوة أسباب البلاء، والشقي من شقي بسوء عمله في معاصي الله، ~~والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة الله، وانما وصف الاجل بأنه معدود، ~~لانه متناه منقض، لان كل معدود قد وجد عدده، لا يكون ذلك الا متناهيا. # فان قيل كيف قال - ها هنا - { يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه } وقال في ~~موضع آخر # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # وقال في موضع آخر # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # وقال # وقفوهم إنهم مسئولون # وقال في موضع آخر # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # وهل هذا إلا ظاهر التناقض؟!. # قلنا: لا تناقض في ذلك لان معنى قوله { وقفوهم إنهم مسئولون } انهم ~~يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع، لا يجاب الحجة عليهم لا سؤال استفهام، ~~لانه تعالى عالم بذلك لنفسه. وقوله # فيومئذ لا يسأل عن ms2024 ذنبه إنس ولا جان # اي لا يسأل ليعلم ذلك منه حيث انه تعالى قد علم اعمالهم قبل ان يعملوها. ~~وقيل ان معناه إنه لاى يسأل عن ذنب المذنب إنس ولا جان غيره، وانما يسأل ~~المذنب لا غير، وكذلك قوله # يوم لا ينطقون # أي لا ينطقون بحجة، وانما يتكلمون بالاقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا، ~~وطرح بعضهم على بعض الذنوب، فاما المتكلم بحجة، فلا. وهذا كما يقول ~~القائل لمن يخاطبه بخطاب كثير فارغ من الحجة: ما تكلمت بشيء، وما نطقت ~~بشيء، فسمي من يتكلم بما لا حجة فيه له: غير متكلم، كما قال # صم بكم عمي فهم لا يعقلون # وهم كانوا يبصرون ويسمعون إلا انهم لا يقبلون ولا يفكرون فيما يسمعون، ~~ولا يتأملون، فهم بمنزلة الصم، قال الشاعر: # أصم عما ساءه سميع # وقال بعضهم ان ذلك اليوم يوم طويل له مواضع، ومواطن، ومواقف، في بعضها ~~يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم ذلك بدلالة قوله { يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه } وكلاهما حسن والاول احسن. ### || [11.106-107] # أخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين شقوا باستحقاقهم عذاب النار جزاء ~~بسوء اعمالهم داخلون في النار، وانما سمي الشقي شقيا قبل دخوله في ~~النار، لانه على حال تؤديه الى دخولها، من قبائح اعماله. فاما ما روي من ~~قوله (ع) (إن الشقي شقي في بطن امه)، فجاز، لان المعنى ان المعلوم من ~~حاله انه سيشقى بارتكاب المعاصي التي تؤديه الى عذاب النار، كما يقال ~~لولد شيخ هرم هذا يتيم ومعناه انه سيتيتم. # وقوله { لهم فيها زفير وشهيق } قال أهل اللغة: الزفير أول نهاق الحمير، ~~والشهيق آخر نهاقها، قال رؤبة: # حشرج في الجوف سحيلا أو شهق # حتى يقال ناهق وما نهق # والزفير ترديد النفس مع الصوت من الحزن حتى تنتفخ الضلوع قال الجعدي: # خيط على زفيرة فتم ولم # يرجع الى دقة ولا هضم # وأصل الزفير الشدة من قولهم للشديد الخلق المزفور، والزفر الحمل على ~~الظهر خاصة لشدته، قال الشاعر: # طوال انضية الاعناق لم يجدوا # ريح ms2025 الاماء إذا راحت بأزفار # والزفر السيد، لانه يطيق عمل الشدائد، وزفرت النار اذا سمع لها صوت في ~~شدة توقدها، والشهيق صوت فظيع يخرج من الجوف عند النفس. واصله الطول ~~المفرط من قولهم: جبل شاهق أي ممتنع طولا. # وقوله { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض } فالخلود الكون في الامر ~~أبدا، والدوام البقاء أبدا، ولهذا يوصف الله تعالى بأنه دائم، ولا يوصف ~~بأنه خالد. # وقوله { إلا ما شاء ربك } اختلفوا في هذا الاستثناء على عدة أقوال: # فالذي نختاره - ويليق بمذهبنا في الارجاء - ان الله تعالى أخبر ان ~~الاشقياء المستحقين للعقاب يحصلون في النار ثم استثنى من أراد من فساق ~~أهل الصلاة إذا أراد التفضل باسقاط عقابه، أو من يشفع فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فانه عند ذلك لا يدخله النار وتكون - على هذا - (ما) معناها ~~(من) كأنه قال الا من شاء ربك، فلا يدخله النار، وهو قول ابن عباس وقتادة ~~والضحاك، وجابر بن عبد الله، وابي سعيد الخدري وجماعة من المفسرين. ويجوز ~~على هذا المذهب أن يكون استثناء من الخلود، فكأنه قال إلا ما شاء ربك بأن ~~لا يخلدهم في النار بل يخرجهم عنها. # وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع من النار بذنوب اصابوا، ثم ~~يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون، قال قتادة وحدثنا ~~أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يخرج قوم من النار. ~~وقال قتادة: ولا نقول ما يقول اهل حروراء. # وروي عن ابن عباس أنه قال قوله # لابثين فيها أحقابا # وقوله { خالدين فيها إلا ما شاء ربك } في اهل التوحيد. # وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها ~~أحد. وذلك بعد أن يلبثوا فيها أحقابا. وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين ~~عمرانا، واسرعهما خرابا. # ثانيها - قال ابن زيد وحكاه الرماني: إن المعنى خالدين فيها ما دامت ~~السموات سموات، والارض أرضا إلا ما شاء ربك، من الزيادة المضاعضة. # وثالثها - قال الجبائي: إن المعنى ما دامت السموات ms2026 لاهل الآخرة وأرضهم ~~إلا ما شاء ربك مما كان قبل أن يدخلوها من أوقات وقوفهم في صدر يومهم في ~~الموقف، لان الله تعالى قال { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات }. # ورابعها - ما ذكره كثير من أهل العربية كالفراء والزجاج وغيرهم: ان ~~(إلا) في الاية بمعنى (سوى) والتقدير ما دامت السموات والارض سوى ما شاء ~~ربك كما يقول القائل: لو كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد، ولك عندي ألف ~~درهم الا الألفين التي لك عندي، أي سوى الألفين. ومثله قوله { ولا تنكحوا ~~ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } أي سوى ما قد سلف، لأن قوله { ~~ولا تنكحوا } مستقبل { وإلا ما شاء ربك } ماض، والمعنى على هذا { خالدين ~~فيها } مقدار دوام السموات والأرض سوى { ما شاء ربك } من الخلود ~~والزيادة. # وخامسها - ما قال الفراء: إن (الا) بمعنى الواو كما قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك الا الفرقدان # وعلى هذا لو قال القائل لك عندي ألف الا الفين لزمه ثلاثة آلاف درهم، ~~لأنه أستثناء الزائد من الناقص، فكأنه قال الا ألفين منفردين. ولو قال ما ~~لك عندي الف الا الفين فانما أقر بألفين كأنه قال ما لك عندي سوى الفين. ~~ولو قال لك عندي ألف الا ألفان بالرفع أقر بألف فقط، لأنها صفة مثبتة، ~~كأنه قال الف لا الفان. # وسادسها - أن ذلك تعليق لما لا يكون بما لا يكون، كأنه قال { إلا ما شاء ~~ربك } وهو لا يشاء ان يخرجهم منها وتكون الفائدة أن لو شاء أن يخرجهم ~~لقدر، ولكنه قد أعلمنا انهم خالدون أبدا. # وسابعها - ذكره الزجاج: ان الاستثناء وقع على أن لهم زفيرا وشهيقا إلا ~~ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم يذكرها. # وثامنها - ذكره البلخي: ان المراد بذلك الا ما شاء ربك من وقت نزول ~~الآية الى دخولهم النار، ولولا هذا الاستثناء لوجب ان يكونوا في النار من ~~وقت نزول الآية أو من يوم يموتون. # فان قيل كيف يستثنى من الخلود فيها ms2027 ما قبل الدخول فيها؟! قلنا: يجوز ذلك ~~إذا كان الاخبار به قبل دخولهم. # وتاسعها - ما ذكره قوم من اصحابنا في التفسير إن المعنى انهم فيها يعني ~~في النار في حال كونهم في القبور دائمين فيها ما دامت السموات والارض، ~~فانها اذا عدمت انقطع عقابهم الى أن يبعثهم الله للحساب. # وقوله { إلا ما شاء ربك } مما يكون في الآخرة. # وقوله { إن ربك فعال لما يريد } معناه انه كلما أراد شيئا فعله، لانه ~~لا يجوز عليه البداء بالرجوع عما أراده، ولا المنع من مراده ولا يتعذر ~~عليه شيء منه مع كثرته بارادة من أفعاله. ### || [11.108] # القراءة واللغة: # قرأ أهل الكوفة الا أبا بكر { سعدوا } بضم السين. الباقون بفتحها. # قال ابو علي: حكى سيبويه: سعد يسعد سعادة، فهو سعيد. وينبغي أن يكون غير ~~متعد، كما أن خلافه الذي هو (شقي) كذلك، واذا لم يكن متعديا لم يجب أن ~~يبني منه المفعول به، وإذا كان كذلك، ضم السين مشكل الا ان يكون سمع فيه ~~لغة خارجة عن القياس أو يكون من باب (فعل وفعلته) نحو غاض الماء وغضته، ~~وحزن وحزنته، ولعلهم استشهدوا على ذلك بقولهم (مسعود) فانه على سعد فهو ~~مسعود، ولا دلالة في ذلك، لأنه يجوز ان يكون مثل أجنه الله فهو مجنون، ~~واحبه فهو محبوب، فالمفعول جاء في هذا على أنه حذفت الزيادة منه، كما حذف ~~من اسم الفاعل في نحو (ويكشف جمانة دلو الدالي) وانما هو المدلي، ومثله # وأرسلنا الرياح لواقح # يعني ملاقح فجاء على حذف الزيادة، فعلى هذا يكون أصله أسعدوا بحذف ~~الزائد. وحكى البلخي انهما لغتان - ضم السين - لغة هذيل، وفتحها لغة سائر ~~العرب. # المعنى: # لما اخبر الله تعالى أن الذين شقوا بفعلهم المعاصي واستحقوا الخلود في ~~النار، اخبر ان الذين سعدوا بطاعات الله والانتهاء عن معاصيه يكونون في ~~الجنة { ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } ومعنى ما دامت السموات ~~والارض المصدر، كأنه قال دوام السموات والارض الا مشيئة ربك، وفيه حسن ~~التقابل، وفيه جميع ما ذكرناه ms2028 في الاستثناء من الخلود في النار إلا ~~الوجهين الذين ذكرناهما في جواز إخراج بعض الاشقياء ممن تناول الوعيد لهم ~~وإخراجهم من النار بعد دخولهم فيها، فان ذلك لا يجوز - ها هنا - لاجماع ~~الأمة على أن كل مستحق للثواب لا بد أن يدخل الجنة، ولا يخرج منها بعد ~~دخوله فيها. # وقيل فيه وجه آخر يوافق ما قلناه في الآية الاولى، وهو أن يكون المعنى " ~~ان الذين سعدوا " بطاعات الله يدخلون الجنة خالدين فيها، واستثنى من ~~جملتهم من كان مستحقا للنار، واراد الله عقابهم. ثم إخراجهم منها فكأنه ~~قال خالدين فيها الا مدة ما كانوا معاقبين في النار، ذهب اليه الضحاك وهو ~~يليق بقولنا في الارجاء. # وقوله { عطاء غير مجذوذ } يعني غير مقطوع - في قول ابن عباس، ومجاهد، ~~وقتادة، والضحاك - يقال جذه يجذه جذا فهو جاذ، وجذ الله أثرهم قال ~~النابغة: # يجذ السلوقي المضاعف نسجه # ويوقد بالصفاح نار الحباحب # ويقال جذه الله جذ الصليانة، وهي نبات. وقوله { عطاء } نصب على المصدر ~~بما يدل عليه الأول كأنه قال اعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ. ### || [11.109] # نهى الله تعالى نبيه - والمراد به أمته - ان يكونوا في شك من عبادة ~~هؤلاء يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم، وانه باطل. و (المرية) - بكسر الميم ~~وضمها - الشك مع ظهور الدلالة البينة. وأصله مري الضرع ليدر بعد دروره، ~~فلا معنى له إلا العبث بفعله. # وقوله { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل } أنهم مقلدون في عبادتهم ~~الأوثان، كما كان آباؤهم كذلك. # وقوله { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } أخبار منه تعالى انه يعطيهم - ~~على جهة الوفاء - قسمتهم من خير أو شر على قدر استحقاقهم - في قول ابن ~~عباس - وقال ابن زيد: ما يستحقونه من العذاب من غير ان ينقص منه شيء على ~~وجه العقوبة بعد أن يوفوا ما حكم لهم به من الخير في الدنيا. # و (النصيب) القسم المجعول لصاحبه ومنه انصباء الورثة. والنصيب الحظ ~~والنقص البخس والمنقوص المبخوس. ### || [11.110] # اخبر الله تعالى أنه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة وإن ms2029 قومه اختلفوا ~~فيه يعني في صحة الكتاب الذي انزل اليه، وأراد بذلك تسلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن تكذيب قومه إياه وجحدهم للقرآن المنزل عليه، فبين له أنه ~~كذلك فعل قوم موسى بموسى، فلا تحزن لذلك، ولا تغتم له. ثم قال { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } معناه ولولا خبر الله السابق بأنه يؤخر ~~الجزاء الى يوم القيامة لما في ذلك من المصلحة، لجعل الثواب والعقاب ~~لأهله. (والكلمة) واحدة الكلم ولذلك، يقال للقصيدة: كلمة. ثم أخبر عن حال ~~كفار قوم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لفي شك مما اخبرناك به مريب، و ~~(الريب) أقوى الشك. (والاختلاف) ذهاب كل واحد الى جهة غير جهة الآخر، وهو ~~على ثلاثة أوجه: # احدها - اختلاف النقيضين فهذا لا يجوز أن يصحا معا، فاحدهما مبطل ~~لصاحبه. # والآخر اختلاف الجنسين، كاختلاف المجتهدين في جهة القبلة، فهذا يجوز أن ~~يصحا، لانه تابع للمصلحة ولا تناقض في ذلك، ومنه اختلاف المجتهدين في ~~الفروع على مذهب من قال بجوازه. ### || [11.111] # القراءة: # اختلف القراء في قوله { وإن كلا لما } على اربعة اوجه: # قرأ ابن كثير ونافع بتخفيف (إن) وتخفيف (لما) وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص ~~عن عاصم بتشديدهما معا. وقرأ أبو عمرو والكسائي بتشديد الأولى وتخفيف ~~الثانية. # وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف الاولى وتشديد الثانية. # اللغة والاعراب والمعنى: # وقيل في معنى (لما) بالتشديد خمسة أوجه: # أولها - قول الفراء إنها بمعنى (لمن ما) فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ~~واحدة ثم ادغمت الاولى في الثانية، كما قال الشاعر: # واني لما أصدر الامر وجهه # اذا هو أعيا بالسبيل مصادره # ثم تخفف، كما قرأ بعض القراء: # والبغي يعظكم # فحذف احدى اليائين ذكره الفراء. # والثاني - ما اختاره الزجاج: أن (لما) بمعنى (إلا) كقولهم سألتك لما ~~فعلت، ومثله # إن كل نفس لما عليها حافظ # لأنه دخله معنى ما كلهم إلا لنوفينهم. وقال الفراء هذا لا يجوز إلا في ~~التمييز، لأنه لو جاز ذلك لجاز ان تقول جاءني القوم لما زيدا بمعنى ~~الا زيدا، هذا ms2030 لا يحوز بلا خلاف. # الثالث - اختاره المازني: أنها هي المخففة شددت للتأكيد. قال الزجاج: ~~هذا لا يجوز، لانه انما يجوز تخفيف المشددة عند الضرورة، فأما تشديد ~~المخففة، فلا يجوز بحال. # الرابع - حكاه الزجاج: إنها من لممت الشيء ألمه لما إذا جمعته إلا ~~أنها بنيت على (فعلى) فلم تصرف نحو (تترى) كأنه قال وإن كلا جميعا ~~ليوفينهم. # الخامس - قراءة الزهري (لما) بالتنوين بمعنى شديدا، كقوله # وتأكلون التراث أكلا لما # واللام في قوله (لما) يحتمل أن تكون لام القسم دخلت على (ما) التي ~~للتوكيد، ويحتمل أن تكون لام الابتداء دخلت على (ما) بمعنى الذي، كقوله # فانكحوا ما طاب لكم من النساء # ومثله # وإن منكم لمن ليبطئن # قال الشاعر: # فلو ان قومي لم يكونوا أعزة # لبعد لقد لاقيت لا بد مصرعا # وحكي عن العرب اني لبحمد الله لصالح قال أبو علي من قرأ بتشديد (إن) ~~وتخفيف (لما) فوجهه بين، وهو انه نصب (كلا) ب (إن) و (إن) تقتضي أن يدخل ~~على خبرها أو اسمها لام، فدخلت هذه اللام وهي لام الابتداء على الخبر في ~~قوله { وإن كلا لما } وقد دخلت الخبر لام اخرى وهي التي يتلقى بها ~~القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في اكثر الامر النونين، فلما ~~اجتمعت اللامان واتفقا في تلقى القسم، واتفقا في اللفظ فصل بينهما، كما ~~فصل بين (إن) واللام، فدخلت (ما) لهذا المعنى، وان كانت زائدة للفصل، كما ~~جاءت النون - وإن كانت زائدة - في قوله # فإما ترين من البشر # وكما صارت عوضا من الفعل في قولهم: أما لي، فهذا بين، ويلي هذا الوجه ~~في البيان قول من خفف (ان) ونصب (كلا) وخففت (لما)، كما قال الشاعر: # كأن ثدييه حقان # وأراد (كأن) المشددة، فخفف، واعمل، لان سيبويه حكى عمن يثق به أنه سمع ~~من العرب من يقول: ان عمرا لمنطلق، قال وأهل المدينة يقرؤن # وإن كلا لما جميع لدينا محضرون # يخفون وينصبون، ووجه النصب بها مع التخفيف ان (ان) مشبهة في نصبها ~~بالفعل، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير ms2031 محذوف في نحو (لم يك زيد ~~منطلقا، فلا تك منطلقا) وكذلك { فلا تك في مرية } فاما من خفف (ان) ~~ونصب (كلا) وشدد (لما) فقراءته مشكلة لأن (أن) اذا نصب بها وكانت مخففة ~~كانت بمنزلة الثقيلة و (لما) اذا شددت كانت بمنزلة (إلا) فكذلك قراءة من ~~شدد (لما) وثقل (ان) مشكلة، لانه كما لا يحسن أن تقول: ان زيد إلا ~~منطلقا فكذلك لا يحسن تثقيل (ان) وتخفيفها ويراد الثقيلة مع تثقيل (لما) ~~فاما قولهم: نشدتك الله لما فعلت، والا فعلت، فقال الخليل: معناه لتفعلن، ~~كما تقول: أقسمت عليه لتفعلن وإنما دخل (إلا ولما) لان المعنى الطلب، ~~فكأنه قال: ما أسألك إلا فعل كذا، فلم يذكر حرف النفي في اللفظ، وإن كان ~~مرادا، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وضعف ابو علي. الوجه الذي ~~حكيناه من ان اصله (لمن ما) فادغم النون في الميم بعد ما قلبت ميما. ~~قال: لان الحرف المدغم، إذا كان قبله ساكن نحو (يوم مالك) لم يقو ~~الادغام فيه على أن يحرك الساكن الذي قبل الحرف المدغم، فاذا لم يجز ذلك ~~فيه، وكان التغيير أسهل من الحذف، فانه لا يجوز الحذف الذي هو أجدر، في ~~باب التغيير من تحريك الساكن على أن في هذه السورة ميمات أجتمعت في ~~الادغام، أكثر مما اجتمعت في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء نحو قوله # وعلى أمم ممن معك # ولم يحذف شيء منها فبأن لا يحذف - ها هنا - اجدر وحكي عن الكسائي أنه ~~قال لا أعرف وجه التثقيل في (لما) قال ابو علي: ولم يبعد في ذلك، قال أبو ~~علي: ولو خففت مخفف (ان) ورفع (كلا) وثقل (لما) ويكون المعنى ما كل الا ~~ليوفينهم، كما قال # وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا # لكان ذلك أبين من النصب في (كل) وتثقيل (لما) و (كل) في الآية معرفة، ~~والمعنى وإن كل المكلفين ليوفينهم ربك أعمالهم أو كل المختلفين على ما ~~تقدم ذكره كما يقولون: مررت بكل قائما، والتوفية بلوغ المقدار من غير ms2032 ~~نقصان، والتوفية مساواة المقدار في معناه، لأنه اذا ساواه في جنسه لم يجب ~~به توفية. # المعنى # أخبر الله تعالى في هذه الآية انه يوفي جميع المكلفين ما يستحقونه على ~~اعمالهم من الثواب والعقاب، لانه عالم بما فعلوه خبير به، لا يخفى عليه ~~شيء من ذلك ومن ليس بعالم لا يمكنه ذلك، لانه يجوز ان يكون قد خفي عليه ~~كثير منه، وهو تعالى لا يخفى عليه خافية. ### || [11.112] # أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يستقيموا كما أمرهم الله، ~~وكذلك من رجع الى الله والى نبيه { ولا تطغوا } يعني في الاستقامة، ~~فيخرجوا عن حدها بالزيادة على ما أمرهم فرضا كان أو نفلا. وقيل: معناه ~~لا تطغينكم النعمة، فتخرجوا من الاستقامة. # و (الاستقامة) الاستمرار في جهة واحدة، وان لا يعدل يمينا وشمالا. و ~~(الطغيان) تجاوز المقدار في الفساد. والطاغي كالباغي في صفة الذم، وطغى ~~الماء مشبه بحال الطاغي، وانما خص من تاب دون ان أسلم من أول حاله ~~للتغليب في الاكثر ويدخل فيه الأقل على وجه التبع. # وقوله { إنه بما تعملون بصير } اخبار منه تعالى أنه عالم بأعمالهم لا ~~يخفى عليه شيء منها. ### || [11.113] # نهى الله تعالى في هذه الآية عباده المكلفين عن أن يركنوا الى الذين ~~ظلموا نفوسهم وغيرهم. و (الركون) الى الشيء هو السكون اليه بالمحبة اليه ~~والانصات اليه، ونقيضه النفور عنه. وانما نهاهم عن الركون الى الظلمة لما ~~في ذلك من الاستئناس به { فتمسكم النار } جواب النهي وبيان، لانهم متى ~~خالفوا هذا النهي، وسكنوا الى الظالمين نالتهم النار، ولم يكن لهم ناصر ~~من دون الله يدفع عنهم ثم لا يجدون من ينصرهم، ويدفع عنهم على وجه ~~المغالبة، والولي ضد العدو، وجمعه أولياء. وقال الجبائي معنى { ثم لا ~~تنصرون } انكم إن ركنتم الى الكفار والظالمين, وسكنتم اليهم مستكم النار ~~في الآخرة ثم لا تنصرون في الدنيا على الكفار. ### || [11.114] # قرأ أبو جعفر { زلفا } بضم اللام. أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وأمة نبيه ms2033 باقامة الصلاة، واقامتها هو الاتيان بأعمال ~~الصلاة على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل اقامة ~~الصلاة هو عمل على استواء كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. وقيل هو ~~الدوام على فعلها من قولهم: قائم اي دائم واقف. # وقوله { طرفي النهار } يريد بهما صلاة الفجر والمغرب - في قول ابن عباس ~~والحسن وابن زيد والجبائي - وقال الزجاج يعني الغداة الظهر والعصر، وبه ~~قال مجاهد، ومحمد بن كعب القرطي، والضحاك. ويحتمل أن يريد بذلك صلاة ~~الفجر والعصر، لان طرف الشيء من الشيء وصلاة المغرب ليست من النهار. # وقوله { وزلفا من الليل } قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: يريد العشاء ~~الآخرة وقال الزجاج يعني المغرب والعشاء الآخرة. و (الزلفة) المنزلة ~~وجمعها زلف قال العجاج: # ناج طواه الاين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # قال الزجاج: ويجوز زلفا بضم اللام، ونصبه على الظرف وهو واحد مثل ~~الحلم، ويجوز أن يكون جمع زليف مثل قريب وقرب، ومنه اشتقاق المزدلفة لأن ~~ازدلاف الناس اليها منزلة من عرفات. # ومن قال: المراد ب { طرفي النهار } الفجر والمغرب، قال ترك ذكر الظهر ~~والعصر لأحد أمرين: احدهما ترك ذكرهما لظهورهما في انهما صلاة النهار، ~~والتقدير أقم الصلاة طرفي النهار مع الصلاة المعروفة من صلاة النهار. # والآخر - انهما ذكرا على التبع للطرف الاخير، لانهما بعد الزوال، فهما ~~أقرب اليه. وقد قال الله تعالى # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل # ودلوكها زوالها. # وقوله { إن الحسنات يذهبن السيئات } قيل فيه وجهان: # احدهما - تذهب به على وجه التكفير اذا كانت المعصية صغيرة. # والآخر - ان المراد بالحسنات التوبة تذهب بالسيئة أي تسقط عقابها، لانه ~~لا خلاف في ان سقوط العقاب عند التوبة. وقد قيل ان الدوام على فعل ~~الحسنات يدعو الى ترك السيئات فكأنها اذهبت بها. # وقوله { ذلك ذكرى للذاكرين } يعني ما ذكره من قوله { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات } فيه تذكار لمن تذكر به وفكر فيه. ### || [11.115] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه وتكذيبهم ~~اياه، والتجلد عليه، ms2034 وعلى القيام بما افترض عليه من اداء الواجب، ~~والامتناع من القبيح، وبين له انه لا يضيع ولا يهمل أجر المحسنين على ~~احسانهم بل يكافيهم عليه أتم الجزاء وأكمل الثواب، و (الصبر) حبس النفس ~~عن الخروج الى ما لا يجوز من ترك الحق، وضده الجزع قال الشاعر: # فان تصبرا فالصبر خير مغبة # وان تجزعا فالامر ما تريان # والصبر على الباطل مذموم، قال الله تعالى # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم # ويعين على الصبر شيئان: # احدهما - العلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له. # والثاني - استشعار ما في لزوم الحق من العز والأجر بطاعة الله. والصبر ~~مأخوذ من الصبر المر، لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج الى ~~المشتهى. ### || [11.116] # معنى { فلولا كان } هلا كان، ولم لا، وألا كان، ومعناه النفي وتقديره لم ~~يكن من القرون من قبلكم، فهو تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من ~~كان قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود، وسائر القرون الذين مر ذكرهم في ~~القرآن، وأخبر الله بهلاكها { أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض } أي ~~كان يجب أن يكون منهم قوم باقون في الارض ينهون عن الفساد في الارض مع ~~إنعام الله عليهم بكمال العقل والقدرة، وبعثة الرسل اليهم، واقامة الحجج. ~~وأولوا بقية هم الباقون، فعجب الله نبيه كيف لم يكن منهم بقية في الارض ~~يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى ~~استأصلهم الله بالعذاب والعقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له ثم استثنا ~~بقوله { إلا قليلا } والمعنى انهم هلكوا جميعا الا قليلا ممن انجى ~~الله منهم، وهم الذين آمنوا مع الرسل، ونجوا معهم من العذاب الذي نزل ~~بقومهم. # وقوله { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين } معناه أنهم ~~اتبعوا التلذذ والتنعم بالاموال والنعم التي أعطاهم الله اياها، وقضوا ~~الشهوات وذلك من الحرام. وبين انهم كانوا بذلك مجرمين عاصين لله تعالى. # وقال الفراء والزجاج: ان قوله { إلا قليلا } استثناء منقطع، لأنه ايجاب ~~لما تقدم فيه صيغة ms2035 النفي وإنما تقدم تهجين لمخرج السؤال، ولو رفع لجاز في ~~الكلام. ومعنى { أترفوا فيه } اي عودوا الترفة بالتنعيم واللذة، وذلك ان ~~الترفة عادة النعمة قال الشاعر: # يهدي رؤس المترفين الصداد # الى أمير المؤمنين الممتاد # اي المسؤل، وأبطر بهم النعمة حتى طغوا وبغوا، وفي الآية دلالة على وجوب ~~النهي عن المنكر، لأنه تعالى ذمهم بترك النهي عن الفساد، وانه نجا القليل ~~بنهيهم عنه، فلو نهى الكثير كما نهى القليل لما اهلكوا، ومعنى { أولوا ~~بقية } اصحاب جماعة تبقى من نسلهم، والبقية ممدوحة يقال في فلان بقية أي ~~فيه فضل وخير، كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي. ### || [11.117] # أخبر الله تعالى انه لم يهلك أهل قرية فيما مضى، ممن ذكر إهلاكهم مع أن ~~أهلها او اكثرهم يفعلون الصلاح، وانما اهلكهم اذا افسدوا كلهم او اكثرهم ~~والاصلاح فعل الصلاح. وقوله { بظلم } فيه ثلاثة أوجه: اولها بظلم صغير، ~~فيكون منهم لأنه يقع مكفرا بما معهم من الثواب الكثير. # الثاني - بظلم كثير من قليل منهم، مع أن اكثرهم المصلحون، لان القليل لا ~~يعتد به في جنب الكثير. # الثالث - ان المعنى بظلم منا، كما قال الله تعالى # إن الله لا يظلم الناس شيئا ### || [11.118-119] # آيتان في الكوفي والبصري تمام الاولى عند قوله مختلفين وهي آية فيما سوى ~~ذلك. # هذه الآية تتضمن الاخبار عن قدرته تعالى بأنه لو شاء تعالى لجعل الناس ~~أمة واحدة أي على دين واحد، كما قال # إنا وجدنا آباءنا على أمة # وقال # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة # أي على دين واحد بأن يلجئهم الى الاسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم ~~لو داموا على غير ذلك لمنعوا منه، لكن ذلك ينافي التكليف ويبطل الغرض ~~بالتكليف لأن الغرض به استحقاق الثواب. # وقوله { ولا يزالون مختلفين } معناه في الاديان كاليهود والنصارى ~~والمجوس وغير ذلك من اختلاف المذاهب الباطلة في قول مجاهد وقتادة وعطا ~~والاعمش والحسن في رواية، وفي رواية أخرى عن الحسن أنهم يختلفون بالارزاق ~~والاحوال ويتحيز بعضهم لبعض. والاول أقوى. # والاختلاف هو اعتقاد ms2036 كل واحد نقيض ما يعتقده الآخر، وهو ما لا يمكن أن ~~يجتمعا في الصحة وان امكن ان يجتمعا في الفساد، ألا ترى أن اليهودية ~~والنصرانية لا يجوز أن يكونا صحيحين مع اتفاقهما في الفساد، ويجوز ان ~~يكون في اختلاف اهل الملل المخالفة للاسلام حق، لأن باعتقاد اليهودي ان ~~النصرانية باطلة واعتقاد النصراني ان اليهودية فاسدة حق. # وقوله { إلا من رحم ربك } استثناء منقطع، ولذلك جعل رأس آية، ولو كان ~~متصلا لم يجز ذلك، وانما كان استثناء منقطعا، لان الاول على انهم ~~يختلفون بالباطل، وليس كذلك من رحم لاجتماعهم على الحق. والمعنى { ولا ~~يزالون مختلفين } بالباطل { إلا من رحم ربك } بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون ~~عنده ويستحقون به الثواب، فان من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل. # وقوله { ولذلك خلقهم } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ان المراد وللرحمة خلقهم ~~وليس لاحد ان يقول لو أراد ذلك لقال: ولتلك خلقهم لأن الرحمة مؤنثة اللفظ ~~وذلك ان تأنيث الرحمة ليس بتأنيث حقيقي، وما ذلك حكمه جاز ان يعبر عنه ~~بالتذكير، ولذلك قال الله تعالى # إن رحمة الله قريب من المحسنين # ولم يقل قريبة على انه لا يمتنع ان يكون المراد: ولأن يرحم خلقهم، لأن ~~الرحمة تدل على ذلك، فعلى هذا يكون التذكير واقعا موقعه. # الثاني - ان يكون اللام لام العاقبة، والتقدير أنه خلقهم وعلم أن ~~عاقبتهم. تؤل الى الاختلاف المذموم، كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وكما قلنا في قوله # ولقد ذرانا لجهنم # وهو المروي عن ابن عباس والحسن وعطاء ومالك، وقد يكون اللام بمعنى (على) ~~كقولك اكرمتك على برك بي اي لبرك بي، فيكون التقدير، وعلى ذلك خلقهم، ~~ولا يجوز ان يكون اللام لام الغرض، ويرجع الى الاختلاف المذموم، لان الله ~~تعالى لا يخلقهم ويريد منهم خلاف الحق، لانه صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. # وايضا فلو أراد منهم ذلك الاختلاف، لكانوا مطيعين له، لأن الطاعة هي ~~موافقة الارادة والأمر، ولو كانوا كذلك ms2037 لم يستحقوا عقابا. وقد قال تعالى # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # فبين تعالى انه خلقهم وأراد منهم العبادة، فكيف يجوز مع ذلك ان يكون ~~مريدا لخلاف ذلك، وهل هذا الا تناقض؟! يتعالى الله عن ذلك. # على ان في اختلاف أهل الضلال ما يريده الله، وهو اختلاف اليهود والنصارى ~~في التثليث، واختلاف النصارى لليهود في تأبيد شرع موسى. # وقيل ان معنى الاختلاف ها هنا هو مضي قوم ومجيء قوم آخرين، كما قال # هو الذي جعل الليل والنهار خلفة # وهذا الاختلاف يجوز ان يريده الله. # وقال الحسن قوله { ولذلك خلقهم } مردود على قوله # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون # والمعنى خلقهم ليكون عدله فيهم، هذا، لا أن يهلكهم وهم مصلحون. # وقوله { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } على الايمان، وهذه مشيئة ~~القدرة { ولذلك خلقهم } ان تكون مشيئته وقدرته عليهم، { ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } قال ليخالف اهل الحق اهل الباطل، ~~وهو كقوله # لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة ~~وفريق في السعير # ويقوي هذا التأويل قوله # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون # وقوله # قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد # فيكون الله خلقهم ليخالفوا الكافرين والمبطلين. وقال عمر عن الحسن: ان ~~معنى { ولذلك خلقهم } ليكون أمر الكفار مختلفا بكفرهم وتكذيبهم. وقال ~~البلخي: أخبر أنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم، فانهم غير مختلفين، هذا ~~معنى الآية، والا فلا معنى لها. ثم قال { ولذلك خلقهم } اي لان يكونوا ~~أمة واحدة متفقين غير مختلفين. # وقوله { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، معناه ~~التحذير لكل احد ان يكون ممن تملأ جهنم به، وتمامها وقوع مخبرها على ما ~~تقدم بها، وهذا يمين أقسم الله به، وتقديره يمينا لاملأن، كما تقول: ~~حلفي لاضربنك، وبدا لي لأضربنك. وكل فعل كان تأويله كتأويل بلغني، أو قيل ms2038 ~~لي أو انتهى الي، فان (اللام) و (ان) يصلحان فيه، فتقول بدا لي لأضربنك، ~~وبدا لي ان اضربك، فلو قيل وتمت كلمة ربك أن يملأ جهنم من الجنة والناس ~~كان صوابا. ### || [11.120] # قوله { وكلا } نصب على المصدر، وتقديره، كل القصص نقص عليك. وقال قوم: ~~نصب على الحال، فقدم الحال قبل العامل، كما تقول: كلا ضربت، ويجوز ان ~~يكون نصبا على انه مفعول به، وتقديره: وكل الذي تحتاج اليه نقص عليك، ~~ويكون { ما نثبت به فؤادك } بدلا منه - في قول الزجاج - والقصص الخبر عن ~~الأمور بما يتلو بغضه بغضا، مأخوذا من قصه يقصه اذا اتبع أثره، ومنه ~~قوله # قالت لأخته قصيه # أي اتبعي اثره. والانباء جمع نبأ، وهو الخبر بما فيه عظم الشأن، وكذلك ~~يقولون لهذا الأمر نبأ، والتثبيت تمكين اقامة الشيء ثبته تثبيتا اذا ~~مكنه، ومعنى { ما نثبت به فؤادك } يحتمل ان يكون ذلك بتسكينه، ويحتمل ~~ايضا ان يكون بالدلالة على وجوده. والفؤاد القلب مأخوذ من المفتاد، وهو ~~المشوي قال النابغة: # كان خارجا من حيث صفحته # سفود شرب نسوه عند مفتأد. # ومعنى { وجاءك في هذه الحق } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: يعني في هذه ~~السورة. وقال الجبائي يعني جاءك في هذه الأنباء. وقال الزجاج: يعني في ~~هذه الأزمان. وقال قتادة: معناه في هذه الدنيا. والأول أصح، والتقدير ~~وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر السور. # ومعنى (الآية) الاعتبار بقصص الرسل لما فيه من حسن صبرهم على أمتهم ~~واجتهادهم في دعائهم الى عبادة الله مع الحق الذي من عمل عليه نجا، ومع ~~الوعظ الذي يلين القلب لسلوك طريق الحق، ومع تذكر الخير والشر، وما يدعو ~~اليه كل واحد منهما في عاقبة النفع أو الضرر. # وقوله { وموعظة } يعني جاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله. # وقوله { وذكرى للمؤمنين } معناه تذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا ~~يفعلوا غير الواجب. ### || [11.121-122] # آيتان في الكوفي والبصري، وإحدى المدينين تمام الاولى انا عاملون، وآية ~~فيما سوى ذلك. # أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ms2039 ان يقول للكفار الذين لا يصدقون ~~بتوحيد الله ولا يعترفون بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم { اعملوا على ~~مكانتكم } والمكانة الطريقة التي يتمكن من العمل عليها، ويقال: له مكانة ~~عند السلطان - أي جاه، وقدر - وهذا خرج مخرج التهديد، وهو مثل قوله # اعملوا ما شئتم # وقوله { إنا عاملون } معناه إنا عاملون على الايمان الذي أمرنا الله به ~~ودعانا اليه. # وقوله { وانتظروا } أي توقعوا، وقد فرق بينهما بأن التوقع طلب ما يقدر ~~أنه يقع، لأنه من الوقوع. والانتظار طلب ما يقدر النظر اليه، لأنه من ~~النظر. والفرق بين الانتظار والترجي، أن الترجي للخير خاصة، والانتظار في ~~الخير والشر. ولو دخلت الفاء في قوله { إنا } لأفاد أن الثاني لأجل الأول ~~وحيث لم تدخل لم تفد ذلك. # ومتعلق الانتظار يحتمل أمرين: # احدهما - انتظروا ما يعدكم الشيطان من الغرور، فانا منتظرون ما يعدنا ~~ربنا من النصر والعلو، في قول ابن جريج. # الثاني - انتظروا ما يعدكم ربكم على الكفر من العذاب، فانا منتظرون ما ~~يعدنا على الايمان من الثواب. ### || [11.123] # قرأ نافع وحفص يرجع - بضم الياء وفتح الجيم - وقرأ أهل المدينة، وابن ~~عامر، وحفص، ويعقوب { يعملون } بالياء - ها هنا، وفي النمل. الباقون ~~بالتاء. # من ضم الياء فلقوله # ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق # والمعنى رد أمرهم الى الله. # ومن فتح الياء فلقوله # والأمر يومئذ لله # والمعنيان متقاربان. # ومن قرأ بالتاء في { تعملون } جعل الخطاب للنبي ولأمته، وهو أعم ~~فائده. # ومن قرأ بالياء في { يعملون } جعل ذلك متوجها الى من تقدم ذكره من ~~الكفار، وفيه ضرب من التهديد. # أخبر الله تعالى في هذه الآية بأن له غيب السموات والارض، وخص الغيب ~~بذلك لاحد امرين: # احدهما - لان ذلك يدل على ان له شهادة ايضا. # الثاني - لعظم شأن الغيب الذي له. ومن كان له الغيب كان له الشهادة، ~~والغيب كون الشيء بحيث لا يلحقه الحس، ومنه # عالم الغيب والشهادة # أي عالم الموجود والمعدوم، وما يغيب عن احساس الناس وما يظهر لها، ومعنى ~~{ وإليه يرجع الأمر كله } أي يذهب الى ms2040 حيث ابتدأ منه، فرجوع الأمر الى ~~الله بالاعادة بعد النشأة الاولى. وقيل ترجع الأمور الى ان لا يملكها ~~سواه تعالى - في قول أبي علي الجبائي. # وقوله { فاعبده } أي وجه عبادتك اليه وحده { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~فالغفلة السهو، الا ان الغفلة يغلب عليها ان تكون بعد اليقظة، كالنوم بعد ~~الانتباه، والسهو نقيض الذكر من غير علة في الصفة. والمعنى انه ليس ربك ~~يا محمد صلى الله عليه وسلم بساه عن اعمال عباده، بل هو عالم بها ومجاز ~~كلا على ما يستحقه من ثواب أو عقاب، فلا يحزنك إعراضهم عنك، وترك قبولهم ~~منك. وقال كعب الاحبار خاتمه التوراة خاتمه هود. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1] # لم يعدوا { الر } آية، لأنه على حرفين، ولا يشاكل رؤوس الآي، فيعد من ~~الفواصل بالوجهين، لأنه بالحرفين يجري مجرى الاسماء الناقصة، وإنما يؤم ~~بالفواصل التمام، وانما يعد (طه) لأنه يشبه رؤوس الآي. وقد بينا فيما ~~تقدم اختلاف المفسرين في مبادىء السور بهذه الحروف. وقلنا أن أقوي ~~الأقوال قول من قال إنها اسماء للسور، فلا وجه، لاعادة القول فيها. # قوله { تلك آيات } قال قوم: هو اشارة الى ما تقدم من ذكره السورة في قول ~~{ الر } كأنه قال سورة يوسف { تلك آيات الكتاب المبين }. # الثاني - انه اشارة الى ما يأتي من ذكرها على وجه التوقع لها. وقال قوم: ~~معناه هذه تلك الآيات التي وعدتم بها في التوراة، كما قال { الم ذلك ~~الكتاب المبين } معناه المظهر لحلال الله وحرامه والمعاني المرادة به، ~~وهو قول مجاهد وقتادة، ويروي عن معاذ أنه قال { المبين } قال بين الحروف ~~التي سقطت عن ألسن الاعاجم، وهي ستة يعني حروف الحلق. # والبيان هو الدلالة. وقال الرماني البيان: إظهار المعنى من الطريق التي ~~من جنسه. والبرهان إنما هو إظهار صحة المعنى بما يشهد به، وإنما سميت ~~(آيات) لما فيها من الدلالة القاطعة على صحة ما تضمنته الآية الدالة. ### || [12.2] # اخبر الله تعالى أنه انزل هذا الكتاب قرآنا عربيا لكي يعقلوا معانيه ~~وأغراضه، وسماه { قرآنا } لما تضمن ms2041 مجموع خبر يوسف وغير ذلك. و ~~(القرآن) كلام في أعلا طبقة البلاغة، ووجه بلاغة القرآن كونه في نهاية ~~التلاؤم المنافي للتنافر في تأليف اللفظ والمعنى: مع تشاكل المقاطع في ~~الفواصل بما يقتضيه المعنى ومع تصريف القول على احسن ما تصرف به المعنى. # والعقل مجموعة علوم يتمكن معها من الاستدلال بالشاهدين على الغائب، ~~ويفصل به بين الحسن والقبيح. ثم يجري على كل ما يعقله الانسان في نفسه من ~~المعاني. # وفي الآية دليل على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال وبأنه عربي، ~~ولا يوصف بذلك القديم. # وفيه دلالة على أن القرآن غير الله، لأنه وصفه بأنه عربي، ومن يزعم أن ~~الله عربي، فقد كفر، وما كان غير الله فهو محدث. # والهاء في قوله { إنا أنزلناه } كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره. قال ~~الزجاج: ويجوز ان يكون المعنى إنا انزلنا خبر يوسف، وقصته، لأن علماء ~~اليهود، قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم لم انتقل ~~يعقوب من الشام الى مصر، وعن قصة يوسف، فانزل الله الآية ودليله قوله { ~~لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين }. ### || [12.3] # أخبر الله انه يقص على نبيه احسن القصص، و { القصص } يتعدى بحرف الجر في ~~عليك لان معناه يتلو بعض الحديث بعضا، ولو قال: نخبرك، لتعدى بنفسه ~~وقوله { أحسن القصص } يدل على ان الحسن يتفاضل ويتعاظم، لأن لفظ أفعل ~~حقيقتها ذلك، وانما يتعاظم بكثرة استحقاق المدح عليه. # وقوله { بما أوحينا إليك هذا القرآن } دخلت الباء في بما اوحينا، لتبيين ~~أن القصص يكون قرآنا وغير قرآن، والقصص - ها هنا - بالوحي: القرآن كأنه ~~قال أوحينا اليك هذا القرآن، ونصب القرآن بايقاع الوحي عليه، وكان يجوز ~~فيه الجر على البدل من (ما) والرفع على ان يكون جواب (ما) (هذا) في قول ~~الزجاج، ولم يقرأ بغير النصب. # وقوله { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } بمعنى كنت يا محمد صلى الله ~~عليه وسلم قبل وحينا اليك غافلا عن الاحكام التي ذكرناها في القرآن حتى ~~أتيناك بها، ودللناك عليها، ولم تكن ms2042 تهتدي اليها. وقيل معناه من الغافلين ~~عن قصة يوسف وأخوته، حتى أخبرناك بها. ### || [12.4] # قرأ ابن عامر وابو جعفر { يا أبت } بفتح التاء في جميع القرآن. الباقون ~~بكسر التاء، وابن كثير يقف بالهاء. الباقون يقفون بالتاء، وقرأ ابو جعفر ~~أحد عشر وتسعة عشر بسكون العين فيها. الباقون بفتحها. # العامل في (إذ) أحد أمرين: احدهما - اذكر { إذ قال يوسف }. والثاني - ~~نقص عليك { إذ قال } , في قول الزجاج، ولا يكون على هذا الوجه ظرفا ~~للقصص في معنى نذكره، ويجوز في { يا أبت } ثلاثة أوجه من الاعراب: # احدهما - الكسر على حذف ياء الاضافة. # الثاني - { يا أبت } بفتح التاء على حذف الألف المنقلبة عن ياء الاضافة، ~~كأنه أراد يا أبتا، فحذف الالف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على ~~الالف، كما ان الكسرة دالة على الياء، قال رؤبة: # يا أبتا علك أو عساكا # فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم ألزموه القلب، قال ابو علي الفارسي: ~~ويحتمل ان يكون مثل يا طلحة اقبل، ووجهه ان الاسماء التي فيها تاء ~~التأنيث أكثر ما ينادى مرخما، فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في ~~الترخيم وترك الامر يجري على ما كان يجري عليه في الترخيم من الفتح، فلم ~~يعتد بالهاء، واقحامها كما قالوا: واجمعت اليمامة يريدون أهل اليمامة، ~~قالوا: أجمعت أهل اليمامة، فلم يعتدوا برد اهل. # الثالث - يا أبة بضم الهاء في قول الفراء ولم يجره الزجاج، قال: لأن ~~التاء عوض من ياء الاضافة. قال الرماني هذا جائز لأن العوض لا يمنع من ~~الحذف، والوقف يجوز على التاء، لان الاضافة مقدرة بعدها، وان قدر على ~~حذف الالف لم يجز الوقف، الا بالتاء وان قدر على الاقحام جاز الوقف كقول ~~النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل اقاسيه بطيء الكواكب # وانما دخلت الهاء في { يا أبت } للعوض من ياء الاضافة اذ يكثر في ~~النداء، مع لزوم معنى الاضافة، فكان أحق بالعلامة لهذه العلة. وقال أبو ~~علي: إنما وقف ابن كثير بالهاء، فقال يا أبة، لأن التاء التي للتأنيث ~~تبدل ms2043 منها الهاء في الوقف، ولم يجز على تقدير الاضافة، لأنه اذا وقف ~~عليها سكنت للوقف واذا سكنت كانت بمنزلة ما لا يراد به الاضافة فأبدل ~~منها الهاء كما إذا قال يا طلحة أقبل بفتح التاء، واذا وقف عليها أبدل ~~الهاء ياء. # وإنما - أعاد ذكر { رأيتهم } لامرين: احدهما - للتوكيد حيث طال الكلام. ~~الثاني - ليدل انه رآهم ورأى سجودهم، وفي معنى سجودهم قولان: # احدهما - هو السجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لا عبادة له. # الثاني - الخضوع - في قول ابي علي - كما قال الشاعر: # ترى الا كم فيه سجدا للحوافر # وهو ترك للظاهر، وقال الحسن: الاحد عشر اخوته، والشمس والقمر أبواه، ~~وانما قال ساجدين بالياء والنون، وهو جمع ما لا يعقل، لأنه لما وصفها ~~بفعل ما يعقل من السجود أجرى عليها صفات ما يعقل، كما قال # يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم # لما أمروا امر من يعقل. # و { كوكبا } منصوب على التمييز و { أحد عشر } الاسمان جعلا اسما ~~واحدا، وكذلك الى تسعة عشر، واللغة الجيدة عند البصريين فتح العين، وحكي ~~سكون العين، وحكى الزجاج احدى عشر وهي لغة ردية. ### || [12.5] # قرأ الكسائي الا أبا الحارث وقتيبة، والعبسي، وابن اليزيدي بامالة { ~~رؤياك } والرؤيا في جميع القرآن، وروى ابو الحارث فتح { رؤياك } وامالة ~~الباقي. وقرأ قتيبة امالة " الرؤيا " ونصب { رؤياك }. # وقرأ خلف في اختياره بامالة ما فيه ألف ولام. الباقون بالتفخيم. # وخفف الهمزة في جميع ذلك أبو جعفر، وورش، والسموني، وشجاع والترمذي في ~~الادراج، إلا ان أبا جعفر يدغم الواو في الياء فتصير ياء مشددة، قال ابو ~~علي النحوي (الرؤيا) مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا والشورى إلا انه لما ~~صار اسما لهذا التخيل في المنام جرى مجرى الاسماء، كما أن (در) لما كثر ~~في كلامهم في قولهم لله درك جرى مجرى الاسماء، وخرج من حكم الاعمال: فلا ~~يعمل واحد منهما اعمال المصدر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم ~~لها (دري) فصادر بمنزلة (ظلم) والمصادر في الاكثر لا تكسر، والرؤيا على ~~تحقيق الهمزة، فان حذفت قلبتها في ms2044 اللفظ واوا ولم يدغم الواو في الياء، ~~لان الواو في تقدير الهمزة فهي لذلك غير لازمة، فلا يقع الاعتداد بها فلم ~~تدغم، وقد كسر اولها قوم فقالوا (ريا) فهؤلاء قلبوا الواو قلبا لا على ~~وجه التخفيف، ومن ثم كسروا الفاء، كما كسروا من قولهم: قرن لوى وقرون لي. # في هذه الآية حكاية ما أجاب به يعقوب يوسف حين قص عليه رؤياه ومنامه، ~~فقال له { يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك } أي لا تخبرهم بها فانك إن ~~أخبرتهم بذلك حسدوك وكادوك واحتالوا عليك، وانما قال ذلك لعلمه بأن تأويل ~~الرؤيا أنهم يخضعون له. # وقوله { يا بني } فيه ثلاث يا آت، الياء الاصلية، وياء الاضافة، وياء ~~التصغير. وحذفت ياء الاضافة اجتزاء بالكسرة وادغمت احدى اليائين في ~~الاخرى. وفتح الياء وكسرها لغتان. وانما صغر { بني } مع عظم منزلته، لانه ~~قصد بذلك صغر السن، ولم يقصد به تصغير الذم. # والرؤيا تصور المعنى في المنام على توهم الابصار، وذلك أن العقل مغمور ~~بالنوم، فاذا تصور الانسان المعنى توهم أنه يراه. # والاخ المساوي في الولادة من أب او أم أو منهما، ويجمع أخوة وآخاء. ~~والكيد طلب الغيظ بأذى الطالب لغيره كاده يكيد كيدا، فهو كائد. # وقوله { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } اخبار منه تعالى بأن الشيطان ~~معاد للانسان، ويلقى العداوة بينهم، واللام في قوله { لك كيدا } لام ~~التعدية، كما يقال قدمت له طعاما, وقدمت اليه طعاما. وقال قوم: هو مثل ~~قولهم شكرته وشكرت له، لانه يقال كاده يكيده، وكاد له. # وحكى الكسائي أن قوما يقولون: (الريا) بكسر الراء وتشديد الياء ~~فيقلبون الهمزة واوا ويدعمون الواو في الياء. و (رؤيا) فيها أربع لغات ~~بضم الراء مع الهمزة وبالواو بلا همزة. وقد قرىء بهما، وبضم الراء ~~والادغام. وبكسر الراء، ولا يقرأ بهاتين. ### || [12.6] # هذه حكاية ما قال يعقوب لابنه يوسف (ع) وقوله له ان الله يجتبيك، ~~ويختارك، ويصطفيك ويكرمك بذلك، كما أكرمك بأن اراك في منامك هذه الرؤيا، ~~فوجه التشبيه وهو اعطاء الرؤيا باعطاء الاجتباء مع ما ms2045 انضاف اليه من ~~الصفات الكريمة المحمودة التي ذكرها. والاجتباء إختيار معالي الأمور ~~للمجتبى مثل ما اختاره الله تعالى ليوسف من الخصال الكريمة والأمور ~~السنية، وقال الحسن: اجتباه الله بالنبوة، وبشره بذلك. وأصله من جبيت ~~الشيء اذا اخلصته لنفسك، ومنه جبيت الماء في الحوض. # وموضع الكاف من و { كذلك } نصب، والمعنى مثل ما رأيت تأويله يجتبيك ربك. # { ويعلمك من تأويل الأحاديث } معناه أنه تعالى يعرفك عبارة الرؤيا - في ~~قول قتادة، ومجاهد - وذلك تأويل أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، وقيل ~~كان أعبر الناس للرؤيا، ذكره ابن زيد. وقال الزجاج، والجبائي: معناه ~~يعلمك تأويل الاحاديث في آيات الله تعالى ودلائلة على توحيده، وغير ذلك ~~من أمور دينه. والتأويل في الأصل هو المنتهى الذي يؤل اليه المعنى. ~~وتأويل الحديث فقهه الذي هو حكمه، لأنه اظهار ما يؤل اليه أمره مما يعتمد ~~عليه وفائدته. # وقوله { ويتم نعمته عليك } فاتمام النعمة هو أن يحكم بداومها على ~~اخلاصها من شائب بها فهذه النعمة التامة بخلوصها مما ينغصها، ولا تطلب ~~الا من الله تعالى لانه لا يقدر عليها سواه. وقوله { كما أتمها على أبويك ~~من قبل إبراهيم وإسحاق } اخبار من يعقوب ليوسف أن الله تعالى يديم عليه ~~هذه النعمة، كما أدامها على أبويه قبله: ابرهيم وإسحق، واصطفائه إياهما ~~وجعله لهما نبيين رسولين الى خلقه ثم أخبر مع ذلك أن الله تعالى عليم بمن ~~يصلح أن يجتبى، حكيم في اجتبائه من يجتبيه واضع للشيء في موضعه، وفي غير ~~ذلك من افعاله. قال الفراء: قوله { وكذلك يجتبيك ربك } جواب لقوله إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا، فقيل له، وهكذا يجتبيك ربك (فكذلك، وهكذا) سواء في ~~المعنى، وقال ابن اسحاق إنما قص الله تعالى قصة يوسف علي محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) ليعلمه أنه بغى عليه أخوته وحسدوه، فيسليه بذلك من بغي قومه ~~عليه وحسدهم اياه. ### || [12.7] # قرأ ابن كثير وحده { آية للسائلين } على التوحيد الباقون { آيات } على ~~الجمع. قال أبو علي النحوي من أفرد جعل شأنه كله آية. ويقوي ذلك ms2046 قوله # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # فأفرد، وكل واحد منهما على انفراده يجوز أن يقال آية، فافرد مع ذلك، ومن ~~جمع جعل كل واحد من احواله آية، ومن جمع على ذلك على أن المفرد المنكر في ~~الايجاب يقع دالا على الكثرة كما يكون ذلك في غير الايجاب قال الشاعر: # فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم # جزاء العطاش لا ينام من الثار # اللام في قوله { لقد } هي اللام التي يتلقى بها القسم. أقسم الله تعالى ~~في هذه الآية أنه كان في يوسف وفي اخوته آيات. والآية الدلالة على ما كان ~~من الامور العظيمة. والآية والعلامة والعبرة نظائر في اللغة. وقال ~~الرماني: الفرق بين الآية والحجة: أن الحجة معتمد البينة التي توجب ~~الثقة بصحة المعنى. والآية تكشف عن المعنى الذي فيه أعجوبة. ووجه الآية ~~في يوسف واخوته أنهم نالوه للحسد بالأذى مع أنهم أولاد الانبياء: يعقوب ~~واسحاق وابراهيم، فصفح وعفا، وأحسن ورجع الى الأولى، وكان ذلك خروجا عن ~~العادات. # وقال الزجاج: معناه بصيرة للذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فانبأهم ~~بقصة يوسف - وهو صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كتابا، ولم يعلمه إلا من ~~جهة الوحي - جوابا لهم حين سألوه. وفي يوسف لغتان ضم السين وكسرها، وكذلك ~~يونس بضم النون، وكسرها، والقراء على الضم فيهما، وحكى قطرب فتح النون في ~~يونس وهي شاذة. ### || [12.8] # قرأ ابن كثير ونافع والكسائي { مبين اقتلوا } بضم التنوين. الباقون ~~بكسره قال أبو علي: من ضم التنوين اتبع حركة التنوين ضمة الهمزة بعده، ~~لان تحريكه ملزم لالتقاء الساكنين، كما قالوا مذ به وفي ظلمات فاتبعوا ~~الضمة وكذلك { مبين اقتلوا } { وقالت اخرج } ، ومن كسر لم يتبع، وكسر ~~على أصل الحركة لالتقاء الساكنين في الامر الاكثر. # والعامل في (اذا) اذكر، وتقديره اذكر إذ قالوا ليوسف. ويحتمل أن يكون ~~العامل فيه ما في الآية الاولى من قوله { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين. إذ قالوا ليوسف }. # وفي الآية اخبار عما قالت أخوة يوسف حين سمعوا منام يوسف وتأويل يعقوب ~~إياه. وقولهم: ms2047 ان يوسف وأخاه لابيه وأمه، وهو ابن يامين { أحب إلى أبينا ~~} يعقوب { منا } مع انا عصبة أي جماعة، والحب ضد البغض، والحب - بفتح ~~الحاء - سمي به، لانه مما يحب، والحب - بكسر الحاء - المفرط لما فيه من ~~الحب، والاحباب ان يبرك البعير فلا يثور، لانه يحب البروك والمحبة، على ~~ضربين: # احدهما - المحبة التي هي ميل الطباع. # والثاني - ارادة المنافع. # والفرق بين المحبة والشهوة أن الانسان يحب الولد، ولا يشتهيه بأن يميل ~~طبعه اليه ويرق عليه ويريد له الخير. والشهوة منازعة النفس الى ما فيه ~~اللذة. والعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، وقولهم { ونحن عصبة } أي ~~جماعة يعين بعضها البعض، وكانوا عشرة. والعصبة يقع على الجماعة من عشرة ~~إلى خمسة عشر، ولا واحد له من لفظه، كالرهط والقوم والنفر. # وقوله { إن أبانا لفي ضلال مبين } معناه الاخبار عن قولهم ان ابانا في ~~ذهاب عن طريق الحق والصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة. وقيل: انهم ~~أرادوا انه غلط في تدبير أمر الدنيا إذ كانوا انفع له من يوسف وأخيه من ~~أمه وأبيه إذ كانوا يقومون بأمواله ومواشيه، ولم يريدوا الضلال في الدين، ~~لأنهم لو أرادوا ذلك، لكانوا كفارا، وذلك خلاف الاجماع. # واكثر المفسرين على ان اخوة يوسف كانوا انبياء، وقال قوم: لم يكونوا ~~كذلك، وهو مذهبنا، لأن الأنبياء، لا يجوز ان تقع منهم القبائح، وخاصة ما ~~فعلوه مع أخيهم يوسف من طرحه في الجب، وبيعهم إياه بالثمن البخس، ~~وادخالهم الغم به على أبيهم يعقوب، وكل ذلك يبين أنهم لم يكونوا أنبياء. ~~وقال البلخي: ذهب قوم الى أنهم لم يكونوا في تلك الحال بلغوا الحلم، وقد ~~يقع مثل ذلك ممن قارب البلوغ، وان لم يبلغ، ويعاتب عليه ويذم، ويضرب على ~~فعله. # ومن قال: كانوا بالغين غير انهم لم يكونوا انبياء استدل على بلوغهم ~~بقوله { وتكونوا من بعده قوما صالحين } ، وقولهم { يا أبانا استغفر لنا ~~ذنوبنا } وقال الانبياء الاسباط من بني يعقوب غير هؤلاء. ### || [12.9] # اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انهم قال بعضهم ms2048 لبعض { اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين } ومعناه ~~اطرحوه في أرض تأكله السباع او يهلك بغير ذلك من الأمور. وقيل: معناه ~~اطرحوه في أرض يبعد عن أبيه، ولا يقدر عليه. # وقوله { يخل لكم وجه أبيكم } جواب الأمر في قوله { اقتلوا يوسف } ولا ~~يجوز فيه غير الجزم، لأنه ليس فيه ضمير، والمعنى انكم متى قتلتموه او ~~طرحتموه في أرض اخرى خلا لكم أبوكم وحن عليكم { وتكونوا من بعده قوما ~~صالحين } معناه إنكم اذا فعلتم ذلك وبلغتم أغراضكم تبتم مما فعلتموه، ~~وكنتم من جملة الصالحين الذين يفعلون الخيرات، فيكفر عنكم عقاب ما ~~فعلتموه. وقال الحسن: معناه تكونوا قوما صالحين في أمر دنياكم، ولم ~~يريدوا أمر الدين. ### || [12.10] # قرأ نافع وابو جعفر، " غيابات " على الجمع. الباقون " غيابة " على ~~التوحيد، وقرأ الحسن تلتقطه بالتاء، كما قالوا ذهبت بعض اصابعه، قال ابو ~~علي: وجه قول من أفرد، أن الجب لا يخلوا ان يكون له غيابة واحدة او ~~غيابات، فغيابة المفرد يجوز ان يعنى به الجمع، كما يعنى به الواحد، ووجه ~~قول من جمع: انه يجوز ان يكون له غيابة واحدة، فجعل كل جزء منه غيابة، ~~فجمع على ذلك، كقولهم شابت مفارقة، ويجوز ان يكون عنده للجب غيابات، فجمع ~~على ذلك. # اخبر الله تعالى في هذه الآية عن واحد من جملة القوم أنه قال على وجه ~~المشورة عليهم { لا تقتلوا يوسف } ولكن اطرحوه في جب عميق قليل الماء. ~~وقيل إنه كان اسم القائل لذلك (روبيل) وكان ابن خالة يوسف - في قول قتادة ~~وابن اسحاق - وقال الزجاج: كان يهوذا، والغيابة الموضع الذي يغيب فيه ~~صاحبه وغيابة البئر شبه الجاف او طاف فوق الماء وضعوه فيها. وكلما غيب ~~شيء عن الحس بكونه، فهو غيابة. وقال الحسن يعني في قعر الجب قال المنخل: # فان انا يوم غيبتني غيابتي # فسيروا بسيري في العشيرة والأهل # والجب البئر التي لم تطو، لانه قطع عنها ترابها حتى طغى الماء من غير ~~طي، ومنه المجبوب قال ms2049 الأعشى: # لئن كنت في جب ثمانين قامة # ورقيت أسباب السماء بسلم # و { السيارة } الجماعة المسافرون، لانهم يسيرون في البلاد. وقيل: هم ~~مارة الطريق. و (الالتقاط) تناول الشيء من الطريق، ومنه اللقطة واللقيطة. ~~وقيل: انهم أشاروا عليه بأن يقعد في دلو المدلي إذا استسقى ليخرجه من ~~البئر ففعل. ومعنى التقاطه أن يجدوه من غير ان يحسبوه، يقال وردت الماء ~~التقاطا إذا وردته من غير ان تحسبه. ### || [12.11] # كلهم قرأ { تأمنا } بفتح الميم وادغام النون الأولى في الثانية، ~~والاشارة الى اعراب النون المدغمة بالضم اتفاقا، قال ابو علي وجه ذلك ان ~~الحرف المدغم بمنزلة الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث اشموا ~~الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعا في الادراج اشموا النون المدغمة في { ~~تأمنا } وليس ذلك بصوت خارج الى اللفظ، وانما هي هيئة العضو لاخراج ذلك ~~الصوت به ليعلم بذلك أنه يريد ذلك المتهيأ له. # حكى الله تعالى عن أخوة يوسف لما تآمروا على ما يفعلونه بيوسف أنهم، ~~قالوا لأبيهم لم { لا تأمنا على يوسف } قال الزجاج: يجوز في { تأمنا } ~~أربعة أوجه: تأمننا بالاظهار ورفع النون الأولى، لان النونين من كلمة، و ~~{ تأمنا } بالادغام وهي قراءة القراء لالتقاء المثلين، و { تأمنا } ~~بالادغام والاشمام، وهو الذي حكاه ابن مجاهد عن الفراء، للاشعار بالضمة، ~~و { تئمنا } بكسر التاء وهي قراءة يحيى ابن وثاب، لأن ماضيه فعل، كما ~~قالوا تعلم ونعلم إلا ان القراءة بالادغام والاشمام. والأمن سكون النفس ~~الى إنتفاء الشر، وضده الخوف، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر. ~~وقوله { وإنا له لناصحون } تمام الحكاية عنهم أنهم قالوا إنا ليوسف ~~لناصحون مشفقون عليه. والنصح إخلاص العمل من فساد يتعمد. ونقيضه الغش. ~~والنصح في التوبة اخلاصها مما يفسدها. وذلك واجب فيها وهي التوبة النصوح. ### || [12.12] # قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { نرتع ونلعب } بالنون فيهما. وكسر ~~العين من " يرتع " من غير بلوغ الى الياء أهل الحجاز، إلا المالكي. ~~والعطار عن الزبيبي اثبات (ياء) في الوصل، والوقف بعد العين. الباقون ~~بسكون العين، ms2050 ولم يختلفوا في سكون الباء من ويلعب، وقرأ نافع يرتع، ويلعب ~~بالياء فيهما، وكسر العين. وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما، وجزم العين ~~والباء. قال ابو علي: قراءة ابن كثير حسنة، لأنه جعل الارتعاء القيام على ~~المال لمن بلغ وجاوز الصغر، واسند اللعب الى يوسف لصغره، ولا لوم على ~~الصغير في اللعب، ولا ذم. والدليل على صغر يوسف قول أخوته { وإنا له ~~لحافظون } ولو كان كبيرا ما احتاج الى حفظهم. وايضا قال يعقوب أخاف ان ~~يأكله الذئب، ولو لم يكن صغيرا ما خاف عليه، وانما يخاف الذئب على من لا ~~دفاع فيه، ولا ممانعة له: من شيخ، فان او صبي صغير قال الشاعر: # اصبحت لا أحمل السلاح ولا # املك رأس البعير ان نفرا # والذئب اخشاه ان مررت به # وحدي واخشى الرياح والمطرا # فأما اللعب فمما لا ينبغي ان ينسب الى اهل النسك والصلاح، ألا ترى الى ~~قوله: # أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين # فقوبل اللعب بالحق فدل على انه خلافه، وقال # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب # وقال { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } فأما الارتعاء فهو افتعال ~~من رعيت مثل سويت واستويت وكل واحد منهما متعد الى مفعول به، قال الشاعر: # ترتعي السفح فالكثيب فذا قا # ر فروض القطا فذات الرئال # وقال ابو عبيدة: ويجوز ان يقال نرتع ويراد ترتع إبلهم ووجه ذلك انه كان ~~الاصل ترتع إبلنا ثم حذف المضاف وأسند الفعل الى المتكلمين، فصار نرتع ~~وكذلك نرتعي على ترتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي. وقال أبو ~~عبيدة: نرتع نلهو، وقد تكون هذه الكلمة على غير معنى النيل من الشيء ~~كقولهم في المثل العبد والرتعة، فكان على هذا النيل والتناول مما يحتاج ~~اليه الحيوان. # واما قراءة ابي عمرو، وابن عامر، فعلى أن معناه نرتع أبلنا، او على اننا ~~ننال ما نحتاج اليه ومعناه ننال. فأما قوله { ونلعب } فحكي ان ابا عمرو ~~قيل له كيف يقولون نلعب، وهم انبياء؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء، فعلى ~~هذا سقط الاعتراض ms2051 ولا يجوز ان يكون المراد به مثل ما قال الشاعر: # حدت حداد تلاعب وتقشعت # غمرات قالت ليسه حيران # فكان اللعب ها هنا الذي لم يتشمر في امره، فدخله بعض الهوينا، فهذا ~~أسهل من الوجه الذي قوبل بالحق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ~~قال لجابر: # " فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " # وانما اراد بذلك التشاغل بالمباح والعمل بما يتقوى به على العبادة ~~والطاعة. وقد روي عن بعض السلف انه كان اذا اكثر النظر في مسائل الفقه ~~قال احمضونا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال # " ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق فان المبتت لا أرضا قطع ولا ~~ظهرا أبقى " # فليس هذا اللعب من الذين قال { إنما كنا نخوض ونلعب } في شيء. # ومن قرأ بالياء فإن كان يرتع من اللهو، كما فسره ابو عبيدة، فلا يمتنع ~~ان يخبر به عن يوسف لصغره، كما لا يمتنع ان ينسب اليه اللعب كذلك إن كان ~~{ يرتع } من النيل من الشيء، فلذلك ايضا لا يمتنع عليه ايضا، فوجهها ~~بين، وهو أبين من قول من قال " ونلعب " بالنون، لانهم سألوا ارساله ~~ليتنفس بلعبه، ولم يسألوا ارساله ليلعبوا هم. # والرتع الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، فلان ~~يرتع في المال وغيره من ضروب الملاذ، واصل الرتعة التصرف في الشهوات رتع ~~فلان في ماله اذا انفق في شهواته قال القطامي: # أكفرا بعد رد الموت عني # وبعد عطائك المائة الرتاعا # وقال مجاهد معنى " نرتع " يحفظ بعضنا بعضا من الرعاية. واللعب يحتمل ما ~~يستهجن ويسترذل لطلب الفرح من غير مراعاة شيء من الحلم كفعل الصبي اذا ~~قصد هذا القصد. # أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انهم قالوا لابيهم ارسل يوسف معنا ينال ~~الملاذ ويتفرح، ونحن حافظون له ومراعون لاحواله فلا تخشى عليه. ### || [12.13] # قرأ الكسائي وخلف في اختياره، وابو جعفر وورش والاعشى واليزيدي في ~~الادراج إلا سجادة، ومدين من طريق عبد السلام " الذيب " بتخفيف الهمزة ~~في المواضع الثلاثة. الباقون بالهمزة. والهمز وترك ms2052 الهمز لغتان مشهورتان ~~قال ابو علي: والاصل فيه الهمزة، فان خفف جاز، وان وقع في مكان الردف قلب ~~قلبا كما قال الشاعر: # كأن مكان الردف منه على رال # فقلب الهمزة الفا. # أخبر الله تعالى حكاية عن يعقوب انه قال حين طلب اخوة يوسف انفاذ يوسف ~~معهم، واحتيالهم في ذلك. واشفق من ذلك، قال { إني ليحزنني } اي يؤلم ~~قلبي. يقال حزنتك وأحزنتك لغتان، والحزن ألم القلب بفراق المحب ويعظم ~~اذا كان فراقه الى ما يبغض { أن تذهبوا به } اي ليحزنني اذهابكم به، ~~والذهاب والمرور والانطلاق نظائر وبين انه يخاف عليه الذئب ان يأكله لان ~~الذئاب كانت ضارية في ذلك الوقت. والذئب سبع معروف، واشتقاقه من تذاءب ~~الريح اذا جاءت من كل جهة، فالذئب يختل بالحيلة من كل وجه. # وقوله { وأنتم عنه غافلون } جملة في موضع الحال وتقديره اخاف ان يأكله ~~الذئب في حال كونكم ساهين عنه، والخوف والفزع والقلق نظائر ونقيضه الأمن. ### || [12.14] # لما قال لهم يعقوب ما ذكره في الآية الاولى، قالوا في الجواب عن ذلك { ~~لئن أكله الذئب } ونحن جماعة متعاضدون متناصرون نرى الذئب قد قصده، فلا ~~نمنع عنه { إنا إذا لخاسرون } أي بمنزلة الخاسر الذي ذهب رأس ماله على ~~رغم منه، والخسران ذهاب رأس المال، والربح زيادة على رأس المال. واللام ~~في قوله { لئن } هي التي يتلقى بها القسم، فكأنهم أقسموا على ما قالوه. ~~وأعظم الخسران ما يذهب بالثواب، ويؤدي الى العقاب، فلذلك أقسموا عليه، ~~وقال المؤرج: معناه إنا اذا لمضيعون بلغة قيس عيلان. ### || [12.15] # حكى الله تعالى انه لما أذن يعقوب ليوسف في المضي معهم، وذهبوا به { ~~وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب } اي عزموا على فعل ذلك، ولا يقال: أجمع ~~الا اذا قويت الدواعي الى الفعل من غير صارف وأما من دعاه داع واحد، فلا ~~يقال فيه أنه أجمع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ويجوز ان يكون ~~المراد انهم اتفقوا على إلقائه في غيابة الجب، والجعل والتصيير والعمل ~~نظائر في اللغة. والغيابة البقعة التي يغيب فيها ms2053 الشيء عن الحس. وقيل ~~طلبوا بئرا قليلة الماء تغيبه ولا تغرقه. وقيل بل جعلوه في جانب جبها، ~~وسمى البئر التي لم تطو جبا لأنه جب ترابها عنها فقط، كأنه ليس فيها ~~إلا قطع التراب. وجواب (لما) محذوف وتقديره عظمت فتنتهم أو كبر ما قصدوا ~~له. وقال قوم: الواو في وأجمعوا مقحمة. والمعنى أجمعوا أن يجعلوه وهو ~~مذهب الكوفيين، وأنشدوا قول أمرىء القيس: # فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى # بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل # يريد، فلما اجزنا ساحة الحي انتحى، وقال آخر: # حتى اذا قملت بطونكم # ورأيتم ابناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا # ان اللئيم العاجز الخب # يريد قلبتم، فادخل الواو. والبصريون لا يجيزونه. وقوله { وأوحينا إليه } ~~يعني إلى يوسف، قال الحسن أعطاه الله النبوة، وهو في الجب { لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا } معناه ستخبرهم بذلك في المستقبل و { هم لا يشعرون } قال ابن ~~عباس والحسن وابن جريج لا يشعرن بأنه يوسف. وقال مجاهد وقتادة: لا يشعرون ~~بأنه اوحي اليه. # والشعور ادراك الشيء بمثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في البدن. وقال ~~قوم: معنى قوله { لتنبئنهم بأمرهم } لتجازينهم على فعلهم، تقول العرب ~~للرجل: تتوعده بمجازاة سوء فعله: لأنبئنك، ولأعرفنك، يعني لأجازينك. ### || [12.16-17] # في الكلام حذف، لان التقدير إنهم أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، ~~وفعلوا ذلك، فلما فعلوه جاؤوا حينئذ { أباهم عشاء يبكون } والمجيء ~~والمصير الى الشيء واحد، وقد يكون المصير بالانقلاب، كمصير الطين خزفا، ~~وقد يكون بمعنى الانتقال. والعشاء آخر النهار. ونصبه لانه من ظروف ~~الزمان. ومنه اشتق (الاعشى) لانه يستضيء ببصر ضعيف. والبكاء جريان الدمع ~~من العين عند حال الحزن، فكانوا يعلمون أن اباهم يحزن لما جاؤا من خبر ~~يوسف، فبكوا مع بكائه عليه، وفي حال خبره لما تصوروا تلك الحال. وقيل: ~~إنهم أظهروا البكاء ليوهموا أنهم صادقون فيما قالوه. # وقوله { إنا ذهبنا نستبق } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الزجاج: ذهبنا نتنصل مشتق من السباق في الرمي. وقال ~~الجبائي: نستبق في العدو لنعلم اينا أسرع عدوا { وتركنا يوسف عند متاعنا ms2054 ~~} يعني تركناه عند الرحل ليحفظه. # وقوله { وما أنت بمؤمن لنا } أي لست بمصدق لنا { ولو كنا صادقين } وجواب ~~(لو) محذوف، وتقديره: ولو كنا صادقين ما صدقتنا، لاتهامك لنا في أمر ~~يوسف، ودل الكلام عليه. ولم يصفوه بأنه لا يصدق الصادق، لان المعنى انه ~~لا يصدقهم إتهاما لهم لشدة محبته ليوسف يسيء الظن بهم، ولا تسكن نفسه ~~الى خبرهم. ### || [12.18] # حكى الله تعالى عن أخوة يوسف انهم جاؤا أباهم، ومعهم قميص يوسف ملطخ ~~بدم. وقالوا له هذا دم يوسف حين أكله الذئب. وقال ابن عباس ومجاهد كان دم ~~سخلة، قال الحسن: لما رأى يعقوب القميص صحيحا، قال: يا بني والله ما ~~عهدت الذئب عليما. # قال عامر الشعبي: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: # احدها - حين ألقي على وجه أبيه، فارتد بصيرا، وحين قد من دبر، وحين ~~جاؤا على قميصه بدم كذب. ومعنى { كذب } مكذوب فيه، كما قيل الليلة الهلال ~~فيرفع، وكما قال # فما ربحت تجارتهم # أي ما ربحوا في تجارتهم إلا انه وصف في المصدر، وتقديره بدم ذي كذب، لكن ~~إذا بولغ في الصفة اجري على هذه الصفة، وقال الفراء يجوز ان يكون المصدر ~~وقع موقع مفعول، كما يقع مفعول موقع المصدر في مثل قول الراعي القطامي: # حتى اذا لم يتركوا لعظامه # لحما ولا لفؤاده معقولا # ولا يجيزه سيبويه، ويقول مفعول لا يكون مصدرا، ويتأول قولهم: خذ ميسوره، ~~ودع معسوره أي خذ ما يسر ودع ما عسر عليه، وكذلك: ليس لفؤاده معقولا أي ~~ما يعقل به. # وقوله { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا } حكاية ما قال يعقوب لهم. ~~والتسويل تزيين النفس ما ليس بحسن - في قول قتادة - وقيل معناه تقرير ~~معنى في النفس على الطبع في تمامه، وهو تقدير معنى في النفس على توهم ~~تمامه. # وقوله { فصبر جميل } فالصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه على ما ~~يدعو إليه العقل، ويحتمل رفع الصبر أمرين: احدهما - ان يكون خبر ابتداء ~~وتقديره فأمري صبر جميل. الثاني - ان يكون مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره ms2055 ~~فصبر جميل أولى من الجزع الذي لا ينبغي لي، قال الشاعر: # يشكوا الي جملي طول السرى # صبر جميل فكلانا مبتلى # ولو نصب لجاز، ولكن الأحسن الرفع، لأنه موصوف. وقوله { والله المستعان ~~على ما تصفون } حكاية ما قال يعقوب عند ذلك، بأن الله تعالى هو الذي يطلب ~~منه المعونة على ما ذكروه؛ وتقديره استعين بالله على احتمال ما تصفونه، ~~وعلى الصبر كله. ### || [12.19] # قرأ أهل الكوفة " يا بشري " بغير الف. الباقون بالالف والياء، وكان يجوز ~~أن يقرأ بياء مشددة " بشري " وهي لغة هذيل غير انه لم يقرأ به احد، قال ~~أبو ذؤيب: # سبقوا هوي واعنقوا لهواهم # فتخرموا ولكل جنب مصرع # قال ابو علي: من قرأ { يا بشراي } فاضافه الى الياء التي للمتكلم، كأن ~~للألف التي هي حرف الاعراب موضعان من الاعراب: # احدهما - ان تكون في موضع نصب لانه منادى مضاف. # والآخر - ان تكون في موضع كسر، لأنه بمنزلة حرف الاعراب في غلامي. # ومن قرأ { يا بشرى } احتمل وجهين: # احدهما - ان يكون في موضع ضم مثل يا رجل بالنداء لاختصاصه كاختصاص ~~الرجل. # والآخر - ان يكون في موضع النصب لأنك اشعت النداء ولم تخص به، كما فعلت ~~في الوجه الاول كقوله # يا حسرة على العباد # اخبر الله تعالى أنه حين ألقى أخوة يوسف يوسف في غيابة الجب جاءت سيارة، ~~وهم جماعة مسافرون مارة فبعثوا واردهم، وهو الذي يصير الى الماء ليستسقي ~~منه { فأدلى دلوه } يعني أرسل دلوه ليملأ، يقال ادليت الدلو إذا ارسلتها ~~لتملأ، ودلوتها إذا اخرجتها مملأة، وقيل انه لما ارسل الدلو تعلق بها ~~يوسف، فقال المدلي { يا بشراي } هذا غلام، في قول قتادة والسدي. # وقيل في معنى (بشراي) قولان: # احدهما - انه بشر اصحابه بأنه وجد عبدا. # الثاني - قال السدي كان اسمه { بشرى } فناداه. # وقوله { وأسروه بضاعة } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال مجاهد والسدي أسره المدلي، ومن معه من باقي التجار لئلا ~~يسألوهم الشركة فيه. # الثاني - قال ابن عباس اسره اخوته يكتمون أنه أخوهم وتابعهم على ذلك ~~يوسف لئلا يقتلوه. والبضاعة ms2056 قطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت الشيء ~~اذا قطعته، ومنه المبضع، لأنه يبضع به العرق. ومعنى { وأسروه } أنهم لما ~~وجدوه أحبوا أن لا يعلم أنه موجود، وان يوهموا أنه بضاعة دفعها اليهم ~~أهل الماء، ونصب بضاعة على الحال. # وقوله { والله عليم بما يعملون } اخبار منه تعالى بأنه عالم بافعالهم، ~~فيجازيهم على جميعها، وان اسروا بها، وفي ذلك غاية التهديد. ### || [12.20] # حكى الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم باعوا يوسف. يقال شريت أشري اذا بعت. ~~ومنه قوله # ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون # وقال يزيد ابن مفرغ الحميري: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # وقوله { بثمن بخس دراهم معدودة } أي بثمن ذي بخس أي ناقص. وقيل بثمن ذي ~~ظلم، لانه كان حرا، لا يحل بيعه، فالثمن هو بدل الشيء من العين أو ~~الورق. ويقال في غيرهما أيضا مجازا. والبخس النقص من الحق، يقال: بخسه ~~في الوزن او الكيل إذا نقصه من حقه فيهما. ومعنى { معدودة } اي قليلة، ~~لان الكثير قد يمنع من عدده لكثرته. وقيل: عدوها ولم يزنوها. وقيل: انهم ~~كانوا لا يزنون الدراهم حتى تبلغ أوقية، وأوقيتهم أربعون درهما. وقال ~~عبد الله بن مسعود وابن عباس وقتادة: إنها كانت عشرين درهما. وعن ابي ~~عبد الله (ع) إنها كانت ثمانية عشر درهما. وقال ابن عباس ومجاهد: ان ~~الذين باعوه اخوته، وانهم كانوا حضورا، فقالوا هذا عبد لنا ابق، فباعوه. ~~وقال قتادة الذين باعوه السيارة. # وقوله { وكانوا فيه من الزاهدين } يعني الذين باعوه، زهدوا فيه، فلذلك ~~باعوه بثمن بخس، وتقديره وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين بجهلهم بما له ~~عند الله من المنزلة الرفيعة، وانما قدموا الظرف، لانه أقوى في حذف ~~العامل من غيره، ولا يجوز قياسا على ذلك (وكانوا زيدا من الضاربين). ### || [12.21] # اخبر الله تعالى عن من اشترى يوسف (ع) من بايعه من أهل مصر أنه قال: ~~لامرأته حين حمله اليها { أكرمي مثواه } يعني موضع مقامه، وانما امرها ~~باكرام مثواه دون اكرامه في نفسه، لان من ms2057 أكرم غيره لاجله كان اعظم ~~منزلة ممن يكرم في نفسه فقط، والاكرام اعطاء المراد على جهة الاعظام، وهو ~~يتعاظم فأعلاه منزلة ما يستحق بالنبوة، وادناه ما يستحق لخصلة من الطاعة ~~أدناها كإماطة الاذى من الطريق وغيره. # وقوله { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } ، بين أنه إنما يأمرها ~~باكرامه لما يرجو من الانتفاع به فيما بعد أو للتبني به. وقال ابن مسعود: ~~احسن الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته { أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنا } وابنة شعيب حين قالت في موسى # يا أبت استأجره # وأبو بكر حين ولى عمر. # وقوله { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } ووجه التشبيه فيه انه تعالى شبه ~~التمكين له في الارض بالتوفيق للاسباب التي صار بها الى ما صار بالنجاة ~~من الهلاك والاخراج الى اجل حال. # وقوله { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } اللام فيه محمولة على تقدير دبرنا ~~ذلك لنمكنه في الارض، ولنعلمه من تأويل الاحاديث. # وقوله { والله غالب على أمره } معناه أنه قادر عليه من غير مانع حتى ~~يقع ما أراد، ومنه وقوع المقهور بالغلبة في الذلة. وقيل غالب على امر ~~يوسف يدبره ويحوطه. # وقوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } اخبار منه تعالى ان اكثر الخلق غير ~~عالمين بحسن تدبير الله لخلقه، وما يجريه اليهم من مصالحهم وانه قادر لا ~~يغالب؛ بل هم جاهلون بتوحيده، ولا يدل ذلك على ان من فعل ما كرهه الله ~~يكون قد غالب الله، لان المراد بذلك ما قلناه من انه غالب على ما يريد ~~فعله بعباده. فاما ما يريده على وجه الاختيار منهم فلا يدل على ذلك، ~~ولذلك لا يقال إن اليهودي المقعد قد غلب الخليفة حيث لم يفعل ما اراده ~~الخليفة من الايمان، وفعل ما كرهه من اليهودية وهذا واضح. ### || [12.22] # اخبر الله تعالى ان يوسف لما بلغ أشده، وهو كمال القوة. وقال قوم هو من ~~ثماني عشرة سنة الى ستين سنة، وقال ابن عباس من عشرين. وقال مجاهد من ~~ثلاث وثلاثين سنة، والاشد جمع، لا واحد له من لفظه ms2058 مستعمل. وفي القياس ~~واحد شد، كواحد الاضر ضر، وواحد الاشر شر قال الشاعر: # هل غير ان كثر الاشر واهلكت # حرب الملوك اكاثر الاموال # وقوله { آتيناه حكما وعلما } يعني أعطيناه ذلك، والحكم القول الفصل ~~الذي يدعو الى الحكمة ويقال تقديرا لما يوتى له بعلة: يعلم من دليل ~~الحكم ومن غير دليل الحكم. والاصل في الحكم تبيين ما يشهد به الدليل، لأن ~~الدليل حكمة من اجل أنه يقود الى المعرفة. وقيل: معناه آتيناه الحكم على ~~الناس. وقيل آتيناه الحكمة في فعله بألطافنا له، والحكيم العامل بما يدعو ~~اليه العلم. والعلم ما اقتضى سكون النفس. وقال قوم هو تبيين الشيء على ما ~~هو به، وزاد فيه الرماني: ما يحل في القلب تحرزا من الرؤية، لانها يبين ~~بها الشيء على ما هو به، لكنه معنى يحل في العين. ومن قال الادراك ليس ~~بمعنى لا يحتاج الى ذلك. # وقوله { وكذلك نجزي المحسنين } معناه مثل ما جازينا يوسف نجازي كل من ~~أحسن وفعل الافعال الحسنة من الطاعات. والاحسان هوالنفع بالحسن الذي ~~يستحق به الحمد، فعلى هذا يصح أن يحسن الانسان إلى نفسه كما يصح أن يسيء ~~الى نفسه، ولا يصح ان ينعم على نفسه، لأن النعمة تقتضي استحقاق الشكر ~~عليها، ولا يصح ذلك بين الانسان ونفسه. ### || [12.23] # قرأ ابو عمرو، وعاصم وحمزة والكسائي { هيت } بفتح الهاء والتاء، وقرأ ~~ابن كثير بفتح الهاء، وضم التاء. وقرأ نافع وابن عامر { هيت } بكسر الهاء ~~وفتح التاء. وروى هشام بن عامر عن ابن عامر (هئت) بالهمز من تهيأت، وكسر ~~الهاء، وضم التاء، وانكر الهمزة أبو عمرو بن العلاء والكسائي، قال طرفة: # ليس قومي بالابعدين إذا # ما قال داع من العشيرة هيت # هم يجيبون ذا هلم سراعا # كالابابيل لا يغادر بيت # فهذا شاهد لابن كثير قال ابو عبيدة: { هيت لك } معناه هلم، قال: وقال: ~~رجل لعلي (ع): # أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا # ان العراق واهله سلم اليك فهيت هيتا # قال ابو الحسن: وكسر الهاء لغة، وقال بعضهم بالهمز من ms2059 تهيأت لك، وهي ~~حسنة إلا ان المعنى الاول أحسن، لانها دعته، والمفتوحة أكثر اللغات، ففيه ~~ثلاث لغات. # ومعنى قوله { وراودته } أي طالبته، والمراودة المطالبة بأمر للعمل به، ~~ومنه المرود لانه يعمل به، ولا يقال في المطالبة بدين راوده. ومعنى { ~~التي هو في بيتها } يعني امرأة العزيز { وغلقت الأبواب } فالتغليق اطباق ~~الباب بما يعسر فتحة. وانما قيل { غلقت } لتكثير الاغلاق او المبالغة في ~~الاغلاق، وألف (باب) منقلبة من الواو لقولهم: بويب وأبواب. # ومعنى { هيت لك } تعال وهلم الى ما هو لك، أنشد ابو عمرو بن العلاء: # أبلغ أمير المؤمنين اخا العراق اذا اتيت # ان العراق واهله سلم اليك فهيت هيت # ويقال للواحد والاثنين والجمع والذكر والانثى { هيت } بلفظ واحد. وقال ~~ابن عباس والحسن وابن زيد معنى { هيت لك } هلم لك. # وقوله { معاذ الله } حكاية عن يوسف أنه قال ذلك. والمعنى أعوذ عياذا ~~بالله أن أجيب الى هذا أو ان يكون هذا أي اعتصم بالله من هذا. وقوله { ~~إنه ربي أحسن مثواي } معناه ان الملك الذي هو زوجها، مالكي في الحكم { ~~أحسن مثواي } باكرامي وبسط يدي ورفع منزلتي، وهو قول مجاهد وابن اسحاق ~~والسدي والجبائي، وقال الحسن يعني العزيز، وقال الزجاج يجوز ان يكون اراد ~~ان الله ربي احسن مثواي أي في طول مقامي. وقوله { إنه لا يفلح الظالمون } ~~حكاية ان يوسف قال: ان من ظلم نفسه بارتكاب المعاصي لا يفلح ولا يفوز ~~بشيء من الثواب. ### || [12.24] # قرأ اهل الكوفة، ونافع { المخلصين } بفتح اللام. الباقون بكسرها. قال ~~أبو علي حجة من كسر اللام قوله # أخلصوا دينهم # ومن فتح اللام، فيكون بنى الفعل للمفعول به، ويكون معناه ومعنى من كسر ~~اللام واحد، فاذا أخلصوا هم دينهم فهم مخلصون، واذا أخلصوا فهم مخلصون. # ومعنى (الهم) في اللغة على وجوه، منها: العزم على الفعل، كقوله # إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم # أي أرادوا ذلك وعزموا عليه. ومثله قول الشاعر: # هممت ولم افعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # وقال حاتم طي: # ولله صعلوك ms2060 تساور همه # ويمضي على الأيام والدهر مقدما # ومنها: خطور الشيء بالبال، وان لم يعزم عليه. كقوله # اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما # والمعنى ان الفشل خطر ببالهم، ولو كان الهم ها هنا عزما لما كان الله ~~وليهما، لأنه قال # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال او متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله # وارادة المعصية والعزم عليها معصية بلا خلاف، وقال قوم: العزم على ~~الكبير كبير، وعلى الكفر كفر، ولا يجوز أن يكون الله ولي من عزم على ~~الفرار عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم ويقوى ذلك ما قال كعب ابن زهير: # فكم فيهم من سيد متوسع # ومن فاعل للخير إن هم أو عزم # ففرق بين الهم والعزم وظاهر التفرقة يقتضي اختلاف المعنى، ومنها ~~المقاربة يقولون: هم بكذا، وكذا أي كاد يفعله قال ذو الرمة: # أقول لمسعود بجرعاء مالك # وقد هم دمعي ان تسيح اوائله # والدمع لا يجوز عليه العزم، وانما أراد كاد، وقارب، وقال ابو الاسود ~~الدؤلي: # وكنت متى تهمم يمينك مرة # لتفعل خيرا يعتقبها شمالكا # وعلى هذا قوله تعالى # جدارا يريد ان ينقض # أي يكاد وقال الحارثي: # يريد الرمح صدر ابي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # ومنها الشهوة وميل الطباع، يقول القاتل فيما يشتهيه ويميل طبعه ونفسه ~~اليه هذا من همي، وهذا أهم الاشياء الي. وروي هذا التأويل في الآية عن ~~الحسن. وقال: اما همها وكان اخبث الهم، واما همه فما طبع عليه الرجال من ~~شهوة النساء، واذا احتمل الهم هذه الوجوه نفينا عنه (ع) العزم على القبيح ~~واجزنا باقي الوجوه، لان كل واحد منها يليق بحال، ويمكن ان يحمل الهم في ~~الآية على العزم، ويكون المعنى، وهم بضربها ودفعها عن نفسه، كما يقول ~~القائل كنت هممت بفلان اي بأن اوقع به ضربا او مكروها, وتكون الفائدة ~~على هذا الوجه في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } مع ان الدفع عن نفسه ~~طاعة لا يصرف البرهان عنها، إنه لما هم بدفعها اراه ms2061 الله برهانا على انه ~~ان اقدم على ما يهم به، اهلكه اهلها وقتلوه، وانها تدعي عليه المراودة ~~لها على القبيح وتقذفه بأنه دعاها اليه وضربها لامتناعها منه، فأخبر ~~تعالى انه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشا اللذين هما القتل والمكروه او ~~ظن القبيح واعتقاده فيه. # فان قيل هذا يقتضي ان جواب { لولا } تقدمها في ترتيب الكلام، ويكون ~~التقدير: لولا ان رأى برهان ربه لهم بضربها، وتقدم جواب { لولا } قبيح ~~او يقتضي ان تكون { لولا } بغير جواب!. # قلنا: اما تقدم جواب { لولا } فجائز مستعمل وسنذكر ذلك فيما بعد، ولا ~~نحتاج اليه في هذا الجواب، لان العزم على الضرب والهم به وقعا إلا انه ~~انصرف عنها بالبرهان الذي رآه، ويكون التقدير ولقد همت به، وهم بدفعها ~~لولا ان رأى برهان ربه، لفعل ذلك، فالجواب المتعلق ب { لولا } محذوف في ~~الكلام، كما حذف في قوله # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم # معناه، ولولا فضل الله عليكم لهلكتم ومثله # كلا لو تعلمون علم اليقين # لم تنافسوا في الدنيا وتحرصوا على حطامها، وقال امرؤ القيس: # فلو انها نفس تموت سوية # ولكنها نفس تساقط انفسا # والمعنى فلو انها نفس تموت سوية لنقصت وفنيت، فحذف الجواب تعويلا على ~~ان الكلام يقتضيه، ولا بد لمن حمل الآية على انه هم بالفاحشة ان يقدر ~~الجواب، لان التقدير، ولقد همت بالزنا وهم بمثله، و { لولا أن رأى برهان ~~ربه } لفعله. وانما حمل همها على الفاحشة وهمه على غير ذلك، لأن الدليل ~~دل من جهة العقل والشرع على ان الانبياء، لا يجوز عليهم فعل القبائح، ولم ~~يدل على انه لا يجوز عليها ذلك بل نطق القرآن بأنها همت بالقبيح، قال ~~الله تعالى { وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه }. ~~وقوله حاكيا عنها { الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين } وقال { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم } واجمعت الأمة من المفسرين واصحاب الاخبار على انها همت ~~بالمعصية، وقد بين الله ms2062 تعالى ذلك في مواضع كثيرة ان يوسف لم يهم ~~بالفاحشة. ولا عزم عليها منها قوله { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } ~~وقوله { إنه من عبادنا المخلصين } ومن ارتكب الفاحشة لا يوصف بذلك وقوله ~~{ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } ولو كان الأمر على ما قاله الجهال من ~~جلوسه مجلس الخائن وانتهائه الى حل السراويل، لكان خائنا، ولم يكن صرف ~~عنه السوء والفحشاء. وقال ايضا { ولقد راودته عن نفسه، فاستعصم } وفي ~~موضع آخر حكاية عنها { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } وقوله ~~حكاية عن العزيز حين رأى القميص قد من دبر { إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ~~} فنسب الكيد اليها دونه، وقوله ايضا { يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ~~إنك كنت من الخاطئين } فخصها بالخطاب وأمرها بالاستغفار دونه. # وقوله { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن } والاستجابة ~~تقتضي براءة ساحته من كل سوء، ويدل على انه لو فعل ما ذكروه، لكان قد صبا ~~ولم يصرف عنه كيدهن. وقوله { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء } والعزم ~~على المعصية من اكبر السوء. وقوله حاكيا عن الملك { ائتوني به استخلصه ~~لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } ومن فعل ما قاله ~~الجهال لا يقال له ذلك. ووجه آخر في الآية: إذا حمل الهم على ان المراد ~~به العزم، وهو ان يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون التقدير ولقد ~~همت به ولولا ان رأى برهان ربه لهم بها ويجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت ~~هلكت، لولا اني تداركتك، وقتلت لولا اني خلصتك، والمعنى لولا تداركي لك ~~لهلكت ولولا تخليصي لك لقتلت، وان لم يكن وقع هلاك ولا قتل قال الشاعر: # فلا يدعني قومي صريحا لحرة # لئن كنت مقتولا ويسلم عامر # وقال آخر: # فلا يدعني قومي صريحا لحرة # لئن لم أعجل طعنة أو اعجل # فقدم جواب (لئن) في البيتين جميعا. وقال قوم: لو جاز هذا لجاز أن ms2063 ~~تقول: قام زيد لولا عمرو، وقصد زيد لولا بكر، وقد بينا ان ذلك غير ~~مستبعد، وان القائل قد يقول: قد كنت قمت لولا كذا، وكذا، وقد كنت قصدتك ~~لولا ان صدني فلان، وان لم يقع قيام ولا قصد. على ان في الكلام شرطا، ~~وهو قوله { لولا أن رأى برهان ربه } فكيف يحمل على الاطلاق. # والبرهان الذي رآه، روي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد: ~~انه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله. # وقال قتادة: انه نودي يا يوسف أنت مكتوب في الانبياء وتعمل عمل السفهاء. # وروي في رواية أخرى عن ابن عباس: انه رأى الملك. # وهذا الذي ذكروه كله غير صحيح، لان ذلك يقتضي الالجاء وزوال التكليف، ~~ولو كان ذلك لما استحق يوسف على امتناعه من الفاحشة مدحا ولا ثوابا، ~~وذلك ينافي ما وصفه الله تعالى. من انه صرف عنه السوء والفحشاء، وانه من ~~عبادنا المخلصين. # ويحتمل ان يكون البرهان لطفا لطف الله تعالى له في تلك الحال او قبلها، ~~اختار عنده الامتناع من المعاصي، وهو الذي اقتضى كونه معصوما ويجوز ان ~~تكون الرؤية بمعنى العلم، وقال قوم: البرهان هو ما دل الله تعالى يوسف ~~على تحريم ذلك الفعل، وعلى ان من فعله استحق العقاب، لان ذلك صارف عن ~~الفعل ومقوي لدواعي الامتناع، وهذا ايضا جائز، وهو قول محمد بن كعب ~~القرطي واختيار الجبائي. ### || [12.25] # معنى قوله { واستبقا الباب } اي طلب كل واحد من يوسف وامرأة العزيز ~~السبق الى الباب، والسبق تقدم الشيء لصاحبه في مجيئه. # وقوله { وقدت قميصه من دبر } اي شقته طولا، والقد شق الشيء طولا، ~~ومنه: قد الاديم يقده قدا، فهو مقدود، إذا كان ذاهبا في جهة الطول على ~~استواء. # وقوله { من دبر } اي من جهة الخلف. والقبل جهة القدام، يقال اتاه قبلا، ~~ودبرا، اذا أتاه من الجهتين ومعنى { ألفيا سيدها } صادفاه، ألفى يلفي ~~الفا قال ذو الرمة: # ومطعم الصيد هبال لبغيته # الفى اباه بذاك الكسب يكتسب # وقوله { قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } حكاية ms2064 ما قالت المرأة ~~للملك، وما في مقابلة من اراد باهلك سوءا، والجزاء مقابلة العمل بما هو ~~حقه من خير او شر يقال: جازاه يجازيه مجازاة، وجزاءا { إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم } معناه انه ليس مقابلته إلا سجنه أو يعذب على فعله عذابا ~~مؤلما موجعا. وعطف العذاب - وهو إسم - على الفعل، وهو قوله { أن يسجن } ~~لأن تقديره إلا السجن أو عذاب اليم. ### || [12.26-28] # حكى الله تعالى في الاية الأولى عن يوسف انه قال للملك حين قذفته زوجته ~~بالسؤ: هي طالبتني عن نفسي، وانا بريء الساحة، وشهد له بذلك شاهد من أهل ~~المرأة. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير - في رواية عنهما - وابو هريرة: انه ~~كان صبيا في المهد. وفي رواية اخرى عن ابن عباس، وابن جبير، وهو قول ~~الحسن وقتادة: انه كان رجلا حكيما، واختاره الجبائي، قال: انه لو كان ~~طفلا لكان قوله معجزا لا يحتاج معه الى الثاني، فلما قال الشاهد إن كان ~~قميصه كذا، وكذا ذهب الى الاستدلال بأنه لو كان هذا المراود، لكان القميص ~~مقدودا من قبل، وحيث هو مقدود من دبر علم أنها هي المراودة ومع كلام ~~الطفل لا يحتاج الى ذلك. # وقوله { إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } حكاية ما قال ~~الشاهد، وكذلك قوله { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين } ~~تمام الحكاية عن الشاهد. # و { من } في قوله { قد من دبر... و... من قبل } لابتداء الغاية، لان ~~ابتداء القد كان منها، التي في قوله { من الكاذبين } للتبعيض، لانه بعض ~~الكاذبين واسقط { أن } من شهد أنه ان كان لانه ذهب مذهب القول في ~~الحكاية، كما قال # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين # لان التقدير يوصيكم الله في اولادكم ان المال، وقال ابو العباس المبرد: ~~معنى { إن كان قميصه } ان يكن، وجاز ذلك في كان، لانها ام الباب، كما جاز ~~ما كان ابردها. ولم يجز ما أصبح أبردها. وقال ابن السراج: إن يكن بمعنى ~~ان يصح قد ms2065 قميصه من دبر. # وقوله { فلما رأى قميصه قد من دبر } حكاية من الله ان الملك لما سمع قول ~~الشاهد ورأى قميصه قد من دبر اقبل عليها وقال: { إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم } وقال قوم إن ذلك من قول الشاهد. والكيد طلب الشيء بما يكرهه، كما ~~طلبت المرأة يوسف بما يكرهه ويأباه. # وقوله { فلما رأى } تحتمل الرؤية أمرين: # احدهما - ان يكون المعنى رؤية العين، فلا يكون رؤية للقد، لانه حال، ~~وانما بين رؤية القميص. # والاخر - ان يكون بمعنى العلم فيكون رؤية للقد، لانه خبر. والهاء في ~~قوله (إنه) يحتمل ان تكون عائدة الى السوء، ويحتمل ان تكون عائدة الى ما ~~تقدم ذكره من معنى الكذب. # والنون في قوله { كيدكن } نون جماعة النساء، وشددت لتكون على قياس ~~نظيرها من المذكر في ضربكموا في انه على ثلاثة احرف. وقال قوم ان ذلك من ~~قول الزوج. وقال آخرون من قول الشاهد ### || [12.29] # هذا حكاية ما نادى زوج المرأة يوسف، فقال له يا يوسف، ولذلك قال قوم: ~~إنه لم يكن له غيرة. وروي عن ابن عباس انه قال ذلك من قول الشاهد واسقط ~~حرف النداء لانه اسم علم ولم يجز ذلك في المبهم { أعرض عن هذا } اي اصرف ~~وجهك عنه. والاغراض صرف الوجه عن الشيء الى جهة العرض، فكأنه قال اجعله ~~بمنزلة ما تصرف وجهك عنه بأن لا تذكره { واستغفري لذنبك } اي اطلبي ~~المغفرة من الله من خطيئتك، والذنب الخطيأة، والخطيأة العدول عما تدعوا ~~اليه الحكمة الى ما تزجر عنه، ويقال لصاحبه خاطيء اذا قصد ذلك، فاذا وقع ~~عن غير قصد قيل اخطأ المقصد، فهو مخطىء، وان لم يكن صفة ذم. واصل الخطأ ~~العدول عن الغرض الحكمي بقصد أو غير قصد، فان كان بقصد قيل خطىء يخطأ خطأ ~~فهو خاطىء قال أمية: # عبادك يخطئون وانت رب # بكفيك المنايا والحياة # وانما قال { من الخاطئين } ولم يقل من الخاطئات تغليبا للمذكر على ~~المؤنث اذا اختلطا، كما تقول عبيدك واماءك جاؤني. ### || [12.30] # اخبر الله تعالى انه { قال ms2066 نسوة في المدينة } التي كان فيها الملك ~~وزوجته ويوسف إن امرأة العزيز تطلب فتاها عن نفسه، والعزيز المنيع بقدرته ~~عن ان يضام في أمره وسمي بذلك لانه كان ملكا ممتنعا بملكه واتساع قدرته ~~قال أبو داود: # درة غاص عليها تاجر # حليت عند عزيز يوم ظل # والفتى الغلام الشاب والمرأة فتاة قال الشاعر: # كأنا يوم فري انما يقتل ايانا # قتلنا منهم كل فتى ابيض حسانا # ومعنى { شغفها حبا } بلغ الحب شغاف قلبها، وهو داخله. وقوله { إنا ~~لنراها في ضلال مبين } معناه إنا لنعلمها في عدول عن طريق الرشد، ~~فعابوها بذلك وذلك ان تصير الى ما يذهلها ويبلغ صميم قلبها بحب إنسان. ~~وإنما حذف حرف التأنيث في قوله { وقال نسوة } لانه تأنيث جمع قدم عليه ~~الفعل، وتأنيث الجمع تأنيث لفظ يبطل تأنيث المعنى، لانه لا يجتمع في اسم ~~واحد تأنيثان، وكما يبطل تذكير المعنى في رجال، فاذا صار كذلك جاز فيه ~~وجهان، ان حمل على اللفظ انث، وان حمل على المعنى ذكر. # وقيل في معنى الشغاف ثلاثة اوجه: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه تقول ~~دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب - في قول السدي وابي عبيدة - الثاني - قال ~~الحسن: هو باطن القلب. الثالث - قال ابو علي الجبائي: هو وسط القلب قال ~~النابغة: # وقد حال هم دون ذلك داخل # مكان الشغاف تبتغيه الاصابع # وروي شعفها بالعين اي ذهب بها الحب كل مذهب من شعف الجبال وهي رؤسها قال ~~امرؤ القيس: # اتقتلني وقد شعفت فؤادها # كما شغف المهنؤة الرجل الطالي # قال ابو زيد هما مختلفان فالشعف بالعين في البغض وبالغين في الحب. ### || [12.31] # قرأ ابو عمرو ونافع في رواية الأصمعي عنه { حاشا } بألف. الباقون بلا ~~الف، فمن حجة أبي عمرو، قال الشاعر: # حاشى ابي ثوبان إن به # ضنا عن الملحاة والشتم # قال ابو علي الفارسي لا يخلوا قولهم: حاش لله من ان يكون الحرف الجار في ~~الاستثناء، كما ذكرناه في البيت أو فاعل من قولهم: حاشى يحاشي، ولا يجوز ~~ان يكون حرف الجر لأن ms2067 حرف الجر لا يدخل على مثله، ولأن الحروف لا تحذف ~~اذا لم يكن فيها تضعيف، فاذا بطل ذلك ثبت انها فاعل مأخوذا من الحشا ~~الذي هو الناحية. والمعنى انه صار في حشاء اي ناحية مما قذف به، وفاعله ~~يوسف، والمعنى بعد عن هذا الذي رمي به { لله } اي لخوفه من الله، ومراقبة ~~امره. ومن حذف الالف، فكما حذف لم يك، ولا أدر، فاذا أريد به حرف الجر ~~يقال حاشا، وحاش، وحشا، ثلاث لغات قال الشاعر: # حشا رهط النبي فان فيهم # بحورا لا تكدرها الدلاء # حكى الله تعالى عن امرأة العزير انها حين سمعت قول نسوة المدينة فيها ~~وعذلهن اياها، ومكرهن بها. وقيل انهن مكرن بها لتريهن يوسف، فلما ~~اطلعتهن على ذلك أشعن خبرها، والمكر الفتل بالحيلة الى ما يراد من الطلبة ~~يقال: هي ممكورة الساقين بمعنى مفتولة الساقين، وممكورة البدن أي ملتفة ~~{ أرسلت إليهن } أي بعثت اليهن تدعوهن الى دعوتها. # وقوله { وأعتدت لهن متكئا } معناه اعدت، ومعناه اتخذت من العتاد، ~~وقولهم: اعتدت من العدوان، والألف فيه ألف وصل، والمتكأ الوسادة، وهو ~~النمرق الذي يتكأ عليه. وقال قوم: انه الاترج. وانكر ذلك ابو عبيدة. # وقوله { وآتت كل واحدة منهن سكينا } قيل انها قدمت اليهن فاكهة ~~وأعطتهن سكينا ليقطعن الفاكهة، فلما رأينه - يعني يوسف - دهشن { وقطعن ~~أيديهن } وقوله { أكبرنه } أي أعظمنه وأجللنه. وقال قوم: معنى ذلك انهن ~~حضن حين رأينه وأنشد قول الشاعر: # يأتي النساء على اطهارهن ولا # يأتي النساء اذا اكبرن اكبارا # وانكر ذلك ابو عبيدة، وقال: ذلك لا يعرف في اللغة، لكن يجوز ان يكون من ~~شدة ما أعظمنه حضن، والبيت مصنوع لا يعرفه العلماء بالشعر. # وقوله { حاش لله } تنزيه له عن حال البشر، وانه لا يجوز ان تكون هذه ~~صورة للبشر، وانما هو ملك كريم. وقال الجبائي: فيه دلالة على تفضيل ~~الملائكة على البشر لانه خرج مخرج التعظيم، ولم ينكره الله تعالى، وهذا ~~ليس بشيء، لأن الله تعالى حكى عن النساء انهن أعظمن يوسف، لما رأين من ~~وقاره وسكونه ms2068 وبعده عن السوء. وقلن: ليس هذا بشرا، بل هو ملك يريدون في ~~سكونه، ولم يقصدن كثرة ثوابه على ثواب البشر، وكيف يقصدنه، وهن لا طريق ~~لهن الى معرفة ذلك، على ان هذا من قول النسوة اللاتي وقع منهن من الخطأ ~~والميل اليه ما لا يجوز ان يحتج بقولهن. # وقوله لم ينكره الله، انما لم ينكره، لأنه تعالى علم انهن لم يقصدن ما ~~قال الجبائي، ولو كن قصدنه لأنكره، على أن ظاهر الكلام انهن نفين ان يكون ~~يوسف من البشر، وفيه قطع على انه ملك، وهذا كذب، ولم ينكره الله. والوجه ~~فيه انهن لم يقصدن الاخبار بذلك عن حاله، وانما اخبرن بتشبيه حاله فيما ~~قلناه بحال الملائكة، فلذلك لم ينكره الله. # وقوله { ما هذا بشرا } نصب بشرا على مذهب اهل الحجاز في اعمال (ما) ~~عمل ليس، فيرفعون بها الاسم، وينصبون الخبر، فأما بنو تميم، فلا يعلونها ~~قال الشاعر: # لشتان ما أنوي وينوي بنو أبي # جميعا فما هذان مستويان # تمنوا لي الموت الذي يشعب الفتى # وكل فتى والموت يلتقيان # وقد قرىء { ما هذا بشرى } أي ليس بمملوك، وهو شاذ، لا يقرأ به. وقرىء { ~~متكأ } بتسكين التاء. قال مجاهد: معنا الا ترج، وقال قتادة: معناه ~~طعاما، وبه قال عكرمة وابن اسحق وابن زيد والضحاك، وقال مجاهد، وغيره: ~~اعطي يوسف نصف الحسن، وقيل ثلثه. وقيل ثلثاه. والباقي لجميع الخلق. ### || [12.32] # هذه الآية فيها حكاية ما قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي عذلنها على ~~محبتها ليوسف، وانها حين رأت ما فعلت النسوة للدهش بيوسف، قالت لهن هذا ~~هو ذلك الذي لمتنني فيه، واللوم الوصف بالقبيح على وجه التحقير، ومثله ~~الذم وضده الحمد. # وقوله { ولقد راودته عن نفسه } اعتراف منها انها هي التي طلبته عن نفسه ~~وانه استعصم منها أي امتنع من ذلك، والاستعصام طلب العصمة من الله بفعل ~~لطف من ألطافه ليمتنع من الفاحشة. وفيه دلالة على ان يوسف لم يقع منه ~~قبيح. # وقوله { ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن } اخبار عما قالت امرأة العزيز على ms2069 ~~وجه التهديد ليوسف من انه ان لم يفعل ما تأمره به من المعصية ويجيبها الى ~~ملتمسها لتمنعنه التصرف من مراده بالحبس، تقول: سجنه يسجنه سجنا، ~~والسجان المتولي للسجن على وجه الحرفة. # وقوله { وليكونن من الصاغرين } هذه النون الخفيفة التي يتلقى بها القسم، ~~واذا وقفت عليها وقفت بالألف، تقول: وليكونا، وهي بمنزلة التنوين الذي ~~يوقف عليه بالألف قال الشاعر: # وصل على حين العشيات والضحى # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # اي فاعبدن، فأبدل في الوقف من النون ألفا. والصغار الذل بصغر القدر صغر ~~يصغر صغارا، ومنه قوله # حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ### || [12.33] # اخبر الله تعالى عن يوسف انه لما سمع وعيد المرأة له بالحبس والصغار ان ~~لم يجبها الى ما تريده، قال يا { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ~~من ركوب الفاحشة، وانما جاز ان يقول السجن أحب الي من ذلك، وهو لا يحب ~~ما يدعونه اليه، ولا يريده، ولا يريد السجن ايضا، لأنه ان اريد به ~~المكان فذلك لا يراد، وان اريد به المصدر، فهو معصية منهي عنها، فلا يجوز ~~ان يريده لأمرين: # احدهما - ان ذلك على وجه التقدير، ومعناه اني لو كنت مما اريد لكانت ~~ارادتي لهذا أشد. # الثاني - ان المراد ان توطين نفسي على السجن أحب الي. # وقيل معناه ان السجن أسهل علي مما يدعونني اليه. # وقرأ الحسن { السجن } بفتح السين واراد المصدر، وبه قرأ يعقوب، وتأويله ~~ما قلناه. والدعاء طلب الفعل من المدعو وصيغته صيغة الامر إلا ان الدعاء ~~لمن فوقك والأمر لمن دونك. # وقوله { إلا تصرف عني كيدهن } معناه ضرر كيدهن، لان كيدهن قد وقع، ~~والصرف نفي الشيء عن غيره بضده او بأن لا يفعل، وصورته كصورة النهي إلا ~~ان النهي مع الزجر لمن هو دونك، وليس كذلك الصرف (والصبا) رقة الهوى، ~~يقال صبا يصبو صبا فهو صاب، فكأنه قيل أميل هواي اليهن، قال الشاعر: # الى هند صبا قلبي # وهند مثلها يصبي # وقال ايضا: # صبا صبوة بل لج وهو لجوج # وزالت له بالانعمين ms2070 حدوج # وقوله { وأكن من الجاهلين } معناه وأكن ممن يستحق صفة الذم بالجهل، لأنه ~~بمنزلة من قد اعتقد الشيء على خلاف ما هو به، وإلا فهو كان عالما بأن ~~ذلك معصية، والغرض فيه بيان ان صفة الجهل من أغلظ صفة الذم. # وقال البلخي والجبائي: في الآية دلالة على انه لا ينصرف احد عن معصية ~~إلا بلطف الله عز وجل، لأنه لو لم يعلم ذلك، لما صح خبره به، وليس في ~~الآية ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على ان يوسف كان له لطف، ولولاه ~~لفعل المعصية، وأما ان يدل على انه لا أحد ينتهي عن معصية إلا بلطف، فلا، ~~بل ذلك مجوز، وليس فيها ما يمنع منه، ويحتمل قوله { أصب إليهن } على لفظ ~~الجمع اشياء: # احدها - قال ابو علي الجبائي: ان كل واحدة منهن دعته الى مثل ما دعت ~~اليه امرأة العزيز بدلالة هذا الكلام. وقال قوم: انهن قلن لها نحن نسأله ~~ان يفعل ما دعوته اليه، فخلت كل واحدة منهن به. ويحتمل ان يكون المراد ~~أصب الى قولهن في الدعاء الى اجابة امرأة العزيز. ### || [12.34] # اخبر الله تعالى انه اجاب يوسف الى ما دعاه به وأراد منه ورغب اليه فيه ~~وانه فعل، لأنه دعا به، فهو اجابة له واستجابة والذي تعلقت به الارادة ~~مستجاب، وقال ابو علي الجبائي: الاجابة من الله تعالى ثواب لقوله تعالى # وما دعاء الكافرين إلا في ضلال # وهذا انما هو في الجملة، قال الرماني: وصرف الله تعالى له عن الفعل ~~بالزجر عنه واعلامه الذم على فعله، وفرق بين الصرف عن الفعل والزجر عنه، ~~بأن الزجر عنه بالذم على ايقاعه. والصرف عنه اعلامه ان غيره أصلح له من ~~غير ذم عليه لو عمله كما يجب في الزجر، والظاهر بغير ذلك أشبه، لأن يوسف ~~(ع) كان عالما بأن ما دعته اليه قبيح يستحق به الذم، ومع ذلك سأل ان ~~يصرف ضرر كيدهن عنه، لأن كيدهن الذي هو دعاؤهن وأغواؤهن، كان قد حصل، ~~فكأنه قد سأل الله ms2071 تعالى لطفا من ألطافه يصرفه عنده عن اجابة النسوة إلى ~~ما دعونه من ارتكاب المعصية، لأن ظاهر القول خرج مخرج الشرط والجزاء ~~المقتضيين للاستقبال، فكان ما قلناه أولى. فقوله { إنه هو السميع العليم ~~} معناه ها هنا انه السميع لدعاء الداعي العليم باخلاصه في دعائه او ترك ~~اخلاصه وبما يصلحه من الاجابة او يفسده، قال الرماني: ولا يجوز ان يكون ~~السميع للصوت بمعنى العليم بالصوت موجودا، لأنه قد يعلم الانسان ~~موجودا، اذا كان بعيدا وهو لا يسمعه كعلمه بصوت المطارق في الحدادين، ~~وليس من طريق الحاسة وانما يعلمه بضرب من الاستدلال او يظن ذلك، واذا ~~علمه من طريق الحاسة علمه ضرورة، فكان ذلك فرقا بين الموضعين. # وقال ابو علي الجبائي: في الآية دلالة على جواز الدعاء بما يعلم انه ~~يكون، لإن يوسف عالما بأنه إن كان له لطف فلا بد ان يفعل الله به، ومع ~~هذا سأله. وليس في الآية ما يدل على ذلك لانه لا يمتنع ان يكون يوسف سأل ~~لتجويزه ان يكون له لطف عند الدعاء، ولو لم يدع له لم يكن ذلك لطفا، فما ~~سأل الا ما جوز ان لا يكون لو لم يدع، غير ان المذهب: ما قال ابو علي ~~لانه تعالى تعبدنا بأن نقول # رب احكم بالحق # وقد علمنا انه لا يحكم الا بالحق، ولكن الآية لا تدل على ذلك. ### || [12.35] # أخبر الله تعالى انه ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات، يقال بدا يبدو ~~بدوا، وبدأ والبداء في الرأي التلون فيه، لانه كلما ظهر رأي مال اليه، ~~وانما قال { لهم } ولم يقل (لهن) مع تقدم ذكر النسوة، لامرين: احدهما - ~~قال الحسن انه اراد بذلك الملك. والثاني - انه اراد ذكر الذكور معهن من ~~اعوانها فغلب المذكر، فقال لهم، قال الرماني: وفاعل (بدا) مضمر وتقديره ~~ثم بدا لهم بداء، ودل عليه قوله { ليسجننه }. # والآيات التي رأوها، قال قتادة: هو قد القميص وحز الايدي وقال غيره: هو ~~قطع الايدي والاستعظام، وقد القميص. # وقوله { ليسجننه } انما هو فعل المذكر ms2072 كما قال { بدا لهم } ولم يقل ~~(لهن) ودخلت النون الثقيلة جوابا للقسم وليس بفعل المؤنث، ولو كان على ~~صيغة فعل المؤنث قيل (ليسجن) (وليقتلن) ثم تدخل عليها نون التأكيد ~~الشديدة فيصير ليسجنانه كقولك تقتلنانه. # وقوله { حتى حين } ف (حتى) تنصرف على اربعة اوجه، تكون حرف جر، وحرف ~~عطف، وناصبة للفعل، وحرف من حروف الابتداء، فالجارة نحو هذه التي في ~~الآية، والعاطفة كقولهم خرج الناس حتى الامير، والناصبة كقوله # حتى يأتي وعد الله # ، وحرف الابتداء كقولك سرحت القوم حتى زيد مسرح. ### || [12.36] # وفي الآية تقدير فسجن يوسف، ودخل معه فتيان يعني شابان. والفتى الشاب ~~القوي قال الشاعر: # ياعز هل لك في شيخ فتى ابدا # وقد يكون شباب غير فتيان # وقال الزجاج: كانوا يسمون المملوك فتى، شيخا كان او شابا. والفتيان ~~قال السدي وقتادة: كانا غلامي ملك مصر الأكبر أحدهما صاحب شرابه والآخر ~~صاحب طعامه، فنمي اليه ان صاحب طعامه يريد ان يسمه. وظن ان الآخر ساعده ~~ومالأه على ذلك. # وقوله { قال أحدهما } يعني احد الفتيين ليوسف: { إني أراني أعصر خمرا } ~~من رؤيا المنام، والخمر عصير العنب اذا كان فيه الشدة والتقدير اعصر ~~العنب للخمر، وقال الضحاك: هي لغة، تسمي العنب خمرا ذكر جماعة انها لغة ~~عمان. وقال الزجاج: تقديره عنب الخمر. # وقوله { وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا } فالحمل رفع الشيء ~~بعماد، يقال: حمل يحمل حملا، واحتمل احتمالا، وتحمل تحملا، وحمله ~~تحميلا. و (الخبز) معروف { تأكل الطير منه } وقوله { نبئنا بتأويله } ~~اي اخبرنا بتأويل رؤيانا { إنا نراك من المحسنين } معناه انا نعلمك ~~او نظنك ممن يعرف تأويل الرؤيا. ومن ذلك قول علي (ع) (قيمة كل ما يحسنه) ~~اي ما يعرفه. والاحسان النفع الواصل الى الغير اذا وقع على وجه يستحق به ~~الحمد واذا اختصرت فقلت هو النفع الذي يستحق عليه الحمد جاز، لان ما ~~يفعله الانسان لايسمى احسانا. وقيل انه كان يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ~~ويجتهد في عبادة ربه. وقال الزجاج: كان يعين المظلوم وينصر الضعيف ويعود ~~المريض. وقيل ms2073 { من المحسنين } في عبارة الرؤيا، لانه كان يعبر لغيرهم، ~~فيحسن. ذكره الجبائي. ### || [12.37] # في هذه الآية اخبار بما اجاب به يوسف للفتيين اللذين سألاه عن المنام، ~~فقال لهما { لا يأتيكما طعام ترزقانه } والطعام كل جسم فيه طعم يصلح ~~للاكل، غير انه يختلف باضافته الى الحيوان. والرزق العطاء الجاري في ~~الحكم وكذلك لو اعطاه مرة واحدة، وقد حكم بانه يجريه كان رزقا. وقال ~~السدي وابن اسحاق: معنى ذلك اني عالم بتعبير الرؤيا اذ لا يأتيكما ما ~~ترزقانه في منامكما إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة. وقال ابن جريج: كان ~~الملك اذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معلوما، فأرسل به اليه، فعلى ~~هذا يرزقانه في اليقظة. وقيل إنه كان يخبر بما غاب كما كان عيسى (ع)، ~~وإنما عدل عن تعبير الرؤيا إلى الجواب بهذا لاحد أمرين: # احدهما - ما قال ابن جريج: انه كره ان يخبرهما بالتأويل على احدهما فيه، ~~فلم يتركاه حتى أخبرهما. وقال ابو علي: إنما قدم هذا، ليعلما ما خصه ~~الله به من النبوة، وليقبلا الى الطاعة، والاقرار بتوحيد الله. والانباء: ~~الاخبار بما يستفاد وذلك ان النبأ له شأن، وفيه تعظيم الخبر بما فيه من ~~الفائدة، ولذلك اخذت منه النبوة. والتأويل: الخبر عما حضر بما يؤل اليه ~~أمره، فيما غاب. ولذلك قال { قبل أن يأتيكما } وتأويل القرآن ما يؤل اليه ~~من المعنى أي يرجع اليه والتعليم تفهيم الدلالة المؤدية الى العلم ~~بالمعنى، وقد يكون الاعلام بخلق العلم بالمعنى في القلب. # وقوله { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالأخرة هم كافرون } ~~اخبار من يوسف أنه إنما علمه الله تعالى تأويل ما سألاه لايمانه بالله ~~وحده لا شريك له وعدوله عن ملة الكفار وجحدهم البعث والنشور والجزاء ~~بالثواب والعقاب، و (هم) الثانية دخلت للتأكيد لأنه لما دخل بينهما قوله ~~{ وبالآخرة } صارت الأولى كاللملغاة، وصار الاعتماد على الثانية، كما قال # وهم بالآخرة هم يوقنون # وكما قال # أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ### || [12.38] # في هذه الآية أخبار عن ms2074 يوسف أنه قال لهما: إني في ترك اتباع ملة الكفار ~~وجحدهم البعث والنشور وفي إيماني بالله وتوحيدي له اتبعت ملة آبائي ~~ابراهيم واسحاق ويعقوب، فالاتباع اقتفاء الأثر وهو طلب اللحاق بالأول، ~~فاتباع المحق بالقصد الى موافقته من أجل دعائه. والملة مذهب جماعة يحمي ~~بعضها بعضا في الديانة، واصله الحمى من المليلة وهي حمى ما يلحق ~~الانسان دون الحمى. والآباء جمع أب وهو الذي يكون منه نطفة الولد، والأم ~~الأنثى التي يكون منها الولد والجد أب بواسطة، ولا يطلق عليه صفة أب، ~~وإنما يجوز ذلك بقرينة تدل على انه أب بواسطة الأبن، وجد الأب اب ~~بواسطتين. # وقوله { ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } إخبار من يوسف أنه ليس له، ~~ولا لاحد من آبائه أن يشرك بالله شيئا، ودخلت (من) للنفي العام، ~~والاشراك بلوغ منزلة الجمع لعبادة غير الله الى عبادته - في عظم الجرم. ~~واليهودي مشرك، لانه بكفره بالنبي قد بلغ تلك المنزلة في عظم الجرم. ~~وقوله { ذلك من فضل الله علينا } اعتراف منه ان ذلك العدول عن عبادة غير ~~الله هو من فضل الله عليهم من حيث كان بلطفه وهدايته وتوفيقه. والفضل ~~النفع الزائد على مقدار الواجب بوجوب الدين الذي يستحق به الشكر، وكل ما ~~يفعله الله تعالى بالعبد، فهو فضل من فضله. والعقاب ايضا فضل، لأنه زجر ~~به عن المعاصي. وقيل ذلك من فضل الله علينا ان جعلنا أنبياء وعلى الناس ~~ان جعلنا رسلا اليهم - في قول ابن عباس - وقوله { على الناس } دال على ~~ان الله قد عم جميع خلقه بفضله وهدايته إياهم الى التوحيد والايمان. ### || [12.39] # هذا حكاية ما نادى به يوسف للمتسفتين له عن تأويل رأياهما، فقال لهما { ~~يا صاحبي السجن } اي يا ملازمي السجن. والصاحب الملازم لغيره على وجه ~~الاختصاص بوجه من الوجوه، وهو خلاف ملازمة الاتصال، ولذلك قيل أصحاب ~~مالك، واصحاب الشافعي للاختصاص بمذاهبهما، واصحاب النبي لملازمتهم له، ~~والكون معه في حروبه، وصاحبا السجن هما الملازمان له بالكون فيه. والسجن ~~هو الحبس الذي يمنع ms2075 من التصرف قال الفرزدق: # وما سجنوني غير اني ابن غالب # واني من الأثرين غير الزعانف # وقوله { أرباب متفرقون } فيه أقوال: قال قوم املاك متباينون خير أم ~~المالك القاهر للجميع، يدلهم بهذا على أنه لا يجوز ان يعتقدوا الربوبية ~~إلا لله تعالى - عز وجل - وحده. وقال الحسن متفرقون من صغير وكبير ووسط، ~~يعني الاوثان. وقال قوم: معناه متفرقون بمباينة كل واحد للآخر بما يوجب ~~النقص، والقاهر القادر بما يجب به الغلبة لا محالة والقهار مبالغة في ~~الصفة يقتضى انه القادر بما يجب به الغلبة لكل احد والخير الابلغ في صفة ~~المدح، والشر الابلغ في صفة الذم. ### || [12.40] # وهذا تمام ما قال يوسف للكفار الذين يعبدون غير الله، فقال لهم لستم ~~تعبدون من دون الله إلا أسماء سميتموها. وقيل في معناه قولان: # احدهما - انه لما كانت الاسماء التي سموا بها آلهتهم لا تصح معانيها ~~صارت كأنها اسماء فارغة يرجعون في عبادتهم اليها فكأنهم إنما يعبدون ~~الاسماء، لأنه لا يصح معاني يصح لها من إله ورب. # الثاني - إلا اصحاب أسماء سميتموها لا حقيقة لها، والعبادة هي الاعتراف ~~بالنعمة مع ضرب من الخضوع في أعلى الرتبة، ولذلك لا يستحقها إلا الله ~~تعالى # وقوله { ما أنزل الله بها من سلطان } أي لم ينزل الله على صحة ما تدعونه ~~حجة، ولا برهانا فهي باطلة لهذه العلة، لانها لو كانت صحيحة، لكان عليها ~~دليل. # وقوله { إن الحكم إلا لله } معناه ليس الحكم إلا لله فيما فعله او أمر ~~به، والحكم فصل المعنى بما تدعو إليه الحكمة من صواب او خطأ. والأمر قول ~~القائل لمن دونه (افعل) والصحيح انه يقتضي الايجاب. وقوله { أمر أن لا ~~تعبدوا إلا إياه } معناه أمر أن تعبدوه، وكره منكم عبادة غيره، لان الأمر ~~لا يتعلق بأن لا يكون الشيء، لانه انما يكون أمرا بارادة المأمور ~~والارادة لا تتعلق الا بحدوث الشيء. # وقوله { وذلك الدين القيم } معناه ان الذي أمر به من عبادته وحده، وان ~~لا يشرك به شيء هو { الدين القيم } المستقيم الصواب، ms2076 ولكن اكثر الناس لا ~~يعلمون صحة ما اقوله، لعدولهم عن الحق، والنظر والاستدلال. ### || [12.41] # في هذه الآية اخبار عما أجاب به يوسف للفتيين في تأويل رؤياهما حين ~~راجعاه في معرفته، فقال { يا صاحبي أما أحدكما فيسقي ربه خمرا } يعني ~~سيده، ومالكه، لانه كان صاحب شرابه، واجرى عليه صفة الرب، لانه مضاف، كما ~~يقال رب الدار، والضيعة. و { أما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } فروي ~~ان صاحب الصلب، قال ما رأيت شيئا، فقال له قضي الامر الذي فيه تستفتيان. ~~وهذا يدل على انه كان ذلك بوحي من الله ولفظ احد لواحد من المضاف اليه ~~مما له مثل صفة المضاف في الافراد نحو احد الانسانين، واحد الدرهمين، فهو ~~إنسان ودرهم لا محالة. والبعض يحتمل ان يكون لاثنين فصاعدا، ولذلك اذا ~~قال جاءني احد الرجال، فهم منه إنه جاءه واحد منهم. واذا قال جاءني بعض ~~الرجال جاز ان يكون اكثر من واحد. والاستفتاء طلب الفتيا. والفتيا جواب ~~بحكم المعنى، فهو غير الجواب بعينه. ### || [12.42] # وهذا حكاية عما قال يوسف (ع) للذي ظن انه ينجو منهما، وقال ابو علي: ~~الظن ها هنا بمعنى العلم لقوله # ظننت أني ملاق حسابيه # وقال قتادة: الرؤيا على الظن، وقال غيره: إلا رؤيا الانبياء، فانها ~~يقين. والظن هو ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان ~~يكون على خلافه. والنجاة هي السلامة. وقوله { اذكرني عند ربك } يعني عند ~~سيدك كما قال الشاعر: # وإن يك رب أذواد فحسبي # أصابوا من لقائك ما أصابوا # وانما سأله ان يذكره عند سيده بخير ويعرفه علمه وما خصه الله تعالى من ~~الفضل والعلم ليكون ذلك سبب خلاصه. والذكر حضور المعنى للنفس، وعلى حال ~~الذكر يتعاقب العلم واضداده من الجهل والشك. والنسيان ذهاب المعنى عن ~~النفس وعزوبه عنها. والهاء في قوله { فأنساه } تعود الى يوسف في قول ابن ~~عباس - والتقدير فانسى يوسف الشيطان ذكر الله، فلذلك سأل غيره حتى قال ~~مجاعة إن ذلك كان سبب للبثه في السجن مدة من ms2077 الزمان. وقال ابن اسحاق ~~والحسن والجبائي يعود على الساقي، وتقديره فأنسى الساقي الشيطان ذكر ~~يوسف. # وقوله { فلبث في السجن بضع سنين } فاللبث في المكان هو الكون فيه على ~~طول من الزمان، واللبث والثبوت والسكون نظائر. والبضع قطعة من الدهر. ~~وقيل البضع من الثلث الى العشر - في قول ابن عباس - وقال قتادة ومجاهد ~~الى التسع وقال وهب: الى سبع سنين. والسنة إثنا عشر شهرا ويجمع سنين ~~وسنوات. ### || [12.43] # حكى الله تعالى في هذه الآية: إن الملك الذي كان يوسف في حبسه، وكان ~~ملك مصر فيما روي، قال إنه رأى في المنام { سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ~~عجاف } يعنى مهازيل { وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } ثم أقبل على قومه، ~~فقال { يا أيها الملأ } اي يا ايها الاشراف والعظماء الذين يرجع اليهم { ~~أفتوني في رؤياي إن كنتم } تعبرون الرؤيا، وتدعون العلم بتأويلها، والملك ~~القادر الواسع المقدور الذي اليه السياسة والتدبير. # والرؤيا تخيل النفس للمعنى في المنام حتى كأنه يرى، ويجوز فيها الهمزة ~~وتركها. والبقرات جمع بقرة والسمن زيادة في البدن من الشحم واللحم وهو ~~على الشحم أغلب، والعجف يبس الهزال يقال: عجف يعجف عجفا، فهو أعجف. ~~والانثى عجفاء، والجمع عجاف، وسنبلات جمع سنبل، والعبارة: نقل معنى ~~التأويل الى نفس السائل بالتفسير، وهي من عبور النهر وغيره، ومنه المعبر ~~والعبارة، وإنما دخلت اللام في قوله { للرؤيا } مع أن الفعل يتعدى ~~بنفسه، لانه إذا تقدم المفعول ضعف عمله، فجاز إدخال حرف الاضافة لهذه ~~العلة، ولا يجوز يعبرون للرؤيا، لأنه في قوة عمله. ### || [12.44] # هذا حكاية ما أجاب به الملأ الملك حين سألهم عن تعبير رؤياه ولم يعرفوا ~~معناها، قالوا: { أضغاث أحلام } أي هذه الرؤيا أضغاث أحلام، والاضغاث جمع ~~ضغث، قال قوم: هو الحزمة من الحشيش، والبقل، وغيره. وقال آخرون: هو خلط ~~قش المد، وهو غير متشاكل، ولا متلائم، فشبهوا به تخليط المنام، ونفوا ان ~~يكونوا عالمين بمثل ذلك. وقال قتادة: هي اخلاط أحلام. وقال ابن مقبل: # خود كان فراشها وضعت به # اضغاث ريحان عداه شمال ms2078 # وقال آخر: # يحمي ذمار جنين قل مانعه # طاو لضغث الخلا في البطن ممتكن # وقال آخر: # واستقل مني هذه قدر بطنها # والقيت صغثا من خلا متطيب # والاحلام جمع حلم، وهو الرؤيا في النوم، وقد يقال: جاء بالحلم أي الشيء ~~الكثير، كأنه جاء بما لا يرى إلا في النوم لكثرته. والحلم: الاناة، حلم ~~حلما: إذا كان ذا أناة وإمهال. والحلم ضد الطيش. ومنه # إن إبراهيم لحليم أواه منيب # والحليم: من له ما يصح به الأناة دون الخرق والعجلة. والله الحليم، ~~الكريم، و (الحلم) بضم اللام ما يرى في المنام، لانها حال أناة وسكون ~~ودعة تقول: حلم يحلم حلما - بسكون اللام - اذا اردت المصدر، والحلمة رأس ~~الثدي، لأنها، تحلم الطفل، والحلام الجدي الذي قد حلمه الرضاع، ثم كثر ~~حتى قيل لكل جدي. ### || [12.45] # حكى الله تعالى في هذه الآية أن الذي نجا من الفتيين اللذين رأيا ~~المنام, وفسره لهما يوسف - وهو صاحب الشراب - على ما ذكره له يوسف، فتذكر ~~بعد وقت وحين من الزمان، لأمر يوسف، وقال لهم أنا اخبركم بما يؤل اليه ~~هذا المنام، فابعثوني حتى ابحث عنه. # و (النجاة) التخلص من الهلاك. والادكار طلب الذكر. ومثله التذكر ~~والاستذكار، ووزنه (الافتعال) من الذكر وأصله الاذتكار، فقلبت التاء ~~ذالا وادغمت فيها الدال على أصل ادغام الاول في الثاني ويجوز اذكر، على ~~تغليب الأصلي على الزائد. و (الامة) المذكورة هي الجملة من الجبن، وأصله ~~الجماعة من الجبن، وسميت الجماعة الكثير من الناس أمة، لاجتماعها على ~~مقصد في امرها. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: { بعد أمة } أي بعد ~~حين، وحكى الزجاج وغيره عن ابن عباس { بعد أمة } اي بعد نسيان، يقال أمه ~~يأمه أمها - بفتح الميم -، وحكي عن ابي عبيدة - بسكون الميم - قال ~~الزجاج هذا ليس بصحيح وأجازه غيره، وروى هذه القراءة عن جماعة كقتادة ~~وعكرمة وغيرهم. # وتأويل الرؤيا تفسير ما يؤل اليه معناه، وتأويل كل شيء تفسير ما يؤل ~~اليه معنى الكلام. وحكي عن الحسن أنه قرأ { أنا اجبكم بتأويله } وهو خلاف ~~المصحف. ms2079 ### || [12.46] # حكى الله تعالى عن الذي نجا من الفتيين انه جاء يوسف بعد أن قال لهم ~~أبعثوني. وقال له يا { يوسف } وحذف حرف النداء، لأنه إسم علم { أيها ~~الصديق } والصديق الكثير التصديق بالحق للأدلة عليه، وكل نبي صديق بهذا ~~المعنى { أفتنا في سبع بقرات } أي اخبرنا عن حكم هذه الرؤيا، و (الفتيا) ~~جواب عن حكم المعنى، وقد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يسمى فتيا. # وقوله { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } معنى (لعل) الشك، لأنها طمع ~~واشفاق، وانما قال ذلك لطمعه أن يكون، واشفق ان لا يكون، ولو قال لأرجع ~~الى الناس ليعلموا، لكان فيه تعليل السؤال، غير ان الشك في (لعل) قد يكون ~~للمتكلم، وقد يكون للمخاطب، و (الرجوع) الى الشيء المرور الى الجهة التي ~~جاء منها، والرجوع عنه الذهاب عنه. وقوله { لعلهم يعلمون } يحتمل أمرين: # - أحدهما لعلهم يعلمون بمكانك ومنزلتك. # الثاني - لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا. ### || [12.47] # حكى الله تعالى عن يوسف ما أجاب به المستفتي عن تعبير الرؤيا التي رآها ~~الملك، فقال له إنكم { تزرعون سبع سنين دأبا } أي مستمرة. وقيل: ~~متوالية. وقيل: على عادتكم. والدأب استمرار الشيء على عادة، يقال هو دأب ~~بفعل كذا إذا استمر في فعله، وقد دأب يدأب دأبا. وسكن القراء كلهم ~~الهمزة، إلا حفصا فانه فتحها، وهي لغة مثل سمع، وسمع، ونهر ونهر. ونصب ~~{ دأبا } على المصدر أي تدأبون دأبا، وكلهم همز إلا من مذهبه ترك ~~الهمزة وأبو عمرو اذا أدرج. # وقوله { فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون } حكاية عن ~~تمام ما قال يوسف له: من أن ما تحصدونه لا تذروه ولا تدرسونه، ودعوه في ~~السنبل إلا القليل الذي تأكلونه. وقيل إنما أمرهم بذلك، لأن السنبل لا ~~يقع فيه السوس، ولا يهلك، وان بقي مدة من الزمان، واذا صفي أسرع اليه ~~الهلاك، و (الزرع) طرح الحب في الارض بالدفن مع التعاهد له بالسقي، تقول. ~~زرع يزرع زرعا، وازرع ازراعا، وزارعه مزارعة، و (الحصد) قطع الزرع، ~~حصده يحصده حصدا واستحصد ms2080 الزرع إذا جاز حصاده. ### || [12.48] # وهذا تمام حكاية ما فسر به الرؤيا يوسف (ع)، فقال لهم: إنه يجيء بعد هذه ~~السنين التي زرعتم فيها وحصدتم، سبع سنين أخر شداد وهي جمع شديدة، والشدة ~~قوة الالتفاف، والشدة والصلابة والصعوبة نظائر. وشدة الزمان وصعوبته ~~بمعنى. وضدها الرخاء. وقيل الشدة تكون في سبعة أصناف في الاصل: في العقد، ~~والمد، والزمان، والغضب، والالم، والشراب، والبدن. # وقوله { يأكلن ما قدمتم لهن } اضاف الأكل الى السنين، لأنها بمنزلة ما ~~يأكل ذلك لوقوع الأكل فيها كما يكون الاكل في الآكل قال الشاعر: # نهارك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم # والتقديم التقريب الى جهة القدام، والتأخير التبعيد الى جهة الخلف، ~~والاحصان الاحراز، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع، أحصنه إحصانا ~~اذا أحرزه. ### || [12.49] # قرأ حمزة والكسائي بالتاء { تعصرون } على الخطاب أي أنتم. الباقون ~~بالياء على الرجوع الى الناس، وهذا حكاية ما بشر به يوسف المستفتي له أنه ~~يأتي بعد هذه السنين الصعبة سنة. والعام السنة مأخوذ من العوم، لما لأهله ~~فيه من السبح الطويل. وقال الخليل: العام حول يأتي على شتوة وصيفة. ~~والحول، والسنة مثل ذلك. # وقوله { فيه يغاث الناس } فالغوث النفع الذي يأتي على شدة حاجة ينفي ~~المضرة، والغيث المطر الذي يجيء في وقت الحاجة، غاثهم الله يغيثهم ~~غيثا، وأصابهم غيث. والغيث الكلأ الذي ينبت من ماء السماء وجمعه غيوث. ~~والغياث أصله من الواو، اغاثه الله اغاثة، وغوث تغويثا: اذا قال واغوثاه ~~من يغيثني، ويقول الواقع في بلية: اغثني اغاثك الله، و (يغاث) يحتمل ان ~~يكون من الياء. ويحتمل ان يكون من الواو { ويعصرون } قيل فيه ثلاثة ~~أقوال: # احدها - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعصرون الثمار التي تعتصر في الخصب ~~من العنب والزيتون والسمسم. وحكى بعضهم أنهم لم يعصروا - أربع عشرة سنة - ~~زيتا ولا عنبا، فيكون المعنى تعصرون للخصب الذي أتاكم، كما كنتم تعصرون ~~في ايام الخصب. # الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس تحلبون. # الثالث - قال ابو عبيدة والزجاج: تنجون نجاء المعتصر ms2081 بالماء عند الغصص، ~~كما قال عدي بن زيد: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # وقال ابو زيد الطائي: # صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # واصل العصر عصر العنب، ونحوه من الرطب المستخرج ماؤه وكذلك ما فيه الدهن ~~ليستخرج دهنه، ومنه العصارة ما يخرج بالعصر، والاعتصار شرب الماء قليلا ~~قليلا عند الغصص، والمعصر الكاعب، لانه يجري فيها ماء الشباب، والمعصرات ~~السحائب التي تنعصر بالمطر، والاعصار ريح تثير السحاب او الغبار، لانه ~~كالمعتصر منها. والعصرة المنجاة كنجا الغصان باعتصار الماء، والعصرة ~~الدنية في النسب، لانه كالمعتصر من الرطب. وقرىء يعصرون بضم الياء، وفتح ~~الصاد شاذا ومعناه يمطرون. # وقال البلخي: وهذا التأويل من يوسف يدل على بطلان قول من يقول: ان ~~الرؤيا على ما عبرت اولا، لانهم كانوا قالوا هي أضغات احلام، فلو كان ما ~~قالوه صحيحا لما كان يتأولها. ### || [12.50] # قرأ البرجمي والسلموني { النسوة } بضم النون. والباقون بكسرها، وهما ~~لغتان. والكسر افصح. وفي الكلام حذف، لأن تقديره إن الناجي الذي استفتى ~~يوسف عن تفسير رؤيا الملك حين فسره له، رجع الى الملك واخبره به، وعرفه ~~ان ذلك فسره له يوسف، فقال الملك عند ذلك: ائتوني به والكلام دال عليه، ~~وذلك من عجائب القرآن، وعظم فصاحته. ومعنى { ائتوني به }. أجيئوني به { ~~فلما جاءه الرسول } يعني رسول الملك، قال له يوسف ارجع الى سيدك. { ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } وانما رد الرسول ليبين للملك ~~براءته مما قرف به، وانه حبس بظلم من غير بينة، ولا اعتراف بذنب، وقال ~~قتادة: طلب العذر. # وقوله { إن ربي بكيدهن عليم } قيل في معناه قولان: # احدهما - وهو الصحيح - انه أخبر ان الله تعالى عالم بكيد النسوة. # والثاني - ان سيدي العزيز عليم بكيدهن. والاول عليه اكثر المفسرين. ~~والملك هو القادر الواسع المقدور الذي اليه السياسة والتدبير، وكان هذا ~~الملك ملك مصر. ويجوز ان يمكن الله تعالى الظالم من الظلم، وينهاه عن ~~فعله، ولا يجوز أن يملكه الظلم، لأن ما يملكه، فقد جعله له، ms2082 وذلك لا يليق ~~بعدله. والتمليك تمكين الحي مما له ان يتصرف فيه في حكم الله تعالى بحجة ~~العقل والسمع، وعلى هذا اذا مكن الله تعالى من الظلم او الغصب لا يكون ~~ملكه، لأنه لم يجعل له التصرف فيه. بل زجره عنه، قال الرماني: يجوز أن ~~يسلب الله تعالى الخلق ما ملكهم في الدنيا بسوء افعالهم، كما يسلب بعضهم ~~بكفرهم، والا فهو له، فان اخذ بالموت عنه على طريق العارية ثم يرد اليه ~~ويعوض مما فاته بكرمه تعالى، وقيل: إن يوسف انما قال ما بال النسوة جميع ~~النساء ولم يخص امرأة العزيز حسن عشرة منه، وقال قوم ذلك يدل على ان كل ~~واحدة منهن دعته الى نفسها مثل امرأة العزيز. ### || [12.51] # اخبر الله تعالى انه حين رجع الرسول الى الملك برسالة يوسف جمع النساء ~~وقال لهن ما خطبكن اذ راودتن يوسف عن نفسه، والخطب الأمر الذي يخاطب به ~~صاحبه، مما يستعظم شأنه، يقال هذا خطب جليل، وما خطبك، وما شأنك؟. # وقوله { قلن حاش لله } حكاية عما اجابته به النسوة، فانهن قلن للملك على ~~وجه التنزيه { حاش لله } اي عياذ بالله، وتنزيها من هذا الأمر، كقوله { ~~معاذ الله }. وقد يستثني به، فيقال أتاني القوم حاشى زيد، بمعنى إلا ~~زيدا { ما علمنا عليه من سوء } اي لم نعلم عليه امرا قبيحا. قالت امرة ~~العزيز عند ذلك معترفة بخطئها { الآن حصحص الحق } أي بان الحق يقال حصحص ~~الأمر وحصحص الحق اي حصل على امكن وجوهه، وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة، واصله حص من قولهم حص شعره اذا استأصل قطعة منه، والحصة اي ~~القطعة من الشيء، فمعنى { حصحص الحق } انقطع عن الباطل بظهوره. ومثله ~~كبوا وكبكبوا، وكف الدمع وكفكفه، ورده وردده، فهو زيادة تضعيف دل عليها ~~الاشتقاق ذكره الزجاج. واصله من حصحص البعير ثفناتة في الارض إذا برك حتى ~~يستبين آثارها فيها. قال حميد بن ثور الهذلي: # وحصحص في صم القنا ثفناتة # ورام القيام ساعة ثم صمما # ويقال انحص الوبر عن جنب البعير وانحت ms2083 اذا انحسر ومعنى { أنا راودته } ~~انا طالبته بذلك، { وإنه لمن الصادقين } في امتناعه من ذلك. ### || [12.52] # اختلفوا في من هذا الكلام حكاية عنه؟ فقال اكثر المفسرين كالحسن ومجاهد ~~وقتادة والضحاك: انه من قول يوسف { ذلك } يعني ذلك الامر من فعلي من رد ~~الرسول ليعلم العزيز اني لم اخنه بالغيب، وقطع الحكاية عن المرأة، وجاز ~~ذلك لظهور الكلام الدال على ذلك، كما قال { وكذلك يفعلون } وقبله حكاية ~~عن المرأة # وجعلوا أعزة أهلها أذلة # وكما قال { فماذا تأمرون } ومثله حكاية قول الملأ # يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره # وقال الجبائي والبلخي: انه من قول المرأة. والمعنى ان اعترافي على نفسي ~~بذلك ليعلم يوسف اني لم اخنه بالغيب، لان العزيز سألها ولم يكن يوسف ~~حاضرا وكلا الأمرين جائز ان، والاول أشبه، والخيانة مخالفة الحق بنقض ~~العهد في السر، وضد الخيانة الامانة، وهي تأدية الحق على ما وقع به ~~العقد. والفرق بين الخيانة والغدر أن الخيانة تكون على وجه السر والغدر ~~نقض العهد بخلاف الحق جهرا، والكيد الاحتيال في ايصال الضرر الى صاحبه، ~~كاده يكيده كيدا، فهو كائد. # واللام في قوله { ليعلم } لام (كي) ومعناها تعليق ما دخلت عليه بالفعل ~~الذي قبله، بمعنى انه وقع من اجله، وانما يتعلق بذلك الارادة. وقوله { ~~وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } اي لا يدعوهم اليها ولا يرغبهم فيها ~~وانما يفعلونها بسوء اختيارهم. ### || [12.53] # هذا اخبار عما قال يوسف على وجه التواضع لله لست أبريء نفسي من السوء، ~~والتبرئة ازالة الشيء عما كان لازما له، لان النفس امارة بالسوء اي ~~تنازع الى السوء، فلست ابرىء نفسي من ذلك، وان كنت لا اطاوعها فيما نازعت ~~اليه، والأمارة الكثيرة الامر بالشيء، والنفس بهذه المنزلة لكثرة ما ~~تشتهيه وتنازع اليه مما يقع الفعل لأجله، وهذا مجاز في الاصل غير انه كثر ~~استعماله في العرف، فيقال نفسي تأمرني بكذا وتدعوني الى كذا من جهة شهوتي ~~له، والا فلا يصح ان تأمر الانسان نفسه، لانه يقتضي الرتبة، لانه قول ~~القائل لمن دونه (افعل) ms2084 وذلك لا يصح بين الانسان وبين نفسه، واكثر ~~المفسرين على ان هذا من قول يوسف. وقال ابو علي الجبائي هو من كلام ~~المرأة. # وقوله { إلا ما رحم ربي } استثناء من الانفس التي يرحمها الله، فلا تدعو ~~الى القبيح، بان يفعل معها من الالطاف ما تنصرف عن ذلك. # وقوله { إن ربي غفور رحيم } تمام الحكاية عن قائل ذلك انه اعترف بان ~~الله تعال غفور رحيم اي ساتر عليهم ذنوبهم رحيم بهم بان يعفو عنهم ويقبل ~~توبتهم. ### || [12.54] # هذه السياقة تدل على ان ما مضى حكاية عن قول المرأة، لان يوسف لم يكن ~~حاضرا ذلك المجلس، وان الملك حين سمع جميع ذلك قال ائتوني بيوسف استخلصه ~~لنفسي، وطلب هذا الملك ان يكون يوسف له وحده دون شريك فيه، والاستخلاص ~~طلب خلوص الشيء من شائب الاشتراك. وقال ابن اسحاق كان هذا الملك: الوليد ~~ابن ريان. # وقوله { فلما كلمه } فيه حذف، وتقديره انه لما امر باحضاره فأحضر قال له ~~بعد ان كلمه { إنك } يا يوسف { اليوم لدينا مكين أمين } اي عرفنا امانتك، ~~وثقتك، وانت على حالة يتمكن من كان عليها مما يريد، يقال لفلان مكانة عند ~~الملك، وهو مكين عنده، واصله التمكن من الامر (والامين) الموثوق به، ~~والامانة حالة ثقة يؤمن معها نقض العهد بالفتح، وذلك كالعقد في الوديعة ~~وفي التخلية والعقد في الدين، والعقد في القيام بالحق. ### || [12.55] # وهذا حكاية ما قال يوسف حين قال له الملك انك اليوم لدينا مكين امين { ~~اجعلني على خزائن الأرض } يعني ارضك، والالف واللام يعاقبان حرف الكناية، ~~واراد بذلك الارض التي هي ملكه ويجمع فيها ماله وطعامه، طلب اليه ذلك ~~ليحفظ ذلك عمن لا يستحقه ويوصله الى الوجوه التي يجب صرف الاموال لها، ~~فلذلك رغب الى الملك فيه، لان الانبياء لا يجوز ان يرغبوا في جمع اموال ~~الدنيا الا لما قلناه. وقوله { إني حفيظ عليم } معناه حافظ للمال عمن لا ~~يستحقه عليم بالوجوه التي يجب صرفها اليه، وفي الآية دلالة على جواز تقلد ~~الامر من قبل السلطان ms2085 الجائر اذا تمكن معه من ايصال الحق الى مستحقه. ### || [12.56] # قرأ { نشاء } بالنون ابن كثير وحده. الباقون بالياء. # من قرأ بالنون، فعلى معنى ان يوسف يتبوء من الارض حيث يشاء، وطابق بينه ~~وبين قوله { نصيب برحمتنا من نشاء } ، ويكون على احد معنيين: # احدهما - ان تكون المشيئة اسندت اليه، وهي ليوسف، لما كانت بأمره ~~وارادته كما قال # وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى # فأضاف الرمي الى الله، لما كان بقدرته وارادته. # والثاني - ان يكون الموضع المتبوء موضع نسك وعبادة او موضعا يقام فيه ~~الحق، من أمر بمعروف، او نهى عن منكر، ويقوي النون قوله { نصيب برحمتنا ~~من نشاء }. # ومن قرأ بالياء حمله، على انه يتبوء يوسف حيث يشاء هو نفسه. # اخبر الله تعالى أنه كما لطف ليوسف حين اخرجه من السجن وخلصه من المهالك ~~كذلك مكنه من التصرف، والمقام في الارض حيث يشاء كيف يشاء، وقال الجبائي: ~~كان هذا التمكن ليوسف ثوابا من الله على طاعته واحسانه الذي تقدم منه في ~~الدنيا. وقال غيره: ليس في ذلك دلالة على انه ثواب، ويجوز أن يكون تفضلا ~~عليه بذلك من غير ان ينقص من ثوابه شيء، والتمكين الاقدار بما يتسهل به ~~الفعل من رفع الموانع وايجاد الالات والالطاف وغير ذلك مما يحتاج اليه في ~~الفعل. والتبوء هو اتخاذ منزل يرجع اليه واصله الرجوع من { باؤا بغضب من ~~الله } قال الشاعر: # فان تكن القتلى بواء فانكم # فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر # اي يرجع بدم بعضها على بعض، فان هذا المقتول لا كفاء لدمه. وقوله { نصيب ~~برحمتنا من نشاء } اخبار منه تعالى انه يفعل رحمته بمن يشاء من عباده على ~~وجه التفضل عليهم والاحسان اليهم، وانه لا يضيع اجر الذين يحسنون افعالهم ~~ويفعلون ما أمرهم الله به على وجهه، بل يثيبهم على ذلك. # والاحسان على ثلاثة اوجه: # احدها - ان يحسن الى غيره، فذلك انعام. # وثانيها - ان يحسن الى نفسه بأن ينفعها نفعا حسنا. # وثالثها - ان يفعل حسنا مبهما لا يضيفه الى نفسه ms2086 ولا الى غيره. # واللام في قوله { مكنا ليوسف } يحتمل ان يكون مثل قوله # ردف لكم # و # للرؤيا تعبرون # بدلالة قوله # مكناهم فيما إن مكناكم فيه # وقوله # مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم # { ويتبوء } في موضع نصب على الحال. ### || [12.57] # اخبر الله تعالى ان الثواب الذي يثيب الله به الذين يؤمنون به ويتقون ~~معاصيه في الآخرة، وهي النشأة الثانية، فان الدنيا هي النشأة الاولى ~~والآخرة خير واعظم نفعا من منافع الدنيا التي تنالها الكفار. # وقال ابو علي الجبائي: اجر الآخرة خير من ثواب الدنيا، لان ما تقدم في ~~الآية الاولى يقتضيه. ### || [12.58] # حكى الله تعالى عن اخوة يوسف الذين كانوا ألقوه في الجب، وباعوه بثمن ~~بخس انهم جاؤه ودخلوا عليه، فعرفهم يوسف ولم يشك فيهم، ولم يعرفه اخوته ~~بل كانوا جاهلين بحاله منكرين له، وكان سبب مجيئهم اليه مجيء سني القحط ~~التي كان ذكرها يوسف في تعبير الرؤيا، فجاؤا الى مصر يمتارون كما جاء ~~غيرهم من الناس - في قول السدي، وابن اسحق وغيرهما، وليس لأحد ان يقول: ~~كيف يجوز مع كمال العقل ان يعرفهم يوسف، وهم يجهلونه مع انه نشأ معهم؟. # وذلك ان عنه جوابين. # احدهما - قال الجبائي: انهم فارقوه وهو صبي امرد، فجاؤوه وقد التحى وكبر ~~وتغيرت حاله، فلم يعرفوه. وقال البلخي: ان ذلك مما خرق الله تعالى فيه ~~العادة لنبيه (ع). ### || [12.59] # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان يوسف لما أمر بتجهيز اخوته فجهزهم، ~~والجهاز فاخر المتاع الذي يحمل من بلد الى بلد، ومنه قولهم: فلان يجهز، ~~ومنه جهاز المرأة، قال لهم جيئوني { بأخ لكم من أبيكم } وانما قال ذلك، ~~لانه كان اخا يوسف لابيه وامه، وهو ابن يامين - في قول قتادة وغيره - ~~وكان اخاهم لابيهم خاصة. # وقوله { ألا ترون أني أوفي الكيل } خطاب من يوسف لاخوته، فقال أليس ~~قدعرفتم عدلي وإيفائي الكيل من غير بخس له. والوفاء تمام الامر على ما ~~يوجبه الحق، ويكون ذلك في الكيل، وفي الوزن، وفي الذرع، وفي العد، وفي ~~العقد. و ms2087 { الكيل } مصدر كال يكيل، وهو فصل المكيال بملئه. و (المكيال) ~~مقدار يفصل عليه ما يطرح فيه. # وقوله { وأنا خير المنزلين } فيه قولان: احدهما - قال مجاهد: خير ~~المضيفين. والثاني - خير المنزلين في سعر الطعام. و (المنزل) واضع الشيء ~~في منزلته، وقد يكون للشيء منزلتان، احداهما اولى من الاخرى، فمن وضعها ~~في الاولى فهو خير المنزلين كسعر الطعام الذي يضعه في اولى منزلتيه. ### || [12.60] # ثم قال يوسف لاخوته بعد ان قال لهم { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } متى ما ~~لم تفعلوا ما امرتكم به من اتيانكم بأخيكم، فأني لا اكيل لكم الطعام، ولا ~~ابايعكم، ومع هذا فلا تقتربون يعني لا تجيئوني، والذي اقتضى طلبه الاخ من ~~ابيهم انه فاوضهم وساءلهم عن اخبارهم واحوالهم، واخبار اهلهم، كما يتساءل ~~الناس عن مثل ذلك، ودل الكلام على ذلك، وهو من عجيب فصاحة القرآن، وإنما ~~استجاز ان يطلب اخاهم ولا معاملة بينه وبينهم، لأنهم ذكروا ان اباهم آثره ~~عليهم بالمحبة مع حكمته وفضله، احب ان يراه وتطلعت نفسه الى ان يعلم ~~السبب فيما يقتضي هذه الحال، وانما اخفاهم امره ولم يطلعهم على ما انعم ~~الله عليه، لانه خاف ان يكتموا اباه امره لما تقدم لهم فيه واحب ان يجري ~~تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليه ما يشتد معه اضطرابهم. ### || [12.61] # هذا حكاية ما اجاب به اخوة يوسف يوسف حين حثهم على الاتيان بأخيهم بأنهم ~~{ قالوا سنراود عنه أباه } ونحن نفعل ذلك، والمراودة المطالبة من قولهم ~~راد يرود، فهو رائد اي طلب، وفلان يرتاد موضعا اي يطلبه، وفي المثل ~~(الرائد لا يكذب اهله) ومنه الارادة وهي طلب الفعل بما هو كالسبب له، لان ~~الداعي الى الفعل داع الى ارادته، لأن باجتماع الامرين يقع الفعل من عالم ~~قادر، والفاعل من جعل الشيء موجودا بعد ان كان معدوما، وكل فاعل جاعل، ~~وليس كل جاعل فاعلا، لأنه قد يكون جاعلا على صفة، كالجاعل للجسم ~~متحركا. وقال الرماني: الفرق بين العامل والفاعل ان العامل للشيء قد ~~يكون المغير له، والفاعل لا ms2088 يكون إلا الموجد له، والفرق بين العامل ~~والجاعل ان العامل لا يكون الا مغيرا له، وقد يكون الجاعل غير مغير له، ~~لانه يجعله على صفة بحكمه فيه كالذي يجعله كافرا بحكمه انه كافر. # وقال ابن اسحاق: الذي وعدوا بفعله الاجتهاد في المصير بأخيهم اليه لانهم ~~جوزوا ان لا يجيبهم ابوهم الى الارسال به معهم. وقال ابو علي: وعدوه بان ~~يصيروا به اليه ان ارسله ابوه معهم، فالعدة به كانت واقعة بشرط. ### || [12.62] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { لفتيانه } الباقون { لفتيته } قال ابو ~~الحسن كلام العرب قل: لفتيانك، وما فعل فتيانك, وان كانوا ايضا في أدنى ~~العدد إلا ان يقولوا: ثلاثة وأربعة. # اخبر الله تعالى عن يوسف انه أمر فتيانه بأن يجعلوا بضاعتهم في رحالهم. ~~و (الفتى) الشاب القوي، وجمعه فتية وفتيان. وقال قتادة: كانوا غلمانه. ~~وقال غيره: كانوا مماليكه. و (البضاعة): قطعة من المال التي للتجارة. و ~~(الرحال) جمع رحل وهوالشيء المعد للرحيل من وعاء المتاع او مركب من مراكب ~~الجمال، وجمعه في القليل ارحل وفي الكثير رحال. وانما جعل بضاعتهم في ~~رحالهم، ليقوي دواعيهم في الرجوع اليه اذا رأوا إكرامه اياهم، ورد ~~بضاعتهم اليهم مع جدوب الزمان وشدته. ويجوز ان يكون جعلها في رحالهم ~~ليرجعوا اليه متعرفين عن سبب ردها. وقال قوم معناه ليعلموا اني لست اطلب ~~أخاهم للرغبة في مالهم. # وقوله { لعلهم يعرفونها } معناه لكي يعرفونها، وانما قال (لعل) لأنه جوز ~~أن تشتبه عليهم، فيمسكوا فيها { إذا انقلبوا } أي اذا رجعوا الى اهليهم { ~~لعلهم يرجعون } اي لكي يرجعوا، واللام لام الغرض، وانما اتى ب (لعل) ~~لانه جوز أن لا يعودوا. ### || [12.63] # قرأ { يكتل } بالياء حمزة والكسائي. الباقون بالنون. # من قرأ بالياء رد الكناية الى أخو يوسف، ومن قرأ بالنون رده الى ~~جماعتهم، لقوله { ونمير أهلنا }. # حكى الله تعالى عن أخوة يوسف أنهم حين رجعوا الى ابيهم وحصلوا معه، ~~قالوا يا أبانا منعنا الكيل { فأرسل معنا أخانا } اي ابعثه { معنا نكتل } ~~ونحن نحفظه ونحتاط عليه. والاكتيال هو الكيل ms2089 للنفس، وهو افتعال من الكيل، ~~وانما قال { منع منا الكيل } وهو قد كال لهم، لان المعنى منع منا الكيل ~~ان لم نأت باخينا. لقوله { فلا كيل لكم عندي ولا تقتربون } وهو قول الحسن ~~والزجاج والجبائي. وهو الصحيح. # وقال قوم: معناه إنه لما كال لهم كال لكل واحد كيل بعير ومنعهم تمام ~~الكيل الذي أرادوه. ### || [12.64] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر " حافظا " على وزن فاعل. الباقون " حفظا " ~~على المصدر. # وهذا حكاية ما قال يعقوب لولده حين قالوا له { أرسل معنا أخانا } فانه ~~قال لهم { هل آمنكم عليه } والامن إطمئنان القلب الى سلامة الأمر يقال: ~~أمنه يأمنه. أمنا وائتمنه يأتمنه ائتمانا. ومنه قوله # فليؤد الذي اؤتمن أمانته # ثم أخبر تعالى، فقال { فالله خير حافظا } فمن قال على لفظ الفاعل نصبه ~~على الحال. ويحتمل ان يكون نصبه على التمييز، ولم ينصبه على الحال، ~~والحال يدل على انه تعالى الحافظ. والتمييز يرجع الى من يحفظ بأمره من ~~الملائكة وكلا الوجهين أجازهما الزجاج. # ومن قرأ على المصدر نصبه على التمييز لا غير، ولوقرىء (خير حافظ) على ~~الاضافة لدل على ان الموصوف حافظ، وليس كذلك التمييز، وحقيقة (خير من ~~كذا) انه أنفع منه على الاطلاق، وانه لا شيء انفع منه، قال ابو علي ~~الفارسي: وجه قراءة من قرأ { حفظا } بغير ألف انه قد ثبت من قولهم { ~~ونحفظ أخانا } وقولهم { وإنا له لحافظون } انهم اضافوا الى انفسهم { ~~حفظا } فالمعنى على الحفظ الذي نسبوه الى انفسهم، وان كان منهم تفريط في ~~حفظ يوسف، كما قال # أين شركائي # ولم يثبت لله شريك، ولكن على معنى الشركاء الذين نسبتموهم الي، فكذلك ~~المعنى على الحفظ الذي نسبوه الى انفسهم، والمعنى { فالله خير حفظا } من ~~حفظكم الذي نسبتموه الى انفسكم. ومن قرأ { حفظا } فعلى التمييز دون ~~الحال. ### || [12.65] # أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لما فتحوا متاعهم، والمتاع مبيع ~~التجار مما يصلح للاستمتاع، فالطعام متاع والبر متاع وأثاث البيت متاع، ~~والمراد به ها هنا أوعية الطعام { وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ms2090 } اي اصابوا ~~بضاعتهم التي كانوا وزنوها بشري الطعام قد جعلت في وسط امتعتهم، فلما ~~رأوا ذلك { قالوا يا أبانا ما نبغي } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال قتادة: ما نطلب؟ على وجه الاستفهام. # والثاني - قال الجبائي: ما نبغي: فيما أخبرناك به عن ملك مصر ليس ~~بالكذب. ودليله ان هذه بضاعتنا ردت الينا، واجاز الفراء، والزجاج كلا ~~الوجهين، وقولهم { ونمير أهلنا } اي نجلب لهم الميرة، والميرة الاطعمة ~~التي تحمل من بلد الى بلد يقال: ماره يميره ميرا اذا حمل له الطعام الى ~~بلده قال الشاعر: # بعثتك مائرا فمكثت حولا # متى يأتي غياثك من تغيث # وقوله { ونزداد كيل بعير } اي ويعطينا فضل كيل بعير، لمكان أخينا { ذلك ~~كيل يسير } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال الجبائي: ان ذلك كيل قليل، لا يكفينا نحتاج ان نضيف اليه ~~كيل بعير اخينا. # الثاني - قال الحسن: ان ذلك متيسر على من يكيل لنا، واليسر إتيان الخير ~~بغير مشقة، وضده العسر. وكذلك اليسير والعسير. ### || [12.66] # هذه حكاية ما قال يعقوب - لبنيه حين سألوه إنفاذ أخيهم معهم، وان ~~بضاعتهم ردت اليهم، وانه ان انفذه معهم ازدادوا كيل بعير - اني لست { ~~أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله } ومعناه حتى تحلفوا لي بالله ~~لتجيؤني به. والايتاء الاعطاء آتاه يؤتيه ايتاء، والاتيان به المجيء به، ~~والموثق العقد المؤكد بالقسم، وانما قال موثقا من الله، وانما هو موثق ~~من انفسهم، لأن المعنى موثقا من جهة اشهاد الله او القسم بالله، فاما ~~على انفسهم، فهو العقد عليها بما لا يجوز حله لها. # وقوله { إلا أن يحاط بكم } موضع (أن) نصب بأنه مفعول له، وتقديره إلا ~~لأحاطة بكم، كما يقول القائل: ما تأتيني إلا، لأخذ الدراهم، وما تأتيني ~~إلا ان تأخذ الدراهم - ذكره الزجاج - والاحاطة أصله ضرب السور حول الشيء. ~~ومنه قيل يعلمه علم احاطة اي على التحديد. والمعنى ها هنا إلا ان يحال ~~بينكم وبينه. # وقوله { فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } معناه انهم لما ~~أجابوه الى اليمين، وحلفوا ms2091 له واشهدوا على انفسهم بذلك قال يعقوب { الله ~~على ما نقول وكيل } اي حافظ وقيم به. والوكيل القيم بالتدبير والقائم ~~بالقسط فهو العدل في حكمه. ### || [12.67] # حكى الله تعالى عن يعقوب أنه قال لبنيه حين أنفذ اخاهم معهم { يا بني لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وقيل في سبب قوله ذلك ~~قولان: # احدهما - قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي، والحسن: انه خاف عليهم ~~العين، لانهم كانوا ذوي صور حسنة وجمال وهيبة. # وقال الجبائي: انه خاف عليهم حسد الناس لهم، وان يبلغ الملك قوتهم وشدة ~~بطشهم فيقتلهم خوفا على ملكه، وانكر العين. وقال لم ثثبت بحجة. وانما هو ~~شيء يقوله الجهال العامة. # والذي قاله غير صحيح في امر العين بل غير منكر ان يكون ما قال المفسرون ~~صحيحا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: # " العين حق " # ، وانه عوذ الحسن والحسين (ع)، فقال في عوذته: # " وأعيذكما من كل عين لامة " # وقد رويت فيه أخبار كثيرة، وقد جرت العادة به. واختاره البلخي، والرماني ~~واكثر المفسرين، وليس يمتنع ان يكون الله تعالى أجرى العادة لضرب من ~~المصلحة أنه متى ما نظر انسان الى غيره على وجه مخصوص اقتضت المصلحة ~~اهلاكه أو إمراضه أو اتلاف ماله، فالمنع من ذلك لا وجه له. # وقوله { وما أغني عنكم من الله من شيء } اعتراف منه بأنه لا يملك الامر، ~~ولا يغني عمن يريده الله بسوء. والغنى ضد الحاجة. # وقوله { إن الحكم إلا لله } اي ليس للفصل بين الامور على ما تقتضيه ~~الحكمة الا الله. # وقوله { عليه توكلت } اي فوضت امري الى الله يدبره كيف يشاء. والتوكل من ~~صفات المؤمنين. ### || [12.68] # اخبر الله تعالى ان اخوة يوسف، لما وردوا عليه، ودخلوا عليه من ابواب ~~متفرقة حسب ما امرهم به ابوهم ورغبهم فيه لم يكن يعقوب يغنى عنهم من الله ~~شيئا الا حاجة في نفس يعقوب قضاها من خوف العين عليهم أو الحسد على ~~اختلاف القولين، و { إلا } بمعنى (لكن) لأن ما بعدها ms2092 ليس من جنس ما ~~قبلها. # وقوله { وإنه لذو علم لما علمناه } اخبار من الله تعالى ان يعقوب عالم ~~بما علمه الله. وقيل في معناه قولان: # احدهما - ان ما ذكره الله من وصفه بالعلم كان ترغيبا فيه. # والاخر - انه ليس ممن يعمل على جهل، بل على علم، براءة له من الامر ~~لولده بما لا يجوز له، ولكن { أكثر الناس لا يعلمون } ذلك من حاله، كما ~~علمه الله. ### || [12.69] # اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف أنهم لما دخلوا على يوسف آوى يوسف أخاه ~~اليه، والايواء ضم المحبوب وتصييره الى موضع الراحة. ومنه المأوى المنزل ~~الذي يأوي اليه صاحبه للراحة فيه. وقال الحسن وقتادة: ضمه اليه وأنزله ~~معه، وقد اجتمعت في { آوى } حروف العلة كلها الالف والواو والياء، والعلة ~~في ذلك أن الهمزة بمنزلة الحرف الصحيح، لانها ليست حرف مد ولين، فجاز ذلك ~~على قلبه لهذه العلة. وقال له حين اواه الى نفسه { إني أنا أخوك } يوسف { ~~فلا تبتئس بما كانوا يعملون } وإنما قال له ذلك، لانه وإن كان علم ان له ~~أخا من أبيه وأمه إلا انه لا يعلم انه هذا، والابتئاس والاكتئاب ~~والاغتمام نظائر، ومعناه اختلاط البؤس بالحزن، وانما جاز ان يأخذه ~~بالصواع مع تعريفه انه أخوه لامرين: # احدهما - انه كان بمواطأة منه له. # والثاني - قال وهب بن منيه: انه أراد أنا أخوك مكان أخيك الذي هلك. ~~والأول اصح. ### || [12.70] # أخبر الله تعالى ان يوسف لما جهز أخوته بجهازهم يعني الطعام الذي اشتروه ~~ليحملوه الى بلدهم. ومنه جهاز المرأة { جعل السقاية في رحل أخيه } ~~والسقاية المراد بها ها هنا صواع الملك الذي كان يشرب فيه. وقيل: كان من ~~فضة. وقال ابن زيد كان كأسا من ذهب. وقيل انه صير مكيالا للطعام. ~~والسقاية في الأصل الاناء الذي يسقى فيه، والرحل آلة السفر من وعاء أو ~~مركب، والمراد ها هنا وعاء أخيه الذي يحمل فيه طعامه. # وقوله { ثم أذن مؤذن } اي نادى مناد. والايذان الاعلام بقول يسمع ~~بالاذن. ومثله الأذن، والاذن الاطلاق في ms2093 الفعل بقول يسمع بالاذن، و { ~~والعير } قافلة الحمير - في قول مجاهد. وقيل هي القافلة التي فيها ~~الاجمال. والاصل الحمير إلا انه كثر حتى صارت تسمى كل قافلة محملة عيرا ~~تشبيها. وقوله { إنكم لسارقون } فالسرقة أخذ الشيء من حرز في خفى بغير ~~حق، إلا ان الشرع قدر أنه لا يتعلق بها القطع إلا إذا سرق مقدارا معينا ~~على خلاف بين الفقهاء، فعندنا هو ما قدره ربع دينار، وعند قوم عشرة ~~دراهم، وعند آخرين ثلاث دراهم. # وقيل في وجه ندائهم بالسرقة مع انهم لم يسرقوا شيئا قولان: # احدهما - ان ذلك من قول اصحابه، ولم يأمرهم يوسف بذلك، ولا علم. وإنما ~~كان أمر بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أمره الله تعالى، فلما فقدها ~~الموكلون بها اتهموهم بها. وهواختيار الجبائي. # والثاني - انهم نادوهم على ظاهر الحال فيما يتغلب على ظنونهم ولم يكن ~~يوسف أمر به، وإن علم انهم سيفعلونه. وقال قوم قولا ثالثا: ان معناه ~~إنكم سرقتم يوسف من أبيه حين طرحتموه في الجب. وقال آخرون: ان ذلك خرج ~~مخرج الاستفهام، وليس في جعل السقاية في رحل أخيه تعريضا لأخيه بأنه ~~سارق، لانه إذا كان ذلك يحتمل السرقة، ويحتمل الحيلة فيه حتى يمسكه عنده، ~~فلا ينبغي ان يسبق احد الى اعتقاد السرقة فيه، وليس في ذلك ادخال الغم ~~على أخيه لانا بينا انه كان اعلمه إياه، وواطأه عليه، ليتمكن من امساكه ~~عنده على ما أمره الله تعالى به، والنداء وان كان للعير فالمراد به اهل ~~العير، كما قال { واسأل القرية } وإنما أراد اهلها. ### || [12.71-72] # حكى الله تعالى عن اهل العير انهم حين سمعوا نداءهم بأنكم سارقون أقبلوا ~~عليهم وقالوا اي شيء فقدتموه، فقال لهم اصحاب يوسف انا فقدنا صواع الملك، ~~ومن جاء به ورده، فله حمل بعير من الطعام. والاقبال مجيء الشيء الى جهة ~~المقابلة بوجهه، وضده الادبار. ومثله التوجه، والتحاذي. والفقد غيبة ~~الشيء عن الحس بحيث لا يدرى اين هو، والفاقد من الوحش هي التي تغيب ولدها ~~عنها قال الشاعر: # بكاء ms2094 ثكلى فقدت حميما # فهي ترثي بأبي وابني ما # والصواع مكيال الطعام. وكان هذا الصواع كأسا للملك يشرب فيه وجمعه ~~صيعان وأصواع. وقال ابن عباس: كان من فضة، و (الحمل) بالكسر على الظهر ~~وبفتح الحاء في البطن، وجمعه احمال وحمول. والبعير الجمل وجمعه بعران ~~وابعرة. وقوله { وأنا به زعيم } اي كفيل به، وضمين له، وقائل، قال ~~الشاعر: # فلست بآمن فيها بسلم # ولكني على نفسي زعيم # وإنما قال وانا به زعيم وقبله ذكر جمع، لأن زعيم القوم متكلم عنهم فكأنه ~~قد كلم بذلك جميعهم قالت ليلى الاخيلية: # حتى اذا برزوا اللواء رأيته # تحت اللواء على الخميس زعيما # وذلك انه زعيم القوم لرئاسته، زعم زعامة وزعاما إذا صار رئيسا، قال ~~ابو علي: اصله القول. ### || [12.73] # هذا حكاية ما اجاب به اهل العير لما سمعوا النداء، وما يدل على رد ~~الصواع انهم اقسموا بالله انا لم نجيء للافساد في الارض وإنا لم نكن ~~سارقين. والفساد اضطراب التدبير على وجه قبيح، ونقيضه الصلاح. ويقال فسد ~~الشيء اذا تغير الى حال تضر كفساد الطعام، وغيره من الأمور، وقوله " ~~تالله " التاء بدل من بدل، لأنها بدل من الواو والواو بدل من الباء، ~~فضعفت عن التصرف، فاختصت بدخولها على اسم الله لا غير دون غيره من ~~الاسماء، لانه لا يقال (تالرحمن) ودخلت التاء في تالله على وجه التعجب، ~~لانها لما كانت نادرة في حروف القسم جعلت للنادر من المعاني يتعجب منه. ~~وإنما قالوا { تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض } مع انهم لم ~~يعلموا ذلك لأمرين: # احدهما - لما رأوا من صحة معاملتهم وشدة توقيهم لما لا يجوز لهم مما ~~ينبىء عن مقاصدهم. # الثاني - قيل لانهم ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم ظنا منهم أن ~~ذلك عن سهو، وهذا لا يليق بحال السراق من الناس. وضعف البلخي هذا الوجه، ~~وقال كيف يكون ذلك وهم لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت اليهم اظهروا ~~السرور به والفرح، وقالوا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت الينا فكيف يردونها مع ~~ذلك!. ### || [12.74-75] # حكى ms2095 الله تعالى عن اصحاب يوسف انهم قالوا لاهل العير لما سمعوا جحودهم ~~الصواع، وانكروا ان يكونوا سارقين { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } في ~~جحودكم وإنكاركم، وقامت البينة على انكم سرقتموه، وما الذي يستحق ان يفعل ~~بمن سرق؟ فأجابهم اهل العير، وقالوا من ادرك عنده الصواع، ووجد في رحله ~~جزاؤه اخذ من وجد في رحله رقا، فهو جزاؤه عندنا كجزائه عندكم لانه كان ~~من عادتهم ان يسترقوا السارق - في قول الحسن، ومعمر، والسدي، وابن اسحاق ~~- وفيه تقدير ان في الاعراب: # احدهما - جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، فهذا الجزاء جزاؤه، كما تقول ~~جزاء السارق القطع، فهو جزاؤه لتمكين البيان الاخير. # الثاني - جزاؤه من وجد في رحله، فالسارق جزاؤه، فيكون مبتدأ ثانيا، ~~والفاء جواب الجزاء، والجملة خبر (من) و (من) ها هنا يحتمل وجهين: # احدهما - ان يكون بمعنى الذي، وتقديره جزاؤه الذي وجد في رحله مسترقا. # والآخر - معنى الشرط، كأنه قال جزاء السراق إن وجد في رحل إنسان منا، ~~فالموجود في رحله جزاؤه استرقاقا. وقوله { كذلك نجزي الظالمين } اخبار ~~منهم بأن ذلك عادتهم في مجازاة كل ظالم. # وقد قيل في تأويل الآية وجهان: # احدهما - ان يكونوا في ذلك على شرع لنبي من انبياء الله. # والآخر - ان يكون ذلك على عادة الملوك في اهل الجنايات لمصالح العباد لا ~~على حقيقة الجزاء الذي يعمل بأمر الله بدلالة قوله فيما بعد { ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك } فاضاف الجزاء الى دين الملك دون الله. ### || [12.76] # قرأ يعقوب { يرفع درجات من يشاء } بالياء فيهما على وجه الكناية عن ~~الله. الباقون بالنون فيهما على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه. ونون ~~التاء من { درجات } اهل الكوفة. الباقون على الاضافة. # اخبر الله تعالى ان يوسف أمر اصحابه بأن يفتشوا اوعيتهم ورحالاتهم، وان ~~يبدؤوا بأوعية الجماعة قبل وعاء أخيه ليكون ابعد من التهم، فلما لم يجدوا ~~فيها شيئا امر حينئذ باستخراجها من وعاء أخيه. ثم اخبر الله تعالى انه ~~كاد ليوسف، والكيد التعريض للغيظ، وكان التدبير على أخوة ms2096 يوسف حتى اخذ ~~منهم أخوهم بما يوجبه حكمهم، هو كالتعريض للغيظ من جهة اغتمامهم بما نزل ~~من ذلك الامر بهم. والتقدير كدنا اخوته له بما دبرنا في امره. # وقيل الكيد التعريض للضر بما خفي، وقد يعبر عن الجزاء على المعصية ~~بالكيد، كقوله { وأملي لهم أن كيدي متين } اي عقوبتي. # وقوله { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } معناه إنه لم يكن يوسف ممن ~~يأخذ اخاه على دين الملك في جزاء من سرق ان يستعبد قال الشاعر: # تقول اذا درأت لها وضيني # اهذا دينه ابدا وديني # اي هذا عادته ابدا وعادتي. وقوله { إلا أن يشاء الله } قال الحسن إنما ~~قال ذلك لانه تعالى كان امره بذلك بدلالة قوله { نرفع درجات من نشاء } اي ~~بما نريه من وجوه الصواب في بلوغ المراد. # وقوله { وفوق كل ذي علم عليم } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير: معناه { وفوق كل ذي علم ~~} معلم { عليم } وهو الله تعالى الغني بنفسه عن التعليم. # والثاني - ان معناه { وفوق كل ذي علم } ممن رفعه الله { عليم } قد رفعه ~~بالعلم من وجه آخر، فهو أعلم بذلك الامر الآخر. # وفي ذلك دلالة على أنه تعالى عالم لنفسه، لأنه لو كان عالم بعلم، لكان ~~فوقه عليم، وذلك باطل. والضمير في قوله تعالى { استخرجها } عائدة الى ~~السقاية. وقال الزجاج هي عائدة الى الصواع وانه يذكر ويؤنث، ومن قرأ { ~~درجات من نشاء } على الاضافة، فالمعنى نرفع منازل من نشاء رفع منازله ~~ومراتبه في الدنيا بالعلم على غيره، كما رفعنا مرتبة يوسف في ذلك على ~~مراتب اخوته. ومن قرأ بتنوين { درجات } فالمعنى نرفع من نشاء درجات ~~ومراتب كما رفعنا ليوسف، ف { من } منصوبة على هذه القراءة، وعلى القراءة ~~الاولى مخفوضة. ### || [12.77] # اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انه لما استخرج الصواع من رحل أخيه، قالوا ~~إن كان هذا سرق، فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف، واختلفوا فيما نسبوه ~~اليه من السرقة من قبل، قال سعيد بن جبير، ms2097 وقتادة، وابن جريج انه كان سرق ~~صنما كان لجده أبي امه، فكسره والقاه على الطريق، فقال ابن اسحاق: إن ~~جدته خبأته في ثيابه منطقة اسحاق لتملكه بالسرقة محبة لمقامه عندها. وقال ~~قوم انه كان يسرق من طعام المائدة للمساكين. وقوله { فأسرها يوسف في نفسه ~~} يعني أخفى هذه الكلمة في نفسه، { ولم يبدها لهم } أي لم يظهرها لهم. # واختلفوا فيما اسر في نفسه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: اسر قوله { ~~أنتم شر مكانا } أي ممن قلتم له هذا { والله أعلم بما تصفون } انه كذب. ~~وقال قوم: أسرها باضمار الكلمة للدلالة عليها قال حاتم طي: # اماوي ما يغني الثراء عن الفتى # اذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # وانما قال إن مكانكم شرا لما ظهر من الأمر الذي يقتضي هذا الوصف. ~~والصفة والوصف مصدران بمعنى واحد مثل وعد وعدة، ووجه وجهة. وقال الحسن لم ~~يكن اخوة يوسف يومئذ انبياء، وإنما اعطوا النبوة فيما بعد، وعندنا إنهم ~~لم يكونوا أنبياء في وقت، لا في الحال، ولا فيما بعد، لان ما فعلوه بيوسف ~~من الافعال القبيحة ينافي النبوة لأن النبي لا يقع - عندنا - منه قبيح ~~أصلا، لا صغير ولا كبير. # وقال البلخي: كذبوا في قولهم { سرق أخ له من قبل } والله اعلم بما يعنون ~~في ذلك وانه كذب، وقال لم يصح عندنا ان اخوة يوسف كانوا انبياء وجوز ان ~~يكون الاسباط غيرهم او كانوا من اولادهم. ### || [12.78] # أخبر الله تعالى في هذه الآية عن أخوة يوسف انه لما أخذ يوسف أخاه منهم ~~مظهرا لاسترقاقه قالوا له، وهم لا يعرفونه { يا أيها العزيز } والعزيز ~~الممتنع بقدرته من ان يضام. والعز منع الضيم بسعة المقدور والسلطان { إن ~~له أبا شيخا كبيرا } يعنون يعقوب أبا اخيهم اي انه كبير السن، ويجوز ~~ان يريدوا: كبير القدر { فخذ أحدنا مكانه } اي خذ واحدا منا عبدا بدله ~~- في قول الحسن وغيره - { إنا نراك من المحسنين } الينا في الكيل ورد ~~بضاعتنا. وقد أملنا ذلك منك. ### || [12.79] # هذا حكاية ما أجاب به يوسف ms2098 أخوته حين قالوا له خذ واحدا منا بدله، لأنه ~~قال لهم { معاذ الله } أي اعتصاما بالله أن يكون هذا. والاعتصام امتناع ~~الهارب من الامر بغيره، ولذلك يقال اعتصم بالجبل من عدوه. واعتصم بالله ~~من شر عدوه، فانا لا نأخذ { إلا من وجدنا متاعنا } يعني الصواع { عنده. ~~إنا إذا لظالمون } ومعناه إنا لو أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده لكنا ~~ظالمين، واضعين للشيء في غير موضعه. والعرب تقول معاذ الله، ومعاذه الله ~~وعوذه الله وعياذ الله. وتقول: اللهم عائذا بك اي اني أعوذ عائذا بك، ~~فكأنه قال استجير بالله من أن آخذ بريئا بسقيم. ### || [12.80] # أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف حين آيسوا من تسليم أخيهم اليهم، فاليأس ~~ضد الطمع، يقال: يئس يأسا واستيأس استيئاسا، فهو يائس، ومستيئس، وآيس ~~يأس مثله. # وقوله { خلصوا نجيا } أي انفردوا من غير أن يكون معهم غيرهم ممن ليس ~~منهم، وهذا من عجيب فصاحة القرآن الخارقة للعادة لأن بقوله { خلصوا } دل ~~على ما قلناه من معنى الكلام الطويل. # واصل الخلوص حصول الشيء من غير شائب فيه من غيره، كخلوص الذهب من ~~الشئاب، وسمي الخلاص لذلك، وقوله { نجيا } مصدر يدل بلفظه على القليل ~~والكثير، والواحد والجمع. والنجوى مثله، ولذلك قال تعالى في الواحد # وقربناه نجيا # وفي الجمع { خلصوا نجيا } قال الشاعر: # إني اذا ما القوم كانوا أنجيه # واضطرب القوم اضطراب الارشيه # هناك أوصيني ولا توصي بيه # والمناجاة رفع المعنى من كل واحد الى صاحبه على وجه خفي. واصل النجو ~~الارتفاع من الارض والمناجاة المسارة ونجي جمعه أنجية، وهم يتناجون. و { ~~قال كبيرهم } يعني اكبرهم، وقال قتادة وابن اسحاق: هو روبيل، فانه كان ~~اكبرهم سنا. وقال مجاهد: هو شمعون، وكان اكبرهم عقلا وعلما دون السن. ~~والأول أليق بالكلام والظاهر: { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله } يعني أما علمتم أن أباكم قد حلفكم واقسمتم له بالله في حفظ ~~أخيكم، وقبل هذا ما فرطتم في يوسف أي قصرتم في حفظه. واصل التفريط ~~التقديم من قوله صلى ms2099 الله عليه وسلم # " انا فرطكم على الحوض " # أي متقدمكم. والموثق والايثاق: العهد الوثيق و (ما) في قوله { ما فرطتم ~~} يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب: # احدها - ان تكون منصوبة ب { تعلموا } ، كأنه قال ألم تعلموا تفريطكم في ~~يوسف. # الثاني - رفع بالابتداء والخبر { من قبل }. # الثالث - ان تكون صلة لا موضع لها من الاعراب، لأنها لم تقع موقع اسم ~~معرب. # وقوله { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي } لست أقوم من موضعي الا أن { ~~يأذن لي أبي أو يحكم الله } اي الى ان يحكم الله. وقيل معناه بمجازاة أو ~~غيرهما مما أرد به أخي ابن يامين على ابيه، وكانوا تناجوا بمحاربته فلم ~~يتفقوا على ذلك خوفا من غم أبيهم بأن يقتل بعضهم في الحرب وقوله { وهو ~~خير الحاكمين } اخبار من هذا القائل بأنه تعالى خير الحاكمين والفاصلين، ~~واعتراف منه برد الامر الى الله تعالى. ### || [12.81] # وهذا اخبار من الله تعالى بما قال احدهم المتخلف عنهم بمصر، فانه قال ~~لاخوته الباقين ارجعوا الى ابيكم. ويحتمل ان يكون حكاية عما قال اخوة ~~يوسف بعضهم لبعض، فانهم قالوا ارجعوا الى ابيكم. # وقوله { يا أبانا إن ابنك سرق } يعنون ابن يامين، على ما ظهر لنا من ~~الامر ولا نشهد الا بما علمنا من الظاهر، فأما الغيب والباطن فلا نعلمه ~~ولا نحفظه. وقيل ما شهدنا إلا بما علمنا في قولنا لهم إن من يسرق يستعبد، ~~لأن ذلك متقرر عندنا في شرعنا - ذكره ابن زيد - والشهادة خبر عن مشاهدة ~~أو اقرار او حال. ويجوز أن يشهد الانسان بما علمه من جهة الدليل كشهادتنا ~~بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # وقال الرماني: علم الغيب هو علم من لو شاهد الشيء لشاهده بنفسه لا بأمر ~~يستفيده. والعالم بهذا المعنى هو الله وحده تعالى. # وقيل في معنى قوله { وما كنا للغيب حافظين } قولان: # احدهما - ما كنا نشعر ان ابنك سيسرق، في قول الحسن ومجاهد وقتادة: # والثاني - انا لا ندري باطن الامر في السرقة، وهو الاقوى. وروي عن ابن ms2100 ~~عباس وقراءة الكسائي في رواية قتيبة عنه " سرق " بتشديد الراء على ما ~~لم يسم فاعله، ومعناه انه قذف بالسرقة، واختار الجبائي هذه القراءة. قال ~~لأنها ابعد من ان يكونوا اخبروا بما لم يعلموا. ### || [12.82] # هذا حكاية ما قال اخوة يوسف ليعقوب ابيهم حين رجعوا اليه وحكوا له ما ~~جرى، فقالوا له سل أهل القرية التي كنا فيها، واهل العير التي اقبلنا ~~فيها عما أخبرناك به { وإنا لصادقون } فيما اخبرناك به، وحذف المضاف ~~الذي هو الاصل، واقام المضاف اليه - من القرية والعير - مقامه اختصارا ~~لدلالة الكلام عليه. والمراد بالقرية - ها هنا - مصر، في قول ابن عباس ~~والحسن وقتادة. وكل أرض جامعة لمساكن كثيرة بحدود فاصلة تسمى - في اللغة ~~- قرية، وأصلها من قريت الماء اي جمعته، والقرية والبلدة والمدينة نظائر ~~في اللغة. وانما ارادوا بذلك أن من سألت من اهلها أخبروك بما ظهر في هذه ~~القصة. وانا ما كذبناك. ### || [12.83] # هذا حكاية ما قال يعقوب لبنيه حين قالوا له ما تقدم ذكره، فإنه قال { بل ~~سولت لكم أنفسكم } وقال قتادة معناه بل زينت. وقال غيره: معناه سهلت. ~~والتسويل حديث النفس بما تطمع فيه، ومنه السؤل، والمنى، ويقال اعطاك الله ~~سؤلك، فكأنه قال هذا من تقدير النفس فيما تطمع ان يكون. ثم اخبر يعقوب، ~~فقال { صبر جميل } اي شأني او أمري صبر جميل، فعلى هذا يكون واقع بأنه ~~خبر الابتداء. ويجوز ان يكون ابتداء، وخبره محذوف، وتقديره فصبر جميل ~~امثل من غيره، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا يجوز. والصابر على ~~هذا الوجه من صفات المدح، والجميل معناه - ها هنا - ما يتقبله العقل، وقد ~~يسمى ما يتقبله الطبع بأنه جميل. # وقوله { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } يعني روبيل وابن يامين ويوسف { ~~إنه هو العليم الحكيم } معناه - ها هنا - انه عليم بحسرتي على فقد اولادي ~~وصدق ما يقولونه من كذبه، انه الحكيم في تدبيره بخلقه، عسى ان يأتيني بهم ~~اجمع. ### || [12.84] # أخبر الله تعالى عن يعقوب أنه تولى عنهم بعد ان ms2101 قال لهم ما تقدم ذكره ~~بمعنى أعرض بوجهه عنهم، والتولي والاعراض بمعنى واحد { وقال يا أسفى على ~~يوسف } اي يا حسرتاه، في قول الحسن وقتادة والضحاك. وانما نادى بالاسف ~~على وجه البيان، لان الحال حال حزن كأنه قال: يا اسف احضر، فانه من ~~احيانك واوقاتك، ومثله (واحزناه). والاسف الحزن على ما فات. وقيل: هو أشد ~~الحزن يقال: أسف يأسف أسفا وتأسف تأسفا، وهو متأسف. # وقوله { ابيضت عيناه } فالإبيضاض انقلاب الشيء الى حال البياض. والمعنى ~~انه عمي فلم يبصر شيئا. والعين حاسد الادراك للمرئيات. والحزن الغم ~~الشديد، وهو من الحزن، وهي الارض الغليظة، والكظيم هو الممسك للحزن في ~~قلبه لا يبثه بما لا يجوز الى غيره، ومنه قوله # والكاظمين الغيظ # اي لا يتسرع بموجبه الى غيره. وقيل كظيم على الحزن لم يقل يا اسفاه - في ~~قول مجاهد والضحاك، والحسن - وقيل كظيم بالغيظ على نفسه، لم ارسله مع ~~إخوته - في قول السدي والجبائي. ### || [12.85] # هذا حكاية ما قال بنو يعقوب لأبيهم حين رأوه حزينا { تالله تفتؤ تذكر } ~~معناه لا تزال تذكر، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي، يقال ~~فتىء يفتؤ فتئا وفتوءا، وقال اوس بن حجر: # فما فتئت خيل تثوب وتدعي # ويلحق منها لاحق وتقطع # اي فما زالت، وحذفت (لا) من تفتأ، لانه جواب القسم بمعنى نفي المستقبل، ~~لانه لو كان اثباتا لم يكن بد من اللام والنون، فجاز لما فيه من الايجاز ~~من غير إلتباس، كماقال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله ابرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك واوصالي # والحرض ذو المرض والبلى - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال الحسن وقتادة: ~~معناه حتى تكون ذا الهرم او تكون من الميتين. واصل الحرض فساد الفعل ~~والجسم للحزن والحب، قال العرجي: # اني امرؤ لج بي حب فاحرضني # حتى بليت وحتى شفني السقم # ورجل محرض اذا كان مريضا قال امرؤ القيس: # ارى المرء ذا الاذواد يصبح محرضا # كإحراض بكر في الديار مريض # ولا يثنى حرض ولا يجمع لانه مصدر، يقال: حرضه على فلان ms2102 اي أفسده عليه ~~بما يغريه، وإنما قالوا هذا القول إشفاقا عليه وكفا له عن البكاء اي ~~لا تزال تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تصير بذلك الى مرض لا تنتفع ~~بنفسك معه، لانه كان قد أشفى على ذهاب بصره وفساد جسمه، او تموت بالغم. # والهلاك ذهاب الشيء بحيث لا يدري الطالب له اين هو، فالميت هالك لهذا ~~المعنى. ### || [12.86] # هذا حكاية ما أجاب به يعقوب بنيه لما قا لوا له ما تقدم ذكره، أي انما ~~أشكو، والشكوى صفة ما يجده من البلوى، وانما وصف (ع) ذلك لله طلبا للفرج ~~من جهته، والبث تفريق الهم باظهاره عن القلب، يقال: بثه ما في نفسه بثا ~~وأبثه إبثاثا، وبث الخيل على العدو: إذا فرقها عليه. وقال ابن عباس معنى ~~(بثي) همي. # وقوله { وأعلم من الله ما لا تعلمون } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس: اعلم ان رؤيا يوسف صادقة واني ساجد له. # والثاني - قال قتادة: أعلم من احسان الله (عز وجل) الي ما يوجب حسن ظني ~~به، وانما جاز على يعقوب وهو نبي، ان يبكي حتى تبيض عيناه من الحزن، لان ~~عظم المصيبة يهجم على النفس حتى لا يملك معه القرار بالصبر حتى يرتفع ~~الحزن، مع انه على ولد لا كالأولاد، في جماله، وعقله، وعفافه، وعلمه، ~~وأخلاقه، وبره، من غير تأس يوجب السلوة، ولا رجاء يقرب الحال الجامعة، ~~ومع هذا فلم يكن منه الا ما يوجب الاجر العظيم والثواب الجزيل الكريم، ~~والبكاء ليس بممنوع منه في الشرع، وانما الممنوع اللطم، والخدش، والجز، ~~وتخريق الثياب، والقول الذي لا يسوغ، وكل ذلك لم يكن منه (ع) وإنما جاز ~~أن يخفى خبر يوسف على يعقوب مع قرب المسافة بينهما، لأن يوسف كان بمصر ~~ويعقوب بأرض الجزيرة من أرض حران، ولم يعرف يوسف أباه مكانه ليزول همه، ~~لانه في تلك المدة كان بين شغل وحجر على ما توجبه سياسة الملك، وبين حبس ~~في السجن، لانه مكث فيه سبع سنين لما محن به من امرأة العزيز، ms2103 فلما تمكن ~~من التدبير تلطف في ذلك لئلا يكون من أخوته حال تكره في ايصال خبره الى ~~أبيه لشدة ما ينالهم من التهجين في أمره إذا وقف على خبره. # وانما جاز ان يستخرج الصواع من رحل أخيه مع ايجاب التهمة في ذلك عند ~~الناس، وغم أبيه وأخيه خاصة وسائر اخوته عامة لوجوه: # احدها - انه كان ذلك بمواطأة اخيه على ذلك بما يسر في باطنه. # ومنها انه ليس لاحد اتهامه بالسرقة مع امكان جعله في رحله بما لا صنع له ~~فيه. # ومنها اغمام أبيه بالأمر اليسير ليزيل عنه الغم العظيم، وتأتيه البشرى ~~بسلامتهما على أجمل حال يتمنى لهما، وذلك يحسن ولا يقبح. ### || [12.87] # هذا إخبار عما قال يعقوب لبنيه بعد ان قال ما تقدم ذكره { يا بني اذهبوا ~~فتحسسوا } والتحسس طلب الشيء بالحاسة فاما طلبه بالدعاء الى فعله، فلا ~~يسمى تحسسا، والتحسس والتجسس بالحاء والجيم بمعنى واحد. # { ولا تيأسوا من روح الله } اي لاة تقطعوا رجاءكم منه. والروح والفرج ~~نظائر، وهو رفع ترح بلذة، مأخوذ من الريح التي تأتي بما فيه اللذة. # وقوله { إنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون } اخبار منه بأن ~~الذي يائس من رحمة الله الكافرون، وذلك يدل على ان الفاسق الملي لا ييأس ~~منه، بخلاف ما يقوله اهل الوعيد، وقد أجاب عن ذلك اهل الوعيد بجوابين: # احدهما - ان ذلك على وجه التغليب، فيدخل فيه الفاسق في الجملة. # والثاني - أنه لا ييأس في حال التكليف إلا الكافر الذي لا يعرف الله ~~تعالى، فاما من يعرف الله فانه لا ييأس منه، لانه يسوف التوبة. ### || [12.88] # اخبر الله تعالى ان اخوة يوسف لما قال لهم يعقوب { اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف وأخيه } رجعوا الى يوسف ودخلوا عليه، وقالوا له { يا أيها العزيز } ~~لانهم كانوا يسمون الملك العزيز. والعزيز في اللغة هو الواسع المقدور ~~الذي لا يهتضم المنيع بسعة مقدوره { مسنا وأهلنا الضر } أي اصابنا الضر، ~~والمس ملابسة ما يحس، ولما كان الضر بمنزلة الملامس لهم، وهو مما يحس، ~~عبر ms2104 عنه بأنه مسه. والاهل: خاصة الشيء الذي ينسب اليه، ومنه قوله # إن ابني من أهلي # وتسمى زوجة الرجل بأنها أهله وكذلك اهل البلد واهل الدار، وهم خاصته ~~الذين ينسبون اليه. # وقوله { وجئنا ببضاعة مزجاة } قيل في معنى المزجاة ثلاثة اقوال: # احدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: إنها ردية لا تؤخذ الا بوكس. ~~وقال الحسن ومجاهد وابراهيم وقتادة وابن زيد: إنها قليلة. وقال الضحاك: ~~هي كاسدة غير نافعة. وروي انه كان معهم متاع البادية من الصوف والشعر ~~والسمن والحبال البالية وغير ذلك. وأصلها القلة قال الاعشى: # الواهب المئة الهجان وعبدها # عوذا يزجي خلفها اطفالها # اي يسوقهم قليلا قليلا، وقال النابغة: # وهبت الريح من تلقاء ذي أرل # تزجي مع الليل من صرادها صرما # يعنى تسوق، وتدفع، وقال آخر: # وحاجة غير مزجاة من الحاج # وقيل الاصل الدفع بالسوق فهي مدفعه لا تنفق. # وقوله { فأوف لنا الكيل } اي لا تنقصنا من كيلنا لنقصان بضاعتنا، وتصدق ~~علينا. وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال سعيد بن جبير: سألوا التفضل بترك النقصان من السعر، لان ~~الصدقة ما كانت تحل لهم. وقال سفيان بن عيينة. إنهم سألوا الصدقة وهم ~~أنبياء وكانت حلالا لهم، وكان مجاهد يكره ان يقول الرجل في دعائه اللهم ~~تصدق علي، لان الصدقة ممن يبتغي الثواب. والصدقة العطية للفقراء ابتغاء ~~الاجر، ولهذا يطلق، فيقال: { إن الله يجزي المتصدقين } و # لا يضيع أجر المحسنين # من العباد، والمعنى انه يثيبهم على ذلك. ### || [12.89] # هذا حكاية ما أجاب به يوسف إخوته حين سألوه التصدق عليهم وايفاء كيلهم، ~~فرق لهم، وقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وإخيه؟! على وجه التوبيخ لهم ~~والتذكير لهم بما فعلوه من إلقائه في الجب بعد ان كانوا عزموا على قتله ~~ثم بيعهم إياه عبدا للتاجر الذي حمله الى مصر، وفعلوا بأخيه ما عرضوه به ~~للغم بأن أفردوه عن أخيه لأبيه وامه مع جفائهم له حتى كان لاذلالهم إياه ~~لا يمكنه ان يكلم احدا منهم الا كلام الذليل للعزيز، فعاملوه هذه ~~المعاملة، وسلكوا في ms2105 امره هذه الطريقة. ومعنى قوله { إذ أنتم جاهلون } ~~انكم فعلتم ذلك في حال كنتم فيها جاهلين جهالة الصبي لا جهالة المعاصي، ~~وذلك يقتضي انهم الآن على خلافه، ولولا ذلك لقال وأنتم جاهلون. وانما ~~وبخو بحال قد أقلعوا عنها وتابوا منها على وجه التذكير وليتنبهوا على حال ~~من يخاطبهم ويعرفوه بها، لا ان تلك الحال ذكرت بطريق التقبيح لها. وقال ~~السدي وابن اسحاق إن يوسف لما قالوا له ما قالوا أدركته الرقة، فدمعت ~~عينه وباح لهم بما كان يكتمه من شأنه وشأنهم. ### || [12.90] # قرأ ابن كثير وابو جعفر " انك " بهمزة واحدة على الخبر. الباقون ~~بهمزتين، وحققهما ابن عامر، وأهل الكوفة، وروح، إلا ان الحلواني عن هشام ~~فصل بينهما بألف. الباقون يخففون الأولى ويلينون الثانية. وفصل بينهما ~~بألف نافع إلا ورشا وابو عمرو. قال ابو علي: الاجود الاستفهام لقوله { ~~قال أنا يوسف } وهذا جواب الاستفهام، ومن قرأ على الخبر أراد الاستفهام، ~~وحذف حرف الاستفهام كما حكى ابو الحسن في قوله # وتلك نعمة تمنها علي # ومعناه اي تلك نعمة، وحذف حرف الاستفهام. # هذا حكاية ما قال اخوة يوسف له حين قال لهم { هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه } فانهم قالوا حينئذ له { أئنك لأنت يوسف } على وجه الاستفهام له، ~~فانهم تنبهوا واستيقظوا غير انهم لم يقطعوا به، فاستفهموه. # وقال الزجاج يجوز في { أئنك } اربعة اوجه في العربية: # تحقيق الهمزتين، وهو مذهب اهل الكوفة واهل الشام. # الثاني - ادخال الألف بين الهمزتين (آإنك) وهو مذهب هشام ابن عمار عن ~~ابن عامر. # الثالث - تليين الثانية بان يجعل بين بين أينك، وهو مذهب أبي عمرو، وابن ~~كثير ونافع. # الرابع - بهمزة واحدة على الخبر. # فقال يوسف مجيبا لهم { أنا يوسف وهذا أخي } يعني ابن يامين - من أبي ~~وأمي { قد من الله علينا } أي انعم علينا بنعمة قطعتنا عن حال الشدة ~~يقال: من الله عليه يمن منا، واصله القطع من قوله # لهم أجر غير ممنون # أي غير مقطوع، ومنه من عليه في الصنيعة اذا ذكرها بما يجري مجري ~~التعيير ms2106 بها، لانه قاطع عن شكرها. والمنون الموت، لانه يقطع عن تصرف ~~الاحياء. ثم أخبر يوسف فقال إنه من يتق الله باجتناب معاصيه، وفعل طاعاته ~~ويصبر على بليته ويتجرع مرارة المنع، لما يشتهي من الأمر { فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } اي لا يذهب بثوابهم. والاضاعة هو الاهلاك وهو إذهاب ~~الشيء بحيث لا يدري الطالب له اين هو. والأجر ما يستحق على العمل الصالح ~~من الثواب، ومنه الاجارة. وتقول: آجره الله يآجره أجرا، والاحسان فعل ~~حسن يستحق به الحمد. # وحكى ابن كثير انه قرأ { من يتقي } بالياء في الوصل. والوجه فيه ان يجعل ~~(من) بمعنى (الذي) فيكون (يتقي) في موضع رفع، ويكون قوله { ويصبر } حذف ~~الحركة استخفافا، او جملة على الموضع، كما قال { فأصدق وأكن من } ولا ~~يجوز ان يكون مثل قول الشاعر: # ألم يأتيك، والابناء تنمي # لان ذلك يجوز في الشعر، والاجود قول من قرأ بحذف الياء. ### || [12.91] # هذا حكاية عما قال إخوة يوسف حين سمعوا اعتراف يوسف بأنه يوسف، وان ~~أخاهم الذي احتبسه أخوه، وان الله من عليهم بذلك، فقالوا له عند ذلك { ~~تالله } على وجه القسم { لقد آثرك الله علينا } اي فضلك الله علينا. ~~والايثار إرادة التفضيل، لاحد الشيئين على الآخر ومثله الاختيار، ويقال: ~~آثرت له، وآثرت عليه ضده. وأصل الايثار الأثر الجميل، فيما يؤثر على غيره ~~بمنزلة ما له أثر جميل والآثار الاخبار، لانها إخبار عن أثر ما تقدم في ~~أمر الدين والدنيا. وقوله { وإن كنا لخاطئين } اعتراف منهم بأنهم كانوا ~~خاطئين. وقال قوم: إنهم كانوا صبيانا وقت ما فعلوا بأخيهم ما فعلوا ~~وسموا أنفسهم { خاطئين } اي ابتداء فعلهم كان وهم صبيان. ثم بلغوا مقيمين ~~على كتمان الأمر عن ابيهم موهمين له ما كانوا اخبروه به من شأنهم, ~~فالايهام معصية لا تبلغ تلك المنزلة. والخطيئة ازالة الشيء عن جهته الى ~~ما لا يصلح فيه، يقال خطىء يخطأ فهو خاطىء مثل أثم إثما فهو آثم. و ~~(خطئ) اذا تعمد الخطأ و (أخطأ) إذا لم يتعمد الخطأ كمن رمى ms2107 شيئا فأصاب ~~غير ما أراد. ### || [12.92] # هذا اخبار من الله تعالى عما قال يوسف لأخوته حين اعترفوا بأن الله فضله ~~عليهم، وانهم خطئوا فيما فعلوه، بأن قال { لا تثريب عليكم اليوم } ومعناه ~~لا بأس عليكم بما سلف له منكم، والتثريب تعليق الضرر بصاحبه من اجل جرم ~~كان منه. وقال سفيان: معنى لا تثريب لا تعيير. وقيل: معناه لا تخليط ~~بعائده مكروه. وقيل: معناه لا تثريب مكروه بتوبيخ، ولا غيره. # وقوله { يغفر الله لكم } معناه يستر الله عليكم خطيئاتكم ولا يعاقبكم ~~عليها، وهو ارحم الراحمين، فالرحمة النعمة على المحتاج، ومن الرحمة ماهو ~~واجب وفيها ما ليس بواجب، فالواجبة ما لا يجوز الاحلال بها، وان كان ~~سببها تفضلا، كالثواب الذي سببه التكليف، وهو تفضل. # وقيل: في معنى قوله { يغفر الله لكم } قولان: # احدهما - انه دعا لهم بالمغفرة، ويكون الوقف عند قوله { لا تثريب عليكم ~~اليوم } ثم ابتدأ، فقال { يغفر الله } وقد وقف بعضهم عند قوله { عليكم } ~~والأول أجود. # الثاني - لما كان ظلمهم له معلقا باحلاله أباهم منه حسن هذا القول، لان ~~الله هو الآخذ له بحقه إلا ان يصفح. ### || [12.93] # هذا اخبار من الله تعالى بأن يوسف أعطى اخوته قميصه. وقال: احملوه إلى ~~أبي يعقوب واطرحوه على وجهه، فإنه يرجع بصيرا، ويزول عنه العمى وذلك ~~معجز دال على نبوته، لانه - على قول المفسرين كالحسن والسدي وغيرهما - ~~كان قد عمي، ولولا ان الله أعلمه انه يرجع اليه بصره لما أرسله اليه، ~~وانما حمل اليه القميص، لان الله تعالى كان جعله علامة له إذا شمه شم منه ~~رائحة يوسف، وبشارة له قبل لقائه. # وقوله { وأتوني بأهلكم أجمعين } ، معناه احملوا أهاليكم أجمع الى عندي ~~وجيؤني بهم. ### || [12.94] # اخبر الله تعالى في هذه الآية انه حين انصرفت العير من عند يوسف. قال: ~~لهم أبوهم يعقوب اني لأجد ريح يوسف اي إني احس برائحته. وقال ابن عباس ~~جاءت الريح برائحة يوسف من ثماني ليال. وقال الحسن من مسيرة شهر. وقيل ~~إنه كان بينهم ثمانين فرسخا، لأن يعقوب ms2108 كان بوادي كنعان من ارض فلسطين. ~~وقيل إنه كان بأرض الجزيرة، ويوسف بمصر. # والفصل القطع بحاجز بين الشيئن. ونقيضه الوصل، ومثله الفرق. والعير ~~قافلة الحمير، وان كان فيها الجمال، وكل جماعة خرجت من بلد الى بلد، فهم ~~قافلة. # وقوله { لولا أن تفندون } قال ابن عباس: معناه لولا ان تسفهون. وقال ~~الحسن ومجاهد: لولا ان تهرمون. وقال ابن اسحاق: معناه تضعفون. وقال ~~الضحاك معناه تكذبون. # وانما قال يعقوب هذا القول لمن حضره من أهله وقرابته دون ولده، لانهم ~~كانوا غيبا عنه لم يصلوا إليه. والتفنيد في اللغة هو تضعيف الرأي يقال ~~فنده تفنيدا إذا نسبه الى ضعف الرأي، قال الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # فليس ما فات من امر بمردود # وفنده الدهر اي أفسده، وقال ابن مقبل: # دع الدهر يفعل ما يشاء فانه # اذا كلف الانسان بالدهر افندا # وروي (إذا كلف الافناد بالناس فندا). ### || [12.95] # هذا حكاية ما اجاب به من خاطبه يعقوب من اهله { إني لأجد ريح يوسف } ~~فانهم قالوا له { تالله إنك لفي ضلالك القديم } والضلال هو الذهاب عن جهة ~~الصواب فيه، وانما قالوا لنبي الله { إنك لفي ضلالك القديم } لانهم قالوا ~~كلمة غليظة لم يجز أن يقولوها لنبي الله، فحق الأمر فيها أنهم قالوها ~~اشفاقا عليه من شدة محبته ليوسف - في قول قتادة - وقال الحسن كان عندهم ~~ان يوسف مات، فكان في لهوجه في تذكره ذاهبا عن الصواب في امره، والقديم ~~في اللغة هو كل شيء متقدم الوجود، وفي عرف المتكلمين عبارة عن الموجود لم ~~يزل، وانما جعلوا الضلال قديما على وجه المبالغة في الصفة ومثله # كالعرجون القديم # ويقال بناء قديم، ولا يجوز قياسا على ذلك ان يقال: هذا جسم قديم، لما ~~فيه من الايهام. ### || [12.96] # اخبر الله تعالى إنه لما جاء المبشر بيوسف الى يعقوب ألقى القميص على ~~وجهه فرجع بصيرا. والبشير الذي يأتي بالبشارة العظيمة. وجاء على لفظ ~~(فعيل) لما فيه من المبالغة يقال بشره تبشيرا، ومعنى أبشرته: قلت له: ~~استبشر، كقوله # وأبشروا بالجنة التي ms2109 كنتم توعدون # وقال الحسن، ومجاهد، والضحاك: كان البشير يهوذ بن يعقوب، والإلقاء ~~إيقاع الشيء على الشيء، ويكون بمعنى ايجاد الشيء. # وقوله { فارتد بصيرا } فالارتداد انقلاب الشيء الى حال، قد كان عليها، ~~وهو والرجوع بمعنى واحد. والبصير من كان على صفة يجب لاجلها ان يبصر ~~المبصرات إذا وجدت، و (ان) بعد قوله { فلما } زائدة للتوكيد، كما قال # ولما أن جاءت رسلنا # ولا موضع لها من الاعراب وهي تزاد مع (لما) و (حتى) على وجه الصلة ~~تأكيدا، تقول: قد كان ذاك حتى كان كذا وكذا، وحتى ان كان كذا. # وقوله { إني أعلم من الله ما لا تعلمون }.. قيل في معناه قولان: # احدهما - إني اعلم من صحة رؤيا يوسف، وإن تأويلها سيكون على ما رأى { ما ~~لا تعلمون } من تأويل الرؤيا. # والثاني { إني اعلم } من بلوى الانبياء بالشدائد والمحن التي يصيرون ~~منها الى وقت الفرج { ما لا تعلمون } ، ذكره الجبائي. ### || [12.97] # في الكلام حذف, لان تقديره إن اخوة يوسف وصلوا إلى أبيهم بعد ان جاء ~~البشير وألقوا قميصه على وجهه ورد الله بصره عليه، فلما رأوه قالوا له { ~~يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا } أي سل الله تعالى ان يستر علينا ذنوبنا، ~~ولا يعاقبنا عليها، فانا { كنا خاطئين } فيما فعلناه بيوسف. # ومتى قيل: كيف سألوه الاستغفار مع انهم كانوا تابوا والتوبة تسقط ~~العقاب؟ # قلنا أما على مذهبنا فلان التوبة لا تسقط العقاب وجوبا، وانما يسقطه ~~الله تعالى عندها تفضلا. وأما على مذهب مخالفنا، فانهم سألوه ذلك، لأجل ~~المظلمة المتعلقة بصفح المظلوم، وسؤال صاحبه ان لا يأخذ بظلمه، لا بد انه ~~توبة خاصة منه ووجه آخر، وهو ان يبلغه منزلة بدعائه يصير بمنزلة عالية ~~لمكان سؤاله. ### || [12.98] # هذا حكاية ما أجاب به يعقوب حين قالوا له { استغفر لنا ذنوبنا } فانه ~~قال في جواب ذلك سوف استغفر لكم ربي، والمعنى إني أفعل ذلك في المستقبل، ~~ولم يستغفر لهم في الحال. # وروي عن ابي جعفر (ع) انه قال: أخرهم الى ليلة الجمعة. # وقال ابن مسعود وابراهيم التيمي، ms2110 وابن جريج وعمرو بن قيس: انه اخرهم الى ~~السحر، لانه اقرب الى اجابة الدعاء. وقال الجبائي: وجه ذلك أنهم سألوه ان ~~يستغفر لهم دائما في دعائه، فوعدهم بذلك في المستقبل. # وقوله { إنه هو الغفور الرحيم } اخبار من يعقوب واعتراف منه بأن الله هو ~~الذي يستر على عباده معاصيهم، ويعفو لهم عن عقابها رحمة منه بعباده ورأفة ~~منه بخلقه. ### || [12.99] # في الكلام حذف، لان تقديره ان يعقوب وبنيه واهلهم رحلوا الى يوسف، فلما ~~وصلوا اليه ودخلوا عليه { آوى إليه أبويه } يعنى أباه يعقوب وأمه، فثني ~~على لفظ الاب تغليبا للذكر على الانثى، ولم يثن على لفظ الأم، كما غلب ~~المفرد على المضاف في قولهم: سنة العمرين. ومثله قوله # وورثه أبواه # يعني أباه وامه. # قال الحسن وابن اسحاق والجبائي: كانت امه بحق، وقال السدي كانت امه ماتت ~~وتزوج يعقوب اختها، وهي خالة يوسف، فاقامها مقام الأم، والاول حقيقة ~~والثاني مجاز. والايواء ضم القريب بالمحبة لصاحبه كضم المأوى بجمع شمله، ~~وانما قال لهم { ادخلوا مصر } بعد دخولهم عليه، لامرين: # احدهما - قال السدي وفرقد السحي: ان يوسف خرج يستقبل يعقوب وخرج معه أهل ~~البلد، فلما رجع قال { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين }. # وقال آخرون أراد { ادخلوا مصر } مقيمين { إن شاء الله آمنين } والمشيئة ~~هي الارادة، والأمن سكون النفس الى الامر والخوف انزعاج النفس من الأمر. ~~والامن التام الأمن من كل جهة، فاما الأمن من جهة دون جهة، فهو أمن ناقص. # وفي الناس من قال: ان قوله { إن شاء الله } متعلق بقوله { سأستغفر لكم } ~~ان شاء الله، لانه كان قاطعا على انهم يدخلون مصر آمين، وليس يحتاج الى ~~ذلك لانه مطابق لقوله # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ### || [12.100] # اخبر الله تعالى عن يوسف انه حين حضر عنده أبواه وأخوته، ورفع أبويه على ~~العرش، والرفع النقل الى جهة العلو. ومثله الاعلاء والاصعاد، وضده الوضع، ~~والعرش السرير الرفيع وأصله الرفع من قوله # خاوية على عروشها # اي على ما ارتفع من ms2111 أبنيتها، وعرش الكرم إذا رفعه، وعمل عريشا اذا عمل ~~مجلسا رفيعا. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتاده: العرش السرير. وقوله ~~{ وخروا له سجدا } معناه انحطوا على وجوههم والخر الانحطاط على الوجه، ~~ومنه # خر من السماء فتخطفه الطير # والسجود في الشرع خضوع بوضع الوجه على الارض وأصله الذل، كما قال ~~الشاعر: # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # وقيل في وجه سجودهم قولان: # قال قوم: إن الهاء في قوله { له } راجعة الى الله، فكأنه قال فخروا لله ~~سجدا شكرا على ما أنعم به عليهم من الاجتماع. # الثاني انهم سجدوا الى جهة يوسف على وجه القربة الى الله، كما يسجد الى ~~الكعبة على وجه القربة الى الله. # وقيل انه كانت تحية الملوك السجود، قال اعشى بني ثعلبة: # فلما اتانا بعيد الكرى # سجدنا له ورفعنا العمارا # وقوله { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } حكاية ما قال يوسف لأبيه بأن ~~هذا تفسير رؤياي من قبل وما تؤول اليه، وهو ما ذكره في أول السورة { إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا } يعني أخوته { والشمس والقمر } يعني أبويه سجدوا ~~له، كما رآه في المنام. # والرؤيا تصور ما يتوهم انه يرى لغمور النوم، ومتى قيل إذا كانت رؤيا ~~الانبياء لا تكون الا صادقة، فهلا تسلى يعقوب بأن تأويل الرؤيا سيكون؟ # قلنا عنه جوابان: # احدهما - انه قيل: انه رآها وهو صبي فلذلك لم يثق بها. # والآخر - ان طول الغيبة مع شدة المحنة يوجب الحزن كما يوجبه مع الثقة ~~بالالتقاء في الآخرة. # { وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن } بأن لطف وسهل الي الخروج منه { ~~وجاء بكم من البدو } اي اتي بكم من أرض فلسطين، لأن مسكن يعقوب وولده ~~فيما ذكر كان هناك. والبدو: البرية العظيمة مأخوذ من بدا يبدوا بدوا. ~~ويقال: بدو، وحضر. # وقوله { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } والنزغ التحريش بين ~~الاثنين، وهو مس بسوء يغضب، ومنه قوله # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله # وقوله { إن ربي لطيف لما يشاء } معنا لطيف التدبير، واللطف ما ms2112 يدعو إلى ~~فعل الواجب ويصرف عن القبيح. وقال الحسن: كان بين الرؤيا وتأويلها ثمانين ~~سنة. وقال سلمان، وعبد الله بن سداد: كانت أربعين سنة. وقال ابن اسحاق: ~~ثماني عشرة سنة. # وقوله { إنه هو العليم الحكيم } معناه إنه تعالى عالم بأحوال الخلق، وما ~~يصلحهم ومايفسدهم " حكيم " في افعاله لا يضع الشيء الا في موضعه. # وقال بعضهم: غاب يوسف عن أبيه وله سبع عشرة سنة، وبقي بعد الاجتماع معهم ~~في الملك ثلاثا وعشرين سنة، ومات، وله مئة وعشرون سنة. ### || [12.101] # هذا حكاية ما قال يوسف حين اجتمع مع أبويه وأخوته وأهل بيته، وانه قال ~~يا { رب آتيتني من الملك } وحذف حرف النداء للدلالة عليه. وعلى وجه ~~الاعتراف بأنواع نعمة الله عليه، وان من جملتها أنه اعطاه الملك والسياسة ~~والتدبير بين الخلق، وأنه مع ذلك علمه، وفهمه أنواع العلوم، ونصب له ~~الدلالة على علوم كثيرة. وقد يقال: علمه تعليما إذا بين له الدليل ~~المفضي الى العلم. والاعلام هو إيجاب العلم بايجاده والتعريض له. ~~والمعنى فهمتني تأويل الاحاديث التي تؤدي الى العلم بما احتاج إليه. ~~والاحاديث الاخبار عن حوادث الزمان. # وقوله { فاطر السماوات والأرض } فالفطر الشق عن أمر باختراعه عند ~~انشقاقه، ففطر السموات والارض: اختراعهما بما هو كائن كالشق عما يظهر ~~فيه. ومنه تفطر الشجر بالورق. ونصبه يحتمل أمرين: # احدهما - أن يكون صفة لقوله { رب قد آتيتني من الملك } ، لانه مضاف، كما ~~يقال: يقول يا زيد ذي الجمة. # والثاني - ان يكون على النداء بتقدير يا فاطر. # وقوله { أنت ولي } أي ناصري، والولي النصير بما يتولى من المعاونة، ~~فاذا وصف تعالى بانه ولي المؤمن، فلانه ينصره بما يتولى من معونته ~~وحياطته. واذا وصف المؤمن بأنه ولي الله، فلان الله ينصره بمعونته، فتجري ~~الصفة على هذا المعنى. # وقوله { توفني مسلما } معناه اقبضني اليك إذا امتني وأنا مسلم اي الطف ~~لي بما أموت معه على الاسلام { وألحقني بالصالحين } من آبائي اسحاق ~~وابراهيم اي اجعلني من جملتهم. # و (من) في قوله { من الملك } وقوله { من تأويل الأحاديث } دخلتا ms2113 للتبعيض ~~لأنه لم يؤته الله جميع الملك، ولا علمه جميع الاشياء، ويحتمل ان تكون ~~دخلت لتبيين الصفة، كما قال # فاجتنبوا الرجس من الأوثان ### || [12.102] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم انه قال له { ذلك ~~} يعنى الذي أخبرناك به من أخبار ما يعظم شأنه، لأن الأنباء هي الاخبار ~~بما له شأن. ومنه قولهم: لهذا نبأ اي شأن عظيم. و { الغيب } ذهاب الشيء ~~عن الحس، ومنه # عالم الغيب والشهادة # اي عالم بما غاب عن الحواس، وبما حضرها { نوحيه إليك } اي نلقيه. ~~والايحاء إنهاء المعنى الى النفس، فقد أفهم الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم تلك المعاني بانزال الملك بها عليه. # وقوله { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } اي لم تحضرهم حين عزموا على ~~أمورهم. وإجماع الأمر هو اجتماع الرأي على الامر بالعزم عليه. والمكر: ~~فتل الحيل عن الأمر، واصل المكر من قولهم: ساق ممكورة اي مفتولة. ومثله ~~الخديعة، وكان مكرهم بيوسف إلقاؤهم إياه في غيابت الجب - في قول ابن ~~عباس والحسن وقتادة - وقال الجبائي: كان مكرهم احتيالهم في امر يوسف حين ~~القوه في الجب. وانما قال ذلك لنبيه، لأنه لم يكن ممن قرأ الكتب ولا خالط ~~أهلها وإنما اعلمه الله تعالى ذلك بوحي من جهته ليدل بذلك على نبوته، ~~وانه صادق على الله تعالى. ### || [12.103] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية بقلة ~~من آمن به بأن الناس كثيرون، وان حرصت على ان يكونوا مؤمنين فانهم ~~قليلون. والاكثر القسم الآخر من الجملة، ونقيضه الأقل. والناس جماعة ~~الانسان، وهو من ناس ينوس نوسا إذا تحرك يمينا وشمالا، من نفسه لا ~~بمحرك. والحرص طلب الشيء في اصابته، حرص عليه يحرص حرصا، فهو حريص على ~~الدنيا إذا اشتد طبله لها والتقدير: وما اكثر الناس بمؤمنين، ولو حرصت ~~على هدايتهم. ### || [12.104] # هذا اخبار من الله تعالى وخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم انك يا محمد ~~لست تسألهم يعني أمته الذين بعث اليهم على ما ms2114 يعرفهم به من اخبار ~~الماضين اجرا، ولا جزاء في مقابلته. وليس ذلك إلا ذكر للعالمين. والسؤال ~~قول القائل لمن هو فوقه (افعل) اذا كان سؤال طلب ودعاء، وان كان سؤال ~~استخبار، فهو طلب الاخبار بادلته، والاجر جزاء العمل بالخير يقال: آجره ~~الله يآجره أجرا إذا جازاه بالخير، ويدعا به، يقال: آجرك الله. والذكر ~~حضور المعنى للنفس، وهو ضد السهو. وقد يقال للقول الذي يحضر المعنى للنفس ~~ذكر. و (العالم) جماعة الحيوان الكثيرة التي من شأنها ان تعلم، لانه ~~مأخوذ من العلم، ومنه معنى التكثير، وفي عرف المتكلمين عبارة عن الفلك ~~وما حواه عن طريق التبع للحيوان الذي ينتفع به، وهو مجعول لأجله. ومعنى ~~الآية إنك لست تسألهم على ابلاغك إياهم ما اوحى الله به اليك، ولا على ما ~~تدعوهم اليه من الايمان اجرا، فيكون تركهم لذلك إشفاقا من إعطاء الاجر، ~~بل هم يزهدون في الحق مع أمنهم من اعطاء الأجر، وليس ما تؤديه اليهم من ~~القرآن، وجميع ما ينزله الله من الاحكام { إلا ذكر للعالمين } اي طريق ~~الى العلم بما أوجب الله عليهم، فذكر الدليل طريق الى العلم بالمدلول ~~عليه. والفكر سبب مولد له، فالذكر سبب مؤد، والفكر سبب مولد. ويحتمل ان ~~يكون المراد ليس هذا القرآن الا شرفا للعالمين لو قبلوه وعملوا بما فيه. ### || [12.105] # معنى (كأين) كم. والاصل فيها (أي) فدخلت عليها الكاف للتفخيم بالابهام، ~~وتقديره كالعدد، فهو أبهم من نفس العدد، لما فيه من التكثير والتفخيم، ~~وغلبت على (كأين) (من) دون (كم) لان (كأين) أشد إبهاما، فاحتاجت الى ~~(من) لتدل على ان ما يذكر بعدها تفسير لها. # اخبر الله تعالى ان في خلق السموات والارض آيات، ودلالات كثيرة تدل على ~~ان لها صانعا صنعها، ومدبرا دبرها، وعلى صفاته، وعلمه، وحكمته، وأنه لا ~~يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، وهو ما فيها من تدبير الشمس والقمر والنجوم ~~والجماد والحيوان، وما بينهما من الاشجار والنبات، وغير ذلك من الأمور ~~الظاهرة للحواس المدركة بالعيان. وقال الحسن: من الآيات اهلاك من اهلك ms2115 من ~~الأمم الماضية، يعرضون عن الاستدلال بها عليه وعلى ما يدلهم عليه من ~~توحيده وحكمته، مع مشاهدتهم لها ومرورهم عليها. ### || [12.106] # قيل في معنى هذه الآية قولان: # احدهما - قال الحسن: الآية في اهل الكتاب، لان معهم إيمانا وشركا. # وقال ابن عباس، ومجاهد وقتادة: المعنى { وما يؤمن أكثرهم بالله } في ~~اقراره بأن الله خلقه وخلق السموات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الاوثان، ~~وهذا هو الأولى، لان التقدير ما يصدقون بعبادة الله إلا وهم يشركون ~~الأوثان معه في العبادة. # وقال الرماني: الآية دالة على ان اليهودي معه إيمان بموسى، وكفر بمحمد، ~~لانها دلت على انه قد جمع الكفر والايمان، وانه لا ينافي ان يؤمنوا بالله ~~من وجه ويكفروا به من وجه آخر، كما قال # افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي ~~في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب # وعلى مذهب من قال بالموافاة من المرجئة لا يصح ذلك، لان الاحباط عنده ~~باطل، فمن آمن بالله لا بد ان يوافي به. # والجواب على مذهبه ان يقال تأويل الآية انه لا يؤمن أكثرهم بالله ويصدق ~~رسله في الظاهر الا وهو مشرك في باطنه، فتكون الآية في المنافقين خاصة - ~~يعنى هذه الآية - وقد ذكره البلخي ايضا. ### || [12.107] # هذا خطاب لهؤلاء الكفار الذين ذكرهم بأنهم لا يؤمنون إلا وهم مشركون، ~~وتوبيخ لهم وتعنيف، وان كان متوجها الى غيرهم، فهم المعنون به، يقول: ~~أفامن هؤلاء الكفار ان تجيأهم غاشية من عذاب، وهو ما يتغشاهم من عذابه. ~~والغاشية ما يتجلل الشيء بانبساطها عليه، يقال: غشيه يغشاه، فهو غاش، وهي ~~غاشية أو: تجيأهم القيامة بغتة أي فجأة. والبغتة والفجأة والغفلة نظائر، ~~وهي مجيء الشيء من غير تقدمة. قال يزيد بن مقسم الثقفي: # ولكنهم باتوا ولم ادر بغتة # وافظع شيء حين يفجؤك البغت # والساعة مقدار من الزمان معروف، وسمي به القيامة لتعجيل أمرها، كتعجيل ~~الساعة. # وقوله { وهم لا يشعرون } معناه لا يعلمون بمجيئه، فلذلك كان بغتة. ~~والشعور إدراك الشيء بما يلطف، كدقة ms2116 الشعر يقال: شعر به يشعر شعورا ~~واشعره بالامر اشعارا، ومنه اشتقاق الشاعر لدقة فكره. ### || [12.108] # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى ان يقول لهؤلاء ~~الكفار { هذه سبيلي } يعني دينه الذي دعا إليه من توحيد الله وعدله ~~وتوجيه العبادة اليه والعمل بشرعه { أدعو } الناس { إلى } توحيد { الله } ~~والى طاعته، واتباع سبيله على معرفة مني بذلك، وحجة معي اليه، ومن تابعني ~~على ذلك، فهو يدعو الناس الى مثل ما أدعو اليه من التوحيد وخلع الانداد ~~والعمل بشرع الاسلام { وسبحانه الله } اي تتزيها لله من ان يعبد معه إله ~~غيره، وان يضاف اليه ما لا يليق به ولست أنا من المشركين الذين يشركون مع ~~الله في عبادته سواه والسبيل هو الطريق، وهو يذكر ويؤنث قال الشاعر: # ولا تبعد فكل فتى اناس # سيصبح سالكا تلك السبيلا # والدعاء طلب الفعل من الغير، وسمي الاسلام سبيلا، لانه طريق الى الثواب ~~لمن عمل به. و (البصيرة) المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل في ~~الدين والدنيا، يقال: فلان على بصيرة من أمره اي كأنه يبصره بعينه. ### || [12.109] # قرأ ابو بكر { يوحى } بالياء وفتح الحاء. وقرأ حفص بالنون وكسر الحاء. # قال ابو علي الفارسي: وجه القراءة بالنون قوله # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح # ومن قرأ بالياء، فلقوله # وأوحي إلى نوح # وقوله # قل أوحي إلي # فأما في # حم عسق كذلك يوحي إليك # ، فلان الفعل مسند الى اسم الله تعالى، فارتفع الاسم بأنه فاعل يوحي، ~~ولو قرىء يوحى اليك، والى الذين واسند الفعل الى الجار والمجرور، لكان ~~جائزا، وكان يكون قوله { الله العزيز الحكيم } مبتدءا وخبرا، والاول ~~احسن، لان قوله { العزيز الحكيم } ان يكون صفة احسن من ان يكون خبر ~~المبتدأ. # معنى الآية الاخبار من الله أني ما أرسلت قبلك من الانبياء والمرسلين ~~الى عبادي إلا رجالا يوحى اليهم بكتبي واحكامي، { من أهل القرى } أي لم ~~أرسل عليهم ملكا ولا جنيا، بل رجالا أمثالك، لقول جهال قريش ان الله ~~لو شاء ان يرسل الينا ms2117 أحدا، لأرسل إلينا ملكا، فبين ها هنا انه لم يرسل ~~فيما مضى الا رجالا، مثل محمد، من البشر، { أفلم يسيروا في الأرض } ~~معناه أفليس قد ساروا في الارض وسمعوا اخبار من ارسله الله من الانبياء ~~المبعوثين الى خلقه مثل ابراهيم وموسى وعيسى، فيعرفوا بذلك كيف كان عاقبة ~~من كذب هؤلاء الرسل من قبلهم، وما نزل بهم من العذاب لكفرهم ثم أخبر ان ~~دار الاخرة خير للذين اتقوا واجتنوا معاصيه خير لهم من الدنيا، أفلا ~~يعقلون ان الامر على ما أخبرنا به، وان ذلك خير من دار الدنيا التي فيها ~~تنغيص وتكدير، وفنون الآلام. # وقال قتادة معنى { من أهل القرى } يريد به الامصار دون البوادي، لانهم ~~اعلم وأحكم. وقال الحسن ما بعث الله نبيا من اهل البادية قط، ولا من ~~الجن ولا من النساء. # وقوله { ولدار الآخرة } على الاضافة وفي موضع آخر وللدار الآخرة على ~~الصفة. فمن اضافه قال تقديره ولدار الحال الآخرة، لان للناس حالين حال ~~لدنيا وحال الآخرة. ومثله صلاة الاولى والصلاة الاولى، فمن اضافه قدر ~~صلاة الفريضة الاولى، ومن لم يضف جعله صفة، ومثله ساعة الاولى، والساعة ~~لاولى، ذكره الزجاج. وقال الفراء قد يضاف الشيء الى نفسه إذا اختلف ~~لفظهما مثل { حق اليقين }. ومثل بارحة الاولى والبارحة الاولى ومسجد ~~الجامع، والمسجد الجامع. ### || [12.110] # قرأ { كذبوا } خفيفة بضم الكاف أهل الكوفة. الباقون مشددة بضم الكاف. ~~وقرأ عاصم وابن عامر { فنجي من نشاء } بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح ~~الياء. الباقون بنونين على الاستقبال، وهي في المصحف بنون واحدة. # من قرأ { كذبوا } خفيفة، فالمعنى إن الامم ظنت ان الرسل كذبوهم فيما ~~أخبروهم به من نصر الله اياهم واهلاك اعدائهم، ومثله قراءة من قرأ، وان ~~كان شاذا " كذبوا " يعنى ان قومهم ظنوا ان الرسل كذبت فيما أخبرت به، ~~وهو قول ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد والضحاك. ومن ~~قرأ بالتشديد حمل الظن على العلم، والمعنى أيقن الرسل ان الامم كذبوهم ~~تكذيبا عمهم حتى لا يفلح احد منهم، وهو ms2118 قول الحسن وقتادة وعائشة قال ~~الشاعر: # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # سراتهم في الفارسي المسرد # معناه ايقنوا، فان قيل على الوجه الاول كيف يجوز ان يحمل الضمير على انه ~~للمرسل اليهم والذين تقدم ذكرهم الرسل دون المرسل اليهم، قيل ان ذلك لا ~~يمتنع لان ذكر الرسل يدل على المرسل اليهم وقد قال الشاعر: # امنك البرق ارقبه فهاجا # فبت أخاله دهما خلاجا # اي بت اخال الرعد صوت دهم، فاضمر الرعد ولم يجر له ذكر لدلالة البرق ~~عليه. وان قلت قد جرى لهم ذكر في قوله { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا } ~~فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي الرسل كان جيدا، ذكره ابو علي. ~~ومن قرأ { فننجي } بنونين، فعلى انه حكاية حال، لان القصة كانت فيما مضى، ~~فانما حكى فعل الحال على ما كانت، كما قال # وإن ربك ليحكم بينهم # حكاية الحال الكائنة، ومثله # وكلبهم باسط ذراعيه # فلو لم يكن على الحال لم يعمل اسم الفاعل، لانه إذا مضى اختص، وصار ~~معهودا، فخرج بذلك من شبه الفعل. واما النون الثانية من (ننجي) فهم ~~مخفاة مع الجيم، وكذلك النون مع جميع حروف الفم، لا تكون الا مخفاة، قال ~~ابو عثمان المازني وتبيينها معها لحن. قال وللنون مع الحروف ثلاثة احوال: ~~الادغام، والاخفاء، والبيان، فهي تدغم مع ما يقارنها كما تدغم سائر ~~المتقارنة. والاخفاء فيها مع حروف الفم التي لا تقارنها والبيان منها مع ~~حروف الحلق، وحذف النون الثانية من الخط يشبه ان يكون لكراهة اجتماع ~~المثلين فيه. ومن ذهب الى ان الثانية مدغمة في الجيم، فقد غلط، لانها ~~ليست بمثل للجيم، ولا مقارنة له. ووجه قراءة عاصم انه اتى به على لفط ~~الماضي، لان القصة ماضية. وما رواه هبيرة عن عاصم بنونين، وفتح الياء، ~~فهو غلط من الراوي، كما قال ابن مجاهد، وروى نصر بن علي عن أبيه عن ابي ~~عمرو { فنجي } بنون واحدة ساكنة الياء خفيفة الجيم، فهذا غلط، لانا قد ~~بينا ان النون، لا تدغم في الجيم، لما بيناه. # اخبر الله ms2119 تعالى ان الرسل لما يئسوا من فلاح القوم وعلموا ان القوم ~~لقوهم بالتكذيب ونسبوهم الى الكذب، لان التكذيب نسبة القائل الى الكذب، ~~وضده التصديق والاستيئاس واليأس انقطاع الطمع { جاءهم نصرنا } اي أتاهم ~~نصر الله باهلاك من كذبهم ولا يرد بأسنا فالبأس شدة الأمر على النفس يقال ~~له بأس في الحرب والبئيس الشجاع لشدة أمره. ومنه البؤس الفقر والبائس ~~الفقير { عن القوم المجرمين } يعني المخطئين الذين اقترفوا السيآت. ### || [12.111] # أخبر الله تعالى ان في قصص الامم الماضين التي ذكرها دلالة لذوي العقول ~~على تصديق الرسل وان ما أخبرناك به لم يكن حديثا كذبا. والحديث الاخبار ~~عن حوادث الزمان وتسميته بأنه حديث يدل على انه حادث، لان القديم لا يكون ~~حديثا، والافتراء القطع بالمعنى على خلاف ما هو به وأصله القطع من قولهم ~~قريت الاديم فريا إذا قطعته، ووجه الاعتبار بتلك القصص ان الذي قدر على ~~إعزاز يوسف بعد القائه في الجب واعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر ~~بعد ان كان كبعض أهلها في حكم العبيد وجمعه بينه وبين والديه وإخوته على ~~ما أحبوا بعد مدة طويلة وشقة بعيدة لقادر ان يعز محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ويعلي كلمته وينصره على من عاداه. # وقوله { ولكن تصديق الذي بين يديه } معناه تصديق الكتب التي قبله من ~~التوارة، والانجيل وغيرهما من كتب الله في قول الحسن وقتادة. وانما قيل ~~لما قبله: بين يديه، لانه قد وجد فكأنه حاضر له، وقيل بين يديه، لانه ~~قريب منه كقرب ما كان بين يدي الانسان. وإنما قال { وتفصيل كل شيء } على ~~وجه المبالغة من حيث كان فيه تفصيل كل شيء يحتاج اليه في أمور الدين من ~~الحلال والحرام والحجاج والاعتبار والوعظ والازجار، أما جملة او تفصيلا. ~~و { هدى ورحمة } فالهداية الدلالة { لقوم يؤمنون } اي يصدقون بها ~~وينتفعون بالنظر فيها وخص المؤمنين بالهداية وإن كانت هداية لغيرهم من ~~حيث انهم انتفعوا هم بها دون غيرهم، ونصب تصديق على تقدير، ولكن كان ~~تصديق الذي باضمار كان على قول الزجاج. ms2120 ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # لم يعد احد { المر } آية وعد الكوفيون " طه " و " حم " آية قالوا، لان ~~(طه) مشاكلة لرؤوس الآي التي بعدها بالالف مع انه لا يشبه الاسم المفرد، ~~كما أشبه " صاد " و " قاف " و " نون " لانها بمنزلة (باب) و " نوح " ، ~~وعد " كهيعص " لانه يشاكل رؤوس الآي بعده بالارداف. وقد بينا في أول سورة ~~البقرة أقوال المفسرين في تأويل اوائل السور بالحروف. وان اقواها ان يقال ~~أنها اسماء السور واجبنا عما اعترض عليه، فلا وجه لاعادته. # وروي عن ابن عباس ان معنى قوله { المر } انا الله أرى. وقال غيره: معناه ~~انا الله أعلم. وروي انها حروف تدل على اسم الرب. وقوله { تلك آيات ~~الكتاب } ومعناه هذه تلك آيات الكتاب التي تقدمت صفتها. والبشارة بها بما ~~فيها من الهداية، كما تقول تلك الدلالة اي التي وصفها بأنه لا غنا لأحد ~~عنها، فيقول: هذا تنبيها عليها، وتفخيما لشأنها. # وقال الحسن والجبائي: يعني بالكتاب القرآن. وقال مجاهد وقتادة: يعني به ~~الانجيل. والاول اصح. وآيات الكتاب هي الكتاب، ولكن أضيف الى نفسه، لما ~~اختلف لفظه كما قال # حق اليقين # وغير ذلك مما قد مضى ذكره، وكما يقال مسجد الجامع، والمسجد الجامع، ~~والآيات الدلالات المعجبة المؤدية الى المعرفة بالله وانه لا يشبه ~~الاشياء، ولا تشبهه، والكتاب الصحيفة التي فيها الكتابة، وقد يكون مصدر ~~كتب، تقول: كتب كتابا وكتابة. { والذي أنزل إليك من ربك الحق } يحتمل ~~وجهين من الاعراب: الرفع والجر، فالرفع على الابتداء وخبره الحق، والجر ~~على انه عطف على الكتاب، وهو غيره - على قول مجاهد - ويجوز ان تكون صفة - ~~في قول الحسن - كما قال الشاعر: # الى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } اي لا يصدق اكثر الناس بأنه كذلك، ~~ويكفرون به. والحق وضع الشيء في موضعه على ما تقتضيه الحكمة والانزال ~~النقل من علو الى سفل أنزله إنزالا، ونزله تنزيلا، وضده الاصعاد. ### || [13.2] # أخبر الله تعالى في هذه الآية بما يدل على وحدانيته وكونه على صفات ms2121 لا ~~يشاركه فيها احد من المخلوقين من كونه قادرا لنفسه، لانه قال تعالى هو ~~الذي رفع السموات بغير عمد ترونها. وقيل فيه قولان: # الاول - قال ابن عباس ومجاهد: يعنى ليس ترونها دعامة تدعمها، ولا فوقها ~~علاقة تمسكها. # الثاني - قال قتادة واياس بن معاوية: ان المعنى إنه رفع السموات بلا عمد ~~ونحن نراها. # وقال الجبائي: تأويل ابن عباس ومجاهد خطأ لأنه لو كان لها عمد، لكانت ~~اجساما غلاظا ورؤيت، وكانت تحتاج الى عمد آخر إلا هو تعالى. # وهذا هو الصحيح. والوجه في قوله { بغير عمد } انه لو كان لها عمد لرئيت. ~~ومثله قول الشاعر: # على لاحب لا يهتدي لمناره # والمعنى انه لا منار له، لانه لو كان له منار لاهتدي به، وقد بينا نظائر ~~ذلك فيما مضى. و { عمد } جمع عمود يقال: عمد، كما يقال: اديم وادم. قال ~~ابو عبيدة: وهذا الجمع قليل. وقد قرىء في الشواذ { عمد } بضم العين ~~والميم، وهو القياس. والعمود السارية، ومثله الدعائم والسند واصله منع ~~الميل، فمنه التعميد والاعتماد، قال النابغة: # وخيس الجن اني قد اذنت لهم # يبنون تدمر بالصفائح والعمد # وقوله { ثم استوى على العرش } معناه استولى بالاقتدار عليه ونفوذ ~~السلطان. واصله استواء التدبير، كما ان اصل القيام الانتصاب ثم قال: قائم ~~بالتدبير، فالمعنى مستو على العرش بالتدبير المستقيم من جهته بجميع ~~الأمور. و (ثم) دخلت على معنى { ثم استوى على العرش } بالتدبير للأجسام ~~التي قد كونها، فهي تدل على حدوث التدبير. # وقال ابو علي: هي لتسخير الشمس والقمر لكنه قدم في صدر الكلام، كما قال # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين # والمعنى حتى يجاهد من نعلم من المجاهدين. # وقوله { وسخر الشمس والقمر } فالتسخير والتذليل والتوطئة نظائر، والمسخر ~~هو المهيأ، لانه يجري بنفسه من غير معاناة صاحبه فيما يحتاج اليه كتسخير ~~النار للاسخان والماء للجريان، والفرس للركوب. # وقوله { كل يجري لأجل مسمى } اجراه على لفظ كل، ومثله كل منطلق اي ~~اكلهم، ورفع كلا، لانه مستأنف، وذهب بمعنى الاثنين في الشمس والقمر الى ~~الجمع، كما قال ms2122 # فإن كان له إخوة # وإنما هما أخوان. و (الاجل) هو الوقت ضروب لحدوث أمر وانقطاعه، فاجل ~~الدنيا الوقت المضروب، لا نقضائها واجل الآخرة، الوقت المضروب لحدوثها، ~~واجل الدين وقت حدوث أدائه، واجل العمر الوقت المضروب لانقضائه، والاجل ~~المسمى - ها هنا - قيل يوم القيامة. # وقوله { يدبر الأمر } فالتدبير تصريف الامور على ما يقتضيه مستقبل حاله ~~في عاقبته، فتدبير السموات والارض فيه دلالة على مدبر حكيم، قد جعل جميع ~~ذلك لما يصلح في عاقبته، وعاجلته. ودخلت الالف واللام على { الشمس } وهي ~~واحدة لا ثاني لها، لان في إسمها معنى الصفة، لانه لو وجد مثلها لكان ~~شمسا، وكذلك { القمر } لو خلق الله مثله لكان قمرا، وليس كذلك زيد ~~وعمرو. # وقوله { يفصل الآيات } اي يميز الدلالات واختلاف مدلولاتها، من كونه ~~قادرا عالما حكيما لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء { لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون } معنا لكي توقنوا لقاء ثواب طاعات الله ولقاء عقاب معاصيه، فسمى ~~لقاء ثوابه وعقابه لقاءه مجازا. ### || [13.3] # ذكر الله تعالى في الآية الاولى بالسماء والشمس والقمر، لان اكثر ما في ~~العالم متعلق بذلك وجار مجراه كالنبات والحرث والنسل، ثم ذكر في هذه ~~الآية الارض وتدبيره لها على ما فيه من المصلحة لينبه بذلك من ذهب عن ~~الاستدلال به على حكمته تعالى، وتوحيده، فقال { وهو الذي مد الأرض } يعنى ~~بسطها طولا وعرضا { وجعل فيها رواسي } يعني جبالا راسيات ثابتات، ~~يقال: رسي هذا الوتد وأرسيته. وواحد (الرواسي) راسية { وأنهارا } اي ~~وخلق فيها أنهارا يجري المياه فيها { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين } ثم ابتدأ فقال: وجعل فيها من جميع الثمرات زوجين أي ضربين. قال ~~الحسن يعني لونين من كل ما خلق من البنات. والزوج يكون واحدا ويكون ~~اثنين، وها هنا واحد. # وقريش تقول: للانثى زوج وللذكر زوج. قال الله تعالى # أسكن أنت وزوجك الجنة # لادم. # ومعنى { يغشي الليل النهار } اي يجلل الليل النهار والنهار بالليل. ~~والمعنى انه يذهب كل واحد منهما بصاحبه ومثله # يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل # والمعنى ms2123 ان أحدهما يذهب الآخر. ثم أخبر تعالى ان فيما ذكره من الدلالات ~~لآيات واضحات لمن فكر، واعتبر بها، لان من لم يفكر فيها ولم يعتبر، كأنه ~~لا آية له. # وقوله { زوجين اثنين } انما اكد ب { اثنين } وان كان قوله { زوجين } ~~افاد العدد لامرين: # احدهما - على وجه التأكيد وهو مستعمل كثيرا. # الثاني - ان الزوجين قد يقع على الذكر والانثى. وعلى غيرهما، فاراد ان ~~يبين ان المراد به ها هنا لونين أو ضربين دون الذكورة والانوثة، وذلك ~~فائدة لا يفيدها قوله { زوجين } فلا تكرار فيه بحال. وهو قول الحسن ~~والجبائي وغيرهما. ### || [13.4] # قرأ ابن كثير وأهل البصرة وحفص { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } بالرفع ~~فيهن. الباقون بالخفض. وروى ابو شعيب القواس عن حفص ضم الصاد من صنوان في ~~الموضعين. الباقون بكسرها. وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب { يسقى } بالياء. ~~الباقون بالتاء. وقرأ اهل الكوفة الا عاصما يفضل بالياء. الباقون بالنون. # قال ابو علي النحوي: من قرأ { وزرع } مرفوعا جعله محمولا على قوله { ~~في الأرض } ويكون تقديره وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من اعناب وفي ~~الارض زرع ونخيل صنوان، فالجنة على هذا تقع على الارض التي فيها النخيل. ~~دون غيرها. ويقوي ذلك قول زهير: # كأن عيني غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # السحق جمع سحوق يوصف بها النخيل اذا بسقت فكأنه سمى الارض ذات النخل ~~جنة، ولم يذكر ان فيها غيرها؛ فكما ان الجنة تكون من النخيل من غير ان ~~يكون منها شيء آخر، كذلك تكون من الكروم، وان لم يكن فيها غيرها. # فاما من قرأ بالخفض فانه حمل الزرع والنخيل على الاعناب، كأنه قال جنات ~~من أعناب ومن زرع، ومن نخيل. وقد تسمى الارض إذا كان فيها النخل والكرم ~~والزرع جنة، قال الله تعالى # جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا # ويقوي ذلك قول الشاعر: # أقبل سيل جاء من أمر الله # يجرد جرد الجنة المغلة # فقوله (المغلة) في وصف الجنة يدل على ان الجنة يكون فيها الزرع، لان ~~الغلة ms2124 لا يقال إلا فيما يكال ويوزن، فلذلك قال الفقهاء: اذا قال: أوصيت ~~له بغلة هذه القرية انه يكون على ما فيها، من الحال من الثمرة وغيرها وقت ~~التلفظ بالوصية دون ما يحدث بعد. # و (الصنوان) فيما ذهب اليه ابو عبيدة صفة النخل قال: والمعنى ان يكون ~~الاصل واحدا ثم يتشعب من الرؤس فيصير نخلا ويحملن. وقال وقوله { يسقى ~~بماء واحد } لانها تشرب من اصل واحد { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ~~وهو الثمرة، واجاز غيره ان يكون (الصنوان) من صفة الجنات: # قال ابو علي فكأنه في المعنى يراد به ما في الجنات. وان جرى على لفظ ~~الجنات. وعلى هذا يجوز ان ترفع وان جررت النخل غير أنه لم يقرأ به. ومن ~~ضم الصاد من صنوان جعله مثل ذئب وذؤبان، وربما يعاقب فعلان وفعلان على ~~بناء واحد نحو خشن وخشان. واظن سيبويه حكى الضم في صنوان والكسر اكثر. ~~ومن قرأ { تسقى } بالتاء اراد تسقى هذه الاشياء { بماء واحد } ويقوى ذلك ~~قوله { ونفضل بعضها على بعض } فحمله على التأنيث. ومن قرأ بالياء فعلى ~~تقدير ما ذكرناه. ومن قرأ { يفضل } بالياء. رده الى الله، وتقديره ويفضل ~~الله بعضها على بعض ومن قرأ بالنون، فعلى الاخبار عن الله عز وجل أنه قال ~~{ ونفضل } نحن { بعضها على بعض }. # اخبر الله تعالى على وجه التنبيه لعباده على الاستدلال بآياته بان قال ~~في الارض التي خلقتها قطع متجاورات. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه ~~سبخة وغير سبخة. وقيل عامرة وغير عامرة. والمتجاورة المتقاربة بعضها من ~~بعض. # وقوله { وجنات من أعناب } فالجنة البستان الذي يجنه الشجر وهي منفصلة من ~~الروضة والزهرة { من أعناب } جمع عنب وهو ثمر الكرم يقع على انواع كثيرة، ~~والزرع القاء الحب للنبات في الارض، والغرس جعل الاصل من الشجر الثابت في ~~الارض، والصنوان المتلاصق وهي الفسيلة تكون في اصل النخلة. ويقال: هو ابن ~~أخيه صنو أبيه اي لصنو ابيه في ولادته، ويجوز في جمع صنو اصناء كعدل ~~واعدال. ويقال: صنو بضم الصاد وإذا كثرت، ms2125 فهو الصني والصنى، وقال البراء ~~بن عازب وابن عباس ومجاهد وقتادة: الصنوان النخلات التي اصلها واحد. وقال ~~الحسن: الصنوان النخلتان اصلهما واحد { يسقى بماء واحد } معناه ان ما ~~ذكرناه يسقى بماء واحد { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } بان يكون بعضه ~~حلوا وبعضه حامضا وبعضه مرا في الاكل. والاكل الطعام الذي يصلح للاكل، ~~فدل بذلك على بطلان قول من يقول بالطبع، لانه لو كان قولهم صحيحا لما ~~اختلفت طعوم هذه الاشياء مع ان التربة واحد والماء واحد، وجميع احوالها ~~المعقولة متساوية، فلما تفاضلت مع ذلك دل على ان المدبر لها عالم حكيم ~~ففعله بحسب المصلحة { إن في ذلك لأيات لقوم يعقلون } اخبار منه تعالى ان ~~فيما ذكرناه دلالات لقوم يعقلونها ويتدبرونها لان من لا عقل له لا ينتفع ~~بالاستدلال بها، وانما ينتفع بذلك ذوو الألباب والعقول. ### || [13.5] # في الكوفي. وفي المدنيين والبصري آيتان تمام الاولى قوله { لفي خلق جديد ~~}. # قرأ ابن عامر وابو جعفر { إذا } بهمزة واحدة على الخبر. الباقون بهمزتين ~~على الاستفهام. وحقق الهمزتين اهل الكوفة وروح. وقرأ نافع وابن كثير وابو ~~عمرو ورويس بتخفيف الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بالف نافع الا ~~ورشا وابو عمرو. واما { إنا } فقرأه بهمزة واحدة على الخبر نافع ~~والكسائي ويعقوب. الباقون بهمزتين على الاستفهام. وحقق الهمزتين ابن عامر ~~وعاصم وحمزة وخلف الا ان هشاما يفصل بينهما بالف. وقرأ ابن كثير وابو ~~عمرو، وابو جعفر بتحقيق الاولى وتليين الثانية إلا ان ابا عمرو وابا جعفر ~~يفصلان بينهما بالف، وابن كثير لا يفصل. وكذلك اختلافهم في الموضعين في ~~(سبحان) وسورة المؤمنين والسجدة ولقمان. والثاني من اللذين في الصافات. ~~وما سوى ذلك من الاستفهامين يذكر في موضعه ان شاء الله قال ابو علي ~~الفارسي من قرأ (أإذا، أإنا) بالاستفهام فيهما، فموضع (اذا) نصب بفعل ~~مضمر يدل عليه قوله { أءنا لفي خلق جديد } لان هذا الكلام يدل على نبعث ~~ونحشر، فكأنه قال أنبعث اذا كنا ترابا. ومن لم يدخل الاستفهام في الجملة ~~الثانية كان موضع (اذا) نصبا ms2126 بما دل عليه قوله { انا لفي خلق جديد } ~~فكأنه قال انبعث اذا كنا ترابا، وما بعد (ان) لا يعمل فيما قبله بمنزلة ~~الاستفهام، فكما قدرت هذا الناصب في (اذا) مع الاستفهام، لان الاستفهام ~~لا يعمل ما بعده فيما قبله كذلك نقدره في (إنا) لان ما بعدها ايضا لا ~~يعمل فيما قبلها. وقراءة ابن عباس { اذا كنا ترابا } على الخبر (أإنا) ~~على الاستفهام ينبغي ان يكون على مضمر كما حمل ما تقدم على ذلك، لان بعد ~~الاستفهام منقطع مما قبله. فاما ابو عمرو، فأنه يفصل بين الهمزتين بألف، ~~كما يفصل في { أأنذرتهم } وكما يفصل بين النونات في (اخشينان) ويأتي بعد ~~ذلك بالهمزة بين بين، وليست (يا) ياء محضة، كما ان الهمزة في السائل ليست ~~ياء محضة، وانما هي همزة بين بين، وابن كثير ان اتي بياء ساكنة بعد ~~الهمزة من غير مد فليس ذلك على التخفيف القياسي، لانه لو كان كذلك، لوجب ~~ان يجعل الهمزة بين بين، كما فعل في سم في المتصل وفي اذ قال ابراهيم - ~~في المنفصل لذلك، ولكنه يبدل من الهمزة ابدالا محضا كما حكى سيبويه انه ~~سمع من العرب من يقول (بئس) وقد جاء في الشعر يومئذ على القلب. # مدح الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم تعجبه من الكفار في عبادتهم ~~ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا. ثم اخبر ان هذا موضع العجب، وذمهم ~~بعجبهم من اعادتهم ثانية مع علمهم بالنشأة الاولى، وفيما بين الله تعالى ~~من خلق السموات والارض، وما بينهما من عجائب افعاله التي تدل على انه ~~قادر على الاعادة، كما دلت على الانشاء، لان هذا مما ينبغي ان يتدبره ~~العاقل، وقد قيل: (لا خير فيمن لا يتعجب من العجب وأرذل منه المتعجب من ~~غير عجب) والعجب والتعجب واحد. # وهو تغير النفس بما خفي سببه عن الكافر وخرج عن العادة، فهؤلاء الجهال ~~توهموا انهم اذا صاروا ترابا لا يمكن ان يصيروا حيوانا. والذي انشأهم ~~اول مرة قادر ان يعيدهم ثانية. # ثم اخبر تعالى ms2127 عنهم، فقال: هؤلاء هم الذين جحدوا نعم الله، وكفروا ~~بآياته ودلالاته، وهم الذين يحشرهم الله يوم القيامة، والاغلال في ~~اعناقهم. والغل طوق يقيد به اليد في العنق، وأصله الغل في الشيء إذا ~~انتسب فيه. وغل: اذا خان بانتسابه في مال الحرام والاعناق جمع عنق، وهو ~~مغرز الرأس. وقيل ان المعنى في ذلك انهم يؤاخذون بأعمالهم، وهي الاغلال، ~~كما قال # اذ الأغلال في أعناقهم # فكأنهم بمنزلة من الغل في عنقه لما لزمهم من الكفر به، فقال و { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } اخبار منه تعالى انهم بعد الغل في اعناقهم ~~يجعلون في النار مؤبدين فيها معذبين بأنواع العذاب. ### || [13.6] # أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء الكفار يطلبون منك ~~ما يسوؤهم ان يعجل لهم، كما قالوا # أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم # قبل ان يسألوا الاحسان بالانتظار لهم، وقد حكم الله تعالى ان يمهلهم ~~التوبة. ثم يأخذ من أقام على القبح بالعقوبة. والاستعجال طلب التعجيل، ~~والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته الذي يقدر له. والسيئة خصلة تسوء النفس، ~~ساءه يسوءه سوءا، وهو ساء وهي سايئة وسيء وسيئة قال الشاعر: # ولا سيء يردي إذا ما تلبسوا # الى حاجة يوما مخلسه بزلا # والحسنة خصلة تسر النفس وقد يعبر بهما عن الطاعة، والمعصية. # وقوله { خلت من قبلهم المثلات } أي مضت بانقضائها كمضي اهل الدار عنها، ~~يقال: خلت الديار بهلاك أهلها وخلوهم بخلو مكانهم منها، والمثلات ~~العقوبات التي تزجر عن مثل ما وقعت لاجله واحدها مثلة مثل سمرة وصدقة، ~~وفي الجمع سمرات وصدقات، ويقال مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وسكون ~~الثاء، وأمثلته من صاحبه إمثالا إذا قصصته منه وتميم تقول: مثلة على وزن ~~غرفة، ثم قال { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } على وجه الاخبار عن ~~نفسه بالرحمة بخلقه والتفضل عليهم بأنه يغفر للناس على كونهم ظالمين وذلك ~~يدل على بطلان قول من قال إن اصحاب الكبائر لا يجوز ان يعفو الله عنهم ~~إلا بالتوبة، لانه تعالى ms2128 لم يشرط في ذلك التوبة ومن شرط في الآية التوبة ~~اوخصها بالصغائر كان تاركا للظاهر. # وقوله { وإن ربك لشديد العقاب } اخبار منه تعالى بأنه كما يغفر تارة مع ~~الظلم، كذلك قد يعاقب مع الاصرار عذابا شديدا فلا تغتروا بذلك ولا ~~تعولوا على مجرد العفو لانه يجوز ان لا يعفو. ### || [13.7] # اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم يقولون هلا انزل على ~~محمد آية يقترحونها مثل ما حكى الله عنهم من نحو تفجير الانهار بحيث ~~سألوا سقي البلاد ونقل جبال مكة عن اماكنها لتتسع على أهلها وإنزال كتاب ~~من السماء الى الارض يقرؤن فيه الأمور التي دعاهم اليها، فقال الله تعالى ~~له ليس أمر الآيات اليك إنما أمرها الى الله ينزلها على ما يعلمه من ~~مصالح العباد و { إنما أنت منذر } اي معلم لهم على وجه التخويف لهم معاصي ~~الله وعقابه، { ولكل قوم هاد } يهديهم الى الحق. وللناس في معناه خمسة ~~اقوال: # احدها - روي عن ابن عباس بخلاف فيه ان الهادي هو الداعي الى الحق. # والثاني - قال مجاهد وقتادة وابن زيد: انه نبي كل أمة. # الثالث - في رواية اخرى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ورواية عن مجاهد ~~والضحاك: ان الهادي هو الله. # الرابع - قال الحسن وقتادة في رواية وأبو الضحى وعكرمة: انه محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهو اختيار الجبائي. # والخامس - ما روي عن ابي جعفر، وأبي عبد الله (ع) إن الهادي هو امام كل ~~عصر، معصوم يؤمن عليه الغلط وتعمد الباطل. # وروى الطبري باسناده عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت ~~{ إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ~~على صدره، وقال # " انا المنذر { ولكل قوم هاد } وأومأ بيده الى منكب علي (ع)، فقال انت ~~الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي ". ### || [13.8-9] # قرأ ابن كثير " المتعالي " بياء في الوصل والوقف الا المالكي والعطار عن ~~الزبيبى ويعقوب، وروى المالكي والعطار عن الزبيبي بياء في الوقف ms2129 دون ~~الوصل. الباقون بغير ياء في الحالين. وروي عن ابي عمير - في رواية شاذة - ~~مثل ابن كثير، قال أبو علي: اثبات الياء في الحالين هو القياس، وليس ما ~~فيه الالف واللام من هذا الباب كما لا الف فيه ولام نحو قاض وغاز. قال ~~سيبويه إذا لم يكن في موضع تنوين يعنى اسم الفاعل فان الاثبات اجود في ~~الوقف نحو هذا القاضي، وهذا الغازي، لانها ثابتة في الوصل يريد ان الياء ~~مع الالف واللام تثبت ولا تحذف كما تحذف من اسم الفاعل إذا لم يكن فيه ~~الالف واللام، نحو هذا قاض، فاعلم، فالياء مع غير الالف واللام تحذف في ~~الوصل، فاذا حذفت في الوصل كان القياس ان تحذف في الوقف. وهي اللغة ~~والأقيس. فأما إذا حذفت الالف واللام، ولا يحذف اللام - في اللغة التي هي ~~اكثر عند سيبويه، فأما من حذف في الوصل والوقف فلأن سيبويه زعم ان من ~~العرب من يحذف هذا في الوقف شبهه بما ليس فيه الف ولام إذ كانت تذهب ~~الياء في الوصل في التنوين لو لم يكن الف ولام. واما حذفهم لها في الوصل ~~فلم يكن القياس، لانه لم يضطر الى حذفه لشيء كما اضطر ما لا الف ولام فيه ~~للتقاء الساكنين، فكرهوا حركة الياء بالضم والكسر لكن حذف؛ كما حذف في ~~الفواصل وما اشبه الفواصل تشبيها بالقوافي. # اخبر الله تعالى انه عز وجل { يعلم ما تحمل كل أنثى } من علقة او مضغة ~~ومن ذكر او انثى ومن زائد او ناقص وعلى جميع احواله وصفاته، لانه عالم ~~لنفسه. (والحمل) بفتح الحاء ما كان في البطن - وبكسرها - ما كان على ~~الظهر. وقوله " وما تغيض الأرحام " وما تزداد، وقيل فيه ثلاثة اقوال: # الأول ما ينقص من ستة أشهر وما يزداد لان الولد يولد لستة اشهر فيعيش ~~ويولد لسنتين فيعيش ذهب اليه الضحاك. # الثاني - قال الحسن ما ينقص بالسقط وما يزداد بالتمام. # الثالث قال ابن زيد ما ينقص بغور النطفة وظهور دم الحيض فينقص تلك ~~الايام، لانه لا يعتد ms2130 بها في الحمل وينقص حال الولد وما يزداد من الاشهر، ~~وفي حال الولد. وقال الفراء الغيض النقصان، تقولون: غاضت المياه اي نقصت، ~~وفي الحديث # " اذا كان الشتاء غيضا والولد غيضا وغاضت الكرم غيضا وفاضت اللئام ~~فيضا " # وقال الزجاج الغيض النقصان. # وقوله { وكل شيء عنده بمقدار } قيل في معناه قولان: # احدهما - ان جميع ما يفعله الله على مقدار ما تدعو اليه الحكمة من غير ~~نقصان ولا زيادة، وقال قتادة: معناه كل شيء عنده بمقدار في الرزق والاجل. # والمقدار مثال يقدر به غيره. ثم اخبر تعالى أنه عالم بما غاب عن الحواس ~~وبما ظهر لها فالغيب كون الشيء بحيث يخفى عن الحس، يقال غاب يغيب، فهو ~~غائب. والشهادة حصول الشيء بحيث يظهر للحس ومنه الشاهد خلاف الغائب. ~~ويقال شهد في المصر اذا حضر فيه. ومنه قوله # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # اي من حضر المصر فيه، وانما قال { عالم الغيب } مع ان الله تعالى لا ~~يغيب عنه شيء، لأنه اراد ما غاب عن احساس العباد. وقيل انه اراد انه يعلم ~~المعدوم والموجود، فالغيب هو المعدوم. وقال الحسن: الغيب السر، والشهادة ~~العلانية. # وقوله { الكبير المتعال } فالكبير هو السيد المقتدر. ومعناه الاكبر بسعة ~~مقدوره. والمتعالي المقتدر بما يستحيل ان يكون أعلى منه في الاقتدار أو ~~مساويا له، فهو أقدر من كل قادر، ولهذا استحالت مساواته في المقدور، لان ~~من لا يساويه أحد في المقدور فهو أعلى في المقدور، كأنه قال: تعالى ~~مقدوره الى ما يستحيل ان يكون اعلى منه. وقال الحسن: المتعالي عما يقول ~~المشركون فيه. ### || [13.10] # معنى الآية ان الله تعالى الذي وصف نفسه بأنه الكبير المتعالي على غيره ~~بسعة قدرته سواء عليه الاشياء في أنه يعلمها على اختلاف حالاتها، وانه ~~يعلم الانسان على تصرف احواله مما يسر في نفسه اي يخفيه او يعلنه أو ~~يستتر بالليل او يسرب بالنهار، كل ذلك سواء في ظهوره له، فيجب ان يحذر من ~~هذه صفته، ويعلم انه يأتي بالآيات بحسب ما يعلمه من مصلحة خلقه. وقال ms2131 ~~الزجاج: المعنى ان الظاهر في الطرقات والمستخفي في الظلمات والجاهر بنطقه ~~والمضمر في نفسه في معلوم الله { سواء } اي ليس ببعض ذلك اعلم من بعض. ~~وقال الحسن: { سارب بالنهار } اي مستتر فيه. وقال قطرب: يجوز ان يكون ~~معنى { مستخف بالليل } اي ظاهر بالليل { وسارب بالنهار } اي مستتر فيه. ~~قال الزجاج: هذا جائز في اللغة، يقال منه انسرب الوحش اذا دخل في كناسه. ~~وقال ابو رجاء: السارب الذاهب على وجهه، يقال انسرب فلان انسرابا. وقال ~~ابن عباس وقتادة: السارب الظاهر من خفى كان فيه. ويقال: فلان سارب في ~~مذهبه اي ظاهر يقال: خلا سربه اي طريقه، ويقال: فلان آمن في سربه بالفتح ~~والخفض معا قال قيس بن الخطيم: # أنى سربت وكنت غير سروب # وتقرب الاحلام غير قريب # وقال قوم: السارب الذي يسلك في سربه اي في مذهبه، يقال منه: سرب يسرب ~~سروبا. وقال بعضهم السارب الجاري في خروجه الى الأمر بسرعة, يقال انسرب ~~الماء من خروز القربة، قال ذو الرمة: # ما بال عينك منها الماء منسكب # كأنها من كلى مفرية سرب # فالاستخفاء طلب الاختفاء، خفي يخفى نقيض ظهره يظهر ظهورا. واختفى ~~اختفاء وأخفاه إخفاء، وتخفى تخفيا. والاسرار إخفاء المعنى في النفس، ~~فأسر القول معناه أخفى في نفسه، والجهر رفع الصوت بالقول، يقال: لصوته ~~جهارة اي قوة في رفعه اياه، وهو يجاهر بأمره اي يظهره ويعلنه. والسواء هو ~~الاعتدال في الوزن. و (من) في موضع الذي، وهما مرتفعان و { سواء } رفع ~~بالابتداء، وهو يطلب اثنين. تقول: سواء زيد وعمرو، اي هما مستويان. ### || [13.11] # اختلفوا في الهاء في قوله { له } الى من ترجع، فقال ابن زيد: على اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إنما أنت منذر } وقال غيره: على اسم ~~الله في قوله { عالم الغيب والشهادة } وقال قوم: على (من) في قوله { من ~~أسر القول ومن جهر } فكأنه قال للانسان معقبات. وهو الأقوى. والمعقبات في ~~هذا الموضع هم الملائكة، فقال الحسن وقتادة ومجاهد: ملائكة الليل تعقب ~~ملائكة النهار، وقال ابن عباس ms2132 - في رواية - انهم الامراء والولاة لهم حرس ~~واعوان يحفظونهم. وقال الحسن: هم اربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر، ~~والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، ويكون بدلا منه. ~~وأصل التعقيب كون شيء بعد آخر، فالمعقبات الكائنات على خلف بعضها لبعض ~~بعد ذهابه، والمعقب الطالب دينه مرة بعد اخرى قال لبيد: # حتى تهجر في الرواح وهاجه # طلب المعقب حقه المظلوم # ومنه العقاب لانه يستحق عقيب المعصية. والعقاب لانه يعقب بطلبه لصيده ~~مرة بعد مرة، والعقب لانه يعقب به لشده على الشيء مرة بعد مرة، وهو جمع ~~الجمع، لان واحده معقب مثل رجالة ورجالات. وفي قراة أهل البيت { له ~~معقبات من خلفه ورقيب بين يديه } قالوا لان المعقب لا يكون الا من خلفه. ~~وقوله { يحفظونه من أمر الله } قيل في معناه اقول: # احدها - قال الحسن وقتادة: المعنى بأمر الله، كما تقول جئتك من دعائك ~~اياي اي بدعائك، وفي قراءة اهل البيت { بأمر الله }. # وقال مجاهد وابراهيم: يحفظونه من امر الله من الجن والهوام. والمعنى ذلك ~~الحفظ من امر الله. # وقال قوم: معناه عن أمر الله، كما يقال أطعمه عن جوع ومن جوع. # وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه من أمر الله يحفظونه، وانما قال يحفظونه على التذكير مع قوله { له ~~معقبات } على التأنيث حملا على المعنى، وفي تفسير اهل البيت إن معناه ~~يحفظونه بأمر الله. # وقوله { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } معناه ان الله ~~لا يسلب قوما نعمة حتى يعملوا بمعاصيه التي يستوجبون بها العقاب فانه ~~حينئذ يعاقبهم ويغير نعمه عليهم. # وفي ذلك دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله يعذب الاطفال، لانهم لم ~~يغيروا ما بأنفسهم بمعصية كانت منهم. والتغيير تصيير الشيء على خلاف ما ~~كان مما لو شوهد شوهد على خلاف ما كان. # وقوله { وإذا أراد الله بقوم سوءا } يعنى هلاكا { فلا مرد له وما لهم ~~من دونه من وال } معناه لا يقدر أحد على دفعه ms2133 ولا نصرته عليه بل هو تعالى ~~الغالب لكل شيء القاهر لمن يريد قهره، والوالي فاعل من ولي يلي فهو وال ~~وولي مثل عالم وعليم، والله ولي المؤمن اي ناصره، والمعنى لا يتولاهم ~~أحد الا الله. ### || [13.12-13] # اخبر الله تعالى انه هو الذي يرى الخلق البرق اي يجعلهم على صفة الرؤية ~~بايجاد المرئي لهم وجعله إياهم على هذه الصفة التي يرون معها المرتيات من ~~كونهم احياء ورفع الموانع والافات منهم يقال: أراه يريه إراءة إذا جعله ~~رائيا مثل أقامه يقيمه إقامة، وهو مشتق من الرؤية. والبرق ما ينقدح من ~~السحاب من اللمعان كعمود النار وجمعه بروق وفيه معنى السرعة، يقال: امض ~~في حاجتك كالبرق، والخوف انزعاج النفس بتوهم وقوع الضرر، خاف من كذا يخاف ~~خوفا فهو خائف. والشيء مخوف. والطمع تقدير النفس لوقوع ما يتوهم من ~~المحبوب. ومثله الرجاء والامل. # وقيل في معنى قوله { خوفا وطمعا } قولان: # احدهما - قال الحسن: خوفا من الصواعق التي تكون مع البرق وطمعا في ~~الغيث الذي يزيل الجدب والقحط. # وقال قتادة: خوفا للمسافرين من اذاه وطمعا للمقيم في الرزق به، وهما ~~منصوبان على أنه مفعول له. # وقوله { وينشىء السحاب الثقال } والانشاء فعل الشيء من غير سبب مولد، ~~ولذلك قيل النشأة الاولى، والنشأة الثانية. ومثله الاختراع والابتداع. ~~والسحاب هو الغيم، سمي به، لانه ينسحب في السماء. واذا قيل سحابة جمعت ~~على سحائب, كقولك غمامة وغمائم والسحاب جمع سحابة، والثقال جمع ثقيل مثل ~~شريف وشراف وكريم وكرام. والثقل الاعتماد الى جهة السفل؛ والمعنى إن ~~السحاب ثقال بالماء، وهو قول مجاهد. # وقوله { ويسبح الرعد بحمده } فالتسبيح تنزيه الله عز وجل عما لا يجوز ~~عليه، والتنزيه له من كل صفة نقص تضاف اليه، واصله البراءة من الشيء قال ~~الشاعر: # اقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # اي براءة منه. و { الرعد } اصطكاك اجرام السحاب بقدرة الله تعالى وفيه ~~أعظم العبرة واوضح الدلالة، لانه مع ثقله وهو له، وغلظ جرمه حتى يسمع مثل ~~الرعد في عظمه معلق بقدرته تعالى لا ms2134 يسقط الى الارض منه شيء ثم ينقشع ~~كأنه لم يكن، ولا شيء منه، وقد ذكرنا اختلاف المفسرين في الرعد في سورة ~~البقرة. والحمد الوصف بالجميل من الاحسان على وجه التعظيم. # وقيل في معنى قوله { ويسبح الرعد بحمده } ثلاثة اقوال: # احدها - يسبح بما فيه من الدلالة على تعظيم الله ووجوب حمده، فكأنه هو ~~المسبح لله عز وجل. # الثاني - انه يسبح بما فيه من الآية التي تدعو الى تسبيح الله تعالى. # الثالث ان الرعد ملك يزجر السحاب بالصوت الذي يسمع، وهو تسبيح الله بما ~~يذكره من تعظيم الله. # وقوله { والملائكة من خيفته } تقديره ويسبحه الملائكة من خيفته. والفرق ~~بين الخيفة والخوف، ان الخيفة صفة للحال مثل قولك: هذه ركبة اي حال من ~~الركوب الحسن، وكذلك هذه خفية شديدة. والخوف مصدره مطلق غير مضمن بالحال. # وقوله { ويرسل الصواعق } وهي جمع صاعقة وهي نار لطيفة تسقط من السماء ~~بحال هائلة من شدة الرعد وعظم الامر يقال: إنها قد تسقط على النخلة وكثير ~~من الاشجار تحرقها، وعلى الحيوان فتقتله. # وقوله { فيصيب بها } يعني بالصاعقة من يشاء من عباده. وقوله { وهم ~~يجادلون في الله } يعني هؤلاء الجهال مع مشاهدتهم لهذه الآيات يخاصمون ~~اهل التوحيد، ويحاولون فتلهم عن مذهبهم بجدالهم. والجدال فتل الخصم عن ~~مذهبه بطريق الحجاج. # وقوله { وهو شديد المحال } فالشدة قوة العقدة وفي بدن فلان شدة اي قوة ~~كقوة العقدة، وشدة العقاب قوته يغلظ على النفس، كقوة العقدة، والمحال ~~الأخذ بالعقاب، يقال ما حلت فلانا اماحله مماحلة ومحالا، ومحلت به أمحل ~~محلا إذا فتلته الى هلكه. والميم أصلية في المحل يقال محلني يا فلان اي ~~قوني. وقال الجبائي: شديد الكيد للكفار، وسني المحل سني الهلاك بالقحط. ~~واصله الفتل الى الهلاك قال الاعشي: # فرع نبع يهتز في غصن المج # د غزير الندى شديد المحال # وقيل فيمن نزلت هذه الآية قولان: # احدهما - قال أنس بن مالك وعبد الرحمن صحار العبدي، ومجاهد: انها نزلت ~~في رجل من الطغاة جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يجادله، فقال يا ms2135 محمد ~~مم ربك أمن لؤلؤ ام ياقوت أم من ذهب ام من فضة؟ فأرسل الله عليه صاعقة، ~~فذهبت بقحفه. # وقال ابن جريج: نزلت في أربد، لما أراد هو وعامر بن الطفيل قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجفت يده على قائم سيفه، فرجع خائبا، فارسل ~~الله (عز وجل) عليه في طريقه صاعقة فأحرقته وابتلى عامرا بغدة كغدة ~~البعير قتلته حتى قال عند موته: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. وفي ~~ذلك يقول لبيد ابن ربيعة في أربد، وكان اخاه: # اخشى على أربد الحتوف ولا # أرهب نوء السماك والاسد # ففجعني البرق والصواعق بال # فارس يوم الكريهة النجد ### || [13.14] # أخبر الله تعالى بأن له (عز وجل) دعوة الحق. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد إنها شهادة ان لا إله على اخلاص ~~التوحيد. # الثاني - قال الحسن: الله هو الحق، فمن دعاه دعا الحق. وقال قوم: كل ~~دعوة هي حق جاز ان تضاف الى الله، قال ابو علي دعوة الحق هي الدعوة التي ~~يدعى الله بها على اخلاص التوحيد، والدعوة طلب فعل الشيء، فالانسان يدعو ~~ربه ان يدخله في رحمتة وهو أهل المغفرة والرحمة، وكل ما لابسه الانسان، ~~فقد دخل فيه. والمعنى لله من خلقه الدعوة الحق. وقوله { والذين يدعون من ~~دونه } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن: والذين يدعون من الاوثان لحاجاتهم. # الثاني - الذين يدعون أربابا. وقيل ان المعنى الذين يدعون غيره مقصرين ~~عن دعائهم له، كما قال الشاعر: # اتوعدني وراء بني رياح # كذبت لتقصرن يداك دوني # اي عني. { لا يستجيبون لهم بشيء } فالاستجابة متابعة الداعي فيما دعا ~~اليه بموافقة إرادته والاستجابة، والاجابة واحد إلا ان صيغة الاستجابة ~~تفيد طلب الموافقة، قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب الى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقوله { إلا كباسط كفيه إلى الماء } معناه قال مجاهد: كباسط كفه الى ~~الماء مشيرا اليه من غير تناول الاناء ليبلغ فاه ببسط كفه ودعائه له. ~~وقال الحسن معناه كباسط ms2136 كفيه الى الماء، فمات قبل ان يصل اليه، والعرب ~~تضربه مثلا لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء قال الشاعر: # فأني واياكم وشوقا اليكم # كقابض ماء لم تسقه انامله # وقال الآخر: # فاصبحت مما كان بيني وبينها # من الود مثل القابض الماء باليد # { وما هو ببالغه } إخبار منه تعالى ان من كان كذلك لا يبلغ الماء فاه. ~~ثم أخبر تعالى فقال { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } أي ليس دعاؤهم ~~الاوثان من دون الله إلا الاضلال عن الحق وعدولا عن طريقه وأنه جار ~~مجرى ما ذكره من باسط كفيه الى الماء، وهو بعيد منه من غير أن يتناوله ~~ويدعوه الى فمه، فان ذلك لا يصل اليه أبدا. ### || [13.15] # أخبر الله تعالى ان جميع من في السموات والارض يسجدون له إما طوعا منهم ~~او كرها. وقيل في معنى ذلك ثلاثة اقوال: # احدها - قال الحسن وقتادة وابن زيد: ان المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجد ~~كرها بالسيف، ويكون المعنى على هذا إن السجود واجب لله، فالمؤمن يفعله ~~طوعا والكافر يؤخذ بالسجود كرها اي هذا الحكم في وجوب السجود لله # الثاني - ان المؤمن يسجد لله طوعا، والكافر في حكم الساجد كرها بما ~~فيه من الحاجة اليه، والذلة التي تدعو الى الخضوع لله تعالى. # الثالث - قال ابو علي: سجود الكره بالتذليل للتصريف من عافية الى مرض، ~~وغنى الى فقر وحياة الى موت كتذليل الأكم للحوافر في قول الشاعر: # ترى الاكم فيها سجدا للحوافر # وقال الزجاج: يجوز ان يكون المعنى إن فيمن سجد لله من يسهل ذلك عليه ~~وفيهم من يشق عليه فيكرهه، كما قال # حملته أمه كرها ووضعته كرها # وقوله { وظلالهم بالغدو والأصال } أي وتسجد ظلالهم. وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - ان سجود الظلال بما فيه من تغير الذلة التي تدعو إلى صانع غير ~~مصنوع له العزة والقدرة. # والثاني - قيل سجود الظل لأنه يقصر بارتفاع الشمس ويطول بانحطاطها، وذلك ~~من آيات الله الدالة عليه، والسجود هو وضع الوجه على الارض على وجه ~~الخضوع مذلة لمن ms2137 وضع له، وأصله التذليل من قول الشاعر: # بجمع تظل البلق في حجراته # ترى الاكم فيها سجدا للحوافر # واصل السجود هو الميل والتطأطؤ يقال: سجد البعير وأسجده صاحبه إذا طأطأه ~~ليركبه شبه السجود في الصلاة بذلك وعلى هذا يحمل سجود الظلال وسجود ~~الكفار، ويراد بذلك حركاتهم وتصاريفهم، فان ذلك أجمع يدل على أن الله ~~الخالق لهم والمدبر لمعايشهم، والطوع الانقياد للأمر الذي يدعا اليه من ~~قبل النفس وهو نقيض الكره، والكره الجر الى الأمر على إباء النفس، واصله ~~الكراهة ضد الارادة، إلا انه جعل نقيض الطوع. والظلال جمع ظل وهو ستر ~~الشخص ما بازائه. والظل الظليل هو ستر الشمس اللازم. واما الفيء فهو ~~الذي يرجع بعد ذهاب ضوئه، ومنه الظلة، لانها ساترة. والظل والظلال ~~مثل زق وزقاق. والآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، وهو العشي، فكأنه قيل ~~أصل الليل الذي ينشأ منه، لانه مأخوذ من الأصيل، وهو ما بين العصر الى ~~مغرب الشمس، قال ابو ذؤيب: # لعمري لانت البيت اكرم أهله # واقعد في افنائه بالاصائل ### || [13.16] # آية في الكوفي وآيتان في البصري والمدنيين تمام الاولى " والنور ". # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا { أم هل يستوي } بالياء. الباقون بالتاء، من ~~قرأ بالتاء فلانه مسند الى مؤنث لم يفصل بينه وبين فاعله بشيء كما قال # قالت الأعراب # و # قالت اليهود # و # وإذا قالت أمة # وقد جاء في مثل ذلك التذكير، كقوله # وقال نسوة # ومن قرأ بالياء، فلانه تأنيث غير حقيقي والفعل مقدم. # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، يأمره بأن يقول ~~لهؤلاء الكفار { من رب السماوات والأرض } أي من مدبرهما ومصرفهما على ما ~~فيهما من العجائب، فانهم لا يمكنهم أن يدعوا أن مدبر السماوات والارض ~~الاصنام التي يعبدونها، فاذا لم يمكنهم ذلك، فقل لهم رب السماوات والارض ~~وما بينهما من انواع الحيوان والنبات والجماد { الله } تعالى، فاذا أقروا ~~بذلك فقل لهم على وجه التبكيت لهم والتوبيخ لفعلهم: أفاتخذتم من دون ~~الله اولياء توجهون عبادتكم اليهم؟! فالصورة صورة الاستفهام والمراد به ms2138 ~~التقريع والتوبيخ. ثم بين ان هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من الاصنام ~~والاوثان لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ومن لا يملك لنفسه ذلك فانه ~~بأن لا يملك لغيره اولى وأحرى، ومن كان كذلك كيف يستحق العبادة ثم قال ~~لهم { هل يستوي الأعمى والبصير } ام هل يتساوى الأعمى عن طريق الحق ~~والعادل عنه الى الضلال. والبصير الذي اهتدى الى الحق، فإنهما لا ~~يتساويان ابدا، كما لا يتساوى الظلمات والنور. ثم قال هل جعلوا يعني ~~هؤلاء الكفار لله شركاء في العبادة خلقوا أفعالا مثل خلق الله، من خلق ~~الأجسام والألوان والطعوم والاراجيح، والموت والحياة، والشهوة والنفار، ~~وغير ذلك من الافعال التي مختص تعالى بالقدرة عليها فاشتبه ذلك عليهم، ~~فظنوا انها تستحق العبادة، لان افعالها مثل افعال الله، فاذا لم يكن ذلك ~~شبيها بل كان معلوما لهم ان جميع ذلك ليست من جهة الاصنام، فقل لهم ~~الله خالق كل شيء اي هو خالق جميع ذلك يعني ما تقدم من الأفعال التي ~~يستحق بها العبادة. # وقوله { وهو الواحد القهار } اي الخالق لذلك واحد لا ثاني له وهو الذي ~~يقهر كل قادر سواه لا يقدر على امتناعه منه. # ومن تعلق من المجبرة بقوله { قل الله خالق كل شيء } على ان أفعال العباد ~~مخلوقة لله، فقد أبعد، لان المراد بذلك ما قدمناه من أنه تعالى خالق كل ~~شيء يستحق بخلقه العبادة دون ما لا يستحق به ذلك. ولو كان المراد ما ~~قالوه لكان فيه حجة للخلق على الله تعالى وبطل التوبيخ الذي تضمنته الآية ~~الى من وجه عبادته الى الاصنام، لانه إذا كان الخالق لعبادتهم الاصنام هو ~~الله على قول المجبرة فلا توبيخ يتوجه على الكفار، ولا لوم يلحقهم بل لهم ~~ان يقولوا: إنك خلقت فينا ذلك فما ذنبنا فيه ولم توبخنا على فعل فعلته؟ ~~فتبطل حينئذ فائدة الآية. # على أنه تعالى إنما نفى ان يكون أحد يخلق مثل خلقه، ونحن لا نقول إن ~~احدا يخلق مثل خلق الله، لان خلق الله اختراع مبتدع، وافعال غيره ms2139 مفعولة ~~في محل القدرة عليه مباشرا او متولدا في غيره بسبب حال في محل القدرة ~~ولا يقدر أحدنا على اختراع الافعال في غيره على وجه من الوجوه، ولان ~~احدنا يفعل ما يجر به نفعا او يدفع به ضررا، والله تعالى لا يفعل لذلك ~~فبان الفرق بين خلقنا وخلقه. ولان احدنا يفعل بقدرة محدثة. يفعلها الله ~~فيه والله تعالى يفعل، لانه قادر لنفسه. وايضا فان ه هنا اجناسا لا ~~نقدر عليها، وهو تعالى قادر على جميع الاجناس، ونحن لا نقدر ان نفعل ~~بقدرة واحدة في وقت واحد في محل واحد من جنس واحد اكثر من جزء واحد، ~~والله تعالى يقدر ان يفعل ما لا نهاية له فبان الفرق بيننا وبينه من هذه ~~الوجوه. ### || [13.17] # قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر { ومما يوقدون } بالياء. الباقون بالتاء. ~~قال أبو علي: من قرأ بالتاء فلما قبله من الخطاب، وهو قوله { قل أفاتخذتم ~~} ويجوز ان يكون خطابا عاما، يراد به الكافة، فكان المعنى { مما توقدون ~~} عليه ايها الموقدون زبد مثل زبد الماء الذي عليه السيل { فأما الزبد ~~فيذهب جفاء } لا ينتفع به كما ينتفع بما يخلص بعد الزبد من الماء والذهب ~~والفضة والصفر. ومن قرأ بالياء، فلان الغيبة قد تقدم في قوله { أم جعلوا ~~لله شركاء } ويجوز ان يراد به جميع الناس ويقوي ذلك قوله { وأما ما ينفع ~~الناس } فكما ان الناس يعم المؤمن والكافر كذلك الضمير في { يوقدون } ~~وقال { ومما يوقدون عليه في النار } كقوله # فأوقد لي يا هامان على الطين # فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وان كان يلحقه وهجها ولهبها. وأما قوله # بورك من في النار # فالمعنى على من في قرب النار، وليس يراد به متوغلها # ومن حولها # ومن لم يقرب منها قرب الآخرين ألا ترى ان قوله # وممن حولكم من الأعراب منافقون # لم يقرب المنافقون الذين حولهم فيه قرب المخالطين لهم حيث يحضرونه ~~ويشهدونه في مشاهدهم. # قال الحسن يقول الذي { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } الى ~~قوله { ابتغاء ms2140 حلية } الذهب والفضة والمتاع والصفر والحديد { كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل } كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد، فيخلص ~~خالصه، { كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث في الأرض } قال فكذلك الحق بقي لأهله فانتفعوا به. # وقرأ الحسن { بقدرها } بتخفيف الدال وهما لغتان يقال أعطى قدر شبر وفي ~~المصدر بالتخفيف لا غير تقول: قدرت اقدر قدرا، وفي المثل التخفيف، ~~والتثقيل تقول: هم يختصمون في القدر بالسكون والحركة قال الشاعر: # الا يا لقوم للنوائب والقدر # وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري # أخبر الله تعالى انه هو الذي ينزل من السماء ماء يعني الامطار والغيوث، ~~فتسيل هذه المياه أودية بقدرها من القلة والكثرة. والسيل جري الماء من ~~الوادي على وجه الكثرة. يقال جاء السيل يغرق الدنيا، وسال بهم السيل إذا ~~جحفهم بكثرته. والوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء ~~المطر، ومنه اشتقاق الدية، لانه جمع المال العظيم الذي يؤدى عن القتيل، ~~والقدر إقران الشيء بغيره من غير زيادة ولانقصان. والوزن يزيد وينقص، ~~فاذا كان مساويا، فهو القدر. # وقوله { فاحتمل السيل زبدا رابيا } فالاحتمال رفع الشيء على الظهر ~~بقوة الحامل له، ويقال علا صوته على فلان فاحتمله، ولم يغضبه، فقوله هذا ~~يحتمل وجهين: معناه له قوة يحمل بها الوجهين، والزبد وضر الغليان، وهو ~~خبث الغليان ومنه زبد القدر، وزبد السيل، وزبد البعير. # والجفاء ممدود مثل الغثاء وأصله الهمزة يقال جفا الوادي جفاء. قال ~~الفراء: كل شيء ينضم بعضه الى بعض فأنه يجيء على (فعال) مثل الحطام ~~والقماش والغشاء والجفاء، فاذا أردت المصدر، فهو مقصور. # وقوله { رابيا } معناه زائدا، يقال ربا يربو ربا فهو راب. ومنه الربا ~~المحرم. # وقوله { ومما توقدون عليه } اي ومن ذلك توقدون عليه زبد مثله، والايقاد ~~القاء الحطب في النار أوقد ايقادا واستوقدت النار واتقدت وتوقدت. # وقوله { ابتغاء حلية } معناه طلب حلية من الذهب والفضة أو متاع يعني ~~الصفر والحديد، والمتاع ما تمتعت به قال الشاعر: # تمتع يا مشعث إن ms2141 شيئا # سبقت به الممات هو المتاع # { زبد مثله } يعني من الذي يوقد عليه زبد مثل زبد السيل، ومثل الشيء ما ~~سد مسده، وقام مقامه، فيما يرجع الى ذاته. # وقوله { كذلك يضرب الله الحق والباطل } اي يضرب المثل للحق والباطل، ~~وضرب المثل تسييره في البلاد حتى يتمثل به الناس. # وقوله { فأما الزبد فيذهب جفاء } اخبار منه تعالى ان الزبد الذي يعلو ~~على الماء والنار يذهب باطلا وهالكا، قال أبو عبيدة قال أبو عمرو، ~~وتقول العرب أجفأت القدر إذا غلت فانصب زبدها، وسكنت فلا يبقى منه شيء. ~~والجفاء ممدود مثل الغثاء، واصله الهمز. # وقوله { وأما ما ينفع الناس } من الماء الصافي، والذهب، والفضة، ~~والحديد، والصفر { فيمكث في الأرض } اي يلبث ويثبت. والمكث الكون في ~~المكان على مرور الزمان مكث يمكث مكثا وتمكث تمكثا والمكث طول المقام. # وقوله { كذلك يضرب الله الأمثال } اي يضرب الله مثل الحق والباطل بالماء ~~الذي ينزل من السماء، وبجواهر الارض، فإن لهما جميعا زبدا، هذا عند ~~سيله وجريه، وهذا عند اذابته بالنار وهو وسخه وخبثه، فالحق ثابت كالماء ~~الذي يبقى في الارض ينبت به الزرع والشجر وكالجواهر التي في ايدي الناس ~~تصبر على النار، فلا تبطل فينتفعون بها. والباطل كزبد هذين يذهب، لا ~~منفعة فيه بعد ان يرى له حركة واضطراب. وفي ذلك تنبيه لمن تقدم ذكره من ~~المشركين الذين سألوا الآيات على سبيل التكذيب والعناد. ### || [13.18] # أخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين يجيبون دعاء الله الى طريق ~~التوحيد والعمل بشريعته وتصديق نبيه ويطلبون مرضاته في فعل ما دعاهم ~~اليه، لهم الحسني، وهي المنفعة العظمى في الحسن، وقال المفسرون: أراد ~~بالحسنى الجنة والخلود في نعيمها. وان الذين لم يجيبوا دعاءه ولم يقروا ~~بنبيه ولم يعملوا بما دعاهم اليه { لو أن لهم ما في الأرض جميعا } ملكا ~~لهم ويضيفوا اليه مثله في الكثرة لافتدوا بجميع ذلك أنفسهم من عذاب النار ~~وطلبوا به الخلاص منه، لو قبل ذلك منهم. والافتداء جعل أحد الشيئين بدلا ~~من الآخر على وجه ms2142 الاتقاء به، فهؤلاء لا يقيهم من عذاب الله شيء - نعوذ ~~بالله منه - ثم أخبر تعالى ان لهؤلاء سوء الحساب. # وقيل في معناه قولان: # قال ابراهيم النخعي: ان سوء الحساب هو مؤاخذة العبد بذنبه لا يغفر له ~~شيء منه. # وقال الجبائي: معناه واخذه به على وجه التوبيخ والتقريع. والحساب إحصاء ~~ما على العبد وله، يقال: حاسبته حسابا ومحاسبة، وحسبه يحسبه حسبا ~~وحسبانا. # وقوله { ومأواهم جهنم وبئس المهاد } فالمهاد الفراش الذي يوطأ لصاحبه، ~~وانما قيل لجهنم: مهاد أي هي موضع المهاد لهم. ### || [13.19] # أخبر الله تعالى ان من يؤمن بالله ويعلم ان ما أنزل اليك يا محمد من ربك ~~الحق، لا يكون مثل من يشهد ذلك وعمي عنه، فاخرج الكلام مخرج الاستفهام ~~والمراد به الانكار، أي لا يكون هذان مستويين، وبين ان الفرق بينهما ~~بمنزلة الفرق بين الاعمى والبصير. # وقوله { إنما يتذكر أولوا الألباب } معناه إنما يتذكر في ذلك ويفكر فيه ~~ويستدل به ذوو العقول والمعرفة. والالباب هي العقول، واحدها لب. ولب ~~الشيء أجل ما فيه واخلصه واجوده، فلب الانسان عقله لانه أجل ما فيه، ولب ~~النخلة قلبها، ولب الطلعة ثمرتها التي فيها، وانما شبه العلم بالبصر، ~~والجهل بالعمى، لان العلم يهتدى به الى طريق الرشد من الغي كما يهتدى ~~بالبصر الى طريق النجاة من طريق الهلاك، وعكس ذلك حال الجهل والغي. قال ~~الرماني: وجه الاحتجاج بالآية انه إذا كانت حال الجاهل كحال الاعمى، وحال ~~العالم كحال البصير وأمكن هذا الأعمى ان يستفيد بصرا، فما الذي يبعده عن ~~طلب العلم الذي يخرجه عن حال الاعمى بالجهل؟!. وهذا إلزام طلب العلم، ~~لانه خروج عن حال الأعمى بالجهل الى البصير بالعلم. # وقوله { إنما يتذكر أولوا الألباب } معناه إنما ينتفع بالذكر من كان له ~~لب، كقولك: إنما يترك السرف والبغي من له عقل وعلم بالعواقب، وان كان ~~كثير ممن له عقل لا يترك ذلك ولا يفكر في العواقب. ### || [13.20] # موضع { الذين } رفع لأنه صفة لاولى الالباب، فكأنه قال إنما يتذكر أولوا ~~الالباب الذين صفتهم أنهم ms2143 يوفون بعهد الله ولا ينقضون مواثيقه. والايفاء ~~جعل الشيء على المقدار من غير زيادة ولا نقصان، والعهد العقد المتقدم على ~~الأمر بما يفعل، والنهي عما يجتنب يقال: عهد لله عهدا، وعاهده معاهدة. ~~وتعهده تعهدا وتعاهده تعاهدا، والنقض حل العقد بفعل ما ينافيه، والنقيض ~~معنى تنافي صحته صحة غيره. والنقض في المعاني إيجاد ما لا يمكن ان يصح مع ~~غيره، كاعتقاد ان زيدا في الدار وليس هو فيها على وجه واحد. والميثاق ~~العهد الواقع على إحكام. توثق توثقا واستوثق استيثاقا، وواثقه مواثقة، ~~ووثق به وثوقا, واوثقه ايثاقا، ووثقه ثوثيقا. # والعهد الذي جعله في عقول العباد ما جعل فيها من اقتضاء صحة أمور الدين ~~وفساد أمور أخر، كاقتضاء الفعل الفاعل، وأنه لا يصح الفعل الا ان يكون ~~فاعله قادرا، وان المحكم لا يصح الا من عالم، وان الصانع لا بد ان يرجع ~~الى صانع غير مصنوع، والا أدى الى ما لا نهاية له، وان للعالم مدبر لا ~~يشبهه، ولا يحتاج الى مدبر لحاجته وما أشبه ذلك. وقد يكون ايضا على ~~العهد الذي عاهد عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الآية دلالة على ~~وجوب الوفاء بالعهود التي تنعقد بين الخلق سواء كان بين المسلمين او ~~الكفار، من الهدنة وغيرها. ### || [13.21] # هذه الآية عطف على الاولى، وهي من صفة الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~ميثاقه، وانهم مع ذلك { يصلون ما أمر الله به أن يوصل } والوصل ضد الفصل ~~يقال وصله يصله وصلا، وأوصله إيصالا، واتصل اتصالا، وتواصلوا تواصلا، ~~وواصله مواصلة، ووصله توصيلا، والوصل ضم الثاني الى الاول من غير فاصلة. ~~وقيل: المعنى يصلون الرحم. وقال الحسن: المعنى يصلون محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وقوله { ويخشون ربهم } اي يخافون عقابه فيتركون معاصيه { ويخافون سوء ~~الحساب } وقد فسرناه. والخوف والخشية والفزع نظائر، وهو انزعاج النفس مما ~~لا تأمن معه من الضرر، وضد الأمن الخوف. والسوء ورود ما يشق على النفس، ~~ساء يسوءه سوءا، وأساء اليه إساءة. والاساءة ضد الاحسان. وقيل { سوء ~~الحساب } مناقشة الحساب. ms2144 والحساب احصاء ما على العامل وله، وهو - ها هنا ~~- إحصاء ما على المجازى وله. ### || [13.22] # هذه الآية ايضا من تمام وصف الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ميثاقه ~~ويصلون ما امر الله بوصله، ويصبرون على ترك معاصي الله، والقيام بما ~~أوجبه عليهم، والصبر على بلاء الله وشدائده من الامراض والفقر وغير ذلك. ~~والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا يجوز من الفعل وهو تجرع مرارة ~~تمنع النفس مما تحب من الامر. # ومعنى قوله { ابتغاء وجه ربهم } اي يفعلون ذلك طلب عظمة ربهم. والعرب ~~تقول ذلك في تعظيم الشيء يقولون: هذا وجه الرأي، وهذا نفس الرأي المعظم، ~~فكذلك سبيل وجه ربهم اي نفسه المعظم بما لا شيء اعظم منه، ولا شيء يساويه ~~في العظم. والمعنى ابتغاء ثواب ربهم. # وقوله { وأقاموا الصلاة } يعني اقاموها بحدودها. وقيل: معناه داوموا على ~~فعلها و { أنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } اي ظاهرا وباطنا، ما يجب ~~عليهم من الزكاة، وما ندبوا اليه من الصدقات. والسر إخفاء المعنى في ~~النفس، ومنه السرور، لانه لذة تحصل في النفس، ومنه السرير، لانه مجلس ~~سرور. # وقوله { ويدرءون بالحسنة السيئة } معناه يدفعون بفعل الطاعة المعاصي، ~~يقال: درأته ادرؤه درءا إذا دفعة. وقال ابن زيد: الصبر على وجهين: # احدهما - الصبر لله على ما احب. والآخر - الصبر على ما كره، كما قال { ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وقيل يدرؤن سفه الجهال بما فيهم ~~من الحلوم. وقيل: انهم يدفعون ظلم الغير عن نفوسهم بالرفق والمواعظ ~~الحسنة. ثم قال تعالى مخبرأ ان هؤلاء الذين وصفهم بهذه الصفات { لهم عقبى ~~الدار } اي عاقبة الدار، وهي الجنة التي وعد الله الصابرين بها. ### || [13.23-24] # آيتان في الكوفي والبصري. وآية في الباقي تمام الاولى في الكوفي ~~والبصري. { من كل باب }. # يقول الله تعالى إن من وصفه بالصفات المذكورة { لهم عقبى الدار } وهي { ~~جنات عدن } قال الزجاج: { جنات } بدل على قوله { عقبى الدار } والجنات ~~البساتين التي يحفها الشجر واحدها جنة وأصله الستر من قوله # جن عليه الليل # وجنه ms2145 اذا ستره. و (العدن) الاقامة الطويلة، عدن بالمكان إذا اقام به ~~يعدن عدنا، ومنه المعادن التي يخرج منها الذهب والفضة وغيرهما. # وقوله { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } اي ويدخل هذه الجنات ~~الذين عملوا الصالحات من آباء المؤمنين، ومن أزواجهم وذرياتهم. والصلاح ~~استقامة الحال الى ما يدعو إليه العقل او الشرع. والمصلح من يفعل الصلاح، ~~والصالح المستقيم الحال في نفسه. # وقوله { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } اي يدخلون من كل باب ~~بالتحية والكرامة، وفي ذلك تعظيم الذكر للملائكة. وفي الآية دلالة على ان ~~ثواب المطيع لله سروره بما يراه في غيره من أحبته، لانهم يسرون بدخول ~~الجنة مع من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهم أولادهم، وذلك يقتضي ~~سرورهم بهذا الخبر. وقوله { سلام عليكم بما صبرتم } اي يقول هؤلاء ~~الملائكة الداخلون عليهم { سلام عليكم }. والسلام التحية بالكرامة على ~~انتفاء كل امر يشوبه من مضرة. والقول محذوف لدلالة الكلام عليه. والعقبى ~~الانتهاء الذي يؤدي اليه الابتداء من خير او شر، فعقبى المؤمن الجنة فهي ~~نعم الدار، وعقبى الكافر النار، وهي بئس الدار. و (الباء) في قوله { بما ~~صبرتم } يتعلق بمعنى { سلام عليكم } لانه دل على السلامة لكم بما صبرتم، ~~ويحتمل ان يتعلق بمحذوف، وتقديره هذه الكرامة لكم بما صبرتم. # وقيل في معنى { بما صبرتم } قولان: # احدهما - ان تكون (ما) بمعنى المصدر، فكأنه قال: بصبركم. # والثاني - ان تكون بمعنى (الذي) كأنه قال بالذي صبرتم على فعل طاعاته ~~وتجنب معاصيه. ### || [13.25] # لما ذكر الله تعالى الذين يوفون بعهده، ولا ينقضون ميثاقه، ووصفهم ~~بالصفات التي يستحقون بها الجنة، وهي عقبى الدار، اخبر بعد ذلك عن حال من ~~ينقض عهده من بعد اعطائه المواثيق، ويقطع ما امر الله به ان يوصل، وهو ما ~~بيناه من صلة الرحم اوصله النبي صلى الله عليه وسلم ويفسد مع ذلك في ~~الارض، ومعناه ان يعمل فيها بمعاصي الله والظلم لعباده، واخراب بلاده، ~~فهؤلاء لهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله، والتبعيد من جنته، { ولهم ~~سوء الدار } يعني عذاب ms2146 النار، والخلود فيها. وقد بينا معنى النقض، وأنه ~~التفريق بين شيئين متآلفين، ومثله الهدم، ونقض العهد هو العمل بخلاف ~~موجبه، والعهد عقد يتقدم به في الامر وعهد الله عقده، وهو لزوم العمل ~~بالحق في جميع ما اوجبه عليه، والميثاق احكام العقد بأبلغ ما يكون مثله، ~~وميثاق العهد توثيقه بأوكد ما يكون من الأمر. والقطع نقيض الوصل، وقطع ما ~~امر الله به ان يوصل؛ في كل عمل يجب تنميته، من صلة رحم او غيره من ~~الفروض اللازمة، والافساد نقيض الاصلاح. ### || [13.26] # اخبر الله تعالى انه { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ومعناه يوسعه على من ~~يشاء من عباده، بحسب ما يعلم من مصلحته، ويضيقه على آخيرين اذا علم ان ~~مصلحتهم في ذلك. # وقوله { وفرحوا بالحياة الدنيا } معناه وسروا - هؤلاء الذين بسط لهم في ~~الرزق - بالرزق في الحياة الدنيا فنسوا فناءه وبقاء امر الآخرة. ويحتمل ~~ان يكون اراد به أنهم فرحوا فرح البطر، كقوله # إن الله لا يحب الفرحين # والفرح هوالسرور، وهو لذة في القلب بنيل المشتهى، ومنه قوله # فرحين بما آتاهم الله من فضله # ثم قال تعالى { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } ومعناه ليست هذه ~~الحياة الدنيا بالاضافة الى الحياة في الآخرة { إلا متاع } اي إلا ~~قليل ذاهب في - قول مجاهد - وانما كان كذلك، لان هذه فانية وتلك دائمة ~~باقية. والمتاع ما يقع من الانتفاع به في العاجلة، وأصله التمتع، وهو ~~التلذذ بالأمر العاجل، ولذلك وصفت الدنيا بأنها متاع. والقدر قطع الشيء ~~على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان، والمقدار المثال الذي يعمل فيه ~~غيره في مساواته، ومعنى ويقدر - ها هنا - يضيق. وقال ابن عباس: ان الله ~~تعالى خلق الخلق فجعل الغنا لبعضهم صلاحا، والفقر لبعضهم صلاحا، فذلك ~~الخيار للفريقين. ### || [13.27] # حكى الله تعالى في هذه الآية عن الكفار الذين وصفهم انهم يقولون { لولا ~~أنزل } على محمد { آية } يعني علامة ومعجزة. والمعنى هلا انزل عليه آية ~~من ربه يقترحونها، ويعلمون انها انزلت من ربه، وذلك لما لم يستدلوا، ~~فيعلموا ms2147 مدلول الآيات التي اتى بها لم يعتدوا بتلك الآيات، فقالوا هذا ~~القول جهلا منهم بها، فأمر الله نبيه ان يقول لهم { إن الله يضل من يشاء ~~} بمعنى انه يحكم على من يشاء بالضلال اذا ضل عن طريق الحق، ويجوز ان ~~يكون المراد { يضل من يشاء } عن طريق الجنة بسوء أفعالهم وعظم معاصيهم، ~~ولا يجوز ان يريد بذلك الاضلال عن الحق، لان ذلك سفه لا يفعله الله ~~تعالى. # وقوله { ويهدي إليه من أناب } اي يحكم لمن رجع الى طاعة الله والعمل بها ~~بالجنة ويهديه اليها. والهداية الدلالة التي تؤدي الى طريق الرشد بدلا ~~من طريق الغي، والمراد بها - ها هنا - الحكم له بسلوك طريق الجنة رفعا ~~لقدره، ومدحا لصاحبه. والاضلال العدول بالمار عن طريق النجاة الى طريق ~~الهلاك، والمراد - ها هنا - الحكم له بالعدول عن طريق الجنة وسلوك طريق ~~النار، والإنابة الرجوع الى الحق بالتوبة، يقال: ناب ينوب نوبة اذا رجع ~~مرة بعد مرة. ### || [13.28] # موضع { الذين } نصب، لأنه من صفة من أناب، وتقديره ويهدي الله الذين ~~أنابوا الى الله { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } والايمان - ها ~~هنا - هو الاعتراف بتوحيد الله على جميع صفاته، والاقرار بنبوة نبيه، ~~وقبول ما جاء به من عند الله، والعمل بما أوجبه عليهم، وفي اللغة: ~~الايمان هو التصديق. # وقوله { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } أي تسكن قلوبهم وتأنس الى ذكر الله ~~الذي معه ايمان به، لما في ذلك من ذكر نعمه التي لا تحصى وآياديه التي لا ~~تجازى، مع عظيم سلطانه وبسط إحسانه. والذكر حضور المعنى للنفس، وقد يسمى ~~العلم ذكرا، والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس يسمى ذكرا. ووصف الله ~~تعالى - ها هنا - المؤمن بأنه يطمئن قلبه الى ذكر الله، ووصفه في موضع ~~آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه، لان المراد بالاول انه يذكر ثوابه ~~وانعامه، فيسكن اليه، والثاني يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويجل قلبه. # وقوله { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } إخبار منه تعالى ان بذكر الله ~~تسكن القلوب وتستأنس وتطمئن الى ما ms2148 وعد الله به من الثواب والنعيم، ومن ~~لم يكن مؤمنا عارفا لا يسكن قلبه الى ذلك. ### || [13.29] # يحتمل قوله { الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ان يكون في موضع نصب بأن ~~يكون من صفة { الذين } في الآية الاولى، ويحتمل ان يكون رفعا بالابتداء، ~~فكأنه أخبر ان الذين يؤمنون بالله ويعترفون بوحدانيته ويصدقون نبيه، ~~ويعملون بما أوجبه عليهم من الطاعات، ويجتنبون ما نهاهم عنه من المعاصي { ~~طوبى لهم } وقيل في معناه عشرة أقوال: # احدها - لهم بطيب العيش. # وثانيها - قال ابن عباس: معناه فرح لهم تقر به أعينهم. # وثالثها - قال قتادة: معناه الحسنى لهم. # ورابعها - قال عكرمة: نعم ما لهم. # وخامسها - قال الضحاك: غبطة لهم. # وسادسها - قال ابراهيم: كرامة لهم من الله. # وسابعها - قال مجاهد: الجنة لهم. # وثامنها - قال ابو هريرة: طوبى شجرة في الجنة. # وتاسعها - قال الجبائي: تأنيث الاطيب من صفة الجنة، والمعنى إنها أطيب ~~الأشياء لهم. # وعاشرها - قال الزجاج: المعنى العيش الأطيب لهم. # وهذه الأقوال متقاربة المعنى. # وقوله { وحسن مآب } فالمآب المرجع يقال: آب يؤب أوبا ومآبا إذا رجع، ~~وسمي المثوى في الآخرة مآبا، ومنقلبا، لان العباد يصيرون اليه، كما ~~يصيرون الى ما كانوا انصرفوا عنه. والحسن النفع الذي يتقبله العقل، وقد ~~يجري على ما تتقبله النفس، كما يجري القبح الذي هو نقيضه على ما ينافره ~~الطبع، والمعنى إن لهم طوبى ولهم حسن مآب، و { طوبى } في موضع رفع { وحسن ~~مآب } عطف عليه ويجوز ان يكون موضعه النصب، وينصب { حسن مآب } على ~~الاتباع كما يجوز الحمد لله، ولم يقرأ به. ### || [13.30] # قيل في التشبيه في قوله { كذلك أرسلناك } وجهان: # احدهما - قال الحسن والجبائي: إن المعنى إنا ارسلناك كما أرسلنا ~~الأنبياء قبلك. # وقال قوم: ان المعنى إن النعمة على من أرسلناك اليه، كالنعمة على من ~~تقدم ذكره بالثواب في { حسن مآب } , والمعنى إنا ارسلناك يا محمد { في ~~أمة } قد مضت { من قبلها أمم } وغرضي ان تتلوا أي تقرأ عليهم ما { ~~أوحينا إليك } من الأمر والنهي والوعد والوعيد. # والارسال تحميل الرسول الرسالة، فرسول الله ms2149 قد حمله الله رسالة الى ~~عباده، فيها أمره ونهيه وبيان ما يريده وما يكرهه. والأمة الجماعة ~~الكثيرة من الحيوان التي ترجع الى معنى خاص لها دون غيره، فمن ذلك أمة ~~موسى، وأمة عيسى، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل جنس من أجناس ~~الحيوان أمة، لاختصاصها بمعنى جنسها، فعلى هذا العرب أمة، والترك أمة، ~~والزنج أمة، و (الخلو) مضي الشيء بنقيضه على تجرد مما كان عليه، كأنه ~~ينفيه دون احواله التي كان عليها، فقد انفرد عنها. و (التلاوة) جعل ~~الثاني يلي الأول بعده بلا فصل. والتلاوة والقراءة واحد. # وقوله { وهم يكفرون بالرحمن } إنما قال { بالرحمن } دون { الله } لان ~~اهل الجاهلية من قريش، قالوا الله نعرفه، والرحمن لا نعرفه. وكذلك قالوا # وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا # وقال # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # وهو قول الحسن، وقتادة. # ثم أمر الله تعالى نبيه ان يقول لهم { هو } يعني الرحمن { ربي } أي ~~خالقي ومدبري { لا إله إلا هو } ليس لي إله ولا معبود سواه { عليه ~~توكلت } أي وثقت به في تدبيره وحسن اختياره. والتوكل التوثيق في تدبير ~~النفس برده الى الله { وإليه متاب } أي الى الله الرحمن توبتي وهو ~~الندم على ما سلف من الخطيئة مع العزم على ترك المعاودة الى مثله في ~~القبح، والمتاب والتوبة مصدران، يقال: تاب يتوب توبة ومتابا. ### || [13.31] # هذه الآية تتضمن وصف القرآن بغاية ما يمكن من علو المنزلة وبلوغه أعلى ~~طبقات الجلال، لانه تعالى قال { لو أن قرآنا سيرت به الجبال } من ~~مواضعها وقلعت من أماكنها لعظم محله وجلالة قدره. والتسيير تصيير الشيء ~~بحيث يسير، تقول سار يسير سيرا، وسيره غيره تسييرا. { أو قطعت به الأرض ~~} لمثل ذلك. والتقطيع تكثير القطع، قطعه قطعة، وقطعه تقطيعا. والقطع ~~فصل المتصل. { أو كلم به الموتى } لمثل ذلك حتى يعيشوا او يحيوا، تقول: ~~كلمه كلاما، وتكلم تكلما، والكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف ~~المعقولة إذا وقع ممن يصح منه او من قبيلة، ms2150 لافادة. و (الموتى) جمع ميت ~~مثل صريع وصرعى، وجريح وجرحى. ولم يجىء جواب (لو) لدلالة الكلام عليه، ~~وتقديره: لكان هذا القرآن لعظم محله في نفسه وجلالة قدره. وكان سبب ذلك ~~أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ان يسير عنهم جبال مكة لتتسع عليهم ~~المواضع، فأنزل الله تعالى الآية، وبين انه لو سيرت الجبال بكلام، لسيرت ~~بهذا القرآن لعظم مرتبته وجلالة قدره. وقد يحذف جواب (لو) إذا كان في ~~الكلام دلالة عليه، قال امرؤ القيس: # فلو انها نفس تموت سوية # ولكنها نفس تساقط أنفسا # وهو آخر القصيدة، وقال الآخر: # فأقسم لو شيء اتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # وقال الفراء: يجوز ان يكون جوابه (لكفروا بالرحمن) لتقدم ما يقتضيه، ~~وقال البلخي. يجوز ان يكون معطوفا على قوله { وهم يكفرون بالرحمن... ولو ~~أن قرآنا } ويستغنى بذلك عن الجواب، كما تقول: هو يشتمني ولو أحسنت ~~اليه، وهو يؤذيني ولو اكرمته. # وقوله { بل لله الأمر جميعا } معناه ان جميع ما ذكر - من تسيير الجبال ~~وتقطيع الارض وإحياء الموتى، وكل تدبير يجري هذا المجرى - لله، لانه لا ~~يملكه ولا يقدر عليه سواه. # وقوله { أفلم ييأس الذين آمنوا } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد، وابو عبيدة: ~~معناه أفلم يعلم، قال سحيم: # اقول لهم بالشعب إذ يأسرونني # ألم ييأسوا اني ابن فارس زهدم # معناه ألم يعلموا. # الثاني - قال الفراء: معناه { أفلم ييأس الذين آمنوا } ان ينقطع طمعهم ~~من خلاف هذا، علما بصحته، كما قال لبيد: # حتى اذا يئس الرماة فأرسلوا # عصفا دواجن قافلا اعصامها # معناه: حتى اذا يئسوا من كل شيء الا الذي ظهر اي يئسوا من خلاف ذلك ~~لعلمهم بصحته، والعلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه. # وقوله { لو يشاء الله لهدى الناس جميعا } معناه الم يعلموا ان الله لو ~~أراد ان يهدي خلقه كلهم الى جنته لهداهم، لكنه كلفهم لينالوا الثواب ~~بطاعاتهم على وجه الاستحقاق. # ويحتمل ان يكون المعنى لو اراد ان يلجئهم إلى الاهتداء لقدر ms2151 على على ~~ذلك، لكنه ينافي التلكيف ويبطل الغرض منه. # وقوله { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } فالقارعة هي ~~الداهية المهلكة، وهي النازلة التي تزعج بالنعمة، تقول: قرعتهم تقرعهم ~~قرعا وهي قارعة، ومنه المقرعة. # وقوله { أو تحل قريبا من دارهم } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس: او تحل، اي تنزل - يا محمد - قريبا من دارهم. ~~والحلول حصول الشيء في الشيء، وحملوا قوله { تصيبهم قارعة } على نزول ~~السرايا بهم او يحل النبي صلى الله عليه وسلم قريبا منهم. # وقال الحسن: المعنى او تحل القارعة قريبا من دارهم. # وقوله { حتى يأتي وعد الله } قال قتادة معناه حتى يأتي وعده بفتح مكة. ~~وقال الحسن: معناه حتى يأتي يوم القيامة. # وقوله { إن الله لا يخلف الميعاد } اخبار منه تعالى انه لا خلف لوعده بل ~~لا بد ان يفعل ما وعد به او توعد عليه. وامر الله ما يصح ان يأمر فيه ~~وينهى عنه وهو عام. واصله الامر نقيض النهي، والاصابة لحوق ما طلب ~~بالارادة، اصاب الغرض يصيبه إصابة وهو مصيب، ومنه الصواب إدراك البغية ~~المطلوبة بداعي الحكمة. # وروي عن ابن عباس انه قرأ { أفلم يتبين الذين آمنوا } من التبيين. وروي ~~مثله عن علي صلى الله عليه وسلم رواه الطبري. وقال الزجاج: معناه افلم ~~يعلم الذين آمنوا ان هؤلاء لا يؤمنون مع قوله { لو شاء الله لهدى الناس ~~جميعا }. ### || [13.32] # اللام في قوله { ولقد } لام القسم، ومعنى الكلام انه اقسم تعالى انه لقد ~~استهزىء برسل من قبلك يا محمد أرسلهم الله. والاستهزاء طلب الهمزء وهو ~~اظهار خلاف الاضمار للاستضعاف فيما يجري من عبث الخطاب. والرسل جمع رسول، ~~وهوالمحمل للرسالة. والرسالة كلام يؤخذ لتأديته الى صاحبه. # وقوله { فأمليت للذين كفروا } اي اخرت عقابهم وإهلاكهم وأمهلتهم، يقال: ~~أملى يملى إملاء ومنه قوله: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } واصله طول ~~المدة، ومنه قليل لليل والنهار: الملوان لطولهما، قال ابن مقبل: # الا يا ديار الحي بالسبعان # أمل عليها بالبلى الملوان # وقوله { ثم أخذتهم } يعنى الذين استهزؤا ms2152 برسل الله وكفروا بآيات الله، ~~أهلكتهم وانزلت عليهم عذابي { فكيف كان عقاب } وهو العذاب على وجه ~~الجزاء. # ومعنى الآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من سفهاء قومه من ~~الكفر والاستهزاء عند دعائه إياهم إلى توحيده والايمان به، بأنه قد نال ~~مثل هذا الأنبياء قبلك فصبروا، فاصبر أنت ايضا مثل ذلك، كما قال # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ### || [13.33] # قرأ اهل الكوفة { وصدوا } بضم الصاد. الباقون بفتحها، قال ابو علي: قال ~~ابو عمرو، عن ابي الحسن: صد وصددته مثل رجع ورجعته، قال الشاعر: # صدت كما صد عما لا يحل له # ساقي نصارى قبيل الفصح صوام # فهذا صدت في نفسها، وقال الآخر: # صددت الكأس عنا ام عمرو # واما قوله # إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام # فالمعنى يصدون المسلمين عن المسجد الحرام، فكان المفعول محذوفا. وقوله # رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # يكون على يصدون عنك اي لا يبايعونك، كما يبايعك المسلمون، ويجوز ان ~~يكونوا يصدون غيرهم عن الايمان، كما صدوا هم عنه، ويثبطون عنه. وحجة من ~~اسند الفعل الى الفاعل، قوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله # وقوله # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام # فكما اسند الفعل الى الفاعل في جميع هذه الآي كذلك اسند في قوله { وصدوا ~~عن السبيل } وقيل: إن قوما جلسوا على الطريق، فصدوا الناس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ففيهم نزلت الآية. # ومن بنى الفعل للمفعول به جعل فاعل الصد غواتهم والعتاة منهم في ~~كفرهم، وقد يكون على نحو ما يقال: صد فلان عن الخير وصد عنه، يعنى انه لم ~~يفعل خيرا، ولا يراد: ان مانعا منعه. فأما قوله # وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل # فالفتح الوجه، لأنه لم يصده عن الإيمان احد، ولم يمنعه منه، والذي زين ~~ذلك له الشيطان، كما قال # وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل # معنى قوله { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } من هو قائم بتدبيرها ~~وجزائها على ما ms2153 كسبت من خير او شر، كمن ليس بهذه الصفة، وحذف الخبر ~~لدلالة الكلام عليه. # وقوله { وجعلوا لله شركاء } في العبادة، فعبدوا الاصنام، والاوثان. # وقوله { قل سموهم } اي سموهم بما يستحقون من الاسماء التي هي صفات. ثم ~~انظروا هل تدل صفاتهم على أنه يجوز أن يعبدوا ام لا؟ # وقوله { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول } معناه إلا ~~ان يصفوهم بما لا يصح ان يعلم صحته، فيخرجوا بذلك الى التجاهل او يقتصروا ~~على ظاهر القول من غير رجوع الى حقيقة، وهو قول مجاهد وقتادة. وقال ابو ~~علي: معنى { بظاهر من القول } الذي انزله الله على انبيائه. # وقوله { بل زين للذين كفروا مكرهم } اي زين ذلك لهم انفسهم وغواتهم من ~~شياطين الانس والجن، ولا يجوز ان يكون المراد زين بالشهوة، لأن المكر ليس ~~مما يشتهى { وصدوا عن السبيل } اي منعوا عن طريق الحق بالاغواء والمنع. ~~ويجوز ان يكون المراد واعرضوا عن طريق الجنة. # وقوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } قيل في معناه قولان: # احدهما - من حكم الله عليه بأنه ضال على وجه الذم، فإنه لا ينفعه هداية ~~احد. # والآخر - ان من يضله الله عن طريق الجنة الى النار، فلا هاد يهديه ~~اليها، ولا يجوز ان يكون المراد من يضله عن الايمان، لان ذلك سفه لا ~~يفعله الله تعالى. ### || [13.34] # في هذه الآية إخبار منه تعالى ان لهؤلاء الكفار الذين وصفهم { لهم عذاب ~~في الحياة الدنيا } وهو ما يفعل بهم من القتل والاسترقاق وسبي الذراري ~~والاموال. ويجوز ان يريد ما يفعله الله بكثير منهم من الآلام العظيمة على ~~وجه العقوبة. ثم قال { ولعذاب الآخرة أشق } اي اشد مشقة, والمشقة: غلظ ~~الامر على النفس بما يكاد يصدع القلب. # وقوله { وما لهم من الله من واق } اي ليس لهم من عذاب الله من يمنعهم ~~منه. والواقي المانع، وهو الفاعل للوقاية، والوقاية الحجر بما يدفع ~~الاذية، وقاه يقيه وقاية، فهو واق، ووقاه توقية. ### || [13.35] # قيل في معني { مثل الجنة } اقوال: ms2154 # قال سيبويه: فيما نقص عليكم مثل الجنة، فرفع (مثل) على الابتداء. وحذف ~~الخبر. # وقال بعضهم معناه شبه الجنة، والخبر محذوف، وتقديره مثل الجنة التي هي ~~الانهار، كما قال الله تعالى # ولله المثل الأعلى # معناه الصفة الاعلى. # وقال قوم: معناه صفة { الجنة التي وعد المتقون } صفة جنة تجري من تحتها ~~الانهار، والجنة البستان الذي يجنه الشجر، والمراد - ها هنا - جنة الخلد ~~التي اعدها الله للمتقين جزاء لهم على طاعاتهم وانتهائهم عن معاصيه، ~~والمتقي هو الذي يتقي عقاب الله بفعل الواجبات وترك المقبحات. # وقوله { أكلها دائم } قيل في معناه قولان: # احدهما - ان ثمارها لا تنقطع، كما تنقطع ثمار الدنيا في غير ازمنتها - ~~في قول الحسن. # الثاني - النعيم به لا ينقطغ بموت، ولا بغيره من الآفات. # وقوله { وظلها } اي وظل الجنة دائم ايضا ليس لها حر الشمس. ثم اخبر ان ~~ذلك عاقبة الذين اتقوا معاصي الله بفعل طاعاته. وأخبر أن عاقبة الكافرين ~~- الجاحدين لتوحيد الله المنكرين لنعمه - النار، والكون فيها على وجه ~~الدوام - نعوذ بالله منها - ### || [13.36] # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين آتيناهم الكتاب، ومعناه اعطاهم، ~~{ يفرحون بما أنزل } على محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وقتادة ~~ومجاهد: هم اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به وصدقوه. ~~والأحزاب هم اليهود والنصارى والمجوس. وقال الجبائي: يجوز ان يعنى بالفرح ~~به اليهود والنصارى، لأن ما أتى به مصدق لما معهم، وأما انكار بعضهم، فهو ~~انكار بعض معانيه وما يدل على صدقه أو يخالف أحكامهم. و (الاحزاب) جمع ~~حزب، وهم الجماعة التي تقوم بالنائبة، يقال تحزب القوم تحزبا وحزبهم ~~الأمر يخرجهم إذا نالهم بمكروهه. # وقوله { قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } في عبادته احدا، ~~أدعو الى الله، والاقرار بتوحيده وصفاته وتوجيه العبادة اليه وحده، { ~~وإليه مآب } اي مرجعي ومصيري؛ من قولهم: آب يؤب أوبا ومآبا، والمعنى ~~يرجع الى حيث لا يملك الضرر والنفع إلا الله تعالى. ### || [13.37] # آية قيل في وجه التشبيه في قوله { وكذلك } قولان: # احدهما ms2155 - انه شبه انزاله حكما عربيا بما أنزل إلى من تقدم من ~~الانبياء. # الثاني - انه شبه انزاله حكما عربيا بإنزاله كتابا، تبيانا في انه ~~منعم بجميع ذلك على العباد. و (الحكم) فصل الأمر على الحق، واذا قيل: حكم ~~بالباطل، فهو مثل قولهم: حجة داحضة. و (العربي) هو الجاري على مذاهب ~~العرب في كلامها فالقرآن عربي [على هذا المعنى، لان المعاني فيه على ما ~~تدعو إليه الحكمة] والالفاظ على مذاهب العرب في الكلام. [وقيل: انما سماه ~~حكما عربيا لانه أتى به نبي عربي]. # وقوله { ولئن اتبعت أهواءهم } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد ~~به الأمة، يقول له لئن وافقت وطلبت اهواء الذين كفروا بعد ان جاء العلم، ~~لان ما اتيناك من الدلالات والمعجزات للعلم. والاتباع طلب اللحاق بالأول ~~كيف تصرف. اتبعه اتباعا وتبعه يتبعة، فهو تابع وذلك متبوع. والهوى - ~~مقصور - هوى النفس. والهواء - ممدود - هواء الجوف، والهوى ميل الطباع الى ~~الشيء بالشهوة. و (العلم) ما اقتضى سكون النفس. # وقوله { ما لك من الله من ولي ولا واق } معناه متى ما ابتعت أهواء ~~هؤلاء الكفار، لم يكن لك من الله ولي ولا ناصر يعينك عليه، ويمنعك من ~~عذابه { ولا واق } ولا من يقيك منه، يقال: وقاه وقاية واتقاه، وتوقاه ~~توقيا، والواقي الفاعل للحجر عن الأذى. ### || [13.38] # أخبر الله تعالى انه أرسل قبل إرسال نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~رسلا الى خلقه، وجعل لهم ازواجا وذرية، يعني اولادا، لانهم كانوا ~~انكروا تزويج النبي بالنساء، فبين الله تعالى ان الأنبياء قبله كان لهم ~~أزواج وذرية، وقد آمنوا بهم. ثم قال: وانه لم يكن لرسوله يرسله الله ان ~~يجيء بآية ودلالة، إلا بعد ان يأذن الله في ذلك ويلطف له فيه. # وقوله { لكل أجل كتاب } معناه لكل أجل قدره، كتاب أثبت فيه، فلا تكون ~~آية الا بأجل قد قضاه الله تعالى في كتاب على ما توجبه صحة تدبير العباد. ~~وقيل: فيه تقديم وتأخير وتقديره لكل كتاب أجل، كما قال # وجاءت سكرة الموت بالحق # والمعنى ms2156 وجاءت سكرة الحق بالموت، وهي قراءة أهل البيت، وبه قرأ ابو بكر ~~من الصحابة. والذرية الجماعة المفترقة في الولادة عن أب واحد في الجملة، ~~ويحتمل ان يكون من الذر. وأن يكون من ذرأ الله الخلق اي أظهرهم. ### || [13.39] # وجه اتصال هذه الآية بما تقدم هو أنه لما قال { لكل أجل كتاب } اقتضى ان ~~يدخل فيه اعمال العباد، فبين ان الله يمحو ما يشاء، ويثبت، لئلا يتوهم ان ~~المعصية مثبتة بعد التوبة، كما هي قبل التوبة. وقيل: ان مما يمحا ويثبت ~~الناسخ والمنسوخ. وقيل يمحو ما يشاء، ويثبت، مما يثبته الملكان، لأنه لا ~~يثبت الا الطاعات والمعاصي دون المباحات. وقيل معناه يمحو ما يشاء من ~~معاصي من يريد التفضل عليه باسقاط عقابه، ويثبت معاصي من يريد عقابه. ~~والحسنة يثبتها الله قبل فعلها، بمعنى أنهم سيعملونها، فاذا عملوها ~~أثبتها بأنهم عملوها، فلذلك أثبت في الحالين، والوجه في اثباته ما يكون ~~فيه من المصلحة والاعتبار لمن يفكر فيه بأن ما يحدث، على كثرته وعظمه، قد ~~أحصاه الله وكتبه، وذلك لا سبيل اليه الا من جهة علام الغيوب الذى يعلم ~~ما يكون قبل أن يكون، واعتبار المشاهدة له من الملائكة إذا قابل ما يكون ~~بما هو مكتوب، مع أنه أهول في الصدور، وأعظم في النفوس مما يتصور معه، ~~حتى كان المفكر فيه مشاهد له. و (المحو) إذهاب أثر الكتابة محاه يمحوه ~~محوا وإمحاء أيضا، وأمحا إمحاء وامتحا امتحاء. والاثبات الاخبار ~~بوجود الشيء، ونقيضه النفي، وهو الاخبار بعدم الشيء. # وقال ابن عباس ومجاهد: إنه تعالى لا يمحو الشقاء والسعادة، وهذا مطابق ~~لقول اصحاب الوعيد. # وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود: هما يمحيان مثل سائر الأشياء، وهذا ~~مطابق لقول المرجئة من وجه. # وقوله { وعنده أم الكتاب } معناه أصل الكتاب، لانه يكتب أولا: سيكون ~~كذا وكذا، لكل ما يكون، فاذا وقع كتب أنه قد كان ما قيل أنه سيكون. وقيل: ~~أصل الكتاب، لان الكتب التي أنزلت على الانباء منه نسخت # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم و ms2157 { يثبت } خفيفة. الباقون مشددة. # قال أبو علي: المعنى يمحو الله ما يشاء ويثبته، فاستغني بتعدية الاول من ~~الفعلين عن تعدية الثاني، كما قال # والحافظين فروجهم والحافظات # وزعم سيبويه أن من العرب من يعمل الاول من الفعلين، ولا يعمل الثاني في ~~شيء، كقولهم متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، قال الشاعر: # بأي كتاب ام بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # فلم يعمل الثاني. وقالوا { أم الكتاب } هو الذكر المذكور في قوله # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر # قال فحجة من شدد قوله # وأشد تثبيتا # وقرأ { ويثبت } لان تثبيت مطاوع ثبت وحجة من قال بالتخفيف ما روي عن ~~عائشة: أنه كان إذا صلى صلاة أثبتها، قال: وثابت مطاوع ثبت، كما أن يثبت ~~مطاوع ثبت. ### || [13.40] # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له إنا ان اريناك ~~بعض الذي نعد الكفار من العقوبة على كفرهم، ونصر المؤمنين حتى يظفروا ~~بهم، فيقتلوهم ويستذلوا باقيهم إن لم يؤمنوا، فنبقيك الى أن ترى ذلك، أو ~~نميتك قبل أن ترى ذلك. وقيل: ان نفعله بهم، لانه ليس ذلك مما لا بد ان ~~تراه لا محالة، فلا تنتظر كونه على ذلك بأن يكون في ايامك. وانما عليك أن ~~تبلغهم ما أرسلناك به اليهم، وتقوم في ذلك بما أمرك الله به، وعلينا نحن ~~حسابهم، ومجازاتهم والانتقام منهم، إما عاجلا أو آجلا، وذلك كائن لا ~~محالة على ما قلناه. # وكسرت الالف من قوله { وإما نرينك } لأنه من التخيير، والتقدير، ~~وإما نرينك نقمتنا وأنت حي، وإما نتوفينك. ### || [13.41] # يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار على وجه التنبيه لهم على الاعتبار بأفعال ~~الله، أو ما يرون أنا ننقص الارض من أطرافها؟ وقيل في معناه أربعة ~~أقوال: # قال ابن عباس والحسن والضحاك: ما فتح على المسلمين من أرض المشركين. # وقال مجاهد، وقتادة: وننقصها بموت اهلها. وفي رواية أخرى عن ابن عباس ~~ومجاهد: بموت العلماء. وفي رواية أخرى عنهما: بخرابها. ثم أخبر أن الله ~~تعالى يحكم ويفصل الأمر ولا احد ms2158 يعقب حكمه، ولا يقدر على ذلك، وأنه سريع ~~المجازاة على افعال العباد، على الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب. ~~والنقص أخذ الشيء من الجملة، وفي فلان نقص أي نقص منزلة عن منزلة عظيمة ~~في المقدور أو المعلوم، والثاني للامور. والطرف منتهى الشيء، وهو موضع من ~~الشيء ليس وراءه ما هو منه. وأطراف الأرض نواحيها. والتعقيب رد الشيء ~~بعد فصله، ومنه عقب العقاب على صيده إذ أرد الكرور عليه بعد فصله عنه ~~قال لبيد: # حتى تهجر في الرواح وهاجه # طلب المعقب حقه المظلوم # والسرعة عمل الشيء في قلة المدة، على ما تقتضيه الحكمة، وضده الابطاء، ~~والسرعة محمودة والعجلة مذمومة. ### || [13.42] # قرأ كثير وابو عمرو ونافع " الكافر " على لفظ الواحد. الباقون { الكفار ~~} على لفظ الجمع. قال ابو علي الفارسي في قوله { وسيعلم الكفار } هو ~~المتعدي الى مفعولين؛ بدلالة تعليق وقوع الاستفهام بعده، تقول: علمت لمن ~~الغلام، فتعلقه مع الجار كما تعلقه مع غير الجار في قوله # فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار # وموضع الجار مع المجرور نصب من حيث سد الكلام - الذي هو الاستفهام - ~~مسد المفعولين، لان من حيث حكمت في نحو مررت بزيد، فان موضعه نصب، ولكن ~~الباء الجارة كانت متعلقة في الاصل بفعل فصار مثل علمت بمن تمر في أن ~~الجارة تتعلق بالمرور، والجملة التي هي منها في موضع نصب، وقد علق الفعل ~~عنها. # ومن قرأ على لفظ الفاعل، وأنه جعل الكافر اسما شائعا كإنسان في قوله # إن الإنسان لفي خسر # وزعموا أنه لا أالف فيه وهذا الحذف إنما يقع في (فاعل) نحو خالد، وصالح ~~ولا يكاد يحذف في (فعال) فهذا حجتهم. وزعموا أن في بعض الحروف { وسيعلم ~~الذين كفروا } ، وقرأ ابن مسعود { وسيعلم الكافرون } فهذا يقوي الجمع. # ومن قرأ على لفظ الجمع، فلأن التهديد متوجه الى جميع الكفار، ولا ~~إشكال فيه. # اخبر الله تعالى أن الكفار الذين كانوا قبل هؤلاء الكفار، مكروا ~~بالمؤمنين واحتالوا في كفرهم. والمكر هو الفتل عن البغية بطريق الحيلة، ~~تقول مكر يمكر فهو ماكر مكرا، ms2159 وقال أبو علي: المكر ضرر ينزل بصاحبه من ~~حيث لا يشعر به. # ثم اخبر تعالى ان له المكر جميعا، ومعناه لله جزاء مكرهم، لانهم لما ~~مكروا بالمؤمنين بين الله أن وبال مكرهم عليهم بمجازاة الله لهم. # وقوله تعالى: { يعلم ما تكسب كل نفس } معناه أنه لا يخفى عليه ما يكسبه ~~الانسان من خير وشر وغير ذلك؛ لأنه عالم بجميع المعلومات { وسيعلم الكفار ~~لمن عقبى الدار } تهديد للكفار بأنهم سوف يعلمون لمن تكون عاقبة الجنة ~~للمطيعين أو العاصين، فإن الله تعالى وعد بذلك المؤمنين دون الكفار ~~والظالمين. ### || [13.43] # حكى الله تعالى عن الكفار انهم يقولون لك يا محمد انك لست مرسلا عن ~~جهته تعالى، فقل لهم انت حسبي الله { شهيدا بيني وبينكم، ومن عنده علم ~~الكتاب }. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - روي عن ابن عباس انه قال: هم اهل الكتاب الذين آمنوا من اليهود ~~والنصارى. # وقال قتادة ومجاهد: منهم عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وتميم ~~الداري. # وقال الحسن: الذي عنده علم الكتاب هو الله تعالى، وبه قال الزجاج. # وقال ابو جعفر وابو عبد الله (ع): هم ائمة آل محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأنهم الذين عندهم علم الكتاب بجملته لا يشذ عنهم شيء من ذلك دون من ~~ذكروه. # والكفاية وجود الشيء على قدر الحاجة، فكأنه قيل: قد وجد من الشهادة ~~مقدار ما بنا اليه الحاجة في فصل ما بيننا وبين هؤلاء الكفار. والباء في ~~قوله { بالله } زائدة والتقدير كفى الله. وقال الرماني: دخلت لتحقيق ~~الاضافة من وجهين: جهة الفاعل، وجهة حرف الاضافة، لان الفعل لما جاز ان ~~يضاف الى غير فاعله، بمعنى انه أمر به ازيل هذا الاحتمال بهذا التأكيد، ~~ومثله قوله # لما خلقت بيدي # والشهادة البينة على صحة المعنى من طرق المشاهدة. والشهيد والشاهد واحد، ~~إلا ان في شهيد مبالغة. ووجه الاحتجاج ب { كفى بالله شهيدا } لأن ~~المعنى كفى الله شهيدا بما اظهر من الآية، وأبان من الدلالة، لانه تعالى ~~لا يشهد بصحة النبوة إلا على هذه الصفة ms2160 إذ قد لزمهم ان يعترفوا لها ~~بالصحة. # وروي عن ابن عباس ومجاهد انهما قرءا { ومن عنده علم } بكسر الميم، وعلم ~~الكتاب على ما لم يسم فاعله، وبه قرأ سعيد بن جبير، ولما قيل له: هو عبد ~~الله بن سلامه، قال: كيف يجوز ذلك والسورة مكية وهو اسلم بعد الهجرة ~~بمدة. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-2] # ثلاث آيات في المدنيين آخر الاولى. قوله { إلى النور } وآيتان عند ~~الباقين. # قرأ ابن عامر ونافع { الله الذي } بالرفع. الباقون بالخفض. قال ابوعلي: ~~من قرأ بالجر جعله بدلا من الحميد، ولم يكن صفة، لان الاسم وان كان في ~~الأصل مصدرا، والمصادر يوصف بها كما يوصف بأسماء الفاعلين، وكذلك كان ~~هذا الاسم في الاصل (الألاه) ومعناه ذو العبادة اي تجب العبادة، قال ابو ~~زيد: يقال تأله الرجل إذا نسك وأنشد لرؤبة: # سبحن واسترجعن من تألهي # فهذا في أنه في الاصل مصدر قد وصف به مثل السلام والعدل، الا ان هذا ~~الاسم غلب حتى صار في الغلبة وكثرة الاستعمال كالعلم، وقد يغلب ما في ~~اصله الصفة فيصير بمنزلة العلم مثل قول الشاعر: # والتيم ألأم من يمشي وألأمهم # ذهل بن تيم بنو السود المدانيس # يجوز أن يكون جعل التيم جمع تيمي كيهودي ويهود. وعلى هذا قال تعالى ~~وقالت اليهود، ألا ترى أن (يهود) قد جرى في كلامهم إسما للقبيلة، كما ~~أن (مجوس) كذلك، فلولا أن المراد بهما الجمع، لم يدخلهما الألف واللام، ~~كما لا يدخل المعارف في نحو زيد وعمرو، إلا انه جمع بحذف اليائين اللتين ~~للنسب، كما جمع شعير وشعيرة بحذف التاء، ومثله (رومي) وروم و (زنجي) ~~وزنج. # ومن رفع قطع عن الاول، ورفعه بالابتداء، وجعل (الذي) الخبر، او جعله صفة ~~وأضمر الخبر. وقد بينا معاني الحروف المقطعة في أوائل السور في أول ~~البقرة، وذكرنا اختلاف المفسرين فيه، فلا فائدة في اعادته. # وقوله { كتاب أنزلناه إليك } رفع على انه خبر الابتداء، ومعناه هذا ~~كتاب يعني القرآن أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { ليخرج الناس ~~من الظلمات ms2161 إلى النور } أي ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة الى نور ~~الايمان والهداية. # والظلمة في الأصل سواد الجو المانع من الرؤية تقول أظلم إظلاما وظلاما ~~وظلمة. والظلمة ذهاب الضياء بما يستره، والنور بياض شعاعي تصح معه ~~الرؤية، ويمنع معه الظلام, ومنه النار لما فيها من النور. والنور والضياء ~~واحد. # وقال قتادة { من الظلمات إلى النور } من الضلالة الى الهدى { بإذن ربهم ~~} اي باطلاق الله ذلك، وأمره به نبيه صلى الله عليه وسلم { إلى صراط ~~العزيز الحميد } أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى طريق الله المؤدي إلى ~~معرفة الله { العزيز } يعني القادر على الأشياء الممتنع بقدرته من أن ~~يضام، المحمود في أفعاله التي أنعم بها على عباده، الذي له التصرف في ~~جميع ما في السماوات والأرض، على وجه ليس لأحد الاعتراض عليه. # ثم اخبر تعالى أن الويل للكافرين الذين يجحدون نعم الله ولا يعترفون ~~بوحدانيته. والاقرار بنبيه صلى الله عليه وسلم { من عذاب شديد } وهو ما ~~تتضاعف آلامه، والشدة تجمع يصعب معه التفكك، شده يشده شدا وشدة. # وفي الآية دلالة على ان الله يريد الايمان من جميع المكلفين، لأنه ذكر ~~أنه أنزل كتابه ليخرج الناس من ظلمات الكفر الى نور الايمان، لأن اللام ~~لام الغرض، ولا يجوز أن يكون لام العاقبة، لانها لو كانت كذلك، لكان ~~الناس كلهم مؤمنين والمعلوم خلافه. ### || [14.3] # { الذين } في موضع جر، لانه نعت للكافرين، وتقديره وويل للكافرين الذين ~~يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة. والاستحباب طلب محبة الشيء بالتعرض ~~لها، والمحبة إرادة منافع المحبوب. وقد تكون المحبة ميل الطباع. والحياة ~~الدنيا هو المقام في هذه الدنيا العاجلة على الكون في الآخرة. ذمهم الله ~~بذلك، لان الدنيا دار انتقال، والآخرة دار مقام. # { ويصدون عن سبيل الله } اي يعرضون بنفوسهم عن اتباع الطريق المؤدي الى ~~معرفة الله، ويجوز ان يريد انهم يمنعون غيرهم من اتباع سبيل الله تعالى، ~~يقال: صد عنه يصد صدا، غير متعد، وصده يصده صدا متعد. والسبيل الطريق ~~وكلاهما يؤنث ويذكر، وهو على السبل اغلب و { يبغونها ms2162 عوجا } أي ويطلبون ~~الطريق عوجا اي عدولا عن استقامته. و (العوج) خلاف الميل الى ~~الاستقامة، والعوج - بكسر العين - في الدين، و - بفتح العين - في العود ~~والبغية طلب المقاصد لموضع الحاجة، يقال: بغاه يبغيه بغية، وابتغى ~~ابتغاء، ودخلت (على) في قوله { يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } لان ~~المعنى يؤثرونها عليها. ولو قيل من الاخرة، لجاز ان يكون بمعنى ~~يستبدلونها من الاخرة. وقيل: إنه يجري مجرى قولهم: نزلت على بني فلان، ~~ونزلت في بني فلان، وببني فلان، كله بمعنى واحد. # وقوله { أولئك في ضلال بعيد } إخبار منه تعالى ان هؤلاء الذين يؤثرون ~~الحياة الدنيا على الاخرة، ويصدون عن سبيل الله، في عدول عن الحق، بعيدون ~~عن الاستقامة. ### || [14.4] # أخبر الله تعالى انه لم يرسل فيما مضى من الازمان رسولا الى قوم إلا ~~بلغة قومه حتى اذا بين لهم، فهموا عنه، ولا يحتاجون الى من يترجم عنه. # وقوله { فيضل الله من يشاء } يحتمل امرين: # احدهما - انه يحكم بضلال من يشاء اذا ضلوا هم عن طريق الحق. # الثاني - يضلهم عن طريق الجنة إذا كانوا مستحقين للعقاب و { يهدي من ~~يشاء } الى طريق الجنة { وهو العزيز } يعني القادر الذي لا يقدر أحد على ~~منعه { الحكيم } في جميع افعاله؛ ليس فيها ما له صفة السفه. ويحتمل ان ~~يريد انه محكم لافعاله التي تدل على علمه. # ورفع قوله { فيضل الله } لان التقدير على الاستئناف، لا العطف على ما ~~مضى، ومثله قوله # لنبين لكم ونقر في الأرحام # ومثله # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # ثم قال بعد ذلك # ويتوب الله على من يشاء # لانه إذا لم يجز ان يكون عطفا على ما مضى فينتصب لفساد المعنى فلا بد ~~من استئنافه ورفعه. وقال الحسن: امتن الله على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم انه لم يبعت رسولا إلا الى قومه، وبعثه خاصة الى جميع الخلق. وقال ~~مجاهد: بعث الله نبيه الى الاسود والاحمر ولم يبعث نبيا قبله إلا الى ~~قومه واهل لغته. ### || [14.5] # آية في الكوفي والبصري. وآيتان في المدنيين. آخر ms2163 الاولى { إلى النور }. # أخبر الله تعالى انه ارسل موسى نبيه (ع) الى خلقه بآياته ودلالاته { أن ~~أخرج قومك من الظلمات إلى النور } اي ارسلناه بأن أخرج قومك من ظلمات ~~الكفر والضلالة الى نور الايمان والهداية بالدعاء لهم الى فعل الايمان، ~~والنهي عن الكفر والتنبيه على ادلته. { وذكرهم بأيام الله } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - قال الحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: ذكرهم بنعم الله. # الثاني - ذكرهم بنعم الله لعاد وثمود وغيرهم من الامم الضالة، قال عمر ~~بن كلثوم: # وايام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها ان ندينا # وقيل: النعم والنقم من اعدائنا. وقال قوم: اراد خوفهم بهذا، كما يقال: ~~خذه بالشدة واللين. ثم أخبر ان في ذلك دلالات لكل من صبر على بلاء الله ~~وشكره على نعمه. والتذكير التعريض للذكر الذي هو خلاف السهو، يقال: ذكره ~~تذكيرا، وذكره يذكره ذكرا، وتذكر تذكرا، وذاكره مذاكرة. والصبار ~~الكثير الصبر، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما لا ينبغي. والشكور ~~الكثير الشكر. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، وضده ~~الكفر. (وان) في قوله { أن أخرج } يحتمل ان تكون بمعنى (أي) على وجه ~~التفسير، ويجوز ان تكون التي تتعلق بالافعال والمعنى قلنا له: اخرج قومك. ~~وقال سيبويه يقول العرب: كتبت اليه أن قم، وأمرته أن قم، وان شئت كانت ~~(أن) التي وصلت بالامر. والتأويل على الخبر. والمعنى كتبت اليه ان يقوم ~~وأمرته أن يقوم إلا انها وصلت بلفظ الامر المخاطب، والمعنى معنى الخبر، ~~كما تقول أنت الذي فعلت. والمعنى انت الذي فعل. ### || [14.6] # التقدير واذكر يا محمد { إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم } في ~~الوقت الذي انجاكم { من آل فرعون. يسومونكم سوء العذاب } جملة في موضع ~~الحال. و { يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } ~~وقد فسرناه أجمع في سورة البقرة فلا نطول بإعادته. ودخلت الواو - ها هنا ~~- في قوله { ويذبحون أبناءكم } وفي البقرة بلا واو. وقال الفراء: معنى ~~الواو أنه كان يمسهم من العذاب غير التذبيح، ms2164 كأنه قال يعذبونكم بغير ~~الذبح. والذبح إذا أطلق كان تفسيرا لصفات العذاب. # وقوله { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم } اي في ذلكم نعم من ربكم عظيمة إذ ~~أنجكم منهم. والبلاء قد يكون نعما، وعذابا، يقال: فلان حسن البلاء عندك ~~اي حسن الانعام عليك ويحتمل ان يكون بمعنى العذاب، وفي الصبر على ذلك ~~العذاب امتحان من ربكم عظيم. ### || [14.7-8] # وهذه الآية عطف على الاولى، والتقدير واذكروا { إذ تأذن ربكم } اي ~~أعلمكم وقد يستعمل (تفعل) بمعنى (أفعل) كقولهم اوعدته وتوعدته، وهو ~~قول الحسن والفراء، قال الحرث بن حلزة: # آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو يمل منه الثواء # والمعنى أعلم ربكم. وقوله { لئن شكرتم لأزيدنكم } التقدير أعلمكم أنكم ~~متى شكرتموني على نعمي، واعترفتم بها زدتكم نعمة الى نعمة { ولئن كفرتم } ~~أي جحدتم نعمتي وكفرتموها { إن عذابي لشديد } لمن كفر نعمتي. # ثم أخبر ان موسى قال لقومه { إن تكفروا } نعم الله وتجحدونها { أنتم } ~~وجميع { من في الأرض } من الخلق فإنه لا يضر الله. وإنما يضركم ذلك، ~~بأن تستحقوا منه العذاب والعقاب { فإن الله لغني حميد } اي غني عن شكركم ~~حميد في أفعاله. # والغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، والحميد الكبير لاستحقاق الحمد بعظم ~~إنعامه، وهي صفة مبالغة في الحمد، وقد يكون كفر النعمة بأن يشبه الله ~~بخلقه أو يجور في حكمه، أو يرد على نبي من انبيائه، أو كان بمنزلة واحد ~~منها في عظم الفاحشة، لان الله تعالى منعم بجميع ذلك من حيث أقام الادلة ~~الواضحة على صحة جميع ذلك وغرضه بالنظر في جميعها الثواب الجزيل، فلذلك ~~كان منعما بها إن شاء. ### || [14.9-10] # آيتان في الكوفي وثلاث آيات في المدنيين والبصري تمام الأولى قوله { ~~وثمود }. # قيل فيمن يتوجه الخطاب اليه في قوله { ألم يأتكم نبؤا } قولان: # احدهما - قال الجبائي: إنه متوجه الى امة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكروا بأخبار من تقدم وما جرى من قصصهم. # والثاني - قال قوم: إنه من قول موسى (ع) لأنه متصل به في الآية ~~المتقدمة يقول الله لهم { ألم يأتكم ms2165 } اي اما جاءكم اخبار من تقدمكم. ~~والنبأ الخبر عما يعظم شأنه يقال: لهذا الامر نبؤ اي عظم شأن يقال انبأ ~~ينبىء، ونبأت أنبىء، وبنأ الله محمدا اي جعله نبيا، وتنبأ مسيلمة اي ~~ادعى النبوة، وليس هو كذلك. و { قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم } كل ~~ذلك مجرور بأنه بدل من الكاف والميم في قوله { قلبكم } وهو مجرور ~~بالاضافة. # وقوله { لا يعلمهم إلا الله } اي لا يعلم تفاصيل أحوالهم وما فعلوه، ~~وفعل بهم من العقوبات، ولا عددهم { إلا الله } ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم # " كذب النسابون ". # وقوله { جاءتهم رسلهم بالبينات } اي اتتهم رسلهم بالدلالات الواضحات { ~~فردوا أيديهم في أفواههم } وقيل في معناه خمسة اقوال: # احدها - قال عبد الله بن مسعود، وابن زيد: انهم عضوا على اناملهم تغيظا ~~عليهم في دعائهم الى الله، كما قال # عضو عليكم الأنامل من الغيظ # وثانيها - قال الحسن: جعلوا أيديهم في افواه الانبياء تكذيبا لهم وردا ~~لما جاؤوا به. # الثالث - قال مجاهد ردوا نعمتهم بأفواههم. # الرابع - قال قوم: يحتمل ان يكونوا ردوا أيدي أنفسهم في أفواه نفوسهم ~~مومئن لهم اي اسكتوا عما تدعونا إليه، كما يفعل الواحد منا مع غيره إذا ~~أراد تسكيته. روي ذلك عن ابن عباس ذكره والفراء. # وخامسها - قال قوم: ردوا ما لو قبلوه، لكانت نعمة عليهم في افواههم اي ~~بأفواههم والسنتهم، كما يقولون ادخلك الله بالجنة يريدون في الجنة وهي ~~لغة طي، قال الفراء: انشدني بعضهم: # وارغب فيها عن لقيط ورهطه # ولكنني عن سنبس لست ارغب # فقال (ارغب فيها) يريد بها يعنى بنتا له، يريد: ارغب بها عن لقيط، ولا ~~ارغب بها عن قبيلته. وقوله { إنا كفرنا بما أرسلتم به } حكاية ايضا عما ~~قالوا للرسل فإنهم قالوا: إنا قد كفرنا بما ارسلتم به من الدعاء الى ~~الله وحده وتوجيه العبادة إليه، والعمل بشرائعه { وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب } والريب اخبث الشك المتهم، وهو الذي يأتي بما فيه ~~التهمة؛ ولذلك وصفوا به الشك اي انه يوجب تهمة ما اتيتم ms2166 به يقال: اراب ~~يريب إرابة إذا أتى بما يوجب الريبة، فقالت لهم حينئذ رسلهم { أفي الله ~~شك } مع قيام الأدلة على وحدانيته وصفاته، لانه الذي خلق السموات والارض ~~يدعوكم الى عبادته ليغفر لكم من ذنوبكم اذا أطعتموه. # ودخلت (من) ها هنا - في قول أبي عبيدة - زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها في ~~الواجب، وقال أبو علي: دخلت للتبعيض ووضع البعض موضع الجميع توسعا. وقال ~~قوم: دخلت (من) لتكون المغفرة بدلا من الذنوب، فدخلت (من) لتضمن المغفرة ~~معنى البدل من السيئة { ويؤخركم إلى أجل مسمى } يعنى لا يؤاخذكم بعاجل ~~العذاب، بل يؤخر الى الوقت الذي ضربه الله لكم ان يمسكم فيه، فقال لهم ~~قومهم { إن أنتم إلا بشر مثلنا } اي ليس انتم الا خلق مثلنا تريدون ان ~~تمنعونا عما كان يعبد اباؤنا من الاصنام والاوثان، فاتونا بحجة واضحة على ~~ما تدعونه وبطلان ما نحن عليه. # وفي الآية دلالة واضحة على انه تعالى اراد بخلقه الخير والايمان، لا ~~الشر والكفر، وأنه إنما بعث الرسل الى الكفار رحمة وتفضلا، ليؤمنوا، لا ~~ليكفروا، لان الرسل قالت: ندعوكم الى الله ليغفر لكم، فمن قال إن الله ~~أرسل الرسل الى الكفار ليكفروا بهم ويكونوا سوءا عليهم ووبالا، وانما ~~دعوهم ليزدادوا كفرا فقد رد ظاهر القرآن. ### || [14.11-12] # حكى الله تعالى في هذه الآية ما أجابت به الرسل الكفار، فإنهم قالوا لهم ~~ما { نحن إلا بشر مثلكم } ولسنا ملائكة، كما زعمتم { ولكن الله } من ~~علينا فاصطفانا وبعثنا أنبياء وهو { يمن على من يشاء من عباده } ولم يكن ~~لنا ان نجيئكم { بسلطان } اي بحجة على صحة دعوانا إلا بأمر الله واطلاقه ~~لنا في ذلك { وعلى الله } يجب ان يتوكل { المتوكلون } المؤمنون المصدقون ~~به وبأنبيائه. # ثم اخبر انهم قالوا ايضا { وما لنا أن لا نتوكل على الله } اي ولم لا ~~نتوكل على الله { وقد هدانا } الى سبل الايمان ودلنا على معرفته ووفقنا ~~لتوجيه العبادة اليه، ولا نشرك به شيئا، وضمن لنا على ذلك جزيل الثواب، ~~{ ولنصبرن على ما أذيتمونا } من تكذيبنا وشتمنا ms2167 في جنب طاعته وابتغاء ~~مرضاته وطلب ثوابه { وعلى الله } يجب ان يتوكل المتوكلون الواثقون بالله ~~دون من كان كافرا، فان وليه الشيطان. # و { المن } اصله القطع يقال: حبل منين اي منقطع عن بلوغ المنية، ~~والمنية لانها تقطع عن امر الدنيا. # ولهم أجر غير ممنون # اي غير مقطوع، والاذى ضرر يجده صاحبه في حاله يقال: آذاه يؤذيه أذى ~~وتأذى به تأذيا، واكثر ما يقال في الضرر القليل، ويقال ايضا آذاه أذى ~~عظيما، والمثل ما سد مسد صاحبه فيما يرجع الى ذاته. والهدى الدلالة على ~~طريق الحق من الباطل، والرشد من الغي، هداه يهديه الى الدين هدى. ~~والسلطان الحجة التي يتسلط بها على الطالب مذهب المخالف للحق. وقيل في ~~قوله { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله } قولان: # احدهما - قال ابو علي الجبائي: انهم سألوا آية مخصوصة غير ما اتتهم به ~~الرسل، كما سأله قريش، فقالوا # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا... # والثاني - ان ما اتيناكم به بإذن الله، لأنه مما لا يقدر عليه البشر، ~~ونحن بشر. ### || [14.13-14] # حكى الله تعالى عن الكفار انهم قالوا لرسلهم { لنخرجنكم من أرضنا } ~~وبلادنا إلا ان تدخلو في أدياننا، ومذاهبنا، فحينئذ اوحى الله تعالى الى ~~رسله إنا نهلك هؤلاء الظالمين الكافرين، ونسكنكم الارض بعدهم ذلك جزاء { ~~لمن خاف مقامي } اي حيث يقيمه الله بين يديه، وأضافه الى نفسه، كما قال # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # اي رزقي اياكم قال الفراء: والعرب تضيف افعالها الى انفسها والى ما وقعت ~~عليه، يقولون سررت برؤيتك، وسررت برؤيتي إياك، وندمت على ضربك وضربي ~~اياك، وخاف وعيدي وعقابي، وانما قالوا { أو لتعودن في ملتنا } وهم لم ~~يكونوا على ملتهم قط لامرين: # احدهما - انهم توهموا - ذلك على غير حقيقة - انهم كانوا على ملتهم. # الثاني - انهم ظنوا بالنشوء انهم كانوا عليها دون الحقيقة. # واللام في قوله { ولنخرجنكم } لام القسم والتي في قوله { أو لتعودن } ~~ايضا مثل ذلك إلا ان فيه معنى الجزاء، لان التقدير لنخرجنكم من ارضنا ~~إلا ان ms2168 تعودوا أو حتى ان تعودوا، وهو مثل قول القائل: والله لا أكلمك او ~~تدعوني. والمعنى إلا أن، او حتى تدعوني. ### || [14.15-16] # قوله { واستفتحوا } معناه استنصروا وهو طلب الفتح بالنصر، ومنه قوله # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا # اي يستنصرون وقال ابن عباس: هو استفتاح الرسل بالنصر على قومهم، وبه قال ~~مجاهد وقتادة. وقال الجبائي: هو سؤالهم ان يحكم الله بينهم وبين اممهم، ~~لان الفتح الحكم، ومنه قولهم: الفتاح الحاكم. وقال ابن زيد: هو استفتاح ~~الكفار بالبلاء والخيبة خلاف ما قدروه من المنفعة، يقال: خاب يخيب خيبة ~~وخيب تخيبا، وضده النجاح، وهو ادراك الطلبة. والجبرية طلب علو المنزلة ~~بما ليس وراءه غاية في الوصف، فاذا وصف العبد بأنه جبار كان ذما، واذا ~~وصف الله به كان مدحا، لان له علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة. ~~والعنيد: هو المعاند إلا ان فيه مبالغة، والعناد الامتناع من الحق مع ~~العلم به، كبرا وبغيا، يقال: عند يعند عنودا، وعانده معاندة وعنادا ~~قال الشاعر: # اذا نزلت فاجعلاني وسطا # اني كبير لا أطيق العندا # والوراء والخلف واحد، وهو جهة مقابلة لجهة القدام، وقد يكون وراء بمعنى ~~أمام، وقيل: إنه يحتمل ذلك - ها هنا - وذكروا أنه يجوز في الزمان على ~~تقدير انه كان خلفهم، لأنه يأتي فيلحقهم قال الشاعر: # اتوعدني وراء بني رياح # كذبت لتقصرن يداك دونى # وقال آخر: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب # وقوله { ويسقى من ماء صديد } يعني يسقى الجبار العنيد صديدا، وهو قيح ~~يسيل من الجرح اخذ من انه يصد عنه تكرها له. والقيح دم مختلط بمدة. # وقوله { صديد } بيان للماء الذي يسقونه، فلذلك اعرب بإعرابه، قال ~~الزجاج: والوراء ما توارى عنك، وليس من الاضداد. قال الشاعر: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب # أي ليس بعد مذاهب الله للمرء مذهب. ### || [14.17-18] # قوله { يتجرعه } معناه يشرب ذلك الصديد جرعة جرعة، يقال: تجرع تجرعا، ~~وجرعه يجرعه جرعا، والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار. # وقوله ms2169 { ولا يكاد يسيغه } أي لا يقاربه، وانما يضطر اليه. قال الفراء: { ~~لا يكاد } يستعمل فيما يقع وفيما لا يقع، فيما يقع هو هذا، وما لم يقع ~~مثل قوله # لم يكد يراها # لان المعنى لم يرها. والاساغة إجراء الشراب في الحلق على تقبل النفس، ~~وهذا يضطر اليه، فلذلك قال { ولا يكاد يسيغه } والمعنى فلا يقارب ان ~~يشربه تكرها، وهو يشربه، تقول: ساغ يسوغ الشيء وأسغته أنا. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: # " ما يتجرعه يقرب اليه فيتكرهه، فاذا أدني منه شوي وجهه ووقعت فروة ~~رأسه, فاذا شربه قطع امعاءه حتى يخرج من دبره " # كما قال # وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم # وقال # وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب # وقوله { ويأتيه الموت من كل مكان } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس والجبائي: من كل جهة، من عن يمينه وشماله ومن ~~فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه. وقال ابراهيم التيمي وابن جريج: معناه { من ~~كل مكان } من جسده حتى من أطراف شعره { وما هو بميت } اي انه مع إتيان ~~اسباب الموت والشدائد التي يكون معها الموت { من كل جهة } من شدة ~~الأهوال، وأنواع العذاب، وليس هو بميت { ومن ورائه عذاب غليظ } وقيل في ~~معناه قولان: # احدهما - من أمامه. # والثاني - ومن بعد عذابه هذا { عذاب غليظ }. # وقوله { مثل الذين كفروا بربهم } اي فيما يتلى عليكم { مثل الذين كفروا ~~بربهم } ، فيكون رفعا بالابتداء ويجوز ان يكون (مثل) مقحما ويبتدىء ~~الذين كفروا. وقوله { أعمالهم } رفع على البدل وهو بدل الاشتمال عليه في ~~المعنى، لان المثل للاعمال، وقد أضيف الى الذين كفروا، ومثله # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة # والمعنى ترى وجوههم مسودة. قال الفراء: لانهم يجدون المعنى في آخر ~~الكلمة، فلا يبالون ما وقع على الاسم المبتدأ، ومثله قوله # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # فاعيدت اللام في البيوت، لانها التي يراد بالسقف. وقال المبرد: { ~~أعمالهم } رفع بالابتداء وخبره { كرماد } ، والرماد الجسم المنسحق ~~بالاحراق سحق الغبار. ويمكن ان ms2170 يجعل (مثل) صفة بغير نار في مقدور الله. # وقوله { اشتدت به الريح في يوم عاصف } فالاشتداد الاسراع بالحركة على ~~عظم القوة، يقال: اشتد به الوجع من هذا، لانه أسرع اليه على قوة ألم ~~والعصف شدة الريح، { يوم عاصف } أي شديد الريح، وجعل العصف صفة اليوم، ~~لانه يقع فيه، كما يقال: ليل نائم، ويوم ماطر، أي يقع فيه النوم والمطر، ~~ويجوز ان يكون المراد عاصف ريحه، وحذف الريح للدلالة عليه، ومثله حجر ضب ~~خرب اي خرب حجره، ويقال: عصفت الرياح إذا اشتدت وعصفت تعصف عصوفا. # شبه الله تعالى أعمال الكفار في انه لا محصول لها؛ ولا انتفاع بها يوم ~~القيامة، بالرماد الذي يشتد فيه الريح العاصف، فإنه لا بقاء لذلك ~~الرماد، ولا لبث فكذلك أعمال الكافر لا يقدر منها على شيء، كما قال في ~~موضع آخر # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا # وقوله { ذلك هو الضلال البعيد } اي من وصفناه فهو الذي ضل عن الحق ~~والخير ضلالا بعيدا. ### || [14.19-20] # آيتان في الكوفي والمدني تمام الأولى { خلق جديد } وآية عند الباقين. # قرأ حمزة والكسائي { خالق السماوات } على اسم الفاعل. الباقون { خلق } ~~على (فعل) ماض. قال ابو علي: من قرأ " خلق " فلان ذلك ماض فأخبر عنه بلفظ ~~الماضي، ومن قرأ " خالق " جعله مثل # فاطر السماوات والأرض # بمعنى خالق. ومثله قوله # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا # لانهما فعلا. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ويعني به الأمة بدلالة قوله { ~~إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ألم تعلم؛ لان الرؤية تكون بمعنى العلم، ~~كما تكون بمعنى الادراك بالبصر وها هنا لا يمكن ان تكون بمعنى الرؤية ~~بالبصر، لان ذلك لا يتعلق بأن الله خلق السموات والارض، وإنما يعلم ذلك ~~بدليل. وقوله { بالحق } والحق هو وضع الشيء في موضعه على ما تقتضيه ~~الحكمة واذا جرى المعنى على ما هو له من الاشياء فهو حق، واذا اجري على ~~ما ليس هو له من الشيء فذلك باطل. والخلق فعل الشيء على تقدير وترتيب، ms2171 ~~والخالق الفاعل على مقدار ما تدعو الحكم اليه لا يجوز عليه غير ذلك. # وقوله { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } خطاب للخلق واعلام لهم أنه قادر ~~ان شاء ان يميت الخلق ويهلكهم ويجيء بدلهم خلقا آخر جديدا. والاذهاب ~~ابعاد الشيء عن الجهة التي كان عليها، ولهذا قيل للاهلاك إذهاب، لانه ~~ابعاد له عن حال الايجاد. والجديد المقطوع عنه العمل في ابتداء أمره قبل ~~حال خلو فيه، واصله القطع يقال: جده يجده جدا إذا قطعه، والجد أب ~~الأب، لانقطاعه عن الولادة بالأب، والجد ضد الهزل، والجد الحظ. # { وما ذلك على الله بعزيز } اخبار منه تعالى ان إذهابكم وإهلاككم ~~والاتيان بخلق جديد ليس بممتنع على الله على وجه من الوجوه. والممتنع ~~بقدرته: عزيز، والممتنع بسعة مقدوره عزيز، والممتنع بكبر نفسه عزيز. # وفي الآية دلالة على ان من قدر على الانشاء قدر على الافناء إذ كان مما ~~لا يتغير حكم القادر، ولا شيء مما يحتاج اليه في الفعل، لان من قدر على ~~البناء، فهو على الهدم أقدر، فمن كان قادرا على اختراع السماء والارض ~~وما بينهما فهو قادر على إذهاب الخلق وإهلاكهم. ### || [14.21] # أخبر الله تعالى ان الخلق يبرزون يوم القيامة لله اي يظهرون من قبورهم ~~والبروز خروج الشيء عما كان ملتبسا به الى حيث يقع عليه الحشر في نفسه، ~~يقال: برز للقتال إذا ظهر له. # { فقال الضعفاء } اي يقول الناقص القوة، لان الضعفاء جمع ضعيف، والضعف ~~نقصان القوة، يقال: ضعف يضعف ضعفا، واضعفه الله إضعافا؛ والضعف ذهاب ~~مضاعفة القوة { للذين استكبروا } اي للذين طلبوا التكبر. والاستكبار ~~والتكبر والتجبر واحد، وهو رفع النفس فوق مقدارها في الوصف. والمعنى يقول ~~التابعون للمتبوعين من ساداتهم وكبرائهم { إنا كنا لكم تبعا } اي طلبنا ~~اللحاق بكم، واعتمدنا عليكم، وهو جمع تابع، كقولهم: غائب وغيب. قال ~~الزجاج: ويجوز ان يكون مصدرا وصف به { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله ~~من شيء } اي هل تقدرون على ان تدفعوا عنا ما لا نقدر على دفعه عن أنفسنا، ~~يقال: أغنى ms2172 عني إذا دفع عني، وأغناني بمعنى نفى الحاجة عني بما فيه ~~كفاية. فأجابهم المستكبرون بأنه { لو هدانا الله } الى طريق الخلاص من ~~العقاب والوصول الى النعيم والجنة { لهديناكم } اليه { سواء علينا أجزعنا ~~أم صبرنا } أي الجزع والصبر سيان مثلان، ليس لنا من محيص أي مهرب من عذاب ~~الله تعالى يقال: حاص يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا، وحاد يحيد حيدا ~~ومحيدا، والحيد الزوال عن المكروه. والجزع انزعاج النفس بورود ما يغم، ~~ونقيضه البر قال الشاعر: # فان تصبرا فالصبر خير مغبة # وان تجزعا فالأمر ما تريان ### || [14.22] # قرأ حمزة وحده { بمصرخي } بكسر الياء. الباقون بفتحها. # قال ابو علي: قال الفراء - في كتابه في التصريف: قرأ به الاعمش، ويحيى ~~ابن وثاب، قال وزعم القاسم بن معن أنه صواب، وكان ثقة بصيرا، وزعم قطرب ~~أنه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الاضافة ياء وانشد: # ماض اذا ما هم بالمضي # قال لها هل لك يا مامي # وانشد ذلك الفراء، وقال الزجاج: هذا الشعر لا يلتفت اليه، ولا هو مما ~~يعرف قائله، قال الرماني: الكسر لا يجوز عند اكثر النحويين، واجازه ~~الفراء على ضعف، قال ابو علي: وجه جوازه من القياس أن الياء ليست تخلو: ~~أن تكون في موضع نصب او جر، فالياء في النصب والجر كالهاء في (هما) ~~وكالكاف في اكرمتك وهذا لك، فكما ان (الهاء) قد لحقتها الزيادة في هداكه ~~وضربه، ولحق الكاف الزيادة في قولهم اعطيتكه او اعطيتكاه فيما حكاه ~~سيبويه، وهما اختا الياء كذلك ألحقوا الياء الزيادة، فقالوا: في، ثم ~~حذفت الياء الزيادة على الياء، كما حذفت الزيادة من (الهاء) في قول من ~~قال: له أرقان. قال ابو الحسن هي لغة، فكما حذفت الزيادة من الكاف، فقال ~~في (اعطيتكيه، اعطيتكه) كذلك حذفت الياء اللاحقة الياء، كما حذفت من ~~اختيها، وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما ~~كانت عليه من الكسرة، وكما لحقت الكاف والهاء الزيادة، كذلك لحقت الياء ~~الزيادة، فلحاق الياء الزيادة نحو ما أنشد من قول الشاعر: ms2173 # رميتيه فأصميت وما أخطأت الرمية # فاذا كانت هذه الكسرة في الياء على هذه اللغة. وإن كان غيرها أفشى ~~منها. وعضده من القياس ما ذكرنا لم يجز لقائل ان يقول: إن قراءة القراء ~~بذلك لحن يجوز، لاستقامة ذلك سماعا وقياسا. # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الشيطان يوم القيامة يقول لأوليائه ~~الذين اتبعوه: { إن الله وعدكم وعد الحق } من الثواب والعقاب { ووعدتكم } ~~انا بالخلاص من العقاب بارتكاب المعاصي، وقد خالفت وعدي { وما كان لي ~~عليكم من سلطان } اي لم يكن لي عليكم حجة، ولا برهان اكثر من ان دعوتكم ~~الى الضلال وأغويتكم، فأجبتموني واتبعتموني { فلا تلوموني } في ذلك { ~~ولوموا أنفسكم } بارتكاب المعاصي وخلافكم الله وترككم ما امركم به { ما ~~أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } يقال: استصرخني فأصرخته، اي استغاثني ~~فأغثته، فالاصراخ الاغاثة. والمعنى ما انا بمغيثكم وما انتم بمغيثي { ~~إني كفرت بما اشركتموني من قبل } حكاية عن قول الشيطان لأوليائه انه ~~يقول لهم { إني كفرت } بشرككم بالله ومتابعتكم لي قبل هذا اليوم. ثم اخبر ~~تعالى { إن الظالمين } الكافرين { لهم عذاب اليم } مؤلم شديد الالم، ~~ويصح ان يلوم الانسان نفسه على الاساءة، كما يصح حمدها على الاحسان قال ~~الشاعر: # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # قال الجبائي: وفي الآية دلالة على ان الشيطان لا يقدر على الاضرار ~~بالإنسان اكثر من إغوائه ودعائه الى المعاصي، فأما بغير ذلك فلا يقدر ~~عليه، لأنه اخبر بذلك، ويجب ان يكون صادقا، لأن الآخرة لا يقع فيها من ~~احد قبيح لكونهم ملجئين الى تركه. ### || [14.23-25] # ثلاث آيات في الكوفي والبصري تمام الثانية { في السماء } وآيتان في ~~الباقي. # اخبر الله تعالى في هذه الآية ان الذين يؤمنون به، ويصدقون بوحدانيته، ~~ويعترفون بنبوة انبيائه ويعملون بما دعاهم اليه من الطاعات والاعمال ~~الصالحات يدخلهم الله يوم القيامة جنات من صفتها انها تجري من تحتها ~~الانهار، لان الجنة البستان الذي يجنه الشجر، فالانهار تجري من تحت ~~الاشجار، وقيل انهار الجنة في اخاديد في الارض { خالدين فيها ms2174 } اي مؤبدين ~~فيها دائمين, ونصبه على الحال من حيث انها تدوم لهم { بإذن ربهم } اي ~~بأمر ربهم واطلاقه، يخلدون فيها, ويكون تحية بعضهم لبعض في الجنة { سلام ~~}. والتحية التلقي بالكرامة في المخاطبة، كقولك احياك الله حياة طيبة، ~~سلام عليك، وما أشبه ذلك تبشيرا لهم بدوام السلامة. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } انما ضرب المثل بالكلمة الطيبة ~~للدعاء اليها في كل باب يحتاج الى العمل عليه، وفي كل باب من ابواب ~~العلم. ومعنى { فرعها في السماء } مبالغة له في الرفعة، فالأصل سافل، ~~والفرع عال، إلا أنه من الأصل يوصل الى الفرع. والاصل في باب العلم مشبه ~~بأصل الشجرة التي تؤدي الى الثمرة التي هي فرع ذلك الاصل، ويشبه بأصل ~~الدرجة التي يترقى منها الى اعلى مرتبة. # وروي انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الشجرة الطيبة هي ~~النخلة. وقال ابن عباس: هي شجرة في الجنة. # وقوله { تؤتي أكلها } اي تخرج هذه الشجرة الطيبة - وهي النخلة - ما يؤكل ~~منها في كل حين. وقال ابن عباس - في رواية - يعني ستة اشهر الى صرام ~~النخل، وهو المروي عن ابي جعفر وابى عبد الله (ع)، وبه قال سعيد بن جبير، ~~والحسن. وقال مجاهد وابن زيد: كل سنة. وقال سعيد بن المسيب: الحين شهران. ~~وفي رواية اخرى عن ابن عباس: غدوة وعشية، وقال قوم: من اكل النخلة: الطلع ~~والرطب والبسر والتمر، فهو دائم لا ينقطع على هذه الصفة، وأهل اللغة ~~يذهبون الى ان الحين هو الوقت، قال النابغة: # يبادرها الراقون من سوء سمها # تطلقه حينا وحينا تراجع # كذا رواه الاصمعي و { مثلا } منصوب ب { ضرب } والتقدير ضرب الله كلمة ~~طيبة مثلا { بإذن ربها } اي يخرج هذا الأكل في كل حين بأمر الله وخلقه ~~اياه { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } اخبار منه تعالى انه ~~يضرب المثل للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في البادية والعاقبة، لكي ~~يتذكروا ms2175 ويتفكروا فيه ويعتبروا به، فيؤديهم ذلك الى دخول الجنة وحصول ~~الثواب. # وفائدة الآية ان الله ضرب للايمان مثلا وللكفر مثلا، فجعل مثل المؤمن ~~الشجرة الطيبة التي لا ينقطع نفعها وثمرها، وهي النخلة ينتفع بها في كل ~~وقت، لا ينقطع نفعها البتة، لأنه ينتفع بطلعها، وبسرها، ورطبها، وتمرها، ~~وسعفها، وليفها، وخوصها، وجذعها. ومثل الكافر بالشجرة الخبيثة وهي ~~الحنظلة. وقيل الاكشوث لا إنتفاع به، ولا قرار له ولا أصل، فكذلك الكفر ~~لا نفع فيه ولا ثبات. ### || [14.26-27] # لما ضرب الله المثل للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي ذكرها وأكلها، ~~ضرب المثل للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة التي تجتث اي تقلع، يقال: ~~اجتثه اجتثاثا وجثه جثا، ومنه الجثة، والاجتثاث الاستئصال للشيء ~~واقتلاعه من أصله، وقال انس بن مالك ومجاهد: الشجرة الممثل بها هي شجرة ~~الحنظل، قال أنس: وهي السرمان. وقال ابن عباس: هي شجرة لم تخلق بعد. ~~والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالاول، والتشبيه في الامثال؛ لما ~~يحتاج اليه من البيان وهو على وجهين: احدهما - ما يظهر فيه اداة التشبيه. ~~والآخر - ما لا يظهر فيه. # والكلمة الواحدة من الكلام، ولذلك يقال للقصيدة كلمة، لانها قصيدة واحدة ~~من الكلام. والكلمة إنما تكون خبيثة اذا خبث معناها. وهي كلمة الكفر، ~~والطيبة كلمة الايمان، والخبث فساد يؤدي الى فساد. # وقوله { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا } يعنى ~~كلمة الايمان { وفي الأخرة } قال ابن عباس والبراء بن عازب: هي المسألة ~~في القبر اذا أتاة الملك، فقال له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي ~~الله وديني الاسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقال قوم: معنى { يثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا } يعني الايمان يثبتهم ~~الله بثوابه في الجنة ويمدحهم فيها. # وقوله { ويضل الله الظالمين } يحتمل امرين: # احدهما - يحكم بضلال الظالمين. # الثاني - يضلهم عن طريق الجنة الى طريق النار { ويفعل الله ما يشاء } من ~~ذلك لا اعتراض عليه في ذلك ولا في غيره مما يريد فعله. ### || [14.28-30] # قيل في من ms2176 نزل فيه قوله { الذين بدلوا نعمة الله كفرا } قولان: # احدهما - قال امير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وابن عباس، وسعيد ابن ~~جبير، ومجاهد، والضحاك: انهم كفار قريش، فقال (ع): (أما بنو المغيرة ~~فأبادهم الله يوم بدر، وأما بنو أمية فقد أمهلوا إلى يوم ما) وقال ~~قتادة: هم القادة من كفار قريش. وروي عن عمر أنه قال: هما الأفجران من ~~قريش بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين؛ واما بنو ~~المغيرة فقتلوهم يوم بدر. أنعم الله تعالى عليهم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فكفروا به ودعوا قومهم الى الكفر به، فقال الله تعالى لنبيه: أما ~~تنظر الى هؤلاء الذين كفروا بنعم الله وبدلوا مكان الشكر عليها كفرا { ~~وأحلوا قومهم دار البوار } أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بدعائهم إياهم ~~الى الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وإغوائهم إياهم وصدهم عن الايمان ~~به. # والتبديل جعل الشيء مكان غيره، فهؤلاء القوم لما جعلوا الكفر بالنعمة ~~مكان شكرها، كانوا قد بدلوا أقبح تبديل. والاحلال وضع الشيء في محل، اما ~~مجاوره إن كان من قبيل الأجسام، او مداخله إن كان من قبيل الاعراض. ~~والبوار الهلاك، بار الشيء يبور بورا إذا هلك وبطل. قال ابن الزبعري. # يا رسول المليك ان لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور # وقوله { جهنم يصلونها } في موضع نصب بدلا من قوله { دار البوار } لانه ~~تفسير لهذه الدار { يصلونها } اي يصلون فيها ويشتوون فيها. # ثم أخبر انها بئس القرار اي بئس المستقر والمأوى. # ثم قال: ان هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرا واحلوا قومهم دار البوار ~~{ جعلوا لله أندادا } زيادة على كفرهم وجحدهم نعم الله. والانداد جمع ~~ند. وهم الامثال المناؤون، قال الشاعر: # نهدى رؤس المترفين الانداد # الى امير المؤمنين الممتاد # { ليضلوا عن سبيله } اي لتكون عاقبة أمرهم إلى الضلال الذي هو الهلاك، ~~واللام لام العاقبة، وليست بلام الغرض، لانهم ما عبدوا الأوثان من دون ~~الله، وغرضهم ان يهلكوا، بل لما كان لاجل عبادتهم لها استحقوا الهلاك ~~والعذاب عبر ms2177 عن ذلك بهذه اللام، كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولكن لما كان عاقبة ذلك انه كان ~~عدوهم فعبر عنه بهذه اللام. # وقرأ بضم الياء وكسر الضاد، والمعنى انهم فعلوا ذلك ليضلوا غيرهم عن ~~سبيل الحق الذي هو الطريق الى ثواب الله والنعيم في جنته، فقال الله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهؤلاء الكفار الذين وصفناهم { تمتعوا ~~} وانتفعوا بما تهوون من عاجل هذه الدنيا، فصورته صورة الأمر والمراد به ~~التهديد بدلالة قوله { فإن مصيركم إلى النار } والمعنى مرجعكم ومآلكم ~~الى النار والكون فيها عما قليل. ### || [14.31] # أمر الله تعالى نبيه ان يقول لعباده المؤمنين المعترفين بتوحيد الله ~~وعدله يداومون على فعل الصلاة ويقيمونها بشرائطها وينفقون مما رزقهم الله ~~سرا وعلانية أي ظاهرا وباطنا، وموضع { يقيموا } جزم من ثلاثة اوجه: # أحدها - انه جواب الأمر وهو { قل }. # الثاني - هو جواب أمر محذوف، وتقديره قل لهم أقيموا يقيموا. # الثالث - بحذف لام الأمر لأن في { قل } دلالة عليه، والمعنى ليقيموا، ~~وعلى هذا يجوز ان تقول: قل له يضرب، ولا يجوز يضرب زيدا، لأنه عوض من ~~المحذوف ذكره الزجاج. # { من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } المعنى بادروا بافعال الخير ~~من اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وأفعال الخير { قبل أن } يأتيكم يوم ~~القيامة الذي لا بيع فيه ولا شراء، والمراد - ها هنا - ولا فداء تفدون ~~بها نفوسكم من عذاب الله { ولا خلال } اي ولا مخالة، تقول: خاللت فلانا ~~مخالة وخلالا، قال امرؤ القيس: # صرفت الهوى عنهن من خيفة الردى # ولست بمقلي الخلال ولا قالي # والمخالة اصفاء المودة، وقد يكون الخلال جمع خلة مثل قلة، وقلال. ~~وظلة وظلال. ### || [14.32-34] # ثلاث آيات في الكوفي والمدنيين وآيتان فيما عداها، آخر الاولى { الأنهار ~~}. # أخبر الله تعالى انه (عز وجل) اخترع السموات والارض وانشأهما بلا معين ~~ولا مشير { وأنزل من السماء ماء } يعني غيثا ومطرا فأخرج بذلك الماء ~~الثمرات رزقا لعباده، وسخر لهم المراكب في البحر لتجري ms2178 بأمر الله، لانها ~~تسير بالرياح والله تعالى المنشىء للرياح { وسخر لكم الأنهار } التي تجري ~~بالمياه التي ينزلها من السماء، ويجريها في الأودية، وينصب منها في ~~الانهار { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } معناه ذلل لكم الشمس والقمر ~~ومهدهما لمنافعكم، وتدبير الله لما سخره للعباد ظاهر لكل عاقل متأمل لا ~~يمكنه الانصراف عنه إلا على وجه المعاندة والمكابرة، والدؤوب مرور الشيء ~~في العمل على عادة جارية فيه دأب يدأب دأبا ودؤوبا فهو دائب، والمعنى ~~دائبين، لا يفتران، في صلاح الخلق والنبات، ومنافعهم { وسخر لكم الليل ~~والنهار } أي ذللهما لكم، ومهدهما لمنافعكم، لتسكنوا في الليل، وتبتغوا ~~في النهار من فضله { وأتاكم من كل ما سألتموه } معناه ان الانسان قد يسأل ~~الله العافية فيعطي، ويسأله النجاة فيعطي، ويسأله الغنى فيعطي، ويسأله ~~الملك فيعطي، ويسأله الولد فيعطي، ويسأله العز وتيسير الامور وشرح الصدر ~~فيعطي، فهذا في الجملة حاصل في الدعاء لله تعالى ما لم يكن فيه مفسدة في ~~الدين عليه وعلى غيره، فأين يذهب به مع هذه النعم التي لا تحصى كثرة، عن ~~الله الذي هو في كل حال يحتاج اليه، وهو مظاهر بالنعم عليه. # ودخلت (من) للتبعيض، لانه لو كان وآتاكم كل ما سألتموه لاقتضى ان جميع ~~ما يسأله العبد يعطيه الله، والامر بخلافه، لان (من) تنبىء عنه. # وقال قوم: ليس من شيء الا وقد سأله بعض الناس، والتقدير كل ما سألتموه ~~قد أتى بعضكم. # وقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } معناه وان تروموا عدها بقصدكم ~~اليه لا تحصونها لكثرتها، ويروى عن طلق بن حبيب، أنه قال: ان حق الله ~~اثقل من ان تقوم به العباد، وان نعم الله اكثر من ان تحصيها العباد، ~~ولكن، اصبحوا تائبين، وامسوا تائبين. # وقوله { إن الإنسان لظلوم كفار } اخبار منه تعالى أن الانسان يعني من ~~تقدم وصفه بالكفر كثير الظلم لنفسه ولغيره، وكفور لنعم الله غير مؤد ~~لشكرها. وقرىء { من كل ما سألتموه } بالتنوين، قال الفراء: كأنهم ذهبوا ~~الى أنا لم نسأله تعالى شمسا ولا قمرا ولا ms2179 كثيرا من نعمه فكأنه قال: ~~وآتاكم من كل ما لم سألتموه، والاول أعجب الي، لان المعنى آتاكم من كل ~~ما سألتموه لو سألتموه، كأنه قال وآتاكم من كل سؤلكم، كما تقول: والله ~~لأعطينك سؤلك ما بلغته مسألتك وان لم تسأل. قال المبرد: يريد ما يخطر ~~ببالك، ومن أضاف جعل (ما) في موضع نصب، وهي بمعنى الذي. ومن نون جعلها ~~نافية. ### || [14.35-36] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم اذكر { إذ قال إبراهيم } يا { ~~رب اجعل هذا البلد } يعني مكة وما حولها من الحرم { آمنا } يعني يأمن ~~الناس فيه على نفوسهم واموالهم. (والامن) سكون النفس الى زوال الضرر، وهو ~~نقيض الخوف، ومثله الطمأنينة الى الامر. # وقوله { واجنبني } اي اصرفني عنه، جنبته اوجنبه، جنبا وجنبته الشر ~~تجنيبا، واجنبته اجتنابا، قال الشاعر: # وتنقض عهده شفقا عليه # وتجنبه قلا يصنا الصعابا # { واجنبني } اي واصرفني { وبني أن نعبد الأصنام } اي جنبنا عبادة ~~الاصنام بلطف من الطافك الذي نختار عنده الامتناع من عبادتها. ودعاء ~~الانبياء لا يكون الا مستجابا، فعلى هذا يكون سؤاله ان يجنب نبيه عبادة ~~الاصنام مخصوصا بمن علم الله من حاله ان يكون مؤمنا، لا يعبد الا الله، ~~ويكون الله تعالى اذن له في الدعاء لهم، فيجيب الله تعالى ذلك لهم. # وقوله { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } اخبار من ابراهيم ان هذه ~~الاصنام ضل كثير من الناس بها حتى عبدوها فكأنها اضلتهم، كما يقول ~~القائل: فتنتني فلانة اي فتنت بها، قال الشاعر: # هبوني أمرءا منكم أضل بغيره # يعني ضل بعيره عنه، لان احدا لا يضل بغيره قاصدا الى اضلاله. # وقوله { فمن تبعني } حكاية ما قال ابراهيم من ان من يتبعه في عبادة الله ~~وحده وترك عبادة الاصنام، فانه منه وعلى دينه. { ومن عصاني } في ذلك وعبد ~~مع الله غيره، وعصاه في اوامره { فإنك } يا الله { غفور رحيم } اي ستار ~~على عبادك معاصيهم رحيم بهم اي منعم عليهم في جميع الاحوال. وقيل المعنى ~~{ إنك غفور رحيم } بهم ان تابوا واقلعوا عما هم ms2180 عليه من الكفر. ### || [14.37-38] # هذا حكاية ما دعا به ابراهيم (ع)، فإنه قال يارب { إني أسكنت من ذريتي ~~} اي جعلت مأواهم ومقرهم الذي يقرون فيه ويسكنون اليه. والسكنى اتخاذ ~~مأوى لصاحبه يسكن اليه في ليله، ومتى يشاء من اوقاته، اسكن البلدة والدار ~~اذا جعله مأوى له، (والذرية) جماعة الولد على تنسئته من حين يظهر الى ان ~~يكبر، والمراد بالذرية ها هنا: اسماعيل وامه هاجر حين اسكنه وادي مكة، ~~وهو الابطح، ولم يذكر مفعول اسكنت، لان (من) تفيد بعض القوم، كما يقال: ~~قتلنا من بني فلان، واكلنا من الطعام، وشربنا من الماء، قال تعالى # أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله # فموضع (من) نصب والوادي سفح الجبل العظيم ومن ذلك قيل للانهار العظام ~~اودية، لان حافاتها كالجبال لها، ومنه الدية، لانها مال عظيم يتحمل في ~~امر عظيم من قتل النفس المحرمة. # { غير ذي زرع } أي لا زرع في هذا الوادي أي لا نبات فيه، والزرع كل نبات ~~ينغرس من غير ساق، وجمعه زروع { عند بيتك المحرم } معناه حرم فيه ما أحل ~~في غيره من البيوت، من الجماع، والملابسة بشيء من الدم، والنجاسة، وانما ~~أضاف البيت الى الله، لأنه مالكه من غير ان يملكه احد سواه، لأن ما عداه ~~قد ملك غيره من العباد. وسماه بيتا قبل ان يبنيه ابراهيم لأمرين: # احدهما - انه لما كان المعلوم انه يبنيه فسماه ما يكون بيتا. # والثاني - قيل أنه كان البيت قبل ذلك، وانما خربته طسم واندوس. وقيل انه ~~رفع عند الطوفان الى السماء. # وقوله { ربنا ليقيموا الصلاة } اي اسكنتهم هذا الوادي ليدوموا على ~~الصلاة ويقيموها بشرائطها. # { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } سؤال من ابراهيم (ع) ان يجعل الله ~~تعالى قلوب الخلق تحن الى ذلك الموضع، ليكون في ذلك انس ذريته بمن يرد من ~~الوفود ويدر ارزاقهم على مرور الاوقات. { وارزقهم من الثمرات } مسألة ~~منه ان يرزق ذريته من انواع الثمار لكي يشكروه على نعمه وفنون احسانه. # { ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ms2181 } اعتراف من ابراهيم لله تعالى بانه " ~~عز وجل " يعلم ما يخفي الخلق وما يظهرونه، وانه لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~مما يكون في الارض، ومما يكون في السماء مع عظمها وبعد ما بينهما، لانه ~~عالم لنفسه بجميع المعلومات. وقال قوم: ان قوله { وما يخفى على الله من ~~شيء في الأرض ولا في السماء } اخبار منه تعالى بذلك دون الحكاية. ### || [14.39-41] # هذا حكاية من الله تعالى باعتراف ابراهيم (ع) بنعم الله تعالى، وحمده ~~إياه على إحسانه بما وهب له على كبر سنه ولدين: اسماعيل واسحق. وانه ~~اخبر بأن ربه الذي خلقه يجيب الدعاء لمن يدعوه وذلك يدل على انه كان تقدم ~~منه مسألة لله تعالى أن يهب له ولدا، فلذلك كان مجيبا له. والحمد هو ~~الوصف الجميل على وجه التعظيم لصاحبه والاجلال له وفرق الرماني بين الحمد ~~والمدح بان المدح: هو الوصف للشيء بالخير من جهته على وجه التعظيم له، ~~فعله او لم يفعله، ولكن كان سببا يؤدي اليه، وليس كذلك الحمد. والذم: ~~نقيض لهما، لانه الوصف بالقبيح على جهة التحقير. والهبة عطية التمليك من ~~غير عقد مثامنة يقال: وهب له كذا يهبه هبة، فهو واهب. والدعاء طلب الفعل ~~بدلالة القول وما دعا الله (عز وجل) اليه فقد أمر به ورغب فيه، وما دعا ~~العبد به ربه فالعبد راغب فيه، ولذلك لا يجوز ان يدعو الانسان بلعنه ولا ~~عقابه، ويحوز ان يدعو على غيره به. والتقبل أخذ العمل على طريقة ايجاب ~~الحق به مقابلة عليه. # وقال سعيد بن جبير: بشر ابراهيم بالولد بعد مئة وسبعة عشرة سنة. # وقوله { رب اجعلني مقيم الصلاة } سؤال من ابراهيم (ع) لله تعالى ان ~~يجعله ممن يقيم شرائط الصلاة ويدوم عليها بلطف يفعله به يختار ذلك عنده، ~~وسأله ان يفعل مثل ذلك بذريته، وأن يجعل منهم جماعة يقيمون الصلاة، وهم ~~الذين اعلمه الله ان يقوموا بها دون الكفار الذين لا يقيمون الصلاة { ~~ربنا وتقبل دعاء } رغبة منه اليه تعالى ان يجيب دعاءه فيما سأله. # وقوله ms2182 { ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } نداء من ~~ابراهيم لله تعالى ان يغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين، وهو ان يستر ~~عليهم ما وقع منهم من المعاصي عند من أجاز الصغائر عليهم، ومن لم يجز ذلك ~~حمل ذلك على أنه انقطاع منه اليه تعالى فيما يتعلق به، وسؤال على الحقيقة ~~في غيره. وقد بينا ان أبوي ابراهيم لم يكونا كافرين وفي الآية دلالة على ~~ذلك، لانه سأل المغفرة لهما يوم القيامة، فلو كانا كافرين لما قال ذلك، ~~لأنه قال تعالى # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه # فدل ذلك على ان أباه الذي كان كافرا جده لأمه او عمه على الخلاف. قال ~~البلخي: ان أمه كانت مؤمنة، لانه سأل ان يغفر لأبيه وحكى أنه # كان من الضالين # وقال # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # ولم يقل لأبويه { ويوم يقوم الحساب } أي يقوم فيه الحساب. والعامل في ~~يوم قوله { اغفر }. ### || [14.42-43] # قرأ الجماعة { إنما يؤخرهم } بالياء. وروي عن أبي عمرو بالنون # قال أبو علي: وجه القراءة بالياء ان الغيبة للمفرد قد تقدم، فتكون ~~بالياء على { فلا تحسبن الله مخلف وعده... إنما يؤخرهم } ووجه القراءة ~~بالنون أنه مثل الياء في المعنى، وقد تقدم مثله كثيرا. # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم نهاه الله تعالى، والمراد به الامة ~~ان يظن ان الله غافل عن أعمال الظالمين، ومهمل لامورهم. والغفلة والسهو ~~واحد. ثم بين الله تعالى أنه إنما لم يعاجلهم بالعقوبة ويؤخر عقابهم ~~ليعذبهم في اليوم الذي تشخص فيه الابصار، وهو يوم القيامة. وشخوص البصر ~~ان تبقى العين مفتوحة لا تنطبق لعظم ذلك اليوم { مهطعين } قال سعيد بن ~~جبير والحسن وقتادة: مسرعين، يقال: أهطع اهطاعا اذا أسرع قال الشاعر: # بمهطع سرح كان زمامه # في رأس جذع من أراك مشذب # وقال الآخر: # بمستهطع رسل كان جديله # بقيدوم رعن من صوام ممنع # وقال ابن عباس: المهطع الدائم النظر لا تطرف عينه، وقال ابن دريد: ~~المهطع: المطرق الذي لا يرفع رأسه. وقوله { مقنعي رءوسهم ms2183 } قال ابن عباس ~~ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد: معناه رافعي رؤسهم واقناع الرأس رفعه، ~~قال الشماخ: # يباكرن العضاه بمقنعات # نواجذهن كالحدإ الرقيع # يعنى يباكرن العضاة بمقنعات اي برؤس مرفوعات اليها ليتناول منها، يصف ~~ابلاله له ترعى الشجر، وأن أسنانها مرتفعة كالفؤس، وقال الراجز: # انقض نحوي رأسه واقنعا # كأنما أبصر شيئا اطمعا # وقوله { لا يرتد إليهم طرفهم } اي لا ترجع اليهم اعينهم ولا يطبقونها. # وقوله { وأفئدتهم هواء } معناه منخرقة لا تعي شيئا للخوف والفزع الذي ~~دخلها، فهي كهواء الجو، في الانخراق وبطلان الامساك. # وقوله { يوم يأتيهم } نصب على انه مفعول به والعامل فيه انذرهم، كأنه ~~قال خوفهم عقاب الله، ولا يكون على الظرف، لانه لم يؤمر بالانذار في ذلك ~~اليوم. وقيل في قوله { وأفئدتهم هواء } ثلاثة اقوال. # اولها - قال ابن عباس ومرة والحسن: منخرقة لا تعي شيئا، وفارغة من كل ~~شيء إلا من ذكر إجابة الداعي. # الثاني - قال سعيد بن جبير: يردد في أجوافهم لا يستقر في مكان. # الثالث - قال قتادة: خرجت الى الحناجر لا تنفصل، ولا تعود، وكل ذلك ~~تشبيه بهواء الجو، والاول أعرف في كلام العرب. وقال حسان بن ثابت: # ألا أبلغ أبا سفيان عنى # فانت مجوف نخب هواء # وقال زهير: # كأن الرحل منها فوق صعل # من الظلمان جؤجؤه هواء # وقيل ان الظليم لا فؤاد له وقال آخر: # ولانك من اخدان كل يراعة # هواء كسقب البان خوفا يكاسره ### || [14.44] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول للناس على وجه التخويف ~~لهم من عقابه، ويحذرهم يوم يجيئهم العذاب من الله على معاصيهم في دار ~~الدنيا، وهو يوم القيامة، ويقول { الذين ظلموا } نفوسهم بارتكاب المعاصي ~~وترك الواجبات يا { ربنا أخرنا إلى أجل قريب } أي ردنا الى الدنيا واجعل ~~ذلك مدة قريبة نجب دعوتك فيها ونتبع رسلك فيما يدعوننا اليه، فيقول الله ~~تعالى { أولم تكونوا أقسمتم } وحلفتم في دار الدنيا { ما لكم من زوال }. ~~قال مجاهد: معناه إنهم اقسموا في الدنيا أنه ليس لهم انتقال من الدنيا ~~الى الآخرة. ms2184 وقال الحسن: معناه { من زوال } الى العذاب. # والأجل الوقت المضروب لانقضاء الأمد، والأمد مدة من المدد، فانما طلبوا ~~أجلا يستدركون فيه ما فات من الفساد بالصلاح، وفي المعلوم أنهم يبعدون ~~من الفلاح. # وفي الآية دلالة على ان أهل الآخرة غير مكلفين بخلاف ما يقول النجار ~~وجماعة من المجبرة، لانهم لو كانوا مكلفين لما كان لقوله { أخرنا إلى أجل ~~قريب } معنى، لانهم مكلفون، وكانوا يؤمنون ويتخلصون من العقاب. # وقوله { فيقول } رفع عطفا على قوله { يوم يأتيهم العذاب } وليس بجواب ~~الامر لانه لو كان جوابا له لجاز فيه النصب والرفع، فالنصب مثل قول ~~الشاعر: # يا ناق سيري عنقا فسيحا # الى سليمان فنستريحا # والرفع على الإستئناف وذكر الفراء ان العلاء بن سبابة كان لا ينصب في ~~جواب الأمر بالفاء قال: والعلاء هو الذي علم معاذا ولهوا وأصحابه. ### || [14.45-46] # قرأ الكسائي وحده { لتزول } بفتح اللام الأولى، وضم الثانية. وروي ذلك ~~عن علي (ع). الباقون بكسر اللام الاولى وفتح الثانية. # قال أبو علي: من كسر اللام الأولى وفتح الثانية جعل (إن) بمعنى (ما) ~~والتقدير وما كان مكرهم لتزول، ومثل ذلك قوله # إن الكافرون إلا في غرور # ومعناه ما الكافرون، ومعنى الآية { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم } ~~اي جزاء مكرهم، فحذف المضاف كما حذف من قوله # ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم # اي جزاؤه، والمعنى قد عرف الله مكرهم، فهو يجازيهم عليه وما كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال. و { الجبال } كأنه اراد بها القرآن وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأعلامه ودلالاته أي ما كان ليزول منه ما هو مثل الجبال ~~في امتناعه ممن أراد إزالته. # ومن قرأ بفتح اللام الأولى وضم الثانية جعل (إن) هي المخففة من ~~الثقيلة على تعظيم أمر مكرهم، وهو في تعظيم مكرهم، كما قال في موضع آخر # ومكروا مكرا كبارا # أي قد كان مكرهم من الكبر والعظم بحيث يكاد يزيل ما هو مثل الجبال في ~~الامتناع، على من أراد إزالته ومثله في تعظيم الأمر قول الشاعر: # ألم تر ms2185 صدعا في السماء مبينا # على ابن لبينى الحارث بن هشام # وقال آخر: # بكى حارث الجولان من موت ربه # وحوران منه خاشع متضائل # وقال أوس: # ألم تكسف الشمس شمس النهار # مع النجم والقمر الواجب # فهذا كله على تعظيم الامر وتفخيمه ويدل على ان الجبال يعني بها أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله بعد ذلك { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ~~} اي بعد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم في قوله # ليظهره على الدين كله # وفي قوله # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون # وقد استعمل لفظ الجبال في غير هذا في تعظيم الشيء وتفخيمه قال ابن مقبل: # اذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى # لها شاعرا مثلي اطب واشعرا # واكثر بيتا شاعرا ضربت به # بطون جبال الشعر حتى تيسرا # يقول الله تعالى للكفار { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم زوال } مما ~~انتم عليه من النعيم وأنتم { سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } ~~بارتكاب المعاصي وكفران نعم الله، فأهلكهم الله { وضربنا لكم الأمثال } ~~والمعنى ان مثلكم كمثلهم في الاهلاك اذا اقمتم على ما اقاموا عليه، من ~~الفساد والتتابع في المعاصي { ومكروا مكرهم } يعني الكفار الذين ظلموا ~~انفسهم مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتالوا له، ومكروا بالمؤمنين ~~وخدعوهم { وعند الله } جزاء مكرهم، ولم يكن مكرهم ليبطل حجج القرآن وما ~~معك من دلائل النبوة، فلا يبطل شيء منه، لانه ثابت بالدليل والبرهان. # وعلى القراءة الأولى ولو كان مكرهم يزيل الجبال من عظمه وشدته، لما أزال ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم لانه أثبت من الجبال. # وروي عن علي (ع) وجماعة انهم قرؤوا { وإن كاد مكرهم } من المقاربة. قال ~~سعيد بن جبير وغيره: ان قوله { ومكروا مكرهم } نزلت في صاحب النسرين الذي ~~أراد صعود السماء. وقال قوم: مكرهم كفرهم بالله وشركهم في عبادته. ### || [14.47-48] # قرىء في الشواذ { مخلف وعده رسله } وهي شاذة رديئة، لأنه لا يجوز ان ~~يفصل بين المضاف والمضاف إليه، وانشد الفراء: # فزججتها بمزجة زج القلوص ابي مزاده # والمعنى زج ابي مزادة ms2186 القلوص، والصحيح ما عليه القراء، وتقديره مخلف ~~وعده رسله، كما تقول هذا معطي زيد درهما، والمعنى مخلف رسله وعده. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { لا تحسبن الله } اي لا تظنه ~~مخلف ما وعدك به من الظفر بهم والظهور عليهم، فانه لا يخلف ما وعد رسله ~~به. ثم أخبر ان الله تعالى قادر لا يغالب ينتقم ممن يكفر بنعمه ويكذب ~~انبيائه. والانتقام هو العقاب. # { يوم تبدل الأرض غير الأرض } العامل في { يوم } الانتقام، وتقديره ذو ~~انتقام يوم تبدل. والتبديل التغيير برفع الشيء الى بدل. وقيل ان تبديل ~~الارض بغيرها برفع الصورة التي كانت عليها الى صورة غيرها. وقال ابن عباس ~~ومجاهد وأنس بن مالك وابن مسعود: يبدل الله هذه الارض بأرض بيضاء كالفضة، ~~لم يعمل عليها خطيئة. والاول قول الحسن. # وقوله { والسموات } تقديره تبدل السموات غير السموات وحذف لدلالة ~~الكلام عليه. وقيل تبديل الارض بتسيير الجبال وتفجير بحارها وكونها ~~مستوية # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # وتبديل السموات انتشار كواكبها، وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها. # وقوله { وبرزوا لله الواحد القهار } معناه يظهرون من قبورهم. والبروز ~~الظهور وبرز يبرز بروزا، فهو بارز، وبارز قرنه مبارزة { لله الواحد ~~القهار } والمعنى الواحد لا شبه له ولا نظير. والقهار المالك الذي لا ~~يضام. ### || [14.49-50] # يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم انك يا محمد ترى الذين اجرموا ~~وفعلوا المعاصي، من الكفر وجحد النعم، يوم القيامة { مقرنين في الأصفاد } ~~اي قرنت أيديهم بالغل الى اعناقهم. وقال الجبائي: قرن بعضهم الى بعض، ~~والصفد الغل الذي يقرن به اليد الى العنق، ويجوز ان يكون السلسلة التي ~~يقع بها التقرين، وأصل الصفد القيد، وهو الصفاد، وجمعه صفد، قال عمرو بن ~~كلثوم: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وابناء الملوك مصفدينا # اي مقيدين، ومنه اصفدته اصفادا، اذا أعطيته مالا، قال الاعشى: # تضيفته يوما فاكرم مجلسي # واصفدني عند الزمانة قائدا # وقال الذبياني: # هذا الثناء فان تسمع لقائله # فما عرضت أبيت اللعن بالصفد # اي ما تعطيه: وانما قيل لها: صفد، لانها تقيد ms2187 المودة وترتبطها. وقال ~~قتادة: الاصفاد القيود والاغلال، والسرابيل القميص - في قول ابن زيد - ~~واحدها سربال، قال امرؤ القيس: # لعوب تنسيني اذا قمت سربالي # و (القطران) هو الذي تهنأ به الإبل - في قول الحسن - وفيه لغات، قطران ~~بفتح القاف وكسر الطاء، وبتسكين الطاء وكسر القاف. ويجوز فتحها، قال ابو ~~النجم: # جون كأن العرق المنتوحا # ألبسه القطران والمسوحا # فكسر القاف وقال ايضا: # كان قطرانا اذا تلاها # ترمي به الريح الى مجراها # وإنما جعلت سرابيلهم من قطران، لان النار تسرع اليها، وقرىء { قطرآن } ~~وروي ذلك عن ابن عباس، والقطر النحاس ومنه قوله # آتوني أفرغ عليه قطرا # والمعنى من قطر بالغ حره، وانتهى. والقراء على انه اسم واحد على وزن ~~الظربان، والظربان دابة منتنة فساءة، وهي من السباع { وتغشى وجوههم } ~~معناه تجللها. ### || [14.51-52] # أخبر الله تعالى بأنه إنما فعل ما تقدم ذكره { ليجزي الله كل نفس } ~~الذي كسبت إن كسبت خيرا أتاها الله بالنعيم الأبدي في الجنة، وإن كفرت ~~وحجدت وكسبت شرا عاقبها بنار جهنم مخلدة فيها { إن الله سريع الحساب } ~~اي سريع المجازاة. وقيل معنى { سريع الحساب } لا يشغله محاسبة بعضهم عن ~~محاسبة آخرين. والكسب فعل ما يجلب به النفع للنفس او يدفع به الضرر عنها. ~~والكسب ليس بجنس الفعل، والله تعالى يقدر على مثله في الجنس. # وقوله { هذا بلاغ } قال ابن زيد وغيره من المفسرين: هو إشارة الى ~~القرآن، ففيه بلاغ للناس، لان فيه البيان عن الانذار والتخويف، وفيه ~~البيان عما يوجب الإخلاص بما ذكر من الإنعام الذي لا يقدر عليه الا الله. # وفي الآية حجة على ثلاث فرق: # على المجبرة في الارادة، لأنها تدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين ~~ان يعلموا { إنما هو إله واحد } وهم يزعمون أن أراد من النصارى ان ~~يثلثوا، ومن الزنادقة ان يقولوا بالتثنية. # الثاني - حجة عليهم في ان المعصية لم يردها، لانه اذا أراد منهم ان ~~يعلموا أنه إله واحد، لم يرد خلافه من التثليث والتثنية الذي هو الكفر. # الثالث - حجة على اصحاب المعارف، ms2188 لانه بين أنه أراد من الخلق ان يتذكروا ~~ويفكروا في دلائل القرآن التي تدلهم على أنه إله واحد. ثم أخبر تعالى ~~انه انما يتذكر { أولو الألباب } اي ذوو العقول، لان من لا عقل له لا ~~يمكنه الذكر والاعتبار. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-2] # قرأ أهل المدينة وعاصم { ربما } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وروي عن ~~أبي عمرو: الوجهان. قال أبو علي أنشد أبو زيد: # ماوي يا ربتما غارة # شعواء كاللذعة بالميسم # قال الازهري: الماوي الرحمة، وأنشد ايضا ابو زيد: # يا صاحبا ربه إنسان حسن # يسأل عنك اليوم او تسأل عن # وقال قطرب, والسكري: ربما، وربما، وربتما, ورب، رب: ست لغات، قال ~~سيبويه (رب) حرف وتلحقها (ما) على وجهين: # احدهما - ان تكون نكرة بمعنى شيء كقوله: # ربما تجزع النفوس من الأم # ر له فرجة كحل العقال # ف (ما) في هذا البيت إسم؛ لما يقدر من عود الذكر اليه من الصفة. ~~والمعنى: رب شيء تكرهه النفوس، واذا عاد اليه الهاء كان إسما، ولم يجز ~~أن يكون حرفا. والضرب الآخر ان تدخل (ما) كافة نحو الآية، ونحو قول ~~الشاعر: # ربما أوفيت في علم # يرفعن ثوبي شمالات # والنحويون يسمون (ما) هذه كافة يريدون: أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل ~~الذي كان هيأها لدخولها على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى ان (رب) انما ~~تدخل على الاسم المفرد؛ نحو رب رجل يقول ذلك, وربه رجل يقول، ولا تدخل ~~على الفعل، فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل، كما قال { ~~ربما يود الذين كفروا } فوقع الفعل بعدها - في الآية - وهو على لفظ ~~المضارع، ووقع في قوله (ربما أوفيت في علم) على لفظ الماضي، وهكذا ينبغي ~~في القياس لأنها تدل على أمر قد وقع ومضى، وإنما وقع - في الآية - على ~~لفظ المضارع، لأنه حكاية لحال آتية كما ان قوله # وإن ربك ليحكم بينهم # حكاية لحال آتية ايضا، ومن حكاية الحال قول القائل: # جارية في رمضان الماضي # تقطع الحديث بالايماض # ومن زعم ان الآية على اضمار (كان) وتقديره ربما ms2189 كان يود، فقد خرج عن قول ~~سيبويه، لأنهم لا يضمرون على مذهبه (كان) في قول القائل: عبد الله ~~المقتول اي كن عبد الله المقتول. واما اضمار (كان) بعد إن خيرا فخيرا، ~~فإنما جاز ذلك, لإقتضاء الحرف له، فصار اقتضاء الحرف له كذكره، فاما ما ~~أنشده ابن حبيب، فيهان ابن مسكين: # لقد رزيت كعب بن عوف وربما # فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها # فان قوله (فتى) يحتمل ضروبا: # احدها - ان يكون لما جرى ذكر (رزيت) استغنى بجري ذكره عن اعادته، فكانه ~~قال: ربما رزيت فتى، فأنتصب فتى برزيت المضمرة، كقوله # آلآن وقد عصيت # فاستغنى بذكر آمنت المعلوم عن اظهاره بعد، ويجوز ان يكون انتصب ب ~~(رزيت) هذه المذكورة، كأنه قال: لقد رزيت كعب بن عوف فتى وربما لم يكن ~~يرضى اي رزيت فتى لم يكن يضام، ويكون هذا الفصل وهو اجنبي بمنزله قوله: # ابو أمه حي أبوه يقاربه # ويجوز ان يكون رفعا بفعل مضمر كانه قال ربما لم يرضى فتى كقوله: # وقلما وصال على طول الصدود يدوم # ويجوز ان تكون (ما) نكرة بمنزلة شيء ويكون فتى وصفا لها، كأنه قال: رب ~~شيء فتى لم يكن كذا، فهذه الاوجه فيها ممكنة، ويجوز في الآية ان تكون ~~(ما) بمنزلة شيء و (ود) صفة له، لان (ما) لعمومها تقع على كل شيء فيجوز ~~ان يعنى بها الود كأنه رب ود يوده الذين كفروا، ويكون يود في هذا ~~الوجه حكاية حال لانه لم يكن كقوله # فارجعنا نعمل صالحا # وقوله # يا ليتنا نرد ولا نكذب # واما من خفف، فلانه حرف مضاعف والحروف المضاعفة قد تحذف، وان لم يحذف ~~غير المضاعف، فمن المضاعف الذي حذف (ان، وان, ولكن) قد حذف كل واحد من ~~الحروف، وليس كل المضاعف يحذف، لاني لا أعلم الحذف في (ثم)، قال الهذلي: # ازهير إن يشب القذال فانني # رب هيضل لجب لففت بهيضل # واما دخول التاء في (ربتما) فان من الحروف ما يدخل عليه حرف التأنيث نحو ~~(ثم, وثمت، ولا، ولات) قال الشاعر: # ثمت ms2190 لا يحزونني غير ذالكم # ولكن سيحزنني المليك فيعقبا # فلذلك الحق التاء في قوله " ربتما " وقال المبرد: قال الكسائي: العرب لا ~~تكاد توقع (رب) على أمر مستقبل؛ وهذا قليل في كلامهم، وإنما المعنى ~~عندهم ان يوقعوها على الماضي, كقولهم: ربما فعلت ذلك، وربما جاءني فلان. ~~وإنما جاء هذا في القرآن، على ما جاء في التفسير، ان ذلك يكون يوم ~~القيامة. وإنما جاز هذا، لأن كل شيء من أمر الله خاصة فإنه وإن لم يكن ~~وقع بعد، فهو كالماضي الذي قد كان، لأن وعده آت لا محالة, وعلى هذا عامة ~~القرآن، نحو قوله # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض # وقوله # وسيق الذين اتقوا # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد # ومع هذا يحسن ان يقال - في الكلام - اذا رأيت الرجل يفعل ما يشاء، تخاف ~~عليه, ربما يندم، وربما يتمنى ان لا تكون فعلت، قال: وهذا كلام عربي حسن, ~~ومثله قال الفراء والمبرد وغيرهم. # فان قيل لم قال { ربما يود الذين كفروا } ورب للتقليل؟ قلنا عنه جوابان: # احدهما - انه شغلهم العذاب عن تمني ذلك الا في القليل. # والثاني - انه أبلغ في التهديد كما تقول: ربما ندمت على هذا، وأنت تعلم ~~أنه يندم ندما طويلا، أي يكفيك قليل الندم، فكيف كثيره. # فان قيل: لم قال { تلك آيات الكتاب وقرآن } والكتاب هو القرآن؟ ولم أضاف ~~الآيات الى الكتاب، وهي القرآن, وهل هذا إلا اضافة الشيء الى نفسه؟! # قلنا: إنما وصفه بالكتاب والقرآن, لإختلاف اللفظين، وما فيهما من ~~الفائدتين وإن كانا لموصوف واحد، لأن وصفه بالكتاب يفيد انه مما يكتب ~~ويدون، والقرآن يفيد أنه مما يؤلف ويجمع بعض حروفه الى بعض قال الشاعر: # الى الملك القرم وابن الهمام # وليث الكتيبة في المزدحم # وقال مجاهد وقتادة: المراد بالكتاب: ما كان قبل القرآن من التوراة ~~والانجيل، فعلى هذا سقط السؤال: فأما إضافة الشيء الى نفسه، فقد بينا ~~الوجه فيما مضى فيه، وانه يجري مجرى قولهم مسجد الجامع وصلاة الظهر ويوم ~~الجمعة. وقوله تعالى # لحق اليقين ms2191 # وهو مستعمل مشهور وبينا الوجه فيه، ووصف القرآن بانه مبين لانه يظهر ~~المعنى للنفس, والبيان ظهور المعنى للنفس بما يميزه من غيره، لان معنى ~~إبانته منه فصل منه، فاذا ظهر النقيضان في معنى الصفة فقد بانت وفهمت. # و (الود) التمنى يقال: وددته اذا تمنيته، ووددته اذا أحببته أود فهيما ~~جميعا ودا. وقال الحسن: اذا رأى المشركون المؤمنين دخلوا الجنة تمنوا ~~أنهم كانوا مسلمين، وقال مجاهد: اذا رأى المشركون المسلمين يغفر لهم ~~ويخرجون من النار يودون لو كانوا مسلمين. ### || [15.3-9] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه التهديد للكفار: اترك ~~هؤلاء يأكلوا ما يشتهون، ويستمتعوا في هذه الدنيا بما يريدون ويشغلهم ~~الأمل { فسوف يعلمون } وبال ذلك فيما بعد يعني يوم القيامة ووقت الجزاء ~~على الاعمال. # ثم اخبر تعالى انه لم يهلك أهل قرية فيما مضى على وجه العقوبة الا وكان ~~لها كتاب معلوم يعنى أجل مكتوب قد علمه الله تعالى لا بد ان يبلغونه لما ~~سبق في علمه، ويجوز إلا ولها بالواو وبغير الواو، لانه جاء بعد التمام، ~~ولو جاء بعد النقصان لم يجز، نحو رجلا هو قائم، ولا يجوز وهو قائم، ~~وكذلك في الظرف في خبر كان؛ وقال لم تكن أمة فيما مضى تسبق اجلها فتهلك ~~قبل ذلك ولا تتأخر عن اجلها الذي قدر لها بل اذا استوفت أجلها اهلكها ~~الله. # ثم قال له: ان هؤلاء الكفار يقولون لك { يا أيها الذي نزل عليه الذكر } ~~يعنون القرآن نزل عليك على قولك، لانهم لم يكونوا من المعترفين بذلك { ~~إنك لمجنون } في ادعائك أنه أنزل عليك الذكر بوحي الله اليك، ولم تكن ممن ~~يقرأ. # وقوله { لوما تأتينا بالملائكة } معناه هلا تأتينا، وهو دعاء الى الفعل ~~وتحضيض عليه، ومثله قوله { لولا أنزل عليه ملك } قال الشاعر: # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم # بني ضو طرى لولا الكمي المقنعا # وقد جاء (لوما) في معنى (لولا) التي لها جواب قال ابن مقيل: # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما # ببعض ما فيكما اذ عبتما عوري ms2192 # اي لولا الحياء. والمعنى في الآية هلا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقا ~~في انك نبي، وقال ابو عبيد عن ابن جريج: فيه تقديم وتأخير يعنى قوله { ~~ولو فتحنا } هو جواب { لوما تأتينا } والمعنى: فلو فعلنا ذلك بهم ايضا ~~لما آمنوا، وما بينهما كلام مقدم والمراد به التأخير، قال المبرد: هذا ~~الذي ذكره جائز لكن فيه بعد لانه يلبس بأن يكون فتح عليهم من انفسهم فعرج ~~بهم. والله اعلم. وكلا الأمرين غير ممتنع الا ان العرب تمنع مما فيه لبس. # وقوله { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~بالنون ونصب الملائكة. الباقون بالتاء ورفع الملائكة إلا أبا بكر عن ~~عاصم فانه ضم التاء على ما لم يسم فاعله. فحجة من قرأ بالنون قوله # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة # وحجة من قرأ { تنزل الملائكة } بفتح التاء قوله # تنزل الملائكة والروح فيها # وحجة من قرأ على ما لم يسم فاعله قوله { ما تنزل الملائكة إلا بالحق } ~~وقوله تعالى # ونزل الملائكة تنزيلا # ومعنى قوله { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } يعنى بالحق الذي لا يلبس معه ~~الباطل طرفه عين. # وقال الحسن ومجاهد: معناه إلا بعذاب الاستئصال اي لم يؤمنوا بالآيات، ~~كما كانت حال من قبلهم حين جاءتهم الآيات التي طلبوا، فلم يؤمنوا. ومعنى ~~{ وما كانوا إذا منظرين } أنه إن نزل عليهم الملائكة ولم يؤمنوا لم ~~ينظرهم الله، بل كان يعاجلهم العقوبة. وقوله { إنا نحن نزلنا الذكر } ~~يعنى القرآن في - قول الحسن والضحاك، وغيرهم - { وإنا له لحافظون } قال ~~قتادة: لحافظون من الزيادة والنقصان. ومثله قوله # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # وقال الحسن: لحافظون حتى نجزي به يوم القيامة اي لقيام الحجة به على ~~الجماعة من كل من لزمته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الفراء: الهاء في قوله { وإنا له لحافظون } يجوز ان تكون كناية عن ~~النبي، فكأنه قال: انا نحن نزلنا القرآن وانا لمحمد لحافظون. وقال ~~الجبائي: معناه وانا له لحافظون من ان تناله أيدي المشركين، ms2193 فيسرعون الى ~~ابطاله، ومنع المؤمنين من الصلاة به. # وفي هذه الآية دلالة على حدوث القرآن، لان ما يكون منزلا ومحفوظا لا ~~يكون الا محدثا، لان القديم لا يجوز عليه ذلك ولا يحتاج الى حفظه. ### || [15.10-13] # يقول الله (عز وجل) لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم تسلية له عن كفر قومه ~~{ لقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين } قال ابن عباس وقتادة: شيع الامم ~~واحدهم شيعة لمتابعة بعضهم بعضا في الاحوال التي يجتمعون عليها في الزمن ~~الواحد من مملكة أو عمارة أو بادية أو نحو ذلك من الأمور الجارية في ~~العادة، والمرسل محذوف لدلالة { أرسلنا } عليه. # وقوله { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن } اخبار منه تعالى أنه ~~لم يبعث رسولا فيما مضى الا وكانت اممهم تستهزىء بهم، واستهزاؤهم بهم ~~حملهم عليهم واستبعادهم ما دعوا اليه واستيحاشهم منه، واستكبارهم له، حتى ~~توهموا أنه مما لا يكون، ولا يصح مع مخالفته لما وجدوا عليه آباءهم ~~وأجدادهم واسلافهم، فكان عندهم كأنه دعا الى خلاف المشاهدة والى ما فيه ~~جحد الضرورة والمكابرة. والهزؤ إظهار ما يقصد به العيب على ايهام المدح، ~~وهو بمعنى اللعب والسخرية. # وقوله { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ~~} قيل في معناه قولان: # احدهما - كذلك نسلك القرآن الذي هو الذكر باخطاره على البال ليؤمنوا به، ~~فهم لا يؤمون به، ماضين على سنة من تقدمهم، من تكذيب الرسل، كما سلكنا ~~دعوة الرسل في قلوب من سلف من الامم. ذهب اليه البلخي والجبائي. # وقال الحسن وقتادة: يسلك الاستهزاء بإخطاره على البال ليجتنبوه، ولو ~~كان المراد أنه يسلك الشرك في قلوبهم، لكان يقول: انهم لا يؤمنون بالشرك ~~ولو كانوا كذلك، كانوا محمودين غير مذمومين، يقال: سلكه فيه يسلكه سلكا ~~وسلوكا، واسلكه اسلاكا، قال عدي بن زيد: # وكنت لزاز خصمك لم اعرد # وقد سلكوك في يوم عصيب # وقال الآخر: # حتى اذا سلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا # ومعنى قوله: { وقد خلت سنة الأولين } اي في اهلاك ms2194 من اقام على الكفر ~~بالمعجزات بعد مجيء ما طلب من الآيات. ويحتمل ان يكون المراد وقد خلت سنة ~~الاولين في تكذيب رسلهم والكفر بما جاؤوا به. ### || [15.14-15] # قرأ ابن كثير وحده { سكرت } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. قال أبو عبيدة: ~~{ سكرت } معناه غشيت. والمعنى في الآية سكرت الابصار، فلا ينفذ نورها، ~~ولا تدرك الاشياء على حقيقتها، وكأن المعنى انقطاع الشيء عن سننه الجاري، ~~فمن ذلك (سكره سكرا) إنما هو رده عن سننه، وقال: السكير في الرأي قبل ~~ان يعزم على شيء، فاذا عزم على امر ذهب السكير وهو ان ينقطع عما عليه من ~~المضاء في حال الصحو، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في صحوه، ووجه التثقيل ~~ان الفعل مسند الى جماعة مثل قوله # مفتحة لهم الأبواب # ووجه التخفيف ان هذا النحو من الفعل المسند الى الجماعة قد يخفف، قال ~~الشاعر: # ما زلت اغلق ابوابا وأفتحها # اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان هؤلاء الكفار لشدة عنادهم ~~وغلظة كفرهم وتمردهم وعتوهم { لو فتحنا عليهم بابا من السماء } فصاروا { ~~فيه يعرجون } والعروج الصعود في الهواء تعلقا به نحو السماء، عرج الملك ~~يعرج عروجا، فلو عرج هؤلاء عروج الملك، لقالوا هذا القول. والتسكير ~~إدخال اللطيف في المسام، ومنه السكر بالشراب، والسكر السد بالتراب { ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا } بما ادخل فيها من اللطيف في مسامها، حتى ~~منعنا من رؤية الاشياء على حقيقتها. وأصل السكر السد بما ادخل في المسام. ~~وقال مجاهد والضحاك وابن كثير: معنى { سكرت } سدت قال المثنى بن جندل ~~الطهوري: # جاء الشتاء واجثأل القنبر # واستخفت الافعى وكانت تظهر # وطلعت شمس عليها مغفر # وجعلت عين الحرور تسكر # اي تسد بشدة البرد، وقنبر وقنبر - بضم الباء وفتحها - لغتان، مثل جندب ~~وجندب قال رؤبة: # قبل انصداع الفجر والتهجر # وخوضهن الليل حتى تسكر # اي يسد بظلمته، وحكى الفراء: ان من العرب من يقول: سكرت الريح إذا ~~سكنت. # وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: المعنى { لو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~} فظلت الملائكة تعرج الى السماء، وهم ms2195 يرونها على ما اقترحوه، { ~~لقالوا: إنما سكرت أبصارنا } وقال الحسن: يظل هؤلاء المشركون يعرجون ~~فيه. { بل نحن قوم مسحورون } أي يقولون: سحرنا، فنحن مسحورون, والسحر ~~حيلة خفية، توهم معنى المعجزة من غير حقيقة، ولهذا من عمل بالسحر كان ~~كافرا، لأنه يدعي المعجزة للكذابين، فلا يعرف نبوة الصادقين. # وقال أبو عبيدة: سكرت أبصار القوم إذا ادير بهم، وغشيهم كالساتر فلم ~~يبصروا. # وروي ابن خالوية عن الزهري أنه قرأ { سكرت } بفتح السين وكسر الكاف، ~~والتخفيف أي اختلطت وتغيرت عقولهم. ### || [15.16-18] # أخبر الله تعالى أنه جعل في السماء بروجا. والجعل قد يكون تصيير ~~الشيء عن صفة لم يكن عليها. وقد يكون بالايجاد له. والله تعالى قادر ان ~~يجعل في السماء بروجا من الوجهين، والبرج: ظهور منزل ممتنع بارتفاعه، ~~فمن ذلك برج الحصن، وبرج من بروج السماء الإثني عشر، وهي منازل الشمس ~~والقمر. وأصله الظهور، يقال: تبرجت المرأة إذا أظهرت زينتها. وقال ~~الحسن ومجاهد وقتادة: المراد بالبروج النجوم. وقوله { وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم } # يحتمل ان تكون الكناية راجعة الى السماء، والى البروج. وحفظ الشيء ~~جعله على ما ينفي عنه الضياع، فمن ذلك حفظ القرآن بدرسه ومراعاته، حتى ~~لا ينسى، ومنه حفظ المال بإحرازه بحيث لا يضيع بتخطف الأيدي له، وحفظ ~~السماء من كل شيطان بالمنع بما أعد له من الشهاب. والرجم بمعنى ~~المرجوم، والرجم الرمي بالشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للأصابة، فإن ~~النفوس يرمى عنها ولا ترجم. # وقوله { إلا من استرق السمع } معنى (الا) (لكن) فكأنه قال: لكن من استرق ~~السمع من الشيطان يتبعه شهاب مبين. قال الفراء: أي لا يخطىء، وقال ~~المفسرون: قوله { إلا من استرق السمع } مثل قوله # إلا من خطف الخطفة # ومعناه معناه، والاستراق أخذ الشيء خفيا، وليس طلبهم استراق السمع مع ~~علمهم بالشهب خروج عن العادة في صفة العقلاء، لانهم قد يطمعون في في ~~السلامة من بعض الجهات، والشهاب عمود من نور يمد لشدة ضيائه كالنار ~~وجمعه شهب. وقال ابن عباس: بالشهاب يخبل ويحرق، ولا يقتل. وقال الحسن: ms2196 ~~يقتل قال ذو الرمة: # كأنه كوكب في إثر عفرية # مسوم في سواد الليل منقضب # والاتباع إلحاق الثاني بالأول، أتبعه اتباعا، وتبعه يتبعه إذا طلب ~~اللحاق به، وكذلك اتبعه اتباعا بالتشديد { مبين } اي ظاهر مبين. # وقال الفراء: قوله { إلا من استرق السمع } استثناء صحيح، لان الله ~~تعالى لم يحفظ السماء ممن يصعد اليها ليسترق السمع، ولكن اذا سمعه والقاه ~~الى الكهنة اتبعه شهاب مبين، فأما استراقهم السمع، فقال المفسرون: إن ~~فيهم من كان يصعد السماء فيسمع الوحي من الملائكة، فاذا نزل الى الارض ~~اغوى به شياطينه او ألقاه الى الكهان، فيغوون به الخلق، فلما بعث الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم منعهم من ذلك، وكان قبل البعثة لم يمنعهم ~~من ذلك تغليظا في التكليف. قال الزجاج: والدليل على انه لم يكن ذلك قبل ~~النبي ان أحدا من الشعراء لم يذكره قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع كثرة ذكرهم الشهب بعد ذلك. ### || [15.19-21] # قوله { والأرض مددناها } عطفا على قوله { ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا.. والأرض } ويجوز ان يكون ومددنا الأرض مددناها، كما قال # والقمر قدرناه # ومعنى { مددناها } بسطناها، وجعلنا لها طولا وعرضا { وألقينا فيها } ~~يعني طرحنا فيها { رواسي } يعني جبالا ثابتة. واصله الثبوت، ويقال: رست ~~السفينة اذا ثبتت، والمراسي ما تثبت به. وقيل جعلت الجبال أوتادا ~~للأرض. وقيل جعلت أعلاما يهتدي بها أهل الأرض. # وقوله { أنبتنا فيها } يعني أخرجنا النبات في الأرض، والنبات ظهور ~~النامي عن غيره، حالا بعد حال, والأغلب عليه ظهوره من الأرض، وقد يكون ~~من غيره، كنبات الشعر على البدن والرأس. # { من كل شيء موزون } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجبائي: من كل شيء مقدر ~~معلوم. # والثاني - قال الحسن وابن زيد: من الاشياء التي توزن من الذهب والفضة ~~والنحاس والحديد وغير ذلك. والوزن وضع احد الشيئين بازاء الآخر على ما ~~يظهر به مساواته في المقدار وزيادته، يقال وزنه يزنه وزنا فهو موزون، { ~~وجعلنا لكم فيها معايش } جمع معيشة، وهي ms2197 طلب اسباب الرزق مدة الحياة، فقد ~~يطلبها الأنسان لنفسه بالتصرف والتكسب، وقد يطلب له فإن أتاه اسباب ~~الرزق من غير طلب فذلك العيش الهني. # وقوله { ومن لستم له برازقين } (من) في موضع نصب عطفا على { معايش } ، ~~وقال مجاهد: المراد به العبيد والاماء والدواب والانعام، قال الفراء: ~~العرب لا تكاد تجعل (من) الا في الناس خاصة، قال: فان كان من الدواب ~~والمماليك حسن حينئذ، قال وقد يجوز ان يجعل (من) في موضع خفض نسقا على ~~الكاف والميم في (لكم) قال المبرد: الظاهر المخفوض لا يعطف على المضمر ~~المخفوض نحو مررت بك وزيد إلا ان يضطر شاعر، على ما مضى ذكره في سورة ~~النساء، وانشد الفراء في ذلك: # نعلق في مثل السواري سيوفنا # وما بينها والكعب غوط نفانف # فرد الكعب على (بينها) وقال آخر: # هلا سألت بذي الجماجم عنهم # وأبا نعيم ذي اللواء المحرق # فرد أبا نعيم على الهاء في عنهم. قال ويجوز ان يكون في موضع رفع، لان ~~الكلام قد تم، ويكون التقدير على قوله { لكم فيها }... { ومن لستم له ~~برازقين }. وقوله { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } فخزائن الله مقدوراته، ~~لانه تعالى يقدر ان يوجد ما شاء من جميع الاجناس، فكأنه قال: وليس من شيء ~~إلا والله تعالى قادر على ما كان من جنسه الى ما لا نهاية له. # وقوله { وما ننزله إلا بقدر معلوم } اي لست انزل من ذلك الشيء { إلا ~~بقدر معلوم } اي ما يصلحهم وينفعهم دون ما يفسدهم ويضرهم، حسب ما سبق في ~~علمي. ### || [15.22-25] # قرأ حمزة وحده { الريح لواقح } الباقون { الرياح } على الجمع، قال ابو ~~عبيدة لا اعرف لذلك وجها، إلا ان يريد أن الريح تأتي مختلفة من كل وجه، ~~فكانت بمنزلة رياح وحكى الكسائي أرض اغفال، وأرض سباسب. قال المبرد: ~~يجوز ذلك على بعد، ان يجعل الريح جنسا، وليس بجيد، لان الرياح ينفصل ~~بعضها عن بعض، بمعرفة كل واحدة، وليست كذلك الارض، لأنها بساط واحد. وقال ~~الفراء: هو مثل ثوب اخلاق وانشد: # جاء الشتاء وقميصي ms2198 أخلاق # شراذم يضحك منه التواق # ومن قراء { الرياح لواقح } احتمل ذلك شيئين. # احدهما - ان يجعل الريح هي التي تلقح بمرورها على التراب والماء، فيكون ~~فيها اللقاح، فيقال فيها ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح. # والثاني - ان يصفها باللقح وان كانت تلقح، كما قيل ليل نائم وسر كاتم. # يقول الله تعالى انه بعث { الرياح لواقح } للسحاب والأشجار تعدادا ~~لنعمه على عباده وامتنانا عليهم، واحدها ريح، وتجمع ايضا أرواحا، لأنها ~~من الواو، قال الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت # أعاليها مر الرياح النواسم # فاللواقح التي تلقح السحاب، حتى يحمل الماء أي تلقي اليه ما يحمل به ~~الماء يقال: لقحت الناقة اذا حملت، وألقحها الفحل إذا ألقى اليها الماء ~~فحملته، فكذلك الرياح هي كالفحل للسحاب، (ولواقح) في موضع ملاقح. وقيل في ~~علة ذلك قولان: احدهما، لانه في معنى ذات لقاح كقولهم: هم ناصب أي ذو ~~نصب قال النابغة: # كليني لهم يا اميمة ناصب # وليل أقاسيه بطيء الكواكب # اي منصب، وقال نهشل بن حري النهشلي: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # اي المطاوح، وقال قتادة وابراهيم والضحاك: معنى هذا القول: ان الرياح ~~تلقح السحاب الماء. وقال ابن مسعود: إنها لاقحة يحملها الماء، ملقحة ~~بإلقائها إياه الى السحاب. # وقوله { فأنزلنا من السماء ماء } يعني غيثا ومطرا { فاسقيناكموه } اي ~~جعلته سقيا، لأرضكم تشربه، يقال: سقيته، فيما يشربه، تسقيه واسقيته فيما ~~تشربه ارضه، وقد تجيء أسقيته بمعنى سقيته، كقوله تعالى # نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين # وقال ذو الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتي # فما زلت أبكى عنده وأخاطبه # واسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني احجاره وملاعبه # اي ادعو له بالسقيا. { وما أنتم له برازقين } اي لستم تقدرون ان ترزقوا ~~احدا ذلك الماء، لولا تفضل الله عليكم. ثم اخبر تعالى انه هو الذي يحيي ~~الخلق اذا شاء وكان ذلك صلاحا لهم، ويميتهم اذا اراد وكان صلاحهم، وانه ~~هو الذي يرث الخلق، لأنه اذا افنى الخلق ولم يبق احد كانت ms2199 الاشياء كلها ~~راجعة اليه ينفرد بالتصرف فيها وكان هو الوارث لجميع الاملاك. # وقوله { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } قيل في ~~معناه ثلاثة اقوال: # احدهما - قال مجاهد وقتادة من مضى ومن بقي. # وثانيها - قال الشعبي: اول الخلق وآخره. # وثالثها - قال الحسن: المتقدمين في الخير والمبطئين. # وقال الفرا: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يصلي على الصف ~~الاول، أراد بعض المسلمين ان يبيع داره النائية ليدنو الى المسجد، فيدرك ~~الصف الاول. فأنزل الله الآية، وأنه يجازي فقراء الناس على نياتهم. # ثم اخبر تعالى ان الذي خلقك يا محمد هو الذي يحشرهم بعد اماتتهم، ~~ويبعثهم يوم القيامة، لانه حكيم في افعاله عالم بما يستحقونه من الثواب ~~والعقاب. # (والحشر) جمع الحيوان الى مكان، يقال: هؤلاء الحشار، لانهم يجمعون ~~الناس الى ديوان الخراج. و (الحكيم) العالم بما لا يجوز فعله، لقبحه، او ~~سقوط الحمد عليه، مع انه لا يفعله، فعلى هذا يوصف تعالى فيما لم يزل بانه ~~حكيم. والحكيم المحكم لأفعاله بمنع الخلل ان يدخل في شيء منها، فعلى هذا ~~لا يوصف تعالى فيما لم يزل بانه حكيم. ### || [15.26-27] # اخبر الله تعالى أنه خلق الانسان، والمراد به آدم بلا خلاف. # وقيل في معنى الصلصال قولان: # احدهما - إنه الطين اليابس الذي يسمع له عند النقر صلصلة. ذهب اليه ابن ~~عباس والحسن وقتادة. # والثاني - قال مجاهد: هو مثل الخزف الذي يصلصل. وقال مجاهد: الصلصال ~~المنتن - في رواية عنه - مشتق من صل اللحم وأصل إذا انتن، والاول اقوى، ~~لقوله تعالى # خلق الإنسان من صلصال كالفخار # وما يبس كالفخار فليس بمنتن، وقال الفراء: الصلصال طين الحرار إذا خلط ~~بالرمل اذا جف كان صلصالا، واذا طبخ كان فخارا، والصلصلة القعقعة، وهي ~~صوت شديد متردد في الهواء كصوت الرعد، يقال لصوت الرعد صلصلة، وللثوب ~~الجديد قعقعة، واصل الصلصلة الصوت يقال: صل يصل وهو صليل اذا صوت، قال ~~الشاعر: # رجعت الى صدر كجرة حنتم # إذا فرغت صفرا من الماء صلت # وقيل: خلق آدم على صورة الانسان من ms2200 طين، ثم ترك حتى جف، فكانت الريح اذا ~~مرت به سمع له صلصلة. # وقوله { من حمإ مسنون } فالحمأ جمع حمأة، وهو الطين المتغير الى ~~السواد، يقال: حمئت البئر وأحمأتها أنا اذا بلغت الحمأة. وقيل في معنى ~~(المسنون) قولان: # احدهما - المصبوب من قولهم: سننت الماء على الوجه وغيره اذا صببته، وعن ~~ابن عباس: انه الرطب، فعلى هذا يكون رطبا مصبوبا ثم يبس فيصير كالفخار. # الثاني - انه المتغير، من قولهم: سننت الحديدة على المسن اذا غيرتها ~~بالتحديد، والأصل الاستمرار في جهة، من قولهم هو على سنن واحد. # ومعنى قوله { والجان خلقناه من قبل } المراد به ابليس، خلقه الله قبل ~~آدم - في قول الحسن وقتادة - { من نار السموم } اي من النار الحارة. وقال ~~عبد الله: هذه السموم جزء من سبعين جزء من السموم التي خرج منها الجان، ~~وهو مأخوذ من دخولها بلطفها في مسام البدن ومنه السم القاتل، يقال: سم ~~يومنا يسم سموما اذا هبت له ريح السموم. ### || [15.28-31] # لفظة (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، ولا بد لها من فعل متعلق به، ~~والتقدير واذكر يا محمد { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا } اي اخلقه ~~فيما بعد، قبل ان يخلقه، والمراد بالبشر آدم، وسمي بشرا لأنه ظاهر ~~الجلد، لا يرى فيه شعر، ولا صوف كسائر الحيوان. ثم قال { من صلصال من ~~حمإ مسنون } وقد فسرناه. # وقوله { فإذا سويته } معناه سويت صورته الانسانية، والتسوية جعل واحد ~~من الشيئين على مقدار الآخر وقد يسوى بين الشيئين في الحكم. # وقوله: { ونفخت فيه من روحي } فالنفخ الاجراء لريح في الشيء باعتماد، ~~نفخ ينفخ نفخا إذا اجرى الريح باعتماد، فلما أجرى الله الروح على هذه ~~الصفة في البدن، كان قد نفخ الروح فيه، وأضاف روح آدم الى نفسه تكرمة له، ~~وهي اضافة الملك، لما شرفه وكرمه، والروح جسم رقيق روحاني فيها الحياة ~~التي بها يجيء الحي، فاذا خرجت الروح من البدن، كان ميتا في الحكم، فاذا ~~انتفت الحياة من الروح، فهو ميت في الحقيقة. # وقوله { فقعوا ms2201 له ساجدين } أمر من الله تعالى، الى الملائكة ان يسجدوا ~~لآدم. وقيل في وجه سجودهم له قولان: # احدهما - انه سجود تحية وتكرمة لآدم، عبادة لله تعالى. وقيل: أنه على ~~معنى السجود الى القبلة. والاول عليه اكثر المفسرين. ثم استثنى من جملتهم ~~ابليس انه لم يسجد، { وأبى أن يكون مع الساجدين } لآدم. وابليس مشتق من ~~الإبلاس، وهو اليأس من روح الله إلا انه شبه بالاعجمي من جهة انه لم ~~يستعمل إلا على جهة العلم، فلم يصرف. وقال قوم: إنه ليس بمشتق، لأنه ~~أعجمي بدلالة انه لا ينصرف. والاباء: الامتناع، والسجود خفض الجبهة ~~بالوضع على بسط من الارض او غيره، واصله الانخفاض قال الشاعر: # ترى الا كم فيها سجد اللحوافر # واختلفوا في هذا الاستثناء، فقال قوم: ان ابليس كان من الملائكة، فلذلك ~~استثناه، وقال آخرون: إنما كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم، فلذلك ~~استثناه من جملتهم، وقال آخرون: هو استثناء منقطع ومعناه (لكن) وقد بينا ~~الصحيح من ذلك في سورة البقرة. # ومن قال: لم يكن من الملائكة قال: الملائكة خلقوا من نور، وإبليس خلق ~~من نار، والملائكة لا يعصون، وإبليس عصى بكفره بالله. والملائكة لا تأكل ~~ولا تشرب ولا تنكح، وإبليس بخلاف ذلك، قال الحسن: إبليس أب الجن، كما ~~ان آدم أب الإنس. ### || [15.32-33] # هذا خطاب من الله تعالى لإبليس يقول له: لم لا تكون مع الساجدين، تسجد ~~كما سجدوا. واختلفوا في كيفية هذا الخطاب، فقال الجبائي: قال الله له ذلك ~~على لسان بعض رسله وهو الأليق، لأنه لا يصح ان يكلمه الله بلا واسطة في ~~زمان التكليف. وقال آخرون: كلمه، بالانكار عليه والاهانة له، كما قال # اخسئوا فيها ولا تكلمون # هذا ينبغي ان يكون حكاية عما يقوله له في الآخرة، فقال إبليس مجيبا ~~لهذا الكلام: ما كنت بالذي اسجد لبشر { خلقته من صلصال من حمإ مسنون } ~~وقد فسرناه. ولم يعلم وجه الحكمة في ذلك، لأن في ذلك قلبا للشيء عن ~~الحالة الحقيرة في الضعة الى هذه الحالة الجليلة، وأي ذلك كان، ms2202 فانه لا ~~يقدر عليه غير الله، وانه لا ينتفع للعظم في الصفة مع إمكان قلبه الى ~~النقص في الصفة، وكذلك لا يضر النقص في الصفة، مع إمكان قلبه الى ~~الاعظم، فلو نظر في ذلك لزالت شبهته في خلقه من نار وخلق آدم من طين، قال ~~المبرد: قوله { ما لك ألا تكون } (لا) زائدة مؤكدة، والتقدير ما منعك ان ~~تسجد، ف (أن) في قول الخليل وأصحابه في موضع نصب، لأنه إذا حذف حرف ~~الجر ونصب ما بعده، وقال غيره: في موضع خفض، لأن المعنى ما منعك من ان ~~تكون، فحذف (من) ### || [15.34-38] # هذا خطاب من الله تعالى لابليس لما احتج لامتناعه من السجود لادم بما ~~ليس بحجة، بل هو حجة عليه، فاخرج منها. # قال الجبائي: أمره بالخروج من الجنة. وقال غيره أمره بالخروج من السماء. # { فإنك رجيم } أي مرجوم بالذم والشتم (فعيل) بمعنى مفعول. وقد يكون ~~(فعيل) بمعنى فاعل مثل رحيم بمعنى راحم. # { وإن عليك اللعنة } اي عليك مع ذلك اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله، ~~ولذلك لا يجوز ان تلعن بهيمة، فأما لعن إبليس الى يوم الدين، فإن الله ~~قد لعنه، والمؤمنون لعنوه لعنة لازمة الى يوم الدين، وهو يوم القيامة. ثم ~~يحصل بعد ذلك على الجزاء بعذاب النار. وقيل الدين - ها هنا - الجزاء، ~~ومثله { مالك يوم الدين } اي يوم الجزاء. ويقال لفلان دين اي طاعة يستحق ~~بها الجزاء، وفلان يدين للملوك أي يدخل في عادتهم في الجزاء، فقال حينئذ ~~ابليس: يا رب { فأنظرني إلى يوم يبعثون } اي أخر في وقتي الى يوم يحشرون، ~~يعني القيامة، يحشرهم الله للجزاء. والانظار والامهال واحد، فقال الله ~~تعالى له: اني انظرتك وأخرتك وجعلتك من جملة { المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } فقال قوم: هو يوم القيامة، أنظره الله في رفع العذاب عنه الى ~~يوم القيامة، وفي التبقية الى آخر أحوال التكليف { ويوم يبعثون } يوم ~~القيامة. وقد قيل: إن يوم الوقت المعلوم هو آخر أيام التكليف، وأنه سأل ~~الانظار الى يوم القيامة، لأن لا يموت، ms2203 اذ يوم القيامة لا يموت فيه احد، ~~فلم يجبه الله الى ذلك. وقيل له { إلى يوم الوقت المعلوم } الذي هو آخر ~~ايام التكليف. وقال البلخي: اراد بذلك الى يوم الوقت المعلوم، الذي قدر ~~الله أجله فيه، وهو معلوم، لأنه لا يجوز ان يقول تعالى لمكلف اني ابقيك ~~الى يوم معين لان في ذلك اغراء له بالقبيح. # واختلفوا في تجويز، إجابة دعاء الكافر، فقال الجبائي: لا يجوز، لان ~~اجابة الدعاء ثواب، لما فيه من اجلال الداعي باجابته الى ما سأل. وقال ~~ابن الاخشاد: يجوز ذلك، لأن الاجابة كالنعمة في احتمالها ان تكون ثوابا ~~وغير ثواب، لانه قد يحسن منا ان نجيب الكافر الى ما سأل استصلاحا له ~~ولغيره، فأما قولهم: فلان مجاب الدعوة، فهذه صفة مبالغة لا تصح لمن كانت ~~إجابته نادرة من الكفار. ### || [15.39-40] # لما أجاب الله تعالى إبليس الى الانظار الى يوم الوقت المعلوم، قال عند ~~ذلك يا رب { بما أغويتني } اي فيما خيبتني من رحمتك، لان الغي الخيبة قال ~~الشاعر. # فمن يلق خيرا يحمد الناس امره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وقال قوم: معناه بما نسبتني الى الغي ذما لي، وحكمت علي بالغي. وقال ~~البلخي: معناه فيما كلفتني السجود لآدم الذي غويت عنده، فسمي ذلك غواية، ~~كما قال # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # لما ازدادوا عندها، على ان هذا حكاية قول إبليس، ويجوز ان يكون اعتقد ~~ان الله خلق فيه الغواية، فكفر بذلك، كما كفر بالامتناع من السجود. # والباء في قوله { فبما أغويتني } قيل في معناها قولان: # احدهما - ان معناها القسم؛ كقولك بالله لافعلن. # والآخر - بخيبتي { لأغوينهم } كأنها سبب لاغوائهم، كقولك بمعصيته ~~ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة. # والاغواء الدعاء الى الغي، والاغواء خلاف الارشاد، فهذا أصله، وقد يكون ~~الاغواء بمعنى الحكم بالغي، على وجه الذم والتزيين جعل الشيء منقبلا في ~~النفس من جهة الطبع والعقل، بحق ام بباطل. واغواء الشيطان تزيينه الباطل ~~حتى يدخل صاحبه فيه، ويرى ان الحظ بالدخول فيه. و { لأغوينهم } اي أدعوهم ~~الى ضد ms2204 الرشاد، ثم أستثنى من جملتهم عباد الله المخلصين الذين أخلصوا ~~عبادتهم لله وامتنعوا من اجابة الشيطان، في ارتكاب المعاصي، لأنه ليس ~~للشيطان عليهم سبيل، كما قال تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } يعنى ~~عباد الله الذين فعلوا ما أمرهم به وانتهوا عما نهاهم عنه. # ومن كسر اللام فلقوله # وأخلصوا دينهم لله # ومن فتحها أراد ان الله أخلصهم بأن وفقهم لذلك، ولطف لهم فيه. ### || [15.41-44] # قرأ يعقوب { صراط علي } بتنوين علي، ورفعه على أنه صفة ل { صراط } ~~بمعنى رفيع، وبه قرأ ابن سيرين وقتادة. الباقون بفتح الياء على الاضافة ~~الى الياء. وقيل في معناه قولان. # احدهما - إن ذلك على وجه التهديد، كقولك لمن تتهدده وتتوعده: على ~~طريقك، والى مصيرك، كما قال # إن ربك لبالمرصاد # وهوقول مجاهد وقتادة. # الثاني - إنه يراد به الدين المستقيم، وأن الله يبينه وينفي الشبهة عنه ~~بهداية المستدل على طريق الدليل. # وقوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } اخبار منه تعالى ان عباده الذين ~~يطيعونه وينتهون الى أمره ويجتنبون معاصيه ليس للشيطان عليهم سلطان ولا ~~قدرة اكثر من ان يغويهم، فإذا لم يقبلوا منه ولا يتبعونه، فلا يقدر لهم ~~على ضر ولا نفع. وقال الجبائي: ذلك يدل على ان الجن لا يقدرون على ~~الاضرار ببني آدم، لانه على عمومه. وقال غيره: الآية تدل على نفي السلطان ~~بالاغواء، لانهم اذا لم يقبلوا منه ولا يتبعونه، فكأنه لا سلطان له ~~عليهم، ولا يمتنع ان يقدروا على غير ذلك من الاضرار. # ثم استثنى تعالى من جملة العباد من يتبع ابليس على إغوائه وينقاد له ~~ويقبل منه، لانه اذا قبل منه، صار له عليه سلطان، بعدوله عن الهدى الى ما ~~يدعوه اليه من اتباع الهوى، فيظفر به إبليس. # ثم اخبر تعالى ان جهنم موعد جميع العصاة والخارجين عن طاعته، ومن يتبع ~~ابليس على إغوائه. و { جهنم } لا تنصرف لانها معرفة مؤنثة، وقد يقال ~~للنار اذا عظمت واشتدت: هذه جهنم، تشبيها بجهنم المعروفة، وهذا لم ينكر، ~~ثم اخبر عن صفة جهنم بأن ms2205 { لها سبعة أبواب } وقال علي (ع) والحسن وقتادة ~~وابن جريج: ابوابها أطباق بعضها فوق بعض { لكل باب جزء } من المستحقين ~~للعقوبة على قدر استحقاقهم من العقاب، في القلة والكثرة بحسب كثرة ~~معاصيهم وقلتها. ### || [15.45-48] # لما اخبر الله تعالى عن الكفار ان مستقرهم جهنم، ووصف جهنم، اخبر - ها ~~هنا - ما للمتقين، فقال { إن للمتقين } الذين يتقون عقاب الله باجتناب ~~معاصيه وفعل طاعته { جنات } وهي البساتين التي تنبع فيها المياه؛ كما ~~تفور من الفوارة، ثم يجري في مجاريه، وانما يشوقهم الى الثواب بالجنان، ~~لانها من اسباب لذات الدنيا المؤدية اليها، كما ان النار من اسباب الآلام ~~لمن حصل فيها. # والفرق بين الجنة والروضة: ان الجنة لا بد ان يكون فيها شجر، لان اصلها ~~من ان الشجر يجنها، والروضة قد تكون بغير شجر، يقال: روضة خضرة ورياض ~~مونقات. # وقوله { ادخلوها } اي يقال للمتقين { ادخلوها بسلام آمنين } بسلامة وهي ~~البراءة من كل آفة ومضرة، كما قال # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # اي براءة منكم، ومعنى { آمنين } اي ساكني النفس الى انتفاء الضرر. ~~والامانة الثقة بالسلامة من الخيانة. # وقوله { ونزعنا ما في صدورهم من غل } فالغل الحقد الذي ينعقد في القلب، ~~ومنه الغل الذي يجعل في العنق، والغلول الخيانة التي تطوق عارها صاحبها، ~~فبين تعالى ان الاحقاد التي في صدور اهل الدنيا تزول بين اهل الجنة ~~ويصبحون { إخوانا } متحابين { على سرر } وهي جمع سرير، وهو المجلس ~~الرفيع موطأ للسرور، ويقال في جمعه: اسرة ايضا، وهو مأخوذ من السرور، ~~لانه مجلس سرور { متقابلين } اي كل واحد منهم مقابل لصاحبه ومحاذ لاخيه، ~~فانه بذلك يعظم سرورهم. والتقابل وضع كل واحد بازاء الآخر على التشاكل ~~وقال قوم: ان نزع الغل يكون قبل دخول الجنة. وقال آخرون: يكون ذلك بعد ~~دخولهم فيها. # وقوله { لا يمسهم فيها نصب } اخبار منه تعالى: ان هؤلاء المؤمنين الذين ~~حصلوا في الجنة { إخوانا على سرر متقابلين } لا يمسهم في الجنة نصب وهو ~~التعب والوهن الذي من العمل، للوهن الذي يلحق. ثم اخبر انهم مع ms2206 ذلك لا ~~يخرجون من الجنة بل يبقون فيها مؤبدين. و { إخوانا } نصب على الحال. ~~وقال قوم هو نصب على التمييز. ### || [15.49-50] # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخبر عباد الله الذين خلقهم ~~لعبادته على وجه الترغيب لهم في طاعته والتخويف عن معصيته، باني انا الذي ~~أعفو واستر على عبادي معاصيهم، ولا افضحهم بها يوم القيامة اذا تابوا ~~منها، لرحمتي وانعامي عليهم، وان مع ذلك عذابي وعقوبتي { هوالعذاب الأليم ~~} المؤلم الموجع، فلا تعولوا على محض غفراني، وخافوا عقابي، وكونوا على ~~حذر باجتناب معاصي والعمل بطاعتي. ### || [15.51-54] # قرأ نافع { تبشرون } بكسر النون مع التخفيف بمعنى تبشرونني وحذف النون ~~استثقالا، لاجتماع المثلين، وبقيت الكسرة الدالة على الياء المفعولة، ~~والنون الثانية محذوفة، لان التكرير بها وقع، ولم تحذف الاولى لانها ~~علامة الرفع ومثله قول الشاعر: # تراه كالثغام يعل مسكا # بسوء الغاليات اذا قليني # أراد قلينني، فحذف إحدى النونين. وقال اهل الكوفة: ادغم ثم حذف، وحجتهم # وكادوا يقتلونني # وقوله # أتعدانني # فأظهر النونات، وأما حرف المشدد نحو # تأمروني # و # أتحاجوني # وما أشبه ذلك. وشدد النون وكسرها ابن كثير. الباقون بفتح النون. # قال أبو علي: من شدد النون أدغم النون الاولى التي هي علامة الرفع في ~~الثانية المتصلة بالياء التي للمضمر المنصوب للمتكلم، وفتحها، لانه لم ~~يعد الفعل الى مفعول به، كما عداه غيره. وحذف المفعول كثير. ولو لم ~~يدغم، وبين، كان حسنا في القياس مثل (يقتلونني) في جواز البيان ~~والادغام. ومن فتح النون جعلها علامة الرفع، ولم يعد الفعل فيجتمع نونان. # أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخبر من تقدم ذكره { عن ضيف ~~إبراهيم } والضيف هو المنضوي الى غيره لطلب القرى، وجمعه ضيوف وأضياف ~~وضيفان { إذ دخلوا عليه } يتعلق ب { ضيف } وضيف يقع على الواحد ~~والاثنين والجمع، فلذلك قال { إذ دخلوا عليه } فكنى بكناية الجمع. ~~وسماهم ضيفا، وهم ملائكة، لانهم دخلوا بصورة البشر { فقالوا سلاما } ~~نصبه على المصدر، والمعنى سلمت سلاما على وجه الدعاء، والنحية. ومثله ~~قوله # وإذا خاطبهم الجاهلون ms2207 قالوا سلاما # والمعنى سلمنا منكم سلاما، والسلامة نقيض البلاء والآفة المخوفة، ~~والنجاة نقيض الهلاك. # وقوله { قال إنا منكم وجلون } اخبار عما أجاب به ابراهيم ضيفانه بأنه ~~خائف منهم، والوجل الخوف، فأجابه الضيفان، وقالوا { لا توجل } أي لا تخف ~~انا جئناك { نبشرك بغلام عليم }. والتبشير الإخبار بما يسر، بما يظهر ~~في بشرة الوجه سرورا به يقال: بشرته أبشره بشارة وأبشر ابشارا بمعنى ~~استبشر، وبشرته تبشيرا، وانما وصفه بأنه { عليم } قبل كونه؛ لدلالة ~~البشارة به على انه سيكون بهذه الصفة، لانه إنما بشر بولد يرزقه الله ~~اياه ويكون عليما، فقال لهم ابراهيم { أبشرتموني على أن مسني الكبر } اي ~~كيف يكون لي ولد وقد صرت كبيرا، لان معنى { مسني الكبر } أي غيرني الكبر ~~عن حال الشباب التي يطمع معها في الولد، الى حال الهرم. وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - انه عجب من ذلك لكبره، فقاله على هذا الوجه. # والآخر - انه استفهم فقال: أأمر الله ان تبشرونني، في قول الجبائي. ~~ومعنى { على أن مسني } أي بأن مسني، كما قال # حقيق على أن لا أقول # بمعنى بأن لا أقول. ### || [15.55-56] # قرأ أبو عمرو والكسائي { يقنط } بكسر النون، حيث وقع. الباقون بفتحها، ~~وكلهم قرأ { من بعد ما قنطوا } بفتح النون، قال ابو علي: قنط يقنط ويقنظ ~~لغتان بدلالة إجماعهم على قوله { من بعد ما قنطوا } بفتح النون وقد حكي: ~~يقنط بضم النون، وهي شاذة، وهذا يدل على ان ماضيه على (فعل) لانه ليس في ~~الكلام (فعل يفعل). وقد حكي عن الأعمش أنه قرأ { من بعد ما قنطوا } ~~بكسر النون، وهي شاذة لا يقرأ بها. # وفي هذه الآية حكاية ما قالت الملائكة لابراهيم، حين عجب ان يكون له ولد ~~لكبر سنه وعلو عمره، إنا بشرناك بذلك على وجه الحق والصحيح، وأخبرناك به ~~على وجه الصدق، فلا تكن بعد ذلك من جملة القانطين، يعني الآيسين فأجابهم ~~ابراهيم عند ذلك بأن قال: و " من " الذي { يقنط } أي ييأس { من رحمة } ~~الله وحسن إنعامه، إلا من كان عادلا عن الحق ms2208 ضالا عن سبيل الهدى، ~~وهذا يقوي قول من قال: إنه راجعهم في ذلك على وجه الاستفهام دون الشك في ~~اقوالهم. ### || [15.57-60] # فقال ابراهيم (ع) بعد ذلك للملائكة { ما خطبكم } اي ما الأمر الجليل ~~الذي بعثتم له، والخطب الأمر الجليل، ومثله ما شأنك، وما أمرك، ومنه ~~الخطبة، لأنها في الأمر الجليل، فأجابته الملائكة بأنا { أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين } وقوم الرجل: هم الذين يقيمون بنصرته، والنفر الذين ينفرون في ~~مهام الأمور. وقوم لوط هم الذين كان يجب عليهم القيام بنصرته ومعونته على ~~أمره. وقال قوم: إنه يقع على الرجال دون النساء. والمجرم المنقطع عن ~~الحق الى الباطل، وهو القاطع لنفسه عن المحاسن الى المقابح، والمعنى { ~~إنا أرسلنا إلى } من وصفنا لنهلكهم، وننزل بهم العقوبة. ثم استثنى من ذلك ~~{ آل لوط } وأخبر انهم ينجونهم كلهم، يقال: نجيت فلانا وانجيته، فمن قرأ ~~بالتشديد أراد التكثير. ثم استثنى من جملة آل لوط امرأته، وبين انها ~~هالكة مع الهالكين، { وقدرنا } اي كتبنا { إنها لمن الغابرين } والغابر ~~الباقي في من يهلك. والغابر الباقي في مثل الغبرة، مما يوجب الهلكة. قال ~~الشاعر: # فما ونى محمد مذ أن غفر # له الإله ما مضى وما غبر # وآل الرجل أهله الذين يرجعون إلى ولايته، ولهذا يقال أهل البلد، ولا ~~يقال آل البلد، ولكن آل الرجل اتباعه الذين يرجع أمرهم اليه بولايته ~~ونصرته. وقيل: إن امرأة لوط كانت في جملة الباقين. ثم اهلكت فيما بعد { ~~وقدرنا } بالتخفيف مثل { قدرنا } بالتشديد، وكلهم قرأ - ها هنا - مشددا ~~إلا أبا بكر عن عاصم، فإنه خففها، ويكون ذلك من التقدير، كما قال # ومن قدر عليه رزقه # وقال ابو عبيدة: في الآية معنى فقر، وكان ابو يوسف يتأوله فيها، لان ~~الله تعالى استثنى آل لوط من المجرمين، ثم استثنا استثناء رده على ~~استثناء كان قبله، وكذلك كل استثناء في الكلام إذا جاء بعد آخر عاد ~~المعنى إلى أول الكلام، كقول الرجل: لفلان علي عشرة إلا أربعة إلا ~~درهم، فأنه يكون اقرار بسبعة، وكذلك لو قال: علي خمسة ms2209 إلا درهما إلا ~~ثلثا، كان إقرار بأربعة وثلث، وكذلك لو قال لأمرأته أنت طالق ثلاثا ~~إلا اثنتين إلا واحدة كانت طالقا إثنتين، قال: واكثر ما يستثنى ما هو ~~أقل من النصف، ولم يسمع اكثر من النصف الا بيت أنشده الكسائي: # ادوا التي نقصت سبعين من مئة # ثم ابعثوا حكما بالعدل حكاما # فجعلها مئة إلا سبعين، وهو يريد ثلاثين، وضعف المبرد الاحتجاج بهذا ~~البيت، ولم يجز إستثناء الأكثر من الجملة ولا نصفها، وإنما جاز استثناء ~~ما دون النصف من الجملة حتى قال: لا يجوز ان يقال: له عندي عشرة إلا نصف ~~ولا عشرة إلا واحد، قال: لان تسعة ونصف أولى بذلك، وكذلك لا يجوز: له ~~الف إلا مئة، لأن تسعة مئة أولى بذلك، وإنما يجوز الف إلا خمسين وإلا ~~سبعين والا تسعين، قال: وعلى هذا النحو بني هذا الباب. والصحيح الأول، ~~عند اكثر العلماء من المتكلمين والفقهاء واكثر النحويين. ### || [15.61-64] # أخبر الله تعالى ان الملائكة الذين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط، لما ~~جاؤوا لوطا وقومه، وكانوا في صورة لا يعرفهم بها لوط، انكرهم، وقال لهم ~~{ إنكم قوم منكرون } اي لا تعرفون مع الاستيحاش منكم، لأنه لم يثبتهم في ~~ابتداء مجيئهم فلما اخبروه بأنهم رسل الله جاؤوا بعذاب قومه وسؤاله ~~الأمر، عرفهم حينئذ، وقالوا { بل جئناك بما كانوا فيه يمترون } اي ~~بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه ويكذبون به، وقد يوصف الجاهل بالشك من جهة ~~ما يعرض له فيه من حيث لا يرجع الى ثقة فيما هو عليه. وقالوا له ايضا ~~انا جئناك بالحق فيما أخبرناك به من عذاب قومك، ونحن صادقون فيه. ### || [15.65-71] # هذا حكاية ما قالت الملائكة للوط وأمرهم إياه بأن يسري بأهله. ~~والإسراء سير الليل: سرى يسري سرى واسرى إسراء لغتان قال الشاعر: # سريت بهم حتى تكل مطيهم # وحتى الجياد ما يقدن بارسان # وقوله { بقطع من الليل } معناه بقطعة تمضي منه، كأنه جمع قطعة. مثل تمرة ~~وتمر وبسرة وبسر، وقيل: بقطع من الليل ببعض الليل. وقيل: بقية من الليل. ~~وقيل: ms2210 إذا بقي من الليل قطعة ومضى اكثره. # وقوله { واتبع أدبارهم } اي اقتف آثارهم يعني آثار الأهل. والاتباع ~~اقتفاء الأثر. والاتباع في المذهب، والاقتداء مثله، وخلافه الابتداع. ~~والادبار جمع دبر، وهو جهة الخلف. والقبل جهة القدام، ويكنى بهما عن ~~الفرج. وجمع القبل أقبال. # ومعنى قوله { ولا يلتفت منكم أحد } اي لا يلتفت الى ما خلف، كما يقول ~~القائل: امض لشأنك، ولا تعرج على شيء. وقيل: لئلا يرى هو ما ينزل بهم مما ~~لا تطيقه نفسه { وامضوا حيث تؤمرون } اي حيث تؤمرون بالمصير اليه. # وقوله { وقضينا إليه } اي أخبرناه واعلمناه { ذلك الأمر } اي ما ينزل ~~بهم من العذاب. # وقوله { إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين } والدابر الأصل. وقيل دابرهم ~~آخرهم، وعقب الرجل دابره { مصبحين } نصب على الحال اي في حال ما دخلوا في ~~وقت الصبح، ومثله قوله { فأخذتهم الصيحة مشرقين } نصب على الحال. ### || [15.67-71] # هذا إخبار من الله تعالى أنه حين بلغ أهل المدينة نزول من هو في صورة ~~الاضياف بلوط، جاؤوا إليه مستبشرين فرحين، يقال استبشر استبشارا وأبشر ~~إبشارا، بمعنى واحد وضده اكتأب اكتآبا. وانما فرحوا طمعا في ان ~~ينالوا الفجور منهم، فقال لهم لوط { إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون } فيهم، ~~والفضيحة ظهور السيئة التي يلزم العار بها عند من عملها، يقال: فضحه ~~يفضحه فضيحة، وأفتضح افتضاحا وتفاضحوا تفاضحا. ثم قال لهم { اتقوا الله ~~} باجتناب معاصيه، وفعل طاعته، { ولا تخزون } والخري الانقماع بالعيب ~~الذي يستحيا يقال منه: خزي خزيا، واخزاه الله إخزاء والاخزاء والاذلال ~~والإهانة نظائر. وللضيف ذمام كانت العرب تراعيه، وتحافظ عليه، وتعيب من ~~عنده ضيف ولم يقم بحقه؛ فلذلك قال لهم { إن هؤلاء ضيفي } ، فقالوا له في ~~الجواب عن ذلك أو ليس نهيناك أن تستضيف أحدا من جملة الخلائق أو تنزله ~~عندك، فقال لهم عند ذلك { هؤلاء } وأشار الى بناته. وقيل أنهن كن بناته ~~لصلبه، وقيل انهن كن بنات قومه عرضهن عليهم بالترويج والاستغناء بهن عن ~~الذكران. وقال الحسن، وقتادة: أراد { هؤلاء بناتي } فتزوجوهن { إن كنتم ~~فاعلين } كناية عن طلب ms2211 الجماع. وقال الجبائي: ذلك للرؤساء الذين يكفون ~~الاتباع، وقد كان يجوز في تلك الشريعة تزويج المؤمنة بالكافر، وقد كان في ~~صدر شريعتنا جائزا ايضا، ثم حرم. وهو قول الحسن. وقال الزجاج: أراد ~~نساء أمته، فهم بناته في الحكم، قال الجبائي: وهذا القول كان من لوط ~~لقومه قبل ان يعلم أنهم ملائكة لا يحتاج الى هذا القول لقومه. ### || [15.72-78] # قال ابن عباس معنى { لعمرك } وحياتك. وقال غيره: هو مدة حياته وبقائه ~~حيا بمعنى لعمرك ومدة بقاءك حيا. والعمر والعمر واحد، غير أنه لا ~~يجوز في القسم إلا بالفتح، قال ابو عبيدة: ارتفع لعمرك وهي يمين، ~~والأيمان تكون خفضا إذا كانت الواو في أوائلها، ولو كانت وعمرك لكانت ~~خفضا، ولذلك قولهم: لحق لقد فعلت ذلك، وإنما صارت هذه الأيمان رفعا ~~بدخول اللام في اولها، لانها أشبهت لام التأكيد، فأما قولهم: عمرك الله ~~أفعل كذا، فإنهم ينصبون (عمرك) وكذلك ينصبون (الله لافعلن). قال المبرد: ~~لا أفتحها يمينا، بل هي دعاء ومعناه اسأل الله لعمرك. قال المبرد: ~~والتقدير: لعمرك ما اقسم به، ومثله: علي عهد الله لأفعلن، فعهد الله رفع ~~بالابتداء، وفيه معنى القسم، وكذلك (لاها الله ذا). قال الخليل: (ذا) ~~معناه ما أقسم عليه. وحكي عن الاخفش أنه قال: (ذا) ما اقسم به، لانه قد ~~ذكر الله، وكلاهما حسن جميل. # وقوله { إنهم لفي سكرتهم يعمهون } فالسكرة غمور السهو للنفس وهؤلاء في ~~سكرة الجهل { يعمهون } اي يتحيرون، ولا يبصرون طريق الرشد. # وقوله { فأخذتهم الصيحة مشرقين } فالأخذ فعل يصير به الشيء في جهة ~~الفاعل، فالصيحة كأنها أخذتهم بما صاروا في قبضتها حتى هلكوا عن آخرهم. ~~والصيحة صوت يخرج من الفم بشدة. ويقال: إن الملك صاح بهم صيحة أهلكتهم. ~~ويجوز ان يكون جاء صوت عظيم من فعل الله كالصيحة. والاشراق ضياء الشمس ~~بالنهار شرقت الشمس تشرق شروقا اذا طلعت، وأشرقت إشراقا اذا أضاءت ~~وصفت. ومعنى { مشرقين } داخلين في الاشراق. # وقوله { فجعلنا عاليها سافلها } والجعل حصول الشيء على وجه لم يكن بقادر ~~عليه لولا الجعل، ومثله التصيير؛ ms2212 والمعنى: انه قلب القرية فجعل أسفلها ~~اعلاها واعلاها أسفلها { وأمطرنا عليهم حجارة } اي أرسلنا الحجارة، كما ~~يرسل المطر { من سجيل } وقيل في معناه قولان: # احدهما - انها من طين وهو معرب. وقيل هو من السجل، لانه كان عليها ~~أمثال الخواتيم بدلالة قوله # حجارة من طين مسومة عند ربك # والثاني - انها حجارة معدة عند الله تعالى للمجرمين، وأصله (سجين) ~~فابدلت النون لاما. # فان قيل ما معنى امطار الحجارة عليهم مع انقلاب مدينتهم؟ # قلنا فيه قولان: # احدهما - أنه أمطرت الحجارة أولا ثم انقلبت بهم المدينة. # الثاني - ان الحجارة أخذت قوما منهم خرجوا من المدينة بحوائجهم قبل ~~الفجر - في قول الحسن - ثم اخبر تعالى ان فيما حكاه آيات ودلالات ~~للمتوسمين. قال مجاهد يعنى المتفرسين. وقال قتادة: يعنى المعتبرين. وقال ~~ابن زيد: المتفكرين. وقال الضحاك: الناظرين. وقال ابو عبيدة: المتبصرين. ~~والمتوسم الناظر في السمة الدالة. # وقوله { إنها لبسبيل مقيم } معناه إن الاعتبار بها ممكن لان الآيات ~~التي يستدل بها مقيمة ثابتة بها وهي مدينة سدوم، والهاء كناية عن المدينة ~~التي أهلكها الله، وهي مؤنثة. # ثم قال ان ان فيما قص من حكاية هذا المدينة { لآية للمؤمنين } ودلالة ~~لهم. وقيل في وجه إضافة الآية الى المؤمنين قولان: # احدهما - انه يصلح ان يستدل بها. # والآخر - انه يفعل الاستدلال بها. وتضاف الآية الى الكافر بشرط واحد، ~~وهو أنه يمكنه الاستدلال بها. # وقوله { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين } فالأيكة الشجرة في قول الحسن ~~والجمع الايك كشجرة وشجر. وقيل: الأيكة الشجر الملتف قال امية: # كبكاء الحمام على فروع الاي # ك في الطير الجرائح # وقيل الايكة الغيضة واصحاب الايكة هم أهل الشجر الذين أرسل اليهم شعيب ~~(ع) وأرسل الى اهل مدين، فأهلكوا بالصيحة، واصحاب الايكة فأهلكوا بالظلة ~~التي احترقوا بنارها. وفي قول قتادة، فأخبر الله تعالى انه اهلك اصحاب ~~الأيكة بظلمهم وعتوهم وكفرهم بآيات الله وجحدهم نبوة نبيه. وقال ابن ~~خالويه: الأيكة أسم القرية، والايكة أسم البلد، كما ان مكة اسم البلد، ~~ومكة اسم البيت. ولم يصرفوا الأيكة للتعريف والتأنيث، ويجوز ms2213 ان يكونوا ~~تركوا صرفه، لانه معدول عن الالف واللام، كما ان شجر معدول عن الشجر، ~~فلذلك لم يصرفوه. ### || [15.79-84] # لما اخبر الله تعالى عن اصحاب الايكة أنهم كذبوا رسل الله، اخبر بأنه ~~انتقم منهم بأن اهلكهم ودمر عليهم. وفرق الرماني بين الانتقام والعقاب، ~~فقال: الانتقام نقيض الانعام، والعقاب نقيض الثواب، فالعقاب مضمن بأنه ~~على المعصية، والانتقام مطلق، وهو - ها هنا - على المعاصي، لان الاطلاق ~~يصلح فيه التقييد: بحذف الاضافة. # وقوله { وإنهما } يعني قريتي قوم لوط، واصحاب الايكة، لبطريق يؤم ويتبع ~~ويهتدى به - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن - وقال أبو علي ~~الجبائي { لبإمام } وهو الكتاب السابق الذي هو اللوح المحفوظ، ثابت ذلك ~~فيه ظاهر. والامام - في اللغة - هو المقدم الذي يتبعه من بعده وإنما ~~كانا بإمام مبين، لانهما على معنى يجب ان يتبع، فيما يقتضيه ويدل عليه، ~~والمبين الظاهر. # وقوله { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين } اخبار منه تعالى ان اصحاب ~~الحجر، وهي مدينة - في قول ابن شهاب، وسموا أصحاب الحجر، لانهم كا نوا ~~سكانه، كما تقول: اصحاب الصحراء. { كذبوا } ايضا الرسل الذين بعثهم الله ~~اليهم، وجحدوا نبوتهم: وقال قتادة: هم اصحاب الوادي، وهو من الحجر الذي ~~هو الحظر. # واخبر تعالى انه اتاهم الله الدلالات والمعجزات الدالة على توحيده وصدق ~~انبيائه، فكانوا يعرضون عنها ولا يستدلون بها، وكانوا ينحتون من الجبال ~~بيوتا ينقرون نقرا يأمنون فيها من الخراب. وقيل آمنين من سقوطها عليهم. ~~وقيل كانوا آمنين من عذاب الله. وقيل: من الموت. ونصبه على الحال. # فأخبر تعالى ان هؤلاء { فأخذتهم الصيحة مصبحين } اي جاءتهم الصيحة وقت ~~دخولهم في الصباح، ولم يغنهم { ما كانوا يكسبون } من الملاذ القبيحة. ~~والغنى وجود ما ينتفي به الضرر عنهم. ### || [15.85-86] # وجه اتصال هذه بما تقدم ذكره هو ان الامم لما خالفوا الحق أهلكوا، لان ~~الله ما خلق { السماوات والأرض إلا بالحق } وعلى { إن الساعة آتية } ~~للجزاء وأن جمع ما خلق يرجع الى عالم به وبتدبيره. وقيل: ما أهلكناهم ~~إلا بالحق كما خلقنا السموات والارض بالحق، ms2214 فأخبر تعالى انه لم يخلق ~~السموات والارض إلا بالحق، ولوجه من وجوه الحكمة، وان الساعة، وهي يوم ~~القيامة لآتية جائية بلا شك. ثم امر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يصفح ~~بمعنى يعفو عنهم عفوا جميلا. واختلفوا في كونه منسوخا: # فقال قتادة، ومجاهد، والضحاك: إنه منسوخ بوجوب الجهاد والقتال، وكان ~~الصفح قبل ذلك. # وقال الحسن: هذا فيما بينه وبينهم، لا في ما امر به من جهة جهادهم. # وقال الجبائي: أمره بأن يحلم عنهم فيما كانوا يسفهون عليه من شتمه، ~~وسفاهتهم عليه، فلا يقابلهم بمثله. # ثم اخبر تعالى انه الخلاق لما ذكر من السموات والارض، عليهم بما فيه من ~~المصلحة لعباده ووجه الحكمة فيه. ### || [15.87-91] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه آتاه أي أعطاه ~~سبعا من المثاني، فقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: هي ~~السبع الطوال سبع سور من أول القرآن. # قال قوم: المثاني التي بعد المئتين قبل المفصل. # وفي رواية أخرى عن ابن عباس وابن مسعود: أنها فاتحة الكتاب، وهو قول ~~الحسن وعطاء. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " السبع المثاني أم القرآن " # وهي سبع آيات بلا خلاف في جملتها، وإنما سميت مثاني، في قول الحسن، ~~لأنها تثنى في كل صلاة وقراءة. # وقيل: المثاني السبع الطوال لما يثنى فيها من الحكم المصرفة قال الراجز: # نشدتكم بمنزل الفرقان # ام الكتاب السبع من مثاني # ثنتين من آي من القرآن # والسبع سبع الطول الدواني # وقد وصف الله تعالى القرآن كله بذلك في قوله # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني # فعلى هذا تكون (من) للتبعيض. ومن قال: انها الحمد قال: (من) بمعنى تبيين ~~الصفة، كقوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # وقوله { والقرآن العظيم } تقديره وآتيناك القرآن العظيم سوى الحمد. # وقوله { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به الأمة، نهاهم الله تعالى ان يمدوا أعينهم الى ~~ما متع هؤلاء الكفار به من نعيم الدنيا. ms2215 ومعنى أزواجا منهم أمثالا من ~~النعم { ولا تحزن عليهم } قال الجبائي: معناه لا تحزن لما أنعمت عليهم ~~دونك. وقال الحسن { لا تحزن عليهم } على ما يصيرون اليه من النار بكفرهم. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يخفض جناحه للمؤمنين وهو ان يلين لهم ~~جانبه ويتواضع لهم ويحسن خلقه معهم، وأن يقول لهم { إني أنا النذير ~~المبين } يعني المخوف من عقاب الله من ارتكب ما يستحق به العقوبة، ومبين ~~لهم ما يجب عليهم العمل به. # وقوله { كما أنزلنا على المقتسمين } قال ابن عباس وسعيد بن جبير، ~~والحسن: هؤلاء هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، ~~وقال قتادة: هم قوم من قريش عضوا كتاب الله. وقال ابن زيد: هم قوم صالح { ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله } وقال الحسن: أنزلنا عليك الكتاب، كما ~~انزلنا على المقتسمين من قبل، قوم اقتسموا طرق مكة ينفرون عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويقولون: إنه ساحر، وبعضهم يقول هو كاهن، وبعضهم يقول ~~انه مجنون، فأنزل الله بهم عذابا اهلكهم به. وتقديره أنذركم بما أنزل ~~بالمقتسمين. ذكره الفراء. # وقوله { الذين جعلوا القرآن عضين } أي جعلوه متفرقا بالايمان ببعضه ~~والكفر ببعض، فعضوه على هذا السبيل الذي ذمهم الله بها. وقيل جعلوه عضين، ~~بأن قالوا سحر وكهانة - في قول قتادة - واصل عضين عضه منقوصة الواو، مثل ~~عزة وعزين، قال الشاعر: # ذاك ديار يأزم المآزما # وعضوات تقطع اللهازما # وقال آخر: # للماء من عضاتهن زمزمه # وقال رؤبة: # وليس دين الله بالمعضي # فالمعنى انهم عضوه أي فرقوه، كما تعضا الشاة والجزور، واصل عضه عضوه ~~فنقصت الواو، ولذلك جمعت عضين بلا واو كما قالوا عزين جمع عزة والأصل ~~عزوة ومثله ثبه وثبون، واصله ثبوة والعضيهة الكذب، فلما نسبوا القرآن الى ~~الكذب وانه ليس من قبل الله فقد عضهوا بذلك. ### || [15.92-99] # أقسم الله تعالى بقوله { فوربك } يا محمد، وفي ذلك تشريف للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وتنبيه على عظم منزلته عند الله { لنسألنهم } يعني هؤلاء ~~الكفار { أجمعين } وانما يسألهم سؤال توبيخ وتقريع، ms2216 فيقول لهم لم عضيتم ~~القرآن، وما حجتكم فيه وما دليلكم عليه، فيظهر عند ذلك خزيهم وفضيحتهم ~~عند تعذر جواب بصح منهم. # وقوله { فاصدع بما تؤمر } أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~ان يفرق بما أمر به، والمعنى افرق بين الحق والباطل بما تؤمر به، قال ~~أبو ذؤيب: # وكأنهن ربابة وكأنه # يسر يفيض على القداح ويصدع # وقال مجاهد: معناه فاجهر بما تؤمر، وانما قال بما تؤمر، ولم يقل بما ~~تؤمر به، لأمرين: احدهما - انه حذف (به) كما يقال آمرك وآمر بك، وأكفرك ~~وأكفر بك قال الشاعر: # إذا قالت حذام فصدقوها # فإن القول ما قالت حذام # وكما قال الآخر: # أمرتك حازما فعصيتني # وأصبحت مسلوب الإمارة نادما # وقوله { أعرض عن المشركين } أمر بأن يعرض عن المشركين، ولا يخاصمهم الى ~~ان يأمره بقتالهم. # وقوله { إنا كفيناك المستهزئين } المعنى كفيناك شرهم واستهزاءهم بأن ~~أهلكناهم وكانوا خمسة نفر من قريش: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، ~~وابو زمعة والأسود بن عبد يغوث، والحرث بن عيطلة - في قول سعيد بن جبير - ~~وقيل الأسود بن المطلب، أهلكهم الله. # وقوله { الذين يجعلون مع الله إلها آخر } الذين في موضع جر، لأنه بدل ~~من المستهزئين، وصفهم بأنهم اتخذوا مع الله إلها آخر عبدوه، ثم قال { ~~فسوف يعلمون } وبال ذلك يوم القيامة، وهذا غاية التهديد، ثم قال { ولقد ~~نعلم أنك } يا محمد { يضيق صدرك } ويشق عليك ما يقولون من التكذيب ~~والاستهزاء. ثم أمره ان يحمد ربه على نعمه وان يكون من الساجدين الذين ~~يسجدون لله، ويوجهون عبادتهم اليه، وان يعبد ربه الى الوقت الذي يأتيه ~~اليقين، ومعناه حتى يأتيه الموت - في قول الحسن ومجاهد وقتادة - وسمي ~~يقينا، لأنه موقن به توسعا وتجوزا، لأنه مما يوقن به جميع العقلاء. ~~ويحتمل أن يكون أراد. حتى يأتيه العلم الضروري بالموت والخروج من الدنيا ~~الذي يزول معه التكليف. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # قرأ نافع وعاصم وابو عمرو { يشركون } بالياء. وقرأ ابن عامر وابن كثير ~~مثل ذلك. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء. # من قرأ ms2217 بالتاء، فلقوله { فلا تستعجلوه } فرد الخطاب الثاني الى الأول. # ومن قرأ بالياء قال لان الله أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ~~فقال محمد تنزيها لله { سبحانه وتعالى عما يشركون }. # وقرأ سعيد بن جبير { أتى أمر الله، فلا تستعجلوه }. وروي عن عباس انه ~~قال: المشركون قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ائتنا بعذاب الله ان كنت ~~من الصادقين، فقال الله تعالى { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } وانما قال { ~~أتى أمر الله } ولم يقل يأتي، لان الله تعالى قرب الساعة، فجعلها كلمح ~~البصر، فقال # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # وقال # اقتربت الساعة # وكل ما هو آت قريب، فعبر بلفظ الماضي ليكون أبلغ في الموعظة، وإن كان ~~قوله { فلا تستعجلوه } يدل على أنه في معنى يأتي، وأمر الله يراد به ~~العذاب - في قول الحسن وابن جريح وغيرهما - وقال الضحاك: معناه فرائضه ~~واحكامه. وقال الجبائي: امره القيامة والأول أصح، لانهم استعجلوا عذابه ~~دون غيره. # والتسبيح في اللغة ينقسم أربعة أقسام: # احدها - التنزيه مثل قوله # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا # وقال الشاعر: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # والثاني - معنى الاستثناء كقوله # لولا تسبحون # أي هلا تستثنون. # والثالث - الصلاة كقوله # فلولا أنه كان من المسبحين # والرابع - النور، جاء في الحديث (فلولا سبحان وجهه) أي نوره ومعنى { ~~تعالى }: تعاظم بأعلى صفات المدح عن ان يكون له شريك في العبادة، وجميع ~~صفات النقص منتفية عنه. ### || [16.2] # قرأ روح والكسائي عن ابي بكر { تنزل الملائكة } بالتاء وفتحها، وفتح ~~النون والزاي ورفع الملائكة. الباقون بالياء وضمها وفتح النون وتشديد ~~الزاي وكسرها، ونصب الملائكة، إلا أن ابن كثير وابا عمرو، وورشا يسكنون ~~النون ويخففون الزاي. # من قرأ بالياء ففاعل { ينزل } هو الضمير العائد الى اسم الله في قوله { ~~أتى أمر الله } وإسكان النون وتخفيف الزاي وتشديدها، فكلاهما جائز، قال ~~تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر # وقال # وأنزلنا إليك الذكر # فأما ما روي عن عاصم من القراءة بالتاء، فلأنه انث الفعل باسناده الى ~~الملائكة ms2218 كقوله # إذ قالت الملائكة # وبنى الفعل للمفعول به واسنده اليهم والأول ابين. # اخبر الله تعالى أنه ينزل الملائكة بالروح من امره، واختلفوا في معنى ~~الروح - ها هنا - فقال ابن عباس: اراد به الوحي، وقال الربيع بن انس: ~~اراد به كلام الله، وقال قوم: أراد حياة النفوس، والارشاد لهم الى الدين، ~~وقد فسر ذلك بقوله { أن أنذروا } وهو بدل من الروح، وموضعه الجر وتقديره ~~ب { أن أنذروا } لأن الموعظة والانذار للكافر حياة، لانه تعالى شبه ~~الكافر بالميت، فقال # أو من كان ميتا فأحييناه # بالاسلام. والروح تنقسم عشرة اقسام: فالروح الارشاد والحياة، والروح ~~الرحمة قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم # " فروح وريحان " # والروح النبوة لقوله # يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده # والروح عيسى روح الله أي خلق من غير بشر، وقال آخرون: من غير فحل. وقيل ~~انه سمي بذلك لكونه رحمة على عباد الله بما يدعوهم الى الله، والروح ~~جبرائيل. والروح النفخ، يقال: أحييت النار بروحي أي بنفخي، قال ذو الرمة ~~يصف الموقد والزندة: # فلما بدت كفنتها وهي طفلة # بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا # فقلت له ارفعها اليك وأحيها # بروحك واقتته لها قيتة قدرا # والروح الوحي قال الله تعالى # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # قيل انه جبرائيل، وقيل الوحي. والروح ملك في السماء من أعظم خلقه، فاذا ~~كان يوم القيامة وقف صفا، والملك كلهم صفا، والروح روح الانسان. وقال ~~ابن عباس في الانسان روح ونفس، فالنفس هي التي تكون فيها التمييز ~~والكلام، والروح هو الذي يكون به الغطيط والنفس، فاذا نام العبد خرجت ~~نفسه وبقيت روحه، واذا مات خرجت نفسه وروحه معا. وقوله { على من يشاء من ~~عباده } يعني الانبياء يأمرهم أن يخبروا عباده أنه لا إله يستحق العبادة ~~غير الله تعالى، ويأمرهم بأن يتقوا معاصيه ويفعلوا طاعاته. ### || [16.3-4] # قرأ حمزة والكسائي { تشركون } بالتاء في الموضعين لقوله { فلا تستعجلوه ~~} فرد الخطاب الى الاول. ومن قرأ بالياء فلما تقدم ذكره. احتج الله ~~تعالى بالآية وما قبلها وما ms2219 بعدها على خلقه وأعلمهم عظيم نعمه، ودلهم على ~~قدرته، إذ { خلق السماوات والأرض } بما فيهما من العجائب والمنافع، و { ~~خلق الإنسان من نطفة } مهينة ضعيفة سيالة فرباها ودبرها حتى صار إنسانا ~~يخاصم ويبين. ولو وضعنا النطفة بين أيدي الخلائق فاجتهدوا، وفكروا ما ~~قدروا على قلبها، ولا عرفوا كيف يتمكن ويتأتى أن تقلب حالا بعد حال ~~حتى تصير فيها روح، وعقل، وسمع، وبصر، وحتى تنطق وتعرب عن نفسها، وتحتج ~~فتدفع عنها. وقيل في معنى { خصيم مبين } قولان: # أحدهما - انه أخرج من النطفة ما هذه صفته، ففي ذلك أعظم العبرة. # والثاني - لما خلقه ومكنه خاصم عن نفسه خصومة أبان فيها عن نفسه. وقيل ~~انه يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها - تعريف قدرة الله في اخراجه من النطفة ما هذه سبيله. # الثاني - تعريف نعم الله في تبليغ هذه المنزلة من خلق من نطفة. # الثالث - تعريف فاحش ما ارتكب الانسان من تضييع حق الله بالخصومة. ### || [16.5-7] # الأنعام جمع نعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم، سميت بذلك لنعومة مشيها ~~بخلاف ذات الحافر الذي يصلب مشيها. ونصب بفعل مقدر يفسره ما بعده، ~~والتقدير وخلق الأنعام خلقها، وإنما نصب لمكان الواو العاطفة على منصوب ~~قبله. وقوله { خلقها لكم } تمام، لأن المعنى خلق الأنعام لكم أي ~~لمنافعكم. ثم أخبر، فقال { فيها دفء } والدفء ما استدفأت به. وقال الحسن ~~يريد ما استدفىء به من أوبارها، وأصوافها، وأشعارها. وقال ابن عباس: هو ~~اللباس من الأكيسة وغيرها، كأنه سمي بالمصدر ومنه دفوء يومنا دفأ، ونظيره ~~(الكن) قال الفراء: كتبت (دفء) بغير همز، لأن الهمزة إذا سكن ما قبلها ~~حذفت من الكتاب، ولو كتبت في الرفع بالواو، وفي النصب بالألف وفي الخفض ~~بالياء كان صوابا. وقال قتادة { فيها دفء ومنافع } معناه منفعة هي بلغة، ~~من الألبان وركوب ظهرها { ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون } وذاك ~~أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها { وحين تسرحون } ~~إذا سرحت لرعيها. فالسروح خروج الماشية إلى المرعى بالغداة. والاراحة ~~رجوعها من المرعى عشيا: سرحت الماشية سرحا وسروحا ms2220 وسرحها أهلها قال ~~الشاعر: # كأن بقايا الاثر فوق متونه # مدب الدبا فوق النقا وهو سارح # وقوله { وتحمل أثقالكم } يعني هذه الانعام تحمل أثقالكم، وهو جمع ثقل، ~~وهو المتاع الذي يثقل حمله، وجمعه أثقال { لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس } والبلوغ المصير إلى حد من الحدود، بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه ~~إبلاغا، وبلغه تبلغا وتبلغ تبلغا وتبالغ تبالغا، والشق المشقة، ~~وفيه لغتان، فتح الشين وكسرها، فالكسر عليه القراء السبعة. وبالفتح قرأ ~~أبو جعفر المدني. # والشق أيضا أحد قسمي الشيء الذي في احدى جهتيه، وقال قتادة: معناه بجهد ~~الأنفس، وكسرت الشين من شق الانفس مع أن المصدر بفتح الشين لأمرين: # احدهما - قال قوم: هما لغتان في المصدر، قال الشاعر: # وذي إبل يسعى ويحسبها له # أخي نصب من شقها ودؤوب # بالكسر والفتح، وقال العجاج: # اصبح مسحول يوازي شقا # بالكسر والفتح بمعنى يقاسي مشقة، وقال قوم: ان المعنى إلا بذهاب شق قوى ~~النفس ذكره الفراء والزجاج، واختاره الطبري. وقوله { إن ربكم لرءوف رحيم ~~} أي رؤوف بكم رحيم، ومن رحمته أنه خلق لكم الانعام لتنتفعوا بها، على ما ~~ذكره. ### || [16.8-9] # هذه الآية عطف على التي قبلها، فلذلك نصب { والخيل } وتقديرها، وخلق ~~الخيل، وهي الدواب التي تركب { والبغال } واحدها بغل { والحمير } واحدها ~~حمار { لتركبوها } وتتزينوا بها، ونصب { وزينة } بتقدير، وجعلها زينة { ~~ويخلق ما لا تعلمون } من أنواع الحيوان والجماد والنبات لمنافعكم، ويخلق ~~من أنواع الثواب للمطيعين، وأنواع العقاب للعصاة ما لا تعلمون. # وحكي عن ابن عباس: أن الآية دالة على تحريم لحم الخيل، لأنها للركوب ~~والزينة والانعام لما ذكر قبل، وهو قول الحكم والاسود. وقالوا: لأنه ~~تعالى ذكر في آية الانعام # ومنها تأكلون # ولم يذكر ذلك في آية الخيل بل ذكرها للركوب والزينة. وابراهيم لم يربه ~~بأسا، وهو قول جميع الفقهاء. وقال جابر: كنا نأكل لحم الخيل على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقوله { وعلى الله قصد السبيل } قال ابن عباس: معناه بيان قصد السبيل أي ~~بيان الهدى من الضلال { ومنها جائر } أي عادل عن ms2221 الحق فمن الطريق ما يهدي ~~إلى الحق؛ ومنها ما يضل عن الحق، ثم قال { ولو شاء لهداكم أجمعين } وقيل ~~في معناه قولان: # أحدهما - قال الحسن والبلخي: لو شاء لهداكم بالإلجاء، لأنه قادر على ~~ذلك. # الثاني - قال الجبائي: لو شاء لهداكم إلى الجنة. ### || [16.10-11] # قرأ أبو بكر عن عاصم إلا الأعشى والبرجمي { ننبت } بالنون. الباقون. ~~بالياء # من قرأ بالياء فلما تقدم من قوله { هو الذي أنزل من السماء ماء... ينبت ~~لكم } وهو أشكل بما تقدم، والنون لا يمتنع ايضا، يقال نبت البقل وانبته ~~الله، وقد روي انبت البقل، وأنكر ذلك الأصمعي، وقال قصيدة زهير التي فيها ~~(حتى إذا أنبت البقل) مبهمة قال أبو علي فأما قوله # تنبت بالدهن # فيجوز أن تكون الباء زائدة، كقوله # ولا تلقوا بأيديكم # قال # وألقى في الأرض رواسي أن تميد # فعدى { ألقى } مرة بالباء وأخرى بغير باء، وإذا ثبت أن (انبت) في معنى ~~(نبت) جاز ان تكون الباء للتعدي، كما لو كانت مع (نبت) كان كذلك، ويجوز ~~ان تكون الهمزة في (انبت) للتعدي، والمفعول محذوف، والباء للحال، كأنه ~~قال تنبت ثمرة بالدهن، فحذف المفعول و (بالدهن) في موضع حال، كأنه قال ~~تنبت، وفيه دهن، ويجوز في (تنبت بالدهن) ان تنبت ما فيه دهن. # اخبر الله تعالى انه الذي ينزل من السماء ماء يعني غيثا ومطرا لمنافع ~~خلقه، من ذلك الماء شراب تشربونه، ومن ذلك نبات الشجر، والشجر ما ينبت من ~~الارض وقام على ساق وله ورق وجمعه أشجار، ومنه المشاجرة لتداخل بعض ~~الكلام في بعض كتداخل ورق الشجر وقال الازهري: ما نبت من الأرض شجر، قام ~~على ساق أو لم يقم ترعاه الإبل والأنعام كلها. # وقوله { فيه تسيمون } اي ترعون؛ يقال: اسمت الابل إذا رعيتها، وقد سامت ~~تسوم، فهي سائمة اذا رعت. واصل السوم الابعاد في المرعى، والسوم في البيع ~~الارتفاع في الثمن، والانبات اخراج الزرع، والانسان يزرع، والله تعالى ~~ينبت. # وقوله { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات } ~~اي ينبت بذلك المطر هذه ms2222 الاشياء التي عددها لينتفعوا بها. ثم اخبر ان في ~~ذلك لدلالة وحجة واضحة لمن يفكر فيه، فيعرف الله به؛ وإنما أضاف الدلالة ~~اليهم، لانهم الذين انتفعوا بها، ولأن من لم يفكر فيها فكأنها لم تنصب ~~له. ### || [16.12-13] # قرأ ابن عامر { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } بالرفع فيهن كلهن، وافقه ~~حفص في رفع { والنجوم مسخرات } الباقون بالنصب فيهن كلهن، اما ابن عامر ~~فانما رفع ذلك، لانه جعل الواو، واو حال، وابتدأ، { والشمس } رفع ~~بالابتداء و { النجوم } نسق عليها، { والقمر } نسق عليها (والمسخرات) رفع ~~خبرها، ومن نصبها كلها جعلها منسوقة على قوله { وسخر لكم الليل والنهار ~~}. واما حفص فانما رفع { النجوم مسخرات } فقطعها مما قبلها، فعلى هذا حجة ~~من نصب ان يقدر فعلا آخر ينصبه به، وتقديره وجعل النجوم مسخرات. # ووجه تسخير الشمس والقمر والليل والنهار، ان الليل والنهار إنما يكون ~~بطلوع الشمس وغروبها، فما بين غروب الشمس الى طلوع الفجر، وهو غياب ضوء ~~الشمس، فهو ليل. وما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس، فهو نهار، فالله ~~تعالى سخر الشمس على هذا التقدير لا تختلف؛ لمنافع خلقه ومصالحهم ~~وليستدلوا بذلك على ان المسخر لذلك والمقدر له حكيم ثم بين ان في ذلك ~~التسخير لدلالات لقوم يعقلون عن الله ويتبينون مواضع الاستدلال بادلته. # وقوله { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه } معنى (ما) الذي وموضعه ~~النصب والتقدير وخلق لكم (ما). # أخبر الله تعالى ان الذي خلقه وأظهره من الاجسام المختلفة الألوان ان في ~~ذلك دلالة لقوم يذكرون وأصله يتذكرون، فادغمت التاء في الذال. والذرء ~~إظهار الشيء بإيجاده ذرأه يذرؤه ذرءا. وذرأه، وفطره، وانشاءه نظائر. ~~وملح ذرءاني ظاهر البياض والاختلاف هو الامتناع من ان يسد احد الشيئين ~~مسد الآخر ونقيضه الاتفاق. قال قتادة: قوله { وما ذرأ لكم في الأرض } ~~معناه خلق لكم { مختلفا ألوانه } من الدواب والشجر والثمار، نعما ظاهرة ~~فاشكروها لله، قال المؤرج: ذرأ بمعنى خلق بلغة قريش. ### || [16.14-16] # وهذا تعداد لنوع آخر من نعمه، فقال { وهو الذي سخر البحر } أي ذلله لكم ~~وسهل ms2223 لكم الطريق الى ركوبه واستخراج ما فيه من انواع المنافع فتصطادون ~~منه أنواع السمك، فتأكلون لحمه طريا، ولا يجوز ان تهمز طريا، لانه من ~~الطراوة لا من الطراءة، و { تستخرجوا } من البحر حلية يعني اللؤلؤ ~~والمرجان الذي يخرج من البحار { تلبسونها } وتتزينون بها { وترى الفلك } ~~يعني السفن { مواخر فيه } قال الحسن معناه مقبلة ومدبرة بريح واحدة، وقال ~~قوم: معناه منقلة، والمواخر جمع ماخرة، والمخر شق الماء من عن يمين ~~وشمال، يقال: مخرت السفينة الماء تمخره مخرا، فهي ماخرة، والمخر ايضا ~~صوت هبوب الريح إذا اشتد هبوبها. # وقوله { ولتبتغوا من فضله } اي ولتكتسبوا من فضل الله ونعمه بركوب ~~البحر، ولكي تشكروه على أياديه، والواو دخلت ليعلم ان الله خلق ذلك وأراد ~~جميع ذلك وقصده. ثم أخبر انه القى في الأرض رواسي، وهو جمع راسية وهي ~~الجبل العالي الثابت { أن تميد بكم } اي لئلا تميد بكم الارض. وقال ~~الزجاج: معناه كراهة ان تمتد، ولم يجز حذف (لا) والميد الميل يمينا ~~وشمالا، وهو الاضطراب: ماد يميد ميدا، وهو مائد. # وقوله { وأنهارا و سبلا } تقديره وجعل لكم انهارا، لدلالة { ألقى } ~~عليه، لانه لا يجوز ان يكون عطفا على { ألقى } ومثله قول الشاعر: # تسمع في اجوافهن صردا # وفي اليدين جسأة وبددا # اي وترى في اليدين يبسا وتفرقا، ومثله قولهم: (علفتها تبنا وماء ~~باردا) والمعنى وسقيتها ماء، ومثله كثير، و { سبلا } عطف على { أنهارا ~~} لكي تهتدوا بها في سلوككم، وانتقالكم في أغراضكم. # وقوله { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } اي جعل لكم علامات. وقيل انها ~~الجبال ونحوها. قال ابن عباس: يعني الجبال يهتدى بها نهارا، والنجم ~~يهتدى به ليلا، وهو اختيار الطبري. و (العلامة) صورة يعلم بها المعنى، ~~من خط او لفظ او إشارة او هيئة، وقد تكون وضعية، وقد تكون برهانية. # وقوله و { بالنجم هم يهتدون } فالنجم هو الكوكب، ويقال: نجم النبت إذا ~~طلع تشبيها بطلوع النجم، وانما قال - ها هنا - و { بالنجم } فوحد، وقال ~~فيما تقدم { والنجوم مسخرات } لان النجوم على ثلاثة أضرب: ضرب يهتدى بها ms2224 ~~مثل الفرقدين، والجدي، لانها لا تزول، وضرب هي الشهب، وضرب هي زينة ~~السماء، كما قال # زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب # فقوله { وبالنجم } يجوز ان يريد به النجوم، فأخبر بالواحد عن الجميع، ~~كما قال # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء # والنجم في قوله # النجم الثاقب # يريد الثريا فقط # والنجم إذا هوى # يعني نزول القرآن إذا نزل به جبرائيل (ع) وقوله # والنجم والشجر يسجدان # يريد كلما نجم من الارض اي نبت، مما لا يقوم على ساق كالبطيخ والقرع ~~والضغابيس وهو الفتاء الصغار، ويشبه الخسيس بالضغبوس أنشد ابن عرفة: # قد جربت عركي في كل معترك # غلب الاسود فما بال الضغابيس ### || [16.17-18] # في هذه الآية رد على عباد الاصنام والاوثان بأن يقال: أفمن يخلق ما ~~تقدم ذكره من السموات والارض والشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من أنواع ~~العجائب، كمن لا يخلق ذلك من الاصنام التي هي جمادات، فكيف توجه العبادة ~~اليها، ويسوى بينها، وبين خالق جميع ذلك { أفلا يتفكرون } في ذلك ~~ويعتبرون به، فان ذلك من الخطأ الفاحش. وجعل (من) فيما لا يعقل لما اتصلت ~~بذكر الخالق. # ويتعلق بهذه الآية المجبرة، فقالوا: أعلمنا الله تعالى ان احدا لا ~~يخلق، لانه خلاف الخالق، وانه لو كان خالق غيره لوجب ان يكون مثله، ~~ونظيره. # وهذا باطل، لان الخلق في حقيقة اللغة هو التقدير والاتقان في الصنعة ~~وفعل الشيء لا على وجه السهو والمجازفة بدلالة قوله # وتخلقون إفكا # وقوله # وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير # وقوله # أحسن الخالقين # كما لا يجوز أنه اعظم الآلهة لما لم يستحق الآلهية غيره، وقال زهير: # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # وقال الججاج: لا أعد إلا وفيت ولا أخلق إلا فريت # وقال الشاعر: # ولا يئط بأيدي الخالقين ولا # أيدى الخوالق الاجبد الأدم # فعلمنا بذلك جواز تسمية غيره بأنه خالق إلا انا لا نطلق هذه الصفة ~~إلا لله تعالى، لان ذلك توهم، فاذا ثبت ذلك فالوجه في الآية ما قدمنا ~~ذكره من الرد على عباد ms2225 الاصنام والجمادات التي لا تقدر على ضرر ولا نفع ~~ولا خلق شيء ولا استطاعة لها على فعل، وان من سوى بينها وبين من خلق ما ~~تقدم ذكره من أنواع النعم وأشرك بينهما في العبادة، كان جاهلا بعيدا عن ~~الصواب عادلا عن طريق الهدى. ويقوي ذلك انه قال عقيب هذه الآية { والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء } فعلمنا ~~انه أراد بذلك ما قدمنا من اسقاط رأيهم وتسويتهم بين الجماد والحي ~~والفاعل ومن ليس بفاعل، وهذا واضح. # وقوله { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } قال الحسن: لا تحصوها بأداء ~~حقها وتعظيمها. وقال الجبائي: لا تحصوها مفصلة لكثرتها وإن صح منكم ~~احصاؤها على وجه الجملة. ### || [16.19-21] # قرأ يعقوب وحفص ويحيى والعليمي { والذين يدعون } بالياء. الباقون ~~بالتاء، قال أبو علي: هذا كله على الخطاب، لان ما بعده خطاب كقوله بعد { ~~أفلا تذكرون } وقوله { وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } ، { وإلهكم ~~إله واحد } فكل هذا خطاب. # فان قلت: ان فيه { والذين يدعون من دون الله } فانه لا يكون خطابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للمسلمين، قيل: التقدير في ذلك قل لهم: ~~والذين تدعون من دون الله، فلا يمتنع الخطاب على هذا الوجه، ولهذا قرأ ~~عاصم بالياء لما كان عنده ذلك اخبارا عن المشركين، ولم يجز ان يكون في ~~الظاهر خطابا للمسلمين. # يقول الله لعباده ان الله الذي يستحق العبادة هو الذي يعلم ما يظهرونه ~~وما يستسرون به ويخفونه، وان الذين يدعون من دون الله من الاصنام لا ~~يخلقون شيئا، فضلا عن ان يخلقوا ما يستحق به العبادة، وهم مع ذلك ~~مخلوقون مربوبون، وهم مع ذلك أموات غير احياء، وانما قال أموات غير ~~احياء، لانها في حكم الأموات في انها لا تعقل شيئا. وقيل غير أحياء على ~~وجه التأكيد بما صارت به، كالأموات، لانه قد يقال للحي هو كالميت إذا ~~كان بعيدا من ان يعلم. و { أموات } رفع بأنه خبر ابتداء، والتقدير هن ~~أموات غير احياء، ويجوز ms2226 ان يكون خبرا عن (الذين) والتقدير والذين يدعون ~~أموات. # وقوله { وما يشعرون أيان يبعثون } اي هم لا يعلمون اي وقت يحشرهم الله ~~للجزاء والحساب، بل ذلك لا يعلمه الا الله تعالى، ومعنى (أيان) متى و ~~(متى) اوضح، لأنه اغلب في الاستعمال فلذلك فسر به (أيان) وهو سؤال عن ~~الزمان كما ان (اين) سؤال عن المكان. وقال الفراء: معناه هي أموات فكيف ~~يشعرون متى تبعث يعني الاصنام. قال ويقال للكفار أيضا وما يشعرون أيان ~~يبعثون، و (إيان) بكسر الهمزة لغة سليم قرأها أبو عبد الرحمن السلمي. ### || [16.22-23] # يقول الله تعالى لعباده ان { إلهكم } الذي يستحق العبادة { إله واحد } ~~لانه لا يقدر على ما يستحق به العبادة من أصول النعم سواه. ثم قال ان ~~الذين لا يصدقون بالآخرة وبالبعث والنشور والثواب والعقاب، تجحد قلوبهم ~~وتنكر ما ذكرناه وهم مع ذلك { يستكبرون } اي يمتنعون من قبول الحق أنفة ~~من أهله. و (الاستكبار) طلب الترفع بترك الاذعان للحق ثم قال تعالى { لا ~~جرم } اي حق ووجب انه يعلم ما يبطنونه ويخفونه في نفوسهم، وما يظهرونه، ~~لا يخفى عليه منه شيء، و { إنه لا يحب المستكبرين } يعني لا يريد ثوابهم ~~ولا منافعهم، ولا يفعل ذلك بهم لكونهم مستحقين للعقاب. ### || [16.24-25] # يقول الله تعالى إذا قيل لهؤلاء الكفار على وجه الاستفهام: ما الذي أنزل ~~ربكم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؟ أجابوا بأن { قالوا: أساطير ~~الأولين } يعني أحاديث الأولين الكاذبة، في قول ابن عباس وغيره، وأحدها ~~أسطورة سمي ذلك، لانهم كانوا يسطرونها في الكتب. # وقوله { ليحملوا أوزارهم } أي أثقالهم من المعاصي، والوزر الاثم، والوزر ~~الثقل، ومنه الوزير، لانه يحمل الاثقال عن الملك، يقال وازره على امره أي ~~عاونه بحمل الثقل معه، واللام لام العاقبة، لانهم لم يقصدوا بما فعلوه ~~ليتحملوا أوزارهم. # وقوله { كاملة } معناه حمل المعاصي تامة على أقبح وجوهها من غير اخلال ~~بشيء منها { ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } معناه إنهم يتحملون مع ~~أوزارهم من أوزار من أضلوه عن دين الله وأغووه عن ms2227 اتباع الحق، بغير علم ~~منهم بذلك بل كانوا جاهلين. والمعنى إن هؤلاء كانوا يصدون من أراد ~~الايمان بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فعليهم آثامهم وآثام أبنائهم ~~لاقتدائهم بهم. # وعلى هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: # " ايما داع دعا إلى الهدى فاتبع، فله مثل اجورهم من غير ان ينقص من ~~اجورهم شىء، وايما داع دعا الى الضلالة فان عليه مثل اوزار من اتبعه من ~~غير ان ينقص من اوزارهم شيء ". # والوجه في تحملهم أوزار غيرهم أحد شيئين: # احدهما - انه اراد بذلك إغواءهم واضلالهم، وهي اوزارهم فأضاف الوزر ~~إلى المفعول به، كما قال # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك # والثاني - ان يكون أراد اقتداء غيرهم بهم فيستحقون على معصيتهم زيادة ~~عقاب، فجاز لذلك أن يضاف اليهم. ثم أخبر تعالى فقال { ألا ساء ما يزرون } ~~أي بئس الشيء الذي يتحملونه، لانهم يحملون ما يؤدي الى العقاب، ومعنى ~~يزرون يحملون ثقل الآثام. ### || [16.26-27] # قرأ نافع وحده { تشاقون } بكسر النون اراد تشاقونني، فحذف النون تخفيفا ~~وحذف الياء اجتزاء بالكسرة، وقد ذكر فيما مضى علة ذلك في قوله # فبم تبشرون # وقرأ الباقون بفتح النون، لا يجعلونه مضافا إلى الياء. والنون في هذه ~~القراءة علامة الرفع، والنون مع الياء المحذوفة في موضع النصب. # ومعنى { تشاقون } أي يعادون الله فيهم فيجعلونها شركاء له، والشقاق ~~الخلاف في المعنى، ومعنى { تشاقون } تكونون في جانب، والمسلمون في جانب، ~~لا يكونون معهم يدا واحدة، ومن ثم قيل لمن خرج عن طاعة الامام وعن جماعة ~~المسلمين: شق العصا أي صار في جانب عنهم، فلم يكن مجتمعا في كلمتهم. # يقول الله ان الذين من قبل هؤلاء الكفار { قد مكروا } واحتالوا على ~~رسلهم والمكر الفتل والحيلة الى جهة منكرة، يقال مكر به يمكر مكرا، فهو ~~ماكر ومكار، ثم قال: فان الله تعالى أتى أمره وعقابه { بنيانهم } التي ~~بنوها فهدمها { فخر عليهم السقف من فوقهم } وقيل في معنى { من فوقهم } ~~قولان: # احدهما - انه قال ذلك تأكيدا، كقولك قلت انت. # الثاني - انهم ms2228 كانوا تحته، وقد يقول القائل: تهدمت علي المنازل، وان لم ~~يكن تحتها، وأيضا فليعلم انهم لم يكونوا فوق السقوف. # وقال ابن عباس وزيد بن اسلم: الذين خر عليهم السقف من فوقهم نمرود ابن ~~كنعان. وقال غيرهم: بخت نصر، وقال الزجاج وأبو بكر بن الانباري: المعنى ~~فأتى الله مكرهم من اصله اي عاد ضرر المكر عليهم وبهم. وذكر الاساس مثلا ~~كما ذكر السقف، مع انه لا سقف ثم ولا أساس، وهذا الذي ذكره يليق بكلام ~~العرب ويشبهه. والمعنى إن الله أتى بنيانهم من القواعد اي قلعه من اصله ~~كقولهم: أتي فلان من مأمنه اي أتاه الهلاك من جهة مأمنه وأتاهم العذاب من ~~جهة الله { وهم لا يشعرن } أي لا يعلمون انه من جهة الله نزل بهم العذاب. ~~ثم قال انه تعالى مع ذلك يخزيهم يوم القيامة أي يذلهم بأنواع العذاب ~~ويقول لهم أين شركائي الذين اتخذتموهم آلهة، فعبدتموهم يعني الذين كنتم ~~تشاقون فيهم الله تعالى وتخرجون عن طاعة الله. # ثم أخبر ان الذين أعطوا العلم والمعرفة بالله تعالى وأوتوه يقولون لهم: ~~ان الخزي يعني الذل والهوان { اليوم } والسوء الذي هو العذاب { على ~~الكافرين } الجاحدين لنعمه المنكرين لتوحيده وصدق انبيائه. ### || [16.28-30] # قرأ حمزة { الذين يتوفاهم } بالياء. الباقون بالتاء، من قرأ بالتاء ~~فلتأنيث لفظة الملائكة، ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير حقيقي وقد مضى ~~نظيره كثيرا. # يقول الله تعالى ان الخزي اليوم والسوء على الكافرين، الذين يتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم و { الذين } في موضع الجر بأنه بدل من الكافرين ~~وانما قال ذلك ليعلم به ان الوعيد يتناول من كان مات على كفره، لانه ان ~~تاب لم يتوجه الوعيد اليه، ومعنى { تتوفاهم الملائكة } أي تقبض ارواحهم ~~بالموت ظالمي انفسهم بما فعلوه من ارتكاب المعاصي التي استحقوا بها ~~العقاب. والظالم من فعل الظلم، ويصح ان يظلم الانسان نفسه كما يظلم غيره. # وقوله { فألقوا السلم } اي استسلموا للحق حين لا ينفعهم السلم، يعني ~~الانقياد والاذعان. # وقوله { ما كنا نعمل من سوء } اي قالوا ما عملنا من ms2229 سوء، فكذبهم الله، ~~وقال { بلى } قد فعلتم والله عالم بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي ~~وغيرها. وقيل في معنى ذلك قولان: # احدهما - ما كنا نعمل من سوء عند انفسنا، لانهم في الآخرة ملجؤن الى ترك ~~القبيح والكذب، ذكره الجبائي. وقال الحسن وابن الاخشاذ: في الآخرة مواطن ~~يلجؤن في بعضها دون بعض، ثم بين انه تعالى يقول لهم { ادخلوا أبواب جهنم ~~خالدين فيها } اي مؤبدين فيها { فلبئس مثوى المتكبرين } قسم من الله ~~تعالى انها بئس المأوى لمن تكبر على الله، ولم يعمل بطاعته، { وقيل للذين ~~اتقوا ماذا أنزل ربكم } اي اي شيء { أنزل ربكم قالوا خيرا } على معنى ~~ماذا، والمعنى انزل الله خيرا، وانما نصب { خيرا } ها هنا بعد قوله { ~~قالوا } ورفع { أساطير } فيما تقدم لأمرين. # احدهما - انهم جحدوا التنزيل، فقالوا إنما هي اساطير الأولين وأقر ~~المؤمنون بالتنزيل، فقالوا أنزل ربنا خيرا. # والثاني - قال سيبويه ان يكون الرفع على تقدير ما الذي انزل ربكم فيكون ~~ذا بمعنى الذي، وفي النصب يكون (ذا، وما) بمنزلة اسم واحد. # وقوله { للذين أحسنوا الحسنى } يحتمل ان يكون من كلام من قال خيرا، ~~ويحتمل ان يكون اخبارا من الله تعالى، وهو الاقوى، لانه ابلغ في باب ~~الدعاء الى الاحسان، فأجاز الحسن والزجاج كلا الوجهين، والمعنى ان للذين ~~احسنوا في هذه الدنيا حسنة مكافأة لهم في الدنيا قبل الآخرة خيرا { ~~ولنعم دار المتقين } يعني الجنة التي يدخلها الذين اتقوا معاصي الله ~~وفعلوا طاعاته. ### || [16.31-32] # يحتمل رفع جنات وجهين: # احدهما - ان تكون خبر ابتداء محذوف وتقديره هي جنات يدخلونها، كأن قائلا ~~لما قال الله { ولنعم دار المتقين } قال: ما هذه الدار؟ فقيل: هي جنات ~~عدن. # والثاني - ان يكون رفعا بالابتداء وخبره { نعم دار المتقين } وقد قدم ~~الخبر والتقدير جنات عدن { نعم دار المتقين }. ثم وصف هذه الجنات بما ~~فيها، فقال { تجري من تحتها الأنهار } لان الجنة هي البستان الذي فيه ~~الاشجار، والانهار تجري تحت الاشجار، وقيل لان انهار الجنة في اخاديد. ثم ~~اخبر ان لهؤلاء الذين دخلوا ms2230 الجنة لهم فيها ما يشاؤنه ويشتهونه. ثم قال ~~مثل ذلك يجازي الله تعالى الذين يتقون معاصيه، ويعملون بطاعاته. ثم قال { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } أي صالحين بأعمالهم الجميلة خلاف من ~~تتوفاهم خبيثين بأعمالهم القبيحة. وأصل الطيبة حال المستلذ من الاطعمة، ~~يقول الملائكة لهم سلا عليكم ادخلوا الجنة جزاء على أعمالكم في الدنيا من ~~الطاعات. ### || [16.33-34] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { إلا أن يأتيهم } بالياء. الباقون بالتاء. ~~وقد بينا وجهه، ومعنى قوله { هل ينظرون } ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار ~~إلا أن تأتيهم الملائكة، يعني بالموت أو الهلاك، أو يأتي أمر ربك يعني ~~يوم القيامة، ذكره مجاهد وقتادة. # ثم أخبر تعالى ان الذين مضوا - فيما سلف من الكفار - فعلوا مثل فعل ~~هؤلاء من تكذيب الرسل، وجحد توحيده، وانكار رسله، فأهلكهم الله فما الذي ~~يؤمن هؤلاء أن يهلكهم. # ثم اخبر تعالى انه باهلاكه اياهم لم يظلمهم، ولكن هم الذين ظلموا انفسهم ~~فيما مضى بالمعاصي التي استحقوا بها الهلاك. # ثم اخبر تعالى انه اصابهم يعني الكفار جزاء سيئات اعمالهم، وهي القبائح، ~~{ وحاق بهم } اي حل بهم وبال { ما كانوا به يستهزئون } أي يسخرون برسل ~~الله وبأنبيائه. ### || [16.35] # حكى الله تعالى عن المشركين مع الله إلها آخر ومعبودا سواه أنهم قالوا ~~{ لو شاء الله } اي لو أراد الله لم نكن نعبد شيئا من دونه، من الاصنام ~~والاوثان، لا { نحن ولا أباؤنا ولا حرمنا } من قبل نفوسنا شيئا، بل اراد ~~الله ذلك منا، فلذلك فعلنا، كما يقول المجبرة الضلال، فكذبهم الله وانكر ~~عليهم، وقال مثل ذلك فعل الذين من قبلهم، من الكفار الضلال كذبو رسل ~~الله، وجحدوا انبياءه ثم عذر انبيائه، فقال { هل على الرسل إلا البلاغ } ~~الظاهر اي ليس عليهم إلا ذلك. وفي ذلك ابطال مذهب المجبرة، لأن الله ~~انكر عليهم قولهم إنه { لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } ومثل هذه ~~الآية التي في الانعام وقد بيناها مستوفاة. ### || [16.36] # اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه قد ارسل في كل امة ms2231 من ~~الأمم السالفة رسولا بأن { اعبدوا الله } اي امرهم أن يعبدوا الله وحده ~~لا شريك له، وان يجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو كل ما يعبد من دون الله. ~~وقيل: الطاغوت اسم الشيطان ويكون المعنى { اجتنبوا } اغواء الشيطان، وكل ~~داع يدعو الى الفساد. ثم اخبر عن المبعوث اليهم بأن منهم من لطف الله لهم ~~بما علم انه يؤمن عنده، فآمن عنده، فسمى ذلك اللطف هداية، ولم يرد نصب ~~الأدلة على الحق لأنه تعالى سوى في ذلك بين المؤمن والكافر، كما قال # فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # ويحتمل أن يكون المراد فمنهم من هداه الله الى الجنة بايمانه. # وقوله { ومنهم من حقت عليه الضلالة } قيل فيه قولان: # احدهما - لانهم ضلوا عن طريق الحق وكفروا بالله، وهو قول الحسن. # الثاني - حقت عليهم الضلالة عن طريق الجنة بما ارتكبوه من الكفر. ~~والضلالة - ها هنا - المراد به العدول عن الجنة، وقد سمى الله العقاب ~~ضلالا، فقال # إن المجرمين في ضلال # اي عذاب. ثم قال قل لهم { سيروا في الأرض } وتعرفوا اخبار من مضى ~~وتبينوا كيف كان عاقبة الذين كذبوا بآيات الله، ولم يصدقوا رسله، فان ~~الله اهلكهم ودمر عليهم، كقوم هود، ولوط، وثمود، وغيرهم، فان ديارهم ~~عليها آثار الهلاك والدمار ظاهرة. ### || [16.37] # قرأ اهل الكوفة { يهدي } بفتح الياء وكسر الدال. الباقون بضم الياء وفتح ~~الدال، ولم يختلفوا في ضم ياء يضل وكسر الضاد. # فمن فتح الياء وكسر الدال احتمل ذلك امرين: # احدهما - انه اراد ان الله لا يهدي من يضله. # والثاني - أن من اضله الله لا يهتدي. # ومن ضم الياء أراد من أضله الله لا يقدر أحد ان يهديه، وقووا ذلك ~~بقراءة أبي { لا هادي لمن اضل الله } واسم الله تعالى اسم (إن) و (يضل) ~~الخبر. # ومعنى اضلال الله - ها هنا - يحتمل امرين: # احدهما - ان من حكم الله بضلاله وسماه ضالا، لا يقدر أحد ان يجعله ~~هاديا ويحكم بذلك. # والثاني - إن من أضله الله (عز وجل) عن طريق الجنة لا احد يقدر على ~~هدايته ms2232 اليها، ولا يقدر هو ايضا على أن يهتدي اليها. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { إن تحرص } يا محمد على ان ~~يؤمنوا ويهتدوا الى الجنة، فهم بسوء اختيارهم لا يرجعون عن كفرهم، والله ~~تعالى قد حكم بكفرهم وضلالهم واستحقاقهم للعقاب، فلا أحد يقدر على خلاف ~~ذلك. # و (من) في الوجهين في موضع رفع، فمن ضم الياء رفعها لأنها لم يسم ~~فاعلها، ومن فتح الياء، فلانها الفاعل. والمراد بالآية التسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه لمن لا يفلح بالاجابة، لانهماكه في الكفر، وان ~~ذلك ليس تقصيرا من جهتك بل انه ليس الى فلاح مثل هذا سبيل. # وقوله { وما لهم من ناصرين } معناه ليس لهم ناصر ينصرهم ويخلصهم من ~~العقاب، وذلك يبين انه ليس المراد بالآية الضلال عن الدين، وانما المراد ~~ما قلناه من عدولهم عن الثواب الى العقاب. # والحرص طلب الشيء بجد واجتهاد، تقول: حرص يحرص حرصا، وحرص يحرص بكسر ~~الراء في الماضي، وفتحها في المستقبل، والاول لغة أهل الحجاز. ### || [16.38-39] # يقول الله تعالى ثم ان هؤلاء الكفار حلفوا بالله على قدر طاقتهم وجهدهم ~~انه لا يحشر الله أحدا يوم القيامة، ولا يحييه بعد موته. ثم كذبهم تعالى ~~في ذلك، فقال: { بلى } يحشرهم الله ويبعثهم { وعدا } وعدهم به، ولا يخلف ~~وعده. # ونصب { وعدا } على المصدر والتقدير وعد وعدا. وقال الفراء: تقديره بلى ~~ليبعثهم وعدا حقا، ولو رفع على معنى ان ذلك وعد عليه حق كان صوابا ~~والمعنى وعد وعدا عليه حقا ذلك الوعد ليس له خلف { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } صحة ذلك لكفرهم بالله وجحدهم انبياءه. # وقوله { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } في دار الدنيا، لأنه يخلق فيهم ~~العلم الضروي يوم القيامة، الذي يزول معه التكليف ويزول خلافهم فيه، ~~ويعلم ايضا كل كافر انه كان كاذبا في الدنيا في قوله: إن الله لا يبعث ~~احدا بعد موته، هذا إن جعلنا قوله { ليبين } متعلقا ب (بلى) يبعثهم ~~الله. ويحتمل ان يكون متعلقا بقوله { ولقد بعثنا في كل ms2233 أمة رسولا..... ~~ليبين لهم الذي يختلفون فيه } ويهديهم الى طريق الحق ويثيبهم عليه. ### || [16.40] # قرأ الكسائي وابن عباس { فيكون } نصبا. الباقون رفعا. فمن نصب جعله ~~عطفا على { أن نقول... فيكون } ولا يجوز ان يكون نصبا على جواب الأمر لأن ~~ما ينتصب لأجل جواب الأمر هو ما يكون فعلان، ويجب الثاني من اجل الاول، ~~كقولك ائتني فأكرمك فالاكرام يجب من اجل الاتيان، وليس كذلك في لآية، ~~لانه انما هو فعل واحد أمر، واخبر انه يكون، ولذلك اجمع القراء على رفع ~~الذي في آل عمران في قوله # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون # وقد أجاز الزجاج النصب على ان يكون جوابا، وهو غلط. من رفع اراد أن ~~يقول له كن، فانه يكون. # وقيل في معنى الآية قولان: # احدهما - انه بمنزلة قوله { كن } في انه يكون منا من غير كلفة ولا ~~معاناة. # والثاني - ان قول { كن } علامة للملائكة تدلهم على انه سيحدث كذا وكذا ~~عند سماعه. ### || [16.41-42] # موضع { الذين } رفع بالابتداء، والخبر { لنبوئنهم } يقول الله تعالى ان ~~الذين هاجروا من ديارهم فرارا بدينهم، واتباعا لنبيهم، من بعد ان ظلمهم ~~قومهم وآذوهم وبخسوهم حقوقهم، فان الله تعالى يبوئهم في الدنيا حسنة. # والتبوء الاحلال بالمكان للمقام، يقال تبوأ منزلا يتبوأ اذا اتخذه، ~~وبوأه غيره تبويئا اذا احله غيره، ومنه # بوأنا بني إسرائيل مبوء صدق # وقال ابن عباس وقتادة والشعبي: تبوأهم الله المدينة، واحل لهم فيها ~~غنيمة حسنة يأخذونها من اموال الكفار. # ثم اخبر ان ما اعده لهم من الأجر في الآخرة ونعيم الجنة اكثر من ذلك ~~بكثير لو كانوا يعلمون. ثم وصف الذين هاجروا، فقال الذين صبروا على جهاد ~~اعدائه واحتملوا الأذى في جنب الله واسندوا أمرهم اليه تعالى وتوكلوا ~~عليه، فمن كان بهذه الصفة يستحق ما ذكرناه، ومن كان بخلافه لم يستحق منه ~~شيئا. وقيل: إن الآية نزلت في عمار وصهيب وأمثالهم الذين كانوا يعذبون ~~بمكة. ### || [16.43-44] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله ms2234 عليه وسلم يقول له إنا لم نرسل ~~من قبلك إلا رجالا امثالك من البشر { نوحي إليهم } أي يوحي الله اليهم. ~~ومن قرأ بالنون، وهو حفص، أراد نوحي نحن، إخبار منه تعالى. ثم قال الله ~~لهم { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } صحة ما اخبرناكم به من ~~أنا ارسلنا رجالا قبلك وأوحينا اليهم. وقال ابن عباس ومجاهد: المعني ~~بأهل الذكر أهل الكتاب ومنهم من قال: المراد من آمن من اهل الكتاب، ومنهم ~~من قال: امر مشركي العرب ان يسألوا اهل الكتاب عن ذلك فانهم لا يتهمونهم. ~~وقال ابن زيد: يريد اهل القرآن لان الذكر هو القرآن. وقال الرماني ~~والازهري والزجاج: المعني بذلك اهل العلم بأخبار من مضى من الامم، سواء ~~كانوا مؤمنين او كفارا، وما آتاهم من الرسل قال: وفي ذلك دلالة على انه ~~يحسن ان يرد الخصم - اذا التبس عليه امر - الى أهل العلم بذلك الشيء ان ~~كان من اهل العقول السليمة من آفة الشبه. # والذكر ضد السهو وسمي العلم بذلك، لأنه منعقد بالعلم، وهو بمنزلة السبب ~~المؤدي اليه في ذكر الدليل؛ واذا تعلق هذا التعلق حسن ان يقع موقعه ~~وينبىء عن معناه. # وروى جابر عن ابي جعفر (ع) انه قال: (نحن اهل الذكر). # وقوله { بالبينات والزبر } العامل بالباء أحد امرين: # احدهما - قوله { أرسلنا } والتقدير ما ارسلنا قبلك إلا رجالا ~~بالبينات نوحي اليهم. # الثاني - ان يكون على حذف (أرسلنا بالبينات) كما قال الأعشى: # وليس مجيرا إن أتى الحي خائف # ولا قائل إلا هو المتعيبا # أي أعني المتعيبا، ومثل الأول، قول الشاعر: # نبئتهم عذبوا بالنار جارتهم # وهل يعذب إلا الله بالنار # وقوله { بالبينات والزبر } اي بالدلالات الواضحات والكتب المنزلة. ~~والزبر الكتب، واحدها زبور، يقال: زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا كتبته. ~~ثم قال { وأنزلنا إليك } يا محمد { الذكر } يعني القرآن { لتبين للناس ~~ما نزل إليهم } فيه من الاحكام والدلالة على توحيد الله، لكي يتفكروا ~~في ذلك ويعتبروا، وانما قال { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا } مع انه ~~أرسل قبله الملائكة، لأن ms2235 المعنى وما أرسلنا من قبلك الى الأمم الماضية ~~إلا رجالا بدلالة الآية، لانها حجة عليهم في انكار رسول الله الى الناس ~~من الرجال. ### || [16.45-47] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { أفأمن الذين مكروا } ~~بالنبي والمؤمنين، وفعلوا السيئآت واحتالوا الفعل القبيح، على وجه ~~الانكار عليهم، فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الانكار { أن يخسف الله ~~بهم الأرض } من تحتهم عقوبة لهم على كفرهم او يجيئهم العذاب من جهة، لا ~~يشعرون بها، على وجه الغفلة { أو يأخذهم في تقلبهم } وتصرفهم، بأن يهلكهم ~~على سائر حالاتهم، حتى لا ينفلت منهم أحد، فماهم بفائتين. والمعنى إن ما ~~يريد الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه ما يريده منهم { أو يأخذهم على ~~تخوف } وقيل في معنى { تخوف } قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: على تنقص بمعنى ~~انه يؤخذ الأول فالأول حتى لا يبقى منهم احد، لان تلك حال يخاف معها ~~الفناء ويتخوف معها الهلاك، وقال الشاعر: # تخوف السير منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # اي ينقص السير سنامها بعد تموكه، كما ينحت العود فيدق بعد غلظه. # وقال الآخر: # تخوف عدوهم ما لي وأهلي # سلاسل في الحلوق لها صليل # والثاني - روي عن ابن عباس - في رواية أخرى - ان معناه على تفزيع. وقال ~~الحسن: تهلك القرية فتخوف القرية الاخرى، وقال الفراء: تخوفته، وتحوفته ~~- بالخاء والحاء - إذا انتقصته من حافاته. ومثله # إن لك في النهار سبحا طويلا # بالخاء والحاء، سمعت العرب تقول سبحي صوفك، وهو شبيه بالندف، والسبخ مثل ~~ذلك، قال المبرد: لا يقال تحوفته، وإنما هو تحيفته. ### || [16.48-50] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { أولم تروا } بالتاء، الباقون بالياء. # من قرأ بالتاء حمله على الجمع. ومن قرأ بالياء، فعلى ما قبله، من قوله { ~~أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم... أو يأخذهم } , وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه رأوا ذلك وتيقنوه، فلذلك عدل عن الخطاب. # وقرأ ابو عمرو ويعقوب { تتفيؤا ظلاله } بالتاء. الباقون بالياء، فمن أنث ~~فلتأنيث الظلال، لانه جمع ظل، ms2236 فكل جميع مخالف الآدميين، فهو مؤنث تقول: ~~هذه الاقطار وهذه المساجد. ومن ذكر، فلأن الظلال وإن كان جمعا، فهو ~~على لفظ الواحد مثل (جدار)، لان جمع التكسير يوافق الواحد. # يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته، وكذبوا نبيه، على ~~وجه التنبيه لهم على توحيده { أولم يروا } هؤلاء الكفار { إلى ما خلق ~~الله } من جسم قائم، شجر او جبل او غيره، فصير ظلاله فيئا اي تدور عليه ~~الشمس ثم يرجع الى ما كان قبل زوال الشمس عنه. وقال ابن عباس (يتفيئو) ~~يرجع من موضع الى موضع ويتميل، يقال منه: فاء الظل يفيء فيئا إذا رجع، ~~وتفيأ يتفيؤ تفيؤا بمعنى واحد. # وقوله { عن اليمين والشمائل } معناه في اول النهار وآخره - في قول قتادة ~~والضحاك وابن جريج - يتقلص الفيء عن الجبل من جهة اليمين وينقص بالعشي من ~~جهة الشمال. وإنما قال عن اليمين - على التوحيد - والشمائل - على الجمع ~~- لأحد أمرين: # احدهما - انه اراد باليمين الأيمان، فهو متقابل في المعنى، ويتصرف في ~~اللفظ على الايجاز، كما قال الشاعر: # بفي الشامتين الصخر ان كان هدني # زرية شبلي مخدر في الضراغم # والمعنى بأفواه، وقال آخر: # الواردون وتيم في ذرى سبإ # قد عض اعناقهم جلد الجواميس # وقوله { سجدا لله وهم داخرون } معناه إنها خاضعة لله ذليلة، بما فيها ~~من الدلالة على الحاجة الى واضعها ومدبرها، بما لولاه لبطلت، ولم يكن لها ~~قوام طرفة عين، فهي في ذلك كالساجد، من العباد بفعله، الخاضع بذاته، كأنه ~~من بسط الشمس عليه في أول النهار. ثم قبضها عنه الى الجهة الأخرى. ثم ~~قبضها ايضا عنه، فتغيرت حاله. والتغيير يقتضي مغيرا غيره ومدبرا ~~دبره. قال الحسن: اما ذلك فيسجد لله، واما انت فلا تسجد لله؟! بئس والله ~~ما صنعت. و(الداخر) الخاضع الصاغر، دخر يدخر دخرا ودخورا، إذا ذل وخضع ~~قال ذو الرمة: # فلم يبق إلا داخر في مخيس # ومنجحر في غير أرضك في جحر # ثم أخبر تعالى انه يسجد له جميع { ما في السماوات وما في الأرض } ~~والسجود هو الخضوع بالعبادة ms2237 او الدعاء إلى العبادة، فكل شيء من مقدوراته ~~تعالى يسجد بالدعاء إلى العباده بما فيه من الآية، الذي يقتضي الحاجة ~~اليه تعالى، وكل محق من العباد فهو يسجد بالعبادة. # وقوله { من دابة } معنى (من) ها هنا هي التي تبين، تبيين الصفة، كأنه ~~قال وما في الارض الذي هو دابة تدب على الارض. وقوله { والملائكة } اي ~~وتسجد له الملائكة، وتخضع له بالعبادة، و { هم } يعني الملائكة، غير ~~مستكبرين، ولا طالبين بذلك التكبر بل مذعنين بالحق متذللين، غير آنفين، ~~من الاذعان به. # { يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون } قيل في معناه قولان: # احدهما - يخافون عقاب ربهم من فوقهم، لانه يأتي من فوق. # الثاني - انه لما وصف بأنه عال ومتعال، على معنى قادر، لا قادر أقدر ~~منه، فقيل صفته في أعلى مراتب صفات القادرين، حسن ان يقال { من فوقهم } ~~ليدل على ان هذا المعنى من الاقتدار الذي لا يساويه قادر، وقوله { ~~ويفعلون ما يؤمرون } يعني الملائكة يفعلون ما يأمرهم الله به، ولا ~~يعصونه، كما قال # لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ### || [16.51-52] # يقول الله تعالى ناهيا لعباده { لا تتخذوا إلهين اثنين } اي لا ~~تعبدوا مع الله غيره، فتشركوا بينهما في العبادة. # ثم اخبر انه إله واحد لا اكثر منه، لان لفظة { إنما } تفيد ثبوت الإله ~~الواحد، ونفي ما زاد عليه على ما بيناه فيما مضى. # وقوله { فأياي فارهبون } معناه ارهبوا عقابي وسخطي فلا تتخذوا معي ~~إلها آخر ومعبودا سواي. # وفي قوله { اثنين } بعد قوله { إلهين } قولان: # احدهما - أنه قال ذلك تأكيدا، كما قال { إله واحد } تأكيدا. # والثاني - ان يكون المعنى لا تتخذوا إثنين إلهين، فقدم وأخر ~~وكلاهما جائزان. # وقوله { وله ما في السماوات والأرض } معناه انه يجب علينا ان نتقي عقاب ~~من يملك جميع ما في السموات والارض، لانه مالك الضر والنفع. # ومعنى قوله { وله الدين واصبا } قال ابن عباس: يعني دائما اي طاعته ~~واجبة على الدوام، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد، ~~ومنه قوله # ولهم عذاب واصب ms2238 # يقال منه: وصب الدين يصب وصوبا، ووصبا، قال أبو الاسود الدؤلي: # لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه # يوما بذم الدهر أجمع واصبا # وقال حسان: # غيرته الريح تسفي به # وهزيم رعده واصب # والوصب الالم الذي يكون عن الاعياء بدوام العمل مدة، يقال: وصب الرجل ~~يوصب وصبا، فهو وصب قال الشاعر: # لا يغمز الساق من اين ولا وصب # ولا يعض على شر سوفه الصفر # وقيل: المعنى وله الطاعة، وان كان فيها الوصب، وهو الشدة والتعب. ### || [16.53-55] # يقول الله تعالى لخلقه إن جميع النعم التي تكون بكم ولكم، من صحة في ~~جسم وسعة في رزق او ولد، فكل ذلك من عند الله، ومن جهته وبخلقه لها ~~وبتمكينكم من الانتفاع بها. والفاء في قوله { فمن الله } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - ان تكون (ما) بمعنى الذي، وفيه شبه الجزاء، كما قال تعالى # قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم # ويقول القائل: مالك هو لي ولا يجوز ان يقول مالك فهو لي، لانه خبر ليس ~~على طريق الجزاء. # والقول الثاني - على حذف الجزاء، وتقديره ما يكن بكم من نعمة فمن الله. # وقوله { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } معناه متى ما لحقكم ضر ~~وبلاء، وألم، وسوء حال، تضرعون اليه تعالى بالدعاء، وهو قول مجاهد. وأصل ~~ذلك من جؤار الثور، يقال: جأر الثور يجأر جؤارا إذا رفع صوته، من جوع ~~او غيره قال الاعشى: # وما أيبلي على هيكل # بناه وصلب فيه وصارا # يراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وقال عدي بن زيد: # انني والله فاقبل حلفتي # بابيل كلما صلى جأر # وقوله { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } اخبار منه ~~تعالى انه اذا كشف ضر من يجأر اليه ويخضع له، ويرفع البلاء عنه، يصير - ~~طائفة من الناس - يشركون بربهم في العبادة جهلا منهم بربهم، ومقابلة ~~للنعمة التي هي كشف الضر بمعصية الشرك. وهذا غاية الجهل. وقوله { ليكفروا ~~بما آتيناهم } اي ليكفروا بآيات إنعمنا عليهم، ورزقنا إياهم، فمعنى ~~اللام في { ليكفروا ms2239 } هو البيان عما هو بمنزلة العلة التي يقع لاجلها ~~الفعل، لانهم بمنزلة من اشركوا في العبادة ليكفروا بما أوتوا من النعمة، ~~كأنه لا غرض لهم في شركهم إلا هذا، مع ان شركهم في العبادة يوجب كفر ~~النعمة بتضييع حقها، فالواجب في هذا ترك الكفر الى الشكر لله تعالى. # وقوله { فتمتعوا فسوف تعلمون } تهديد منه تعالى، لان المعنى تمتعوا بما ~~فيه معصية له تعالى، فسوف تعلمون عاقبة امركم من العقاب الذي ينزل بكم، ~~وحذف لدلالة الكلام عليه، وهو ابلغ. ### || [16.56-57] # يقول الله تعالى إن هؤلاء الكفار { يجعلون لما لا يعلمون نصيبا } ~~معناه إنهم يجعلون لما لا يعلمون انه يضر، ولا ينفع { نصيبا مما ~~رزقناهم } يتقربون اليه، كما يجب ان يتقربوا الى الله تعالى، وهو ما حكى ~~الله عنهم في سورة الانعام { من الحرث والأنعام } وغير ذلك { فقالوا هذا ~~لله بزعمهم وهذا لشركائنا } فجعلوا نصيبا لله ونصيبا للاصنام، وهو قول ~~مجاهد وقتادة وابن زيد. ثم أقسم تعالى فقال { تالله لتسئلن } سؤال ~~التوبيخ، لا سؤال الاستفهام { عما كنتم تعملون } في دار الدنيا لتلزموا ~~به الحجة وتعاقبوا بعد اعترافكم على انفسكم. وانما كان سؤال التوبيخ، ~~لانه لا جواب لصاحبه الا ما يظهر به فضيحته. # ثم اخبر تعالى عنهم بأنهم يجعلون لله البنات، لانهم كانوا يقولون ~~الملائكة بنات الله، كما قال تعالى # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا # فقال تعالى تنزيها لنفسه عما قالوه { سبحانه } اي تنزيها له عن اتخاذ ~~البنات. # وقوله { ولهم ما يشتهون } (ما) في قوله { ولهم ما } يحتمل وجهين من ~~الاعراب: # احدهما - أن يكون في موضع نصب، والمعنى ويجعلون لهم البنين الذين ~~يشتهون. # والثاني - ان يكون في موضع رفع والتقدير ولهم البنون، على الاستئناف. ### || [16.58-60] # يقول الله تعالى مخبرا عن هؤلاء الكفار الذين جعلوا لله البنات ~~ولأنفسهم البنين. انهم متى بشر واحد منهم بأنه ولد له بنت { ظل وجهه ~~مسودا } أي يتغير لذلك وجهه و { ظل } يقال لما يعمل صدر النهار، يقال: ~~ظل يفعل كذا ومثله أضحى، غير انه كثر، فصار ms2240 بمنزلة قولهم: أخذ يفعل، ~~تقول: ظللت أظل ظلولا، ذكره الفراء. # وقوله { وهو كظيم } قال ابن عباس: معناه وهو حزين. وقال الضحاك: كئيب، ~~وهو المغموم الذي يطبق فاه، ولا يتكلم للغم الذي به، مأخوذ من الكظامة ~~وهو سد فم القربة. # وقوله { يتوارى من القوم } أي يختبىء ويختفي من القوم { من سوء ما بشر ~~به } من الانثى، تميل نفسه بين أن { يمسكه على هون } أي على هوان ومشقة، ~~ومنه قوله # عذاب الهون # وهي لغة قريش، قال الشاعر: # فلست بوقاف على هون # وقال الحطيئة: # فلما خشيت الهون والعير ممسك # على رغمه ما أثبت الخيل حافره # وبعض تميم يجعلون الهون من الشيء اللين، قال سمعت من بعضهم إن كان ~~لقليل فهو هون المؤنة، فاذا قالوا أقبل يمشي على هون، لم يقولوا إلا ~~بفتح الهاء، ومنه قوله # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # قال المبرد: الهون بضم الهاء لا أعرفه في الرفق، وانما هو بفتح الهاء، ~~كما يقال: سر عليه هونا أي رفقا { أم يدسه في التراب } أي هو يميل بين ~~إمساكه على مذلة او دفنه حيا في التراب. ثم أخبر تعالى فقال { ألا ساء ~~ما يحكمون } اي بئس الحكم الذي يحكمون، يجعلون لنفوسهم ما يشتهون، ~~ويجعلون لله مايكرهونه!!. # ثم قال تعالى { للذين لا يؤمنون } اي لا يصدقون بالبعث والنشور والدار ~~الآخرة { مثل السوء. ولله المثل الأعلى } اي لهم بذلك وصف سوء، ولله ~~الوصف الأعلى، من اخلاص التوحيد، ولا ينافي هذا قوله # فلا تضربوا لله الأمثال # لانه بمعنى الأمثال التي توجب الاشباه، فأما الامثال التي يضربها الله ~~للناس لما فيها من الحكمة من غير تشبيه له تعالى بخلقه، فحق وصواب، كما ~~قال تعالى # وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون # قال الرماني: وفي الآيات دلالة على انه لا يجوز ان يضاف اليه تعالى ~~الأدون بدلا من الأصلح، لان اختيار الأدون على الاصلح صفة نقص، وقد عابهم ~~الله بإضافة ما لا يرضونه لنفوسهم الى ربهم، وهو قولهم: الملائكة بنات ~~الله، فكما لا يرضى الانسان ms2241 لنفسه النقص الذي فيه، فهو ينفيه عنه، وعظماء ~~الناس واجلاؤهم يرفعون نفوسهم عن صفات الادنى، دون العليا، فينبغي ان ~~ينزه تعالى عن مثل ذلك. # وقوله { وهو العليم الحكيم } معناه عالم بوضع الاشياء في مواضعها، حكيم ~~في انه لا يضعها الا في ما هو حكمة وصواب. ### || [16.61-63] # قرأ نافع { مفرطون } بكسر الراء والتخفيف، من الافراط في الشيء اي ~~الاسراف، بمعنى انهم مسرفون. وقرأ ابو جعفر مثل ذلك بالكسر غير انه شدد ~~الراء من التفريط في الواجب. وقرأ الباقون بفتح الراء والتخفيف، ومعناه ~~انهم متروكون في النار منسيون فيها - في قول قتادة ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والضحاك - وقال الحسن وقتادة - في رواية اخرى - ان المعنى انهم مقدمون ~~بالاعجال الى النار، وهو من قول العرب: افرطنا فلان في طلب الماء، فهو ~~مفرط اذا قدم لطلبه، وفرط فهو فارط اذا تقدم لطلبه، وجمعه فراط، قال ~~القطامي: # واستعجلونا وكانوا من صحابتنا # كما تعجل فراط لوراد # ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم # " انا فرطكم على الحوض " # اي متقدمكم وسابقكم حتى تردوه. ومنه يقال في الصلاة على الصبي الميت: ~~اللهم اجعله لنا ولأبويه فرطا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: # " انا والنبيون فراط العاصين " # اي المذنبين، والتأويل الاول من قول العرب: ما أفرطت ورائي احدا اي ما ~~خلفت ولا تركت. والمعنى يرجع الى التقدم اي ما تقدمت احدا ورائي. # اخبر الله تعالى انه لو كان ممن يؤاخذ الكفار والعصاة بذنوبهم، ويعاجلهم ~~بعقوباتهم واستحقاق جناياتهم وظلمهم { لما ترك } على وجه الارض احدا ممن ~~يستحق ذلك من الظالمين. وانما يؤخرهم تفضلا منه ليراجعوا التوبة، او لما ~~في ذلك من المصلحة لباقي المكلفين والاعتبار بهم، فلا تغتروا بالامهال، ~~انكم مثلهم في استحقاق العقاب على ظلمكم. وقيل في وجه تعميمهم بالهلاك مع ~~ان فيهم مؤمنين قولان: # احدهما - ان الاهلاك وان عمهم فهو عذاب الظالم دون المؤمن، لان المؤمن ~~يعوض عليه. # الثاني - ان يكون ذلك خاصة. والتقدير ما ترك عليها من دابة من اهل ~~الظلم. وقيل ان المعنى ms2242 أنه لو هلك الآباء بكفرهم لم يوجد الابناء. # وقوله { ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى } يعني الاجل الذي قدره لموتهم ~~وهلاكهم، فاذا جاء ذلك الاجل، لا يتقدمون عليه لحظة ولا يتأخرون. # وقوله { عليها } يعني على الارض لدلالة قوله { ما ترك عليها من دابة } ~~اي دابة عليها لأنها تدب على الأرض. # وقوله { يجعلون لله ما يكرهون } يعني يضيفون الى الله البنات مع كراهية ~~ذلك لنفوسهم { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } فقول (ان) بدل من ~~الكذب، وموضعه النصب. وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن: فيما حكاه الزجاج: ان لهم الجزاء الحسنى. # الثاني - قال مجاهد: ان لهم البنين مع جعلهم لله البنات اللاتي ~~يكرهونهن. # ثم قال تعالى { لا جرم أن لهم النار } ومعناه حقا أن لهم النار، في ~~اقوال المفسرين. # وقيل: معناه لا بد ان لهم النار، فجرم على هذا اسم، كأنه قال: قطع ان ~~لهم النار وقال بعضهم { جرم } فعل ماض و (لا) رد لكلام متقدم، فكأنه ~~قيل: قطع الحق أن لهم النار. وقيل: وجب قطعا ان لهم النار. وقيل: كسب ~~فعلهم أن لهم النار، وانهم مفرطون مقدمون ومعجلون الى النار. وقال ~~الخليل: { لا جرم } لا يكون الا جوابا، تقول: فعلوا كذا وكذا، فيقال: لا ~~جرم انهم سيندمون قال الشاعر: # ولقد طعنت ابا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها ان يغضبوا # اي بعثتهم على ذلك ومثله # لا يجرمنكم شقاقي # اي لا يبعثكم عداوتي { على أن يصيبكم } ومثله # لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا # ثم اقسم تعالى، فقال { لقد أرسلنا } يعني رسلا إلى امم من قبلك يا محمد ~~{ فزين لهم الشيطان أعمالهم } يعني كفرهم وضلالهم وتكذيب رسل الله زينه ~~الشيطان لهم. # وقوله { فهو وليهم اليوم } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه ناصرهم في الدنيا، لأنه يتولى اغواءهم وسبب هلاكهم { ولهم ~~عذاب أليم } يوم القيامة. # الثاني - انه يوم القيامة وليهم، لأنه لا يمكنه ان يتولى صرف المكروه ~~عن نفسه، فكيف يتولى صرفه عنهم. # ثم اخبر تعالى ان لهم عنده عذابا أليما موجعا ms2243 مؤلما جزاء على كفرهم ~~ومعاصيهم. ### || [16.64-65] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إنا { ما أنزلنا عليك ~~الكتاب } يعني القرآن { إلا } وأردنا منك ان تبين { لهم } وتكشف لهم { ~~الذي اختلفوا فيه } من دلالة التوحيد والعدل وصدق الرسل وما أوجبت فيه من ~~الحلال والحرام { وهدى ورحمة } اي أنزلته هدى ودلالة على الحق لقوم ~~يؤمنون. { وهدى ورحمة } نصب على انه مفعول له، ويجوز ان يكون رفعا على ~~الابتداء، وانما اضافه الى المؤمنين خاصة لانتفاعهم بذلك، وان كان دليلا ~~وحجة للجميع، كما قال في موضع آخر # هدى للمتقين # وقال # إنما أنت منذر من يخشاها # وان انذر من لم يخشاها. # ثم اخبر تعالى على وجه، من نعمه على خلقه، فقال { والله } المستحق ~~للعبادة هو الذي { أنزل من السماء ماء } يعني غيثا ومطرا { فأحيا به } ~~يعني بذلك الماء { الأرض بعد موتها } اي احياها بالنبات بعد جدوبها ~~وقحطها، ففي ذلك اعظم دلالة واجل آية { لقوم يسمعون } ذلك ويفكرون فيه ~~ويعتبرون به. ### || [16.66-67] # قرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم { نسقيكم } بفتح النون الباقون ~~بضمها. والفرق بين اسقينا وسقينا أن معنى اسقيناه جعلنا له شرابا ~~دائما من نهر أو لبن او غيرهما، وسقيناه شربة واحدة، ذكره الكسائي قال ~~لبيد: # سقي قومي بني مجد وأسقى # نميرا والقبائل من هلال # فعلى هذا هما لغتان، والأظهر ما قال الكسائي. عند اهل اللغة. وقال قوم: ~~سقيته ماء كقوله # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # واسقيته سألت الله ان يسقيه وانشد لذي الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتي # فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # وقيل ان ما كان من الأنهار وبطون الأودية، فبالضم. وقال ابو عبيدة: إذا ~~سقاه مرة يقال سقيته، واذا سقاه دائما يقال أسقيته. # يقول الله تعالى لخلقه المكلفين { إن لكم في الأنعام } يعني الابل ~~والبقر والغنم { لعبرة } ودلالة لأنا { نسقيكم مما في بطونه } وقيل في ~~تذكيره ثلاثة اقوال: # احدها - انه رد الى واحد. لان النعم والانعام بمعنى، قال سيبويه: ~~والاسم الواحد يجيء ms2244 على (افعال) يقال هو الانعام. قال تعالى { في بطونه } ~~ذهب الى أنه اسم واحد بلفظ الجمع، كما أن الخيل اسم مؤنث، لا واحد له، ~~والنعم اسم مذكر للجماعة، لا واحد له، وقال الراجز: # وطاب ألبان اللقاح فبرد # رده الى اللبن. # الثاني - انه حمل على المعنى، والتقدير بطون ما ذكرنا، كما قال الصلتان ~~العبدي: # إن السماحة والمرؤة ضمنا # قبرا بمرو في الطريق الواضح # كأنه قال شيئان ضمنا. # الثالث - لانه في موضع (اي) كأنه قال { نسقيكم مما في بطونه } اي من اي ~~الانعام وكان في بطونه اللبن، لأنه ليس كلها مما فيه لبنا. # وقوله { من بين فرث ودم لبنا خالصا } فالفرث الثفل الذي ينزل الى ~~الكرش فبين انه تعالى يخرج ذلك اللبن الصافي، اللذيذ، المشهى من بين ذلك، ~~وبين الدم الذي في العرق النجس { سائغا للشاربين } أي مريئا لهم لا ~~ينفرون منه، ولا يشرقون بشربه، وذلك من عجيب آيات الله ولطف تدبيره وبديع ~~حكمته، الذي لا يقدر عليه غيره، ولا يتأتى من احد سواه. # ثم قال { ومن ثمرات } وهو جمع ثمرة، وهو ما يطعمه الشجر، ما فيه اللذة ~~والثمرة خاصة طعم الشجر مما فيه اللذة يقال: اثمرت الشجرة إثمارا اذا ~~حملت كالنخلة والكرمة وغيرهما من اصناف الشجر. # وقوله { يتخذون منه سكرا } قيل في معنى السكر قولان: # احدهما - تتخذون منه ما حل طعمه من شراب او غيره، ذكره الشعبي وغيره. # وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي رزين والحسن ومجاهد وقتادة: ان ~~السكر ما حرم من الشراب، والرزق الحسن ما احل منه. والسكر في اللغة على ~~اربعة اقسام: احدها ما اسكر، والثاني ما طعم من الطعام كما قال الشاعر: # جعلت عيب الاكرمين سكرا # اي طعما، الثالث السكون قال الشاعر: # وجعلت عين الحرور تسكر # والرابع، المصدر من قولك سكر سكرا، واصله انسداد المجاري بما يلقى ~~فيها, ومنها السكر. وقوله { منه } الكناية راجعة الى محذوف، قال قوم: ~~تقديره ومن ثمرات النخيل والاعناب ما تتخذون منه، فالهاء كناية عن (ما) ~~المحذوفة وقال آخرون: تقديره ومن ms2245 ثمرات النخيل والاعناب شيء تتخذون منه. # وقد استدل قوم بهذه الآية على تحليل النبيذ بأن قالوا: امتن الله علينا ~~به وعده من جملة نعمه علينا أن خولنا الثمار نتخذ منها السكر، والرزق ~~الحسن. وهو لا يمتن بما هو محرم. وهذا لا دلالة فيه لأمور: # احدها - انه خلاف ما عليه المفسرون، لأن احدا منهم لم يقل ذلك، بل كل ~~التابعين من المفسرين، قالوا: اراد ما حرم من الشراب؛ وقال الشعبي منهم: ~~انه أراد ما حل طعمه من شراب وغيره. # والثاني إنه لو اراد بذلك تحليل السكر، لما كان لقوله { ورزقا حسنا } ~~معنى، لأن ما احله واباحه، فهو ايضا رزق حسن، فلم فرق بينه وبين الرزق ~~الحسن والكل شيء واحد؟؟ وانما الوجه فيه انه خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها ~~فاتخذتم انتم منها ما هو محرم عليكم، وتركتم ما هو رزق حسن. واما وجه ~~المنة فبالامرين معا ثابتة، لأن ما اباحه واحله فالمنة به ظاهرة لتعجل ~~الانتفاع به وما حرمه الله فوجه المنة ايضا ظاهر به، لانه إذا حرم ~~علينا، واوجب الامتناع منه ضمن في مقابلته الثواب الذي هو اعظم النعم، ~~فهو نعمة على كل حال. # والثالث - اذا كان مشتركا بين المسكر وبين الطعم، وجب أن يتوقف فيه ولا ~~يحمل على احدهما إلا بدليل، وما ذكرناه مجمع على أنه مراد، وما ذكروه ~~ليس عليه دليل، على انه كان يقتضي ان يكون ما اسكر منه يكون حلالا، وذلك ~~خلاف الاجماع، لانهم يقولون: القدر الذي لا يسكر هو المباح، وكان يلزم ~~على ذلك أن يكون الخمر مباحا، وذلك لا يقوله احد؛ وكذلك كان يلزم ان ~~يكون النقيع حلالا، وذلك خلاف الاجماع. # وقوله { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } معناه إن فيما ذكره دلالة ظآهرة ~~للذين يعقلون عن الله ويتفهمون ويفكرون فيه. ### || [16.68-69] # قرىء { يعرشون } بضم الراء وكسرها، وهما لغتان ومعناه: وما يبنونه من ~~السقوف. وقال ابن زيد: يعني الكروم، قال ابن عباس ومجاهد: يعني { وأوحى ~~ربك إلى النحل } ألهمها الهاما، وقال الحسن: جعل ذلك في ms2246 غرائزها اي ما ~~يخفى مثله عن غيرها، وذلك ايحاء في اللغة. وقال ابو عبيد: (الوحي) على ~~وجوه في كلام العرب: منها وحي النبوة، ومنها الإلهام، ومنها الإشارة، ~~ومنها الكتاب، ومنها الأسرار: # فالوحي في النبوة ما يوحي الله إلى الانبياء، كقوله # إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه # والوحي بمعنى الإلهام، قوله { وأوحى ربك إلى النحل } وقوله # وأوحينا إلى أم موسى # وفي الارض # بأن ربك أوحى لها # ووحي الاشارة كقوله # فأوحى إليهم أن سبحوا # قال مجاهد: اشار اليهم، وقال الضحاك: كتب لهم. # واصل الوحي عند العرب هو إلقاء الانسان إلى صاحبه ثيابا للاستتار ~~والاخفاء. # ووحي الاسرار مثل قوله # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # فاما ما روي عن ابن عباس انه قال: لا وحي إلا القرآن اراد ان القرآن ~~هو الوحي الذي نزل به جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم، دون ان يكون ~~انكر ما قلناه. ويقال: أوحى له وأوحى اليه قال العجاج: # أوحى لها القرار فاستقرت # قال المبرد: ما روي عن ابن عباس إنما قاله لما سئل عما كان وضعه ~~المختار وسماه الوحي، فقال ابن عباس: لا وحي إلا القرآن جوابا عما ~~أحدثه المختار وادعى تنزيله اليه. # وواحد { النحل } نحلة، والمعنى ان الله تعالى ألهم النحل اتخاذ المنازل ~~والادكار، والبيوت في الجبال، وفي الشجر وغير ذلك { ومما يعرشون } يعني ~~سقوف البيوت { ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا } معناه انه ~~تعالى ألهمها ايضا أن تأكل من الثمرات وسائر الاشجار التي تحويها؛ ~~والذلل جمع ذلول، وهي الطرق الموطأة للسلوك. وقيل: طرق لا يتوعر عليها ~~سلوكها عن مجاهد. وقال قتادة: معنى { ذللا } اي مطيعة، ويكون من صفة ~~النحل. وقال غيره: هو من صفات الطريق ومعنى { ذللا } إنه قد ذللها لك ~~وسهل عليك سلوكها وفي ذلك اعظم العبر واظهر الدلالة على توحيده تعالى ~~وأنه لا يقدر عليه سواه. # ثم قال { يخرج من بطونها } يعني بطون النحل { شراب مختلف ألوانه } من ~~أصفر وأبيض وأحمر، مع أنها ms2247 تأكل الحامض والمر فيحيله الله عسلا حلوا ~~لذيذا { فيه شفاء للناس } لما شفائها فيه، واكثر المفسرين على ان ~~(الهاء) راجعة إلى العسل، وهو الشراب الذي ذكره، وأن فيه شفاء من كثير ~~من الأمراض، وفيه منافع جمة. وقال مجاهد (الهاء) راجعة إلى القرآن { ~~وفيه شفاء للناس } ، لما فيه من بيان الحلال، والحرام، والفتيا، ~~والأحكام، والأول أوثق. # ثم اخبر تعالى ان فيما ذكره آيات واضحات، ودلالات بينات، لمن يتفكر فيه ~~ويهتدي بهديه، وانما قال { من بطونها } وهو خارج من فيها، لان العسل ~~يخلقه الله في بطون النحل ويخرجه إلى فيه. ثم يخرجه من فيه، ولو قال: من ~~فيها لظن أنها تلقيه من فيها، وليس بخارج من البطن. ### || [16.70] # هذه الآية فيها تعديد لنعم الله تعالى على عباده، شيئا بعد شيء، ~~ليشكروه عليها، وبحسبها يقول الله: إني أنا الذي خلقتكم وأخرجتكم من ~~العدم إلى الوجود وأنعمت عليكم بضروب النعم، دينية ودنياوية، ثم الذي ~~خلقكم يتوفاكم ويقبضكم أي يميتكم { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وهو ~~أرداه وأوضعه، يقال منه: رذل الشيء يرذل رذالة، وأرذلته ان ارذالا يريد ~~به حال الذم. وقيل انه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة - في قول علي (ع). # وقوله { لكي لا يعلم بعد علم شيئا } اخبار منه تعالى انه إنما يرده ~~إلى أرذل العمر، ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علم للكبر، ~~فكأنه لا يعلم شيئا، مما كان علم. وفي ذلك أعظم دلالة وأبين اعتبار على ~~قادر مصرف للخلق من حال إلى حال. ثم أخبر { إن الله عليم } بمصالح ~~عباده، قادر على ما يشاء من تدبيرهم وتغيير أحوالهم. ### || [16.71] # قرأ أبو بكر عن عاصم { تجحدون } بالتاء على معنى: قل لهم يا محمد أمن ~~أجل ما انعم الله عليكم، أشرتم وبطرتم وجحدتم. وقرأ الباقون بالياء. # وبخهم الله تعالى على جحودهم نعمه، فيقول الله تعالى لخلقه، بأنه فضل ~~بعضهم على بعض في الرزق، لانه خلق فيهم غنيا وفقيرا وقادرا وعاجزا، ~~وفضل بني آدم على سائر الحيوان في لذيذ المأكل، والمشرب، ms2248 وجعل بعضهم ~~مالكا لبعض، وبعضهم رقا مملوكا. # وقوله { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم } قيل في ~~معناه قولان: # احدهما - انهم لا يشركون عبيدهم في اموالهم وازواجهم حتى يكونوا فيه ~~سواء، لانهم لا يرضون بذلك لانفسهم، وهم يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني ~~ويوجهون العبادة والقربات اليهم، مثل قربهم الى الله تعالى. ذكره ابن ~~عباس وقتادة ومجاهد. # الثاني - انهم سواء في أني رزقت الجميع، وأنه لا يمكن احد أن يرزق عبيده ~~إلا برزقي إياه، أفبهذه النعم التي عددتها وذكرتها { يجحدون } هؤلاء ~~الكفا ر. ### || [16.72] # يقول الله تعالى: إني أنا الذي جعلت لكم ازواجا { من أنفسكم } يعني من ~~البشر، والذين يلدونهم ليكون ذلك آنس لهم وأليق بقلبهم، وخلقت من هؤلاء ~~الأزواج بنين تسرون بهم وتتزينون بهم و { حفدة } اي وخلق لكم حفدة. # وقيل في معناه اقوال: # قال مجاهد وطاووس: هم الخدم، وقال ابن عباس: هم الخدم والاعوان، وانشد ~~قول جميل: # حفد الولائد حولها واستمسكت # بأكفهن أزمة الأجمال # وفي رواية اخرى عن ابن عباس: إنهم البنون وبنو البنين. وفي رواية اخرى ~~أنهم بنو امرأة الرجل من غيره. وقال الحسن: من أعانك، فقد حفدك من البنين ~~وبني البنات والاعوان والاهل. وقال ابن مسعود، وابو الضحى، وابراهيم ~~وسعيد بن جبير: هم الاختان، وهم ازواج البنات. # وأصل الحفد الاسراع في العمل، ومنه يسعى ويحفد، ومر البعير يحفد حفدانا ~~إذا مر يسرع في سيره، وحفد يحفد حفدا وحفدانا، قال الراعي: # كلفت مجهولها نوقا يمانية # إذا الحداة على أكسائها حفدوا # والحفدة جمع حافد، مثل كامل وكملة. وقوله { ورزقكم من الطيبات } اي جعل ~~لكم أشياء تستطيبونها وأباحها لكم. # وانما دخلت (من) لانه ليس كل ما يستطعمه الانسان رزقا له، وانما رزقه. ~~ما له التصرف فيه، وليس لغيره منعه منه. # ثم قال { أفبالباطل } يعني عبادة الأوثان والاصنام، وما حرم عليهم ~~الشيطان من البحائر والسائبة والوصيلة يصدقون، وبنعمة الله التي عددها ~~لهم { يكفرون } اي يجحدون ما أحله الله، وما حرم عليهم. ### || [16.73-74] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين ms2249 وصفهم بأنهم يجحدون نعم الله، ~~بأنهم يوجهون عبادتهم من دون الله إلى { ما لا يملك لهم رزقا } أي لا ~~يقدر عليه، يعني بها الأصنام التي لا تقدر لهم على نعمة، ولا على ما ~~يستحق به العبادة، ولا على رزق يرزقونهم من السموات والأرض، ولا يستطيعون ~~شيئا مما ذكرنا. ويتركون عبادة من يقدر على جميع ذلك ويفعله بهم، ورزق ~~السماء الغيث الذي يأتي من جهتها، ورزق الأرض النبات والثمار التي تخرج ~~منها. # وقوله { فلا تضربوا لله الأمثال } معناه لا تجعلوا لله الأشباه والأمثال ~~في العبادة فإنه لا شبه له ولا مثيل، ولا أحد يستحق معه العبادة، وذلك ~~في اتخاذهم الأصنام آلهة، ذكره ابن عباس وقتادة. # وقوله { شيئا } نصب على أحد وجهين: # أحدهما - أن يكون بدلا من { رزقا } والمعنى ما لا يملك لهم رزقا ~~قليلا، ولا كثيرا. # والثاني - أن يكون منصوبا ب { رزقا } كما قال # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # كأنه قال لا يملك لهم رزق شيء. # وقوله { إن الله يعلم } أي يعلم أنه لا تحق العبادة إلا له { وأنتم لا ~~تعلمون } ذلك بل تجهلونه، ولكن يجب عليكم أن تنظروا لتعلموا صحة ما ~~قلناه. ### || [16.75] # قيل في معنى هذه الآية قولان: # أحدهما - أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده، والمؤمن الذي يكتسب ~~الخير، للدعاء إلى حال المؤمن، والصرف عن حال الكافر، وهو قول ابن عباس ~~وقتادة. # الثاني - قال مجاهد: إنه مثل ضربه لعبادتهم الأوثان التي لا تملك، ~~شيئا، والعدول عن عبادة الله الذي يملك كل شيء، والمعنى أن الإثنين ~~المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما قادرا على الإنفاق مالكا، والآخر ~~عاجزا لا يقدر على الإنفاق لا يستويان، فكيف يسوى بين الحجارة التي لا ~~تتحرك، ولا تعقل، وبين الله تعالى القادر على كل شيء، الرازق لجميع خلقه، ~~فبين بذلك لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الحق في عبادة الأوثان. ثم قال { ~~الحمد لله } أي الشكر له تعالى، على نعمه، لا يستحقه من لا نعمة له، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } ذلك. # وفي ms2250 هذه الآية دلالة على أن المملوك لا يملك شيئا، لأن قوله { مملوكا ~~لا يقدر على شيء } ليس المراد به نفي القدرة، لأنه قادر على التصرف، ~~وإنما المراد أنه لا يملك التصرف في الأموال، وذلك عام في جميع ما يملك ~~ويتصرف فيه. ### || [16.76] # قيل في معنى ضرب هذا المثل قولان: # أحدهما - انه مثل ضربه الله في من يؤمل الخير من جهته، وفي من لا ~~يؤمل؛ فيؤمل الخير كله من الله تعالى، لا من جهة الأوثان والعباد، فلا ~~ينبغي أن يسوى بينهما في العبادة. # الثاني - انه مثل للكافر والمؤمن، ووجه التقابل في ضرب المثل بهذين ~~الرجلين أنه على تقدير: ومن هو بخلاف صفته { يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم } في تدبير الأمور بالحق، وهذا زيادة في ضرب المثل من الله تعالى، ~~فإنه يقول: ان الرجلين إذا كان أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو الذي ~~لا يسمع شيئا ولا يبصر، ولا يعقل، وهو مع ذلك { كل على مولاه } أي ~~وليه { أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل } مع كونه ~~{ على صراط مستقيم } والمراد أنهما لا يستويان قط. والأبكم الذي يولد ~~أخرس لا يفهم ولا يفهم. وقيل: أنه ضرب المثل للوثن مع إنهماكهم على ~~عبادته، وهو بهذه الصفة. وقيل: الأبكم هو الذي لا يمكنه أن يتكلم. ~~والكل الثقل: كل عن الأمر يكل كلا إذا ثقل عليه، فلم ينبعث فيه؛ ~~وكلت السكين كلولا إذا غلظت شفرتها، وكل لسانه إذا لم ينبعث في القول ~~لغلظه وذهاب حده، فالأصل الغلظ الذي يمنع من النفوذ في الأمر. # وقوله { وهو على صراط مستقيم } أي هو مع أمره بالعدل، على طريق من الحق ~~في دعائه إلى العدل فأمره به مستقيم لا يعوج ولا يزول عنه. ### || [16.77-78] # أخبر الله تعالى أن له غيب السموات والأرض ومعناه أنه المختص بعلم ذلك، ~~وهو ما غاب عن جميع العالمين، مما يصح أن يكون معلوما، فإنه تعالى يختص ~~بالعلم به وقال الجبائي: ويحتمل أن يكون المعنى، ولله ملك ما غاب ms2251 مما في ~~السموات والأرض. ثم قال { وما أمر الساعة } أي مجيئها وهي يوم القيامة، ~~في السرعة وقرب المجيء { إلا كلمح البصر أو هو أقرب } من ذلك مبالغة في ~~ضرب المثل به في السرعة، وأنه قادر عليه. ودخول { أو } في قوله { أو هو ~~أقرب } لأحد أمرين. # أحدهما - الإبانة عن أنه، على إحدى منزلتين إما كلمح بالبصر أو اقرب ~~من ذلك. # والثاني - انه قال ذلك لشك المخاطب، وإنما قرب امرها، لأنه بمنزلة { ~~كن فيكون } فمن ها هنا صح انها كلمح البصر او اقرب، ثم ذكر نعمه التي ~~انعم بها على خلقه، فقال { هو } تعالى { الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم } ~~وانعم عليكم بذلك وانتم في تلك الحال { لا تعلمون شيئا } ولا تعرفونه، ~~فتفضل عليكم بالحواس الصحيحة التي هي طريق العلم بالمدركات، وجعل لكم ~~قلوبا تفقهون بها الأشياء، لأنها محل المعارف، لكي تشكروه على ذلك ~~وتحمدوه على نعمه. ### || [16.79-81] # قرأ نافع وابن كثير وابو عمر { ويوم ظعنكم } بتحريك العين. الباقون ~~بتسكينها وهما لغتان، مثل نهر ونهر، وسمع وسمع. وقرأ ابن عامر وحمزة وخلف ~~ويعقوب { ألم تروا } بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على وجه التذكير ~~لما تقدم ذكره، والتنبيه لهم. # يقول الله تعالى منبها لخلقه على وجه الاستدلال على وحدانيته { ألم ~~يروا } يعني هؤلاء الكفار الجاحدين لربوبيته { إلى الطير } قد سخرها الله ~~{ في جو السماء } وسط الهواء، حتى مكنها ان تتصرف في جو السماء على حسب ~~إرادتها، ويعلمون أن لها مسخرا ومدبرا، لا يشبه الاشياء، لان من ~~المعلوم ان احدا من البشر لا يقدر على مثل ذلك، ولا يتأتى منه ذلك، وأن ~~من مكن الطير من تلك الحال قد كان يجوز ان يمكنها منه ابتداء واختراعا، ~~من غير اسباب ادت الى أن صارت على تلك الأوصاف، لأنه قادر لا يعجزه شيء، ~~ولا يتعذر عليه شيء، وأنه إنما خلق ذلك ليعتبروا به وينظروا فيه، فيصلوا ~~به الى الثواب الذي عرضهم له، ولو كان فعل ذلك لمجرد الانعام به على ~~العبد كان حسنا، لكن ضم الى ذلك ms2252 التعريض للثواب على ما قلناه. # وانما قال { ما يمسكهن إلا الله } وهي تستمسك بالقدرة التي اعطاها الله ~~مبالغة في الصفة بأن الله يمكنها بالهواء الذي تتصرف فيه، لأنه ظاهر ~~انها بالهواء تستمسك عن السقوط، وأن الغرض من ذلك تسخير ما سخر لها. ثم ~~قال { إن في } خلق { ذلك } ، على ما وصفه، لدلالات لقوم يصدقون بتوحيد ~~الله، ويصدقون انبياءه وخص المؤمنون بذلك لامرين: # احدهما - من حيث هم المنتفعون بها دون غيرهم. # الثاني - لانهم يدللون بها على مخالفي التوحيد، وهي دلالة من الله ~~للجميع، والجو - بالفتح - ما بين السماء والارض، قال الانصاري: # ويل امها في هواء الجو طالبة # ولا كهذا الذي في الارض مطلوب # ثم عدد في الآية الأخرى نعمه، فقال: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ~~أي مواضع تسكنون فيها { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها } اي ~~يخف عليكم حملها { يوم ظعنكم } أي ارتحالكم من مكان الى مكان { ويوم ~~إقامتكم } يعني اليوم الذي تنزلون موضعا تقيمون فيه، ثم قال { وجعل لكم ~~من أصوافها } من أصواف الضأن وأوبار الابل واشعار المعز { أثاثا } يعنى ~~متاع الكثير، من قولهم شعر أثيث اي كثير، وأث النبت يئث أثا إذ كثر ~~والتف، وكذلك الشعر، ولا واحد للاثاث، كما لا واحد للمتاع، قال الشاعر: # اهاجتك الظعائن يوم بانوا # بذي الرئي الجميل من الاثاث # وقوله { إلى حين } معناه. الى وقت يهلك فيه، ثم قال { والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا } يعني من الشجر وغيره، ما تسكنون فيه من أذى الحر والبرد ~~{ وجعل لكم سرابيل } يعني قمصا من القطن والكنان - في قول قتادة - ~~واحدها سربال، ويقال للدروع سرابيل، وهي التي تقي البأس، وقال الزجاج كل ~~ما لبسته فهو سربال. # وقوله { تقيكم الحر } اي تمنعكم من الحر، وخص الحر بذلك مع ان وقايتها ~~للبرد اكثر لامرين: # احدهما - إن الذين خوطبوا بذلك أهل حر في بلادهم فحاجتهم الى ما يقي ~~الحر أشد في قول عطاء. # الثاني - انه ترك ذلك لانه معلوم، كما قال الشاعر: # وما ادري اذا يمت وجها # اريد ms2253 الخير ايهما يليني # فكنى عن الشر، ولم يذكره، لانه مدلول عليه ذكره الفراء. # وقوله { كذلك يتم نعمته عليكم } اي كما انعم عليكم بهذه النعم ينعم ~~عليكم بجميع ما تحتاجون اليه، وهو إتمام نعمه في الدنيا، وبين انه فعل ~~ذلك لتسلموا وتؤمنوا. وقرأ ابن عامر بفتح التاء، والمعنى لتسلموا بتلك ~~الدروع من الجراحات. ### || [16.82-83] # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه التسلية له عما ~~كان يلحقه عند تولي الكفار عن الحق الذي يلزمهم، واعراضهم عن القبول منه ~~{ فإن تولوا } هؤلاء الكفار، وأعرضوا عنك فانه لا يلزمك تقصير من اجل ~~ذلك، لان الذي يلزمك { البلاغ المبين } يعني الظاهر الذي يتمكنون معه من ~~معرفته، وقد فعلته، وقد حذف جميع ذلك لدلالة الكلام عليه، ثم اخبر عنهم ~~بأن قال هؤلاء الكفار { يعرفون نعمة الله } عليهم، مما يجدون من خلق ~~نفوسهم، واقدارهم، واكمال عقولهم وما خلق الله من انواع المنافع، التي ~~ينتفعون بها، ثم انهم مع ذلك ينكرون تلك النعم ان تكون من جهة الله ~~ومنسوبة اليه، وينسبونها الى الاصنام ثم قال: { وأكثرهم الكافرون } وانما ~~قال اكثرهم مع ان جميعهم كفار لامرين: # احدهما - لأن فيهم من لقنوه الكفر، ممن لم يبلغ حد التكليف لصغره، ولم ~~تقم الحجة عليه، أو من هو ناقص العقل مأووف فلا يحكم عليهم بالكفر. # الثاني - إن منهم من ينكر النعمة، في حال لم يقم عليه حجة للشواغل في ~~قلبه التي تلهيه عن تأمل امره، والفكر في حاله، فيكون في حال حكم الساهي ~~والصبي، وإن كان مكلفا بغير ذلك من الامور، فلا يكون كافرا بالانكار ~~في تلك الحال. وقال الجبائي: هو وإن كان لفظا خاصا، فهو عام في ~~المعنى. وقال الحسن: المعنى ان جميعهم الكافرون، وانما عزل البعض ~~إحتقارا له أن يذكره. # وفي الآية الثانية - دلالة على فساد مذهب المجبرة: من أنه ليس لله على ~~الكافر نعمة، وقولهم: إن جميع ما فعله بهم نقمة وخذلان، حتى ارتكبوا ~~المعصية، لان الله تعالى قد بين خلاف ذلك نصا في هذه ms2254 الآية. ### || [16.84-85] # يقول الله تعالى إن اليوم الذي يبعث فيه { من كل أمة شهيدا } يشهد ~~عليهم بكفرهم وضلالهم وجميع معاصيهم هو يوم القيامة، والشهيد في كل امة ~~رسوله، ويجوز أن يكون قوم من المؤمنين المرضيين عند الله، وانما يقيم ~~الشهادة عليهم مع أنه عالم بأحوالهم من حيث ان ذلك اهول في النفس واعظم ~~في تصور الحال، واشد في الفضيحة إذا قامت به الشهادة بحضرة الملأ التي ~~يكون من الله التصديق لها مع جلالة الشهود عند الله بالحق. # وقوله { ثم لا يؤذن للذين كفروا، ولا هم يستعتبون } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه لا يؤذن لهم في الاعتذار، على أن الآخرة مواطن: فيها ما ~~يمنعون وفيها ما لا يمنعون. # الثاني - انهم لم يؤذن لهم في الاعتذار بما ينتفعون، ولا يعرضون للعتبى ~~الذي هو الرضا. وقال الجبائي: المعنى ان الله يخلق فيهم العلم الضروري ~~بانهم ان اعتذروا لم تقبل معذرتهم، وإن استعتبوا لم يعتبوا ولم يرد أنهم ~~لا يؤمرون بالاعتذار، ولا يمكنون منه، لأن الأمر والتكليف قد زالا عنهم. # ثم اخبر تعالى أن الظالمين إذا رأوا العذاب يوم القيامة وشاهدوه، فلا ~~يخفف عنهم ذلك العذاب اذا حصلوا فيه { ولا هم ينظرون } اي لا يؤخرون الى ~~وقت آخر، بل عذابهم دائم في جميع الأوقات، ووقت التوبة والندم قد فات. ### || [16.86-88] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال المشركين والكفار في الآخرة وأنهم إذا ~~رأوا شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله. وقيل انما سموا { ~~شركاءهم } لأمرين: # احدهما - لانهم جعلوا لهم نصيبا في أموالهم. # الثاني - لانهم جعلوهم شركاء في العبادة. # ومعنى قوله { هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك } اعتراف منهم على ~~انفسهم بأنهم كانوا يشركون مع الله غيره في العبادة. # وقوله { فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون } قيل في معناه قولان: # احدهما - ألقى المعبودون القول { إنكم لكاذبون } في أنا نستحق العبادة. # والثاني - { إنكم لكاذبون } في قولكم إنا دعوناكم الى العبادة. # وقيل: انكم لكاذبون بقولكم إنا آلهة. # وإلقاء المعنى الى النفس إظهاره لها، حتى تدركه متميزا ms2255 من غيره، ~~فهؤلاء ألقوا القول حتى فهموا عنهم انهم كاذبون. # وقوله { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } معناه استسلموا بالذل لحكم الله ~~- في قول قتادة - { وضل عنهم ما كانوا يفترون } اي يضل ما كانوا يأملونه ~~ويقدرون من ان آلهتهم تشفع لهم. ثم أخبر تعالى ان الذين يكفرون بالله ~~ويجحدون وحدانيته، ويكذبون رسله، ويصدون غيرهم عن اتباع الحق الذي هو ~~سبيل الله { زدناهم عذابا فوق العذاب }. قال ابن مسعود: أفاعي وعقارب ~~النار لها أنياب كالنخل الطوال جزاءا { بما كانوا يفسدون } في الارض. ### || [16.89] # يقول الله تعالى إن اليوم الذي { نبعث في كل أمة شهيدا } اي من يشهد ~~{ عليهم من أنفسهم } اي من أمثالهم من البشر. ويجوز ان يكون ذلك نبيهم ~~الذي بعث اليهم، ويجوز ان يكونوا مؤمنين عارفين بالله ونبيه، ويشهدون ~~عليهم بما فعلوه من المعاصي. # وفي ذلك دلالة على ان كل عصر لا يخلو ممن يكون قوله حجة على اهل عصره، ~~عدل عند الله، وهو قول الجبائي، وأكثر أهل العدل، وهو قولنا وإن ~~خالفناهم في من هو ذلك العدل والحجة. # { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا } على هؤلاء يعني كفار قريش وغيرهم، من ~~الذين كفروا بنبوته. ثم قال { ونزلنا عليك الكتاب } يعنى القرآن { ~~تبيانا لكل شيء } اي بيانا لكل أمر مشكل. والتبيان والبيان واحد. ومعنى ~~العموم في قوله { لكل شيء } المراد به من أمور الدين: إما بالنص عليه ~~او الاحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلى الله عليه وسلم والحجج ~~القائمين مقامه، او اجماع الأمة او الاستدلال، لان هذه الوجوه أصول الدين ~~وطريق موصلة الى معرفته. # وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: الكلام لا يدل على شيء، لان كلام ~~الحكيم يدل من وجهين: # احدهما - أنه دليل على نفس المعنى الذي يحتاج اليه. # والآخر - أنه دليل على صحة المعنى الذي يحتاج الى البرهان عليه. ولو لم ~~يكن كذلك لخرج عن الحكمة وجرى مجرى اللغو الذي لا فائدة فيه. # وقوله { وهدى ورحمة وبشرى } يعنى القرآن دلالة ورحمة وبشارة للمسلمين ~~بالجنة. ms2256 ### || [16.90-91] # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه { إن الله يأمر بالعدل } يعنى الانصاف ~~بين الخلق، وفعل ما يجب على المكلف و { الإحسان } الى الغير، ومعناه ~~يأمركم بالاحسان، فالأمر بالاول على وجه الإيجاب، وبالاحسان على وجه ~~الندب. وفي ذلك دلالة على ان الامر يكون أمرا بالندوب اليه دون الواجب، ~~{ وإيتاء ذي القربى } اي وأمرك باعطاء ذي القربي، ويحتمل امرين: # احدهما - صلة الارحام، فيكون ذلك عاما في جميع الخلق. # والثاني - ان يكون أمرا بصلة قرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين ~~أرادهم الله بقوله # فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى # على ما بيناه فيما قبل # وقوله { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } انما جمع بين الاوصاف ~~الثلاثة في النهي عنها مع ان الكل منكر فاحش، ليبين بذلك تفصيل ما نهى ~~عنه، لان الفحشاء قد يكون ما يفعله الانسان في نفسه مما لا يظهر أمره ~~ويعظم قبحه. والمنكر ما يظر للناس مما يجب عليهم إنكاره، والبغي ما ~~يتطاول به من الظلم لغيره، ولا يكون البغي إلا من الفاعل لغيره، والظلم ~~قد يكون ظلم الفاعل لنفسه. وروي عن ابي عيينة، أنه قال: العدل هو استواء ~~السريرة والعلانية، والاحسان ان تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء ~~والمنكر ان يكون علانيته أحسن من سريرته. # ثم بين تعالى أنه يعظ بما ذكره خلقه، لكي يذكروا ويتفكروا، ويرجعوا الى ~~الحق. # ثم أمر تعالى خلقه بأن يفوا بعهده اذا عاهدوا عليه، والعهد الذي يجب ~~الوفاء به: هو كل فعل حسن اذا عقد عليه، وعاهد الله ليفعلنه بالعزم عليه، ~~فانه يصير واجبا عليه، ولا يجوز له خلافه، ثم يكون عظم النقض بحسب الضرر ~~به، فأما اذا رأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر، عند ~~الفقهاء. وقال اصحابنا: اذا وجد خيرا منه فعل الخير، ولا كفارة عليه، ~~وهذا يجوز فيما كان ينبغي ان يشرط، فأما اذا أطلقه وهو لا يأمن ان يكون ~~غيره خير منه فقد أساء باطلاق العقد عليه. # ثم قال { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } نهي منه ms2257 تعالى عن حنث ~~الأيمان بعد عقدها وتأكيدها، يقال أكدته تأكيدا ووكدته توكيدا، والأصل ~~الواو. وانما أبدلت الهمزة منها كما قالوا: وقيت في أوقيت. # وفي الآية دلالة على ان اليمين على المعصية غير منعقدة، لانها لو كانت ~~منعقدة لما جاز نقضها، وأجمعوا على أنه يجب نقضها، ولا يجوز الوفاء بها، ~~فعلم بذلك ان اليمين على المعصية غير منعقدة. # والنقض في المعاني يمكن في ما لا يجوز ان يصح مع خلافه، بل إن كان ~~حقا فخلافه باطل، وإن كان باطلا فخلافه حق، نحو إرادة الشيء ~~وكراهته، والأمر بالشيء والنهي عنه والتوبة من الشيء والعود فيه وما أشبه ~~ذلك. # وقوله { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } اي حسيبا فيما عاهدتموه عليه { ~~إن الله يعلم ما تفعلون } من نقض العهد والوفاء به، وذلك تهديد ووعيد ~~بأن يجازي على ما يكون منكم على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. # وقيل: إن الآية نزلت في الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الاسلام. وقال بعضهم نزلت في الحلف الذي كان عليه أهل الشرك، فأمروا في ~~الاسلام بالوفاء به ذكره ابن زيد. ### || [16.92-93] # هذا نهي من الله تعالى للمكلفين ان يكونوا { كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا } فواحد الانكاث نكث، وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث: ~~حبلا كان او غزلا، يقال منه: نكث فلان الحبل ينكثه نكثا، والحبل منتكث ~~اذا انتقضت قواه. و (الدخل) ما أدخل في الشيء على فساد، والمعنى تدخلون ~~الايمان على فساد للغرور، وفي نيتكم الغدر بمن حلفتم له، لأنكم أكثر ~~عددا منهم أو، لان غيركم اكثر عددا منكم وقيل الدخل الدغل والخديعة، ~~وإنما قيل الدخل، لأنه داخل القلب على ترك الوفاء والظاهر على الوفاء. ~~وقيل { دخلا } غلا وغشا، ويقال: انا اعلم دخل فلان ودخله ودخلته ~~ودخيلته، والمعنى لا تنقضوا الايمان لكثرتكم، وقلة من حلفتم له او لقلتكم ~~وكثرتهم، فاذا وجدتم اكثر منهم نقضتم بل احفظوا عهدكم. و { دخلا } منصوب ~~بأنه مفعول له. # وقوله { أن تكون أمة هي أربى من أمة } اي اكثر ms2258 عددا لطلب العز بهم ~~مع الغدر بالأقل، وهو (أفعل) من الربا، قال الشاعر: # واسمر خطي كأن كعوبه نوى # العسيب قد اربا ذراعا على عشر # ومنه أربا فلان للزيادة التي يزيدها على غريمه في رأس ماله (واربى) في ~~موضع رفع. واجاز الفراء ان تكون في موضع نصب، وتكون هي عمادا. وقال ~~الزجاج: لا يجوز ذلك، لان العماد لا يكون بين نكرتين، لان { أمة } ~~نكرة، ويفارق قوله # تجدوه عند الله هو خيرا # لأن الهاء في تجدوه معرفة. # وقوله { إنما يبلوكم الله به } معناه إنما يختبركم الله بالامر ~~بالوفاء، فالهاء في (به) عائدة على الأمر، وتحقيقه يعاملكم معاملة ~~المختبر ليقع الجزاء بالعمل { وليبين لكم } أي ويفصل لكم ويظهر لكم { ما ~~كنتم تختلفون } في صحته يوم القيامة. # والتى نقضت غزلها من بعد إبرام قيل: إنها ريطة بنت عمرو بن كعب ابن ~~سعيد بن تميم بن مرة، وكانت حمقاء، فضربه الله مثلا، فقال { أوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } فتكونوا إن فعلتم ~~ذلك كإمرأة غزلت غزلا، وقوت قوته وأبرمت، فلما استحكم نقضته، فجعلته ~~أنكاثا أي انقاضا، وهو ما ينقض من اخلاق بيوت الشعر والوبر ليعزل ~~ثانية، ويعاد مع الجديد، ومنه قيل: لم بايع طائعا ثم خرج عليك ناكثا؟ ~~لأنه نقض ما وكده على نفسه بالايمان والعهود كفعل الناكثة غزلها. # ومعنى { أن تكون } لأن تكون { أمة } أعز من أمة، وقوم أعلى من قوم، ~~يريد لا تقطعوا بأيمانكم حقوقا لهؤلاء، فتجعلوها لهؤلاء. وقال مجاهد: ~~كانوا يحالفون الحلفاء، فإذا وجدوا أكثر منهم نقضوا حلف هؤلاء، وحالفوا ~~اولئك الذين هم أعز، فنهاهم الله عن ذلك. # وقوله { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } اخبار منه تعالى عن أن العباد ~~إذا خالفوا أمره لم يعاجزوه، ولم يغالبوه تعالى عن ذلك، لأنه لو يشاء ~~لأكرههم على أن يكونوا أمة واحدة، لكنه يشاء أن يجتمعوا على الايمان، على ~~وجه يستحقون به الثواب. ومثله قوله # ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض # كذلك قال سبحانه - ها هنا - ولكن ms2259 ليمتحنكم ويختبركم لتستحقوا النعيم ~~الذي أراده لكم، فيضل قوم، ويستحقوا الاضلال عن طريق الجنة، والحكم عليهم ~~بأنهم ضالون. ويهتدي آخرون، فيستحقوا الهدى يعني الحكم لهم بالهداية، ~~وإرشادهم إلى طريق الجنة. ثم قال { ولتسألن } يا معشر المكلفين { عما ~~كنتم تعملون } في الدنيا من الطاعات والمعاصي، فتجازون عليه بقدره. ### || [16.94-96] # قرأ ابن كثير، وعاصم { ولنجزين الذين صبروا } بالنون. الباقون بالياء. ~~من قرأ بالنون فحجته إجماعهم على قوله { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون } أنه بالنون. ومن قرأ بالياء، فلقوله { وما عند الله باق } ~~وليجزين الله الذين صبروا. # نهى الله عباده المكلفين ان يتخذوا ايمانهم دخلا بينهم، وقد فسرنا معنى ~~دخلا، وبين تعالى انه متى خالفوا ذلك زلت اقدامهم بعد ثبوتها، وهو مثل ~~ضربه الله، والمعنى أنهم يضل بعد ان كان على الهدى. وقال قوم: الآية ~~نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام والنصرة، ~~نهوا عن نقض عهده، وترك نصرته. # وقوله: { وتذوقوا السوء } يعني العذاب، جزاء على معاصيكم وما صددتم عن ~~اتباع سبيل الله، ولكم مع ذلك عذاب عظيم تعذبون به. ثم نهاهم، فقال: { ~~ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } أي لا تخالفوا عهد الله بسبب شيء ~~يسير تنالونه من حطام الدنيا، فيكون قد بعتم ما عند الله بالشيء الحقير، ~~وبين ان الذي عند الله هو خير، وأشرف لكم إن كنتم تعلمون حقيقة ذلك ~~وتحققونه، ثم قال: إن الذي عند الله لا ينفد، هو باق، والذي عندكم من ~~نعيم الدنيا ينفد ويفنى، ثم أخبر بأنه يجزي الصابرين على بلائه وجهاد ~~اعدائه أجرهم وثوابهم { بأحسن ما كانوا يعملون } وإنما قال بأحسن ما ~~كانوا، لأن احسن أعمالهم هو الطاعة لله تعالى، وما عداه من الحسن مباح ~~ليس بطاعة، ولا يستحق عليه أجر ولا حمد، وذلك يدل على فساد قول من قال: ~~لا يكون حسن احسن من حسن. ### || [16.97-100] # هذا وعد من الله تعالى بأن من عمل صالحا من الطاعات سواء كان فاعله ~~ذكرا او أنثى، وهو مع ذلك مؤمن بتوحيد ms2260 الله، مقر بصدق أنبيائه، فأن ~~الله يحييه حياة طيبة. وقال ابن عباس: الحياة الطيبة هو الرزق الحلال. ~~وقال الحسن: هي القناعة. وقال قتادة: حياة طيبة في الجنة. وقال قوم: ~~الأولى ان يكون المراد بها القناعة في الدنيا، لأنه عقيب ما توعد غيرهم ~~به من العقوبة فيها مع ان اكثر المؤمنين ليسوا بمتسعي الرزق في الدنيا. # ثم أخبر انه يجزيهم زيادة على الحياة الطيبة { أجرهم } وثوابهم { بأحسن ~~ما كانوا يعملون } وقد فسرناه، وإنما قال: { ولنجزينهم } بلفظ الجمع؛ ~~لان (من) يقع على الواحد والجميع، فرد الكناية على المعنى، ثم خاطب ~~نبيه، فقال: يا محمد { فإذا قرأت القرآن } والمراد به جميع المكلفين { ~~فاستعذ بالله } والمعنى إذا اردت قراءة القرآن { فاستعذ بالله } كما ~~قال: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا # والمعنى اذا اردتم القيام اليها، لأن بعد القراءة لا يجب الاستعاذة إلا ~~عند من لا يعتد بخلافه. وقال قوم: هو على التقديم والتأخير، وهذا لا يجوز ~~لانه ضعيف، لانه لا يجوز التقديم، والتأخير في كل شيء، ولذلك حدود في ~~العربية لا تتجاوز. وإنما يجوز ذلك مع ارتفاع اللبس والشبهة. والاستعاذة ~~عند التلاوة مستحبة غير واجبة - بلا خلاف - { من الشيطان الرجيم } أي ~~استعذ بالله من المبعد من رحمة الله المرجوم، من سخطه. # ثم أخبر أنه { ليس } للشيطان سلطان ولا حجة { على الذين آمنوا } بالله ~~وحده ولم يشركوا به سواه. وفوضوا أمرهم اليه وتوكلوا عليه. وإنما سلطانه ~~وقدرته على الذين يتولونه ويقبلون منه، وعلى الذين يشركون في عبادة الله ~~سواه. # وقال الجبائي: في الآية دلالة على ان الصرع ليس من قبل الشيطان، قال: ~~لانه لو امكنه أن يصرعه، لكان له عليهم سلطان. وأجازه أبو الهذيل وابن ~~الاخشاد، وقالا: إنه يجري مجرى قوله # كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس # ولأن الله تعالى قال: { إنما سلطانه على الذين يتولونه } وإنما أراد ~~سلطان الاغواء والاضلال عن الحق. # ومعنى قوله { والذين هم به مشركون } فيه قولان: # احدهما - قال الربيع: من أن الذين يطيعونه فيما يدعو اليه من عبادة غير ~~الله ms2261 مشركون، فلما كان من اطاعه فيما يدعو اليه من عبادة غير الله ~~مشركا، كان به مشركا، وهو من الايجاز الحسن. # والثاني - قال الضحاك: الذين هم بالله مشركون. ### || [16.101-102] # يقول الله تعالى: مخبرا عن احوال الكفار بأنا متى { بدلنا آية مكان ~~آية } بأن رفعنا آية ونسخناها، وأتينا بأخرى بدلها، نعلم في ذلك من مصلحة ~~الخلق، وقد يكون تبديلها برفع حكمها مع ثبوت تلاوتها [وقد يكون برفع ~~تلاوتها دون حكمها] وقد يكون برفعهما. والتبديل - في اللغة - رفع الشيء ~~مع وضع غيره مكانه، تقول: بدله تبديلا وأبدله إبدالا، واستبدل به ~~استبدالا. ثم قال: { والله أعلم بما ينزل } مما فيه صلاح الخلق من غيره. ~~وقوله: { قالوا إنما أنت مفتر } معناه يقول هؤلاء الذين جحدوا نبوتك ~~وكفروا بآيات الله: إنما أنت يا محمد مفتر كذاب في إدعائك الرسالة من ~~الله. ثم أخبر عنهم، فقال: { بل أكثرهم لا يعلمون } انك نبي، لتركهم ~~النظر في معجزاتك، ولشبه داخلة عليهم، وان علمه بعضهم وكابر، وجحد ما ~~يعلمه، ثم امره بأن يقول لهم { نزله روح القدس } يعني القرآن نزله جبريل ~~(ع) { ليثبت الذين آمنوا } وتثبيته لهم هو استدعاؤه لهم به وبالطافه ~~ومعونته الى الثبات على الاسلام وعلى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم. ثم ~~بين أن القرآن هدى ودلالة وبشارة للمسلمين. ### || [16.103] # قرأ حمزة والكسائي { يلحدون } بفتح الياء والحاء. والباقون بضم الياء ~~وكسر الحاء، وهما لغتان، يقال: ألحد يلحد إلحادا، فهو ملحد، ولحد يلحد ~~فهو ملحود، وقيل لحد في القبر وألحد في الدين، والإلحاد الميل عن الصواب ~~ويقال للذي يميل عن الحق ملحد، ومند اللحد في جانب القبر. # ويقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إنا { نعلم أنهم يقولون ~~إنما يعلمه } يعني الرسول { بشر } مثله. وقال ابن عباس الذي مالوا اليه ~~بأنه يعلم محمدا صلى الله عليه وسلم وكان اعجميا هو (بلعام) وكان قينا ~~بمكة روميا نصرانيا. وقال الضحاك: أرادوا به (سلمان الفارسي). وقال ~~قوم: أرادوا به إنسانا يقال له: عايش او يعيش، كان مولى لحويطب بن عبد ms2262 ~~العزى، أسلم وحسن إسلامه، فقال الله تعالى ردا عليهم { لسان الذي } ~~يميلون اليه أعجمي { وهذا } القرآن { لسان عربي مبين } كما تقول العرب ~~للقصيدة هذا لسان فلان، قال الشاعر: # لسان السوء تهديها الينا # وجنت وما حسبتك ان تحينا # والاعجمي الذي لا يفصح، والعجمي منسوب الى العجم، والاعرابي البدوي ~~والعربي منسوب إلى العرب { ومبين } معناه ظاهر بين لا يشكل. ### || [16.104-105] # يقول الله تعالى { إن الذين } لا يصدقون { بآيات الله } التي اظهرها، ~~والمعجزات التي يصدق بها قولك يا محمد { لا يهديهم الله } إلى طريق ~~الجنة { ولهم } مع ذلك { عذاب أليم } في النار. ويحتمل ان يكون المراد: ~~لا يحكم الله تعالى بهدايتهم، لأنهم كفار. # ثم اخبر إن الذي يتخرص الكذب، ويفتري على الله، هو الذي لا يؤمن بآيات ~~الله، ويجحدها، وهم الكاذبون، وانما خص الذين لا يؤمنون بالله بالافتراء ~~لانه لا يردعهم عن الكذب ايمان بالجزاء، { وأولئك هم الكاذبون } على ~~رسوله فيما ادعوا عليه. وقيل: المعنى في ذلك تعظيم كذبهم، كما يقول ~~القائل: هؤلاء هم الرجال. ### || [16.106] # نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر (رحمه الله) اكرهه المشركون بمكة بأنواع ~~العذاب، وقيل: إنهم غطوه في بئر ماء على ان يلفظ بالكفر, وكان قلبه ~~مطمئنا بالايمان، فجاز من ذلك، وجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم جزعا ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان قلبك؟ قال كان مطمئنا ~~بالإيمان، فأنزل الله فيه الآية. واخبر ان الذين يكفرون بالله بعد ان ~~كانوا مصدقين به بأن يرتدوا عن الاسلام { فعليهم غضب من الله } ثم استثنى ~~من ذلك من كفر بلسانه، وكان مطمئن القلب بالايمان في باطنه، فانه بخلافه. ~~و { من كفر } رفع بما دل عليه خبر الثاني الذي هو قوله { ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا } كأنه قيل فعليه غضب من الله، كما تقول من يأتنا فمن يحسن ~~نكرمه، فجواب الاول محذوف كفى فيه الثاني، وقال الزجاج { من كفر } رفع ~~بأنه بدل من قوله { وأولئك هم الكافرون } وقال ابو علي: هذه معاريض يحسن ~~من الله مثلها، ms2263 ولا يحسن من الخلق إلا عند التقية، قال: إلا ان على أهل ~~العقول أن يعلموا ان الله لم يفعل ذلك الا على ما يصح ويجوز، وليس ذلك ~~للانسان الا في حال التقية، لانه لا دليل يؤمن من الخطأ عليه، فعلى هذا ~~يلزمه في النبي ان يحسن منه من غير تقية، لكونه معصوما لا يكذب في ~~اخباره ولا خلاف بين أهل العدل أنه لا يجوز اظهار كلمة الكفر إلا مع ~~التعريض بأن ينوي بقلبه ما يخرجه عن كونه كاذبا، فأما على وجه الاخبار، ~~فلا يجوز أصلا لانه قادر على التعريض الذي يخرج به عن كونه كاذبا. ### || [16.107-109] # قوله { ذلك } اشارة إلى ما تقدم ذكره من العذاب العظيم. أخبر الله ~~تعالى ان ذلك العذاب العظيم إنما أعده لهم، لأنهم آثروا الحياة الدنيا، ~~والتلذذ فيها، والركون اليها على الآخرة، والمعنى انهم فعلوا ما فعلوه ~~للدنيا طلبا لها دون طلب الآخرة. والعمل يجب أن يكون طلبا للاخرة، أو ~~للدنيا والآخرة. فأما أن يكون لمجرد الدنيا دون الآخرة فلا يجوز، لأنه ~~إذا طلب الدنيا ترك الواجب من الطاعات لا محالة، وكذلك لا ينبغي أن ~~يختار المباح على النافلة لان النافلة طاعة لله. والمباح ليس بطاعة له. ~~ثم أخبر تعالى { أن الله لا يهدي القوم الكافرين } ومعناه أحد شيئين: # احدهما - إنه لا يهديهم الى طريق الجنة والثواب، لكفرهم. # الثاني - إنه لا يحكم بهدايتهم لكونهم كفارا. وأما نصب الدلالة، فقد ~~هدى الله جميع المكلفين، كما قال # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # وقيل: إنهم لم يهتدوا بتلك الادلة، فكأنها لم تكن نصبت لهم، ونصبت ~~للمؤمنين الذين اهتدوا بها، فلذلك نفاها عنهم فكأنها لم تكن لهم، ويجوز ~~ان يكون المراد انه لا يهديهم بهدى المؤمنين من فعل الألطاف والمدح ~~بالاهتداء، لكونهم كفارا. ثم اخبر ان اولئك الكفار هم { الذين طبع الله ~~على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون } وبينا معنى الطبع على ~~القلوب والسمع والابصار في سورة البقرة وان ذلك سمة من الله جعلها ~~للملائكة ليفرقوا بين ms2264 الكافر والمؤمن، جزاء وعقوبة على كفرهم، وان ذلك ~~غير محيل بينهم وبين اختيار الايمان لو ارادوه، وانما وصفهم بعوم الغفلة ~~مع الخواطر التي تزعجهم لأمرين: # احدهما - انهم بمنزلة الغافلين ذما لهم. # الثاني - لجهلهم عما يؤدي اليه حالهم، وان كانت الخواطر الى النظر ~~تزعجهم. # وقوله { لا جرم أنهم } معناه حق لهم { أنهم في الآخرة هم الخاسرون } ~~الذين خسروا صفقتهم لفوات الثواب وحصول العقاب وموضع (انهم) يحتمل أمرين ~~من الاعراب: # احدهما - النصب على معنى: لا بد انهم اي لا بد من ذا، ويجوز على جرم ~~فعلهم أن لهم النار اي قطع بذا وتكون (لا) صلة. # والثاني - الرفع والمعنى وجب قطعا أن لهم النار و (لا) صلة أو رد ~~لكلام من قال: ماذا لهم؟ فقيل وجب لهم النار. ### || [16.110-111] # قرأ ابن عامر وحده { فتنوا } جعل الفعل لهم. الباقون { فتنوا } على ما ~~لم يسم فاعله، يقال: فتنت زيدا، وهي اللغة الجيدة، وحكي افتنت. وحجة من ~~قرأ على ما لم يسم فاعله أن الآية نزلت في المستضعفين المفتنين بمكة: ~~عمار وبلال، وصهيب، فانهم حملوا على الارتداد عن دينهم، فمنهم من اعطى ~~ذلك تقية منهم: عمار، فانه اظهر ذلك تقية، ثم هاجر. ومعنى قراءة بن عامر: ~~انه فتن نفسه، والمعنى من بعد ما فتن بعضهم نفسه باظهار ما اظهره بالتقية ~~قال الرماني: في الآية دلالة على انهم فتنوا في دينهم بمعصية كانت منهم، ~~لقوله { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } لأن المغفرة الصفح عن الخطيئة، ولو ~~كانوا أعطوا التقية على حقها لم تكن هناك خطيئة. وهذا الذي ذكره ليس ~~بصحيح، ولا في الكلام دلالة عليه، وذلك ان الله تعالى إنما قال { إن ربك ~~من بعدها } يعني بعد الفتنة التي فتنوا بها { لغفور رحيم } أي ساتر ~~عليهم، لان ظاهر ما اظهروه يحتمل القبيح والحسن، فلما كشف الله عن باطن ~~امورهم، واخبر انهم كانوا مطمئنين بالايمان كان في ذلك ستر عليهم، وازالة ~~الظاهر المحتمل إلى الآمر الجلي، وذلك من نعم الله عليهم. # يقول الله تعالى: إن هؤلاء الذين ms2265 هاجروا بعد ما فتنوا عن دينهم، ~~وجاهدوا في سبيله وصبروا على الأذى في جنب الله، فان الله اقسم انه ضمن ~~لهم أن يفعل بهم الثواب، وساتر عليهم، ورحيم بهم منعم عليهم. # وقوله { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } (يوم) منصوب بأحد شيئين: # احدهما - على معنى إن ربك من بعدها لغفور رحيم (يوم). # الثاني - على معنى واذكر يوم، لان القرآن عظة وتذكير، ومعنى تجادل عن ~~نفسها تخاصم كل نفس عن نفسها، وتحتج بما ليس فيه حجة عند الحساب، كما ~~قال تعالى حكاية عنهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # وقال الأتباع # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار # فهم يجادلون الملك السائل لهم بين يدي الله، وقيل: تحتج عن نفسها بما ~~تقدر به ازالة العقاب عنها. # ثم اخبر الله ان كل نفس توفى جزاء ما عملته على الطاعة الثواب وعلى ~~المعصية العقاب، ولا يظلم احد في ذلك اليوم أحدا. ### || [16.112] # التقدير ضرب الله مثلا مثل قرية، وقيل في القرية التي ضرب الله بها هذا ~~المثل قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إنها مكة، لأنها كانت بهذه ~~الصفات التي ذكرها الله. وقال آخرون: اي قرية كانت على هذه الصفة، فهذه ~~صورتها. # وقوله { كانت آمنة مطمئنة } أي يأمن الناس فيها على نفوسهم واموالهم لا ~~يخافون الغارة والنهب، كما يخاف سائر العرب، ويطمئنون فيها، لا يحتاجون ~~فيها ان ينتجعوا الى غيرها، كما يحتاج غيرهم اليه، وكان مع ذلك يجيؤها ~~رزقها، اي رزق اهلها من كل موضع، لأنه كان يجلب اليها تفضلا منه تعالى { ~~فكفرت بأنعم الله } والمراد كفر اهلها، { بأنعم الله }. وانما اضاف الكفر ~~الى القرية مجازا، ولذلك أنث الفعل. وقيل في واحد انعم الله ثلاثة اقوال: # احدها - يقال نعمة وانعم كشدة وأشد. # الثاني - في جمع النعم كما قالوا أيام طعم ونعم ومثله ود وأود. # الثالث - نعماء كما جمعوا بأساء وابؤس وضراء واضر؛ وقالوا أشد جمع شد ~~قال الشاعر. # وعندي قروض الخير والشر كله # فبؤس لدى بؤسى ونعمى بأنعم # وقوله { فأذاقها الله ms2266 لباس الجوع } انما سماه لباس الجوع، لأنه يظهر ~~عليهم من الهزال وشحوب اللون وسوء الحال ما هو كاللباس. وقيل انهم شملهم ~~الجوع والخوف كما شمل اللباس البدن. وقيل ان القحط دام بهم سنين وبلغ بهم ~~الى ان اكلوا القد والطهن، وهو الوبر يخلط بالدم والقراد، ثم يؤكل، وانما ~~يقال لصاحب الشدة: دق، لانه يجده وجدان الذائق في تفقده له، ولانه يتجدد ~~عليه إدراكه كما يتجدد على الذائق، وهم مع ذلك خائفون وجلون من النبي ~~صلى الله عليه وسلم. واصحابه يغيرون على قوافلهم وتجاراتهم { جزاء بما ~~كانوا يصنعون } من الكفر والشرك وتكذيب الرسل، واجرى الخطاب من أول الآية ~~الى ها هنا على التأنيث إضافة إلى القرية، ثم قال - ها هنا - { بما ~~كانوا يصنعون } على المعنى أي بما كان أهلها يصنعون. وروي عن ابي عمرو ~~انه قرأ { لباس الجوع والخوف } بالنصب، كأنه ضمن فعل إرزاقهم الله لباس ~~الجوع، قاذفا في قلوبهم الخوف، لأن الله تعالى لم يبعث النبي بالقحط ~~والجوع والخوف، فقد قذف في قلوبهم الرعب من النبي وسراياه. ### || [16.113-114] # قوله { ولقد جاءهم رسول منهم } يعني اهل مكة بعث الله منهم رسولا من ~~صميمهم، لا من غيرهم { فكذبوه } وجحدوا نبوته { فأخذهم العذاب وهم ظالمون ~~} أي في حال كفرهم ظالمين اخذهم العذاب، وعذابهم هو ما سلط الله تعالى ~~النبي والمؤمنين حتى قتلوهم يوم بدر وغيره من الايام، وما حل بهم من ~~أنواع العذاب من جهته من الخوف والجوع الذي تقدم ذكره. ومن قال: المراد ~~بالقرية غير مكة قال: هو صفة تلك القرية التي بعث الله رسولا منهم، ثم ~~خاطب المؤمنين، فقال { كلوا } فصيغته وإن كان صيغة الأمر، فالمراد به ~~الإباحة، لأن الأكل غير واجب إلا عند الخوف من تلف النفس، ولا مندوب ~~اليه إلا في بعض الاحوال { مما رزقكم الله } أي ملككم التصرف فيه على ~~وجه ليس لاحد منعكم منه { حلالا } أي جعله لكم { حلالا طيبا واشكروا ~~نعمة الله } واعترفوا بها { إن كنتم إياه تعبدون } اي ان كنتم تعبدون ~~الله دون غيره وليس ms2267 المعنى ان كنتم تعبدون غيره، فلا تشكروه، بل المعنى ~~انه لا يصح لأحد أن يشكره إلا بأن يوجه العبادة اليه تعالى وحده. ### || [16.115] # قد بينا تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة وهو ان الله حرم الميتة، ~~وهو ما لم يذك مما فيه نفس سائلة. { ولحم الخنزير } وبينا أن الخنزير ~~جميعه حرام، وانما خص اللحم تغليظا، { وما أهل لغير الله به } والمعنى ~~ما ذكر غير الله على تذكيته، لانهم كانوا يذبحونها للاصنام، ثم استثنى ~~المضطر الى تناول ذلك خوف التلف، فأباح جميع ذلك له، واستثنى من المضطرين ~~البغاة، فلم يبحها لهم، وقد بينا الخلاف فيه، وان قول مجاهد وما ذهب اليه ~~أصحابنا هو من خرج على امام عادل. وقال قوم: معناه غير باغ بذلك الشبع ~~والتقوي به على معصية { ولا عاد } اي يتعدى فيه ما يجوز له. وفي تفسيرنا: ~~أن معنى ولا عاد ما ذهب اليه الحسن، وغيره ان الذي يخرج للاعتداء على ~~الناس من قطاع الطريق، فانهم لا يرخصون ان يأكلوا، ذلك على وجه. ثم اخبر ~~{ فإن الله غفور رحيم } اي ستار على عباده معاصيهم { رحيم } بهم بأن ~~يغفرها لهم، بالتوبة تارة وتفضلا منه ابتداء تارة أخرى، والمعنى إنه لا ~~يعاقب من تناول ما حرم عليه في حال الضرورة. # والاهلال رفع الصوت بالكلام، ومنه الهلال لرفع الصوت بالتكبير عند رؤيته ~~وشبه به صوت الصبي عند الولادة وكل ما ذكر عليه اسم معبود غير الله لا ~~يحل أكله. ### || [16.116-118] # (ما) في قوله { لما تصف } مصدرية، والتقدير: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم ~~الكذب { هذا حلال وهذا حرام } وقال الزجاج: قرىء { الكذب } على أنه نعت ~~الألسنة، يقال لسان كذوب وألسنة كذب، وحكي أيضا بكسر الباء ردا على ~~(ما) وتقديره للذي تصفه ألسنتكم الكذب، وهذا إنما قيل لهم لما كانوا ~~حرموه وأحلوه، فقالوا # ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا # وقد بيناه فيما تقدم. ثم أخبر عن هؤلاء الذين يقولون على الله الكذب ~~بأنهم { لا يفلحون } أي لا ينجون ولا يفوزون ms2268 بثواب الله. # وقوله تعالى { متاع قليل } معناه متاعهم هذا الذي فعلوه وتمتعوا به { ~~متاع قليل } ويجوز في العربية (متاعا) أي يتمتعون بذلك متاعا قليلا { ~~ولهم عذاب أليم } أي في مقابلة ذلك يوم القيامة. وقوله { وعلى الذين ~~هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } يعني ما ذكره في سورة الانعام في ~~قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا... # الآية، في قول قتادة والحسن وعكرمة. ثم أخبر تعالى أنه لم يظلمهم بذلك ~~ولا يبخسهم حظهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بكفرهم بنعمة الله وجحودهم ~~لأنبيائه، فاستحقوا بذلك تحريم هذه الأشياء عليهم لتغيير المصلحة عند ~~كفرهم وعصيانهم. ### || [16.119] # يقول الله تعالى إن الذي خلقك يا محمد { للذين عملوا السوء } يعني ~~المعصية { بجهالة } أي بداعي الجهل، لانه يدعو إلى القبيح، كما أن داعي ~~العلم يدعو إلى الخير، فقد يكون ذلك للجاهل بالشيء وقد يكون للغافل الذي ~~يعمل عمل الجاهل بتغليب هواه على عقله. # وقوله { ثم تابوا } يعني رجعوا عن تلك المعصية، وندموا عليها،وعزموا على ~~أن لا يعودوا إلى مثلها في القبح { وأصلحوا } نياتهم وافعالهم، فإن ~~الذي خلقك من بعد فعلهم ما ذكرناه من التوبة { غفور } لهم ستار عليهم { ~~رحيم } بهم، منعم عليهم. وإنما شرط مع التوبة فعل الصلاح استدعاء إلى ~~فعل الصلاح ولئلا يغتروا بما سلف من التوبة حتى يقع الاهمال لما يكون من ~~الاستقبال. ### || [16.120-124] # اخبر الله تعالى عن ابراهيم (ع) انه { كان أمة } واختلفوا في معناه، ~~فقال ابن مسعود: معناه إنه معلم الخير قدوة { قانتا لله } مطيعا. قال ~~بعضهم: كان ذا أمة { قانتا لله }. وقال قتادة: معناه إنه امام هدى. ~~والقانت الذي يدوم على العبادة لله، وقيل: جعل { أمة } لقيام الامة به. ~~والحنيف المستقيم على طريق الحق. وقوله { ولم يك } يعني ابراهيم { من ~~المشركين } الذين يعبدون مع الله غيره، بل كان موحدا { شاكرا لأنعمه } ~~اي بل كان شاكرا لنعمه معترفا بها { اجتباه } يعني اختاره الله واصطفاه ~~{ وهداه إلى صراط مستقيم } اي حكم بأنه على صراط مستقيم اي لطف له حتى ~~اهتدى الى طريق الحق. # وقوله ms2269 { وآتيناه في الدنيا حسنة } اي اعطيناه جزاء على هدايته في هذه ~~الدنيا حسنة، وهي: تنويه الله بذكره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته الى ~~مرضاته، وإخلاصه لعبادته، حتى صار إماما يقتدى به، وعلما يهتدى ~~بسنته. قال قتادة: حتى ليس من اهل دين إلا وهو يتولاه ويرضاه. وقال ~~الحسن: معنى { حسنة } يعني نبوته. وقوله { وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~} اخبار منه تعالى انه مع إيتائه الحسنة في الدنيا هو في الآخرة من جملة ~~الصالحين. وانما لم يقل: لفي اعلى منازل الصالحين، مع اقتضاء حاله ذلك، ~~لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبه في جنب ابراهيم، وناهيك ~~هذا الترغيب في الصلاح، وهذا المدح لابراهيم أن يشرف جملة هو منها، حتى ~~يصير الاستدعاء اليها بأنه فيها. # وقوله { أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } أي أمرناك ان اتبع ~~ملة ابراهيم حنيفا مستقيم الطريق، في الدعاء الى توحيد الله، وخلع ~~الانداد، والعمل بسنته، { وما كان } يعني ابراهيم { من المشركين } بعبادة ~~الله غيره. # وقوله { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } اختلفوا في معناه، قال ~~الحسن: معناه انه جعله عليهم بأن لعنهم بالمسخ لاعتدائهم فيه. واختلافهم ~~فيه كان بأن قال بعضهم: هو اعظم الايام حرمة، لانه تعالى فرغ فيه من خلق ~~الاشياء كلها. وقال آخرون: بل الاحد أفضل، لانه ابتدا أخلق الاشياء فيه. ~~وقال مجاهد، وابن زيد: عدلوا عما أمروا به من تعظيم الجمعة. # ووجه اتصال هذه الاية بما تقدم أنه لما أمر باتباع الحق، حذر من ~~الاختلاف فيه، بما ذكره من حال المختلفين في السبت، بما ليس لهم ان ~~يختلفوا فيه، فشدد عليهم فرضه، وضيق عليهم أمره وقال قوم: معنى { ~~اختلفوا فيه } اي خالفوا فيه، لأنهم نهوا عن الصيد فيه فنصبوا الشباك يوم ~~الجمعة، ودخل فيها السمك يوم السبت، فأخذوه يوم الاحد. ثم قال { وإن ربك ~~} يا محمد { ليحكم بينهم } أي يفصل بينهم يوم القيامة في الذي كانوا ~~مختلفين فيه، ويبين لهم الصحيح من الفاسد. ### || [16.125-128] # قرأ ابن كثير وإسماعيل عن نافع { ضيق ms2270 } بكسر الضاد. الباقون بفتحها، ~~فمن فتح اراد { ضيق } فخفف مثل سيد وسيد، وميت وميت وهين وهين. ويجوز ان ~~يكون أراد جمع ضيقة كما قال الشاعر: # كشف الضيقة عنا وفسح # ومن كسر يجوز أن يجعله لغتين، ويجوز أن يكون الضيق إسما والضيق ~~مصدرا والاختيار ان يقال: الضيق في المكان والمنزل، والضيق في غير ~~ذلك، فان كان كذلك " فالاختيار ولا تك في ضيق " لأنه تعالى لم يرد ضيق ~~المعيشة، ولا ضيق المنزله. وأصل { ولا تك } ولا تكن، فاستثقلوا الضمة على ~~الواو فنقلوها إلى الكاف، فالتقى ساكنان: الواو، والنون؛ فحذفوا الواو؛ ~~لالتقاء الساكنين، ومن حذف النون أيضا، فلان النون ضارعت حروف المد ~~واللين، وكثر استعمال (كان يكون) فحذفوها كذلك ألا ترى أنك تقول: لم ~~يكونا. والأصل يكونان فأسقطوا النون بالجزم وشبهوا لم يك في حذف النون ~~بلم يكونا. # أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو عباده المكلفين ~~بالحكمة، وهو أن يدعوهم إلى أفعالهم الحسنة التي لها مدخل في استحقاق ~~المدح والثواب عليها، لأن القبائح يزجر عنها، ولا يدعو اليها، والمباح لا ~~يدعو إلى فعله، لأنه عبث، وإنما يدعو إلى ما هو واجب أو ندب، لانه ~~يستحق بفعله المدح والثواب، والحكمة هي المعرفة بمراتب الافعال في الحسن ~~والقبح والصلاح والفساد. وقيل لها: حكمة، لانها بمنزلة المانع من الفساد، ~~وما لا ينبغي أن يختار، والاصل المنع كما قال جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم # إني أخاف عليكم أن أغضبا # أي امنعوهم من السفه، والفرق بين الحكمة والعقل: أن العاقل هو العاقد ~~على ما يمنع من الفساد، والحكيم هو العارف بما يمنع من الفساد، والحكمة ~~مشتركة بين المعرفة وبين العقل المستقيم، لان كل واحد منهما ممتنع من ~~الفساد عار منه. والقديم تعالى لم يزل حكيما بمعني لم يزل عالما، ولا ~~يجوز لم يزل حكيما فيما يستحق لاجل الفعل المستقيم، وكل حكمة يكون بتركها ~~مضيعا لحق النعمة يجب على المكلف طلبها. معرفة كانت أو فعلا. والموعظة ~~الحسنة. معناه الوعظ الحسن وهو الصرف عن القبيح ms2271 على وجه الترغيب في تركه ~~والتزهيد في فعله. وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع. وقيل: ان ~~الحكمة النبوة. والموعظة القرآن { وجادلهم بالتي هي أحسن } فالجدال فتل ~~الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج { بالتي هي أحسن } وفيه الرفق والوقار ~~والسكينة مع نصرة الحق بالحجة. ثم أخبر { إن ربك } يا محمد { أعلم بمن ضل ~~عن سبيله } بأن عدل عنها و { أعلم } من غيره بمن اهتدى اليها وليس عليك ~~غير الدعاء. # وقوله { وإن عاقبتم فعاقبوا } قيل: في سبب نزول هذه الآية قولان: # احدهما - ان المشركين لما مثلوا بقتلى أحد. # قال المسلمون: متى اظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم اعظم مما مثلوا بنا. ~~ذكره الشعبي وقتادة وعطاء. # الثاني - قال مجاهد وابن سيرين وابراهيم: انه في كل ظالم بغصب او نحوه. ~~فإنما يجازى بمثل ما عمل. # وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال، لان هذا قبل ان يؤمروا بالجهاد ~~ثم قال { ولئن صبرتم } اي إن تركتم المجازاة والقصاص وتجرعتم مرارته { ~~لهو خير للصابرين } في العاقبة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد ~~به أمته معه { واصبر } يا محمد وليس صبرك { إلا بالله } اي إلا بتوفيق ~~الله وإقداره وترغيبه فيه { ولا تحزن عليهم } يعني على المشركين، ~~لإعراضهم عنك. وقيل المراد لا تحزن على قتلى أحد لما اعطاهم الله من ~~الخير { ولا تك في ضيق مما يمكرون } اي لا يكن صدرك ضيقا مما يمكر به ~~المشرك من الخديعة وغيرها، وما فعلوا بقتلى أحد من المثلى { إن الله ~~مع الذين اتقوا } معاصيه خوفا من عقابه، بالنصر لهم والتأييد، ومع { ~~الذين هم محسنون } في افعالهم، غير فاعلين للقبائح يقذف في قلوب اعدائهم ~~الرعب، خوفا من رسول الله وسراياه ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1-3] # قرأ ابو عمرو وحده { ألا يتخذوا } بالياء. الباقون بالتاء، والمعنى ~~فيهما قريب، والتقدير، { وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا } وقلنا ~~لهم: لا تتخذوا، كما تقول: قلت لزيد قم، وقلت له ان يقوم. وقال تعالى # قل للذين كفروا ستغلبون # بالتاء والياء. ومعنى { من دوني وكيلا } أي كافيا وربا، ms2272 ونصب { ذرية ~~} على النداء، وهو خطاب لجميع الخلق، لأن الخلق كله من نسل نوح من بنيه ~~الثلاثة: حام: وهو ابو السودان، ويافث: وهو أبو البيضان: الروم والترك ~~والصقالبة وغيرهم، وسام: وهو ابو العرب والفرس. وتقديره يا ذرية من ~~حملنا، ووزن " ذرية " فعلية، من الذر، ويجوز ان يكون (فعولة) من الذر ~~واصله (ذروية) فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء، قال أبو علي النحوي: ~~ويجوز ان يكون نصبا على أنه مفعول الاتخاذ لأنه فعل يتعدى إلى مفعولين ~~كقوله # واتخذ الله إبراهيم خليلا # وقال # اتخذوا أيمانهم جنة # وعلى هذا يكون مفعولا ثانيا على القراءتين، ومتى نصبته على النداء، ~~فانما يتأتى ذلك في قراءة من قرأ بالتاء، والاسهل أن يكون على قراءة من ~~قرأ بالياء، لأن الياء للغيبة، والنداء للخطاب، و (أن) في قوله { ألا ~~تتخذوا } يحتمل ثلاثة أوجه: # احدها أن تكون (أن) الناصبة للفعل، والمعنى جعلناه هدى، كراهة أن ~~تتخذوا، أو لان لا تتخذوا. # والثاني - أن تكون (أن) بمعنى أي، لانه بعد كلام تام والتقدير أي لا ~~تتخذوا. # والثالث - أن تكون (أن) زائدة، ويضمر القول. # والوكيل لفظه واحد، والمراد به الجمع، لأن معناه حينئذ (فعيلا) فيكون ~~مفرد اللفظ والمراد به الجمع، نحو قوله # وحسن أولئك رفيقا # قال أبو عبيد: أهل المدينة يقولون في نصب { سبحان } أنه اسم في موضع ~~مصدر سبحت الله تسبيحا، والتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم منه، كقولك ~~كفرت اليمين تكفيرا، أو كفرانا، والتكفير المصدر، والكفران الاسم، قال ~~أمية ابن أبي الصلت: # سبحانه ثم سبحانا يعود له # وقبلنا سبح الجودي والجمد # وقال بعضهم انه يجوز أن يكون نصبا على النداء، يريد: يا سبحان ومعناه: ~~التنزيه لله والتبعيد له من كل ما لا يليق به، والتسبيح يكون بمعنى ~~الصلاة، كقوله # فلولا أنه كان من المسبحين # أي من المصلين - ذكره اكثر المفسرين - ومنه السبحة وهي النافلة. وروي ~~أنه كان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة ويكون بمعنى ~~الاستثناء، كقوله { فلولا تسبحون } أي فلولا تستثنون، وهي لغة لبعض أهل ~~اليمن، ms2273 ولا وجه للكلام غيره، لأنه قال { إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب ~~الجنة } الى قوله { ولا يستثنون } ثم # قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون # فذكرهم تركهم الاستثناء فأما سبحة النور التي دون الله، قال المبرد: لا ~~يعرف إلا من الخبر الذي روي (لولا ذلك لاحرقت سبحات وجهه) بمعنى نور ~~وجهه أي الذي إذا رأى الرائي قال سبحان الله. # وقال سيبويه { سبحان } براءة الله من السوء وهذا اسم لهذا المعنى معرفة ~~وقال الاعشى: # أقول لما جاءني فخره # سبحان من علقمة الفاخر # اي براءة منه ولا ينزه بلفظ سبحان غير الله، وانما ذكره الشاعر نادرا ~~على الاصل واجراه كالمثل في قوله # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # معناه ليس شيء إلا وفيه دلالة على تنزيه الله مما لا يليق به، ~~وقولهم: سبح تسبيحا أي قال سبحان الله، والسبح في التعظيم الجري فيه. ~~والاسراء سير الليل، اسرى اسراء وسرى يسرى سرى لغتان، قال الشاعر: # وليلة ذات دجى سريت # ولم يلتني عن سراها ليت # وقوله { ليلا } معناه بعض الليل، على تقليل وقت الاسراء، ويقوي ذلك ~~قراءة حذيفة، وعبد الله { من الليل } وروت أم هاني بنت ابي طالب: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان في منزلها ليلة أسري به. وقال الحسن ~~وقتادة: كان في نفس المسجد الحرام. وروي عن أم هاني أن الحرم كله مسجد. ~~والمسجد الاقصى هو بيت المقدس، وهو مسجد سليمان بن داود - في قول الحسن ~~وغيره من المفسرين - وانما قيل له: الأقصى، لبعد المسافة بينه وبين ~~المسجد الحرام. وقال الحسن: صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في ~~المسجد الحرام. ثم أسري به الى بيت المقدس في ليلة ثم رجع، فصلى الصبح في ~~المسجد الحرام، فلما اخبر به المشركين كذبوا ذلك، وقالوا: يسير مسيرة شهر ~~في ليلة واحدة؟! وجعلوا يسألون عن بيت المقدس وما رأى في طريقه، فوصفه ~~لهم شيئا شيئا بما يعرفونه. ثم اخبرهم انه رأى في طريقه قعبا مغطا ~~مملوءا ماء فشرب الماء كله ثم غلطاه كما كان، ووصف ms2274 لهم صفة إبل كانت ~~لهم في طريق الشام تحمل المتاع، فقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها ~~جمل أورق، فقعدوا في ذلك اليوم يستقبلونها، فقال قائل منهم: هذه والله ~~الشمس قد أشرقت، ولم تأت. وقال آخر هذا والله العير يقدمها جمل اورق، كما ~~ذكر محمد، فكان ذلك معجزة له باهرة، ودلالة واضحة لولا العناد، وكان نفس ~~الاسراء حجة له صلى الله عليه وسلم لا انه يحتاج إلى دلالة كغيره، ولذلك ~~قال تعالى { لنريه من آياتنا } فكان الاسراء من جملة الآيات التي تأكد ~~بها يقينه وازدادت به بصيرته، لأنه كان قد علم نبوته بما تقدم له من ~~الآيات، فكان هذا على وجه التأكيد لذلك. # وعند أصحابنا وأكثر أصحاب التأويل، وذكره الجبائي ايضا: انه عرج به في ~~تلك الليلة الى السماء وأت حتى بلغ سدرة المنتهى في السماء السابعة، ~~واراه الله من آيات السموات والارض ما ازداد به معرفة ويقينا، وكان ذلك ~~في يقظته دون منامه، والذي يشهد به القرآن الاسراء من المسجد الحرام الى ~~المسجد الأقصى، والباقي يعلم بالخبر. # وقوله { الذي باركنا حوله } يعني بالثمار ومجاري الانهار، وقيل { باركنا ~~} حوله بمن جعلنا حوله من الانبياء والصالحين، ولذلك جعله مقدسا. { ~~لنريه من آياتنا } من العجائب التي فيها اعتبار. # وروي أنه كان رأى الأنبياء حتى وصفهم واحدا واحدا. # وقوله { إنه هو السميع البصير } اخبار منه تعالى أنه يجب أن يدرك ~~المبصرات والمسموعات اذا وجدت، لأنه حي ولا يجوز عليه الآفات. # وقوله { وآتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { وجعلناه } يعني التوراة ~~التي انزلها { هدى } ودلالة لبني اسرائيل، وقلنا لهم { لا تتخذوا من دوني ~~وكيلا } أي ربا تتوكلون عليه وكافيا تسندون اموركم اليه. وقال مجاهد: ~~معنى { وكيلا } شريكا، قال المبرد: هذا لا شاهد له في اللغة. وقلنا يا { ~~ذرية من حملنا مع نوح } في سفينته وقت الطوفان { إنه كان عبدا شكورا } ~~يعني نوحا كان عبدا كان لله شاكرا له على نعمه. # وروي انه اذا كان اراد أكل طعام أو شراب قال: بسم الله، وإذا شبع ms2275 قال ~~الحمد لله، ومن قال: هو نصب على أنه مفعول، فانه قال تقديره لا تتخذوا ~~ذرية من حملنا مع نوح وكيلا من دوني. ### || [17.4-6] # القضاء على أربعة أقسام: بمعنى الخلق والاحداث، كما قال # فقضاهن سبع سماوات # وبمعنى فصل الحكم كقوله # والله يقضي بالحق # وبمعنى الأمر كقوله # وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه # وبمعنى الاخبار كقوله { وقضينا إلى بني إسرائيل } اي اخبرناهم ~~واعلمناهم بما يكون من الامر المذكور، من انهم سيفسدون في الارض مرتين، ~~ويعلون علوا كبيرا، اي عظيما اي يتجبرون على عباد الله. # قال ابن عباس وقتادة: المبعوث عليهم في المرة الاولى جالوت الى ان قتله ~~داود، وكان ملكهم طالوت. # وقال سعيد ابن المسيب: هو بخت نصر، وقال سعيد بن جبير: هو سنحاريب وقال ~~الحسن: هم العمالقة، وكانوا كفارا. # والفساد الذي ذكره: هو قتلهم الناس ظلما وتغلبهم على اموالهم قهرا ~~واخراب ديارهم بغيا. # والآية تدل على ان قضاء الله بالمعاصي هو اخباره انها تكون. # وقوله { فلما جاء وعد أولاهما } يعني وقت فناء آجالهم ووقت عقوباتهم. ~~والوعد هو الموعود به - ها هنا - ووضع المصدر موضع المفعول به. # وقوله { بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد } قيل في معنى { بعثنا } ~~قولان: # احدهما - قال الحسن: انا خلينا بينهم وبينكم، خاذلين لكم، جزاء على ~~كفركم، ومعاصيكم، كما قال: # أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا # الثاني - قال ابو علي: امرناهم بقتالكم. وقوله { فجاسوا خلال الديار } ~~اي ترددوا وتخللوا بين الدور، يقال: جست أجوس جوسا وجوسانا، قال حسان: # ومنا الذي لاقى بسيف محمد # فجاس به الاعداء عرض العساكر # معناه تخللهم قتلا بسيفه، وقيل: الجوس طلب الشيء باستقصاء. وقوله { وكان ~~وعدا مفعولا } أي كائنا لا محالة على ما أخبرنا به، ثم قال لهم { ~~رددنا لكم الكرة عليهم } يعني الرجعة والنصرة عليهم { وأمددناكم بأموال ~~وبنين } أي أعناكم وكثرناكم { وجعلناكم أكثر نفيرا } اي اكثر انصارا، ~~ونصبه على التمييز، قال الزجاج: يجوز أن يكون { نفيرا } جمع نفير كعبيد ~~وضنين ومعين. قال الفراء: زعموا أن رجلا من همدان بعثه ms2276 الله على بخت ~~نصر، فقتله وعاد الملك إلى بني إسرائيل فعاشوا. ### || [17.7] # قرأ الكسائي { لنسو وجوهكم } بالنون وفتح الواو، كما يقال: لن ندعو، ~~فعلامة النصب فتحة الواو. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم بالياء ~~على واحد " ليسوي " الباقون بالياء والمد، وعلامة النصب - ها هنا - حذف ~~النون، وإنما مدوا، لتمكين الهمزة، لأن كل واو سكنت وانضم ما قبلها ~~وثبتت بعدها همزة، فلا بد من مد، في كلمة كانت أو كلمتين، نحو # قالوا آمنا # وفي كلمة واحدة نحو # تبوء بإثمي # { وتبوء بحمله } وفي قراءة أبي { ليسؤن وجوهكم } بنون خفيفة للتأكيد، ~~كقوله # لنسفعا بالناصية # قال أبو علي الفارسي: لما قال { لتفسدن في الأرض مرتين } وبين المرة ~~الأولى قال { فإذا جاء وعد الآخرة } أي المرة الآخرة بعثناهم { ليسوءوا ~~وجوهكم } فحذف (بعثناهم) لأنه تقدم ذكره، لانه جواب (إذا)، وشرطها ~~يقتضيه، فحذف للدلالة عليه فأما معنى { ليسؤوا } فقال أبو زيد: يقال: ~~سؤته سأة وساءة ومساءة ومسائية وسوأية، وقال { وجوهكم } على أن الوجوه ~~مفعولا ل { يسؤوا } وعدي إلى الوجوه، لان الوجوه قد يراد بها ذوو ~~الوجوه كقوله # كل شيء هالك إلا وجهه # وقال # وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة # وقال # ووجوه يومئذ ناضرة # وقال النابغة: # أقارع عوفا لا أحاول غيرها # وجوه قرود تبتغي من تجادع # فكأن الوجوه إنما خصت بذلك، لانها تدل على ما كان من تغير الوجوه من ~~الناس، من حزن أو مسرة، وبشارة وكآبة. # وحجة من قرأ بالياء والجمع انه أشبه بما قبله وما بعده، لان الذي جاء ~~قبله { بعثنا عليكم عبادا } وبعده { وليدخلوا المسجد } وهو بيت المقدس، ~~والمبعوثون في الحقيقة هم الذين يسؤونهم لقتلهم إياهم وأسرهم لهم، فهو ~~وفق المعنى. # ومن قرأ بالياء والتوحيد، ففاعل { ليسوءوا } أحد شيئين. # أحدهما - أن يكون اسم الله، لأن الذي تقدم { بعثنا } { ورددنا لكم } و ~~{ أمددناكم }. # والآخر - ان يكون البعث والوعد، ودل عليه { بعثنا } المتقدم كقوله # لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم # اي البخل. # ومن قرأ بالنون كان المعنى كقول من قدر ms2277 أن الفعل ما تقدم من اسم الله ~~وجاز ان تنسب المساءة الى الله، وإن كانت من الذين جاسوا خلال الديار في ~~الحقيقة، لانهم فعلوها بقدرة الله وتمكينه، فجاز ان تنسب اليه، كما قال # وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى # ويجوز ان يكون اللام في قوله { ليسؤوا } { وليدخلوا } { وليتبروا } ~~لام العاقبة، لان الله لا يريد منهم ذلك من حيث كان ذلك ظلما وفسادا. # يقول الله تعالى لخلقه من المكلفين { إن أحسنتم } اي فعلتم الافعال ~~الحسنة من الإنعام الى الغير، والافعال الجميلة التي هي طاعة { أحسنتم ~~لأنفسكم } ، لان ثواب ذلك، واصل اليكم { وإن أسأتم } إلى الغير ~~وظلمتموه { أسأتم } لانفسكم لأن وبال ذلك وعقابه واصل اليكم، وإنما ~~قال { فلها } ليقابل قوله { أحسنتم لأنفسكم } والمعنى ان اسأتم فإليها، ~~كما يقال: احسن إلى نفسه ليقابل اساء الى نفسه، على ان حروف الصفات يقوم ~~بعضها مقام بعض اذا تقاربت معانيها، قال تعالى # بأن ربك أوحى لها # والمعنى اوحى اليها. ومعنى انت في منتهى الاساءة، وانت المختص بالاساءة، ~~متقارب. # { فإذا جاء وعد الآخرة } يعني وعد المرة الآخرة { ليسؤوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد } يعني المبعوثين عليكم { كما دخلوه } في المرة الاولى ~~يعنى غيرهم، لان هؤلاء بأعيانهم لم يدخلوها في الدفعة الاولى { وليتبروا ~~ما علوا تتبيرا } فالتبار والهلاك، والدمار واحد، وكل ما انكسر من ~~الزجاج والحديد والذهب تبر. ومعنى { ما علوا تتبيرا } ما غلبوا عليه، ~~وجواب (اذا) محذوف وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم. وقيل: ~~بعثناهم ليسؤوا. ### || [17.8-10] # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم: بأن قل لبني اسرائيل ~~{ عسى ربكم أن يرحمكم } إن أقمتم على طاعته وترك معاصيه { وعسى } من ~~الله واجبة، ويجوز ان يكون بمعنى الابهام على المخاطب. وقوله { وإن عدتم ~~} يعني في معاصي الله، والكفر به وجحد أنبيائه { عدنا } في عذابكم، ~~والتسليط عليكم، كما فعلناه أول مرة، وقال ابن عباس وقتادة: عادوا فبعث ~~الله عليهم المسلمين يذلونهم بالجزية والمحاربة إلى يوم القيامة. قوله { ~~وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد ms2278 وقتادة: ~~محبسا، والحصير الحبس، ويقال للملك حصير، لأنه محجوب، قال لبيد: # وقماقم غلب الرقاب كأنهم # جن لدى باب الحصير قيام # وقال الحسن: يعني مهادا، كما قال # لهم من جهنم مهاد # والحصير البساط المرمول، يحصر بعضه على بعض بذلك الضرب من النسج، ويقال ~~للجنبين: الحصيران، لحصرهما ما أحاطا به من الجوف وما فيه. وفيه لأن بعض ~~أضلاعه حصر مع بعض، ويسمى البساط الصغير حصيرا، وحصير بمعنى محصور، كرضي ~~بمعنى مرضي. # ثم أخبر تعالى أن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم { ~~يهدي } اي يدل { للتي هي أقوم } قال الفراء: لشهادة أن لا إله إلا ~~الله. ويحتمل أن يكون المراد يهدي لجميع سبل الدين، التي هي أصوب من ~~غيرها: من توحيد الله، وعدله، وصدق انبيائه، والعمل بشريعته، وفعل ~~طاعاته، وتجنب معاصيه { ويبشر المؤمنين } يعني القرآن يبشرهم { بأن لهم ~~أجرا كبيرا } وثوابا عظيما، على طاعاتهم، ويبشرهم أيضا ب { أن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } ويجحدون البعث والنشور أعد الله لهم { عذابا ~~أليما } يعني مؤلما موجعا، " واعتدنا " أصله أعددنا فقلبت إحدى ~~الدالين تاء، فرارا من التضعيف إلى حرف من مخرج الدال، وتكون البشارة ~~قد أوقعت على أن لهم الجنة، وأن لعدوهم النار، فلذلك نصب (أن) في ~~الموضعين. ويحتمل أن يكون نصب (أن) الثانية على حذف اللام، والتقدير، لأن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما، ولو كسرت على ~~الاستئناف جاز غير أنه لا يقرأ به احد. ### || [17.11-12] # قيل في معنى قوله { ويدع الإنسان } قولان: # احدهما - ما ذكره ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد انه يدعو على نفسه ~~وولده عند غضبه، فيقول: اللهم العنه واغضب عليه وما اشبهه، فيمنعه الله، ~~ولو اعطاه لشق عليه. # والثاني - قال قوم: انه يطلب ما هو شر له لتعجيل الانتفاع به مثل دعائه ~~بما هو خير له، ويقوي ذلك قوله { وكان الإنسان عجولا } ومعنى قوله { ~~وكان الإنسان عجولا } قال مجاهد: لأنه يعجل بالدعاء بما لا يجوز. وقال ~~ابن عباس: على طبع آدم لما نفخ فيه الروح فبلغت إلى ms2279 رجليه، قبل ان تجري ~~فيهما، رام النهوض. # والعجلة طلب الشيء قبل وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه او ليس بأولى فيه ~~والسرعة عمل الشيء في أول وقته الذي هو أولى به. # ثم أخبر أنه تعالى جعل { الليل والنهار آيتين } يريد الشمس والقمر في ~~هذا الموضع - عند قوم - وقال الجبائي: هما الليل والنهار، وهو الظاهر، ~~وهما دليلان على توحيد الله، لأن احدا لا يقدر على الاتيان بالنهار، ولا ~~على اذهابه والاتيان بالليل، وانما يقدر عليه القادر لنفسه الذي لا يتعذر ~~عليه شيء. # ثم اخبر انه جعل احدى الآيتين ممحوة وهي الليل اي لا تبصر فيها المرئيات ~~كما لا يبصر ما يمحى من الكتاب، وهو من البلاغة العظيمة. # وقال ابن عباس: محو آية الليل السواد الذي في القمر، وروي عن علي (ع) ~~أنه اللطخة التي في القمر. # وقوله { وجعلنا آيه النهار مبصرة } قيل في معناه قولان: # أحدهما - مضيئه للابصار. # الثاني - جعلنا أهله بصراء فيه كما يقال: رجل مخبث أي أهله خبثاء ورجل ~~مضعف أي أهله ضعفاء، فكذلك النهار مبصرا أي أصحابه بصراء. ثم بين ~~الغرض بذلك، وانما جعله كذلك { لتبتغوا فضلا } أي تطلبوا فضلا من ربكم ~~{ ولتعلموا عدد السنين والحساب } في مواقيتكم ومعاملاتكم ومعرفة سنينكم ~~وغير ذلك، فيكثر بذلك انتفاعكم { وكل شيء فصلناه تفصيلا } أي ميزنا كل ~~شيء، تمييزا ظاهرا بينا لا يلتبس، وبيناه بيانا لا يخفى. ### || [17.13-15] # قرأ أبو جعفر { ويخرج } بضم الياء، وفتح الراء، وقرأ يعقوب بالياء ~~وفتحها وضم الراء. الباقون بالنون، وضمها، وكسر الراء. واتفقوا على نصب { ~~كتابا } وقرأ ابن عامر وأبو جعفر { يلقاه } بضم الياء، وفتح اللام ~~وتشديد القاف. الباقون بفتح الياء وسكون اللام وفتح القاف وتخفيفها، ونصب ~~كل انسان بفعل يفسره { ألزمناه } وتقديره ألزمنا كل انسان ألزمناه، ~~كما قال # والقمر قدرناه # فيمن نصب. ومعنى طائره قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة: عمله من خير أو شر ~~كالطائر الذي يجيء من ذات اليمين، فيتبرك به، والطائر الذي يجيء من ذات ~~الشمال فيتشاءم به، وطائره عمله. والزام الله طائره في ms2280 عنقه: الحكم عليه ~~بما يستحقه من ثواب أو عقاب. وقيل: معناه ان يحكم بأن عمله كالطوق في ~~عنقه. ثم اخبر تعالى أنه يخرج للانسان المكلف يوم القيامة كتابا فيه ~~جميع أفعاله مثبتة ما يستحق عليه ثواب او عقاب. # وقوله { يلقاه } قرأ ابن عامر بضم الياء وفتح اللام، وتشديد القاف، ~~بمعنى ان الملائكة يستقبلونهم. الباقون بفتح الياء والقاف، بمعنى أنهم ~~يلقونه ويرونه. # فمن قرأ بالتخفيف، فمن لقيت الكتاب، فاذ ضاعفت قلت لقانيه، وقد يتعدى ~~بتضعيف العين الى مفعولين بعد ان كان متعديا الى مفعول واحد، فاذا بني ~~للمفعول به نقص مفعول واحد من المفعولين، لأن أحدهما يقول مقام الفاعل، ~~لاسناد الفعل اليه، فيبقى متعديا الى مفعول واحد، وعلى هذا قوله # ويلقون فيها تحية وسلاما # وفي البناء للفاعل # ولقاهم نضرة وسرورا # وحكي عن الحسن ومجاهد أنهما قرءا { ويخرج } بفتح الياء وضم الراء، ~~والمعنى يخرج طائره له " كتابا " نصب على التمييز، وقيل في (طائره) أنه ~~عمله. وقيل: أنه حظه، وما قدمه من خير او شر قال المؤرج: الطائر العمل، ~~بلغة الانصار، ويكون المعنى على هذا ويخرج عمله له كتابا أي ذا كتاب، ~~ومعناه أنه مثبت في الكتاب الذي قال فيه # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # وقال # هآؤم اقرؤا كتابيه # وانما قيل لعمله طائره - وطيره في بعض القراءات - على تعارف العرب، ~~يقولون: جرى طائره بكذا، ومثله قوله # قالوا طائركم معكم # وقوله # إنما طائرهم عند الله # وقال ابو زيد: ما مر من طائر أو ظبي أو غيره، كل ذلك عندهم طائر، قال ~~ابو زيد: قولهم: سألت الطير، وقلت للطير، انما هو زجر، وقولهم زجرني ~~الظباء والطير معناه وقع زجري عليهما، على كذا وكذا، من خير أو شر، ومنه ~~قول الكميت: # ولا أنا ممن يزجر الطير همه # أصاح عزاب أو تعرض ثعلب # وقال حسان: # ذرينى وعلمي بالامور وشيمتي # فما طائري فيها عليك بأخيلا # اي ليس رأيي بمشوم، وقال كثير: # أقول إذا ما الطير مرت مخيلة # لعلك يوما فانتظر ان تنالها # معنى مخيلة مكروهة من ms2281 الاخيل، ومعنى { في عنقه } لزوم ذلك له وتعلقه به، ~~ومثله قولهم: طوقتك كذا، وقلدتك كذا اي الزمته إياك ومثله، قلده السلطان ~~كذا، اي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة، وإنما خص إلزام ~~الطائر بالعنق، لأنه إضافة ما يزين من طوق، او ما يشين من عمل يضاف الى ~~الاعناق، ولأن في عرف الناس ان يقولوا: هذا في رقبتك. وقد يضاف العمل الى ~~اليد ايضا كما قال # ذلك بما قدمت أيديكم # وإن كان كسبه بفرجه ولسانه، وغير ذلك، وإنما يذم بذلك على وجه التقريع ~~والتبكيت بما فعله من المعاصي، ويكون في العلم بذلك لطف في دار الدنيا، ~~وان كان الله عالما بتفصيل ما فعلوه. # وقوله { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } اي حسبك نفسك اليوم حاكما عليك ~~في عملك وما تستحقه من ثواب على الطاعة ومن عقاب على المعصية، لانه أنصفك ~~من جعلك حسيبا على نفسك بعملك. وقيل معنى { حسيبا } شاهدا وشهيدا. # وقوله { من اهتدى } يعني فعل الخيرات والطاعات وانتفع بهداية الله إياه ~~{ فإنما يهتدي لنفسه } وأن ثواب ذلك واصل اليه { ومن ضل } اي جار عن ~~الحق وعدل عن الصواب وارتكب المعاصي { فإنما يضل عليها } اي يجور عليها ~~لأن عقاب ذلك ووباله واصل اليه، لأن الله تعالى قال { لا تزر وازرة وزر ~~أخرى } اي لا يأخذ احدا بذنب غيره، والوزر الإثم، وقيل معناه لا يجوز ~~لأحد أن يعمل الإثم، لأن غيره عمله، والأول أقوى. # وقوله { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } اخبار من الله أنه لا ~~يعاقب احدا على معاصيه، حتى يستظهر عليه بالحجج وانفاذ الرسل ينبهونه ~~على الحق، ويهدونه اليه ويرشدونه الى سلوكه، استظهارا في الحجة، لانه ~~اذا اجتمع داعي العقل وداعي السمع الى الحق، تأكد الامر وزال الريب فيما ~~يلزم العبد، وليس في ذلك دلالة على انه لو لم يبعث رسولا لم يحسن منه ان ~~يعاقب اذا ارتكب العبد القبائح العقلية، اللهم إلا أن يفرض أن في ~~بعثه الرسول لطفا، فإنه لا يحسن من الله تعالى مع ذلك أن ms2282 يعاقب احدا ~~إلا بعد أن يعرفه ما هو لطف له ومصلحة لتزاح علته. وقيل: معناه { وما ~~كنا معذبين } بعذاب الاستئصال والاهلاك في الدنيا { حتى نبعث رسولا }. # وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: من ان الله يعذب اطفال الكفار ~~بكفر آبائهم، لانه بين أنه لا يأخذ احدا بجرم غيره. ### || [17.16] # قرأ يعقوب { آمرنا } بمد الهمزة. وعن الحسن { أمرنا } بالتشديد، وروي ~~عنه { أمرنا } بكسر الميم خفيفة وهي ردية. # ذكر في هذه الآية وجوه أربعة: # أحدها - ان مجرد الاهلاك لا يدل على أنه حسن أو قبيح، بل يمكن وقوعه على ~~كل واحد من الأمرين، فإذا كان واقعا على وجه الظلم، كما قبيحا، وإذا ~~كان واقعا على وجه الاستحقاق أو على وجه الامتحان، كان حسنا، فتعلق ~~الارادة به لا يقتضى تعلقها على الوجه القبيح. وإذا علمنا أن القديم لا ~~يفعل القبيح، علمنا أن إرادته الاهلاك على الوجه الحسن. # وقوله { أمرنا مترفيها } المأمور به محذوف، وليس يجب أن يكون المأمور به ~~هو الفسق وان وقع بعده الفسق، بل لا يمتنع أن يكون التقدير: وإذا أردنا ~~أن نهلك قرية أمرناهم بالطاعة، ففسقوا فيها فحق عليها القول، وجرى ذلك ~~مجرى قولهم: أمرته فعصى ودعوته فأبى، والمراد أمرته بالطاعة ودعوته إلى ~~الاجابة والقبول، فعصى. # فإن قيل: أي معنى لتقدم الارادة؟ فإن كانت متعلقة بإهلاك يستحق بغير ~~الفسق المذكور في الآية، فلا معنى لقوله { إذا أردنا... أمرنا } ، لأن ~~أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال، ~~وإن كانت الارادة متعلقة بالاهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور في ~~الآية، فهو الذي تأبونه، لأنه يقتضي أنه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحق ~~العقاب!!. # قلنا: لم تتعلق الارادة إلا بالإهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب، ~~وإنما حسن قوله { إذا أردنا... أمرنا } أن في تكرار الأمر بالطاعة ~~بالايمان إعذارا للعصاة وإنذارا لهم وإيجابا للحجة عليهم، ويقوي ~~ذلك قوله قبل هذه الآية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } منبها بذلك ~~أنه أراد إثبات الحجة وتكررها عليهم # الثاني - أن يكون ms2283 قوله { أمرنا مترفيها } من صفة القرية وصلتها، ولا ~~يكون جوابا لقوله { وإذا أردنا } ويكون تقدير الكلام: وإذا أردنا أن ~~نهلك قرية من صفتها أنا { أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } ولا يكون ل ~~(إذا) جواب ظاهر في اللفظ، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة ~~عليه، ومثله قوله # حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم # إلى قوله # فنعم أجر العاملين # ولم يأت ل (إذا) جواب في طول الكلام للاستغناء عنه، وقال الهذلي: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما يطرد الجمالة الشردا # فحذف جواب (إذا) ولم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة. # الثالث - أن يكون الكلام على التقديم والتأخير، وتقديره إذا أمرنا ~~مترفي قرية بالطاعة، فعصوا، واستحقوا العقاب، أردنا إهلاكهم، ويشهد بهذا ~~التأويل قوله # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # فالطهارة انما تجب قبل القيام الى الصلاة. # ومثله قوله # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك # وقيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة لأن إقامتها هو ~~الاتيان بجميعها على الكمال. ومثله قوله # ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة # والتقدير ما إن مفاتحه لتنوء بها العصبة أي يثقلون بها، ومثله قول ~~الشاعر: # ذعرت القطا ونفيت عنه # مقام الذئب كالرجل اللعين # أراد مقام الذئب اللعين، وقد فصلوا بين المضاف والمضاف اليه قال الشاعر: # بين ذراعي وجبهة الأسد # اراد بين ذراعي الأسد وجبهته. # والرابع - أن يكون ذكر الارادة في الآية مجازا واتساعا وتنبيها على ~~المعلوم من حال القوم وعاقبة أمرهم، وأنهم متى أمروا فسقوا وخالفوا، وجرى ~~ذلك مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل وجه، وجاء ~~الخسران من كل طريق، وإذا اراد العليل ان يموت خلط في مأكله، ومعلوم أن ~~احدا ممن ذكرناه لم يرد ذلك؛ لكن لما كان المعلوم من حال هذا الخسران، ~~ومن حال ذاك الهلاك، حسن هذا الكلام، وكان أفصح وأبلغ، لما فيه من ~~الاستعارة والمجاز الذي لا يكون الكلام بليغا من دونهما. ويكون ms2284 تلخيص ~~الكلام: إذا اردنا اهلاك قرية كقوله # جدارا يريد أن ينقض # أمرناهم بالطاعة، ففسقوا فيها، فحق عليها القول. # وانما خص المترفون بذكر الأمر، لأنهم الرؤوساء الذين من عداهم تبع لهم، ~~كما أمر فرعون ومن عداه تبع له من القبط. ومن حمله على ان المراد به ~~أكثرنا قال: لأن الأمر بالطاعة ليس بمقصور على المترفين، بل هو عام ~~لجميعهم، فلذلك شدد الميم أو مد الهمزة. # وانما قال { ففسقوا فيها } ولم يقل: فكفروا، لأن المراد فتمردوا في ~~كفرهم لأن الفسوق في الكفر الخروج إلى افحشه، فكأنه قال ففسقوا بالخروج ~~عن الأمر الى الكفر. # وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: المعنى أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، ومثله ~~امرتك فعصيتني. # ومن قرأ { أمرنا مترفيها } بتشديد الميم من التأمير بمعنى التسليط، وقد ~~يكون بمعنى أكثرنا. ويجوز ان يكون المعنى أكثرنا عددهم أو مالهم، وقرىء ~~{ آمرنا } ممدودا، والمعنى اكثرنا مترفيها، وإنما قيل في الكثرة آمر ~~القوم، لأنهم يحتاجون إلى أمير يأمرهم وينهاهم، فقد آمروا لذلك، قال ~~لبيد: # ان يغبطوا يهبطوا وان آمروا # يوما يصيروا للهلاك والفند # وروى والكند وقال بعضهم أمرنا بمعنى اكثرنا، وقال ابو عمرو: ولا يكون من ~~هذا المعنى { أمرنا } قال ابو عبيد: يدل على هذه اللغة قولهم: سكة مأبورة ~~ومهرة مأمورة، أي كثيرة الولد. ومن قال بالأول قال هذا لمكان الازدواج، ~~كما قالوا الغدايا والعشايا، والغداء لا يجمع على غدايا، ولكن قيل ذلك ~~ليزدوج الكلام مع قولهم: العشايا، وقال قوم: يقال أمرالشيء وأمرته اي ~~كثر وكثرته لغتان، مثل رجع ورجعته. والمشهور الاول. وإنما تعدى اما ~~بالتضعيف او الهمزة، وإذا كان مخففا فهو من الأمر الذي هو خلاف النهي، ~~على ما بيناه. وقال المبرد: { أمرنا } خفيفة بمعنى اكثرنا، وروى الجرمي: ~~فعلت وأفعلت - عن ابي زيد - بمعنى واحد، قال وقرأته على الاصمعي. و " ~~دمرنا " معناه أهلكنا، والدمار الهلاك. ### || [17.17-19] # اخبر الله تعالى بأنه اهلك من القرون من بعد نوح، أمما كثيرة، لأن " ~~كم " يفيد التكثير ضد (رب) الذي يفيد التقليل، (والقرن) قيل: مئة وعشرون ~~سنة - في قول ms2285 عبد الله ابن أبي أوفى - وقال محمد بن القاسم المازني: هو ~~مئة سنة، وقال قوم: هو اربعون سنة. وادخلت الباء في قوله { كفى بربك } ~~للمدح: كما تقول: ناهيك به رجلا، وجاد بثوبك ثوبا، وطاب بطعامك طعاما ~~واكرم به رجلا، وكل ذلك في موضع رفع، كما قال الشاعر: # ويخبرني عن غائب المرء هديه # كفى الهدى عما غيب المرؤ مخبرا # فرفع لما اسقط الباء. والمعنى: كفى ربك عالما وحسيبا بذنوب عباده ~~بصيرا بها، ثم قال { من كان يريد } المنافع { العاجلة } في الدنيا { ~~عجلنا له فيها } يعني في الدنيا القدر الذي نريده لمن نريد، لا على قدر ~~ما يريدون، لأن ما يريدونه ربما كانت فيه مفسدة، لا يجوز إعطاؤهم إياه، ~~ثم بين انه إذا اعطاهم ما طلبوه عاجلا جعل لهم جهنم جزاء، على معاصيهم ~~وكفرهم يصلونها مذمومين مدحورين، اي في حال ذمنا إياهم، يقال: ذأمته، ~~وذمته، وذممته بمعنى واحد فهو مذؤم ومذيم ومذموم، ويكون ذأمته اي طردته، ~~فهو مذؤم. و { مدحورا } اي متباعدا من رحمة الله دحرته أدحره دحرا اي ~~باعدته. # ثم قال { ومن أراد الآخرة } اي خير الآخرة، ثواب الجنة { وسعى لها ~~سعيها } بأن فعل الطاعات وتجنب المعاصي، وهو مع ذلك مؤمن مصدق بتوحيد ~~الله ومقر بأنبيائه، فإن أولئك يكون { سعيهم مشكورا } اي تكون طاعاتهم ~~مقبولة. وقال قتادة: شكر الله حسناتهم، وتجاوز عن سيآتهم. والمعنى أحلهم ~~محلا يشكر عليه في حسن الجزاء كما قال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا ### || [17.20-22] # قوله { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء } نصب { كلا } ب { نمد } { وهؤلاء } ~~بدل منه والمعنى إنا نعطي البر والفاجر، والمؤمن والكافر في الدنيا. ~~واما الآخرة فللمتقين خاصة { وما كان عطاء ربك محظورا } اي لم يكن عطاء ~~الله ممنوعا، ثم قال لنبيه والمراد به أمته معه { انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض } بأن جعلنا بعضهم اغنياء، وبعضهم فقراء، وبعضهم موالي، ~~وبعضهم عبيدا، وبعضهم اصحاء وبعضهم مرضى، بحسب ما علمنا من مصالحهم. ثم ~~قال { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تعضيلا } لانهم معطون على مقدار طاعتهم؛ ~~فمن ms2286 كان كثير الطاعة حصلت له الدرجات العالية من الثواب. وإنما اراد ~~يبين أن التفاضل في الدنيا إذا كان يتنافس عليه، فالتفاضل في الجنة اولى ~~بأن يرغب فيه. # ثم قال لنبيه والمراد به امته { لا تجعل مع الله إلها آخر } توجه ~~إليه عبادتك وتستدعي الحوائج من قبله فإنك إن فعلت ذلك قعدت مذموما ~~مخذولا، واذا كان الخطاب عاما كان التقدير، فلا تجعل ايها الانسان مع ~~الله إلها آخر. ونصب { فتقعد } لأنه جواب النهي. ### || [17.23-24] # قرا حمزة والكسائي وخلف " يبلغان " بألف وكسر النون على التثنية. ~~الباقون يبلغن على الوحدة. وقرأ ابن كثير، وابن عباس، ويعقوب " اف " ~~بفتح الفاء من غير تنوين. وقرأ اهل المدينة وحفص بكسر الفاء مع التنوين. ~~الباقون بكسر الفاء من غير تنوين. ومثله في الاحقاف. # قال ابو علي الفارسي قوله { أحدهما } مرتفع بالفعل، وقوله { أو كلاهما } ~~معطوف عليه، والذكر الذي عاد من قوله { أحدهما } يغني عن إثبات علامة ~~الضمير في { يبلغن } , فلا وجه لمن قال: إن الوجه إثبات الالف، لتقدم ~~ذكر الوالدين. ويجوز ان يكون رفع { أحدهما } على البدل من الضمير في { ~~يبلغان } ويجوز ان يرفعه بفعل مجدد على تقدير إما يبلغان عندك الكبر. ~~يبلغ احدهما او كلاهما، ويكون رفعا على السؤال والتفسير كقوله # وأسروا النجوى الذين ظلموا # ومن اثبت الألف، فعلى وجه التأكيد، ولو لم يذكر لم يخل بالكلام نحو ~~قوله # أموات غير أحياء # فقوله { غير أحياء } توكيد، لأن قوله { أموات } دل عليه قال: وقول ابن ~~كثير (أف) يبني الفاء على الفتح، لأنه وان كان في الأصل مصدرا من ~~قولهم (أفه وتفه) يراد به نتنا وذفرا، لقد سمي الفعل به فبني، وهذا في ~~البناء على الفتح كقولهم (سرعان ذا إهالة) لما سار اسما ل (سرع)، ~~فكذلك (أف) لما كان اسما ل (كره)، ومثله ريدا، في أنه سمي به الفعل، ~~فبني ولم يلحق التنوين إلا ان هذا للأمر والنهي، واف في الخبر. وقول ~~نافع في البناء على الكسر مع التنوين، مثل (أف) في البناء على الفتح: ~~إلا أنه بدخول ms2287 التنوين دل على التنكير مثل إيه ومه وصه، ومثله قولهم ~~صه، فبنوه على الكسر، وإن كان في الأصل مصدرا، كما كان (أف) في الأصل ~~كذلك، ومن كسر ولم ينون جعله معرفة، فلم ينون، كما أن من قال: صه وضاف، ~~فلم ينون اراد به المعرفة. # وموضع (أف) على اختلاف القراءات موضع الجمل، مثل (رويد) في أن موضعه ~~موضع الجمل وكذلك لو قلت: هذا فدا قال أبو الحسن. وقول من قال (اف) اكثر ~~وأجود ولو جاء (أفا لك) أحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الذي صار إسما ~~للفعل لحقه التنوين لعلامة التنكير. والآخر أن يكون نصبا معربا، وكذلك ~~الضمير، فإن لم يكن معه لك كان ضعيفا، كما انك لا تقول ويل حتى تقرن به ~~لك، فيكون في موضع الخبر و (أف) كلمة يكنى بها عن الكلام القبيح وما ~~يتأفف به، لأن التف وسخ الظفر و (الاف) وسخ الاذن. وقيل التف كل ما رفعت ~~بيدك من حقير من الأرض، وقيل معنى الأف الثوم، وقيل الشر، وقد جرى مجرى ~~الاصوات، فزال عنه الاعراب مثل (صه) ومعناه اسكت، ومه ومعناه كف وهيهات ~~هيهات اي بعيد بعيد، فاذا نونت أردت النكرة أي سكوتا وقبحا، واذا لم ~~تنون أردت المعرفة. # وإنما جاز تحريك الفاء بالضم والفتح والكسر، لان حركتها ليست حركة ~~إعراب، وانما هي حركة التقاء الساكنين فتفتح لخفة الفتحة، وتضم اتباعا ~~للضم قبله، وقيل تضم تشبيها بقبل وبعد وتكسر على أصل حركة التقاء ~~الساكنين. # وفي (أف) سبع لغات: أف واف واف وافا و أفي مماله، وزاد ابن ~~الانباري بسكون الفاء. وروي عن الرضا عن أبية عن جعفر بن محمد (ع) انه ~~قال (لو علم الله لفظ أوجز في ترك عقوق الوالدين من (أف) لاتى به). فان ~~قيل هل اباح الله أن يقال لهما أف قبل أن يبلغا الكبر؟ قلنا: لا، لأن ~~الله أوجب على الولد إطاعة الوالدين على كل حال. وحظر عليه أذاهما ~~وإنما خص الكبر، لأن وقت كبر الوالدين مما يضطر فيه الوالدان إلى ~~الخدمة اذا ms2288 كانا محتاجين عند الكبر، وفي المثل يقال فلان أبر من النسر، ~~لان النسر إذا كبر ولم ينهض للطيران جاء الفرخ فزقه، كما كان أبواه ~~يزقانه، ومثله قوله # ويكلم الناس في المهد وكهلا # والوجه في قوله { وكهلا } مع ان الناس يكلمون كلهم حال الكهولة ان الله ~~اخبر أن عيسى يكلم في المهد أعجوبة وأخبر أنه يعيش حتى يكتهل ويتكلم بعد ~~الكهولة، ونحوه قوله # والأمر يومئذ لله # وانما خص ذلك اليوم بأن الأمر لله، لأن في الدنيا مع أنه يملك، قد ملك ~~اقواما جعلهم ملوكا وخلفاء، وذلك اليوم لا يملك سواه. # معنى قوله { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } أمر، في قول ابن عباس ~~والحسن وقتادة وابن زيد. فإن قيل: الامر لا يكون أمرا بألا يكون ~~الشيء، لأنه يقتضي إرادة المأمور به، والإرادة لا تتعلق بألا يكون ~~الشيء، وإنما تتعلق بحدوث الشيء. # قلنا: المعنى انه كره ربكم عبادة غيره وأراد منكم عبادته على وجه ~~الإخلاص وسمى ذلك أمرا ب { أن لا تعبدوا إلا إياه } لأن معناهما ~~واحد. وقوله { وبالوالدين إحسانا } العامل في الباء يحتمل شيئين: أحدهما ~~- وقضى بالوالدين إحسانا. والثاني - وأوصى، وحذف لدلالة الكلام عليه، ~~والمعنى متقارب، والعرب تقول: أمر به خيرا وأوصى به خيرا، وقال الشاعر: # عجبت من دهماء إذ تشكونا # ومن أبي دهماء اذ يوصينا # خيرا بها كأننا جافونا # فأعمل " يوصينا " في الخير، كما أعمل في الاحسان. وقوله { إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } معناه متى بلغ واحد منهما أو هما الكبر { ~~فلا تقل لهما أف } أي لا تؤذهما بقليل ولا كثير { ولا تنهرهما } أي لا ~~تزجرهما بإغلاظ وصياح يقال: نهره ينهره نهرا، وانتهره انتهارا إذا ~~أغلظ له { وقل لهما قولا كريما } أي شريفا تكرمهما به. وتوقرهما { ~~واخفض لهما جناح الذل } أي تواضع لهما واخضع لهما. # وقرأ سعيد بن جبير { الذل } بكسر الذال. والذل والذلة مصدر الذليل، ~~والذل مصدر الذلول، مثل الدابة والارض تقول: جمل ذلول، ودابة ذلول { وقل ~~رب ارحمهما كما ربياني صغيرا } أي ادع لهما بالمغفرة والرحمة ms2289 كما ~~ربياك في حال صغرك. وقال قوم الاستغفار لهما منسوخ إذا كانا مشركين ~~بقوله # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين # وقال البلخي: الآية تختص بالمسلمين. ### || [17.25-27] # يقول الله تعالى مخاطبا للمكلفين من عباده إنه أعلم بهم، ومعناه إن ~~معلوماته أكثر من معلوماتكم، وقد يقال: أعلم بمعنى أثبت فيما به يعلم، ~~فيجيء من هذا إن الله تعالى أعلم بأن الجسم حادث من الانسان العالم به. ~~وكذلك كل شيء يمكن ان يعلم على وجوه متغايرة، فالله تعالى عالم به على ~~تلك الوجوه وإن خفي على الواحد منا بعضها. # ومعنى { بما في نفوسكم } اي بما تضمرونه وتخفونه عن غيركم، فالله أعلم ~~به منكم، وفي ذلك غاية التهديد. ثم قال { إن تكونوا صالحين } اي تفعلون ~~الأفعال الصالحة الحسنة الجميلة، فان الله { كان للأوابين غفورا } معنى ~~{ الأوابين } التوابين وهم الذين يتوبون مرة بعد مرة - في قول سعيد بن ~~المسيب - كلما أذنب ذنبا بادر بالتوبة. وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: ~~الأواب هو الراجع عن ذنبه بالتوبة. وأصله الرجوع يقال: آب يؤوب أوبا ~~إذا رجع من سفره، قال عبيد بن الأبرص. # وكل ذي غيبة يؤب # وغائب الموت لا يؤب # ثم قال { وآت ذا القربى حقه } وهو أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~ان يعطي ذوي القربي حقوقهم التي جعلها الله لهم، فروي عن ابن عباس ~~والحسن: انهم قرابة الانسان. وقال علي بن الحسين (ع): هم قرابة الرسول، ~~وهو الذي رواه ايضا اصحابنا. وروي انه لما نزلت هذه الآية استدعى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فاطمة (ع) وأعطاها فدكا وسلمه اليها، وكان وكلاؤها ~~فيها طول حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مضى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذها ابو بكر، ودفعها عن النحلة. والقصة في ذلك مشهورة، فلما لم ~~يقبل بينتها، ولا قبل دعواها طالبت بالميراث، لأن من له الحق إذا منع ~~منه من وجه جاز له ان يتوصل اليه بوجه آخر، فقال لها: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول # " نحن ms2290 معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # فمنعها الميراث أيضا وكلامهما في ذلك مشهور، لا نطول بذكره الكتاب. # وقوله { والمسكين وابن السبيل } أي واعطوا هؤلاء أيضا حقوقهم التي ~~جعلها الله لهم من الزكوات وغير ذلك. ثم نهاهم عن التبذير بقوله { ولا ~~تبذر تبذيرا } والتبذير التفريق بالاسراف. وقال عبد الله: التبذير ~~إنفاق المال في غير حقه، وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال مجاهد لو انفق ~~مدا في باطل كان تبذيرا. # ثم قال { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } وقيل في معناه قولان. # احدهما - إن الشيطان أخوهم باتباعهم آثاره وجريهم على سنته. # والثاني - انهم يقرنون بالشيطان في النار. ثم أخبر عن حال الشيطان بأنه ~~كفور لنعم الله تعالى وجاحد لآلائه. ### || [17.28-30] # يقول الله تعالى { وإما تعرضن } وتقديره، وإن تعرض و (ما) زايدة. ~~والمعنى: ومتى ما صرفت وجهك عنهم، يعني عن الذين أمروا بإعطائهم حقوقهم ~~ممن تقدم ذكره، لأنه قد يعرض عند عوز ما طلبوه، ليبتغي الفضل من الله، ~~والسعة التي يمكنه معها البذل، والتقدير وإذا أتتك قرابتك أو سواهم من ~~المحتاجين يسألونك فأعرضت عنهم, لأنه لا شيء عندك، فقل لهم قولا حسنا، ~~اي عدهم عدة جميلة. والاعراض صرف الوجه عن الشيء، وقد يكون عن قلى, وقد ~~يكون للاشتغال بما هو الاولى، وقد يكون لاذلال الجاهل مع صرف الوجه عنه، ~~كما قال # وأعرض عن الجاهلين # وقوله { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } والابتغاء الطلب. وقوله { ترجوها } ~~معناه تأملها، والرجاء تعلق النفس بطلب الخير ممن يجوز منه، ومن يقدرعلى ~~كل خير وصرف كل شر، فهو أحق بأن يرجا، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع) (ألا ~~لا يرجون احدكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه). # وقوله: { وقل لهم قولا ميسورا } المعنى إذا أعرضت ابتغاء رزق من ربك، ~~فقل لهم قولا لينا سهلا، مثل: زقنا الله تعالى، وهو قول الحسن ومجاهد ~~وابراهيم وغيرهم. وقال ابن زيد: تعرض عنهم إذا خشيت أن ينفقوا بالعطية ~~على معاصي الله، فيكون تبتغي رحمة من الله لهم بالتوبة، وأصل التيسير ~~التسهيل، واليسر خلاف العسر، ms2291 وقد يكون التيسير بالتقليل، فيسهل عليه ~~لقلته، ويكون بمنزلة المعونة على عمله. # ثم قال تعالى { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي لا تكن ممن لا يعطي ~~شيئا ولا يهب، فتكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه، لا يقدر على ~~الاعطاء وذلك مبالغة في النهي عن الشح والامساك { ولا تبسطها كل البسط } ~~أي ولا تعط ايضا جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر ~~فيها شيء وذلك كناية عن الاسراف. وقوله { فتقعد ملوما محسورا } معناه ~~إن امسكت قعدت ملوما عند العقلاء مذموما، وإن اسرفت بقيت محسورا، أي ~~مغموما متحسرا، وأصل الحسر الكشف من قولهم، حسر عن ذراعيه يحسر حسرا، ~~إذا كشف عنهما. والحسرة الغم لانحسار ما فات، ودابة حسير إذا كلت لشدة ~~السير، لانحسار قوتها بالكلال. وكذلك قوله # ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير # والمحسور المنقطع به لذهاب ما في يده، وانحساره انقطاعه عنه، قال ~~الهذلي: # إن العسير بها داء مخامرها # فشطرها نظر العينين محسور # ثم قال { إن ربك } يا محمد { يبسط الرزق لمن يشاء } فيوسعه عليه على ~~حسب ما يعلم له من المصلحة فيه { ويقدر } أي يضيق عليه لعلمه بما فيه من ~~الصلاح، كما قال # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # وقوله { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } أي وهو عالم بأحوالهم، لا يخفى ~~عليه ما يصلحهم، وما يفسدهم، فيفعل معهم بحسب ذلك. ### || [17.31-33] # قرأ ابن كثير " خطاء " بكسر الخاء وبألف بعد الطاء ممدودا. وقرأ ابو ~~جعفر وابن ذكوان - بفتح الخاء والطاء - من غير ألف بعدها وبغير مد. ~~الباقون بكسر الخاء من غير مد، إلا ان الداجوني عن هشام روى وجهين: ~~أحدهما - مثل أبي عمرو، والآخر - مثل أبي جعفر. وقرأ أهل الكوفة إلا ~~عاصما { فلا تسرف } بالتاء. الباقون بالياء. قال ابو علي الفارسي: قول ~~ابن كثير (خطاء) يجوز ان يكون مصدر خاطأ، وان لم يسمع (خاطأ) ولكن قد ~~جاء ما يدل عليه، لأن ابا عبيدة انشد: # تخاطأت النبل أحشأه # وانشدنا محمد بن السدي في وصف ms2292 كمأة: # وأشعث قد ناولته أحرس القرى # أدرت عليه المدجنات الهواضب # تخاطاءه القناص حتى وجدته # وخرطومه من منقع الماء راسب # فتخاطأت مما يدل على خاطأ، لأن (تفاعل) مطاوع (فاعل) كما ان (تفعل) ~~مطاوع فعل، وقول ابن عامر (خطأ)، فان الخطأ ما لم يتعمد، وما كان المأثم ~~فيه موضوعا عن فاعله، وقد قالوا: اخطأ في معنى خطىء، كما ان خطىء في ~~معنى اخطأ، قال الشاعر: # عبادك يخطئون وأنت رب # كريم لا تليق بك الذموم # ففحوى الكلام أنهم خاطئون، وفي التنزيل { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~} فالمؤاخذة من المخطىء موضوعة، فهذا يدل على ان اخطأ في قوله: # يا لهف هند إذ خطئن كاهلا # وفي قول آخر: # والناس يلحون الأمير اذا هم # خطئوا الصواب ولا يلام المرشد # اي اخطؤه، وكذلك قول ابن عامر (خطأ) في معنى أخطأ، وجاء الخطأ في معنى ~~الخطاء، كما جاء خطىء في معنى اخطأ. وقال ابو الحسن: هذا خطاء من رايك؛ ~~فيمكن أن يكون خطأ لغة فيه أيضا. ومن قرأ " خطأ " فلانه يقال خطىء يخطأ ~~خطأ إذا تعمد الشيء حكاه الاصمعي، والفاعل منه خاطىء، وقد جاء الوعيد ~~فيه في قوله # لا يأكله إلا الخاطئون # ويجوز أن يكون الخطأ لغة في الخطأ مثل المثل والمثل، والشبه والشبهه، ~~والبدل والبدل، قال الفراء: لغتان مثل قتب وقتب، وبدل وبدل، وحكى ابن ~~دريد عن أبي حاتم، قال تقول: مكان مخطؤ فيه من خطئت ومكان مخطأ فيه من ~~اخطأ يخطىء، ومكان مخطو بغير همزة من تخطى الناس فيخطى، ومن همزه ~~تخطيت الناس، فقد غلط وقال المبرد: خطأه وخطاه بمعنى، عند ابي عبيدة ~~والفراء والكسائي، إلا ان (الخطأ) بكسر الخاء أكثر في القرآن (والخطأ) ~~بالفتح افشى في كلام الناس ولم يسمع الكثير في شيء من اشعارهم الا في بيت ~~قاله الشاعر: # الخطأ فاحشة والبر فاضلة # كعجوة غرست في الأرض توبير # قال ابو عبيد: وفيه لغتان، خطئت وأخطأت، فمن قال: خطئت قال خطأ الرجل ~~يخطأ خطأ، وخطاء، يكون الخطأ بفتح الخاء هو المصدر، وبكسرها الاسم. # ومن ms2293 قال اخطأت كان الخطأ بالفتح والكسر، جميعا اسمين والمصدر الإخطاء. # وقال أبو علي: قوله { فلا يسرف في القتل } فاعل يسرف يجوز أن يكون أحد ~~شيئين: # أحدهما - أن يكون القاتل الأول، فيكون التقدير فلا يسرف القاتل في القتل ~~وجاز أن يضمر، وإن لم يجر له ذكر، لأن الحال تدل عليه، ويكون تقديره ~~بالاسراف جاريا مجرى قوله في أكل مال اليتيم # ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا # وإن لم يجز أن تأكل منه لا على الاقتصاد ولا على غيره، لقوله # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا # فحظر أكل مال اليتيم حظرا عاما وعلى كل حال، فكذلك لا يمتنع أن يقال ~~للقاتل الأول لا تسرف في القتل، لأنه يكون بقتله مسرفا، ويؤكد ذلك قوله # يا عبادي الذين أسرفواعلى أنفسهم # فالقاتل داخل في هذا الخطاب - بلا خلاف - مع جميع مرتكبي الكبائر، ويكون ~~الضمير على هذا في قوله { إنه كان منصورا } على قوله { ومن قتل مظلوما ~~} [وتقديره، فلا يسرف القاتل الأول بقتله في القتل، لأن من قتل مظلوما ~~كان منصورا] بأن يقتص له وليه أو السلطان إن لم يكن له ولي غيره، ~~فيكون هذا ردعا للقاتل عن القتل، كما أن قوله # ولكم في القصاص حياة # كذلك، فالولي إذا اقتص، فإنما يقتص للمقتول، ومنه انتقل إلى الولي ~~بدلالة أن المقتول يبرىء من السبب المؤدي إلى القتل، ولم يكن للولي أن ~~يقتص، ولو صالح الولي من العمد - على مال كان - للمقتول أن يؤديه منه ~~دينا عليه أن يقتص منه دون المقتول، ولا يمتنع أن يقال في المقتول ~~منصور، لانه قد جاء قوله { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا }. # والآخر - أن يكون في يسرف ضمير الولي، وتقديره فلا يسرف الولي في القتل، ~~وإسرافه فيه أن يقتل غير من قتل او يقتل اكثر من قاتل وليه، لان مشركي ~~العرب كانوا يفعلون ذلك، والتقدير فلا يسرف في القتل ان الولي كان ~~منصورا بقتل قاتل وليه. والاقتصاص منه. # ومن قرا بالتاء احتمل ايضا وجهين: # احدهما - ان ms2294 يكون المستثنى القاتل ظلما، فقيل له لا تسرف ايها الإنسان ~~فقتل ظلما من ليس لك قتله، اذ من قتل مظلوما كان منصورا بأخذ القصاص ~~له. # والآخر - ان يكون الخطاب للولي، والتقدير لا تسرف في القتل ايها الولي ~~فتتعدى قاتل وليك الى من لم يقتله، لان المقتول ظلما كان منصورا، وكل ~~واحد من المقتول ظلما ومن ولي المقتول قد تقدم في قوله { ومن قتل ~~مظلوما } الآية. # وقوله { ولا تقتلوا } يحتمل موضعه شيئين من الاعراب: # احدهما - ان يكون نصبا ب { قضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه... ولا ~~تقتلوا } # ويحتمل ان يكون جزما على النهي، فيكون الله تعالى نهى الخلق عن قتل ~~اولادهم خشية الاملاق. # و (الاملاق) الفقر، وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وانما نهاهم عن ~~ذلك لانهم كانوا يئدون البنات بدفنهم احياء فنهاهم الله عن ذلك. # وقوله { نحن نرزقهم وإياكم } إخبار منه تعالى انه الذي يرزق الاولاد و ~~الآباء فلا ينبغي قتلهم خوف الفقر، واخبر ان قتلهم في الجاهلية { كان خطأ ~~كبيرا } وهو الآن خطأ وإثم كبير، ثم قال { ولا تقربوا الزنى } ومعناه ~~لا تزنوا، والزنا هو وطؤ المراة حراما بلا عقد ولا شبهة عقد مختارا، ثم ~~اخبر ان الزنا فاحشة اي معصية كبيرة { وساء سبيلا } اي بئس الطريق ذلك. ~~وفي الناس من قال: الزنا قبيح بالعقل لما في ذلك من ابطال حق الولد على ~~الوالد، وفساد الانساب. وقوله { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } نهي من ~~الله تعالى عن قتل النفوس المحرم قتلها، واستثنى من ذلك من يجب عليه ~~القتل إما لكفره، او ردته، او قتله قصاصا، فان قتله كذلك حق، وليس ~~بظلم، وقد فسرنا تمام الآية. # والسلطان الذي جعله الله للولي، قال ابن عباس، والضحاك: هو القود أو ~~الدية او العفو. وقال قتادة الهاء في قوله { إنه كان منصورا } عائدة ~~على الولي. وقال مجاهد عائدة على المقتول. ونصرة الله له بذلك حكمه له ~~بذلك. وقيل نصرة النبي والمؤمنين، ان يعينوه. وقيل الولي هم الوراث من ~~الرجال من الاولاد ms2295 الذكور ومن الاقارب من كان من قبل الاب. ### || [17.34-36] # قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر عن عاصم { بالقسطاس } بكسر القاف. الباقون ~~بالضم، وهما لغتان. وقال الزجاج: القسطاس هو الميزان صغر او كبر. وقال ~~الحسن: هو القبان. وقال مجاهد: هو العدل بالرومية وهو القرصطون. وقال ~~قوم: هو الشاهين. وقرأ ابو بكر عن عاصم " بالقصطاس " بالصاد قلبت السين ~~صادا مثل (صراط، وسراط) لقرب مخرجهما. # في الآية الاولى نهي من الله تعالى لجميع المكلفين ان يقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي احسن، وهو ان يحفظوا عليه ويثمروه او ينفقوا عليه ~~بالمعروف على ما لا يشك انه اصلح له، فأما لغير ذلك، فلا يجوز لاحد ~~التصرف فيه. وانما خص اليتيم بذلك وان كان التصرف في مال البالغ بغير ~~اذنه لا يجوز ايضا، لان اليتيم الى ذلك احوج والطمع في مثله اكثر. # وقوله { حتى يبلغ أشده } قال قوم: حتى يبلغ ثمانية عشرة سنة. وقال ~~آخرون: حتى يبلغ الحلم. وقال آخرون - وهوالصحيح - حتى يبلغ كما العقل ~~ويؤنس منه الرشد. # وقوله { وأوفوا بالعهد } امر من الله تعالى بالوفاء بالعهود، وهو العقد ~~الذي يقدم للتوثق من الامر، ومتى عقد عاقد على ما لا يجوز، فعليه نقض ذلك ~~العقد الفاسد والتبرؤ منه. وانما يجب الوفاء بالعقد الذي يحسن. وقيل ~~المعنى في الآية اوفوا بالعهد في الوصية بمال اليتيم وغيرها. وقيل كل ما ~~امر الله به ونهى عنه، فهو من العهد، وقد يجب الشيء للنذر، وللعهد، ~~والوعد به، وان لم يجب ابتداء، وانما يجب عند العقد. # وقوله { إن العهد كان مسؤولا } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه كان مسؤولا عنه للجزاء عليه، فحذف (عنه) لانه مفهوم. # والثاني - كأن العهد يسأل فيقال له: لم نقضت؟ كما تسأل الموؤدة بأي ذنب ~~قتلت. ثم امرهم ان يوفوهم الكيل اذا كالوا هم؛ ولا يبخسوهم ولا ينقصوهم، ~~وان يوفوا، بالميزان المستقيم الذي لا غبن فيه، فإن ذلك خير واحسن ~~تأويلا، اي احسن عاقبة، وهو ما يرجع اليه امره. ثم نهى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ms2296 ان يقفو ما ليس له به علم، وهو متوجه الى جميع المكلفين، ~~ومعناه لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ولا رايت ولا علمت، ولم تر، ولم تعلم - ~~في قول قتادة - واصل القفو اتباع الاثر، ومنه القيافة، وكأنه يتبع قفا ~~الاثر المتقدم قال الشاعر: # ومثل الدمى سم العرانين ساكن # بهن الحيا لا يشعن التقافيا # أي التقاذف. وقال أبو عبيد والمبرد: القفو العضيهة، { ولا تقف } - بضم ~~القاف وسكون الفاء - من قاف يقوف، ويكون من المقلوب مثل جذب وجبذ. { ~~ومسؤولا } نصب على أنه خبر كان. # واستدل بهذه الآية، على أنه لا يجوز العمل بالقياس ولا بخبر الواحد، ~~لأنهما لا يوجبان العلم، وقد نهى الله تعالى أن يتبع الانسان ما لا ~~يعلمه. وقوله { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } أي ~~يسأل عما يفعل بهذه الجوارح من الاستماع لما لا يحل، والإبصار لما لا ~~يجوز. والارادة لما يقبح. وإنما قال { كل أولئك } ولم يقل كل ذلك، لأن ~~اولئك وهؤلاء للجمع القليل من المذكر والمؤنث فإذا أراد الكثير جاء ~~بالتأنيث. فقال: هذه وتلك، قال الشاعر: # ذم المنازل بعدمنزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام ### || [17.37-39] # قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " سيء " منونا غير مضاف. الباقون على ~~الاضافة # فمن قرأ على الاضافة قال: لأنه قد تقدم ذكر حسن وسيء في قوله { وقضى ربك ~~أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } فخص من ذلك السيء بأنه ~~مكروه عند الله، لانه تعالى لا يكره الحسن، وقووا ذلك بقراءة أبي { كان ~~سيئاته } بالجمع مضافا. وقال آخرون إنما أراد بذلك المنهي عنه فقط، ~~وقالوا: ليس فيما نهى الله تعالى عنه حسن بل جميعه مكروه، " وكل " وإن ~~كان لفظه لفظ الواحد فمعناه معنى الجميع، فلذلك قال كان بلفظ الواحد. ~~ومثله قوله # وكل أتوه داخرين # وقال # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # و (مكروها) على هذه القراءة نصب على الحال من الضمير في { عند ربك } أو ~~يكون بدلا من قوله { سيئه }. # وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب ms2297 المجبرة من أن الله تعالى يريد المعاصي، ~~لان هذه الآية صريحة بأن السيء من الافعال مكروه عند الله. # وقوله { ولا تمش في الأرض مرحا } نهي للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~به الأمة أن يمشوا في الأرض مرحين. # وقيل في معنى المرح أربعة أقوال: اولها - انه البطر والأشر. والثاني - ~~التبختر في المشي والتكبر. الثالث - تجاوز الانسان قدره مستخفا بالواجب ~~عليه والرابع - شدة الفرح بالباطل. # قوله { إنك لن تخرق الأرض } مثل ضربه الله بانك يا إنسان لن تخرق الأرض ~~من تحت قدمك بكبرك { ولن تبلغ الجبال } بتطاولك. والمعنى انك لن تبلغ بما ~~تريد كثير مبلغ، كما لا يمكنك ان تبلغ هذا، فما وجه المكابرة على ما هذه ~~سبيله مع زجر الحكمة عنه. وأصل الخرق القطع، خرق الثوب تخريقا أي قطعة ~~ورجل خرق أي يقطع الأمور التي لا ينبغي ان يقطعها. والخرق الفلاة، ~~لانقطاع اطرافها بتباعدها قال رؤبة: # وقائم الاعماق خاو المخترق # مشتبه الاعلام لماع الخفق # أي خاو المنقطع، والمرح شدة الفرح، مرح يمرح مرحا، فهو مرح. وقال ~~قتادة: مرحا خيلاء وكبرا. وقوله { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } ~~أي ذلك الذي ذكرناه وقصصناه من جملة ما اوحى اليك يا محمد ربك من الحكمة ~~أي الدلائل التي تؤدي إلى المعرفة بالحسن والقبيح، والفرق بينهما، ~~والواجب مما لا يجب، وذلك كله مبين في القرآن، فهو الحكمة البالغة. ثم ~~نهاه ان يتخذ مع الله معبودا آخر يشركه في العبادة مع الله، فانك متى ~~فعلت ذلك ألقيت في { جهنم ملوما } أي مذموما { مدحورا } مطرودا - في ~~قول ابن عباس. ### || [17.40-42] # الألف في { أفأصفاكم } ألف استفهام، والمراد بها الإنكار لانه لا جواب ~~لمن سئل إلا بما فيه أعظم الفضيحة، وفي ذلك تعليم سؤال المخالفين للحق، ~~وهذا خطاب لمن جعل لله بنات، وقال الملائكة بنات الله، فقال الله تعالى ~~لهم: أأخلص لكم البنين واختار لكم صفوة الشيء دونه؟ وجعل البنات مشتركة ~~بينكم وبينه، فاختصكم بالأرفع وجعل لنفسه الادون؟!! ثم أخبر أنهم يقولون ~~في ذلك { قولا عظيما } أي ms2298 عظيم الوبال والوزر. # وقوله { لقد صرفنا في هذا القرآن ليتذكروا } وقرأ حمزة والكسائي في ~~جميع القرآن خفيفا، من ذكر يذكر. والباقون بالتشديد في جميع القرآن ~~بمعنى ليتذكروا، فادعموا التاء في الذال. وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب ~~المجبرة لأنه أراد التصريف في القرآن، ليذكر المشركون ما يردهم إلى ~~الحق، وهذا مما علقت الارادة الفعل فيه بالمعنى من التذكر. ولولاها لم ~~يتعلق. ثم اخبر انه وان اراد منهم الايمان والهداية بتصريف القرآن لا ~~يزدادون هم إلا نفورا عنه. # فان قيل كيف يجوز أن يفعل تعالى ما يزدادون عنده الكفر؟ وهل ذلك الا ~~استفساد ومنع اللطف؟! # قلنا: ليس في ذلك منع اللطف، بل فيه إظهار الدلائل، مما لا يصح التكليف ~~إلا معه ولو لم تظهر الدلائل، لازدادوا فسادا بأعظم من هذا الفساد، وفي ~~إظهار الدلائل صلاح حاصل لمن نظر فيها وأحسن التدبر لها. وإنما جاز أن ~~يزدادوا بما يؤنس من الدلائل نفورا، باعتقادهم أنها حيل وشبه، فنفروا ~~منها أشد النفور لهذا الاعتقاد الفاسد، ومنعهم ذلك من التدبر لها وادراك ~~منزلتها في عظم الفائدة، وجلالة المنزلة. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل } يا محمد لهؤلاء المشركين { لو ~~كان مع الله آلهة } أخرى كما يزعمون { لابتغوا } ما يقربهم اليه لعلوه ~~عليهم وعظمته عندهم - في قول قتادة والزجاج - وقال الحسن والجبائي: لا ~~تبغوا سبيلا إلى مغالبته ومضادته، كما قال # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ### || [17.43-45] # قرأ أهل العراق إلا أبا بكر { تسبح } بالتاء. وقرأ ابن كثير وحفص { ~~عما يقولون } بالياء. وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر { عما تقولون } ~~بالتاء. # قال ابو علي: فمن قرأ { عما يقولون } بالياء فالمعنى على ما يقول ~~المشركون. ومن قرأ بالتاء يحتمل شيئين: # احدهما - أن يعطف على قوله { كما تقولون } كما عطف قوله { يحشرون } على ~~{ ستغلبون }. # والثاني - ان يكون نزه نفسه عن دعواهم، فقال { سبحانه عما يقولون }. ~~وقرأ عاصم ونافع وابن عامر وابن عباس: بالياء عطف على ما تقدم. وقوله { ~~عما يقولون } على أنه نزه نفسه عن ms2299 قولهم أو على معنى قل لهم سبحانه عما ~~يقولون فأما قوله { يسبح } بالياء والتاء، فحسنان. وقد بينا في غير موضع ~~معناه، ويقوي التأنيث قراءة عبد الله فسبحت له السموات. # لما اخبر الله تعالى أنه { لو كان معه آلهة } سواه على ما يدعيه ~~المشركون { ليبتغوا إلى ذي العرش سبيلا } ونزه نفسه عن ذلك، فقال { ~~سبحانه } ويحتمل أن يكون أمر نبيه أن يقول { سبحانه } أي تنزيها له ~~تعالى { عما يقولون } أى عن قولهم، ويجوز ان يكون المراد عن الذي يقولونه ~~من الأقوال الشنيعة فيه بأن معه آلهة { علوا كبيرا } وإنما لم يقل ~~تعاليا، لأنه وضع مصدرا مكان مصدر نحو # وتبتل إليه تبتيلا # ومعنى " تعالى } " اي صفاته في أعلى المراتب، فانه لا مساوي له فيها، ~~لأنه قادر، ولا أحد أقدر منه، وعالم لا أحد أعلم منه، ولا مساوي له في ~~ذلك. # ثم أخبر أنه { يسبح له } اي ينزهه عن ذلك { السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن } يعني في السموات والارض من العقلاء، وتنزيه السموات والارض هو ما ~~فيهما من الدلالة على توحيده وعدله، وأنه لا يشركه في الإلهية سواه. ~~وجرى ذلك مجرى التسبيح باللفظ، وتسبيح العقلاء يحتمل ذلك: تسبيحهم ~~باللفظ، غير أن ذلك يختص بالموحدين منهم دون المشركين. # وقوله { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } اي ليس شيء من الموجودات إلا ~~يسبح بحمد الله؛ يعني كل شيء يسبح بحمده، من جهة خلقته، او معنى صفته إذ ~~كل موجود سوى القديم تعالى حادث، يدعو إلى تعظيمه لحاجته إلى صانع غير ~~مصنوع، صنعه أو صنع من صنعه، فهو يدعو إلى تثبيت قديم غني بنفسه عن كل ~~شيء سواه، لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، وما عداه الحادث يدل على ~~تعظيمه بمعنى حدثه من معدوم لا يصح الا به، لدخوله في مقدوره او مقدور ~~مقدوره ومما سبحه من يسبح بحمده من جهته، معنى صفة في قوله، فهو على ~~العموم في كل شيء. # وقال بعضهم: سل الارض من شق أنهارك؟ وغرس أشجارك؟ وجنى ثمارك؟ فان لم ~~تجبك ms2300 حوارا أجابتك اعتبارا. # وقال الحسن: المعنى وإن من شيء من الاحياء إلا يسبح بحمده. وقال علي ~~ابن ابراهيم وغيره من اهل العلم: كل شيء على العموم يسبح بحمده حتى صرير ~~الباب. # وقوله { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } اي لستم تفقهون تسبيح هذه الاشياء، من ~~حيث لم تنظروا فيها، فتعلموا كيفية دلالتها على توحيده. # وقوله { إنه كان حليما غفورا } اي كن حليما حيث لم يعاجلكم ~~بالعقوبة على كفركم، وأمهلكم إلى يوم القيامة، وستره عليكم، لأنه ستار ~~على عباده، غفور لهم إذ تابوا وأنابوا اليه # وقوله { وإذا قرأت القرآن } خطاب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم انه ~~متى قرأ القرآن { جعلنا بينك } يا محمد { وبين } المشركين { حجابا ~~مستورا } اي كأن بينك وبينهم حجابا من أن يدركوا ما فيه من الحكمة ~~وينتفعوا به. وقيل: " مستورا " عن أبصار الناس. وقيل " مستورا " - ها ~~هنا - بمعنى ساترا عن إدراكه، كما يقال: مشؤم عليهم أو ميمون في موضع ~~شائم ويامن، لأنه من شؤمهم ويمنهم. والأول أظهر وقيل قوله { وجعلنا بينك ~~} وبينهم { حجابا مستورا } نزل في قوم كانوا يأذونه باللسان إذا تلا ~~القرآن، فحال الله بينهم وبينه حتى لا يؤذوه. والأول - قول قتادة: ~~والثاني - قول ابو علي، والزجاج. وقال الحسن: معناه إن منزلتهم فيما ~~أعرضوا عنه منزلة من بينك وبينه حجاب. ### || [17.46-48] # معنى قوله { وجعلنا على قلوبهم أكنة } أي حكمنا بأنهم بهذه المنزلة ~~ذما لهم على الامتناع من تفهم الحق، والاستماع اليه، لتأمل معانيه، مع ~~الإعراض عنه عداوة له ونفورا منه. وقال الجبائي: إنه تعالى منعهم من ~~ذلك وحال بينهم وبينه في وقت مخصوص، لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإنما قال { وجعلنا } ولم يقل وجعلناهم { على قلوبهم أكنة } لأنه ابلغ ~~في الذم مع قيام الدليل من جهة التكليف أنه ليس على جهة المنع، وانما لم ~~يجز المنع والحيلولة بينهم وبين ان يفقهوه، لأن ذلك تكليف ما لا يطاق، ~~وذلك قبيح لا يجوز ان يفعله الله تعالى، على انه لا يصح ان يريد تعالى ما ~~يستحيل حدوثه، وإنما ms2301 يصح ان يراد ما يصح ان يحدث او يتوهم ذلك منه، لأن ~~استحالته صارفة عن ان يراد، ولا داع يصح أن يدعو إلى ارادته، وتجري ~~استحالة ذلك مجرى استحالة ان يريد كون الشيء موجودا معدوما في حال ~~واحده. # (والأكنة) جمع كنان، وهو ما ستر. وقوله { وفي آذانهم وقرا } أي وجعلنا ~~في آذانهم وقرا. (والوقر) - بفتح الواو - الثقل في الأذن، وبالكسر ~~الحمل. والأصل فيه الثقل إلا انه خولف بين البنائين للفرق. # وقوله { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } يعني إذا ذكرته بالتوحيد وانه ~~لا شريك له في الإلهية { ولوا } عنك ولم يسمعوه { على أدبارهم نفورا } ~~نافرين عنك. وقال بعضهم: إذا سمعوا بسم الله الرحمن الرحيم ولوا. # ثم اخبر تعالى عن نفسه انه { أعلم } من غيره { بما يستمعون به } في حال ~~ما { يستمعون إليك } اي يصغون إلى سماع قراءتك ويعلم أي شيء غرضهم فيه ~~وقوله: { وإذ هم نجوى } معناه اذ يتناجون بأن يرفع كل واحد سره الى ~~الآخر، ووصفوا بالمصدر، لأن نجوى مصدر، ونجواهم زعمهم انه مجنون، وانه ~~ساحر وانه اتى بأساطير الأولين - في قول قتادة - وكان من جملتهم الوليد ~~بن المغيرة. # وقوله { إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } قيل في ~~معناه قولان: # أحدهما - إنكم ليس تتبعون إلا رجلا قد سحر، فاختلط عليه أمره، يقولون ~~ذلك للتنفير عنه، كما يقال: سحر فلان، فهو مسحور إذ اختلط عقله. وقيل { ~~مسحورا } أي مصروفا عن الحق، يقال: ما سحرك عن كذا؟ أي ما صرفك. # الثاني - ان له سحرا أي رئة، لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم. ~~والعرب تقول للجبان: انتفخ سحره قال لبيد: # فان تسلينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال آخر: # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقيل: إن { نفورا } جمع نافر، كقاعد وقعود، وشاهد وشهود، وجالس وجلوس. ~~وقيل: مسحور معناه مخدوع. ومعنى الآية البيان عما يوجبه حال الجاحد للحق ~~المعادي لأهله وذمه بأن قلبه كأنه في أكنة عن تفهمه، وكأن في أذنيه ~~وقرا عن استماعه فهو مول على دبره، نافر ms2302 عنه بجهله يناجي بالانحراف ~~عنه جهالا مثله، قد تعبوا بالحجة حتى نسبوا صاحبها إلى أنه مسحور، لما ~~لم يكن إلى مقاومة ما أتى به سبيل، ولا على كسره دليل. # وقوله { انظر } أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن ينظر { كيف ضربوا لك ~~الأمثال } أي كيف ضرب هولاء المشركون له المثل بالمسحور وغير ذلك، فجاروا ~~بذلك عن طريق الحق، فلا يسهل عليهم ولايخف الرجوع اليه ولا اتباع سبيل ~~الدين، ويحتمل أن يكون المعنى إنهم لا يقدرون على تكذبيك، وإن ما ذكروه ~~فيك من قولهم مسحور وكذاب صرفهم ولا يستطيعون على ذلك. ### || [17.49-51] # حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين أنكروا البعث، والنشور، والثواب ~~والعقاب: أنهم يقولون { أإذا كنا عظاما } أي إذا متنا وأنتثرت لحومنا ~~وبقينا { عظاما ورفاتا } قال مجاهد: الرفات التراب. وبه قال الفراء ~~وقال: لا واحد له من لفظه، وهو بمنزلة الدقاق، والحطام، قال المبرد: كل ~~شيء مدقوق مبالغ في دقه حتي انسحق، فهو رفات، يقال: رفت رفتا، فهو مرفوت ~~إذا صير كالحطام. # و (إذا) في موضع نصب بفعل يدل عليه { لمبعوثون } وتقديره أنبعث { إذا ~~كنا عظاما. ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } وصورته صورة الاستفهام ~~وإنما هم منكرون لذلك متعجبون منه وكل ما تحطم وترضض يجيء أكثره على ~~(فعال) مثل (حطام، ورضاض ودقاق وغبار وتراب) والخلق الجديد: هو المجدد أي ~~يبعثهم الله أحياء بعد أن كانوا أمواتا، أنكروا ذلك وتعجبوا منه، فقال ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل } لهم { كونوا حجارة أو حديدا } أي ~~لو كنتم حجارة أو حديدا بعد موتكم لأحياكم وحشركم ولم تفوتوا الله، ~~إلا أنه خرج مخرج الأمر، لأنه أبلغ في الإلزام، كأن أكثر ما يكون منهم ~~مطلوب حتى يروا أنه هين حقير { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } فقيل في ~~معناه ثلاثة أقوال: # قال مجاهد: السموات والأرض والجبال. وقال قتادة: أي شيء استعظموه من ~~الخلق. وقال ابن عباس. وسعيد بن جبير والفراء: انه الموت. قال الفراء ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كنا ms2303 الموت من كان يميتنا؟! ~~فأنزل الله { أو خلقا مما يكبر في صدوركم } يعني الموت نفسه اي ليبعث ~~الله عليكم من يميتكم ثم يحييكم. # { فسيقولون من يعيدنا } اخبار منه حكاية عن هؤلاء الكفار انهم يقولون من ~~يعيدنا احياء؟ فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل الذي فطركم أول ~~مرة } اي الذي خلقكم ابتداء يقدر على إعادتكم، لأن أبتداء الشيء اصعب من ~~إعادته، كما قال # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه # وقال لما قالوا # من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم # وإنما قال لهم ذلك، لانهم كانوا يقرون بالنشأة الأولى. # وقوله { فسينغضون إليك رؤوسهم } معناه انهم إذا سمعوا لهذا حركوا ~~رؤوسهم مستبعدين لذلك. وقال ابن عباس يحركون رؤوسهم مستهزئين، يقال: ~~انغضت رأسي انغضه انغاضا، ونغض براسه ينغض نغضا إذا حركه والنغض تحريك ~~الراس بارتفاع وانخفاض. ومنه قيل للظليم نغض، لانه يحرك رأسه في مشيه ~~بارتفاع وانخفأض قال العجاج: # اصك نغضا لا يني مستهدجا # ونغضت سنه إذا تحركت من اصلها قال الراجز: # ونغضت من هرم اسنانها # وقال آخر: # لما رأتني أنغضت لي الرأسا # { ويقولون } هؤلاء الكفار { متى هو } يعنون بعثهم وإعادتهم أحياء فقال ~~الله تعالى " قل " لهم يا محمد { عسى أن يكون قريبا } وعسى من الله ~~واجبة، وكل ما هو آت قريب، ومن كلام الحسن انه قال: كأنك بالدنيا لم تكن ~~وكأنك بالآخرة لم تزل. ### || [17.52-54] # { يوم } يتعلق بقوله { قل عسى أن يكون } بعثكم ايها المشركون { قريبا ~~يوم يدعوكم } وقيل في معني قوله { يوم يدعوكم } قولان: # احدهما - انهم ينادون بالخروج إلى ارض المحشر بكلام تسمعه جميع العباد، ~~وذلك يكون بعد ان يحييهم الله، لأنه لا يحسن ان ينادى المعدوم ولا ~~الجماد. # الثاني - انهم يسمعون صيحة عظيمة، فتكون تلك داعية لهم إلى الاجتماع ~~إلى ارض القيامة، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن البعث ويكون اجرى صرخة ~~ثانية بسرعة فأجرى مجرى، دعي فأجاب في الحال { فيستجيبون بحمده } قيل في ~~معناه قولان: # احدهما - تستجيبون ms2304 حامدين، كما يقول القائل: جاء فلان بغضبه اي جاء ~~غضبان. # الثاني - تستجيبون على ما يقتضيه الحمد لله (عز وجل)، وقيل: معناه ~~يستجيبون معترفين بأن الحمد لله على نعمه، لا ينكرونه، لأن معارفهم هناك ~~ضرورة قال الشاعر: # فإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدرة اتقنع # والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا اليه بفعله من اجل دعائه، وهي ~~والإجابة واحدة إلا ان الاستجابة تقتضي طلب الموافقة بالارادة بأوكد من ~~الإجابة. # وقوله { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } قيل في معناه قولان: # احدهما - انهم لما يرون من سرعة الرجوع يظنون قلة اللبث. # الثاني - انه يراد بذلك تقريب الوقت، كما حكي عن الحسن انه قال: كأنك ~~بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. وقال قتادة: المعنى احتقارا من الدنيا ~~حين عاينوا يوم القيامة. وقال الحسن ان { لبثتم إلا قليلا } في الدنيا ~~لطول لبثكم في الآخرة. # وقوله { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } قال الحسن: معناه { قل } يا ~~محمد { لعبادي } يأمروا بما امر الله به، وينهوا عما نهى عنه. وقال ~~الحسن: معناه قل لعبادي يقل بعضهم لبعض أحسن ما يقال، مثل رحمك الله ~~ويغفر الله لك. ثم أخبر تعالى فقال { إن الشيطان ينزع بينهم } اي يفسد ~~بينهم ويلقي بينهم العداوة والبغضاء. وقال { إن الشيطان كان } في جميع ~~الأوقات عدوا مباينا { للإنسان } آدم وذريته. # وقوله { وربكم أعلم بكم } معناه التحذير لعباده من إضمار القبيح، ~~والترغيب في الجميل، لأنه عالم به يقدر أن يجازي على كل واحد منه بما هو ~~حقه { إن يشأ يرحمكم } بالتوبة { وإن يشأ يعذبكم } بالاقامة على ~~المعصية. # وقوله { وما أرسلناك عليهم وكيلا } معناه إنا ما وكلناك بمنعهم من ~~الكفر بل أرسلناك داعيا لهم إلى الايمان وزاجرا عن الكفر، فإن ~~أجابوك، وإلا، فلا شيء عليك واللائمة والعقوبة يحلان بهم. ### || [17.55-57] # يقول الله تعالى لنبيه { إن ربك } يا محمد { أعلم بمن في السماوات ~~والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } وانما قال ذلك ليدل على أن ~~تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض وقع موقع الحكمة، لأنه ms2305 من عالم بباطن ~~الأمور، واذا ذكر ما هو معلوم فانما يذكره ليدل به على غيره والانبياء ~~وان كانوا في أعلى مراتب الفضل، لهم طبقات بعضهم أعلى من بعض، وإن كانت ~~المرتبة الوسطى لا تلحق العليا ولا يلحق مرتبة النبي من ليس بنبي أبدا. ~~وقوله { وآتينا داود زبورا } اي خصصناه بالذكر، وفيه لغتان فتح الزاي، ~~وضمها. والفتح أفصح. ثم قال لنبيه { قل } لهم { ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه } يعني الذين زعمتم انهم أرباب وآلهة من دون الله ادعوهم اذا نزل ~~بكم ضرر، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك ام لا. وقال ابن عباس والحسن { ~~الذين من دونه } الملائكة والمسيح وعزير. وقال ابن مسعود: أراد به ما ~~كانوا يعبدون من الجن: وقد أسلم اولئك النفر من الجن لان جماعة من العرب ~~كانوا يعبدون الجن، فأسلم الجن وبقي الكفار على عبادتهم. وقال أبو علي: ~~رجع الى ذكر الانبياء في الآية الاولى. والتقدير إن الأنبياء يدعون الى ~~الله يطلبون بذلك الزلفة لديه ويتوسلون به اليه والى رضوانه وثوابه، ~~أيهم كان أفضل عند الله، واشد تقربا اليه بالأعمال. ثم قال { فلا ~~يملكون } يعني الذين تدعون من دون الله { كشف الضر } والبلاء { عنكم } ~~ولا تحويله الى سواكم. # ثم قال { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب... } ~~الاية قوله { أولئك } رفع بالابتداء و { الذين } صفة لهم و { يبتغون إلى ~~ربهم } خبر الابتداء. والمعنى الجماعة الذين يدعون يبتغون الى ربهم { ~~أيهم } رفع بالإبتداء و { أقرب } خبره. والمعنى يطلبون الوسيلة ينظرون ~~ايهم اقرب فيتوسلون به، ذكره الزجاج. وقال قوم: الوسيلة هي القرية ~~والزلفة. وقال الزجاج: الوسيلة والسؤال والسؤل والطلبة واحد، والمعنى إن ~~هؤلاء المشركين يدعون هؤلاء الذين اعتقدوا فيهم انهم ارباب ويبتغي ~~المدعوون أربابا الى ربهم القربة والزلفة لأنهم اهل إيمان به. ~~والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله، ايهم اقرب عند الله بصالح اعماله ~~واجتهاده في عبادته، فهم يرجون بأفعالهم رحمته ويخافون عذابه بخلافهم ~~إياه { إن عذاب ربك كان محذورا } اي متقى. ### || [17.58-60] # اخبر الله تعالى انه ms2306 ليس { من قرية إلا } والله تعالى مهلكها { قبل يوم ~~القيامة }. بكفر من فيها من معاصيهم جزاء على افعالهم القبيحة { أو ~~معذبوها عذابا شديدا } والمعنى ان يكون إما الإهلاك والإستئصال أو ~~العذاب، والمراد بذلك قرى الكفر والضلال دون قرى الإيمان. وقيل إن ذلك ~~يكون في آخر الزمان، فيهلك الله كل قرية بعقوبة بعض من فيها، ويكون ~~امتحانا للمؤمنين الذين فيها. وقيل: ان المعنى ما من قرية إلا والله ~~مهلكها إما بالموت لأهلها او عذاب يستأصلهم ثم اخبر أن ذلك كائن لا ~~محالة، ولا يكون خلافه، لان ذلك مسطور في الكتاب يعني في اللوح المحفوظ، ~~والمسطور هو المكتوب يقال: سطر سطرا، قال العجاج: # واعلم بأن ذا الجلال قد قدر # في الصحف الاولى التي كان سطر # ثم قال { وما منعنا أن نرسل بالآيات } يعني الآيات التي اقترحتها قريش ~~من قولهم: حول لنا الصفا ذهبا وفجر لنا من الارض ينبوعا، وغير ذلك، ~~فأنزل الله الآية إني إن حولته، فلم يؤمنوا لم امهلهم كسنتي فيمن ~~قبلهم، وهو قول قتادة وابن جريج. والمنع وجود ما لا يصح معه وقوع الفعل ~~من القادر عليه فكأنه قد منع منه، ولا يجوز إطلاق هذه الصفة في صفات ~~الله، والحقيقة إنا لم نرسل بالآيات لئلا يكذب بها هؤلاء كما كذب من ~~قبلهم، فيستحقوا المعاجلة بالعقوبة. وقال قوم: يجوز أن يكون قوله تعالى { ~~إلا أن كذب بها الأولون } تكون (إلا) زايدة، وتقديره ما منعنا ان نرسل ~~بالآيات { أن كذب بها الأولون } أي لم يمنعنا ذلك من إرسالها بل ~~أرسلناها مع تكذيب الاولين. ومعنى { أن كذب } هو التكذيب، كما تقول: أريد ~~ان تقوم بمعنى أريد قيامك. ويحتمل ان يكون " إلا " بمعنى (الواو) كما ~~قال # لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا # معناه والذين ظلموا منهم، فلا حجة لهم عليهم. ويكون المعنى وما منعنا أن ~~نرسل بالآيات وإن كذب بها الأولون أي لسنا نمتنع من إرسالها، وإن ~~كذبوا بها و (أن) الاولى في موضع نصب بوقوع " منعنا " عليها. و (أن) ~~الثانية رفع ms2307 والمعنى، وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الاولين من ~~الامم، والفعل ل (أن) الثانية. # وقوله { وآتينا ثمود الناقة مبصرة } معناه مبصرة تبصر الناس بما فيها من ~~العبر، والهدى من الضلالة والشقاء من السعادة، ويجوز أن يكون المراد انها ~~ذات إبصار، حكى الزجاج: مبصرة بمعنى مبينة، وبالكسر معناه تبين لهم، قال ~~الفراء: مبصرة مثل مجبنة ومنحلة، وكل (مفعلة) وضعته موضع (فاعل) أغنت ~~عن الجمع والتأنيث، تقول العرب: هذا عشب ملبنة، مسمنة. والولد مجبنة ~~منحلة. وان كان من الياء والواو، فاظهرهما، تقول سراب مبولة، وكلام مهينة ~~للرجال قال عنترة: # والكفر مخبثة لنفس المنعم # ومعنى مبصرة مضيئة، قال الله تعالى # والنهار مبصرا # اي مضيئا. # وقوله { فظلموا بها } يعني بالناقة [لأنهم نحروها وعصوا الله في ذلك، ~~لانه نهاهم عن ذلك، فخالفوا ونحروها. وقيل: ظلموا بها] معناه ظلموا ~~بتكذيبهم إياها بانها معجزة باهرة. # وقوله { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } اي لم نبعث الآيات ونظهرها ~~إلا لتخويف العباد من عقوبة الله ومعاصيه. # وقوله { وإذا قلنا لك } اي اذكر الوقت الذي قلنا لك يا محمد { إن ربك ~~أحاط بالناس } اي احاط علما باحوالهم، وما يفعلونه من طاعة او معصية، ~~وما يستحقونه على ذلك من الثواب والعقاب، وقادرعلى فعل ذلك بهم، فهم في ~~قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته. # وقوله { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } قيل في معنى ذلك ~~قولان: # احدهما - انه اراد رؤية عين؛ ليلة الاسراء الى البيت المقدس، فلما اخبر ~~المشركين بما رأى كذبوا به، ذكره ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ~~وقتادة، وابراهيم، وابن جريج، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد. # الثاني - في رواية اخرى عن ابن عباس: انه رؤيا نوم، وهي رؤيا انه سيدخل ~~مكة، فلما صده المشركون في الحديبية شك قوم ودخلت عليهم الشبهة، فقالوا ~~يا رسول الله: أو ليس قد اخبرتنا انا ندخل المسجد؟ فقال: قلت لكم انكم ~~تدلونها السنة؟!. فقالوا: لا، فقال سندخلنها إن شاء الله، فكان ذلك فتنة ~~وامتحانا وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) ان ms2308 ذلك رؤيا رآها في منامه ~~أن قرودا تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك وروى مثل ذلك سهل بن سعد الساعدي ~~عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك. ومثله عن سعد بن بشار، ~~فأنزل الله عليه جبرائيل واخبره ما يكون من تغلب أمر بني أمية على مقامه ~~وصعودهم منبره. # وقوله { والشجرة الملعونة في القرآن } قال ابن عباس والحسن وأبو مالك ~~وسعيد بن جبير وابراهيم ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: إنها شجرة ~~الزقوم التي ذكرها الله في قوله # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # والمعنى ملعون آكلها، وكانت فتنتهم بها قول ابي جهل وذويه النار تأكل ~~الشجرة وتحرقها، فكيف ينبت فيها الشجر. وعن أبي جعفر ان الشجرة الملعونة ~~هم بنو امية، وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به الكفار. وقوله { ~~ونخوفهم } أي نرهبهم بما نقص عليهم من هلاك من مضى بها، فما يزدادون عند ~~ذلك { إلا طغيانا كبيرا } أي عتوا عظيما وتماديا وغيا. ### || [17.61-63] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم واذكر { إذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } وقد بينا أن امر الله تعالى بأن اسجدوا ~~لآدم تعظيم لآدم وتفضيله عليهم وإن كانت القربى بذلك السجود الى الله ~~تعالى، وفي الناس من قال: انه كان بمنزلة القبلة لهم وإن كان فيه تشريف ~~له. # ثم اخبر تعالى ان الملائكة امتثلت امر الله فسجدت له { إلا إبليس } ~~فقد قلنا ان اخبارنا تدل على ان ابليس كان من جملة الملائكة، وانما كفر ~~بامتناعه من السجود، ومن قال ان الملائكة معصومون فان إبليس لم يكن من ~~جملة الملائكة والاستثناء في الآية استثناء منقطع و (إلا) بمعنى (لكن) ~~وإنما ضمه الى الملائكة من حيث جمعهم في الأمر، والتكليف بالسجود، فلذلك ~~استثناه من جملتهم. # ثم اخبر تعالى عن إبليس أنه قال { أأسجد لمن خلقت طينا } على وجه ~~الإنكار لذلك، وأن من خلق من نار أشرف وأعظم، من الذي خلق من طين، وآدم ~~اذا كان مخلوقا من طين كيف يسجد له من هو مخلوق ms2309 من نار، وهو ابليس، وذلك ~~يدل على ان إبليس فهم من ذلك الأمر تفضيله عليه، ولو كان بمنزلة القبلة ~~لما كان لامتناعه عليه وجه، ولا لدخول الشبهة بذلك مجال. # و { طينا } نصب على التمييز، ويجوز ان يكون نصبا على الحال. والمعنى ~~إنك انشأته في حال كونه من طين. # ووجه الشبهة الداخلة على إبليس ان الفروع ترجع الى الاصول فتكون على ~~قدرها في التكبر أو التصغر، فلما اعتقد أن النار اكرم أصلا من الطين جاء ~~منه انه أكرم ممن خلق من طين، وذهب عليه بجهله أن الجواهر كلها متماثلة، ~~وان الله تعالى يصرفها بالاعراض كيف شاء مع كرم جوهر الطين وكثرة ما فيه ~~من المنافع التي تقارب منافع النار او توفى عليها. # وانما جاز ان يأمره بالسجود له، ولم يجز ان يأمره بالعبادة له، لأن ~~السجود يترتب في التعظيم بحسب ما يراد به، وليس كذلك العبادة التي هي ~~خضوع بالقلب ليس فوقه خضوع، لأنه يترتب في التعظيم بحسب نيته؛ يبين ذلك ~~انه لو سجد ساهيا لم يكن له منزلة في التعظيم على قياس غيره من افعال ~~الجوارح. قال الرماني: الفرق بين السجود لآدم والسجود الى الكعبة، ان ~~السجود لآدم تعظيم له باحسانه، وهذا يقارب قولنا في أنه قصد بذلك تفضيله ~~بأن امره بالسجود له. # ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن المعنى ما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا محققين ظن إبليس فيهم مخالفين موجب نعمة ربهم على أمتهم وعليهم. ~~ثم حكى تعالى عن إبليس أنه قال { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } ومعناه ~~اخبرني عن هذا الذي كرمته علي لم كرمته علي؟ وقد خلقتني من نار وخلقته ~~من طين! فحذف لدلالة الكلام عليه. # وإنما قال { أأسجد } بلا حرف عطف، لأنه على قوله { أأسجد لمن خلقت ~~طينا } والكاف في قوله { أرأيتك } لا موضع لها من الاعراب، لأنها ذكرت ~~في المخاطبة توكيدا، و (هذا) نصب ب { أرأيتك } ، والجواب محذوف. ~~والمعنى ما قدمناه. # وقوله { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } , ~~ومعنى لاحتنكن لاقطعنهم ms2310 الى المعاصي، يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان ~~من مال أو علم او غير ذلك، قال الشاعر: # أشكو اليك سنة قد أجحفت # جهدا إلى جهد بنا وأضعفت # واحتنكت أموالنا وجلفت # وقال ابن عباس: معنى { لاحتنكن } لأستولين، وقال مجاهد: لأحتوين، وقال ~~ابن زيد: لاضلنهم، وقال قوم: لاستأصلن ذريته بالاغواء، وقال آخرون: ~~لأقودنهم إلى المعاصي، كما تقاد. الدابة بحنكها إذا شد فيها حبل تجر ~~به. # وقوله { إلا قليلا } استثناء من ابليس القليل من ذرية آدم الذين لا ~~يتبعونه ولا يقبلون منه. فقال الله تعالى عند ذلك { اذهب } يا ابليس { ~~فمن تبعك } من ذرية آدم واقتفى أثرك وقبل منك { فإن جهنم جزاؤكم جزاء ~~موفورا } أي كاملا، يقال منه: وفرته أفره وفرا، فهو موفور، وقال زهير: # ومن يجعل المعروف من دون عرضه # يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # ووفرته توفيرا، ويقال: موفورا بمعنى وافر، في قول مجاهد، كأنه ذو ~~وفر، كقولهم: لابن أي ذو لبن، وقد دل على انهم لا ينقصون من عقابهم الذين ~~يستحقونه شيئا، وفي ذلك استخفاف به وهوان له. وانما ظن ابليس هذا الظن ~~الصادق، بأنه يغوي اكثر الخلق، لان الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أن ~~سيجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، فكان قد علم بذلك. وقيل: انما قال ~~ذلك، لانه وسوس الى آدم فلم يجد له عزما، فقال: بنو هذا مثله في ضعف ~~العزيمة، ذكره الحسن. وهذا الوجه لا يصح على اصلنا، لان عندنا ان آدم لم ~~يفعل قبيحا، ولا ترك واجبا، فلو ظن ابليس ان اولاده مثله لانتقض غرضه، ~~ولم يخبر بما قال. # و (لئن) حرف شرط، ولا يليه الا الماضي، والشرط لا يكون الا بالمستقبل ~~والعلة في ذلك ان اللام في (لئن) تأكيد يرتفع الفعل بعده و (ان) حرف شرط ~~ينجزم الفعل بعده، فلما جمعوا بينهما، لم يجز ان يجزم فعل واحد ويرفع، ~~فغير المستقبل الى الماضي، لان الماضي لا يبين فيه الاعراب، ذكر هذه ~~العله ابن خالوية. ### || [17.64-66] # قرأ حفص وحده { ورجلك } بكسر الجيم. ms2311 الباقون بتسكينها. # من سكن أراد جمع (راجل) مثل صاحب وصحب، وراكب وركب. ومن كسر اراد قولهم: ~~رجل يرجل، فهو راجل. # قوله: { واستفزز... وأجلب } صورته صورة الأمر والمراد به التهديد، وجرى ~~مجرى قوله # اعملوا ما شئتم # وكما يقال للانسان: اجهد جهدك، فسترى ما ينزل بك، وانما جاء التهديد ~~بصيغة الامر، لأنه بمنزلة من امر باهانة نفسه، لان هذا الذي يعمله هوان ~~له وهو مأمور به. ومعنى { استفزز } استزل، يقال: استفزه واستزله بمعنى ~~واحد، وتفزز الثوب اذ تمزق، وفززه تفززا، وأصله القطع، فمعنى استفزه ~~استزله بقطعه عن الصواب { من استطعت منهم } فالاستطاعة قوة تنطاع بها ~~الجوارح للفعل، ومنه الطوع والطاعة، وهو الانقياد للفعل. # وقيل في الصوت الذي يستفزهم به قولان: # احدهما - قال مجاهد: صوت الغناء واللهو. # الثاني - قال ابن عباس: هو كل صوت يدعا به الى معصية الله. وقيل: كل صوت ~~دعي به الى الفساد، فهو من صوت الشيطان. # وقال: { وأجلب عليهم بخيلك } فالاجتلاب السوق بجلبة من السائق. وفي ~~المثل (اذا لم تغلب فاجلب) يقال: جلب يجلب جلبا واجلب إجلابا، واجتلب ~~اجتلابا، واستجلب استجلابا، وجلب تجليبا مثل صوت، واصل الجلبة شدة ~~الصوت، وبه يقع السوق. # وقوله: { بخيلك ورجلك } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: كل راكب او ماش في ~~معصية الله من الانس والجن، فهو من خيل ابليس ورجله، والرجل جمع راجل مثل ~~تجر وتاجر، وركب وراكب. # وقوله: { وشاركهم في الأموال والأولاد } فمشاركته إياهم في الاموال ~~كسبها من وجوه محظورة او إنفاقها في وجوه محظورة، كما فعلوا في السائبة ~~والبحيرة والحام، والاهلال به لغير الله، وغير ذلك. ومشاركته في الاولاد، ~~قال مجاهد والضحاك: فهم اولاد الزنا. وقال ابن عباس: الموؤدة. وقيل: من ~~هودوا ونصروا، في قول الحسن وقتادة. وقال ابن عباس في رواية: هو ~~تسميتهم عبد الحارث، وعبد شمس، وما اشبه ذلك. وقيل: ذلك واحد من هذه ~~الوجوه، وهو أعم. # وقوله: { وعدهم } اي منهم البقاء وطول الأمل. ثم قال تعالى { وما يعدهم ~~الشيطان } أي ليس يعدهم الشيطان { إلا غرورا } ونصب على انه مفعول ms2312 له ~~[اي ليس يعدهم الشيطان الا لأجل الغرور]. ثم قال تعالى { إن عبادي } يعني ~~الذين يطيعوني ويقرون بتوحيدي ويصدقون أنبيائي، ويعملون بما اوجبه ~~عليهم، وينتهون عن معاصي { ليس لك } يا ابليس { عليهم } حجة ولا سلطان. ~~قال الجبائي: معناه ان عبادي ليس لك عليهم قدرة، على ضر ونفع اكثر من ~~الوسوسة، والدعاء الى الفساد، فأما على كفر أو ضرر، فلا، لانه خلق ضعيف ~~متخلخل، لا يقدر على الاضرار بغيره. # ثم قال { وكفى بربك } اي حسب ربك { وكيلا } اي حافظا، ومن يسند الامر ~~اليه ويستعان به في الامور. # ثم خاطب تعالى خلقه فقال: { ربكم الذي خلقكم } هو الذي { يزجي لكم الفلك ~~في البحر } قال ابن عباس: معناه يجريها، وبه قال قتادة، وابن زيد يقال: ~~أزجى يزجي ازجاء إذا ساق الشيء حالا بعد حال { لتبتغوا من فضله } اي ~~لتطلبوا فضل الله في ركوب البحر من الارياح وغيرها { إنه كان بكم رحيما ~~} اي منعما عليكم راحم لكم، يسهل لكم طرق ما تنتفعون بسلوكه دينا ~~ودنيا. ### || [17.67-69] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { أن نخسف... أو نرسل... أن نعيدكم... فنرسل } ~~بالنون فيهن. الباقون بالياء. الا ابا جعفر، وورش، فانهما قرأا " فتغرقكم ~~" بالتاء يردانه الى الريح. ومن قرأ بالنون اراد الاخبار من الله عن ~~نفسه. ومن قرأ بالياء اراد أن محمدا اخبر عن الله، والمعنيان متقاربان. ~~وقال ابو علي: من قرأ بالياء فلانه تقدم { ضل من تدعون إلا إياه، فلما ~~نجاكم إلى البر... أفأمنتم أن يخسف بكم } ومن قرأ بالنون، فلان مثله قد ~~ينقطع بعضه عن بعض. والمعنى واحد، يقول الله تعالى لخلقه: انه اذا نالكم ~~الضر، وانتم ركاب البحر بان أشرفتم على الهلاك وخب بكم البحر وماجت ~~الامواج { ضل من تدعون } اي يكون بمنزلة من يضل عنكم، ولا ينجيكم من ~~اهواله الا الله تعالى. وانما خص البحر بذكر النجاة، لان له اهوالا ~~هيجانية وخبة، لا يطمع عاقل في ان ينجيه احد منه الا الذي خلق النفس ~~وانعم بما وهب من العقل والسمع والبصر. وقال: اذا دعوتموه ms2313 في تلك الحال، ~~ونجاكم، وخلصكم، واخرجكم منه الى البر اعرضتم عن ذكر الله، والاعتراف ~~بنعمه. # ثم قال تعالى: { وكان الإنسان كفورا } لنعم الله تعالى، ثم قال مهددا ~~لهم: { أفأمنتم } اي هل أمنتم اذا ضربتم في البر { أن يخسف بكم } جانبه ~~ويقلب اسفله اعلاه فتهلكون عند ذلك، كما خسفنا بمن كان قبلكم من الكفار ~~نحو قوم لوط وقوم فرعون { أو يرسل عليكم حاصبا } بمعنى حجارة تحصبون بها ~~او ترمون بها. والحصباء الحصى الصغار، ويقال: حصب الحصى يحصبه حصبا اذ ~~رماه رميا متتابعا، والحاصب ذو الحصب. والحاصب فاعل الحصب { ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا } أي من يدفع ذلك عنكم. # ثم قال: { أم } اي هل { أمنتم أن يعيدكم } في البحر دفعة اخرى بان يجعل ~~لكم الى ركوبه حاجة { فيرسل عليكم قاصفا من الريح } فالقاصف الكاسر بشدة ~~قصفه يقصفه قصفا، فهو قاصف، وتقصف شعره تقصفا، وانقصف الرجل انقصافا. ~~وقصف الشيء تقصيفا، { فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا } اي من يتبع إهلاككم للمطالبة بدمائكم او يأخذ بثاركم، وقيل ان ~~القاصف الريح الشديدة تقصف الشجر بشدتها. وانما قيل: حاصب على وزن فاعل ~~لامرين: # احدهما - ريح حاصب أي تحصب الحجارة من السماء، قال الشاعر: # مستقبلين شمال الشام يضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # وقال الآخر: # ولقد علمت إذا العشار تروحت # حتى تبيت على العصاة حفالا # الثاني - حاصب ذو حصب. ### || [17.70-72] # اخبر الله تعالى: انه كرم { بني آدم } وانما عنى بني آدم بالتكرمة مع ~~ان فيهم كفارا، لان المعنى كرمناهم بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة. ~~وقال قوم: جرى ذلك مجرى قوله # كنتم خير أمة أخرجت للناس # فاجرى الصفة على جماعتهم من اجل من فيهم على هذه الصفة. ثم بين تعالى ~~الوجوه التي كرم بها بني آدم بأنه حملهم في البر والبحر على ما يحملهم ~~من الابل وغيرها، كما قال: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة # والبحر، والسفن التي خلقها لهم واجراها بالرياح فوق الماء ليبلغوا بذلك ~~حوائجهم { ورزقناهم من الطيبات } يعني من الثمار والفواكه وطيبات ms2314 ~~الاشياء، وملاذها التي خص بها بني آدم ولم يشرك شيئا من الحيوان فيها من ~~فنون الملاذ. وقيل: من تفضيل بني آدم ان يتناول الطعام بيديه دون غيره، ~~لان غيره يتناوله بفيه، وانه ينتصب، وما عداه على اربع او على وجهه. # وقوله: { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } وليس المراد بذلك ~~تفضيلهم بالثواب، لان الثواب لا يتفضل به ابتداء، وانما فضلهم ابتداء بان ~~خلق لهم من فنون النعم وضروب الملاذ ما لم يجعله لشيء من الحيوان، وانما ~~فعل ذلك تفضلا منه تعالى، ولما في ذلك من اللطف للعاقل، والصلاح الذي ~~ينتظم ويتم بهذا التأويل، واستدل جماعته بقوله { وفضلناهم على كثير ممن ~~خلقنا } على تفضيل الملائكة على الانبياء، قال لان قوله { على كثير ممن ~~خلقنا } يدل على ان ها هنا من لم يفضلهم عليهم، وليس الا الملائكة، لان ~~ابن آدم افضل من كل حيوان سوى الملائكة بلا خلاف. وهذا باطل بما قلناه من ~~ان المراد بذلك تفضيلهم بالنعم الدنياوية، والالطاف، وليس المراد بذلك ~~الثواب بدلالة ابتدائهم بهذا التفضيل. والثواب لا يجوز الابتداء به. # وقوله { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } قال الزجاج: يتعلق بقوله { ~~يعيدكم... يوم ندعوا } وقيل: تقديره اذكر يوم. وقيل انه يتعلق بقوله { ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا.. يوم ندعوا } ، لان ما فعله بهم من ~~الالطاف في الدنيا، لان يطيعوا ويفعلوا من الافعال ما يدعون به يوم ~~القيامة. # واختلفوا في الإمام الذي يدعون به يوم القيامة، فقال مجاهد وقتادة: ~~إمامه نبيه. وقال ابن عباس: إمامه كتاب علمه. وروي عنه ايضا أن ~~إمامهم كتابهم الذي انزل الله اليهم فيه الحلال والحرام والفرائض ~~والاحكام. وقال البلخي: بما كانوا يعبدونه، ويجعلونه إماما لهم. وقال ~~ابو عبيد: بما كانوا يأتمون به في الدنيا. وهو قول ابي جعفر وابي عبدالله ~~(ع). # وقوله { فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم... } الاية، جعل ~~الله تعالى إعطاء الكتاب باليمين من علامة الرضا والخلاص، وأن من أعطي ~~كتابه باليمين تمكن من قراءته وسهل له ذلك، وكان فحواه أن من ms2315 أعطي كتابه ~~بشماله أو وراء ظهره، فإنه لا يقدر على قراءة كتابه، ولا يتأتى له، بل ~~يتلجلج فيه، لما يراه من المعاصي الموبقات. # وقوله { ولا يظلمون فتيلا } معناه لا يبخس أحد حقه، ولا يظلم شيئا، ~~سواء كان مستحقا للثواب أو العقاب، فإن المستحق للثواب لا يبخس منه ~~شيئا والمستحق للعقاب لا يفعل به أكثر من استحقاقه، فيكون ظلما له. ~~(والفتيل) هو المفتول الذي في شق النواة - في قول قتادة - وقيل الفتيل في ~~بطن النواة، والنقير في ظهرها، والقطمير قشر النواة، ذكره الحسن. # وقوله { ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } قرأ أهل ~~العراق إلا حفصا والأعشى { ومن كان في هذه أعمى } بالامالة. الباقون ~~بالتفخيم وقرأ حمزة والكسائي إلا نصيرا، وخلفا، وأبا بكر إلا الأعشى ~~والبرجمي { فهو في الآخرة أعمى } بالأمالة: الباقون بالتفخيم. # وقيل في معنى الآية قولان: # أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد وقتادة، وابن زيد: من كان في أمر هذه ~~الدنيا، وهي شاهدة له من تدبيرها وتوثقها وتقلب النعم فيها أعمى عن ~~اعتماد الصواب الذي هو مقتضاها، فهو في الآخرة التي هي غائبة عنه { أعمى ~~وأضل سبيلا } وقال قوم: من كان في هذه الدنيا أعمى عن طريق الحق، فهو في ~~الاخرة أعمى عن الرشد المؤدي إلى طريق الجنة. وقال أبو علي: فهو في ~~الآخرة أعمى عن طريق الجنة. ومن فخم في الموضعين، فلأن الياء فيهما قد ~~صارت ألفا لانفتاح ما قبلها. والأصل فمن كان في هذه اعمى، فهو في الآخرة ~~أعمى، ومن كان فيما وضعناه من نعيم الدنيا اعمى، فهو في نعيم الآخرة ~~اعمى. واما تفريق ابي عمرو بين اللفظين فلاختلاف المعنى، فقال ومن كان في ~~هذه اعمى ممالا، فهو في الاخرة اعمى بالفتح اي أشد عما، فجعل الأول ~~صفة بمنزلة أحمر وأصفر، والثاني بمنزلة أفعل منك، كقوله { وأضل سبيلا } ~~اي اعمى قلبا. والعمى في العين لا يتعجب منه بلفظة (أفعل)، ولا يقال ما ~~أعماه، بل يقال ما أشد عماه، وفي القلب ما أعماه بغير أشد، ms2316 لأن عما ~~القلب حمق، كما قال الشاعر لمرور ما أحمره وأبيضه، فقال: # أما الملوك فأنت اليوم ألأمهم # لؤما وأبيضهم سربال طباخ # وقال بعضهم: لا وجه لتفريق ابي عمرو، لأن الثاني، وإن كان بمعنى (أفعل ~~منك) فلا يمنع من الامالة، كما لم يمنع بالذي هو ادنى، قال ابن خالويه ~~ابو عبد الله إنما اراد ابو عمرو ان يفرق بينهما لما اختلف معناهما، ~~واجتمعا في آية واحده، كما قرأ { ويوم القيامة يردون } يعني الكفار، ثم ~~قال في آخرها { عما تعملون } اي أنتم وهم، ولو وقع مفردا، لأجاز الامالة ~~والتفخيم فيهما، قال ابو علي: ومن أمال الجميع كان حسنا، لانه ينحو نحو ~~الياء بالالف ليعلم انها منقلبة الى الياء وان كانت فاصلة او مشبهة ~~للفاصلة، فالامالة حسنة فيها، لأن الفاصلة موضع وقف، والالف تخفى في ~~الوقف، فأما إذا أمالها، نحا بها نحو الكسرة وليكون أظهر لها وأبين. ### || [17.73-75] # قال الزجاج: معنى الكلام كادوا يفتنونك، ودخلت (ان واللام) للتوكيد ~~ومعنى (كاد) المقاربة. وقوله { وإن كادوا } قال الحسن: معناه قارب بأن ~~هم من غير عزم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم # " ان الله وضع عن أمتي ما حدثت به نفسها إلا من عمل شيئا او تكلم به ~~" # وقيل انهم قالوا: لا ندعك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا. وقال مجاهد، ~~وقتادة: الفتنة التي كاد المشركون ان يفتنوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بها الإلمام بآلهتهم ان يمسها في طوافه، لما سألوه في ذلك، ولاطفوه. # وقال ابن عباس: هم بإنظار ثقيف بالإسلام حتى يقبضوا ما يهدى لآلهتهم ~~ثم يسلموا فيها. # امتن الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لولا انه ثبته ~~بلطفه، وكثرة زواجره وتواتر نهيه، لقد كاد يركن اي يسكن، ويميل إلى ~~المشركين قليلا، على ما يريدون يقال: ركن يركن، وركن يركن، ثم قال { ~~إذا لأذقناك ضعف الحياة، وضعف الممات } اي لو فعلت ذلك، لاذقناك ضعف ~~عذاب الحياة، وضعف عذاب المماة لعظم ذلك منه لو فعله، وهو قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة ms2317 والضحاك. وإنما كان يعظم عذابه بالركون اليهم لكثرة ~~زواجره وفساد العباد به. # وقيل لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين " # روى ذلك قتادة. ومعنى الفتنة - ها هنا - الضلال، والتقدير وإن كادوا ~~ليفتنونك ليضلوك عن الذي اوحينا اليك، في قول الحسن وأصل الفتنة المحنة ~~التي يطلب بها خلاص الشيء مما لابسه، فطلبوا إخراجه إلى الضلالة. # وقوله { لتفتري علينا غيره } اي لتكذب علينا غير ما اوحينا اليك وإن ~~فعلت ذلك لاتخذوك خليلا وديدا. # وقوله { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } اي لو فعلت الركون اليهم لأذقناك ~~ما قلناه من العذاب، ثم لا تجد لك علينا ناصرا يدفع عنك ما نريد فعله ~~بك. ### || [17.76-78] # قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا ابا بكر { خلافك }. الباقون " خلفك " فمن ~~قرأ " خلفك " فلقوله # فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها # وقوله # بمقعدهم خلاف رسول الله # اي لمخالفتهم إياه، ومن قرأ { خلافك } قال بعدك وخلفك وخلافك بمعنى ~~واحد، يقول الله تعالى { وإن كادوا } يعني المشركين { ليستفزونك من ~~الأرض } قال الحسن: معناه ليقتلونك، وقال غيره: الاستخفاف بالانزعاج. ~~وقال ابو علي: هموا بأن يخرجوه من ارض العرب لا من مكة فقط، إذ قد ~~أخرجوه من مكة، وقال المعتمر ابن ابي سليمان عن ابيه: الارض التي ارادوا ~~استزلاله منها: هي ارض المدينة، لان اليهود قالت له: هذه الارض ليست ارض ~~الانبياء, وانما أرض الانبياء الشام. وقال قتادة ومجاهد: هي مكة، لان ~~قريشا همت بإخراجه منها. ثم قال تعالى: انهم لو اخرجوك من هذه الارض ~~لما لبثوا، لما اقاموا بعدك فيها إلا قليلا. وقال ابن عباس والضحاك: ~~المدة التي لبثوا بعده هو ما بين خروج النبي من مكة، وقتلهم يوم بدر. ومن ~~قرأ خلافك اراد بعدك، كما قال الشاعر: # عقب الرذاذ خلافها فكأنما # بسط الشواطب بينهن حصيرا # الرذاذ المطر الخفيف، يصف روضة وأرضا غب مطرها، وكانت حضراء وقال ~~الحسن الاستفزاز - هاهنا - الفتل. # وقوله { وإذا لا يلبثون } بالرفع، لان (إذا) وقعت بعد الواو، ms2318 فجاز ~~فيها الالغاء، لانها متوسطة في الكلام، كما انه لا بد من ان تلغى في آخر ~~الكلام. # وقوله { سنة من قد أرسلنا } انتصب { سنة } بمعنى لا يلبثون. وتقديره: لا ~~يلبثون لعذابنا إياهم كسنة من قبلك، إذ فعلت اممهم مثل ذلك. ثم قال { ~~لا تجد لسنتنا تحويلا } اي تغييرا وانتقالا من حالة إلى حالة اخرى. ~~بل هي على وتيرة واحدة. ثم امر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال { أقم ~~الصلاة } والمراد به أمته معه { لدلوك الشمس } اختلفوا في الدلوك، فقال ~~ابن عباس، وابن مسعود، وابن زيد: هو الغروب والصلاة المأمور بها - ها هنا ~~- هي المغرب، وقال ابن عباس في رواية اخرى والحسن، ومجاهد، وقتادة: ~~دلوكها زوالها، هوالمروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وذلك ان الناظر ~~اليها يدلك عينيه، لشدة شعاعها. واما عند غروبها فيدلك عينيه لقلة ~~تبينها، والصلاة المأمور بها عند هؤلاء الظهر، وقال الراجز: # هذا مقام قدمي رباح # للشمس حتى دلكت براح # ورباح اسم ساقي الابل. من روى بكسر الباء اراد براحته، قال الفراء: ~~يقال: بالراحة على العين، فينظر هل غابت الشمس بعد، قال الفراء هكذا ~~فسروه لنا، ومن رواه بفتح الباء جعله اسما للشمس مبنيا على (فعال) مثل ~~قطام وحذام وقال العجاج: # والشمس قد كادت تكون دنفا # ادفعها بالراح كي تزحلفا # وغسق الليل ظهور ظلامه، ويقال غسقت القرحة إذا انفجرت، فظهر ما فيها. ~~وقال ابن عباس وقتادة: هو بدؤ الليل، قال الشاعر: # إن هذا الليل اذ غسقا # وقال الجبائي غسق الليل ظلمته، وهو وقت عشاء الآخرة. وقوله { وقرآن ~~الفجر } قال قوم يعني قرآن الفجر في الصلاة، وذلك يدل على أن الصلاة، لا ~~تتم إلا بالقراءة، لأنه أمر بالقراءة وأراد بها الصلاة، لأنها لا تتم ~~إلا بها. # وقوله: { إن قرآن الفجر كان مشهودا } معناه يشهده ملائكة الليل، ~~وملائكة النهار، ذهب اليه ابن عباس، وقتادة ومجاهد وابراهيم. وروي عن ~~امير المؤمنين (ع) وأبي بن كعب أنها الصلاة الوسطى، وقال الحسن: { لدلوك ~~الشمس } لزوالها: صلاة الظهر، وصلاة العصر الى { غسق ms2319 الليل } صلاة المغرب ~~والعشاء الآخرة، كأنه يقول من ذلك الوقت الى هذا الوقت على ما يبين لك من ~~حال الصلوات الأربع، ثم صلاة الفجر، فأفردت بالذكر. وقال الزجاج: سمى ~~صلاة الفجر { قرآن الفجر } ، لتأكد أمر القراءة في الصلاة، ومعنى { ~~لدلوك الشمس } أي عند دلوبها. واستدل قوم بهذه الآية على أن وقت الاولى ~~موسع الى آخر النهار، لأنه أوجب إقامة الصلاة من وقت دلوك الشمس الى ~~وقت غسق الليل، وذلك يقتضي ان ما بينهما وقت. وهذا ليس بشيء، لأن من قال: ~~إن الدلوك هو الغروب لا دلالة فيها عليه عنده، لان من قال ذلك يقول: انه ~~يجب إقامة المغرب من عند المغرب الى وقت اختلاط الظلام الذي هو غروب ~~الشفق، وما بين ذلك وقت المغرب. ومن قال: الدلوك هو الزوال يمكنه أن ~~يقول: المراد بالآية البيان لوجوب الصلواة الخمس على ما ذكره الحسن، لا ~~بيان وقت صلاة واحدة، فلا دلالة له في الآية. # و { مشهودا } قيل في معناه قولان: # احدهما - تشهده ملائكة الليل، والنهار. # والثاني - قال الجبائي: فيه حث للمسلمين على ان يحضروا هذه الصلاة ~~ويشهدوها للجماعة. ### || [17.79-81] # هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى له: { ومن الليل ~~فتهجد } والتهجد التيقظ بما ينفي النوم، والهجود النوم، وهو الأصل، هجد ~~يهجد هجودا، فهو هاجد إذا نام، قال لبيد: # قلت هجدنا فقد طال السرى # وقال الشاعر: # ألا طرقتنا والرفاق هجود # فباتت بعلات النوال تجود # وقال الحطيئة: # ألا طرقت هند الهنود وصحبتي # بحوران حوران الجنود هجود # وقال علقمة، والاسود: التهجد يكون بعد نومة. وقال المبرد:- التهجد عند ~~أهل اللغة - السهر للصلاة، أو لذكر الله، فاذا سهر للصلاة قيل تهجد، ~~واذا أراد النوم قال هجدت. والنافلة فعل ما فيه الفضيلة مما رغب الله ~~فيه، ولم يوجبه. والنافلة. الغنيمة، قال الشاعر: # إن تقوى ربنا خير نفل # وباذن الله ريثي والعجل # اي خير غنيمة. والحسن من افعال العباد على ثلاثة أقسام: واجب، وندب، ~~ومباح. وقال الرماني: يجوز ان يكون نافلة اكثر ثوابا من فريضة إذا ms2320 كان ~~ترك الفريضة صغير، لأن نافلة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من هذه ~~الفريضة، من فرائض غيره. وقد تكون نعمة واجبة أعظم من نعمة واجبة، كنعم ~~الله تعالى، لانه يستحق بها العباد من نعمة الانسان التي يستحق بها الشكر ~~فقط. # وقوله: { نافلة لك } وجه هذا الاختصاص هو أنه أتم، للترغيب لما في ~~ذلك من صلاح أمته في الابتداء به والدعاء الى الاستنان بسنته. وروي أنها ~~فرضت عليه، ولم تفرض على غيره، فكانت فضيلة له، ذكره ابن عباس، فيجوز ذلك ~~بترغيب يخصه في شدته. وقال مجاهد: لانها فضيلة له ولغيره كفارة، لان ~~الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا ايضا من إختصاصه بما ~~ليس لغيره. # وقوله: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } معناه متى فعلت ما ندبناك ~~اليه من التهجد يبعثك الله مقاما محمودا، وهي الشفاعة، في قول ابن ~~عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة. وقال قوم: المقام المحمود إعطاؤه لواء ~~الحمد. و (عسى) من الله واجبه. وقد أنشد لابن مقبل في وجوبها: # ظني بهم كعسى وهم بتنوفة # يتنازعون جوائز الامثال # يريد كيقين، ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: { أدخلني ~~مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: إدخاله ~~المدينة حين أخرج من مكة. وقيل ادخلني فيما أمرتني واخرجني عما نهيتني ~~بلطف من ألطافك. وقال الفراء: قال ذلك حين رجع من معسكره الذي أراد أن ~~يخرج الى الشام، حين قالوا له: ليست المدينة أرض الانبياء، و { أخرجني ~~مخرج صدق } يعني الى مكة. # وقال أيضا: يا محمد قل { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } قال الحسن ~~وقتادة: معناه اجعل لي عزا امتنع به ممن يحاول صدي عن إقامة فرائض ~~الله في نفسه وغيره. # وقال مجاهد: حجة بينة. ثم قال: { وقل جاء الحق } يعني التوحيد وخلع ~~الانداد والعبادة لله وحده لا شريك له { وزهق الباطل } قال ابن عباس: ~~معناه ذهب الباطل، وزهقت نفسه زهوقا إذا خرجت، فكأنه خرج الى الهلاك. ~~وقيل امر بهذا الدعاء ms2321 إذا دخل في أمر او خرج من امر. ثم قال تعالى ~~وأخبر { إن الباطل كان زهوقا } باطلا هالكا لا ثبات له، وانه يضمحل ~~ويتلاشى. وروي عن ابن مسعود أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود، ويقول: # " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " # وجاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد. ### || [17.82-84] # أخبر الله تعالى: أنه أنزل القرآن وفيه شفاء، ووجه الشفاء فيه من وجوه: # أحدها - ما فيه من البيان الذي يزيل عمى الجهل وحيرة الشك. # وثانيها - أنه من جهة نظمه وتأليفه يدل على انه معجز دال على صدق من ظهر ~~على يده. # وثالثها - انه يتبرك به فيدفع به كثيرا من المكاره والمضار، على ما يصح ~~ويجوز في مقتضى الحكمة. # ورابعها - ما في العبادة بتلاوته من الصلاح الذي يدعو الى امثاله ~~بالمشاكلة التي بينه وبينه الى غير ذلك. ثم قال: { ولا يزيد الظالمين } ~~يعني القرآن لا يزيد الظالمين بمعنى انهم لا يزدادون عنده { إلا خسارا } ~~يعني يخسرون ثوابهم ويستحقون العقاب لكفرهم به وحرمان أنفسهم تلك المنافع ~~التي فيه، صار كأنه يزيد هؤلاء خسرانا بدل زيادة المؤمنين تقى وايمانا. ~~ثم قال: { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } أي ولى عرضه، كأنه لم يقبل ~~علينا بالدعاء والابتهال، وباعد عن انعامنا عليه بضروب النعم، فلا ~~يشكرها، كما اعرض عن النعمة بالقرآن. # وقوله: { ونأى بجانبه } أي بعد بنفسه عن القيام بحقوق نعم الله. وقال ~~مجاهد: معناه تباعد منا { وإذا مسه الشر كان يئوسا } يعني اذا لحق ~~الانسان شر وبلاء { كان يئوسا } اي قنوطا من رحمة الله، فقال الله ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم: { كل يعمل على شاكلته } أي على ~~طريقته التي تشاكل اخلاقه. وقال مجاهد: على طبيعته. وقيل على عادته التي ~~ألفها. والمعنى انه ينبغي للانسان ان يحذر إلف الفساد فلا يستمر عليه، ~~بل يرجع عنه. ثم قال: { وربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } يعني انه عالم ~~بمن يهتدي الى الحق ms2322 ممن يسلك طريق الضلال، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم. # وأمال حمزة والكسائي { ونأى بجانبه } بكسر النون والهمزة، وأمالوا ~~الياء، وأمالوا النون لمجاورة الهمزة، لأنها من حروف الحلق، كما يقولون: ~~رغيف وشعير وبعير بكسر أولهن. وقرأ ابن عامر { وناء بجانبه } من ناء ~~ينوء، فانقلبت الواو الفا لانفتاح ما قبلها، ومدت الالف تمكينا ~~للهمزة. # وقرأ ابو عامر عن عاصم وابو عمرو - في رواية عياش - " ونئي " بفتح النون ~~وكسر الهمزة ممالا ومثل ذلك رأى ورئي، وراء ورأه في القلب، فاذا قالوا ~~فعلت، قالوا رأيت بلا خلاف. وانشد المبرد حاكيا عن ابي عبيد: # أغلام معلل راء رؤيا # فهو يهذي بما رأى في المنام ### || [17.85-87] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { يسألونك عن الروح } يا ~~محمد. واختلفوا في الروح الذي سألوا عنه. فقال ابن عباس: هو جبرائيل. ~~وروي عن علي (ع) أن الروح ملك من الملائكة له سبعون الف وجه في كل وجه ~~سبعون الف لسان يسبح الله بجميع ذلك. وقيل: هو روح الحيوان، وهو الاظهر ~~في الكلام. وقال قتادة: الذي سأله عن ذلك قوم من اليهود. وقيل: الروح هو ~~القرآن، ذكره الحسن، لقوله: # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # واختاره البلخي، وقوى ذلك بقوله بعدها: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك } يعني القرآن، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~قل لهم { الروح من أمر ربي } فعلى قول من قال: انهم سألوا عن القرآن أو ~~عن جبرائيل او الملك أو روح الحيوان، فقد أجاب عنه لانه قال: { من أمر ~~ربي } أي من خلق ربي وفعله. وعلى قول: من قال انهم سألوه عن ماهية ~~الانسان، لم يجب، وانما عدل عن جوابهم، لانهم وجدوا في كتابهم انه إن ~~أجاب عن الروح، فليس بنبي، فاراد صلى الله عليه وسلم ان يصدق نبوته ~~بموافقة امتناعه من الجواب، لما في كتابهم. ويقوي ذلك قوله: { وما أوتيتم ~~من العلم إلا قليلا } اي لم أعط من العلم الا شيئا يسيرا، والاكثر ~~لا اعلمه، لان معلومات الله تعالى ms2323 لا نهاية لها. والروح من الامور ~~المتروكة التي لا يصلح النص عليها، لانه ينافي الحكمة، لما فيه من ~~الاستفساد. وانما اعلم ما نص لي عليه مما يقتضي المصلحة، وهو قليل من ~~كثير. # وقيل ايضا انهم لم يجابوا عن الروح، لان المصلحة اقتضت ان يحالوا على ~~ما في عقولهم من الدلالة عليه، لما في ذلك من الرياضة على استخراج ~~الفائدة، وان ما طريقه السمع، فقد اتى به، وما طريقه العقل، فانما يأتي ~~به مؤكدا لما في العقل لضرب من التأكيد، ولما فيه من المصلحة. والروح ~~جسم رقيق هوائي على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة، ذكره الرماني. ~~وقال: كل حيوان، فهو روح وبدن الا أن فيهم من الاغلب عليه الروح، وفيهم ~~من الاغلب عليه البدن. ثم قال: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } ~~ومعناه اني اقدر ان آخذ ما أعطيك، كما منعته من غيرك، لكني دبرتك بالرحمة ~~لك، فأعطيتك ما تحتاج اليه ومنعتك ما لا تحتاج اليه والى النص عليه. وان ~~توهم قوم أنه مما يحتاج اليه، فتدبر أنت بتدبير ربك وارض بما اختاره لك، ~~ولو فعلنا ذلك لم تجد لك علينا وكيلا يستوفي ذلك منا. وقال قوم: معنى { ~~ولئن شئنا لنذهبن } اي لنمحون - هنا - القرآن من صدرك وصدر أمتك. ~~وقوله: { إلا رحمة من ربك } اعطاك ما اعطاك من العلوم ومنعك ما منعك منها ~~{ إن فضل الله كان } فيما مضى وفيما يستقبل { عليك كبيرا } عظيما، ~~فقابله بالشكر. ### || [17.88-90] # قرأ اهل الكوفة { تفجر } بالتخفيف. الباقون بالتشديد، يقال: فجر يفجر ~~بالتخفيف إذا شق الأنهار، ومن شدد، فلقوله # وفجرنا خلالها نهرا # اي مرة بعد مرة، ولقوله { فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا } فالتفجير لا ~~يكون إلا من فجر. # في الآية الاولى، تحدي للخلق ان يأتوا بمثل هذا القرآن وأنهم يعجزون عن ~~ذلك ولا يقدرون على معارضته، لأنه تعالى قال { قل } يا محمد لهؤلاء ~~الكفار { لئن اجتمعت الإنس والجن } متعاونين متعاضدين { على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن } في فصاحته وبلاغته ونظمه، على الوجه الذي هو عليه، ms2324 من ~~كونه في الطبقة العليا من البلاغة وعلى حد يشكل على السامعين ما بينهما ~~من التفاوت، لما أتوا بمثله، ولعجزوا عنه { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ~~اي معينا، والمثلية التي تحدوا بالمعارضة بها معتادة بينهم، كمعارضة ~~علقمه لامرىء القيس، ومعارضة الحرث ابن حلزة عمرو بن كلثوم، ومعارضة جرير ~~الفرزدق. وما كان ذلك خافيا عليهم. # ثم قال { ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل } وتصريفه إياه هو توجيهه ~~إياه في معان مختلفة. وقال الرماني: هو تصيير المعنى دائرا فيما كان ~~من المعاني المختلفة. وذلك أنه لو أدير في المعاني المتفقة لم يعد ذلك ~~تصريفا، فالتصريف تصيير المعنى دائرا في الجهات المختلفة. # وقوله { لا يأتون بمثله } انما رفعه لانه غلب جواب القسم على جواب (إن) ~~لوقوعه في صدر الكلام، وقد يجوز أن يجزم على جواب (إن) إلا أن الرفع ~~الوجه، وقال الاعشى: # لئن منيت بنا عن غب معركة # لا تلقنا من دماء القوم ننتقل # وقوله { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } معناه إنما { صرفنا في هذا ~~القرآن من كل مثل } ليستدلوا به على كونه من قبل الله تعالى ومع ذلك يأبى ~~أكثر الناس إلا الجحد به، وإنكاره، فالكفور - ها هنا - هو الجحود للحق ~~بالاستكبار. ويقولون مع ذلك { لن نؤمن لك } يا محمد { حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا } ومعناه حتى تشقق من الارض عينا ينبع بالماء أي يفور، ~~فهو على وزن (مفعول) من (نبع)، يقال نبع الماء ينبع، فهو نابع، وجمعه ~~ينابيع، وانما طلبوا عيونا ببلدهم - في قول قتادة - والتفجير التشقيق ~~عما يجري من ماء او ضياء، ومنه سمى الفجر، لانه ينشق عن عمود الصبح، ومنه ~~الفجور، لأنه خروج الى الفساد لشق عمود الحق. ### || [17.91-93] # قرأ ابن عامر { قال سبحان ربي }. الباقون { قل سبحان ربي } وقرأ اهل ~~المدينة وابن عامر وعاصم { كسفا } بفتح السين. الباقون باسكانها من قرأ ~~{ قال سبحان } معناه إن الرسول قال ذلك عند إقتراحهم ما تقدم ذكره، مما ~~لا يدخل تحت مقدور البشر. ومن قرأ { قل } فعلى أنه أمر ms2325 بأن يقول لهم ~~ذلك ويقويه قوله # قل إنما أنا بشر مثلكم # قال ابو زيد: يقال: كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعة قطعا، والكسف ~~القطع واحده كسفة مثل قطعة. قال ابو عبيد: كسفا قطعا. ومن فتح السين ~~جعله جمع كسفة، قال كسفا مثل قطعة وقطع. ومن سكنه جاز ان يريد الجمع، ~~مثل وسدرة. ويجوز ان يريد به المصدر. والمعنى اطبق علينا السماء كسفا اي ~~طبقا. # نزلت هذه الآية في أقوام اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم هذه ~~الآيات؛ قالوا { لن نؤمن لك } اي لن نصدقك في أنك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى تأتي بها، وهم كانوا جماعة من قريش، منهم عتبة بن ربيعة، ~~وشيبة بن ربيعة، وابو سفيان، والاسود ابن المطلب بن أسد، وزمعة بن ~~الأسود، والوليد بن المغيرة، وابو جهل ابن هشام، وعبد الله بن أبي ~~أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وابل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ~~السهميان. على ما ذكر ابن عباس. # فمن الآيات التي اقترحوها ما ذكره في الآية المتقدمة بأن قالوا { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } اي تشقق لنا من الارض عيون ماء ~~في بلادنا { أو تكون لك جنة } يعني بستانا من نخيل وعنب، وتشقق الانهار ~~خلالها اي في خلالها، ووسطها تشقيقا { أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا } وقرىء بسكون السين، وفتحها، والكسف القطع، في قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. ويحتمل وجهين: # احدهما - ان يكون جمع كسفة وكسف بسكون السين كسدرة وسدر بسكون الدال، ~~وهو للجنس يصلح، للكثير والقليل، ويقول العرب: اعطني كسفة من هذا الثوب ~~أي قطعة منه، حكى ذلك الفراء، انه سمعه من بعض العرب؛ ومن ذلك الكسوف، ~~لانقطاع نوره. # والثاني - يجوز ان يكون الكسف مصدرا من كسفت الشيء إذا غطيته بالغطاء ~~عمن يراه, فكأنهم قالوا: تسقطها طبقا علينا. # وقوله { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } فيه دلالة على أنهم كانوا ~~مشبهة، لأن العارف بالله على الحقيقة لا يقول هذا، لأنه لا يجوز عليه ~~تعالى المقابلة، ولا لهم ms2326 إستعمال هذا على معنى دلائل وآيات الله إذ لا ~~دلائل تدل على ذلك، فلا يشرط في الظاهر ما ليس فيه، لانه لم يثبت معرفتهم ~~وحكمتهم، فيصرف ذلك عن ظاهره. ومعنى { قبيلا } قال الفراء: معناه كفيلا ~~بذلك؛ يقال قبلت وكفلت، وزعمت وحملت قبله. # وقال غيره: يعني مقابلة. وقال قتادة وابن جريج والزجاج: معناه نعاينهم ~~معاينة، قال الشاعر: # نصالحكم حتى تبؤوا بمثلها # كصرخة حبلى بشرتها قبيلها # اي قابلتها، وهي مقابلة لها، والعرب تجرية في هذا المعنى مجرى المصدر ~~فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. # وقوله { أو يكون لك بيت من زخرف } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ~~والفراء: يعني بيتا من ذهب { أو ترقي في السماء } اي تصعد إليها ~~أمامنا بحذائنا بسلم، قال الفراء إنما قال في السماء، ولم يقل الى، لأن ~~المراد او ترقى في سلم الى السماء، فأتى ب (في) ليدل على ما قلناه يقال: ~~رقيت في السلم أرقى رقيا، ورقيت من الرقيا أرقوه رقيا ورقية { ولن ~~نؤمن لرقيك } اي لصعودك حتى تنزل علينا كتابا مكتوبا نقرأه كما أنزل ~~على موسى الالواح، فقال الله تعالى له { قل } يا محمد { سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا } وإنما أجابهم بذلك، لان المعنى انكم تقترحون علي ~~الآيات وليس أمرها الي وإنما أمرها الى الذي أرسلني والذي هو أعلم ~~بالتدبير مني وما ينص عليه من الدليل، فلا وجه لطلبكم هذا مني مع ان هذه ~~صفتي، لاني رسول أؤدي اليكم ما أوحي الي وأمرت بان أؤديه اليكم. ومن قرأ ~~{ قال سبحان } حمله على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ابتداء من ~~قبل نفسه، قبل ان يؤمر به، لعلمه بأن الآيات لا تتبع الشهوات، ~~والاقتراحات، وانما تتبع المصالح، ولو تبعت الشهوات لكان كل واحد يقترح ~~غير ما يقترحه الآخر فيؤدي الى الفساد. ### || [17.94-96] # يقول الله تعالى وما صرف الناس، يعنى المشركين الذين لم يؤمنوا، وانما ~~أخبر عنه بالمنع مبالغة له في الصرف، لان المنع يستحيل معه الفعل، والصرف ~~يمكن معه الفعل، لكنه لشدة صرفه ms2327 شبه بالمنع. وقوله { أن يؤمنوا } اي ~~ما صرفهم عن التصديق بالله ورسوله حين جاءهم الهدى، يعنى الحجج والبينات، ~~وطريق الحق إلا قولهم { أبعث الله بشرا رسولا } فدخلت عليهم الشبهة في ~~أنه لا يجوز من الله أن يبعث رسولا إلا من الملائكة، كما دخلت عليهم ~~الشبهة في أن عبادتهم لا تصلح لله، فوجهوها إلى الاصنام، فعظموا الله ~~تعالى بجهلم، بما ليس فيه تعظيم. وهذا فاسد، لأن تعظيم الله إنما يكون ~~بأن يشكر على نعمته بغاية الشكر ويحمد غاية الحمد، ويضاف اليه الحق دون ~~الباطل، وهم عكسوا فأضافوا الباطل اليه وما يتعالى عن فعله أو إرادته. ~~وإنما عدلوا عن الهدى إلى الضلال تقليدا لرؤسائهم. واعتقادا للجهل ~~بالشبهة. # فان قيل لم جاز ان يرسل الله إلى النبي - وهو من البشر - ملكا ليس من ~~جنسه؟ ولم يجز أن يرسل إلى غير النبي مثل ذلك؟! # قلنا: لانه صاحب معجزة، وقد اختير للهداية والمصلحة، فصارت حاله بذلك ~~مقاربة لحال الملك، وليس كذلك غيره من الأمة، مع ان الجماعة الكثيرة ~~ينبغي ان يتخير لها ما تجتمع عليه هممها بما لا يحتاج اليه في الواحد منا ~~إذا اريد صلاح الجميع. وقيل: لأنهم لا يجوز ان يروا الملك، وهم على هذه ~~الهيئة التي هم بها, على أنه يلزمهم على الامتناع من اتباع النبي - لأنه ~~بشر مثلهم - الامتناع من اتباع الملك، لانه عبد ومحدث مثلهم في العبودية ~~والحدوث، فان جاز ذلك، لان الله تعالى عظمه وشرفه واختاره، جاز ايضا في ~~البشر لمثل هذه العلة. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل } لهم { لو كان في الأرض ملائكة ~~يمشون مطمئنين } قال الحسن معنى { مطمئنين } قاطنين فيها. وقال الجبائي: ~~{ مطمئنين } عن امر الله الذي يلزم بالاعراض عنه الذم، كما قال تعالى # ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه # ثم قال له { قل } لهم كفى بالله، أي حسبي الله شهيدا وعالما بيني ~~وبينكم { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } أي عالما بكم وبي، مدرك لنا. ~~ونصب { شهيدا } على التمييز، وتقديره حسبي الله من الشهداء، ms2328 ويجوز ان ~~يكون نصبا على الحال، وتقديره كفى الله في حال شهادته. وإنما قال هذا ~~جوابا لهم حين قالوا: من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فقال الله له { قل كفى ~~بالله شهيدا }. ### || [17.97-99] # قيل في معنى قوله { من يهد الله فهو المهتد } قولان: # أحدهما - من يحكم الله بهدايته وتسميته بها بإخلاصه الطاعة، فهو ~~المهتدي في الحقيقة، وفيه دعاء الى الاهتداء، وترغيب فيه وحث عليه. وفيه ~~معنى الامر به. # الثاني - من يهديه الله الى طريق الجنة، فهو المهتدي اليها. # وقوله { ومن يضلل } يحتمل ايضا أمرين: # احدهما - من يحكم الله بضلاله وتسميته ضالا بسوء اختياره للضلالة فإنه ~~لا ينفعه ولاية ولي له، فلو تولاه لم يعتد بتوليه، لأنه من اللغو الذي ~~لا منزلة له، ولذلك حسن أن ينفى، بمنزلة ما لم يكن. # والثاني - من يضله الله عن طريق الجنة، وأراد عقابه على معاصيه لم يوجد ~~له ناصر يمنعه من عقابه. # ثم أخبر عن صفة حشرهم الى أرض القيامة، يعنى الكفار، إنه يحشرهم { ~~يوم القيامة } مجرورين { على وجوههم عميا } كما عموا عن الحق في الدنيا ~~{ بكما } جزاء على سكوتهم عن كلمة الاخلاص { وصما } لتركهم سماع الحق ~~واصغائهم إلى الباطل { كلما خبت } النار، والخبوة هدوء النار عن ~~الالتهاب خبت النار تخبو خبوا اذا سكنت، والمعنى: كلما سكنت التهبت ~~واستعرت، وذلك من غير نقصان آلام أهلها، قال عدي بن زيد: # وسطه كالسراج أو سرح المجدل # حينا يخبو وحينا يغير # فان قيل: كيف يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما، ~~مع قوله # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها # وقوله # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # وقوله # دعوا هنالك ثبورا # قلنا عنه جوابان: # احدهما - انهم يحشرون كذلك، ثم يجعلون يبصرون ويشهدون وينطقون. # الثاني - قال ابن عباس والحسن: إنهم عمي عما يسرهم، بكم عن التكلم ~~بما ينفعهم صم عما يمتعهم { مأواهم جهنم } أي مستقرهم. # فإن قيل: لم جاز أن يكونوا عميا عن العذاب يوم القيامة، ولم يجز أن ~~يكونوا جهالا به؟. # قلنا: لان الجاهل به لا يجد من ms2329 ألمه ما يجده العالم، ولأن الحكمة تقتضي ~~إعلامه أن عقابه من أجل جرمه، لانه واقع موقع التوبيخ له، وموقع الزجر ~~في الخبر به. # وقوله { ذلك } يعني ما قدم ذكره من العقاب { جزاؤهم } استحقوه بكفرهم ~~بآيات الله. # وقوله { إذا كنا عظاما ورفاتا } مثل التراب متحطمين مترضضين { ~~أئنا لمبعوثون خلقا جديدا } وإنما قالوا ذلك، لانكارهم الحشر والبعث ~~يوم القيامة والثواب والعقاب. ثم قال { أولم يروا } يعني هؤلاء الكفار { ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض } لأنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهما، ~~{ قادر على أن يخلق مثلهم } لأن القادر على الشيء قادر على أمثاله إذا ~~كان له مثل وأمثال في الجنس { وجعل لهم أجلا } يعيشون اليه ويحشرون ~~عنده، لا شك فيه. وقال الجبائي: جعل الله لهم أجلا لمعادهم وحشرهم لا شك ~~فيه. # ثم أخبر تعالى فقال { فأبى الظالمون } لنفوسهم الباخسون حقها بفعل ~~المعاصي { إلا كفورا } أي كفروا وجحدوا بآيات الله ونعمه. # وفي الآية دلالة على ان القادر على الشيء قادر على جنس مثله إذا كان له ~~مثل. وفيه دلالة على أن يجب أن يكون قادرا على ضده، لأن منزلته في ~~المقدور منزلة مثله. وفيه دلالة على انه يقدر على إعادته إذا كان مما ~~يبقى وتصح عليه الاعادة. ### || [17.100] # يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل } لهؤلاء الكفار: لو انكم ~~ملكتم { خزائن رحمة ربي } أي ما يقدر عليه من النعم قدرتم على مثله لما ~~انفقتموه في طاعة الله، وامسكتموه خوفا من الفقر. ثم اخبر بأن الانسان ~~كان قتورا، يعني مضيقا سيء الظن بالله وبالخلف عن الانفاق، وهو جواب ~~لقولهم # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # فاعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الله، لأمسكوا بخلا بها وشحا خشية ~~نفادها، يقال: نفقت نفقات القوم إذا نفدت، وانفقها صاحبها أي انفدها حتى ~~افتقر، وقال قتادة: خشية الانفاق أي خشية الفقر. والمراد بالانسان في ~~الآية. - قول ابن عباس والحسن: هوالكافر. والقتور المضيق للنفقة، يقال ~~قتر يقتر وأقتر إذا قدر النفقة. و (أنتم) مرفوع بفعل مضمر، ms2330 والمعنى قل ~~لو تملكون أنتم، لأن (لو) يقع بعدها الشيء، لوقوع غيره، فلا يليها إلا ~~الفعل، وإذا وليها اسم يعمل فيه الفعل المضمر قال الشاعر: # لو غيركم علق الزبير بحبله # أدى الجوار الى بني العوام # والقتور البخيل - في قول ابن عباس - قال أبو داود: # ل # لا أعد الاقتار عدما ولكن # فقد من قد رزئته الأعدام # وظاهر قوله { وكان الإنسان قتورا } العموم، وقد علمنا أن في الناس ~~الجواد، والوجه فيه أحد أمرين: # أحدهما - ان الأغلب عليهم من ليس بجواد، ومن مقتصد أو بخيل، فجاز تغليب ~~اللأكثر. # والثاني - أنه لا أحد إلا وهو يجر إلى نفسه نفعا بما فيه ضرر على ~~الغير، فهو بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى. ### || [17.101-102] # قرأ الكسائي وحده { لقد علمت } بضم التاء. الباقون بفتحها. # حجة من فتح أنه قال: إن فرعون وملأه ممن تبعه قد علموا صحة أمر موسى ~~وأن ما أتى به ليس بسحر بدلالة قوله # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # وقوله # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا # وقولهم # يا أيها الساحر ادع لنا ربك # ومن قرأ بضم التاء فمن علم موسى. # فان قيل له كيف يصح الاحتجاج عليهم بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون ~~وملائه؛ وانما يكون علم فرعون ما علمه من صحة أمر موسى حجة عليه؟. # نقول: إنه لما قيل له # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # كان ذلك قدحا في علمه، لأن المجنون لا يعلم، فكأنه نفى ذلك، فقال لقد ~~علمت صحة ما أتيت به، وأنه ليس بسحر، علما صحيحا كعلم العقلاء، فصارت ~~الحجة عليه من هذا الوجه. ورويت هذه القراءة عن أمير المؤمنين (ع) # يقول الله تعالى مخبرا عما أعطى موسى من الآيات وذكر أنها تسع آيات ~~معجزات بينات ظاهرات دالات على صحة نبوتة. واختلفوا في هذه التسع: فقال ~~ابن عباس والضحاك: هي يد موسى، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم { آيات مفصلات }. وقال محمد ابن كعب ~~القرطي: الجراد، والقمل، ms2331 والضفادع، والدم، والبحر، وعصاه والطمسة، ~~والحجر. والطمسة دعاء موسى وتأمين هرون، فقال الله تعالى # قد أجيبت دعوتكما # وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، ومطر الوراق: الطوفان والجراد، والقمل، ~~والضفادع, والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات. وبه قال ~~الشعبي ومجاهد. وقال الحسن مثل ذلك، غير أنه جعل الأخذ بالسنين ونقص ~~الثمرات آية واحدة. وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. # وقال صفوان ابن عسال: سأل يهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسع ~~آيات، فقال: # " هن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس ~~التي حرمها الله الا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى السلطان يقتله، ولا ~~تسحروا، ولا تأكلوا الربو، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار يوم ~~الزحف، وعليكم خاصة يا يهود أن لا تعتدوا في السبت " # فقبل يده، وقال أشهد أنك نبي الله. وقوله { فاسأل بني إسرائيل } أمر ~~النبي أن يسأل بني إسرائيل { إذ جاءهم موسى }. وقال الحسن عن ابن عباس، ~~قال: معناه سؤالك إياهم، نظرك في القرآن. وروي عن ابن عباس أنه كان ~~يقرأ { فاسأل بني إسرائيل } يعني فسأل موسى فرعون بني إسرائيل أن ~~يرسلهم معه. # وقوله { فقال له فرعون } حكاية عما قال فرعون لموسى { إني لأظنك يا ~~موسى مسحورا } أي معطا علم السحر بهذه العجائب التي تفعلها من سحرك، ~~وقد يجوز أن يكون المراد { إني لأظنك يا موسى } ساحرا، فوضع (مفعول) ~~موضع (فاعل)، مثل مشؤم وميمون موضع شائم ويامن. # وقيل معناه: إنك سحرت، فانت تحمل نفسك على ما يقوله السحر الذي بك وقيل ~~مسحور بمعنى مخدوع. # وقوله { قال لقد علمت } حكاية عما أجاب به موسى فرعون فإنه قال { لقد ~~علمت } يا فرعون أن ما جئت به ليس بسحر وإني صادق. ومن قرأ بضم التاء ~~معناه إنه لما قال له فرعون { إني لأظنك يا موسى مسحورا } قال له موسى ~~{ لقد علمت } اني لست كذلك وأنه ما أنزل هذه الآيات { إلا رب السماوات ~~والأرض } الذي خلقهن وجعلهن { بصائر } أي حججا واضحة واحدها بصيرة { ~~وإني لأظنك يا ms2332 فرعون مثبورا } اي ملعونا ممنوعا من الخير، تقول العرب ~~ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك منه، وما صرفك عنه، وثبره الله، فهو ~~يثبره ويثبره لغتان. ورجل مثبور محبوس عن الخيرات. قال الشاعر: # إذا جارى الشيطان في سنن الغي فمن مال ميله مثبور # وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، وقال قوم: معناه مغلوبا، روي ذلك عن ~~ابن عباس في رواية أخرى، وبه قال الضحاك. وقال مجاهد: هالكا، وبه قال ~~قتادة. وقال عطية العوفي: مغيرا مبدلا. وقال ابن زيد: معناه مخبولا لا ~~عقل له. ### || [17.103-104] # قوله { فأراد } يعني فرعون { أن يستفزهم } يعني موسى وبني اسرائيل { من ~~الأرض } أي يخرجهم منها بالنفي والقتل والازعاج كرها، من أرض مصر. وأصله ~~القطع بشدة، فزز الثوب إذا قطعه بشدة تخريق. # فأخبر الله تعالى إنا أغرقناه عند ذلك في البحر، { ومن معه } من جنده ~~وأتباعه ونجينا بني اسرائيل مع موسى (ع) وقلنا لهم من بعد هلاك فرعون { ~~اسكنوا الأرض } يعني أرض الشام، { فإذا جاء وعد الآخرة } يعني يوم ~~القيامة وهي الكرة الآخرة { جئنا بكم لفيفا } أي حشرناكم إلى أرض ~~القيامة، مختلطين من كل قوم ومن كل قبيلة، قد التف بعضكم على بعض لا ~~تتعارفون، ولا ينحاز منكم أحد إلى قبيلة، ومن ذلك قولهم: لففت الجيوش ~~إذا ضربت بعضها ببعض فاختلط الجميع، وكل شيء اختلط بشيء فقد لف به، وقال ~~مجاهد: معناه جئنا بكم من كل قوم. وقال قتادة: جئنا بكم أجمع أولكم ~~وآخركم، وهو قول ابن عباس ومجاهد - في رواية - والضحاك. و (لفيف) مصدر ~~تقول لففته لفا ولفيفا، فلذلك أخبر به عن الجميع ولفيفا نصب على ~~الحال. ### || [17.105-106] # قوله { وبالحق أنزلناه } يعني القرآن أنزله الله يأمر فيه بالعدل ~~وبالانصاف، والأخلاق الجميلة والأمور الحسنة الحميدة، وينهي فيه عن الظلم ~~وأنواع القبائح والأخلاق الذميمة. { وبالحق نزل } معناه بما ذكرناه من ~~فنون الحق نزل القرآن من عند الله على نبيه صلى الله عليه وسلم. قال ~~البلخي: يجوز أن يكون أراد موسى، ويكون ذلك كقوله # وأنزلنا الحديد فيه ms2333 بأس شديد # ويجوز أن يكون أراد الآيات فكنى عنها بالهاء وحدها، دون الهاء والألف؛ ~~ويريد أنزلنا ذلك، كما قال أبو عبيدة قال أنشدني رؤبة: # فيه خطوط من سواد وبلق # كأنه في العين توليع البهق # فقلت له: إن أردت الخطوط فقل كأنها، وإن أردت السواد والبياض فقل ~~كأنهما، قال: فقال لي: كأن ذلك وتلك. # ثم قال { وما أرسلناك } يا محمد { إلا مبشرا } للمطيعين بالجنة { ~~ونذيرا } أي مخوفا للعصاة من النار. # وقوله { وقرآنا فرقنا } قرأه أهل الأمصار بالتخفيف. وحكي عن ابن عباس ~~بتشديد الراء، بمعنى نزلناه شيئا بعد شيء، آية بعد آية، وقصة بعد قصة. ~~ومعنى { فرقناه } فصلنا فيه الحلال والحرام، وميزنا بينهما، وهو قول ابن ~~عباس. وقال أبي بن كعب معناه بيناه. وقال الحسن وقتادة: فرق الله فيه ~~بين الحق والباطل. ومن قرأ بالتشديد، قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: إن ~~معناه أنزل متفرقا لم ينزل جميعا، وكان بين أوله وآخره نحو من عشرين ~~سنة. ونصب { قرآنا } على معنى وأحكمنا قرآنا { فرقناه } أو آتيناك ~~قرآنا. وقال بعضهم: نصب بمعنى ورحمة كأنه قال { وما أرسلناك إلا مبشرا ~~ونذيرا } ورحمة، قال لأن القرآن رحمة. # وقوله { لتقرأه على الناس على مكث } معناه على توئدة، فترتله وتبينه ولا ~~تعجل في تلاوته، فلا يفهم عنك، وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، ويقال ~~في المكث لغات: مكث بضم الميم وعليه القراء، وبفتح الميم وسكون الكاف، ~~وبفتح الميم وكسر الكاف، وحكي مكثى مقصور ومكاثاء ممدود. # وقوله { ونزلناه تنزيلا } أي أنزلناه شيئا بعد شيء، وهو قول الحسن ~~وقتادة # وقوله { ونزلناه تنزيلا } يدل على أن القرآن محدث، لأن القديم لا يجوز ~~وصفه بالمنزل والتنزيل، لأن ذلك من صفات المحدثين. # وقيل في معنى { على مكث } أنه كان ينزل منه شيء ثم يمكثون ما شاء الله ~~وينزل شيء آخر. ### || [17.107-109] # ثلاث آيات في الكوفي خاصة، تمام الأولى سجدا، وآيتان فيما سوى ذلك. # يقول الله تعالى لنبيه { قل } لهؤلاء الذين اقترحوا عليك الآيات؛ وقالوا # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ms2334 ينبوعا # على وجه التبكيت لهم في عدولهم عن نبيه وكفرهم به، وأنه لا يستضر بترك ~~إيمانهم، لأن عيبه راجع عليهم { آمنوا } بهذا القرآن الذي لو اجتمعت ~~الانس والجن على أن يأتوا بمثله، وتعاونوا عليه لما قدروا عليه { أو لا ~~تؤمنوا } وتجحدوه، فإن إيمانكم لن يزيد في خزائن الله شيئا، ولا ترككم ~~الايمان به ينقص ذلك، وإن تكفروا به، فإن الذين اوتوا العلم بالله ~~وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتاب، وهم الذين أسلموا { إذا يتلى ~~عليهم } من القرآن { يخرون } تعظيما له وتكريما، لعلمهم بأنه من عند ~~الله، لاذقانهم سجدا بالأرض واختلفوا في المعني بقوله { يخرون للأذقان } ~~فقال بعضهم: أراد به الوجوه روى ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقال قوم يعني ~~بذلك اللحى، حكي ذلك عن الحسن. وقوله { ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا } حكاية من الله عن هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل نزول ~~هذا القرآن خروا للاذقان سجودا عند استماعهم القرآن يتلى عليهم تنزيها ~~لله تعالى وتبرئة له مما يضيف اليه المشركون، ويقولون لم يكن وعد ربنا من ~~ثواب وعقاب إلا مفعولا حقا يقينا إيمانا بالقرآن وتصديقا له. ~~والأذقان جمع ذقن، وهو مجمع اللحيين. وقال مجاهد وابن زيد: { الذين أوتوا ~~العلم من قبله } إلى قوله { خشوعا } ناس من أهل الكتاب حيث سمعوا ما ~~أنزل الله على محمد { قالوا سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا } وقال ~~ابن جريج: إذا يتلى عليهم كتابهم. وقال قوم { الذين أوتوا العلم } يعني ~~به محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ويراد بقوله { إذا يتلى عليهم ~~} يعني القرآن، لانه من سياق ذكر القرآن، ولم يكن يجري لغيره من الكتب ~~ذكر، وهو الاقوى، لأن الآية فيها مدح لمن وصف بما فيها، وذلك لا يليق ~~بالكفار إلا أن يراد بذلك من آمن منهم وكان عالما قبل ذلك بصحة القرآن ~~اذ علموا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل ~~ويحتمل ذلك اذا على ما بيناه. # وقوله { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ms2335 خشوعا } يقول الله يخر هؤلاء ~~الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان اذا يتلى ~~عليهم القرآن { للأذقان يبكون ويزيدهم } ما في القرآن من المواعظ والعبر ~~{ خشوعا يعني خضوعا لأمر الله وطاعته واستكانة له. ### || [17.110-111] # هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن { قل } يا محمد ~~لمشركي قومك المنكرين لنبوتك الجاحدين لدعائك وتسميتك الله تعالى ~~بالرحمن { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } أيها القوم { أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى } معناه بأي أسمائه تعالى تدعون ربكم به، وانما تدعون ~~واحد، فله الاسماء الحسنى، وانما أمره بذلك؛ لان مشركي قومه لما سمعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله تارة بأنه الله وتارة بأنه الرحمن، ~~فظنوا أنه يدعو إلهين حتى قال بعضهم: الرحمن رجل باليمامة، فأنزل الله ~~هذه الآية احتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وانه شيء واحد، وإن ~~اختلفت أسماؤه وصفاته، وبه قال ابن عباس ومكحول ومجاهد وغيرهم. # (وما) في قوله { أيا ما } يحتمل أن يكون صلة، كقوله # عما قليل ليصبحن نادمين # ويحتمل أن يكون بمعنى أي كررت لاختلاف لفظها، كما قالوا: ما رأينا ~~كالليلة ليلة. # وقوله { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا } نهي من ~~الله تعالى عن الجهر العظيم في حال الصلاة، وعن المخافتة الشديدة وأمر ~~بأن يتخذ بين ذلك سبيلا. وحد أصحابه الجهر فيما يجب الجهر فيه بأن يسمع ~~غيره، والمخافتة بأن يسمع نفسه. # واختلفوا في الصلاة التي عنى بها بالآية في قوله { ولا تجهر بصلاتك } ~~فقال الحسن لا تجهر بإشاعتها عند من يؤذيك، ولا تخافت بها عند من ~~يلتمسها منك. وقال قوم: لا تجهر بدعائك ولا تخافت، ولكن بين ذلك، قالوا: ~~والمراد بالصلاة الدعاء، ذهبت اليه عائشة، وابن عباس، وأبو عياض، وعطاء، ~~ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، والزبير، ومكحول. وروي عن ابن ~~عباس - في رواية أخرى - أن النبي كان إذا صلى يجهر في صلاته، فسمعه ~~المشركون فشتموه وآذوه وآذوا أصحابه، فأمر الله بترك ms2336 الجهر، وكان ذلك ~~بمكة في اول الامر، وبه قال سعيد بن جبير. وقال قوم: أراد لا تجهر بتشهدك ~~في الصلاة ولا تخافت به، روي ذلك عن عائشة - في رواية أخرى - وبه قال ابن ~~سيرين. وقال قوم: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جهرا فأمر ~~بإخفاتها، ذهب اليه عكرمة والحسن البصري، وقال قوم: معناه لا تجهر ~~بصلاتك تحسنها مراآة، في العلانية، ولا تخافت بها، تثني في القيام بها في ~~السريرة، روي ذلك عن الحسن وقتادة وابن عباس في رواية. وبه قال ابن زيد ~~وابن وهب. وقال الطبري: يحتمل أن يكون المراد لا تجهر بصلاتك صلاة النهار ~~العجماء، ولا تخافت بها، يعني صلاة الليل التي تجهر فيها بالقراءة، قال: ~~وهذا محتمل غير انه لم يقل به أحد من أهل التأويل. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل يا محمد { الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا } فيكون مربوبا لا ربا، لأن رب الأرباب لا يجوز أن يكون له ولد ~~{ ولم يكن له شريك } في ملكه فيكون عاجزا محتاجا الى غيره ليعينه فيكون ~~ضعيفا، ولا يجوز أن يكون الإله بهذه الصفة { ولم يكن له ولي من الذل } ~~معناه لم يكن له حليف حالفه لينصره على من يناوئه، لان ذلك صفة ضعيف ~~عاجز، ولا يجوز أن يكون الإله بهذه الصفة، ثم أمره بأن يعظمه تعظيما لا ~~يساويه تعظيم، ولا يقاربه لعلو منزلته. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم أهله هذه الاية. وما ~~قلناه هو قول مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس. وقال محمد بن كعب القرطي: ~~في هذه الآية رد على اليهود والنصارى حين قالوا اتخذ الله الولد - وعلى ~~مشركي العرب حيث قالوا: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو ~~لك. وعلى الصابئين والمجوس حين قالوا: لولا اولياء الله لذل الله. فأنزل ~~الله ردا لقولهم أجمعين. # وليس لأحد أن يقول: كيف يحمد الله على ان لم يتخذ ولدا، ولم يكن له ~~شريك في الملك، والحمد ms2337 إنما يستحق على فعل ما له صفة التفضل، وذلك أن ~~الحمد في الآية ليس هو على أن لم يفعل ذلك. وإنما هو حمد على أفعاله ~~المحمودة، ووجه الى من هذه صفته، لا من أجل أن ذلك صفته، كما تقول: أنا ~~أشكر فلانا الطويل الجميل، ليس انك تشكره على جماله وطوله، بل على غير ~~ذلك من فعله. # ومعنى { وكبره تكبيرا } صفه بصفاته التي لا يشركه فيها أحد. # وقيل: كبره عن كل ما لا يليق وصفه به. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-3] # قرأ ابو بكر { لدنه } باسكان الدال واشمال الضمة، وكسر النون والهاء ~~وإيصالها بياء. الباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء من غير واو، إلا ~~ابن كثير، فانه كان يصل الهاء بواو. # واعلم أن { لدن } اسم غير متمكن، ومعناه (عند)، قال الله تعالى # من لدن حكيم خبير # فالنون ساكنة في كل أحوالها، والهاء إذا أتت بعد حرف ساكن لم يجز فيها ~~إلا الضم نحو (منه) فالاصل (منهو) و (لهو) فهو كقول ابن كثير، غير أنهم ~~حذفوا الواو اختصارا، وإنما أسكن ابو بكر الدال استثقالا للضم كما قالوا ~~" في كرم زيد ": قد كرم زيد، فلما سكن الدال التقى ساكنان، النون والدال، ~~فكسر النون لالتقاء الساكنين، وكسر الهاء لمجاورة حرف مكسور، ووصلها بهاء ~~كما تقول: مررت به، ولو فتح النون لالتقاء الساكنين لجاز، بعد أن أسكن ~~الثاني كقول الشاعر: # عجبت لمولود وليس له أب # ومن ولد لم يلده ابوان # يعني آدم وعيسى. فلا يتوهم أن عاصما كسر النون علامة للجزم، لان { لدن ~~} لا تعرب. وحكى ابو زيد: جئت فلانا لدن غدوة - بفتح الدال -. # يقول الله تعالى لخلقه قولوا { الحمد لله الذي } خص برسالته محمدا (صلى ~~الله عليه وسلم) وانتجبه لابلاغها عنه، وبعثه الى خلقه نبيا رسولا، ~~وانزل عليه كتابا قيما، ولم يجعل له عوجا. وقيل في معنى قوله { قيما } ~~قولان: أحدهما - معتدلا مستقيما. الثاني - أنه قيم على سائر الكتب يصدقها ~~ويحفظها. والأول قول ابن عباس. فعلى هذا " قيما " مؤخر، والمراد به ~~التقدم، وتقديره أنزل ms2338 الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا أي اختلافا. وقال ~~الضحاك: معناه مستقيما. وقال ابن اسحاق: معناه معتدلا لا اختلاف فيه. ~~وقال قتادة: أنزل الله الكتاب قيما، ولم يجعل عوجا. وفي بعض القراءات { ~~ولكن جعله قيما } وكسرت العين من قوله " عوجا " لأن العرب تقول: عوجا ~~- بكسر العين - في كل اعوجاج كان في دين أو فيما لا يرى شخصه قائما ولا ~~يدرك عيانا منتصبا كالعوج في الدين، ولذلك كسرت العين في هذا الموضع. ~~وكذلك العوج في الطريق، لانه ليس بالشخص المنتصب. فأما ما كان في الاشخاص ~~المنتصبة فان عينها تفتح كالعوج في القناة والخشبة ونحوها. # وقال ابن عباس: معنى قوله { ولم يجعل له عوجا } أي لم يجعله ملتبسا. ~~ولا خلاف بين أهل العربية ان قوله { قيما } وإن كان مؤخرا فتقديره الى ~~جنب الكتاب. # وإنما افتتح الله تعالى هذه السورة بذكر نفسه بما هو أهله، وبالخبر عن ~~انزال كتابه على رسوله، ليخبر المشركين من أهل مكة بأن محمدا (صلى الله ~~عليه وسلم) رسوله، لأن المشركين كانوا سألوا رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) عن أشياء لقنوها إياهم اليهود، من قريظه والنضير، وأمروهم أن ~~يسألوه عنها، وقالوا: إن اخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم فهو مقتول، ~~فوعدهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجواب عنها، موعدا فأبطأ - على ~~قول بعضهم - الوحي عنه بعض الابطاء وتأخر مجيء جبرائيل (ع) عنه، عن ~~ميعاده القوم فتحدث المشركون بأنه اخلفهم موعده، وأنه مقتول، فأنزل الله ~~هذه السورة جوابا عن مسائلهم، وافتتح أولها بذكره تكذببا للمشركين فيما ~~تحدثوا بينهم من احدوثتهم - ذكر ذلك محمد بن اسحاق باسناده عن عكرمة عن ~~ابن عباس - وكان الذين ذهبوا الى اليهود وسألوهم عن أمر النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وكانت المسائل ~~التي لقنوهم إياها: أن قالوا: سلوه عن ثلاثة اشياء، فان أخبركم بهن، فهو ~~نبي مرسل، وإن لم يفعل فانه مقتول، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، ~~ما كان أمرهم؟ فانه كان ms2339 لهم حديث عجيب. # وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن ~~الروح ما هو؟ فان اخبركم بذلك فانه نبي مبعوث، فاتبعوه، وإن لم يخبر كم ~~فانه مقتول. فرجعا الى مكة واجتمعا مع قريش فجاؤا الى رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) فسألوه عنها، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) اخبركم ~~بذلك. وقال بعضهم: انه قال: اخبركم غدا بما سألتم، ولم يستثن، وانصرفوا ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فمكث رسول الله خمس عشرة ليلة لا ينزل ~~الله اليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرائيل (ع) حتى اوجف أهل مكة، ~~وتكلموا في ذلك، فشق ذلك على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأنزل الله ~~عليه جبرائيل ومعه (سورة الكهف) يخبره فيها عما سألوه عنه من أمر الفتية، ~~والرجل الطواف، وانزل عليه # ويسألونك عن الروح... # الآية. # فروى ابن إسحاق أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أفتتح السورة، فقال { ~~الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما } أي ~~معتدلا، لا اختلاف فيه. # وقوله { لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا } معناه أنزل على عبده ~~القرآن معتدلا مستقيما لا عوج فيه، لينذركم أيها الناس بأسا شديدا من ~~أمر الله. ومعنى البأس العذاب العاجل والنكال الحاضر، والسطوة. ومعنى { ~~من لدنه } من عند الله، وهو قول ابن اسحاق، وقتادة. ومفعول { لينذر } ~~محذوف، لدلالة الكلام عليه، وتقديره: لينذركم بأسا كلما قال # يخوف أولياءه # وتقديره يخوفكم أولياءه، ومعنى { ويبشر المؤمنين } يعني المصدقين بالله ~~ورسوله { الذين يعملون الصالحات } يعني ما أمرهم الله به من الطاعات، وهي ~~الاعمال الصالحات، والانتهاء عما نهاهم عنه { أن لهم أجرا حسنا } يعني ~~ثوابا جزيلا من الله على ايمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا ~~بالطاعات واجتناب المعاصي، وذلك الثواب هو الجنة. # وقوله { ما كثين فيه أبدا } أي لابثين فيه ابدا خالدين مؤبدين لا ~~ينتقلون عنه ولا ينقلبون، ونصب { ماكثين } على الحال من قوله { إن لهم ms2340 ~~أجرا حسنا } في هذه الحال، في حال مكثهم في ذلك الاجر. ### || [18.4-5] # يقول الله تعالى أنه يحذر ايضا محمد (صلى الله عليه وسلم) القوم { ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا } من مشركي قومه وغيرهم - عقاب الله، وعاجل ~~نقمته وأليم عذابه على قولهم ذلك. # وقوله { ما لهم به من علم } [معناه ما لقائلي القول هذا يعني قولهم { ~~اتخذا الله ولدا } به من علم] يعني ليس لهم بالله من علم. ومعنى الكلام ~~ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله من علم بأنه لا يجوز أن يكون له ولد. ~~فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك. # وقوله { ولا لآبائهم } معناه ولا لأسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل ~~الذي هم عليه اليوم، ما كان لهم بالله وعظمته علم. # وقوله { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } نصب { كلمة } على التمييز، وتقديره ~~كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة، كما تقول: نعم رجلا عمرو، ونعم الرجل رجلا ~~قام. وقال بعضهم: نصب { كلمة } لانها في معنى: اكبر بها كلمة، كقوله # وساءت مرتفقا # وهي في النصب كقول الشاعر: # ولقد علمت إذا الرياح تروحت # هدج الرئال تكبهن شمالا # أي تكبهن الرياح شمالا، فكأنه قال كبرت تلك الكلمة. وروي عن بعض المكيين ~~انه قرأ ذلك بالرفع، كقولهم: كبر قولك، وكبر شأنك، فعلى هذا لا يكون فى ~~قوله { كبرت } مضمر، بل يكون صفة الكلمة، والأول أقوى، لاجماع القراء على ~~النصب، وهذا شاذ، وتأويل الكلام: عظمت الكلمة كلمة تخرج من افواه هؤلاء ~~القوم { الذين قالوا اتخذ الله ولدا } او الملائكة بنات الله. # وقوله { إن يقولون إلا كذبا } معناه ليس يقول هؤلاء القائلون { اتخذ ~~الله ولدا } إلا كذبا، وفرية افتروها على الله - عز وجل -. ### || [18.6-8] # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { فلعلك } يا محمد ~~قاتل نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا... # تمردا منهم على ربهم بأنهم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك، ~~فيصدقوا بأنه من عند الله - حزنا وتلهفا ووجدا - بادبارهم عنك ~~واعراضهم عن قبول ما ms2341 اتيتهم به. و { أسفا } نصب على المصدر. يقال بخع ~~نفسه يبخعها بخعا وبخوعا، قال ذو الرمة: # ألا ايهذا الباخع الوجد نفسه # لشئ نحته عن يديه المقادر # يريد (نحته) فخفف. وما ذكرناه قول قتادة وغيره. وقوله { أسفا } قال ~~قتادة: معناه غضبا وتقديره: فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا يعنى غضبا. وقال مجاهد: معناه جزعا. وفى رواية أخرى عن قتادة: ~~حزنا عليهم. # وفى رواية ثالثة عن قتادة حذرا. وكسرت { إن } لانها في معنى الجزاء ولو ~~فتحت لجاز قال الشاعر: # اتجزع أن بان الخليط المودع # وحبل الصفا من عزة المتقطع # وهذا معاتبة من الله لرسوله على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم اليه ~~من الايمان به والبراءة والآلهة والانداد، وكان بهم رحيما، وهو قول ابن ~~اسحاق. # وقوله { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } معناه انا جعلنا الذي على ~~الارض من انواع المخلوقات جمادها وحيوانها ونباتها { زينة لها } يعني ~~للارض { لنبلوهم أيهم } أي لنختبر عبادنا { أيهم أحسن عملا } يعني من ~~اتبع امرنا ونهينا وعمل فيها بطاعتنا، وهو قول مجاهد. # قوله تعالى { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } فيه اخبار من الله ~~تعالى انا مخربوها بعد عمارتنا إياها بما جعلنا عليها من الزينة فنصيرها ~~صعيدا جرزا، والصعيد ظهر الارض، والجرز الذي لا نبات عليه ولا زرع ولا ~~غرس. وقيل انه أراد بالصعيد - ها هنا - المستوي من وجه الارض. وقال ابن ~~عباس: معناه نهلك كل شيء عليها زينة. وقال مجاهد: { جرزا } أي بلقعا. ~~وقال قتادة: هو ما لا شجر فيه ولا نبات. وقال ابن زيد: الجرز الارض التي ~~ليس فيها شيء، بدلالة قوله # أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا # يعنى الارض التي ليس فيها شيء من النبات. والصعيد المستوي قال: وهو ~~كقوله تعالى # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # قال سيبويه: يقال جرزت الارض فهي مجروزة وجرزها الجراد والنعم، وارضون ~~اجراز اذا كان لا شيء فيها، ويقال للسنة المجدبة جرز، وسنون أجراز ~~لجدوبها ويبسها وقلة امطارها. ms2342 قال الراجز: # قد جرفتهن السنون الأجراز # ويقال: أجرز القوم إذا صارت ارضهم جرزا، وجرزوا هم أرضهم أكلوا نباتها ~~كله. ### || [18.9-10] # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { أم حسبت } يا محمد، ~~والمراد به أمته أي أحسبت { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا } بل ما خلقت من السموات والارض وما بينهن من العجائب اعجب من ~~اصحاب اهل الكهف، وحجتي بذلك ثابتة على هؤلاء المشركين من قومك وغيرهم من ~~جميع عبادي، وهو قول مجاهد وقتادة وابن اسحاق. وقال قوم: معناه { أم حسبت ~~} يا محمد { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } فان الذي ~~آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه، وهو قول ابن عباس. وقال الجبائي: ~~المعنى أحسبت { أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } ولو لم ~~نعلمك ذلك لما علمته. والاول أشبه، لأن الله تعالى جعل انزال سورة الكهف ~~احتجاجا على الكفار بما واطأهم عليه اليهود، # والمراد بالكهف في الآية كهف الجبل الذي أوى اليه القوم الذين قص الله ~~شأنهم وذكر اخبارهم في هذه السورة. # واختلفوا في معنى { الرقيم } فقال قوم: هو اسم قرية - ذهب اليه ابن عباس ~~- وفى رواية أخرى عنه: أنه واد بين غضبان، وايلة، دون فلسطين، وهو قريب ~~من ايلة. وقال عطية: { الرقيم } واد. وقال قتادة: { الرقيم } اسم الوادي ~~الذي فيه اصحاب الكهف. وقال مجاهد: { الرقيم } كتاب تبيانهم. وفي رواية ~~ايضا عن ابن عباس أن { الرقيم } هو الكتاب. وقال سعيد بن جبير: هو لوح ~~من حجارة كتبوا فيه قصص اصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وهو اختيار ~~البلخي والجبائي وجماعة. وقيل: جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك، لانه من ~~عجائب الامور. وقيل بل جعل على باب كهفهم. وقال ابن زيد: { الرقيم } ~~كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبر الله عن ذلك الكتاب وما فيه. وقرأ قوله # وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون # وقال: هو اسم جبل اصحاب الكهف، روى ذلك عن ابن عباس. وقيل: إن اسم ذلك ~~الجبل (تيحلوس) وقيل تياحلوس. # وقد ms2343 روي عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن أعلمه إلا (حنان) و (الأواه) و ~~{ الرقيم }. واختار الطبري أن يكون ذلك اسما لكتاب أو لوح أو حجر كتب ~~فيه. # والرقيم (فعيل) أصله مرقوم، صرف الى فعيل مثل جريح بمعنى مجروح وقتيل ~~بمعنى مقتول يقال: رقمت الكتاب أرقمه إذا كتبته ومنه الرقيم في الثوب ~~لأنه خط يعرف به ثمنه. وقيل للحبة أرقم لما فيها من الآثار، وتقول العرب ~~عليك بالرقمة [بمعنى عليك برقمة الوادي حيث الماء] ودع الضفة أي الجانب. ~~والضفتان جانبا الوادي، ولعل من ذهب الى أن الرقيم الوادي: ذهب الى رقمة ~~الوادي. # وقوله { إذ أوى الفتية إلى الكهف } معناه { أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } حين { أوى الفتية إلى الكهف } أي حين ~~جاء أصحاب الكهف الى الكهف، كهف الجبل هربا بدينهم الى الله، قالوا إذ ~~أووه { ربنا آتنا من لدنك رحمة } رغبة منهم الى ربهم في أن يرزقهم من ~~عنده رحمة. # وقوله { وهيء لنا من أمرنا رشدا } معناه انهم قالوا يسر لنا ما نبتغي ~~ونلتمس من رضاك أي دلنا على ما فيه نجاتنا والهرب من الكفر بك ومن عبادة ~~الأوثان التي يدعونا اليها قومنا { رشدا } أي رشدا الى العمل الذي تحب. # وقيل إن هؤلاء الفتية كانوا مسلمين على دين عيسى (ع) وكان ملكهم يعبد ~~الأصنام، فهربوا بدينهم منه. وقال آخرون: هربوا من الملك بجناية اتهموا ~~بها فدخلوا الكهف. # ويجوز { رشدا } - بضم الراء وتسكين الشين - غير أنه لم يقرأ به - ها ~~هنا - أحد، لأن أواخر الآيات كلها على وزن (فعل) فلم يخالفوا بينها. ### || [18.11-12] # يقول الله تعالى { فضربنا على آذانهم في الكهف } يعني بالنوم، كما يقول ~~القائل لآخر: ضربك الله بالفالج بمعنى أبلاك الله به. وقيل معناه منعناهم ~~أن يسمعوا، والمعنى انمناهم. وقوله { سنين عددا } معناه سنين معدودة. ~~ونصب { سنين } على الظرف بقوله { فضربنا } و { عددا } بمعنى معدود، ~~والعد المصدر ومثله نقضت الشيء نقضا، والمنقوض نقض، وكذلك قبضته قبضا، ~~والمقبوض قبض. # وقوله تعالى { ثم بعثناهم لنعلم أي ms2344 الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } ~~معناه بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا الى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم ~~فيه سنين عددا، من رقدتهم لينظر عبادي فيعلموا بالبعث أي الطائفتين ~~اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا { أحصى لما لبثوا ~~} بمعنى أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا. والامد الغاية قال النابغة: # ألا لمثلك او من أنت سابقه # سبق الجواد إذا استولى على الأمد # وقال قوم: الحزبان جميعا كانا كافرين. وقال آخرون: كان أحدهما مسلما ~~والآخر كافرا، فالاول قول مجاهد. وقال: الحزبان من قوم الفتية. وقال ~~قتادة: أحدهما كان كافرا، والآخر كان مؤمنا، ولم يكن لواحد منهما علم ~~بمقدار زمان لبثهم. وقال قوم: الحزبان هم اصحاب الكهف اختلفوا في مدة ~~لبثهم. وقال قوم: احد الحزبين اصحاب الكهف، والآخر اصحابهم وقومهم. # ومعنى { أمدا } قال ابن عباس يعني بعيدا. وقال مجاهد: يعني عددا. # ويحتمل نصب { أمدا } وجهين: # احدهما - التمييز في قوله { أحصى } كأنه قال أي الحزبين اصوب عددا. # والثاني - أن يكون نصبا بوقوع قوله { لبثوا } عليه، كأنه قال: أي ~~الحزبين أحصى للبثهم غاية أي في الامد. # والفتية جمع فتى مثل صبي وصبية وغلام وغلمة. ### || [18.13-15] # ثلاث آيات في عدد الكل - إلا الشامي - آخر الأولى { هدى } وعند الشامي ~~شططا. # يقول الله تعالى إنا نخبرك يا محمد ونقص عليك نبأ هؤلاء الفتية الذين ~~أووا الى الكهف على وجه الصحة. والقصص الخبر بمعاني يتلو بعضها بعضا ~~واصله الاتباع من قولهم: قص أثره يقصه قصصا إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى ~~{ وقالت لأخته قصيه } أي اتبعي أثره. والنبأ الخبر. وفتية جمع فتى، وهو ~~جمع لا يقاس عليه لانه غير مطرد، وقد جاء غلام وغلمة وصبي وصبية، ولا ~~يجوز غراب وغربة. # ثم اخبر عنهم بانهم فتية آمنوا بربهم، واعترفوا بتوحيده { وزدناهم هدى } ~~والمعنى وزدناهم المعارف بما فعلنا لهم من الالطاف لما فيها من الآيات ~~التي رأوها، ومن الربط على قلوبهم حتى تمسكوا بها. # وقوله { إذ قاموا فقالوا } معناه حين قاموا بحضرة الملك الجبار، فقالوا ~~هذا القول الذي أفصحوا ms2345 فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية، ~~فقالوا: ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السموات والارض لن ندعوا من دونه ~~إلها آخر، فنوجه العبادة اليه، ومتى قلنا غير ذلك ودعونا معه إلها آخر ~~{ لقد قلنا إذا شططا }. والشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه، فقلنا شططا ~~أي غلوا في الكذب والبطلان. قال الشاعر: # ألا يالقوم قد شطت عواذلي # ويزعمن أن أودي بحقي باطلي # ويلحينني في اللهو ألا أحبه # وللهو داع دائب غير غافل # ومنه اشط فلان في السوم إذا تجاوز القدر بالغلو فيه يشط إشطاطا وشططا ~~وشط منزل فلان يشط شطوطا إذا جاوز القدر في البعد، وشطت الجارية تشط ~~شطاطا وشطاطة إذا جاوزة القدر في الطول. # وقوله { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة } إخبار من الفتية بخضرة الملك ~~على وجه الانكار على قومه { إن هؤلاء } قومك اتخذوا من دون الله آلهة ~~يعبدونها { لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } معناه هلا يأتون على عبادتهم إياهم بحجة واضحة ودلالة بينة. وحذف ~~لدلالة الكلام عليه ثم قالوا: فمن اظلم لنفسه ممن يتخرص على الله كذبا، ~~ويضيف اليه ما لا اصل له. وفي ذلك دلالة على أن التقليد في الدين لا يجوز ~~وانه لا يجوز أن يقبل دين إلا بحجة واضحة. وفى قصة اصحاب الكهف دلالة على ~~أنه لا يجوز المقام في دار الكفر إذا كان لا يمكن المقام فيه إلا باظهار ~~كلمة الكفر وانه يجب الهجرة الى دار الاسلام أو بحيث لا يحتاجون الى ~~التلفظ بكلمة الكفر. ### || [18.16-18] # قرأ ابن عامر واهل الكوفة، وابو بكر والاعشى إلا يحيى والعليمي " مرفقا ~~" بفتح الميم وكسر الفاء. الباقون - بكسر الميم وفتح الفاء - وقرأ ابن ~~عامر ويعقوب (تزور) - بتخفيف الزاي وتسكينها وتشديد الراء من غير ألف - ~~وقرأ أهل الكوفة بتخفيف الزاي والف بعدها وتخفيف الراء. الباقون كذلك إلا ~~أنهم شددوا الزاي. وقرأ أهل الحجاز " لمليت " بتشديد اللام. الباقون ~~بتخفيفها وبالهمز. # قال ابو عبيدة: المرفق ما ارتفقت به وبعضهم يقول: المرفق. فأما ms2346 في ~~اليدين فهو (مرفق) بكسر الميم وفتح الفاء، وهو قول الكسائي، واجاز الفراء ~~الفتح أيضا. وقال ابو زيد يقال: رفق الله عليك أهون المرفق والرفق. قال ~~ابو علي: ما حكاه أبو زيد في { المرفق } فانه جعله مصدرا، لأنه جعله ~~كالرفق، وكان القياس الفتح لانه من (يرفق) لكنه كقوله # مرجعكم # ويسألونك عن المحيض # وقال ابو الحسن: { مرفقا } أي شيئا يرتفقون به مثل المقطع. و { مرفقا ~~} جعله اسما مثل المسجد أو يكون لغة يعنى في اسم المصدر مثل المطلع ~~ونحوه. ولو كان على القياس لفتحت اللام. وقال الحسن ايضا: مرفق - بكسر ~~الميم وفتحها - لغتان لا فرق بينهما انما هما اسمان مثل المسجد والمطبخ. # ومن قرأ " تزور " فانه مثل تحمر وتصفر، ومعناه تعدل وتميل قال عنترة: # فازور من وقع القنا بلبانه # وشكى الي بعبرة وتحمحم # وقرأ عاصم والجحدري " تزوار " مثل تحمار وتصفار. # ومن قرأ " تزاور " أراد تتزاور فأدغم التاء في الراء. # ومن خفف اراد ذلك، وحذف إحدى التائين وهي الثانية مثل تساقط، وتساقط، ~~وتظاهرون، وتظاهرون. قال أبو الزحف: # ودون ليلى بلد سمهدر # جدب المندى عن هوانا ازور # يقال: هو أزور عن كذا أي مائل. وفى فلان زور أي عوج، والزور - بسكون ~~الواو - هو المصدر، ومثله الجوشن، والكلكل، والكلكال، كل ذلك يراد به ~~المصدر # وقال ابو الحسن: قراءة ابن عامر " تزور " لا توضع في ذا المعنى، انما ~~يقال: هو مزور عني أي منقبض. وقال ابو علي: يدل على أن (ازور) بمعنى ~~انقبض - كما قال ابو الحسن - قول الشاعر: # وأزور من وقع بلبانه # والذي حسن القراءة به قول جرير: # عسفن على الاداعس من مهيل # وفى الاظغان عن طلح ازورار # فظاهر استعمال هذا (الاظغان) مثل استعماله في { الشمس }. ويقال: ملئ ~~فلان وعيا وفزعا، فهو مملؤ، وملي، فهو مملي - بالتشديد، للتكثير من ~~ملأت الاناء فهو ملآن، وامتلأ الحوض يمتلئ امتلاءا، وقولهم: تمليت ~~طويلا، وعانقت حبيبا، ومت شهيدا، وابليت جديدا، فهو غير مهموز. قال ~~ابو الحسن: الخفيفة أجود في كلام العرب، لانهم يقولون ملأته رعبا، فلا ~~يكادون يعرفون ms2347 (ملأتني). # قال ابو علي: يدل على قول أبي الحسن قولهم (فيملأ بيتنا اقطا وسمنا) ~~وقال الاعشى: # وقد ملأت بكر ومن لف لفها # وقال الآخر: # لا تملأ الدلو وعرق فيها # وقولهم: (امتلأت) يدل على (ملئ) لأن مطاوع (فعلت) (افتعلت) وقد انشدوا ~~في التثقيل قول المخبل السعدي: # فملأ من كعب سلاسله # وقوله { وإذ اعتزلتموهم } خطاب من اهل الكهف بعضهم لبعض، ودعاء بعضهم ~~بعضا الى أن يأووا الى الكهف، رجاء من الله أن ينشر لهم من رحمته ~~ويبسطها عليهم، ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا اي شيئا يرتفق به ويستعان به ~~كالمقطع والمجزر. # وقوله { وما يعبدون إلا الله } { ما } في موضع نصب ومعناه وإذ ~~اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله من الاصنام والاوثان، ويحتمل ~~الاستثناء امرين: # أحدهما - أن يكون متصلا، فيجوز على ذلك أن يكون فيهم من يعبد الله مع ~~عبادة الوثن، فيكون اعتزالهم للاوثان دون الله. # والثاني - يجوز أن يكون جميعهم كان يعبد الأوثان دون الله فعلى هذا يكون ~~الاستثناء منقطعا. # وقوله { فأووا إلى الكهف } أي اجعلوه مأواكم ومقركم { ينشر } الله { لكم ~~من رحمته ويهيئ لكم من أمركم } ما ترتفقون به. # وقوله { فأووا } جواب (إذ) كما تقول: إذ فعلت قبيحا، فتب. # وقوله { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين } أي تعدل عنهم ~~وتميل، يقال: ازور ازورارا، وفيه زور أي ميل. # وقوله { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } قيل في معناه قولان: # أحدهما - تقطعهم فى ذات الشمال أي انها تجوزهم منحرفة عنهم، من قولك ~~قرضته بالمقراض أي قطعته. # الثاني - تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، ومن قرض الدراهم ~~التي تسترد. # وقال مجاهد: تقرضهم تتركهم. وقال ابو عبيدة كذلك هو في كلامهم يقال: ~~قرضت الموضع إذا قطعته وجاوزته. وقال الكسائي والفراء: هو المجاوزة يقال: ~~قرضني فلان يقرضني وجازني يجوزني بمعنى واحد، قال ذو الرمة: # الى قرض يقرض اجواز مشرف # شمالا وعن ايمانهن الفوارس # والقرض يستعمل في اشياء غير هذا، فمنه القطع للثوب وغيره، ومنه سمي ~~المقراض، ومنه قرض الفار. وقال ابو الدرداء: (إن ms2348 قارضتهم قارضوك وإن ~~تركتهم لم يتركوك) ومعناه إن طعنت فيهم وعبتهم فعلوا بك مثله وإن تركتهم ~~منه لم يتركوك. والقرض، من يتقارض الناس بينهم الاموال، وقد يكون ذلك في ~~الثناء تثني عليه كما يثني عليك. والقرض بلغة أهل الحجاز المضاربة، ~~والقرض قول الشعر القصيد منه خاصة دون الرجز، وقيل للشعر قريض. ومن ذلك ~~قول الاغلب العجلي: # أرجزا يريد أو قريضا # والمعنى في الآية ان الشمس لا تصيبهم البتة أو في اكثر الأمر، فتكون ~~صورهم محفوظة. وقيل ان الكهف الذي كانوا فيه كان محاذيا لبنات النعش إذا ~~جازت خط نصف النهار. # والفجوة: المتسع من الارض. وقال قتادة: في فضاء منه، وتجمع فجوات وفجاء ~~ممدود، وقيل الفجوة متسع داخل الكهف بحيث لا يراه من كان ببابه، وكان ~~الكلب بباب الفجوة. # وقوله { ذلك من آيات الله } أي ادلته وبراهينه { من يهد الله فهو المهتد ~~} معناه من يسمه الله هاديا ويحكم بهدايته { فهو المهتد }. ويحتمل أن ~~يكون اراد: من يهده الله الى الجنة، فهو المهتدي في الحقيقة. ويحتمل أن ~~يكون: من يلطف الله له بما يهتدى عنده، فهو المهتدي { ومن يضلل } اى يحكم ~~بضلاله أو يسميه ضالا أو من يضله عن طريق الجنة، ويعاقبه { فلن تجد له ~~وليا مرشدا } اى معينا وناصرا يرشده الى الجنة والثواب. # ثم قال تعالى { وتحسبهم } يعني وتحسب يا محمد أهل الكهف إذا رأيتهم { ~~أيقاظا } أي منتبهين { وهم رقود } أي نيام. وقيل انهم كانوا في مكان ~~موحش منه، أعينهم مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون. وواحد { رقود } راقد أى ~~نائم. # وقوله { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } اخبار منه تعالى عما يفعل بهم ~~وكيفية حفظ اجسادهم بأن يقلبهم من جنب الى جنب الى اليمين تارة والى ~~الشمال أخرى. # وقوله { وكلبهم باسط ذراعية بالوصيد } قال ابن عباس: الوصيد الفناء، وبه ~~قال مجاهد وقتادة والضحاك. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: انه هو الباب اذا ~~أغلمته، ومنه # نار موصدة # ويجمع (وصيد) وصائد ووصد، وفى واحده لغتان: وصيد، وأصيد. وأوصدت وآصدت. ~~وليس أحدهما مؤخوذا من الآخر، ms2349 بل هما لغتان مثل ورخت الكتاب وأرخته، ~~ووكدت الأمر وأكدته. # وقوله { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } نصب على المصدر، ومعناه لو ~~اشرفت عليهم لاعرضت عنهم هربا استيحاشا للموضع { ولملئت منهم رعبا } ~~نصب على الحال، والمعنى لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل اليهم ~~احد حتى يبلغ الكتاب اجله فيهم، فينتبهون من رقدتهم باذن الله عند ذلك من ~~امرهم. وقيل انه: كانت اضفارهم قد طالت، وكذلك شعورهم، فلذلك يأخذه الرعب ~~منهم. وقال الجبائي: نومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين - لا تتغير احوالهم ولا ~~يطعمون ولا يشربون - معجزة لا تكون إلا لنبي. وقيل النبي كان احدهم، وهم ~~الرئيس الذى اتبعوه وآمنوا به. ### || [18.19-21] # قرأ { بورقكم } - بسكون الراء - أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم الباقون ~~بكسر الراء. وروي عن أبي عمرو " بورقكم " بادغام القاف في الكاف. وفي " ~~ورقكم " اربع لغات - فتح الواو وكسر الراء - وهو الأصل. وفتح الواو وسكون ~~الراء. وكسر الواو وسكون الراء. والادغام. فالورق الدراهم، ويقال ايضا ~~بفتح الراء، ويجمع اوراق. ورجل وراق كثير الدراهم. فأما ما يكتب فيه فهو ~~(الورق) بفتح الراء لا غير. والورق الغلمان الملاح. وقيل الورق - بفتح ~~الراء - المال كله المواشي وغيرها قال العجاج: # اغفر خطاياي وطوح ورقي # في قصة أهل الكهف اعتبار ودلالة على أن من قدر على نقض العادة - بتلك ~~المعجزة - قادر لا يعجزه شيء، وإن التدبير يجري بحسب الاختيار، لا بايجاب ~~الطبائع، كما يتوهمه بعض الجهال، لانه على تدبير مختار، كما يدل على ~~تدبير عالم. ووجه التشبيه في قوله { وكذلك بعثناهم } أي كما حفظنا ~~احوالهم تلك المدة { بعثناهم } من تلك الرقدة، لان أحد الامرين كالآخر في ~~أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى. # بين الله تعالى أنه بعث أهل الكهف بعد نومهم الطويل ورقدتهم البعيدة ~~ليسأل بعضهم بعضا عن مدة مقامهم، فيتنبهوا بذلك على معرفة صانعهم إن ~~كانوا كفارا. وإن كانوا مؤمنين تثبتوا زيادة على ما معهم، ويزدادوا ~~يقينا الى يقينهم. وقال البلخي: اللام في قوله { ليتسألوا } لام ~~العاقبة، لأن التساؤل بينهم ms2350 قد وقع. ثم اخبر تعالى أن قائلا منهم قال: ~~للباقين { كم لبثتم } مستفهما لهم، فقالوا في جوابه: { لبثنا يوما أو ~~بعض يوم } وانما اخبروا بذلك من غير أن يعلموا صحته، لأن الاخبار في مثل ~~هذا عن غالب الظن وعلى ذلك وقع السؤال، لان النائم لا يدري، ولا يتحقق ~~مقدار نومه إلا على غالب الظن. وقيل أنهم لما ناموا كان عند طلوع الشمس ~~فلما انتبهوا كانت الشمس دنت للغروب بقليل. فلذلك قالوا: يوما أو بعض ~~يوم - ذكره الحسن -. وقيل ايضا إن الخبر بأنهم قالوا لبثنا يوما أو بعض ~~يوم ليس ينافى انهم لبثوا مدة طويلة، لان المدة الطويلة تأتي على قصيرة ~~وتزيد عليها لا محالة. ثم قالوا { ربكم أعلم بما لبثتم } ومعناه ان الذي ~~خلقكم اعرف بمدة لبثكم على التحقيق. والاعلم هو من كانت علومه اكثر أو ~~صفاته في كونه عالما أزيد. وقيل: إن الاعلم هو من كانت معلوماته اكثر، ~~وهذا ليس بصحيح، لانه يلزم انه عالم من اجل العلوم. # ثم قال بعضهم لبعض { فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها ~~أزكى طعاما } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال قتادة: { أزكى } أجل وخير. # والثاني - ايها أنمى طعاما بأنه طاهر حلال، لانهم كانوا يذبحون ~~للاوثان، وهم كفار أرجاس. وقيل معناه ايها اكثر فان الزكاء والنماء ~~الزيادة. { فليأتكم برزق منه وليتلطف } في شرائه واخفاء أمره { ولا يشعرن ~~بكم احدا } أي لا يعلمن بمكانكم أحدا. وقيل: المعنى وإن ظهر عليه فلا ~~يوقعن اخوانه فيما وقع فيه لانهم { إن يظهروا عليكم } ويعلموا بمكانكم { ~~يرجموكم }. قال الحسن: معناه يرجموكم بالحجارة. وقال ابن جريج: يشتموكم ~~ويؤذوكم بالقول القبيح { أو يعيدوكم في ملتهم } اي يردوكم في عبادة ~~الاصنام. ومتى فعلتم ذلك { لن تفلحوا } بعد ذلك { أبدا } ولا تفوزوا ~~بشيء من الخير. # ثم قال: { وكذلك اعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق } ومعناه انا كما ~~فعلنا بهم ما مضى ذكره، مثل ذلك اظهرنا عليهم واطلعنا عليهم، ليعلم الذين ~~يكذبون بالعث { أن وعد الله حق } ويزداد المؤمنون ايمانا، والتقدير، ms2351 ~~ليستدلوا بما يؤديهم الى العلم بأن الوعد فى قيام الساعة حق كما قبضت ~~ارواح هؤلاء الفتية تلك المدة. ثم بعثوا كأنهم لم يزالوا أحياء على تلك ~~الصفة. # وقوله { إذ يتنازعون بينهم أمرهم } يجوز أن تكون { إذ } نصبا ب { ~~يعلموا } في وقت منازعتهم. ويجوز أن يكون بقوله { أعثرنا } والتقدير: ~~وكذلك اطلعنا إذ وقعت المنازعة في امرهم. والمعنى انهم لما ظهروا عليهم ~~وعرفوا خبرهم اماتهم الله في الكهف، فاختلف الذين ظهروا على امرهم من اهل ~~مدينتهم من المؤمنين وهم الذين غلبوا على امرهم. وقيل رؤساؤهم الذين ~~استولوا على امرهم. فقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجدا ليصلي فيه المؤمنون ~~تبركا بهم. وقيل إن النزاع كان فى ان بعضهم قال: قد ماتوا فى الكهف. ~~وبعضهم قال: لا بل هم نيام كما كانوا، فقال عند ذلك بعضهم: إن الذي خلقهم ~~وانامهم وبعثهم اعلم بحالهم وكيفية امرهم، فقال عند ذلك الذين غلبوا على ~~امرهم من رؤسائهم لنتخذن عليهم مسجدا. وروي انهم لما جاؤا الى فم الغار ~~دخل صاحبهم اليهم واخبرهم بما كانوا عنه غافلين مدة مفامهم، فسألوا الله ~~تعالى ان يعيدهم الى حالتهم الاولى فاعادهم اليها، وحال بين من قصدهم ~~وبين الوصول الهيم بأن اضلهم عن الطريق الى الكهف الذي كانوا فيه، فلم ~~يهتدوا اليهم. وقيل انهم لما دخلوا الغار سدوا على نفوسهم بالحجارة فلم ~~يهتد احد اليهم لذلك. ### || [18.22-24] # يقول الله لنبيه (صلى الله عليه وسلم) انه سيقول قوم من المختلفين في ~~عدد اصحاب الكهف فى هذا الوقت: انهم ثلاثة رابعهم كلبهم، وطائفة أخرى ~~يقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، وتقول طائفة ثالثة: انهم سبعة ~~وثامنهم كلبهم. وذهب بعضهم الى انهم سبعة لدخول واو العطف بعده في قوله { ~~وثامنهم كلبهم } ولم يقل ذلك في الاول. وهذا ليس بشيء، لأنه انما لم يدخل ~~الواو في الاول، لانه جاء على الصفة بالجملة، والثاني على العطف على ~~الجملة. قال الرماني: وفرق بينهما، لأن السبعة أصل للمبالغة فى العدة، ~~كما قال (عز وجل): # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ms2352 تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم # وحكى البلخي عن بعض أهل العلم أنه قال: الواجب أن يعد في الحساب: واحد ~~اثنان ثلاثة اربعة، فاذا بلغت الى السبعة قلت: وثمانية - بالواو - ~~اتباعا للآية. # وقوله { رجما بالغيب } قال قتادة: معناه قذفا بالظن. وقال المؤرج: ~~ظنا بالغيب بلغة هذيل. وقال قوم: ما لم تستيقنه فهو الرجم بالغيب قال ~~الشاعر: # واجعل مني الحق غيبا مرجما # وقال زهير: # وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم # وما هو عنها بالحديث المرجم # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم): قل لهم يا محمد: ربي اعلم ~~بعدتهم، من الخائضين في ذلك والقائلين فى عددهم بغير علم. ثم قال تعالى: ~~ليس يعلم عددهم إلا قليل من الناس، وهم النبي ومن أعلمه الله من نبيه. ~~وقال ابن عباس: أنا من القليل الذين يعلمون ذلك: كانوا سبعة وثامنهم ~~كلبهم. # ثم قال تعالى، ناهيا لنبيه - والمراد به امته - { فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا }. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: معناه إلا بما ~~أظهرنا لك من امرهم، والمعنى انه لا يجوز أن تماري وتجادل إلا بحجة ~~ودلالة، واخبار من الله، وهو المراء الظاهر. وقال الضحاك: معناه حسبك ما ~~قصصنا عليك. وقال البلخي: وفى ذلك دلالة على أن المراء قد يحسن إذا كان ~~بالحق وبالصحيح من القول. وإنما المذموم منه ما كان باطلا والغرض ~~المبالغة لا بيان الحق. والمراء الخصومة والجدل. # وقوله { ولا تستفت فيهم } يعني فى أهل الكهف، وفى مقدار عددهم { منهم } ~~يعني من اهل الكتاب { أحدا } ولا تستفهم من جهتهم. وهو قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة. # وقوله { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } نهي من ~~الله تعالى لنبيه ان يقول: اني افعل شيئا في الغد إلا أن يقيد قوله ~~بمشيئة الله، فيقول: ان شاء الله، لانه لا يأمن اخترامه، فيكون خبره ~~كذبا. وإذا قيده بقوله إن شاء الله، ثم لم يفعل، لم يكن كاذبا. # والمراد بالخطاب جميع المكلفين، ومتى اخبر المخبر عن ظنه وعزمه ms2353 بأنه ~~يفعل شيئا فيما بعد ثم لم يفعل لا يكون كاذبا، لانه اخبر عن ظنه وهو ~~صادق فيه. وقال قوم: " إلا أن يشاء الله " معناه إلا أن يشاء الله أن ~~يلجئني الى تركه. وقال الفراء: قوله { إلا أن يشاء الله } بمعنى المصدر، ~~فكأنه قال إلا مشيئة الله والمعنى إلا ما يريده الله. وإذا كان الله ~~تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال: لا تقل اني افعل إلا الطاعات وما ~~يقرب الى الله. وهذا وجه حسن. ولا يطعن في ذلك جواز الاخبار عما يريد ~~فعله من المباحات التي لا يشاؤها الله، لأن هذا النهي ليس نهي تحريم، ~~وانما هو نهي تنزيه، لانه لو لم يقل ذلك لما أثم بلا خلاف وانما هو نهي ~~تحريم فيما يتعلق بالقبيح فانه لا يجوز أن يقول اني افعل ذلك بحال. ~~والآية تضمنت أن لا يقول الانسان اني افعل غدا شيئا إلا أن يشاء الله. ~~فأما أن يعزم عليه من ذكر ذلك، فلا يلزم المشيئة فيه إلا ندبا. بغير ~~الآية. # وقوله { واذكر ربك إذا نسيت } قال الحسن: معناه انه اذا نسي أن يقول: إن ~~شاء الله، ثم ذكر فليقل ان شاء الله. وقال ابن عباس: له ان يستثني ولو ~~الى سنة. وقال بعضهم: وله أن يستثني بعد الحنث إلا انه لا تسقط عنه ~~الكفارة في اليمين، إلا إن يكون الاستثناء موصولا بالاجماع. وقال الحسن ~~له أن يستثني ما لم يقم من مجلسه الذي هو فيه، فان قام بطل استثناؤه. ~~وقال قوم { واذكر ربك إذا نسيت } أمرا ثم تذكرته، فان لم تذكره فقل { ~~عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا }. وقال بعضهم: عسى أن يعطيني ربي ~~من الرشد ما هو أولى من قصة اصحاب الكهف. # والذي نقوله: ان الاستثناء متى لم يكن متصلا بالكلام أو فى حكم المتصل، ~~لم يكن له تعلق بالاول ولا حكم له، وانه يجوز دخول الاستثناء بمشيئة الله ~~في جميع انواع الكلام: من الامر. والنهي، والخبر، والأيمان، وغير ذلك. ~~ومتى استثنى ثم ms2354 خالف لم يكن حانثا في يمينه ولا كاذبا في خبره. ومتى هو ~~استثناه بعد مدة بعد انفصال الكلام لم يبطل ذلك حنثه ولزمته الكفارة. ولو ~~لم نقل ذلك أدى الى ان لا يصح يمين ولا خبر ولا عقد، فان الانسان متى شاء ~~استثنى في كلامه ويبطل حكم كلامه. # وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: # " من حلف على أمر يفعله ثم رأى ما هو خير له فليحنث وليكفر عن يمينه " # ولو كان الاستثناء جائزا بعد مدة، لكان يقول فليستثني ولا يحتاج الى ~~الكفارة ولا يلزمه الحنث. # وقد روي في اخبارنا مثل ما حكيناه عن ابن عباس. ويشبه أن يكون المراد به ~~أنه اذا استثنى وكان قد نسي من غير تعمد فانه يحصل له ثواب المستثني دون ~~أن يؤثر في كلامه، وهو الاشبه بابن عباس وأليق بعمله وفعله، فان ما حكي ~~عنه بعيد جدا. وقال المبرد، وجماعة: إن قوله { ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله } ضم الاستثناء الى الكلام الذي قبله. ثم قال ~~{ واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى } استأنف كلاما آخر وقصة أخرى. وقال ~~الجبائي هذا استئناف كلام من الله، وأمر منه لنبيه (صلى الله عليه وسلم) ~~أنه اذا أراد فعلا من الافعال فنسيه فليذكر الله وليقل عسى أن يهديني ربي ~~لاقرب مما نسيته رشدا. وقال عكرمة: { اذكر ربك إذا نسيت } معناه اذا ~~نسيت امرا فاذكر ربك تتذكره، وهذا يدل على أنه لم يرد اليمين في ~~الاستثناء. # وقيل سبب نزول ذلك أن قريشا لما جاءت وسألت النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~عن قصة اصحاب الكهف وقصة ذي القرنين، فقال لهم: غدا اخبركم، فأبطأ عنه ~~جبرائيل. وقيل تأخر عنه اياما ثم أتاه بخبرهم. وهذا ليس بصحيح، لانه لو ~~كان كذلك بأن وعدهم بأن يخبرهم غدا ثم لم يخبرهم لكان كذبا، وهو منه ~~محال. وقال ابراهيم: اذا حلف الحالف والكلام متصل فله استثناؤه اذا قال ~~ان شاء الله. وقال الكسائي والفراء: التقدير: ولا تقولن ms2355 لشيء اني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن تقول ان شاء الله فأضمر القول. وانما كان الاستثناء ~~مؤثرا اذا كان الكلام متصلا لانه يدل على انه يؤل كلامه، وإذا لم يكن ~~متصلا فقد استقرت نيته وثبتت فلا يؤثر الاستثناء فيها. # وروي عن ابن عباس انه قال: { رابعهم كلبهم } يعني راعيا يتبعهم، حكاه ~~قطرب. وقال اخبر عن الكلب وأراد صاحبه، كقوله { واسأل القرية }. وانما ~~اراد اهلها. [وهذا لا يصح مع ظاهر قوله { وكلبهم باسط ذارعيه } ] وقال ~~الجبائي: لما اجتازوا على الراعي، فقال لهم اين تريدون قالوا: نفر ~~بديننا، فقال الراعي: انا أولى بذلك، فتبعهم وتبعه الكلب. وفي اصحاب ~~الحديث من يقول: ان الكلب خاطبهم بالتوحيد والاعتراف بما اعترفوا به، ~~ولذلك تبعهم. وهذا خرق عادة يجوز أن يكون الله فعله لطفا لهم، ومعجزة ~~لبعضهم على ما حكي ان بعضهم كان نبيا، وهو رئيسهم، فيكون ذلك معجزة له، ~~غير انه ليس بمقطوع به. # وقوله { عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا } معناه قل يا محمد عسى ~~ان يعطيني ربي من الآيات على النبوة ما يكون اقرب وأدل من قصة اصحاب ~~الكهف. ### || [18.25-27] # قرأ حمزة والكسائي { ثلاثمائة سنين } مضافا. الباقون بالتنوين، قال ~~الفراء: من العرب من يضع { سنين } فى موضع (سنة) فهي فى موضع خفض على ~~قراءة من أضاف قال عنترة: # فيها اثنتان وأربعون حلوبة # سودا كخافية الغراب الاسحم # فمن نون نصب سنين ب { لبثوا } وتقديره سنين ثلاثمائة، ف { سنين } ~~مفعول { لبثوا } و { ثلاثمائة } بدل، كما تقول خرجت أياما خمسة وصمت ~~سنين عشرة. وان شئت نصبت { ثلاثمائة } ب { لبثوا } وجعلت { سنين } بدلا ~~ومفسرة لها. ومن أضاف قال ابن خالويه: هي قراءة غير مختارة، لانهم لا ~~يضيفون مثل هذا العدد إلا الى الافراد فيقولون ثلاثمائة درهم ولا يقولون ~~ثلاثمائة دراهم قال ابو علي الفارسي قد جاء مثل ذلك مضافا الى الجمع، ~~قال الشاعر: # فما زودوني غير سحق عمامة # وخمس مئ منها قسي وزائف # جمع على فعل. وقد كسر القاف كما كسر فى (حلى) وقرأ ابن ms2356 عامر، { ولا تشرك ~~} بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر، فمن قرأ على النهي قال ~~تقديره { لا تشرك } ايها الانسان. ومن قرأ على الخبر، فلتقدم الغيبة. وهو ~~قوله { ما لهم من دونه من ولي } والهاء للغيبة. وقرأ الحسن # تسع وتسعون # بفتح التاء - يقال تسع بكسر التاء وفتحها، وهما لغتان. والكسر اكثر ~~وافصح. # قوله { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا } الآية معناه ~~إخبار من الله تعالى وبيان عن مقدار مدة لبثهم يعني أصحاب الكهف الى وقت ~~إنتباههم. ثم قال لنبيه، فان حاجك المشركون فيهم من أهل الكتاب، فقل { ~~الله أعلم بما لبثوا } وهو قول مجاهد، والضحاك، وعبيد بن عمير، كما قال # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا # ومن قرأ بالتاء، قال معناه لا تنسبن احدا الى عالم الغيب. ويحتمل أن ~~يكون المعنى لا يجوز لحاكم أن يحكم إلا بما حكم الله به أو بما دل على ~~حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من قبل نفسه، فيكون شريكا لله في أمره ~~وحكمه. # وقيل إن معناه { قل الله أعلم بما لبثوا } الى أن ماتوا. وحكى عن قتادة ~~أن ذلك حكاية عن قول اليهود فانهم الذين قالوا لبثوا في كهفهم ثلثمائة ~~سنين وازدادوا تسعا. وقوى ذلك بقوله { قل الله أعلم بما لبثوا } فذكر ~~تعالى أنه العالم بذلك دون غيره. وقد ضعف جماعة هذا الوجه قالوا: لان ~~الوجه الأول أحسن، لانه ليس لنا أن نصرف اخبار الله الى أنه حكاية إلا ~~بدليل قاطع، ولأنه معتمد الاعتبار الذي بينه الله (عز وجل) للعباد. # وقوله { له غيب السماوات والأرض } فالغيب يكون للشيء بحيث لا يقع عليه ~~الادراك، ولا يغيب عن الله تعالى شيء، لانه لا يكون بحيث لا يدركه. وقيل # عالم الغيب والشهادة # معناه ما يغيب عن احساس العباد وما يشاهدونه. وقيل ما يصح ان يشاهد وما ~~لا يصح أن يشاهد. وقوله { أبصر به وأسمع } معناه ما أسمعه وما أبصره بأنه ~~لا يخفى عليه شيء فخرج التعجب على وجه التعظيم له تعالى. # وقوله { ما لهم ms2357 من دونه من ولي } اي ليس للخلق وقيل إنه راجع الى اهل ~~الكهف أي ليس لهم من دون الله ولي ولا ناصر { ولا يشرك } يعني الله { في ~~حكمه } بما يخبر به من الغيب { أحدا }. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { اتل ما أوحي اليك } أي اقرأ عليهم ~~ما أوحى الله اليك من اخبار اصحاب الكهف وغيرهم. # وقوله { لا مبدل لكلماته } أي لا مغير لما أخبر الله تعالى به، لانه صدق ~~ولا يجوز أن يكون بخلافه { ولن تجد من دونه ملتحدا } ومعناه ملتجأ تهرب ~~اليه وقال مجاهد: ملجأ، وقال قتادة: موئلا. وقيل: معدلا. وهذه الأقوال ~~متقاربة المعنى وهو من قولهم لحدت الى كذا أي ملت اليه، ومنه اللحد، لأنه ~~فى ناحية القبر وليس بالشق الذي في وسطه، ومنه الالحاد في الدين، وهو ~~العدول عن الحق فيه. { وسنين } فيه لغتان تجمع جمع السلامة وجمع التكسير ~~فالسلامة هذه سنون ورأيت سنين وجمع التكسير بتنوين النون تقول هذه سنون ~~وصمت سنينا وعجبت من سنين. وقوله { وازدادوا تسعا } يعني تسع سنين، ~~فاستغنى بالتفسير في الاول عن اعادته ها هنا. ### || [18.28-30] # قرأ ابن عامر وحده { بالغدوة والعشي } بضم الغين والواو، وإسكان الدال. ~~الباقون بفتح الغين والدال، ومع الالف، ولا يجوز عند أهل العربية إدخال ~~الالف واللام على غدوة، لانها معرفة، ولو كانت نكرة لجاز فيها الاضافة ~~ولا يجوز غدوة يوم الجمعة كما يجوز غداة يوم الجمعة. # وقال ابو علي النحوي من أدخل الالف واللام، فانه يجوز - وإن كان معرفة - ~~أن تنكر، كما حكى أبو زيد لقيته فينة. والفينة بعد الفينة، ففينة مثل ~~غدوة فى التعريف، ومثل قولهم: اما النضرة، فلا نضرة، فأجري مجرى ما يكون ~~سائغا في الجنس. ومن قرأ بالغداة، فقوله أبين. وقال ابن خالويه: العرب ~~تدخل الالف واللام على المعرفة إذا جاؤا بما فيه الالف واللام ليزدوج ~~الكلام، قال الشاعر: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا باعباء الخلافة كاهله # فادخل الالف واللام على اليزيد لما جاور الوليد، فلذلك أدخل ابن عامر ~~الالف واللام ms2358 فى (الغدوة) لما جاور العشي. والعرب تجعل (بكرة وغدوة وسحر) ~~معارف إذا أرادوا اليوم بعينه. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ~~بالصبر على جملة المؤمنين الذين يدعون الله بالغداة والعشي، والصبر على ~~ثلاثة اقسام: صبر واجب مفروض وهو ما كان على اداء الواجبات التي تشق على ~~النفس وتحتاج الى التكلف. والثاني - ما هو مندوب فان الصبر عليه مندوب ~~اليه. والثالث مباح جائز، وهو الصبر على المباحات التي ليست بطاعة لله. # وقوله { يريدون وجهه } معناه يريدون تعظيمه والقربة اليه دون الرياء ~~والسمعة، فذكر الوجه بمعنى لاجل التعظيم، كما يقال اكرمته لوجهك أي ~~لتعظيمك لان من عادتهم أن يذكروا وجه الشيء ويريدون به الشيء المعظم. ~~كقولهم هذا وجه الرأي أي هذا الرأي الحق المعظم. # وقوله { ولا تعد عيناك عنهم } معناه لا تتجاوز عيناك الى غيرهم ولا ~~تنصرف وقيل انها نزلت في سلمان واصحابه الى سواهم من أرباب الدنيا ~~الممرحين فيها { تريد } بذلك { زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا } نزلت في عيينة بن حصين. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: # احدها - لا تطع من صادفناه غافلا عن ذكرنا كقولهم احمدت فلانا أي صادفته ~~محمودا فهو من باب صادفناه على صفة. # الثاني - لا تطع من سميناه غافلا، ونسبناه الى الغفلة كقولهم أكفرناه أي ~~نسبناه الى الكفر. # والثالث - لا تطع من أغفلنا قلبه أي جعلناه غافلا بتعرضه للغفلة. وقيل ~~لم يسمه الله بما يسم به قلوب المؤمنين مما ينبئ عن فلاحهم، كما قال # كتب في قلوبهم الإيمان # { واتبع هواه } يعني الذي أغفلناه عن ذكرنا { اتبع هواه، وكان أمره ~~فرطا } معناه تجاوزا للحق وخروجا عنه، من قولهم أفرط إفراطا اذا ~~أسرف، فاما فرط فمعناه قصر عن التقدم الى الحق الذي يلزمه. # وقيل معناه وكان أمره سرفا. ثم أمر الله نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن ~~يقول لهم الذي أتيتكم به هو الحق من ربكم الذي خلقكم { فمن شاء فليؤمن، ~~ومن شاء فليكفر } صورته صورة الأمر والمراد به التهديد وهو آكد فى ms2359 التهدد ~~من جهة أنه كأنه مأمور بما يوجب اهانته. ثم أخبر أنه أعد للظالمين العصاة ~~نارا أحاط بهم سرادقها فالسرادق المحيط بما فيه مما ينقل معه والاصل ~~سرادق الفسطاط قال رؤبة: # يا حكم بن المنذر بن الجارود # سرادق المجد إليك ممدود # وقال ابن عباس سرادقها حائط من نار يطيف بهم، وقيل سرادقها دخانها قبل ~~وصولهم اليها. وقيل السرادق ثوب يدار حول الفسطاط. # وقوله { وإن يستغيثوا } معناه إن طلبوا الغوث والنجاة، وطلبوا ماء لشدة ~~ما هم فيه من العذاب { أغيثوا بماء كالمهل } والمهل كل شيء أذيب حتى ماع، ~~كالصفر والرصاص والذهب والحديد، وغير ذلك - فى قول ابن مسعود - وقال ~~مجاهد: هو القيح والدم. وقال ابن عباس هو دردي الزيت. # وقال سعيد بن جبير هو الشيء الذي قد انتهى حره { يشوي الوجوه } أي ~~يحرقها من شدة حره إذا قربت منه. ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك بأنه { بئس ~~الشراب } يعني ذلك المهل { وساءت مرتفقا } وقيل معناه المتكأ من المرفق، ~~كما قال أبو ذؤيب: # بات الخلي وبت الليل مرتفقا # كان عيني فيها الصاب مذبوح # وقيل هو من الرفق. وقال مجاهد معناه مجتمعا كأنه ذهب به الى معنى ~~مرافقة. ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات من الطاعات ~~ويجتنبون المعاصي بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يبطل ثوابه. وقيل في ~~خبر { إن الذين آمنوا } ثلاثة أقوال: # احدها - ان خبره قوله { أولئك لهم جنات عدن } ويكون قوله { إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا } اعتراضا بين الاسم والخبر. # الثاني - ان يكون الخبر إنا لا نضيع أجره، إلا انه وقع المظهر موقع ~~المضمر. # والثالث - أن يكون على البدل، فلا يحتاج الأول الى خبر، كقول الشاعر: # إن الخليفة ان الله سربله # سربال ملك به ترجى الخواتيم # فاخبر عن الثاني وأضرب عن الأول. ### || [18.31-34] # قرأ عاصم وأبو جعفر وروح { وكان له ثمر }. { وأحيط بثمره } بفتح الثاء ~~والميم فيهما، وافقهم رويس في الاولى. وقرأ أبو عمرو - بضم الثاء وسكون ~~الميم - فيهما. الباقون بضمهما فيهما. # قال أبو ms2360 علي: الثمر ما يجتنى من ذي الثمر وجمعه ثمرات مثل رحبة ورحبات: ~~ورقبة ورقبات، ويجوز في جمع { ثمرة } ضربان: احدهما - على ثمر، كبقرة ~~وبقر والاخر - على التكسير، فتقول ثمار كرقبة ورقاب، فيشبه المخلوقات ~~بالمصنوعات وشبه كل واحد منهما بالآخر. ويجوز فى القياس أن يكسر (ثمار) ~~الذي هو جمع ثمرة على ثمر، ككتاب وكتب، ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة ~~وبدن وخشبة وخشب، ويجوز أن يكون ثمر واحدا كعنق وطنب، فعلى جميع هذه ~~الوجوه يجوز اسكان العين منه. ومثله في قوله { وأحيط بثمره }. وقال بعض ~~أهل اللغة: الثمر المال، والثمر المأكول. وجاء في التفسير (إن الثمر ~~النخل والشجر) ولم يرد به الثمر. فالثمر - على ما روي عن جماعة من السلف ~~- الاصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة بدلالة قوله { فأصبح يقلب كفيه ~~على ما أنفق فيها } أي في الجنة والنفقة انما تكون على ذوات الثمر في ~~الأكثر، فكأن الآية التي أرسلت عليها اصطلمت الاصول وإجتاحتها، كما قال ~~تعالى فى صفة الجنة الاخرى # فأصبحت كالصريم # أي كالليل في سواده لاحتراقها بعد أن كانت كالنهار فى بياضها. وحكي عن ~~أبي عمرو، إن الثمرة والثمر أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما يقال: ~~فلان مثمر أي كثير المال، ذهب اليه مجاهد وغيره. # اخبر الله تعالى في الآية الاولى عما للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات الذين أخبر عنهم بأنه لا يضيع عملهم الحسن، وما قد أعد لهم، ~~فقال { لهم جنات عدن } والجنات جمع جنة، وهي البستان الذي فيها الشجر. ~~ومعنى { عدن } أي موضع اقامة، وانما سمي بذلك، لانهم يبقون فيها ببقاء ~~الله دائما وأبدا، والعدن الاقامة. وقيل: هو اسم من اسماء الجنة - في ~~قول الحسن - ويقال عدن بالمكان يعدن عدنا اذا أقام فيه، فسمى الجنة ~~عدنا من اقامة الخلق فيها. ثم وصف هذه الجنة، فقال { تجري من تحتهم ~~الأنهار } وقيل في معنا ذلك قولان: # احدهما - إن انهار الجنة في اخاديد من الارض، فلذلك قال من تحتهم. # الثاني - انهم على غرف فيها فالانهار تجري من تحتهم، ms2361 كما قال تعالى # وهم في الغرفات آمنون # وقوله { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي يجعل لهم فيها حليا من زينة ~~من أساور، وهو جمع اسوار على حذف الزيادة، لأن مع الزيادة أساوير، فى قول ~~قطرب. # وقيل هو جمع اسورة، واسورة جمع سوار، يقال بكسر السين وضمها - في قول ~~الزجاج - والسوار زينة تلبس في الزند من اليد. # وقيل هو من زينة الملوك يسور في اليد ويتوج على الرأس. # { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق } فالسندس ما رق من الديباج ~~واحده سندسة وهي الرقيقة من الديباج، على أحسن ما يكون وأفخره، فلذلك ~~شوق الله اليه. والاستبرق الغليظ من الديباج. وقيل هو الحرير قال ~~المرقش: # تراهن يلبسن المشاعر مرة # واستبرق الديباج طورا لباسها # وقوله تعالى { متكئين } نصب على الحال { فيها } يعنى فى الجنة { على ~~الأرائك } جمع أريكة، وهي السرير قال الشاعر: # خدودا جفت فى السير حتى كأنما # يباشرن بالمعزاء مس الارائك # وقال الاعشى: # بين الرواق وجانب من سيرها # منها وبين أريكة الانضاد # أي السرير في الحجلة. وقال الزجاج: الارائك الفرش في الحجال. ثم قال ~~تعالى إن ذلك { نعم الثواب } والجزاء على الطاعات { وحسنت مرتفقا } يعني ~~حسنت الجنة مرتفقا، فلذلك أنث الفعل، ومعنى { مرتفقا } اي مجلسا، وهو ~~نصب على التمييز. ثم قال { واضرب لهم مثلا رجلين } أي اضرب رجلين لهم ~~مثلا { جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل } أي جعلنا النخل ~~مطيفا بهما يقال حفه القوم يريد إذا طافوا به { وجعلنا بينهما زرعا } ~~اعلام بأن عمارتهما كاملة متصلة لا يفصل بينمها إلا عمارة. واعلمنا أنهما ~~كاملتان في تأدية كل حملها من غلتها، فقال { كلتا الجنتين آتت أكلها } أي ~~طعمها وما يؤكل منها { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص بل أخرجت ثمرها ~~على الكمال والتمام، قال الشاعر: # يظلمني مالي كذا ولوى يدي # لوى يده الله الذي هو غالبه # أي ينقصني مالي. وقال الحسن: معناه لم ينقص { وفجرنا خلالهما نهرا } أي ~~شققنا نهرا بينهما، وفائدتهما أنهما يشربان من نهر واحد. { وكان له ثمر ~~} وقرئ ms2362 { ثمر } قال مجاهد هو ذهب، وفضة. وقال ابن عباس وقتادة: هو صنوف ~~الأموال، يقال: ثمار وثمر مثل حمار وحمر، ويجوز أن يكون جمع ثمر، مثل خشب ~~وخشب، وانما قال { كلتا الجنتين آتت } على لفظ كلتا، لانه بمنزلة (كل) في ~~مخرج التوحيد. ولو قال آتتا، على الجنتين كان جائزا قال الشاعر في ~~التوحيد: # وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي # فلا العيش اهواه ولا الموت أروح # ويجوز كلاهما في الحديث قال الشاعر: # كلا عقبيه قد تشعث رأسها # من الضرب في جنبي ثقال مباشر # والالف واللام في كلتا ليست ألف التثنية، ولذلك يجوز أن تقول الاثنتان ~~قام، ويجوز ان يقال كل الجنة آتت. ولا يجوز كل المرأة قامت، لان بعض ~~الامرأة ليس بامراة وبعض الجنة جنة، فكأنه قال كل جنة من جملة ما آتت. # وقوله { فقال لصاحبه وهو يحاوره } أي يقول احد الرجلين لصاحبه يعنى ~~صاحبي الجنتين اللتين ضرب بهما المثل، يقول لصاحبه الآخر { وهو يحاوره } ~~أي يراجعه الكلام { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } أي أجمع مالا وأعز ~~عشيرة واكثر انصارا، وقد فسرناه فيما مضى وإنما قال { وفجرنا خلالهما ~~نهرا } والنهر يتفجر من موضع واحد لان النهر يمتد حتى يصير التفجر كانه ~~فيه كله، فالتخفيف والتثقيل فيه جائزان ومنه # حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # يخفف ويثقل على ما مضى القول فيه. ### || [18.35-37] # قرأ اهل الحجاز وابن عامر { خيرا منهما } بزيادة ميم على التثنية. ~~الباقون بلا ميم. # اخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل، وهو صاحب ~~الجنتين انه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر، { وهو ~~ظالم لنفسه } أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والاخلال بالواجب اللذين ~~يستحق بهما العقاب ويفوته بهما الثواب، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه ~~وشاهد ما أعجبه، وكبر فى نفسه توهم أنه يدوم، وأن مثله لا يفنى، فقال { ~~ما أظن أن تبيد هذه أبدا } أي تهلك هذه الجنة أبدا { وما أظن الساعة ~~قائمة } يعني يوم القيامة أي تقوم، كما يدعيه الموحدون. ثم ms2363 قال { ولئن ~~رددت إلى ربي } وجدت { خيرا منها } يعني من الجنة. ومن قرأ { منهما } ~~أراد الجنتين { منقلبا } أي في المرجع اليه. وانما قال هذا مع كفره ~~بالله تعالى، لأن المعنى ان رددت الى ربي، كما يدعى من رجوعي، فلي خير من ~~هذه، تحكما سولته له نفسه، لا مطمع فيه. وقال ابن زيد: شك، ثم قال على ~~شكه فى الرجوع الى ربه ما أعطاني هذه الأولى عنده خير منها { فقال له ~~صاحبه وهو يحاوره } أي يراجعه الكلام { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا } ومعنى خلقك من تراب أن اصلك من تراب إذ خلق اباك ~~آدم (ع) من تراب، فهو من تراب ويصير الى التراب، وقيل لما كانت النطفة ~~يخلقها الله بمجرى العادة من الغذاء، والغذاء نبت من التراب، جاز أن ~~يقال: خلقك من تراب، لان أصله تراب كما قال من نطفة، وهو فى هذه الحال ~~خلق سوي حي، لكن لما كان أصله كذلك جاز أن يقال ذلك. # وفى الآية دلالة على ان الشك فى البعث والنشور كفر، والوجه في خلق البشر ~~وغيره من الحيوان وتنقله من تراب الى نطفة، ثم الى علقة، ثم الى صورة، ثم ~~الى طفولية، ثم الى حال الرجولية، ما فى ذلك من الاعتبار الذي هو دال على ~~تدبير مدبر مختار يصرف الاشياء من حال الى حال، لان ما يكون فى الطبع ~~يكون دفعة واحدة كالكتابة التي يوجدها بالطبائع من لا يحسن الكتابة، فلما ~~انشأ الخلق حالا بعد حال دل على أنه عالم مختار. # و (المحاورة) مراجعة الكلام و { المنقلب } المعاد، و (التسوية) جعل ~~الشيء على مقدار سواه، فقوله { سواك رجلا } أي كملك رجلا. ### || [18.38-41] # قرأ نافع - في رواية المسيبي - وابن عامر، وابو جعفر، ورويس، والبرجمي، ~~والعبسي { لكنا هو الله ربي } باثبات الالف فى الوصل، وهي قراءة ورش عن ~~نافع. والباقون بغير الف في الوصل. ولم يختلفوا في الوقف أنه بألف. وقد ~~جاء الاثبات فى الوصل، قال الاعشى: # فكيف أنا وانتحالى القوافي # بعد ms2364 المشيب كفى ذاك عارا # غير ان ذلك من ضروة الشعر، ويجوز في { لكنا هو الله ربي } خمسة أوجه في ~~العربية. # احدها - لكن هو الله - بالتشديد - من غير الف في الوصل والوقف. # الثاني - بالف في الوصل والوقف. # الثالث - لكننا باظهار النونين وطرح الهمزة. # الرابع - لكن هو الله ربي بالتخفيف. # الخامس - لكن انا على الاصل. وقال الكسائي: العرب تقول: أن قائم بمعنى ~~أنا قائم، فهذا نظير { لكن هو الله } ومن قرأ لكنا في الوصل احتمل امرين: # أحدهما - أن يجعل الضمير المتصل مثل المنفصل الذي هو نحن، فيدغم النون ~~من { لكن } - لسكونها - فى النون من علامة الضمير، فيكون على هذا باثبات ~~الالف وصلا ووقفا، لان أحدا لا يحذف الالف من (انا فعلنا). # وقوله { هو الله } فهو ضمير علامة الحديث والقصة. كقوله # فإذا هي شاخصة # وقوله { قل هو الله أحد } والتقدير: الامر: الله احد، لأن هذا الضمير ~~يدخل على المبتدإ والخبر، فيصير المبتدأ والخبر في موضع خبر وعاد على ~~الضمير الذي دخلت عليه (لكن) على المعنى، ولو عاد على اللفظ لقال: لكنا ~~هو الله ربنا. ودخلت (لكن) مخففة على الضمير، كما دخلت في قوله # إنا معكم # والوجه الاخر - أن يكون ما حكاه سيبويه أنه سمع من يقول أعطني يبضة فشدد ~~وألحق الهاء بالتشديد للوقف، والهاء مثل الالف في سبساء، والياء فى ~~(عيهل) واجرى الهاء مجراهما فى الاطلاق، كما كانت مثلهما في نحو قوله: # صفية قومي ولا تجزعي # وبكى النساء على حمزة # وهذا الذي حكاه سيبويه ليس فى شعر، فكذلك الآية يكون الالف فيها كالهاء، ~~ولا تكون الهاء للوقف لأن هاء الوقف لا يبين بها المعرب، ولا ما ضارع ~~المعرب فعلى احد هذين الوجهين يكون قول من اثبت الالف في الوصل أو عليهما ~~جميعا، ولو كانت فاصلة، لكان مثل # فأضلونا السبيلا # وفى (أنا) فى الوصل ثلاث لغات أجودها (أنا قمت) كقوله { أنا ربكم الأعلى ~~} بغير ألف في اللفظ، ويجوز (أنا قمت) باثبات الالف، وهو ضعيف جدا وحكوا ~~أن قمت باسكان النون، وهو ضعيف أيضا وأما ms2365 { لكنا هو الله ربي } باثبات ~~الالف فهو الجيد، لان الهمزة قد حذفت من انا فصار اثبات الالف عوضا عن ~~الهمزة، وحكي أن أبيا قرأ { لكن أنا هو الله } قال الزجاج وهو الجيد ~~البالغ، وما قرأه القراء ايضا جيد. # وقوله { قلت ما شاء الله } تحتمل { ما } أن تكون رفعا، وتقديره قلت ~~الأمر ما شاء الله، ويجوز ان تكون نصبا على معنى الشرط والجزاء. والجواب ~~مضمر وتقديره أي شيء شاء الله كان، وتضمر الجواب، كما تضمر جواب (لو) في ~~قوله # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # والمعنى لكان هذا القرآن. ومعنى { لا قوة إلا بالله } لا يقدر أحد إلا ~~بالله، لان الله هو الذي يفعل القدرة للفعل. # وقوله { إن ترني أنا أقل } منصوب بأنه مفعول ثان ل { ترني } و { أنا } ~~تصلح لشيئين: احدهما - ان تكون توكيدا للنون والياء. والثاني - ان تكون ~~فصلا كما تقول: كنت انت القائم يا هذا، ويجوز رفع { أقل } وبه قرأ عيسى ~~بن عمر على ان يكون { أنا } مبتدأ و { أقل } خبره. والجملة في موضع ~~المفعول الثاني - ل { ترني } وقوله { غورا } قراه البرجمي بضم الغين - ~~ها هنا - وفي الملك، وانما جاز ان يقع المصدر في موضع الصفة في ماء غور، ~~للمبالغة، كما تقول في الحسن وجهه: نور ساطع، وقال الشاعر: # تظل جياده نوحا عليه # مقلدة أعنتها صفونا # حكى الله تعالى عن الذي قال لصاحبه { أكفرت بالذي خلقك من تراب } أنه ~~قال { لكن هو الله ربي } ومعناه لكن أنا هو الله ربي إلا أنه حذف الهمزة، ~~والقى حركتها على الساكن الذي قبلها، فالتقت النونان، وأدغمت احداهما في ~~الاخرى، كما قال الشاعر: # ويرمينني بالطرف أي انت مذنب # ويقلينني لكن إياك لا أقلى # أي لكن أنا. وقوله { ولا أشرك بربي أحدا } أي لا أشرك بعبادتي أحدا مع ~~الله بل أوجهها إليه خالصة له وحده. وإنما استحال الشرك فى العبادة، ~~لانها لا تستحق إلا باصول النعم التي لاتواز بها نعمة منعم، وذلك لا يقدر ~~عليه أحد إلا الله. ثم قال له { ولولا إذ ms2366 دخلت جنتك } والمعنى هلا حين ~~دخلت جنتك { قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } لاحد من الخلق { إن ترني ~~أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتيني } بمعنى ان يعطيني خيرا من ~~جنتك جنة في الدار الآخرة { وأن يرسل عليها } أي على جنتك حسبانا من ~~السماء. قال ابن عباس، وقتادة: عذابا. وقيل نارا من السماء تحرقها. ~~وقيل أصل الحسبان السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد، وكان ذلك من رمي ~~الأساورة. والحسبان المرامي الكثيرة مثل كثرة الحساب واحده حسبانة. # وقوله { فتصبح صعيدا زلقا } أي ترابا محترقا. والزلق الذي لا نبات ~~فيها. وقال الزجاج: الصعيد الطريق الذي لا نبات فيه أي ملساء ما أنبتت من ~~شيء قد ذهب. وقال الزجاج: المعنى ويرسل عليها عذاب حساب بما كسبت يداك، ~~لان الحسبان هو الحساب. # وقوله { أو يصبح ماؤها غورا } أي ذاهبا في باطن غامض. والمعنى غائرا، ~~فوضع المصدر موضع الصفة ونصب على الحال ولذلك لا يثنى ولا يجمع. # وقوله { فلن تستطيع له طلبا } أي لا تقدر على طلب الماء إذا غار، ~~والطلب تقليب الأمر لوجدان ما يهلك. قال الرماني هذا أصله، ثم قيل للمريد ~~من غيره فعلا: طالب لذلك الفعل بارادته او أمره والمفكر في المعنى (طالب) ~~لادراك ما فيه وكذلك السائل. ### || [18.42-44] # قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع وعاصم { الولاية } بفتح الواو { لله ~~الحق } بكسر القاف، وقرأ حمزة بكسرهما. وقرأ أبو عمرو: بفتح الواو، وضم ~~القاف. وقرأ الكسائي بكسر الواو وضم القاف. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { ~~ولم يكن } بالياء الباقون بالتاء. # من قرأ بالتاء فلتأنيث الفئة، والفئة الجماعة، وقد يسمى الرجل الواحد ~~فئة، كما ان الطائفة تكون جماعة وواحدا. قال ابن عباس في قوله { وليشهد ~~عذابهما طائفة } فالطائفة قد تكون الرجل الواحد. # ومن قرأ بالياء فلقوله { ينصرونه } ولأن التأنيث غير حقيقي. واما { ~~الولاية } بفتح الواو، وكسرها فلغتان مثل الوكالة والوكالة والدلالة ~~والدلالة. وقال قوم: هما مصدران فالمكسور مصدر الوالي من الامارة ~~والسلطان. والمفتوح مصدر الولي ضد العدو، تقول: هذا ms2367 ولي بين الولاية. # واما قوله { الحق } فمن خفض قال الحق هو الله فخفضه نعتا لله، واحتج ~~بقراءة ابن مسعود { هنالك الولاية لله وهو الحق } وفى قراءة ابي { هنالك ~~الولاية الحق لله } # ومن رفع جعله نعتا للولاية، وأجاز الكوفيون والبصريون النصب بمعنى أحق ~~ذلك حقا، والحق اليقين بعد الشك. # قوله { وأحيط بثمره } معناه هلكت ثمرهم عن آخرها، ولم يسلم منها شيء كما ~~يقال أحاط بهم العدو إذا هلكوا عن آخرهم والاحاطة ادارة الحائط على ~~الشيء. ومنه قوله # ولا يحيطون بشيء من علمه # أي لا يعلمون معلوماته، والحد محيط بجميع المحدود. # وقوله { فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها } أي يتحسر على ما انفق فى ~~عمارتها { وهي خاوية على عروشها } معناه حيطانها قائمة لا سقوف عليها، ~~لانها انهارت فصارت في قرارها، وخوت فصارت خاوية من الاساس. ومثله قولهم ~~وقعت: الدار على سقوفها أي أعلاها على أسفلها. وقيل خاوية على بيوتها، ~~والعروش الابنية أي قد ذهب شجرها وبقيت جدرانها، لا خير فيها. وقيل ~~العروش السقوف، فصارت الحيطان على السقوف. # وقوله { ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا } اخبار منه تعالى عما يقول ~~صاحب الجنة الهالكة، وانه يندم على ما كان منه من الشرك بالله. ثم قال ~~تعالى { ولم يكن له فئة } اي جماعة { ينصرونه من دون الله } قال العجاج: # كما يجوز الفئة الكمي # وقوله تعالى { وما كان منتصرا } قال قتادة: معنا ما كان ممتنعا. وقيل ~~معناه ما كان منتصرا بان يسترد بدل ما كان ذهب منه. # وقوله { هنالك الولاية لله الحق } اخبار منه تعالى ان فى ذلك الموضع ~~الولاية بالنصرة والاعزاز لله (عز وجل) لا يملكها احد من العباد يعمل ~~بالفساد فيها، كما قد مكن فى الدنيا على طريق الاختيار، فيصح الجزاء فى ~~غيرها. # وقوله { هو خير ثوابا وخير عقبا } انما قال هو خير ثوابا مع أنه لا ~~يثيب أحد إلا الله لامرين: # احدهما - انه على رد ادعاء الجهال انه قد يثيب غير الله، فتقديره لو ~~كان غيره يثيب، لكان هو خير ثوابا. ms2368 # والثاني انه خير جزاء على العمل. وعاقبة ما يدعو اليه خير من عاقبة ما ~~لا يدعو اليه. والولاية بفتح الواو ضد العداوة، وبكسرها الامارة ~~والسلطان. وقرأ عاصم وحمزة { عقبا } بسكون القاف. الباقون بضمتين وهما ~~لغتان بمعنى العاقبة، وهو نصب على التمييز { وهنالك } اشارة الى يوم ~~القيامة. والمعنى ان يوم القيامة تتبين نصرة الله، لأوليائه. و { عقبا } ~~أي عاقبة يقال عقبى الدار، وعقب الدار، وعقب الدار، وعاقبة الدار بمعنى ~~واحد. ### || [18.45-46] # أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يضرب المثل للدنيا تزهيدا ~~فيها، وترغيبا فى الآخرة بأن قال: إن مثلها كمثل ماء أنزله الله من ~~السماء { فاختلط به نبات الأرض } أي نبت بذلك الماء المنزل من السماء ~~نبات، فالتفت بعضه ببعض يرون حسنا وغضاضة. ثم عاد { هشيما } أي مكسورا ~~مفتتا { تذروه الرياح } فتنقله من موضع الى موضع فانقلاب الدنيا بأهلها ~~كانقلاب هذا النبات. ثم قال { وكان الله على كل شيء } اراده { مقتدرا } ~~أي قادرا، لا يجوز عليه المنع منه. والتذرية تطيير الريح الاشياء ~~الخفيفة على كل جهة، يقال: ذرته الريح تذروه ذروا، وذرته تذريه وأذرته ~~اذراء قال الشاعر: # فقلت له صوب ولا تجهدنه # فيذرك من أخرى القطاة فتزلق # وأذريت الرجل عن الدابة إذا ألقيته عنها، والهشيم النبات اليابس ~~المتفتت. # وقال الحسن: معنى { وكان الله على كل شيء مقتدرا } أي كان قادرا ان ~~يكونه قبل أن يكون، وقبل أن يكون. وهو اخبار عن الماضي ودلالة على ~~المستقبل، وهذا المثل للمتكبرين الذين اغتروا بأموالهم، واستنكفوا من ~~مجالسة فقراء المؤمنين، فأخبرهم الله أن ما كان من الدنيا لا يراد به ~~الله، فهو كالنبت الحسن على المطر لا مادة له فهو يروق ما خالطه ذلك ~~الماء، فاذا انقطع عنه عاد هشيما تذروه الرياح لا ينتفع به. # وقوله { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } اخبار منه تعالى أن كثرة ~~الاموال التي يتمولها الانسان ويملكها في الدنيا. والبنين الذين يرزقهم ~~الله زينة الحياة الدنيا، أي جمال الدنيا وفخرها { والباقيات الصالحات } ~~يعني الطاعات لله تعالى، لانه يبقى ms2369 ثوابها أبدا، فهي خير من نفع منقطع ~~لاعاقبة له، والباقيات يفرح بها ويدوم خيرها، وهي صالحات بدعاء الحكيم ~~اليها وأمره بها. وقال ابن عباس { الباقيات الصالحات } الطاعات لله. وروي ~~في أخبارنا أن من الباقيات الصالحات، والامور الثابتات: القيام بالليل ~~لصلاة الليل. والأمل الرجاء، ومعنى { خير أملا } أن الرجاء للعمل الصالح ~~والأمل له خير من الأمل للعمل الطالح. ### || [18.47-49] # قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { تسير } لتأنيث الجبال ورفع الجبال، ~~لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ولانه قال # وسيرت الجبال فكانت سرابا # ولأن ابيا قرأ { ويوم سيرت الجبال } ، فاذا كان الماضي { سيرت } كان ~~المضارع تسير. الباقون { نسير } بالنون، اخبار من الله تعالى عن نفسه. ~~ونصب الجبال وهو مفعول به ل { نسير } وحجتهم قوله { وحشرناهم فلم نغادر ~~منهم أحدا } ونصب { ويوم نسير } باضمار فعل، وتقديره واذكر يا محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) يوم نسير الجبال. وقوله { وترى الأرض بارزة } أي ظاهرة ~~فلا يتستر منها شيء، لان الجبال إذا سيرت عنها وصارت دكا ملساء ظهرت ~~وبرزت. وقيل { وترى الأرض بارزة } أي يبرز ما فيها من الكنوز والأموات، ~~فهو مثل قول النبي (صلى الله عليه وسلم) # " ترمي الارض بافلاذ كبدها " # وأجاز بعض البصريين ان ينصب { ويوم } بقوله { والباقيات الصالحات خير ~~ثوابا } في يوم تسير الجبال ف { الباقيات الصالحات } قيل الطاعات. وقيل ~~الصلوات الخمس وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. # وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال (القيام بالليل لصلاة الليل). وسمع بعضهم ~~عزى صديقا له، فقال: ابنك كان زينة الدنيا، ولو بقي كان سيدا مثلك، ~~وإذ استأثر الله به، فجعله من الباقيات الصالحات، والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا، فتسلى بذلك. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) اذكر يوم نسير الجبال، ~~والتسيير تطويل السير وقد يكون بمعنى ان يجعله يسير، وهذا هو معنى تسيير ~~الجبال، وانما يسيرها [الله تعالى، ويخبر به، لما في ذلك من الاعتبار في ~~الدنيا. وقيل يسيرها] بأن يجعلها هباء منبثا، ms2370 ومعنى { وترى الأرض بارزة ~~} أي لا شيء يسترها، يحشر الخلائق حتى يكونوا كلهم على صعيد واحد، ويرى ~~بعضهم بعضا، وكل ذلك من هول يوم القيامة، أخبر الله به للاعتبار به ~~والاستعداد بما يخلص من أهواله. # وقوله { وحشرناهم } أي بعثناهم وأحييناهم بعد أن كانوا أمواتا { فلم ~~نغادر منهم أحدا } أي لم نترك واحدا منهم لا نحشره. والمغادرة الترك، ~~ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لترك الماء فيه. وقيل: نغادر نخلف. ~~وقيل: أغدرت وغادرت واحد. # وقوله { وعرضوا على ربك صفا } قيل معناه انهم يعرضون صفا بعد صف ~~كالصفوف فى الصلاة. وقيل المعنى انهم يعرضون على ربهم لا يخفى منهم أحد ~~فكأنهم صف واحد. وقيل: انهم يعرضون، وهم صف، ويقال لهم { لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة } يعني جئتم الى الموضع الذي لا يملك الأمر فيه أحد إلا ~~الله، كما خلقناكم أول مرة لا تملكون شيئا. وروي عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) أنه قال # " يحشرون حفاة عراة عزلا " # فقالت عائشة: أفما يحتشمون يومئذ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) { ~~لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه } ويقال لهم أيضا { بل زعمتم } في دار ~~الدنيا { أن لن نجعل لكم موعدا } يعني يوم القيامة، وانكم انكرتم البعث ~~والنشور. # ثم قال تعالى { ووضع الكتاب } يعني الكتب التي فيها أعمالهم مثبتة { ~~فترى المجرمين مشفقين مما فيه } اي يخافون من وقوع المكروه بهم والاشفاق ~~الخوف من وقوع المكروه مع تجويز ألا يقع، وأصله الرقة، ومنه الشفق: ~~الحمرة الرقيقة التي تكون في السماء، وشفقة الانسان على ولده رقته عليه. ~~وقوله { ويقولون } الواو واو الحال وتقديره قائلين { يا ويلتنا } وهذه ~~لفظة، من وقع فى شدة دعا بها و { ما لهذا الكتاب } اي شيء لهذا الكتاب { ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة } أي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من المعاصي { إلا ~~أحصاها } بالعدد وحواها. و { لا يغادر } في موضع نصب على الحال { ووجدوا ~~ما عملوا حاضرا } اخبار منه تعالى أنهم يجدون جزاء ما عملوا فى ذلك ~~الموضع، ولا يبخس الله أحدا حقه ms2371 فى ذلك اليوم ولا ينقصه ثوابه الذي ~~استحقه. وقيل معناه ووجدوا أعمالهم مثبتة كلها ويعاقب كل واحد على قدر ~~معصيته. ### || [18.50-52] # قرأ حمزة وحده { ويوم نقول } بالنون، على أن الله تعالى هو المخبر عن ~~نفسه بذلك، لانه قال قبل ذلك { وما كنت متخذ المضلين عضدا، ويوم نقول } ~~حمله على ما تقدم، والجمع والافراد بذلك المعنى. الباقون بالياء، بمعنى ~~قل يا محمد يوم يقول الله أين شركائي الذين زعمتم، ولو كان بالنون لكان ~~الأشبه بما بعده ان يكون جمعا، فيقول شركاؤنا، فأما قوله { الذين زعمتم ~~} فالراجع الى الموصول محذوف، والمعنى الذين زعمتموهم اياهم أي زعمتموهم ~~شركاء، فحذف الراجع من الصلة، ولا بد من تقديره كقوله # أهذا الذي بعث الله رسولا # يقول الله تعالى لنبيه واذكر الوقت الذي قال الله فيه { للملائكة اسجدوا ~~لآدم } وانهم { سجدوا إلا إبليس } وقد فسرناه فيما تقدم. وقيل: إنما كرر ~~هذا القول في القرآن لأجل ما بعده مما يحتاج الى اتصاله به، فهو كالمعنى ~~الذي يفيد أمرا فى مواضع كثيرة، والاخبار عنه باخبار مختلفة، كقولهم ~~برهان كذا كذا وبرهان كذا كذا، للمعنى الذي يحتاج الى احكامه فى أمور ~~كثيرة. # وقوله { كان من الجن } قيل معناه صار من الجن المخالفين لأمر الله. وقال ~~قوم: ذلك يدل على أنه لم يكن من الملائكة، لأن الجن جنس غير الملائكة، ~~كما ان الانس غير جنس الملائكة والجن، ومن زعم انه كان من الملائكة يقول: ~~معنى كان من الجن يعنى من الذين يستترون عن الابصار لانه مأخوذ من الجن ~~وهو الستر، ومنه المجن لأنه يستر الانسان. وقال ابن عباس: نسب الى الجنان ~~التي كان فيها، كقولك كوفي وبصري، وقال قوم: بل كانت قبيلته التى كان ~~فيها يقال لهم الجن، وهم سبط من الملائكة، فنسب اليهم. وقال ابن عباس: لو ~~لم يكن ابليس فى الملائكة ما أمر بالسجود. وقال وهم يتوالدون كما يتوالد ~~بنو آدم. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى { كان من الجن } قال: كان ~~ابليس من الملائكة فلما عصى ms2372 لعن فصار شيطانا. ومن قال إن ابليس له ذرية ~~والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون عول على خبر غير معلوم. ~~فأما الاكل والشرب ففي الملائكة ولو علم انه مفقود، فانا لا نعلم أن ~~ابليس كان يأكل ويشرب، فأما من قال إن الملائكة رسل الله، ولا يجوز عليهم ~~أن يرتدوا. فلا نسلم لهم أن جميع الملائكة رسل الله، وكيف نسلم ذلك، وقد ~~قال الله تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا # فأدخل (من) للتبعيض، فدل على أن جميعهم لم يكونوا رسلا أنبياء، كما انه ~~تعالى قال # ومن الناس # فدل على أن جميع الناس لم يكونوا انبياء. وقوله { ففسق عن أمر ربه } ~~معناه خرج عن أمر ربه الى معصيته بترك السجود لآدم. # وأصل الفسق الخروج الى حال تضر، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ~~وفسقت الفارة إذا خرجت من حجرها قال رؤبة: # يهوين فى نجد وغورا غايرا # فواسقا عن قصدها جوائرا # وقال ابو عبيدة: هذه التسمية لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية، ولا ~~أحاديثها، وانما تكلمت بها العرب بعد نزول القرآن، قال المبرد: والأمر ~~على ما ذكر أبو عبيدة، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب، وأوكد الأمور ما ~~جاء في القرآن. وقال قطرب: معنا { ففسق عن أمر ربه } عن رده أمر ربه، ~~كقولهم كسوته عن عرى وأطعمته عن جوع، ثم خاطب تعالى الخلق الذين أشركوا ~~بالله غيره، فقال { أفتتخذونه يعني إبليس وذريته أولياء } أي أنصارا ~~توالونهم من دون الله { وهم } يعني ابليس { وذريته عدو لكم } يريدون بكم ~~الهلاك والدمار { بئس } البدل { للظالمين بدلا } ونصب { بدلا } على ~~التمييز. # ثم قال { ما أشهدتهم خلق السماوات } وقيل معناه ما أشهدتهم ذلك مستعينا ~~بهم، وقيل معناه ما أشهدت بعضهم خلق بعض. ووجه اتصال ذلك بما قبله اتصال ~~الحجة التي تكشف حيرة الشبهة، لانه بمنزلة ما قيل إنكم قد أقبلتم على ~~اتباع ابليس وذريته حتى كأن عندهم ما تحتاجون اليه، فلو اشهدتهم خلق ~~السموات والأرض وخلق أنفسهم، فلم يخف عليهم باطن الأمور وظاهرها لم ms2373 ~~تزيدوا على ما أنتم عليه فى امركم. ثم قال تعالى { وما كنت متخذ المضلين ~~عضدا } يعني اعوانا، وهو قول قتادة وهو من اعتضد به إذا استعان به. وفي ~~عضد خمس لغات، وهي عضد وعضد وعضد وعضد وعضد. # ثم اخبر تعالى عن حالهم يوم القيامة فقال واذكر يوم يقول الله تعالى ~~للمشركين نادوا شركائي الذين زعمتم - على وجه التقريع والتوبيخ - ~~واستغيثوا بهم، فدعوهم يعني المشركين يدعون أولئك الشركاء الذين عبدوهم ~~مع الله، فلا يستجيبون لهم ثم قال تعالى { وجعلنا بينهم موبقا } قال ابن ~~عباس أي مهلكا، وبه قال قتادة والضحاك وابن زيد، وهو من أوبقته ذنوبه أي ~~اهلكته. وقال الحسن معنا { موبقا } أي عداوة، كأنه قال عداوة مهلكة. ~~وقال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم. وحكى الكسائي وبق يبق ~~وبوقا، فهو وابق إذا هلك، وحكى الزجاج: وبق الرجل يوبق وبقا. والوبق ~~مصدر وبق. ### || [18.53-55] # قرأ اهل الكوفة { قبلا } بضم القاف والباء. الباقون بكسر القاف وفتح ~~الياء. فمن قرأ بضم القاف والباء أراد جمع قبيل نحو قميص وقمص. وقال قوم: ~~القبيلة بنو أب. والقبيل يعبر بها عن الجماعة وإن اختلفت أنسابهم واحتجوا ~~بقول النابغة: # جوانح قد أيقن ان قبيله # إذا ما التقى الجمعان اول غالب # وجمع القبيلة قبائل. والقبائل أيضا قبائل الرأس، وهي عروق مجرى الدمع ~~من الرأس، وسمي أيضا شئونا، واحدها شأن. ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء ~~أراد مقابلة، أي معاينة. ويحتمل أيضا الضم، ذلك، ذكره الفراء والزجاج، ~~وهما لغتان. # اخبر الله تعالى عن المجرمين والعصاة أنهم إذا شاهدوا نار جهنم ورأوها { ~~فظنوا } اي علموا { أنهم مواقعوها } ولم يجدوا عن دخلولها معدلا ولا ~~مصرفا، لأن معارفهم ضرورية، فالظن ها هنا بمعنى العلم. وقد يكون الظن ~~غير العلم، وهو ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان ~~يكون على خلافه. والاجرام قطع العمل الى الفساد. واصله القطع، يقال: هذا ~~زمن الجرام أى زمن الصرام يعني زمان قطع الثمرة عن النخل. والمواقعة ~~ملابسة الشيء ms2374 بشدة، ومنه وقائع الحروب وأوقع به ايقاعا. وتواقعوا ~~تواقعا. والتوقع الترقب لوقوع الشيء، والمصرف المعدول. وهو موضع الذي ~~يعدل اليه، صرفه عن كذا يصر صرفا. والموضع مصرف قال ابو كثير: # ازهير هل عن شيبة من مصرف # أم لا خلود لباذل متكلف # وقوله { ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل } اخبار من الله ~~تعالى انه نقل المعاني فى الجهات المختلفة فى هذا القرآن، فتصريف المثل ~~فيه تنقيله في وجوه البيان على تمكين الأفهام. والمعنى بينا للناس من كل ~~مثل يحتاجون اليه. ثم اخبر تعالى عن حال الانسان فقال { وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا } أي خصومة. والجدل شدة الفتل عن المذهب بطريق الحجاج. ~~واصله الشدة، ومنه الاجدل الصقر لشدته، وسير مجدول شديد الفتل. # وقوله { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين } معناه ما منعهم من الايمان بعد مجيء الدلالة وان ~~يستغفروا ربهم على ما سبق من معاصيهم إلا طلب ان يأتيهم سنة الأولين، من ~~مجيء العذاب من حيث لا يشعرون، او مقابلة من حيث يرون. وإنما هم ~~بامتناعهم من الايمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرها، لانهم لا ~~يؤمنون حتى يروا العذاب الاليم، كما يقول القائل لغيره ما منعك ان تقبل ~~قولي إلا ان تضرب، إلا انك لم تضرب، لأن مشركي العرب طلبوا مثل ذلك، ~~فقالوا # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم ### || [18.56-58] # أخبر الله تعالى أنه لم يرسل رسله الى الخلق، إلا مبشرين لهم بالجنة إذا ~~أطاعوا، ومخوفين لهم من النار إذا عصوا، فالبشارة الاخبار بما يظهر سرورة ~~فى بشرة الوجه يقال بشره تبشيرا وبشارة، وأبشره إبشارا إذا استبشر ~~بالأمر. ومنه البشر لظهور بشرته. ثم قال { ويجادل الذين كفروا بالباطل } ~~أي يناظر الكفار دفعا عن مذاهبهم بالباطل. وذلك انهم ألزموه أن يأتيهم ~~أو يريهم العذاب على ما توعدهم ما هو لاحق بهم إن أقاموا على كفرهم. ~~والباطل المعني الذي ms2375 معتقده على خلاف ما هو به، كالمعني في انه ينبغي أن ~~تكون آيات الأنبياء على ما تقتضي الأهواء، كالمعني في أنه: يجب عبادة ~~الأوثان على ما كان عليه الكبراء { ليدحضوا به الحق } والادحاض الاذهاب ~~بالشيء الى الهلاك، ودحض هو دحضا. ومكان دحض أي مزلق مزل، لا يثبت فيه ~~خف ولا حافر، ولا قدم، قال الشاعر: # وردت ونحن اليشكري حذاره # وحاد كما حاد البعير عن الدحض # ثم اخبر تعالى عنهم أنهم { اتخذوا آيات الله } ودلالته وما خوفوا به من ~~معاصيه { هزوا } أي سخرية يسخرون منه. ثم قال تعالى { ومن أظلم ممن ذكر ~~بآيات ربه } اي من أظلم لنفسه ممن نبه على أدلته وعرفه الرسل اياها { ~~فأعرض عنها } جانبا، ولم ينظر فيها { ونسي ما قدمت يداه } أي نسي ما ~~فعله من المعاصي التي يستحق بها العقاب. وقال البلخي: معناه تذكر واشتغل ~~عنه استخفافا به، وقلة معرفة بعاقبته، لا انه نسيه. # ثم قال تعالى { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } وهي جمع كنات كراهية أن ~~يفقهوه، وقيل لئلا يفقهوه { وفي آذانهم وقرا } أي ثقلا. وقد بينا معنى ~~ذلك فيما مضى وجملته أنه على التشبيه في جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~كقوله # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا # والمعنى كأن قلوبهم فى أكنة عن أن تفقه. وفى آذانهم وقرا أن تسمع، ~~وكأنه مستحيل أن يجيبوا الداعي الى الهدى. ويقوي ذلك قوله { ومن أظلم ممن ~~ذكر بآيات ربه فأعرض عنها } فدل انه كان يسمعها حتى صح إعراضه عنها. وقال ~~البلخي: يجوز ان يكون المراد انا إذا فعلنا ذلك ليفقهوا فلن يفقهوا، لانه ~~شبههم بذلك ويجوز ان يكون المراد بذلك الحكاية عنهم انهم قالوا ذلك، كما ~~حكى تعالى # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب # ثم قال إن كان الأمر على ذلك فلن يهتدوا إذا أبدا. # وقوله { وإن تدعهم إلى الهدى } مع ما جعلنا فيهم { فلن يهتدوا إذا ~~أبدا } ولا يرجعون اليها، ms2376 بسوء اختيارهم، وسوء توفيقهم، من الله جزاء ~~على معاصيهم، وذلك يختص بمن علم الله أنه لا يؤمن منهم، ويجوز أن يكون ~~الجعل في الآية بمعنى الحكم والتسمية، ثم قال { وربك } يا محمد { الغفور ~~ذو الرحمة } يعني الساتر على عباده إذا تابوا، ذو الرحمة بهم { لو ~~يؤاخذهم بما كسبوا } عاجلا { لعجل لهم العذاب } لكن لا يؤاخذهم، لأن لهم ~~موعدا وعدهم الله ان يعاقبهم فيه وهو يوم القيامة { لن يجدوا من دونه ~~موئلا } اي ملجأ - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد - وقال مجاهد: يعني ~~محرزا، وقال ابو عبيدة: يعني منجا ينجيهم، ويقال: لا وألت نفسه بمعنى ~~لا نجت قال الاعشى: # وقد اخالس رب البيت غفلته # وقد يحاذر مني ثم ما يئل # وقال الآخر: # لا وألت نفسك خليتها # للعامريين ولم تكلم # أي لا نجت نفسك: ### || [18.59-61] # قرأ عاصم { لمهلكهم } بفتح الميم واللام، في رواية أبي بكر عنه. وفي ~~رواية حفص - بفتح الميم وكسر اللام - الباقون بضم الميم وفتح اللام، من ~~فتح الميم واللام جعله مصدرا، لهلك يهلك مهلكا، مثل طلع مطلعا، ومن كسر ~~اللام جعله وقت هلاكهم أو موضع هلاكهم مثل مغرب الشمس. وحكى سيبويه عن ~~العرب: أتت الناقة على مضربها ومنتجها - بالكسر - أي وقت ضرابها ونتاجها. ~~وإن فى الف (لمضربا) بفتح الراء أي ضربا جعلها مصدرا ومن ضم الميم ~~وفتح اللام - وهو الاختيار - فلان المصدر من (أفعل) والمكان يجيء على ~~(مفعل) كقوله # أدخلني مدخل صدق # كذلك: أهلكه الله مهلكا. وكل فعل كان على (فعل يفعل) مثل ضرب يضرب ~~فالمصدر مضرب بالفتح، والزمان والمكان (مفعل) بكسر العين، وكل فعل كان ~~مضارعه (يفعل) بالفتح نحو يشرب ويذهب، فهو مفتوح أيضا نحو المشرب ~~والمذهب. وكل فعل كان على (فعل يفعل) بضم العين في المضارع نحو يدخل ~~ويخرج، فالمصدر والمكان منه بالفتح نحو المدخل والمخرج إلا ما شذ منه نحو ~~المسجد، فانه من سجد يسجد، وربما جاء في (فعل يفعل) المصدر بالكسر كقوله # إلى الله مرجعكم # أي رجوعكم، ونحو قوله # ويسئلونك عن المحيض # ونحو قوله ms2377 # وجعلنا النهار معاشا # فهذا مصدر وربما جاء على المعيش مثل المحيض كما قال الشاعر: # اليك أشكوا شدة المعيش # ومر ايام نتفن ريشي # اخبر الله تعالى أن تلك القرى أهلكناهم يعني أهل القرية، ولذلك قال: ~~(هم): ولم يقل (ها) لأن القرية هي المسكن مثل المدينة والبلدة. والبلدة ~~لا تستحق الهلاك، وانما يستحق العذاب اهلها، ولذلك قال { لما ظلموا } ~~يعني أهل القرية الذين أهلكناهم. والاهلاك اذهاب الشيء بحيث لا يوجد، ~~فقيل هؤلاء أهلكوا بالعذاب. والاهلاك والاتلاف واحد، وقولهم الضائع هالك ~~من ذلك لانه بحيث لا يوجد. وقوله { وجعلنا لمهلكهم } أي لوقت اهلاكهم - ~~فى من ضم الميم - أو لوقت هلاكهم - فى من فتحها - { موعدا } أي ميقاتا ~~وإجلا فلما بلغوه جاءهم العذاب. والموعد الوقت الذي وعدوا فيه بالاهلاك. # وقوله { وإذ قال موسى لفتاه } معناه واذكر اذ قال موسى لفتاه لما في ~~قصته من العبرة بأنه قصد السفر فوفق الله (عز وجل) فى رجوعه أكثر مما قصد ~~له ممن أحب موسى أن يتعلم منه ويستفيد من حكمته التي وهبها الله له. وقيل ~~إن فتى موسى (ع) كان يوشع بن نون. وقيل ابن يوشع، وسمي فتاه لملازمته ~~إياه { لا أبرح } أي لا ازال كما قال الشاعر: # وابراح ما أدام الله قومي # بحمد الله منتطقا مجيدا # أي لا ازال، ولا يجوز أن يكون بمعنى لا أزول، لان التقدير، لا أزال أمشي ~~حتى أبلغ. ومعنى (لا يزال يفعل كذا) أي هو دائب فيه. # وقيل انه كان وعد بلقاء الخضر عند مجمع البحرين. # وقوله { أو أمضي حقبا } معناه لا أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين الى أن ~~امضي حقبا. قال ابن عباس: والحقب الدهر. وقيل هو سنة بلغة قيس. وقيل ~~سبعون سنة - ذكره مجاهد - وقال عبد الله بن عمر: هو ثمانون سنة. وقال ~~قتادة: الحقب الزمان. وقال قتادة: مجمع البحرين: بحر فارس والروم. # وقوله { فلما بلغا مجمع بينهما } يعني بين البحرين { نسيا حوتهما } ~~وانما نسيه يوشع بن نون وأضافه اليهما، كما يقال نسي القوم زادهم، وانما ~~نسيه بعضهم. وقيل نسي ms2378 يوشع أن يحمل الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. # وقوله { فاتخذ سبيله } يعني الحوت { في البحر سربا } قال ابن عباس وابن ~~زيد ومجاهد: أحيا الله الحوت، فاتخذ طريقه في البحر مسلكا. وقيل ان ~~الحوت كانت سمكة مملحة فطفرت من موضعها الى البحر ذاهبة. وقال الفراء: ~~كان مالحا، فلما حيي بالماء الذي أصابه من العين، وقع في البحر. ووجد ~~مذهبه، فكان كالسرب. وروي عن أبي بن كعب أن مجمع بينهما أفريقية، وأراد ~~الله أن يعلم موسى أنه وإن آتاه التوراة، فانه قد آتى غيره من العلم ما ~~ليس عنده، فوعده بلقاء الخضر. وقوله { مجمع بينهما } يعني موسى وفتاه ~~بلغا مجمع البحرين. وقال قتادة قيل لموسى آية لقياك إياه أن تنسى بعض ~~متاعك، وكان موسى وفتاه تزودا حوتا مملوحا حتى إذا كانا حيث شاء الله، ~~رد الله الى الحوت روحه فسرب فى البحر، فذالك قوله { فاتخذ سبيله في ~~البحر سربا } أي مذهبا يقال سرب يسرب سربا إذا مضى لوجهه فى سفر غير ~~بعيد ولا شاق وهي السربة فاذا كانت شاقة، فهي (السبأ) ة بالهمزة. وروي ان ~~الله تعالى بعث ماء من عين الجنة، فاصاب ذلك الماء تلك السمكة فحييت ~~وطفرت الى البحر، ومضت. وروي عن ابن عباس أنه قال: لما وفد موسى الى طور ~~سيناء، قال رب أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبغي علم الناس الى علمه، لعله ~~يجد كلمة تهديه الى هدى أو ترده عن ردى. قال رب من هو؟ قال الخضر تلقاه ~~عند الصخرة التي عندها العين التي تنبع من الجنة. وقال الحسن: كان موسى ~~سأل ربه هل أحد أعلم مني من الآدميين فأوحى الله اليه: نعم عبدي الخضر ~~(ع)، فقال موسى (ع): كيف لي بلقائه؟ فاوحى الله اليه أن يحمل حوتا في ~~متاعه ويمضي على وجهه حتى يبلغ مجمع البحرين، بحر فارس والروم، وهما ~~المحيطان بهذا الخلق. وجعل العلم على لقائه أن يفقد حوته، فاذا فقدت ~~الحوت فاطلب حاجتك عند ذلك فانك تلقى الخضر عند ذلك. # وقال الحسن ms2379 كان الحوت طريا. وقال ابن عباس: كان مملوحا. # قال الحسن: فمضى على وجهه هو وفتاه حتى { بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~فاتخذ سبيله في البحر سربا } يعنى الحوت. ثم { قال لفتاه آتنا غداءنا } ~~ففتش متاعه ففقد الحوت، قال { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } وكانت الصخرة ~~عند مجمع البحرين { فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~فاتخذ سبيله في البحر } يعني الحوت وانقطع الكلام. فقال موسى (ع) عند ذلك ~~{ عجبا } كيف كان ذلك. وقال لفتاه { ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا } وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك من قول صاحبه فانه أخبر بأن ~~اتخاذ الحوت طريقا في البحر كان عجبا. ### || [18.62-64] # اخبر الله تعالى ان موسى وفتاه لما جاوزا أي خرجا من ذلك الموضع. ~~والمجاوزة الخروج عن حد الشيء، يقال: تجاوز الله عن فلان أى تجاوز عن ~~عقابه بمعنى أزل الله العقاب عنه. # والفتى الرجل الشاب وجمعه فتية وفتيان مثل صبية وصبيان. وانما أضيف الى ~~موسى، لأنه كان يلزمه ليتعلم منه العلم وصحبه في سفره. وقيل انه كان ~~يخدمه، والعرب تسمي الخادم للرجل فتى، وإن كان شيخا، والأمة فتاة وإن ~~كانت عجوزا، ويسمى التلميذ فتى، وإن كان شيخا، والفتى عند العرب السخي ~~على الطعام وعلى المال والشجاع. و (الغداء) طعام الغداة و (العشاء) طعام ~~العشي. والتغدي أكل طعام الغداة والتعشي أكل طعام العشي، و (النصب) التعب ~~والوهن يكون عند الكد، ومثله الوصب. فقال له فتاه في الجواب { أرأيت } ~~الوقت الذي { أوينا إلى الصخرة } أي اقمنا عندها { فإني نسيت الحوت } ثم ~~قال { وما أنسانيه } يعني الحوت { إلا الشيطان أن أذكره } أي وسوسني ~~وشغلني بغيره حتى نسيت، فلذلك اضافة الى الشيطان، لما كان عند فعله. ~~ومعنى { وما أنسانيه } أي الحوت، يعني نسيت أن اذكر كيف اتخذ سبيله في ~~البحر. وجاز نسيان مثل ذلك مع كمال العقل لانه كان معجزا. وضم الهاء من ~~{ أنسانيه } حفص عن عاصم، لان الاصل في حركة الهاء الضم. ومن كسرها فلأن ~~ما قبلها (ياء) فحركها ms2380 بما هو من جنسها. # وقوله { واتخذ سبيله في البحر عجبا } يعني أن موسى (ع) لما رأى الحوت ~~قد حيي وهو يسلك الطريق الى البحر، عجب منه ومن عظم شأنه، وهو قول ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. # وقوله { ذلك ما كنا نبغي } حكاية عما قال موسى عند ذلك من أن ذلك الذي ~~كنا نطلب من العلامة، يعني نسيانك الحوت، لأنه قيل له: صاحبك الذي تطلبه ~~- وهو الخضر - حيث ينسى الحوت. ذكره مجاهد. فارتدا يقصان أي يتبعان ~~آثارهما حتى انتهيا الى مدخل الحوت. ذكره ابن عباس. وقيل نسي ذكر الحوت ~~لموسى (ع) فرجعا الى الموضع الذي حييت فيه السمكة وهو الذي كان يطلب منه ~~العلامة فيه. وقيل الصخرة موضع الوعد. ### || [18.65] # قوله { فوجدا عبدا من عبادنا } أي صادفاه وادركاه، وهو الوجود، ومنه ~~وجدان الضالة أي مصادفتها وادراكها. والعبد المملوك من الناس، فكل انسان ~~عبد لله، لانه مالك له، وقادر عليه وعلى أن يصرفه اتم التصريف، وهو يملك ~~الانسان وما يملك وقوله { آتيناه رحمة من عندنا } أي اعطيناه رحمة أي ~~نعمة من عندنا { وعلمناه من لدنا علما } والتعلم تعريض الحي لأن يعلم، ~~إما بخلق في قلبه، وإما بالبيان الذي يرد عليه كما أن من أرى الانسان ~~شيئا فقد عرضه، لان يراه، إما بوضع الرؤية في بصره عند من قال الادراك ~~معنى، أو بالكشف له عن المرئي. ### || [18.66-67] # قال أبو علي يحتمل أن { رشدا } منصوبا على انه مفعول له ويكون ~~متعلقا ب (اتبع) كأنه قال اتبعك للرشد، أو طلب الرشد على أن تعلمني، ~~فيكون على هذا حالا من قوله { أتبعك } ويجوز أن يكون مفعولا به، وتقديره ~~اتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمته، ويكون العلم الذي يتعدى الى مفعول ~~واحد يتعدى بالتضعيف الى مفعولين. والمعنى على ان تعلمني امرا ذا رشد أو ~~علما ذا رشد. # { قال له } يعني لذلك العبد الذي علمه الله العلم { هل أتبعك على أن ~~تعلمني مما علمت رشدا }. والاتباع والانقياد واحد، اتبعه في مسيره، ~~واتبعه فى مذهبه، واتبعه فى ms2381 أمره ونهيه، واتبعه فيما دعاه اليه، والرشد - ~~بفتح الراء والشين - قراءة ابي عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الشين - ~~إلا ابن عامر - فى رواية ابن ذكوان - فانه ضمهما، وهما لغتان، مثل أسد ~~وأسد، ووثن ووثن. واختلفوا فى الذي كان يتعلم موسى منه، هل كان نبيا؟ أم ~~لا؟ فقال الجبائي: كان نبيا، لانه لا يجوز ان يتبع النبي من ليس بنبي، ~~ليتعلم منه العلم، لما فى ذلك من الغضاضة على النبي. وقال ابن الاخشاد: ~~ويجوز أن لا يكون نبيا على أن لا يكون فيه وضع من موسى. وقال قوم: كان ~~ملكا. وقال الرماني: لا يجوز أن يكون إلا نبيا، لان تعظيم العالم المعلم ~~فوق تعظيم المتعلم منه. وقيل إنه سمي (خضرا) لانه كان إذا صار في مكان ~~لا نبات فيه اخضر ما حوله، وكان الله تعالى قد اطلعه من علم بواطن الامور ~~على ما لم يطلع عليه غيره. # فان قيل: كيف يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي؟ فى وقته. # قيل عن ذلك ثلاثة اجوبة: # أحدها - انه يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي فى وقته عند من قال: ان الخضر ~~كان نبيا. # والثاني - أن يكون موسى اعلم من الخضر بجميع ما يؤدي عن الله على عباده، ~~وفى كل ما هو حجة فيه، وانما خص الخضر بعلم ما لا يتعلق بالأداء. # الثالث - إن موسى استعلم من جهة ذلك العلم فقط، وإن كان عنده علم ما سوى ~~ذلك. # فقال الخضر لموسى (ع) { إنك لن تستطيع معي صبرا } ومعناه يثقل عليك ~~الصبر ولا يخف عليك، ولم يرد أنه لا يقدر عليه، لأن موسى (ع) كان قادرا ~~متصرفا، وانما قال له ذلك لأن موسى كان يأخذ الامور على ظواهرها، والخضر ~~كان يحكم بما أعلمه الله من بواطن الامور، فلا يسهل على موسى مشاهدة ذلك، ~~ولو اراد نفي الاستطاعة التي هي القدرة لما قال: { وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا } لانه دل على انه لهذا لا يصبر ولو كان على نفي القدرة، ~~سواء علم ms2382 او لم يعلم لم يستطع. ### || [18.68-70] # هذا حكاية ما قال الخضر لموسى (ع) حين قال { إنك لن تستطيع معي صبرا } ~~اي كيف تصبر على ما لم تعلم من بواطن الامور، ولا تخبرها، فقال له موسى ~~(ع) عند ذلك { ستجدني } اي ستصادفني إن شاء الله صابرا، ولم يقل ذلك على ~~وجه التكذيب، لكن لما اخبر به على ظاهر الحال فقيده بالمشيئة لله، لانه ~~جوز أن لا يصبر فيما بعد بأن يعجز عنه ليخرج بذلك من كونه كاذبا { ولا ~~أعصي لك أمرا } اي لا اخالف اوامرك، ولا اتركها. فقال الخضر: { فإن ~~اتبعتني } واقتفيت اثري { فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } ~~معناه لا تسألني عن باطن امر حتى اكون انا المبتدئ لك بذلك. # والصبر تجرع مرارة تمنع النفس عما تنازع اليه. واصله حبس النفس عن امر ~~من الأمور. و (الذكر) العلم، والذكر ادراك النفس للمعنى بحضوره كحضور ~~نقيضه، ويمكن ان يجامعه علم يصحبه او جهل او شك. و { خبرا } نصب على ~~المصدر. والتقدير لم تخبره خبرا. وقرأ نافع " تسألن " بتشديد النون. ~~الباقون بتخفيفها وإثبات الياء إلا ابن عامر، فانه حذف الياء. قال أبو ~~علي قول ابن كثير ومن اتبعه: انهم عدوا (تسأل) الى المفعول الذي هو ~~المتكلم مثل (لا تضربني) و (لا تظلمنى) ونافع إنما فتح اللام، لأنه لما ~~ألحق الفعل النون الثقيلة بنى الفعل معها على الفتح وحذف الياء، وكسرت ~~النون ليدل على الياء المحذوفة. ### || [18.71-74] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { ليغرق أهلها } بالياء، ورفع أهلها. الباقون ~~بالتاء ونصب الأهل. فمن قرأ بالتاء ونصب الاهل، فلقوله { أخرقتها لتغرق } ~~بذلك { أهلها } أي فعلت ذلك وغرضك اهلاك اهلها على وجه الانكار. ومن قرأ ~~بالياء أسند الغرق الى الأهل، فكانه قال: فعلت ذلك ليغرقوا هم. وقرأ اهل ~~الكوفة وابن عامر { زكية } بلا الف. وقرأ الباقون زاكية بألف. وقرأ ابن ~~عامر ونافع - في رواية الاصمعي عنه وابو بكر عن عاصم - { نكرا } بضم ~~النون والكاف. الباقون بتخفيف الكاف. # قال الكسائي { زاكية، وزكية } لغتان مثل ms2383 قاسية وقسية. قال أبو عمرو: ~~الزاكية التي لم تذنب قط، والزكية التي إذا أذنبت تابت، و (النكر) ~~بالتثقيل والتخفيف لغتان مثل الرعب والرعب. # اخبر الله تعالى عن موسى (ع) وصاحبه الذي تبعه ليتعلم منه أنهما ذهبا ~~حتى إذا بلغا البحر، فركبا فى السفينة فخرق صاحبه السفينة أي شق فيها ~~شقا، لما أعلمه الله من المصلحة فى ذلك، فقال له موسى منكرا لذلك على ~~ظاهر الحال: { أخرقتها لتغرق أهلها } أي غرضك بذلك أن تغرق أهلها الذين ~~ركبوها. ويحتمل أن يكون قال ذلك مستفهما أي فعلت ذلك لتغرق أهلها أم لغير ~~ذلك. والاول أقوى لقوله بعد ذلك { لقد جئت شيئا إمرا } فالامر المنكر - ~~في قول مجاهد وقتادة - وقال ابو عبيدة: داهية عظيمة وانشد: # لقد لقي الا قرآن منه نكرا # داهية دهياء إدا إمرا # ومن سكن (النكر) فعلى لغة من سكن (رسل). و (الامر) مأخوذ من الأمر، لانه ~~الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه الى الصلاح، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف ~~الرأي، لانه يحتاج أن يؤمر حتى يقوي رأيه. ومنه آمر القوم إذا كثروا حتى ~~احتاجوا الى من يأمرهم وينهاهم، ومنه الأمر من الامور أى الشيء الذى من ~~شأنه ان يؤمر فيه، ولهذا لم يكن كل شيء أمرا. # فقال له الخضر { ألم أقل لك } فيما قبل { إنك لن تستطيع معي صبرا } أي ~~لا يخف عليك ما تشاهده من أفعالي ويثقل عليك، لانك لا تعرف المصلحة فيه، ~~ولم يرد بالاستطاعة المقدرة، لأن موسى كان قادرا في حال ما خاطبه بذلك، ~~ولم يكن عاجزا، وهذا كما يقول الواحد منا لغيره أنا لا أستطيع النظر ~~اليك، وانما يريد أنه يثقل علي، دون نفي القدرة في ذلك. فقال له موسى في ~~الجواب عن ذلك { لا تؤاخذني بما نسيت } وروي أنه قال ذلك لما رأى الماء ~~لا يدخل السفينة مع خرقها. فعلم أن ذلك لمصلحة يريدها الله، فقال { لا ~~تؤاخذني بما نسيت } وقيل في معنى نسيت ثلاثة أقوال: # احدها - ما حكي عن أبي بن كعب، أنه قال: ms2384 معناه بما غفلت من النسيان الذي ~~هو ضد الذكر. # والثاني - ما روي عن ابن عباس أنه قال معناه: بما تركت من عهدك. # الثالث - لا تؤاخذني بما كأني نسيته، ولم ينسه فى الحقيقة - فى رواية ~~أخرى - عن ابي بن كعب الانصاري. # وقوله { ولا ترهقني من أمري عسرا } قيل معناه لا تغشني، من قولهم رهقه ~~الفارس إذا غشيه وادركه، وغلام مراهق إذا قارب أن يغشاه حال البلوغ. ~~والارهاق ادراك الشيء بما يغشاه. وقيل معنى أرهقه الأمر إذا ألحقه اياه. # ثم أخبر تعالى انهما مضيا { حتى إذا لقيا غلاما } أي رأيا غلاما { ~~فقتله } قال له موسى { أقتلت نفسا زاكية } ومعناه طاهرة من الذنوب. ومن ~~قرأ { زكية } فمعناه بريئة من الذنوب. وذلك انها كانت صغيرة لم تبلغ حد ~~التكليف على ما روي فى الاخبار. وقوله { بغير نفس } أي بغير قود، ثم قال ~~له { لقد جئت شيئا نكرا } أي منكرا. وقيل معناه جئت بما ينبغي أن ~~ينكر، وقال قتادة النكر أشد من الامر، وانما قيل لما لا يجوز فعله ~~منكرا، لانه مما تنكر صحته العقول ولا تعرفه. ### || [18.75-77] # معنى قوله { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا } تحقيق ما قال له أولا ~~مع نهيه عن العود لمثل سؤاله، لانه لا يجوز أن يكون توبيخا، لانه جار ~~مجرى الذم في أنه لا يجوز على الانبياء (ع) فقال له موسى فى الجواب عن ~~ذلك { إن سألتك } أي ان استخبرتك عن شيء تعمله بعد هذا { فلا تصاحبني قد ~~بلغت من لدني عذرا } ومعناه إقرار من موسى بأن صاحبه قد قدم اليه ما ~~يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكره. وروي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أنه تلا هذه الآية، فقال: # " استحيى نبي الله موسى " # والعذر وجود ما يسقط اللوم من غير جهة التكفير بتوبة واجتناب كبير لوقوع ~~سهو لم يتعرض له. # وفي (لدن) خمس قراءات، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ~~والكسائي بالتثقيل. # الثاني - بضم الدال وتخفيف النون قرأ به نافع. # الثالث - قرأ ابو ms2385 بكر بضم اللام وسكون الدال واشمام من غير اشباع، # الرابع - قرأ الكسائي عن أبي بكر بضم اللام وسكون الدال. # الخامس - في رواية عن أبي بكر بفتح اللام وسكون الدال: وهذه كلها لغات ~~معروفة. # ثم أخبر الله تعالى عنهما ايضا أنهما مضيا حتى { أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها } أي طلبا منهم ما ياكلانه فامتنعوا من تضييفهما { فوجدا فيها } ~~يعني القرية { جدارا يريد أن ينقض. فأقامه } ومعناه وجدا حائطا قارب أن ~~ينقض فشبهه بحال من يريد أن يفعل فى التباني، كما قال الشاعر: # يريد الرمح صدر ابي براء # ويرغب عن دماء بني عقيل # ومثله تراني آثارهما، ودار فلان ينظر الى دار فلان. وقال سعيد بن جبير: ~~معنى قوله { فأقامه } انه رفع الجدار بيده فاستقام. والانقضاض السقوط ~~بسرعة، يقال انقضت الدار اذا سقطت وتهدمت قال ذو الرمة: # فانقض كالكوكب الدري منصلتا # فقال له موسى { لو شئت لاتخذت عليه أجرا } وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~{ لتخذت } الباقون { لاتخذت } يقال: تخذ يتخذ بالتخفيف قال الشاعر: # وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها # نسيفا كافحوص القطاة المطرق # المطرق التي تريد أن تبيض، وقد تعسر عليها، والا فحوص والمفحص عش ~~الطائر، وابن كثير يظهر الذال، وابو عمرو يدغم. والباقون على وزن ~~(افتعلت) مثل اتقى يتقي. وقد حكي تقى يتقي خفيفا، قال الشاعر: # جلاها الصيقلون فاخلصوها # خفافا كلها يتقى باثر # ومن ادغم فلقرب مخرجيهما ومن اظهر فلتغاير مخرجيهما وقال الفراء في قوله ~~{ لو شئت } قال موسى لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر وانشدوا فى { ~~يريد أن ينقض } قول الشاعر: # إن دهرا يلف شملي بجمل # لزمان يهم بالاحسان # أي كانه يهم، وانما هو سبب الاحسان المؤدي اليه وقال آخر: # يشكو الى جملي طول السرى # صبرا جميلا فكلانا مبتلى # والجمل لم يشك شيئا. وقال عنترة: # وشكا الى بعبرة وتحتحم # وكل ذلك يراد به ما ظهر من الامارة الدالة على المعاني. ### || [18.78-82] # قرأ اهل المدينة وابو عمرو { أن يبدلهما } - بفتح الياء وتشديد الدال - ~~هنا - وفى التحريم { أن يبدله } وفي ms2386 نون { أن يبدلنا } بالتشديد فيهن. ~~الباقون بالتخفيف. فاما التي في سورة النور { وليبدلنهم } فخففها ابن ~~كثير وابو بكر ويعقوب. وشدده الباقون. وقرأ ابن عامر وابو جعفر ويعقوب { ~~رحما } بضم الحاء. الباقون باسكانها. وروى العبسي { ما لم تسطع } بتشديد ~~الطاء. الباقون بتخفيفها. # قال ابو علي (بدل، وابدل) متقاربان مثل (نزل، وانزل) إلا ان (بدل) ينبغي ~~ان يكون أرجح، لقوله تعالى # لا تبديل لكلمات الله # ولم يجئ الابدال كما جاء التبديل، ولم يجئ الابدال في موضع من القرآن، ~~وقد جاء # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج # فهذا قد يكون بمعنى الابدال كما ان قوله الشاعر: # فلم يستجبه عنك ذاك مجيب # بمعنى فلم يجبه. وقال قوم: ابدلت الشيء من الشيء إذا ازلت الأول وجعلت ~~الثاني مكانه. كقول ابي النجم: # عزل الامير للأمير المبدل # وبدلت الشيء من الشيء إذا غيرت حاله وعينه. والاصل باق، كقولهم بدلت ~~قميصي جبة، واستدلوا بقوله # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # فالجلد الثاني هو الاول، ولو كان غيره لم يجز عقابه. واما (رحم ورحم) ~~فلغتان مثل العمر والعمر، والرعب والرعب. وحكي لغة ثالثة - بفتح الراء ~~واسكان الحاء - كما يقال: اطال الله عمرك وعمرك. والمعنى واقرب رحمة ~~وعطفا، وقربى وقرابة قال الشاعر: # ولم تعوج رحم من تعوجا # وقال آخر: # يا منزل الرحم على ادريس # حكى الله تعالى عن صاحب موسى انه قال له { هذا فراق بيني وبينك } ومعناه ~~هذا وقت فراق اتصال ما بيني وبينك، فكرر (بين) تأكيدا، كما يقال: أخزى ~~الله الكاذب مني ومنك أي أخزى الله الكاذب منا. وقيل في { هذا } انها ~~اشارة الى احد شيئين: # احدهما - هذا الذى قلته فراق بيني وبينك. # والثاني - هذا الوقت فراق بيني وبينك. ثم قال له { سأنبئك } أي ساخبرك { ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } ولم يخف عليك رؤيته، ثم بين واحدا ~~واحدا، فقال { أما } السبب في خرقي { السفينة } انها { كانت لمساكين } ~~أي للفقراء الذين لا شيء لهم يكفيهم، قد اسلمتهم قلة ذات أيديهم { يعملون ~~في البحر } أى يعملون بها في البحر ms2387 ويتعيشون بها { فأردت أن أعيبها } ~~والسبب فى ذلك انه { كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } فقيل إن الملك ~~كان يأخذ السفينة الصحيحة، ولا يأخذها إذا كانت معيبة. وقد قرئ فى الشواذ ~~{ يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا } روى ذلك عن أبي، وابن مسعود. # والوراء والخلف واحد، وهو نقيض جهة القدام على مقابلتها. وقال قتادة: ~~وراءهم - ها هنا - بمعنى أمامهم. ومنه قوله # من ورائهم جهنم # و # ومن ورائهم برزخ # وذلك جائز على الاتساع، لانها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين ~~وراء الآخر قال لبيد: # أليس ورائي ان تراخت منيتي # لزوم العصا تحنو عليها الاصابع # وقال آخر: # ايرجوا بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # وقال الفراء: يجوز ذلك في الزمان دون الأجسام، تقول: البرد والحر وراءنا ~~ولا تقول: زيد وراءك. وقال الرماني وغيره: يجوز في الاجسام التي لا وجه ~~لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر. وقرأ ابن عباس { وكان ~~أمامهم ملك } وقال الزجاج { وراءهم } خلفهم، لانه كان رجوعهم عليه. ولم ~~يعلموا به. # ثم قال { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا ~~وكفرا } وقيل: إن قوله { فخشينا } من قول الخضر. وقيل: انه من قول الله ~~تعالى، ومعناه علمنا. وقيل: معنى خشينا كرهنا، فبين أن الوجه فى قتله ما ~~لأبويه من المصلحة في ثبات الدين، لانه لو بقي حيا لأرهقهما طغيانا ~~وكفرا أى اوقعهما فيه، فيكون ذلك مفسدة، فأمر الله بقتله لذلك، كما لو ~~أماته. وفى قراءة أبي { وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين }. ثم ~~قال { فأردنا أن يبدلهما } يعني أن يبدل الله لأبويه خيرا من هذا الغلام ~~{ زكاة } يعنى صلاحا وطهارة { وأقرب رحما } أى ابر بوالديه من المقتول ~~- في قول قتادة - يقال: رحمه رحمة ورحما. وقيل: الرحم والرحم القرابة ~~قال الشاعر: # ولم يعوج رحم من تعوجا # وقال آخر: # وكيف بظلم جارية ومنها اللين والرحم # وقيل معناه وأقرب أن يرحما به. ثم أخبر الخضر عن الحال الجدار الذى ~~اقامه وأعلم انه { كان لغلامين يتيمين في ms2388 المدينة وكان تحته كنز لهما } ~~فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: كانت صحف من علم. وقال الحسن: كان ~~لوحا من ذهب مكتوب فيه الحكم. وقال قتادة وعكرمة: كان كنز مال. والكنز ~~فى اللغة هو كل مال مذخور من ذهب وفضة وغير ذلك. # وقوله { وكان أبوهما صالحا } يعني أبا اليتيمين فأراد الله { أن يبلغا ~~أشدهما } يعني كمالهما من الاحتلام وقوة العقل { ويستخرجا كنزهما رحمة من ~~ربك } أي نعمة من ربك. ثم قال صاحب موسى: وما فعلت ذلك من قبل نفسي وأمري ~~بل بأمر الله فعلت. ثم قال { ذلك } الذي قلته لك { تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا } وثقل عليك مشاهدته واستبشعته. # وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لان مفهومه أنه تدبير من الله فى عباده ~~لم يكن يجوز خلافه، وقد عظم الله شأنه بما يفهم منه هذا المعنى. # وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون صاحب موسى الخضر، لأن خضرا كان من ~~الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل بعد موسى. قال: ولا يجوز ايضا ~~أن يبقى الخضر الى وقتنا هذا، كما يقوله من لا يدري، لانه لا نبي بعد ~~نبينا، ولانه لو كان لعرفه الناس، ولم يخف مكانه. # وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنا لا نعلم أولا أن خضرا كان نبيا، ولو ~~ثبت ذلك لم يمتنع أن يبقى الى وقتنا هذا، لأن تبقيته في مقدرر الله ~~تعالى، ولا يؤدي الى انه نبي بعد نبينا، لأن نبوته كانت ثابتة قبل نبينا. # وشرعه - إن كان شرعا خاصا - انه منسوخ بشرع نبينا. وإن كان يدعو الى ~~شرع موسى أو من تقدم من الانبياء، فان جميعه منسوخ بشرع نبينا (صلى الله ~~عليه وسلم) فلا يؤدي ذلك الى ما قال. وقوله: لو كان باقيا لرؤي ولعرف ~~غير صحيح، لانه لا يمتنع أن يكون بحيث لا يتعرف الى احد، فهم وإن شاهدوه ~~لايعرفونه. # وفى الناس من قال: إن موسى الذي صحب الخضر ليس هو موسى بن عمران وانما ~~هو موسى بن ميشا، رجل من بني اسرائيل. ms2389 والله اعلم بذلك. # وروي عن جعفر بن محمد (ع) في قوله تعالى { وكان تحته كنز لهما } قال: ~~سطران ونصف ولم يتم الثالث، وهي (عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبا ~~للموقن بالحساب كيف يغفل وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح) وفى بعض ~~الروايات زيادة على ذلك (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) ~~وذكر أنهما حفظا، لصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح. وكان بينهما وبين ~~الأب الذي حفظا به سبعة أباء، وكان سياحا. واستشهد على أن الخشية بمعنى ~~العلم بقوله تعالى # إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله # وقوله # وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا # أي علمت. واستشهد على أنه بمعنى الكراهية بقول الشاعر: # يا فقعسي لم اكلته لمه # لو خافك الله عليه حرمه # قال قطرب يريد لو كره أن تأكله لحرمه عليك. ### || [18.83-87] # خمس آيات كوفي وحجازي وست بصري وشامي. عد اسماعيل والكوفيون والبصري ~~والشامي " من كل شيء سببا آية وعد المدني الأخر والمكي والبصري ~~والشامي عندها قوما " آية جعلوا { فأتبع سببا } بعض الآية الأولى ولم ~~يعد أهل الكوفة " قوما " آخر آية بان جعلوا آخر الآية " حسنا ". # قرأ ابن عامر وأهل الكوفة { فأتبع } بقطع الهمزة، وفتحها، وتخفيف التاء ~~وسكونها، فيهن الباقون { فأتبع } جعلوها ألف وصل وشددوا التاء، وفتحوها. ~~وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصا وابو جعفر " حامية " بالف وتخفيف ~~الهمزة. الباقون { حمئة } بلا الف، مهموز. قال أبو علي النحوي (تبع) فعل ~~يتعدى الى مفعول واحد، فاذا نقلته بالهمزة يتعدى الى معفولين. قال الله ~~تعالى # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة # وقال # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة # لما بنى الفعل للمفعولين قام أحد المفعولين مقام الفاعل. واما { أتبعوا ~~} فافتلعوا، فتعدى الى مفعول واحد، كما تعدى افعلوا اليه، مثل شويته ~~واشتويته، وحفرته واحتفرته. وقوله # فأتبعوهم مشرقين # تقديره فاتبعوهم جنودهم فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله # لينذر بأسا شديدا من لدنه # ومن قوله # لا يكادون يفقهون قولا # والمعنى لا يكادون يفقهون أحدا، ولينذر الناس بأسا شديدا، فمن قطع ~~الهمزة فتقديره ms2390 فاتبع أمره سببا او اتبع ما هو عليه سببا [والسبب ها ~~هنا الطريق مثل السبيل. والسبب الحبل. والسبب القرابة]. # وقال ابو عبيدة { في عين [حمئة } بالألف ذات حمأة. وقال ابو علي من قرأ ~~حمئه بغير الف فهي فعله. ومن قرأ { حاميه } ] فهي فاعلة من حميت فهي ~~حامية، قال الحسن: يعني حارة. ويجوز فيمن قرأ { حامية } أن تكون فاعلة من ~~الحمأة، فخفف الهمزة وقلبها ياء على قياس قول أبي الحسن. وإن خفف الهمزة ~~على قول الخليل كانت بين بين. وقرأ ابن عباس { في عين حمئة } وقال هي ماء ~~وطين. وتقول العرب: حمأت البئر إذا أخرجت منها الحمأة، واحمأتها إذا طرحت ~~فيها الحمأة. وحمئت تحمأ ومعنى حمئة صار فيها الحمأه. فاما قولهم هذا حم ~~لفلان، ففيه أربع لغات حمو وحمو وحماء وحم. وذكر اللحياني لغة خامسة ~~وسادسة: الحمو مثل العفو، والحمأ مثل الخطأ. وكل قرابة من قبل الزوج، فهم ~~الاحماء وكل قرابة من قبل النساء فهم الاختان والصهر يجمعهما، وأم الرجل ~~ختنه وابوه ختنه وام الزوج حماة وأبوها حمو. وقال ابو الاسود الدؤلي شاهد ~~لابي عمرو فى عين حمئة: # تجيء بملئها طورا وطورا # تجيء بحمأة وقليل ماء # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) يسألونك يا محمد عن ذي ~~القرنين واخباره وسيرته، وكان السائل عن ذلك قوما من اليهود. وقيل كانوا ~~قوما من مشركي العرب، فقل لهم يا محمد، { سأتلوا عليكم } يعني سأقرأ ~~عليكم من خبره ذكرا. # ثم قال تعالى مخبرا له { إنا مكنا له في الأرض } أي بسطنا يده فيها ~~وقويناه { وآتيناه من كل شيء سببا } ومعناه علما يتسبب به الى ما يريده ~~- في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك وابن جريج - وقيل { آتيناه من ~~كل شيء سببا } يعني ما يتوصل به الى مراده. ويقال للطريق الى الشيء سبب ~~وللحبل سبب وللباب سبب { فأتبع سببا } أي سببا من الأسباب التي أوتي. ~~ومن قرأ بقطع الهمزة أراد فلحق سببا، يقال ما زلت أتبعه حتى اتبعته أي ~~لحقته. # وقوله { فأتبع ms2391 سببا } قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: معناه طرقا ~~من المشرق والمغرب. وقيل معنى { وآتيناه من كل شيء سببا } ليسيعين به ~~على الملوك وفتح الفتوح، وقتل الاعداء فى الحروب { فأتبع سببا } أي ~~طريقا الى ما أريد منه. وقيل سمي { ذي القرنين } لأنه كان في رأسه شبه ~~القرنين. وقيل سمي بذلك لأنه ضرب على جابي رأسه. وقيل: لانه كانت له ~~ضفيرتان. وقيل لانه بلغ قرئي الشمس مطلعها ومغربها. وقيل: لانه بلغ قطري ~~الارض من المشرق والمغرب. # وقوله { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة } أي فى عين ماء ~~ذات حمأة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير - ومن قرأ " ~~حامية " أراد حارة، فى قول الحسن. وقرئ به في احدى الروايتين عن ابن عباس ~~كقول ابي الاسود الدؤلي. # تجيء بملئها طورا وطورا # تجيء بحمأة وقليل ماء # وقال ابو علي الجبائي، والبلخي: المعنى وجدها كانها تغرب في عين حمئة، ~~وإن كانت تغيب وراءها. قال البلخي لان الشمس اكبر من الارض بكثير، وأنكر ~~ذلك ابن الاخشاد. وقال: بل هي فى الحقيقة تغيب فى عين حمئة على ظاهر ~~القرآن. # وقوله { ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ ~~فيهم حسنا } معناه إما أن تعذبهم بالقتل لاقامتهم على الشرك بالله { ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا } بان تأسرهم فتعلمهم الهدى وتستنقذهم من العمى، ~~فقال ذو القرنين - لما خيره الله فى ذلك { أما من ظلم نفسه } بأن عصى ~~الله وأشرك به { فسوف نعذبه } يعني بالقتل ويرد فيما بعد { إلى ربه ~~فيعذبه } ، يوم القيامة { عذابا نكرا } أي عظيما منكرا تنكره النفس ~~من جهة الطبع، وهو عذاب النار، وهو أشد من القتل في الدنيا. ### || [18.88-91] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { فله جزاء الحسنى } بالنصب والتنوين. ~~الباقون بالرفع، والاضافة. فمن أضاف احتمل أن يكون أراد فله جزاء الطاعة، ~~وهي الحسنى. ويحتمل أن يكون أراد فله الجنة وأضافه الى الحسنى وهي الجنة، ~~كما قال # وإنه لحق اليقين # ومن نون أراد فله ms2392 الحسنى أي الجنة، لأن الحسنى هي الجنة لا محاله. # ونصبه يحتمل أمرين: # أحدهما - ان يكون نصبا على المصدر في موضع الحال أي فلهم الجنة يجزون ~~بها جزاء. # والثاني - قال قوم: هو نصب على التمييز وهو ضعيف، لان التمييز يقبح ~~تقديمه كقولك تفقأ زيد شحما، وتصبب عرقا، وله دن خلا، ولا يجوز له ~~خلا دن، وأما عرقا فما أحد اجازه إلا المازني. وشاهد الاضافة قوله # لهم جزاء الضعف # والحسنى ها هنا الجزاء. لما حكى الله تعالى ما قال ذو القرنين إن من ظلم ~~نعذبه، وإن له عند الله عذابا نكرا، أخبر ان من صدق بالله ووحده وعمل ~~الصالحات التي أمر الله بها { فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ~~} اي قولا جميلا ثم قال { ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس } أي ~~الموضع الذي تطلع منه مما ليس وراءه أحد من الناس فوجد الشمس { تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } اي انه لم يكن بتلك الأرض جبل ولا شجر، ~~ولا بناء، لأن أرضهم لم يكن يبنى عليها بناء، فكانوا إذا طلعت الشمس ~~عليهم يغورون فى المياه والاسراب، وإذا غربت تصرفوا في أمورهم - في قول ~~الحسن وقتادة وابن جريج - وقال قتادة هي الزنج. # وقوله { كذلك } معناه كذلك هم. ثم قال { وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي ~~كذلك علمناهم وعلمناه. ويحتمل أن يكون المراد كذلك، { أتبع سببا } الى ~~مطلع الشمس، كما اتبعه الى مغربها. # وقوله { ثم أتبع سببا } يعني طريقا ومسلكا لجهاد الكفار. وقال الحسن ~~ان ذا القرنين كان نبيا ملك مشارق الارض ومغاربها. وقال عبد الله بن عمر ~~كان ذو القرنين والخضر نبيين وكذلك لقمان كان نبيا. ### || [18.92-95] # قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص " السدين " - بالفتح - ~~الباقون بالضم. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وحده " يفقهون " بضم الياء ~~وكسر القاف. الباقون بفتح الياء والقاف. وقرأ عاصم وحده " يأجوج ومأجوج " ~~بالهمز. الباقون بلا همز. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " خراجا " بالف. ~~الباقون { خرجا } بغير الف. # اخبر ms2393 الله تعالى عن حال ذي القرنين أنه اتبع طريقا الى جهاد الكفار الى ~~ان بلغ بين السدين ووصل الى ما بينهما، وهما الجبلان اللذان جعل الردم ~~بينهما - فى قول ابن عباس وقتادة والضحاك. والسد وضع ما ينتفي به الخرق، ~~يقال: سده يسده سدا فهو ساد، والشيء مسدود، وانسد انسدادا، ومنه سدد ~~السهم، لأنه سد عليه طرق الاضطراب. ومنه السداد الصواب، والسد الحاجز ~~بينك وبين الشيء. قال الكسائي: الضم والفتح في السد بمعنى واحد. وقال أبو ~~عبيدة وعكرمة: (السد) - بالضم - من فعل الله، وبالفتح من فعل الآدميين. # وقوله { وجد من دونهما } يعني دون السدين { قوما لا يكادون يفقهون ~~قولا } اي لا يفهمونه. ومن ضم الياء أراد لا يفهمون غيرهم، لاختلاف ~~لغتهم عن سائر اللغات، وانما قال { لا يكادون } لانهم فقهوا بعض الشيء ~~عنهم، وإن كان بعد شدة، ولذلك حكي عنهم أنهم قالوا { إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض } والفقه فهم متضمن المعنى، والفهم للقول هو الذي يعلم ~~به متضمن معناه يقال: فقه يفقه وفقه يفقه. # وقوله { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض } حكاية ~~عما قال القوم الذين وجدهم ذو القرنين من دون السدين، فقالوا إن هؤلاء ~~مفسدون في الارض أي في تخريب الديار، وقطع الطرق، وغير ذلك. # { فهل نجعل لك خراجا } فمن قرأ بالألف، فانه أراد الغلة. ومن قرأ بلا ~~ألف أراد الأجر { على أن تجعل بيننا وبينهم } يعني بيننا وبين يأجوج ~~ومأجوج " سدا " قال لهم ذو القرنين { ما مكني فيه ربي خير } من الاجر ~~الذي تعرضون علي { فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما } فالردم أشد ~~الحجاب - فى قول ابن عباس -، يقال: ردم فلان موضع كذا يردمه ردما، وردم ~~ثوبه ترديما إذا اكثر الرقاع فيه، ومنه قول عنترة: # هل غادر الشعراء من متردم # أم هل عرفت الدار بعد توهم # اي هل تركوا من قول يؤلف تأليف الثوب المرقع. وقيل الردم السد المتراكب ~~وقرأ ابن كثير " مكنني " بنونين. الباقون بنون واحدة مشددة. من شدد أدغم ~~كراهية المثلين. ومن ms2394 لم يدغم قال: لانها من كلمتين، لان النون الثانية ~~للفاعل، والياء للمتكلم، وهو مفعول به. # وقوله { أعينوني بقوة } أي برجال يبنون، و (الخرج) المصدر لما يجرج من ~~المال، والخراج الاسم لما يخرج عن الارض ونحوها. # وترك الهمزة في { ياجوج وما جوج } هو الاختيار، لان الاسماء الاعجمية لا ~~تهمز مثل (طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت). ومن همز قال: لانه ماخوذ من ~~اجج الثار ومن الملح الأجاج، فيكون (مفعولا) منه فى قول من جعله عربيا، ~~وترك صرفه للتعريف والتأنيث، لانه اسم قبيلة ولو قال: لو كان عربيا لكان ~~هذا اشقتاقه ولكنه أعجمي فلا يشتق لكان أصوب قال رؤبة: # لو ان ياجوج وماجوج معا # وعاد عاد واستجاشوا تبعا # فترك الصرف فى الشعر، كما هو في التنزيل، وجمع يأجوج يآجيج، مثل يعقوب ~~ويعاقيب لذكر الحجل، وولد القبج السلك والانثى سلكة ومن جعل { يأجوج ~~ومأجوج } فاعولا جمعه يواجيج بالواو، مثل طاغوت وطواغيت. وهاروت وهواريت. ~~واما مأجوج فى قول من همز، ف (مفعول) من أج، كما أن ياجوج (يفعول) منه. ~~فالكلمتان على هذا من أصل واحد في الاشتقاق، ومن لم يهمز ياجوج، كان عنده ~~(فاعول) من (يج) كما ان ماجوج (فاعول) من (مج) فالكلمتان على هذا من ~~أصلين، وليسا فى أصل واحد، كما كانا كذلك فيمن همزهما، وإن كانا من ~~العحمي فهذه التقديرات لا تصح فيهما. وانما مثل بها على وجه التقدير على ~~ما مضى. وقال الجبائي والبخلي وغيرهما: إن ياجوج وماجوج قبيلان من ولد ~~آدم. وقال الجبائي: قيل: انهما من ولد يافث بن نوح، ومن نسلهم الاتراك. ~~وقال سعيد ابن جبير: قوله { مفسدون في الأرض } معناه يأكلون الناس. وقال ~~قوم: معناه انهم سيفسدون، ذهب اليه قتادة. ### || [18.96-98] # قرأ { الصدفين } - بضم الصاد والدال - ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر، ~~الباقون - بفتح الصاد والدال - إلا أبا بكر عن عاصم، فانه ضم الصاد وسكن ~~الدال. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا { قال آتوني } قصرا. الباقون ممدودا. ~~وقرأ حمزة وحده { فما اسطاعوا } مشددة الطاء بالادغام، وهو ضعيف - عند ~~جميع النحويين - لان ms2395 فيه جمعا بين ساكنين. # حكى الله تعالى عن ذي القرنين أنه قال للقوم الذين شكوا اليه فساد ياجوج ~~وماجوج فى الارض وبذلوا له المال، فلم يقبله، وقال لهم اعينوني برجال ~~واعطوني وجيئوا بزبر الحديد، لا عمل منه - في وجوه ياجوج وماجوج - الردم. # والزبرة الجملة المجتمعة من الحديد والصفر ونحوهما، واصله الاجتماع، ~~ومنه (الزبور) وزبرت الكتاب إذا كتبته، لانك جمعت حروفه. والحديد معروف ~~حددته تحديدا إذا أرهتفه، ومنه حد الشيء نهايته. وقال ابن عباس ومجاهد: ~~زبر الحديد قطع الحديد. وقال قتادة: فلق الحديد. # وقوله { حتى إذا ساوى بين الصدفين } تقديره انهم جاؤا بزبر الحديد ~~وطرحوه حتى إذا ساوى بين الصدفين مما جعل بينهما أي وازى رؤسهما. ~~والصدفان جبلان - في قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابراهيم - وقيل: ~~هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه، وفيه ثلاث لغات ~~- ضم الصاد والدال وفتحهما وتسكين الدال وضم الصاد - فال الراجز: # قد أخذت ما بين عرض الصدفين # ناحيتيها وأعالي الركنين # وقال ابو عبيدة: الصدفان جانبا الجبل. وقوله { قال انفخوا } يعني قال ذو ~~القرنين انفخوا النار على الحديد، والزبر فنفخوا { حتى إذا جعله نارا } ~~أي مائعا مثل النار، قال لهم { آتوني } أي اعطوني. وقرئ بقطع الهمزة ~~ووصلها، فمن قطع، فعلى ما قلناه، ومن وصل خفض وقصر، وقيل معناه جيؤني { ~~أفرغ عليه قطرا } نصب { قطرا } ب { أفرغ } ولو نصبه ب { آتوني } لقال ~~أفرغه. والقطر النحاس فى قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة - وأراد ~~بذلك أن يلزمه. وقال ابو عبيدة: القطر الحديد المذاب وانشد: # حساما كلون الملح صاف حديده # جرازا من اقطار الحديد المنعت # وقال قوم: هو الرصاص النقر، واصله القطر، وكل ذلك إذا أذيب قطر كما يقطر ~~الماء. # وقوله فما اسطاعوا أن يظهروه أي لم يقدروا أن يعلوه { وما استطاعوا له ~~نقبا } من اسفله - في قول قتادة. # وفي (استطاع) ثلاث لغات، استطاع يستطيع، واسطاع يسطيع، بحذف التاء، ~~واستاع يستيع بحذف الطاء، استثقلوا اجتماعهما من مخرج واحد. فأما اسطاع ~~يسطيع، فهي من أطاع يطيع، ms2396 جعلوا السين عوضا من ذهاب حركة العين. # ثم { قال } ذو القرنين { هذا } الذي يسهل فعله من الردم بين الجبلين ~~نعمة { من ربي } عليكم { فإذا جاء وعد ربي } لاهلاكه عند اشراط الساعة { ~~جعله دكاء } أي مدكوكا مستويا بالارض، من قولهم: ناقة دكاء، لا سنام ~~لها، بل هي مستوية السنام. # ومن قرأ " دكا " منونا أراد دكه دكا، وهو مصدر. ومن قرأ بالمد أراد ~~جعل الجبل أرضا دكاء منبسطة وجمعها دكاءات. وقال ابن مسعود: في حديث ~~مرفوع إن ذلك يكون بعد قتل عيسى الدجال. وقيل إن هذا السد وراء بحر الروم ~~بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط. وقيل: إنه وراء در بند، وبحر ~~خزران من ناحية (أرمينية وآذربيجان) يمضي اليه. وقيل: ان مقدار ارتفاع ~~السد مئتي ذرع وإنه من حديد يشبه الصمت وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعا. # وقوله { وكان وعد ربي حقا } معناه ما وعد الله بأنه يفعله، لا بد من ~~كونه، فانه حق لا يجوز ان يخلف وعده وروي ان رجلا جاء الى رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) فقال: اني رأيت سد يأجوج ومأجوج، فقال (صلى الله عليه ~~وسلم) فكيف رأيته قال رأيته كأنه رداء محبر، فقال له رسول لله (صلى الله ~~عليه وسلم) قد رأيته. ### || [18.99-101] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال تلك الامم انهم تركوا أي بقوا ولم ~~يخترموا، بل اديموا على الصفات التي يبقون بها { يومئذ يموج } بضعهم { في ~~بعض } فلو اقتطعوا عنها لكان قد أخذوا عن تلك الاحوال، وبعض الشيء ما قطع ~~منه، يقال: بعضته أي فرقته بأن قطعته ابعاضا، والبعض جزء من كل، فان شئت ~~قلت البعض مقدار من الكل وإن شئت قلت: هو مقدار ينقص بأخذه من الجميع، و ~~(الموج) اضطراب الماء بتراكب بعضه على بعض، والمعنى انهم يموجون في بناء ~~السد، ويخوضون فيه متعجبين من السد. ومعنى " يومئذ " يوم انقضاء السد، ~~فكانت حال هؤلاء كحال الماء الذي يتموج باضطراب أمواجه. # والترك فى الحقيقة لا يجوز على الله إلا أنه يتوسع فيه فيعبر ms2397 به عن ~~الاخلال بالشيء بالترك. # وقوله { ونفخ في الصور } فالنفخ اخراج الريح من الجوف باعتماد، يقال نفخ ~~ينفخ نفخا ومنه انتفخ إذا امتلأ ريحا ومنه النفاخة التي ترتفع فوق الماء ~~بالريح. والصور قال عبد الله بن عمر فى حديث يرفعه: انه قرن ينفخ فيه، ~~ومثله روي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري. وقيل انه ينفخ فيه ثلاث نفخات: ~~الاولى - نفخة الفزع التي يفزع من في السماوات والارض. والثانية - نفخة ~~الصعق. والثالثة - نفخة القيام لرب العالمين، وقال الحسن: الصور جمع صورة ~~فيحيون بأن ينفخ في الصور الأرواح، وهو قول أبي عبيدة. # وقوله { فجمعناهم جمعا } يعني يوم القيامة يحشرهم الله أجمع { وعرضنا ~~جهنم يومئذ للكافرين عرضا } أي ابرزناها واظهرناها حتى يروها فاذا ~~استبانت وظهرت قيل اعرضت، ومنه قول عمرو: # واعرضت اليمامة واشمخرت # كأسياف بايدي مصلتينا # وقوله { الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري } شبه الله أعين الكفار ~~الذين لم ينظروا فى أدلة الله وتوحيده ولم يعرفوا الله، بأنها كانت فى ~~غطاء. ومعناه كأنها فى غطاء، { وكانوا لا يستطيعون سمعا } معناه إنه كان ~~يثقل عليهم الاستماع. وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد إنهم لا يسمعون، ~~كما قال تعالى # هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة # وانما أراد بذلك هل يفعل أم لا؟ لانهم كانوا مقرين بأن الله قادر، لانهم ~~كانوا مقرين بعيسى (ع). ### || [18.102-104] # قرأ الاعشى ويحيى بن يعمر إلا النقار " أفحسب " بتسكين السين وضم الباء، ~~وهي قراءة علي (ع) الباقون بكسر السين وفتح الباء. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { أفحسب الذين كفروا } ~~بتوحيد الله وجحدوا ربوبيته { أن يتخذوا عبادي من دونه أولياء } أي ~~انصارا يمنعونهم من عقابي لهم على كفرهم، وقد أعددت { جهنم للكافرين ~~نزلا } أي مأوى ومنزلا - فى قول الزجاج وغيره - وقال قوم: النزل الطعام ~~جعل الله لهم طعاما والنزل الربع. ومن ضم الباء من " أحسب " معناه حسبهم ~~على اتخاذهم عباد الله من دونه أولياء أن جعل لهم جهنم نزلا ومأوى. وقيل ~~بل هم لهم اعداء يعني، الذين ms2398 عبدوا المسيح والملائكة ثم أمر نبيه (ع) أن ~~يقول لهم { هل ننبئكم بالأخسرين } أي نخبركم بالاخسرين { أعمالا } وهم { ~~الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا } وإن افعالهم طاعة وقربة وقيل انهم ~~اليهود والنصارى، وقيل الرهبان منهم. # وروي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: هم أهل حروراء من الخوارج وسأله ابن ~~الكوا عن ذلك، فقال (ع): انت واصحابك منهم وهم { الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا } أي جاز عنهم وهلك، وهم مع ذلك { يحسبون } أي يظنون أنهم ~~يفعلون الافعال الجميلة والحسبان هو الظن وهو ضد العلم. # وفى الآية دلالة على أن المعارف ليست ضرورية، لانهم لو عرفوا الله تعالى ~~ضرورة لما حسبوا غير ذلك، لأن الضروريات لا يشك فيها. # وقوله { الأخسرين أعمالا } نصب على التمييز. ومن قرأ " أفحسب " بضم ~~الباء وسكون السين كما عنده { أن يتخذوا } فى موضع رفع، ومن جعلها فعلا ~~ماضيا جعل (أن) في موضع نصب بوقوع حسب عليه. ### || [18.105-107] # اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم بأنهم الذين جحدوا أدلة ~~ربهم وأنكروا " لقاءه " أي لقاء ثوابه وعقابه في الآخرة من حيث انكروا ~~البعث والنشور بأنهم { قد حبطت أعمالهم } لانهم أوقعوها على غير الوجه ~~الذي أمرهم الله به { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا } وصفهم الله بأنهم ~~لا وزن لهم، كما يقال فى التحقير للشيء: هذا لا شيء من حيث أنه لا يعتد ~~به. ويقال للجاهل لا وزن له لخفته وسرعة طيشه وقلة تثبته فيما ينبغي أن ~~يتثبت فيه. وقال قوم: معناه لا نقيم لهم وزنا لطاعتهم، لانهم أحبطوها. ~~وقال البلخي: معناه إن اعمالهم لا يستقيم وزنها لفسادها. ثم قال: وانما ~~كان " ذلك " كذلك، لان جهنم { جزاؤهم بما كفروا } أي جحدوا الله واتخذوا ~~آياته ورسله هزوا أي سخرية، يقال هزئ يهزء هزوا، فهو هازيء. # ثم أخبر عن حال الذين صدقوا النبي وآمنوا بالله وعملوا الصالحات إن { ~~لهم جنات الفردوس نزلا } أي مأوى. والفردوس البستان الذي يجمع الزهر ~~والثمر وسائر ما يمتع ويلذ، وقال كعب: هو البستان الذي فيه الاعناب. وقال ms2399 ~~مجاهد: الفردوس البستان بالرومية. وقال قتادة: هو أطيب موضع فى الجنة. # وروي انه أعلى الجنة وأحسنها في خبر مرفوع. # وقال الزجاج: الفردوس البستان الذي يجمع محاسن كل بستان. # وقوله " نزلا " أي مأوى وقيل نزلا أي ذات نزول. وحكى الزجاج أن الفردوس ~~الأودية التي تنبت ضروبا من النبت. والنزل - بضم النون والزاي - من ~~النزول والنزل بفتحهما الربع. ### || [18.108-110] # قرأ اهل الكوفه إلا عاصما { قبل أن ينفد } بالياء. الباقون بالتاء. فمن ~~قرأ بالتاء، فلتأنيث الكلمات، ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث ليس بحقيقي. ~~وقد مضى نظائر ذلك. # اخبر الله تعالى عن أحوال المؤمنين الذين وصفهم بالأعمال الصالحة وأن ~~لهم جنات الفردوس جزاء على أعمالهم بانهم خالدون في تلك الجنات. ونصب " ~~خالدين " على الحال. # وقوله { لا يبغون عنها حولا } أي لا يطلبون عنها التحول والانتقال الى ~~مكان غيرها. وقال مجاهد: الحول التحول أي لا يبغون متحولا. وقد يكون ~~معناه التحول من حال الى حال، ويقال حال عن مكانه حولا مثل صغر صغر او ~~كبر كبرا. # ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لجميع المكلفين: قل لو كان ~~ماء البحر مدادا فى الكثرة لكتابة كلمات الله لنفد ماء البحر ولم تنفد ~~كلمات الله بالحكم، والبحر مستقر الماء الكثير الواسع الذي لا يرى جانباه ~~من وسطه وجمعه أبحر وبحار وبحور، والمداد هو الجائي شيئا بعد شيء على ~~اتصال. والمداد الذي يكتب به. والمدد المصدر. وهو مجيء شيء بعد شيء. وقال ~~مجاهد: هو مداد العلم. # والكلمة الواحدة من الكلام، ولذلك يقال للقصيدة: كلمة، لانها قطعة واحدة ~~من الكلام، والصفة المفردة: كلمة. و { مددا } نصب على التمييز، وهذا ~~مبالغة لوصف ما يقدر الله تعالى عليه من الكلام والحكم. ثم قال قل لهم { ~~إنما انا بشر مثلكم } لست بملك. آكل واشرب { يوحى إلي إنما إلهكم إله ~~واحد } أي يوحى الي بأن معبودكم الذي يحق له العبادة واحد { فمن كان } ~~منكم { يرجو لقاء ربه } لقاء ثوابه او عقابه ويرجو معناه يأمل. وقيل ~~معناه يخاف { فليعمل عملا صالحا } أي ms2400 طاعة يتقرب بها اليه { ولا يشرك ~~بعبادة } الله أحدا غيره: من ملك ولا بشر ولا حجر، ولا مدر ولا شجر، ~~فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقال سعيد بن جبير معنى { لا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } أي لا يرائي بعبادة الله غيره. وقال الحسن: لا يعبد ~~معه غيره. وقيل إن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن. وقال ابن جريج قال حي ~~بن اخطب: تزعم يا محمد إنا لم نؤت من العلم إلا قليلا، وتقول ومن يؤتى ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فكيف يجتمعان، فنزل قوله تعالى { قل لو ~~كان البحر مدادا لكلمات ربي } ونزل # ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام... # الآية. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-3] # قرأ ابو عمرو " كهيعص " بامالة الهاء وفتح الياء، وقرأ ابن عامر إلا ~~الداجوني عن هشام وحمزة إلا العبسي وخلف في اختياره بفتح الهاء، وامالة ~~الياء. وقرأ الكسائي ويحيى والعليمي والعبسي بامالة الهاء والياء. ~~الباقون بفتحهما، وهم أهل الحجاز والداجوني عن هشام وعاصم إلا يحيى ~~والعليمي ويعقوب وابو جعفر بقطع الحروف على أصله ويظهر الدال من هجاء ~~(صاد) عند ذلك. وكذلك أهل الحجاز وعاصم ويعقوب. قال أبو علي امالة هذه ~~الحروف سائغه، لانها ليست بحروف معنى وانما هي اسماء لهذه الاصوات. وقال ~~سيبوبه: قالوا (با، يا) لأنها اسماء ما يتهجأ به. فلما كانت اسماء غير ~~حروف جازت فيها الامالة كما جازت في الاسماء، ويدلك على انها اسماء انك ~~إذا اخبرت عنها أعربتها [وإن كنت لا تعربها اسماء قبل ذلك] فكما أن اسماء ~~العدد قبل أن تعربها اسماء كذلك هذه الحروف. وإذا كانت اسماء ساغت فيها ~~الامالة. فاما من لم يمل فعلى مذهب أهل الحجاز، وكلهم أخفى (نون، عين) ~~إلا حفصا عن عاصم فانه بينها. وقال ابو عثمان بيان النون مع حروف الفم ~~لحن إلا أن هذه الحروف تجري على الوقف عليها، والقطع لها مما بعدها، ~~فحكمها البيان، وإن لا تخفى، فقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك اسماء ~~العدد حكمها على الوقف، وعلى انها ms2401 منفصلة عما بعدها. وقال ابو الحسن ~~تبيين النون أجود فى العربية، لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضها عن ~~بعض. وروي عن أبي عمرو واليزيدي - في رواية أبي عمرو - عنه كسر الهاء ~~والياء. وقال قلت له لم كسرت الهاء؟ قال: لئلا تلتبس بهاء التنبيه، فقلت ~~لم كسرت اليا؟. قال: لئلا تلتبس ب (يا) التي للنداء إذا قلت: ها زيد ويا ~~رجل. ومن أدغم الدال فى الذال، فلقرب مخرجهما، ومن اظهر، فلأنهما ليسا من ~~جنس واحد. وليسا اختين. # وقرأ الحسن بضم الهاء، حكى سيبويه أن في العرب من يقول فى الصلاة بما ~~ينحو نحو الصلوة الضم، وحكى (ها يا) باشمام الضم. قال الزجاج من حكى ضم ~~الياء، فهو شاذ لانه اجتمعت الرواة على ان الحسن ضم الهاء لا غير وقد ~~بينا فى أول سورة البقرة اخلاف العلماء في أوائل امثال هذه السور وشرحنا ~~أقوالهم، وبينا أن أقوى ما قيل فيه انها اسماء السور، وهو قول الحسن ~~وجماعة، وقيل ان كل حرف منها حرف من اسم من اسماء الله تعالى، فالكاف من ~~كبير، والهاء من هاد، والعين من عالم، والصاد من صادق، والياء من حكيم. ~~وروى ذلك عن علي (ع) وابن عباس وغيرهما. وروي عن علي (ع) انه دعا فقال ~~اللهم سألتك يا كهيعص. # وقوله { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } رفع { ذكر } على أنه خبر للابتداء ~~وتقديره هذا او فيما يتلى عليكم { ذكر رحمة } أي نعمة ربك { عبده } منصوب ~~ب { رحمة }. وقال الفراء الذكر مرفوع ب { كهيعص } والمعنى ذكر ربك عبده ~~برحمته، فهو تقديم وتأخير، ونصب " زكريا " لانه بدل من { عبده }. # { إذ نادى ربه نداء خفيا } أي حين دعا ربه دعاء خفيا أي سرا غير جهر، ~~لا يريد به رياء، ذكره ابن جريج. واصل النداء مقصور من ندى الصوت بندى ~~الحلق ### || [19.4-6] # قرأ ابو عمرو والكسائي " يرثني " جزما على أنه جواب الأمر. الباقون ~~بالرفع على أنه صفة ل { وليا }. فمن رفع قال " وليا " نكرة فجعل " ~~يرثني " صلة له، كما تقول أعرني دابة اركبها، ms2402 ولو كان الاسم معرفة، لكان ~~الاختيار الجزم، كقوله # فذروها تأكل في أرض الله # والنكرة كقوله # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم # وقال مجاهد: من جزم جاز ان يقف على " وليا ". ومن رفع لم يجز لانه صلة، ~~ولان المفسرين قالوا: تقديره " هب لي " الذي " يرثني " أي وارثا فكل ذلك ~~يقوي الرفع. # حكى الله تعالى ما نادى به زكريا ودعى ربه به، وهو أن قال { رب } أي يا ~~رب وأصله ربي، وانما حذف الياء تخفيفا وبقيت الكسرة تدل عليها { إني وهن ~~العظم مني } أي ضعف، والوهن الضعف، وهو نقصان القوة، يقال: وهن الرجل يهن ~~وهنا إذا ضعف. ومنه قوله # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون # وإنما اضاف الوهن الى العظم، لأن العظم مع صلابته إذا كبر ضعف، وتناقص، ~~فكيف باللحم والعصب. وقيل شكى البطش وهو قلة العطس وهو لا يكون إلا ~~بالعظم. وقوله { واشتعل الرأس شيبا } معناه انتشر الشيب في الرأس، كما ~~ينتشر شعاع النار، وهو من أحسن الاستعارات. والاشتعال انتشار شعاع النار، ~~والشيب مخالطة الشعر الابيض للاسود في الرأس وغيره من البدن، وهو مثل ~~الشائب الذي يخالط الشيء من غيره { ولم أكن بدعائك رب شقيا } تمام حكاية ~~ما دعا به زكريا، وانه قال لم اكن يا رب بدعائي اياك شقيا أي كنت ادعوك ~~وحدك واعترف بتوحيدك. وقيل معناه اني إذا دعوتك اجبتني، والدعاء طلب ~~الفعل من المدعو، وفي مقابلته الاجابة، كما أن فى مقابلة الأمر الطاعة. ~~ويحتمل نصب " شيبا " أمرين: # احدهما - ان يكون نصبا على المصدر كأنه قال شاب شيبا. # والثاني - التمييز كقولهم تصببت عرقا وامتلأت ماء وقوله { وإني خفت ~~الموالي من ورائي } قال مجاهد وأبو صالح، والسدي: الموالي ها هنا العصبة. ~~وقيل خفت الموالي بني عمي على الدين، لانهم كانوا شرار بني اسرائيل، ~~وانما قيل لبني العم موالي لأنهم الذين يلونه فى النسب بعد الصلب. وقيل ~~معنى الموالي الأولياء ان يرثوا علمي دون من كان من نسلي وانشدوا في أن ~~الموالي بنو العم قول الشاعر: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا ms2403 تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # والمولى المعتق، والمعتق، والمولى الناصر، والمولى الولي والمولى ~~الاولى. # وروي عن عثمان أنه قرأ { وإني خفت الموالي } بفتح الخاء وتشديد الفاء. # وقوله { وكانت امرأتي عاقرا } يعني لا تلد، ويقال للمرأة التي لا تلد: ~~عاقر والرجل الذي لا يولد له: عاقر قال الشاعر: # لبئس الفتى إن كنت اسود عاقرا # جبانا فما عذري لدى كل محضر # والعقر فى البدن الجرح ومنه اخذ العاقر، لانه نقص أصل الخلقة إما ~~بالجراحة، وإما بامتناع الولادة، ومنه العقار، لان فساده نقص لأصل المال. ~~وقوله { يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } والميراث تركة الميت ~~ما كان يملكه لمن بعده من مستحقيه بحكم الله فيه، يقال: ورث يرث ارثا ~~وميراثا وتوارثوا توارثا وورثه توريثا، وأورثه علما ومالا. و (الآل) ~~خاصة الرجل الذين يؤل أمرهم اليه. وقد يرجع اليه أمرهم بالقرابة تارة ~~وبالصحبة أخرى، وبالدين والموافقة، ومنه قيل (آل النبي) (صلى الله عليه ~~وسلم). # وقوله { يرثني ويرث من آل يعقوب } قال أبو صالح: معناه يرثني مالي، ويرث ~~من آل يعقوب النبوة. وقال الحسن يرثني العلم والنبوة، وقال مجاهد يرث ~~علمه. وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب، وكان آل يعقوب أخواله، وهو ~~يعقوب ابن ماتان، وكان قيم الملك منهم، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران ~~أخي موسى ابن عمران. قال مقاتل: يعقوب بن ماثان اخو عمران ابي مريم، وهما ~~ابنا ماثان. # وقوله { واجعله رب رضيا } والجعل على اربعة اقسام: # احدها - بمعنى الاحداث كقولهم جعل البناء أي احدثه. # والثاني - احداث ما يتغير به كقولهم: جعل الطين خزفا أي احدث ما به ~~يتغير # الثالث - ان يحدث فيه حكما كقولهم: جعل فلان فلانا فاسقا أي بما أحدث ~~فيه من حكمه وتسميته. # الرابع - أن يحدث ما يدعوه الى ان يفعل كقولهم: جعله يقتل زيدا اي بما ~~أمره به ودعاه الى قتله. # ومعنى { واجعله رب رضيا } أي اجعل ذلك الولي الذي يرثني مرضيا عندك ~~ممتثلا لأمرك عاملا بطاعتك. # وفي الآية دلالة على ان الانبياء يورثون المال ms2404 بخلاف ما يقول من خالفنا ~~انهم لا يورثون، لأن زكريا صرح بدعائه وطلب من يرثه ويحجب بني عمه وعصبته ~~من الولد. وحقيقة الميراث انتقال ملك المورث الى ورثته بعد موته بحكم ~~الله. وحمل ذلك على العلم والنبوة على خلاف الظاهر، لان النبوة والعلم لا ~~يورثان، لأن النبوة تابعة للمصلحة لا مدخل للنسب فيها، والعلم موقوف على ~~من يتعرض له ويتعلمه، على أن زكريا إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه ~~من بني عمه وعصبته من الميراث وذلك لا يليق إلا بالمال، لان النبوة ~~والعلم لا يحجب الولد عنهما بحال، على أن اشتراطه ان يجعله { رضيا } لا ~~يليق بالنبوة، لان النبي لا يكون إلا رضيا معصوما، فلا معنى لمسألته ~~ذلك، وليس كذلك المال، لأنه يرثه الرضي وغير الرضي. واستدل المخالف بهذه ~~الآية على أن البنت لا تحوز المال دون بني العم والعصبة، لان زكريا طلب ~~وليا يمنع مواليه، ولم يطلب ولية. # وهذا ليس بشيء، لان زكريا إنما طلب وليا، لان من طباع البشر الرغبة فى ~~الذكور دون الاناث من الأولاد، فلذلك طلب الذكر، على أنه قيل ان لفظ ~~الولي يقع على الذكر والانثى، فلا نسلم أنه طلب الذكر بل يقتضي الظاهر ~~أنه طلب ولدا سواء كان ذكرا او انثى. # والوراء الخلف والوراء القدام ممدود وكذلك الوراء ولد الولد ممدود. ~~والورى مقصورا: داء فى الجوف. والورى ايضا الخلق مقصور، وكلهم قرأ " ~~ورائي " ممدودا ساكن الياء إلا ما رواه ابن مجاهد عن قنبل بفتح الياء مع ~~المد، وروي عن شبل عن ابن كثير (وراي) مقصورا مثل هداي بغير همز، وفتح ~~الياء. قال أبو علي لا أعلم أحدا من اهل اللغة حكى القصر فى هذه اللفظة، ~~ولعلها لغة جاءت، وقد جاء فى الشعر قصر الممدود، وقياسه رد الشيء الى ~~أصله، واللام فى هذه الكلمة همزة، وليس من باب الورى. وقال ابو عبيدة ~~وغيره { من ورائي } يعني من قدامي، ومثله # وكان وراءهم ملك # أي بين أيديهم. وحكي عن الثوري وراء الرجل خلفه وقدامه. وقوله # ومن ms2405 ورائه عذاب # اى قدامه. # وقوله { وإني خفت الموالي } فان الخوف لا يكون من الاعيان وإنما يكون من ~~معان فيها، فقولهم خفت الله اى خفت عقابه، وخفت الموالي خفت تضييعهم مالي ~~وانفاقه في معصية الله. ### || [19.7-10] # قرأ حمزة " نبشرك " وفي آخرها { لتبشر به } بالتخفيف فيهما الباقون ~~بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائى { عتيا، وصليا، وبكيا، وجثيا } بكسر ~~أوائلهن وافقهما حفص إلا فى بكيا الباقون بضم اوائلهن. من كسر اوائل هذه ~~الحروف فلمجاورة الياء. والاصل الضم، لانه جمع فاعل مثل جالس وجلوس، ~~وكذلك صال وصلي، والاصل صلوى ويكون على وزن فعول، فانقلبت الواو ياء ~~وادغمت الياء فى الياء. والاصل في " عتيا " عتوا، لانه من عتا يعتو " ~~وبكيا " من بكى يبكي، كما قال تعالى # وعتوا عتوا كبيرا # وانما قيل " عتيا " ها هنا بالياء، لأنه جمع عات، وأصله عاتو فانقلبت ~~الواو ياء، لانكسار ما قبلها فبنوا الجمع على الواحد في قلب الواو (ياء) ~~لان الجمع أثقل من الواحد. وقوله { وعتوا عتوا } مصدر، والمصدر يجري ~~مجرى الواحد حكما: وإن كان فى اللفظ مشاركا للجمع، لانك تقول: قعد يقعد ~~قعودا، وقوم قعود. وفى حرف أبي { وقد بلغت من الكبر عسيا } يقال للشيخ ~~إذا كبر عسى يعسو، وعتا يعتو إذا يبس. # وقرأ حمزة والكسائي { وقد خلقناك } على الجمع. الباقون - بالتاء - على ~~التوحيد فمن قرأ بالنون فلقوله { وحنانا من لدنا } ومن قرأ بالتاء ~~فلقوله { وهو علي هين } ولم يقل علينا، وهما سواء في المعنى. # هذا حكاية ما قال الله تعالى لزكريا حين دعاه، فقال له { يا زكريا إنا ~~نبشرك } والبشارة الاخبار بما يظهر سروره فى بشرة الوجه، يقال: بشره ~~بشارة، وتبشيرا وأبشر بالامر ابشارا إذا استبشر به. # وقوله { بغلام اسمه يحيى } فالغلام اسم للذكر أول ما يبلغ، وقيل: إنه ~~منه اشتق اغتلم الرجل إذا اشتدت شهوته للجماع. وقيل انما سمي يحيى، لان ~~الله تعالى أحياه بالايمان - فى قول قتادة - وقوله { لم نجعل له من قبل ~~سميا } قال ابن عباس: معناه لم تلد مثله العواقر ولدا. وقال مجاهد: لم ~~نجعل له ms2406 من قبل مثلا. وقال ابن جريج وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم، ~~والسدي: معناه لم يسم أحدا باسمه. وقيل انه لم يسم احدا من الانبياء ~~باسمه قبله، فقال زكريا عند ذلك { أنى يكون لي غلام } أي كيف يكون لي ~~غلام { وامرأتي عاقر } لا يلد مثلها { وقد بلغت } أنا ايضا { من } السن ~~و { الكبر عتيا } فالعتي والعسي واحد، يقال عتا عتوا وعتيا، وعسى يعسو ~~عسيا وعسوا فهو عات وعاس بمعنى واحد، والعاسي هو الذي غيره طول الزمان ~~الى حال اليبس والجفاف. وقال قتادة: كان له بضع وسبعون سنة، فقال الله ~~تعالى له { كذلك } هوان الامر على ما اخبرتك { قال ربك هو علي هين } أي ~~ليس يشق علي خلق الولد من بين شيخ وعاقر لاني قادر على كل شيء وكيف يعسر ~~علي ذلك { وقد خلقتك } يا زكريا { من قبل } ذلك { ولم تك شيئا } اى لم ~~تكن موجودا ومن نفى ان يكون المعدوم شيئا استدل بذلك، فقال لو كان ~~المعدوم شيئا لما نفى ان يكون شيئا قبل ذلك وحمل قوله # إن زلزلة الساعة شيء عظيم # على المجاز، والمعنى انها إذا وجدت كانت شيئا عظيما، ومن قال: المعدوم ~~شيء قال: اراد ولم يكن شيئا موجودا. ولم يكن قول زكريا { أنى يكون لي ~~ولد } على وجه الانكار بل كان ذلك على وجه التعجب من عظم قدرة الله. ~~وقيل: انه قال ذلك مستخبرا، وتقديره ابتلك الحال أو بقلبه الى حال ~~الشباب، ذكره الحسن، فقال زكريا عند ذلك يا { رب اجعل لي آية } أى دلالة ~~وعلامة استدل بها على وقت كونه، فقال الله تعالى له " آيتك " أى علامتك ~~على ذلك { ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } فقال ابن عباس اعتقل لسانه ~~من غير مرض ثلاثة ايام. وقال قتادة والسدى وابن زيد اعتقل لسانه من غير ~~خرس. وفي زكريا ثلاث لغات (زكرياء) ممدود (وزكريا) مقصور و (زكرى) مشدد. ~~[وقرئ بالمقصور والمدور دون اللغة الثالثة] ### || [19.11-15] # حكى الله تعالى ان زكريا { خرج على قومه من المحراب } وهو الموضع ms2407 الذي ~~يتوجه اليه للصلاة. وقال ابن زيد محرابه مصلاه. والاصل فيه مجلس الاشراف ~~الذي يحارب دونه ذبا عن أهله { فأوحى إليهم } قيل: معناه اشار الهيم ~~وأومأ بيده يقال: أوحى يوحي ايحاء ووحى يحي ويحا مثل أومى يومي ايماء، ~~وومى يمي وميا. والايحاء إلقاء المعنى الى النفس في خفى بسرعة من الأمر. ~~واصله السرعة من قولهم: الوحي الوحا أي الأسراع. وقيل: كتب لهم على ~~الارض، والوحي الكتابة. # وقوله { أن سبحوا بكرة وعشيا } أي اوحى اليهم بأن سبحوا، ومعناه صلوا ~~بكرة وعشيا - في قول الحسن وقتادة - وقيل للصلاة تسبيح، لما فيها من ~~الدعاء والتسبيح، ويقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي. # وقوله { يا يحيى خذ الكتاب } يعني التوارة التي انزلتها على موسى { بقوة ~~} أي بجد { وآتيناه الحكم صبيا } معناه أعطيناه الفهم لكتاب الله حتى ~~حصل له عظيم الفائدة. وروي عن معمر: أن الصبيان، قالوا ليحيى أذهب بنا ~~نلعب، فقال ما للعب خلقت. فانزل الله { وآتيناه الحكم صبيا }. # وقوله { وحنانا من لدنا } معناه وآتيناه رحمة من عندنا - فى قول ابن ~~عباس وقتادة والحسن - وقال الفراء: فعلنا ذلك رحمة لابويه " وزكوة " أي ~~وصلاحا. وقال الضحاك رحمة منا لا يملك إعطاء ها احد غيرنا. وقال مجاهد: ~~معناه تعطفا. وقال عكرمة: معناه محبة. واصل الحنان الرحمة، يقال: حنانك ~~وحنانيك قال أمروء القيس: # ويمنعها بنو شمجى بن جرم # معيزهم حنانك ذا الحنان # وقال الآخر: # فقالت حنان ما أتى بك ها هنا # أذو نسب ام انت بالحي عارف # أي امرنا حنان، وتحنن علينا تحننا أي تعطف قال الشاعر: # تحنن علي هداك المليك # فان لكل مقام مقالا # وحننت عليه أحن حنينا، وحنانا، وحنت على الرجل إمراته. وقال ابو عبيدة ~~معمر ابن المثنى أكثر ما يستعمل بلفظة التثنية، قال طرفة: # أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # وقوله " وزكاة " أى وعملا صالحا زكيا - في قول قتادة والضحاك وابن ~~جريج - وقال الحسن معناه: وزكاة لمن قبل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال ~~الجبائي: معناه آتيناه تحننا على العباد ورقة ms2408 قلب عليهم ليحرص على دعائهم ~~الى طاعة ربهم " وزكاة " اى إنا زكيناه بحسن الثناء عليه، كما يزكي ~~الشهود الانسان { وكان تقيا } أى يتقي معاصي الله وترك طاعته { وبرا ~~بوالديه } اى كان بارا محسنا الى والديه، { ولم يكن جبارا } متكبرا { ~~عصيا } فعيل بمعنى فاعل، ثم قال تعالى { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا } في يوم القيامة، ومعناه ان رحمة الله وسلامه اللذين هما ~~تفضل من الله، هما على يحيى يوم ولد، وإن رحمة الله وسلامه اللذين هما ~~حزاء لاعماله الصالحة، هما عليه يوم يموت ويوم يبعث حيا، في الآخرة. قال ~~قوم معناه: أمان الله له وسلامه يوم ولد من عبث الشيطان له واغوائه اياه، ~~ويوم يموت من عذاب القبر وهول المطلع، ويوم يبعث حيا من عذاب النار ~~واهوال المحشر. ### || [19.16-20] # قرأ ابو عمرو ونافع فى رواية ورش وقالون عنه { ليهب لك } بالياء { ربك ~~غلاما } الباقون { لأهب } بالهمزة على الحكاية، وتقديره قال ربك لاهب ~~لك. # وقال الحسن: معناه لاهب لك باذن الله { غلاما زكيا } اى صار بالبشارة ~~كأنه وهب لها. وضعف ابو عبيدة قراءة أبي عمرو، لانها خلاف المصحف. قال ~~ابن خالويه: حجة ابي عمرو أن حروف المد واللين وذوات الهمز يحول بعضها ~~الى بعض، كما قرئ (ليلا) بالياء - والاصل الهمزة: (لئلا) # قال ابو علي النحوي: من قرأ - بالياء - يجوز أن يكون أراد الهمزة، ~~وانما قلبها ياء على مذهب ابي الحسن أو جعلها بين بين قول الخليل. وفى ~~قراءة أبي وابن مسعود (ليهب) بالياء، وهو الاجود، ومعنى " زكيا " ناميا ~~على الخير والبركة يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { ~~واذكر في الكتاب مريم } والذكر إدراك النفس للمعنى بحضوره فى القلب، ~~والاذكار احضار النفس للمعنى، وقد يكون الذكر قولا يحضر المعنى للنفس، ~~والمراد بالكتاب - ها هنا - القرآن وإنما سمي كتابا، لانه مما يكتب. # وقوله { إذ انتبذت من أهلها } فالانتباذ اتخاذ الشيء بالقاء غيره عنه، ~~والاصل الالقاء من قولهم: نبذه وراء ظهره أي القاه، وفي هذا الطعام نبذ ~~من ms2409 شعير اي مقدار كف منه، والنبذ الطرح. وقال قتادة: معنى انتبذت انفردت. ~~وقيل: معناه اتخذت مكانا تنفرد فيه بالعبادة. وقيل معناه تباعدت. وقوله ~~{ مكانا شرقيا } يعني الموضع الذي فى جهة الشرق، قال جرير: # هبت جنوبا فذكرى ما ذكرت لكم # عند الصفاة التي شرقي حورانا # وقال السدي: معنى { فاتخذت من دونهم حجابا } أي حجابا من الجدران. قال ~~ابن عباس: انما جعلت النصارى قبلتهم الى المشرق، لان مريم اتخذت من جهة ~~المشرق موضع صلاتها. وقال ابن عباس: معنى { من دونهم حجابا } أي من ~~الشمس جعله الله لها ساترا. # وقوله { فأرسلنا إليها روحنا } قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي، وابن ~~جريج، ووهب بن منية: يعني جبرائيل (ع) وسماه الله (روحا) لانه روحاني لا ~~يشبه شيئا من غير الروح. وخص بهذه الصفة تشريفا له. وقيل لأنه تحيا به ~~الأرواح بما يؤديه اليهم من أمر الاديان والشرائع. # وقوله { فتمثل لها بشرا سويا } أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر " ~~سويا " أى معتدلا، فلما رأته مريم، { قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت ~~تقيا } تخاف عقوبة الله. # فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه، ~~وانما يتعوذ من غير التقي!! # قيل المعنى فى ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط ~~الله، ففي ذلك تخويف وترهيب، كما يقول القائل: إن كنت مؤمنا، فلا ~~تظلمنى، وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا، فلما سمع جبرائيل منها هذا ~~القول، قال لها: { إنما أنا رسول ربك } ارسلني الله لابشرك بأنه يهب { لك ~~غلاما } ذكرا { زكيا } طاهرا من الذنوب. # وقيل: ناميا فى أفعال الخير. فقالت مريم عند ذلك متعجبة من هذا القول: ~~{ أنى يكون لي غلام } أي كيف يكون ذلك { ولم يمسسني بشر } بالجماع على ~~وجه الزوجية { ولم أك بغيا } أي لم أكن زانية - فى قول السدى وغيره -. و ~~(البغي) التي تطلب الزنا، لأن معنى تبغيه تطلبه، و { لم أك } اصلها لم ~~اكن لانه من (كان، يكون) وإنما حذفت النون، لاستخفافها ms2410 على ألسنتهم، ~~ولكثرة استعمالهم لها، كما حذفوا الالف فى { لم أبل } واصله (لم أبالي) ~~لأنه من المبالاة وكقولهم: (لا أدر) وقولهم: (أيش) واصله أى شيء، ومثله: ~~لا أب لشانئك واصله لا أبا لشانئك، ومثله كثير. ### || [19.21-25] # قرأ حمزة وحفص عن عاصم { نسيا } بفتح النون. الباقون بكسرها، وهما ~~لغتان. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص { من تحتها } على أن (من) حرف جر. ~~الباقون { من تحتها } يعني الذي تحتها قال ابو علي النحوي: ليس المراد ~~بقوله { من تحتها } الجهة السفلى، وانما المراد من دونها، بدلالة قوله { ~~قد جعل ربك تحتك سريا } ولم يكن النهر محاذيا لهذه الجهة، وإنما المعنى ~~جعل دونك. # وقرأ " تساقط " - بالتاء وضمها، وكسر القاف مخففه السين - حفص عن عاصم. ~~وقرأ حمزة " تساقط " بفتح التاء وتخفيف السين. الباقون، وهم ابن كثير ~~ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وابو بكر عن عاصم، بفتح التاء وتشديد ~~السين وفتح القاف. وقرأ يعقوب والعليمي ونصير - بياء مفتوحة، وتشديد ~~السين وفتح القاف - وكلهم جزم الطاء. # حكى الله تعالى ما قال لها جبرائيل حين سمع تعجبها من هذه البشارة { قال ~~كذلك } يعني الله تعالى قال ذلك { قال ربك هوعلي هين } أي سهل متأت لا ~~يشق علي ذلك { ولنجعله آية للناس } أي نجعل خلقه من غير ذكر آية باهرة، ~~وعلامة ظاهرة للناس { ورحمة منا } أي ونجعله نعمة من عندنا { وكان أمرا ~~مقضيا } أي وكان خلق عيسى من غير ذكر أمرا قضاه الله وقدره وحتم كونه ~~أي هو المحكوم بأنه يكون، وما قضاه الله بأنه كائن، فلا بد من كونه. # وقوله { فحملته } يعني حملت عيسى فى بطنها، والحمل رفع الشيء من كانه، ~~وقد يكون رفع الانسان في مجلسه، فيخرج عن حد الحمل. ويقال له (حمل) بكسر ~~الحاء لما يكون على الظهر، وبالفتح لما يكون في البطن { فانتبذت به ~~مكانا قصيا } أي انفردت به مكانا بعيدا، ومعناه قاصيا، وهو خلاف ~~الداني. قال الزاجز: # لتقعدن مقعد القصي # مني كذي القاذورة المقلي # يقال قصا المكان يقصوه قصوا إذا تباعد، واقصيت الشيء إذا ms2411 أبعدته، ~~واخرته اقصاء. وقوله { فأجاءها المخاض } أي جاء بها المخاض وهو مما يعدى ~~تارة بالباء وأخرى بالالف. مثل ذهبت به وأذهبته وآتيتك بعمرو وآتيتك ~~عمرا. وخرجت به وأخرجته قال زهير: # وجار سار معتمدا اليكم # أجاءته المخافة والرجاء # أي جاءت به. قال الكسائي تميم تقول: ما أجاءك الى هذا وما أشاء بك اليه. ~~أي صيرك تشاء. ومن أمثالهم (شر أجاءك الى مخة عرقوب) وتميم تقول: شر ~~أشاءك الى مخة عرقوب. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: معنى { ~~فأجاءها } الجأها. وقال السدي: إنها قالت في حال الطلق { يا ليتني مت قبل ~~هذا } استحياء من الناس { وكنت نسيا منسيا } فالنسي الشيء المتروك حتى ~~ينسى - بالفتح والكسر - مثل الوتر والوتر. وقيل النسي - بالفتح - المصدر، ~~يقال: نسيت الشيء نسيا ونسيانا - وبالكسر - الاسم إذا كان لقي لا يؤبه ~~به، وقيل النسي خرقة الحيض التي تلقيها المرأة، قال الشاعر: # كأن لها في الارض نسيا تقصه # إذا ما غدت وإن تكالمك تبلت # أي نسيا تركته، ومعنى (تبلت) أي تقطع كلامها رويدا رويدا وتقف وتصدق. # وقوله { فناداها من تحتها } قال ابن عباس والسدي والضحاك وقتادة: ~~المنادي كان جبرائيل (ع). وقال مجاهد والحسن ووهب بن منية، وسعيد بن جبير ~~وابن زيد والجبائي: كان المنادي لها عيسى (ع). # وقوله { ألا تحزني } أي لا تغتمي { قد جعل ربك تحتك سريا } قال ابن ~~عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: السري هو النهر الصغير. وقال قوم: هو النهر ~~بالسريانية. وقال آخرون: هو بالنبطية. وقال ابراهيم والضحاك وقتادة: هو ~~النهر الصغير بالعربية، مثل قول ابن عباس، وقال البراء بن عازب: هو ~~الجدول. وقال الحسن وابن زيد: السري عيسى (ع). وقيل للنهر (سري) لأنه ~~يسري بجريانه كما قيل جدول لشدة جريه. قال لبيد: # فتوسطا عرض السري فصدعا # مسجورة متجاوز أقدامها # وقال آخر: # سلم ترى الدالي منه ازورا # إذا يعج في السري هرهرا # وقوله { وهزي إليك بجذغ النخلة } معناه هزى النخلة اليك، ودخلت الباء ~~تأكيدا، كما قال تعالى # تنبت بالدهن # قال الشاعر: # نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج # أى نرجو ms2412 الفرج، وقال آخر: # بواد يمان ينبت السدر صدره # وأسفله بالمرخ والشبهان # وفى رواية ينبت الشث حوله. وقوله { تساقط عليك } من شدد، أراد تتساقط ~~فادغم احد التاءين فى السين، ومن خفف حذف احد التاءين. ومن قرأ - بالياء ~~- أسند الفعل الى الجذع. ومن قرأ - بالتاء - اسنده الى النخلة. ومن قرأ ~~تساقط أراد من المساقطة. وقرأ ابو حيويه { تسقط عليك }. وروي عنه (يسقط) ~~وهو شاذ والمعاني متقاربة. وقال ابو علي: من قرأ { تساقط } عدى (فاعل) ~~كما عدى (يتفاعل) وهو مطاوع (فاعل) قال الشاعر: # تطالعنا خيالات لسلمى # كما يتطالع الدين الغريم # وانشد ابو عبيدة: # تخاطأت النبل أحشاءه # وأخر يومي فلم أعجل # قال فى موضع (اخطأت) كقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # ومعنى الآية يتواقع عليك رطبا جنيا. والجني المجني (فعيل) بمنى ~~(مفعول) وهو المأخوذ من الثمرة الطرية، اجتناه اجتنا. إذا اقتطعه، قال ~~ابن اخت جذيمة: # هذا جناي وخياره فيه # إذ كل جان يده الى فيه # وفي نصب { رطبا } قولان: # احدهما - قال المبرد: هو مفعول به، وتقديره هزي بجذع النخلة رطبا تساقط ~~عليك. # وقال غيره: هو نصب على التمييز والعامل فيه تساقط. # وقال ابو علي: يجوز أن يكون نصبا على الحال، وتقديره تساقط عليك ثمر ~~النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ونصب رطبا على الحال. # وقيل: لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء، فجعله الله تعالى آية، وانما ~~تمنت الموت قبل تلك الحال التي قد علمت انها من قضاء الله لكراهتها أن ~~يعصى الله بسببها إذا كان الناس يتسرعون الى القول فيها بما يسخط الله. ~~وقال قوم: انها قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة. وقال قوم: المعنى فى ~~ذلك اني لو خيرت قبل ذلك بين الفضيحة بالحمل والموت لاخترت الموت. # واختلفوا فى مدة حمل عيسى، فقال قوم: كان حمله ساعة ووضعت فى الحال. ~~وقال آخرون: حملت به ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية أشهر غيره (ع)، ~~فكان ذلك آية له. وفي بعض الروايات أنه ولد لستة أشهر. وقوله { فأجاءها ~~المخاض } يدل على ms2413 طول مكث الحمل، فاما مقداره فلا دليل يقطع به. ### || [19.26-30] # لما قال جبرائيل لمريم { هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } ~~قال لها بعد ذلك { فكلي } من ذلك الرطب { واشربي } من السري { وقري عينا ~~} ونصبه على التمييز كقوله # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # وقيل فى معنا { قري عينا } قولان: احدهما - لتبرد عينك برد سرور بما ~~ترى. # الثاني - لتسكن سكون سرور برؤيتها ما تحب، يقال قررت به عينا أقر ~~قرورا وهي لغة قريش. وأهل نجد يقولون: قررت به عينا - بفتح العين - اقر ~~قرارا، كما يقولون قررت بالمكان - بالفتح. # وقوله { فأما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما } قال ~~الجبائي: كان الله تعالى أمرها بأن تنذر الله تعالى الصمت، فاذا كلمها ~~احد تومي بأنها نذرت صوما صمتا، لانه لا يجوز ان يأمرها بان تخبر بانها ~~نذرت ولم تنذر، لأن ذلك كذب. وقال انس بن مالك وابن عباس والضحاك: تريد ~~بالصوم الصمت. وقال قتادة: يعني صمتا عن الطعام والشراب والكلام أي ~~إمساكا. وانما أمرها بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها - في ~~قول ابن مسعود وابن زيد ووهب ابن منية وقيل: من كان صام في ذلك الوقت لا ~~يكلم الناس، فاذن لها فى هذا المقدار من الكلام، في قول السدي. # فان قيل كيف تكون نذرت الصمت وألا تكلم أحدا مع قولها واخبارها عن ~~نفسها بانها نذرت وهل ذلك إلا تناقض؟ # قيل من قال: انه أذن لها فى هذا القدر فحسب، يقول: انها نذرت لا تكلم ~~بما زاد عليه. ومن قال: انها نذرت نذرا عاما، قال: أومت بذلك ولم تتلفظ ~~به. وقيل: أمرها الله أن تشير اليهم بهذا المعنى، وانها ولدته بناحية بيت ~~المقدس، وفى موضع يعرف ب (بيت لحم). # ثم اخبر الله تعالى عن حال مريم أنها اتت بعيسى الى قومها تحمله، فلما ~~رأوها قالوا لها { لقد جئت شيئا فريا } أي عملا عجيبا قال الراجز: # قد اطعمتني دقلا حوليا # مسوسا مدودا حجريا # قد كنت تفرين به الفريا # قال ms2414 قتادة ومجاهد والسدي: معنى الفري العظيم من الأمر. وقيل الفري ~~القبيح من الافتراء، فقال لها قومها { يا أخت هارون } وقيل فى هارون الذي ~~نسبت اليه بالاخوة أربعة أقوال: # فقال قتادة: وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه الى النبي (صلى الله ~~عليه وسلم): انه كان رجلا صالحا فى بني اسرائيل ينسب اليه من عرف ~~بالصلاح. # وقال السدي: نسبت الى هارون أخي موسى (ع) لأنها كانت من ولده كما يقال ~~يا أخا بني فلان. # وقال قوم: كان رجلا فاسقا معلنا بالفسق، فنسبت اليه. # وقال الضحاك: كان أخاها لابيها وأمها، وكان بنو إسرائيل يسمون أولادهم ~~باسماء الأنبياء كثيرا. # وقوله { ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } اي لم يكن أبواك إلا ~~صالحين، ولم يكونا فاجرين، فكيف خالفتيهما { فأشارت إليه } اي أومأت عند ~~ذلك مريم الى عيسى (ع) أن كلموه، واستشهدوه على براءة ساحتي { فقالوا } ~~في جوابها { كيف نكلم من كان في المهد صبيا } قال قوم: دخلت (كان) ها ~~هنا زائدة ونصب { صبيا } على الحال. وانشد أبو عبيدة في زيادة (كان): # الى كناس كان مستعدة # وقال آخر: # فكيف إذا رأيت ديار قومي # وجيران لنا كانوا كرام # والمعنى وديار جيران كرام و (كانوا) فضلة، فلذلك لم تعمل. وقيل معنى ~~(كان) صار وانشد لزهير: # اجزت اليه حرة أرجية # وقد كان لون الليل مثل الارندج # اي قد صار. وقال المبرد: معنى (كان) حدث. وقال الزجاج: معناه على الشرط، ~~وتقديره من كان في المهد صبيا كيف نكلمه على التقديم والتأخير. وقال ~~قتادة: المهد حجر أمه، واصله ما وطئ للصبي. وقيل: انهم غضبوا عند اشارتها ~~الى ذلك وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، فلما تكلم عيسى، ~~قالوا: إن هذا الامر عظيم - ذكره السدي - فقال عيسى (ع) عند ذلك { إني ~~عبد الله آتاني الكتاب } قال عكرمة: معناه فيما مضى { وجعلني نبيا } لان ~~الله أكمل عقله وأرسله الى عباده ولذلك كانت له تلك المعجزة - في قول ~~الحسن وابي علي الجبائي - وقال قوم: معناه { إني عبد الله } سيؤتيني ms2415 ~~الكتاب ويجعلني نبيا فيما بعد، وكان ذلك معجزة لمريم على براءة ساحتها ~~على قول من أجاز اظهار المعجزات على يد غير الانبياء من الصالحين. وقال ~~ابن الاخشاذ: كان ذلك إنذارا لنبوته. وقال الجبائي معنى { وجعلني نبيا ~~} أي وجعلني رفيعا لان النبي هو الرفيع. ### || [19.31-35] # قرأ الكسائي " آتاني، وأوصاني " بالامالة. الباقون بالتفخيم، فمن أمال، ~~فلان هذه الألف تنقلب ياء في (أوصيت) فأمال لمكان الياء. ومن لم يمل، ~~فلمكان الألف. والامالة في { آتاني } احسن من الامالة فى (أوصاني) لأن فى ~~(أوصاني) حرفا مستعليا يمنع من الامالة، ومع ذلك، فهو جائز كصفي وطغي. ~~وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب { قول الحق } بالنصب على المصدر. الباقون ~~بالرفع على أنه خبر الابتداء. وتقديره ذلك الذي تلوناه من صفته { قول ~~الحق } وقيل هو تابع ل (عيسى) كأنه قيل كلمة الحق وروي عن عبد الله انه ~~قرأ " قول الحاق " بمعنى قول الحق ومعناه يحق نحو العاب والعيب والذام ~~والذيم. # لما حكى الله تعالى عن عيسى أنه قال لقومه { إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا } أخبر أنه قال { وجعلني مباركا } قال مجاهد: معناه معلما ~~للخير اينما كنت. وقيل نفاعا، والبركة نماء الخير، والمبارك الذى ينمى ~~الخير به. والتبرك طلب البركة بالشيء وأصله التبرك من البرك وهو ثبوت ~~الطير على الماء. # وقوله { وأوصانى بالصلاة والزكاة } معناه أمرني بهما. والوصية التقدم فى ~~الأمر الذى يكون بعدما وقت له، كتقدم الانسان في التدبير بعد خروجه، ~~وكتقدمه في أموره بعد موته. والصلاة فى أصل اللغة: الدعاء، وفي الشرع ~~عبارة عن هذه العبادة التي فيها الركوع والسجود. وقيل عبارة عن عبادة ~~افتتاحها التكبير وخاتمتها التسليم. وقيل في معنى الزكاة - ها هنا - ~~قولان: احدهما - زكوة المال. والثاني - التطهير من الذنوب. # { ما دمت حيا } أي أوصاني بذلك مدة حياتي { وبرا بوالدتي } أى واوصانى ~~بأن اكون بارا بوالدتي أي محسنا إليها { ولم يجعلني جبارا } أى ~~متجبرا، لم يحكم علي بالتجبر، والشقاء، ولم يسمني بذلك { والسلام علي } ~~أى والرحمة من الله بالسلامة والنعمة بها علي { يوم ولدت ms2416 ويوم أموت ويوم ~~ابعث حيا }. # وقوله { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق } أى الذى تلوناه من صفة عيسى { قول ~~الحق } أى كلمة الحق { الذى فيه يمترون } اى يشكون فيه { ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد } اخبار منه تعالى بأنه لم يكن لله أن يتخذ من ولد على ما ~~يقوله النصارى. ثم قال منزها لنفسه عن ذلك { سبحانه إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون } اى يفعله لا يشق عليه بمنزلة ما يقال كن فيكون، وقد ~~بينا فيما مضى وحكينا ما قال بعضهم إن قول (كن) عند خلق ما يريد خلقه ~~ليعلم الملائكة أنه لا يتعذر عليه شيء يريد فعله. # والسلام مصدر سلمت سلاما، ومعناه عموم العافية والسلامة. والسلام جمع ~~سلامة. والسلام اسم من اسماء الله وسلام يبتدأ به في النكرة، لانه يكثر ~~استعماله، تقول: سلام عليكم والسلام عليكم، وأسماء الاجناس يحسن الابتداء ~~بها، لأن فائدتها واحدة، ولما جرى ذكر (سلام) أعيد - ها هنا - بالألف ~~واللام ليرد على الاول. ### || [19.36-40] # قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع ويعقوب إلا روحا { وأن الله } بفتح ~~الهمزة الباقون بكسرها. من نصب الهمزة احتمل أربعة أوجه: # احدها - إن المعنى وقضى الله { أن الله ربي وربكم } فى قول ابى عمرو بن ~~العلا # والثاني - أنه معطوف على كلام عيسى، أى واوصانى { أن الله ربي وربكم } # والثالث - قال الفراء: إنه معطوف على { ذلك عيسى ابن مريم } وذلك { أن ~~الله }. ويكون موضعه الرفع بأنه خبر المبتدأ. # الرابع - ولان الله ربى وربكم فاعبدوه. والعامل فيه { فاعبدوه }. # ومن كسر (إن) استأنف الكلام. ويقوي الكسر انه روي ان أبيا قرأ { أن ~~الله } بلا واو ويجوز ان يكون عطفا على قوله { قال إني عبد الله } وقوله ~~{ هذا صراط مستقيم } معناه عبادتكم لله وحده لا شريك له هو الصراط ~~المستقيم الذى لا اعوجاج فيه. # وقوله { فاختلف الأحزاب من بينهم } فالاختلاف فى المذهب هو ان يعتقد كل ~~قوم خلاف ما يعتقده الآخرون. والاحزاب جمع حزب. والحزب جمع المنقطع فى ~~رأيه عن غيره، يقال تحزب ms2417 القوم إذا صاروا أحزابا. وحزب عليهم الأحزاب أى ~~جمع. والمعنى فى الآية اختلف الأحزاب من أهل الكتاب فى عيسى (ع)، فقال ~~قتادة ومجاهد قال قوم: هو الله وهم اليعقوبية. وقال آخرون: هو ابن الله ~~وهم النسطورية. وقال قوم: هو ثالث ثلاثة وهم الاسرائيلية. وقال قوم: هو ~~عبد الله وهم المسلمون. # ثم قال تعالى { فويل للذين كفروا } بآيات الله، وجحدوا وحدانيته من حضور ~~يوم عظيم يعني يوم القيامة. # وقوله { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } معناه ما أسمعهم وابصرهم على وجه ~~التعجب، والمعنى انهم حلوا في ذلك محل من يتعجب منه، وفيه تهدد ووعيد أن ~~سيسمعون ما يصدع قلوبهم ويردون ما يهيلهم. وقال الحسن وقتادة: المعنى لأن ~~كانوا فى الدنيا صما عميا عن الحق، فما اسمعهم به، وما أبصرهم به يوم ~~القيامة { يوم يأتوننا } أي يوم يأتون المقام الذي لا يملك أحد فيه الامر ~~والنهي غير الله. # ثم قال تعالى { لكن الظالمون } انفسهم بارتكاب معاصيه وجحد آياته والكفر ~~بأنبيائه { اليوم } يعني في دار الدنيا { في ضلال } عن الحق وعدول عنه { ~~بعيد } من الصواب. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { وأنذرهم } يا ~~محمد أى خوفهم هول { يوم الحسرة } اى اليوم الذى يتحسر فيه الناس على ما ~~فرطوا فيه من طاعة الله، وعلى ما ارتكبوا من معاصيه فى الوقت الذى { قضي ~~الأمر } وحكم بين الخلائق بالعدل { وهم في غفلة } اليوم عما يفعل بهم من ~~العقاب على معاصيهم، وهم لا يصدقون بما يقال لهم ويخبرون به. ثم اخبر ~~تعالى عن نفسه، فقال { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } اى يعود إلينا ~~التصرف فى الارض وفيمن عليها من العقلاء، وغيرهم، لا يبقى لاحد ملك { ~~وإلينا يرجعون } أى يردون يوم القيامة الى الموضع الذى لا يملك الامر ~~والنهي غيرنا. ### || [19.41-45] # خمس آيات في الكوفي والبصري، وست آيات في المدنيين عدوا { في الكتاب ~~إبراهيم } آية. # امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يذكر ابراهيم في الكتاب ~~الذى هو القرآن، وسماه كتابا، لأنه مما يكتب. والمعنى ms2418 اقصص عليهم أو اتل ~~عليهم. وكذلك فيما بعد. ثم قال { إنه } يعنى ابراهيم { كان صديقا نبيا ~~} والصديق هو الكثير التصديق بالحق حتى صار علما فيه. وكل نبي صديق ~~لكثرة الحق الذى يصدق فيه مما هو علم فيه وامام يقتدى به، من توحيد الله ~~وعدله، حين { قال لأبيه يا أبت } والاصل يا ابتي، فحذف ياء الاضافة وبقيت ~~كسرة التاء تدل عليها. وقيل ان التاء دخلت للمبالغة في تحقيق الاضافة، ~~كما دخلت فى (علامة، ونسابة) للمبالغة فى الصفة. ومثله يا أمت. والوقف ~~بالتاء لهذه العلة. واجاز الزجاج الوقف بالهاء. وقيل ان التاء عوض من ياء ~~الاضافه. # وقوله { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } من امور ~~الدنيا وإنما هو حجر منقور، او صنم معمول { يا أبت إني قد جاءني من العلم ~~} بمعرفة الله وتوحيده ووجوب اخلاص العبادة له، وقبح الاشراك { ما لم ~~يأتك فاتبعني } على ذلك واقتد بى { أهدك صراطا سويا } معتدلا غير جائر ~~بك عن الحق الى الضلال { يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا } اي عاصيا (فعيل) بمعنى فاعل. # { يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن } قال الفراء: أخاف بمعنى ~~أعلم - ها هنا - ومثله # فخشينا أن يرهقهما # أي علمنا { أن يمسك } أي يلحقك عذاب من الله على إشراكك معه في العبادة ~~غيره. ومتى فعلت ذلك كنت وليا للشيطان وناصرا ومساعدا، ونصب " فتكون " ~~عطفا على { أن يمسك } وقيل: إن معناه أنه يلزمك ولاية الشيطان لعبادتك ~~له ذما لك وتقريعا، إذا ظهر عقاب الله لك، وسخطه عليك. وقيل: فتكون ~~موكولا الى الشيطان، وهو لا يغني عنك شيئا. وقال قوم: هذه المخاطبة من ~~ابراهيم كان لأبيه الذي هو والده. والذي يقوله اصحابنا انه كان جده لأمه، ~~لأن آباء النبي (صلى الله عليه وسلم) كلهم كانوا مسلمين الى آدم، ولم يكن ~~فيهم من يعبد غير الله تعالى، لقوله (صلى الله عليه وسلم) # " لم يزل الله ينقلني من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات " # والكافر لا يوصف ms2419 بالطهارة، لقوله تعالى # إنما المشركون نجس # قالوا وابوه الذي ولده كان اسمه تارخ. وهذا الخطاب منه كان لآزر ### || [19.46-50] # لما حكى الله تعالى ما قال ابراهيم لأبيه، وتوبيخه له على عبادة ~~الاصنام، وتقريعه اياه على ذلك، حكى في هذه الآيات ما أجاب به أبوه، فانه ~~قال له يا ابراهيم { أراغب أنت عن آلهتي } ومعناه أزاهد في عبادة آلهتي، ~~والرغبة اجتلاب الشيء لما فيه من المنفعة. والرغبة فيه نقيض الرغبة عنه. ~~والترغيب الدعاء الى الرغبة فى الشيء. ثم قال له مهددا { لئن لم تنته } ~~أي لم تمتنع من ذلك، يقال نهاه فانتهى. واصله النهاية، فالنهي زجر عن ~~الخروج عن النهاية المذكورة. والتناهي بلوغ نهاية الحد. وقوله { لأرجمنك ~~} قال الحسن: معناه لارمينك بالحجارة حتى تباعد عني. وقال السدي وابن ~~جريج والضحاك: معناه لأرمينك بالذم والعيب. وقوله { واهجرني مليا } قيل ~~فى معناه قولان: # قال الحسن ومجاهد { مليا } دهرا [قال الفراء: ويقال: كنت عنده ملوة ~~وملوة وملوة - بتثليث الميم - وملاوة بالفتح وملاوة بالضم أي] دهرا ~~ملاوة، وكله من طول المقام وبه قال سعيد بن جبير والسدي، وهو بمعنى ~~الملاوة من الزمان وهو الطويل منه. # والثاني - قال ابن عباس وقتادة وعطية والضحاك: معنى { مليا } سويا ~~سليما من عقوبتي، وهو من قولهم: فلان ملي بهذا الأمر إذا كان كامل ~~الأمر فيه مضطلعا به، فقال له ابراهيم { سلام عليك } أي سلامة عليك، أي ~~اكرام وبر بحق الأبوة وشكر التربية. وقال ذلك على وضع التواضع له ولين ~~الجانب لموضعه { سأستغفر لك ربي } قال قوم: انما وعده بالاستغفار على ~~مقتضى العقل، ولم يكن قد استقر بعد قبح الاستغفار للمشركين. وقال قوم: ~~معناه سأستغفر لك إذا تركت عبادة الأوثان وأخلصت العبادة لله تعالى. ~~ومعنى قوله { إنه كان بي حفيا } إن الله كان عالما بي لطيفا، والخفي ~~اللطيف بعموم النعمة، يقال: تخفني فلان إذا اكرمني وألطفني، وحفي فلان ~~بفلان حفاوة إذا ابره وألطفه. والحفى أذى يلحق باطن القدم للطفه عن المشي ~~بغير نعل # ثم قال { وأعتزلكم } أي اتنحى عنكم جانبا، واعتزل ms2420 عبادة { ما تدعون من ~~دون الله. وادعوا ربي } وحده { عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا }. # وقوله { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } قيل انه اعتزلهم بأن خرج ~~الى ناحية الشام { وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا } أي لما ~~اعتزلهم آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله رسل لله، وجعلناهم كلهم أنبياء ~~معظيمن { ووهبنا لهم من رحمتنا } أي من نعمتنا { وجعلنا لهم لسان صدق ~~عليا } قال ابن عباس والحسن: معناه الثناء الجميل الحسن من جميع أهل ~~الملل، لان أهل الملل على اختلافهم يحسنون الثناء عليهم، وتقول العرب: ~~جاءني لسان من فلان تعنى مدحه أو ذمه قال عامر ابن الحارث: # اني اتتني لسان لا اسربها # من علو لا عجب منها ولا سخر # جاءت مرجمة قد كنت احذرها # لو كان ينفعني الاشفاق والحذر # وقيل: معناه انا جعلناهم رسل الله يصدقون عليه أعالي الصفات. ### || [19.51-55] # قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر { مخلصا } - بفتح اللام - بمعنى اخلصه الله ~~للنبوة. الباقون - بالكسر - بمعنى أخلص هو العبادة لله. # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { واذكر } موسى { في ~~الكتاب } الذي هو القرآن. وسماه كتابا لما ذكرناه: أنه يكتب. واخبر أن ~~موسى كان مخلصا بطاعاته وجه الله تعالى دون رياء الناس، وانه لم يشرك فى ~~عبادته سواه. ومن فتح اللام أراد ان الله اخلصه لطاعته بمعنى أن لطف له ~~ما اختار عنده اخلاص الطاعة. وانه لم يشب ذلك بمعصيته له، وأنه مع ذلك ~~كان رسولا لله تعالى الى خلقه، قد حمله رسالة يؤديها اليهم { وكان نبيا ~~} وهو العلي برسالة الله الى خلقه، وبما نصب له من المعجزة الدالة على ~~تعظيمه وتبجيله، وعظم منزلته. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر بالأمر ~~العظيم. # ثم اخبر الله تعالى انه ناداه { من جانب الطور الأيمن } فانه قال له { ~~إني أنا الله رب العالمين } والطور جبل بالشام ناداه من ناحيته اليمنى، ~~وهو يمين موسى (ع). وقوله { وقربناه نجيا } معناه قربناه من الموضع الذي ~~شرفناه وعظمناه بالحصول فيه ليسمع كلامه ms2421 تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد قرب ~~من اهل الحجب حتى سمع صريف القلم. وقيل معناه إن محله منا محل من قربه ~~مولاه من مجلس كرامته. وقيل قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتب به ~~التوراة. وقوله { نجيا } معناه انه اختصه بكلامه بحيث لم يسمع غيره، ~~يقال: ناجاه يناجيه مناجاة إذا اختصه بالقاء كلامه اليه. واصل النجوة ~~الارتفاع عن الهلكة، ومنه النجاة ايضا، والنجاء السرعة، لأنه ارتفاع فى ~~السير، ومنه المناجاة. وقال الحسن: لم يبلغ موسى (ع) من الكلام الذي ~~ناجاه شيئا قط. ثم اخبر تعالى انه وهب له من رحمته ونعمته عليه اخاه ~~هارون نبيا، شد أزره كما سأله. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { واذكر في الكتاب } الذي هو ~~القرآن أيضا { إسماعيل } ابن ابراهيم وأخبر { إنه كان صادق الوعد } ~~بمعنى إذا وعد بشيء وفى به، ولم يخلف { وكان } مع ذلك { رسولا } من قبل ~~الله الى خلقه { نبيا } معظما بالاعلام المعجزة. وأنه { كان يأمر أهله ~~بالصلاة والزكاة } قال الحسن: أراد بأهله أمته، والمفهوم من الأهل في ~~الظاهر اقرب أقاربه. و { كان } مع هذه الاوصاف { عند ربه مرضيا } قد رضي ~~اعماله لانها كلها طاعات لم يكن فيها قبائح. وانما أراد بذلك افعاله ~~الواجبات والمندوبات دون المباحات، لان المباحات لا يرضاها الله ولا ~~يسخطها. واصل (مرضي) مرضو فقلبت الضمة كسرة والواو ياء وادغمت في الياء. ### || [19.56-60] # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { اذكر في الكتاب } ~~الذي هو القرآن { إدريس } واخبر انه كان كثير التصديق بالحق، وكان { ~~نبيا } معظما مبجلا مؤيدا بالمعجزات الباهرة. ثم أخبر تعالى أنه رفعه ~~مكانا عليا. قال انس بن مالك: رفعه الله الى السماء الرابعة. وروى ذلك ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وبه قال كعب ومجاهد: وابو سعيد الخدري. ~~وقال ابن عباس والضحاك: رفعه الله الى السماء السادسة. # واصل الرفع جعل الشيء في جهة العلو، وهي نقيض السفل، يقال: رفعه يرفعه ~~رفعا، فهو رافع وذاك مرفوع. والعلي العظيم العلو والعالي العظيم فيما ~~يقدر ms2422 به على الأمور، فلذلك وصف تعالى بأنه علي. والفرق بين العلي ~~والرفيع أن العلي قد يكون بمعنى الاقتدار وعلو المكان. و (الرفيع) من رفع ~~المكان لا غير. ولذلك لا يوصف تعالى بأنه رفيع. وقوله # رفيع الدرجات # انما وصف الدرجات بأنها رفعية. وانما أخذ من علو معنى الصفة بالاقتدار، ~~لأنها بمنزلة العالي المكان. # ثم اخبر تعالى عن الانبياء الذين تقدم وصفهم فقال { أولئك الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين } فان حملنا (من) على التبعيض لم تدل على أن من ~~عداهم لم ينعم عليهم، بل لا يمتنع أن يكون انما افردهم بأنه انعم عليهم ~~نعمة مخصوصة عظيمة رفعية، وإن كان غيرهم ايضا قد أنعم عليهم بنعمة ~~دونها. وإن حملنا (من) على انها لتبيين الصفة لم يكن فيه شبهة، لأن معنى ~~الآية يكون اولئك الذين أنعم الله عليهم من جملة النبيين. # وقوله { من ذرية آدم } [لان الله تعالى بعث رسلا ليسوا من ذرية آدم بل ~~هم من الملائكة كما قال # يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # وقوله { وممن حملنا } فى السفينة { مع نوح } أي ابوهم نوح وهو من ذرية ~~آدم كما قال] { ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل } يعنى يعقوب { وممن هدينا } ~~هم الى الطاعات فاهتدوا اليها واجتبيناهم اي اخترناهم واصطفيناهم { إذا ~~تتلى عليهم آيات الرحمن } اي أعلامه وادلته { خروا سجدا وبكيا } أي ~~سجدوا له تعالى وبكوا، وبكى جمع باك ونصبهما على الحال، وتقديره: خروا ~~ساجدين باكين. وبكي (فعول) ويجوز ان يكون جمع باك على (فعول). ويجوز ان ~~يكون مصدرا بمعنى البكاء. قال الزجاج: لا يجوز النصب على المصدر، لانه ~~عطف على قوله { سجدا }. وانما فرق ذكر نسبهم، وكلهم لآدم، ليبين مراتبهم ~~فى شرف النسب، فكان لادريس شرف القرب من آدم، لأنه جد نوح. وكان ابراهيم ~~من ذرية من حمل مع نوح، لأنه من ولد سام بن نوح. وكان اسماعيل واسحاق ~~ويعقوب من ذرية ابراهيم، لما تباعدوا من آدم حصل لهم شرف ابراهيم، وكان ~~موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل، لأن مريم من ms2423 ذريته. # وقيل انما وصف الله صفة هؤلاء الانبياء ليقتد بهم ويتبع اثارهم فى اعمال ~~الخير # ثم اخبر تعالى انه خلف من بعد المذكورين خلف. والخلف - بفتح اللام - ~~يستعمل في الصالحين، وبتسكين اللام في الطالح قال لبيد: # ذهب الذين يعاش فى اكنافهم # وبقيت فى خلف كجلد الاجرب # وقال الفراء والزجاج: يستعمل كل واحد منهما في الآخر. # وفى الآية دلالة على أن المراد بالخلف من لم يكن صالحا، لانه قال { ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات } وقال القرطي: تركوها. وقال ابن مسعود ~~وعمر بن عبد العزيز: أخروها عن مواقيتها. وهو الذي رواه أصحابنا. وقال ~~قوم خلف - بفتح اللام - إذا خلف من كان من أهله - وبسكون اللام - إذا كان ~~من غير أهله. ثم قال تعالى { فسوف يلقون غيا } والغي الشر والخيبة - في ~~قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس امره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # اي من يخب. وقال عبد الله بن مسعود: الغي واد في جهنم. وقيل معناه يلقون ~~مجازاة غيهم. ثم استثنى من جملتهم من يتوب فيما بعد ويرجع الى الله ويؤمن ~~به ويصدق أنبياءه، ويعمل الاعمال الصالحة من الواجبات والمندوبات، ويترك ~~القبائح فان { أولئك يدخلون الجنة } من ضم الياء أراد أن الله يدخلهم ~~الجنة بأن يأمرهم بدخولها، فضم لقوله { ولا يظلمون } ليتطابق اللفظان. ~~ومن فتح الياء أراد أنهم يدخلون بأمر الله. والمعنيان واحد. وقوله { ولا ~~يظلمون شيئا } معناه لا يبخسون شيئا من ثوابهم بل يوفر عليهم على ~~التمام والوفاء. ### || [19.61-65] # { جنات } فى موضع نصب بدلا من قوله " الجنة " فى قوله " يدخلون الجنة " ~~وكان يجوز الرفع بتقدير هي جنات. والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فاذا ~~لم يكن فى البستان شجر، ويكون من خضرة، فهو روضة، ولا يسمى جنة. وانما ~~قيل { جنات } على لفظ الجمع، لان كان واحد من المؤمنين له جنة تجمعها ~~الجنة العظمى. والعدن الاقامة يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا اذا أقام به. ~~والاقامة كون بالمكان على مرور الازمان. والوعد الاخبار بما يتضمن فعل ~~الخير، ms2424 ونقيضه الوعيد، وهو الاخبار عن فعل الشر. وقد يقال: وعدته بالشر، ~~ووعدته بالخير، وأوعدته بالشر. وأوعدته لا يكون إلا فى الشر، والمراد ~~بالوعد - ها هنا - الموعود. ومعنى مأتيا مفعولا. ويجوز فى مثل هذا ~~(آتيا) و (مأتيا) لأن ما أتيته، فقد اتاك وما أتاك فقد أتيته، كما يقال ~~أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة. وقيل معناه إنه كقولك اتيت خير ~~فلان وأتاني خير فلان. # وقوله { بالغيب } معناه أن الجنة التي وعدهم بها ليست حاضرة عندهم بل هي ~~غائبة. وقوله { لا يسمعون فيها لغوا } معناه لا يسمعون فى تلك الجنة ~~القول الذي لا معنى له يستفاد، وهو اللغو. وقد يكون اللغو الهذر من ~~الكلام. واللغو، واللغا بمعنى واحد قال الشاعر: # عن اللغا ورفث التكلم # وقوله { إلا سلاما } يعني لكن سلاما وتحية من بعضهم لبعض، قال ابو ~~عبيدة: تقديره لا يسمعون فيها لغوا إلا انهم يسمعون سلاما. وقال ~~الزجاج: المعنى لا يسمعون كلاما يؤثمهم إلا كلاما يسلمهم، فيكون ~~استثناء منقطعا. # وقوله { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } قيل معناه في مقدار اليوم من ~~أيام الدنيا، فذكر (الغداة والعشي) ليدل على المقدار، لانه ليس في الجنة ~~ليل، ولا نهار. وقيل: انما ذكر ذلك، لأن اسلم الا كلات اكلة الغداة ~~والعشي، فهو اسلم من الأكل دائما أي وقت وجده، أو تكون اكلته واحدة. # وقوله { تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا } معناه انما نملك ~~تلك الجنة من كان تقيا فى دار الدنيا بترك المعاصي، وفعل الطاعات. وانما ~~قال { نورث } مع انه ليس بتمليك نقل من غيرهم اليهم، لأنه مشبه بالميراث ~~من جهة أنه تمليك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا، كما ينقضي ~~حال الميت من أمر الدنيا. وقيل: انه أورثهم من الجنة المساكن التي كانت ~~لأهل النار لو أطاعوا. # وقوله { وما نتنزل إلا بأمر ربك } قيل في معناه أن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) استبطأ جبرائيل (ع) فقال # " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا " # فاتاه بهذا الجواب وحيا ms2425 من الله بأنا لانتنزل إلا بأمر الله، وهو قول ~~ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك ومجاهد وابراهيم. # وقوله { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك } قال ابن عباس والربيع ~~وقتادة والضحاك وأبو العالية: له ما بين أيدينا: الدنيا، وما خلفنا: ~~الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين. # وقوله { وما كان ربك نسيا } أي ليس الله تعالى ممن ينسى ويخرج عن كونه ~~عالما، لانه عالم لنفسه، وتقديره - ها هنا - وما نسيك وإن أخر الوحي ~~عنك. # وقوله { رب السماوات والأرض } معناه إن الله تعالى هو المالك المتصرف فى ~~السموات والارض، ليس لأحد منعه منه { وما بينهما } يعني وله ما بين ~~السموات والارض. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { فاعبده } وحده لا شريك له { واصطبر ~~لعبادته } أي اصبر على تحمل مشقة عبادته، وقال لنبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) { هل تعلم له سميا } أي مثلا وشبها. وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~وابن جريج. وقيل المعنى انه لا يستحق احد ان يسمى إلها إلا هو. ومن أدغم ~~اللام فى التاء، فلان مخرج اللام قريب من مخرج التاء. وقال ابو علي: ~~ادغام اللام في الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين جائز لقرب مخرج ~~بعضها من بعض. ### || [19.66-70] # قرأ نافع وابن عامر وعاصم { أولا يذكر } خفيفا. الباقون بالتشديد. من ~~شدد: أراد أولا يتذكر، فادغم التاء فى الذال لقرب مخرجيهما. ومن خفف، ~~فلقوله # فمن شاء ذكره # والخفيفة دون ذلك فى الكثرة في هذا المعنى. هذا حكاية من الله تعالى عن ~~قول من ينكر البعث والنشور من الكفار، وهم المعنيون بقوله { أولا يذكر ~~الإنسان } بانهم يقولون على وجه الانكار والاستبعاد: أإذا متنا يخرجنا ~~الله احياء ويعيدنا كما كنا؟! فقال الله تعالى منبها على دليل ذلك { أولا ~~يذكر الإنسان }. من شدد أراد اولا يتفكر، ومن خفف أراد اولا يعلم { أنا ~~خلقناه من قبل } هذا { ولم يك شيئا } موجودا، فمن قدر على أن يخلق ~~ويوجد ما ليس بشيء، فيجعله شيئا موجودا، فهو على إعادته بعد عدمه الى ~~الحالة الاولى ms2426 أقدر. # ثم اقسم تعالى فقال { فوربك لنحشرنهم } أي لنبعثنهم من قبورهم مقرنين ~~بأوليائهم من الشياطين. ويحتمل { الشياطين } أن يكون نصبا من وجهين: # احدهما - ان يكون مفعولا به بمعنى ونحشر الشياطين. # الثانى - ان يكون مفعولا معه بمعنى لنحشرنهم مع الشياطين { ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا } جمع جاثي وهو الذي برك على ركبتيه. وقوله { ثم لننزعن ~~من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } يعني تمردا أي نبدأ بالاكبر ~~جرما فالاكبر، في قول أبي الاحوص، ومجاهد. والشيعة هم الجماعة ~~المتعاونون على أمر واحد من الامور، ومنه تشايع القوم إذا تعاونوا، ويقال ~~للشجاع: شيع أي معان، وفى رفع { أيهم } ثلاثة اقوال: # أولها الحكاية على تقدير، فيقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا؟ فليخرج. # الثاني - انه مبني على الضم، ومعناه الذي هو اشد على الرحمن عتيا، إلا ~~أنه مبني لما حذف منه (هو)، واطرد الحذف به فصار كبعض الاسم. فالاول قول ~~الخليل. والثاني مذهب سيبويه. # والثالث - أن يكون { لننزعن } معلقة كتعليق علمت أيهم في الدار، وهو قول ~~يونس. وأجاز سيبويه النصب على أن يكون (أي) بمعنى الذي. وذكر انها قراءة ~~هارون الاعرج. # وقوله { ولم يك شيئا } أي لم يكن شيئا موجودا كائنا. ثم أخبر تعالى ~~أنه اعلم بالذين عملوا المعاصي وارتكبوا الكفر والكبائر، والذين هم اولى ~~بالنار صليا، لا يخفى عليه خافية. ### || [19.71-75] # قرأ نافع وابن عامر " وريا " بغير همز. الباقون بهمز، من همز فمعناه ~~المنظر الحسن (فعيل) من الرؤية، ومن لم يهمز احتمل أن يكون خفف الهمزة ~~كما قالوا في البريئة برية ويحتمل أن يكون مأخوذا من الري، وهو امتلاء ~~الشباب والنظارة، أي ترى الري فى وجوههم. وقرأ سعيد بن جبير " وريا " ~~جعله من الري وقرئ بالزاي، ومعناه ما يتزيا به. # وقرأ ابن كثير " مقاما " - بضم الميم - الباقون بفحتها. فالمقام - بضم ~~الميم - مصدر الاقامة. وبفتحها المكان، كقوله # مقام إبراهيم # وقرأ يعقوب الحضرمي وعاصم والجحدري وابن أبي ليلى وابن عباس { ثم ننجي } ~~بفتح الثاء بمعنى هناك ننجي المتقين. والباقون { ثم } بضم التاء حرف عطف. ms2427 # يقول الله تعالى للمكلفين انه ليس منكم أحد إلا وهو يرد جهنم، فان ~~الكناية في قوله { إلا واردها } راجعة الى جهنم بلا خلاف، إلا قول مجاهد، ~~فانه قال: هي كناية عن الحمى والامراض. وروى في ذلك خبرا عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) عن ابي هريره. وقال قوم: هو كناية عن القيامة. واقوى ~~الاقوال الأول، لقوله تعالى { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا } يعني في جهنم. # واختلفوا في كيفية ورودهم اليها، فقال قوم - وهو الصحيح -: إن ورودهم هو ~~وصولهم اليها واشرافهم عليها من غير دخول منهم فيها، لأن الورود فى اللغة ~~هو الوصول الى المكان. واصله ورود الماء، وهو خلاف الصدور عنه. ويقال: ~~ورد الخبر بكذا، تشبيها بذلك. ويدل على أن الورود هو الوصول الى الشيء من ~~غير دخول فيه قوله تعالى { ولما ورد ماء مدين } وأراد وصل اليه. وقال ~~زهير: # فلما وردن الماء زرقا جمامه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # وقال قتادة وعبد الله بن مسعود: ورودهم اليها، هو ممرهم عليها. وقال ~~عكرمة يردها الكافر دون المؤمن، فخص الآية بالكافرين. وقال قوم شذاذ: ~~ورودهم إليها: دخولهم فيها ولو تحلة القسم. روي ذلك عن ابن عباس وكان من ~~دعائه: اللهم أزحني من النار سالما وادخلني الجنة غانما. وهذا الوجه ~~بعيد، لان الله قال # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون # فبين تعالى أن من سبقت له الحسنى من الله يكون بعيدا من النار، فيكف ~~يكون مبعدا منها مع أنه يدخلها. وذلك متناقض، فاذا المعني بورودهم ~~أشرافهم عليها، ووصولهم اليها. # وقوله { كان على ربك حتما مقضيا } معناه إن ورودهم الى جهنم على ما ~~فسرناه حتم من الله وقضاء قضاه لا بد من كونه. والحتم القطع بالأمر، وذلك ~~حتم من الله قاطع. والحتم والجزم والقطع بالامر معناه واحد. والمقضي الذي ~~قضى بأنه يكون. # ثم قال تعالى { ثم ننجي الذين اتقوا } معاصي الله وفعلوا طاعاته من دخول ~~النار { ونذر الظالمين } أي ندعهم فيها ونقرهم على حالهم { جثيا } ~~باركين على ركبهم ms2428 { في جهنم }. # ثم قال { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } اي إذا قرئت على المشركين أدلة ~~الله الظاهرة وحججه الواضحة { قال الذين كفروا } بوحدانيته وجحدوا ~~أنبياءه للذين صدقوا بذلك مستفهمين لهم وغرضهم الانكار عليهم { أي ~~الفرقين خير مقاما } أي منزل اقامة فى الجنة او في النار { وأحسن نديا ~~} اي مجلسا وقيل معناه اوسع مجلسا واحسن نديا، فالندي المجلس الذي قد ~~اجتمع فيه أهله، يقال: ندوت القوم اندوهم ندوا إذا جمعتهم في مجلس. ~~وفلان فى ندى قومه وناديهم بمعنى واحد واصله مجلس الندى وهو الكرم، وقال ~~حاتم: # ودعوت فى اولى الندي ولم # ينظر الي بأعين خزر # والمراد بالفريقين فريق المشركين وفريق المؤمنين، فيفتخرون على المؤمنين ~~بكثرة نعمهم وحسن احوالهم وحال مجلسهم، فقال الله تعالى { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } والاثاث المتاع والرئي المنظر، وهو ~~قول ابن عباس. وقال ابن الاحمر: واحد الاثاث اثاثة كحمام وحمامة. وقال ~~الفراء: لا واحد له، ويجمع اثة وأثث. ويجوز في { رئيا } ثلاثة اوجه في ~~العربية: رئيا بالهمز قبل الياء، وريئا بياء قبل الهمزة وهو على قولهم ~~راءني علي وزن راعني، وريا بترك الهمزة - فى قول الزجاج - ويجوز أن يكون ~~من الزاي انشد لابن دريد: # اهاجتك الضغائن يوم بانوا # بذي الزي الجميل من الاثاث # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد { من كان في ~~الضلالة } عن الحق والعدول عن اتباعه { فليمدد له الرحمن مدا } أي يمدهم ~~ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، كما قال # ويمدهم في طغيانهم يعمهون # وانما ذكر بلفظ الامر ليكون آكد كأنه ألزم نفسه إلزاما كما يقول ~~القائل: آمر نفسي، ويقول من زارني فلأكرمه، فيكون الزم من قوله اكرمه. ~~ويجوز أن يكون أراد { فليمدد له الرحمن مدا } فى عذابهم فى النار، كما ~~قال # ونمد له من العذاب مدا # وقوله { حتى إذا رأوا ما يوعدون } أي شاهدوا ما وعدهم الله به { إما ~~العذاب } والعقوبة على المعاصي " وإما " القيامة والمجازاة لكل أحد على ~~ما يستحقه { فسيعلمون } حينئذ ويتحققون { من هو ms2429 شر مكانا وأضعف جندا } ~~آلكفار أم المؤمنين. وفى ذلك غاية التهديد فى كونهم على ما هم عليه. وقيل ~~العذاب - ها هنا - المراد به ما وعد المؤمنون به من نصرهم على الكفار ~~فيعذبونهم قتلا واسرا، فسيعلمون بالنصر والقتل انهم أضعف جندا من جند ~~النبي والمسلمين، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة، من ~~هو شر مكانا. ### || [19.76-80] # يقول الله تعالى انه { يزيد الذين اهتدوا } الى طاعة الله واجتناب ~~معاصيه { هدى } ووجه الزيادة لهم فيه ان يفعل بهم الألطاف التي يستكثرون ~~عندها الطاعات بما يبينه لهم من وجه الدلالات والامور التي تدعوا الى ~~أفعال الخيرات. وقيل: زيادة الهدى هو بايمانهم بالناسخ والمنسوخ. واخبر ~~تعالى أن { الباقيات الصالحات } وهي فعل جميع الطاعات واجتناب جميع ~~المعاصي. وقيل: هو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله ~~اكبر ولله الحمد، وروي عن أبي عبد الله (ع) أن الباقيات الصالحات القيام ~~آخر الليل لصلاة الليل والدعاء في الاسحار. وسميت باقيات بمعنى أن ~~منافعها تبقى وتنفع أهلها فى الدنيا والاخرة، بخلاف ما نفعه مقصور على ~~الدنيا فقط. وقوله { خير عند ربك ثوابا } أي أكثر ثوابا من غيرها. وقيل ~~معناه خير ثوابا من مقامات الكفار التي لها عندهم الافتخار. وقيل: خير ~~من اعمال الكفار على تقدير: إن كان فيها خير. وقوله { وخير مردا } أي ~~خير نعيما ترده الباقيات الصالحات على صاحبه، كأنه ذاهب عنه لفقده له، ~~فترده عليه حتى يجده فى نفسه. # وقوله { أرأيت الذي كفر بآياتنا، وقال لأوتين مالا وولدا } قيل: نزلت ~~في العاص بن وائل السهمي - فى قول ابن عباس، وخباب ابن الارت، ومجاهد - ~~وقال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، فانه قال - استهزاء - لأوتين ~~مالا وولدا فى الجنة، ذكره الكلبي. وقيل أراد فى الدنيا، يعني إن اقمت ~~على دين آبائي وعبادة آلهتي { لأوتين مالا وولدا }. # وقرأ حمزة والكسائي " وولدا " بضم الواو. الباقون بفتحها. وقيل فى ذلك ~~قولان: # احدهما - انهما لغتان كالعدم والعدم، والحزن والحزن، قال الشاعر: # فليت فلانا كان في بطن أمه ms2430 # وليت فلانا كان ولد حمار # وقال الحارث بن حلزة: # ولقد رأيت معاشرا # قد ثمروا مالا وولدا # وقال رؤبة: # الحمد لله العزيز فردا # لم يتخذ من ولد شيء ولدا # والثاني - إن (قيسا) تجعل (الولد) بالضم جمعا، وبالفتح واحدا، ~~كقولهم: اسد واسد، ووثن ووثن. # فقال الله تعالى { اطلع الغيب } أي اشرف على علم الغيب وعرفه حتى قال ما ~~قال؟! وهذه الف الاستفهام دخلت على الف الوصل المكسورة فسقطت المكسورة ~~مثل # أصطفى البنات على البنين # وقوله { أم اتخد عند الرحمن عهدا } قال قتادة: معناه آتخذ عهدا للرحمن ~~بعد صالح قدمه؟. وقال غيره: معناه { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } أي قولا ~~قدمه اليه بما ذكره. # ثم قال تعالى " كلا " أي حقا وهو قسم { سنكتب ما يقول } أي نثبته ~~ليواقف عليه يوم القيامة { ونمد له من العذاب مدا } أي نؤخر عنه عذابه، ~~ولا نعاجله. ويجوز أن يكون المراد إنا نطيل عذابه. # وقوله { ونرثه ما يقول } قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: نرثه نحن المال ~~والولد بعد اهلاكنا إياه وإبطالنا ما ملكناه { ويأتينا فردا } أي يجيئنا ~~يوم القيامة فردا لا أحد معه، ولا شيء يصحبه. ### || [19.81-85] # قرأ ابن نهيك { كلا سيكفرون } - بضم الكاف - بمعنى جميعا سيكفرون. ~~الباقون بفتح الكاف. # اخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم ووصفهم بأنهم { اتخذوا من ~~دون الله آلهة } عبدوها ووجهوا عبادتهم نحوها { ليكونوا لهم عزا } ~~والاتخاذ اعداد الشيء ليأتيه في العاقبة، فهؤلاء اتخذوا الآلهة ليصيروا ~~الى العز فصاروا بذلك الى الذل، فسخط الله عليهم وأذلهم. والعز الامتناع ~~من الضيم عز يعز عزا، فهو عزيز أي منيع من أن ينال بسوء. فقال الله ~~تعالى { كلا سيكفرون بعبادتهم } أي حقا ليس الأمر على ما قالوه بل ~~سيكفرون بعبادتهم. وقيل فى معناه قولان: # احدهما - إن معناه سيجحدون أن يكونوا عبدوها، لما يرون من سوء عاقبتها. ~~وهذا جواب من اجاز وقوع القبائح والكذب من أهل الآخرة. # الثاني - سيكفرو ما اتخذوه آلهة بعبادة المشركين لها، كما قال الله ~~تعالى # تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ms2431 # أي بأمرنا وإرادتنا { ويكونون عليهم ضدا } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال مجاهد: يكونون عونا في خصومتهم وتكذيبهم. # الثاني - قال قتادة يكونون قرناء هم فى النار يلعنونهم ويتبرؤن منهم. # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { ألم تر } يا محمد { أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين } أي لما سلط الكفار الشياطين على نفوسهم ~~وقبلوا منهم واتبعوهم خلينا بينهم وبينهم حتى اغووهم، ولم نحل بينهم ~~بالالجاء، ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على ضرب من المجاز. ومثله ~~قوله # فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى # ويحتمل ان يكون أراد به يرسل الشياطين عليهم في النار بعد موتهم يعذبوهم ~~ويلعنونهم، كما قال # فوربك لنحشرنهم والشياطين # ويقال أرسلت الباز والكلب على الصيد إذا خليت بينه وبينه. وقوله { تؤزهم ~~أزا } أي تزعجهم ازعاجا. والاز الازعاج الى الامر، أزه أزا وأزيزا ~~إذا هزه بالازعاج الى أمر من الأمور. # ثم قال تعالى { فلا تعجل } على هؤلاء الكفار { إنما نعد لهم عدا } ~~الايام والسنين. وقيل الانفاس. # وقوله { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } أي اذكر يوم نحشر الذين ~~اتقوا معاصي الله وفعلوا طاعاته الى الرحمن وفدا اي ركبانا فى قدومهم، ~~ووحد لأنه مصدر وفد، ويجمع وفودا، تقول: وفدت أفد وفدا فأنا وافد. ~~وقيل: انهم يؤتون بنوق لم ير مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، ~~فيركبون عليها حتى يصيروا الى ابواب الجنة - في قول ابن عباس - وقيل: ~~معناه يحشرهم الله جماعة جماعة. ### || [19.86-92] # قرأ الكسائي ونافع { يكاد } بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن كثير ~~ونافع والكسائي وحفص { يتفطرن } بياء وتاء من: تفطر يتفطر تفطرا. ~~الباقون { ينفطرن } من انفطر كقوله { إذا السماء انفطرت }. وتفطر مطاوع ~~فطر. والتشديد يفيد التكثير # اخبر الله تعالى أنه يسوق المجرمين الى جهنم وردا يوم القيامة. والسوق ~~الحث على السير، ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق ومنه الساق، لاستمرار السير ~~بها، ومنه السوق لأنه يساق به البيع والشراء شيئا بعد شيء. وقال الفراء: ~~يسوقهم مشاة. وقال الاخفش: عطاشا. وقيل افرادا. ومعنى { وردا } أي ~~عطاشا. ms2432 كالابل التي ترد عطاشا الماء، إلا أن هؤلاء يمنعون منه، لانه لا ~~يشرب من الحوض الا مؤمن. وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة. # وقوله { لا يملكون الشفاعة } أي لا يقدرون عليها، والملك القدرة على ما ~~له التصرف فيه أن يصرفه أتم التصريف في الحقيقة أو الحكم. # وقوله { إلا من اتخد عند الرحمن عهدا } أي عملا صالحا - فى قول ابن ~~جريج - فموضع (من) نصب على أنه استثناء منقطع، لأن المؤمن ليس من ~~المجرمين. وقد قيل: انه نصب على حذف اللام بمعنى لا يملك المتقون الشفاعة ~~إلا لمن اتخد عند الرحمن عهدا. والعهد المراد به الايمان. والاقرار ~~بواحدنيته وتصديق أنبيائه، فان الكفار لا يشفع لهم. وقال الزجاج (من) فى ~~موضع رفع بدلا من الواو والنون فى قوله { لا يملكون الشفاعة }. والمعنى ~~لا يملك الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وهو الايمان. # ثم اخبر تعالى عن الكفار بأنهم { قالوا اتخذ الرحمن ولدا } كما قال ~~النصارى: إن المسيح ابن الله، واليهود قالت عزير ابن الله. فقال الله لهم ~~على وجه القسم { لقد جئتم } بهذا القول { شيئا إدا } أي منكرا عظيما ~~- في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، قال الراجز: # لقد لقي الاعداء مني نكرا # داهية دهياء إدا إمرا # وقال الآخر: # فى لهب منه وحبل إد # ثم قال تعالى تعظيما لهذا القول { تكاد السماوات } وقرئ بالتاء والياء. ~~فمن قرأ بالتاء فلتأنيث السموات ومن ذكر، فلأن التأنيث غير حقيقي. وقال ~~ابو الحسن: معنى تكاد السموات تريد كقوله { كدنا ليوسف } أي أردنا، ~~وانشد: # كادت وكدت وتلك خير أرادة # لو عاد من لهو الصبابة ما مضى # ومثله قوله تعالى { أكاد أخفيها } أي أريد ومعنى { تكاد } فى الآية تقرب ~~لان السموات لا يجوز ان ينفطرن ولا يردن لذلك، ولكن هممن بذلك، وقربن منه ~~اعظاما لقول المشركين. وقال قوم: معناه على وجه المثل، لان العرب تقول ~~إذا أرادت امرا عظيما منكرا: كادت السماء تنشق والارض تنخسف، وأن يقع ~~السقف. فلما افتروا على الله الكذب، ضرب الله المثل لكذبهم ms2433 بأهول ~~الاشياء، وقريب من هذا قول الشاعر: # ألم تر صدعا في السماء مبينا # على ابن لبينى الحارث بن هشام # وقريب منه ايضا قول الشاعر: # واصبح بطن مكة مقشعرا # كان الارض ليس بها هشام # وقال آخر: # بكا حارث الجولان من فقد ربه # وحوران منه خاشع متضائل # وقال آخر: # لما اتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقال قوم: المعنى لو كان شيء يتفطر استعظاما لما يجري من الباطل لتفطرت ~~السموات والارض استعظاما، واستنكارا لما يضيفونه الى الله تعالى من ~~اتخاذ الولد، ومثله قوله # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # ومعنى يتفطرن يتشققن والانفطار الانشقاق فى قول ابن جريج، يقال: فطر ناب ~~البعير إذا انشق، وقرئ ينفطرن بمعنى يتشققن منه، يعني من قولهم اتخذ ~~الرحمن ولدا، والمراد بذلك تعظيما واستنكارا لهذا القول، وانه لو كانت ~~السموات يتفطرن تعظيما لقول باطل لانشقت لهذا القول، ولو كانت الجبال ~~تخر لأمر، لخرت لهذا القول. و (الهد) تهدم بشدة صوت. # وقوله { أن دعوا للرحمن ولدا } أي لأن دعوا، أو من ان دعوا، او المعنى ~~ان السموات تكاد ينفطرن والجبال تنهد والارض تنشق لدعواهم لله ولدا، أي ~~لتسميتهم له ولدا، فهؤلاء سموا لله ولدا كما جعلوا المسيح ابن الله. ~~والمشركون جعلوا الملائكة بنات الله. وقيل: معناه ان جعلوا للرحمن ولدا، ~~لان الولد يستحيل عليه تعالى. # ثم اخبر تعالى انه لا ينبغي له ان يتخذ ولدا، ولا يصلح له، كما يقال ~~ابن احمر: # في رأس حلقاء من عنقاء مشرفة # ما ينبغي دونها سهل ولا جبل # وقال الآخر فى الدعاء بمعنى التسمية: # ألا رب من تدعوا نصيحا وإن تغب # تجده بغيب غير منتصح الصدر # وقال ابن احمر ايضا: # هوى لها مشقصا حشرا فشبرقها # وكنت أدعو قذاها الاثمد الفرد ### || [19.93-98] # يقول الله تعالى ليس كل من في السموات والارض من العقلاء إلا وهو يأتي ~~الرحمن عبدا مملوكا لا يمكنهم جحده، ولا الامتناع منه، لانه يملك ~~التصرف فيهم كيف شاء. ثم قال تعالى إنه { قد أحصاهم وعدهم عدا } أي علم ms2434 ~~تفاصيلهم وأعدادهم فكانه عدهم، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم. ثم قال: ~~وجميعهم يأتي الله يوم القيامة فردا مفردا، لا أحد معه ولا ناصر له ولا ~~أعوان، لان كل احد مشغول بنفسه لا يهمه هم غيره. ثم قال تعالى { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي آمنوا بالله ووحدانيته وصدقوا أنبياءه، ~~وعملوا بالطاعات سيجعل الله لهم ودا أي سيجعل بعضهم يحب بعضا، وفي ذلك ~~أعظم السرور وأتم النعمة، لانها كمحبة الوالد لولده البار به. وقال ابن ~~عباس ومجاهد: { سيجعل لهم الرحمن ودا } فى الدنيا. وقال الربيع بن أنس ~~إذا أحب الله عبدا طرح محبته في قلوب أهل السماء، وفى قلوب أهل الارض. ~~ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { إنما يسرناه بلسانك } يعني القرآن { ~~لتبشر به المتقين } لمعاصي الله بالجنة { وتنذر به } أي تخوف به { قوما ~~لدا } أي قوما ذوي جدل مخاصمين - فى قول قتادة - وهو من اللدد، وهو شدة ~~الخصومة، ومنه تعالى # وهو ألد الخصام # أي أشد الخصام خصومة وهو جمع ألد. ك (أصم، وصم) قال الشاعر: # إن تحت الاحجار حزما وعزما # وخصيما ألد ذا معلاق # ثم اخبر الله تعالى فقال { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد ~~} أي هل تدرك احدا منهم { أو تسمع لهم ركزا } قال ابن عباس وقتادة ~~والضحاك: الركز الصوت. وقال ابن زيد: هو الحس، والمراد - ها هنا - ~~الصوت، ومنه الركاز، لانه يحس به حال من تقدم بالكشف عنه، قال الشاعر: # فتوجست ركز الأنيس فراعها # عن ظهر غيب والانيس سقامها # والمعنى: إنا قد اهلكنا امما كثيرة اعظم منهم كثرة، واكثر اموالا واشد ~~خصاما فلم يغنهم ذلك لما اردنا اهلاكهم، فكيف ينفع هؤلاء ذلك، وهم اضعف ~~منهم فى جميع الوجوه، وبين ان حكم هؤلاء حكم اولئك في ان لا يبقى لهم عين ~~ولا اثر. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-5] # خمس آيات في الكوفي، لأنهم عدوا { طه } آية وأربع في الباقين. # قرأ ابو عمرو { طه } بفتح الطاء وامالة الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ~~وابو بكر إلا ms2435 الأعشى والبرجمي بامالتهما. الباقون بفتحهما. وقرأ عيسى بن ~~عمر ضد قراءة أبي عمرو - بكسر الطاء وفتح الهاء - وقرأ الحسن باسكان ~~الهاء، وفسره يا رجل. وقرأ ابو جعفر بتقطيع الحروف، ورواه الأصمعي عن ~~نافع، وروي عن نافع بين الكسر والفتح في الحرفين، وروي الفتح فيهما، وهو ~~الأظهر. # فمن فخم فلأنها لغة النبي (صلى الله عليه وسلم) وهي لغة اهل الحجاز، ومن ~~أمال، فهو حسن. قال ابو عمرو: املت الهاء لئلا تلتبس بهاء الكناية. وقد ~~بينا فى اول سورة البقرة معنى اوائل السور واختلاف الناس فيه، وأن أقوى ~~ما قيل فيه: إنها اسماء للسور ومفتاح لها. وقال قوم: هو اختصار من كلام ~~خص بعلمه النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ~~ومجاهد: معنى { طه } بالسريانية يا رجل. ومنهم من قال هو بالنبطية. وقال ~~الحسن: هو جواب المشركين لما قالوا: انه شقي فقال الله تعالى يا رجل ما ~~انزلنا عليك القرآن لتشقى، وقيل: إن طه بمعنى يا رجل فى لغة عك وانشد ~~لمتمم بن نويرة: # هتفت بطه في القتال فلم يجب # فخفت عليه ان يكون موائلا # وقال آخر: # إن السفاهة طه من خلائقكم # لا بارك الله فى القوم الملاعين # ومن قرأ { طه } بتسكين الها تحتمل قراءته امرين: # احدهما - ان تكون الهاء بدلا من همزة طاء، كقولهم في أرقب هرقب، والآخر ~~ان يكون على ترك الهمز (ط) يا رجل، وتدخل الهاء للوقف. والشقاء استمرار ~~ما يشق على النفس، يقال: شقي يشقى شقا، وهو شقي ونقيض الشقاء السعادة. # وقيل في قوله { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } قولان: # احدهما - قال مجاهد وقتادة: إنه نزل بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر ~~في قيام الليل. # والثاني - قال الحسن: انه جواب للمشركين لما قالوا: انه شقي. # وقوله { إلا تذكرة لمن يخشى } معناه لكن انزلناه تذكرة أي ليتذكر به من ~~يخشى الله ويخاف عقابه، يقال: ذكره تذكيرا وتذكرة، ومثله # وما لأحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتعاء وجه ربه الأعلى # اي لكن ابتغاء وجه ms2436 ربه، وما فعله إلا ابتغاء وجه ربه، ومثله قول القائل: ~~ما جئت لأسوءك إلا إكراما لزيد، يريد ما جئت إلا اكراما لزيد، وكذلك ~~المصادر التي تكون عللا لوقوع الشيء نحو جئتك ابتغاء الخير اي لابتغاء ~~الخير. وقوله { تنزيلا ممن } معناه نزل تنزيلا. وقيل تقديره { إلا ~~تذكرة... تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى } أي أبدعهن وأحدثهن و { ~~العلى } جمع عليا، مثل ظلمة وظلم، وركبة وركب، ومثل الدنيا والدنى. # والقصوى والقصى. # وقوله { الرحمن } رفع بأنه خبر مبتدأ، لانه لما قال { تنزيلا ممن خلق } ~~بينه فكأنه قال: هو الرحمن، كقوله # بشر من ذلكم النار # وقال ابو عبيدة: تقديره { ما أنزلنا عليك القرآن... إلا تذكرة لمن يخشى ~~} لا لتشقى. [ويحتمل أن يكون المراد ما انزلنا عليك القرآن لتشقى] وما ~~انزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. # { الرحمن على العرش استوى } قيل فى معناه قولان: # احدهما - انه استولى عليه، وقد ذكرنا فيما مضى شواهد ذلك. # الثاني - قال الحسن " استوى " لطفه وتدبيره، وقد ذكرنا ذلك أيضا فيما ~~مضى، وأوردنا شواهده فى سورة البقرة فأما الاستواء بمعنى الجلوس على ~~الشيء فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفة الاجسام، والاجسام كلها محدثة. ~~ويقال: استوى فلان على مال فلان وعلى جميع ملكه أي احتوى عليه. وقال ~~الفراء: يقال: كان الأمر في بني فلان ثم استوى فى بني فلان أي قصد اليهم ~~وينشد: # أقول وقد قطعن بنا شرورى # ثواني واستوين من النجوع # أي خرجن واقبلن ### || [20.6-10] # يقول الله تعالى إن { له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى } المعنى انه مالك لجيمع الاشياء واجتزى بذكر بعض الاشياء عن ~~ذكر البعض لدلالته عليه، كما قال # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم # ولم يقل وعلى ظهورهم، لان المفهوم انهم يذكرون الله على كل حال. ومثله ~~قوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # لما كان رضا احدهما رضا الآخر، ومثله قوله # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله # ولم يقل ينفقونهما لدلالته على ذلك و { الثرى } التراب الندي، فله ms2437 تعالى ~~{ ما تحت الثرى } الى حيث انتهى، لانه مالكه وخالقه ومدبره، وكل شيء ملكه ~~يصح، والله تعالى مالكه بمعنى أن له التصرف فيه كيف شاء. # وقوله { وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى } معناه وإن تجهر بالقول ~~لحاجتك لسمعه أي تجهر به، فانه تعالى يعلم السر وأخفى من السر. ولم يقل ~~وأخفى منه، لانه دال عليه، كما يقول القائل: فلان كالفيل أو اعظم، وهذا ~~كالحبة أو اصغر. والجهر رفع الصوت يقال: جهر يجهر جهرا، فهو جاهر والصوت ~~مجهور، وضده الهمس. و (السر) ما حدث به الانسان غيره فى خفية، وأخفى منه ~~ما أضمره في نفسه ولم يحدث به غيره - هذا قول ابن عباس - وقال قتادة وابن ~~زيد وسعيد بن جبير: السر ما أضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ~~ولا أضمره أحد. وقال قوم: معناه يعلم السر والخفي. وضعف هذا لانه ترك ~~الظاهر وعدول بلفظة (أفعل) الى غير معناها من غير ضرورة، ولان حمله على ~~معنى أخفى أبلغ إذا كان بمعنى أخفى من السر، فاما قول الشاعر: # تمنى رجال ان اموات وإن امت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد # انما حمل على ان المراد { بأوحد } احد، لان الوحدة لا يقع فيها تعاظم، ~~فاخرجه الشاعر مخرج ما فيه تعاظم ورد المعنى الى الواحد. ثم اخبر تعالى ~~بانه { الله } الذي تحق له العبادة { لا إله } يحق له العبادة { إلا هو ~~له الأسماء الحسنى } وانما ذكر الحسنى بلفظ التوحيد ولم يقل الاحاسن، لان ~~الاسماء مؤنثة يقع عليها (هذه) كما يقع على الجماعة (هذه) كأنه اسم واحد ~~للجميع قال الشاعر: # وسوف يعتبنيه إن ظفرت به # رب كريم وبيض ذات اطهار # وفي التنزيل # حدائق ذات بهجة # ومآرب أخرى # فقد جاز صفة جمع المؤنث بصفة الواحد. # وقوله وهل { أتاك حديث موسى } خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وتسلية ~~له مما ناله من اذى قومه. والتثبيت له بالصبر على امر ربه، كما صبر اخوه ~~موسى (ع) حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة. # وقوله { إذ رأى نارا ms2438 } اي حديث موسى حين رأى نارا { فقال لأهله امكثوا ~~} اي البثوا مكانكم { إني آنست نارا } اي رأيت نارا. # والايناس وجدان الشيء الذي يؤنس به، لانه من الانس ويقال: آنس البازي ~~إذا راى صيدا قال العجاج: # آنس خربان فضاء فانكدر # وكان في شتاء، وقد امتنع عليه القدح وضل عن الطريق، فلذلك قال { أو أجد ~~على النار هدى } وقوله { لعلي آتيكم منها بقبس } فالقبس الشعلة، وهو نار ~~في طرف عود أو قصبة، يقول القائل لصاحبه: اقبسني نارا فيعطيه إياها في ~~طرف عود او قصبة أي لعلي آتيكم بنار تصطلون به أو اجد من يدلني على ~~الطريق الذي أضللناه او ما استدل به عليه ويقال اقبسته نارا إذا اعطيته ~~قبسا منها، وقبسته للعلم، فرق بين النوعين، والاصل واحد وكلاهما يستضاء ~~به. ### || [20.11-15] # قرأ ابن كثير وابو عمور { إني أنا ربك } بفتح الهمزة والياء. الباقون ~~بكسرها وسكون الياء إلا نافعا فانه فتح الياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ~~ونافع وعاصم وحمزة والكسائي { طوى } بضم الطاء مصروفا. وروى بكسر الطاء ~~غير مصروف ابو زيد عن أبي عمرو. وقال: هي أرض. وقرأ { وإنا اخترناك } ~~بالتشديد بالف حمزة، واصله واننا اخترناك والنون والالف نصب ب (إن) و ~~(ان) مع ما بعدها فى موضع نصب بتقدير، نودي { إنا اخترناك }. وقرأ ~~الباقون { وأنا اخترتك } على التوحيد ف { أنا } رفع بأنه ابتداء و { ~~اخترتك } خبره. وفى قراءة أبي { وإنني اخترتك } فهذه تقوي قراءة حمزة ~~والكسائي. # من لم يصرف { طوى } يجوز أن يكون اعتقد انه معدول عن (طاو) وهو معرفة، ~~ويجوز أن يكون نكرة، لأنه اسم البقعة. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) إن موسى (ع) لما أتى النار ~~التي آنسها نودي، فقيل له يا موسى، والنداء الدعاء على طريقة يا فلان، ~~وهو مد الصوت بنداء على هذه الطريقة يقال: صوت نداء، وذلك أنه بندائه ~~يمتد { إني أنا ربك } فيمن فتح الهمزة. فالمعنى نودي بأني أنا، ولما حذف ~~الباء فتح. ومن كسرها فعلى الاسنئناف أو على تقدير قيل له ms2439 إني أنا ربك ~~الذي خلقك ودبرك { فاخلع نعليك } وانما علم موسى (ع) أن هذا النداء من ~~قبل الله تعالى بمعجزة أظهرها الله، كما قال في موضع آخر # نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى ~~إني أنا الله رب العالمين * وان ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى ~~مدبرا ولم يعقب # حتى قيل له # يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين # وقيل السبب الذي لأجله أمر بخلع النعلين فيه قولان: # احدهما - ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس في قول علي (ع) والحسن وابن ~~جريج. # وقال كعب وعكرمة: لانها كانت من جلد حمار ميت. وحكى البلخي أنه امر بذلك ~~على وجه الخضوع والتواضع، لان التحفي في مثل ذلك أعظم تواضعا وخضوعا. # والخلع نزع الملبوس يقال: خلع ثوبه عن بدنه وخلع نعله عن رجله. وقد ينزع ~~المسمار، فلا يكون خلعا، لانه غير ملبوس ويقال: خلع عليه رداءه كأنه ~~نزعه عن نفسه وألبسه اياه. والوادي سفح الجبل. ويقال للمجرى العظيم من ~~مجاري الماء واد واصله عظم الامر. ووديته إذا أعطيته ديته، لأنها عطية عن ~~الأمر العظيم من القتل. والمقدس المبارك - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقيل ~~هو المطهر، قال امرؤ القيس: # كما شبرق الولدان ثوب المقدس # يريد بالمقدس: العابد من النصارى، كالقسيس ونحوه و (شبرق) أي شق. # وقيل فى معنى (طوى) قولان: # احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم الوادي. # وقال الحسن: لانه طوي بالبركة مرتين، فعلى هذا يكون مصدر طويته طوى، ~~وقال عدي بن زيد: # آعاذل ان اللوم فى غير كنهه # علي طوى من غيك المتردد # وقوله { وأنا اخترتك } اي اصطفيتك { فاستمع لما يوحى } اليك من كلامي ~~واصغ اليه وتثبت { إني أنا الله لا إله إلا أنا } أي لا إله يستحق ~~العبادة غيري { فاعبدني } خالصا، ولا تشرك في عبادتي احدا { وأقم ~~الصلاة لذكري } أي لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم - في قول الحسن ومجاهد ~~- وقيل: معناه لأن أذكرك بالمدح والثناء. وقيل المعنى متى ذكرت ان عليك ms2440 ~~صلاة كنت فى وقتها أوفات وقتها، فأقمها. وقرئ - بفتح الراء - قال أبو ~~علي: يحتمل أن يكون قلب الكسرة فتحة مع ياء الاضافة. # ثم اخبر الله تعالى بأن الساعة يعني القيامة { آتية } أي جائية { أكاد ~~أخفيها } معناه أكاد لا أظهرها لاحد - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - ~~أي لا أذكرها بأنها آتية، كما قال تعالى # لا تأتيكم إلا بغتة # وقيل { أخفيها } بضم الألف بمعنى أظهرها، وانشد بيتا لأمرئ القيس بن ~~عابس الكندي: # فان تدفنوا الداء لا نخفه # وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # فضم النون من نخفه - ذكره ابو عبيدة - قال انشدنيه ابو الخطاب هكذا، ~~وانشده الفراء بفتح النون. وقال ابي بن كعب: المعنى { أكاد أخفيها } من ~~نفسي. قال ابن الانباري تأويله من نفسي { أكاد أخفيها } أي من قبلي، كما ~~قال # تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك # وقوله { لتجزي كل نفس بما تسعى } اي تجازي كل نفس بحسب عملها، فمن عمل ~~الطاعات اثيب عليها، ومن عمل المعاصي عوقب بحسبها ### || [20.16-20] # قوله { فلا يصدنك عنها } نهي متوجه الى موسى من الله تعالى والمراد به ~~جميع المكلفين، نهاهم الله ان يصدهم عن ذكر الساعة، والمجازاة فيها من لا ~~يصدق بها من الكفار. و { الصد } الصرف عن الخير يقال: صده عن الايمان ~~وصده عن الحق، ولا يقال: صده عن الشر، ولكن يقال: صرفه عن الشر، ومنعه ~~منه. # وقوله { واتبع هواه } يعني من لا يؤمن بالقيامة و { الهوى } ميل النفس ~~الى الشيء بأريحية تلحق فيه. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور. # وقوله { فتردى } معناه فتهلك، يقال: ردي يردى ردى، فهو رد. إذا هلك، أي ~~ان صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت، وتردى هلك بالسقوط. # وقوله { وما تلك بيمينك يا موسى } قال الفراء: { تلك } تجري مجرى (هذه) ~~وهي بمعنى الذي و { بيمينك } صلته وتقديره، وما الذي بيمينك يا موسى ~~وأنشد: # عدس ما لعباد عليك امارة # أمنت وهذا تحملين طليق # يعني الذي تحملين. وهو فى صورة السؤال لموسى عما في يده اليمنى. والغرض ~~بذلك ms2441 تنبيهه له عليها ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها، والتأمل لها. # وقوله { قال هي عصاي } جواب من موسى ان الذي فى يدي { عصاي أتوكؤ عليها ~~} فى مشيي { وأهش بها على غنمي } اي اخبط بها ورق الشجر اليابس لترعاه ~~غنمي يقال: هش يهش هشا: قال الراجز: # أهش بالعصا على اغنامي # من ناعم الاراك والبشام # { ولي فيها مآرب أخرى } اي حوائج أخر من قولهم: لا أرب لي في هذا أي لا ~~حاجة. وللعرب في واحدها ثلاث لغات: مأربة بضم الراء وفتهحا وكسرها. # وقوله { قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى } حكاية عما امر ~~الله تعالى موسى بأن يلقى العصا من يده وأن موسى القاها، فلما ألقاها ~~صارت فى الحال حية تسعى، خرق الله العادة فيها وجعلها معجزة ظاهرة باهرة. ### || [20.21-25] # اخبر الله تعالى أن العصا حين صارت حية تسعى خاف موسى منها فقال الله له ~~{ خذها } يا موسى فانا { سنعيدها } الى ما كانت اول شيء فى يدك عصى. ~~ومعنى { خذها } تناولها بيدك. و (الخوف) انزعاج النفس بتوقع الضرر، خافه ~~خوفا، فهو خائف وذاك مخوف. وضد الخوف الأمن، ومثل الخوف الفرغ والذعر، ~~والاعادة رد الشيء ثانية الى ما كان عليه أول مرة. ومثل الاعادة التكرير ~~والترديد. والمعنى سنعيدها خلقتها الاولى، وقد يقال: الى سيرتها. والسيرة ~~مرور الشيء في جهة، من سار يسير سيرة حسنة او قبيحة. وكان مستمر على حال ~~العصا فاعيدت الى تلك الحال. ونظير السيرة الطريقة. وقيل المعنى سنعيدها ~~الى سيرتها، فانتصب باسقاط الخافض. # وقوله { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء } قيل فى معناه ~~قولان: احدهما - الى جنبك، قال الراجز: # اضمه للصدر والجناح # الثاني - الى عضدك واصل الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر، لانه يميل به ~~فى طيرانه حيث شاء. والجنب فيه جنوح الاضلاع. واصل العضد من جهته تميل ~~اليد حيث شاء صاحبها. وقال ابو عبيدة: الجناحان الناحيتان. # وقوله { تخرج بيضاء من غير سوء } اي من غير برص - في قول ابن عباس ~~ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك ms2442 - وقوله { آية أخرى } قيل في نصبها ~~قولان: احدهما - على الحال. والاخر على المفعولية، اي نعطيك آية أخرى، ~~فحذف لدلالة الكلام عليه، فالآية الاولى قلب العصا حية والاخرى اليد ~~البيضاء من غير سوء. وقيل انه امره ان يدخل يده في فمها فيقبض عليها، ~~فادخل يده في فمها فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت ~~الحية فى يده عصا كما كانت. # وقوله { لنريك من آياتنا الكبرى } معناه قلب العصا حية لنريك من آياتنا ~~وحججنا الكبرى منها، ولو قال الكبر على الجمع كان وصفا لجميع الآيات، ~~وكان جائزا. # ثم قال تعالى له { إذهب إلى فرعون } اي امض اليه وادعه الى الله، وخوفه ~~من عقابه، فانه طغى، أي تجاوز قدره في عصيان الله، وتجاوز به قدر معاصي ~~الناس، يقال: طغى يطغى طغيانا، فهو طاغ، ونظيره البغي على الناس، وهم ~~الطغاة والبغاة. فقال عند ذلك موسى يا { رب اشرح لي صدري } اى وسع لي ~~صدرى، ومنه شرح المعنى اى بسط القول فيه. ### || [20.26-30] # وهذا ايضا اخبار عما سأل الله تعالى موسى، فانه سأل ان ييسر له أمره، ~~أي يسهله عليه ويرفع المشقة عنه ويضع المحنة، يقال: يسره تيسيرا، فهو ~~ميسر ونقيضه التعسير، ومنه اليسر واليسير. والحل نفي العقد بالفرق، حله ~~يحله حلا، فهو حال والشيء محلول. وضد الحل العقد، ونظيره الفصل والقطع. ~~والعقدة جملة مجتمعة يصعب حلها متفلكة، عقد يعقد عقدا وعقدة، فهو عاقد ~~والشيء معقود، # ويقال: انه كان فى لسان موسى (ع) رثة وهي التي لا يفصح معها بالحروف شبه ~~التمتمة وغيرها. وقيل: إن سبب العقدة في لسانه أنه طرح جمرة في فيه لما ~~اراد فرعون قتله، لانه اخذ لحيته وهو طفل فنتفها، فقالت له آسية: لا ~~تفعل، فانه صي لا يعقل، وعلامته انه اخذ جمرة من طست فجعلها في فيه. ذكره ~~سعيد بن جبير ومجاهد والسدي. # وقوله { يفقهوا قولي } أي يفقهوه إذا حللت العقدة من لساني افصحت بما ~~اريد. وسأله ايضا أن يجعل له وزيرا يؤازره على المضي الى فرعون ويعاضده ms2443 ~~عليه. والوزير حامل الثقل عن الرئيس، مشتق من الوزر الذي هو الثقل، ~~واشتقاقه ايضا من الوزر، وهو الذى يلجأ اليه من الجبال والمواضع ~~المنيعة. وقوله { هارون أخي } قيل فى نصب { هارون } وجهان: # احدهما - على انه مفعول { اجعل } الاول و { وزيرا } المفعول الثاني على ~~جهة الخبر. # والوجه الثاني - ان يكون بدلا من { وزيرا } وبيانا عنه. فقيل: ان الله ~~حل اكثر ما كان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله # ولا يكاد يبين # في قول ابي علي. وقال الحسن: ان الله استجاب دعاءه، فحل العقدة من ~~لسانه. وهو الصحيح، لقوله تعالى { قد أوتيت سؤلك يا موسى } ويكون قول ~~فرعون # ولا يكاد يبين # انه لا يأتي ببيان يفهم كذبا عليه ليغوي بذلك الناس ويصرف به وجوههم ~~عنه. ### || [20.31-36] # قرأ ابن عامر وحده { اشدد به أزري } بقطع الهمزة { وأشركه } بضم الألف. ~~الباقون بوصل الهمزة الأولى، وفتح الثانية. فوجه قراءة ابن عامر: أنه ~~جعله جزاء. الباقون جعلوه: دعاء. وضم الف { أشركه } فى قراءة ابن عامر ~~ضعيف، لانه ليس اليه اشراكه في النبوة بل ذلك إلى الله تعالى. والوجه فتح ~~الهمزة على الدعاء إلا ان يحمل على أنه أراد اشراكه فى أمره فى غير ~~النبوة وذلك بعيد، لانه جاء بعده ما يعلم به مراد موسى، لانه قال # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني # فقال الله تعالى # سنشد عضدك بأخيك # قوله { أشدد به أزري } فالشد جمع يستمسك به المجموع يقال: شده يشده ~~شدا، فهو شاد وذاك مشدود، ومثله الربط والعقد. والازر الظهر يقال: آزرني ~~فلان على أمري أي كان لي ظهرا، ومنه المئزر، لانه يشد على الظهر، ~~والازار لانه يشد على الظهر، والتأزير لأنه تقوية من جهة الظهر. ويجوز ان ~~يكون ازر لغة في وزر، مثل أرخت وورخت، واكدت ووكدت. وقوله { وأشركه في ~~أمري } فالاشراك الجمع بين الشيئين فى معنى على انه لهما، بجعل جاعل. وقد ~~أشرك الله بين موسى وهارون في النبوة. وقوى الله به أزره، كما دعاه. # وقوله { كي نسبحك كثيرا } فالتسبيح ms2444 التنزيه لله عما لا يجوز عليه من ~~وصفه بما لا يليق به، فكل شيء عظم به الله بنفي ما لا يجوز عليه، فهو ~~تسبيح، مثل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر. وقوله { ~~ونذكرك كثيرا } معناه نذكرك بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ~~ومننت به علينا من تحميل رسالتك { إنك كنت بما بصيرا } أي عالما ~~بأحوالنا وأمورنا. فقال الله تعالى إجابة له { لقد أوتيت سؤلك يا موسى } ~~أي أعطيت مناك فيما سألته. والسؤل المنى فيما يسأله الانسان، مشتق من ~~السؤال. ويجوز بالهمز وترك الهمز. ### || [20.37-44] # ثمان آيات بلا خلاف. إلا أن في تفصيلها خلافا لا نطول بذكره. # لما أخبر الله تعالى موسى بأنه قد آتاه ما طلبه واعطاه سؤله، عدد ما ~~تقدم ذلك من نعمه عليه ومننه لديه. فقال { ولقد مننا عليك مرة أخرى } ~~والمن نعمة يقطع صاحبها بها عن غيره باختصاصها به. يقال: من عليه يمن ~~منا إذا انعم عليه نعمة يقطعه إياها. واصله القطع، ومنه قوله # لهم أجر غير ممنون # اي غير مقطوع. وحبل منين: أي منقطع. والمرة الكرة الواحدة من المر، وذلك ~~ان نعمة الله (عز وجل) عليه مستمرة، فذكره الاجابة مرة وقبلها مرة أخرى. ~~وقوله { إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } أي كانت هذه النعمة عليك حين أوحينا ~~الى أمك ما يوحى، قال قوم: اراد انه ألهمها ذلك. وقال الجبائي: رأت فى ~~المنام أن اقذفيه في التابوت، ثم اقذفيه في اليم، والقذف هو الطرح، واليم ~~البحر قال الراجز: # كنازح اليم سقاه اليم # وقيل: المراد به ها هنا النيل. وقوله { فليلقه اليم بالساحل } جزاء وخبر ~~أخرج مخرج الامر ومثله { اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } والتقدير ~~فاطرحيه فى اليم فليلقه اليم بالساحل. وقوله { يأخذه عدو لي وعدو له } ~~يعني فرعون. وكان عدو الله بكفره وحدانيته وادعائه الربوبية، وكان عدو ~~موسى، لتصوره أن ملكه ينقرض على يده. # وقوله { وألقيت عليك محبة مني } معناه إني جعلت من رآك احبك حتى احبك ~~فرعون، فسلمت من شره، واحبتك امرأته ms2445 آسية بنت مزاحم فتبنتك. # وقوله { ولتصنع على عيني } قال قتادة: معناه لتغذى على محبتي وارادتي، ~~وتقديره وأنا اراك، يجري امرك على ما اريد بك من الرفاهة في غذائك، كما ~~يقول القائل لغيره: أنت مني بمرءا ومستمع أى انا مراع لاحوالك. وقوله { ~~إذ تمشي اختك فتقول هل أدلكم على من يكفله } قيل ان موسى امتنع أن يقبل ~~ثدي مرضعة الاثدي امه لما دلتهم عليها أخته، فلذلك قال { فرجعناك إلى أمك ~~كي تقر عينها ولا تحزن }. # وقوله { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم } وروي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) أن قتله النفس كان خطأ. وقال جماعة من المعتزلة: انه كان صغيرة. ~~وقال اصحابنا: انه كان ترك مندوب اليه، لان الله تعالى قد كان حكم بقتله ~~لكن ندبه الى تأخير قتله الى مدة غير ذلك، وانما نجاه من الفكر فى قتله، ~~كيف لم يؤخره الى الوقت الذى ندبه اليه. وقال قوم: أراد نجيناك من القتل ~~لانهم طلبوه ليقتلوه بالقبطي. # وقوله { وفتناك فتونا } أى اختبرناك اختبارا. والمعنى انا عاملناك ~~معاملة المختبر حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، فكل هذا من اكبر نعمه. وقيل: ~~الفتون وقوعه فى محنة بعد محنة حتى خلصه الله منها: اولها - أن امه حملته ~~فى السنة التي كان فرعون بذبح فيها الاطفال، ثم القاؤه في اليم، ثم منعه ~~من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله ~~الجمرة بدل الدرة، فدرأ الله بذلك عنه قتل فرعون، ثم مجيء رجل من شيعته ~~يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتلة. # وذلك عن ابن عباس فالمعنى على هذا وخلصناك من المحن تخليصا. وقيل: ~~معناه اخلصناك إخلاصا. ذكره مجاهد. # وقوله { فلبثت سنين في أهل مدين } يعني اقمت سنين عند شعيب، يعني احوالا ~~اجيرا له ترعى غنمه، فمننا عليك وجعلناك نبيا حتى { جئت على قدر } أي ~~فى الوقت الذي قدر لارسالك، قال الشاعر: # نال الخلافة إذ كانت له قدرا # كما اتى ربه موسى على قدر # وقال الجبائي معنى { وفتناك فتونا } أي شددنا ms2446 عليك التعب فى أمر المعاش ~~حتى رعيت لشعيب عشر سنين، ويؤكده قوله { فلبثت سنين في أهل مدين } وهي ~~مدينة شعيب { ثم جئت على قدر يا موسى } وقوله { واصطنعتك } أي اصطفيتك ~~واخلصتك بالالطاف التي فعلتها بك، اخترت عندها الاخلاص لعبادتي. وقوله { ~~لنفسي } أي لتنصرف على ارادتي ومحبتي يقال: اصطنعه يصطنعه اصطناعا، وهو ~~(افتعال) من لصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه. ووجه قوله { لنفسي } يعني ~~محبتي، لان المحبة لما كانت أخص شيء بالنفس حسن أن يجعل ما اختص بها ~~مختصا بالنفس على هذا الوجه. # وقوله { اذهب أنت وأخوك بآياتي } أي بعلاماتي وحججي { ولا تنيا } أي لا ~~تفترا، يقال: ونى في الامر يني ونيا إذا فتر فيه، فهو وان ومتوان. وقيل: ~~معناه لا تضعفا قال العجاج: # فما ونى محمد مذ أن غفر # له إلا له ما مضى وما غبر # وقوله { في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى } أي عتا وخرج عن الحد فى ~~المعاصي { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } معناه ادعواه الى ~~الله والى الايمان به وبما جئتما به، على الرجاء والطمع، لا على اليأس من ~~فلاحه. فوقع التعبد لهما على هذا الوجه، لأنه أبلغ فى دعائه الى الحق، ~~بالحرص الذي يكون من الراجي للامر. وقال السدي: معنى قوله { فقولا له ~~قولا لينا } أي كنياه. وقيل: انه كانت كنية فرعون ابا الوليد. وقيل: أبا ~~مرة. قيل: معناه وقراه وقارباه. وقوله { لعله يتذكر } معناه ليتذكر { أو ~~يخشى } معناه أو يخاف. والمعنى انه يكون أحدهما إما التذكر أو الخشية. ~~وقيل المعنى على رجائكما او طمعكما، لانهما لا يعلمان هل يتذكر أو لا. و ~~{ لعل } للترجي إلا أنه يكون لترجي المخاطب تارة ولترجي المخاطب أخرى ### || [20.45-50] # لما امر الله موسى وهارون (ع) أن يمضيا الى فرعون ويدعواه الى الله { ~~قالا إننا نخاف أن يفرط علينا } ومعناه ان يتقدم فينا بعذاب، ويعجل ~~علينا، ومنه الفارط المتقدم امام القوم الى الماء، قال الشاعر: # قد فرط العجل علينا وعجل # ومنه الافراط الاسراف، لانه تقدم بين يدي الحق. ms2447 والتفريط التقصير فى ~~الأمر، لأنه تأخير عما يجب فيه التقدم. فالأصل فيه التقدم { أو أن يطغي } ~~أو يعتوا علينا ويتجبر، فقال الله تعالى لهما { لا تخافا } ولا تخشيا { ~~إنني معكما } أي عالم بأحوالكما، لا يخفى علي شيء من ذلك. وإني ناصر ~~لكما، وحافظ لكما { أسمع } ما يقول لكما { وأرى } ما يفعل بكما. وقال ابن ~~جريج { إنني معكما أسمع } ما يحاوركما به { وأرى } ما تجيئان به. فالسامع ~~هو المدرك للصوت. والرائي المدرك للمريئات. ثم امرهما بأن ياتياه، ويقولا ~~له { إنا رسولا ربك } بعثنا الله اليك والى قومك لندعوكم الى توحيد الله ~~واخلاص عبادته، ويأمرك أن ترسل { معنا بني اسرائيل } اي تخليهم وتفرج ~~عنهم، وتطلقهم من اعتقالك { ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك } اي بمعجزة ~~ظاهرة، ودلالة واضحة من عند ربك { والسلام } يعني السلامة والرحمة { على ~~من اتبع } طريق الحق و { الهدى } ، و { على } بمعنى اللام وتقديره ~~السلامة لمن اتبع. والمعنى ان من اتبع طريق الهدى سلم من عذاب الله. # وقوله { إنا قد أوحي إلينا } معناه قولا: { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب ~~على من كذب } بآيات الله واعرض عن اتباعها. وفى الكلام محذوف، وتقديره ~~فاتياه فقولا له ذلك. قال { فمن ربكما يا موسى } وقيل: انه: قال فمن ~~ربكما؟ على تغليب الخطاب، والمعنى فمن ربك وربه يا موسى، فقال موسى ~~مجيبا له { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ومعناه أعطى كل شيء حي ~~صورته التي قدر له ثم هداه الى مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه، الى غير ذلك ~~من ضروب هدايته - في قول مجاهد - وقيل: معناه أعطى كل شيء مثل خلقه من ~~زوجة، ثم هداه لمنكحه من غير أن رأى ذكرا اتى انثى قبل ذلك. وحذف المضاف ~~واقام المضاف اليه مقامه وغير ذلك من هدايته. وقرأ نصير عن الكسائي " ~~خلقه " بفتح اللام والخاء، على انه فعل ماض. الباقون بسكونها على انه ~~مفعول به. والمعنى إنه خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينتفع والتي هي ~~أصلح الخلق له، ثم هداه ms2448 لمعيشته ومنافعه لدينه ودنياه، ### || [20.51-55] # قرأ اهل الكوفة { مهدا } على التوحيد. الباقون " مهادا " على الجمع، ~~وهو مثل فرش وفراش. ومن قرأ { مهدا } قال ليوافق رؤس الآي. والمعنى { لا ~~يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض } مستقرا يمكنكم من التصرف عليها. ~~وقال الزجاج: القرن اهل كل عصر فيهم نبي أو إمام او عالم يقتدى به، وإن ~~لم يكن واحد منهم لم يسم قرنا. # حكى الله تعالى ما قال فرعون لموسى { ما بال القرون الأولى } وهي الامم ~~الماضية، وكان هذا السؤال منه معاياة لموسى، فأجابه موسى بأن قال { علمها ~~عند ربي } لانه لا يخفى عليه شيء من المعلومات. وقوله { في كتاب } اي ~~اثبت ذلك فى الكتاب المحفوظ لتعرفه الملائكة. و { الأولى } تأنيث ~~(الأول) وهو الكائن على صفة قبل غيره. فاذا لم يكن قبله شيء، فهو قبل كل ~~شيء، واراد ذاك على ما فى معلوم الله من امرها، وقيل انه اراد من يؤدبهم ~~ويجازيهم. وقيل: ان معنى { لا يضل ربي ولا ينسى } اي لا يذهب عليه شيء، ~~والعرب تقول لكل ما ذهب على الانسان مما ليس بحيوان: ضله، كقولهم: ضل ~~منزله إذا اخطأه يضله بغير الف، فاذا ضل منه حيوان فيقولون: أضل - بألف ~~بعيره أو ناقته أو شاته بالألف. والاصل فى الاول ضل عنه. وقرأ الحسن { ~~يضل } بضم الياء وكسر الضاد. # وقوله { الذي جعل لكم الأرض مهدا } موضع { الذي } رفع بدل عن قوله { ~~ربي. ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي جعله لكم مستقرا تستقرون ~~عليه { وسلك لكم فيها سبلا } معناه انه جعل لكم فى الارض سبلا تسلكوا ~~فيها في حوائجكم من موضع الى موضع، وانهج لكم الطرق { وأنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } كل ذلك من صفات قوله { لا يضل ربي ~~ولا ينسى الذي جعل } جميع ما ذكر صفاته. وقوله { كلوا وارعوا أنعامكم } ~~لفظه لفظ الامر والمراد الاباحة. وقوله { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } ~~أي أن فى جميع ما عددناه دلالات لأولى العقول، والنهى جمع ms2449 نهية نحو كسية ~~وكسى، وهو شحم فى جوف الضب، وانما خص أولى النهى، لانهم أهل الفكر ~~والاعتبار وأهل التدبير والاتعاظ. وقيل لهم: اهل النهى، لانهم ينهون ~~النفوس عن القبائح وقيل لانه ينتهى الى رأيهم. # وقوله { منها خلقناكم وفيها نعيدكم } يعني من الارض خلقناكم وفي الارض ~~نعيدكم إذا امتناكم { ومنها نخرجكم تارة أخرى } دفعة اخرى إذا حشرناكم. ### || [20.56-60] # قوله { ولقد أريناه آياتنا كلها } تقديره أريناه آياتنا التي اعطيناها ~~موسى واظهرناها عليه { كلها } لما يقتضيه حال موسى (ع) معه، ولم يرد جميع ~~آيات الله التي يقدر عليها، ولا كل آية خلقها الله، لان المعلوم أنه لم ~~يرد به جميعها. وقوله { فكذب وأبى } معناه نسب الخبر الذي أتاه الى الكذب ~~{ وأبى } امتنع مما دعي اليه من توحيد الله واخلاص عبادته والطاعة لما ~~أمر به. وقال فرعون لموسى { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى } ~~والسحر حيلة يخفى سببها ويظن بها المعجزة، ولذلك يكفر المصدق بالسحر، ~~لانه لا يمكنه العلم بصحة النبوة مع تصديقه بأن الساحر يأتي بسحره ~~بتغيير الثابت. ثم قال فرعون لموسى { فلنأتينك } يا موسى { بسحر } مثل ~~سحرك { فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } اي ~~عدنا مكانا نجتمع فيه ووقتا نأتي فيه { مكانا سوى } أي مكانا عدلا ~~بيننا وبينك - في قول قتادة والسدي - وقيل معناه مستويا يتبين الناس ما ~~بيننا فيه - ذكره ابن زيد - وقيل: معناه يستوي حالنا في الرضا به. وفيه ~~إذا قصر لغتان - كسر السين، وضمها - وإذا فتحت السين مددته نحو قوله # إلى كلمة سواء بيننا وبينكم # ومثله عدى وعدى. وطوى وطوى، وثنى وثنى. وقال ابو عبيدة: { سوى } النصف ~~والوسط قال الشاعر: # وإن ابانا كان حل ببلدة # سوى بين قيس قيس غيلان والفزر # قيس وفزر قبيلتان هنا. والفزر القطيع من الشاء. والقيس القردة. والقيس ~~مصدر قاس خطاه قيسا إذا سوى بينها. ويقال جارية تميس ميسا وتقيس قيسا، ~~فمعنى تميس تتبختر. وسأل رجل اعرابيا: ما اسمك قال محمد، قال: والكنية، ~~قال: ابو قيس. قال قبحك الله اتجمع ms2450 بين اسم النبي والقرد. # وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { سوى } بضم السين، الباقون بالكسر. # فقال له موسى { موعدكم يوم الزينة } وهو يوم عيد كان لهم - فى قول قتادة ~~وابن جريج والسدي وابن زيد وابن اسحاق - وقال الفراء { يوم الزينة } يوم ~~شرف كانوا يتزينون بها. وقوله { وأن يحشر الناس ضحى } يحتمل أن يكون فى ~~موضع رفع، وتقديره موعدكم حشر الناس. ويحتمل ان يكون فى موضع جر وتقديره ~~يوم يحشر الناس. # وقوله { فتولى فرعون } أي اعرض عن موسى على هذا الوعد { فجمع كيده } من ~~السحر و { اتى } يوم الموعد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم { يوم } بفتح ~~الميم على الظرف. الباقون بضمها على أنه خبر { موعدكم } فجعلوا الموعد هو ~~اليوم بعينه. ### || [20.61-66] # قرأ { فيسحتكم } - بضم الياء وكسر الحاء - أهل الكوفة إلا أبا بكر. ~~الباقون بفتح الياء والحاء. وهما لغتان. يقال: سحت وأسحت إذا استأصل. ~~وقرأ ابو عمرو { إن هذين } بتشديد { إن } ونصب { هذين }. وقرأ نافع وحمزة ~~والكسائي وابو بكر عن عاصم - بتشديد { إن } والالف في { هذان }. وقرأ ابن ~~كثير { إن } مخففة { هذان } مشددة النون. وقرأ ابن عامر بتخفيف نون { إن ~~} وتخفيف نون { هذان }. وقرأ ابو عمرو وحده { فأجمعوا } بهمزة الوصل. ~~الباقون بقطع الهمزة من اجمعت الأمر إذا عزمت عليه، قال الشاعر: # يا ليت شعري والمنى لا تنفع # هل اغدون يوما وأمري مجمع # وقيل: إن جمعت وأجمعت لغتان فى العزم على الأمر يقال: جمعت الأمر، ~~واجمعت عليه، بمعنى ازمعت عليه وفى الكلام حذف، لان تقديره انهم حضروا ~~واجتمعوا يوم الزينة، فقال لهم حينئذ موسى يعني للسحرة الذين جاؤا بسحرهم ~~{ لا تفتروا على الله } اي لا تكذبوا عليه كذبا بتكذيبي، وتقولوا إن ما ~~جئت به السحر. والافتراء اقتطاع الخبر الباطل بادخاله في جملة الحق وأصله ~~القطع من فراه يفريه فريا. وافترى افتراء، والافتراء والافتعال ~~والاختلاق واحد وقوله { فيسحتكم بعذاب } قال قتادة وابن زيد والسدي معناه ~~فيستأصلكم بعذاب. والسحت استقصاء الشعر في الحلق: سحته سحتا واسحته ~~اسحاتا لغتان، قال الفرزدق: # وعض زمان يا ابن مروان ms2451 لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # وينشد (مسحت) بالرفع على معنى لم يدع أي لم يبق. ومن نصب قال أو مجلف، ~~كذلك روي مسحتا ومجلف. وسئل الفرزدق على ما رفعت إلا مسحتا أو مجلف. ~~فقال للسائل على ما يسؤك وينؤك. ويقال: سحت شعره إذا استقصى حلقه. ~~والمعنى إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم واهلكهم عن آخرهم. # وقوله { وقد خاب من افترى } أي انقطع رجاء من افترى الكذب. والخيبة ~~الامتناع على الطالب ما أمل، والخيبة انقطاع الرجاء يقال: رجع بخيبة، ~~وهو إذا رجع بغير قضاء حاجته. واشد ما يكون إذا أمل خيرا من جهة، فانقلب ~~شرا منها. # وقوله { فتنازعوا أمرهم } معناه اختلفوا فيما بينهم. والتنازع محاولة كل ~~واحد من المختلفين نزع المعنى عن صاحبه، تنازعا في الامر تنازعا، ونازعه ~~منازعة. # وقوله { وأسروا النجوى } أي اخفوها فيما بينهم. قال قتادة: انهم قالوا: ~~إن كان هذا ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء، فله أمره. وقال: وهب بن ~~منية: لما قال لهم { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد ~~خاب من افترى } قالوا: ما هذا بقول ساحر. وقيل: اسرارهم كان أنهم قالوا: ~~ان غلبنا موسى اتبعناه. وقيل أسروا النجوى دون موسى وهارون بقوله { إن ~~هذين لساحران.... } الآية. وهو قول السدي. # وقوله { إن هذان لساحران } قيل فيه أوجه: # اولها - إنه ضعف عمل { إن } لأنها تعمل وليست فعلا لشبهها بالفعل، وليست ~~باصل في العمل، كما انها لما خففت لم تعمل أصلا. # والثاني - { إن هذان } أشبه { الذين } فى البناء، لأن أصله الذي فزادوا ~~نونا للجمع، وتركوه على حالة واحدة في النصب والجر والرفع. فكذلك كان ~~أصله { هذا } فيه ألف مجهولة فزادوا نونا للتثنية وتركوها على حالة ~~واحدة فى الاحوال الثلاثة. # والثالث - إن (ان) بمعنى (إنه) إلا انها حذفت الهاء. # والرابع - انه لما حذفت الألف من { هذا } ) صارت ألف التثنية عوضا ~~منها، فلم تزل على حالها. وهي لغة بني الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ~~وجماعة من قبائل اليمن. وقال بعض بني الحارث ms2452 بن كعب: # واطرق اطراق الشجاع ولو يرى # مساغا لناباه الشجاع لصمما # وقال آخر: # إن اباها وابا اباها # قد بلغا فى المجد غايتاها # وقال آخر: # تزود منا بين اذناه ضربة # دعته الى هابي التراب عقيم # الخامس - وقال المبرد واسماعيل بن اسحاق القاضي: أحسن ما قيل في ذلك ان ~~(ان) تكون بمعنى نعم ويكون تقديره نعم هذان لساحران، فيكون ابتداء وخبرا ~~قال الشاعر: # ظل العواذل بالضحى # يلحينني والومهنه # ويقلن شيب قد علاك # وقد كبرت فقلت انه # ووجه قراءة حفص انه جعل (إن) بمعنى (ما) وتقديره: ما هذان ساحران. وروي ~~ان ابن مسعود قرأ { إن هذان ساحران } بغير لام. وقرأ ابي { إن هذان إلا ~~ساحران }. ومن جعل (ان) بمعنى (نعم) جعل حجته فى دخول اللام في الخبر قول ~~الشاعر: # خالي لانت ومن جرير خاله # ينل العلا وتكرم الاخوال # وقال آخر: # ام الحليس لعجوز شهربة # ترضى من اللحم بعظم الرقبة # هذه الآية حكاية عن قول فرعون أنه قال لهم { إن هذين } يعني موسى وهارون ~~{ لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } ~~قال مجاهد: معناه يذهبا بطريقة اولى العقل والاشراف والانساب. وقال ابو ~~صالح: ويذهبا بسراة الناس. وقال قتادة: ويذهبا ببني اسرائيل، وكانوا ~~عددا يسيرا. وقال ابن زيد: معناه ويذهبا بالطريقة التى أنتم عليها في ~~السيرة [وقيل: المعنى يذهبان بأهل طريقتكم المثلى. والامثل الاشبه بالحق ~~الثابت، والصواب الظاهر. وهو الاولى به]. # وقال لهم فرعون ايضا { فاجمعوا كيدكم } فمن قطع الهمزة أراد فاعزموا ~~على أمركم وكيدكم وسحركم. وقيل: جمع وأجمع لغتان في العزم على الشيء ~~يقال: جمعت الأمر وأجمعت عليه. # { ثم ائتوا صفا } ومعناه مصطفين. وقال الزجاج: هو كقولهم: أتيت الصف أي ~~الجماعة. ولم يجمع (صفا) لانه مصدر. وقال قوم: إن هذا من قول فرعون ~~للسحرة. وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض. # وقوله { وقد أفلح اليوم من استعلى } معناه قد فاز اليوم من علا على ~~صاحبه بالغلبة. و { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من القى ms2453 ~~} حكاية عما قالت السحرة لموسى فانهم خيروه في الالقاء بين أن يلقوا ~~أولا ما معهم أو يلقي موسى عصاه، ثم يلقون ما معهم، فقال لهم { بل ألقوا ~~} أنتم ما معكم { فإذا حبالهم وعصيهم } أي القوا ما معهم، فاذا حبالهم ~~وعصيهم. # وحبال جمع حبل، وعصي جمع عصا، ويجع الحبل حبلا والعصى أعصيا ويثنى ~~عصوان. وانما أمرهم بالالقاء، وهو كفر منهم، لانه ليس بأمر، وانما هو ~~تهديد. ومعناه الخبر، بان من كان إلقاؤه منكم حجة عنده ابتدأ بالالقاء، ~~ذكره الجبائي. وقال قوم: يجوز أن يكون ذلك أمرا على الحقيقة أمرهم ~~بالالقاء على وجه الاعتبار، لا على وجه الكفر. وقيل كان عدة السحرة ~~سبعين ألفا - في قول القاسم بن ابي برة وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة. # وقوله { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } وانما قال ~~يخيل، لأنها لم تكن تسعى حقيقة، وانما تحركت، لأنه قيل إنه كان جعل ~~داخلها زئبق، فلما حميت بالشمس طلب الزئبق الصعود، فتحركت العصي والحبال، ~~فظن موسى أنها تسعى. وقوله { يخيل إليه } قيل الى فرعون. وقيل الى موسى. ~~وهو الأظهر. لقوله { فأوجس في نفسه خيفة موسى } وانما خاف دخول الشبهة ~~على قومه. وقيل خاف بطبع البشرية. ### || [20.67-70] # قرأ ابن عامر { تلقف } بتشديد القاف ورفع التاء. وقرأ حفص عن عاصم ساكنة ~~الفاء مجزومة خفيفة القاف. الباقون مشددة القاف مجزومة الفاء. وقرأ حمزة ~~والكسائي { كيد سحر } على (فعل) الباقون { ساحر } على (فاعل) قال ابو ~~علي: حجة من قال { ساحر } أن الكيد للساحر، لا للسحر إلا أن يريد كيد ذي ~~سحر، فيكون المعنيان واحدا، ولا يمتنع ان يضاف الكيد الى السحر مجازا. ~~قوله { فأوجس في نفسه خيفة موسى } قيل في وجه خيفته قولان: # احدهما - قال الجبائي والبلخي خاف أن يلتبس على الناس أمرهم، فيتوهموا ~~أنه كان بمنزلة ما كان من أمر عصاه. # الثاني - انه خاف بطبع البشرية لما رأى من كثرة ما تخيل من الحيات ~~العظام، فقال الله تعالى له { لا تخف إنك أنت الأعلى } أي انك انت الغالب ms2454 ~~لهم والقاهر لامرهم، ثم أمره تعالى فقال له { ألق ما في يمينك } يعني ~~العصا { تلقف ما صنعوا } أي تأخذها بفيها ابتلاعا و (ما) ها هنا بمعنى ~~الذي، وتقديره تلقف الذي صنعوا فيه، لان فعلهم لا يمكن ابتلاعه، لانها ~~اعراض. ويقال: لقف يلقف وتلقف يتلقف. ومن قرأ { تلقف } مضمومة الفاء ~~مشددة القاف، أراد تتلقف فاسقط احد التائين، وكذلك روى ابن فليح عن البزي ~~عن ابن كثير بتشديد التاء، لانه ادغم احداهما في الاخرى. ومن سكن الفاء ~~جعلها جواب الأمر. ومن رفع، فعلى تقدير، فهي تلقف. وقيل: إنها ابتلعت حمل ~~ثلاث مئة بعير من الحبال والعصي. ثم اخذها موسى فرجعت الى حالها عصا، ~~كما كانت. ثم اخبر تعالى، بأن الذي صنعوه كيد سحر، او كيد ساحر، على ~~اختلاف القراءتين. وانما رفع { كيد ساحر } لأنه خبر { إن }. والمعنى إن ~~الذي صنعوه كيد ساحر، ويجوز فيه النصب على أن تكون (ما) كافة لعمل (إن) ~~كقولك إنما ضربت زيدا، ومثله # إنما تعبدون من دون الله أوثانا # ثم اخبر تعالى أن الساحر لا يفلح أي لا يفوز بفلاح أي بنجاة { حيث أتى } ~~أي حيث وجد. وقال بعضهم، لانه يجب قتله على كل حال، فلما رأت السحرة ما ~~فعله الله من قلب العصا ثعبانا وابطال سحرهم علموا انه من قبل الله، ~~وانه ليس بسحر، فالقوا نفوسهم ساجدين لله، مقرين بنبوة موسى (ع) مصدقين ~~له. و { قالوا آمنا } أي صدقنا { برب هارون وموسى } وقيل معناه صدقنا ~~بالرب الذي يدعو اليه هارون وموسى، لانه رب الخلائق اجمعين. ### || [20.71-75] # قرأ ابن كثير وحفص وورش { آمنتم } على لفظ الخبر. وقرأ اهل الكوفة إلا ~~حفصا بهمزتين. الباقون بهمزة واحدة بعدها مدة. قال ابو علي: من قرأ على ~~الخبر، فوجهه أنه قرعهم على تقدمهم بين يديه، وعلى استبدارهم بما كان ~~منهم من الايمان بغير اذنه وأمره، والاستفهام يؤل الى هذا المعنى. ووجه ~~قراءة أبي عمرو انه أتى بهمزة الاستفهام وهمزة الوصل، وقلب الثانية مدة، ~~كراهية اجتماع الهمزتين. وقد مضى شرح ذلك فيما مضى. ms2455 # حكى الله تعالى ما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وهارون { آمنتم له ~~} أي صدقتموه واتبعتموه { قبل أن آذن لكم } وقال فى موضع آخر # آمنتم به # وقيل فى الفرق بينهما { إن آمنتم له } يفيد الاتباع، وليس كذلك { آمنتم ~~به } لانه قد يوقن بالخير من غير اتباع له فيما دعا اليه إلا أنه إذا قبل ~~قول الداعي الى أمر أخذ به. ومن قرأ " آمنتم على الخبر " كأن فرعون أخبر ~~بذلك. ومن قرأ على لفظ الاستفهام كأنه استفهم عن ايمانهم على وجه التقريع ~~لهم. # والفرق بين الاذن والأمر، أن فى الامر دلالة على إرادة الفعل المأمور ~~به، وليس في الاذن دلالة على إرادة المأذون فيه، كقوله # وإذا حللتم فاصطادوا # فهذا إذن. ثم قال فرعون { إنه } يعني موسى { لكبيركم } اي رئيسكم ~~ومتقدمكم { الذي علمكم السحر } ثم هددهم فقال { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف } يعني قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى او اليد اليسرى والرجل ~~اليمنى. وقيل أول من فعل ذلك فرعون، وأول من صلب فى جذوع النخل هو، و { ~~في } بمعنى (على) قال الشاعر: # وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة # فلا عطست شيبان إلا بأجدعا # وقوله { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } قال ابن اسحاق ومحمد بن كعب ~~القرطي معناه: ابقى عقابا ان عصي وثوابا ان اطيع، ورفع " أينا " لانه ~~وقع موقع الاستفهام، ولم يعمل فيه ما قبله من العلم. وقيل انما نسبهم الى ~~اتباع رئيسهم في السحر ليصرف بذلك الناس عن اتباع موسى (ع) فأجابته ~~السحرة فقالوا { لن نؤثرك } أي لا نختارك يا فرعون { على ما جاءنا من ~~البينات } يعني الادلة الدالة على صدق موسى وصحة نبوته. وقوله { والذي ~~فطرنا } يعني وعلى الذي خلقنا فيكون عطفا على { ما جاءنا من البينات } ~~فيكون جرا، ويحتمل أن يكون جرا بأنه قسم. وقوله { فاقض ما أنت قاض } ~~معناه فاصنع ما انت صانع على تمام من قولهم: قضى فلان حاجتي إذا صنع ما ~~اريد على اتمام، قال ابو ذؤيب: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # وقوله ms2456 { إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } يعنى انما تصنع بسلطانك وعذابك ~~فى هذه الحياة الدنيا دون الاخرة. # وقيل: معناه ان الذي يفنى وينقضي هذه الحياة الدنيا دون حياة الآخرة. ~~وقوله { إنا آمنا بربنا } اي صدقنا به، نطلب بذلك أن يغفر لنا خطايانا ~~ويغفر لنا ما اكرهتنا عليه من السحر. قال ابن زيد وابن عباس: إن فرعون ~~رفع غلمانا الى السحرة يعلمونهم السحر بالغرائم قالوا { والله خير } لنا ~~منكم { وأبقى } لنا ثوابا من ثوابك. ثم حكى قول السحرة انهم قالوا { إنه ~~من يأت ربه مجرما } وقيل انه خبر من الله تعالى بذلك دون الحكاية عن ~~السحرة { فإن له جهنم } جزاء على جرمه وعصيانه { لا يموت فيها } يعني ~~جهنم { ولا يحيى } اي لا يموت فيها فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة ~~فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب. # ثم اخبر تعالى فقال { ومن يأته مؤمنا } أي مصدقا بتوحيده وصدق أنبيائه ~~و { قد عمل } الطاعات التى أمره بها { فأولئك لهم الدرجات العلى } أي ~~العاليه والعلى جمع عليا مثل ظلمة وظلم والكبرى والكبر. ### || [20.76-80] # قرأ حمزة وحده { لا تخف دركا } على النهي، أو على الجزاء لقوله { فاضرب ~~لهم طريقا } الباقون { لا تخاف } بالرفع { ولا تخشى } بألف بلا خلاف على ~~الاستئناف. ومثله قوله { يولوكم الادبار ثم لا ينصرون }. وقيل انه يحتمل ~~ان يكون { لا تخش } مجزوما، وزيد الالف ليوافق رؤس الآي كما، قال ~~الشاعر: # الم يأتيك والأبناء تنمي # بما لاقت لبون بني زياد # ومن قرأ { لا تخاف } بالرفع، و { لا تخشى } مثله، فهو على الخبر. وقال ~~ابو علي: هو في موضع نصب على الحال، وتقديره طريقا في البحر يبسا غير ~~خائف دركا. وقرأ حمزة والكسائي { أنجيتكم، ووعدتكم } بالتاء فيهما بغير ~~الف. الباقون بالالف والنون. وقرأ ابو عمرو وحده { ووعدناكم } بغير الف. ~~الباقون { وواعدناكم } بالف. ولم يختلفوا فى { نزلنا } انه بالنون. ومعنى ~~التاء والنون قريب بعضه من بعض، لكن النون لعظم حال المتكلم. # لما اخبر الله تعالى ان لمن آمن بالله الدرجات العلى، قال ولهم { جنات ~~عدن ms2457 } اي بساتين إقامة { تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } وقد فسرناه ~~في غير موضع. ثم قال { وذلك } الذي وصفه { جزاء من تزكى } فالتزكي طلب ~~الزكا بارادة الطاعة، والعمل بها. والزكا النماء فى الخبر، ومنه الزكاة، ~~لان الميل ينمو بها فى العاجل والاجل، لما لصاحبها عليها من ثواب الله ~~تعالى. وقيل: معنى { تزكى } تطهر من الذنوب بالطاعة بدلا من تدنيسها ~~بالمعصية. والخلود المكث فى الشيء الى غير غاية. # ثم أخبر تعالى فقال { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } أي سر بهم ~~ليلا لأن الاسراء السير بالليل { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } ~~والمعنى: اضرب بعصاك البحر تجعل طريقا، فكأنه قيل: اجعل طريقا بالضرب ~~بالعصا، فعداه الى الطريق لما دخله هذا المعنى فكأنه قد ضرب الطريق، ~~كضربه الدينار. # واليبس اليابس وجمعه ايباس، وجمع اليبس - بسكون الباء - يبوس. وقال ابو ~~عبيدة: اليبس - بفتح الباء - المكان الجاف. واذا كان اليبس فى نبات الارض ~~فهو اليبس - بسكون الباء - قال علقمة بن عبده: # تخشخش أبدان الحديد عليهم # كما خشخشت يبس الحصاد جنوب # وقوله { لا تخاف دركا ولا تخشى } معناه لا تخف أن يدركك فرعون، ولا تخش ~~الغرق من البحر - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه لا تخف لحوقا من ~~عدوك، ولا تخش الغرق من البحر الذي انفرج عنك. والمعنيان متقاربان. وكان ~~سبب ذلك أن اصحاب موسى قالوا له: هذا فرعون قد لحقنا، وهذا البحر قد ~~غشينا يعنون اليم، فقال الله تعالى { لا تخف دركا ولا تخش }. # ثم اخبر تعالى فقال { فأتبعهم فرعون بجنوده } أي دخل خلف موسى وبني ~~إسرائيل، وفى الكلام حذف لأن تقديره: فدخل موسى وقومه البحر ثم أتبعهم ~~فرعون بجنوده ومن اتبعهم. # فمن قطع الهمزة جعل الباء زائدة. ومن وصلها أراد: تبعهم وسار في أثرهم، ~~والباء للتعدية. # وقوله { فغشيهم من اليم ما غشيهم } يعني الذي غشيهم. وقيل: معناه تعظيم ~~للامر لأن { غشيهم } قد دل على { ما غشيهم } وإنما ذكره تعظيما. وقيل: ~~ذكره تأكيدا. وقال قوم: معناه فغشيهم الذي عرفتموه. كما قال ابو ms2458 النجم: # أنا ابو النجم وشعري شعري # وقال الزجاج: فغشيهم من اليم ما غرقهم. وقال الفراء: معناه { فغشيهم من ~~اليم ما غشيهم } لأنه ليس الماء كله غشيهم، وانما غشيهم بعضه. وقال قوم: ~~معناه { فغشيم } يعني أصحاب فرعون { من اليم } ما غشي قوم موسى إلا أن ~~الله غرق هؤلاء، ونجا أولئك. ويجوز أن يكون المراد: فغشيهم من قبل اليم ~~الذي غشيهم من الموت والهلاك، فكأنه قال: الذي غشيهم من الموت والهلاك ~~كان من قبل البحر إذ غشيهم، فيكون { غشيهم } الاول للبحر، و { غشيهم } ~~الثاني للهلاك والموت. # وقوله { وأضل فرعون قومه وما هدى } معناه أنه دعاهم الى الضلال واغواهم، ~~فضلوا عنده، فنسب اليه الضلال. وقيل: إن معناه أستمر بهم على الضلالة ~~فلذلك قيل { وما هدى }. ثم عدد الله على بني إسرائيل نعمه، بأن قال { يا ~~بني اسرائيل قد أنجيناكم } أي خلصناكم { من عدوكم } فرعون { وواعدناكم ~~جانب الطور الأيمن } معناه إن الله واعدكم جانب الجبل الذي هو الطور، ~~لتسمعوا كلام الله لموسى بحضرتكم هناك { ونزلنا عليكم المن والسلوى } ~~يعني في زمان التيه أنزل عليهم المن، وهو الذي يقع على بعض الاشجار، ~~والسلوى طائر أكبر من السمان. ### || [20.81-85] # قرأ الكسائي وحده { فيحل عليكم } بضم الحاء، وكذلك { من يحلل } بضم ~~اللام. الباقون - بكسرها - ولم يختلفوا فى الكسر من قوله # أن يحل عليكم غضب من ربكم # يقال حل بالمكان يحل إذا نزل به، وحل يحل - بالكسر - بمعنى وجب. # قوله { كلوا من طيبات ما رزقناكم } صورته صورة الأمر والمراد به ~~الاباحة، لان الله تعالى لا يريد المباحات من الأكل والشرب فى دار ~~التكليف. والطيبات معناه الحلال. وقيل معناه المستلذات. # وقوله { ولا تطغوا فيه } معناه لا تتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله ~~عليكم، فتتعدون فيه بمعصية الله، ويمكن ترك الأكل على وجه حرمه الله الى ~~وجه أباحه الله على الوجه الذي أذن فيه، وعلى وجه الطاعة أيضا، ~~للاستعانة به على غيره من طاعة الله. # وقوله { فيحل عليكم غضبي } معناه متى طغيتم فيه واكلتموه على وجه ~~الحرام، نزل عليكم ms2459 غضبي، على قراءة من ضم الحاء، ومن كسره: معناه يجب ~~عليكم غضبي الذي هو عقاب الله. # ثم اخبر تعالى أن من حل غضب الله عليه { فقد هوى } يعني هلك، لأن من هوى ~~من علو الى سفل، فقد هلك. وقيل: هو بمعنى تردى وقيل: معناه هوى الى ~~النار. # ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه " غفار " أي ستار " لمن تاب من المعاصي " ~~فاسقط عقابه وستر معاصيه إذا أضاف الى إيمانه الأعمال الصالحات " ثم ~~أهتدى " قال قتادة: معناه ثم لزم الايمان إلى أن يموت، كأنه قال: ثم ~~استمر على الاستقامة. وانما قال ذلك، لئلا يتكل الانسان على انه قد كان ~~أخلص الطاعة. وفى تفسير أهل البيت (ع) ان معناه " ثم أهتدى " الى ولاية ~~أوليائه الذين أوجب الله طاعتهم والانقياد لامرهم. وقال ثابت البنائي: ثم ~~أهتدى الى ولاية أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم). # ثم خاطب موسى (ع)، فقال { وما أعجلك عن قومك يا موسى } قال ابن اسحاق: ~~كانت المواعدة أن يوافي هو وقومه، فسبق موسى الى ميقات ربه، فقرره الله ~~على ذلك لم فعله؟ وقال موسى فى جوابه { هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب ~~لترضى } فقال الله { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } أي عاملناهم معاملة ~~المختبر بان شددنا عليهم في التعبد بأن ألزمناهم عند اخراج العجل أن ~~يستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون إلها، ولا أن يحل الاله فيه، فحقيقة ~~الفتنة تشديد العبادة. # وقوله { وأضلهم السامري } معناه أنه دعاهم الى عبادة العجل، فضلوا عند ~~ذلك، فنسب الله الاضلال اليه لما ضلوا بدعائه. ### || [20.86-90] # قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر { بملكنا } بكسر الميم - وقرأ نافع ~~وعاصم - بفتح الميم - وقرأ حمزة والكسائي - بضم الميم - من ضم الميم ~~فمعناه بسلطاننا وقيل إن في ذلك ثلاث لغات: فتح الميم وضمها وكسرها. وقرأ ~~ابو عمرو، وحمزة وأبو بكر { حملنا } - بفتح الحاء والميم - مخففا. ~~الباقون - بضم الحاء وكسر الميم - مشددا. # اخبر الله تعالى أن موسى رجع من ميقات ربه { إلى قومه غضبان أسفا } ~~والغضب ms2460 ضد الرضا، وهو ما يدعو الى فعل العقاب، والأسف أشد الغضب. وقال ~~ابن عباس: معنى " أسفا " اي حزينا. وبه قال قتادة والسدي. والأسف أشد ~~الغضب. وقال بعضهم: قد يكون بمعنى الغضب، ويكون بمعنى الحزن. قال الله ~~تعالى # فلما أسفونا انتقمنا منهم # أي أغضبونا، فقال موسى لقومه { يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } لأن ~~الله تعالى كان وعد موسى بالنجاة من عدوهم، ومجيئهم الى جانب الطور ~~الأيمن، ووعده بأنه تعالى { غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم أهتدى } ثم ~~قال { أفطال عليكم العهد } أي عهدى ولقائي فنسيتموه { أم أردتم أن يحل ~~عليكم } اي يجب عليكم { غضب } اي عقاب { من ربكم فأخلفتم موعدي } أي ما ~~وعدتموني من المقام على الطاعات. وقال الحسن: معنى { ألم يعدكم ربكم ~~وعدا حسنا } فى الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا. وقيل الذي وعدهم ~~الله به التوراة، وفيها النور والهدى ليعملوا بما فيها، ويستحقوا عليه ~~الثواب. وكانوا وعدوه أن يقيموا على أمرهم، فأخلفوا، وقالوا جوابا لموسى ~~{ ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي قال المؤمنون: لم نملك أن نرد عن ذلك ~~السفهاء. قال قتادة والسدي: معنى " بملكنا " بطاقتنا. وقال ابن زيد: ~~معناه لم نملك أنفسنا للبلية التي وقعت بنا. فمن فتح الميم: أراد المصدر. ~~ومن كسرها أراد: ما يتملك. ومن ضم أراد: السلطان والقوة به. # وقوله { ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم } معناه إنا حملنا أثقالا من ~~حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أمرهم ان يستعيروا من حليهم - في قول ابن ~~عباس ومجاهد والسدي وابن زيد - وقيل: جعلت حلالا لهم. ومن قرأ بالتشديد ~~أراد ان غيرنا حملنا ذلك بأن أمرنا بحمله. # وقوله { فقذفناها } أي طرحنا تلك الحلي، ومثل ذلك { ألقى السامري } ما ~~كان معه من الحلي. وقيل { أوزارا } أي اثقالا من حلي آل فرعون، لما ~~قذفهم البحر أخذوها منهم. ثم اخبر تعالى فقال: إن السامري أخرج لقوم موسى ~~عجلا جسدا له خوار، فقيل ان ذلك العجل كان في صورة ثور صاغها من الحلي ~~التي كانت معهم، ثم ألقى عليها ms2461 من أثر جبرائيل شيئا، فانقلب حيوانا ~~يخور - ذكره الحسن وقتادة والسدي - و { الخور } الصوت الشديد كصوت ~~البقرة. # وقال مجاهد: كان خواره بالريح إذا دخلت فى جوفه. وأجاز قوم الأول، ~~وقالوا: إن ذلك معجزة تجوز فى زمن الأنبياء. وقول مجاهد أقوى، لأن إظهار ~~المعجزات لا يجوز على أيدي المبطلين، وإن كان في زمن الأنبياء. وقال ~~الجبائي: انما صوره على صورة العجل وجعل فيه خروقا إذا دخله الريح أو هم ~~انه يخور. وقيل: انه خار دفعة واحدة { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني ~~قال ذلك السامري ومن تابعه ان هذا العجل معبودكم ومعبود موسى، " فنسي " ~~أي نسي موسى أنه إلهه، وهو قول السامري - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد ~~والسدي وابن زيد والضحاك - وقال ابن عباس في رواية أخرى: معناه، فنسى ~~السامري ما كان عليه من الايمان، لأنه نافق لما عبر البحر. ومعناه ترك ما ~~كان عليه. وقال قوم: معناه " فنسي " موسى أنه أراد هذا العجل، فنسي وترك ~~الطريق الذي يصل منه اليه، ويكون حكاية قول السامري. # ثم قال تعالى تنبيها لهم على خطئهم { أفلا يرون } أي أفلا يعلمون أنه { ~~لا يرجع إليهم قولا } أي لا يجيبهم إذا خاطبوه، ولا يقدر لهم على ضر ولا ~~نفع. ثم اخبر ان هارون قال لهم قبل ذلك { يا قوم إنما فتنتم به } أي ~~ابتليتم واختبرتم به { وإن ربكم الرحمن } اي الذين يستحق العبادة عليكم ~~هو الرحمن الذي أنعم عليكم بضروب النعم { فاتبعوني } فيما أقول لكم { ~~وأطيعوا أمري } فيما آمركم به. ### || [20.91-95] # قرأ { يا ابن أم } - بفتح الميم - ابن كثير وابو عمرو، وعاصم في رواية ~~حفص. الباقون - بكسر الميم - من فتح الميم جعل { ابن أم } اسما واحدا ~~وبناهما على الفتح مثل (خمسة عشر) إلا ان (خمسة عشر) تضمن معنى الواو، ~~وتقديره خمسة وعشرة، و { ابن أم } بمعنى اللام وتقديره: لأمي، وكلاهما ~~على تقدير الاتصال بالحرف على جهة الحذف، ويجوز { يا ابن أم } على ~~الاضافة، ولم يجئ هذا البناء إلا في يا أبن ام، ويا ابن عم، ms2462 لأنه كثر حتى ~~صار يقال للأجنبي، فلما عدل بمعناه عدل بلفظه، قال الشاعر: # رجال ونسوان يودون أنني # وإياك نخزى يا ابن عم ونفضح # ويحتمل ان يكون (اراد يابن أماه) فرخم. ويحتمل ان يكون أراد (يابن اما) ~~[فخفف، ومن كسر اراد ياين امي] لأن العرب تقول: يا ابن اما بمعنى يا ابن ~~امي ويا ربا بمعنى يا ربي. فمن كسر اراد: يا ابن امي، فحذف الياء وابقى ~~الكسرة تدل عليها. # حكى الله تعالى ما اجاب به قوم موسى لهارون حين نهاهم عن عبادة العجل ~~وأمرهم باتباعه، فانهم { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~} أي لن نزال لازمين لهذا العجل الى أن يعود الينا موسى، فننظر ما يقول ~~قال الشاعر: # فما برحت خيل تثوب وتدعي # ويلحق منها لاحق وتقطع # والعكوف لزوم الشيء مع القصد اليه على مرور الوقت، ومنه الاعتكاف في ~~المسجد. ثم اخبر تعالى أن موسى لما رجع الى قومه، قال لهارون { يا هارون ~~ما منعك ألا تتبعني } قال ابن عباس: معناه بمن أقام على إيمانه. وقال إبن ~~جريج: معناه ألا تتبعني في شدة الزجر لهم عن الكفر. ومعنى { ألا تتبعني } ~~ما منعك أن تتبعني و (لا) زائدة، كما # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك # وقد بينا القول فى ذلك. وإنما جاز ذلك لأنه المفهوم أن المراد ما منعك ~~بدعائه لك الى أن لا تتبعني فدخلت (لا) لتنبئ عن هذا المعنى، وهو منع ~~الداعي دون منع الحائل. # وقوله { أفعصيت أمري } صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير، لأن ~~موسى كان يعلم أن هارون لا يعصيه فى أمره، فقال له هارون فى الجواب { لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي } حين اخذ موسى بلحيته ورأسه. وقيل في وجه ذلك ~~قولان: # احدهما - ان عادة ذلك الوقت أن الواحد إذا خاطب غيره قبض على لحيته، كما ~~يقبض على يده فى عادتنا، والعادات تختلف ولم يكن ذلك على وجه الاستخفاف. # والثاني - انه أجراه مجرى نفسه إذا غضب، فى القبض على لحيته، لأنه لم ~~يكن ms2463 يتهم عليه، كما لا يتهم على نفسه. # وقوله { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } معناه إني خفت أني إن ~~فعلت ذلك على وجه العنف والاكراه أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم ويصيروا ~~أحزابا، حزبا يلحقون بموسى وحزبا يقيمون مع السامري على اتباعه، ~~وحزبا يقيمون على الشك فى أمره. ثم لا يؤمن إذا تركتهم كذلك أن يصيروا ~~بالخلاف الى سفك الدماء، وشدة التصميم على أمر السامري، فاعتذر بما مثله ~~يقبل، لأنه وجه من وجوه الرأي. # قوله { ولم ترقب قولي } أي لم تحفظ قولي - في قول ابن عباس - فعدل عن ~~ذلك موسى الى خطاب السامري، فقال له { ما خطبك يا سامري } أي ما شأنك وما ~~دعاك الى ما صنعت؟! وأصل الخطب: الجليل من الأمر، فكأنه قيل: ما هذا ~~العظيم الذي دعاك الى ما صنعت. ### || [20.96-100] # قرأ حمزة والكسائي { ما لم تبصروا } بالتاء. الباقون بالياء المعجمة من ~~اسفل. من قرأ بالتاء حمله على خطابه لجميعهم. ومن قرأ بالياء اراد: بصرت ~~بما لم يبصروا بنو إسرائيل. وقرأ ابن كثير وابو عمرو { لن تخلفه } بكسر ~~اللام. # الباقون بفتح اللام. والمعنى: لأن الله يكافيك على ما فعلت يوم القيامة، ~~لأنه بذلك وعد. يقال: اخلفت موعد فلان إذا لم تف بما وعدته. ومن قرأ - ~~على ما لم يسم فاعله - جعل الخلف من غير المخاطب، والهاء كناية عن ~~الموعد، وهو المفعول به، والفاعل لم يذكر. # حكى الله تعالى قول موسى للسامري وسؤاله إياه بقوله { ما خطبك يا سامري ~~} وحكى ما أجاب به السامري، فانه قال { بصرت بما لم يبصروا به } والمعنى ~~رأيت ما لم يروه. فمن قرأ بالياء اراد ما لم يبصروا هؤلاء. ومن قرأ ~~بالتاء حمله على الخطاب وبصر لا يتعدى، وإن كانت الرؤية متعدية، لأن ما ~~كان على وزن (فعل) بضم العين لا يتعدى. غير انه وان كان غير متعد، فانه ~~يتعدى بحرف الجر، كما عداه - ها هنا - بالباء. وقيل بصرت - ها هنا - ~~بمعنى علمت من البصيرة. يقال: بصر يبصر اذا علم. وابصر ابصارا اذا رأى. ms2464 # وقوله { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } قرأ الحسن بالصاد غير ~~المعجمة. والقراء على القراءة بالضاد المنقطة، والفرق بينهما ان (القبضة) ~~بالضاد بملئ الكف، وبالصاد غير المعجمة بأطراف الأصابع، وقيل: انه قبض ~~قبضة من اثر جبرائيل (ع) { فنبذتها } فى الحلي على ما اطمعتني نفسي من ~~انقلابه حيوانا. وقال ابن زيد: معنى { سولت لي نفسي } حدثتني. وقيل: ~~معناه زينت لي نفسي. # فان قيل: لم جاز إنقلابه حيوانا - مع انه معجز - لغير نبي؟! # قلنا: فى ذلك خلاف، فمنهم من قال: انه كان معلوما معتادا فى ذلك الوقت ~~انه من قبض من اثر الرسول قبضة فألقاها على جماد صار حيوانا - ذكره ابو ~~بكر ابن الاخشاذ - فعلى هذا لا يكون خرق عادة بل كان معتادا. وقال ~~الحسن: صار لحما ودما. وقال الجبائي: المعنى سولت له نفسه ما لا حقيقة ~~له وانما خار بحيلة: جعلت فيه خروق اذا دخلتها الريح سمع له خوار منه. ~~فقال له موسى عند ذلك { فاذهب } يا سامري { فإن لك في الحياة أن تقول لا ~~مساس } واختلفوا فى معناه، فقال قوم: معناه تقول لا أمس ولا أمس، وكان ~~موسى امر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فيما ذكر. ~~وقال الجبائي: معناه انه لا مساس لأحد من الناس، لأنه جعل يهيم فى البرية ~~مع الوحش والسباع. # وقوله { لا مساس } بالكسر والفتح، فان كسرت فمثل لا رجال، واذا فتحت ~~الميم بنيت على الكسر مثل نزال، قال رؤبة: # حتى تقول الأرد لا مساسا # وقال الشاعر: # تميم كرهط السامري وقوله # ألا لا يريد السامري مساسا # وكله بمعنى المماسة والمخالطة. ثم قال { وإن لك موعدا لن تخلفه } من ~~جهتنا فيمن قرأ بالفتح، ومن قرأ بالكسر معناه لا تخلفه انت، وهما ~~متقاربان، ويريد بالموعد البعث والنشور والجزاء، اما جنة واما نارا. ثم ~~قال { أنظر إلى الهك } يعني معبودك عند نفسك أبصره { الذي ظلت عليه ~~عاكفا } قال ابن عباس: معناه اقمت عليه عاكفا، واصله ظللت، فحذف اللام ~~المكسورة للتخفيف وكراهية التضعيف، وللعرب فيها مذهبان، فتح الظاء، ms2465 ~~وكسرها، فمن فتح تركها على حالها، ومن كسر نقل حركة اللام اليها للاشعار ~~باصلها. ومثله مست ومست في مسست. وهمت وهمت، فى هممت، وهل احست في احسست، ~~قال الشاعر: # خلا ان العتاق من المطايا # أحس به فهن اليه شوس # وقوله { لنحرقنه } يعني بالنار يقال: انه حرقه ثم ذراه فى البحر - في ~~قول ابن عباس - يقال حرقته بتشديد الراء اذا حرقته بالنار وحرقته بتخفيف ~~الراء بمعنى بردته بالمبرد، وذلك لانه يقطع به كما يقطع المحرق بالنار ~~يقال حرقته واحرقته حرقا، كما قال الشاعر: # بذي فرفير يوم بنو حبيب # بيوتهم علينا يحرقونا # وقال زهير: # ابى الضيم والنعمان يحرق نابه # عليه فأفضى والسيوف معاقله # وقرأ ابو جعفر المدني { لنحرقنه } بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء ~~بمعنى لنبردنه. وروي ذلك عن علي (ع)، ويقال نسف فلان الطعام بالمنسف اذا ~~ذراه لتطير عنه قشوره. وقال سعيد بن جبير: كان السامري رجلا من اهل ~~كرمان. وقال قوم: كان من بني اسرائيل، واليه تنسب (السامرة) من اليهود. ~~وحكى قوم: ان قبيلته الى اليوم يقولون في كلامهم: لا مساس. # ثم اقبل على قومه فقال { إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو } اي ليس ~~لكم معبود الا الله الذي { وسع كل شيء علما } اي يعلم كل شيء، لا يخفى ~~عليه شيء منها، وهي لفظة عجيبة فى الفصاحة. # ثم قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) مثل ذلك { نقص عليك من ~~أنباء } يعني اخبار { ما قد سبق } وتقدم { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } اي ~~اعطيناك من عندنا علما بأخبار الماضين. وقال الجبائي: اراد آتيناك من ~~عندنا القرآن لأنه سماه ذكرا. ثم قال { من أعرض } عن التصديق بما ~~اخبرناك به وعن توحيد الله، واخلاص عبادته { فإنه يحمل يوم القيامة وزرا ~~} اي اثما، واصل الوزر الثقل، فى قول مجاهد. ### || [20.101-107] # قرأ ابو عمرو وحده { يوم ننفخ } بفتح النون مع قوله { ونحشر }. الباقون ~~{ ينفخ } بالياء على ما لم يسم فاعله. قوله { خالدين } نصب على الحال، ~~والعامل فيه (العذاب) الذي تقدم ذكره ms2466 من الوزر، والمعنى فى عذاب الاثم { ~~وساء لهم يوم القيامة حملا } نصب { حملا } على التمييز. وفاعل { ساء } ~~مضمر، وتقديره: ساء الحمل حملا، الا انه استغني بالمفسر عن اظهار المضمر، ~~كقولهم بئس رجلا صاحبك. وانما اضمر، ثم فسره، لأنه افخم واهول، والمعنى ~~وساء ذلك الحمل الوزر لهم يوم القيامة حملا، فيما ينزل بهم. # وقوله { يوم ينفخ في الصور } فالنفخ اخراج الريح من الجوف بالدفع من ~~الفم، فهذا اصله، ثم قد يسمى احداث الريح من الزق او البوق نفخا، لأنه ~~كالنفخ المعروف. و { الصور } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه جمع صورة، كل حيوان تنفخ فيه الروح، فتجري في جسمه، ويقوم ~~حيا باذن الله. # والثاني - انه قرن ينفخ فيه النفخة الثانية ليقوم الناس من قبورهم عند ~~تلك النفخة تصويرا لتلك الحال فى النفوس بما هو معلوم، مما عهدوه من بوق ~~الرحيل وبوق النزول. # وقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } قيل: معناه إنه أزرقت عيونهم من ~~شدة العطش. وقيل: معناه عميا، كما قال # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا # كأنها ترى زرقا وهي عمي. وقيل: المعني فى { زرقا } تشويه الخلق: ~~وجوههم سود وأعينهم زرق. # وقوله { يتخافتون بينهم } معناه يتشاورون بينهم - في قول ابن عباس - ~~ومنه قوله { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ومعناه لا تعلن صوتك ~~بالقراءة فى الصلاة كل الاعلان ولا تخفها كل الاخفاء # وابتغ بين ذلك سبيلا # وقوله { إن لبثتم إلا عشرا } يعني ما أقمتم فى قبوركم إلا عشرا. وانما ~~يقولون ذلك القول لانهم لشدة ما يرونه من هول القيامة ينسون ما لبثوا فى ~~الدنيا، فيقولون هذا القول. وقيل: معناه وتأويله انه يذهب عنهم طول لبثهم ~~فى قبورهم لما يرون من أحوالهم التي رجعت اليهم، كأنهم كانوا نياما، ~~فانتبهوا. وقال الحسن: إن لبثتم إلا عشرا يقللون لبثهم فى الدنيا لطول ~~ما هم لابثون فى النار. # ثم قال تعالى { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة } أي اصلحهم ~~طريقة وأوفرهم عقلا. وقيل: أكثرهم سدادا، يعني عنه نفسه { إن لبثتم إلا ~~يوما } قال ms2467 ابو علي الجبائي: معناه { إن لبثتم إلا يوما } بعد انقطاع ~~عذاب القبر عنهم، وذلك ان الله يعذبهم ثم يعيدهم. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { ويسألونك عن الجبال فقل ~~ينسفها ربي نسفا } قيل: انه يجعلها بمنزلة الرمل، ثم يرسل عليها الرياح ~~فتذريها كتذرية الطعام عن القشور والتراب. وقيل: ان الجبال تصير كالهباء ~~{ فيذرها قاعا صفصفا } قال ابن عباس: الصفصف الموضع المستوي الذي لا ~~نبات فيه، وهو قول مجاهد وابن زيد. # وقيل هو المكان المستوي كانه على صف واحد فى استوائه، والقاع قيل: هو ~~الارض الملساء. وقيل مستنقع الماء وجمعه اقواع قال الشاعر: # كان أيدهن بالقاع القرق # أيدي جوار يتعاطين الورق # وقال الكلبي: الصفصف ما لا تراب فيه. { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ~~يعني واديا ولا رابية - فى قول ابن عباس - وقيل { عوجا } معناه صدعا { ~~ولا أمتا } يعني اكمة. وقيل: معنى { عوجا } ميلا و { أمتا } اثرا. ~~وقال ابو عبيدة: { صفصفا } اي مستويا املسا. و { العوج } مصدر ما اعوج ~~من المجاري، والمسايل والأودية والارتفاع يمينا وشمالا و " لا أمتا " ~~اي لا ربا ولا وهاد، أي لا ارتفاع فيه ولا هبوط، يقال: مد حبله حتى ما ~~ترك فيه امتا، وملأ سقاه حتى ما ترك فيه أمتا أي انثناء، قال الشاعر: # ما فى انحداب سيره من أمت ### || [20.108-110] # يقول الله تعالى إن اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفا. ويذرها ~~قاعا صفصفا، حتى لا يبقى فيه عوج ولا امت، تتبع الخلائق يومئذ الداعي ~~لهم الى المحشر { لا عوج له } اي لا يميلون عنه، ولا يعدلون عن ندائه، ~~ولا يعصونه كما يعصون في دار الدنيا { وخشعت الأصوات للرحمن } اي تخضع له ~~بمعنى انها تسكن، ولا ترتفع - في قول ابن عباس - والخشوع الخضوع قال ~~الشاعر: # لما اتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقوله تعالى { فلا تسمع إلا همسا } فالهمس صوت الأقدام - في قول ابن ~~عباس وابن زيد - وقال مجاهد: الهمس إخفاء الكلام، قال الراجز في الهمس: # وهن يمشين بنا هميسا # يعني ms2468 صوت اخفاف الابل في سيرها. وقوله { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا } اخبر الله تعالى أن ذلك اليوم لا تنفع ~~شفاعة احد فى غيره، إلا شفاعة من أذن الله له أن يشفع، ورضي قوله فيها: ~~من الأنبياء والأولياء والصديقين والمؤمنين. ثم قال { يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم } أي يعلم ما بين أيدي الخلائق من أمور القيامة واحوالهم، ~~ويعلم ما سبقهم فيما تقدمهم { ولا يحيطون } هم { به } بالله { علما }. ~~والمعنى انهم لا يعلمون كل ما هو تعالى عالم به لنفسه، فلا يعلمه أحد علم ~~إحاطة، وهو تعالى يعلم جميع ذلك، وجميع الاشياء علم إحاطة، بمعنى انه ~~يعلمها على كل وجه يصح أن تعلم عليه مفصلا. وقال الجبائي: معناه ولا ~~يحيطون بما خلفهم علما، ولا بما بين أيديهم. ### || [20.111-115] # قرأ ابن كثير وحده { فلا يخف ظلما } على النهي. الباقون على الخير. قال ~~ابو علي النحوي: قوله { وهو مؤمن } جملة فى موضع الحال والعامل فيها { ~~يعمل } وذو الحال الذكر الذي فى يعمل من { من } ، وموضع الفاء، وما بعدها ~~من قوله { فلا يخاف } الجزم، لكونه فى موضع جواب الشرط. والمبتدأ محذوف ~~مراد بعد الفاء، وتقديره: فهو لا يخاف، والأمر في ذلك حسن، لأن تقديره من ~~عمل صالحا فليأمن، ولا يخف. والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف ~~عليه # وقوله { وعنت الوجوه } أي خضعت وذلت خضوع الاسير في يد القاهر له، ~~والعاني الاسير، ويقال: عنا وجهي لربه يعنو عنوا اي ذل وخضع ومنه: أخذت ~~الشيء عنوة أي غلبة بذل المأخوذ منه، وقد يكون العنوة عن تسليم وطاعة، ~~لأنه على طاعة الذليل للعزيز قال الشاعر: # هل انت مطيعي ايها القلب عنوة # ولم تلح نفس لم تلم فى اخيتالها # وقال آخر: # فما اخذوها عنوة عن مودة # ولكن بضرب المشرفي استقالها # و { عنت } ذلت - فى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. و { القيوم } قيل في ~~معناه قولان: # احدهما - انه العالم فيما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل ~~الله قيوما ms2469 # والثاني - انه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين. وقال ~~الجبائي: القيوم القائم بأنه دائم لا يبيد ولا يزول. وقال الحسن: هو ~~القائم على كل نفس بما كست حتى يجزيها. ووجه { عنت الوجوه للحي القيوم } ~~انها تدل عليه، لأن الفعل منه تعالى يدل على انه قادر وكونه قادرا يدل ~~على انه عالم. وقيل: معنى { وعنت الوجوه } هو وضع الجبهة والانف على ~~الارض في السجود - فى قول طلق ابن حبيب # وقوله { وقد خاب من حمل ظلما } أي خسر الثواب من جاء يوم القيامة ~~كافرا ظالما مستحقا للعقاب. و { من } فى قوله { من الصالحات } زائدة ~~عند قوم والمراد من يعمل الصالحات. ويحتمل ان تكون للتبعيض، لان جميع ~~الصالحات لا يمكن احد فعلها، فأخبر الله تعالى ان من يعمل الاعمال ~~الصالحات، وهو مؤمن عارف بالله تعالى مصدق بأنبيائه { فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما } اي لايخاف ظلما بالزيادة في سيآته، ولا زيادة فى عقابه الذي ~~يستحقه على معاصيه { ولا هضما } أي ولا نقصانا من حسناته ولا من ثوابه ~~- في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقيل { لا يخاف ظلما } بأن لا يجزى ~~بعمله { ولا هضما } بالانتقاص من حقه - في قول ابن زيد. فمن قرأ " فلا ~~يخاف " أراد الاخبار بذلك. ومن قرأ " فلا يخف " معناه معنى النهي للمؤمن ~~الذي وصفه عن أن يخاف ظلما او هضما. # وأصل الهضم النقص، يقال: هضمني فلان حقى اي نقصني. وامرأة هضيم الحشا أي ~~ضامرة الكشحين بنقصانه عن حد غيره. ومنه هضمت المعدة الطعام اي نقصت مع ~~تغييرها له. # وقوله { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا } أي كما اخبرناك باخبار القيامة ~~أنزلنا عليك يا محمد القرآن { وصرفنا فيه من الوعيد } اي ذكرناه على وجوه ~~مختلفة، وبيناه بألفاظ مختلفة، لكي يتقوا معاصيه ويحذروا عقابه { أو يحدث ~~} القرآن { لهم ذكرا } ومعناه ذكرا يعتبرون به. وقيل { ذكرا } اى ~~شرفا بايمانهم به. # ثم قال تعالى { فتعالى الله الملك الحق } اي ذو الحق، ومعناه ارتفع - ~~معنى صفته - فوق كل شيء سواه، لأنه اقدر من كل قادر، ms2470 واعلم من كل عالم ~~سواه لأن كل قادر عالم سواه يحتاج اليه، وهو غني عنه. # وقوله { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه } اى لا تسأل إنزاله ~~قبل ان يأتيك وحيه. وقيل: معناه لا تلقه الى الناس قبل ان يأتيك بيان ~~تأويله. وقيل: لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبرائيل من ادائه اليك. # وقوله { وقل رب زدني علما } اي استزد من الله علما الى علمك. وقال ~~الحسن: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا نزل عليه الوحي عجل بقراءته ~~مخافة نسيانه. # وقوله { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } قال ابن ~~عباس ومجاهد: معناه عهد الله اليه، بأن امره به ووصاه به " فنسي " اي ~~ترك. وقيل إنما اخذ الانسان من انه عهد اليه فنسي - في قول ابن عباس - ~~وقوله { ولم نجد له عزما } اى عقدا ثابتا. وقال قتادة: يعني صبرا. ~~وقال عطية: اى لم نجد له حفظا. والعزم الارادة المتقدمة لتوطين النفس ~~على الفعل. # وقرأ يعقوب { من قبل أن نقضي } بالنون وكسر الضاد وفتح الياء بعدها { ~~وحيه } بنصب الياء. الباقون { يقضى } بناه لما لم يسم فاعله ورفع الياء ~~في قوله { وحيه } ، ### || [20.116-120] # قرأ نافع وابو بكر عن عاصم { وإنك لا تظمؤ } بكسر الهمزة على الاستئناف ~~وقطعه عن الأول. الباقون بالنصب عطفا على اسم (أن). # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) يا محمد واذكر حين قال الله ~~تعالى { للملائكة اسجدوا لآدم } أي أمرهم بالسجود له، وانهم سجدوا له ~~بأجمعهم إلا إبليس وقد بينا - فيما تقدم - أن أمر الله تعالى للملائكة ~~بالسجود لآدم يدل على تفضيله عليهم، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم، ~~لأن السجود عبادة، لا يجوز أن يفعل إلا لله، فأما الخلوقات فلا تستحق ~~شيئا من العبادة بحال، لأن العبادة تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لا ~~يوازيها نعمة منعم. # وقال قوم: ان سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد الى جهة الكعبة - وهو قول ~~الجبائي - والصحيح الأول، لأن التعظيم الذي هو ms2471 في أعلى المراتب حاصل لله ~~لا لآدم باسجاد الملائكة له. ولو لم يكن الأمر على ما قلناه من أن في ذلك ~~تفضيلا لآدم عليهم، لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه، و لما كان ~~لقوله # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # وجه. فلما احتج إبليس بأنه أفضل من آدم - وإن أخطأ فى الاحتجاج - علمنا ~~أن موضوع الأمر بالسجود لآدم على جهة التفضيل، وإلا كان يقول الله ~~لابليس: إني ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنما السجود لي، وهو ~~بمنزلة القبلة، فلا ينبغي أن تانف من ذلك. وقد بينا أن الظاهر - فى ~~روايات أصحابنا - أن ابليس كان من جملة الملائكة، وهو المشهور - في قول ~~ابن عباس - وذكره البلخي - فعلى هذا يكون استثناء إبليس من جملة الملائكة ~~استثناء متصلا. ومن قال: إن ابليس لم يكن من جملة الملائكة قال: هو ~~استثناء منقطع، وانما جاز ذلك، لأنه كان مأمورا ايضا بالسجود له، ~~فاستثني على المعنى دون اللفظ، كما يقال: خرج أصحاب الأمير إلا الأمير، ~~وكما قال عنتر ابن دجاجة: # من كان أشرك فى تفرق مالح # فلبونه جربت معا واغذت # الا كنا شرة الذي ضيعتم # كالغصن فى غلوائه المتثبت # والمعنى لكن هذا كناشرة. وتقول: قام الأشراف للرئيس، إلا العامي الذي لا ~~يلتفت اليه. قال الرماني: وإذا أمر الملائكة بالسجود اقتضى أن من دونهم ~~داخل معهم، كما أنه اذا أمر الكبراء بالقيام للأمير اقتضى أن الصغار ~~القدر، قد دخلوا معهم. # وقوله { أبى } معناه امتنع { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك } حكاية ~~عما قال الله لآدم: إن إبليس عدوك وعدو زوجتك يريد إخراجكما من الجنة، ~~ونسب الاخراج الى ابليس إذ كان بدعائه واغوائه. # وقوله { فتشقى } قيل: معناه تتعب بأن تأكل من كد يدك وما تكتسبه لنفسك. ~~وقيل: فتشقى على خطاب الواحد، والمعنى فتشقى أنت وزوجك، لأن امرهما فى ~~السبب واحد، فاستوى حكمهما لاستوائهما في العلة. وقيل: خص بالشقاء لأن ~~الرجل يكد على زوجته. # وقوله { إن لك ألا تجوع فيها ms2472 ولا تعرى } يعني في الجنة ما دمت على طاعتك ~~لي والامتثال لأمري وانك { لا تعرى } فيها من الكسوة { وإنك لا تظمأ فيها ~~} اي لا تعطش فيها { ولا تضحى } أي لا يصيبك حر الشمس - وهو قول ابن عباس ~~وسعيد بن جبير وقتادة - وقال عمر بن ابي ربيعة: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخضر # أي يخضر من البرد. وقيل: ليس فى الجنة شمس انما فيها نور وضياء. وانما ~~الشمس في سماء الدنيا خاصة. وضحى الرجل يضحى إذا برز للشمس. قال أبو علي: ~~إنما لم يجز أن يقول انك لا تجوع وإنك لا تظمأ. بغير فصل كراهة اجتماع ~~حرفين متقاربين فى المعنى، فاذا فصل بينهما لم يكره ذلك، كما كرهوا: إن ~~لزيدا قائم، ولم يكرهوا { إن في ذلك لآيات } مع الفصل. وقال الرماني ~~إنما جاز أن تعمل { إن } في (أن) بفصل ولم يجز من غير فصل كراهية ~~التعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فاما المتباعدة فلا يقع بالاتصال ~~فيها تعقيد، لأنها متباينة مع الاتصال لالفاظها، فلذلك جاز { إن لك أن لا ~~تظمؤا فيها } ولم يجز ان انك لا تظمؤ، لأنه بغير فصل. # ثم اخبر تعالى أن إبليس وسوس لادم، فقال له { هل أدلك على شجرة الخلد... ~~} أي على شجرة إن تناولت منها بقيت في الجنة مخلدا لا تخرج منها، وحصل ~~لك ملك وسلطان لا يبلى على آلابد، ولا يهلك، وهي الشجرة التي نهاه الله ~~تعالى عن تناولها. وقد قدمنا أختلاف المفسرين في ماهية تلك الشجرة فيما ~~مضى فلا وجه لاعادته. ### || [20.121-125] # اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما أكلا من الشجرة التي نهى الله عن ~~أكلها، وعندنا أن النهي كان على وجه التنزيه. والأولى أن يكون على وجه ~~الندب دون نهي الحظر والتحريم، لأن الحرام لا يكون إلا قبيحا، والأنبياء ~~لا يجوز عليهم شيء من القبائح لا كبيرها ولا صغيرها. وقال الجبائي: لا ~~تقع معاصي الانبياء إلا سهوا، فأما مع العلم بأنها معاصي فلا تقع. وقال ~~قوم آخرون: إنه وقع من ms2473 آدم أكل الشجرة خطأ. لأنه كان نهي عن جنس الشجرة ~~فظن انه نهي عن شجرة بعينها، فأخطأ فى ذلك. وهذا خطأ لأنه تنزيه له من ~~وجه المعصية، ونسبة المعصية اليه من وجهين: أحدهما - أنه فعل القبيح. ~~والثاني - أنه أخطأ فى الاستدلال. وقال قوم: انها وقعت منه عمدا، وكانت ~~صغيرة، وقعت محبطة. وقد بينا أن ذلك لا يجوز عليهم (ع) عندنا بحال. وقال ~~الرماني: لما حلف ابليس لهما لم يقبلا منه، ولم يصدقاه، ولكن فعلا ذلك ~~لغلبة شهوتهما، كما يقول الغاوي للانسان إزن بهذه المرأة، فانك ان أخذت ~~لم تحد، فلا يصدقه، ويزني بها لشهوته. وقال الحسن: أكلت حواء أولا وابت ~~عليه ان يجامعها حتى يأكل منها، فأكل حينئذ. # وقوله { فبدت لهما سوآتهما } أي ظهرت لهما عوراتهما، لان ما كان عليهما ~~من اللباس نزع عنهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة بل لتغيير المصلحة فى ~~نزعهما وإخراجهما من الجنة وإهباطهما الأرض وتكليفهما فيها. وانما جمع ~~سوآتهما، وهو لأثنين، لأن كل شيئين من شيئين، فهو من موضع التثنية جمع، ~~لأن الاضافة تثنية مع أنه لا إخلال فيه لمناسبة الجمع للتثنية. وقال ~~السدي: كان لباس سوآتهما الظفر. # وقوله { طفقا } يعني ظلا، وجعلا يفعلان. # وقوله { يخصفان عليهما من ورق الجنة } فالخصف خيط الشيء بقطعة من غيره، ~~يقال: خصفه يخصفه خصفا، فهو خاصف وخصاف. وقيل: انهما كانا يطبقان ورق ~~الجنة بعضه على بعض ويخيطان بعضه الى بعض ليسترا به سوآتهما. # وقوله { وعصى آدم ربه فغوى } معناه خالف ما أمره الله به فخاب ثوابه. ~~والمعصية مخالفة الأمر سواء كان واجبا او ندبا قال الشاعر: # أمرتك امرا جازما فعصيتني # ويقال ايضا: أشرت عليك بكذا، فعصيتني، ويقال غوى يغوي غواية وغيا إذا ~~خاب، قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي من يخب، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان آدم تاب الى الله وندم على ما ~~فعل، فاجتباه الله واصطفاه { وتاب عليه } أي قبل توبته. وهداه الى معرفته ~~والى الثواب ms2474 الذي عرضه له. # وقوله { قال اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو } يعني آدم وحواء وابليس ~~وذريته. # وقد بينا معنى الهبوط فيما تقدم واختلاف الناس فيه. والمعنى أنه أخرج ~~هؤلاء من الجنة بأن أمرهم بالخروج منها على وجه تغيير المصلحة في أمره، ~~ولابليس على وجه العقوبة. وقد بينا فيما تقدم ان إخراج ابليس من الجنة، ~~كان قبل ذلك حين أمره الله بالسجود لآدم فامتنع فلعنه وأخرجه، وانما أغوى ~~آدم من خارج الجنة، لأنه قيل: ان آدم كان يخرج الى باب الجنة. وذكرنا ~~أقوال المفسرين فى ذلك فيما مضى. # وقوله { فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى } معناه ان ~~أتاكم هدى مني بأن أكلفكم، وانصب لكم الادلة على ما آمركم به من معرفتي ~~وتوحيدي والعمل بطاعتي، فمن اتبع أدلتي وعمل بما آمره به، فانه { لا يضل ~~} في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة. وقال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن ~~قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. # وقوله { ومن أعرض عن ذكري } [أي من لم ينظر في ذكري الذي هو القرآن ~~والادلة المنصوبة على الحق وصدف عنها] { فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى } فالضنك الضيق الصعب، منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، لا يثنى ~~ولا يجمع ولا يؤنث، لأن أصله المصدر. ثم وصف به، قال عنترة: # إن يلحقوا أكرر وان يستلحموا # أشدد وان يلفوا بضنك أنزل # وقال ايضا: # ان المنية لو تمثل مثلت # مثلي اذا نزلوا بضنك المنزل # والضنك: الضيق، في قول مجاهد وقتادة: وقال الحسن وابن زيد: المعيشة ~~الضنك هو الضريع، والزقوم في النار. وقيل: الضريع شوك من نار. وقال عكرمة ~~والضحاك: هو الحرام في الدنيا الذي يؤدي الى النار. وقال ابن عباس: لأنه ~~غير موقن بالخلف، فعيشه منغص. وقال ابو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود ~~وأبو صالح، والسدي، ورواه ابو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه ~~عذاب القبر، ولقوله تعالى { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } يقتضي انه ms2475 عذاب ~~القبر. # وقوله { ونحشره يوم القيامة أعمى } قيل معناه نحشره يوم القيامة أعمى ~~البصر. وقيل أعمى الحجة. وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي اليها. والأول ~~هو الظاهر اذا اطلق. فمن قال: أعمى البصر قال: معناه لا يبصر في حال ~~ويبصر العذاب في حال. ومن قال: بالآخرة قال: هو أعمى عن جهات الخير لا ~~يهتدي لشيء منها. # وقوله { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } حكاية عما يقول الذي ~~يحشره أعمى { لم حشرتني أعمى } ذاهب البصر { وقد كنت بصيرا } أبصر بها. ~~وهذا يقوي أنه أراد عمى البصر دون عمى البصيرة، لان الكافر لم يكن بصيرا ~~في الدنيا الا على وجه صحة الحاسة. وقيل معناه كنت بصيرا بحجتي عند ~~نفسي. ### || [20.126-130] # قرأ الكسائي وابو عمرو عن عاصم { ترضى } بضم التاء. الباقون بفتحها. # هذا جواب من الله تعالى لمن يقول { لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا } ~~فيقول الله له فى جواب ذلك كما حشرتك أعمى مثل ذلك { أتتك آياتنا } يعنى ~~أدلتنا وحججنا { فنسيتها } أي تركتها ولم تعتبر بها، وفعلت معها ما يفعله ~~الناسي الذي لم يذكرها اصلا، ومثل ذلك اليوم تترك من ثواب الله ورحمته ~~وتحرم من نعمه، وتصير بمنزلة من قد ترك فى المنسى بعذاب لا يفنى. # ثم قال ومثل ذلك { نجزي من أسرف } على نفسه بارتكاب المعاصي، وترك ~~الواجبات ولم يصدق بآيات ربه وحججه. # ثم قال { ولعذاب الآخرة } بالنار { أشد وأبقى } لأنه دائم، وعذاب القبر ~~وعذاب الدنيا يزول. وهذا يقوي قول من قال: إن قوله { معيشة ضنكا } أراد ~~به عذاب القبر. ولا يجوز أن يكون المراد بقوله { فنسيتها } النسيان الذي ~~ينافى العلم لأن ذلك من فعل الله لا يعاقب العبد عليه، اللهم إلا ان يراد ~~ان الوعيد على التعرض لنسيان آيات الله فأجري في الذكر على نسيان الآيات ~~للتحذير من الوقوع فيه. # ثم قال تعالى { أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم } قيل: ان قريشا كانت تتجر الى الشام فتمر بمساكن عاد وثمود، ~~فترى آثار ms2476 اهلاك الله اياهم، فنبههم الله بذلك على معرفته وتوحيده. وفاعل ~~{ يهد } مضمر يفسره { كم أهلكنا } والمعنى او لم يهد لهم اهلاكنا من ~~قبلهم من القرون. ويجوز أن يكون المضمر المصدر يفسره { كم أهلكنا } وموضع ~~{ كم } نصب ب { أهلكنا } في قول الفراء والزجاج. وقال بعضهم: انه رفع ب ~~{ يهد } وهذا خطأ، لانه خرج مخرج الاستفهام، كما يقول القائل: قد تبين لي ~~أقام زيد أم عمرو؟. وقوله { إن في ذلك } يعني في اهلاكنا القرون الماضية ~~{ لآيات } وحججا لأولي العقول. والنهى العقول، على ما بيناه في غير ~~موضع. # وقوله { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى } فيه تقديم ~~وتأخير وتقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك واجل مسمى لكان لزاما ومعناه: ~~لولا ما سبق من وعد الله بأن الساعة تقوم في وقت بعينه وان المكلف له اجل ~~مقدر معين، لكان هلاكهم { لزاما } أي لازما ابدا. وقيل: معناه فيصلا ~~يلزم كل انسان طائره، ان خيرا فخيرا وان شرا، فشرا، فالاول قول ~~الزجاج، والثاني قول أبي عبيدة. وقال قوم: عذاب اللزام كان يوم بدر، قتل ~~الله فيه الكفار، ولولا ما قدر الله من آجال الباقين ووعدهم من عذاب ~~الآخرة، لكان لازما لهم ابدا في سائر الازمان. وقال قتادة: الاجل الاول ~~يعني في قيام الساعة والثاني الذى كتبه الله للانسان انه يبقيه اليه. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { فاصبر على ما يقولون } من ~~كفرهم بتوحيد الله وجحدهم لنبوتك وأذاهم اياك بكلام يسمعونك يثقل عليك { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } يعنى صلاة الفجر { وقبل غروبها } يعني ~~صلاة العصر { ومن آناء الليل } يعنى صلاة المغرب والعشاء { وأطراف النهار ~~} صلاة الظهر - في قول قتادة - " وآناء الليل " ساعات الليل. واحدها إني، ~~قال السعدي: # حلو ومر كعصف القدح مرته # بكل إني حذاه الليل ينتعل # وقيل في قوله { وأطراف النهار } لم جمع؟ ثلاثة اقوال: # اولها - انه أراد اطراف كل نهار، فالنهار في معنى الجمع. # الثاني - انه بمنزلة قوله # فقد صغت قلوبكما # الثالث - انه أراد طرف اول النصف ms2477 الاول، وآخر النصف الاول، واول النصف ~~الاخير، وآخر النصف الاخير، ولذلك جمع. # وقوله { لعلك ترضى } معناه افعل ما امرتك به لكي ترضى بما يعطيك الله من ~~الثواب على ذلك. ومن ضم التاء أراد: لكي نفعل معك من الثواب ما ترضى معه. ~~وقيل: لكي ترضى بالشفاعة. والمعاني متقاربة، لانه اذا أرضى الله النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) فانه يرضى. ### || [20.131-135] # قرأ { زهرة } - بفتح الهاء - يعقوب. وقرأ الباقون بسكونها، وهما لغتان. ~~وقرأ نافع وابو جعفر - من طريق إبن العلاف - وأهل البصرة وحفص { أولم ~~تأتهم } بالتاء. الباقون بالياء. وقد مضى نظائره. # نهى الله تعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع ~~المكلفين عن ان يمدوا أعينهم، وينظروا إلى ما متع الله الكفار به، من ~~نعيم الدنيا ولذاتها، والامتاع الالذاذ بما يدرك، وذلك بما يرى من ~~المناظر الحسنة ويسمع من الاصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، يقال: ~~أمتعه إمتاعا، ومتعه تمتيعا، إلا ان فى متعه تكثر الامتاع. # وقوله { أزواجا منهم } معناه أشكالا منهم، من المزاوجة بين الاشياء، ~~وهي المشاكلة، وذلك أنهم اشكال في الذهاب عن الصواب. # وقوله { زهرة الحياة الدنيا } فالزهرة الأنوار التي تروق عند الرؤية، ~~ومن ذلك قيل للكوكب يزهر، لنوره الذي يظهر. والمعاني الحسنة زهرة النفوس. # وقوله { لنفتنهم فيه } معناه لنعاملهم معاملة المختبر، بشدة التعبد فى ~~العمل بالحق فى هذه الأمور التي خلقناها لهم. # وقوله { ورزق ربك } يعني الذي وعدك به فى الآخرة من الثواب { خير وأبقى ~~} مما متعنا به هؤلاء فى الدنيا. # وقيل إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~استسلف من يهودي طعاما فأبى أن يسلفه إلا برهن، فحزن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم)، فأنزل الله هذه الآية تسلية له. وروى ذلك أبو رافع ~~مولاه. # وقيل { زهرة الحياة الدنيا } زينة الحياة الدنيا - فى قول قتادة -. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { وأمر } يامحمد { أهلك بالصلاة } ~~وقيل: المراد به أهل بيتك، واهل دينك، فدخلوا كلهم في الجملة { واصطبر ~~عليها } بالاستعانة بها ms2478 على الصبر عن محارم الله. ثم قال له { لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك } الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع ~~الخلق، فان الله تعالى يرزق خلقه، ولا يسترزقهم، فيكون أبلغ فى المنة { ~~والعاقبة للتقوى } يعني العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله واجتنب ~~محارمه. # وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لما فى ذلك من الحجة، لمن في المعلوم ~~انه يصلح به، ولو لم يكن فيه حجة لجرى مجرى أن تقول: لولا فعلت بنا ما لا ~~يحتاج اليه فى الدين، ولا الدنيا، من جهة أنه لا حجة فيه، كما لا حجة فى ~~هذا. # وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } اخبار منه تعالى أنه لو ~~أهلكهم بعذاب أنزله عليهم جزاء على كفرهم { لقالوا } يوم القيامة { لولا ~~أرسلت } اي هلا ارسلت { إلينا رسولا } يدعونا الى الله ويأمرنا بتوحيده ~~{ فنتبع } ادلتك و { آياتك من قبل أن نذل ونخزى } اي قبل أن نهون، يقال: ~~خزي يخزى اذا هان وافتضح. # وقوله { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه } حكاية عما قال الكفار للنبي ~~(صلى الله عليه وسلم) هلا ياتينا بآية من ربه يريدون الآية التي ~~يقترحونها، لأنه اتى بالآيات. ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه. ومن ~~قرأ - بالياء - حكى بأنهم قالوا فيما بينهم هلا يأتينا بالمعجز. او دلالة ~~تدل على صدق قوله، فقال الله لهم { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } ~~يعني ألسنا بينا ذلك فى الكتب التي انزلناها على موسى وعيسى، فلم لم ~~يؤمنوا بها ولم يصدقوا بها؟ ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب اليه، فقال ~~الله تعالى لنبيه { قل } لهم يا محمد { كل متربص } اي كل واحد منا ومنكم ~~متربص، فنحن نتربص بكم وعد الله لنا فيكم وانتم تتربصون بنا ان نموت، ~~فتستريحوا { فستعلمون } اي سوف تعلمون فيما بعد { من أصحاب الصراط السوي ~~} يعني الصراط المستقيم و (من) الذي { اهتدى } الى طريق الحق. و { من } ~~يحتمل ان تكون نصبا إن كانت بمعنى الذي وان تكون رفعا على طريقة ~~الاستفهام. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-5] ms2479 # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر وخلفا { قال ربي } على وجه الخبر.. الباقون ~~{ قل ربي } على وجه الامر. # هذا اخبار من الله تعالى بأنه { اقترب للناس } يعني دنا وقت { حسابهم } ~~ومعناه دنا وقت اظهار ما للعبد وما عليه ليجازى به وعليه. والحساب اخراج ~~مقدار العدد بعقد يحصل. ويقال: هو إخراج الكمية من مبلغ العدة. وقيل انه ~~دنا لأنه بالاضافة الى ما مضى يسير. # وقيل: نزلت الآية فى أهل مكة استبطؤا عذاب الله تكذيبا بالوعيد، فقتلوا ~~يوم بدر، والاقتراب قصر مدة الشيء بالاضافة الى ما مضى من زمانه. وحقيقة ~~القرب قلة ما بين الشيئين، يقال: قرب ما بينهما تقريبا إذا قلل ما ~~بينهما من مدة او مساقة او اي فاصلة، والقرب قد يكون فى الزمان، وفى ~~المكان، وفي الحال. وقد قيل: كل آت قريب، فلذلك وصف الله تعالى القيامة ~~بالاقتراب، لأنها جائية بلا خلاف. # وقوله { وهم في غفلة معرضون } فالغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ~~ونقيضها اليقظة، ونقيض السهو الذكر، وهو حضور المعنى للنفس، والنسيان، هو ~~عزوب المعنى عن النفس بعد حضوره. وقوله { معرضون } يعني عن الفكر في ذلك، ~~والعمل بموجبه. وقيل: هم في غفلة بالاشتغال بالدنيا، معرضون عن الآخرة. ~~وقيل: هم في غفلة بالضلال، معرضون عن الهدى. وهو مثل ما قلناه. # وقوله { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } معناه اي شيء من القرآن محدث ~~بتنزيله سورة بعد سورة وآية بعد آية { إلا استمعوه وهم يلعبون } اي كل ما ~~جدد لهم الذكر استمروا على الجهل - في قول الحسن وقتادة - وفي هذه الآية ~~دلالة على ان القرآن محدث، لأنه تعالى اخبر انه ليس يأتيهم ذكر محدث من ~~ربهم إلا استمعوه وهم لاعبون. والذكر: هو القرآن قال الله تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقال # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم # يعني القرآن، ويقويه في هذه الآية قوله { إلا استمعوه } والاستماع لا ~~يكون إلا في الكلام، وقد وصفه بأنه محدث، فيجب القول بحدوثه. # ويجوز في { محدث } الجر ms2480 على انه صفة. ويجوز الرفع والنصب. فالنصب على ~~الحال والرفع على تقدير هو محدث. ولم يقرأ بهما، وقوله { لاهية قلوبهم } ~~نصب { لاهية } على الحال. وقال قتادة: معناه غافلة. وقال غيره: معناه ~~طالبة للهو، هازلة. واللهو الهزل الممتع. وقوله { وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا } فموضع { الذين ظلموا } من الاعراب يحتمل أن يكون رفعا على البدل ~~من الضمير في قوله { وأسروا } كما قال تعالى # ثم عموا وصموا كثير منهم # ويجوز ان يكون رفعا على الاستئناف، وتقديره وهم الذين ظلموا. ويحتمل ~~وجها ثالثا - أن يكون خفضا بدلا من الناس. والمعنى ان الذين ظلموا ~~أنفسهم بكفرهم بالله وجحدهم أنبيائه، وأخفوا القول فيما بنيهم. # وقالوا { هل هذا } يعنون رسول الله { إلا بشر مثلكم }. وقال قوم: معناه ~~انهم أظهروا هذا القول لأن لفظة { أسروا } مشتركة بين الاخفاء والاظهار، ~~والأول أصح. # وقوله { أفتأتون السحر } معناه أفتقبلون السحر { وأنتم تبصرون } أي ~~وانتم تعلمون انه سحر. وقيل: معناه أفتعدلون الى الباطل وأنتم تعلمون ~~الحق وتنكرون ثبوته. # ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال { قل } يا محمد { ربي } الذي ~~خلقني واصطفاني { يعلم القول في السماء والأرض } لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~بل يعلمه جمعيه { وهو السميع العليم } أي هو من يجب أن يسمع المسموعات ~~إذا وجدت عالم بجميع المعلومات وقوله { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه } ~~فالمعني في { بل } الاضراب بها عما حكى انهم قالوه أولا، والاخبار عما ~~قالوه ثانيا، لانهم اولا قالوا: هذا الذي اتانا به من القرآن { أضغاث ~~أحلام } اي تخاليط رؤيا، رآها فى المنام - في قول قتادة - قال الشاعر: # كضغث حلم عزمته حالمة # ثم قالوا: لا { بل افتراه } اي تخرصه وافتعله. ثم قالوا: { بل هو شاعر } ~~وانما قالوا: هو شاعر، قول متحير، قد بهره ما سمع، فمرة يقول ساحر، ومرة ~~يقول شاعر. ولا يجزم على أمر واحد. قال المبرد: في { أسروا } اضمار هؤلاء ~~اللاهية قلوبهم، والذين ظلموا بدلا منه. وقال قوم: قدم علامة الجمع، لان ~~الواو علامة الجمع، وليست بضمير، كقولهم: انطلقوا أخوتك، وانطلقا صاحباك، ~~تشبيها ms2481 بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك، وهذا يجوز، لكن لا يختار فى ~~القرآن مثله. ### || [21.6-10] # قرأ عاصم { نوحي } بالنون. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله. من ~~قرأ بالنون اراد الاخبار من الله تعالى عن نفسه، بدلالة قوله { وما ~~أرسلنا } لأن النون والالف اسم الله. # لما حكى الله تعالى ما قال الكفار فى القرآن، الذي أنزله الله على نبيه ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) من أنهم قالوا تارة: هو اضغاث احلام، يريدون ~~أقاويله، وتارة قالوا: بل اختلقه وافتعله. وتارة قالوا: هو شاعر، لتحيرهم ~~في امره. ثم قالوا { فليأتنا بآية } غير هذا على ما يقترحونها { كما أرسل ~~} الانبياء { الأولون } بمثلها، فقال الله تعالى { ما آمنت قبلهم من قرية ~~أهلكناها أفهم يؤمنون } اي انا أظهرنا الآيات التي اقترحوها على الأمم ~~الماضية، فلم يؤمنوا عندها، فأهلكناهم، فهؤلاء ايضا لا يؤمنون لو انزلنا ~~ما ارادوه. وأراد الله بهذا الاحتجاج عليهم ان يبين ان سبب مجيء الآيات ~~ليس لانه سبب يؤدي الى ايمان هؤلاء، وانما مجيئها لما فيها من اللطف ~~والمصلحة، بدلالة انها لو كانت سببا لايمان هؤلاء لكانت سببا لايمان ~~اولئك، فلما بطل ان تكون سببا لايمان اولئك، بطل ان تكون سببا لايمان ~~هؤلاء على هذا الوجه. وقيل: ان معناه إنا لما اظهرنا الآيات التي ~~اقترحوها على الأمم الماضية، فلم يؤمنوا اهلكناهم، فلو اظهرنا على هؤلاء ~~مثلها لم يؤمنوا وكانت تقتضي المصلحة ان نهلكهم. ومثله قوله # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ان كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة # وقال الفراء: المعنى ما آمنت قبلهم امة جاءتهم آية، فكيف يؤمن هؤلاء!. # ثم اخبر تعالى انه لم يرسل قبل نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) الى ~~الامم الماضية { إلا رجالا يوحى إليهم } ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان ~~يجب ان يكون الرسول الى هؤلاء الناس من غير البشر، كما طلبوه، لوجب ان ~~يكون الرسول الى من تقدمهم من غير البشر، فلما صح إرسال رجال الى من ~~تقدم، صح الى من تأخر. وقال الحسن: ما ارسل ms2482 الله إمراة، ولا رسولا من ~~الجن، ولا من اهل البادية. ووجه اللطف فى إرسال البشر ان الشكل الى شكله ~~آنس. وعنه افهم ومن الأنفة منه ابعد، لأنه يجري مجرى النفس، والانسان لا ~~يأنف من نفسه. # ثم قال لهم { فاسألوا أهل الذكر } عن صحة ما أخبرتكم به من انه لم يرسل ~~الى من تقدم إلا الرجال من البشر # وفى الآية دلالة على بطلان قول ابن حائط: من أن الله تعالى بعث الى ~~البهائم والحيوانات كلها رسلا. # واختلفوا في المعني بأهل الذكر، فروي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: ~~(نحن اهل الذكر) ويشهد لذلك أن الله تعالى سمى نبيه ذكرا بقوله # ذكرا رسولا # وقال الحسن: وقتادة: هم أهل التوارة والانجيل. وقال ابن زيد: أراد اهل ~~القرآن، لان الله تعالى سمى القرآن ذكرا في قوله # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقال قوم: معناه واسألوا اهل العلم باخبار من مضى من الأمم هل كانت رسل ~~الله رجالا من البشر أم لا؟. # وقيل في وجه الأمر بسؤال الكفار عن ذلك قولان: # احدهما - انه يقع العلم الضروري بخبرهم إذا كانوا متواترين، واخبروا عن ~~مشاهدة، هذا قول الجبائي. # والثاني - ان الجماعة الكثيرة إذا أخبرت عن مشاهدة حصل العلم بخبرها إذا ~~كانوا بشروط المتواترين وإن لم يوجب خبرهم العلم الضروري. # وقال البلخي: المعنى انك لو سألتهم عن ذلك لأخبروك أنا لم نرسل قبلك إلا ~~رجالا. وقال قوم: أراد من آمن منهم. ولم يرد الأمر بسوءال غير المؤمن. # ثم اخبر تعالى انه لم يبعث رسولا ممن أرسله إلا وكان مثل سائر البشر ~~يأكل الطعام، وانه لم يجعلهم مثل الملائكة لا يأكلون الطعام، وأنهم مع ~~ذلك لم يكونوا خالدين مؤبدين، بل كان يصيبهم الموت والفناء كسائر الخلق. ~~وانما وحد { جسدا } لأنه مصدر يقع على القليل والكثير، كما لو قال: وما ~~جعلناهم خلقا. # ثم قال تعالى { ثم صدقناهم الوعد } يعني الانبياء الماضين ما وعدناهم به ~~من النصر والنجاة، والظهور على الاعداء، وما وعدناهم به من الثواب، ~~فانجيناهم من اعدائهم، ms2483 ومعهم من نشاء من عبادنا، واهلكنا المسرفين على ~~انفسهم، بتكذيبهم للانبياء. وقال قتادة: المسرفون هم المشركون. والمسرف ~~الخارج عن الحق الى ما تباعد عنه. يقال: اسراف إسرافا إذا جاوز حد الحق ~~وتباعد عنه. # ثم اقسم تعالى بقوله { لقد أنزلنا إليكم } ، لان هذه اللام يتلقى بها ~~القسم، بأنا أنزلنا عليكم { كتابا } يعني القرآن { فيه ذكركم } قال ~~الحسن: معناه فيه ما تحتاجون اليه من أمر دينكم. وقيل: فيه شرفكم إن ~~تمسكتم به، وعملتم بما فيه. وقيل: ذكر، لما فيه من مكارم الاخلاق، ومحاسن ~~الافعال { أفلا تعقلون } يعني أفلا تتدبرون، فتعلموا أن الأمر على ما ~~قلناه. ### || [21.11-15] # يقول الله تعالى مخبرا انه قصم قرى كثيرة، ويريد أهلها. وقوله { كانت ~~ظالمة } لما اضاف الهلاك الى القرية اضاف الظلم اليها. والتقدير قصمنا ~~اهل قرية كانوا ظالمين لنفوسهم، بمعاصي الله، وارتكاب ما حرمه. و { كم } ~~للكثرة وهي ضد { رب } لان { رب } للتقليل. و { كم } في موضع نصب ب { ~~قصمنا }. والقصم كسر الصلب قهرا، قصمه يقصمه قصما، فهو قاصم الجبابرة، ~~وانقصم انقصاما مثل انقصف انقصافا. # وقوله { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } يعني أوجدنا بعد هلاك أولئك قوما ~~آخرين. والانشاء إيجاد الشيء من غير سبب يولده، يقال انشأه إنشاء. ~~والنشأة الاولى الدنيا، والنشأة الثانية الآخرة. ومثل الانشاء الاختراع ~~والابتداع - هذا فى اللغة - فأما في عرف المتكلمين، فالاختراع هو ابتداع ~~الفعل في غير محل القدرة عليه. # وقوله { فلما أحسوا بأسنا } معناه لما أدركوا بحواسهم عذابنا، والاحساس ~~الادراك بحاسة من الحواص الخمس: السمع، والبصر، والانف، والفم، والبشرة. ~~يقال: أحسه إحساسا وأحس به. وقال قوم: أراد عذاب الدنيا. وقال آخرون: ~~أراد عذاب الآخرة. # وقوله { إذا هم منها يركضون } فالركض العدو بشدة الوطئ، ركض فرسه إذا ~~حثه على المر السريع، فمعنى { يركضون } يهربون من العذاب سراعا، ~~كالمنهزم من عدو. فيقول الله تعالى لهم { لا تركضوا } أي لا تهربوا من ~~الهلاك { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } أي ارجعوا إلى ما كنتم تنعمون فيه، ~~توبيخا لهم وتقريعا على ما فرط منهم. ومعنى { ما أترفتم فيه ms2484 } نعمتم، ~~فالمترف المنعم والتترف التنعم، وهي طلب النعمة. { ومساكنكم لعلكم تسألون ~~} أي ارجعوا إلى مساكنكم لكي تفيقوا بالمسألة - في قول مجاهد - وقال ~~قتادة: إنما هو توبيخ لهم في الحقيقة. والمعنى تسألون من انبيائكم؟ على ~~طريق الهزء بهم، فقالوا عند ذلك معترفين على نفوسهم بالخطأ { يا ويلنا ~~إنا كنا ظالمين } لنفوسنا بترك معرفة الله وتصديق أنبيائه، وركوب معاصيه. ~~والويل الوقوع في الهلكة. ونصب على معنى ألزمنا ويلنا. # ثم اخبر الله تعالى عنهم بأن ما حكاه عنهم من الويل { دعواهم } ونداؤهم ~~أبدا { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } بالعذاب - فى قول الحسن - وقال ~~مجاهد: يعني بالسيف، وهو قتل (بخت نصر) لهم. والحصيد قتل الاستئصال، كما ~~يحصد الزرع بالمنجل، والخمود كخمود النار إذا طفيت. ### || [21.16-20] # بقول الله تعالى مخبرا على وجه التمدح: إنا { ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما } أي ما أنشأناها { لاعبين } ونصبه على الحال. واللعب الفعل ~~الذي يدعو اليه الجهل بما فيه من النقص، لان العلم يدعو الى أمر، والجهل ~~يدعو الى خلافه. والعلم يدعو الى الاحسان. والجهل يدعو الى الاساءة ~~لتعجيل الانتفاع. واللعب يستحيل في صفة القديم تعالى، لانه عالم لنفسه. ~~بجميع المعلومات غني عن جميع الاشياء، ولا يمتنع وصفه بالقدرة عليه كما ~~نقول فى سائر القبائح، وإن كان المعلوم أنه لا يفعله، لما قدمناه. # ثم قال تعالى { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا } قال الحسن ~~ومجاهد: اللهو المرأة. وقال قتادة: اللهو المرأة - بلغة أهل اليمين - وهو ~~من اللهو المعروف، لانه يطلب بها صرف الهم. وهذا إنكار لقولهم: الملائكة ~~بنات الله، والمسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك، وروي عن الحسن البصري ~~أيضا انه قال: اللهو الولد. # ووجه اتصال الآية بما قبلها أن هؤلاء الذين وصفوهم أنهم بنات الله، ~~وأبناء الله هم عبيد الله، على أتم وجه العبودية، وذلك يحيل معنى الولادة ~~لانها لا تكون إلا مع المجانسة. ومعنى { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه ~~من لدنا } الانكار على من أضاف ذلك الى الله، ومحاجته بأنه لو كان جائزا ~~في ms2485 صفته لم يتخذه بحيث يظهر لكم أو لغيركم من العباد، لما في ذلك من خلاف ~~صفة الحكيم الذي يقدر أن يستر النقص، فيظهره. وانما استحال اللهو على ~~الله تعالى، لانه غني بنفسه عن كل شيء سواه، يستحيل عليه المرح. واللاهي ~~المارح والملتذ بالمناظر الحسنة والاصوات المؤنقة. # وقوله { إن كنا فاعلين } قيل في معنى { إن } قولان: # احدهما - انها بمعنى (ما) التي للنفي، والمعنى لم نكن فاعلين. # والآخر - انها بمعنى التي للشرط، والمعنى إن كنا نفعل ذلك، فعلناه من ~~لدنا، على ما أردناه إلا انا لا نفعل ذلك. # وقوله { من لدنا } قيل: معناه مما فى السماء من الملائكة. وقال الزجاج: ~~معناه مما نخلقه. ثم قال تعالى { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه } ~~معناه إنا نلقي الحق على الباطل فيهلكه، والمراد به إن حجج الله تعالى ~~الدالة على الحق تبطل شبهات الباطل. ويقال: دمغ الرجل إذا شج شجة تبلغ أم ~~الدماغ، فلا يحيا صاحبها بعدها. # وقوله { فإذا هو زاهق } أي هالك مضمحل، وهو قول قتادة. يقال: زهق زهوقا ~~إذا هلك. ثم قال لهم، يعني الكفار { ولكم الويل مما تصفون } يعنى الوقوع ~~في العقاب، جزاء على ما تصفون الله به من اتخاذ الأولاد. # ثم اخبر الله تعالى بأن { له من في السماوات والأرض ومن عنده } يعني ~~الملائكة أي يملكهم بالتصرف فيهم { لا يستكبرون } هؤلاء عن عبادة الله { ~~ولا يستحسرون } قال قتادة: معناه لا يعيون. # وقال ابن زيد: لا يملون، من قولهم: بعير حسير اذا أعيا ونام. ومنه قول ~~علقمة بن عبدة: # بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض واما جلدها فصليب # وقيل: معناه يسهل عليهم التسبيح، كسهولة فتح الطرف والنفس - في قول كعب ~~- والاستحسار الانقطاع من الاعياد مأخوذ من قولهم حسر عن ذراعه إذا كشف ~~عنه. # ثم وصف تعالى الذين ذكرهم بأنهم { يسبحون الليل والنهار } اي ينزهونه ~~عما أضافه هؤلاء الكفار اليه من اتخاذ الصاحبة والولد، وغير ذلك من ~~القبائح { لا يفترون } أى يملونه فيتركونه بل هم دائمون عليه. ### || [21.21-25] # يقول الله تعالى إن هؤلاء ms2486 الكفار الذين اتخذوا مع الله شركاء عبدوهم ~~وجعلوها آلهة { هم ينشرون } أي هم يحبون؟؟ تقريرعا لهم وتعنيفا لهم على ~~خطئهم - فى قول مجاهد - يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا ~~وهو النشر بعد الطي، لان المحيا كأنه كان مطويا بالقبض عن الادراك، ~~فأنشر بالحياة. والمعنى فى ذلك أن هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الاحياء ~~الذي من قدر عليه قدر على أن ينعم بالنعم التى يستحق بها العبادة فيكف ~~يستحقون العبادة؟!. وحكى الزجاج: انه قرئ - بفتح الشين - والمعنى هل ~~اتخذوا آلهة لا يموتون أبدا، ويبقون أحياء ابدا؟! أي لا يكون ذلك. # ثم قال تعالى { لو كان فيهما آلهة } يعني في السماء والارض آلهة أي من ~~يحق له العبادة { غير الله لفسدتا } لأنه لو صح إلهان او آلهة لصح بينهما ~~التمانع، فكان يؤدي ذلك الى ان احدهما إذا أراد فعلا، وأراد الآخر ضده، ~~إما ان يقع مرادهما فيؤدي الى اجتماع الضدين أو لا يقع مرادهما، فينتقض ~~كونهما قادرين، او يقع مراد أحدهما، فيؤدي الى نقض كون الآخر قادرا. وكل ~~ذلك فاسد، فاذا لا يجوز أن يكون الآله إلا واحدا. وهذا مشروح فى كتب ~~الاصول. # ثم نزه تعالى نفسه عن ان يكون معه إله يحق له العبادة، بأن قال { فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون } وانما أضافه الى العرش، لانه أعظم المخلوقات. ~~ومن قدر على اعظم المخلوقات كان قادرا على ما دونه. # ثم قال تعالى { لا يسأل عما يفعل } لانه لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، ~~ولا يقال للحكيم لو فعلت الصواب { وهم يسألون } لانه يجوز عليهم الخطأ. # ثم قال { أم اتخذوا من دونه آلهة } معنى { أم } بل. ثم قال: قل لهم يا ~~محمد { هاتوا برهانكم } على ذلك وحججكم على صحة ما فعلتموه. فالبرهان هو ~~الدليل المؤدي الى العلم، لانهم لا يقدرون على ذلك ابدا. # وفى ذلك دلالة على فساد التقليد، لأنه طالبهم بالحجة على صحة قولهم. قال ~~الرماني { إلا } في قوله { إلا الله } صفة، وليست باستثناء، لانك لا تقول ms2487 ~~لو كان معناه إلا زيد لهلكنا، على الاستثناء. لان ذلك محال، من حيث انك ~~لم تذكر ما تستثني منه كما لم تذكره فى قولك كان معنا إلا زيد، فهلكنا ~~قال الشاعر: # وكل اخ مفارقه اخوه # لعمر ابيك الا الفرقدان # اراد وكل اخ يفارقه اخوه غير الفرقدين. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) وقل لهم: { هذا ذكر من معي } بما يلزمهم من الحلال والحرام والخطأ ~~والصواب، { وذكر من قبلي } من الامم، ممن نجا بالايمان او هلك بالشرك - ~~في قول قتادة - وقيل: معناه ذكر من معي بالحق فى اخلاص الالهية والتوحيد ~~فى القرآن، وعلى هذا { ذكر من قبلي } في التوراة والانجيل. # ثم اخبر ان { أكثرهم لا يعلمون الحق } ولا يعرفونه، فهم يعرضون عنه الى ~~الباطل. ثم قال لنبيه { وما أرسلنا من قبلك } يا محمد { من رسول } اي ~~رسولا، و { من } زائدة { إلا نوحي إليه } نحن، فيمن قرأ بالنون. ومن قرأ ~~- بالياء - معناه الا يوحي الله اليه، بأنه لا معبود على الحقيقة سواه { ~~فاعبدون } اي وجهوا العبادة اليه دون غيره. ### || [21.26-30] # حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم ذكرهم أنهم { قالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا } أي تبنا الملائكة بناتا، فنزه الله تعالى نفسه عن ذلك بأن قال { ~~سبحانه بل عباد مكرمون } أي هؤلاء الذين جعلوهم أولاد الله هم عبيد لله ~~مكرمون لديه، و { عباد } رفع بأنه خبر ابتداء وتقديره هم عباد، ولا يجوز ~~عليه تعالى التبني، لأن التبني إقامة المتخذ لولد غيره مقام ولده لو كان ~~له، فاذا استحال أن يكون له تعالى ولد على الحقيقة استحال أن يقوم ولد ~~غيره مقام ولده، ولذلك لا يجوز أن يشبه بخلقه على وجه المجاز، لما لم يكن ~~مشبها به على الحقيقة. # والفرق بين الخلة والنبوة أن الخلة إخلاص المودة بما يوجب الاخلاص ~~والاختصاص بتخلل الاسرار، فلما جاز أن يطلع الله ابراهيم على أسرار لا ~~يطلع عليها غيره تشريفا له اتخذه خليلا على هذا الوجه، والبنوة ولادة ~~ابن أو إقامته مقام ابن لو كان للمتخذ له. ms2488 وهذا المعنى لا يجوز عليه ~~تعالى كما يستحيل أن يتخذ إلها تعالى الله عن ذلك. # ثم وصف تعالى الملائكة بأنهم { لا يسبقونه بالقول } ومعناه لا يخرجون ~~بقولهم عن حد ما أمرهم به، طاعة لربهم، وناهيك بهذا إجلالا لهم وتعظيما ~~لشأنهم { وهم بأمره يعملون } أي لا يعملون القبائح وإنما يعملون الطاعات ~~التي أمرهم بها. # وقوله { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قال ابن عباس: معناه يعلم ما ~~قدموا وما أخروا من أعمالهم. وقال الكلبي { ما بين أيديهم } يعني القيامة ~~وأحوالها { وما خلفهم } من أمر الدنيا { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } قال ~~أهل الوعيد: معناه لا يشفع هؤلاء الملائكة الا لمن ارتضى الله جميع عمله. ~~قالوا: وذلك يدل على أن اهل الكبائر لا يشفع فيهم، لان أعمالهم ليست رضا ~~لله. وقال مجاهد: معناه الا لمن رضي عنه. # وهذا الذي ذكروه ليس فى الظاهر، بل لا يمتنع ان يكون المراد لا يشفعون ~~الا لمن رضي الله ان يشفع فيه، كما قال تعالى # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # والمراد أنهم لا يشفعون الا من بعد اذن الله لهم، فيمن يشفعون فيه، ولو ~~سلمنا أن المراد الا لمن رضي عمله، لجاز لنا أن نحمل على أنه رضي ايمانه، ~~وكثيرا من طاعاته. فمن أين أنه أراد: الا لمن رضي جميع اعماله؟! ومعنى - ~~رضا الله - عن العبد إرادته لفعله الذي عرض به للثواب. # وقوله { وهم من خشيته مشفقون } يخافون من عقاب الله من مواقعة المعاصي. ~~ثم هدد الملائكة بقوله { ومن يقل منهم اني إله } تحق لي العبادة من دون ~~الله { فذلك نجزيه جهنم } معناه إن ادعى منهم مدع ذلك فانا نجزيه بعذاب ~~جهنم، كما نجازي الظالمين بها. # وقال ابن جريج، وقتادة: عنى بالآية ابليس، لانه الذي ادعى الالهية من ~~الملائكة دون غيره، وذلك يدل على ان الملائكة ليسوا مطبوعين على الطاعات، ~~كما يقول الجهال. وقوله { كذلك نجزي الظالمين } معناه مثل ما جازينا ~~هؤلاء نجزي الظالمين أنفسهم بفعل المعاصي. # ثم قال { أولم ير الذين كفروا } أي ms2489 اولم يعلموا { أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما } وقيل في معناه اقوال: # قال الحسن وقتادة { كانتا رتقا } اي ملتصقتين ففصل الله بينهما بهذا ~~الهواء. # وقيل { كانتا رتقا } السماء لا تمطروا الارض لا تنبت، ففتق الله السماء ~~بالمطر والارض بالنبات، ذكره ابن زيد وعكرمة. وهو المروي عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (ع). # وقيل معناه: كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما عما يخرج منهما. وانما ~~قال: السموات، والمطر والغيث ينزل من سماء الدنيا، لأن كل قطعة منها ~~سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، وقميص اسمال. وقيل الرتق الظلمة ففتقهما ~~بالضياء. وانما قال " كانتا " والسموات جمع، لانهما صنفان، كما قال ~~الاسود بن يعفر النهشلي: # إن المنية والحتوف كلاهما # يوقي المحارم يرقبان سوادي # لانه على النوعين، وقال القطامي: # ألم يحزنك أن جبال قيس وتغ # لب قد تباينتا انقطاعا # فثنى الجمع لما قسمه صنفين صنف لقيس وصنف لتغلب، و { الرتق } السد رتق ~~فلا الفتق رتقا إذا سده، ومنه الرتقاء: المرأة التي فرجها ملتحم. ووحد ~~لانه مصدر وصف به. # وقوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } والمعنى إن كل شيء صار حيا، فهو ~~مجعول من الماء. ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع. وقال بعضهم: اراد ~~بالماء النطف التى خلق الله منها الحيوان. والاول أصح. # وقوله { أفلا يؤمنون } معناه أفلا يصدقون بما أخبرتهم. وقيل: معناه أفلا ~~يصدقون بما يشاهدونه، من أفعال الله الدالة على أنه المستحق للعبادة لا ~~غير والمختص بها، وانه لا يجوز عليه اتخاذ الصاحبة والولد. # وقرأ ابن كثير وحده { ألم ير الذين كفروا } بغير واو. الباقون " أولم " ~~بالواو. والألف التي قبل الواو، الف توبيخ وتقرير. ### || [21.31-35] # قال المبرد: معنى { أن تميد } أي منع الأرض { أن تميد } أي لهذا خلقت ~~الجبال. ومثله قوله # أن تضل إحداهما # والمعنى عدة أن تضل أحداهما، كقول القائل: أعددت الخشبة أن يميل الحائل ~~فأدعمه. وهو لم يعدها ليميل الحائط، وانما جعلها عدة، لأن يميل، فيدعم ~~بها. # يقول الله تعالى انا { جعلنا في الأرض رواسي } وهي الجبال، واحدها راسية ~~يقال: رست ms2490 ترسو رسوا إذا ثبتت بثقلها، وهي راسية. كما ترسو السفينة إذا ~~وقفت متمكنة في وقوفها { أن تميد بكم } معناه ألا تميد بكم، كما قال # يبين الله لكم أن تضلوا # والمعنى ألا تضلوا. وقال الزجاج: معناه كراهة أن تميد بكم. والميد ~~الاضطراب، بالذهاب فى الجهات، يقال: ماد يميد ميدا، فهو مائد. وقيل: إن ~~الأرض كانت تميد وترجف، رجوف السفينة بالوطئ، فثقلها الله تعالى بالجبال ~~الرواسي - لتمتنع من رجوفها. والوجه فى تثقيل الله تعالى الأرض بالرواسي ~~مع قدرته على امساك الارض أن تميد، ما فيه من المصلحة والاعتبار، وكان ~~ابن الاخشاذ يقول: لو لم يثقل الله الأرض بالرواسي لأمكن العباد أن ~~يحركوها بما معهم من القدر، فجعلت على صفة ما لا يمكنهم تحريكها. وقال ~~قتادة: تميد بهم معناه تمور، ولا تستقر بهم. # وقوله { وجعلنا فيها فجاجا } يعني فى الارض طرقا، والفج الطريق الواسع ~~بين الجبلين. # وقوله { لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا فيه الى حوائجكم ومواطنكم، وبلوغ ~~أغراضكم. ويحتمل أن يكون المراد لتهتدوا، فتستدلوا بذلك على توحيد الله ~~وحكمته. وقال ابن زيد: معناه ليظهر شكركم، فيما تحبون، وصبركم فيما ~~تكرهون. # وقوله { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } وانما ذكرها، لأنه أراد السقف، ~~ولو أنث كان جائزا. وقيل: حفظها الله من أن تسقط على الارض. وقيل: حفظها ~~من أن يطمع احد ان يتعرض لها بنقض، ومن ان يلحقها ما يلحق غيرها من الهدم ~~او الشعث، على طول الدهر. وقيل: هي محفوظة من الشياطين بالشهب التي ~~يرجمون بها. # وقوله { وهم عن آياتها معرضون } اي هم عن الاستدلال بحججها وادلتها، على ~~توحيد الله معرضون. # ثم قال تعالى مخبرا، بأنه { هو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر } ~~واخبر ان جميع ذلك { في فلك يسبحون } فالفلك هو المجرى الذي تجري فيه ~~الشمس والقمر، بدورانها عليه - فى قول الضحاك - وقال قوم: هو برج مكفوف ~~تجريان فيه. وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل. والفلك في اللغة ~~كل شيء دائر، وجمعه افلاك قال الراجز: # باتت تناصي الفلك الدوارا # حتى الصباح تعمل الاقتارا ms2491 # ومعنى { يسبحون } يجرون - في قول ابن جريج - وقال ابن عباس { يسبحون } ~~بالخير والشر، والشدة والرخاء. وانما قال { يسبحون } على فعل ما يعقل، ~~لأنه أضاف اليها الفعل الذي يقع من العقلاء، كما قال # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # وقال # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # وقال النابغة الجعدي: # تمززتها والديك يدعو صباحه # إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا # وقوله { كل في فلك يسبحون } أراد الشمس والقمر والنجوم، لأن قوله " ~~الليل " دل على النجوم. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) و { ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ~~أي البقاء دائما فى الدنيا { أفإن مت فهم الخالدون } اي لم يجعل لهم ~~الخلود، حتى لو مت أنت لبقوا أولئك مخلدين، بل ما أولئك مخلدين. ثم أكد ~~ذلك، وبين بأن قال { كل نفس ذائقة الموت } والمعنى لا بد لكل نفس حية ~~بحياة أن يدخل عليها الموت، وتخرج عن كونها حية. وانما قال { ذائقة } لان ~~العرب تصف كل أمر شاق على النفس بالذوق كما قال # ذق إنك أنت العزيز الكريم # وقال الفراء: إذا كان اسم الفاعل لما مضى جازت الاضافة، وإذا كان ~~للمستقبل، فالاختيار التنوين، ونصب ما بعده. # ثم قال تعالى { ونبلوكم } اي نختبركم معاشر العقلاء بالشر والخير، يعني ~~بالمرض والصحة. والرخص والغلاء، وغير ذلك من انواع الخير والشر { فتنة } ~~أي اختبارا مني لكم، وتكليفا لكم. ثم قال { وإلينا ترجعون } يوم ~~القيامة، فيجازى كل انسان على قدر عمله. ودخلت الفاء في قوله " أفإن " ~~وهي جزاء، وفى جوابه، لان الجزاء متصل بكلام قبله. ودخلت في { فهم } لانه ~~جواب الجزاء، ولو لم يكن فى { فهم } الفاء، كان جائزا على وجهين: # احدهما - ان تكون مرادة، وقد حذفت. # والآخرى - أن تكون قد قدمت على الجزاء، وتقديره { أفهم الخالدون } إن ~~مت. ### || [21.36-40] # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) إنه { إذا رآك الذين ~~كفروا } وجحدوا وحدانية الله، ولم يقروا بنبوتك { إن يتخذونك } اي ليس ~~يتخذونك { إلا هزوا } يعني سخرية، جهلا منهم وسخفا وفي ذلك تسلية لكل ~~محق يلحقه أذى ms2492 من جاهل مبطل. والهزؤ إظهار خلاف الابطان، لايهام النقص عن ~~فهم القصد. يقال: هزئ منه يهزؤ هزؤا، فهو هازئ، ومثله السخرية { أهذا ~~الذي يذكر آلهتكم } حكاية، أي يقولون ذلك، ومعناه إنهم يعيبون من جحد ~~إلهية من لا نعمة له، وهم يجحدون إلهية من كل نعمة، فهي منه، وهذا نهاية ~~الجهل. والمعنى أهذا الذي يعيب آلهتكم، تقول العرب، فلان يذكر فلانا أي ~~يعيبه، قال عنتره: # لا تذكري مهري وما أطعمته # فيكون جلدك مثل جلد الاجراب # وقوله { وهم بذكر الرحمن } معناه وهم بذكر توحيد الرحمن { هم كافرون }. ~~وقوله { خلق الإنسان من عجل } قال قتادة: معناه خلق الانسان عجولا. ~~والمراد به جنس الانسان. وقال السدي: المعني به آدم (ع). وقال مجاهد: خلق ~~الانسان على تعجيل، قبل غروب الشمس يوم الجمعة. وقال ابو عبيدة: معناه ~~خلقت العجلة من الانسان، على القلب. وهو ضعيف، لأنه لا وجه لحمله على ~~القلب. وقال قوم: معناه على حب العجلة، لانه لم يخلقه من نطفة ومن علقة ~~بل خلقه دفعة واحدة. والذي قاله قتادة، أقوى الوجوه. وقيل خلق الانسان من ~~عجل مبالغة، كأنه قيل هو عجلة، كما يقال: انما هو إقبال وادبار. وقال ~~المبرد: خلق على صفة من شأنه ان يعجل فى الامور. وقال الحسن: معناه خلق ~~الانسان من ضعف، وهو النطفة. وقال قوم: العجل هو الطين الذي خلق آدم منه، ~~قال الشاعر: # والنبع ينبت بين الصخر ضاحيه # والنخل ينبت بين الماء والعجل # يعني الطين. والاستعجال طلب الشيء قبل وقته الذي حقه أن يكون فيه دون ~~غيره. والعجول الكثير الطلب للشيء قبل وقته. والعجلة تقديم الشيء قبل ~~وقته، وهو مذموم. والسرعة تقديم الشيء فى أقرب أوقاته، وهو محمود. # وقوله { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون } أي سأظهر بيناتي وعلاماتي، فلا ~~تطلبوه قبل وقته. ثم أخبر تعالى عن الكفار أنهم { يقولون متى هذا الوعد } ~~يريدون ما توعد الله به من الجزاء والعقاب على المعاصي بالنيران وانواع ~~العذاب { إن كنتم صادقين } يعني يقولون { إن كنتم صادقين } ومحقين فيما ~~تقولون متى يكون ما وعدتموه، ms2493 فقال الله تعالى { لو يعلم الذين كفروا } ~~الوقت الذي { لا يكفون فيه } أي لا يمنعون فيه { عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم } يعني إن النار تحيط بهم من جميع وجوههم { ولا هم ينصرون } أي لا ~~يدفع عنهم العذاب بوجه من الوجوه. وجواب (لو) محذوف، وتقديره: لعلموا صدق ~~ما وعدوا به من الساعة. # ثم قال { بل تأتيهم } يعني الساعة، والقيامة { بغتة } أي فجأة { فتبهتهم ~~} أي تحيرهم والمبهوت المتحير { فلا يستطيعون ردها } ومعناه: لا يقدرون ~~على دفعها { ولا هم ينظرون } أي لا يؤخرون الى وقت آخر. وقال البلخي: ~~ويجوز أن تكون العجلة من فعل الله وهو ما طبع الله عليه الخلق من طلب ~~سرعة الاشياء. وهو كما خلقهم يشتهون أشياء ويميلون اليها، ويحسن أمرهم ~~بالتأني عنها، والتوقف عند ذلك، فلأجل ذلك قال { فلا تستعجلون } كما حسن ~~نهيهم عن ارتكاب الزنا الذي تدعوهم اليه الشهوة. ### || [21.41-45] # قرأ ابن عامر { ولا تسمع } بالتاء وضمها وكسر الميم { الصم } بالنصب. ~~الباقون - بالياء - مفتوحة، وبفتح الميم، وضم { الصم }. # فوجه قراءة ابن عامر، أنه وجه الخطاب الى النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~فكأنه قال { ولا تسمع } أنت يا محمد { الصم } كما قال # وما أنت بمسمع من في القبور # لأن الله تعالى، لما خاطبهم، فلم يلتفتوا إلى ما دعاهم اليه، صاروا ~~بمنزلة الميت الذي لا يسمع ولا يعقل. # ووجه قراءة الباقين أنهم جعلوا الفعل لهم، ويقويه قوله { إذا ما ينذرون ~~} قال أبو علي: ولو كان على قراءة ابن عامر، لقال: إذا ينذرون. # و { الصم } وزنه (فعل) جمع أصم. وأصله (أصمم) فادغموا الميم فى الميم ~~وتصغير (أصم) (أصيمم). و (الصمم) ثقل في الأذن، فاذا كان لا يسمع شيئا ~~قيل أصلج. وقال ابن زيد: (أصم) أصلج بالجيم. والوقر المثقل في الأذن. # لما قال الله تعالى لنبيه محمد: إن الكفار اذا ما رأوك اتخذوك هزوا ~~وسخرية علم ان ذلك يغمه فسلاه عن ذلك بأن اقسم بأن الكفار فيما سلف ~~استهزؤا بالرسل الذين بعث الله فيهم. وسخروا منه { فحاق بالذين سخروا ~~منهم ما ms2494 كانوا به يستهزؤن } أي حل بهم عقوبة ما كانوا يسخرون منهم، وحاق ~~معناه حل، حاق يحق حيقا. ومنه قوله # ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله # أي يحل وبال القبيح بأهله الذين يفعلونه، فكان كما أرادوه بالداعي لهم ~~الى الله حل بهم. # والفرق بين الهزء والسخرية، أن فى السخرية معنى الذلة، لأن التسخير ~~التذليل والهزء يقتضي طلب صغر القدر مما يظهر فى القول. # ثم أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بأن يقول لهؤلاء الكفار { من يكلؤكم ~~بالليل والنهار } أي من يحفظكم من بأس الرحمن وعذابه. وقيل: من عوارض ~~الآفات، يقال: كلأه يكلؤه، فهو كالئ قال ابن هرمة: # إن سليمى والله يكلؤها # ضنت بشيء ما كان يرزؤها # ومعنى { يكلؤكم... من الرحمن } اي من يحفظكم من أن يحل بكم عذابه # وقوله { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } معناه كأنه قال: ما يلتفتون الى شيء ~~من الحجج والمواعظ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. وقيل: من يحفظكم مما يريد ~~الله إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. ثم قال على وجه التوبيخ لهم ~~والتقريع { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } أي من عذابنا وعقوباتنا. ثم ~~أخبر أنهم { لا يستطيعون نصر أنفسهم }. وقيل: ان المعنى إن آلهتهم لا ~~يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف يقدرون على نصر غيرهم؟! وقيل ان الكفار { لا ~~يستطيعون نصر أنفسهم } وهو الاشبه اي لا يقدرون على دفع ما ينزل بهم عن ~~نفوسهم { ولا هم منا يصحبون } معناه لا يصحبهم صاحب يمنعهم منا. # وقيل ولا هم منا يصحبون بأن يجيرهم مجير علينا. وقال ابن عباس: معناه ~~ولا الكفار منا يجارون، كما يقولون: ان لك من فلان صاحبا، أي من يجيرك ~~ويمنعك. وقال قتادة: معناه { ولا هم منا يصحبون } بخير # ثم قال تعالى { بل متعنا هؤلاء وآباءهم } فلم نعاجلهم بالعقوبة حتى طالت ~~اعمارهم. ثم قال موبخا لهم { أفلا يرون } اي ألا يعلمون { أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها } قيل: بخرابها. وقيل: بموت اهلها. وقيل: بموت ~~العلماء. # وقوله { أفهم الغالبون } قال قتادة: افهم الغالبون رسول ms2495 الله مع ما ~~يشاهدونه من نصر الله له في مقام بعد مقام، توبيخا لهم، فكأنه قال: ما ~~حملهم على الاعراض الا الاغترار بطول الامهال حيث لم يعاجلوا بالعقوبة. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { قل } لهم { إنما أنذركم ~~بالوحي } اي اعلمكم واخوفكم بما اوحى الله الي. ثم شبههم بالصم الذين لا ~~يسمعون النداء اذا نودوا، فقال { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } ~~اي يخوفون، من حيث لم ينتفعوا بدعاء من دعاهم، ولم يلتفتوا اليه، فسماهم ~~صما مجازا وتوسعا. ### || [21.46-50] # قرأ اهل المدينة { مثقال حبة } برفع اللام - ها هنا - وفي القمر. ~~الباقون بنصبها. # من رفع اللام جعل (كان) تامة بمعنى حدث، كما قال # إلا أن تكون تجارة # ولا خبر لها. ومن نصبه جعل فى { كان } ضميرا ونصب { مثقال } بأنه خبر { ~~كان } وتقديره فلا تظلم نفس شيئا وان كان الشيء { مثقال حبة من خردل } ~~وانما قال { بها } بلفظ التأنيث والمثقال مذكر، لان مثقال الحبة وزنها، ~~ومثله قراءة الحسن # يلتقطه بعض السيارة # لان بعض السيارة سيارة. وروي ان مجاهد قرأ { آتينا } ممدودا بمعنى ~~جازينا بها. # اخبر الله تعالى انه لو مس هؤلاء الكفار { نفحة من عذاب الله } ومعناه ~~لو لحقهم واصابهم دفعة يسيرة، فالنفحة الدفعة اليسيرة، يقال: نفح ينفح ~~نفحا، فهو نافح، لأيقنوا بالهلاك، ولقالوا { يا ويلنا } اي الهلاك علينا ~~{ إنا كنا ظالمين } لنفوسنا بارتكاب المعاصي اعترافا منهم بذلك. ومعنى { ~~يا ويلنا } يا بلاءنا الذي نزل بنا. وانما يقال استغاثه مما يكون منه، ~~كما يستغيث الانسان بنداء من يرفع به. # ثم قال تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } قال قتادة: معناه ~~نضع العدل في المجازاة بالحق لكل احد على قدر استحقاقه، فلا يبخس المثاب ~~بعض ما يستحقه، ولا يفعل بالمعاقب فوق ما يستحقه. وقال الحسن: هو ميزان ~~له كفتان ولسان، يذهب الى انه علامة جعلها للعباد يعرفون بها مقادير ~~الاستحقاق. وقال قوم: ميزان ذو كفتين توزن بها صحف الاعمال. وقال بعضهم: ~~يكون في احدى الكفتين نور، وفي الأخرى ظلمة، فايهما ms2496 رجح، علم به مقدار ما ~~يستحقه، وتكون المعرفة في ذلك ما فيه من اللطف والمصلحة في دار الدنيا. # وقوله { ليوم القيامة } معناه لأهل يوم القيامة. وقيل فى يوم القيامة. # وقوله { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها } معناه أنه لا يضيع لديه ~~قليل الاعمال والمجازاة عليه، طاعة كانت أو معصية { وكفى بنا حاسبين } أي ~~وكفى المطيع أو العاصي بمجازاة الله وحسبه ذلك. وفي ذلك غاية التهديد، ~~لأنه إذا كان الذي يتولى الحساب لا يخفى عليه قليل ولا كثير، كان اعظم. ~~والباء فى قوله { كفى بنا } زائدة. و { حاسبين } يحتمل أن يكون نصبا على ~~الحال أو المصدر - فى قول الزجاج. # ثم اخبر الله تعالى فقال: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } قال مجاهد ~~وقتادة: هو التوراة التي تفرق بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: هو ~~البرهان الذي فرق بين حقه وباطل فرعون، كما قال تعالى # وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # وقوله { وضياء } أي وآتيناه ضياء يعني أدلة يهتدون بها. كما يهتدون ~~بالضياء. وآتيناه { ذكرا للمتقين } أي مذكرا لهم، يذكرون الله به. ومن ~~جعل الضياء والذكر حالا للفرقان قال: دخلته واو العطف، لاختلاف الأحوال، ~~كقولك جاءني زيد الجواد والحليم والعالم. # وأضافه الى المتقين، لانهم المتنفعون به دون غيرهم. # ثم وصف المتقين بأن قال { الذين يخشون } عذاب الله فيجتنبون معاصيه فى ~~حال السر والغيب. وقال الجبائي: معناه يؤمنون بالغيب الذي أخبرهم به، وهم ~~من مجازاة يوم القيامة { مشفقون } أي خائفون. # ثم اخبر عن القرآن، فقال { وهذا ذكر مبارك } يعني القرآن { أنزلناه } ~~عليك يا محمد. وخاطب الكفار فقال { أفأنتم له منكرون } أي تجحدونه، على ~~وجه التوبيخ لهم، والتقرير، وفى ذلك دلالة على حدوثه، لأن ما يوصف ~~بالانزال وبأنه مبارك يتنزل به، لا يكون قديما، لان ذلك من صفات ~~المحدثات. ### || [21.51-55] # لما اخبر الله تعالى أنه آتى موسى وهارون الفرقان، والضياء، والذكر. ~~وبين أن القرآن ذكر مبارك أنزله على محمد (صلى الله عليه وسلم)، أخبر انه ~~آتى إبراهيم أيضا قبل ذلك ms2497 { رشده } يعني آتيناه من الحجج والبينات ما ~~يوصله الى رشده، من معرفة الله وتوحيده. والرشد هو الحق الذي يؤدي الى ~~نفع يدعو اليه. ونقيضه الغي، رشد يرشد رشدا ورشدا، فهو رشيد. وفى ~~نقيضه: غوى يغوى غيا، فهو غاو. وقال قتادة ومجاهد: معنى { آتيناه رشده } ~~هديناه صغيرا. وقال قوم: معنى { رشده } النبوة. وقوله { من قبل } يعني ~~من قبل موسى وهارون. وقوله { وكنا به عالمين } أي كنا عالمين بأنه موضع ~~لايتاء الرشد، كما قال تعالى # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # وقيل: كنا نعلم أنه يصلح للنبوة { إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون }. { إذ } فى موضع نصب، والعامل فيه { آتيناه ~~رشده... إذ قال } أي في ذلك الوقت، وفيه إخبار عما أنكر ابراهيم على قومه ~~وأبيه حين رآهم يعبدون الأصنام والأوثان، فانه قال لهم: أي شيء هذه ~~الاصنام؟! يعني الصور التي صرتم لازمين لها بالعبادة، والعكوف اللزوم ~~لأمر من الامور: عكف عليه عكوفا، فهو عاكف. وقيل في معنى { لها عاكفون } ~~لاجلها. قال مجاهد { هذه التماثيل } الأصنام. ثم حكى ما أجابه به قومه، ~~فانهم قالوا { وجدنا آباءنا لها } لهذه الاصنام { عابدين } فأحالوا على ~~مجرد التقليد. فقال لهم ابراهيم { لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } ~~فذمهم على تقليد الآباء، ونسب الجيمع الى الضلالة والعدول عن الحق. ~~فقالوا له عند ذلك { أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين } ومعناه أجاد أنت ~~فيما تقول محق عند نفسك أم أنت لاعب مازح؟ وذلك أنهم كانوا يستبعدون ~~إنكار عبادتها عليهم. ### || [21.56-60] # قرأ الكسائي { جذاذا } بكسر الجيم. الباقون بضمها. فمن ضم الجيم أراد ~~جعلهم قطعا، وهو (فعال) على وزن الرفات والفتات والرقاق، وجذذته أجذه ~~جذا أي قطعته. وقال ابن عباس: الجذاذ الحطام. ومن كسر الجيم فانه أراد ~~جمع جذيذ (فعيل) بمعنى مجذوذ. ومثله كريم وكرام، وخفيف وخفاف، وبالضم ~~مصدر لا يثنى ولا يجمع. قال جرير: # آل المهلب جذ الله دابرهم # أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف # حكى الله تعالى ما رد به إبراهيم على كفار ms2498 قومه حين قالوا له { أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين } فانه قال لهم { بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي } خلقكم ودبركم والذي خلق السموات والارض و { فطرهن } معناه ابتدأهن ~~والفطر شق الشيء من امر ظهر منه يقال: فطره يفطره فطرا وانفطر انفطارا، ~~ومنه تفطر الشجر بالورق، فكأن السماء تشق عن شيء فظهرت بخلقها. ثم قال ~~ابراهيم { وأنا على ذلكم من الشاهدين } يعني أنا على ما قلت لكم: من انه ~~تعالى خالقكم وخالق السموات شاهد بالحق لانه دال، والشاهد الدال على ~~الشيء عن مشاهدة، فابراهيم (ع) شاهد بالحق دال عليه بما يرجع الى ثقة ~~المشاهدة. ثم أقسم إبراهيم فقال { وتالله لأكيدن أصنامكم } وذلك قسم، ~~والتاء في القسم لا تدخل إلا فى اسم الله تعالى، لأنها بدل من الواو ~~والواو بدل من الباء، فهي بدل من بدل، فلذلك أختصت باسم الله. وقال ~~قتادة: معناه لأكيدن أصنامكم في سر من قومه. والكيد ضر الشيء بتدبير ~~عليه، يقال: كاده يكيده كيدا فهو كائد. # وقوله { بعد أن تولوا مدبرين } يقال: انه انتظرهم حتى خرجوا الى عيد لهم ~~فحينئذ كسر اصنامهم. ثم أخبر تعالى انه { جعلهم جذاذا } أي قطعا { إلا ~~كبيرا لهم } تركه على حاله. ويجوز أن يكون كبيرهم فى الخلقة. ويجوز أن ~~يكون أكبرهم عندهم في التعظيم { لعلهم إليه يرجعون } أي لكي يرجعوا اليه ~~فينتبهوا على ما يلزمهم فيه من جهل من اتخذوه إلها، إذا وجدوه على تلك ~~الصفة. وكان ذلك كيدا لهم. وفي الكلام حذف، لان تقديره إن قومه رجعوا من ~~عيدهم، فوجدوا أصنامهم مكسرة { قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الضالمين } ف { من } بمعنى الذي، وتقديره الذي فعل هذا بمعبودنا، فانه ~~ظلم نفسه. # وقوله { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } قيل تخلف بعضهم فسمع ~~إبراهيم يذكرها بالعيب، فذكر ذلك، ورفع { إبراهيم } بتقدير، يقال له هذا ~~إبراهيم، او ينادى يا إبراهيم، ذكره الزجاج. ### || [21.61-65] # لما قال بعضهم انه سمع ابراهيم يعيب آلهتهم وحكاه لقومه قالو: جيئوا { ~~به على أعين الناس لعلهم يشهدون ms2499 } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا ~~جيئوا به بحيث يراه الناس، ويكون بمرءا منهم { لعلهم يشهدون } بما قاله ~~إني أكيد اصنامهم شهادة تكون حجة عليه. # الثاني - قال ابن اسحاق { لعلهم يشهدون } عقابه. وقيل { لعلهم يشهدون } ~~حجته وما يقال له من الجواب، فلما جاؤا به قالوا له { أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم } مقررين له على ذلك، فأجابهم إبراهيم بأن قال { بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } وإنما جاز أن يقول { بل فعله ~~كبيرهم هذا } وما فعل شيئا لأحد امرين: # احدهما - انه قيده بقوله { إن كان ينطقون } فقد فعله كبيرهم. وقوله { ~~فاسألوهم } اعتراض بين الكلامين، كما يقول القائل: عليه الدارهم فاسأله ~~إن أقر. # والثاني - انه خرج الخبر وليس بخبر، وانما هو إلزام دل على تلك الحال، ~~كأنه قال بل ما تنكرون فعله كبيرهم هذا. فالالزام تارة يأتى بلفظ السؤال ~~وتارة بلفظ الامر، كقوله { فأتوا بسورة مثله } وتارة بلفظ الخبر. والمعنى ~~فيه أنه من اعتقد كذا لزمه كذا وقد قرئ في الشواذ { فعله كبيرهم } - ~~بتشديد اللام - بمعنى فلعل كبيرهم، فعلى هذا لا يكون خبرا، فلا يلزم ان ~~يكون كذبا، والكذب قبيح لكونه كذبا، فلا يحسن على وجه، سواء كان فيه ~~نفع او دفع ضرر، وعلى كل حال، فلا يجوز على الأنبياء القبائح، ولا يجوز ~~ايضا عليهم التعمية فى الاخبار، ولا التقية في اخبارهم، لأنه يؤدي الى ~~التشكيك في اخبارهم، فلا يجوز ذلك عليهم على وجه. فأما ما روي عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) بأن قال # " لم يكذب ابراهيم إلا ثلاث كذبات كلها فى الله " # فانه خبر لا أصل له، ولو حسن الكذب على وجه، كما يتوهم بعض الجهال، لجاز ~~من القديم تعالى ذلك. وزعموا ان الثلاث كذبات هي قوله { فعله كبيرهم هذا ~~} وما كان فعله. وقوله # إني سقيم # ولم يكن كذلك. وقوله فى سارة لما اراد الجبار أخذها: إنها اختي، وكانت ~~زوجته. حتى قال بعضهم: كان الله أذن له فى ms2500 ذلك. وهذا باطل، لأنه لو اذن ~~الله له فيه، لكان الكذب حسنا. وقد بينا أنه قبيح على كل حال. وقيل: ~~معنى قوله { إني سقيم } اي سأسقم، لأنه لما نظر الى بعض الكواكب علم انه ~~وقت نوبة حمى كانت تجيئه، فقال: إني سقيم. وقيل معناه: اني سقيم، اي غما ~~بضلالكم. وقيل: معناه سقيم عندكم، فيما أدعوكم اليه من الدين. وقيل: ان ~~من كانت عاقبته الموت جاز ان يقال فيه سقيم، مثل المريض المشفى على ~~الموت. # وأما قوله فى سارة إنها أختي فانه أراد فى الدين. واما قول يوسف لأخوته # إنكم لسارقون # فقد قال قوم: هو من قول مؤذن يوسف على ظنه فيما يقتضيه الحال من الظن ~~الذي يعمل عليه. وقيل معناه: { إنكم لسارقون } يوسف (ع) # وقوله تعالى { فرجعوا إلى أنفسهم } اي عادوا الى نفوسهم يعني بعضهم الى ~~بعض وقال بعضهم لبعض: { إنكم أنتم الظالمون } في سؤاله، لانها لو كانت ~~آلهة لم يصل ابراهيم الى كسرها. # وقوله { ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فالنكس هو جعل ~~الشيء أسفله أعلاه، ومنه النكس في العلة إذا رجع الى اول حاله. والمعنى ~~ادركتهم حيرة سوء، فنكسوا لأجلها رؤسهم. ثم أقروا بما هو حجة عليهم، ~~فقالوا لابراهيم { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فأقروا بهذا للحيرة التى ~~لحقتهم، فكان ذلك دلالة على خطئهم، لكنهم أصروا على العناد. ### || [21.66-70] # يقول الله تعالى لما قال كفار قوم إبراهيم (ع) { لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون } فقال لهم إبراهيم منبها لهم على خطئهم وضلالهم { أفتعبدون من ~~دون الله } أي توجهون عبادتكم الى الاصنام التي لا تنفعكم شيئا ولا تدفع ~~عنكم ضرا، لانها لو قدرت على نفعكم وضركم. لدفعت عن نفسها، حتى لم تكسر، ~~ولأجابت حين سئلت { من دون الله } الذي يقدر على ضركم ونفعكم من ثوابكم ~~وعقابكم، وإنه يفعل معكم ما لا يقدر عليه سواه. وليس كل من قدر على الضر ~~والنفع يستحق العبادة، وانما يستحقها من قدر على اصول النعم التى هي خلق ~~الحياة، والشهوة، والقدرة، وكمال ms2501 العقل، ويقدر على الثواب والعقاب او ~~لمنافع تقع على وجه لا يقدر على ايقاعها على ذلك الوجه سواه. قال ~~الرماني: لانه تعالى لو فعل حركة فيها لطف في إيمان زيد كزلزلة الارض في ~~بعض الاحوال. ثم ان عندها ايمانا يتخلص به من العقاب. ويستحق الثواب ~~الذي ضمنه بالايمان، لا يستحق - بفعل الحركة على هذا الوجه - العبادة. # ثم قال مهجنا لافعالهم مستقذرا لها { أف لكم ولما تعبدون من دون الله ~~} فمعنى { أف } الضجر بما كان من الامر وهي كلمة، مبنية، لانها وضعت وضع ~~الصوت الخارج عن دلالة الاشارة والافادة، فصارت كدلالة الحرف، لانه يفهم ~~المعنى بالحال المقارنة لها، وبنيت على الحركة لالتقاء الساكنين إذ لا ~~اصل لها في التمكن مستعمل، فتستحق به البناء على الحركة. وكسرت على اصل ~~الحركة لالتقاء الساكنين. وقال الزجاج: معنى { أف لكم } نتنا لافعالكم، ~~ويجوز - ضم الفاء - للاتباع لضمة الهمزة ويجوز - الفتح - لثقل التضعيف. ~~ويجوز - التنوين - على التنكير. # وقوله { أفلا تعقلون } معناه أفلا تتفكرون بعقولكم فى أن هذه الاصنام لا ~~تستحق العبادة، ولا تقدر على الضر والنفع، فلما سمعوا منه هذا القول قال ~~بعضهم لبعض { حرقوه } يعني بالنار { وانصروا آلهتكم } أي عظموها وادفعوا ~~عنها وعن عبادتها { إن كنتم فاعلين } معناه إن كنتم ناصريها، ولم تريدوا ~~ترك عبادتها. والتحريق هو التقطيع بالنار، يقال: حرقه تحريقا وأحرقه ~~إحراقا، وثوب حرق أي متقطع كالتقطع بالنار. واحترق الشيء احتراقا، ~~وتحرق على الامر تحرقا. وقال ابن عمر: الذي أشار بتحريق إبراهيم رجل من ~~اكراد فارس. وفي الكلام حذف لأن تقديره أوثقوا إبراهيم وطرحوه في النار، ~~فقال الله تعالى عند ذلك للنار { كوني بردا وسلاما على إبراهيم } وقيل ~~في وجه كون النار بردا وسلاما قولان: # احدهما - انه تعالى أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة التي فيها، فلم ~~تؤذه. # والثاني - انه تعالى حال بينها وبين جسمه، فلم تصل اليه، ولو لم يقل ~~سلاما لأهلكه بردها، ولم يكن هناك أمر على الحقيقة. والمعنى أنه فعل ~~ذلك، كما قال # كونوا قردة خاسئين # أي صيرهم كذلك ms2502 من غير ان أمرهم بذلك. وقال قتادة: ما أحرقت النار منه ~~إلا وثاقه. وقال قوم: ان إبراهيم لما أوثقوه ليلقوه في النار قال (لا إله ~~إلا أنت سبحانك رب العالمين. لك الحمد ولك الملك لا شريك لك). ثم اخبر ~~تعالى ان الكفار أرادوا بابراهيم كيدا وبلاء، فجعلهم الله { الأخسرين } ~~يعني بتأييد ابراهيم وتوفيقه، ومنع النار من إحراقه حتى خسروا وتبين ~~كفرهم وضلالهم. ### || [21.71-75] # يقول الله تعالى إنا نجينا ابراهيم ولوطا من الكفار الذين كانوا ~~يخافوهم، وحملناهما { إلى الأرض التى باركنا فيها للعالمين } قال قتادة: ~~نجيا من ارض كوثاريا الى الشام. وقال ابو العالية: ليس ماء عذب الا من ~~الصخرة التى فى بيت المقدس. وقال ابن عباس: نجاهما الى مكة، كما قال # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # وقيل: الى أرض بيت المقدس. وقال الزجاج: من العراق الى ارض الشام. وقال ~~الجبائي: أراد ارض الشام. وانما قال { للعالمين } لما فيها من كثرة ~~الاشجار والخيرات التي ينتفع جميع الخلق بها اذا حلوا بها. وانما جعلها ~~مباركة، لان اكثر الانبياء بعثوا منها، فلذلك كانت مباركة. وقيل: لما ~~فيها من كثرة الاشجار والثمار، والنجاة هو الدفع عن الهلاك، فدفع الله ~~ابراهيم ولوطا عن الهلكة الى الارض المباركة. والبركة ثبوت الخير النامي ~~ونقيضها الشؤم وهو إمحاق الخير وذهابه. وقيل فى هذه الآية دلالة على نجاة ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) كما نجا ابراهيم من عبدة الاصنام، الى الارض ~~التى اختارها له. # ثم قال { ووهبنا له } يعني ابراهيم اي أعطيناه اجتلابا لمحبته، فالله ~~تعالى يحب انبياءه ويحبونه، ويحب إن يزدادوا في محبته بما يهب لهم من ~~نعمه { إسحاق ويعقوب } اي أعطيناه اسحاق ومعه يعقوب { نافلة } اي زيادة ~~على ما دعا الله اليه. وقوله { نافلة } اي فضلا - فى قول ابن عباس وقتادة ~~وابن زيد - لأنه كان سأل الله ان يرزقه ولدا من سارة، فوهب له اسحاق، ~~وزاده يعقوب ولد ولده. وقيل جميعا نافلة، لانهما عطية زائدة على ما تقدم ~~من النعمة - في قول مجاهد وعطاء ms2503 - والنفل النفع الذي يوجب الحمد به لانه ~~مما زاد على حد الواجب، ومنه صلاة النافلة اي فضلا على الفرائض. وقيل: ~~نافلة اي غنيمة قال الشاعر: # لله نافلة الأعز الأفضل # وقوله { وكلا جعلنا صالحين } يحتمل امرين: # احدهما - انه جعلهم بالتسمية على وجه المدح بالصلاح أي سميناهم صالحين. # والثاني - انا فعلنا بهم من اللطف الذي صلحوا به. ثم وصفهم بأن قال { ~~وجعلناهم أئمة } يقتدى بهم فى افعالهم { يهدون } الخلق الى طريق الحق { ~~بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات } اي أوحينا اليهم بأن يفعلوا الخيرات ~~{ وإقام الصلاة } اي وبأن يقيموا الصلاة بحدودها وانما قال { وإقام ~~الصلاة } بلا (هاء) لان الاضافة عوض الهاء { وإيتاء الزكاة } أي بأن ~~يؤتوا الزكاة، التي فرضها الله عليهم. # ثم اخبر: أنهم كانوا عابدين لله وحده لا شريك له، لا يشركون بعبادته ~~سواه. # وقوله { ولوطا آتيناه حكما وعلما } نصب { لوطا } ب { آتينا } ~~وتقديره: وآتينا لوطا آتيناه، كقوله # والقمر قدرناه منازل # ويجوز ان يكون نصبا بتقدير اذكر { لوطا } إذ { آتيناه حكما } اي ~~اعطيناه الفصل بين الخصوم بالحق أي جعلناه حاكما، وعلمناه ما يحتاج الى ~~العلم به. # وقوله { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث } يعني انهم كانوا ~~يأتون الذكران، فى أدبارهم ويتضارطون فى انديتهم، وهي قرية (سدوم) على ما ~~روي. # ثم اخبر { أنهم كانوا قوم سوء فاسقين } اي خارجين عن طاعة الله الى ~~معاصيه. ثم عاد الى ذكر لوط فقال { وأدخلناه في رحمتنا } أي نعمتنا { إنه ~~من الصالحين } الذين أصلحوا أفعالهم. فعملوا بما هو حسن منها، دون ما هو ~~قبيح. ### || [21.76-80] # قرأ " لنحصنكم " بالنون ابو بكر عن عاصم. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ~~بالتاء. الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء، فلأن الدروع مؤنثة، فأسند الفعل ~~اليها. ومن قرأ بالياء اضافه الى (لبوس)، وهو مذكر ويجوز ان يكون اسند ~~الفعل الى الله. ويجوز أن يضيفه الى التعليم - ذكره ابو علي - ومن قرأ ~~بالنون اسند الفعل الى الله ليطابق قوله " وعلمناه ". # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد { نوحا ms2504 ~~} حين { نادى من قبل } ابراهيم. والنداء الدعاء على طريقة (يا فلان) فأما ~~على طريقة (افعل) و (لا تفعل) فلا يسمى نداء، وإن كان دعاء. والمعنى إذ ~~دعا ربه، فقال: رب، أي يا رب نجني واهلي من الكرب العظيم فقال الله تعالى ~~{ فاستجبنا له } اي اجبناه الى ما التمسه { فنجيناه وأهله من الكرب ~~العظيم }. والكرب الغم الذي يحمى به القلب، ويحتمل ان يكون غمه كان ~~لقومه. ويجوز ان يكون من العذاب الذي نزل بهم. # وقوله { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا } اي منعناه منهم ان ~~يصلوا اليه بسوء. ومعنى نصرته عليه أعنته على غلبه. ثم اخبر تعالى { إنهم ~~كانوا قوم سوء } فأغرقهم الله اجمعين بالطوفان. # ثم قال واذكر يا محمد { داود وسلميان اذ يحكمان في الحرث إذ } فى الوقت ~~الذي { نفشت فيه غنم القوم } والنفش لا يكون الا ليلا على ما قاله شريح. ~~وقال الزهري: الهمل والنشر بالنهار، والنفش بالليل، والحرث الذى حكاه ~~فيه: قال قتادة: هو زرع وقعت فيه الغنم ليلا، فأكلته. وقيل: كرم قد نبتت ~~عناقيده - في قول ابن مسعود - وشريح. وقيل: ان داود كان يحكم بالغنم ~~لصاحب الكرم. فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله. قال: وما ذاك؟ قال: يدفع ~~الكرم الى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم الى صاحب ~~الكرم فيصيب منها، حتى اذا عاد الكرم كما كان دفع كل واحد الى صاحبه - ~~ذكره ابن مسعود - وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال ابو ~~علي الجبائي: أوحى الله الى سليمان مما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به ~~قبل. ولم يكن ذلك عن اجتهاد، لان الاجتهاد لا يجوز ان يحكم به الانبياء. ~~وهذا هو الصحح عندنا. وقال ابن الاخشاذ، والبلخي والرماني: يجوز أن يكون ~~ذلك عن اجتهاد، لأن رأي النبي افضل من رأي غيره، فكيف يجوز التعبد ~~بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد، ويمتنع من حكمه من هذا الوجه. ~~والدليل على صحة الاول ان الانبياء (ع) يوحى اليهم، ولهم ms2505 طريق الى العلم ~~بالحكم، فكيف يجوز أن يعملوا بالظن؟! والأمة لا طريق لها الى العلم ~~بالاحكام فجاز ان يكلفوا ما طريقه الظن؟! على ان عندنا لا يجوز في الأمة ~~ايضا العمل على الاجتهاد. # وقد بينا ذلك في غير موضع. ومن قال: انهما اجتهدا، قال أخطأ داود وأصاب ~~سليمان. وذكروا فى قوله { إذ يحكمان } ثلاثة أوجه: # أحدها - إذ شرعا في الحكم فيه من غير قطع به في ابتداء الشرع. # وثانيها - ان يكون حكمه حكما معلقا بشرط لم يفعله بعد. # وثالثها - أن يكون معناه طلبا بحكم في الحرث، ولم يبتديا به بعد. ويقوي ~~ما قلناه قوله تعالى " ففهمناها سليمان " يعني علمنا الحكومة فى ذلك ~~سليمان. وقيل: ان الله تعالى { فهم سليمان } قيمة ما أفسدت الغنم. # ثم أخبر تعالى بأنه آتى كلا حكما وعلما، فدل على ان ما حكم به داود كان ~~بوحي الله، وتعليمه. وقيل: معنى قوله { ففهمناها سليمان } أي فتحنا له ~~طريق الحكومة، لما اجتهد في طلب الحق فيها، من غير عيب على داود فيما كان ~~منه فى ذلك، لأنه اجتهد، فحكم بما أدى اجتهاده اليه. # وقوله { وسخرنا مع داود الجبال } معناه سير الله تعالى الجبال مع داود ~~حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح، لما فيها من الآية العظيمة التي تدعو له ~~بتعظيم الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، ولا يجوز وصفه به. وكذلك سخر ~~له الطير، وعبر عن ذلك التسخير بأنه تسبيح من الطير، لدلالته على أن من ~~سخرها قادر لا يجوز عليه العجز، كما يجوز على العباد. # وقوله { وكنا فاعلين } أي وكنا قادرين على ما نريده. وقال الجبائي: اكمل ~~الله تعالى عقول الطير حتى فهمت ما كان سليمان يأمرها به وينهاها عنه، ~~وما يتوعدها به متى خالفت. # وقوله { وكنا لحكمهم شاهدين } انما جمعه فى موضع التثنية، لأن داود ~~وسليمان كان معهما المحكوم عليه، ومن حكم له. فلا يمكن الاستدلال به على ~~أن اقل الجمع اثنان. ومن قال: إنه كناية عن الاثنين، قال: هو يجري مجرى ~~قوله # فإن ms2506 كان له أخوة # فى موضع فان كان له أخوان. وهذا ليس بشيء، لان ذلك علمناه بدليل ~~الاجماع، ولذلك خالف فيه ابن عباس، فلم يحجب ما قل عن الثلاثة. # وقوله { وعلمناه } يعني داود { صنعة لبوس لكم } اي علمناه كيف يصنع ~~الدرع. وقيل: ان اللبوس - عند العرب - هو السلاح كله، درعا كان، أو ~~جوشنا، او سيفا، او رمحا، قال الهذلي. # ومعي لبوس للبنين كأنه # روق بجبهة ذي نعاج مجفل # يصف رمحا. وقال قتادة، والمفسرون: المراد به في الآية الدروع. والاحصان ~~الاحراز، والباس شدة القتال. وقوله { فهل أنتم شاكرون } تقرير للخلق على ~~شكره تعالى على نعمه التي انعم بها عليهم بأشياء مختلفة. ### || [21.81-85] # يقول الله تعالى وسخرنا { لسليمان الريح عاصفة } من رفع { الريح } وهو ~~عبد الرحمن الأعرج: أضاف الريح الى سليمان إضافه الملك، كأنه قال له ~~الريح. و { عاصفة } نصب على الحال في القراءتين، والريح هو الجو، يشتد ~~تارة ويضعف أخرى. وحد الرماني الريح بأن قال: هو جسم منتشر لطيف، يمتنع ~~بلطفه من القبض عليه ويظهر للحس بحركته. وقولهم: سكنت الريح مثل قولهم: ~~هبت الريح، وإلا فانها لا تكون ريحا إلا بالحركة. ويقولون: أسرع فلان فى ~~الحاجة كالريح، وراح فلان الى منزله. و (العصوف) شدة حركة الريح، وعصفت ~~تعصف عصفا وعصفة، وعصف عصفا وعصوفا إذا اشتد، والعصف التبن، لان الريح ~~تعصفه بتطييرها. وقيل: عصوف الريح شدة هبوبها. وذكر ان الريح كانت تجري ~~لسليمان إلى حيث شاء، فذلك هو التسخير { تجري بأمره } يعني بأمر سليمان { ~~إلى الأرض التي باركنا فيها } يعني الشام، لانها كانت مأواه، فأي مكان ~~شاء مضى اليه، وعاد اليها بالعشي. # وقوله { وكنا بكل شيء عالمين } معناه علمنا معه على ما يعلمه من صحة ~~التدبير، فان ما أعطيناه من التسخير يدعوه الى الخضوع له. ويدعو طالب ~~الحق الى الاستبصار فى ذلك، فكان لطفا يجب فلعه. # وقوله { ومن الشياطين من يغوصون له } أي وسخرنا لسليمان قوما من ~~الشياطين يغوصون له في البحر { ويعملون عملا دون ذلك } قال الزجاج: معناه ~~سوى ذلك { وكنا لهم ms2507 حافظين } أي يحفظهم الله من الافساد لما عملوه. وقيل: ~~كان حفظهم لئلا يهربوا من العمل. وقال الجبائي: كشف الله تعالى أجسام ~~الجن حتى تهيأ لهم تلك الاعمال، معجزة لسليمان (ع) قال: انهم كانوا يبنون ~~له البنيان، والغوص في البحار، وإخراج ما فيه من اللؤلؤ وغيره، وذلك لا ~~يتأتى مع رقة أجسامهم. قال: وسخر له الطير بأن قوى أفهامها، حتى صارت ~~كصبياننا الذين يفهمون التخويف والترغيب. # ثم قال واذكر يا محمد { أيوب إذ نادى ربه } أي حين دعاه، فقال يا رب { ~~أني مسني الضر } أي نالني الضر يعني ما كان ناله من المرض والضعف. قال ~~الجبائي: كان به السلعة { وأنت أرحم الراحمين } فارحمني. وقيل انما فعل ~~ذلك بايوب، ليبلغ بصبره على ذلك المنزلة الجليلة التي أعدها الله - عز ~~وجل - له ولكل مؤمن فيما يلحقه من مصيبة اسوة بايوب، قال الجبائي: لم يكن ~~ما نزل به من المرض فعلا للشيطان، لأنه لا يقدر على ذلك، وإنما آذاه ~~بالوسوسة وما جرى مجراها. قال الحسن: وكان الله تعالى أعطاه مالا وولدا، ~~فهلك ماله ومات ولده، فصبر، فأثنى الله عليه. ثم قال تعالى { فاستجبنا له ~~} يعني أجبنا دعاءه ونداءه { فكشفنا ما به من ضر } أي أزلنا عنه ذلك ~~المرض { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } قيل: رد الله اليه أهله الذين هلكوا ~~بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم - فى قول ابن مسعود وابن عباس - وقال الحسن ~~وقتادة: إن الله أحيا له أهله بأعيانهم وزاده اليهم مثلهم. # وقال عكرمة ومجاهد - فى رواية - أنه خبر فاختار إحياء أهله في الآخرة، ~~ومثلهم فى الدنيا، فأوتي على ما اختار. وقال ابن عباس: أبدله الله تعالى ~~بكل شيء ذهب له ضعفين { رحمة من عندنا } أي نعمة منا عليه { وذكرى ~~للعابدين } اي عظة يتذكر به العابدون لله تعالى مخلصين. # وقوله { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل } أي اذكر هؤلاء الذين عددتهم لك من ~~الانبياء، وما أنعمت عليهم من فنون النعمة. ثم أخبر أنهم كانوا كلهم { من ~~الصابرين } يصبرون على بلاء الله، والعمل بطاعته. دون معاصيه. # وأختلفوا في ms2508 ذي الكفل، فقال ابو موسى الاشعري، وقتادة، ومجاهد: كان رجلا ~~صالحا، كفل لنبي بصوم النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، ~~فوفى لله بذلك، فأثنى الله عليه. وقال قوم: كان نبيا، كفل بأمر وفى به. ~~وقال الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل. وقال الجبائي: هو نبي، ومعنى وصفه ~~بالكفل أنه ذو الضعف أي ضعف ثواب غيره، ممن فى زمانه لشرف عمله. ### || [21.86-90] # قرأ يعقوب { فظن ان لن يقدر عليه } بالياء مضمومة. وفتح الدال. الباقون ~~بالنون، وكسر الدال، والمعنيان متقاربان. # يقول الله تعالى إنا ادخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من الانبياء { في ~~رحمتنا } أي في نعمتنا، ومعنى { أدخلناهم في رحمتنا } غمرناهم بالرحمة. ~~ولو قال رحمناهم لما أفاد الاغمار، بل أفاد انه فعل بهم الرحمة، التي هي ~~النعمة. # وقوله { إنهم من الصالحين } معناه إنما ادخلناهم في رحمتنا، لانهم كانوا ~~ممن صلحت أعمالهم، وفعلوا الطاعات، وتجنبوا المعاصي. و { صالح } صفة مدح ~~في الشرع. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر { ذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه } والنون الحوت، وصاحبها يونس بن متى، غضب ~~على قومه - فى قول ابن عباس والضحاك - فذهب مغاضبا لهم، فظن ان الله لا ~~يضيق عليه، لأنه كان ندبه الى الصبر عليهم والمقام فيهم من قوله # ومن قدر عليه رزقه # أي ضيق، وقوله # الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر # أي يضيق، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك، واكثر المفسرين. وقال الزجاج ~~والفراء: معناه { ظن أن لن نقدر عليه } ما قدرناه. وقال الجبائي: ضيق ~~الله عليه الطريق حتى ألجأه الى ركوب البحر حتى قذف فيه، وابتلعته ~~السمكة. ومن قال: ان يونس (ع) ظن أن الله لا يقدر عليه من القدرة، فقد ~~كفر. وقيل إنما عوتب على ذلك، لأنه خرج مغاضبا لهم قبل أن يؤذن له، فقال ~~قوم: كانت خطيئة، من جهة تأويله أنه يجوز له ذلك. وقد قلنا: انه كان ~~مندوبا الى المقام فلم يكن ذلك محظورا، وانما كان ترك الأولى. فأما ما ~~روي عن الشعبي ms2509 وسعيد بن جبير من انه خرج مغاضبا لربه فلا يجوز ذلك على ~~نبي من الانبياء، وكذلك لا يجوز أن يغضب لم عفى الله عنهم إذ آمنوا، لان ~~هذا اعتراض على الله بما لا يجوز في حكمته. # وقوله { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ~~} فالظلمات قيل: إنها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، على ما ~~قاله ابن عباس وقتادة. وقيل: حوت فى بطن حوت، فى قول سالم بن أبي حفصة. ~~وقيل: ان أكثر دعائه كان في جوف الليل فى الظلمات. والأول أظهر في اقوال ~~المفسرين. وقال الجبائي: الغضب عداوة لمن غضب عليه، وبقاؤه في بطن الحوت ~~حيا معجز له. ولم يكن يونس فى بطن الحوت على جهة العقوبة، لان العقوبة ~~عداوة للمعاقب، لكن كان ذلك على وجه التأديب، والتأديب يجوز على المكلف ~~وغير المكلف، كتأديب الصبي وغيره. وقال قوم: معنى قوله { فظن أن لن نقدر ~~} الاستفهام، وتقديره أفظن. وهذا ضعيف، لأنهم لا يحذفون حرف الاستفهام ~~إلا وفي الكلام عوض عنه من (أم) أو غيرها. # وقوله { إني كنت من الظالمين } أي كنت من الباخسين نفسي ثوابها، لو ~~أقمت، لأنه كان مندوبا اليه، ومن قال يجوز الصغائر على الانبياء، قال: ~~كان ذلك صغيرة نقصت ثوابه. فأما الظلم الذي هو كبيرة، فلا يجوزها عليهم ~~إلا الحشوية الجهال، الذين لا يعرفون مقادير الانبياء، الذين وصفهم الله ~~بأنه اصطفاهم واختارهم. # ثم اخبر تعالى انه استجاب دعاءه ونجاه من الغم الذي كان فيه. ووعد مثل ~~ذلك أن ينجي المؤمنين. # وقد قرأ ابو بكر عن عاصم " نجى المؤمنين " بنون واحدة مشددة الجيم. ~~الباقون بنونين. وهي في المصحف بنون واحدة حذف الثانية كراهة الجمع بين ~~المثلين فى الخط، ولأن النون الثانية تخفى مع الجيم، ومع حروف الفم، ولا ~~تظهر، ولذلك ظن قوم أنها ادغمت في الجيم، فقرؤها مدغما، وليس بمدغم. ولا ~~وجه لقراءة عاصم هذه ولا لقول أبي عبيدة حاكيا عن أبي عمرو: ان النون ~~مدغمة، لانها لا تدغم في الجيم. ms2510 وقال الزجاج: هذا لحن، ولا وجه لمن ~~تأوله: نجى النجا المؤمنين، كما لا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب ~~زيدا. وقال الفراء: هو لحن. وقال قوم - محتجين لأبي بكر - انه أراد فعلا ~~ماضيا، على ما لم يسم فاعله، فاسكن الياء، كما قرأ الحسن # وذروا ما بقي من الربا # أقام المصدر مقام المعفول الذي لا يذكر فاعله، فكذلك نجى النجا ~~المؤمنين، واحتجوا بأن أبا جعفر قرأ # ليجزي قوما # في الجاثية على تقدير لنجزي الجراء قوما قال الشاعر. # ولو ولدت قفيرة جر وكلب # لسب بذلك الجر والكلابا # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر { زكريا إذ نادى ربه } ~~أي دعاه، فقال يا { رب لا تذرني فردا } أي وحيدا، بل ارزقني ولدا. ثم ~~قال { وأنت خير الوارثين } ومعناه أنت خير من يرث العباد من الأهل ~~والولد، فقال الله تعالى إنا استجبنا دعاءه { وهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه } قال قتادة: إنها كانت عقيما فجعلها الله ولودا. وقيل: كانت سيئة ~~الخلق، فرزقها الله حسن الخلق. ثم اخبر { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~} أي يبادرون فى فعل الطاعات { ويدعون } الله { رغبة } في ثوابه { ورهبة ~~} من عقابه { وكانوا } لله { خاشعين } متواضعين. وقال الجبائي: إجابة ~~الدعاء لا تكون إلا ثوابا. وقال ابن الاخشاذ: يجوز أن تكون استصلاحا لا ~~ثوابا، ولذلك لا يمتنع أن يجيب الله دعاء الكافر والفاسق. فأما قولهم: ~~فلان مجاب الدعوة، فلا يجوز اطلاقه على الكفار والفساق، لأن فيه تعظيما ~~وأن له منزلة جليلة عند الله. والامر بخلاف ذلك. ### || [21.91-95] # قرأ اهل الكوفة إلا حفصا عن عاصم " وحرم " بكسر الحاء بلا الف. الباقون ~~بفتح الحاء. وإثبات الالف، وهما بمعنى واحد. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر ايضا { التي أحصنت ~~فرجها } يعني مريم بنت عمران. والاحصان إحراز الشيء من الفساد، فمريم ~~أحصنت فرجها بمنعه من الفساد فأثنى الله عليها، ورزقها ولدا عظيم الشأن، ~~لا كالأولاد المخلوقين من النطفة. وجعله نبيا. وقوله { فنفخنا فيها من ~~روحنا } معناه أجرينا فيها روح المسيح، كما ms2511 يجري الهواء بالنفخ، وأضاف ~~الروح الى نفسه، على وجه الملك تشريفا له في الاختصاص بالذكر. وقيل: إن ~~الله تعالى أمر جبرائيل بنفخ الروح في فرجها، وخلق المسيح في رحمها. ~~وقوله { وجعلناها وابنها آية للعالمين } معناه إنا جعلنا مريم وابنها ~~عيسى آية للعالمين. وانما قال { آية } ولم يثن، لأنه في موضع دلالة لهما، ~~فلا يحتاج أن يثنى. والآية فيهما أنها جاءت به من غير فحل، فتكلم فى ~~المهد بما يوجب براءة ساحتها من العيب، وفي ذلك دليل واضح على سعة ~~مقدوراته تعالى، وأنه يتصرف كيف شاء. # وقوله { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه ~~دينكم دين واحد. واصل الأمة الجماعة التي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة ~~أمة، لاجتماعهم بها على مقصد واحد. وقيل: معناه جماعة واحدة في أنها ~~مخلوقة مملوكة لله. ونصب { أمة } على الحال، ويسميه الكوفيون قطعا. ثم ~~قال { وأنا ربكم } الذي خلقكم { فاعبدوني } ولا تشركوا بي احدا. # وقوله { وتقطعوا أمرهم بينهم } معناه اختلفوا فى الدين بما لا يسوغ، ولا ~~يجوز - فى قول ابن زيد - ثم قال مهددا لهم { كل الينا راجعون } أي الى ~~حكمنا، في الوقت الذي لا يقدر على الحكم فيه سوانا، كما يقال: رجع أمرهم ~~الى القاضي أي الى حكمه. # وقوله { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن } قيل: الصالحات - ها هنا - صلة ~~الرحم، ومعونة الضعيف، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والكف عن الظلم، ~~ونحو ذلك من اعمال الخير، وانما شرط الايمان، لأن هذه الأشياء لو فعلها ~~الكافر لم ينتفع بها عند الله. وقوله { فلا كفران لسعيه } معناه لا جحود ~~لاحسانه في عمله، وهو مصدر كفر كفرا وكفرانا، قال الشاعر: # من الناس ناس لا تنام خدودهم # وخدي ولا كفران لله نائم # وقوله { وإنا له كاتبون } أي ملائكتنا يثبتون ذلك ويكتبونه، فلا يضيع له ~~لديه شيء. # وقوله { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } قيل: (لا) صلة، ~~والمعنى: حرام رجوعهم. وقيل { أنهم لا يرجعون } أي حال قبول التوبة. وقال ~~قوم: حرام على قرية أهلكناها، لانهم لا ms2512 يرجعون. وقال الزجاج: المعنى ~~وحرام على قرية أهلكناها أن نتقبل منهم عملا لأنهم لا يرجعون، أي لا ~~يتوبون أبدا. وحرم وحرام لغتان مثل حل وحلال. وقيل: في معنى { وحرام على ~~قرية } معناه واجب عليهم ألا يرجعون الى تلك القرية أبدا. وقال الجبائي: ~~معناه وحرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم ان يرجعوا الى دار الدنيا. ### || [21.96-100] # قرأ ابن عامر { فتحت } مشددة، على التكثير. الباقون بالتخفيف. # يقول الله تعالى: إنه حرام على أهل قريه أهلكناها رجوعهم، { حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج } أي ينفرج السدان { يأجوج ومأجوج } ويظهروا، والتقدير ~~فتحت جهة يأجوج ومأجوج، والفتح أنفراج الشيء عن غيره. # وقوله { وهم من كل حدب ينسلون } قال مجاهد: ان قوله { وهم } كناية عن ~~الناس، يحشرون الى أرض الموقف يوم القيامة. وقال عبد الله بن مسعود: هو ~~كناية عن يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج إسمان أعجميان، وهما قبيلان. ولو ~~كانا عربيين لكانا من أج النار، أو الماء الاجاج. وقال قتادة: الحدب ~~الاكم. وقيل: هو الارتفاع من الارض بين الانخفاض، ومعناهما واحد. والحدبة ~~خروج الظهر، يقال: رجل أحدب إذا احدودب كبرا. وقوله { ينسلون } فالنسول ~~الخروج عن الشيء الملابس، يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: # وان كنت قد ساءتك مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # ونسل ريش الطائر إذا سقط. وقيل: النسول الخروج باسراع مثل نسلان الذئب، ~~قال الشاعر: # عسلان الذئب أمسى قاريا # برد الليل عليه فنسل # وقوله تعالى { واقترب الوعد الحق } قال قوم: الواو مقحمة والتقدير اقترب ~~الوعد الحق، يعني القيامة. وقال آخرون: ليست مقحمة، بل الجواب محذوف، وهو ~~الأجود، والتقدير على قول الأولين { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل ~~حدب ينسلون... اقترب الوعد الحق } ذكره الفراء قال: وهو مثل قوله # وتله للجبين وناديناه # وكقوله # حتى إذا جاؤها وفتحت # والمعنى فتحت. وعلى قول البصريين الواو مرادة والتقدير حتى إذا فتحت، ~~واقترب الوعد الحق، قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة. وقيل: خروج يأجوج ~~ومأجوج من اشراط الساعة. # وقوله { فإذا هي شاخصة } قيل ان ms2513 الضمير في قوله { فإذا هي } عائد الى ~~معلوم ينبه عليه ابصار الذين كفروا، كما قال الشاعر: # لعمر ابيها لا تقول ظعينتي # إلا فرعني مالك ابن أبي كعب # فكنى في ابيها ثم بين ذكرها. وقال قوم: إضمار العماد على شروط التفسير، ~~كقوله تعالى # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور # وقوله { يا ويلنا } أي يقول الكفار الذين شخصت أبصارهم: الويل لنا إنا ~~قد كنا في غفلة من هذا اليوم، وهذا المقام، بل كنا ظالمين لنفوسنا ~~بارتكاب معاصي الله، فيقول الله تعالى لهم { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون } والمعنى انكم ايها الكافرون والذي عبدتموه من ~~الاصنام والاوثان حصب جهنم. وقال ابن عباس: وقودها. وقال مجاهد: حطبها. ~~وقيل: انهم يرمون فيها، كما يرمى بالحصباء - في قول مجاهد، وقال: إنما ~~يحصب بهم أي يرمى بهم. # وقرأ (علي) (ع)، وعائشة { حطب }. وقرأ الحسن { حضب } بالضاد. ومعناه ما ~~تهيج به النار وتذكا به. # والحضب الحية. # وقوله { أنتم لها واردون } خطاب لجميع الكفار انهم يردون جهنم ويدخونها ~~لا محالة، فالورود قد يكون الدخول، كقولهم وردت الدار، أي دخلتها، ويكون ~~بالاشراف، كقوله # ولما ورد ماء مدين # ومعناه أشرف عليه. والمراد في الآية الدخول، لأن الكفار يدخلون النار لا ~~محالة. # ثم قال تعالى: لو كان هذه الاصنام والاوثان آلهة لم يردوا جهنم. ويحتمل: ~~أن يكون أراد ما وردت الاصنام جهنم، لأنه كان يكون عبادتهم واقعة موقعها، ~~ولكانوا يقدرون على الدفاع عنهم والنصرة لهم. # ثم اخبر تعالى ان كل في جهنم خالدون، مؤبدون فيها. وأن لهم في جهنم ~~زفيرا، وهو شدة التنفس. وقيل: هو الشهيق لهول ما يرد عليهم من النار { ~~وهم فيها } يعني في جهنم { لا يسمعون } قال الجبائي: لا يسمعون ما ~~ينتفعون به، وإن سمعوا ما يسؤهم. وقال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من ~~نار، فلا يسمعون شيئا. وقال قوم: المراد بقوله { وما يعبدون من دون الله ~~} الشياطين الذين دعوهم الى عبادة غير الله، فأطاعوهم، فكأنهم عبدوهم، ~~كما قال ms2514 # يا أبت لا تعبد الشيطان # أي لا تطعه. ### || [21.101-105] # قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر { للكتب } على الجمع. الباقون { للكتاب } ~~على التوحيد. وقرأ حمزة وحده { الزبور } بضم الزاي. من ضم الزاي أراد ~~الجمع. ومن فتحها اراد الواحد. يقال: زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا كتبته. # لما اخبر الله تعالى: ان الكفار حصب جهنم وانهم واردون النار، وداخلون ~~فيها مؤبدين، اخبر { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } يعني الوعد بالجنة. ~~وقيل: الحسنى الطاعة لله تعالى يجازون عليها في الآخرة بما وعدهم الله ~~به. واخبر تعالى ان من هذه صفته مبتعد عن النار ناء عنها، ويكونون بحيث { ~~لا يسمعون حسيسها } يعني صوتها، الذي يحس، وإنهم في ما تشتهيه أنفسهم من ~~الثواب والنعيم خالدون # والشهوة طلب النفس للذة يقال: اشتهى شهوة، وتشهى تشهيا، ونقيض الشهوة ~~تكره النفس، فالغذاء يشتهى والدواء يتكره. وقيل: الحسنى الجنة التي وعد ~~الله بها المؤمنين. وقال ابن زيد: الحسنى السعادة لأهلها من الله، وسبق ~~الشقاء لأهله، كأنه يذهب الى ان معنى الكلمة انه: سيسعد أو أنه سيشقى. ~~وقال الحسن ومجاهد: الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى، وعزير، والملائكة ~~الذين عبدوا من دون الله، وهم كارهون، استثناهم من جملة من اخبر انهم مع ~~الكفار فى جهنم. # وقوله { لا يحزنهم الفزع الأكبر } معناه لا يغم الذين سبقت لهم من الله ~~الحسنى الفزع الاكبر. ومن ضم الياء أراد لا يفزعهم الفزع الاكبر. قال ابن ~~جبير، وابن جريج: هو عذاب النار، على أهلها. وقال ابن عباس: هي النفخة ~~الأخيرة. وقال الحسن: هو حين يؤمر بالعبد الى النار { وتتلقاهم الملائكة ~~} قيل تتلقاهم الملائكة بالتهنئة ويقولون لهم { هذا يومكم الذي كنتم ~~توعدون } به أي تخوفون بما فيه من العقاب، وترغبون فيما فيه من الثواب. # وقوله { يوم نطوي السماء } يحتمل نصب { يوم } وجهين: # احدهما - أن يكون بدلا من { توعدون } لان تقديره توعدونه. # الثاني - انه نعدكم يوم نطوي السماء. وقوله { كطي السجل للكتاب } فالسجل ~~الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، فشبه الله تعالى طي السماء يوم ~~القيامة ms2515 بطي الكتاب - فى قول ابن عباس ومجاهد - وقال ابن عمر، والسدي: ~~السجل ملك يكتب اعمال العباد. وقال ابن عباس - في رواية أخرى - السجل ~~كاتب كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتقدير كطي الكتاب السجل، ~~واللام مؤكدة. ويحتمل أن يكون المعنى كطي السجل، وقد تم الكلام. ثم قال ~~للكتب أي لما كتبناه وعلمناه، فعلنا ذلك، كما قال # ولولا كلمة سبقت # وقوله { كما بدأنا أول خلق نعيده } المعنى نعيد الخلق كما بدأناه. قال ~~ابن عباس: معناه انه يهلك كل شيء، كما كان أول مرة. ثم قال: إن الذي ~~ذكرناه وعيد منا لازم نفعله لا محالة. # ثم قال تعالى { ولقد كتبنا في الزبور } قيل الزبور كتب الانبياء { من ~~بعد الذكر } من بعد كتبه في أم الكتاب - في قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن ~~زيد. وقيل: الزبور، زبور داود، من بعد الذكر فى توراة موسى - في قول ~~الشعبي - وقال قوم { من بعد الذكر } معناه قبل الذكر الذي هو القرآن، ~~حكاه ابن خالويه. # وقوله { إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وابن زيد: يعني أرض الجنة يرثها الصالحون من عباد الله، كما قال # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء # وقيل: هي الارض في الدنيا التي تصير للمؤمنين في أمة محمد (صلى الله ~~عليه وسلم) من بعد اجلاء الكفار عنها - فى رواية اخرى - عن ابن عباس. ~~وقيل: يعني أرض الشام، يرثها الصالحون من بني اسرائيل ذكره الكبي. وعن ~~ابي جعفر (ع) إن ذلك وعد للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الارض. ### || [21.106-112] # يقول الله تعالى { إن في هذا } المعنى الذي أخبرتكم به، مما توعدنا به ~~الكفار، من النار والخلود فيها، وما وعدنا به المؤمنين من الجنة والكون ~~فيها { لبلاغا } وقيل: { إن في هذا } يعني القرآن { لبلاغا } أي لما ~~يبلغ الى البغية من أخذ به، وعمل عليه. والبلوغ الوصول. والبلاغ سبب ~~الوصول الى الحق، ففي البرهان بلاغ، والقرآن دليل وبرهان. وقيل: معناه ~~إنه يبلغ رضوان الله ومحبته وجزيل ثوابه { لقوم عابدين } لله مخلصين ms2516 له. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { وما أرسلناك } يا محمد { إلا ~~رحمة للعالمين } أي نعمة عليهم، ولأن ترحمهم. # وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة فى أنه: ليس لله على الكافرين ~~نعمة. لانه تعالى بين ان إرسال الله رسوله نعمة على العالمين. وعلى كل من ~~أرسل اليهم. ووجه النعمة على الكافر انه عرضه للايمان ولطف له فى ترك ~~معاصيه. وقيل: هي نعمة على الكافر بأن عوفي مما اصاب الأمم قبلهم من ~~الخسف والقذف - في قول ابن عباس - ثم قال له (صلى الله عليه وسلم) قل لهم ~~{ إنما يوحي الي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون } اي مسلمون لهذا ~~الوحي الذي أوحي الي، من اخلاص الالهية والعبادة لله تعالى. ثم قال { فإن ~~تولوا } يعني إن اعرضوا عن هذا الذي تدعوهم اليه من إخلاص التوحيد، فقل ~~لهم { آذنتكم على سواء } أي اعلمتكم على سواء في الايذان تتساوون في ~~العلم به لم اظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وهو دليل على بطلان قول ~~أصحاب الرموز، وأن للقرآن بواطن خص بالعلم بها اقوام. وقيل على سواء في ~~العلم اني صرت مثلكم، ومثله قوله # فانبذ إليهم على سواء # أي ليستوي علمك وعلمهم. وقيل معناه: لتستووا في الايمان به. # وقوله { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } معناه لست اعلم ان ما وعدكم ~~الله به من العقاب اقريب مجيؤه ام بعيد. وقوله { وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين } اي لست ادري لعل التأخير شدة في عبادتكم يظهر بها ما هو ~~كالسر فيكم من خير أو شر، فيخلص الجزاء بحسب العمل. واصل الفتنة التخليص ~~بالشدة، كتخليص الذهب بشدة النار من كل شائب من غيره. وقيل { فتنة لكم } ~~اي اختبار لكم { ومتاع إلى حين } أي تتمتعون الى الوقت الذي قدره الله ~~لاهلاككم. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد { رب احكم بالحق } ~~انما أمره أن يدعو بما يعلم انه لا بد أن يفعله تعبدا، لانه إذا دعا ~~بهذا ms2517 ظهرت رغبته في الحق الذي دعا به. وقال قتادة: كان النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) اذا شهد قتالا قال { رب احكم بالحق } بيني وبين المشركين بما ~~يظهر به الحق للجميع. # وقرأ حفص وحده { قال رب أحكم } على الخبر. الباقون على الامر، وضم الباء ~~ابو جعفر اتباعا لضم الكاف. الباقون بكسرها على أصل حركة إلتقاء ~~الساكين. # وقوله { وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون } أي على ما تذكرون، مما ~~ينافي التوحيد. وحكي عن الضحاك انه قرأ { قال ربي أحكم } باثبات الياء، ~~وهو خلاف ما في المصاحف، ويكون على هذا { ربي } مبتدأ و { أحكم } خبره، ~~كقوله # الله أحسن الخالقين # وقرا ابن ذكوان عن ابن عامر { عما يصفون } بالياء يعني على ما يكذب ~~هؤلاء الكفار من انكار البعث. الباقون بالتاء على الخطاب لهم بذلك. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-4] # قرا اهل الكوفه إلا عاصما " سكرى " بلا الف بسكون الكاف في الموضعين. ~~الباقون { سكارى }. # هذا خطاب من الله تعالى لجيمع المكلفين من البشر يأمرهم بأن يتقوا معاصي ~~الله لانه يستحق بفعل المعاصي والاخلال بالواجبات العقوبات يوم القيامة. # ثم اخبر { إن زلزلة الساعة } يعني القيامة { شيء عظيم } والزلزلة شدة ~~الحركة على حالة هائلة، ومنه زلزلة الارض لما يلحق من الهول، وكان اصله ~~زلت قدمه إذا زالت عن الجهة بسرعة. ثم ضوعف فقيل: زلزل الله اقدامهم، كما ~~قيل: دكة ودكدكة، والزلزلة والزلزال - بكسر الزاي - مصدر. والزلزال - ~~بالفتح - الاسم قال الشاعر: # يعرف الجاهل المضلل ان الدهر # فيه النكراء والزلزال # وقال علقمه والشعبي: الزلزلة من اشراط القيامة. وروى الحسن في حديث رفعه ~~عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انها يوم القيامة. والعظيم المختص بمقدار ~~يقصر عنه غيره، وضده الحقير. والكبير نقيض الصغير. # وفي الآية دلالة على أن المعدوم يسمى شيئا، لان الله تعالى سمى الزلزلة ~~يوم القيامة شيئا، وهي معدومة اليوم. # وقوله { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت } قال الفراء والكوفيون: ~~يجوز ان يقال: مرضع بلا هاء، لأن ذلك لا يكون في الرجال، فهو مثل حائض ~~وطامث. وقال الزجاج ms2518 وغيره من البصريين: إذا أجريته على الفعل قلت ارضعت ~~فهي مرضعة، فاذا قالوا مرضع، فالمعنى انها ذات رضاع. وقيل في قولهم: حائض ~~وطامت معناه انها ذات حيض وطمث. وقال قوم: اذا قلت: مرضعة، فانه يراد بها ~~ام الصبي المرضع. واذا اسقطت الهاء، فانه يراد بها المرأة التي معها صبي ~~مرضعة لغيرها. # والمعنى ان الزلزلة هي شيء عظيم، في يوم ترون فيها الزلزلة، على وجه { ~~تذهل كل مرضعة } اي يشغلها عن ولدها اشتغالها بنفسها، وما يلحقها من ~~الخوف. وقال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل لغير ~~تمام. والذهول الذهاب عن الشيء دهشا وحيرة، تقول: ذهلت عنه ذهولا، وذهلت ~~- بالكسر - ايضا، وهو قليل، والذهل السلو، قال الشاعر: # صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل # وهذا تهويل ليوم القيامة، وتعظيم لما يكون فيه من الشدة على وجه لو كان ~~هناك مرضعة لشغلت عن الذي ترضعه، ولو كان هناك حامل لأسقطت من هول ذلك ~~اليوم، وإن لم يكن هناك حامل ولا مرضعة. # وقوله { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } معناه تراهم سكارى من الفزع، ~~وما هم بسكارى من شرب الخمور. وانما جاز { وترى الناس سكارى، وما هم ~~بسكارى } ، لانها رواية تخيل. وقيل: معناه كأنهم سكارى من ذهول عقولهم ~~لشدة ما يمر بهم، فيضطربون كاضطراب السكران من الشراب. وقرأ ابو هريرة { ~~وترى الناس } بضم التاء، والناس منصوب على أنه مفعول ثان. # وتقديره وترى أن الناس. وتكون " سكارى " نصبا على الحال. ومن قرأ " ~~سكرى " جعله مثل جرحى وقتلى. وقيل: هما جمعان كسكران وسكرانة، قال ابو ~~زيد: يقولون: مريض ومراضى، ومرضى. فمن قرأ " سكرى " فلأن السكر كالمرض ~~والهلاك، فقالوا: { سكرى } مثل هلكى ومثل عكلى. ومن قرأ " سكارى " فلأنه ~~روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قرأ كذلك. # ثم علل تعالى ذلك، فقال ليس هم بسكارى { ولكن عذاب الله شديد } فمن شدته ~~يصيبهم ما يصيبهم من الاضطراب. # ثم اخبر تعالى ان { من الناس من يجادل } أي يخاصم { في الله } فيما ~~يدعوهم اليه من توحيد الله ms2519 ونفي الشرك عنه { بغير علم } منه بل للجهل ~~المحض { ويتبع } فى ذلك { كل شيطان مريد } يغويه عن الهدى ويدعوه الى ~~الضلال. وذلك يدل على أن المجادل في نصرة الباطل مذموم، وأن من جادل بعلم ~~ووضع الحجة موضعها بخلافه. و { المريد } المتجرد للفساد. وقيل أصله ~~الملاسة، فكأنه متملس من الخير، ومنه صخرة مرداء أي ملساء، ومنه الأمرد. ~~والمريد الداهية المنكرة. ويقال: تمرد فلان. والممرد من البناء المتطاول ~~المتجاوز. # وقوله { كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } يقول ~~الله تعالى انه كتب في اللوح المحفوظ ان من تولى الشيطان واتبعه واطاعه ~~فيما يدعوه اليه، فانه يضله. وقال الزجاج: معناه كتب عليه أنه من تولاه ~~يضله، فعطف (أن) الثانية على الأولى تأكيدا، فلذلك نصبت (أن) الثانية. ~~والاكثر فى التأكيد أن لا يكون معه حرف عطف غير انه جائز: كما يجوز: زيد ~~- فافهم - في الدار. وقال قوم: نصبت (أن) الثانية، لان المعنى فلأنه يضله ~~عن طريق الحق { ويهديه إلى عذاب السعير } أي عذاب النار الذي يستعر ~~ويلتهب. والهاء فى { كتب عليه } راجعة الى الشيطان، وتقديره كتب على ~~الشيطان أنه من تولى الشيطان واتبعه، فان الشيطان يضله، فالهاء في يضله ~~عائدة الى (من) في قوله { من تولاه }. ### || [22.5] # قرأ ابو جعفر " وربأت ". الباقون (ربت). # خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من البشر. فقال لهم { إن كنتم ~~في ريب من البعث } والنشور. والريب اقبح الشك { فإنا خلقناكم من تراب } ~~قال الحسن: المعنى خلقنا آدم من تراب الذي هو أصلكم وأنتم نسله. وقال ~~قوم: أراد به جميع الخلق، لانه إذا أراد انه خلقهم من نطفة، والنطفة ~~يجعلها الله من الغذاء، والغذاء ينبت من التراب والماء، فكان أصلهم كلهم ~~التراب، ثم أحالهم بالتدريج: الى النطفة، ثم أحال النطفة علقه، وهي ~~القطعة من الدم جامدة. ثم أحال العلقة مضغة، وهي شبه قطعة من اللحم ~~مضوغة. والمضغة مقدار ما يمضغ من اللحم. # وقوله { مخلقة وغير مخلقة } قال قتادة: تامة الخلق، وغير تامة. وقيل: ~~مصورة وغير ms2520 مصورة. وهي السقط - فى قول مجاهد -. # وقوله { لنبين لكم } معناه لندلكم على مقدورنا، بتصريفه فى ضروب الخلق ~~وقوله { ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى } مستأنف، فلذلك رفع. ~~وقال مجاهد: معناه نقره الى وقت تمامه. # وقوله { ثم نخرجكم طفلا يعني نخرجكم } من بطون أمهاتكم، وانتم أطفال. ~~والطفل الصغير من الناس، ونصب طفلا على المصدر، وهو فى موضع جمع. وقيل: ~~هو نصب على التمييز، وهو جائز، وتقديره نخرجكم أطفالا، وقيل الطفل الى ~~قبل مقاربة البلوغ. # وقوله { ثم لتبلغوا أشدكم } يعني وقت كمال عقولكم وتمام خلقكم. وقيل: ~~وقت الاحتلام والبلوغ، وهو جمع (شد). والأشد فى غير هذا الموضع قد بينا ~~اختلاف المفسرين فيه. وقوله { ومنكم من يتوفى } يعني قبل بلوغ الاشد. ~~وقيل: قبل أن يبلغ أرذل العمر { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } وقيل ~~معناه أهونه واخسه عند أهله. وقيل: احقره. وقيل هي حال الخرف. وانما قيل: ~~ارذل العمر، لان الانسان لا يرجو بعده صحة وقوة، وانما يترقب الموت ~~والفناء، بخلاف حال الطفولية، والضعف الذي يرجو معها الكمال والتمام ~~والقوة، فلذلك كان أرذل العمر. # وقوله { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } معناه إنا رددناه الى أرذل العمر ~~لكي لا يعلم، لأنه يزول عقله من بعد أن كان عاقلا عالما بكثرة من ~~الاشياء، ينسا جميع ذلك. # وقوله { وترى الأرض هامدة } اي دارسة داثرة يابسة، يقال: همد يهمد ~~همودا إذا درسته ودثرته. قال الاعشى: # قالت فتيلة ما لجسمك شاحبا # وأرى ثيابك باليات همدا # وقوله تعالى { فإذا أنزلنا عليها الماء } يعني الغيث والمطر { اهتزت ~~وربت } فالاهتزاز شدة الحركة فى الجهات. والربو الزيارة فيها اي تزيد بما ~~يخرج منها من النبات، وتهتز بما يذهب فى الجهات { وانبتت } يعني الارض { ~~من كل زوج بهيج } فالبهيج الحسن الصورة، الذي يمتع فى الرؤية. وقال ~~الزجاج: (ربت) و (ربأت) لغتان. وقال الفراء: ان ذهب ابو جعفر فى قراءته ~~(ربأت) الى انه من الربئة التي تجر بين الناس، فهو مذهب. وإلا فهو غلط، ~~ويلغط العرب كقولهم: حلأت السويق، ولبأت بالحج، ms2521 ورثأت الميت. وقد قرأ ~~الحسن البصري فى يونس { ولا أدرأكم به } وهو مما يرخص فى القراءة. ### || [22.6-10] # يقول الله تعالى ان الذي ذكرناه انما دللنا به لتعلم ان { الله هو الحق ~~} وانه الواحد الذي لا يستحق العبادة سواه، ومن اعتقده كذلك، فمعتقده على ~~ما هو به، وهو محق، والحق هو ما كان معتقده على ما أعتقده { وأنه يحيي ~~الموتى } لأن من قدر على انشاء الخلق إبتداء ونقله من حال الى حال على ما ~~وصف، فانه يقدر على إعادته حيا بعد كونه ميتا، ويعلم ايضا انه قادر ~~على كل ما يصح أن يكون مقدورا له، واصل الوصف بالحق من قولهم: حقه يحقه ~~حقا، وهو نقيض الباطل. والفرق بين الحق والعدل أن العدل جعل الشيء على ~~قدر ما تدعوا اليه الحكمة، والحق فى الأصل جعل الشيء لما هو له في ما ~~تدعو اليه الحكمة غير انه نقل الى معنى مستحق لصفات التعظيم، فالله تعالى ~~لم يزل حقا أي انه لم يزل مستحقا لمعنى صفة التعظيم بأنه الاله الواحد ~~الذي هو على كل شيء قدير. # ثم اخبر تعالى ان فى جملة الناس من يخاصم { ويجادل في الله } وصفاته { ~~بغير علم } بل للجهل المحض { ولا هدى } أي ولا حجة { ولا كتاب منير } أي ~~ولا حجة كتاب ظاهر، وهذا يدل ايضا على ان الجدال بالعلم صواب، وبغير ~~العلم خطأ، لأن الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق، وبغير العلم يدعو ~~الى الاعتقاد بالباطل، ولذلك قال تعالى # وجادلهم بالتي هي أحسن # وقوله { ثاني عطفه } نصب على الحال يعني الذي يجادل بغير علم يثني عطفه. ~~قال مجاهد وقتادة: يلوي عنقه كبرا. وقيل انها: نزلت فى النضر بن الحارث ~~ابن كلدة - ذكره ابن عباس -. # وقوله { ليضل عن سبيل الله } من فتح الياء، معناه يفعل هذا ليضل عن طريق ~~الحق المؤدي الى توحيد الله. ومن ضم الياء اراد انه يفعل ذلك ليضل غيره. # ثم اخبر تعالى ان من هذه صفته { له في الدنيا خزي } وأنه يذيقه { عذاب ~~الحريق } يوم القيامة ms2522 أي العذاب الذي يحرق بالنار. ثم قال { ذلك بما قدمت ~~يداك } أي يقول الله تعالى عند نزول العذاب به { ذلك بما قدمت يداك وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد } ومعناه إن ما يفعل بالظالم نفسه من عذاب الحريق ~~جزاء على ما كسبت يداه، فذكر اليدين مبالغة في إضافة الجرم اليه، وهذا ~~يدل على أن ذكر اليدين قد يكون لتحقيق الاضافة. وقوله { وإن الله } اي ~~ولان الله { ليس بظلام للعبيد } وإنما ذكره بلفظ المبالغة، وإن كان لا ~~يفعل القليل من الظلم لامرين: # احدهما - انه خرج مخرج الجواب للمجبرة، وردا عليهم، لأنهم ينسبون كل ~~ظلم في العالم اليه تعالى، فبين أنه لو كان، كما قالوا لكان ظلاما وليس ~~بظالم. # والثاني - أنه لو فعل أقل قليل الظلم لكان عظيما منه، لانه يفعله من ~~غير حاجة اليه، فهو أعظم من كل ظلم فعله فاعله لجاجته اليه. ### || [22.11-16] # قرأ ابن عامر وابو عمرو، ورويس، وورش { ثم ليقطع } ثم # ليقضوا # - بسكون اللام - فيهما، ووافقهم قنبل فى { ثم ليقضوا }. الباقون بسكون ~~اللام. # معنى قوله { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي فى الناس من يوجه ~~عبادته إلى الله على ضعف في العبادة، كضعف القيام على حرف جرف، وذلك من ~~اضطرابه فى استيفاء النظر المؤدي الى المعرفة. فأدنى شبهة تعرض له ينقاد ~~لها، ولا يعمل فى حلها. والحرف والطرف والجانب نظائر. والحرف منتهى ~~الجسم، ومنه الانحراف الانعدال الى الجانب. وقلم محرف قد عدل بقطعته عن ~~الاستواء إلى جانب، وتحريف القول هو العدول به عن جهة الاستواء، فالحرف ~~معتدل الى الجانب عن الوسط. وقال مجاهد: معنى على حرف على شك. وقال ~~الحسن: يعبد الله على حرف يعني المنافق يعبده بلسانه دون قلبه. وقيل على ~~حرف الطريقة لا يدخل فيها على تمكين. # وقوله { فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه } قال ~~ابن عباس: كان بعضهم إذا قدم المدينة فان صح جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا ~~وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأن اليه، وإن اصابه وجع المدينة، ms2523 وولدت ~~امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، قال ما اصبت منذ كنت على ديني هذا إلا ~~شرا. وكل ذلك من عدم البصيرة. وقيل: انها نزلت في بني أسد كانوا نزلوا ~~حول المدينة. و { الفتنة } - ها هنا - معناه المحنة بضيق المعيشة، وتعذر ~~المراد من أمور الدنيا. # ثم اخبر الله تعالى أن من هذه صفته على خسران ظاهر، لانه يخسر الجنة، ~~وتحصل له النار. ثم اخبر عن من ذكره انه { يدعو من دون الله ما لا يضره ~~وما لا ينفعه } يعني الاصنام والاوثان، لانها جماد لا تضر ولا تنفع، فانه ~~يعبدها دون الله. ثم قال تعالى { ذلك هو الضلال البعيد } يعني عبادة ما ~~لا يضر ولا ينفع من العدول عن الصواب، والانحراف عن الطريقة المستقيمة ~~الى البعيد عن الاستقامة. و " ذلك " فى موضع نصب ب { يدعو } ومعناه ~~(الذي) كأنه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعوه. وقوله { يدعو لمن } ~~مستأنف على ما ذكره الزجاج. وقوله { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } يعني ~~يدعو هذه الاصنام التي ضررها أقرب من نفعها، لان الضرر بعبادتها عذاب ~~النار، والنفع ليس فيها. وإنما جاز دخول اللام في { لمن ضره } لأن { يدعو ~~} معلقة، وإنما هي تكرير للأولى، كأنه قال: يدعو - للتأكيد - للذي ضره ~~أقرب من نفعه يدعو. ثم حذفت { يدعو } الأخيرة اجتزاء بالأولى. ولا يجوز ~~قياسا على ذلك ضربت لزيد، ولو قلت بدلا من ذلك يضرب لمن خيره اكثر من ~~شره يضرب، ثم حذفت الخبر جاز. # والعرب تقول عندي لما غيره هو خير منه، كأنه قال للذي غيره خير منه ~~عندي، ثم حذف الخبر من الثاني، والابتداء من الاول، كأنه قال عندي شيء ~~غيره خير منه وعلى هذا يقال: اعطيك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. ~~وقيل: في خبر (لمن ضرره) أنه { لبئس المولى }. وقيل: يدعو بمعنى يقول. ~~والخبر محذوف. وتقديره يقول لمن ضره أقرب من نفعه: هو آلهة، قال عنترة: # يدعون عنتر والرماح كأنها # أشطان بئر في لبان الأدهم # اي يقولون يا عنتر، وقيل تقدر اللام التأخر، ms2524 وإن كانت متقدمة. والمعنى ~~يدعو من لضره أقرب من نفعه. # وقوله { لبئس المولى ولبئس العشير } فالمولى هو الولي، وهو الناصر الذي ~~يولي غيره نصرته إلا أنها نصرة سوء، والعشير الصاحب المعاشر أي المخالط - ~~فى قول ابن زيد - وقال الحسن: المولى - ها هنا - الولي. وقيل: ابن العم ~~اي بئس القوم لبني عمهم بما يدعونهم اليه من الضلال. وقيل: اللام لام ~~اليمين، والتقدير يدعو وعزتي لمن ضره أقرب من نفعه. # ثم اخبر تعالى انه { يدخل الذين آمنوا } بالله وأقروا بواحدانيته وصدقوا ~~رسله { وعملوا } الاعمال { الصالحات } التي امرهم بها { جنات } أي بساتين ~~{ تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد } من ذلك لا اعتراض عليه ~~فى ذلك. # ثم قال { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب ~~إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } فالهاء في قوله { ~~ينصره الله } قال ابن عباس وقتادة: عائدة الى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم)، والمعنى من كان يظن أن الله لا ينصر نبيه ولا يعينه على عدوه، ~~ويظهر دينه فليمت غيظا. والنصرة المعونة - فى قول قتادة - وقال مجاهد ~~والضحاك: أن الكناية عائدة الى (من) والمعنى إن من ظن أن لا ينصره الله. ~~وقال ابن عباس: النصرة - ها هنا - الرزق. والمعنى من ظن ان الله تعالى لا ~~يرزقه، والعرب تقول: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. وقال ~~الفقعسي: # وإنك لا تعط امرءا فوق حظه # ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره # اي معطيه وجايده، ويقال نصر الله أرض فلان أي جاد عليها بالمطر وقوله { ~~فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع } قيل في معنى { السماء } قولان: # احدهما - قال ابن عباس: اراد سقف البيت. والسبب الحبل. وقال ابن زيد: ~~الى السماء سماء الدنيا والسبب المراد به الوحي الى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) { ثم ليقطع } الوحي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمعنى من ظن ~~أنه لا يرزقه الله على وجه السخط لما اعطى { فليمدد } بحبل الى سماء بيته ~~واضعا ms2525 له في حلقه، على طريق كيد نفسه ليذهب غيظه به. # وهذا مثل ضربه الله لهذا الجاهل. والمعنى مثله مثل من فعل بنفسه هذا، ~~فما كان إلا زائدا فى بلائه. وقيل: هذا مثل رجل وعدته وعدا، ووكدت على ~~نفسك الوعد، وهو يراجعك. لا يثق بقولك له، فتقول له: فاهب فاختنق، يعني ~~اجهد جهدك فلا ينفعك، وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين نفروا من اتباع ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) خيفة من المشركين يخشون أن لا يتم له أمره. # وقرأ ابن مسعود { يدعو من ضره أقرب من نفعه } بلا لام. الباقون باثبات ~~اللام، ووجهه أن (من) كلمة لا يبين فيها الاعراب فاستجازوا الاعتراض ~~باللام دون الاسم الذي يبين فيه الاعراب، ولذلك قالت العرب: عندي لما ~~غيره خير منه. وقد يجوز أن يكون { يدعو } الثانية من صلة الضلال البعيد، ~~ويضمر في يدعو الهاء. ثم يستأنف الكلام باللام. ولو قرئ بكسر اللام كان ~~قويا. قال الفراء: كأن يكون المعنى يدعو الى ما ضره أقرب من نفعه، كما ~~قال تعالى # الحمد لله الذي هدانا لهذا # أي الى هذه إلا انه لم يقرأ به احد. # وقوله { وكذلك أنزلناه } اي مثل ما ذكرنا من الادلة الواضحة أنزلناه { ~~آيات } واضحات، لان { الله يهدي من يريد } منه فعل الطاعات ويدله عليها. ### || [22.17-22] # اقسم الله تعالى لأن { إن } يتلقى بها القسم، فأقسم تعالى { إن الذين ~~آمنوا } بالله وصدقوا بوحدانيته وصدقوا أنبياءه { والذين هادوا } يعني ~~اليهود { والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا } مع الله غيره { إن ~~الله يفصل بينهم يوم القيامة } فخبر { إن الذين آمنوا } قوله { إن الله ~~يفصل } فدخل { إن } على الخبر تأكيدا، كما يقول القائل: إن زيدا إن ~~الخير عنده لكثير، وقال جرير: # إن الخليفة ان الله سربله # سربال ملك به ترجى الخواتيم # وقال الفراء لا يجوز أن تقول: إن زيدا انه صائم لاتفاق الاسمين. قال ~~الزجاج: يجوز ذلك، وهو جيد بالغ. ومعنى قوله { يفصل بينهم } يعني إن الله ~~يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر الى ms2526 العلم بصحة الصحيح ~~ويبيض وجه المحق، ويسود وجه المبطل. والفصل هو التمييز بين الحق والباطل. ~~وإظهار احدهما من الآخر. # وقوله { إن الله على كل شيء شهيد } أي عالم بما من شأنه أن يشاهد، فالله ~~تعالى يعلمه قبل أن يكون، لأنه علام الغيوب. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه ~~وسلم) والمراد به جميع المكلفين فقال { ألم تر } ومعناه ألم تعلم { أن ~~الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض } من العقلاء. ويسجد له { ~~الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب } فسجود الجماد هو ما فيه من ذلة الخضوع التي تدعو العارفين ~~الى السجود، سجود العبادة لله المالك للامور، وسجود العقلاء هو الخضوع له ~~تعالى والعبادة له. وقوله { من في السماوات ومن في الأرض } وإن كان ظاهره ~~العموم، فالمراد به الخصوص إذا حملنا السجود على العبادة والخضوع، لأنا ~~علمنا أن كثيرا من الخلق كافرون بالله تعالى. فلذلك قال { وكثير من ~~الناس وكثير حق عليه العذاب } ارتفع { كثير } بفعل مقدر، كأنه قال { ~~وكثير } أبى السجود، ف { حق عليه العذاب } دل عليه، لانهم يستحقون ~~العقاب بجحدهم وحدانية الله، وإشراكهم معه غيره. وقيل: سجود كل شيء - سوى ~~المؤمنين - سجود ظله حين تطلع الشمس وحين تغيب - فى قول مجاهد - كأنه ~~يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس فى دورها عليه سجودا. # وقوله { وكثير حق عليه العذاب } يعني لا بائه السجود. وقيل: بل هو يسجد ~~بما يقتضيه عقله من الخضوع، وإن كفر بغير ذلك من الامور، وأنشدنا في ~~السجود بمعنى الخضوع قول الشاعر: # بجمع تضل البلق في حجراته # ترى الاكم فيها سجدا للحوافر # وقوله { ومن يهن الله فما له من مكرم } معناه من يهنه الله بالشقوة ~~بادخاله جهنم { فما له من مكرم } بالسعادة بادخاله الجنة، لأنه الذي يملك ~~العقوبة والمثوبه { إن الله يفعل ما يشاء } يعني يكرم من يشاء، ويهين من ~~يشاء إذا استحق ذلك. # وقوله { هذان خصمان } يعنى الفريقين من المؤمنين والكفار يوم بدر، وهم ~~حمزة بن عبد ms2527 المطلب قتل عتبة بن أبي ربيعة، وعلي بن أبي طالب (ع) قتل ~~الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة - فى قول ابي ذر - ~~وقال ابن عباس: هم اهل الكتاب، وأهل القرآن. وقال الحسن ومجاهد وعطاء: هم ~~المؤمنون والكافرون { اختصموا في ربهم } لان المؤمنين قالوا بتوحيد الله ~~وأنه لا يستحق العبادة سواه. والكفار اشركوا معه غيره، وانما جمع قوله { ~~اختصموا } لأنه أراد ما يختصون فيه او أراد بالخصمين القبيلتين وخصومهم. ~~ثم قال تعالى { فالذين كفروا } بالله وجحدوا وحدانيته { قطعت لهم ثياب من ~~نار } ومعناه إن النار تحيط بهم كاحاطة الثياب التي يلبسونها. و { يصب من ~~فوق رؤسهم الحميم } روي في خبر مرفوع: انه يصب على رؤسهم الحميم، فينفذ ~~الى أجوافهم فيسلب ما فيها. والحميم الماء المغلي. وقيل: ثياب نحاس من ~~نار تقطع لهم، وهي أشد ما يكون حمى. وقوله { يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود } فالصهر الاذابة. والمعنى يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤسهم ~~ما في بطونهم من الشحوم وتساقط من حره الجلود. تقول: صهرت الالية بالنار ~~إذا أذبتها، أصهرها صهرا قال الشاعر: # تروي لقى ألقي في صفصف # تصهره الشمس فما ينصهر # يعني ولدها، وتروي معناه أن تحمل له الماء في حوصلتها، فتصير له رواية ~~كالبعير الذي يحمل عليه الماء، يقال: رويت للقوم إذا حملت لهم الماء. ~~واللقي كل شيء ملقى من حيوان او غيره، وقال الآخر: # شك السفافيد الشواء المصطهر # وقوله تعالى { ولهم مقامع من حديد } فالمقامع جمع مقمعة، وهي مدقة ~~الرأس. ومثله المنقفة، قمعه قمعا إذا ردعه عن الأمر. فالزبانية بأيديهم ~~عمد من حديد يضربون بها رؤسهم إذا أرادوا الخروج من النار من الغم الذي ~~يلحقهم، والعذاب الذي ينالهم ردوا بتلك المقاطع فيها وأعيدوا الى حالتهم ~~التي كانوا فيها من العقاب. وقيل: يرفعهم زفيرها حتى إذا كادوا أن يخرجوا ~~منها ضربوا بالمقامع، حتى يهووا فيها. وقيل: لهم ذوقوا عذاب الحريق، ~~فالذوق طلب ادراك الطعم، فهو اشد لاحساسه عند تفقده وطلب ادراك طعمه. ~~فأهل النار يجدون ms2528 ألمها وجدان الطالب لادراك الشيء، والحريق الغليظ من ~~النار المنتشر العظيم الاهلاك. وقيل: هو بمعنى محرق كأليم بمعنى مؤلم، ~~فهؤلاء أحد الخصمين، والآخرون هم المؤمنون الذين وصفهم في الآية بعدها. ### || [22.23-25] # ثلاث آيات قرأ نافع وأبو بكر { ولؤلؤا } بالنصب. الباقون بالجر. # لما حكى الله تعالى أمر الخصمين اللذين يختصمان، من الكفار، والمؤمنين. ~~ثم بين ما للكفار من عذاب النار، وإصهار ما في بطونهم، والمقامع من ~~الحديد، وغير ذلك، بين ما للمؤمنين، وهم الفريق الآخر فى هذه الآية، ~~فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا } بالله وأقروا بواحدانيته، وصدقوا ~~رسله { وعملوا } الاعمال { الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون ~~فيها } أي يلبسون الحلي { من أساور من ذهب } والأساور جمع أسوار، وفيه ~~ثلاث لغات اسوار - بالالف - وسوار وسورا. فمن جعله أسوار، جمعه على ~~أساورة. ومن جعله سورا، وسورا، جمعه أسورة. وفى قراءة عبد الله " ~~أساوير " واحدها إسوار أيضا، وسوار وأساور، مثل كراع وأكارع، وجمع ~~الاسورة سورا { ولؤلؤا } فمن جره عطفه على { من ذهب } وتقديره: يحلون ~~أساور من ذهب ولؤلئ، ومن نصبه عطفه على الموضع، لأن { من } وما بعدها في ~~موضع نصب، فعطف { ولؤلؤا } على الموضع، وتقديره: ويحلون لؤلوا. وقد روي ~~عن عاصم همز الاولى وتليين الثانية. وروي ضده، وهو تليين الأولى وهمز ~~الثانية. الباقون يهمزونهما. وكل ذلك جائز فى العربية. واللؤلؤ الكبار، ~~والمرجان الصغار. ويجوز أن يكون اللؤلؤ مرصعا في الذهب، فلذلك قال: ~~يحلون لؤلؤا وقوى القراءة بالنصب أنه فى المصاحف مكتوبا بالالف، قال ~~ابو عمرو: كتب كذلك، كما كتبوا كفروا بالألف. # ثم اخبر ان لباسهم فى الجنة حرير، فحرم الله على الرجال لبس الحرير في ~~الدنيا وشوقهم اليه فى الآخرة. ثم قال { وهدوا } يعني أهل الجنة الى ~~الصواب من القول. قال الجبائي: هدوا الى البشارات من عند الله بالنعيم ~~الدائم. وقيل: معناه الى القرآن. وقيل: الى الايمان. وقال الكلبى الى ~~قول: لا إله إلا الله. وقال قوم: هو القول الذي لا فحش فيه، ولا صخب { ~~وهدوا إلى صراط الحميد } قيل: الى الاسلام ms2529 وقيل: الى الجنة. فالحميد هو ~~الله المستحق الحمد. وقيل: المستحمد الى عباده بنعمه - في قول الحسن - أي ~~الطالب منهم أن يحمدوه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال # " ما احد أحب اليه الحمد من الله - عز وجل - ". # ثم قال تعالى { إن الذين كفروا } بوحدانيته واختصاصه بالعبادة. { ويصدون ~~} أي ويمنعون غيرهم { عن } اتباع { سبيل الله } بالقهر والاغواء { ~~والمسجد الحرام } أي ويمنعونهم عن المسجد الحرام أن يجيئوا اليه حجاجا ~~وعمارا { الذي } جعله الله تعالى { للناس } كافة قبلة لصلاتهم ومنسكا ~~لحجهم، والمراد بالمسجد الحرام المسجد بقبة. وقيل الحرم كله { سواء ~~العاكف فيه والباد } قال ابن عباس وقتادة: العاكف المقيم فيه، والباد ~~الطارئ. ونصب { سواء } حفص عن عاصم على انه مفعول ثان من قوله { جعلناه ~~للناس سواء } أي مساويا، كما قال # إنا جعلناه قرآنا عربيا # ويرتفع (العاكف) في هذه القرءاة بفعله أي يستوي العاكف والبادي. ومن رفع ~~{ سواء } جعله ابتداءا وخبرا، كما تقول: مررت برجل سواء عنده الخير ~~والشر، وتقديره العاكف والبادي سواء فيه بالنزول فيه. وقال مجاهد: معناه ~~إنهم سواء في حرمته وحق الله عليهما فيه. واستدل بذلك قوم على أن أجرة ~~المنازل فى أيام الموسم محرمة، وقال غيرهم: هذا ليس بصحيح، لان المراد به ~~سواء العاكف فيه والباد، فى ما يلزمه من فرائض الله تعالى فيه، فليس لهم ~~أن يمنعوه من الدور، والمنازل، فهي لملاكها. وهو قول الحسن. وانما عطف ~~بالمستقبل على الماضي من قوله { كفروا، ويصدون } لان المعنى ومن شأنهم ~~الصد، ونظيره # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله # ويجوز فى { سواء } الرفع والنصب والجر، فالنصب على أن يكون المفعول ~~الثاني ل { جعلناه } على ما بيناه، والرفع على تقدير: هم سواء فيه. ~~والجر على البدل من قوله { للناس سواء }. # وقوله { ومن يرد فيه بالحاد بظلم } معناه من أرادته فيه بالحاد كما قال ~~الشاعر: # اريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # ذكره الزجاج. والباء في قوله { بإلحاد } مؤكدة. والباء فى قوله { بظلم } ~~للتعدية، ومثله قول الشاعر: # بواد يمان ينبت ms2530 الشث صدره # واسفله بالمرخ والشبهان # والمعنى ينبت المرخ. ومثله قوله # تنبت بالدهن # أي تنبت الدهن. وقال الاعشى: # ضمنت برزق عيالنا أرماحنا # نيل المراجل والصريح الأجردا # وقال امرؤ القيس: # ألا هل أتاها والحوادث جمة # بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا # وقال الآخر: # فلما جزت بالشرب هز لها العصا # شجيح له عند الازاء نهيم # وقال الآخر: # ألم يأتيك والابناء تنمى # بما لاقت لبون بني زياد # ويجوز ان يكون المعنى، ومن يرد فيه منعا { بإلحاد } أي يميل بظلم، ~~فتكون حينئذ معدية للارادة، وذلك انه يمكن أن يريد منعا لا بالحاد، كما ~~يمكن أن يميل لا بظلم، وكما يمكن أن يمر لا بشيء. وقال ابن عباس: المعنى ~~فيه من يرد استحلال ما حرم الله. و (الالحاد) هو الميل عن الحق. # وقوله { نذقه من عذاب أليم } يعني مؤلم. وحكى الفراء: انه قرئ { ومن يرد ~~} بفتح الياء - من الورود، ومعناه من ورده ظلما على غير ما أمر الله به، ~~إلا انه شاذ. وقال مجاهد: معناه من ظلم فيه وعمل شينا واشرك بالله غيره. ~~وقال ابن مسعود: من استحل ما حرمه الله. وقال ابن عباس: هو استحلال الحرم ~~متعمدا. وقال حسان بن ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. # وقيل نزلت فى ابي سفيان وأصحابه، حين صدوا رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) عن عمرة الحديبية. ### || [22.26-30] # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد { إذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت } ومعناه جلعنا له علامة يرجع اليها. وقال قوم: معنى ~~بوأنا وطأنا له. وقال السدي: كانت العلامة ريحا هبت، فكشف حول البيت، ~~يقال لها الحجوج. وقال قوم: كانت: سحابة تطوقت حيال الكعبة، فبنى على ~~ظلها. واصل بوأنا من قوله { باؤا بغضب من الله } أي رجعوا بغضب منه. ومنه ~~قول الحارث بن عباد (بؤ بشسع كليب) أي ارجع، قال الشاعر: # فان تكن القتلى بواء فانكم # فتى ما قتلتم آل عوف ابن عامر # اي قد رجع بعضها ببعض فى تكافئ. وتقول: بوأته منزلا أي جعلت له منزلا ~~يرجع اليه، ms2531 والمكان والموضع والمستقر نظائر. والبيت مكان مهيأ بالبناء ~~للبيتوتة، فهذا اصله. وجعل البيت الحرام على هذه الصورة. وقوله { ألا ~~تشرك بي شيئا } معناه وأمرناه ألا تشرك بي شيئا في العبادة { وطهر بيتي ~~} قال قتادة: يعني من عبادة الاوثان. وقيل: من الادناس. وقيل من الدماء، ~~والفرث، والاقذار التى كانت ترمى حول البيت، ويلطخون به البيت إذا ذبحوا. # وقوله { للطائفين } يعني حول البيت { والقائمين والركع السجود } يعني ~~طهر حول البيت للذين يقومون هناك للصلاة والركوع والسجود. وقال عطاء: ~~والقائمين في الصلاة. وإذا قال: طاف، فهو من الطائفين، وإذا قعد، فهو من ~~العكف، وإذا صلى، فهو من الركع السجود. # وفى الآية دلالة على جواز الصلاة في الكعبة. # وقوله { وأذن في الناس بالحج } قال الحسن: والجبائي: هو أمر للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أن يؤذن للناس بالحج ويأمرهم به، وانه فعل ذلك في حجة ~~الوداع. وقال ابن عباس: ان إبراهيم قام في المقام، فنادى (يا أيها الناس ~~إن الله قد دعاكم الى الحج) فأجابوا (بلبيك اللهم لبيك). # وقوله { يأتوك رجالا } أي مشاة على أرجلهم، فرجال جمع راجل مثل صاحب ~~وصحاب، وقائم وقيام { وعلى كل ضامر } أي على كل جمل ضامر، وهو المهزول، ~~أضمره السير { من كل فج عميق } أي طريق بعيد، قال الراجز: # يقطعن بعد النازح العميق # وإنما قال { يأتين } لانه في معنى الجمع. وقيل: لأن المعنى وعلى كل ناقة ~~ضامر. وقوله { ليشهدوا منافع لهم } قيل الأجر والثواب في الآخرة، ~~والتجارة في الدنيا. وقال أبو جعفر (ع): المغفرة. وقوله { ويذكروا اسم ~~الله في أيام معلومات } قال الحسن وقتادة: الأيام المعلومات عشر من ذي ~~الحجة، والأيام المعدودات أيام التشريق. وقال ابو جعفر (ع) الأيام ~~المعلومات أيام التشريق، والمعدودات العشر، لأن الذكر الذي هو التكبير في ~~أيام التشريق. وانما قيل لهذه الأيام: معدودات، لقلتها. وقيل لتلك: ~~معلومات، للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها. # وقوله { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني مما يذبح من الهدي. # وقال ابن عمر: الأيام المعلومات أيام التشريق، ms2532 لأن الذبح فيها الذي قال ~~الله تعالى { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام }. وقوله { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } قال مجاهد وعطاء: ~~أمرنا بأن نأكل من الهدي وليس بواجب. وهو الصحيح، غير انه مندوب اليه. ~~والبائس الذي به ضر الجوع، والفقير الذي لا شيء له، يقال: بؤس فهو بائس ~~إذا صار ذا بؤس، وهو الشدة. أمر الله تعالى أن يعطى هؤلاء من الهدي. # وقوله { ثم ليقضوا تفثهم } فالنفث مناسك الحج، من الوقوف، والطواف، ~~والسعي، ورمي الجمار، والحلق بعد الاحرام من الميقات. وقال ابن عباس وابن ~~عمر: التفث جمع المناسك. وقيل التفث قشف الاحرام، وقضاؤه بحلق الرأس، ~~والاغتسال، ونحوه. قال الازهري: لا يعرف التفث في لغة العرب إلا من قول ~~ابن عباس. # وقوله { وليوفوا نذورهم } أي يوفوا بما نذروا، من نحر البدن - فى قول ~~ابن عباس - وقال مجاهد: كل ما نذر في الحج. وقرأ أبو بكر عن عاصم { ~~وليوفوا } مشدة الفاء، ذهب إلى انه التكبير. وقوله { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } أمر من الله تعالى بالطواف بالبيت. قال ابن زيد: سمي البيت ~~عتيقا، لانه أعتق من ان تملكه الجبابرة عن آدم. وقيل: لأنه اول بيت بني. ~~كقوله تعالى # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا # ثم حدده إبراهيم (ع). وقيل: لانه أعتق من الغرق أيام الطوفان، فغرقت ~~الارض كلها إلا موضع البيت، روي عن أبي جعفر (ع). والطواف المأمور به من ~~الله فى هذه الآية، قال قوم: هو طواف الافاضة بعد التعريف إما يوم النحر، ~~وإما بعده، وهو طواف الزيارة، وهو ركن بلا خلاف. وروى أصحابنا ان المراد ~~- ها هنا - طواف النساء الذي يستباح به وطؤ النساء، وهو زيادة على طواف ~~الزيارة. # وقوله { ذلك ومن يعظم حرمات الله } بأن يترك ما حرمه الله. وقوله { ~~وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم } يعني إلا ما يتلى عليكم فى كتاب ~~الله: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، ~~وما أكل السبع، وما ذبح على النصب. وقيل: واحلت ms2533 لكم الانعام، من الابل، ~~والبقر، والغنم، فى حال إحرامكم { إلا ما يتلى عليكم } من الصيد، فانه ~~يحرم على المحرم. # وقوله { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } معنى { من } لتبيين الصفة، ~~والتقدير فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. وروى أصحابنا أن المراد به ~~اللعب بالشطرنج، والنرد، وسائر انواع القمار { واجتنبوا قول الزور } يعني ~~الكذب. وروى اصحابنا أنه يدخل فيه الغناء وسائر الاقوال الملهية بغير حق. ### || [22.31-35] # قوله { حنفاء } نصب على الحال من الضمير فى قوله { واجتنبوا قول الزور } ~~ومعنى { حنفاء } مستقيمي الطريقة، على أمر الله. وأصل الحنف الاستقامة. ~~وقيل للمائل القدم: أحنف تفاؤلا بالاستقامة. وقيل: أصله الميل. والحنيف ~~المائل الى العمل بما أمر الله، والأول أقوى، لأنه أشرف فى معنى الصفة. ~~وقوله { غير مشركين به } أي غير مشركين بعبادة الله غيره. والاشراك تضييع ~~حق عبادة الله بعبادة غيره. أو ما يعظم عظم عبادة غيره، وكل مشرك كافر، ~~وكل كافر مشرك. ثم قال تعالى { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء } أي ~~من أشرك بعبادة الله غير الله، كان بمنزلة من وقع من السماء، { فتخطفه ~~الطير } أي تتناوله بسرعة وتستلبه. والاختطاف والاستلاب واحد. يقال: خطفه ~~يخطفه خطفا، وتخطفه تخطفا إذا أخذه من كل جهة بسرعة. وقرا ابن عامر { ~~فتخطفه } بتشديد الطاء، بمعنى فتختطفه، فنقل فتحة الطاء الى الخاء، وأدغم ~~التاء في الطاء. الباقون بالتخفيف، وهو الاقوى لقوله # إلا من خطف الخطفة # وقوله { أو تهوي به الريح في مكان سحيق } والسحيق البعيد. والمعنى أن من ~~أشرك بالله غيره كان هالكا بمنزلة من زل من السماء، واستلبه الطير ورمى ~~به الريح فى مكان بعيد، فانه لا يكون إلا هالكا. وقيل: شبه المشرك بحال ~~الهاوي فى أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا يوم القيامة. وقيل: شبه ~~أعمال الكفار أنها تذهب فلا يقدر على شيء منها - فى قول الحسن - وقوله { ~~ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } قال سيبويه: تقديره ذلك ~~الأمر من يعظم، قالشعائر علامات مناسك الحج كلها، منها رمي الجمار، ~~والسعي بين الصفا والمروة ms2534 وغير ذلك - فى قول ابن زيد - وقال مجاهد: هي ~~البدن، وتعظيمها استسمانها واستحسانها. والشعيرة العلامة التي تشعر بها، ~~لما جعلت له، وأشعرت البدن إذا علمتها بما يشعر أنها هدي. # وقوله { فإنها من تقوى القلوب } فالكناية في قوله { فإنها } تعود الى ~~التعظيم. ويجوز أن تعود الى الخصلة من التعظيم. وقيل: شعائر الله دين ~~الله. وقوله { فإنها من تقوى القلوب } معناه إن تعظيم الشعائر من تقوى ~~القلوب أي من خشيتها. # ثم قال { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى } قال ابن عباس، ومجاهد: ذلك ما ~~لم يسم هديا او بدنا. وقال عطاء: ما لم يقلد، وقيل: منافعها ركوب ظهرها ~~وشرب ألبانها إذا احتاج اليها. وهو المروي عن ابي جعفر (ع). وقوله { إلى ~~أجل مسمى } قال عطاء بن ابي رياح: الى أن تنحر. وقيل: المنافع التجارة. ~~وقيل: الأجر، وقيل: جميع ذلك. وهو أعم فائدة. # وقوله { ثم محلها إلى البيت العتيق } معناه إن محل الهدي والبدن الى ~~الكعبة. # وعند اصحابنا: إن كان الهدي فى الحج، فمحله منى، وإن كان في العمرة ~~المفردة، فمحله مكة قبالة الكعبة بالخرورة. وقيل: الحرم كله محل لها، ~~والظاهر يقتضي أن المحل البيت العتيق، وهو الكعبة. وقال قوم { إلى أجل ~~مسمى } يعني يوم القيامة. # ثم اخبر تعالى انه جعل لكل أمة من الامم السالفة منسكا. وقرأ حمزة ~~والكسائي { منسكا } بكسر السين. الباقون بالفتح، وهما لغتان، وهو المكان ~~للعبادة المألوفة الذي يقصده الناس. وقال الحسن: المنسك المنهاج وهو ~~الشريعة جعل الله لكل أمة من الامم السالفة منسكا أي شريعة. كقوله # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه # وقال مجاهد " منسكا " يعني عبادة فى الذبح، والنسكة الذبيحة. يقال: نسكت ~~الشاة أي ذبحتها فكأنه المذبح، وهو الموضع الذي يذبح فيه. وقال محمد بن ~~ابي موسى: محل المناسك الطواف بالبيت. # وقوله { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } أي جعلنا ذلك ~~للامم وتعبدناهم به { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ~~يعني من الابل والبقر والغنم إذا ارادوا تذكيتها. وفي ذلك دلالة ms2535 على وجوب ~~التسمية عند الذبيحة. # ثم اخبر تعالى فقال { فإلهكم إله واحد } أي معبودكم الذي ينبغي أن ~~توجهوا العبادة اليه واحد لا شريك له { فله اسلموا } أي استسلموا { وبشر ~~المخبتين } قال قتادة: يعنى المتواضعين. وقال مجاهد: يعني المطمئنين الى ~~ذكر ربهم. # واشتقاق المخبت من الخبت، وهو المكان المطمئن. وقيل: المنخفض، ومعناهما ~~واحد، ثم وصف تعالى المخبتين، فقال { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ~~والمعنى إذا ذكر ثواب الله، على طاعاته، وعقابه على معاصيه، خافوا عقابه ~~وخشيوا من ترك طاعاته { والصابرين على ما أصابهم } يعني يصبرون على ما ~~يبتليهم الله، من بلائه فى دار الدنيا من أنواع المصائب والأمراض ~~والاوجاع { والمقيمي الصلاة } يعني الذين يقيمون الصلاة، فيؤدونها ~~بحقوقها، ويداومون عليها. { ومما رزقناهم ينفقون } أي مما ملكهم الله ~~وجعل لهم التصرف فيه ينفقون فى مرضاته. # وفى ذلك دلالة على أن الحرام ليس برزق الله. لان الله مدح من ينفق في ~~سبيل الله مما رزقه، والحرام ممنوع من التصرف فيه، والانفاق منه فكيف ~~يكون رزقا. ### || [22.36-40] # قرأ يعقوب { لن تنال الله لحومها ولكن تناله } بالتاء فيهما. الباقون ~~بالياء فيهما. وقد مضى ذكر نظائره. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " أذن " ~~بفتح الالف " يقاتلون " بكسر التاء. وقرأ نافع وحفص " أذن " بضم الألف " ~~يقاتلون " بفتح التاء. وقرأ ابو عمرو، وابو بكر عن عاصم " أذن " بضم ~~الالف " يقاتلون " بكسر التاء. وقرأ ابن عامر " أذن " بفتح الألف " ~~يقاتلون " بفتح التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { إن الله يدفع، ولولا ~~دفع الله } بغير ألف فى الموضعين الباقون " يدافع " ، { ولولا دفاع الله ~~} باثبات الألف في الموضعين. وقرأ أهل الكوفة وإبن كثير وابو جعفر " ~~لهدمت " بتخفيف الدال. الباقون بتشديدها، وهما لغتان. والتشديد للتكثير. # قال الحسن: هدمها تعطيلها، فاذا هدمت مواضع الصلاة فكأنهم هدموا الصلاة. ~~وقيل: إن الصلوات بيوت النصارى، يسمونها صلوتا، وقال أبو العالية ~~الصلوات بيوت الصابئين وانشد: # اتق الله والصلوت فدعها # إن فى الصوم والصلوت فسادا # يريد بيت النصارى ومعنى الصوم - فى البيت - ذرق النعام. # { ودفع الله، ودفاع الله } [لغتان ms2536 والأغلب أن يكون (فعال) بين اثنين. ~~وقد يكون للواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل] وقال ابن عمر: دفاع الله، ~~ويدافع: لحن. ومن فتح الالف فى { أذن } وكسر التاء فى { يقاتلون } ~~فالمعنى أذن الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا من ظلمهم، وكذلك المعنى فى ~~قراءة الباقين. ومعنى { بأنهم ظلموا } أي من أجل انهم ظلموا. # يقول الله تعالى { والبدن جعلناها } فنصب البدن بفعل مضمر يدل عليه { ~~جعلناها } ومثله # والقمر قدرناه # فيمن نصب القمر والبدن جمع بدنة، وهي الابل المبدنة بالسمن. قال الزجاج: ~~يقولون: بدنت الناقة إذا سمنتها. ويقال لها بدنة من هذه الجهة. وقيل: أصل ~~البدن الضخم، وكل ضخم بدن. وبدن بدنا إذا ضخم، وبدن تبدينا، فهو بدن، ~~ثقل لحمه للاسترخاء كما يثقل الضخم. والبدنة الناقة، وتجمع على بدن وبدن. ~~وتقع على الواحد والجمع قال الراجز: # على حين تملك الأمورا # صوم شهور وجبت نذورا # وحلق رأسي وافيا مغضورا # وبدنا مدرعا موفورا # قال عطاء: البدن البقرة والبعير. وقيل: البدنة إذا نحرت علقت يد واحدة، ~~فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر، وعند أصحابنا تشد يداها الى إبطيها، وتطلق ~~رجلاها. والبقر تشد يداها ورجلاها ويطلق ذنبها، والغنم تشد يداها ورجل ~~واحدة وتطلق الرجل الأخرى. # وقوله { جعلناها لكم من شعائر الله } معناه جعلناها لكم فيها عبادة لله ~~بما في سوقها الى البيت وتقليدها بما ينبئ أنها هدي. ثم نحرها للاكل منها ~~واطعام القانع والمعتر. وقيل { من شعائرالله } معناه من معالم الله { لكم ~~فيها خير } أي منافع في دينكم ودنياكم، مثل ما فسرناه. # وقوله { فاذكروا اسم الله عليها صواف } أمر من الله أن يذكر اسم الله ~~عليها إذا إقيمت للنحر، صافة. وصواف جمع صافة، وهي المستمرة في وقوفها ~~على منهاج واحد، فالصف استمرار جسم يلي جسما على منهاج واحد. والتسمية ~~إنما تجب عند نحرها دون حال قيامها. # وقوله { فإذا وجبت جنوبها } معناه وقعت لنحرها، والوجوب الوقوع، ومنه ~~يقال: وجبت الشمس إذا وقعت فى المغيب للغروب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب ~~القلب إذا وقع فيه ما يضطرب به. ووجب الفعل ms2537 إذا وقع ما يلزم به فعله. ~~ووجبت المطالبة إذا وقع ما يدعو الى قبولها. ووجب البيع إذا وقع. وقال ~~أوس ابن حجر: # ألم تكسف الشمس والبدر وال # كواكب للجبل الواجب # أي الواقع، وقرئ " صواف " على ثلاثة أوجه: صواف بمعنى مصطفة، وعليه ~~القراء " وصوافي " بمعنى خالصة لله وهي قراءة الحسن و " صوافن " بمعنى ~~معلقة فى قيامها، بازمتها وهي قراءة ابن مسعود، وهو مشتق من صفن الحصان ~~إذا ثنى احدى يديه حتى قام على ثلاث، ومنه قوله # الصافنات الجياد # قال الشاعر: # الف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # والصافن من الخيل الذي يقوم على ثلاث، ويثني سنبك الرابعة. # وقوله { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } فقال قوم: الاكل والاطعام ~~واجبان. وقال آخرون: الاكل مندوب والاطعام واجب. وقال قوم: لو اكل جميعه ~~جاز، وعندنا يطعم ثلثه، ويعطى ثلثه القانع والمعتر. ويهدي الثلث الباقى. ~~والقانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ~~ان تطعمه من اللحم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المعتر الذي يسأل، ~~والقانع الذي لا يسأل، وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع الذي يسأل قال ~~الشماخ: # لمال المرئ يصلحه فيغني # مفاقره أعف من الفنوع # أي من السؤال. وقال الحسن: المعتر يتعرض، ولا يسأل. وقال مجاهد: القانع ~~جارك الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس. ويقال: قنع الرجل الى فلان ~~قنوعا إذا سأل قال لبيد: # وأعطاني المولى على حين فقره # إذا قال الصبر حلتي وقنوعي # وقنعت بكسر النون اقنع قناعة وقناعا إذا اكتفيت. # وقوله { كذلك سخرناها لكم } أي مثل ذلك ذللنا هذه الأنعام لكم تصرفوها ~~على حسب اختياركم، بخلاف السباع الممتنعة بفضل قوتها، لكي تشكروه على ~~نعمه التي أنعم بها عليكم. # ثم قال تعالى { لن ينال الله لحومها... } والمعنى لن يتقبل الله اللحوم، ~~ولا الدماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها، بأن يوجب فى مقابلتها ~~الثواب. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها، ولا دماؤها، ولكن ينالها التقوى ~~منكم. # ثم قال { كذلك سخرها لكم } يعني الأنعام { لتكبروا ms2538 الله على ما هداكم } ~~أي لتعظموه ثم تشكروه على هدايته إياكم الى معرفته وطريق ثوابه. وقيل: ~~معناه لتسموا الله تعالى على الذباحة. # وقيل: لتكبروا الله فى حال الاحلال بما يليق به في حال الاحرام. # ثم قال تعالى { وبشر المحسنين } يا محمد، الذين يفعلون الأفعال الحسنة ~~وينعمون على غيرهم. # ثم قال { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } أي نصرهم ويدفع عنهم عدوهم، ~~تارة بالقهر، وأخرى بالحجة { إن الله لا يحب كل خوان كفور } إخبار منه ~~تعالى أنه لا يحب الخوان، وهو الذي يظهر النصيحة، ويضمر الغش للنفاق، أو ~~لاقتطاع المال. وقيل: إن من ذكر اسم غير الله على الذبيحة، فهو الخوان، ~~والكفور هو الجحود لنعم الله وغمط آياديه. # ثم اخبر انه { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } قيل: إن هذه الآية نزلت ~~في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من أوطانهم، فلما قووا، أمره الله ~~بالجهاد، وبين أنه أذن لهم في قتال من ظلمهم واخرجهم من أوطانهم. ومعنى { ~~بأنهم ظلموا } أي من أجل أنهم ظلموا. # ثم أخبر أنه { على نصرهم لقدير } ومعناه انه سينصرهم. قال الجبائي: لا ~~فائدة له الا هذا المعنى. # وهذه الآية اول آية نزلت في الأمر بالقتال. # ثم بين حالهم فقال { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } بل ظلما محضا { ~~إلا أن يقولوا ربنا الله } والمعنى الا أن يقولوا الحق، فكأنه قال الذين ~~أخرجوا بغير حق، الا الحق الذي هو قولهم ربنا الله. وقال سيبويه { إلا } ~~بمعنى (لكن) وتقديره لكنهم يقولون: ربنا الله، فهو استثناء منقطع، وهو ~~كقولك ما غضبت علي إلا أني منصف، وما تبغض فلانا إلا أنه يقول الحق، أي ~~جعلت ذلك ذنبه. وقال الفراء: تقديره إلا بأن يقولوا، فتكون (أن) فى موضع ~~الجر. # ثم قال { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع } فى أيام شريعة ~~موسى { وبيع } في ايام شريعة عيسى { ومساجد } فى ايام شريعة محمد (صلى ~~الله عليه وسلم) - في قول الزجاج - وقال مجاهد: صوامع الرهبان، وبيع ~~النصارى، وهو قول قتادة. وعن مجاهد ايضا ان ms2539 البيع كنائس اليهود. وقال ~~الضحاك: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوتا. وقيل مواضع صلوات المسلمين ~~مما في منازلهم. وقيل: الصلوات أراد بها المصليات، كما قال # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # وأراد المساجد، والظاهر انه أراد نفس الصلاة لا يقر بها سكران. وقيل ~~تقديره: وتركت صلوات - ذكره الاخفش - وقوله { يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~} يعني في المساجد والمواضع التي ذكرها. # ثم قال { ولينصرن الله من ينصره } أي من نصر أولياء الله، ودفع عنهم فان ~~الله ينصره، ويدفع عنه. ويجوز أن يكون المراد: من ينصر دين الله ويذب عنه ~~فان الله ينصره { إن الله لقوي عزيز } أي قادر قاهر، لا ينال أحد منه ما ~~لا يريده، ولا يتعذر عليه من يريد ضره. وقال الحسن: إن الله يدفع عن هدم ~~مصليات أهل الذمة بالمؤمنين. وقرأ عاصم الجحدري " وصلوت " بالتاء - فى ~~رواية هارون - وقال غيره: صلوت بالتاء والصاد واللام مضمومتان، وقال: هي ~~مساجد للنصارى. وقرأ الضحاك (صلوث) بثلاث نقط، وقال: هي مساجد اليهود. ~~وهذه شواذ لا يقرأ بها، ولا يعرف لها فى اللغة اصل. ### || [22.41-45] # قرأ ابو عمرو وحده " أهلكتها " بالتاء. لقوله في الآية التي فيما بعد { ~~فأمليت }. الباقون { أهلكناها } بالنون. # يقول الله تعالى { الذين إن مكناهم في الأرض } ف { الذين } صفة من تقدم ~~ذكره من المهاجرين في سبيل الله، وموضعه النصب، وتقديره { لينصرن الله من ~~ينصره... الذين إن مكناهم } ومعناه أعطيناهم كل ما لا يصح الفعل إلا معه، ~~لان التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل، فان كان هذا الفعل لا يصح إلا بآلة، ~~فالتمكين باعطاء تلك الآلة لمن فيه القدرة، وكذلك ان كان لا يصح الفعل ~~إلا بعلم، ونصب دلالة، وصحة سلامة، ولطف وغير ذلك، فاعطاء جميع ذلك واجب. ~~وإن كان الفعل يكفي - في صحة وجوده - مجرد القدرة، فخلق القدرة هو ~~التمكين. ثم وصفهم. فقال: هؤلاء الذين هاجرو فى سبيل الله، { إن مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة } يعني ادوها بحقوقها، وقيل: معناه داموا عليها { ~~وآتوا الزكاة } أي واعطوا ما افترض الله عليهم في أموالهم ms2540 من الزكوات ~~وغيرها { وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }. وفي ذلك دلالة على أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، لأن ما رغب الله فيه، فقد اراده، وكل ما ~~أراده من العبد، فهو واجب إلا أن يقوم دليل على ذلك انه نفل، لان ~~الاحتياط يقتضي ذلك. و { المعروف } هو الحق، وسمي معروفا لأنه تعرف ~~صحته. وسمي المنكر منكرا، لأنه لا يمكن معرفة صحته. # وقوله { ولله عاقبة الأمور } معناه تصير جميع الأملاك لله تعالى، لبطلان ~~كل ملك سوي ملكه. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) مسليا له عن تكذيب ~~قومه له وقلة قبولهم منه: { وإن يكذبوك } يا محمد في ما تدعيه من النبوة ~~{ فقد كذبت قبلهم قوم نوح } نوحا، وكذبت قوم { عاد } هودا وقوم { ثمود } ~~صالحا { وقوم إبراهيم } ابراهيم { وقوم لوط } لوطا { وأصحاب مدين } ~~شعيبا { وكذب } اصحاب موسى { موسى } وانما قال { وكذب موسى } ولم يقل ~~وقوم موسى، لأن قومه بني اسرائيل، وكانوا آمنوا به وإنما كذبه قوم فرعون ~~{ فأمليت للكافرين } اي أخرت عقابهم وحلمت عنهم { ثم أخذتهم } فاستاصلتهم ~~بانواع الهلاك { فيكف كان نكير } أي عذابي لهم، وانما اقتصر على ذكر ~~أقوام بعض الانبياء، ولم يسم أنبياءهم، لدلالة الكلام عليه. # ثم قال تعالى { وكأين من قرية } معناه وكم من أهل قرية { أهلكناها } لما ~~استحقوا الاهلاك في حال كونها { ظالمة } لنفسها { فهي خاوية على عروشها } ~~أي اهلكناها في حال كونها ظالمة لنفسها حتى تهدمت الحيطان على السقوف. ~~وقال الضحاك على عروشها سقوفها. # وقوله { وبئر معطلة وقصر مشيد } معناه وكم من بئر معطلة أي لا أهل لهاء ~~والتعطيل ابطال العمل بالشيء ولذلك قيل للدهري: معطل، لانه، أبطل العمل ~~بالعلم على مقتضى الحكمة. # ويقال: خوت الدار خواء، ممدود وهي خاوية، وخوى جوف الانسان من الطعام ~~خوى، مقصور، وهو خاو. وقيل في خفض { وبئر معطلة وقصر مشيد } قولان: # احدهما - بالعطف على قرية، فيكون المعنى إهلاكا كالقرية. # والثاني - بالعطف على العروش، فيكون المعنى ان بها البئر المعطلة والقصر ~~المشيد. ومعنى وقصر مشيد أي مجصص، والشيد الجص - في ms2541 قول عكرمة ومجاهد - ~~وقال قتادة: معناه رفيع، وهو المرفوع بالشيد. وقال عدي بن زيد: # شاده مرمرا وجلله كا # سا فللطير في ذراه وكور # وقال امرؤ القيس: # وتيماء لم يترك بها جذع نخلة # ولا أجما إلا مشيدا بجندل # وقال آخر: # كحية الماء بين الطين والشيد # ويقال شدته أشيده إذا زينته. وقال الكلبي قصر مشيد: معناه حصين. وقيل: ~~ان البئر والقصر معروفان باليمين. وفي تفسير أهل البيت إن معنى { وبئر ~~معطلة } أي وكم من عالم لا يرجع اليه، ولا ينتفع بعلمه، ولا يلتفت اليه. ~~ومعنى الآية: أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله ~~بكفرهم وأبادهم بمعصيتهم، ليروا من تلك الاثار بيوتا خاوية، قد سقطت على ~~عروشها، وبئر الشرب قد باد أهلها وعطل رساوها وغار معينها وقصرا مشيدا ~~مزينا بالجص، قد خلا من السكن، وتداعى بالخراب، فيتعظوا بذلك، ويخافوا ~~من عقوبة الله، وبأسه الذي نزل بهم. ### || [22.46-50] # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " مما يعدون " بالياء، على الخبرعن ~~الكفار. الباقون بالتاء، على الخطاب. # لما اخبر الله تعالى عن اهلاك الامم الماضية جزاء على كفرهم ومعاصيهم، ~~نبه الذين يرتابون بذلك. فقال { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بها } إذا شاهدوا آثار ما أخبرنا به، وسمعوا صحة ما ذكرناه عمن ~~أخبرهم بصحته من الذين عرفوا أخبار الماضين. وفيها دلالة على أن العقل هو ~~العلم، لان معنى { يعقلون بها } يعلمون بها مدلول ما يرون من العبرة. ~~وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لأنه تعالى وصفها بأنها هي ~~التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها، لما وصفها ~~بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك. والهاء في { إنها لا ~~تعمى } هاء عماد، وهو الاضمار على شروط التفسير، وانما جاز أن يقول: ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور، للتأكيد لئلا يتوهم بالذهاب الى غير معنى ~~القلب، لانه قد يذهب الى ان فيه اشتراكا كقلب النخلة، فاذا قيل هكذا كان ~~أنفى للبس بتجويز الاشتراك واما قوله ms2542 # يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم # فلان القول قد يكون بغير الفم. والمعنى فى الآية ان الابصار وإن كانت ~~عميا، فلا تكون فى الحقيقة كذلك، اذا كان عارفا بالحق. وانما يكون ~~العمى عمى القلب الذي يجحد معه معرفة الله ووحدانيته. # ثم قال { ويستعجلونك } يا محمد { بالعذاب } أن ينزل عليهم، ويستبطؤنه، ~~وان الله لا يخلف ما يوعد به { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ~~قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: يوم من أيام الآخرة، يكون كألف سنة من ايام ~~الدنيا. وقال ابن زيد، وفى رواية اخرى عن ابن عباس: انه أراد يوما من ~~الأيام التي خلق الله فيها السموات والارض. والمعنى { وإن يوما عند ربك ~~} من ايام العذاب، في الثقل والاستطالة { كألف سنة مما تعدون } في ~~الدنيا، فكيف يستعجلونك بالعذاب لولا جهلهم، وهو كقولهم: ايام الهموم ~~طوال، وايام السرور قصار. # قال الشاعر: # يطول اليوم لا القاك فيه # ويوم نلتقي فيه قصير # وأنشد ابو زيد: # تطاولن أيام معن بنا # فيوم كشهرين اذ يستهل # وقال جرير: # ويوم كأبهام الحبارى لهوته # وقيل { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } في طول الامهال للعباد ~~لصلاح من يصلح منهم، أو من نسلهم، فكأنه ألف سنة لطوال الأناة. وقيل { ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } فى مقدار العذاب فى ذلك اليوم، ~~أي انه لشدته وعظمه كمقدار عذاب ألف سنة من ايام الدنيا على الحقيقة. ~~وكذلك نعيم الجنة، لأنه يكون فى مقدار يوم السرور والنعيم مثل ما يكون في ~~الف سنة من أيام الدنيا لو بقي ينعم ويلتذ فيها. # ثم قال تعالى { وكم من قرية أمليت لها } فلاملاء والاملال والتأخير ~~نظائر { وهي ظالمة } اي مستحقة لتعجيل العقاب، لكن اخذتها وأهلكتها والي ~~المصير، لكل أحد، بأن يزول ملك كل مالك ملك شيئا في دار الدنيا. ثم قال ~~لنبيه { قل يا أيها لناس إنما أنا لكم نذير مبين } اي مخوف من معاصي الله ~~بعقابه، مبين لكم ما يجب عليكم فعله، وما يجب عليكم تجنبه { فالذين آمنوا ms2543 ~~} اي صدقوا بالله واقروا برسله { لهم مغفرة } من الله تعالى لمعاصيهم ~~ولهم { رزق كريم } اي مع اكرامهم بالثواب الذي لا يقاربه تعظيم وتبجيل. ### || [22.51-55] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { معجزين } بالتشديد، بمعنى مثبطين ومبطئن، وهو ~~قول مجاهد. الباقون { معاجزين } بالألف. قال قتادة: معناه مشاقين ~~معاندين. # يقول الله تعالى ان { الذين سعوا في آيات الله معجزين } ومعناه إن الذين ~~يعجزون المؤمنين في قبول هذه الآيات اي يعجزونهم عن اقامتها بجحدهم تدبير ~~الله (عز وجل) لها. ويحتمل ان يكون معناه يعجزونهم عن تصحيحها. والسعي ~~الاسراع فى المشي، ومن قوله # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع # وسعى يسعى سعيا، فهو ساع، وجمعه سعاة، واستسعاه فى الامر استسعاء. وقال ~~قتادد: ظنوا انهم يعجزون الله أي يفوتونه وأن يعجزوه. وقال مجاهد: معناه ~~مبطئين عن اتباع آيات الله. ومن قرأ { معاجزين } اراد انهم يجادلون عجز ~~الغالب. ومن قرأ { معجزين } بالتشديد اراد طلب اظهار العجز. وقال ابن ~~عباس: معنى { معاجزين } مشاقين. وقيل معنى { معجزين } مسابقين، يقال: ~~اعجزني الشيء بمعني سبقني وفاتني. وقال ابو علي: معاجزين ظانين ومعتقدين ~~انهم يفوتونا، لانكارهم البعث. ومعجزين أي ينسبون من اتبع النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) الى العجز. وقال مجاهد: معناه مثبطين للناس عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) واتباعه. # وقوله { أولئك أصحاب الجحيم } معناه الذين يسعون فى آيات الله طالبين ~~إظهار عجزه إن لهم عذاب الجحيم، وهم ملازمون لها. # وقوله { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته } روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد ~~ابن قيس: انهم قالوا: كان سبب نزول الآية انه لما تلى النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) # أفرأيتم اللات والعزى ومنوة الثالثة الأخرى # القى الشيطان فى تلاوته (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ومعنى ~~الآية التسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) وانه لم يبعث الله نبيا، ولا ~~رسولا إلا اذا تمنى - يعني تلا - القى الشيطان ms2544 في تلاوته بما يحاول ~~تعطيله، فيرفع الله ما القاه بمحكم آياته. وقال المؤرج: الامنية الفكرة، ~~بلغة قريش. وقال مجاهد: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا تأخر عنه ~~الوحي تمنى أن ينزل عليه فيلقي الشيطان فى أمنيته، فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ويحكم آياته. وقال ابو علي الجبائي: انما كان يغلط فى القراءة ~~سهوا فيها، وذلك جائز على النبي، لانه سهو لا يعرى منه بشر، ولا يلبث ان ~~ينبهه الله تعالى عليه. وقال غيره: إنما قال ذلك فى تلاوته بعض المنافقين ~~عن اغواء الشياطين، وأوهم أنه من القرآن. وقال الحسن: انما قال: هي عند ~~الله كالغرانيق العلى، يعني الملائكة فى قولكم، وإن شفاعتهن لترتجى فى ~~اعتقادكم. والتمني فى الآية معناه التلاوة، قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال الجبائي: انما سها النبي (صلى الله عليه وسلم) فى القراءة نفسها. ~~فأما الرواية بأنه قرأ تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلا أصل ~~لها، لأن مثله لا يغلط على طريق السهو، وانما يغلط في المتشابه. # وقوله { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يزيل الله ما يلقيه الشيطان من ~~الشبهة { ثم يحكم الله آياته } حتى لا يتطرق عليها ما يشعثها. وقال ~~البلخي: ويجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) سمع هاتين الكلمتين من ~~قومه وحفظهما فلما قرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) وسوس بهما اليه ~~الشيطان، وألقاهما فى فكره، فكاد أن يجريهما على لسانه، فعصمه الله، ~~ونبهه، ونسخ وسواس الشيطان، وأحكم آياته، بأن قرأها النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) محكمة سليمة مما أراد الشيطان. ويجوز أن يكون النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) حين اجتمع اليه القوم، واقترحوا عليه أن يترك ذكر آلهتهم بالسوء، ~~أقبل عليهم يعظهم ويدعوهم الى الله، فلما انتهى رسول الله الى ذكر اللات ~~والعزى. قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعا بها صوته، فألقاهما فى تلاوته ~~في غمار من القوم وكثرة لغطهم، فظن الكفار ان ذلك من قول النبي، فسجدوا ~~عند ذلك. # وقوله { والله عليم حكيم ms2545 } معناه إنه عالم بجيمع المعلومات، واضع ~~الاشياء مواضعها. والآية تدل على أن كل رسول نبي، لأنه تعالى ذكر أنه ~~أرسلهم، وانما قال من رسول ولا نبي، لاختلاف المعنيين، لأن الرسول يفيد ~~أن الله أرسله، والنبي يفيد أنه عظيم المنزلة يخبر عن الله. وقد قال بعض ~~المفسرين: إن المراد بالتمني في الآية تمني القلب، والمعنى انه ما من نبي ~~ولا رسول إلا وهو يتمنى بقلبه ما يقربه الى الله من طاعاته، وإن الشيطان ~~يلقي في أمنيته بوسوسته واغوائه ما ينافي ذلك، فينسخ الله ذلك عن قلبه ~~بأن يلطف له ما يختار عنده ترك ما اغواه به. # وقوله { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض } بيان من الله ~~تعالى أنه يجعل ما يلقيه الشيطان من الأمنية فتنة، فمعنى { ليجعل } يحتمل ~~امرين: # احدهما - الحكم والتسمية، كما تقول جعلت حسني قبيحا، ويكون المراد انه ~~ينسخ ما يلقي الشيطان طلبا للفتنة والاغواء. # والثاني - انه أراد ليجعل نسخ ما يلقي الشيطان فتنة، لأن نفس فعل ~~الشيطان لا يجعله الله فتنة، لأن ذلك قبيح، والله تعالى منزه عن القبائح ~~اجمع، فمعنى الفتنة في الآية المحنة، وتغليظ التكليف { للذين في قلوبهم ~~مرض } أي شك ونفاق وقلة معرفة { والقاسية قلوبهم } يعني من قسى قلبه عن ~~اتباع الحق. وقيل: هم الظالمون. # ثم اخبر تعالى { إن الظالمين } لنفوسهم { لفي شقاق بعيد } أي مشاقة ~~بعيدة من الله تعالى، وبين انه يفعل ذلك { ليعلم الذين أوتوا العلم } ~~بالله وصفته وأن أفعاله صواب { أنه الحق من ربك } فيصدقوا به { فتخبت له ~~قلوبهم } أي تطمئن اليه وتسكن. # وبين ان الله تعالى يهدي من يؤمن الى صراط مستقيم، بأن يلطف له ما يعلم ~~انه يهتدي عنده { إلى صراط مستقيم }. # ثم قال { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه } يعني من القرآن. ومعناه ~~الاخبار عمن علم الله تعالى من الكفار انهم لا يؤمنون بالآية خاصة. وهو ~~قول ابن جريج إلا أن { تأتيهم الساعة } يعني القيامة { بغتة } أي فجأة، ~~وعلى غفلة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ms2546 } قال الضحاك: هو عذاب يوم القيامة. ~~وقال مجاهد وقتادة: هو عذاب يوم بدر. وقيل معنى { عقيم } أي لا مثل له في ~~عظم امره لقتال الملائكة قال الشاعر: # عقم النساء بأن يلدن شبيهه # إن النساء بمثله لعقيم ### || [22.56-60] # قرأ ابن عامر { ثم قتلوا } بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من شدد أراد ~~التكثير. ومن خفف، فلأنه يحتمل القليل والكثير. # يقول الله تعالى إن الملك فى اليوم الذي وصفه بأنه " عقيم " وانه لا مثل ~~له فى عظم الاهوال، فيه الملك لله تعالى وحده. لا ملك لاحد معه. وانما خص ~~ذلك به، لأن فى الدنيا قد ملك الله تعالى أقواما أشياء كثيرة. والملك ~~اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور، فالله تعالى يملك الأمور لنفسه، وكل ~~مالك سواه، فانما هو مملك له بحكمه، اما بدليل السمع او بدليل العقل. # وقوله { يحكم بينهم } أي يفصل فى ذلك اليوم بين الخلائق، وينصف بينهم فى ~~الحكم، والحكم الخبر بالمعنى الذي تدعو اليه الحكمة، ولهذا قيل: الحكم ~~له، لأن كل حاكم غيره، فانما يحكم باذنه واعلام من جهته إما من جهة العقل ~~او جهة السمع. # ثم اخبر تعالى ان { الذين آمنوا } اي صدقوا بواحدنيته، وصدقوا أنبياءه { ~~وعملوا الصالحات } التي أمر الله بها انهم { في جنات النعيم } منعمين ~~فيها. { وإن الذين كفروا } اي جحدوا ذلك { وكذبوا } بآيات الله، فان لهم ~~عذابا مهينا، يهينهم ويذلهم. والهوان الاذلال بتصغير القدر، ومثله ~~الاستخفاف والاحتقار، أهانه يهينه إهانة فهو مهان مذلل. # وقيل نزلت الآية في قوم من المشركين أتوا جماعة من المسلمين، فقاتلوهم ~~في الاشهر الحرم بعد ان نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا، فنصروا عليهم. ~~وقيل إن النبي (صلى الله عليه وسلم) عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من ~~اصحابه يوم أحد. # وقوله { والذين هاجروا في سبيل الله } يعني الذين خرجوا من ديارهم ~~واوطانهم بغضا للمشركين الذين كانوا يؤذونهم بمكة { ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا } يعني الجنة { وإن الله لهو خير الرازقين } ~~ثم اقسم تعالى انه ليدخلن هؤلاء المهاجرين في سبيل الله الذين ms2547 قتلوا { ~~ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ويؤثرونه يعني الجنة، وما فيها من انواع النعيم. ~~وقرأ نافع " مدخلا " بفتح الميم، يريد المصدر او اسم المكان، وتقديره: ~~ليدخلنهم فيدخلون مدخلا يرضونه أو مكانا يرضونه. والباقون بضم الميم وهو ~~الأجود، لانه من ادخل يدخل مدخلا لقوله # وأدخلني مدخل صدق # وإن الله لعليم بأحوالهم، حليم عن معاجلة الكفار بالعقوبة. # وقوله { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله } قيل ~~نزلت فى قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الاشهر ~~الحرم بعد أن نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا. فنصروا عليهم. وقيل: إن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من أصحابه ~~يوم أحد، والأول لم يكن عقوبة، وإنما هو كقولهم الجزاء بالجزاء. والاول ~~ليس بجزاء، وانما هو لازدواج الكلام. ### || [22.61-65] # قرأ أهل العراق إلا ابا بكر { وإن ما يدعون } بالياء. الباقون بالتاء. ~~معنى ذلك ان { ذلك } الأمر { بأن الله يولج الليل في النهار } أي يدخل ~~الليل على النهار، والايلاج الادخال باكراه، ولج يلج ولوجا وأولج ~~إيلاجا واتلج اتلاجا. وانما قال يولج الليل في النهار - ها هنا - لأن ~~ذلك يقتضي أن ذلك صادر من مقتدر لولاه لم يكن كذلك. وقيل: معنى { يولج ~~الليل في النهار } أن يدخل ما انتقص من ساعات الليل في النهار، وما انتقص ~~من ساعات النهار فى الليل. ومعنى { وإن الله سميع بصير } - ها هنا - أنه ~~يسمع ما يقول عباده في هذا بصير به، لا يخفى عليه شيء منه حتى يجازي به. # وقوله { بأن الله هو الحق } وصفه بأنه الحق يحتمل أمرين: # احدهما - انه ذو الحق في قوله وفعله. # الثاني - انه الواحد فى صفات التعظيم التي من اعتقدها، فهو محق، # وقوله { وإن ما يدعون من دونه هو الباطل } من قرأ بالتاء خاطب بذلك ~~الكفار. ومن قرأ بالياء أخبر عنهم بأن ما يدعونه من دون الله من الاصنام ~~والاوثان هو الباطل، على الحقيقة { وإن الله هو العلي الكبير } فالعلي ~~القادر الذي كل شيء سواه تحت معنى ms2548 صفته، بأنه قادر عليه، ولا يجوز وصفه ~~ب (رفيع) على هذا المعنى، لان صفة علي منقولة اليه، ولم تنقل صفة (رفيع) ~~ووصفه بأنه الكبير، يفيد أن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، لأنه ~~القادر الذي لا يعجزه شيء، العالم الذي لا يخفى عليه شيء. # وقوله { ألم تر } خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به جميع ~~المكلفين يقول الله لهم ألم تعلموا { أن الله أنزل من السماء ماء } يعني ~~غيثا ومطرا { فتصبح الأرض } بذلك { مخضرة } بالنبات { إن الله لطيف ~~خبير } فاللطيف معناه أنه المختص بدقيق التدبير الذي لا يخفى عنه شيء ولا ~~يتعذر عليه، فهو لطيف باستخراج النبات من الارض بالماء، وابتداع ما يشاء ~~{ خبير } بما يحدث عنه وما يصلح له. وقوله { فتصبح الأرض } انما رفع { ~~فتصبح } لانه لم يجعله جوابا للاستفهام، لان الظاهر وإن كان الاستفهام ~~فالمراد به الخبر، كأنه قال: قد رأيت أن الله ينزل من السماء ماء، فتصبح ~~الارض مخضرة، إلا انه نبه على ما كان رآه ليتأمل ما فيه قال الشاعر: # ألم تسأل الربع القواء فينطق # وهل يخبرنك اليوم بيدا سملق # لان المعنى قد سألته فنطق. ثم أخبر تعالى أن { له } ملك { ما في ~~السماوات وما في الأرض } لا ملك لاحد فيه. ومعناه إن له التصرف في جميع ~~ذلك لا اعتراض عليه. وأخبر { إن الله هو الغني الحميد } فالغني هو الحي ~~الذي ليس بمحتاج، فهو تعالى المختص بأنه لو بطل كل شيء سواه لم تبطل نفسه ~~القادرة العالمة. # الذي لا يجوز عليه الحاجة بوجه من الوجوه، وكل شيء سواه يحتاج اليه، ~~لانه لولاه لبطل، لانه لا يخلو من مقدوره أو مقدور مقدوره. و { الحميد } ~~معناه الذي يستحق الحمد على أفعاله، وهو بمعنى انه محمود. # ثم قال { ألم تر } يا محمد والمراد جميع المكلفين { إن الله سخر لكم ما ~~في الأرض } من الجماد والحيوان اي قد ذلله لكم، تتصرفون فيه كيف شئتم، ~~وينقاد لكم، على ما تؤثرونه. وان الفلك تجري فى البحر بأمر الله اي ms2549 بفعل ~~الله، لانها تسير بالريح، وهو تعالى المجري لها و { يمسك السماء أن تقع ~~على الأرض } أي يمنعها من الوقوع على الارض، ولا يقدر على إمساكها أحد ~~سواه مع عظمها وثقلها { إلا بإذنه } اي لا تقع السماء على الارض إلا اذا ~~أذن الله فى ذلك بأن يريد ابطالها واعدامها. ومعنى { أن تقع } ألا تقع. ~~وقيل معناه كراهية أن تقع. ثم أخبر انه تعالى { بالناس لرؤف رحيم } أي ~~متعطف منعم عليهم. ### || [22.66-70] # لما ذكر الله تعالى انه الذي سخر للخلق ما في الارض من الحيوان وذللها ~~لهم واجرى الفلك فى البحر، كنا عنه بأن قال { وهو الذي أحياكم } ايضا ~~بعد ان لم تكونوا كذلك، يقال أحياه الله، فهو محي له { ثم يميتكم } بعد ~~هذا الاحياء { ثم يحييكم } يوم القيامة للحساب إما الى الجنة، وإما الى ~~النار ثم اخبر عن الانسان بانه { كفور } أي جحود لنعم الله بما فعل به من ~~انواع النعم، وجحوده ما ظهر من الآيات الدالة على الحق في كونه قادرا ~~على الاحياء والاماتة. والاحياء بعدها، لا يعجزه شيء من ذلك. # ثم اخبر تعالى أن { لكل أمة منسكا } أي مذهبا { هم ناسكوه } أي يلزمهم ~~العمل به. وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها. وقيل: المنسك ~~الموضع المعتاد لعمل خير او شر، وهو المألف لذلك. ومناسك الحج من هذا، ~~لأنها مواضع العبادات فيه، فهي متعبدات الحج. وفيه لغتان فتح السين، ~~وكسرها. وقال ابن عباس { منسكا } اي عيدا. وقال مجاهد وقتادة: متعبدا ~~في إراقة الدم بمنى، وغيرها. # وقوله { فلا ينازعنك في الأمر } لانهم كانوا يقولون: أتأكلون ما قتلتم، ~~ولا تأكلون الميتة التى قتلها الله. وقيل: { لا ينازعنك في الأمر } نهي ~~لهم عن منازعة النبي (صلى الله عليه وسلم) وقيل: نهي له لان المنازعة ~~تكون من اثنين، فاذا وجه النهي الى من ينازعه، فقد وجه اليه. وقرئ { فلا ~~ينزعنك } والمعنى لا يغلبنك على الامر. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { وادع إلى ربك } يا محمد { إنك لعلى ~~هدى مستقيم } أي ms2550 على طريق واضح. ثم قال { وإن جادلوك فقل الله أعلم بما ~~تعملون } معناه إن جادلوك على وجه المراء والتعنت الذي يعمله السفهاء، ~~فلا تجادلهم على هذا الوجه، وادفعهم بهذا القول. وقل { الله أعلم بما ~~تعملون } وهذا أدب من الله حسن، ينبغي أن يأخذ به كل احد { الله يحكم ~~بينكم } أي يفصل بينكم { يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } من توحيد ~~الله وصفاته واخلاص عبادته، وألا نشرك به غيره. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { ألم تعلم } والمراد به جميع ~~المكلفين { أن الله يعلم ما في السماء والأرض } من قليل وكثير، لا يخفى ~~عليه شيء من ذلك { إن ذلك في كتاب } يعني مثبتا في اللوح المحفوظ الذي ~~أطلع عليه ملائكته { إن ذلك على الله يسير } أي سهل غير متعذر. ### || [22.71-75] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال الكفار الذين يعبدون مع الله الاصنام، ~~والاثان: انهم { يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا } أي لا حجة ~~ولا برهانا، وإنما قيل للبرهان سلطان، لانه يتسلط على انكار المنكر، فكل ~~محق فى مذهبه، فله برهان يتسلط به على الانكار لمذهب خصمه. # وقوله { وما ليس لهم به علم } معناه ولا هو معلوم لهم ايضا من جهة ~~الدلالة، لان الانسان قد يعلم صحة أشياء يعمل بها من غير برهان أدى اليها ~~كعلمه بوجوب شكر المنعم، ووجوب رد الوديعة، ومدح الحسن وذم المسيء، وغير ~~ذلك، مما يعلمه بكمال عقله، وإن لم يكن معلوما بحجة، فلذلك قال { وما ~~ليس لهم به علم }. # ثم اخبر انه ليس { للظالمين } أنفسهم بارتكاب المعاصي وترك المعرفة ~~بالله من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله إذا نزل بهم. # ثم اخبر تعالى عن حال الكفار وشدة عنادهم، فقال { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا } يعني من القرآن وغيره من حجج الله تعالى الظاهرات البينات { ~~تعرف } يا محمد { في وجوه الذين كفروا } بنعم الله، وجحدوا ربوبيته { ~~المنكر } من القول { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } فالسطوة ~~اظهار الحال الهائلة للاخافة، يقال: سطا عليه سطوة وسطوا وسطا ms2551 به ايضا ~~فهو ساط. والانسان مسطو به. والانسان يخاف سطوات الله ونقماته. والسطوة ~~والاستطالة والبطشة نظائر في اللغة. والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا سمعوا ~~آيات الله تتلى عليهم، قاربوا أن يوقعوا بمن يتلوها المكروه. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد { أفأنبؤكم بشر من ~~ذلكم } أي بشر من اعتدائكم على التالي لآيات الله. وقيل: بشر عليكم مما ~~يلحق التالي منهم. ثم ابتدأ فقال { النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير } وقيل التقدير كان قائلا قال ما ذلك الشر؟ فقيل { النار وعدها ~~الله الذين كفروا وبئس المصير } اي بئس الموضع، وكان يجوز في { النار } ~~الجر على البدل من { ذلكم } لأنه في موضع جر ب { من } وكان يجوز النصب ~~بمعنى أعرفكم شرا من ذلكم النار، والذي عليه القراء الرفع. ثم اخبر ~~تعالى عن النار بأن الله وعدها الذين كفروا وبئس المرجع. # ثم خاطب جميع المكلفين من الناس، فقال { يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له } يعني ضرب مثل، جعل، كقولهم ضرب على أهل الذمة الجزية، لأنه كالتثبيت ~~شبهه بالضرب المعروف، وكذلك الضربة. والمثل: شبه حال الثاني بالأولى فى ~~الذكر الذي صار كالعلم. ومن حكم المثل أن لا يتغير، لأنه صار كالعلم. ~~كقولهم " أطري انك فاعلة ". # ثم قال { إن الذين تدعون من دون الله } قرأ يعقوب بالياء على الخبر ~~الباقون بالتاء على الخطاب، كقوله { يا أيها الناس }. # والذي عبدوه من دون الله الأصنام والاوثان { لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له } على ذلك وعاون بعضهم بعضا مع صغر الذباب، فكيف بالعظيم من ~~الاشياء. ثم زاد في ضرب المثل، فقال { وإن يسلبهم الذباب شيئا... } يعني ~~هؤلاء الكفار، ومن جرى مجراهم لو سلبهم الذباب شيئا وطار، لما قدروا على ~~استنقاذه منه وتخليصه من يديه. ثم اخبر تعالى بانه { ضعف الطالب } يعني ~~من الأوثان { والمطلوب } من الذباب - وهو قول ابن عباس - ولم يأت بالمثل، ~~لأن فى الكلام دلالة عليه، كأنه قال يا أيها الناس مثلكم مثل من عبد آلهة ~~اجتمعت لأن تخلق ذبابا، فلم ms2552 يقدروا عليه، وإن يسلبها الذباب شيئا، فلم ~~تستنقذه منه. ومثل ذلك فى الحذف قول امرئ القيس: # وجدك لو شيء اتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد عنك مدفعا # وتقديره لو أتانا رسول غيرك لرددناه وفعلنا به، ولكن لم نجد عنك مدفعا، ~~فاختصر لدلالة الكلام عليه. وقال قوم: اراد أن الكافرين جعلوا لي الامثال ~~من الاصنام التي عبدوها فاستمعوا لما ضرب لي من الامثال. ثم أخبر عنها ~~كيف هي، وكيف بعدها مما جعلوه مثلا، ويدل عليه قوله { ما قدروا الله حق ~~قدره } واختلفوا في معنى { ما قدروا الله حق قدره } فقال الحسن: معناه ما ~~عظموه حق عظمته، إذ جعلوا له شريكا فى عبادته. وهو قول المبرد والفراء. ~~وقال قوم: معناه ما عرفوه حق معرفته. وقال آخرون: ما وصفوه حق صفته. وهو ~~مثل قول أبي عبيدة. قال: يقول القائل: ما عرفت فلانا على معرفته، اي ما ~~عظمته حق تعظيمه. # وفي ذلك دلالة على أن من جوز عبادة غير الله فهو كافر، وكذلك من جوز ان ~~يكون المنعم - بخلق النفس، والبصر، والسمع، والعقل - غير الله، فهو كافر ~~بالله. # ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال { إن الله لقوي } أي قادر على ما يصح ان ~~يكون مقدورا { عزيز } لا يقدر احد على منعه. # ثم قال تعالى { الله يصطفي من الملائكة رسلا } أي يختار منهم من يصلح ~~للرسالة { ومن الناس } أي ويختار من الناس ايضا مثل ذلك. وفى ذلك دلالة ~~على انه ليس جميع الملائكة رسلا، لأن (من) للتبعيض عند اهل اللغة، وكما ~~ان الناس ليس جميعهم أنبياء فكذلك الملائكة. # وقوله { إن الله سميع بصير } أي يسمع جميع ما يدرك بالسمع من الاصوات ~~ودعاء من يدعوه خالصا، ودعاء من يدعو على وجه الاشراك به بصير بأحوالهم. ### || [22.76-78] # لما اخبر الله تعالى عن نفسه بأنه { سميع بصير } وصف أيضا نفسه بأنه { ~~يعلم ما بين أيديهم } يعني ما بين أيدي الخلائق من القيامة وأحوالها، وما ~~يكون فى مستقبل أحوالهم، { وما خلفهم } أي ما يخلفونه من دنياهم. وقال ~~الحسن: يعلم ms2553 ما بين أيديهم: أول اعمالهم، وما خلفهم آخر أعمالهم { وإليه ~~ترجع الأمور } يعني يوم القيامة ترجع جميع الأمور الى الله تعالى بعد ان ~~كان ملكهم فى دار الدنيا منها شيئا كثيرا. # ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } أي ~~صلوا، على ما امرتكم به، من الركوع والسجود فيها { واعبدوا ربكم } الذي ~~خلقكم ولا تشركوا به شيئا { وافعلوا الخير } والخير النفع الذي يجل ~~موقعه، وتعم السلامة به، ونقيضه الشر، وقد أمر الله بفعل الخير، ففعله ~~طاعة له. # وقوله { لعلكم تفلحون } أي افعلوا الخير لكي تفوزوا بثواب الجنة ~~وتتخلصوا من عذاب النار. وقيل معناه افعلوه على رجاء الصلاح منكم بالدوام ~~على افعال الخير واجتناب المعاصي والفوز بالثواب. # ثم أمرهم بالجهاد فقال { وجاهدوا في الله حق جهاده } قال ابن عباس: ~~معناه جاهدوا المشركين، ولا تخافوا فى الله لومة لائم، وقال الضحاك: ~~معناه اعملوا بالحق لله حق العمل. # وقوله { هو اجتباكم } فالاجتبا هو اختيار الشيء لما فيه من الصلاح. ~~وقيل: معناه اختاركم لدينه. وجهاد اعدائه، والحق يجتبى، والباطل يتقى، ~~ولا بد أن يكون ذلك خطابا متوجها الى من اختاره الله بفعل الطاعات، دون ~~أن يكون ارتكب الكبائر الموبقات. وإن كل سبق منه جهاد فى سبيل الله. # وقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } معناه لم يجعل عليكم ضيقا في ~~دينكم، ولا ما لا مخرج منه. وذلك أن منه ما يتخلص منه بالتوبة، ومنه ما ~~يتخلص منه برد المظلمة، وليس في دين الاسلام ما لا سبيل الى الخلاص من ~~عقابه. وفيه من الدليل كالذي فى قوله # ولو شاء الله لأعنتكم # على فساد مذهب المجبرة في العدل. ومثله قوله # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # وقوله { ملة أبيكم إبراهيم } يحتمل نصب { ملة } وجهين: # احدهما - اتبعوا { ملة أبيكم } وإلزموا، لان قبله { جاهدوا في الله حق ~~جهاده } # والاخر - كملة أبيكم إلا انه لما حذف حرف الجر اتصل الاسم بالفعل فنصب. ~~وقال الفراء: نصبه بتقدير: وسع ملتكم، كما وسع ملة أبيكم. وقوله { ملة ~~أبيكم ms2554 إبراهيم } معناه انه يرجع جميعهم الى ولادة ابراهيم، وافاد هذا ان ~~حرمة ابراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، كما قال # وأزواجه أمهاتهم # في قول الحسن. # وقوله { هو سماكم المسلمين } قال ابن عباس ومجاهد: الله سماكم المسلمين، ~~فهو كناية عن الله. وقال ابن زيد: هو كناية عن ابراهيم وتقديره ابراهيم ~~سماكم المسلمين بدليل قوله ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-7] # يقول الله تعالى { قد أفلح المؤمنون } أي فازوا بثواب الله، الذين ~~صدقوا بالله واقروا بواحدانيته وصدقوا رسله. وقيل: معناه، قد سعدوا، قال ~~لبيد: # فاعقلي ان كنت لما تعقلي # ولقد أفلح من كان عقل # وقيل معنى { أفلح } بقي أي بقيت أعمالهم الصالحة، ومنه قولهم (حي على ~~الفلاح) أي على بقاء أعمال الخير، ومعنى { قد } تقريب الماضي من الحال، ~~فدل على أن فلاحهم قد حصل بما هم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من ~~تجريد ذكر الفعل. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بأوصاف، فقال { الذين هم في ~~صلاتهم خاشعون } أي خاضعون متذللون لله فيها. وقيل: معناه يسعون، مقبلون ~~على الصلاة بالخضوع والتذلل لربهم. وقيل: معناه خائفون. وقال مجاهد: هو ~~غض الطرف وخفض الجناح. وقيل: أن ينظر المصلي الى موضع سجوده. وكان النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) يرفع بصره الى السماء. فلما نزلت هذه الآية طأطأ ~~رأسه، ونظر الى مصلاه. والخشوع في الصلاة هو الخضوع بجمع الهمة لها، ~~والاعراض عما سواها، لتدبر ما يجري فيها: من التكبير، والتسبيح، والتحميد ~~لله، وتلاوة القرآن. وهو موقف الخاضع لربه الطالب لمرضاته بطاعاته. # ثم زاد في صفاتهم فقال { والذين هم عن اللغو معرضون } واللغو هو القول ~~والفعل الذي لا فائدة فيه يعتد بها، وهو قبيح على هذا الوجه. وقال ابن ~~عباس: اللغو - ها هنا - الباطل. وقال السدي: هو الكذب. وقال الكلبي هو ~~الحلف. وحكى النقاش: انهم نهوا عن سباب الكفار إذا سبوهم، وعن محادثتهم. # ثم قال { والذين هم للزكاة فاعلون } أي يؤدون ما يجب عليهم في أموالهم ~~من الصدقات، وسميت زكاة، لأنه يزكو بها المال عاجلا وآجلا. ثم قال ms2555 { ~~والذين هم لفروجهم حافظون } قيل عنى بالفروج - ها هنا - فرج الرجل خاصة ~~بدلالة قوله { الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ثم استثنى من ~~الحافظين لفروجهم من لا يحفظ فرجه عن زوجته، أو ما تملك يمينه من الاماء ~~على ما أباحه الله له، لأن التزويج ينبغي أن يكون، على وجه اباحة الله ~~تعالى. و (ملك اليمين) في الآية المراد به الاماء لأن الذكور من المماليك ~~لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم. ومن ملك الأيمان، لا يجمع بين الاختين ~~في الوطئ، ولا بين الأم والبنت. وكل ما لم يجز الجمع بينهم في العقد، فلا ~~يجوز الجمع بينهم في الوطئ بملك اليمين. ولا يخرج من الآية وطؤ المتمتع ~~بها، لأنها زوجة عندنا، وإن خالف حكمها حكم الزوجات في احكام كثيرة، كما ~~أن حكم الزوجات مختلف في نفسه. وذكره تعالى هذه الاوصاف ومدحه عليها يكفي ~~ويغني عن الأمر بها، لما فيها من الترغيب كالترغيب في الأمر، وأنها ~~مرادة، كما أن المامور به مراد، وكلها واجب. # وانما قيل للجارية (ملك يمين) ولم يقل في الدار (ملك يمين) لأن ملك ~~الجارية أخص من ملك الدار إذ له نقض بنية الدار، وليس له نقض بنية ~~الجارية، وله عارية الدار، وليس له عارية الجارية، حتى توطأ بالعارية، ~~فلذلك خص الملك في الأمة، وانما قال { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين } مع تحريم وطئها على وجوه: كتحريم وطئ الزوجة. ~~والأمة في حال الحيض، ووطئ الجارية إذا كان لها زوج، أو كانت في عدة من ~~زوج. وتحريم وطئ المظاهرة قبل الكفارة، لأن المراد بذلك على ما يصح ~~ويجوز، مما بينه الله، وبينه رسوله في غير هذا الموضع، وحذف لأنه معلوم، ~~وهي من الامور العارضة في هذه الوجوه ايضا، فان من وطأ الزوجة أو الأمة ~~في الاحوال التي حرم عليه وطؤها، فانه لا يلزمه اللوم من حيث كانت زوجة ~~أو ملك يمين وإنما يستحق اللوم من وجه آخر. واللوم والذم واحد، وضدهما ~~الحمد والمدح. # ثم ms2556 قال تعالى { فمن ابتغى وراء ذلك } ومعناه من طلب سوى ذلك يعني ~~الزوجية، وملك اليمين، فهو عاد. والابتغاء والبغية الطلب. والبغاء طلب ~~الزنا، والباغي طالب الاعتداء. و { العادون } هم الذين يتعدون الحلال الى ~~الحرام. وقوله " وراء " - ها هنا - قيل: معناه غير. وقال الفراء معناه { ~~إلا على أزواجهم } إلا من أزواجهم { أو ما ملكت أيمانهم } في موضع خفض. ### || [23.8-11] # قرأ ابن كثير وحده { لأمانتهم } على التوحيد. الباقون { لأماناتهم } على ~~الجمع، لقوله # إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها # وقرأ ابن كثير ذلك اختيارا ليطابق قوله { وعهدهم }. وقرأ حمزة والكسائي ~~{ على صلاتهم } على التوحيد، لان الصلاة اسم جنس يقع على القليل والكثير، ~~فكذلك قوله { أمانتهم } والاصل فيه المصدر كالعمل. الباقون { صلواتهم } ~~على الجمع، ومن جمع جعله بمنزلة الاسم، لاختلاف انواعها، لقوله # حافظوا على الصلوات # قال ابو علي النحوي: الجمع أقوى، لأنه صار اسما شائعا شرعيا، وقد ~~بينا الوجه فيه. # ثم زاد الله تعالى في صفات المؤمنين الذين وصفهم بالفلاح فقال { والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون } ومعناه الذين يراعون الأمانات التي يؤتمنون ~~عليها ولا يحزنون فيها، ويحفظون ما يعاهدون عليه من الأيمان والنذور، فلا ~~يحنثون ولا ينكثون. والمراعات قيام الراعي باصلاح ما يتولاه. ثم قال { ~~والذين هم على صلواتهم يحافظون } أي لا يضيعونها. ويواظبون على أدائها. ~~وفى تفسير أهل البيت إن معناه: الذين يحافظون على مواقيت الصلوات ~~فيؤدونها فى أوقاتها، ولا يؤخرونها حتى يخرج الوقت. وبه قال مسروق وجماعة ~~من المفسرين. وانما أعيد ذكر الصلاة - ها هنا - لأنه أمر - ها هنا - ~~بالمحافظة عليها، كما امر بالخشوع فيها، في ما تقدم، كما أعيد ذكر ~~الفلاح، لانه يجب بالخصال المذكورة بعده كما وجب فى - سورة البقرة - ~~بالخصال المذكورة قبله. # ثم اخبر تعالى عمن اجتمعت فيه هذه الخصال، فقال { أولئك هم الوارثون } ~~وقيل في معناه قولان: # احدهما - انه يؤل أمره الى النعيم فى الجنة، ويملك ما يعطيه الله، كما ~~يؤل أمر الواورث # الثاني - روى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال # " ما ms2557 منكم أحد إلا وله منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار، فان مات ~~على الضلال ورث منزله أهل الجنة، وإن مات على الايمان، ورث هو منزل اهل ~~النار ". # وقال مجاهد: يهدم منزله فى النار، # ثم وصف الله تعالى الوارثين، فقال { الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ~~} وحقيقة الارث ملك ما يتركه الميت لمن بعده، ممن هو أولى به فى حكم ~~الله، فهذا أصله، ثم يشبه به، فيقال: ورث فلان علم فلان أي صار اليه، ~~ومعنى { يرثون الفردوس } اي يصيرون اليها بعد الاحوال المتقدمة. والفردوس ~~البستان الذي يجمع محاسن النبات. وقيل اصله رومي. وقيل: بل هو عربي ووزنه ~~(فعلول) وقيل الفردوس البستان. الذي فيه كرم قال جرير: # ما بعد يبرين ما باب الفراديس # وقال الجبائي { يرثون الفردوس } على التشبيه بالميراث المعروف من جهة ~~الملك الذي ينتهي اليه أمره. ### || [23.12-16] # قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم " عظما " في الموضعين على التوحيد. ~~الباقون على الجمع. فمن وحد، فلأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن ~~جمع، فلقوله # أإذا كنا عظاما ورفاتا # وقوله # أإذا كنا عظاما نخرة # وقوله # من يحيي العظام # وما أشبه ذلك. # يقول الله تعالى على وجه القسم، انه: خلق { الإنسان من سلالة من طين } ~~فقال ابن عباس ومجاهد: المراد بالانسان كل انسان، لانه يرجع إلى آدم الذي ~~خلق من سلالة. وقال قتادة: المراد بالانسان آدم، لانه استل من أديم ~~الأرض. وقيل: استل من طين. والسلالة صفوة الشيء التي تخرج منه، كأنها ~~تستل منه. والسلالة صفوة الشيء التي تجري قبل ثفله، وكدره، لانها متقدمة ~~على ثفله، كتقديم السلف والاجر على الآخرة. وقد تسمى النطفة سلالة والولد ~~أيضا سلالة وسليلة. والجمع سلالات، وسلائل، قال الشاعر: # وهل كنت إلا مهرة عربية # سليلة أفراس تجللها بغل # وقال آخر: # فجاءت به عضب الاديم غضنفرا # سلالة فرج كان غير حصين # وقال آخر: # يقذفن فى أسلابها بالسلائل # وقال آخر: # إذا نتجت منها المهارى تشابهت # على القود لا بالانوف سلائله # وفي الآية دلالة على أن الانسان هو هذا ms2558 الجسم المشاهد، لأنه المخلوق من ~~نطفة، والمستخرج من سلالة، دون ما يذهب اليه قوم: من انه الجوهر البسيط، ~~او شيء لا يصح عليه النركيب والانقسام، على ما يذهب اليه معمر وغيره. # وقوله { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين } المعنى جعلنا الانسان، وهو من ~~ولد من نسل آدم { نطفة } وهي القطرة من ماء المني التي يخلق الله منها ~~الحيوان، على مجرى العادة في التناسل، فيخلق الله من نطفة الانسان ~~إنسانا ومن نطفة كل حيوان ما هو من جنسه. ومعنى { مكين } أي مكين لذاك، ~~بأن هيئ لاستقراره فيه الى بلوغ أمده الذي جعل له. # وقوله { ثم خلقنا النطفة علقة } فالعلقة القطعة من الدم إذا كانت جامدة، ~~فبين الله تعالى أنه يصير تلك النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، وهي ~~القطعة من اللحم. ثم اخبر انه يجعل المضغة { عظاما }. وقرئ " عظما " ~~وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم. فمن قرأ { عظاما } أراد ما في ~~الانسان من أقطاع العظم. ومن قرأ " عظما " فلأنه اسم جنس يدل على ذلك. # ثم بين تعالى انه يكسو تلك { العظام لحما } ينشئه فوقها، كما تكسى ~~الكسوة. وقوله ثم { انشأناه خلقا آخر } يعني بنفخ الروح فيه - فى قول ~~ابن عباس ومجاهد - وقيل: نبات الأسنان والشعر، واعطاء العقل والفهم. وقيل ~~{ خلقا آخر } معناه ذكر او انثى. ثم قال { فتبارك الله أحسن الخالقين } ~~ومعنى { تبارك } استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل، ولا يزال، وهو مأخوذ من ~~البروك، وهو الثبوت. # وقوله { أحسن الخالقين } فيه دلالة على ان الانسان قد يخلق على الحقيقة، ~~لانه لو لم يوصف بخالق إلا الله، لما كان لقوله { أحسن الخالقين } معنى. ~~وأصل الخلق التقدير، كما قال الشاعر: # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري # ثم خاطب الخلق. فقال { ثم إنكم } معاشر الخلق بعد هذا الخلق والاحياء { ~~لميتون } أي تموتون عند انقضاء آجالكم. يقولون لمن لم يمت ويصح عليه ~~الموت: ميت ومائت. ولا يقولون لمن مات: مائت. وكذلك فى نظائره سيد وسائد. # وقوله { ثم إنكم ms2559 يوم القيامة تبعثون } أي تحشرون إلى الموقف والحساب ~~والجزاء بعد أن كنتم أمواتا، ولا يدل ذلك على أنه لا يحييهم فى القبور ~~للمساءلة، لان قوله: انه يميتهم عند فناء آجالهم ويبعثهم يوم القيامة، لا ~~يمنع من أن يحييهم فيما بين ذلك، ألا ترى أن القائل لو قال: دخلت بغداد ~~فى سنة مئة، وخرجت منها فى سنة عشر ومئة، لم يدل على أنه لم يخرج فيما ~~بينهما وعاد، فكذلك الآية. على ان الله تعالى اخبر انه أحيا قوما، فقال ~~لهم الله موتوا، ثم أحياهم، فلا بد من تقدير ما قلناه للجميع. وفيه دلالة ~~على بطلان قول معمر، والنظام فى الانسان. ### || [23.17-20] # قرأ اين كثير ونافع وابو عمرو " سيناء " بكسر السين، ولم يصرف، لأنه إسم ~~البقعة. الباقون بفتح السين. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " تنبت " بضم التاء ~~وكسر الباء. الباقون بفتح التاء وضم الياء. من كسر السين من " سيناء " ، ~~فلقوله # طور سينين # والسيناء الحسن، وكل جبل ينبت الثمار فهو سينين. ومن فتح السين، فلأنه ~~لغتان. وأصله سرياني، ومن فتح السين لا يصرفه في المعرفة ولا النكرة، لأن ~~الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث، ولا تكون للالحلاق، لأن ~~(فعلال) لا يكون إلا فى المضاعف مثل (الزلزال والقلقال) ومن كسر السين، ~~فالهمزة عنده منقلبة عن الياء ك (علياء، وحوباء) وهي التي تظهر فى قولك ~~(سيناية) لما بنيت للتأنيث. وانما لم يصرف على هذا القول، وإن كان غير ~~مؤنث، لأنه جعل اسم بقعة أو ارض، فصار بمنزلة امرأة سميت ب (جعفر). ومن ~~ضم التاء من " تنبت " لم يعده بالباء، وأراد تنبت الدهن. قال ابو علي ~~الفارسي: ويحتمل أن يكون الباء متعلقا بغير هذا الفعل الظاهر، وتقدر ~~مفعولا محذوفا، وتقديره: تنبت ثمرها وفيها دهن وصبغ. ومن فتح التاء عدى ~~الفعل بالباء. كقولهم: ذهبت يزيد وأذهبت زيدا، ويجوز أن يكون الباء في ~~موضع الحال، ولا يكون للتعدي. مثل ما قلناه فى الوجه الأول وتقديره تنبت ~~وفيها دهن. # يقول الله تعالى { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ms2560 } يعني سبع سماوات، خلقها ~~الله فوق الخلائق، وسماها طرائق، لأن كل طبقة طريقة. وقال الجبائي: لأنها ~~طرائق للملائكة، وقال ابن زيد: الطرائق السماوات الطباق. وقال الحسن: ما ~~بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام وكذلك ما بين السماء والارض. # وقوله { وما كنا عن الخلق غافلين } معناه ما كنا غافلين ان ينزل عليهم ~~ما يحييهم من المطر. ويحتمل أن يكون أراد ما كنا غافلين عن أفعالهم، وما ~~يستحقون بها من الثواب والعقاب، بل نحن عالمون بجميع ذلك. وقيل { وما كنا ~~عن الخلق غافلين } بل كنا حافظين للسماء من أن تسقط عليهم، فتهلكهم. ~~والغفلة ذهاب المعنى عن النفس. ومثله السهو، فالعالم لنفسه لا يجوز عليه ~~الغفلة، لأنه لا شيء إلا وهو عالم به. وإنما ذكر الغفلة بعد الطرائق، لأن ~~من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن الطرائق التي فوقهم، ~~فتسقط عليهم، فأمسك الله تعالى طرائق السموات أن تقع على الارض إلا ~~باذنه. ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين. # وقوله { وأنزلنا من السماء ماء بقدر } أي أنزلنا المطر والغيث بقدر ~~الحاجة، لا يزيد على قدر الحاجة، فيفسد، ولا ينقص عنها فيهلك، بل وفق ~~الحاجة. # وقوله { فأسكناه في الأرض } يعني انه تعالى أسكن الماء المنزل من السماء ~~في الارض واثبته في العيون والأودية. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " أربعة أنهار من الجنة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان ". # ثم قال تعالى { وإنا على ذهاب به لقادرون } لا يعجزنا عن ذلك شيء، ولو ~~فعلناه لهلك جميع الحيوان، فنبههم بذلك على عظم نعمة الله على خلقه، ~~بانزال الماء من السماء. # ثم اخبر تعالى انه ينشيء للخلق بذلك الماء { جنات } وهي البساتين { من ~~نخيل وأعناب } لتنتفعوا بها معاشر الخلق { لكم فيها فواكه كثيرة } ~~تتفكهون بها { ومنها تأكلون } وانما خص النخيل والاعناب، لأنها ثمار ~~الحجاز، من المدنية والطائف. فذكرهم الله تعالى بالنعم التي يعرفونها. # وقوله { وشجرة تخرج من طور سيناء } انما خص الشجرة التي تخرج من طور ~~سيناء، لما فى ذلك من ms2561 العبرة، بأنه لا يتعاهدها إنسان بالسقي، ولا ~~يراعيها احد من العباد، تخرج الثمرة التي يكون فيها الدهن الذي تعظم ~~الفائدة وتكثر المنفعة به. وسيناء البركة، كأنه قال جبل البركة - وهو قول ~~ابن عباس ومجاهد - وقال قتادة والضحاك: معناه الحسن. وقال ابن عباس: طور ~~سيناء إسم الجبل الذي نودي منه موسى (ع) وهو كثير الشجر قال العجاج: # دانى جناحيه من الطور فمر # وقيل يحتمل ان يكون (سيناء: فيعالا) من السنة، وهو الارتفاع. والشجرة ~~قيل انها شجرة الزيتون. وقوله { تنبت بالدهن } أي تنبت ثمرها بالدهن. ومن ~~فتح التاء فمعناه تنبت بثمر الدهن. وقيل نبت وأنبت لغتان قال زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا بها حتى إذا أنبت البقل # وقيل الباء زائدة، والمعنى تنبت ثمر الدهن، كما قال الراجز: # نحن بنو جعدة أرباب الفلج # نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج # أي نرجوا الفرج. وقوله { وصبغ للآكلين } أي وجعلناه مما يتأدم به ~~الانسان ويصطبغون به من الزيت والزيتون. والاصطباغ ان يغمز فيه ثم يخرجه ~~ويأكله. ### || [23.21-25] # قرأ ابن عامر ونافع وابو بكر عن عاصم " نسقيكم " بفتح النون. الباقون ~~بضمها. قال بعضهم: هم لغتان سقيت وأسقيت، قال الشاعر: # سقى قومي بني مجد واسقى # نميرا والقبائل من هلال # ولا يجوز ان يكون المراد في البيت (وأسقى) مثل قوله # وأسقيناكم ماء فراتا # لأنه لا يكون قد دعا لقومه وخاصته بدون ما دعا للاجنبي البعيد عنه. ~~والصحيح ان سقيت للشفة واسقيت للانهار والانعام تقول: دعوت الله ان ~~يسقيه. ومن قرأ بضم النون أراد: انا جعلنا ما في ضروعها من الالبان سقيا ~~لكم، كما يقال: أسقيناهم نهرا إذا جعلته سقيا لهم، وهذا كأنه اعم، لان ~~ما هو سقيا لا يمتنع أن يكون للشفة، وما يكون للشفة - فقط - يمتنع أن ~~يكون سقيا. وما أسقانا الله من البان الانعام أكثر مما يكون للشفة ومن ~~فتح النون جعل ذلك مختصا به الشفاه دون المزارع والمراعي، فلم يكن مثل ~~الماء فى قوله # فأسقيناكموه # وقوله { وأسقيناكم ماء فراتا } لأن ذلك يصلح للامرين، ومن ثم قال ms2562 # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # وانما قال ها هنا { مما في بطونها } وفي النحل # بطونه # لانه إذا أنث، فلا كلام لرجوع ذلك الى الانعام. وإذا ذكر فلأن النعم ~~والانعام بمعنى واحد، ولئن التقدير: ونسقيكم من بعض ما فى بطونه. # يقول الله تعالى { وإن لكم } معاشر العقلاء { في الأنعام } وهي الماشية ~~التي تمشي على نعمة في مشيها، خلاف الحافر فى وطئها، وهي الابل والبقر ~~والغنم { لعبرة } يعني دلالة تستدلون بها على توحيد الله، وصفاته التي ~~يختص بها دون سواه. # وقوله { نسقيكم مما في بطونها } فالسقي اعطاء ما يصلح للشرب، فلما كان ~~الله تعالى قد أعطى العباد ألبان الأنعام، باجرائه فى ضروعها، وتمكينهم ~~منها، من غير حظر لها، كان قد سقاهم اياها. # ثم قال { ولكم فيها } يعني في الانعام { منافع كثيرة } ولذات عظيمة، ~~ببيعها والتصرف فيها وأكل لحومها، وشرب ألبانها، وغير ذلك من الانتفاع ~~باصوافها وأوبارها، واشعارها، وغير ذلك { ومنها تأكلون } يعني اللحم، ~~وغيره من الألبان وما يعمل منها. ثم قال: ومن منافعها انكم تحملون عليها ~~الاثقال في اسفاركم بأن تركبوها وتحملوا عليها اثقالكم. ومثل ذلك على ~~الفلك، وهي السفن. # ثم اقسم تعالى انه أرسل نوحا الى قومه، يدعوهم إلى الله، ويقول لهم { ~~اعبدوا الله } وحده لا شريك له، فانه لا معبود لكم غيره. ويحذرهم من ~~عقابه، ويقول { أفلا تتقون } نقمة الله بالاشراك معه فى العبادة. ثم حكى ~~أن الملأ وهم - جماعة اشراف قومه - الكفار، قال بعضهم لبعض: ليس نوح هذا ~~إلا مخلوقا مثلكم، وبشر مثلكم، وليس بملك { يريد أن يتفضل عليكم } ~~فيسودكم ويترأسكم وان يكون افضل منكم { ولو شاء الله } ما قاله من توحيده ~~واختصاصه بالعبادة { لأنزل ملائكة } عليكم يدعونكم الى ذلك. # ثم قالوا { ما سمعنا بهذا } يعنى بما قال نوح، وبمثل دعوته. وقيل بمثله ~~بشرا أتى برسالة من ربه فى اسلافنا الماضين وابائنا واجدادنا الذين ~~تقدمونا. ثم قالوا: { إن هو إلا رجل به جنة } اي ليس هذا - يعنون نوحا - ~~إلا رجلا به جنة أي تعتاده غمرة تنفي عقله حتى يتخيل اليه ms2563 ما يقوله ~~ويخرجه عن حال الصحة وكمال العقل، فكان اشراف قومه يصدون الناس عن ~~اتباعه، بما حكى الله عنهم، وقالوا: انه لمجنون يأتي بجنونه بمثل هذا. ~~ويحتمل أن يكونوا أرادوا كأنه فى طعمه فيما يدعو اليه مجنون. ثم قال ~~بعضهم لبعض: { تربصوا به حتى حين } اي الى وقت ما، كأنهم قالوا لهم ~~تربصوا به الهلاك وتوقعوه. ### || [23.26-30] # قرأ ابو بكر عاصم { منزلا } بفتح الميم. الباقون بضمها. من فتح الميم ~~جعله اسم المكان أو مصدرا ثلاثيا. ومن ضم الميم، فلانه مصدر (أنزل ~~إنزالا) لقوله { أنزلني } ومثله # أدخلني مدخل صدق # ولو قرئ { وأنت خير المنزلين } لكان صوابا بتقدير أنت خير المنزلين به، ~~كما تقول: أنزلت حوائجي بك. # وقرا حفص عن عاصم { من كل زوجين } منونا على تقدير اسلك فيها زوجين ~~اثنين من كل، اي من كل جنس، ومن كل الحيوان، كما قال تعالى { ولكل وجهة } ~~اي لكل انسان قبلة # هو موليها # لان (كلا، وبعضا) يقتضيان مضافا إليهما. الباقون بالاضافة إلى { زوجين ~~} ونصب { اثنين } على انه مفعول به # يقول الله تعالى ان نوحا (ع) لما نسبه قومه الى الجنة، وذهاب العقل، ~~ولم يقبلوا منه، دعا الله تعالى، فقال { رب انصرني بما كذبون } أي اعني ~~عليهم، فالنصرة المعونة على العدو. فأجاب الله تعالى دعاءه. وأهلك عدوه، ~~فأغرقهم ونجاه من بينهم بمن معه من المؤمنين. وقوله { بما كذبون } يقتضي ~~أن يكون دعا عليهم بالاهلاك جزاء على تكذيبهم إياه. فقال الله تعالى انا ~~{ أوحينا إليه أن اصنع الفلك } وهو السفينة { بأعيننا } وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - بحيث نراها، كما يراها الرائي من عبادنا بعينه، ليتذكر انه ~~يصنعها، والله (عز وجل) يراه. # الثاني - بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، فانهم يحرسونك من منع ~~مانع لك. # وقوله { ووحينا } أي باعلامنا إياك كيفية فعلها. وقوله { فإذا جاء أمرنا ~~} يعني إذا جاء وقت اهلاكنا لهم { وفار التنور } روي انه كان جعل الله ~~تعالى علامة وقت الاهلاك فوران التنور بالماء. فقال له: اذا جاء ذلك ~~الوقت { فاسلك فيها } يعني فى السفينة، وكان ms2564 فوران الماء من التنور ~~المسجور بالنار، معجزة لنوح (ع) ودلالة على صدقه، وأكثر المفسرين على ~~أنها التنور التي يخبز فيها. وروي عن علي (ع) انه أراد طلوع الفجر. ~~ويقال: سلكته وأسلكته، فيه لغتان، كما قال الشاعر: # وكنت لزاز خصمك لم أعرد # وقد سلكوك فى يوم عصيب # وقال الهذلي: # حتى إذا أسلكوهم فى قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا # وقيل: سلكته فيه حذف، لان تقديره سلكت به فيه. ومعنى { فأسلك فيها } ~~احمل فيها وادخل الى السفينة { من كل زوجين اثنين } أي من كل زوجين، من ~~الحيوان. اثنين: ذكرا وانثى. والزوج واحد له قرين من جنسه وقوله { واهلك ~~} أي اجمل اهلك معهم، يعني الذين آمنوا معك { إلا من سبق عليه القول } ~~بالاهلاك منهم { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } اي لا تسلني فى الظالمين ~~أنفسهم بالاشراك معي ف { إنهم مغرقون } هالكون. ثم قال له { فإذا استويت ~~أنت } يا نوح { ومن معك على الفلك } واستقررتم فيه وعلوتم عليه، وتمكنتم ~~منه فقل شكرا لله { الحمد لله الذي نجانا } وخلصنا { من القوم الظالمين ~~} لنفوسهم بجحدهم توحيد الله. # وقل داعيا { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } وقال ~~الجبائي: المنزل المبارك هو السفينة. وقال مجاهد: قال ذلك حين خرج من ~~السفينة. وقال الحسن: كان فى السفينة. سبعة انفس من المؤمنين، ونوح ~~ثامنهم. وقيل: ستة. وقيل: ثمانين. وقيل: انه هلك كل ما كان على وجه الأرض ~~إلا من نجامع نوح فى السفينة. وقال الحسن: كان طول السفينة الفا ومئتي ~~ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وكانت مطبقة تسير بين ماء السماء وبين ماء ~~الارض. # ثم قال تعالى { إن في ذلك } يعني فيما اخبرناك به وقصصنا عليك { لآيات } ~~ودلالات للعقلاء، يستدلون بها على توحيد الله وصفاته { وإن كنا لمبتلين } ~~أي وإن كنا مختبرين عبادنا بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، ومعرفته ~~وشكره على نعمه عليهم، وبعبادته وطاعته وتصديق رسله. ### || [23.31-36] # قرأ ابو جعفر { هيهات هيهات } بكسر التاء. الباقون بفتحها. ولا خلاف فى ~~ترك التنوين فيهما. # يقول الله تعالى { إنا أنشأنا } واخترعنا، من ms2565 بعد إهلاك قوم نوح ~~بالطوفان { قوما آخرين } والانشاء والاختراع واحد، وكلما يفعل الله ~~تعالى، فهو إنشاء واختراع. وقد يفعل الله تعالى الفعل عن سبب بحسب ما ~~تقتضيه المصلحة. والقرن أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض، ومنه قرن الكبش ~~لمقارنته القرن الآخر، ومنه القرينة، وهي الدلالة التي تقارن الكلام. ~~وقوله { فأرسلنا فيهم رسولا منهم } اخبار منه تعالى انه أرسل رسولا فى ~~القرن الذي انشاهم من بعد قوم نوح. وقال قوم: هو صالح وقيل: هود، لأنه ~~المرسل بعد نوح { أن اعبدو الله ما لكم من إله غيره } أي ارسلناه بأن ~~يقول لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له. ويقول لهم: ما لكم معبود سواه، ~~وأن يخوفهم إذا خالفوه. ويقول لهم { أفلا تتقون } عذاب الله، واهلاكه ~~بارتكاب معاصيه، فموضع (أن) من الاعراب نصب. وتقديره بأن اعبدوا الله، ~~فلما حذفت الباء نصب ب { أرسلنا }. # وقوله { وقال الملأ من قومه } يعني - الاشراف، ووجوههم - قالوا لغيرهم { ~~الذين كفروا } بالله وكذبوا بآياته وحججه وبيناته، وجحدوا { وكذبوا بلقاء ~~الآخرة } والبعث والنشور يوم القيامة. وقوله { وأترفناهم في الحياة ~~الدنيا } والاتراف التنعم بضروب الملاذ، وذلك أن التنعيم قد يكون بنعيم ~~العيش، وقد يكون بنعيم الملبس، فالاتراف بنعيم العيش قال الراجز: # وقد أراني بالديار مترفا # وقوله { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي ليس هذا الذي يدعي النبوة من قبل ~~الله إلا بشرا مثلكم { يأكل مما تأكلون منه } من الاطعمة { ويشرب مما ~~تشربون منه } من الاشربة. ثم قالوا لهم { لئن أطعتم بشرا مثلكم } وعلى ~~هيئتكم وأحوالكم { إنكم إذا لخاسرون } فجعلوا اتباع الرسول خسرانا، لأنه ~~بشر مثلهم، ولم يجعلوا عبادة الصنم خسرانا، لانه جسم مثلهم، وهذا مناقضة ~~ظاهرة. # ثم حكى انهم قالوا لغيرهم { أيعدكم } هذا الذي يدعي النبوة من قبل الله ~~{ أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما } ورفاتا { إنكم مخرجون } وقيل في ~~خبر { إن } الاول قولان: # احدهما - انه قوله { مخرجون } وتكون الثانية للتأكيد. # والثاني - ان يكون الخبر الجملة، وتقديره: أيعدكم انكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما إخراجكم. ونظير تكرير (ان) قوله # ألم يعلموا أنه ms2566 من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم # يعني فله نار جهنم - ذكره الزجاج - إلا ان هذه الثانية عملت فى غير ما ~~عملت فيه الأولى. وإنما هي بمنزلة المكرر في المعنى. وموضع " إنكم " ~~الأولى نصب، وتقديره: ايعدكم بأنكم. وموضع { إن } الثانية كموضع الأولى، ~~وانما ذكرت تأكيدا، والمعنى: أيعدكم أنكم تخرجون إذا متم، فلما بعد ما ~~بين (ان) الأولى، والثانية بقوله { إذا كنتم ترابا وعظاما } أعيد ذكر ~~(أن). # ثم قالوا لهم { هيهات هيهات لما توعون } من البعث، والنشور، والجزاء ~~بالثواب والعقاب. ومعنى " هيهات " بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو بمنزلة ~~(صه. ومه) إلا ان هذه الأصوات الأغلب عليها الأمر والنهي وهذا فى الخبر ~~ونظيره (شتان) أي بعدما بينهما جدا، وانما لم تتمكن هذه الاصوات فى ~~الأسماء يخروجها إلى شبه الافعال التي هي معانيها، وليست مع ذلك افعالا، ~~لانه لا يضمر فيها، ولا لها تصرف الأفعال في أصلها، وانما جعلت هكذا، ~~للافهام بما تفهم به البهيمة من الزجر بالأصوات، على هذه الجملة. وقال ~~ابن عباس: معنى (هيهات) بعيد بعيد. والعرب تقول: (هيهات) لما تبغي، ~~وهيهات ما تبعي، قال جرير: # فهيهات هيهات العقيق ومن به # وهيهات وصل بالعقيق نواصله # ويروى أيهات. وكان الكسائي: يقف بالهاء، فيقول: هيهاة، على قياس هاء ~~التأنيث في الواحد زائدة نحو (علقاة) واختار الفراء الوقف بالتاء، لأن ~~قبلها ساكنا، فصارت كما تقول: بنت وأخت. قال: ولأن من العرب من يخفض ~~التاء، فدل ذلك على انها ليست بهاء التأنيث، وانما هي بمنزلة دراك، ونظار ~~ماله. ومن وقف بالهاء جعلها كالادارة وقال الزجاج: يجوز هيهات وهيهتا ~~وهيهاتا بالتنوين، وترك التنوين. قال الاخفش: يجوز فتح التاء وكسرها ~~ومنهم من يجعل بدل الهاء همزة، فيقول: أيهات، وهي لغة تميم، غير انهم ~~يكسرون التاء. ومن العرب من إذا جعلها فى موضع إسم قال: لم أره مذ أيهات ~~من النهار - بضم التاء - وتنوينها. ومنهم من يجعل مكان التاء نونا، ~~فيقول: ايهان واحدها أيها، قال الشاعر: # ومن دوني الاعيار والقيع كله # وكتمان أيهانا أشت وأبعدا ### || [23.37-40] ms2567 # حكى الله تعالى عن الملأ الذين قالوا { هيهات هيهات لما توعدون } لقومهم ~~الذين أغووهم، وقالوا أيضا ليست الحياة { إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما نحن بمبعوثين } أي لسنا نبعث يوم القيامة على ما يقول هذا المدعي ~~للنبوة من قبل الله. ومعنى { نموت ونحيا } أي يموت منا قوم ويحيا قوم، ~~لأنهم لم يكونوا يقرون بالنشأة الثانية، فلذلك قالوه على هذا الوجه، ~~وشبههتم فى انكار البعث طول المدة فى القرون الخالية، فظنوا أنه ابدا ~~على تلك الصفة، وهذا أبلغ، لأنه إذا اقتضت الحكمة طول المدة لما في ذلك ~~من المصلحة للمكلفين، فلا بد منه، لأن الحكيم لا يخالف مقتضى الحكمة، ~~فقال النبي المرسل عند ذلك يا { رب انصرني بما كذبون } أي اهلك هؤلاء ~~جزاء على تكذيبي ونصرة لي، ومعونة على صحة قولي. فقال الله تعالى له { ~~عما قليل } أي عن قليل و (ما) زائدة { ليصبحن } هؤلاء القوم { نادمين } ~~على ما فعلوه من تكذيب الرسل، وجحد وحدانية الله، والاشراك مع الله فى ~~عبادته غيره # واللام فى قوله { ليصبحن } لام القسم يجوز أن يقدم ما بعدها عليها ~~وتقدير الكلام: ليصبحن هؤلاء نادمين عن قليل. ### || [23.41-46] # لما قال الله تعالى لصالح (ع) انه عما قليل يصبح هؤلاء الكفار نادمين، ~~على ما فعلوا. حكى الله أنهم { أخذتهم الصيحة بالحق } والصيحة الصوت ~~الشديد الذي يفزع منها، فأهلك الله تعالى (ثمود) بالصيحة وهي صيحة تصدعت ~~منها القلوب. وقوله { بالحق } معناه على وجه الحق، وهو أخذهم بالعذاب من ~~أجل ظلمهم، باذن ربهم وهو وجه الحق. ولو أخذوا بغير هذا، لكان أخذا ~~بالباطل، وهو كأخذ كل واحد بذنب غيره. # وقوله { فجعلناهم غثاء } فالغثاء القش الذي يجيء به السيل على رأس ~~الماء: قصب وحشيش وعيدان شجر وغير ذلك. وقيل: الغثاء البالي من ورق ~~الشجر، إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده. وقوله { فبعدا لقوم لا يؤمنون ~~} معناه بعدا لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هي ابعاد من رحمة الله، ~~وقالوا فى الدعاء على الشيء: بعدا له، ولم يقولوا فى الدعاء له قربا ms2568 له ~~أي من الرحمة لانهم طلبوا الانغماس فى الرحمة، فتركوا التقابل لهذه ~~العلة. وقال ابن عباس ومجاهد. وقتادة: الغثاء المتفتت البالي من الشجر ~~يحمله السيل. وقيل: ان الله بعث ملكا صاح بهم صيحة ماتوا عندها عن ~~آخرهم. # ثم اخبر تعالى فقال { وأنشأنا من بعدهم } يعني بعد هؤلاء الذين أهلكهم ~~بالصيحة { قرونا } أي أمما { آخرين } واخبر انه { ما تسبق من أمة أجلها ~~وما يستأخرون } وهذا وعيد لهؤلاء المشركين، ومعناه إن كل أمة لها أجل ~~ووقت مقدر قدره الله لها إذا بلغته لا تؤخر عنه ولا تقدم عليه، بل تهلك ~~عنده. والأجل: هو الوقت المضروب لحدوث أمر من الامور، وليس الأجل الوقت ~~المعلوم أنه يحدث فيه أمر من الامور، لان التأجيل فعل يكون به الوقت أجلا ~~لأمر، وما فى المعلوم ليس بفعل. والأجل المحتوم لا يتأخر ولا يتقدم. ~~والأجل المشروط بحسب الشرط. والمعنى في الأجل المذكور - في الآية - الأجل ~~المحتوم. # ثم اخبر تعالى انه ارسل بعد ان أهلك من ذكره { رسلا تترا } وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بالتنوين. الباقون بغير تنوين، ولا خلاف في الوقف انه ~~بألف. فمن نون لم يمل في الوقف، ومن لم ينون فمنهم من يميل، ومنهم من لا ~~يميل. والمواترة المتابعة. وقيل: هي المواصلة يقال: واترت بين الخبرين أي ~~تابعت بينهما. وقال ابن عباس ومجاهد، وابن زيد: معنى " تترا " أي ~~متواترين يتبع بعضهم بعضا، وهي (فعلى) من المواترة فمن صرفها جعل الألف ~~للالحاق، ومن لم يصرفها جعلها للتأنيث، ويقال: جاءت كتبه تترى. وأصل ~~(تترى، وترى) من وترت، فقلبت الواو تاء لكراهتهم الواو أولا، حتى لم ~~يزيدوها هناك البتة مع شبهها بالتاء فى اتساع المخرج، والقرب في الموضع. ~~وأصله فى المعنى الاتصال، فمنه الوتر الفرد عن الجمع المتصل، ومنه الوتر ~~لاتصاله بمكانه من القوس. # ومنه وترت الرجل أي قطعته بعد اتصال. # ثم اخبر تعالى انه { كلما جاء أمة رسولها } الذي بعثه الله اليهم { ~~كذبوه } ولم يقروا بنبوته. # وقوله { فأتبعنا بعضهم بعضا } يعني في الاهلاك أي أهلاكنا قوما بعد ~~قوم ms2569 { وجعلناهم أحاديث } يتحدثون بهم على وجه المثل في الشر، وهو جمع ~~احدوثة. ولا يقال في الخير لأن الناس يفسرون في الحديث بأسباب الشر أكثر ~~وأغلب. # ثم قال تعالى { فبعدا } من رحمة الله ورسوله { لقوم لا يؤمنون } أي لا ~~يصدقون بواحدنيته فيقرون بالبعث والنشور والجزاء. # ثم اخبر تعالى انه أرسل - بعد إهلاك من ذكره - { موسى وهارون } نبيين { ~~بآياتنا وسلطان مبين } بأدلة من الله وحجج ظاهرة { إلى فرعون وملائه } ~~يعني قومه { فاستكبروا وكانو قوما عالين } والملأ الجماعة التي تملأ ~~الصدر هيبتهم، وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، وخصوا بالذكر، لأن من دونهم ~~أتباع لهم. فلما استكبروا وردوا دعوة الحق تبعهم غيرهم ممن هو دونهم. ~~وقوله { فاستكبروا } اى تكبروا وتجبروا عن الاجابة لهما، وطلبوا بذلك ~~الكبر، فكل مستكبر من العباد جاهل، لانه يطلب أن يعظم بما فوق العبد، وهو ~~عبد لله مملوك يلزمه التذلل له والخضوع، فهي صفة ذم للعبد. وكذلك جبار ~~ومتجبر، وهو مدح فى صفات الله تعالى، لان صفته تجل عن صفات المخلوقين، ~~وتعلو فوق كل صفة. # وقوله { وكانوا قوما عالين } أي كانوا قاهرين للناس بالبغي والتطاول ~~عليهم ولهذا كانت صفة ذم. والعالي القاهر القادر الذي مقدوره فوق مقدور ~~غيره لعظمه يقال: علا فلان إذا ترفع وطغا وتجاوز، ومنه قوله # ألا تعلوا علي # وقوله # إن فرعون علا في الأرض # وقوله # وقد أفلح اليوم من استعلى # أي من علا على صاحبه وقهره بالحجة. ### || [23.47-50] # يقول الله تعالى حكاية عن فرعون وقومه بعد ما أخبر عنهم بالاستكبار، ~~والعلو على موسى وهارون، وترك اجابتهما انهم { قالوا أنؤمن } أي نصدق { ~~لبشرين مثلنا } أي انسانين خلقهم مثل خلقنا، وسمي الانسان بشرا، لانكشاف ~~بشرته، وهي جلدته الظاهرة، حتى احتاج الى لباس يكنه، لأن غيره من الحيوان ~~مغطى البشرة بريش أو صوف أو شعر أو وبر أو صدف، لطفا من الله تعالى لهم ~~إذ لم يكن هناك عقل يدبر أمره مع حاجته الى ما يكنه. وهدى الانسان الى ما ~~يستغني به في هذا الباب. وقوله { وقومهما لنا عابدين } معناه انهم ms2570 لنا ~~مطيعون طاعة العبد لمولاه. وقال قوم: معناه إنهم يذلون لنا ويخضعون. وقال ~~ابو عبيدة: كل من دان لملك، فهو عابد له، ومنه سمي أهل الحيرة العباد، ~~لأنهم كانوا يطيعون ملوك العجم. قال الحسن: كان بنوا إسرائيل يعبدون ~~فرعون وفرعون يعبد الأوثان. # ثم اخبر عنهم انهم كذبوا موسى وهارون، فكان عاقبة تكذيبهما أن اهلكهم ~~الله وغرقهم. والاهلاك إلقاء الشيء بحيث لا يحس به، فهؤلاء هلكوا بالعذاب ~~ويقال للميت: هالك من هذا المعنى. # ثم اقسم تعالى انه آتى موسى الكتاب يعني التوراة التى فيها ما يحتاجون ~~اليه لكي يهتدوا إلى طريق الحق، من معرفة الله وخلع الانداد. # وقوله { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } معناه جعلناهما حجة، على أنه تعالى ~~قادر على اختراع الاجسام من غير شيء، كما اخترع عيسى من غير أب. والاية - ~~ها هنا - فى عيسى (ع) أنه ولد من غير فحل، ونطق فى المهد. وفى أمه أنها ~~حملته من غير ذكر وبرأها كلامه في المهد من الفاحشة. # وقوله { وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } يقال: آوى اليه يأوي، ~~وآواه غيره يؤويه ايواء أي جعله مأوى له. (والربوة) المكان المرتفع على ~~ما حوله، ويجوز ضم الراء وفتحها وكسرها، وبالفتح قرأ عاصم وابن عامر. ~~الباقون بالضم أيضا. ولم يقرأ احد بالجر. ويقال: رباوة بفتح الراء ~~وكسرها والف بعد الباء. فصار خمس لغات. والربوة التى أويا اليها هي ~~الرملة - فى قول ابي هريرة - وقال سعيد بن المسيب: هي دمشق، وقال ابن ~~زيد: هي مصر. وقال قتادة هي بيت المقدس. وقال ابو عبيدة: يقال: فلان فى ~~ربوة من قومه أي فى عز وشرف، وعدد. وقوله { ذات قرار } أي تلك الربوة لها ~~ساحة وسعة أسفل منها. و { ذات معين } أي ماء جار، ظاهر بينهم. وقيل: معنى ~~{ ذات قرار } ذات استواء يستقر عليه. ومعين ماء جار ظاهر للعيون - في قول ~~سعيد والضحاك - وقال قتادة { ذات قرار } ذات ثمار، ذهب إلى انه لأجل ~~الثمار يستقر فيها ساكنوها. ومعين (مفعول) من عنته اعينه، ويجوز أن يكون ~~(فعيلا) ms2571 من معن يمعن، وهو الماعون، وهو الشيء القليل - فى قول الزجاج - ~~قال الراعي: # قوم على الاسلام لما يمنعوا # ما عونهم ويبدلوا التنزيلا # قيل معناه وفدهم. وقيل: زكاتهم. وأمعن في كذا إذا لم يترك منه إلا ~~القليل. وقال الفراء: المعن الاستقامة. قال عبيد بن الابرص: # واهية او معين ممعن # أو هضبة دونها لهوب # واحدها لهب، وهو شق فى الجبل، واهية أي وهت. ومطر ممعن أي مار. ### || [23.51-56] # قرأ اهل الكوفة وابن عامر { وإن } بكسر الهمزة، وخفف ابن عامر النون ~~وسكنها. وقرأ الباقون بفتح الهمزة مشددة النون. # قال قوم: هذا خطاب لعيسى (ع) حكاه الله تعالى، قالوا: وذلك لما جرى ذكره ~~كأنه قال: يا عيسى { كلوا من الطيبات } وقال: آخرون: هو خطاب للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) خاصة خاطبه بلفظ الجمع، كما يقال للرجل الواحد: أيها ~~القوم كفوا عنا. وقال قوم: لما ذكر بعض الانبياء، كأنه قال: وقلنا لهم { ~~يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } والأكل تناول الطعام بالفم، ومضغه ~~وابتلاعه. وصورة " كلوا " صورة الأمر، والمراد به الاباحة. وأصل " كلوا " ~~أؤكلوا، فحذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال. والمعنى مفهوم، لأنه من ~~الاكل. و { الطيبات } الحلال، وقيل: هو المستلذ. فعلى الوجه الأول يكون ~~أمرا بنفل، لأن تقديره كلوا من الحلال على الوجه الذي يستحق به الحمد. ~~وعلى الثاني يكون على الاباحة، كما قال تعالى # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق # وقوله { واعملوا صالحا } أمر من الله لهم بأن يعملوا الطاعات، واجباتها ~~ونوافلها. والصلاح الاستقامة، على ما تدعو اليه الحكمة. وقال قوم: انما ~~هذا حكاية لما قيل لجميع الرسل. وهو الوجه. وقال آخرون: المعنى وقلنا ~~لعيسى { يا أيها الرسل } على الجمع على ما ذكرناه من المثال. # وقوله { وإن هذه أمتكم } موضع { إن } نصب، لان تقديره، ولان { هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } أي لهذه فاتقون. وقيل: موضعه الجر بالعطف ~~على { بما تعملون عليم }. ومن كسر الهمزة استأنف الكلام. ومعنى الأمة - ~~ها هنا - الملة سماها بذلك للاجماع عليها بأمر الله. ms2572 وقال الحسن وابن ~~جريج: معنى { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } أي دينكم دين واحد. وقيل: ~~جماعتكم جماعة واحدة فى الشريعة التي نصبها الله لكم. ونصب { أمة واحدة } ~~على الحال. وقال الجبائي: معناه { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } في أنهم ~~عبيد الله، وخلقه وتدبيره. # وقوله { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } فالزبر الكتب - في قول الحسن ~~وقتادة ومجاهد وابن زيد - وهو جمع زبور، كرسول ورسل. والمعنى تفرقوا ~~كتبا دانوا بها، وكفروا بما سواها، كاليهود دانوا بالتوراة وكفروا ~~بالانجيل، والقرآن. وكالنصارى دانوا بالانجيل وكفروا بالقرآن. ومن قرأ { ~~زبرا } بفتح الباء، وهو ابن عامر فمعناها جماعات، لانه جمع زبرة، وزبر، ~~كبرمة وبرم. # وقوله { كل حزب بما لديهم فرحون } أي كل طائفة بما عندها تفرح لاعتقادها ~~بأن الحق معها. فقال الله تعالى لنبيه { فذرهم } يا محمد { في غمرتهم } ~~أي جهلهم وضلالتهم. وقيل: في حيرتهم. وقيل: فى غفلتهم. والمعاني متقاربة ~~{ حتى حين } أي حين وقت الموت. وقيل: حين العذاب. # ثم قال تعالى منكرا عليهم { أيحسبون } أي يظنون هؤلاء الكفار { أنما ~~نمدهم به من مال وبنين } تمام الكلام أحد شيئين: # احدهما - أيحسبون ان الذي نمدهم به من اجل مالهم وبنيهم، بل إنما نفعل ~~ذلك لما فيه من المصلحة. # والثاني - أن يكون فيه حذف، وتقديره أيحسبون أن الذي نمدهم به من المال ~~والبنين حق لهم أو لكرامتهم عندنا، لا، بل نفعل ذلك لما فيه من المصلحة ~~التي ذكرناها، ويكون قوله { نسارع لهم في الخيرات } ابتداء كلام، ولا ~~يجوز أن يكون الانكار وقع لظنهم ان ذلك مسارعة لهم فى الخيرات، لأنه ~~تعالى قد سارع لهم في الخيرات، بما فعل بهم من الأموال والبنين، لما لهم ~~فى ذلك من اللطف والمصلحة. والغرض في ذلك ان يعرفوا الله ويؤدوا حقوقه { ~~بل لا يشعرون } أي وهم لا يشعرون بذلك، ولا يفهمونه لتفريطهم في ذلك. # والمسارعة تقديم العمل فى اوقاته التي تدعوا الحكمة الى وقوعه فيه، وهي ~~سرعة العمل. ومثله المبادرة. وانما بني على (مفاعلة) لان الفعل كأنه ~~يسابق فعلا آخر. والخيرات المنافع التي ms2573 يعظم شأنها، ونقيضها الشرور. وهي ~~المضار التي يشتد أمرها. والشعور العلم الذي يدق معلومه، وفهمه على صاحبه ~~دقة الشعر. وقيل: هو العلم من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولهذا لا يوصف ~~الله تعالى به. وقيل: نسارع لهم فى الخيرات أي نقدم لهم ثواب اعمالهم ~~لرضانا عنهم، ومحبتنا إياهم، كلا، ليس الأمر كذلك، بل نفعله ابتلاء في ~~التعبد لهم. ### || [23.57-61] # يقول الله تعالى { إن الذين هم من خشية ربهم } اي خوفا من عقابه { ~~مشفقون } والخشية ظن لحوق المضرة. ومثلها المخافة، ونقيضها الأمنة، ~~فالخشية إنزعاج النفس بتوهم المضرة، والظن كذلك يزعج النفس، فيسمى باسمه ~~على طريق البلاغة، والخشية من الله خشية من عقابه وسخطه على معاصيه، { ~~والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } وبحججه من القرآن وغيره يصدقون { والذين ~~هم بربهم لا يشركون } أي لا يشركون بعباة الله غيره، من الاصنام ~~والاوثان، لان خصال الايمان لا تتم إلا بترك الاشراك دون ما يقول أهل ~~الجاهلية إنا نؤمن بالله. # وقوله { والذين يؤتون ما آتوا } اي يعطون ما اعطوا، من الزكاة والصدقة، ~~وينفقونه في طاعة الله { وقلوبهم وجلة } أي خائفة من عقاب الله لتفريط ~~يقع منهم. قال الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة. وقال ابن عمر: ما آتوا ~~من الزكاة { وقلوبهم وجلة } أي خائفة { إنهم إلى ربهم راجعون } اي يخافون ~~من رجوعهم الى الله يوم القيامة، والى مجازاته اي يخافون ذلك، لانهم لا ~~يأمنون التفريط. ثم أخبر عمن جمع هذه الصفات وكملت فيه، فقال { أولئك ~~يسارعون في الخيرات } أي يبادرون الى الطاعات، ويسارعون اليها: من ~~الايمان بالله، ويجتهدون في السبق اليها رغبة فيها ولعلمهم بما لهم بها ~~من حسن الجزاء. وقوله { وهم لها سابقون } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - قال ابن عباس انهم: سبقت لهم السعاة. # الثاني - وهم من اجل تلك الخيرات سابقون الى الجنة. # الثالث - وهم الى الخيرات سابقون. ### || [23.62-67] # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه { لا نكلف نفسا إلا وسعها } يعنى إلا ~~على قدر طاقتها وقوتها، ومثله قوله تعالى # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ms2574 # والوسع الحال التي يتسع بها السبيل الى الفعل. وقيل: إن الوسع دون ~~الطاقة. والتكليف تحميل ما فيه المشقة بالأمر والنهي والاعلام، وهو مأخوذ ~~من الكلفة فى الفعل، والله تعالى مكلف عباده تعريضا لهم للنفع الذي لا ~~يحسن الابتداء بمثله، وهو الثواب. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: فى تكليف ما لا يطاق، لأنه لو ~~كلف ما لا يطيقه العبد لكان قد كلفه ما ليس في وسعه. والآية تمنع من ذلك. # وقوله { ولدينا كتاب ينطق بالحق } يريد الكتاب الذي فيه اعمال العباد ~~مكتوبة من الطاعة والمعصية تكتبه عليه الملائكة الموكلون به كما قال # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # ثم أخبر تعالى { إنهم لا يظلمون } أي لا يؤاخذون بما لا يفعلونه ولا ~~ينقصون عما استحقوه. # ثم اخبر تعالى فقال { بل قلوبهم في غمرة من هذا } اى فى غفلة من هذا ~~اليوم، وهذه المجازاة. وقال الحسن: معناه في حيرة. وهذا اخبار منه تعالى ~~بما يكون منهم في المستقبل من الاعمال القبيحة، زائدة على ما ذكره وحكاه ~~أنه فعلهم { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } قيل فى معناه قولان: # احدهما - قال قتادة وابو العالية - وفى رواية عن مجاهد - ان لهم خطايا ~~من دون الحق. # والثاني - قال الحسن وابن زيد - وفى رواية عن مجاهد - ايضا: أعمالا من ~~دون ما هم عليه لا بد من ان يعملوها. وقوله { حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب إذا هم يجأرون } فالمترف المتقلب في لين العيش ونعومته. ومنه ~~قوله # وأترفناهم في الحياة الدنيا # و { يجأرون } معناه يضجون، لشدة العذاب. وقال ابن عباس: يستغيثون. وقال ~~مجاهد: كان ذلك بالسيوف يوم بدر، والجؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور، ~~قال الاعشى: # يراوح من صلوات الملي # ك طورا سجودا وطورا جؤارا # وقيل معنى { يجأرون } يصرخون بالتوبة، فيقول الله لهم { لا تجأروا اليوم ~~} أي لا تصرخوا فى هذا اليوم { إنكم منا لا تنصرون } بقبول التوبة، ولا ~~لكم من يدفع عنكم ما أفعله من العذاب. ثم يقول الله تعالى لهم { قد ms2575 كانت ~~آياتي } أي حججي وبراهيني { تتلى عليكم } من القرآن وغيره { فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون } فالنكص الرجوع القهقرى وهو المشي على الاعقاب الى خلف، ~~وهو أقبح مشية. مثل شبه الله به أقبح حال فى الاعراض عن الداعي الى الحق. ~~وقال سيبويه: لأنه يمشي ولا يرى ما وراءه، فهو النكوص. وقال مجاهد: ~~ينكصون معناه يستأخرون. وقيل: يدبرون. وقوله { مستكبرين } نصب على ~~الحال، ومعناه { تنكصون } فى حال تكبركم عن الانقياد لحجج الله، والاجابة ~~لانبيائه. # وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك: { مستكبرين به } أي يحرم ~~الله أنه لا يظهر عليكم فيه أحد. # وقوله { سامرا تهجرون } فالسامر الذي يحدث بالسمر ليلا، ومنه السمرة ~~والسمار، لان جميع ذلك من اللون الذي بين السواد والبياض. وقيل: السمر ظل ~~القمر، ويقال له الفخت، ومعنى { سامرا } أي سمارا، فوضع الواحد موضع ~~الجمع لانه فى موضع المصدر، كما يقال قوموا قائما أي قياما قال الشاعر: # من دونهم إن جئتم سمرا # عزف القيان ومجلس غمر # وكانوا يسمرون حول الكعبة بالليل. وقيل: انما وحد، لأنه في موضع الوقت ~~وتقديره لئلا تهجرون، والهجر الكلام المرفوض، وهو المهجور منه، لأنه لا ~~خير فيه. والنائم يهجر في نومه أي يأتي بكلام مختلط لا فائدة فيه. وفى ~~معنى تهجرون قولان: # احدهما - تهجرون الحق بالاعراض عنه، فى قول ابن عباس. # الثاني - تقولون الهجر، وهو السيء من القول، فى قول سعيد بن جبير ومجاهد ~~وابن زيد. # وقرأ نافع وحده { تهجرون } بضم التاء أراد من الهجر، وهو الكلام السيء. ~~الباقون بفتح التاء وضم الجيم، على ما فسرناه، يقال: هجر يهجر هجرا إذا ~~هذى. ### || [23.68-70] # يقول الله تعالى منكرا على هؤلاء الكفار { أفلم يدبروا القول } الذي ~~أتاهم به من القرآن ويتفكروا فيه، فيعلموا انه من قبل الله، لعجز الجميع ~~عن الاتيان بمثله. وقوله { أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين } توبيخ ~~لهم على انكار الدعوة من هذه الجهة، ومع ذلك، فقد جاءت الرسل الأمم قبله، ~~متواترة، فهو عيب وخطأ من كل جهة { ألم لم يعرفوا رسولهم } لكونه غريبا ~~فيهم، ms2576 فلا يعرفون صدقه، ولا أمانته { فهم له منكرون } لذلك؟! ثم اخبر ~~تعالى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) { جاءهم بالحق } من عند الله { ~~وأكثرهم } يعني اكثر الناس { للحق كارهون } أي يكرهونه بمجيئه بما ينافي ~~عادتهم. ### || [23.71-75] # قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع، وعاصم " خرجا " بلا ألف " فخراج " ~~بألف. وقرأ حمزة والكسائي { خراجا فخراج } بالالف فيهما. وقرأ ابن عامر ~~" خرجا فخرج " بلا ألف فيهما. # معنى قوله { ولو اتبع الحق أهواءهم } ان الحق لما كان يدعو الى الافعال ~~الحسنة. والاهواء تدعو إلى الافعال القبيحة، فلو اتبع الحق داعي الهوى ~~لدعاه الى قبيح الاعمال والى ما فيه الفساد والاختلاط، ولو جرى الامر على ~~ذلك { لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن } ووجه فساد العالم بذلك: انه يوجب ~~بطلان الادلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، وانه لا يؤمن وقوع الظلم، ~~الذي لا ينصف منه، وتختلط الامور أقبح الاختلاط ولا يوثق بوعد، ولا وعيد، ~~ولا يؤمن إنقلاب عدل الحكيم. وهذا معنى عجيب. وقال قوم من المفسرين: إن ~~الحق - فى الآية - هو الله والتقدير: ولو اتبع الحق أعني الله أهواء ~~هؤلاء الكفار، وفعل ما يريدونه لفسدت السموات والارض. وقال الجبائي: ~~المعنى لو اتبع الحق - الذى هو التوحيد - أهواءهم فى الاشراك معه معبودا ~~سواه، لوجب ان يكون ذلك المعبود مثلا له ولصح بينهما الممانعة، فيؤدي ذلك ~~الى الفساد، كما قال تعالى # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # والهوى ميل النفس الى المشتهى من غير داعي الحق، كما قال تعالى # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى # فلا يجوز لاحد أن يفعل شيئا لانه يهواه. ولكن يفعله لانه صواب، على انه ~~يهواه أو لانه يهواه مع أنه صواب حسن جائز. وقال ابو صالح. وابن جريج: ~~الحق هو الله، وقال الجبائي معنى { ولو اتبع الحق أهواءهم } فيما يعتقدون ~~من الآلهة { لفسدت السماوات والأرض } كقوله { لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا }. # وقوله { بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون }. قال ابن عباس: معنى ~~الذكر البيان ms2577 للحق. وقال غيره: الذكر الشرف. كقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # وكل ذلك يراد به القران. # ثم قال { أم تسألهم } يا محمد { خرجا } أي اجرا على العمل - فى قول ~~الحسن - وأصل الخرج والخراج واحد، وهو الغلة التي تخرج على سبيل الوظيفة ~~منه. ومنه خراج الارض، وهما مصدران لا يجمعان. ثم قال { فخراج ربك } أي ~~أجر ربك { خير وهو خير الرازقين } يعني الله خير من يرزق. وفى ذلك دلالة ~~على أن غير الله قد يرزق باذنه، ولولا ذلك لم يجز { خير الرازقين }. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { وإنك } يا محمد { لتدعوهم } ~~أي هؤلاء الكفار { إلى صراط مستقيم } من التوحيد، واخلاص العبادة، والعمل ~~بالشريعة { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني من لا يصدقون بالبعث يوم ~~القيامة { عن الصراط } صراط الحق { لناكبون } أي عادلون عن دين الحق. ~~وقال الجبائي: معناه لناكبون فى الآخرة عن طريق الجنة، بأخذهم يمنة ويسرة ~~إلى النار. # ثم قال تعالى { ولو رحمناهم } في الاخرة ورددناهم الى دار الدنيا، ~~وكلفناهم فيها { للجوا في طغيانهم يعمهون } كما قال # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # وقال ابن جريج يريد فى الدنيا أي { لو أنا رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ~~} وجوع ونحوه { للجوا في طغيانهم } أي فى غوايتهم { يعمهون } أي يترددون. ### || [23.76-80] # يقول الله تعالى انا اخذنا هؤلاء الكفار الذين ذكرناهم بالعذاب. وقيل: ~~هو الجدب وضيق الرزق، والقتل بالسيف { فما استكانوا لربهم } أي لم يذلوا ~~عند هذه الشدائد، ولم يتضرعوا اليه، فيطلبوا كشف البلاء منه تعالى عنهم ~~بالاستكانة له، والاستكانة طلب السكون خوفا من السطوة. يقال: استكان ~~الرجل استكانة إذا ذل عند الشدة. # وقوله { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون } ~~فالفتح فرج الباب بطريق يمكن السلوك فيه، فكأنه فتح عليهم بابا أتاهم ~~منه العذاب. وقيل: ان ذلك حين دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: # " اللهم سنين كسني يوسف " # فجاعوا حتى أكلوا العلهز وهو الوبر بالدم فى قول مجاهد. # وقال ابن عباس: هو القتل ms2578 يوم بدر. وقال الجبائي فتحنا عليهم بابا من ~~عذاب جهنم فى الآخرة. # والابلاس الحيرة لليأس من الرحمة، يقال: أبلس فلان إبلاسا إذا بهت عند ~~انقطاع الحجة. # وقوله { وهو الذي أنشأكم } أي أوجدكم، واخترعكم من غير سبب { وجعل لكم ~~السمع والأبصار } أي وخلق لكم السمع تسمعون به الاصوات والابصار تبصرون ~~بها المرئيات وخلق لكم { الأفئدة } وهو جمع فؤاد، وهو القلب { قليلا ما ~~تشكرون } نصب { قليلا } على المصدر و { ما } صلة، وتقديره تشكرون قليلا ~~لهذه النعم التي أنعم بها عليكم. # ثم قال { وهو الذي ذرأكم } اي خلقكم وأوجدكم { في الأرض وإليه تحشرون } ~~يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم إما الثواب أو العقاب. والمراد إلى ~~الموضع الذي يختص تعالى بالتصرف فيه، ولا يبقى لاحد هناك ملك. وقال ~~الفراء: وهو الذي خلق السماوات والارض أي اخترعهما، وانشأهما، وقدرهما ~~على ما فيهما من انواع المخلوقات، ليدل بها على توحيده وألا إله سواه { ~~وله اختلاف الليل والنهار } اي له مرورهما يوما بعد ليلة. وليلة بعد ~~يوم، كما يقال إذا اتى الرجل الدار مرة بعد مرة: هو يختلف الى هذه الدار. ~~وقيل: معناه وله تدبيرهما بالزيادة والنقصان. # ثم قال { أفلا تعقلون } فتفكرون في جميع ذلك، فتعلمون انه لا يستحق ~~الالهية سواه، ولا تحسن العبادة إلا له. ### || [23.81-90] # قرأ ابو عمرو " سيقولون الله " فى الأخيرتين. الباقون " لله " بغير الف، ~~ولا خلاف في الاولى أنها بغير الف. # اخبر الله تعالى حاكيا عن الكفار ممن عاصر النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~أنهم لم يؤمنوا بالله ولم يصدقوا رسوله في اخلاص العبادة له تعالى { بل ~~قالوا مثل ما قال الأولون } أي مثل الذي قاله الكفار الأولون: من انكار ~~البعث والنشور والحساب والجنة والنار، فأقوال هؤلاء مثل أقوال أولئك. ~~وانما دخلت عليهم الشبهة فى انكار البعث، لأنهم لم يشاهدوا ميتا عاش، ~~ولا جرت به العادة، وشاهدوا النشأة الاولى من ميلاد من لم يكن موجودا. ~~ولو فكروا فى أن النشأة الأولى أعظم منه لعلموا أن من انكره فقد جهل جهلا ~~عظيما، وذهب عن الصواب ms2579 ذهابا بعيدا، لان من قدر على اختراع الاجسام لا ~~من شيء، قدر على إعادتها إلى الصفة التي كانت عليها، مع وجودها. # ثم حكى ما قال كل منهم، فانهم قالوا منكرين { أإذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أئنا لمبعوثون } أي كيف نصير أحياء بعد ان صرنا ترابا ورمما ~~وعظاما نخرة؟! ثم قالوا { لقد وعدنا } بهذا الوعد { نحن وآباؤنا } من ~~قبل هذا الموعد، فلم نر لذلك صحة، ولا لهذا الوعد صدقا، وليس { هذا إلا ~~أساطير الأولين } أي ما سطره الأولون مما لا حقيقة له، وانما يجري مجرى ~~حديث السمر الذي يكتب للاطراف به. والأساطير هي الأحاديث المسطرة فى ~~الكتب، واحدها أسطورة. # فقال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد لهؤلاء ~~المنكرين للبعث والنشور { لمن الأرض ومن فيها } أي من يملك الارض ويملك ~~من فيها من العقلاء [وقوله { إن كنتم تعلمون } موافقة لهم فى دعواهم. ثم ~~قال فى الجواب { سيقولون لله } أي سيقولون إن السموات والارض ومن فيهما ~~لله، لانهم لم يكونوا يجحدون الله. وانما كذبوا الرسول. وقوله { قل أفلا ~~تذكرون } أي افلا تتفكرون فى مالكها. وتتذكرون قدرته وانه لا يعجزه شيء ~~عن إعادتكم بعد الموت، مرة ثانية كما انشأكم أول مرة] ثم قال له { قل } ~~يا محمد لهم ايضا { من رب السماوات السبع } أي من مالكها والمتصرف فيها؟ ~~ولولاه لبطل كل شيء سواه، لأنه لا يصح إلا مقدوره او مقدور مقدوره، فقوام ~~كل ذلك به، ولا تستغني عنه طرفة عين لانها ترجع الى تدبيره على ما يشاء ~~(عز وجل) وكذلك هو تعالى { رب العرش العظيم } وانما وجب أن يكون رب ~~السماوات والعرش، من حيث كانت هذه الاشياء جميعها محدثة، لا بد لها من ~~محدث اخترعها وانشأها، ولا بد لها من مدبر يدبرها ويمسكها، ويصرفها على ~~ما تتصرف عليه، ولا بد أن يختص بصفات: من كونه قادرا عالما لنفسه ~~ليتأتى منه جميع ذلك، على ما دبره. # ولولا كونه على هذه الصفات، لما صح ذلك. # ثم اخبر أنهم يقولون فى الجواب عن ms2580 ذلك رب السماوات ورب العرش هو { الله ~~} ومن قرأ بلا ألف فمعناه انهم يقولون إنها { لله } فعند ذلك { قل } لهم ~~{ أفلا تتقون } الله، ولا تخافون عقابه على جحد توحيده والاشراك فى ~~عبادته؟! # ثم أمره بان يقول لهم أيضا { من بيده ملكوت كل شيء } والملكوت عظم ~~الملك ووزنه (فعلوت) وهو من صفات المبالغة نحو (جبروت) ومن كلامهم (رهبوت ~~خير من رحموت) أي ترهب خير من ان ترحم. وقال مجاهد: ملكوت كل شيء خزائن ~~كل شيء، والمعنى أنه قادر على كل شيء إذا صح أن يكون مقدورا له. # وقوله { وهو يجير } معناه أنه يعيذ بالمعنع من السوء، لما يشاء { ولا ~~يجار عليه } أي لا يمكن منع من أراده بسوء منه. وقيل { هو يجير } من ~~العذاب { ولا يجار عليه } منه. والاجارة الاعاذة، والجار المجير المعيذ، ~~وهو الذي يمنعك ويؤمنك ومن استجار بالله اعاذه، ومن أعاذه الله لم يصل ~~اليه احد. فانهم { سيقولون الله } الذي له ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه. فقل لهم عند ذلك { أنى تسحرون } ومعناه كيف يخيل اليكم الحق ~~باطلا، والصحيح فاسدا، مع وضوح الحق وتمييزه عن الباطل. ومن قرأ { الله ~~} باثبات الالف، فلانه يطابق السؤال فى قوله { من رب السماوات السبع ورب ~~الأرض... ومن بيده ملكوت كل شيء } لان جواب ذلك على اللفظ أن يقولوا { ~~الله }. ومن قرأ " لله " باسقاط الالف، حمله على المعنى دون اللفظ، كقول ~~القائل لمملوك: من مولاك؟ فيقول انا لفلان، وانشد الفراء لبعض بني عامر: # واعلم انني سأكون رمسا # إذا سار النواعج لا يسير # فقال السائلون لمن حفرتم # فقال المخبرون لهم وزير # لانه بمنزلة من قال: من الميت؟ فقالوا له: وزير، وذكر أنها في مصاحف أهل ~~الامصار بغير الف، ومصحف أهل البصرة فانها بالف. فأما الاولى فلا خلاف ~~أنها بلا ألف لمطابقة السؤال في قول { قل لمن الأرض } والجواب يقتضى أن ~~يقولوا: لله. وإنما أخبر الله تعالى عنهم، بأنهم يقولون في جواب السؤال: ~~لله، لأنهم لو أحالوا على غير الله فى انه مالك ms2581 السموات والارض، وأن غيره ~~بيده ملكوت كل شيء وأن غيره رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، لظهر ~~كذبهم. ولعلم كل احد بطلان قولهم، لظهور الأمر في ذلك. وقربه من دلائل ~~العقول. # وقوله { فأنى تسحرون } أي كيف تعمهون عن هذا، وتصدون عنه، من قولهم: ~~سحرت أعيننا عن ذلك، فلم نبصره. وقيل معنى ذلك: فأنى تخدعون، كقول امريء ~~القيس: # ونسحر بالطعام وبالشراب # أي نخدع، وقيل معناه أنى تصرفون، يقال: ما سحرك عن هذا الامر أي ما صرفك ~~عنه. ثم أخبر تعالى أنه أتى هؤلاء الكفار بالحق الواضح: من توحيد الله ~~وصفاته وخلع الانداد دونه وأنه يبعث الخلق بعد موتهم، ويجازيهم على ~~طاعاتهم بالثواب، وعلى معاصيهم بالعقاب، وان الكفار كاذبون فيما يخبرون ~~بخلافه. قال المبرد: معنى { أنى } كيف، ومن أين. ### || [23.91-95] # قرأ { عالم الغيب } بالجر ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر وحفص عن عاصم. ~~الباقون بالرفع. من جر رده على قوله { سبحان الله.... عالم الغيب } فجعله ~~صفة لله. ومن رفعه، فعلى تقدير هو { عالم الغيب }. # يقول الله تعالى مخبرا أنه لم يتخذ ولدا اي لم يجعل ولد غيره ولد ~~نفسه، لاستحالة ذلك عليه، لانه محال أن يكون له ولد، فلا يجوز التشبيه ~~بما هو مستحيل ممتنع إلا على النفي والتبعيد. واتخاذ الولد: أن يجعل ~~الجاعل ولد غيره يقوم مقام ولده لو كان له. وكذلك التبني إنما هو جعل ~~الجاعل ابن غيره يقوم مقام ابنه الذي يصح أن يكون ولدا له. ولذلك لا ~~يقال: تبنى شاب شيخا، ولا تبنى الانسان بهيمة، لما استحال ان يكون ذلك ~~ولدا له، ولا يجوز أن يقال: اتخذه ولدا، اذا اختصه بضرب من المحبة، لأن ~~فى ذلك إخراج الشيء عن حقيقته كما أن تسمية ما ليس بطويل عريض عميق جسما ~~إخراج له عن حقيقته. # ثم اخبر انه كما لم يتخذ ولدا، لو يكن معه إله. وهذا جواب لمحذوف، ~~وتقديره: لو كان معه إله آخر { إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على ~~بعض } وفيه إلزام لمن يعبد الاصنام. ms2582 وقوله # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # دليل عام في نفي مساو للقديم فيما يقدر عليه من جميع الاجناس والمعاني. ~~ومعنى { إذا لذهب كل إله بما خلق } أي لانفرد به ولحوله من خلق غيره، ~~لانه لا يرضى أن يضاف خلقه وانعامه الى غيره. # فان قيل: لم لا يكون كل واحد منهم حكيما، فلا يستعلي على حكيم غيره؟ # قلنا: لانه إذا كان جسما وكل جسم محتاج، جاز منه أن يستعلي لحاجته، بل ~~لا بد من أن يقع ذلك منه، لانه ليس له مدبر يلطف له حتى يمتنع من القبيح ~~الذي يحتاج اليه، كما يلطف الله لملائكته وانبيائه بما في معلومه انهم ~~يصلحون به. # ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد وأن يكون معه إله غيره، فقال { سبحان ~~الله عما يصفون } من الاشراك معه، واتخاذ الولد له. # وقوله { عالم الغيب والشهادة } فلذلك يأتي بالحق، وهم يأتون بالجهل. ~~ويحتمل ان يكون معناه إن عالم الغيب والشهادة لا يكون له شريك، لانه أعلى ~~من كل شيء فى صفته. قال الحسن: هو رد لقول المشركين: الملائكة بنات ~~الله. وقال الجبائي: فى الآية دلالة على انه يجوز ان يدعو الانسان بما ~~يعلم انه يكون لا محالة وأن الله لا بد أن يفعله. # ثم قال تعالى { فتعالى عما يشركون } أي تعاظم الله عن ان يشرك هؤلاء ~~الكفار معه من الاصنام والاوثان. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل ~~رب إما تريني ما يوعدون } ومعناه إن أريتني ما وعد هؤلاء الكفار به من ~~العذاب والاهلاك. فقل يا { رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } أي لا ~~تجعلني فى جملة من يشملهم العذاب بظلمهم، وتقديره: إن انزلت بهم النقمة، ~~فاجعلني خارجا منهم. فقال الله تعالى { وإنا على أن نريك ما نعدهم ~~لقادرون } معناه إن ما وعدتهم به من العذاب والاهلاك على كفرهم قادر ~~عليه، لكني لا أفعله وأؤخره الى يوم القيامة لما في تأخيره من المصلحة. ### || [23.96-100] # امر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يدفع السيئة ms2583 من إساءة ~~الكفار اليه بالتي هي أحسن منها. ومعنى ذلك انهم إذا ذكروا المنكر من ~~القول - الشرك - ذكرت الحجة فى مقابلته وذكرت الموعظة التي تصرف عنه الى ~~ضده من الحق، على وجه التلطف في الدعاء اليه، والحث عليه، كقول القائل: ~~هذا لا يجوز، وهذا خطأ، وعدول عن الحسن. وأحسن منه أن يوصل بذكر الحجة ~~والموعظة كما بينا. وقال الحسن: { بالتي هي أحسن } الاغضاء والصفح. وقيل: ~~هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به الأمة، والمعنى إدفع ~~الأفعال السيئة بالافعال الحسنة التي ذكرها. # وقوله { نحن أعلم بما يصفون } معناه نحن اعلم منهم بما يستحقون به من ~~الجزاء في الوقت الذي يصلح الأخذ بالعقوبة إذا انقضى الأجل المضروب ~~بالامهال. ثم قال له { قل } يا محمد، وادع فقل يا { رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين } أي نزغاتهم ووساوسهم، فمعنى { أعوذ } اعتصم بالله من شر ~~الشياطين، فى كل ما يخاف من شره. والمعاذة هي التي يستدفع بها الشر، ~~والهمزات دفعهم بالاغواء الى المعاصي، والهمز شدة الدفع. ومنه الهمزة: ~~الحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد. والعياذ طلب الاعتصام من ~~الشر { وأعوذ بك رب أن يحضرون } هؤلاء الشياطين فيوسوسون لي ويغووني عن ~~الحق. # وقوله { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون } اخبار من الله تعالى ~~عن أحوال هؤلاء الكفار، وانه إذا حضر أحدهم الموت، واشرف عليه سأل الله ~~عند ذلك و { قال رب ارجعون } أي ردني الى دار التكليف { لعلي أعمل صالحا ~~} من الطاعات وأتلافى ما تركته، وانما قال { رب ارجعون } على لفظ الجمع ~~لأحد امرين: # احدهما - انهم استعانوا أولا بالله، ثم رجعوا الى مسألة الملائكة ~~بالرجوع الى الله - في رواية ابن جريج. # والثاني - انه جرى على تعظيم الذكر في خطاب الواحد بلفظ الجمع لعظم ~~القدر كما يقول ذلك المتكلم، قال الله تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقال # ولقد خلقنا الإنسان # وما جرى مجراه. وروى النضر بن سمأل قال: سئل الخليل عن قوله { رب ارجعون ~~} ففكر ثم قال: سألتموني ms2584 عن شيء لا أحسنه ولا أعرف معناه، والله أعلم، ~~لانه جمع، فاستحسن الناس منه ذلك. # فقال الله تعالى فى الجواب عن سؤالهم { كلا } وهي كلمة ردع وزجر أي حقا ~~{ إنها كلمة } فالكناية عن الكلمة والتقدير: ان الكلمة التي قالوها { ~~كلمة هو قائلها } بلسانه. وليس لها حقيقة، كما قال # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # وقوله { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } فالبرزخ الحاجز - وها هنا - ~~هو الحاجز بين الموت والبعث - في قول ابن زيد - وقال مجاهد: هو الحاجز ~~بين الموت والرجوع الى الدنيا. # وقال الضحاك: هو الحاجز بين الدنيا والاخرة: وقيل البرزخ الامهال. وقيل: ~~كل فصل بين شيئين برزخ. # وفى الآية دلالة على أن احدا لا يموت حتى يعرف اضطرارا منزلته عند ~~الله وانه من أهل الثواب أو العقاب - فى قول الجبائي وغيره - وفيها دلالة ~~أيضا على انهم فى حال التكليف يقدرون على الطاعة بخلاف ما تقول المجبرة. # ومعنى { ومن ورائهم } أي أمامهم وقدامهم، قال الشاعر: # ايرجو بنو مروان سمعي وطاعتي # وقومي تميم والفلاة ورائيا # ومعنى { يبعثون } يوم يحشرون للحساب والمجازاة، وأضيف الى الفعل لان ظرف ~~الزمان يضاف الى الافعال. ### || [23.101-105] # قوله تعالى { فإذا نفخ في الصور } ليوم الحشر والجزاء ومعنى نفخ الصور: ~~هو علامة لوقت اعادة الخلق. وفي تصورهم الاخبار عن تلك الحال صلاح لهم في ~~الدنيا، لانهم على ما اعتادوه فى الدنيا من بوق الرحيل والقدوم. وقال ~~الحسن: الصور جمع صورة أي إذا نفخ فيها الأرواح واعيدت احياء. وقال قوم: ~~هو قرن ينفخ فيه إسرافيل بالصوت العظيم الهائل، على ما وصفه الله. وقوله ~~{ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } اخبار منه تعالى عن هول ذلك ~~اليوم، فانهم لا يتواصلون هناك بالانساب، ولا يحنون اليها، لشغل كل انسان ~~بنفسه. وقيل معناه: انهم لا يتناسبون في ذلك اليوم، ليعرف بعضهم بعضا من ~~أجل شغله بنفسه عن غيره. وقال الحسن: معناه لا أنساب بينهم يتعاطفون بها، ~~وإن كانت المعرفة بأنسابهم حاصلة بدلالة قوله # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته ms2585 وبنيه # فاثبت انهم يعرفون أقاربهم وإن هربهم منهم لاشتغالهم بنفوسهم، والنسب هو ~~إضافة الى قرابة في الولادة. # وقوله { ولا يتساءلون } معناه لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله، كما ~~كانوا فى الدنيا، لشغل كل واحد منهم بنفسه. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا أن ~~يحمل عنه من ذنوبه شيئا. ولا يناقض ذلك قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # لان هناك مواطن، فمنها ما يشغلهم من عظيم الأمر الذي ورد عليهم عن ~~المساءلة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وقال ابن عباس: قوله { فإذا ~~نفخ في الصور } يعني النفخة الاولى التي يهلك عندها الخلق، فلا احد يبقى، ~~ولا نسب هناك ولا تساؤل. وقوله { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } فذلك ~~عند دخولهم الجنة، فانه يسأل بعضهم بعضا، وهو قول السدي. # وقوله { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } اخبار منه تعالى أن من ~~عظمت طاعاته وسلمت من الاحباط - فى قول من يقول بذلك - ومن لا يقول ~~بالاحباط فمعناه عندهم: إن من كثرت طاعاته، وهو غير مستحق للعقاب، فان ~~اولئك هم المفلحون الفائزون. # { ومن خفت موازينه } بأن يكون احبطت طاعاته، لكثرة معاصيه. ومن لا يقول ~~بالاحباط، قال: معناه من لم يكن معه شيء من الطاعات وإنما معهم المعاصي، ~~لان الميزان إذا لم يكن فيه شيء يوصف بالخفة، كما يوصف بالخفة إذا كان ~~فيه شيء يسير في مقابلته ما هو أضعافه، فان من هذه صورته { فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } لأنهم أهلكوها بالمعاصي التي استحقوا بها العقاب الدائم، ~~وهم { في جهنم } مؤبدون { خالدون }. # وقال الحسن والجبائي وغيرهما: هناك ميزان له كفتان ولسان. واختلفوا: ~~فمنهم من قال: يوزن بها صحف الأعمال. وقال بعضهم: يظهر فى احدى الكفتين ~~النور، وفي الأخرى الظلمة، فأيهما رجح تبينت الملائكة المستحق للثواب من ~~المستحق للعقاب. وقال قتادة والبلخي: الميزان عبارة عن معادلة الاعمال ~~بالحق. وبيان أنه ليس هناك مجازفة ولا تفريط. # ثم اخبر تعالى بأن النار التي يجعلون فيها { تلفح وجوههم } وانهم فيها { ~~كالحون } يقال: لفح ونفح بمعنى واحد، غير أن اللفح أعظم من ms2586 النفخ. واشد ~~تأثيرا، وهو ضرب من السموم للوجه، والنفح ضرب الريح للوجه، والكلوح تقلص ~~الشفتين عن الاسنان حتى تبدو الأسنان، قال الاعشى: # وله المقدم لا مثل له # ساعة الشدق عن الناب كلح ### || [23.106-110] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { شقاوتنا } باثبات الألف. الباقون { شقوتنا ~~}. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما ونافع { سخريا } بضم السين. الباقون ~~بكسرها. # حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم يعترفون على نفوسهم بالخطأ، ~~ويقولون { ربنا غلبت علينا شقوتنا } والشقوة المضرة اللاحقة فى العاقبة. ~~والسعادة المنفعة اللاحقة فى العاقبة، وقد يقال لمن حصل فى الدنيا على ~~مضرة فادحة: شقي، من حيث أنه يؤدي الى أمر شديدة، فالمعاصي شقوة، تؤدي ~~الى العقاب الدائم. ويجوز أن يكون المراد بالشقوة العذاب الذي يفعل الله ~~بهم ويغلب عليهم. # وقوله { وكنا قوما ضالين } اعتراف منهم على نفوسهم أنهم ضلوا عن الحق ~~فى الدنيا وزمان التكليف، ويسألون الله تعالى فيقولون { ربنا أخرجنا منها ~~} أى من هذه النار { فإن عدنا فإنا ظالمون } ولا يجوز أن يكونوا لو ~~أخرجوا الى دار التكليف لما عادوا، لان الشهوة العاجلة والاغترار ~~بالامهال يعود اليهم فلا يكونون ملجئين. وقد قال الله تعالى # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # وقال الحسن: هو آخر كلام يتكلمون به أهل النار، فيقول الله تعالى لهم فى ~~جوابهم { اخسئوا فيها } يعني في النار { ولا تكلمون } أي ابعدوا، بعد ~~الكلب. واذا قيل للكلب اخسأ، فهو زجر بمعنى ابعد بعد غيرك من الكلاب، ~~واذا خوطب به انسان، فهو إهانة له، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، وخسأت فلانا ~~أخسأه خسأ، فهو خاسئ إذا أبعدته بمكروه، ومنه قوله # كونوا قردة خاسئين # وقوله { ولا تكلمون } قيل فى معناه قولان: # احدهما - ان ذلك على وجه الغضب اللازم لهم، فذكر ذلك ليدل على هذا ~~المعنى، لان من لا يكلم اهانة له وغضبا، فقد بلغ به الغاية في الاذلال. # والثاني - ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، فاني لا أرفعه عنكم، ولا ~~افتره وهو على صيغة النهي، وليس بنهي. # ثم يقول الله تعالى ms2587 لهؤلاء الكفار على وجه التهجين لهم والتوبيخ { إنه ~~كان فريق من عبادي } يعني المؤمنين فى دار الدنيا { يقولون ربنا آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين } أي يدعون بهذه الدعوات، عبادة ~~لله، وطلبا لما عنده من الثواب { فاتخذتموهم } انتم يا معشر الكفار { ~~سخريا } اي كنتم تستهزؤن بهم وتسخرون منهم. وقيل (السخري) بضم السين من ~~التسخير و (السخري) بكسر السين من الهزء. وقيل: هما لغتان. وقوله { حتى ~~أنسوكم ذكري } معناه لتشاغلكم بالسخرية نسيتم ذكري { وكنتم منهم تضحكون } ~~فلذلك نسب اليهم انهم انسوهم ذكر الله، لما كان بسببهم، والاشغال ~~باغوائهم نسوا ذكر الله. ### || [23.111-118] # قرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع { أنهم هم الفائزون } بكسر الهمزة. ~~الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير { قل كم لبثتم } على الامر. الباقون { قال ~~كم لبثتم } على الخبر. وقرأ حمزة والكسائي { قل } فيهما على الأمر. ~~الباقون { قال } فيهما على الخبر. وقرأ { ترجعون } بفتح التاء وكسر الجيم ~~حمزة والكسائي. الباقون بضم التاء وفتح الجيم. # اخبر الله تعالى { إني جزيتهم اليوم } يعني المؤمنين الذين سخر منهم ~~الكفار فى دار التكليف، وأكافيهم على صبرهم ومضضهم في جنب الله، على ~~أقوال الكفار وهزؤهم بهم ب { أنهم هم الفائزون } وحذف الباء، ونصب ~~الهمزة، وقيل: إنها فى موضع جر، وتقديره جزيتهم بفوزهم بالجنة. وقيل ~~تقديره: لانهم هم الفائزون. ومن خفض الهمزة فاستأنف، فالجزاء مقابلة ~~العمل بما يستحق عليه من ثواب أو عقاب كما يقال: الناس مجزيون بأعمالهم ~~إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. والصبر حبس النفس عما تنازع اليه مما ~~لا يحسن، أو ليس بأولى، لان الصبر طاعة الله لما وعد عليه من الجزاء، ~~والطاعة قد تكون فرضا، وقد تكون نفلا. # وقوله { اليوم } يريد به أيام الجزاء لا يوما بعينه، لأن اليوم هو ما ~~بين طلوع الفجر الثاني الى غروب الشمس، وليس المراد في الآية ذلك. # قوله { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين } فمن قرأ { قال } فمعناه قال ~~الله لهم كم لبثتم. ومن قرأ { قل } معناه قل لهم يا محمد، واللبث هو ~~المكث وهو ms2588 حصول الشيء على الحال اكثر من وقت واحد، واللابث هو الكائن على ~~الصفة، على مرور الأوقات. والعدد عقد يظهر به مقدار المعدود، يقال: عده ~~يعده عدا وعددا، فهو عاد. والحساب هو اخراج المقدار فى الكمية وهي ~~العدة، وهذا السؤال لهم على وجه التوبيخ لانكارهم البعث والنشور، فيقول ~~الله لهم اذا بعثهم { كم لبثتم في الأرض عدد سنين } اي اين ما كنتم ~~تنكرون من اجابت الرسل وما جاءت به وتكذبون به. # وقوله { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } فسأل العادين قال مجاهد: معناه ~~فسأل العادين من الملائكة لانهم يحصون أعمال العباد. وقال قتادة: العادين ~~هم الحساب الذين يعدون الشهور والسنين، ولا يدل ذلك على بطلان عذاب ~~القبر، لانهم لم يكونو يعدون كاملي العقول، وقد صح عذاب القبر بتضافر ~~الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) واجماع الامة عليه - ذكره الرماني ~~- ولا يحتاج الى هذا، لانه لا يجوز أن يعاقب الله العصاة إلا وهم كاملوا ~~العقول ليعلموا أن ذلك واصل إليهم على وجه الاستحقاق. ووجه اخبارهم بيوم ~~او بعض يوم، هو الاخبار عن قصر المدة، وقلته، لما مضى لسرعة حصولهم فى ما ~~توعدهم الله تعالى، فيقول الله تعالى في الجواب { إن لبثتم إلا قليلا } ~~اي لم تلبثوا إلا قليلا، والمراد ما قلناه من قصر المدة كما قال # اقترب للناس حسابهم # وكما قال # اقتربت الساعة # وكما قال # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # وقال الحسن: معناه { إن لبثتم إلا قليلا } فى طول لبثكم فى النار، ~~والقلة والكثرة يتغيران بالاضافة، فقد يكون الشيء قليلا بالاضافة الى ما ~~هو أكثر منه، ويكون كثيرا بالاضافة الى ما هو أقل منه { لو أنكم كنتم ~~تعلمون } صحة ما أخبرناكم به. # ثم قال لهم { أفحسبتم } معاشر الجاحدين للبعث والنشور { أنما خلقناكم ~~عبثا } لا لغرض!؟! أي ظنتتم، والحسبان والظن واحد، أي ظننتم انا خلقناكم ~~لا لغرض، وحسبتم { أنكم إلينا لا ترجعون } أي الى الحال التي لا يملك ~~نفعكم وضركم فيها إلا الله، كما كنتم في ابتداء خلقكم ms2589 قبل أن يملك أحدا ~~شيئا من أمركم. ثم نزه تعالى نفسه عن كل دنس، واخبر انه { فتعالى الله ~~الملك الحق } ومعناه: علا معنى صفته، فوق كل صفة لغيره، فهو تعظيم الله ~~تعالى بأن كل شيء سواه يصغر مقداره عن معنى صفته. { والملك الحق } هو ~~الذي يحق له الملك، بأنه ملك غير مملك، وكل ملك غيره، فملكه مستعار له، ~~وانما يملك ما ملكه الله، فكأنه لا يعتد بملكه في ملك ربه، والحق هو ~~الشيء الذي من اعتقده كان على ما اعتقده، فالله الحق، لأنه من اعتقد انه ~~لا إله إلا هو، فقد اعتقد الشيء على ما هو به. وقوله { رب العرش الكريم } ~~أي خالقه، ووصفه العرش بأنه كريم تعظيم له باتيان الخير من جهته، بما ~~دبره الله لعباده، والكريم في أصل اللغة القادر على التكرم من غير مانع. ~~ثم قال { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به } ومعناه إن من دعا ~~مع الله إلها سواه لا يكون له على ذلك برهان ولا حجة، لأنه باطل، ولو ~~دعا الله ببرهان لكان محقا، واجري على ذلك قوله # ويقتلون النبيين بغير حق # وقول الشاعر: # على لا حب لا يهتدى بمناره # وقوله { فإنما حسابه على ربه } يعني الله الذي يبين له مقدار ما يستحقه ~~من ثواب او عقاب. ثم اخبر تعالى بأنه { لا يفلح الكافرون } يعني الجاحدين ~~لنعم الله، والمنكرين لتوحيده، والدافعين للبعث والنشور. ثم امر نبيه ~~(صلى الله عليه وسلم) فقال له { قل } يا محمد { رب اغفر وارحم } أي اغفر ~~الذنوب، وانعم على خلقك. { وأنت خير الراحمين } معناه افضل من رحم وانعم ~~على غيره، واكثرهم نعمة وأوسعهم فضلا. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { وفرضناها } بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها. ~~وفسر ابو عمرو قراءته بمعنى فصلناها وبيناها بفرائض مختلفه، والتقدير هذه ~~{ سورة } لان النكرة لا يبتدأ بها. وقال غيره: معنى التشديد حددنا فيها ~~الحلال والحرام. وقال قتادة: معنى التشديد: قد بيناها. وقيل: معنى ~~التشديد: جعلناها عليكم وعلى من بعدكم ms2590 الى قيام الساعة، # ومن خفف أراد من الفريضة أي فرض فيها الحلال والحرام، والفرض مأخوذ من ~~فرض القوس وهو الحز الذي فيه الوتر، والفرض ايضا نزول القرآن قال الله ~~تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن } أي انزل. وارتفع { سورة } على تقدير ~~هذه { سورة } إلا انه حذف على تقدير التوقع لما ينزل من القرآن. والسورة ~~المنزلة الشريفة قال الشاعر: # ألم تر أن الله اعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # فسميت السورة من القرآن بذلك لهذه العلة. والفرض هو التقدير - فى اللغة ~~- وفصل بينه وبين الواجب، بأن الفرض واجب بجعل جاعل، فرضه على صاحبه، كما ~~انه أوجبه عليه، والواجب قد يكون واجبا من غير جعل جاعل، كوجوب شكر ~~المنعم، فجرى مجرى دلالة الفعل على الفاعل في انه يدل من غير جعل جاعل ~~كما تجعل العلامة الوضعية، إلا أن الله تعالى لا يوجب على العبد الا ما ~~له صفة الوجوب في نفسه، كما لا يرغب الا في ما هو مرغوب فى نفسه. # وقوله { أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون } فمعنى (الآيات) الدلالات ~~على ما يحتاج الى علمه مما قد بينه الله فى هذه السورة، ونبه على ذلك من ~~شأنها لينظر فيه طالب العلم ويفوز ببغيته منه، والتقدير، وفرضنا فرائضها. ~~واضاف الفرائض الى السورة، وهي بعضها، لدلالة الكلام عليه، لانها مفهومة ~~منها و { بينات } معناه ظاهرات واضحات. وقوله { لعلكم تذكرون } معناه لكي ~~تذكروا الدلائل التي فيها، فتكون حاضرة لكم لتعملوا بموجبه وتلتزموا ~~معانيه. ### || [24.2-3] # قرأ ابن كثير الا ابن فليح { رآفة } بفتح الهمزة على وزن (فعالة). ~~الباقون بسكونها، وهما لغتان في المصدر، يقال: رأف رأفة مثل كرم كرما. ~~وقيل: رآفة مثل سقم سقامة. والرأفة رقة الرحمة. # أمر الله تعالى فى هذه الآية: أن يجلد الزاني، والزانية اذا لم يكونا ~~محصنين { كل واحد منهما مئة جلدة } واذا كانا محصنين أو أحدهما، كان على ~~المحصن الرجم بلا خلاف. وعندنا انه يجلد اولا مئة جلدة ثم يرجم، وفي ~~اصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا ms2591 وكانا محصنين، فأما اذا كانا ~~شابين محصنين لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق. وفي ذلك خلاف ~~ذكرناه فى خلاف الفقهاء. # والاحصان الذي يوجب الرجم هو أن يكون له زوج يغدو اليه ويروح على وجه ~~الدوام، وكان حرا. فأما العبد، فلا يكون محصنا، وكذلك الأمة لا تكون ~~محصنة، وانما عليهما نصف الحد: خمسون جلدة، والحر متى كان عنده زوجة ~~يتمكن من وطئها مخلى بينه وبينها سواء كانت حرة او أمة، او كان عنده أمة ~~يطؤها بملك اليمين، فانه متى زنا وجب عليه الرجم، ومن كان غائبا عن ~~زوجته شهرا فصاعدا أو كان محبوسا او هي محبوسة هذه المدة، فلا أحصان. ~~ومن كان محصنا على ما قدمناه ثم ماتت زوجته أو طلقها بطل احصانه. وفى ~~جميع ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه فى الخلاف. # والخطاب بهذه الآية وان كان متوجها الى الجماعة، فالمراد به الأئمة بلا ~~خلاف، لانه لا خلاف أنه ليس لاحد اقامة الحدود إلا للامام أو من يوليه ~~الامام. ومن خالف فيه لا يعتد بخلافه. # والزنا هو وطؤ المرأة في الفرج من غير عقد شرعي ولا شبهة عقد شرعي مع ~~العلم بذلك أو غلبة الظن. وليس كل وطئ حرام زنا، لانه قد يطؤ امرأته فى ~~الحيض والنفاس، وهو حرام، ولا يكون زنا، وكذلك لو وجد امرأة على فراشه، ~~فظنها زوجته او أمته فوطأها لم يكن ذلك زنا، لانه شبهة. # وقوله { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله } قال مجاهد وعطاء ابن أبي ~~رياح وسعيد بن جبير وابراهيم: معناه لا تمنعنكم الرأفة والرحمة من اقامة ~~الحد. وقال الحسن وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وحماد: لا يمنعكم ذلك من ~~الجلد الشديد. (والرأفة) بسكون الهمزة. والرآفة - بفتح الهمزة - مثل ~~الكأبة والكآبة، والسأمة والسآمة، وهما لغتان، وبفتح الهمزة قرأ ابن كثير ~~على ما قدمناه. # وقوله { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } أي إن كنتم تصدقون بما وعد ~~الله وتوعد عليه، وتقرون بالبعث والنشور، فلا تأخذكم فى من ذكرناه ~~الرأفة، ولا تمنعكم من اقامة ms2592 الحد على من ذكرناه، # وقوله { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } قال مجاهد وابراهيم: ~~الطائفة رجل واحد. # وعن ابي جعفر (ع) ان اقله رجل واحد. وقال عكرمة: الطائفة رجلان فصاعدا. ~~وقال قتادة والزهري: هم ثلاثة فصاعدا. وقال ابن زيد: اقله اربعة. وقال ~~الجبائي: من زعم ان الطائفة اقل من ثلاثة فقد غلط من جهة اللغة، ومن جهة ~~المراد بالآية، من احتياطه بالشهادة. وقال: ليس لأحد ان يقيم الحد إلا ~~الأئمة وولاتهم، ومن خالف فيه فقد غلط، كما انه ليس للشاهد ان يقيم الحد. ~~وقد دخل المحصن فى حكم الآية بلا خلاف. # وكان سيبويه يذهب الى ان التأويل: في ما فرض عليكم، الزانية والزاني، ~~ولولا ذلك لنصب بالأمر. وقال المبرد: إذا رفعته ففيه معنى الجزاء، ولذلك ~~دخل الفاء فى الخبر، والتقدير التي تزني، والذي يزني، ومعناه من زنى ~~فاجلدوه، فيكون على ذلك عاما في الجنس. # وقال الحسن: رجم النبي (صلى الله عليه وسلم) الثيب وأراد عمر ان يكتبه ~~فى آخر المصحف ثم تركه، لئلا يتوهم انه من القرآن. وقال قوم: إن ذلك ~~منسوخ التلاوة دون الحكم. وروي عن علي (ع) ان المحصن يجلد مئة بالقرآن، ~~ثم يرجم بالسنة. وانه امر بذلك. # وقوله { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك... } الآية. قيل: انها نزلت على سبب، وذلك انه استأذن رجل من ~~المسلمين النبي (صلى الله عليه وسلم) ان يتزوج امرأة من اصحاب الرايات، ~~كانت تسافح، فأنزل الله تعالى الآية. وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وابن ~~عباس: وقال حرم الله نكاحهن على المؤمنين، فلا يتزوج بهن الا زان او ~~مشرك. وقال مجاهد والزهري والشعبي: ان التي استؤذن فيها ام مهزول. وقيل ~~النكاح - ها هنا - المراد به الجماع، والمعنى الاشتراك في الزنا، يعني ~~انهما جميعا يكونان زانيين، ذكر ذلك ابن عباس. وقد ضعف الطبري ذلك، قال: ~~لا فائدة في ذلك. ومن قال بالأول، قال: الآية وان كان ظاهرها الخبر، ~~فالمراد به النهي. وقال سعيد بن جبير: ms2593 معناه انها زانية مثله. وهو قول ~~الضحاك وابن زيد. وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك حكم كل زان وزانية، ثم ~~نسخ بقوله # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين # وبه قال اكثر الفقهاء. وقال الرماني: وجه التأويل انهما مشتركان فى ~~الزنا، لأنه لا خلاف انه ليس لاحد من اهل الصلاة ان ينكح زانية وان ~~الزانية من المسلمات حرام على كل مسلم من اهل الصلاة، فعلى هذا له ان ~~يتزوج بمن كان زنى بها. # وعن ابي جعفر (ع) (ان الآية نزلت في اصحاب الرايات، فأما غيرهن فانه ~~يجوز ان يتزوجها، وان كان الأفضل غيرها، ويمنعها من الفجور). وفى ذلك ~~خلاف بين الفقهاء. ### || [24.4-5] # قال سعيد بن جبير: هذه الآية نزلت في عائشة. وقال الضحاك في نساء ~~المؤمنين: وهو الأولى، لأنه اعم فائدة، وإن كان يجوز أن يكون سبب نزولها ~~فى عائشة، فلا تقصر الآية على سببها. # يقول الله تعالى ان { الذين يرمون المحصنات } أي يقذفون العفائف من ~~النساء بالزنا، والفجور، وحذف قوله بالزنا لدلالة الكلام عليه، ولم ~~يقيموا على ذلك أربعة من الشهود، فانه يجب على كل واحد منهم ثمانون جلدة. ~~وقال الحسن: يجلد وعليه ثيابه. وهو قول ابي جعفر (ع). ويجلد الرجل ~~قائما، والمراة قاعدة. وقال ابراهيم ترمى عنه ثيابه فى حد الزنا. # وقوله { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } نهي من الله تعالى عن قبول شهادة ~~القاذف على التأبيد، وحكم عليهم بأنهم فساق. ثم استثنى من ذلك الذين ~~تابوا من بعد ذلك. # واختلفوا فى الاستثناء الى من يرجع، فقال قوم: انه من الفساق، فاذا تاب ~~قبلت شهادته حد او لم يحد. وهو قول سعيد بن المسيب. وقال عمر لأبي بكرة: ~~إن تبت قبلت شهادتك. فأبى ابو بكرة أن يكذب نفسه. وهو قول مسروق والزهري ~~والشعبي وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والضحاك، ~~وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وبه قال الشافعي من الفقهاء ~~وأصحابه، وهو مذهبنا. وقال الزجاج: يكون تقديره، ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا إلا الذين ms2594 تابوا. ثم وصفهم بقوله { وأولئك هم الفاسقون } وقال شريح ~~وسعيد بن المسيب، والحسن وابراهيم: الاستثناء من الفاسقين دون قوله { ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا } وبه قال أهل العراق، قالوا: فلا يجوز قبول ~~شهادة القاذف ابدا. ولا خلاف فى انه إذا لم يحد - بأن تموت المقذوفة ولم ~~يكن هناك مطالب، ثم تاب - أنه يجوز قبول شهادته. وهذا يقتضي الاستثناء من ~~المعنيين على تقدير: وأولئك هم الفاسقون فى قذفهم، مع امتناع قبول ~~شهادتهم إلا التائبين منهم. # والحد حق المقذوفة لا يزول بالتوبة. وقال قوم: توبته متعلقة باكذابه ~~نفسه. وهو المروي فى أخبارنا، وبه قال الشافعي. وقال مالك بن أنس: لا ~~يحتاج الى ذلك فيه. قال أبو حنيفة: ومتى كان القاذف عبدا او أمة فعليه ~~أربعون جلدة. وقد روى أصحابنا: أن الحد ثمانون فى الحر والعبد، وظاهر ~~العموم يقتضي ذلك، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن عبد الرحمن. ### || [24.6-10] # قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر { فشهادة أحدهم أربع شهادات } برفع العين. ~~الباقون بفتحها. وقرأ نافع ويعقوب { أن لعنة الله.... وأن غضب الله عليها ~~} بتخفيف النون فيهما، وسكونها، ورفع { لعنة الله } وقرأ نافع { غضب الله ~~} - بكسر الضاد وفتح الباء، ورفع الهاء - من اسم الله. وقرأ يعقوب - بفتح ~~الضاد ورفع الباء وخفض الهاء - من اسم الله. الباقون بفتح الضاد ونصب ~~الباء وخفض الهاء. وقرأ حفص { الخامسة أن غضب الله } بالنصب. الباقون ~~بالرفع. # من رفع قوله { أربع } جعله خبر الابتداء، والابتداء { فشهادة أحدهم } ~~قال أبو حاتم: من رفع فقد لحن، لان الشهادة واحدة، وقد أخبر عنها بجمع، ~~فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز (زيد أخوتك) وهذا خطأ، لان الشهادة، وإن كانت ~~بلفظ الوحدة فمعناها الجمع، كقولك صلاتي خمس، وصومي شهر. وقال الزجاج: ~~تقديره { فشهادة أحدهم } التي تدرؤ العذاب { أربع شهادات } ومن قرأ ~~بالنصب جعله مفعولا به أي يشهد أربع شهادات. وقال ابو علي الفارسي: ينبغي ~~أن يكون قوله { فشهادة أحدهم } مبنيا على ما يكون مبتدأ، وتقديره: ~~فالحكم أو فالفرض ان يشهد أحدهم أربع شهادات، ms2595 أو فعليهم أن يشهدوا، ويكون ~~قوله { إنه لمن الكاذبين } على هذا من صلة { شهادة أحدهم } ، وتكون ~~الجملة التي هي قوله { إنه لمن الصادقين } في موضع نصب، لان الشهادة ~~كالعلم، والجملة في موضع نصب، بأنه مفعول به { وأربع شهادات } تنتصب ~~انتصاب المصادر. ومن رفع { أربع شهادات } لم يكن قوله { إنه لمن الصادقين ~~} إلا من صلة { شهادات } دون " شهادة " كما أن قوله { بالله } من صلة ~~(شهادات) دون صلة { شهادة } لانك لو جعلته من صلة { شهادة } فصلت بين ~~الصلة والموصول. ومن نصب { أربع شهادات } فقياسه ان ينصب { والخامسة } ~~لانها شهادة، وإذا رفع { أربع شهادات } ونصب { الخامسة } قدر له فعلا ~~ينصبها به، وتقديره ويشهد الخامسة. ومن رفع { أربع شهادات } ورفع { ~~الخامسة } جعلها معطوفة عليه، وإذا نصب الخامسة، لم يجعلها معطوفة عليه ~~وجعلها مفعولا، وقدر فعلا ينصبها به. وقال: ابو علي: قراءة نافع في تخفيف ~~(ان) الوجه فيها أنها المخففة من الثقيلة، ولا تخفف في الكلام أبدا ~~وبعدها اسم إلا ويراد إضمار القصة، ومثله قوله # وآخر دعواهم أن الحمد لله # وانما خففت الثقيلة المفتوحة على اضمار القصة والحديث، ولم تكن المكسورة ~~كذلك، لأن الثقيلة المفتوحة موصولة. ويستقبح النحويون قراءة نافع فى قوله ~~{ أن غضب الله } لان من شأن المخففة من الثقيلة ألا تلي فعلا إلا وفي ~~الكلام عوض، كقوله # ألا يرجع # وقوله # علم أن سيكون # فان (لا) و (السين) عوض من الثقيلة. ووجه قراءة نافع انه قد جاء فى ~~الدعاء ولفظه لفظ الخبر، وقد يجئ فى الشعر وإن لم يفصل بين (ان) وبين ما ~~يدخل عليها من الفعل، فعلى قول نافع { لعنة الله } رفع بالابتداء و { غضب ~~} فعل ماض، واسم الله رفع بفعله. # ومعنى الآية ان من قذف محصنة حرة مسلمة بفاحشة من الزنا، ولم يأت بأربعة ~~شهداء جلد ثمانين. ومن رمى زوجته بالزنا تلاعنا. والملاعنة أن يبدأ الرجل ~~فيحلف اربع مرات بالله الذي لا إله إلا هو انه صادق فيما رماها به، ~~ويحتاج ان يقول أشهد بالله أني صادق، لان شهادته أربع مرات تقوم ms2596 مقام ~~أربعة شهود في دفع الحد عنه، ثم يشهد الخامسة ان لعنة الله عليه إن كان ~~من الكاذبين فيما رماها به. [واذا جحدت المرأة ذلك شهدت أربع شهادات ~~بالله انه لمن الكاذبين فيما رماها به و] تشهد الخامسة أن غضب الله عليها ~~إن كان من الصادقين. ثم يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، كما فرق رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) بين هلال بن أمية وزوجته. وقضى أن الولد لها، ~~ولا يدعى لأب، ولا ترمى هي، ولا يرمى ولدها. وقال ابن عباس: متى لم تحلف ~~رجمت، وإن لم يكن دخل بها جلدت الحد، ولم ترجم إذا لم تلتعن، وعند ~~أصحابنا: انه لا لعان بينهما ما لم يدخل بها، فمتى رماها قبل الدخول وجب ~~عليه حد القاذف، ولا لعان بينهما. وفرقة اللعان تحصل عندنا بتمام اللعان ~~من غير حكم الحاكم، وتمام اللعان إنما يكون اذا تلاعن الرجل والمرأة ~~معا. وقال قوم: تحصل بلعان الزوج الفرقة. وقال أهل العراق: لا تقع ~~الفرقة إلا بتفريق الحاكم بينهما. # ومتى رجمت عند النكول ورثها الزوج، لأن زناها لا يوجب التفرقة بينهما. ~~ولو جلدت - إذا لم يكن دخل بها - فهما على الزوجية. وذلك يدل على ان ~~الفرقة انما تقع بلعان الرجل والمرأة معا. قال الحسن: اذا تمت الملاعنة ~~بينهما ولم يكن دخل بها، فلها نصف الصداق، لان الفرقة جاءت من قبله. واذا ~~تم اللعان اعتدت عدة المطلقة عند جميع الفقهاء، ولا يتزوجها أبدا بلا ~~خلاف. # وآية اللعان نزلت في عاصم بن عدي. وقيل: نزلت في هلال ابن امية - فى قول ~~ابن عباس - ومتى فرق بينهما ثم اكذب نفسه جلد الحد ولا ترجع اليه امرأته. ~~وقال ابو حنيفة ترجع اليه. وإذا أقر بالولد بعد اللعان ألحق به يرثه ~~الابن ولا يرثه الأب. وقال الشافعي: يتوارثان. و (الدرؤ) الدفع و { ~~العذاب } الذي يدرؤ عنهما بشهادتهما (الحد)، لأنه بمنزلة من يشهد عليها ~~أربعة شهود بالزنا. وقال قوم: هو الحبس لانه لم تتم البينة بأربعة شهود، ~~وانما إلتعان الرجل درأ عنه ms2597 الحد فى رميه. # قال الجبائي: فى الآية دلالة على ان الزنا ليس بكفر، لانه ليس لصاحبه ~~حكم المرتد. وفيها دلالة على انه يستحق اللعن من الله بالزنا. # وقوله { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب رحيم } نصب قوله { ~~وأن الله } لانه عطف على موضع (أن) الاولى. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره: ~~لولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة، ولعاجلكم ~~بالعقوبة او لهلكتم وما يجري مجراه. ومثله قولهم: لو رايت فلانا وفى يده ~~السيف اي لرأيت شجاعا ولرأيت هائلا، قال جرير: # كذب العواذل لو رايت مناخنا # بحزيز رامة والمطي سوام # وفى المثل (لو ذات سوار لطمتني) ### || [24.11-15] # يقول الله تعالى مخاطبا لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) { إن الذين ~~جاؤا بالإفك } يعني الذين أتوا بالافك، وهو الكذب الذي قلب فيه الأمر عن ~~وجهه، واصله الانقلاب، ومنه (المؤتفكات) وأفك يأفك افكا إذا كذب. لانه ~~قلب المعنى عن حقه الى باطله، فهو آفك، مثل كاذب، # وقوله { عصبة منكم } يعني جماعة منكم، ومنه قوله # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة # ويقال: تعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة، فشد بعضهم بعضا. والعصبة فى ~~النسب العشيرة المقتدرة، لانه يجمعها التعصب. # وقال ابن عباس: منهم (عبد الله بن أبي بن سلول) وهو الذي تولى كبره، وهو ~~من رؤساء المنافقين. و (مسطح بن اثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش) ~~وهو قول عائشة، وكان سبب الافك ان عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، ~~وكانت تباعدت لقضاء الحاجة، فرجعت تطلبه، وحمل هودجها على بعيرها ظنا ~~منهم بها أنها فيه، فلما صارت الى الموضع وجدتهم قد رحلوا عنه، وكان ~~صفوان ابن معطل السلمي الذكواني من وراء الجيش فمر بها، فلما عرفها أناخ ~~بعيره حتى ركبته، وهو يسوقه حتى أتى الجيش بعد ما نزلوا فى قائم الظهيرة. ~~هكذا رواه الزهري عن عائشة. # وقوله { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } خطاب لمن قرب بالافك من ~~عائشة، ومن اغتم لها، فقال الله تعالى لا تحسبوا ms2598 غم الافك شرا لكم بل هو ~~خير لكم، لان الله (عز وجل) يبرئ ساحته ببراءتها، وينفعها بصبرها ~~واحتسابها، وما ينل منها من الاذى والمكروه الذي نزل بها، ويلزم أصحاب ~~الافك ما استحقوه بالاثم الذى ارتكبوه فى أمرها. # ثم اخبر تعالى فقال { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم } أي له جزاء ما ~~اكتسب من الاثم من العقاب. # ثم قال { والذي تولى كبره منهم } يعني (ان ابي بن سلول) تحمل ومعظمه و ~~(كبره) مصدر من معنى الكبير من الامور. قال ابو عبيدة: فرقوا بينه وبين ~~مصدر الكبر فى السن، يقال: فلان ذو كبر أي ذو كبرياء. وقرأ ابو جعفر ~~المدني بضم الكاف. الباقون بكسرها، فالكبر بضم الكاف من كبر السن، وهو ~~كبير قومه أي معظمهم، والكبر والعظم واحد. وقيل: دخل حسان على عائشة ~~فانشدها قوله فى بيته: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم القوافل # فقالت له: لكنك لست كذلك. وقوله { له عذاب عظيم } يعني جزاء على ما ~~اكتسبه من الاثم. وقوله { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا } معناه هلا حين سمعتم هذا الافك من القائلين ظن المؤمنون ~~بالمؤمنين الذين هم كانفسهم خيرا، لان المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة ~~فيما يجري عليها من الامور، فاذا جرى على أحدهم محنة، فكأنه جرى على ~~جماعتهم، وهو كقوله # فسلموا على أنفسكم # وهو قول مجاهد، قال الشاعر في (لولا) بمعنى (هلا): # تعدون عقر النيب أفضل مجدلكم # بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # اي فهلا تعدون قتل الكمي. وقوله تعالى { وقالوا هذا إفك مبين } معناه ~~وهلا قالوا هذا القول كذب ظاهر. ثم قال تعالى { لولا جاؤا عليه بأربعة ~~شهداء } اى هلا جاؤا على ما قالوه ببينة أربعة من الشهداء { فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء فأولئك } الذين قالوا هذا الافك { هم الكاذبون } عند الله، ~~والمعنى انهم كاذبون فى عيبهم، فمن جوز صدقهم، فهو راد لخبر الله تعالى، ~~فالآية دالة على كذب من قذف عائشة، وافك عليها. فأما في غيرها إذا رماها ~~الانسان، فانا لا نقطع على ms2599 كذبه عند الله، وإن اقمنا عليه الحد، وقلنا هو ~~كاذب فى الظاهر، لانه يجوز أن يكون صادقا عند الله، وهو قول الجبائي. # ثم قال تعالى على وجه الامتنان على المؤمنين { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم } جزاء على ~~خوضكم في قصة الافك وافاضتكم فيه. وقيل فى الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم في ما افضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا ~~والاخرة. # وقوله { إذ تلقونه بألسنتكم } تقديره: لمسكم عذاب عظيم حين تلقونه ~~بالسنتكم، ومعناه برواية بعضكم عن بعض لتشييعه - فى قول مجاهد - وروي عن ~~عائشة أنها قرأت { تلقونه } من ولق الكذب، وهو الاستمرار على الكذب، ~~ومنه: ولق فلان في السير إذا استمر به، ويقال. فى الولق من الكذب: الالق ~~والألق، تقول: ألقت وانتم تألقونه. أنشد الفراء: # من لي بالمرر واليلامق # صاحب أدهان وألق آلق # فتح الالف من ادهان، وقال الراجز: # إن الحصين زلق وزملق # جاءت به عيس من الشام تلق # وينشد ايضا: # ان الحصين زلق وزملق # جاءت به عنس من الشام تلق # مجوع البطن كلاليم الحلق # وقوله { تقولون بأفواكم ما ليس لكم به علم } من وجه الافك { وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم } اي تظنونه حقيرا وهو عند الله عظيم لأنه كذب ~~وافتراء. ### || [24.16-20] # يقول الله تعالى للمؤمنين: وهلا حين سمعتم من هؤلاء العصبة ما قالوا من ~~الافك { قلتم } في جوابهم { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا } أي ليس لنا ذلك ~~بل هو محرم علينا، وقلتم { سبحانك } يا ربنا { هذا } الذي قالوه { بهتان ~~عظيم } أي كذب وزور عظيم عقابه في الظاهر. فالبهتان الكذب الذي فيه ~~مكابرة تحير، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا إذا حيره بالكذب عليه. # ثم قال تعالى { يعظكم الله أن تعودوا } أي كراهة أن تعودوا { لمثله } أو ~~لئلا تعودوا إلى مثله من الافك { أبدا } أي طول اعماركم، لا ترجعوا الى ~~مثل هذا القول { إن كنتم مؤمنين } مصدقين بالله ونبيه، قابلين وعظ الله. ~~وقال ابن زيد: الوعظ ms2600 يمنع ان يقول القائل أنا سمعته، ولم أختلقه. { ويبين ~~الله لكم الآيات } يعني الدلالات والحجج { والله عليم حكيم } أي عالم بما ~~يكون منكم، حكيم فيما يفعله، ولا يضع الشيء إلا فى موضعه. # ثم اخبر تعالى { إن الذين يحبون } ويؤثرون { أن تشيع الفاحشة } أي تظهر ~~الافعال القبيحة { في الذين آمنوا لهم عذاب أليم } أي موجع جزاء على ذلك ~~" في الدنيا " باقامة الحد عليهم، وفي { الآخرة } بعذاب النار { والله ~~يعلم } ذلك وغيره { وأنتم لا تعلمون } ان الله تعالى يعلم ذلك. # ثم قال { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم } لأهلكنكم ~~وعاجلكم بالعقوبة، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. # وفي الآية دلالة على أن العزم على الفسق فسق، لانه إذا الزمه الوعيد على ~~محبة شياع الفاحشة من غيره، فاذا أحبها من نفسه وأرادها كان أعظم. ### || [24.21-25] # قرأ ابو جعفر المدني " ولا يتأل " على وزن (يتفعل) الهمزة مفتوحة بعد ~~التاء، واللام مشددة مفتوحة. الباقون " يأتل " على وزن (يفتعل). الهمزة ~~ساكنة. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " يوم يشهد " بالياء، لان تأنيث ~~الألسنة ليس بحقيقي، ولانه حصل فصل بين الفعل والفاعل. الباقون بالتاء، ~~لان الألسنة مؤنثة. # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المعترفين بتوحيد الله المصدقين لرسله، ~~ينهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان، وخطوات الشيطان تخطية الحلال الى ~~الحرام. والمعنى لا تسلكوا مسالك الشيطان، ولا تذهبوا مذهبه، والاتباع ~~الذهاب فيما كان من الجهات التي يدعو الداعي اليها بذهابه فيها، فمن وافق ~~الشيطان فيما يدعو اليه من الضلال، فقد اتبعه. والاتباع اقتفاء أثر ~~الداعي الى الجهة بذهابه فيها، وهو بالتثقيل والتخفيف بمعنى الاقتداء به. ~~والمعنى لا تتبعوا الشيطان بموافقته فيما يدعو اليه. ثم قال { ومن يتبع ~~خطوات الشيطان } فيما يدعوه اليه { فإنه } يعني الشيطان { يأمر بالفحشاء ~~} يعني القبائح { والمنكر } من الأفعال. والفحشاء كل قبيح عظيم. والمنكر ~~الفساد الذي ينكره العقل ويزجر عنه. # ثم قال تعالى { ولو لا فضل الله عليكم ورحمته } بان يلطف لكم، ويزجركم ~~عن ارتكاب المعاصي { ما زكى منكم من أحد أبدا } ف (من) ms2601 زائدة، والمعنى ~~ما فعل احد منكم الافعال الجميلة إلا بلطف من جهته أو وعيد من قبله. وقال ~~ابن زيد: معناه لولا فضل الله ما أسلم احد منكم. # وفى ذلك دلالة على أن احدا لا يصلح في دينه إلا بلطف الله (عز وجل) له، ~~لأن ذلك عام لجميع المكلفين الذين يزكون بهذا الفضل من الله. # وقوله { ولكن الله يزكي من يشاء } معناه من يعلم أن له لطفا يفعله به ~~ليزكو عنده. وقيل: يزكي من يشاء بالثناء عليه. والأول أجود { والله سميع ~~عليم } معناه إنه يفعل المصالح والالطاف على ما يعلمه من المصلحة ~~للمكلفين. لانه يسمع أصواتهم ويعلم أحوالهم. # وفي الآية دلالة على أنه تعالى يريد لخلقه خلاف ما يريده الشيطان، لأنه ~~ذكره عقيب قوله { يأمر بالفحشاء والمنكر }. # وقوله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } فالايتلاء القسم، يقال آلى ~~يؤلي إيلاء إذا حلف على أمر من الأمور، ويأتل (يفتعل) من الالية على وزن ~~(يقتضي) من القضية، ومن قرأ { يتأل } فعلى وزن (يتفعل)، والمعنى لا يحلف ~~أن لا يؤتي. # وقال ابن عباس وعائشة وابن زيد: إن الآية نزلت فى أبي بكر، ومسطح بن ~~أثاثة، وكان يجري عليه، ويقوم بنفقته، فقطعها وحلف ان لا ينفعه أبدا، ~~لما كان منه من الدخول مع أصحاب الافك فى عائشة، فلما نزلت هذه الآية عاد ~~أبو بكر له الى ما كان، وقال: والله اني لأحب ان يغفر الله لي، والله لا ~~أنزعها عنه ابدا. # وكان مسطح ابن خالة أبي بكر، وكان مسكينا ومهاجرا من مكة الى المدينة، ~~ومن جملة البدريين. وقال الحسن ومجاهد: الآية نزلت فى يتيم كان في حجر ~~أبي بكر، حلف الا ينفق عليه. وروي عن ابن عباس وغيره: أن الآية نزلت في ~~جماعة من اصحاب - رسول الله حلفوا أن لا يواسوا أصحاب الأفك. وقال قوم: ~~هذا نهي عام لجميع أولي الفضل والسعة أن يحلفوا ألا يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والفقراء، وهو أولى واعم فائدة، ويدخل فيه ما قالوه. وكان مسطح ~~احد من حده النبي (صلى ms2602 الله عليه وسلم) فى قذف الافك. # وقال ابو علي الجبائي: قصة مسطح دالة على انه قد يجوز أن تقع المعاصي ~~ممن شهد بدرا بخلاف قول النوابت. # وقوله تعالى { وليعفوا وليصفحوا } أمر من الله تعالى للمرادين بالآية ~~بالعفو عمن أساء اليهم، والصفح عنهم. واصل العافي التارك للعقوبة على من ~~اذنب اليه، والصفح عن الشيء ان يجعله بمنزلة ما مر صفحا. ثم قال لهم { ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم } معاصيكم جزاء على عفوكم وصفحكم عمن اساء ~~اليكم { والله غفور رحيم } اي ساتر عليكم منعم. # ثم اخبر تعالى { إن الذين يرمون المحصنات } ومعناه الذين يقذفون العفائف ~~من النساء { الغافلات } عن الفواحش { لعنوا في الدنيا والآخرة } اي ~~أبعدوا من رحمة الله { في الدنيا } باقامة الحد عليهم ورد شهادتهم { وفي ~~الآخرة } بأليم العقاب، والابعاد من الجنة { ولهم } مع ذلك { عذاب عظيم } ~~عقوبة لهم على قذفهم المحصنات. وهذا وعيد عام لجميع المكلفين، في قول ابن ~~عباس وابن زيد واكثر اهل العلم. # وقال قوم: فى عائشة، لما رأوها نزلت فيها هذه الآية توهموا ان الوعيد ~~خاص فيمن قذفها، وهذا ليس بصحيح، لأن عند اكثر العلماء المحصلين: ان ~~الآية إذا نزلت على سبب لم يجب قصرها عليه، كآية اللعان، وآية القذف، ~~وآية الظهار، وغير ذلك. ومتى حملت على العموم دخل من قذف عائشة في ~~جملتها. # وقوله { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم } تقديره: ولهم عذاب ~~عظيم فى هذا اليوم. وهو يوم القيامة. وشهادة الايدي والأرجل باعمال ~~الفجار. قيل فى كيفيتها ثلاثة اقوال: # احدها - ان الله تعالى يبنيها بنية يمكنهم النطق بها والكلام من جهتها. # الثاني - ان يفعل الله تعالى في هذه البنية كلاما يتضمن الشهادة، ~~فكأنها هي الناطقة. # والثالث - ان يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة، وذلك اذا جحدوا ~~معاصيهم. واما شهادة الالسن فيجوز ان يكونوا يشهدون بألسنتم إذا رأوا ان ~~لا ينفعهم الجحد. واما قوله تعالى { اليوم نختم على أفواههم } فقالوا: ~~إنه يجوز ان يخرج الألسنة ويختم على الأفواه، ويجوز ان يكون الختم على ~~الأفواه ms2603 إنما هو فى حال شهادة الأيدي والارجل. وقال الجبائي: ويجوز ان ~~يبنيها بنية مخصوصة، ويحدث فيها شهادة تشهد بها. # وقوله { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } يعني جزاءهم الحق، والدين - ها ~~هنا - الجزاء، ويجوز ان يكون المراد جزاء دينهم الحق، وحذف المضاف واقام ~~المضاف اليه مقامه { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } اي يعلمون الله ~~ضرورة فى ذلك اليوم، ويقرون انه الحق، الذين ابان الحجج والآيات فى دار ~~التكليف، وهو قول مجاهد، وقرئ { الحق } بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله من ~~صفة الله، ومن نصبه جعله صفة للدين. ### || [24.26] # قيل في معنى الآية أربعة اقوال: # احدها - قال ابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك: معناه { الخبيثات } من ~~الكلم { للخبيثين } من الرجال أي صادرة منهم. # الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس: أن { الخبيثات } من السيآت { ~~للخبيثين } من الرجال، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال. # الثالث - قال ابن زيد: { الخبيثات } من النساء { للخبيثين } من الرجال، ~~كأنه ذهب الى اجتماعها للمشاكلة بينهما. # والرابع - قال الجبائي: { الخبيثات } من النساء الزواني { للخبيثين } من ~~الرجال الزناة، على التعبد الأول ثم نسخ، وقيل الخبيثات من الكلم إنما ~~تلزم الخبيثين من الرجال وتليق بهم. والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~عكس ذلك على السواء في الاقوال الأربعة. # والخبيث الفاسد الذي يتزايد فى الفساد تزايد النامي فى النبات، ونقيضه ~~الطيب. والحرام كله خبيث. والحلال كله طيب. # وقوله { أولئك مبرؤن مما يقولون } قال مجاهد معناه: الطيبون من الرجال ~~مبرؤن من خبيثات القول، يغفرها الله لهم. ومن كان طيبا، فهو مبرؤ من كل ~~قبيح. ومن كان خبيثا، فهو مبرؤ من كل طيب بأن الله يرده عليه. ولا يقبله ~~منه. وقال الفراء وغيره: يرجع ذلك الى عائشة، وصفوان بن معطل كما قال # فإن كان له أخوة # والام تحجب بالاخوين، فجاء على تغليب لفظ الجمع الذي يجري مجرى الواحد ~~فى الاعراب، وانما قال { مبرؤن.... } الآية، لأنه ذكر صفة الجمع، والمبرأ ~~المنزه عن صفة الذم، المنفي عنه صفة العيب، يقال: برأه الله من كذا، إذا ~~نفاه عنه. والله تعالى ms2604 يبرئ المؤمنين من العيوب التي يضيفها اليهم ~~أعداؤهم، ويفضح من يكذب عليهم. # وقوله { لهم مغفرة ورزق كريم } أي لهؤلاء الطيبين من الرجال والنساء ~~مغفرة من الله لذنوبهم، وعطية من الله كريمة، فالرزق الكريم هو الذي يعطي ~~الخير على الادرار المهنأ، من غير تنغيص الامتنان، وهو رزق الله تعالى ~~الذي يعم جميع العباد، ويخص من يشاء بالزيادة فى الافعال. وقال قتادة { ~~لهم مغفرة من الله ورزق كريم } فى الجنة. ### || [24.27-30] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم أن يدخلوا بيوتا لا يملكونها، ~~وهي ملك غيرهم إلا بعد أن يستأنسوا، ومعناه يستأذنوا، والاستئناس ~~الاستئذان - في قول ابن عباس وابن مسعود وابراهيم وقتادة - وكأن المعنى ~~يستأنسوا بالاذن. وروي عن ابن عباس أنه قال: القراءة { حتى تستأذنوا } ~~وانما وهم الكتاب. وهو قول سعيد ابن جبير، وبه قرأ أبي بن كعب. وقال ~~مجاهد: حتى تستأنسوا بالتنحنح والكلام الذي يقوم مقام الاستئذان. وقد بين ~~الله تعالى ذلك في قوله # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا # قال عطاء: وهو واجب في أمه وسائر أهله والاستئناس طلب الانس بالعلم أو ~~غيره، كقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى احدا، ومنه قوله # فإن آنستم منهم رشدا # اي علمتم. # وقوله { وتسلموا على أهلها } معناه على أهل البيوت ينبغي أن تسلموا ~~عليهم وإذا أذنوا لكم فى الدخول فادخلوها. وروى ابو موسى عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) أنه قال: # " الاستئذان ثلاث، فان اذنوا، وإلا فارجع " # فدعاه عمر، فقال لتأتيني بالبينة وإلا عاقبتك، فمضى أبو موسى، فأتى بمن ~~سمع الحديث معه. # والفرق بين الاذن في الدخول، وبين الدعاء اليه، أن الدعاء اليه، يدل على ~~ارادة الداعي، وليس كذلك الاذن. وفى الدعاء رغبة الداعي او المدعو، وليس ~~كذلك الاذن # وقوله { ذلكم خير لكم } يعني الاستئذان خير لكم من تركه، لتتذكروا في ~~ذلك، فلا تهجموا على العورات. # وقوله { فإن لم تجدوا فيها أحدا } يعني ان لم تعلموا فى البيوت احدا ~~يأذن لكم فى الدخول " فلا تدخلوها " لانه ربما كان فيما ما لا يجوز أن ~~تطلعوا ms2605 عليه إلا بعد أن يأذن اربابها في ذلك، يقال: وجد اذا علم. # وقوله { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } أي لا تدخلوا إذا قيل لكم: لا ~~تدخلوا، فان ذلك { أزكى لكم } اي اطهر { والله بما تعملون عليم } أي عالم ~~بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها. # ثم قال { ليس عليكم جناح } أي حرج وإثم { ان تدخلوا بيوتا غيرمسكونة ~~فيها متاع لكم } أي منافع. وقيل: في معنى هذه البيوت أربعة اقوال: # احدها - قال قتادة: هي الخانات، فان فيها استمتاعا لكم من جهة نزولها، ~~لا من جهة الأثاث الذي لكم فيها. # والثاني - قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق مسبلة. ~~ومعنى { غير مسكونة } اي لا ساكن لها معروف. # والثالث - قال عطاء: هي الخرابات للغائط والبول. # والرابع - قال ابن زيد: هي بيوت التجار التي فيها امتعة الناس. # وقال قوم: هي بيوت مكة. وقال مجاهد: هي مناخات الناس فى اسفارهم يرتفقون ~~بها. وقال قوم: هي جميع ذلك حملوه على عمومه لأن الاستئذان إنما جاء لئلا ~~يهجم على ما لا يجوز من العورة. # وهو الأقوى، لأنه اعم فائدة. # وقوله { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } اي لا يخفى عليه ما تظهرونه، ~~ولا ما تكتمونه، لانه عالم بجميع ذلك. # ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال { قل } يا محمد { للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم } عن عورات النساء وما يحرم النظر اليه. وقيل: العورة ~~من النساء ما عدا الوجه والكفين والقدمين، فأمروا بغض البصر عن عوراتهن، ~~ودخلت (من) لابتداء الغاية. ويجوز ان تكون للتبعيض، والمعنى أن يطرق وإن ~~لم يغمض. وقيل: العورة من الرجل العانة الى مستغلظ الفخذ من أعلى الركبة، ~~وهو العورة من الاماء، قالوا: ويدل على ان الوجه والكفين والقدمين ليس من ~~العورة من الحرة، ان لها كشف ذلك فى الصلاة، وإذا كانت محرمة مثل ذلك، ~~بالاجماع، والقدمان فيهما خلاف. # وقوله { ويحفظوا فروجهم } أمر من الله تعالى أن يحفظ الرجال فروجهم عن ~~الحرام، وعن إبدائها حيث ترى فانهم متى فعلوا ذلك كان ازكى لاعمالهم ms2606 عند ~~الله وإن الله خبير بما يعملون ويصنعون اي عالم بما يعملونه اي على اي ~~وجه يعملونه. وقال مجاهد: قوله { فإن لم تجدوا فيها أحدا } معناه فان لم ~~يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا باذن، فان قيل لكم ارجعوا فارجعوا، ~~وهذا بعيد، لان لفظة { أحد } لا يعبر بها إلا عن الناس، ولا يعبر بها عن ~~المتاع. ### || [24.31] # قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم وابو جعفر { غير أولي الأربة } نصبا. ~~الباقون بالجر. وقرأ ابن عامر { أيه المؤمنون } بضم الهاء، ومثله # يا أيه الساحر # و # أيه الثقلان # الباقون { أيها } بفتح الهاء مع الالف فيها. وكلهم وقف بلا الف إلا ~~الكسائي، واهل البصرة والزبيبي من طريق العطار، والمالكي، فانهم وقفوا ~~بالف. # قال ابو علي: الوقف بالالف أجود، لانها سقطت فى الوصل لاجتماع الساكنين. # لما امر الله تعالى الرجال المؤمنين في الآية الأولى بغض أبصارهم عن ~~عورات النساء، وامرهم بحفظ فروجهم عن ارتكاب الحرام، أمر المؤمنات فى هذه ~~الآية ايضا من النساء بغض أبصارهن عن عورات الرجال، وما لا يحل النظر ~~اليه. وامرهن ان يحفظن فروجهن إلا عن ازواجهن على ما اباحه الله لهم، ~~ويحفظن ايضا اظهارها بحيث ينظر اليها، ونهاهن عن إبداء زينتهن إلا ما ~~ظهر منها. قال ابن عباس: يعني القرطين والقلادة والسوار والخلخال والمعضد ~~والمنحر، فانه يجوز لها إظهار ذلك لغير الزوج، فاما الشعر فلا يجوز ان ~~تبديه إلا لزوجها. # والزينة المنهي عن إبدائها زينتان، فالظاهرة الثياب، والخفية الخلخال، ~~والقرطان والسوار - فى قول ابن مسعود - وقال ابراهيم: الظاهر الذي ابيح ~~الثياب فقط. وعن ابن عباس - في رواية أخرى - أن الذي ابيح الكحل والخاتم ~~والحذاء والخضاب فى الكف. وقال قتادة: الحذاء والسوار والخاتم. وقال ~~عطاء: الكفان والوجه. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال قوم: كلما ليس ~~بعورة يجوز اظهاره. واجمعوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة، لجواز اظهارها ~~في الصلاة، والاحوط قول ابن مسعود، والحسن بعده. # وقوله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فالخمار غطاء رأس المرأة المنسبل ~~على جبينها وجمعه خمر، وقال الجبائي: ms2607 هي المقانع. # ثم كرر النهي عن اظهار الزينة تأكيدا وتغليظا واستثنى من ذلك: الأزواج ~~وآباء النساء. وإن علوا، وآباء الازواج وابنائهم، أو اخوانهن وبني ~~أخوانهن أو بني اخواتهن، أو نسائهن يعني نساء المؤمنين دون نساء المشركين ~~إلا اذا كانت أمة وهو معنى قوله { أو ما ملكت أيمانهن } أي من الاماء - ~~في قول ابن جريج - فانه لا باس باظهار الزينة لهؤلاء المذكورين، لانهم ~~محارم. # وقوله { أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال } قال ابن عباس: هو الذي ~~يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء، وهو الأبله. وبه قال قتادة ~~وسعيد بن جبير وعطاء. وقال مجاهد: هو الطفل الذي لا أرب له فى النساء ~~لصغره. وقيل: هو العنين، ذكره عكرمة، والشعبي. وقيل: هو المجبوب. وقيل: ~~هو الشيخ الهم. # والاربة الحاجة، وهي فعلة من الارب، كالمشية من المشي، والجلسة من ~~الجلوس. وقد أربت لكذا آرب له أربا إذا احتجت اليه، ومنه الأربة - بضم ~~الالف - العقدة، لان ما يحتاج اليه من الامور يقتضي العقدة عليه، ولان ~~الحاجة كالعقدة حتى تنحل بسد الخلة، ولان العقدة التي تمنع من المنفعة ~~يحتاج الى حلها، ولان العقدة عمدة الحاجة. # وقوله { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } يعني الصغار الذين ~~لم يراهقوا، فانه يجوز إبداء الزينة لهم. # وقوله { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } معناه لا تضرب ~~إمرأة برجلها، ليعلم صوت الخلخال في رجلها، كما كان يفعله نساء أهل ~~الجاهلية. وذلك يدل على ان إظهار الخلخال لا يجوز. # ثم أمر الله تعالى المكلفين، فقال { وتوبوا إلى الله جميعا أيها ~~المؤمنون لعلكم تفلحون } أي لتفوزوا بثواب الجنة. # ومن نصب (غير) يجوز أن يكون على الاستثناء، ويجوز أن يكون على الحال. ~~ومن كسر جعله نعتا ل " التابعين، غير " وإن لم يوصف به المعارف، فانما ~~المراد ب { التابعين } ليس بمعين. وابن عامر انما ضم الهاء ووقف بلا ألف ~~فى { أيه } اتباعا للمصحف. قال ابو علي: وقراءته ضعيفة، لان آخر الاسم ~~هو الياء الثانية في أي، فينبغي ms2608 أن يكون المضموم آخر الاسم ولا يجوز ضم ~~الهاء، كما لا يجوز ضم الميم في قوله " اللهم " ولانه آخر الكلام، وها ~~للتنبيه، فلا يجوز حذف الالف بحال. ### || [24.32-33] # هذا خطاب من الله للمكلفين من الرجال يأمرهم الله تعالى أن يزوجوا ~~الأيامى اللواتي لهم عليهن ولاية، وأن يزوجوا الصالحين المستورين الذين ~~يفعلون الطاعات من المماليك والاماء إذا كانوا ملكا لهم، والأيامى جمع ~~(أيم) وهي المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكرا أو ثيبا. ويقال للرجل ~~الذي لا زوجة له: أيم ايضا ووزن أيم (فيعل) بمعنى (فعيل) فجمعت كجمع ~~يتيم ويتيمة ويتامى، وقال جميل: # احب الايامى اذ بثينة ايم # وأحببت لما أن غنيت الغوانيا # ويجوز جمعه أيايم، ويقال: امرأة أيم وايمة إذا لم يكن لها زوج، قال ~~الشاعر: # فان تنكحي أنكح وإن تتأيمي # يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم # وقال قوم: الايم التي مات زوجها، ومنه قوله (عليه السلام): (والايم أحق ~~بنفسها) يعني الثيب. ومعنى أنكحوا زوجوا، يقال: نكح إذا تزوج، وأنكح غيره ~~اذا زوجه. وقيل: ان الأمر بتزويج الأيامى إذا أردن ذلك أمر فرض، والامر ~~بتزويج الأمة إذا أرادت ندب، وكذلك العبد. # وقوله { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم } معناه لا ~~تمتنعوا من انكاح المرأة أو الرجل اذا كانوا صالحين، لأجل فقرهما، وقلة ~~ذات أيديهما، فانهم وإن كانوا كذلك، فان الله تعالى يغنيهم من فضله، فانه ~~تعالى واسع المقدور، كثير الفضل، عليم بأحوالهم وبما يصلحهم، فهو يعطيهم ~~على قدر ذلك. وقال قوم: معناه إن يكونوا فقراء الى النكاح يغنهم الله ~~بذلك عن الحرام. فعلى الأول تكون الآية خاصة في الاحرار. وعلى الثاني ~~عامة فى الأحرار، والمماليك. # وقوله { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله } أمر ~~من الله تعالى لمن لا يجد السبيل الى أن يتزوج، بأن لا يجد طولا من ~~المهر، ولا يقدر على القيام بما يلزمها من النفقة والكسوة، أن يتعفف، ولا ~~يدخل فى الفاحشة، ويصبر حتى يغنيه الله من فضله. # وقوله ms2609 { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم } معناه إن الانسان اذا ~~كانت له أمة أو عبد يطلب المكاتبة. وهي أن يقوم على نفسه وينجم عليه ~~ليؤدي قيمة نفسه الى سيده، فانه يستحب للسيد أن يجيبه الى ذلك ويساعده ~~عليه لدلالة قوله تعالى { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } وهذا أمر ترغيب ~~بلا خلاف عند الفقهاء. وقال عمرو بن دينار، وعطاء، والطبري: هو واجب عليه ~~إذا طلب. وصورة المكاتبة أن يقول الانسان لعبده، أو امته: قد كاتبتك على ~~ان تعطيني كذا وكذا دينارا أو درهما في نجوم معلومة على أنك إذا أديت ~~ذلك فانت حر، فيرضى العبد بذلك، ويكاتبه عليه ويشهد بذلك على نفسه، فمتى ~~أدى ذلك، وهو مال الكتابة فى النجوم التي سماها صار حرا، وان عجز عن ~~اداء ذلك كان لمولاه أن يرده في الرق. # وعندنا ينعتق منه بحساب ما أدى ويبقى مملوكا بحساب ما بقي عليه إذا ~~كانت الكتابة مطلقة، فان كانت مشروطة بأنه متى عجز رده في الرق، فمتي عجز ~~جاز له رده في الرق. و (الخير) الذي يعلم منه هو القوة على التكسب. ~~وتحصيل ما يؤدي به مال الكتابة. وقال الحسن: معناه ان علمتم منهم صدقا. ~~وقال ابن عباس وعطاء: ان علمتم لهم مالا. وقال ابن عمرو: ان علمتم فيهم ~~قدرة على التكسب، قال: لأنه إذا لم يقدر على ذلك قال اطعمني اوساخ أيدي ~~الناس، وبه قال سلمان. # واختلفوا في الامر بالكتابة مع طلب المملوك لذلك وعلم مولاه أن فيه ~~خيرا. فقال عطاء: هو الفرض. وقال مالك، والثوري، وابن زيد: هو على ~~الندب. وهو مذهبنا. # وقوله { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أمر من الله تعالى أن يعطي ~~السيد مكاتبه من ماله الذي أنعم الله عليه، بأن يحط شيئا منه. وروى عبد ~~الرحمن السلمي عن علي (ع) أنه قال: يحط عنه ربع مال الكتابة. وقال سفيان ~~احب ان يعطيه الربع، او أقل، وليس بواجب وقال ابن عباس وعطاء وقتادة: ~~أمره بأن يضع عنه من مال الكتابة شيئا. وقال ms2610 الحسن وابراهيم: حثه الله ~~تعالى على معونته. وقال قوم: المعنى آتوهم سهمهم من الصدقة الذي ذكره في ~~قوله # وفي الرقاب # ذكره ابن زيد عن أبيه، وهو مذهبنا. # واختلفوا فى الحط عنه، فقال قوم: هو واجب. وقال آخرون - وهو الصحيح - ~~انه مرغب فيه. # وقوله { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } نهي عن اكراه ~~الأمة على الزنا. قال جابر بن عبد الله: نزلت فى عبد الله بن ابي بن ~~سلول، حين اكره أمته مسيكة على الزنا. وهذا نهي عام لكل مكلف عن أن يكره ~~أمته على الزنا طلبا لمهرها وكسبها. وقوله { إن أردن تحصنا } صورته ~~صورة الشرط وليس بشرط وانما ذكر لعظم الافحاش في الاكراه على ذلك. وقيل: ~~انها نزلت على سبب فوقع النهي عن المعني على تلك الصفة. # وقوله { ومن يكرههن } يعني على الفاحشة { فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم } اي لهن { غفور رحيم } ان وقع منها صغير فى ذلك، والوزر على ~~المكره. ### || [24.34-35] # قرأ " دري " مشددة، بضم الدال من غير همز، ابن كثير ونافع وابن عامر ~~وحفص عن عاصم. وقرأ - بكسر الدال والهمز - ابو عمرو، والكسائي. وقرأ - ~~بضم الدال والهمز - حمزة وعاصم، فى رواية ابي بكر. وقرأ ابن كثير وابو ~~عمرو " توقد " بفتح التاء والدال. وقرأ - بالياء مخففة مرفوع مضموم الياء ~~- نافع وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي. - وقرأ - بضم التاء والدال ~~مخففة مرفوعة - حمزة، وابو بكر عن عاصم. # فمن قرأ " دري " بكسر الدال، فهو من (درأت) اي رفعت. والكوكب (دري) ~~لسرعة رفعه في الانقضاض، والجمع الدراري، وهي النجوم التى تجيء وتذهب. ~~وقال قوم: هي احد الخمسة المضيئة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، ~~وعطارد. # ومن قرأ - بضم الدال - نسبه الى الدر فى صفائه وحسنه. ومن ضم الدال ~~وهمز، فهو غير معروف عند أهل اللغة، لانه ليس فى الكلام (فعيل) - ذكره ~~الفراء - وقال ابو عبيدة: وجهه ان يكون - بفتح الدال - كأنه (فعيل). قال ~~سيبويه: ليس في الكلام (فعيل) وانما تكسر الفاء مثل (سكيت). وروى المفضل ~~عن عاصم انه قرأ ms2611 - بكسر الدال - من غير همز، ولا مد، ومعناه: انه جار ~~كالنجوم الدراري الجارية مأخوذ من در الوادي إذا جرى، # ووجه قراءة ابن كثير فى { توقد } أنه على (فعل) ماض، وضم الدال ابن ~~محيصن اراد (تتوقد). ومن ضم الياء مثل نافع وابن عامر، رده على الكوكب. ~~وقال الفراء: رده على المصباح. ومن ضم التاء والدال رده على الزجاجة. # اقسم الله تعالى انه انزل { آيات } يعني دلالات { مبينات } يعني مفصلات، ~~بينهن الله وفصلهن، فيمن قرأ - بفتح الياء - ومن كسر الياء: معناه ان هذه ~~الآيات والحجج تبين المعاني وتظهر ما بطن فيها. # وقوله { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين } معناه انه انزل ~~اليكم اخبار من كان قبلكم من امم الرسل، وجعل ذلك عبرا لنا. وقيل ~~لتعتبروا بذلك وتستدلوا به على ما يرضاه الله منكم فتفعلوه وعلى ما يسخطه ~~فتتجنبوه. # وقوله { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - ان الله هادي اهل السموات والارض - ذكره ابن عباس - فى رواية، ~~وأنس. # والثاني - انه منور السموات والارض بنجومها وشمسها وقمرها - في رواية ~~اخرى - عن ابن عباس، وقال ابو العالية والحسن مثل ذلك. # ثم قال تعالى { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } الهاء في قوله { نوره } ~~قيل إنها تعود على المؤمن، وتقديره مثل النور الذي في قلبه بهداية الله، ~~وهو قول ابي ابن كعب والضحاك. # وقال ابن عباس: هي عائدة على اسم الله، ومعناه مثل نور الله الذي يهدي ~~به المؤمن. وقال الحسن: مثل هذا القرآن فى القلب كمشكاة. وقيل: مثل نوره ~~وهو طاعته - في قول ابن عباس - فى رواية: وقيل: مثل نور محمد (صلى الله ~~عليه وسلم). وقال سعيد بن جبير: النور محمد، كأنه قال مثل محمد رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) فالهاء كناية عن الله. والمشكاة الكوة التي لا منفذ ~~لها - في قول ابن عباس وابن جريج - وقيل: هو مثل ضرب لقلب المؤمن، ~~والمشكاة صدره، والمصباح القرآن، والزجاجة قلبه - في قول ابي ابن كعب، ~~وقال: فهو بين اربع ms2612 خلال إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن ~~قال صدق. وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وهو مثل الكوة. ~~وقال كعب الاحبار: المشكاة محمد (صلى الله عليه وسلم) والمصباح قلبه، شبه ~~صدر النبي بالكوكب الدري. # ثم رجع الى المصباح أي قلبه شبهه بالمصباح كأنه في زجاجة و { الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد ~~زيتها يضيء } اي يتبين للناس ولو لم يتلكم انه نبي. ومن قال { الله نور ~~السماوات } يعني منورها بالشمس والقمر والنجوم، ينبغي ان يوجه ضرب المثل ~~بالمشكاة على ان ذلك مثل ما فى مقدوره، ثم تنبث الأنوار الكثيرة عنه. # ضرب الله تعالى المثل لنوره الذي هو هدايته فى قلوب المؤمنين بالمشكاة، ~~وهي الكوة التي لا منفذ لها إذا كان فيها مصباح، وهو السراج، ويكون ~~المصباح فى زجاجة، وتكون الزجاجة مثل الكوكب الدري - فمن ضم الدال - ~~منسوب الى الدر فى صفائه ونوره. ومن كسر الدال شبهها بالكوكب فى سرعة ~~تدفعه بالانقضاض. # ثم عاد الى وصف المصباح، فقال { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } اي يشتعل ~~من دهن شجرة مباركة، وهي الزيتونة الشامية، قيل لأن زيتون الشام ابرك. ~~وقيل: وصفه بالبركة لان الزيتون يورق من اوله الى آخره. # وقوله { لا شرقية ولا غربية } قال ابن عباس - فى رواية - معناه لا شرقية ~~بشروق الشمس عليها فقط ولا غربية بغروبها عليها فقط، بل هي شرقية غربية ~~تأخذ حظها من الامرين، فهو اجود لزيتها. وقيل: معناه انها وسط البحر، روي ~~ذلك عن ابن عباس أيضا. وقال قتادة: هي ضاحية للشمس، وقال الحسن: ليست من ~~شجر الدنيا { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } اي زيتها من صفائه ~~وحسنه يكاد يضيء من غير ان تمسه نار وتشتعل فيه. وقال ابن عمر الشجرة ~~ابراهيم (ع) والزجاجة التي كأنها كوكب دري محمد (صلى الله عليه وسلم). # وقوله { نور على نور } قيل: معناه نور الهدى الى توحيده، على نور الهدى ~~بالبيان الذي اتى به من عنده. ms2613 # وقال زيد بن اسلم { نور على نور } معناه يضيء بعضه بعضا. وقيل { نور ~~على نور } معناه انه يتقلب فى خمسة انوار، فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله ~~نور، ومخرجه نور، ومسيره نور الى النور يوم القيامة الى الجنة. وقال ~~مجاهد: ضوء النار على ضوء النور على ضوء الزيت على ضوء المصباح على ضوء ~~الزجاجة. # وقوله { يهدي الله لنوره من يشاء } أي يهدي الله لدينه وإيمانه من يشاء ~~بأن يفعل له لطفا يختار عنده الايمان إذا علم ان له لطفا. وقيل: معناه ~~يهدي الله لنبوته من يشاء، ممن يعلم انه يصلح لها. وقيل: معناه { يهدي ~~الله لنوره } اي يحكم بايمانه لمن يشاء، ممن آمن به. # وقوله { ويضرب الله الأمثال للناس } معناه يضرب الله الامثال للذين ~~يفكرون فيها ويعتبرون بها { والله بكل شيء عليم } لا يخفى عليه خافية. ### || [24.36-38] # قرأ ابن عامر وابو بكر وابن شاهي عن حفص { يسبح } بفتح الباء. الباقون ~~بكسرها، فمن فتح الباء، وقرأ على ما لم يسم فاعله احتلمت قراءته في رفع { ~~رجال } وجهين: # احدهما - أن يكون الكلام قد تم عند قوله { والآصال } ثم قال { رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } فالتجارة الجلب، والبيع ما يبيع ~~الانسان على يده. # والوجه الثاني - أن يرفع { رجال } باضمار فعل يفسره الأول، فيكون الكلام ~~تاما عند قوله { والآصال } ثم يبتدئ { رجال } بتقدير يسبحه رجال. وقال ~~ابو علي: يكون أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يسبحه، فقال { ~~رجال } أي يسبحه رجال، ومنه قول الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # كأنه قال ليبك يزيد. قيل من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع. وقال المبرد: يجوز ~~ان يكون يسبح نعتا للبيوت، وتقديره فى بيوت اذن الله برفها وذكر اسمه ~~ويسبح له فيها رجال لا تلهيهم تجارة. ومن قرأ بكسر الباء - ورفع رجالا ~~بفعلهم، فعلى هذه القراءة لا يجوز الوقف إلا على { رجال } وعلى الاول على ~~قوله { والآصال }. والآصال جمع أصيل. وقرأ أبو محلم { الاصال } بكسر ~~الالف جعله مصدرا. # وقوله { في بيوت أذن الله } قيل ms2614 فى العامل في (في) قولان: # احدهما - (المصابيح) في بيوت، والعامل استقرار المصابيح، وهو قول ابن ~~زيد. # والثاني - توقد في بيوت، وهذه البيوت هي المساجد - فى قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد - وقال عكرمة: هي سائر البيوت وقال الزجاج: يجوز ان تكون ~~(فى) متصلة بيسبح ويكون فيها كقولك فى الدار قام زيد فيها. # وقوله { أذن الله أن ترفع } قال مجاهد: معناه أذن الله أن تبنى، وترفع ~~بالبناء، كما قال # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل # وقال الحسن: معناه أن تعظم، لانها مواضع الصلوات. # وقوله { ويذكر فيها اسمه } أي يذكر اسم الله فى هذه البيوت. وقيل تنزه ~~من النجاسات والمعاصي. # وقوله { يسبح له فيها بالغدو والآصال } قال ابن عباس: معناه يصلي له ~~فيها بالغداة والعشي، وهو قول الحسن والضحاك. وقال ابن عباس: كل تسبيح فى ~~القرآن فهو صلاة. # وقوله { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } أي لا تشغلهم ولا ~~تصرفهم التجارة والبيع عن ذكر الله وتعظيمه. # وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) انه تعالى مدح قوما إذا دخل وقت ~~الصلاة تركوا تجارتهم وبيعهم، واشتغلوا بالصلاة. # وقوله { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } أي لا تصرفهم تجارتهم عن ذكر ~~الله، وعن اقامة الصلاة، وحذف التاء لان الاضافة عوض عنها، لانه لا يجوز ~~أن تقول: اقمته إقاما، وانما يجوز إقامة، والهاء عوض عن محذوف، لان أصله ~~اقوام، فلما اضافه قامت الاضافة مقام الهاء { وإيتاء الزكاة } أي ولا ~~يصرفهم ذلك عن اعطاء الزكاة التي افترضها الله عليهم. # وقال ابن عباس: الزكاة الطاعة لله وقال الحسن: هي الزكاة الواجبة في ~~المال قال الشاعر [في حذف الهاء والعوض عنها بالاضافة]: # إن الخليط اجد والبين فانجردوا # واخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا # يريد عدة الأمر فحذف الهاء لما اضاف. # وقوله تعالى { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار } أي يخافون عذاب ~~يوم أو اهوال يوم تتقلب فيه القلوب من عظم اهواله، والابصار من شدة ما ~~يعاينوه. وقيل تتقلب فيه القلوب ببلوغها الحناجر، وتقلب الابصار بالعمى ~~بعد النظر ms2615 # وقال البلخي: معناه إن القلوب تنتقل من الشك الذي كانت عليه، الى اليقين ~~والايمان. وإن الابصار تتقلب عما كانت عليه، لانها تشاهد من أهوال ذلك ~~اليوم ما لم تعرفه، ومثله قوله # لقد كنت في غفلة من هذا # الآية. وقال الجبائي: تتقلب القلوب والابصار عن هيئاتها بأنواع العقاب ~~كتقلبها على الجمر. # وقوله { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } أي يفعلون ذلك طلبا لمجازات الله ~~إياهم بأحسن ما عملوا من ثواب الجنة، ويزيدهم على ذلك من فضله وكرمه. ثم ~~اخبر تعالى انه { يرزق } على العمل بطاعته تفضلا منه تعالى { من يشاء ~~بغير حساب } والثواب لا يكون إلا بحساب والتفضل يكون بغير حساب. ### || [24.39-40] # ثم اخبر تعالى عن احوال الكفار، فقال والذين كفروا بتوحيد الله واخلاص ~~العبادة وجحدوا انبياءه { أعمالهم } التي عملوها يعني التي يعتقدون أنها ~~طاعات وقربات { كسراب بقيعة } فالسراب شعاع يتخيل كالماء يجري على الارض ~~نصف النهار حين يشتد الحر والآل شعاع يرتفع بين السماء والارض - كالماء - ~~ضحوة النهار، والال يرفع الشخص فيه. وانما قيل سراب، لأنه يتسرب أي يجري ~~كالماء و { قيعة } جمع قاع، وهو المنبسط من الأرض الواسع. وفيه يكون ~~السراب ومثله جار وجيرة، ويجمع ايضا على (اقواع، وقيعان)، والشعاع ~~بالقاع يتكثف فيرى كالماء، فاذا قرب منه صاحبه انفش كالضباب، فلم يره ~~شيئا، كما كان. وقال ابن عباس: القيعة الارض المستوية. والمعنى: إن ~~الكافر لم يجد شيئا على ما قدر. # وقوله { ووجد الله عنده فوفاه حسابه } والمعنى ان الذي قدره من جزاء ~~أعماله لا يجده، ويعلمه الله عند عمله فيوفيه جزاءه على سوء أفعاله. # وقوله { والله سريع الحساب } أي سريع المجازاة، لان كل ما هو آت سريع ~~قريب. وقال الجبائي:، لانه تعالى يحاسب الجميع في وقت واحد، وذلك يدل على ~~انه لا يتكلم بآلة. وانه ليس بجسم، لانه لو كان متكلما بآلة لما تأتى ~~ذلك إلا في أزمان كثيرة. # ثم شبه الله تعالى أفعال الكافر بمثال آخر، فقال { أو كظلمات في بحر لجي ~~} أي افعاله مثل ظلمات، يعني ظلمة البحر ms2616 وظلمة السحاب، وظلمة الليل، لان ~~الكافر حاله ظلمة، واعتقاده ظلمة، ومصيره الى ظلمة، وهو في النار يوم ~~القيامة نعوذ بالله منها. وتلخيص الكلام أن اعمال هؤلاء الكفار كالسراب ~~يحسبه الظمآن - من بعد - ماء يرويه حتى إذا دنى منه لم يجده شيئا أي حتى ~~اذا مات لم يجد عمله شيئا لانه بطل بكفره، ووجد الله عند عمله يجازيه ~~عليه. ثم ضرب مثلا آخر فقال او كظلمات يعني انه فى حيرة من كفره مثل هذه ~~الظلمات { ومن لم يجعل الله له نورا } فى قلبه ويهديه به { فما له من ~~نور } يهتدي به. # وقوله { في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها ~~فوق بعض } مبالغة في تشبيه هذه الافعال بالظلمات المتكاثفة على ما وصفه ~~الله تعالى، ولجة البحر معظمه، الذي تتراكب فيه امواجه لا يرى ساحله. ~~والظلمات مثل التحير، والتحير الجهل الذي يغشى القلب. وقوله { حتى إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها } انما قال لم يكد يراها مع أنه بدون هذه الظلمات ~~لا يراها، لان (كاد يراها) معناه قارب ان يراها، ولم يكد يراها لم يقارب ~~أن يراها، فهي نفي مقاربة الرؤية على الحقيقة. وقيل دخل (كاد) بمعنى ~~النفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين، كأنه قال: يكفيه ان يكون على هذه ~~المنزلة فكيف أقصى المنازل. # وقيل يراها بعد جهد وشدة، رؤية تخيل لصورتها. وقال الحسن لم يكد يراها ~~لم يقارب الرؤية قال الشاعر: # ما كدت اعرفه إلا بعد انكار # وقالوا كاد العروس يكون أميرا. وكاد النعام يطير. وقوله { ومن لم يجعل ~~الله له نورا، فما له من نور } معناه من لم يجعل الله له هداية الى ~~الرشد، فما له من نور، أي فما له ما يفلح به على وجه من الوجوه. وقيل: من ~~لم يجعل الله له نورا يوم القيامة يهديه الى الجنة، فما له من نور يهديه ~~اليها. # وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه لا يصح ~~مع المعرفة الضرورية الحسبان. ### || [24.41-44] ms2617 # قرأ ابو جعفر المدني { يذهب بالأبصار } بضم الياء. الباقون بفتحها. وقد ~~مضى ذكر مثله. # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { ألم تر } يا محمد ~~والمراد به جميع المكلفين أي ألم تعلم ان الذي ذكره في الآية لايرى ~~بالابصار وانما يعلم بالادلة، { أن الله يسبح له من في السماوات والأرض } ~~فالتسبيح التنزيه لله تعالى عن جميع ما لا يجوز عليه، ولا يليق به، فمن ~~نفى عنه الصاحبة والولد، فقد سبحه، لانه يرأه مما لا يجوز عليه، ومن نفى ~~عنه أن يكون له شريك في ملكه او عبادته، فقد سبحه، لانه برأه مما لا ~~يجوز عليه، وكذلك من نفى عنه فعل القبيح، فقد سبحه، لانه برأه مما لا ~~يجوز عليه. وتسبيح من في السموات والارض إنما هو بما فيها من الدلالات ~~على توحيده، ونفي الصاحبة عنه، ونفي تشبيهه بخلقه وتنزيهه عما لا يليق ~~به، مما يدل على ذلك ويدعو اليه، كأنه المسبح له. # وقوله { والطير صافات } معناه وتسبحه الطير صافات فى حال اصطفافها في ~~الهواء، لانها إذا صفت اجنحتها في الهواء وتمكنت من ذلك كان في ذلك دلالة ~~وعبرة على أن ممكنها من ذلك لا يشبه شيئا من المخلوقات. # وقوله { كل قد علم صلاته وتسبيحه } معناه: إن جميع ذلك قد علم الله ~~تعالى صلاته، يعني دعاءه الى توحيده، وتسبيحه، وتنزيهه عما لا يليق به. ~~وقال مجاهد: الصلاة للانسان، والتسبيح لكل شيء. وقيل: كل قد علم صلاته أي ~~صلاة نفسه، وتسبيح نفسه، فيكون الضمير فى علم ل (كل)، وعلى الأول يعود ~~على اسم الله، والأول أجود، لان هذه الاشياء كلها لا يعلم كيفية دلالتها ~~غير الله. وانما الله تعالى عالم بذلك، ويقويه قوله { والله عليم بما ~~يفعلون } أي عالم بأفعالهم، لا يخفى عليه شيء منها، فيجازيهم بحسبها. # ثم اخبر تعالى فقال { ولله ملك السماوات والأرض } ، والملك المقدور ~~الواسع لمن يملك السياسة والتدبير، فملك السموات والارض لا يصح إلا لله ~~وحده لا شريك له، لانه لا يقدر على خلق الاجسام غيره، ms2618 وليس مما يصح أن ~~يملكه العبد، لانه لا يمكنه أن يصرفه أتم التصريف، فالملك التام، لا يصح ~~الا لله تعالى. # وقوله { وإلى الله المصير } اي اليه المرجع يوم القيامة، الى ثوابه او ~~عقابه. # ثم قال { ألم تر } اي الم تعلم { أن الله يزجي سحابا } اى يسوق سحابا ~~الى حيث يريده، ومنه زجا الخراج إذا انساق الى أهله وازجاه فلان أي ساقه ~~{ ثم يؤلف بينه } أي بين بعضه وبعض، لان لفظ سحاب جمع، واحده سحابة، وهو ~~كقولهم: جلس بين النخل، لان لفظ بين لا تستعمل إلا فى شيئين فصاعدا. # وقوله { ثم يجعله ركاما } وهو المتراكب بعضه فوق بعض { فترى الودق } ~~يعني المطر، يقال: ودقت السحابة، تدق ودقا إذا أمطرت قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا ارض ابقل إبقالها # { يخرج من خلاله } فالخلال جمع خلل. وقوله { وينزل من السماء من جبال ~~فيها من برد } معنى { من } الاولى، لابتداء الغاية، لان { من السماء } ~~ابتداء الانزال بالمطر، والثانية للتبعيض، لأن البرد بعض الجبال التي فى ~~السماء، والثالثة لتبيين الجنس، لان جنس الجبال جنس البرد. وقيل فى ~~السماء جبال برد مخلوقة في السماء. وقال البلخي: يجوز أن يكون البرد ~~يجتمع في السحاب كالجبال ثم ينزل منها. وقيل السماء هو السحاب، لان كل ما ~~علا مطبقا فهو سماء. وقال الفراء: يجوز أن يكون المراد وينزل من السماء ~~قدر جبال من برد، كما تقول: عندي بيتان من تبن أي قدر بيتين. وقال الحسن: ~~فى السماء جبال برد، وقيل المعنى: قدر جبال يجعل منها بردا على ما ~~حكيناه عن الفراء. # وقوله { فيصيب به } يعني بذلك البرد { فيصيب به من يشاء } ان يهلك أو ~~يهللك ماله { ويصرفه عمن يشاء } على حسب اقتضاء المصلحة. # وقوله { يكاد سنا برقه } أي ضياء البرق، فسنا البرق مقصور، وسناء المجد ~~ممدود. وقال ابن عباس وابن زيد: يعني ضوء برقه يكاد يختطف الابصار. وقال ~~قتادة: لمعان برقه. # وقوله { يقلب الله الليل والنهار } يعني يجيء بالنهار عقيب الليل، ~~وباليل عقيب النهار. وقيل: يزيد من هذا ms2619 في ذاك وينقص من ذاك في هذا { إن ~~في ذلك لعبرة } اي دلالة { لأولي الأبصار } يعني ذوي العقول الذين يبصرون ~~بقلوبهم. # وفي الآية دلالة على وجوب النظر، وفساد التقليد، لانه تعالى مدح ~~المعتبرين بعقولهم بما نبه من الدلالات والآيات الدالة على توحيده وعدله ~~وغير ذلك. ### || [24.45] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { والله خالق } على وزن (فاعل). الباقون { خلق } ~~على فعل ماض. من قرأ { خالق } فلقوله # خالق كل شيء # ومن قرأ خلق، فلانه فعل ذلك فيما مضى، ولقوله # ألم تر أن الله خلق السماوات # وقوله # خلق كل شيء فقدره تقديرا # اخبر الله تعالى انه خالق كل شيء يدب من الحيوان من ماء. ثم فصله فقال ~~منهم من يمشي على بطنه كالحياة والسمك والدود، وغير ذلك. ومنهم من يمشي ~~على رجلين كالطير وابن آدم، وغير ذلك، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم ~~والسباع وغير ذلك. ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، لانه كالذي يمشي ~~على أربع في مرءى العين، فترك ذكره، لان العبرة تكفي بذكر الاربع. وقال ~~البلخي: لان عند الفلاسفة أن ما زاد على الأربع لا يعتمد عليها. واعتماده ~~على الاربع فقط، وانما قال { من ماء } لان أصل الخلق من ماء، ثم قلب الى ~~النار، فخلق الجن منه، والى الريح فخلق الملائكة منه، ثم الى الطين فخلق ~~آدم (ع). ودليل أن اصل الحيوان كله الماء قوله تعالى # وجعلنا من الماء كل شيء حي # وانما قال منهم تغليبا لما يعقل على ما لا يعقل إذا اختلط فى خلق كل ~~دابة. وقيل { من ماء } اى من نطفة، ذكره الحسن، وجعل قوله { كل دابة } ~~خاصا، فيمن خلق من نطفة. # وقوله { يخلق الله ما يشاء } اى يخترع ما يشاء، وينشئه من الحيوان، ~~وغيره { إن الله على كل شيء قدير } لا يتعذر عليه شيء يريده. ### || [24.46-50] # اقسم الله تعالى في هذه الآية انه انزل { آيات مبينات } أي دلالات ~~واضحات تظهر بها المعاني، وتتميز، مما خالفها حتى تعلم مفصلة. ومن كسر ~~الياء، جعلها من المبينة المظهرة ms2620 مجازا، من حيث يتبين بها، فكأنها ~~المبينة. # وقوله { والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } معناه والله يلطف لمن ~~يشاء بما يعلم انه يهتدي عنده { إلى صراط مستقيم } واضح: من توحيده وعدله ~~وصدق أنبيائه. والهداية الدلالة التي يهتدي بها صاحبها الى الرشد، وقد ~~تطلق على ما يصح أن يهتدى بها، كما قال تعالى # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى # لأن المراد فى الآية اللطف على ما قلناه. وقال الجبائي: قوله { يهدي من ~~يشاء } يعني المكلفين دون من ليس بمكلف، ويجوز أن يكون المراد هدايتهم فى ~~الآخرة الى طريق الجنة، والصراط المستقيم الايمان لأنه يؤدي الى الجنة. # وقوله { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ~~ذلك وما أولئك بالمؤمنين } قيل انها نزلت فى صفة المنافقين، لانهم يقولون ~~بألسنتهم: آمنا بالله وصدقنا رسوله، فاذا انصرفوا إلى أصحابهم قالوا خلاف ~~ذلك، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ليسوا بمؤمنين على الحقيقة. ثم اخبر عن ~~حال هؤلاء فقال: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم } فى شيء ~~يختلفون فيه { إذا فريق منهم } يعني المنافقين { معرضون } عن ذلك. ولا ~~يختارونه، لانه يكون الحق عليهم. ثم قال { وإن يكن لهم الحق } وتتوجه لهم ~~الحكومة { يأتوا اليه } يعني الى النبي (صلى الله عليه وسلم) منقادين { ~~مذعنين } والاذعان هو الانقياد من غير اكراه، فهؤلاء المنافقون إذا دعوا ~~الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليحكم بينهم في شيء اختلفوا فيه، ~~امتنعوا ظلما، لانفسهم، وكفروا بنبيهم، ففضحهم الله بما أظهر من جهلهم ~~ونفاقهم. # و قيل انها نزلت فى رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود ~~حكومة، فدعاه اليهودي الى رسول الله، ودعاه المنافق الى كعب بن الاشرف. ~~وقيل انها نزلت في علي (ع) ورجل من بني أمية دعاه علي الى رسول الله، ~~ودعاه الاموي الى اليهود، وكان بينهما منازعة في ماء وأرض. وحكى البلخي ~~انه كانت بين علي (ع) وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي، فخرجت فيها ~~أحجار، واراد ردها بالعيب، فلم ms2621 يأخذها، فقال بيني وبينك رسول الله، فقال ~~الحكم ابن أبي العاص ان حاكمته الى ابن عمه حكم له، فلا تحاكمه اليه، ~~فانزل الله الآية. # ثم قال تعالى منكرا عليهم { أفي قلوبهم مرض } أي شك فى قلوبهم، وسمي ~~الشك مرضا، لانه آفة تصد القلب عن ادراك الحق، كالآفة في البصر تصد عن ~~ادراك الشخص، وانما جاء على لفظ الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه أشد ~~فى الذم والتوبيخ أى ان هذا كفر، قد ظهر حتى لا يحتاج فيه الى البينة، ~~كما جاز فى نقيضه على طريق الاستفهام، لأنه أشد مبالغة في المدح، كما قال ~~جرير: # ألستم خير من ركب المطايا # واندى العالمين بطون راح # فقال الله تعالى { أفي قلوبهم مرض } أى شك فى النبي { أم ارتابوا } ~~بقوله وبحكمه { أم يخافون أن يحيف الله ورسوله عليهم } أى يجور عليهم، ~~والحيف الجور بنقض الحق، ويحيف عليهم: يظلمهم، لانه لا وجه للامتناع عن ~~المجيء إلا أحد هذه الثلاثة. # ثم اخبر تعالى فقال: ليس لشيء من ذلك، بل لانهم الظالمون نفوسهم وغيرهم، ~~والمانعون لهم حقوقهم، وإنما افرد قوله { ليحكم بينهم } بعد قوله { إلى ~~الله ورسوله } ، لانه حكم واحد يوقعه النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر ~~الله. ### || [24.51-54] # قرأ ابو بكر وأبو عمرو { ويتقه } ساكنة القاف. لان الهاء لما اختلطت ~~بالفعل وصارت مزدوجة ثقلت الكلمة، فخففت بالاسكان. وقيل: انهم توهموا أن ~~الجزم واقع عليها. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وورش { ~~ويتقهي } بكسر الهاء لمجاورة القاف المكسورة، وبعد الهاء ياء. وروى قالون ~~باختلاس الحركة، وهو الاجود عند النحويين، لان الأصل يتقيه باختلاس ~~الحركة، فلما سقطت الياء للجزم بقيت الحركة مختلسة، كما كانت. وروى حفص ~~باسكان القاف وكسر الهاء، لانه كره الكسرة فى القاف واسكنها تخفيفا، كما ~~قال الشاعر: # عجبت لمولود وليس له أب # ومن والد لم يلده ابوان # ويجوز أن يكون أسكن القاف والهاء ساكنة، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين، ~~ولأن من العرب من يقول لم يتق مجزوم القاف بعد حذف الياء. # لما اخبر الله تعالى عن ms2622 المنافقين أنهم إذا دعوا الى الله ورسوله في ~~الحكم بينهم فيما يتنازعون فيه، فانهم عند ذلك يعرضون عن ذلك، ولا يجيبون ~~اليه، أخبر أن المؤمنين بخلافهم وانهم إذا قيل لهم تعالوا { إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم } ينبغي { أن يقولوا } فى الجواب عن ذلك { سمعنا ~~وأطعنا } أى قبلنا هذا القول وانقدنا اليه وأجبنا الى حكم الله ورسوله. # ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المؤمنين بانهم { هم الفائزون } الذين فازوا ~~بثواب الله وكريم نعمه. وعن أبي جعفر (ع) أن المعني بالآية أمير المؤمنين ~~(ع) وصفه بخلاف ما وصف خصمه الذي ذكره فى الآية الاولى. # ثم قال تعالى { ومن يطع الله ورسوله } بان يفعل ما أمره به ويبادر اليه ~~{ ويخشى الله ويتقه } بأن يخاف عقابه، فيجتنب معاصيه، فان من هذه صفته من ~~الفائزين. و (الفوز) اخذ الحظ الجزيل من الخير، تقول: فاز يفوز فوزا، ~~فهو فائز. وسميت المهلكة مفازة تفاؤلا، فكأنه قيل: منجاة. # ثم أخبر تعالى عن جماعة من المنافقين بأنهم { أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~} أي حلفوا به أغلظ أيمانهم، وقدر طاقتهم { لئن أمرتهم } يا محمد بالخروج ~~{ ليخرجن } يعني الى الغزو، فقال الله تعالى لهم { لا تقسموا } أي لا ~~تحلفوا { طاعة معروفة } وقيل: في معناه قولان: # احدهما - هذه طاعة معروفة منكم يعني بالقول دون الاعتقاد. أي إنكم ~~تكذبون ذكره مجاهد. # والثاني - طاعة وقول معروف أمثل من هذا القسم، والقول المعروف هو ~~المعروف صحته. فان ذلك خير لكم من هذا الحلف. # ثم اخبر تعالى بأنه { خبير } أي عالم { بما تعملون } لا يخفى عليه شيء ~~على أي وجه توقعون أفعالكم، فيجازيكم بحسبها. وفى ذلك تهديد. ثم قال { ~~فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } أي تتولوا، فحذفت التاء، ~~وليس كقوله # فإن تولوا فإنما هم في شقاق # لان الأول مجزوم، وهو للمخاطبين، لأنه قال { وعليكم ما حملتم } ولو كان ~~لغير المخاطبين، لقال وعليهم، كما قال { فإن تولوا فإنما هم في شقاق } ~~وكان يكون فى موضع نصب لانه بمنزلة قولك: فان قاموا، والجزاء يصلح فيها ~~لفظ ms2623 المستقبل والماضي من (فعل يفعل) كما قال # فإن فاؤا فإن الله # وقوله { فإن تولوا فإنما هم في شقاق } في موضع نصب ذكره الفراء، وقوله { ~~فإنما عليه } يعني على المتولي جزاء ما حمل أي كلف، فانه يجازى على قدر ~~ذلك، وعليكم جزاء ما كلفتم إذا خالفتم { وإن تطيعوه تهتدوا } يعني ان ~~اطعتم رسوله تهتدوا. # ثم اخبر انه ليس { على الرسول إلا البلاغ } الظاهر والقبول يتعلق بكم، ~~ولا يلزمه عهدته، ولا يقبل منكم اعتذار تركه بامتناع غيره. ### || [24.55] # قرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم { وليبدلنهم } بالتخفيف. الباقون ~~بالتشديد. وقرأ ابو بكر عن عاصم { كما استخلف } بضم التاء على ما لم يسم ~~فاعله. الباقون بفتحها. قال ابو علي: الوجه فتح التاء، لأن اسم الله قد ~~تقدم ذكره، والضمير فى { يستخلفنهم } يعود الى الاسم، فكذلك قوله { كما ~~استخلف } لان المعنى ليستخلفنهم استخلافا كاستخلافه الذين من قبلهم. ومن ~~ضم التاء ذهب الى ان المراد به مثل المراد بالفتح. # فى هذه الآية وعد من الله تعالى للذين آمنوا من اصحاب النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وعملوا الصالحات، بأن يستخلفهم فى الارض، ومعناه يورثهم أرض ~~المشركين من العرب والعجم { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني بني ~~اسرائيل بأرض الشام بعد اهلاك الجبابرة بأن أورثهم ديارهم وجعلهم سكانها. ~~وقال الجبائي: { استخلف الذين من قبلهم } يعني فى زمن داود وسليمان. وقال ~~النقاش: يريد بالأرض أرض مكة، لان المهاجرين سألوا ذلك، والاول قول ~~المقداد بن الاسود، وروى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: # " لا يبقى على الارض بيت مدر، ولا وبر إلا ويدخله الاسلام بعز عزيز أو ~~ذل ذليل ". # وفي ذلك دلالة على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه أخبر عن ~~غيب وقع مخبره على ما أخبر، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى { وليمكنن لهم ~~دينهم الذي أرتضى لهم } يعني يمكنهم من إظهار الاسلام الذي ارتضاه دينا ~~لهم { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } أي نصرهم بعد أن كانوا خائفين بمكة ~~وقت غلبة المشركين آمنين ms2624 بقوة الاسلام وانبساطه. # ثم اخبر عن المؤمنين الذين وصفهم بأنهم يعبدون الله تعالى وحده لا ~~يشركون بعبادته سواه من الاصنام والاوثان وغيرهما. ويجوز ان يكون موضعه ~~الحال. ويجوز أن يكون مستأنفا. # ثم قال { ومن كفر بعد ذلك } يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به { ~~فأولئك هم الفاسقون } وإنما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من ~~الفسق، لأحد امرين: # احدهما - انه أراد الخارجين في كفرهم الى أفحشه، لان الفسق في كل شيء هو ~~الخروج الى اكبره. # الثاني - أراد من كفر تلك النعمة بالفساد بعدها، فسق وليس يعني الكفر ~~بالله، ذكره ابو العالية. # والتبديل - تغيير حال الى حال أخرى، تقول: بدل صورته تبديلا، وتبدل ~~تبدلا، والابدال رفع الشيء بأن يجعل غيره مكانه، قال ابو النجم: # عزل الامير بالأمير المبدل # والتبديل رفع الحال الى حال أخرى. والابدال رفع النفس الى نفس أخرى. ~~والأصل واحد، وهو البدل. # واستدل الجبائي، ومن تابعه على إمامة الخلفاء الأربعة بأن قال: ~~الاستخلاف المذكور فى الآية لم يكن إلا لهؤلاء، لأن التمكين المذكور في ~~الآية إنما حصل في أيام ابي بكر وعمر، لان الفتوح كانت فى أيامهم، فأبو ~~بكر فتح بلاد العرب وطرفا من بلاد العجم، وعمر فتح مداين كسرى الى حد ~~خراسان وسجستان وغيرهما، فاذا كان التمكين والاستخلاف ها هنا ليس هو إلا ~~لهؤلاء الائمة الأربعة. # واصحابهم علمنا أنهم محقون. # والكلام على ذلك من وجوه: # احدها - ان الاستخلاف - ها هنا - ليس هو الامارة والخلافة. بل المعنى هو ~~ابقاؤهم فى أثر من مضى من القرون، وجعلهم عوضا منهم وخلفا، كما قال # هو الذي جعلكم خلائف في الأرض # وقال # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض # وقال # وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء # وكقوله # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة # أي جعل كل واحد منهما خلف صاحبه، وإذا ثبت ذلك، فالاستخلاف والتمكين ~~الذي ذكره الله في الآية، كانا في أيام النبي (صلى الله عليه وسلم) حين ~~قمع الله اعداءه وأعلا كلمته ms2625 ونشر ولايته، واظهر دعوته، وأكمل دينه، ~~ونعوذ بالله أن نقول: لم يمكن الله دينه لنبيه في حياته حتى تلا فى ذلك ~~متلاف بعده، وليس ذلك التمكين كثرة الفتوح والغلبة على البلدان، لأن ذلك ~~يوجب أن دين الله لم يتمكن بعد الى يومنا هذا لعلمنا ببقاء ممالك للكفر ~~كثيرة لم يفتحها المسلمون، ويلزم على ذلك إمامة معاوية وبني أمية، لأنهم ~~تمكنوا اكثر من تمكن أبي بكر وعمر، وفتحوا بلادا لم يفتحوها. # ولو سلمنا أن المراد بالاستخلاف الامالة للزم أن يكون منصوصا عليهم، ~~وذلك ليس بمذهب اكثر مخالفينا، وإن استدلوا بذلك على صحة إمامتهم احتاجوا ~~أن يدلوا على ثبوت امامتهم بغير الآية، وانهم خلفاء الرسول حتى تتناولهم ~~الآية. # فان قالوا: المفسرون ذكروا ذلك. # قلنا: لم يذكر جميع المفسرين ذلك، فان مجاهدا قال: هم أمة محمد (صلى ~~الله عليه وسلم). وعن ابن عباس وغيره: قريب من ذلك. # وقال أهل البيت (ع) إن المراد بذلك المهدي (ع) لأنه يظهر بعد الخوف، ~~ويتمكن بعد ان كان مغلوبا، فليس فى ذلك اجماع المفسرين. وهذا أول ما ~~فيه. قد استوفينا ما يتعلق بالآية في كتاب الامامة، فلا نطول بذكره - ها ~~هنا - وقد تكلمنا على نظير هذه الآية، وان ذلك ليس بطعن على واحد منهم، ~~وانما المراد الممانعة من أن يكون فيها دلالة على الامامة، وكيف يكون ~~ذلك. ولو صح ما قالوه لما احتيج الى اختياره، ولكان منصوصا عليه، وليس ~~ذلك مذهبا لأكثر العلماء، فصح ما قلناه. ### || [24.56-57] # قرأ حفص وابن عامر وحمزة { لا يحسبن } بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ ~~- بالياء - فموضع { الذين } رفع. ومن قرأ - بالتاء - فموضعه نصب، و { ~~معجزين } المفعول الثاني، والمفعول الثاني لمن قرأ - بالياء - قوله { في ~~الأرض }. وقال ابو علي: المفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، وتقديره: ~~ولا يحسبن الذين كفروا اياهم معجزين. وقال الاخفش: من قرأ - بالياء - ~~يجوز أن يكون { الذين } فى موضع نصب، على تقدير لا يحسبن محمد الذين، ~~فيكون محمد الفاعل. # امر الله تعالى فى الآية الأولى جميع المكلفين باقامة الصلاة ms2626 وايتاء ~~الزكاة اللذين أوجبهما عليهم وان يطيعوا الرسول فيما يأمرهم به ويدعوهم ~~اليه، ليرحموا جزاء على ذلك، ويثابوا بالنعم الجزيلة. # ثم قال { لا تحسبن } يا محمد اى لا تظنن { الذين كفروا معجزين في الأرض ~~} اي لا يفوتوني. ومن قرأ - بالياء - قال تقديره: لا يظنن من كفر أنه ~~يفوتني، ويعجزني أي مكان ذهب في الارض. # ثم اخبر تعالى: ان مأوى الكافرين ومستقرهم النار، عقوبة لهم على كفرهم ~~وانها بئس المرجع وبئس المستقر والمأوى. وانما وصفها بذلك لما ينال ~~الصائر اليها من العذاب والآلام والشدائد، وإن كانت من فعل الله وحكمته ~~صوابا. ### || [24.58-60] # قرأ اهل الكوفة إلا حفصا { ثلاث عورات } بفتح الثاء. الباقون بالرفع. ~~قال ابو علي النحوي: من رفع، فعلى أنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذه ~~ثلاث عورات، لانه لما قال { الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم ثلاث مرات } وفصل الثلاث بقوله { من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء } صار كأنه قال: هذه ثلاث عورات، ~~فاجمل بعد التفصيل. ومن نصب جعله بدلا من قوله { ثلاث مرات } وانما أبدل ~~{ ثلاث عورات } وليس بزمان من { ثلاث مرات } وهي زمان، لانه مشتمل على ~~زمان من حيث ان التقدير: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أقام المضاف ~~اليه مقامه. # و { العورات } جمع عورة، وحكم ما كان على وزن (فعلة) من الأسماء أن تحرك ~~العين منه، نحو صفحة وصفحات، وجفنة وجفنات إلا ان عامة العرب يكرهون ~~تحريك العين فيما كان عينه واوا أو ياء، لانه كان يلزمه الانقلاب الى ~~الألف، فاسكنوا لذلك، فقالوا عورات وجوزات وبيضات. وقرأ الاعمش - بفتح ~~الواو - من { عورات } ووجهه ما حكاه المبرد أن هذيلا يقولون في جمع جوزة ~~وعورة ولوزة: جوزات، وعورات، ولوزات، فيحركون العين فيها، وأنشد بعضهم: # ابو بيضات رائح متأوب # رفيق بمسح المنكبين سبوح # فحرك الياء من بيضات، والأجود عند النحويين ما ذكرناه. # هذه الآية متوجهة الى المؤمنين بالله المقرين برسوله، يقول الله لهم: ~~مروا عبيدكم واماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا ms2627 الدخول الى مواضع ~~خلواتكم. وقال ابن عباس وابو عبد الرحمن: الآية في النساء والرجال من ~~العبيد. وقال ابن عمر: هي فى الرجال خاصة. وقال الجبائي: الاستئذان واجب ~~على كل بالغ في كل حال، ويجب على الاطفال فى هذه الاوقات الثلاثة بظاهر ~~هذه الآية. وقال قوم: فى ذلك دلالة على انه يجوز أن يؤمر الصبي الذي ~~يعقل، لأنه أمره بالاستئذان. وقال آخرون: ذلك أمر للآباء أن يأخذوا ~~الأولاد بذلك، فظاهر الآية يدل على وجوب الاستئذان ثلاث مرات فى ثلاث ~~أوقات من ساعات الليل والنهار. ثم فسر الاوقات فقال { من قبل صلاة الفجر ~~وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء } الاخرة لأن الغالب ~~على الناس أن يتعروا فى خلواتهم في هذه الاوقات ذكره مجاهد. ثم بين أنه ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح فيما بعد ذلك من الاوقات أن يدخلوا عليكم من ~~غير اذن، يعني فى الذين لم يبلغوا الحلم، وهو المراد بقوله { طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض } ثم قال: مثل ما بين لكم هذه العورات بين الله لكم ~~الدلالات على الاحكام { والله عليم } بما يصلحكم { حكيم } فيما ذكره ~~وغيره من أفعاله. ثم قال { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم } يعني يرتفع من دخوله بغير اذن إذا بلغ، وصار ~~حكمه حكم الرجال فى وجوب الاستئذان على كل حال. # ثم قال مثل ما بين لكم هذا بين لكم ادلته { والله عليم حكيم }. # ثم قال { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا } يعني المسنات من ~~النساء اللاتي قعدن عن التزويج، لانه لا يرغب فى تزويجهن. وقيل: هن ~~اللاتي ارتفع حيضهن، وقعدن على ذلك، اللاتي لا يطمعن في النكاح أي لا ~~يطمعع فى جماعهن لكبرهن { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } قيل هو ~~القناع الذي فوق الخمار وهو الجلباب، والرداء الذي يكون فوق الشعار. وفى ~~قراءة أهل البيت (ع) { أن يضعن من ثيابهن } وبه قرأ ابي. # وقوله { غير متبرجات بزينة } أي لا تقصد بوضع الجلباب اظهار محاسنها، ~~وما ينبغي ms2628 لها أن تستره. والتبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ~~ستره. # ثم اخبر تعالى أن الاستعفاف عن طرح الجلباب خير لهن في دينهن { والله ~~سميع } لاقوالكم { عليم } بما تضمرونه { حليم } عليكم لا يعاجلكم ~~بالعقوبة على معاصيكم. وانما ذكر القواعد من النساء، لان الشابة يلزمها ~~من التستر اكثر مما يلزم العجوز، ومع ذلك فلا يجوز للعجوز أن تبدي عورة ~~لغير محرم، كالساق والشعر والذراع. ### || [24.61] # يقول الله تعالى انه { ليس على الأعمى حرج } وهو الذي كف بصره { ولا على ~~الأعرج حرج } وهو الذي يعرج من رجليه او احدهما { ولا على المريض حرج } ~~وهو الذي يكون عليلا، والحرج الضيق في الدين، مشتق من الحرجة، وهي الشجر ~~الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه. وحرج فلان إذا أثم. وتحرج من كذا ~~إذا تأثم من فعله. # نفى الله الحرج عن هؤلاء لما يقتضيه حالهم من الافات التى بهم مما تضيق ~~على غيرهم. واختلفوا في تأويل ذلك، فقال الحسن وابن زيد والجبائي: ليس ~~عليهم حرج فى التخلف عن الجهاد، ويكون قوله { ولا على أنفسكم } كلاما ~~متسأنفا. وقال ابن عباس: ليس من مؤاكلتهم حرج، لانهم كانوا يتحرجون من ~~ذلك. قال الفراء: كانت الانصار تتحرج من ذلك، لانهم كانوا يقولون: الاعمى ~~لا يبصر فتأكل جيد الطعام دونه ويأكل رديئة. والاعرج لا يتمكن من الجلوس. ~~والمريض يضعف عن المأكل. وقال مجاهد: ليس عليكم في الأكل من بيوت من سمي ~~على جهة حمل قراباتهم إليهم يستتبعونهم في ذلك حرج. وقال الزهري: ليس ~~عليهم حرج في أكلهم من بيوت الغزاة إذا خلفوهم فيه باذنهم. وقيل: كان ~~المخلف فى المنزل المأذون له في الأكل يتحرج، لئلا يزيد على مقدار ~~المأذون له فيه. وقال الجبائي: الآية منسوخة بقوله # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الى طعام غير ~~ناظرين إناه # ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) # " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه " # والذي روي عن أهل البيت (ع): انه لا بأس بالأكل لهؤلاء من ms2629 بيوت من ذكرهم ~~الله بغير اذنهم، قدر حاجتهم من غير اسراف. # وقوله { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } قال الفراء: لما نزل قوله # لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة # ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير ممن أذن الله تعالى فى الأكل معه، فقال ~~تعالى وليس عليكم فى أنفسكم، وفي عيالكم حرج أن تأكلوا منهم ومعهم الى ~~قوله { أو صديقكم } أي بيوت صديقكم { أو ما ملكتم مفاتحه } أي بيوت ~~عبيدكم وأموالهم. وقال ابن عباس: معنى ما ملكتم مفاتحه هو الوكيل وما جرى ~~مجراه. وقال مجاهد والضحاك: هو ما ملكه الرجل نفسه في بيته. وواحد ~~المفاتح مفتاح - بكسر الميم - وفي المصدر (مفتح) بفتح الميم. وقال قتادة: ~~معنى قوله { أو صديقكم } لانه لا بأس فى الاكل من بيت صديقه بغير اذنه. # وقوله { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } قيل: يدخل فيه ~~أصحاب الآفات على التغليب للمخاطب كقولهم: انت وزيد قمتما، ولا يقولون ~~قاما. وقال ابن عباس: معناه لا بأس ان يأكل الغني مع الفقير في بيته. # وقال ابن عباس والضحاك: هي فى قوم من العرب كان الرجل منهم يتحرج أن ~~يأكل وحده. وقال ابن جريج: كانوا من كنانة. وقال ابو صالح: كانوا إذا نزل ~~بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا معه، فأباح الله الاكل منفردا ومجتمعا. ~~والاولى حمل ذلك على عمومه، وانه يجوز الاكل وحدانا وجماعا. # وقوله { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال الحسن: معناه ليسلم ~~بعضكم على بعض. وقال ابراهيم: اذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال قوم: أراد بالبيوت المساجد. والأولى ~~حمله على عمومه. فاما رد السلام، فهو واجب على المسلمين. وقال الحسن: يجب ~~الرد على المعاهد، ولا يقول الراد ورحمة الله. # وقوله تعالى { تحية من عند الله مباركة طيبة } يعني هذا السلام تحيون به ~~تحية من عند الله مباركة طيبة، لما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم. # ثم قال كما يبين الله لكم هذه الأحكام والآداب { كذلك يبين ms2630 الله لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون } أي يبين الله لكم الأدلة على جميع الاحكام، وجميع ~~ما يتعبدكم به لتعقلوا ذلك، وتعملوا بموجبه. ### || [24.62-64] # يقول الله تعالى ليس المؤمنون على الحقيقة إلا { الذين آمنوا بالله } أي ~~صدقوا بتوحيده وعدله، وأقروا بصدق رسوله واذا كانوا مع رسوله { على أمر ~~جامع } وهو الذي يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه: من حضور حرب أو مشورة ~~في أمر، أو في صلاة جمعة، وما اشبه ذلك، لم ينصرفوا عن رسوله او عن ذلك ~~الأمر، إلا بعد أن يأذن لهم الرسول فى الانصراف متى طلبوا الاذن من قبله. ~~والاستئذان طلب الاذن من الغير. # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { إن الذين يستأذنوك } يا ~~محمد، فهم الذين يصدقون بالله ورسوله على الحقيقة، دون الذين ينصرفون بلا ~~استئذان. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أيضا متى ما استأذنوك هؤلاء ~~المؤمنون أن يذهبوا لبعض مهماتهم وحاجاتهم { فأذن لمن شئت منهم } فخيره ~~بين ان يأذن وألا يأذن، وهكذا حكم الامام. # وقوله { واستغفر لهم الله } أي اطلب لهم المغفرة من الله. واستغفار ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) هو دعاؤه لهم باللطف الذي تقع معه المغفرة { ~~إن الله غفور رحيم } أي ساتر لذنوبهم منعم عليهم. # ثم أمر المكلفين فقال تعالى { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا } وقيل في معناه قولان: # احدهما - احذروا دعاءه عليكم إذا أسخطتموه، فان دعاءه موجب، ليس كدعاء ~~غيره، ذكره ابن عباس. # والثاني - قال مجاهد وقتادة: ادعوه بالخضوع والتعظيم، وقولوا له: يا ~~رسول الله، ويا نبي الله، ولا تقولوا: يا محمد، كما تقول بعضكم لبعض. # وقوله { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } معناه إذا تسلل واحد ~~منكم من عند النبي (صلى الله عليه وسلم) فان الله عالم به. وقال الحسن: ~~معنى { لواذا } فرارا من الجهاد. قال الفراء: كان المنافقون يحضرون مع ~~النبي الجمعة، فاذا نزلت آية فيها ذم للمنافقين ضجروا، وطلبوا غره واستتر ~~بعضهم ببعض، يقال: لاوذت بفلان ملاوذة، ولواذا. قال الزجاج: الملاوذة ~~المخالفة، ولذت به ms2631 ألوذ لياذا. # ثم حذرهم من مخالفة رسوله بقوله { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } وانما ~~دخلت (عن) فى قوله { عن أمره } لأن المعنى يعرضون عن أمره. وفى ذلك دلالة ~~على أن أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم) على الايجاب، لانها لو لم تكن ~~كذلك لما حذر من مخالفته، وليس المخالف هو ان يفعل خلاف ما أمره فقط، لان ~~ذلك ضرب من المخالفة. وقد يكون مخالفا بألا يفعل ما أمره به. ولو كان ~~الأمر على الندب لجاز تركه، وفعل خلافه. # وقوله { أن تصيبهم فتنة } أي فليحذروا من أن تصيبهم فتنة: أي بلية تظهر ~~ما فى قلوبهم من النفاق. والفتنة شدة فى الدين تخرج ما في الضمير { أو ~~يصيبهم عذاب أليم } فى الآخرة جزاء على خلافهم الرسول. # ويجوز أن يكون المراد: ان تصيبهم عقوبة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب مؤلم ~~في الآخرة. وقيل: معناه { أن تصيبهم فتنة } أي قبل أن يصيبهم عذاب فى ~~الآخرة. وقوله { ألا إن لله ما في السماوات والأرض } المعنى ان له ملك ما ~~فى السموات والارض، والتصرف في جميع ذلك، ولا يجوز لاحد الاعترض عليه، ~~ولا يجوز مخالفة أمر رسوله، ولا يخالف أمره، لأن الهاء في قوله { عن أمره ~~} يحتمل أن تكون راجعة الى الرسول ويحتمل أن تكون راجعة الى الله، وقد ~~مضى ذكرهما قبلها. ثم بين انه { يعلم ما أنتم عليه } من الايمان والنفاق، ~~لا يخفى عليه شيء من احوالكم لا سرا ولا علانية. # وقوله { ويوم يرجعون إليه } أي يوم يردون اليه يعني يوم القيامة، الذي ~~لا يملك فيه احد شيئا سواه. ومن ضم الياء: أراد يردون. ومن فتحها نسب ~~الرجوع اليهم. وقوله { فينبئهم بما عملوه } أي يعلمهم جميع ما عملوه من ~~الطاعات والمعاصي ويوافيهم عليها. { والله بكل شيء عليم } لا يخفى عليه ~~شيء من ذلك الذي عملوه سرا وجهرا. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-6] # معنى تبارك: تقدس وجل، بما لم يزل عليه من الصفات، ولا يزال كذلك، ولا ~~يشاركه فيها غيره. وأصله من بروك الطير على الماء، فكأنه ms2632 قال: ثبت فيما ~~لم يزل ولا يزال الذي نزل الفرقان على عبده. وقال ابن عباس: تبارك ~~(تفاعل) من البركة، فكأنه قال ثبت بكل بركة او حل بكل بركة. وقال الحسن: ~~معناه الذي تجيء البركة من قبله، والبركة الخير الكثير. والفرقان هو ~~القرآن، سمي فرقانا لأنه يفرق به بين الصواب والخطأ، والحق والباطل فى ~~امور الدين، بما فيه من الوعظ والزجر عن القبائح والحث على افعال الخير. # ثم بين تعالى انه انما نزل هذا القرآن، وغرضه أن يكون نذيرا للعالمين، ~~أي مخوفا وداعيا لهم الى رشدهم، وصارفا لهم عن غيهم وضلالتهم، يقال: ~~أنذره إنذارا إذا دعاه الى الخير، بأن يخوفه من تركه: إذا كان غافلا ~~عنه، وقال ابن زيد: النذير هو النبي (صلى الله عليه وسلم). وقال آخرون: ~~هو القرآن. # ثم وصف تعالى { الذي نزل الفرقان } بأنه { الذي له ملك السماوات والأرض ~~} والتصرف فيهما، بسعة مقدوره بسياستها. وانه { لم يتخذ ولدا } كما ~~يدعيه النصارى فى أن المسيح ابن الله، ويزعم جماعة من العرب أن الملائكة ~~بنات الله. وأنه ليس له شريك فى الملك، بل هو المالك لجميع ذلك وحده، ~~وانه { خلق كل شيء } وقيل فى معناه قولان: # احدهما - ان كل شيء يطلق عليه اسم مخلوق، فانه خلقه، لأن أفعالنا لا ~~يطلق عليها اسم الخلق حقيقة، لان الخلق يفيد الاختراع، وانما يسمونها ~~بذلك مجازا. # والثاني - انه لا يعتد بما يخلقه العبد فى جنب ما خلقه الله، لكثرة ذلك ~~وقلة ما يخلقه العبد. # ويحتمل ان يكون المراد قدر كل شيء، لان أفعال العباد مقدرة لله، من حيث ~~بين ما يستحق عليها فاعلها من الثواب والعقاب أو لا يستحق شيئا من ذلك. ~~ويقوي ذلك قوله { فقدره تقديرا } لان المعنى فيه، وكل شيء على مقدار ~~حاجتهم اليه وصلاحه لهم. # ثم اخبر تعالى عن الكفار، فقال { واتخذوا من دون الله آلهة } من الاصنام ~~والاوثان، ووجهوا عبادتهم اليها من دون الله. ثم وصف آلهتهم بما ينبئ ~~أنها لا تستحق العبادة، بأن قال { لا يخلقون شيئا } ولا يقدرون ms2633 عليه، ~~وهم مع ذلك مخلوقون، ومصرفون، وانهم { لا يملكون } أي لا يقدرون { ~~لأنفسهم } على ضر ولا على نفع { ولا يملكون } أي لا يقدرون على موت، ولا ~~على حياة، ولا على بعث بعد الموت. والنشور هو البعث بعد الموت، يقال: نشر ~~الميت، فهو ناشر نشورا، وانشره الله انشارا، ومنه قوله # ثم إذا شاء أنشره # وجميع ذلك يختص الله بالقدرة عليه، والعبادة تستحق بذلك، لانها أصول ~~النعم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم يقولون: ليس هذا القرآن الذي أنزلناه { ~~إلا إفك } يعني كذب افتعله النبي (صلى الله عليه وسلم) { وأعانه عليه قوم ~~آخرون } قال الحسن: قالوا أعانه عليه عبد حبشي يعني الحضرمي. # وقال مجاهد: قالوا أعانه عليه اليهود. # ثم حكى تعالى عنهم بأنهم قالوا ذلك و { جاؤا } في هذا القول { ظلما ~~وزورا } أي جاؤا بظلم، فلما حذف الباء نصبه أي انهم أضافوه الى غير من ~~صدر عنه، وكذبوا فيه. # وحكى عنهم انهم قالوا أيضا: هذا القرآن { أساطير الأولين } ورفع { ~~أساطير } بأنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذا أساطير الأولين. قال ابن ~~عباس: الذي قال ذلك النضر بن الحارث بن كلدة، يعني اخبار قد سطرها ~~الأولون من الأمم اكتتبها هو، وانتسخها { فهي تملى عليه } حتى ينسخها { ~~بكرة وأصيلا } يعني غداة وعشيا. والاصيل العشي، لأنه أصل الليل وأوله. ~~ومعناه: إنه يقرأ عليه على هوى النفس، فأمر الله تعالى نبيه (صلى الله ~~عليه وسلم) أن يقول لهم، تكذيبا لقولهم { قل أنزله } يعني القرآن { الذي ~~يعلم السر } يعني الخفايا { في السماوات والأرض } والمعنى انه أنزله على ~~ما يعلم من المصلحة وبواطن الأمور وخفاياها، لا على ما تقتضيه أهواء ~~النفوس وشهواتها. وقال الجبائي: السر - ها هنا - الغيب. والسر اخفاء ~~المعنى فى القلب اسر اليه إسرارا أي ألقى اليه ما يخفيه فى قلبه، وساره ~~مسارة وسرارا: إذا اخفى ما يلقيه اليه من السر عن غيره. # وقوله { إنه كان غفورا } معناه الذي يعلم السر في السموات والارض لا ~~يعاجلهم بالعقوبة، بل يستر عليهم، وهكذا كان على من تقدم من الكفار ~~والعصاة ms2634 { رحيما } أي منعما عليهم. ### || [25.7-10] # قرأ حمزة والكسائي { نأكل } بالنون. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر وابو بكر عن عاصم { ويجعل لك قصورا } بالرفع. الباقون بالجزم. من ~~قرأ { يأكل } بالياء أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) فانهم كرهوا أن ~~يكون نبي من قبل الله يأكل الطعام ويمشي فى الاسواق، وقالوا: هلا كان معه ~~ملك؟ فيكون معه معينا مخوفا لعباده { وداعيا } لهم. ومن قرأ بالنون ~~اراد: نأكل نحن، فيكون له بذلك مزية علينا فى الفضل بأكلنا من جنته. ومن ~~جزم { ويجعل } عطفه على موضع { جعل } لأن موضع { جعل } جزم، لانه جزاء ~~الشرط، فعطف { ويجعل } على الموضع كما قرأ من قرأ قوله # من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم # بالجزم ومن رفع استفأنفه وقطعه عن الأول، كمن قرأ { ويذرهم } بالرفع. # حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم أنهم قالوا أي شيء { لهذا ~~الرسول يأكل الطعام } كما نأكل { ويمشي في الأسواق } في طلب المعاش، كما ~~نمشي { لولا أنزل إليه } ومعناه هلا أنزل الله عليه ملكا ان كان صادقا، ~~فيكون معينا له على الانذار والتخويف. وإن لم ينزل اليه ملك، هلا { يلقى ~~إليه كنز } يستغني به ويكون عونا له على دنياه وما يريده { أو تكون له ~~جنة } اي بستان { يأكل منها } هو نفسه. ومن قرأ - بالنون - اراد نأكل نحن ~~معه، ونتبعه. # ثم حكي: ان الظالمين نفوسهم بارتكاب المعاصي والكفر، قالوا لأتباعهم ومن ~~سمع منهم { إن تتبعون } اي ليس تتبعون إن تبعتموه { إلا رجلا مسحورا } ~~وقيل إنما يخاطبون بذلك المؤمنين المقرين بنبوته، ليصرفوهم عنه. ومعنى { ~~مسحورا } انه قد سحر. والسحر ما خفي سببه حتى يظن انه معجز. فقال الله ~~لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { أنظر كيف ضربوا لك الأمثال } يعني الاشباه، ~~لأنهم قالوا تارة: هو مسحور. وتارة مثلوه بالمحتاج المتروك، حتى تمنوا له ~~الكنز. وتارة بأنه ناقص عن القيام بالأمور، وكل ذلك جهل منهم وذهاب عن ~~وجه الصواب. فقال الله تعالى { فضلوا } بضرب هذه الامثال عن طريق الحق { ~~فلا يستطيعون سبيلا } معناه لا ms2635 يستطيعون طريقا الى الحق، مع تمسكهم ~~بطريق الجهل وعدولهم عن الداعي الى الرشد. وقيل معناه { لا يستطيعون ~~سبيلا } الى ابطال امرك. # ثم قال تعالى { تبارك الذي } أي تقدس وتعاظم الله الذي { إن شاء جعل لك ~~خيرا من ذلك } يعني مما قالوه - في قول مجاهد - ثم فسر (ذلك) فقال الذي ~~هو خير مما قالوه { جنات تجري من تحتها الأنهار. ويجعل لك قصورا } وهو ~~جمع قصر، وهو البيت المشيد المبني - في قول مجاهد - وسمي القصر قصرا، ~~لأنه يقصر من فيه عن أن يوصل اليه. ومن جزم { يجعل } عطفا على موضع { ~~جعل } ، لأنه جواب الشرط. ومن رفع استأنف. وكان يجوز النصب على الظرف. ### || [25.11-16] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار الذين وصفهم وذكرهم بأنهم ~~كفروا بالله وجحدوا البعث والنشور، أنهم لم يكفروا لأنك تأكل الطعام ~~وتمشي في الاسواق، بل لانهم لم يقروا بالبعث والنشور، والثواب والعقاب، ~~وهو معنى قوله { بل كذبوا بالساعة } يعني بالقيامة، وما فيها من الثواب ~~والعقاب. # ثم اخبر تعالى انه اعد { لمن كذب بالساعة سعيرا } و { أعتدنا } أصله ~~أعددنا فقلبت احدى الدالين تاء، لقرب مخرجهما. و { السعير } النار ~~الملتهبة، يقال: اسعرتها اسعارا، واستعرت استعارا، وتسعرت تسعرا، ~~وسعرها الله تسعيرا. والاسعار تهيج النار بشدة الايقاد. # ثم وصف تلك النار المستعرة، فقال { إذا رأتهم من مكان بعيد } ونسب ~~الرؤية الى النار - وانما هم يرونها - لان ذلك أبلغ، كأنها تراهم رؤية ~~الغضبان الذي يزفر غيظا، فهم يرونها على تلك الصفة، ويسمعون منها تلك ~~الحال الهائلة. و (التغيظ) انتفاض الطبع لشدة نفور النفس، والمعنى صوت ~~التغيظ من التلهب والتوقد. وقال الجبائي: معناه { إذا رأتهم } الملائكة ~~الموكلون بالنار { سمعوا لها } للملائكة { تغيظا وزفيرا } للحرص على ~~عذابهم. وهذا عدول عن ظاهر الكلام مع حسن ظاهره وبلاغته من غير حاجة ~~داعية ولا دلالة صارفة. وانما شبهت النار بمن له تلك الحال، وذلك في ~~نهاية البلاغة. # وقوله { وإذا القوا } يعني الكفار { منها } يعني من النار { مكانا ~~ضيقا } أي فى مكان ضيق { مقرنين } قيل: معناه مغللين، قد ms2636 قرنت أعناقهم ~~الى ايديهم فى الاغلال، كما قال # مقرنين في الأصفاد # وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل والاغلال. وقيل يقرن الانسان ~~والشيطان الذي كان يدعوه الى الضلال { دعوا هنالك } يعني في ذلك الموضع، ~~يدعون { ثبورا } قال ابن عباس: الثبور الويل، وقال الضحاك: هو الهلاك. ~~وقيل: أصله الهلاك من قولهم ثبر الرجل إذا هلك، قال ابن الزبعري. # إذا جاري الشيطان في سنن ال # غي فمن مال ميله مثبور # ويقال: ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما صرفك عنه صرف المهلك عنه، فيقولوا: ~~واإنصرفاه عن طاعة الله. وقيل: واهلاكاه. فقال الله تعالى انه يقال لهم ~~عند ذلك { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } أي لا ~~تدعوا ويلا واحدا، بل أدعوا ويلا كثيرا. والمعنى إن ذلك لا ينفعكم سواء ~~دعوتم بالويل قليلا أو كثيرا. # ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } لهم يا محمد { أذلك خير ~~} يعني ما ذكره من السعير وأوصافه خير { أم جنة الخلد } وانما قال ذلك ~~على وجه التنبيه لهم على تفاوت مابين الحالين. وانما قال { أذلك خير أم ~~جنة الخلد } وليس في النار خير، لأن المراد بذلك أي المنزلين خير؟! ~~تبكتا لهم وتقريعا. وقوله { التي وعد المتقون } أي وعد الله بهذه الجنة ~~من يتقي معاصيه ويخاف عقابه { كانت لهم جزاء ومصيرا } يعني الجنة مكافأة ~~وثوابا على طاعانهم، ومرجعهم اليها ومستقرهم فيها، و { لهم فيها ما ~~يشاؤن } ويشتهون من اللذات والمنافع { خالدين } أي مؤبدين لا يفنون فيها ~~{ كان على ربك وعدا مسؤلا } وقيل فى معناه قولان: # احدهما - ان المؤمنين يسألون الله عز وجل الرحمة فى قولهم # ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا # وقولهم: # وآتنا ما وعدتنا على رسلك # والثاني - انه بمنزلة قولك: لك ما تمنيت مني أي متى تمنيت شيئا فهو لك، ~~فكذلك متى سألوا شيئا، فهو لهم بوعد الله (عز وجل) اياهم. # وقرأ ابن كثير { ضيقا } بتخفيف الياء. الباقون بالتشديد، وهما لغتان ~~بالتشديد والتخفيف، مثل سيد وسيد، وميت وميت. وقيل: ذلك هو الوعد المسؤل ~~فى دار ms2637 الدنيا. ### || [25.17-20] # قرأ ابن كثير وابو جعفر وحفص ويعقوب { ويوم يحشرهم } بالياء. الباقون ~~بالنون. وقرأ ابن عامر { فنقول } بالنون. الباقون بالياء. وقرأ ابو جعفر ~~{ أن نتخذ } بضم النون وفتح الخاء. الباقون بفتح النون وكسر الخاء. وقرأ ~~حفص { فما تستطيعون } بالياء. الباقون بالتاء. # من قرأ { يحشرهم } بالياء فتقديره: قل يا محمد يوم يحشرهم الله ويحشر ~~الاصنام التي يعبدونها من دون الله. قال قوم: حشر الاصنام افناؤها. وقال ~~آخرون يحشرها كما يحشر سائر الحيوان ليبكت من جعلها آلهة. # ومن قرأ بالنون اراد: ان الله المخبر بذلك عن نفسه وابن عامر جعل ~~المعطوف مثل المعطوف عليه فى أنه حمله على انه إخبار من الله. ومن قرأ ~~الأولى بالنون والثانية بالياء عدل من الاخبار عن الله الى الاخبار عن ~~الغائب. # يقول الله تعالى { ويوم يحشرهم } يعني هؤلاء الكفار الجاحدين للبعث ~~والنشور ويحشر { ما يعبدون من دون الله } قال مجاهد: يعني عيسى وعزير. ~~وقال قوم: هو كل ما عبدوه من دون الله ليبكتوا بذلك { فيقول } اي فيقول ~~الله لهم { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } يعني الكفار أي يقول الله للذين ~~عبدوهم أأنتم الذين دعوتم الكفار الى عبادتكم، فأجابوكم { أم هم ضلوا ~~السبيل } من قبل نفوسهم عن طريق الحق واخطؤا طريق الصواب؟؟ فيجيب ~~المعبودون بما حكاه الله فيقولون: { سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من ~~دونك من أولياء } ندعوهم الى عبادتنا. ومن ضم النون أراد: لم يكن لنا ان ~~نتخذ اولياء من دونك، وضعف هذه القراءة النحويون. فقالوا: لان (من) هذه ~~تدخل في الاسم دون الخبر، نحو ما علمت من رجل راكبا. ولا تقول: ما علمت ~~رجلا من راكب. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك كما لا يجوز فى قوله # فما منكم من أحد عنه حاجزين # ما احد عنه منكم من حاجزين. وقال الفراء يجوز ذلك على ضعف، ووجهه أن ~~يجعل الاسم في { من أولياء } ، وإن كانت وقعت موقع الفعل [وقوله { ما كان ~~ينبغي لنا } ، { كان } زائدة، والتقدير: ما ينبغي لنا - ذكره ابو عبيدة - ~~وهذا لا يحتاج ms2638 اليه، لان هذا إخبار عنهم يوم القيامة انهم يقولون: { ما ~~كان ينبغي لنا } فى دار الدنيا ان نتخذ اولياء من دونك] # وقوله { ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا } تمام ~~الحكاية عما يقول المعبودون من دون الله، فانهم يقولون يا ربنا انك متعت ~~هؤلاء الكفار ومتعت آباءهم في نعيم الدنيا { حتى نسوا الذكر } أي ذكرك { ~~وكانوا قوما بورا } أي هلكى فاسدين. والبور الفاسد، ويقال: بارت السلعة ~~تبور بورا إذا بقيت لا تشترى بقاء الفاسد الذي لا يراد. والبائر الباقي ~~على هذه الصفة. والبور مصدر كالزور، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. # وقيل هو جمع (بائر) قال ابن الزبعري: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذا أنا بور # ونعوذ بالله من بوار الاثم. وقوله { فقد كذبوكم بما تقولون } قيل فى ~~معناه قولان: # احدهما - كذبكم الملائكة والرسل، في قول مجاهد. # والثاني - قال ابن زيد: أيها المؤمنون كذبكم المشركون بما تقولون: عن ~~نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وغيره من انبياء الله. # قال الفراء: من قرأ بالياء معناه كذبوكم بقولهم. وقوله { فما تستطيعون ~~صرفا ولا نصرا } قال مجاهد: يعني بذلك، فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف ~~العذاب عن انفسهم، ولا نصر أنفسهم من عذاب الله تعالى. وقيل: معناه فما ~~يستطيعون لك يا محمد صرفا عن الحق، ولا نصر أنفسهم من البلاء الذي هم ~~فيه، من التكذيب لك. وقيل: ما يستطيعون نصرا من بعض لبعض. ومن قرأ - ~~بالتاء - خاطبهم بذلك بتقدير قل لهم. # ثم قال تعالى { ومن يظلم منكم } نفسه بارتكاب المعاصي وحجد آيات الله { ~~صرفه } فى مقابلة ذلك جزاء عليه { عذابا كبيرا } أي عظيما. # ثم خاطب نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) فقال { وما أرسلنا قبلك } يا ~~محمد { من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام } مثلك { ويمشون في الأسواق ~~} طلبا للمعايش، كما تطلبها أنت، وهو جواب لقولهم # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق # وكسرت (إن) في قول { إلا إنهم } لانه موضع ابتداء، كأنه قال: إلا هم ~~يأكلون الطعام، كما ms2639 تقول: ما قدم علينا أمير الا إنه مكرم لي، ولا يجوز ~~أن تكون مكسورة لأجل اللام، لأن دخولها وخروجها واحد في هذا الموضع. وقال ~~قوم (من) محذوفة والتقدير إلا من انهم ليأكلون الطعام نحو # وما منا إلا له مقام معلوم # اي الا من له مقام معلوم، ذكره الفراء. وقال الزجاج: هذا لا يجوز، لان ~~قوله { إنهم ليأكلون الطعام } صلة (من) ولا يجوز حذف الموصول وبقاء ~~الصلة، ومثل الآية قول الشاعر: # ما أعطياني ولا سألتهما # إلا وأني لحاجز كرمي # وقوله { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } قال الحسن: معناه يقول هذا الأعمى: لو ~~شاء لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء لجعلني غنيا مثل ~~فلان ويقول هذا السقيم: لو شاء لأصحني مثل فلان. # وقوله { وكان ربك بصيرا } أي بصيرا بمن يصبر ممن يجزع، في قول ابن ~~جريج. وقال الفراء: كان الشريف إذا أراد أن يسلم، وقد سبق المشروف الى ~~الاسلام، فيقول: أسلم بعد هذا؟! فكان ذلك فتنة. وقيل { وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة } للعداوات التي كانت بينهم في الدين. والفتنة شدة في التعبد تظهر ~~ما في نفس العبد من خير وشر، وهي الاختبار. وأصله اخلاص الشيء باحراق ما ~~فيه من الفساد من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخلصته من الغش باحراقه، ~~ومنه قوله # يوم هم على النار يفتنون # أي يحرقون إحراق ما يطلب اخلاصه من الفساد. # وقوله { أتصبرون وكان ربك بصيرا } معناه اصبروا فقد عرفتم ما وعد ~~الصابرون به من الثواب، والله بصير بمن يصبر ومن يجزع. ### || [25.21-25] # حكى الله تعالى عن الكفار الذين لا يرجون لقاء ثواب الله، ولا يخافون ~~عقابه أنهم قالوا ما ذكره. والرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه، ~~تقول: رجا يرجو رجاء وارتجى ارتجاء، وترجى ترجيا، ومثل الرجاء الطمع ~~والامل. والمعنى لا يرجون لقاء جزائنا، وإذا استعملوا الرجاء مع النفي ~~أرادوا به الخوف، كقوله # لا ترجون لله وقارا # وهي لغة تهامة وهذيل. واللقاء المصير الى الشيء من غير حائل ولهذا صح ~~لقاء الجزاء من الثواب والعقاب، ms2640 لان العباد يصيرون اليه فى الآخرة وعلى ~~هذا يصلح أن يقال: لا بد من لقاء الله تعالى. # وقوله { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } معناه هلا أنزل ~~الملائكة لتخبرنا بأن محمدا نبي { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك. قال ~~الجبائي: وذلك يدل على انهم كانوا مجسمة، فلذلك جوزوا الرؤية على الله ~~التي تقتضي التشبيه. # ثم اقسم تعالى فقال { لقد استكبروا } بهذا القول { في أنفسهم } أي طلبوا ~~الكبر والتجبر بغير حق، تقول: استكبر استكبارا { وعتوا } بذلك أي طغوا ~~به { عتوا كبيرا } والعتو الخروج الى أفحش الظلم. # وقوله { يرم يرون الملائكة } يجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقبض ~~فيه أرواحهم، ويعلمون أين مستقرهم. ويجوز أن يكون يوم القيامة { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } أي لا بشرى لهم في ذلك اليوم. قال الفراء: ليس { اليوم ~~} من صلة { بشرى } ولا منصوبا به، بل اضمرت (الفاء) كقولك: أما اليوم، ~~فلا مال لك. وقال الزجاج: يجوز على تقدير لا بشرى تكون للمجرمين يوم يرون ~~الملائكة، ويكون { يومئذ } مؤكدا ل { يوم } ، ولا يكون منصوبا ب { لا ~~بشرى } لأن ما يتصل ب (لا) لا يعمل فيما قبلها، لكن لما قيل: { لا بشرى ~~للمجرمين } بين في أي يوم ذلك فكأنه قال يمنعون البشرى يوم يرون ~~الملائكة، وهو يوم القيامة و { المجرمين } معناه الذين أجرموا وارتكبوا ~~المعاصي { ويقولون حجرا محجورا } حراما محرما. وقال قتادة، والضحاك: ~~هو من قول الملائكة يقولون لهم: حراما محرما عليكم البشرى. وقال مجاهد ~~وابن جريج: هو من قول المجرمين، كما كانوا يقولون فى الدنيا إذا لقوا من ~~يخافون منه القتل، قالوا { حجرا محجورا } أي حراما محرما دماؤنا. ~~واصل الحجر الضيق، يقال: حجر عليه يحجر حجرا إذا ضيق. والحجر الحرام ~~لضيقه بالنهي عنه، قال المتلمس: # حنت الى النخلة القصوى فقلت لها # حجر حرام ألا تلك الدهاريس # وقال آخر: # فهممت ان ألقي اليها محجرا # ولمثلها يلقى اليه المحجر # أي حراما. ومنه حجر القاضي عليه يحجر. وحجر فلان على أهله. ومنه حجر ~~الكعبة، لانه لا يدخل اليه في الطواف، ms2641 وانما يطاف من ورائه، لتضيقه ~~بالنهي عنه وقوله # لذي حجر # أي لذي عقل، لما فيه من التضييق في القبيح، والحجر الانثى من الخيل، ~~ومنه الحجرة، وحجر الانسان. # وقوله { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } قال البلخي: ~~معناه قدم أحكامنا بذلك. وقال مجاهد: معنى { قدمنا } عمدنا قال الراجز: # وقدم الخوارج الضلال # الى عباد ربهم فقالوا # إن دماءكم لنا حلال # وفي الكلام بلاغة حسنة، لان التقدير: كان قصدنا اليه قصد القادم على ما ~~يكرهه، ما لم يكن رآه قبل فيغيره. والهباء غبار كالشعاع، لا يمكن القبض ~~عليه وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: هو غبار يدخل الكوة فى شعاع الشمس. وقال ~~عكرمة: هو رهج الخيل. وقال ابن عباس وغيره: هو الماء المهراق. # ثم قال تعالى { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ومعناه: إن الذين ~~يحصلون فى الجنة - مثابين منعمين فى ذلك اليوم - مستقرهم خير من مستقر ~~الكفار في الدنيا والآخرة. وانما قال ذلك على وجه المظاهرة، بمعنى أنه لو ~~كان لهم مستقر خير ومنفعة، لكان هذا خيرا منه، { وأحسن مقيلا } معناه ~~أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح ~~للنوم، لانهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # على ما اعتادوه. وقال البلخي: معنى { مستقرا وأحسن مقيلا } انه خير في ~~نفسه، وحسن فى نفسه، لا انه أفضل من غيره، كما قال # وهو أهون عليه # أي هو هين. وقال قوم: معنى { خير مستقرا وأحسن } أي انفع من مستقرهم. ~~وقال ابن عباس وابراهيم وابن جريج: لانه يفرغ من حسابهم الى وقت القائلة. # وقوله { يوم تشقق السماء بالغمام } أي عن الغمام، وهو كقولهم: رميت ~~بالقوس، وعن القوس بمعنى واحد. # وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر { تشقق } مشددة ومعناه تتشقق، فادغم احدى ~~التائين في الشين لقرب مخرجيهما. ومن قرأ بالتخفيف أراد ايضا ذلك. ولكنه ~~حذف أحدى التائين، وهي تاء (تفعل) لان الأخرى علامة الاستقبال، لا يجوز ~~حذفها. وقال أبو علي الفارسي: المعنى { تشقق السماء } وعليها الغمام. وفى ms2642 ~~التفسير: انه يتشقق سماء سماء. وقال الفراء: تتشقق السماء عن الغمام ~~الأبيض. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرأ ابن كثير { وننزل الملائكة } ~~بنونين. وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة. # والمعني بذلك الاخبار عن هول ذلك اليوم وعظم شدائده، وان الملائكة تنزل ~~للمؤمنين بالاكرام والاعظام، وللكافرين بالاستخفاف والاهانة. # ومن قرا بالنونين أراد ان الله المخبر بذلك عن نفسه. ومن قرأ بنون واحدة ~~فعلى ما لم يسم فاعله. والمعنيان واحد. والتشديد أجود لقوله { تنزيلا } ~~والآخر يجوز، كما قال # وتبتل إليه تبتيلا # وقوله # والله أنبتكم من الأرض نباتا # فجاء المصدر على غير الفعل وذلك سائغ جيد. ### || [25.26-30] # يقول الله تعالى إن { الملك } الذي هو السلطان بسعة المقدور وتدبير ~~العباد فى ذلك اليوم ووصفه بأنه الحق { للرحمن } الذي أنعم على جميع ~~خلقه، وأن ذلك اليوم كان على الكافرين عسيرا، يعني صعبا شديدا، ~~والعسير هو الذي يتعذر طلبه، ونقيضه اليسير. والحق هو ما كان معتقده على ~~ما هو به، معظم في نفسه، ولذلك وصفه تعالى بأنه الحق ووصف ملكه ايضا ~~بأنه الحق لما ذكرناه. وقيل { الملك } على ثلاثة أضرب: ملك عظمة، وهو لله ~~تعالى وحده. وملك ديانة بتمليك الله تعالى. وملك جبرية بالغلبة. # ثم قال تعالى أن فى ذلك اليوم { يعض الظالم على يديه } تلهفا على ما ~~فرط فى جنب الله، فى ارتكاب معصيته. وقيل: إن الآية نزلت في أبي بن خلف، ~~وعقبة ابن ابي معيط، وكانا خليلين ارتد أبي، لما صرفه عن الاسلام عقبة. ~~وقتل عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبرا. وقتل أبي بن خلف يوم احد، قتله ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) بيده، ذكره قتادة. وقال مجاهد: الخليل - ها ~~هنا - الشيطان، وفلان كناية عن واحد بعينه من الناس، لأنه معرفة. وقال ~~ابن دريد، عن أبي حاتم عن العرب: أنهم يكنوا عن كل مذكر بفلان، وعن كل ~~مؤنث بفلانة. وإذا كنوا عن البهائم أدخلوا الألف واللام، فقالوا الفلان ~~والفلانة. # ثم بين أنه يتبرأ منه بأن يقول: والله { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني } يعني أغواني ms2643 عن اتباع الذكر الذي هو النبي (صلى الله عليه وسلم) ~~ويحتمل أن يكون اراد القرآن. # ثم بين فقال { وكان الشيطان للإنسان خذولا } يخذله في وقت حاجته ~~ومعاونته، لانه على باطل { وقال الرسول } أي ويقول الرسول { إن قومي ~~اتخذوا هذا القرآن مهجورا } وقيل في معناه قولان: # احدهما - قال محمد، وابراهيم: انهم قالوا فيه هجرا أي شيئا من القول ~~القبيح لزعمهم انه سحر، وانه اساطير الاولين. # والثاني - قال ابن زيد: هجروا القرآن باعراضهم عنه، وترك ما يلزمهم فيه ~~ويشهد لهذا قوله # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # ومثل (قال) بمعنى (يقول) قول الشاعر: # مثل العصافير أحلاما ومقدرة # لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا # اي ما يوزنون، واما قول الشاعر: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا # مني وما سمعوا من صالح دفنوا # فهذا فى الجزاء. ### || [25.31-34] # معنى قوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } قيل فيه قولان: # احدهما - قال ابن عباس: جعل لمحمد (صلى الله عليه وسلم) عدوا من ~~المجرمين، كما جعل لمن قبله. # والثاني - كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحا له وتعظيما، كذلك جعلنا ~~المجرم يعادي النبي ذما له وتحقيرا. والمعنى إن الله تعالى حكم بأنه ~~على هذه الصفة. وقيل { جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } ببياننا أنهم ~~أعداؤهم، كما يقال جعله لصا أو خائنا. وقيل: معناه أمرنا بأن يسموهم ~~أعداء. والجعل وجود ما به يصير الشيء على ما لم يكن، ومثله التصيير، ~~والعدو المتباعد من النصرة للبغضة، ونقيضه الولي، واصله البعد. ومنه ~~عدوتا الوادي أي جانباه، لانهما بعداه ونهايتاه، وعدا عليه يعدو عدوا ~~اذا باعد خطوة للايقاع به، وتعدى فى فعله إذا أبعد في الخروج عن الحق. ثم ~~قال تعالى { وكفى بربك } يا محمد { هاديا ونصيرا } اي حسبك الله الهادي ~~الى الحق، والناصر على العدو، و { هاديا } منصوب على الحال أو التمييز، ~~فالحال كفى به في حال الهداية والنصرة، والتمييز من الهادين والناصرين - ~~ذكره الزجاج - ولا يقدر أحد أن يهدي كهداية الله، ولا أن ينصر كنصرته، ~~فلذلك قال { وكفى بربك ms2644 هاديا ونصيرا } ثم حكى أن الكفار، قالو { لولا ~~} اي هلا { نزل عليه القرآن } على النبي { جملة واحدة } فقيل لهم إن ~~التوراة انزلت جملة، لانها أنزلت مكتوبة على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى، ~~واما القرآن، فانما انزل متفرقا، لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي، وهو ~~محمد (صلى الله عليه وسلم) وقيل: انما لم ينزل جملة واحدة، لان فيه ~~الناسخ والمنسوخ، وفيه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، وفيه ما هو إنكار لما ~~كان. وفي الجملة المصلحة معتبرة فى إنزال القرآن، فاذا كانت المصلحة ~~تقتضي انزاله متفرقا كيف ينزل جملة واحدة!؟ فقال الله تعالى لنبيه (صلى ~~الله عليه وسلم) إنا أنزلناه متفرقا { لنثبت به فؤادك } وقال ابو عبيدة: ~~معناه لنطيب به نفسك ونشجعك. # وقوله { ورتلناه ترتيلا } فالترتيل التبيبن فى تثبت وترسل. وقوله { ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق } أي لم ننزل القرآن جملة واحدة لانهم لا ~~ياتونك بشيء يريدون به ابطال امرك { إلا جئناك بالحق } الذي يبطله { ~~وأحسن تفسيرا } أي نجيؤك بأحسن تفسيرا مما يأتونك به واجود معاني. # ثم قال { الذين يحشرون على وجوههم } يوم القيامة { إلى جهنم } يعني ~~الكفار يسحبون على وجوههم. وفى الحديث أن الذي امشاهم على أقدامهم، قادر ~~على أن يمشيهم على وجوههم. # ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الذين يحشرون على وجوههم بأنهم { شر مكانا وأضل ~~سبيلا } عن الحق وعن الثواب والجنة. ### || [25.35-40] # أقسم الله تعالى بأنه آتى موسى الكتاب يعني التوراة، وأنه جعل معه ~~(أخاه) هارون وزيرا، يحمل عنه أثقاله، وأنه قال لهما وأوحى اليهما ~~وأمرهما بأن يذهبا الى القوم الذين كذبو بآيات الله وجحدوا أدلته، يعني ~~فرعون وقومه، وأخبر أنهم لم يقبلوا منهما وجحدوا نبوتهما، فأهلكهم الله ~~ودمرهم تدميرا، والتدمير الاهلاك بأمر عجيب ومثله التنكيل، يقال: دمر ~~على فلان إذا هجم عليه بالمكروه. # ثم قال { وقوم نوح } أي اغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل { أغرقناهم ~~وجعلناهم للناس آية } وعلامة. والتغريق الاهلاك بالماء الغامر، وقد غرق ~~الله تعالى قوم نوح بالطوفان، وهو مجيء ماء السماء المنهمر، ms2645 وماء الارض ~~الذي فجر الله تعالى عيونها حتى التقى الماء، أي أتى على أمر على قد قدره ~~الله، فطبق الارض ولم ينج إلا نوحا ومن كان معه راكبا فى السفينة، ~~ويقال: فلان غريق في النعمة تشبيها بذلك. # وقوله { لما كذبوا الرسل } يعني نوحا ومن تقدم من الانبياء. وقيل: ~~المعني نوحا والرسل من الملائكة. وقيل: نوحا ومن بعده من الرسل، لأن ~~الانبياء يصدق بعضهم بعضا فى توحيد الله وخلع الانداد، فمن كذب بواحد ~~منهم فقد كذب بهم جميعهم، وقال الحسن: تكذيبهم بنوح تكذيب لسائر الرسل. # ثم قال تعالى: إنا مع إهلاكهم العاجل { أعتدنا للظالمين } نفوسهم { ~~عذابا أليما } أي مؤلما موجعا. # وقوله { وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا } معناه ~~وأهلكنا هؤلاء ايضا، يقال: (عاد) هم القوم الذين بعث الله إليهم هودا، ~~و (ثمود) هم الذين بعث الله اليهم صالحا، واصحاب الرس قال عكرمة: الرس ~~بئر رسوا فيها نبيهم أي ألقوه فيها. وقال قتادة: هي قرية باليمامة، يقال ~~لها: (فلج) وقال ابو عبيدة: الرس كل محفور - في كلام العرب - وهو المعدن، ~~قال الشاعر: # سبقت الى فرط ناهل # تنابلة يحفرون الرساسا # اي المعادن. وقيل: الرس البئر التي لم تطو بحجارة، ولا غيرها، يقال: رسه ~~يرسه رسا إذا دسه. وقيل: اصحاب الرس هم اصحاب (ياسين) بانطاكية الشام، ~~ذكره النقاش. وقال الكلبي: هم قوم بعث الله تعالى اليهم نبيا فاكلوه، ~~وهم اول من عمل نساؤهم السحر. وعن اهل البيت (ع) انهم قوم كانت نساؤهم ~~سحاقات. # وقوله { وقرونا بين ذلك كثيرا } اي اهلكنا قرونا بين هؤلاء الذين ~~ذكرناهم كثيرا. وقيل: القرن سبعون سنة. وقال ابراهيم: أربعون سنة. # وقوله { وكلا ضربنا له الأمثال } تقديره ودللنا كلا ضربنا له ~~الامثال، فلما كفروا بها دمرناهم تدميرا { وكلا تبرنا تتبيرا } اي ~~اهلكنا كلا منهم إهلاكا. والتتبير تكبير الاهلاك، والتبر مكسر الزجاج، ~~ومكسر الذهب. # وقوله { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } يعني ان هؤلاء ~~الكفار قد جاؤا الى القرية التي اهلكها الله بالمطر السوء { أفلم يكونوا ~~يرونها } فيعتبروا ms2646 بها. والقرية هي قرية (سدوم) قرية قوم لوط، والمطر ~~السوء الحجارة التي رموا بها - فى قول ابن عباس - ثم قال { بل } رأوها، ~~وانما لم يعتبروا بها، لانهم { كانوا لا يرجون نشورا } اي لا يخافون ~~البعث لاعتقادهم جحده، قال الهذلي: # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل # فالدبر النحل اي لم يخف. وقيل: ركبوا المعاصي، لانهم لا يرجون ثواب من ~~عمل خيرا بعد البعث. ### || [25.41-44] # يقول الله تعالى حاكيا عن الكفار الذين وصفهم بأنه { إذا رأوك } يا ~~محمد وشاهدوك لا يتخذونك { إلا هزوا } أي سخريا، والهزو إظهار خلاف ~~الابطان لاستصغار القدر على وجه اللهو. وانهم ليقولون { أهذا الذي بعث ~~الله رسولا } متعجبين من ذلك، ومنكرين له، لانهم يعتقدون فى الباطن انه ~~ما بعثه الله. # وقوله { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا } أي قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة ~~عبادة آلهتنا، على وجه يؤدي الى هلاكنا. والاضلال الأخذ بالشيء الى طريق ~~الهلاك. # وقوله { لولا أن صبرنا عليها } أي على عبادتها لأزلنا عن ذلك، وحذف ~~الجواب لدلالة الكلام عليه. فقال الله تعالى متوعدا لهم { وسوف يعلمون } ~~فيما بعد إذا رأوا العذاب الذي ينزل بهم { من أضل سبيلا } عن طريق الحق: ~~هم أم غيرهم؟ # ثم قال لنبيه يا محمد { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } لأنه ينقاد له ويتبعه ~~في جميع ما يدعوه اليه. وقيل: المعني من جعل إلهه ما يهوى، وذلك نهاية ~~الجهل، لان ما يدعو اليه الهوى باطل، والاله حق يعظم بما لا شيء أعظم ~~منه، فليس يجوز أن يكون الاله ما يدعو اليه الهوى، وانما الاله ما يدعوا ~~الى عبادته العقل. ومعنى { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي لا تكون له انت ~~حافظا من الخروج الى هذا الفساد. قال المبرد: الوكيل أصله واحد، ويشتمل ~~على فروع ترجع اليه، فالوكيل من تتكل عليه وتعتمد فى امورك عليه. ثم قال ~~لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { أم تحسب } يا محمد وتظن { أن أكثر } هؤلاء ~~الكفار { يسمعون } ما تقول سماع طالب للافهام ms2647 { أو يعقلون } ما تقوله ~~لهم؟ بل سماعهم كسماع الانعام، وهم أضل سبيلا من الانعام، لأنهم مكنوا من ~~طريق الفهم، ولم تمكن النعم من ذلك، وهم مع ذلك لا يعقلون ما تقول، إذ لو ~~عقلوا عقل الفهم به لدعاهم عقلهم اليه، لانه نور فى قلب المدرك له. وقيل ~~{ بل هم أضل سبيلا } لانها لا تعتقد بطلان الصواب وإن كانت لا تعرفه، ~~وهم قد اعتقدوا ضد الصواب الذي هو الجهل. وقيل: كان أحدهم يعبد الحجر، ~~فاذا رأى أحسن صورة منه ترك الأول وعبد الثاني. وقيل: لان الأنعام تهتدي ~~الى منافعها ومضارها. وهولاء لا يهتدون إلى ما يدعون اليه من طريق الحق، ~~فهم اضل. ### || [25.45-46] # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو متوجه الى جميع ~~المكلفين { ألم تر } يا محمد { إلى ربك } ومعناه ألم تعلم ربك { كيف مد ~~الظل } قال ابن عباس والضحاك وسعيد ابن جبير: الظل حده من طلوع الفجر الى ~~طلوع الشمس. وقال ابو عبيدة: الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لانه يرجع بعد ~~زوال الشمس. # وقوله { ولو شاء لجعله ساكنا } أي دائما لا يزول، فى قول ابن عباس ~~ومجاهد. # وقوله { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } قال ابن زيد: يعني باذهابها له ~~عند مجيئها. وقيل: لان الظل يتبع الشمس فى طوله وقصره، فاذا أرتفعت في ~~اعلا ارتفاعها قصر، وإن انحطت طال بحسب ذلك الانحطاط ولو شاء لجعله ~~ساكنا بوقوف الشمس. والظل يتبع الدليل الذي هو الشمس، كما يتبع السائر ~~فى المفازة الدليل. # وقوله { ثم قبضناه } يعني الظل يقبضه الله، من طلوع الشمس. وقيل: ~~بغروبها، فالقبض جمع الاجزاء المنبسطة قبضه يقبضه قبضا، فهو قابض والشيء ~~مقبوض، وتقابضا تقابضا، وقبضه تقبضا، وتقبض تقبضا، وانقبض انقباضا. ~~واليسير السهل القريب واليسير نقيض العسير، يسر ييسر يسرا، وتيسر ~~تيسرا، ويسره تيسرا، وأيسر ايسارا أي ملك من المال ما تتيسر به الامور ~~عليه. واليد اليسرى لانها يتيسر بها العمل مع اليمنى، وتياسر أخذ في جهة ~~اليد اليسرى. وقيل: معناه قبضا خفيفا، لان ظلمة الليل تجيء شيئا ms2648 بعد ~~شيء، فلا تهجم دفعة واحده عقيب غروب الشمس. وقيل: معناه قبضا سريعا. ### || [25.47-50] # قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو " نشرا " بضم النون والشين. وقرأ ابن ~~عامر - بضم النون وسكون الشين - وروى ذلك هارون عن أبي عمرو. وقرأ حمزة ~~والكسائي - بفتح النون وسكون الشين - وقرأ عاصم " بشرا " بالباء وسكون ~~الشين. قال ابو علي النحوي: من ثقل أراد جمع (نشور) مثل رسول ورسل، ومن ~~سكن الشين، فعلى قول من سكن (كتب) في (كتب) و (رسل) فى (رسل). ومن فتح ~~النون جعله مصدرا واقعا موقع الحال، وتقديره يرسل الرياح حياة أي يحيي ~~بها البلاد الميتة. ومن قرأ بالباء أراد جمع (بشور) أي تبشر بالغيث من ~~قوله # الرياح مبشرات # يعني بالغيث المحيي للبلاد. وقرأ حمزة والكسائي " ليذكروا " خفيفة ~~الذال. الباقون بتشديدها. من شدد الذال أراد (ليتذكروا) فأدغم التاء فى ~~الذال، وهو الأجود لأن التذكير والتذكر والاذكار فى معنى واحد وهو في ~~معنى الاتعاظ، وليس الذكر كذلك. وقد حكى أبو علي ان الذكر يكون بمعنى ~~التذكر، كقوله تعالى # إنها تذكرة فمن شاء ذكره # وقوله # خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه # والاول أكثر. والمعنى ليتفكروا فى قدرة الله، وموضع نعمته بما أحيا ~~بلادهم به من الغيث. # يقول الله تعالى معددا لنعمه على خلقه منها أنه { جعل لكم الليل لباسا ~~} ومعناه أن ظلمته تلبس كل شخص، وتغشيه حتى تمنع من ادراكه. وانما جعله ~~كذلك للهدوء فيه والراحة من كد الاعمال، مع النوم الذي فيه صلاح البدن. ~~وقوله { والنوم سباتا } أي جعل نومكم ممتدا طويلا تكثر به راحتكم ~~وهدوؤكم. وقيل: انه اراد جعله قاطعا للاعمال التي يتصرف فيها. والسبات ~~قطع العمل، ومنه سبت رأسه يسبته سبتا اذا حلقه، ومنه يوم السبت، وهو يوم ~~ينقطع فيه العمل. قال المبرد: يعني سباتا سكوتا يقال: أسبت الرجل إذا ~~اخذته سكتة. # وقوله { وجعل النهار نشورا } أي للانبساط والتصرف في الحوائج. والنشور ~~الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي وانشره الله فنشر، قال ~~الاعشى: # حتى يقول الله مما رأوا ms2649 # يا عجبا للميت الناشر # ثم قال { وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } وفى الرحمة تجمع ~~الرياح، لانه جمع الجنوب والشمال والصبا. وفي العذاب (ريح) لانها هي ~~الدبور وحدها وهي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها. والرحمة التي ~~ينزلها من السماء هي الغيث، وذكر انه قد يرسل الرياح لينشىء السحاب. ثم ~~ينزل { من السماء ماء طهورا } أي طاهرا مطهرا مزيلا للاحداث والنجاسات ~~مع طهارته فى نفسه. وانما نزل هذا الماء { ليحيي به بلدة ميتا } قد مات ~~بالجدب. قال ابو عبيدة: زعم بعضهم انه اراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو ~~بغير (هاء) وإذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة. # وقال غيره: اراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتا بالتذكير، ومعنى نسقيه ~~نجعله سقيا للانعام التي خلقها الله تعالى. # وقوله { وأناسي كثيرا } جمع إنسان جعلت الياء عوضا من النون، وقد ~~قالوا: (أناسين) نحو بستان وبساتين. ويجوز أن يكون (أنسي) نحو كرسي ~~وكراسي. وقد قالوا: أناسية كثيرة. # ثم قال تعالى { ولقد صرفناه بينهم } قيل: معناه قسمناه بينهم يعني المطر ~~قال ابن عباس: ليس من غمام إلا يمطر، وإنما يصرف من موضع الى موضع. ~~والتصريف تصيير الشيء دائرا فى الجهات. فالمطر يصرف بدوره فى جهات ~~الارض. ثم بين انه صرفه كذلك { ليتذكروا } ويتفكروا، فيستدلوا على سعة ~~مقدور الله وانه لا يستحق العبادة سواه. # ثم اخبر عن حال الكفار، فقال { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } أي جحودا ~~لهذه النعم التي عددناها وانكارها. ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. ### || [25.51-55] # يقول الله تعالى { لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } يخوفهم بالله ~~ويحذرهم من معاصيه. والمعنى: لو شئنا لقسمنا النذر بينهم، كما قسمنا ~~الأمطار بينهم، ففي ذلك اخبار عن قدرته على ذلك، لكن دبرنا على ما اقتضته ~~مصلحتهم، وما هو أعود عليهم في دينهم ودنياهم. وفيه امتنان على النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) بأنا { لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } فيخف ~~عنك كثير من عبء ما حملته، لكنا حملناك ثقل أوزار جميع القرى لتستوجب ms2650 ~~بصبرك عليه إذا صبرت عظيم المنزلة وجزيل الكرامة. والنذير هو الداعي الى ~~ما يؤمن معه الخوف من العقاب، والانذار الاعلام بموضع المخافة. والنذر ~~عقد البر على انتفاء الخوف، يقال تناذر القوم تناذرا إذا انذر بعضهم ~~بعضا. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { فلا تطع الكافرين } يا محمد ~~بالاجابة الى ما يريدون { وجاهدهم } في الله { جهادا كبيرا } شديدا، ~~والهاء في قوله { به } عائدة الى القرآن - في قول ابن عباس والحسن - وقال ~~الحسن: معنى { فلا تطع الكافرين } لا تطعهم فيما يصرفك عن طاعة الله. ~~وقيل: فلا تطعهم بمعاونتهم فيما يريدونه مما يبعد عن دين الله، وجاهدهم ~~بترك طاعتهم. # ثم عاد تعالى الى تعديد نعمه عليهم فقال { وهو الذي مرج البحرين } ~~ومعناه أرسلهما في مجاريهما، كما ترسل الخيل فى المرج، فهما يلتقيان، فلا ~~يبغي الملح على العذب ولا العذب على الملح، بقدرة الله. والعذب الفرات: ~~وهو الشديد العذوبة، والملح الاجاج يعني المر. # ثم قال { وجعل بينهما برزخا } أي حاجزا يمنع كل واحد منهما من تغيير ~~الآخر { وحجرا محجورا } معناه يمنع أن يفسد احدهما الآخر. وقال المبرد: ~~شبه الخلط بحجر البيت الحرام. وأصل المرج الخلط ومنه قوله # في أمر مريج # أي مختلط. وفى الحديث: # " مرجت عهودهم " # أي اختلطت، وسمي المرج بذلك، لانه يكون فيه اخلاط من الدواب. ومرجت ~~دابتك إذا ذهبت بتخليتك حيث شاءت قال الراجز: # رعى بها مرج ربيع ممرجا # و { مرج البحرين } معناه خلا بينهما، تقول: مرجت الدابة وأمرجتها إذا ~~خليتها ترعى. ثم قال تعالى { وهو الذي خلق من الماء بشرا } يعني من ~~النطفة. وقيل الماء الذي خلق الله منه آدم بشرا أي انسانا، فجعل ذلك ~~الانسان { نسبا وصهرا } فالنسب ما رجع الى ولادة قريبة، والصهر خلطة ~~تشبه القرابة. وقيل الصهر المتزوج بنت الرجل او اخته. وقال الفراء: النسب ~~الذي لا يحل نكاحه، والصهر النسب الذي يحل نكاحه، كبنات العم، وبنات ~~الخال ونحوهما. وقيل: النسب سبعة أصناف ذكرهم الله فى { حرمت عليكم ~~أمهاتكم... } الى قوله { وبنات الأخت }. والصهر خمسة أصناف ذكرهم ms2651 في # أمهاتكم اللاتي أرضعنكم... # الى قوله # وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم # ذكره الضحاك. # وقوله { وكان ربك قديرا } أي قادرا على جميع ما انعم به عليكم. # ثم اخبر عن الكفار فقال { ويعبدون من دون الله } الاصنام والاوثان التي ~~لا تنفعهم ولا تضرهم، لان العبادة ينبغي أن توجه الى من يملك النفع والضر ~~مطلقا. ثم قال { وكان الكافر على ربه ظهيرا } قال الحسن ومجاهد وابن ~~زيد: يظاهر الشيطان على معصية الله. وقيل: { ظهيرا } معناه هينا ~~كالمطرح. والاول هو الوجه. وقيل: معنى { ظهيرا } معينا. # ووصف الاصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، يدل على بطلان فعل الطباع، لانها ~~موات مثلها. والفعل لا يصح إلا من حي قادر. ### || [25.56-60] # قرأ حمزة والكسائي لما " يأمرنا " بالياء. الباقون بالتاء. # من قرأ - بالتاء - جعل الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) وقيل: معناه ~~أنسجد لأمرك فجعلوا (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر، # ومن قرأ - بالياء - جعل الياء لمسيلمة الكذاب، لأنه كان يسمي نفسه ~~الرحمن فقالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) إنا لا نعرف الرحمن إلا نبي ~~اليمامة. فقال الله تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # وقال ابو علي: من قرأ - بالتاء - اراد انسجد لما تأمرنا يا محمد على وجه ~~الانكار، لأنهم أنكروا أن يعرف الرحمن، فلا يحمل على رحمان اليمامة. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { ما أرسلناك } يا محمد { ~~إلا مبشرا } بالجنة وثواب الله لمن أطاعه ومخوفا لمن عصاه بعقاب الله. ~~وقال الحسن: ما بعث الله نبيا قط إلا وهو يبشر الناس إن أطاعوا الله ~~بالمتعة فى الدنيا والآخرة، وينذر الناس إن عصوا عذاب الله فى الآخرة. ~~والبشارة الاخبار عما يظهر سروره في بشرة الوجه، تقول: بشره تبشيرا ~~وبشارة. وبشارة الأنبياء مضمنة باخلاص العبادة لله تعالى. والنذارة هو ~~الاخبار بما فيه المخافة، ليحذر منه. انذره إنذارا ونذارة، وتناذر القوم ~~إذا أنذر بعضهم بعضا. ثم امره، فقال: يا محمد { قل } لهؤلاء الكفار: إني ~~لست اسألكم على ما أبشركم به واحذركم ms2652 منه { أجرا } تعطوني { إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا } استثناء من غير الجنس، ومعناه انه جعل أجره على ~~دعائه اتخاذ المدعو سبيلا الى ربه وطاعته اياه كقول الشاعر: # وبلدة ليس بها انيس # إلا اليعافير وإلا العيس # جعلها انيس ذلك المكان. وقيل: { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } ~~بانفاقه ماله في طاعة الله، وابتغاء مرضاته. # ثم امره ان يتوكل على ربه { الحي الذي لا يموت } والمراد به جميع ~~المكلفين لأنه يجب على كل أحد ان يتوكل على الله، ويسلم لأمره، ومعنى { ~~وسبح بحمده } أي احمده منزها له مما لا يجوز عليه في صفاته، بان تقول: ~~الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه واحسانه الذي لا يقدر عليه ~~غيره، الحمد لله حمدا يكافئ نعمه في عظم المنزلة وعلو المرتبه، وما ~~اشبه ذلك. # وقوله { وكفى به } اي كفى الله { بذنوب عباده خبيرا } أي عالما { الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما } يعني بين هذين الصنفين، كما قال ~~القطامي: # ألم يحزنك أن جبال قيس # وتغلب قد تباينتا انقطاعا # وقال الآخر: # إن المنية والحتوف كلاهما # توقي المحارم يرقبان سوادي # وقوله فى ستة أيام قيل: كان ابتداء الخلق يوم الأحد، وانتهاؤه يوم ~~الجمعة { ثم استوى على العرش } وقيل { ثم استوى على العرش } تمام ~~الحكاية. ثم ابتدأ فقال { الرحمن فسأل به خبيرا } ومعنى { فسأل به ~~خبيرا } أي فاسأل سؤالك إياه خبيرا، قال ابن جريج: الخبير - ها هنا - ~~هو الله. وقيل معناه فاسأل به ايها الانسان عارفا يخبرك بالحق في صفته. # ثم حكى انه إذا قيل لهؤلاء الكفار { اسجدوا للرحمن } الذي انعم عليكم { ~~قالوا وما الرحمن } أي أي شيء الرحمن؟ أي لا نعرفه { أنسجد لما تأمرنا } ~~وقد فسرناه { وزادهم نفورا } أي ازدادوا عند ذلك نفورا عن قبول قول ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) والرجوع الى طاعة الله. ### || [25.61-65] # قرأ حمزة والكسائي " سرجا " على الجمع. الباقون " سراجا " على ~~التوحيد. وقرأ حمزة وحده " أن يذكر " خفيفة. الباقون بالتشديد. # من قرأ على التوحيد فلقوله { وجعل فيها سراجا ms2653 وقمرا منيرا }. ومن قرأ ~~على الجمع، فلقوله # زينا السماء الدنيا بمصابيح # تشبيها بالكواكب أعني المصابيح كما شبهت المصابيح بالكواكب، في قوله # الزجاجة كأنها كوكب دري # وقيل: من وحد أراد الشمس وحدها. ومن جمع أراد الكواكب المضيئة كلها. ~~واتفقوا على { وقمرا } إلا الحسن، فانه قرأ - بضم القاف والميم - ويجوز ~~أن يكون فيه لغتان مثل (ولد، وولد) ويجوز أن يكون أراد الجمع غير ان ~~العرب لا تعرف جمع القمر قمرا، وانما يجمعونه أقمارا. # قوله تعالى { تبارك } قيل في معناه قولان: # احدهما - تقدس الله، وجل بما هو ثابت لم يزل ولا يزال، لان أصل الصفة ~~الثبوت. # والثاني - انه من البركة، والتقدير جل تعالى، وتقدس بما به يقدر على ~~جميع البركات { الذي جعل في السماء بروجا } والبروج منازل النجوم ~~الظاهرة، وهي اثنتا عشرة برجا معروفة أولها الحمل وآخرها الحوت. وقيل: ~~البروج منازل الشمس والقمر، وقال ابراهيم: البروج القصور العالية، واحدها ~~برج، ومنه قوله # ولو كنتم في بروج مشيدة # قال الاخطل: # كأنها برج رومي يشيده # لز بحص وآجر واحجار # وقال قتادة: البروج النجوم. وقال أبو صالح: هي كبار النجوم، والبرج ~~تباعد ما بين الحاجبين قال: الزجاج: كل ظاهر مرتفع يقال له: برج، وسميت ~~الكواكب بروجا لظهورها. # وقوله { وجعل فيها سراجا } يعني الشمس التي يستضيء بها جميع الخلق. # وقوله { وقمرا منيرا } أي مضيئا بالليل، اذا لم يكن شمس. # فمن قرأ { سراجا } أراد الشمس وحدها. ومن قرأ { سرجا } أراد جميع ~~النجوم، لأنه يهتدى بها، كما يهتدى بضوء السراج. # وقوله { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } أى يخلف كل واحد منهما ~~صاحبه، فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته الليل استدركه بالنهار، ومن ~~فاته عمل النهار استدركه بالليل. قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، والحسن: ~~يخلف احدهما الآخر فى العمل. وقال مجاهد: معناه أحدهما اسود الآخر ابيض، ~~فهما مختلفتان. وقال ابو زيد: معناه احدهما يذهب ويجيء الآخر قال زهير: # بها العين والأرآم يمشين خلفة # واطلاؤها ينهضن من كل مجثم # وقوله { لمن أراد أن يذكر } اى خلقناه كذلك لمن ms2654 أراد ان يتفكر ويستدل ~~بها على ان لها مدبرا ومصرفا، لا يشبهها ولا تشبهه فيوجه العبادة ~~اليه. # وقوله { أو أراد شكورا } أى يشكر الله، على ما انعم به عليه فيتمكن من ~~ذلك، لان بهذه الأدلة وامثالها يتوصل الى ما قلناه. # وقوله { وعباد الرحمن } يعني عباده المخلصين، الذين يعبدونه، المعظمون ~~ربهم { الذين يمشون على الأرض هونا } يعني بالسكينة والوقار - فى قول ~~مجاهد - وقال الحسن: معناه حلما وعلما، لا يجهلون وإن جهل عليهم. # وقال ابن عباس: بالتواضع لا يتكبرون على أحد { وإذا خاطبهم الجاهلون } ~~بما يكرهونه أو يثقل عليهم، قالوا في جوابه { سلاما } أى سدادا من ~~القول - ذكره مجاهد - وقيل: معناه إنهم قالوا قولا يسلمون به من المعصية ~~لله. وقال قوم: هذا منسوخ بآية القتال. وليس الأمر على ذلك، لان الأمر ~~بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب وحسن العشرة. # وقوله { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } يعني يعبدون الله في ~~لياليهم ويقومون بالصلاة، ويسجدون فيها { والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } أي يدعون بهذا القول، ومعنى { غراما } ~~لازما ملحا دائما ومنه الغريم، لملازمته وإلحاحه، وفلان مغرم بالنساء ~~أي ملازم لهن، لا يصبر عنهن قال الشاعر: # إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فانه لا يبالي # وقال بشر بن ابي حازم: # فيوم النسار ويوم الجفا # ركانا عذابا وكانا غراما # وقال الحسن: ليس غريم إلا مفارق غريمه غير جهنم، فانها لا تفارق غريمها. ### || [25.66-70] # قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي عن أبي بكر { يقتروا } بضم الياء ~~وكسر التاء، وقرأ اهل البصرة وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء. الباقون ~~بفتح الياء وضم التاء، وهم أهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر. وقرأ ابن ~~عامر، وأبو بكر " يضاعف... ويخلد " بالرفع فيهما. وقرأ ابن كثير وابن ~~عامر وابو جعفر ويعقوب " يضعف " بتشديد العين وإسقاط الالف. الباقون " ~~يضاعف " باثبات الألف وتخفيف العين. تقول: قتر يقتر ويقتر - بكسر التاء، ~~وضمها - لغتان. وأقتر إقتارا لغة. # واختلفوا في (السرف) في النفقة، فقال قوم: كلما أنفق ms2655 في غير طاعة الله، ~~فهو سرف، لقوله تعالى # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # وقال علي (ع): ليس فى المأكول والمشروب سرف وإن كثر. # وقال قوم: الاسراف فى الحلال فقط، لأن الحرام لا يجوز الانفاق فيه ولو ~~ذرة. # ومن قرأ { يضاعف } فمن المضاعفة. ومن شدد، فمن التضعيف ذهب الى التكثير، ~~والمعنيان متقاربان. ومن - جزم - جعله بدلا من جواب الشرط، لان الشرط ~~قوله { ومن يفعل ذلك } وجزاءه { يلق أثاما } وعلامة الجزم سقوط الالف من ~~آخره. و { يضاعف } بدل منه و { يخلد } عطف عليه. ومن - رفع - استأنف لان ~~الشرط والجزاء قد تم. وكان يجوز النصب على الظرف - فى مذهب الكوفيين. ~~وباضمار (ان) على مذهب البصريين - ولم يقرأ به احد. # لما اخبر الله تعالى أن عذاب جهنم كان غراما، بين بأنها { ساءت مستقرا ~~ومقاما } أي موضع قرار واقامة لما فيها من أنواع العذاب، ونصبها على ~~التمييز. # ثم عاد الى وصف المؤمنين فقال { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا } أي لم ~~يخرجوا عن العدل في الانفاق يقال: فلان مسرف على نفسه إذا أكثر من الحمل ~~على نفسه فى المعصية، فشبه بالمسرف في النفقة { ولم يقتروا } أي لم ~~يقصروا عن العدل في الانفاق، وهو مأخوذ من القترة، وهي الدخان. والاقتار ~~مشبه به فى الامحاق والاضرار. وفيه ثلاث لغات: قتر يقتر، ويقتر، وأقتر ~~إقتارا. وقال ابو علي الفارسي: من قرأ { يقتروا } بضم التاء أراد لم ~~يقتروا فى إنفاقهم، لان المسرف مشرف على الافتقار، لسرفه، ومن فتح التاء ~~أراد لم يضيقوا فى الانفاق، فيقصروا عن المتوسطين، فمن كان فى هذا الطرف، ~~فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك مذموم. وبين ذلك بقوله { ~~وكان بين ذلك قواما } أي كان إنفاقهم بين ذلك، لا إسرافا يدخل فى حد ~~التبذير، ولا تضييقا يصير به فى حد المانع لما يجب. وقال ابن عباس: ~~الاسراف الانفاق فى معصية الله، قل او كثر، والاقتار منع حق الله من ~~المال. # وقال ابراهيم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير فيما لا ~~بد منه. والقوام ms2656 - بفتح القاف - العدل، - وبكسرها - السداد، يقال: هو ~~قوام الأمر وملاكه، ويقال: هي حسنة القوام في اعتدالها، قال الحطيئة: # طافت امامة بالركبان آونة # يا حسنها من قوام زان منتقبا # ثم زاد فى وصفهم بأن قال { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } يوجهون ~~عبادتهم اليه { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } والنفس ~~المحرمة هي نفس المسلم والمعاهد والمستثنى نفس الحربي، ومن يجب عليه ~~القتل على وجه القود، والارتداد، والزنا مع الاحصان { ولا يزنون } فالزنا ~~هو الفجور بالمرأة فى الفرج. # ثم قال { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } قال قوم: يلقى جزاء الاثام. وقال ~~آخرون: الاثام العقاب، قال بلعا بن قيس الكناني. # جزى الله ابن عروة حيث أمسى # عقوقا والعقوق له أثام # أي عقاب، وقال ابن عمر، وقتادة: هو اسم واد فى جهنم، وهو قول مجاهد ~~وعكرمة. وقال اهل الوعيد: ان قوله { ومن يفعل ذلك } راجع الى كل واحد من ~~المعاصي المذكورة. وقال اهل الارجاء انما يرجع الى جميعه، ويجوز - أن ~~يكون راجعا - الى الكفر وحده، لان الفسوق لا يستحق به العقاب الدائم ~~والا لأدى الى اجتماع الاستحقاقين على وجه الدوام. وذلك خلاف الاجماع، ~~لان الاحباط عندهم باطل، والكلام على ذلك استوفيناه فى كتاب الاصول. # ثم زاد في الوعيد، فقال { ومن يفعل ذلك يلق } جزاء اثامه ويضاعف له ~~العذاب في كثرة الاجزاء لا انه يضاعف استحقاقه، لان الله تعالى لا يعاقب ~~باكثر من المستحق، لأن ذلك ظلم يتعالى الله عن ذلك. وقيل يضاعف عذابه على ~~عذاب الدنيا، وبين تعالى أنه { يخلد } مع ذلك فى النار { مهانا } ~~مستخفا به. # ثم استثنى من جملتهم من تاب وندم على معاصيه، وعمل عملا صالحا، فان ~~الله تعالى { يبدل سيآته حسنات } أي يجعل مكان عقاب سيآته ثواب حسناته ~~قال الشاعر في التبديل: # بدلن بعد خره صريعا # وبعد طول النفس الوجيعا # وقوله تعالى { وكان الله غفورا رحيما } أي ساترا لمعاصي عباده اذا ~~تابوا منها، منعما عليهم بالثواب والتفضل. ### || [25.71-77] # قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي وخلف وابو بكر ms2657 إلا حفصا " وذريتنا " على ~~التوحيد، الباقون على الجمع. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " ويلقون " بفتح ~~الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد ~~القاف. # من وحد " الذرية " فلانه فى معنى الجمع لقوله # ذرية من حملنا مع نوح # ومن جمع فكما تجمع الاسماء الدالة على الجمع، نحو (قوم، واقوام) وقد ~~يعبر ذلك عن الواحد، كقوله # هب لي من لدنك ذرية طيبة # ويعبر به عن الجمع كقوله # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم # ومن جمع فللازدواج. # ومن شدد " يلقون " فعلى أن المعنى يلقون التحية والسلام مرة بعد مرة لان ~~التشديد للتكثير، وشاهده قوله # ولقاهم نضرة وسرورا # ومن خفف أراد يلقون هم تحية، كما قال # فسوف يلقون غيا # وقال بعضهم: لو كان بالتشديد لقال (ويتلقون) لأنهم يقولون تلقيته ~~بالتحية، و (لقى) فعل متعد الى مفعول واحد فاذا ضعفت العين تعدى الى ~~مفعولين، وقوله { تحية } المفعول الثاني. # يقول الله تعالى { ومن تاب } من معاصيه وأقلع عنها، وندم عليها وأضاف ~~الى ذلك الاعمال الصالحات { فإنه يتوب إلى الله متابا } أي يرجع اليه ~~مرجعا عظيما جميلا، وفرق الرماني بين التوبة الى الله، والتوبة من ~~القبيح لقبحه، بان التوبة الى الله تقتضي طلب الثواب، وليس كذلك التوبة ~~من القبيح لقبحه. # ثم عاد تعالى الى وصف المؤمنين فقال { والذين لا يشهدون الزور } أي لا ~~يحضرونه، ولا يكون بحيث يذكرونه بشيء من حواسهم الخمس: البصر، والسمع، ~~والانف، والفم، والبشرة. ومن لا يشهد الزور، فهو الذي لا يشهد به ولا ~~يحضره لأنه لو شهده لكان قد حضره، فهو أعم في الفائدة من أن لا يشهد به. ~~و (الزور) تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. وقال مجاهد: الزور - ها هنا - ~~الكذب. وقال الضحاك: هو الشرك. وقال ابن سييرين: هو أعياد أهل الذمة ~~كالشعانين وغيرها. وقيل: هو الغناء، ذكره مجاهد. واهل البيت (ع). # وقوله { وإذا مروا باللغو مروا كراما } معناه: مروا من جملة الكرماء ~~الذين لا يرضون باللغو، لانهم يجلون عن الاختلاط بأهله، والدخول فيه، ms2658 ~~فهذه صفة الكرام، وقيل: مرورهم كراما كمرورهم بمن يسبهم فيصفحون عنه، ~~وكمرورهم بمن يستعين بهم على حق فيعينونه. وقيل: هم الذين إذا أرادوا ذكر ~~الفرج كنوا عنه. ذكره محمد بن علي (ع) ومجاهد. واللغو الفعل الذي لا ~~فائدة فيه. وليس معناه أنه قبيح، لان فعل الساهي لغو، وهو ليس بحسن ولا ~~قبيح - عند قوم - ولهذا يقال: الكلمة التي لا تفيد لغو. # وقوله { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } ~~معناه انهم إذا ذكروا بأدلة الله تعالى التي نصبها لهم نظروا فيها، ~~وفكروا فى مقتضاها، ولم يكونوا كالمشركين فى ترك التدبر لها حتى كانهم صم ~~وعميان عنها، ذكره الحسن، وقيل معناه يخرون سجدا وبكيا سامعين لله ~~مطيعين. # قال الشاعر: # بايدي رجال لم يشيموا سيوفهم # ولم تكثروا القتلى بها حين سلت # أي بايدي رجال شاموا سيوفهم، وقد كثرت القتلى، ومعنى شاموا أغمدوا ذكره ~~الزجاج. # ثم وصف المؤمنين بأنهم يدعون { يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا ~~قرة أعين } ومعناه بأن نراهم مطيعين لله، في قول الحسن. و { قرة أعين } ~~يكون من القر، وهو بردها عند السرور، ويكون من استقرارها عنده. # وقوله { واجعلنا للمتقين إماما } أي يسألون الله تعالى أن يجعلهم ممن ~~يقتدى بأفعالهم الطاعات. وفي قراءة اهل البيت (ع) و { اجعل لنا من ~~المتقين إماما } وإنما وحد { إماما } لانه مصدر، من قولهم: أم فلان ~~فلانا إماما، كقولهم: قام قياما وصام صياما. ومن جمعه فقال: (أئمة) ~~فلانه قد كثر في معنى الصفة. وقيل: إنه يجوز أن يكون على الجواب، كقول ~~القائل: من أميركم؟ فيقول: هؤلاء أميرنا قال الشاعر: # يا عاذلاتي لا تردن ملامتي # إن العواذل ليس لي بأمير # ثم اخبر تعالى عمن جمع هذه الاوصاف من المؤمنين بأن قال { أولئك يجزون ~~الغرفة بما صبروا } على طاعاتهم التي ذكرها. و (الغرفة) فى الجنة المنازل ~~العالية ثوابا على ما صبروا في جنب الله، وعلى مشاق الدنيا وصعوبة ~~التكليف، وغير ذلك وانهم { يلقون فيها تحية وسلاما } من الملائكة، بشارة ~~لهم بعظيم الثواب. # وقوله ms2659 { خالدين فيها } نصب على الحال أي هم فى الجنة مؤبدين، لا يخرجون ~~منها ولا يفنون. وأخبر أن الجنة مستقرهم، وانها { حسنت مستقرا } من ~~مواضع القرار، وموضع الاقامة ونصب على التمييز. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد لهؤلاء { ما يعبؤ بكم ~~ربي } ومعناه ما يصنع بكم ربي - فى قول مجاهد وابن زيد - واصله تهيئة ~~الشيء، ومنه عبأت الطيب أعبؤه عباء، إذا هيأته، قال الشاعر: # كأن بنحره وبمنكبيه # عبيرا بات يعبؤه عروس # أي تهيئه، وعبأت الجيش - بالتشديد، والتخفيف - إذا هيأته. والعبء الثقل. ~~وما أعبأ به أي لا أهيء به امرا. وقال قوم: ما لا يعبأ به، فوجوده ~~وعدمه سواء. # وقوله { لولا دعاؤكم } قال مجاهد: معناه لولا دعاؤه إياكم الى طاعته، لم ~~يكن في فعلكم ما تطالبون به، وهو مصدر أضيف الى المفعول، كقولهم: اعجبني ~~بناء هذه الدار، وخياطة هذا الثوب. وقال الزجاج: معناه لولا توحيدكم ~~وايمانكم، وقال البلخي: معناه لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف ~~العذاب وأقام المضاف اليه مقامه. # ثم قال { فقد كذبتم } يا معاشر الكفار بآيات الله، وجحدتم رسوله { فسوف ~~يكون لزاما } عليكم، ويكون تأويله، فسوف يكون تكذيبكم (لزاما) فلا ~~تعطون الثواب عليه، وتكون العقوبة لزاما تلزمكم على ذلك. # وقال مجاهد: معناه القتل يوم بدر ويكون الخطاب متوجها الى الذين قتلوا ~~يوم بدر. وقيل (اللزام) عذاب الآخرة، وقال ابو ذؤيب - فى اللزام: # ففاجأه بعادية لزاما # كما يتفجر الحوض اللقيف # لزام: كثيرة يلزم بعضها بعضا، ولقيف متساقط متهدم، وقال صخر الغي - فى ~~اللزام: # فاما ينجوا من حتف ارض # فقد لقيا حتوفهما لزاما # أي انه واقع لا محالة. وقال الضحاك: هو لزوم الحجة لهم فى الآخرة. وقال ~~ابو عبيدة: معناه فيصلا. # وقوله { أولئك يجزون الغرفة } قال الزجاج: الأحسن أن يكون خبرا ل # وعباد الرحمن # فيكون قوله { الذين يمشون على الأرض هونا } وما بعده صفة له ويجوز أن ~~يكون { الذين يمشون على الأرض هونا } خبر، وما بعده عطف عليه ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-3] # ثلاث آيات في الكوفى خاصة. ms2660 واثنتان في الباقي. ولم يعد { طسم } آية إلا ~~أهل الكوفة. # قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والعليمي " طسم، وطس " بامالة الطاء ~~فيهما. الباقون بالتفخيم، وأظهر - النون من هجاء سين عند الميم - حمزة ~~وأبو جعفر إلا أن أبا جعفر يقطع الحروف. الباقون يخفونها قال ابوا علي ~~الفارسي: تبيين النون من { طسم } على قراءة حمزة هو الوجه، لأن حروف ~~الهجاء في تقدير الانفصال والانقطاع مما بعدها، وإذا ثبت ذلك وجب أن تبين ~~النون لأنها تخفى اذا اتصلت بحرف من حروف الفم، فاذا لم يتصل بها، لم يكن ~~هناك ما يوجب إخفاؤها. ووجه إخفائها مع هذه الحروف أن همزة الوصل قد وصلت ~~ولم تقطع، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدرج فكما سقطت همزة الوصل، وهي لا ~~تسقط إلا في الدرج مع هذه الحروف في (الف لام ميم) الله، كذلك لا تبين ~~النون، ويقدر فيها الاتصال بما قبلها، ولا يقدر الانفصال. # قيل إنما عد { طسم } آية، ولم يعد (طس) لأن (طس) تشبه الاسم المنفرد، ~~نحو (قابيل، وهابيل) وليس كذلك { طسم }. ووجه الشبه بالزنة أن أوله لا ~~يشبه حروف الزيادة التي هي حروف المد واللين، نحو (يس) وليس شيء على وزن ~~المفرد يعد إلا (ياسين) لان الياء تشبه حروف الزيادة فقد رجع إلى انه ليس ~~على زنة المفرد. وقد بينا فيما مضى معاني هذه الحروف المقطعة في أول سورة ~~البقرة، فلا نطول باعادته. وقد بينا قول من قال. إنها اسماء السور. وقال ~~قتادة والضحاك: ان (طسم، وطس) اسم من اسماء القرآن. # وقوله { تلك آيات الكتاب المبين } انما أشار ب { تلك } إلى ما ليس ~~بحاضر لأنه متوقع، فهو كالحاضر بحضور المعنى للنفس، وتقديره: تلك الآيات ~~آيات الكتاب. وقيل: تلك الآيات التي وعدتم بها هي القرآن. وقيل: ان { تلك ~~} بمعنى (هذا) ومعنى { الكتاب } القرآن، ووصفه بأنه { المبين } لأن به ~~تتبين الاحكام، لأن البيان اظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره، وهو ~~مأخوذ من البينونة، وهي التفرقة بين الشيء وغيره. فالمبين الذي يبين الحق ~~من الباطل. وسمي أيضا ms2661 فرقانا، لانه يفرق بين الحق والباطل. # وقوله { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } قيل فيه قولا: الأول - قال ~~ابن عباس وقتادة: معناه لعلك قاتل نفسك. والثاني قال ابن زيد: مخرج نفسك ~~من جسدك. والبخع القتل، قال ذو الرمة: # الا أيهذا الباخع الوجد نفسه # لشيء نحته عن يديه المقادر # وقال ابن عباس معنى { أن لا يكونو مؤمنين } فيه أي في القرآن وقال ~~الفراء موضع { أن } نصب ب { باخع } ، لان { أن } جزاء، كانه قال: ان لم ~~يكونوا مؤمنين فأنت قاتل نفسك، فلما كان ماضيا نصب { أن } كما تقول: ~~اتيك { أن } تأتيني، ولو لم يكن ماضيا لقلت: آتيك ان تأتني، ولو كانت ~~مجزومة مع كسر { أن } كان جائزا، ومثله # لا يجرمنكم شنآن قوم أن # بالفتح والكسر. ### || [26.4-5] # لما بين الله تعالى حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على إيمان قومه، ~~واجتهاده بهم حتى كاد أن يقتل نفسه تأسفا على تركهم الايمان، أخبره بأنه ~~قادر على أن ينزل عليهم آية ودلالة من السماء تظل اعناقهم لها خاضعة بأن ~~تلجئهم إلى الايمان، لكن ذلك نقيض الغرض بالتكليف، لأنه تعالى لو فعل ~~ذلك، لما استحقوا ثوابا ولا مدحا، لأن الملجأ لا يستحق الثواب والمدح ~~على فعله، لأنه بحكم المفعول فيه. وقيل: المراد بالاعناق الرؤساء. وقال ~~قتادة: المعنى لا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية. وقيل في وجه جمع { ~~خاضعين } بالياء والنون وهو صفة (الاعناق) والاعناق لا تعقل، وهذا الجمع ~~يختص بمن يعقل قيل فيه أربعة أقوال: # احدها - فظل اصحاب الاعناق لها خاضعين، وحذف المضاف، واقام المضاف اليه ~~مقامه لدلالة الكلام عليه. # الثاني - انه أراد بالاعناق الرؤساء والجماعات، كما يقال جاءه عنق من ~~الناس أي جماعة. # الثالث - ان يكون على الاقحام. قال ابو عبيدة، والمبرد { خاضعين } من ~~صفة الهاء والميم، في قوله { أعناقهم } كما قال جرير: # أرى مر السنين أخذن مني # كما أخذ السرار من الهلال # فعلى هذا يكون ترك الاعناق وأخبر عن الهاء والميم، وتقديره فظلوا خاضعين ~~لها والاعناق مقحمة. # الرابع - أنها ذكرت بصفة من يعقل ms2662 لما نسب اليها ما يكون من العقلاء كما ~~قال الشاعر: # تمززتها والديك يدعو صياحه # إذا ما بنوا نعش دنوا فتصوبوا # ويروي نادى صباحه. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار الذين تأسف النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) على عدولهم عن ايمانهم انه ليس يأتيهم ذكر من الرحمن ~~يعني القرآن. كما قال تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # وقال # إن هو إلا ذكر وقرآن مبين # ووصفه بأنه محدث، ولذلك جره، لانه صفة ل (ذكر). وقوله { إلا كانوا عنه ~~معرضين } أي يتولون عنه ولا ينظرون فيه. قال الفراء: انما قال { فظلت } ~~ولم يقل " فتظل " لانه يجوز أن يعطف على مجزوم الجزاء ب (فعل) لان ~~الجزاء يصلح في موضع (فعل، يفعل) وفي موضع (يفعل، فعل) لانك تقول: إن ~~زرتني زرتك وإن تزرني أزرك، والمعنى واحد ### || [26.6-9] # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأنهم كذبوا بايات الله ~~وجحدوا رسوله وأنه سيأتيهم فيما بعد، يعني يوم القيامة " اخبار ما كانوا ~~به يستهزون " وإنما خص المكذب باتيان الأنباء، مع أنها تأتي المصدق ~~والمكذب، من حيث أن المكذب يعلم بها بعد أن كان جاهلا. والمصدق كان ~~عالما بها، فلذلك حسن وعيد المكذب بها، لان حاله يتغير إلى الحسرة ~~والندم. والاستهزاء السخرية، وهو طلب اللهو بما عند الطالب صغير القدر. # ثم قال { أو لم يروا } هؤلاء الكفار { إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل ~~زوج كريم } من أنواع النبات، فيستدلوا على توحيده، بأن يعلموا أن ذلك لا ~~يقدر عليه غيره. ولا يتأتى من سواه، ممن هو قادر بقدرة، لأنه لو تأتى من ~~غيره لتأتى منا لأنا قادرون أيضا بقدرة، فلما استحال منا علمنا استحالة ~~ذلك ممن يجري مجرانا، فاذا الفاعل لذلك مخالف لنا، وانه قادر لنفسه. # ثم اخبر تعالى ان فيما ذكره من انبات النبات من كل زوج كريم، لدلالة لمن ~~يستدل بها، ومن يتمكن من ذلك، وإن اكثر الكفار لا يصدقون بذلك، ولا ~~يعترفون به عنادا وتقليدا لاسلافهم، وحبا للراحة، وهربا من مشقة ~~التكليف ms2663 ومعنى { كل زوج كريم } يعني مما يأكل الناس والانعام، في قول ~~مجاهد. وقيل: من الشيء ومشاكله في الانتفاع به. وقيل: من كل زوج كريم من ~~انواع تكرم عند أهلها. وقيل: من كل نوع معه قرينه من أبيض وأحمر وأصفر. ~~وحلو وحامض، وروائح وغير ذلك مختلفة. ثم قال { وإن ربك } يا محمد { لهو ~~العزيز } الغني القادر الذى لا يعجز ولا يغلب { الرحيم } أي المنعم على ~~عباده بأنواع النعم التي ذكرها. ### || [26.10-14] # قرأ { ويضيق صدري، ولا ينطلق لساني } بالنصب يعقوب، عطفا على { أن ~~يكذبون } الباقون - بالرفع - عطفا على { أخاف } ويجوز أن يكون على ~~الاستئناف. والمعنى: واني يضيق صدري. # يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد الوقت ~~الذي نادى فيه ربك - الذي خلقك - موسى، ومعناه قال له: يا موسى، بأن ائت ~~القوم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي. ثم بين: من القوم الموصوفون ~~بهذه الصفة؟ بان قال { قوم فرعون } وهو عطف بيان { ألا يتقون } وإنما قال ~~بالياء، لأنه على الحكاية. وتقديره: فقل لهم: ألا تتقون، ومثله { قل ~~للذين كفروا سيغلبون } بالياء والتاء. ولو قرى بالتاء كان جائزا، ~~والتقوى مجانبة القبائح بفعل المحاسن: اتقى الله يتقيه اتقاء أي اتقى ~~عقابه بطاعته بدلا عن معصيته، واصله صرف الأمر بحاجز بين الصارف وبينه. # ثم حكى ما قال موسى وجوابه، فانه قال يا { رب إني أخاف أن يكذبون } ولا ~~يقبلون مني. والخوف انزعاج النفس بتوقع الضرر، ونقيضه الامن وهو سكون ~~النفس إلى خلوص النفع، ونظير الخوف الفزع والذعر والجزع. والتكذيب تصيير ~~المخبر كاذبا باضافة الكذب اليه، كذبه تكذيبا وأكذبه إكذابا والكذب ~~نقيض الصدق، والكذب كله قبيح، والتكذيب على وجهين: فتكذيب الصادق قبيح، ~~وتكذيب الكاذب حسن. # وقوله { ويضيق صدري ولا ينطلق لساني } حكاية أيضا عما قال موسى، وضيق ~~الصدر غم يمنع من سلوك المعاني في النفس، لأنه يمنع منه كما يمنع ضيق ~~الطريق من السلوك فيه. وقوله { ولا ينطلق لساني } أي لا ينبعث بالكلام ~~وقد يتعذر ذلك لآفة في اللسان، وقد يتعذر لضيق الصدر، ms2664 وغروب المعاني التي ~~تطلب الكلام. وقوله { فأرسل إلى هارون } يعني لمعاونتي، كما يقال: إذا ~~نزلت بنا نازلة أرسلنا اليك أي لتعيننا. وقيل: انما طلب المعاونة حرصا ~~على القيام بالطاعة. { ولا ينطلق لساني } للعقدة التي كانت فيه. قال ~~الجبائي: لم يسأل موسى ذلك إلا بعد أن أذن الله تعالى له في ذلك، لان ~~الانبياء لا يسألون الله إلا ما يؤذن لهم في مسألته. # وقوله { ولهم علي ذنب } يعني قتل القبطي الذي قتله موسى حين استصرخ به ~~واحد من أصحابه من بني اسرائيل - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله { فأخاف أن ~~يقتلون } بدل ذلك المقتول. ### || [26.15-20] # هذا خطاب من الله تعالى جوابا لموسى عماه حكاه أنه { قال كلا } لا ~~يقتلونك { فاذهبا } ومعنى (كلا) زجر أي لا يكون ذلك، ولا يقتلونك { ~~فاذهبا } أمر لموسى وهارون على ما اقترحه موسى فاجيب اليه { فاذهبا ~~بآياتنا } أي بأدلتنا ومعجزاتنا التي خصكما الله بها، و { إنا معكم ~~مستمعون } أي نحن نحفظكم ونحن سامعون ما يجري بينكم، فهو (مستمع) في موضع ~~(سامع) لأن الاستماع طلب السمع بالاصغاء اليه، وذلك لا يجوز عليه تعالى، ~~وانما قال بهذا اللفظ، لأنه أبلغ في الصفة، وأشد في التعظيم - والله ~~تعالى سامع بما يغني عن مذكر مستمع - لينبئ عن هذا المعنى، ووصفه بسامع ~~يغني عن سماع الجماعة التي يقع سماعهم معاونة وإنما قال (مستمعون) بلفظ ~~الجمع بناء على قوله { إنا } وأمرهما بأن يأتيا فرعون وأن يقولا له { إنا ~~رسول رب العالمين } أرسلنا الله اليك لندعوك إلى عبادته، وترك الاشراك ~~به، وانما قال { رسول } على التوحيد، وهو للاثنين، لأن المعنى ان كل واحد ~~منا رسول رب العالمين، وقد يكون الرسول في معنى الجمع قال الهذلي: # الكني اليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # أي وخير الرسل: وقيل: إنه في موضع رسالة، فكما يقع المصدر موقع الصفة ~~كذلك تقع الصفة موقع المصدر. والارسال جعل الشيء ماضيا في الامر، ومثله ~~الاطلاق والبعث، وانشد في ذلك: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة، وقال ms2665 الآخر: # ألا من مبلغ عني خفافا # رسولا بيت أهلك منتهاها # فانثه تأنيث الرسالة. وقوله { أن أرسل معنا بني إسرائيل } أي أمرك الله ~~بأن تطلق صراح بني إسرائيل ليجيئوا معنا، وفي الكلام حذف وتقديره: إنهما ~~مضيا إلى فرعون، وقالا له ما أمرهم الله به فقال فرعون لموسى { ألم نربك ~~فينا وليدا } فالتربية تنشئة الشيء حالا بعد حال: رباه يربيه، ومثله ~~نماه ينميه نماء. وقوله { وليدا } أي حين كنت طفلا صغيرا { ولبثت فينا ~~من عمرك سنين } أي اقمت سنين كثيرة عندنا، ومكثت. وفى (عمر) ثلاث لغات - ~~ضم الميم وإسكانها مع ضم العين، وفتح العين وسكون الميم. ومنه قوله # لعمرك # وعمر الأنسان بالفتح لا غير، وفى القسم أيضا بالفتح لا غير. # وقوله { وفعلت فعلتك التي فعلت } يعني قتلك القبطي. وقرأ الشعبي { فعلتك ~~} بكسر الفاء مثل الجلسة والركبة، وهو شاذ لا يقرأ به. وقوله { وأنت من ~~الكافرين } قيل في معناه قولان: # أحدهما - قال ابن زيد أنت من الجاحدين لنعمتنا. # الثاني - قال السدي أراد كنت على ديننا هذا الذي تعيبه كافرا بالله. ~~وقال الحسن: وأنت من الكافرين أي في أني إلهك. وقيل: من الكافرين لحق ~~تربيتي، فقال له موسى (ع) في الجواب عن ذلك { فعلتها } يعني قتل القبطي { ~~وأنا من الضالين } قال قوم: يعني من الضالين أي من الجاهلين بأنها تبلغ ~~القتل. وقال الجبائي { وأنا من الضالين } عن العلم بان ذلك يؤدي إلى ~~قتله. وقال قوم: معناه { وأنا من الضالين } عن طريق الصواب، لأني ما ~~تعمدته. وانما وقع مني خطأ، كما يرمي انسان طائرا فيصيب انسانا. ### || [26.21-25] # يقول الله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال لفرعون: إني فررت منكم لما ~~خفتكم، فالفرار الذهاب على وجه التحرز من الادراك، ومثله الهرب: فر يفر ~~فرارا، ومنه يفتر أي يضحك، لانه يباعد بين شفتيه مباعدة الفرار. # وقوله { فوهب لي ربي حكما } فالهبة الصلة بالنائل. وهب له يهب هبة فهو ~~واهب، واستوهبه كذا إذا سأله هبته، وتواهبوا ما بينهم إذا اسقطوها عنهم ~~على جهة الهبة. والحكم العلم بما تدعو ms2666 اليه الحكمة، وهو الذي وهبه الله ~~تعالى لموسى من التوراة. والعلم بالحلال والحرام وسائر الاحكام. والخبر ~~عما يدعو اليه الحكم ايضا يسمى حكما. والحكم - ها هنا - أراد به النبوة ~~- في قول جماعة من المفسرين - وقوله { وجعلني من المرسلين } أي جعلني ~~الله نبيا من جملة الانبياء. # وقوله { وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - ان اتخاذاك بني اسرائيل عبيدا قد أحبط ذلك، وإن كانت نعمة ~~علي. # الثاني - إنك لما ظلمت بني اسرائيل ولم تظلمني عددتها نعمة علي؟! # وقيل قول ثالث - انه لا يوثق بأنها نعمة منك مع ظلمك بني اسرائيل في ~~تعبيدهم، وفى كل ذلك دلالة وحجة عليه، وتقريع له. # ويجوز في { أن } النصب بمعنى لتعبيدك بني اسرائيل، والرفع بالرد على ~~النعمة أي على تعبيدك بني اسرائيل. والتعبيد اتخاذ الانسان أو غيره عبدا ~~تقول عبدته وأعبدته بمعنى واحد، قال الشاعر: # علام يعبد في قومي وقد كثرت # فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان # وقال الجبائى بين أنه ليس لفرعون عليه نعمة، لان الذي تولى تربيته أمه ~~وغيرها من بني اسرائيل بأمر فرعون لما استعبدهم. وقال الحسن: أراد أخذت ~~أموال بني اسرائيل، واتخذتهم عبيدا فأنفقت علي من أموالهم. فاراد أن لا ~~يسوغه ما امتن به عليه. وقال قوم: أراد أو تلك نعمة؟! مستفهما واسقط ~~حرف الاستفهام. # وقوله تعالى { قال فرعون وما رب العالمين } حكاية من الله أن فرعون قال ~~لموسى أي شيء رب العالمين الذي تدعوني إلى عبادته، لان هذا القول من ~~فرعون يدل على ان موسى كان دعاه إلى طاعة الله وعبادته. وقيل: ان فرعون ~~عجب من حوله من جواب موسى، لانه طلب منه أي أجناس الاجسام هو؟ جهلا منه ~~بما ينبغي أن يسأل عنه، فقال موسى في جوابه { رب السماوات والأرض وما ~~بينهما } أي رب العالمين هو الذي اخترع السموات والارض وخلقهما، وخلق ما ~~بينهما من الحيوان والجماد والنبات { إن كنتم موقنين } بذلك مصدقين به ~~فقال فرعون - عند ذلك - لمن حوله من أصحابه { ألا تستمعون } أي ms2667 ألا تصغون ~~اليه، وتفهمون ما يقول معجبا لهم من قوله، حين عجز عن محاورته ومجاوبته. ### || [26.26-30] # قال لما قال فرعون لمن حوله { ألا تستمعون } إلى قول موسى فانه يقول ربه ~~رب العالمين الذي خلق السموات والارض وما بينهما! معجبا لهم من قوله، ~~قال موسى { ربكم } الذي خلقكم ويملك تدبيركم وخلق آباءكم الاولين، وملك ~~تدبيرهم، وتدبير جميع الخلق. والاول الكائن قبل غيره والآخر الكائن بعد ~~غيره، والكائن على صفة أول في كونه على تلك الصفة، نحو الاول في دخول ~~الدار، فقال فرعون - عند ذلك حين لم يجد جوابا لكلام موسى - لقومه { إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } يموه عليهم، اني اسأله عن ماهية رب ~~العالمين فيجيبني عن غير ذلك، كما يفعل المجنون. والجنون داء يعتري النفس ~~يغطي على العقل، وأصله الستر من قولهم: جنه الليل وأجنه إذا ستره بظلمته ~~والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فقال موسى عند ذلك ان الذي ذكرته انه { ~~ربكم ورب آبائكم الأولين }... { هو رب المشرق والمغرب } فالمشرق الموضع ~~الذي تطلع منه الشمس، والمغرب الموضع الذي تغرب فيه الشمس يقال: شرقت ~~الشمس شروقا إذا طلعت، وأشرقت إشراقا اذا أضاءت وصفت. { وما بينهما إن ~~كنتم تعقلون } ذلك وتتدبرونه، فلما طال على فرعون الاحتجاج من موسى تهدده ~~{ قال لئن اتخذت إلها غيري } يعني معبودا سواي { لأجعلنك } من ~~المسجونين أي محبوسا من جملة المحبسين، فقال له موسى { أولو جئتك بشيء ~~مبين } يعني بمعجزة تدل على صحة ما ادعيته تبينني من غيري والمعنى ان ~~جئتك بشيء يدل على صدقي تحبسني؟! ### || [26.31-40] # لما قال موسى لفرعون { أو لو جئتك بشيء مبين قال } فرعون { فأت به إن ~~كنت من الصادقين } أي هات ما أدعيته من المعجزة إن كنت صادقا { فألقى ~~عصاه } حينئذ موسى { فإذا هي ثعبان مبين } وهي الحية العظيمة، ومنه ~~المثعب وهو المجرى الواسع، وانثعب الماء انثعابا إذا جرى باتساع، ومنه ~~الثعبان لأنه يجري باتساع لعظمه. وفى قلب العصا حية دلالتان: # إحداهما - دلالة على الله تعالى، لانه مما لا يقدر عليه إلا هو، ms2668 وليس ~~مما يلتبس بايجاب الطبائع، لأنه اختراع، للانقلاب في الحال. # والثاني - دلالة على النبوة بموافقته الدعوة مع رجوعها إلى حالتها ~~الاولى لما قبض عليها. وقيل: الثعبان الحية الذكر، ووصفه تعالى العصا - ~~ها هنا - بأنها صارت مثل الثعبان، لا ينافي قوله { كأنها جان } من وجوه: # احدها - انه تعالى لم يقل، فاذا هي جان، كما وصفها بأنها ثعبان، وانما ~~شبهها بالجان، ولا يجوز أن تكون مثله على كل حال. # والثاني - انه وصفها بالثعبان في عظمها، وبالجان في سرعة حركتها، فكأنها ~~مع كبرها في صفة الجان لسرعة الحركة، وذلك أبلغ في الاعجاز. # وثالثها - انه أراد أنها صارت مثل الجان في أول حالها، ثم تدرجت إلى ان ~~صارت مثل الثعبان، وذلك ايضا أبلغ في باب الاعجاز. # ورابعها - ان الحالين مختلفان، لأن احداهما كانت حين ألقى موسى فصارت ~~العصا كالثعبان، والحالة الأخرى حين أوحى الله اليه وناداه من الشجرة. # ومعنى { مبين } قال ابن عباس: انه ثعبان لا شبهة فيه. وقيل: معناه مبين ~~وجه الحجة به. وروي أنها غرزت ذنبها في الارض ورفعت رأسها نحو الميل إلى ~~السماء، ثم انحطت فجعلت رأس فرعون بين نابيها، وجعلت تقول: مرني بما شئت، ~~فناداه فرعون أسألك بالذي أرسلك لما اخذتها، فاخذها، فعادت عصا، كما ~~كانت - ذكره ابن عباس، والمنهال -. # وقوله { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه أو من كمه على ما روي. ويجوز أن ~~يكون المراد حسر عن ذراعه. والمعنى أنه نزعها عن اللباس التي كان عليها. ~~والنزع إخراج الشيء مما كان متصلا به، وملابسا له. # وقوله { فاذا هي بيضاء } يعني بياضا نوريا كالشمس في إشراقها { ~~للناظرين } اليها من غير برص، فقال فرعون عند ذلك لأشراف قومه الذين حوله ~~{ إن هذا } يعنى موسى { لساحر عليم } أي عالم بالسحر والحيل { يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره } قيل معناه يريد أن يخرج عبيدكم بني اسرائيل ~~قهرا. ويحتمل أن يكون أراد يخرجكم من دياركم ويتغلب عليكم { فماذا ~~تأمرون } في تأديبه، وانما شاور قومه في ذلك مع أنه كان يقول لهم: انه ~~إله، ms2669 لأنه يجوز أن يكون ذهب عليه وعلى قومه أن الاله لا يجوز أن يشاور ~~غيره، كما ذهب عليهم أن الاله لا يكون جسما محتاجا، فاعتقدوا إلهيته ~~لما دعاهم اليها مع ظهور حاجته التي لا اشكال فيها، فقال لفرعون اشراف ~~قومه الذين استشارهم { أرجه وأخاه } أي أخرهما، فالارجاء التأخير، تقول: ~~ارجأت الأمر ارجئه إرجاء، وهم المرجئة، لأنهم قالوا بتأخير حكم الفساق في ~~لزوم العقاب. # وقيل: انما أشاروا بتأخيره ولم يشيروا بقتله، لانهم رأوا أن الناس ~~يفتتنون به ان قتل، وإن السحرة اذا قاومته زال ذلك الافتتان، وكان له ~~حينئذ عذر في قتله أو حبسه بحسب ما يراه. # وقوله { وابعث في المدائن حاشرين } أي ارسل حاشرين يحشرون الناس من جميع ~~البلدان. فالحشر السوق من جهات مختلفة إلى مكان واحد، حشره يحشره حشرا، ~~فهو حاشر والشيء محشور، وانحشر الناس إلى مكان إذا اجتمعوا اليه. والسحر ~~لطف الحيلة حتى يتوهم المموه عليه أنه حقيقة. وقوله { يأتوك } أي يجيئوك ~~{ بكل سحار } مبالغة فيمن يعمل بالسحر { عليم } أي عالم بالسحر، وفي ~~الكلام حذف، لان تقديره إنه انفذ الحاشرين في المدائن وانهم حشروهم { ~~فجمع السحرة } على ما قالوه { لميقات يوم معلوم } لوقت يوم بعينه اختاروه ~~وعينوه { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة } ان غلبوا موسى، ~~فالغلبة الاستعلاء بالقوة: غلبة يغلبه غلبة إذا قهره، وتغلب تغليبا ~~وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا. وقد يوصف المستعلي على غيره بالحجة بأنه ~~غلبه. ### || [26.41-45] # قرأ حفص { تلقف } بتخفيف القاف، الباقون - بتشديدها - إلا أن البزي وإبن ~~فليح وقنبل شددوا التاء. قال ابو علي: من خفف القاف، فهو الوجه، لأن من ~~شددها يريد تتلقف، فادغم، وانما أدغم، لأنه يلزمه إذا ابتدأ على هذه ~~القراءة أن يجتلب همزة الوصل، وهمزه الوصل لا تدخل على الافعال المضارعة، ~~كما لا تدخل على اسماء الفاعلين. # حكى الله تعالى أن السحرة لما حشروهم إلى فرعون وحضروا بين يديه قالوا ~~له { أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين } اي هل لنا أجر جزاء على غلبنا ~~اياه ان غلبناه. ومن ms2670 قرأ على الخبر " إن لنا " أراد انهم لتيقنهم بالأجر ~~أخبروا بذلك. والاول أقوى لقوله { قال نعم } وذلك جواب الاستفهام. والاجر ~~الجزاء على العمل بالخير. والجزاء على الشر يسمى عقابا، ولذلك اذا دعي ~~لانسان قيل: آجرك الله. والمعنى أئن لنا لأجرا عند الملك؟ والغالب الذي ~~يعلو على غيره الذي يمنع في نفسه بما يصير اليه في قبضة، فالله غالب كل ~~شيء بمعنى أنه عال عليه لدخوله في مقدوره، لا يمكنه الخروج منه، فقال لهم ~~فرعون في جواب ذلك: " نعم " لكم على ذلك الأجر الجزيل { وإنكم } مع ما ~~تعطون من الجزاء { إذا لمن المقربين }. والمقرب المدني من مجلس الكرامة، ~~واختصاصه بها. # ثم حكى ما قال موسى للسحرة، فانه قال لهم { ألقوا ما أنتم ملقون } وهذا ~~بصورة الأمر والمراد به التحدي، والمعنى اطرحوا ما انتم ملقوه { فألقوا ~~حبالهم وعصيهم } أي طرحت السحرة ما كان معهم من السحر من الحبال والعصي ~~التي سحروها وموهوا بأنها تسعى وتتحرك. وقيل: انهم جعلوا فيها زيبقا، ~~وطرحوها في الشمس، فلما حميت بالشمس تحرك الزيبق، لانه إذا حمي من شأنه ~~أن يصعد فتحركت لذلك الحبال والعصي، فظن الناظرون أنها تتحرك. وقالوا حين ~~طرحوا ما معهم { بعزة فرعون } والعزة القوة التي يمتنع بها من لحاق الضيم ~~بعلو منزلتها، وهذا القول قسم منهم وإن كان غير مبرور { إنا لنحن ~~الغالبون } لموسى فيما أتى به { فألقى } عند ذلك { موسى عصاه فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون } أي تناولت العصا ما موهوا به في ادنى مدة من الزمان، ~~والتلقف تناول الشيء بالفم بسرعة، تقول: تلقف تلقفا والتقف التقافا ~~واستلقف استلقافا. ومعنى { ما يأفكون } ما يوهمون الانقلاب زورا ~~وبهتانا. وقيل كان عدد السحرة اثني عشر ألفا وكلهم أقر بالحق عند آية ~~موسى. ### || [26.46-50] # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا وروح { أأمنتم } بهمزتين مخففتين على ~~الاستفهام. وروى حفص وورش ورويس بهمزة واحدة على الخبر. الباقون بهمزتين ~~الأولى مخففة والثانية ملينة. ولم يفصل أحد بين الهمزتين بألف. وقد بينا ~~نظائره فيما تقدم في الاعراف. # حكى الله تعالى أن ms2671 السحرة لما بهرهم ما أظهره موسى (ع) من قلب العصا حية ~~وتلقفها جميع ما اتعبوا نفوسهم فيه علموا أن ذلك من فعل الله، وأن احدا ~~من البشر لا يقدر عليه فآمنوا عند ذلك، وأذعنوا للحق وخروا ساجدين لله ~~شكرا على ما أنعم به عليهم ووفقهم للايمان، وأنهم قالوا عند ذلك { آمنا ~~} وصدقنا { برب العالمين } الذي خلق الخلق كلهم، الذي هو { رب موسى ~~وهارون } وإنما خص رب موسى وهارون بالذكر دون غيرهما، وان كان رب كل شيء، ~~للبيان عن المعني الذي دعا إلى ربوبيته موسى وهارون، لأن الجهال كانوا ~~يعتقدون ربوبية فرعون، فكان إخلاصهم على خلاف ما يقوله الأغبياء، والمعنى ~~الذي ألقاهم ساجدين قيل فيه قولان: # احدهما - إن الحق الذي عرفوه القاهم ساجدين. # الثاني - انهم ألقوا نفوسهم ساجدين لما عرفوا من صحة الدعاء إلى الدين. ~~فقال عند ذلك فرعون مهددا لهم { أأمنتم له } أي صدقتم له فيما يدعو اليه ~~منكرا عليهم { قبل أن آذن لكم } في تصديقكم. ثم قال { إنه لكبيركم } أي ~~استاذكم وعالمكم { الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون } فيما بعد ما افعله ~~بكم جزاء على تصديقكم إياه، ودخلت اللام في الكلام تأكيدا، ثم فسر ذلك، ~~فقال { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يعني قطع اليد من جانب، والرجل ~~من الجانب الآخر كقطع الرجل اليسرى واليد اليمنى { ولأصلبنكم } مع ذلك { ~~أجمعين } على الجذوع، ولا أترك واحدا منكم، لا تتناله عقوبتي، فقالوا له ~~في الجواب عن ذلك { لا ضير } أي لا ضرر علينا بما تفعله يقال: ضره يضره ~~ضرارا، وضاره يضير ضيرا، وضاره يضوره ضورا لغة قليلة. وقوله { إنا إلى ~~ربنا منقلبون } أي مصيرنا إلى ثواب الله لا يضرنا ما تفعله بنا. وقال ~~الجبائي: في الآية دلالة على ان للانسان أن يظهر الحق وإن خاف القتل. ~~وقال الحسن: لم يصل فرعون إلى قتل أحد منهم ولا قطعه. وقال قوم: أول من ~~قطع الايدي والارجل فرعون. ### || [26.51-60] # قرأ اهل الكوفة وابن عامر إلا الحلواني { حاذورن } بألف، الباقون بغير ~~ألف. من قرأ بالالف قال: هو ms2672 مثل شرب، فهو شارب، وحذر فهو حاذر. وقيل: رجل ~~حاذر فيما يستقبل، وليس حاذرا في الوقت، فاذا كان الحذر له لازما قيل ~~رجل حذر مثل سؤل وسائل، وطمع وطامع، وكان يجوز ضم الذال لانهم يقولون: ~~حذر وحذر - بكسر الذال وضمها - مثل يقظ ويقظ وفطن وفطن. # وقرأ عبد الله بن السائب { حادرون } بالدال - المهملة - بمعنى نحن ~~أقوياء غلاظ الاجسام، يقولون: رجل حادر أى سمين، وعين حدرة بدرة إذا كانت ~~واسعة عظيمة المقلة، قال امرؤ القيس: # وعين لها حدرة بدرة # شقت مآقيهما من أخر # وقيل الفرق بين الحاذر والحذر أن الحاذر الفاعل للحذر، أن يناله مكروه ~~والحذر المطبوع على الحذر وقيل: { حاذرون } مؤدون في السلاح أى ذووا أداة ~~من السلاح المستعدون للحروب من عدو، والحذر اجتناب الشيء خوفا منه، حذر ~~حذرا، فهو حاذر وحذره تحذيرا، وتحذر تحذرا وحاذره محاذرة وحذارا. # اخبر الله تعالى عن السحرة انهم حين آمنوا وقالوا لفرعون: لا ضرر علينا ~~بما تفعل بنا، لانا منقلبنا إلى الله وثوابه، قالوا { إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانا } أى ما فعلنا من السحر وغيره، لأنا كنا اول من صدق ~~بموسى وأقر بنبوته، وبما دعا اليه من توحيد الله ونفي التشبيه عنه ممن ~~كان يعمل بالسحر. وقيل: انهم اول من آمن عند تلك الآية. ومن قال: هم اول ~~من آمن من قومه فقد غلط، لأن بني اسرائيل كانوا آمنوا به. ولو كسرت ~~الهمزة من { إن } على الشرط كان جائزا. والطمع طلب النفس للخير الذى ~~يقدر فيها انه يكون. ومثله الأمل والرجاء والخطايا جمع خطيئة، وهي الزوال ~~عن الاستقامة المؤدية إلى الثواب. # ثم حكى تعالى انه أوحى إلى موسى، وامره بأن يسري بعباد الله الذين آمنوا ~~به، ويخرجوا من بلد فرعون، وهم بنوا إسرائيل المقرون بنبوته. يقال سرى ~~وأسرى لغتان، فمن قطع الهمزة قال: هو من اسرى يسري، ومن وصلها فمن سرى ~~يسري. واعلمهم أن فرعون وجنوده يتبعونهم، ويخرجون في طلبهم وتبع واتبع ~~لغتان. # ثم حكى ايضا ان فرعون ارسل برسله في المدائن ms2673 حاشرين يحشرون الناس اليه ~~الذين هم جنوده، وقيل: انه حشر جنده من المدائن التي حوله ليقبضوا على ~~موسى وقومه، لما ساروا بأمر الله (عز وجل) فلما حضروا عنده، قال لهم { إن ~~هؤلاء } يعني أصحاب موسى { لشرذمة قليلون } والشرذمة العصبة الباقية من ~~عصب كثيرة، وشرذمة كل شيء بقيته القليلة، ومنه قول الراجز: # جاء الشتاء وقميصي اخلاق # شراذم يضحك منه التواق # وقال عبد الله بن مسعود: الشرذمة الذين قللهم فرعون من بني اسرائيل ~~كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا، وانما استقلهم، لأنه كان على مقدمته سبعة ~~آلاف الف على ما قال بعض المفسرين. # ثم قال { وإنهم } مع قلتهم { لنا لغائظون } أي يغيظوننا بمخالفتهم ~~إيانا، ويقال: جمع قليل وقليلون، كما يقال حي واحد، وواحدون. # ثم اخبر تعالى عن فرعون أنه قال لجنده " إنا لجميع حذرون " منهم قد ~~استعددنا لقتالهم. # ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم بأن قال { فأخرجناهم } يعني فرعون وقومه ~~{ من جنات } وهي البساتين التي تجنها الاشجار { وعيون } جارية فيها { ~~وكنوز } يعني اموال لهم مخبئة بعضها على بعض في مواضع غامضة من الارض ~~ومنه كناز التمر وغيره مما يعبأ بعضه على بعض { ومقام كريم } فالمقام ~~الموضع الذي يقيمون فيه. ويجوز أن يكون مصدرا و " الكريم " هو الحقيق ~~باعطاء الخير الجزيل، لأنه اهل للكرم، وهي صفة تعظيم في المدح: كرم كرما ~~واكرمه إكراما، وتكرم تكرما. وقيل: المقام الكريم المنابر. وقيل مجالس ~~الامراء والرؤساء: التي كان يحف بها الاتباع. # ثم قال تعالى { كذلك } أي مثل ذلك أي كما وصفنا لك اخبارهم { وأورثناها ~~بني إسرائيل } أي نعم آل فرعون بأن اهلكنا آل فرعون وملكنا ديارهم ~~واملاكهم لبني اسرائيل. والارث تركة الماضي ممن هلك لمن بقي. وقيل صار ~~ذلك في ايدي بني اسرائيل في ايام داود وغيره. وقال الحسن: رجع بنو ~~إسرائيل إلى مصر بعد اهلاك فرعون وقومه. # وقوله { فأتبعوهم مشرقين } معناه تبعوا اثرهم وقت اشراق الشمس وظهور ~~ضوئها وصفائه. وقيل معناه مصبحين، ويقال: اتبع فلان فلانا وتبعه اذا ~~اقتفى اثره - لغتان -. ### || [26.61-70] # قرأ حفص { معي ربي ms2674 } بفتح الياء، وكذلك في جميع القرآن. الباقون ~~بسكونها، فمن سكن ذهب إلى التخفيف، ومن فتح فعلى أصل الكلمة لان الاسم ~~على حرف واحد، فقراءته - بالفتح - ان كان متصلا بكلمة على حرفين. # وكان اصحاب موسى فزعوا من فرعون أن يلحقهم وحذروا موسى، فقالوا { إنا ~~لمدركون } فقال لهم موسى (ع) - ثقة بالله - { كلا } ليس كما تقولون { إن ~~معي ربي سيهدين } وقرأ الاعرج { لمدركون } مفتعلون، من الادراك وادغم ~~التاء في الدال. قال الفراء: دركت دراكا وادركت ادراكا بمعنى واحد، مثل ~~حفرت واخفرت، بمعنى واحد. # وقرأ حمزة وحده { تراء الجمعان } بالامالة. الباقون بالتفخيم على وزن ~~(تراعى) لأنه تفاعل من الرؤية، وهو فعل ماض موحد، وليس مثنى، لأنه فعل ~~متقدم على الاسم، ولو كان مثنى لقال تراءا ووقف حمزة " تراى " بكسر الراء ~~ممدود قليلا، لأن من شرطه ترك الهمزة في الوقف، فترك الهمزة التى آخر ~~الألف، كأنه يريدها، فلذلك مد قليلا. ووقف الكسائي " ترآى " اى بالامالة ~~على وزن تراعى، وتنادى. الباقون وقفوا بألفين على الأصل. وكذلك جميع ما ~~في القرآن مثل # أنشأناهن إنشاء # و # أنزل من السماء ماء # كل ذلك يقفون بالمد بألفين. وحمزة يقف على الف واحدة. واذا كانت الهمزة ~~للتأنيث أسقطت الهمزة في الوقف عند الجميع نحو # بيضاء # و # إنها بقرة صفراء # و # الأخلاء # فيشم الضمة في موضع الرفع ولا يشم الفتحة في موضع النصب. # اخبر الله تعالى انه { لما تراء الجمعان } جمع فرعون وجمع موسى أى ~~تقابلا بحيث يرى كل واحد منهما صاحبه. ويقال: ترآ نارهما أى تقابلا، ~~وانما جاز تثنية الجمع، لانه يقع عليه صفة التوحيد، فتقول: هذا جمع واحد، ~~ولا يجوز تثنية مسلمين، لانه لا يقع عليه صفة التوحيد، لأنه على خلاف صفة ~~التوحيد. { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } أى لملحقون. فالادراك الالحاق، ~~وادركته ببصري اذا رأيته، وادرك قتادة الحسن اى لحقه، وادرك الزرع اذا ~~لحق ببلوغه، وأدرك الغلام إذا بلغ، وادركت القدر إذا نضجت، فقال لهم: ~~موسى { كلا } ليس الامر على ذلك { إن معي ربي } بنصره إياي { سيهدين } أي ms2675 ~~سيدلني على طريق النجاة من فرعون وقومه كما وعدني، لأن الانبياء لا ~~يخبرون بما لا دليل عليه من جهة العقل او السمع. # وقوله { فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر } اي امرناه بضرب البحر ~~بعصاه، وقيل: هو بحر قلزم الذي يسلك الناس فيه من اليمن ومكة إلى مصر، ~~وفيه حذف، لان تقديره فضرب البحر { فانفلق } وقيل: انه صار فيه إثنا عشر ~~طريقا لكل سبط طريق { فكان كل فرق كالطود العظيم } فالطود الجبل، قال ~~الأسود بن يعفر النهشلي: # حلوا بانقرة يحيس عليهم # ماء الفرات يجيء من اطواد # وقوله { وأزلفنا ثم الآخرين } قال ابن عباس وقتادة: معناه قربنا إلى ~~البحر فرعون، ومنه قوله # وأزلفت الجنة للمتقين # أي قربت وادنيت قال العجاج: # ناج طواه الأين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # سمارة الهلال حتى احقوقفا # أي منزله يقرب من منزله، ومنه قيل ليلة المزدلفة. وقال ابو عبيدة: معنى ~~أزلفنا جمعنا، وليلة مزدلفة ليلة جمع، والمعنى قربنا قوم فرعون إلى البحر ~~كما يسرنا لبني اسرائيل سلوك البحر وكان ذلك سبب قربهم منهم حتى اقتحموه ~~وقيل: معناه قربناهم إلى المنية لمجيء وقت هلاكهم قال الشاعر: # وكل يوم مضيء او ليلة سلفت # فيها النفوس إلى الاجال تزدلف # وانجينا موسى ومن معه يعني بني إسرائيل أنجيناهم جميعهم من الهلاك ~~والغرق { ثم أغرقنا الباقين } من فرعون وأصحابه. وقال تعالى { إن في ذلك ~~} يعني في فلق البحر فرقا، وانجاء موسى من البحر، وإغراق قوم فرعون، ~~لدلالة واضحة على توحيد الله وصفاته التي لا يشاركه فيها أحد. # ثم اخبر تعالى ان { أكثرهم لا يؤمنون } ولا يستدلون به بسوء اختيارهم ~~كما يسبق في علمه. فالآخر - بفتح الخاء - الثاني من اثنين قسيم (احد) ~~كقولك نجا الله أحدهما، وغرق الآخر، والآخر - بكسر الخاء - هو الثاني ~~قسيم الأول كقولك نجا الأول وهلك الآخر. وقيل: معنى { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } ان الناس مع هذا البرهان الظاهر، والسلطان القاهر، بالامر ~~المعجز الذي لا يقدر عليه أحد غير الله، ما آمن اكثرهم، فلا تستنكر أيها ~~المحق استنكار استيحاش ms2676 من قعودهم عن الحق الذي تأتيهم به، وتدلهم عليه، ~~فقد جروا على عادة اسلافهم، في انكار الحق وقبول الباطل. # وقوله { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي هو القادر الذي لا يمكن معارضته ~~في أمره، وهو مع ذلك رحيم بخلقه. وفى ذلك غاية الحث على طلب الخير من جهة ~~الموصوف بهما. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { واتل } يا محمد على ~~قومك { نبأ إبراهيم } أي خبره، حين { قال لأبيه وقومه ما } الذي { تعبدون ~~} من دون الله؟! يعني أي شيء معبودكم على وجه الانكار عليهم، لانهم كانوا ~~يعبدون الاصنام. ### || [26.71-80] # حكى الله تعالى ما أجاب به قوم ابراهيم حين قال لهم ابراهيم { ما تعبدون ~~}؟ فانهم { قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } أي مقيمين مداومين على ~~عبادتنا يقال: عكف عكوفا، فهو عاكف، واعتكف اعتكافا. قال ابن عباس: ~~معناه فنظل لها مصلين. وقيل: في وجه دخول الشبهة عليهم في عبادة الاصنام ~~أشياء: # احدها - انهم اعتقدوا أنها تقربهم إلى الله زلفى كما يتقرب بتقبيل بساط ~~الملك اليه. # ومنها - أنهم اتخذوا هياكل النجوم ليحظوا بتوجه العبادة إلى هياكلها، ~~كما يفعل بالهند. # ومنها - ارتباط عبادة الله بصورة يرى منها. # ومنها - انهم توهموا خاصية في عبادة الصنم يحظى بها، كالخاصية في حجر ~~المغناطيس. # والشبهة الكبرى العامة في ذلك تقليد الذين دخلت عليهم الشبهة، ولذلك { ~~قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } ولم يحتجوا بشيء سوى التقليد، الذي هو ~~قبيح في العقول. والعبادة خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع، فلا تستحق ~~إلا بأصول النعم وبما كان في أعلى المراتب من الانسان، فكل من عبد غير ~~الله، فهو جاهل بموجب العبادة، كافر لنعم الله، لان من حقه إخلاص العبادة ~~له. # فقال لهم ابراهيم (ع) { هل يسمعونكم } هذه الاصنام التي تعبدونها إذا ~~دعوتموها! أي هل يسمعون أصواتكم، لان اجسامهم لا تسمع { أو ينفعونكم } ~~بشيء من المنافع { أو يضرون } بشيء من المضار!. وانما قال ذلك، لان من لا ~~يملك النفع والضر، لا تحسن عبادته، لانها ضرب من الشكر، ولا يستحق الشكر ~~إلا بالنعم، ms2677 فمن لا يصح منه الانعام يقبح شكره، ومن قبح شكره قبحت ~~عبادته. فقالوا عند ذلك { وجدنا آباءنا كذلك يفعلون } أحالوا على مجرد ~~التقليد. فقال لهم ابراهيم منكرا عليهم التقليد { أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون } من الاصنام { أنتم } الآن { وآباؤكم الأقدمون } المتقدمون، ~~فالأقدم الموجود قبل غيره، ومثله الأول والأسبق. والقدم وجود الشيء لا ~~إلى أول ثم قال ابراهيم { فإنهم } عدو لي يعني الاصنام جمعها جمع ~~العقلاء، لما وصفها بالعداوه التي تكون من العقلاء، لان الاصنام كالعدو ~~في الصورة بعبادتها، ويجوز أن يكون، لانه كان منهم من لا يعبد إلا الله ~~مع عبادة الاصنام فغلب ما يعقل ولذلك استثناه، فقال { إلا رب العالمين } ~~لأنه استثناء من جميع المعبودين، وعلى الوجه الأول يكون الاستثناء ~~منقطعا وتكون (إلا) بمعنى لكن ثم وصف رب العالمين فقال: هو { الذي خلقني ~~} واخرجني من العدم إلى الوجود { فهو يهدين } لان هداية الخلق إلى الرشاد ~~أمر يجل، فلا يكون إلا ممن خلق الخلق كأنه قيل من يهديك؟ ومن يسد خلتك ~~بما يطعمك ويسقيك؟ ومن إذا مرضت يشفيك؟ فقال - دالا بالمعلوم على المجهول ~~{ الذي خلقني، فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين } بمعنى أنه يزرقني ما ~~يوصلني إلى ما فيه صلاحي { وإذا مرضت فهو يشفين } بان يفعل ما يحفظ بدني ~~ويصح جسمي ويرزقني ما يوصلني اليه. ### || [26.81-89] # حكى الله تعالى عن ابراهيم (ع) أنه قال بعد قوله: إن الله الذي يشفيه ~~إذا مرض { والذي يميتني } بعد أن كنت حيا { ثم يحيين } أي يحيني بعد أن ~~اكون ميتا يوم القيامة { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي ~~يوم الجزاء وهذا انقطاع منه (ع) إلى الله دون أن يكون له خطيئة يحتاج ان ~~تغفر له يوم القيامة، لان عندنا أن القبائح كلها لا تقع منهم (ع)، وعند ~~المعتزلة الصغائر التي تقع منهم محبطة، فليس شيء منها بمغفور يحتاج ان ~~يغفر لهم يوم القيامة. وقيل: إن الطمع - ها هنا - بمعنى العلم دون الرجاء ~~وكذلك في قوله # إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ms2678 # كما ان الظن يكون بمعنى العلم. وقيل: ان ذلك خرج مخرج التلطف في الدعاء ~~بذكر ما يتيقن انه كائن كما انه إذا جاء العلم على المظاهرة في الحجاج ~~وذكر بالظن. # ثم حكى انه سأل الله تعالى فقال { رب هب لي حكما } والحكم بيان الشيء ~~على ما تقتضيه الحكمة، فسأل ذلك ابراهيم، من حيث كان طريقا للعلم ~~بالأمور. # وقوله { والحقني بالصالحين } معناه افعل بي من اللطف ما يؤديني إلى ~~الصلاح. والاجتماع مع النبيين في الثواب. وفى ذلك دلالة على عظم شأن ~~الصلاح وصلاح العبد هو الاستقامة على ما أمر الله به ودعا اليه. # وقوله { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } اي ثناء حسنا في آخر الامم، ~~فأجاب الله تعالى دعاءه، لان اليهود يقرون بنبوته، وكذلك النصارى، واكثر ~~الامم. وقيل: معنى { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي اجعل من ولدي من ~~يقوم بالحق، ويدعو إلى الله، وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) ثم سأله أن ~~يجعله { من ورثة جنة النعيم } بأن يفعل معه من الالطاف ما يختار عنده ~~الطاعات، لأن الجنة لا يثاب فيها إلا بالاستحقاق. ثم قال { ولا تخزني يوم ~~يبعثون } أي لا تفضحني بذنب، ولا تعيرني يوم يحشر الخلائق. و (الخزي) ~~الفضيحة والتعيير بالذنب بما يردع النفس، يقال: خزي خزيا. وأخزاه الله ~~إخزاء، وهذا موقف خزي. وهذا الدعاء منه (ع) إنقطاع منه إلى الله تعالى، ~~لانا قد بينا أن القبائح لا تقع من الانبياء على حال. # ثم وصف اليوم الذي يبعث فيه الخلائق بأنه { يوم لا ينفع } فيه { مال } ~~فيفادي به الانسان نفسه من العقاب { ولا } ينفع { بنون } ينصرونه { إلا ~~من أتى } أي وإنما ينفع من يأتي { الله بقلب سليم } أي سليم من الفساد ~~والمعاصي، انما خص القلب بالسلامة، لانه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح ~~من الفساد، من حيث أن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد ~~فان اجتمع مع ذلك جهل، فقد عدم السلامة من جهتين، وقيل: سلامة القلب ~~سلامة الجوارج، لانه يكون خاليا من ms2679 الاصرار على الذنب. # وحكى انه سأل الله تعالى أن يغفر لأبيه، وذكر انه من الضالين، قالوا: ~~إنما سأل الله أن يغفر له يوم القيامة بشرط تقتضيه الحكمة. وهو أن يتوب ~~قبل موته، فلما تبين انه عدو لله تبرأ منه، ووصفه بأنه ضال يدل على أنه ~~كافر، كفر جهل لا كفر عناد. وقيل: انه إنما دعا لأبيه لموعدة وعده بها، ~~لأنه كان يطمعه سرا في الايمان فوعده بالاستغفار، فلما تبين انه كان عن ~~نفاق تبرأ منه. وقال الحسن: عاب الله تعالى من فعل ابراهيم في قوله { إلا ~~قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } بعد قوله # قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه # وليس الأمر على ما قاله. ونحن نبين الوجه في هذه الآية إذا انتهينا ~~اليها إن شاء الله. وعند اصحابنا ان أباه الذي استغفر له، كان جده لأمه، ~~لان آباء النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى آدم كلهم مؤمنون موحدون - بأدلة ~~ليس هذا موضع ذكرها، والدلالة عليها. ### || [26.90-95] # معنى { وأزلفت الجنة للمتقين } قربت لهم ليدخلوها { وبرزت الجحيم ~~للغاوين } أي أظهرت الجحيم للعاملين بالغواية وتركهم الرشاد، يقال: برز ~~يبرز بروزا، وأبرزه إبرازا، وبرزه تبريزا، وبارزه مبارزة، وتبارزا ~~تبارزا. وفى رؤية الانسان آلات العذاب التي أعدت لهم عذاب عظيم، وألم ~~جسيم للقلب فبروز الجحيم للغاوين بهذه الصفة. و (الغاوي) العامل بما يوجب ~~الخيبة من الثواب: غوى الرجل يغوى غيا وغواية، وأغواه غيره إغواء، ~~واستغواه استغواء واصله الخيبة قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # ثم اخبر أنه يقال لهم، يعني للغاوين على وجه التوبيخ لهم والتقريع { أين ~~ما كنتم تعبدون من دون الله } وإنما وبخوا بلفظ الاستفهام، لانه لا جواب ~~لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، كقولك اينما كنت تعبد من دون الله؟! لا ~~يخلصك من عقابه { هل ينصرونكم } ويدفعون عنكم العقاب في هذا اليوم { أو ~~ينتصرون } لكم إذا عوقبتم!، فمن عبدها، فهو الغاوي في عبادته، لا يملك ~~رفع الضرر عن نفسه، ms2680 ولا عن عابده مع أنه لا حق به. ثم قال { فكبكبوا فيها ~~} ومعناه كبوا إلا انه ضوعف، كما قال # بريح صرصر # أي صر. وقيل: جمعوا بطرح بعضهم على بعض - عن ابن عباس - وقال مجاهد: ~~هووا { هم والغاون } أي وكب الغاون معهم، وكب معهم { جنود إبليس } أي من ~~اتبعه من ولده، وولد آدم. وقال ابو عبيدة (كبكبوا) معناه طرحوا فيها ~~بعضهم على بعض جماعة جماعة. وقال المبرد: نكسوا فيها من قولهم: كبه الله ~~لوجهه. ### || [26.96-104] # يقول الله تعالى مخبرا عن هؤلاء الكفار أنهم إذا حصلوا في الجحيم { ~~يختصمون } والاختصام منازعة كل واحد منهم صاحبه بما فيه إنكار عليه ~~واغلاظ له: يقال: اختصما في الامر اختصاما. وتخاصما تخاصما، وخاصمه ~~مخاصمة. ويقول بعضهم لبعض { تالله إن كنا لفي ضلال مبين } قال الزجاج: ~~معناه ما كنا الا في ضلال مبين. وقال غيره: اللام لام الابتداء التي تدخل ~~في خبر { ان } و { ان } هذه في الخفيفة من الثقيلة، ويلزمها اللام في ~~خبرها، فرقا بينها، وبين { ان } التي للجحد، وتقديره تالله ان كنا لفي ~~ضلال مبين في الحال التي سويناكم - يخاطبون كل معبود من دون الله - { برب ~~العالمين } الذي خلق الخلق، في توجيه العبادة اليكم. والتسوية اعطاء أحد ~~الشيئين مثل ما يعطى الآخر، ومثله المعادلة والموازنة. والمراد - ها هنا ~~- الشركة في العبادة. # ثم قال { وما أضلنا إلا المجرمون } بأن دعونا إلى الضلال فتبعناهم، ~~وقبلنا منهم. ثم يقولون { فما لنا من شافعين ولا صديق حميم } أي لو كان ~~لنا شفيع لسأل في أمرنا او صديق لدفع عنا، فقد آيس الكفار من شافع، وانما ~~يقولون ذلك اذا رأوا جماعة من فساق أهل الملة يشفع فيهم، ويسقط عنهم ~~العقاب ويخرجون من النار، يتلهفون على مثل ذلك، ويتحسرون عليه. والصديق ~~هو الصاحب الذي يصدق المودة وصدق المودة اخلاصها من شائب الفساد. و ~~(الحميم) القريب الذي يحمى بغضب صاحبه، والحميم هو الحامي، ومنه الحمى. ~~وأحم الله ذلك من لقائه: أي ادناه، بمعنى جعله كالذي بلغ بنصحه إياه، وحم ~~كذا أي قدر. ms2681 # ثم اخبر تعالى أنهم يتمنون فيقولون { فلو أن لنا كرة } أي رجعة إلى دار ~~التكليف { فنكون من المؤمنين } وانما جاز التمني ب (لو)، لانه التقدير، ~~كما أن التمني ب (ليت) مثل ذلك لتقدير المعنى، إلا أن التقدير ب (لو) ~~لموجب غيره والتقدير ب (ليت) للامتناع بالمقدر، وانما جاز جواب التمني، ~~لان المعنى متصور بالتمني غير انه اذا كان بالفاء، فهو نصب، فلذلك نصب ~~(فنكون) لأن الفاء اذا صرفت عن العطف أضمر معها (ان) للاشعار بالصرف. # ثم قال تعالى { إن في ذلك لآية } أي ان فيما قصصناه، وذكرناه لدلالة لمن ~~نظر فيها واعتبر بها، لكن اكثرهم لا يعتبرون بها، ولا يؤمنون بها، وأخبر ~~{ إن ربك } يا محمد { لهو العزيز الرحيم } وإنما جمع بين الصفتين: العزيز ~~والرحيم، ليرغب في طلب ما عند الله أتم الترغيب من حيث هو عظيم الرحمة ~~واسع المقدور، منيع من معاجزة غيره. وقيل في وجه اخبارهم بأنهم يكونون ~~مؤمنين لو ردوا إلى دار التكليف قولان: # احدهما - انهم يخبرون عن عزمهم، لان الله تعالى قد أخبر عنهم أنهم # لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # ولا يجوز - ان يكونوا مع رفع التكليف وكمال عقولهم وحصول المعارف ~~الضرورية - ان يكذبوا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح بأن يخلق الله فيهم ~~العلم الضروري، انهم لو راموا القبيح لمنعوا من ذلك، ولولا ذلك لكانوا ~~مغزين بالقبيح وذلك لا يجوز. # والثاني - ان يكون ذلك القول منهم قبل دخولهم النار، وقبل ان يصيروا ~~ملجئين. والاول أقوى. ### || [26.105-110] # يقول الله تعالى مخبرا عن قوم نوح أنهم كذبوا الذين أرسلهم الله ~~بالنبوة. وانما كذبوهم جميعهم، لانهم كذبوا كل من دعا إلى توحيد الله، ~~وخلع عبادة الاصنام ممن مضى من الرسل، وغيرهم ممن يأتي. وقال الحسن: ~~لأنهم بتكذيبهم نوحا مكذبون من جاء بعده من المرسلين. ولو لم يكن قبله ~~نبي مرسل. وقال الجبائي: كذبوا من أرسل قبله. وانما قال { كذبت } ~~بالتأنيث، والقوم مذكر لأنه بمعنى جماعة قوم نوح. # ثم بين انهم انما كذبوه حين " قال لهم اني رسول " من ms2682 قبل الله تعالى { ~~أمين } على رسالته، والامين الذي يؤدي الأمانة وضده الخائن، وقد أدى نوح ~~الأمانة في أداء الرسالة، والنصيحة لهم، فلذلك وصفه الله بأنه (أمين). ~~وإنما سماه بأنه { أخوهم } لأنه كان منهم في النسب، وذكر ذلك، لأنهم به ~~آنس وإلى إجابته أقرب فيما ينبغي أن يكونوا عليه، وهم قد صدفوا عنه { ألا ~~تتقون } الله باجتناب معاصيه منكرا بهذا القول عليهم، وانما جاء الانكار ~~بحرف الاستفهام لانهم لا جواب لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، لأنهم: ان ~~قالوا لا نتقي ما يؤدينا إلى الهلاك هتكوا نفوسهم وخرجوا عن عداد ~~العقلاء. وان قالوا: بل نتقيه لزمهم ترك عبادة الاصنام. # ثم قال لهم { فاتقوا الله } واجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعاته { واطيعون } ~~فيما أمركم به، وأدعوكم اليه. ثم قال لهم { وما أسألكم عليه } على ما ~~أدعوكم اليه. { من أجر } فيصرفكم ذلك عن الايمان، لأنه ليس أجري، وثوابي ~~{ إلا على رب العالمين } الذي خلق جميع الخلائق، ثم كرر عليهم قوله { ~~فاتقوا الله وأطيعون } لاختلاف المعنى فيه، لان التقدير، فاتقوا الله ~~واطيعوني لاني رسول أمين، واتقوا الله وأطيعوني لاني لا أسألكم أجرا ~~عليه فتخافون ثلم أموالكم. والطاعة اجابة الداعي بموافقة ارادته مع كون ~~الداعي فوقه، فالرتبة معتبرة. ### || [26.111-122] # قرأ يعقوب { واتباعك } على الجمع. الباقون { واتبعك } على الفعل الماضي ~~قال الزجاج: من قرأ على الجمع فقراءته جيدة، لان الواو (واو) الحال، ~~واكثر ما يدخل على الاسماء. تقول جئتك وأصحابك بنو فلان، وقد يقولون: ~~وصحبك بنو فلان، واكثر ما يستعملونه مع (قد) في الفعل، # حكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح حين دعاهم إلى الله وخوفهم ~~من معصيته: انصدقك فيما تدعونا اليه وقد اتبعك الارذلون؟! يعني السفلة ~~واوضاع الناس. والرذل الوضيع، ونقيض الرذيلة الفضيلة وجمعه الرذائل. ~~وقيل: انهم نسبوهم إلى صناعات دنيئة، كالحياكة والحجامة. وانهم مع ذلك ~~اهل نفاق ورذالة، فأنفوا من اتباعه لما اتبعوه هؤلاء، ولم يجز من نوح أن ~~يقبل قول هؤلاء فيهم، لانهم كفار يعادونهم، فلا تقبل شهادتهم. ويجوز ~~أيضا ان يكونوا ms2683 لما آمنوا تابوا من قبيح ما عملوا، لأن الايمان يجب ~~الخطايا، ويوجب الاقلاع عنها. ولم يجز استصلاح هؤلاء باقصاء من آمن، كما ~~لا يجوز استصلاحهم بفعل الظلم، لان في ذلك اذلالا للمؤمنين، وذلك ظلم ~~لهم، لا يجوز أن يفعل بأهل الايمان، لأنه قبيح. # ومن قرأ - على الجمع - أراد ان الذين اتبعوك هم الارذلون. # ومن قرأ على الفعل أراد: تبعك من هذه صفته. # فقال لهم نوح (ع): لم أطردهم { وما علمي بما كانوا يعملون } فيما مضى، ~~لأني ما كلفت ذلك، وانما أمرت بأن ادعوهم إلى الله، وقد اجابوني اليه، ~~وليس حسابهم الا على ربي الذي خلقني وخلقهم لو علمتم ذلك وشعرتموه، وليس ~~أنا بطارد المؤمنين، لاني لست الا نذيرا مخوفا من معصية الله مبين ~~لطاعته، داع اليه. # و (الطرد) ابعاد الشيء على وجه التنفير، طرده يطرده، واطرده جعله ~~طريدا، واطرد في الباب استمر في الذهاب كالطريد، وطارده مطاردة وطرادا. # فقال له قومه عند ذلك { لئن لم تنته } وترجع عما تقوله، وتدعو اليه { يا ~~نوح لتكونن من المرجومين } بالحجارة، وقيل: من المرجومين بالشتم، فالرجم ~~الرمي بالحجارة، ولا يقال للرمي بالقوس رجم، ويسمى الشتوم مرجوما لانه ~~يرمى بما يذم به. والانتهاء بلوغ الحد من غير مجاوزة إلى ما وقع عنه ~~النهي. وأصل النهاية بلوغ الحد، والنهي الغدير، لانتهاء الماء اليه. # فقال نوح عند ذلك يا رب { إن قومي كذبون } وانما قال ذلك مع أن الله ~~تعالى عالم بأنهم كذبوه، لأنه كالعلة فيما جاء بعده، فكأنه قال { افتح ~~بيني وبينهم فتحا } لانهم كذبوني، إلا انه جاء بصيغة الخبر دون صيغة ~~العلة. وإذا كان على معنى العلة حسن أن يأتي بما يعلمه المتكلم والمخاطب. ~~ومعنى { افتح بيني وبينهم فتحا } احكم بيننا بالفعل الذي فيه نجاتنا، ~~وهلاك عدونا وعامل كل واحد منا بما يستحقه، يقال للحاكم: الفتاح، لانه ~~يفتح وجه الأمر بالحكم الفصل، ويتقرر به الأمر على أداء الحق، فقال الله ~~تعالى له مجيبا لدعائه { فأنجيناه ومن معه } من المؤمنين { في الفلك } ~~يعنى السفن، يقال شحنه ms2684 يشحنه شحنا فهو شاحن إذا ملأه بما يسد خلاءه، ~~وشحن الثغر بالرجال. # ومنه الشحنة، قال الشاعر، في الفتح بمعنى الحكم: # ألا ابلغ بني عصم رسولا # فاني عن فتاحتكم غني # والفلك السفن يقع على الواحد والجمع. ثم اخبر تعالى انه لما أنجى نوحا ~~واصحابه اغرق الباقين من الكفار بعد ذلك، واهلكهم. # ثم قال تعالى: إن فيما اخبرنا به من قصة نوح وإهلاك قومه لآية واضحة على ~~توحيد الله، وإن كان اكثرهم لا يؤمنون، ولا يعتبرون به. وقيل: إن قوله { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين } في عدة مواضع ليس بتكرير وانما ~~هو ذكر آية في قصة نوح، وما كان من شأنه مع قومه بعد ذكر آية فيما كان من ~~قصة ابراهيم وقومه، وذكر قصة موسى وفرعون فيما مضى، فبين أنه إنما ذكر ~~ذلك لما فيه من الآية الباهرة، وكرر { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } لان ~~المعنى انه { العزيز } في الانتقام من فرعون وقومه { الرحيم } في نجاة ~~موسى ومن معه من بني اسرائيل، وذكر - ها هنا - { العزيز } في إهلاك قوم ~~نوح بالغرق الذي طبق الأرض { الرحيم } في إنجائه نوحا ومن معه في الفلك. # والعزيز القادر الذي تتعذر مما نعته لعظم مقدوراته، فصفة (عزيز) وإن ~~رجعت إلى معنى قادر، فمن هذا الوجه ترجع، ولا يوصف بالعزيز مطلقا الا ~~الله، لانها تفيد معنى قادر، ولا يقدر أحد على ممانعته. والله تعالى قادر ~~أن يمنع كل قادر سواه. ومعنى وصفه بانه عزيز مبالغة من ثلاثة أوجه: احدها ~~- لانه بزنة (فعيل). والثاني - انه لا يوصف به مطلقا سواه. والثالث - ~~لما فيه من التعريف بالالف واللام. ### || [26.123-131] # اخبر الله تعالى عن عاد - وقيل: هم قبيلة - انهم كذبوا من أرسلهم الله ~~حين قال لهم أخوهم هود. قال الحسن: كان أخاهم من النسب دون الدين { ألا ~~تتقون } الله باجتناب معاصيه إلى قوله { رب العالمين } وقد فسرنا نظائره. # وقوله { تبنون بكل ريع آية } فالبناء وضع ساف على ساف إلى حيث ينتهي. ~~والريع الارتفاع من الارض، وجمعه آرياع وريعة ms2685 قال ذو الرمة: # طراق الخوافي مشرق فوق ريعة # ندى ليلة في ريشه يترقرق # ومنه الريع في الطعام، وهي الزيادة والنماء قال الاعشى: # وبهما قفر تجاوزتها # إذا خب في ريعها أألها # وفيه لغتان - فتح الراء، وكسرها - بمعنى المكان المرتفع، قال الفراء فيه ~~لغتان (ريع، وراع) مثل زير، وزار قال أبو عبيدة هو الطريق بين الجبلين في ~~ارتفاع. وقيل: هو الفج الواسع، وقال قتادة: معناه بكل آية طريق أي علامة ~~{ تعبثون } تلعبون، في قول ابن عباس. وقوله { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ~~} قال المؤرج: لعلكم تخلدون: كأنكم تخلدون - بلغة قريش - وقال الفراء: ~~معناه كيما تخلدون. قال مجاهد: المصانع أراد بها حصونا مشيدة. وقال ~~قتادة: مآخذ للماء، وهو جمع مصنع، ويقال مصنعة لكل بناء. وقيل: إنهم ~~كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي، ليدلوا بذلك على أنفسهم، ~~وزيادة قوتهم وليفاخروا بذلك غيرهم من الناس، وكانوا جاوزوا في ايجاد ~~المصانع إلى الاسواق فنهوا عن ذلك، وقال الزجاج: المصانع المباني { لعلكم ~~تخلدون } معناه تفعلون ذلك لكي تبقوا فيها مؤبدين { وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين } فالبطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط - في قول ابن عباس - ~~والجبار العالي على غيره بعظم سلطانه، وهو في صفة الله تعالى مدح، وفي ~~صفة غيره ذم، فاذا قيل للعبد جبار فمعناه انه يتكلف الجبرية. والجبار في ~~النحل ما فات اليد، وقال الحسن: بطش الجبرية هو المبارزة من غير ثبت ولا ~~توقف، فذمهم الله بذلك، ونهاهم هود فقال { اتقوا الله } باجتناب معاصيه و ~~" اطيعوني " فيما أدعوكم اليه، ولم يكن هذا القول تكرارا من هود لأنه ~~متعلق بغير ما تعلق به الأول، لان الأول معناه، فاتقوا الله في تكذيب ~~الرسل، واطيعوني فيما أدعوكم اليه من اخلاص عبادته، والثاني فاتقوا الله ~~في ترك معاصيه في بطش الجبارين وعمل اللاهين واطيعوني في ذلك الأمر الذي ~~دعوتكم اليه. ### || [26.132-140] # قرأ { خلق الأولين } - بفتح الخاء - ابن كثير وابو عمرو والكسائي وأبو ~~جعفر. الباقون - بضم الخاء، واللام - فمن قرأ - بفتح الخاء - أراد: ليس ~~هذا إلا اختلاق الأولين - في قول ابن مسعود ms2686 - ومن ضم الخاء واللام: أراد ~~ليس هذا الاعادة الأولين، في أنهم كانوا يحيون ويموتون. وقال بعضهم: ~~المعني في { خلق الأولين } خلق أجسامهم، وانكروا أن يكون المعنى إلا كذب ~~الأولين لأنهم يقولون # ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين # وليس الامر على ما ظنه لانهم قد سمعوا بالدعاء إلى الدين، وكانوا عندهم ~~كذابين، فلذلك قال # كذبت عاد المرسلين # وقال # إن هذا إلا أساطير الأولين # وانما قالوا { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } أي ما سمعنا أنهم ~~صدقوا بشيء منه، أو ذكروا آية حق وصواب، بل قالوا باطل، وخطأ. # حكى الله تعالى عن هود أنه قال لقومه واتقوا معاصي الله الذي أمدكم ~~بالذي تعلمون من انواع نعمه، فالامداد اتباع الثاني ما قبله شيئا بعد ~~شيء، على انتظام فهؤلاء امدهم الله بالمال وبالبنين، يعني الذكور من ~~الأولاد، وبالانعام من الابل والبقر والغنم والبساتين التي فيها شجر ~~تحتها عيون جارية فيها، فآتاهم رزقهم على إدرار. فالعيون ينابيع ماء تخرج ~~من باطن الأرض، ثم تجري على ظاهرها وعين الماء مشبه بعين الحيوان في ~~استدارته وتردد الماء إلا انه جامد في عيون الحيوان يتردد بالشعاع. # ثم قال لهم { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } يعني يوم القيامة، والعظيم ~~هو الموصوف بالعظم، وفيه مبالغة مثل ما أعظمه لعظم ما فيه من الاهوال. # ثم حكى ما أجابه به قومه، فانهم قالوا له { سواء علينا أوعظت أم لم تكن ~~من الواعظين } وإنما لم يقل سواء علينا أوعظت أم لم تعظ، ليتشاكل رؤس ~~الآي، ومعناه إنا لسنا نقبل منك ما تقوله: سواء علينا وعظك وارتفاعه ~~والوعظ حث بما فيه تليين القلب، للانقياد إلى الحق، والوعظ زجر عما لا ~~يجوز فعله. ومعنى { سواء } أي كل واحد من الأمرين مثل الآخر، حصول الوعظ ~~وارتفاعه. # ثم قالوا: ليس هذا الذي تدعوه { إلا خلق الأولين } أي كذبهم، فيمن فتح ~~الخاء. والا عادة الاولين وخلقهم. والخلق المصدر من قولك: خلق الله ~~العباد خلقا. والخلق المخلوق من قولهم: يعلم هذا من خلق الناس. قال ~~الفراء: يقولون هذه ms2687 الحاديث: خلق يعنون المختلقة. قال والقراءة بضم الخاء ~~أحب إلي، لانها تتضمن المعنيين. والخلق الاختلاق، وهو افتعال الكذب على ~~التقدير الذي يوهم الحق. # ثم اخبروا: إنا لسنا بمعذبين على خلاف ما تدعونا اليه، على ما تدعيه { ~~فكذبوه } يعني هودا { فأهلكناهم إن في ذلك لآية } إلى آخر القصة. وقد ~~فسرناه. ### || [26.141-150] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { فرهين } بغير الف. الباقون { فارهين } بألف. # حكى الله تعالى عن قوم صالح، وهم { ثمود } أنهم كذبوا المرسلين، ولم ~~يصدقوهم فيما دعوهم اليه من توحيد الله وخلع الانداد وترك عبادة الاصنام، ~~حتى قال لهم أخوهم في النسب صالح، وهو النبي المبعوث اليهم { ألا تتقون } ~~الله باجتناب معصيته وترك عبادة من سواه { إني لكم رسول أمين } فالامين ~~هو الذي استودع الشيء على من أمن منه الخيانة، فالرسول بهذه الصفة، لأنه ~~يؤدي الرسالة، كما حملها من غير تغيير لها، ولا زيادة، ولا نقصان. # ثم أمرهم فقال { فاتقوا } عقاب { الله } باجتناب معاصيه { وأطيعون } ~~فيما ادعوكم اليه، ولست اسألكم على ما ادعوكم اليه اجرا فيصرفكم عن ~~القبول لانه ليس أجري وثوابي في ذلك إلا على رب العالمين الذي خلق الخلق. ~~ثم قال لهم يا قوم { أتتركون فيما هاهنا آمنين } منكرا عليهم، فان ما هم ~~فيه من النعم لا تبقى عليهم، وانها تزول عنهم وأن أمنهم سيؤل إلى الخوف. ~~والامن سكون النفس إلى السلامة، وهو نقيض الخوف. وقد يكون أمنا مع العلم ~~بالسلامة. ومع الظن القوي. # ثم عدد نعمهم التي كانوا فيها، فقال انتم { في جنات } وهي البساتين التي ~~يسترها الشجر { وعيون } جارية { وزروع } وهو جمع زرع وهو نبات من الحب ~~الذي يبذر في الارض: زرعه أي بذره في الارض كما يزرع البذر فالبذر المبدد ~~في الارض على وجه مخصوص يسمى زرعا { ونخل طلعها هضيم } فالهضيم اللطيف ~~في جسمه، ومنه هضيم الحشا أي لطيف الحشا، ومنه هضمه حقه: إذا ما نقصه، ~~لأنه لطف جسمه ينقصه، ومنه هضم الطعام إذا لطف واستحال إلى مشاكلة البدن. ~~وقال ابن عباس: معنى { هضيم } أي قد ms2688 بلغ واينع. وقال الضحاك: ضمر يزكون ~~بعضه بعضا. وقال عكرمة: هو الرطب اللين، وقال مجاهد: هو الذي اذا مس ~~تفتت. وقال أبو عبيدة والزجاج، والفراء: هو المتداخل بعضه في بعض. # وقوله { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } قال ابن عباس: معناه حاذقين ~~وقال ابن عباس ايضا (فرهين) أشرين بطرين. وقال الضحاك: معناه عليين. ~~وقال ابن زيد: الفره القوي. وقيل: هو الفرح المرح، كما قال الشاعر: # لا أستكين إذا ما ازمة أزمت # ولن تراني بخير فاره اللبب # أي مرح اللبب. وقيل: فاره وفره مثل حاذق وحذق. والفاره النافذ في الصنعة ~~بين الفراهة كحاذق بين الحذق، وعبد فاره نافذ في الأمور. # ثم قال لهم { فاتقوا الله } في ترك عبادته والاشراك به واجتنبوا معاصيه ~~{ وأطيعون } فيما أدعوكم اليه. ### || [26.151-159] # حكى الله تعالى أن صالحا قال لقومه { لا تطيعوا أمر المسرفين } وهم ~~الذين تجاوزوا الحد بالبعد من الحق. وقيل عنى بالمسرفين: تسعة رهط من ~~ثمود، كانوا يفسدون في الارض ولا يصلحون، فنهاهم الله على لسان صالح عن ~~اتباعهم. # وقال { الذين يفسدون في الأرض } بان يفعلوا فيها المعاصي، ويرتكبوا ~~القبائح { ولا يصلحون } أي لا يفعلون شيئا من الافعال الحسنة. # فقالوا له في الجواب عن ذلك { إنما أنت من المسحرين } والمسحر: هو الذي ~~قد سحر مرة بعد مرة، حتى يختل عقله ويضطرب رأيه. والسحر حيلة توهم قلب ~~الحقيقة، وقال مجاهد: معناه من المسحورين. وقال ابن عباس: من المخلوقين، ~~لانه يذهب إلى انه يخترع على أمر يخفى كخفاء السحر. وقيل: معناه انك ممن ~~له سحر أي رئة، ومنه قولهم أنتفخ سحره قال لبيد: # فان تسلينا فيم نحن فاننا # عصافير من هذا الانام المسحر # أي المعلل بالطعام وبالشراب، على أمر يخفى كخفاء السحر. # ثم قالوا له { ما أنت إلا بشر مثلنا } أي ليس أنت إلا مخلوقا مثلنا، ~~فلن نتبعك ونقبل منك، وقالوا له { فأت بآية } أي معجزة تدل على صدقك { إن ~~كنت من } جملة { الصادقين } في دعواك، فقال لهم { هذه ناقة } وهي التي ~~أخرجها الله من الصخرة عشراء ترعو ms2689 على ما أقترحوا { لها شرب } أي حظ من ~~الماء، قال الشاعر: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات اوقال # أي لم يمنع حظها من الماء و (الشرب) - بفتح الشين وضمها وكسرها - تكون ~~مصادرا، على ما قاله الفراء والزجاج، وكانوا سألوا أن يخرج لهم من الجبل ~~ناقة عشراء فاخرجها الله حاملا كما سألوا، ووضعت بعد فصيلا، وكانت عظيمة ~~الخلق جدا. ثم قال لهم صالح { ولا تمسوها } يعني الناقة { بسوء } أي بضر ~~تشعر به، فالسوء هو الضرر الذي يشعر به صاحبه، لأنه يسوء وقوعه، فاذا ضره ~~من حيث لا يشعر به لم يكن قد ساءه، لكنه عرضه لما يسوؤه. # وقوله { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } معناه إنكم إن مسستم هذه بسوء أخذكم ~~عذاب يوم عظيم، أي الصيحة التي أخذتهم. # ثم اخبر فقال { فعقروها } أي انهم خالفوه وعقروا الناقة. فالعقر قطع ~~الشيء من بدن الحي، فاذا كثر انتفت معه الحياة، وإن قل لم تنتف. والمراد ~~- ها هنا - انهم نحروها. وقيل: انهم عقروها، لانها كانت تضيق المرعى على ~~مواشيهم. وقيل: كانت تضيق الماء عليهم، ولما عقروها رأوا آثار العذاب فيه ~~جدا، ولم يتوبوا من كفرهم، وطلبوا صالحا ليقتلوه، فنجاه الله ومن معه ~~من المؤمنين. ثم جاءتهم الصيحة بالعذاب، فوقع لجميعهم الاهلاك، ولو كانوا ~~ندموا على الحقيقة، واقلعوا عن الكفر، لما أهلكهم الله. # ثم قال تعالى إن فيما أخبرنا به وفعلناه بقوم صالح من إهلاكهم، لدلالة ~~واضحة لمن اعتبر بها، لكن اكثرهم لا يؤمنون { وإن ربك } يا محمد { لهو ~~العزيز } أي العزيز في انتقامه { الرحيم } بمن آمن من خلقه به. ### || [26.160-175] # حكى الله تعالى عن قوم لوط أنهم كذبوا الرسل الذين بعثهم الله، بترك ~~الاشراك به وإخلاص العبادة له، حين { قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } الله ~~فتجتنبوا معاصيه والاشراك به، وانه قال لهم { إني لكم رسول أمين } وقد ~~فسرناه. واخباره عن نفسه بأنه رسول أمين مدح له، وذلك جائز في الرسول كما ~~يجوز أن يخبر عن نفسه بأنه رسول الله، وانما ms2690 جاز أن يخبر بذلك لقيام ~~الدلالة على عصمته من القبائح. وغيره لا يجوز أن يخبر بذلك عن نفسه لجواز ~~الخطأ عليه. # واخبر ايضا انه قال لهم { فاتقوا الله } واجتنبوا معاصيه { وأطيعون } ~~فيما أمركم به وأدعوكم اليه ولست اسألكم على ما اؤديه اليكم وأدعوكم ~~اليه، أجرا، ولا ثوابا، لانه ليس أجري إلا على الله الذي خلق العالمين، ~~وانما حكى الله تعالى دعوة الانبياء بصغية واحدة، ولفظ واحد إشعارا بأن ~~الحق الذي يأتي به الرسل، ويدعون اليه واحد من اتقاء الله تعالى وإجتناب ~~معاصيه واخلاص عبادته، وطاعة رسله، وأن أنبياء الله لا يكونون إلا أمناء ~~لله، وانه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الأجر على رسالته، لما في ذلك ~~من التنفير عن قبول قولهم، والمصير اليه إلى تصديقهم. ثم قال لهم منكرا ~~عليهم { أتأتون الذكران من العالمين }؟! يعني من جملة الخلائق { وتذرون ~~ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } أي وتتركون ما خلقه لكم من الازواج ~~والنساء، وتذرون استغني في ماضيه ب (ترك) ولا يستعمل إلا في ضرورة ~~الشعر. والزوجة المرأة التي وقع عليها العقد بالنكاح الصحيح، يقال: زوجة ~~وزوج، قال الله تعالى # اسكن انت وزوجك الجنة # ثم قال لهم منكرا عليهم { بل أنتم قوم عادون } أي خارجون عن الحق ~~بعيدون عنه. والعادي والظالم والجائر نظائر، والعادي من العدوان. وقد ~~يكون من العدو، وهو الاسراع في السعي، فقال له قومه في جوابه { لئن لم ~~تنته } وترجع عما تقوله { يا لوط } وتدعونا اليه وتنهانا عنه { لتكونن من ~~المخرجين } أي نخرجك من بيننا وعن بلدنا. فقال لهم لوط عند ذلك { إني ~~لعملكم من القالين } يعني من المبغضين: قلاه يقليه إذا أبغضه. # ثم دعا لوط ربه فقال { رب نجني وأهلي مما يعملون } أي من عاقبة ما ~~يعملونه، وهو العذاب النازل لهم فأجاب الله دعاءه وقال { فنجيناه وأهله ~~أجمعين } يعني من العذاب الذي وقع بهم. وقد يجوز أن يكون أراد النجاة من ~~نفس عملهم، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل افعالهم، وتكون النجاة ~~من ms2691 العذاب النازل بهم تبعا لذلك. واستثنى من جملة أهله الذين نجاهم { ~~عجوزا } فانه أهلكها. وقيل: انها كانت امرأة لوط تدل قومه على اضيافه { ~~في الغابرين } يعني الباقين. # فيمن هلك من قوم لوط، لانه قيل: هلكت هي فيما بعد مع من خرج عن القرية ~~بما أمطر الله عليهم من الحجارة. وقيل أهلكو بالخسف، وقيل بالائتفاك وهو ~~الانقلاب. ثم أمطر على من كان غائبا منهم عن القرية من السماء حجارة قال ~~الشاعر في الغابر: # فما ونا محمد مذ أن غفر # له الاله ما مضى وما غبر # وقال الشاعر: # لا تكسع الشول باغبارها # انك لا تدري من الناتج # فأغبارها بقية لبنها في اخلافها، والغابر الباقي في قلة، كالتراب الذي ~~يذهب بالكنس، ويبقى غباره: غبر يغبر، فهو غابر، وغبر الجص بقيته. وغبر من ~~الغبار تغبيرا، وتغبر تغبرا. والعجوز المرأة التي قد أعجزها الكبر عن ~~أمور كثيرة، ومثله الكبيرة والمسنة. # وقوله { ثم دمرنا الآخرين } فالتدمير هو الاهلاك بأهوال الأمور، دمره ~~تدميرا، ومثله تبره تتبيرا، ودمر عليه يدمر دمرا إذا هجم عليه ~~بالمكروه والدامر الهالك. # وقوله { وأمطرنا عليهم مطرا } فالامطار الاتيان بالقطر العام من ~~السماء، وشبه به امطار الحجارة. والاهلاك بالامطار عقاب اتي الذكران من ~~العالمين { فساء مطر المنذرين } سماه (سوء) وإن كان حسنا، لانه كان فيه ~~هلاك القوم ثم قال { إن في ذلك لآية } أي دلالة { وما كان أكثرهم مؤمنين ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } وقد فسرناه. ### || [26.176-191] # قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر { أصحاب اليكة } على انه اسم المدينة ~~معرفة لا ينصرف. قال ابو علي الفارسي: الاجود أن يكون ذلك على تخفيف ~~الهمزة، مثل لحمر ونصبه يضعف، لانه يكون نصب حرف الاعراب في موضع الجر، ~~مع لام التعريف، وذلك لا يجوز. وحجة من قرأ بذلك أنه في المصحف بلا ألف. ~~وقالوا هو اسم المدينة بعينها. الباقون { أصحاب الأيكة } بالألف واللام ~~مطلقا مضافا. ومثله الخلاف في ص. وقرأ ابوا حفص { كسفا } بفتح السين - ~~ها هنا - وفى (سبأ). الباقون باسكانها. # حكى الله تعالى أن قوم شعيب، ms2692 وهم أصحاب الأيكة كذبوا المرسلين في دعائهم ~~إلى خلع الانداد وإخلاص العبادة لله. والايكة الغيضة ذات الشجر الملتف. ~~وجمعه الايك، قال النابغة الذبياني: # تجلو بقادمتي حمامة أيكة # بردا أسف لشاته بالاثمد # وقال ابن عباس وابن زيد: اصحاب الأيك هم أهل مدين. وانما قال { إذ قال ~~لهم شعيب } ولم يقل أخوهم كما قال في سائر من تقدم من الانبياء لانه لم ~~يكن منهم في النسب، وسائر من تقدم كانوا منهم في النسب، إلا موسى فانه ~~كان من بني اسرائيل، وكانوا هم قبطا ولم يسمه الله بأنه أخوهم. ثم حكى ~~عن شعيب انه قال لقومه مثل ما قاله سائر الانبياء وقد فسرناه. # ثم قال لهم { أوفوا الكيل } أي اعطوا الواجب وافيا غير ناقص ويدخل ~~الوفاء في الكيل والذرع والعدد، يقال: أوفى يوفي إيفاء ووفاء. ونهاهم أن ~~يكونوا من المخسرين، فالمخسر المعرض للخسران في رأس المال بالنقصان أخسر ~~يخسر إخسارا إذا جعله يخسر في ماله، وخسر هو يخسر خسرانا واخسره نقيض ~~أربحه. وأمرهم أن يزنوا بالقسطاس المستقيم، فالوزن وضع شي بازاء المعيار، ~~لما يظهر منزلته منه في ثقل المقدار إما بالزيادة أو النقصان او التساوي. ~~والقسطاس العدل في التقويم على المقدار، وهو على وزن (قرطاط) وجمعه ~~قساطيس. وقال الحسن: القسطاس القبان. وقال غيره هو الميزان. وقال قوم هو ~~العدل والسواء. ذكره ابو عبيدة. # ثم قال لهم { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } أي لا تنقصوها، { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } قال قوم: لا تعثوا فيها بالمعاصي. وقال سعيد ابن المسيب: ~~معناه لا تفسدوا فيها بعد اصلاحها. وقال ابو عبيدة: عثا يعثا عثوا وهو ~~أشد الفساد بالخراب. وقال غيره: عثا يعثوا عثوا، وعاث يعيث عيثا. ثم ~~قال لهم { واتقوا الذي خلقكم } وأوجدكم بعد العدم { والجبلة الأولين } ~~فالجبلة الخليقة التي طبع عليها الشيء - بكسر الجيم - وقيل ايضا بضمها ~~ويسقطون الهاء أيضا فيخففون. ومنه قوله # ولقد أضل منكم جبلا كثيرا # وقال ابو ذؤيب: # منايا يقربن الحتوف لاهلها جهارا # ويستمتعن بالانس الجبل # ومعناه اتقوا خليقة الأولين في عبادة غير ms2693 الله والاشراك معه، فهو عطف ~~على (الذي) فيها، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب { خلقكم } لأن الله تعالى ~~لم يخلق كفرهم، ولا ضلالهم، وإن جعلته منصوبا ب { خلقكم } على أن يكون ~~المعنى اتقوا الله الذي خلقكم وخلق الخلق الأولين، كان جائزا، واخلصوا ~~العبادة لله. # فقالوا في الجواب له { إنما أنت من المسحرين } وقد فسرناه. { وما أنت ~~إلا بشر مثلنا } أي مخلوقا من الناس مثلنا، ولست بملك حتى يكون لك فضل ~~علينا. والبشر هو الانسان، والانسان مشتق من الانس ووزنه (فعليان) والاصل ~~إنسيان غير أنه حذف منه الياء، فلما صغر رد إلى أصله، فقيل: انسيان. ~~والبشر من البشرة الظاهرة. والمثل والشبه واحد. # { وإن نظنك لمن الكاذبين } معناه إنا نحسبك كاذبا من جملة الكاذبين. و ~~{ إن } هي المخففة من الثقيلة. ولذلك دخلت اللام في الخبر. ثم قالوا له: ~~إن كنت صادقا ومحقا في دعواك { فأسقط علينا كسفا من السماء } أي قطعا ~~- في قول ابن عباس - وهو جمع كسفة، ومثله نمرة وتمر، فقال لهم في الجواب ~~عن ذلك { ربي أعلم بما تعملون } ومعناه إنه إن كان في معلومه أنه: متى ~~بقاكم انكم تتوبون أو يتوب تائب منكم، لم يقتطعكم بالعذاب، وإن كان في ~~معلومه انه لا يفلح واحد منكم، فسيأتيكم عذاب الاستئصال. # ثم قال تعالى { فكذبوه } يعني قوم شعيب كذبوا شعيبا، فعاقبهم الله ~~بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة رفعت لهم، فلما خرجوا اليها طلبا لبردها من ~~شدة ما أصابهم من الحر مطرت عليهم نارا فاحرقتهم، فهؤلاء أصحاب الظلة، ~~وهم غير أهل مدين - في قول قتادة - قال: أرسل شعيب إلى أمتين. # { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ~~وقد فسرناه وانما كر، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } للبيان عن انه رحيم ~~بخلقه عزيز في انتقامه من الكفار. ### || [26.192-207] # قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا حفصا ويعقوب { نزل } به بتشديد الزاي ~~وفتحها { الروح الأمين } بالنصب فيهما، الباقون بالتخفيف والرفع فيهما. # وقرأ ابن عامر { أولم تكن } بالتاء { آية } بالرفع. الباقون ms2694 بالياء ونصب ~~{ آية } من شدد الزاي، فلقوله # فإنه نزل على قلبك بإذن الله # { وإنه لتنزيل رب العالمين } ومن خفف، فلان التنزيل فعل الله، وهذا فعل ~~جبرائيل، يقال: نزل الله جبرائيل، ونزل جبرائيل. فاما قوله { فإنه نزله ~~على قلبك بإذن الله مصدقا } بالتشديد، فلأجل حذف الباء، لانك تقول نزلت ~~به وأنزلته. ومن شدد فانه أضاف الفعل إلى الله. ومن خفف أضاف الفعل إلى ~~جبرائيل (ع) ومن قرأ { أو لم تكن } بالتاء ورفع { آية } جعلها اسم (كان) ~~وخبره { أن يعلمه } لأن (ان) مع الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره: أو لم تكن ~~لهم آية معجزة ودلالة ظاهرة علم بني اسرائيل بمحمد في الكتب. يعني كتب ~~الانبياء (ع) قبله أنه نبي، وأن هذا القرآن من عند الله، لكنه لما جاءهم ~~ما عرفوه على بصيرة كفروا به. ومن قرأ بالياء ونصب (آية) جعلها خبر (كان) ~~واسمه (أن يعلمه) وهو الاقوى في العربية، لان (آية) نكرة، و (أن يعلمه) ~~معرفة، وإذا اجتمعت معرفة ونكرة اختير أن يكون المعرفة اسم (كان) والنكرة ~~خبرها، وسيبويه لا يجيز غير ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول حسان: # كأن سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # من بيت رأس معناه من بيت رئيس، فسمى السيد رأسا، قال عمرو ابن كلثوم: # برأس من بني جشم بن عمرو # وبيت رأس بيت بالشام، تتخذ فيه الخمور. والهاء في قوله " نزله... وإنه ~~لتنزيل " كناية عن القرآن في قول قتادة. وصفه الله تعالى أنه تنزيل من رب ~~العالمين الذي خلق الخلائق. ووصفه بأنه تنزيل من رب العالمين، تشريف له ~~وتعظيم لشأنه. ثم قال { نزل به الروح الأمين } من خفف أسند الفعل إلى ~~جبرائيل، ولذلك رفعه. ومن ثقل أسنده إلى الله تعالى، ونصب { الروح الأمين ~~} على انه مفعول به. والروح الأمين جبرائيل (ع). وانما قال { على قلبك } ~~لأنه بقلبه يحفظه فكأنه المنزل عليه. و { الروح الأمين } جبرائيل (ع) في ~~قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج. ووصف بأنه (روح) من ثلاثة ~~وجوه: # احدها - انه تحيا به ms2695 الأرواح بما ينزل من البركات. # الثاني - لان جسمه روحاني. # الثالث - ان الحياة عليه أغلب، فكأنه روح كله. # وقوله { على قلبك لتكون من المنذرين } أي انزل هذا القرآن على قلبك ~~لتخوف به الناس وتنذرهم. ثم عاد إلى وصفه فقال { وإنه لفي زبر الأولين } ~~ومعناه إن ذكر القرآن في كتب الأولين على وجه البشارة به، لا لأن الله ~~أنزله على غير محمد (صلى الله عليه وسلم). # وواحد (الزبر) زبور، وهي الكتب، تقول: زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا ~~كتبته. واصله الجمع، ومنه الزبرة الكتبة، لانها مجتمعة. # ثم قال تعالى { أولم يكن لهم آية } اي دلالة في علم بني اسرائيل واضحة ~~على صحة أمره. ومن حيث أن مجيئه على ما تقدمت البشارة به بجميع أوصافه لا ~~يكون إلا من جهة علام الغيوب. وقيل: من علماء بني اسرائيل عبد الله ابن ~~سلام - في قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد - ثم قال { ولو نزلناه } يعني ~~القرآن { على بعض الأعجمين } قيل: معناه على أعجم من البهائم أو غيره ما ~~آمنوا به - ذكره عبد الله بن مطيع - وقيل: معناه { لو نزلناه على } رجل ~~اعجم اللسان ما آمنوا به ولتكبروا عليه، لأنه من غيرهم، وأن المعجزة ~~تفارقه، وفي ذلك تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) حين لم يؤمنوا به، ولم ~~يقبلوا منه. ونقيض الاعجم الفصيح، والاعجم الذي يمتنع لسانه من العربية. ~~والعجمي نقيض العربي، وهو نسبة الولادة، قال الشاعر: # من وائل لا حي يعدلهم # من سوقة عرب ولا عجم # وإذا قيل أعجمي، فهو منسوب إلى أنه من الأعجمين الذين لا يفصحون كما قال ~~العجاج: # والدهر بالانسان دواري # فنسبه إلى أنه من الدوارين بالانسان. # وقوله { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } فالهاء كناية عن القرآن. ومعناه ~~أقررناه في قلوبهم باخطاره ببالهم لتقوم به الحجة عليهم، ولله لطف يوصل ~~به المعنى في الدليل إلى القلب، فمن فكر فيه أدرك الحق به. ومن أعرض عنه ~~كان كمن عرف الحق وترك العمل به في لزوم الحجة عليه. # والفرق بين من ادرك الحق لسلوكه في ms2696 القلب، وبين من ادرك الحق بالاضطرار ~~اليه في القلب، أن الاضطرار اليه يوجد الثقة به فيكون، صاحبه عالما به. ~~واما بسلوكه، فيكون مع الشك فيه. # وقال الحسن وابن جريج، وابن زيد: كذلك { سلكناه } أي الكفر. ولا وجه ~~لذلك، لأنه لم يجر ذكره، ولا حجة فيه وانما الحجة في القرآن واخطاره ~~بالبال، فهو أحسن في التأويل. # وقوله { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } اخبار منه تعالى عن قوم ~~من الكفار أنهم يموتون على كفرهم بأنهم لا يؤمنون حتى يشاهدوا العذاب ~~المؤلم، فيصيرون عند ذلك ملجئين إلى الايمان، ومعنى { حتى يروا العذاب } ~~أي حتى يشاهدوا أسبابه من نيران مؤججة لهم يساقون اليها، لا يردهم عنها ~~شيء. ويحتمل حتى يعلموه في حال حلوله بهم علم ملابسته لهم. # ثم قال تعالى { فيأتيهم بغتة } ومعناه: إن العذاب الذي يتوقعونه ~~ويستعجلونه يجيئهم فجأة. والبغتة حصول الأمر العظيم الشأن من غير توقع ~~بتقديم الاسباب، وقيل البغتة الفجأة. والبادرة، بغته الأمر يبغته بغتا ~~وبغتة قال الشاعر: # وافضع شيء حين يفجؤك البغت # واتاه الامر بغتة نقيض أتاه عن تقدمة { وهم لا يشعرون } أي لا يعلمون ~~والشعور هو العلم بما يلطف، لطف الشعر. # ثم اخبر تعالى انه إذا جاءهم العذاب بغتة قالوا { هل نحن منظرون } أي ~~مؤخرون، فقال الله تعالى { أفبعذابنا يستعجلون } على وجه التوبيخ لهم ~~والانكار عليهم. ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { أفرأيت } يا محمد { ~~إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } به من العذاب { ما أغنى عنهم ~~ما كانوا يمتعون } معناه انه لم يغن عنهم ما كانوا يمتعون، لازديادهم من ~~الآثام، واكتسابهم من الاجرام، أي أي شيء يغني عنهم ما يمتعون به من ~~النعم، لانه فان كله، والاغناء عن الشيء صرف المكروه عنه بما يكفي عن ~~غيره. والغنى به نقيض الغنى عنه، فالاغناء عنه الصرف عنه، والاغناء به ~~الصرف به، والامتاع احضار النفس ما فيه اللذة بادراك الحاسة، يقال: أمتعه ~~بالرياحين والطيب، وامتعه بالنزه والبساتين، وامتعه بالمال والبنين، ~~وامتعه بالحديث الطريف الظريف. ### || [26.208-220] # إثنتا ms2697 عشرة آية في المكي والمدني الآخر، وثلاث عشرة آية فيما عداه. عدوا ~~" الشياطين " ولم يعدها الأول. # يقول الله تعالى { وما أهلكنا من } أهل { قرية } بالعذاب الذي أنزلناه ~~عليهم فيما مضى من الأمم السالفة { إلا } وكان { لها منذرون } يخوفونهم ~~بالله ويحذرونهم معاصيه. وقوله { ذكرى وما كنا ظالمين } معناه ذاك الذي ~~قصصناه من إنزال العذاب بالامم الخالية { ذكرى } لكم تتعظون بها. ثم بين ~~أن ذلك كان عدلا، ليكون أشد في الزجر، وإن الله تعالى لم يكن ظالما ~~لاحد. # وموضع { ذكرى } يجوز أن يكون نصبا بالانذار، ويجوز أن يكون رفعا ~~بالاستئناف على ذلك { ذكرى }. والذكرى: هو إظهار المعنى للنفس تقول: ~~ذكرته ذكرى. # وبين ان ذلك ليس مما ينزل به الشياطين ويغوون به الخلق، بل هو وحي من ~~الله تعالى. ثم بين انه ليس ينبغي للشياطين أنزال ذلك. انهم لا يستطيعون ~~على ذلك. ومعنى ينبغي لك كذا يطلب منه فعله في مقتضى العقل، فتقول: ينبغي ~~لك أن تختار الحسن على القبيح، ولا ينبغي لك أن تختار القبيح على الحسن. ~~واصله من البغية التي هي الطلب، وقرا الحسن و { ما تنزلت به الشياطون } ~~بالواو، ظنا منه أنه مثل (المسلمين). وهذا لحن بلا خلاف، لانه جمع تكسير ~~شيطان وشياطين. والاستطاعة هي القدرة التي ينطاع بها الفعل للجارحة. ثم ~~قال: { انهم } يعني الشياطين { عن السمع لمعزولون } وقيل: معناه إنهم عن ~~عن استراق السمع من السماء لمعزولون. وقيل: عن سمع القرآن - في قول قتادة ~~- لمعزولون معناه منحون. فالعزل تنحية الشيء عن الموضع إلى خلافه، وهو ان ~~يزيله عن أمر إلى نقيضه، كما قال الشاعر: # عزل الامير بالامير المبدل # وانما لم ينبغ لهم ذاك لحراسة المعجزة عن أن تتموه بالباطل، لأن الله ~~إذا أراد أن يدل بها على صدق الصادق أخلصها بمثل هذه الحراسة، حتى تصح ~~الدلالة. # ثم نهى نبيه (صلى الله عليه وسلم) والمراد به المكلفين، فقال { ولا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } وتقديره انك إن دعوت معه إلها ~~آخر كنت من المعذبين. # ثم امره ms2698 أن ينذر عشيرته الأقربين قيل: انما خص في الذكر انذار عشيرته ~~الاقربين، لانه يبدأ بهم، ثم الذين يلونهم، كما قال تعالى # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # لان ذلك هو الذي يقتضيه حسن التدبير: الترتيب. ويحتمل أن يكون انذرهم ~~بالافصاح عن قبيح ما هم عليه وعظم ما يؤدي اليه من غير تليين بالقول ~~يقتضي تسهيل الأمر لما يدعو اليه مقاربة العشيرة، بأن من نزل بهم الاغلاظ ~~في هذا الباب أذلهم. وقيل: ذكر عشيرتك الأقربين أي عرفهم إنك لا تغني ~~عنهم من الله شيئا إن عصوه. # وقيل: انما خص عشيرته الاقربين لانه يمكنه أن يجمعهم ثم ينذرهم، وقد فعل ~~(صلى الله عليه وسلم) ذلك. والقصة بذلك مشهورة فانه روي أنه أمر (صلى ~~الله عليه وسلم) عليا بأن يصنع طعاما ثم دعا عليه بني عبد مناف وأطعمهم ~~الطعام. ثم قال لهم: # " أيكم يؤازرني على هذا الأمر يكن وزيري وأخي ووصيي " # ، فلم يجبه أحد إلا علي (ع) والقصة في ذلك معروفة. # ثم أمره (صلى الله عليه وسلم) بأن يخفض جناحه للمؤمنين الذين اتبعوه، ~~ومعناه ألن جانبك وتواضع لهم، وحسن أخلاقك معهم - ذكره ابن زيد - ثم قال ~~{ فإن عصوك } يعني أقاربك بعد انذارك إياهم وخالفوك فيما تدعوهم اليه إلى ~~ما يكرهه الله، فقل لهم { إني بريء مما تعملون } أي من أعمالكم القبيحة ~~وعبادتكم للاصنام. والبراءة المباعدة من النصرة عند الحاجة، فاذا برئ من ~~عملهم فقد تباعد من النصرة لهم او الموالاة. ثم أمره أن يتوكل على العزيز ~~الرحيم ومعناه أن يفوض أمره إلى من يدبره. والتوكل على الله من الايمان، ~~لانه أمر به، وحث عليه { على العزيز الرحيم } يعني القادر الذي لا يغالب، ~~ولا يعاز الكبير الرحمة الواسع النعمة على خلقه { الذي يراك } يا محمد { ~~حين تقوم وتقلبك في الساجدين } أي تصرفك في المصلين بالركوع والسجود ~~والقيام والقعود - في قول ابن عباس وقتادة - وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ~~إن معناه إنه أخرجك من نبي إلى نبي حين أخرجك نبيا. وقيل: معناه يراك ~~حين تصلي ms2699 وحدك، وحين تصلي في جماعة. وقال قوم من اصحابنا: إنه أراد تقلبه ~~من آدم إلى أبيه عبد الله في ظهور الموحدين، لم يكن فيهم من يسجد لغير ~~الله. # والرؤية - ها هنا هي ادراك البصر، دون رؤية القلب، لان (رأيت) بمعنى ~~علمت، لا يتعدى إلى مفعول واحد، فهي من رؤية البصر، ثم قال { إنه هو ~~السميع العليم } أي يسمع ما تتلو في صلاتك، العليم بما تضمر فيها في ~~قلبك. # وقيل معنى { وتوكل على العزيز الرحيم } ليظهرك على كيد أعدائك الذين ~~عصوك فيما أمرتهم به. وقرأ ابن عامر ونافع { فتوكل } بالفاء، لانها في ~~مصاحف أهل المدينة والشام كذلك. الباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم. ~~والتوكل على الله: هو أن يقطع العبد جميع أماله من المخلوقين إلا منه ~~تعالى، ويقطع رغبته من كل احد إلا اليه، فاذا كان كذلك رزقه الله من حيث ~~لا يحتسب. ### || [26.221-227] # لما اخبر الله تعالى أن القرآن ليس مما تنزل به الشياطين، وأنه وحي من ~~الله تعالى على نبيه، نبه خلقه على من تنزل الشياطين عليه بقوله { هل ~~أنبئكم } أي هل أخبركم { على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } ~~أي كذاب أثيم، وقال مجاهد: الأفاك الكذاب. ومعناه الكثير الكذب، والقلب ~~للخبر من جهة الصدق إلى الكذب، وأصله الانقلاب من المؤتفكات وهي ~~المنقلبات. والانباء الاخبار بما فيه من الغيوب وعظم الشأن، ومنه قولهم: ~~لهذا الامر نبأ ومنه اشتق وصف الرسول بأنه نبي بعظم شأن ما اتى به من ~~الوحي من الله. والآثم الفاعل للقبيح: أثم يأثم إثما إذا ارتكب القبيح، ~~وتأثم إذا ترك الاثم مثل تحوب إذا ترك الحوب، وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى ~~الاثم، ثم قال { يلقون السمع } أي يلقون ما يسمعون باستراق السمع إلى كل ~~افاك أيثم - في قول مجاهد - ثم اخبر تعالى أن اكثرهم كاذبون فيما يلقونه ~~اليهم. # وقوله { والشعراء يتبعهم الغاون } قال الحسن: هم الذين يسترقون السمع ~~ويلقونه إلى الكهنة، وقال إنما يأخذون أخبارا عن الوحي { إنهم عن السمع ~~لمعزولون } أي عن سمع ms2700 الوحي. وقيل: ان الشعراء المراد به القصاص الذين ~~يكذبون في قصصهم ويقولون ما يخطر ببالهم. # وقوله { ألم تر انهم في كل واد يهيمون } أي هم لما يغلب عليهم من الهوى ~~كالهائم على وجهه في كل واد يعن له، وليس هذا من صفة من عليه السكينة ~~والوقار ومن هو موصوف بالحلم والعقل. والمعنى أنهم يخوضون في كل فن من ~~الكلام والمعاني التي يعن لهم ويريدونه. وقال ابن عباس وقتادة: معناه في ~~كل لغو يخوضون: يمدحون ويذمون، يعنون الباطل. وقال الجبائي: معناه يصغون ~~إلى ما يلقيه الشيطان اليهم على جهة الوسوسة لما يدعوهم اليه من الكفر ~~والضلال. وقيل: انما صار الأغلب على الشعراء الغي باتباع الهوى، لان الذي ~~يتلو الشعر - في الاكثر - العشاق ولذلك يقبح التشبيب. مع أن الشاعر يمدح ~~للصلة ويهجو على جهة الحمية فيدعوه ذلك إلى الكذب، ووصف الانسان بما ليس ~~فيه من الفضائل والرذائل. # وقرأ نافع { يتبعهم } بتخفيف التاء من تبعه إذا اقتفى أثره، يقال تبع ~~فلانا اذا سار في أثره واتبعه لحقه. الباقون: بالتشديد من الاتباع، ~~ومعناهما واحد. # والآية قيل نزلت في الشعراء الذين هجوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ~~والمؤمنين، وهي تتناول كل شاعر يكذب في شعره - ذكره الفراء - وقيل: انها ~~نزلت في ابن الزبعري وأمثاله. # ثم اخبر ان هؤلاء الشعراء يقولون ويحثون على اشياء لا يفعلونها هم، ~~وينهون عن أشياء يرتكبونها، ثم استثنى من جملتهم الذين آمنوا منهم وعملوا ~~الصالحات وذكروا الله كثيرا، فأجتنبوا معاصيه، وانتصروا - لنفوسهم في ~~الدين - من الذين ظلموهم. # وقيل: أراد الشعراء الذين ردوا على المشركين هجاءهم للمؤمنين، فانتصروا ~~بذلك للنبي والمؤمنين، ثم هدد الظالمين، فقال { وسيعلم الذين ظلموا } ~~نفوسهم { أي منقلب ينقلبون } أي أي منصرف ينصرفون اليه لأن منصرفهم إلى ~~النار، نعوذ بالله منها. وقيل أراد الذين ظلموا نفوسهم بقول الشعر الباطل ~~من هجو النبي والمؤمنين، ومن يكذب في شعره. # وقوله { أي منقلب ينقلبون } نصب (أي) ب (ينقلبون) ولا يجوز أن ان يكون ~~منصوبا ب (سيعلم)، لأن أيا لا يعمل فيها ms2701 ما قبلها، لأن الاستفام له ~~صدر الكلام حتى ينفصل من الخبر بذلك. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-5] # قد بينا معنا الحروف التي في أوائل السور فيما تقدم بما لا نحتاج معه ~~إلى إعادته، وقد بينا قول من قال إنها أسماء للسور. وقال قوم { طس } اسم ~~من اسماء القرآن. # وقوله { تلك } إشارة إلى ما وعدوا بمجيئه من القرآن. وقيل ان " تلك " ~~بمعنى (هذا) وآيات القرآن هي القرآن، وانما أضافها اليه، كما قال # إنه لحق اليقين # والقرآن والكتاب معناهما واحد، ووصفه بالوصفين ليفيد أنه مما يظهر ~~بالقراءة، ويظهر بالكتابة، وهو بمنزلة الناطق بما فيه من الامرين جميعا ~~وذلك يبطل قول من قال: ان كلام الله شيء واحد لا يتصرف بالقراءة ~~والكتابة. ووصفه بأنه مبين تشبيه له بالناطق بكذا، وإذا وصفه بأنه بيان ~~جرى مجرى وصفه له بالنطق بكذا في ظهور المعنى به للنفس. والبيان هو ~~الدلالة التي تبين بها الاشياء. والمبين المظهر، وحكم القرآن الموعظة بما ~~فيها من الترغيب والترهيب والحجة الداعية إلى الحق الصارفة عن الباطل، ~~وأحكام الشريعة التي فيها مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال، والمصلحة فيما ~~يجب من حق النعمة لله تعالى ما يؤدي إلى الثواب ويؤمن من العقاب. ثم وصفه ~~بأنه { هدى وبشرى للمؤمنين } وموضع { هدى } نصب على الحال، وتقديره ~~هاديا ومبشرا، ويجوز أن يكون رفعا على تقدير هو { هدى وبشرى للمؤمنين ~~} والمعنى ان ما فيه من البيان والبرهان يهديهم إلى الحق، وما لهم في وجه ~~كونه معجزا الذي فيه من اللطف ما يؤديهم إلى الثواب ويبشرهم بالجنة. # ثم وصف المؤمنين الذين بشرهم القرآن بأنهم { الذين يقيمون الصلاة } ~~بحدودها ويداومون على أوقاتها ويخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم ~~إلى مستحقها، وهم مع ذلك يوقنون بالآخرة، ويصدقون بها. ثم وصف تعالى من ~~خالف ذلك ولم يصدق بالآخرة، فقال { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال الحسن والجبائي: زينا لهم اعمالهم التي أمرناهم بها، فهم ~~يتحيرون بالذهاب عنها. # الثاني - زينا لهم أعمالهم ms2702 بخلقنا فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إلى فعل ~~المعاصي ليجتنبوا المشتهى { فهم يعمهون } عن هذا المعنى أي يتحيرون ~~بالذهاب عنها. # ثم اخبر تعالى ان من وصفه بذلك لهم { سوء العذاب } ووصفه بأنه سوء لما ~~فيه من الألم و { هم في الآخرة هم الاخسرون } لانهم يخسرون الثواب ويحصل ~~لهم بدلا منه العقاب فهو اخسر صفقة تكون. ### || [27.6-11] # قرأ اهل الكوفة { بشهاب قبس } منون غير مضاف جعلوا (قبسا) صفة للشهاب ~~على تقدير منور. الباقون بالاضافة على تقدير (نار). # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { انك } يا محمد ~~{ لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } أي انك لتعطى لأن الملك يلقيه اليه من ~~قبل الله تعالى، من عند حكيم بصير بالصواب من الخطاء في تدبير الامور بما ~~يستحق به التعظيم. وقد يفيد (الحكيم) العامل بالصواب المحكم للامور ~~المتقن لها. وعليم بمعنى عالم إلا أن فيه مبالغة. وقال الرماني هو مثل ~~سامع وسميع، فوصفنا له بأنه عالم يفيد أن له معلوما، كما أن وصفه بأنه ~~سامع يفيد بأن له مسموعا. ووصفه بأنه عليم يفيد أنه متى صح معلومه. فهو ~~عليم به، كما أن (سميعا) يفيد إنه متى وجد مسموع لا بد أن يكون سامعا. # وقوله { إذ قال موسى لأهله } قال الزجاج: العامل في إذ (اذكر) وهو منصوب ~~به. وقال غيره: هو منصوب ب (عليم) اذ قال اني آنست نارا. فالايناس ~~الاحساس بالشيء من جهة ما يؤنس آنست كذا، أؤنسه ايناسا وما آنست به، فقد ~~أحسست به، مع سكون نفسك اليه { سآتيكم منها بخبر } يعني بمن يدل على ~~الطريق ويهدينا اليه، لانه كان قد ضل { أو آتيكم بشهاب قبس } قيل: لانهم ~~كانوا قد أصابهم البرد، وكان شتاء فلذلك طلب نارا. والشهاب نور كالعمود ~~من النار، وجمعه شهب. وقيل للكوكب الذي يمتد وينقض شهاب، وجمعه شهب، وكل ~~نور يمتد مثل العمود يسمى شهابا، والقبس القطعة من النار قال الشاعر: # في كفه صعدة مثقفة # فيها سنان كشعلة القبس # ومنه قيل اقتبس النار اقتباسا أي ms2703 أخذ منها شعلة، واقتبس منه علما أي ~~اخذ منه نورا يستضيء به كما يستضيء بالنار { لعلكم تصطلون } معناه، لكي ~~تصطلوا. ومعناه لتدفئوا، والاصطلاء التدفي بالنار، وصلى النار يصلي صلا ~~إذا لزمها، فاصله اللزوم. وقيل الصلاة منه للزوم الدعاء فيها. والمصلي ~~الثاني بعد السابق للزومه صلو السابق. وإنما قال لامراته { لعلي آتيكم } ~~لانه أقامها مقام الجماعة في الانس بها والسكون اليها في الامكنة ~~الموحشة. ويجوز أن يكون على طريق الكناية على هذا التأويل. # وقوله { فلما جاءها } معناه جاء النار { نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها } وقيل في معناه قولان: # احدهما - بورك نور الله الذي في النار، وحسن ذلك، لانه ظهر لموسى بآياته ~~وكلامه من النار. في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن. # الثاني - الملائكة الذين وكلهم الله بها على ما يقتضيه. { ومن حولها } - ~~في قول ابي علي الجبائي - ولا خلاف أن الذين حولها هم الملائكة الذين ~~وكلوا بها. # و { سبحان الله رب العالمين }. # وقوله { أن بورك } يحتمل أن يكون نصبا على نودي موسى بأن بورك. ويحتمل ~~الرفع على نودي البركة، والبركة ثبوت الخير النامي بالشيء. قال الفراء ~~العرب تقول: بارك الله، وبورك فيك. # وقوله { إنه أنا الله العزيز الحكيم } معناه ان الله قال لموسى ان الذي ~~يكلمك هو الله العزيز القادر الذي لا يغالب، الحكيم في افعاله، المئزه من ~~القبائح. قال الفراء: الهاء في قوله { إنه } عماد، ويسميها البصريون ~~إضمار الشأن والقصة. ثم أراد أن يبين له دلالة يعلم بها صحة النداء، فقال ~~{ والق عصاك } من يدك، وفي الكلام حذف، وهو أنه القى عصاه وصارت حية { ~~فلما رآها تهتز كأنها جان } وهي الحية الصغيرة مشتق من الاجتنان، وهو ~~الاستتار، وقال الفراء: هي حية بين الصغيرة والكبيرة، قال الراجز: # يرفعهن بالليل إذا ما أسد فا # أعناق جان وهاما رجفا # ووصف العصا في هذا الموضع { كأنها جان } وفى الشعراء بأنها ثعبان، وهي ~~الحية الكبيرة، لانها جمعت صفة الجان في اهتزازه وسرعة حركته مع انه ~~ثعبان في عظمه، ولذلك هاله ms2704 ف { ولى مدبرا }. وقيل انها أول شيء صارت ~~جانا ثم تدرجت إلى ان صارت ثعبانا، وهم يشاهدونها، وذلك أعظم في ~~الاعجاز. وقيل: ان الحالين مختلفان، لان الحال التي صارت فيها جانا هي ~~الحال التي خاطبه الله في أول ما بعثه نبيا، والحال التي صارت ثعبانا ~~هي الحال التي لقي فرعون فيها. فلا تنافي بينهما على حال. # وقوله { ولم يعقب } معناه ولم يرجع - في قول قتادة - وقال الجبائي معناه ~~لم يرجع على عقبيه. والمعاقبة ذهاب واحد ومجيء آخر على وجه المناوبة. ~~وانما ولى منها موسى بالبشرية، لا انه شك في كونها معجزة له ولا يضره ~~ذلك. # وقوله { يا موسى لا تخف } نداء من الله تعالى لموسى وتسكين منه، ونهي له ~~عن الخوف. وقال له انك مرسل و { لا يخاف لدي المرسلون } لانهم لا يفعلون ~~قبيحا، ولا يخلون بواجب، فيخافون عقابه عليه، بل هم منزهون عن جميع ذلك. # وقوله { إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } صورته صورة الاستثناء، وهو ~~منقطع عن الاول وتقديره لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح، ثم بدل حسنا بعد ~~سوء، بأن تاب من القبيح، وفعل الحسن، فانه يغفر له. وقال قوم: هو استثناء ~~متصل وأراد من فعل صغيرة من الانبياء. فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا - ~~ذكره الحسن - وهذا تأويل بعيد، لان صاحب الصغيرة لا خوف عليه أيضا ~~لوقوعها مكفرة. والاستثناء وقع من المرسلين الذين لا يخافون، فالاول هو ~~الصحيح. # وقوله { ثم بدل حسنا بعد سوء } معناه ندم على ما فعله من القبيح، وتاب ~~منه وعزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح، فان من تلك صورته، فان الله ~~يغفر له ويستر عليه لانه رحيم. # وقيل: المعنى { لا يخاف لدي المرسلون } انما الخوف على من سواهم { إلا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء } قال الجبائي: في الآية دلالة على انه يسمى ~~الحسن حسنا قبل وجوده وبعد تقضيه، وكذلك القبيح، وهذا إنما يجوز على ضرب ~~من المجاز، دون الحقيقة، لان كون الشيء حسنا أو قبيحا بقيد ms2705 حدوثه على ~~وجه لا يصح في حال عدمه، وانما سمي بذلك بتقدير أنه متى وجد كان ذلك، ~~وقال قوم { إلا } بمعنى الواو، فكأنه قال اني لا يخاف لدي المرسلون، ولا ~~من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، فاني أغفر له. ### || [27.12-15] # امر الله تعالى موسى (ع) أن يدخل يده في جيبه. وقيل: أراد كمه. وقيل: ~~ثيابه { تخرج بيضاء من غير سوء } يعني من غير برص. وقال المبرد: السوء ~~إذا اطلق يراد به البرص، وإذا وصل بشيء، فهو كلما يسوء، قال: وتقديره كأن ~~هاتين مع بقية الآيات تسع آيات. والتقدير ادخل يدك في جيبك فان ذلك مع ~~إلقائك العصا، وما بعد ذلك من الآيات تسع آيات، كما يقال جاء فلان في جمع ~~كثير، وهو احد ذلك الجمع. وقيل: إن معنى (في) من. وقال ابن مسعود: اتى ~~موسى فرعون وعليه جبة صوف. وقال مجاهد كان كمها إلى بعض يده. # وقوله { إلى فرعون } تقديره مرسلا إلى فرعون وقومه في تسع آيات. وحذف ~~كما قال الشاعر: # رأتني بخيليها فصدت مخافة # وفي الخيل دوعاء الفؤاد فروق # اي رأتني مقبلا بخيليها. ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه بأنهم { كانوا ~~قوما فاسقين } والآيات التسع التي كانت لموسى (ع): قلب العصا حية. واليد ~~البيضاء. والجراد. والقمل. والضفادع، والدم. والبحر وانفلاقه. ورفع الطور ~~فوق رؤسهم. وانفجار الحجر اثنتا عشرة عينا. وقيل: بدل البحر والجبل ~~الطوفان والطمس. ذكره ابن زيد. # ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه أنه لما جاءتهم آيات الله ودلائله مبصرة. ~~وقيل في معنى مبصرة قولان: # احدهما - انها تبصر الصواب من الخطأ، يقال أبصرته وبصرته بمعنى واحد، ~~كقولك أكفرته وكفرته، واكذبته وكذبته. # الثاني - مبصرة للحق من الباطل، فهي تهدي اليه كأنها تراه. قالوا عند ~~ذلك إن هذه الآيات { سحر مبين } أي ظاهر. # ثم قال { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } والمعنى انهم ~~عرفوها وعلموها بقلوبهم، لكنهم جحدوا بها بألسنتهم طلبا للعلو والتكبر، ~~ففي ذلك دلالة على أنهم كانوا معاندين إذ جحدوا ما عرفوا. وقال الرماني: ~~لا تدل على ms2706 ذلك، لان معرفتهم كانت بوقوعها على الحقيقة. فأما الاستدلال ~~على أنها من فعل الله ومن قبله ليدل بها على صدق من أعطاها إياه فبعد ~~العلم بوقوعها. وقال ابو عبيدة: الباء زائدة، والمعنى وجحدوها، كما قال ~~العجاج: # نضرب بالسيف ونرجوا بالفرح # وقيل انهم جحدوا ما دلت عليه من تصديق الرسول، كما تقول كذبت به أي بما ~~جاء به. # ثم قال تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) { فانظر } يا محمد { كيف ~~كان عاقبة المفسدين } لان الله أهلكهم وغرقهم ودمر عليهم. # ثم اخبر تعالى بأنه اعطى داود وسليمان علما من عنده، وانهما قالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، بأن جعلنا أنبياء واختارنا ~~من بين الخلائق. والعلم الذي اوتياه قيل: هو علم الاحكام. وقيل: هو العلم ~~بمنطق الطير، وكلام البهائم. ### || [27.16-19] # اخبر الله تعالى أن سليمان ورث داود. واختلفوا فيما ورث منه، فقال ~~اصحابنا إنه ورث المال والعلم. وقال مخالفونا: انه ورث العلم، لقوله (صلى ~~الله عليه وسلم) # " نحن معاشر الانبياء لا نورث ". # وحقيقة الميراث هو انتقال تركة الماضي بموته إلى الثاني من ذوي قرابته. ~~وحقيقة ذلك في الاعيان، فاذا قيل ذلك في العلم كان مجازا. وقولهم: ~~العلماء ورثة الأنبياء، لما قلنا. والخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) خبر واحد، لا يجوز أن يخص به عموم القرآن ولا نسخه به. # وقال بعضهم: إن داود كان له تسعة عشر ولدا ذكورا وورثه سليمان خاصة، ~~فدل على أنه إنما ورثه العلم والنبوة، فخبر واحد لا يلتفت اليه. # وقوله { يا أيها الناس علمنا منطق الطير } أي فهمنا معاني منطقها وما ~~نفهم به بعضها عن بعض، قال المبرد: والعرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ~~ومتكلما قال رؤبة: # لو انني اوتيت علم الحكل # علم سليمان كلام النمل # وقال الرماني { منطق الطير } صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، ~~بخلاف منطق الناس إذ هو صوت يتفاهمون به معانيهم على صيغ مختلفة، لذلك لم ~~نفهم عنها مع طول مصاحبتها، ولم تفهم هي عنا، ms2707 لأن افهامها مقصورة على تلك ~~الامور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها، كان قد علم منطقها. # وقوله { وأوتينا من كل شيء } لفظه لفظ العموم، والمراد به الخصوص لانه ~~لم يؤت اشياء كثيرة. وقيل: المعنى { وأوتينا من كل شيء } يطلبه طالب ~~لحاجته اليه وانتفاعه به، ويحتمل أن يكون المراد { وأوتينا من كل شيء } ~~علما وتسخيرا في كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا ومسخرا، غير ان مخرجه ~~مخرج العموم أبلغ وأحسن. # ثم اخبر ان سليمان كان قد قال هذا القول: إن هذا لهو الفضل الظاهر. ~~اعترافا بنعم الله. ويحتمل أن يكون ذلك اخبارا من الله بأن ما ذكره هو ~~الفضل الظاهر. وقيل: معناه وأعطينا من كل شيء من الخيرات. # وقوله { وحشر لسليمان جنوده } أي جمع له من كل جهة جنوده { من الجن ~~والإنس والطير } قال محمد بن كعب القرطي: كان عسكره مئة فرسخ، خمسة ~~وعشرون من الانس، وخمسة وعشرون من الجن، وخمسة وعشرون من الطير، وخمسة ~~وعشرون من الوحش، وقوله { فهم يوزعون } معناه قال ابن عباس: يمنع أولهم ~~على آخرهم وقال ابن زيد: يساقون. وقال الحسن: معناه يتقدمون. وقول ابن ~~عباس أقوى، لانه من قولهم: وزعه من الظلم إذا منعه من ذلك وكفه، قال ~~النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبى # وقلت الما أصح والشيب وازع # ويقولون لا بد للسلطان من وازعة أي يمنع الناس عنه، وقال الشاعر: # لم يزع الهوى إذ لم توات # بلى وسلوت عن طلب العتاة # وقيل: معنى يوزعون يمنعون ان نزلوا عن مراتبهم بالجمع مرة، وبالتفريق ~~أخرى، حتى يتقدموا في مسيرهم. والايزاع المنع من الذهاب، فانما منع أول ~~الجنود على آخرهم ليتلاحقوا، ولا يتفرقوا، كما تقدم الجيوش اذا كثرت بمثل ~~ذلك. وقوله { حتى أتوا على واد النمل } معناه سار سليمان وجنوده حتى ~~بلغوا واديا فيه النمل و { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } قيل: كانت معرفة النمل بسليمان ~~على طريق المعجزة الخارقة للعادة له (ع) على غيره. وهذا غير ms2708 لازم لانه لا ~~يمتنع ان تعرف البهيمة هذا الضرب كما تعرف كثيرا مما فيه نفعها وضرها ~~فمن معرفة النملة انها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، الا الكربزة فانها ~~تكسرها باربع قطع، لانها تنبت إذا كسرت بقطعتين، فمن هداها إلى هذا هو ~~الذي يهديها إلى ما يحطمها مما لا يحطمها. وقيل: جعل لها منطق تفهم به ~~المعاني، لانه يفهم به المعاني كما تفهم به، كالفم وبكما الفرح قال ~~الشاعر: # عجبت لها أنى تكون غناؤها # فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # وقيل: انه ظهر من النملة امارات من الرجوع إلى بيتها خوفا من حطم جنود ~~سليمان إياها، فاعلم به سليمان انها تحرزت، فعبر عن ذلك بالقول مجازا ~~كما قال الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # ولم يكن هناك قول من الحوض. ويقولون: عيناك تشهد بسهرك، ويريدون بذلك ~~امارات السهر التي تظهر في العين، وقوله { لا يحطمنكم سليمان } أي ~~يكسرنكم بأن يطأكم عسكره { وهم لا يشعرون } أي لا يعلمون بوطئكم، فلما ~~فهم سليمان هذا { تبسم ضاحكا من قولها. وقال رب أوزعني } أي الهمني ما ~~يمنع من ذهاب الشكر عني بما أنعمت به علي وعلى والدي، ووفقني { أن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } كالانبياء ومن يجري ~~مجراهم ممن يعمل الاعمال الصالحة ولا يرتكب شيئا من القبائح. وقال ابن ~~زيد: معنى في عبادك مع عبادك. ### || [27.20-26] # قرأ ابن كثير { أو ليأتينني بسلطان مبين } بنونين الأولى مشددة مفتوحة ~~والثانية مكسورة. الباقون بنون واحدة مشددة مكسورة. وقرأ { مكث } عاصم ~~وروح - بفتح الكاف - الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~{ من سبأ بنبأ } غير مصروف. الباقون مصروفا، منونا. # من لم يصرفه فلأنه معرفة ومؤنث، لانه قيل: ان { سبأ } حي من احياء ~~اليمن. وقيل: هو اسم أمهم. وقد قال الزجاج: { سبأ } مدينة تعرف بمأرب من ~~اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فاذا صرفته فعلى البلد، وإذا ~~لم تصرفه، فعلى المدينة. وقيل: من صرفه جعله إسما للمكان، ومن لم يصرفه ~~جعله ms2709 اسما للبقعة. قال جرير: # الواردون وتيم في ذوي سبأ # قد عض أعناقهم جلد الجواميس # وقال آخر في ترك صرفه: # من سبأ الحاضرين مأرب اذ # يبنون من دون سيله العرما # وقرأ الكسائي وابو جعفر ورويس { ألا يا اسجدوا } بتخفيف (ألا). الباقون ~~{ ألا يسجدوا } مشددة. وجه قراءة الكسائي أنه جعل (ألا) للتنبيه (يا) ~~هؤلاء على حذف المنادي " اسجدوا " على الامر، قال الأخطل: # ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر # وإن كان حيانا عدى آخر الدهر # أي ألا يا هند. وقرأ ابن مسعود { هلا } وذلك يقوى قراءة من قرأ ~~بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فمعناه وزين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا ~~لله، وشاهد الأول قول الشاعر: # ألا اسلمي يا دارمي على البلى # ولا زال منهلا بجرعائك القطر # وقال العجاج: # يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمى # عن سمسم أو عن يمين سمسم # اخبر الله سبحانه عن سليمان أنه { تفقد الطير، فقال ما لي لا أرى الهدهد ~~} قيل كان سبب تفقده الهدهد أنه احتاج اليه في سيره ليدله على الماء، ~~لأنه يقال: انه يرى الماء في بطن الأرض. كما نراه في القارورة - وذكره ~~ابن عباس - وقال وهب بن منية: كان تفقده إياه لاخلاله بنوبته. وقيل: كان ~~سبب تفقده أن الطير كانت تظله من الشمس، فلما أخل الهدهد بمكانه بان ~~بطلوع الشمس عليه. # وقوله { أم كان من الغائبين } معنى { أم } بل. وقيل: معناه أتأخر ~~عصيانا { أم كان من الغائبين } لعذر وحاجة. ثم قال { لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } وهذا وعيد منه للهدهد أنه ~~متى لم يأت سليمان بحجة ظاهرة في تأخره يفعل به أحد ما قاله، عقوبة له ~~على عصيانه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: تعذيب الهدهد نتف ريشه ~~وطرحه في الشمس. # قوله { فمكث غير بعيد } أي لبث غير بعيد، وفى ماضيه لغتان - فتح الكاف ~~وضمها - ثم جاء سليمان، فقال معتذرا عن تأخره، واخلاله بموضعه { أحطت ~~بما لم تحط به } أي علمت ما لم تعلم، وعلم الاحاطة هو أن يعلمه ms2710 من جميع ~~جهاته التي يمكن أن يعلم عليها تشبيها بالسور المحيط بما فيه. # ثم قال له { وجئتك من سبأ } يا سليمان يا نبي الله { بنبأ } و (سبأ) ~~مدينة أو قبيلة على ما بيناه. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ان (سبأ) رجل واحد له عشرة من العرب ~~فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فالذين تشاءموا: لخم، وجذام، وغسان، وعاملة. ~~والذين تيامنوا: كندة، والاشعرون، والازد، ومذحج، وحمير، وانمار، ومن ~~الانمار خثعم وبجيلة. # وقوله { بنبأ يقين } أي بخبر لا شك فيه، وانه يحتاج إلى معرفته، لما فيه ~~من الاصلاح لقوم قد تلاعب بهم الشيطان في ذلك، فعذره عند ذلك سليمان ~~[وقيل: عذر الهدهد بما أخبره بما يحبه لما فيه من الأجر وإصلاح الملك ~~الذي وهبه الله] ثم شرح الخبر فقال { إني وجدت امرأة تملكهم } وتتصرف ~~فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد ومع ذلك { أوتيت من كل شيء } أي أعطيت كل ~~شيء، لفظه لفظ العموم والمراد به المبالغة في كثرة ما أوتيت من نعم ~~الدنيا وسعة الملك. وقيل: انها أوتيت كل شيء يؤتى الملوك، والعرش العظيم ~~سرير كريم معمول من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجوهر - في قول ابن عباس - ثم ~~اخبر انه وجدها { وقومها يسجدون للشمس من دون الله } وأن الشيطان زين ذلك ~~لهم فهم لا يهتدون إلى سبيل الحق والتوحيد واخلاص العبادة لله تعالى. # ثم قال الهدهد على وجه التوبيخ والتهجين لفعلهم { ألا يسجدوا لله الذي ~~يخرج الخبأ في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون } والخبء هو ~~المخبوء، وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه. وضع المصدر موضع الصفة ~~خبأته اخبائه خبأ. وما يوجده الله ويخرجه من العدم إلى الوجود فهو بهذه ~~المنزلة فخبء السماء الامطار والرياح، وخبء الارض الاشجار والنبات { ~~ويعلم ما تخفون وما تعلنون } فمن قرأ بالتاء جعله للمخاطبين. ومن قرأ ~~بالياء فللغائبين. والخبء والخفاء نظائر، وقيل الخبء الغيب، وهو كل ما ~~غاب عن الادراك. # وقوله { فهم لا يهتدون } دليل على أن المعارف ليست ضرورة، لانه اراد لا ms2711 ~~يهتدون إلى دين الله. وقال الجبائي: لم يكن الهدهد عارفا بالله وإنما ~~أخبر بذلك، كما يخبر مراهقوا صبياننا، لأنه لا تكليف عليهم ولا تكيف إلا ~~على الملائكة والجن والانس، وهذا الذي ذكره خلاف الظاهر، لأن الاحتجاج ~~الذي حكاه الله عن الهدهد احتجاج عارف بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ~~لانه قال { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } ولا يجوز أن يفرق ~~بين الحق في السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وان احدهما ~~حسن والآخر قبيح إلا من كان عارفا بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، ~~وذلك ينافي حال الصبيان، ثم نسب تزيين عملهم إلى الشيطان، وهذا قول من ~~عرفه وعرف ما يجوز عليه في عدله، وأن القبيح لا يجوز عليه، ثم حكى أنه ~~قال إن الشيطان صدهم عن السبيل: الحق باغوائهم، وانهم مع هذا الصد لا ~~يهتدون إلى الحق من توحيد الله وعدله. # وقال ابو عبد الله البصري في بعض المواضع: إن الهدهد كان رجلا من البشر ~~اسمه هدهد، ولم يكن من الطير وهذا غلط لأن الله تعالى قال { وتفقد } يعني ~~سليمان تفقد { الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد } فكيف يحمل ذلك على انه ~~إسم رجل؟! إن هذا من بعيد الأقوال. وقال الفراء: من قرأ " ألا " ~~بالتخفيف، فهو موضع سجدوا، ومن ثقل، فلا ينبغي أن يكون موضع سجدوا وقد ~~يجوز السجود على مخالفة تزيين الشيطان. ومعنى { ويعلم ما يخفون وما ~~يعلنون } أي ما يسرون في نفوسهم، وما يظهرونه. وقرأ الكسائي وحفص { ما ~~تخفون وما تعلنون } بالتاء فيهما على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. # ثم اخبر فقال { الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } إلى ها هنا تمام ~~حكاية ما قاله الهدهد. و (العرش) سرير الملك الذي عظمه الله ورفعه فوق ~~السموات السبع وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد اليه، وتنشأ ~~البركات من جهته فهو عظيم الشأن، كما وصفه تعالى. ### || [27.27-31] # لما سمع سليمان ما اعتذر به الهدهد في تأخره بما قصه الله ms2712 تعالى وذكرناه ~~قال عند ذلك { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } في قولك الذي أخبرتنا به ~~فأجازيك بحسب ذلك. وإنما لم يقل: أصدقت أم كذبت، وقال: أم كنت من ~~الكاذبين، لأنه أليق في الخطاب، لأنه قد يكون من الكاذبين بالميل اليهم ~~وقد يكون منهم بالقرابة التي بينه وبينهم. وقد يكون منهم بأن يكذب كما ~~كذبوا ومثل ذلك في الخطاب ولينه قولهم: ليس الأمر على ما تقول، فهو ألين ~~من كذبت، لأنه قد يكون ليس كما تقول من جهة الغلط الذي لا يوصف بالصدق ~~ولا بالكذب. # ثم أمر سليمان الهدهد بأن يذهب بكتابه الذي كتبه له وأشار اليه بقوله { ~~هذا فألقه إليهم ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون } وقيل: في الكلام تقديم ~~وتأخير، وتقديره فالقه اليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تولا عنهم، وهذا لا ~~يحتاج اليه، لأن الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب. والمعنى فألقه ~~اليهم ثم تول عنهم قريبا منهم، فانظر ماذا يرجعون - على ما قال وهب بن ~~منية وغيره - فانهم قالوا معنى { تول عنهم } استتر عنهم، وفي الكلام حذف، ~~لان تقديره فمضى الهدهد بالكتاب. وألقاه اليهم، فلما رأته قالت لقومها { ~~يا أيها الملأ } وهم أشراف اصحابها { إني ألقي إلي كتاب كريم } ومعنى ~~كريم أنه حقيق بأن يوصل الخير العظيم من جهته، فلما رأت آثار ذلك في كتاب ~~سليمان وصفته بأنه كريم. وقيل: أرادت ب (كريم) انه من كريم يطيعه الانس ~~والجن والطير. والهاء في قوله { إنه من سليمان } كناية عن الكتاب، والهاء ~~في قوله { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } كناية عما في الكتاب. وقيل: إنه ~~كان مختوما، فلذلك وصفته بأنه كريم. # وقوله { بسم الله الرحمن الرحيم } حكاية ما قالته على المعنى باللغة ~~العربية، وإن كانت لم تقل هي بهذا اللفظ، والحكاية على ثلاثة اوجه: حكاية ~~على المعنى فقط، وحكاية على اللفظ فقط من غير أن يعلم معناه. وحكاية على ~~اللفظ والمعنى وهو الأصل في الحكاية التي لا يجوز العدول عنها إلا ~~بقرينة. وموضع { ان لا تعلوا } يجوز ms2713 أن يكون رفعا بالبدل من (كتاب) ~~ويحتمل النصب على معنى بأن لا تعلوا. والعلو على الشيء طلب القهر له بما ~~يكون به بحسب سلطانه " لا تعلوا علي " أي لا تطلبوا تلك الحال، فانكم لا ~~تنالونها مني، { وأتوني مسلمين } يحتمل وجهين: # احدهما - واتوني مؤمنين بالله ورسوله. # الثاني - مستسلمين لأمري فيما أدعوكم اليه فاني لا أدعو إلا إلى الحق. ### || [27.32-35] # خمس آيات حجازي. وأربع فيما عداه. عد الحجازيون شديد رأس آية ولم يعده ~~الباقون. # حكى الله تعالى ان المرأة لما وقفت على كتاب سليمان، ووصفته بأنه كتاب ~~كريم، وعرفتهم ما فيه قالت لأشراف قومها { أفتوني في أمري } اي أشيروا ~~علي والفتيا هو الحكم بما هو صواب بدلا من الخطأ، وهو الحكم بما يعمل ~~عليه كما يسأل العامي العالم ليعمل على ما يجيبه به، ثم قالت لهم لم أكن ~~أقطع أمرا ولا أفصل حكما دونكم ولا أعمل به { حتى تشهدون } وتعاينوه. ~~وهذا ملاطفة منها لقومها في الاستشارة منهم فيما يعمل عليه، فقالوا لها ~~في الجواب عن ذلك انا { نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد } أي أصحاب قدرة ~~وأصحاب بأس أي شجاعة شديدة { والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين } ما الذي ~~تأمرينا به لنمتثله، وهذا القول منهم فيه عرض القتال عليها إن أرادت، ~~فقالت لهم في الجواب { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } فكونوا على ~~حذر من ذلك { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } قيل بأن يستعبدوهم. فقال الله ~~تعالى تصديقا لهذا القول { وكذلك يفعلون } قال ابن عباس: إنما يفعلون ~~ذلك إذا دخلوها عنوة. ثم حكى انها قالت { إني مرسلة إليهم بهدية } فأذنوا ~~للأمر في ذلك لانظر ما عند القوم فيما يلتمسون من خير أو شر. وقيل إنها ~~ارسلت بجوار وغلمان على زي واحد. فقالت ان ميز بينهم ورد الهدية وأبا إلا ~~المتابعة، فهو نبي وإن قبل الهدية فانما هو من الملوك. وعندنا ما يرضيه - ~~ذكره ابن عباس - وقيل: انها أرسلت اليه بلبنة من ذهب فأمر سليمان أن تطرح ~~بين أرجل الدواب وسراقينها استهانة بذلك. ### || [27.36-40] # قرأ ms2714 حمزة ويعقوب { أتمدوني } بنون واحدة مشددة على الادغام وياء ثابتة ~~في الوصل والوقف. الباقون بنونين. # اخبر الله تعالى إن الهدية التي أنفذت بها المرأة، لما وصلت اليه، قال ~~لموصلها { أتمدونني بمال } والامداد الحاق الثاني بالأول، والثالث ~~بالثاني إلى حيث ينتهي. والمعنى لست أرغب في المال الذي تمدونني به، ~~وإنما أرغب في الايمان الذي دعوتكم اليه والاذعان بالطاعة لله ورسوله. ثم ~~قال { فما آتاني الله خير مما آتاكم } بالتمكين من المال الذي لي أضعافه ~~واضعاف أضعافه إلى ما شئت منه. ثم قال لهم { بل أنتم بهديتكم تفرحون } أي ~~ما يهدى اليكم، لانكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة. وقيل بهديتكم التي ~~اهديتموها الي تفرحون. # والهدية العطية على جهة الملاطفة من غير مئابة، تهدى هدية، لانها تساق ~~إلى صاحبها على هداية، فالاصل الهداية وهي الدلالة على طريق الرشد. ثم ~~حكى ما قال سليمان لرسولها الذي حمل الهدية { ارجع إليهم } وقل لهم { ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } أي لا طاقة لهم بهم ولا يقدرون على ~~مقاومتهم { ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون } فالذليل هو الناقص القوة في ~~نفسه بما لا يمكنه أن يدفع غيره عن نفسه. والصاغر هو الذليل الصغير القدر ~~المهين، يدل على معنى التحقير بشيئين، ونقيض الذليل العزيز وجمعه أعزة،. ~~جمع الذليل أذلة. # ثم حكى تعالى أن سليمان قال لاشراف عسكره وأماثلة جنده { أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } فاختلفوا في الوقت الذي قال سليمان { أيكم ~~يأتيني بعرشها } فقال قوم قال ذاك حين جاءه الهدهد بالخبر، وهو الوقت ~~الأول لأنه يبين به صدق الهدهد من كذبه، ثم كتب الكتاب بعد - في قول ابن ~~عباس - وقال وهب بن منية: انما قال ذلك بعد مجيء الرسل بالهدية. # واختلفوا في السبب الذي لأجله خص بالطلب فقيل لانه أعجبته صفته فأحب أن ~~يراه، وكان من ذهب وقوائمه مكلل من جوهر، على ما ذكره قتادة. وقال ابن ~~زيد: لأنه أحب أن يعاينها ويختبر عقلها إذا رأته اتثبته أم تنكره. وقيل: ~~ليريها قدرة الله في معجزة، يأتي ms2715 بها في عرشها. # واختلفوا في معنى { مسلمين } فقال ابن عباس: معناه طائعين مستسلمين وقال ~~ابن جريج: هو من الاسلام الذي هو دين الله الذي أمر به عباده. # ثم حكى تعالى انه أجاب سليمان عفريت من الجن. ومعنى عفريت مارد قوي ~~داهية، يقال: عفريت وعفرية، ويجمع عفاريت وعفاري. قال سيبويه: هو مأخوذ ~~من العفر. والمعنى كل سديد في مذهبه من الدهاء والنكارة والنجابة يقال: ~~رجل عفرية نفرية على وزن (زبينة) لواحد الزبانية. # وقوله { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } أي من مجلسك الذي تقضي فيه ~~- في قول قتادة - { وإني عليه } يعني على الاتيان به في هذه المدة { لقوي ~~أمين } وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: القدرة تتبع الفعل لأنه ~~أخبر انه قوي عليه، ولم يجيء بعد بالعرش. # وقال ابن عباس: { أمين } على فرج المرأة. فقال عند ذلك { الذي عنده علم ~~من الكتاب } قال ابن عباس وقتادة: هو رجل من الانس، كان عنده علم إسم ~~الله الأعظم الذى إذا دعي به أجاب. وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء يا ذا ~~الجلال والاكرام، وقال الجبائي: الذى عنده علم من الكتاب سليمان (ع). ~~وقال ذلك للعفريت ليريه نعمة الله عليه. والمشهور عند المفسرين هو الأول. ~~وقد ذكر أن إسمه اصف بن برخيا. وقيل: هو الخضر. وقال مجاهد: اسمه أسطوع. ~~وقال قتادة: اسمه مليخا. # وقوله { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } قيل في معناه قولان: # احدهما - قال مجاهد: إن ذلك على وجه المبالغة في السرعة. # الثانى - قال قتادة: معناه قبل أن يرجع اليك ما يراه طرفك. وقيل: قبل ان ~~يرجع طرفك خاسئا إذا فتحتها وادمت فتحها. وقيل: قبل أن تفتحها وتطبقها. ~~وقيل: حمل العرش من مأرب إلى الشام في مقدار رجع البصر. وقيل: شقت عنه ~~الارض فظهر. وقيل يجوز أن يكون الله اعدمه ثم اوجده في الثاني بلا فصل ~~بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، وكان مستجاب الدعوة إذا دعا باسم الله ~~الأعظم. ويكون ذلك معجزة له. وقال قوم: ms2716 كان ذلك معجزة لسليمان. وفي ~~الكلام حذف، لان تقديره { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } فأتاه به ~~{ فلما رآه } سليمان { مستقرا عنده قال } معترفا بنعم الله عليه { هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر } أي أأشكر على نعمه أم أجحدها. # ثم قال سليمان { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه } لأن ثواب ذلك يعود عليه ومن ~~جحد نعم الله فانما يضر نفسه، لان عقاب ذلك يحل به { فإن الله غني } عن ~~شكره وعن كل شيء { كريم } في انعامه على خلقه. # وقرأ ابو عمرو ونافع وعاصم - في رواية حفص - { فما أتاني الله } - بفتح ~~الياء - في الوصل. الباقون { فما آتان } بغير ياء في الوصل. ### || [27.41-45] # خمس آيات عند الكل ما عدا الكوفي، فانها في عدده ست آيات عد { قوارير } ~~آية. ولم يعده الباقون. # حكى الله تعالى ان سليمان أمر ان ينكروا لها عرشها، وهو أن يغيره إلى ~~حال تنكره اذا رأته اراد بذلك اعتبار عقلها على ما قيل. والجحد والانكار: ~~جحد العلم بصحة الشيء، ونقيضه الاقرار، والتنكير تغيير حال الشيء إلى حال ~~ينكرها صاحبها إذا رآها. # وقوله { ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون } بيان من سليمان ان ~~الغرض بتنكير عرشها ننظر اتهتدي بذلك أم تكون من الذين لا يهتدون إلى ~~طريق الرشد، فلما جاءت المرأة، قال لها سليمان { أهكذا عرشك } فقالت في ~~الجواب كأنه هو، ولم تقطع عليه، لما رأت من تغير احواله. فقال سليمان { ~~وأوتينا العلم من قبلها } قال مجاهد: هو من قول سليمان { وكنا مسلمين } ~~اي مؤمنين بالله مستسلمين له. وقال الجبائي: هو من كلام قوم سليمان (ع). # ثم اخبر تعالى فقال { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ومنعها منه ~~وتقديره وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله، ومنعها منه { انها كانت ~~من قوم كافرين } بنعم الله عليهم عابدين مع الله غيره. وقال الفراء: يجوز ~~ان يكون المراد صدها عن عبادة ما كانت تعبد من دون الله من الشمس انها ~~كانت من قوم كافرين يعبدون ms2717 الشمس، فنشأت على ذلك. وكسر (انها) على ~~الاستئناف، ولو نصب على معنى، لأنها جاز. # ثم حكى بأنه قيل لها { ادخلي الصرح } فالصرح هو الموضع المنبسط المنكشف ~~من غير سقف، ومنه قولهم: صرح بالأمر اذا افصح به، ولم يكن عنه. والتصريح ~~خلاف التعريض، وفلان يكذب صراحا من هذا. { فلما رأته حسبته لجة } يعني ~~ان المرأة لما رأت الصرح ظنته لجمة، واللجة معظم الماء. ومنه لجج البحر ~~خلاف الساحل. ومنه لج في الأمر اذا بالغ بالدخول فيه { وكشفت عن ساقيها ~~} ظنا منها انها تريد ان تخوض الماء. وقيل: ان سليمان اجرى الماء تحت ~~الصرح الذي هو كهيئة السطح. وقيل: الصرح صحن الدار يقال صرحة الدار، ~~وراحة الدار، وقاعة الدار، وقارعة الدار كله بمعنى صحن الدار. وقيل صرح ~~القصر، قال الشاعر: # بهن نعام بناء الرجال # تشبه اعلامهن الصروحا # وقال ابو عبيدة: كل بناء من زجاج او صخر او غير ذلك موثق، فهو صرح، ومنه # يا هامان ابن لي صرحا # وقيل: انه اراد ان يختبر عقلها. وقيل: لأنهم كانوا قالوا: إن ساقيها مثل ~~ساق الحمار برجل حمار، لأنها من ولد بين الانس والجن، لأنه قيل: ان الجن ~~خافت ان يتزوج بها سليمان، فقالوا ذلك لينفروا عنها، فلما امتحن ذلك وجده ~~على خلاف ما قيل فيه. # وقيل: انه كان قيل: ان على ساقيها شعرا، فلما كشفته بان الشعر فساءه ~~ذلك واستشار الجن في ذلك، فعملوا له النورة والزرنيخ. وقيل: انه اول من ~~اتخذ له ذلك. وقيل: انما فعل ذلك ليريها عظيم آيات الله لتسلم وتهتدي إلى ~~دين الله. # ثم قال لها { إنه صرح ممرد من قوارير } فالممرد المملس، ومنه الأمرد. ~~وشجرة مرداء ملساء لا ورق عليها، والمارد الخارج عن الحق المملس منه. ~~فقالت عند ذلك يا رب { إني ظلمت نفسي } بما ارتكب من المعاصي بعبادة غيرك ~~{ وأسلمت } الآن { مع سليمان لله رب العالمين } الذي خلق الخلق. وقيل: ~~انها لما اسلمت تزوجها سليمان (ع). # ثم اخبر تعالى انه ارسل { إلى ثمود أخاهم صالحا } يعني في النسب، ms2718 لأنه ~~كان منهم { أن اعبدوا الله } موضع (أن) نصب، وتقديره ارسلناه بأن اعبدوا ~~الله، وحده لا شريك له { فإذا هم فريقان يختصمون } يعني منهم مؤمن بصالح ~~ومنهم كافر به، في قول مجاهد. ### || [27.46-50] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { لتبيتنه وأهله ثم لتقولن } بالتاء فيهما ~~جميعا. الباقون بالنون. وقرأ مجاهد بالياء. وقرأ ابو بكر عن عاصم { مهلك ~~} بفتح الميم واللام، وفي رواية حفص - بفتح الميم وكسر اللام - الباقون - ~~بضم الميم وفتح اللام - قال ابو على: من قرأ بضم الميم احتمل امرين: # احدهما - اراد المصدر من إهلاك اهله أي لم نشهد اهلاكهم. # الثاني - ان يكون المراد لم نشهد موضع إهلاكهم. # وقراءة حفص ايضا تحتمل أمرين: # احدهما - ما شهدنا موضع هلاكهم. # والثاني - المصدر اي ما شهدنا هلاكهم. وقراءة ابى بكر معناها المصدر. # لما اخبر الله تعالى انه ارسل صالحا إلى قومه، وانهم كانوا فريفين، ~~مسلم وكافر، يخاصم بعضهم بعضا، قال لهم صالح { يا قوم لم تستعجلون ~~بالسيئة قبل الحسنة } فالاستعجال طلب التعجيل، وهو الاتيان به قبل وقته. ~~وكان هؤلاء الجهال إذا خوفوا بالعقاب قالوا، على جهة الانكار لصحته متي ~~هو؟ وهلا يأتينا به؟، فقال لهم صالح { لم تستعجلون } ذلك: قال مجاهد. ~~يعني العذاب قبل الرحمة، والسيئة - ها هنا - المراد بها العقاب سماها ~~سيئة لما فيها من الآلام ولأنها جزاء على الافعال السيئة، لان السيئة هي ~~الخصلة التي تسوء صاحبها حين يجدها. والسيئة ايضا هي الفعل القبيح الذي، ~~لا يجوز لفاعلها فعلها، ونقيضها الحسنة. فقال لهم { لولا تستغفرون الله } ~~ومعناه هلا تسألون الله الغفران به بدلا من استعجال العقاب { لعلكم ~~ترحمون } وإنما خرجت (لولا) إلى معنى (هلا) لأنها كانت لامتناع الشيء ~~لكون غيره، كقولك: لولا زيد لأتيتك، فخرجت إلى الانكار، لامتناع الشيء ~~لفساد سببه فقال { لولا تستغفرون الله } منه. ثم اخبر بما اجابوه، لانهم ~~قالوا { اطيرنا بك وبمن معك } أي وبمن هو على دينك، فالتطير التشاؤم، وهو ~~نسبة الشؤم إلى الشيء على ما يأتي به الطير من ناحية اليد اليسرى وهو ~~البارح، والسانح هو اتيانها ms2719 من جهة اليد اليمنى. واصل: { اطيرنا } ~~تطيرنا، دخلت فيه ألف الوصل، لما سكنت الطاء للادغام، فقال لهم صالح { ~~طائركم عند الله } أي الشيء الذي تحذرونه بالتطير { عند الله } لانه ~~القادر على عقابكم بما أنتم عليه من الكفر. والمعنى - في قول ابن عباس - ~~معاقبتكم عند الله. ثم قال لهم: ليس ذلك للتشاؤم والتطير { بل أنتم قوم ~~تفتنون } فالفتنة - ها هنا - قولهم ما زين لهم من الباطل. # ثم اخبر تعالى أنه { كان في المدينة } التي بعث الله منها صالحا { تسعة ~~رهط يفسدون في الأرض } أي يفعلون فيها المعاصي { ولا يصلحون } أي لا ~~يفعلون الطاعات. # وقوله { قالوا تقاسموا بالله } قيل في معناه قولان: # احدهما - قالوا متقاسمين إلا انه يحذف منه قد. # والآخر - انه أمر، وليس بفعل ماض. { لنبيتنه وأهله } حكاية أنهم قالوا: ~~{ لنبيتنه } فمن قرأ بالنون اراد إنا نفعل بهم ذلك ليلا. ومن قرأ بالتاء، ~~فعلى انه خاطب بعضهم بعضا بذلك. ولمعنى انهم تحالفوا: لنطرقنهم ليلا، ~~يقال لكل عمل بالليل تبييت، ومنه قوله # إذ يبيتون ما لا يرضى من القول # وانشد ابو عبيدة: # اتوني فلم ارض ما بيتوا # وكانوا اتوني بامر نكر # لانكح امهم منذرا # وهل ينكح العبد حر لحر # وقال ابن اسحاق انهم لما اتوا صالحا لتبييته، دفعتهم الملائكة ~~بالحجارة، { ثم لنقولون لوليه } معناه إنهم قالوا إذا قال لنا وليه ~~وناصره: من فعل هذا قلنا له { ما شهدنا مهلك أهله } فمن ضم الميم اراد ما ~~رأينا إهلاكه. ومن فتح الميم اراد مكان هلاكهم او اهلاكهم يريد المصدر { ~~وإنا لصادقون } في هذا القول. # ثم اخبر تعالى انهم { مكروا } بهذا القول { ومكرنا } نحن ايضا مكرا ~~بأن جازيناهم على مكرهم وجعلنا وباله عليهم فانا أهلكناهم عن آخرهم. ~~وقيل: ان الله أرسل عليهم صخرة أهلكتهم. ويحتمل أن يكون المعنى في " ~~مكرنا " انا انجينا المؤمنين بالمكر بالكفار بكل ما يقدرون عليه من ~~الاضرار بهم، وإلجائهم إلى الايمان. وانما نسبه إلى نفسه لما كان بأمره. ### || [27.51-55] # قرأ اهل الكوفة ويعقوب { أنا دمرناهم } بفتح الالف. الباقون بكسرها ومن ~~فتح ms2720 احتمل وجهين: # احدهما - النصب على البدل من { كيف } و { كيف } نصب ب { انظر }. # والثاني - ان يكون { كيف } في موضع الحال و { دمرنا } خبر { كان } ~~وتلخيصه، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أي عاقبة امرهم التدمير. وقيل: هو ~~نصب بتقدير بأنا، فلما حذف الباء نصب، وقال الكسائي: هو في موضع الجر. ~~ويحتمل الرفع أيضا على البدل من { عاقبة }. ويحتمل أيضا على الجواب، ~~كأنه قيل: ما كان عاقبة أمرهم؟ فقيل: تدميرنا لهم. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) { انظر } يا محمد وفكر { ~~كيف كان عاقبة مكرهم } أي هؤلاء الكفار الذين كفروا ودمرناهم. والعاقبة ~~الحال التي يؤدي اليها الباديء تقول: اعقبني هذا الدواء صحة. وأعقب هذا ~~الطعام الرديء مرضا، وكذلك المعاصي تعقب النار. وقيل: ان بيوتهم هذه ~~المذكورة بوادي القرى موضع بين الشام والمدينة. والمكر الأخذ بالحيلة ~~للايقاع في بلية، فلما مكر أولئك الكفار بصالح (ع) ليقتلوه، ومن آمن ولم ~~يتم مكرهم، وأدى مكرهم إلى هلاكهم وتدميرهم والتدمير التقطيع بالعذاب، ~~فدمر الله قوم صالح بأن قطعهم بعذاب الاستئصال في الدنيا قبل الآخرة، فلم ~~يبق لهم باقية. # ثم اخبر تعالى ان بيوت أولئك الكفار { خاوية } أي خالية فارغة وكان ~~رسمهم أن يكونوا فيها ويأوون اليها، فلما أهلكهم الله، صاروا عبرة لمن ~~نظر اليها واعتبر بها. وقيل هذه البيوت المذكورة بوادي القرى. # وقوله { وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } اخبار منه تعالى انه انجى ~~وخلص المؤمنين من قوم صالح لانهم كانوا يتقون معاصي الله، خوفا من عقابه، ~~فالاتقاء الامتناع من البلاء بما يرد عن صاحبه ان ينزل به. والتقي هو ~~العامل بما يتقي عنه العقاب. وقيل: ان الله تعالى دمر التسعة الرهط الذين ~~يفسدون في الارض وقومهم. # وقوله { ولوطا إذ قال لقومه } يحتمل امرين: # احدهما - نصب { لوطا } بتقدير وأرسلنا لوطا. الثاني - واذكر لوطا حين ~~قال لقومه منكرا عليهم افعالهم { أتأتون الفاحشة } يعني الخصلة القبيحة ~~الشنيعة، الظاهرة القبح، وهي اتيانهم الذكران في أدبارهم { وأنتم تبصرون ~~} أي تعلمون أنها فاحشة. وقيل معناه: { وأنتم تبصرون } أي يرى بعضكم ms2721 من ~~بعض ان ذلك عتوا وتمردا. ثم بين الفاحشة التي كانوا يفعلونها بقوله { ~~أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء } التي خلقهن الله لكم. ثم اخبر ~~تعالى عن لوط انه قال لهم { بل أنتم قوم تجهلون } اي تفعلون أفعال الجهال ~~لجهلكم بمواقع نعم الله سبحانه وتعالى عليكم. ### || [27.56-60] # نصب { جواب قومه } بأنه خبر { كان } واسمعها { أن قالوا } ولا يجوز وقع ~~جواب - ها هنا - لان ما بعد الايجاب وما قبلها نفي، والنفي أحق بالخبر من ~~الايجاب، ومثله # ما كان حجتهم إلا قالوا # اخبر الله تعالى عن قوم لوط حين قال لهم لوط ما تقدم ذكره، منكرا عليهم ~~انه لم يكن لهم جواب عن ذلك، بل عدلوا إلى أن قالوا، بعضهم لبعض خرجوا ~~لوطا ومن تبعه { من قريتكم } فانهم { أناس يتطهرون } أى يتطهرون عن ~~عملكم في إتيان الذكران من العالمين إذ تأمرونهم، ويتنزهون عن ذلك، فلا ~~تجاوروهم وهذه صفتهم - وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - فأخبر الله ~~تعالى أنه أهلك هؤلاء القوم بأجمعهم وأنجى لوطا وأهله الذين آمنوا به من ~~ذلك الهلاك واستثنى من جملة أهله امرأته، واخبر انه { قدرناها من ~~الغابرين } أي جعلها من الغابرين لأن جرمها على مقدار جرمهم، فلما كان ~~تقديرها كتقديرهم في الاشراك بالله جرت مجراهم في انزال العذاب بهم. ~~وقيل: { قدرناها } أي بما كتبنا إنها من الغابرين، واخبر تعالى انه أمطر ~~عليهم مطرا. قال الحسن: أمطرت الحجارة على من خرج من المدينة، وخسف ~~المدينة باهلها، فهم يهوون إلى يوم القيامة { فساء مطر المنذرين } وهم ~~الذين أبلغهم لوط النذارة، وأعلمهم بموضع المخافة ليتقوها، فخالفوا ذلك. ~~ونقيض النذارة البشارة، وهي الاعلام بموضع الأمن ليجتبى، والنذير البشير ~~ينذر بالنار ويبشر بالجنة. # ثم قال لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) قل يا محمد { الحمد لله } شكرا ~~على نعمه بأن وفقنا للايمان { وسلام على عباده الذين اصطفى } يعني ~~اجتباهم، الله واختارهم يقال: صفا يصفو صفاء، وأصفاه بكذا إصفاء، واصطفاه ~~اصطفاء، ويصفى تصفيا وصفاء وتصفية، وصافاه مصافاة. # وقوله { أما يشركون } من قرأ - بالتاء ms2722 - وجهه إلى انه خطاب لهم. ومن قرأ ~~- بالياء - فعلى الخبر. وقوله { آلله خير أما } معناه خير لنا منا ~~لأنفسا، ولفظ أفعل لا يدخل إلا بين شيئين يشتركان في حكم ويفضل أحدهما ~~على صاحبه، وما يعبدون من دون الله لا خير فيه. قال ابو علي: يجوز أن يقع ~~ذلك في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه. وإن كان يتوهم بعض ~~الجهال الأمر على خلاف ما هو به، فتقول: هذا الخير خير من الشر. وانكر ~~على من خالف هذا. واجاز قوم من اهل اللغة ذلك على ما مضى القول فيه في ~~غير موضع. # ثم قال لهم: أمن الذي { خلق السماوات والأرض } بأن انشأها واحترعها { ~~وأنزل لكم من السماء ماء } يعني غيثا ومطرا { فأنبتنا به } بذلك الماء ~~{ حدائق } وهي جمع حديقة، وهي البستان إذا كان عليه حائط يحوطه { ذات ~~بهجة } انما وصف (الحدائق) بلفظ الواحد في قوله { ذات } لان معناه جماعة ~~ذات بهجة. # وقيل: الحديقة البستان الذي فيه النخل، و (البهجة) منظر حسن ابتهج به ~~إذا سر. # ثم قال { ما كان لكم ان تنبتوا شجرها } أي لم تكونوا تقدرون على انبات ~~شجر الحديقة، لان الله تعالى هو القادر عليه لا غيره. ثم قال منكرا ~~عليهم { أإله مع الله } يقدر على ذلك. ثم قال { بل هم قوم يعدلون } بالله ~~غيره لجهلهم، وقيل: يعدلون عن الحق. ومعنى الآية التنبيه على أن من قدر ~~على انبات الحدائق ذات الشجر واخراج الشجر باكرم الثمار، يجب اخلاص ~~العبادة له، وإن من عدل إلى الاشراك به كافر بهذه النعمة الخفية. ### || [27.61-65] # قرأ اهل البصرة وعاصم { عما يشركون } بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابو ~~عمرو وهشام وروح { قليلا ما يذكرون } بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ ~~بالياء في الموضعين جعله للمخاطبين ومن قرأ بالتاء فالى الغائبين. # يقول الله تعالى منبها على مواقع نعمه على خلقه، ممتنا بها عليهم بأن ~~قال { أمن } الذي { جعل الأرض قرارا } بأن أسكنها للاستقرار عليها، ~~وامكان التصرف عليها، فمن جعلها كذلك لمصالح عباده بها ms2723 على ما يحتاجون ~~اليه منها عالم حكيم، وهو أولى بالعبادة من الاصنام { وجعل خلالها ~~أنهارا } يعني خلال الأرض وهي المسالك في نواحيها { أنهارا } جمع نهر ~~وهي المجرى الواسع من مجاري الماء، واصله الاتساع، فمنه النهار لاتساع ~~ضيائه، ومنه انهار الدم إذا جرى، كالنهر { وجعل لها رواسي } يعني الجبال ~~الثابتة، رست ترسو رسوا إذا ثبتت فلم تبرح من مكانها كالسفينة وغيرها، ~~ومنه المراسي. # وقوله { وجعل بين البحرين حاجزا } فالحاجز هو المانع بين الشيئين، أن ~~يختلط احدهما بالآخر، وقد يكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه. وفى ذلك ~~دلالة على امكان كف النار عن الحطب، حتى لا تحرقه ولا تسخنه كما كف الماء ~~المالح عن الاختلاط بالعذب. ثم قال { أإله مع الله } يقدر على ذلك، ~~تبكيتا لهم على الاشراك به. ثم قال { بل أكثرهم لا يعلمون } حقيقة ما ~~ذكرناه لعدو لهم عن النظر في الدلالة المؤدية اليه. وقيل { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } ما لهم وعليهم في العبادة إن اخلصوها، او اشركوا فيها. # ثم قال { أم من يجيب المضطر إذا دعاه } فاجابة دعاء المضطر هو فعل ما ~~دعا به، لأجل طلبه، وذلك لا يكون إلا من قادر عليه مختار له، لانه يقع ~~على ما دعا به الداعي { ويكشف السوء } يعني الآلام يصرفها عنكم { ويجعلكم ~~خلفاء الأرض } أي يجعل أهل كل عصر يخلفون العصر الاول { أإله مع الله } ~~يقدر على ذلك. # ثم قال { قليلا ما تذكرون } أي تفكرون قليلا بما قلناه ونبهنا عليه. ثم ~~قال { أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر } بما نصب لكم من الدلالات التي ~~تستدلون بها، من الكواكب وغيرها { ومن } الذي { يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته } يعني بين يدي المطر والغيث. # ومن قرأ بالنون أراد ملقحات. وقيل: معناه منتشرة. ومن قرأ بالباء أراد ~~مبشرات بالمطر. # ثم نزه نفسه عن الاشراك به واتخاذ إله معه فقال { تعالى عما يشركون } ثم ~~قال { أم من يبدؤ الخلق ثم يعيده } يبدؤهم بأن يخترعهم ابتداء، ثم يعيدهم ~~بعد أن يميتهم، ويعيدهم إلى ما ms2724 كانوا عليه { ومن يرزقكم من السماء والأرض ~~} من السماء بالغيث والمطر. ومن الارض بالنبات وانواع الثمار { أإله مع ~~الله } يقدر على ذلك { قل } لهم يا محمد { هاتوا برهانكم } وحجتكم { إن ~~كنتم صادقين } في قولكم محقين في الاشراك معه، فاذا لم تقدروا على اقامة ~~البرهان على ذلك، فاعلموا انه لا إله معه، ولا يستحق العبادة سواه، لان ~~كان ما يكون حقا من أمر الدين لا بد أن يكون عليه دلالة وبرهان. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { قل } يا محمد { لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله } يعني الغائب عن الخلق لا يعلم به إلا ~~الله تعالى أو من أعلمه الله، ثم اخبر انهم لا يشعرون متى يبعثون ويحشرون ~~يوم القيامة. ### || [27.66-70] # قرأ ابن كثير، وأهل البصرة بل { أدراك } بقطع الهمزة، يقال: تدارك زيد ~~أمره وأدارك بمعنى واحد، ومثله # إنا لمدركون # وقد شدد الاعرج وروى السموني - بكسر اللام - ووصل الهمزة وتشديد الدال ~~من غير ألف. الباقون { بل ادارك } بمعنى تتابع علمهم وتلاحق حتى كمل. ~~والمعنى بل ادارك في الآخرة أي حين لم ينفعهم اليقين مع شكهم في الدنيا - ~~على ما ذكره ابن عباس - وقيل: انه قرأ { بلى ادارك } وادارك العلم لحاق ~~الحال التي يظهر فيها معلومه، ففي الآخرة يظهر الحق بما يرى من الأمور ~~التي من شأنها أن يقع عندها علم بمقتضى ما يحدث من عظم الأمور وقيل: معنى ~~{ بل } ها هنا (هل) فكأنه قال: هل ادارك علمهم، ومعناه انهم لا يعلمون ~~الآخرة { بل هم في شك منها } ومن شدد الدال قال أصله تدارك فأدغموا التاء ~~في الدال وقلبوا ألف الوصل. وقرأ اهل المدينة { إذا } على الخبر. الباقون ~~بهمزتين على الاستفهام، ويحقق الهمزتين ابن عامر وأهل الكوفة وروح، إلا ~~أن هشاما يفصل بينهما بالف، وابن كثير وابو عمرو ورويس يخففون الأولى ~~ويلينون الثانية. ويفصل بينهما بالف أبو عمرو، واما { أئنا } فقراءته على ~~الخبر، وزاد فيه نونا ابن عامر والكسائي. الباقون بهمزتين وخففهما عاصم ~~وحمزة وخلف وروح. الباقون يخففون ms2725 الأولى ويلينون الثانية، ويفصل بينهما ~~بالف أهل المدينة إلا ورشا، وابو عمرو. وقد مضى تعليل هذه القراءات فيما ~~مضى. # لما اخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لا يشعرون متى يحشرون يوم القيامة ~~وانهم ساخرون في ذلك، أخبر انهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة حين يبعثهم ~~الله، وانه لا ينفعهم علمهم في ذلك الوقت مع شكهم في دار الدنيا. وأخبر ~~انهم في شك من البعث في دار الدنيا، وأنهم عمون عن معرفة حقيقته. وهو جمع ~~(عمى) وشبه جهلهم بذلك بالعمى، لان كل واحد منها يمنع بوجوده من ادراك ~~الشيء على ما هو به، لأن الجهل مضاد العلم، والعمى مناف للرؤية. # ثم حكى عن الكفار انهم قالوا متعجبين من البعث والنشور { أئذا كنا ~~ترابا } ويكون { آباؤنا } ترابا ايضا { ائنا لمخرجون } من قبورنا ~~ومبعوثون، يقولون ذلك مستهزئين منكرين. ثم اخبر انهم يحلفون ويقولون { ~~لقد وعدنا هذا } البعث { نحن } فيما مضى وكذلك وعد به { آباؤنا } ولم ~~نعرف حقيقة ذلك، ثم حكى انهم يقولون ليس { هذا إلا أساطير الأولين } ~~وانما اشتبه عليهم النشأة الثانية لطول المدة في النشأة الاولى على مجرى ~~العادة، ولو نظروا في أن من اجرى هذه العادة حكيم، وانه قادر على نقض ~~العادة، كما قدر على اجرائها لزالت شبهتهم. # ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم { سيروا في الأرض فانظروا ~~كيف كان عاقبة المجرمين } لأنهم يرون آثار آبائهم وكيف أهلكهم الله وخرب ~~ديارهم كعاد وثمود وغيرهم، فيعلمون عند ذلك صحة ما قلناه، ولا يأمنوا أن ~~يحل بهم مثل ما حل بهم. # ثم نهى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يحزن عليهم ويتأسف على تركهم ~~الايمان وأن لا يكون في ضيق نفسه { مما يمكرون } ، فان وبال مكرهم عائد ~~عليهم. ### || [27.71-75] # حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم { يقولون متى هذا الوعد } الذي ~~توعدنا به { إن كنتم صادقين } في اخباركم بذلك في البعث والنشور، والوعد ~~من الحكيم على ضربين: # احدهما - ان يكون مقيدا بوقت، فاذا جاء ذلك الوقت فلا بد أن ms2726 يفعل فيه ~~ما وعد به. # والثاني - ان يكون مطلقا غير موقت إلا انه لا بد أن يكون معلوما لعلام ~~الغيوب الوقت الذي يفعل فيه الموعد به، فاذا كان ذلك الوقت معلقا بزمان ~~تعين عليه الفعل في ذلك الوقت، فلا بد للموعود به من وقت، وإن لم يذكر مع ~~الوعد. # ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهم { عسى أن يكون ردف لكم ~~بعض الذي تستعجلون } فعسى من الله واجبة، والمعنى ان الذي وعدكم الله به ~~لا بد أن يردفكم، والردف الكائن بعد الأول قريبا منه. والفرق بينه وبين ~~التابع أن في التابع معنى الطلب لموافقة الأول، وترادف إذا تلاحق، تلاحقا ~~ترادفا، واردفه اردافا. ومعنى { ردف لكم } قرب منكم ودنا - في قول ابن ~~عباس - وقيل: تبع لكم. والاستعجال طلب الأمر قبل وقته، فهؤلاء الجهال ~~طلبوا العذاب قبل وقته تكذيبا به. وقد أقام الله عليهم الحجة فيه. و ~~(ردف) من الافعال التي تتعدى بحرف وبغير حرف، كما قال الشاعر: # فقلت لها الحاجات تطرحن بالفتى # وهم يعناني معنا ركائبه # وقيل: ان الباء انما دخلت للتعدية. وقيل: انما دخلت لما كان معنى تطرحن ~~ترمين، وكذلك لما كان معنى { ردف لكم } دنا، قال { لكم } قال المبرد: ~~معناه ردفكم واللام زائدة. وقيل { بعض الذي تستعجلون } يوم بدر. وقيل: ~~عذاب القبر. # ثم قال { وإن ربك لذو فضل على الناس } والفضل الزيادة على ما للعبد بما ~~يوجبه الشكر، فالعدل حق العبد. والفضل فيه واقع من الله لا محالة إلا انه ~~على ما يصح وتقتضيه الحكمة. # ثم اخبر ان { أكثر الناس لا يشكرون } الله على نعمه بل يكفرونه. # ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { وإن ربك } يا محمد { ليعلم ما تكن ~~صدورهم } أي ما تخفيه صدورهم، يقال: كننت الشيء في نفسي، وأكننته إذا ~~سترته في نفسك، فهو مكن ومكنون لغتان. قال الرماني: الاكنان جعل الشيء ~~بحيث لا يلحقه أذى لمانع يصد عنه { وما يعلنون } أي يعلم ما يظهرونه ~~ايضا. # ثم قال { وما من غائبة في السماء ms2727 والأرض } أي ليس شيء يغيب علمه عن أهل ~~السماء والارض { إلا } ويبينها الله { في كتاب مبين } وهو الكتاب ~~المحفوظ. وقال الحسن: الغائبة القيامة. وقال النقاش: ما غاب عنهم من عذاب ~~السماء والارض. وقيل: هو ما أخفاه الانسان عن قلبه وعينه. وقال البلخي: ~~معنى { في كتاب مبين } أي هو محفوظ لا ينساه كما يقول القائل: أفعالك ~~عندي مكنونة أي محفوظة. ### || [27.76-80] # قرأ ابن كثير { ولا يسمع } بياء مفتوحة وفتح الميم { الصم } بالرفع. ~~ومثله في الروم. الباقون { تسمع } بالتاء وكسر الميم { الصم } بالنصب، ~~فوجه قراءة ابن كثير انه أضاف الفعل إلى الصم، فلذلك رفعه. ووجه قراءة ~~الباقين أنهم أضافوا الفعل إلى النهي (صلى الله عليه وسلم) وجعلوا الصم ~~مفعولا ثانيا. # اخبر الله تعالى أن هذا القرآن الذي انزله على نبيه محمد (صلى الله عليه ~~وسلم) { يقص على بني إسرائيل أكثر } الاشياء التي اختلفوا فيها الكفار. ~~والقصص كلام يتلو بعضه بعضا فيما ينبئ عن المعنى، ومن اجاب غيره عما سأل ~~لم يقل له انه يقص لانه اقتصر على مقدار ما يقتضيه السؤال. والاختلاف ~~ذهاب كل واحد إلى خلاف ما ذهب اليه صاحبه. والاختلاف ايضا امتناع احد ~~الشيئين أن يسد مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته. واختلاف بني اسرائيل نحو ~~اختلافهم في المسيح حتى قالت اليهود فيه ما قالت، وكذبت بنبوته. وقالت ~~النصارى ما قالته من نبوته، ووجوب إلهيته، وكاختلاف اليهود في نسخ ~~الشريعة، فأجازه قوم في غير التوراة وأباه آخرون، فلم يجيزوا النسخ أصلا، ~~واعتقدوا أنه بدأ. وكاختلافهم في المعجز، فقال بعضهم: لا يكون إلا بما لا ~~يدخل تحت مقدور العباد. وقال آخرون: قد يكون إلا أنه ما يعلم أنه لا يمكن ~~العباد الاتيان به، وكاختلافهم في صفة المبشر به في التوراة، فقال بعضهم: ~~هو يوشع بن نون. وقال آخرون: بل هو منتظر لم يأت بعد. وكل ذلك قد دل ~~القرآن على الحق فيه. وقيل: قد بين القرآن اختلافهم في من سلف من ~~الأنبياء. وقيل: ان بني اسرائيل اختلفوا حتى لعن بعضهم بعضا ms2728 ~~كالاسماعينية والعنانية والسامرة. # ثم وصف تعالى القرآن ب { إنه لهدى ورحمة للمؤمنين } معناه انه بيان ~~للحق فيما وقع الاختلاف فيه من بني اسرائيل وغيرهم إذا رجعوا اليه علموا ~~مفهومه، وانه من عند حكيم، لا يقول إلا بالحق، فالهدى الدلالة على طريق ~~الحق الذي من سلكه اداه إلى الفوز بالنعيم في جنة الخلد، فالقرآن هدى من ~~هذا الوجه، ورحمة للمؤمنين في تأديته إلى ما فيه من مرضات الله تعالى. # ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال { ان ربك } يا محمد { يقضي ~~بينهم بحكمه وهو العزيز العليم } أي العزيز في انتقامه من المبطلين ~~العليم بالمحق المبين منهم من المبطل. وقيل: العليم بصحة ما يقضي به ~~العزيز بما لا يمكن رد قضائه، فهو يقضي بين المختلفين بما لا يمكن أن يرد ~~ولا يلتبس بغير الحق. # وفى الآية تسلية للمحقين الذين خولفوا في أمر الدين، لان أمرهم يؤول إلى ~~ان يحكم بينهم رب العالمين بمالا يمكن دفعه ولا تلبيسه. # ثم خاطب بينه (صلى الله عليه وسلم) فقال { فتوكل على الله } يا محمد { ~~إنك على الحق المبين } الظاهر البين في ما تدعو اليه، ثم شبه الكفار ~~بالموتى الذين لا يسمعون ما يقال لهم، وبالصم الذين لا يدركون دعاء من ~~يدعوهم، من حيث انهم لم ينتفعوا بدعائه ولم يصيروا إلى ما دعاهم اليه، ~~فقال { إنك } يا محمد { لا تسمع الموتى } لأن ذلك محال { ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولو مدبرين } أي اعرضوا عن دعائك ولم يلتفتوا اليه ولم يفكروا ~~في ما تدعوهم اليه، فهؤلاء الكفار بترك الفكر في ما يدعوهم اليه النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وبمنزلة الصم الذين ~~لا يدركون الأصوات. ### || [27.81-85] # قرأ حمزة { تهدي } بالتاء مفتوحة وبسكون الهاء { العمي } بنصب الياء. ~~ويقف على { تهدي } بالياء. الباقون { بهاد } بباء مكسورة وبألف بعد ~~الهاء، وخفض الياء من { العمي } على الاضافة في الموضعين. فقراءة حمزة ~~تفيد الفعل المضارع. وقراءة الباقين اسم الفاعل. # يقول الله تعالى لنبيه لست يا محمد تهدي العمي ms2729 عن ضلالتهم. والهادي هو ~~الذي يدعو غيره إلى الحق ويرشد اليه. وقد يدعو بالنطق بأن يقول: هو صواب ~~وقد يدعو اليه بأن يبين أنه صواب، فانه ينبغي أن يعمل عليه ويعتقد صحته. ~~والضلالة الذهاب عن طريق الصواب وهو الهلاك بالذهاب عنه. وإنما شبه الله ~~تعالى الكفار بأنهم عمي، لانهم من حيث لم يهتدوا إلى الحق، ولم يصيروا ~~اليه فكأنهم عمي، وانما نفى أن يهديهم إلى الحق بأن يحملهم عليه او ~~يجبرهم عليه، ولم ينتف أن يكون هاديا لهم بالدعاء اليه، ويبين لهم الحق ~~فيه. # وقوله { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا } معناه لا تسمع إلا من يطلب الحق ~~بالنظر في آياتنا ولا يلبث أن يسلم، لان الدلائل تظهر له، وعقله يخاصمه ~~حتى يقول بالحق ويعتقده. وانما قال انه يسمع المؤمنين، من حيث أنهم الذين ~~ينتفعون به ويسلمون له. # وقوله { وإذا وقع القول عليهم } قال قتادة: معناه وجب الغضب عليهم. وقال ~~مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقيل: معناه إذا وقع القول عليهم ~~بأنهم قد صاروا إلى منزلة من لا يفلح أحد منهم ولا أحد بسببهم، أخذوا ~~حينئذ بمنادي العقاب باظهار البراءة منهم. وقال ابن عمر، وعطية: إذا لم ~~يأمر الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر تخرج الدابة. وقيل: انها تخرج من ~~بين الصفا والمروة. وروى محمد بن كعب القرطي عن علي (عليه السلام) انه ~~سئل عن الدابة، فقال: (اما والله مالها ذنب وإن لها لحية) وفي هذا القول ~~منه (ع) إشارة إلى انه من ابن آدم. وقال ابن عباس: دابة من دواب الله لها ~~زغب وريش لها أربعة قوائم. وقال ابن عمر: انها تخرج حتى يبلغ رأسها ~~الغيم، فيراها جميع الخلق. ومعنى { تكلمهم } قيل فيه قولان: # احدهما - تكلمهم بما يسوؤهم من انهم صائرون إلى النار، من الكلام بلسان ~~الآدميين الذي يفهمونه ويعرفون معناه، فتخاطب واحدا واحدا، فتقول له: ~~يا مؤمن يا كافر. وقيل { تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } أي ~~بهذا القول. ذكره ابن مسعود. # الثاني - تكلمهم من الكلام. ms2730 وقيل إنها تكتب على جبين الكافر أنه كافر ~~وعلى جبين المؤمن أنه مؤمن. وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم). # ثم قال { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون } ~~واستدل به قوم على صحة الرجعة في الدنيا، لأنه قال: من كل أمة، وهي ~~للتبعيض فدل على ان هناك يوما يحشر فيه قوم دون قوم، لأن يوم القيامة ~~يحشر فيه الناس عامة، كما قال # وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # ومن حمل الآية على أن المراد باليوم يوم القيامة قال: إن (من) زائدة، ~~والتقدير ويوم نحشر كل أمة فوجا أي فوجا فوجا من الذين كذبوا بآيات ~~الله ولقاء الآخرة { فهم يوزعون } أي يجمعون. وقال ابن عباس: معناه ~~يدفعون. وقيل: يساقون. وقيل: يوقف أولهم على آخرهم. # وقوله { ووقع القول عليهم بما ظلموا } أي صاروا إلى منزلة من لا يفلح ~~احد منهم، ولا احد بسببهم، { فهم } في ذلك الوقت { لا ينطقون } بكلام ~~ينتفعون به. ويجوز أن يكون المراد { لا ينطقون } أصلا لعظم ما يرونه ~~ويشاهدونه من أهوال القيامة. # وقرأ اهل الكوفة { تكلمهم أن الناس } بفتح الالف، لان ابن مسعود قرأ { ~~بأن الناس } فلما سقطت الباء نصبوا { أن }. الباقون بالكسر على ~~الاستئناف. وروي عن ابن عباس { تكلمهم } مخففا اي تسمهم وتجرحهم تقول ~~العرب كلمت زيدا إذا جرحته. وقد يقال ايضا بالتشديد من الجراح، ولا ~~يقال في الكلام إلا بالتشديد. ### || [27.86-93] # قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم { وكل أتوه } مقصورة على وزن ~~(فلوه) الباقون { آتوه } ممدودة ومضمومة التاء على وزن (فالوه) وقرأ اهل ~~الكوفة { من فزع } منونا { يومئذ } بفتح الميم. الباقون بغير تنوين على ~~الاضافة إلا ورشا فانه نصب الميم من { يومئذ } مع الاضافة. ووجه هذه ~~القراءة انه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، لان إضافة (يوم) إلى (إذ) ~~ليست محضة، لان الحروف لا يضاف اليها، ولا إلى الافعال، وانما أجازوا في ~~اسماء الزمان الاضافة إلى الحروف وإلى الافعال نحو: هذا يوم ينفع، لما خص ~~وكثر، وقرأ اهل البصرة وابن ms2731 كثير وابو بكر إلا يحيى والداجوني عن ابن ~~ذكوان { يفعلون } بالياء، الباقون بالتاء. وقرأ اهل المدينة وابن عامر ~~ويعقوب { عما تعملون } بالتاء. الباقون بالياء. # يقول الله تعالى منبها لخلقه على وجه الاعتبار والتنبيه على النظر ~~بالفكر بجعله تعالى الليل ليسكن فيه خلقه، من الحيوان من الحركات، لأن من ~~جعل الشيء لما يصلح له من الانتفاع، فانما ذلك باختياره دون الطبع، وما ~~يجري مجراه مما ليس مختار، ففي ذلك بطلان قول كل مخالف فيه. وقوله { ~~والنهار مبصرا } يحتمل أمرين: # احدهما - انه جعل النهار ذا إبصار، كما قال # عيشة راضية # أي ذات رضا، وكما قال النابغة: # كليني لهم يا أمية ناصب # أي لهم ذي نصب. # الثاني - لأنه يريك الاشياء كما يراها من يبصرها بالنور الذي تجلى عنها ~~فقيل هو كقول جرير: # لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # اي بالذي ينام فيه. ثم قال { إن في ذلك لآيات } يعني دلالات واضحات لقوم ~~يصدقون بالله وبتوحيده. وقوله { ويوم ينفخ في الصور } منصوب بتقدير: ~~واذكر { يوم ينفخ في الصور } أي وذلك يوم ينفخ في الصور، يعني قوله { وقع ~~القول عليهم بما ظلموا.... يوم ينفخ في الصور } ويجوز أن يكون على حذف ~~الجواب، وتقديره وتكون البشارة الثانية يوم ينفخ في الصور. وقيل: تقديره ~~ويوم ينفخ في الصور يفزع، لان المعنى إذا نفخ في الصور فزع إلا أنه لما ~~جاء الثاني بالفاء اغنى عن (يفعل) لأنها ترتب. وقال الحسن وقتادة: الصور ~~صور الخلق. وقال مجاهد: هو قرن كالبوق ينفخ فيه. وقيل: النفخة الأولى ~~نفخة الفزع. والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين. # وقيل: معنى { ففزع من في السماوات ومن في الأرض } من شدة الاسراع ~~والاجابة، يقال: فزعت اليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك. وقيل: ~~هو ضد الأمن، وهو الأولى. وقيل: وجه النفخ في الصور أنه على تصور ضرب ~~البوق للاجتماع على المسير إلى أرض الجزاء بالحال التي تعرف في دار ~~الدنيا. ومن ذهب إلى أنه جمع صورة ms2732 قال: المعنى نفخ الأرواح في الاجساد ~~بردها إلى حال الحياة التي كانت عليها. # وقوله { إلا من شاء الله } روي في الخبر أن الشهداء من جملة الخلق لا ~~يفزعون ذلك اليوم. وقيل: { إلا من شاء الله } يعني من الملائكة الذين ~~يثبت الله قلوبهم. وقيل: اسرافيل هو النافخ في الصور بأمر الله تعالى. ثم ~~قال { وكل أتوه داخرين } معناه إن جميع الخلق جاؤا لله داخرين أي صاغرين. ~~فمن قصر، حمله على انهم اتوه أي جاؤه. ومن مد، حمله على أنهم جايؤه على ~~وزن (فاعلوه). ولفظة (كل) ها هنا معرفة، لأنها قطعت عن الأضافة، كما قطع ~~قوله # من قبل ومن بعد # إلا أنه لم يبن، لأنه قطع عن متمكن التمكن التام. وليس كذلك # من قبل ومن بعد # لأنه كان ظرفا لا يدخله الرفع. # وقوله { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } قال ابن عباس: ~~تحسبها قائمة وهي تسير سيرا حثيثا سريعا قال النابغة الجعدي: # ناز عن مثل الطود يحسب أنهم # وقوف لحاح والركاب تهملج # أي من أجل كثرتهم وإلتفافهم يحسب انهم وقوف، فكذلك الجبال. وقوله { صنع ~~الله الذي أتقن كل شيء } نصب { صنع الله } بما دل عليه ما تقدم من الكلام ~~من قوله { تمر مر السحاب } فكأنه قال: صنع الله صنع الذي أتقن كل شيء إلا ~~انه اظهر اسم الله في الثاني، لأنه لم يذكر في الأول وانما دل عليه. ~~والاتقان حسن إيناق وقوله { إنه خبير بما تفعلون } أي عليم بأفعالهم ~~فيجازيهم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. # ثم بين كيفية الجزاء، فقال { من جاء بالحسنة } يعني بالخصلة الحسنة { ~~فله خير منها } أي خير يصيبه منها. وقيل: فله أفضل منها في عظم النفع لأن ~~له بقيمتها وبالوعد الذي وعده الله بها كأنه قال: من اتى بالحسنة التي هي ~~الايمان والتوحيد والطاعة لله يوم القيامة يكون آمنا لا يفزع كما يفزع ~~الكفار والفساق. وقيل: هم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة. وقيل: ~~من فزع يوم القيامة في الجنة آمنون. ثم ms2733 قال { ومن جاء بالسيئة } يعني ~~بالمعصية الكبيرة التي هي مثل الكفر والشرك، وما جرى مجراهما. وقال جميع ~~المفسرين: إن السيئة - ها هنا - الشرك، فان الله تعالى يكبه على وجهه في ~~النار. ويقال: كبه واكبه إذا نكسه، ويقال لهم { هل تجزون } بهذا العقاب { ~~إلا } مكافأة لما كنتم تفعلون وتعملون في دار التكليف من المعاصي. # ثم قال لنبيه { قل } لهم { انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } يعني مكة ~~- في قول ابن عباس - وقال غيره: منى، أي أمرت بعبادة رب هذه البلدة لم ~~أؤمر بعبادة سواه { التي حرمها } وقيل: معنى { حرمها } عظم حرمتها من أن ~~يسفك دم حرام فيها أو يظلم أحد فيها أو يصطاد صيدها أو يخلى خلاؤها وقيل: ~~حرمها حتى أمن الوحش فيها، فلا يعدو الكلب على الغزال، ولا على الطير ولو ~~خرج من الحرم لنفر أشد النفور، فذكر لهذه الآية في الحرم { وله كل شيء } ~~أي يملك كل شيء بالتصرف فيه على وجه يريده ويختاره، وليس لأحد منعه منه { ~~وأمرت ان أكون من المسلمين } الذين يسلمون بتوحيده واخلاص العبادة له ~~مستسلمين له { وأمرت أن أتلو القرآن } عليكم وادعوكم إلى ما فيه { فمن ~~اهتدى } إلى الحق والعمل بما فيه { فإنما يهتدي لنفسه } لأن جزاء ذلك ~~وثوابه يصل اليه دون غيره { ومن ضل } عنه وجار ولم يعمل بما فيه ولم يهتد ~~إلى الحق { فقل } له يا محمد { إنما أنا من المنذرين } الذين يخوفون ~~بعقاب الله من معاصيه، ويدعون إلى طاعته. # وفي ذلك دلالة على فساد قول المجبرة الذين يقولون: ان الله يخلق الايمان ~~والهداية والكفر والضلالة. # ثم امر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بان يقول { الحمد لله } اعترافا بنعمه ~~{ سيريكم آياته } يعني دلالاته التي ليس يمكنكم جحدها. وقال الحسن: معناه ~~يريكم آياته في الآخرة فتعرفون انها على ما قال في الدنيا. وقيل: يركم في ~~الدنيا ما ترون من الآيات في السماء والارض، فتعرفونها أنها حق. ذكره ~~مجاهد. ئم قال وليس ربك يا محمد { بغافل عما تعملون } من قرأ بالياء يعني ~~عما ms2734 يفعله المشركون. ومن قرأ بالتاء، فعلى تقدير: قل لهم: ليس ربكم بغافل ~~عما تعملونه بل هو عالم بجميع ذلك فيجازيكم عليه، وفى ذلك غاية التهديد. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-5] # خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه. عد الكوفي { طسم } آية ولم يعدها ~~الباقون. # قد بينا معنى هذه الحروف في أوائل السور في عدة مواضع، فلا فائدة في ~~إعادته، وقوينا قول من قال: إنها اسماء للسور. # وقوله { تلك آيات الكتاب } أي تلك آيات الكتاب التي وعدتم بانزالها. ~~وقيل معناه هذا القرآن هو الكتاب المبين - ذكره الحسن - وقيل: في معنى { ~~المبين } قولان: احدهما - قال قوم: المبين أنه من عند الله. وقال قتادة: ~~المبين الرشد من الغي. والمبين هو البين أيضا. وأضاف الآيات إلى الكتاب، ~~وهي الكتاب كما قال # إنه لحق اليقين # ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال { نتلو عليك } يا محمد طرفا من ~~اخبار { موسى وفرعون بالحق } على حقيقة البيان وهو اظهار المعنى للنفس ~~بما تميزه من غيره مشتق من أبنت كذا من كذا إذا فصلته منه. والبرهان ~~إظهار المعنى للنفس بما يدعو إلى انه حق مما هو حق في نفسه. والتلاوة ~~الاتيان بالثاني بعد الأول في القراءة بما يتلوه تلاوة، فهو تلل لمقدم، ~~والمقدم والتالي مثل الأول والثاني. والنبأ الخبر عما هو أعظم شأنا من ~~غيره. والحق هو ما يدعو اليه العقل، ونقيضه الباطل، وهو ما صرف عنه ~~العقل. # وقوله { لقوم يؤمنون } معناه إنا نتلو عليك هذه الأحبار لقوم يصدقون ~~بالله، وبما أنزل عليك، لانهم المنتفعون به، والايمان الصديق بفعل ما ~~يؤمن من العقاب. # ثم اخبر تعالى فقال { إن فرعون علا في الأرض } أي تجبر وبغي - في قول ~~قتادة وغيره - ببغيه واستعباده بني إسرائيل، وقتل أولادهم. وقيل: بقهره ~~وادعائه الربوبية. وقيل: بشدة سلطانه { وجعل أهلها شيعا } أي قوما { ~~يستضعف طائفة منهم } فيستعبدهم و { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } أي ~~يستبقي بناتهم فلا يقتلهن، وقيل: إنه كان يأمر باخراج أحيائهن الذي فيه ~~الولد والأول هو الصحيح. # ثم اخبر تعالى وحكم بأن فرعون ms2735 { كان من المفسدين } في الارض والعاملين ~~بمعاصي الله. ثم وعد تعالى فقال { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض } وهو عطف على قوله { يستضعف طائفة منهم } ونحن نريد أن نمن. وقال ~~قتادة: يعنى من بني اسرائيل { ونجعلهم أئمة } يقتدى بهم { ونجعلهم ~~الوارثين } لمن تقدمهم من قوم فرعون. # وروى قوم من أصحابنا أن الآية نزلت في شأن المهدي (ع) وأن الله تعالى ~~يمن عليه بعد أن استضعف. ويجعله إماما ممكنا، ويورثه ما كان في ايدي ~~الظلمة. # قال السدي: إن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى ~~اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل فسأل علماء قومه، ~~فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده، فامر بذبح أبنائهم ~~واستحياء نسائهم، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل، فقالت القبط لفرعون: ~~ان شيوخ بني إسرائيل قد فنوا، وصغارهم قد قتلتهم فاستبقهم لعملنا ~~وخدمتنا، فأمرهم أن يستحيوا في عام، ويقتلوا في عام، فولد في عام ~~الاستحياء هارون، وولد في عام القتل موسى، قال الضحاك: عاش فرعون أربع ~~مئة سنة، وكان قصيرا وسيما، وهو أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مئة ~~وعشرين سنة. وقيل: ان فرعون كان من أهل الاصطخر. ### || [28.6-10] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { وحزنا } بضم الحاء، واسكان الزاي. الباقون ~~بفتحهما، وهما لغتان. يقال: حزن وحزن مثل نجل ونجل. وقرأ اهل الكوفة إلا ~~عاصما { ويري فرعون وهامان } بالياء ورفع (فرعون، وهامان) باسناد الرؤية ~~اليهما. الباقون بالنون، ونصب (فرعون وهامان) باسناد الفعل إلى الله، ~~وكونهما مفعولين. # لما اخبر الله تعالى أنه يريد ان يمن على الذين استضعفوا في الارض ~~ويجعلهم ائمة، أخبر في هذه الآية أنه يريد أن يمكنهم في الارض، والتمكين ~~هو فعل جميع ما لا يصح الفعل ولا يحصل إلا معه: من القدرة والآلة واللطف ~~وغير ذلك. وقال الرماني: اللطف لا يدخل في التمكين، لانه لو دخل فيه لكان ~~من لا لطف له لم يكن ممكنا، ولكن يقال: انه من باب ازاحة العلة. ms2736 ثم بين ~~انه تعالى " يري فرعون وهامان وجنودهما منهم " يعني من بني اسرائيل { ما ~~كانوا يحذرون } من زوال ملكهم على يد رجل من بني اسرائيل، ولذلك ذبح ~~فرعون أبناءهم. ومن قال: ان الآية في شأن المهدي (ع) حمل فرعون وهامان ~~على فرعون هذه الأمة وهامانها، والكناية في { منهم } عائدة على أنصار ~~المهدي (ع) قالوا: وهذه أولى، لانه بلفظ الاستقبال، لأن في أوله النون او ~~الياء على اختلاف القراءتين وهما للمضارعة. # والحذر توقي ما فيه المضرة، فهؤلاء الذين طلبوا الحذر في غير وجهه، اذ ~~قتلوا الاطفال ظلما لأجله، ولو طلبوه بالرجوع إلى الله، ودعائه ليكشف ~~عنهم لكانوا طالبين له من وجهه. # وقوله { وأوحينا إلى أم موسى } أي ألهمناها، وقذفنا في قلبها، وليس بوحي ~~نوم، ولا نبوة - في قول قتادة وغيره - وقال الجبائي: كان الوحي رؤيا منام ~~عبر عنه مؤمن به من علماء بني إسرائيل. وقوله { أن أرضعيه } أي الهمناها ~~إرضاع موسى { فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } فالخوف توقع ضرر لا يؤمن ~~به. وقال الزجاج: معنى { أوحينا إلى أم موسى } اعلمناها، وقوله { فألقيه ~~في اليم } أمر من الله تعالى لأم موسى انها إذا خافت على موسى من فرعون ~~أن ترضعه وتطرحه في اليم. واليم البحر، ويعني به النيل { ولا تخافي ولا ~~تحزني } نهي من الله تعالى لها من الخوف والحزن، فانه تعالى أراد أن ~~ينزيل خوف أم موسى بما وعدها الله من سلامته على أعظم الأمور في القائه ~~في البحر الذي هو سبب الهلاك في ظاهر التقدير، لولا لطف الله تعالى بحفظه ~~حتى يرده إلى أمه. ووعدها بأنه يرده عليها بقوله { إنا رادوه إليك } ~~ووعدها أيضا بان يجعله من جملة الانبياء المرسلين بقوله { وجاعلوه من ~~المرسلين }. # ثم اخبر ان آل فرعون التقطوه، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان أم موسى ~~طرحته في البحر ومضى في البحر إلى أن بلغ قصر فرعون فالتقطه آل فرعون. # والالتقاط هو اصابة الشيء من غير طلب، ومنه اللقطة قال الراجز: # ومنهل وردته التقاطا # لم ألق اذ ms2737 وردته فراطا # وقوله { ليكون لهم عدوا وحزنا } اللام لام العاقبة، لأنهم لم يلتقطوه ~~لأن يصير لهم عدوا وحزنا، بل التقطوه ليكون قرة عين لهم، ومثله قول ~~الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب # ومنه قوله # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا # ثم اخبر تعالى { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } عاصين لله في ~~أفعالهم، ثم حكى تعالى أن امرأة فرعون لما جيئ بموسى اليها ورأته وعطف ~~الله بقلبها عليه جاءت به إلى فرعون، وقالت { قرة عين لي ولك } أي قرة ~~عين هذا الولد لي ولك { لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } إذا ~~ربيناه وكبر { وهم لا يشعرون } بأن هلاكهم على يديه، في قول قتادة. # ثم قال { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } قال ابن عباس وقتادة والضحاك: ~~معناه فارغا من كل شيء إلا من ذكر موسى. وقال الحسن وابن زيد وابن ~~اسحاق: فارغا من وحينا بنسيانه، فانها نسيت ما وعدها الله به. وقيل: ~~فارغا من الحزن لعلمها بأن ابنها ناج سكونا إلى ما وعد الله وقبلت به. ~~وقوله { إن كادت لتبدي به } قال ابن عباس وقتادة والسدي: معناه كادت ~~لتبدي بذكر موسى. وتقول: يا ابناه. وقيل: ان كادت لتبدي بالوحي. وقوله { ~~لولا أن ربطنا على قلبها } فالربط على القلب تقويته على الأمر حتى لا ~~يخرج منه إلى ما لا يجوز. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره لولا أن ربطنا على ~~قلبها لأظهرته. وقوله { لتكون من المؤمنين } معناه فعلنا ذلك بها لتكون ~~من جملة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وعدله. ### || [28.11-15] # حكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت لأخت موسى: قصيه أي اتبعي اثره، ~~يقال قصه يقصه قصا إذ اتبع اثره، ومنه القصص، لانه حديث يتبع بعضه بعضا ~~يتبع الثاني للاول، والاقتصاص اتباع الجاني في الأخذ بمثل جنايته في ~~النفس. # { فبصرت به عن جنب } معنى { فبصرت به } رأته، وهو لا يتعدى إلا بحرف ~~الجر. والرؤية تتعدى بنفسها، وقال مجاهد: معناه عن بعد، ومثله أبصرته عن ~~جنابة قال الاعشى: # أتيت حريثا زائرا عن جنابة # فكان حريث عن ms2738 عطائي جامدا # أي عن بعد، وقيل: معنى { عن جنب } عن مكان جنب، وهو الجانب لأن الجنب ~~صفة وقعت موقع الموصوف لظهور معناه، وكان ذلك احسن واوجز { وهم لا يشعرون ~~} قال قتادة: معناه وآل فرعون لا يشعرون انها اخته. # وقوله { وحرمنا عليه المراضع } وهي جمع مرضعة ومعناه منعناه منهن ~~وبغضناهن اليه، فكان ذلك كالمنع والنهي، لا أن هناك نهيا عن الفعل، قال ~~الشاعر: # جاءت لتصرعني فقلت لها اقصري # اني امرء صرعي عليك حرام # اي ممتنع فاني فارس امنعك من ذلك، ومثله قولهم: فلان حرم على نفسه كذا ~~بالامتناع منه، كالامتناع بالنهي. وقوله { من قبل } أي من قبل رده على ~~أمه { فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } معناه ~~يضمنونه برضاعه والقيام عليه، وينصحونه في ذلك، فقيل لأخته من أين قلت: ~~انهم ناصحون له أعرفت أهله، فقالت: إنما عنيت ناصحون للملك. والنصح اخلاص ~~العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش: نصح ينصح نصحا، فهو ناصح في عمله، ~~وناصح في نفسه في توبته إذا اخلصها. وقوله { فرددناه إلى أمه كي تقر ~~عينها ولا تحزن } قيل: ان فرعون سأل أمه كيف يرتضع منك، ولم يرتضع من ~~غيرك؟! قالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا اكاد أؤتى بصبي إلا ~~ارتضع مني. وبين تعالى انه إنما فعل ذلك { كي تقر عينها } يعني عين أمه، ~~فرده عليها { ولتعلم أن وعد الله حق } لا بد من كونه. ثم قال { ولكن ~~أكثرهم } اى الخلق { لا يعلمون } حقيقة ما يراد بهم. وقيل: من قوم فرعون ~~ما علمته أم موسى، ومن لطيف تدبير الله تسخير فرعون لعدوه حتى تولى ~~تربيته. # وقوله { ولما بلغ أشده واستوى } قال قتادة: اشده ثلاث وثلاثون سنة، ~~واستوائه اربعون سنة. وقيل استواء قوته { آتيناه } يعني أعطيناه { حكما ~~وعلما } قال السدى: يعني النبوة. وقال عكرمة: يعني العقل. وقال مجاهد: ~~الفرقان. والحكم الخبر بما تدعو اليه الحكمة. والمعنى علمناه من الحكمة ~~ما تقتضي المصلحة، واوحينا اليه بذلك. ثم قال: ومثل ما فعلنا به نجزي ms2739 ~~أيضا من فعل الاحسان. وفعل الطاعات والافعال الحسنة. # ثم اخبر تعالى ان موسى { دخل المدينة } يعني مصر، وقيل: غيرها { على حين ~~غفلة من أهلها } قيل: إنه كان وقت القائلة. # وقيل: لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به. وقيل: انه كان يوم عيد لهم قد ~~اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. وقوله { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته ~~وهذا من عدوه } قال مجاهد: يعني من شيعته إنه كان اسرائيليا، والآخر إنه ~~كان قبطيا. وقال ابن اسحاق: كان احدهما مسلما، والآخر كافرا { ~~فاستغاثه الذى من شيعته على الذي من عدوه } أى استنصره لينصره { فوكزه ~~موسى } اى دفع في صدره، وجميع كفه (ولكزه) مثل وكزه ولهزه { فقضى عليه } ~~اى مات، فقال عند ذلك موسى { هذا من عمل الشيطان } اى من اغوائه حتى زدت ~~من الايقاع به، وإن لم اقصد قتله. وقيل: ان الكناية عن المقتول، فكأنه ~~قال: ان المقتول من عمل الشيطان اي عمله عمل الشيطان. ثم وصف الشيطان ~~بأنه { عدو } للبشر ظاهر العداوة. وقوله { هذا من شيعته وهذا من عدوه } ~~إشارة إلى الرجلين اللذين احدهما من شيعة موسى، والآخر من عدوه إنما هو ~~على وجه الحكاية للحاضر إذا نظر اليهما الناظر قال هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه. ### || [28.16-20] # حكى الله تعالى عن موسى انه حين قتل القبطي ندم على ذلك وقال يا { رب ~~إني ظلمت نفسي } بقتله وسأله ان يغفر له، فحكى الله تعالى انه { غفر له } ~~لان { الله هو الغفور } لعباده { الرحيم } بهم المنعم عليهم. وعند ~~أصحابنا أن قتله القبطي لم يكن قبيحا، وكان الله أمره بقتله، لكن كان ~~الأولى تأخيره إلى وقت آخر لضرب من المصلحة، فلما قدم قتله كان ترك ~~الأولى والافضل، فاستغفر من ذلك لا أنه فعل قبيحا. وقال جماعة: ان ذلك ~~كان منه صغيرة غير انها وقعت مكفرة لم يثبت عليها عقاب، ويكون قوله { رب ~~إني ظلمت نفسي } على الوجه الأول أي بخست نفسي حقها بأن لم أفعل ما كنت ~~أستحق به ثوابا زائدا. وعلى المذهب الثاني مذهب ms2740 من يقول بالموازنة ~~يقول: لأنه نقص من ثوابه، وكان بذلك ظالما لنفسه. فأما من قال: إن ذلك ~~كان كبيرة منه وظلما فخارج عما نحن فيه، لأن ادلة العقل دلت على أن ~~الأنبياء لا يجوز عليهم شي من القبائح، لا كبيرها ولا صغيرها. ومن قال: ~~إنه كان ذلك صغيرة، قال: كان دفعه له المؤدي إلى القتل صغيرة، لا أنه قصد ~~القتل وكان صغيرة. # وقوله { قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين } معناه إن ~~أنعمت علي فلن اكون، فهو مشبه بجواب الجزاء، ولذلك دخلت الفاء في الجواب، ~~وإذا وقع الانعام قيل لما أنعمت، فلن اكون، لأنها في كلا الموضعين تدل ~~على أن الثاني وقع من أجل الاول. ويحتمل أن يكون ذلك قسما من موسى بنعم ~~الله عليه، بمغفرته، وفنون نعمه بأن لا يكون معينا على خطيئة، ولا يكون ~~ظهيرا. والظهير المعين لغيره بما به يصير كالظهر له الذي يحميه من عدوه. # وقوله { فأصبح في المدينة خائفا يترقب } معناه إن موسى أصبح خائفا من ~~قتل القبطي، يترقب الأخبار - في قول ابن عباس - والترقب التوقع. وقوله { ~~فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } يعني رأى من كان استنصره بالأمس، بأن ~~طلب نصرته على عدوه { يستصرخه } أي يطلب نصرته ايضا. وقيل: يطلب الصراخ ~~على العدو بما يردعه عن الايقاع بمن قد تعرض له { قال له موسى انك لغوي ~~مبين } أي عادل من الرشد، ظاهر الغواية، ومعناه انك لغوي في قتالك من لا ~~تطيق دفع شره عنك، من أصحاب فرعون، خائب فيما تقدر أن تفعله. # وقوله { فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما } قيل: إن موسى هم أن ~~يدفع العدو عن نفسه وعن صاحبه، ويبطش به { قال يا موسى أتريد أن تقتلني ~~كما قتلت نفسا بالأمس } قال الحسن: هو من قول الفرعوني، لانه كان قد ~~اشتهر أمر القتل بالأمس أنه قتله بعض بني إسرائيل. # وقال ابن عباس واكثر اهل العلم انه من قول الإسرائيلي، لانه قال له موسى ~~انك لغوي مبين، خاف على نفسه ms2741 فظن أنه يريد الايقاع به، فقال ما قال. ~~وقوله { إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض } اي لست تريد بقتل من ~~قتلته بالأمس إلا أن تكون جبارا متكبرا في الارض { وما تريد } اي ولست ~~تريد { أن تكون من } جملة { المصلحين }. # وقوله { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } قيل هو مؤمن آل فرعون { قال يا ~~موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك } أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك. وقيل: ~~يأتمرون معناه يرتاؤن، قال نمر بن تولب: # أرى الناس قد احدثوا شيمة # وفى كل حادثه يؤتمر # أي يرتاء، وقال آخر: # ما تأتمر فينا فأم # رك في يمينك أو شمالك # فقوله { فاخرج إني لك من الناصحين } حكاية ما قال الرجل لموسى، وانه ~~ناصح له بقوله، يحذره من اعدائه. وقال الزجاج: وقوله { إني لك } ليست من ~~صلة { الناصحين } لان الصلة لا تقدم على الموصول، لكن تقديره: إني من ~~الناصحين الذين ينصحون لك، يقال: نصحت لك ونصحتك، والاول اكثر. ### || [28.21-25] # خمس آيات كوفي، وست فيما عداه، عد الكل { يسقون } آية إلا الكوفيين ~~فانهم عدوها وما بعدها إلى { كبير } آية. قرأ ابو عمرو، وابن عامر، وابو ~~جعفر { حتى يصدر } بفتح الياء وضم الدال. الباقون - بضم الياء وكسر الدال ~~- والصدر الانصراف عن الماء: صدر يصدر صدرا وأصدره غيره إصدارا، ومنه ~~والصدر، لان التدبير يصدر عنه، والمصدر لان الافعال تصدر عنه. فمن فتح ~~الياء أسند الفعل إلى الرعاء، ومن ضمه أراد اصدارهم عنه ومواشيهم. # حكى الله تعالى ان موسى لما انذره مؤمن آل فرعون، وأن اشراف قومه ~~ورؤساءهم قد ائتمروا على قتله، وأمره بالخروج من المدينة خرج (ع) { ~~خائفا يترقب } أي يطلب ما يكون ويتوقعه، والترقب طلب ما يكون من المعنى ~~على حفظه للعمل عليه، ومثله التوقع وهو طلب ما يقع من الأمر متى يكون. ~~وقال قتادة وخرج منها خائفا من قتله النفس يترقب الطلب. وقيل خرج بغير ~~زاد وكان لا يأكل الا حشاش الصحراء إلى أن بلغ ماء مدين. # وقوله { قال رب نجني من القوم الظالمين } حكاية ما ms2742 دعا به موسى ربه، ~~وانه سأله أن يخلصه من القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، ~~وذلك يدل على أن خوفه كان من القتل. # وقوله { ولما توجه تلقاء مدين } فالتوجه صرف الوجه إلى جهة من الجهات، ~~ويقال: هذا المعنى يتوجه إلى كذا أي هو كالطالب له بصرف وجهه اليه، ~~وتلقاء الشيء حذاه، ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذا داعي نفسه، و ~~{ مدين } لا ينصرف، لانه إسم بلدة معرفة، قال الشاعر: # رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # والعصم من شعف العقول الغادر # الشعف أعلى الجبل، والغادر الكبير. وقال ابن عباس: بين مصر ومدين ثمان ~~ليال، نحو ما بين الكوفة والبصرة. # وقوله { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } حكاية ما قال موسى في توجهه، ~~فانه قال: عسى أن يدلني ربي على سواء السبيل، وهو وسط الطريق المؤدي إلى ~~النجاة، لأن الأخذ يمينا وشمالا يباعد عن طريق الصواب، ويقرب منه لزوم ~~الوسط على السنن، فهذا هو المسعى في الهداية، وقال الشاعر: # حتى اغيب في سواء الملحد # اي في وسطه، وقال عطاء: عرضت له أربع طرق لم يدر أيها يسلك، فقال ما ~~قال. ثم أخذ طريق مدين حتى ورد على شعيب، وهو قول عكرمة. ثم حكى تعالى أن ~~موسى { لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة } يعني جماعة { من الناس يسقون } ~~بهائمهم ويستسقون الماء من البئر { ووجد من دونهم } يعني دون الناس { ~~امرأتين تذودان } أي يحبسان غنمهما ويمنعانها من الورود إلى الماء يقال: ~~ذاذ شاته وإبله عن الشيء يذودها ذودا إذا احبسها عنه بمنعها منه، قال ~~سويد بن كراع: # أبيت على باب القوا في كأنما # أذود بها سربا من الوحش شرعا # وقال الآخر: # وقد سلبت عصاك بن تميم # فما تدري بأي عصا تذود # وقال الفراء: لا يقال: ذدت الناس، وإنما قالوا ذلك في الغنم والابل، ~~وقال قتادة: كانتا تذودان الناس عن شائهما. وقال السدي: تحبسان غنمهما ~~فقال لهما موسى { ما خطبكما } أي ما شأنكما؟ في قول ابن اسحاق، قال ~~الراجز: # يا عجبا ms2743 ما خطبه وخطبي # والخطب الأمر الذي فيه تفخيم، ومنه الخطبة، لأنها في الأمر المعظم، ومن ~~ذلك خطبة النكاح والخطاب، كل ذلك فيه معنى العظم، فأجابتاه بأننا لا نسقي ~~غنمنا حتى يصدر الرعاء وواحد الرعاء راع، ويجمع ايضا رعاة ورعيانا، ~~والمعنى انا لا نسقي حتى ينصرف الرعاء - فيمن فتح الياء - أو يصرفون ~~غنمهم - فيمن ضم الياء - لأنا لا قوة بنا على الاسقاء، وإنما ننظر فضول ~~الماء في الحوض - في قول ابن عباس وقتادة وابن اسحاق - { وأبونا شيخ كبير ~~} لا يقدر على أن يتولى ذلك بنفسه، وقوله { فسقى لهما } قال شريح: رفع ~~لهما حجرا عن بئر لا يقدر على رفعه إلا عشرة رجال ثم استقى لهما. وقال ~~ابن اسحاق: إنه زحم الناس عن الماء حتى آخرهم عنه حتى سقى لهما. وقوله { ~~ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } معناه إني إلى ~~ما أنزلت فاللام بمعنى إلى، و (ما) بمعنى الذي وما بعده من صلته و { لما ~~} متعلق بقوله { فقير } وتقديره أي فقير إلى ما أنزلت الي من خير. قال ~~ابن عباس: أدرك موسى جزع شديد، فقال { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ~~} وفى الكلام حذف، لان التقدير إن المرأتين عادتا إلى أبيهما وشكرتا ~~فعله، فقال أبوهما لاحداهما ادعية لي لأجزيه على فعله { فجاءت إحداهما ~~تمشي على استحياء } قيل: معناه متسترة بكم درعها أو قميصها، فقالت له { ~~إن أبي يدعوك } ليكافيك على ما سقيت لنا وإن موسى مشى معها حتى وصل اليه ~~{ وقص عليه القصص } من اخباره وما مر عليه، فقال له الشيخ { لا تخف نجوت ~~من القوم الظالمين } قال ابن عباس معناه ليس لفرعون سلطان بأرضنا. وقيل: ~~كان الشيخ أبوهما شعيبا (ع) وقال الحسن: بل كان رجلا مسلما على دين ~~شعيب اخذ الدين عنه، وشعيب مات قبل ذلك، وقال قوم: انه كان ابن اخي شعيب ~~(ع). ### || [28.26-30] # قرأ عاصم { جذوة } بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها. الباقون - بكسر ~~الجيم - وفيه ثلاث لغات - فتح الجيم ms2744 وضمها وكسرها. والكسر أكثر وافصح. ~~والجذوة القطعة الغليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الحزمة من أصل ~~الشجر، وجمعها جذى قال الشاعر: # كانت حواطب ليلى يلتمس لها # جزل الجذى غير خوار ولا ذعر # وقال قتادة: الجذوة الشعلة من النار. حكى الله تعالى أن احدى المرأتين ~~قالت لابيها { يا أبت استأجره } والاستئجار طلب الاجارة، وهي العقد على ~~أمر بالمعاوضة، يقال: أجره أجرا، وآجره إجارة وايجارا، واستأجره ~~استئجارا ومنه الاجير، والماجور. والأجر الثواب، وهو الجزاء على الخير. ~~ثم حكى أنها قالت لأبيها { إن خير من استأجرت القوي الأمين } قال قتادة: ~~عرفت قوته بأنه سقى الماشية بدلو واحد، وعرفت أمانته بغض طرفه، وامره ~~إياها بأن تمشي خلفه. والقوي القادر العظيم المقدور، ومنه وصف الله تعالى ~~بأنه القوي العزيز، وأصل القوة شدة الفتل من قوي الحبل، وهي طافاته التي ~~يفتل عليها، ثم نقل إلى معنى القدرة على الفعل. والأمانة خاصة للتأدية ~~على ما يلزم فيها، وهي ضد الخيانة، والثقة مثل الأمانة. # ثم حكى ما قال أبو المرأتين لموسى (ع)، فانه قال له { إني أريد أن أنكحك ~~إحدى ابنتي هاتين } أي ازوجك احداهما، فالانكاح عقد ولي المرأة على غيره ~~الزوجية، وهو تزويجه اياها، والنكاح تزوج الرجل المرأة، يقال نكحها ~~نكاحا إذا تزوجها. وقوله { على أن تأجرني ثماني حجج } معناه على أن تجعل ~~أجري على تزويجي إياك ابنتي رعي ماشيتي ثماني سنين، لأنه جعل صداق ابنته ~~هذا الذي عقد عليه، وجعل الزيادة على المدة اليه الخيار فيها، فلذلك قال ~~{ فإن أتممت عشرا فمن عندك } أي هبة منك غير واجب عليك. # ثم اخبر انه قال { وما أريد أن أشق عليك } بأن الزمك عشر سنين { ستجدني ~~} فيما بعد { إن شاء الله من } جملة { الصالحين } الذين يفعلون الخيرات، ~~وتعليق الصلاح بمشيئة الله في الآية يحتمل أمرين: # احدهما - ان يريد بها الصلاح في الدنيا من صحة الجسم وتمام القوة، فان ~~الله تعالى يجوز ان يفعل بأنبيائه أمراضا امتحانا لهم ولطفا، فلذلك ~~قال إن شاء الله. # والثاني - ان يكون أراد ان ms2745 شاء الله تبقيتي، لانه يجوز أن يخترمه الله ~~فلا يفعل الصلاح الديني، فلذلك علقه بمشيئة الله. ويحتمل أن يكون ذلك ~~لاتفاق الكلام، ولا يكون خبرا قاطعا، فلا يكون بمشيئة الله شرط في فعل ~~الصلاح وقال ابن عباس: ان موسى قضى أتما الأجلين وأوفاهما، وقيل: انه كان ~~جعل لموسى كل سخلة تولد على خلاف شبه امها فأوحى الله (عز وجل) إلى موسى ~~ان الق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. # وقيل: جعل له كل بلقاء فولدن كلهن بلقا. # ثم حكى تعالى ان موسى قال له { ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا ~~عدوان علي } أي لا تعدي علي لاني مخير في ذلك { والله على ما نقول وكيل } ~~أي كاف وحسيب، وقيل: انه من قول الشيخ، ثم حكى تعالى ان موسى لما قضى ~~الأجل تسلم زوجته وسار بها إلى أن { آنس من جانب الطور نارا } اي ابصر ~~امرا يؤنس بمثله، والطور الجبل قال العجاج: # آنس جربان فضاء فانكدر # دانى جناحيه من الطور فمر # فلما رأى ذلك قال لأهله: البثوا مكانكم، فاني ابصرت نارا، فامضي نحوها ~~{ لعلي آتيكم منها بخبر } يعرف منه الطريق، فانه روي انه كان قد ضل عن ~~الطريق { أو جذوة من النار } اى قطعة من الحطب غليظة فيها النار، وقيل ~~الجذوة الشعلة من النار، لكي تصطلوا بها. وقيل: انهما كانا وجدا البرد، ~~فلذلك قال ما قال. # ثم حكى تعالى ان موسى لما اتى النار بان قرب منها { نودي من شاطئ الواد ~~الأيمن } اى من جانبه وهو الشط، ويجمع شواطئ وشطانا { من البقعة ~~المباركة } يقال: بقعة وبقعة بالضم والفتح، وجمعه بقاع، ووصفها بأنها ~~مباركة لأنه كلم الله فيها موسى { من الشجرة } قيل ان الكلام والنداء ~~سمعه موسى من ناحية الشجرة، لأن الله تعالى فعل الكلام فيها لا أن الله ~~تعالى كان في الشجرة، لانه لا يحويه مكان، ولا يحل في جسم، فتعالى الله ~~عن ذلك { أن يا موسى } أي ناداه بان قال له يا موسى { إني أنا الله رب ~~العالمين ms2746 } الذي خلقت جميع الخلائق وأخرجتهم من العدم إلى الوجود. ### || [28.31-35] # قرأ { من الرهب } بفتح الراء والهاء - ابن كثير ونافع وابو جعفر وابو ~~عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الهاء - إلا حفصا، فانه قرأ - بفتح ~~الراء وسكون الهاء - وقرأ ابن كثير وابو عمرو { فذانك } مشددة النون. ~~الباقون بالتخفيف. وقرأ نافع { ردا } بفتح الدال من غير همز منونا. ~~وقرأه ابو جعفر بالف بعد الدال من غير همز وغير تنوين. الباقون بسكون ~~الدال وبعدها همزة مفتوحة منونة. وقرأ عاصم وحمزة { يصدقني } بضم القاف. ~~الباقون بالجزم. # الرهب والرهب لغتان مثل النهر والنهر، والسمع والسمع. وقيل في تشديد { ~~ذانك } ثلاثة اقوال: احدها - للتوكيد، الثانى - للفرق بين النون التي ~~تسقط للاضافة. وبين هذه النون. الثالث - للفرق بين بنية الاسم المتمكن ~~وغير المتمكن. وروي عن ابن كثير انه قرأ { فذانيك } قال ابو علي: وجه ذلك ~~انه أبدل من احدى النونين ياء، كما قالوا: تظنيت وتظننت. ومن جزم { ~~يصدقني } جعله جوابا للامر وفيه معنى الشرط. وتقديره: إن ارسلته صدقني ~~ومن رفع جعله صفة للنكرة. وتقديره ردءا مصدقا لي. وقال مقاتل: الرهب ~~الكم، ويقال وضعت الشيء في رهبي اي في كمي، ذكر الشعبي انه سمع ذلك من ~~العرب. ومن شدد { ذانك } جعله تثنية (ذلك) ومن خفف جعله تثنية (ذاك). # اخبر الله تعالى انه لما قال لموسى { إني أنا الله رب العالمين } أمره ~~ايضا ان يلقي عصاه، وانه القاها أي طرحها واخرجها من يده إلى الارض ~~فانقلبت باذن الله ثعبانا عظيما { تهتز } باذن الله { كأنها جان } في ~~سرعة حركته، وشدة اهتزازه، فعلم موسى عند ذلك ان الذي سمعه من الكلام ~~صادر من الله، وان الله هو المكلم له دون غيره، لأن ذلك إنما يعلمه بضرب ~~من الاستدلال. # وقوله { ولى مدبرا، ولم يعقب } اي لم يرجع، اي خاف بطبع البشرية وتأخر ~~عنها ولم يقف، فقال الله تعالى له { يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~} من ضررها. والعصا عود من خشب كالعمود، وفي انقلابه حية دليل على ان ~~الجوهر من جنس ms2747 واحد، لأنه لا حال ابعد إلى الحيوان من حال الخشب. وما جرى ~~مجراه من الجماد، وذلك يقتضي صحة قلب الأبيض إلى حال الاسود، والاهتزاز ~~شدة الاضطراب في الحركة، والحيوان له حركة تدل عليه إذا رإي عليها لا يشك ~~في انه حيوان بها. وهي التصرف بالنفس من غير ريح، ولا سبب يولد التصرف مع ~~كونه على البنية الحيوانية. وقيل: ان الله امره ان يدخل يده في فيها، ~~ففعل فعادت عصا كما كانت. ثم امره الله ان يسلك يده في جيبه، أي بأن ~~يدخلها فيه، وكانت سمرة شديدة السمرة فلما اخرجها خرجت بيضاء نقية { من ~~غير سوء } اى من غير برص. # وقوله { واضمم إليك جناحك } قال ابن عباس ومجاهد: يعني يدك { من الرهب } ~~يعني من الرعب، والفرق الذي لحقه لأجل الحية - في قول مجاهد، وقتادة - ~~وقال قوم: ان معناه امر له بالعزم على ما اريد له مما امر به، وحثه على ~~الجد فيه، ويمنعه ذلك من الخوف الذي لحقه، ولا يستعظم ذلك، فيكون ذلك ~~مانعا مما امر به، كما قال { سنشد عضدك بأخيك } ولم يرد خلاف الحل فكذلك ~~الضم ليس يراد به الضم المزيل للفرجة. ومثله قول الشاعر: # اشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيك # ولا تجزع من الموت إذا حل يواديك # وانما يريد تاهب له. ثم قال { فذانك } يعني قلب العصا حية واخراج اليد ~~البيضاء { برهانان } أي دليلان، واضحان من الله في ارسالك إلى فرعون ~~واشراف قومه. # ثم اخبر تعالى أن فرعون وقومه { كانوا قوما فاسقين } خارجين من طاعة ~~الله إلى معاصيه. ثم حكى تعالى ما قال موسى، فانه قال يا رب { إني قتلت ~~منهم نفسا } يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه { فأخاف أن يقتلوني } ~~بدله. وقال ايضا { وأخي هارون هو افصح مني لسانا } لان موسى كان في ~~لسانه عقدة ولم يكن كذلك هارون، وسأل الله تعالى أن يرسل هارون معه { ~~ردءا } أي عونا، والردء العون الذي يدفع السوء عن صاحبه، ومنه ردء ~~الشيء يردأه رداءا فهو ردئ، فالرد المعين في دفع ms2748 الردا عن صاحبه. ويقال: ~~ردأته اردأه ردءا إذا أعنته. واردأته ايضا لغتان. وقوله { يصدقني } من ~~جزمه جعله جوابا للامر، ومن رفعه جعله صفة للنكرة، وتقديره ردءا مصدقا ~~{ إني أخاف أن يكذبون } في ادعاء النبوة والرسالة، وقيل: ان موسى ما سأل ~~ذلك إلا باذن الله، لانه لا يجوز ان يسأل نبي أن يرسل معه إنسانا آخر ~~نبيا، وهو لا يعلم أنه يصلح لذلك، فلا يجاب اليه، فان ذلك ينفر عنه. ~~فقال الله تعالى { سنشد عضدك بأخيك } أي سنقويك به بأن نقرنه اليك في ~~الرسالة لنقوي بعضكما ببعض. { ونجعل لكما سلطانا } يعني حجة وقوة، وهي ~~التي كانت لهما بالعصا. والسلطان القوة التي يدفع بها على الأمر. ~~والسلطان الحجة الظاهرة، وتقديره ونجعل لكما سلطانا ثابتا { فلا يصلون ~~اليكما } فيه تقديم وتأخير. # ثم قال تعالى { فلا يصلون إليكما } يعني فرعون، وقومه لا يتمكنون من ~~قتلكما، ولا أذاكما، ثم قال { بآياتنا } أي بحججنا وبراهيننا { أنتما ومن ~~اتبعكما } من بني إسرائيل وغيرهم { الغالبون } لفرعون، فعلى هذا يكون { ~~أنتما } مبتدءا، { ومن اتبعكما } عطفا عليه { والغالبون } خبره و { ~~بآياتنا } متعلق بقوله { الغالبون }. وعلى الوجه الآخر يكون { بآياتنا } ~~متعلقا بقوله { ويجعل لكما سلطانا.... بآياتنا } قال الزجاج: يجوز أن ~~يكون { بآياتنا } متعلقا بقوله { فلا يصلون إليكما } بآياتنا وحججنا، ~~وكل ذلك محتمل. ### || [28.36-40] # قرأ ابن كثير { قال موسى } بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. الباقون ~~- بالواو - وكذلك هو في المصاحف. # وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { من يكون } بالياء. الباقون بالتاء. # من قرأ بالياء فلأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي. ومن قرأ بالتاء، فلأن ~~لفظه مؤنث. وتقدير الكلام إن موسى مضى إلى فرعون { فلما جاءهم موسى ~~بآياتنا } أي حججنا { بينات } أي ظاهرات { قالوا } يعني فرعون وقومه ليس ~~{ هذا } الذي يدعيه { إلا سحر مفترى } أي مختلق مفتعل. والفرق بين (لو) و ~~(لما) أن (لو) لتقدير وقوع الثاني بالاول، و (لما) للايجاب في وقوع ~~الثاني بالاول. وقولك: ولو جاءهم موسى بآياتنا قالوا، ليس فيه دليل انهم ~~قالوا وفي (لما) دليل على انهم قالوا ms2749 عقيب مجيء الآيات. وقوله { سحر ~~مفترى } اي سحر مختلق لم يبن على اصل صحيح، لأنه حيلة موهم خلاف الحقيقة، ~~فوصفوا الآيات بالسحر والاختلاق، على هذا المعنى جهلا منهم وذهابا عن ~~الصواب. # وقوله { ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين } أي لم نسمع ما يدعيه ويدعو ~~اليه في آبائنا الذين كانوا قبلنا، وانما قالوا { ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين } مع شهرة قصة قوم نوح وصالح وغيرهم من النبيين الذين ~~دعوا إلى توحيد الله واخلاص عبادته لأحد امرين: # احدهما - للفترة التي دخلت بين الوقتين وطول الزمان جحدوا أن تقوم به ~~حجته. # والآخر - إن آباءهم ما صدقوا بشيء من ذلك، ولا دانوا به، ووجه الشبهة في ~~أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الاولين أنهم الكثير الذين لو كان حقا ~~لأدركوه، لأنه لا يجوز أن يدرك الحق الأنقص في العقل والرأي، ولا يدركه ~~الافضل منهما، وهذا غلط، لأن ما طريقه الاستدلال قد يصيبه من سلك طريقه ~~ولا يصيبه من لم يسلك طريقه. # ثم حكى ما قال موسى بأنه قال { ربي أعلم بمن جاء بالهدى } أي بالدين ~~الواضح والحق المبين من عنده، ووجه الاحتجاج بقوله { ربي أعلم بمن جاء ~~بالهدى من عنده } أنه عالم بما يدعو إلى الهدى مما يدعو إلى الضلال، فلا ~~يمكن من مثل ما أتيت به من يدعو إلى الضلال، لأنه عالم بما في ذلك من ~~فساد العباد. # ثم بين هذا بقوله { إنه لا يفلح الظالمون } وان عاقبة الصلاح لأهل الحق ~~والانصاف، وهو كما تقول على طريق المظاهرة بحمل الخطاب: الله أعلم بالمحق ~~منا من المبطل وحجتي ظاهرة، فاكسرها ان قدرت على ذلك { ومن تكون له عاقبة ~~الدار } يعني الجنة والثواب في الآخرة { إنه لا يفلح } أي لا يفوز بالخير ~~من ظلم نفسه وعصى ربه وكفر نعمه. # ثم حكى تعالى ما قال فرعون عند سماع كلام موسى لقومه فانه قال لهم { يا ~~أيها الملاء ما علمت لكم من إله غيري } فلا تصغوا إلى قوله، حين أعياه ~~الجواب وعجز عن محاجته. # ثم قال ms2750 لهامان { أوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا } قال ~~فالصرح البناء العالي كالقصر، ومنه التصريح شدة ظهور المعنى قال الشاعر: # بهن نعام بناها الرجا # ل تحسب اعلامهن الصروحا # جمع صرح وهي القصور، وقال قتادة: اول من طبخ الآجر وبنى به فرعون ويقال: ~~الآجر بالتخفيف، والتثقيل والآجور ثلاث لغات. # وقوله { لعلي أطلع إلى إله موسى } فالاطلاع الظهور على الشيء من عل، وهو ~~الاشراف عليه. وقوله { وإني لأظنه من الكاذبين } حكاية ما قال فرعون فانه ~~قال: أظن موسى من جملة الذين يكذبون، ثم اخبر تعالى ان فرعون استكبر، ~~وكذلك جنوده، واستكبروا { في الأرض بغير الحق، وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون } إلى الله وإلى ثوابه وعقابه. وقوله { فأخذناه وجنوده فنبذناهم ~~في اليم } اخبار منه تعالى انه اخذ فرعون وجنوده أي جمعهم وطرحهم في ~~البحر، وغرقهم. والنبذ الالقاء، قال ابو الاسود الدؤلي: # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا # وقال قتادة: البحر الذى غرق فيه فرعون يقال له: اسناد، على مسيرة يوم من ~~مصر. ### || [28.41-45] # اخبر الله تعالى انه جعل فرعون وقومه { أئمة يدعون إلى النار } وقيل في ~~معناه قولان: # احدهما - انا عرفنا الناس انهم كانوا كذلك، كما يقال: جعله رجل شر ~~بتعريفه حاله. والثاني - انا حكمنا عليهم بذلك، كما قال # ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة # وكما قال # وجعلوا لله شركاء الجن # وانما قال ذلك، واراد انهم حكموا بذلك، وسموه. والجعل على اربعة اقسام: # احدها - بمعنى الاحداث، كقوله # وجعلنا الليل والنهار آيتين # وقوله # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # الثاني - بمعنى قلبه من حال إلى حال كجعل النطفة علقة إلى ان تصير ~~انسانا. # الثالث - بمعنى الحكم انه على صفة، كما قال انه جعل رؤساء الضلالة يدعون ~~إلى النار اى حكم بذلك. # الرابع - بمعنى اعتقد انه على حال كقولهم جعل فلان فلانا راكبا إذا ~~اعتقد فيه ذلك. والامام هو المقدم للاتباع يقتدون به، فرؤساء الضلالة ~~قدموا في المنزلة لاتباعهم فيما يدعون اليه من المغالبة. وانما دعوهم إلى ~~فعل ما يؤدي بهم ms2751 إلى النار، فكان ذلك كالدعاء إلى النار. والداعي هو ~~الطالب من غيره ان يفعل إما بالقول او ما يقوم مقامه، فداعي العقل ~~بالاظهار الذى يقوم مقام القول. وكذلك ظهور الارادة يدعو إلى المراد. # وقوله { ويوم القيامة لا ينصرون } معناه: إنهم كانوا يتناصرون في ~~الدنيا، وهم لا ينصرون في الآخرة بنصر بعضهم لبعض، ولا غيره ولا احد ~~ينصرهم. # وقوله { واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة } معناه الحقنا بهم في هذه الدنيا ~~لعنة بأن لعناهم وابعدناهم من رحمتنا. وقال ابو عبيدة معناه ألزمناهم بأن ~~امرنا بلعنهم، قوما بعد قوم { ويوم القيامة هم من المقبوحين } مع ~~اللعنة. والاتباع إلحاق الثاني بالأول، فهؤلاء الدعاة إلى الضلالة ألحقوا ~~اللعنة تدور معهم حيث ما كانوا، وفى ذلك أعظم الزجر عن القبيح. وقيل: ~~المقبوح المشوه بخلقته لقبيح عمله، ويقال: قبحه الله يقبحه قبحا، فهو ~~مقبوح إذا جعله قبيحا وقال ابو عبيدة: معنى (المقبوحين) المهلكين. # ثم اخبر تعالى انه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة من بعد ان اهلك القرون ~~الاولى من قوم فرعون وغيرهم، وانه فعل ذلك { بصائر للناس } وهي جمع بصيرة ~~يتبصرون بها ويعتبرون بها وجعل ذلك هدى يعني ادلة وبيانا ورحمة اي ونعمة ~~عليهم لكي يتذكروا ويتفكروا فيعتبروا به. وقوله { وما كنت بجانب الغربي ~~إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } معناه ما كنت بجانب ~~الغربي أي الجبل - في قول قتادة - حين قضينا إليه الأمر اى فصلنا له ~~الأمر بما ألزمناه وقومه وعهدنا اليه فيهم، فلم تشهد انت ذلك { ولكنا ~~أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين } أى ~~مقيما فالثاوي المقيم قال الاعشى: # أثوى وقصر ليلة ليزودا # ومضى وأخلف من قتيلة وموعدا # { تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين } والمعنى انك لم تشهد احساننا ~~إلى إلى عبادنا بارسال الرسل ونصب الآيات وانزال الكتب بالبيان والهدى ~~وما فيه الشفاء للعمى كأنه يقول لم تراي شيء كان هناك، تفخيما لشأنه مع ~~إنك انما تخبر به عنا، ولولا ما أعلمناك منه لم تهتد له. ### || [28.46-50] ms2752 # قرأ اهل الكوفة { سحران } بغير الف. الباقون { ساحران } وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - قال مجاهد اراد موسى وهارون، # والثاني - قال ابن عباس: أراد موسى ومحمدا { تظاهرا }: اي تعاونا. # ومن قرأ { سحران } قال ابن عباس: أراد التوراة والقرآن. وقال الضحاك: ~~اراد الانجيل والقرآن. وقال عكرمة: أراد التوراة والانجيل. ومن اختار { ~~ساحران } فلأنه قال تظاهرا وذلك إنما يكون بين الساحرين دون السحرين. ومن ~~قرأ { سحران } قال: في ذلك ضرب من المجاز، كما قال # بكتاب من عند الله هو أهدى # والكتاب يهتدى به، ولا يهدي. وانما يقال ذلك مجازا. # يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) { ما كنت بجانب الطور } ~~الذي كلم الله عليه موسى حين ناداه وكلمه. وقال له # إنني أنا الله # يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين # فخذها بقوة # وقيل: إن هذه المرة الثانية التي كلم الله فيها موسى { ولكن رحمة من ربك ~~} ومعناه لكن آتيناك علم ذلك رحمة من ربك، ونعة عليك، لما فيه من العبرة ~~والموعظة، وإن سبيلك لسبيل غيرك من النبيين في التأييد والمعجزة الدالة ~~على النبوة. # وقوله { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } فالانذار الاعلام بموضع ~~المخافة ليتقى، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) نذير لأنه معلم بالمعاصي، ~~وما يستحق عليها من العقاب، لتتقى بالطاعات، والنذر العقد على ضرب من ~~البر بالسلامة من الخوف والمعنى إنا أعلمناك لتخوف قوما لم يأتهم مخوف ~~قبلك ليتذكروا ويعتبروا، وينزعوا عن المعاصي. و (التذكر) طلب الذكر ~~بالفكر والنظر. # وقوله { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم } أي لولا أن تلحقهم ~~مصيبة جزاء على ما كسبت ايديهم فيقولوا حينئذ { لولا أرسلت إلينا رسولا ~~} اي هلا ارسلت الينا من ينهانا عن المعاصي ويدعونا إلى الطاعات { فنتبع ~~آياتك } أي ادلتك وبيناتك { ونكون من المؤمنين } بوحدانيتك لما أهلكناهم ~~عاجلا بكفرهم، فجواب { لولا } محذوف لدلالة الكلام عليه، لأن معنى الكلام ~~الامتنان عليهم بالامهال حتى يتذكروا ما أتى به الرسول (صلى الله عليه ~~وسلم). وقال قوم جواب { لولا } { أرسلت إلينا رسولا }. # وفي الآية ms2753 دلالة على وجوب فعل اللطف، لأنه لو لم يكن فعله واجبا لم يكن ~~للآية معنى صحيح. ثم اخبر تعالى انه { فلما جاءهم } يعني الكفار { الحق ~~من عندنا } من عند الله من القرآن والادلة الدالة على توحيده { قالوا } ~~عند ذلك: هلا أوتى محمد من المعجزات { مثل ما أوتي موسى } من قبل: من فلق ~~البحر وقلب العصا حية وغير ذلك. فقال الله تعالى { أولم يكفروا بما أوتي ~~موسى من قبل } قال الجبائي معنى { أولم يكفروا } اي او لم يكفر من كان في ~~عصر موسى وهارون، ونسبوهما إلى السحر ف { قالوا ساحران تظاهرا } اي موسى ~~ومحمد - في قول ابن عباس، وفي قول مجاهد: موسى وهارون. # ومن قرأ { سحران } أراد التوراة والقرآن او التوراة والانجيل او الانجيل ~~والقرآن. على ما حكيناه بخلاف فيه وأنهم قالوا مع ذلك { إنا بكل كافرون } ~~اي بكل ما امر به، وذكر انه من عند الله. ويحتمل ان يكون المراد بموسى ~~وهارون. وقال الحسن: المعني بقوله { إنا بكل كافرون } مشركوا العرب الذين ~~كفروا بالتوراة والانجيل والقرآن. # ثم امر تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لكفار قومه { فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } يعني من كتاب موسى وكتاب محمد - في ~~قول ابن زيد - { أتبعه إن كنتم صادقين } فيما تدعونه، ثم قال لنبيه (صلى ~~الله عليه وسلم) { فإن لم يستجيبوا لك } مع ظهور الحق { فاعلم أنما ~~يتبعون أهواءهم } أي ما تميل طباعهم اليه، لأن الهوى ميل الطبع إلى ~~المشتهى. وما عمل على انه حسن للهوى فلا يجوز أن يكون طاعة لكنه أبيح أن ~~يفعله على هذا الوجه، كما أبيح أن يفعله للذة والشهوة، والاستمتاع به. ~~وانما يكون طاعة لله ما عمل على أنه حسن لان الحكم دعا اليه او لان ~~الحكمة دعت اليه إذ كلما دعت اليه الحكمة بالترغيب فيه فالحكم داع اليه. # ثم اخبر تعالى فقال { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين } أي لا يهديهم إلى طريق الجنة. ms2754 ويجوز ان يكون ~~المراد لا يحكم بهدايتهم، لانهم عادلون عن طريق الحق. ### || [28.51-55] # يقول الله تعالى إنا { وصلنا } لهؤلاء الكفار { القول } وقيل في معناه ~~قولان: # احدهما - قال ابن زيد { وصلنا لهم القول } في الخبر عن أمر الدنيا ~~والآخرة الثاني - قال الحسن البصري { وصلنا لهم القول } بما أهلكنا من ~~القرون قرنا من قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود بكذا، ~~وقوم صالح بكذا { لعلهم يتذكرون } فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن كان ~~قبلهم. واصل التوصيل من وصل الحبال بعضها بعض. ومنه قول الشاعر: # فقل لبني مروان ما بال ذمة # وحبل ضعيف ما يزال يوصل # والمعنى انا اتبعنا القرآن بعضه بعضا. وقيل: معناه فصلنا لهم القول. # وقوله { الذين آتيناهم الكتاب } يعني التوراة { من قبله } يعني من قبل ~~القرآن وقد تقدم ذكره في قوله { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا ~~أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل }. # وقوله { هم به يؤمنون } أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله وبعد نزوله. ~~ويحتمل أن تكون الكناية عن النبي صلى الله عليه وآله، وتقديره الذين ~~آتيناهم الكتاب من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، لأنهم كانوا يجدون صفته في ~~التوراة ثم قال { وإذا يتلى عليهم } يعني القرآن { قالوا آمنا به } أي ~~صدقنا به { إنه الحق من ربنا إنا كنا } من قبل نزوله { مسلمين } به ~~مستمسكين بما فيه. # ثم اخبر تعالى ان هؤلاء الذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم على ما ~~صبروا في جنب الله { مرتين } إحداهما - لفعلهم الطاعة، والثانية للصبر ~~عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه ~~فيما لا يجوز أن يتخطأ اليه، ولذلك مدح الله الصابرين. والصبر على الحق ~~مر إلا أنه يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد، فهؤلاء صبروا على ~~الامتناع من المعاصي، وعلى فعل الطاعات. وقيل: صبروا على الأذى في جنب ~~الله. # ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال { ويدرؤن بالحسنة السيئة } يعني ~~يدفعون بالتوبة المعاصي، ms2755 لان الله تعالى يسقط العقاب عندها. وقيل: معناه ~~يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار. وقيل: ان ذلك قبل الأمر ~~بقتالهم، ولا يمتنع أن يؤمروا، بالاعراض عن مكالمتهم مع الأمر بقتالهم، ~~ولا تنافي بينهما على حال. # ثم قال { ومما رزقناهم ينفقون } أي جعلنا لهم التصرف فيها، وملكناهم ~~إياها ينفقون في طاعة الله، وفي سبيل الخير، وإذا سمعوا لغوا من الكلام، ~~ورأوا لغوا من الفعل أعرضوا عنه، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو { ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم { ~~سلام عليكم } أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه. ويقولون { لا نبتغي ~~الجاهلين } أي لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم. # واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه، وانما يفعله فاعله على توهم فاسد، ~~واللغو واللغا بمعنى واحد. قال الشاعر: # عن اللغا ورفث التكلم # ومن احسن الأدب الاعراض عن لغو الكلام. وقيل: ان هذه الآيات نزلت في ~~عبدالله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي لما ~~اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره: انها نزلت ~~في أربعين رجلا من أهل الانجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله ~~قبل مبعثه: اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن ابي طالب وقت ~~قدومه، وثمانية قدموا من الشام: منهم بحيرا، وابرهه، والاشرف، وعامر، ~~وايمن وإدريس، ونافع، قال قتادة: آتاهم الله أجرهم مرتين، لايمانهم ~~بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الثاني. ### || [28.56-60] # قرأ اهل المدينة ورويس { يجبى } بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابو عمرو ~~إلا السوسي { يعقلون } بالياء. # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { إنك } يا محمد { لا ~~تهدي من أحببت } هدايته. وقيل: معناه من احببته لقرابته. والمراد ~~بالهداية - ها هنا - اللطف الذي يحتاج اليه ليختار عنده الايمان، وذلك لا ~~يقدر عليه غير الله لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو باعلامه، لأنه لا ~~يعلم، ما يصلح العبد في دينه إلا الله تعالى، فاذا دبر الامور على ما فيه ~~صلاحه كان لاطفا له، وهذا التدبير لا ms2756 يتأتى من أحد سوى الله تعالى، ~~فلذلك نفى الله ذلك عن نبيه، ويؤيد ما قلناه قوله { وهو أعلم بالمهتدين } ~~ومعناه هو أعلم بمن يهتدي باللطف ممن لا يهتدي، فهو تعالى يدبر الأمور ~~على ما يعلم من صلاح العباد، على التفصيل من غير تعليم. # وهذه الآية نزلت لأن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرص على إيمان قومه ~~ويؤثر أن يؤمنوا كلهم، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته، وخاصة أقاربه. ~~فقال الله تعالى له: إنك لا تقدر على ذلك، وليس في مقدورك ما تلطف بهم في ~~الايمان ذلك بل في مقدور الله يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند ~~شيء فعله بهم فلا ينفع حرصك على ذلك. وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن ~~وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب. وعن ابي عبد الله وابي جعفر إن أبا ~~طالب كان مسلما وعليه اجماع الامامية، لا يختلفون فيه، ولهم على ذلك ~~أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها. # ثم قال تعالى حاكيا عن الكفار انهم قالوا: إن نتبع محمدا وما يدعونا ~~اليه ونقول انه هدى وموصل إلى الحق { نتخطف من أرضنا } وقيل: انها نزلت ~~في الحارث بن نوفل بن عبد مناف، فانه قال للنبي صلى الله عليه وآله انا ~~لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الذي معك، ونؤمن بك مخافة أن ~~يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة، ولا طاقة لنا بالعرب فقال الله تعالى { ~~أو لم نمكن لهم حرما آمنا } فالتخطف اخذ الشيء على الاستلاب من كل وجه: ~~تخطف تخطفا واختطف اختطافا وخطفه يخطفه خطفا قال امرؤ القيس: # نخطف خزان الشربة بالضحى # وقد حجرت منها ثعالب أورال # فقال الله تعالى لهم { أولم نمكن لهم حرما آمنا } وقيل في وجه جعله ~~الحرم آمنا وجهان: # احدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون إليه بترك النفور مما ينفر عنه ~~في غيره كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم. # والوجه الآخر - بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من يدخله ويلوذ ms2757 ~~به، ولا يتعرض له، وفائدة الآية إنا جعلنا الحرم آمنا لحرمة البيت مع ~~أنهم كفار يعبدون الأصنام حتى أمنوا على نفوسهم وأموالهم، فلو آمنوا لكان ~~أحرى بأن يؤمنهم الله، وأولى بأن يمكنهم من مراداتهم. # وقوله { يجبى إليه ثمرات كل شيء } أي يجلب إلى هذا الذي جعلناه حرما ~~ثمرات كل شيء. # فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الثمرات. ومن قرأ بالياء، فلأن التأنيث غير ~~حقيقي. # وقوله { رزقا من لدنا } نصب على المصدر، وتقديره رزقا رزقناه من عندنا ~~{ ولكن أكثرهم لا يعلمون } ما أنعمنا به عليهم. ثم قال { وكم أهلكنا من ~~قرية } اي من أهل قرية استحقوا العقاب { بطرت معيشتها } قال الفراء: ~~معناه أبطرتها معيشتها، كقولهم ابطرك مالك، فذكرت المعيشة، لان الفعل كان ~~لها في الأصل فحول إلى ما أضيفت اليه فنصبت كما قال # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # فالبطر والاشر واحد، وهو شق العصا بتضييع حق نعم الله، والطغيان فيها ~~بجحدها، والكفر بها. # ثم اخبر تعالى فقال { فتلك مساكنهم } يعني مساكن الذين أهلكهم الله { لم ~~تسكن من بعدهم إلا قليلا } من الزمان. ثم هلكوا وورث الله تعالى مساكنهم ~~لانه لم يبق منهم احد. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { وما كان ~~ربك } يا محمد { مهلك القرى، حتى يبعث في أمها رسولا } وقيل في معنى { ~~أمها } قولان: # احدهما - في أم القرى، وهي مكة. # والآخر في معظم القرى في سائر الدنيا { يتلو عليهم آياتنا } اي يقرأ ~~عليهم حجج الله وبيناته { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } ~~لنفوسهم بارتكاب المعاصي، وكفران نعمه. # ثم خاطب خلقه فقال { وما أوتيتم من شيء } اي ما اعطيتم من شيء { فمتاع ~~الحياة الدنيا } اي هو شيء تنتفعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون فيها { ~~وما عند الله } من الثواب ونعيم الجنة { خير وأبقى } من هذه النعم، لانها ~~باقية، وهذه فانية { أفلا تعقلون } ذلك وتتفكرون فيه. # وقوله { ثمرات كل شيء } قيل: ان (كل) ها هنا البعض، لانا نعلم انه ليس ~~يجبى إلى مكة كثير من الثمرات. وقال قوم: ms2758 ظاهر ذلك يقتضى انه يجبى اليه ~~جميع الثمرات إما رطبا او يابسا، ولا مانع يمنع منه. # ومن قرأ { تعقلون } بالتاء فلقوله { وما أوتيتم } ومن قرأ بالياء ~~فتقديره { أفلا يعقلون } يا محمد. ### || [28.61-65] # يقول الله تعالى منبها لخلقه على عظيم ما انعم به عليهم ورغبهم فيه من ~~ثواب الجنه { أفمن وعدناه وعدا حسنا } يعني من ثواب الجنة جزاء على ~~طاعاته يكون بمنزلة من متعناه متاع الحياة الدنيا؟! وقال السدي المعني ~~بقوله { أفمن وعدناه } حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام ~~وعدهما الله الجنة. وقيل: النصر في الدنيا والجنة في الآخرة - ذكره ~~الضحاك ومجاهد - { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } يعني به أبا جهل { ثم ~~هو يوم القيامة من المحضرين } في النار. وقيل للجزاء. وقيل: نزلت في ~~النبي صلى الله عليه وآله وابي جهل والمتعة هي المنفعة. وقد فرق بينهما ~~بأن المتعة منفعة توجب الالتذاذ في الحال، والنفع قد يكون بألم يؤدي إلى ~~لذة في العاقبة، فكل متعة منفعة، وليس كل منفعة متعة. والمتاع على وجهين: # احدهما - كالادوات التي يتمتع بها من نحو الفرس، والاثاث والثياب ~~وغيرها. # والثاني - يكون بمعنى المتعة. والمراد - ها هنا - متعة الحياة الدنيا. # وقوله - { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } يعني من المحضرين للجزاء ~~بالعقاب، لأنه تعالى ذكر من وعد وعدا حسنا، فدل ذلك على أهل الثواب ثم ~~ذكر انه لا يستوي أهل الثواب وغيرهم، فدل على اهل العقاب، لبعد حال كل ~~فريق من الفريقين عن الآخر. والاحضار إيجاد ما به يكون الشيء بحيث يشاهد، ~~فلما كان هؤلاء القوم يوجدون يوم القيامة ما به يكرهون بحيث يشاهدهم ~~الخلائق، كانوا محضرين. ثم قال { ويوم يناديهم } وتقديره: واذكر يوم ~~ينادي الله الكفار، وهو يوم القيامة { فيقول } لهم على وجه التوبيخ لهم ~~والتقريع " أين الذين " اتخذتموهم شركائي فعبدتموهم معي على قولكم وزعمكم ~~والزعم القول في الأمر عن ظن أو علم، ولذلك دخل في باب العلم، واخواته ~~قال الشاعر: # فان تزعميني كنت أجهل فيكم # فاني شريت الحلم بعدك بالجهل # ثم ms2759 حكى ان { الذين حق عليهم القول } بالعقاب: من الشياطين والانس والذين ~~أغووا الخلق من الانس يقولون في ذلك اليوم { ربنا هؤلاء } يعني من ضل بهم ~~من الناس واتخذوا شركاء من دون الله هم { الذين أغوينا أغويناهم كما ~~غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون } اي تبرأ بعضهم من بعض، وصاروا ~~أعداء. ويقولون لم يكن الانس يعبدوننا. ثم حكى الله فقال { وقيل } لهم { ~~ادعوا شركاءكم } الذين عبدتموهم من دون الله. ثم حكى انهم يدعونهم { فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } وقيل في معناه قولان: # احدهما - لو أنهم كانوا يهتدون ما رأوا العذاب. # والثاني - لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب. # ثم قال { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } فيما دعوكم اليه من ~~توحيد الله وعدله واخلاص العبادة له. ### || [28.66-70] # لما حكى الله تعالى أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويقررهم عما أجابوا به ~~المرسلين، أخبر انهم تعمى عليهم الحجج، فهم لا يسأل بعضهم بعضا. والعمى ~~آفة تنافي صحة البصر { فعميت عليهم الأنباء } فيه تشبيه بالعمى عن ~~الابصار لانسداد طريق الاخبار عليهم، كما تنسد طرق الأرض على الأعمى، ~~ومعنى { فهم لا يتساءلون } أي هم لانسداد طرق الاخبار عليهم لم يجيبوا ~~عما سئلوا عنه، ولا يسأل بعضهم بعضا عنه، لانقطاعهم عن الحجة، ولا ينافي ~~قوله { فهم لا يتساءلون } قوله في موضع آخر # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # لان يوم القيامة مواطن يختلف فيها حالهم، فمرة تطبق عليهم الحيرة، فلا ~~يتساءلون، ومرة يفيقون فيتساءلون. وقال الحسن: لا يسأل بعضهم بعضا أن ~~يحمل عنه شيئا كما كانوا في الدنيا. # ثم اخبر تعالى " ان من تاب " من المعاصي ورجع عنها إلى الطاعات، واضاف ~~إلى ذلك الاعمال الصالحات { فعسى أن يكون من المفلحين } وانما أدخل (عسى) ~~في اللفظ مع انه مقطوع بفلاحه، لأنه على رجاء أن يدوم على ذلك، فيفلح، ~~وقد يجوز أن يزول فيما بعد، فيهلك، فلهذا قال { فعسى } على انه قيل: إن ~~عسى من الله في جميع القرآن واجبة. # ثم اخبر تعالى فقال { وربك } يا ms2760 محمد { يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة } قيل في معناه قولان: # احدهما - يختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فدل بذلك على شرف اختياره لهم. # الثاني - أن تكون (ما) نفيا أي لم يكن لهم الخيرة على الله بل لله ~~الخيرة عليهم، لأنه مالك حكيم في تدبيرهم، فيكون على هذا الوجه الوقف على ~~قوله { ويختار } وهو الذي اختاره الزجاج. وقال الحسن: معناه { ما كان لهم ~~الخيرة } اي أن يختاروا الأنبياء، فيبعثوهم. وقال مجاهد { لا يتساءلون } ~~بالانساب والقرابات. وقيل { لا يتساءلون } بما فيه حجج لهم، وقوله { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } معناه ما عظم الله حق عظمته من اشرك في ~~عبادته، لأن من تعظيمه اخلاص الالهية له، وانه الواحد فيما تفرد به على ~~استحقاق العبادة، وانه لا يجوز أن يستغنى عنه بغيره، فمن اشرك في عباته ~~فما عظمه حق تعظيمه، فهذا قد قبح فيما أتى وضيع حق نعمه. # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " وربك يا محمد يعلم ما تكن ~~صدورهم وما يعلنون " أي عالم بما يخفونه وما يظهرونه. يقال: اكننت الشيء ~~في صدري أي أخفيته و (كننته) بغير ألف صنته. وقيل: كننت الشئ واكننته ~~لغتان. # ثم اخبر تعالى انه الإله الذي لا إله سواه، ولا يستحق العبادة غيره في ~~جميع السموات والارض، وانه يستحق الثناء والحمد والمدح والتعظيم، على ما ~~انعم به على خلقه في الدنيا والاخرة { وله الحكم } بينهم بالفصل بين ~~المختلفين بما يميز به الحق من الباطل. وان جميع الخلق يرجعون اليه يوم ~~القيامة الذي لا يملك احد الحكم غيره. وقيل قوله { وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار } ذلك في الوليد بن المغيرة حين قال # لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم # فبين الله تعالى أن له أن يختار ما يشاء لنبوته ورسالته بحسب ما يعلم من ~~يصلح لها. ### || [28.71-75] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } يا محمد لهؤلاء الكفار ~~الذين عبدوا معي آلهة تنبيها لهم على خطئهم { أرأيتم إن جعل الله عليكم ms2761 ~~الليل سرمدا } أي دائما { إلى يوم القيامة } بلا نهار ولا ضياء { من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء } كضياء النهار تبصرون فيه، فانهم لا يقدرون ~~على الجواب عن ذلك إلا بأنه لا يقدر على ذلك سوى الله تعالى، فحينئذ ~~يلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة غير الله وهذا تنبيه منه لنبيه صلى ~~الله عليه وآله ولخلقه على وجه الاستدلال على توحيده ويبطل ذلك قول من ~~قال: المعارف ضرورية. لأنه لو كان تعالى معلوما ضرورة لما احتاج الأمر ~~إلى ذلك، لان كونه معلوما ضرورة يغني عن الاستدلال عليه، وما لا يعلم ~~ضرورة من أمر الدين، فلا يصح معرفته إلا ببرهان يدل عليه. # وقوله { أفلا تسمعون } معناه أفلا تقبلونه وتتفكرون فيه؟ وفى ذلك تبكيت ~~لهم على ترك الفكر فيه، لانهم إذا لم يفكروا فيما يسمعونه من حجج الله ~~فكأنهم ما سمعوه. وقيل في قوله { أفلا تسمعون } قولان: # احدهما - افلا تسمعون هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذ كانت ~~بمنزلة الناطقة بأن ما انتم عليه خطأ وضلال يؤدي إلى الهلاك. # والثاني - ان معناه أفلا تقبلون. ثم نبههم ايضا فقال { أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا } أي دائما { إلى يوم القيامة } بلا ليل ~~تسكنون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بما يدل على فساد ~~معتقدهم، وهو انه لا يقدر على ذلك غير الله، فحينئذ تلزمهم الحجة بأنه لا ~~يستحق العبادة سواه. # وقوله { أفلا تبصرون } معناه أفلا تتفكرون فيما ترونه، لأن من لا يتدبر ~~بما يراه من الحجج والبراهين فكانه لم يرها. وقيل معناه ألا تعلمون ثم ~~قال { ومن رحمته } أي من نعمه عليكم أن { جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~} في الليل { ولتبتغوا من فضله } بالنهار بالسعي فيه، ولكي تشكروا هذه ~~النعم التي أنعم بها عليكم، والهاء في قوله { لتسكنوا فيه } يحتمل وجهين: # احدهما - ان يعود إلى الليل خاصة، ويضمر مع الابتغاء هاء أخرى، # الثاني - ان يعود الضمير اليهما إلا انه وحد، لأنه يجري مجرى المصدر في ~~قولهم: اقبالك وادبارك يؤذيني، والاول أصح، ms2762 لان الليل للسكون فيه، ~~والنهار للتصرف والحركة، ولكنه يحتمل ليكونوا في هذا على التصرف وفي ذاك ~~على الهدوء وقطع التصرف، وانما كان الفساد في ادامة النهار في دار ~~التكليف، ولم يكن في دار النعيم، لأن دار التكليف لا بد فيها من التعب ~~والنصب الذي يحتاج معه إلى الاستجمام والراحة، وليس كذلك دار النعيم، ~~لانه انما يتصرف فيها بالملاذ. # وقوله { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } قد مضى تفسيره، وانما كرر ~~النداء ب { أين شركائي الذين كنتم تزعمون } لان النداء الأول للتقرير ~~بالاقرار على اليقين بالغي الذي كانوا عليه ودعوا اليه. # والثاني - للتعجيز عن اقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الاشهاد مع ~~تقريع حاصل به بالاشراك بعد تقريع. # ثم اخبر تعالى انه نزع { من كل أمة } من الأمم { شهيدا } يشهد على تلك ~~الامة بما كان فيها، ومعنى { نزعنا } أخرجنا وأحضرنا يقال: فلان ينزع إلى ~~وطنه بأن يحن اليه حنينا يطالبه بالخروج اليه. قال قتادة ومجاهد: شهيدها ~~نبيها الذي يشهد عليها بما فعلوه، وقيل هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة ~~الذين لا يخلو زمان منهم يشهدون على الناس بما عملوا من عصيانهم. # وقوله { هاتوا برهانكم } حكاية عما يقول الله تعالى للكفار في الآخرة ~~فانه يقول لهم هاتوا حجتكم على ما ذهبتم اليه { إن كنتم صادقين } ثم اخبر ~~تعالى انهم عند ذلك يعلمون { أن الحق لله } أي ان التوحيد لله والاخلاص ~~في العبادة له دون غيره لان معارفهم. ضرورة { وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~أي بطل ما عبدوه من دون الله، وافتراءهم هو ادعاءهم الالهية مع الله ~~تعالى. ### || [28.76-80] # هذا اخبار من الله تعالى { إن قارون كان من قوم موسى } قال ابن اسحاق: ~~كان موسى ابن أخيه، وقارون عمه. وقال ابن جريج: كان ابن عمه لأبيه وأمه { ~~فبغى عليهم } قال قتادة: إنما بغى عليهم بكثرة ماله. والبغي طلب العلو ~~بغير حق. ومنه قيل لولاة الجور: بغاة، يقال: بغى يبغي بغيا، فهو باغ ~~وابتغى كذا ابتغاء إذا طلبه، ويبتغي فعل الحسن أي يطلب فعله بدعائه إلى ms2763 ~~نفسه. و { قارون } اسم أعجمي لا ينصرف. وروي أنه كان عالما بالتوراة ~~فبغى على موسى وقصد إلى تكذيبه، والافساد عليه. وقوله { وآتيناه من ~~الكنوز } أي اعطيناه كنوز الأموال والكنز جمع المال بعضه على بعض، ~~وبالعرف عبارة عما يخبأ تحت الأرض، ولا يطلق اسم الكنوز في الشرع الا على ~~مال لا يخرج زكاته، لقوله تعالى # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم # فوجه الوعيد عليه منه تعالى على فعلهم يدلك على صحة ما قلناه. # وقوله { ما إن مفاتحه } المفتاح عبارة عما يفتح به الاغلاق، وجمعه ~~مفاتيح ومفاتيح جمع مفتح، ومعناهما واحد، وقال قوم: كانت مفاتيحه من جلود ~~وقال آخرون: مفاتحه خزائنه. قال الزجاج: وهو الأشبه. # وقوله { لتنوء بالعصبة } أي ليثقل في حمله، يقال: ناء بحمله ينوء نوءا ~~إذا نهض به مع ثقله عليه، ومنه أخذت الانواء، لأنها تنهض من المشرق على ~~ثقل نهوضها. وقال ابو زيد: ناءني الحمل إذا اثقلني. والعصبة الجماعة ~~الملتفة بعضها ببعض. وقال قتادة: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. ~~وقال ابن عباس: قد يكون العصبة ثلاث. وانما قال لتنوء بالعصبة والمعني ~~العصبة تنوء بها، لان المعنى تميل بها مثقلة. وقيل: هو يجري مجرى التقديم ~~والتأخير كما قال الشاعر: # ونركب خيلا لا هوادة بينها # وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # وانما تشقى الضياطرة بالرماح، وقال آخر: # فديت بنفسه نفسي ومالي # وما آلوه إلا ما يطيق # والمعنى بنفسي ومالي نفسه، وقال الفراء: كان الاصل ان يقول لتنؤ العصبة ~~أي يثقلهم، بحذف الياء ومثله قوله، وهو مقلوب: # إن سراجا لكريم مفخرة # تحلى به العين إذا ما تجهره # فالوجه ان الرجل يعجب العين وكان ينبغي ان يقول يحلى بالعين، كقوله: # حليت بعينك ريطة مطويه # قال الرماني - التأويل الأول هو الصحيح، لانه ليس من باب التقديم ~~والتأخير لما في ذلك من قلب المعنى وليس كالذي تبنيه الاعراب. وقوله { إذ ~~قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين } حكاية عما قال قوم قارون ~~لقارون حين خوفوه بالله ونهوه ms2764 عن الفرح بما آتاه الله من المال، وأمروه ~~بالشكر عليه. والفرح المرح الذي يخرج إلى الانس، وهو البطر. ولذلك قال ~~تعالى { إن الله لا يحب الفرحين } لانه إذا اطلقت صفة فرح فهو الخارج ~~بالمرح إلى البطر، فأما قوله # فرحين بما آتاهم الله من فضله # فحسن جميل بهذا التقييد، وقال مجاهد: الفرحين هو فرح البطر.وقال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # ولا جازع من صرفه المتقلب # وقال آخر: # ولا ينسيني الحدثان عرضي # ولا أرخي من الفرح الازارا # وقوله { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } حكاية عما قال لقارون قومه ~~المؤمنون بموسى وبتوحيد الله. وقال قوم: إن المخاطب له كان موسى وإن ذكر ~~بلفظ الجمع ومعناه اطلب فيما أعطاك الله من الأموال { الدار الآخرة } بأن ~~ينفقها في وجوه البر وسبيل الخير { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال ابن ~~عباس: منعاه أن يعمل فيها بطاعة الله، وقال الحسن معناه: أن يطلب الحلال ~~{ وأحسن } اي افعل الجميل إلى الخلق. وتفضل عليهم، كما تفضل الله عليك { ~~ولا تبغ الفساد في الأرض } أي لا تطلب الفساد بمنع ما يجب عليك من ~~الحقوق، وانفاق الأموال في المعاصي { إن الله لا يحب المفسدين } أي لا ~~يريد منافع من يفسد في الأرض، ولا يريد أن يفعل بهم ثواب الجنة. # وقوله { قال إنما أوتيته على علم عندي } حكاية عما قال قارون في جواب ~~قومه، فانه قال لهم: أوتيت هذه الأموال على علم بأني مستحق لذلك، لعلمي ~~بالتوراة، وقال قوم: لاني أعمل الكيمياء، وقال قوم لعلمي بوجوه المكاسب، ~~وبما لا يتهيأ لأحد أن يسلبني إياه، فقال الله تعالى موبخا على هذا ~~القول { أولم يعلم } قارون { أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا } كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط وغيرهم، فما اغنى ~~عنهم جمعهم ولا قوتهم حين أراد الله إهلاكهم، فكيف ينفع قارون ماله ~~وجمعه. # وقوله { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قال الفراء تقديره: لا يسأل ~~المجرمون عن ذنوبهم، فالهاء والميم للمجرمين، كما قال تعالى ms2765 # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان # وقال الحسن لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون لنعلم ذلك من قبلهم، وإن سئلوا ~~سؤال تقريع وتوبيخ. # ثم حكى تعالى أن قارون { خرج على قومه في زينته } التي كان يتزين بها. ~~وقيل: إنه كان خرج مع قومه عليهم في الديباج الأحمر على الخيل، فلما رآه ~~الذين يريدون الحياة الدنيا من الكفار والمنافقين والضعيفي الايمان بما ~~للمؤمنين عند الله من ثواب الجنة قالوا { يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون } ~~تمنوا مثل منزلته، ومثل ماله وإنهم قالوا ان قارون { لذو حظ } من الدنيا ~~ونعيمها { عظيم }. ثم حكى ما قال المؤمنون بثواب الله المصدقون بوعده في ~~جوابهم { ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا } مما أوتي قارون، ~~وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله { ولا يلقاها إلا الصابرون } أي ما يلقى ~~مثل هذه الكلمة إلا الصابرون على أمر الله. وقيل: وما يلقى نعمة الله من ~~الثواب إلا الصابرون. # فان قيل: أليس عندكم أن الله لا يؤتي الحرام أحدا؟ وقد قال - ها هنا - ~~{ وابتغ فيما آتاك الله } فأخبر انه آتاه. # قيل: لا يعلم أن ذلك المال كان حراما، ويجوز أن يكون حلالا ورثه أو ~~كسبه بالمكاسب والمتاجر، ثم لم يخرج حق الله منه وطغى فسخط الله عليه ~~وعاقبه لطغيانه وعصيانه لا على كسب المال. ### || [28.81-88] # روي عن الكسائي الوقف على " وي " من قوله تعالى " وي كأن الله " ومن ~~قوله " وي كأنه " وروي عن ابن عمر الوقف على الكاف منهما قال ابو طاهر: ~~الاختيار اتباع المصحف، وهما فيه كلمة واحدة، وقرأ حفص ويعقوب { لخسف بنا ~~} بفتح الخاء والسين. الباقون بضم الخاء وكسر السين على ما لم يسم فاعله. # حكى الله تعالى أن خسف بقارون وبداره الأرض، فمر يهوي فيها حتى زهقت ~~نفسه على اسوء حالها، والخسف ذهاب في الأرض في جهة السفل. # ثم اخبر تعالى انه لم يكن لقارون { فئة } أي جماعة منقطعة اليه. والفئة ~~مشتق من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، وتصغيرها فئية { ينصرونه من دون ~~الله ms2766 } أي يمنعونه من عذاب الله الذي نزل به، وانما ذكر امتناع النصرة من ~~الله مع أنه معلوم أنه كذلك، لان المراد أنه لم يكن الأمر على ما قدره من ~~امتناعه بحاشيته وجنده، لان الذي غره قوته وتمكنه حتى تمرد في طغيانه. ثم ~~اخبر انه كما لم يكن له من ينصره لم يكن هو ايضا ممن ينتصر بنفسه لضعفه ~~عن ذلك وقصوره عنه. ثم حكى أن { الذين تمنوا مكانه بالأمس } حين خرج ~~عليهم على زينته لما رأوه خسف الله به، أصبحوا يقولون { ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر } أي يوسع رزقه على من يشاء ويضيق على من ~~يشاء، اعترفوا بذلك. ومعنى (وي) التنبيه على أمر من الامور، وهي حرف ~~مفصول من (كأن) - في قول الخليل وسيبويه - واختاره الكسائي. وذلك انهم ~~لما رأوا الخسف تنبهوا فتكلموا على قدر علمهم عند التنبيه لهم، كما يقول ~~القائل إذا تبين له الخطأ: وي كنت على خطأ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: # سألتاني، الطلاق إذ رأتاني # قل مالي قد جئتماني بنكر # وي كأن من يكن له نشب يح # بب ومن يفتقر يعيش عيش ضر # وقيل (وي كأنه) بمنزلة (ألا كأنه، وأما كانه) وقيل هي: ويك إن الله، ~~كأنه قال ينبهك بهذا إلا انه حذف، قال عنترة: # ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها # قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # وقال قوم: هي بمنزلة (ويلك) إلا انه حذف اللام تخفيفا، ونصب انه بتقدير ~~اعلم انه لا يفلح، وهذا ضعيف، لان العلم لا يضمر ويعمل. وقال الفراء: ~~سألت امرأة زوجها عن أبيه فقال ويك إنه وراء الحائط، ومعناه ألا ترينه ~~وراء الحائط. وقيل المعنى إن { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } لا ~~لكرامة عليه، كما بسط لقارون { ويقدر } أي يضيق لا لهوانة عليه، كما ضيق ~~على أنبيائه. # ثم قالوا { لولا أن من الله علينا } وعفى عنا لخسف بنا، كما خسف بقارون ~~{ ويك أنه لا يفلح الكافرون } أي لا يفوز بثوابه وينجو من عقابه من يجحد ~~نعم الله ms2767 ويعبد معه سواه. # وقيل: إن قارون جعل لبغي جعلا على أن ترمي موسى بالفاحشة، فلما حضرت في ~~الملأ كذبت قارون واخبرت بالحق فخر موسى ساجدا يبكي، فأوحى الله اليه ما ~~يبكيك قد سلطتك على الأرض فمرها بما شئت، فقال موسى يا أرض خذيهم، ~~فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حقرويهم ثم قال يا ~~ارض خذيهم، فاخذتهم إلى اعناقهم وهم في كل ذلك ينادون يا موسى يا موسى ~~ارحمنا - ذكره ابن عباس - وروي أن الله تعالى قال: لو قالوا مرة واحدة يا ~~الله ارحمنا لرحمتهم. ثم قال تعالى { تلك الدار الآخرة } يعني الجنة { ~~نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض } وانما قبح طلب العلو في الارض، ~~لأنه ركون اليها، وترك لطلب العلو في الآخرة، ومعاملة لها بخلاف ما أراده ~~الله بها من أن تكون دار ارترحال لا دار، مقام فيها { ولا فساد } أي ولا ~~يريدون فسادا في الارض بفعل المعاصي { والعاقبة للمتقين } اخبار منه ~~تعالى بأن العاقبة الجميلة من الثواب للذين يتقون معاصي الله ويفعلون ~~طاعاته. وقيل: علوا في الارض معناه تكبرا عن الحق. # ثم اخبر تعالى ان من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات { فله خير ~~منها } ثوابا عليها وجزاء عليها، لان له بالواحدة عشرا { ومن جاء ~~بالسيئة } يعني بالمعصية { فلا يجزى الذين عملوا السيئات } يعني الذين ~~عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال # ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # وقوله { إن الذي فرض عليك القرآن } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول ~~الله له إن الذي أوجب عليك الامتثال بما يضمنه القرآن وأنزله عليك { ~~لرادك إلى معاد } قال الحسن: معناه إلى المرجع يوم القيامة. وقال مجاهد: ~~إلى الجنة. وقال ابن عباس: إلى الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إلى ~~مكة. والأظهر من الاقوال: لرادك إلى معاد في النشأة الثانية إلى الجنة. ~~واكثر أقوال المفسرين انه أراد إلى مكة قاهرا لأهلها. # ثم قال له { قل } يا ms2768 محمد { ربي أعلم من جاء بالهدى } الذي يستحق به ~~الثواب ممن لم يجيء به، وضل عنه، لا يخفى عليه المؤمن من الكافر، ولا من ~~هو على الهدى، ولا من هو ضال عنه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { وما كنت } يا محمد { ترجو أن يلقى ~~اليك الكتاب إلا رحمة من ربك. فلا تكونن ظهيرا للكافرين } قال الفراء: ~~تقديره إلا أن ربك رحمك. فانزله عليك، فهو استثناء منقطع. ومعناه وما كنت ~~ترجو أن تعلم كتب الأولين وقصصهم تتلوها على أهل مكة، ولم تشهدها ولم ~~تحضرها بدلالة قوله # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو # أي انك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هناك ثاويا مقيما ~~فتراه فتسمعه وكذلك قوله # وما كنت بجانب الغربي # فها أنت تتلو قصصهم وأمرهم، فهذه رحمة من ربك. ومعنى { فلا تكونن ظهيرا ~~} اي لا تكونن معينا لهم { ولا يصدنك } يعني هؤلاء الكفار أي لا يمنعك " ~~عن " اتباع { آيات الله } وحججه { بعد إذا أنزلت اليك } على ما بينها في ~~القرآن { وادع إلى ربك } الذي خلقك وأنعم عليك { ولا تكونن من المشركين } ~~الذين يتخذون مع الله معبودا سواه { ولا تدع مع الله إلها آخر } فتستدعي ~~حوائجك من جهته { لا إله إلا هو } اخبار منه تعالى أنه لا معبود إلا الله ~~وحده لا شريك له. # ثم اخبر أن كل من سوى الله هالك، فان { كل شيء هالك إلا وجهه } ومعناه ~~إلا ذاته. وقيل: معناه كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. قال الشاعر: # استغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد اليه الوجه والعمل # ثم قال { له الحكم } لانه ليس لأحد أن يحكم بشيء إلا بأمره الله تعالى. ~~ويجعل الحكم له عقليا كان او شرعيا و { اليه } إلى الله { ترجعون } يوم ~~القيامة أي إلى الموضع الذي لا يملك أحد التصرف فيه سواه، لان الله تعالى ~~قد ملك في الدنيا لكثير من البشر التصرف فيها. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-5] # خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا { الم ms2769 } آية. ولم يعده الباقون. # قال قتادة: نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا للهجرة فعرض لهم المشركون، ~~فرجعوا، فنزلت الآية فيهم، فلما سمعوها خرجوا، فقتل منهم من قتل وخلص من ~~خلص، فنزلت فيهم # والذين جاهدوا فينا # وقيل: نزلت في عمار، ومن كان بقرب مكة - ذكره ابن عمر - وقيل: نزلت في ~~قوم أسلموا قبل فرض الجهاد والزكاة، فلما فرضا منعا، فنزلت الآية فيهم. # قد بينا في غير موضع اختلاف الناس في ابتداء السور بحروف الهجاء وذكرنا ~~أن أقوى الأقوال قول من قال: إنها اسماء للسور. وقال قوم: إنها اسماء ~~للقرآن. # وقوله { الم أحسب الناس أن يتركوا } اختلف الناس في { الم } وقد ذكرناه ~~فيما مضى. وقوله { أحسب الناس أن يتركوا } خطاب من الله لخلقه على وجه ~~التوبيخ لهم بأن قال أيظن الناس أن يتركهم الله إذا قالوا آمنا أي صدقنا ~~ونقتصر منهم على هذا القدر، والحسبان والظن واحد. وقوله { أحسب } معناه ~~التوهم والتخيل. وقيل: الحسبان مشتق من الحساب، لأنه في حساب ما يعمل ~~عليه. ومنه الحسيب، لانه في حساب ما يختبي، و { هم لا يفتنون } أي أيظنون ~~أنهم لا يختبرون إذا قالوا آمنا؟!. والمعنى انهم يعاملون معاملة المختبر ~~لتظهر الافعال التي يستحق عليها الجزاء. وقيل: في معنى { أن يقولوا آمنا ~~} قولان: احدهما - يتركوا لأن يقولوا. الثاني - أحسبوا أن يقولوا على ~~البدل وقال مجاهد: معنى { يفتنون } يبتلون في أنفسهم واموالهم. وقيل: ~~معنى يفتنون يصابون بشدائد الدنيا أي ان ذلك لا يجب أن يرفع في الدنيا ~~لقولهم آمنا. وقال ابن عمر: أظنوا ان لا يؤمروا ولا ينهوا. وقال الربيع: ~~ألا يؤذوا ولا يقتلوا؟! # ثم اقسم تعالى انه فتن الذين من قبلهم { فليعلمن الله الذين صدقوا } في ~~ايمانهم { وليعلمن الكاذبين } فيه. وانما قال { فليعلمن } مع أنه ~~للاستقبال والله تعالى عليم فيما لم يزل، لحدوث المعلوم فلا تصح الصفة ~~إلا على معنى المستقبل إذ لا يصلح ولا يصح لم يزل عالما بأنه حادث، ~~لانعقاد معنى الصفة بالحادث، وهو إذا حدث علمه تعالى حادثا بنفسه. وقيل: ~~معنى ms2770 { وليعلمن الله الذين صدقوا } ليجازيهم بما يعلم منهم. وقيل: معناه ~~يعلم الله الذين صدقوا في أفعالهم، كما قال الشاعر: # [ليث بعثر يصطاد الرجال] إذا # ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # وقال ابن شجرة { فليعلمن الله } معناه فليظهرن الله لرسوله صدق الصادق. ~~وقال النقاش: معناه فليميزن الله الصادقين من الكاذبين. وهو قول الجبائي. # ثم قال تعالى ممددا لخلقه { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ~~اي أيظن الذين يفعلون القبائح والمعاصي ان يفوتونا؟! كما يفوت السابق ~~لغيره. # ثم قال { ساء ما يحكمون } اي بئس الشيء الذي يحكمون بظنهم. انهم ~~يفوتونا. # ثم قال { من كان يرجوا لقاء الله } أي من كان يأمل لقاء ثواب الله. # وقال سعيد بن جبير والسدي: معناه من كان يخاف عقاب الله، كما قال ~~الشاعر: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # أي لم يخف ف { من } رفع بالابتداء، وخبرها { كان } وجواب الجزاء، كقولك ~~زيد إن كان في الدار فقد صدق الوعد. وقوله { فإن أجل الله لآت } أي الوقت ~~الذي وقته الله للثواب والعقاب آت لا محالة والله { هو السميع } لاقوالكم ~~{ العليم } بما تضمرونه في نفوسكم، فيجازيكم بحسب ذلك. ### || [29.6-10] # يقول الله تعالى { ومن جاهد } أي من جاهد نفسه بأن يصبر على ما أمره ~~الله به، ويعمل بسنته، ومنه الجهاد، وهو الصبر في الحرب على ما جاء به ~~الشرع { فإنما يجاهد لنفسه } لان ثواب صبره عائد عليه وواصل اليه دون ~~الله تعالى، لانه تعالى غني عن جميع الخلائق غير محتاج إلى طاعاتهم، ولا ~~غير ذلك. # ثم قال تعالى { والذين آمنوا } أي صدقوا بوحدانيته واقروا بنبوة نبيه، ~~واعترفوا بما جاء به من عند الله { لنكفرن عنهم سيئاتهم } التي اقترفوها ~~قبل ذلك. ومن قال بالاحباط قال: تبطل السيئة الحسنة التي هي أكبر منها ~~حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، كما قال # إن الحسنات يذهبن السيئات # والاحباط هو ابطال الحسنة بالسيئة التي هي اكبر منها. والسيئة الخصلة ~~التي يسوء صاحبها عاقبتها. والحسنة الخصلة التي يسر صاحبها عاقبتها. وكل ~~حسنة طاعة لله، وكل ms2771 سيئة هي معصية له تعالى. # وقوله { لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } قال الجبائي: معناه أحسن ما ~~كانوا يعملون: طاعاتهم لله، لانه لا شيء في ما يعمله العباد أحسن من ~~طاعاتهم لله. وقال قوم: معناه ولتجزينهم بأحسن اعمالهم، وهو الذي أمرناهم ~~به، دون المباح الذي لم نأمرهم به ولا نهيناهم عنه. # وقوله { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } معناه أمرناه أن يفعل حسنا ~~وألزمناه ذلك. ثم خاطب كل واحد من الناس، فقال { وإن جاهداك } يعني ~~الوالدين أيها الانسان { لتشرك بي } في العبادة { ما ليس لك به علم، فلا ~~تطعهما } في ذلك. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص، لأنه لما هاجر حلفت ~~أمه انها لا يظلها سقف بيت حتى يعود. فنزلت الآية. # ثم قال مهددا للجميع { الي مرجعكم } أي إلي مآلكم { فأنبئكم } أي ~~اخبركم { بما كنتم تعملون } في دار التكليف، ثم اجازيكم بحسبه. ثم قال ~~تعالى { والذين آمنوا } بتوحيد الله واخلاص العبادة له وصدق انبيائه ~~واضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحات { لندخلنهم في } جملة { الصالحين } ~~الذين فعلوا الطاعات ويجازيهم الله ثواب الجنة. # ثم اخبر ان { من الناس من يقول } بلسانه { آمنا بالله فإذا أوذي في الله ~~} أي إذا لحقه شدة في جنب الله { جعل فتنة الناس } أي عذاب الناس إياهم { ~~كعذاب الله } اي خافوا عذاب الخلق، كما يخاف عذاب الله، فيرتدون. # { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } وهذا الذي ذكره صفة ~~المنافقين الذين إذا جاهدوا الكفار وكانت الدائرة على المسلمين جعلوا ذلك ~~مثل ما يعذبهم الله، ومتى ظفروا بأعدائهم قالوا للمؤمنين { إنا كنا معكم ~~} في الجهاد فلنا مثل ما لكم من الغنيمة، فقال تعالى { أوليس الله بأعلم ~~بما في صدور العالمين } أي الله يعلم بواطن احوالهم وسرائر ما في نفوسهم، ~~فيجازيهم على حسب ذلك. ### || [29.11-15] # اقسم الله تعالى بأنه يعلم الذين يؤمنون بالله على الحقيقة ظاهرا ~~وباطنا فيجازيهم على ذلك بثواب الجنة، وذلك ترغيب لهم { وليعلمن ~~المنافقين } فيه تهديد للمنافقين مما هو معلوم من حالهم التي يستترون بها ~~ويتوهمون انهم نجوا ms2772 من ضررها، باخفائها، وهي ظاهرة عند من يملك الجزاء ~~عليها، وتلك الفضيحة العظمى بها. # ثم حكى تعالى أن الذين كفروا نعم الله وجحدوها يقولون للذين آمنوا ~~بتوحيده وصدق انبيائه { اتبعوا سبيلنا ولنحمل } نحن { خطاياكم } أي نحمل ~~ما تستحقون عليها من العقاب يوم القيامة عنكم هزؤا بهم واشعارا بأن هذا ~~لا حقيقة له، فالمأمور بهذا الكلام هو المتكلم به أمر نفسه في مخرج اللفظ ~~ومعناه يضمن إلزام النفس هذا المعنى، كما يلزم بالأمر، قال الشاعر: # فقلت ادعي وادع فان اندى # لصوت أن ينادي داعيان # معناه ولادع. وفيه معنى الجزاء وتقديره ان تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم. ~~ثم نفى تعالى أن يكونوا هم الحاملين لخطاياهم من شيء، وانهم يكذبون في ~~هذا القول، لأن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، فلا يصح إذا أن ~~يتحمل احد ذنب غيره، كما قال تعالى # ولا تزر وازرة وزر أخرى # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # وليس ذلك بمنزلة تحمل الدية عن غيره، ولان الفرض في الدية أداء المال عن ~~نفس المقتول، فلا فضل بين ان يؤديه زيد عن نفسه، وبين ان يؤديه عمرو عنه، ~~لانه بمنزلة قضاء الدين. # وقوله { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } معناه انهم يحملون ~~خطاياهم في أنفسهم التي لا يعملونها بغيرهم، ويحلون الخطايا التي ظلموا ~~بها غيرهم، فحسن لذلك فيه التفصيل الذي ذكره الله. # وقوله { وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } أى يعملون. ومعناه إنهم ~~يسألون سؤال تعنيف وتوبيخ وتبكيت وتقريع، لا سؤال استعلام كسؤال التعجيز ~~في الجدل، كقولك للوثني ما الدليل على جواز عبادة الأوثان، وكما قال ~~تعالى # هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # ثم اخبر تعالى انه أرسل نوحا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله وإخلاص ~~العبادة له، وانه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يجيبوه، وكفروا ~~به { فأخذهم الطوفان } جزاء على كفرهم، فأهلكهم الله تعالى { وهم ظالمون ~~} لنفوسهم بما فعلوه من عصيان الله تعالى والاشراك به، والطوفان الماء ~~الكثير الغامر، لانه يطوف بكثرته في نواحي الارض قال الراجز: # افناهم ms2773 طوفان موت جارف # شبه الموت في كثرته بالطوفان. ثم اخبر تعالى انه أنجى نوحا والذين ~~ركبوا معه السفينه من المؤمنين به، وجعل السفينة آية أي علامة للخلائق ~~يعتبرون بها إلى يوم القيامة، لأنها فرقت بين المؤمنين والكفار والعاصين ~~والاخيار، فهي دلالة للخلق على صدق نوح وكفر قومه. ### || [29.16-20] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { أولم تروا } بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ~~ابن كثير وابو عمرو { النشاءة } بفتح الشين ممدودة - هنا - وفي النجم، ~~والواقعة. الباقون - بسكون الشين مقصورا - ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب ~~تقديره: قل لهم يا محمد { أولم تروا } حين انكروا البعث والنشور { أولم ~~تروا كيف يبدئ الله الخلق } أي إذا انكرتم الاعادة كان الابتداء أولى ~~بالنكرة. وحيث أقروا بان الله خالقهم ابتداء فيلزمهم أن يقروا بالاعادة ~~ثانيا. ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم { ويبدئ } فيه لغتان اتى بهما ~~القرآن بدأ الله الخلق، وأبدأهم، قال الله تعالى { وهو الذي يبدؤ الخلق ~~ثم يعيده } فمصدر أبدأ يبدؤ إبداءا، فهو مبدئ. ومن قرأ (بدأ) يبدؤ ~~بدءا، فهو بادئ، وذاك مبدوء، ويقال: رجع عوده على بدئه بالهمز، وبدا ~~يبدو، بغير همز: ظهر. وقال ابو عمرو (غلام تغلب): يجوز رجع عوده على بده ~~- بغيره همز - بمعنى الظهور كقولهم: ما عدا مما بدا. والنشاءة والنشأة ~~بالمد والقصر، لغتان. كقولهم: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة وهما مصدران. ~~فالنشأة المرة الواحدة، يقال: نشأ الغلام، فهو ناشئ، وامرأة ناشئة، ~~والجمع نواشئ، ويقال للجواري الصغار نشأ قال نصيب: # ولولا ان يقال صبا نصيب # لقلت بنفسي النشأ الصغار # وانشأهم الله إنشاء، فهو منشئ، ونشت - بغير همز - ريحا طيبة، ورجل ~~نشوان من الشراب. ورجل نشيان للخير إذا كان يتخير الخير، حكاه تغلب. # قوله { وإبراهيم إذ قال } يحتمل نصبه أمرين: # احدهما - ان يكون عطفا على قوله { وأرسلنا نوحا إلى قومه } وتقديره ~~وأرسلنا إبراهيم أيضا. # الثاني - بتقدير واذكر { إبراهيم } حين { قال لقومه اعبدوا الله } وحده ~~لا شريك له، واتقوا عقابه باتقاء معاصيه { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } ~~ما هو خير لكم مما هو شر لكم. ms2774 # وقوله { إنما تعبدون من دون الله أوثانا } حكاية عما قال ابراهيم لقومه ~~كأنه قال لهم ليس تعبدون من دون الله إلا اوثانا، وهو جمع وثن، وهو ما ~~يعبد من دون الله. وقيل: ما يعمل من حجر وطين يسمى وثنا. و (ما) في قوله ~~{ إنما } كافة، وليست بمعنى الذي، لأنها لو كانت بمعنى الذي، لكان ~~(اوثان) رفعا. # وقوله { وتخلقون إفكا } أي تعملون أصناما، وسماها إفكا لادعائهم انها ~~آلهة - وهو قول قتادة، والجبائي - وقال ابن عباس: وتصنعون كذبا، وتحقيقه ~~يصنعون على ما يقدرون، ثم قال لهم ابراهيم أيضا { إن الذين تعبدون من ~~دون الله } يعني الاصنام { لا يملكون لكم رزقا } أي لا يقدرون على أن ~~يرزقوكم، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع، وهو الله الرازق. ~~والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتم التصرف، وليس ذلك إلا لله ~~- عز وجل - على الحقيقة لأن له التصرف والقدرة على جميع الاشياء بلا ~~مانع، والانسان إنما يملك ما يملكه الله، ويأذن له في التصرف فيه. # فأصل الملك لجميع الأشياء لله. ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق ~~العبادة، لأن العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة. والأصنام لا تقدر على ذلك، ~~فاذا لا يحسن عبادتها. # ثم قال لهم { وابتغوا عند الله الرزق } أي اطلبوا الرزق من عند الله دون ~~من سواه { واعبدوه } على ما انعم به عليكم من أصول النعم، وأعلى مراتب ~~الفضل { واشكروا له } ايضا، لأنكم اليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على ~~قدر اعمالكم. فمن عبده وشكره جازاه بالثواب. ومن عبد غيره وكفر نعمه ~~جازاه بالعقاب. ويقال: شكرته وشكرت له يؤكد باللام. فمعنى الشكر له ~~اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره. ثم قال { وإن تكذبوا } بما اخبركم به ~~من عند الله، وما أدعوكم اليه من اخلاص عبادته { فقد كذب أمم من قبلكم } ~~انبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس { على الرسول إلا البلاغ المبين } يعني ~~الا أن يوصل اليهم ويؤدي اليهم ما أمر به لكونه بيانا ظاهرا يمكنهم ~~معرفته وفهمه، وليس عليه حملهم على الايمان. ms2775 # ثم قال { أولم يروا كيف يبدؤا الله الخلق } اي ألم يفكروا فيعلموا كيف ~~اخترع الله الخلق من العدم { ثم يعيده } ثانيا اذا اعدمهم بعد وجودهم. ~~قال قتادة: معنى { ثم يعيده } بالبعث بعد الموت. وقيل ينشئه بالاحياء { ~~ثم يعيده } بالرد إلى حال الموت. والأول أصح { إن ذلك على الله يسير } ~~غير متعذر، لأن من قدر على الاختراع والانشاء أولا كان على الاعادة اقدر. ~~ومعنى { يسير } لا تعب عليه فيه ولا نصب، وكل فعل كان كذلك، فهو سهل ~~يسير. والاحتجاج في ذلك أن من قدر على ذلك قادر على ارسال الرسول إلى ~~العباد. # ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { قل } لهؤلاء الكفار { سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق } وفكروا في آثار من كان قبلكم، وإلى ~~اي شيء صار امرهم لتعتبروا بذلك فيما يؤديكم إلى العلم بربكم. # وقوله { ثم الله ينشئ النشأة الآخرة } فالنشأة الآخرة اعادة الخلق كرة ~~ثانية من غير سبب كما كان اول مرة، لان معنى الانشاء الايجاد من غير سبب ~~{ إن الله على كل شيء قدير } اخبار منه تعالى انه قادر على كل شئ يصح ان ~~يكون مقدورا له. ### || [29.21-25] # قرأ ابن كثير وابو عمرو، والكسائي { مودة بينكم } بالرفع والاضافة. وقرأ ~~نافع وابو بكر عن عاصم وابن عامر { مودة بينكم } منونا منصوبا، وروى ~~الأعشى عن أبي بكر برفع { مودة } و { بينكم } نصب، وقرأ حفص عن عاصم ~~وحمزة { مودة بينكم } نصبا غير منون مضاف. # من رفع يحتمل وجهين احدهما - ان يجعل { إنما } كلمتين يجعل (ما) بمعنى ~~الذي، وهو اسم (ان) و (مودة) خبره، ومفعول اتخذتم (هاء) محذوفة، وتقديره: ~~إن الذي اتخذتموه مودة بينكم، كما قال الشاعر: # ذريني إنما خطائي وصوا # بي علي وانما اهلكت مالي # يريد ان الذي أهلكته مالي. الثاني - ان يرفعها بالابتداء، و { في الحياة ~~الدنيا } خبرها. # ومن نصب جعل (المودة) مفعول (اتخذتم). # ومن أضاف جعل البين الوصل. # ومن لم ينون ولم يضف جعل (البين) ظرفا. وهو الفراق ايضا. يقال: بينهما ~~بين بعيد، وبون بعيد، ms2776 وجلس زيد بيننا، وبينا بالادغام، ذكره ابن زيد عن ~~ابن حاتم عن الاصمعي، يقال: بان زيد عمرا: إذا فارقه يبونه بونا قال ~~الشاعر: # كأن عيني وقد بانوني # غربا نصوح غير محنوني # وقرأ ابي { اثما مودة بينكم }. # اخبر الله تعالى انه { يعذب من يشاء } من عباده اذا استحقوا العقاب { ~~ويرحم من يشاء } منهم فيعفو عنهم بالتوبة وغير التوبة { وإليه تقلبون } ~~معاشر الخلق أي اليه تحشرون وترجعون يوم القيامة. والقلب الرجوع والرد، ~~فتقلبون أي تردون إلى حال الحياة في الآخرة بحيث لا يملك الضر والنفع فيه ~~إلا الله. والقلب نفي حال بحال يخالفها. ثم قال: ولستم بمعجزين في الأرض ~~أي بفائتين، فالمعجز الفائت بما يعجز القادر عن لحاقه. ولهذا فسروا { وما ~~أنتم بمعجزين } أي بفائتين، والمعنى لا تغتروا بطول الامهال { في الأرض ~~ولا في السماء } اي لستم تفوتونه في الارض، ولا في السماء لو كنتم فيها، ~~فانه قادر عليكم حيث كنتم. وقيل في ذلك قولان: احدهما - لا يفوتونه هربا ~~في الأرض، ولا في السماء. الثاني - ولا من في السماء بمعجزين، كما قال ~~حسان: # أمن يهجوا رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # وتقديره ومن يمدحه وينصره سواء أم لا يتساوون؟! # وقوله { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } أي وليس لكم ولي ولا ~~ناصر من دون الله يدفع عنكم عقاب الله إذا أراد بكم، فالولي هو الذي ~~يتولى المعونة بنفسه، والنصير قد يدفع المكروه عن غيره تارة بنفسه وتارة ~~بان يأمر بذلك. ثم قال تعالى { والذين كفروا بآيات الله } اي جحدوا أدلة ~~الله ولقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة { أولئك يئسوا من رحمتي } اخبار عن ~~اياسهم من رحمة الله، لعلمهم انها لا تقع بهم ذلك اليوم { وأولئك لهم ~~عذاب اليم } اي مؤلم. # وفى ذلك دلالة على ان المؤمن بالله واليوم الآخر لا يجوز ان ييأس من ~~رحمة الله. # ثم قال { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه او حرقوه } وفى ذلك ~~دلالة على ان جميع ما تقدم حكاية ما قال ابراهيم ms2777 لقومه، وانهم لما عجزوا ~~عن جوابه بحجة عدلوا إلى ان قالوا اقتلوه او حرقوه وفى الكلام حذف، ~~وتقديره: إنهم اوقدوا نارا وطرحوه فيها { فأنجاه الله من النار إن في ~~ذلك لآية } واضحة وحجة بينة { لقوم يؤمنون } بصحة ما اخبرناك به من توحيد ~~الله واخلاص عبادته. # ثم عاد إلى حكاية قول ابراهيم وانه قال لهم { إنما اتخذتم من دون الله ~~اوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا. ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا } قال قتادة: كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا خلة ~~المتقين كما قال # الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # ومعنى الآية ان ابراهيم قال لقومه: انما اتخذتم هذه الأوثان آلهة من دون ~~الله لتتوادوا بها في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يتبرؤ بعضكم من بعض ~~ويلعن بعضكم بعضا، ومستقركم النار، وما لكم من ينصركم بدفع عذاب الله ~~عنكم. # ثم قال لهم { ومأواكم النار } أي مستقركم و { ما لكم من ناصرين } يدفعون ~~بالقهر والغلبة. وروى عبد الله بن احمد بن حنبل عن أبيه في كتاب التفسير ~~أن جميع الدواب والهوام كانت تطفي عن ابراهيم النار إلا الوزغ فانها كانت ~~تنفخ النار، فامر بقتلها. وروى أيضا انه لم ينتفع احد يوم طرح ابراهيم ~~في النار بالنار في جميع الدنيا. ### || [29.26-30] # ست آيات حجازي وخمس في ما عداه عدوا { السبيل } آية ولم يعدها الباقون. # قرأ اهل الحجاز وابن عامر وحفص ويعقوب { إنكم لتأتون الفاحشة } بهمزة ~~واحدة على الخبر. وقرأه اهل الكوفة. إلا حفصا بهمزتين مخففتين على ~~الاستفهام. وقرأ ابو عمرو كذلك إلا انه بلين الثانية، ويفصل بينهما بألف، ~~وأما { إنكم لتأتون الرجال } فانهم على اصولهم. حكى الله سبحانه ان ~~ابراهيم لما دعا قومه إلى اخلاص عبادة الله وترك عبادة الاوثان، وقبح ~~فعلهم في ذلك أنه صدق به لوط عليه السلام وآمن به. وكان ابن اخته، ~~فابراهيم خاله وهو قول ابن عباس وابن زيد والضحاك وجميع المفسرين. وقال ~~لوط { إني مهاجر إلى ربي } معناه اي خارج من جملة الظالمين ms2778 على جهة الهجر ~~لهم لقبح أفعالهم إلى حيث أمرني ربي، ومن هذا هجرة المسلمين من مكة إلى ~~المدينة وإلى أرض الحبشة، لانهم هجروا ديارهم وأوطانهم لأذى المشركين لهم ~~فأمروا بأن يخرجوا عنها. وقيل: هاجر ابراهيم ولوط من كوثى، وهي من سواد ~~الكوفة إلى أرض الشام في قول قتادة. وقال { إنه هو العزيز الحكيم } الذي ~~لا تضيع الطاعة عنده، العزيز الذي لا يذل من نصره. ثم قال { ووهبنا له } ~~يعني لابراهيم { إسحاق ويعقوب، وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } قيل: ~~إنما لم يذكر اسماعيل مع انه نبي معظم، لأنه قد دل عليه بقوله { وجعلنا ~~في ذريته النبوة والكتاب } فترك ذكر اسمه لانه يكفي فيه الدلالة عليه ~~لشهرته وعظم شأنه، وذكر ولد ولده في سياقه ذكر ولده، لأنه يحسن اضافته ~~اليه، لأنه الأب الاكبر له. # وقوله { وآتيناه أجره في الدنيا } قال ابن عباس: الاجر في الدنيا الثناء ~~الحسن، والولد الصالح، وقال الجبائي: هو ما أمر الله به المكلفين من ~~تعظيم الأنبياء. قال البلخي: وذلك يدل على انه يجوز أن يثيب الله في دار ~~التكليف ببعض الثواب. و (الكتاب) أريد به الكتب، من التوراة والانجيل ~~والزبور والقرآن، غير انه خرج مخرج الجنس. { وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~} اخبار منه تعالى أن ابراهيم مع انه آتاه أجره وثوابه في الدنيا إنه في ~~الآخرة يحشره الله من جملة الصالحين العظيمي الاقدار، لما قاموا به من ~~النبوة على ما أمر الله به، وقوله { ولوطا إذ قال لقومه } يحتمل نصبه ~~أيضا بشيئين: # احدهما - و (أرسلنا لوطا) عطفا على (نوحا وابراهيم). # والثاني - بتقدير واذكر لوطا حين قال لقومه { إنكم لتأتون الفاحشة } من ~~قرأ بلفظ الاستفهام أراد به الانكار دون الاستعلام. ومن قرأ على الخبر ~~أراد إن لوطا أخبرهم بذلك منكرا لفعلهم لا مفيدا لهم، لأنهم كانوا ~~يعلمون ما فعلوه. والفاحشة - ها هنا - ما كانوا يفعلونه من اتيان الذكران ~~في أدبارهم { ما سبقكم بها } بهذه الفاحشة أحد من الخلائق. # ثم فسر ما أراد بالفاحشة فقال { إنكم لتأتون الرجال } يعني في ms2779 أدبارهم، ~~والفاحش الشنيع في القبح، فحش فلان يفحش فحشا وتفاحش تفاحشا إذا شنع في ~~قبحه، وهو ظهوره بما تقتضي العقول بالبديهه رده وانكاره. # وقوله { وتقطعون السبيل } قيل: انهم كانوا يقطعون الطريق لأخذ الأموال، ~~وقيل: يقطعون سبيل الولد باتيان الذكران في الأدبار، وقيل: بالعمل ~~الخبيث، لأنهم كانوا يطلبون الغرباء { وتأتون في ناديكم المنكر } قال ابن ~~عباس: كانوا يضرطون في مجالسهم، وقال السدي: كانوا يحذفون من مر بهم. ~~وقال مجاهد: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم. وقال الكلبي: منها الحذف، ~~والصفير، ومضغ العلك، والرمي بالبندق، وحل ازرار القبا والقميص. وهي ~~ثماني عشرة خصلة. وقال غيره: هي عشرة خصال. # وقوله { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين } حكاية عما قال قوم لوط في جوابه حين عجزوا عن مقاومته بالحجة ~~وانهم قالوا له { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } في دعواك النبوة ~~وأن الله أرسلك وأمرك بما تدعو اليه، فقال عند ذلك لوط { رب انصرني على ~~القوم المفسدين } الذين فعلوا المعاصي وارتكبوا القبائح وأفسدوا في الارض ~~والمعنى اكفني شرهم وأذاهم، ويجوز أن يريد اهلكهم، وانزل عذابك عليهم. ### || [29.31-35] # قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب { لننجينه } بالتخفيف. الباقون بالتثقيل. ~~وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف وابو بكر ويعقوب { منجوك } غير متحرك ~~بالتخفيف. الباقون بالتشديد وقرأ ابن عامر والكسائي عن ابي بكر { منزلون ~~} بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من قرأ { لننجينه } بالتشديد وبتحريك ~~النون، فلقوله # ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون # ولقوله # إلا آل لوط نجيناهم بسحر # ومن خفف فلقوله # فأنجاه الله من النار # يقال: نجا زيد وأنجيته ونجيته، مثل فرح وفرحته وأفرحته. ومن قرأ { ~~منزلون } بالتشديد، فلان أصله نزل، كما قال # نزل به الروح الأمين # فاذا عديته ثقلته إما بالهمزة او بالتضعيف والتضعيف يدل على التكرار. # وقوله { إنا منجوك وأهلك } نصب { أهلك } على انه مفعول به عطفا على ~~موضع الكاف، وقوله # قوا أنفسكم وأهليكم # انما كسر اللام وموضعها النصب، لان العرب تقول: رأيت أهلك يريدون جميع ~~القرابات. ومنهم من يقول: أهليك، ويجمع ms2780 اهل على أهلين، فاذا أضافه ذهبت ~~النون للاضافة، فالياء علامة الجمع والنصب، وكسرت اللام لمجاورتها الياء. ~~وفي الحديث # " " ان لله أهلين " قيل: من هم يا رسول الله؟ قال " اهل القرآن هم اهل ~~الله وخاصته " " # ومن العرب من يجمع (أهلا) أهلات انشد ابن مجاهد: # فهم اهلات حول قيس بن عاصم # إذا ادلجوا بالليل يدعون كوثرا # قال ابن خالويه: الصواب أن يجعل اهلات جمع اهلة. قال: فان قيل: هل يجوز ~~أن تقول أهلون؟ - بفتح الهاء - كما يقولون: أرضون إذ كان الأصل ارضات، ~~قال: إن (أهلا) مدكر تصغيره أهيل، وارضا مؤنثة تصغيرها أريضة، والتاء ~~سابقة في المؤنث ممتنعة في المذكر، فهذا يفصل ما بينهما، قال وما علمت ~~أحدا تكلم فيه. # اخبر الله تعالى انه لما جاء ابراهيم رسل الله، وهم من الملائكة بالبشرى ~~يبشرونه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، والبشرى البيان، وهو الخبر بما ~~يظهر سروره في بشرة الوجه. وقيل: للاخبار بما يظهر سروره او غمه في ~~البشرة: بشرى، ويقوي ذلك قوله # فبشرهم بعذاب أليم # غير انه غلب عليه البشارة بما يسر به. # وقوله { قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية } حكاية ما قالت الملائكة ~~لابراهيم فانهم قالوا له: بعثنا الله وارسلنا لاهلاك هذه القرية التي ~~فيها قوم لوط. والاهلاك الاذهاب بالشيء إلى ما لا يقع به احساس، فلما ~~كانوا بالعذاب قد اذهبوا هذا الاذهاب كانوا قد اهلكوا، والقرية البلدة ~~التي يجتمع اليها للايواء من جهات مختلفة، وهي من قريت الماء في الحوض ~~أقريه قريا. إذا جمعته. ومنه قرى الضيف لانك تجمعه اليك بما تعده له من ~~طعام. و (الظالم) من فعل الظلم وهو صفة ذم. # فقال لهم ابراهيم عند ذلك { إن فيها لوطا } كيف تهلكونها، فقالوا في ~~جوابه { نحن أعلم بمن فيها } والأعلم الاكثر معلوما، فاذا كان الشيء ~~معلوما لعالم من جهات مختلفة ولعالم آخر من بعض تلك الوجوه دون بعض كان ~~ذلك اعلم. # ثم قالوا { لننجينه } أي لنخلصنه من العذاب { وأهله } أي ونخلص أيضا ~~اهله المؤمنين منهم { إلا امرأته كانت من الغابرين ms2781 } أي من الباقين في ~~العذاب، قال المبرد: و { أهلك } عطف على المعنى، لأن موضع الكاف الخفض، ~~ولا يجوز العطف على المضمر المخفوض على اللفظ، ومثل ذلك قول لبيد: # فان لم تجد من دون عدنان والدا # ودون معد فلترعك العواذل # فنصب (ودون) على الموضع. ثم حكى تعالى أن رسل الله لما جاءت { لوطا سيء ~~بهم } وقيل في معناه قولان: # احدهما - سيء بالملائكة أي ساء مجيؤهم لما طلبوا منه الضيافة لما يعلم ~~من خبث فعل قومه - في قول قتادة -. # الثاني - سيء بقومه ذرعا أي ضاق بهم ذرعا، لما علم من عظم البلاء ~~النازل بهم، فلما رأته الملائكة على تلك الصفة { قالوا } له { لا تخف ولا ~~تحزن إنا منجوك } اي مخلصوك ومخلصوا { أهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين ~~} اي من الباقين في العذاب. وانما قال { من الغابرين } على جمع المذكر ~~تغليبا للمذكر على المؤنث إذا اجتمعا. وقيل: كانت من الباقين لأنه طال ~~عمرها، ذكره ابو عبيدة، وقالوا له { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا ~~} اي عذابا رجزا { بما كانوا يفسقون } ويخرجون من طاعة الله إلى ~~معصيته. # ثم اخبر تعالى فقال { ولقد تركنا منها } يعني من القرية انه بينه، قال ~~قتادة الآية البينة الحجارة التي أمطرت عليهم. وقال غيره عفو آثارهم مع ~~ظهور هلاكهم { لقوم يعقلون } ذلك ويبصرونه ويتفكرون فيه ويتعظون به، ~~فيزجرهم ذلك عن الكفر بالله واتخاذ شريك معه في العبادة. ### || [29.36-40] # قوله { وإلى مدين أخاهم شعيبا } عطف على قوله { ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه } وتقديره وأرسلنا إلى مدين، وقد فسرنا معنى { مدين } فيما تقدم { ~~أخاهم شعيبا } وانه قال لهم { يا قوم اعبدوا الله } وحده لا شريك له ولا ~~تشركوا معه في العبادة غيره { وارجوا اليوم الآخر } يحتمل أن يكون أراد ~~وخافوا عقاب اليوم الآخرة بمعاصي الله، ويحتمل ان يكون أراد واطلبوا ثواب ~~يوم القيامة بفعل الطاعات { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } معناه لا ~~تضطربوا بحال الجهالة يقال: عثى يعثي عثى، كقولهم عاث يعيث عيثا وفيه ~~معنى الأمر بالاستقامة، لانه إنما يخرج ms2782 عن اضطراب الجهال إلى الاستقامة، ~~في الأفعال. والفساد كل فعل ينافي العقل أو الشرع، فهو عبارة عن معاصي ~~الله. # ثم اخبر أن قومه كذبوه في ادعائه النبوة ولم يقبلوا منه فعاقبهم الله ~~بعذاب الرجفة، وهي زعزعة الأرض تحت القدم، يقال: رجف السطح من تحت أهله ~~يرجف رجفا، ورجفة شديدة، والارجاف هو الأخبار بما يضطرب الناس لأجله من ~~غير أن يحققونه { فأصبحوا في دارهم جاثمين } قال قتادة: ميتين بعضهم على ~~بعض. وقيل: باركين على ركبهم، والجاثم البارك على ركبتيه مستقبلا بوجهه ~~الأرض. # وقوله { وعادا وثمود } أي وأهلكنا أيضا عادا وثمود جزاء على كفرهم { ~~وقد تبين لكم } معاشر الناس كثير { من مساكنهم }. # ثم اخبر أنه { زين لهم الشيطان اعمالهم } التي كفروا بها وعصوا الله ~~فيها، وذلك يدل على بطلان قول المجبرة الذين ينسبون ذلك إلى الله. # ثم اخبر أن الشيطان صدهم ومنعهم عن طريق الحق { فهم لا يهتدون } اليه ~~لاتباعهم دعاء الشيطان. وعدولهم عن الطريق الواضح { وكانوا مستبصرين } أي ~~وكانوا عقلاء يمكنهم تمييز الحق من الباطل بابصارهم له وفكرهم فيه. وقال ~~مجاهد وقتادة { وكانوا مستبصرين } في ضلالتهم لعجبهم به، فتصوروه بخلاف ~~صورته. # ثم اخبر انه تعالى أهلك قارون، وفرعون، وهامان. ويجوز أن يكون عطفا على ~~(الهاء والميم) في قوله { فصدهم عن السبيل } وكأنه قال فصد عادا وثمود، ~~وصد قارون وفرعون وهامان. وأنهم { جاءهم موسى بالبينات } يعني بالحجج ~~الواضحات: من فلق البحر وقلب العصا وغير ذلك { فاستكبروا في الأرض } أي ~~طلبوا التجبر فيها، ولم ينقادوا للحق وأنفوا من اتباع موسى { وما كانوا ~~سابقين } أي فائتين لله، كما يفوت السابق. # ثم اخبر تعالى فقال { فكلا أخذنا بذنبه } أي اخذنا كلا بذنبه { فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا } وهو الريح العاصفة التي فيها حصباء وهي الحصى ~~الصغار، وشبه به البرد والجليد، قال الاخطل: # ولقد علمت إذا العشار تروحت # هدج الرئال تكبهن شمالا # ترمي الرياح بحاصب من ثلجها # حتى تبيت على العضاة جفالا # وقال الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام يضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # والذين أرسل عليهم الحاصب ms2783 قوم لوط - في قول ابن عباس، وقتادة - والذين ~~أخذتهم الصيحة ثمود وقوم شعيب - في قولهما - { ومنهم من خسفنا به الأرض } ~~يعني قارون، { ومنهم من أغرقنا } يعني قوم نوم وفرعون. # ثم اخبر تعالى أنه لم يظلمهم بما فعل معهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~بجحدهم نعم الله واتخاذهم مع الله آلهة عبدوها، وطغيانهم وفسادهم في ~~الأرض. # وذلك يدل على فساد قول المجبرة الذين قالوا: إن الظلم من فعل الله، لأنه ~~لو كان من فعله لما كانوا هم الظالمين لنفوسهم، بل كان الظالم لهم من فعل ~~فيهم الظلم ### || [29.41-45] # قرأ ابو عمرو ويعقوب وعاصم - في رواية حفص - والعليمي، والعبسي { إن ~~الله يعلم ما يدعون من دونه } بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون ~~بالتاء على الخطاب. قال ابو علي: { ما } استفهام وموضعها النصب ب { ~~يدعون } ولا يجوز أن يكون نصبا ب { يعلم } ولكن صارت الجملة التي هي ~~منها في موضع نصب، وتقديره إن الله يعلم أوثانا يدعون من دونه، لا يخفى ~~عليه ذلك. ومثله # فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار # والمعنى سيعلمون آلمسلم يكون له عقابة الدار أم الكافر؟. وكل ما كان من ~~هذا فهكذا القول فيه، وهو قياس قول الخليل. # شبه الله سبحانه حال من اتخذ من دونه أولياء ينصرونه عند الحاجة في ~~الوهن والضعف بحال العنكبوت الذي يتخذ بيتا ليأوى اليه، فكما أن بيت ~~العنكبوت في غاية الوهن والضعف، فكذلك حال من اتخذ من دون الله أولياء ~~مثله في الضعف والوهن. والمثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالاول. و ~~(الاتخاذ) أخذ الشيء على اعداده لنائبة، وهو (افتعال) من (الاخذ) فلما ~~اخذوا عبادة غير الله إعدادا لنائبة كانوا اتخذوا الأولياء من دون الله، ~~وذلك فاسد لأن عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الأوثان. ~~والمولي هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لان الناصر قد يكون ~~ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي هو الذي يتولى فعلها بنفسه. ~~والعنكبوت هو دابة لطيفة تنسج بيتا تأويه، في غاية الوهن والضعف، ويجمع ~~عناكب، ms2784 ويصغر عنيكب ووزنه (فعللوت) وهو يذكر ويؤنث، قال الشاعر: # على هطأ لهم منهم بيوت # كأن العنكبوت هو ابتناها # ويقال: هو العنكباء. ثم اخبر تعالى { إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } ~~الذي شبه الله حال من اتخذ من دونه أولياء به، فاذا حاله أضعف الاحوال. ~~وقوله { لو كانوا يعلمون } صحة ما أخبرناهم به ويتحققونه، لكنهم كفار ~~بذلك، فلا يعلمونه ف (لو) متعلقة بقوله { اتخذوا } أي لو علموا أن ~~اتخاذهم الأولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتخذوهم أولياء، ولا ~~يجوز أن تكون متعلقة بقوله { وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت } لأنهم ~~كانوا عالمين بأن بيت العنكبوت واه ضعيف. # ثم قال تعالى { إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء } سواء كان صنما ~~او وثنا أو ما كان مثل ذلك { وهو العزيز } في انتقامه الذي لا يغالب في ~~ما يريده { الحكيم } في جميع أحواله وأفعاله، واضع لها في مواضعها. ثم ~~قال { وتلك الأمثال } وهي الاشباه والنظائر، قال الشاعر: # هل يذكر العهد في تنمص # إذ يضرب لي قاعدة بها مثلا # { يضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } أي ما يدركها إلا من كان ~~عالما بمواقعها. ثم اخبر تعالى انه { خلق السماوات والأرض } وأخرجهما من ~~العدم إلى الوجود { بالحق } أي على وجه الحكمة دون العبث الذي لا فائدة ~~فيه وانه قصد بها الدلالة على توحيده { إن في ذلك } يعني في خلق الله ذلك ~~على ما ذكره { لآية للمؤمنين } المصدقين بتوحيد الله، لأنهم المنتفعون ~~بها دون الكفار الذين لم ينتفعوا بها لتفريطهم، فلذلك اسندها إلى ~~المؤمنين. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { اتل ما أوحي إليك من الكتاب } يا ~~محمد يعني القرآن - على المكلفين، واعمل بما تضمنه { وأقم الصلاة } ~~بحدودها { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } يعني فعلها فيه لطف ~~للمكلف في فعل الواجب والامتناع عن القبيح، فهي بمنزلة الناهي بالقول إذا ~~قال: لا تفعل الفحشاء ولا المنكر، وذلك لأن فيها: التكبير، والتسبيح، ~~والقراءة، وصنوف العبادة، وكل ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضده، كالأمر ~~والنهي بالقول، ms2785 وكل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق، فهو داع اليه وصارف عن ~~ضده من الباطل. وقال ابن مسعود: الصلاة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف. ~~وبه قال ابن عباس. وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا من أطاع. # وقوله { ولذكر الله أكبر } معناه ولذكر الله إياكم برحمته اكبر من ذكركم ~~إياه بطاعته - ذكره ابن عباس، وسلمان، وابن مسعود، ومجاهد - وقيل: معناه ~~ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله - في رواية أخرى - عن سلمان، وهو قول ~~قتادة وابن زيد وابي الدرداء. وقال ابو مالك: معناه إن ذكر العبد لله ~~تعالى في الصلاة أكبر من الصلاة. وقيل: ذكر الله بتعظيمه اكبر من سائر ~~طاعاته. وقيل: ولذكر الله اكبر من النهي عن الفحشاء. # وقوله { والله يعلم ما تصنعون } من خير وشر، فيجازيكم بحسبه. وفي الآية ~~دلالة على بطلان قول من قال: ان المعرفة ضرورة، ودلالة على بطلان قول ~~المجبرة في أن الله خلق الكافر للضلال. ### || [29.46-50] # قرأ ابو عمرو، وابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم وقتيبة عن ~~الكسائي { لولا أنزل عليه آيات من ربه } على الجمع لقوله { قل إنما ~~الآيات }. وقرأ الباقون { آية } على التوحيد. ومعناهما واحد، لأنه لفظ ~~جنس يدل على القليل والكثير. قال قتادة: الآية الأولى منسوخة بالجهاد ~~والقتال. وقال غيره: هي ثابتة، وهو الأولى، لانه لا دليل على ما قاله، ~~فكيف وقد أمر بالجدال بالذي هو أحسن، وهو الواجب الذي لا يجوز غيره كما ~~قال # وجادلهم بالتي هي أحسن # فالآية خطاب من الله تعالى لنبيه وجميع المؤمنين ينهاهم أن يجادلوا أهل ~~الكتاب: من اليهود والنصارى { إلا بالتي هي أحسن } وقيل: معناه إلا ~~بالجميل من القول في التنبيه على آيات الله وحججه والأحسن الأعلى في ~~الحسن من جهة تقبل العقل له،. وقد يكون الأعلى في الحسن من جهة تقبل ~~الطبع له، وقد يكون في الامرين، و (الجدال) فتل الخصم عن مذهبه بطريق ~~الحجاج فيه. وفي ذلك دلالة على حسن المجادلة، لأنها لو كانت قبيحة على ~~كال حال، لما قال { إلا بالتي ms2786 هي أحسن }. # وأصل الجدال شدة الفتل، يقال: جدلته أجدله جدلا إذا فتله فتلا شديدا، ~~ومنه الأجدل: للصقر لشدة فتل بدنه. وقيل: انه يجوز أن يغلظ المحق في ~~الجدل على الظالم فيه، بتأديب الله تعالى في الآية في قوله { إلا الذين ~~ظلموا منهم } فاستثنى الظالم عن المجادلة بالتي هي أحسن. # فان قيل: لم استثنى الذين ظلموا؟ وكلهم ظالم لنفسه بكفره! # قيل: لان المراد { إلا الذين ظلموا } في جدالهم أو في غيره مما يقتضي ~~الاغلاظ لهم، ولهذا يسع الانسان ان يغلظ على غيره، والا فالداعي إلى الحق ~~يجب أن يستعمل الرفق في أمره. قال مجاهد: { إلا الذين ظلموا منهم } بمنع ~~الجزية. وقال ابن زيد: الذين ظلموا بالاقامة على كفرهم بعد إقامة الحجة ~~عليهم. # ثم قال تعالى للمؤمنين { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا } من القرآن { ~~وأنزل إليكم } من التوراة والانجيل، وقولوا { وإلهنا وإلهكم واحد } لا ~~شريك له { ونحن له مسلمون } طائعون. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ومثل ما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى ~~من التوراة والانجيل { انزلنا اليك الكتاب } القرآن { فالذين آتيناهم ~~الكتاب } يعني الذين آتيناهم علم الكتاب يصدقون بالقرآن لدلالته عليه { ~~ومن هؤلاء من يؤمن به } أي من غير جهة علم الكتاب. وقيل { فالذين آتيناهم ~~الكتاب } يعني به عبد الله بن سلام وأمثاله. و { من هؤلاء } يعني أهل مكة ~~{ من يؤمن به }. ويحتمل ان يكون أراد ب { الذين آتيناهم الكتاب } الذين ~~آتاهم القرآن: المؤمنين منهم و { ومن هؤلاء } يعني من اليهود والنصارى { ~~من يؤمن به } أيضا، والهاء في قوله { به } يجوز أن تكون راجعة إلى ~~النبي، ويجوز أن تكون راجعة إلى القرآن { وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ~~} لان كل من جحد بآيات الله من المكلفين، فهو كافر: معاندا كان أو غير ~~معاند. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { وما كنت تتلو من قبله من كتاب } ~~يعني لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى اليك بالقرآن { ولا تخطه بيمينك } ~~معناه وما كنت أيضا تخط بيمينك. وفيه اختصار، وتقديره ولو ms2787 كنت تتلو ~~الكتاب وتخطه بيمينك { إذا لارتاب المبطلون } وقال المفسرون: إنه لم يكن ~~النبي صلى الله عليه وآله يحسن الكتابة. والآية لا تدل على ذلك بل فيها ~~إنه لم يكن يكتب الكتاب وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه، كما لا يكتب من لا ~~يحسنه، وليس ذلك بنهي، لأنه لو كان نهيا لكان الأجود أن يكون مفتوحا، ~~وإن جاز الضم على وجه الاتباع لضمة الخاء، كما يقال: (رده) بالضم والفتح ~~والكسر، ولكان أيضا غير مطابق للاول. ولو أفاد أنه لم يكن يحسن الكتابة ~~قبل الايحاء، لكان دليله يدل على انه كان يحسنها بعد الايحاء اليه، ليكون ~~فرقا بين الحالتين. # ثم بين تعالى أنه لم يكتب، لأنه لو كتب لشك المبطلون في القرآن وقالوا ~~هو قرأ الكتب أو هو يصنفه، ويضم شيئا إلى شيء في حال بعد حال فاذا لم ~~يحسن الكتابة لم تسبق اليه الظنة. # ثم قال { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } وقيل: معناه بل ~~هي آيات واضحات في صدور العلماء. بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، على صفته في ~~التوراة والانجيل - في قول ابن عباس - وقال الحسن: بل القرآن آيات بينات ~~في صدور العلماء. ثم قال { وما يجحد بآياتنا } أي لا ينكر حججنا ويجحدها ~~إلا الذين ظلموا نفوسهم بترك النظر فيها، أو العناد لها بعد طول المدة ~~وحصول العلم بها. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا: هلا انزل على محمد آية من ~~ربه؟ يريدون آية يقترحونها، وآية كآية موسى: من فلق البحر وقلب العصا ~~حية، فقال الله تعالى لهم { قل } لهم يا محمد { إنما الآيات عند الله } ~~ينزلها ويظهرها بحسب ما يعلم من مصالح خلقه { وإنما أنا نذير } أي منذر ~~مخوف من معصية الله { مبين } طريق الحق من طريق الباطل. ### || [29.51-55] # قرأ اهل الكوفة ونافع { يقول } بالياء على معنى: ويقول لهم الموكلون ~~بعذابهم. الباقون - بالنون - على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. وفي ~~قراءة عبد الله ويقال لهم: على ما لم يسم فاعله. # لما حكى ms2788 الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: هلا أنزل على محمد آيات ~~اقترحوها او آيات كما أنزل على موسى وعيسى، قال الله لهم { أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك } يا محمد { الكتاب } يعني القرآن { يتلى عليهم } فبين ~~أن في القرآن دلالة واضحة وحجة بالغة ينزاح معه العلة وتقوم به الحجة لا ~~يحتاج معه إلى غيره في الوصول إلى العلم بصحة نبوته وأنه مبعوث من عند ~~الله، مع أن اظهار المعجزات مع كونها لازاحة العلة يراعى فيها المصلحة. ~~فاذا كانت المصلحة في اظهار نوع منها لم يجز إظهار غيرها، ولو اظهر الله ~~الاعلام التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا، لاقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت ~~في الامم الماضية، وقد وعد الله أن هذه الأمة لا تعذب بعذاب الاستئصال، ~~كما قال # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون # والكفاية بلوغ حد ينافي الحاجة، يقال: كفى يكفي كفاية، فهو كاف. وقيل: ~~إن الآية نزلت في قوم كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب شبه الخرافات، فقال ~~الله تعالى: { أولم يكفهم } القرآن تهديدا لهم ومنعا من التعرض لغيره. ~~وقولهم: كفى الله معناه أنه فعل ما ينافي الحاجة بالنصرة. والتلاوة هي ~~القراءة وسميت تلاوة لأنه يتلو حرف حرفا في التلاوة. والقرآن مشتق من ~~جمع الحروف بعضها إلى بعض. # ثم بين الله تعالى { إن في ذلك } أي القرآن { لرحمة } أي نعمة { وذكرى } ~~اي ما يتذكر به ومعتبر { لقوم يؤمنون } يصدقون به ويعتبرون وانما أضافه ~~اليهم، لانهم الذين ينتفعون به. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول ~~{ كفى بالله } أي كفى الله. والباء زائدة { بيني وبينكم شهيدا } يشهد ~~بالحق. والشاهد والشهيد واحد، وفيه مبالغة، والشهادة هي الخبر بالشيء عن ~~مشاهدة تقوم به الحجة في حكم من أحكام الشرع، ولذلك لم يكن خبر من لا ~~تقوم به الحجة - في الزنا - شهادة وكان قذفا، ثم بين أن الشهيد الذي هو ~~الله { يعلم ما في السماوات والأرض } ويعلم الذين صدقوا بالبالطل وجحدوا ~~وحدانيته. ثم اخبر عنهم انهم الخاسرون الذين خسروا ms2789 ثواب الجنة بارتكابهم ~~المعاصي وجحدهم بالله، فكان ذلك الخسران الذي لا يوازيه خسران مال. وقوله ~~{ والذين آمنوا بالباطل } انما وصفهم بالايمان مقيدا بالباطل، كما يقال: ~~فلان كافر بالطاغوت مقيدا، وانما الاطلاق لا يجوز فيهما. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { ويستعجلونك بالعذاب } يعني ~~هؤلاء الكفار { يستعجلونك بالعذاب } أن ينزل عليهم بجحودهم صحة ما تدعوهم ~~به، كما قالوا # فأمطر علينا حجارة من السماء # و { لولا أجل مسمى } يعني وقتا قدره الله أن يعاقبهم فيه وهو يوم ~~القيامة وأجل قدره الله أن يبقيهم اليه لضرب من المصلحة. وقال الجبائي: ~~ذلك يدل على أن التبقية لا تجب لكونه أصلح، لانه علله بأنه قدر له أجلا { ~~لجاءهم العذاب } الذي استحقوه { وليأتينهم } العذاب الذي يوعدونه { بغتة ~~} أي فجأة { وهم لا يشعرون } بوقت مجيئه. # ثم قال { يستعجلونك } يا محمد { بالعذاب } أي يطلبون العذاب عاجلا قلة ~~يقين منهم بصحته { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } أي كأنها محيطة بهم لما ~~قد لزمهم بكفرهم من كونهم فيها. وقيل: معناه انه إذا كان يوم القيامة ~~أحاطت بهم. ووجه ثالث - أنها تحيط بهم { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون } أي تكسبون أي ذوقوا جزاء ~~اعمالكم المعاصي التي اكتسبتموها. ### || [29.56-60] # قرأ يحيى والعليمي { ثم إلينا يرجعون } بالياء على الخبر عن الغائب. ~~الباقون بالتاء على الخطاب. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { لنثوينهم } ~~بالثاء من أثويته منزلا أي جعلت له منزل مقام، والثواء المقام، الباقون ~~بالباء من قولهم: بوأته منزلا، كما قال تعالى { مبوء صدق } في قوله # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوء صدق # و # إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # ويحتمل ان تكون اللام زائدة، كقوله # ردف لكم بعض # ويحتمل ان يكون المراد { بوأنا } لدعاء إبراهيم { مكان البيت } ويقول ~~القائل: اللهم بوئنا مبوء صدق أى انزلنا منزل صدق والتبوء اتخاذ منزل ~~يرجع اليه من يأوى اليه، وأصله الرجوع من قوله { باءوا بغضب من الله } أي ~~رجعوا، ومنه قول الحارث ابن عباد: (بوئوا بشسع كليب) وقيل: معناه ~~لننزلنهم ms2790 من الجنة علالي. # يقول الله تعالى لخلقه الذين صدقوا بوحدانيته وأقروا بنبوة نبيه { يا ~~عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } لبعد أقطارها، فاهربوا من أرض من ~~منعكم فيها من الايمان واخلاص عبادتي فيها. وقيل: نزلت في مؤمني مكة ~~أمروا بالهجرة عنها، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وابن زيد. وقيل { ~~أرضي واسعة } بما أخرج فيها من الرزق لكم - ذكره مطرف بن عبد الله بن ~~السخير العامري. وقال الجبائي: معناه إن ارض الجنة واسعة، واكثر اهل ~~التأويل على ان المراد به ارض الدنيا. # وقوله { فاياي فاعبدون } أي اعبدوني خالصا، ولا تطيعوا احدا من خلقي ~~في معصيتي. وقيل: دخول الفاء في الكلام للجزاء وتقديره إن ضاق موضع بكم ~~فاياي فاعبدون لأن أرضي واسعة. و (إياي) منصوب بمضمر يفسره ما بعده. # ثم اخبر تعالى ان { كل نفس } احياها الله بحياة خلقها فيها { ذائقة ~~الموت } والذائق الواجد للجسم بحاسة إدراك الطعم { ثم إلينا ترجعون } أي ~~تردون إلينا فنجازيكم على قدر استحقاقكم من الثواب والعقاب. وفي ذلك غاية ~~التهديد والزجر. ثم قال { والذين آمنوا } أي صدقوا بوحدانية الله، وأقروا ~~بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله { وعملوا } مع ذلك الاعمال { الصالحات ~~لنبوءنهم } أي لننزلنهم { من الجنة } التي وعدها الله المتقين { غرفا } ~~أي مواضع عاليات { تجري من تحتها الأنهار } لان الغرف تعلو عليها. وقيل: ~~تجري من تحت أشجارها المياه. وقيل: انهار الجنة في أخاديد تحت الارض { ~~خالدين فيها } أي يبقون فيها ببقاء الله. # ثم اخبر تعالى ان ذلك { نعم أجر العاملين } أي نعم الثواب والأجر ~~للعاملين بطاعة الله { الذين صبروا } على الأذى في الله، وصبروا على مشاق ~~الطاعات، ووكلوا أمورهم إلى الله وتوكلوا عليه في ارزاقهم وجهاد اعدائهم ~~ومهمات أمورهم. # ثم قال تعالى { وكأين من دابة } معنى كاين (كم) وقد فسرناه في ما مضى { ~~لا تحمل رزقها } أي لا تدخره لغد - في قول علي بن الاقمر - وقال الحسن { ~~لا تحمل رزقها } للادخار. # وقيل: ان الحيوان أجمع من البهائم والطير ونحوهما لا تدخر القوت لغدها - ~~إلا ابن ms2791 آدم والنملة والفارة - بل تأكل منه كفايتها فقط. وقال مجاهد: ~~معناه { لا تحمل رزقها } لا تطيق حمل رزقها لضعفها { الله يرزقها } يعني ~~تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها { وإياكم } أي ويرزقكم ~~أيضا { وهو السميع العليم } يعني { السميع } لما يقول القائل في فراق ~~وطنه { العليم } بما في نفسه، لانه عالم بجميع الاشياء وقيل: الآية نزلت ~~في أهل مكة: المؤمنين منهم، فانهم قالوا لرسول الله: ليس لنا بالمدينة ~~اموال، ولا منازل، فمن أين المعاش، فأنزل الله الآية. ### || [29.61-66] # سبع آيات بصري وشامي، وست في ما عداه عدوا { مخلصين له الدين } ولم يعده ~~الباقون. # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، والمسيبي، والأعشى، والبرجمي ~~والكسائي عن أبي بكر { ليكفروا، وليتمتعوا } ساكنة اللام. الباقون بالكسر ~~إلا نافعا، لأنه اختلف عنه فيه. قال ابو علي: من كسرها وجعلها الجارة ~~جعلها متعلقة بالاشراك، وكأن المعنى: يشركون ليكفروا، أي لا فائدة لهم في ~~الاشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به عاجلا من غير نصيب آجلا. ومن ~~سكن جعل { ليكفروا } بمنزلة الأمر، وعطف عليه، وكان على وجه التهديد. ~~وقال غيره: تحتمل هذه اللام أن تكون (لام كي) أي كأنهم اشركوا ليكفروا إذ ~~لا يدفع الشرك في العبادة من كفر النعمة. ويجوز أن يكون لام الأمر على ~~وجه التهديد بدلالة قوله { فسوف تعلمون }. # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ولئن سألت هؤلاء الكفار ~~الذين جحدوا توحيدى وكفروا بنبوتك { من خلق السماوات والأرض } والمنشيء ~~لها والمخرج لها من العدم إلى الوجود { وسخر الشمس والقمر } في دورانها ~~على طريقه واحدة لا تختلف؟؟ { ليقولن } في جواب ذلك { الله } الفاعل لذلك ~~لأنهم كانوا يقولون بحدوث العالم. والنشأة الأولى، ويعترفون بأن الأصنام ~~لا تقدر على ذلك. ثم قال { فأنى يؤفكون } هؤلاء أي كيف يصرفون عن صانع ~~ذلك والاخلاص لعبادته - في قول قتادة -. # ثم قال { الله يبسط الرزق لمن يشاء } أي يوسعه لمن يشاء من عباده بحسب ~~ما تقتضيه المصلحة { ويقدر } أي يضيق مثل ذلك على حسب المصلحة ومنه قوله ms2792 # ومن قدر عليه رزقه # بمعنى ضيق على قدر ما فيه مصلحته. وقيل: معنى ويقدر - ها هنا - ويقبض ~~رزق العبد بحسب ما تقتضيه مصلحته. وخص بذكر الرزق على الهجرة لئلا يخلفهم ~~عنها خوف العيلة. # وقوله { إن الله بكل شيء عليم } أي عالم بما يصلح العبد وبما يفسده فهو ~~يوسع الرزق ويبسط بحسب ذلك. ثم قال { ولئن سألتهم } يعني هؤلاء الذين ~~ذكرناهم { من نزل من السماء ماء }؟ يعني مطرا { فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن } في الجواب عن ذلك { الله } ف { قل } يا محمد عند ذلك { ~~الحمد لله } على فنون نعمه على ما وفقنا للاعتراف بتوحيده واخلاص عبادته. ~~ثم قال { بل أكثرهم } يعني هؤلاء الخلق { لا يعقلون } ما قلناه لعدو لهم ~~عن طريق المفضي اليه. ثم قال تعالى وليس { هذه الحياة الدنيا إلا لهو ~~ولعب } لأنها تزول كما يزول اللهو واللعب، لا بقاء لها، ولا دوام، كما ~~يزول اللهو واللعب { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } أي الحياة على ~~الحقيقة لكونها دائمة باقية { لو كانوا يعلمون } صحة ما أخبرناك به. وقال ~~ابو عبيدة: الحيوان والحياة واحد. # ثم قال تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار انهم { إذا ركبوا في الفلك } ~~وهي السفن وهاجت به الرياح وخافوا الهلاك { دعوا الله مخلصين له الدين } ~~لا يوجهون دعاءهم إلى الأصنام والأوثان { فلما نجاهم إلى البر } أي خلصهم ~~إلى البر { إذا هم يشركون } أي يعودون إلى ما كانوا عليه من الاشراك معه ~~في العبادة { ليكفروا بما آتيناهم } أي يفعلون ما ذكرناه من الاشراك مع ~~الله ليجحدوا نعم الله التي أعطاهم إياها { وليتمتعوا } أي وليتلذذوا في ~~العاجل من دنياهم، فالتمتع يكون بالمناظر الحسنة، والاصوات المطربة. ~~والمشام الطيبة والمآكل الملذة، ثم قال مهددا لهم { فسوف يعلمون } أي لا ~~بد أن يعلموا جزاء ما يفعلونه من الأفعال من طاعة او معصية، فان الله ~~يجازيهم بحسبها وذلك غاية التهديد. ### || [29.67-69] # يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار { أولم يروا } ومعناه اولم يعلموا { أنا ~~جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم } أي يتناول الناس ms2793 من حوالي مكة ~~بسرعة، وتؤخذ أموالهم. ومنه خطف البصر لسرعته. ومنه اختطاف الطير لصيده ~~ومنه الخطاف الذي يخرج الدلو. والمعنى بذلك تنبيههم على جميل صنع الله ~~بهم، وسبوغ نعمه عليهم، بأن جعلهم في أمن مع ان الناس يؤخذون من حولهم. ~~وذلك لا يقدر عليه غير الله. ثم قال مهددا لهم { أفبالباطل يؤمنون }! أي ~~يصدقون بعبادة الأصنام وهي باطلة مضمحلة { وبنعمة الله } التي انعم بها ~~عليهم { يكفرون }؟! # ثم قال { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي من اظلم لنفسه ممن جحد ~~آيات الله واضاف اليه ما لم يقله ولم يأمر به من عبادة الأصنام وغيرها { ~~أو كذب بالحق لما جاءه } من نبوة محمد صلى الله عليه وآله من القرآن الذي ~~أنزل عليه. ثم قال { أليس في جهنم مثوى للكافرين } أي موضع مقام للذين ~~يجحدون نعم الله، ويكفرون بآياته. # ثم قال { والذين جاهدوا فينا } يعني جاهدوا للكفار بأنفسهم، وجاهدوا ~~نفوسهم بمنعها عن المعاصي وإلزامها فعل الطاعة لوجه الله { لنهدينهم ~~سبلنا } أي نرشدهم السبيل الموصل إلى الثواب. وقيل: معناه لنوفقنهم ~~لازدياد الطاعات فيزدادوا ثوابهم. وقيل: معناه لنرشدنهم إلى الجنة { وإن ~~الله لمع المحسنين } أي ناصر الذين فعلوا الأفعال الحسنة، ويدفع عنهم ~~اعداءهم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # خمس آيات كوفي وبصري وشامي، وأربع في ما عداه، عد الكوفيون { الم } ~~وعدوا { غلبت الروم } وعد البصري والشامي { غلبت الروم } وعدوا { في بضع ~~سنين } وعد المدني { غلبت الروم } وعد اسماعيل والمكى { غلبت الروم، في ~~بضع سنين }. # قرأ ابن عمر، وابو سعيد الخدري { غلبت الروم } بفتح الغين، فقيل لابن ~~عمر: على أي شيء غلبوا قال على ريف الشام، وهذا غلط، فان عند جميع ~~المفسرين القزاءة بالضم. والسبب في ذلك معروف، وهو ان الروم لما غلبهم ~~فارس فرح مشركوا قريش بذلك من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب، وساء ~~ذلك المسلمين، فأخبر الله تعالى ان الروم وإن غلبهم فارس، فان الروم ~~ستغلب في ما بعد فارس { في بضع سنين } أي في ما بين ثلاث سنين إلى ms2794 عشر، ~~فكان كما اخبر، وكان ذلك معجزة ظاهرة باهرة للنبي صلى الله عليه وآله ~~وروي أن جماعة من الصحابة راهنوا أبي بن خلف وقيل: أبا سفيان. إن لم يصح ~~الخبر ووافقوهم على اربع سنين، فلما اخبروا النبي صلى الله عليه وآله ~~قال: # " زيدوهم في الخطر واستزيدوا في الأجل " # ففعلوا، فغلبت الروم لفارس قبل المدة. # اخبر الله تعالى ان الروم غلبت عليها فارس في أدني الأرض من أرض الشام ~~إلى ارض فارس، وانهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبون في ما بعد في بضع سنين. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ان البضع - ها هنا - ما بين الثلاث إلى ~~العشر. وروي ان سبب ذلك ان الروم لما غلبتها فارس فرح المشركون بذلك ~~وقالوا: أهل فارس لا كتاب لهم غلبوا اهل الروم، وهم اهل كتاب، فنحن لا ~~كتاب لنا نغلب محمدا الذي معه كتاب، فانزل الله تعالى هذه الآيات تسلية ~~للنبي والمؤمنين. وإن الروم وإن غلبها فارس، فانها ستغلب فارس في ما بعد ~~في بضع سنين. قال ابو سعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي صلى ~~الله عليه وآله والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم ~~الحديبية. وقال الفراء: قوله { من بعد غلبهم } تقديره غلبتهم، فحذف الهاء ~~للاضافة. كما قال # وإقام الصلاة # قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدران، مثل الحلب والحلبة، والغلبة ~~الاستيلاء على القرن بالقهر، غلب يغلب فهو غالب وذلك مغلوب، وتغلب تغلبا ~~إذا تعرض للغلبة، غالبه معالبة. و (الأدنى) الاقرب، ونقيض الأدنى الاقصى، ~~ونقيض الأقرب الابعد، والمراد أدنى الارض إلى جهة عدوهم. والبضع القطعة ~~من العدد ما بين الثلاث إلى العشر، اشتقاقه من بضعته إذا قطعته تبضيعا، ~~ومنه البضاعة القطعة من المال في التجارة، ومنه البضعة القطعة من البدن، ~~والمبضع، لانه يقطع به العرق. # والمباضعة الجماع. وقال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الاعداد. # ثم اخبر تعالى بأن { لله الأمر من قبل ومن بعد } تقديره من بعد غلبهم ~~ومن قبل غلبهم، فقطع عن الاضافة وبني لأنه على ms2795 الغاية وتفسيرها انه ظرف ~~قطع عن الاضافة التي هي غاية، فصار كبعض الاسم، فاستحق البناء وبني على ~~الحركة، لان له اصلا في التمكن يستعمل. وبني على الضمة لانها حركة لا ~~تكون له في حال الاعراب. فهي ادل على البناء. # ثم قال { ويومئذ يفرح المؤمنون } أي يوم يغلب الروم لفارس يسر المؤمنون ~~تفاؤلا بأن يغلبوا هم المشركين. ثم بين بماذا يفرحون، فقال { بنصر الله ~~ينصر من يشاء من عباده وهو العزيز } في انتقامه من اعدائه { الرحيم } إلى ~~من أناب اليه من خلقه. ### || [30.6-10] # قرأ اهل الحجاز والبصرة والبرجمي، والسموني، والكسائي عن ابي بكر { ~~عاقبة الذين } بالرفع. الباقون بالنصب. من نصب جعلها خبر { كان } وقدمها ~~على الاسم، واسمها يحتمل ان يكون السوء وتقديره: ثم كان السوء عاقبة ~~الذين. ويحتمل ان يكون ما بعد { أن } في قوله { أن كذبوا }. ومن رفع ~~[عاقبة] جعلها اسم { كان } والخبر السوء. ويحتمل ان يكون الخبر { أن ~~كذبوا } وتقديره ثم كان عاقبة المسيء التكذيب بآيات الله، أي لم يظفر في ~~شركه وكفره إلا بالتكذيب، ويكون السوء على هذا نصبا على المصدر في قوله ~~{ وعد الله } نصب على المصدر، وتقديره: إن ما ذكره الله تعالى من ان ~~الروم ستغلب فارس في ما بعد، وعد وعدا لله لا يخلف وعده، وتقديره وعدا ~~لله وعده كما قال الشاعر: # يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم # إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول # أي ويقولون: قيلهم، والاخلاف فعل خلاف ما تقدم الوعد به، وسبيل الوعد ~~بالخير والوعيد بالشر واحد في انه إذا وقع فيه خلاف ما تضمنه كان خلفا، ~~ثم قال { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } صحة ما اخبرناك به لجهلهم بالله ~~وتفريطهم في النظر المؤدي إلى معرفة الله، ولا يناقض قوله { لا يعلمون } ~~لقوله { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } لأن ذلك ورد مورد المبالغة لهم ~~بالذم لتضييعهم على ما يلزمهم من أمر الله، كأنهم لا يعلمون شيئا. ثم ~~بين حالهم في ما عقلوا عنه، وما عملوه. ومعنى { يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا } أي عمران الدنيا ms2796 متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يبنون ومن أين ~~يعيشون وهم جهال بأمر الآخرة، وله مضيعون - ذكره ابن عباس - أي عمروا ~~الدنيا واخربوا الآخرة. والظاهر هو الذي يصح ان يدرك من غير كشف عنه. ~~فالله تعالى ظاهر بالأدلة. باطن عن حواس خلقه. والأمور كلها ظاهرة له، ~~لأنه يعلمها من غير كشف عنها ولا دلالة تؤديه اليها. وكلما يعلم بأوائل ~~العقول ظاهر وكلما يعلم بدليل العقل باطن، لأن دليل العقل يجري مجرى ~~الكشف عن صحة المعنى - في صفته - والغفلة ذهاب المعنى عن النفس كحال ~~النائم، ونقيضه اليقظة. وهي حضور المعنى للنفس كحال المنتبه. ونقيضه ~~السهو. # ثم قال تعالى منبها لخلقه على وجه الدلالة على توحيده { أولم يتفكروا ~~في أنفسهم } فيعلموا ان الله لم يخلق { السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق } بمعنى الاستدلال بهما على توحيده { وأجل مسمى } للاشياء التي ~~للعباد فيها مصلحة بالاعتبار به اذا تصوروا ذلك في الاخبار عنه انه مع ~~كثرته وعظمه محصل بتسمية تنبئ عنه، لا يتأخر ولا يتقدم، بالاوصاف التي ~~ذكرها الله تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شيء منه. # ثم قال { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } أي بلقاء ثواب الله ~~وعقابه كافرون. يجحدون صحة ذلك ولا يعترفون به. # ثم قال منبها لهم دفعة أخرى { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم { كانوا أشد منهم قوة وآثاروا الأرض } ~~أي حرثوها لعمارتها - في قول مجاهد والسدي - و { عمروها أكثر مما عمروها ~~} هؤلاء يعني أهل مكة { وجاءتهم رسلهم بالبينات } يعني أتتهم الرسل ~~بالدلالات من عند الله. وفي الكلام حذف، لان تقديره، فكذبوا بتلك الرسل، ~~وجحدوا الآيات فأهلكهم الله بأنواع العذاب. ثم قال { فما كان الله ~~ليظلمهم } بأن يهلكهم من غير استحقاق ابتداء، وفي ذلك بطلان قول المجبرة: ~~ان الله يبتدئ خلقه بالهلاك. # ثم قال { ولكن كانوا } هم { أنفسهم يظلمون } بأن جحدوا نعم الله واشركوا ~~في العبادة معه غيره، وكذبوا رسله وعصوه بأنواع العصيان، حتى استحقوا ~~العقاب عاجلا وآجلا. # ثم قال { ثم ms2797 كان عاقبة الذين أساؤا السوء } اخبار منه تعالى بأن عاقبة ~~الذين أساؤا إلى نفوسهم بالكفر بالله تعالى، وتكذيب رسله وارتكاب معاصيه ~~{ السوء } وهي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، وهي عذاب النار - في ~~قول ابن عباس وقتادة وغيرهما - { أن كذبوا } ومعناه لأن كذبوا { بآيات ~~الله } أي جحدوا أدلته ولم يؤمنوا بها { وكانوا بها } بتلك الادلة { ~~يستهزؤن } أي يسخرون منها ويتهزؤن بها. وقيل: معنى الآية أنهم حفروا ~~الأنهار وغرسوا الأشجار وشيدوا البنيان وصاروا إلى الهلاك على أسوء حال ~~بالعصيان ولم يفكروا في الموت، وانهم يخرجون من الدنيا ويصيرون إلى ~~الحساب والجزاء. ### || [30.11-20] # قرأ ابو عمرو، وروح ويحيى والعليمي { ثم إليه يرجعون } بالياء على وجه ~~الخبر. الباقون - بالتاء - على الخطاب. # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده يبدؤهم ~~إبتداء فيوجدهم بعد أن كانوا معدومين على وجه الاختراع ثم يعيدهم أي ~~يميتهم ويفنيهم بعد وجودهم، ثم يعيدهم ثانيا كما بدأهم أولا، ثم يرجعون ~~اليه يوم القيامة ليجازيهم على أفعالهم، على الطاعات بالثواب وعلى ~~المعاصي بالعقاب. # واستدل قوم بهذه الآية على صحة الرجعة بأن قالوا { الله يبدؤ الخلق } ~~معناه ابتداء خلقهم { ثم يعيده } إذا أماته في زمان الرجعة { ثم إليه ~~ترجعون } يوم القيامة، وهذا ليس بمعتمد، لان لقائل أن يقول: قوله { ثم ~~يعيده } يجوز أن يكون المراد به احياءهم في القبر للمساءلة التي لا خلاف ~~فيها { ثم إليه ترجعون } يوم القيامة، فلا يمكن الاعتماد عليه. و (البدء) ~~أول الفعل وهو على وجهين: # احدهما - انه اول الفعل وهو جزء منه مقدم على غيره. # والثاني - انه موجود قبل غيره من غير طريق الفعلية، يقال: بدأ يبدؤ ~~بدءا وابتدء يبتدئ ابتداء. والابتداء نقيض الانتهاء، والبدؤ نقيض العود. ~~والخلق - ها هنا - بمعنى المخلوق. ومثله قوله { هذا خلق الله } وتقول هذا ~~الخلق من الناس، وقد يكون الخلق مصدرا من خلق الله العباد، والخلق ~~كالاحداث والمخلوق كالمحدث. والاعادة فعل الشيء ثانية. وقولهم: اعاد ~~الكلام فهو على تقدير ذلك، كأنه قد اتى به ثانية إذا ms2798 اتى بمثله، وإن كان ~~الكلام لا يبقى ولا يصح اعادته. وقد يكون الاعادة فعل ما به يكون الشيء ~~إلى ما كان من غير ايجاد عينه كاعادة الكتاب إلى مكانه. ومثل الاعادة ~~الرجعة والنشأة الثانية. # وقوله { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون } قيل: معناه ييئسون، وقيل: ~~يتحيرون، وقيل: تنقطع حججهم، فالابلاس التحير عند لزوم الحجة، فالمجرم ~~يبلس يوم القيامة، لأنه تظهر جلائل آيات الآخرة التي تقع عندها على ~~الضرورة فيتحير أعظم الحيرة، قال العجاج: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال نعم أعرفه وأبلسا # وقوله { ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء } أي لم يكن في أوثانهم التي ~~كانوا يعبدونها من دون الله، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله من يشفع ~~لهم. وقيل: شركاؤهم لأنهم كانوا يجعلون لها نصيبا في أموالهم. وقيل: ~~شركاؤهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة { وكانوا بشركائهم كافرين } أي ~~يجحدون شركاءهم ذلك اليوم، لأنه يحصل لهم المعرفة بالله ضرورة. وأصل ~~الشرك إضافة الملك إلى اثنين فصاعدا على طريق القسمة التي تمنع من ~~اضافته إلى الواحد، فالانسان على هذا يكون شريكا لانسان آخر في الشيء ~~إذا ملكاه جميعا، والله تعالى مالك له، ملكه هذا الانسان او لم يملكه. # وقوله { ويوم تقوم الساعة } يعني القيامة { يومئذ يتفرقون } قيل: يتميز ~~المؤمنون من الكافرين. وقيل: معناه لا يلوي واحد منهم على حاجة غيره، ولا ~~يلتفت اليه، وفي ذلك نهاية الحث على الاستعداد والتأهب لذلك المقام. # ثم قال { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني صدقوا بتوحيد الله ~~وصدق رسله، وعملوا الصالحات، وتركوا القبائح { فهم في روضة يحبرون } أى ~~يسرون سرورا تبين أثره عليهم، ومنه الحبرة وهي المسرة، ومنه الحبر ~~العالم، والتحبير التحسين الذى يسر به. وانما خص ذكر الروضة - ها هنا - ~~لأنه لم يكن عند العرب شيء أحسن منظرا ولا اطيب ريحا من الرياض، كما ~~قال الشاعر: # ما روضة من رياض الحزن معشبة # خضراء جاد عليها مسبل هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بعميم النبت مكتهل # يوما بأطيب منها نشر رائحة # ولا بأحسن منها ms2799 إذ دنا الأصل # والحبرة هي السرور والغبطة، قال العجاج: # فالحمد لله الذى أعطى الحبر # موالي الحق إن المولى شكر # ثم بين تعالى أن الكفار في ضد ما فيه اهل الجنة، فقال { وأما الذين ~~كفروا } بنعم الله وجحدوا آياته ثم انكروا لقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة ~~{ فهم في العذاب محضرون } أى محضرون فيها، ولفظة الاحضار لا تستعمل إلا ~~فيما يكرهه الانسان، ومنه حضور الوفاة، ويقال: احضر فلان مجلس السلطان ~~إذا جيء به بما لا يؤثره، والاحضار إيجاد ما به يكون الشيء حاضرا إما ~~بايجاد عينه كاحضار المعنى في النفس او بايجاد غيره، كايجاد ما به يكون ~~الانسان حاضرا. # ثم قال تعالى { سبحان الله } أى تنزيها لله تعالى مما لا يليق به ولا ~~يجوز عليه من صفات نقص او ينافي عظمه، وما اختص به من الصفات. وقوله { ~~حين تمسون وحين تصحبون } فالامساء الدخول في المساء، والمساء مجيء الظلام ~~بالليل، والاصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، وهو مجيء ضوء النهار. # ثم قال { وله الحمد في السماوات } يعني الثناء والمدح في السموات { ~~والأرض وعشيا } أى وفي العشي { وحين تظهرون } أى حين تدخلون في الظهيرة ~~وهي نصف النهار. وإنما خص تعالى العشي والاظهار في الذكر بالحمد وإن كان ~~الحمد واجبا في جميع الأوقات، لانها أحوال تذكر باحسان الله، وذلك أن ~~انقضاء احسان اول إلى احسان يقتضي الحمد عند تمام الاحسان والأخذ في ~~الآخر، كما قال تعالى # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # وقيل: إن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لأن قوله { ~~حين تمسون } يقتضي المغرب والعشاء الآخرة { وحين تصبحون } يقتضي صلاة ~~الفجر { وعشيا } يقتضي صلاة العصر { وحين تظهرون } يقتضي صلاة الظهر - ~~ذكره ابن عباس، ومجاهد -. # ثم اخبر تعالى انه الذى { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } قال ~~ابن عباس وابن مسعود: معناه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فانه ~~يخرج الانسان وهو الحي من النطفة، وهي الميتة، ويخرج الميتة وهي النطفة ~~من الانسان وهو حي. # وقال ms2800 قتادة: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. # وقوله { ويحي الأرض بعد موتها } اي يحييها بالنبات بعد جدوبها، ولا يجوز ~~أن يكون المراد إحياء الأرض حقيقة، كما لا يكون الانسان أسدا حقيقة إذا ~~قيل فلان اسد، لانه يراد بذلك التشبيه والاستعارة، فكذلك احياء الارض بعد ~~موتها، كأنها تحيا بالنبات الذى فيها. وقوله { وكذلك تخرجون } قرأ اهل ~~الكوفة إلا عاصما والاعشى من طريق الطبرى - بفتح التاء - أضاف الفعل ~~الذى هو الخروج اليهم. الباقون - بالضم - بمعنى يخرجهم الله، والمعنيان ~~قريبان، لانهم إذا أخرجوا، فقد خرجوا، والمعنى مثل ما يخرج النبات من ~~الارض كذلك يخرجكم الله بعد ان لم يكن كذلك، تخرجون إلى دار الدنيا بعد ~~ان لم تكونوا، ويعيدكم يوم القيامة بعد ان كنتم قد اعدمكم الله أى لا يشق ~~عليه ذلك. كمالا يشق عليه هذا. # ثم قال تعالى { ومن آياته } أي أدلته الواضحة { أن خلقكم من تراب } يعني ~~انه خلق آدم الذى هو ابوكم وأصلكم - في قول قتادة وغيره - { ثم إذا أنتم ~~بشر تنتشرون } من نسله وذريته، و { تتفرقون } في أطراف الارض فهلا دلكم ~~ذلك على انه لا يقدر على ذلك غيره تعالى؟ وانه الذى يستحق العبادة دون ~~غيره من جميع خلقه. # وفي هذه الآيات - دلالة واضحة على صحة القياس العقلي، وحسن النظر بلا ~~شك، بخلاف ما يقول قوم: ان النظر باطل. فأما دلالته على القياس الشرعي ~~فبعيد لا يعول على مثله. ### || [30.21-25] # روى حفص عن عاصم { العالمين } بكسر اللام الأخيرة. الباقون بفتحها فمن ~~كسرها اسند (الآيات) إلى العلماء، لانهم الذين ينظرون فيها، ويعتبرون ~~بها، كما قال # هدى للمتقين # ومن فتح اللام أسند (الآيات) إلى جميع المكلفين الذين يتمكنون من ~~الاستدلال بها والاعتبار بها، سواء كانوا عالمين بها او جاهلين، لأن ~~الامكان حاصل لجميعهم وهو أعظم فائدة. # يقول الله سبحانه مخاطبا لخلقه منبها لهم على توحيده وإخلاص العبادة ~~له ب { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها } والنفس هي الذات ~~في الأصل ثم يستعمل على وجه التأكيد لقولهم: رأيت زيدا ms2801 نفسه، ويعبر بها ~~عن الروح وغير ذلك. وقد بيناه وقال قتادة المعنى - ها هنا - أنه خلقت ~~حواء من ضلع آدم. وقال غيره: المعنى خلق لكم من شكل أنفسكم أزواجا، وقال ~~الجبائي: المعنى خلق أزواجكم من نطفكم. قال البلخي: وذلك يدل على قوله # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا # انه يريد بعض الخلق دون بعض. والزوجة المرأة التي وقع عليها عقد النكاح. ~~والزوج الرجل الذي وقع عليه عقد النكاح. وقد يقال: للمرأة زوج إذا لم ~~يلبس للاشعار بأنهما نظيران في عقد النكاح عليهما قال الله تعالى # اسكن أنت وزوجك الجنة # وقوله { لتسكنوا إليها } يعني سكون إنس وطمأنينة، بأن الزوجة من النفس ~~إذ هي من جنسها ومن شكلها فهو أقرب إلى الالفة والميل بالمودة منها لو ~~كانت من غير شكلها. # وقوله { وجعل بينكم مودة ورحمة } أي جعل بينكم رقة التعطف إذ كل واحد من ~~الزوجين يرق على الآخر رأفة العطف عليه، بما جعله الله في قلب كل واحد ~~لصاحبه ليتم سروره. # ثم قال { إن في ذلك } يعني في خلق الازواج مشاكلة للرجال { لآيات } أي ~~لدلالات واضحات { لقوم يتفكرون } في ذلك ويعتبرون به، والفكر والاعتبار ~~والنظر واحد، فالفكر في أن الازواج لأي شيء خلقت؟ ومن خلقها؟ ومن انعم ~~بها؟ ومن جعلها على الاحوال التي يعظم السرور بها؟ وكيف لا يقدر احد من ~~العباد على ذلك؟ وذلك من اعظم الدلالة على أن لها خالقا مخالفا لها ~~ومنشيئا حكيما يستحق العبادة، ولا يستحقها غيره. # ثم نبه على آية أخرى فقال { ومن آياته } الدالة على توحيده ووجوب اخلاص ~~العبادة له { خلق السماوات والأرض } وما فيهما من عجائب خلقه من النجوم ~~والشمس والقمر وجريانها على غاية الحكمة والنظام الذي يعجز كل أحد عنها ~~وبما في الأرض من أنواع الاشجار والنبات وأصناف الجمادات التي ينتفع بها ~~وفنون النعم التي يكثر الانتفاع بها { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ~~فالالسنة جمع لسان، واختلافها ما بناها الله تعالى، وهيأتها مختلفة في ~~الشكل والهيئة ms2802 وتأتي الحروف بها { واختلاف ألسنتكم } أي اختلاف مخارجها ~~التي لا يمكن الكلام إلا بكونها كذلك. # وقال قوم: المراد بالالسنة اختلاف اللغات، وهو جواب من يقول: إن اللغات ~~أصلها من فعل الله دون المواضعة. فأما من يقول: اللغات مواضعة فان تلك ~~المواضعة من فعلهم دون فعل الله، غير أنه لما كانت الآلات التي تتأتى بها ~~هذه الضروب لا يقدر على تهيئها كذلك غير الله جاز أن تضاف اللغات اليه ~~تعالى على ضرب من المجاز { وألوانكم } أي واختلاف ألوانكم من البياض ~~والحمرة والشقرة والصفرة، وغير ذلك { إن في ذلك لآيات } أي إن في خلق ~~جميع ذلك لدلالات واضحات لجميع خلقه الذين خلقهم، واكمل عقولهم ومن كسر ~~اللام اضاف الاعتبار بها إلى العلماء، لانهم المنتفعون بها دون غيرهم ~~فكأنها خلقت لهم دون غيرهم، كما قال # هدى للمتقين # وإن كانت لجميع المكلفين. # ثم قال { ومن آياته } الدالة على توحيده واخلاص العبادة له { منامكم ~~بالليل والنهار } فالمنام والنوم واحد، لان في النوم راحة للاجساد من ~~الكد الذي يلحقها، والتعب الذي يصيبها { وابتغاؤكم } أي طلبكم المعاش وما ~~ينفعكم { من فضله } أي مما يتفضل الله به عليكم. قال البلخي: ويجوز ان ~~يكون المراد بالابتغاء المبتغا، فلذلك كان دلالة عليه دون فعل العباد، ~~وانما يكون فعل الله دلالة عليه لما كان باقداره وإهدائه إلى مراشده ~~وترغيبه فيه وتسهيله له { إن في } خلق الله تعالى { ذلك لآيات } واضحات ~~على توحيده { لقوم يسمعون } ذلك ويقبلونه ويفكرون فيه، لأن من لا يفكر ~~فيه ولا ينتفع به كأنه لم يسمعه. # ثم قال { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا } والبرق نار تحدث في ~~السحاب، بين تعالى أنه إنما يخلقه ليخافوا من عذابه بالنار على معصيته ~~والكفر به، ويطمعوا في ان يتعقب ذلك مطر فينتفعون به { وينزل من السماء ~~ماء } يعني غيثا ومطرا { فيحيي به الأرض بعد موتها } أي بعد انقطاع ~~الماء عنها وجدو بها. وقيل: { خوفا } من المطر في السفر { وطمعا } فيه ~~في الحضر. وقيل: { خوفا } من الصاعقة { وطمعا } في الغيث { إن في ms2803 } خلق ~~الله { ذلك لآيات } أي دلالات واضحة { لقوم يعقلون } أي يفكرون فيه، لان ~~من لا يفكر فيه ولا ينتفع به وإن كان عاقلا، فكأنه لا عقل له، وقيل: في ~~قوله { ومن آياته يريكم البرق } ثلاثة أقوال: # احدهما - ان تقديره ومن آياته أن يريكم. فحذف (أن) كما قال طرفة: # ألا ايهذا اللائمي احضر الوغى # وأن اشهد اللذات هل انت مخلدي # الثاني - انه حذف (أنه) لدلالة (من) عليها، كما قال الشاعر: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت واخرى ابتغي العيش اكدح # أي فتارة أموت. وفي الآية حذف تقديره: ومن آياته آية يريكم البرق. # الثالث - ويريكم البرق من آياته على التقديم والتأخير من غير حذف. # ثم قال { ومن آياته } الدالة على ما ذكرناه { أن تقوم السماء والأرض ~~بأمره } بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تعلق بها، بل لان الله تعالى يسكنها ~~حالا بعد حال لاعظم دلالة على أنه لا يقدر عليه سواه { ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض } أي أخرجكم من الارض ومن قبوركم بعد أن كنتم أمواتا يبعثكم ~~ليوم الحساب فعبر عن ذلك بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة { كن فيكون } في ~~سرعة تأتي ذلك، وأمتناع التعذر عليه، وإنما ذكر هذه المقدورات على ~~اختلافها وعظم شأنها ليدل على انه القادر الذي لا يعجزه شيء. وفي الآيات ~~دلالة واضحة على فساد مذهب القائلين بان المعارف ضرورية لأنها لو كانت ~~ضرورة لم يكن للتنبيه على هذه الأدلة وجه ولا فائدة فيه لان ما يعلم ~~ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه. ### || [30.26-30] # يقول الله تعالى بعد أن ذكر ما يدل على توحيده، وإخلاص العبادة له أن { ~~له من في السماوات والأرض } من العقلاء فانه يملكهم ويملك التصرف فيهم، ~~وليس لاحد منعه منه والاعتراض عليه، وخص العقلاء بذلك لأن ما عداهم في ~~حكم التبع. # ثم اخبر عن جميع من في السموات والارض بأنهم قانتون له. قال مجاهد: ~~معناه مطيعون وقال ابن عباس: معناه مصلون. وقال عكرمة: مقرون له ~~بالعبودية. وقال الحسن: كل له قائم بالشهادة فالقانت الدائم على أمر ms2804 واحد ~~فالملائكة وغيرهم من المؤمنين دائمون على أمر واحد في الذلة لله في لزوم ~~الطاعة لله تعالى، والكافرون وغيرهم من الفساق دائمون على أمر واحد في ~~الذلة لله - عز وجل - إلا أن منهم من هو بخلقته وفعله، ومنهم من هو ~~بخلقته. # ثم قال تعالى { وهو الذي يبدؤ الخلق } اي يخترعهم ابتداء وينشئهم { ثم ~~يعيده } إذا أعدمه { وهو أهون عليه } قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: اي هو ~~ايسر، وكل هين. وروي عن ابن عباس ايضا: ان معناه وهو هين عليه، ف ~~(افعل) بمعنى (فاعل) وقال بعضهم { وهو أهون } على الخلق، لأن الانشاء ~~أولا من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة على التدريج، وفي الاعادة ~~يعادون دفعة واحدة، وحكي عن ابن عباس: انه قال المعنى وهو أهون عليه ~~عندكم، لأنكم أقررتم بأنه يبدؤ الخلق، فاعادة الشيء عند المخلوقين أهون ~~من ابتدائه، قال الشاعر - في أهون بمعنى هين: # تمنى رجال أن أموت وان أمت # فتلك سبيل لست فيها باوحد # أي بواحد. وقال الراجز: # قبحتموا يا آل زيد نفرا # الام قوم أصغرا واكبرا # أي صغيرا وكبيرا، وقال معن بن أوس: # لعمرك ما ادري واني لاوجل # على أينا تعدو المنية أول # أي لواجل. والله أكبر بمعنى تكبير. ويقال للسلطان: الأعظم بمعنى عظيم. # وقوله { وله المثل الأعلى في السماوات والأرض } قال قتادة وهو قول: لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، لأنه دائم في السموات والارض، يقول الثاني ~~فيه كما قال الأول. وقيل: المعنى وله الصفة العليا، لأنها دائرة يصفه بها ~~الثاني كما يصفه بها الأول. وقيل: النشأة الثانية يا أهل الكفر ينبغى أن ~~تكون أهون عليه. ثم قال { وله المثل الأعلى } فذلك دليل على انه مثل ضربه ~~الله. ذكره الفراء. # وقوله { وهو العزيز الحكيم } يعني في انتقامه من اعدائه، الحكيم في ~~تدبيره لخلقه. ثم قال { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء } المعنى إنكم إذا لم ~~ترضوا في عبيدكم أن يكونوا ms2805 شركاء لكم في أموالكم وأملاككم، فكيف ترضون ~~لربكم ان يكون له شركاء في العبادة!!. # وقال قتادة: كما لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاءكم في فراشكم وأزواجكم ~~كذلك لا ترضوا في ربكم الذي خلقكم أن يعدل به أحد من خلقه فيشرك بينهما ~~في العبادة. # وقوله { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } قال ابو مخلد: معناه تخافون عبيدكم ~~أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون الشريك من نظرائكم. وقيل: تخافون ان ~~يرثوكم كما يرث بعضكم من بعض - ذكره ابن عباس - وقيل: معناه تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم في اتلاف المال بانفاقه. # ثم قال { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } أي كما ميزنا لكم هذه الأدلة ~~نفصل الأدلة لقوم يعقلون، فيتدبرون ذلك ويفكرون فيها. وقال سعيد ابن ~~جبير: كان اهل الجاهلية إذا لبو قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا ~~شريك هولك تملكه وما ملك. فأنزل الله الآية ردا. عليهم وإنكار لقولهم ثم ~~قال تعالى { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم } معناه إن هؤلاء ~~الكفار لم يتفكروا في أدلة الله، ولا انتفعوا بها بل اتبعوا اهواءهم ~~وشهواتهم بغير علم منهم بصحة ما اتبعوه. # ثم قال { فمن يهدي من أضل الله } وقيل: المعنى من يهدي إلى الثواب من ~~أضله الله عنه. وقيل: المعنى من يحكم بهداية من حكم الله بضلالته. ثم قال ~~{ وما لهم من ناصرين } أي ليس لهم من ينصرهم ويدفع عذاب الله إذا حل بهم. # ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع ~~المكلفين { فأقم وجهك للدين حنيفا } أمرهم الله بأن يوجهوا عبادتهم إلى ~~الله على الاستقامة دون الاشراك في العبادة. ثم قال { فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها } قال مجاهد: فطرة الله الاسلام. وقيل: فطر الناس عليها ولها ~~وبها بمعنى واحد، كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا ~~بمعنى واحد. ونصب { فطرة الله } على المصدر، وقيل تقديره: اتبع فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها، لأن الله تعالى خلق الخلق للايمان، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وآله # " كل مولود يولد على ms2806 الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " # ومعنى الفطر الشق ابتداء يقولون: أنا فطرت هذا الشيء اي أنا ابتدأته، ~~والمعنى خلق الله الخلق للتوحيد والاسلام. # وقوله { لا تبديل لخلق الله } قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك ~~وابن زيد وابراهيم: لا تبديل لدين الله الذي أمركم به من توحيده وعدله ~~وإخلاص العبادة له، وهو قول ابن عباس وعكرمة. وقيل: المراد نفي الخطأ. ثم ~~قال { ذلك الدين القيم } أي ما بيناه من التوحيد والعدل واخلاص العبادة ~~لله هو الدين القيم أي المستقيم الذي يجب اتباعه { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } صحة ذلك لعدولهم عن النظر فيه. ### || [30.31-35] # قرأ حمزة والكسائي وابن عامر { فارقوا } بألف وتخفيف الراء. الباقون ~~بغير الف وتشديد الراء. من قرأ بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمروا ~~باتباعه. ومن شدد اراد: انهم اختلفوا في دينهم. # قوله { منيبين إليه } نصب على الحال وتقديره فاقم وجهك للدين يا محمد ~~أنت والمؤمنون منيبين إلى الله، ولا يجوز أن يكون حالا { من فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها } لانه ما فطرهم منيبين، والانابة الانقطاع إلى ~~الله تعالى بالطاعة وأصله على هذا القطع. ومنه الناب، لانه قاطع، وأناب ~~في الأمر إذا نشب فيه، كما ينشب الناب المقاطع، ويجوز أن يكون من ناب ~~ينوب إذا رجع مرة بعد مرة، فيكون على هذا الانابة التوبة التي يجددها مرة ~~بعد مرة. # ثم قال { واتقوه } أي اجتنبوا معاصيه، واتقوا عقابه { وأقيموا الصلاة } ~~التي أمركم الله تعالى بها أي دوموا عليها، وقوموا بادائها، فالصلاة وإن ~~كانت في حكم المجمل، ولم يبين شروطها - في الآية - فقد أحال على بيان ~~النبي صلى الله عليه وآله هذا إذا اراد بالصلاة تعريف الجنس، وإن أراد ~~العهد الذي استقر في الشرع، فهو على ما قد استقر في الشرع { ولا تكونوا ~~من المشركين } نهي لهم عن أن يكونوا من جملة من أشرك بعبادة الله سواه، ~~ثم قال { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } قال الفراء: يجوز ان يكون ~~التقدير: ولا تكونوا من المشركين من جملة الدين فرقوا ms2807 دينهم، ويجوز أن ~~يكون من الذين فرقوا ابتداء، وتقديره الذين تفرقوا وكانوا شيعا { كل حزب ~~بما لديهم فرحون } فالتفريق جعل أحد الشيئين مفارقا لصاحبه وضده الجمع، ~~وهو جمع أحد الشيئين إلى صاحبه، فتفريق الدين جعل احدهما ليس مع الآخر في ~~معنى ما يدعو اليه العقل، وهو منكر لمخالفته داعي العقل، والدين العمل ~~الذي يستحق به الجزاء، ودين الاسلام العمل الذي عليه الثواب. ولو جمعوا ~~دينهم في أمر الله ونهيه لكانوا مصيبين، ولكنهم فرقوا بأخراجه عن حد ~~الأمر والنهي من الله وكانوا بذلك مبطلين خارجين عن الحق الذي أمر الله ~~به. ومن قرأ { فارقوا } بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمرهم الله ~~باتباعه. # وقوله { وكانوا شيعا } أي فرقا، والشيع الفرق التي يجتمع كل فريق منها ~~على مذهب، خلاف مذهب الفريق الآخر، وشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على ~~الحق. وكذلك شيعة أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على ~~الحق وقال قتادة: المعنى بقوله { من الذين فرقوا دينهم } اليهود ~~والنصارى، وقال غيره: كل من خالف دين الحق الذي أمر الله به داخل فيه وهو ~~أعم فائدة. # ثم اخبر تعالى ان { كل حزب } أي كل فريق { بما لديهم فرحون } من ~~الاعتقاد الذي يعتقدونه يسرون به لاعتقادهم أنه الحق دون غيره. # وقوله { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } قال الحسن: إذا ~~أصابهم مرض او فقر دعوا الله تعالى راجعين اليه مخلصين في الدعاء له { ثم ~~إذا أذاقهم منه رحمة } بأن يعافيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر نعمة منه ~~تعالى عليهم { إذا فريق منهم بربهم يشركون } أي يعودون إلى عبادة غير ~~الله بخلاف ما يقتضي العقل في مقابلة النعمة بالشكر. ثم بين أنهم يفعلون ~~ذلك { ليكفروا بما آتيناهم } أى بما آتاهم الله من نعمه. ثم قال تعالى ~~مهددا لهم { فتمتعوا } أي انتفعوا بهذه النعم الدنيوية كيف شئتم { فسوف ~~تعلمون } ما فيه من كفركم ومعصيتكم أي تصيرون في العاقبة إلى عذاب الله ~~وأليم عقابه. # وقوله { أم أنزلنا عليهم سلطانا } اي هل أنزلنا عليهم ms2808 برهانا وحجة ~~يتسلطون به على ما ذهبوا اليه، ويحتمل أن يكون المراد هل ارسلنا اليهم ~~رسولا فاذا حمل على البرهان، فهو بمنزلة الناطق بالأمر لاظهاره إياه. ~~وقوله { فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } اي هل انزلنا عليهم سلطانا اي ~~رسولا يتكلم بأنا ارسلناه بما يدعونه من الاشراك مع الله في العبادة، ~~فانهم لا يقدرون على ذلك ولا يمكنهم ادعاء حجة عليه ولا برهان، والكلام ~~وإن خرج مخرج الاستفهام فالمراد به التبكيت. ### || [30.36-40] # قرأ نافع وابو جعفر { لتربوا } بالتاء وسكون الواو، الباقون بالياء وفتح ~~الواو، وقرأ ابن كثير { وما أتيتم من ربا } بالقصر. الباقون بالمد. ~~واتفقوا على المد في قوله { وما آتيتم من زكاة } وقرأ حمزة والكسائي وخلف ~~{ عما يشركون } بالياء. الباقون بالتاء. قال ابو علي: المعنى وما آتيتم ~~من هدية أهديتموها لتعوضوا اكثر منها، فلا يربو عند الله، لأنكم قصدتم ~~زيادة العوض دون وجه الله، وهو كقوله # ولا تمنن تستكثر # فمن مد اراد أعطيتم من قوله # فآتاهم الله ثواب الدنيا # ومن قصره فالمعنى يؤل إلى قول من مد إلا انه على لفظ (فعلتم) ومدهم ~~لقوله { وما آتيتم من زكاة } فلقوله # وإيتاء الزكاة # ولو قال أتيت الزكوة لجاز أن يعني به: فعلتها ولكن لفظ القرآن على ~~الايتاء. ومن ضم { لتربوا } فالمعنى لتصيروا ذوي زيادة في ما آتيتم من ~~أموال الناس أي يستدعونها من أربى إذا صار ذا زيادة مثل أقطف واضرب. ومن ~~فتح أسند الفعل إلى الربوا المذكور وقدر المضاف، فحذفه كما قيل: اجتذاب ~~أموال الناس واجتلابه. ويجوز ذلك. وسمي هذا المدفوع على هذا الوجه ربا ~~لما كان فيه من الاستزادة. # يقول الله تعالى مخبرا عن خلقه بأنه إذا أذاقهم رحمة من عنده بأن ينعم ~~عليهم بضروب النعم ويصح أجسامهم ويدر أرزاقهم ويكثر مواشيهم وغير ذلك من ~~النعم، إنهم يفرحون بذلك ويسرون به ف { إذا } شرط وجوابه { فرحوا بها } ~~وإنما جاء الجزاء ب { إذا } ولم يجيء ب (حين)، لأن { إذا } اشبه بالفاء ~~من جهة البناء، والزم للفعل من جهة أنه لا ms2809 يضاف إلى مفرد، فصار بمنزلة ~~الفاء في ترتيب الفعل، وليس كذلك (حين). وشبه إدراك الرحمة بادراك الطعم، ~~فسماه ذوقا. { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } هو اخبار منه تعالى أنه ~~إن أصابهم عذاب من الله تعالى جزاء على ما كسبته أيديهم { إذا هم يقنطون ~~} أي ييأسون من رحمة الله، والقنوط اليأس من الفرج، قال جهد الأرقط: # قد وجدوا الحجاج غير قانط # وإنما قال { بما قدمت أيديهم } ولم يقل بما قدموا على التغليب للاكثر ~~الأظهر، لان اكثر العمل وأظهره لليدين، والعمل بالقلب وإن كان كثيرا فهو ~~أخفى، وانما يغلب الأظهر. ويجوز أن يكون ما يصيبهم - من مصائب الدنيا ~~والآلام بها - بعض العقاب، فلذلك قال { بما قدمت أيديهم } ويجوز ان يكون ~~لما فعلوا المعاصي اقتضت المصلحة أن يفعل بهم ذلك، وإن لم يكن عذابا. # ثم قال تعالى منبها لهم على توحيده { أولم يروا } أي او لم يفكروا ~~فيعلموا { أن الله يبسط الرزق } اي يوسعه { لمن يشاء ويقدر } اي ويضيق ~~على من يشاء على حسب ما تقتضيه مصالحهم، وبسط الرزق الزيادة على مقدار ~~القوت منه بما يظهر حاله، واصل البسط نشر الشيء بما يظهر به طوله وعرضه، ~~وبسط الرزق مشبه به. # ثم قال { إن في ذلك } يعني في البسط للرزق لقوم وتضييقه لقوم آخرين { ~~لآيات } اي لدلالات { لقوم يؤمنون } بالله، لانهم يعلمون ان ذلك من فضل ~~الله الذي لا يعجزه شيء. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { فآت ذا القربى حقه } اي اعط ذوي ~~قرباك يا محمد حقوقهم التي جعلها الله لهم في الاخماس - وهو قول مجاهد - ~~وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله اعطى فاطمة ~~فدكا، وسلمه اليها - روى ذلك ابو سعيد الخدري وغيره - وهو المشهور عن ~~ابي جعفر، وابي عبد الله عليهما السلام. وقال السدى: الآية نزلت في قرابة ~~النبي صلى الله عليه وآله. وقال قوم: المراد به قرابة كل انسان. والأول ~~اظهر، لأنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله { والمسكين وابن السبيل } ~~تقديره ms2810 واعط - ايضا - المسكين، وهو الفقير، وابن السبيل وهو المنقطع به ~~حقوقهم التي جعلها الله لهم في الصدقات وغيرها، والخطاب وإن كان متوجها ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله فهو متوجه إلى جميع المكلفين. # ثم قال { ذلك خير } يعني اعطاء الحقوق المستحقة خير { للذين يريدون وجه ~~الله } بالاعطاء دون الرياء والسمعة { وأولئك هم المفلحون } الفائزون ~~بثواب الله. ثم قال { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس } قال ابن ~~عباس: هو اعطاء الرجل العطية ليعطى اكثر منها لأنه لم يرد بها طاعة الله. ~~وقال ابن عباس: وابو جعفر الربوا رباءان احدهما - حلال، والآخر حرام، ~~فالأول هو ان يعطي الانسان غيره شيئا لا يطلب اكثر منه فهو مباح، ولا ~~يربوا عند الله. والآخر - الربوا الحرام. وقال ابن طاوس عن أبيه: إذا ~~أهدى الرجل الهدية ليهدى له أفضل منها فليس فيه أجر ولا وزر، وكلما فعله ~~الفاعل على أنه حسن للشهوة فليس فيه حد ولا أجر، وشهوته وشهوة غيره في ~~هذا سواء. وقيل: المعني في الآية التزهيد في الربو، والترغيب في اعطاء ~~الزكاة وقال الحسن: هو كقوله # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # ولا خير في العطية إذا لم يرد بها وجه الله. وقال الجبائي: وما أتيتم من ~~ربا لتربوا بذلك أموالكم { فلا يربو } لانه لا يملكه المرابي بل هو ~~لصاحبه، ولا يربو { عند الله } لأنه يستحق به العقاب، واعطاء المال قد ~~يقع على وجوه كثيرة فمنه إعطاؤه على وجه الصدقة. ومنه اعطاؤه على وجه ~~الهدية. ومنه الصلة. ومنه الودائع. ومن ذلك قضاء الدين، ومنه البر ومنه ~~الزكاة. ومنه القرض. ومنه النذر وغير ذلك. # ثم قال { وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله } أي ما اخرجتموه على وجه ~~الزكاة واعطيتموه أهله تريدون بذلك وجه الله دون الربو { فأولئك هم ~~المضعفون } أي يضاعف لهم الحسنات كقوله # من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها # وقال الكلبي: تضاعف أمواله في الدنيا، فالمضعف ذو الاضعاف كما أن الميسر ~~ذو اليسار. # ثم خاطب تعالى خلقه فقال { الله الذي خلقكم } بعد ms2811 ان لم تكونوا موجودين ~~{ ثم رزقكم } من أنواع الملاذ وملككم التصرف فيها وأباحها لكم { ثم ~~يميتكم } بعد ذلك إذا شاء ليصح ايصالكم إلى ما عوضكم له من الثواب { ثم ~~يحييكم } ليجازيكم على أفعالكم على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب ~~{ هل من شركائكم } الذين عبدتموهم من دون الله { من يفعل من ذلكم من شيء ~~} أو يقدر عليه فيجوز لذلك توجه العبادة اليه فانهم لا يقدرون على أن ~~يقولوا: نعم يقدرون عليه وانما يعترفون بعجزها عن ذلك، فيعلموا عند ذلك ~~انها لا تستحق العبادة فلذلك نزه نفسه عقيب ذلك عن أن يشرك معه في ~~العبادة ويتخذ معه معبودا سواه فقال { سبحانه وتعالى عما يشركون } فمن ~~قرأ بالياء وجه الخطاب إلى الغائب. ومن قرأ بالتاء وجهه إلى المخاطبين، ~~وفي ذلك تنبيههم على وجوب ضرب الامثال لله تعالى دون غيره من المخلوقات. ### || [30.41-45] # قرأ ابن كثير - في رواية ابن مجاهد - عن قنبل وروح { لنذيقهم } بالنون. ~~الباقون بالياء. فمن قرأ بالنون فعلى وجه اخبار الله عن نفسه أنه الذي ~~يذيقهم. ومن قرأ بالياء فالمعنى ليذيقهم الله بعض الذي عملوا. # يقول الله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر } قيل: فساد البر هو ما ~~يحصل فيها من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون بخذلان الله عز وجل لاهل ~~العقاب به، وفساد البحر اضطراب أمره حتى لا يكون متصرفا فيه، وكل ذلك ~~ليرتدعوا عن معاصيه. وقال قتادة: المعنى ظهر الفساد في أهل البر والبحر ~~فأهل البر أهل البادية وأهل البحر أهل القرى الذين على الانهار العظيمة ~~ويكون قوله { بما كسبت أيدي الناس } معناه يخلي الله بينهم وبين المعاصي ~~جزاء على ما سبق منهم من المعاصي. وقال مجاهد: البر ظهر الأرض والبحر هو ~~البحر المعروف، لأنه يؤخذ فيه كل سفينة غصبا. وقيل: البر الأرض القفر ~~والبحر المجرى الواسع للماء عذبا كان أو ملحا، وسمي البر برا، لانه ~~يبر بصلاح المقام فيه خلاف البحر، ومنه البر لأنه يبر بصلاحه في الغذاء ~~أتم الصلاح. وقيل: الفساد المعاصي ودليله قوله تعالى # والله لا ms2812 يحب الفساد # والتقدير. ظهر عقاب الفساد في البر والبحر، والظهور خروج الشيء إلى حيث ~~يقع عليه الاحساس والعلم به بمنزلة الادراك له. وقد يظهر الشيء بخروجه عن ~~وعاء أو وجوده عن عدم أو ظهوره بدليل. وقيل: بالعدل ينبت الله الزرع ويدر ~~الضرع، وبالظلم يكون القحط وضيق الرزق. وقوله { بما كسبت أيدي الناس } أي ~~جزاء على ما فعله الناس. والكسب فعل الشيء لاجتلاب نفع إلى نفس الفاعل أو ~~دفع ضرر عنه، فالقادر لنفسه يقدر على مثله في الحالتين لاجتلاب نفع إلى ~~غيره أو دفع ضرر عنه، غير انه لا يوصف بهذه الصفة وإن قدر على مثله. ~~وقوله { ليذيقهم بعض الذي عملوا } معناه ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم ~~التي عملوها من المعاصي { لعلهم يرجعون } أي ليرجعوا عنها في المستقبل، ~~وتقديره فعل الله تعالى القحط والشدائد والجدب وقلة الثمار وهلاك النفوس ~~عقوبة على معاصيهم ليذيقهم بذلك عقاب بعض ما عملوا من المعاصي ليرجعوا ~~عنها في المستقبل، ليذيقهم عقابه غير انه اجري على بعض العمل لانهم ~~بذواقهم جزاءه كأنهم ذاقوه. وهذا من الحذف الحسن، لأنه حذف المسبب وإقامة ~~السبب الذي أدى اليه مقامه. # ثم بين تعالى انه فعل بهم هذا ليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته. # ثم خاطب تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال له { قل } لهم يا محمد { ~~سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين } ~~أي فكروا فيمن تقدم من الامم التي اشركت بالله أكثرهم، والمؤمنون كانوا ~~قليلين فيهم كيف أهلكهم الله ودمر عليهم. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فأقم وجهك للدين القيم } ومعناه ~~استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي لا يعدل عنه يمينا ولا شمالا، ~~فانك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، وهو مثل قوله # ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم # مجانس فيه للبلاغة ومنه قوله { يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار } ومنه ~~{ يمحق الله الربا ويربي الصدقات }. { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من ~~الله يومئذ يصدعون } أي استقيموا على الطريق المستقيم ms2813 قبل يوم القيامة ~~الذي تتفرفون فيه فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير - ذكره قتادة - ~~وقال الحسن: الدين القيم الطاعة لله. # ثم قال { من كفر } بالله وجحد نعمه { فعليه كفره } أي فعليه جزاء كفره ~~لا يعاقب أحد بذنب غيره، كما قال # ولا ترز وازرة وزر أخرى # { ومن عمل صالحا } يعني الايمان بالله وأفعال الطاعات { فلأنفسهم ~~يمهدون } والتمهيد والتمكين والتوطيد نظائر أي ثواب ذلك واصل اليهم ~~وتتمهد احوالهم الحسنة عند الله. وقوله { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من فضله } اخبار منه تعالى أنه الذي يجزي الذين يطيعون الله ~~تعالى ويجتنبون معاصيه ثواب الجنة من فضله على خلقه { إنه لا يحب ~~الكافرين } أى لا يريد منافعهم ولا ثوابهم، وانما يريد عقابهم جزاء على ~~كفرهم. ### || [30.46-50] # قرأ ابو جعفر وابن ذكوان { كسفا } بسكون السين. الباقون بتحريكها. وقرأ ~~اهل الكوفة وابن عامر { إلى آثار } على الجمع وآماله الكسائي إلا أبا ~~الحارث. الباقون على التوحيد. من سكن السين من كسف أراد جمع كسفة وهي ~~القطعة الواحدة من السحاب، مثل سدرة وسدر. ويحتمل ان يكون الضمير في { ~~خلاله } راجعا اليه. ويحتمل ان يكون راجعا إلى الخلال. ومن فتح السين ~~أعاد الضمير إلى السحاب لا غير. ومن أفرد " اثر " فلأنه مضاف إلى مفرد ~~وجاز الجمع لان { رحمة الله } يجوز ان يراد بها الكثرة. # يقول الله تعالى إن من الأدلة الدالة على توحيدي ووجوب اخلاص العبادة لي ~~إرسال الرياح مبشرات بالغيث والمطر. وإرسال الرياح تحريكها واجراؤها في ~~الجهات المختلفة تارة شمالا وتارة جنوبا وصبا، وأخرى دبورا على حسب ما ~~يريده الله ويعلم فيه من المصلحة، وذلك لا يقدر عليه غيره تعالى، لأن ~~العباد وإن قدروا على جنس الحركة فلو اجتمع جميع الخلائق من الجن والانس ~~على ان يردوا الريح إذا هبت شمالا إلى كونها جنوبا وإذا هبت جنوبا إلى ~~كونها شمالا او صبا او دبورا لما قدروا عليه، فمن قدر على ذلك يعلم أنه ~~قادر لنفسه لا يعجزه شيء مستحق للعبادة خالصة له، وانما سماها مبشرات، ~~لأنها بمنزلة ms2814 الناطقة إذا بشرت بأنه يجيء مطر وغيث يحيى به الأرض لما ~~فيها من إظهار هذا المعنى ودلالتها على ذلك بجعل جاعل، لأنه من طريق ~~العادة التي أجراها الله تعالى. # وقوله { وليذيقكم من رحمته } معطوف على المعنى، وتقديره أن يرسل الرياح ~~للبشارة والاذاقة من الرحمة { ولتجري الفلك } بها { بأمره ولتبتغوا من ~~فضله } أي تطلبوه، فارسال الرياح لهذه الأمور، ومعنى { لعلكم تشكرون } ~~لتشكرو الله على نعمه. وإنما اتى بلفظ (لعلكم) تلطف في الدعاء إلى الشكر ~~كالتلطف في الدعاء إلى البر، في قوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله على وجه التسلية عن قومه في تكذيبهم ~~إياه فقال { ولقد أرسلنا من قبلك } يا محمد { رسلا إلى قومهم فجاؤهم ~~بالبينات } يعني بالمعجزات، وفي الكلام حذف، لأن تقديره فكذبوهم وجحدوا ~~بهم فاستحقوا العذاب { فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين } أي اوجبناه على نفوسنا أن ننصر المؤمنين من عبادنا. # ثم قال تعالى { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } أي تنشئ سحابا ~~فانشاء السحاب وإن كان من فعل الله لكن لما كان السحاب سببا منه جاز أن ~~يسند اليها { فيبسطه في السماء } أي يبسط ذلك السحاب كيف شاء في السماء ~~من كثافة ورقة وغير ذلك { ويجعله كسفا } أي قطعا - في قول قتادة - { ~~فترى الودق } يعني المطر، قال الشاعر: # فلا مزنة ودقت ودقها # ولا أرض ابقل ابقالها # { يخرج من خلاله } يعني من خلال السحاب { فإذا أصاب به } يعني بذلك ~~المطر { من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } أي يفرحون ويبشر بعضهم بعضا ~~به { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم } المطر { من قبله لمبلسين } اي ~~قانطين يائسين - في قول قتادة - وقوله { من قبله } في الموضعين فيه ~~قولان: احدهما - انه للتوكيد. والآخر من قبل الارسال، والأول من قبل ~~الانزال. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين { ~~فانظر } يا محمد { إلى آثار رحمة ربك كيف يحيي الأرض بعد موتها } يحييها ~~بالنبات بعد جدوبها { إن ذلك ms2815 لمحيي الموتى } أي مثل ذلك يحيي الله الموتى ~~بعد ان كانوا جمادا { وهو على كل شيء قدير } أي قادر وفيه مبالغة. ### || [30.51-55] # ست آيات مدني وخمس في ما عداه عد المدني { يقسم المجرمون } ولم يعده ~~الباقون. # قرأ ابن كثير { ولا تسمع } بفتح التاء { الصم } رفعا الباقون - بضم ~~التاء - { الصم } نصبا. وهذا مثل ضربه الله للكفار، والمعنى كما إنك يا ~~محمد لا تسمع الميت لتعذر استماعه فكذلك لا تسمع الكفار. والمعنى انه لا ~~ينتفع بسماعه، لانه لا يعمل به، فاذا كان كذلك فالمعنيان متقاربان، لان ~~المعنى إنك لا تسمع الكافر ما في القرآن من حكمة وموعظة، كما لا تسمع ~~الاصم المدبر عنك. وضم التاء ونصب الميم أحسن لتشاكل ما قبله من اسناد ~~الفعل اليك أيها المخاطب وحكم المعطوف يجب ان يكون مشاكلا حكم المعطوف ~~عليه. وقرأ عاصم وحمزة { من ضعف } بفتح الضاد في الثلاثة. الباقون بالضم ~~فيهن، وهما لغتان. # يقول الله سبحانه { ولئن أرسلنا ريحا } مؤذنة بالهلاك { فرأوه مصفرا } ~~فالهاء يجوز أن يكون كناية عن السحاب، وتقديره فرأوا السحاب مصفرا لأنه ~~إذا كان كذلك كان غير ممطر، ويحتمل أن يكون راجعا إلى الزرع، وتقديره، ~~فرأوا الزرع مصفرا - والثاني قول الحسن - وجواب لئن في الشرط أغنى عنه ~~جواب القسم، لأن المعنى ليظلن كما أن { أرسلنا } بمعنى أن يرسل فجواب ~~القسم قد ناب عن الأمرين. وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط ولو تقدم ~~الشرط لكان الجواب له، كقولك: ان أرسلنا ريحا ظلوا والله يكفرون. و ~~(الاصفرار) لون بين الحمرة والبياض، وهو من النبات الذي يصفر بالربح ~~للجفاف ويحول عن حال الأخضرار، فيصير إلى الهلاك ويقنط صاحبه الجاهل ~~بتدبير ربه في ما يأخذ به من الشدة بأمره تارة والرخاء أخرى ليصح التكليف ~~بطريق الترغيب والترهيب، ومعنى (ظل يفعل) أي جعل يفعل في صدر النهار، وهو ~~الوقت الذي فيه إلى ظل الشمس. و (أضحى يفعل) نظير ظل يفعل إلا أنه كثر ~~حتى صار بمنزلة (جعل يفعل). # ثم قال لنبيه { إنك } يا محمد { لا تسمع الموتى ms2816 ولا تسمع الصم الدعاء ~~إذا ولوا مدبرين } شبه الكفار في ترك تدبرهم لما يدعوهم اليه النبي صلى ~~الله عليه وآله تارة بالأموات وتارة بالصم، لأنهم لا ينتفعون بدعاء داع، ~~لانهم لا يسمعونه، وكذلك من يسمع ولا يصغى ولا يفكر فيه، ولا يتدبره ~~فكأنه لم يسمعه. # وقوله { إذا ولوا مدبرين } معناه إذا أعرضوا عن أدلتنا وعن الحق ذاهبين ~~إلى الضلال غير طالبين لسبيل الرشاد. ولذلك لزمهم الذم وصفة النقص. # وقوله { وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم } معناه ليس في هؤلاء حيلة أن ~~يقبلوا الهداية فصار العمي بالضلال صنفين احدهما - يطلب الهداية فهو ~~يجدها عندك. والآخر لا يطلب الهداية، فليس فيه حيلة. # ثم قال { إن } يعني ليس تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا لانهم ~~المنتفعون بدعائك واسماعك { فهم مسلمون } لك ما تدعوهم اليه. # ثم قال { الله الذي خلقكم من ضعف } وفيه لغتان - الضم، والفتح - مثل ~~الفقر والفقر، والكره والكره، والجهد والجهد، والمعنى انه خلقهم ضعفاء ~~لانهم كانوا نطفا، فحولهم إلى أن صاروا أحياء أطفالا لا قدرة لهم { ثم ~~جعل } لهم { من بعد ضعف } أي من بعد هذا الضعف { قوة } إذا شبوا وترعرعوا ~~وكملوا { ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } في حال الشيخوخة والشيب { يخلق ~~ما يشاء } كيف يشاء { وهو العليم } بما فيه مصالح خلقه قادر على فعله فهو ~~يفعل بحسب ما يعلمه من مصالحهم. # ثم اخبر تعالى عن حال الكفار أنهم { يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } ~~انهم { ما لبثوا غير ساعة } وقيل: في قسمهم بذلك مع أن معارفهم ضرورية ~~قولان: # احدهما - قال ابو بكر بن الاخشاد: ذلك يقع منهم قبل اكمال عقولهم. ويجوز ~~قبل الالجاء ان يقع منهم قبيح. # والثاني - قال الجبائي: ان المراد أنه منذ ما انقطع عنا عذاب القبر { ~~كذلك كانوا يؤفكون } أي يكذبون لأنه اخبار عن غالب الظن بما لا يعلمون ~~قال: ولا يجوز أن يقع منهم القبيح في الآخرة، لان معارفهم ضرورة. وقيل: { ~~كذلك كانوا يؤفكون } في دار الدنيا ويجحدون البعث والنشور مثل ما حلفوا ~~أنهم لم ms2817 يلبثوا إلا ساعة، قال الفراء: وتقديره كما كذبوا في الدنيا ~~بالبعث كذلك يكذبون بقولهم ما لبثنا غير ساعة. ومن استدل بذلك على نفي ~~عذاب القبر فقد أبطل، لأن المراد أنهم ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر ~~إلا ساعة. ### || [30.56-60] # قرأ اهل الكوفة { لا ينفع } بالياء، لان تأنيث المعذرة غير حقيقي. ~~الباقون بالتاء، لان اللفظ لفظ التأنيث. # يقول الله تعالى مخبرا عن الذين قد أعطاهم الله العلم وآتاهم إياه بما ~~نصب لهم من الأدلة الموجبة له، ونظروا فيها فحصل لهم العلم، فلذلك أضافه ~~إلى نفسه لما كان هو الناصب للادلة الدالة على العلوم، والتصديق بالله ~~ورسوله { لقد لبثتم } أي مكثتم { في كتاب الله } ومعناه إن لبثكم مذكور ~~ثابت في كتاب الله بينه الله فيه، فصار من أجل ان بيانه في كتابه كأنه في ~~الكتاب، كما تقول كلما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مبين فيه، وقيل { ~~في كتاب الله } أي في كتابه الذي أخبرنا به، واللبث لا يكون إلا في ~~المكان، كما لا يكون السكون إلا فيه، والبقاء قد يكون لا في مكان، ولذلك ~~يوصف تعالى بالباقي، ولا يوصف ب (لابث) و { إلى يوم البعث } يعني يوم ~~يبعث الله فيه خلقه ويحشرهم. واصل البعث جعل الشيء جاريا في أمر، ومنه ~~انبعث الماء إذا جرى وانبعث من بين الاموات إذا خرج خروج الماء، ويوم ~~البعث يوم اخراج الناس من قبورهم إلى أرض المحشر. # ثم يقول المؤمنون للكفار { فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } صحة ~~ذلك وكنتم شاكين فيه. وقال الحسن: لقد قدرنا اجالكم إلى يوم البعث ولكنكم ~~لا تعلمون ان البعث حق. # ثم اخبر تعالى ان ذلك اليوم لا تقبل معذرتهم، والمعذرة إظهار ما يسقط ~~اللائمة، وانما لا تقبل معذرتهم لانهم ملجئون في تلك الحال، ولا يصح ~~اعتذارهم وقوله { ولا هم يستعتبون } أي لا يقبل عتبهم، ولا يطلب منهم ~~الاعتاب. والاستعتاب طلب صلاح المعاتب بالعتاب وذلك بذكر الحقوق التي ~~تقتضي خلاف ما عمله العامل بما لا ينبغي أن يكون عليه ms2818 مع الحق اللازم له ~~وليس في قولهم ما علمنا أنه يكون ولا أننا نبعث عذر، لانه قد نصب لهم ~~الدلالة عليه ودعوا اليه. # ثم اخبر تعالى انه ضرب للناس المكلفين في القرآن الذي أنزله على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وآله من كل مثل، يحثهم به على الحق واتباع الهدى. ثم ~~قال لنبيه { ولئن جئتهم بآية } يا محمد أي معجزة باهرة { ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون } في دعواكم البعث والنشور، عنادا وجحدا ~~للامور الظاهرة. ثم قال مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء بأن حكم عليهم ~~بانهم لا يؤمنون كذلك حكم في كل من لا يؤمن. وقيل: الطبع علامة يجعلها ~~الله في قلوب الكافرين يفصل بها الملائكة بينه وبين المؤمن. ثم قال لنبيه ~~{ فاصبر } يا محمد على أذى هؤلاء الكفار ومقامهم على كفرهم { إن وعد الله ~~حق } في ما وعدك به من النصر واعزاز دينك { ولا يستخفنك } أي ولا يستفزنك ~~{ الذين لا يوقنون } فالاستخفاف طلب الخفة. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # قرأ حمزة { هدى ورحمة } رفعا. الباقون نصبا. من رفع جعله خبر إبتداء ~~محذوف، وتقديره هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكون بدلا من { تلك آيات } أي تلك ~~هدى ورحمة، ومن نصب فعلى المصد وتقديره يهدي به هدى ويرحم به رحمة، ويجوز ~~أن يكون على الحال، وتقديره هاديا أي في حال الهداية والرحمة - ذكره ~~الزجاج - { للمحسنين } الذين يفعلون الافعال الحسنة من الطاعات ويتفضلون ~~على غيرهم. وقد بينا أن اقوى الأقوال في معنى { الم } قول من قال هو اسم ~~للسورة، وذكرنا ما في الأقوال في ما تقدم. قال الرماني: انما جعل اسم ~~السورة على الاشتراك للمناسبة بينها وبين ما يتصل بها مع الفصل بالصفات ~~وذلك انها استحقت بذكر الكتاب والمؤمنين به غير العادلين عنه، كما هو في ~~البقرة. # وقوله { تلك آيات الكتاب } اشارة إلى آيات الكتاب التي وعدهم الله ~~بانزالها عليهم في الكتب الماضية، قال ابو عبيدة { تلك } بمعنى هذه و { ~~آيات الكتاب } وإن كانت هي الكتاب فهو جائز، كما قال ms2819 # حق اليقين # وكما قالوا: مسجد الجامع، وغير ذلك. وقد بيناه في ما مضى { الحكيم } من ~~صفة الكتاب، فلذلك جره وإنما وصف الكتاب بأنه (حكيم) مع انه محكم لانه ~~يظهر الحق والباطل بنفسه، كما يظهره الحكيم بقوله، ولذلك يقال: الحكمة ~~تدعو إلى الاحسان وتصرف عن الاساءة. وقال ابو صالح: احكمت آياته بالحلال ~~والحرام. وقال غيره: احكمت بأن اتقنت # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل # ثم قال هذا الكتاب { هدى ورحمة للمحسنين } أي دلالة موصلة لهم إلى ~~الصواب وما يستحق به الثواب، ورحمة رحمهم الله بها وأضافه إلى المحسنين ~~وإن كان هدى لغيرهم لما كانوا هم المنتفعين به دون غيرهم كما قال # هدى للمتقين # والاحسان النفع الذي يستحق به الحمد فكل محسن يستحق الحمد وكل مسيئ ~~يستحق الذم، وما يفعله الفاعل على انه لا ظلم فيه لاحد لينقطع به عن قبيح ~~في انه احسان فهو احسان يستحق عليه الحمد، لان الحكمة تدعو إلى فعله على ~~هذا الوجه، ولا يدعو إلى ان يفعله للشهوة، ولا للهوى. # ثم وصف المحسنين فقال { الذين يقيمون الصلاة } أي يديمون فعلها ويقومون ~~بشرائطها واحكامها ويخرجون الزكاة الواجبة عليهم في أموالهم. وهم بالآخرة ~~مع ذلك يوقنون، ولا يرتابون بها. ثم اخبر أن هؤلاء الذين وصفهم بهذه ~~الصفات { على هدى من ربهم } أى على حجة من ربهم { وأولئك هم المفلحون } ~~الفائزون بثواب الله ورحمته. ### || [31.6-10] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { ويتخذها } نصبا، الباقون رفعا من قرأ ~~بالنصب عطفه على { ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها } أي يشتري لهو ~~الحديث للامرين. ومن رفع عطف على قوله { يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله... ويتخذها هزوا } ومن قرأ { ليضل } - بضم الياء وكسر الضاد - أراد ~~يفعل ذلك ليضل غيره. ومن - فتح الياء - أراد ليضل هو نفسه بذلك. # اخبر الله تعالى ان { من } جملة { الناس من يشتري لهو الحديث } أي ~~يستبدل لهو الحديث. وقيل في معناه قولان: # احدهما - انه يشتري كتابا فيه لهو الحديث. # الثاني - انه يشتري لهو ms2820 الحديث عن الحديث. واللهو الأخذ في ما يصرف الهم ~~من غير الحق، تقول: لهى فلان يلهو لهوا، فهو لاه، وتلهى تلهيا وألهاه ~~إلهاء، واللهو واللعلب والهزل نظائر. والحديث الخبر عن حوادث الزمان. ~~وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: لهو الحديث الغناء، وهو المروي عن أبي ~~جعفر عليه السلام. وقال قوم: هو شراء المغنيات. وروى أبو أمامة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله تحريم ذلك. وقال قتادة: هو استبدال حديث الباطل على ~~حديث الحق. وقيل: كلما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله الذي أمر ~~باتباعه إلى ما نهى عنه، فهو لهو الحديث. وقيل: الآية نزلت في النضر ابن ~~الحارث بن كلدة كان اشترى كتبا فيها أحاديث الفرس: من حديث رستم ~~واسفنديار، فكان يلهيهم بذلك ويطرف به، ليصد عن سماع القرآن وتدبر ما ~~فيه. # وقوله { ليضل عن سبيل الله } أي ليتشاغل بما يلهيه عن سبيل الله. وقال ~~ابن عباس: سبيل الله قراءة القرآن، وذكر الله، لان حجة الله قائمة عليه ~~بالدواعي التي تزعجه إلى النظر فيما يؤديه إلى العلم بالواجب ليعمل، ~~فيتشاغل ليخف ذلك الازعاج. ومن قرأ بالضم أراد ليضل غيره بذلك. # وقوله { ويتخذها هزوا } أي يتخذ سبيل الله سخرية، فلا يتبعها ويشغل ~~غيره عن اتباعها. والضمير في قوله { ويتخذها } يجوز أن يكون راجعا إلى ~~الحديث، لأنه بمعنى الاحاديث، ويجوز أن يكون راجعا إلى { سبيل الله } ~~والسبيل يؤنث ويذكر. ويجوز أن يكون راجعا إلى (آيات الله) في قوله { تلك ~~آيات الكتاب }. # ثم اخبر تعالى أن من هذه صفته { له عذاب مهين } أي عذاب بذله. والاذلال ~~بالعداوة هو الهوان. فأما اذلال الفقر والمرض، فليس بهوان، ولا إذلال على ~~الحقيقة. وإذلال العقاب لا يكون إلا هوانا، وإن كان العذاب على وجه ~~الامتحان، فلا يكون هوانا أيضا. # ثم اخبر تعالى عن صفة هذا الذي يتخذ آيات الله هزوا ويشتري لهو الحديث ~~أنه { إذا تتلى عليه آياتنا } التي هي القرآن { ولى مستكبرا } أي اعرض ~~عنها تكبرا عن استماعها. # والكفر فيها، كأنه { لم يسمعها } من حيث ms2821 لم يفكر فيها، ولم يعتبر بها و ~~{ كأن في أذنيه وقرا } أي ثقلا يمنع من سماعه. ثم امر نبيه صلى الله ~~عليه وآله أن يبشر من هذه صفة { بعذاب أليم } أي مؤلم موجع. # ثم اخبر تعالى عن صفة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وصدق انبيائه فقال ~~{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا بالله ونبيه وفعلوا الطاعات ~~{ لهم جنات النعيم } يوم القيامة يتنعمون فيها { خالدين فيها } أي مؤبدين ~~في تلك البساتين { وعد الله حقا } أي وعده الله حقا، لا خلف لوعده { ~~وهو العزيز } في انتقامه { الحكيم } في أفعاله، إذ لا يفعل إلا ما فيه ~~المصلحة ووجه من وجوه الحكمة. # ثم اخبر تعالى عن نفسه بأنه { خلق السماوات } فأنشاها واخترعها { بغير ~~عمد ترونه } أي ليس لها عمد يسندها، لانه لو كان لها عمد لرأيتموها فلما ~~لم تروها دل على أنه ليس لها عمد، لأنه لو كان لها عمد لكانت اجساما ~~عظيمة حتى يصح منها إقلال السموات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، ~~فكان يتسلسل. فاذا لا عمد لها، بل الله تعالى سكنها حالا بعد حال بقدرته ~~التي لا توازيها قدرة قادر. وقال مجاهد: لها عمد لا ترونها، هذا فاسد ~~لأنه لو كان لها عمد لكانت أجساما عظيمة، لانه لا يقل مثل السموات ~~والارض إلا ما فيه الاعتمادات العظيمة. ولو كانت كذلك لرأيت، وكان يؤدي ~~إلى ما ذكرناه من التسلسل. # ثم قال { وألقى في الأرض رواسي } يعني الجبال الثابتة { أن تميد بكم } ~~وقيل معناه لئلا تميد بكم، كما قال الراجز: # والمهر يأبى أن يزال ملهيا # بمعنى لا يزال. وقال قوم: معناه كراهة أن تميد بكم { وبث فيها من كل ~~دابة } أي فرق فيها من كل دابة أى من كل ما يدب على الارض { وأنزلنا من ~~السماء ماء } يعني غيثا ومطرا { فأنبتنا فيها } بذلك الماء { من كل زوج ~~كريم } أى من كل نوع حسن النبت طيب الريح والطعم. ### || [31.11-15] # هذا اشارة إلى ما تقدم ذكره من خلق السموات والارض على ما هي به ms2822 من ~~عظمها وكبر شأنها من غير عمد يمنع من انحدارها، وألقى الرواسي في الارض ~~لئلا تميد بأهلها { وبث فيها من كل دابة } للاعتبار والانتفاع بها، وأنزل ~~من السماء ماء لاخراج كل نوع كريم على ما فيه من بهجة ولذة يستمتع بها. ~~فهذا كله خلق الله فأين خلق من اشركتموه في عبادته حتى جاز لكم أن تعبدوه ~~من دونه وهذا لا يمكن معه معارضة، وفيه دليل على توحيده تعالى. # ثم اخبر تعالى فقال { بل الظالمون } لانفسهم بترك الاعتبار بآيات الله { ~~في ضلال مبين } أي عدول عن الحق بين ظاهر وما دعاهم إلى عبادتها انها ~~تخلق شيئا ولكن ضلالهم بالجهل الذي اعتقدوه من التقرب بذلك إلى الله ~~وانها تقربهم إلى الله زلفى. # ثم اخبر تعالى انه اعطى لقمان الحكمة، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: لم ~~يكن لقمان نبيا. وقال عكرمة: كان نبيا. وقيل: انه كان عبدا أسودا ~~حبشيا ذا سفة. فقال له بعض الناس: ألست الذي كنت ترعى معنا؟ فقال: نعم. ~~فقال له: من اين أوتيت ما أرى؟ فقال: بصدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. ~~والحكمة التي آتى الله لقمان هو معرفته بتوحيده، ونفي الشرك عنه. وما ~~فسرناه في ما بعد وهو ان أمره بأن يشكر لله على نعمه التي أنعم بها عليه. # ثم اخبر تعالى فقال { ومن يشكر فانما يشكر لنفسه } أي من يشكر نعمة الله ~~ونعمة من أنعم عليه، فانه يشكر لنفسه، لأن ثواب شكره عائد عليه { ومن كفر ~~فإن الله غني حميد } أي من جحد نعمة الله، فانه تعالى غني عن شكره حميد ~~على أفعاله، وعقاب ذلك عائد على الكفار دون غيرهم، والشكر لا يكون إلا ~~على نعمة سبقت، فهو يقتضي منعما، فلا يصح على ذلك أن يشكر الانسان نفسه، ~~لأنه لا يجوز أن يكون منعما عليها، وهو جرى مجرى الدين في أنه حق لغيره ~~عليه يلزمه أداؤه، فكما لا يصح أن يقرض نفسه فيجب أن يقضي ذلك الدين ~~لنفسه، فكذلك لا يصح أن ينعم على نفسه فيلزمه شكر ms2823 تلك النعمة. # ثم قال تعالى وأذكر يا محمد { إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } إذ قال له لا تعبد مع الله غيره فان من ~~فعل ذلك فقد ظلم نفسه ظلما عظيما. ويجوز أن يتعلق قوله { وإذ قال لقمان ~~} بقوله { ولقد آتينا لقمان الحكمة... إذ قال لابنه... لا تشرك بالله } ~~ثم قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه } أي وصيناه وأمرناه بالاحسان إلى ~~والديه. # والرفق بهما { حملته أمه وهنا على وهن } قال الضحاك: معناه ضعفا على ~~ضعف أي ضعف نطفة الوالد إلى ضعف نطفة الأم. وقيل: هو ما يلحقها بحملها ~~إياه مرة بعد مرة من الضعف. وقيل: بل المعنى شدة الجهد، قال زهير: # فان يقولوا بجعل واهن خلق # لو كان قومك في اسبابه هلكوا # وقال ابن عباس { وهن على وهن } أي شدة على شدة. وقيل: ضعف الولد حالا ~~بعد حال، لانه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم مولودا. وقوله { ~~وفصاله في عامين } يعني قطامه في انقضاء عامين. وقيل: نزلت في سعد بن ابي ~~وقاص حلفت أمه لا تأكل طعاما حتى تموت أو يرجع سعد ابنها فلما رأته بعد ~~ثلاث لا يرجع عن الاسلام أكلت. ثم قال { أن اشكر لي ولوالديك } أي وصيناه ~~بأن اشكر لي على نعمي، واشكر والديك أيضا على ما أنعما عليك. ثم قال { ~~إلي المصير } فيه تهديد أي إلي مرجعكم، فاجازيكم أيها الناس على حسب ~~عملكم. # ثم قال { وإن جاهداك } يعني الوالدين أيها الانسان { على أن تشرك بي } ~~معبودا آخر { فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا } أي احسن اليهما ~~في الدنيا وارفق بهما. ثم قال { واتبع سبيل من أناب إلي } أي رجع إلى ~~طاعتي من النبي والمؤمنين { ثم إلي مرجعكم } أي منقلبكم { فأنبئكم } أي ~~اخبركم { بما كنتم تعملون } في دار الدنيا من الاعمال. واجازيكم عليها ~~بحسبه، وقرأ ابن كثير، إلا ابن فليح { يا بني لا تشرك بالله } بسكون ~~الياء الباقون بتشديدها وكسرها، إلا حفصا فانه فتحها على اصله ms2824 { يا بني ~~أقم الصلاة } بفتح الياء، وابن كثير إلا قنبلا وحفص، الباقون بكسر ~~الياء. فوجه السكون أنه أجرى الوصل كالوقف، ووجه الفتح على الاضافة، وحذف ~~ما قبلها لاجتماع ثلاث يا آت.. والكسر على الاجتزاء بها من ياء الاضافة، ~~وعندنا أن الرضاع بعد الحولين يحرم لقوله { وفصاله في عامين } ولقوله ~~عليه السلام لا رضاع بعد الحولين. ### || [31.16-20] # قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر { ولا تصعر } بغير ألف في التصعير. ~~الباقون { تصاعر } بألف. وقرأ اهل المدينة { مثقال حبة } رفعا. الباقون ~~نصبا من رفعه جعل (كان) بمعنى حدث، ووقع، ولم يجعل لها خبرا. ومن نصب ~~فعلى أنه خبر (كان) والاسم مضمر فيها أي إن تك الحبة مثقال. وقرأ نافع ~~وأبو جعفر وابن كثير وابو عمرو وحفص عن عاصم { نعمه } على لفظ الجمع. ~~الباقون { نعمة } على التوحيد. # يقول الله تعالى مخبرا عن لقمان ووصيته لابنه، وأنه قال { يا بني أنها ~~إن تك مثقال حبة من خردل } من خير أو شر { فتكن } عطف على الشرط فلذلك ~~جزمه. وتقديره: إن تلك الحبة لو كانت في جوف صخرة، وهي الحجر العظيم او ~~تكون في السموات او الأرض { يأت بها الله } ويحاسب عليها ويجازي لأنه لا ~~يخفى عليه شيء منها، ولا يتعذر عليه الاتيان بها أي موضع كانت، لأنه قادر ~~لنفسه لا يعجزه شيء عالم لنفسه لا تخفى عليه خافية. # وقوله { يأت بها الله } معناه إنه يجازي بها ويواقف عليها فكأنه أتى بها ~~وإن كانت أفعال العباد لا يصح إعادتها، ولو صح اعادتها لما كانت مقدورة ~~لله. وإنما أراد ما قلناه، وفي ذلك غاية التهديد والحث على الأخذ بالحزم. ~~والهاء في قوله { إنها } قيل: انها عماد وهو الضمير على شريطة التفسير. ~~وقيل: { إنها } كناية عن الخطيئة او الفعلة التي تقتضي الجزاء، وهي ~~المضمرة في تلك وانما أنث مثقال، لأنه مضاف إلى مؤنث وهي الحبة، كما قيل: ~~ذهبت بعض اصابعه. وكما قيل: # [ وتشرق بالقول الذي قد اذعته] # كما شرقت صدر القناة من الدم # والصخرة وإن كانت في الأرض أو ms2825 في السماء، فذكر السموات والارض بعدها ~~مبالغة كقوله # اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق # وقد قال بعض المفسرين: ان الصخرة خارجة عن السموات والارض، وهو ايضا ~~جائز. وقرأ قتادة { فتكن في صخرة } بكسر الكاف مخففا من (وكن يكن) أي ~~جعل الصخرة كالوكنة. وهو عش الطائر. ذكره ابن خالويه. وحكاه عن ابن مجاهد ~~سماعا، واستحسنه. # وقوله { إن الله لطيف خبير } قال قتادة: معناه - ها هنا - لطيف ~~باستخراجها، خبير بمستقرها. واللطيف القادر الذي لا يحفو عن عمل شيء، لأن ~~من القادرين من يحفو عن عمل اشياء كثيرة كاخراج الجزء الذي لا يتجزأ ~~وتأليفه إلى مثله، فهو فان كان قادرا عليه، فهو ممتنع منه، لانه يحفو عن ~~عمل مثله. والخبير العالم وفيه مبالغة في الصفة، مشتق من الخبر. ولم يزل ~~الله خبيرا عالما بوجوه ما يصح أن يخبر به، والمثقال مقدار يساوي غيره ~~في الوزن، فمقدار الحبة مقدار حبة في الوزن. # وقد صار بالعرف عبارة عن وزن الدينار، فاذا قيل: مثقال كافور او عنبر، ~~فمعناه مقدار الدينار بالوزن. # ثم حكى ما قاله لقمان لابنه ايضا قال له { يا بني أقم الصلاة } أي دم ~~عليها وأقم حدودها وشرائطها { وأمر بالمعروف } والمعروف هو الطاعات { ~~وانه عن المنكر } وهي القبائح سواء كانت قبائح عقلية او شرعية { واصبر ~~على ما أصابك } من الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المشقة ~~والأذى وفي ذلك دلالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان ~~فيه بعض المشقة. ثم قال { إن ذلك } أي ما ذكره من الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر { من عزم الأمور } من العقد الصحيح على فعل الحسن بدلا من ~~القبيح، والعزم العقد على الأمر لتوطين النفس على فعله وهي الارادة ~~المتقدمة للفعل بأكثر من وقت، لان التلون في الرأي يناقض العزم. قال الله ~~تعالى # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # ثم حكى ما قال لقمان لابنه، فانه قال له ايضا { ولا تصعر خدك للناس } ~~ومعناه لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا ms2826 - ذكره ابن عباس - واصل الصعر داء ~~يأخذ الابل في اعناقها أو رؤسها حتى يلفت أعناقها فتشبه به الرجل المتكبر ~~على الناس. وقال عمر بن جني الثعلبي واضافه المبرد إلى الفرزدق: # وكنا إذا الجبار صعر خده # أقمنا له من مثله فتقوما # قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يكون تصعر وتصاعر بمعنى، كقولهم ضعف ~~وضاعف، قال ابو الحسن (لا تصاعر) لغة اهل الحجاز و (لا تصعر) لغة بني ~~تميم. والمعنى ولا تتكبر، ولا تعرض عنهم تكبرا { ولا تمش في الأرض مرحا ~~} أي مشي مختال متكبر { إن الله لا يحب كل مختال فخور } فالاختيال مشية ~~البطر، قال مجاهد: المختال المتكبر، والفخر ذكر المناقب للتطاول بها على ~~السامع، يقال: فخر يفخر فخرا وفاخره مفاخرة وفخارا، وتفاخرا تفاخرا ~~وافتخر افتخارا. # ثم قال له { واقصد في مشيك } أي اجعل مشيك مشي قصد، لا تمشي مشي مختال ~~ولا متكبر { واغضض من صوتك } أي لا ترفع صوتك متطاولا لانه مذموم { إن ~~أنكر الأصوات لصوت الحمير } قال الفراء: معناه إن اشد الأصوات. وقال ~~غيره: معناه أقبح الأصوات - في قول مجاهد - كما يقال: هذا وجه منكر. ثم ~~نبههم على وجوه نعم الله على خلقه. فقال { ألم تروا ان الله سخر لكم ما ~~في السماوات وما في الأرض } أي ذلله لكم تتصرفون فيه بحسب ما تريدون من ~~أنواع الحالات من الثمار والبهائم، وغير ذلك { وأسبغ عليكم نعمه } ظاهرة ~~أي وسع عليكم نعمه، والسابغ الواسع الذي يفضل عن مقدار القوت. وقوله { ~~ظاهرة وباطنة } أي من نعمه ما هو ظاهر لكم لا يمكنكم جحده: من خلقكم، ~~واحيائكم واقداركم، وخلق الشهوة فيكم وضروب نعمه، ومنها ما هو باطن مستور ~~لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها وقيل: النعم الباطنة مصالح الدين ~~والدنيا، مما لا يشعرون به. وقيل: سخر لكم ما في السموات من شمس وقمر ~~ونجم وسحاب، وما في الارض من دابة وشجر وثمار، وغير ذلك مما تنتفعون به ~~في اقواتكم ومصالحكم. # ثم قال تعالى { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } اي ms2827 يخاصم ولا علم ~~له بما يقوله، ويجادل فيه { ولا هدى } أي ولا حجة على صحة ما يقوله { ولا ~~كتاب منير } أي، ولا كتاب من عند الله منير أي ظاهر عليه نور وهدى. ### || [31.21-25] # حكى الله سبحانه عن الكفار وسوء اختيارهم أنه { إذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله } من القرآن والاحكام واعملوا بموجبه واقتدوا به { قالوا } في ~~الجواب عن ذلك { بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا } من عبادة الأصنام، ولا ~~نتبع ذلك، فقال الله تعالى منكرا عليهم { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى ~~عذاب السعير } ومعناه إنكم تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، ولو كان ذلك ~~يدعوكم إلى عذاب جهنم!. وادخل على واو العطف ألف الاستفهام على وجه ~~الانكار. ثم قال { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي يوجه طاعته إلى الله ~~ويقصد وجهه بها دون الرياء والسمعة { وهو محسن } اي لا يخلط طاعاته ~~بالمعاصي { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أى من فعل ما وصفه فقد تعلق ~~بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انتقاضها، والتوثق امتناع سبب الانتقاض، ~~لأن البناء الموثق قد جعل على امتناع سبب الانتقاض، وما ليس بموثق على ~~سبب الانتقاض. # ثم قال { وإلى الله عاقبة الأمور } أى اليه ترجع أواخر الأمور على وجه ~~لا يكون لأحد التصرف فيها، ولا الأمر والنهي. # ثم قال لنبيه { ومن كفر } يا محمد من هؤلاء الناس { فلا يحزنك كفره } اى ~~لا يغمك ذلك { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } اى نعلمهم باعمالهم ~~ونجازيهم على معاصيهم بالعقاب، { إن الله عليم بذات الصدور } أى بما ~~تضمره الصدور، لا يخفى عليه شيء منها. ثم قال { نمتعهم قليلا } اى ~~نتركهم يتمتعون في هذه الدنيا مدة قليلة { ثم نضطرهم } أى نصيرهم مكرهين ~~{ إلى عذاب غليظ } يغلظ عليهم ويصعب وهو عذاب النار. ثم قال { ولئن ~~سألتهم } يعني هؤلاء الذين كفروا بآيات الله { من خلق السماوات والأرض }؟ ~~ليقولن في جواب ذلك: الله خلق ذلك، لانهم لا يمكنهم أن يقولوا خلق ذلك ~~الاصنام والاوثان، لأنهم يقرون بالنشاة الأولى، ولأنهم لو قالوا ذلك لعلم ~~ضرورة بطلان قولهم، ms2828 فقل عند ذلك يا محمد { الحمد لله } على هدايته ~~وتوفيقه لنا بالمعرفة له { بل أكثرهم لا يعلمون } انكم وفقكم الله ~~لمعرفته. ### || [31.26-30] # قرأ ابو عمرو ويعقوب وابن شاهي { والبحر يمده } نصبا. الباقون رفعا. ~~من نصبه عطفه على { ما } في قوله { أن ما } لأن موضعها نصب ب { أن } لأن ~~الكلام لم يتم عند قوله { أقلام } فاشبه المعطوف قبل الخبر. قال ابن ~~خالويه: وهذا من حذق ابي عمرو، وجودة تمييزه. وإنما لم يتم الكلام مع ~~الاتيان بالخبر لأن (لو) يحتاج إلى جواب. ومن رفع استأنف الكلام. # اخبر الله تعالى أن له جميع ما في السموات والأرض ملك له يتصرف فيه بحسب ~~إرادته لا يجوز لأحد الاعتراض عليه. ثم اخبر انه تعالى { هو الغني } الذي ~~لا يحتاج إلى شيء من جميع المخلوقات كما يحتاج غيره من الاحياء المخلوقين ~~وأنه { الحميد } مع ذات، يعني المستحق للحمد العظيم، ونقيضه الذميم ويقال ~~(محمود) بمعنى حميد. ومعناه أنه اهل الحمد. # ثم قال تعالى { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر } وفيه حذف، لأن المعنى يكتب به كلام الله { ما نفدت كلمات ~~الله } والآية تقتضي انه ليس لكلمات الله نهاية بالحكم، لانه يقدر منها ~~على ما لا نهاية له. وقال قوم: المعنى ان وجه الحكمة وعجيب الصنعة ~~وإتقانها لا ينفد، وليس المراد به الكلام. وقال ابو عبيدة: المراد بالبحر ~~- ها هنا - العذب، لأن المالح لا ينبت الاقلام. وقال ابن عباس: نزلت ~~الآية جوابا لليهود، لما قالوا قد أوتينا التوراة، وفيها كل الحكمة، ~~فبين الله تعالى أن ما يقدر عليه من الكلمات لا حصر له ولا نهاية. والشجر ~~جمع شجرة مثل تمرة وتمر، وهو كل نبات يقوم على ساق ويورق الاغصان. ومنه ~~اشتقت المشاجرة بين الناس في الأمر. ومنه قوله { في ما شجر بينهم } وشجر ~~تشجيرا وتشاجروا تشاجرا، ومد البحر إذا جرى غيره اليه حالا بعد حال. ~~ومنه المد والجزر. ومد النهر ومده نهر آخر يمده مدا. وقال الفراء: ~~يقولون: أمددتك الفا ms2829 فمددت. # { إن الله عزيز حكيم } معناه عزيز في انتقامه من اعدائه { حكيم } في ~~أفعاله. ثم قال { ما خلقكم } معشر الخلق { ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } أي ~~إلا كبعث نفس واحدة أي لا يشق عليه ابتداء جميع الخلق ولا إعادتهم بعد ~~إفنائهم، وأن جميع ذلك من سعة قدرة الله كالنفس الواحدة. إذ المراد أن ~~خلقها لا يشق عليه. # وقوله { إن الله سميع } أي يسمع ما يقول القائلون في ذلك { بصير } بما ~~يضمرونه في قوله { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } وفي ذلك تهديد ~~على المخالفة فيه. ثم قال { ألم تر } يا محمد، والمراد به جميع المكلفين ~~{ أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } قال قتادة: ~~معناه ينقص من الليل في النهار، ومن النهار في الليل. # وقال غيره: معناه إن كل واحد منهما يتعقب الآخر { وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري } لأنهما يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان بحسب ما سخرهما له، كل ~~ذلك يجري { إلى أجل مسمى } قدره الله ان يفنيه فيه. وقال الحسن: الأجل ~~المسمى القيامة { وإن الله } عطف على { ألم تر } فلذلك نصبه، وتقديره: ~~وتعلم { أن الله بما تعملون خبير } من قرأ بالياء - وهو عياش عن أبي عمرو ~~- أراد الاخبار. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب. وهو الأظهر. والمعنى { ~~أن الله بما تعملون } معشر المكلفين { خبير } أي عالم، فيجازيكم بحسب ذلك ~~ليطابق قوله { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } ثم قال { ذلك بأن ~~الله هو الحق } الذي يجب توجيه العبادة اليه { وأن ما تدعون من دونه ~~الباطل }. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء على وجه ~~الخطاب. # يقول الله تعالى: ألم تعلم ان ما يدعون هؤلاء الكفار من الاصنام هو ~~الباطل. ومن قرأ بالياء فعلى: قل لهم يا محمد { وأن الله هو العلي الكبير ~~} فالعلي هو الذي علا على الأشياء واقتدر عليها، والكبير معناه العظيم في ~~صفاته لا يستحق صفاته غيره تعالى. وذكر ابو عبيدة - في كتاب المجاز - ان ~~البحر المذكور في ms2830 الآية البحر العذب، لأن المالح لا ينبت الاقلام. ### || [31.31-34] # خمس آيات بصرى وشامي واربع فيما عداهما عدوا { مخلصين له الدين } ولم ~~يعده الباقون. # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع ~~المكلفين منبها لهم على جهات نعمه التي انعم بها عليهم وما يدلهم على ~~انه يستحق العبادة خالصا، فقال { ألم تر } ومعناه الم تعلم { أن الفلك } ~~وهي السفن تجري في البحر بنعمة الله عليكم { ليريكم من آياته } اي ليريكم ~~بعض ادلته الدالة على وحدانيته، ووجه الدلالة في ذلك ان الله تعالى يجري ~~الفلك بالرياح التي يرسلها في الوجوه التي تريدون المسير فيها، ولو اجتمع ~~جميع الخلق ليجروا الفلك في بعض الجهات مخالفا لجهة الرياح لما قدروا ~~على ذلك. وفي ذلك اعظم دلالة على ان المجري لها بالرياح هو القادر الذى ~~لا يعجزه شيء، وذلك بعض الأدلة التي تدل على وحدانيته، فلذلك قال { من ~~آياته } ثم قال { إن في ذلك لآيات } يعني في تسخير الفلك وإجرائها في ~~البحر على ما بيناه لدلالات { لكل صبار } يعني الصبار على مشاق التكليف. ~~وعلى الم المصائب، وأذى الكفار { شكور } لنعم الله عليهم واضاف الآيات ~~اليهم لما كانوا هم المنتفعين بها، وانما ذكر { كل صبار شكور } لأن الصبر ~~عليه بأمر الله، والشكر لنعم الله من افضل ما في المؤمن. وقال الشعبي: ~~الصبر نصف الايمان، والشكر نصف الايمان فكأنه قال: لكل مؤمن. # ثم قال تعالى { وإذا غشيهم موج } يعني إذا غشي اصحاب السفن الراكبي ~~البحر موج، وهو هيجان البحر { كالظلل } اى الماء في ارتفاعه وتغطيته ما ~~تحته كالظلل، قال النابغة الجعدي: يصف البحر: # يغاشيهن اخضر ذو ظلال # على حافاته فلق الدنان # شبه الموج لأنه يجيء منه شيء بعد شيء بالسحاب الذي يركب بعضه فوق بعض، ~~ويكون اسودا بما فيه من الماء { دعوا الله مخلصين له الدين } أي طاعة ~~العبادة، فالاخلاص إفراد المعنى من كل شائب كان من غيره، أى يخلصون ~~الدعاء في هذه الحال لله تعالى دون الأصنام وجميع ما يعبدونه من دون ms2831 الله ~~{ فلما نجاهم } أي خلصهم إلى البر وسلمهم من هول البحر { فمنهم مقتصد } ~~قال قتادة: يعني منهم مقتصد في قوله مضمر لكفره. وقال الحسن: المقتصد ~~المؤمن. وقيل: مقتصد على طريقة مستقيمة { وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور } فالختار الغدار بعهده أقبح الغدر، وهو صاحب ختل وختر أي غدر قال ~~عمرو ابن معدي كرب: # فانك لو رأيت أبا عمير # ملات يديك من غدر وختر # وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: الختار الغدار، # ثم خاطب تعالى جميع المكلفين من الناس فقال { يا أيها الناس اتقوا ربكم ~~} امرهم باجتناب معاصيه خوفا من عقابه { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ~~ولده. # .. } يعني يوم القيامة الذي لا يغني فيه أحد عن احد، لا والد عن ولده ~~ولا ولد عن والده، يقال: جزيت عنك أجزي إذا أغنيت عنك. وفيه لغة أخرى: ~~أجزأ يجزئ من أجزأت بالهمزة. ثم قال { إن وعد الله حق } اي الذي وعدته من ~~الثواب والعقاب حق لا خلف فيه { فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور } قال مجاهد وقتادة والضحاك: الغرور الشيطان. وقال سعيد بن ~~جبير: هو يمنيك المغفرة في عمل المعصية. قال ابو عبيدة: الغرور كل شيء ~~غرك حتى تعصي الله، وتترك ما أمرك به الله، شيطانا كان أو غيره، فهو ~~غرور. وهو أحسن، لأنه أعم. ثم قال تعالى { إن الله عنده علم الساعة } ~~يعني وقت قيام القيامة يعلمه تعالى لا يعلمه سواه { وينزل الغيث } أي وهو ~~الذي يعلم وقت نزول الغيث بعينه وهو الذي { يعلم ما في الأرحام } من ذكر ~~او أنثى { وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت } ~~يقال: بأي ارض وبأية ارض. من قال: بأي، فلأن تأنيث الأرض بالصيغة لا ~~باللفظ. ومن قال: بأية ارض فلان الأرض مؤنثة. والمعنى انه لا يعلم موت ~~الانسان في أي موضع من البلاد يكون سواه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه ~~وآله إن هذه الخمسة اشياء مما لا يعلمها غيره تعالى على التفصيل والتحقيق ms2832 ~~{ إن الله عليم } بتفصيل ذلك { خبير } به لا يخفى عليه شيء من ذلك. وسأل ~~البلخي نفسه، فقال: إذا قلتم: إن من اعتقد الشيء على ما هو به تقليدا أو ~~تخمينا أو تنجيما يكون عالما، فلو أن إنسانا أعتقد ان امرأة تلد ~~ذكرا او رجلا يموت في بلد بعينه او يكسب في الغد كذا، فوافق ذلك ~~اعتقداده، فيجب ان يكون عالما، ويبطل الاختصاص في الآية؟! وأجاب: إن ذلك ~~وإن كان جائزا، فانه لا يقع لظاهر الآية. وهذا غير صحيح، لان من المعلوم ~~ضرورة أن الانسان يخبر شيئا فيعتقده، فيكون على ما اعتقده من هذه ~~الاشياء الخمسة. وانما لا يكون علما، لانه لا تسكن نفسه إلى ذلك، فأما ~~المنع من وقوعه فمعلوم خلافه. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-5] # خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا { الم } آية ولم يعدها الباقون. روي ~~عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقرأ في كل ليلة سورة السجدة { الم ~~تنزيل } و { تبارك الذي بيده الملك }. # و { تنزيل } رفع على انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره { الم } هو تنزيل. ~~ويجوز أن يكون { تنزيل } رفعا بالابتداء، وخبره { لا ريب فيه } ذكره ~~الزجاج. وقد تكرر القول بأن أوائل امثال هذه السور أقوى الأقوال فيها ~~انها أسماء للسورة، ورجحناه على غيره من الأقوال. والتلفظ بحروف الهجاء ~~ينبغي ان يكون على الوقف، لانها مبنية على السكون من حيث كانت حكاية ~~للاصوات. # وقوله { تنزيل الكتاب } أي هذه الآيات هي تنزيل الكتاب الذي وعدتم به { ~~لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه وحي من الله. والمعنى أنه لا ريب فيه عند ~~المهتدين، وإن كان ارتاب به خلق من المبطلين. وهو مثل قول القائل: لا ريب ~~في هذا انه ذهب أي عند من رآه واعتبره. وقيل: معنى { لا ريب فيه } خبر ~~والمراد به النهي، والمعنى لا ترتابوا به، والريب الشك. وقيل: هو اقبح ~~الشك. ووجوه الحكم في الكتاب البيان عن كل ما تدعو الحكمة إلى تميز الحق ~~فيه من الباطل بالبرهان عليه مما يحتاج ms2833 اليه في الدين الذي يرضى به رب ~~العالمين، وهو على وجهين: حجة، وموعظة، واعتماد الحجة على تبين ما يؤدي ~~إلى العلم بصحة الأمر، واعتماد الموعظة على الترغيب والترهيب، وفي ~~الموعظة من جهة التحذير بما تضمنه أي يقرب ما في السورة المسمى به من ~~الحكم، وفيه حجة على العبد من جهة انه قد دل به على ما يجب أنه يعتقد ~~تعظيمه ويعمل به. # وقوله { من رب العالمين } أي هو تنزيل من عند الله الذي خلق الخلائق. ~~وقوله { أم يقولون افتراه } فهذه (أم) منقطعة، ومعناها (بل) وتقديره: بل ~~يقولون افتراه، ففيها معنى (بل) والألف إذا كانت معادلة فمعناها (او) مع ~~الاستفهام، و (افتراه) معناه افتعله، بل قال تعالى ليس الأمر على ما ~~قالوه { بل هو الحق } من عند الله والحق هو كل شيء كان معتقده على ما هو ~~به مما يدعو العقل اليه واستحقاق المدح عليه. وتعظيمه الكتاب حق، لأن من ~~اعتقد أنه من عند الله كان معتقده على ما هو به. والباطل نقيض الحق، وهو ~~ما كان معتقده لا على ما هو به. # وقوله { بل هو الحق من ربك } فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة لان الله ~~تعالى أنزله ليهتدي به الخلق لا ليضلوا به عن الدين، والمجبرة تزعم انه ~~أراد ضلال الكفار عن الدين فيجب كونه منزلا ليضل الكفار عن الدين. # وقوله { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } لا ينافي قوله # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # لان الحسن، قال: المعنى وإن من امة أهلكت بالعذاب إلا من بعد أن جاءهم ~~نذير ينذرهم بما حل بهم. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله ~~تعالى له { لتنذر } أي لتخوف يا محمد { قوما } لم يأتهم مخوف قبلك، يعني ~~أهل الفترة من العرب، فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما ~~خلقهم له من العبادة. وقد كان اسماعيل عليه السلام نذيرا لمن أرسل اليه. # ثم قال { الله الذي خلق السماوات والأرض } أي اخترعهما وانشأها وخلق ms2834 { ~~ما بينهما في ستة أيام } أي في ما قدره ستة أيام، لانه قبل خلق الشمس لم ~~يكن ليل ولا نهار. وقوله { ثم استوى على العرش } أي استوى عليه بالقهر ~~والاستعلاء، وقد فسرناه في ما مضى ودخلت { ثم } على { استوى على العرش } ~~وإن كان مستعليا على الاشياء قبلها، كما دخلت حتى في قوله # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين # وتقديره ثم صح معنى استوى على العرش باحداثه، وكذلك حتى يصح معنى { نعلم ~~المجاهدين } أي معنى وصفهم بهذا وذلك لا يكون إلا بعد وجود الجهاد من ~~جهتهم. # وقوله { مالكم من دونه من ولي ولا شفيع } نفي منه تعالى أن يكون للخلق ~~ناصر ينصرهم من دون الله أو شفيع يشفع لهم، كما كانوا يقولون: نعبدهم ~~ليقربونا إلى الله زلفى. # ثم قال { أفلا تتذكرون } في ما قلناه وتعتبرون به، فتعلموا صحة ما بيناه ~~لكم. وقوله { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض } معناه ان الذي خلق ~~السموات والارض وما بينهما في هذه المدة يدبر الامور كلها، ويقدرها على ~~حسب إرادته في ما بين السماء والارض، وينزله مع الملك إلى الارض { ثم ~~يعرج إليه } يعني الملك يصعد إلى المكان الذي أمره الله تعالى أن يعرج ~~اليه، كما قال ابراهيم: # إني ذاهب إلى ربي # أي ارض الشام التي امرني ربي. ولم يكن الله بأرض الشام، ومثله قوله ~~تعالى # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله # يريد إلى المدينة. ولم يكن الله في المدينة. وقوله { في يوم كان مقداره ~~ألف سنة مما تعدون } قال ابن عباس، والضحاك: معناه يوم كان مقداره لو ~~ساره غير الملك ألف سنة مما يعده البشر. وقيل: معناه خمس مئة عام نزول ~~وخمس مئة عام صعود، فذلك ألف سنة. وقال قوم: يجوز ان يكون يوم القيامة ~~يوما له اول وليس له آخر. وقته اوقاتا يسمى بعضها الف سنة وبعضها خمسين ~~الف سنة. وقيل: ان معنى { وإن يوما عند ربك كألف سنة } انه فعل في يوم ~~واحد من الأيام الستة التي خلق فيها السموات ms2835 والارض ما لو كان يجوز أن ~~يفعله غيره لما فعله إلا في الف سنة. وقيل: ان معناه إن كل يوم من الأيام ~~الستة التي خلق فيها السموات كألف سنة من أيام الدنيا. ### || [32.6-10] # خمس آيات عراقي لم يعدوا { جديد } آية. وست في ما عداه، لأنهم عدوا { ~~جديد } آية. # قرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر { أحسن كل شيء خلقه } باسكان اللام. ~~الباقون بفتحها. من سكن اللام فعلى تقدير: الذي أحسن خلق كل شيء اي جعلهم ~~يحسنونه والمعنى انه ألهمهم جميع ما يحتاجون اليه. قال الزجاج: ويجوز ان ~~يكون على البدل، والمعنى: احسن كل شيء. ويجوز أن يكون على المصدر وتقديره ~~الذي خلق كل شيء خلقه. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضيا، ومعناه احسن الله ~~كل شئ خلقه على إرادته ومشيئته، وأحسن الانسان وخلقه في احسن صورة. وقيل: ~~معناه إن وجه الحكمة قائم في جميع أفعاله، ووجوه القبح منتفية منها، ووجه ~~الدلالة قائم فيها على صانعها، وكونه عالما. والضمير في قوله { خلقه } ~~كناية عن اسم الله. # لما اخبر الله تعالى انه الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ~~أيام واستولى على العرش، وانه الذي يدبر الأمور ما بين السموات والارض ~~بين - ها هنا - ان الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو { عالم الغيب والشهادة } ~~أي يعلم السر والعلانية { العزيز } في انتقامه من أعدائه { الرحيم } ~~بعباده، المنعم عليهم، و { الغيب } خفاء الشيء عن الادراك. والشهادة ~~ظهوره للادراك فكأنه قال: يعلم ما يصح أن يشاهد، وما لا يصح أن يشاهد ~~فيدخل في ذلك المعدوم والحياة والموت والقدرة وجميع ما لا يصح عليه ~~الرؤية. والعزيز: هو القادر على منع غيره ولا يقدر الغير على منعه، وأصله ~~المنع من قولهم: من عز بز، من غلب سلب، لأن من غلب أسيره فمنعه أخذ ~~سلبه. # ثم قال الذي احسن كل شيء خلقه، ومعنى ذلك في جميع ما خلقه الله تعالى ~~وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة، وليس فيه وجه من وجوه القبح. وذلك يدل ~~على ان الكفر ms2836 والضلال وسائر القبائح ليست من خلقه. ولفظة (كل) وإن كانت ~~شاملة للاشياء كلها، فالمراد به الخصوص - ها هنا - لأنه أراد ما خلقه ~~الله تعالى من مقدوراته دون مقدور غيره، ونصب قوله { خلقه } بالبدل من ~~قوله { كل شيء } كما قال الشاعر: # وظعني اليك الليل حضنيه انني # لتلك إذا هاب الهداي فعول # وتقديره وظعني حضني الليل اليك. وقال الآخر: # كأن هندا ثناياها وبهجتها # يوم التقينا على ادحال دباب # والمعنى كأن ثنايا هندو بهجة هند. وقوله { وبدأ خلق الإنسان من طين } أي ~~ابتدأ خلق الانسان من طين، يريد انه خلق آدم الذي هو أول الخلق من طين، ~~لأن الله تعالى خلق آدم من تراب، فقلبه طينا، ثم قلب الطين حيوانا، ~~وكذلك قال # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون # وقال - ها هنا - و { وبدأ خلق الإنسان من طين } وكل ذلك لما في ~~التصريفين دليل وقوله { ثم جعل نسله من سلالة } يعني نسل الانسان الذي هو ~~آدم وولده من سلالة، وهي الصفوة التي تنسل من غيرها خارجة، قال الشاعر: # فجاءت به عضب الاديم غضنفرا # سلالة فرج كان غير حصين # { من ماء مهين } قال قتادة: المهين الضعيف. وهو (فعيل) من المهنة. # وقوله { ثم سواه } أي عدله ورتب جوارحه { ونفخ فيه } يعني في ذلك ~~المخلوق { من روحه } فأضافه إلى نفسه اضافة اختصاص وإضافة ملك على وجه ~~التشريف. ثم قال { وجعل لكم } معاشر الخلق { السمع } لتسمعوا به الاصوات ~~{ والأبصار } لتبصروا بها المرئيات { والأفئدة } أي وخلق لكم القلوب ~~لتعقلوا بها { قليلا ما تشكرون } أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير و ~~(ما) زائدة، ويجوز ان تكون مصدرية، والتقدير قليلا شكركم، لأن نعم الله ~~لا تحصى. ثم حكى عن الكفار فقال { وقالوا أئذا ضللنا في الأرض } وفيه ~~لغتان فتح اللام وكسرها، وكل شيء غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل ~~فيه، قال الاخطل: # كنت القذي في موج اكدر مزبد # قذف الأتي به فضل ضلالا # وقال مجاهد وقتادة: معنى { ضللنا } هلكنا. ms2837 وقال ابو عبيدة: همدنا فلم ~~يوجد لهم دم ولا لحم { أئنا لفي خلق جديد } حكاية عن تعجبهم وقولهم كيف ~~نخلق خلقا جديدا، وقد هلكنا وتمزقت أجسامنا. ثم قال { بل } هؤلاء ~~الكفار { بلقاء ربهم } بالعذاب والعقاب { كافرون } أي جاحدون، فلذلك ~~قالوا: أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد، جعل { إذا } منصوبة ب { ~~ضللنا } وتكون في معنى الشرط، ولا توصل إلا بذكر الفاء بعدها، لأن { إذا ~~} قد وليها الفعل الماضي ولا يجوز أن تنصب { إذا } بما بعدها إذ لا خلاف ~~بين النحويين فيه. وقرأ الحسن { صللنا } بالصاد غير منقوطة. ومعناه احد ~~شيئين: احدهما - انتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا، يقال صل اللحم، وأصل إذا ~~أنتن، والثاني - صللنا صرنا من جنس الصلة وهي الأرض اليابسة. ### || [32.11-15] # أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يخاطب المكلفين بأن يقول لهم { ~~يتوفاكم ملك الموت } أي يقبض أرواحكم، قال قتادة يتوفاكم ومعه أعوان من ~~الملائكة، والتوفي أخذ الشيء على تمام، قال الراجز: # ان بني أدرد ليسوا من أحد # ولا توفاهم قريش في العدد # ومنه قوله # الله يتوفى الأنفس حين موتها # ويقال: استوفى الدين إذا قبضه على كماله، فملك الموت يتوفى الانسان باخذ ~~روحه على تمام فيعرج بها إلى حيث امره الله تعالى. وقوله { يتوفاكم } ~~يقتضي أن روح الانسان هي الانسان فالاضافة فيها وقعت كما وقعت في نفس ~~الانسان، والملك مشتق من الألوكة وهي الرسالة كما قال الهذلي. # الكني اليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # وقوله { الذي وكل بكم } صفة للملك الذي يتوفى الأنفس، وأن الله قد وكله ~~بمعنى فوض اليه قبض الأرواح. والتوكيل تفويض الأمر إلى غيره للقيام به، ~~وكله توكيلا، وتوكل عليه توكلا، ووكله يوكله وكالة. # وقوله { ثم إلى ربكم ترجعون } معناه إنكم إلى جزاء الله من الثواب ~~والعقاب تردون. وانما جعل الرجوع إلى الجزاء رجوعا اليه تفخيما للامر. ~~وقيل: معناه تردون إلى ان لا يملك لكم أحد ضرا ولا نفعا إلا الله ~~تعالى. وفيه تعظيم لهذه الحال. واقتضى الوعيد. ثم قال لنبيه صلى الله ms2838 ~~عليه وآله { ولو ترى } يا محمد { إذ المجرمون } فجواب (لو) محذوف ~~وتقديره: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم إذا بعثوا، من الندم على ~~تفريطهم في الايمان لرأيتم ما تعتبرون به. والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله والمراد به الأمة { ناكسوا رؤسهم } من الغم. وقيل: من الحياء والخزي ~~مما ارتكبوه من المعاصي { عند ربهم } يعني يوم القيامة الذي يتولى الله ~~تعالى حساب خلقه. وفي الكلام حذف لان تقديره قائلين { ربنا أبصرنا وسمعنا ~~} ومعناه أبصرنا الرشد وسمعنا الحق. وقيل: معناه أبصرنا صدق وعدك وسمعنا ~~تصديق رسلك. وقيل معناه: إنا كنا بمنزلة العمي، فقد أبصرنا، وبمنزلة ~~الصم، فسمعنا { فارجعنا } أي ردنا إلى دار التكليف { نعمل صالحا } من ~~الطاعات غير الذي كنا نعمل من المعاصي { إنا موقنون } اليوم لا نرتاب ~~بشيء من الحق والرسالة. # ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ومعناه ~~الاخبار عن قدرته انه يقدر على إلجائهم إلى الايمان بان يفعل أمرا من ~~الامور يلجئهم إلى الاقرار بتوحيد الله، لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف، ~~لان المقصود استحقاق الثواب، والالجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب وقال ~~الجبائي يجوز أن يكون المراد ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوا ولرددتهم ~~إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات { ولكن حق القول مني } أن اجازيهم ~~بالعقاب، ولا أردهم وقيل: ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة { ولكن حق القول ~~مني } أي أخبرت وأوعدت أني { لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ~~بكفرهم بالله وجحدهم وحدانيته وكفرانهم نعمه. # ثم حكى تعالى ما يقال لمن تقدم ذكره الذين طلبوا الرجوع إلى دار ~~التكليف، فانه يقال لهم يوم القيامة، إذا حصلوا في العذاب { فذوقوا بما ~~نسيتم لقاء يومكم هذا } أي انما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم، ~~فتركتم ما أمركم الله به وعصيتموه { إنا نسيناكم } أي فعلنا معكم جزاء ~~على ذلك فعل من نسيكم يعني من ثوابه، وترككم من نعيمه. والنسيان الترك. ~~ومنه قوله # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي # وقال النابغة: # سفود شرب نسوه عند مفتأد ms2839 # أي تركوه فلم يستعملوه، قال المبرد، لانه لو كان المراد النسيان الذي هو ~~ضد الذكر لجاز أن يكونوا استعملوه { وذوقوا عذاب الخلد } الذي لا فناء له ~~جزاء { بما كنتم تعملون } من المعاصي. # ثم اخبر تعالى عن حال المؤمنين ووصفهم بأن المؤمن على الحقيقة الكامل ~~الايمان بآيات الله وبحججه { هم الذين إذا ذكروا } بحجج الله وتليت عليهم ~~آياته خروا سجدا شكرا على ما هداهم لمعرفته وأنعم عليهم من فنون نعمه ~~ونزهوا الله تعالى عما لا يليق به من الصفات وعن الشرك به حامدين لربهم ~~غير مستكبرين ولا مستنكفين من الطاعة. ### || [32.16-20] # قرأ { أخفي } باسكان الياء حمزة ويعقوب. الباقون - بفتح الياء - من سكن ~~الياء جعله فعلا مستقبلا وحجته قراءة عبد الله { ما تخفي لهم } ومن فتح ~~جعله فعلا ماضيا على ما لم يسم فاعله، فعلى قراءة حمزة (ما) نصب مفعول ~~به، وعلى ما في القرآن إن موضع (ما) رفع بما لم يسم فاعله. والله فاعله و ~~{ قرة أعين } شيء أعده الله لعباده لم يطلعهم عليه في دنياهم، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وآله # " هو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " # وصف الله تعالى المؤمنين الذين ذكرهم في الآية الأولى في هذه الآية بأن ~~قال: وهم الذين لا يستنكفون عن عبادته { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي ~~يرتفعون عن مواضعهم التي ينامون عليها فالتجافي تعاطي الارتفاع عن الشيء، ~~ومثله النبو يقال جفا عنه يجفو جفاء إذا نبا عنه. وتجافى عنه يتجافى ~~تجافيا، واستجفاه استجفاء والمضجع موضع الاضجاع، والاضطجاع هو القاء ~~النفس { يدعون ربهم } أي داعين ربهم الذي خلقهم وأوجدهم { خوفا } من ~~عذابه يسألونه المغفرة { وطمعا } في ثوابه. وانتصب { خوفا، وطمعا } ~~على انه مفعول له أي للخوف وللطمع { ومما رزقناهم ينفقون } في طاعة الله ~~وسبيل ثوابه. ووجه المدح بذلك أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالدعاء ~~لله عن طيب المضطجع لما يأملون به من الخير والبركة من الله تعالى، لأن ~~آمالهم مصروفة اليه، واتكالهم في أمورهم عليه، وقال الشاعر ms2840 في التجافي: # وصاحبي ذات هباب دمشق # وابن ملاط متجاف ادفق # أي متنح عن كركرتها، وقال أنس وقتادة: انه مدح قوما كانوا يتنفلون بين ~~المغرب والعشاء. وقال الضحاك: انهم كانوا يذكرون الله بالدعاء والتعظيم ~~وقال قتادة: { خوفا } من عذاب الله { وطمعا } في رحمة الله { ومما ~~رزقناهم ينفقون } في طاعة الله. وقال ابو جعفر، وابو عبد الله عليهما ~~السلام الآية متناولة لمن يقوم إلى صلاة الليل عن لذيذ مضجعه وقت السحر، ~~وبه قال معاذ والحسن ومجاهد. وقال عبد الله بن رواحة في صفة النبي صلى ~~الله عليه وآله: # يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا استثقلت بالمشركين المضاجع # ثم قال تعالى { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } تحتمل (ما) في ~~قوله { ما أخفي } أن تكون بمعنى الذي ويكون موضعها النصب، ويحتمل أن تكون ~~بمعنى (أن) ويكون موضعها الرفع، وتكون الجملة في موضع نصب، والمعنى ليس ~~يعلم أحد كنه ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين الذين تقدم وصفهم من انواع ~~اللذات والاشياء التي تقر أعينهم بها على كنه معرفتها. وقولهم قرت عيناه ~~أي فرحها الله. لأن المستبشر الضاحك يخرج من عينه ماء بارد من شؤونه. # والباكي جزعا يخرج من عينيه ماء سخن من الكبد، ومنه قولهم: سخنت عينه - ~~بكسر الخاء - { جزاء بما كانوا يعملون } من الطاعات في دار التكليف، ~~وانما نفى العلم عنهم مع أن المؤمن يعلم أنه مستحق للثواب، لان العلم ~~بالشيء يكون من وجهين: # احدهما - ان يعلم الشيء على طريق الجملة، وهو الذى يحصل للمؤمن في دار ~~التكليف. # والآخر - ان يحصل على طريق التفصيل، وذلك موقوف على مشاهدتهم للثواب ~~الذي يرونه عند زوال التكليف وحضور الثواب. # ثم قال تعالى { أفمن كان مؤمنا } مصدقا بالله عارفا به وبأنبيائه ~~عاملا بما اوجبه الله عليه وندبه اليه { كمن كان فاسقا } خارجا عن طاعة ~~الله بارتكاب معاصيه على وجه الانكار لذلك، فلذلك جاء به على لفظ ~~الاستفهام، ثم اخبر تعالى بأنهم { لا يستوون } قط، لان منزلة المؤمن ~~الثواب وانواع اللذات، ومنزلة الفاسق العذاب وفنون ms2841 العقاب. ثم فسر ذلك ~~بما قال بعده فقال { أما الذين آمنوا } بالله وصدقوه وصدقوا أنبياءه { ~~وعملوا الصالحات } وهي الطاعات مع ذلك { فلهم جنات المأوى } فالمأوى ~~المقام اي لهم هذه البساتين التي وعدهم الله بها يأوون اليها { نزلا بما ~~كانوا يعملون } أي في مواضع لهم ينزلون فيها مكافأة لهم على طاعاتهم التي ~~عملوها. وقال الحسن: { نزلا } أي عطاء نزلوه { وأما الذين فسقوا } ~~بخروجهم عن طاعة الله إلى معاصيه { فمأواهم النار } يأوون اليها نعوذ ~~بالله منها { كلما أرادوا أن يخرجوا منها } أي كلما كادوا وهموا بالخروج ~~منها لما يلحقهم من العذاب { أعيدوا فيها } أي ردوا فيها وقال الحسن: ~~كلما كادوا الخروج منها لانها ترميهم بلهبها ضربوا بمقامع حتى يعودوا ~~فيها، وقيل: لهم مع ذلك على وجه التقريع والتبكيت { ذوقوا عذاب النار ~~الذي كنتم به تكذبون } اي العذاب الذي كنتم به تجحدون في دار الدنيا ولا ~~تصدقون به. وقال ابن ابي ليلى: نزلت الآية في رجل من قريش وعلي عليه ~~السلام وقال غيره: إن هذه الآيات نزلت في علي ابن أبي طالب عليه السلام ~~والوليد بن عقبة بن ابي معيط، فالمؤمن المراد به علي عليه السلام والفاسق ~~هو الوليد بن عقبة، روي انه لقيه يوما فقال لعلي: انا أبسط منك لسانا ~~واحد منك سنانا، فقال علي: عليه السلام ليس كما قلت يا فاسق. فنزل قوله ~~{ أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.... } فقال قتادة: والله ما استووا، لا ~~في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. ### || [32.21-25] # قرأ حمزة والكسائي ورويس { لما صبروا } بكسر اللام والتخفيف أى لصبرهم، ~~الباقون بالتشديد وفتح اللام بمعنى حين صبروا. # اقسم الله تعالى في هذه الآية، لان اللام في قوله { ولنذيقنهم } هي التي ~~يتلقى بها القسم، وكذلك النون الثقيلة، بأنه يذيق هؤلاء الفساق الذين ~~تقدم وصفهم العذاب الادنى بعض ما يستحقونه. وقيل: العذاب الأدنى هو ~~العذاب الأصغر وهو عذاب الدنيا بالقتل والسبي والقحط والفقر والمرض ~~والسقم وما جرى هذا المجرى. وقيل: هو الحدود. وقيل: عذاب القبر. عن جعفر ~~بن ms2842 محمد عليهما السلام: ان العذاب الادنى هو القحط، والأكبر خروج المهدي ~~بالسيف. والعذاب الاكبر عند المفسرين هو عذاب الآخرة بالنار التي يستفزع ~~الانسان بالآلام وفي الأدنى معنى الأقرب. وقد يكون الأدنى من الاشياء في ~~الحسن، وهو أن يفعل على انه ليس فيه ظلم لاحد إذا فعل للشهوة، والأدنى في ~~القبح ما يفعل وفيه ظلم يسير اتباعا للشهوة، والاعلى في الحسن هو ما ليس ~~فوقه ما هو اعلى منه يستحق به العبادة. والادنى في العذاب اكبر في ~~الآلام، لان العذاب استمرار الألم، وليس فوق عذاب الكفر عذاب، لأن عذاب ~~الفسق دونه. وقال ابن عباس: وابي بن كعب والحسن: العذاب الأدنى مصائب ~~الدنيا. وقال ابن مسعود: هو القتل يوم بدر. والعذاب الاكبر عذاب الآخرة. ~~وهو قول الحسن ومجاهد وابن زيد وابن مسعود. # وقوله { لعلهم يرجعون } إخبار منه تعالى أنه يفعل بهم ما ذكره من العذاب ~~الأدنى، ليرجعوا عن معاصي الله إلى طاعته ويتوبوا منها. وهو قول عبد الله ~~وابي العالية وقتادة. # ثم قال الله تعالى على وجه التقريع لهم والتبكيت { ومن أظلم } لنفسه ~~بارتكاب المعاصي وإدخالها في استحقاق العقاب { ممن ذكر بآيات ربه } أي ~~ينبه على حججه تعالى التي توصله إلى معرفته ومعرفة ثوابه، { ثم أعرض عنها ~~} جانبا، ولم ينظر فيها. ثم قال { إنا من المجرمين } الذين يفعلون ~~المعاصي بقطع الطاعات وتركها { منتقمون } بأن نعذبهم بعذاب النار. # ثم اخبر تعالى فقال { ولقد آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة { فلا تكن ~~في مرية من لقائه } أي في شك من لقائه يعني لقاء موسى ليلة الاسراء بك ~~إلى السماء - على ما ذكره ابن عباس - وقيل: فلا تكن في مرية من لقاء موسى ~~في الآخرة، وقال الزجاج: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى الكتاب. ~~والمرية الشك. وقال الحسن: فلا تكن في شك من لقاء الاذى، كما لقي موسى ~~كأنه قال: فلا تكن في شك من أن تلقى كما لقي موسى { وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل } قال قتادة: وجعلنا موسى هاديا لبني اسرائيل، وضع المصدر ms2843 في ~~موضع الحال. وقال الحسن: معناه جعلنا الكتاب هاديا لهم { وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا } قال قتادة: معناه جعلنا منهم رؤساء في الخير يقتدى ~~بهم يهدون إلى فعل الخير بأمر الله { لما صبروا } قيل: فيه حكاية الجزاء، ~~وتقديره قيل لهم: إن صبرتم جعلناكم أئمة، فلما صبروا جعلوا أئمة - ذكره ~~الزجاج - و { كانوا بآياتنا } أي بحججنا { يوقنون } أي لا يشكون فيه. # واليقين وجدان النفس بالثقة على خلاف ما كانت عليه من الاضطراب والحيرة. # ثم قال لنبيه { إن ربك } يا محمد { هو } الذي { يفصل بينهم يوم القيامة ~~} أي يحكم بينهم، يعني بين المؤمن والكافر والفاسق { في ما كانوا فيه ~~يختلفون } في دار الدنيا من التصديق بالله وبرسوله والايمان بالبعث ~~والنشور وغير ذلك. ### || [32.26-30] # القراء كلهم على الياء في قوله { أولم يهد لهم } بمعني اولم يهد إهلاكنا ~~لهم لمن مضى من القرون. وقرئ بالنون بمعنى الاخبار عن الله تعالى أنه ~~الذي بين لهم هلاك الماضين وأرشدهم بذلك إلى الحق وأتباعه، فاضافه إلى ~~نفسه. # يقول الله تعالى منبها لخلقة على وجه الاعتبار بحججه { أولم يهد لهم } ~~ومعناه او لم يبصرهم ويرشدهم من غوايتهم، يقال: هداه يهديه في الدين هدى، ~~وهدي إلى الطريق هداية، واهتدى إذا قبل الهداية. والواجب من الهدى: هو ما ~~يؤدي إلى ما ليس للعبد عنه غنى في دينه، فاللطف على هذا هدى. والنظر ~~المؤدي إلى معرفة الله هدى. وفاعل { يهد } مضمر فيه؛ وتقديره أو لم يهد ~~لهم إهلاكنا من أهلكناهم من القرون الماضية جزاء على كفرهم بالله ~~وإرتكابهم لمعاصيه، ولا يجوز أن يكون فاعل { يهد } { كم } في قوله { كم ~~أهلكنا } لان { كم } لا يعمل فيها ما قبلها إلا حروف الاضافة، لانها على ~~تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام، واجاز الفراء أن يكون فاعل { يهد } ~~{ كم } ولم يجزه البصريون. # وقوله { يمشون في مساكنهم } اي أهلكناهم بغتة وهم متشاغلين بنفوسهم ~~ويمشون في منازلهم. ثم قال { إن في ذلك لآيات } أي لحججا واضحات { أفلا ~~يسمعون } ومعناه أفلا يتدبرون ما يسمعونه من هذه الآيات، لان ms2844 من لا يتدبر ~~ما يسمعه، ولا يفكر فيه. فكأنه لم يسمعه. ثم نبههم على وجه آخر فقال { ~~أولم يروا } ومعناه او لم يعلموا { أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج ~~به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم } فالسوق الحث على السير، ساقه يسوقه ~~سوقا، فهو سائق، يقول الله تعالى نسوق ماء المطر إلى هذه الأرض الجرز، ~~فننبت به ضروبا من النبات الذي يتغذى به الانسان والانعام وغيرهم والارض ~~الجرز هي الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات، انقطع ذلك لانقطاع الامطار، ~~وهو مشتق من قولهم: سيف جراز أي قطاع، لا يلقى على شيء إلا قطعه وناقة ~~جراز، إذا كانت تأكل كل شيء لأنها لا تبقي شيئا إلا قطعته بفيها وأرض ~~جروز، وهي التي لا تبقي على ظهرها شيئا إلا أهلكته، كالناقة الجراز ورجل ~~جروز أكول، قال الراجز: # خب جروز إذا جاع بكا # [ يأكل التمر ولا يلقي النوى ] # وفيه أربع لغات أرض جرز - بضم الجيم والراء، وبضم الجيم واسكان الراء ~~وبفتح الجيم والراء، وبفتح الجيم واسكان الراء. # وقال ابن عباس { نسوق الماء } بالسيول، لانها مواضع عالية، قال وهي: قرى ~~بين اليمن والشام. ثم قال { أفلا يبصرون } بأن يفكروا في ذلك فيدلهم على ~~انه لا يقدر على ذلك أحد غير الله الذي لا شريك له. ثم حكى عنهم أنهم { ~~يقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } مستعجلين لما وعد الله تعالى من ~~الفصل بينهم في قوله { إن ربك هو يفصل بينهم } يعنون متى يجيء فتح الحكم ~~بينا وبينكم في الثواب والعقاب، والفتح القضاء والحكم، وقيل: انه أراد به ~~فتح مكة، فعلى هذا قوله { يوم الفتح } يوم فتح مكة { لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم } لا يليق به. # وقيل: لا ينفع الذين قبلهم خلد - من بني كنانة - ايمانهم. والتأويل هو ~~الأول، فقال الله تعالى لنبيه محمد { قل } لهم يا محمد { يوم الفتح } أي ~~يوم القضاء والفصل. وقال مجاهد: يوم القيامة { لا ينفع الذين كفروا } ~~بآيات الله { إيمانهم } لان التكليف قد زال عنهم، ومعارفهم تحصل ضرورة { ~~ولا ms2845 هم ينظرون } أي ولا يؤخرون ايضا، فلا ينبغي ان يستعجلوا مجيئه. ثم ~~قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فأعرض عنهم } يا محمد، فانه لا ينفع فيهم ~~الدعاء والوعظ. وقيل: كان ذلك قبل أن يؤمر بالجهاد. وقيل: أعرض عن أذاهم ~~{ وانتظر } حكم الله تعالى فيهم وإهلاكه لهم { فإنهم منتظرون } أيضا ~~الموت الذي يؤديهم إلى ذلك. وقيل: انه سيأتيهم ذلك، فكأنهم كانوا ~~ينتظرونه. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-5] # قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع وأبو جعفر { اللاء } بهمزة ليس بعدها ~~ياء، إلا أن ابا عمرو لين الهمزة. وقرأ ابن عامر واهل الكوفة بهمزة بعدها ~~ياء، وقرأ { تظهرون } بفتح التاء مشددة الظاء بغير ألف - ابن كثير ونافع ~~وابو عمرو - وقرأ عاصم إلا الكسائي عنه { تظاهرون } بضم التاء خفيفة ~~الظاء والف بعدها. وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء والألف وفتح التاء. فمن ~~قرأ { تظاهرون } بتشديد الظاء اراد تتظاهرون، فأدغم احدى التاءين في ~~الظاء. ومن قرأ بغير الف مشددا اراد تتظهرون، وادغم احدى التاءين في ~~الظاء، وعاصم جعل الفعل بين اثنين. فقال { تظاهرون } بضم التاء وتخفيف ~~الظاء مع الالف. وقرأ ابو عمرو { بما يعملون خبيرا } و { بما يعملون ~~بصيرا } بالياء فيهما. الباقون بالتاء. وجه قراءة أبي عمرو قوله { ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين } بأن الله يعلم ما يفعلونه، فيجازيهم بحسبه، ~~ووجه التاء الخطاب لهم. # هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع الأمة ~~كما قال # يا أيها النبي إذا طلقتم # فخصه بالخطاب، وأراد به جميع المكلفين، يأمرهم الله بتقواه، وتجنب ~~معاصيه، وفعل طاعاته، فنهاهم عن طاعة الكافرين الذين يجحدون نعم الله ~~ويتخذون معه إلها سواه، ومثل ذلك نهاه عن طاعة المنافقين ومتابعتهم لما ~~يريدونه. # وسبب نزول الآية أن أبا سفيان وجماعة من الكفار قدموا على النبي صلى ~~الله عليه وآله المدينة، ودعوه إلى اشياء عرضوها عليه، فأراد المسلمون ~~قتلهم. فأنزل الله سبحانه { يا أيها النبي اتق الله } في نقض العهد، وقتل ~~هؤلاء الكفار { ولا تطع الكافرين } في ما يدعونك اليه ولا { المنافقين } ~~في ms2846 قتلهم ونقض العهد. والمنافق هو الذي يظهر الايمان ويبطن الكفر، ~~والكافر هو الذي يظهر الكفر ويبطنه. # ثم قال { إن الله كان عليما حكيما } في ما يوحيه اليك من أمرهم ويامرك ~~بالطاعة وترك المعصية في متابعتهم في ما يريدونه ولما نهاهم عن متابعة ~~الكفار والمنافقين قال { واتبع ما يوحى إليك من ربك } امره ان يتبع الذي ~~يوحي الله اليه من أمره ونهيه، فعلى موجب هذه الآية لا يجوز لأحد أن يطيع ~~الكفار والمنافقين، وإن دعوهم إلى الحق، ولكن يفعل الحق، لأنه حق لا لأجل ~~دعائهم اليه { إن الله كان بما تعملون خبيرا } تهديدا لهم، لأن المراد ~~أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسبها إن كان سوءا عاقبكم، ~~وإن كان طاعة أثابكم عليها. ومن قرأ - بالياء - أراد الاخبار عن الكفار ~~والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله. ومن قرأ - بالتاء - خاطب ~~الجميع. ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين فقال ~~{ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } أمرهم ان يتوكلوا على الله ويفوضوا ~~أمورهم اليه، فان الله تعالى كاف في ما يوكل اليه. # و (الوكيل) القائم بالتدبير لغيره بدعاء من له ذلك اليه، فالحكمة تدعو ~~إلى أن الله تعالى القائم بتدبير عباده، فهو وكيل عليهم من أوكد الوجوه. # ثم قال تعالى { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } قال ابن عباس: كان ~~المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فاكذبهم الله. وقال مجاهد وقتادة، وهو في ~~رواية عن ابن عباس: أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وهو ~~أبو معمر جميل بن اسد، فنزلت هذه الآية فيه. وقال الحسن: كان رجل يقول: ~~لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذه الآية. وقال الزهري: هو ~~مثل في ان هذا ممتنع كامتناع أن يكون ابن غيرك ابنك. وروي عن جعفر الصادق ~~عليه السلام أنه قال: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه يحب بهذا قوما ~~ويحب بهذا اعداءهم. ولا يمكن أن يكون لانسان واحد قلبان ms2847 في جوفه، لأنه ~~كان يمكن أن يوصل إنسانان فيجعلان إنسانا واحدا، وقد يمكن أن يوصلا بما ~~لا يخرجهما عن أن يكونا انسانين، وليس ذلك إلا من جهة القلب الواحد أن ~~القلبين، لانه إذا جعل لهما قلبان يريد أحدهما بقلبه ما لا يريده الآخر ~~ويشتهي ما لا يشتهي الآخر، ويعلم ما لا يعلم الآخر فهما حيان لا محالة، ~~وليسا حيا واحدا. وقال الرماني: لا يجوز أن توجد الارادة والمعرفة في ~~جزئين من القلب او أجزاء وانما يصح أن توجد في جزء واحد، قال: لان ما ~~يوجد في جزئين بمنزلة ما يوجد في قلبين، وقد بطل أن يكون لانسان واحد ~~قلبان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يوجد معنيان مختلفان ~~في جزئين من القلب، لانهما وإن وجدا في جزئين فالحالان الصادران عنهما ~~يرجعان إلى الجملة وهي جملة واحدة وليسا يوجبان الصفة للمحل الواحد ~~فيتنافى، فعلى هذا لا يجوز أن يوجد في جزئين من القلب معنيان ضدان، ~~لاستحالة اجتماع معناهما في الحي الواحد، ويجوز أن يوجد معنيان مختلفان ~~او مثلان في جزئين من القلب ويوجبان الصفتين للحي الواحد، وعلى هذا ~~القياس ليس يمتنع ان يوجد قلبان في جوف واحد إذا كان ما يوجد فيهما يرجع ~~إلى حي واحد، وانما المتنافي أن يرجع ما يوجد منهما إلى حيين، وذلك محال. # وقوله { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي ليس نساؤكم ~~وأزواجكم إذا قلتم لهن أنتن علي كظهر أمي يصرن أمهاتكم على الحقيقة لان ~~أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم وأرضعنكم. وقال قتادة: إذا قال ~~لزوجته أنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر، وعليه الكفارة. وعندنا إن الظهار لا ~~يقع إلا ان تكون المرأة طاهرا، ولم يقربها في ذلك الطهر بجماع، ويحضر ~~شاهدان رجلان مسلمان، ثم يقول لها أنت علي كظهر أمي، ويقصد التحريم. # فاذا قال ذلك حرم عليها وحرمت عليه أن يطأها حتى يكفر. وإن اختل شيء من ~~شرائطه، فلا يقع ظهار أصلا. # وقوله { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } قال قتادة ومجاهد ms2848 وابن زيد: نزلت في ~~زيد بن حارثة، فانه كان يدعى ابن رسول الله، والادعياء جمع دعي، وهو الذي ~~تبناه الانسان. وبين الله تعالى أن ذلك ليس بابن على الحقيقة، ولذلك قال ~~في آية أخرى # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # وقوله { ذلكم قولكم بأفواهكم } يعني أن قولكم في الدعي أنه ابن الرجل ~~قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله. ثم قال { والله يقول الحق } ~~في ما يبينه { وهو يهدي السبيل } يعني طريق الحق الذي يفضي بكم إلى ~~الثواب. ثم أمر المكلفين بأن يدعوا الادعياء { لآبائهم } الذين ولدوهم ~~وينسبونهم اليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم { أقسط } أي، فان ذلك اعدل ~~عند الله، واقسط بمعنى أعدل { فإن لم تعلموا آباءهم } ولا تعرفوهم ~~باعيانهم فهم { إخوانكم في الدين } أي في الملة فادعوهم بذلك { ومواليكم ~~} أي بنو عمكم او لكم ولاءهم إذا كنتم اعتقمتموهم من رق. ثم قال { وليس ~~عليكم جناح } اي حرج { في ما أخطأتم به } فنسبتموه إلى من انتمي اليه وإن ~~الله لا يؤاخذكم به { ولكن ما تعمدت قلوبكم } فقصدتموه من ذلك واردتموه ~~هو الذي تؤاخذون به، وموضع (ما) جر، تقديره ولكن في ما تعمدت قلوبكم { ~~وكان الله غفورا رحيما } يغفر لكم ما لم تتعمدوا من ذلك، ويستره عليكم ~~ويرحمكم بترك مؤاخذتكم به. ### || [33.6-10] # قرأ بن كثير والكسائي وحفص عن عاصم { الظنونا } بألف في الوقف دون ~~الوصل. وقرأ نافع وابو جعفر وابو بكر عن عاصم وابن عامر - بالالف - فيهما ~~وقرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة - بغير الف - فيهما وفي المصحف بألف. من أثبت ~~الالف أثبته لأجل الفواصل التي يطلب بها تشاكل المقاطع، ولأن الألف ثابتة ~~في المصاحف، فاتبعوا المصحف، ومن حذف قال: لأن هذا الألف يكون بدلا من ~~التنوين في حال الوقف، فاذا دخلت الألف واللام اسقطت التنوين، فسقط ايضا ~~ما هو بدل منه، ولأن مثل ذلك إنما يجوز في القوافي وذلك لا يليق بالقرآن، ~~قال الشاعر: # اقلي اللوم عاذل والعتابا # [وقولي ان اصبت لقد اصابا] # اخبر الله تعالى ان ms2849 " النبي " صلى الله عليه وآله { أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم } بمعنى احق بتدبيرهم، وبأن يختاروا ما دعاهم اليه. واحق بأن يحكم ~~فيهم بما لا يحكم به الواحد في نفسه لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة ~~الله، وهو اولى في ذلك واحق من نفس الانسان، لانها ربما دعته إلى اتباع ~~الهوى، ولأن النبي صلى الله عليه وآله لا يدعو إلا إلى طاعة الله، وطاعة ~~الله اولى ان تختار على طاعة غيره. وواحد الأنفس نفس، وهي خاصة الحيوان ~~الحساسة المدركة التي هي انفس ما فيه. ويحتمل ان يكون اشتقاقه من التنفس، ~~وهو التروح، لان من شأنها التنفس به، ويحتمل ان يكون مأخوذا من النفاسة، ~~لأنها اجل ما فيه واكرمه. ثم قال { وأزواجه أمهاتكم } والمعنى أنهن ~~كالامهات في الحرمة، وتحريم العقد عليهن. ثم قال { وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } أولوا الارحام هم أولوا ~~الأنساب. لما ذكر الله أن ازواج النبي أمهاتهم في الحكم من جهة عظم ~~الحرمة، قال { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } أي إلا ما بين الله في ~~كتابه مما لا يجوز لازواج النبي صلى الله عليه وآله أن يدعين أمهات ~~المؤمنين. وقال قتادة: كان الناس يتوارثون بالهجرة فلا يرث الاعرابي ~~المسلم المهاجر حتى نزلت الآية. وقيل: إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة ~~الاولى. ثم نسخ ذلك، فبين الله تعالى أن " أولى الأرحام بعضهم أولي ببعض ~~" أي من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الأبعد، وظاهر ذلك يمنع أن ~~يرث مع البنت والام احد من الأخوة والاخوات، لأن البنت والأم اقرب من ~~الأخوة والاخوات، وكذلك يمنع أن يرث مع الاخت أحد من العمومة والعمات ~~وأولادهم، لأنها اقرب، والخبر المروي في هذا الباب أن (ما أبقت الفرائض ~~فلأولي عصبة ذكر) خبر واحد مطعون على سنده، لا يترك لأجله ظاهر القرآن ~~الذي بين فيه ان أولي الارحام الأقرب منهم اولى من الابعد { في كتاب الله ~~من المؤمنين } الموآخين والمهاجرين. # وقوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا } استثناء منقطع، ومعناه ~~لكن ms2850 إن فعلتم إلى أوليائكم معروفا من المؤمنين وحلفائكم ما يعرف حسنه ~~وصوابه فهو حسن، ولا يكون على وجه نهى الله تعالى عنه، ولا أذن فيه. وقال ~~مجاهد معروفا من الوصية لهم بشيء، والعقل عنهم والنصرة لهم، ولا يجوز أن ~~يكونوا القرابة المشركين على ما قال بعضهم، لقوله # لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء # وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار. وعندنا ان ذلك جائز ~~للوالدين والولد. # وقوله { كان ذلك في الكتاب مسطورا } يعني أن ما ذكره الله كان مكتوبا ~~في الكتاب المحفوظ اثبته الله وأطلع عليه ملائكته لما لهم في ذلك من ~~اللطف فلا يجوز خلاف ذلك، وقيل: مسطورا في القرآن. و (من) يحتمل أمرين: # احدهما - أن يكون دخلت ل { أولى } أي بعضكم اولى ببعض من المؤمنين. # والثاني - أن يكون التقدير، وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين أولى ~~بالميراث. # وقوله { وإذ أخذنا من النبيين } تقديره واذكر يا محمد حين اخذ الله من ~~النبيين ميثاقهم، قال ابن عباس: الميثاق العهد والميثاق الغليظ اليمين ~~بالله تعالى على الوفاء بما حملوا. وقوله { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا } يعني ما عهد الله تعالى إلى ~~الانبياء المذكورين وأمرهم به من اخلاص العبادة له، وخلع الانداد من ~~دونه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه، ونهاهم عن معاصيه، والاخلال ~~بواجباته. وقال البلخي: معناه ما أمرهم الله به من أداء الرسالة والقيام ~~بها. # وقوله { ليسأل الصادقين عن صدقهم } قال مجاهد: معناه فعل ذلك ليسأل ~~الأنبياء المرسلين ما الذي أجاب به اممكم، ويجوز ان يحمل على عمومه في كل ~~صادق، ويكون فيه تهديد للكاذب، فان الصادق إذا سئل عن صدقه على اي وجه ~~قال فيجازي بحسبه، فكيف يكون صورة الكاذب. # ثم قال { وأعد للكافرين عذابا أليما } أي اعد لهم عذابا مؤلما، وهو ~~عذاب النار - نعوذ بالله منها. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جاءتكم جنود } أي في حال ما جاءتكم جنود يعني يوم الاحزاب، وهو يوم ms2851 ~~الخندق حيث اجتمعت العرب على قتال النبي صلى الله عليه وآله قريش وغطفان ~~وبنو قريظة وتضافروا على ذلك { فأرسلنا عليهم } اي فارسل الله تعالى ~~عليهم نصرة لنبيه ونعمة على المؤمنين { ريحا } استقبلتهم ورمت في اعينهم ~~الحصباء واكفئت قدورهم واطفئت نيرانهم، وقلعت بيوتهم واطنابهم وارسل الله ~~عليهم { جنودا } من الملائكة نصرة للمؤمنين، روى ذلك يزيد بن رومان { لم ~~تروها } اي لم تروا الملائكة أنتم بأعينكم، لانها اجسام شفافة لا يصح ~~إدراكها { وكان الله بما تعملون بصيرا } من قرء بالياء اراد ان الله ~~عالم بما يعمله الكفار. # ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين. # ثم قال واذكر { إذ جاؤكم } يعني جنود المشركين { من فوقكم } وهم عيينة ~~بن حصين بن بدر في اهل نجد { ومن أسفل منكم } وهم ابو سفيان في قريش ~~وواجهتهم قريظة، وهو قول مجاهد: { وإذ زاغت الأبصار } أي اذكر إذ عدلت ~~الابصار عن مقرها. قال قتادة معناه: شخصت من الخوف { وبلغت القلوب ~~الحناجر } أي نأت عن أماكنها من الخوف. وقيل: قال المسلمون: يا رسول الله ~~بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله. قال: نعم قولوا # " اللهم استر عورتنا وأمن روعتنا " # فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصبا، فهزمهم الله بها، والحناجر جمع ~~حنجرة، وهي الحلق، قيل: لأن الرئة عند الخوف تصعد حتى تلحق بالحلق { ~~وتظنون بالله الظنونا } قال الحسن: كانت الظنون مختلفة، فظن المنافقون ~~انه يستأصل، وظن المؤمنون انه سينصر. وقيل: كانت الريح شديدة البرد تمنع ~~المشركين من الحرب وكانت الملائكة تفقد بعضهم عن بعض. ### || [33.11-15] # قرأ حفص عن عاصم { لا مقام } بضم الميم اى لا إقامة لكم. الباقون - بفتح ~~الميم - يعني لا موضع لكم تقومون فيه. وقرأ ابن كثير ونافع وابو جعفر ~~وابن عامر { لأتوها } قصرا بمعنى لجاؤها. الباقون بالمد، يعني لأعطوها. ~~وقالوا: هو أليق بقوله { ثم سئلوا الفتنة } لان العطاء يطابق سؤال ~~السائل. # لما وصف الله تعالى شدة الأمر يوم الخندق، وخوف الناس وأن القلوب بلغت ~~الحناجر من الرعب. قال { هنالك ابتلي المؤمنون } أي اختبروا ليظهر بذلك ~~حسن نياتهم ms2852 وصبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد اعدائه و (هنا) للقريب ~~من المكان و (هنالك) للبعيد منه، و (هناك) للمتوسط بين القريب والبعيد ~~وسبيله سبيل (ذا. وذاك وذلك). # والابتلاء إظهار ما في النفس من خير او شر، ومثله الاختبار والامتحان ~~والبلاء النعمة، لاظهار الخير على صاحبه، والبلاء النقمة لاظهار الشر ~~عليه. # وقوله { وزلزلوا زلزالا شديدا } معناه وحركوا بهذا الامتحان تحريكا ~~عظيما، فالزلزال الاضطراب العظيم ومنه قوله { إذا زلزلت الأرض زلزالها } ~~والزلزلة اضطراب الأرض. وقيل: انه مضاعف زل، وزلزله غيره. والشدة قوة ~~تدرك بالحاسة، لأن القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة، وانما تعلم ~~بالدلالة، فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي، ولا يوصف بأنه شديد. # ثم قال واذكر يا محمد { إذ يقول المنافقون } الذين باطنهم الكفر وظاهرهم ~~الايمان { والذين في قلوبهم مرض } أي شك من الايمان بالله ورسوله { ما ~~وعدنا الله ورسوله } اي لم يعدنا الله ورسوله من الظفر والظهور على الدين ~~{ إلا غرورا } وقيل: ان النبي صلى الله عليه وآله بشرهم بأنه يفتح عليهم ~~مدائن كسرى وبلاد قيصر وغير ذلك من الفتوح، فقالوا: يعدنا بهذا، والواحد ~~منا لا يقدر على ان يخرج ليقضي حاجة { ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ~~غرانا به، فالغرور ايهام المحبوب بالمكر، يقال: غره يغره غرورا، فهو ~~غار، والغرور الشيطان قال الحارث بن حلزة: # لم يغروكم غرورا ولكن # يرفع الآل جمعهم والضحاء # وقال يزيد بن رومان: الذي قال هذا القول معتب بن قشيرة وقال العتابي: ~~ليس عاقل يقول: إن الله وعده غرورا، لكنهم لما كذبوا رسوله وشكوا في ~~خبره، فكانهم كذبوا الله، وإذا نسبوا الرسول بأنه غرهم، فقد نسبوا الله ~~إلى ذلك في المعنى، وإن لم يصرحوا به. # ثم قال واذكر يا محمد { إذ قالت طائفة منهم } يعني من المنافقين { يا ~~أهل يثرب } أي يا اهل المدينة، قيل: ان يثرب اسم ارض المدينة. وقال ابو ~~عبيدة: إن مدينة الرسول في ناحية من يثرب. وقيل: يثرب هي المدينة نفسها { ~~لا مقام لكم } أي ليس لكم مكان تقومون ms2853 فيه للقتال. ومن ضم أراد: لا إقامة ~~لكم - ذكره الاخفش - وقال يزيد بن رومان: القائل لذلك أوس بن قبطي. # ومن وافقه على رأيه { فارجعوا } اي امرهم بالرجوع إلى منازلهم. وحكى ان ~~جماعة منهم جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله فاستأذنوه للرجوع. وقالوا ~~{ إن بيوتنا عورة } أي هي مكشوفة نخشى عليها السرق - ذكره ابن عباس ~~ومجاهد - فكذبهم الله تعالى في قوله { وما هي بعورة... } وليس يريدون ~~بهذا القول إلا الفرار، والهرب من القتال. # ثم قال { ولو دخلت عليهم من أقطارها } اي من نواحيها يعني المدينة او ~~البيوت، فهو جمع قطر، وهو الناحية { ثم سئلوا الفتنة } يعني الكفر ~~والضلال وقيل: انهم لو دعوا إلى القتال على وجه الحمية والعصبية لجاؤا ~~إليها - على قراءة من قصر - ومن مد اراد لأعطوا ما سئلوا إعطاءه من ذلك { ~~وما تلبثوا بها إلا يسيرا } قال الفراء: وما تلبثوا بالمدينة إلا قليلا ~~حتى يهلكوا. وقال قتادة: معناه وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا ~~قليلا. # ثم قال { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } يعني عندما بايعوا النبي صلى ~~الله عليه وآله وحلفوا له انهم ينصرونه ويدفعون عنه، كما يدفعون عن ~~نفوسهم، وانهم { لا يولون الأدبار } اي لا يفرون من الزحف { وكان عهد ~~الله مسئولا } يعني العهد الذي عاهدوا الله عليه، وحلفوا له به يسألهم ~~عن الوفاء به يوم القيامة. ### || [33.16-20] # لما اخبر الله تعالى عن المنافقين الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه ~~وآله في الرجوع واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها، وكذبهم الله في ذلك، وبين ~~أنهم يريدون الهرب، قال لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهم { لن ينفعكم ~~الفرار إن فررتم } يعني الهرب إن هربتم { من الموت أو القتل } فانه لابد ~~من واحد منهما، وإن هربتم وبقيتم بعده فلا تبقون { ولا تتمتعون إلا ~~قليلا } من الزمان. ثم لا بد من الموت. والفرار الذهاب عن الشيء خوفا ~~منه، ومثله الهرب، فر يفر فرارا وأفتر إذا باعد بين شفتيه كتباعد ~~الفار، وانما فرق الله بين الموت والقتل لأن القتل ms2854 غير الموت، فالقتل نقض ~~بينة الحي، والموت ضد الحياة عند من أثبته معنى، والقتل يقدر عليه غير ~~الله، وانما رفع بعد (اذن) لوقوع (اذن) بين الواو والفعل، فصارت بمنزلة ~~ما لم يقع بعده الفعل، كقولك أنا آتيك اذن لانه مما يجوز فيه الالغاء ~~بأنه يصح الاستدراك، كالاستدراك بالظن، وقد اعملت بعد (ان) في قوله: # لا تتركني فيهم شطيرا # إني اذن أهلك او اطيرا # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم يا محمد من الذي يمنعكم من الله ~~ان اراد أن يفعل بكم سوءا يعني عذابا أو اراد بكم رحمة، فان احدا لا ~~يقدر على منعه مما يريد الله فعله به { ولا يجدون } هؤلاء { لهم من دون ~~الله وليا } ينصرهم { ولا نصيرا } يدفع عنهم، ثم قال تعالى { قد يعلم ~~الله المعوقين منكم } يعني الذين يعوقون غيرهم عن القتال ويثبطونهم عنه، ~~فالتعويق التثبيط والشغل للقعود عن أمر من الأمور، فكأن هؤلاء يدعون ~~اخوانهم من المنافقين إلى القعود عن الجهاد ويشغلونهم لينصرفوا عنه { ~~والقائلين لإخوانهم هلموا إلينا } أي يعلم القائلين لهم تعالوا { ولا ~~يأتون البأس } يعني الحرب { إلا قليلا } أي ان يكلفوا الحضور إلى القتال ~~فلا يحضرون إلا قدر ما يوهمون أنهم معكم، ولا يقاتلون معكم، فهو تعالى ~~عالم بأحوال هؤلاء، لا يخفى عليه شيء منها. # ثم قال { أشحة عليكم } بالغنيمة والنفقة في سبيل الله - في قول قتادة: ~~ومجاهد - ونصبه على تقدير يأتونه أشحة وإن شئت على الذم. وقال ابن اسحاق ~~{ أشحة عليكم } بالضغن الذي في أنفسهم، فهو نصب على الحال - في قول ~~الزجاج - وفي قول غيره على المصدر، وتقديره يشحون عليكم اشحة { فإذا جاء ~~الخوف } يعني الفزع { رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت } يعني من شدة ما يخافون يلحقهم مثل ما يلحق من شارف الموت ~~وأحواله، ويغشى عليه { فإذا ذهب الخوف } والفزع { سلقوكم بألسنة حداد } ~~أي خصموكم طلبا للغنيمة أشد مخاصمة. # وقال الحسن: سلقوكم حاوروكم يقال: خطيب مصقع ومسلق أي بليغ في الخطابة ~~فصيح فيها { أشحة ms2855 على الخير } يعني الغنيمة. ثم قال { أولئك } يعني من ~~تقدم وصفه { لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم } يعني نفع أعمالهم على وجوه ~~لا يستحق عليها الثواب لانهم لا يقصدون بها وجه الله. ثم قال { وكان ذلك ~~} يعني احباط اعمالهم. وقيل: وكان نفاقهم { على الله يسيرا } قليلا. ثم ~~وصف هؤلاء المنافقين الذين تقدم ذكرهم بالجبن، فقال { يحسبون الأحزاب } ~~الذين انهزموا ورجعوا من شدة فزعهم انهم { لم يذهبوا } بعد. وقيل: لفرط ~~جهلهم يعتقدون انهم لم يذهبوا بعد { وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون ~~في الأعراب } أي وإن جاؤا الاحزاب تمنوا أن يكونوا في البوادي مع الاعراب ~~{ يسألون عن أنبائكم } أي أخباركم ولا يكونون معكم فيتربصون بكم الدوائر ~~ويتوقعون الهلاك. ثم قال لنبيه { ولو كانوا } يعني هؤلاء المنافقون معكم ~~{ وفيكم ما قاتلوا إلا قليلا } أي قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم، ~~لا لينصروكم ويجاهدوا معكم. وقال عاصم الجحدري: يساءلون عن انبائكم ~~بتشديد السين بمعنى يتساءلون، فيسأل بعضهم بعضا، وهو شاذ لا يقرأ به. ~~وقرأ طلحة بن مصرف { يودوا لو أنهم بدى في الأعراب } جمع باد، مثل غاز ~~وغزى، وهي أيضا شاذة لا يقرء بها. # و (هلم) بمعنى أقبل واهل الحجاز يقولون للواحد والاثنين والجمع والانثى ~~(هلم) بلفظ واحد، وانما هي (لم) ضمت اليها (ها) التي للتنبيه، ثم حذفت ~~الألف من (ها) إذ صارا شيئا واحدا، كقولهم (ويلمه) واصله (ويل أمه) ~~فلما جعلوهما شيئا واحدا حذفوا، وغيروا. وأما بنوا تميم فيصرفونه تصريف ~~الفعل، فيقولون: هلم يا رجل وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمي يا ~~امرأة وهلميا يا امرأتان، وهلممن يا نساء، إلا انهم يفتحون آخر الواحد ~~البتة، فيقولون: هلم يا رجل وهلم يا مرأة. ### || [33.21-25] # قرأ عاصم { أسوة } - بضم الهمزة - الباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر ~~اكثر. ومثله (كسوة، وكسوة، ورشوة ورشوة). # هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين، يقول لهم: ان لكم معاشر المكلفين { في ~~رسول الله إسوة حسنة } أي اقتداء حسن، في جميع ما يقوله ويفعله متى فعلتم ~~مثله كان ذلك حسنا، والمراد ms2856 بذلك الحث على الجهاد والصبر عليه في حروبه، ~~والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب، فان النبي صلى الله عليه وآله شج ~~رأسه وكسرت رباعيته في يوم احد وقتل عمه حمزة. فالتأسي به في الصبر على ~~جميع ذلك من الاسوة الحسنة. وذلك يدل على ان الاقتداء بجميع افعال النبي ~~صلى الله عليه وآله حسن جائز إلا ما قام الدليل على خلافه، ولا يدل على ~~وجوب الاقتداء به في افعاله. وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. فالاسوة حال ~~لصاحبها يقتدي بها غيره في ما يقول به، فالاسوة تكون في إنسان وهي اسوة ~~لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعله حسن { لمن كان يرجو الله } فالرجاء توقع ~~الخير، فرجاء الله توقع الخير من قبله ومثل الرجاء الطمع والامل، ومتى ~~طمع الانسان في الخير من قبل الله، فيكون راجيا له. # وقوله { وذكر الله كثيرا } معناه يذكره تعالى بجميع صفاته، ويدعوه بها ~~فيستحق بذلك الثواب من جهته. # ثم قال وقد عاد تعالى إلى ذكر المؤمنين وانهم حين عاينوا الأحزاب التي ~~اجتمعت على قتال النبي صلى الله عليه وآله وتظافروا عليه، وهم ابو سفيان ~~ومن معه من المشركين { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } من الجهاد في ~~سبيله { وصدق الله ورسوله } في ما اخبرا به، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله كان اخبرهم انه يتظاهر عليكم الأحزاب، ويقاتلونكم فلما رآهم ~~المؤمنون تبينوا صدق قوله وكان ذلك معجزا له { وما زادهم } مشاهدة ~~عدوهم { إلا إيمانا } وتصديقا بالله ورسوله { وتسليما } لأمره. ثم ~~بين ان { من المؤمنين رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه } من مجاهدة ~~عدوه، وألا يولوا الأدبار. وقيل: ذلك يوم تأخروا عن بدر، ثم عاهدوا ألا ~~يفارقوا النبي صلى الله عليه وآله في غزواته. وقوله { فمنهم من قضى نحبه ~~} أي منهم من صبر حتى قتل في سبيل الله، وخرج إلى ثواب ربه { ومنهم من ~~ينتظر } ذلك { وما بدلوا تبديلا } أي لم يبدلوا الايمان بالنفاق ولا ~~العهد بالحنث. وروي أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي ms2857 ~~طالب، وعلي بن أبي طالب عليه السلام فالذي قضى نحبه حمزة، وجعفر والذي ~~ينتظر علي عليه السلام ثم بين تعالى انه يجزي الصادقين على صدقهم في ~~تنزيله فوعهدهم بالثواب الدائم والنعيم المقيم. وقوله { ويعذب المنافقين ~~إن شاء } لا يدل على أن ما يجب غفرانه من الكبائر عند التوبة يجوز تعليقه ~~بالمشيئة، لأن على مذهبنا إنما جاز ذلك، لأنه لا يجب اسقاط العقاب ~~بالتوبة عقلا، وإنما جاز ذلك وعلمناه بالسمع وإن الله يتفضل بذلك. # وقوله { أو يتوب عليهم } معناه إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم. إذا ~~تابوا، وإن شاء لم يقبل ذلك. وذلك اخبار عن مقتضى العقل. وأما مع ورود ~~السمع وهو قوله # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات # فنقطع على انه تعالى يغفر مع حصول التوبة. # وقوله { إن الله كان غفورا رحيما } يؤكد ذلك لأنه انما يكون فيه مدح ~~إذا غفر ماله المؤاخذة به، ويرحم من يستحق العقاب. وأما من يجب غفران ~~ذنبه ويجب رحمته، فلا مدح في ذلك. وقال قوم: معناه { ويعذب المنافقين إن ~~شاء } بعذاب عاجل في الدنيا أو يتوبوا، قالوا: وإنما علق بالشرط في قوله ~~{ إن شاء أو يتوب عليهم } لأنه علم أن من المنافقين من يتوب، فقيد الكلام ~~ليصح - المعنى - ذكره الجبائي - وقيل: إن الذي وعد الله المؤمنين في ~~الأحزاب هو أنه وعدهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم في نحو ~~قوله # ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # مع فرض الجهاد. وقيل: إن الذي وعدهم الله به في قوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب # - ذكره قتادة - و (النحب) النذر أي قضى نذره الذي كان نذره في ما عاهد ~~الله عليه. وقال مجاهد: قضى نحبه أي عهده. وقيل: ان المؤمنين كانوا نذروا ~~إذا لقوا حزبا مع رسول الله أن يثبتوا ولا ينهزموا، وقال الحسن: قضى ~~نحبه أي ms2858 مات على ما عاهد عليه، والنحب الموت كقول ذي الرمة: # قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر # أي منيته. وهو بر اسم رجل والنحب الخطر العظيم قال جرير: # بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا # عشية بسطام جرين على نحب # أي على خطر والنحب المد في السير يوما وليلة، قال الفرزدق. # وإذ نحبت كلب على الناس أنهم # أحق نتاج الماجد المتكرم # ثم اخبر تعالى أنه رد المشركين من الأحزاب عن قتال النبي صلى الله عليه ~~وآله بغيظهم الذي جاؤا به وخيبهم لم ينالوا خيرا أملوه من الظفر بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وبالمؤمنين { وكفى الله المؤمنين القتال } عند ~~رجوعهم، وقيل وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة. وقيل: وكفى ~~الله المؤمنين القتال بعلي عليه السلام وهي قراءة ابن مسعود، وكذلك هو في ~~مصحفه، في قتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم. { وكان الله ~~قويا عزيزا } أي قادرا لا يغالب، وعزيزا لا يقهر، لانه قوي في سعة ~~مقدوره، عزيز في انتقامه. ### || [33.26-30] # قرأ ابن كثير، وابن عامر { نضعف } بالنون وتشديد العين { العذاب } ~~نصبا، أسند الفعل إلى الله تعالى. وقرأ ابو عمرو { يضعف } بالياء وتشديد ~~العين بلا ألف على ما لم يسم فاعله. الباقون { يضاعف } بالياء والألف. # والذي عليه أكثر المفسرين إن المعني بقوله { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب } هم بنو قريظة من اليهود، وكانوا نقضوا العهد بينهم وبين النبي ~~صلى الله عليه وآله وعاونوا أبا سفيان، فلما هزم الأحزاب امر النبي صلى ~~الله عليه وآله مناديه بأن ينادي لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة، لأن ~~جبرائيل عليه السلام نزل عليه وقال إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، ~~ففيهم من لحق ذلك بعد وصلى العصر في الوقت، وفيهم من صلاها قبل ذلك. وكل ~~صوبه رسول الله. ثم حكم سعد ابن معاذ فيهم رضوا بحكمه، فحكم سعد أن تقتل ~~الرجال، وتسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال وتكون الارض للمهاجرين دون ~~الأنصار، فقيل له في ذلك فقال لكم دار، وليس للمهاجرين دار، فقال رسول ~~الله ms2859 صلى الله عليه وآله # " حكم فيهم بحكم الله تعالى " # ، وفي بعض الأخبار لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، وهو جمع رقيع ~~اسم من اسماء سماء الدنيا. وقال الحسن: الآية نزلت في بني النضير والاول ~~أصح وأليق بسياق الآيات، لان بني الضير لم يكن لهم في قتال الأحزاب شيء، ~~وكانوا قد انجلوا قبل ذلك. # والمظاهرة المعاونة، وهي زيادة القوة بأن يكون المعاون ظهرا لصاحبه في ~~الدفع عنه، والظهر المعين. وفي قراءة ابن مسعود آزروهم، ومعناه عاونوهم. ~~والصياصي الحصون التي يمتنع بها واحدها صيصية. ويقال جذ الله صيصية فلان ~~أي حصنه الذي يمتنع به. والصيصية قرن البقرة وشوكة الديك أيضا، وهي شوكة ~~الحائك أيضا، قال الشاعر: # [ما راعني إلا الرماح تنوشه] # كوقع الصياصي في النسيج الممدد # وقوله { وقذف في قلوبهم الرعب } أي ألقى في قلوبهم يعني اليهود ~~والمشركين خوفا من النبي صلى الله عليه وآله { فريقا تقتلون } منهم ~~يعني الرجال { وتأسرون فريقا } يعني النساء والذراري ثم قال { وأورثكم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم } يعني ديار بني قريظة وأرضهم وأموالهم. جعلها ~~الله للمسلمين مع ذلك ونقلها اليهم { وأرضا لم تطؤها } معناه وأورثكم ~~أرضا لم تطؤها، قال الحسن: هي أرض فارس والروم. وقال قتادة: هي مكة. ~~وقال يزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر { وكان الله على كل شيء قديرا } ~~أي قادرا على توريثكم أرض هؤلاء وأموالهم ونصركم وغير ذلك. إلى ها هنا ~~انتهت قصة الأحزاب. # ثم انتقل إلى خطاب النبي صلى الله عليه وآله فقال له { يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن ~~سراحا جميلا } قال الحسن لم يكن ذلك تخيير طلاق، انما هو تخيير بين ~~الدنيا والآخرة. # وكان لنزول الآية سبب معروف من بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله ~~فعاتبهن الله تعالى وخيرهن بين المقام مع النبي صلى الله عليه وآله ~~واختيار ما عند الله من الثواب ونعيم الأبد ومن مفارقته بالطلاق وتعجيل ~~المنافع يأخذونها، وبين ذلك بقوله { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ms2860 ~~والآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } وقيد ذلك بالمحسنات ~~لعلمه أن فيهن من ربما ارتكبت ما يستحق به الخروج عن ولاية الله تعويلا ~~على ما وعد الله تعالى به من النعيم، فزجرهن بالتهديد المذكور في الآية. # وروي أن سبب نزول هذه الآية أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئا فسألت أم ~~سلمة سترا معلقا وسألت ميمونة حلة وسألت زينب بنت جحش بردا يمانيا ~~وسألت أم حبيبة ثوبا سحوانيا وسألت حفصة ثوبا من ثياب مصر وسألت ~~حويرية معجرا وسألت سودة قطيفة خيبرية، فلم يقدر على ذلك، لان الله ~~تعالى كان خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة. وقال: # " اللهم أحيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني مسكينا في جملة المساكين ~~" # فحينئذ أمره الله تعالى بتخيير النساء، فاخترن الله ورسوله فعوضهن الله ~~عن ذلك أن جعلهن أمهات المؤمنين. وقيل: وأمر الله أن لا يطلقهن ولا يتزوج ~~عليهن بقوله # لا يحل لك النساء من بعد # ذكره ابن زيد. # ثم خاطب نساء النبي صلى الله عليه وآله فقال { يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة يضاعف لها العذاب } من شدد أراد التكثير، ومن أثبت الألف ~~أراد من المضاعفة، ومن قرأ بالنون أضاف الفعل إلى الله، لأن الفاعل لذلك ~~هو الله وإنما جاز ان يضعف عقابهن بالمعصية لعظم قدرهن، وأن معصيتهن تقع ~~على وجه يستحق بها ضعف ما يستحق غيرهن، كما أن طاعاتهن يستحق بها ضعف ما ~~يستحق به غيرهن، من حيث كن قدوة في الاعمال وأسوة في ذلك. # ثم اخبر تعالى أن تضعيف ذلك عليه يسير سهل. والضعف مثل الشيء الذي يضم ~~اليه، ضاعفته ازددت عليه مثله، ومنه الضعف، وهو نقصان القوة بأن يذهب احد ~~ضعفيها، فهو ذهاب ضعف القوة. قال أبو عبيدة: يضاعف لها ضعفين أي يجعل لها ~~العذاب ثلاثة أعذبة لان ضعف الشيء مثله، وضعفي الشيء مثلاه ومجاز يضاعف ~~أن يجعل إلى الشيء شيئان حتى يكون ثلاثة، فأما من قرأ { يضعف } أراد أن ~~يجعل الشيء شيئين، وذكر بعضهم أن ذلك غلط ms2861 على أبي عمرو في تشديد يضعف، ~~لأن ذلك نقل عنه على حكاية الفرق بين يضاعف ويضعف بالتشديد، وليس بينهما ~~فرق، لان المضاعفة والتضعيف شيء واحد وإنما قرأ ابو عمرو { يضعف } بضم ~~الياء وتسكين الضاد وتخفيف العين وفتحها والفرق يقع بين هذه وبين يضاعف ~~لانك تقول لمن اعطاك درهما فأعطيته مكانه درهمين: أضعفت لك العطية، فان ~~اعطيته مكان درهم خمسة او ستة قلت ضاعفت له العطية وضعفت بالتشديد أيضا، ~~فلما رأى ابو عمرو أن من احسن من أزواج النبي أعطي اجرين علم آن من اذنب ~~منهن عوقب عقوبتين، فقرأ يضعف لها العذاب ضعفين. # وكان الحسن لا يرى التخيير شيئا. وقال: إنما خيرن بين الدنيا والآخرة ~~لا في الطلاق، وكذلك عندنا ان الخيار ليس بشيء غير أن اصحابنا قالوا إنما ~~كان ذلك لنبي الله خاصة، ولما خيرهن لو اخترن انفسهن لبن، فلما غيره فلا ~~يجوز له ذلك. وقال قتادة: خيرهن الله تعالى بين الدنيا والآخرة في شيء كن ~~أردن من الدنيا. وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ ~~تسع نسوة خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان وأم سلمة ~~بن ابي أميه، وسودة بنت زمعة. وكان تحته صفيه بنت حي ابن خطب وميمونة بنت ~~الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الاسدية، وحويرية بنت الحارث من بني ~~المصطلق، فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فرح بذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. ### || [33.31-35] # قرأ حمزة والكسائي { ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا } بالياء ~~فيهما على اللفظ، لأن لفظة (من) مذكر. الباقون { ومن يقنت } - بالياء - ~~حملا على اللفظ { وتعمل } بالتاء حملا على المعنى، لأن المعنى من النساء، ~~فكنى بلفظ التأنيث، ولأنه قد ظهر علامة التانيث في قوله { منكن } فكأن ~~الرد عليه أولى من رده على اللفظ. وروي في الشواذ { ومن تقنت } بالتاء ~~حملا على المعنى وذلك جائز في العربية غير انه ليس بمعروف، ولا يقرأ به. ~~وقرأ عاصم ونافع { وقرن } بفتح القاف بمعنى أقررن { في بيوتكن } من قررت ms2862 ~~في المكان أقر قرارا إلا انه نقل حركة العين إلى القاف، فانفتحت وسقطت ~~الراء الأولى لالتقاء الساكنين كقولهم: في ظللت ظلت. وفي أحسست احست، ~~وقالوا في يحططن من الجبل يحطن. وقال الزجاج: فيه لغتان (قررت في المكان ~~واقررت). الباقون بكسر القاف بمعنى كن أهل وقر، أي هدوء وسكينة من وقر ~~فلان في منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن. ويجوز أن يكون المراد ~~الاستقرار، على لغة حكاها الزجاج والكسائي. # لما تهدد الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله بأن من يأت منهن ~~بفاحشة ظاهرة من ارتكاب محظور، وما نهى الله تعالى عنه انه يضاعف لها ~~العذاب ضعفين لوقوع أفعالهن على وجه يستحق به ذلك من حيث كن سواء اسوة ~~يتأسى بهن غيرهن ورغبهن في هذه الآية بأن قال { ومن يقنت منكن } أي من ~~داوم منكن على الطاعة لله ورسوله { وتعمل } مع ذلك الافعال { صالحا ~~نؤتها } اي يعطيها الله { أجرها مرتين } كما لو عصت عاقبها ضعفين. ~~والقنوت المداومة على العمل فمن داوم على العمل لله فهو مطيع. ومنه ~~القنوت في صلاة الوتر، وهو المداومة على الدعاء المعروف. والعمل الصالح ~~هو المستقيم الذي يحسن أن يحمد عليه ويستحق به الثواب. والاجر الجزاء على ~~العمل، وهو الثواب، آجره يآجره اجرا والأجر مرتين ليس يجب بالوعد بل ~~إنما هو مستحق، لأن أفعالهن تقع على وجه يستحق مثلي ما لو استحق الغير، ~~لانه في مقابلة العذاب ضعفين، ولا يجوز أن يضاعف ضعفين إلا مستحقا، ~~وكذلك الثواب المقابل له. # وقوله { وأعتدنا لها رزقا كريما } معنى اعتدنا اعددنا، وابدل من احدى ~~الدالين تاء. والرزق الكريم هو الثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله. # ثم قال { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } انما قال كأحد، ولم يقل ~~كواحدة لان احدا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة أي لا يشبهكن ~~احد من النساء في جلالة القدر وعظم المنزلة ولمكانكن من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بشرط أن تتقين عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. # وانما شرط ذلك ms2863 بالاتقاء لئلا يعولن على ذلك، فيرتكبن المعاصي، ولولا ~~الشرط كان يكون اغراء لهن بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى. # ثم قال لهن { فلا تخضعن بالقول } أي لا تلين كلامكن للرجال، بل يكون ~~جزلا قويا لئلا يطمع من في قلبه مرض. قال قتادة: ومعناه من في قلبه ~~نفاق. وقال عكرمة: من في قلبه شهوة للزنا. # ثم قال لهن { وقلن قولا معروفا } مستقيما جميلا بريئا من التهمة ~~بعيدا من الريبة موافقا للدين والاسلام. ثم امرهن بالاستقرار في بيوتهن ~~وألا يتبرجن تبرج الجاهلية - على قراءة من فتح القاف. ومن كسر أرادكن ~~وقورات عليكن سكينة ووقار { ولا تبرجن } قال قتادة: التبرج التبختر ~~والتكبر، وقال غيره: هو اظهار المحاسن للرجال. # وقوله { تبرج الجاهلية الأولى } نصب تبرج على المصدر والمعنى مثل تبرج ~~الجاهلية الأولى، وهو ما كان قبل الاسلام. وقيل ما كان بين آدم ونوح. ~~وقيل ما كان بين موسى وعيسى، وقيل ما كان بين عيسى ومحمد. وقيل ما كان ~~بفعله اهل الجاهلية، لانهم كانوا يجوزون لامرأة واحدة رجلا وخلا فللزوج ~~النصف السفلاني وللخل الفوقاني من القبيل والمعانقة، فنهى الله تعالى عن ~~ذلك ازواج النبي صلى الله عليه وآله واشتقاق التبرج من البرج وهو السعة ~~في العين وطعنة برجاء اي واسعة وفي اسنانه برج إذا تفرق ما بينها. واما ~~الجاهلية الأخرى، فهو ما يعمل بعد الاسلام بعمل اولئك. # ثم أمرهن باقامة الصلاة والدوام عليها بشروطها وايتاء الزكاة لمن وجبت ~~عليه، وأمرهن بطاعة الله وطاعة رسوله، في ما يأمرانهن به. ثم قال { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } روى ابو سعيد ~~الخدري وانس بن مالك وعائشة وأم سلمة وواثلة بن الاسقع أن الآية نزلت في ~~النبي صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واهل ~~البيت نصب على النداء او على المدح، فروي عن أم سلمة انها قالت إن النبي ~~صلى الله عليه وآله كان في بيتي فاستدعا عليا وفاطمة والحسن والحسين، ~~وجللهم بعباء خيبرية، ثم قال: # " اللهم هؤلاء اهل ms2864 بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " # ، فأنزل الله تعالى قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا } فقالت أم مسلمة قلت: يا رسول الله هل انا من اهل بيتك؟ ~~فقال: لا، ولكنك إلى خير. # واستدل أصحابنا بهذه الآية على ان في جملة اهل البيت معصوما لا يجوز ~~عليه الغلط وان اجماعهم لا يكون إلا صوابا بأن قالوا ليس يخلو إرادة ~~الله لاذهاب الرجس عن اهل البيت من ان يكون هو ما اراد منهم من فعل ~~الطاعات واجتناب المعاصي، او يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بأن فعل ~~لهم لطفا اختاروا عنده الامتناع من القبائح. # والأول لا يجوز ان يكون مرادا، لأن هذه الارادة حاصلة مع جميع ~~المكلفين، فلا اختصاص لاهل البيت في ذلك ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه ~~الآية اهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على ما يبطل هذا ~~التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم؟! على ان ~~لفظة (إنما) تجري مجرى ليس، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم وحكيناه عن ~~جماعة من اهل اللغة، كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله ~~إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك على ان إذهاب الرجس ~~قد حصل فيهم. وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبث عصمتهم ثبت ما اردناه. # وقال عكرمة هي في ازواج النبي خاصة. وهذا غلط، لأنه لو كانت الآية فيهن ~~خاصة لكنى عنهن بكناية المؤنث، كما فعل في جميع ما تقدم من الآيات نحو ~~قوله { وقرن في بيوتكن ولا تبرجن، وأطعن الله وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ~~} فذكر جميع ذلك بكناية المؤنث، فكان يجب أن يقول إنما يريد الله ليذهب ~~عنكن الرجس اهل البيت ويطهركن، فلما كنا بكناية المذكر دل على ان النساء ~~لا مدخل لهن فيها. # وفي الناس من حمل الآية على النساء ومن ذكرناه من اهل البيت هربا مما ~~قلناه. وقال: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فكنى عنهم ms2865 بكناية ~~المذكر. وهذا يبطل بما بيناه من الرواية عن أم سلمة وما يقتضيه من كون من ~~تناولته معصوما. والنساء خارجات عن ذلك. وقد استوفينا الكلام في ذلك - ~~في هذه الآيات - في كتاب الامامة من أراده وقف عليه هناك. # ثم عاد تعالى إلى ذكر النساء فأمرهن بأن يذكرن الله تعالى بصفاته، ~~وبالدعاء والتضرع اليه، وان يفكرن في آيات الله التي تتلى في بيوتهن من ~~القرآن المنزل، ويعملن بها وبما فيها من الحكمة { إن الله كان لطيفا } ~~في تدبير خلقه، وفي إيصال المنافع الدينية والدنيوية اليهم { خبيرا } اي ~~عالما بما يكون منهم، وبما يصلحهم وبما يفسدهم، وأمرهم بأن يفعلوا ما ~~فيه صلاحهم واجتناب ما فيه فسادهم. # ثم اخبر تعالى ب { إن المسلمين والمسلمات } وهم الذين استسلموا لأوامر ~~الله وانقادوا له، وأظهروا الشهادتين، وعملوا بموجبه { والمؤمنين ~~والمؤمنات } فالاسلام والايمان واحد، عند اكثر المفسرين، وإنما كرر ~~لاختلاف اللفظين. وفي الناس من قال: المؤمن هو الذي فعل جميع الواجبات، ~~وانتهى عن جميع المقبحات، والمسلم هو الملتزم لشرائط الاسلام المستسلم ~~لها و { القانتين والقانتات } يعني الدائمين على الاعمال الصالحات { ~~والصادقين } في اقوالهم { والصادقات } مثل ذات { والصابرين والصابرات } ~~على طاعة الله وعلى ما يبتليهم لله من المصائب وما يأمرهم به من الجهاد ~~في سبيله { والخاشعين } يعني المتواضعين غير المتكبرين { والخاشعات } مثل ~~ذلك { والمتصدقين } يعني الذين يخرجون الصدقات والزكوات { والمتصدقات } ~~مثل ذلك { والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم } من الزنا وإرتكاب ~~انواع الفجور { والحافظات } فروجهن وحذف من الثاني لدلالة الكلام عليه { ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } الله كثيرا، وحذف مثل ما قلناه. # ثم قال { أعد الله لهم } يعني من قدم ذكرهم ووصفهم { مغفرة وأجرا ~~عظيما } يعني ثوابا جزيلا. لا يوازيه شيء. # وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ان أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال ~~يذكرون في القرآن ولا يذكر النساء؟ فنزلت الآية. فلذلك قال { إن المسلمين ~~والمسلمات } وإن كن المسلمات داخلات في قوله { المسلمين } تغليبا للمذكر ~~فذكرهن بلفظ يخصهن إزالة للشبهة. ### || [33.36-40] # قرأ اهل الكوفة { أن يكون لهم الخيرة ms2866 } بالياء، لان التأنيث غير حقيقي. # الباقون بالتاء لتأنيث الخيرة. والخيرة جمع خير وحكي خيرة بفتح الياء ~~وسكونها وقرأ عاصم { وخاتم } بفتح التاء. الباقون بكسرها. وهو الأقوى، ~~لأنه مشتق من ختم، فهو خاتم. وقال الحسن: خاتم وهو الذي ختم به الانبياء. ~~وقيل: هما لغتان - فتح التاء وكسرها - وفيه لغة ثالثة (خاتام) وقرئ به في ~~الشواذ. وحكي ايضا (ختام). # وروي عن ابن عباس، وذهب اليه مجاهد، وقتادة أنه نزل قوله { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة.... } الآية، في زينب بنت جحش، لما خطبها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله لزيد بن حارثة فامتنعت لنسبها من قريش وإن زيدا كان ~~عبدا، فأنزل الله الآية فرضيت به. وقال ابن زيد: نزلت في أم كلثوم بنت ~~عقبة ابن ابي معيط، وكانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~فزوجها زيد بن حارثة. بين الله تعالى في هذه الآية انه لم يكن { لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا } بمعنى إلزاما وحكما { أن يكون ~~لهم الخيرة } اي ليس لهم ان يتخيروا مع امر الله بشيء يترك به ما امر به ~~إلى ما لم يأذن فيه. والخيرة إرادة اختيار الشيء على غيره. وفي ذلك دلالة ~~على فساد مذهب المجبرة في القضاء والقدر، لأنه لو كان الله تعالى قضى ~~المعاصي لم يكن لأحد الخيرة، ولوجب عليه الوفاء به. ومن خالف في ذلك كان ~~عاصيا، وذلك خلاف الاجماع. # ثم قال { ومن يعص الله ورسوله } في ما قضيا به وامرا به وخالفهما { فقد ~~ضل } عن الحق وخاب عنه { ضلالا مبينا } أي ظاهرا. # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال واذكر يا محمد حين { تقول للذي ~~أنعم الله عليه } يعني بالهداية إلى الايمان { وأنعمت عليه } بالعتق { ~~أمسك عليك زوجك } اي احبسها، ولا تطلقها، لأن زيدا جاء إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله مخاصما زوجته زينب بنت جحش على ان يطلقها، فوعظه النبي ~~صلى الله عليه وآله، وقال له: لا تطلقها وامسكها { واتق الله } في ~~مفارقتها { وتخفي في نفسك ما ms2867 الله مبديه } فالذي اخفى في نفسه انه إن ~~طلقها زيد تزوجها وخشي من إظهار هذا للناس، وكان الله تعالى امره بتزوجها ~~إذا طلقها زيد، فقال الله تعالى له ان تركت إظهار هذا خشية الناس فترك ~~اضماره خشية الله احق وأولى. وقال الحسن: معناه وتخشى عيب الناس. وروي عن ~~عائشة انها قالت لو كتم رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا من الوحي ~~لكتم { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ~~وقيل: إن زيدا لما جاء مخاصما زوجته، فرآها النبي صلى الله عليه وآله ~~استحسنها وتمنى ان يفارقها زيد حتى يتزوجها، فكتم. # قال البلخي: وهذا جائز، لأن هذا التمني هو ما طبع الله عليه البشر، فلا ~~شيء على احد إذا تمنى شيئا استحسنه. ثم قال تعالى { فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها } فالوطر الارب والحاجة وقضاء الشهوة يقال: لي في هذا ~~وطر، أي حاجة وشهوة، قال الشاعر: # ودعني قبل ان اودعه # لما قضى من شبابنا وطرا # وقال آخر: # وكيف ثواي بالمدينة بعد ما # قضى وطرا منها جميل بن معمر # وقوله { زوجناكها } يعني لما طلق زيد إمرأته زينب بنت جحش اذن الله ~~تعالى لنبيه في تزويجها، واراد بذلك نسخ ما كان عليه اهل الجاهلية من ~~تحريم زوجة الدعي على ما بيناه، وهو قوله { لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~} اي اثم في أزواج ادعيائهم أن يتزوجوهن { إذا قضوا } الادعياء { منهن ~~وطرا } وفارقوهن، فبين الله تعالى ان الغرض بهذا ان لا يكون المتبنى به ~~إذا طلق المرأة يجري مجرى تحريم إمراة الابن إذا طلقت او مات عنها الابن. ~~وقوله { وكان أمر الله مفعولا } معناه وكان تزويج النبي صلى الله عليه ~~وآله زينب بنت جحش كائنا لا محالة. # واستدل بقوله { وكان أمر الله مفعولا } على حدوث كلام الله، لأن الله ~~تعالى قص كلامه. وقد بين أنه مفعول، والمفعول والمحدث واحد. ثم قال تعالى ~~{ ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له } أي لم يكن عليه إثم ms2868 في ما ~~قدره الله أن يتزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد، وإن كان دعيا له، ~~وفي جمعه بين التسع. وقال { سنة الله في الذين خلوا من قبل } أي ما أمرنا ~~به محمدا من هذه السنن والعادات مثل سنة من تقدم من الانبياء، وما أمرهم ~~الله تعالى به. لأنه تعالى أباح لكل نبي شيئا خصه به ورفع به شأنه من ~~بين سائر الامم { وكان أمر الله قدرا مقدورا } فالقدر المقدور هو ما ~~كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان، قال الشاعر: # واعلم بان ذا الجلال قد قدر # في الصحف الاولى التي كان سطر # وقوله { الذين يبلغون رسالات الله } ولا يكتمونها بل يؤدونها إلى من ~~بعثوا اليهم { ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } أي لا يخافون سوى الله ~~احدا وقوله { وكفى بالله حسيبا } أي كافيا ومجازيا. ثم قال { ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم } نزلت في زيد بن حارثة لأنهم كانوا يسمونه: زيد ~~بن محمد، فبين الله تعالى ان النبي ليس ب (أب احد) منهم من الرجال وإنما ~~هو ابو القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم، وكلهم درجوا في الصغر. ذكره ~~قتادة. ثم قال { ولكن } كان { رسول الله } ونصب باضمار { كان } وتقديره ~~ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وروى عبد الوارث عن ابي عمرو { ~~ولكن } بالتشديد { رسول الله } نصب ب { لكن } { وخاتم النبيين } أي ~~آخرهم، لأنه لا نبي بعده إلى يوم القيامة { وكان الله بكل شيء عليما } ~~أي عالما لا يخفى عليه شيء مما يصلح العباد. # وقيل إنما ذكر { وخاتم النبيين } ها هنا، لان المعنى أن من لا يصلح بهذا ~~النبي الذي هو آخر الانبياء، فهو مأيوس من صلاحه من حيث انه ليس بعده نبي ~~يصلح به الخلق. ومن استدل بهذه الآية، وهي قوله { ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم } على انه لم يكن الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه، فقد أبعد، ~~لان الحسن والحسين كانا طفلين، كما انه كان أبا إبراهيم وإنما بقي أن لا ms2869 ~~يكون أبا للرجال البالغين. ### || [33.41-48] # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بصدق ~~أنبيائه، يأمرهم بأن يذكروا الله ذكرا كثيرا، والذكر الكثير أن نذكره ~~بصفاته التي يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، وننزهه عما لا يليق به. ~~وروي في اخبارنا أن من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله اكبر ثلاثين مرة، فقد ذكر الله كثيرا، وكل صفة لله تعالى فهى صفة ~~تعظيم، وإذا ذكر بأنه شيء وجب أن يقال: إنه شيء لا كالأشياء، وكذلك احد ~~ليس كمثله شيء وكذلك القديم هو الأول قبل كل شيء، والباقي بعد فناء كل ~~شيء. ولا يجوز أن يذكر بفعل ليس فيه تعظيم، لان جميع ما يفعله يستحق به ~~الحمد والوصف بالجميل على جهة التعظيم، مثل الذكر بالغنى والكرم بما يوجب ~~اتساع النعم، والذكر احضار معنى الصفة للنفس إما بايجاد المعنى في النفس ~~ابتداء من غير طلب. والآخر بالطلب من جهة الفكر. والذكر قد يجامع العلم، ~~وقد يجامع الشك. والعلم لا يجامع الشك في الشيء على وجه واحد. والذكر ~~أيضا يضاد السهو، ولا يضاد الشك، كما يضاده العلم. وقوله { وسبحوه بكرة ~~وأصيلا } أمر لهم بأن ينزهوا الله تعالى عن كل قبيح وجميع ما لا يليق ~~به، بالغداة والعشي: قال قتادة: يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، والاصيل ~~العشي وجمعه أصائل، ويقال اصل وآصال، وهو اصل الليل أي اوله ومبدؤه، ~~وقوله { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } يترحم عليكم بايجاب الرحمه، ويصلي ~~عليكم الملائكة بالدعاء والاستغفار، فالأول كالدعاء، والثاني دعاء. وقيل: ~~معناه يثني عليكم بطريقة الدعاء، كقوله عليك رحمتي ومغفرتي. وقيل: معناه ~~هو الذي يوجب عليكم الصلاة، وهي الدعاء بالخير، ويوجبه الملائكة بفعل ~~الدعاء، وهذا مما يختلف فيه معنى صفة الله تعالى وصفة العباد، كتواب ~~بمعنى كثير القبول للتوبة وتواب بمعنى كثير فعل التوبة. وقال الاعشى: # عليك مثل الذي صليت فاعتصمي # يوما فان لجنب المرئ مضطجعا # فمن رفع (مثل) فانما دعا لها مثل ما دعت له. ومن نصب أمرها بأن تزداد من ms2870 ~~الدعاء أي عليك بمثل ما قلت. وقوله { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ~~معناه ليخرجكم من الجهل بالله إلى معرفته، فشبه الجهل بالظلمات، والمعرفة ~~بالنور، وانما شبه العلم بالنور، لانه يقود إلى الجنة، فهو كالنور. ~~والكفر يقود إلى النار - نعوذ بالله منها - وقال ابن زيد: معناه ليخرجكم ~~من الضلالة إلى الهدى. # ثم اخبر تعالى انه { كان بالمؤمنين رحيما } حين قبل توبتهم وخلصهم من ~~العقاب إلى الثواب بما لطف لهم في فعله. وقوله { تحيتهم يوم يلقونه سلام ~~} أي يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من ~~جميع الافات والفوز بنعيم ثواب الله. # ولقاء الله لقاء ثوابه لا رؤيته، لأنه بمنزلة قوله # فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه # وبمنزلة قول النبي صلى الله عليه وآله # " من حلف على يمين كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه ~~غضبان " # ولا خلاف أن هؤلاء لا يرون الله. وقوله { وأعد لهم أجرا كريما } أي ~~ثوابا جزيلا. # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال { يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا } أي شاهدا على أمتك في ما يفعلونه من طاعة الله ~~او معصيته او إيمان به او كفر، لتشهد لهم يوم القيامة او عليهم، فأجازيهم ~~بحسبه، ومبشرا لهم بالجنة وثواب الابد إن أطاعوني واجتنبوا معصيتي. { ~~ونذيرا } أي مخوفا من النار وعقاب الأبد بارتكاب المعاصي وترك الواجبات ~~{ وداعيا } اي وبعثناك داعيا لهم تدعوهم { إلى الله بإذنه } والاقرار ~~بوحدانيته وأمتثال ما امرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه { وسراجا ~~منيرا } أي انت بمنزلة السراج الذي يهتدي به الخلق. والمنير هو الذي ~~يصدر النور من جهته إما بفعله، وإما لأنه سبب له، فالقمر منير، والسراج ~~منير بهذا المعنى، والله منير السموات والارض. وقال الزجاج { وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا } وبعثناك ذا سراج، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه ~~مقامه وأراد بالسراج القرآن الذي يحتاجون إلى العمل به. # ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله بأن { يبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا ms2871 } أي زيادة على ما يستحقونه من الثواب كثيرا، ثم نهاه عن ~~طاعة الكفار الجاحدين لله والمنكرين لنبوته فقال { ولا تطع الكافرين } ~~الذين يتظاهرون بالكفر، ولا { المنافقين } الذين يظهرون الاسلام، ويبطنون ~~الكفر، ولا تساعدهم على ما يريدونه { ودع أذاهم } أي اعرض عن اذاهم. فانا ~~اكفيك أمرهم إذا توكلت علي، وعملت بطاعتي فان جميعهم في سلطاني بمنزلة ~~ما هو في قبضة غيري. ثم قال { وتوكل على الله } أي اسند أمرك اليه واكتف ~~به { وكفى بالله وكيلا } اي كافيا ومتكفلا ما يسنده اليه. وقوله ~~(وشاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا، وسراجا) كل ذلك نصب على الحال. ### || [33.49-50] # قرأ حمزة والكسائي { تماسوهن } بألف. الباقون بلا الف. وقد مضى تفسيره ~~في البقرة. # خاطب الله نبيه بأنه إذا نكح واحد من من المؤمنين المصدقين بوحدانيته ~~المقرين بنبوة نبيه مؤمنة نكاحا صحيحا، ثم طلقها قبل ان يمسها بمعنى ~~قبل ان يدخل بها بأنه لا عدة عليها منه، ويجوز لها أن تتزوج بغيره في ~~الحال. وأمرهم أن يمتعوها ويسرحوها سراحا جميلا، إلى بيت أهلها. وهذه ~~المتعة واجبة إن كان لم يسم لها مهرا وإن كان سمى لها مهرا لزمه نصف ~~المهر، ويستحب المتعة مع ذلك، وفيه خلاف. وقال ابن عباس: إن كان سمى لها ~~صداقا فليس لها إلا نصف المهر، وإن لم يكن سمى لها صداقا متعها على قدر ~~عسره او يسره وهو السراح الجميل. وهذا مثل قولنا سواء. وحكي عن ابن عباس ~~أن هذه الآية نسخت بايجاب المهر المذكور في البقرة ومثله روي عن سعيد بن ~~المسيب والصحيح الأول. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال { يا أيها ~~النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } يعني مهورهن، لأن ~~النكاح لا ينفك من المهر واحللنا لك ما ملكت من الاماء أن تجمع منهن ما ~~شئت { مما افاء الله عليك } من الغنائم والانفال { وبنات عمك } أي ~~واحللنا لك بنات عمك { وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ~~معك } أن تعقد عليهن وتعطيهن مهورهن. # ثم قال { وامرأة مؤمنة إن ms2872 وهبت نفسها للنبي } فالقراء كلهم على كسر (ان) ~~على انه شرط، وقرأ الحسن بفتحها على انه بمعنى احللنا لك لان وهبت، ~~والمعنى واحد، لانه بمنزلة قولك سرني إن ملكت وسرني أن ملكت أي سرني ما ~~ملكت { إن أراد النبي } واحللنا لك المرأة إذا وهبت نفسها لك إن أردتها ~~ورغبت فيها. فروي عن ابن عباس انه لا تحل امرأة بغير مهر وإن وهبت نفسها ~~إلا للنبي صلى الله عليه وآله خاصة. وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي ~~امرأة وهبت نفسها له، وفي رواية أخرى عن ابن عباس انه كانت عنده ميمونة ~~بنت الحارث بلا مهر وكانت وهبت نفسها للنبي. وروي عن علي بن الحسين عليه ~~السلام أنها امرأة من بني اسد يقال لها أم شريك. وقال الشعبي: هي امرأة ~~من الانصار. وقيل زينب بنت خزيمة من الانصار. وعندنا أن النكاح بلفظ ~~الهبة لا يصح وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله خاصة. وقال قوم: ~~يصح غير انه يلزم المهر إذا دخل بها، وإنما جاز بلا مهر للنبي صلى الله ~~عليه وآله خاصة غير انه يبين حجة ما قلناه. قوله { إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين } فبين أن هذا الضرب من النكاح خاص له ~~دون غيره من المؤمنين. # وقوله { قد علمنا ما فرضنا عليهم } يعني على المؤمنين { في أزواجهم } ~~قال قتادة: معناه أي لا نكاح الا بولي وشاهدين وصداق وألا يتجاوز الأربع. ~~وقال مجاهد: ما فرضنا عليهم ألا يتزوجوا اكثر من أربع. وقال قوم { ما ~~فرضنا عليهم في أزواجهم } من النفقة والقسمة وغير ذلك. # وعندنا أن الشاهدين ليسا من شرط صحة انعقاد العقد، ولا الولي إذا كانت ~~المرأة بالغة رشيدة، لانها ولية نفسها. والمعنى على مذهبنا إنا قد علمنا ~~ما فرضنا على الأزواج من مهرهن ونفقتهن وغير ذلك ومن الحقوق مع { ما ملكت ~~أيمانهم } (ما) في موضع جر لانها عطف على (في) وتقديره: في أزواجهم وفي ~~ما ملكت أيمانهم { لكيلا يكون عليك حرج } إذا تزوجت المرأة ms2873 بغير مهر إذا ~~وهبت لك نفسها وأردتها. ثم قال { وكان الله غفورا رحيما } أي ساترا ~~للذنب على المسيئين رحيما بهم ومنعما عليهم. ### || [33.51-55] # قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وابوبكر عن عاصم { ترجئ } مهموزة. ~~الباقون بغير همز. من همز خففها ومن ترك الهمز لين، وهما لغتان يقال: ~~أرجئت وأرجيت. وقرأ ابو عمرو وحده { لا تحل } بالتاء. الباقون بالياء. ~~فمن قرأ بالتاء، فلان النساء مؤنثة. ومن قرأ بالياء حمله على اللفظ لأن ~~المعنى: لا يحل لك شيء من النساء. # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يخيره في نسائه ~~بين أن يرجئ منهن من شاء أي تؤخر وتبعد. قال ابن عباس: خيره الله بين ~~طلاقهن وإمساكهن. وقال قوم: معناه تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء ~~أمتك. وقال مجاهد: معناه تعزل من شئت من نسائك فلا تأتيها وتأتي من شئت ~~من نسائك فلا تقسم لها، فعلى هذا يكون القسم ساقطا عنه فكان ممن أرجى ~~ميمونه وأم حبيبة وصفية وسودة، فكان يقسم لهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ~~ممن يأوي عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان يقسم نفسه وماله بينهن ~~بالسوية. وقال زيد بن اسلم: نزلت في اللاتي وهبن انفسهن فقال الله له ~~تزوج من شئت منهن واترك من شئت، وهو اختيار الطبري وهو أليق بما تقدم. ~~فالارجاء هو التأخير وهو من تبعيد وقت الشيء عن وقت غيره ومنه الارجاء في ~~فساق أهل الصلاة، وهو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله { وتؤوي منهن من تشاء ~~} فالايواء: ضم القادر غيره من الاحياء الذين من جنس ما يعقل إلى غيره أو ~~ناحيته، تقول آويت الانسان آويه إيواء وأوى هو يأوي أويا إذا انضم إلى ~~مأواه. # وقوله { ومن ابتغيت } يعني من طلبت { ممن عزلت } قال قتادة: كان نبي ~~الله يقسم بين أزواجه فأحل الله تعالى له ترك ذلك. وقيل { ومن ابتغيت } ~~اصابته ممن كنت عزلت عن ذلك من نسائك. وقال الحسن { ترجي من تشاء منهن } ~~تذكر المرأة للتزويج ms2874 ثم ترجيها فلا تتزوجها { فلا جناح عليك } أي لا جناح ~~عليك في ابتغاء من شئت وإرجاء من عزلت وإيواء من شئت { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن ولا يحزن } أي اقرب إذا علمن أن الرخصة من قبل الله كان ذلك اقر ~~لعينهن، وإنهن لا يطلقن وأشد لسرورهن وهو قول قتادة. وقيل { ذلك أدنى أن ~~تقر أعينهن } إذا طمعت في ردها إلى فراشها بعد عزلها { ويرضين بما ~~آتيتهن كلهن } رفع { كلهن } على تأكيد الضمير وهو النون في { يرضين } لا ~~يجوز غير ذلك، لان المعنى عليه. ثم قال { والله يعلم ما في قلوبكم } من ~~الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض { وكان الله عليما } بذلك { ~~حليما } عن ان يعاجل أحدا بالعقوبة. # وقوله { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن } قال ابن عباس ~~والحسن: بعد التسع اللاتي كن عنده واخترنه مكافأة لهن على اختيارهن الله ~~ورسوله. وقال ابي بن كعب لا يحل لك من بعد أي حرم عليك ما عدا اللواتي ~~ذكرن بالتحليل في { إنا أحللنا لك.... } الآية. وهن ست أجناس النساء ~~اللاتي هاجرن معك وإعطائهن مهورهن وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله ~~وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ومن وهبت نفسها له بجميع ما شاء من ~~العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء. وقال مجاهد: { لا يحل لك النساء } من ~~أهل الكتاب ويحل لك المسلمات. # وروى أن حكم هذه الآية نسخ، وأبيح له ما شاء من النساء أي أي جنس أراد، ~~وكم أراد، فروي عن عائشة انها قالت: لم يخرج النبي محمد صلى الله عليه ~~وآله من دار الدنيا حتى حلل الله له ما أراد من النساء، وهو مذهب اكثر ~~الفقهاء. وهو المروي عن أصحابنا في أخبارنا. # { ولا أن تبدل بهن من أزواج } قال ابن زيد: معناه أن تعطي زوجتك لغيرك ~~وتأخذ زوجته. لان أهل الجاهلية كانوا يتبادلون الزوجات. وقيل: معناه تطلق ~~واحدة وتتزوج أخرى بعدها { ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك } استثناء ~~الاماء أي اللاتي تملكهن من جملة ms2875 ما حرم عليه من النساء { وكان الله على ~~كل شيء رقيبا } أي عالما حافظا، فالرقيب الحفيظ - في قول الحسن وقتادة ~~- قال الشاعر: # لواحد الرقباء للضرباء ايديهم نواهد # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا ~~أن يؤذن لكم } نهاهم عن دخول دور النبي بغير اذن { إلى طعام غير ناظرين ~~إناه } أي بلوغه، وكان يداريهم، وهو نصب على الحال، يقال في الطعام: أناى ~~يأني إذا بلغ حال النضج، قال الشاعر [الشيباني]. # تمخضت المنون له بيوم # اني ولكل حادثة تمام # وقال الحطيئة: # وأخرت العشاء إلى سبيل # او الشعري فطال بي الاناء # وقال البصريون: لا يجوز { غير ناظرين } بالجر على صفة { طعام } لان ~~الصفة إذا جرت على غير من هي له لم يضمر الضمير، واجاز ذلك الفراء وانشد ~~الاعشى: # فقلت له هذه هاتها # الينا بأدماء مقتادها # والمعنى على يدي من اقتادها، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك ~~باسطها، أي انت. وقال الزجاج: لو جر (غير) لقال: إلى طعام غير ناظرين ~~إناه انتم، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى غير منتظرين بلوغ الطعام. # ثم قال { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } والمعنى إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا ~~{ فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } أي تفرقوا ولا تقيموا ولا ~~تستأنسوا بطول الحديث، وإنما منعوا من الاستئناس من اجل طول الحديث لان ~~الجلوس يقتضي ذلك، والاستئناس هو ضد الاستيحاش، والانس ضد الوحشة، وبين ~~تعالى فقال " لأن ذلك " الاستئناس بطول الجلوس { كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم } أي من الحاضرين، فيسكت على مضض ومشقة { والله لا يستحيي من الحق } ~~ثم قال { وإذا سألتموهن متاعا } يعني إذا سألتم أزواج النبي شيئا ~~تحتاجون اليه { فاسألوهن من وراء حجاب } وستر { ذلكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن } من الميل إلى الفجور. # ثم قال { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } قال ابو عبيدة { كان } زائدة ~~والمعنى ليس { لكم أن تؤذوا رسول الله } بطول الجلوس عنده، ومكالمة نسائه ~~{ ولا } يحل لكم ايضا { أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } لانهن صرن ~~بمنزلة أمهاتكم في ms2876 التحريم. وقال السدي: لما نزل الحجاب قال رجل من بني ~~تيم أنحجب من بنات عمنا إن مات عرسنا بهن، فنزل قوله { ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم } إن فعلتموه { كان عند الله عظيما }. # ثم قال لهم { إن تبدوا شيئا } أي إن اظهرتموه من مواقعة النساء { أو ~~تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما } لا يخفى عليه شيء من أعمالكم لا ~~ظاهرة ولا باطنة. ثم استثنى لازواج النبي محمد صلى الله عليه وآله من ~~يجوز لها محادثتهم ومكالمتهم، فقال { لا جناح عليهن في آبائهن ولا ~~أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ~~ما ملكت أيمانهن } ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام، لان ~~قرباتهم واحدة، لأنهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه، ~~فهن محرم لهن { ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن } قال قوم: من النساء ~~والرجال. وقال آخرون من النساء خاصة. وهو الأصح. وقال مجاهد: رفع الجناح ~~- ها هنا - في وضع الجلباب للمذكورين. وقال قتادة: في ترك الاحتجاب، ثم ~~أمرهن بأن يتقين الله ويتركن معاصيه فقال { واتقين الله إن الله كان على ~~كل شيء شهيدا } أي عالما لا يخفى عليه شيء من ذلك. وقال الشعبي وعكرمة: ~~وإنما لم يذكر العم والخال، لئلا ينعتاهن لابنائهما. وكان سبب نزول الآية ~~لما نزل الحجاب، قوله { فاسألوهن من وراء حجاب } قال آباء النساء ~~وابناؤهن: ونحن ايضا مثل ذلك، فانزل الله الآية وبين أن حكم هؤلاء بخلاف ~~حكم الاجانب. ### || [33.56-60] # يقول الله تعالى مخبرا انه يصلي وملائكته على النبي صلى الله عليه وآله ~~وصلاة الله تعالى هو ما فعله به من كراماته وتفضيله وإعلاء درجاته ورفع ~~منازله وثنائه عليه وغير ذلك من انواع إكرامه. وصلاة الملائكة عليه ~~مسألتهم الله تعالى أن يفعل به مثل ذلك، وزعم بعضهم أن { يصلون } فيه ~~ضمير الملائكة دون اسم الله مع إقراره بأن الله سبحانه يصلي على النبي ~~لكنه يذهب في ذلك إلى انه في افراده بالذكر تعظيما، ذكره ms2877 الجبائي. # ثم امر تعالى المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه أن يصلوا ~~ايضا عليه، وهو أن يقولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ~~ابراهيم وآل إبراهيم - في قول ابن عباس. # ثم أمر المؤمنين أيضا، ان يسلموا لامره تعالى وأمر رسوله تسليما، في ~~جميع ما يأمرهم به. والتسليم هو الدعاء بالسلامة كقولهم سلمك الله. ~~والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكقولك: السلام عليك يا رسول الله. # ثم اخبر تعالى { إن الذين يؤذون الله ورسوله } وأذى الله يقال هو اذى ~~أوليائه، وانما أضافه إلى نفسه تعظيما لأوليائه ومبالغة في عظم المعصية ~~به { لعنهم الله } أي يستحقون اللعنة من الله، لان معنى { لعنهم الله } ~~أي حل بهم وبال اللعن بالابعاد من رحمة الله. وقول القائل: لعن الله ~~فلانا معناه الدعاء عليه بالابعاد من رحمته. وقوله { في الدنيا والآخرة ~~} أي هم مبعدون من رحمته تعال في الدنيا والآخرة، ومع ذلك { أعد لهم } في ~~الآخرة { عذابا مهينا } اي مذلا لهم. والهوان الاحتقار، يقال: اهانه ~~اهانة، وإنما وصف العذاب بأنه مهين، لأنه تعالى يهين الكافرين والفاسقين ~~به، حتى يظهر الذلة فيه عند العقاب. # ثم قال { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } يعني ~~يؤذونهم من غير استحقاق على شيء فعلوه يستوجبون به ذلك { فقد احتملوا ~~بهتانا.... }. # وكان سبب نزول الآية ان قوما من الزناة كانوا يمشون في الطرقات فاذا ~~رأوا امرأة غمزوها. وقال النقاش: نزلت في قوم كانوا يؤذون عليا عليه ~~السلام وقيل: نزلت في من تكلم في عائشة في قصة الافك. # وقوله { فقد احتملوا بهتانا } اي كذبا { وإثما مبينا } اي ظاهرا - ~~ثم خاطب النبي محمد صلى الله عليه وآله يقوله { يا أيها النبي } وامره ~~بأن يقول لازواجه وبناته ونساء المؤمنين، ويأمرهم بأن يدنين عليهم من ~~جلابيبهن، قالجلابيب جمع جلباب وهو خمار المرأة وهي المقنعة تغطي جبيتها ~~ورأسها إذا خرجت لحاجة بخلاف خروج الاماء اللاتي يخرجن مكشفات الرؤس ~~والجباه - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال الحسن: الجلابيب الملاحف تدينها ~~المرأة على وجهها { ذلك أدنى ms2878 أن يعرفن فلا يؤذين } ثم قال { وكان الله ~~غفورا رحيما } اي ستار الذنوب على عباده { رحيما } بهم. # ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { لئن لم ينته المنافقون } أي لئن ~~لم يرجعوا { والذين في قلوبهم مرض } اي شك ونفاق. وقيل: شهوة الزنا { ~~والمرجفون في المدينة } فالارجاف اشاعة الباطل للاغتمام به. والمرجفون هم ~~الذين كانوا يطرحون الأخبار الكاذبة بما يشغلون به قلوب المؤمنين { ~~لنغرينك بهم } يا محمد، والاغراء الدعاء إلى تناول الشيء بالتحريض عليه ~~اغراه يغريه إغراء وغري به يغرى مثل اولع به كأنه أخذ بلزومه. وقيل: ~~معناه لسنلطنك عليهم - في قول ابن عباس -. # وقوله { ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا } يعني ينفون عن المدينة ولا ~~يجاورونك يا محمد فيها. ### || [33.61-65] # لما أخبر الله تعالى، وتوعد { المنافقين والذين في قلوبهم مرض } أي شك { ~~والمرجفون في المدينة } بما يشغل قلوب المؤمنين وأنهم إن لم يتوبوا عن ~~ذلك نفوا عنها، وصفهم بانهم { ملعونين } أي مبعدون { أينما ثقفوا } ونصب ~~{ ملعونين } على الحال من الضمير في قوله { يجاورونك } وقيل: انه نصب على ~~الذم، والصفة ل (قليلا)، كأنه قال: إلا أذلاء ملعونين، و { أينما } ~~منصوب ب { ثقفوا } ، وانجزم به { ثقفوا } على طريق الجزاء. وإنما جاز ~~ذلك، لأن الجازم في الأصل (إن) المحذوفة. وصار { أينما } تقوم مقامها، ~~وتغني عنها ولا يجوز ان يعمل فيه { أخذوا } لأنه جواب الجزاء، ولا يعمل ~~الجواب فيما قبل الشرط، لئلا يختلط احد الأمرين بالآخر. # وفي الآية دلالة على انهم انتهوا، وإلا كان يوقع الاغراء بهم ويجعلهم ~~بالصفة التي ذكرها. # وقوله { سنة الله التي قد خلت من قبل } فالسنة الطريقة في تدبير الحكيم ~~ومنه سنة رسول الله، وهي الطريقة التي أجراها بأمر الله تعالى، فأضيفت ~~اليه لأنه فعلها بأمر الله. واصل السنة الطريقة. ومن عمل الشيء مرة أو ~~مرتين لا يقال: إن ذلك سنة، لأن السنة الطريقة الجارية، ولا تكون جارية ~~بمالا يعتد به من العمل القليل، وسنة الله في المتمردين في الكفر - الذين ~~لا يقلع احد منهم ولا من نسلهم - الاهلاك ms2879 في العذاب في الدنيا والآخرة. # وقوله { ولن تجد لسنة الله تبديلا } معناه إن السنة التي اراد الله أن ~~يسنها في عباده لا يتهيأ لأحد تغييرها، ولا قلبها عن وجهها لانه تعالى ~~القادر الذي لا يتهيأ لاحد منعه مما اراد فعله. # ثم قال { يسألك الناس عن الساعة } يعني عن يوم القيامة { قل } لهم { ~~إنما علمها عند الله } لا يعلمها أحد غيره { وما يدريك } يا محمد { لعل ~~الساعة تكون قريبا } مجيئها. # ثم قال تعالى مخبرا { إن الله لعن الكافرين } يعني أبعدهم من رحمته { ~~وأعد لهم سعيرا } يعني النار التي تستعر وتلتهب { خالدين فيها أبدا } ~~أي مؤبدين فيها لا يخرجون منها { ولا يجدون وليا } ينصرهم من دون الله { ~~ولا نصيرا } يدفع عنهم. # واستدل قوم بذلك على النار أنها مخلوقة الآن، لان ما لا يكون مخلوقا لا ~~يكون معدا. وهذا ضعيف، لانه يجوز أن يكون المراد إن الجنة والنار معدتان ~~في الحكم كائنتان لا محالة، فلا يمكن الاعتماد على ذلك. ### || [33.66-69] # قرأ ابن عامر ويعقوب { ساداتنا } بألف بعد الدال. الباقون بغير الف على ~~جمع التكسير، والأول على جمع الجمع، وقرأ عاصم وابن عامر - في رواية ~~الداحوني عن هشام { لعنا كبيرا } بالباء. بالباقون بالثاء. # العامل في قوله { يوم تقلب } قوله { وأعد لهم سعيرا... يوم تقلب وجوههم ~~} فالتقليب تصريف الشيء في الجهات، ومثله التنقيل من جهة إلى جهة فهؤلاء ~~تقلب وجوههم في النار، لانه ابلغ في ما يصل اليهم من العذاب. وقوله { ~~يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } حكاية ما يقول هؤلاء الكفار ~~الذين تقلب وجوههم في النار، فانهم يقولون متمنين: يا ليتنا كنا اطعنا ~~الله في ما امرنا به ونهانا عنه، ويا ليتنا أطعنا الرسول في ما دعانا ~~اليه. وحكى ايضا انهم يقولون يا { ربنا إنا أطعنا } في ما فعلنا { ~~سادتنا وكبراءنا } والسادة جمع سيد، وهو الملك المعظم الذي يملك تدبير ~~السواد الاعظم، ويقال للجمع الاكثر السواد الأعظم يراد به السواد المنافي ~~لشدة البياض والضياء الأعظم { فأضلونا السبيلا } يعني هؤلاء الرؤساء ~~اضلونا عن سبيل ms2880 الحق. # وقيل الآية نزلت في الاثنى عشر الذين أطعموا الكفار يوم بدر من قريش. ثم ~~حكى انهم يقولون { ربنا آتهم ضعفين من العذاب } لضلالهم في نفوسهم ~~وإضلالهم إيانا. وقيل معناه عذاب الدنيا والآخرة { والعنهم لعنا كثيرا ~~} أي مرة بعد اخرى. ومن قرأ بالباء اراد اللعن الذي هو اكبر من لعن ~~الفاسق، لان لعنة الكافر أعظم. # ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين ~~آذوا موسى } أي لا تؤذوا نبيكم مثل ما اوذي موسى يعني آذاه قومه بعيب ~~اضافوه اليه لم يقم حجة بتعييبه. وقيل: إن الآية نزلت في المنافقين عابوا ~~النبي محمد صلى الله عليه وآله باصطفائه صفيه بنت حي، فنهاهم الله عن ~~ذلك. واختلف المفسرون في العيب الذي اضافه قوم موسى اليه. فقال قوم: انهم ~~آذوا موسى بأن اشاعوا أن هارون قتله موسى فأحياه الله - عز وجل - حتى ~~أخبرهم ان موسى لم يقتله وأن الله تعالى هو الذي اماته عند انقضاء أجله، ~~وهو معنى قوله { فبرأه الله مما قالوا } وقيل: انهم قالوا: إنه ابرص. ~~وقيل: انهم اضافوه إلى انه ادر الخصيتين، فبرأه الله من ذلك، واجاز ~~البلخي حديث الصخرة التي ترك موسى ثيابه عليها على ان يكون ذلك معجزا ~~له. وقال قوم: ذلك لا يجوز لأن فيه اشتهار النبي وابداء سوأته على رؤس ~~الأشهاد. وذلك ينفر عنه، فبرأه الله من ذلك. # وقوله { وكان عند الله وجيها } أي عظيم القدر، رفيع المنزلة إذا سأل ~~الله تعالى شيئا أعطاه. وأثبت الألف في قوله { الرسولا.... والسبيلا } ~~لأجل الفواصل في رؤس الآي تشبيها بالقوافي. ### || [33.70-73] # امر الله تعالى المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا عقابه ~~باجتناب معاصيه وفعل واجباته وأن يقولوا { قولا سديدا } أي صوابا ~~بريئا من الفساد خالصا من شائب الكذب والتمويه واللغو. وقوله { يصلح ~~لكم أعمالكم } جزم بأنه جواب للأمر، وفيه معنى الجزاء. وتقديره: إن فعلتم ~~ما امرتكم به يصلح لكم اعمالكم. وإصلاحه أعمال العباد أن يلطف لهم فيها ~~حتى تستقيم على الطريقة السليمة من الفساد، ms2881 وذلك مما لا يصح إلا في صفات ~~الله تعالى، لانه القادر الذي لا يعجزه شيء العالم الذي لا يخفى عليه شيء ~~{ ويغفر لكم ذنوبكم } قيل: إنما وعد الله بغفران الذنوب عند القول ~~السديد، ولم يذكر التوبة، لأن التوبة داخلة في الاقوال السديدة، كما يدخل ~~فيه تجنب الكذب في كل الأمور فيدخل فيه الدعاء إلى الحق وترك الكفر ~~والهزل واجتناب الكلام القبيح. # ثم قال { ومن يطع الله ورسوله } في ما أمراه به ونهياه عنه ودعواه اليه ~~{ فقد فاز فوزا عظيما } أي افلح فلاحا عظيما، لأنه يفوز بالجنة، ~~والثواب الدائم. وقيل: معناه فقد ظفر بالكرامة من الله والرضوان، وهو ~~الفوز العظيم. # ثم اخبر تعالى بأنه عرض الأمانة على السموات والأرض، فالامانة هي العقد ~~الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه، وقد عظم الله شأن ~~الأمانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها، وهو الذي امر به في اول سورة ~~المائدة وعناه بقوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } وقيل في قوله ~~{ عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال } مع أن هذه الاشياء جمادات ~~لا يصح تكليفها أقوال: # احدها - ان المراد عرضنا على اهل السموات واهل الارض واهل الجبال. # وثانيها - ان المعني في ذلك تفخيم شأن الأمانة وتعظيم حقها، وأن من عظم ~~منزلتها انها لو عرضت على الجبال والسموات والأرض مع عظمها، وكانت تعلم ~~بأمرها لأشفقت منها، غير انه خرج مخرج الواقع لانه ابلغ من المقدر، # وقوله { فأبين أن يحملنها } أي منعن ان يحملن الأمانة { وأشفقن منها } ~~أي خفن من حملها { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } أي ظلوما ~~لنفسه بارتكاب المعاصي، جهولا بموضع الامانة واستحقاق العقاب على ارتكاب ~~المعاصي وقال ابن عباس: معنى الأمانة الطاعة لله، وقيل لها أمانة لأن ~~العبد اؤتمن عليها بالتمكين منها ومن تركها. وقال تعالى # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # فرغب في الأحسن، وزهد في تركه. وقيل: من الأمانة ان المرأة اؤتمنت على ~~فرجها والرجل على فرجه ان يحفظاهما من الفاحشة. وقيل: الامانة ما خلق ~~الله تعالى ms2882 في هذه الاشياء من الدلائل على ربوبيته وظهور ذلك منها، كأنهم ~~أظهروها والانسان جحد ذلك وكفر به. وفائدة هذا العرض إظهار ما يجب من ~~حفظها وعظم المعصية في تضييعها. # وقيل معنى { حملها الإنسان } أي خانها، لأن من خان الأمانة فقد حملها ~~وكذلك كل من اثم فقد حمل الاثم، كما قال تعالى # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # وقال البلخي: يجوز ان يكون معنى العرض والاباء ليس هو ما يفهم بظاهر ~~الكلام، بل انما أراد تعالى أن يخبر بعظم شأن الامانة وجلالة قدرها، ~~وفظاعة خيانتها وترك ادائها، وانه اوجد السموات مع عظمها لا تحملها وإن ~~الانسان حملها، وليس الانسان - ها هنا - واحدا بعينه، ولا هو المطيع ~~المؤمن، بل هو كل من خان الأمانة ولم يرد الحق فيها، وحمل الانسان ~~الأمانة هو ضمانة القيام بها وإداء الحق فيها، لان ذلك طاعة منه لله، ~~واتباع لأمره والله لا يعتب على طاعته وما امر به ودعا اليه لكن معنى { ~~حملها } انه احتملها ثم خانها ولم يؤد الحق فيها، كأنه حملها فذهب بها ~~واحتمل وزرها، كما يقولون فلان أكل امانته أي خان فيها، والعرب تقول: ~~سألت الربع، وخاطبت الدار فأجابني بكذا، وقالت كذا، وربما قالوا: فلم ~~يجب، وامتنعت من الجواب. وليس هناك سؤال ولا جواب، وإنما هو اخبار عن ~~الحال التي تدل عليه، وعبر عنه بذكر السؤال والجواب، كما قال تعالى { ~~ائتيا طوعا أو كرها } للسموات والارض # قالتا أتينا طائعين # وهو تعالى لا يخاطب من لا يفهم ولا يعقل، وقال تعالى: # لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا # ونحن نعلم ان السموات لم تشعر بما كان من الكفار وانه لا سبيل لها إلى ~~الانفطار في ذات نفسها، ويقول القائل أتيت بكذب لا تحتمله الجبال ~~الراسيات، قال الشاعر: # فقال لي البحر إذ جئته # كيف يجيز ضرير ضريرا # وقال جرير: # لما اتى خبر الزبير تواضعت # سور المدينة والجبال الخشع # وقال آخر: # فاجهشت للتوباد حين رأيته # وكبر للرحمن حين رآني # فقلت له أين ms2883 الذين عهدتهم # بجنبيك في حضن وطيب زمان # فقال مضوا فاستودعوني بلادهم # ومن ذا الذي يبقى على الحدثان # والتوباد جبل، وقال آخر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وقال بعض المحدثين: # يا قصر ويحك هل اوعيت من خبر # فقال هل خبر أنبأ من العبر # قد كان يسكنني قوم ذو خطر # بادوا على الدهر والأيام والغير # وقد أتاني وقرب العهد يذكرني # منصور أمتكم في الشوك والشجر # حتى أناخ على بابي فقلت له # أما كفاك الذي نبئت من خبري # إن لا اكن قلته نطقا فقد كتبت # به الحوادث في صخري وفي حجري # خطا قديما جليلا غير ذي عوج # يقرأ بكل لسان ظاهر الأثر # فحلني ثم أفناه الزمان ولم يطق # دفاعا لما قد حم من قدر # وكلهم قائل لي أنت لي ولمن # خلفت من ولدي حظرا على البشر # فما تملى بنو الآباء بعدهم # ولا هم سكنوا إلا على غرر # وقد قال بعض الحكماء: سل الارض من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك؟ ~~فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، والعرض على وجوه يقال: عرضت المال ~~والعمل على فلان، فهذا بالقول والخطاب، وعرضت هذا الأمر على فكري ~~البارحة، وهذا أمر إن عرض على العقول لم تقبله، ومنه قولهم: عرضت الناقة ~~على الحوض، يريدون عرضت الحوض على الناقة و (الاباء) على وجوه: فمنه ~~الامتناع وإن لم يكن قصد لذلك، ومنه ألا يصلح لما يريده، تقول: أردت سل ~~سيفي فأبى علي. وتقول: هذه الأرض تأبى الزرع والغرس أي لا تصلح لهما، ~~فعلى هذا يكون معنى قوله { فأبين أن يحملنها } أي لا تصلح لحملها، وليس ~~في طباعها حمل ذلك، لانه لا يصلح لحمل الأمانة إلا من كان حيا عالما ~~قادرا سميعا بصيرا. بل لا يلزم أن يكون سميعا بصيرا، وإنما يكفي ان ~~يكون حيا عالما قادرا. وقال قوم: معناه إنا عرضنا الأمانة على أهل ~~السموات وأهل الارض واهل الجبال، كما قال # فما بكت عليهم السماء والأرض # يعني اهل السماء واهل الارض، فأبوا حملها على أن يؤدوا ms2884 حق الله فيها ~~إشفاقا من التقصير في ذلك { وحملها الإنسان } يعني الكافر جهلا بحق الله ~~واستخفافا بعرضه { إنه كان ظلوما } لنفسه { جهولا } بما يلزمه القيام ~~بحق الله، وإنما قال { فأبين } ولم يقل: فأبوا حملا على اللفظ، ولم يرده ~~إلى معنى الآدميين، كما قال # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # وقوله # فظلت أعناقهم لها خاضعين # حملا على المعنى دون اللفظ، وكل ذلك واضح بحمد الله. # ثم قال { ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } يعني بتضييع ~~الأمانة، وقال الحسن وقتادة: كلاهما خانا الأمانة { ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات } بحفظهما الأمانة لانهما كليهما أديا الأمانة { وكان ~~الله غفورا رحيما } أي ستارا لعيوب خلقه رحيما بهم في اسقاط عقابهم ~~إذا تابوا ورجعوا إلى الطاعة. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-5] # قرأ حمزة والكسائي { علام الغيب } بتشديد اللام وألف بعدها وخفض الميم. ~~وقرأه اهل المدينة وابن عامر ورويس بألف قبل اللام وتخفيف اللام وكسرها ~~ورفع الميم. الباقون كذلك إلا أنهم خفضوا الميم، وهم ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم وخلف وروح. وقرأ ابن كثير وحفص ويعقوب { من رجز أليم } برفع الميم ~~- ها هنا - وفي الجاثية، و { معجزين } قد مضى ذكره، وقرأ الكسائي وحده { ~~يعزب } بكسر الزاي. الباقون بضمها. و { الحمد } رفع بالابتداء و { لله } ~~خبره. # والحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. والحمد ~~هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، ونقيضه الذم، وهو الوصف بالقبيح على ~~جهة التحقير، ولا يستحق الحمد إلا على الاحسان، فلما كان احسان الله لا ~~يوازيه احسان احد من المخلوقين، فكذلك لا يستحق الحمد احد من المخلوقين ~~مثل ما يستحقه، وكذلك يبلغ شكره إلى حد العبادة ولا يستحق العبادة سوى ~~الله تعالى، وإن استحق بعضنا على بعض الشكر والحمد. # ومعنى قوله { الحمد لله } أي قولوا { الحمد لله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض } معناه الذي يملك التصرف في جميع ما في السموات، وجميع ما ~~في الأرض، وليس لاحد منعه منه ولا الاعتراض عليه { وله الحمد } في الأولى ~~يعني بما أنعم عليه ms2885 من فنون الاحسان و { في الآخرة } بما يفعل بهم من ~~الثواب والعوض وضروب التفضل في الآخرة، والآخرة وإن كانت ليست دار تكليف ~~فلا يسقط فيها الحمد والاعتراف بنعم الله تعالى، بل العباد ملجأون إلى ~~فعل ذلك لمعرفتهم الضرورية بنعم الله تعالى عليهم وما يفعل من العقاب ~~بالمستحقين فيه أيضا إحسان لما للمكلفين به في دار الدنيا من الالطاف ~~والزجر عن المعاصي ويفعل الله العقاب بهم لكونه مستحقا على معاصيه في ~~دار الدنيا، ومن حمد أهل الجنة قولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده. ~~وقولهم: الحمد لله الذي هدانا لهذا. وقيل: إنما يحمده أهل الآخرة من غير ~~تكليف على وجه السرور به { وهو الحكيم } في جميع أفعاله، لأنها كلها ~~واقعة موقع الحكمة { الخبير } العالم بجميع المعلومات. ثم وصف نفسه بأنه ~~{ يعلم ما يلج في الأرض } من سائر انواع الاشياء { وما يخرج منها } كذلك. ~~وقال الحسن: معناه يعلم ما يلج في الأرض من المطر، وما يخرج منها من ~~النبات، والولوج الدخول، ولج يلج ولوجا، قال الشاعر: # رأيت القوافي يلجن موالجا # تضايق عنه ان تولجه الابر # ومعنى { ما ينزل من السماء } قال الحسن: يعني من الماء { وما يعرج فيها ~~} من ملك فهو يجري جميع ذلك على تدبير عالم به وتوجبه المصلحة فيه. # ثم حكى عن الكفار أنهم يقولون { لا تأتينا الساعة } يعني القيامة ~~تكذيبا للنبي صلى الله عليه وآله في ذلك ف { قل } لهم يا محمد { بلى } ~~تأتيكم { و } حق الله { ربي } الذي خلقني وأخرجني من العدم إلى الوجود { ~~لتأتينكم } الساعة { عالم الغيب } من جر { عالم } جعله صفة لقوله { وربي ~~} وهو في موضع جر بواو القسم. # ومن رفعه، فعلى انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو عالم الغيب. ومن قرأ { ~~علام } أراد المبالغة في وصفه بأنه عالم الغيب، والغيب كل شيء غاب عن ~~العباد علمه { لا يعزب عنه } أي لا يفوته { مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض } بل هو عالم بجميع ذلك، يقال: عزب عنه الشيء يعزب ويعزب لغتان، في ~~المضارع { ولا أصغر من ms2886 ذلك ولا أكبر } أي ولا يعزب عنه علم ما هو اصغر من ~~مثقال ذرة، ولا علم ما هو اكبر منه { إلا في كتاب مبين } يعني اللوح ~~المحفوظ الذي أثبت الله تعالى فيه جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ليطلع ~~عليه ملائكته، فيكون لطفا لهم، ويكون للمكلفين أيضا في الاخبار عنه لطف ~~لهم. # ثم بين أنه إنما أثبت ذلك في الكتاب المبين { ليجزي } على ذلك { الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } بنعيم الجنة وهو قوله { أولئك لهم مغفرة } ~~لذنوبهم وستر لها، ولهم مع ذلك { رزق كريم } قال قتادة: الرزق الكريم ~~الجنة. وقال غيره: هو الهنيء الذي ليس فيه تنغيص، ولا تكدير. ثم بين أن ~~الذين يسعون في آيات الله وحججه { معاجزين } له أي متعاونين مجاهدين في ~~ابطال آياته { أولئك لهم عذاب } على ذلك { من رجز أليم } فمن جر { أليم } ~~جعله صفة { رجز } والرجز هو الرجس، وقال قوم: هو سيء العذاب وقال آخرون: ~~هو العذاب. والرجز بضم الراء الصنم ومنه قوله # والرجز فاهجر # وقال ابو عبيدة { معاجزين } بمعنى سابقين و { معجزين } معناه مثبطين - ~~في قول الزجاج. ### || [34.6-11] # قرأ حمزة والكسائي { إن يشأ يخسف بهم } بالياء كناية عن الله تعالى أنه ~~إن شاء خسف. الباقون بالنون كناية على انه إخبار منه تعالى عن نفسه. # يقول الله تعالى مخبرا أن الذين أوتوا العلم والمعرفة بوحدانية الله ~~تعالى. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقال غيره: يجوز أن ~~يكون المراد كل من أوتي العلم بالدين، وهو الاولى، لانه أعم { الذي أنزل ~~إليك من ربك } يعني القرآن { هو الحق } ف { الذي } في موضع نصب بأنه ~~المفعول ب { يرى } وقوله { هو } فصل، ويسميه الكوفيون عمادا، قال ~~الشاعر: # ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى # والشيب كان هو البدء الاول # أنشده الكسائى على أن { هو } الاول عماد والثاني اسم. و { الحق } هو ~~المفعول الثاني، و { يرى } في الآية بمعنى { يعلم } وموضعه يحتمل أن يكون ~~نصبا عطفا على { ليجزي } ويحتمل ان يكون رفعا بالاستئناف، وإيتاء ~~العلم اعطاؤه إما ms2887 بخلق العلم او بنصب الادلة المسببة له، فهو لطف الله ~~تعالى لهم بما أداهم إلى العلم، فكان كأنه قد أتاهم { الذي أنزل إليك } ~~يعني القرآن وما أنزله الله عليه من الاحكام يعلمونه حقا صحيحا ~~لمعرفتهم بالله وآياته الدالة على صدق نبيه { ويهدي } يعني القرآن ويرشد ~~إلى { صراط العزيز الحميد } يعني إلى دين الله القادر الذي لا يغالب، ~~والحميد يعني المحمود على جميع أفعاله، وهو الله تعالى. # ثم حكى ان الكفار يقول بعضهم لبعض { هل ندلكم على } ونرشدكم إلى { رجل ~~ينبئكم } أي يخبركم { إذا مزقتم كل ممزق } أي مزقت أعضاؤكم بعد الموت، ~~وصرتم ترابا ورميما { إنكم لفي خلق جديد } ابتداء بأن لم يعمل فيها { ~~ينبئكم } لانه لو أعمل فيها لنصبها، يعيدكم ويحييكم، ويقولون: هذا على ~~وجه الاستبعاد له والتعجب من هذا القول. ومعنى { مزقتم } بليتم وتقطعت ~~أجسامكم. والعامل في (إذ) يقول - في قول الزجاج - وتقديره هل ندلكم على ~~رجل يقول لكم إنكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون { إذا } بمعنى الجزاء تعمل ~~فيها التي تليها، قال قيس: # إذا قصرت أسيافنا كان وصلها # خطانا إلى اعدائنا فنضارب # والمعنى يكن وصلها، فلذلك جزم فنضارب. وقيل العامل فيه معنى الجملة كأنه ~~قيل: يجدد خلقكم، ولا يجوز أن يعمل فيه ما بعد لام الابتداء، ولا ما بعد ~~ان لانها حروف لا تتصرف في نفسها ولا في معمولها. وقوله { أفترى على الله ~~كذبا } قال قوم: اسقط ألف الاستفهام من { أفترى } لدلالة { أم } عليه. ~~وقال الرماني: هذا غلط، لأن الف الاستفهام لا تحذف إلا في ضرورة وإنما ~~القراءة بقطع الألف، فألف الاستفهام ثابتة وألف (افتعل) سقطت، لأنها ~~زائدة، ومثله قوله # بيدي أستكبرت # وقوله # أصطفى البنات # وقوله # سواء عليهم أستغفرت لهم # ونظائره كثيرة. # ولم يفصل بينها بمدة لان الثانية مكسورة ففارق همزة # آلله خير أما يشركون # ولو لم تقطع لكان خبرا بعده استفهام، والمعنى إن هؤلاء الكفار الذين ~~يتعجبون من قول النبي صلى الله عليه وآله إن الله يعيد الخلق بعد اماتتهم ~~خلقا جديدا، هل كذب على الله متعمدا { أم ms2888 به جنة } يعنون جنونا ~~فيتكلم بمالا يعلم فقال الله تعالى ليس كما يقولون: { بل الذين لا يوقنون ~~} أي لا يصدقون بالآخرة وبما فيها من الثواب والعقاب { في العذاب والضلال ~~البعيد } يعني العدول البعيد عن الحق، فلذلك يقولون ما يقولون، بل نبههم ~~على صحة ما يقول النبي صلى الله عليه وآله من الاعادة فقال { أفلم يروا ~~إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض } فيفكروا فيه ويعتبروا به ~~وإن الله تعالى خلقه واخترعه وأنه { إن نشأ نخسف بهم الأرض } من تحت ~~أرجلهم { أو نسقط عليهم كسفا } يعني قطعة من السماء ثم قال { إن في ذلك ~~لآية } ودلالة { لكل عبد منيب } أي راجع إلى الله تعالى. ووجه التنبيه ~~بالآية أن ينظروا فيعلموا أن السماء تحيط بهم، والارض حاملة لهم، فهم في ~~قبضتنا { إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم السماء } أفما يحذرون هذا ~~فيرتدعون عن التكذيب بآيات الله. و (المنيب) المقبل التائب - في قول ~~قتادة -. # ثم اخبر تعالى فقال { ولقد آتينا داود } يعني أعطاه { منا فضلا } من عند ~~الله. وقيل: معناه النبوة. وقيل: الزبور. وقيل: حسن الصوت. وقيل: هو ما ~~فسره أي قلنا { يا جبال أوبي معه } ومعناه أنه نادى الجبال وأمرها بأن ~~أوبي معه أي ارجعي بالتسبيح معه، قال الشاعر: # يومان يوم مقامات واندية # ويوم سير إلى الاعداء تأويب # أي رجوع بعد رجوع. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: أمر الله ~~الجبال أن تسبح معه إذا سبح { والطير } في نصبه وجهان: أحدهما وسخرنا ~~الطير والثاني - بالعطف على موضع المنادى الاول كما قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا # [فقد جاوزتما حد الطريق] # والاول أقوى عندهم لان الحمل على لفظة المنادى أشكل. ويكون كقولهم ~~(أطعمتها تبنا وماء باردا) أي وسقيتها. # وقيل معنى { أوبي } سيري معه حيث شاء، وليس المعنى إن الله خاطب الجبال، ~~وهي جماد بذلك، بل المراد أنه فعل في الجبال ما لو كانت حية قادرة لكان ~~يتأني منها ذلك. # وقوله { وألنا له الحديد } قال قتادة: كان الحديد في ms2889 يده مثل الشمع ~~يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا تطريق. ثم قال وقلنا له { أن اعمل سابغات ~~} وهي الدروع التامة والسابغ التام من اللباس، ومنه اسباغ النعمة ~~إتمامها، وثوب سابغ تام { وقدر في السرد } معناه لا تجعل الحلقة واسعة لا ~~تقي صاحبها وسرد الحديد نظمه. وقيل: السرد حلق الدرع - في قول ابن عباس ~~وابن زيد - قال الشاعر: # اجاد السدي سردها وأدالها # وقال قتادة: السرد المسامير التي في حلق الدرع، وهو مأخوذ من سرد الكلام ~~سرده يسرده سردا إذا تابع بين بعض حروفه وبعض كالتابعة في الحلق ~~والمسامير، ومنه السرد للطعام وغيره للاستتباع في خروج ما ليس منه، قال ~~الشاعر: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود او صنع السوابغ تبع # ويقولون: درع مسرودة أي مسمورة الحلق. وقيل: معنى { وقدر في السرد } عدل ~~المسمار في الحلقة لا يدق فينكسر او يغلظ فيفصم، ذكره مجاهد والحكم. { ~~واعملوا صالحا } أمر لهم بأن يعملوا الاعمال الحسنة التي ليست قبيحة وما ~~يكون بفعله مطيعا لله { إني بما تعملون بصير } أي عالم بما تفعلونه، لا ~~يخفى عليه شيء من أعمالكم، فالبصير العليم بالامور بما يتبين في تميزه ~~بعضه من بعض وكان الكسائي يدغم الفاء في الباء في قوله { إن نشأ نخسف بهم ~~} وهذا لا يجوز عند البصريين، لان الفاء من باطن الشفة العليا، واطرف ~~الثنايا العليا، والباء يخرج من بين الشفتين، ولان الفاء فيه نفس، فاذا ~~أدغم في الباء بطل، وأيضا فهو من مخرج التاء، فكما لا يجوز ادغامه في ~~التاء، فكذلك لا يجوز ادغامه في الباء، وأجاز ذلك الفراء. وأما إدغام ~~التاء في الفاء، فلا خلاف فيه. ### || [34.12-15] # خمس آيات شامي، لانهم عدوا { عن يمين وشمال } وأربع في ما عداه، لانهم ~~لم يعدوا ذلك. # قرأ نافع { من ساته } بغير همز. الباقون { من سأته } بالهمزة. وقرأ ~~الكسائي وحده { مسكنهم } بكسر الكاف. وقرأ حمزة بفتحها. الباقون { ~~مساكنهم } على الجمع. ونصب الريح في قوله { ولسليمان الريح } على تقدير: ~~وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ ابو بكر عن عاصم بضم الحاء، والمعنى في ms2890 ذلك ~~أنه اضاف الريح اليه إضافة الملك يصرفه كيف شاء. وقوله { غدوها شهر ~~ورواحها شهر } قال قتادة: كان مسيرها به إلى انتصاف النهار مقدار مسير ~~شهر { ورواحها شهر } من انتصاف النهار إلى الليل - في مقدار مسير شهر - ~~وقال الحسن كان يغدو من الشام إلى بيت المقدس، فيقيل باصطخر من ارض ~~اصبهان ويروح منها، فيكون بكابل. # وقوله { وأسلنا له عين القطر } قال ابن عباس وقتادة: أذبنا له النحاس ~~والقطر النحاس. ثم قال { ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه } أي بأمر ~~الله { ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير } معناه من يعدل من ~~هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان حتى يعملوا بين يديه عما أمرهم الله به ~~من طاعته { نذقه من عذاب السعير } يعني عذاب النار تقول: زاغ يزيغ زيغا ~~وأزاغه إزاغة. # ثم اخبر تعالى ان الجن الذين سخرهم الله لسليمان { يعملون له ما يشاء من ~~محاريب } قيل: معناه شريف البيوت. وقال قتادة: قصور ومساجد، قال المبر: ~~لا يسمى محرابا إلا ما يرتقى اليه بدرج، لقوله # إذ تسوروا المحراب # قال عدى بن زيد: # كدمي العاج في المحاريب أو كال # بيض في الروض زهره مستنير # وقال وضاح اليمن: # ربة محراب إذا جئتها # لم القها أو ارتقي سلما # و { تماثيل } جمع تمثال وهو صورة. فبين أنهم كانوا يعملون أي صورة ~~أرادها سليمان. وقال قوم: كانوا يعملون له صورة الملائكة. وقال آخرون: ~~كانوا يعملون له صورة السباع والبهائم على كرسيه ليكون أهيب له، فذكر ~~أنهم صوروا أسدين وفوق عمودي الكرسي نسرين، فكان إذا أراد صعود الكرسي ~~بسط له الأسد ذراعه، فاذا علا فوق الكرسي نشر النسران جناحيهما، فظللا ~~عليه لئلا يسقط عليه شيء من الشمس، ويقال: إن ذلك ممالا يعرفه أحد من ~~الناس، فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني ~~إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعه فضرب ساقه فقدها ~~فوقع مغشيا عليه، فما جسر أحد بعده أن يصعد على ذلك الكرسي. # { وجفان كالجواب ms2891 } واحدها جفنة وهي القصعة الكبيرة، والجوابي جمع جابية، ~~وهي الحوض الذي يجئ الماء فيه، قال ابو علي النحوي: إثبات الياء مع الألف ~~واللام أجود، وحذفها يجوز، وقال الاعشى في جفنة: # تروح على آل المحلق جفنة # كجابية الشيخ العراقي تفهق # وقال آخر: # فصبحت جابية صها وجا # كانه جلد السماء خارجا # وقال ابن عباس: الجوابي الحياض { وقدور راسيات } يعني عاليات ثابتات لا ~~تنزل، ثم نادى آل داود وأمرهم بالشكر على ما أنعم عليهم من هذه النعمة ~~العجيبة التي أنعم بها عليهم، لأن نعمته على داود نعمة عليهم، فقال { ~~اعملوا آل داود شكرا } ثم قال تعالى { وقليل من عبادي الشكور } أي من ~~يشكر نعمي قليل، والاكثر يجحدون نعم الله لجهلهم به، وتركهم معرفته. # ثم اخبر تعالى أنه لما قضى على سليمان الموت وقدره عليه وقبضه اليه لم ~~يعلموا بذلك من حاله حتى دلهم على موته دابة الارض وهي الأرضة، فأكلت ~~عصاه فانكسرت، فوقع لأنه روي أنه قبض وهو في الصلاة، وكان قال للجن ~~اعملوا ما دمتم تروني قائما، واتكأ على عصاه من قيام، وقبضه الله اليه ~~وبقي مدة فيجيء الجن فيطالعونه فيرونه قائما فيعودون فيعملون إلى أن دبت ~~الأرضة فاكلت عصاه فوقع وخر، فعلموا حينئذ موته وتبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون ما غاب عنهم من موت سليمان لم يلبثوا في العذاب الذي أهانهم ~~وأذلهم والمنسأة العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه قال أبو عبيدة: ~~معنى { تبينت الجن } أي أبانت الجن للناس { أن لو كانوا } الجن { يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } والمنسأة أصلها الهمزة من نسأت إلى ~~سقت، وقد يترك الهمز، قال الشاعر: # إذا دببت على المنساة من هرم # فقد تباعد عنك اللهو والغزل # إلا أنه يترك همزها، كما يترك في (البرية) وهي من برأت، وقيل: إنه كان ~~متوكئا على عصاه سنة لا يدرك أنه مات. وقيل: المعنى { فلما خر تبينت } ~~جماعة من عوام { الجن } أغواهم مردتهم أن المتمردين { لو كانوا يعلمون ~~الغيب } لأنهم كانوا يقولون لهم نحن نعلم الغيب، ms2892 وفي قراءة أهل البيت { ~~فلما خر تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين } قالوا: لان الجن كانت تعلم أنها لا تعلم الغيب قبل ذلك. وإنما ~~تبينت الانس ذلك من حال الجن. # ثم اخبر تعالى فقال { لقد كان لسبأ في مسكنهم آية } أي دلالة وعلامة ف ~~(سبأ) قيل: إنه ابو عرب اليمن كلها، فقد تسمى به القبيلة نحو هذه تميم. # فمن قرأ على التوحيد، فلأنه يدل على القليل والكثير. ومن جمع أراد ~~المساكن المختلفة، والفرق بين فتح الكاف وبين كسرها في (مسكنهم) أن الفتح ~~تفيد المصدر، والكسر تفيد الموضع، وقيل: إنهما لغتان في الموضع. # والآيتان قيل: إنهم لم يكن بينهم شئ من هوام الأرض، نحو البق والبرغوث ~~والعقرب وغير ذلك. وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل متن فهذه ~~آية. والثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكتلا فيمتلئ بالفواكه من ~~غير أن تمس بيدها شيئا، ثم فسر الآيتين فقال { جنتان } أي هي جنتان. { ~~عن يمين وشمال } قيل: عن يمين الوادي وشماله. { كلوا من رزق ربكم } أي ~~كلوا من رزق الله الذي رزقكم في هاتين الجنتين، فلفظه لفظ الأمر والمراد ~~به الاباحة { واشكروا له } هذه النعمة التي انعم بها عليكم. ثم بين أن ~~تلك الجنتين { بلدة طيبة } التربة. وقيل البلدة الطيبة صنعاء أرضها طيبة ~~ليس فيها سبخة و { رب غفور }. ### || [34.16-20] # قرأ ابو عمرو { ذواتي أكل خمط } مضافا. الباقون { أكل خمط } منونا. ~~والاختيار عندهم التنوين، لأن الأكل نفس الخمط والشيء لا يضاف إلى نفسه، ~~ومن أضاف قال (الخمط) هو جنس مخصوص من المأكولات، والأكل أشياء مختلفة ~~فأضيفت إلى الخمط، كما تضاف الأنواع إلى الاجناس، والخمط ثمر الاراك وهو ~~البربر أيضا، واحدها بربرة وسميت به جارية عائشة. والبربر شجر السواك و ~~(الأثل) شجر، واحدها أثلة. # وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { وهل نجازي } بالنون { إلا الكفور } نصبا ~~أضافوا الفعل إلى الله تعالى. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله { ~~الكفور } بالرفع، وقرأ ابو عمرو وابن ms2893 كثير { بعد بين أسفارنا } بالتشديد ~~من التبعيد. الباقون { باعد } من المباعدة على لفظ الأمر، إلا يعقوب، ~~فانه قرأ { باعد } على لفظ الخبر، لانهم لما سألوا أن يبعد الله بينهم، ~~ففعل ذلك بينهم جاز حينئذ الاخبار بأنه تعالى فعل ذلك. وقرأ اهل الكوفة { ~~ولقد صدق } بتشديد الدال. الباقون بتخفيفها. # لما اخبر الله سبحانه عن " سبأ " وهي القبيلة من اليمن انه أنعم عليهم ~~بالجنتين وبالبلدة الطيبة، وأمرهم بشكر نعمه { فأعرضوا } عن ذلك، فلم ~~يشكروه وكفروه وجحدوا نعمه، ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه ~~ورسله جازاهم الله على ذلك بأن ارسل عليهم سيل العرم، وسلبهم تلك النعمة ~~وانزل بهم البلية، فالسيل الماء الكثير الذي لا يمكن ضبطه ولا دفعه، ~~وقيل: انه كانت تجتمع مياه وسيول في هذا الوادي فسدوه بين جبلين بالحجارة ~~والقار وجعلوا له ابوابا يأخذون منه ما شاءوا، فلما تركوا أمر الله بعث ~~عليهم جرذا فنقبه فأغرق الله عليهم جنتهم وأفسد ارضهم. وقيل: العرم: ماء ~~كثير ارسله الله في السد فشقه وهدمه. قال الراجز: # اقبل سيل جاء من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغله # وقيل: ان العرم المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة وهو مأخوذ من ~~عرامة الماء وهو ذهابه كل مذهب، قال الاعشى: # ففي ذاك للمؤتسي اسوة # ومأرب قفى عليه العرم # رجام بنته لهم حمية # إذا جاء ماؤهم لم ترم # وقيل: كان سببه زيادة الماء حتى غرقوا. وقيل: كان سببه نقب جرذ نقب ~~عليهم السكر. وقيل العرم السكر. وقيل المطر الشديد. وقيل هو اسم وادي ~~وقيل: هو الجرذ الذي نقب السكر، قال كثير: # ايادي سبا يا عز ما كنت بعدكم # فلم يحل للعينين بعدك منظر # وقال آخر: # من صادر او وارد ايدي سبا # وقال جرير: # الواردون وتتم في ذرى سبأ # قد عض اعناقهم جلد الجواميس # ثم قال { وبدلناهم بجنتيهم } التي فيها أنواع الفواكه والخيرات { جنتين ~~} أخراوين وسماها جنتين لازدواج الكلام، كما قال # ومكروا ومكر الله # و # يخادعون الله وهو خادعهم # { ذواتي أكل خمط } أي صاحبتي خمط فالاكل جني ms2894 الثمار الذي يؤكل، والخمط ~~نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله - في قول الزجاج - وقال ~~ابو عبيدة هو كل شجر ذي شوك. # وقال ابن عباس والحسن: هو شجر الاراك، وهو معروف. والاثل الطرفا قال ~~قتادة: بدلوا بخير الشجر شر الشجر، فالخمط شجر له ثمر مر. والاثل ضرب من ~~الخشب كالطرفا، إلا انه أكبر. وقيل: الاثل التمر { وشيء من سدر قليل } أي ~~فيهما مع الخمط، والاثل قليل من السدرة. # ثم قال { ذلك جزيناهم بما كفروا } في نعم الله { وهل نجازي } بهذا ~~الجزاء { إلا الكفور } من كفر نعم الله، فمن قرأ بالنون فلقوله { جزيناهم ~~}. ولا يمكن الاستدلال بذلك على أن مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذب، ~~لأن الله تعالى بين أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال ~~إلا من هو كافر، وإن جاز أن يعذب الفاسق بغير ذلك من العذاب. وقال ~~الفراء: المجازاة المكافأة، ومن الثواب الجزاء، تقول: جازاه على معصيته، ~~وجزاه على طاعته. وقال غيره: لا فرق بينهما. # ثم بين تعالى انه جعل بين سبأ، وبين القرى التي يارك فيها. قال قتادة ~~ومجاهد: هي قرى الشام، وقال ابن عباس: هي بيت المقدس { قرى ظاهرة } قال ~~قتادة: معناه متواصلة، لانه يظهر الثانية من الأولى لقربها منها { وقدرنا ~~فيها السير } معناه جعل بين القرية الأولى والثانية مسيرة يوم لراحة ~~المسافر ونزوله فيها { سيروا فيها ليالي وأياما آمنين } لا تخافون جوعا ~~ولا عطشا ولا ظلما من أحد، كأنه قيل لهم سيروا كذا، فقالوا { ربنا باعد ~~بين أسفارنا } معناه إنهم نظروا وملوا النعمة، فقالوا لو كان جني ثمارنا ~~أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، كما قالت بنو إسرائيل # فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها # بدلا من المن والسلوى { وظلموا أنفسهم } بارتكاب المعاصي { فجعلناهم ~~أحاديث } فضرب بهم المثل فيقال (تفرقوا أيادي سبأ) أي تشتتوا أعظم التشتت ~~قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الانصار فلحقوا بيثرب، وأما ~~خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الازد فلحقوا بعمان. ms2895 وقيل: معنى { جعلناهم ~~أحاديث } أي أهلكناهم والهمنا الناس حديثهم ليعتبروا { ومزقناهم كل ممزق ~~} قال ابن عباس: مزقوا بين الشام وسبأ كل ممزق. # ثم قال تعالى { إن } في ما ذكر { لآيات } ودلالات { لكل صبار شكور } أي ~~صبار على الشدائد شكور على النعماء. # ثم قال تعالى { ولقد صدق عليهم إبليس } صدق { ظنه } فيهم باجابتهم إلى ~~معصية الله وقبولهم منه { فاتبعوه } باجمعهم { إلا فريقا من المؤمنين } ~~العارفين بالله وبوحدانيته، فخالفوه فلم يتبعوه. فمن شدد (صدق) اسند ~~الفعل إلى إبليس وجعل الظن المفعول به، لان إبليس لما قال تظننا # ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام # فلما تبعه قوم على ذلك صدق ظنه. ومن خفف فالمعنى مثله، لانهما لغتان ~~يقال: صدقت زيدا وصدقته، وكذبته وكذبته وينشد: # وصدقتني وكذبتني # والمرء ينفعه كذابه # وقرأ ابو الهجهاج { إبليس } بالنصب { ظنه } بالرفع جعل الظن الفاعل ~~وإبليس المفعول به، وذلك جائز عند النحويين. لانهم يقولون: صدقني ظني ~~وكذبني إلا انه شاذ لا يقرأ به، وقيل: ان إبليس لما اغوى آدم قال ذريته ~~أولى بأن أغويهم، وقال # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # قصدق ذلك ظنه حتى تابعوه. وقال # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # وكانت أجابتهم له تصديقا لظنه. ### || [34.21-25] # قرأ ابو عمر وحمزة والكسائي وخلف، والاعشى والبرجي عن أبي بكر { أذن له ~~} بضم الهمزة، الباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر ويعقوب { فزع } بفتح الفاء ~~والزاي. الباقون { فزع } بضم الفاء وكسر الزاي. فمن فتح الهمزة من { أذن ~~} فمعناه أذن الله له، ومن ضمها جعله لما لم يسم فاعله، يقال: أذنت للرجل ~~في ما يفعله اي اعلمته وأذنته أيضا، وأذن زيد إلى عمرو، إذا استمع اليه. ~~روي في الحديث ما أذن الله لشيء قط كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. ~~ومثل ذلك القول في فزع عن قلوبهم، ومعنى فزع. قال ابو عبيدة: فزع عن ~~قلوبهم نفس عنها. وقال ابو الحسن: المعنى حكى عنها. وقال ابو عبيدة: ~~معناه أذهب، وقال قوم: الذين فزع عن قلوبهم الملائكة، ويقال: فزع وفزع ~~إذا أزيل الفزع عنها، ومثله جاء في (افعل) يقولون: أشكاه إذا ms2896 أزال عنه ما ~~يشكو منه انشد ابو زيد: # تمد بالاعناق او تلويها # وتشتكي لو أننا نشكيها # والمعنى فلما ان اشكيت أزالت الشكوى، كذلك فزع وفزع أزال الفزع وقال ~~قتادة: معنى فزع عن قلوبهم خلا من قلوبهم، قال يوحي الله تعالى إلى ~~جبرائيل فيعرف الملائكة، ويفزع عن أن يكون شيء من امر الساعة، فاذا (خلا ~~عن قلوبهم) وعلموا أن ذلك ليس من امر الساعة { قالوا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق } وتقديره قالوا قال الحق. فمن قرأ بفتح الفاء أسند الفعل إلى الله، ~~ومن ضمها بنى الفعل للمفعول به، وكان الجار والمجرور في موضع رفع. وقال ~~الحسن: فزع بمعنى كشف الفزع عن قلوبهم، وفزعت منه، والمفزع على ضربين: ~~احدهما - من ينزل به الافزاع. الثاني - من يكشف عنه الفزع. وقوله { وفزع ~~} له معنيان احدهما بمعنى ذعر، والثاني - ازال الفزع وقال اليربوعي: # حللنا الكثيب من زرود لنفزعا # أي لنغيث. لما اخبر الله تعالى ان إبليس صدق ظنه في الكفار باجابتهم له ~~إلى ما دعاهم اليه من المعاصي بين انه لم يكن لابليس عليهم سلطان. و (من) ~~زائدة تدخل مع النفي نحو قولهم ما جاءني من احد. والسلطان الحجة، فبين ~~بهذا ان الشيطان لم يقدر على اكثر من أن يغويهم ويوسوس اليهم ويزين لهم ~~المعاصي، ويحرضهم عليها. وقوله { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها ~~في شك } تقديره إنا لم نمكنه من اغوائهم ووسوستهم إلا لنميز من يقبل منهم ~~ومن يمتنع ويأبى متابعته، فنعذب من تابعه ونثيب من خالفه، فعبر عن تمييزه ~~بين الفريقين بالعلم، وهو التمييز مجردا، لأنه لا يكون العذاب والثواب ~~إلا بعد وقوع ما يستحقون به ذلك، فأما العلم، فالله تعالى عالم بأحوالهم، ~~وما يكون منها في ما لم يزل، وقيل: إن معناه إلا لنعلم طاعاتهم موجودة او ~~عصيانهم إن عصوا فنجازيهم بحسبها، لأنه تعالى لا يجازي احدا على ما يعلم ~~من حاله إلا بعد ان يقع منهم ما يستحق به من ثواب او عقاب، وقيل: معناه ~~إلا لنعامل معاملة من ms2897 كأنه لا يعلم، وانما نعمل لنعلم { من يؤمن بالآخرة ~~} أي من يصدق بها ويعترف ممن يشك فيها ويرتاب. # ثم قال { وربك } يا محمد { على كل شيء حفيظ } أي رقيب عالم لا يفوته علم ~~شيء من أحوالهم من ايمانهم وكفرهم او شكهم. ثم أمر نبيه صلى الله عليه ~~وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار { ادعوا الذين زعمتم من دون الله } أنهم ~~آلهة ومعبود، هل يستجيبون لكم؟ إلى ما تسألونهم، لأنه لا يستحق العبادة ~~إلا من كان قادرا على إجابة من يدعوه. ثم اخبر تعالى عنها فقال { لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك } يعني ~~وما لله في السموات والارض شريك { وماله منهم من ظهير } أي معاون، والملك ~~هو القدرة على ما للقادر عليه التصرف فيه، وليس لاحد منعه منه، وذلك - في ~~الحقيقة - لا يستحق الوصف به مطلقا إلا الله، لان كل من عداه يجوز أن ~~يمنع على وجه. # ثم اخبر تعالى فقال { ولا تنفع الشفاعة عنده } أي عند الله { إلا لمن ~~أذن } الله { له } في الشفاعة من الملائكة والنبيين والأئمة والمؤمنين، ~~لأنهم كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فحكم الله تعالى ~~ببطلان ذلك. وقوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم } قال ابن عباس وقتادة: حتى ~~إذا خلي عن قلوبهم الفزع، كقولك رغب عنه أي رفعت الرغبة عنه فلا يرغب، ~~بخلاف رغب فيه، ففي أحد الأمرين وضع وفي الآخر رفع. وقيل: هم الملائكة ~~يلحقهم غشى عن سماع الوحي من الله بالآية العظيمة، فاذا { فزع عن قلوبهم ~~} اي خلي عنها { قالوا ماذا قال ربكم } - ذكره ابن مسعود ومسروق وابن ~~عباس في رواية - وقال الحسن: حتى إذا كشف عن قلوب المشركين الفزع، قالت ~~الملائكة { ماذا قال ربكم } في الدنيا { قالوا } قال { الحق وهو العلي ~~الكبير } اي الله تعالى المستعلي على الاشياء بقدرته، لا من علو المكان { ~~الكبير } في اوصافه دون ذاته، لأن كبر الذات من صفات الاجسام. ثم قال له ~~{ قل } لهم { من يرزقكم من السماوات والأرض } فانهم ms2898 لا يمكنهم ان يقولوا ~~يرزقنا آلهتنا التي نعبدها ف { قل } لهم عند ذلك الذي يرزقكم { الله } ~~وقل { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } وقيل: إنما قال { وإنا ~~أو إياكم } على وجه الانصاف في الحجاج دون الشك، كما يقول القائل لغيره: ~~احدنا كاذب، وإن كان هو عالما بالكاذب، وعلى هذا قال ابو الأسود الدؤلي ~~يمدح اهل البيت: # يقول الارذلون بنو قشير # طوال الدهر ما تنسى عليا # احب محمدا حبا شديدا # وعباسا وحمزة والوصيا # بنو عم النبي وأقربوه # احب الناس كلهم اليا # فان يك حبهم رشدا أصبه # ولست بمخطئ ان كان غيا # ولم يقل هذا مع أنه كان شاكا في محبتهم، وانه هدى وطاعة، وقال اكثر ~~المفسرين: إن معناه إنا لعلى هدى وإياكم لعلى ضلال وقال ابو عبيدة (او) ~~بمعنى الواو، كما قال الاعشى: # اتغلبة الفوارس او رياحا # عدلت بهم طهية والحشايا # بمعنى اتغلبة ورياحا. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { لا تسألون } معاشر الكفار { عما اجرمنا } ~~اي عما اقترفناه من المعاصي { ولا نسأل } نحن ايضا { عما تعملون } انتم ~~بل كل إنسان يسأل عما يعمله، وهو يجازى على أي فعل فعله دون غيره. # وتقدير قوله { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ان يشفع له، فزع ~~بسماعه أذنه حتى إذا فزع عن قلوبهم وخلي عنها وكشف الفزع عنهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالت الملائكة قال الحق وهو العلي الكبير. ### || [34.26-30] # لما امر الله تعالى نبيه ان يخاطب الكفار ويقول لهم ان كل إنسان يسئل ~~عما عمله دون ما عمل غيره، قال له ايضا { قل } لهم { يجمع بيننا ربنا } ~~يوم القيامة { ثم يفتح بيننا } اي يحكم والفتح الحكم، والفتاح الحاكم ~~بالحق، لا بالظلم { وهو الفتاح } أي الحاكم { العليم } بما يحكم به لا ~~يخفى عليه شيء منه. # ثم قال { قل أروني الذين الحقتم به شركاء } تعبدونهم معه وتشركون بينهم ~~في العبادة على وجه التوبيخ لهم في ما اعتقدوه من الاشراك مع الله، كما ~~يقول القائل لمن أفسد عملا: ارني ما ms2899 عملته توبيخا له بما افسده، فانهم ~~سيفتضحون بذلك إذا اشاروا إلى الاصنام والاوثان ويضمونها إلى الله ~~ويشركون بينهما في العبادة فقال تعالى { كلا } ومعناه الردع والتنبيه أي ~~ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالكم { بل هو الله } الذي يستحق ~~العبادة وحده لا شريك له { العزيز } يعني القادر الذي لا يغالب { الحكيم ~~} في جميع افعاله. وقيل { العزيز } في انتقامه ممن كفر به { الحكيم } في ~~تدبيره لخلقه، فكيف يكون له شريك في ملكه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { وما أرسلناك } يا محمد بالرسالة التي ~~حملناكها { إلا كافة } ومعناه ارسلناك إلى الخلق كافة بأجمعهم. وقيل: ~~معناه إلا مانعا لهم وكافا لهم من الشرك ودخلت الهاء للمبالغة { للناس ~~بشيرا } لهم بالجنة اي مبشرا بها { ونذيرا } أي مخوفا بالنار { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } صدق قولك وإنك رسول اليهم، لتفريطهم في النظر في ~~معجزك. # ثم حكى عن الكفار انهم يستبطؤن العذاب الذي يخوفهم به النبي صلى الله ~~عليه وآله والمؤمنون، فانهم كانوا يحذرونهم نزول العذاب عليهم { ويقولون ~~متى هذا الوعد } الذي تعدونا به { إن كنتم صادقين } في ما تقولونه معاشر ~~المؤمنين ثم امره ان يقول لهم في الجواب عن ذلك { قل لكم ميعاد يوم } ~~ينزل عليكم ما وعدتم به من الثواب والعقاب { لا تستأخرون عنه ساعة } أي ~~لا تؤخرون من ذلك اليوم لحظة { ولا تستقدمون } عليه، وهو يوم القيامة. ### || [34.31-35] # حكى الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون لن نصدق بهذا القرآن الذي أنزل ~~عليك وتدعيه انه من عند الله ولا بالذي بين يدي القرآن من أمر الآخرة ~~والنشأة الثانية، فجحدوا أن يكون القرآن من الله او أن يكون لما دل عليه ~~من الاعادة للجزاء حقيقة. وقيل: معناه الكتب التي قبله من التوراة ~~والانجيل وغيرهما. # ثم قال { ولو ترى } يا محمد { إذ } أي حين { الظالمون موقوفون عند ربهم ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي يرد بعضهم على بعض { يقول الذين استضعفوا ~~للذين استكبروا } قيل: كانوا رؤساء الضلالة يأمرون الاتباع بعبادة ~~الأوثان لضعفهم عن استخراج ms2900 صواب الرأي عند أنفسهم، فالاستضعاف طلب الضعف ~~فكل من يجاهر غيره بما يقتضي ضعفه يقال قد استضعفه، والاستكبار طلب الكبر ~~بغير حق، وكانوا يتعظمون هؤلاء الكفار بالجهل الذي صمموا عليه وصاروا ~~رؤساء فيه ليحققهم به { لولا أنتم لكنا مؤمنين } لكن بسببكم يمنع، فهؤلاء ~~إذا أخبروا عن ظنهم، فقد صدقوا كأنهم قالوا في ما نظن، لأنه هكذا يقتضي ~~ظاهر خبرهم، كما إذا أخبروا عما يفعلونه في المستقبل، فهو اخبار عن ~~عزمهم، ولو كان كذبا لانكر الله ذلك واتبعه بما يدل على انكاره، كما قال # انظر كيف كذبوا على أنفسهم # ثم حكى ما أجابهم به المستكبرون فانهم يقولون في جوابهم { أنحن صددناكم ~~عن الهدى بعد إذ جاءكم }؟! منكرين عليهم قولهم انهم منعوهم من الايمان ~~بعد تبين الحق فيه، وليس الأمر على ما تقولونه { بل كنتم } أنتم { مجرمين ~~} ثم حكى تعالى ما يقول الذين استضعفوا فانهم يقولون { بل مكر الليل ~~والنهار } معناه مكركم في الليل والنهار - في قول الحسن - كما قال ~~الشاعر: # لقد لمتنا يا ام غيلان في السرى # ونمت وما ليل المطي بنائم # أي بنائم فيه. وقيل: كأن الليل والنهار يمكران بطول السلامة فيهما. و ~~(المترف) المنعم البطر بالنعمة { إذ تأمروننا } أي حين تأمروننا { أن ~~نكفر بالله } أي ان نجحد بالله { ونجعل له أندادا } أي امثالا في ~~العبادة { وأسروا الندامة } أي اخفوا الندامة بينهم { لما رأوا العذاب } ~~نزل بهم، ولام بعضهم بعضا. وقال الجبائي: معناه اظهروا الندامة، قال: ~~وهذا مشترك. وهذا غلط، لان لفظة الاخفاء هي المشتركة دون لفظ الاسرار، ~~فحمل أحدهما على الآخر قياس في اللغة { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين ~~كفروا } الاغلال جمع غل والله تعالى يجعل الغل في رقاب الكفار عقوبة لهم. # ثم قال موبخا لهم { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } أي يجزون على قدر ~~استحقاقهم لا يجازفون، فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، فكأنه قال: ~~لا يجزون إلا على قدر اعمالهم التي عملوها. # ثم اخبر تعالى انه ما يرسل في قرية نذيرا أي مخوفا بالله في ما ms2901 مضى ~~إلا إذا سمع أهلها المترفون منهم المنعمون { قالوا إنا بما أرسلتم به ~~كافرون } أي جاحدون، ثم حكى بأنهم { قالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } ~~منكم { وما نحن بمعذبين } على ما تقولونه، لأنه لو أراد عقابنا لما أنعم ~~علينا في الدنيا وجعلنا أغنياء وجعلهم فقراء، فقال الله تعالى ردا عليهم ~~{ قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر }. ### || [34.36-40] # قرأ حمزة وحده { وهم في الغرفة آمنون } لقوله تعالى # أولئك يجزون الغرفة بما صبروا # وفي الجنة غرفات وغرف، غير أن العرب تجتزئ بالواحد عن الجماعة إذا كان ~~اسم جنس كما قالوا: اهلك الناس الدينار والدرهم. الباقون على الجمع { ~~غرفات } على وزن (ظلمة، وظلمات) وحجتهم # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف # لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: إن الله لا يعذبنا على ما ~~تقولونه لانه أغنانا في دار الدنيا، ولم يجعلنا فقراء، فكذلك لا يعذبنا ~~في الآخرة، قال الله ردا عليهم { قل } لهم يا محمد { إن ربي } الذي ~~خلقني { يبسط الرزق } أي يوسع الرزق لمن يشاء على حسب ما يعلم من مصلحته ~~ومصلحة غيره { ويقدر } أي يضيق. وهو مثل قوله # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر # أي يوسع ويضيق، ومنه قوله # ومن قدر عليه رزقه # أي ضيق، وعلى هذا: يحتمل قوله # فظن أن لن نقدر عليه # أي لن نضيق عليه، فبسط الرزق هو الزيادة فيه على قدر الكفاية، والقدر ~~تضييقه على قدر الكفاية. # ثم قال { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ما قلناه لجهلهم بالله وبحكمته. # ثم قال تعالى { وما أموالكم } أي ليس اموالكم التي خولتموها { وأولادكم ~~} التي رزقتموها { بالتي تقربكم عندنا زلفى } قال الفراء: (التي) يجوز أن ~~يقع على الأموال والأولاد، لان الأولاد يعبر عنها ب (التي)، وقال غيره: ~~جاء الخبر بلفظ احدهما - وإن دخل فيه الآخر، ولو قال بالذي يقربكم لكان ~~جائزا و { زلفى } قربى، وإنما يقربكم اليه تعالى أفعالكم الجميلة ~~وطاعاته الحسنة. ثم قال { إلا من آمن وعمل صالحا } معناه، لكن من آمن ~~بالله ms2902 وعرفه وصدق نبيه وعمل الصالحات التي أمره بها، وانتهى عن القبائح ~~التي نهاه عنها، فان لهؤلاء { جزاء الضعف بما عملوا } ومعناه انه تعالى ~~يجازيهم أضعاف ما عملوا، فانه يعطي بالواحد عشرة، والضعف من الاضعاف، ~~لأنه اسم جنس يدل على القليل والكثير. # ويجوز في اعراب { جزاء } أربعة أوجه: الرفع والنصب بالتنوين وتركه. وفي ~~{ الضعف } ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع إلا أن القراءة بوجه واحد وهو ~~رفع { جزاء } على الاضافة بلا تنوين، وجر { الضعف } بالاضافة اليه. ثم ~~قال إن هؤلاء مع أن لهم جزاء الضعف على ما عملوه { هم في الغرفات } جمع ~~غرفة وهي العلية { آمنون } فيها لا يخافون شيئا مما يخاف مثله في دار ~~الدنيا. # ثم قال { والذين يسعون في آياتنا معاجزين } أي مسابقين: في من قرأه ~~بألف. ومثبطين غيرهم عن افعال الخير عند من قرأه بغير ألف { أولئك في ~~العذاب محضرون } أي يحصلون في عذاب النار. # ثم قال { قل } يا محمد { إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء } أي يوسعه { ويقدر ~~} أى يضيقه لمن يشاء. # وإنما كرر قوله { قل إن ربي يبسط الرزق } لاختلاف الفائدة، لأن الاول ~~على معنى إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر من غير أن يعلم اكثر الناس لم ~~فعل ذلك، والثاني - بمعنى أن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له على أن ما ~~انفقه في ابواب البر فالله يخلفه عليه وهو قوله { وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه } أي يعطيكم عوضه، وليس المراد ان يخلف في دار الدنيا على كل حال، ~~لان الله يفعل ذلك بحسب المصلحة، وإنما أراد انه يعوض عليه إما في الدنيا ~~بأن يخلف بدله او يثيب عليه { وهو خير الرازقين } أي الله تعالى خير من ~~يرزق غيره، لأنه يقال: رزق السلطان الجند، ثم قال { ويوم يحشرهم جميعا } ~~يعني يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق { ثم يقول للملائكة } الذين ~~عبدهم جماعة من الكفار { أهؤلاء } يعني الكفار الذين عبدوهم { إياكم ~~كانوا يعبدون } على وجه التقرير لهم وإن كان بلفظ الاستفهام، كما قال ~~لعيسى ms2903 # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله # وقرأ حفص { ويوم يحشرهم ثم يقول } بالياء ردا على قوله { قل إن ربي } ~~الباقون بالنون على الجمع. ### || [34.41-45] # لما حكى الله تعالى انه يقول للملائكة إن هؤلاء الكفار إياكم كانوا ~~يوجهون عبادتهم، حكى ما يجيب به الملائكة، فانهم يقولون { سبحانك أنت ~~ولينا } تنزيها لك أن نعبد سواك، ونتخذ معك معبودا غيرك، ويقولون: أنت ~~يا ربنا ولينا أي ناصرنا وأولى بنا { من دونهم } يعني دون هؤلاء الكفار ~~ودون كل احد وأنت الذي تقدر على ذلك من دونهم، فما كنا نرضى بعبادتهم مع ~~علمنا بأنك ربنا وربهم، ما أمرناهم بهذا ولا رضينا به لهم { بل كانوا ~~يعبدون الجن } بطاعتهم إياهم في ما يدعونهم اليه من عبادة الملائكة. ~~وقيل: انهم صوروا لهم صورة قوم من الجن، وقالوا هذه صورة الملائكة ~~فاعبدوها، وهم وإن عبدوا الملائكة، فان الملائكة لم يرضوا بعبادتهم إياهم ~~ولا دعوهم اليها، والجن دعوهم إلى عبادتهم ورضوا به منهم فتوجه الذم إلى ~~العابد والمعبود، وفي الملائكة لا يستحق الذم غير العابد، فلذلك أضرب عن ~~ذكر الملائكة. # ثم حكى تعالى ما يقول للكفار يوم القيامة، فانه يقول لهم { فاليوم لا ~~يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } ولا يقدر على ذلك { ونقول للذين ظلموا ~~} نفوسهم بارتكاب المعاصي { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } أي ~~تجحدونه، ولا تعترفون به. ثم عاد تعالى إلى الحكاية عن حال الكفار في ~~الدنيا فقال { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي تقرأ عليهم حججنا ~~واضحات من القرآن الذي أنزله على نبيه { قالوا } عند ذلك { ما هذا إلا ~~رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد أباؤكم } أي يمنعكم عن عبادة ما كان ~~يعبده أباؤكم { وقالوا } أيضا { ما هذا } القرآن { إلا إفك مفترى } يعني ~~كذب تخرصه وافتراه { وقال الذين كفروا للحق } يعني القرآن { لما جاءهم إن ~~هذا } أي ليس هذا { إلا سحر مبين } أي ظاهر. والسحر حيلة خفية توهم ~~المعجزة. # ثم قال تعالى { وما آتيناهم من كتب يدرسونها } قال الحسن: معناه ms2904 ما ~~آتيناهم من كتب قبل هذا الكتاب، فصدقوا به وبما فيه ان هذا كما زعموا { ~~وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير } ويجوز ان يكون المراد وما أرسلنا اليهم ~~قبلك يا محمد من نذير إلا وفعلوا به وقالوا له مثل ما قالوا لك، وحذف ~~لدلالة الكلام عليه، وذلك عليه بقوله { وكذب الذين من قبلهم } بما أتاهم ~~الله من الكتب، وبما بعث اليهم من الرسل { وما بلغوا } أي وما بلغ هؤلاء ~~{ معشار ما آتيناهم } أولئك الكفار، قال الحسن: معنى معشار أي عشر، ~~والمعنى ما بلغ الذين ارسل اليهم محمد صلى الله عليه وآله من اهل مكة عشر ~~ما اوتي الأمم قبلهم من القوة والعدة - في قول ابن عباس وقتادة - { ~~فكذبوا رسلي } أي كذبوا بآيات الله وجحدوا رسله { فكيف كان نكير } أي ~~عقوبتي وتغييري لان الله أهلكهم واستأصلهم وهو نكير الله تعالى في ~~الدنيا. ### || [34.46-50] # هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للكفار { إنما ~~أعظكم بواحدة.. } والمعنى يكفيني منكم أن يقوم الرجل وحده أو هو وغيره ثم ~~تتساءلون هل جربنا على محمد كذبا او هل رأينا به جنة؟! ففي ذلك دلالة ~~على بطلان ما أنتم عليه وما ذكرتم فيه، فالوعظ الدعاء إلى ما ينبغي أن ~~يرغب في ما ينبغي أن يجوز منه مما يلين القلب إلى الاستجابة للحق بالنبي ~~صلى الله عليه وآله والنبي اجل وأعظم واكبر داع بما اعطاه الله من ~~الحكمة. # وقوله { مثنى وفرادى } معناه ان تقوموا اثنين اثنين، وواحدا واحدا ~~ليذاكر أحدهما صاحبه، فيستعين برأيه على هذا الأمر. ثم يجول بفكرته حتى ~~يكرره حتى يتبين له الحق من الباطل وبني { مثنى } وإن لم يكن صفة لانه ~~مما يصلح ان يوحد، كما قال تعالى # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # وهو - ها هنا - في موضع حال، وقال مجاهد في قوله { أعظكم بواحدة } أي ~~بطاعة الله تعالى وقال غيره { بواحدة } بتوحيد الله خصلة واحدة، فقولوا: ~~لا إله إلا الله. # وقوله { ثم تتفكروا ما بصاحبكم } في موضع نصب عطفا ms2905 على { أن تقوموا لله ~~} وتتفكروا أي وتنظروا وتعتبروا، ليس بصاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه ~~وآله { من جنة } أي جنون، لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون وحاشاه من ذلك. # ثم بين انه ليس { إلا نذير } إي مخوف من معاصي الله وترك طاعاته { بين ~~يدي عذاب شديد } يعني عذاب القيامة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله يا ~~محمد { قل } لهم { ما سألتكم من أجر فهو لكم } وليس { أجري إلا على الله ~~} والمعنى أني ابلغكم الرسالة، ولا اجر إلى نفسي عرضا من اعراض الدنيا ~~بل ثمرة ذلك لكم، وليس أجري إلا على الله. # وقال ابن عباس { من أجر } اي من مودة، لان النبي صلى الله عليه وآله سأل ~~قريشا أن يكفوا عن أذاه حتى يبلغ رسالات ربه { وهو على كل شيء شهيد } أي ~~عالم به. ثم قال أيضا { قل } لهم يا محمد { إن ربي يقذف بالحق } أي ~~يلقيه على الباطل، كما قال تعالى # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # { علام الغيوب } إنما رفع بتقدير هو علام الغيوب، ولو نصب على انه نعت ~~ل { ربي } لكان جائزا، لكن هذا اجود، لانه جاء بعد تمام الكلام كقوله # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # والمعنى انه عالم بجميع ما غاب عن جميع الخلائق علمه. # ثم أمره صلى الله عليه وآله أن يقول لهم قد { جاء الحق } يعني أمر الله ~~بالاسلام والتوحيد { وما يبدئ الباطل وما يعيد } لأن الحق إذا جاء اذهب ~~الباطل فلم يبق له بقية يبدئ بها ولا يعيد. # وقال قتادة: الباطل إبليس لا يبدؤ الخلق ولا يعيدهم. وقيل: إن المراد به ~~كل معبود من دون الله بهذه الصفة. وقال الحسن: وما يبدئ الباطل لاهله ~~خيرا ولا يعيد بخير في الآخرة. # ثم قال { قل } لهم { إن ضللت } أي ان عدلت عن الحق { فإنما أضل على نفسي ~~} لان ضرره يعود علي، لاني أوآخذ به دون غيري { وإن اهتديت } إلى الحق { ~~فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب } أي يسمع دعاء من يدعوه قريب إلى ~~إجابته. ms2906 # وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة، لانه قال { إن ضللت } فأضاف ~~الضلال إلى نفسه، ولم يقل فبقضاء ربي وإرادته. # قال الزجاج: وما يبدئ الباطل أى اي شيء يبدئ الباطل؟ وأي شيء يعيد؟ ~~ويجوز ان تكون (ما) نافية، والمعنى وليس يبدئ ابليس ولا يعيد. ### || [34.51-54] # قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو { التناؤش } بالهمز. الباقون بغير همز. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { ولو ترى } يا محمد { إذ ~~فزعوا } من العذاب يوم القيامة { فلا فوت } أى لا مهرب ولا يفوتونه. ~~فالفوت خروج وقت الشيء كفوت الصلاة، وفوت وقت التوبة وفوت عمل اليوم ~~بانقضائه. # والفزع والجزع والخوف والرعب واحد. والفزع يتعاظم في الشدة بحسب اسبابه ~~وقوله { وأخذوا من مكان قريب } قال ابن عباس والضحاك: أخذوا من عذاب ~~الدنيا. وقال الحسن: حين يخرجون من قبورهم. وقيل: من بطن الارض إلى ~~ظهرها. والمعنى انهم اذا بعثوا من قبورهم، ولو ترى فزعهم يا محمد حين لا ~~فوت ولا ملجأ. وجواب (لو) محذوف، والتقدير لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة. ~~وقوله { وقالوا آمنا به } أى يقولون ذلك الوقت آمنا به وصدقنا به. فقال ~~تعالى { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } قيل: معناه بفوتهم تناول التوبة ~~في الآخرة إلى الدنيا، والتناوش التناول من قولهم نشته أنوشه اذا تناولته ~~من قريب قال الشاعر: # فهي تنوش الحوض نوشا من علا # نوشا به تقطع اجواز الفلا # وتناوش القوم اذا دنا بعضهم إلى بعض، ولم يلتحم بينهم قتال، وقد همز ~~بعضهم، فيجوز أن يكون من هذا، لأن الواو اذا انضمت همزت كقوله { أقتت } ~~ويجوز أن يكون من النش وهو الابطاء، وانتاشه اخذ به من مكان بعيد، ومثله ~~نأشه قال الشاعر: # تمنى نئيشا أن يكون اطاعني # وقد حدثت بعد الأمور امور # وقال رؤبة: # اقحمني جار ابي الجاموش # اليك نأش القدر المنؤش # { وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } معناه كيف تقبل ~~توبتهم أو يردون إلى الدنيا، وقد كفروا بالله ورسله من قبل ذلك، وهو قوله ~~{ بالغيب من مكان ms2907 بعيد } يعني قولهم هو ساحر وهو شاعر وهو مجنون. وقيل: ~~هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار - ذكره قتادة - وقال البلخي: يجوز ان ~~يكون اراد انهم يفعلون ذلك بحجة داحضة وأمر بعيد. وقال قوم: يقذفون بالظن ~~ان التوبة تنفعهم يوم القيامة عن مكان بعيد الا ان في العقل انها لا ~~تقبل. ثم قال { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } أى فرق بينهم وبين شهواتهم، ~~من قبول توبتهم وايصالهم إلى ثواب الجنة أو ردهم إلى دار الدنيا { كما ~~فعل } مثل ذلك { باشياعهم من قبل } وهو جمع الجمع تقول شيعة وشيع واشياع، ~~ولان أشياعهم تمنوا أيضا مثل ذلك فحيل بينهم وبين تمنيهم، ثم اخبر { ~~إنهم كانوا في شك من ذلك } في الدنيا { مريب } والريب أقبح الشك الذى ~~يرتاب به الناس. # وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قوله { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } ~~نزلت في الجيش الذى يخسف بهم بالبيداء فيبقى رجل يخبر الناس بما رآه، ~~ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-5] # قرأ حمزة والكسائي { هل من خالق غير الله } جرا على أنه صفة ل { خالق ~~} الباقون - بالرفع - على تقدير هل من خالق هو غير الله، ويجوز ان يكون ~~التقدير: هل غير الله من خالق، ويجوز أن يكون رفعا على موضع { من } ~~وتقديره هل خالق غير الله. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل يا محمد { الحمد لله } أي ~~الشكر له على جميع نعمه { فاطر السماوات والأرض } أي خالقهما ومخترعهما. ~~والفطر الشق عن الشيء باظهاره للحس، ومعنى فطر السموات والارض أي خلقهما ~~وأظهرهما للحس بعد ان لم تكونا ظاهرتين، وروي عن ابن عباس أنه قال: ما ~~كنت أدري ما معنى فطر السموات حتى احتكم إلي اعرابيان في بئر، فقال ~~أحدهما أنا فطرتها، أي اخترعتها وابتدأتها. ومن كان خالق السموات والأرض ~~لا يفعل إلا ما يستحق به الشكر والحمد، لأنه غني حكيم، فلا يعدل عما ~~يستحق به الحمد إلى ما لا يستحق به ذلك. ms2908 # وقوله { جاعل الملائكة رسلا } أي جعل الملائكة رسلا بعضهم إلى بعض ~~وبعضهم إلى البشر. ثم ذكر اوصافهم وهو أنهم { أولي اجنحة } أي اصحاب ~~اجنحة { مثنى وثلاث ورباع.... } أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة ~~اربعة، فهذه الألفاط معدولة عن الاثنين والثلاث والاربع، مع انها صفات ~~فلذلك ترك صرفها قال الشاعر: # ولكنما اهلي بواد أنيسه # ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد # وإنما جعلهم أولي أجنحة، ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول ~~إلى الارض، قال قتادة: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له ~~أربعة، ثم قال { يزيد في الخلق ما يشاء } قيل حسن الصوت وقيل من الأجنحة ~~من حيث خلق للملائكة زيادة عما خلق لسائر الخلق من البشر والامم. فان ~~قيل: الطائر لا يحتاج إلى اكثر من جناحين فما معنى خلق الملائكة أولي ~~ثلاث واربع؟ قيل: يجوز أن يكون كل جناح بعلوه باثنين، ويجوز أن يكون ~~للزينة الزائدة، وقد يكون للسمكة أجنحة في ظهرها. ثم بين { أن الله على ~~كل شيء قدير } أي لا شيء إلا وهو تعالى قادر عليه بعينه او قادر على ~~مثله. # ثم قال تعالى { ما يفتح الله للناس من رحمة } معنى (ما) الذي وتقديره ~~الذي يفتح الله للناس من نعمة ورحمة { فلا ممسك لها وما يمسك } من نعمة ~~على خلقه { فلا مرسل له من بعده } أي من بعد الله { وهو العزيز } يعني ~~القادر الذي لا يقهر { الحكيم } في جميع افعاله، إن انعم وإن امسك، لأنه ~~عالم بمصالح خلقه لا يفعل إلا ما لهم فيه مصلحة في دينهم او دنياهم. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم } بأن ~~خلقكم وأوجدكم وأحياكم وأقدركم وشهاكم، وخلق لكم المنافع التي تنتفعون ~~بها { هل من خالق غير الله } تقريرا لهم على انه لا خالق غير الله في ~~السموات والأرض { يرزقكم من السماء } بالمطر ومن { الأرض } بالنبات { لا ~~إله إلا هو } أي لا معبود يستحق العبادة سواه تعالى { فأنى تؤفكون } أي ~~كيف تقلبون عن طريق الحق ms2909 إلى الضلال. # وانما قال { هل من خالق غير الله } وإن كان احدنا يخلق الشيء لأن هذه ~~الصفة لا تطلق إلا عليه تعالى، فاما غيره فانها تقيد له. وايضا فقد فسر ~~ما أراد وهو أنه هل من خالق رازق للخلق من السموات والأرض غير الله أي لا ~~خالق على هذه الصفة إلا هو. هذا صحيح لأنه لا احد يقدر على ان يرزق غيره ~~من السماء والأرض بالمطر والنبات وأنواع الثمار. # ثم قال تعالى تعزية للنبي صلى الله عليه وآله وتسلية له عن تكذيب قومه ~~إياه { وإن يكذبوك } يا محمد هؤلاء الكفار { فقد كذبت رسل من قبلك } ~~أرسلهم الله فكذبوهم ولم يقبلوا منهم فلك اسوة بمن كان قبلك { وإلى الله ~~ترجع الأمور } يعني ترد الأمور إلى حيث لا يملك التصرف فيها مطلقا غير ~~الله يوم القيامة. # ثم خاطب الخلق فقال { يا أيها الناس إن وعد الله حق } يعني ما وعدهم به ~~من البعث والنشور والجنة والنار صحيح كائن لا محالة { فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا } فتغترون بملاذها وزينتها وتتركون ما امركم الله به وترتكبون ما ~~نهاكم عنه { ولا يغرنكم بالله الغرور } فالغرور هو الذي عادته ان يغر ~~غيره، والدنيا وزينتها بهذه الصفة، لأن الخلق يغترون بها، وقال الحسن ~~الغرور الشيطان الذى هو إبليس، وهو قول مجاهد. والرزق يطلق على وجهين: # احدهما - ان الله جعله يصلح للغذاء يتغذى به الحيوان وللملبس يلبسونه ~~فالعباد من هذا الوجه لا يأكلون ولا ينتفعون إلا بما جعله الله رزقا ~~لهم. # والثاني - انه ملكه الله وحكم انه له فهم يتظالمون من هذا الوجه. ### || [35.6-10] # خمس آيات حجازي وكوفي، وست بصري وشامي، عد البصريون والشاميون { شديد } ~~ولم يعده الباقون. # قرأ ابو جعفر { فلا تذهب } بضم التاء وكسر الهاء { نفسك } بنصب السين. ~~الباقون - بفتح التاء والهاء، ورفع السين. # يقول الله تعالى مخبرا لخلقه من البشر { إن الشيطان لكم عدو } فيعدل ~~بكم عن افعال الخير ويدعوكم إلى ما فيه الهلكة، فالعداوة ضد الولاية، ولا ~~يجوز ان يكون احد عدوا من وجه وليا ms2910 من وجه، كما لا يجوز أن يكون ~~موجودا من وجه معدوما من وجه، لان الصفتين متنافيتان. ثم امرهم بأن ~~يتخذوا الشيطان عدوا كما هو عدو لهم، وبين تعالى أن الشيطان ليس يدعو ~~إلا حزبه أي اصحابه وجنده، وهم الذين يقبلون منه ويتبعونه. وبين انه إنما ~~يدعوهم ليكونوا من اصحاب السعير بارتكاب المعاصي والكفر بالله تعالى، ~~والسعير النار المستعرة. # ثم اخبر تعالى { إن الذين كفروا } بآيات الله ويكذبون رسله { لهم عذاب ~~شديد } جزاء على كفرهم وتكذيبهم، وإن { الذين آمنوا وعملوا } الأفعال { ~~الصالحات لهم مغفرة } من الله لذنوبهم ولهم { أجر } أي ثواب { كبير } ثم ~~قال مقررا لهم { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } يعني الكفار زينت ~~نفوسهم لهم أعمالهم السيئة فتصوروها حسنة او الشيطان يزنيها لهم فيميلهم ~~إلى الشبهة وترك النظر في الأدلة الدالة على الحق باغوائه حتى يتشاغلوا ~~بما فيه اللذة وطرح الكلفة. # وخبر (من) في قوله { أفمن زين له سوء عمله } محذوف وتقديره يتحسر عليه، ~~وقيل: إن الخبر قوله { فإن الله يضل من يشاء } إلا أنه وقع { من يشاء } ~~موقعه. وقيل: جواب { أفمن زين } محذوف بتقدير: كمن علم الحسن من القبيح، ~~وعمل بما علم. وقيل: كمن هداه الله. # وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه دل على ~~انهم رأوا اعمالهم السيئة حسنة. وهذا رأي فاسد، ثم قال لنبيه صلى الله ~~عليه وآله ناهيا له { فلا تذهب نفسك عليهم } يا محمد { حسرات }. ومن فتح ~~التاء جعل الفعل للنفس. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر { إن الله ~~عليم بما يصنعون } من المعاصي والطاعات فيجازيهم بحسبها. # ثم قال { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } أي تنشئه وتجمعه وتجيء ~~به وتحركه { فسقناه } إي فساقه الله { إلى بلد ميت } لم يمطر أي قحط وجدب ~~فيمطر على تلك الأرض فيحيي بذلك الماء والمطر الأرض بعد موتها بالزرع بعد ~~أن لم يكن فيها زرع. ثم قال: كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة القحطة من ~~احيائها بالزرع بعد أن لم ms2911 يكن فيها زرع مثل ذلك ينشر الخلائق بعد موتهم ~~ويحشرهم إلى الموقف للجزاء من ثواب وعقاب. وقيل: إن الله تعالى اذا اراد ~~احياء الخلق امطر السماء أربعين يوما فينبت بذلك الخلق نباتا. # ثم قال تعالى { من كان يريد العزة } يعني القدرة على القهر والغلبة { ~~فلله العزة جميعا } أي له القهر على جميع الاشياء لا يقدر احد ان يمنعه ~~مما يريد فعله به. وقيل: معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فهي لله. ~~وقيل: معناه من اراد العزة فليطع الله حتى يعزه. # وقوله { إليه يصعد الكلم الطيب } قيل: معناه انه تعالى يقبله ويثيب ~~عليه. وقيل: اليه يصعد اي إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله، كما يقال: ~~ارتفع امرهم إلى القاضي. وقوله { والعمل الصالح يرفعه } اى يقبله. وقيل: ~~في الضمير الذى في { يرفعه } ثلاثة اوجه: احدها - يرفع الكلم الطيب من ~~الفعل. الثاني - يرفعه الكلم الطيب. الثالث - يرفعه الله. # ثم قال { والذين يمكرون السيئات } اي يحتالون لفعل السيئات من الشرك ~~والكبائر. وقيل: هم اصحاب الرياء { لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور } ~~قال قتادة: معناه مكرهم يفسد. وقيل: معنى يبور يكسد، فلا ينفذ في ما ~~يريدون وقال مجاهد: هو ما عمل للرياء فانه يفسد، قال ابن الزبعرى: # يا رسول المليك ان لساني # راتق ما فتقت اذ انا بور ### || [35.11-17] # ست آيات بصرى وسبع في ما عداه عدوا { بخلق جديد } ولم يعده البصريون. # قرأ يعقوب ولا { ينقص من عمره } بفتح الياء وضم القاف. الباقون على ما ~~لم يسم فاعله. وقرأ قتيبة { والذين تدعون } بالتاء على الخطاب. الباقون ~~بالياء على الخبر. # هذا خطاب من الله سبحانه لجميع خلقه من البشر انه خلقهم من تراب، ويريد ~~ان آدم الذى هو ابوهم ومنه انتسلوا خلقه من تراب ومنه توالدوا. وقيل: إن ~~المراد به جميع الخلق، لانهم إذا خلقهم من نطفة والنطفة تستحيل من ~~الغذاء، والغذاء يستحيل من التراب، فكأنه خلقهم من تراب، ثم جعل التراب ~~نطفة بتدريج. وعلى الأول يكون قوله { ثم من نطفة ms2912 } معناه ثم خلق اولاد ~~آدم من نطفة ثم استثنا منه عيسى في قوله # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب # فقوله { ثم جعلكم أزواجا } أي اشكالا لان الزوج هو الذى معه آخر من ~~شكله، والاثنان زوجان { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } معناه ليس ~~تحمل الانثى من حمل يولد ولا تضعه لتمام ولغير تمام إلا والله تعالى عالم ~~به، لا أن علمه آلة في ذلك، ولا يدل ذلك على أن له علما يعلم به، لأن ~~المراد ما ذكرناه من انه لا يحصل شيء من ذلك إلا وهو عالم به. # وقوله { وما يعمر من معمر } والعمر مدة الأجل للحياة وهو تفضل من الله ~~سبحانه وتعالى يختلف مقداره بحسب ما يعلم من مصالح خلقه، كما يختلف الغنى ~~والفقر، والقوة والضعف، والمعنى: وليس يطول عمر احد ولا ينقص من عمره بأن ~~يذهب بعضه بمضي الليل والنهار إلا وذلك في الكتاب المحفوظ أثبته الله ~~تعالى قبل كونه. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: معنى { ولا ينقص من عمره } ~~أي من عمر معمر آخر، وقال ابو مالك: معناه ولا ينقص من عمره ينقضي ما ~~ينقضي منه. وقال الفراء: هو كقولك: عندي درهم ونصفه أي ومثل نصف الدرهم ~~من غيره. # ثم قال { إن ذلك على الله يسير } يعني تعمير من يعمره ونقصان من ينقصه ~~وإثبات ذلك في الكتاب سهل على الله غير متعذر. # ثم قال تعالى { وما يستوي البحران } أي لا يستويان لان { هذا عذب فرات ~~سائغ شرابه } اي مرئ شهي { وهذا } الآخر { ملح أجاج } فالفرات أعذب العذب ~~والاجاج أشد المر. والاجاج مشتق من أججت النار كأنه يحرق من مرارته. و # اللؤلؤ والمرجان # يخرج من الملح دون العذب. وقيل: في الملح عيون عذبة، وفي ما بينهما يخرج ~~اللؤلؤ. # ثم قال { ومن كل } يعني من البحرين العذب والاجاج { تأكلون لحما طريا ~~} يعني سمكا { وتستخرجون حلية تلبسونها } من اللؤلؤ والمرجان { وترى ~~الفلك } يعني السفن { فيه مواخر } اي تشق الماء في جريانها شقا. # وقيل: معناه ms2913 إنها تذهب وتجيء، بلغة قريش وهذيل. وقال الحسن: يعني مواقير ~~كقوله # الفلك المشحون # { لتبتغوا من فضله } معناه إنه تعالى خلق ذلك لخلقه ليلتمسوا من فضل ~~الله بركوب البحر للتجارة والمسير فيها طلبا للمنافع وما يخرجون منها من ~~انواع الاشياء لكي يشكروا الله على نعمه ويحمدوه على فضله # ثم قال { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } معناه انه ينقص ~~من الليل في النهار عند منقلب الصيف، ومن النهار في الليل عند منقلب ~~الشتاء. وقيل: معناه انه يدخل كل واحد منهما على صاحبه ويتعقبه { وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } قدره الله لهما بحسب ما علم من مصالح ~~خلقه إلى الوقت الذي يفنيهما الله فيه. فتسخير الشمس نزولها في بروج ~~مخصوصة في أوقات مخصوصة كل فصل منها لنوع آخر من المنافع لا يختلف الحال ~~فيه، وتسخير القمر جريانه على وتيرة واحدة، فيستدل به على السنين والشهور ~~وذلك يدل على أن مدبره عالم حكيم. # ثم قال { ذلكم الله ربكم } الذي يقدر على تسخير الشمس والقمر، وايلاج ~~الليل في النهار والنهار في الليل وخلق البحرين العذب والمالح، ومنع ~~احدهما أن يختلط بالآخر لا يقدر عليه غيره { والذين يدعون من دونه } ~~وتوجهون عبادتكم اليهم من الاصنام والاوثان { ما يملكون من قطير } وهو ~~قشر النواة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطية - فدل على أن من لا ~~يملك هذا القدر لا يستحق العبادة ولا يكون إلها. # ثم قال { إن تدعوهم } يعني الاصنام { لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم } لانها جمادات يستحيل ذلك عليها، ولا يقدرون على ضرر ولا ~~نفع { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } قيل: إن الله تعالى يحيي الاصنام يوم ~~القيامة لينكروا على المشركين، ويوبخوهم على عبادتهم إياهم. وقال البلخي: ~~يجوز ان يكون المراد به الملائكة وعيسى. وقوله { لا يسمعوا دعاءكم } أي ~~هم بحيث لا يسمعونه او هم مشتغلون عنهم لا يلتفتون اليهم ولا يصغون ويجوز ~~ان يكون المراد بها الاصنام ويكون ما يظهرونه من بطلان ما ظنوه كفرا ~~بشركهم وجحدا ms2914 له كما حصل ما في الجماد من الدلالة على الله مسبحا له ~~وهو كقولهم: سل الارض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فان لم تجبك ~~حوارا اجابتك عتبارا { ولا ينبئك } يا محمد بالشيء على حقيقته { مثل ~~خبير } عالم بما اخبر، والله تعالى هو العالم بالاشياء على حقائقها. # ثم قال تعالى { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } اي محتاجون اليه ~~{ والله هو الغني } عن جميع المخلوقات لا تجوز عليه الحاجة، لأنه ليس ~~بجسم فالحاجة من صفة الاجسام { الحميد } يعني المحمود المستحق للحمد على ~~جميع افعاله، والله تعالى لا يفعل إلا ما يستحق به حمدا. # ثم اخبر تعالى عن قدرته فقال { إن يشأ يذهبكم } معاشر الخلق ويفنيكم { ~~ويأت بخلق } آخر { جديد } وهو ما كان قريب عهد بانقطاع العمل عنه، واصله ~~القطع من جده يجده إذا قطعه. والجد ابو الأب لانقطاعه عن الولادة بالأب ~~والجد المضي فيه بقطعه أولا اولا من غير تفتير { وما ذلك على الله بعزيز ~~} أي بممتنع فالعزيز المنيع بوجه من الوجوه الذي يتعذر معها الفعل. ### || [35.18-23] # ست آيات حجازي وكوفي وخمس آيات شامي واربع آيات بصري عد الحجازيون ~~والكوفي والشامي { البصير } و { النور } ولم يعده البصري وعد الحجازيون ~~والعراقيون { القبور } ولم يعده الشامي. # يقول الله تعالى مخبرا حسب ما تقتضيه حكمته وعدله أنه { لا تزر وازرة ~~وزر أخرى } معناه أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى من الذنب، والوزر الثقل، ~~ومنه الوزير لتحمله ثقل الملك بما يتحمله من تدبير المملكة، وتقديره أنه ~~لا يؤاخذ احد بذنب غيره، وإنما يؤاخذ كل مكلف بما يقترفه من الاثم. # وقوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } ~~معناه وإن تدع مثقلة بالآثام غيرها لتحمل عنها بعض الاثم لا يحمل عنها ~~شيئا من آثامها، وإن كان أقرب الناس اليها، لما في ذلك من مشقة حمل ~~الآثام ولو تحملته لم يقبل تحملها، لما فيه من مجانبة العدل ومنافاته له، ~~فكل نفس بما كسبت رهينة، لا يؤاخذ أحد بذنب ms2915 غيره، ولا يؤخذ إلا بجنايته. # وقوله { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } معناه ليس ينتفع بتخويفك ~~يا محمد إلا الذين يخافون ربهم في غيبتهم وخلواتهم فيجتنبون معاصيه في ~~سرهم ويصدقون بالآخرة. # وقوله { وأقاموا الصلاة } قال ابو عبيدة في مجازه: اي ويقيمون، فوقع ~~الماضي مقام المستقبل، والمعنى يديمون فعلها ويقومون بشرائطها. وإنما عطف ~~الماضي على المستقبل إشعارا باختلاف المعنى، لان الحسنة لازمة في كل وقت ~~والصلاة لها اوقات مخصوصة، واضاف الانذار إلى الذين يخشون ربهم من حيث ~~كانوا هم المنتفعون بها، وإن كان النبي صلى الله عليه وآله ينذر كل مكلف. # ثم قال { ومن تزكى } أي فعل الطاعات وقام بما يجب عليه من الزكاة وغيرها ~~من الواجبات فانما يتزكى لنفسه، لان ثواب ذلك ونفعه عائد عليه. وقوله { ~~وإلى الله المصير } معناه يرجع الخلق كلهم إلى حيث لا يملك الأمر والنهي ~~إلا الله، فيجازي كل مكلف على قدر عمله. وقوله { وما يستوي الأعمى ~~والبصير } معناه لا يتساوى الأعمى عن طريق الحق والعادل عنها، والبصير ~~الذي يهتدي إليها قط، لأن الأول يستحق العقاب، والثاني يستحق الثواب { ~~ولا الظلمات ولا النور } يعني وكذلك لا يستوي المؤمن والكافر والمطيع ~~والعاصي فشبه الايمان بالنور والكفر بالظلمات، وكذلك لا يستوي { الظل ولا ~~الحرور } فالظل هو الستر عن موقع الشمس ومنه الظلة، وهي السترة عن موقع ~~الشمس، ومنه قولهم: ظل يفعل كذا إذا فعل نهارا في الوقت الذي يكون للشمس ~~ظل، والحرور السموم وهو الريح الحارة في الشمس، وقال الفراء: الحرور يكون ~~بالليل والنهار والسموم لا يكون إلا بالنهار. وقيل: الظل الجنة والحرور ~~النار { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } أي هما ايضا لا يتساويان ولا ~~يتماثلان، فالاسواء حصول أحد الشيئين على مقدار الآخرة، ومنه الاستواء في ~~العود والطريق خلاف الاعوجاج، لممره على مقدار أوله من غير انعدال. # وهذه الأمثال أمثال ضربها الله لعبادة الله وعبادة الأوثان، وبين أنه ~~كما لا تتماثل هذه الاشياء، ولا تتشاكل ولا تتساوى، فكذلك عبادة الله لا ~~تشبه عبادة الاصنام. # ثم قال تعالى { إن ms2916 الله يسمع من يشاء } ومعناه أن الله ينفع باسماع ذلك ~~من يشاء ممن يعلم أن له لطفا يفعله به دون غيره { وما أنت بمسمع من في ~~القبور } أي لانك لا تقدر على نفع الكفار باسماعك إياهم إذا لم يقبلوا، ~~كمالا تسمع من في القبور من الأموات { إن أنت إلا نذير } أي لست إلا ~~نذيرا مخوفا بالله. شبه الكفار في تركهم قبول ما يسمعون وذهابهم عن ~~تفهمه وتدبره بالموتى، كما شبههم بالصم والعمي، يقال: أصمهم وأعمى ~~أبصارهم ليس أنهم كانوا لا يسمعون ولا يفهمون أو كان النبي صلى الله عليه ~~وآله لا ينذرهم لكن على ما بيناه من التشبيه. وقيل في (لا) قولان: أحدهما ~~- أنها زائدة مؤكدة للنفي. الثاني - انها باقية لاستواء كل واحد منهما ~~لصاحبه على التفصيل. فمن قال: إنها زائدة قال في مثل قولهم لا يستوي زيد ~~ولا عمرو في هذا المعنى، فلا تكون هنا إلا زائدة. ومن قال: ليست زائدة، ~~قال تقديره لا يستوي الاعمى والبصير ولا يساوي البصير الاعمى. ### || [35.24-26] # لما قال الله تعالى لنبيه إن أنت إلا نذير، ومعناه لست إلا مخوفا من ~~عقاب الله ومعاصيه قال له { إنا أرسلناك } يا محمد { بالحق } أي بالدين ~~الصحيح { بشيرا } أي مبشرا بالجنة وثواب الله لمن أطاعه { ونذيرا } أى ~~مخوفا من عقابه لمن عصاه { وإن من أمة } أى ليس من أمة في ما مضى إلا ~~مضى فيها مخوف من معاصي الله. وقال قوم: المعنى { إلا خلا فيها نذير } ~~منهم وقال آخرون: نذير من غيرهم، وهو رسول اليهم، كما أرسل نبينا صلى ~~الله عليه وآله إلى العرب والعجم. وقال الجبائي: في ذلك دلالة على أنه لا ~~أحد من المكلفين إلا وقد بعث الله اليهم رسولا، وأنه أقام الحجة على جميع ~~الامم. # ثم قال على وجه التسلية له والتعزية عن تكذيب قومه اياه { فإن كذبوك } ~~يا محمد ولم يصدقوك في انك نبي من قبل الله { فقد كذب الذين من قبلهم } ~~من الكفار أنبياء أرسلوا اليهم { جاءتهم رسلهم } من الله { بالبينات } أي ms2917 ~~الحجج الواضحات { وبالزبر } يعني بالكتب { وبالكتاب المنير } الموضح ~~بمنزلة ما فيه من نور يستضاء به. والزبر هي الكتب، وانما كرر ذكر الكتاب، ~~وعطف عليه، لاختلاف الصنفين، لان الزبر الكتابة الثابتة كالنقر في الحجر، ~~ثم بين تعالى ان الكفار لما كذبوا رسل الله الذين جاؤهم بالبينات ولم ~~يعترفوا بنبوتهم انه اخذهم بالعذاب وبالعقوبة العاجلة واهلكهم ودمر ~~عليهم. ### || [35.27-30] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه والمراد به جميع المكلفين منبها لهم على ~~طريق الاستدلال على وحدانيته واختصاصه من الصفات بما لا يختص به سواه بأن ~~قال { ألم تر } يا محمد ومعناه ألم تعلم { أن الله أنزل من السماء ماء } ~~يعني غيثا ومطرا { فأخرجنا به } اخبار منه تعالى عن نفسه انه أخرج بذلك ~~الماء { ثمرات } جمع ثمرة، وهي ما يجتنى من الشجر { مختلفا ألوانها } ~~لان فيها الاحمر والابيض والاصفر والاخضر وغير ذلك ولم يذكر اختلاف ~~طعومها وروائحها لدلالة الكلام عليه. والاختلاف هو امتناع الشيء من ان ~~يسد مسد صاحبه في ما يرجع إلى ذاته ألا ترى أن السواد لا يسد مسد البياض، ~~وذلك لا يقدر عليه سواه تعالى من جميع المخلوقين { ومن الجبال جدد } ~~واحده جده نحو مدة ومدد واما جمع جديد فجدد - بضم الدال - مثل سرير وسرر. ~~والجدد الطرائق { بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } واحد الغرابيب ~~غربيب وهو الذي لونه كلون الغراب من شدة سواده، ولذلك قال { سود } لانه ~~دل عليه من هذا الوجه، ثم بين بالافصاح أنها سود، قال امرؤ القيس: # كأن سراته وجدة متنه # كنائن يحرى فوقهن دليص # يعني بالجدة الخطة السوداء تكون في متن الحمار، والكنائن جمع كنانه، ~~والدليص الذي يبرق من الذهب والفضة وما أشبهها، فالجدد هي الوان الطرق. ~~ثم قال { ومن الناس } أيضا { ومن الدواب } التي تدب على وجه الأرض { ~~والأنعام } كالابل والبقر والغنم { مختلف ألوانه } ايضا مثل ذلك مما في ~~الجبال والثمار { كذلك } أي مثل ما قدمنا ذكره. # ثم قال { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ومعناه ليس يخاف الله حق ~~خوفه ولا يحذر معاصيه ms2918 خوفا من عقابه إلا العلماء الذين يعرفون حقيقة ذلك ~~فأما الجهال ومن لا يعرف الله فلا يخافونه مثل ذلك، وكذلك ينظر العلماء ~~في حجج الله وبيناته ويفكرون في ما يفضي بهم إلى معرفته من جميع ما تقدم ~~ذكره. # ثم اخبر تعالى فقال { إن الله عزيز } في انتقامه من اعدائه { غفور } ~~لأوليائه والتائبين من خلقه الراجعين إلى طاعته. # ثم قال { إن الذين يتلون كتاب الله } يعني يقرؤن القرآن ويعملون بما فيه ~~{ وأقاموا الصلاة وأنفقوا } في طاعة الله { مما رزقناهم } أي مما رزقهم ~~الله وملكهم التصرف فيه { سرا وعلانية } أي في حال سرهم، وفي حال ~~علانيتهم { يرجون } في موضع الحال أي راجيين بذلك { تجارة لن تبور } أي ~~لا تكسد. وقيل: لا تفسد، يقال بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام، وبار ~~الشيء إذا فسد، قال الشاعر: # يا رسول المليك إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنابور # ثم بين انهم يقصدون بذلك أن يوفيهم الله أجور ما عملوا من الطاعات ~~بالثواب ويزيدهم من فضله زيادة على قدر استحقاقهم، لانه وعد بأن يعطي ~~الواحد عشرة { إنه غفور } لعباده ساتر لذنوبهم { شكور } معناه إنه يعامل ~~بالاحسان معاملة الشاكر. وقال الجبائي: وصفه بأنه شكور مجاز، لان معناه ~~انه يجازي على الطاعات. ### || [35.31-35] # قرأ ابو عمرو { يدخلونها } بضم الياء على ما لم يسم فاعله ليشاكل قوله ~~تعالى { يحلون }. الباقون بفتح الياء، لانهم إذا أدخلوها فقد دخلوها، ~~والمعنيان متقاربان. # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { والذي أوحينا إليك } ~~يا محمد وأنزلناه عليك { من الكتاب } يعني القرآن { هو الحق } معناه هو ~~الصحيح الذي معتقده على ما هو به. وضده الباطل، وهو ما كان معتقده لا على ~~ما هو به. والعقل يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل، وقوله { مصدقا لما بين ~~يديه } معناه مصدقا لما قبله من الكتب بأنه جاء موافقا لما بشرت به تلك ~~الكتب من حاله وحال من أتى به. ثم قال { إن الله } تعالى بعباده { لخبير ~~} أي عالم بهم { بصير } بأحوالهم لا يخفى عليه شيء ms2919 منها فيجازيهم على ~~استعمال الحق بالثواب وعلى استعمال الباطل بالنار. ثم قال { ثم أورثنا ~~الكتاب } يعني القرآن أورثناه من أصطفيناه من عبادنا. ومعنى الارث انتهاء ~~الحكم اليه ومصيره لهم، كما قال تعالى # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون # وقيل المراد أورثناهم الايمان بالكتب السالفة وكان الميراث انتقال الشيء ~~من قوم إلى قوم. والأول أصح. والاصطفاء الاختيار باخراج الصفوة من ~~العباد، فاصطفى الله المؤمن يحمل على ثلاث طبقات مؤمن ظالم لنفسه بفعل ~~الصغيرة، ومقتصد بالطاعات في المرتبة الوسطى، وسابق بالخيرات في الدرجة ~~العليا، وهم الذين لم يرتكبوا شيئا من المعاصي، وكل وعد الله الحسنى، ~~والذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب قيل: هم الانبياء فمنهم ظالم لنفسه ~~يعني أصحاب الصغائر. وقيل: هم اصحاب النار، هذا من قول من أجاز على ~~الانبياء الصغائر دون الكبائر، فأما من لا يجوز عليهم شيئا من المعاصي ~~أصلا لا صغيرة ولا كبيرة يقول: معنى الآية إن الله تعالى أورث علم ~~الكتاب الذي هو القرآن الذين اصطفاهم واجتباهم واختارهم على جميع الخلق ~~من الانبياء المعصومين، والأئمة المنتجبين الذين لا يجوز عليهم الخطأ ولا ~~فعل القبيح لا صغيرا ولا كبيرا، ويكون قوله { فمنهم ظالم لنفسه } ~~راجعا إلي (عباده) وتقديره فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومن عبادنا مقتصد، ~~ومن عبادنا سابق بالخيرات، لأن من اصطفاه الله لا يكون ظالما لنفسه، فلا ~~يجوز أن ترجع الكناية إلى الذين اصطفينا وقوله { بالخيرات } يعني يعلم من ~~اقتصد او ظلم نفسه أو سبق بالخيرات. # ثم قال { ذلك هو الفضل الكبير } يعني السبق بالخيرات هو الفضل العظيم ~~الذي لا شيء فوقه. وقال ابن عباس: الذين أورثهم الله الكتاب هم أمة محمد، ~~ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسبهم حسابا ~~يسيرا وسابقهم يدخلون الجنة بغير حساب. وقال ابن مسعود - بذلك - وكعب ~~الاحبار. ### || [35.36-40] # قرأ ابوعمرو وحده { يجزى } بضم الياء على ما لم يسم فاعله. الباقون ~~بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وحفص { ~~على بينة } بالتوحيد لقوله { قد ms2920 جاءكم بينة من ربكم } الباقون { بينات } ~~على الجمع، لانها مكتوبة في المصاحف بالألف والتاء، والبينة والبينات ~~القرآن، وفي قوله # حتى تأتيهم البينة رسول من الله # وهو محمد صلى الله عليه وآله. ويقال: بان الشيء وأبان إذا تبين، فهو ~~باين ومبين، وأبنته أنا وبينته لا غير والبينة وزنها (فيعلة) فاجتمع ياآن ~~فأدغم احداهما في الأخرى. # لما اخبر الله تعالى عن أحوال اهل الآخرة وما أعده لأهل الجنة من أنواع ~~الثواب أخبر - ها هنا - عن حال الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب فقال ~~{ والذين كفروا } بوحدانية الله وجحدوا نبوة نبيه { لهم نار جهنم } عقوبة ~~لهم على كفرهم يعذبون فيها { لا يقضى عليهم فيموتوا } أي لا يحكم عليهم ~~بالموت فيموتوا فيستريحوا، يقال قضى فلان إذا مات { ولا يخفف عنهم من ~~عذابها } معناه ولا ييسر عليهم عذاب النار ولا يسهل عليهم ومثل هذا ~~العذاب ونظيره { كذلك نجزي كل كفور } جاحد لوحدانيته تعالى ومكذب ~~لانبيائه. # ثم اخبر تعالى عن حال من هو في النار فقال { وهم يصطرخون فيها } أي ~~يتصايحون بالاستغاثة، فالاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة، وهو افتعال ~~من الصراخ قلبت التاء طاء لاجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما فعل ذلك ~~لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد بالاستعلاء والاطباق ~~ويوافق التاء بالمخرج. ويقولون { ربنا أخرجنا } من عذاب النار { نعمل ~~صالحا } يعني نعمل بالطاعات والاعمال الصالحات التي أمرنا بها { غير ~~الذي كنا نعمل } من المعاصي، فيقول الله لهم - في جوابه تبكيتا لهم ~~وإنكارا عليهم { أو لم نعمركم } في دار الدنيا. وقال ابن عباس، ومسروق: ~~العمر الذي ذكره الله أربعون سنة، وفي رواية أخرى ستون سنة، وهو قول علي ~~عليه السلام { ما يتذكر فيه من تذكر } أي عمرناكم مقدار ما يمكن أن يتذكر ~~ويعتبر وينظر ويفكر من يريد أن يتفكر ويتذكر { وجاءكم النذير } يعني ~~المخوف من معاصي الله، قال ابن زيد: يعني به محمدا صلى الله عليه وآله ~~وقال غيره: أراد الشيب. وقيل: الحمى { فذوقوا } معاشر الكفار عقاب كفركم ~~ومعاصيكم { فما للظالمين من نصير } اي ليس ms2921 لمن ظلم - وبخس نفسه حقها ~~بارتكاب المعاصي - ناصر يدفع عنه العذاب. # ثم اخبر تعالى بأنه { عالم غيب السماوات والأرض } لا يخفى عليه شيء مما ~~غاب عن جميع الخلائق علمه { إنه عليم بذات الصدور } ومعناه اتقوا واحذروا ~~أن تضمروا في أنفسكم ما يكرهه الله تعالى، فانه عليم بما في الصدور لا ~~يخفى عليه شئ منها. # وقوله { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } معناه جعلكم معاشر الكفار أمة ~~بعد أمة وقرنا بعد قرن. وهو قول قتادة { فمن كفر } أي جحد وحدانيته ~~وأنكر نبوة نبيه صلى الله عليه وآله { فعليه } عقاب { كفره } دون غيره { ~~ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا } أي لا يزيدهم كفرهم بالله ~~عند الله إلا أشد البغض لان المقت اشد البغض { ولا يزيد الكافرين } أيضا ~~{ كفرهم إلا خسارا } لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم النار بدلا منها { ~~وذلك هو الخسران المبين } ثم قال موبخا لهم { قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله } قيل: معناه إدعوا شركاءكم في الاموال التي جعلتم لها ~~قسطا من السائبة والوصيلة والانعام والحر ث، وهي الأوثان. وقيل: شركاءكم ~~الذين اشركتموهم في العبادة مع الله { أروني ماذا خلقوا من الأرض } معناه ~~أي شيء اخترعوه وانشؤه فيدخل عليكم بذلك شبهة { أم لهم شرك في السماوات؟ ~~} أي لهم شركة في خلق السموات؟ على وجه المعاونة لله؟ { أم آتيناهم ~~كتابا }؟ أي أعطيناهم كتابا أمرناهم فيه بما يفعلونه { فهم على بينة ~~منه } اي من ذلك الكتاب، فان جميع ذلك محال لا يمكنهم ادعاء شيء من ذلك، ~~ولا إقامة حجة ولا شبهة عليه { بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا ~~غرورا } ومعناه ليس شيء من ذلك لكم، ليس يعد الظالمون أنفسهم بعضهم ~~بعضا إلا غرورا يغترون به وزورا يتعدون به، يقال: غره يغره غرورا إذا ~~أطمعه في ما لا يطمع فيه. # فان قيل: الآية تدل أن الله سبحانه ينفرد بالخلق دون العباد، لأنه بين ~~أن من تهيأ له الخلق فهو إله. # قلنا: هذا كقوله # ألهم أرجل يمشون بها أم لهم ms2922 أيد يبطشون بها # فكما لا يدل على ان من كان له يد أو رجل يكون إلها، فكذلك لا يجب ان ~~يكون من يخلق يكون الها على انه بين المراد بالخلق، فقال { ماذا خلقوا من ~~الأرض } لا يقدر على خلق الارض ولا على شيء منه إلا الله تعالى على أنا ~~لا نطلق اسم خالق إلا على الله، ونقيده في الواحد منا. ### || [35.41-45] # خمس آيات كوفي ومكي ومدني الأول. وست شامي، وفي عدد اسماعيل. وسبع بصري. ~~عد البصري والشامي واسماعيل { تبديلا } وعد البصري قبله { تزولا } ولم ~~يعد ذلك الباقون. # لما بين الله تعالى أن الاصنام لا تقدر على شيء وأن ليس لها شرك في ~~السموات والأرض، أخبر عن عظيم قدرته وسعة سلطانه فقال { إن الله يمسك ~~السماوات } بأن يسكنها حالا بعد حال، ولا يقدر على تسكينها غيره تعالى ~~حال بعد حال، لأنه يسكنها بغير عمد، فالارضون ساكنة بلا عمد والسموات ~~ساكنة باسكانه. وهي غير الأفلاك التي تجري فيها النجوم، قال عبد الله بن ~~مسعود ان السموات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. ومنعهما بهذا ~~التسكين من أن تزولا عن مواضعها او تهوي او تسقط، ومعنى { أن تزولا } ~~كراهة أن تزولا. وقال الكوفيون: معناه ألا تزولا عن مراكزهما، فحذف (لا). # ثم قال { ولئن زالتا } معنى (لئن) (لو) ويوضع كل واحد منهما مكان الآخر، ~~لانهما يجابان بجواب واحد. ومثله # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا # ومعناه و (لو) ومعنى { ولئن زالتا } يعني عن مقرهما { إن أمسكهما من أحد ~~من بعده } أي ليس يسكنها احد ولا يقدر عليه احد بعد الله تعالى { إنه كان ~~حليما } يعني القادر الذي لا يعاجل واحدا بالعقوبة، ولا يحلم إلا قادر، ~~لان من ليس بقادر، لا يصح ان يعاقب، فلا يحلم وإنما حلمه أناة بمن استحق ~~العقوبة { غفورا } أي ستارا لذنوبهم إذا تابوا لا يفضحهم بها على رؤس ~~الأشهاد، و (الغفور) الكثير الغفران لذنوب عباده بالتوبة وبالتفضل لمن ~~يشاء منهم. # ثم حكى عن الكفار أنهم { أقسموا بالله } يعني حلفوا ms2923 به { جهد أيمانهم } ~~أي غاية وسعهم وطاقتهم { لئن جاءهم نذير } أي مخوف من جهة الله يخوفهم من ~~معاصيه { ليكونن أهدى } إلى اتباعه والقبول منه { من إحدى الأمم } ~~الماضية وأسبق إلى اتباعه { فلما جاءهم نذير } أي محمد صلى الله عليه ~~وآله جاءهم يخوفهم بالله { ما زادهم } مجيئه { إلا نفورا } أي ازدادوا ~~عند مجيئه نفورا عن الحق وهربا منه لا أن مجيئه زادهم ذلك. ثم بين ~~تعالى انهم ينفرون عند مجيء النبي { استكبارا } أي طلبا للكبر والتجبر ~~على غيرهم { في الأرض } من أن يقروا بالحق { ومكر السيء } أي وحيلة ~~الأفعال القبيحة والمعاصي لانهم قصدوا بذلك الفرار من اتباع محمد ~~والايمان به، والسيء الشرك - في قول قتادة - واضيف اليه كما قال # لحق اليقين # وفي قراءة عبد الله بن مسعود { ومكرا سيئا } وقد سكن حمزة وحده ~~الهمزة. الباقون جروها بالاضافة. والتسكين لحن عندهم اعني البصريين، لا ~~يجوز ان يقرأ به. وقيل الوجه في تسكين حمزة كثرة الحركات في الكلام، كما ~~قال الشاعر: # إذا اعوججن قلت صاحب قوم # فسكن الباء لكترة الحركات، والصحيح الأول، لأن مثل هذا إنما يجوز في ~~ضرورة الشعر، قال ابو علي النحوي: يجوز أن يكون أجراه في الوصل مجرى ~~الوقف، وتقدير ومكررا المكر السيء، فأضيف المصدر إلى صفة المصدر، ~~وتقديره ومكروا المكر السيء بدلالة قوله { ولا يحيق المكر السيء إلا ~~بأهله } ومعناه لا ينزل باحد جزاء المكر السيء إلا بمن فعله { فهل ينظرون ~~} أي فهل ينتظرون { إلا سنة الأولين } من نزول العقاب بهم وحلول النقمة ~~عليهم جزاء على كفرهم، فان كانوا ينتظرون ذلك { فلن تجد } يا محمد ~~والمراد به الكفار { لسنة الله تبديلا } أي لا يغير الله عادته من عقوبة ~~من جحد ربوبيته { ولن تجد لسنة الله تحويلا } ولا يبدلها بغيرها، ~~فالتبديل تصير الشيء مكان غيره، والتحويل تصير الشيء في غير المكان الذي ~~كان فيه، والتغيير تصيير الشيء على خلاف ما كان. # ثم قال { أولم يسيروا في الأرض } يعني هؤلاء الكفار الذين انكروا إهلاك ~~الله الأمم الماضية. أما ساروا في الارض ms2924 { فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم وكانوا } أولئك { أشد منهم } من هؤلاء { قوة وما كان الله ~~ليعجزه من شيء } إذ لم يكن يفوته شيء { في السماوات ولا في الأرض انه كان ~~عليما } عالما بجميع الأشياء { قديرا } قادرا على ما لا نهاية له، ~~ويقدر على اجناس لا يقدرون عليها. # ثم اخبر تعالى ممننا على الناس بتأخير عقابهم بان قال { ولو يؤاخذ الله ~~الناس بما كسبوا } أي جزاء على معاصيهم عاجلا { ما ترك على ظهرها } ظهر ~~الارض { من دابة } تدب على رجليها { ولكن يؤخرهم إلى أجل } يعني إلى ~~الوقت المعلوم الذي قدره لتعذيبهم { فإذا جاء أجلهم } يعني الوقت المقدر ~~المعلوم { فإن الله } تعالى { كان بعباده بصيرا } أي عالما بأحوالهم لا ~~يخفى عليه شيء منها فيجازي كل انسان على قدر فعله من طاعة او معصية، ~~والضمير في قوله { على ظهرها } عائد إلى الارض وإن لم يجر لها ذكر لدلالة ~~الكلام عليه، لأنه معلوم أنهم على ظهر الارض دون غيرها، على أنه قد تقدم ~~قوله { أو لم يسيروا في الأرض } وفي قوله { إن الله يمسك السماوات والأرض ~~} فيجوز أن يرد الكناية اليها. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-10] # عشر آيات كوفي وتسع في ما عداه عد الكوفي { يس } ولم يعده الباقون. # قرأ الكسائي بامالة الألف من (ياسين) وكذلك حمزة إلا انه أقل إمالة ~~الباقون بغير امالة. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابو بكر عن عاصم { ~~تنزيل العزيز الرحيم } بالرفع الباقون بالنصب. فمن رفع، فعلى تقدير (ذلك) ~~تنزيل العزيز، ومن نصب، فعلى تقدير (نزل) تنزيل العزيز الرحيم. وقرأ اهل ~~الكوفة إلا ابا بكر { سدا } بفتح السين في الموضعين. الباقون بضمها، ~~وهما لغتان، وقال ابو عمرو: وما كان من فعل الله، فهو بالفتح. وعد أهل ~~الكوفة { يس } آية ولم يعدوا (طس) لأن (طاسين) أشبه قابيل وهابيل في ~~الوزن، والحروف الصحاح، ولم يشبهها (ياسين) لأن أوله حرف من حروف العلة ~~وليس مثل ذلك في الاسماء المفردة، فاشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما ~~بعده من رؤس الآي. وقد ms2925 مضى في ما تقدم أن افتتاح أوائل السور بأمثال هذه ~~الحروف الأقوى فيها أنها اسماء للسور. وقيل: إنها اسماء القرآن، وقيل ~~إنها حروف إذا جمعت انبأت عن اسم الله الأعظم، وغير ذلك من الاقاويل لا ~~نطول بذكره. وقال الحسن: معناه يا رجل. وقال محمد بن الحنفية { يس } ~~معناه يا إنسان يا محمد، وروي عن علي عليه السلام أنه قال سمى الله تعالى ~~النبي صلى الله عليه وآله في القرآن بسبعة اسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، ~~والمزمل، والمدثر، وعبد الله، وقيل: معناه بالسريانية يا إنسان. وقيل: ~~معناه يا سيد الأولين والآخرين. وأخفى النون من (ياسين) الكسائي وابو بكر ~~عن عاصم. الباقون ببيان النون، وهو الاجود لأن حروف الهجاء ينوى بها ~~السكت والانقطاع عما بعدها. ومن قال بالاول قال لان النون والتنوين إنما ~~يظهران عند حروف الحلق وليس ها هنا شيء منها. # وقوله { والقرآن الحكيم } قسم من الله تعالى بهذا القرآن وصفه بأنه حكيم ~~من حيث أن فيه الحكمة، فصار ذلك بمنزلة الناطق به للبيان عن الحق الذي ~~يعمل به. والحكمة قد تكون المعرفة، وقد تكون ما يدعو إلى المعرفة، وأصله ~~المنع من الخلل والفساد، فالمعرفة تدعو إلى ما أدى إلى الحق من برهان أو ~~بيان قال الشاعر: # أبني حنفية احكموا سفهاءكم # إني اخاف عليكم أن اغضبا # أي امنعوهم. وقال قوم: إنما أقسم الله بالقرآن الحكيم لعظم شأنه وموضع ~~العبرة به والفائدة فيه، والمقسم عليه قوله { إنك لمن المرسلين } أقسم ~~تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله ممن أرسله الله بالنبوة والرسالة، ~~وأنه { على صراط مستقيم } وهو طريق الحق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة { ~~تنزيل العزيز الرحيم } من رفع فعلى تقدير ذلك تنزيل، ومن نصب فعلى تقدير ~~نزل تنزيل. # وموضع { على صراط مستقيم } يجوز ان يكون رفعا على انه خبر، كأنه قال ~~إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون نصبا على الحال للارسال، كأنه قال: ~~أرسلوا مستقيما طريقتهم. # وقوله { لتنذر قوما } معناه إنه أنزل القرآن لتخوف به من معاصي الله ~~قوما { ما ms2926 أنذر آباؤهم } من قبل اراد به قريشا أنذروا بنبوة محمد، ~~وقيل: في معناه قولان: # احدهما - قال عكرمة: معناه لتنذر قوما مثل الذي أنذر آباؤهم. # الثاني - قال قتادة: معناه لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم قبلهم - يعني في ~~زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام { فهم غافلون } عما تضمنه ~~القرآن وعما أنذر الله من نزول العذاب. ومثل الغفلة السهو، وهو ذهاب ~~المعنى عن النفس ومثله النسيان وهو ذهاب الشيء عن النفس بعد حضوره فيها. # ثم اخبر تعالى مقسما انه { لقد حق القول على أكثرهم } اي وجب باستحقاق ~~العقاب بادخالهم النار { فهم لا يؤمنون } لذلك، وقد سبق في علم الله. ثم ~~اخبر تعالى فقال { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } أي جعل الغل في ~~اعناقهم وهو جمع عنق { فهي إلى الأذقان } والاذقان جمع ذقن وهو مجمع ~~اللحيين. وقيل بأيمانهم إلى اذقانهم، فكنى عنها، لانها معلومة. وقيل: ~~التقدير بالاغلال بالايمان إلى الاذقان فهو محذوف، قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا # أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا ابتغيه # أم الشر الذي لا يأتليني # { فهم مقمحون } فالمقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه، وقيل هو المقنع وهو ~~الذي يجذب ذقنه حتى تصير في صدره ثم يرفع. والقمح من هذا وهو رفع الشيء ~~إلى الفم، والبعير القامح الذي إذا أورده الماء في الشتاء رفع رأسه وشال ~~به نصبا لشدة البرد، قال الشاعر: # ونحن على جوانبها قعود # نغض الطرف كالابل القماح # وقيل: قد رفعوا رؤسهم وشخصوا بأبصارهم - ذكره مجاهد - ثم قال { وجعلنا ~~من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } ومعناه سدا عن الحق - في قول مجاهد ~~وقتادة - اي على جهة الذم لهم، وصفهم بذلك لا أنهم منعوا منه وكذلك ذكر ~~الاغلال كما قال الأفوه الازدي: # كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر # لهم عن الرشد اغلال واقياد # وفي تأويل الآيات قولان: # احدهما - انه جعل جهلهم وذهابهم عن معرفة الحق غلا وسدا إذ كان المغلول ~~الممنوع من التصرف امامه ووراءه ذاهب عما قد منع منه وحيل بينه وبين ~~الدليل ms2927 عليه إن الله تعالى لم يجعل الكافر مغلولا في الحقيقة ولا مسدودا ~~بين يديه ومن خلفه ولا في عينه غشاوة، كقوله تعالى # وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا # شبهه بمن في اذنيه وقر، فعلمنا بهذا التشبيه أنه إنما يريد بوصف الكفار ~~بالوقر والكن والغل والسد التشبيه الذي عناه - ها هنا - ولو كان في إذن ~~الكافر وقر على الحقيقة لم يجز تشبيهه بمن في اذنيه وقر، وهو كقولهم ~~للجاهل: حمار وثور، وإنما يريدون المبالغة في وصفه بالجهل، ومعنى (جعلنا) ~~يحتمل وجهين احدهما - انه كما شبههم بمن جعله مغلولا مقيدا أجرى عليه ~~صفة الجعل بأنه مشبه للمجعول مغلولا مقيدا. # والثاني - انه اراد البيان عن الحالة التي شبه بها المغلول المقيد، كما ~~يقول القائل: جعلني فلان حمارا وجعلني ميتا إذا وصفه بالحمارية والموت ~~وشبهه بالحمار والميت وهذا واضح. # والوجه الثاني - في تأويل الآيات انه أراد وصف حالهم في الآخرة، لأنه ~~تعالى يوثقهم في الاغلال والسلاسل، كما قال تعالى # خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه # وقال # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون # وقال في السد الذي جعله لهم: فلا يبصرون كما قال # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهرة من قبله العذاب # وقال # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم # فلما كانت هذه حال الكفار في الآخرة، وصف حالهم في الدنيا. # وقوله { فهم مقمحون } فقد فسرناه في آية اخرى وهي قوله # مهطعين مقنعي رؤسهم # والاقناع هو رفع الرأس واشخاصه فقد صح بما بيناه كلا الوجهين في الآية ~~وزالت الشبهة بحمد الله. وقال السدي: إن ناسا من قريش ائتمروا على قتل ~~النبي صلى الله عليه وآله فلما جاءوه جعلت ايديهم إلى اعناقهم فلم ~~يستطيعوا ان يبسطوا اليه يدا. وقال قوم: حال الله بينهم وبين ما أرادوا ~~فعبر عن ذلك بأنه غلت ايديهم. وقال ms2928 البلخي: يجوز ان يكون المراد { جعلنا ~~في أعناقهم أغلالا } من الآيات والبينات { وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~ومن خلفهم سدا } منها { فأغشيناهم } بها { فهم } مع ذلك { لا يبصرون } ~~بدليل قوله # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض # وقرأ ابن مسعود وابن عباس { إنا جعلنا في ايمانهم اغلالا } لأن الغل لا ~~يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، والمعنى إنا جعلنا في ~~اعناقهم وفي أيمانهم اغلالا وقوله { فهي } كناية عن الايدي لا عن ~~الاعناق، لأن الغل يجعل اليد تلي الذقن، والعنق والعنق هو مقارب الذقن، ~~لان الغ يجعل العنق إلى الذقن. # وقرأ الحسن { فأغشيناهم } بالعين المهملة، وهو ما يلحق من ضعف البصر ~~وقيل: الآية نزلت في ابي جهل، لانه هم بقتل النبي صلى الله عليه وآله ~~فكان إذا خرج بالليل لا يراه، ويحول الله بينه وبينه. وقيل: السد فعل ~~الانسان، والسد بالضم خلقه تعالى { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أي حكمنا ~~عليهم بأنهم كمن غشي بصره فهم لا يبصرون لذلك. وقيل: اغشيناهم بظلمة ~~الكفر فهم لا يبصرون الهدى. وقيل: بظلمة الليل فهم لا يبصرون النبي صلى ~~الله عليه وآله. ثم قال { سواء عليهم أأنذرتهم } يا محمد وخوفتهم { أم لم ~~تنذرهم } وتخوفهم بالعقاب { فهم لا يؤمنون } للعناد وترك الالتفات والفكر ~~في ما يخوفهم منه، فاستوى علمه تعالى في تركهم الايمان وعدولهم عنه إلى ~~الكفر بسوء اختيارهم. ### || [36.11-15] # قرأ ابو بكر عن عاصم { فعززنا } مخففا بمعنى فقهرنا من قولهم: من عزيز ~~الباقون بالتشديد يعني قوينا الاثنين بثالث معينا، لما قال الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وآله إن هؤلاء الكفار لا يؤمنون أبدا واخبره بأنه ~~سواء عليهم الانذار وترك الانذار بين ههنا حال من ينتفع بالانذار فقال { ~~إنما تنذر من اتبع الذكر } ومعناه إنما ينتفع بانذارك وتخويفك من اتبع ~~الذكر، لان نفس الانذار قد حصل للجميع وأضافه - ها هنا - إلى من اتبع ~~الذكر لما كانوا المنتفعين به، كما قال { هدى للمتقين }. والذكر المذكور ~~- ها هنا - القرآن - في ms2929 قول قتادة - { وخشي الرحمن بالغيب } قيل في معناه ~~قولان: # احدهما - وخشى الرحمن وخاف ارتكاب معاصيه في غيبه عن الناس. # والثاني - وخشي الرحمن في ما غاب عنه من الآخرة وأمرها. # ثم قال لنبيه من هذه صفته { فبشره بمغفرة } من الله لذنوبه { واجر } أي ~~ثواب { كريم } وهو ما يفعله الله على وجه الاجلال والاكرام. وقيل: الاجر ~~الكريم الجنة. # ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال { إنا نحن نحي الموتي } بعد أن افنيناهم { ~~ونكتب ما قدموا } من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وهو قول مجاهد ~~وقتادة { وآثارهم } قال مجاهد: يعني خطاهم إلى المساجد، لان بني سلمة من ~~الانصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم من المسجد ~~والصلاة مع رسول الله، فنزلت فيهم الآية. وقيل: معناه وآثارهم التي تبقى ~~بعدهم ويقتدى بهم فيها. # ثم قال { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } ومعناه أحصيناه في كتاب ظاهر، ~~وهو اللوح المحفوظ. والوجه في احصاء ذلك في إمام مبين اعتبار الملائكة به ~~إذا قابلوا به ما يحدث من الامور، وكان فيه دليل على معلومات الله على ~~التفصيل. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { واضرب لهم مثلا } معناه اذكر لهم ~~مثلا. وقيل: معناه مثل لهم مثلا، من قولهم: هؤلاء اضراب أي امثال. وقوله ~~{ أصحاب القرية } قال عكرمة والفراء: هي انطاكية { إذ جاءها المرسلون } ~~اي حيث بعث الله اليهم بالرسل { إذ أرسلنا إليهم اثنين } يعني رسولين. ~~وقال قوم: كانا رسولي عيسى من حواريه. وقال آخرون: كانا رسولين من رسل ~~الله وهو الظاهر { فكذبوهما } أي جحدوا نبوتهما { فعززنا بثالث } أي ~~فعززهما الله بثالث فيمن قرأ بالتشديد وشد ظهرهما به - في قول مجاهد وابن ~~زيد - ومن خفف أراد فغلب الله بثالث أرسله اليهم { فقالوا } لهم يا اهل ~~القرية { إنا إليكم مرسلون } ارسلنا الله اليكم { قالوا } لهم { ما أنتم ~~إلا بشر مثلنا } أي ليس أنتم إلا بشر أمثالنا، فدخلت عليهم الشبهة ~~فاعتقدوا أنه من حيث انهم امثالهم في البشرية لا يصلح ان يكونوا رسلا كما ~~لا يصلحون هم ms2930 لذلك { وما أنزل الرحمن من شيء } مما تذكرونه وتدعونا اليه ~~{ إن أنتم إلا تكذبون } أي ليس انتم إلا كاذبون على الله ومتخرصون عليه ~~في ادعائكم الرسالة، وذهب عنهم معنى # اخترناهم على علم على العالمين # وأنه تعالى علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة وتحملهم لاعبائها ولم يعلم ~~ذلك من حالهم بل على خلاف ذلك. ### || [36.16-20] # لما حكى الله تعالى عن اهل القرية انهم قالوا للرسل { إن أنتم إلا ~~تكذبون } في ادعائكم الرسالة على الله حكى ما اجابهم به الرسل فانهم { ~~قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون } ووجه الاحتجاج بذلك انه يلزمهم ~~بقولهم الحذر من مخالفتهم والنظر في معجزاتهم ليعلموا انهم صادقون على ~~الله، ففي ذلك تحذير شديد. ثم قال الرسل لهم أيضا { وما علينا إلا ~~البلاغ المبين } أي ليس يلزمنا اكثر من البلاغ المبين، والمعنى انه لو ~~جاءكم رسول غيرنا هل كان عليه إلا البلاغ؟ على حد ما بلغنا. والبلاغ مجيء ~~الشيء إلى حد يقف عنده، بلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا، فهو بالغ. ومنه ~~البلاغة، ومثل الابلاغ الافهام والايصال. والمبين صفة للبلاغ، وهو الظاهر ~~الذي لا شبهة فيه، فقالوا لهم في الجواب عن ذلك حين عجزوا عن إيراد ~~شبهتم، وعدلوا عن النظر في معجزهم { إنا تطيرنا بكم } أي تشاءمنا بكم، ~~والتطير التشاؤم. ثم هددوهم فقالوا { لئن لم تنتهوا } عن ما تدعونه من ~~النبوة والرسالة { لنرجمنكم } بالحجارة - في قول قتادة - وقال مجاهد: ~~معناه لنشتمنكم: فالرجم الرمي بالحجارة، يقال: رجم يرجم رجما، ورجم ~~بالغيب ترجيما { وليمسنكم منا عذاب أليم } عند ذلك، فقال لهم الرسل { ~~طائركم معكم } أي الشؤم كله معكم باقامتكم على الكفر بالله. وقال الفراء: ~~معنى { طائركم معكم } أي اعمالكم في رقابكم تجازون عليها. وقال المبرد: ~~معنى { طائركم } حظكم ونصيبكم من الخير والشر. وهو قول ابي عبيدة. ~~والطيرة الشؤم. ومنه قوله صلى الله عليه وآله # " لا عدوى ولا هامه ولا صقر ولا غلول " # وفلان لا يطير غرابه، وهو ساكن الطائر، إذا كان ساكنا وقورا، وفلان لا ~~يطور بنا أي لا يقربنا، وما ms2931 في الدار طوري ولا طوراني أي لا أحد. وعدا ~~فلان طوره إذا جاوز قدره. # وقوله { ائن ذكرتم } قرأه ابن كثير ونافع وابو عمرو والمفضل عن عاصم - ~~بهمزة بعدها ياء - وهي همزة بين بين. والباقون بهمزتين مخففتين: احداهما ~~همزة الاستفهام، والاخرى - همزة (إن) وجواب (ائن ذكرتم) محذوف وتقديره ~~أئن ذكرتم هذا القول. وقال قوم: معناه أئن ذكرتم طائركم معكم وقال قوم: ~~جعله جزاء قدم خبره عليه لما كان غير مجزوم اللفظ. وقيل: أئن ذكرتم ~~تطيركم قلتم ما قلتم، { بل أنتم قوم مسرفون } على نفوسكم، لانكم تجاوزتم ~~حد العصيان حين كفرتم بالله وبوحدانيته. وقيل: كان اسم صاحب (يس) الذي ~~قتله قومه حبيب بن مري. # حكى الله تعالى انه { جاء من أقصى المدينة رجل يسعى } أي رجل من أبعد ~~المدينة جاء يعدوا ويشتد { فقال يا قوم اتبعوا المرسلين } الذين أرسلهم ~~الله اليكم واقروا بنبوتهم وبرسالتهم. وقرأ ابو جعفر { أئن } بفتح الهمزة ~~الثانية. وبه قال زوين بن حبيش. ومعناه لان ذكرتم. الباقون بكسرها. وقرأ ~~ابو جعفر { ذكرتم } بالتخفيف. الباقون بتشديدها. ### || [36.21-30] # قرأ ابوا جعفر { إن كانت إلا صيحة } بالرفع في الموضعين جعلها اسم ~~(كان). الباقون بالنصب على انها خبر كان. # لما حكى الله تعالى ما قال لهؤلاء الكفار الرجل الذي جاءهم من اقصى ~~المدينة وأمرهم بأن يتبعوا الرسل قال لهم ايضا { اتبعوا } معاشر الكفار ~~{ من لا يسألكم أجرا } أي لا يطلب الأجر والجزاء والمكافأة على ما ~~يدعوكم اليه ويحثكم عليه، وإنما يدعوكم نصيحة لكم { وهم } مع ذلك { ~~مهتدون } إلى طريق الحق سالكون سبيله. ثم قال لهم الذي وعظهم وحثهم على ~~طاعة الله واتباع رسله { وما لي لا أعبد الذي فطرني } ومعناه ولم لا أعبد ~~الله واتبع رسله، ومالي لا أعبد الذي فطرني، ومعناه ولم لا أعبد الله ~~الذي خلقني وابتداني وهداني { وإليه ترجعون } أي الذي تردون اليه يوم ~~القيامة حيث لا يملك الأمر والنهي غيره. ثم قال لهم منكرا على قومه ~~عبادتهم غير الله { أأتخذ } أنا على قولكم { من دون الله } الذي فطرني ~~وأنعم ms2932 علي { آلهة } اعبدهم؟! فهذه همزة الاستفهام والمراد بها الانكار، ~~لانه لا جواب لها على اصلهم إلا ما هو منكر في العقول ثم قال { إن يردني ~~الرحمن بضر } معناه ان أراد الله إهلاكي والاضرار بي لا ينفعني شفاعة هذه ~~الآلهة شيئا، ولا يقدرون على انقاذي من ذلك الضرر. ولا يغنون عني شيئا ~~في هذا الباب. وإذا كانوا بهذه الصفة كيف يستحقون العبادة؟! ثم قال { إني ~~إذا لفي ضلال مبين } أي إذا لو فعلت ما تفعلونه وتدعون اليه من عبادة ~~غير الله أكن في عدول عن الحق. والوجه في هذا الاحتجاج أن العبادة لا ~~يستحقها إلا من أنعم بأصول النعم ويفعل من التفضل ما لا يوازيه نعم منعم، ~~فاذا كانت هذه الاصنام لا يصح فيها ذلك كيف تستحق العبادة؟! # ثم قال مخبرا عن نفسه مخاطبا لقومه { إني آمنت } أي صدقت { بربكم } ~~الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود { فاسمعون } مني هذا القول. ~~وقيل: انه خاطب الرسل بهذا القول ليشهدوا له بذلك عند الله. وقال ابن ~~مسعود: إن قومه لما سمعوا منه هذا القول وطؤه بأرجلهم حتى مات. وقال ~~قتادة: رجموه حتى قتلوه. وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله ~~اليه فهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة. قال مجاهد: ~~مثل ذلك. وقالا الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. وقال قوم: إنهم قتلوه إلا ~~أن الله أحياه وادخله الجنة وقال الحسن { من بعده } يعني من بعد رفعه. ~~وقال غيره: من بعد قتله. # ثم حكى الله تعالى ما يقول الملائكة لهذا الداعي من البشارة له بعد موته ~~فانهم يقولون له { ادخل الجنة } مثابا مستحقا للثواب الجزيل على إيمانك ~~بالله فيقول حينئذ { يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي } من الذنوب { ~~وجعلني من المكرمين } عنده. # فهذا المؤمن تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى فيرغبوا فيه ~~ويؤمنوا به لينالوا مثله. والاكرام هو اعطاء المنزلة الرفيعة على وجه ~~التعظيم والتبجيل. وقد فاز من أكرمه الله بالرضوان، كما قال تعالى # ورضوان ms2933 من الله أكبر # لانه سبب يؤدي إلى الجنة. # ثم حكى ما قال وانزل بهؤلاء الكفار من العذاب والاستئصال، فقال { وما ~~أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء } أي كان إهلاكهم عن آخرهم ~~بأيسر أمر: صيحة واحدة حتى صاروا خامدين ذكره ابن مسعود ومعنى { خامدين } ~~هالكين بتلف أنفسهم، والمعنى إنا لم نستعن على إهلاكهم بانزال الجند من ~~السماء { وما كنا منزلين } لهم ليهلكوهم، وما كان إهلاكهم { إلا صيحة ~~واحدة } عظيمة فحين سمعوها هلكوا من عظمها، وماتوا من فزعها. # وقوله { يا حسرة على العباد } قيل: هو قول الذي جاء من أقصى المدينة - ~~ذكره البلخي - وقال غيره: معناه يحتمل شيئين: # احدهما - يا حسرة من العباد على أنفسهم - ذكره قتادة ومجاهد -. # الثاني - انهم قد حلوا محل من يتحسر عليه. وقال ابن عباس: معناه يا ويلا ~~للعباد { ما يأتيهم من رسول } أي ليس يأتيهم من رسول من عند الله { إلا ~~كانوا به يستهزؤن } أي يسخرون منه ويهزؤن به، والذي حكى الله تعالى عنه ~~مخاطبا قومه هو ما قدمنا ذكره: حبيب بن مري - في اقوال المفسرين. ### || [36.31-35] # قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { لما } بتشديد الميم، الباقون بتخفيفها. وقرأ ~~اهل المدينة { الميتة } بالتشديد، لأنه يقال: لما كان حيا ومات ميت ~~بالتشديد، ولما لم يكن حيا بالتخفيف - ذكره الفراء - وقرأ اهل الكوفة ~~إلا حفصا { وما عملت } بغير هاء. الباقون بالهاء. من قرأ { لما } ~~بالتخفيف فانه يكون (ما) في قوله { لما } صلة مؤكدة، وتكون { إن } هي ~~المخففة من الثقيلة وتقديره، وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن قرأ ~~بالتشديد يحتمل شيئين: # احدهما - ان يكون بمعنى (إلا) وتقديره وان كل إلا لجميع لدينا محضرون ~~وتكون { إن } بمعنى الجحد، وكأنه جحد دخل على جحد، فخرج إلى معنى ~~الاثبات. ومثله في الاستعمال سألتك لما فعلت، بمعنى الا فعلت. # والوجه الثاني - أن يكون معنى { لما } بمعنى (لمن ما) فحذفت احدى ~~الميمات، لاجل التضعيف كما قال الشاعر: # غداة طفت علماء بكر بن وائل # وعجنا صدور الخيل نحو تميم # اراد على الماء، فحذف لالتقاء ms2934 المضاعف، وأما (ما) في قوله { وما عملت ~~أيديهم } يحتمل ثلاثة اوجه: # احدها - ان يكون بمعنى الجحد وتقديره ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله ~~أيديهم، ويقوى ذلك قوله # أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # والثاني - ان يكون بمعنى الذي. # والثالث - ان يكون مع ما بعده بمعنى المصدر، فعلى هذا يكون في موضع جر، ~~وتقديره ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته او من عمل ايديهم من انواع ~~الطعوم الذي أنبتوه، والذى غرسوه، ومن الذي يطحنونه ويخبزونه، فمن أثبت ~~الهاء او حذفها تبع المصاحف، لان المصاحف مختلفة. والهاء عائدة على (ما) ~~و (عملت) صلتها. ومن حذف اختصر، لأنها للمفعول به، وكل مفعول يجوز حذفه، ~~كقوله # ما ودعك ربك وما قلى # يريد وما قلاك ومثله # منهم من كلم الله # يريد كلمه الله، وكقوله # أهذا الذى بعث الله رسولا # يريد بعثه الله. # يقول الله تعالى منبها للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول ~~{ ألم يروا } ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار { كم أهلكنا قبلهم من القرون ~~} فمعنى { كم } ها هنا للتكثير، ويفسرها { من القرون } وتقديره ألم يروا ~~كم قرنا أهلكنا قبلهم من القرون، وموضع { كم } نصب ب { يروا } - في قول ~~الكوفيين، وعند البصريين ب { أهلكنا } على تقدير القرون اهلكنا او اكثر ~~{ أنهم إليهم لا يرجعون } ونصب { أنهم } لأنه مفعول { ألم يروا } وكسره ~~الحسن على وجه الاستئناف، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم: انظروا لم ~~لا يرجعون فانكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم، ~~لأنه لا يخلو إهلاكهم اما بالاتفاق من غير اضافة او بالطبيعة او بحي ~~قادر، ولو كان بالاتفاق او بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا، فاذا ~~بطل ذلك، ثبت أن إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم. # ووجه التذكر بكثرة المهلكين أى انكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا ~~لانفسكم واحذروا أن يأتيكم الاهلاك، وانتم في غفلة عما يراد بكم. # والقرون جمع (قرن) وأهل كل عصر يسمى قرنا، لاقترانهم في الوجود والقرن ~~- بكسر ms2935 القاف - هو المقاوم في الحرب، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن ~~الآخر، وكذلك كل ذى قرنين. وقال قتادة { أنهم إليهم لا يرجعون } عاد ~~وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة. ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم { لدينا ~~محضرون } يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم. # وقوله { وآية لهم } على ذلك أي دلالة وحجة قاطعة { الأرض } يعني هي ~~الأرض { الميتة } القحطة المجدبة وهي التي لا تنبت { أحييناها } بالنبات ~~{ واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } من انواع ما يأكلون { وجعلنا فيها } ~~أي وخلقنا في الارض { جنات } يعني بساتين { من نخيل } جمع نخل { وأعناب } ~~جمع عنب { وفجرنا فيها } في تلك الجنات { من العيون } وهي عيون الماء ~~تنبع فيها وتجري ثم بين انه إنما خلق ذلك { ليأكلوا من ثمره } أي غرضنا ~~نفعهم بذلك وانتفاعهم بأكل ثمار تلك الجنات { وما عملته أيديهم } أي ولم ~~تعمل تلك الثمار ايديهم إذا (ما) كانت بمعنى النفي، وإذا كانت معناها ~~معنى الذي يكون تقديره، والذي عملته ايديهم من انواع الاشياء المتخذة من ~~النخل والعنب وكثرة منافعه. وقوله { من ثمره } رد الكناية إلى احدهما كما ~~قال # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله # كما قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # وقوله { أفلا تشكرون } معناه هلا تشكرونه على هذه النعم التي عددتها. ### || [36.36-40] # قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وروح { والقمر قدرناه } رفعا على ~~الاستئناف لأن الفعل مشغول بالضمير العائد إلى القمر. وقال ابو علي: ~~الأجود أن يكون رفعا على تقدير وآية لهم القمر قدرناه، لأنه اشبه بالجمل ~~قبلها. ومن رفعه بالابتداء جعل (لهم) صفة للنكرة والخبر مضمر، وتقديره { ~~وآية لهم } في المشاهدة او الوجود، ويكون قوله { الليل نسلخ منه النهار } ~~تفسير للآية. الباقون بالنصب بتقدير فعل مضمر، ما بعده تفسيره، وتقديره: ~~وقدرنا القمر قدرناه. # يقول الله تعالى منزها نفسه ومعظما لها ودالا بأنه هو الذي يستحق ~~الحمد بما نبه بقوله { سبحان الذي } أي تنزيها للذي { خلق الأزواج كلها ~~} أي تعظيما وتبجيلا له بجميع ما خلق ms2936 من الازواج، وهي الاشكال، والحيوان ~~على مشاكلة الذكر للانثى، وكذلك النخل والحبوب اشكال، والتين والكرم ~~ونحوه اشكال، فلذلك قال { مما تنبت الأرض } يعني من سائر النبات { ومن ~~أنفسهم } من الذكر والانثى { ومما لا يعلمون } مما لم يشاهدوه ولم يصل ~~خبره اليهم. # ثم قال { وآية لهم } يعني دلالة وحجة على صحة ذلك { الليل نسلخ منه ~~النهار } أي نخرج منه النهار { فإذا هم مظلمون } أي داخلون في الظلمة لا ~~ضياء لهم فيه بالشمس، فالسلخ إخراج الشيء من لباسه، ومنه إخراج الحيوان ~~من جلده، يقال سلخ يسلخ سلخا فهو سالخ، ومنه قوله # فانسلخ منها # أي فخرج منها خروج الشيء مما لابسه، ثم قال { والشمس تجري لمستقر لها } ~~آية اخرى. وقيل في معنى المستقر ثلاثة اقوال: # احدها - لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. # الثاني - قال قتادة: لوقت واحد لها لا تعدوه ولا تختلف. # الثالث - إلى ابعد منازلها في الغروب. وقال المبرد معنى { لمستقر لها } ~~أي إلى. ومن قال الشمس لا تستقر بل تتحرك أبدا قال معنى { لمستقر لها } ~~أنها كلما انتهت إلى منقلب الصيف عادت في الرجوع وإذا بلغت منقلب الشتاء ~~عادت إلى الصعود. ثم قال { ذلك تقدير العزيز العليم } أي من قدر الشمس ~~على ذلك إلا القادر الذي لا يضام، العالم بما يفعله؟، ثم قال { والقمر ~~قدرناه } فمن رفع عطف على قوله { والشمس تجري } ومن نصب قدر له فعلا ~~يفسره وقوله { قدرناه منازل } كل يوم ينزل منزلا غير المنزل الأول لا ~~يختلف حاله إلى ان يقطع الفلك { حتى عاد كالعرجون القديم } فالعرجون ~~العذق الذي فيه الشماريخ، فاذا تقادم عهده يبس وتقوس، فشبه به. وقال ~~الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى المنابت في النخلة من العذق، ~~والقديم الذي اشرف على حول. وقوله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } ~~حتى يكون نقصان ضوئها كنقصان القمر، وقال ابو صالح: معناه لا يدرك احدهما ~~ضوء الآخر، وقيل معناه: { لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر } في سرعة ~~سيره { ولا الليل سابق النهار } اي ولا يسبق الليل النهار. ms2937 وقيل: إن ~~احدهما لا يذهب إلى معنى الآخر وكل له مقادير قدرها الله عليه. ثم قال { ~~وكل في فلك يسبحون } يعني الشمس والقمر والكواكب يسبحون في الفلك. وإنما ~~جمعها بالواو والنون لها أضاف اليها افعال الآدميين. وقيل: الفلك مواضع ~~النجوم من الهواء الذي يجري فيه. ومعنى يسبحون يسيرون فيه بانبساط، وكل ~~ما انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومنه السباحة في الماء. ### || [36.41-45] # قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب { ذرياتهم } على الجمع. الباقون { ~~ذريتهم } على التوحيد. # يقول الله تعالى ممتنا على خلقه بضروب نعمه، ودالا لهم على وحدانيته ~~بأن حمل ذريتهم في الفلك المشحون. وقيل: معنى { حملنا ذريتهم } أي ~~قويناهم وهديناهم، كما يقول القائل: حملني فلان إذا اعطاه ما يحمل عليه ~~او هداه إلى ما يحمل عليه. ومن جمع { ذرياتهم } فلأن كل واحد له ذرية. ~~ومن وحد فلأنه لفظ جنس يدل على القليل والكثير، فالحمل منع الشيء أن يذهب ~~إلى جهة السفل، يقال: حمله حملا، فهو حامل والشيء محمول. و (الذرية) ~~فعلية من الذر. وقيل: هو مشتق من (الذرء) الذي هو الخلق. وقد بيناه في ما ~~مضى والفلك السفن، لأنها تدور في الماء، ومنه الفلكة لأنها تدور بالمغزل ~~والفلك لانه يدور بالنجوم، وفلك ثدي المرأة إذا استدار و { المشحون } ~~المملؤ يقال: شحنت الثغر بالرجال أشحنه شحنا إذا ملأته، ومنه الشحنة، ~~لانه يملأ بهم البلد، وإنما خص الذرية - وهم الصبيان والنساء - باللفظ، ~~لأنهم لا قوة لهم على السفر كما يقوى الرجال، فسخر الله لهم السفن بما ~~جعلها على الماء وعدل الريح ليمكن الحمل في البحر، وجعل الأبل في البر. ~~وقال قتادة والضحاك: المعني بقوله { حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } ~~سفينة نوح. و { خلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال ابن عباس، وهو قول ~~مجاهد: ان المراد به الأبل وهي سفن البر. # وقوله { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } معناه إنا لو شئنا إذا حملناهم ~~في السفن أن نغرقهم فعلنا { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم ولا صارخ ~~بالاستغاثة قال الشاعر: ms2938 # كنا إذا ما اتانا صارخ فزع # كان الصراخ له قرع الطنابيب # أي لا شيء اعانته إلا الجد في نصرته، والطنبوب عظم الساق. وقيل: معنى ~~الصريخ المعين عند الصراخ بالاستغاثة، وكأنه قال: لا معين لهم يعينهم عند ~~ذلك { ولا هم ينقذون } أي ولا يخلصون ايضا من الغرق إذا اردناه. وقوله { ~~إلا رحمة منا } معناه إلا أن نرحمهم رحمة منا ونمتعهم { متاعا } ويحتمل ~~إلا لرحمة منا، فيكون مفعولا له، و { إلى حين } أي إلى وقت ما قدرناه ~~لاهلاكهم وتقضي آجالهم، ونخلصهم في الحال من اهوال البحر. # وقوله { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم } قال قتادة: معناه ما بين ~~أيديكم من عذاب الله لمن خلا قبلكم اتقوا مثله باجتناب معاصيه { وما ~~خلفكم } من أمر الساعة { لعلكم ترحمون } لكي ترحموا عند ذلك وحذف الجواب، ~~كأنه إذا قيل: لهم هذا اعرضوا. وقال مجاهد: معنى { ما بين أيديكم } هو ما ~~يأتي من الذنوب اجتنبوه في المستقبل { وما خلفكم } يعني ما مضى من ذنوبكم ~~تلافوه بالتوة لترحموا. ### || [36.46-50] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { يخصمون } بفتح الخاء وتشديد الصاد إلا أن أبا ~~عمرو يختلس حركة الخاء. وقرأ نافع - بفتح الياء وتسكين الخاء مشدد الصاد ~~- يجمع بين ساكنين. وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي - بفتح الياء وكسر ~~الخاء وتشديد الصاد - وقرأ حمزة - بفتح الياء وتسكين الخاء وتخفيف الصاد ~~- فمعنى هذه القراءة: وهم يخصمون عند انفسهم في دفع النشأة الثانية ~~والقراءتان الأوليتان بمعنى يختصمون، فأدغمت الياء في الصاد بعد أن ~~اسكنت. فمن أسكن الخاء، فلأنها في الأصل ساكنة، ومن فتحها نقل حركة الياء ~~اليها. ومن كسر الخاء اتبع كسرتها كسرة الصاد. وفي القراء من كسر الياء ~~اتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا يهدي، وهو يجيء عن أبي بكر. # يقول: الله تعالى مخبرا عن عناد هؤلاء الكفار وشدة جهلهم بأنه { ما ~~تأتيهم من آية } أى دلالة وحجة من حجج الله و { من } تزاد في النفي إذا ~~أريد بها الاستغراق، كقولهم: ما جاءني من احد ومعناه ما جاءني احد. و { ~~من } الثانية للتبعيض، ms2939 لأنه ليس كل آيات الله جاءتهم، غير انه تعالى قال ~~ليس تأتيهم من آية أى أي آية كانت { من آيات ربهم إلا كانوا } هؤلاء ~~الكفار { عنها معرضين } أى ذاهبين عنها وتاركين لها ومعرضين عن النظر ~~فيها، وكل من اعرض عن الداعي إلى كتاب الله وآياته التي نصبها لعباده ~~ليعرفوه بها فقد ضل عن الهدى وخسر الدنيا والآخرة. # ثم اخبر تعالى انه إذا قيل لهم: ايضا { أنفقوا مما رزقكم الله } في ~~طاعته واخرجوا ما اوجب الله عليكم في أموالكم - من الزكوات وغيرها وضعوها ~~في مواضعها { قال الذين كفروا } بوحدانية الله وجحدوا ربوبيته وكذبوا ~~بنبوة نبيه { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } احتجاجا منهم في منع ~~الحقوق، بأن يقولوا كيف نطعم من الله قادر على أطعامه؟! ولو شاء إطعامه ~~أطعمه، فاذا لم يطعمه دل على انه لم يشأ إطعامه فنحن إذا أحق بذلك. وذهب ~~عليهم أن الله تعبدهم بذلك، لما فيه من المصلحة واللطف في فعل الواجبات ~~وترك المقبحات، فلذلك كلفهم إطعام غيرهم. و (الرزق) هو ما خلق الله لخلقه ~~لينتفعوا به على وجه لا يكون لاحد منعه منه فعلى هذا الوجه لا يكون ~~الحرام رزقا، فان الله تعالى قد منع منه بالنهي وقد سمي رزقا ما يصلح ~~للانتفاع به مجازا، فعلى هذا ليس كل ما رزقه الله العبد جعل له الانفاق ~~منه والتصرف فيه، وعلى الأول - وهو الاصح - جعل له ذلك. ثم قال لنبيه صلى ~~الله عليه وآله قل لهم يا محمد { إن أنتم إلا في ضلال مبين } أي ليس لكم ~~هداية وما انتم إلا في ذهاب عن الحق وعدول عنه بين، فعلى هذا قول من قال: ~~هو من قول الله تعالى صحيح. # وقال قوم: هو من قول المشركين كأنهم لما قالوا: انطعم من لو يشاء الله ~~اطعمه؟ قالوا لرسله ليس انتم إلا في ضلال مبين في ما تدعونا اليه. # ثم اخبر تعالى عن الكفار انهم { يقولون متى هذا الوعد } الذي تعدنا به ~~من نزول العذاب بنا استهزاء بخبره صلى الله ms2940 عليه وآله وخبر المؤمنين ~~وتجريا على الله { إن كنتم صادقين } في ما تدعونا اليه وتخوفونا منه. ~~فقال الله تعالى في جوابهم { ما ينظرون } أي لا ينتظرون { إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون } في هل ينزل العذاب بهم أم لا؟ وإنما جعلهم منتظرين ~~لما قالوا: متى هذا الوعد، لأن من يلتمس الوعد يكون متنظرا لما وعد به { ~~تأخذهم } في حال خصامهم { فلا يستطيعون توصية } أي لا يقدر بعضهم على ان ~~يوصي إلى بعض { ولا إلى أهلهم يرجعون } أى لا يردون إلى اهلهم فيوصون ~~اليهم. والصيحة التي تأخذهم هي الصيحة الأولى في الدنيا عند قيام الساعة ~~{ تأتيهم بغتة } والرجل يسقي أبله وآخر يبيع سلعته على عادتهم في ~~تصرفاتهم، فاذا اخذتهم ونزلت بهم لم يستطيعوا توصية ولم يرجعوا إلى أهلهم ~~للمعاجلة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال # " هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين ~~". ### || [36.51-60] # قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { في شغل } خفيفة. الباقون بضم الغين ~~مثقلة، وهما لغتان. وقرأ ابو جعفر { فكهون } بغير ألف حيث وقع، وافقه حفص ~~والداحوني عن ابن ذكوان في (المطففين). وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { في ~~ظلل } على انه جمع ظلة مثل ظلمة وظلم وتحفة وتحف، الباقون { في ظلال } ~~مثل برمة وبرام، وقلة وقلال. وقيل: هو جمع ظل وظلال، وهو الكن، كما قال # يتفيؤ ظلاله # وقال ابو عبيدة: هو جمع الظل أظلال. # يقول الله تعالى مخبرا { ونفخ في الصور } وقيل: إن الصور قرن ينفخ فيه ~~إسرافيل فيخرج من جوفه صوت عظيم يميل العباد اليه، لأنه كالداعي لهم إلى ~~نفسه. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل بسرة وبسر، ولو جعلوه مثل ~~(ظلمة، وظلم) لقالوا: صور بفتح الواو، وهو مشتق من الميل، صاره يصوره ~~صورا إذا أماله ومنه قوله # فصرهن إليك # أي أملهن اليك ومنه الصورة، لأنها تميل إلى مثلها بالمشاكلة. وقوله { ~~فإذا هم من الأجداث } وهو جمع جدث، وهو القبر، فلغة اهل العالية بالثاء، ~~ولغة أهل السافلة بالفاء يقولون: جدف ms2941 إلى ربهم ينسلون أي يسرعون والنسول ~~الاسراع في الخروج كما قال الشاعر: # عسلان الذئب أمسى قاربا # برد الليل عليه فنسل # يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: # وإن تك قد ساءتك مني خليقة # فسلي ثيابي من ثيابك تنسل # وقال قتادة: الموتة بين النفختين. ثم حكى ما يقول الخلائق إذا حشروا، ~~فانهم { يقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } أي من حشرنا من منامنا ~~الذي كنا فيه نياما، ثم يقولون { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } في ~~ما أخبرونا عن هذا المقام وعن هذا البعث. فان قيل: هذا ينافي قول ~~المسلمين الذين يقولون: الكافر يعذب في قبره، لأنه لو كان معذبا لما كان ~~في المنام!. قيل: يحتمل ان يكون العذاب في القبر ولا يتصل إلى يوم البعث، ~~فتكون النومة بين الحالين. يحتمل لو كان متصلا أن يكون ذلك عبارة عن عظم ~~ما يشاهدونه ويحضرون فيه يوم القيامة، فكأنهم كانوا قبل ذلك في مرقد، وإن ~~كانوا في عذاب لما كان قليلا بالاضافة إلى الحاضر. وقال قتادة: قوله { ~~هذا ما وعد الرحمن } حكاية قول المؤمن. وقال ابن زيد والجبائي: هو قول ~~الكفار، وهو أشبه بالظاهر، لأنه تعالى حكى عنهم انهم يقولون: يا ويلنا، ~~والمؤمن لا يدعو بالويل لعلمه بماله من نعيم الجنة. وقال الفراء: هو من ~~قول الملائكة. # وقال تعالى مخبرا عن سرعة بعثهم وسرعة اجتماعهم { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة } والمعنى ليست المدة إلا مدة صيحة واحدة { فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون } ثم حكى تعالى ما يقوله - عز وجل - يومئذ للخلائق فانه يقول لهم ~~{ فاليوم لا تظلم نفس شيئا } أي لا ينقص من له حق من حقه شيئا من ثواب ~~او عوض او غير ذلك، ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب بل الامور جارية ~~على العدل { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } ومعناه لا يجازى الانسان إلا ~~على قدر عمله، إن كان عاملا بالطاعة جوزي بالثواب. # وإن كان عاصيا جوزي بالعقاب على قدر عمله من غير زيادة عليه ولا نقصان، ms2942 ~~إلا أن يتفضل الله باسقاط عقابه. # ثم قال تعالى { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } يعني يشغلهم ~~النعيم الذي يغمرهم بسرورهم به عن غيره. وقال ابن مسعود وابن عباس: الشغل ~~كناية عن افتضاض الابكار. وقيل استماع الألحان { فاكهون } قال ابن عباس: ~~معناه فرحون. وقال مجاهد: عجبون، وقيل: ذو فاكهة، كما يقال لاحم شاحم أي ~~ذو لحم وشحم، وعاسل ذو عسل، قال الحطيئة: # وعززتني وزعمت انك لابن في الصيف تامر # أي ذو لبن وتمر. وقيل: فاكه وفكه مثل حاذر وحذر. والفكه الذي يتمرى ~~بالشيء. # ثم اخبر عن حال أهل الجنة فقال { هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك } ~~فالازواج جمع زوجة وهي حرة الرجل الذي يحل له وطؤها. ويقال للمرأة زوج ~~ايضا بغير هاء في الموضع الذي لا يلتبس بالذكر، والظلال الستار عن وهج ~~الشمس وسمومها، فاهل الجنة في مثل ذلك الحال في الطيبة من الظلال الذي لا ~~حر فيه ولا برد. وقيل: الظل الكن وجمعه ظلال. وقيل هو جمع ظلة وظلال، مثل ~~قلة وقلال، ومن قرأ ظلل، فعلى وزن ظلمة وظلم، وقلة وقلل. والارائك جمع ~~أريكة وهي الوسادة، وجمعها وسائد، ويجمع أيضا أرك كقولهم سفينة وسفن ~~وسفائن، وهذه جلسة الملوك العظماء من الناس. وقيل الارائك الفرش، قال ذو ~~الرمة: # خدودا جفت في السير حتى كأنما # يباشرن بالمعزاء مس الارائك # وقال عكرمة وقتادة: الارائك الحجال على السرر { متكئون } فمتكئ مفتعل من ~~توكأت، إلا أن الواو أبدلت تاء. ثم قال { لهم فيها } في الجنة { فاكهة، ~~ولهم ما يدعون } أي ما يتمنون، وقال ابو عبيدة: يقول العرب: ادع على ما ~~شئت أي تمن ما شئت، وقيل: معناه إن من ادعى شيئا فهو له بحكم الله ~~تعالى، لانه قد هذبت طباعهم، فلا يدعون إلا ما يحسن منهم. وقوله { سلام ~~قولا من رب رحيم } معناه ولهم سلام قولا من رب رحيم يسمعونه من الله ~~تعالى ويؤذنهم بدوام الأمن والسلامة ودوامهما مع سبوغ النعمة والكرامة. ~~ثم يقول للعصاة { امتازوا اليوم أيها المجرمون } ومعناه انفصلوا معاشر ~~العصاة ms2943 وامتازوا، الذين اجترموا وارتكبوا من المعاصي من جملة المؤمنين، ~~وقال قتادة: معناه اعتزلوا معاشر العصاة عن كل خير، يقال تميز الشيء ~~تميزا، وميزته تمييزا، وأنماز انميازا. # ثم حكى ما يقول تعالى لهم فانه يقول لهم { ألم أعهد إليكم يا بني آدم } ~~يعني على لسان أنبيائه { أن لا تعبدوا الشيطان } فجعل عبادتهم للاوثان ~~بأمر الشيطان عبادة له { إنه لكم عدو مبين } أي، وقلت لكم أن الشيطان لكم ~~عدو مبين أي ظاهرة عداوته لكم. ### || [36.61-65] # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس { جبلا } بضم الجيم والباء ~~خفيفة اللام. وقرأ نافع وابو جعفر وعاصم بكسر الجيم والباء مشددة. وقرأ ~~ابو عمرو وابن عامر بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة. هذه كلها لغات والمعنى ~~واحد. قال النوري يقال: جبلا وجبلا وجبلا وجبلا. وحكى غيره التشديد. # لما حكى الله تعالى ما يقوله الكفار يوم القيامة ويواقفهم عليه من انه ~~عهد اليهم أن لا تعبدوا الشيطان وانه عدوهم، حكى انه كان أمرهم أيضا بأن ~~يعبدوا الله وأن عبادته صراط مستقيم، فوصف عبادته تعالى بأنه طريق مستقيم ~~من حيث كان طريقا مستقيما إلى الجنة. وانه لا تخليط فيه ولا تعريج. ثم ~~قال { ولقد أضل منكم } يعني أضل عن الدين الشيطان منكم { جبلا كثيرا } ~~أي خلقا كثيرا وإضلاله إياهم هو إغواؤه لهم، كما أضل السامري قوم موسى ~~لما دعاهم إلى عبادة العجل، فكان الاضلال على هذا الوجه قبيحا، فأما ~~إضلال الله تعالى للكفار عن طريق الجنة إلى طريق النار او إضلالهم بمعنى ~~الحكم عليهم بالضلال، فهو حسن. وأمر الشيطان بالضلال الذي يقع معه القبول ~~إضلال كما يسمى الأمر بالاهتداء الذي يقع عنده القبول هدى. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في إرادة الله اضلالهم، لان ذلك ~~اضر عليهم من إرادة الشيطان واشد عليهم في إيجاد العداوة قبل أن يكفروا. ~~و (الجبل) الجمع الذين جبلوا على خليقة، وجبلوا أى طبعوا. وأصل الجبل ~~الطبع ومنه جبلت التراب بالماء إذا صيرته طينا يصلح أن يطبع فيه، ومنه ~~الجبل لأنه مطبوع على ms2944 الثبات { أفلم تكونوا تعقلون } أنه يغويكم ويصدكم ~~عن دين الحق فتنتبهون عليه، فهو بصورة الاستفهام ومعناه الانكار عليهم ~~والتبكيت لهم. # ثم يقول الله لهم { هذه جهنم التي كنتم توعدون } بها في دار التكليف ~~حاضرة تشاهدونها { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } معناه الزموا العذاب ~~بها، وأصل الصلو اللزوم فمنه المصلي الذي يجيء في أثر السابق للزومه أثره ~~والصلوان مكتنفا ذنب الفرس للزومها وموضعها. وقولهم: صلى على عادتها ~~للزومه الدعاء، وسميت الصلاة صلاة للزوم الدعاء فيها. وقوله { بما كنتم ~~تكفرون } أي جزاء على كفركم بالله وجحدكم لوحدانيته وتكذيبكم انبياءه. # ثم اخبر تعالى بأنه يختم على افواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على ~~الكلام والنطق { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } قيل: في ~~معنى شهادة الأيدى قولان: # احدهما - إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف ~~بذنوبها. # والثاني - انه يجعل الله فيها كلاما ونسبه اليها لما ظهر من جهتها، ~~وقال قوم: انه يظهر فيها من الامارات ما تدل على ان اصحابها عصوا وجنوا ~~بها أقبح الجنايات فسمى ذلك شهادة، كما يقال: عيناك تشهد لسهرك، وقال ~~الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # وغير ذلك مما قد بيناه في ما تقدم، وكل ذلك جائز، وقال آخر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب ### || [36.66-70] # قرأ ابو بكر عن عاصم { مكاناتهم } على الجمع. الباقون على التوحيد، لأنه ~~يدل على القليل والكثير. وقرأ عاصم وحمزة { ننكسه } بضم النون الأولى ~~وفتح الثانية وتشديد الكاف. الباقون بفتح النون الأولى وتخفيف الثانية ~~وتخفيف الكاف، وهما لغتان تقول: نكست ونكست مثل رددت ورددت غير ان ~~التشديد للتكثير، والتخفيف يحتمل القليل والكثير، وقال ابو عمرو بالتشديد ~~إن ترك الرجل من دأبه، وبالتخفيف ان يرده إلى ارذل العمر، ففرق بينهما. ~~وقرأ نافع وابوا جعفر والداحوني عن هشام والنقار ويعقوب { أفلا تعقلون } ~~بالتاء. الباقون بالياء، والأول على الخطاب، والثاني على الخبر عن ~~الغائب. وقرأ اهل المدينة وابن عامر { لتنذر } بالتاء. الباقون بالياء. # يقول الله تعالى ms2945 مخبرا عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا ~~وحدانيته وعبدوا سواه وجحدوا رسله إنا { لو نشاء لطمسنا على أعينهم } قال ~~ابن عباس: معناه إنا لو شئنا أعميناهم عن الهدى. وقال الحسن وقتادة: ~~معناه لتركناهم عميا يترددون والطمس محو الشئ حتى يذهب أثره، فالطمس على ~~العين كالطمس على الكتاب، ومثله الطمس على المال: إذهابه حتى لا يقع على ~~إدراكه { فاستبقوا الصراط } ومعناه طلبوا النجاة. والسبق اليها ولا بصر ~~لهم { فأنى تبصرون } وقيل: معناه فاستبقوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا ~~اليها. وقال ابن عباس: معناه طلبوا طريق الحق وقد عموا عنها. والطمس على ~~العين إذهاب الشق الذي بين الجفنتين، كما تطمس الريح الأثر يقال أعمى ~~مطموس، وطمس أي عمي { فاستبقوا } معناه فابتدروا، وهذا بيان من الله أنهم ~~في قبضته، وهو قادر على ما يريد بهم، فليحذروا تنكيله بهم. ثم قال زيادة ~~في التحذير والارهاب { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } والمسخ قلب ~~الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوما قردة وخنازير، والمسخ نهاية ~~التنكيل. وقال الحسن وقتادة: معناه لمسخناهم على مقعدهم على أرجلهم ~~والمكانة والمكان واحد، ولو فعلنا بهم ذلك { فما استطاعوا مضيا } أي لما ~~قدروا أن يذهبوا أصلا ولا أن يجيئوا ثم قال { ومن نعمره ننكسه في الخلق } ~~معناه إن من طولنا عمره نصيره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى ~~النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى والخلاقة. وقيل معناه: نصيره ~~ونرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي وغروب العلم وضعف القوى ذكره ~~قتادة. # وقوله { أفلا تعقلون } يعني ما ذكرناه بأن تفكروا فيه فتعرفوا صحة ما ~~قلناه. # ثم اخبر تعالى عن نبيه صلى الله عليه وآله فقال { وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له } ومعناه ما علمناه الشعر لأنا لو علمناه ذلك لدخلت به الشبهة ~~على قوم في ما اتي به من القرآن وأنه قدر على ذلك لما في طبعه من الفطنة ~~للشعر. # وقيل: لما لم يعط الله نبيه العلم بالشعر وإنشائه لم يكن قد علمه الشعر، ~~لأنه الذي يعطي ms2946 فطنة ذلك من يشاء من عباده. ثم قال { إن هو إلا ذكر وقرآن ~~مبين } يعنى ليس الذي أنزلناه عليه شعرا بل ليس إلا ذكر من الله { وقرآن ~~مبين لتنذر به } يعني واضح، وفعلنا ذلك وغرضنا أن تنذر به أي تخوف به من ~~معاصي الله { من كان حيا } قيل: معناه من كان مؤمنا، لأن الكافر شبهه ~~ومثله بالاموات في قوله # أموات غير أحياء # ويقويه قوله { ويحق القول على الكافرين } ويجوز أن يكون أراد من كان ~~حيا عاقلا دون من كان جمادا لا يعقل، ويحق القول على الكافرين إذا لم ~~يقبلوه وخالفوا فيه. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله لأنه الذي يخوف. ومن قرأ بالياء معناه إن الله الذي يخوفهم ويرهبهم ~~بالقرآن، لانه الذي أنشأه، ويجوز أن يكون القرآن هو الذي ينذر من حيث ~~تضمن الانذار. ### || [36.71-75] # يقول الله تعالى منبها لخلقه على الاستدلال على معرفته { أولم يروا } ~~ومعناه او لم يعلموا { أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما } ومعناه ~~إنا عملناه من غير أن نكله إلى غيرنا، فهو بمنزلة ما يعمله العباد ~~بأيديهم في انهم تولوا فعله ولم يكلوه إلى غيرهم، وتقديره انا تولينا خلق ~~الانعام لهم بأنفسنا. والأنعام جمع النعم، وهي الأبل والبقر والغنم { فهم ~~لها مالكون } معناه. لو لم يخلق ذلك لما صح ملكهم لها، وكذلك سائر أملاك ~~العباد بهذه الصفة فهو المنعم على عباده بكل ما ملكوه، وبحسب ما ينتفعون ~~به يكون حاله حال المنعم. واليد في اللغة على أربعة أقسام: احدهما - ~~الجارحة. والثاني - النعمة. والثالث - القوة. والرابع - بمعنى تحقيق ~~الاضافة. تقول: له عندي يد بيضاء أي نعمة، وتلقى قولي باليدين أي بالقوة ~~والتقبل، وقول الشاعر: # دعوت لما نابني مسورا # فلبى فلبى يدي مسور # فهذا بمعنى تحقيق الاضافة. وتقول هذا ما جنت يدك، وما كسبت يدك أي ما ~~كسبت أنت. # وقوله { وذللناها لهم } فتذليل الانعام تسخيرها بالانقياد ورفع النفور ~~لان الوحشي من الحيوان نفور، والانسي مذلل بما جعله الله فيه من الانس ~~والسكون، ms2947 ورفع عنه من الاستيحاش والنفور. وقوله { فمنها ركوبهم ومنها ~~يأكلون } قسمة الانعام، فان الله تعالى جعل منها ما يركب ومنها ما يذبح ~~وينتفع بلحمه ويؤكل، فالركوب - بفتح الراء - صفة. يقال: دابة ركوب أي ~~تصلح للركوب، والركوب - بضم الراء - مصدر ركبت. وقرأت عائشة { فمنها ~~ركوبتهم } مثل الحلوبة. وقوله { ولهم فيها منافع ومشارب } فمن منافعها ~~لبس اصوافها وشرب ألبانها واكل لحومها وركوب ظهورها إلى غير ذلك من انواع ~~المنافع الكثيرة فيها. ثم قال { أفلا تشكرون } الله على هذه النعم ~~المختلفة المتقنة. # ثم اخبر عن حال الكفار فقال { واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون } ~~يعبدونها لكي ينصروهم. ثم قال تعالى { فلا يستطيعون نصرهم } يعني هذه ~~الآلهة التي اتخذوها وعبدوها لا تقدر على نصرهم والدفع عنهم ما ينزل بهم ~~من عذاب الله { وهم لهم جند محضرون } ومعناه إن هذه الآلهة معهم في النار ~~محضرون، لأن كل حزب مع ما عبد من الأوثان في النار، كما قال { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم } إلا من استثناه بقوله # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم ~~في ما اشتهت أنفسهم خالدون # فاما الاصنام فان الله تعالى يجعلها مع من عبدها في النار، فلا الجند ~~يدفعون عنها الاحراق بالنار ولا هم يدفع عنهم العذاب. وقال قتادة: يعني ~~وهم لهم جند محضرون أي وهم يغضبون للاوثان في الدنيا. ### || [36.76-83] # قرأ رويس { يقدر } بالياء وجعله فعلا مستقبلا. وقرأ الكسائي وابن عباس { ~~فيكون } نصبا عطفا على { أن نقول.... فيكون } الباقون بالرفع بتقدير، ~~فهو يكون. # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التسلية له عن ~~تكذيب قومه إياه، فقال { فلا يحزنك قولهم } وضم الياء نافع، وحزن وأحزن ~~لغتان. والحزن ألم القلب بما يرد عليه مما ينافي الطبع، ومثله الغم، وضده ~~السرور والفرح والمعني في صرف الحزن عن النبي صلى الله عليه وآله في كفر ~~قومه هو أن ضرر كفرهم عائد عليهم، لانهم يعاقبون به دون غيرهم. ثم قال ms2948 { ~~إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } أي ما يظهرونه وما يبطنونه فنجازي كلا ~~منهم على قدره لا يخفى علينا شيء منها. ثم قال منبها لخلقه على ~~الاستدلال على صحة الاعادة والنشأة الثانية، فقال { أولم ير الإنسان } ~~ومعناه أولم يعلم { أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين } ومعناه إنا ~~نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ~~ومن العظم إلى أن جعلناه خلقا سويا وجعلنا فيه الروح وأخرجناه من بطن ~~أمه وربيناه ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله وصار متكلما خصيما ~~عليما، فمن قدر على جميع ذلك كيف لا يقدر على الاعادة، وهي أسهل من جميع ~~ذلك؟! ولا يجوز أن يكون خلق الانسان ولا خالق له، ولا أن يكون واقعا ~~بالطبيعة، لانها في حكم الموات في أنها ليست حية قادرة، ومن كان كذلك لا ~~يصح منه الفعل ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لان المحدث لا بد له من محدث ~~قادر وإذا كان محكما فلا بد من كونه عالما. # وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر، لان الله تعالى أقام الحجة على ~~المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى، وأنه يلزم من أقر ~~بالأولى أن يقر بالثانية. # ثم حكى تعالى عن بعض الكفار انه { ضرب لنا } أي ضرب لله { مثلا ونسي ~~خلقه } كيف كان في الابتداء { فقال من يحيي العظام وهي رميم } فقال ~~قتادة، ومجاهد: كان القائل ابي بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن ~~وابل السهمي. وقال ابن عباس: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال الحسن: ~~جاء أمية إلى النبي صلى الله عليه وآله بعظم بال قد بلي، فقال يا محمد ~~أتزعم ان الله يبعث هذا بعدما بلي!. قال: نعم، فنزلت الآية. والرميم هو ~~البالي، فقال الله تعالى في الرد عليه { قل } يا محمد لهذا المتعجب من ~~الاعادة { يحييها الذي أنشأها أول مرة } لأن من قدر على الاختراع لما ~~يبقى من غير تغيير عن صفة القادر، فهو على ms2949 اعادته قادر لا محالة { وهو ~~بكل خلق عليم } أي عالم بكل جنس من أجناس الخلق. # ثم وصف نفسه فقال { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون } فبين أن من قدر على ان يجعل في الشجر الاخضر الذي هو في غاية ~~الرطوبة نارا حامية مع تضاد النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك ~~بعضه ببعض وهو المزح والعفار وغير ذلك من انواع الشجر فيخرج منه النار ~~وينقدح، فمن قدر على ذلك لا يقدر الاعادة؟! ثم نبههم على دليل آخر فقال { ~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } ومعناه من قدر ~~على اختراع السموات والارض كيف لا يقدر على أمثاله؟! وقد ثبت أن من شأن ~~القادر على الشيء أن يكون قادرا على جنس مثله وجنس ضده. ودخول الباء في ~~خبر (ليس) لتأكيد النفي. # ثم قال تعالى مجيبا عن هذا النفي فقال { بلى وهو الخلاق العليم } أي هو ~~خالق لذلك عالم بكيفية الاعادة. # ثم قال تعالى { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } والمعنى ~~بذلك الاخبار عن سهولة الفعل عليه وانه إذا اراد فعل شيء فعله بمنزلة ما ~~يقول للشيء كن فيكون في الحال، وهو مثل قول الشاعر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة # وحدرتا كالدر لما يثقب # وإنما اخبر عن سرعة دمعه دون ان يكون قبولا على الحقيقة. { فسبحان الذي ~~بيده ملكوت كل شيء } ومعناه تنزيها له عن نفي القدرة على الاعادة وغير ~~ذلك مما لا يليق به الذي يقدر على الملك، وفيه مبالغة { وإليه ترجعون } ~~يوم القيامة الذي لا يملك فيه الأمر والنهي سواه، فيجازيكم على قدر ~~اعمالكم من الطاعات والمعاصي بالثواب والعقاب. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-10] # ادغم ابو عمرو - إذا أدرج - التاء في الصاد، والتاء في الزاي، والتاء في ~~الذال في قوله { والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا } لقرب ~~مخرجهما إذا كانا من كلمتين، وافقه حمزة في جميع ذلك. الباقون بالاظهار ~~لأن قبل التاء حرفا ساكنا، وهو الالف، لأن مخارجها متغايرة. ms2950 وقرأ ابن ~~كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر { بزينة الكواكب } ولذلك كان يجوز أن ~~يقرأ برفع الكواكب غير أنه لم يقرأ به أحد، ولو قرئ به لجاز. وقرأ ابو ~~بكر عن عاصم { بزينة } منونا { الكواكب } نصبا على معنى تزييننا ~~الكواكب. الباقون { بزينة } منونا { الكواكب } خفضا على البدل، وهو بدل ~~الشيء من غيره، وهو بعينه، لأن الزينة هي الكواكب، وهو بدل المعرفة من ~~النكرة، ومثله قوله # لنسفعا بالناصية ناصية # فابدل النكرة من المعرفة. وقرأ الكسائي وحمزة وخلف وحفص عن عاصم { لا ~~يسمعون } بالتشديد، وأصله لا يتسمعون، فأدغم التاء في السين. الباقون ~~بالتخفيف لان معنى سمعت إلى فلان وتسمعت إلى فلان واحد. وإنما يقولون ~~تسمعت فلانا بمعنى أدركت كلامه بغير (إلى). ومن شدد كرر، لئلا يشتبه. ~~قال ابن عباس: كانوا لا يتسمعون ولا يسمعون. # هذه اقسام من الله تعالى بالأشياء التي ذكرها، وقد بينا أن له تعالى أن ~~يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يحلفوا إلا بالله. وقيل إنما جاز أن ~~يقسم تعالى بهذه الأشياء، لأنها تنبئ عن تعظيمه بما فيها من القدرة ~~الدالة على ربها. وقال قوم: التقدير: ورب الصافات، وحذف لما ثبت من أن ~~التعظيم بالقسم لله. وجواب القسم قوله { إن إلهكم لواحد } وقال مسروق ~~وقتادة والسدي: إن الصافات هم الملائكة مصطفون في السماء يسبحون الله. ~~وقيل: صفوف الملائكة في صلاتهم عند ربهم - ذكره الحسن - وقيل: هم ~~الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما يريد، كما قال # وإنا لنحن الصافون # وقال ابو عبيدة: كل شيء من السماء والأرض لم يضم قطريه فهو صاف، ومنه ~~قوله # والطير صافات # إذا نشرت أجنحتها، والصافات جمع الجمع، لأنه جمع صافة. # وقوله { فالزاجرات زجرا } قال السدي ومجاهد: هم الملائكة يزجرون الخلق ~~عن المعاصي زجرا يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد، كما يوصل مفهوم ~~اغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف، وقيل: إنها تزجر السحاب في ~~سوقها. وقال قتادة: { الزاجرات زجرا } آيات القرآن تزجر عن معاصي الله ~~تعالى، والزجر الصرف عن الشيء ms2951 لخوف الذم والعقاب، وقد يكون الصرف عن ~~الشيء بالذم فقط على معنى انه من فعله استحق الذم. # وقوله { فالتاليات ذكرا } قيل فيه ثلاثة اقوال: # احدها - قال مجاهد والسدي: هم الملائكة تقرأ كتب الله. # وقال قتادة: هو ما يتلى في القرآن. # وقال قوم: يجوز أن يكون جماعة الذين يتلون القرآن. وإنما قال { ~~فالتاليات ذكرا } ولم يقل تلوا، كما قال { فالزاجرات زجرا } لأن التالي ~~قد يكون بمعنى التابع تقول: تلوت فلانا إذا تبعته بمعنى جئت بعده، ومنه ~~قوله # والقمر إذا تلاها # فلما كان مشتركا، بينه بما يزيل الابهام، وكل هذه اقسام على أن الآله ~~الذي يستحق العبادة واحد لا شريك له. وقوله { رب السماوات والأرض وما ~~بينهما ورب المشارق } معناه إن إلهكم الذي يستحق العبادة واحد وهو الذي ~~خلق السموات والأرض وما بينهما من سائر الاجناس من الحيوان والنبات ~~والجماد { ورب المشارق } ومعناه ويملك التصرف فيها، والمشارق هي مشارق ~~الشمس، وهي مطالعها بعدد ايام السنة ثلاثمائة وستون مشرقا وثلاثمائة ~~وستون مغربا، ذكره السدي. # ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال { إنا زينا السماء الدنيا } والتزيين ~~التحسين للشيء وجعله صورة تميل اليها النفس، فالله تعالى زين السماء ~~الدنيا على وجه يمتع الرائي لها، وفي ذلك النعمة على العباد مع ما لهم ~~فيها من المنفعة بالفكر فيها والاستدلال على صانعها. والكواكب هي النجوم ~~كالبدر والسماء بها زينة قال النابغة. # بانك شمس والملوك كواكب # إذا طلعت لم يبق منهن كوكب # وقوله { وحفظا من كل شيطان مارد } معناه وحفظناها حفظا. والحفظ المنع ~~من ذهاب الشيء، ومنه حفظ القرآن بالدرس المانع من ذهابه. والمارد الخارج ~~إلى الفساد العظيم، وهو وصف للشياطين وهم المردة، واصله الانجراد، ومنه ~~الأمرد، والمارد المتجرد من الخير، وقوله { لا يسمعون } من شدد أراد لا ~~يتسمعون وأدغم التاء في السين، ومن خفف أراد ايضا لا يتسمعون في المعنى ~~{ إلى الملأ الأعلى } يعني الملائكة الذين هم في السماء وقوله { ويقذفون ~~من كل جانب } معناه يرمون بالشهب من كل جانب إذا ارادوا الصعود إلى ~~السماء للاستماع { دحورا ms2952 } أي دفعا لهم بعنف، يقال: دحرته دحرا ~~ودحورا، وانما جاز أن يريدوا استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون، ~~وانهم يحرقون بالشهب، لانهم تارة يسلمون إذا لم يكن من الملائكة هناك شيء ~~لا يجوز أن يقفوا عليه، وتارة يهلكون كراكب البحر في وقت يطمع في ~~السلامة. # وقوله { ولهم عذاب واصب } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: معناه ~~إن لهم مع ذلك ايضا عذابا دائما يوم القيامة، ومنه قوله تعالى # وله الدين واصبا # أي دائما قال ابو الأسود: # لا ابتغي الحمد القليل بقاؤه # يوما بذم الدهر اجمع واصبا # اي دائما. وقوله { إلا من خطف الخطفة } لما اخبر الله تعالى أن الشياطين ~~لا يستمعون إلى الملأ الأعلى ولا يصغون اليهم أخبر انهم متى راموا رموا ~~من كل جانب دفعا لهم على اشد الوجوه. ثم قال { إلا من خطف الخطفة } أي ~~استلب السماع استلابا، والخطفة الاستلاب بسرعة، فمتى فعل أحدهم ذلك { ~~اتبعه شهاب ثاقب } قال قتادة: والشهاب كالعمود من نار، وثاقب مضى كأنه ~~يثقب بضوئه يقال أثقب نارك واستثقبت النار إذا استوقدت وأضاءت، ومنه ~~قولهم: حسب ثاقب أي مضى شريف، قال ابو الأسود: # أذاع به في الناس حتى كأنه # بعلياء نار اوقدت بثقوب # أي بحيث يضئ ويعلو. ### || [37.11-20] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { بل عجبت } بضم التاء. الباقون بفتحها. قال ~~ابو علي: من فتح التاء أراد: بل عجبت يا محمد من إنكارهم البعث او من ~~نزول الوحي على قلبك وهم يسخرون، ومن ضم قال: معناه إن إنكار البعث مع ~~بيان القدرة على الابتداء وظهور ذلك من غير استدلال عجيب عندك. وقال قوم: ~~إن ذلك اخبار من الله عن نفسه بأنه عجيب، وذلك كما قال { وإن تعجب فعجب ~~قولهم }. وهذا غير صحيح، لان الله تعالى عالم بالاشياء كلها على ~~تفاصيلها، وإنما يعجب من خفي عليه اسباب الاشياء، وقوله { فعجب قولهم } ~~معناه عندكم. وقرأ ابن عامر { إذا } على الخبر. الباقون على الاستفهام ~~على أصولهم في التحقيق والتخفيف والفصل وقرأ { إنا } على الخبر اهل ~~المدينة ms2953 والكسائي ويعقوب. وقرأ الباقون بهمزتين على أصولهم في التحقيق ~~والتليين والفصل. وقرأ اهل المدينة وابن عامر { أو آباؤنا } بسكون الواو ~~- هنا وفي الواقعة - إلا أن ورشا على اصله في إلقاء حركة الهمزة على ~~الواو. الباقون بفتح الواو. # وهذا خطاب من الله تعالى لنبيه يأمره بأن يستفتي هؤلاء الكفار وهو أن ~~يسألهم أن يحكموا بما تقتضيه عقولهم، ويعدلوا عن الهوى واتباعه، ~~فالاستفتاء طلب الحكم { أهم أشد خلقا أم من خلقنا } يعني من قبلهم من ~~الامم الماضية والقرون الخالية، فانه تعالى قد أهلك الأمم الماضية الذين ~~هم اشد خلقا منهم لكفرهم، ولهم مثل ذلك إن أقاموا على الكفر. وقيل: ~~المعنى أهم اشد خلقا منهم بكفرهم، وهم مثل ذلك أم من خلقنا من الملائكة ~~والسموات والارضين، فقال: أم من خلقنا، لأن الملائكة تعقل، فغلب ذلك على ~~ما لا يعقل من السموات، والشدة قوة الفتل وهو بخلاف القدرة والقوة. وكل ~~شدة قوة، وليس كل قوة شدة، واشد خلقا ما كان فيه قوة يمنع بها فتله إلى ~~المراد به. # ثم اخبر تعالى انه خلقهم من طين لازب. والمراد انه خلق آدم من طين، وإن ~~هؤلاء نسله وذريته، فكأنهم خلقوا من طين، ومعنى { لازب } لازم فأبدلت ~~الميم باء، لأنها من مخرجها، يقولون: طين لازب وطين لازم قال النابغة: # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وبعض بني عقيل يبدلون من الزاي تاء. فيقولون: لاتب، ويقولون: لزب، ولتب، ~~ويقال: لزب يلزب لزوبا. وقال ابن عباس: اللازب الملتصق من الطين الحر ~~الجيد. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقال مجاهد: معناه لازق: وقيل: ~~معناه من طين علك خلق آدم منه ونسب ولده اليه. وقوله { بل عجبت ويسخرون } ~~فمن ضم التاء اراد أن النبي صلى الله عليه وآله أمره الله أن يخبر عن ~~نفسه انه عجب من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة. ### || [37.21-30] # عشر آيات في الكوفي والمدنيين عدوا قوله { وما كانوا يعبدون } رأس آية. ~~والبصريون لم يعدوها، فهي عندهم تسع آيات. ms2954 # لما اخبر الله تعالى عن الكفار انهم إذا حشروا وشاهدوا القيامة وقالوا { ~~يا ويلنا هذا يوم الدين } يعني الجزاء حكى ما يقول الله لهم فانه تعالى ~~يقول لهم { هذا يوم الفصل } بين الخلائق والحكم وتميز الحق من الباطل على ~~وجه يظهر لجميعهم الحال فيه. وانه تعالى يدخل المطيعين الجنة على وجه ~~الاكرام والاعظام، ويدخل العصاة النار على وجه الاهانة والاذلال { هذا هو ~~يوم الفصل } وهو اليوم { الذي كنتم } معاشر الكفار { به تكذبون } ~~وتجحدونه وتقابلون من اخبر عنه بالتكذيب وتنسبونه إلى ضد الصدق. # ثم حكى ما يقول الله للملائكة المتولين لسوق الكفار إلى النار، فانه ~~يقول لهم { احشروا الذين ظلموا } انفسهم بارتكاب المعاصي بمعنى اجمعوهم ~~من كل جهة، فالكفار يحشرون من قبورهم إلى أرض الموقف للجزاء والحساب، ثم ~~يساق الظالمون مع ما كانوا يعبدون من الأوثان والطواغيت إلى النار وكذلك ~~أزواجهم الذين كانوا على مثل حالهم من الكفر والضلال وقال ابن عباس ~~ومجاهد وابن زيد: معنى { وأزواجهم } اشباههم، وهو من قوله # وكنتم أزواجا ثلاثة # أي اشكالا واشباها. وقال قتادة: معناه وأشياعهم من الكفار. وقيل: من ~~الاتباع. وقال الحسن: يعني { وأزواجهم } المشركات. وقيل: اتباعهم على ~~الكفر من نسائهم. # وقوله { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان ~~بدلا من الهداية إلى الجنة، كما قال # فبشرهم بعذاب أليم # لهذه العلة من حيث ان البشارة بالعذاب الأليم وقعت لهم بدلا من البشارة ~~بالنعيم، يقال: هديته الطريق أي دللته عليها وأهديت الهدية. # ثم حكى الله تعالى ما يقوله للملائكة الموكلين بهم فانه يقول لهم { ~~وقفوهم } أي قفوا هؤلاء الكفار أي احبسوهم { إنهم مسؤلون } عما كلفهم ~~الله في الدنيا من عمل الطاعات واجتناب المعاصي هل فعلوا ما أمروا به أم ~~لا؟ على وجه التقرير لهم والتبكيت دون الاستعلام، يقال: وقفت انا ووقفت ~~الدابة بغير الف. وبعض بني تميم يقولون: اوقفت الدابة والدار. وزعم ~~الكسائي انه سمع ما اوقفك ها هنا، وانشد الفراء: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا # وإن نحن اومأنا إلى ms2955 الناس اوقفوا # بالف. ويقال لهم ايضا على وجه التبكيت { ما لكم } معاشر الكفار { لا ~~تناصرون } بمعنى لا تتناصرون، ولذلك شدد بعضهم التاء، ومن لم يشدد حذف ~~إحداهما، والمعنى لم لا يدفع بعضكم عن بعض ان قدرتم عليه. # ثم قال تعالى انهم لا يقدرون على التناصر والتدافع لكن { هم اليوم ~~مستسلمون } ومعنا مسترسلون مستحدثون يقال: استسلم استسلاما إذا القي ~~بيده غير منازع في ما يراد منه. وقيل: معناه مسترسلون لما لا يستطيعون له ~~دفعا ولا منه امتناعا. # وقوله { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } اخبار منه تعالى إن كل واحد من ~~الكفار يقبل على صاحبه الذي اغواه على وجه التأنيب والتضعيف له يسأله لم ~~غررتني؟ ويقول ذاك لم قبلت مني. # وقوله { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } حكاية ما يقول الكفار لمن ~~قبلوا منهم إنكم: كنتم تأتوننا من جهة النصيحة واليمن والبركة، فلذلك ~~اغتررنا بكم والعرب تتيمن بما جاء من جهة اليمين. وقال الفراء: معناه ~~إنكم كنتم تأتوننا من قبل اليمين، فتخدعوننا من اقوى الوجوه. واليمين ~~القوة ومنه قوله # فراغ عليهم ضربا باليمين # أي بالقوة ثم حكى ما يقول اولئك لهم في جواب ذلك: ليس الأمر على ما قلتم ~~بل لم تكونوا مصدقين بالله ولم يكن لنا عليكم في ترك الحق من سلطان ولا ~~قدرة فلا تسقطوا اللوم عن أنفسكم فانه لازم لكم ولا حق بكم. وقال قتادة: ~~أقبل الأنس على الجن يتساءلون بأن كنتم أنتم معاشر الكفار قوما طاغين أي ~~باغين، تجاوزتم الحد إلى افحش الظلم، واصله تجاوز الحد في العظم ومنه ~~قوله # إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية # وطغيانهم كفرهم بالله، لأنهم تجاوزوا في ذلك الحد إلى أعظم المعاصي، ~~وقال الزجاج: معنى لا تناصرون ما لكم غير متناصرين فهو نصب بانه حال. ### || [37.31-40] # هذا تمام ما حكى الله عن المغاوين للكفار يوم القيامة بأنهم إذا قالوا ~~لهم لم يكن لنا عليكم من سلطان، وإنما أنتم كنتم قوما طاغين، اخبروا ~~أيضا وقالوا { فحق علينا } أي وجب علينا { قول ربنا } بأنا ms2956 لا نؤمن، ~~ونموت على الكفر او وجب علينا قول ربنا بالعذاب الذى يستحق على الكفر ~~والاغواء { إنا لذائقون } العذاب يعني إنا ندركه كما ندرك المطعوم ~~بالذوق، ثم يعترفون على انفسهم بأنهم كانوا غاوين، أي دعوناكم إلى الغي ~~وقيل: معناه خيبناكم طرق الرشاد فغوينا نحن ايضا وخيبنا، فالاغواء ~~الدعاء إلى الغي، والغي نقيض الرشد، وأصله الخيبة من قول الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # ويكون (أغوى) بمعنى خيب، ومنه قوله # رب بما أغويتني # أي خيبتني. # ثم اخبر تعالى انهم في ذلك اليوم مشتركون في العذاب، ومعنى اشتراكهم ~~اجتماعهم في العذاب الذي هو يجمعهم. # ثم اخبر تعالى فقال إن مثل فعلنا بهؤلاء نفعل بجميع المجرمين، وبين أنه ~~إنما فعل بهم ذلك، لأنهم { كانوا إذا قيل لا إله } معبود يستحق العبادة { ~~إلا الله يستكبرون } عن قبول ذلك، وطلبوا التكبر، وهذه لفظة ذم من حيث ~~استكبروا عن قول الحق. وحكى ما كانوا يقولون إذا دعوا إلى عبادة الله ~~وحده فانهم كانوا { يقولون أإنا لتاركوا آلهتنا } ومعنى ذلك إنا نترك ~~عبادة آلهتنا { لشاعر مجنون } يدعونا إلى خلافه، يعنون بذلك النبي صلى ~~الله عليه وآله يرمونه بالجنون تارة وبالشعر أخرى - وهو قول الحسن وقتادة ~~- لفرط جهلهم حتى قالوا هذا القول الفاحش الذي يفضح قائله، لأن المعلوم ~~انه صلى الله عليه وآله كان بخلاف هذا الوصف، والجنون آفة تغطي على العقل ~~حتى يظهر التخليط في فعله، وأصله تغطية الشيء: جن عليه الليل إذا غطاه، ~~ومنه المجن لأنه يستر صاحبه، ومنه الجنان الروح، لانها مستورة بالبدن، ~~ومنه الجنة لانها تحت الشجر. # ثم اخبر تعالى تكذيبا لهم بأن قال ليس الأمر على ما قالوه { بل } النبي ~~صلى الله عليه وآله { جاء بالحق } من عند الله وهو ما يجب العمل به { ~~وصدق } مع ذلك { المرسلين } جميع من أرسله الله قبله، ثم خاطب الكفار، ~~فقال { إنكم لذائقوا العذاب الأليم } يعني المؤلم الموجع جزاء على ~~تكذيبكم بآياتنا وليس { تجزون إلا } على قدر { ما كنتم ms2957 تعملون } من ~~المعاصي ثم استثنى من جملة المخاطبين { عباد الله المخلصين } وهم الذين ~~أخلصوا العبادة لله واطاعوه في كل ما أمرهم به، فانهم لا يذوقون العذاب ~~وإنما ينالون الثواب الجزيل. ### || [37.41-50] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { ينزفون } بكسر الزاي على اسناد الفعل اليهم ~~الباقون بفتح الزاي - على ما لم يسم فاعله - ومن فتح فانه مأخوذ من نزف ~~الرجل، فهو منزوف ونزيف، إذا ذهب عقله بالسكر، وانزف فهو منزف به إذا ~~فنيت خمره، ويقال أنزف أيضا إذا سكر. # لما استثنى الله تعالى من جملة من يعاقبهم من الكفار المخلصين الذين ~~أخلصوا عبادتهم لله وحده، بين ما اعد لهم من انواع الثواب، فقال { أولئك ~~لهم رزق معلوم } يعني عطاء جعل لهم التصرف فيه وحكم لهم به في الأوقات ~~المستأنفة في كل وقت شيئا معلوما مقدرا. ثم فسر ذلك الرزق، فقال ذلك ~~الرزق { فواكه } وهي جمع فاكهة وهي تكون رطبا ويابسا يتفكهون بها ~~وينتفعون بالتصرف فيها { وهم } مع ذلك { مكرمون } أي معظمون مبجلون، وضد ~~الاكرام الاهانة وهي الانتقام وهم مع ذلك { في جنات النعيم } أي بساتين ~~فيها انواع النعيم التي يتنعمون بها { على سرر } وهو جمع سرير { متقابلين ~~} يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض { يطاف عليهم بكأس من معين } أي بكأس ~~من خمر جارية في أنهار ظاهرة للعيون - في قول الحسن وقتادة والضحاك ~~والسدي - والكأس اناء فيه شراب. وقيل: لا يسمى كأسا إلا إذا كان فيه ~~شراب وإلا فهو اناء. # وقوله { معين } يحتمل ان يكون (فعيلا) من العين، وهو الماء الشديد الجري ~~من أمعن في الأمر إذا اشتد دخوله فيه ويحتمل ان يكون وزنه (مفعولا) من ~~عين الماء لانه يجري ظاهرا للعين. # ثم وصف الخمر الذي في الكأس، فقال { بيضاء } ووصفها بالبياض لانها تجري ~~في انهار كاشرف الشراب. وهي خمر فيها اللذة والامتاع فترى بيضاء صافية في ~~نهاية الرقة واللطافة مع النورية التي لها والشفافة، لأنها على احسن ~~منظر. مخبر. وقال قوم: بيضاء صفة للكأس، وهي مؤنثة. واللذة نيل المشتهى ~~بوجود ما يكون به ms2958 صاحبه ملتذا. والشراب مأخوذ من الشرب. # وقوله { لا فيها غول } معناه لا يكون في ذلك الشراب غول أي فساد يلحق ~~العقل خفيا، يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره، ومنه الغيلة وهي ~~القتل سرا. وقال ابن عباس { لا فيها غول } معناه لا يكون فيها صداع ولا ~~أذى، كما يكون في خمر الدنيا، وقال الشاعر: # وما زالت الكأس تغتالنا # ونذهب بالاول الاول # هذا من الغيلة أي نصرع واحد بعد واحد { ولا هم عنها ينزفون } أي لا ~~يسكرون والنزيف السكران، لانه ينزف عقله، قال الأبرد الرياحي: # لعمري لئن انزفتم او ضحوتم # لبئس التداني كنتم آل ابحرا # فالبيت يدل على ان أنزف لغة في نزف إذا سكر، لأنه جعله في مقابلة الصحو. ~~ومن قرأ بالسكر فعلى معنى: إنهم لا ينزفون خمرهم أي لا يفنى عندهم. # وقوله { وعندهم قاصرات الطرف عين } معنى قاصرات الطرف تقصر طرفهن على ~~أزواجهن - في قول الحسن وغيره - وقال بعضهم: معنى قاصرات راضيات من ~~قولهم: اقتصرت على كذا، ومعنى { عين } الشديدة كبياض العين الشديدة ~~سوادها - في قول الحسن - والعين النجل وهي الواسعة العين. # وقوله { كأنهن بيض مكنون } شبههن ببيض النعام يكن بالريش من الريح ~~والغبار - في قول الحسن وابن زيد - وقال سعيد بن جبير والسدي: شبههن ببطن ~~البيض قبل ان يقشر وقبل أن تمسه الأيدي، والمكنون المصون يقال: كننت ~~الشيء إذا صنته، واكننته إذا سترته من كل شيء قال الشاعر: # وهي زهراء مثل لؤلوة الغ # واص ميزت من جوهر مكنون # ثم قال { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني ان اهل الجنة يقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون عن احوالهم وما تفضل الله عليهم من انواع الكرامات ### || [37.51-60] # لما حكى الله تعالى أن اهل الجنة يقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن ~~اخبارهم وأحوالهم، ذكر أن قائلا منهم يقول { إني كان لي قرين } في دار ~~الدنيا أي صاحب يختص بي إما من الانس - على ما قال ابن عباس - او من الجن ~~- على ما قال مجاهد - { يقول } لي على وجه الانكار علي والتهجين لفعلي ms2959 { ~~أئنك لمن المصدقين } بيوم الدين بان الله يبعث الخلق بعد أن يصيروا ~~ترابا وعظاما وانهم يحشرون بعد ذلك ويحاسبون ويجازون إن هذا لبعيد، ~~فألف الاستفهام دخلت - ها هنا - على وجه الانكار، وإنما دخلت ألف ~~الاستفهام للانكار من حيث أنه لا جواب لقائله إلا ما يفتضح به، وهؤلاء ~~الكفار غلطوا في هذه الانكار وتوهموا أن من يقول في جواب ذلك نعم يأتي ~~بقبيح من القول. # وقوله { أئنا لمدينون } معناه لمجزيون مشتق من قولهم: كما تدين تدان. ~~أي كما تجزي تجزى، والدين الجزاء، والدين الحساب، ومنه الدين، لأن جزاءه ~~القضاء، وقال ابن عباس: القرين الذي كان له شريكا من الناس. وقال مجاهد: ~~كان شيطانا. # ثم حكى انه يقال لهذا القائل على وجه العرض عليه { هل أنتم مطلعون } أي ~~يؤمرون أن يروا مكان هذا القرين في النار، فيقول: نعم، فيقال له: اطلع في ~~النار، فيطلع في الجحيم فيراه في سوائه أي وسطه - في قول ابن عباس والحسن ~~وقتادة - وإنما قيل للوسط: سواء لاستوائه في مكانه بأن صار بدلا منه، وقد ~~كثر حتى صار بمعنى غير، وروى حسين عن أبي عمرو { مطلعوني فاطلع } بكسر ~~النون وقطع الألف، وهو شاذ، لان الاسم إذا أضيف حذفت منه النون، كقولك: ~~مطلعي، وإنما يجوز في الفعل على حذف احدى النونين، وقد انشد الفراء على ~~شذوذه قول الشاعر: # وما أدرى وظني كل ظن # أسلمني إلى قوم شراح # يريد شراحل، وانشده المبرد (أأسلمني) وانشد الزجاج: # هم القائلون الخير والأمر دونه # إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما # وقيل: ان لأهل الجنة في توبيخ أهل النار لذة وسرورا. وقال الحسن: الجنة ~~في السماء والنار في الأرض، فلذلك صح منهم، الاطلاع. # ثم حكى تعالى ما يقوله المؤمن إذا اطلع عليه ورآه في وسط الجحيم فانه ~~يقول { تالله إن كدت لتردين } ومعنى { تالله } القسم على وجه التعجب ~~وإنما كان كذلك، لان التاء بدل من الواو في القسم على وجه النادر، ولذلك ~~اختصت باسم الله ليدل على المعنى النادر. # وقوله { إن كدت لتردين } وهي ms2960 التي في قوله # إن كل نفس لما عليها حافظ # إلا أنها دخلت في هذا على (فعل) ومعنى { لتردين } لتهلكني كهلاك المتردي ~~من شاهق، ومنه قوله # وما يغني عنه ماله إذا تردى # في النار، وتقول ردي يردى إذا هلك وأرداه غيره إرداء إذا أهلكه ثم يقول ~~{ فلولا نعمة ربي } علي ورحمته لي بأن لطف لي في ترك متابعتك والقبول منك ~~{ لكنت } أنا ايضا { من المحضرين } معك في النار فالاحضار الاتيان ~~بالشيء إلى حضرة غيره، وقال الشاعر: # افي الطوف خفت علي الردى # وكم من رد أهله ولم يرم # أي من هالك، وقوله { أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين ~~} هذا تقريع لهم وتوبيخ، لأن هذا الكافر كان يقول كثيرا ذلك في دار ~~الدنيا، ومثله قول الشاعر: # قالت له ويضيق ضنك # لا تكثري لومي اخلي عنك # ومعناه إنها كانت تلومه على الانفاق، فكان يقول لا تكثري لومي فاطلقك ~~فلما انفق عيرته بذلك ووبخته وحكت ما كان يقول عند توبيخها وعذلها. وقال ~~الجبائي: هذا يقوله المؤمن على وجه الاخبار بأنه لا يموت بعد هذا النعيم ~~لكن الموتة الأولى قد مضت، فتلخيص معنى الآية قولان: # أحدهما - انه يقوله المؤمن على وجه السرور بنعم الله في أنه لا يموت ولا ~~يعذب. # الثاني - أن المؤمن يقوله على وجه التوبيخ لقرينة بما كان ينكره. # وقوله { إن هذا لهو الفوز العظيم } إخبار منه تعالى بأن هذا الثواب الذي ~~حصل له لهو الفلاح العظيم. ### || [37.61-70] # يقول الله تعالى في تمام الحكاية عن قول المؤمن للكافر { لمثل هذا } ~~يعني لمثل ثواب الجنة ونعيمها { فليعمل العاملون } في دار التكليف، ويحسن ~~من العامل أن يعمل العمل للثواب إذا أوقعه على الوجه الذي تدعو اليه ~~الحكمة من وجوب او ندب، قال الرماني: ألا ترى أنه لو عمل القبيح ليثاب ~~على ما تدعو اليه الحكمة لاستحق الثواب إذا خلص من الاحباط. وهذا الذي ~~ذكره غير صحيح، لأن القبيح لا يجوز أن يستحق عليه الثواب على وجه وإن عرض ~~في القبيح وجوه كثيرة من ms2961 وجوه الحسن، فانه لا يعتد بها، فان علمنا في ما ~~ظاهره القبيح أنه وقع على وجه يستحق فيه الثواب، علمنا انه خرج من كونه ~~قبيحا. ومثال ذلك إظهار كلمة الكفر عند الاكراه عليها او الانكار لكون ~~نبي بحضرته لمن يطلبه ليقتله فان هذا وإن كان كذبا في الظاهر فلابد أن ~~يوري المظهر بما يخرجه عن كونه كاذبا، ومتى لم يحسن التورية منع الله من ~~إكراهه عليه. وفي الناس من يقول: يجب عليه الصبر على القتل، ولا يحسن منه ~~الكذب، ومتى كان من يحسن التورية، ولم يور كان القول منه كذبا وقبيحا ~~ولا يستحق به الثواب، فاما الاكراه على أخذ مال الغير وإدخال ضرر عليه ~~دون القتل، متى كان قد علمنا بالشرع وجوب فعل ذلك عند الاكراه أو حسنه ~~علمنا انه خرج بذلك عن كونه قبيحا وإن الله تعالى ضمن من العوض عليه ما ~~يخرجه عن كونه قبيحا، كما تقول: في ذبح البهائم، ومتى لم يعلم بالشرع ~~ذلك، فانه يقبح إدخال الضرر على الغير واخذ ماله، فأما إدخال الضرر على ~~الغير ونفسه ببذل مال او تحمل خراج ليدفع بذلك عن نفسه ضررا أعظم منه، ~~فانه يحسن، لانه وجه يقع على الاثم فيصير حسنا، وهذا باب احكمناه في ~~كتاب الأصول. لا يحتمل هذا الموضع أكثر من هذا. # وقوله { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } إنما جاز ذلك مع انه لا خير في ~~شجرة الزقوم لامرين: # أحدهما - على الحذف بتقدير أسبب هذا الذي أدى اليه خير أم سبب أدى إلى ~~النار، كأنهم قالوا هو فيه خير، لما عملوا ما أدى اليه. والنزل الفضل ~~طعام له نزل، ونزل أي فضل وريع. وقيل: معناه خير نزلا من الانزال التي ~~تقيم الابدان وتبقى عليها الأرواح و { الزقوم } قيل: هو ثمر شجرة منكرة ~~جدا من قولهم يزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكره ومشقة شديدة. وقيل: ~~شجرة الزقوم ثمرة مرة خشنة منتنة الرائحة. # وقوله { إنا جعلناها فتنة للظالمين } معناه إنا جعلنا شجرة الزقوم محنة ~~لشدة التعبد، وقال ms2962 قتادة: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: النار تحرق ~~الشجرة، وكيف تنبت هذه في النار، فكان ذلك تغليظا للمحنة، لانه يحتاج ~~إلى الاستدلال على انه قادر لا يمتنع عليه أن يمنع النار من احراقها حتى ~~تنبت الشجرة فيها. # وقيل: معناه إنها عذاب للظالمين من قوله # يوم هم على النار يفتنون # أي يعذبون، وقيل: هو قول أبي جهل في التمر والزبد انه يتزقمه. روى أنه ~~لما سمع هذه الآية دعا الكفار واحضر التمر والزبد وقال تعالوا نتزقم هذا ~~بخلاف ما يهددنا به محمد. ثم قال تعالى { إنها شجرة } يعني الزقوم { تخرج ~~في أصل الجحيم } أي تنبت في قعر جهنم { طلعها كأنه رؤس الشياطين } قيل: ~~في تشبيه ذلك برؤس الشياطين مع أن رؤس الشياطين لم تر قط ثلاثة أقوال: # أحدها - ان قبح صورة الشياطين متصور في النفس ولذلك يقولون لشيء ~~يستقبحونه جدا كأنه شيطان. وقال امرؤ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب اغوال # فشبه النصول بأنياب الأغوال، وهي لم تر، ويقولون: كأنه رأس شيطان وانقلب ~~علي كأنه شيطان. # الثاني - انه شبه برأس حية يسميها العرب شيطانا، قال الراجز: # منجرد يحلف حين أحلف # كمثل شيطان الحماط أعرف # الثالث - انه شبه بنبت معروف برؤس الشياطين. وقيل: قد دل الله أنه يشوه ~~خلق الشياطين في النار حتى لو رآهم راء من العباد لاستوحش منهم غاية ~~الاستيحاش، فلذلك يشبه برؤسهم. # ثم أخبر تعالى أن اهل النار ليأكلون من تلك الشجرة ويملئون بطونهم منها ~~لشدة ما يلحقهم من ألم الجوع، والملأ الطرح في الوعاء ما لا يحتمل ~~الزيادة عليه، فهؤلاء حشيت بطونهم من الزقوم بما لا يحتمل زيادة عليه. # ثم قال { إن لهم عليها } يعني الزيادة على شجرة الزقوم { لشوبا من حميم ~~} فالشوب خلط الشيء بما ليس منه مما هو شر منه، ويقال هذا الطعام مشوب، ~~وقد شابه شيء من الفساد، والحميم إذا شاب الزقوم اجتمعت المكاره فيه من ~~المرارة والخشونة ونتن الرائحة، والحرارة المحرقة - نعوذ بالله منها - ~~والحميم الحار الذي له من الاحراق المهلك أدناه ms2963 قال الشاعر: # احم الله ذلك من لقاء # أحاد أحاد في الشهر الحلال # أي ادناه وحمم ريش الفرخ إذا نبت، حتى يدنو من الطيران والمحموم المقترب ~~من حال الاحراق. وقال ابن عباس: يشربون الحميم المشروب من الزقوم أي قد ~~شيب مع حرارته بما يشتد تكرهه. والحميم الصديق القريب أي الداني من ~~القلب. # وقوله { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم } معناه أنهم يردون بعد ذلك إلى النار ~~الموقدة. وفي ذلك دلالة على أنهم في وقت ما يطعمون الزقوم بمعزل عنها، ~~كما قال # يطوفون بينها وبين حميم آن # ثم حكى تعالى ان هؤلاء الكفار { ألفوا } يعني صادفوا { آباءهم ضالين } ~~عن الطريق المستقيم الذي هو طريق الحق { فهم على آثارهم يهرعون } في ~~الضلال أي يقلدونهم ويتبعونهم، قال ابو عبيدة: معنى يهرعون يستحثون من ~~خلفهم. وقيل: معناه يزعجون إلى الاسراع، هرع وأهرع لغتان. ### || [37.71-80] # اقسم الله تعالى انه { لقد ضل قبلهم } قبل هؤلاء الكفار الذين هم في عصر ~~النبي صلى الله عليه وآله عن طريق الحق واتباع الهدى { أكثر الأولين } من ~~كان قبلهم لان اللام في { لقد } هي لام القسم وتدخل على الجواب لقولك: ~~والله لقد كان كذا، وقد تدخل للتأكيد. والضلال الذهاب عن الحق إلى طريق ~~الباطل، تقول: ضل عن الحق يضل ضلالا. والاضلال قد يكون بمعنى الذم ~~بالضلال والحكم عليه به، وقد يكون بمعنى الأمر به والاغراء كقوله # وأضلهم السامري # والأكثر هو الأعظم في العدد، والأول الكائن قبل غيره. وأول كل شيء هو ~~الله تعالى، لأن كل ما سواه فهو موجود بعده. # ثم أقسم انه أرسل فيهم منذرين من الأنبياء والرسل يخوفونهم بالله ~~ويحذرونهم معاصيه. ثم قال { فانظر } يا محمد { كيف كان عاقبة المنذرين } ~~والتقدير ان الأنبياء المرسلين لما خوفوا قومهم فعصوهم ولم يقبلوا منهم ~~أهلكهم وأنزل عليهم العذاب، فانظر كيف كان عاقبتهم. # ثم استثنى من المنذرين في الاهلاك عباده المخلصين الذين قبلوا من ~~الأنبياء، وأخلصوا عبادتهم لله تعالى، فان الله تعالى خلصهم من ذلك ~~العذاب ووعدهم بالثواب. # ثم أخبر ان نوحا نادى الله ms2964 ودعاه واستنصره على قومه، وأنه تعالى أجابه، ~~وانه - جل وعز - نعم المجيب لمن دعاه وتقديره فلنعم المجيبون نحن له ولما ~~أجابه نجاه وخلصه وأهله من الكرب العظيم، فالنجاة هي الرفع من الهلاك ~~واصله الرفع، فمنه النجوة المرتفع من المكان ومنه النجا النجا كقولهم ~~الوحا الوحا. والاستنجاء رفع الحدث. والكرب الحزن الثقيل على القلب، قال ~~الشاعر: # عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب # والكرب تحرير الأرض باصلاحها للزراعة. والكرب هو الذي يحمي قلب النخلة ~~باحاطته بها وصيانته لها. والعظيم الذي يصغر مقدار غيره عنه. وقد يكون ~~التعظيم في الخير والعظم في الشر والعظم في النفس. وقال السدي: معناه ~~نجيناه وأهله من الغرق. وقال غيره: بل نجاهم من الأذى والمكروه الذي كان ~~ينزل بهم من قومه، لانه بذلك دعا ربه فأجابه. وقيل: الذين نجوا مع نوح ~~شيعته. # وقوله { وجعلنا ذريته هم الباقين } قال ابن عباس وقتادة: الناس كلهم من ~~ذرية نوح بعد نوح. وقال قوم: العجم والعرب أولاد سام بن نوح والترك ~~والصقالبة والخزر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام ابن نوح. # وقوله { وتركنا عليه في الآخرين } قيل في معناه قولان: # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: { وتركنا عليه في الآخرين } يعني ذكرا ~~جميلا، وأثنينا عليه في أمة محمد. ومعنى { تركنا } أبقينا، فحذف، فيكون { ~~سلام على نوح في العالمين } من قول الله على غير جهة الحكاية. # الثاني - قال الفراء: تركنا عليه قولا هو أن يقال في آخر الامم: سلام ~~على نوح في العالمين. # ثم قال { إنا كذلك نجزي المحسنين } كما فعلنا بنوح من الثناء الجميل، ~~مثل ذلك نجزى من احسن أفعاله وتجنب المعاصي. ### || [37.81-90] # هذا رجوع من الله تعالى إلى ذكر وصف نوح بأنه كان { من عبادنا المؤمنين ~~} الذين يصدقون بتوحيد الله ووعده ووعيده وجميع أخباره. والعباد جمع عبد، ~~وهو الذليل لملكه بالعبودية. والخلق كلهم عباد الله فمنهم عابد له ومنهم ~~عابد لغيره تضييعا منهم لحق نعمه وجهلا بما يجب له عليهم. والمؤمن هو ~~المصدق بجميع ما اوجب الله عليه ms2965 او ندبه اليه. وقال قوم: هو العامل بجميع ~~ما أوجب الله عليه العامل بما يؤمنه من العقاب. # ثم اخبر تعالى انه أغرق الباقين من قوم نوح بعد إخلاصه نوحا وأهله ~~المؤمنين. ثم قال { وإن من شيعته لإبراهيم } فالشيعة الجماعة التابعة ~~لرئيس لهم، وصاروا بالعرف عبارة عن شيعة علي عليه السلام الذين معه على ~~اعدائه. وقيل من شيعة نوح إبراهيم يعني إنه على منهاجه وسنته في التوحيد ~~والعدل واتباع الحق. وقال الفراء: معناه وإن من شيعة محمد صلى الله عليه ~~وآله لابراهيم، كما قال # أنا حملنا ذريتهم # أي ذرية من هو أب لهم، فجعلهم ذرية لهم وقد سبقوهم، وقال الحسن: معناه ~~على دينه وشريعته ومنهاجه، قال الرماني: هذا لا يجوز، لانه لم يجر لمحمد ~~ذكر، فهو ترك الظاهر، وقد روي عن اهل البيت عليهم السلام إن من شيعته علي ~~لابراهيم. وهذا جائز إن صح الخبر المروي في هذا الباب، لأن الكناية عمن ~~لم يجر له ذكر جائزة إذا اقترن بذلك دليل، كما قال # حتى توارت بالحجاب # ولم يجر للشمس ذكر ويكون المعنى انه على منهاجه وطريقته في اتباع الحق ~~والعدول عن الباطل، وكان ابراهيم وعلي عليهما السلام بهذه المنزلة. # وقوله { إذ جاء ربه بقلب سليم } معناه حين جاء إلى الموضع الذي أمره ~~الله بالرجوع اليه بقلب سليم عن الشرك بريء من المعاصي في الوقت الذي قال ~~لابيه وقومه حين رآهم يعبدون الاصنام من دون الله على وجه التهجين لفعلهم ~~والتقريع لهم { ماذا تعبدون } أي اي شيء تعبدون من هذه الأصنام التي لا ~~تنفع ولا تضر، وقال لهم { أئفكا آلهة دون الله تريدون } فالافك هو اشنع ~~الكذب وأفظعه، والافك قلب الشيء عن جهته التي هي له، فلذلك كان الافك ~~كذبا، وإنما جمع الآلهة مع أنه لا إله إلا إله واحد. على اعتقادهم في ~~الالهية. وإن كان توهمهم فاسدا، لما اعتقدوا أنها تستحق العبادة، وكان ~~المشركون قد اوغروا باتخاذ الآلهة إلى ان جاء دين الاسلام وبين الحق فيه ~~وعظم الزجر. # وقوله { دون الله ms2966 تريدون } معناه إنكم أتريدون عبادة آلهة دون عبادة ~~الله، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، كما قال # وسأل القرية # أي أهلها، لان الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه. وهذه الاجسام ليست ~~مما يحدث، فلا يصح إرادتها. # وقوله { فما ظنكم برب العالمين } قيل: معناه أي شيء ظنكم به أسوء ظن؟! ~~وقيل معنى { فنظر نظرة في النجوم } أي انه استدل بها على وقت حمى كانت ~~تعتاده { فقال أني سقيم } ومن أشرف على شيء جاز أن يقال انه فيه، كما قال ~~تعالى # إنك ميت وإنهم ميتون # ولم يكن نظره في النجوم على حسب المنجمين طلبا للاحكام، لان ذلك فاسد، ~~ومثله قول الشاعر: # اسهري ما سهرت أم حكيم # واقعدي مرة لذاك وقومي # وافتحي الباب فانظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم # وقال الزجاج نظره في النجوم كنظرهم، لانهم كانوا يتعاطون علم النجوم ~~فتوهموا هم أنه يقول مثل قولهم، فقال عند ذلك { إني سقيم } فتركوه ظنا ~~منهم أن نجمه يدل على سقمه. وقال ابو مسلم: معناه إنه نظر فيها نظر مفكر ~~فاستدل بها على أنها ليست آلهة له، كما قال تعالى في سورة الأنعام # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي.... # تمام الآيات وكان هذا منه في زمان مهلة النظر. وهذا الذي ذكره يمنع منه ~~سياق الآية، لان الله تعالى حكى عن ابراهيم أنه { جاء ربه بقلب سليم } ~~يعني سليم من الشرك، وذلك لا يليق بزمان مهلة النظر. ثم أنه قال لقومه ~~على وجه التقبيح لفعلهم { ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ~~ظنكم برب العالمين } وهذا كلام عارف بالله مستبصر، وكيف يحمل على زمان ~~مهلة النظر. وقيل: في معنى قوله { إني سقيم } إني سقيم القلب مما أرى من ~~أحوالكم القبيحة من عبادة غير الله وعدو لكم عن عبادته مع وضوح الأدلة ~~الدالة على توحيده واستحقاقه للعبادة منفردا بها. وقيل: إنه كان عرضت له ~~علة في الحال، وكان صادقا في ذلك. وقيل: معناه إن عاقبتي الموت، ومن كان ~~عاقبته ms2967 الموت جاز أن يعبر عن حال حياته بأنه مريض. وقيل: معناه إني سأسقم ~~في المستقبل، وقيل: إنه أراد بقوله: سقيم مطعون، فلذلك تركوه خوفا من أن ~~يتعدى اليهم الطاعون. # فأما من قال: إنه لم يكن سقيما وإنما كذب فيه ليتأخر عن الخروج معهم ~~إلى عيدهم لتكسير أصنامهم وانه يجوز الكذب في المكيدة والتقية، فقوله ~~باطل، لان الكذب قبيح لا يحسن على وجه. # فأما ما يرونه من أن النبي صلى الله عليه وآله قال # " ما كذب أبي إبراهيم الا ثلاث كذبات يحاجز بها عن ربه: قوله إني سقيم ~~ولم يكن كذلك، وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } وقوله في سارة انها أختي ~~وكانت زوجته ". # فأول ما فيه أنه خبر واحد لا يعول عليه. والنبي صلى الله عليه وآله أعرف ~~بما يجوز على الأنبياء وما لا يجوز من كل واحد، وقد دلت الأدلة العقلية ~~على أن الأنبياء لا يجوز أن يكذبوا في ما يؤدونه عن الله من حيث أنه كان ~~يؤدي إلى ان لا يوثق بشيء من اخبارهم وإلى أن لا ينزاح علة المكلفين، ولا ~~في غير ما يؤدونه عن الله من حيث أن تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم، فاذا ~~يجب ان يقطع على ان الخبر لا أصل له. # ولو سلم لجاز أن يكون المعنى مع ظاهره مظاهر للكذب، وإن لم يكن في ~~الحقيقة كذلك، لان قوله { إني سقيم } قد بينا الوجه فيه. وقوله { بل فعله ~~كبيرهم } بيناه في موضعه. وقوله في سارة إنها اختي معناه إنها اختي في ~~الدين، وقد قال الله تعالى إنما المؤمنون أخوة، وإن لم يكونوا بني أب ~~واحد. # وقوله { فتولوا عنه مدبرين } اخبار منه تعالى أنه حين قال لهم إني سقيم ~~أعرضوا عنه وتركوه وخرجوا إلى عيدهم وهو متخلف عنهم، ### || [37.91-101] # قرأ حمزة والمفضل عن عاصم { يزفون } بضم الياء. الباقون بفتحها، وهما ~~لغتان. وزففت اكثر. ويجوز أن يكون المراد زف الرجل في نفسه وأزف غيره، ~~والتقدير فأقبلوا اليه يزفون أنفسهم. # قوله { فراغ إلى آلهتهم } معناه مال إليها ms2968 بحدة، تقول: راغ يروغ روغا ~~وروغانا مثل حاد يحيد حيدا وحيدانا، والرواغ الحياد، قال عدي ابن ~~زيد: # حين لا ينفع الرواغ ولا # ينفع إلا الصادق النحرير. # وإنما مال اليها بحدة غضبا على عابديها، وقوله { إلى آلهتهم } معناه ~~إلى ما يدعون أنها آلهتهم أي إلى ما اتخذوها آلهة لهم، كما تقول. للمبطل: ~~هات حجتك مع علمك انه لا حجة له. # وقوله { فقال ألا تأكلون } إنما جاز ان يخاطب الجماد بذلك تهجينا ~~لعابديها وتنبيها على أن من لا يتكلم ولا يقدر على الجواب كيف تصح ~~عبادتها، فاجراها مجرى من يفهم الكلام ويحسن ذكر الجواب استظهارا في ~~الحجة وإيضاحا للبرهان، لكل من سمع ذلك ويبلغه. وقوله { ما لكم لا ~~تنطقون } معناه تهجينا لعابديها كأنهم حاضرون بها. وقوله { فراغ عليهم ~~ضربا باليمين } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه مال عليهم بيده اليمنى، لانها اقوى على العمل من الشمال. # الثاني - بالقسم ليكسرنها، لأنه كان قال # وتالله لأكيدن أصنامكم # وقال الفراء: اليمين القوة، ومنه قول الشاعر: # [إذ ما راية رفعت لمجد] # تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة. وقوله { فاقبلوا اليه يزفون } قال ابن زيد: معناه يسرعون. ~~وقال السدي: يمشون. وقيل: يتسللون بحال بين المشي والعدو، ومنه زفت ~~النعامة، وذلك أول عدوها، وهو بين العدو والمشي، وقال الفرزدق: # وجاء فزيع الشول قبل أوانها # تزف وجاءت خلفه وهي زفف # ومنه زففت العروس إلى زوجها، ومعنى يزفون يمشون على مهل، قال الفراء: لم ~~أسمع إلا زففت، قال ولعل من قرأ بالضم اراد من قولهم طردت الرجل إذا ~~أخسأته واطردته جعلته طريدا. وقرأ بعضهم { يزفون } يفتح الياء وتخفيف ~~الفاء من (وزف، يزف) قال الكسائي والفراء: لا اعرف هذه إلا أن يكون احدهم ~~سمعها. فلما رآهم ابراهيم صلى الله عليه وآله اقبلوا عليه قال لهم على ~~وجه الانكار عليهم والتبكيت لهم بفعلهم { أتعبدون ما تنحتون } فالالف ألف ~~الاستفهام ومعناها الانكار ووجه التوبيخ انه كيف يصح أن يعبد الانسان ما ~~يعمله بيده! فانهم كانوا ينحتون الاصنام بأيديهم، فكيف تصح عبادة من هذه ~~حاله ms2969 مضافا إلى كونها جمادا!. ثم نبههم فقال { والله } تعالى هو الذي { ~~خلقكم } وخلق الذي { تعملون } فيه من الاصنام، لانها اجسام والله تعالى ~~هو المحدث لها، وليس للمجبرة أن تتعلق بقوله { والله خلقكم وما تعملون } ~~فتقول: ذلك يدل على ان الله خالق لافعالنا، لامور: # احدها - ان موضوع كلام ابراهيم لهم بني على التقريع لهم لعبادتهم ~~الاصنام، ولو كان ذلك من فعله تعالى لما توجه عليهم العيب، بل كان لهم ان ~~يقولوا: لم توبخنا على عبادتنا للاصنام والله الفاعل لذلك، فكانت تكون ~~الحجة لهم لا عليهم. # الثاني - انه قال لهم { أتعبدون ما تنحتون } ونحن نعلم أنهم لم يكونوا ~~يعبدون نحتهم الذي هو فعلهم، وإنما كانوا يعبدون الاصنام التي هي الاجسام ~~وهي فعل الله بلا شك. فقال لهم { والله خلقكم } وخلق هذه الاجسام. ومثله ~~قوله # فإذا هي تلقف ما يأفكون # ومثله قوله # وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا # وعصا موسى لم تكن تلقف افكهم، وإنما كانت تتلقف الأجسام التي هي العصا ~~والحبال. # ومنها ان (ما) في قوله { وما تعملون } لا يخلو من ان تكون بمعنى (الذي) ~~او تقع مع بعدها بمنزلة المصدر، فان كانت بمعنى (الذي) ف { تعملون } ~~صلتها، ولا بد لها من عائد يعود اليها، فليس لهم أن يقدروا فيها ضميرا ~~لها ليصح ما قالوه، لان لنا أن نقدر ضميرا فيه فيصح ما نقوله، ويكون ~~التقدير: وما يعملون فيه، والذي يعملون فيه هي الاجسام وإن كانت مصدرية ~~فانه يكون تقديره: والله خلقكم وعملكم، ونفس العمل يعبر به عن المعمول ~~فيه بل لا يفهم في العرف إلا ذلك، يقال فلان يعمل الخوص، وفلان يعمل ~~السروج، وهذا الباب من عمل النجار، والخاتم من عمل الصانع، ويريدون بذلك ~~كله ما يعملون فيه، فعلى هذا تكون الأوثان عملا لهم بما يحدثون فيها من ~~النحت والنجر، على أنه تعالى اضاف العمل اليهم بقوله { وما تعملون } فكيف ~~يكون ما هو مضاف اليهم مضافا إلى الله تعالى وهل يكون ذلك إلا متناقضا. # ومنها أن الخلق في أصل اللغة ms2970 هو التقدير للشيء وترتيبه، فعلى هذا لا ~~يمتنع أن نقول: إن الله خالق افعالنا بمعنى أنه قدرها للثواب والعقاب، ~~فلا تعلق للقوم على حال. # ثم حكى تعالى ما قال قوم ابراهيم بعضهم لبعض فانهم { قالوا ابنوا له ~~بنيانا } قيل: انهم بنوا له شبه الحظيرة. وقيل مثل التنور وأججوا نارا ~~ليلقوه فيها. والبناء وضع الشيء على غيره على وجه مخصوص، ويقال لمن رد ~~الفرع إلى الأصل بناه عليه. { فألقوه في الجحيم } بمعنى اطرحوه في النار ~~التي اججوها له. والجحيم عند العرب النار التي تجتمع بعضها على بعض. # ثم اخبر تعالى ان كفار قوم ابراهيم انهم { أرادوا به كيدا } وحيلة وهو ~~وما ارادوا من إحراقه بالنار { فجعلناهم الأسفلين } بأن اهلكهم الله ونجا ~~ابراهيم وقيل منع الله - عز وجل - النار منه بل صرفها في خلاف جهته، فلما ~~أشرفوا على ذلك علموا انهم لا طاقة لهم به. # ثم حكى ما قال ابراهيم حين ارادوا كيده، فانه قال { إني ذاهب إلى ربي } ~~ومعناه إلي مرضات الله ربي بالمصير إلى المكان الذي أمرني ربي بالذهاب ~~اليه. # وقيل: إلى الأرض المقدسة وقيل إلى ارض الشام. وقال قتادة: معناه { إني ~~ذاهب إلى ربي } أي بعملي ونيتي، ومعنى { سيهدين } يعني يهديني في ما بعد ~~إلى الطريق الذى امرني بالمصير اليه أو إلى الجنة بطاعتي إياه. # ثم دعا ابراهيم ربه فقال { ربي هب لي من الصالحين } يعني ولدا صالحا ~~من الصالحين، كما تقول: اكلت من الطعام، وحذف لدلالة الكلام عليه، فأجابه ~~الله تعالى إلى ذلك وبشره بغلام حليم اي حليما لا يعجل في الأمور قبل ~~وقتها، وفي ذلك بشارة له على بقاء الغلام حتى يصير حليما. وقال قوم: ~~المبشر به اسحاق وقال آخرون اسماعيل، ونذكر خلافهم في ذلك في ما بعد. ### || [37.102-111] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { ماذا ترى } بضم التاء وكسر الراء. الباقون ~~بفتح التاء. من ضم التاء اراد ماذا تشير، وقال الفراء: يجوز ان يكون ~~المراد ماذا ترى من صبرك وجلدك، لانه لا يستشيره في أمر الله. واصله ms2971 ترئي ~~فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة لسكونها وسكون الياء. ومن ~~فتح جعله من الرأى والرؤية، لا من المشورة. # لما اخبر الله تعالى انه اجاب دعوة إبراهيم في طلب الولد وبشره بولد ~~حليم اخبر ان من وعده به ولد له وكبر وترعرع، فلما بلغ مع ابيه السعي ~~يعني في طاعة الله، قال الحسن سعى للعمل الذي تقوم به الحجة. وقال مجاهد: ~~بلغ معه السعي. معناه أطاق ان يسعى معه ويعينه على أموره، وهو قول الفراء ~~قال: وكان له ثلاث عشرة سنة، وقال ابن زيد: السعي في العبادة { قال يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } وكان الله تعالى أوحى ~~إلى ابراهيم في حال اليقظة، وتعبده أن يمضي ما يأمره في حال نومه من حيث ~~ان منامات الانبياء لا تكون إلا صحيحة، ولو لم يأمره به في اليقظة لما ~~جاز أن يعمل على المنامات، أحب ان يعلم حال ابنه في صبره على أمر الله ~~وعزيمته على طاعته. فلذلك قال له ماذا ترى، وإلا فلا يجوز أن يوآمر في ~~المضي في امر الله ابنه، لانه واجب على كل حال. ولا يمتنع ايضا أن يكون ~~فعل ذلك بأمر الله ايضا، فوجده عند ذلك صابرا مسلما لامر الله. { وقال ~~يا أبت افعل ما تؤمر } اي ما امرت به { ستجدني انشاء الله من الصابرين } ~~ممن يصبر على الشدائد في حب الله ويسلم أمره اليه { فلما أسلما } يعني ~~ابراهيم وابنه اي استسلما لأمر الله ورضيا به اخذ ابنه { وتله للجبين } ~~معنى تله صرعه. والجبين ما عن يمين الجبهة او شمالها وللوجه جبينان ~~الجبهة بينهما. وقال الحسن: معنى وتله اضجعه للجبين. ومنه التل من التراب ~~وجمعه تلول. والتليل العنق، لانه يتل له، { وناديناه أن يا إبراهيم } و ~~(ناديناه) هو جواب (فلما) قال الفراء: العرب تدخل الواو في جواب (فلما) و ~~(حتى) و (إذا) كما قال # حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها # وفي موضع آخر # وفتحت # وفي قراءة عبد الله { فلما جهزهم بجهازهم وجعل ms2972 السقاية } وفي المصاحف ~~(جعل) بلا واو وموضع ان نصب بوقوع النداء عليه وتقديره وناديناه بأن يا ~~ابراهيم أي هذا الضرب من القول فلما حذف الباء نصب. وعند الخليل انه في ~~موضع الجر. # { قد صدقت الرؤيا } ومعناه فعلت ما امرت به في الرؤيا واختلفوا في ~~الذبيح. فقال ابن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن كعب القرطي وسعيد ابن ~~المسيب والحسن في احدى الروايتين عنه والشعبي: انه كان اسماعيل وهو ~~الظاهر في روايات اصحابنا ويقويه قوله بعد هذه القصة وتمامها { وبشرناه ~~بإسحاق نبيا من الصالحين } فدل على ان الذبيح كان اسماعيل. # ومن قال: إنه بشر بنبوة اسحاق دون مولده، فقد ترك الظاهر لان الظاهر ~~يقتضي البشارة باسحاق دون نبوته، ويدل ايضا عليه قوله { فبشرناها بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب } ولم يذكر اسماعيل، فدل على انه كان مولودا قبله ~~وايضا فانه بشره باسحاق وانه سيولد له يعقوب، فكيف يأمره بذبحه مع ذلك. ~~واجابوا عن ذلك بأن الله لم يقل إن يعقوب يكون من ولد اسحاق. وقالوا ~~ايضا يجوز أن يكون أمره بذبحه بعد ولادة يعقوب، والاول هو الاقوى على ما ~~بيناه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: # " انا ابن الذبيحين " # ، ولا خلاف انه كان من ولد اسماعيل والذبيح الآخر عبد الله ابوه. وروي ~~عن ابن عباس وعلي وابن مسعود وكعب الاحبار انه كان اسحاق. وروي ذلك ايضا ~~في اخبارنا. # وفى الناس من استدل بهذه الآية على جواز النسخ قبل وقت فعله من حيث ان ~~الله تعالى كان قد امره بذبح ولده ثم نسخ عنه قبل ان يفعله، ولا يمكننا ~~ان نقول ان الوقت كان قد مضى، لأنه لو أخره عن الوقت الذي امره به فيه ~~لكان عاصيا، ولا خلاف أن ابراهيم لم يعص بذلك. فدل على انه نسخ عنه قبل ~~وقت فعله. # ومن لم يجز النسخ قبل وقت فعله اجاب عن ذلك بثلاثة أجوبة: # احدها - ان الله تعالى أمر ابراهيم ان يقعد منه مقعد الذابح ويشد يديه ~~ورجليه ms2973 ويأخذ المدية ويتركها على حلقه وينتظر الأمر بامضاء الذبح على ما ~~رأى في منامه وكل ذلك فعله، ولم يكن أمره بالذبح، وإنما سمي مقدمات الذبح ~~بالذبح لقربه منه وغلبة الظن انه سيؤمر بذلك على ضرب من المجاز. # الثاني - انه إنما أمره بالذبح وذبح، وكل ما فرى جزء من حلقه وصله الله ~~بلا فصل حتى انتهى إلى آخره فاتصل به، وصله الله تعالى، فقد فعل ما أمر ~~به ولم يبن الرأس ولا انتفى الروح. # الثالث - انه امر بالذبح بشرط التخلية والتمكين، فكان كما روي انه كلما ~~أعمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفحة من نحاس، وهذا الوجه ضعيف، لان ~~الله تعالى لا يجوز ان يأمر بشرط، لانه عالم بالعواقب، وإنما يأمر الواحد ~~منا بشرط ذلك لانه لا يعلم العواقب، ولان فيه انه أمر بما منع منه وهذا ~~عيب. # فاما قول من قال: انه فداه بذبح، فدل ذلك على انه كان مأمورا بالذبح ~~على الحقيقة، اعتراضا على الوجه الأول، لان من شأن الفداء أن يكون من ~~جنس المفدي، فليس بشيء، لانه لا يلزم ذلك الا ترى ان من حلق رأسه وهو ~~محرم يلزمه ذلك، وكذلك إذا لبس ثوبا مخيطا او شم طيبا او جامع. # وإن لم يكن جميع ذلك من جنس المفدي. # وقوله { إنا كذلك نجزي المحسنين } معناه إنا جازينا ابراهيم على فعله ~~بأحسن الجزاء. ومثل ذلك نجزي كل من فعل طاعة، فانا نجازيه على فعله بأحسن ~~الجزاء. # ثم اخبر تعالى بأن هذا الذي تعبد به إبراهيم هو البلاء المبين أي ~~الاختبار الظاهر وقيل: هو النعمة البينة الظاهرة، وتسمى النعمة بلاء ~~والنقمة ايضا بلاء من حيث انها سميت بسببها المؤدي اليها، كما يقال ~~لأسباب الموت هو الموت بعينه { والمبين } هو البين في نفسه الظاهر، ويكون ~~بمعنى الظاهر، ويكون بمعنى المظهر ما في الأمر من خير او شر. # ثم قال تعالى { وفديناه } يعني ولد إبراهيم { بذبح عظيم } فالفداء جعل ~~الشيء مكان غيره لدفع الضرر عنه، ومنه فداء المسلمين بالمشركين لدفع ضرر ~~الاشد عنهم، ms2974 فكذلك فداء الله ولد إبراهيم بالكبش لدفع ضرر الذبح عنه. ~~والعظيم هو الكبير. وقيل: لان الكبش الذي فدي به يصغر مقدار غيره من ~~الكباش عنه بالاضافة اليه. وقال ابن عباس: فدي بكبش من الغنم. وهو قول ~~مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. وقال الحسن: فدي بوعل أهبط به عليه ~~جبرائيل. وقيل: إنه لا خلاف انه لم يكن من الماشية التي كانت لابراهيم او ~~غيره في الدنيا. وقيل: إنه رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال مجاهد: وصفه ~~بأنه عظيم، لانه متقبل. والذبح بكسر الذال المهيأ، لان يذبح. وبفتح الذال ~~المصدر. # وقوله { وتركنا عليه في الآخرين } يعني على إبراهيم في الآخرين يعني ~~اثبتنا عليه الثناء الحسن في أمة محمد لانهم آخر الأمم بأن قلنا { سلام ~~على إبراهيم } وقد بينا ما في ذلك ثم قال مثل ذلك نجزي كل محسن، فاعل لما ~~أمر الله به كما جازينا ابراهيم صلى الله عليه وآله. # ثم أخبر تعالى ان إبراهيم كان من جملة عباده الذين يصدقون بتوحيد الله ~~وبجميع ما اوجبه عليهم، ومن جملة المصدقين بوعد الله ووعيده والبعث ~~والنشور والجنة والنار. وانما قال { إنه من عبادنا المؤمنين } مع انه ~~افضل المؤمنين ترغيبا في الايمان بأن مدح مثله في جلالته بأنه من ~~المؤمنين، كما يقال هو من الكرماء وكذلك قوله # ونبيا من الصالحين # وإذا مدح بأنه يصلح وحده فلأنه لا يقوم غيره مقامه ويستغنى به عنه. ### || [37.112-122] # يقول الله تعالى بعد ان ذكر قصة ابراهيم وولده الذى اخبر الله بذبحه على ~~ما فسرناه، بشره باسحاق ولدا له آخر، نعمة عليه مجددة لما فعل من ~~المسارعة إلى ما أمره الله به وصبره على احتمال المشقة فيه، وبين انه ~~نبيا من الصالحين، وأنه بارك عليه يعني على يعقوب وعلى إسحاق وخلق من ~~ذريتهما الخلق الكثير، فمنهم محسن بفعل الطاعات ومنهم ظالم لنفسه بارتكاب ~~المعاصي بسوء أختياره، مبين أي بين ظاهر. # ثم اقسم تعالى بأنه من على موسى وهارون أي انعم عليهما نعمة قطعث عنهما ~~كل اذية، فأصل المن القطع ms2975 من قوله # فلهم أجر غير ممنون # أي غير مقطوع، وحبل منين متقطع والمنية الموت، لانها قاطعة عن تصرف الحي ~~والبركة ثبوت الخير النامي على مرور الاوقات فبركته على إبراهيم واسحاق ~~باللطف في دعائهما إلى الحق، وبالخبر عن أحوال جليلة في التمسك بطاعة ~~الله { ونجيناهما وقومهما } ومعناه إنا خلصنا موسى وهارون، ومن كان آمن ~~بهما { من الكرب العظيم } أي الأذى الذي كان يؤذونهم بأن أهلك الله فرعون ~~وقومه وغرقهم { ونصرناهم } يعني موسى وهارون وقومهما، { فكانوا هم ~~الغالبين } لاعدائهم بالحجج الظاهرة وبالقهر، من حيث أن الله غرق أعداءهم ~~{ وآتيناهما } يعني موسى وهارون { الكتاب المستبين } يعني التوراة الداعى ~~إلى ما فيه من البيان بالمحاسن التي تظهر منه في الاستماع، فكل كتاب لله ~~بهذه الصفة من ظهور الحكمة فيه { وهديناهما الصراط المستقيم } يعني ~~أرسلنا موسى وهارون ودللناهما على الطريق المؤدي إلى الحق الموصل إلى ~~الجنة باخلاص الطاعة لله تعالى. وقال قتادة: الطريق المستقيم الاسلام { ~~وتركنا عليهما في الآخرين } أي الثناء الجميل. بأن قلنا { سلام على موسى ~~وهارون } كما قلنا # سلام على نوح في العالمين # ثم اخبر تعالى ان مثل ما فعل لهما يفعل بالمحسنين المطيعين ويجزيهم بمثل ~~ذلك على طاعاتهم، ودل ذلك على ان ما ذكره الله كان على وجه الثواب على ~~الطاعات لموسى وهارون ومن تقدم ذكره، لأن لفظ الجزاء يفيد ذلك. ثم اخبر ~~ان موسى من جملة عباده المصدقين بجميع ما اوجبه الله عليهم العالمين ~~بذلك. ### || [37.123-132] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { الله ربكم ورب آبائكم } نصبا. الباقون ~~بالرفع. من نصب جعله بدلا من قوله { أحسن الخالقين } ومن رفع استأنف ~~الكلام، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب { سلام على آل ياسين } على إضافة ~~(آل) إلى (ياسين). الباقون { على ألياسين } موصولة. من أضاف اراد به على ~~آل محمد صلى الله عليه وآله لأن (يس) اسم من اسماء محمد على ما حكيناه. ~~وقال بعضهم: أراد آل الياس عليه السلام. وقال الجبائي اراد أهل القرآن، ~~ومن لم يضف أراد الياس. وقال: الياسين، لان العرب تغير ms2976 الاسماء العجمية ~~بالزيادة كما يقولون: ميكائيل وميكائين، وميكال وميكائل، وفي أسماعيل ~~اسماعين قال الشاعر: # يقول اهل السوق لما جينا # هذا ورب البيت اسرائينا # وفي قراءة عبد الله { وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين } وقيل ~~أيضا إنه جمع، لانه اراد الياس ومن آمن معه من قومه، وقال الشاعر: # قدني من نصر الخبيبين قدي # فجعل ابن الزبير أبا خبيبا ومن كان على رأيه عددا ولم يضفهم بالياء ~~فيقول: خبيبين، فخفف في الشعر مثل الأشعرين، وكما قالوا: سيرة العمرين ~~وخير الزهدمين، وإنما أحدهما زهدم والآخر كردم. وقال قوم: تقديره على { ~~آل ياسين } فخفف، لانه أراد الياسا وقومه، كما قالوا: الاشعرون ~~والمهليون. قال الشاعر: # انا ابن سعد اكرم السعدينا # وكلهم قرأ { وإن الياس } بقطع الهمزة إلا ان أبا عامر، فانه فصل الهمزة ~~وأسقطها في الدرج، فاذا ابتدأ فتحها، قال ابو علي النحوي: يجوز أن يكون ~~حذف الهمزة حذفا، كما حذفها ابو جعفر في قوله # إنها لإحدى الكبر # ويحتمل أن تكون الهمزة التي تصحب لام التعريف، وهي تسقط في الدرج، وأصله ~~(ياس). # اخبر الله تعالى أن الياس من جملة من أرسله الله إلى خلقه نبيا داعيا ~~إلى توحيده وطاعته حين { قال لقومه ألا تتقون } الله بترك معاصيه وفعل ~~طاعاته، فاللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الانكار، كما يقول القائل ألا ~~تتقي الله يا فلان في أن تظلم او تزني، وما اشبه ذلك، وإنما يريد بذلك ~~الانكار. ثم قال لهم { أتدعون بعلا } قال الحسن والضحاك وابن زيد: المراد ~~بالبعل - ها هنا - صنم كانوا يعبدونه، والبعل في لغة اهل اليمن هو الرب، ~~يقولون من بعل هذا الثوب أي من ربه - وهو قول عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي ~~- ويقولون: هو بعل هذه الدابة أي ربها، كما يقولون: رب الدار ورب الفرس، ~~وزوج المرأة بعلها، والنخل والزرع إذا استقى بماء السماء فهو بعل، وهو ~~العذي، خلاف السقي. والاصل في الرب المالك فالزوج رب البضع، لانه مالكه. # ومعنى الآية أتدعون بالالهية صنما عادلين عن أحسن الخالقين، وهذا إنكار ~~عليهم أن يعتقدوا ms2977 أن غير الله إله او يقولون لغيره يا إلهي. # وقال قتادة: الياس وهو إدريس، وقال ابن اسحاق: هو من ولد هارون، وهو اسم ~~نبي وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، ولو جعل (افعالا) من الاليس وهو الشجاع ~~الجريء لجاز. # ثم بين لهم الذي هو أحسن الخالقين، فقال { الله ربكم } الذي خلقكم { ورب ~~آبائكم } أي الذي دبركم وخلقكم، وخلق آباءكم { الأولين } يعني من مضى من ~~آبائكم وأجدادكم. # ثم حكى ان قومه كذبوه ولم يصدقوه، وأن الله أهلكهم وأنهم لمحضرون عذاب ~~النار. ثم استثنى من جملتهم عباده الذين اخلصوا عبادتهم لله وبين انه ~~أثنى عليهم في آخر الامم بأن قال { سلام على ألياسين } وآل محمد صلى الله ~~عليه وآله هم كل من آل اليه بحسب او بقرابة، وقال قوم: آل محمد كل من كان ~~على دينه، ولا خلاف بين النحويين أن اصل (آل) اهل فغلبوا الهاء همزة ~~وجعلوها مدة لئلا يجتمع ساكنان، ألا ترى أنك اذا صغرت قلت أهيل ولا يجوز ~~أويل، لأنه رد إلى الأصل لا إلى اللفظ. # وقوله { افلا تعقلون } معناه تتدبرون وتتفكرون في ما نزل بهؤلاء القوم ~~وتعتبرون به لتجتنبوا ما كانوا يفعلونه من الكفر والضلال. وفي قوله { ~~لمحضرون } حذف، لان تقديره فانهم لمحضرون العقاب واليم العذاب لتكذيبهم ~~والجزاء بما تقتضيه الحكمة فيهم. وهذا الابهام تغليظ في الوعيد بالعذاب، ~~لانه لعظمه معلوم لا يخفى أمره، ووجه الحجة عليهم في قوله { ورب آبائكم ~~الأولين } انه اذا كان الرب واحدا وجب اخلاص العبادة لواحد، لانه الذي ~~يملك الضر والنفع في جميع الامور، وذلك يبطل عبادة الأوثان. # ثم قال كما جازينا هؤلاء بهذا الجزاء وهو ان أثنينا عليهم في آخر الامم ~~مثل ذلك نجزي من فعل الطاعات واجتنب المعاصي. # ثم اخبر ان الياس كان جملة عباده المصدقين بجميع ما اخبر الله به من وعد ~~ووعيد وغير ذلك، العاملين بما اوجب الله عليهم. ### || [37.133-148] # أخبر الله تعالى أن لوطا كان من جملة من أرسله الله نبيا إلى خلقه ~~داعيا لهم إلى طاعة الله ومنبها ms2978 لهم على وجه وحدانيته، وإن قومه كذبوه ~~وجحدوا نبوته فأهلكهم الله ونجا لوطا وأهله اجمعين، واستثنى من جملة ~~اهله الناجين { عجوزا } أهلكها الله، لكونها على مثل ما كان قومه عليه { ~~في الغابرين } أي في الباقين الذين اهلكوا، فالغابر الباقي قليلا بعد ما ~~مضى، ومنه الغبار، لانه يبقى بعد ذهاب التراب قليلا. والتغبير التلحين ~~لانه يبقى الصوت فيه بالترديد قليلا، ومنه قول الشاعر: # به غبر من دأبه وهو صالح # ثم انه لما نجى لوطا وأهله وخلصهم، دمر الآخرين من قومه. والتدمير ~~الاهلاك على وجه التنكيل دمر عليهم إذا غير حالهم إلى حال التشويه، فالله ~~تعالى اهلك قوم لوط بما أرسل عليهم من الحجارة، وبما فعل بهم من انقلاب ~~قراهم. # وقوله { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون } توبيخ من الله ~~للكفار الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وتعنيف لهم على ترك ~~اعتبارهم وإيقاظهم بمواضع هؤلاء الذين أهلكهم الله ودمر عليهم مع كثرة ~~مرورهم عليها صباحا ومساء وليلا ونهارا. وفي كل وقت. ومن كثر مرورهم ~~بمواضع العبرة فلم يعتبر كان الوم ممن قل ذلك منه. # وقوله { أفلا تعقلون } معناه أفلا تتدبرون فتتفكرون في ما نزل بهؤلاء ~~القوم من الكفر والضلال. وقيل: وجه القصص وتكريرها، كتشويق إلى مثل ما ~~كانوا عليه من مكارم الاخلاق ومحاسن الأفعال وصرف الناس عن مساوي الاخلاق ~~وقبائح الأفعال قال الشاعر: # تلك المكارم لاقعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد ابوالا # ثم قال تعالى مخبرا عن يونس عليه السلام انه كان من جملة من أرسله الله ~~إلى خلقه وجعله نبيا يدعو إلى توحيده وخلع الانداد دونه. # وقوله { إذ أبق إلى الفلك المشحون } معناه حين هرب إلى السفن المملوءة، ~~فالاباق الفرار، فالآبق الفار إلى حيث لا يهتدي اليه طالبه يقال: أبق ~~العبد يأبق أباقا فهو آبق إذا فر من مولاه. والآبق والهارب والفار ~~واحد. قال الحسن: فر من قومه { إلى الفلك المشحون } أي المحمل الموقر. ~~وقوله { فساهم } قال ابن عباس معناه قارع، وهو قول السدي { فكان من ~~المدحضين } قال ms2979 مجاهد: يعني من المسهومين، والمساهمة المقارعة، فلما ساهم ~~يونس قومه وقع السهم عليه، فالقي في البحر، فالتقمه الحوت، فكان من ~~المدحضين، قال الحسن كان من المقروعين. وقيل: معناه فكان من الملقين في ~~البحر، والدحض الزلق لأنه يسقط عنه المار فيه. ومنه قوله # حجتهم داحضة # أي ساقطة، ودحض يدحض دحضا فهو داحض، وأدحضته ادحاضا، وقيل: كان يونس ~~عليه السلام قد توعدهم بالعذاب ان أقاموا على ما هم عليه، فلما رأوا ~~مخايل العذاب واماراته دعوا الله أن يكشف عنهم وتابوا اليه، فكشفه. # وكان يونس قد خرج قبل ان يأمره الله - عز وجل - بالخروج من بين قومه ~~استظهارا، فلما كشف الله عنهم لام نفسه على الخروج ومضى على وجهه إلى ان ~~ركب البحر. وقيل: إنما تساهموا لأنهم أشرفوا على الغرق فرأوا ان طرح واحد ~~أيسر من غرق الجميع. وقيل: لا بل لما رأوا الحوت قد تعرضت لهم، قالوا ~~فينا مذنب مطلوب فتقارعوا فلما خرج على يونس رموا به في البحر فالتقمه ~~الحوت. ومعناه ابتلعه يقال التقمه التقاما ولقم يلقم لقما وتلقم ~~تلقما. # وقوله { وهو مليم } معناه أتى بما يلام عليه، وإن وقع مكفرا عند من قال ~~بتجويز الصغائر على الانبياء، وعندنا قد يلام على ترك الندب، يقال ألام ~~الرجل إلامة فهو مليم، وقال مجاهد وابن زيد: المليم المذنب قال لبيد: # سفها عذلت ولمت غير مليم # وهداك قبل اليوم غير حكيم # ثم قال { فلولا أنه كان من المسبحين } قال قتادة: كان من المصلين في حال ~~الرخاء فنجاه الله من البلاء. وقال سعيد بن جبير: كان يقول لا إله إلا ~~انت سبحانك إني كنت من الظالمين، والتسبيح التنزيه عما لا يليق ولا يجوز ~~في صفته، ويقال: سبح الله يسبح تسبيحا إذا قال: سبحان الله معظما له ~~بما هو عليه من صفات التعظيم نافيا عنه ما لا يليق به ولا يجوز عليه من ~~صفات المخلوقين والمحتاجين. # وقوله { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } إخبار منه تعالى انه لولا تسبيح ~~يونس لتركه اليه أي كان يبقى في ms2980 بطنه إلى يوم القيامة الذي يحشر الله فيه ~~الخلائق، وقوله { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } إخبار منه تعالى انه لما ~~اراد تخليصه طرحه بالعراء وهو الفضاء الذي لا يواريه شجر ولا غيره. قال ~~الشاعر: # فرفعت رجلا لا اخاف عثارها # ونبذت بالبلد العراء ثيابي # وقال السدي: لبث في بطن الحوت اربعين يوما { وهو سقيم } أي هو مريض حين ~~القاه الحوت. # ثم اخبر تعالى انه انبت عليه شجرة من يقطين تكنه من حر الشمس. اليقطين ~~كل شجرة ليس لها ساق يبقى من الشتاء إلى الصيف، فهي يقطين وقال ابن عباس ~~وقتادة: هو القرع. وقال مجاهد وسعيد بن جبير كل شجر لا يقوم على ساق ~~كالبطيخ والدبا والقرع فهو يقطين. وهو تفعيل من قطن بالمكان إذا اقام ~~إقامة زائل لا إقامة راسخ كالنخل والزيتون ونحوه والقطاني من الحبوب التي ~~تقيم في البيت، قال أمية بن ابي الصلت. # فانبت يقطينا عليه برحمة # من الله لولا الله القى ضاحيا # وروي عن ابن عباس ان اليقطين كل شجرة لها ورق عريض. وقوله { وأرسلناه ~~إلى مئة ألف أو يزيدون } قيل: أرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض ~~الموصل - في قول قتادة - وقال ابن عباس: كانت رسالته بعد ما نبذه الحوت، ~~فيجوز على هذا انه أرسل إلى قوم بعد قوم ويجوز أن يكون ارسل إلى الأولين ~~بشريعة فآمنوا بها. # وقيل: إن قوم يونس لما رأوا إمارات العذاب ولم يكونوا قد بلغوا حد ~~الاجبار واليأس من البقاء آمنوا، وقبل الله إيمانهم، لأنهم لو كانوا ~~حصلوا في العذاب لكانوا ملجئين ولما صح إيمانهم على وجه يستحق به الثواب. # وقوله { أو يزيدون } قيل في معنى { أو } ثلاثة اقوال: # احدها - ان تكون بمعنى الواو، وتقديره إلى مئة الف وزيادة عليهم. # الثاني - ان تكون بمعنى (بل) على ما قال ابن عباس. # الثالث - ان تكون بمعنى الابهام على المخاطبين، كأنه قال أرسلناه إلى ~~احدى العدتين. ثم حكى تعالى عنهم أنهم آمنوا بالله وأقروا له بالوحدانية ~~وراجعوا التوبة، وكشف الله عنهم العذاب ومتعهم إلى وقت ms2981 فناء آجالهم، ~~فالتمتيع والامتاع هو التعريض للمنافع الحاصلة كالامتاع بالبساتين ~~والرياض وشهي الطعام والشراب. ### || [37.149-160] # كلهم قرأ { أصطفى } بفتح الهمزة إلا ورشا واسماعيل عن نافع، فانهما ~~وصلاه على الخبر. وبه قرأ ابو جعفر قال ابو علي الفارسي: يجوز أن يكون ~~على تقدير لكاذبون في قولهم قالوا: اصطفى، ويجوز ان يكون اصطفى النبات ~~على ما يقولونه، والوجه قطع الهمزة، لأنه على وجه التقريع، ويقويه قوله { ~~أم اتخذ مما يخلق بنات } قال قتادة والسدي: ان قريشا كانت تقول: ~~الملائكة بنات الله تعالى، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يستفتهم ~~بمعنى ان يطلب الحكم منهم في هذه القضية على وجه التقريع لهم والتوبيخ ~~على قولهم بأن يقول لهم ألربكم البنات؟! يعني كيف يقولوا لربك البنات يا ~~محمد ولهم البنون؟ ومن أين علموا ان الملائكة إناثا اشاهدوا خلق الله ~~لهم؟! فرأوهم اناثا؟ فانهم لا يمكنهم ادعاء ذلك. # ثم اخبر تعالى فقال { ألا إنهم من إفكهم } أي من كذبهم - في قول قتادة ~~والسدي - هذا القول، وهو ان يقولوا { ولد الله. وإنهم لكاذبون } في هذا ~~القول. ثم قال { آصطفى البنات على البنين } من قطع الهمزة أراد الانكار ~~بلفظ الاستفهام، والمعنى كيف يكون هذا، وكيف يختار البنات على البنين، ~~ومن وصل الهمزة اراد الاخبار بذلك، فالاصطفاء إخراج الصفوة من الشيء، وهي ~~خالصه. وإنما يصطفي الله تعالى افضل الاشياء، ومن اصطفى الأدون على ~~الأفضل مع القدرة على الأعلى كان ناقصا. والله تعالى لا يليق بصفات ~~النقص في اصطفاء النبات على البنين مع استحالة اتخاذ الولد عليه، لما في ~~ذلك من معنى التشبيه، لأنه إنما يتخذ الولد من يجوز أن يكون مثل ذلك ~~ولدا له، ولذلك لا يجوز أن يتخذ الشاب شيخا ولدا، ولا أن يتخذ الانسان ~~بعض البهائم ولدا، لما لم يكن ذلك ممكنا، فاذا أستحال الولد عليه ~~تعالى، فما هو مشبه به أولى بأن يستحيل عليه. # وأصل (اصطفى) (اصتفى) فقلبت التاء طاء لتعدل الحروف في الاطباق ~~والاستعلاء بما هو من مخرج التاء، فالطاء وسط بين ms2982 الحرفين لمناسبتها ~~التاء بالمخرج، والصاد بالاستعلاء والاطباق. # قوله { مالكم كيف تحكمون } تهجين لهم بوضعهم الشيء في غير موضعه لأنهم ~~وضعوه موضع الحكمة، وليس الامر كذلك إذ انتم على فاحش الخطأ الذي يدعو ~~اليه الجهل. وقوله { أم لكم سلطان مبين } معناه هل لكم حجة ظاهرة وبرهان ~~بين في ما تدعونه وتحكمون به. وسمي البرهان سلطانا، لأنه يتسلط به على ~~الانكار لمخالفة الحق والصواب. والبيان إظهار المعنى للنفس. # ثم قال على وجه الانكار عليهم { فأتوا بكتابكم } إن كان معكم حجة من ~~كتاب انزله الله اليكم فهاتوه { إن كنتم صادقين } في هذا القول، فانهم لا ~~يقدرون على ذلك ابدا. # ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم { جعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ~~قال الحسن: اشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. وقال ~~قوم: بل لأنهم قالوا: إنه تعالى تزوج من الجن - تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا - وقيل: سميت الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون. ومعنى الآية أن ~~هؤلاء الكفار بجعلهم الملائكة بنات الله جعلوا بينه وبينهم نسبا، وهو ~~قول مجاهد وقتادة. # ثم قال تعالى على وجه الرد عليهم { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } وقال ~~مجاهد وقتادة: قال ذلك لانهم علموا أنهم يحضرون الحساب. وقال السدي: ~~علموا أن قائل هذا القول يحضر الحساب والعذاب. ثم نزه تعالى نفسه عن ~~قولهم وصفتهم، فقال { سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين } ~~استثنى عباده الذين أخلصوا نفوسهم فوجهوا العبادة اليه تعالى ووصفوه بما ~~يليق به من جملة الكفار القائلين بمالا يليق به. ### || [37.161-170] # قرأ الحسن { صائل الجحيم } بالرفع وهي تحتمل شيئين: احدهما. الجمع. ~~والثاني - القلب، كقولهم: شاك، وشائك في السلاح، وهار وهائر. الباقون { ~~صال } بكسر اللام على وزن (فاعل). # هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا يعبدون الاصنام بأن قال لهم ~~{ فإنكم وما تعبدون } فموضع (ما) نصب عطفا على الكاف والميم، وهو في ~~موضع نصب ب (أن) والتقدير إنكم يا معشر الكفار والذين تعبدونه { ما أنتم ~~عليه بفاتنين } وقال الفراء: تقديره، وإنكم وآلهتكم ما ms2983 أنتم عليه بفاتنين ~~أي بمفتنين { وما أنتم عليه } أي وما أنتم على ذلك الدين بمصلين عليه وبه ~~وله سواء في المعنى. وأهل نجد يقولون: أفتنت، وأهل الحجاز فتنت أي لستم ~~عليه بفاتنين، والفاتن الداعي إلى الضلالة بتزيينه له، فكل من دعا إلى ~~عبادة غير الله بالاغواء والتزيين فاتن، لانه يخرجه إلى الهلاك، وأصل ~~الفتنة من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخرجته إلى حال الخلاص # وفتناك فتونا # أي أخرجناك بالأمر الحق إلى حال الخلاص. # وقوله { إلا من هو صال الجحيم } أي لستم تفتنون إلا من يصلى الجحيم، ~~ومعناه إلا من يلزم النار ويحترق بها، ومنه المصطلي، وهو المستدفئ ~~بالنار، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها، والمصلي الذي يجيء بعد السابق ~~للزومه أثره. والمعنى ان من يقبل من هذا الفاتن وينقاد له، فهو يصلى ~~الجحيم. # وقوله { وما منا إلا له مقام معلوم } معناه ما منا ملك إلا له مقام، ~~فحذف ومعناه لا يتجاوز ما أمر به ورتب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام ~~مقامه الذي حد له، فكيف يجوز ان يعبد من هو بهذه الصفة، وهو عبد مربوب ~~ووصف المقام بأنه معلوم، لأنه معلوم لله على ما تقتضيه الحكمة، وهو محدود ~~لا يتجاوز ما علم منه ولا يخرج منه. # وقوله { وإنا لنحن الصافون } قيل: صافون حول العرش ينتظرون الأمر والنهي ~~من الله تعالى، وقيل: الصافون في الصلاة: وقوله { وإنا لنحن المسبحون } ~~معناه المصلون من قولهم: فرغت من سبحتي أي من صلاتي، وسميت الصلاة ~~تسبيحا لما فيها من تسبيح الله وتعظيم عبادته. و { المسبحون } القائلون ~~سبحان الله على وجه التعظيم له تعظيم العبادة، وقوله { وإن كانوا ليقولون ~~} ف (إن) هذه المخففة من الثقيلة بدلالة دخول اللام في خبرها، كما قال # وإن ربك ليحكم بينهم # ويلزمها هذه اللام ليفرق بين (إن) الثقيلة والخفيفة التي للجحد في مثل ~~قوله # إن الكافرون إلا في غرور # والمعنى إن هؤلاء الكفار كانوا يقولون { لو أن عندنا ذكرا } أي كتابا ~~فيه ذكر من كتب الأولين الذي أنزله على انبيائه. وقيل: ms2984 يعني علما يسمى ~~العلم ذكرا، لان الذكر من اسبابه، فسمى بأسمه { من الأولين } الذين ~~تقدمونا وما فعل الله بهم { لكنا } نحن ايضا من { عباد الله المخلصين } ~~الذين أخلصوا العبادة له، فجعلوا العذر في امتناعهم من الايمان أنهم لا ~~يعرفون اخبار من تقدمهم، وهل حصلوا في جنة او نار، فقال الله تعالى { ~~فكفروا به } يعني بالذكر، لأنهم طلبوا كتابا كما للاولين التوراة دالا ~~على توحيد الله، فلما جاءهم القرآن كفروا به، وبمن جاء بالقرآن - في قول ~~ابن عباس والسدي - فهددهم الله على هذا، الكفر فقال { فسوف يعلمون } في ~~ما بعد إذا عاقبناهم بعقاب النيران. ### || [37.171-182] # اقسم الله تعالى، لأن هذه اللام لام القسم بأنه { سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين } الذين بعثهم الله إلى خلقه { أنهم لهم المنصورون } سينصرون ~~بنصرهم على أقوامهم بالحجج وإنما قدم الله تعالى الكلمة للمرسلين بأنهم ~~سينصرون، لما في ذلك من اللطائف للملائكة والسامعين لها، وسميت جملة من ~~الكلام بانها كلمة لانعقاد بعض معانيه ببعض حتى صار يلحقه صفة التوحيد ~~كخبر واحد وقضية واحدة. وقال السدي: النصر للمرسلين بالحجة لأن منهم من ~~قتل. وقال الحسن: ما غلب نبي في حرب، ولا قتل قط. # ثم اخبر تعالى أن جنود الله للكفار لغالبون أي يقهرونهم تارة بالحجة ~~واخرى بالقتل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فتول عنهم } يعني اعرض ~~عن هؤلاء الكفار { حتى حين } إلى ان آمرك بقتالهم، يعني يوم بدر - في قول ~~السدي - وقال قتادة: إلى الموت. وقال قوم: إلى يوم القيامة. وقال قوم: ~~إلى انقضاء مدة الامهال. # وقوله { وأبصرهم فسوف يبصرون } معناه انظرهم فسوف يرون العذاب - في قول ~~ابن زيد - وقال غيره أبصر حالهم بقليل. وقيل: ابصرهم في وقت البصر، وفي ~~الآية دلالة على المعجز، لأنه تعالى وعد نبيه بالنصر، فكان الأمر على ما ~~قال. # وقوله { أفبعذابنا يستعجلون } معناه الانكار عليهم بأنهم يطلبون العذاب ~~عاجلا قبل وقته. ثم قال { فاذا نزل } يعني العذاب { بساحتهم } أي بفنائهم ~~فساء صباح المنذرين أي بئس الصباح صباح من خوف وحذر، فلم يحذر، ms2985 ولم يخف، ~~فالساحة ناحية الدار، وهو فناؤها، وهو الفناء الواسع فلذلك وصف بأنه نازل ~~به العذاب لعظمه ولا يسعه إلا الساحة ذات الفناء الواسع. وقال السدي: نزل ~~بساحتهم أي بدارهم وساء إذا كانت بمعنى بئس لا تتصرف مثل هذه. ومثل قوله # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا # ولو كان بمعنى الاخبار المحض لجاز أن يقال: ساءه يسوءه سوءا أي اوقع به ~~ما يسوءه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فتول عنهم حتى حين } أي اعرض عنهم ~~إلى حين وقد فسرناه. و { أبصر فسوف يبصرون } وقد مضى معناه، وإنما كرر ~~لانهما عذابان عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكأنه قال وابصرهم في عذاب ~~الآخرة وابصرهم في عذاب الدنيا. # ثم قال { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } أي التنزيه لربك عما لا يليق ~~به من الصفات، ربك الذي خلقك ويملك التصرف فيك رب العزة يعني العزة التي ~~يعز الله بها الأنبياء والمرسلين، وهي صفة القادر الذي لا يضام ولا يرام، ~~فالعزة لله - جل عز - وهو ربها، لانه القادر الذي لا يعجزه شيء منها، ولا ~~من غيرها جل وعلا { عما يصفون } يعني ما يصفه به الكفار من اتخاذ الأولاد ~~واتخاذ الشريك { وسلام على المرسلين } الذين أرسلهم الله إلى عباده { ~~والحمد لله رب العالمين } أي والشكر والحمد لله الذي خلق جميع العالم ~~وملك التصرف فيهم. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-5] # قرأ الحسن (صاد) بكسر الدال. وقال عيسى بن عمر بفتحها. الباقون بالوقف، ~~وهو الصحيح، لأن حروف الهجاء يوقف عليها. ومن كسر فلاجتماع الساكنين. ~~وقيل: إنه جعل من المصاداة وهي المعارضة. ومن فتح فلأن الفتحة أخف من ~~الكسرة، ولم يعدوا (صاد) آية، لأنه يشبه الاسم المفرد في انه على ثلاثة ~~احرف في هجاء حروف المعجم، نحو (باب، وذات، وناب) وإنما يعد آية ما يشبه ~~الجملة وشاكل آخره رؤس الآي التي بعده بالردف ومخرج الحروف. وليس - ها ~~هنا - شيء من ذلك. # واختلفوا في معنى (صاد) فقال قوم: هو اسم السورة على ما أخبرناه في ما ~~مضى. وقال ابن ms2986 عباس: هو اسم من اسماء الله أقسم به. وقال السدي: هو من ~~حروف المعجم. وقال الضحاك: معناه صدق، وقال قتادة: هو اسم من اسماء ~~القرآن اقسم الله تعالى به. وقال الحسن: هو من المصاداة وهو (صاد) بالكسر ~~أمر للنبي صلى الله عليه وآله أي عارض القرآن بعملك { والقرآن } قسم. ~~فلذلك جر { ذي الذكر } قال ابن عباس: ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي ~~التذكر. وقيل: معناه ذى الذكر للبيان والبرهان، المؤدي إلى الحق الهادي ~~إلى الرشد الرادع عن الغي، وفيه ذكر الأدلة التي من تمسك بها سعد. ومن ~~عدل عنها شقي. ومن عمل بها نجا. ومن ترك العمل بها هلك. # واختلفوا في جواب القسم، فقال قوم: هو محذوف وتقديره لجاء الحق وظهر، ~~لان حذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الذكر يقصر المعنى على وجه. والحذف ~~يصرف إلى كل وجه فيعم. وقال قوم: جوابه ما دل عليه قوله { بل الذين كفروا ~~} كأنه قال: والقرآن ذي الذكر ما الأمر على ما قالوا - ذكر ذلك قتادة - ~~وقال الفراء والزجاج: الجواب { كم } وتقديره لكم أهلكناه، فلما طال ~~الكلام حذفت اللام وصارت { كم } جوابا للقسم واليمين. ومثله قوله # ونفس وما سواها فألهمها # فصارت { قد أفلح } تابعة لقوله { فألهمها } وكفى عن جواب القسم، وكأنه ~~قال: والشمس وضحاها. لقد افلح، وقال قوم: الجواب قوله { إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار } إلا انه قد بعد عن أول الكلام. # وقوله { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } اخبار منه تعالى أن هؤلاء الكفار ~~قد مكنهم واعطاهم القوة ليقووا بها على الطاعات، فتقووا - بسوء اختيارهم ~~- بها على المعاصي وعلى دفع الحق الذي اتاهم وصاروا في شق غير شق رسولهم ~~الذي من قبل ربهم. ثم اخبر تعالى انه اهلك أمما كثيرة قبل هؤلاء الكفار ~~حين عصاه الذين كفروا، فلما نزل بهم العذاب نادوا واستغاثوا { ولات حين ~~مناص } معناه لات حين فرار من العذاب. وقيل: المناص المنجاة يقال: ناص ~~ينوص نوصا إذا تأخر وباص يبوص بوصا إذا تقدم قال امرؤ القيس: # أمن ذكر ms2987 ليلى ان ناتك تنوص # فتقصر عنها خطوة وتبوص # ونصب (لات حين) لانها مشبة ب (ليس) من جهة أنها نفي ولا تعمل إلا في ~~(الحين) خاصة لضعف الشبه عن منزلة (ما) إذ كانت (ما) تشبه (ليس) من جهة ~~النفي والحال قال الشاعر: # تذكر حب ليلى لات حينا # واضحى الشيب قد قطع القرينا # والوقف على (لات) بالتاء على قياس نظيرها من (ثمت، وربت) لان ما قبلها ~~ساكن - وهو قول الفراء - والكسائي يقف بالهاء (لاه) يجعل الالف في نية ~~الحركة. ومن زعم انه (لا تحين) موصوله، فقد غلط، لأنها في المصحف وتأويل ~~العلماء مفصولة. وقيل: ان (مناص) جر ب (لات) وانشدوا لأبي زيد. # طلبوا صلحنا ولات اوان # فاجبنا أن ليس حين بقاء # وقال الزجاج: انشده ابو العباس بالرفع، وقد روي بالكسر. وقال الزجاج: من ~~كسر رأى ان يجعله مبنيا بمنزلة نداء ذلك الأقوام وبناه، فحذف المضاف ~~اليه وكسر دون ان يضم، لأنه نونه، فأجراه على نظائره من المنون المبني ~~وأراد ولات أوانا. # ثم اخبر تعالى ان الكفار عجبوا { حين جاءهم منذر } أي مخوف من جهة الله ~~يحذرهم معاصيه ويدعوهم إلى طاعته، وقالوا: هذا شيء عجاب، وعجيب وعجاب ~~وعجاب بمعنى واحد، مثل كريم وكرام، فعجب هؤلاء الكفار من أن الله بعث ~~نبيهم وهو منهم، وقالوا: كيف خص بذلك، وليس باشرفنا ولا اغنانا. وقيل: إن ~~أبا جهل وجماعة من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب وشكوا اليه النبي صلى ~~الله عليه وآله وقالوا له: قد سفه احلامنا وشتم الالهة، فدعاه ابو طالب ~~وقال له: # " ما لأهلك يشكونك، فقال النبي صلى الله عليه وآله أدعوهم إلى كلمتين ~~حقيقتين يسودون على العرب بها، ويؤدي الخراج اليهم بها العجم، فقال ابو ~~جهل وغيره: ما هما فقال صلى الله عليه وآله: تشهدون أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله. فقال ابو جهل: أتجعل الالهة إلها واحدا؟! " # فانزل الله الآية. ### || [38.6-10] # خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي. # اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم انهم انطلقوا اي ms2988 ذهبوا ~~فالانطلاق ذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه وهي سهولة وبشر خلاف العبوس ~~وقوله { أن امشوا } قال الزجاج: أى بهذا القول، وتقديره بأن امشوا وقال ~~قوم: معنى (أن) أي التي للتفسير لأنه صار انطلاقهم لدلالته على هذا ~~المعنى بمنزلة الناطق به، كما يقولون: قام يصلي أي أنا رجل صالح. وقال ~~بعضهم: معناه الدعاء لهم بأن يكثر ماشيتكم، وهذا باطل لفظا ومعنى فاللفظ ~~لأنه لو كان كما قالوه لكانت الهمزة من { أن امشوا } إذا أمر منها ~~مفتوحة، لأنه من امشى يمشي إذا كثرت ماشيته والامر منه امشوا بقطع ~~الهمزة، والقراءة بكسرها، قال الشاعر: # وكل فتى وإن أثرى وامشى # ستسلخه من الدنيا المنون # واما المعنى، فلانه لا يشاكل ما قبله ولا ما بعده. # وقوله { واصبروا على آلهتكم } أمر منهم بعضهم لبعض أن يصبروا على عبادة ~~آلهتهم وتحمل المشاق لاجلها. وقال مجاهد: القائل لذلك عقبة بن أبي معيط ~~فالصبر محمود إذا كان في حبس النفس عن المحارم، فهؤلاء الجهال اعتقدوا أن ~~الحق في الصبر على آلهتهم، ولم يعلموا ان ذلك كفر. وفي ذلك دلالة على ~~فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، قال الحسن: إن هذا يكون في آخر ~~الزمان. # وقوله { إن هذا لشيء يراد } معناه هذا الذي يدعيه محمد ويدعوهم اليه ~~لشيء يراد به أمر ما من الاستعلاء علينا والرياسة فينا والقهر لنا. # ثم حكى ما قالوه فانهم قالوا { ما سمعنا بهذا } يعنون ما يدعوهم اليه ~~النبي صلى الله عليه وآله من التوحيد وخلع الانداد من دون الله { في ~~الملة الآخرة } قال ابن عباس يعنون في النصرانية، لأنها آخر الملل. وقال ~~مجاهد: يعنون في مكة وقريش. ثم قالوا { إن هذا إلا اختلاق } قال ابن عباس ~~ومجاهد: معناه ليس هذا إلا تخرص وكذب. ثم تعجبوا فقالوا { أأنزل عليه ~~الذكر من بيننا } يعنون كيف خص محمد بانزال القرآن دوننا؟! فقال الله ~~تعالى { بل هم في شك من ذكري } معناه ليس يحملهم على هذا القول إلا الشك ~~في الذكر الذي أنزلت على رسولي { بل لما يذوقوا ms2989 عذاب } ثم قال { أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك }؟ قال الفراء: الأستفهام إذا توسط الكلام ابتدئ بألف وب ~~(أم)، وإذا لم يسبق كلام لم يكن إلا بألف او ب (هل). ووجه اتصال هذا ~~القول بما تقدم هو إتصال الانكار لما قالوا فيه، أي ذلك ليس اليهم، وإنما ~~هو إلى من يملك هذه الأمور. و { خزائن رحمة ربك } معناه مقدوراته التي ~~يقدر بها على أن ينعم بها عليهم. وقوله { العزيز } يعني القادر الذي لا ~~يغالب ولا يقهر { الوهاب } لضروب النعم { أم لهم ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما } فان كان لهم ذلك { فليرتقوا في الأسباب } وهي جمع سبب وكل ما ~~يتوصل به إلى المطلوب - من حبل أو سلم او وسيلة او رحم او قرابة او طريق ~~او جهة - فهو سبب، ومنه قيل: تسببت بكذا إلى كذا أي توصلت به اليه. ### || [38.11-15] # قرأ حمزة والكسائي { فواق } بضم الفاء. الباقون بفتحها. فالفواق بفتح ~~الفاء معناه ما لها من راحة، وإذا ضممت الفاء، فالمعنى ما لها من فواق ~~ناقة وهو قدر ما بين الحبلتين. وقيل: هو ما بين الرضعتين. وقيل: هما ~~لغتان مثل قصاص الشعر وقصاصه، وحمام الماء وحمامه، وهو الآفة، وهو ~~الابانة بعد الفترة و (ما) في قوله { جند ما } صلة، وتقديره: جند هنالك، ~~و { هنالك } للمكان البعيد و (هناك) للمتوسط بين القرب والبعد و (هنا) ~~للقريب ونظيره (ذا) و (ذاك) و (ذلك) ومثل (ما) في كونها صلة قولهم: لأمر ~~ما جدع قصير أنفه. وعندي طعام ما، قال الاعشى: # فاذهبي ما اليك أدركني الح # لم عداني عن ذكركم اشغالي # وقيل: إنها تقوية للنكرة المبتدأة في (ما) والجند جمع معد للحرب جمعه ~~اجناد وجنود، وجند الاجناد أي جيش الجيوش. ومنه قوله صلى الله عليه وآله # " الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # ، وقوله { مهزوم } يعني مغلوب عن أن يصعدوا إلى السماء، والمهزوم من ~~وقعت بهم الهزيمة، وهي الفرار من الحرب، ولو فر انسان من ضرب لم يكن ذلك ~~هزيمة، وكذلك من فر ms2990 من الحبس. وقوله { من الأحزاب } معناه من حزب إبليس ~~وإتباعه. # ثم اخبر تعالى انه كذب مثل هؤلاء الكفار، فأنث لأنه أراد العشيرة { قوم ~~نوح } فأغرقهم الله، وقوم { عاد } فاهلكهم الله { وفرعون } وقوم فرعون { ~~ذا الأوتاد } وقيل: في معناه أقوال: # منها - انه كانت له ملاعب من اوتاد يلعب له عليها، وهو قول ابن عباس ~~وقتادة. وقال السدى والربيع بن أنس: انه كانت له أوتاد يعذب الناس بها. ~~وقال الضحاك: معناه ذو البنيان، والبنيان اوتاد، # ثم قال { وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة } أيضا هم الأحزاب يعني احزاب ~~إبليس: و { الأيكة } الغيضة. وقال ابو عمرو بن العلا: هي الملتفت من ~~النبع والسدر. وقال السدي: هي الحرجة، قال الشاعر: # افمن بكاء حمامة في أيكة # يرفض دمعك فوق ظهر المحمل # يعني محمل السيف. وقوله { إن كل إلا كذب الرسل } معناه ليس كلهم إلا ~~كذبوا أنبياء الله وجحدوا نبوتهم فاستحقوا عقابي. ثم قال { وما ينظر ~~هؤلاء إلا صيحة واحدة } أي ليس ينظر هؤلاء إلا صيحة عذاب لا يكون لتلك ~~الصيحة { من فواق } أي مالها من افاقة بالرجوع إلى الدنيا وهو قول قتادة، ~~والسدي وقال ابن زيد { ما لها من فواق } أي من فتور كما يفيق المريض. ### || [38.16-20] # يقول الله مخبرا عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأنهم يقولون على وجه ~~الاستهزاء بعذاب الله يا { ربنا عجل لنا قطنا } أي قدم لنا نصيبنا من ~~العذاب، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: طلبوا حظهم من العذاب تهزءا بخبر ~~الله وشكا فيه. وقال السدي: إنما سألوا أن يريهم حظهم من النعيم في الجنة ~~حتى يؤمنوا. وقيل: إنما سألوا أن يعجل كتبهم التي يقرؤنها في الآخرة ~~استهزاء منهم بهذا الوعيد. والقط الكتاب قال الاعشى: # ولا الملك النعمان يوم لقيته # بأمته يعطي القطوط ويأفق # أي كتب الجوائز، لانها قطع نصيب لكل واحد بما كتب. والتعجيل فعل الشيء ~~قبل وقته الذي ينبغي أن يفعل فيه. والقط النصيب وأصله القطع من قولك قطه ~~يقطه قطا مثل قده يقده قدا، ومنه قولهم: ما رأيته قط أي ms2991 قطع الدهر الذي ~~مضى { قبل يوم الحساب } أي قبل اليوم الذي يحاسب فيه الخلق ويجازون فيه ~~على أعمالهم على ما يقولونه فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { ~~اصبر على ما يقولون } أي احبس نفسك على اذاهم وصبرها على أقوالهم { واذكر ~~عبدنا داود ذا الأيد } ترغيبا له في الصبر المأمور به وإن لك يا محمد ~~فيه من إحسان الله اليك على نحو إحسانه إلى داود قبلك، وأنه لو شاء ~~لاعطاك في الدنيا مثل ما أعطى داود ولكنه دبر لك ما هو أعود لك. # وقوله { ذا الأيد } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه ذا القوة، ومنه ~~قوله # والسماء بنيناها بأييد # أي بقوة، وقوله { إنه أواب } قال ابن زيد: معناه تواب وبه قال مجاهد، ~~وهو من آب يؤب أي رجع إلى الله فلذلك مدحه. # ثم اخبر تعالى عن نعمه التي أنعم بها على داود، فقال { إنا سخرنا الجبال ~~معه يسبحن بالعشي والإشراق } ومعناه إنها كانت تسير بأمر الله معه حيث ~~سار بالغداة والعشي فسمى الله ذلك تسبيحا لما في ذلك من دلالته على ~~قدرته وغناء من خلقه وصفاته التي لا يشاركه فيها غيره، والاشراق وقت طلوع ~~الشمس يقال: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا اضاءت { والطير محشورة } ~~وتقديره وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة من كل ناحية اليه يعني الطير ~~والجبال { له أواب } أي رجاع إلى ما يريد. وقيل: مسخرة - ذكره قتادة - ~~وقال الجبائي لا يمتنع أن يكون الله خلق في الطيور من المعارف ما تفهم به ~~مراده وأمره من نهيه فتطيعه في ما يريده منها. وإن لم تكن كاملة العقل، ~~ولا مكلفة. # ثم قال { وشددنا ملكه } يعني قوينا ملكه بالجنود والهيبة { وآتيناه ~~الحكمة } أي علمناه الحكمة { وفصل الخطاب } ومثله قول البينة على المدعي ~~واليمين على المدعى عليه أى إصابة الحكم بالحق. وقال البلخي: يجوز أن ~~يكون المراد بتسبيح الجبال معه هو ما أعطى الله تعالى داود من حسن الصوت ~~بقراءة الزبور، فكان إذا قرأ الزبور أو ذكر ما هو تسبيح لله ms2992 ورفع صوته ~~بين الجبال رد الجبال عليه مثله كما يرد الصدى، فسمى الله ذلك تسبيحا ~~لما تضمنه من الدلالة والأول أحسن. ### || [38.21-25] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه وصورته صورة الاستفهام والمراد اخباره بما ~~كان من قصة داود من الحكم بين الخصمين وتنبيهه على موضع إخلاله ببعض ما ~~كان ينبغي أن يفعله فقال { وهل أتاك نبؤ الخصم } يعني خبره فالنبأ الخبر ~~بما يعظم حاله { إذ تسوروا المحراب } يعني حين صعدوا اليه. والخصم هو ~~المدعي على غيره حقا من الحقوق المنازع له فيه، ويعبر به عن الواحد ~~والاثنين والجماعة بلفظ واحد، لان أصله المصدر، فتقول: رجل خصم، ورجلان ~~خصم، ورجال خصم، ولذلك قال { إذ تسوروا المحراب } لأنه أراد المدعي ~~والمدعى عليه ومن أتبعهما، فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان، ~~لما قال { خصمان بغى بعضنا على بعض } لانه أراد بذلك الفريقين، والخصم من ~~خصمته اخصمه خصما. والتسور الاتيان من جهة السور، يقال تسور فلان الدار ~~إذا أتاها من قبل سورها، وكانوا أتوه من اعلى المحراب، فلذلك فزع منهم، ~~والمحراب مجلس الاشراف الذى يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمى المصلي ~~محرابا وموضع القبلة ايضا محراب. # وقوله { إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على ~~بعض } معناه إن هؤلاء حين دخلوا على داود من غير الجهة التي اعتاد الدخول ~~عليه منها فزع منهم، لانه ظنهم أعداء يريدون به سوء فقالوا له { خصمان } ~~ولم يقولا: نحن خصمان يعني فريقان لأنهما كانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا ~~بغى احدهما على الآخر، وإنما هو على المثل { فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ~~} معناه ولا تجاوز الحق ولا تجر ولا تسرف في حكمك بالميل مع أحدهما - على ~~الآخر، يقال أشط في حكمه إذا جار يشط فهو مشط وشططت علي في السوم تشط ~~شططا قال الشاعر: # ألا يا لقومي قد اشطت عواذلي # ويزعمن أن اودى بحقي باطلي # وقال آخر: # يشط غدا دار جيراننا # وللدار بعد غد بعد # وقوله { واهدنا إلى سواء ms2993 الصراط } معناه أرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو ~~طريق الحق ووسطه، كما قال # فاطلع فرآه في سواء الجحيم # ثم حكى تعالى ما مكان أحد الخصمين لصاحبه، فقال { إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة } قال وهب بن منية: يعني أخي في ديني وقال ~~اكثر المفسرين انه كنى بالنعاج عن تسع وتسعين إمرأة كانت له وان الآخر له ~~نعجة واحدة يعني امرأة واحدة. وقال الحسن: لم يكن له تسع وتسعون امرأة ~~وإنما هو على وجه المثل. وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: أراد ~~النعاج باعيانها، وهو الظاهر غير انه خالف أقوال المفسرين. وقال هما من ~~ولد آدم، ولم يكونا ملكين وإنما فزع منهما لانهما دخلا عليه في غير الوقت ~~المعتاد، وهو الظاهر غير انه خلاف أقوال المفسرين على ما قلناه. # وقوله { فقال أكفلنيها } معناه اجعلني كفيلا بها أي ضامنا لامرها. ومنه ~~قوله # وكفلها زكريا # وقال ابو عبيدة معناه ضمها اليها، وقال ابن عباس وابن مسعود معنى ~~اكفلنيها انزل لي عنها { وعزني في الخطاب } أي غلبني في المخاطبة من ~~قولهم: من عز بز أي من غلب سلب. وقال ابن زيد: معناه قهرني. وقال ابو ~~عبيدة: معناه صار أعز مني، فقال له داود { لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه. وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض } ومعناه إن كان الامر ~~على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فاضاف السؤال إلى المفعول ~~به وهي النعجة وإن أضيف اليها. ثم اخبر ان كثيرا من الشركاء والخلطاء ~~ليبغي بعضهم على بعض فيظلمه. وقال أصحابنا: كان موضع الخطيئة أنه قال ~~للخصم لقد ظلمك من غير ان يسأل خصمه عن دعواه وفي آداب القضاء ألا يحكم ~~بشيء ولا يقول حتى يسأل خصمه عن دعوى خصمه، فما أجاب به حكم به. وهذا ترك ~~الندب في ذلك، وفي ذلك قول آخر، وهو إن في الناس من قال: إن ذلك كان ~~صغيرة منه وقعت مكفرة، والشرط الذي ذكرناه لا بد فيه، لانه لا يجوز ms2994 ان ~~يخبر النبي ان الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع، وإنما يجوز ~~مع تقرير الشرط الذي ذكرناه. ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين بعضهم يبغي ~~على بعض الذين آمنوا بالله وعملوا بما يوجب عليهم، فانهم لا يفعلون ذلك. ~~ثم قال وقليل الذين كذلك، فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن عند ذلك ~~أن الله اختبره بهذه الحكومة وابتلاه. وقرئ { فتناه } بالتخفيف بمعنى أن ~~الملكين فتناه بها. وقال قوم الظن العلم كأنه قال: وعلم داود ذلك وقال ~~آخرون: إنما ظن ظنا قويا وهو الظاهر. وقوله { فاستغفر ربه } معناه سأل ~~الله المغفرة والستر عليه { وخر راكعا وأناب } اليه أي رجع اليه ~~بالتوبة. # ثم اخبر تعالى انه أجاب دعوته وغفر له ذلك، وأخبر ان له مع المغفرة عند ~~الله لزلفى، والزلفى القربة من رحمة الله، وثوابه في جنته { وحسن مآب } ~~فالمآب والمرجع والمصير والمآل واحد. ومن قال ان ذلك كان صغيرة وقعت ~~مكفرة يقول: معنى قوله { فغفرنا له } بعد الانابة، وإن كانت الخطيئة غفرت ~~في الدنيا. وقيل: انه خطب امرأة كان اوريا ابن حيان قد خطبها فدخل في ~~سومه، فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك، لان الانبياء يتنزهون عن ذلك، ~~وإن كان مباحا لأنه مما ينفر على بعض الوجوه. وقيل: بل انفذ به إلى ~~غزوة، وكان يحب ان يستشهد ليتزوج امرأته لأنهما كانا تحاكما اليه فوقعت ~~امرأته في قلبه واشتهاها شهوة الطباع من غير أن يحدث أمرا قبيحا. # وأولى الوجوه ما قدمناه انه ترك الندب في ما يتعلق بأدب القضاء. لأن ~~باقي الوجوه ينبغي ان ينزه الانبياء عنها لانها تنفر في العادة عن قبول ~~أقوالهم، فأما ما يقول بعض الجهال من القصاص أن داود عشق امرأة أوريا، ~~وأنه امره بأن يخرج إلى الغزو، وأن يتقدم امام التابوت وكان من يتقدم ~~التابوت من شرطه ألا يرجع إلى أن يغلب او يقتل، فخبر باطل موضوع، وهو مع ~~ذلك خبر واحد لا أصل له ولا يجوز أن تقبل اخبار الآحاد في ما ms2995 يتضمن في ~~الانبياء ما لا يجوز على ادون الناس، فان الله نزههم عن هذه المنزلة ~~واعلى قدرهم عنها. وقد قال الله تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # وقال # ولقد اخترناهم على علم على العالمين # فكيف يختار تعالى من يتعشق نساء اصحابه ويعرضهم للقتل من غير استحقاق ~~ولا يجوز مثل هذا على الانبياء إلا من لا يعرف مقدارهم ولا يعتقد منزلتهم ~~التي خصهم الله فيها نعوذ بالله من سوء التوفيق. # وقد روي عن علي عليه السلام انه قال: لا أوتى برجل يقول إن داود ارتكب ~~فاحشة إلا ضربته حدين احدهما للقذف والآخر لأجل النبوة. وقرأ ابن مسعود { ~~تسع وتسعون نعجة } انثى، قال النحويون: هذا تأكيد، كما قال النبي: ابن ~~لبون ذكر، وكما قال { طائر يطير بجناحية } وقال ابن جرير: معناه تسع ~~وتسعون نعجة انثى أي حسناء، قال ابن خالويه هذا حسن جدا. ### || [38.26-29] # قرأ يحيى عن ابي بكر { لتدبروا } بالتاء وتقديره لتتدبروا من التدبر ~~فحذف تاء الفعل وبقي تاء المضارعة، وتقديره: لتتدبر انت يا محمد ~~والمسلمون ومن قرأ بالياء، فعلى ليتدبر المسلمون فيتقرر عندهم صحتها ~~وتسكن أنفسهم إلى العلم بها. # لما اخبر الله تعالى عن داود انه رجع اليه وتاب واستغفر ربه عن التقصير ~~الذي وقع منه في الحكم، وانه تعالى غفر له ذلك وأجاب دعوته، ووعده ~~بالزلفى عنده والقربة من ثوابه ناداه ايضا فقال له { يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض } والخليفة هو المدبر للامور من قبل غيره بدلا من تدبيره، ~~فداود لما جعل الله اليه تدبير الخلق فكان بذلك خليفة، ولذلك يقال: فلان ~~خليفة الله في أرضه إذا جعل اليه تدبير عباده بأمره. وقيل: معناه جعلناك ~~خليفة لمن كان قبلك من رسلنا. ثم أمره فقال { فاحكم بين الناس } ومعناه ~~افصل بين المختلفين من الناس والمتنازعين { بالحق } بوضع الاشياء مواضعها ~~على ما أمرك الله { ولا تتبع الهوى } أي ما يميل طبعك اليه ويدعوك هواك ~~اليه إذا كان مخالفا للحق، فلا تمل اليه { فيضلك عن سبيل الله } ومعناه ms2996 ~~انك متى اتبعت الهوى في ذلك عدل بك الهوى عن سبيل الله الذي هو سبيل ~~الحق. # ثم اخبر تعالى { إن الذين يضلون عن سبيل الله } يعني يعدلون عن العمل ~~بما أمرهم الله به { لهم عذاب شديد } يعني شديد ألمه { بما نسوا يوم ~~الحساب } وقيل في معناه قولان: # احدهما - لهم عذاب شديد يوم الحساب بما تركوا طاعاته في الدنيا، فعلى ~~هذا يكون يوم الحساب متعلقا ب { عذاب شديد } وهو قول عكرمة والسدي: # الثاني - قال الحسن { لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } أي بما ~~اعرضوا عنه، صاروا بمنزلة الناسي، فيكون على هذا العامل في { يوم } قوله ~~{ نسوا }. # ثم اخبر تعالى انه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما باطلا، بل خلقهما ~~وما بينهما بالحق لغرض حكمي، وهو ما في ذلك من إظهار الحكمة وتعريض انواع ~~الحيوان للمنافع الجليلة وتعويض العقلاء لمنافع الثواب، وذلك يفسد قول ~~المجبرة الذين قالوا: إن كل باطل وضلال من فعل الله. وقوله { ذلك ظن ~~الذين كفروا } معناه إن خلق السماء والارض وما بينهما باطلا ظن من يكفر ~~بالله ويجحد وحدانيته وحكمته، ثم توعد من هذه صفته فقال { فويل للذين ~~كفروا من النار } ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع للكفار بلفظ الاستفهام ~~{ أم نجعل الذين آمنوا... } معناه هل نجعل الذين صدقوا بالله وأقروا ~~برسله وعملوا الصالحات مثل الذين أفسدوا في الارض وعملوا بالمعاصي؟! ام ~~هل نجعل الذين اتقوا معاصي الله خوفا من عقابه كالفجار الذين عملوا ~~بمعاصيه وتركوا طاعته؟! فهذا لا يكون ابدا. # وكيف يكون كذلك وهؤلاء يستحقون الثواب بطاعتهم وأولئك يستحقون العقاب ~~بمعاصيهم. وقال ابو عبيدة: ليس لها جواب استفهام فخرجت مخرج الوعيد. وقال ~~الزجاج: تقديره، أنجعل الذين آمنوا وعموا الصالحات كالمفسدين في الارض أم ~~نجعل المتقين كالفجار، فهو استفهام بمعنى التقرير. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { كتاب أنزلناه إليك مبارك } أي ~~هذا كتاب انزلناه، يعني القرآن الذي أنزله الله عليه، ووصفه بأنه مبارك، ~~لان به يستديم الناس ما أنعم الله عليهم به، وبين أن ms2997 غرضه تعالى بانزال ~~هذا القرآن { ليدبروا آياته } بأن يتفكروا في أدلته { وليتذكر أولو ~~الألباب } يعني أولو العقول. # وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في خلق القبائح من حيث بين الله ~~انه يعاقبهم جزاء بما نسوا طاعاته في الدنيا. # وقوله { ذلك ظن الذين كفروا } يدل على فساد قول من يقول: ان المعارف ~~ضرورة، لانهم لو كانوا عارفين ضرورة لما كانوا ظانين. ### || [38.30-40] # قرأ ابن كثير وحده { بالسؤق } مهموزة. وقال ابن مجاهد: الرواية الصحيحة ~~عنه { بالسوق } على فعول، ولما ضمنت الواو همزها، مثل وفيت وأفيت، فهذه ~~رواية قنبل. وقرأ البزي { بالسوق } مثل أبي عمرو، جمع ساق مثل باح وبوح. ~~والباحة والصرح والعرصة والفناء واحد. ومثله قارة وقور للخيل الصغير. ومن ~~همز سوق فعلى لغة من قال: (أحب المؤفدين إلى موسى)، فهمز انشده ابو الحسن ~~لابي حبة النميري، ولانه لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز صار كأن الضمة ~~عليه فهمز. # اخبر الله تعالى انه وهب لداود سليمان. فقال { نعم العبد } كان سليمان { ~~إنه أواب } أي رجاع إلى طاعة الله وطلب ثوابه. وقوله { إذ عرض } يجوز أن ~~يتعلق بقوله { نعم العبد } أي نعم العبد حين عرض عليه، ويجوز ان يكون ~~العامل فيه واذكر يا محمد إذ عرض على سليمان { بالعشي } يعني آخر النهار ~~{ الصافنات الجياد } والصافنات جمع صافنة، قال ابن زيد: صفن الخيل قيامها ~~على ثلاث مع رفع رجل واحدة. يكون طرف الحافر على الارض وقال مجاهد: صفون ~~الفرس رفع احدى يديه حتى يكون على طرف الحافر صفنت الخيل تصفن صفونا إذا ~~وقفت كذلك قال الشاعر: # الف الصفون فما يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا # وقال الزجاج والفراء وغيرهما: كل قائم على ثلاث صافن. والجياد السراع من ~~الخيل فرس جواد كأنه يجود بالركض، كأنه جمع جود كما يقال: مطر جود إذا ~~كان مدرارا ونظيره سوط وسياط. والعرض إظهار الشيء بحيث يرى ليميز من ~~غيره، ومنه قوله { وعرضوا على ربك صفا } واصله الاظهار قال عمرو بن ~~كلثوم: # واعرضت اليمامة واشمخرت # كأسياف بأيدى ms2998 مصلتينا # أي ظهرت وأعرض عني معناه أظهر جفوة بتوليه عني، وعرض الشيء إذا صار ~~عريضا. # وقوله تعالى { إني أحببت حب الخير } قال قتادة والسدي المراد بالخير - ~~ها هنا - الخيل والعرب تسمي الخيل الخير، وبذلك سمي (زيد الخيل) أي زيد ~~الخير، وقيل في ذلك وجهان: # احدهما - انه أراد احببت الخير، ثم اضاف الحب إلى الخير. # والثاني - انه أراد احببت اتخاذ الخير، لأن ذوات الخير لا تراد ولا تحب ~~فلا بد من شيء يتعلق بها، والمعنى آثرت حب الخيل على ذكر ربي ويوضع ~~الاستحباب موضع الايثار. كما قال تعالى # الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة # أي يؤثرون، وقوله { عن ذكر ربي } معناه إن هذا الخيل شغلني عن صلاة ~~العصر حتى فات وقتها، وهو قول علي عليه السلام وقتادة والسدي، وروي ~~أصحابنا انه فاته الوقت الأول، وقال الجبائي: انه لم يفته الفرض، وإنما ~~فاته نفل كان يفعله آخر النهار ففاته لاشتغاله بالخيل. وقوله { حتى توارت ~~بالحجاب } معناه توارت الشمس بالحجاب يعني بالغيبوبة وجاز الاضمار قبل ~~الذكر، لانه معلوم قال لبيد: # حتى إذا القت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها # وقال ابو مسلم محمد بن بحر وغيره: وذكر الرماني أن الكناية عن الخيل ~~وتقديره حتى توارت الخيل بالحجاب بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال. # ثم قال لاصحابه { ردوها علي } يعني الخيل فلما ردت عليه { طفق مسحا ~~بالسوق والأعناق } وقيل: ان الخيل هذه حربها من غنيمة جيش فتشاغل ~~باعتراضها حتى غابت الشمس وفاتته العصر، قال الحسن: كشف عراقيبها وضرب ~~اعناقها، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة اخرى. وقيل: انه إنما فعل ذلك ~~على وجه القربة إلى الله تعالى بأن ذبحها ليتصدق بلحومها لا لعقوبتها ~~بذلك. وإنما فعل ذلك لانها كانت أعز ماله فاراد بذلك ما قال الله تعالى # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # وقال ابو عبيدة: يقولون: مسح علاوته أي ضربها. وقال ابن عباس: جعل يمسح ~~أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها. وقال ابو مسلم محمد بن بحر: غسل اعرافها ~~وعراقيبها ms2999 إكراما لها، قال: لان المسح يعبر به عن الغسل من قولهم: تمسحت ~~للصلاة. # ثم قال تعالى على وجه القسم { ولقد فتنا سليمان } ومعناه اختبرناه ~~وابتليناه وشددنا المحنة عليه { والقينا على كرسيه جسدا } قال ابن عباس: ~~القي شيطانا اسمه صخر على كرسيه. وقال مجاهد: كان اسمه أصف. وقال السدي: ~~كان اسمه خنفيق وكان ملكه في خاتمه يخدمه الجن والشياطين ما دام في يده، ~~فلما أذنب سليمان نزع الله منه الخاتم، وجعل مع الجني فاجتمعت عليه الجن ~~والشياطين. وقيل: انه كان ذنبه انه وطئ في ليلة عدة كثيرة من جواريه ~~حرصا على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه انه وطئ امرأته في الحيض. # وقوله { ثم أناب } يعني تاب إلى الله من خطيئته، فرد الله عليه الملك ~~لان الجني لما اخذ خاتمه رمى به في البحر فرده عليه من بطن سمكة - ذكر ما ~~قلناه المفسرون - والذي قاله المفسرون من أهل الحق ومن نزه الانبياء عن ~~القبائح ونزه الله تعالى عن مثل ذلك هو انه لا يجوز أن يمكن الله تعالى ~~جنيا ليتمثل في صورة نبي لما في ذلك من الاستبعاد. وإن النبوة لا تكون ~~في الخاتم وانه تعالى لا يسلب النبي نبوته، وليس في الآية شيء من ذلك، ~~وإنما قال فيها انه ألقى على كرسيه جسدا. وقيل في معنى ذلك الجسد اقوال: # منها - إن سليمان قال يوما في مجلسه وفيه جمع كثير لاطوفن الليلة على ~~مئة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، وكان له ~~في ما يروى عدد كثير من السراري، فاخرج الكلام على سبيل المحبة لهذا ~~الحال، فنزهه الله عما ظاهره الحرص على الدنيا، لئلا يقتدى به في ذلك، ~~فلم يحمل من نسائه إلا امرأة واحدة ولدا ميتا، فحمل حتى وضع على كرسيه ~~جسدا بلا روح، تنبيها له على انه ما كان يجب ان يظهر منه ما ظهر، ~~فاستغفر الله وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع، لا على أن ذلك ~~كان صغيرة، ومن قال من حيث انه ms3000 لم يستثن مشيئة الله في ذلك، فقوله فاسد، ~~لأنه وإن لم يذكر مشيئة الله لفظا فلا بد من تقديرها في المعنى وإلا لم ~~يأمن أن يكون خبره كذبا، وذلك لا يجوز على الانبياء عند من جوز الصغائر ~~عليهم. # قال الحسن وغيره لا يجوز على الانبياء. # ومنها - انه روي ان الجن لما ولد لسليمان ولد قالوا: لنلقين منه ما ~~لقينا من سليمان، فلما ولد له ولد اشفق منهم، فاسترضعه في المزن، فلم ~~يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها على ان الحذر لا ينفع مع ~~القدر. # ومنها - انه ذكر انه ولد لسليمان ولد ابتلاه بصبره في إماتة ولده على ~~كرسيه. وقيل: انه أماته في حجره، وهو على كرسيه، فوضعه من حجره. # ومنها - ما ذكره ابو مسلم فأنه قال: يجوز ان يكون الجسد جسد سليمان وأن ~~يكون ذلك لمرض امتحنه الله به، وتقديره والقينا منه على كرسيه جسدا لشدة ~~المرض، كما يقولون: فلان لحم على وضم إذا كان ضعيفا، وجسد بلا روح ~~تغليظا للعلة، وقوة الضعف. # ثم حكى ما قاله سليمان حين أناب إلى الله، فانه سأل الله تعالى وقال { ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } أي لا تسلبنه كما سلبته ~~في الدفعة الاولى، وقال ابو عبيدة معنى { لا ينبغي } لا يكون، وانشد لابن ~~احمر: # ما ام غفر على دعجاء ذي علق # تنفي القراميد عنها الاعصم الوقل # في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة # لا ينبغي دونها سهل ولا جبل # وقال ابو عبيدة: أي لا يكون فوقها سهل ولا جبل احصن منها. # فان قيل: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي الشح والضن لانه لم يرض بأن سأل ~~الملك، حتى اضاف إلى ذلك ألا يكون لأحد بعده مثله؟! قلنا قد ثبت أن ~~الانبياء لا يجوز أن يسألوا بحضرة قومهم ما لم يأذن الله لهم في ذلك، ~~فعلى هذا لم لا يجوز ان يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا ~~يكون لغيره كان لطفا له في الدين، ms3001 وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب ~~اليه، لانه يكون مفسدة لغيره ولا صلاح له فيه، ولو أن احدنا صرح بمسألة ~~بهذا الشرط بأن يقول: اللهم اجعلني ايسر اهل زماني وارزقني ما لا يساويني ~~فيه احد إذا كانت المصلحة لي في ذلك لكان هذا جائزا حسنا، ولم يكن ~~منسوبا إلى بخل، فلا يمتنع أن يسأل النبي ايضا مثل ذلك. # وقيل: انه لا يمتنع أن يسأل النبي مثل هذه المسألة من غير إذن إذا لم ~~يكن بمحضر من قومه بعد ان يكون الشرط فيه مقدرا. # وقيل فيه وجه أخر، وهو انه عليه السلام إنما سأل ان يكون ملكه معجزة ~~لنبوته يبين بها من غيره ممن ليس بنبي. وقوله { لا ينبغي لأحد من بعدي } ~~معناه لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث اليه، ولم يرد من بعدي إلى يوم ~~القيامة من النبيين. # وقيل: انه لا يمتنع ان يكون المراد انه سأل ملك الآخرة وثواب الجنة الذي ~~لا يناله المستحق إلا بعد أنقطاع التكليف. ومعنى { لا ينبغي لأحد من بعدي ~~} لا يستحقه بعد وصولي اليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به ~~الثواب لانقطاع التكليف. # ثم بين بعد ذلك انه اعطاه ما سأله فقال { فسخرنا له الريح } أي ذللناها ~~له، والتسخير التذليل { تجري بأمره } يعني الريح تتوجه إلى حيث شاء { ~~رخاء } قال قتادة معناه طيبة سريعة، وقال ابن زيد: لينة. وقال ابن عباس: ~~مطيعة، وبه قال الضحاك والسدي والرخاء الريح: اللينة وهو رخاوة المرور ~~سهولته ووصفت باللين، لانها إذا عصفت لم يتمكن منها، وإذا لانت أمكنت. # وقوله { حيث أصاب } قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: معناه حيث ~~أراد، يقول القائل: اصاب الله بك الرشاد أي اراد الله، والمعنى انها ~~تنطاع له كيف أراد، وقال الحسن: كان يغدو من أبله، ويقيل بغزوين ويبيت ~~بكابل. والاصابة لحاق البغية، يقال اصاب الهدف بالسهم يصيبه إصابة. ومنه ~~الصواب إدراك الحق بالميل اليه، وقوله { والشياطين } نصبه بالعطف على ~~مفعول { فسخرنا } وتقديره وسخرنا له الشياطين ms3002 كل بناء وغواص ونصب (كل) ~~على البدل من الشياطين وهو بعضه فالغواص هو الذي يغوص في الماء أي ينزل ~~فيه تقول: غاص يغوص غوصا فهو غائص وغوصه تغويصا وكل الشياطين يغوصون له ~~في البحار وغيرها من الانهار بحسب ما يريد منهم ويبنون له الأبنية ~~العجيبة التي يعجز الناس عن مثلها. وقال قتادة: كانوا يغوصون في البحار ~~يستخرجون له الحلي منها، وغير ذلك { وآخرين مقرنين في الأصفاد } الاصفاد ~~واحدها صفاد، وهو الغل وجمعه اغلال. وقال السدي: السلاسل تجمع اليدين إلى ~~العنق والصفد الغل. والصفد العطاء، وبعضهم يقول: اصفدني قال الاعشى: # [تضيفته يوما فقرب مقعدي] # واصفدني على الزمانة قائدا # وذلك انه ارتبط من شكره بمثل الغل، و { مقرنين } هم الذين قرن بعضهم إلى ~~بعض بالسلاسل. # ثم قال تعالى { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } قال الحسن: معناه ~~هذا الملك الذي اعطيناك، فاعط ما شئت وامنع ما شئت. وقال قتادة والضحاك: ~~معناه لا تحاسب على ما تعطي وتمنع منه يوم القيامة ليكون اهنأ لك ومعناه ~~ليس عليك تبعة. وقيل: معناه بغير مقدار يجب عليك إخراجه من يدك، ويكون ~~بغير حساب، فامنن او أمسك وقال الزجاج: المعنى سخرنا لك الشياطين عطاء لك ~~منا فاطلق منهم من شئت واحبس من شئت فلا حساب عليك منه. # ثم قال تعالى { وإن له } يعني سليمان { عندنا لزلفى } أي لقربى زيادة ~~على ما أعطيناه في الدنيا { وحسن مآب } أي وحسن مآل في العاقبة. ### || [38.41-44] # قرأ ابو جعفر { بنصب } بضم النون والصاد. وقراءة يعقوب بفتحهما. الباقون ~~بضم النون وإسكان الصاد، وهي لغات أربع. وقراءة هبيرة بفتح النون وإسكان ~~الصاد. # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله { واذكر } يا محمد { ~~عبدنا أيوب إذ نادى ربه } فقال يا رب، لان النداء هو الدعاء بطريقة يا ~~فلان ومتى قال اللهم افعل بي وارزقني وعافني كان داعيا ولا يكون مناديا ~~{ أني مسني الشيطان } { أني } في موضع نصب لان تقديره، انه نادى بهذا ~~القول، وتقديره بأني مسني فلما حذف الياء نصب { أني ms3003 } و { مسني الشيطان } ~~أي وسوسني وذكرني ما كنت فيه من نعم الله في الاهل والولد والمال، وكيف ~~زال ذلك كله وما حصل فيه من البلية طمعا فيه ليزله بذلك ويجد طريقا إلى ~~اضلاله وتضجره وتبرمه، فوجده صابرا عند ذلك مسلما لأمر الله تعالى. ~~وقيل: انه كان وسوس إلى قومه أن يستقذروه ويخرجوه من بيتهم ولا يتركوا ~~امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم، لان فيه برصا وجذاما ربما عدا اليهم ~~وكان أيوب ينادى بذلك ويألم به. والنصب والوصب والتعب نظائر، وفيه لغات ~~اربع على ما حكيناه نصب ونصب مثل حزن وحزن ورشد ورشد ورشد، وعدم وعدم، ثم ~~تسكن الصاد مع فتح النون تخفيفا وتضم النون والصاد اتباعا لما قبله. ~~ونقيض النصب الراحة وأصله ألا نصاب يقال انصبني أي عذبني، وبرح بي، ومنهم ~~من يقول: نصبني قال بشر بن أبي حازم: # تعناك نصب من أميمة منصب # وقال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسية بطئ الكواكب # و { عذاب } اراد به ماكا يدخل عليه من ألم الوسوسة، فاجاب الله تعالى ~~دعاه وقال { اركض برجلك } أي ادفع برجلك الارض، فالركض الدفع بالرجل على ~~جهة الاسراع، ومنه ركض الفرس لاسراعه ذا دفعه برجله. يقال: ركضت الدابة ~~وركضتها أنا مثل جبر العظم وجبرته أنا، وحزن وحزنته انا، وفي الكلام حذف ~~وتقديره فركض برجله وظهر عين ماء، فقال الله له { هذا مغتسل } أي ماء ~~مغتسل { بارد وشراب } وقال الحسن وقتادة: نبعت له عينان، فاغتسل من ~~احداهما وشرب من الأخرى، فالمغتسل موضع الاغتسال. وقيل: كل ماء يغتسل فيه ~~فهو مغتسل وغسول - ذكره ابو عبيدة - وفي الكلام حذف، وتقديره إن أيوب ~~اغتسل من تلك العين، فأزال الله تعالى عنه جميع ما كان فيه من الامراض. # ثم اخبر بما من عليه زيادة على صلاح جسمه، وزوال ألمه فقال { ووهبنا له ~~أهله } لأنه لما رد عليه أهله كان ذلك هبة منه مجددة { ومثلهم معهم } ~~وتقديره ووهبنا له مثل أهله دفعة اخرى. وقد ذكرنا اختلاف المفسرين في ذلك ~~- في سورة الانبياء ms3004 - وأن فيهم من قال اعطاه بكل امرأة امرأتين وبكل ولد ~~ولدين في دار الدنيا. # ومنهم من قال ذلك اخبار عما يهبه الله له في الآخرة. وقيل: إن الله ~~تعالى أمطر عليه جرادا من ذهب وقوله { رحمة منا } معناه فعلنا ذلك ~~لرحمتنا إياه، فهو نصب على انه مفعول له، ويجوز أن يكون نصبا على المصدر ~~{ وذكرى لأولى الألباب } أي وليتذكر به ويعتبر ذووا العقول فيصبروا كما ~~صبر. # ثم حكى ما قال له فانه قال له { خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } ~~فالضغث ملء الكف من الحشيش او الشماريخ وما أشبه ذلك قال عوف بن الجزع: # وأسفل مني فهدة قد ربطنها # والقيت ضغثا من حلا متطيب # أي تطيبت لها. وقيل إنه كان حلف على امرأته لامر أنكره من قولها لئن ~~عوفي ليضربنها مئة، فقيل له { خذ ضغثا } بعدد ما حلفت، فاضرب به دفعة ~~واحدة، فانك إذا فعلت ذلك، فقد بررت قسمك، ولم تحنث، وهو قول قتادة ~~والضحاك. # وقوله { ولا تحنث } نهي له عن الحنث. # ثم اخبر تعالى عن حال ايوب وعظم منزلته، فقال { إنا وجدناه صابرا } ~~لبلائنا مسلما لامرنا. ثم أثنى عليه فقال { نعم العبد إنه أواب } أي ~~رجاع إلى الله منقطع اليه، وعندنا ان من حلف ان يضرب غيره مئة فضربه ~~بشمراخ فيه مئة طاقة، فقد بر في يمينه، وفيه خلاف بين الفقهاء. ### || [38.45-54] # قرأ ابن كثير { واذكر عبدنا إبراهيم } على التوحيد. والباقون على الجمع. ~~وقرأ نافع { بخالصة ذكرى الدار } مضافا. الباقون بالتنوين. من نون جعل { ~~ذكرى } بدلا من (خالصة) وموضعه جر، ويجوز أن يكون نصبا باضمار (اعني) او ~~يكون معمول خالصة - في قول ابي عبيدة - ويجوز أن يكون رفعا باضمار هي ~~ذكرى، كما قال # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # اي هي النار، قال ابو علي: { الدار } يحتمل ان يكون الدنيا ويحتمل أن ~~يكون الآخرة اي باخلاصهم ذكرى في الدنيا، فاذا حملت على دار الاخرة، فعلى ~~تقدير إخلاصهم ذكرى الدار. ويكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها، ~~كما ms3005 قال # وهم من الساعة مشفقون # فالدار عندهم على هذا مفعول به، وليست كالوجه المتقدم. فأما من اضاف ~~فانه يكون قد اضاف إلى المفعول، كأنهم باخلاصهم ذكرى الدار والخوف منها ~~اخلصوا ذكرها والخوف منها لله تعالى، ويكون على اضافة المصدر إلى الفاعل ~~وتقديره بأن خلصت لهم ذكرى الدار. # وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { والليسع } بلامين. الباقون بلام واحدة من ~~قرأ بلامين ادخل على اللام الالف واللام، ثم ادغم احداهما في الأخرى كما ~~قال الشاعر: # وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا # شديدا بأعباء الخلافة كاهله # لانه قدره تقدير النكرة، وقرأ { هذا ما يوعدون } بالياء ابن كثير وابو ~~عمرو، وفي سورة ق ابن كثير وحده. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء فللغيبة، ~~ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب، ومن قرأ { عبدنا } على التوحيد يجوز ان يكون ~~خص به ابراهيم بكونه عبدا له كما خصه بالخلة، ويجوز أن يكون لان لفظه ~~يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلانه ذكر جماعة. # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه { واذكر } يا محمد { عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب } فمن قرأ بالجمع فلأنه ذكر جماعة. ومن قرأ بالتوحيد فلان ~~لفظة (عبد) لفظ جنس يقع على القليل والكثير، ثم وصفهم فقال { أولي الأيدي ~~} يعني اولي القوة على العبادة { والأبصار } الفقه في الدين - في قول ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة - وقيل: { أولي الأيدي } معناه اولي الاعمال الصالحة، ~~وقيل معناه اولي النعم في الدين، قال الشاعر: # فاعمل لما يعلو فمالك بال # ذي لا تستطيع من الأمور تدان # ثم اخبر تعالى عن حال هؤلاء الذين وصفهم، فقال { انا أخلصناهم } ~~فالاخلاص إخراج كل شائب من الشيء ليس من شكله، فهؤلاء الابرار قد اخلصهم ~~الله لنعيم الجنان بلطفه في ما لازموه من الاحسان. وقوله { بخالصة ذكرى ~~الدار } معناه إنا اخلصنا ابراهيم وإسحاق ويعقوب بخلة خلصت لهم. ثم قال { ~~ذكرى الدار } بدلا من (خالصة) اي يذكرون بدار الآخرة ويزهدون في الدنيا، ~~ويجوز ان يكون المعنى إنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله، ومعنى { ~~أخلصناهم } اصفيناهم، قال الطبري: معناه اخلصناهم بأفضل ما في ms3006 الآخرة، ~~هذا على قول من اضاف، وهو قول ابن زيد. # ومن نون فالمعنى الخالصة التي اخلصناهم بها هي ذكرى الدار للعمل لها ~~فناهيك بها من خالصة ادت اليها وهي الجنة. # ثم قال { وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } والاصطفاء إخراج الصفوة من ~~كل شيء فهم صفوة وغيرهم كدر، فالله تعالى اصطفى هؤلاء الانبياء بأن ~~اختارهم لنبوته بحسب ما سبق في علمه انه يكون منهم من القيام باعباء ~~النبوة والمسارعة إلى الخير والتبرز في الفضل. والذكر الذي يحتاج اليه ~~على وجهين: ذكر ما يجب بالرغبة فيه والدعاء اليه وذكر ما يتقى بالرهبة ~~منه والتحذير منه. وفي ذلك تمام الداعي والصارف اللذين تقتضيهما الحكمة. # و { الأخيار } جمع خير على وزن (أموات) جمع (ميت) وهو من يفعل الأفعال ~~الكثيرة الحسنة. وقيل هو جمع (خير) ومثله (الابرار) جمع (بر) وصفوا ~~بالمصدر. وقال مجاهد وقتادة: { ذكرى الدار } دار الآخرة وقال ابن زيد: هي ~~دار الجنة. كما قال تعالى # ولنعم دار المتقين # قيل: إنهم كانوا يذكرونها للعمل لها ودعاء الناس اليها. وقيل: ذكرى ~~الدار بالثناء الذي ليس لغيرهم من اجل قيامهم بالنبوة. وقيل: الاصطفاء ~~الاختصاص بمدحهم بأنهم هم الصفوة. وقيل: إنما خاطب الله النبي صلى الله ~~عليه وآله أن يذكرهم بصبرهم وفضلهم ليسلك طريقهم. # ثم قال له صلى الله عليه وآله { واذكر } أيضا { إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل } بمثل ذلك. ثم اخبر عنهم بأنهم كلهم من الاخيار. وقيل ذو الكفل ذو ~~الضعف من الثواب. وقيل كان اسمه ذلك. وقيل: سمي بذلك لأنه تكفل بأمر ~~انبياء خلصهم الله من القتل به. وقيل تكفل بعمل صالح فسمي به. # ثم قال تعالى { هذا ذكر } ومعناه إن ما اخبرنا عنهم ذكر أي شرف لهم وذكر ~~جميل وثناء حسن يذكرون به في الدنيا { وإن للمتقين لحسن مآب } يعني حسن ~~المرجع في الآخرة، لأنهم يرجعون إلى الجنة. ثم بين ذلك المآب، فقال { ~~جنات عدن } وهو في موضع جر على البدل من { مآب } والجنات جمع جنة وهي ~~البستان التي يجنها الشجر { عدن } يعني موضع إقامة ms3007 وخلود { مفتحة لهم ~~الأبواب } قيل تنفتح من غير كلفة، قال الحسن تكلم: انفتحي انغلقي، ورفعت ~~{ الأبواب } لان تقديره مفتحة لهم ابوابها، فدخلت الألف واللام بدلا من ~~الاضافة، كما يقولون: مررت برجل حسنة عينه قبيح أنفه يريدون قبيح الانف - ~~ذكره الفراء - وقال الزجاج: تقديره مفتحة لهم الابواب منها، ولو نصب { ~~الأبواب } لجاز، كقول الشاعر: # فما قومي بتغلبة بن سعد # ولا بفزارة الشعث الرقابا # هذا على شبه المفعول. ثم وصف تعالى الذين يحصلون في الجنة فقال { متكئين ~~فيها على الأرائك } فالاتكاء الاستناد إلى المساند، ومنه الوكاء لانه ~~يستمسك به ما في الوعاء { يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب } أي يستدعون ~~الفواكه للاكل والشراب للشرب { وعندهم قاصرات الطرف أتراب } يعني قصرن ~~على ازواجهن فمالهن في غيرهم بغية، فالقاصر نقيض الماد، يقال هو قاصر ~~طرفه عن فلان وماد عينه إلى فلان قال امرؤ القيس: # من القاصرات الطرف لودب محول # من الذر فوق الاتب منها لأثرا # والاتراب الأقران على سن واحد ليس فيهن هرمة ولا عجوز. قال الفراء: لا ~~يقال الاتراب إلا في الأناث، ولا يقال في الذكران قال ابن أبي ربيعة: # ابرزوها مثل المهاة تهادى # بين عشر كواعب اتراب # والترب اللذة وهو مأخوذ من اللعب بالتراب. وقيل: اتراب على مقدار سن ~~الازواج من غير زيادة ولا نقصان. ثم قال تعالى { هذا ما توعدون } فمن قرأ ~~بالتاء فعلى انه يقال لهم ويخاطبون بهذا القول. ومن قرأ بالياء فعلى ~~الخبر عن حالهم { ليوم الحساب } يعني يوم الجزاء. ثم قال تعالى { إن هذا ~~} يعني الذي وصفته من الجنة وما فيها من أنواع اللذات { لرزقنا ما له من ~~نفاد } يعني من انقطاع لأنه على سبيل الدوام، وهو قول قتادة. ### || [38.55-60] # لما وصف الله تعالى اهل الجنة وما أعده لهم من انواع النعيم فيها وصف ما ~~أعده لأهل النار والعصاة من انواع العقاب، فقال { هذا } يعني هذا ما ~~ذكرنا لأهل الجنة. ثم ابتدأ فقال { وإن للطاغين } وهم الذين طغوا في ~~معاصي الله { لشر مآب } يعني شر مرجع. ثم بين ذلك ms3008 المرجع فقال { جهنم ~~يصلونها فبئس المهاد } وإنما وصف جهنم بأنها مهاد لما كانت عوضا لهم عن ~~المهاد، فسميت باسمه، كما قال # فبشرهم بعذاب أليم # وقال قوم: هو على تقدير بئس موضع المهاد، والمهاد الفراش الموطأة تقول: ~~مهدت له تمهيدا كقولك وطأت له توطئة، ومنه مهد الصبي، لأنه يوطأ له. # ثم قال { هذا فليذوقوه حميم وغساق } وتقديره هذا عذاب جهنم فليذوقوه ~~حميم وغسان. ويجوز أن تجعله مستأنفا كانك قلت هذا فليذوقوه. ثم قلت منه ~~حميم وغساق. # أمرهم الله بذواق الحميم، لان الذواق ابتداء إدراك الطعم على طلبه ~~بالفم، ولذلك يقال: ذقته فلم اجد له طعما لما فيه من طلب ادراك الطعم ~~بالفم. ومن طلب إدراك الشيء كان أشد احساسا به. والحميم الحار الشديد ~~الحرارة، ومنه الحمى لشدة حرارتها وحم الشيء إذا دنا وأحمه لهذا أي ادناه ~~قال الشاعر: # احم الله ذلك من لقاء # احاد احاد في الشهر الحلال # والغساق ما يسيل من صديد أهل النار. وقال ابن عمر: هو القيح الذي يسيل ~~منهم يجمع فيسقونه، وقال كعب الأحبار: الغساق عين في جهنم يسيل اليها سم ~~كل ذات حمة من عقرب وحية. وقيل: هو قيح شديد النتن، يقال: غسقت القرحة ~~تغسق غسوقا. والتشديد والتخفيف لغتان. وقيل: الغساق الزمهرير - في قول ~~ابن مسعود - فلبرده يحرق كما تحرق النار. # ثم قال { وآخر من شكله أزواج } معناه انواع أخر من شكل العذاب أزواج اي ~~امثال. وقال الحسن: ذكر السلاسل والاغلال ونحوه، ثم قال { وآخر من شكله } ~~مما لم ير في الدنيا. والشكل - بفتح الشين - الضرب المشابه. والشكل - ~~بكسر الشين - النظير في الحسن، ومن قرأ { وآخر } أراد الواحد. ومن قرأ { ~~وأخر } اراد الجمع { ازواج } معناه اشكال. ثم قال { هذا فوج مقتحم معكم } ~~قال الحسن يعني به بني إبليس، والآخر بنو آدم يقتحمون معكم النار وعذابها ~~{ لا مرحبا بهم } أي لا اتسعت لهم أماكنهم { إنهم صالوا النار } أي ~~لازموها. قال الفراء: هي الأمة بعد الأمة تدخل النار. وقوله { لا مرحبا ~~بهم } من قول أهل النار، كما قال ms3009 # كلما دخلت أمة لعنت أختها # وقيل هم اتباع الرؤساء في الضلالة قيل لهم لا مرحبا بهم، وهو نصب على ~~المصدر { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار } ~~حكاية ما يردون عليهم من الجواب فانهم يقولون: بل انتم لا اتسعت عليكم ~~أماكنكم قدمتموه لنا فبئس القرار الذي استقررنا عليه، وهو مثل قوله # ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من ~~العذاب والعنهم لعنا كبيرا # وقرأ حمزة والكسائي وخلف (غساق) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف وهما ~~لغتان. وقرأ ابو عمرو وابن كثير { واخر } مضمومة الالف على الجمع. ~~الباقون { وآخر } بفتح الالف ممدودة على التوحيد. ومن قرأ على الجمع، ~~فلقوله { ازواج } وهما لا ينصرفان، لان (آخر) وزنه افعل واما أخر فلأنه ~~معدول عن الألف واللام، لانه لا يستعمل في الجارية الكبرى والمرأة الأخرى ~~إلا بالألف واللام، فلما عدلوه وعرفوه تركوا صرفه مثل (سحر) إذا أردت سحر ~~يوم بعينه تركت صرفه لأنه معدول عن الألف واللام في السحر. ### || [38.61-65] # قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي اتخذناهم موصولة على وجه الاخبار. الباقون ~~بقطع الهمزة على الاستفهام. وقرأ نافع وحمزة والكسائي { سخريا } بضم ~~السين. الباقون بكسرها. # حكى الله تعالى عن الكفار الذين اتبعوا غيرهم في الضلال وانقادوا ~~لرؤسائهم فيه انهم يقولون يوم القيامة إذا حصلوا في عذاب جهنم يا { ربنا ~~من قدم لنا هذا } أي من سبب لنا هذا العذاب ودعانا إلى ما قد استوجبنا به ~~ذلك { فزده عذابا ضعفا } أي مثلا مضاعفا إلى مثل ما يستحقه { في النار ~~} احد الضعفين لكفرهم بالله تعالى والضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر، # ثم حكى عنهم ايضا انهم يقولون { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار } قال مجاهد نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة وذويهما انهم ~~يقولون مع قرنائهم: ما لنا لا نرى عمارا وخبابا وصهيبا وبلالا الذين ~~كنا نعدهم في الدنيا من جملة الأشرار الذين يفعلون الشر والقبيح ولا ~~يفعلون الخير. وفي تفسير اهل البيت إن هذا حكاية عما يقوله اعداء ms3010 أهل ~~الحق، فانهم لا يرون أهل الحق يوم القيامة لكونهم في الجنة وكون اعدائهم ~~في النار وكانوا يعدونهم في الدنيا من الاشرار. # ثم حكى انهم يقولون ايضا { أتخذناهم سخريا } فمن قطع الهمزة أراد ~~الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ، ومن وصل أراد الاخبار، يعنون ~~الذين كنا نعدهم من الاشرار { أتخذناهم سخريا } فمن كسر السين جعله من ~~الهزء أي كنا نسخر منهم في الدنيا، ومن ضم السين جعله من السخرة أي كنا ~~نسخرهم ونستذلهم { أم زاغت عنهم الأبصار } ومن قطع الهمزة جعل (أم) ~~معادلة ومن وصلها جعل (أم) بمعنى بل، قال مجاهد والضحاك { أم زاغت عنهم ~~الأبصار } أي ابصارنا، فلا ندري اين هم. وقال الحسن: كل ذلك قد مثلوا بهم ~~اتخذوها سخريا وزاغت عنهم ابصارهم محقرة لهم. # ثم اقسم تعالى ان الذي حكاه من تخاصم اهل النار ومجادلة بعضهم لبعض { ~~لحق } أي كائن لا محالة. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله فقال { قل } يا محمد { إنما أنا منذر } ~~أي مخوف من معاصي الله ومحذر من عقابه { وما من إله } أي وليس من يحق له ~~العبادة { إلا الله الواحد } الفرد { القهار } لجميع خلقه المستعلي عليهم ~~بسعة مقدوره لا يقدر احد على الخلاص من عقوبته إذا اراد عقابه، ومن اختار ~~وصل الهمزة في قوله { اتخذناهم } قال لأنهم علموا انهم اتخذوهم سخريا في ~~دار الدنيا وإنما اعترفوا بذلك يوم القيامة، يقولون اتخذناهم سخريا بل ~~زاغت عنهم ابصارنا محقرة لهم. ومن قطع الهمزة قال: هذا على وجه التوبيخ ~~لنفوسهم والتبكيت لها. ثم قال ذلك أي ثم يقولون بل زاغت عنهم ابصارنا فلا ~~نراهم. ### || [38.66-70] # قرأ ابو جعفر { إنما أنا نذير مبين } بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. # لما وصف الله تعالى نفسه بأنه الواحد القهار وصفها ايضا بأنه { رب ~~السماوات والأرض } أي مالكهما ومدبرهما ومدبر ما بينهما { العزيز } الذي ~~لا يغالب لسعة مقدوراته { الغفار } لذنوب عباده إذا تابوا. # ثم قال قل لهم يا محمد { هو نبأ عظيم } قال مجاهد والسدي يعني القرآن { ~~هو نبأ عظيم } أي الخبر ms3011 العظيم وقال الحسن: هو يوم القيامة. # ثم خاطب الكفار فقال { أنتم } معاشر الكفار { عنه معرضون } عن هذا النبأ ~~العظيم لا تعلمون بما يوجب مثله من اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول أيضا { ما كان لي من علم ~~بالملأ الأعلى إذ يختصمون } يعني بالملأ الأعلى الملائكة اختصموا في آدم ~~حين قيل: لهم { إني جاعل في الأرض خليفة } في قول ابن عباس وقتادة ~~والسدي، فما علمت ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى. وقيل: كان اختصام ~~الملائكة في ما كان طريقه الاجتهاد. وقيل: بل طريقه إستخراج الفائدة، ولا ~~يجوز ان يختصموا في دفع الحق. # وقوله { إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين } قيل في معناه قولان: # احدهما - ليس يوحى إلى إلا لأني انا نذير مبين أي مخوف من المعاصي مظهر ~~للحق. # الثاني - ليس يوحى الي إلا الانذار البين الواضح. ### || [38.71-75] # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله قل يا محمد { ما كان لي ~~من علم بالملأ الأعلى } من الملائكة { إذ يختصمون.... إذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من طين } يعني آدم عليه السلام، لأن الله تعالى ~~خلقه من طين، فالخلق فعل الشيء على تقدير وترتيب وكان جعل آدم على مقدار ~~ما تقتضيه الحكمة واصل الخلق التقدير. والبشر مأخوذ من البشرة، وهي ~~الجلدة الظاهرة، والانسان مأخوذ من الانس، لأنه يأنس بمثله في ما يؤنس ~~به، فجرى عليه الاسم، لأن هذا من شأنه { فإذا سويته } أي سويت خلق هذا ~~البشر وتممت أعضاه وصورته { فقعوا له ساجدين } أي اسجدوا له. وقد بينا في ~~ما مضى أن السجود كان لله تعالى وعبادة له وفيه تفضيلا لآدم على الملائكة ~~وقوله { ونفخت فيه من روحي } فالروح جسم رقيق هوائي بها يتم كون الحي ~~حيا لتخرقه في مخارق الانسان وهو مشتق من الريح، ومنه الراحة والاستراحة ~~من الكد للخفة على النفس كالريح، ومنه الأريحة، والراحة كف الانسان لما ~~يتراوح الناس اليها في العمل، ومنه الرواح إلى المنزل ms3012 للاستراحة ومعنى { ~~ونفخت فيه من روحي } أي توليت خلقها من غير سبب كالولادة التي تؤدي ~~اليها، لان الله تعالى شرف آدم بهذه الحال وكرمه. وفي الكلام حذف وتقديره ~~إن الله خلق آدم الذي وعدهم بخلقه ثم إن الملائكة سجدت بأجمعها له إلا ~~إبليس الذي أمتنع، وقد بينا اختلاف الناس في أن إبليس هل كان من جملة ~~الملائكة، ومن قبلهم او كان في جملتهم يتناول الأمر له بالسجود فلا نطول ~~باعادته فمن قال لم يكن منهم، قال (إلا) بمعنى (لكن) وتقديره: لكن إبليس ~~استكبر وتجبر وامتنع من السجود له، وكان بذلك الاباء والمخالفة من جملة ~~الكافرين. # ثم حكى ما خاطب الله تعالى إبليس به حين امتنع من السجود لآدم { ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي } على وجه التقريع له والتهجين لفعله، وإنما قال { ~~بيدي } على وجه تحقيق الاضافة لخلقة الله تعالى، لا انه أمر به او كان ~~على سبب أدى اليه تعالى، والتثنية أشد مبالغة، كما قال الشاعر: # دعوت لما نابني مسورا # فلبي فلبي يدي مسور # لتحقيق اضافة المبالغة إلى مسور، ومثله قولهم: هذا ما كسبت يداك أى ما ~~كسبته أنت قال الشاعر: # ايها المبتغي فناء قريش # بيد الله عمرها والفناء # فوحد لتحقيق الاضافة. ثم قال له بلفظ الاستفهام والمراد به الانكار { ~~استكبرت } يا إبليس أى طلبت التكبر بامتناعك من السجود له { أم كنت من ~~العالين } الذين يعلون على الخلق تجبرا وتكبرا. وقرئ في الشواذ { بيدي ~~أستكبرت } على وصل الهمزة. وروي ذلك عن مجاهد عن شبل ابن كثير اجتزاء ب ~~(أم) عن الف الاستفهام. ويحتمل أن يكون على اليمين، كأنه اقسم فقال ~~بنعمتي الدينية والدنياوية تكبرت بل كنت من العالين بهذا الفعل فتكون على ~~هذا (أم) منقطعة وعلى الأول وهو المعروف تكون معادلة لهمزة الاستفهام. ### || [38.76-88] # ثلاث عشرة آية في الكوفي واثنتا عشرة اية في ما عداه عد الكوفي { فالحق ~~أقول } ولم يعده الباقون. # قرأ عاصم إلا هيبرة وخلف وحمزة { قال فالحق } بالرفع { والحق } بالنصب. ~~الباقون بالنصب فيهما، من رفع ms3013 تقديره فأنا الحق، ويجوز على تقدير فالحق ~~لأملأن كما تقول: عزيمة صادقة لآتينك، ويجوز على تقدير حذف الخبر، ~~وتقديره: فالحق مني لأملأن. ومن نصب فعلى فالحق لأملأن على القسم، كما ~~تقول: والله لأفعلن، ويجوز في مثله حقا لأملأن، ويكون { والحق أقول } ~~اعتراضا بين الكلامين، ويجوز أن يكون النصب على تقدير اتبعوا الحق، او ~~أقول الحق. وقال ابو علي: من نصب (الحق) الأول فعلى اضمار (فعل) نحو ما ~~ظهر في قوله # ليحق الحق # وفي قوله # ويحق الله الحق # لما حكى تعالى ما قال لابليس على وجه الانكار عليه { استكبرت أم كنت من ~~العالين } حكى ما أجاب به إبليس، فانه قال { أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } وقيل إن الله تعالى خلق الملائكة من الريح فسموا بذلك ~~روحانيين، وخلق آدم من الطين وخلق إبليس من النار، فظن إبليس إن النار ~~أشرف من الطين لما فيها من النور، ولما يكون بها من الانضاح لأكثر ما ~~يحتاج اليه ومن الاحراق الذي يقع به الزجر من العقاب فدخلت عليه الشبهة ~~بهذا، وظن أنه افضل منه من حيث كان أصله افضل من اصل آدم، وكيف يجوز أن ~~يفضل آدم عليه السلام عليه. وهذا يدل على ان السجود لآدم كان على وجه ~~التفضيل له على جميع من أمر بالسجود له، وإلا لم يكن يمتنع من ذلك، ولم ~~يعلم إبليس أن الله تعالى إنما امرهم بالسجود لآدم عبادة له، وإن كان ~~تفضيلا لآدم وإن لهم في ذلك لطفا في تكليفهم فلذلك أمرهم الله بالسجود ~~له، ولو أنعم النظر في ذلك لزالت شبهته. فقال الله تعالى له { فاخرج منها ~~} قال الحسن: يعني من السماء. وقال غيره: من الجنة { فإنك رجيم } أي ~~مرجوم إن رجعت اليها بمثل الشهب التي ترجم به الشياطين. وأصل الرجيم ~~المرجوم، وهو المرمي بالحجر { وإن عليك لعنتي } يا إبليس ابعادي لك من ~~رحمتي { إلى يوم الدين } يعني يوم القيامة الذي هو يوم الجزاء. فقال ~~إبليس عند ذلك يا { رب فأنظرني } أي اخرني { إلى ms3014 يوم يبعثون } أي يوم ~~يحشرون للحساب، وهو يوم القيامة فقال الله تعالى له { فإنك من المنظرين } ~~أي من المؤخرين { إلى يوم الوقت المعلوم } أي اليوم الذي قدر الله فيه ~~اماتتك، فعلى هذا لا يلزم أن يكون إبليس مغرى بالقبائح لعلمه بأنه يبقى، ~~لأنه لا وقت إلا وهو يجوز أن يخترم فيه، ولا يقدر على التوبة فالزجر حاصل ~~له. # ومن قال إنه اجابه إلى يوم القيامة يقول: كما أعلمه انه يبقيه إلى يوم ~~يبعثون، اعلمه ايضا انه من أهل النار لا محالة، وانه لا يتوب وصح مع ذلك ~~تكليفه، لأنه يلزمه بحكم العقل أن لا يفعل القبيح من حيث انه متى فعله ~~زاد عقابه، ويضاعف على ما يستحق له وتخفيف العقاب عن النفس واجب بحكم ~~العقل، كما يجب اسقاط العقاب جملة. # ثم حكى تعالى ما قال إبليس فانه اقسم وقال { فبعزتك } يا الهي { ~~لأغوينهم أجمعين } فالعزة القدرة التي يقهر بها غيره من القادرين، و ~~(الاغواء) التخيب، وإبليس يغوي الخلق بأن يزين لهم القبيح ويرغبهم فيه. ~~والغي خلاف الرشد، وهو الخيبة، يقال: أغواه يغويه إغواء، فهو مغوي إذا ~~دعاه إلى ما فيه الخيبة. # ثم استثنى من جملة من يغويهم { عباد الله المخلصين } مع حرصه على اغواء ~~الجميع من حيث أنه يئس منهم من حيث علم انهم لا يقبلون منه ولا ينقادون ~~لاغوائه، وانه ليس له عليهم سلطان إلا بالاغواء، فاذا علم أن منهم من لا ~~يقبل منه عرف ذلك عنه ليأسه منه. ومن فتح اللام من { المخلصين } أراد إن ~~الله تعالى اخلصهم بما فعل لهم من اللطف الذي امتنعوا عنده من القبائح، ~~ومن كسر اللام أراد انهم اخلصوا عبادتهم لله، لم يشركوا معه غيره. # ثم حكى تعالى ما أجاب به - عز وجل - لابليس، فانه قال له { فالحق والحق ~~أقول لأملأن } فمن رفع الأول اراد، فأنا الحق او فالحق لاملان واقول ~~الحق. ومن نصب فعلى تقدير. فالحق لأملأن، كما تقول حقا لأملأن، ويكون { ~~والحق أقول } اعتراض بين الكلامين ويكون العامل في { الحق } الثاني ms3015 قوله ~~{ أقول } { لأملأن جهنم منك } { يا إبليس } { وممن تبعك منهم أجمعين } ~~أي من تابعك على دعائك إلى المعاصي. # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال { قل } يا محمد { ما أسألكم عليه ~~من أجر } أي ليس اسألكم أجرا على دعائكم إلى الله { وما أنا من ~~المتكلفين } أي ولست ممن يتعسف في طلب الأمر الذي لا يقتضيه العقل، وصفة ~~(متكلف) صفة تجري مجرى الذم، فلذلك قال { وما أنا من المتكلفين } ، لانه ~~لا يدعو إلا إلى الأمر الجميل الذي يقتضيه الحق. # ثم قال { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي ليس هذا القرآن إلا شرف للعالمين ~~{ ولتعلمن نبأه بعد حين } قال الفراء: معناه ولتعلمن خبر القرآن وانه حق ~~او خبر محمد أنه صادق بعد حين، قال الحسن: عند الموت يأتيك الخبر القين. ~~وقال ابن زيد: يوم القيامة، والحين الوقت، وقال عكرمة: هو كقوله # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # وذلك حين تصرم النخلة إلى حين تطلع ستة أشهر وهو مثل ما رواه أصحابنا ~~سواء. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-5] # خمس آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفي { يختلفون } رأس آية، ولم ~~يعده الباقون. # قوله { تنزيل الكتاب } رفع بالابتداء، وخبره { من الله }. ويجوز ان يكون ~~رفعا على انه خبر الابتداء. والابتداء محذوف، وتقديره: هذا تنزل، ~~والمراد بالكتاب القرآن - في قول قتادة - وسمي كتابا لأنه مما يكتب. و ~~(العزيز) هو القادر الذي لا يقهر ولا يمنع، و (الحكيم) هو العليم بما ~~تدعو اليه الحكمة وما تصرف عنه. وعلى هذا يكون من صفات ذاته تعالى. وقد ~~يكون بمعنى أن افعاله كلها حكمة ليس فيها وجه من وجوه القبيح. فيكون من ~~صفات الأفعال، وعلى الأول يكون تعالى موصوفا في ما لم يزل بأنه حكيم، ~~وعلى الثاني لا يوصف إلا بعد الفعل. وقيل { العزيز } في انتقامه من ~~اعدائه { الحكيم } في ما يفعله بهم من انواع العقاب. والذي اقتضى ذكر ~~(العزيز الحكيم) في إنزال الكتاب انه تعالى يحفظ هذا الكتاب حتى يصل اليك ~~على وجهه من غير تغيير ولا ms3016 تبديل لموضع جهته ولا لشيء منه، وفي قوله { ~~العزيز الحكيم } تحذير عن مخالفته. # ثم اخبر تعالى عن نفسه انه أنزل الكتاب الذي هو القرآن { إليك } يا محمد ~~{ بالحق } أي بالدين الصحيح. # ثم امره فقال { فاعبد الله مخلصا له الدين } ومعناه توجه عبادتك اليه ~~تعالى وحده مخلصا من شرك الأوثان والأصنام. وقوله { مخلصا له الدين } ~~نصب { مخلصا } على الحال. ونصب { الدين } بأنه مفعول ل { مخلصا }. ~~وقال الفراء: يجوز أن يرفع { الدين } ، ولم يجزه الزجاج، قال: لأنه يصير ~~ما بعده تكريرا. # ثم قال تعالى { ألا لله الدين الخالص } والاخلاص لله أن يقصد العبد ~~بطاعته وعمله وجه الله، لا يقصد الرياء والسمعة، ولا وجها من وجوه ~~الدنيا، والخالص - في اللغة - ما لا يشوبه شيء غيره، ومنه خلاصة السمن ~~لأنه تخلصه. وقال الحسن: معناه الاسلام. وقال غيره: معناه ان له التوحيد ~~في طاعة العباد التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده لا يجوز أن يكون ~~لغيره، لاستحالة أن يملك هذا الأمر سواه. # وقوله { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } معناه الحكاية عما يقول الكافرون الذين يعبدون الاصنام فانهم ~~يقولون: ليس نعبد هذه الاصنام إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي قربى - في ~~قول ابن زيد - وقال السدي: الزلفى المنزلة. و (الأولياء) جمع ولي، وهو من ~~يقوم بأمر غيره في نصرته، وحذف (يقولون) لدلالة الكلام عليه، وهو أفصح، ~~واوجز. # ثم اخبر تعالى فقال { إن الله يحكم بينهم يوم القيامة في ما هم فيه ~~يختلفون } من إخلاص العبادة لله والاشراك به. ثم قال { إن الله لا يهدي ~~من هو كاذب كفار } معناه إن الله تعالى لا يهديه إلى طريق الجنة او لا ~~يحكم بهدايته إلى الحق، { من هو كاذب } على الله في أنه أمره باتخاذ ~~الاصنام، كافر بما أنعم الله عليه، جاحد لاخلاص العبادة، ولم يرد الهداية ~~إلى الايمان، لأنه قال # وأما ثمود فهديناهم # ثم قال تعالى { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } على ما يقول هؤلاء: من أن ~~الملائكة بنات ms3017 الله، أو على ما يقوله النصارى: من ان عيسى ابن الله، أو ~~ما يقوله اليهود: من أن عزيزا ابن الله، { لاصطفى } أي لاختار مما يخلق ~~ما يشاء. ثم نزه نفسه عن ذلك فقال { سبحانه هو الله الواحد القهار } الذي ~~لا نظير له، القهار لجميع خلقه. ومن هذه صفته كيف يجوز أن يتخذ ~~الأولاد؟!. # ثم بين عن قدرته فقال { خلق السماوات والأرض بالحق } أي لغرض حكمي دون ~~العبث وما لا فائدة فيه. { يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~} أي يدخل كل واحد منهما على صاحبه، ومنه كور العمامة. وقال قتادة: معناه ~~يغشي. { وسخر الشمس والقمر } بأن أجراهما على وتيرة واحدة وتقدير واحد، ~~وكل ذلك يجرى { لأجل مسمى } يعني إلى مدة قدرها الله لهما ان يجريا ~~اليها. وقيل: إلى قيام الساعة. # ثم قال { ألا هو العزيز الغفار } يعني الله الذي لا يقهر ولا يغالب، ~~الغفار لمعاصي عباده إذا تابوا واقلعوا عن ذنوبهم. وفائدة الآية أن من ~~قدر على خلق السموات والارض وتسخير الشمس والقمر. وإدخال الليل فى النهار ~~ينبغي ان ينزه عن اتخاذ الولد، واضافة شريك اليه لأن جميع ذلك لا يليق ~~به، لأنه من صفات المحتاجين. ### || [39.6-7] # قرأ السوسي، وابن فرج، وهبة عن الاخفش والترمذي إلا ابن فرج، ومدين من ~~طريق عبد الله بن سلام، والبرجمي وخلف - بضم الهاء ووصلها بواو في اللفظ. ~~الباقون - بضم الهاء من غير اشباع - # وهذا خطاب من الله تعالى لجميع خلقه من البشر، يقول لهم على وجه تعداد ~~نعمه عليهم وامتنانه لديهم { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم لأن ~~جميع البشر من نسل آدم. # وقوله { ثم جعل منها زوجها } قيل: أنه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم. ~~وقال قوم: خلقها من فضل طينته. وفى قوله { ثم جعل منها زوجها } و (ثم) ~~تقتضي التراخي والمهملة، وخلق الوالدين قبل الولد، وذلك يقتضي أن الله ~~تعالى خلق الخلق من آدم ثم بعد ذلك خلق حواء، وذلك بخلاف المعلوم، لأن ~~خلق حواء كان قبل خلق ms3018 ولد آدم، فيه ثلاثة اقوال: # احدها - ان الله تعالى أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر. ثم خلق بعد ذلك ~~حواء من ضلع من اضلاع آدم - على ما روي في الاخبار - وهذا ضعيف لما بيناه ~~في غير موضع في ما مضى. # والثاني - ان ذلك وإن كان مؤخرا في اللفظ فهو مقدم في المعنى، ويجري ~~مجرى قول القائل: قد رأيت ما كان منك اليوم ثم ما كان منك أمس، وإن كان ~~ما كان امس قبل ما يكون اليوم. # والثالث - انه معطوف على معنى واحدة كأنه قال من نفس واحدة بمعنى ~~اوجدها. # وقيل: إنه لا يمتنع أن يكون المراد بقوله { زوجها } غير حواء، بل يريد ~~المزدوج من نسل آدم من الذكور والاناث، فكأنه قال تعالى { هو الذي خلقكم ~~من نفس واحدة } وهي آدم عليه السلام ثم جعل المزدوج من نسل هذه النفس، ~~وهذا لا محالة متأخر عن خلق النفس الواحدة التى هي آدم. وقيل ايضا: إن ~~سبب دخول (ثم) أن الاعتداد بهذه النعمة، والذكر لها على الامتنان، انما ~~كان بعد ذكر خلقنا من نفس واحدة، فكأنه قال: هو الذي ذكر لكم واعتد عليكم ~~بأنه خلقكم من نفس واحدة، ثم عطف على هذا الاعتداد والامتنان ذكر نعمة ~~اخرى، وهي ان زوج هذه النفس المخلوقة مخلوقة منها. فزمان الخلق المزوج ~~وإن كان متقدما، فزمان ذكره والاعتداد به متزاوج، وزمان الذكر للنعم ~~والاعتداد بها غير الترتيب في زمان الايجاد والتكوين، كما يقول احدنا ~~لغيره: لي عليك من النعم كذا اليوم، ثم كذا امس، وإن كان المعطوف متقدما ~~على المعطوف عليه إذا كان زمان الامتنان بذلك على خلاف ترتيب زمان ايصال ~~النعم. وقيل: إن المراد ب (ثم) الواو، فانه قد يستعمل الواو بمعنى (ثم) ~~و (ثم) بمعنى الواو، لأن معنى الجمع الانضمام، وإن أراد بعضه على بعض. # قال الله تعالى # فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد # ومعناه والله شهيد. # وقوله { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } قال الحسن: معناه وجعل لكم ~~منها. وقال: أنزلها بعد ان خلقها في ms3019 الجنة ويعني بها، الابل، والبقر، ~~والضان، والمعز من كل صنف اثنين. وهما زوجان. وهو قول قتادة ومجاهد ~~والضحاك. # وقوله { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } قال قتادة ومجاهد ~~والضحاك والسدي: معناه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي العظام ~~لحما ثم ينشىء خلقا آخر. وقال ابن زيد: معناه الخلق في بطون الأمهات ~~بعد الخلق في ظهر آدم. # وقوله { في ظلمات ثلاث } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي ~~وابن زيد: يعني ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وقيل: صلب الرجل ~~وظلمة الرحم. # ثم خاطب خلقه فقال { ذلكم الله ربكم } يعني الذي خلق ما ذكره هو الذي ~~أنشاكم وهداكم ويملك التصرف فيكم { له الملك } على جميع المخلوقات { لا ~~إله إلا هو } مستحق للعبادة { فأنى تصرفون } المعنى تؤفكون أي كيف ~~تنقلبون عن ذلك إلى اتخاذ الآلهة سواه. # ثم قال تعالى مخاطبا لهم { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } ومعناه إن ~~تجحدوا نعم الله فلا تشكروه، فان الله غني عن شكركم { ولا يرضى لعباده ~~الكفر } وفى ذلك دلالة على ان الكفر ليس من فعل الله، ولا بارادته، لانه ~~لو كان مريدا له لكان راضيا به، لأن الرضا هو الارادة اذا وقعت على ~~وجهه. ثم قال { وإن تشكروا يرضه لكم } أي ان تشكروا نعمه وتعترفوا بها ~~يرضه لكم ويريده منكم ويثيبكم عليه. واشباع الهاء أجود، لان الهاء أولها ~~متحرك مثل # خيرا يره و... شرا يره # والهاء اذا انفتح ما قبلها في نحو الفعل لم يجز الا الاشباع كقولهم ~~كهلهو والهاء { في يرضه } كناية عن المصدر الذي دل عليه { وإن تشكروا } ~~كقولهم: من كذب كان شرا له أي كان الكذب شرا له. وشكر الله لعبده هو ~~اثابته على الشكر والطاعات، والشكر من العبد الاعتراف بالنعمة مع ضرب من ~~التعظيم. ومن أسكن الهاء قال ابو الحسن: هي لغة كقول الشاعر: # ونضواي مشتاقان له أرقان # فعلى هذه اللغة يحمل دون أن يجري الوصل مجرى الوقف. # وقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } معناه لا ms3020 يؤاخذ بالذنب الا من يفعله ~~ويرتكبه، ولا يؤاخذ به غيره، وذلك نهاية العدل. وفى ذلك دلالة على بطلان ~~قول المجبرة في ان الله تعالى يعذب اطفال الكفار بكفر آبائهم. # وقوله { ثم إليه مرجعكم } ومعناه إن مصيركم يوم القيامة إلى حيث لا يملك ~~الامر والنهي سواه { فينبئكم بما كنتم تعملون } أي يخبركم بما عملتموه ~~ويواقفكم عليه ويجازيكم بحسب ذلك، انه عليم بذات الصدور لا يخفى عليه شيء ~~لا سر ولا علانية. ### || [39.8-10] # قرأ ابن كثير ونافع وحمزة { أمن هو قانت } بتخفيف الميم. الباقون ~~بتشديدها، من خفف أراد النداء وتقديره يا من هو قانت. قال ابن خالويه: ~~سمعت ابن الانباري يقول: ينادي العرب بسبعة الفاظ: زيد اقبل، وازيد اقبل ~~ويا زيد اقبل، وها زيد أقبل، وأيا زيد اقبل، وأي زيد اقبل، وهيا زيد ~~اقبل. وانشد: # هيا ظبية الوعشاء بين جلايد # وبين النقاء أنت أم أم سالم # ويجري ذلك مجرى قول القائل: فلان لا يصوم ولا يصلي، فيا من يصوم ويصلي ~~ابشر. وقال ابو علي: النداء - هنا - لا وجه له. والمعنى أمن هو قانت كمن ~~هو بخلاف ذلك؟! لأنه موضع معادلة، وإنما يقع في مثل هذا الموضع الجمل ~~التي تكون اخبار وليس كذلك النداء. ويدل على الحذف قوله { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } لان التسوية لا تكون إلا بين شيئين وفى ~~جملتين من الخبر. والمعنى أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله، وقال أبو الحسن: القراءة بالتخفيف ضعيفة، لأن الاستفهام إنما يبني ~~على ما بعده، ولا يحمل على ما قبله، وهذا الكلام ليس قبله ما يبنى عليه ~~إلا في المعنى ومن شدد احتمل أمرين: # احدهما - ان يريد أهذا خير أم من هو قانت. # والثاني - ان يكون جعل (أم) بمنزلة (بل) والف الاستفهام، وعلى هذا يكون ~~الخبر محذوفا لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # والمعنى لو أتانا غيرك ما صدقناه، ولا أهتدينا فحذف. وقال تعالى { أفمن ~~هو ms3021 قائم على كل نفس بما كسبت } و { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب } كل ذلك ~~محذوف الجواب. والقانت الداعي، والقانت الساكت، والقانت المصلي قائما ~~وانشد: # قانتا لله يتلو كتبه # وعلى عمد من الناس اعتزل # وقيل القانت الدائم على الطاعة لله في قول ابن عباس والسدي -. # يقول الله عز وجل مخبرا عن حال الانسان وضعف يقينه وشدة تحوله من حال ~~إلى حال إنه إذا مسه ضر من شدة فقر ومرض وقحط { دعا } عند ذلك { ربه ~~منيبا إليه } أي راجعا اليه راغبا فيه { ثم إذا خوله نعمة منه } فانه ~~إذا أعطاه نعمة عظيمة، فالتخويل العطية العظمية على جهة الهبة، وهي ~~المنحة قال ابو النجم: # اعطى فلم ينجل ولم يبخل # كوم الذرى من خول المخول # { نسي ما كان يدعوا إليه من قبل } يعني ترك دعاء الله، كما كان يدعو في ~~حال ضره، قال الفراء: ويجوز أن تكون (ما) بمعنى (من) كما قال # فانكحوا ما طاب لكم من النساء # { وجعل لله أندادا } أي وسمى له تعالى أمثالا في توجيه عبادته اليها من ~~الأصنام والاوثان { ليضل عن سبيله } فمن ضم الياء أراد ليضل بذلك غيره عن ~~سبيل الحق. # ومن فتح الياء اراد ليضل هو عن ذلك، واللام لام العاقبة، لأنهم لم ~~يفعلوا ما فعلوه وغرضهم أن يضلوا عن سبيل الله، لكن عاقبتهم كان اليه. ~~فقال الله تعالى لنبيه { قل } له يا محمد على سبيل التهديد { تمتع بكفرك ~~قليلا } يعني مدة حياتك { إنك من أصحاب النار } في العاقبة، وهم الذين ~~يلزمون عذاب جهنم. ثم قال { أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما } ~~فآناء الليل ساعات الليل واحدها آن، وإني بالياء { ساجدا وقائما } أي ~~في هاتين الحالتين { يحذر الآخرة } أي يخاف عذاب الآخرة { ويرجوا رحمة ~~ربه } كمن خالف ذلك، فانهما لا يتساويان ابدا، ثم قال { قل } لهم على ~~وجه الانكار عليهم { هل يستوي الذين يعلمون } الحق ويعملون به { والذين ~~لا يعلمون } ولا يعملون به، فانهما لا يتساويان أبدا { إنما يتذكر } في ~~ذلك { أولوا الألباب } أي ذوو العقول وروى ms3022 جابر عن أبي جعفر عليه السلام ~~في تفسير هذه الآية انه قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهم يا محمد { يا عبادي الذين ~~آمنوا } بالله وصدقوا بوحدانيته وأقروا برسله { اتقوا ربكم } أي عقاب ~~ربكم باجتناب معاصيه. ثم قال { للذين أحسنوا } يعني فعلوا الأفعال الحسنة ~~وأحسنوا إلى غيرهم جزاء لهم على ذلك { في هذه الدنيا حسنة } يعني ثناء ~~حسن وذكر جميل ومدح وشكر، وقيل: صحة وسلامة وعافية، ذكره السدي { وأرض ~~الله واسعة } فتهاجروا فيها عن دار الشرك - في قول مجاهد - وقيل: أرض ~~الله يعني أرض الجنة واسعة { إنما يوفى الصابرون أجرهم } وثوابهم على ~~طاعتهم وصبرهم على شدائد الدنيا { بغير حساب } أي لكثرته لا يمكن عده ~~وحسابه. وقيل: إن معناه إنهم يعطون من المنافع زيادة على ما يستحقونه على ~~وجه التفضل، فكان ذلك بغير حساب أي بغير مجازاة بل تفضل من الله تعالى. ### || [39.11-16] # ست آيات في الكوفى وخمس بصري واربع في ما عداه عد الكوفيون والبصريون { ~~له الدين } وعد الكوفيون { له ديني } ولم يعد الباقون شيئا من ذلك. # هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار ~~الذين تقدم ذكرهم { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } أي اخلص ~~طاعتي له وأوجه عبادتي نحوه، دون الأصنام والأوثان. والآية وإن توجهت إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله فالمراد بها جميع المكلفين { وأمرت } أيضا { ~~لأن أكون أول المسلمين } أي المستسلمين لما أمر الله به ونهى عنه، وإنما ~~أمر بأن يكون اول المسلمين وإن كان قبله مسلمون كثيرون لأن المراد به أول ~~المسلمين من هذه الأمة، ففي ذلك أنه دعاهم إلى ما رضيه الله له ورضيه ~~لنفسه، وأن يقول لهم ايضا { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } يعني ~~عذاب يوم القيامة. ثم قال { قل } لهم { الله أعبد } أي اعبد الله { ~~مخلصا } بعبادتي { له } تعالى { ديني } وطاعتي { فاعبدوا } أنتم معاشر ~~الكفار { ما شئتم من دونه } من الاصنام ms3023 والاوثان على وجه التهديد بذلك ثم ~~قال { قل } لهم { إن الخاسرين } في الحقيقة هم { الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة } بأن فعلوا المعاصي، فخسروا بذلك أهاليهم الذين ~~كانوا معدين لهم من الحور العين لو اطاعوه - في قول الحسن - وخسروا ~~أنفسهم أي أهلكوها بالعذاب المهين الظاهر، لمن أدركه، ولا يخفى على احد ~~الحال فيه. # ثم قال تعالى { ألا ذلك هو الخسران المبين } يعنى الظاهر الذي لا يخفى، # ثم بين ذلك الخسران بأن قال { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ~~} فالظلة السترة القائمة، وجمعها ظلل، ولذلك قيل من فوقهم ظلل ومن تحتهم ~~ظلل إذ النار أدراك فهم بين أطباقها - نعوذ بالله منها - فما هو تحت ~~هؤلاء ظلل لمن دونهم ويجوز أن يكون المراد من تحتهم مثل تلك الظلل لأن ~~الظلة لا تسمى كذلك إلا إذا كانت عالية فوق من هي ظلة له ثم قال { ذلك ~~يخوف الله به عباده } أي ما اخبركم به من الوعيد وما أعده للكفار يحذر ~~الله به عباده من إرتكاب معاصيه، ثم ناداهم فقال { يا عباد فاتقون } أي ~~اتقوا معاصي وافعلوا طاعاتي والتخويف الاعلام بموضع المخافة لتتقى ومثله ~~التحذير والترهيب. وقرأ رويس { يا عبادي } باثبات الياء - في الحالين - ~~الباقون بحذفها، لان الكسرة تدل على الياء. ### || [39.17-20] # اربع آيات بلا خلاف، في جملتها، وقد اختلفوا في تفصيلها فعد العراقيون ~~والشامي واسماعيل { فبشر عبادي } ولم يعدها المكي، ولا المدني الأول، وعد ~~المكي والمدني الأول { من تحتها الأنهار }. # لما اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار وما أعده لهم من انواع العقاب، ~~اخبر - ههنا - عن حال المؤمنين وما أعده لهم من الثواب فقال { والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } يعني الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت والتقرب ~~اليها بأنواع القرب. والطاغوت جماعة الشياطين في قول مجاهد والسدي وابن ~~زيد. وإنما انث تأنيث الجماعة، ولفظه لفظ المذكر. وقيل إن كل ما عبد من ~~دون الله، فهو طاغوت { وأنابوا إلى الله } أي تابوا اليه، واقلعوا عما ~~كانوا عليه { لهم البشرى فبشر عباد } جزاء على ms3024 ذلك والبشرى والبشارة واحد ~~وهو الاعلام بما يظهر السرور به في بشرة الوجه، وضده السوءى وهو الاعلام ~~بما يظهر الغم به في الوجه بما يسوء صاحبه. # ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله فقال { فبشر عبادي } فمن اثبت الياء ~~وفتحها، فلأنه الأصل ومن حذف الياء اجتزأ بالكسرة الدالة عليها، ثم وصف ~~عباده الذين أضافهم إلى نفسه على وجه الاختصاص فقال { الذين يستمعون ~~القول } يعني يصغون إلى تلاوة القرآن والأقوال الدالة على توحيده { ~~فيتبعون أحسنه } إنما قال { أحسنه } ولم يقل حسنه لأنه اراد ما يستحق به ~~المدح والثواب، وليس كل حسن يستحق به ذلك، لان المباح حسن ولا يستحق به ~~مدح ولا ثواب. والأحسن الأولى بالفعل في العقل والشرع. # ثم اخبر تعالى فقال { أولئك } يعني هؤلاء الذين وصفهم من المؤمنين هم { ~~الذين هداهم الله } يعني إلى الجنة وثوابها، وحكم بأنهم مهتدون إلى الحق ~~{ وأولئك هم أولوا الألباب } يعني اولوا العقول على الحقيقة، لأنهم الذين ~~انتفعوا بعقولهم من حيث اتبعوا ما يجب اتباعه، والكفار وإن كان لهم عقول ~~فكأنهم لا عقول لهم من حيث أنهم لم ينتفعوا بما دعوا اليه. # ثم قال تعالى على وجه التنبيه { أفمن حق عليه كلمة العذاب } أي وجب عليه ~~الوعيد بالعقاب جزاء على كفره كمن وجب له الوعد بالثواب جزاء على ايمانه ~~وحذف لدلالة الكلام عليه تنبيها على أنهما لا يستويان. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { أفأنت تنقذ من في النار } وتقديره ~~افأنت تنقذه، لا يمكنك ذلك، لان العقاب وجب له بكفره، واخبر تعالى انه لا ~~يغفر له وإنما اتى بالاستفهام مرتين تأكيدا، للتنبيه على المعنى، قال ~~الزجاج: معناه معنى الشرط والجزاء، والف الاستفهام - ها هنا - معناها ~~التوقيف، والثانية في قوله { أفانت تنقذ } جاءت مؤكدة لما طال الكلام، ~~لأنه لا يصلح أن يأتي بالف الاستفهام تارة في الاسم والأخرى في الخبر، ~~والمعنى أفمن حق عليه كلمة العذاب أنت تنقذه او في سياق الكلام حذف. # وفيه دليل على المحذوف. والمعنى افمن حق عليه كلمة العذاب، فيتخلص ms3025 منه ~~او ينجو منه افانت تنقذه أي لا تقدر عليه ان تنقذه، وقال الفراء: هما ~~استفهام واحد وتقديره: أفانت تنقذ من حقت عليه كلمة العذاب من النار. ~~ومثله # أيعدكم أنكم إذا متم... أنكم مخرجون # وتقديره أيعدكم إنكم تخرجون إذا متم. ثم فسر وبين ما أعده للمؤمن كما ~~فسر ما أعده للكافرين فقال { لكن الذين اتقوا ربهم } يعني اتقوا معاصيه { ~~لهم غرف من فوقها غرف مبنية } في مقابلة ما قال للكافرين لهم من فوقهم ~~ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل لأنها تنقلب عليهم. وقيل: المعنى لهم منازل ~~رفيعة في الجنة وفوقها منازل ارفع منها، فللمؤمنين الغرف { تجري من تحتها ~~الأنهار } وتقديره تجري من تحت اشجارها الأنهار، ثم بين تعالى أن الذي ~~ذكره من ثواب المؤمن { وعد } من { الله } وعد به المؤمن { لا يخلف الله ~~الميعاد } أي لا يخلف الله وعده ولا يكون بخلاف ما اخبر به، ونصب { وعد ~~الله } على المصدر. ### || [39.21-25] # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع ~~المكلفين على وجه التنبيه لهم على الأدلة الدالة على توحيده واختصاصه ~~بصفات لا يشركه فيها غيره { ألم تر } يا محمد ومعناه ألم تعلم { أن الله ~~أنزل من السماء ماء } يعني مطرا { فسلكه ينابيع في الأرض } يعني أدخله ~~في عيون الأرض ومنابعها. وقيل: السلوك دخول في الشيء، ولهذا حسن في صفة ~~الماء الجارى، فقيل فسلكه ينابيع في الأرض، ويقولون: دخل في الاسلام، ولا ~~يقال سلك في الاسلام، والينابيع جمع ينبوع، وهو خروج الماء من العيون. ~~وقيل: الينبوع المكان الذي ينبع منه الماء تقول: نبع الماء من موضع كذا ~~إذا فار منه، وعيون الماء مستودع الماء، ونبع الماء إذا انفجرت به ~~العيون. # وقوله { ثم يخرج به } يعني بذلك الماء { زرعا } وهو كل ما ثبت على غير ~~ساق، والشجر ما له ساق واغصان. والنبات يعم الجميع، يقال: تنبت النخلة ~~والشجرة والحبة تنبت نباتا. وقوله { مختلفا ألوانه } يعني صنوفه وقيل: ~~مختلف الالوان من اخضر واصفر واحمر وأبيض: من البر والشعير والسمسم ms3026 ~~والارز والذرة والدخن وغير ذلك. # وقوله { ثم يهيج فتراه مصفرا } معناه يجف ويضطرب، فالهيج شدة الاضطراب ~~بالانقلاب عن حال الاستقامة والصلاح، هاج يهيج هيجا وهياجا وهاج البعير ~~هيجا. وقيل: معنى { يهيج } أي يحمى ويجف، فكأنه عما يلحق الجميع يخرج ~~إلى تلك الحال فيتغير عن لون الخضرة إلى لون الصفرة. وقوله { ثم يجعله ~~حطاما } فالحطام فتات التبن والحشيش. ثم قال { إن في ذلك } يعني في ما ~~ذكره من انزال الماء من السماء وإنبات الزرع به ونقله من حال إلى حال { ~~لذكرى } أي ما يتذكر به ويفكر فيه لاولي الالباب يعني ذوي العقول ~~السليمة. # ثم قال تعالى على وجه التنبيه للحق { أفمن شرح الله صدره للإسلام } أي ~~من لطف الله له حتى آمن وعرف الله ووحده وصدق نبيه { فهو على نور من ربه ~~} يعني فهو على هداية من الله ودين صحيح، كمن كان بخلاف ذلك، وحذف لدلالة ~~الكلام عليه. ثم قال { فويل للقاسية قلوبهم } يعني الويل والعقاب للذين ~~قست قلوبهم { عن ذكر الله } حتى لم يعرفوه ولا وحدوه يقال قسى الشيء إذا ~~صلب، كما قال # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك # ويقال: غسا وعثا وقسا بمعنى واحد، ويقال ما اقسى قلبه إذا كان لا يلين ~~لشيء. والمعنى كلما تلي عليه ذكر الله قسى قلبه. وقوله { عن ذكر الله } ~~معناه غلظ قلبه عن ذكر الله. والقاسية قلوبهم هم الذين الفوا الكفر ~~وتعصبوا له فلذلك قست قلوبهم. ثم قال تعالى { أولئك } يعني القاسية ~~قلوبهم عن ذكر الله { في ضلال } أي عدول عن الحق { مبين } أي واضح ظاهر. # ثم قال { الله نزل أحسن الحديث } يعني القرآن { كتابا متشابها } نصب { ~~كتابا } على البدل من قوله { أحسن } ومعناه { متشابها } في الحكم التي ~~فيه من الحجج والمواعظ والاحكام التي يعمل عليها في الدين وصلاح التدبير ~~يشبه بعضه بعضا لا تناقض فيه { مثاني } أي يثنى فيه الحكم والوعد ~~والوعيد بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى ايضا في التلاوة فلا يمل لحسن ~~مسموعه في القرآن { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ms3027 } أى تقشعر جلود ~~المؤمنين الذين يخافون عذاب الله لما يسمعونه فيه من الوعيد { ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } وما ضمنه الله على ذلك من الثواب. ثم قال ~~{ ذلك } يعني ما وصف به المؤمن من اقشعرار قلوب المؤمنين تارة ولينها ~~أخرى { هدى الله يهدي به من يشاء } أي لطف الله الذى يلطف به لمن يشاء من ~~عباده الذين يعلم انه لطف لهم. وقال الجبائي: انه خص به أمة محمد صلى ~~الله عليه وآله. ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } ومعناه من أضله ~~الله عن طريق الجنة لا يقدر احد على هدايته اليها. ويحتمل ان يكون المراد ~~من حكم الله بأنه ضال لا يقدر احد ان يحكم بأنه هاد. ثم قال منبها لخلقه ~~{ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } وتقديره كمن يدخل الجنة؟! ~~وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النار مغلولا، لا يمكنه ان يتقي النار ~~إلا بوجهه. ومعنى يتقي يتوفاها كما قال الشاعر: # إذ يتقون بي الأسنة لم اخم # عنها ولكني تضايق مقدمي # أي يقدمونني الى القتال فيتوقون بي حرها. وحذف كمن كان بخلاف ذلك لدلالة ~~الكلام عليه، فان هذا لا يكون ابدا. ثم حكى الله تعالى ما يقال للكافرين ~~الظالمين نفوسهم بالكفر بالله يوم القيامة إذا دخلوا النار { ذوقوا ما ~~كنتم } أي جزاء ما كنتم { تكسبون } من المعاصي. ثم اخبر تعالى عن الامم ~~الماضية من أمثالهم من الكفار بأن قال { كذب الذين من قبلهم } بآيات الله ~~وجحدوا توحيده وكذبوا رسله { فأتاهم العذاب } جزاء لهم على فعلهم وعقوبة ~~عاجلة { من حيث لا يشعرون } أي حيث لا يعلمون به ولا يحتسبون. ### || [39.26-31] # قال المبرد العرب تقول لكل شيء يصل اليك بجارحة من الجوارح: ذق أي يصل ~~معرفته اليك، كما يصل اليك معرفة ما تذوقه بلسانك من حلو ومر ومنه قوله # فذاقوا وبال أمرهم # وقوله # ذق إنك أنت العزيز الكريم # والخزي هو المكروه والهوان، وخزي فلان إذا وقع في المكروه، فالخزي افراط ~~الاستحيا، يقال ما استحيا ms3028 وما تخزى، ورأيته خزيان نادما، قال الشاعر: # ولا أنت دياني فتخزوني # قرأ ابن كثير، وابو عمرو، ويعقوب { ورجلا سالما } على وزن (فاعل) معناه ~~خالصا لا يشركه فيه غيره لأن الله تعالى ضرب مثلا للمؤمن والكافر، فشبه ~~الكافر بشركاء متنازعين مختلفين، والمؤمن من عبد إلها واحدا. الباقون { ~~سلما لرجل } على المصدر من قولهم: سلم فلان لله سلما بمعنى خلص له ~~خلوصا، كما يقولون: ربح الرجل في تجارته ربحا وربحا: وسلم سلما ~~وسلما وسلامة، وتقديره ذا سلم، فمعنى " أذاقهم الله " أي جعلهم يدركون ~~الألم، كما يدرك الذائق الطعام، والخزي الذل الذي يستحيا من مثله بما فيه ~~من الفضيحة، وخزيهم في الحياة الدنيا هو ما فعله بهم من العذاب العاجل من ~~إهلاكهم واستئصالهم الذي يبقى ذكره على الأبد. ثم قال تعالى { ولعذاب ~~الآخرة أكبر } مما فعل بهم في دار الدنيا { لو كانوا يعلمون } صدق ما ~~اخبرنا به. # ثم اقسم تعالى بأن قال { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~لعلهم يتذكرون } فالتذكر طلب الذكر بالفكر، وهذا حث على طلب الذكر المؤدي ~~إلى العلم، والمعنى لكي يتذكروا، ويتعظوا فيجتنبوا ما فعل من تقدم من ~~الكفر والمعاصي، لئلا يحل بهم كما حل بأولئك. وقوله { قرآنا عربيا } ~~أي انزلناه قرآنا عربيا غير ذي عوج أي غير ذي ميل عن الحق بل هو مستقيم ~~موصل إلى الحق، ويقال في الكلام عوج - بكسر العين - إذا عدل به عن جهة ~~الصواب. والمثل علم شبه به حال الثاني بالاول. والمثال مقياس يحتذى عليه، ~~وإنما قال: ضربنا مثلا واحدا، ولم يقل مثلين، لأنهما جميعا ضربا مثلا ~~واحدا، ومثله قوله تعالى # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # ولو ثني لكان حسنا - في قول الفراء - وقوله { لعلهم يتقون } معناه لكي ~~يتقوا معاصي الله خوفا من عقابه. # ثم قال تعالى { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون } فالتشاكس ~~التمانع والتنازع، تشاكسوا في الأمر تشاكسا، وفي الشركاء تشاكس في ~~البيع، وتدبير المملوك ونحو ذلك { ورجلا سلما لرجل } فضرب المثل للموحد ~~بعبادته الله تعالى وحده ms3029 - عز وجل - والمشرك بعبادته غير الله - في قول ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد - { هل يستويان مثلا } في حسن الحال، لا ~~يستويان لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وحياطته ما لا يستحقه ~~صاحب الشركاء المختلفين في امره. # ثم قال { الحمد لله } يعني المستحق للشكر والثناء على الحقيقية هو الله ~~تعالى { بل أكثرهم لا يعلمون } حقيقة، لجهلهم بالله ومواضع نعمه. ثم قال ~~لنبيه { إنك } يا محمد { ميت } أي عاقبتك الموت، وكذلك هؤلاء لأن # كل نفس ذائقة الموت # { ثم إنكم } يبعثكم الله { يوم القيامة } ويحشركم يوم القيامة فتختصمون ~~عند الله. ومعناه كل طائفة منكم ترد على صاحبتها يوم القيامة وتخاصمها، ~~فالاختصام رد كل واحد من الاثنين ما اتى به الآخر على وجه الانكار عليه. ~~وقد يكون احدهما - محقا والآخر مبطلا كالموحد والملحد. وقد يكونان ~~جميعا مبطلين كاختصام اليهودي والنصراني، وقد يكونان جميعا محقين إذا ~~قطع كل واحد منهما على صواب اعتقاده دون غيره، ويكون اختصامهم في الآخرة ~~بذم رؤساء الضلالة في ما دعوهم اليه ودفع اولئك عن أنفسهم، فيقول ~~الاولون: لولا أنتم لكنا مؤمنين ويقول الرؤساء ما كان لنا عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوناكم فاستجبتم لنا. واقبل بعضهم على بعض يتلاومون. وقال ابن ~~زيد: الاختصام يكون بين المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس: يكون بين ~~المهتدين والضالين: والصادقين والكاذبين وقال ابو العالية: يكون بين أهل ~~القبلة. ورجل مشكس إذا كان سيء الخلق. وقال السدي: هذا مثل ضربه الله ~~لأوثانهم. وقال قتادة: هذا للمشرك تنازعه الشياطين مغريين بعضهم ببعض { ~~ورجلا سالما } وهو المؤمن أخلص الدعوة لله والعبادة، وقال ابو عبيدة: ~~متشاكسون الرجل الشكس ورجلا سالما الرجل الصالح. وقال ابو عمرو: معناه ~~خالصا لله. وقال ابو علي: رجلا فيه شركاء يعني في إتباعه أو في شيعته. ### || [39.32-35] # قوله { فمن أظلم } صورته صورة الاستفهام والمراد به التقريع والتوبيخ، ~~والمعنى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فادعى أن له ولدا وصاحبة، أو ~~أنه حرم ما لم يحرمه، او أحل ما لم يحله، وإنما كان ms3030 من كذب على الله وكذب ~~بالحق أظلم الخلق، لأنه ظلم نفسه بأفحش الظلم من جهة كفره بربه وحجوده ~~لحق نعمه حين أشرك به تعالى من لا نعمة له يستحق بها عبادته. وقال قتادة: ~~{ وكذب بالصدق إذ جاءه } يعني بالقرآن. # ثم قال تعالى مهددا لمن هذه صفته { أليس في جهنم مثوى للكافرين } ~~والمثوى المقام يقال أثوى يثوي اثواء وثوى يثوي ثواء قال الشاعر: # طال الثواء على ربع بيسؤدي # أردى وكل جديد مرت مود # وقوله { والذي جاء بالصدق وصدق به } قال قتادة وابن زيد: المؤمنون جاؤا ~~بالصدق الذي هو القرآن وصدقوا به، وهو حجتهم في الدنيا والآخرة. وقيل ~~الذي جاء بالصدق جبرائيل وصدق به محمد صلى الله عليه وآله. وفي قراءة ابن ~~مسعود { والذي جاؤا بالصدق } قال الزجاج: الذي - ها هنا والذين بمعنى ~~واحد يراد به الجمع. وقال: لأنه غير موقت. وقيل: الذي جاء بالصدق النبي ~~صلى الله عليه وآله من قول لا إله إلا الله، وصدق به ايضا هو صلى الله ~~عليه وآله والصحيح أن قوله { وصدق به } من صفة الذين جاؤا بالصدق، لأنه ~~لو كان غيرهم لقال والذي جاء بالصدق والذي صدق به. # وقوله { أولئك هم المتقون } يعني من جاء بالصدق وصدق به هم المتقون ~~معاصي الله خوف عقابه، وإنما جاء بلفظ الجمع { هم المتقون } مع أن لفظ ~~(الذي) واحد، لأنه أراد به الجنس. ومعناه الجمع كقوله # والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات # وقال الأشهب بن رميلة: # إن الذي حلت بفلج دماؤهم # هم القوم كل القوم يا أم خالد # ثم بين ما اعد لهم من النعيم فقال { لهم ما يشاؤن عند ربهم } جزاء على ~~تقواهم، وبين أن لهم { ذلك } وانه { جزاء المحسنين } الذين يفعلون ~~الطاعات. # وقوله { ليكفر الله عنهم أسوء الذي عملوا } أي يسقط عنهم عقاب الشرك ~~والمعاصي التي فعلوها قبل ذلك بتوبتهم ورجوعهم إلى الله { ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون } يعني يثيبهم على طاعاتهم من الفرض والنفل، وهي ~~أحسن افعالهم لان المباح وإن كان ms3031 حسنا لا يستحق به ثواب ولا مدح لان ~~الثواب والمدح إنما يستحق على الطاعات. ### || [39.36-40] # خمس آيات كوفي وثلاث فى ما عداه عد الكوفيون { من هاد } وعدوا { فسوف ~~تعلمون } ولم يعده الباقون. قرأ حمزة والكسائي وخلف { بكاف عباده } على ~~الجمع. الباقون بكاف عبده على التوحيد. من قرأ على التوحيد أراد النبي ~~صلى الله عليه وآله لقوله { ويخوفونك } ومن جمع اراد النبي وسائر ~~الانبياء، لأن أمة كل نبي خاطبوا نبيهم بمثل ذلك، كما قال تعالى مخبرا ~~عن قوم هود # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # وقرأ ابو عمرو والكسائي عن أبي بكر { كاشفات ضره.. ممسكات رحمته } منون ~~فيهما. الباقون بالاضافة. فمن أضاف فللتخفيف. ومن نون، فلأنه غير واقع، ~~واسم الفاعل إنما يعمل إذا كان لما يستقبل قوله # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # على الحكاية. # وقوله { أليس الله بكاف عبده } لفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير ~~يقرر عباده، فيقول: اليس الله الذي يكفي عبده كيد اعدائه ويصرف عنه شرهم، ~~فمن وحد - اراد محمد صلى الله عليه وآله وهو قول السدي وابن زيد. ومن جمع ~~- أراد انبيائه ك (إبراهيم ولوط وشعيب). # وقوله { ويخوفونك بالذين من دونه } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأن ~~الكفار يخوفونه بالأوثان التي كانوا يعبدونها - في قول قتادة والسدي وابن ~~زيد - لأنهم قالوا له: أما تخاف ان تهلكك آلهتنا. وقيل: إنه لما قصد خالد ~~لكسر العزى بأمر النبي صلى الله عليه وآله قالوا له ساداتها: إياك يا ~~خالد إن بأسها شديد. # ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } يحتمل معناه شيئين: # احدهما - من أضله عن طريق الجنة بكفره ومعاصيه فليس له هاد يهديه اليها. # والثاني - ان من حكم الله بضلالته وسماه ضالا إذا ضل هو عن الحق فليس له ~~من يحكم بهدايته وتسميته هاديا. ثم عكس ذلك فقال { ومن يهدي الله فما له ~~من مضل } وهو يحتمل امرين: # احدهما - من يهديه الله إلى طريق الجنة فلا احد يضله عنها. # والثاني - من يحكم بهدايته ويسميه هاديا فلا احد ms3032 يمكنه ان يحكم بضلالته ~~على الحقيقة. # ثم قرر خلقه فقال { أليس الله بعزيز } اي قادر قاهر لا يقدر أحد على ~~مغالبته { ذي إنتقام } من اعدائه والجاحدين لنعمته. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { ولئن سألتهم } يا محمد يعني هؤلاء ~~الكفار { من خلق السماوات والأرض } وانشأها واخترعها وأوجدها بعد أن كانت ~~معدومة { ليقولن الله } الفاعل لذلك، لأنهم لو أحالوا على غيره لبان ~~كذبهم وافتراؤهم، لأنه لا يقدر على ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه ~~شيء. ثم قال { قل } لهم { أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } فمن اضاف لم ~~يعمل اسم الفاعل. # ومن نون أعمله، وهما جميعا جيدان. والمعنى إن من يعجز عن النفع والضر ~~وكشف الكرب عمن يتقرب اليه ولا يتأتى منه ذلك كيف يحسن عبادته؟! وإنما ~~تحسن العبادة لمن يقدر على جميع ذلك ولا يلحقه عجز ولا منع، وهو الله ~~تعالى. # والوجه في الزام من خلق السموات والارض إخلاص العبادة له أن من خلق ~~السموات والارض هو القادر على النفع والضر بما لا يمكن أحد منعه ويمكنه ~~منع كل أحد من خير او شر، والعبادة أعلى منزلة الشكر، لأجل النعم التي لا ~~يقدر عليها غير الله، فمن اقر بخلق السموات والارض لزمه إخلاص العبادة ~~لمن خلقهما ومن لم يقر دل عليه بما يلزمه الاقرار به. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { حسبي الله } أي يكفني الله { عليه يتوكل ~~المتوكلون } فالتوكل رد التدبير إلى من يقدر على الاحسان فيه، فلما كان ~~لا يقدر على الاحسان في جميع التدبير الذي يصلح الانسان إلا الله تعالى ~~وجب على كل عاقل التوكل عليه بما هو حسبه منه. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { يا قوم إعملوا على مكانتكم } قال مجاهد: ~~على ناحيتكم، وقيل على مكانكم من العمل. وقيل: على مكانتكم أي ديانتكم ~~على وجه التهدد لهم. وقيل: على مكانتكم أي جهتكم التي اخترتموها وتمكنتم ~~في العمل بها. ms3033 # ثم قال { إني عامل } بما أدعوكم اليه { فسوف تعلمون } عاقبة اعمالكم ~~وآخر كفركم وتعرفون { من يأتيه عذاب يخزيه } في الدنيا ويهينه في الآخرة ~~{ ويحل عليه } أي ينزل عليه { عذاب مقيم } أي دائم لا يزول، وذلك غاية ~~الوعيد والتهديد. ### || [39.41-45] # قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف { فيمسك التي قضي عليها } على ما لم ~~يسم فاعله. الباقون { قضى } بفتح القاف، وهو الأجود لأن اسم الله تعالى ~~قد تقدم في قوله { الله يتوفى الأنفس حين موتها } وقيل: إن الموت - ههنا ~~- المراد به النوم. والتوفي - ههنا - توفى النفس لا الروح، لأن ابن عباس ~~قال في ابن آدم نفس وروح، فاذا نام قبضت نفسه وبقيت روحه. والروح والذي ~~يكون بها الغظيط. والنفس هي التي يكون بها التميز، فاذا مات قبضت نفسه ~~وروحه. # فان قيل: كيف قال ههنا { الله يتوفى الأنفس } وقال في موضع آخر # توفته رسلنا # قل يتوفاكم ملك الموت # قيل: ان الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت بأمر الله، ومعه رسل واعوان، ~~فلذلك قال { توفته رسلنا }. # وحجة من بنى الفعل للفاعل قوله { ويرسل الأخرى } ومن بنى للمفعول به، ~~فلان المعنى يؤل اليه. وقال الفراء تقديره الله يتوفى الانفس حين موتها ~~ويتوفى التي لم تمت في منامها عند انقضاء اجلها. وقيل: توفها نومها لقوله # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه { إنا أنزلنا عليك } يا محمد { الكتاب } ~~يعني القرآن { للناس بالحق }. ومعناه أنزلناه على انه حق، فهذه فائدة ~~الباء. وفي ذلك حجة على من زعم ان الله سبحانه يريد بانزاله إضلال ~~الكافرين عن الايمان، لانه لو كان كذلك لم يكن منزلا على انه حق وجب ~~النظر في موجبه ومقتضاه، فما رغب فيه وجب العمل به وما حذر منه وجب ~~اجتنابه، وما صححه وجب تصحيحه وما أفسده وجب افساده، وما دعا اليه فهو ~~الرشد، وما صرف عنه فهو الضلال. # ثم قال { فمن اهتدى } يعني بما فيه من الأدلة { فلنفسه } لان منفعة ~~عاقبته من الثواب تعود عليه { ومن ضل } عنه ms3034 وحاد { فإنما يضل عليها } ~~يعني على نفسه، لأن وخيم عاقبته من العقاب تعود عليه. ثم قال { وما أنت } ~~يا محمد { عليهم بوكيل } أي بحفيظ ولا رقيب وإنما عليك البلاغ والوكيل ~~القائم بالتدبير. وقيل { ما أنت عليهم بوكيل } معناه وما انت عليهم برقيب ~~في ايصال الحق إلى قلوبهم وحفظه عليهم حتى لا يتركوه ولا ينصرفوا عنه، ~~ولا تقدر على إكراههم على الاسلام، وإنما الله تعالى القادر عليه. # قوله { الله يتوفى الأنفس حين موتها } معناه انه يقبضها اليه إذا اراد ~~إماتتها بأن يقبض روحها بأن يفعل فيها الموت { والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت } فلا يردها اليه { ويرسل الأخرى.. } التى ~~يريد ابقائها إلى أن تستوفي اجلها الذي قدره لها. وقد ذكرنا ما روي عن ~~ابن عباس من أن قبض الروح يكون منه ميتا. # وقبض النفس يكون به فاقدا للتمييز والعقل، وإن لم يفقد حياته. # والفرق بين قبض النوم والموت ان قبض النوم يضاد اليقظة، وقبض الموت يضاد ~~الحياة وقبض النوم تكون الروح معه في البدن، وقبض الموت يخرج الروح منه ~~عن البدن، وقال سعيد بن جبير والسدي: ان أرواح الأحياء إذا ناموا تجتمع ~~مع أرواح الاموات، فاذا أرادت الرجوع إلى الاجساد أمسك الله ارواح ~~الاموات وأرسل ارواح الاحياء. # ثم قال { إن في ذلك } يعني في قبض الأرواح تارة بالموت، وقبض الأنفس ~~بالنوم أخرى { لآيات } أي دلالات واضحات على توحيد الله، فانه لا يقدر ~~عليه سواه { لقوم يتفكرون } أي يستعملون عقولهم بالفكر في ذلك فيعرفون ~~الله تعالى بذلك. # ثم اخبر عن هؤلاء الكفار فقال { أم اتخذوا } معناه بل اتخذ هؤلاء الكفار ~~{ من دون الله شفعاء } بزعمهم، من الأصنام والأوثان فقال { قل } لهم يا ~~محمد { أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } تنبيها لهم على انهم ~~يتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يقدرون على شيء من الشفاعة ولا غيرها ولا ~~يعقلون شيئا. والالف في { أولو } الف الاستفهام يراد به التنبيه. ثم قال ~~{ قل } لهم يا محمد { لله الشفاعة جميعا له ملك ms3035 السماوات والأرض } أي ~~الشفاعة لمن له التدبير والتصرف في السموات والأرض ليس لاحد الاعتراض ~~عليه في ذلك { ثم إليه ترجعون } معاشر الخلق أي إلى حيث لا يملك احد ~~التصرف والامر والنهي سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كل إنسان على عمله ~~على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. # ثم اخبر عن حالهم وشدة عنادهم، فقال { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني نفرت نفوسهم عن التوحيد وانقبضت عنه ~~يقال: فلان مشمئز عن كذا إذا انقبض عنه. وفي قوله: اشمأزت قلوبهم دليل ~~على فساد قول من يقول المعارف ضرورة { وإذا ذكر الذين من دونه } قال ~~السدي: يعني اوثانهم { إذا هم يستبشرون } أي يفرحون ويسرون حتى يظهر ~~السرور في وجوههم. ### || [39.46-50] # هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله والمراد به جميع ~~المكلفين ان يدعوه بهذا الدعاء فيقولوا { اللهم فاطر السماوات والأرض } ~~أي خالقهما ومنشئهما ومبتدئهما { عالم الغيب والشهادة } أي عالم ما غاب ~~علمه عن جميع الخلائق وعالم ما شهدوه وعملوه، لا يخفى عليك شيء من ~~الاشياء { أنت تحكم بين عبادك } يوم القيامة { في ما كانوا فيه يختلفون } ~~في دار الدنيا من أمر دينهم ودنياهم وتفصل بينهم بالحق. و { فاطر ~~السماوات } عند سيبويه لا يجوز أن يكون صفة { اللهم } قال لأنه غير الاسم ~~في النداء، ولأنه لا يذكر بهذا الذكر إلا بعد ما عرف كما لا يضمر الاسم ~~إلا بعد ما عرف، فكما لا توصف المضمرات، فكذلك هذا الاسم، وليس يجب مثل ~~ذلك في قولنا: (الله) لانه قد يذكره العارف لمن لا يعرفه فيعرفه إياه ~~بصفته، فيقول: الله فاطر السموات والارض وخالق الخلق ورب العالمين ومالك ~~يوم الدين. وقال ابو العباس: يجوز أن يكون صفة (اللهم) حملا له على (يا ~~الله فاطر السماوات والأرض). # ثم اخبر تعالى على وجه المبالغة في وقوع عقاب الكفار وعظمه بأنه لو كان ~~لهم ملك جميع ما في الارض، ومثله معه، زيادة عليه وأراد الظالم لنفسه ~~بارتكاب المعاصي أن يفتدي نفسه من ms3036 شدة ذلك العذاب يوم القيامة لما قبل ~~منه، ولما فودي به، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. # ثم قال { وبدا لهم } يعني الكفار ما لم يكونوا يحتسبونه ولا يظنونه ~~واصلا اليهم، والاحتساب الاعتداد بالشيء من جهة دخوله في ما يحسبه، فلما ~~كان أهل النار لم يكونوا يدرون ما ينزل بهم من العذاب صح ان يقال { بدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ولا قدروا أنهم يصيرون اليه. # ثم قال { وبدا لهم } أي ظهر لهم ايضا { سيئآت ما كسبوا } أي جزاء سيئآت ~~ما كسبوا من اعمالهم { وحاق بهم } أي نزل بهم { ما كانوا به يستهزؤن } في ~~الدنيا من قول الله ووعده ووعيده. # ثم اخبر تعالى عن شدة تقلب الانسان وتحوله من حال إلى حال بأنه إذا مسه ~~ضر من مرض ومصيبة وبلاء { دعانا } وفزع الينا { ثم } بعد ذلك { إذا ~~خولناه } أي أعطيناه { نعمة منا } والتخويل العطاء بلا مكافات ولا مجازات ~~بل تفضلا محضا { قال إنما أوتيته على علم } قال الحسن معناه أني اوتيته ~~بحيلتي وعملي وقال غيره: معناه على علم برضاه عني فلذلك اعطاني ما أولاني ~~من النعمة. وقال آخرون: معناه على علم بأن تسببت به للعافية وكشف البلية ~~وانه لم ينلها من قبل ربه. ثم قال ليس الامر على ما يقوله { بل هي فتنة } ~~أي بلية واختبار يبتليه الله به فيظهر كيف شكره في مقابلتها، فيجازيه ~~بحسبها، لأنه وإن كان عالما بحاله لم يجز ان يجازيه على علمه، وإنما ~~يجازيه على فعله { ولكن أكثرهم لا يعلمون } صحة ما قلناه من ان ذلك محنة ~~واختبار لقلة معرفتهم بالله وبصفاته. ثم قال { قد قالها الذين من قبلهم } ~~يعني قد قال كلمة مثل ما قال هؤلاء { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } من ~~الأموال ويجمعونه بل صارت وبالا عليهم. ### || [39.51-55] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار في الآخرة وما يصيرون اليه ~~فقال { فأصابهم سيئآت ما كسبوا } قيل في معناه قولان: # احدهما - فاصابهم عقاب سيئآت ما كسبوا وحذف المضاف واقام المضاف اليه ms3037 ~~مقامه لدلالة الكلام عليه. # الثاني - انه اراد فأصابهم عقاب ما كسبوا من المعاصي وسماه سيئآت ~~لازدواج الكلام، كما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # ثم قال { والذين ظلموا من هؤلاء } يعني من كفار قوم النبي صلى الله عليه ~~وآله { سيصيبهم } أيضا { سيئآت ما كسبوا وما هم بمعجزين } أي ليس يفوتون ~~الله، ثم قال على وجه التنبيه لهم على معرفته { أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء } أي يوسعه على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من مصلحته ~~{ ويقدر } أي ويضيق على من يشاء منهم بمثل ذلك { إن في تلك لآيات } أي ~~دلالات واضحات { لقوم يؤمنون } أي يصدقون بتوحيد الله ويقرون بأنبيائه. ~~وأضاف الآيات إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بها، ثم قال { قل } لهم ~~يا محمد { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } بارتكاب المعاصي { لا ~~تقنطوا من رحمة الله } أي لا تيأسوا من رحمة الله يقال: قنط يقنط قنوطا ~~إذا يئس { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } وفى ذلك ~~دلالة واضحة على انه يجوز ان يغفر الله بلا توبة تفضلا منه وبشفاعة النبى ~~صلى الله عليه وآله لانه لم يشرط التوبة بل أطلقها. وروي عن فاطمة عليها ~~السلام أنها قالت: إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي. وروي عن علي ~~عليه السلام وابن عباس: أنهما قالا: إن لأرجى آية في كتاب الله قوله # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # فقال عبد الله بن عمرو بن العاص بل أرجى آية في كتاب الله قوله { قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } وهو المروي عن علي ايضا. # وقوله { وأنيبوا إلى ربكم } امر مستأنف من الله لخلقه بالرجوع إلى الله ~~والتوبة من معاصيهم. والانابة هي الرجوع { وأسلموا له } معناه آمنوا به ~~وسلموا لاوامره { من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } عند نزول ~~العذاب بكم { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } إنما قال { أحسن ما ~~أنزل } لأنه اراد بذلك الواجبات والنفل التي هي الطاعات دون المباحات ~~والمقبحات التي ms3038 لا يأمر بها. وقال السدي { أحسن } أي ما أمر الله تعالى ~~به في الكتاب، وقال قوم { أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } يريد به الناسخ ~~دون المنسوخ، وهذا خطأ، لان المنسوخ لا يجوز العمل به بعد النسخ وهو ~~قبيح، ولا يكون الحسن أحسن من قبيح، وقال الحسن احسنه ان يأخذوا بما ~~أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~} أي فجأة في وقت لا تتوقعونه { وأنتم لا تشعرون } أي لا تعرفون وقت ~~نزوله بكم. ### || [39.56-60] # قرأ ابو جعفر من طريق ابن العلاف " يا حسرتاي " بياء ساكنة بعد الألف. ~~وفتح الياء النهرواني عن أبي جعفر. الباقون بلا ياء. # لما امر الله تعالى باتباع طاعاته والانتهاء عن معاصيه تحذيرا من نزول ~~العذاب بهم بغتة وهم لا يعلمون، بين الغرض بذلك وهو لئلا تقول نفس يا ~~حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وحذف (لا) كما حذف من قوله # يبين الله لكم أن تضلوا # وقال الزجاج: معناه كراهية أن تقول نفس، ومثله قوله # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # في قول الفراء. وعلى قول الزجاج: كراهية ان تميد بكم، والنفس نفس ~~الانسان. والفرق بين النفس والروح أن النفس من النفاسة، والروح من الريح. ~~وأنفس ما في الحيوان نفسه، وهي جسم رقيق روحاني من الريح، ونفس الشيء هو ~~الشيء بعينه. والتفريط إهمال ما يجب ان يتقدم فيه حتى يفوت وقته، ومثله ~~التقصير، وضده الأخذ بالحزم، يقال: فلان حازم وفلان مفرط. # وقوله { في جنب الله } معناه فرطت في طاعة الله او في أمر الله إلا أنه ~~ذكر الجنب كما يقال: هذا صغير في جنب ذلك الماضي في أمره، وفي جهته، فاذا ~~ذكر هذا دل على الاختصاص به من وجه قريب من معنى جنبه. وقال مجاهد ~~والسدي: معنى { في جنب الله } أي في أمر الله. والألف في قوله { يا حسرتى ~~} منقلبة عن (ياء) الاضافة. ويفعل ذلك في الاستفهام والاستغاثة بمد ~~الصوت. والتحسر الاغتمام على ما فات وقته لانحساره عنه ms3039 بما لا يمكنه ~~إستدراكه، ومثله التأسف. # وقوله { وإن كنت لمن الساخرين } قال قتادة والسدي: معناه المستهزئين ~~بالنبي والكتاب الذي معه. وقيل: معناه كنت ممن يسخر بمن يدعوني إلى ~~الايمان، ومعناه وما كنت إلا من جملة الساخرين إعترافا منهم على نفوسهم. # وقوله تعالى { أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين } معناه فعلنا ~~ذلك لئلا يقول: لو أراد الله هدايتي لكنت من المتقين لمعاصيه خوفا من ~~عقابه { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } ومعناه ~~إنا فعلنا ذلك لئلا يتمنوا إذا نزل بهم البلاء والعذاب يوم القيامة لو أن ~~لي رجعة إلى دار الدنيا لكنت ممن يفعل الطاعات. # ونصب { فأكون } على انه جواب (لو) ويجوز أن يكون نصبا باضمار (ان) ~~بمعنى لو أن لي كرة فان اكون. # وفي ذلك دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الكافر لا يقدر على الايمان ~~لأنه لو كان إذا رد لا يقدر إلا على الكفر لم يكن لتمنيه معنى. # ثم قال تعالى منكرا عليهم { بلى قد جاءتك آياتي } أي حججي ودلالاتي { ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } الجاحدين لنعمي عليك. وإنما خاطب ~~بالتذكير والنفس مؤنثة لأنه أراد يا إنسان. # ثم اخبر تعالى عن حال الكفار في الآخرة، فقال { ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة } جزاء على كفرهم. ثم قال { أليس في جهنم ~~مثوى } أي موضع إقامة { للمتكبرين } الذين تكبروا عن طاعة الله وعصوا ~~أوامره. ### || [39.61-66] # قرأ روح { وينجي الله } بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ ابن كثير { ~~تأمروني أعبد } مشددة النون مفتوح الياء. وقرأ نافع وابن عامر في رواية ~~الداجوني خفيفة النون. وفتح الياء نافع، ولم يفتحها ابن عامر. وقرأ ابن ~~عامر في غير رواية الداجوني { تأمرونني } بنونين. الباقون مشددة النون ~~ساكنة الياء. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا { بمفازاتهم } جماعة. الباقون { ~~بمفازتهم } على واحدة. فمن وحده قال: هو بمنزلة السعادة والنجاة، كما قال ~~الله تعالى # بمفازة من العذاب # وقال قوم المفازة الصحراء، فهي مهلكة وتسمى مفازة تفاؤلا، كما ms3040 قالوا - ~~لمعوج الرجلين - احنف، وللحبشي ابو البيضاء. وقال ابن الاعرابي: ليست ~~مقلوبة بل المفازة المهلكة، يقولون: فوز الرجل إذا هلك ومات. ومن قرأ { ~~تأمرونني } فلأنه الأصل. ومن شدد أدغم احدى النونين في الأخرى. ومن خفف ~~حذف احدى النونين، كما قال الشاعر: # تراه كالثغام يعل مسكا # بسوء الغانيا إذا قليني # أراد قلينني فحذف. لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وأن الله يحشرهم ~~يوم القيامة مسودة وجوههم، وأن مقامهم في جهنم، اخبر انه ينجي الذين ~~اتقوا معاصي الله خوفا من عقابه، ويخلصهم. وقوله { بمفازتهم } بمنجاتهم ~~من النار بطاعاتهم التي أطاعوا الله بها. واصل المفازة المنجاة، وبه سميت ~~الفلاة مفازة على وجه التفاؤل بالنجاة منها، كما سموا اللديغ سليما. ومن ~~وحد فلأنه اسم جنس او مصدر يقع على القليل والكثير. ومن جمع أراد تخلصهم ~~من مواضع كثيرة فيها هلاك الكفار وانواع عذابهم. # وقوله { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } معناه إن هؤلاء المؤمنين الذين ~~يخلصهم الله من عقاب الآخرة وأهوالها لا يمسهم عذاب أصلا، ولا هم يغتمون ~~على وجه. وقوله { لا يمسهم السوء } معناه نفيا عاما لسائر انواع ~~العذاب، والعموم في قوله { ولا هم يحزنون } فيه تأكيد له، وقيل: لئلا يظن ~~ظان انه لما لم يمسهم العذاب جاز أن يمسهم بعض الغم، ففي ذلك تفصيل واضح ~~يزيل الشبهة. # ثم اخبر تعالى انه خلق كل شيء، ومعناه انه يقدر على كل شيء، { وهو على ~~كل شيء وكيل } أي له التصرف في ما يريد حافظ له، وإن حملنا معنى الخلق ~~على الاحداث، فالمراد به { خالق كل شيء } من مقدوراته من الأجسام ~~والاعراض. وقوله { له مقاليد السماوات والأرض } والمقاليد المفاتيح واحده ~~(مقليد) كقولك: منديل ومناديل، ويقال فى واحده ايضا (إقليد) وجمعه ~~(أقاليد) وهو من التقليد، والمعنى له مفاتيح خزائن السموات والارض يفتح ~~الرزق على من يشاء ويغلقه عمن يشاء. وقوله { والذين كفروا بآيات الله } ~~يعني كفروا بآياته من مقاليد السموات والارض وغيرها وقوله { أولئك هم ~~الخاسرون } يعني هؤلاء الذين كفروا بأدلة الله وحججه { هم الخاسرون ms3041 } ، ~~لانهم يخسرون الجنة ونعيمها ويحصلون في النار وسعيرها. # وقوله { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } أمر للنبي صلى الله ~~عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار تأمروني أيها الكفار ان اعبد الاصنام من ~~دون الله ايها الجاهلون بالله وبآياته؟! والعامل في قوله { أفغير } على ~~احد وجهين: # احدهما - ان يكون { تأمروني } اعتراضا، فيكون التقدير: أفغير الله اعبد ~~ايها الجاهلون في ما تأمروني. # الثاني - ان لا يكون اعتراضا ويكون تقديره: اتأمروني اعبد غير الله ~~ايها الجاهلون في ما تأمروني فاذا جعلت { تأمروني } اعتراضا، فلا موضع ~~لقوله { أعبد } من الاعراب، لانه على تقدير اعبد ايها الجاهلون، وإذا لم ~~تجعله اعتراضا يكون موضعه نصبا على الحال، وتقديره اتأمروني عابدا غير ~~الله، فمخرجه مخرج الحال ومعناه ان اعبد، كما قال طرفة: # ألا ايهذا الزاجري احضر الوغا # وأن اشهد اللذات هل انت مخلد # أي الزاجر أن احضر، وحذف (أن) ثم جعل الفعل على طريقة الحال. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { ولقد أوحي إليك } يا محمد { وإلى ~~الذين من قبلك } من الأنبياء والرسل { لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين } لثواب الله. وقال قوم: فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولقد أوحي ~~اليك لئن اشركت ليحبط عملك، وإلى الذين من قبلك مثل ذلك. وقال آخرون: هذا ~~مما اجتزىء بأحد الخبرين عن الآخر، كما يقول القائل: لقد قيل لزيد وعمرو ~~ليذهبن، ومعناه لقد قيل لزيد: ليذهبن وعمرو ليذهبن فاستغني بقوله وعمرو ~~عن ان يقال ليذهبن بما صار لزيد. # وليس في ذلك ما يدل على صحة الاحباط على ما يقوله اصحاب الوعيد، لان ~~المعنى في ذلك لئن اشركت بعبادة الله غيره من الاصنام لوقعت عبادتك على ~~وجه لا يستحق عليها الثواب، ولو كانت العبادة خالصة لوجهه لاستحق عليها ~~الثواب، فلذلك وصفها بأنها محبطة، وبين ذلك بقوله { بل الله فاعبد } أي ~~وجه عبادتك اليه تعالى وحده دون الأصنام ودون كل وثن { تكن من الشاكرين } ~~الذين يشكرون الله على نعمه ويخلصون العبادة له. ونصب قوله { بل الله } ~~بفعل فسره قوله { فاعبد ms3042 } وتقديره اعبد الله فاعبد وقال الزجاج: هو نصب ~~بقوله { فاعبد } وتقديره قد بلغت فاعبد الله وقال المبرد: ومعنى { ليحبطن ~~} ليفسدن يقولون: حبط بطنه إذا فسد من داء معروف. ### || [39.67-70] # يقول الله تعالى مخبرا عن حال الكفار أنهم ما عظموه حق عظمته إذ دعوك ~~إلى عبادة غيره. وقال الحسن: معناه إذ عبدوا الأوثان من دونه. والأول ~~أقوى - وهو قول السدي - قال محمد بن كعب القرطي { ما قدروا الله حق قدره ~~} معناه ما علموا كيف حق الله. قال المبرد إشتقاقه من قولك: فلان عظيم ~~القدر يريد بذلك جلالته. والقدر اختصاص الشيء بعظم حجم او صغر أو مساواة. # وقوله { والأرض جميعا قبضته }. قال الفراء: كان بجوز في (قبضته) النصب. ~~وقال الزجاج لا يجوز ان يقال: زيد دارك أي فى دارك على حذف (فى) كقولهم ~~شهر رمضان انسلاخ شعبان أي في انسلاخه. قال المبرد: الناصب ل (جميعا) ~~محذوفة تقديره والأرض إذا كانت جميعا قبضته، وخبر الابتداء (قبضته) كأنه ~~قال: والارض قبضته إذا كانت جميعا. ومثله: هذا بسر الطيب منه تمرا أي ~~إذا كان. ومذهب سيبويه أي ثبتت جميعا في قبضته كقولك هنيئا مريئا أي ~~ثبت ذلك، لانه دعاء في موضع المصدر، كما قلت سقيا ومثل الآية قول ~~الشاعر: # إذا المرؤ اعيته المروءة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد # أي إذا كان كهلا. وقال الزجاج: هو نصب على الحال. والمعنى { والأرض } في ~~حال اجتماعها { قبضته يوم القيامة. والسماوات مطويات بيمينه } على ~~الابتداء والخبر. ومعنى الآية أن الارض باجمعها في مقدوره كما يقبض عليه ~~القابض، فيكون في قبضته وكذلك قوله { والسماوات مطويات بيمينه } معناه أي ~~في مقدوره طيها، وذكرت اليمين مبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك. وقيل ~~اليمين القوة قال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # ثم نزه نفسه تعالى عن أن يكون له شريك في العبادة او معين في خلق شيء من ~~الاشياء. وقال سبحانه وتعالى عما يشركون يعني ما يضيفه اليه الكفار من ~~الأصنام والاوثان. # وقوله { ونفخ في الصور } قال قتادة هو جمع ms3043 صورة، فكأنه ينفخ في صور ~~الخلق وروي في الخبر ان الصور قرن ينفخ فيه الصور. ووجه الحكمة في ذلك ~~انه علامة جعلها الله تعالى ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف. ~~ثم تجديد الخلق، فشبه بما يتعارفونه من بوق الرحيل والنزول، ولا يتصور ~~ذلك للنفس بأحسن من هذه الطريقة. # وقوله { فصعق من في السماوات ومن في الأرض } قيل: معناه يموت من شدة تلك ~~الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السموات والارض، ومنه الصواعق التي ~~تأتي عند شدة الرعد، وصعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة ~~الشديدة. وقوله { إلا من شاء الله } استثنى من جملة الذين يهلكون قوما ~~من الملائكة، لأن الملك الذي ينفخ فيه يبقى بعده، ويجوز أن يبقى غيره من ~~الملائكة. # وقال السدي: المستثنى جبرائيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت - وهو ~~المروي في حديث مرفوع - وقال سعيد بن جبير: هم الشهداء الذين قتلوا في ~~سبيل الله. وقوله { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } فهذه النفخة ~~الثانية للحشر. وقال قتادة: وروي أيضا ان صاحب الصور إسرافيل عليه ~~السلام وقيل: يفني الله تعالى بعد الصعق وموت الخلق الاجسام كلها ثم ~~يعيدها ومعنى فاذاهم قيام ينظرون إخبار عن سرعة إيجادهم، لأنه إذا نفخ ~~النفخة الثانية اعادهم عقيب ذلك فيقومون من قبورهم احياء ينظرون ما يراد ~~ويفعل بهم. # وقوله { وأشرقت الأرض بنور ربها } قيل: معناه أضاءت بعدل ربها والحكم ~~بالحق فيها. وقال الحسن: معناه بعدل ربها { ووضع الكتاب } يعني الكتب ~~التي أعمالهم فيها مكتوبة { وجيء بالنبيين والشهداء } لانهم يؤتى بهم. ~~والشهداء هم الذين يشهدون على الأمم للانبياء بأنهم قد بلغوا، وانهم ~~كذبتهم اممهم، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير { وقضي بينهم بالحق } أي ~~يفصل بينهم بالحق ولا ينقص احد منهم شيئا مما يستحقه من الثواب ولا يفعل ~~به ما لا يستحقه من العقاب، وقوله { ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون } معناه انه يعطي كل نفس عاملة بالطاعات جزاء ما عملته على الكمال ~~دون النقصان ms3044 والله تعالى أعلم من كل احد بما يفعلون من طاعة أو معصية لا ~~يخفى عليه شيء منها. ### || [39.71-75] # قرأ اهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر { فتحت.. وفتحت } بالتخفيف ~~فيهما. الباقون بالتشديد. من خفف قال: لانها تفتح دفعة واحدة، ومن شدد ~~قال: لانها تفتح مرة بعد اخرى. ولقوله # مفتحة لهم الأبواب # لما اخبر الله تعالى عن حال الكافرين والمؤمنين وانه يحشر الخلق في ارض ~~الموقف، وانه يعاقب كل احد على قدر استحقاقه، اخبر - ههنا - عن قسمة ~~احوالهم فقال { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا } فالسوق الحث على السير ~~يقال: ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق وذاك مسوق، ومنه قولهم: الكلام يجري ~~على سياقة واحدة، ومنه السوق لأن المعاملة فيها تساق بالبيع والشراء، ~~ومنه الساق لانه ينساق به البدن، و (الزمر) جمع زمرة وهي الجماعة لها صوت ~~المزمار، ومنه مزامير داود عليه السلام يعني اصوات له كانت مستحسنة، وقال ~~الشاعر: # له زجل كأنه صوت حاد # إذا طلب الوسيقة او زمير # قال ابو عبيدة: معناه جماعات في تفرقة بعضهم في أثر بعض { حتى إذا جاؤها ~~} يعني جاؤا جهنم { فتحت أبوابها } أي ابواب جهنم { وقال لهم خزنتها } ~~الموكلون بها على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم { ألم يأتكم رسل ~~منكم } يعني من امثالكم من البشر { يتلون } أي يقرؤن { عليكم آيات ربكم } ~~أي حجج ربكم، وما يدلكم على معرفته ووجوب عبادته { وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا } أي ويخوفونكم من مشاهدة هذا اليوم وعذابه، فيقول الكفار لهم { بلى ~~} قد جاءتنا رسل ربنا، وخوفونا لانه لا يمكنهم جحد ذلك لحصول معارفهم ~~الضرورية { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ومعناه أنه وجب العقاب ~~على من كفر بالله، لانه تعالى اخبر بذلك وعلم من يكفر ويوافي بكفره، فقطع ~~على عقابه، فلم يكن يقع خلاف ما علمه واخبر به، فصار كوننا في جهنم ~~موافقا لما أخبر به تعالى وعلمه، فيقول لهم عند ذلك الملائكة الموكلون ~~بجهنم { ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها } أي مؤبدين لا آخر لعقابكم ثم ~~قال تعالى { فبئس مثوى } أي ms3045 بئس مقام { المتكبرين } جهنم. ثم اخبر تعالى ~~عن حال أهل الجنة بعد حال اهل جهنم فقال { وسيق الذين اتقوا ربهم } ~~باجتناب معاصيه وفعل طاعاته { إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها } وإنما جاء فى الجنة، وفتحت ابوابها بالواو، وفى النار فتحت ~~بغير واو، لأنه قيل: أبواب النار سبعة، وابواب الجنه ثمانية، ففرق بينهما ~~للايذان بهذا المعنى، قالوا: لان العرب تعد من واحد إلى سبعة وتسميه ~~عشرا ويزيدون واوا تسمى واو العشر، كقوله { التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعرون } ثم قال # والناهون عن المنكر # فاتى بالواو بعد السبعة، وقال # مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وابكارا # فاتى بالواو فى الثامنة. وقيل: ان المعنى واحد، وإنما حذفت تارة وجيء ~~بها اخرى تصرفا في الكلام. # قال الفراء: الواو لا تقحم إلا مع (لما) و (حتى) و (إذا) وانشد. # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى # أرار انتحى وقيل: دخلت الواو لبيان انها كانت مفتحة قبل مجيئهم وإذا كان ~~بغير واو افاد انها فتحت في ذلك الوقت وجواب { حتى إذا } في صفة اهل ~~الجنة محذوف وتقديره حتى إذا جاؤها قالوا المنى او دخلوها او تمت سعادتهم ~~او ما اشبه ذلك وحذف الجواب ابلغ لاحتماله جميع ذلك ومثله قول عبد مناف ~~بن ربيع. # حتى إذا سلكوهم في قتائدة شلا # كما تطرد الجمالة الشردا # وهو آخر القصيدة، فحذف الجواب. وقوله { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~} أي طابت أفعالكم من الطاعات وزكت { فادخلوها } أي الجنة جزاء على ذلك { ~~خالدين } مؤبدين لا غاية له ولا انقطاع، وقيل: معناه طابت أنفسكم بدخول ~~الجنة. # ثم حكى تعالى ما يقول أهل الجنة إذا دخلوها، فانهم يقولون اعترافا بنعم ~~الله عليهم { الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض } يعنون ارض ~~الجنة. وقيل: ورثوها عن أهل النار، وقيل: لما صارت الجنة عاقبة أمرهم كما ~~يصير الميراث، عبر عن ذلك بأنه اورثهم وقوله { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } ~~معناه نتخذ متبوءا أي مأوى حيث نشاء، وأصله الرجوع من قولهم: باء بكذا ms3046 ~~أي رجع به. ثم قال { فنعم أجر العاملين } يعني المقام في الجنة والتنعم ~~فيها. # ثم قال تعالى { وترى الملائكة حافين من حول العرش } أي محدقين به - في ~~قول قتادة والسدي - { يسبحون بحمد ربهم } أي ينزهون الله تعالى عما لا ~~يليق به ويذكرونه بصفاته التي هو عليها. وقيل: تسبيحهم ذلك الوقت على ~~سبيل التنعم والتلذذ ثوابا على أعمالهم لا على وجه التعبد، لأنه ليس ~~هناك دار تكليف. وقيل: الوجه في ذلك تشبيه حال الآخرة بحال الدنيا، فان ~~السلطان الأعظم إذا أراد الجلوس للمظالم والقضاء بين الخلق قعد على سريره ~~واقام حشمه وجنده قدامه وحوله تعظيما لأمره فلذلك عظم الله أمر القضاء ~~في الآخرة بنصب العرش وقيام الملائكة حوله معظمين له تعالى مسبحين وإن لم ~~يكن تعالى على العرش لأن ذلك يستحيل عليه لكونه غير جسم، والجلوس على ~~العرش من صفات الأجسام. # ثم قال تعالى { وقضي بينهم بالحق } أي فصل بين الخلائق بالحق لا ظلم فيه ~~على أحد، وقيل { الحمد لله رب العالمين } اخبار منه تعالى أن جميع ~~المؤمنين يقولون عند ذلك معترفين بأن المستحق للحمد والشكر الذي لا ~~يساويه حمد ولا شكر (الله) الذي خلق العالمين ودبرها. وقيل لأن الله خلق ~~الاشياء الحمد لله الذي خلق السموات والارض، فلما أفنى الخلق ثم بعثهم ~~واستقر اهل الجنة فى الجنة ختم بقوله { الحمد لله رب العالمين }. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-5] # خمس آيات في الكوفى وأربع فى ما عداه عد الكوفيون (حم) آية ولم يعدها ~~الباقون. # قرأ اهل الكوفة إلا حفصا وابن ذكوان { حاميم } بامالة الألف. الباقون ~~بالفتح من غير امالة وهما لغتان فصيحتان. وقال قوم { حم } موضعه نصب، ~~وتقديره اتل { حم } اقرأ { حم } وقال آخرون: موضعه جر بالقسم. ومن جزم ~~قال: لانها حروف التهجي وهي لا يدخلها الاعراب، وقد فتح الميم عيسى ابن ~~عمر، وجعله اسم السورة، فنصبه ولم ينون، لأنه على وزن (هابيل) ويجوز ان ~~يكون فتح لالتقاء الساكنين. والقراء على تسكين الميم وهو الأجود لما ~~بيناه. # وقد بينا اختلاف المفسرين واهل ms3047 العربية فى مبادىء السور بحروف التهجي ~~ومعناها، وأن اقوى ما قيل في ذلك انها اسماء للسور، وذكرناها في الأقوال، ~~فلا نطول باعادته. # وقال قتادة والحسن: (حم) اسم السورة. وقال شريح بن أوفى العبسي: # يذكرني (حم) والرمح شاهر # فهلا تلا (حم) قبل التقدم # وقال الكميت: # وجدنا لكم في آل حم آية # تأولها منا تقي ومعرب # وقوله { تنزيل الكتاب } أي هو تنزيل { من الله } أنزله على نبيه { ~~العزيز } معناه القادر الذي لا يغالب ولا يقهر المنيع بقدرته على غيره ~~ولا يقدر عليه غيره. وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى واصل الصفة المنع ~~من قولهم: عز كذا وكذا أي امتنع، وفلان عزيز أي منيع بسلطانه او عشيرته ~~أو قومه " والعليم " الكثير العلوم والعالم الذي له معلوم. # وقوله { غافر الذنب } جر بأنه صفة بعد صفة، ومعناه من شأنه غفران الذنب ~~في ما مضى وفي ما يستقبل، فلذلك كان من صفة المعرفة { وقابل التوب } قال ~~الفراء: إنما جعلها نعتا للمعرفة وهي نكرة، لأن المعنى ذي الغفران، وذي ~~قبول التوبة كقوله { ذي الطول } وهو معرفة وإن جعلته بدلا كانت النكرة ~~والمعرفة سواء، ومعنى { قابل التوب } إنه يقبل توبة من تاب اليه من ~~المعاصي بأن يثيب عليها ويسقط عقاب معاصي ما تقدمها تفضلا منه، ولذلك كان ~~صفة مدح، ولو كان سقوط العقاب عندها واجبا لما كان فيه مدح و (التوب) ~~يحتمل وجهين: # احدهما - ان يكون جمع توبة كدوم ودومة وعوم وعومة. # والثاني - ان يكون مصدر (تاب يتوب توبا). # وقوله { شديد العقاب } معناه شديد عقابه وذكر ذلك عقيب قوله { غافر ~~الذنب } لانه أراد لئلا يعول المكلف على العفو بل يخاف عقابه أيضا لأنه ~~كما انه يغفر لكونه غافرا فقد يعاقب لكونه شديد العقاب. وفرق بين شدة ~~العقاب وتضاعف الالام بان الخصلة الواحدة من الألم يكون اعظم من خصال ~~كثيرة من ألم آخر كالالم في اجزا كثيرة من قرض برغوث. # وقوله { ذي الطول } قال ابن عباس وقتادة: معناه ذي النعم. # وقال ابن زيد: معناه ذي القدرة. وقال الحسن: ms3048 ذي التفضل على المؤمنين. ~~وقيل (الطول) الانعام الذي تطول مدته على صاحبه كما أن التفضل النفع الذي ~~فيه افضال على صاحبه. ولو وقع النفع على خلاف هذا الوجه لم يكن تفضلا. ~~ويقال: لفلان على فلان طول أي فضل. # وقوله { لا إله إلا هو } نفي منه تعالى أن يكون معبود على الحقيقة يستحق ~~العبادة غيره تعالى. ثم قال { إليه المصير } ومعناه تؤل الأمور إلى حيث ~~لا يملك أحد الامر والنهي والضر والنفع غيره تعالى، وهو يوم القيامة، لأن ~~دار الدنيا قد ملك الله كثيرا من خلقه الأمر والنهي والضر والنفع. ثم ~~قال { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } معناه لا يخاصم في دفع ~~حجج الله وإنكارها وجحدها إلا الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بآياته ~~وأدلته. ثم قال لنبيه { فلا يغررك } يا محمد { تقلبهم في البلاد } أي ~~تصرفهم لقولهم: لفلان مال يتقلب فيه أي يتصرف فيه. والمعنى لا يغررك ~~سلامتهم وإمهالهم، فان عاقبتهم تصير إلي ولا يفوتونني. وفي ذلك غاية ~~التهديد. # ثم بين ذلك بأن قال { كذبت قبلهم } أي قبل هؤلاء الكفار { قوم نوح } بان ~~جحدوا نبوته { والأحزاب من بعدهم } أيضا كذبوا رسلهم { وهمت كل أمة ~~برسولهم } وإنما قال برسولهم لأنه اراد الرجال. وفي قراءة عبد الله { ~~برسولها ليأخدوه } قال قتادة هموا به ليقتلوه { وجادلوا بالباطل } أي ~~وخاصموا في دفع الحق بباطل من القول. وفي ذلك دليل على ان الجدال إذا كان ~~بحق كان جائزا { ليدحضوا به الحق } أي ليبطلوا الحق الذي بينه الله ~~واظهره ويزيلوه، يقال: أدحض الله حجته. وقال تعالى # حجتهم داحضة عند ربهم # أي زائلة. ثم قال { فأخذتهم } أي فأهلكتهم ودمرت عليهم { فكيف كان عقاب ~~} فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك؟! ### || [40.6-10] # قرأ نافع وابن عامر { حقت كلمات } على الجمع. الباقون على التوحيد. من ~~وحد فلأن الكلمة تقع على القليل والكثير مفردة. ومن جمع فلأن ذلك قد يجمع ~~إذا اختلف اجناسها، كما قال # وصدقت بكلمات ربها # يعني شرائعه لأن كتبه قد ذكرت. والمعنى وحقت كلمات ربك، ms3049 كقولهم: الحق ~~لازم. ووجه التشبيه في قوله { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا } أن ~~الكفار يعاقبون فى الآخرة بالنار، كما عوقبوا فى الدنيا بعذاب الاستئصال ~~إلا انهم في الآخرة على ملازمة النار والحصول فيها، وقد حقت الكلمة عليهم ~~في الأمرين جميعا، فحقت الكلمة على هؤلاء كما حقت الكلمة على اولئك، ~~وموضع { أنهم أصحاب النار } يحتمل أن يكون نصبا على تقدير بأنهم أو ~~لأنهم. ويحتمل أن يكون رفعا على البدل من (كلمة). وقال الحسن: حقت كلمة ~~ربك على مشركي العرب كما حقت على من قبلهم. # ثم اخبر تعالى عن حال الملائكة وعظم منزلتهم بخلاف ما عليه الكفار من ~~البشر، فقال { الذين يحملون العرش } عبادة لله تعالى وامتثالا لأمره { ~~ومن حوله } يعني الملائكة الذين حول العرش يطوفون به ويلجئون اليه { ~~يسبحون بحمد ربهم } أي ينزهونه عما لا يليق به ويحمدونه على نعمه { ~~ويؤمنون به } أي ويصدقون به ويعترفون بوحدانيته { ويستغفرون للذين آمنوا ~~} أي يسألون الله المغفرة للذين آمنوا - من البشر - أي صدقوا بوحدانيته ~~واعترفوا بالالهية. ويقولون: ايضا مع ذلك { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~} ونصبهما على التميز ومعناه وسعت رحمتك أي نعمتك ومعلومك كل شيء. فنقل ~~الفعل إلى الموصوف على وجه المبالغة، كما قالوا: طبت به نفسا، وجعل ~~العلم في موضع المعلوم، كما قال # ولا يحيطون بشيء من علمه # أي بشيء من معلومه على التفصيل، وتقديره: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، ~~ويقولون أيضا ربنا { فاغفر للذين تابوا } من معاصيك ورجعوا إلى طاعتك { ~~واتبعوا سبيلك } الذي دعوت خلقك اليه من التوحيد وإخلاص العبادة { وقهم ~~عذاب الجحيم } أمنع منهم عذاب جهنم لا يصل اليهم، وحذف يقولون قبل قوله { ~~ربنا } لأنه مفهوم من الكلام. واستغفارهم للذين تابوا يدل على ان اسقاط ~~العقاب غير واجب لأنه لو كان واجبا لما كان يحتاج إلى مسألتهم بل الله ~~تعالى كان يفعله لا محالة. # ثم حكى تمام ما يدعوا به حملة العرش والملائكة للمؤمنين، فانهم يقولون ~~ايضا { ربنا وأدخلهم } مع قبول توبتك منهم ووقاية النار { جنات عدن ms3050 التي ~~وعدتهم } أي الجنة التي وعدت المؤمنين بها وهي جنة عدن أي إقامة وخلود ~~ودوام { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم } كل ذلك في موضع نصب. ~~ويحتمل أن يكون عطفا على الهاء والميم في { وأدخلهم } وتقديره وادخل من ~~صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم الجنة ايضا. # ويحتمل ان يكون عطفا على الهاء والميم في { وعدتهم } وتقديره أدخلهم ~~جنات عدن التي وعدت المؤمنين ووعدت من صلح من آبائهم { إنك أنت العزيز } ~~في انتقامك من اعدائك { الحكيم } في ما تفعل بهم وبأولئك، وفي جميع ~~أفعالك. وقولهم { وقهم السيئات } معناه وقهم عذاب السيئات ويجوز أن يكون ~~العذاب هو السيئات وسماه سيئات، كما قال # وجزاء سيئة سيئة # للاتساع وقوله { ومن تق السيئات } أي تصرف عنه شر عاقبة سيئاته من صغير ~~اقترفه او كبير تاب منه فتفضلت عليه { يومئذ } يعني يوم القيامة { فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم } أي صرف العذاب عنهم هو الفلاح العظيم، ~~والفوز الظاهر. # ثم اخبر تعالى { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ~~إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: مقتوا ~~أنفسهم حين عاينوا العقاب، فقيل لهم: مقت الله إياكم اكبر من ذلك. وقال ~~الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله اكبر من ~~مقتكم انفسكم. وقال البلخي: لما تركوا الايمان وصاروا إلى الكفر فقد ~~مقتوا انفسهم أعظم المقت، كما يقول احدنا لصاحبه: إذا كنت لا تبالي بنفسك ~~فلما أبالي بك؟! وليس يريد انه لا يبالي بنفسه لكنه يفعل فعل من هو كذلك. ~~وقال قوم: لمقت الله اكبر من مقت بعضكم لبعض. والمقت اشد العداوة والبغض ~~ثم بين أن مقت الله إياهم حين دعاهم إلى الأيمان على لسان رسله فكفروا به ~~وبرسلهم فمقتهم الله عند ذلك، وتقدير { ينادون لمقت الله } ينادون إن مقت ~~الله إياكم، ونابت اللام مناب (إن) كما تقولون ناديت إن زيدا لقائم ~~وناديت لزيد قائم. وقال البصريون هذه لام الابتداء، كما يقول القائل: ~~لزيد أفضل من عمرو أي يقال لهم ms3051 والنداء قول. ### || [40.11-17] # سبع آيات عند الكل إلا ان الشامي قد خالفهم في التفصيل، وهي عندهم سبع ~~عدوا { يوم التلاق } ولم يعده الشامي، وعد الشامي { يومهم بارزون } ولم ~~يعده الباقون. # حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم انهم يقولون بعد حصولهم فى ~~النار والعذاب يا { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال السدي ~~الاماتة الأولى فى الدنيا والثانية فى البرزخ إذا أحيي للمسألة قبل البعث ~~يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي والبلخي. وقال قتادة: الاماتة الأولى ~~حال كونهم نطفا فاحياهم الله، ثم يميتهم، ثم يحيهم يوم القيامة. وفي ~~الناس من استدل بهذه الآية على صحة الرجعة، بأن قال: الاماتة الأولى في ~~دار الدنيا والاحياء الأول حين إحيائهم للرجعة، والاماتة الثانية بعدها. ~~والاحياء الثاني يوم القيامة، فكأنهم اعتمدوا قول السدي، ان حال كونهم ~~نطفا لا يقال له إماتة، لان هذا القول يفيد اماتة عن حياة والاحياء يفيد ~~عن إماتة منافية للحياة وإن سموا في حال كونهم نطفا مواتا. وهذا ليس ~~بقوي لأنه لو سلم ذلك لكان لا بد من أربع احياآت وثلاث إماتات أول إحياء ~~حين أحياهم بعد كونهم نطفا، لان ذلك يسمى احياء بلا شك. ثم اماتة بعد ~~ذلك في حال الدنيا. ثم أحياء في القبر ثم إماتة بعده ثم إحياء في الرجعة ~~ثم إماتة بعدها. ثم إحياء يوم القيامة لكن يمكن أن يقال: إن إخبار الله ~~عن الاحياء مرتين والاماتة مرتين لا يمنع من احياء آخر وإماتة أخرى، وليس ~~في الآية انه احياهم مرتين وأماتهم مرتين بلا زيادة، فالآية محتملة لما ~~قالوه ومحتملة لما قاله السدي، وليس للقطع على احدهما سبيل. قال ابن عباس ~~وعبد الله والضحاك: هو كقوله # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون # وقوله { فاعترفنا بذنوبنا } إخبار منه تعالى أن الكفار يعترفون بذنوبهم ~~التي اقترفوها في الدنيا لا يمكنهم جحدها، وإنما تمنوا الخروج مما هم فيه ~~من العذاب، فقالوا { فهل إلى خروج من سبيل } والمعنى فهل إلى خروج لنا من ~~سبيل ms3052 فنسلكه في طاعتك وإتباع مرضاتك. ولو علم الله تعالى انهم يفلحون ~~لردهم إلى حال التكليف، لأنه لا يمنع احسانا بفعل ما ليس باحسان. ولا ~~يؤتى احد من عقابه إلا من قبل نفسه، وكذلك قال في موضع آخر # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # تنبيها أنهم لو صدقوا في ذلك لأجابهم إلى ما تمنوه، وإنما يقولون هذا ~~القول على سبيل التمني بكل ما يجدون اليه سبيلا في التلطف للخروج عن تلك ~~الحال، وإنه لا يمكن احدا أن يتجلد على عذاب الله، كما يمكن ان يتجلد ~~على عذاب الدنيا. # ووجه إتصال قوله { فاعترفنا بذنوبنا } بما قبله هو الاقرار بالذنب بعد ~~الاقرار بصفة الرب، كأنه قيل: فاعترفنا بانك ربنا الذي أمتنا وأحييتنا ~~وطال امهالك لنا فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج لنا من سبيل فنسلكه في ~~طاعتك وإتباع مرضاتك. وفي الكلام حذف وتقديره: فاجيبوا ليس من سبيل لكم ~~إلى الخروج { ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم } أي إذا دعي الله وحده ~~دون آلهتكم جحدتم ذلك { وإن يشرك به تؤمنوا } أي إن يشرك به معبودا آخر ~~من الاصنام والأوثان تصدقوا. ثم قال { فالحكم لله } في ذلك والفاصل بين ~~الحق والباطل { العلي الكبير } فالعلي القادر على كل شيء يجب ان يكون ~~قادرا عليه، ويصح ذلك منه وصفة القادرين تتفاضل، فالعلي القادر الذي ليس ~~فوقه من هو أقدر منه ولا من هو مساو له فى مقدوره، وجاز وصفه تعالى ~~بالعلي، لان الصفة بذلك قد تقلب من علو المكان الى علو الشأن يقال: ~~استعلى عليه بالقوة، واستعلى عليه بالحجة وليس كذلك الرفعة فلذلك لا يسمى ~~بأنه رفيع، والكبير العظيم فى صفاته التي لا يشاركه فيها غيره. وقال ~~الجبائي: معناه السيد الجليل. ثم قال تعالى { هو الذي يريكم آياته } يعني ~~حججه ودلائله { وينزل من السماء رزقا } من الغيث والمطر الذي ينبت ما هو ~~رزق الخلق { وما يتذكر إلا من ينيب } أي ليس يتفكر فى حقيقة ذلك إلا من ~~يرجع اليه. وقال السدي: معناه إلا من يقبل ms3053 إلى طاعة الله. # ثم امر الله تعالى المكلفين، فقال { فادعوا الله مخلصين له الدين } أي ~~وجهوا عبادتكم اليه تعالى وحده { ولو كره } ذلك { الكافرون } فلا تبالوا ~~بهم. ثم رجع إلى وصف نفسه فقال { رفيع الدرجات } وقيل معناه رفيع طبقات ~~الثواب التي يعطيها الانبياء والمؤمنين في الجنة (ورفيع) نكرة أجراها على ~~الأستئناف أو على تفسير المسألة الأولى، وتقديره، وهو رفيع { ذو العرش } ~~بانه مالكه وخالقه ومعناه عظيم الثواب لهم والمجازاة على طاعتهم { يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده } قيل: الروح القرآن وكل كتاب أنزله ~~الله على نبي من انبيائه وقيل: معنى الروح - ها هنا - الوحي، لأنه يحيا ~~به القلب بالخروج من الجهالة إلى المعرفة ومنه قوله # وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا # ذكره قتادة والضحاك وابن زيد. وقيل: الروح - ها هنا - النبوة، وتقديره ~~لينذر من يلقي عليه الروح يوم التلاق: من يختاره لنبوته ويصطفيه لرسالته. ~~وقوله { لينذر يوم التلاق } أي ليخوف يوم يلتقي فيه اهل السماء واهل ~~الأرض - فى قول قتادة والسدي وابن زيد - وقيل يوم يلقى فيه المرؤ عمله، ~~وهو يوم القيامة حذر منه، وقيل يوم يلتقي فيه الأولون والآخرون. والضمير ~~في قوله { لينذر } كناية عن النبي صلى الله عليه وآله. ويحتمل ان يكون ~~فيه ضمير الله، والأول أجود، لانه قد قرىء بالتاء، وهو حسن. # ومن أثبت الياء فلأنها الأصل، ومن حذف اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. # وقوله { يوم هم بارزون } أي يظهرون من قبورهم ويهرعون إلى ارض المحشر ~~وهو يوم التلاق ويوم الجمع ويوم الحشر. ونصب (يوم) على الظرف. وقوله { لا ~~يخفى على الله منهم شيء } إنما خصهم بأنه لا يخفى عليه منهم شيء وإن كان ~~لا يخفى عليه لا منهم ولا (من) غيرهم شيء لاحد أمرين: # احدهما - أن تكون (من) لتبيين الصفة لا للتخصيص والتبعيض. # والآخر - ان يكون بمعنى يجازيهم من لا يخفى عليه شيء منهم، فذكر ~~بالتخصيص لتخصيص الجزاء بمن يستحقه دون ما لا يستحقه ولا يصح له من ~~المعلوم. وقيل: لا يخفى على الله ms3054 منهم شيء فلذلك صح أنه انذرهم جميعا. # وقوله { لمن الملك اليوم } قيل في معناه قولان: # احدهما - انه تعالى يقرر عباده، فيقول لمن الملك؟ فيقر المؤمنون ~~والكافرون بأنه لله الواحد القهار. # والثاني - انه القائل لذلك وهو المجيب لنفسه، ويكون فى الاخبار بذلك ~~مصلحة للعباد في دار التكليف. والأول أقوى لأنه عقيب قوله { يوم هم ~~بارزون } وإنما قال { لمن الملك اليوم } مع أنه يملك الانبياء والمؤمنين ~~في الآخرة الملك العظيم لاحد وجهين: # احدهما - لانه على تخصيص يوم القيامة قبل تمليك اهل الجنة ما يملكهم. # والثاني - لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله تعالى، لانه يملك جميع ~~الأمور من غير تمليك مملك، فهو أحق باطلاق الصفة. وقوله { اليوم تجزى كل ~~نفس ما كسبت لا ظلم اليوم } اخبار منه تعالى أن يوم القيامة تجزى كل نفس ~~على قدر عملها لا يؤاخذ أحد بجرم غيره، لا يظلم ذلك اليوم أحد ولا يبخس ~~حقه { إن الله سريع الحساب } لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره، فحساب ~~جميعهم على حد واحد. ### || [40.18-20] # ثلاث آيات في الكوفي وأربع في ما سواه عدوا { كاظمين } رأس آية ولم يعده ~~الكوفيون. # قرأ نافع وهشام عن ابن عامر { والذين تدعون } بالتاء. الباقون بالياء. ~~من قرأ بالتاء فعلى الخطاب، وتقديره: قل لهم يا محمد. ومن قرأ بالياء جعل ~~الاخبار عن الغائب. # امر الله تعالى نبيه محمدا أن يخوف المكلفين عقاب يوم الآزفة، ويخبرهم ~~بما فيه من الثواب والعقاب. والازقة الدانية من قولهم: ازف الامر إذا ~~دنا. وازف الوقت اذا دنا يأزف أزفا، ومنه # أزفت الآزفة # أي دنت القيامة. والمعنى دنوا للمجازاة، وهو يوم القيامة. # وقوله { إذ القلوب لدى الحناجر } أي في الوقت الذي تنتزع فيه القلوب من ~~أمكنتها، وهي الصدور، فكظمت به الحناجر، فلم تستطيع ان تلفظها ولم تعد ~~إلى أماكنها وقيل: الكاظم الساكت على امتلائه غيظا او غما. ونصب ~~(كاظمين) على الحال - في قول الزجاج - وتقديره قلوب الظالمين لدى الحناجر ~~{ كاظمين } أي في حال كظمهم، والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم. وقيل: انما ms3055 ~~خصت الحناجر بذلك لان الفزع ينتفخ منه سحره أي رئته فيرتفع القلب من ~~مكانه لشدة انتفاخه حتى يبلغ الحنجرة. والكاظم للشيء الممسك على ما فيه، ~~ومنه قوله # والكاظمين الغيظ # ومنه قولهم: كظم قربته اذا شد رأسها، لأن ذلك الشد يمسكها على ما فيها، ~~فهؤلاء قد اطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم لشدة الخوف. # وقوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } نفي من الله أن يكون ~~للظالمين شفيع يطاع، ويحتمل ان يكون المراد بالظالمين الكفار، فهؤلاء لا ~~يلحقهم شفاعة شافع اصلا، وان حملنا على عموم كل ظالم من كافر وغيره جاز ~~أن يكون انما اراد نفي شفيع يطاع، وليس في ذلك نفي شفيع يجاب، ويكون ~~المعنى ان الذين يشفعون يوم القيامة من الأنبياء والملائكة والمؤمنين ~~إنما يشفعون على وجه المسألة اليه والاستكانة اليه لا أنه يجب على الله ~~ان يطيعهم فيه. وقد يطاع الشافع بأن يكون الشافع فوق المشفوع اليه. ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وآله لبريرة # " انما أنا شافع " # لكونه فوقها فى الرتبة ولم يمنع من إطلاق اسم الشفاعة على سؤاله، وليس ~~لأحد أن يقول الكلام تام عند قوله { ولا شفيع } ويكون قوله { يطاع } ~~ابتداء بكلام آخر لان هذا خلاف لجميع القراء لانهم لا يختلفون ان الوقف ~~عند قوله { يطاع } وهو رأس آية وهو يسقط السؤال وأيضا فلو وقفت عند قوله ~~{ ولا شفيع } لما كان لقوله { يطاع } تعلق به ولا معنى، لأن الفعل لا يلي ~~فعلا، فان قدر يطاع الذي يعلم كان ذلك شرطا ليس هو فى الظاهر، فحمل ~~الآية على ما لا يحتاج إلى زيادة أولى. # وقوله تعالى { يعلم خائنة الأعين } أي يعلم ما تختان به الأعين من النظر ~~إلى غير ما يجوز النظر اليه على وجه السرقة { وما تخفي الصدور } أي تضمره ~~لا يخفى عليه شيء من جميعه. وقيل: النظرة الأولى مباحة والثانية محرمة. ~~فقوله { خائنة الأعين } في النظرة الثانية { وما تخفي الصدور } في النظرة ~~الأولى فان كانت الأولى تعمدا كان فيها الأثم ايضا، وإن لم ms3056 تكن تعمدا، ~~فهى مغفورة ثم قال { والله يقضي بالحق } أي يفصل بين الخلائق بمر الحق ~~فيوصل كل واحد إلى حقه { والذين يدعون من دونه } من الأصنام لا يقضون ~~بشيء من الحق. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء فعلى ~~الخطاب للكفار. # ثم اخبر تعالى { إن الله هو السميع } أي من يجب ان يسمع المسموعات اذا ~~وجدت المسموعات { البصير } أي يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت المبصرات، ~~وحقيقتهما يرجع إلى كونه حيا لا آفة به. وقال قوم: معناه العالم ~~بالمسموعات العالم بالمبصرات. ### || [40.21-25] # قرأ ابن عباس { أشد منكم } بالكاف. الباقون بالهاء. قال ابو علي: من قرأ ~~بالهاء فلأن ما قبله { أولم يسيروا } على ان لفظه لفظ الغيبة، فحمله على ~~ذلك فقرأ { أشد منهم } ومن قرأ بالكاف انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله ~~{ إياك نعبد } بعد قوله { الحمد لله } وحسن - هنا - لأنه خطاب لاهل مكة. # يقول الله تعالى منبها لهؤلاء الكفار على النظر فى ما نزل بالماضين ~~جزاء على كفرهم فيتعظوا بذلك وينتهوا عن مثل حالهم، فقال { أولم يسيروا ~~في الأرض } والسير والمسير واحد، وهو الجواز في المواضع، يقال: سار يسير ~~سيرا وسايره مسايرة وسيرة تسييرا، ومنه قوله # السيارة # والثياب المسيرة: التى فيها خطوط # وقوله { فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } أي يتكفروا فى ~~عواقب الكفار من قوم عاد وقوم لوط، فيرون بلادهم هالكه وآثارهم دارسة ~~ومنازلهم خالية بما حل بهم من عذاب الله ونكاله جزاء على جحودهم نعم الله ~~واتخاذهم معه إلها غيره، وكان الأمم الماضية أشد قوة من هؤلاء. والقوة ~~هي القدرة، ومنه قوله # القوي العزيز # وقد يعبر بالقوة عن الصلابة، فيقال: خشبة قويه وحبل قوي أي صلب، وأصله ~~من قوى الحبل، وهو شدة الفتل ثم نقل إلى معنى القدرة، كما نقل (كبر) عن ~~كبر الجثة إلى كبر الشأن، والأثر حدث يظهر به أمر، ومنه الآثار التي هي ~~الاحاديث عمن تقدم بما تقدم بها من احوالهم وطرائقهم فى أمر الدنيا ~~والدين. وقوله { فأخذهم الله بذنوبهم } ومعناه ms3057 فأهلكهم الله جزاء على ~~معاصيهم { وما كان لهم من الله من واق } في دفع العذاب عنهم ومنعهم من ~~نزوله بهم - وهو قول قتادة -. # ثم بين تعالى انه إنما فعل بهم ذلك لأنهم { جاءتهم رسلهم بالبينات } ~~يعني بالمعجزات الظاهرات والدلالات الواضحات فكذبوهم وجحدوا رسالتهم ~~فاستحقوا العذاب { فأخذهم الله بذنوبهم } أي اهلكهم الله جزاء على ~~معاصيهم { إنه قوي شديد العقاب } أي قادر شديد عقابه. # ثم ذكر قصة موسى عليه السلام فقال { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا } أي ~~بعثناه بحججنا وادلتنا { وسلطان مبين } أي حجة ظاهرة نحو قلب العصى حية ~~وفلق البحر وغير ذلك { إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب } يعني ~~موسى. ثم قال تعالى { فلما جاءهم } يعني موسى عليه السلام { بالحق من ~~عندنا قالوا } يعني فرعون وهامان وقارون { اقتلوا أبناء الذين آمنوا } ~~بموسى ومن معه { واستحيوا نساءهم } أي استبقوهم، قال قتادة: كان هذا ~~الامر بقتل الابناء والاستحياء للنساء امرا من فرعون بعد الامر الاول. ~~وقيل استحياء نسائهم للمهنة. وقيل: معناه استحيوا نساءهم وقتلوا الابناء ~~ليصدوهم بذلك عن اتباعه ويقطعوا عنه من يعلونه، وإنما ذكر قصة موسى ليصبر ~~محمد صلى الله عليه وآله على قومه كما صبر موسى قبله. # ثم اخبر تعالى ان ما فعله من قتل الرجال واستحياء النساء لم ينفعه وان ~~كيده، وكيد الكافرين لا يكون الا في ضلال عن الحق واسم (كان) الاولى قوله ~~{ عاقبة } وخبرها (كيف) وانما قدم لان الاستفهام له صدر الكلام، واسم ~~(كان) الثانية الضمير الذي دل عليه الواو، وخبره (من قبلهم)، واسم (كان) ~~الثالثة الضمير، و (هم) فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين " وأشد " ~~خبر (كان) الثالثة. فان قيل: الفصل لا يكون الا بين معرفتين (وأشد) نكرة ~~كيف صار (هم) فصلا؟ قيل: ان (افعل) الذى معه (من) بمنزلة المضاف إلى ~~المعرفة. قال الله تعالى { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو ~~خيرا } كان خيرا خير في الاصل فحذفت الهمزة تخفيفا. ### || [40.26-30] # قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب " او ان " بالف قبل الواو. الباقون " ~~وأن " بغير ms3058 الف. وقرأ نافع ويعقوب وابو جعفر وابو عمرو وحفص عن عاصم " ~~يظهر " بضم الياء " الفساد " نصبا. الباقون " يظهر " بفتح الياء " ~~الفساد " رفعا. من نصب (الفساد) أشركه مع التبديل، وتقديره إني أخاف ان ~~يبدل دينكم واخاف ان يظهر الفساد، ومن رفع لم يشركه، وقال تقديره إني ~~اخاف ان يبدل دينكم، فاذا بدل ظهر في الأرض الفساد. وكلتا القراءتين حسنة ~~فأما (او) فقد تستعمل بمعنى الواو، كما قلناه فى # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # أي ويزيدون أو بل يزيدون. ولا تكون الواو بمعنى (او) في قول أبي عبيدة. ~~وقال ابن خالويه إذا كانت (او) اباحة كانت الواو بمعناها، لأن قولك: جالس ~~الحسن او ابن سيرين بمنزلة الاباحة، وكذلك قوله # ولا تطع منهم آثما أو كفورا # لان معناه ولا كفورا. وقال ابو علي: من قرأ (وأن) فالمعنى إني أخاف هذا ~~الضرب منه كما تقول كل خبزا او تمرا أي هذا الضرب. ومن قرأ (وأن) ~~المعنى إني اخاف هذين الأمرين وعلى الاول يجوز ان يكون الأمران يخافا، ~~ويجوز أن يكون احدهما، وعلى الثاني هما معا يخافان، ومن ضم الياء في ~~قوله " ويظهر " فلأنه اشبه بما قبله، لان قبله يبدل فأسند الفعل إلى موسى ~~وهم كانوا في ذكره، ومن فتح الياء اراد انه إذا بدل الدين ظهر الفساد ~~بالتبديل او اراد يظهر الفساد بمكانه. وقال قوم: اراد ب (او) الشك لان ~~فرعون قال إني أخاف ان يبدل موسى عليكم دينكم، فان لم يفعله فيوقع الفساد ~~بينكم، ولم يكن قاطعا على احدهما به. وروي رواية شاذة عن أبي عمرو: انه ~~قرأ " وقال رجل " باسكان الجيم. الباقون بضمها وذلك لغة قال الشاعر: # رجلان من ضبة اخبرانا # إنا راينا رجلا عريانا # اراد رجلين فأسكن وهو مثل قولهم: كرم فلان بمعنى كرم. # حكى الله تعالى عن فرعون انه قال لقومه { ذروني } ومعناه أتركوني اقتل ~~موسى، وذلك يدل على ان فى خاصة فرعون كان قوم يمنعونه من قتل موسى، ومن ~~معه ويخوفونه ان يدعو ربه فيهلك، فلذلك قال ذروني ms3059 اقتله وليدع ربه، كما ~~تقولون. وقال قوم: ذلك حين قالوا له هو ساحر فان قتلته قويت الشبهة ~~بمكانه بل # أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين # { وليدع ربه } في دفع القتل عنه، فانه لا يخشى من دعائه شيء، وهذا عنف ~~من فرعون وتمرد وجرأة على الله وإيهام لقومه بأن ما يدعو به موسى لا ~~حقيقة له. # ثم قال فرعون { إني أخاف أن يبدل } يعني موسى { دينكم } وهو ما تعتقدونه ~~من إلهيتي { أو أن يظهر في الأرض الفساد } بأن يتبعه قوم نحتاج ان نقاتله ~~فيخرب في ما بين ذلك البلاد، ويظهر الفساد. # وقال قتادة: الفساد عند فرعون ان يعمل بطاعة الله. فمن قرأ " او ان " ~~فانه جعل المخوف احد الامرين وإن جعل (او) بمعنى الواو جعل الأمرين ~~مخوفين معا، ومن قرأ بالواو جعل المخوف الأمرين معا: تبديل الدين وظهور ~~الفساد. والتبديل رفع الشيء إلى غيره في ما يقع موقعه إلا انه بالعرف لا ~~يستعمل إلا في رفع الجيد بالردي، والفساد انتقاض الأمر بما ينافي العقل ~~او الشرع او الطبع، ونقيضه الصلاح. والاظهار جعل الشيء بحيث يقع عليه ~~الادراك. # ثم حكى تعالى ما قال موسى عند ذلك فانه قال { إني عذت بربي وربكم من كل ~~متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } والعياذ هو الاعتصام بالشيء من عارض الشر، ~~عذت بالله من شر الشيطان واعتصمت منه بمعنى واحد. ومن أظهر ولم يدغم. ~~قال: لان مخرج الذال غير مخرج التاء. ومن ادغم فلقرب مخرجهما، والمعنى ~~اني اعتصمت بربي وربكم الذي خلقني وخلقكم من كل متكبر على الله متجبر عن ~~الانقياد له لا يصدق بالثواب والعقاب فلا يخاف. # وقوله { وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله وقد جاءكم بالبينات } يعني الحجج الواضحة { من ربكم } قال السدي ~~كان القائل ابن عم فرعون، فعلى هذا يكون قوله # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # مخصصا، وقال غيره كان المؤمن إسرائيليا يكتم إيمانه عن آل فرعون، فعلى ~~هذا يكون الوقف عند قوله { وقال رجل مؤمن ms3060 } ويكون قوله { من آل فرعون } ~~متعلقا بقوله { يكتم } أي يكتم إيمانه من آل فرعون. والأول اظهر في ~~اقوال المفسرين. وقال الحسن: كان المؤمن قبطيا. وقوله { وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه } معناه إن المؤمن قال لفرعون إن يك موسى كاذبا في ما يدعوكم ~~اليه فوبال ذلك عليه وان يك صادقا في ما يدعيه يصيبكم بعض الذي يعدكم، ~~قيل: انه كان يتوعدهم بأمور مختلفة، قال ذلك مظاهرة في الحجاج والمعنى ~~انه يلقي بعضه. والمراد يصيبكم بعضه في الدنيا. وقيل: هو من لطيف الكلام، ~~كما قال الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # ثم قال { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } أي لا يحكم بهداية من كان ~~مسرفا على نفسه ومتجاوز الحد في معصية الله كذابا على الله. ويحتمل ان ~~يكون المراد ان الله لا يهدي الى طريق الثواب والجنة من هو مسرف كذاب ~~ويجوز ان يكون ذلك حكاية عما قال المؤمن من آل فرعون. ويجوز ان يكون ذلك ~~ابتداء خبر من الله تعالى بذلك، ثم قال يعني مؤمن آل فرعون { ياقوم لكم ~~الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } أي لكم ~~الملك والسلطان على اهل الارض وذلك لا يمنع من بأس الله { قال فرعون ما ~~أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } في ما ادعوكم من الهيتي ~~وتكذيب موسى. # ثم حكى ما قال المؤمن فقال { وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم } ~~عذابا { مثل } عذاب { يوم الأحزاب } قال قوم: القائل لذلك موسى نفسه، ~~لان مؤمن آل فرعون كان يكتم ايمانه، وهذا ضعيف لأن قوله هذا كقوله { ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } وكما اظهر هذا جاز ان يظهر ذلك. ### || [40.31-35] # قرأ ابو عمرو، والأخفش والداجوني عن هشام وقتيبة { على كل قلب متكبر } ~~منون. الباقون على الاضافة. من نون جعله نعتا للقلب، لان القلب اذا تكبر ~~تكبر صاحبه، كما قال # فظلت أعناقهم لها خاضعين # لان الاعناق إذا خضعت خضع ms3061 اربابها، وتكبر القلب قسوته وإذا قسا القلب ~~كان معه ترك الطاعة. ومن اضاف قال: لان في قراءة ابن مسعود على { قلب كل ~~متكبر جبار } قال الفراء: وسمعت احدهم يقول: ان فلانا مرجل شعره يوم كل ~~جمعة يقوم. والجبار: هو الذى يقتل على الغضب، ويقال: اجبره فهو جبار مثل ~~ادرك فهو دراك. قال الفراء: ولا ثالث لهما، قال ابن خلويه: وجدت لهما ~~ثالثا اسأر فهو سئار. # لما حكى الله تعالى عن مؤمن آل فرعون انه حذر قومه بالعذاب مثل عذاب يوم ~~الاحزاب، فسر ذلك فقال { مثل دأب قوم نوح } يعني كعادته مع قوم نوح. ~~والدأب العادة يقال: دأب يدأب دأبا فهو دائب في عمله إذا استمر فيه. ~~والعادة تكرر الشيء مرة بعد مرة. وانما فعل بهم ذلك حين كفروا به، ~~فأغرقهم الله وكقوم هود وهم عاد. وكقوم صالح: وهم ثمود والذين من بعدهم ~~من الأنبياء واممهم الذين كذبوهم، فأهلكهم الله بأن استأصلهم جزاء على ~~كفرهم. # ثم اخبر انه تعالى لا يريد ظلما للعباد، ولا يؤثره لهم. وذلك دال على ~~فساد قول المجبرة الذين يقولون إن كل ظلم فى العالم بارادة الله. # ثم حكى ايضا ما قال لهم المؤمن المقدم ذكره، فانه قال { ياقوم إني أخاف ~~عليكم } عقاب { يوم التناد } وقيل: هو اليوم الذي ينادي بعض الظالمين ~~بعضا بالويل والثبور، لما يرى من سوء عقاب الكفر والمعصية. وقيل: انه ~~اليوم الذي ينادي أصحاب الجنة اصحاب النار # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # وينادي اصحاب النار اصحاب الجنة # أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله # فى قول الحسن وقتادة وابن زيد، وقيل: { يوم التناد } هو اليوم الذي يدعى ~~فيه # كل أناس بإمامهم # ومن أثبت الياء في (التنادي) فلأنها الأصل، ومن حذفها فلاجتزائه بالكسرة ~~الدالة عليها، ولأنها آخر الآية، فهي فصل شبهت بالقوافي. وقرىء { يوم ~~التناد } بالتشديد من قولهم ند البعير إذا هرب روي ذلك عن ابن عباس -. # وقوله { يوم تولون مدبرين } قال الحسن وقتادة: ms3062 معناه منصرفين إلى النار ~~وقال مجاهد: مارين غير معوجين ولا معجزين. وقيل: يولون مدبرين والمقامع ~~تردهم إلى ما يكرهونه من العقاب. # وقوله { ما لكم من الله من عاصم } أي مانع من عذاب ينزل بكم، واصله ~~المنع، وشبه بذلك من فعل به ذلك اللطف الذي يمتنع عنده، يقال عصمه فهو ~~عاصم وذاك معصوم إذا فعل به ذلك اللطف. # ومنه قوله # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # أي لا مانع. ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } أي من يحكم الله ~~بضلاله فليس له من يحكم بهدايته على الحقيقة. ويحتمل ان يكون المراد ومن ~~يضله الله عن طريق الجنة فما له من يهديه اليها. # ثم قال تعالى حاكيا ما قال لهم موسى فانه قال لهم: { ولقد جاءكم يوسف ~~من قبل } قيل: هو يوسف ابن يعقوب كان قبل موسى جاءهم { بالبينات } يعني ~~الحجج الواضحات { فما زلتم في شك } من موته حتى إذا هلك ومات { قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا } آخر. ثم قال { كذلك يضل الله } أي مثل ما حكم ~~الله بضلال أولئك يحكم بضلال { كل مسرف } على نفسه بارتكاب معاصيه { ~~مرتاب } أي شاك في أدلة الله، ثم بينهم فقال { الذين يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان أتاهم } أي يسعون بغير سلطان أي بغير حجة آتاهم الله، ~~وموضع الذين نصب لانه بدل من (من) ويجوز ان يكون رفعا بتقدير (هم) ثم ~~قال { كبر مقتا } أي كبر ذلك الجدال منهم مقتا { عند الله } أي عداوة ~~من الله. ونصبه على التمييز { وعند الذين آمنوا } بالله مثل ذلك. ثم قال ~~{ كذلك } أي مثل ما طبع على قلوب اولئك بان ختم عليها علامة لكفرهم يفعل ~~مثله { ويطبع على كل قلب متكبر جبار } من نون (قلب) جعل (متكبر جبار) من ~~صفة القلب ومن اضافه جعل (القلب) للمتكبر الجبار. قال ابو علي: من اضاف ~~لا يخلو ان يترك الكلام على ظاهره او يقدر فيه حذفا، فان تركه على ظاهره ~~كان تقديره: يطبع الله ms3063 على كل قلب متكبر أي على جملة القلب من المتكبر، ~~وليس ذلك المراد وإنما المراد يطبع على قلب كل متكبر، والمعنى انه يطبع ~~على القلوب إذا كانت قلبا قلبا من كل متكبر بمعنى انه يختم عليها. ### || [40.36-40] # قرأ حفص وعاصم { فأطلع } نصبا على جواب (لعلي) الباقون رفعا عطفا على ~~قوله تعالى { لعلي أبلغ الأسباب... فأطلع } وقيل: إن هامان اول من طبخ ~~الآجر لبناء الصرح، وقرأ اهل الكوفة { وصد } بضم الصاد على ما لم يسم ~~فاعله. الباقون بفتحها، فمن ضم اراد صده الشيطان عن سبيل الحق وطابق قوله ~~تعالى { زين لفرعون سوء عمله } ومن فتح الصاد اراد انه صد غيره عن سبيل ~~الحق. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابو بكر عن عاصم { يدخلون } بالضم كقوله ~~{ يرزقون }. الباقون بفتح الياء، لأنهم إذا ادخلوا، فقد دخلوا. # حكى الله تعالى ان فرعون قال لهامان { ياهامان } وقيل: إنه كان وزيره { ~~ابن لي صرحا } أي بناء ظاهرا عاليا لا يخفى على الناظر وان بعد، وهو ~~من التصريح بالأمر وهو اظهاره بأتم الاظهار { لعلي أبلغ الأسباب } ثم فسر ~~تلك الاسباب فقال { أسباب السماوات } وقال ابن عامر اراد به منزل السماء. ~~وقال قتادة: معناه ابواب طرق السموات. وقال السدي طرق السموات. وقيل: هي ~~الأمور التي يستمسك بها. فهي أسباب لكونها على ما هي به ولا تضطرب ولا ~~تسقط إلى الارض بثقلها، ولا تزول إلى خلاف جهتها، وقوله { فأطلع إلى إله ~~موسى } معناه فأشرف عليه لا راه. وقيل: إن فرعون كان مشبها فطلب رؤية ~~الاله في السماء كما ترى الاشخاص إذا أشرف عليها. وقيل: يجوز ان يكون ~~اراد، فاطلع إلى بعض الآيات التي يدعيها موسى الدالة على إله موسى، لانه ~~كان يعلم أن الصرح لا يبلغ السماء، فكيف يرى من الصرح ما هو في السماء، ~~ولو كان فيها على قول المجسمة، ويجوز ان يكون قال ذاك تمويها لما علم من ~~جهل قومه. # وقوله { وإني لأظنه كاذبا } حكاية ما قال فرعون وإنه يظن أن ما يقوله ~~موسى أن له إله ms3064 خلق السماء والارض كاذب في قوله. وقال الحسن: إنما قال ~~فرعون هذا على التمويه وتعمد الكذب، وهو يعلم ان له إلها. وقوله { وكذلك ~~زين لفرعون سوء عمله } أي مثل ما زين لهؤلاء الكفار أعمالهم كذلك زين ~~لفرعون سوء عمله، وقال المزين له سوء عمله جهله بالله تعالى والشيطان ~~الذي اغواه ودعاه اليه لأن الجهل بالقبح في العمل يدعو إلى انه حسن ~~وصواب، فلما جهل فرعون ان له إلها يجب عليه عبادته وتوهم كذب ما دعاه ~~اليه نبيه موسى، سولت له نفسه ذلك من أمره. وقد بين الله تعالى ذلك في ~~موضع آخر فقال # زين لهم الشيطان أعمالهم # وقوله { وصد عن السبيل } من ضم اراد انه صده غيره. ومن فتح اراد انه صد ~~نفسه وغيره. ثم قال تعالى { وما كيد فرعون إلا في تباب } يعني في هلاك. # والتباب الهلاك بالانقطاع، ومنه قوله # تبت يدا أبي لهب # أي خسرت بانقطاع الرجاء، ومنه تبا له. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ~~معنى { تباب } خسران. # ثم حكى تعالى ما قال مؤمن آل فرعون في قوله { وقال الذي آمن ياقوم ~~اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد } وهو الايمان بالله وتوحيده وإخلاص العبادة ~~له والاقرار بموسى عليه السلام وقال لهم ايضا على وجه الوعظ لهم والزجر ~~عن المعاصي { ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } يعني انتفاع قليل، ثم ~~يزول بأجمعه ويبقى وزره وآثامه { وإن الآخرة هي دار القرار } أي دار ~~مقام، وسميت دار قرار لاستقرار الجنة بأهلها واستقرار النار بأهلها. ~~والقرار المكان الذي يستقر فيه. ثم قال { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ~~} ومعناه أي من عمل معصية فليس يجازى إلا مقدار ما يستحقه عليها من ~~العقاب لا اكثر من ذلك { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة } جزاء على إيمانهم { يرزقون فيها بغير حساب } أي زيادة على ~~ما يستحقونه تفضلا منه تعالى، ولو كان على مقدار العمل فقط لكان بحسابه. ~~قال الحسن: هذا كلام مؤمن آل فرعون. ويحتمل أن يكون ذلك اخبارا ms3065 منه تعالى ~~عن نفسه. ### || [40.41-46] # قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر { أدخلوا آل فرعون } بقطع الهمزة على انه ~~يؤمر الملائكة بادخالهم النار. الباقون بوصلها بمعنى انهم يؤمرون ~~بدخولها، وعلى الأول يكون { آل فرعون } نصبا على انه مفعول به و { أشد } ~~المفعول الثاني. وعلى الثاني يكون نصبا على النداء. # حكى الله تعالى ان مؤمن آل فرعون قال لهم { مالي أدعوكم إلى النجاة } ~~يعني إلى ما فيه خلاصكم: من توحيد الله وإخلاص العبادة له والاقرار بموسى ~~عليه السلام - وهو قول الحسن وابن زيد - و { تدعونني } انتم { إلى النار ~~} لأنهم إذا دعوا إلى عبادة غير الله التي يستحق بها النار، فكأنهم دعوا ~~إلى النار، لأن من دعا الى سبب الشيء فقد دعا اليه، ومن صرف عن سبب الشيء ~~فقد صرف عنه، فمن صرف عن معصية الله فقد صرف عن النار، ومن دعا اليها فقد ~~دعا إلى النار. والدعاء طلب الطالب الفعل من غيره، فالمحق يدعو إلى عبادة ~~الله وطاعته وكل ما أمر الله به او نهى عنه والمبطل يدعو إلى الشر ~~والعصيان، فمنهم من يدري انه عصيان ومنهم من لا يدري ثم بين ذلك فقال { ~~تدعونني لأكفر بالله } واجحد نعمه { وأشرك به } في العبادة { ما ليس لي ~~به علم } مع حصول العلم ببطلانه. لأنه لا يصح ان يعلم شريك له وما لا يصح ~~أن يعلم باطل، فدل على فساد اعتقادهم للشرك من هذه الجهة ثم قال { وأنا ~~أدعوكم } معاشر الكفار { إلى } عبادة { العزيز } يعني القادر الذي لا ~~يقهر، ولا يمنع لاستحالة ذلك عليه { الغفار } لمن عصاه إذا تاب اليه ~~تفضلا منه على خلقه. وقوله { لا جرم إن ما تدعونني إليه } قال الزجاج: هو ~~رد الكلام كأنه قال لا محالة إن لهم النار. وقال الخليل: لا جرم لا يكون ~~إلا جوابا تقول: فعل فلان كذا فيقول المجيب: لا جرم إنه عوين والفعل منه ~~جرم يجرم. وقال المبرد معناه حق واستحق { ليس له دعوة في الدنيا ولا في ~~الآخرة } والمعنى ليس له دعوة ينتفع بها ms3066 في أمر الدنيا ولا في الآخرة ~~فأطلق ليس له دعوة، لأنه ابلغ وإن توهم جاهل ان له دعوة ينتفع بها، فانه ~~لا يعتد بذلك لفساده وتناقضه. وقال السدي وقتادة والضحاك: معناه ليس لهذه ~~الأصنام استجابة دعاء احد فى الدنيا ولا فى الآخرة. وقيل: معناه ليس لها ~~دعوة تجاب بالآلهية في الدنيا، ولا في الآخرة { وإن مردنا إلى الله } أي ~~وجب ان مردنا إلى الله، ووجب { وأن المسرفين } بارتكاب المعاصي. وقال ~~مجاهد: يعني بقتل النفس من غير حلها. وقال قتادة بالاشراك بالله { هم ~~أصحاب النار } يعني الملازمون لها. # قال الحسن: هذا كله من قول مؤمن آل فرعون. # ثم قال لهم على وجه التخويف والوعظ { فستذكرون } صحة { ما أقول لكم } ~~إذا حصلتم في العقاب يوم القيامة. ثم اخبر عن نفسه فقال { وأفوض أمري إلى ~~الله } أي اسلمه اليه { إن الله بصير بالعباد } أي عالم بأحوالهم، وما ~~يفعلونه من طاعة ومعصية. وقال السدي: معنى أفوض اسلم اليه. ثم اخبر تعالى ~~فقال { فوقاه الله سيئات ما مكروا } وقال قتادة: صرف الله عنه سوء مكرهم، ~~وكان قبطيا من قوم فرعون فنجى مع موسى. وقوله { وحاق بآل فرعون } أي حل ~~بهم ووقع بهم { سوء العذاب } لان الله تعالى غرقهم مع فرعون، وبين انهم ~~مع ذلك في { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } يعني صباحا ومساء، ورفع ~~النار بدلا من قوله { سوء العذاب } { ويوم تقوم الساعة } يعني إذا كان ~~يوم القيامة يقال للملائكة { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } فيمن قطع ~~الهمزة. ومن وصلها اراد ان الله يأمرهم بذلك. والعرض إظهار الشيء ليراه ~~الذي يظهر له. ومنه قوله # وعرضوا على ربك # أي اظهروا { صفا } كما يظهرون للرائي لهم. ومنه قولهم: عرضت الكتاب على ~~الأمير، فهؤلاء يعرضون على النار لينالهم من ألمها والغم بالمصير اليها. ~~والغدو المصير إلى الشيء بالغداة غدا يغدو غدوا. وقولهم: تغدى أي اكل ~~بالغداة، وغدا أي سابق إلى الأمر بالغداة. و (قيام الساعة) وجودها، ~~ودخولها على استقامة بما يقوم من صفتها، وقامت السوق إذا حضر أهلها ms3067 على ~~ما جرت به العادة و { أشد العذاب } اغلظه. # وفى الآية دلالة على صحة عذاب القبر لأنه تعالى اخبر انهم يعرضون على ~~النار غدوا وعشيا. وقال الحسن: آل فرعون اراد به من كان على دينه. وكان ~~السدي يقول: ارواحهم في اجواف طير سود يعرضون على النار غدوا وعشيا، ~~ويجوز ان يحيهم الله بالغداة والعشي ويعرضهم على النار، ووجه الاحتجاج ~~على رؤساء الضلال بالاتباع انهم كانوا يدعونهم إلى اتباعهم بما يدعون من ~~صواب مذاهبهم. وهذا يلزمهم الرفع بها عنهم وأن يسعوا في تخفيف عذابهم، ~~فاذا هي سبب عذابهم. وقال الفراء وقوم من المفسرين - ذكره البلخي - في ~~الكلام تقديما وتأخيرا، وتقديره وحاق بآل فرعون سوء العذاب، ويوم تقوم ~~الساعة يقال: لهم ادخلوا آل فرعون اشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا، ويكون معنى غدوا وعشيا مع انهم فيها أبدا أنه تتجدد جلودهم ~~بعد الاحتراق غدوا وعشيا. وقال قوم: يجوز ان يكون المراد انهم بعرضها، ~~كما يقال: فلان يعرضه شر شديد أي يقرب من ذلك. وقال قوم: يجوز ان يكون ~~المراد إن اعمالهم اعمال من يستحق النار، فكأنهم يغدون ويروحون اليها ~~باعمالهم. وقال قوم: المعنى يعرضون عليها وهم أحياء بالزجر والتحذير ~~والوعد والوعيد، فاذا كان يوم القيامة - وماتوا على كفرهم - ادخلوا اشد ~~العذاب. ### || [40.47-50] # يقول الله تعالى لنبيه واذكر يا محمد { إذ } أي الوقت الذي { يتحاجون في ~~النار } ويخاصم بعضهم بعضا يعني الرؤساء والاتباع { فيقول الضعفاء } وهم ~~الاتباع { للذين استكبروا } وهم الرؤساء { إنا كنا لكم } معاشر الرؤساء { ~~تبعا } ويحتمل ان يكون ذلك جمع تابع كغايب وغيب وحايل وحول، ويجوز أن ~~يكون مصدرا أي تبعناكم تبعا { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ~~لأنه يلزم الرئيس الدفع عن اتباعه والمنقادين لأمره، فيسألونهم هؤلاء أن ~~يغنوا عنهم قسطا من النار أي طائفة منها، فيقول الرؤساء الذين استكبروا ~~{ إنا كل فيها } أي نحن وأنتم في النار، فكيف ندفع عنكم. ورفع " كل فيها ~~" على انه خبر (إنا) كقوله # إن الأمر كله لله # ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ms3068 وخبره (فيها) { أن الله قد حكم } بذلك { ~~بين العباد } وانه يعاقب من اشرك به وعبد معه غيره ثم حكى ما يقوله { ~~الذين } حصلوا { في النار } من الاتباع والمتبوعين { لخزنة جهنم } وهم ~~الذين يتلون عذاب اهل النار { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } ~~ويقولون ذلك، لأنه لاصبر لهم على شدة العذاب لا انهم يطمعون في التخفيف، ~~لان معارفهم ضرورية يعلمون ان عقابهم لا ينقطع ولا يخفف عنهم. ثم حكى ما ~~يجيب به الخزنة لهم فانهم يقولون لهم { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات } ~~يعني بالحجج والدلالات على صحة توحيده ووجوب إخلاص العبادة له؟ فيقولون ~~فى جوابهم { بلى } قد جاءتنا الرسل بالبينات فكذبناهم وجحدنا نبوتهم ~~وانكرنا بيناتهم فيقول لهم الخزنة اذا { فادعوا } بما لا ينفعكم ويقولون ~~ايضا { وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } لانه في وقت لا ينفع. ### || [40.51-55] # اربع آيات فى الشامي وفى عدد اسماعيل وخمس في ما عداهما عدوا { بني ~~إسرائيل الكتاب } ولم يعده الأولان. # قرأ نافع واهل الكوفة { يوم لا ينفع الظالمين } بالياء، لأن المعذرة ليس ~~تأنيثها حقيقيا ولأنهم ارادوا عذرهم. الباقون بالتاء لتأنيث المعذرة. # اخبر الله تعالى عن نفسه بأنه ينصر رسله الذين بعثهم بالحق إلى خلقه ~~وينصر الذين آمنوا به وصدقوا رسله في دار الدنيا، وينصرهم ايضا يوم يقوم ~~الاشهاد. والنصر المعونة على العدو، وهو على ضربين: نصر بالحجة ونصر ~~بالغلبة في المحاربة بحسب ما يعلم الله تعالى من المصلحة وتقتضيه الحكمة، ~~هذا إذا كان في دار التكليف. فأما نصره إياهم يوم القيامة فهو اعلاء ~~كلمتهم وظهور حقهم وعلو منزلتهم وإعزازهم بجزيل الثواب وإذلال عدوهم ~~بعظيم العقاب. والاشهاد جمع شاهد مثل صاحب واصحاب وهم الذين يشهدون بالحق ~~للمؤمنين وأهل الحق وعلى المبطلين والكافرين بما قامت به الحجة يوم ~~القيامة وفى ذلك سرور المحق وفضيحة المبطل في ذلك المجمع العظيم والمحفل ~~الكبير. وقال قتادة الأشهاد الملائكة والانبياء والمؤمنون وقال مجاهد: هم ~~الملائكة. ثم بين سبحانه وتعالى اليوم الذي يقوم فيه الاشهاد، فقال { يوم ~~لا ينفع الظالمين معذرتهم } فالمعذرة ms3069 والاعتذار واحد. وإنما نفى ان ~~تنفعهم المعذرة في الآخرة مع كونها نافعة في دار التكليف لأن الآخرة دار ~~الالجاء إلى العمل، والملجأ غير محمود على العمل الذي ألجيء اليه، لأنه ~~لا يعمله لداعي الحكمة إلى ما يمكنه أن يعمله ولا يعمله فيضمن الحمد على ~~فعله. وقيل: إنما لم يقبل معذرتهم، لانهم يعتذرون بالباطل - في قولهم ~~والله ربنا ما كنا مشركين. # ثم بين تعالى إن لهم مع بطلان معذرتهم اللعنة، وهي الابعاد من رحمة الله ~~والحكم عليهم بدوام العقاب ولهم سوء الدار وهو عذاب النار نعوذ بالله ~~منها. والظالمين الذين لا تنفعهم المعذرة هم الذين ظلموا أنفسهم او غيرهم ~~بارتكاب المعاصي التي يستحق بها دوام العقاب. # ثم اخبر تعالى على وجه القسم فقال { ولقد آتينا موسى الهدى } أي اعطيناه ~~التوراة فيها أدلة واضحة على معرفة الله وتوحيده وانزلنا عليه الكتاب ~~وأورثناه بني إسرائيل يعني التوراة، وهدى يعني أدلة واضحة على معرفة الله ~~وتوحيده و { ذكرى } أي ما يتذكر به أولوا الالباب، وإنما خص العقلاء ~~بذلك، لأنهم الذين يتمكنون من الانتفاع به دون من لا يعقل. # ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله فقال { فاصبر } يا محمد على أذى ~~قومك وتحمل المشقة في تكذيبهم إياك { إن وعد الله حق } الذي وعدك به من ~~الثواب والجنة لمن اطاعك والنار والعقاب لمن عصاك حق لا خلف له. واطلب ~~ايضا المغفرة لذنبك. ويجوز ان يكون الخطاب له والمراد به أمته { وسبح ~~بحمد ربك } أي نزه الله تعالى واعترف بشكره بما أنعم الله عليك { بالعشي ~~والإبكار } أي صباحا ومساء. وقيل { وسبح بحمد ربك } معناه صل بحمد ربك و ~~{ بالعشي } معناه من زوال الشمس إلى الليل. و { الإبكار } من طلوع الفجر ~~الثاني إلى طلوع الشمس. ### || [40.56-60] # قرأ اهل الكوفه { تتذكرون } بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على ~~الاخبار عنهم. وقرأ ابو جعفر وابن كثير ورويس ويحيى والبرجمي وابن غالب { ~~سيدخلون } بضم الياء. على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الياء على اسناد ~~الفعل اليهم. # يقول الله تعالى ms3070 { إن الذين يجادلون } أي يخاصمون { في } رفع { آيات ~~الله } وابطالها { بغير سلطان } أي بغير حجة { أتاهم } اعطاهم الله إياها ~~يتسلط بها على إنكار مذهب يخالف مذهبهم { إن في صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه } أي ليس في صدورهم إلا كبر. قال مجاهد: معناه الاعظمة وجبرية ما ~~هم ببالغي تلك العظمة، لأن الله تعالى مذلهم. وقيل: معناه إلا كبر بحسدك ~~على النبوة التي اكرمك الله بها { ما هم ببالغيه } لأن الله يرفع بها من ~~يشاء. وقيل، منعا إلا كبر ما هم ببالغي مقتضاه ولا نالوه لان الكبر إنما ~~يعمله صاحبه لمقتضى ان يعظم حاله، وهؤلاء يصير حالهم إلى الاذلال ~~والتحقير بكفرهم فلا يبلغون ما في صدورهم من مقتضي كبرهم. وقيل: الآية ~~نزلت في اليهود وان الكبر الذي ليس هم ببالغيه توقعهم امر الدجال، فاعلم ~~الله تعالى ان هذه الفرقة التي تجادل ألا تبلغ خروج الدجال. فلذلك قال ~~تعالى { فاستعذ بالله } ثم امر نبيه بأن يستعيذ بالله من شر هؤلاء ~~المخاصمين { إنه هو السميع البصير } ومعناه انه يسمع ما يقول هؤلاء الذين ~~يخاصمون في دفع آيات الله بصير بما يضمرونه وفي ذلك تهديد لهم في ما ~~يقدمون عليه. وقيل: فيه وعدله بكفاية شرهم. # ثم قال تعالى { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } معناه إن خلق ~~السموات والارض على ما هما عليه من العظم والثقل مع وقوفهما من غير عمد ~~وجريان الفلك والكواكب من غير سبب اعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق ~~الناس، وإن كان عظيما لما فيه من الحياة والحواس المهيأة لانواع مختلفة ~~من الادراكات إلا ان امر السموات والارض خارج عن مقتضى الطبيعة، او ان ~~يكون فاعلهما وخالقهما يجرى مجرى العباد في الجسمية، فهو اكبر شأنا من ~~هذه الجهة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } لعدولهم عن الفكر فيه ~~والاستدلال على صحته وإدخال الشبهة على نفوسهم فيه، وذكر كبر خلق السموات ~~والارض وما هو خارج عن الطبيعة حجة على المشركين في انكار النشأة الثانية ~~مما هو خارج عن عادة ms3071 الولادة. # ثم قال { وما يستوي الأعمى والبصير } أي لا يتساوى من عمي عن طريق الرشد ~~والصواب فلم يهتد اليها، والبصير الذي أبصرها واهتدى اليها { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات. ولا المسيء } أي ولا يتساورى ايضا الذين آمنوا ~~بالله تعالى وعملوا الصالحات من الأعمال والذين اساؤا وظلموا نفوسهم ~~بارتكاب المعاصي. # ثم قال { قليلا ما تتذكرون } أي ما أقل ما تتفكرون في ذلك. # والوقف على قوله { قليلا }. # وقوله { ما تتذكرون } يجوز أن تكون (ما) صلة ويجوز أن تكون بمعنى المصدر ~~وتقديره قليلا ما تذكركم. ومن قرأ بالتاء اراد قل لهم وخاطبهم به. ومن ~~قرأ بالياء فعلى وجه الاخبار عنهم بذلك. # ثم اخبر { إن الساعة } يعني القيامة { آتية لا ريب فيها } أي جائية ~~واقعة لا شك في مجيئها { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } أي لا يصدقون بذلك ~~لجهلهم بالله وشكهم في اخباره. # ثم قال { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } يعني استجب لكم إذا اقتضت ~~المصلحة اجابتكم. ومن يدعو الله ويسأله فلا بد أن يشترط المصلحة إما ~~لفظا او اضمارا، وإلا كان قبيحا، لانه إذا دعا بما يكون فيه مفسدة ولا ~~يشترط انتفاؤها كان قبيحا. # ثم قال تعالى مخبرا { إن الذين يستكبرون عن عبادتي } أي من يتكبر، ~~ويتعظم عن إخلاص العبادة لله تعالى { سيدخلون جهنم داخرين } من ضم الياء ~~ذهب الى انهم تدخلهم الملائكة كرها ومن فتح الياء قال: لأنهم إذا دخلوا ~~فقد دخلوا، فاضاف الفعل اليهم. ومعنى { يستكبرون عن عبادتي } أي عن دعائي ~~بالخضوع لي. وقال السدي { داخرين } معناه صاغرين. ### || [40.61-65] # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه بأنه { الله الذي جعل لكم } معاشر الخلق ~~{ الليل } وهو ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني { لتسكنوا فيه } ~~أي وغرضه منه سكونكم واستراحتكم فيه من كد النهار وتعبه { وجعل لكم ~~النهار } أيضا وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس { مبصرا } ~~تبصرون فيه مواضع حاجاتكم فجعله (مبصرا) لما كان يبصرون فيه المبصرون. ~~ثم اخبر تعالى { إن الله لذو فضل } أي لذو زيادة كثيرة من نعمه ms3072 { على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } نعمه أي لا يعترفون بها بل يجحدونها ~~ويكفرون بها. ثم قال مخاطبا لخلقه { ذلكم الله } يعني الذي قدم وصفه لكم ~~هو الذي خلقكم { ربكم خالق كل شيء } من مقدوراته من السموات والارض وما ~~بينهما مما لا يقدر عليه سواه { لا إله إلا هو } أي لا يستحق العبادة ~~سواه تعالى { فأنى تؤفكون } أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره مع ~~وضوح الدلالة على توحيده، ثم قال مثل ما انقلب وانصرف هؤلاء { كذلك يؤفك ~~} أي يصرف { الذين كانوا بآيات الله يجحدون } ومعناه كما خدع هؤلاء بما ~~كذب لهم كذب من كان قبلهم من الكفار { الذين كانوا بآيات الله يجحدون } ~~أي بدلالات الله وبيناته، ولا يفكرون فيها. # ثم عاد إلى ذكر صفاته تعالى فقال { الله الذى جعل لكم الأرض قرارا } أي ~~هيأها لكم بحيث تستقرون عليها { والسماء بناء } أي وجعل السماء بناء ~~مرتفعا فوقنا ولو جعلهما رتقا لما أمكن الخلق الانتفاع في ما بينهما. ~~ثم قال { وصوركم فأحسن صوركم } لان صور ابن آدم أحسن من صور الحيوان. ~~والصور جمع صورة مثل سورة وسور { ورزقكم من الطيبات } لأنه ليس لشيء من ~~الحيوان من الطيبات المآكل والمشارب مثل ما خلق الله لابن آدم، فان انواع ~~الطيبات واللذات التي خلقها الله لهم لا تحصى لكثرتها من الثمار وفنون ~~النبات واللحوم وغير ذلك. ثم قال { ذلكم } يعني الذى تقدم وصفه هو الذى ~~يحق له العبادة على الحقيقة وهو { الله ربكم فتبارك الله رب العالمين } ~~أي جل بأنه الثابت الدائم الذى لم يزل ولا يزال. # ثم قال { هو الحي } ومعناه الحي على الاطلاق هو الذى يستحق الوصف بأنه ~~حي لا إلى اجل { لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب ~~العالمين } قال ابن عباس وسعيد بن جبير: إذا قال احدكم { لآإله إلا الله ~~وحده } فليقل في آخرها { الحمد لله رب العالمين }. ### || [40.66-70] # هذا امر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ان يقول الكفار ~~قومه ms3073 { إني نهيت } أى نهاني الله { أن أعبد } أى اوجه العبادة إلى { ~~الذين تدعون من دون الله } التي تجعلونها آلهة { لما جاءني البينات من ~~ربي } أى حين أتاني الحجج والبراهين من جهة الله دلتني على ذلك { وأمرت ~~} مع ذلك { أن أسلم لرب العالمين } أى استسلم لأمر رب العالمين الذى ~~خلقكم وأوجدكم ويملك تدبير الخلائق اجمعين. ثم وصفه فقال { وهو الذى ~~خلقكم } معاشر البشر { من تراب } ومعناه خلق أباكم آدم من تراب وانتم ~~نسله واليه ترجعون واليه تنتمون { ثم من نطفة... } اى ثم انشأ من ذلك ~~الاصل الذى خلقه من تراب النطفة ثم قلبها إلى علقة وهي القطعة من الدم ~~لانها تعلق بما يمر به لظهور اثرها فيه وخلقكم منها { ثم يخرجكم طفلا } ~~أى اطفالا واحدا واحدا، فلهذا ذكره بالتوحيد، كما قال # بالأخسرين أعمالا # لان لكل واحد منهم اعمالا قد خسر بها { ثم لتبلغوا أشدكم } وهو حال ~~استكمال القوة وهو جمع شدة واشد كنعمة وانعم. واصل الشدة اللف الذى يصعب ~~منه الانحلال، ثم { لتكونوا شيوخا } بعد ذلك { ومنكم من يتوفى من قبل } ~~ان يصير شيخا ومن قبل ان يبلغ اشدة { ولتبلغوا أجلا مسمى } أى يبلغ كل ~~واحد منكم ما سمى له من الأجل. وقال الحسن: هو النسل الذى يقوم عليه ~~القيامة والأجل المسمى القيامة { ولعلكم تعقلون } أى خلقكم لهذه الأغراض ~~التي ذكرها ولكي تفكروا في ذلك فتعقلوا ما انعم الله عليكم من انواع ~~النعم واراده منكم من اخلاص العبادة. ثم قال { هو الذى يحيى ويميت } يعني ~~من خلقكم على هذه الاوصاف التي ذكرها هو الذى يحييكم وهو الذي يميتكم ~~فأولكم من تراب وآخركم إلى تراب تعودون { فإذا قضى أمرا } اى اراد امرا ~~من الامور { فإنما يقول له كن فيكون } ومعناه انه يفعل ذلك من غير ان ~~يتعذر عليه ولا يمتنع منه فهو بمنزلة ما يقال له كن فيكون، لا انه خاطب ~~المعدوم بالتكوين، لأن ذلك محال. والله لا يأمر بالمحال. # ثم قال { الذين يجادلون في آيات الله } يعني المشركين الذين يخاصمون في ms3074 ~~دفع آيات الله وابطالها { أنى يصرفون } أى كيف ومن أين ينقلبون عن الطريق ~~المستقيم إلى الضلال ولو كانوا يخاصمون في آيات الله بالنظر في صحتها ~~والفكر فيها لما ذمهم الله. قال ابن زيد اراد بذلك المشركين. ثم وصفهم ~~فقال { الذين كذبوا بالكتاب } يعني بالقرآن جحدوه وكذبوا بما ارسلنا به ~~من الكتب فى الشرائع رسلنا قبلك { فسوف يعلمون } عاقبة أمرهم إذا حل بهم ~~وبال ما جحدوه ونزل بهم عقاب ما ارتكبوه ويعرفون ان ما دعوتهم اليه حق ~~وما ارتكبوه ضلال وفساد. ### || [40.71-75] # خمس آيات كوفي وشامي وأربع في ما عداهما سوى البصري عد إسماعيل والكوفى ~~والشامي " يسبحون " وعد المدني الاول والمكى " في الحميم " وعد الكوفي ~~والشامي " تشركون " وهي ثلاث آيات بصري لأنه عندهم آخر الاولى " يسبحون " ~~والثانية " الكافرون " والثالثة " تمرحون ". # قوله { إذ الأغلال } متعلق بقوله { فسوف يعلمون.. إذ الأغلال } أي ~~يعلمون في حال ما تجعل الأغلال وهي جمع غل، وهو طرق يدخل في العنق للألم ~~والذل. وأصله الدخول من قولهم: انغل في الشيء إذا دخل فيه. والغلول ~~الخيانة التي تصير كالغل في عنق صاحبها، والاعناق جمع عنق وهو مركب الرأس ~~بين البدن وبينه، وقوله # فاضربوا فوق الأعناق # أي اصل الرأس وما والاه، وقوله { والسلاسل } أي وتجعل السلاسل ايضا في ~~اعناقهم. وقرأ ابن عباس { والسلاسل } بالنصب { يسحبون } بفتح الياء بمعنى ~~يسحبون السلاسل. وحكي عنه الجر أيضا بتقدير، وهم في السلاسل يسبحون. ~~والجر ضعيف عند النحويين، لان حرف الجر لا يجوز إضماره وأجاز بعضهم ذلك ~~على ضعفه بأن يتوهم أن التقدير إذ الاغلال في الاعناق. والسلاسل جمع ~~سلسلة وهي حلق منتظمة فى جهة الطول مستمرة. ويقال: تسلسلت المعاني إذا ~~استمرت شيئا قبل شيء كالسلسلة الممدوة، وقوله { يسحبون } أي يجرون على ~~الأرض. وموضع { يسحبون } النصب على الحال، وتقديره إذ الاغلال والسلاسل ~~فى أعناقهم مسحوبين على النار والسحب جر الشيء على الارض، هذا أصله يقال: ~~سحب عليه ما يلزمه من الأصل الفاسد، ويسحب الكافر على وجهه في النار ~~سحبا { في الحميم } وهو الماء الذي يبلغ ms3075 الغاية في الحرارة { ثم في ~~النار يسجرون } فالسجر القاء الحطب فى معظم النار كالتنور الذي يسجر ~~بالوقود، فهؤلاء الكفار لجهنم كالسجار للتنور { ثم قيل لهم } على وجه ~~التوبيخ لايلام قلوبهم كايلام ابدانهم بالتعذيب { أينما كنتم تشركون من ~~دون الله } فتوجهون العبادة اليه من الاصنام والاوثان فيخلصوكم وينصروكم ~~من عذاب الله { قالوا } في الجواب { ضلوا عنا } ثم يستدركون فيقولون { بل ~~لم نكن ندعوا من قبل شيئا } ومعناه لم نكن ندعو من قبل شيئا يستحق ~~العبادة وما ينتفع بعبادته، فلذلك أطلق القول فقال الله تعالى { كذلك يضل ~~الله الكافرين } قال الحسن: معناه كذلك يضل اعمالهم بأن يبطلها. وقيل: ~~معناه كذلك يضل الله الكافرين عن نيل الثواب. وقيل: كذلك يضل الله ~~الكافرين عما اتخذوه إلها بأن يصرفهم عن الطمع في نيل منفعته من جهتها. ~~ثم يقول موبخا لهم { ذلكم } أي ما فعل بكم جزاء { بما كنتم تفرحون في ~~الأرض } والفرح والمرح والبطر والاشر نظائر { بغير الحق } أي كنتم تفرحون ~~بالباطل والفرح بالحق لا يوبخ عليه { وبما كنتم تمرحون } أي وجزاء بما ~~كنتم تبطرون في معاصي الله. والمرح الاختيال في السرور والنشاط قال ~~الشاعر: # ولا ينسني الحدثان عرضي # ولا ارخي من الفرح الازارا ### || [40.76-80] # لما حكى الله تعالى ما يقال للكفار من قوله { ذلكم بما كنتم تفرحون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون } حكى ايضا انه يقال لهم { ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها } أي مؤبدين فيها لا انقطاع لكونكم فيها ولا ~~نهاية لعقابكم. وقيل: إنما جعل لجهنم ابواب كما جعل فيها الادراك تشبيها ~~بما يتصور الانسان في الدنيا من المطابق والسجون والمطامير، فان ذلك أهول ~~واعظم في الزجر. وقيل: لجهنم ابواب، كما قال تعالى # لها سبعة أبواب # وقوله { فبئس مثوى المتكبرين } أي بئس مقام الذين تكبروا عن عبادة الله ~~وتجبروا عن الانقياد له، وإنما اطلق عليه اسم بئس مع كونه حسنا لان ~~الطبع ينفر عنه كما ينفر العقل عن القبيح بالذم عليه، فحسن لهذه العلة ~~اطلاق اسم بئس عليه. ووصف الواحد منا بانه ms3076 متكبر اسم ذم. ثم قال لنبيه ~~صلى الله عليه وآله { فاصبر } يا محمد على أذى قومك وتكذيبهم إياك ومعناه ~~اثبت على الحق، فسماه صبرا للمشقة التي تلحق فيه كما تلحق بتجرع المر، ~~ولذلك لا يوصف اهل الجنة بالصبر. وإن وصفوا بالثبات على الحق. وكان فى ~~الوصف به فى الدنيا فضل، ولكن يوصفون بالحلم، لانه مدح ليس فيه صفة نقص. ~~وقوله { إن وعد الله حق } معناه إن ما وعد الله به المؤمنين على الصبر من ~~الثواب فى الجنة وتوعد الكفار من العقاب (حق) لا شك فيه بل هو كائن لا ~~محالة ثم قال { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون } ~~معناه إنا إن أريناك يا محمد بعض ما نعدهم من العقاب عاجلا وإهلاكهم فى ~~دار الدنيا، وإن لم نفعل ذلك بهم وقبضناك إلينا، فالينا يرجعون يوم ~~القيامة، فنفعل بهم ما وعدناهم من العقاب وأليم العذاب. وقال الحسن: ~~تقديره إما نرينك بعض الذي نعدهم فنرينك ذلك فى حياتك او نتوفينك، فيكون ~~ذلك بعد موتك فأي ذلك كان { فإلينا يرجعون }. # ثم قال تعالى { ولقد أرسلنا } يا محمد { رسلا من قبلك منهم } أي من ~~جملتهم { من قصصنا عليك } قصتهم { ومنهم من لم نقصص عليك } وروي عن علي ~~عليه السلام انه قال (من بعث الله نبيا اسود لم يذكره الله) وقيل: بعث ~~الله ثمانية آلآف نبي اربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من غيرهم. ~~ولم يذكر إلا نفرا يسيرا. ثم قال { وما كان لرسول أن يأتي بآية } أي ~~بمعجزة ولا دلالة { إلا باذن الله } وامره { فإذا جاء أمر الله } يعني ~~قيام الساعة { قضي بالحق } أي فصل بين الخلائق { وخسر هنالك المبطلون } ~~لانهم يخسرون الجنة ويحصلون في النار بدلا منها { وذلك هو الخسران المبين ~~} ثم قال تعالى على وجه تعداد نعمه على الخلق { الله الذي جعل لكم ~~الأنعام } من الابل والبقر والغنم { لتركبوا منها ومنها تأكلون } اي ~~خلقها لتنتفعوا بركوبها وتأكلوا منها، فانه جعلها للامرين. # وقال قوم: المراد بالانعام - ها هنا - الابل خاصة، ms3077 لانها التي تركب ~~ويحمل عليها في اكثر العادات. واللام في قوله { لتركبوا } لام الغرض، ~~فاذا كان الله تعالى خلق هذه الانعام واراد ان ينتفع خلقه بها، وكان ~~تعالى لا يريد القبيح ولا المباح، فلا بد ان يكون اراد انتفاعهم بها على ~~وجه الطاعة والقربة اليه { ولكم فيها منافع } أخرى من ألبانها واصوافها ~~وأشعارها { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } ان تركبوا وتبلغوا المواضع ~~التي تقصدونها لحوائجكم { وعليها } يعني على الانعام { وعلى الفلك } وهي ~~السفن { تحملون } ايضا لانه تعالى هو الذي يسيرها في البحر بالريح إلى ~~حيث تقصدون وتبلغون أغراضكم منها. وقال ابو عبيدة معنى { وعلى الفلك } في ~~الفلك كما قال # ولأصلبنكم في جذوع النخل # واراد عليها، فحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض. ### || [40.81-85] # يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين جحدوا آياته وانكروا أدلته الدالة ~~على توحيده وإخلاص العبادة له { ويريكم آياته } أي يعلمكم حججه ويعرفكم ~~إياها، منها إهلاك الأمم الماضية على ما اخبر عنهم ووجه الآية فيه انهم ~~بعد النعمه العظيمة صاروا إلى النقم لانهم عصوا فاقتضى ذلك العصيان أولا ~~النقمان ثانيا. وكان فيه اوضح الدليل على تثبيت القديم تعالى الذي لولاه ~~لم يصح فعل ولا تدبير. ومنها الآية في خلق الانعام التي قدم ذكرها، ووجه ~~الآية فيه تسخيرها لمنافع العباد بالتصرف في الوجوه التي قد جعل كل شيء ~~منها لما يصلح له وذلك يقتضي ان الجاعل لذلك قادر على تصريفه عالم ~~بتدبيره، وانما يرى الآيات بالبيان عنها الذي يحضر للناس معناها ويخطرها ~~ببالهم، وينبه عليها، فانه يحتاج اولا في الآية احضارها للنفس ثم ~~الاستدلال عليها والتمييز بين الحق والباطل منها، فأول الفائدة إخطارها ~~بالبال والتنبيه عليها. والثاني الاستدلال عليها إلى الحق. # ثم قال { فأي آيات الله تنكرون } توبيخا لهم على جحدها، وقد يكون ~~الانكار للآية تارة بجحدها أصلا. وقد يكون تارة بجحد كونها دالة على صحة ~~ما هي دالة عليه، والخلاف في الدلالة يكون من ثلاثة اوجه: اما في صحتها ~~في نفسها، او في كونها دلالة، او فيهما. وإنما يجوز ms3078 من الجهال دفع الآية ~~بالشبهة مع قوة الآية وضعف الشبهة لامور: # منها اتباع الهوى ودخول الشبهة التي تغطي الحجة حتى لا يكون لها في ~~النفس منزلة. # ومنها التقليد لمن ترك النظر في الأمور. # ومنها السبق إلى اعتقاد فاسد لشبهة فيمتنع ذلك من توليد النظر للعلم. # ثم نبههم فقال { أفلم يسيروا في الأرض } بأن يمروا في جنباتها { فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم } عددا { وأشد قوة } أي ~~واعظم آثارا في الارض بالأبنية العظيمة التي نبوها والقصور المشيدة التي ~~شيدوها. وقال مجاهد: بمشيهم على أرجلهم على عظم خلقهم، فلما عصوا وكفروا ~~بالله اهلكهم الله واستأصلهم { فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } معناه لم ~~يغن عنهم ما كسبوه من الأموال والبنيان. وقيل ان (ما) بمعنى أي، وتقديره ~~فأي شيء اغنى عنهم كسبهم؟! على وجه التهجين لفعلهم والتقريع لهم، فتكون ~~(ما) الأولى نصبا وموضع الثانية رفعا. # ثم قال تعالى { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات } يعني لما أتى هؤلاء الكفار ~~رسلهم الذين دعوهم إلى توحيده وإخلاص العبادة له { فرحوا بما عندهم من ~~العلم } وفى الكلام حذف، وتقديره لما جاءتهم رسلهم بالبينات فجحدوها ~~وانكروا دلالتها وعد الله تعالى الرسل باهلاك اممهم ونجاة الرسل فرح ~~الرسل بما عندهم من العلم بذلك. وقيل: إن المعنى فرحوا بما عندهم من ~~العلم يعني الكفار بما اعتقدوا انه علم إذ قالوا: نحن اعلم منهم لن نعذب ~~ولن نبعث، فكان ذلك جهلا واعتقدوا انه علم، فاطلق الاسم عليه بالعلم على ~~اعتقادهم، كما قال # حجتهم داحضة # وقال # ذق إنك أنت العزيز الكريم # يعني عند نفسك وعند قومك، فالأول قال به الجبائي، والثاني قول الحسن ~~ومجاهد. وقيل: المعنى إن الكفار فرحوا بما عند الرسل فرح استهزاء وسخرية ~~لا فرح سرور وغبطة وقوله { وحاق بهم } أي حل بهم { ما كانوا به يستهزؤن } ~~أي جزاء ما كانوا به يسخرون برسلهم من الهلاك والعذاب. # ثم اخبر تعالى عنهم انهم { فلما رأوا بأسنا } بأس الله ونزول عذابه { ~~قالوا آمنا بالله وحده } وخلعنا الانداد من دونه ms3079 { وكفرنا بما كنا به ~~مشركين } في عبادة الله من الاصنام والاوثان فقال الله سبحانه { فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم } عند رؤيتهم بأس الله وعذابه، لانهم يصيرون عند ذلك ~~ملجئين وفعل الملجأ لا يستحق به الثواب. ثم قال { سنة الله التي قد خلت ~~في عباده } نصب { سنة الله } على المصدر، والمعنى طريقة الله المستمرة من ~~فعله بأعدائه والجاحدين لنعمه واتخاذ الولايج من دونه في ما مضى مع عباده ~~الذين كفروا به { وخسر هنالك الكافرون } لنعمه لفوتهم الثواب والجنة ~~واستحقاقهم العذاب والكون في النار. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-5] # خمس آيات فى الكوفي وأربع في الباقي عد الكوفيون " حم " ولم يعده ~~الباقون # قرأ بعض الكوفيين (حم) رفع ب (تنزيل) و (تنزيل) رفع ب (حم) وقال ~~الفراء: ارتفع (تنزيل) باضمار (ذلك) او هذا تنزيل. وقال البصريون (تنزيل) ~~رفع بالابتداء، وخبره { كتاب فصلت آياته } و { قرانا } نصب على المصدر ~~او الحال ذهب اليه قوم. # قد بينا اختلاف المفسرين فى معنى قوله (حم) فلا وجه لا عادته. وقيل: فى ~~وجه الاشتراك فى اسماه هذه السور السبع ب (حم) انه للمشاكلة التي بينهما ~~بما يختص به بما ليس لغيرها، لانه إسم علم أجري على الصفة الغالبة بما ~~يصح فيه الاشتراك، والتشاكل الذي اختصت به هو ان كل واحدة منها استفتحت ~~بصفة الكتاب مع تقاربها فى الطول والقصر ومع شدة تشاكل الكلام فى النظام، ~~وحكم الكتاب البيان عن طريق النجاة الذي يصغر كل شيء فى حنب الفائدة به ~~من طريق الهلاك الذي لا صبر للنفس عليه، وهو على وجوه: منها تبيين الواجب ~~مما ليس بواجب، وتبيين الأولى فى الحكمه مما ليس بأولى، وتبيين الجائز ~~مما ليس بجائز، وتبيين الحق فى الدين من الباطل، وتبيين الدليل على الحق ~~مما ليس بدليل، وتبيين ما يرغب فيه مما لا يرغب فيه، وما يحذر منه مما لا ~~يحذر مثله. وغير ذلك من وجوه أحكامه وهي اكثر من ان تحصى. # وقوله { تنزيل من الرحمن الرحيم } وصف الكتاب بأنه تنزيل لأن جبرائيل ~~عليه السلام نزل ms3080 به على محمد صلى الله عليه وآله وفى ذلك دلالة على ~~حدوثه، لأن التنزيل لا يكون إلا محدثا. # وقوله { كتاب فصلت آية } أي هذا كتاب، وإنما وصف القرآن بأنه كتاب وإن ~~كان المرجع فيه إلى كلام مسموع، لأنه مما ينبغي أن يكتب ويدون لأن ~~الحافظ ربما نسيه او نسي بعضه، فينذكر، وغير الحافظ فيتعلم منه. وقوله { ~~فصلت آياته } معناه ميزت دلائله. وإنما وصفه بالتفصيل دون الاجمال، لان ~~التفصيل يأتى على وجوه البيان، لأنه تفصيل جملة عن جملة او مفرد عن مفرد، ~~ومدار أمر البيان على التفصيل والتمييز فى ما يحتاج اليه من أمور الدين ~~إذ العلم علمان: علم دين وعلم دنيا وعلم الدين أجلهما واشرفهما لشرف ~~النفع به. وقيل: { فصلت آياته } بالأمر والنهي والوعد والوعيد والترغيب ~~والترهيب. # ونصب قوله { قرآنا عربيا } على الحال - في قول الزجاج - وتقديره فصلت ~~آياته في حال جمعه. ووصف بأنه قرآن، لانه جمع بعضه إلى بعض، وبأنه عربي ~~لأنه يخالف جميع اللغات التي هي ليست عربية { لقوم يعلمون } أي لمن يعلم ~~العربية. وقوله { بشيرا } أي مبشرا بالجنة وثوابها { ونذيرا } أي ~~مخوفا من النار وعقابها. # وقوله { فأعرض أكثرهم } اخبار منه تعالى عن الكفار أن اكثرهم يعدل عن ~~التفكر فيه وعن سماعه { فهم لا يسمعون } لعدولهم عنه. ويجوز أن يكون مع ~~كونهم سامعين إذا لم يفكروا فيه ولم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه. وقال ~~البلخي: معناه إنهم يفعلون فعل من لا يسمعه، لأنهم مع سماعه يستثقلونه ~~ويعرضون عن الفكر فيه. # ثم حكى ما قاله الكفار من قولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } قال ~~مجاهد والسدي: معناه في أغطية وإنما قالوا ذلك لييؤسوا النبي صلى الله ~~عليه وآله من قبولهم دينه، فهو على التمثيل، فكأنهم شبهوا قلوبهم بما ~~يكون في غطاء فلا يصل اليه شيء مما وراءه، وفيه تحذير من مثل حالهم في كل ~~من دعي إلى امر أن لا يمتنع ان يكون هو الحق، فلا يجوز ان يدفعه بمثل ذلك ~~الدفع { وفي آذاننا وقر } أي ثقل عن استماع ms3081 هذا القرآن { ومن بيننا وبينك ~~حجاب } قيل الحجاب الخلاف الذى يقتضي أن يكون بمعزل عنك. قال الزجاج: ~~معناه حاجز في النحلة والدين أي لا نوافقك في مذهب { فاعمل إننا عاملون } ~~معناه فاعمل بما يقتضيه دينك، فانا عاملون بما يقتضيه ديننا، وقال ~~الفراء: معناه فاعمل في هلاكنا، فاننا عاملون في هلاكك، تهديدا منهم. ### || [41.6-10] # قرأ ابو جعفر " سواء " رفعا. وقرأه يعقوب خفضا. وقرأه الباقون نصبا. ~~فمن رفعه فعل الاستئناف. ومن خفضه جعله نعتا للايام. ومن نصبه فعلى ~~المصدر. # امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار { إنما ~~أنا بشر مثلكم } لحم ودم، ومن ولد آدم، وإنما خصني الله بنبوته وأمرني ~~برسالته وميزني منكم بأني { يوحى إلي أنما إلهكم } الذي يستحق العبادة { ~~إله واحد } لا شريك له في العبادة { فاستقيموا إليه } أي استمروا على وجه ~~واحد في الطاعة له وإخلاص العبادة له على ما تقتضيه الحكمة { واستغفروه } ~~أي واطلبوا المغفرة من جهته لذنوبكم. # ثم اخبر فقال { فويل للمشركين } الذين اشركوا بعبادة الله غيره من ~~الاصنام والاوثان ووصفهم بانهم { الذين لا يؤتون الزكاة } وقال الحسن: ~~معناه لا يؤتون ما يكونون به ازكياء اتقياء من الدخول فى دين الله. وقال ~~الفراء: الزكاة فى هذا الموضع ان قريشا كانت تطعم الحاج وتسقيهم فحرموا ~~ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله. وقال قوم: إنما توعدهم على ترك ~~الزكاة الواجبة عليهم لأنهم متعبدون بجميع العبادات ويعاقبون على تركها ~~وهو الظاهر. وقال الزجاج: معناه وويل للمشركين الذين لا يؤمنون بأن ~~الزكاة واجبة. وإنما خص الزكاة بالذكر تقريعا لهم على شحهم الذي يأنف ~~منه أهل الفضل ويتركون ما يقتضي انهم ان يعملوه عملوه لاجله. وفي ذلك ~~دعاء لهم إلى الايمان وصرف لهم عن الشرك. وكان يقال: الزكاة قنطرة ~~الايمان فمن عبرها نجا. وقال الطبري: معناه الذين لا يعطون الله الطاعة ~~التي يطهرهم بها ويزكي أبدانهم، ولا يوحدونه. وقال عكرمة: هم الذين لا ~~يقولون: لا إله إلا الله. وقد بينا أن الأقوى قول من ms3082 قال إن الذين لا ~~يؤدون زكاة اموالهم، لان هذا هو حقيقة هذه اللفظة { وهم بالآخرة هم ~~كافرون } معناه وهم مع ذلك يجحدون ما أخبر الله به من الثواب والعقاب فى ~~الآخرة. # ثم اخبر الله تعالى عن المؤمنين فقال { إن الذين يؤمنون بالآخرة } أي ~~يصدقون بأمر الآخرة من الثواب والعقاب { وعملوا الصالحات } أي الطاعات { ~~لهم أجر غير ممنون } أي لهم جزاء على ذلك غير مقطوع، بل هو متصل دائم، ~~ويجوز ان يكون معناه انه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة. # ثم امر النبي صلى الله عليه وآله ان يقول لهم على وجه الانكار عليهم ~~بلفظ الاستفهام { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } أي تجحدون ~~نعمة من خلق الارض فى يومين { وتجعلون له أندادا } أي تجعلون له اشباها ~~وامثالا فى استحقاق العبادة. # ثم قال الذي يستحق العبادة { ذلك رب العالمين } الذي خلق الخلائق وملك ~~التصرف فيهم. # وقوله { وجعل فيها رواسي من فوقها } أي وخلق فى الأرض جبالا راسيات ~~ثابتات فوق الارض { وبارك فيها } بما خلق فيها من المنافع { وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~انه قال # " إن الله خلق الارض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق ~~الشجر والماء والعمران والخراب يوم الأربعاء فتلك أربعة ايام وخلق يوم ~~الخميس السماء وخلق يوم الجمعة الشمس والقمر والنجوم والملائكة وآدم " # وقال الحسن والسدي: وابن زيد { قدر فيها أقواتها } أي ارزاقها. وقال ~~قتادة: معناه قدر فيها ما فيه صلاحها. قال ابو عبيدة: الأقوات جمع قوت ~~وهي أرزاق الخلق وما يحتاجون اليه. وقيل: إنما خلق ذلك شيئا بعد شيء فى ~~هذه الأربعة ايام لتعتبر به الملائكة وقيل: لاعتبار العباد فى الاخبار عن ~~ذلك إذا تصوروه على تلك الحال. وقال الزجاج: الوجه فيه تعليم الخلق ~~التأني في الامور وألا يستعجلوا فيها بأن الله تعالى كان قادرا على ان ~~يخلق ذلك فى لحظة. لكن خلقها فى هذه المدة لما قلنا. وقال قوم إنما خلق ~~ذلك ms3083 فى هذه المدة ليعتبروا بذلك على انها صادرة من قادر مختار عالم ~~بالمصالح وبوجوه الاحكام إذ لو كان صادرا عن مطبوع او موجب لحصلت في ~~حالة واحدة. وقال الزجاج: { في أربعة أيام } معناه في تتمة اربعة أيام. # وقوله { سواء للسائلين } قال قتادة والسدي: معناه سواء للسائلين عن ذلك ~~لأن كلا يطلب القوت ويسأله. وفي قراءة عبد الله { وقسم فيها أقواتها } ~~ومعناه خلق في هذه البلدة ما ليس في هذه ليتعايشوا ويتجروا. ومن نصب ~~(سواء) فعلى تقدير استوت سواء واستواه لمن سأل في كم خلقت السموات ~~والارض؟ فقيل في اربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان. ### || [41.11-15] # اربع آيات في البصري والشامي وخمس في ما عداه. إختلفوا في قوله " وثمود ~~" فلم يعدها البصريون والشاميون وعدها الباقون. # اخبر الله تعالى انه بعد خلق الأرض والجبال وتقدير الأقوات فيها { استوى ~~إلى السماء وهي دخان } قال الحسن: معناه استوى امره ولطفه إلى السماء. ~~وقال غيره: معنى الاستواء إلى السماء العمد والقصد اليها، كأنه قال: ثم ~~قصد اليها. واصل الاستواء الاستقامة والقصد للتدبير المستقيم تسوية له. ~~وقوله # ثم استوى على العرش # معناه ثم استوى تدبيره بتقدير القادر عليه. وقيل إن الاستوى بمعنى ~~الاستيلاء، كما قال الشاعر: # ثم استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # فاما الاستواء عن اعوجاج فمن صفات الاجسام لا يجوز ذلك على الله تعالى. ~~وقوله { ثم استوى إلى السماء } يفيد انه خلق السماء بعد خلق الأرض وخلق ~~الأقوات فيها، ولا ينافي ذلك قوله # أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها # إلى قوله # والأرض بعد ذلك دحاها # لان ذلك يفيد أن الأرض كانت مخلوقة غير مدحوة، فلما خلق الله السماء دحا ~~بعد ذلك الأرض فبسطها، وإنما جعل الله السموات أولا دخانا ثم سبع سموات ~~طباقا ثم زينها بالمصابيح، لما في ذلك من الدلالة على أن صانعها وخالقها ~~ومدبرها ليس كمثله شيء من الموجودات غني عن كل شيء سواه، وإن كل ما سواه ~~يحتاج اليه من حيث انه قادر لنفسه ms3084 لا يعجزه شيء، عالم لنفسه لا يخفى عليه ~~شيء. و (الدخان) جسم لطيف مظلم، فالله تعالى خلق السموات اولا دخانا ثم ~~نقلها إلى حال السماء من الكثافة والالتئام لما في ذلك من الاعتبار ~~واللطف لخلقه. # وقوله { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } قال ~~ابن عباس أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وأتت الأرض بما ~~فيها من الانهار والاشجار والثمار، وليس هناك أمر بالقول على الحقيقة ولا ~~إطاعة، ولا جواب لذلك القول بل أخبر تعالى عن اختراعه السموات والأرض ~~وانشائه لهما من غير تعذر ولا مشقة ولا كلفة ومن غير ملابسة ولا معاناة ~~بمنزلة ما قيل: للمأمور افعل ففعل من غير تلبث ولا توقف، فعبر عن ذلك ~~بالأمر والطاعة وهو كقوله # كن فيكون # وقد بينا الوجه في ذلك ويكون التقدير كأنه قيل: أتينا بمن فينا طائعين ~~أي سبحانه فعل الطبائع في ما أمر به وإنما قلنا ذلك لانه تعالى لا يأمر ~~المعدوم ولا الجماد، لان ذلك قبيح يتعالى الله عن ذلك ومثل ذلك قول ~~الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # ونظائر ذلك كثيرة بيناها في ما مضى وإنما قال { طائعين } ولم يقل ~~طائعتين، لانه لما اسند الفعل اليهما وهو ما لا يكون إلا من العقلاء اخبر ~~عنهما بالياء والنون، وقال قطرب: لان المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء ~~فغلب حكم العقلاء. # وقال الشاعر: # فاجهشت للتوباد حين رأيته # وكبر للرحمن حين رآني # فقلت له اين الذين عهدتهم # بجنبيك في حفض وطيب زمان # فقال مضوا واستودعوني بلادهم # ومن ذا الذي يبقى على الحدثان # وقوله { فقضاهن سبع سماوات في يومين } معناه جعلهن سبع سموات على اتمام ~~خلقهن لأن القضاء جعل الشيء على إتمام وإحكام ولذلك قيل: انقضى أي قد تم ~~ومضى، وقضى فلان إذا مات، لان عمره تم ومضى. وقيل: إن السماء موج مكفوف، ~~روي ذلك في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله. وقال الحسن: هي سبع ارضين ~~بين كل أرضين مسيرة خمسمائة ms3085 عام. وقوله { في يومين } قال السدي: خلق الله ~~السموات وسواها يوم الخميس والجمعة وسمي جمعة لأنه جمع في خلق السموات ~~والارض، وإنما خلقها في يومين نظير خلق الارض في يومين، فان قيل: قوله { ~~خلق الأرض في يومين } وخلق الجبال والأقوات في اربعة أيام وخلق السموات ~~في يومين يكون ثمانية ايام، وذلك مناف لقوله # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام # قلنا: لا تنافي بين ذلك، لانه خلق السموات والارض وخلق الجبال والاشجار ~~والاقوات في اربعة أيام منها اليومان المتقدمان، كما يقول القائل: خرجت ~~من البصرة إلى بغداد في عشرة ايام ثم إلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي في ~~تمام هذه العدة، ويكون قوله { فقضاهن سبع سموات في يومين } تمام ستة ~~أيام. وهو الذي ذكره في قوله في ستة أيام. وزال الاشكال. # وقوله { وأوحى في كل سماء أمرها } قال السدي معناه جعل فيها ما اراده من ~~ملك وغيره. وقيل معناه أوحي في كل سماء بما يصلحها { وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح } روي ان الكواكب في السماء الدنيا، وهي الاقرب إلى الارض دون ما ~~فوقها من السموات. # وقوله { وحفظا } منصوب على المعنى وتقديره جعلناها زينة وحفظا أي ~~وجعلناها حفظا من استراق الشياطين السمع بالكواكب التي جعلت فيها. وقيل: ~~حفظا من ان تسقط على الأرض { ذلك تقدير العزيز العليم } يعني القادر ~~الذي لا يغالب العليم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شئ منها. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فإن أعرضوا } يعني ان عدل الكفار عن ~~الفكر في ما ذكرنا والتدبر لما بينا وأبوا إلا الشرك والجحود { فقل } لهم ~~مخوفا لهم { أنذرتكم صاعقة } أي خوفتكم إياها ان ينزل بكم كما نزل بمن ~~قبلكم ونصب (صاعقة) على انه مفعول ثان { مثل صاعقة عاد وثمود } التي ~~أرسلها الله عليهم واهلكهم بها، فقال السدي: الصاعقة اراد بها العذاب، ~~وقال قتادة: معناه وقيعة. وقيل: إن عادا اهلكت بالريح والصاعقة جميعا. ~~وقوله { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم } ف (إذ) متعلقة بقوله { صاعقة } ~~أي نزلت ms3086 بهم إذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم ومن خلفهم، منهم من تقدم ~~زمانه ومنهم من تأخر عنه، وقال الفراء: اتت الرسل إياهم ومن كان قبلهم ~~ومن خلفهم أي وجاءتهم انفسهم رسل من بعد اولئك الرسل فيكون الهاء والميم ~~فى خلفهم للرسل، ويكون لهم بجعل ما خلفهم ما معهم. # وقال قوم: معناه قبلهم وبعد أن بلغوا وتعبدوا بأمر الرسل الذين تقدموهم، ~~قال البلخي: ويجوز أن يكون المراد أتتهم اخبار الرسل من ها هنا وها هنا ~~مع ما جاءهم منهم { ألا تعبدوا إلا الله } أي ارسلناهم بأن لا يعبدوا إلا ~~الله وحده لا شريك له وألا يشركوا بعبادته غيره، فقال المشركون عند ذلك { ~~لو شاء ربنا } أن نؤمن ونخلع الانداد { لأنزل ملائكة } يدعوننا إلى ذلك ~~ولم يبعث بشرا مثلنا، فكأنهم انفوا من الانقياد لبشر مثلهم وجهلوا أن ~~الله يبعث الانبياء على ما يعلم من مصالح عباده ويعلم من يصلح للقيام بها ~~وقالوا لهم ايضا { إنا } معاشر قومنا { بما أرسلتم به } من إخلاص ~~العبادة والتوحيد { كافرون } جاحدون، ثم فصل تعالى اخبارهم فقال { فأما ~~عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق } أي تجبروا وعتوا وتكبروا على الله ~~بغير حق جعله الله لهم بل للكفر المحض والظلم الصراح { وقالوا من أشد منا ~~قوة } لما كان الله تعالى اعطاهم من فضله قوة تقوا بها على اهل زمانهم، ~~فقال الله تعالى { أو لم يروا } ومعناه او لم يعلموا { أن الله الذي ~~خلقهم } واخترعهم وخلق فيهم هذه القوة { أشد منهم قوة } واعظم اقتدارا { ~~وكانوا } مع ذلك { بآيات الله } وادلته { يجحدون } أي ينكرونها، ولا ~~يعترفون بها. ### || [41.16-20] # قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع { نحسات } ساكنة الحاء، الباقون بكسرها، ~~لان { نحسات } صفة، تقول العرب، يوم نحس مثل رجل هرم. وقيل: هما لغتان، ~~وقرأ نافع ويعقوب { ويوم نحشر } بالنون كقوله # ونحشره يوم القيامة أعمى # وقوله { ونجينا الذين آمنوا } بالنون. الباقون بضم الياء على ما لم يسم ~~فاعله، لأنه عطف عليه. قوله { فهم يوزعون } فطابق بينهما. # لما حكى الله عن عاد وثمود انه ms3087 ارسل اليهم رسلا وأمرهم بعبادة الله وحده ~~وأن لا يشركوا به شيئا وانهم كفروا بذلك وجحدوه. واخبر انه أهلكهم بأن ~~أرسل عليهم ريحا صرصرا أي شديدا صوته واشتقاقه من الصرير ولذلك ضوعف ~~اللفظ اشعارا بمضاعفة المعنى، يقال صريصر صريرا، وصرصر يصرصر صرصرة ~~وريح صرصر شديد هبوبها. وقال قتادة: يعني باردة وقال السدي: باردة ذات ~~صوت. وقال مجاهد: شديدة السموم. وقيل: اصله صرر قلبت الراء صادا، كما ~~قيل: رده، وردده، ونههه ونهنهه. وقال رؤبة: # فاليوم قد نهنهني تنهنهي # وأولى حلم ليس بالمتقه # وكما قيل: كففه وكفكفه، قال النابغة: # اكفكف عبرة غلبت عبراتي # إذا نهنتها عادت ذباحا # ومنه سمي نهر صرصر لصوت الماء الجاري فيه، # وقوله { في أيام نحسات } قال مجاهد وقتادة والسدي: يعني مشومات، والنحس ~~سبب الشر، والسعد سبب الخير، وبذلك سميت سعود الايام ونحوسها وسعود ~~النجوم ونحوستها، ومن سكن الحاء خففه، ومن جرها فعلى الأصل. وقال ابو ~~عبيدة: معناه ايام ذات نحوس أي مشائيم العذاب. # وقوله { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا } إخبار منه تعالى انه ~~انما يفعل بهم ذلك ليذيقهم حال الهوان في الدنيا، والخزي الهوان الذي ~~يستحيا منه خوفا من الفضيحة، يقال: خزي يخزي خزيا واخزاه الله إخزاء ~~فهو مخزي. # ثم بين تعالى ان عذاب الآخرة اخزى وافضح من ذلك فقال { ولعذاب الآخرة ~~أخزى وهم لا ينصرون } أي لا يدفع عنهم العذاب الذي ينزل بهم. # ثم قال تعالى { وأما ثمود فهديناهم } فالذي عليه القراء رفع الدال، وقرأ ~~الحسن بالنصب على تقدير هدينا ثمود هديناهم، والرفع اجود، لأن (اما) لا ~~يقع بعدها إلا الاسماء، فالنصب ضعيف. والمعنى واما ثمود دللناهم على طريق ~~الرشاد فعدلوا عنها إلى طريق الغي والفساد، والهدي يتصرف على وجوه بيناها ~~في ما مضى. وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: معناه بينا لهم، وإنما ~~لم يصرف ثمود لأنه اسم القبيلة او الأمة، وهو معرفة. وإنما رفع لأن (أما) ~~رفع الاسم بعدها اولى. # وقوله { فاستحبوا العمى على الهدى } معناه اختاروا العمى على طريق الحق ~~والاهتداء اليها ms3088 وبئس الاختيار ذلك - وهو قول الحسن. # وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة فى ان الله يضل الكفار عن الدين ~~ولا يهديهم اليه لانه صرح بأنه هدى ثمود إلى الدين وانهم اختاروا العمى ~~على الهدى، وذلك واضح لا اشكال فيه. # وقوله { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } أي ارسل عليهم الصاعقة التي بعثها ~~للعذاب دون غيره، والهون والهوان واحد - في قول ابي عبيدة - وقال السدي: ~~معناه الهوان { بما كانوا يكسبون } أي جزاء على ما كسبوه من الشرك ~~والكفر. # وقوله { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } اخبار من الله تعالى انه خلص ~~من جملتهم من آمن بالله واتقى معاصيه خوفا من عقابه نجاهم الله من ذلك ~~العذاب. ثم قال تعالى { ويوم يحشر أعداء الله } يبعثون وهو يوم القيامة. ~~فمن قرأ بالنون فعلى الاخبار من الله عن نفسه بذلك. ومن قرأ بالياء ~~المضمومة فعلى انهم يبعثون ويجمعون إلى النار { فهم يوزعون } أي يمنعون ~~من التفرق ويحبسون ويكفون، يقال: وزعت الرجل إذا منعته، ومنه قول الحسن ~~لا بد للناس من وزعة وقوله { أوزعني } أي الهمني. وقول الشاعر: # وإني بها باذا المعارج موزع # ويروى موزع { حتى إذا ما جاؤها } معناه حتى إذا أتي هؤلاء الكفار ~~النار، واراد الله إلقاءهم فيها { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون } وقيل: في شهادة هذه الجوارح قولان: # احدهما - انها تبنى بنية حي وتلجأ إلى الشهادة والاعتراف بما فعله ~~اصحابها. # والآخر - ان يفعل فيها الشهادة ويضاف اليها مجازا. # ووجه ثالث - قال قوم: إنه يظهر فيها امارات تدل على كون اصحابها مستحقين ~~للنار، فسمى ذلك شهادة مجازا. كما يقال: عيناك تشهد بسهرك أي فيها ما ~~يدل على سهرك. وقيل: المراد بالجلود الفروج، على طريق الكناية. وقيل: لا: ~~بل الجلود المعروفة وهو الظاهر. ### || [41.21-25] # هذا حكاية من الله عن الكفار في الآخرة بعد ما شهدت عليهم ابصارهم ~~وجلودهم بما كانوا يعملون من المعاصي في دار الدنيا أنهم يقولون { ~~لجلودهم لم شهدتم علينا } منكرين عليهم إقامة تلك الشهادة. وقيل: اشتقاق ~~الجلد من التقوية من ms3089 قولهم: فلان يتجلد على كذا، وهو جلد أي قوي، فتقول ~~جلودهم في الجواب عن ذلك { أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } فالانطاق جعل ~~القادر على الكلام ينطق إما بالالجاء إلى النطق أو الدعاء اليه. فهؤلاء ~~يلجئهم الله إلى ان ينطقوا بالشهادة. والنطق إدارة اللسان في الفم ~~بالكلام، ولذلك لا يوصف تعالى بأنه ناطق، وإن وصف بأنه متكلم. ومعنى { ~~أنطق كل شيء } أي كل شيء لا يمتنع منه النطق كالاعراض والموات، والفائدة ~~في الاخبار عنهم بذلك التحذير من مثل حالهم في ما ينزل بهم من الفضيحة ~~بشهادة جوارحهم عليهم بما كانوا يعملون من الفواحش. فلم يكن عندهم فى ذلك ~~اكثر من هذا القول الذي لا ينفعهم وقال قوم: إن الجوارح تشهد عليهم حين ~~يجحدون ما كان منهم. # وقوله { وهو خلقكم أول مرة } اخبار منه تعالى وخطاب لخلقه بأنه الذي ~~خلقهم فى الابتداء { وإليه ترجعون } فى الآخرة إلى حيث لا يملك احد النهي ~~والامر سواه. # وقوله { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } ~~قال مجاهد { وما كنتم تستترون } أي تتقون. وقال السدي: معناه لم تكونوا ~~في دار الدنيا تستخفون عن معاصي الله بتركها. وقيل: إن الآية نزلت في ~~ثلاثة نفر تساروا، فقال بعضهم لبعض: أترى الله يسمع إسرارنا؟ وقال ~~الفراء: معناه لم تكونوا تخافون ان تشهد عليكم جوارحكم فتستتروا منها ولم ~~تكونوا تقدروا على الاستتار منها، ويكون على وجه التغيير أي ولم تكونوا ~~تستترون منها. # وقوله { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } وصف لهؤلاء ~~الكفار بأنهم ظنوا انه تعالى يخفى عليه أسرارهم ولا يعلمها، فبين الله ~~بذلك جهلهم به تعالى، وانهم وإن علموه من جهة انه قادر غير عاجز وعالم ~~بما فعلوا فاذا ظنوا انه يخفى عليه شيء منها فهو جاهل على الحقيقة تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. وفي قراءة عبد الله { ولكن زعمتم } قال ~~الفراء: الزعم والظن يكونان بمعنى واحد وقد يختلفان. # ثم حكى ما يخاطبهم به فانه يقال لهم { وذلكم ظنكم } معاشر ms3090 الكفار { الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم } أي اهلككم يقال: ردى فلن يردى إذا هلك قال الاعشى: # أفي الطوف خفت علي الردى # وكم من رد أهله لم يرم # وقوله { فأصبحتم من الخاسرين } معناه فظللتم من جملة من خسر فى تجارته ~~لأنكم خسرتم الجنة وحصل لكم النار. ثم قال { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ~~} قال البلخي: معناه فان يتخيروا المعاصي فالنار مصير لهم، وقال قوم: ~~معناه وإن يصبروا فى الدنيا على المعاصي فالنار مثواهم { وإن يستعتبوا } ~~- بضم الياء - قرأ به عمرو ومعناه إن طلب منهم العتبى لم يعتبوا أي لم ~~يرجعوا ولم ينزعوا. # وقال قوم: المعنى فان يصبروا أو يجزعوا فالنار مثوى لهم، { وإن يستعتبوا ~~} معناه فان يجزعوا فيستعتبوا { فما هم من المعتبين } لأنه ليس يستعتب ~~إلا من قد جزع مما قد اصابه، فطلب العتبى حينئذ، كما قال # اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم # ومعنى الآية { فإن يصبروا } على ما هم فيه فمقامهم في النار { وإن ~~يستعتبوا } أي وإن يطلبوا العتبي وهي الرضا { فما هم من المعتبين } أي ~~ليس بمرضي عنهم، لان السخط من الله تعالى بكفرهم قد لزمهم وزال التكليف ~~عنهم، فليس لهم طريق إلى الاعتاب، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما ~~سأل. # وقوله { وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } قال ~~الحسن: معناه خلينا بينهم وبين الشياطين الذين اغووهم ودعوهم إلى ما ~~استوجبوا العقاب به، ولم نمنعهم منهم، جزاء على ما استحقوه من الخذلان، ~~فمعنى (قيضنا) خلينا ومكنا. قال الجبائي: (التقييض) إحواج بعض العباد إلى ~~بعض كحاجة الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل، وكحاجة الغني إلى الفقير ~~يستعمله وحاجة الفقير إلى ان يستعمله الغني وغير ذلك من احواج بعضهم إلى ~~بعض. وقال قوم: التقييض المماثلة، والمقايضة المقايسة، قال الشماخ: # تذكرت لما اثقل الدين كاهلي # وغاب يزيد ما اردت تعذرا # رجالا مضوا عني فلست مقايضا # بهم أبدا من سائر الناس معشرا # فالمعنى على هذا إنا نضم إلى كل كافر قرينا له من الجن مثله فى الكفر ~~فى ms3091 نار جهنم كما قال # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين # ومعنى { فزينوا لهم } يعني فعل اهل الفساد الذين فى زمانهم، وفعل من كان ~~قبلهم، وقيل { ما بين أيديهم } من أمر الدنيا { وما خلفهم } من أمر ~~الآخرة - في قول الحسن والسدي - وذلك بدعائهم إلى انه لا بعث ولا جزاء. ~~وقال الفراء { فزينوا لهم ما بين أيديهم } من أمر الآخرة، فقالوا: لا جنة ~~ولا نار ولا بعث ولا حساب { وما خلفهم } من امر الدنيا فزينوا لهم اللذات ~~وجمع الأموال وترك انفاقها في سبيل الله. وقيل: زينوا لهم اعمالهم التي ~~يعملونها، وهي { ما بين أيديهم } وزينوا لهم ما عزموا عليه أن يعملوه وهو ~~(ما خلفهم). # وقوله { وحق عليهم القول } يعني وجب عليهم القول بتصييرهم إلى العذاب ~~الذي كان اخبر انه يعدب به من عصاه { في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس } أي حق على هؤلاء الكفار وعلى امم من الجن والانس انهم متى عصوا ~~الله حق القول بأنهم يعاقبون. ثم قال تعالى { أنهم كانوا خاسرين } خسروا ~~الجنة وحصلت لهم النار. ### || [41.26-30] # حكى الله تعالى عن الكفار انهم يقول بعضهم لبعض { لا تسمعوا لهذا القرآن ~~} الذي يقرؤه محمد صلى الله عليه وآله ولا تصغوا إليه { والغوا فيه } لكي ~~تغلبوه، ويجوز ان تغلبوه، فاللغو هو الكلام الذي لا معنى له يستفاد، ~~وإلغاء الكلمة إسقاط عملها، ويقال: لغا يلغو لغوا، ولغا، قال الراجز: # عن اللغا ورفث التكلم # وإذا كانت جملة الكلام لغوا لا فائدة فيه لم يحسن وإذا كان تأكيدا ~~لمعنى تقدم - وإن لم يكن له معنى في نفسه مفرد - حسن لانه يجري مجرى ~~المتمم للكلمة التي تدل معها على المعنى، وإن لم يكن له معنى في نفسه. ~~وقال مجاهد: قالوا خلطوا عليهم القول بالمكاء والصفير، وقال غيره: هو ~~الضجيج والصياح، وأقسم تعالى فقال { فلنذيقن الذين كفروا } بالله وجحدوا ~~آياته { عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } قيل: معناه ~~أسوأ الذي كانوا يعملون من المعاصي من جملة ما كانوا ms3092 يعملون دون غيرها ~~مما لا يستحق به العقاب. وقال قوم: خص بذلك الكبائر - زجرا وتغليظا - ~~بعينها. واقتصر في الصغير على الجملة فى الوعيد. ثم قال { ذلك } يعني ما ~~تقدم الوعيد به { جزاء أعداء الله } الذين عادوه بالعصيان وكفروا به، ~~وعادوا أولياءه: من الانبياء والمؤمنين وهي { النار } والكون فيها. ف ~~(النار) رفع بأنه بدل من قوله { ذلك } جزاؤهم وهو دخولهم فيها { لهم فيها ~~دار الخلد } أي منزل دوام وتأبيد { جزاء } لهم وعقوبة على كفرهم به تعالى ~~فى الدنيا وجحدهم لآياته. قال الفراء: هو كقولهم: لأهل الكوفة فيها دار ~~صالحة، والدار هي الكوفة، وحسن ذلك لما اختلف لفظاهما، فكذلك قوله { ذلك ~~جزاء أعداء الله النار } ثم قال { لهم فيها دار الخلد } وهي النار ~~بعينها. وفي قراءة عبد الله { ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد } ، ~~فهذا بين لا شيء فيه لأن الدار هي النار، فأعداء الله العصاة الذين ~~يعاديهم الله - عز وجل - وليس هو من عداوة الانسان لغيره إلا أن يراد به ~~أنه يعمل عمل المعادي، كما قال # يخادعون الله والذين آمنوا... # ثم حكى ما يقول الكفار ايضا، فانهم يقولون { ربنا أرنا اللذين أضلانا ~~من الجن والإنس } قيل: أراد به إبليس الأبالسة وهو رأس الشياطين، وابن ~~آدم الذي قتل أخاه، وهو قابيل. روي ذلك عن علي عليه السلام، لأن قابيل ~~أسس الفساد في ولد آدم. وقيل: هم الدعاة إلى الضلال من الجن والانس. # وقوله { نجعلهما تحت أقدامنا } انهم لشدة عداوتهم وبغضهم لهم بما أضلوهم ~~وأغووهم يتمنون ان يجعلوهما تحت اقدامهم ويطؤهم { ليكونا من الأسفلين } ~~وقيل: المعنى فيكونا فى الدرك الاسفل من النار. # وقوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } اخبار منه تعالى أن ~~الذين يقرون بلسانهم بتوحيد الله ويصدقون أنبياءه ويعترفون بالله { ~~يقولون ربنا الله ثم استقاموا } أي استمروا على ما توجبه الربوبية. # وقال الحسن وقتادة وابن زيد: معناه ثم استقاموا على طاعة الله { تتنزل ~~عليهم الملائكة } قال مجاهد والسدي: يعني عند الموت. وقال الحسن: تتنزل ~~عليهم الملائكة تستقبلهم إذا خرجوا ms3093 من قبورهم في الموقف بالبشارة. ~~ويقولون لهم { لا تخافوا } عقاب الله { ولا تحزنوا } لفوات الثواب { ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } بها في دار الدنيا جزاء على الطاعات. ~~وموضع { أن لا تخافوا } النصب وتقديره تتنزل عليهم والملائكة بأن لا ~~تخافوا، فلما حذف الباء نصب، وفي قراءة عبد الله { لا تخافوا } بلا (أن) ~~قبلها، وتقديره يقولون لهم: لا تخافوا، وقال مجاهد: معنى لا تخافوا على ~~ما تقدمون عليه من أمر الآخرة، ولا تحزنوا على ما تخلفونه فى دار الدنيا. ~~وقيل البشرى فى ثلاثة مواضع: عند الموت، وفي القبر، وفي البعث. ### || [41.31-35] # لما حكى الله تعالى أن الملائكة تتنزل على المؤمنين المستقيمين على طاعة ~~الله التاركين لمعصيته وتبشرهم بالجنة وتؤمنهم من عقاب الله. ذكر ايضا ~~انهم يقولون لهم مع ذلك { نحن أولياؤكم } وهو جمع ولي أي انصاركم ~~واحباؤكم فى الحياة الدنيا وأولياؤكم أيضا في الآخرة، ففي ذلك البشارة ~~للمؤمنين بمودة الملائكة لهم وفي الآية بشارة لهم بنيل مشتهاهم فى الجنة. ~~وتفيد الآية وجوب اعتقاد تودد الملائكة إلى من كان مستقيما على طاعاته. ~~وفيها حجة على شرف الاستقامة بالطاعة على كل ما عداه من أعمال العباد ~~يتولى الملائكة لصاحبه من اجله. # وقوله { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } يعني ما تشتهونه وتتمنونه من ~~المنافع والملاذ حاصلة لكم { ولكم فيها ما تدعون } أي ما تستدعونه. وقيل: ~~معناه ما تدعي انه لك فهو لك بحكم الله لك بذلك. وقوله { نزلا من غفور ~~رحيم } تقديره انزلكم ربكم في ما تشتهون من النعمة نزلا. فيكون نصبا على ~~المصدر. ويجوز ان يكون نصبا على الحال، وتقديره: لكم فيها ما تشتهي ~~انفسكم منزلا كما تقول: جاء زيد مشيا تريد ماشيا. وقال الحسن { نزلا من ~~غفور رحيم } ليس منا. وقيل: معناه إن هذا الموعود به مع جلالته فى نفسه ~~له جلالة لمعطيه بعد ان غفر الذنب حتى صار بمنزلة ما لم يكن رحمة منه ~~لعباده فهو أهنأ لك واكمل للسرور به. # وقوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ms3094 إنني من ~~المسلمين } صورته صورة الاستفهام، ونصب " قولا " على التفسير، ومعناه ~~النفي وتقديره وليس أحد أحسن قولا ممن دعا إلى طاعة الله واضاف إلى ذلك ~~أن يعمل الأعمال الصالحات، ويقول مع ذلك إنني من المسلمين الذين استسلموا ~~لامر الله وانقادوا إلى طاعته. وقيل: المعني بالآية النبي صلى الله عليه ~~وآله لأنه الداعي إلى الله. وروي أنها نزلت فى المؤذنين. وفى الآية دلالة ~~على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله من أصحاب عبد الله بن مسعود، لأنه لا ~~أحد احسن قوله منه، فيجب عليه أن يقول: إني مسلم ويقطع في الحكم إذا لم ~~يكن فاسقا. # ثم قال { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } أي لا يتماثلان، ودخلت (لا) في ~~{ ولا السيئة } تأكيدا. وقيل: دخلت لتحقيق انه لا يساوي ذا ذاك، ولا ذاك ~~ذا، فهو تبعيد المساواة. # وقوله { أدفع بالتي هي أحسن } أمر للنبي صلى الله عليه وآله ان يدفع ~~بالتي هي احسن وقيل: معنى الحسنة - ها هنا - المداراة. والسيئة المراد ~~بها الغلظة. فأدب الله تعالى عباده بهذا الأدب. ثم قال { فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم } معناه دار القوم ولا تغلظ عليهم حتى كأن ~~عدوك الذي يعاديك فى الدين بصورة وليك من حسن عشرتك له وبشرك له. # ويدعو ذلك ايضا عدوك إلى أن يصير لك كالولي الحميم. وقيل: المراد ان من ~~اساء اليك فأحسن اليه ليعود عدوك وليك. وكأنه حميمك. والحميم القريب الذي ~~يحم لغضب صاحبه. # وقوله { وما يلقاها إلا الذين صبروا } معناه ما يعطى هذه الخصلة فى رفع ~~السيئة بالحسنة إلا ذو نصيب فى الخير عظيم. وقيل: معناه وما يلقاها يعني ~~البشرى بالجنة والامان من العذاب إلا الذين صبروا على طاعة الله والجهاد ~~فى دينه { وما يلقاها } ايضا { إلا ذو حظ عظيم } من الثواب والخير وقد ~~لقي الله تعالى جميع الخلق مثل ما لقي من صبر، غير ان فيهم من لم يتلقه ~~كما يتلقاه من صبروا وقبلوا ما امرهم الله به. ### || [41.36-40] # قوله { وإما ينزغنك } اصله (إن) التي ms3095 للشرط وزيد عليها (ما) تأكيدا ~~فاشبه ذلك القسم، فلذلك دخلت نون التأكيد في قوله { ينزغنك } كما تقول: ~~والله ليخرجن. والنزغ النخس بما يدعوا إلى الفساد ومنه قوله # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # فنزغ الشيطان وسوسته ودعاؤه إلى معصية الله بايقاع العداوة بين من يجب ~~موالاته، يقال نزغ ينزغ نزغا فهو نازغ بين رجلين. وفلان ينزغ فلانا ~~كأنه ينخسه بما يدعوه إلى خلاف الصواب. والمعنى وإن ما يدعوك إلى المعاصي ~~نزغ من الشيطان بالاغواء والوسوسة { فاستعذ بالله } ومعناه اطلب الاعتصام ~~من شره من جهة الله واحذر منه وامتنع من جهته بقوة الله، فنحن نستعيذ ~~بالله من شر كل شيطان وشر كل ذي شر من انس وجان. # وقوله { إنه هو السميع العليم } يعني انه سميع لأقوالكم من الاستعاذة ~~وغيرها عليم بضمائركم قادر على إجابة دعائكم وقوله { ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر } معناه ومن أدلته وحججه الباهرة الدالة على ~~توحيده وصفاته التي باين بها خلقه الليل بذهاب الشمس عن بسيط الأرض ~~والنهار بطلوعها على وجهها بالمقادير التي أجريا عليه ورتبا فيه بما ~~يقتضي تدبير عالم بهما قادر على تصريفهما، لأن ذلك لا يقدر عليه غير ~~الله. والشمس والقمر وجه الدلالة فيهما أن الأجرام الثقيلة لا تقف بغير ~~عمد ولا تتصرف على غير قرار ولا عماد إلا أن يصرفهما قادر ليس كالقادرين ~~من الاجسام التي تحتاج فى نقلها وتمسكها إلى غيرها، وكل جسم ثقيل يصرف من ~~غير عماد فمصرفه هو الله تعالى. والأفعال الدالة على الله تعالى على ~~وجهين: # احدهما - ما لا يقدر عليه إلا هو كخلق الحياة والقدرة والأجسام وغير ذلك # والآخر - أنه إذا وقع على وجه مخصوص لا يتأتى من القادر بقدرة وإن كان ~~جنسه مقدورا للعباد كتسكين الأرض من غير عمد وتصرف الشمس والقمر بكونها ~~مرة صاعدة ومرة هابطة ومرة طالعة ومرة غاربة مع ثقل أجرامهما وبعدهما من ~~عماد لها اعظم دلالة على ان لهما مصرفا ومدبرا لا يشبههما ولا يشبهه ~~شيء. قال تعالى { لا تسجدوا للشمس ms3096 ولا للقمر } كما يفعل قوم من المجوس بل ~~{ واسجدوا لله الذي خلقهن } وانشاهن. وإنما قال { خلقهن } لانه أجري مجرى ~~جمع التكسير، ولم يغلب المذكر على المونث، لانه في ما لا يعقل. وقال ~~الزجاج: تقديره الذي خلق هذه الآيات { إن كنتم إياه تعبدون } أي ان كنتم ~~تقصدون بعبادتكم الله فوجهوا العبادة اليه دون الشمس والقمر. ثم قال { ~~فإن استكبروا } يعني هؤلاء الكفار أي تكبروا عن توجيه العبادة إلى الله ~~وابوا إلا عبادة الاصنام { فالذين عند ربك } يعني من الملائكة { يسبحون ~~له بالليل والنهار وهم لا يسأمون } أي لا يفترون من عبادته ولا يملونه. # والسجود عند اصحابنا عند قوله { إن كنتم إياه تعبدون } وهو مذهب أبي ~~عمرو بن العلا. وعند الباقين عند قوله { وهم لا يسأمون }. # ثم قال تعالى { ومن آياته } أي من ادلته الدالة على توحيده وإخلاص ~~العبادة له { إنك ترى الأرض خاشعة } يعني دارسة مهشمة - في قول قتادة ~~والسدي - والخاشع الخاضع فكان حالها حال الخاضع المتواضع { فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت } أي تحركت بالنبات { وربت } قال السدي: معناه انفتحت ~~وارتفعت قبل ان تنبت. وقرىء " ربأت " بمعنى عظمت، ومعنى ربأت ارتفعت - ~~ذكره الزجاج - ثم قال { إن الذي أحياها } يعني من أحيا الأرض بما انزله ~~من الماء حتى تنبت { لمحيي الموتى } مثل ذلك بعد ان كانوا أمواتا ويرد ~~فيها الأرواح، لانه قادر على ذلك. ومن قدر على ذلك قدر على هذا، لانه ليس ~~احدهما بأعجب من الآخر { إنه على كل شيء قدير } يصح أن يكون مقدورا له، ~~وهو قادر لا تتناهى مقدوراته. # ثم قال { إن الذين يلحدون في آياتنا } معناه الذين يميلون عن الحق في ~~أدلتنا يقال: الحد يلحد إلحادا. وقيل: لحد يلحد أيضا. وقال مجاهد: ~~معناه ما يفعلونه من المكاء والصفير. وقال ابو روق: يعني الذين يقعون فيه ~~{ لا يخفون علينا } بل نعلمهم على التفصيل، لا يخفى علينا شيء من ~~احوالهم. # ثم قال على وجه الانكار عليهم والتهجين لفعلهم والتهديد لهم { أفمن يلقى ~~في النار } جزاء على كفره ومعاصيه { خير أم ms3097 من يأتي آمنا } من عذاب الله ~~جزاء على معرفته بالله وعمله بالطاعات. ثم قال { اعملوا ما شئتم } ومعناه ~~التهديد وإن كان بصورة الأمر، لأنه تعالى لم يخيرنا، ويحببنا أن نفعل ما ~~شئنا، بل نهانا عن القبائح كلها. ثم قال { إنه بما تعملون بصير } أي عالم ~~بأفعالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم بحسبها. ### || [41.41-45] # قرأ { أعجمي وعربي } على الخبر حفص والحلواني عن هشام وابن مجاهد عن ~~قنبل في غير رواية ابن الحمامي عن بكار. الباقون بهمزتين. وحففهما اهل ~~الكوفة إلا حفصا وروح. والباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية. وفصل ~~بينهما بألف اهل المدينة إلا ورشا وابو عمر. ومن قرأ بلفظ الاستفهام ~~اراد الانكار، فادخل حرف الاستفهام على الف { أعجمي } وهي الف قطع. ومن ~~حققها، فلأنها الأصل. ومن خففهما او فصل بينهما فلكراهة اجتماع الهمزتين. ~~ومن قرأ على الخبر، فالمعنى هلا كان النبي عربيا والقرآن اعجميا. ~~والنبي اعجميا والقرآن عربيا، فكان يكون ابهر في باب الاعجاز. # يقول الله تعالى مخبرا { إن الذين كفروا بالذكر } الذي هو القرآن ~~وجحدوه وسمي القرآن ذكرا، لأنه تذكر به وجوه الدلائل المؤدية إلى الحق، ~~والمعاني التي يعمل عليها فيه. واصل الذكر ضد السهو وهو حضور المعنى ~~للنفس { لما جاءهم } أي حين جاءهم، وخبر (ان) محذوف، وتقديره: إن الذين ~~كفروا بالذكر هلكوا به وشقوا به ونحوه. وقيل تقديره: إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم كفروا به، فحذف لدلالة الكلام عليه. وقيل خبره { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } وقيل قوله { وإنه لكتاب عزيز } في موضع الخبر، ~~وتقديره الكتاب الذي جاءهم عزيز، وقوله " وإنه " الهاء كناية عن القرآن، ~~والمعنى وإن القرآن لكتاب عزيز بأنه لا يقدر احد من العباد على ان يأتي ~~بمثله، ولا يقاومه في حججه على كل مخالف فيه. وقيل: معناه إنه عزيز ~~باعزاز الله - عز وجل - اياه اذ حفظه من التغيير والتبديل. وقيل: هو عزيز ~~حيث جعله على أتم صفة الاحكام. وقيل: معناه انه منيع من الباطل بما فيه ~~من حسن البيان ووضوح البرهان، ولأن احكامه حق ms3098 يقضي بصحتها العقل. # وقوله { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } قيل في معناه اقوال ~~خمسة: # احدها - انه لا تعلق به الشبهة من طريق المشاكلة، ولا الحقيقة من جهة ~~المناقضة وهو الحق المخلص والذي لا يليق به الدنس. # والثاني - قال قتادة والسدي: معناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقا ~~ولا يزيد فيه باطلا. # الثالث - ان معناه لا يأتي بشيء يوجب بطلانه مما وجد قبله ولا معه ولا ~~مما يوجد بعده. وقال الضحاك: لا يأتيه كتاب من بين يديه يبطله ولا من ~~خلفه أي ولا حديث من بعده يكذبه. # الرابع - قال ابن عباس: معناه لا يأتيه الباطل من أول تنزيله ولا من ~~آخره. # والخامس - ان معناه لا يأتيه الباطل في اخباره عما تقدم ولا من خلفه ولا ~~عما تأخر. # ثم وصف تعالى القرآن بأنه { تنزيل من حكيم حميد } فالحكيم هو الذي ~~افعاله كلها حكمة فيكون من صفات الفعل، ويكون بمعنى العالم بجميع الاشياء ~~واحكامها فيكون من صفات الذات. # و (الحميد) هو المحمود الذي يستحق الحمد والشكر على جميع افعاله لان ~~افعاله كلها نعمة يجب بها الشكر. # وقوله { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } قيل في معناه اقوال: # احدها - من الدعاء الى الحق في عبادة الله تعالى ولزوم طاعته. # والثاني - ما حكاه تعالى بعده من { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } ~~فيكون على جهة الوعد والوعيد. # والثالث - قال قتادة والسدي: وهو تعزية للنبي صلى الله عليه وآله بأن ما ~~يقول لك المشركون مثل ما قال من قبلهم من الكفار لأنبيائهم من التكذيب ~~والجحد لنبوتهم. # وقوله { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } أي وقد يفعل العقاب بالعصاة ~~من الكفار قطعا ومن الفساق على تجويز عقابهم، فلا ينبغي ان يغتروا ويجب ~~عليهم أن يتحرزوا بترك المعاصي وفعل الطاعات. # ثم قال تعالى { ولو جعلناه } يعني الذكر الذي قدم ذكره { قرآنا أعجميا ~~} أي مجموعا بلغة العجم، يقال: رجل أعجمي إذا كان لا يفصح وإن كان عربي ~~النسب، ms3099 وعجمي إذا كان من ولد العجم وإن كان فصيحا بالعربية. قال ابو ~~علي: يجوز ان يقال: رجل أعجمي يراد به اعجم بغير ياء كما يقال: أحمري ~~واحمر، ودواري ودوار { قالوا لولا فصلت آياته } ومعناه هلا فصلت آياته ~~وميزت. وقالوا { أعجمي وعربي } أي، قالوا القرآن أعجمي ومحمد عربي - ذكره ~~سعيد بن جبير - وقال السدي: قالوا اعجمي وقوم عرب. ومن قرأ على الخبر ~~حمله على أنهم يقولون ذلك مخبرين. ومن قرأ على الاستفهام أراد انهم ~~يقولون ذلك على وجه الانكار، وإنما قوبل الأعجمي فى الآية بالعربي، وخلاف ~~العربي العجمي لان الأعجمي في انه لا يبين مثل العجمي عندهم من حيث ~~اجتمعا في انهما لا يبينان، قوبل به العربي في قوله { أعجمي وعربي } وحكى ~~ان الحسن قرأ { أعجمي } بفتح العين قابل بينه وبين قوله { وعربي } فقال ~~الله تعالى لنبيه { قل } لهم يا محمد { هو } يعني القرآن { للذين آمنوا } ~~بالله وصدقوا بتوحيده وأقروا بنبوة نبيه { هدى } يهتدون به { وشفاء } من ~~سقم الجهل { والذين لا يؤمنون } بالله ولا يصدقون بتوحيده { في آذانهم ~~وقر } يعني ثقل إذ هم بمنزلة ذلك من حيث لم ينتفعوا بالقرآن فكانهم صم او ~~في آذانهم ثقل { وهو عليهم عمى } حيث ضلوا عنه وجاروا عن تدبيره فكانه ~~عمى لهم. وقوله { أولئك ينادون من مكان بعيد } على وجه المثل، فكأنهم ~~الذين ينادون من مكان بعيد ويسمعوا الصوت ولا يفهموا المعنى من حيث لم ~~ينتفعوا به. وقال مجاهد: لبعده عن قلوبهم. وقال الضحاك: ينادون الرجل في ~~الآخرة كبأشنع اسمائه، وقيل: معناه أولئك لا يفهمون ذلك كما يقال لمن لا ~~يفهم شيئا: كأنك تنادى من مكان بعيد. # ثم اقسم تعالى بأنه آنى { موسى الكتاب } يعني التوراة { فاختلف فيه } ~~لأنه آمن به قوم وجحدوه آخرون، تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عن جحود ~~قومه وإنكارهم نبوته. ثم قال { ولولا كلمة سبقت من ربك } في انه لا ~~يعاجلهم بالعقوبة وانه يؤخرهم إلى يوم القيامة { لقضي بينهم } أي لفصل ~~بينم بما يجب من الحكم. ثم اخبر عنهم فقال: ms3100 { وإنهم لفي شك منه } يعني ~~مما ذكرناه { مريب } يعني اقبح الشك لأن الريب افظع الشك. وفى ذلك دلالة ~~على جواز الخطأ على اصحاب المعارف لأنه تعالى بين انهم فى شك وانهم ~~يؤآخذون مع ذلك. ### || [41.46-50] # قرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص { ثمرات } على الجمع. الباقون " ثمرة " ~~على التوحيد من قرأ على الجمع فلاختلاف أجناس الثمار، ولانه فى المصاحف ~~مكتوبا بتاء ممدودة. ومن وحده قال: الثمرة تفيد الجمع والتوحيد فلا ~~يحتاج إلى الجمع، لأنه في مصحف عبد الله مكتوب بالهاء، و " الاكمام " جمع ~~(كم) في قول الفراء، و (كمة) فى قول ابي عبيدة. وهي الكفرى. قال ابن ~~خالويه: يجوز أن يكون (الاكمام) جمع (كم) و (كم) جمع كمة، فيكون جمع ~~الجمع. # يقول الله تعالى { من عمل صالحا } أي فعل افعلا هي طاعة { فلنفسه } لان ~~ثوابه واصل اليه، وهو المنتفع به دون غيره { ومن أساء } يعني فعالا فعلا ~~قبيحا، من الاساءة إلى غيره او غيرها { فعليها } أي فعلى نفسه لأن وبال ~~ذلك وعقابه يلحقه دون غيره. # ثم قال تعالى على وجه النفي عن نفسه ما لا يليق به من فعل القبيح ~~والتمدح به { وما ربك } أي وليس ربك { بظلام للعبيد } وإنما قال (بظلام) ~~على وجه المبالغة فى نفي الظلم عن نفسه مع انه لا يفعل مثقال ذرة لأمرين: # احدهما - انه لو فعل فاعل الظلم، وهو غير محتاج اليه مع علمه بقبحه ~~وبأنه غني لكان ظلاما، وما هو تعالى بهذه الفصة لأنه غني عالم. # الثاني - إنه على طريق الجواب لمن زعم انه يفعل ظلم العباد. فقال: ما هو ~~بهذه الصفة التي يتوهمها الجهال، فيأخذ احدا بذنب غيره، والظلام هو ~~الفاعل لما هو من افحش الظلم. والظالم من فعل الظلم، وظالم صفة ذم، وكذلك ~~قولنا فاعل الظلم هما سواء، وكذلك آثم فاعل الاثم، وسيء فاعل الاساءة. # وقوله { إليه يرد علم الساعة } معناه اليه يرد علم الساعة التي يقع فيها ~~الجزاء للمطيع والعاصي فاحذروها قبل ان تأتي، كما يرد اليه علم إخراج ~~الثمار وما يكون ms3101 من الاولاد والنتاج، فذاك غائب عنكم وهذا مشاهد لكم، وقد ~~دل عليه ولزم، وكل من سئل متى قيام الساعة؟ وجب أن يقول: الله تعالى ~~العالم به حتى يكون قد رده إلى الله { وما يخرج من ثمرة من أكمامها } ~~معناه وعنده علم ذلك. وآكمام الثمرة وعائها الذي تكون فيه. وقيل: الآكمام ~~جمع كمة، وهو الطرف المحيط بالشيء. وقال الحسن: الآكمام - ها هنا - ليف ~~النخيل. وقيل: من أكمامها معناه خروج الطلع من قشره { وما تحمل من أنثى ~~وما تضع إلا بعلمه } أي وعنده تعالى علم ما تحمله كل انثى من حمل ذكرا ~~كان او انثى ولا تضع الانثى إلا بعلمه أي إلا في الوقت الذي علمه انه تضع ~~فيه. # وقوله { ويوم يناديهم أين شركائي } أي ويوم يناديهم مناد اين شركاء الله ~~الذين كنتم تعبدونهم من دون الله { قالوا أذناك ما منا من شهيد } معناه ~~إنهم يقولون اعلمناك ما منا من شهيد لمكانهم. # ثم بين ذلك فقال { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ~~} قال السدي: معناه ايقنوا وقال ابن عباس أذناك معناه أعلمناك. وقيل ~~المنادي هو الله تعالى، وقال السدي: ما منا من شهيد ان لك شريكا. وقيل: ~~معناه أذناك اقررنا لك ما منا من شهيد بشريك له معك. وقيل قوله أذناك من ~~قول المعبودين ما منا من شهيد لهم بما قالوا: وقيل هذا: من قول العابدين ~~ما منا من شهيد بأنهم آلهة. وقال آخرون: يجوز ان يكون العابدون ~~والمعبودون يقولون ذلك. # وقوله { وظنوا ما لهم من محيص } أي ايقنوا ليس لهم من مخلص. ودخل الظن ~~على (ما) التي للنفي كما تدخل (علمته) على لام الابتداء، وكلاهما له صدر ~~الكلام. # وقوله { لا يسأم الإنسان من دعاء الخير } أي لا يمل الانسان من طلب ~~المال وصحة الجسم - وهو قول ابن زيد - وقال بعضهم: معناه لا يمل الانسان ~~من الخير الذي يصيبه { وإن مسه الشر } أي إن ناله بذهاب مال او سقم في ~~جسمه { فيؤس قنوط } أي يقنط من ms3102 رحمة الله وييأس من روحه، ففي ذلك إخبار ~~عن سرعة تحمل الانسان وتنقله من حال إلى حال. ثم قال تعالى { ولئن أذقناه ~~رحمة منا } يعني لئن أذقنا الانسان نعمة وأنلناه إياها { من بعد ضراء ~~مسته } أي من بعد شدة لحقته { ليقولن هذا لي } قال مجاهد: يقول أنا حقيق ~~بهذا الفعل { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ~~} أي لو قامت لكان لي الحسني يعني الجنة. فقال الله تعالى على وجه ~~التهديد لمن هذه صفته { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ } أي فلنجزين الكفار بعد ان نعلمهم ما عملوه من كفرهم ومعاصيهم ثم ~~نجازيهم عليها بأن نذيقهم من عذاب غليظ قدر ما يستحقونه. ### || [41.51-54] # اخبر الله تعالى عن جهل الانسان الذي تقدم وصفه بمواضع نعم الله وما يجب ~~عليه من الاعتراف بشكره، بتركه النظر المؤدي إلى معرفته، فقال { وإذا ~~أنعمنا على الإنسان } بنعمة من اعطاء مال او ولد او صحة جسم { أعرض } عن ~~القيام بشكر الله على ذلك حسب ما يلزمه { ونآء بجانبه } أي بعد بجانبه ~~كبرا وتجبرا عن الاعتراف بنعم الله. وقيل: معناه وبعد عن الواجب { وإذا ~~مسه الشر } يعني إذا ناله مرض او مصيبة في مال او نفس { فذو دعاء عريض } ~~قال السدي يدعو الله كثيرا عند ذلك. وإنما قال { فذو دعاء عريض } ولم ~~يقل: طويل، لأنه ابلغ، لان العرض يدل على الطول، ولا يدل الطول على العرض ~~إذ قد يصح طويل ولا عرض له. ولا يصح عريض ولا طول له، لان العرض الانبساط ~~فى خلاف جهة الطول، والطول الامتداد فى أي جهة كان. # وفى الآية دلالة على بطلان قول المجبرة: انه ليس لله على الكافر نعمة، ~~لأنه اخبر تعالى بأنه ينعم عليه وانه يعرض عن موجبها من الشكر وفي دعائه ~~عند الشدة حجة عليه، لانه يجب من اجل قلة صبره على الشدة ان يشكر برفعها ~~عنه إلى النعمة، # فقال الله تعالى لهم على وجه الانكار عليهم { قل أرأيتم إن كان ms3103 } هذه ~~النعمة { من عند الله وكفرتم به } أي وجحدتموه { من أضل ممن هو في شقاق ~~بعيد } أي في مشاقة الله بخلافه له بعيد عن طاعته. والشقاق المبل إلى شق ~~العداوة لا لاجل الحق كأنه قال لا احد اضل ممن هو فى شقاق بكفره، وبه يذم ~~من كان عليه، كما قال علي عليه السلام (يا اهل العراق يا اهل الشقاق ~~والنفاق ومساوىء، الاخلاق) وقيل: الشقاق فراق الحق إلى العداوة وأهله. # وقوله { سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم } معناه إن الدلائل في آفاق ~~السماء بسير النجوم وجريان الشمس والقمر فيها بأتم التدبير، وفي أنفسهم ~~جعل كل شيء لما يصلح له من آلات الغذاء ومخارج الأنفاس، ومجاري الدم، ~~وموضع العقل والفكر، وسبب الافهام، وآلات الكلام. وقال السدي: آياتنا في ~~الآفاق بصدق ما يخبر به النبي صلى الله عليه وآله من الحوادث عنها. وفي ~~ما يحدث من انفسهم، وإذا رأوا ذلك تبينوا وعلموا أن خبره حق، وانه من قبل ~~الله تعالى. # وقوله { أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } أي هو عالم لجميع ذلك ~~والباء زائدة، والتقدير او لم يكف ربك انه عالم بجميع الاشياء. والمعنى ~~اليس في الله كفاية في معاقبة هؤلاء الكفار على كفرهم إذ كان عالما بكل ~~شيء مشاهدا لجميع ما يفعلونه قادرا على مجازاتهم عليه، وكما انه شهيد ~~على ذلك هو شهيد على جميع الحوادث ومشاهد لجميعها وعالم بها لا يخفى عليه ~~شيء من موضعها. # وقوله { إنه } يحتمل ان يكون موضعه رفعا ب (يكف) ويحتمل ان يكون جرا ~~بالباء. وتقديره بأنه على كل شيء شهيد. # ثم قال { ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم } أي هم في شك من لقاء ثواب ~~ربهم وعقابه، لأنهم في شك من البعث والنشور { ألا إنه بكل شيء محيط } أي ~~هو عالم بكل شيء قادر عليه. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-5] # خمس آيات فى الكوفى وثلاث فى ما عداه عد الكوفيون { حم } وعدوا { عسق ~~} ولم يعده الباقون. # قال ابو عبد الله بن خالويه سألت ابن ms3104 مجاهد، فقلت: إن القاف أبعد من ~~الميم، فلم اظهر حمزة النون عند الميم في (طسم) ولم يظهرها عند القاف في ~~(عسق) فقال والله ما فكرت في هذا قط، قال ابو عبد الله الحجة فى ذلك ان ~~(طسم) اول سورة النمل ثم جاءت سورتان فيهما الميم، فبين ليعلم ان الميم ~~زائدة على هجاء السين واتفق اهل الكوفة على ان لم يفردوا السين بين حرفين ~~في الكلام هذا على الأصل. واما الحجة من جهة التخفي، فان النون تدغم في ~~الميم وتخفى عند القاف والمخفي بمنزلة المظهر، فلما كره التشديد في (طسم) ~~اظهروا لما كان المخفي بمنزلة الظاهر ولم يحتج إلى اظهار القاف، قال ~~الفراء: ذكر عن ابن عباس انه قال (حمسق) بلا عين. وقال السين كل فرقة ~~تكون. والقاف كل جماعة كانت، قال الفراء وكانت في بعض مصاحف عبد الله مثل ~~ذلك. وقرأ ابن كثير وحده { يوحي إليك } بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله، ~~فعلى هذا يكون اسم الله مرتفعا بمحذوف يدل عليه المذكور قال الشاعر: # ليبك يزيد ضارع لخصومة # ومختبط مما تطيح الطوائح # أي يبكيه ضارع، فيكون التقدير يوحى اليك يوحي الله. قال ابو علي: ذكر أن ~~مثل هذه السورة أوحى إلى من تقدم من الأنبياء، فعلى هذا يكون التقدير ~~يوحي اليك هذه السورة كما اوحى إلى الذين، وقال الزجاج، والفراء: يقال إن ~~{ حمعسق } اوحيت إلى كل نبي كما اوحيت إلى محمد صلى الله عليه وآله قال ~~ابن عباس: وبها كان علي عليه السلام يعلم الفتن. وقرأ الباقون يوحي - ~~بكسر الحاء - فيكون على هذا إسم الله مرتفعا بأنه فاعل (يوحي) وقد قرىء ~~شاذا { نوحي } بالنون مع كسر الحاء فعلى هذا يحتمل رفع اسم الله لوجهين: # احدهما - ان يكون رفعا بالابتداء. # والثاني - ان يكون مرتفعا بفعل مقدر يدل عليه { يوحى } الأول، كما ~~قلناه في من فتح الحاء. ويجوز أن يكون بدلا من الضمير. ويجوز أن يجعل اسم ~~الله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو الله العزيز الحكيم. وقرأ ابو عمرو ~~وعاصم فى ms3105 رواية أبي بكر { يكاد } بالياء { ينفطرن } بالياء والنون، لأن ~~تأنيث السموات غير حقيقي، وقد تقدم الفعل ولذلك أتت (يتفطرن) لما تأخر ~~الفعل عن السموات وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة في رواية حفص (تكاد) ~~بالتاء لتأنيث السموات (وينفطرن) بالياء والنون لما قدمناه. وقرأ نافع ~~والكسائي { يكاد } بالياء لما قلناه من ان التأنيث غير حقيقي { يتفطرن } ~~بياء، وتاء و { يتفطرن } في معنى تنفطر وهو مضارع فطرته فتفطر وفطرته ~~بالتخفيف فانفطر، ومعنى بتفطرن يتشققن. # قيل إنما عدوا { حم } و { عسق } آية ولم يعد { طس } لأن { طس } لما ~~انفرد عن نظيره من { طسم } فاشبه الاسم حمل عليه، ولما لم ينفرد { حم } ~~عن نظيره جرى عليه حكم الجملة التامة التي تعد آية من اجل انها آية. فلما ~~اجتمع في (طس) الانفراد عن النظير وأشبه (قابيل) وكل واحد من هذين ~~الوجهين يقتضي مخالفة حكم (طسم) وجب الخلاف. وأما إنفراد (حاميم) بالزنة ~~فقط، لم يجب الخلاف كما وجب في ما اجتمع فيه سببان. وفى (حم) من الفائدة ~~تعظيم الله - عز وجل - السورة وتسميتها وتشريفا لها وتنويها باسمها ~~وإجراؤها في التفصيل مجرى ما يعقل في فضله على ما لا يعقل من الاجسام ~~والاعراض. وقيل ان { حم عسق } انفردت بأن معاينها اوحيت إلى سائر ~~الأنبياء، فلذلك خصت بهذه التسمية. وقيل إنما فصل { حم عسق } من سائر ~~الحواميم ب (عسق) لان جميعها استفتح بذكر الكتاب على التصريح به إلا هذه ~~السورة فانه دل عليه دلالة التضمين بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب، ~~والوحي أعم من الكتاب في معناه إلا انه دال في هذا الموضع على الكتاب ~~بهذه الصفة. # وقوله { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك } قيل في المشبه به في قوله ~~{ كذلك } وجهان: # احدهما - كالوحي الذي تقدم يوحي اليك. # والثاني - هذا الوحي الذي يأتي في هذه السورة يوحى اليك، لان ما لم يكن ~~حاضرا يراه صلح فيه (هذا) لقرب وقته و (ذلك) لبعده في نفسه. ومعنى ~~التشبيه في { كذلك } أن بعضه كبعض في انه حكمة وصواب بما تضمنه ms3106 من الحجج ~~والمواعظ والفوائد التي يعمل عليها في الدين { وإلى الذين من قبلك } ~~معناه مثل ذلك اوحى إلى الذين من قبلك من الأنبياء وتعبدهم بشريعة كما ~~تعبدك بمثل ذلك. # وقوله { العزيز الحكيم } معناه القادر الذي لا يغالب الحكيم في جميع ~~أفعاله. ومن كان بهاتين الصفتين خلصت له الحكمة في كل ما يأتي به، لانه ~~العزيز الذي لا يغالب والغني الذي لا يحتاج إلى شيء، ولا يجوز أن يمنعه ~~مانع مما يريده، وهو الحكيم العليم بالأمور لا يخفى عليه شيء منها لا ~~يجوز أن يأتي إلا بالحكمة. فاما الحكيم غيره يحتاج فلا يوثق بكل ما يأتي ~~به إلا أن يدل على ذلك الحكمة دليل. # قوله { له ما في السماوات والأرض } معناه أنه مالكهما ومدبرهما وله ~~التصرف فيهما ولا احد له منعه من ذلك ويكون { العلي } مع ذلك بمعنى ~~المستعلي على كل قادر العظيم في صفاته التي لا يشاركه فيها احد. # وقوله { تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن } قيل فى معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يتفطرن من فوقهن من عظمة الله ~~وجلاله. # والثاني - ان السموات تكاد تتفطرن من فوقهن استعظاما للكفر بالله ~~والعصيان له مع حقوقه الواجبة على خلقه، وذلك على وجه التمثيل ليس لأن ~~السموات تفعل شيئا او تنكر شيئا، وإنما المراد ان السموات لو انشقت ~~لمعصيته استعظاما لها أو لشيء من الاشياء لتفطرت استعظاما لكفر من كفر ~~بالله وعبد معه غيره. # وقوله { الملائكة يسبحون بحمد ربهم } معناه ينزهونه عما لا يجوز عليه من ~~صفات، وما لا يليق به من افعال { ويستغفرون لمن في الأرض } من المؤمنين. ~~وفي ذلك صرف الاهلاك لهم ولغيرهم من اهل الأرض يصرفه عنهم. # ثم قال { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } لعباده عصيانهم تارة بالتوبة ~~وتارة ابتداء منه كل ذلك تفضلا منه ورأفة بهم ورحمة لهم. ### || [42.6-10] # هذا اخبار من الله تعالى { والذين اتخذوا من دونه أولياء } يعني الكفار ~~الذين اتخذوا الأصنام آلهة ووجهوا عبادتهم اليها. وجعلوهم أولياء لهم ~~وانصارا من دونه. وإنما قال ms3107 { من دونه } لان من اتخذ وليا بأمر الله لم ~~يتخذه من دون الله. # وقوله { الله حفيظ عليهم } أي حافظ عليهم أعمالهم وحفيظ عليها بأنه لا ~~يعزب عنه شيء منها، وانه قد كتبها فى اللوح المحفوظ مظاهرة فى الحجة ~~عليهم وما هو اقرب إلى افهامهم إذا تصوروها مكتوبة لهم وعليهم. # وقوله { وما أنت عليهم بوكيل } معناه إنك لم توكل بحفظ اعمالهم، فلا يظن ~~ظان هذا، فانه ظن فاسد وإنما بعثك الله نذيرا لهم وداعيا إلى الحق ~~ومبينا لهم سبيل الرشاد، وقيل: معناه إنك لم توكل عليهم أي تمنعهم من ~~الكفر بالله، لانه قد يكفر من لا يتهيأ له منعه من كفره بقتله. # وقوله { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } معناه مثل ما اوحينا إلى من ~~تقدمك من الانبياء بالكتب التي أنزلناها عليهم أوحينا اليك ايضا قرآنا ~~عربيا لتنذر أم القرى أي لتخوفهم بما فيه من الوعيد وتبشرهم بما فيه من ~~الوعد. قال السدي: أم القرى مكة والتقدير لتنذر اهل أم القرى { ومن حولها ~~} من سائر الناس. وسميت أم القرى، لأنه روي أن الله تعالى دحا الأرض من ~~تحت الكعبة قال المبرد: كانت العرب تسمي مكة أم القرى { ومن حولها } ومن ~~يطيف بها { وتنذر يوم الجمع } معناه وتخوفهم يوم الجمع أيضا، ونصب (يوم) ~~لانه مفعول ثان وليس بظرف، لانه ليس ينذر في يوم الجمع، وإنما يخوفهم ~~عذاب الله يوم الجمع. وقيل هو يوم القيامة { لا ريب فيه } أي لا شك فيه ~~وفى كونه. # ثم قسم اهل يوم القيامة فقال { فريق } منهم { في الجنة } بطاعتهم { ~~وفريق } منهم { في السعير } جزاء على معاصيهم. ثم قال { ولو شاء الله ~~لجعلهم أمة واحدة } معناه الاخبار عن قدرته بأنه لو شاء ان يلجئهم إلى ~~الايمان ودين الاسلام، لكان قادرا على ذلك وفعله، لكن ذلك يبطل الغرض ~~بالتكليف وهو ان يفعلوا العبادة على وجه يستحقون بها الثواب، ومع الالجاء ~~لا يمكن ذلك، فلذلك لم يشأ ذلك. فالآية تفيد قدرته على الالجاء وتأتي ~~ذلك. ثم قال { ولكن يدخل من يشاء ms3108 في رحمته } أي يدخلهم في الجنة وثوابها ~~من يشاء منهم إذا اطاعوا واجتنبوا معاصيه وبين أن { الظالمين } نفوسهم ~~بارتكاب معصية الله { ما لهم من ولي } يواليهم { ولا نصير } يمنعهم من ~~عذاب الله إذا اراد فعله بهم جزاء على معاصيهم، ثم قال { أم اتخذوا من ~~دونه أولياء } معناه بل هؤلاء الكفار اتخذوا من دون الله أولياء من ~~الاصنام والاوثان يوالونهم وينصرونهم. # ثم قال { فالله هو الولي } معناه المستحق فى الحقيقة للولاية والتقرب ~~اليه هو الله تعالى دون غيره { وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } ~~يصح ان يكون مقدورا له قادر. ومن كان بهذه الصفة فهو الذي يجب ان يتخذ ~~وليا. # وقوله { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } معناه ان الذي تختلفون ~~فيه من أمر دينكم ودنياكم وتتنازعون فيه { فحكمه إلى الله } يعني أنه ~~الذي يفصل بين المحق فيه وبين المبطل، لانه العالم بحقيقة ذلك، فيحكم على ~~المحق باستحقاق الثواب وعلى المبطل باستحقاق العقاب. # وقيل: معناه فحكمه إلى الله، لانه يجب ان يرجع إلى أمره فى الدنيا وفصل ~~القضاء فى الآخرة. ثم قال لنبيه قل لهم { ذلك } الذي وصفته من أنه يحيي ~~الموتى وهو على كل شيء قدير { هو الله ربي } ومدبري { عليه توكلت } بمعنى ~~فوضت أمري اليه واسندت ظهري اليه { وإليه أنيب } أي ارجع اليه في جميع ~~أموري واحوالي. ### || [42.11-15] # لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم الذي وصفته بأنه ~~الذي يحيي ويميت هو ربي واليه ارجع فى أموري كلها، زاد فى صفاته تعالى { ~~فاطر السماوات والأرض } أي هو فاطر السموات، ومعنى فاطر خالق السموات ~~ابتداء. وحكي عن ابن عباس انه قال لم اكن أعرف معنى (فاطر) حتى تحاكم إلى ~~اعرابيان في بئر فقال احدهما انا فطرته بمعنى أنا ابتدأته، والفطر ايضا ~~الشق. ومنه قوله تعالى { تكاد السماوات يتفطرن منه } وقوله { جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا } يعني اشكالا مع كل ذكر أنثى يسكن اليها ويألفها. ومن ~~الأنعام أزواجا من الضان اثنين ومن المعز ms3109 اثنين ومن البقر اثنين ومن ~~الأبل اثنين، ذكورا وإناثا ووجه الاعتبار بجعل الأزواج ما في ذلك من ~~إنشاء الشيء حالا بعد حال على وجه التصريف الذي يقتضي الاختيار، وجعل ~~الخير له أسباب تطلب كما للشر أسباب تجتنب، فجعل لكل حيوان زوجا من شكله ~~على ما تقتضيه الحكمة فيه. # وقوله { يذرؤكم فيه } أي يخلقكم ويكثركم فيه يعني فى التزويج وفي ما حكم ~~فيه. وقال الزجاج والفراء: معناه يذرؤكم به أي بما جعل لكم أزواجا وانشد ~~الازهري قول الشاعر يصف امرأة: # وارغب فيها عن لقيط ورهطه # ولكنني عن سنبس لست ارغب # أي ارغب بها عن لقيط. فالذرء إظهار الشيء بايجاده يقال: ذرأ الله الخلق ~~يذرؤهم ذرءا واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني لظهور بياضه. والذرية لظهورها ~~ممن هي منه. وقوله { ليس كمثله شيء } قيل فى معناه ثلاثة اقوال: # احدها - إن الكاف زائدة وتقديره ليس مثل الله شيء من الموجودات ولا ~~المعدومات كما قال أوس بن حجر: # وقتلى كمثل جذوع النخيل # يغشاهم سيل منهر # وقال آخر: # سعد بن زيد إذا ابصرت فضلهم # ما إن كمثلهم فى الناس من احد # وقال الراجز: # وصاليات ككما توثقين # الثاني - قال الرماني: إنه بلغ في نفي الشبيه إذا نفى مثله، لانه يوجب ~~نفي الشبهة على التحقيق والتقدير، وذلك انه لو قدر له مثل لم يكن له مثل ~~صفاته ولبطل ان يكون له مثل ولنفرده بتلك الصفات، وبطل ان يكون مثلا له ~~فيجب أن يكون من له مثل هذه الصفات على الحقيقة لا مثل له أصلا إذ لو كان ~~له مثل لم يكن هو بصفاته وكان ذلك الشيء الآخر هو الذي له تلك الصفات، ~~لانها لا تصح إلا لواحد فى الحقيقة وهذا لا يجوز أن يشبه بشبه حقيقة، ولا ~~بلاغة فوجب التبعيد من الشبه لبطلان شبه الحقيقة. # الثالث - وجه كان المرتضى علي بن الحسين الموسوي (رحمة الله عليه) ~~جارانا فيه فاتفق لي بالخاطر وجه قلته فاستحسنه واستجاده، وهو ان لا تكون ~~الكاف زائدة ويكون المعنى انه نفى ان يكون لمثله ms3110 مثل وإذا ثبت انه لا مثل ~~لمثله فلا مثل له ايضا. # لأنه لو كان له مثل لكان له امثال، لأن الموجودات على ضربين: احدهما - ~~لا مثل له، كالقدرة فلا أمثال لها ايضا. والثاني - له مثل كالسواد ~~والبياض واكثر الاجناس فله امثال ايضا وليس فى الموجودات ما له مثل واحد ~~فحسب، فعلم بذلك ان المراد انه لا مثل له اصلا من حيث لا مثل لمثله. # وقوله { وهو السميع البصير } معناه انه على صفة يجب ان يسمع المسموعات ~~إذا وجدت ويبصر المبصرات إذا وجدت وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به، ~~وفائدة ذكره - ها هنا - هو انه لما نفى ان يكون له شبه على وجه الحقيقة ~~والمجاز، وعلى وجه من الوجوه بين انه مع ذلك سميع بصير، لئلا يتوهم نفي ~~هذه الصفة له على الحقيقة فقط، فانه لا مدحة في كونه مما لا مثل له على ~~الانفراد، لان القدرة لا مثل لها، وإنما المدحة في انه لا مثل له مع كونه ~~سميعا بصيرا، وذلك يدل على التفرد الحقيقي. # وقوله { له مقاليد السماوات والأرض } معناه له مفاتيح الرزق منها بانزال ~~المطر من السماء واستقامة الهواء فيها وابنات الثمار والاقوات من الأرض. ~~ثم قال { يبسط الرزق لمن يشاء } أي يوسعه له { ويقدر } أي يضيق لمن يشاء ~~ذلك على ما يعلمه من مصالحهم { إنه بكل شيء عليم } مما يصلحهم او يفسدهم. # ثم خاطب تعالى خلقه فقال { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } معنى شرع ~~بين وأظهر، وهو { الذي أوحينا إليك } يا محمد صلى الله عليه وآله وهو { ~~ما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى } وسائر النبيين، وهو أنا أمرناهم ~~بعبادة الله والشكر له على نعمه وطاعته في كل واجب وندب مع اجتناب كل ~~قبيح، وفعل ما أمر به مما أدى إلى التمسك بهذه الاصول مما تختلف به شرائع ~~الانبياء. # ثم بين ذلك فقال { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } وموضع { أن أقيموا ~~} يحتمل ثلاثة اوجه من الاعراب: # احدها - ان يكون نصبا بدلا من ms3111 (ما) فى { شرع لكم من الدين ما وصى به ~~نوحا }. # الثاني - ان يكون جرا بدلا من الهاء في (به). # الثالث - ان يكون رفعا على الاستئناف، وتقديره هو ان أقيموا الدين. ~~وقوله { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } معناه كبر عليهم واستعظموا ~~كونك داعيا إلى الله، ودعاؤك يا محمد وأنث مثلهم بشر ومن قبيلتهم إنك ~~نبي، وليس لهم ذلك، لان الله يجتبى لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من ~~قيامه باعباء الرسالة وتحمله لها، فاجتباك الله تعالى كما اجتبى موسى ومن ~~قبلك من الانبياء، ومعنى { يجتبى } يختار. # وقوله { ويهدي إليه من ينيب } معناه ويهديه إلى طريق الثواب ويهدي ~~المؤمنين الذين أنابوا اليه وأطاعوه. وقيل: يهديه إلى طريق الجنة والصواب ~~بأن يلطف له فى ذلك إذا علم ان له لطفا، ثم قال { وما تفرقوا إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ومعناه إن هؤلاء الكفار لم يختلفوا عليك ~~إلا بعد أن اتاهم طريق العلم بصحة نبوتك، فعدلوا عن النظر فيه بغيا ~~بينهم للحسد والعداوة والحرص على طلب الدنيا وإتباع الهوى. وقيل: إن ~~هؤلاء لم يختلفوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة، لكن فعلوا ذلك للبغي. # ثم قال { ولولا كلمة سبقت من ربك } بأن اخبر بأنه يبعثهم { إلى أجل مسمى ~~} ذكر انه يبقيهم اليه لم يجز مخالفته، لانه يصير كذبا { لقضي بينهم } ~~أي لفصل بينهم الحكم وانزل عليهم ما يستحقونه من العذاب عاجلا. ثم قال { ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } قال السدي: يعني اليهود والنصارى من ~~بعد الذين أورثوا الكتاب الذي هو القرآن { لفي شك منه مريب } أي من ~~الدين. وقال غيره: الذين اورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى في شك من ~~الدين مريب، وهم الذين كفروا بالقرآن وشكوا فى صحته وانه من عند الله من ~~سائر الكفار والمنافقين. # وقوله { فلذلك فادع واستقم } معناه فالى ذلك فادع، كما قال # بأن ربك أوحى لها # أي اوحى اليها يقال دعوته لذا وبذا وإلى ذا. وقيل: معنا فلذلك الدين ~~فادع. وقيل: معناه فلذلك ms3112 القرآن فادع. والاول احسن واوضح # وقوله { ولا تتبع أهواءهم } نهي للنبي صلى الله عليه وآله عن إتباع ما ~~هو به المشركون والمراد به أمته. وقيل: ثلاث من كن فيه نجا: العدل فى ~~الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والخشية فى السر والعلانية. وثلاث ~~من كن فيه هلك: شح مطاع، وهوى متبع، وعجب المرء بنفسه. # وقوله { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } أي قل لهم صدقت بما انزل الله ~~من القرآن وبكل كتاب انزله الله على الانبياء قبلي { وأمرت لأعدل بينكم ~~}. وقيل في معناه قولان: احدهما - امرت بالعدل. والثاني - أمرت كي اعدل. ~~وقل لهم أيضا { الله ربنا وربكم } أي مدبرنا ومدبركم ومصرفنا ومصرفكم { ~~لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } ومعناه أن جزاء أعمالنا لنا من ثواب او عقاب ~~وجزاء اعمالكم لكم من ثواب او عقاب، لا يؤاخذ احد بذنب غيره، كما قال # ولا تزر وازرة وزر أخرى # { لا حجة بيننا وبينكم } أي لا خصومة بيننا - فى قول مجاهد وابن زيد - ~~أي قد ظهر الحق فسقط الجدال والخصومة. وقيل: معناه إن الحجة لنا عليكم ~~لظهورها، وليست بيننا بالاشتباه والالتباس. وقيل: معناه لا حجة بيننا ~~وبينكم لظهور أمركم فى البغي علينا والعداوة لنا والمعاندة، لا على طريق ~~الشبهة، وليس ذلك على جهة تحريم إقامة الحجة، لأنه لم يلزم قبول الدعوة ~~إلا بالحجة التي يظهر بها الحق من الباطل فاذا صار الانسان إلى البغي ~~والعداوة سقط الحجاج بينه وبين اهل الحق. ثم قال { الله يجمع بيننا يوم ~~القيامة وإليه المصير } أي المرجع حيث لا يملك احد الحكم فيه ولا الأمر ~~والنهي غيره، فيحكم بيننا بالحق. وفي ذلك غاية التهديد. وقيل: إن ذلك كان ~~قبل الأمر بالقتال والجهاد. ### || [42.16-20] # يقول الله تعالى إن { الذين يحاجون في الله } أي يجادلون فى الله بنصرة ~~مذهبهم { من بعد ما استجيب له } وقيل فى معناه قولان: # احدهما - من بعد ما استجاب له الناس لظهور حجته بالمعجزات التي اقامها ~~الله - عز وجل - والآيات التي أظهرها الله فيه، لأنهم بعد هذه الحال ms3113 فى ~~حكم المعاندين بالبغي والحسد. قال مجاهد: كانت محاجتهم بأن قولوا: كتابنا ~~قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن أولى بالحق منكم، فلذلك قال الله ~~تعالى { حجتهم داحضة } لأن ما ذكروه لا يمنع من صحة نبوة نبينا بأن ينسخ ~~الله كتابهم وما شرعه النبي الذي كان قبله. # والثاني - معناه من بعد ما استجيب للنبي دعاءه بالمعجزات التي اجاب الله ~~تعالى دعاءه في إقامتها له. قال الجبائي: أجاب الله تعالى دعاءه فى كفار ~~بدر حتى قتلهم الله بأيدي المؤمنين، وأجاب دعاءه عليهم بمكة وعلى مضر من ~~القحط والشدائد التي نزلت بهم، وما دعا به من إنجاء الله المستضعفين من ~~أيدي قريش فأنجاهم الله وخلصهم من ايديهم وغير ذلك مما يكثر تعداده، فقال ~~الله تعالى { حجتهم داحضة عند ربهم } وهي شبهة، وإنما سماها حجة - على ~~اعتقادهم - فلشبهها بالحجة أجرى عليها اسمها من غير اطلاق الصفة بها، و ~~(داحضة) معناه باطلة { عند ربهم وعليهم غضب من الله } أي لعن واستحقاق ~~عقاب والاخبار به عاجلا { ولهم } مع ذلك { عذاب شديد } يوم القيامة. # وقوله تعالى { الله الذي أنزل الكتاب } يعني القرآن { بالحق والميزان } ~~فقوله { بالحق } فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة: بأن الله أنزله ~~ليكفروا به واراد منهم الضلال والعمل بالباطل. وانزل { الميزان } يعني ~~العدل، لان الميزان إظهار التسوية من خلافها في ما للعباد اليه الحاجة في ~~المعاملة او التفاضل ومثل الموازنة المعارضة والمقابلة والمقايسة، ~~فالقرآن إذا قوبل بينه وبين ما يدعونه، وقويس بينهما ظهرت فضيلته، وبانت ~~حجته، وعلمت دلالته، فلذلك وصفه بالميزان. وقال مجاهد وقتادة: الميزان - ~~ها هنا - العدل. وقال الجبائي: انزل الله عليهم الميزان من السماء وعرفهم ~~كيف يعملون به بالحق وكيف يزنون به. وقيل: إن الحق الذي انزل به الكتاب ~~وصفه على عقد معتقده على ما هو به من ثقة. والحق قد يكون بمعنى حكم ومعنى ~~امر او نهي ومعنى وعد او وعيد ومعنى دليل. # وقوله { وما يدريك } يا محمد ولا غيرك { لعل الساعة قريب } إنما قال ~~(قريب) مع تأنيث الساعة، لان تأنيثها ms3114 ليس بحقيقي. وقيل: التقدير لعل ~~مجيئها قريب. وإنما اخفى الله تعالى الساعة ووقت مجيئها عن العباد، ~~ليكونوا على خوف ويبادروا بالتوبة، ولو عرفهم عنها لكانوا مغريين بالقبيح ~~قبل ذلك تعويلا على التأني بالتوبة. # وقوله { يستعجل بها } يعني بالساعة { الذين لا يؤمنون بها } أي لا يقرون ~~بها ولا يصدقون لجهلهم بما عليهم فى مجيئها من استحقاق العقاب وما ~~للمؤمنين من الثواب. وقال { والذين آمنوا } أي صدقوا بها { مشفقون منها } ~~أي خائفون من مجيئها لعلمهم بما فيها من استحقاق العقاب والاهوال ~~فيحذرونها { ويعلمون أنها الحق } أي ويعلمون ان مجيئها الحق الذي لا خلاف ~~فيه. ثم قال تعالى ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفي ضلال بعيد أي ~~يجادلون فى مجيئها على وجه الانكار لها لفي ضلال عن الصواب وعدول عن الحق ~~بعيد. # ثم قال تعالى { الله لطيف بعباده } فلطفه بعباده إيصاله المنافع اليهم ~~من وجه يدق على كل عاقل إدراكه، وذلك فى الارزاق التي قسمها الله لعباده ~~وصرف الافات عنهم، وإيصال السرور اليهم والملاذ، وتمكينهم بالقدرة ~~والآلات إلى غير ذلك من ألطافه التي لا تدرك على حقيقتها ولا يوقف على ~~كنهها لغموضها. ثم قال تعالى { يرزق من يشاء وهو القوي } يعني القادر ~~الذي لا يعجزه شيء { العزيز } الذي لا يغالب. # وقوله { من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه } قيل: معناه إنا نعطيه ~~بالحسنة عشرا إلى ما شئنا من الزيادة { ومن كان يريد حرث الدنيا } أي من ~~عمل الدنيا { نؤته } أي نعطيه نصيبه { منها } من الدنيا لا جميع ما يريده ~~بل على ما تقتضيه الحكمة دون الآخرة، وشبه الطالب بعمله الآخرة بالزارع ~~في طلب النفع لحرثه، وكذلك الطالب بعمله نفع الدنيا. ثم قال { وماله } ~~يعني لمن يطلب الدنيا دون الآخرة { في الآخرة من نصيب } من الثواب ~~والنعيم فى الآخرة. وقيل: إن الذي وعدهم الله به أن يؤتيهم من الدنيا إذا ~~طلبوا حرث الدنيا هو ما جعل لهم من الغنيمة والفيء إذا قاتلوا مع ~~المسلمين، لأنهم لا يمنعون ذلك مع إظهارهم الايمان ms3115 لكن ليس لهم في الآخرة ~~نصيب من الثواب. ### || [42.21-25] # قرأ ابن كثير، ونافع، وابو عمرو، وابن عامر، وابو بكر عن عاصم { يفعلون ~~} بالياء. الباقون بالتاء. # من قرأ بالياء، فعلى أن الله يعلم ما يفعله الكفار فيجازيهم عليه. ومن ~~قرأ بالتاء فعلى وجه الخطاب لهم بذلك. # لما اخبر الله تعالى ان من يطلب بأعماله الدنيا أنه يعطيه شيئا منها، ~~وانه ليس له حظ من الخير في الآخرة. وقال { أم لهم شركاء } يعني بل هؤلاء ~~الكفار لهم شركاء في ما يفعلونه أي اشركوهم معهم في أعمالهم بأن { شرعوا ~~لهم من الدين } الذي قلدوهم فيه { ما لم يأذن به الله } أي لم يأمر به ~~ولا أذن فيه. ثم قال { ولولا كلمة الفصل } أي كلمة الحكم الذي قال الله: ~~إني اؤخر عقوبتهم، ولا أعاجلهم به فى الدنيا { لقضي بينهم } وفصل الحكم ~~فيهم وعوجلوا بما يستحقونه من العذاب. ثم قال { وإن الظالمين } لنفوسهم ~~بارتكاب المعاصي { لهم عذاب اليم } أي مؤلم أي هم مستحقون لذلك يوم ~~القيامة. ثم قال { ترى الظالمين } يا محمد { مشفقين } أي خائفين { مما ~~كسبوا } يعني من جزاء ما كسبوا من المعاصي وهو العقاب الذي استحقوه { وهو ~~واقع بهم } لا محالة لا ينفعهم اشفاقهم منه، ولا خوفهم من وقوعه، ~~والاشفاق الخوف من جهة الرقة على المخوف عليه من وقوع الأمر، واصل الشفقة ~~الرقة من قولهم ثوب مشفق أي رقيق ردىء، ودين فلان مشفق أي ردىء. # ثم قال { والذين آمنوا } بالله وصدقوا رسله { وعملوا } الأفعال { ~~الصالحات } من الطاعات { في روضات الجنات } فالروضة الأرض الخضرة بحسن ~~النبات، والجنة الأرض التي يجنها الشجر، والبستان التي عمها النبات أي هم ~~مستحقون للكون فيها { لهم ما يشاؤن عند ربهم } ومعناه لهم ما يشتهون من ~~اللذات، لان الانسان لا يشاء الشيء إلا من طريق الحكمة او الشهوة او ~~الحاجة فى دفع ضرر ودفع الضرر لا يحتاج اليه في الجنة، وإرادة الحكمة ~~تتبع التكليف، فلم يبق بعد ذلك إلا انهم يشاؤن ما يشتهون. وقوله { عند ~~ربهم } يعني يوم القيامة الذي ms3116 لا يملك فيه الأمر والنهي غيره، وليس يريد ~~ب { عند ربهم } من قرب المسافة، لأن ذلك من صفات الاجسام. # ثم قال { ذلك } يعني الكون عند ربهم وأن لهم ما يشاؤن { هو الفضل الكبير ~~} يعني الزيادة التي لا يوازيها شيء فى كثرتها. ثم قال { ذلك } يعني ما ~~تقدم ذكره مما يشاؤنه هو { الذي يبشر الله عباده } به ومن شدد الشين أراد ~~التكثير، ومن خفف، فلأنه يدل على القليل والكثير. وقيل: هما لغتان، وحكى ~~الاخفش لغة ثالثة: أبشرته. ثم وصفهم فقال { الذين آمنوا } بالله وصدقوا ~~رسله { وعملوا } الاعمال { الصالحات }. # ثم قال { قل } لهم يا محمد صلى الله عليه وآله { لا أسألكم عليه } أي ~~على ادائي اليكم { أجرا } عن الرسالة، وما بعثني الله به من المصالح { ~~إلا المودة في القربى } وقيل في هذا الاستثناء قولان: # احدهما - إنه استثناء منقطع لان المودة فى القربى ليس من الأجر ويكون ~~التقدير لكن أذكركم المودة فى قرابتي. # الثاني - إنه استثناء حقيقة ويكون أجرى المودة فى القربي كأنه أجر، وإن ~~لم يكن أجر واختلفوا في معنى { المودة في القربى } فقال علي بن الحسين ~~عليهما السلام وسعيد ابن جبير وعمرو بن شعيب: معناه أن تودوا قرابتي، وهو ~~المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وقال الحسن: معناه { إلا ~~المودة في القربى } إلى الله تعالى والتودد بالعمل الصالح اليه. وقال ابن ~~عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك وابن زيد وعطاه بن دينار: معناه إلا ~~ان تودوني لقرابتي منكم. وقالوا: كل قرشي كانت بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وآله قرابة، ويكون المعنى إن لم تودوني لحق النبوة افلا تودوني ~~لحق القرابة. والاول هو الاختيار عندنا، وعليه اصحابنا. وقال بعضهم: إلا ~~ان تصلوا قرابتكم. وقال آخرون: معناه إلا ان تتقربوا إلى الله بالطاعات. # ثم قال تعالى { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } أي من فعل طاعة نزد ~~له في تلك الطاعة حسنا بأن نوجب له عليها الثواب. والاقتراب الاكتساب ~~واصله من قرفت الشيء إذا كشفت عنه، كقولك قرفت ms3117 الجلد وهو من الاعتماد ~~والاكتساب { إن الله غفور } أي ستار على عباده معاصيهم بالتوبة وغير ~~التوبة تفضلا منه تعالى وإحسانا منه إلى عباده { شكور } ومعناه إنه ~~يعاملهم معاملة الشاكر في توفية الحق حتى كأنه ممن وصل اليه النفع فشكره. ~~وقيل: معناه يجازيهم على شكرهم إياه فسماه شكرا على عادتهم في تسمية ~~الشيء باسم ما كان سببه مجازا، كما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # ثم قال { أم يقولون افترى على الله كذبا } بمعنى بل يقولون هؤلاء ~~الكفار إنك يا محمد افتريت على الله كذبا في ادعائك رسالة على الله فقال ~~له تعالى { فإن يشأ الله يختم على قلبك } قال قتادة: معناه يختم على قلبك ~~بأن ينسيك القرآن. وقيل: معناه لو حدثتك نفسك بأن تفتري على الله كذبا ~~لطبعت على قلبك واذهبت الوحي الذي أتيتك، لاني أمحوا الباطل واحق الحق. ~~وقال الزجاج: معناه فان يشأ الله ان يربط على قلبك بالصبر على أذاهم لك ~~وعلى قولهم افترى على الله كذبا { ويمحوا الله الباطل } وقوله { ويمحوا ~~الله الباطل } رفع إلا أنه حذف الواو من المصاحف كما حذف من قوله # سندع الزبانية # على اللفظ وذهابه لالتقاء الساكنين، وليس بعطف على قوله { يختم } لأنه ~~رفع وبين ذلك بقوله { ويحق الحق بكلماته } أي ويثبت الحق بأقواله التي ~~ينزلها على انبيائه يتبين بها كذب من ادعى على الله كذبا في أنه نبي، ~~ولا يكون كذلك { إنه عليم بذات الصدور } أي بأسرار ما في الصدور، لا يخفى ~~عليه شيء منها. ثم قال { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ~~ويعلم ما تفعلون } فتمدحه بأن يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات بأن ~~لا يعاقب عليها دليل على ان إسقاط العقاب عندها تفضل، ويعلم ما تفعلونه ~~من التوبة وغيرها فيجازيكم عليها. فمن قرأ بالتاء فعلى الخطاب ومن قرأ ~~بالياء فعلى وجه الاخبار عن الغائب. ### || [42.26-30] # قرأ ابن عامر ونافع { بما كسبت } بلا فاء، وكذلك هو في مصاحف اهل ~~المدينة واهل الشام. الباقون بالفاء، وكذلك في مصاحفهم، فعلى ms3118 هذا يكون ~~جزاء وعلى الأول يكون المعنى الذي أصابكم من مصيبة بما كسبت ايديكم. # لما اخبر الله تعالى انه يقبل التوبة عن عباده وانه يعلم ما يفعلونه من ~~طاعة او معصية وانه يجازيهم بحسبها، ذكر انه { ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } يجيبهم بمعنى و (الذين) في موضع نصب، وأجاب واستجاب ~~بمعنى واحد، قال الشاعر: # وداع دعايا من يجيب إلى الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقيل: الاستجابة موافقة عمل العامل ما يدعو اليه، لأجل دعائه اليه، فلما ~~كان المؤمن يوافق بعمله ما يدعو النبي صلى الله عليه وآله من اجل دعائه ~~كان مستجيبا له، وكذلك من وافق بعمله داعي عقابه كان مستجيبا للداعي ~~بالفعل. وعن معاذ بن جبل: إن الله تعالى يجيب الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في دعاء بعضهم لبعض. وقيل: معناه ويجيب المؤمنون ربهم في ما ~~دعاهم اليه، فبكون (الذين) في موضع رفع، ويكون قوله { ويزيدهم } راجعا ~~إلى الله أي يزيدهم الله من فضله. وقيل: معناه ويستجيب دعاع المؤمنين، ~~ولا يستجيب دعاء الكافرين، لأنه ثواب ولا ثواب للكافرين. وقيل: بل يجوز ~~ان يكون ذلك إذا كان فيه لطف للمكلفين. وقوله { ويزيدهم من فضله } معناه ~~ويزيدهم زيادة من فضله على ما يستحقونه من الثواب. وقال الرماني: الزيادة ~~بالوعد تصير اجرا على العمل إذا كان ممن يحسن الوعد بها من طريق الوعد، ~~كما لو كان إنسان يكتب مئة ورقة بدينار، ورغبه ملك في نسخ مئة ورقة بعشرة ~~دنانير، فانه يكون الأجرة حينئذ عشرة دنانير وإذا بلغ غاية الأجر في ~~مقدار لا يصلح عليه اكثر من ذلك، فانما تستحق الزيادة بالوعد. # وقوله { والكافرون لهم عذاب شديد } اخبار عما يستحقه الكافر على كفره من ~~العقاب المؤلم الشديد. # وقوله { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } إخبار منه تعالى ~~بأنه لو وسع رزقه على عباده وسوى بينهم لبطروا النعمة وتنافسوا وتغالبوا، ~~وكان ذلك يؤدي إلى وقوع الفساد بينهم والقتل وتغلب بعضهم على بعض ~~واستعانة بعضهم ببعض ببذل الأموال، ولكن دبرهم على ما علم ms3119 من مصلحتهم في ~~غناء قوم وفقر آخرين، وإحواج بعضهم إلى بعض وتسخير بعضهم لبعض، فلذلك قال ~~{ ولكن ينزل بقدر ما يشاء } مما يعلمه مصلحة لهم { إنه بعباده خبير بصير ~~} يعني عالم بأحوالهم بصير بما يصلحهم مما يفسدهم. # ثم قال { وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } أى ينزله عليهم من بعد ~~أياسهم من نزوله، ووجه إنزاله بعد القنوط انه أدعى إلى شكر الآتي به ~~وتعظيمه والمعرفة بمواقع إحسانه، وكذلك الشدائد التي تمر بالانسان، ويأتي ~~الفرج بعدها، تعلق الأمل بمن يأتي به وتكسب المعرفة بحسن تدبيره في ما ~~يدعو اليه من العمل بأمره والانتهاء إلى نهيه. # ونشر الرحمة عمومها لجميع خلقه، فهكذا نشر رحمة الله مجددة حالا بعد ~~حال. ثم يضاعفها لمن يشاء، وكل ذلك على مقتضى الحكمة وحسن التدبير الذي ~~ليس شئ لحسن منه { وهو الولي الحميد } معناه هو الأولى بكم وبتدبيركم ~~المحمود على جميع افعاله لكونها منافعا وإحسانا. # ثم قال { ومن آياته } أي من حججه الدالة على توحيده وصفاته التي باين ~~بها خلقه { خلق السماوات والأرض } لأنه لا يقدر على ذلك غيره لما فيهما ~~من العجائب والاجناس التي لا يقدر عليها قادر بقدرة { وما بث فيهما من ~~دابة } أي من سائر اجناس الحيوان { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } أي على ~~جمعهم يوم القيامة وحشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم قادر، لا يتعذر عليه ~~ذلك. # ثم قال { وما أصابكم من مصيبة } معاشر الخلق { فبما كسبت أيديكم ويعفو ~~عن كثير } قال الحسن: ذلك خاص فى الحدود التي تستحق على وجه العقوبة. ~~وقال قتادة: هو عام. وقال قوم: ذلك خاص وإن كان مخرجه مخرج العموم لما ~~يلحق من المصائب على الأطفال والمجانين ومن لا ذنب له من المؤمنين. وقال ~~قوم: هو عام بمعنى ان ما يصيب المؤمنين والاطفال إنما هو من شدة محنة ~~تلحقهم، وعقوبة للعاصين كما يهلك الاطفال والبهائم مع الكفار بعذاب ~~الاستئصال. ولأنه قد يكون فيه استصلاح اقتضاه وقوع تلك الاجرام. # وقيل قوله { ولو بسط الله الرزق لعباده } بحسب ms3120 ما يطلبونه ويقترحونه { ~~لبغوا في الأرض } فانه لم يمنعهم ذلك لعجز، ولا بخل. وقوله { إذا يشاء } ~~يدل على حدوث المشيئة، لانه لا يجوز ان يكون إذا قدر على شيء فعله ولا ~~إذا علم شيئا فعله. ويجوز إن شاء ان يفعل شيئا فعله. # وقوله { أصابكم } قال ابو علي النحوي: يحتمل أمرين احدهما - ان يكون صلة ~~ل (ما). والثاني - ان يكون شرطا في موضع جزم، فمن قدره شرطا لم يجز ~~سقوط الفاء - على قول سيبويه - واجاز ذلك ابو الحسن والكوفيون. وإن كان ~~صلة فالاثبات والحذف جائزان على معنيين مختلفين، فاذا ثبت الفاء كان ذلك ~~دليلا على ان الامر الثاني وجب بالأول كقوله # الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم # فثبوت الفاء يدل على وجوب الانفاق وإذا حذف احتمل الأمرين. ### || [42.31-35] # خمس آيات كوفي وأربع في ما عداه عد الكوفيون { كالأعلام } ولم يعد، ~~الباقون. # قرأ ابو عمرو، ونافع { الجواري في البحر } بياء في الوصل، ووقف/ ابن ~~كثير بياء ايضا. الباقون بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ نافع وابو جعفر ~~وابن عامر { ويعلم الذين } رفعا على الاستئناف، لان الشرط والجزاء قد ~~تم، فجاز الابتداء بما بعده. الباقون بالنصب. فمن نصبه فعلى الصرف، كما ~~قال النابغة: # فان يهلك ابو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # ونأخذ بعده بذناب عيش # اجب الظهر ليس له سنام # قال الكوفيون: هو مصروف من مجزوم إلى منصوب، وقال البصريون: هو نصب ~~بأضمار (أن) وتقديره ان يعلم، كما قال الشاعر: # ولبس عباءة وتقر عيني # احب إلي من لبس الشفوف # وتقديره وأن تقر عيني، قال ابو علي: ومن نصب { ويعلم } فلان قبله شرط ~~وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب، تقول فى الشرط إن تأتني وتعطيني اكرمك ~~فينصب وتعطيني، وتقديره إن يكون منك اتيان وإعطاء أكرمك، والنصب بعد ~~الشرط إذا عطفته بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جزاء الشرط فأما العطف ~~على الشرط نحو إن تأتني وتكرمني اكرمك، فالذي يختار سيبويه فى العطف على ~~الشرط نحو إن تأتني وتكرمني الجزم، فيختار ms3121 { ويعلم الذين } إذا لم يقطعه ~~عن الأول فيرفعه، وإن عطف على جزاء الشرط، فالنصب أمثل. ومن اثبت الياء ~~فى الحالين فى قوله { الجواري } فلأنها الأصل، لكن خالف المصحف، ومن ~~اثبتها وصلا دون الوقف استعمل الاصل وتبع المصحف، ومن حذفها في الحالين ~~يتبع المصحف، واجتزأ بالكسوة الدالة على الياء. وواحد الجواري جارية، وهي ~~السفينة، وحكي عن ابن مسعود انه قرأ بضم الراء كأنه قلب، كما قالوا (شاك) ~~فى (شائك) فأراد الجوائر فقلب. # قوله { وما أنتم بمعجزين في الأرض } خطاب من الله تعالى للكفار بأنكم ~~لستم تفوتون الله بالهرب منه في الارض ولا في السماء، فانه يقدر عليكم في ~~جميع الأماكن ولا يمكن النجاة من عذابه إلا بطاعته، فواجب عليكم طاعته، ~~ففي ذلك استدعاء إلى عبادة الله وترغيب فى كل ما أمر به وتحذير عما نهى ~~عنه. ووجه الحجة بذلك على العبد انه إذا كان لا يعجز الله، ولا يجد ~~دافعا عن عقابه خف عليه عمل كل شيء فى جنب ما توعد به. # وقوله { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } اي ليس لكم من يدفع عنكم ~~عقاب الله إذا اراد فعله بكم ولا ينصركم عليه، فيجب أن ترجعوا إلى طاعة ~~من هذه صفته. # وقوله { ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام } معناه من آياته الدالة ~~على انه تعالى مختص بصفات لا يشركه فيها احد، السفن الجارية فى البحر مثل ~~الجبال، لأنه تعالى يسيرها بالريح لا يقدر على تسييرها غيره، ووجه ~~الدلالة فى السفن الجارية هو ان الله خلق الماء العظيم وعدل الريح بما ~~يمكن أن يجري فيه على حسب المراد لأنه إذا هبت الريح فى جهة وسارت بها ~~السفينة فيها، فلو اجتمعت الخلائق على صرفها إلى جهة أخرى لما قدروا، ~~وكذلك لو سكنت الريح لوقفت. # وما قدر احد على تحريكها، ولا إجرائها غيره تعالى. # ثم بين ذلك بأن قال { إن يشأ يسكن الريح } وتقديره إن يشأ يسكن الريح ~~أسكنها او إن يشأ ان يسكنها سكنت، وليس المعنى إن وقعت منه ms3122 مشيئة أسكن لا ~~محالة، لانه قد وقعت منه مشيئة لاشياء كثيرة ولم تسكن الريح. والجواري ~~السفن - فى قول مجاهد والسدي - والاعلام الجبال - فى قولهما - وقوله { ~~فيظللن رواكد على ظهره } قال ابن عباس: معناه تظل السفن واقفة على ظهر ~~الماء، قال الشاعر: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # وقوله { إن في ذلك } يعني فى تسخير البحر وجريان السفن فيها لآيات أي ~~حججا واضحات { لكل صبار } على أمر الله { شكور } على نعمه، وإنما اضاف ~~الآيات إلى كل صبار وإن كانت دلالات لغيرهم أيضا من حيث هم الذين ~~انتفعوا بها دون غيرهم، ممن لم ينظر فيها. # وقوله { أو يوبقهن بها كسبوا } معناه يهلكهن بالغرق - في قول ابن عباس ~~والسدي ومجاهد - { بما كسبوا } أي جزاء على ما فعلوه من المعاصي { ويعفو ~~عن كثير } اخبار منه تعالى انه يعفو عن معاصيهم لا يعاجلهم الله ~~بعقوبتها. # وقوله { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص } اخبار منه ~~تعالى أن الذين يجادلون في إبطال آيات الله تعالى ويدفعونها سيعلمون انه ~~ليس لهم محيص أي ملجأ يلجؤن اليه - في قول السدي -. ### || [42.36-40] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { كبير الإثم } على التوحيد. الباقون { كبائر ~~} على الجمع جمع التكسير. ومن وحد قال: إنه اسم جنس يقع على القليل ~~والكثير. وقال قوم: اراد الشرك فقط. ومن جمع، فلان انواع الفواحش، ~~واختلاف اجناسها كثيرة. # يقول الله تعالى مخاطبا لمن تقدم وصفه { وما أوتيتم } يعني ان الذي ~~اوتيتموه وأعطيتموه { من شي ء } من الاموال، { فمتاع الحياة الدنيا } أى ~~هو شيء ينتفع به عاجلا لا بقاء له ولا محصول له. والمتاع يخير به عن ~~الامتاع ويعبر به عن الاثاث، ففي ذلك تزهيد في الدنيا وحث على عمل ~~الآخرة. ثم قال { وما عند الله } يعني من الثواب في الجنة { خير وأبقى } ~~من هذه المنافع العاجلة التي هي قليلة والآخرة باقية دائمة، وهذه فانية ~~منقطعة. ثم بين انها حاصلة { للذين آمنوا } بتوحيد الله وتصديق رسله { ~~وعلى ربهم يتوكلون } أى يفوضون أمرهم ms3123 اليه تعالى دون غيره فالتوكل على ~~الله تفويض الامر اليه باعتقاد أنها جارية من قبله على احسن التدبير مع ~~الفزع اليه بالدعاء في كلما ينوب. والتوكل واجب، الترغيب فيه كالترغيب في ~~جملة الايمان. # وقوله { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } يحتمل ان يكون (الذين) ~~في موضع جر بالعطف على قوله { للذين } فكأنه قال وما عند الله خير وأبقى ~~للمؤمنين المتوكلين على ربهم المجتنبين كبائر الاثم والذنوب. والفواحش ~~جمع فاحشة، وهي اقبح القبيح. ويحتمل ان يكون في موضع رفع بالابتداء، ~~ويكون الخبر محذوفا، وتقديره الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش { وإذا ~~ما غضبوا } مما يفعل بهم من الظلم والاساءة { هم يغفرون } ويتجاوزون عنه ~~ولا يكافونهم عليه لهم مثل ذلك. والعفو المراد في الآية هو ما يتعلق ~~بالاساءة الى نفوسهم الذى لهم الاختصاص بها فمتى عفوا عنها كانوا ~~ممدوحين. فأما ما يتعلق بحدود الله ووجوب حدوده فليس للامام تركها ولا ~~العفو عنها، ولا يجوز له ان يعفو عن المرتد وعمن يجرى مجراه. ثم زاد في ~~صفاتهم فقال { والذين استجابوا لربهم } في ما دعاهم اليه { وأقاموا ~~الصلاة } على حقها { وأمرهم شورى بينهم } أى لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا ~~غيرهم، لانه قيل: ما تشاور قوم إلا وفقوا لأحسن ما يحضرهم { ومما رزقناهم ~~ينفقون } في طاعة الله وسبيل الخير. # ثم قال { والذين إذا أصابهم البغي } من غيرهم وظلم من جهتهم { هم ~~ينتصرون } يعني ممن بغى عليهم من غير ان يعتدوا فيها فيقتلوا غير القاتل ~~ويجنوا على غير الجاني، وفي قوله { والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون } ~~ترغيب في انكار المنكر. ثم قال { وجزاء سيئة سيئة مثلها } قال ابو نجيح ~~والسدى: معناه إذا قال أخزاه الله متعديا قال له مثل ذلك اخزاه الله. # ويحتمل ان يكون المراد ما جعل الله لنا إلا الاقتصاص منه من # النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص # فان للمجني عليه أن يفعل بالجاني مثل ذلك من غير زيادة وسماه سيئة ~~للازدواج، كما قال # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ms3124 عوقبتم به # وقال # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم # ثم مدح العافي عما له أن يفعله، فقال { فمن عفى وأصلح } عما له المؤاخذة ~~فيه { فأجره } في ذلك وجزاؤه { على الله } فانه يثيبه على ذلك. # وقوله { إنه لا يحب الظالمين } قيل فى معناه وجهان: # احدهما - إني لم ارغبكم في العفو عن الظالم لأني أحبه، بل لأني أحب ~~الاحسان والعفو. # والثاني - إني لا أحب الظالم لتعديه ما هو له إلى ما ليس له في القصاص ~~ولا غيره. # وقيل الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات، ~~وعقوق الوالدين، واكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، واكل الحرام. # وعندنا كل معصية كبيرة، وإنما تسمى صغيرة بالاضافة إلى ما هو اكبر منها ~~لا انها تقع محبطة، لان الاحباط باطل عندنا. وقيل إن هذه الآيات نزلت في ~~قوم من المهاجرين والانصار. ### || [42.41-45] # قوله { ولمن انتصر من بعد ظلمه } اخبار من الله تعالى أن من انتصر لنفسه ~~بعد أن كان ظلم وتعدي عليه، فاخذ لنفسه بحقه، فليس عليه من سبيل. قال ~~قتادة: بعد ظلمه في ما يكون فيه القصاص بين الناس فى النفس او الاعضاء او ~~الجراح، فأما غير ذلك فلا يجوز أن يفعل لمن ظلمه ولا ذم له على فعله. ~~وقال قوم: معناه إن له أن ينتصر على يد سلطان عادل بأن يحمله اليه ~~ويطالبه بأخذ حقه منه، لأن السلطان هو الذي يقيم الحدود، ويأخذ من الظالم ~~للمظلوم، ويمكن أن يستدل بذلك على أن من ظلمه غيره بأخذ ماله كان له إذا ~~قدر أن يأخذ من ماله بقدره، فلا إثم عليه، والظالم هو الفاعل للظلم. وقد ~~بينا حكم الظالم فى غير موضع، فلما بين أن للمظلوم أن يقتص منه، وانه متى ~~اخذ بحقه لم يكن عليه سبيل بين { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } ~~ويأخذون ما ليس لهم ويتعدون عليهم { ويبغون } عليهم { في الأرض بغير الحق ~~} لأنه متى سعى فيها بالحق لم يكن مذموما به إن طلب بذلك ما أباحه الله ms3125 ~~له { أولئك لهم عذاب أليم } اخبار منه تعالى أن من قدم وصفه لهم عذاب ~~موجع مؤلم. ثم مدح تعالى من صبر على الظلم ولم ينتصر لنفسه ولا طالب به ~~ويغفر لمن أساء اليه بأن قال { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } أي ~~من ثابت الأمور التي أمر الله بها فلم ينسخ. و { عزم الأمور } هو الاخذ ~~بأعلاها فى باب نيل الثواب والأجر وإحتمال الشدائد على النفس وإيثار رضا ~~الله على ما هو مباح. وقيل: { إن ذلك لمن عزم الأمور } جواب القسم الذي ~~دل عليه { لمن صبر وغفر } كما قال # لئن أخرجوا لا يخرجون معهم # وقيل: بل هي في موضع الخبر. كأنه قال إن ذلك منه لمن عزم الأمور، وحسن ~~ذلك مع طول الكلام. # وقوله { ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } يحتمل أمرين: # احدهما - ان من اضله الله عن طريق الجنة إلى عذاب النار فليس له ناصر ~~ينصره عليه ويرفعه عنه من بعد ذلك بالتخليص منه. # والثاني - أن من حكم الله بضلاله وسماه ضالا عن الحق فما له من ولي ولا ~~ناصر يحكم بهدايته ويسميه هاديا. # ثم قال { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل } ~~اخبار منه تعالى إنك يا محمد ترى الظالمين إذا شاهدوا عذاب النار يقولون ~~هل إلى الرجوع والرد إلى دار التكليف. من سبيل تمنيا منهم لذلك وإلتجاء ~~إلى هذا القول لما ينزل بهم من البلاء. # مع علمهم بأن ذلك لا يكون، لان معارفهم ضرورية. # ثم قال { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي } قال ~~ابن عباس: من طرف ذليل. وقال الحسن وقتادة: يسارقون النظر، لأنهم لا ~~يجرؤن أن ينظروا إلى النار بجميع أبصارهم لما يرون من هول النار وألوان ~~العذاب. وقيل: يرون النار بقلوبهم، لأنهم يحشرون عميا { وقال الذين ~~آمنوا } يعني الذين صدقوا الله ورسوله ذلك اليوم إذا رأوا حصول الظالمين ~~فى النار واليم العقاب { إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } باستحقاق ~~النار { وأهليهم } لما حيل ms3126 بينهم وبينهم { يوم القيامة ألا إن } هؤلاء { ~~الظالمين في عذاب مقيم } أي دائم لا زوال له. وقد منعوا من الانتفاع ~~بنفوسهم واهليهم ذلك اليوم. ### || [42.46-50] # لما اخبر الله تعالى أن الظالمين انفسهم بارتكاب المعاصي وترك الواجبات ~~فى عذاب مقيم دائم غير منقطع، اخبر في الآية التي بعدها انهم لم يكن لهم ~~أولياء فى ما عبدوه من دون الله، ولا فيمن أطاعوه في معصية الله، أي ~~انصار ينصرونهم من دون الله ويرفعون عنهم عقابه. وقيل: المراد من يعبدونه ~~من دون الله او يطيعونه في معصية الله لا ينفعهم يوم القيامة. فالفائدة ~~بذلك اليأس من أي فرج إلا من قبل الله، فلهذا من كان هلاكه بكفره لم يكن ~~له ناصر يمنع منه. # ثم قال { ومن يضلل الله } أي من أضله الله عن طريق الجنة وعدل به إلى ~~النار { فما له من سبيل } يوصله إلى الجنة والثواب. ويحتمل ان يكون ~~المراد ومن يحكم الله بضلاله ويسميه ضالا لم يكن لأحد سبيل إلى ان يحكم ~~بهدايته. ثم قال تعالى لخلقه { استجيبوا لربكم } يعني اجيبوه إلى ما ~~دعاكم اليه ورغبكم فيه من المصير إلى طاعته والانقياد لأمره { من قبل أن ~~يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ } أي لا مرجع له بعد ما ~~حكم به. وقيل معناه لا يتهيأ لاحد رده ولا يكون لكم ملجأ تلجؤن اليه في ~~ذلك اليوم. والملجأ والمحرز نظائر { وما لكم من نكير } أى تعيير انكار. ~~وقيل: معناه من نصير ينكر ما يحل بكم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { ~~فإن أعرضوا } يعني هؤلاء الكفار وعدلوا عما دعوناهم اليه ولا يستجيبون ~~اليه { فما أرسلناك عليهم حفيظا } أي حافظا تمنعهم من الكفر { إن عليك ~~} أي ليس عليك { إلا البلاغ } وهو ايصال المعنى إلى افهامهم وتبين لهم ما ~~فيه رشدهم، فالذي يلزم الرسول دعاؤهم إلى الحق، ولا يلزمه ان يحفظهم من ~~اعتقاد خلاف الحق. ثم اخبر تعالى عن حال الانسان وسرعة تنقله من حال الى ~~حال فقال ms3127 { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة } واوصلنا اليه نعمة { فرح ~~بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } أي عقوبة جزاء بما قدمته ايديهم من ~~المعاصى { فإن الإنسان كفور } يعدد المصائب ويجحد النعم وقوله { لله ملك ~~السماوات والأرض } ومعناه له التصرف في السموات والارض وما بينهما ~~وسياستهما بما تقتضيه الحكمة حسب ما يشاء { ويخلق ما يشاء } من انواع ~~الخلق { يهب لمن يشاء } من خلقه { إناثا } يعني البنات بلا ذكور { ويهب ~~لمن يشاء } من خلقه { الذكور } بلا اناث { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } ~~قال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي: معناه ان يكون حمل المرأة ~~مرة ذكرا ومرة انثى ويحتمل ان يكون المراد ان يرزقه. تواما ذكرا وانثى ~~او ذكرا وذكرا. وانثى وانثى وهو قول ابن زيد { ويجعل من يشاء عقيما } ~~فالعقيم من الحيوان الذي لا يكون له ولد ويكون قد عقم فرجه عن الولادة ~~بمعنى منع { إنه عليم } بمصالحهم { قدير } أي قادر على خلق ما اراد من ~~ذلك. ### || [42.51-53] # قرأ نافع وابن عامر في رواية الداحوني عن صاحبه { أو يرسل.. فيوحي } ~~بالرفع على تقدير او هو يرسل فيوحى ويكون المعنى يراد به الحال بتقدير ~~إلا موحيا او مرسلا وذلك كلامه اياهم. الباقون بالنصب ويرسل فيوحي على ~~تأويل المصدر، كأنه قال إلا ان يوحي او يرسل. ومعنى (او) في قوله { أو ~~يرسل رسولا } يحتمل وجهين: # احدهما - العطف، فيكون ارسال الرسول احد اقسام بكلام كما يقال عتابك ~~السيف كانه قيل الا وحيا او ارسالا. # الثاني - ان يكون (الا ان) كقولك لألزمنك او تعطيني حقي، فلا يكون ~~الارسال في هذا الوجه كلاما. ولا يجوز ان يكون { أو يرسل } فيمن نصب ~~عطفا على قوله { أن يكلمه الله } لأنك لو حملته على ذلك لكان المعنى وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله او ان يرسل رسولا، ولم يخل قولك { أو يرسل رسولا ~~} من ان يكون المراد به او يرسله رسولا او يكون المراد او يرسل اليه ~~رسولا، والتقديران جميعا فاسدان، لانا نعلم أن كثيرا من البشر قد ارسل ms3128 ~~رسولا، وكثيرا منهم ارسل اليه رسولا، فاذا بطل ذلك صح ما قدرناه اولا، ~~ويكون التقدير ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحيا او يرسل ~~رسولا، فيوحي، ويجوز في قوله { إلا وحيا } أمران: # احدهما - ان يكون استثناء منقطعا. # والآخر - ان يكون حالا، فان قدرته استثناء منقطعا لم يكن فى الكلام شيء ~~توصل به (من) لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل في ما بعده، لأن حرف ~~الاستثناء فى معنى حرف النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدا، ~~فالمعنى قام القوم لا زيد. فكما لا يعمل ما قبل حرف النفي في - ما بعده ~~كذلك لا يعمل ما قبل الاستثناء - إذا كان كلاما تاما - في ما بعده إذ ~~كان بمعنى النفي، وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد (إلا) في ما قبلها، فاذا ~~كان كذلك لم يتصل الجار بما قبل (إلا) ويمتنع أن يتصل به الجار من وجه ~~آخر، وهو ان قوله { أو من وراء حجاب } من صلة (يوحي) الذي هو بمعنى (أن ~~يوحي) فاذا كان كذلك لم يجز ان يحمل الجار الذي هو فى قوله { من وراء ~~حجاب } على (أو يرسل) لانك تفصل بين الصلة والموصول بما ليس منهما. ألا ~~ترى أن المعطوف على الصلة من الصلة إذا حملت العطف على ما ليس في الصلة ~~فصلت بين الصلة والموصول بالاجنبي الذي ليس منها، فاذا لم يجز حمله على { ~~يكلمه } في قوله { ما كان لبشر أن يكلمه الله } ولم يكن بد من ان يعلق ~~الجار بشيء، ولم يكن في اللفظ شيء يحمل عليه أضمرت (بما يكلم) وجعلت ~~الجار فى قوله { أو من وراء حجاب } متعلقا بفعل مراد فى الصلة محذوف ~~حذفا للدلالة عليه، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدر صلة، لأن ~~الموصول يوحي، فيكون التقدير: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى ~~اليه، او يكلمه من وراء حجاب، فحذف (يكلم) من الصلة، لان ذكره قد جرى وإن ~~كان خارجا من الصلة، فحسن لذلك حذفه من ms3129 الصلة. # ومن رفع { أو يرسل رسولا } فانه يجعل (يرسل) حالا والجار في قوله { أو ~~من وراء حجاب } يتعلق بمحذوف، ويكون فى الظرف ذكر من ذى الحال، ويكون ~~قوله { إلا وحيا } على هذا التقدير مصدرا وقع موقع الحال، كقولك جئت ~~ركضا او اتيت عدوا. ومعنى { أو من وراء حجاب } فيمن قدر الكلام استثناء ~~منقطعا او حالا: يكلمهم غير مجاهر لهم بكلامه، يريد ان كلامه يسمع ويحدث ~~من حيث لا يرى، كما ترى سائر المتكلمين، ليس ان ثم حجابا يفصل موضعا من ~~موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب. # ومن رفع (يرسل) كان (يرسل) فى موضع نصب على الحال. والمعنى هذا كلامه ~~كما تقول: تحيتك الضرب وعتابك السيف. # يقول الله تعالى إنه ليس لبشر من الخلق أن يكلمه الله إلا أن يوحي اليه ~~وحيا { أو من وراء حجاب } معناه او بكلام بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، ~~لانه تعالى لا يجوز عليه ما لا يجوز إلا على الاجسام من ظهور الصورة ~~للابصار { أو يرسل رسولا } فان جعلناه عطفا على إرسال الرسول، كان احد ~~أقسام الكلام كما قلناه فى قولهم: عتابك السيف، كأنه قال إلا وحيا او ~~إرسالا، وإن لم تجعله عطفا لم يكن احد اقسامه، ويكون كقولهم: لألزمنك او ~~تعطيني حقي، فلا يكون الارسال فى هذا الوجه كلاما، فيكون كلام الله ~~لعباده على ثلاثة اقسام: # اولها - ان يسمع منه كما يسمع من وراء حجاب، كما خاطب الله به موسى عليه ~~السلام. # الثاني - بوحى يأتي به الملك إلى النبي من البشر كسائر الانبياء. # الثالث - بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس، وقيل فى الحجاب ثلاثة ~~اقوال: # احدها - حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده. # الثاني - حجاب لموضع الكلام. # الثالث - إنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب { فيوحي بإذنه ما يشاء } ~~معناه إن ذلك الرسول الذي هو الملك يوحي إلى النبي من البشر بامر الله ما ~~شاءه الله { إنه علي حكيم } معناه إن كلامه المسموع منه لا يكون مخاطبة ~~يظهر فيها المتكلم بالرؤية، لأنه العلي عن ms3130 الادراك بالابصار وهو الحكيم ~~فى جميع افعاله وفي كيفية خطابه لخلقه. # وقال السدي: معنى الآية إنه لم يكن لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا بمعنى ~~إلا إلهاما بخاطر او في منام او نحوه من معنى الكلام اليه في خفاء { أو ~~من وراء حجاب } يحجبه عن إدراك جميع الخلق إلا عن المتكلم الذي يسمعه كما ~~سمع موسى كلام الله { أو يرسل رسولا } يعني به جبرائيل. # وقوله { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } معناه مثل ما اوحينا إلى من ~~تقدم من الانبياء اوحينا اليك كذلك الوحي من الله إلى نبيه روح من أمره ~~وهو نور يهدي به من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم بصاحبه إلى الجنة ~~والصراط المستقيم الطريق المؤدي إلى الجنة، وهو صراط الله الذي له ما في ~~السموات وما فى الأرض، ملك له يتصرف فيه كيف يشاء، وهو صراط من تصير ~~الأمور اليه، ولا يبقى لأحد أمر ولا نهي ولا ملك ولا تصرف، وهو يوم ~~القيامة. وقوله { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } يعني ما كنت قبل ~~البعث تدري ما الكتاب ولا ما الايمان قبل البلوغ { ولكن جعلناه } يعني ~~الروح الذي هو القرآن { نورا نهدي من نشاء من عبادنا } يعني من ~~المكلفين، لان من ليس بعاقل وإن كان عبد الله، فلا يمكن هدايته لانه غير ~~مكلف. # ثم قال { وإنك لتهدي } يا محمد { إلى صراط مستقيم } أي طريق مفض الى ~~الحق، وهو الايمان، وإنما جر { صراط الله } بأنه بدل من قوله { صراط ~~مستقيم } ثم قال { ألا إلى الله تصير الأمور } ، أي اليه ترجع الامور ~~والتدبير وحده يوم القيامة ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-5] # خمس آيات في الكوفى وأربع فى ما سواه، عد الكوفيون { حم } ولم يعده ~~الباقون. # قرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف " ان كنتم " بكسر الهمزة جعلوه شرطا ~~مستأنفا واستغنى عما تقدم، كقولك: انت عالم ان فعلت، فكانه قال: ان كنتم ~~قوما مسرفين نضرب. الباقون بفتحها جعلوه فعلا ماضيا أي اذا كنتم، كما ~~قال # أن جاءه الأعمى # والمعنى اذ جاءه ms3131 الاعمى، فموضع (ان) نصب عند البصريين، وجر عند الكسائي، ~~لان التقدير افنضرب الذكر صفحا لأن كنتم، وبأن كنتم قوما مسرفين. ~~والمسرف الذي ينفق ماله فى معصية الله، ولا اسراف فى الطاعة. # قد بينا معنى { حم } فى ما مضى، واختلاف المفسرين فيه، فلا معنى لاعادته # وقوله { والكتاب } خفض بالقسم. وقيل: تقديره ورب الكتاب، والمراد ~~بالكتاب القرآن، والمبين صفة له. وانما وصف بذلك لانه أبان عن طريق الهدى ~~من الضلالة، وكل ما تحتاج اليه الأمة فى الديانة. والبيان هو الدليل ~~الدال على صحة الشيء وفساده. وقيل: هو ما يظهر به المعنى للنفس عند ~~الادراك بالبصر والسمع، وهو على خمسة أوجه: باللفظ، والحظ، والعقد ~~بالاصابع، والاشارة اليه، والهيئة الظاهرة للحاسة، كالاعراض عن الشيء، ~~والاقبال عليه، والتقطيب وضده وغير ذلك. واما ما يوجد فى النفس من العلم، ~~فلا يسمى بيانا على الحقيقة وكل ما هو بمنزلة الناطق بالمعنى المفهوم ~~فهو مبين. # وقوله { إنا جعلناه قرآنا عربيا } اخبار منه تعالى انه جعل القرآن ~~الذي ذكره عربيا بأن يفعله على طريقة العرب فى مذاهبها في الحروف ~~والمفهوم. ومع ذلك فانه لا يتمكن أحد منهم من انشاء مثله والاتيان بما ~~يقاربه في علو طبقته في البلاغة والفصاحة، اما لعدم علمهم بذلك أو صرفهم ~~على حسب اختلاف الناس فيه. وهذا يدل على جلالة موقع التسمية في التمكن به ~~والتعذر مع فقده. وفيه دلالة على حدوثه لان المجعول هو المحدث. ولان ما ~~يكون عربيا لا يكون قديما لحدوث العربية. فان قيل: معنى جعلناه سميناه ~~لأن الجعل قد يكون بمعنى التسمية. قلنا: لا يجوز ذلك - ها هنا - لأنه لو ~~كان كذلك لكان الواحد منا اذا سماه عربيا فقد جعله عربيا، وكان يجب لو ~~كان القرآن على ما هو عليه وسماه الله اعجميا أن يكون اعجميا او كان ~~يكون بلغة العجم وسماه عربيا ان يكون عربيا، وكل ذلك فاسد. # وقوله { لعلكم تعقلون } معناه جعلناه على هذه الصفة لكي تعقلوا وتفكروا ~~في ذلك فتعلموا صدق من ظهر على يده. # وقوله { وإنه } يعني ms3132 القرآن { في أم الكتاب لدنيا } يعنى اللوح المحفوظ ~~الذي كتب الله فيه ما يكون إلى يوم القيامة لما فيه من مصلحة ملائكته ~~بالنظر فيه وللخلق فيه من اللطف بالاخبار عنه { وأم الكتاب } أصله لأن ~~أصل كل شيء أمه. # وقوله { لعلي حكيم } معناه لعال في البلاغة مظهر ما بالعباد اليه الحاجة ~~مما لا شيء منه إلا يحسن طريقه ولا شيء أحسن منه. والقرآن بهذه الصفة ~~علمه من علمه وجهله من جهله لتفريطه فيه و (حكيم) معناه مظهر المعنى الذي ~~يعمل عليه المؤدي إلى العلم والصواب. والقرآن من هذا الوجه مظهر للحكمة ~~البالغة لمن تدبره وأدركه. ثم قال لمن جحده ولم يعتبر به على وجه الانكار ~~عليهم { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } معناه أنعرض عنكم جانبا باعراضكم عن ~~القرآن والتذكر له والتفكر فيه { أن كنتم قوما مسرفين } على نفوسكم ~~بترككم النظر فيه والاعتبار بحججه. ومن كسر الهمزة جعله مستأنفا شرطا. ~~ومن فتحها جعله فعلا ماضيا أي إذ كنتم كما قال # أن جاءه الأعمى # بمعنى إذ جاءه الاعمى، فموضع (أن) نصب عند البصريين وجر عند الكسائي، ~~لأن التقدير الذكر صفحا، لان كنتم وبأن كنتم. قال الشاعر: # اتجزع ان بان الخليط المودع # وجعل الصفا من عزة المتقطع # والمسرف الذي ينفق ماله فى معصية الله، لان من انفقه في طاعة او مباح لم ~~يكن مسرفا وقال علي عليه السلام (لا إسراف فى المأكول والمشروب) و ~~(صفحا) نصب على المصدر، لأن قوله { أفنضرب عنكم الذكر } يدل على ان اصفح ~~عنكم صفحا وكأن قولهم: صفحت عنه أي أعرضت ووليته صفحة العنق. والمعنى ~~افنضرب ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم أن كنتم قوما مسرفين، كما قال # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # ومن كسر فعلى الجزاء واستغنى عن جوابه بما تقدم كقولهم: انت ظالم ان ~~فعلت كانه قال إن كنتم مسرفين نضرب، وقال المبرد: المعنى متى فعلتم هذا ~~طلبتم أن نضرب الذكر عنكم صفحا. قال الفراء: تقول العرب: أضربت عنك ~~وضربت عنك بمعنى تركتك واعرضت عنك. وقال الزجاج: المعنى افنضرب عنكم ms3133 ~~الذكر أي نهلكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم وأصل ضربت عنه الذكر ~~ان الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفها عن جهة ضربها بعصا او سوط لتعدل ~~به إلى جهة أخرى يريدها ثم يوضع الضرب موضع الصرف والعدل. وصفحا مصدر ~~أقيم قيام الفاعل، ونصب على الحال. والمعنى افنضرب عنكم تذكيرنا إياكم ~~الواجب صافحين او معرضين، يقال صفح فلان بوجهه عني أي اعرض قال كثير: # صفوح فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # والصفوح فى صفات الله معناه العفو يقال: صفح عن ذنبه إذا عفا. وقال ~~بعضهم: المعنى افظننتم أن نضرب عنكم هذا الذكر الذي بينا لكم فيه امر ~~دينكم صفحا، فلا يلزمكم العمل بما فيه، ولا نؤاخذكم لمخالفتكم إياه إن ~~كنتم قوما مسرفين على أنفسكم، وجرى ذلك مجرى قول أحدنا لصاحبه وقد أنكر ~~فعله أأتركك تفعل ما تشاء أغفل عنك إذا أهملت نفسك، ففي ذلك إنكار ووعيد ~~شديد. ### || [43.6-10] # يقول الله تعالى مخبرا { وكم أرسلنا من نبي في الأولين } يعني فى الأمم ~~الماضية (وكم) موضوعة للتكثير فى باب الخبر، وهي ضد (رب) لأنها للتقليل. ~~ثم اخبر عن تلك الامم الماضية انه كان ما يجيئهم نبي من قبل الله إلا ~~كانوا يستهزؤن به بمعنى يسخرون منه. فالاستهزاء إظهار خلاف الابطان ~~استصغارا او استحقارا فالأمم الماضية كفرت بالانبياء واحتقروا ما أتوا ~~به، وظنوا انه من المخاريق التي لا يعمل عليها لجهلهم وفرط عنادهم، فلذلك ~~حملوا أنفسهم على الاستهزاء بهم، وهو عائد بالوبال عليهم. # فان قيل: لم بعث الله الأنبياء مع علمه بأنهم يستهزؤن بهم ولا يؤمنون ~~عنده؟ قيل: يجوز أن يكون قوم آمنوا وإن قلوا. وإنما اخبر الله بالاستهزاء ~~عن الاكثر، ولذلك قال فى موضع # ومن آمن وما آمن معه إلا قليل # وايضا فكان يجوز ان يكون لولا إرسالهم لوقع منهم من المعاصي أضعاف ما ~~وقع عند إرسالهم، فصار إرسالهم لطفا فى كثير من القبائح، فلذلك وجب ~~وحسن، على ان فى إرسالهم تمكينهم مما كلفوه، لأنه إذا ms3134 كان هناك مصالح لا ~~يمكنهم معرفتها إلا من جهة الرسل وجب على الله أن يبعث اليهم الرسل ~~ليعرفوهم تلك المصالح، فاذا لم يؤمنوا بهم وبما معهم من المصالح أتوا ~~بالقبائح من قبل نفوسهم، والحجة قائمة عليهم # وقوله { فأهلكنا أشد منهم بطشا } اخبار منه تعالى انه اهلك الذين هم ~~اشد بطشا من هؤلاء المشركين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه ~~وآله، فلذلك قال { ومضى مثل الأولين } أي وهو مثل هؤلاء الباقين، ومعناه ~~انكم قد سلكتم فى تكذيب الرسل مسلك من كان قبلكم فاحذروا أن ينزل بكم من ~~الخزي ما نزل بهم. قال الحسن: أشد قوة من قومك. ثم قال { ولئن سألتهم } ~~يعني الكفار { من خلق السماوات والأرض } بأن انشاءها واخترعها { ليقولن } ~~أي لم يكن جوابهم في ذلك إلا أن يقولوا { خلقهن } يعني السموات والارض { ~~العزيز } الذي لا يغالب ولا يقهر { العليم } بمصالح الخلق، وهو الله ~~تعالى، لانهم لا يمكنهم أن يحلفوا فى ذلك على الاجسام والأوثان لظهور ~~فساد ذلك، وليس في ذلك ما يدل على انهم كانوا عالمين بالله ضرورة، لانه ~~لا يمتنع أن يكونوا عالمين بذلك استدلالا وإن دخلت علهيم شبهة فى انه ~~يستحق العبادة، سواه. وقال الجبائي لا يمتنع أن يقولوا بذلك تقليدا ~~لأنهم لو علموه ضرورة لعلموا أنه لا يجوز أن يعبد معه غيره وهو الذي يليق ~~بمذهبنا في المواقاة. # ثم وصف العزيز العليم الخالق للسموات والارض فقال هو { الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا } تسلكونها لكي تهتدوا إلى مقاصدكم فى ~~اسفاركم. وقيل: معناه لتهتدوا إلى الحق فى الدين والاعتبار الذي جعل لكم ~~بالنظر فيها. ### || [43.11-15] # يقول الله تعالى إن الذي جعل لكم الارض مهدا لتهتدوا إلى مراشدكم في ~~دينكم ودنياكم هو { الذي نزل من السماء ماء } يعني غيثا ومطرا { بقدر } ~~أي على قدر الحاجة لا زيادة عليها فيفسد ولا ناقصا عنها فيضر ولا ينفع، ~~بل هو مطابق للحاجة وبحسبها وذلك يدل على انه واقع من مختار يجعله على ~~تلك الصفة قد قدره ms3135 على ما تقتضيه الحكمة لعلمه بجميع ذلك. # وقوله { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي احييناها بالنبات بعد أن كانت ميتا ~~بالقحل والجفاف تقول: أنشر الله الخلق فنشروا أي احياهم فحييوا، ثم قال { ~~وكذلك تخرجون } أي مثل ما أخرج النبات من الارض اليابسة فأحياها بالنبات ~~مثل ذلك يخرجكم من القبور بعد موتكم، وإنما جمع بين أخراج الانبات وإخراج ~~الاموات لأن كل ذلك متعذر على كل قادر إلا القادر لنفسه الذي لا يعجزه شي ~~ء ومن قدر على احدهما قدر على الآخر بحكم العقل. # وقوله { والذي خلق الأزواج كلها } معناه الذي خلق الأشكال من الحيوان ~~والجماد من الحيوان الذكر والانثى ومن غير الحيوان مما هو متقابل كالحلو ~~والحامض والحلوا والمر والرطب واليابس وغير ذلك من الاشكال. وقال الحسن: ~~الازواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والشمس والقمر، والسماء والارض، ~~والجنة والنار # وقوله { وجعل لكم من الفلك } يعني السفن { والأنعام ما تركبون } يعني ~~الابل والبقر وما جرى مجراهما من الدواب والحمير التي تصلح للركوب. # ثم بين انه خلق ذلك وغرضه { لتستووا على ظهوره } وإنما وحد الهاء فى ~~قوله { على ظهوره } لانها راجعة إلى (ما) كما قال # مما في بطونه # وفي موضع آخر (بطونها) ردها إلى الأنعام، فذكر فى (ما) وانث فى الانعام. ~~وقال الفراء: اضاف الظهور الى الواحد، لأن الواحد فيه بمعنى الجميع، فردت ~~الظهور إلى المعنى. ولم يقل ظهره، فيكون كالواحد الذي معناه ولفظه واحد. # ومعنى الآية ان غرضه تعالى ان تنتفعوا بالاستواء على ظهورها { ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه } فتشكروه على تلك النعم وتقولوا معترفين ~~بنعم الله ومنزهين له عن صفات المخلوقين { سبحان الذي سخر لنا هذا } يعني ~~هذه الانعام والفلك { وما كنا له مقرنين } أي مطيقين، يقال: أنا لفلان ~~مقرن أي مطيق أي انا قرن له، ويقال: أقرن يقرن إقرانا إذا اطاق وهو من ~~المقارنة كأنه يطيق حمله فى تصرفه. وقيل { مقرنين } أي مطيقين أي يقرن ~~بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يشاء، وليقولوا أيضا { وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون } أي راجعون ms3136 اليه يوم القيامة. # فان قيل: قوله و { لتستووا على ظهوره } يفيد ان غرضه بخلق الانعام ~~والفلك ان يستووا على ظهورها، وإنه يريد ذلك منهم. والاستواء على الفلك ~~والانعام مباح، ولا يجوز ان يريده الله تعالى؟! # قيل: يجوز ان يكون المراد بقوله { لتستووا على ظهوره } فى المسير إلى ما ~~أمر الله بالمسير اليه من الحج والجهاد وغير ذلك من العبادات، وذلك يحسن ~~إرادته، وإنما لا يحسن إرادة ما هو مباح محض. # وايضا، فانه تعالى قال { ثم تذكروا نعمة ربكم } أي تعترفون بنعم الله ~~بالشكر عليها وتقولوا { سبحان الذي سخر لنا هذا } وذلك طاعة يجوز ان يكون ~~مرادا تتعلق الارادة به. # وقوله { وجعلوا له من عباده جزءا } اخبار منه تعالى ان هؤلاء الكفار ~~جعلوا لله من عباده جزءا. وقيل فيه وجهان: # احدهما - انهم جعلوا لله جزءا من عبادته لانهم اشركوا بينه وبين ~~الاصنام. # وقال الحسن: زعموا ان الملائكة بنات الله وبعضه فالجزء الذي جعلوه له من ~~عباده هو قولهم { الملائكة بنات الله } ثم قال تعالى مخبرا عن حال ~~الكافر لنعم الله فقال { إن الإنسان لكفور } لنعم الله جاحد لها { مبين } ~~أي مظهر لكفره غير مستتر به. ### || [43.16-20] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { أو من ينشأ } بضم الياء وتشديد الشين. ~~الباقون بفتح الياء والتخفيف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " عند ~~الرحمن " بالنون. الباقون " عباد " على الجمع وقرأ نافع " أأشهدوا " بضم ~~الألف وفتح الهمزة من (اشهدت) الباقون " اشهدوا " من (شهدت) من قرأ ~~(ينشأ) بالتشديد جعله في موضع مفعول لأنه تعالى قال # إنا أنشأناهن إنشاء # فانشأت ونشأت بمعنى إذا ربيت. وتقول: نشأ فلان ونشأه غيره وغلام ناشىء ~~أي مدرك. وقيل في قوله # ثم أنشأناه خلقا آخر # قال هو نبات شعر ابطه ومن خفف جعل الفعل لله، لان الله انشأهم فنشؤوا، ~~ويقال للجوار الملاح: النشأ قال نصيب: # ولولا ان يقال صبا نصيب # لقلت بنفسي النشأ الصغار # ومن قرء عباد فجمع (عبد) فهو كقوله # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون # فاراد ms3137 الله أن يكذبهم فى قولهم: إن الملائكة بنات الله، وبين انهم ~~عباده. ومن قرأ " عند " بالنون، فكقوله # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته # وقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس فى مصحفي " عباد " فقال: حكه. ووجه ~~قراءة نافع " أأشهدوا " انه جعله من اشهد يشهد جعلهم مفعولين وقال تعالى # ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم # من قرأ بفتح الهمزة جعله من شهد يشهد فهؤلاء الكفار إذا لم يشهدوا خلق ~~السموات والارض ولا خلق انفسهم من اين علموا ان الملائكة بنات الله وهم ~~لم يشهدوا ذلك، ولم يخبرهم عنه مخبر؟!. # لما اخبر الله تعالى عن الكفار انهم جعلوا له من عباده جزءا على ما ~~فسرناه، وحكم عليهم بأنهم يجحدون نعمه ويكفرون أياديه، فسر ذلك وهو انهم ~~قالوا { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } فى هذا القول حجة عليهم ~~لأنه ليس بحكيم من يختار لنفسه أدون المنزلتين ولغيره اعلاهما، فلو كان ~~على ما يقول المشركون من جواز اتخاذ الولد عليه لم يتخذ لنفسه البنات ~~ويصفيهم بالبنين فغلطوا فى الأصل الذي هو جواز إتخاذ الولد عليه، وفى ~~البناء على الأصل باتخاذ البنات، فنعوذ بالله من الخطاء فى الدين. ومعنى ~~(أصفاكم) خصكم وآثركم بالذكور واتخذ لنفسه البنات. # ثم قال تعالى { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } يعني إذا ولد ~~لواحد منهم بنت حسب ما اضافوها إلى الله تعالى ونسبوها اليه على وجه ~~المثل لذلك { ظل وجهه مسودا } أي متغيرا مما يلحقه من الغم بذلك حتى ~~يسود وجهه ويربد { وهو كظيم } قال قتادة معناه حزين، وفى هذا ايضا حجة ~~عليهم لأن من اسود وجهه بما يضاف اليه مما لا يرضى فهو احق ان يسود وجهه ~~باضافة مثل ذلك إلى من هو اجل منه، فكيف الى ربه. # ثم قال تعالى على وجه الانكار لقولهم { أو من ينشؤا في الحلية } قال ابن ~~عباس { أو من ينشؤا في الحلية } المراد به المرأة. وبه قال مجاهد والسدي، ~~فهو في موضع نصب والتقدير او من ms3138 ينشؤ فى الحلية يجعلون. ويجوز ان يكون ~~الرفع بتقدير أولئك ولده على ما قالوا هم بناته يعني من ينشؤ فى الحلية ~~على وجه التزين بها يعني النساء فى قول اكثر المفسرين. وقال ابو زيد: ~~يعني الاصنام. والاول اصح { وهو في الخصام غير مبين } في حال الخصومة، ~~فهو ناقص عمن هو بخلاف هذه الصفة من الشبيه على ما يصلح للجدال ودفع ~~الخصم الالد بحسن البيان عند الخصومة، فعلى هذا يلزمهم ان يكونوا باضافة ~~البنات قد اضافوا ادنى الصفات اليه. # ثم قال تعالى { وجعلوا } يعني هؤلاء الكفار { الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن } متذللون له خاضعون له. ومن قرأ بالنون اراد الذين هم مصطفون عند ~~الله { إناثا } فقال لهم على وجه الانكار { أشهدوا خلقهم } ثم قال { ~~ستكتب شهادتهم } بذلك { ويسألون } عن صحتها. وفائدة الآية أن من شهد بما ~~لا يعلم فهو حقيق بأن يوبخ ويذم على ذلك وشهادته بما هو متكذب به على ~~الملائكة اعظم من الفاحشة، للاقدام على تنقصهم فى الصفة، وإن كان في ذلك ~~على جهالة. # ثم حكى عنهم إنهم قالوا { لو شاء الرحمن ما عبدناهم } كما قالت المجبرة ~~بأن الله تعالى أراد كفرهم، ولو لم يشأ ذلك لما كفروا، فقال الله لهم على ~~وجه التكذيب { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } أي ليس يعلمون صحة ~~ما يقولونه وليس هم إلا كاذبين. ففي ذلك إبطال مذهب المجبرة فى ان الله ~~تعالى يريد القبيح من افعال العباد. لان الله تعالى قطع على كذبهم فى ان ~~الله تعالى يشأ عبادتهم للملائكة، وذلك قبيح لا محالة وعند المجبرة الله ~~تعالى شاءه. وقد نفاه تعالى عن نفسه وكذبهم فى قولهم فيه. ### || [43.21-25] # قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم { قال أولو جئتكم } على انه فعل ماض، وتقديره ~~قال النذير. الباقون { قل } على الأمر على وجه الحكاية لما اوحى الله إلى ~~النذير. قال كأنه قال اوحينا اليه أي فقلنا له { قل أولو جئتكم } وقرأ ~~ابو جعفر { جئناكم } بالنون على وجه الجمع. # لما حكى الله ms3139 تعالى تخرص من يضيف عبادة الاصنام والملائكة إلى مشيئة ~~الله، وبين انه لا يشاء ذلك قال { أم آتيناهم كتابا } والمعنى التقريع ~~لهم على خطئهم بلفظ الاستفهام، والتقدير أهذا الذي ذكروه شئ تخرصوه ~~وافتروه { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون }؟! فاذا لم يمكنهم ~~ادعاء ان الله أنزل بذلك كتابا علم انه من تخرصهم ودل على حذف حرف ~~الاستفهام (أم) لأنها المعادلة. # ثم قال ليس الامر على ما قالوه { بل قالوا } يعني الكفار { إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: يعني على ملة وسميت ~~الديانة أمة لاجتماع الجماعة على صفة واحدة فيها. وقرىء " على إمة " - ~~بكسر الهمزة - والمراد به الطريقة { وإنا على آثارهم } أي على آثار ~~آبائنا { مهتدون } نهتدي بهداهم. ثم قال مثل ما قال هؤلاء فى الحوالة على ~~تقليد آبائهم فى الكفر كذلك لم نرسل من قبلك في قرية ومجمع من الناس ~~نذيرا - لان (من) زيادة - { إلا قال مترفوها } وهم الذين آثروا الترفة ~~على طلب الحجة، وهم المتنعمون الروساء { إنا وجدنا آباءنا على أمة } يعني ~~على ملة { وإنا على آثارهم مقتدون } نقتدي بهم فأحال الجميع على التقليد ~~للاباء فحسب، دون الحجة، والتقليد قبيح بموجب العقل لأنه لو كان جائزا ~~للزم فيه أن يكون الحق في الشيء ونقيضه، فيكون عابد الوثن يقلد أسلافه، ~~وكذلك يقلد اسلافه اليهودي والنصراني والمجوسي، وكل فريق يعتقد أن الآخر ~~على خطأ وضلال. وهذا باطل بلا خلاف، فاذا لا بد من الرجوع إلى حجة عقل ~~او كتاب منزل من قبل الله، فقال الله تعالى للنذير { قل } لهم { أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } فهل تقبلونه؟ وفي ذلك حسن التلطف في ~~الاستدعاء إلى الحق، وهو انه لو كان ما تدعونه حقا وهدى على ما تدعونه، ~~لكان ما جئتكم به من الحق اهدى من ذلك واوجب ان يتبع ويرجع اليه، لأن ~~ذلك، إذا سلموا أنه اهدى مما هم عليه بطل الرد والتكذيب، وإذا بطل ذلك ~~لزم اتباعه في ترك ما هم عليه. # ثم ms3140 حكى ما قالوا في الجواب عن ذلك فانهم قالوا { إنا بما أرسلتم به } ~~معاشر الانبياء { كافرون } ثم اخبر تعالى فقال { فانتقمنا منهم } بأن ~~اهلكناهم وعجلنا عقوبتهم { فانظر } يا محمد { كيف كان عاقبة المكذبين } ~~لانبياء الله والجاحدين لرسله. ### || [43.26-30] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر يا محمد { وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه وقومه } حين رآهم يعبدون الاصنام والكواكب { إنني براء مما ~~تعبدون } أي بريء من عبادتكم الأصنام والكواكب فقوله (براء) مصدر وقع ~~موقع الوصف، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. ثم استثنى من جملة ما كانوا ~~يعبدونه الله تعالى فقال { إلا الذي فطرني } معناه اني بريء من كل معبود ~~سوى الله تعالى الذي فطرني أي خلقني وابتدأني، وتقديره إلا من الذي ~~فطرني. وقال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا مع عبادتهم الاوثان { فإنه ~~سيهدين } في ما بعد. والمعنى انه سيهديني إلى طريق الجنة بلطف من ألطافه ~~يكون داعيا إلى ان اتمسك به حتى يؤديني اليها، وإنما قال ذلك ثقة بالله ~~تعالى ودعاء لقومه إلى ان يطلبوا الهداية من ربه. والتبري من كل معبود من ~~دون الله واجب بحكم العقل، كما يجب ذمهم على فعل القبيح لما في ذلك من ~~الزجر عن القبيح والردع عن الظلم، فكذلك يجب قبول قول من أخلص عبادة ~~الله، كما يجب مدحه على فعله. # وقوله { وجعلها كلمة باقية في عقبه } معناه جعل هذه الكلمة التي قالها ~~إبراهيم كلمة باقية في عقبه بما اوصى به مما أظهره الله من قوله إجلالا ~~له وتنزيها له ورفعا لقدره بما كان منه من جلالة الطاعة والصبر على أمر ~~الله. وقال قتادة ومجاهد والسدي: معنى قوله { وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~} قوله: لا إله إلا الله لم يزل فى ذريته من يقولها وقال ابن زيد: هو ~~الاسلام بدلالة قوله # هو سماكم المسلمين # وقال ابن عباس: فى عقبه من خلفه. وقال مجاهد: فى ولده وذريته. وقال ~~السدي: فى آل محمد عليهم السلام. وقال الحسن: عقبه ولده إلى يوم القيامة. ~~وقوله { لعلهم يرجعون ms3141 } قال الحسن: معناه راجع إلى قوم إبراهيم. وقال ~~الفراء: معناه { لعلهم يرجعون } عما هم عليه إلى عبادة الله، وقال قتادة: ~~معناه لعلهم يعترفون ويذكرون الله. وقال الله تعالى إنا لم نعاجل هؤلاء ~~الكفار بالعقوبة { بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق } يعني القرآن ~~{ ورسول مبين } أي مظهر للحق، يعني محمدا صلى الله عليه وآله. # ثم قال تعالى { ولما جاءهم الحق } يعني القرآن { قالوا هذا سحر } وهو ~~حيلة خفية توهم المعجزة { وإنا به } يعني بالقرآن { كافرون } أي جاحدون ~~لكونة من قبل الله تعالى وإنما كان من نسب الحق والدين إلى السحر كافرا ~~بالله، لانه بمنزلة من عرف نعمة الله وجحدها فى عظيم الجرم، فسمي باسمه ~~ليدل على ذلك. ### || [43.31-35] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { سقفا } على التوحيد - بفتح السين - الباقون { ~~سقفا } بضم السين والقاف - على الجمع - وقرأ حمزة والكسائي { لما متاع ~~الحياة الدنيا } مشددة الميم. الباقون خفيفة. من شدد الميم جعل (لما) ~~بمعنى (إلا) ومن خفف جعل (ما) صلة إلا ابن عامر فانه خفف وشدد. قال ابو ~~علي: من خفف جعل (إن) المخففة من الثقيلة وأدخل اللام للفصل بين النفي ~~والايجاب، كقوله # وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين # ومن نصب بها مخففة، فقال إن زيدا منطلق استغنى عن اللام، لأن النافية ~~لا ينتصب بعدها الاسم، و (ما) زائدة. والمعنى: وإن كل ذلك لمتاع الحياة. # حكى الله عن هؤلاء الكفار الذين حكى عنهم أنهم قالوا لما جاءهم الحق ~~الذي هو القرآن { لولا نزل } إن كان حقا { على رجل من القريتين عظيم } ~~يعني بالقريتين مكة والطائف، ويعنون بالرجل العظيم من احد القريتين - فى ~~قول ابن عباس - الوليد ابن المغيرة المخزومي القرشي من أهل مكة، أو حبيب ~~بن عمرو ابن عمير من الطائف، وهو الثقفي. وقال مجاهد: يعني بالذي من أهل ~~مكة عقبة بن ربيعة، والذي من اهل الطائف ابن عبد باليل. وقال قتادة: الذى ~~من أهل مكة يريدون الوليد ابن المغيرة، والذى من اهل الطائف عروة بن ~~مسعود الثقفي. وقال السدى: الذى من أهل الطائف ms3142 كنانة بن عمرو. وإنما ~~قالوا ذلك لأن الرجلين كانا عظيمي قومهما، وذوى الأموال الجسيمة فيهما، ~~فدخلت الشبهة عليهم فاعتقدوا أن من كان كذلك كان أولى بالنبوة. وهذا غلط ~~لان الله تعالى يقسم الرحمة بالنبوة كما يقسم الرزق في المعيشة على حسب ~~ما يعلم من مصالح عباده فليس لأحد ان يتحكم في شيء من ذلك. فقال تعالى ~~على وجه الانكار عليهم والتهجين لقولهم { أهم يقسمون رحمة ربك } أى ليس ~~لهم ذلك بل ذلك اليه تعالى. # ثم قال تعالى { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } وقيل: الوجه في إختلاف الرزق ~~بين الخلق في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة إن في ذلك تسخير ~~بعض العباد لبعض باحواجهم اليهم، لما فى ذلك من الأحوال التي تدعو إلى ~~طلب الرفعة وارتباط النعمة ولما فيه من الاعتبار بحال الغنى والحاجة، ~~وما فيه من صحة التكليف على المثوبة. # ثم قال تعالى { ورحمة ربك خير مما يجمعون } يعني رحمة الله ونعمه من ~~الثواب في الجنة خير مما يجمعه هؤلاء الكفار من حطام الدنيا. # ثم اخبر تعالى عن هوان الدنيا عليه وقلة مقدارها عنده بأن قال { ولولا ~~أن يكون الناس أمة واحدة } أي لولا انهم يصيرون كلهم كفارا { لجعلنا ~~لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } استحقارا ~~للدنيا وقلة مقدارها ولكن لا يفعل ذلك، لانه يكون مفسدة. # والله تعالى لا يفعل ما فيه مفسدة. ثم زاد على ذلك وكنا نجعل لبيوتهم ~~على كون سقفهم من فضة معارج، والسقف بالضم سقف مثل رهن ورهن. وقال مجاهد: ~~كل شيء من السماء فهو سقف، وكل شيء من البيوت فهو سقف بضمتين، ومنه قوله # وجعلنا السماء سقفا محفوظا # قال الفراء قوله { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا } يحتمل أن ~~تكون اللام الثانية مؤكدة للاولى، ويحتمل أن تكون الثانية بمعنى (على) ~~كأنه قال لجعلنا لمن يكفر بالرحمن على بيوتهم سقفا، كما تقول: جعلنا لك ~~لقومك العطاء أي جعلته ms3143 لاجلك { ولبيوتهم أبوابا وسررا } جمع سرير { ~~عليها يتكؤن } من فضة ايضا وحذف لدلالة الكلام عليها. وقوله { وزخرفا } ~~قال ابن عباس: هو الذهب. وبه قال الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن زيد: هو ~~الفرش ومتاع البيت، والمزخرف المزين. وقال الحسن المزخرف المنقوش والسقف ~~جمع سقوف كرهون ورهن. وقيل: هو جمع سقف ولا نظير له والأول أولى، لانه ~~على وزن زبور وزبر. والمعارج الدرج - فى قول ابن عباس وقتادة - وهي ~~المراقي قال جندب بن المثنى: # يا رب رب البيت ذي المعارج # { ومعارج } درجا { عليها يظهرون } أي يصعدون. وقال ابن عباس والحسن ~~وقتادة والسدي لولا ان يكون الناس أمة واحدة أي يجتمعون كلهم على الكفر. ~~وقال ابن زيد: معناه يصيرون كلهم أمة واحدة على طلب الدنيا. # ثم قال { وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } معناه ليس كل ذلك يعني ما ~~ذكره من الذهب والفضة والزخرف إلا متاع الحياة الدنيا الذي ينتفع به ~~قليلا ثم يفنى وينقطع. # ثم قال { والآخرة } أي العاقبة { عند ربك } الثواب الدائم { للمتقين } ~~الذين يتقون معاصيه ويفعلون طاعاته فصار كل عمل ما للدنيا صغير بالاضافة ~~إلى ما يعمل للاخرة، لأن ما يعمل للدنيا منقطع وما يعمل للآخرة دائم. ### || [43.36-40] # قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو وحفص عن عاصم { جاءنا } بالتوحيد. الباقون ~~{ جاءانا } على التثنية. من قرأ على التثنية أراد الكافر وقرينه من ~~الشياطين كقوله # وإذا النفوس زوجت # أي قرنت بنظيرها. ومن أفرد قال: لأن الكافر هو الذي أفرد بالخطاب فى ~~الدنيا وأقيمت عليه الحجة بانفاذ الرسول اليه فاجتزى بالواحد عن الاثنين، ~~كما قال # لينبذن في الحطمة # والمراد لينبذان يعني هو وما له. وقرأ يعقوب والعليمي { يقيض } بالياء ~~على لفظ الخبر عن الغائب. الباقون بالنون على وجه الخبر عن الله تعالى. # يقول الله تعالى { ومن يعش عن ذكر الرحمن } أي يعرض عن ذكر الله لا ~~ظلامه عليه لجهله، يقال: عشا يعشو عشوا وعشوا إذا ضعف بصره وأظلمت ~~عينه كأنه عليها غشاوة قال الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد حطبا جزلا ms3144 ونارا تأججا # واذا ذهب بصره قيل: عشى يعشى عشاء، ومنه رجل أعشى وامرأة عشواء، فعشى ~~يعشى مثل عمي يعمى، وعشا يعشو إذا نظر نظرا ضعيفا. وقرىء { من يعش } ~~بفتح الشين. ومعناه يعمى يقال: عشا إلى النار إذا تنورها فقصدها وعشى ~~عنها إذا أعرض قاصدا لغيرها كقولهم مال اليه ومال عنه. وقيل: معناه ~~بالعين من يعرض عن ذكره. وقوله { نقيض له شيطانا } قيل فى معناه ثلاثة ~~أقوال: # احدها - قال الحسن: نخلي بينه وبين الشيطان الذي يغويه ويدعوه إلى ~~الضلالة فلا نمنعه منه. # الثاني - وقيل: نجعل له شيطانا قرينا، يقال قيض له كذا وكذا أي سهل ~~ويسر. # الثالث - قال قتادة: نقيض له شيطانا فى الآخرة يلزمه حتى يصير به إلى ~~النار فحينئذ يتمنى البعد عنه. وأما المؤمن فيوكل به ملك فلا يفارقه حتى ~~يصير به الى الجنة. وإنما جاز ان يقيض له الشيطان إذا أعرض عن ذكر الله ~~حتى يغويه لأنه اذا كان ممن لا يفلح فلو لم يغوه الشيطان لفعل من قبل ~~نفسه مثل ذلك كالفساد الذي يفعله باغواء الشيطان او أعظم منه فلم يمنع ~~لطفا، وقيض له الشيطان عقابا. وفى ذلك غاية التحذير عن الاعراض عن حجج ~~الله وآياته. # ثم قال تعالى { وإنهم } يعني الشياطين { ليصدونهم } يعني الكفار { عن ~~السبيل } يعني عن سبيل الحق الذي هو الاسلام { ويحسبون أنهم مهتدون } إلى ~~طريق الحق. وقوله { حتى إذا جاءانا } على التثنية أراد حتى اذا جاء ~~الشيطان ومن أغواه يوم القيامة إلى الموضع الذي يتولى الله حساب الخلق ~~فيه وجزاءهم. ومن قرأ على التوحيد فالمراد حتى اذا جاء الكافر وعلم ما ~~يستحقه من العقاب ضرورة قال ذلك الوقت لقربه { يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } قيل فى معناه قولان: # احدهما - أنه عنى المشرق والمغرب الا انه غلب احدهما، كما قيل سنة ~~العمرين وقال الشاعر: # اخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم طوالع # يعني الشمس والقمر، وقال المفضل: أراد النبي محمد وابراهيم عليها السلام ~~وقال الآخر: # وبصرة الازد منا والعراق لنا # والموصلان ومنا مصر ms3145 والحرم # يعني الموصل والجزيرة. # الثاني - انه أراد مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال # رب المشرقين ورب المغربين # وإنما اراد { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } مسافة فلم أرك ولا ~~اغتررت بك { فبئس القرين } كنت أنت، يقول لهذا الشيطان الذي اغواه، فقال ~~الله تعالى { ولن ينفعكم اليوم } هذا الندم { إذ ظلمتم } نفوسكم بارتكاب ~~المعاصي { إنكم في العذاب مشتركون } أي لانكم فى العذاب شركاء، فلذلك لا ~~ينفعكم هذا القول. وقيل: إن المراد لا يسليكم عما أنتم فيه من انواع ~~العذاب أن أعداءكم شركاؤكم فيها لأنه قد يتسلى الانسان عن محنة يحصل فيها ~~اذا رأى ان عدوه فى مثلها فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعكم يوم القيامة ~~ولا يسليكم عن العذاب ولا يخفف عنكم ذلك يوم القيامة. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { أفانت } يا محمد { تسمع الصم أو تهدي ~~العمي } شبه الكفار فى عدم انتفاعهم بما يسمعونه من إنذار النبي صلى الله ~~عليه وآله ووعظه بالصم الذين لا يسمعون، وفى عدم انتفاعهم بما يرونه ~~بالعمي الذين لا يبصرون شيئا { ومن كان في ضلال } عن الحق { مبين } أي ~~بين ظاهر لا شبهة فيه. ومن لا يطلب الحق ولا يجتهد فيه لسبقه إلى الباطل ~~وإغتباطه به، فهو الذي يمتنع هدايته ولا حيلة فيه ولا طريق إلى ارشاده ~~وصار بمنزلة الأصم والاعمى عنه. # وقرأ ابن عامر وحده { ولن ينفعكم اليوم إنكم } بكسر الهمزة، جعل تمام ~~الآية والوقف على قوله { إذ ظلمتم } ثم استأنف { إنكم } وفتح الباقون، ~~جعلوا { أن } اسما في موضع رفع. ### || [43.41-45] # قوله { فإما نذهبن بك فإنا منهم } معناه إن نذهب بك، فلما دخلت (ما) على ~~حرف الشرط اشبه القسم فى التأكيد والايذان بطلب التصديق، فدخلت النون فى ~~الكلام لذلك لأن النون تلزم فى جواب القسم ولا تلزم في الجزاء، لأنه شبه ~~به، وإنما وجب باذهاب النبي إهلاك قومه من الكفار، لأنه علامة اليأس من ~~فلاح أحد منهم، كما اسرى لوط بأهله، وموسى بقومه وغيرهما من النبيين ~~وكأنه قال: فاما نذهبن بك ms3146 على سنتنا فيمن قبلك فيكون إذهابه به إخراجه من ~~بين الكفار. وقال قوم: إنما أراد إذهابه بالموت، ويكون قوله { فإنا منهم ~~منتقمون } على هذا ما كان من نقم الله على أهل الكفر اكرم بها نبيه حيث ~~أعلمه ما كان من النقمة فى أمته بعده - ذهب اليه الحسن وقتادة - وهو الذي ~~روي عن اهل البيت عليه السلام ورووا أن التأويل: فانا بعلي منهم منتقمون، ~~وقال الأولون إن ذلك فى المشركين، وقووا ذلك بان الله ذكر ذلك عقيب ذكر ~~المشركين، قالوا: وهو ما كان من نقم الله على المشركين يوم بدر بعد إخراج ~~النبي من مكة وإنه استعلى عليهم واسر منهم مع قلة اصحابه وضعف عددهم ~~وكثرة الكفار وشدة شوكتهم وكثرة عدتهم، فقتلوهم كيف شاؤا واسروا من احبوا ~~وكان ذلك مصداقا لما قاله لهم. وقوله { أو نرينك الذي وعدناهم فإنا ~~عليهم مقتدرون } يعني ما أراهم بهم يوم بدر في ما قدمناه. وبين تعالى أنه ~~على ذلك قادر وكان كما قال، ومن قال بالتأويل الاخير، قال معنى { أو ~~نرينك } او نعلمنك ما وعدناهم وفعلنا بهم. ثم قال لنبيه { فاستمسك بالذي ~~أوحي إليك } من إخلاص العبادة لله تعالى وإتباع أوامره والانتهاء عما نهى ~~عنه { إنك على صراط مستقيم } وصف الاسلام بانه صراط مستقيم لأنه يؤدى إلى ~~الحق المطلوب حيث يستقيم بصاحبه حتى يوصله اليه. # وقوله { وإنه لذكر لك ولقومك } قيل في معناه قولان: # احدهما - ان هذا القرآن شرف لك بما اعطاك الله - عز وجل - من الحكمة ~~ولقومك بما عرضهم له من إدراك الحق به وانزاله على رجل منهم. # الثاني - انه حجة تؤدي إلى العلم لك ولكل أمتك. والاول اظهر. وقال ~~الحسن: ولقومك لامتك. وقيل: إنه لذكر لك ولقومك يذكرون به الدين ويعلمونه ~~وسوف تسألون عما يلزمكم من القيام بحقه والعمل به. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } ~~قال قتادة والضحاك: سل من أرسلنا يعني أهل الكتابين التوراة والانجيل، ~~وقال ابن زيد: إنما يريد الانبياء الذين جمعوا ms3147 ليلة الاسراء. وهو الظاهر، ~~لأن من قال بالأول يحتاج ان يقدر فيه محذوفا، وتقديره وإرسال أمم من ~~أرسلنا من قبلك. وقيل: المراد سلهم فانهم وإن كانوا كفارا، فان تواتر ~~خبرهم تقوم به الحجة. وقيل: الخطاب وإن توجه إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله فالمراد به الأمة كأنه قال واسألوا من أرسلنا كما قال # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء # وقوله { أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } معناه سلوا من ذكرناه هل ~~جعل الله في ما مضى معبودا سواه يعبده قوم: من الاصنام او غيرها، فانهم ~~يقولون لكم إنا لم نأمرهم بذلك ولا تعبدناهم به. ### || [43.46-50] # هذا قسم من الله تعالى بأنه أرسل موسى بالآيات الباهرات والحجج الواضحات ~~إلى فرعون واشراف قومه وخص الملاء بالذكر، وان كان مرسلا إلى غيرهم، لان ~~من عداهم تبع لهؤلاء، فقال موسى له { إني رسول من رب العالمين } الذي خلق ~~الخلق أرسلني اليكم. ثم اخبر تعالى فقال { فلما جاءهم بآياتنا } يعني ~~موسى جاء إلى فرعون وملائه بالآيات والحجج { إذا هم منها } يعني من تلك ~~الآيات { يضحكون } جهلا منهم بما عليهم من ترك النظر فيها، وما لم من ~~النفع بحصول علمهم بها. وفى الخبر عن ضحك أولئك الجهال عند ظهور الآيات ~~زجر عن مثل حالهم ودعاء إلى العلم الذي ينافي الجهل. وفيه ايضا أنه لا ~~ينبغي ان يلتفت إلى تضاحك أمثالهم من الأدلة إذا كان الانسان على يقين من ~~أمره. والانبياء كلهم يشتركون فى الدعاء إلى الله باخلاص عبادته وطاعته ~~فى جميع ما يأمر به او ينهى عنه، ودعوتهم إلى محاسن الأفعال ومكارم ~~الاخلاق وإن اختلفت شرائعهم وتبانيت مللهم ونسخت بعضها بعضا. # وقوله { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } معناه إنه تعالى لا ~~يريهم يعني فرعون وقومه معجزة ولا دلالة إلا وهي اكبر من الاخرى عند ~~إدراك الانسان لها لما يهوله من أمرها، فيجد نفسه يقضي أنها اكبر كما ~~يقول الانسان: هذه العلة التي نزلت بي اعظم من كل علة، وهو يريد أن لها ms3148 ~~مزية اعظم منها لا انه ذهب هول الأولى بانصرافها وحكم الثانية بحضورها. ~~وقال قوم: المعنى وما نريهم من آية إلا هي أهول فى صدورهم من التي مضت ~~قبلها. # ثم قال تعالى { وأخذناهم بالعذاب } إذ عصوا فيها، وكفروا بها { لعلهم ~~يرجعون } إلى طاعته وإنما جاز أخذهم بالعذاب ليرجعوا مع العلم بأنهم لا ~~يرجعون لامكان أن يرجعوا اليه، لأن كلما فى المعلوم أنه لا يقع لا يجوز ~~أن يفعل العالم شيئا من أجل انه سيقع ولكن يجوز أن يفعل شيئا لامكان أن ~~يقع والمعنى - ههنا - لعلهم يرجعون الى طريق الحق الذي ذهبوا عنه الى ~~طريق الباطل. # ثم حكى تعالى ما قال فرعون وملاءه لموسى عند ذلك فانهم { وقالوا يا أيها ~~الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون } وقال قوم: إنما قالوا له ~~يا أيها الساحر لجهلهم بنبوته وصدقه واعتقادهم انه سحرهم بذلك. وقال قوم: ~~كان الساحر عندهم هو العالم ولم يكن صفة ذم. وقال الحسن: إنما قالوا ذلك ~~على وجه الاستهزاء بموسى، كما قال المشركون # يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # وقال الزجاج: وجه ذلك انه جرى ذلك على ألسنتهم على عادتهم فيه قبل ذلك. ~~وقال قوم: أرادوا يا أيها الفطن يا أيها العالم، لأن السحر عندهم دقة ~~النظر والعلم بالشيء كالسحر الحلال، يقال فلان: يسحر بكلامه. # وقال قوم: وخاطبوه بما تقدم تشبيها له بالساحر، فقالوا له { ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك } معناه أن يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا العذاب - فى ~~قول مجاهد - فانه متى كشف عنا ذلك اهتدينا ورجعنا إلى الحق الذي يدعونا ~~اليه. وفى الكلام حذف لأن تقديره فدعا موسى وسأل ربه وضرع اليه أن يكشف ~~عنهم العذاب، فكشف الله عنهم ذلك فاذا هم عند ذلك ينكثون. ومعناه ينقضون ~~ما عقدوا على أنفسهم. وقال قتادة: معناه يغدرون، وإنما أخبر الله تعالى ~~وقص خبر موسى وما جرى له تسلية للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى إن حال ~~موسى مع قومه وحالك مع قومك سواء، ms3149 فاصبر إن أمرك يؤل إلى الاستعلاء، كما ~~آل أمر موسى عليه السلام. ### || [43.51-60] # عشر آيات كوفي وشامي. واحدى عشرة في ما عداه، عدوا { مهين } ولم يعده ~~الكوفيون والشاميون. # قرأ حفص عن عاصم { اسورة } بغير ألف. الباقون { أساورة } بألف. وقرأ ~~حمزة والكسائي وخلف " سلفا " بضم السين واللام. الباقون بفتحهما. فمن ~~قرأ بالضم فيهما أراد جمع سليف أي جمع قد مضى من الناس. ومن قرأ " أسورة ~~" أراد جمع سوار، وقال أبو عبيدة: وقد يكون أسوار جمع أسورة. ومن قرأ " ~~سلفا " بضم السين واللام جعله جمع سليف. وقال ابو علي: ويجوز أن يكون ~~جمع (سلف) مثل أسد واسد، ووثن ووثن. ومن فتح فلأن (فعلا) جاء في حروف ~~يراد بها الكثرة، فكأنه اسم من اسماء الجمع، كقولهم خادم وخدم. والفتح ~~اكثر. وقد روي - بضم السين - وقرأ الكسائي ونافع وابن عامر " يصدون " بضم ~~الصاد بمعنى يعرضون أي يعدلون. الباقون - بفتح الياء وكسر الصاد - بمعنى ~~يضجون. وقيل: هما لغتان. # لما حكى الله تعالى عن قوم فرعون أنه حين كشف العذاب عنهم نكثوا عهدهم ~~وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، نادى فرعون في قومه الذين اتبعوه على ~~دينه، وقال لهم { يا قوم } على وجه التقرير لهم { أليس لي ملك مصر } ~~أتصرف فيها كما أشاء لا يمنعني احد منه { وهذه الأنهار } كالنيل وغيرها { ~~تجري من تحتي } أي من تحت أمري. وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره، وهو مشرف ~~عليها { أفلا تبصرون } أن ما ادعيه حق وأن ما يقوله موسى باطل. وقيل: ~~قوله { من تحتي } معناه إن النيل كانت تجري منه أنهار تحت قصره. وقيل { ~~من تحتي } من بين يديه لارتفاع سريره. ثم قال لهم فرعون { أم أنا خير من ~~هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } وقال قوم: معنى (أم) بل. فكانه قال: بل ~~أنا خير من موسى، وقال قوم: مخرجها مخرج المنقطعة، وفيها معنى المعادلة ~~لقوله { أفلا تبصرون } أم انتم بصراء، لأنهم لو قالوا نعم لكان بمنزلة ~~قولهم انت خير. والاصل فى المعادلة على أي الحالين ms3150 أنتم على حال البصر أم ~~على حال خلافه. ولا يجوز ان يكون المعنى على أي الحالين أنتم على حال ~~البصر أم حال غيرها فى أني خير من هذا الذي هو مهين، وإنما المعادلة ~~تفصيل ما أجمله. وقيل له - ها هنا - بتقدير أنا خير من هذا الذي هو مهين ~~أم هو إلا أنه ذكر ب (أم) لاتصال الكلام بما قبله. وحكى الفراء (اما ~~أنا) وهذا شاذ على انه جيد المعنى. والمهين الضعيف - في قول قتادة والسدي ~~- وقيل: معناه فقير. وقيل يمتهن نفسه فى جميع ما يحتاج اليه ليس له من ~~يكفيه، ولا يكاد يبين - وقال الزجاج للثة كانت فى لسانه. # وقال قتادة: كانت فى لسانه آفة - وبه قال السدي. وقيل: إنه كان احترق ~~لسانه بالجمر الذي وضعه فى فيه حين أراد أن يعتبر فرعون عقله لما لطم ~~وجهه، وأراد أن يأخذ غير النار فصرف جبرائيل يده إلى النار، فدفع عنه ~~القتل، وقال الحسن: كان فى لسانه ثقل، فنسبه إلى ما كان عليه أولا. # وقوله { فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب } معناه هلا إن كان صادقا في ~~نبوته طرح عليه أساورة من ذهب. فمن قرأ (أساورة) بألف أراد جمع أسورة ~~وأسورة جمع سوار وهو الذي يلبس فى اليد. وأما اسوار، فهو الرامي الحاذق ~~بالرمي، ويقال أسوار - بالضم - ومن جعله جمع أسورة اراد أساوير، فجعل ~~الهاء عوضا عن الياء. مثل الزنادقة، فلذلك صرفه، لانه صار له نظير فى ~~الآحاد. ومثله فى الجمع الزنادقة. والاسورة الرجل الرامي الحاذق بالرمي ~~من رجال العجم. # وقوله { أو جاء معه الملائكة مقترنين } قال قتادة ومعناه متتابعين، وقال ~~السدي معناه يقارن بعضهم بعضا. وقيل معناه متعاضدين متناصرين كل واحد مع ~~صاحبه مماليا له على أمره. وقال مجاهد: معناه مقترنين يمشون معه. # وقوله { فاستخف قومه } يعني فرعون استخف عقول قومه، فأطاعوه في ما دعاهم ~~اليه، لانه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله { أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي } ولو عقلوا وفكروا لقالوا ليس فى ملك الانسان ms3151 ما ~~يدل على انه محق لكون ملوك كثيرة يخالفونك مبطلين عندك، وليس يجب ان يأتي ~~مع الرسل ملائكة، لأن الذي يدل على صدق الجميع المعجز دون غيره. # ثم اخبر الله تعالى عنهم بأنهم كانوا قوما فاسقين خارجين عن طاعة الله ~~إلى معصيته. ثم قال { فلما أسفونا انتقمنا منهم } قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والسدي وابن زيد: معنى اسفونا أغضبونا، لأن الله تعالى يغضب على ~~العصاة بمعنى يريد عقابهم، ويرضى عن المطيعين بأن يريد ثوابهم بما ~~يستحقونه من طاعاتهم ومعاصيهم كما يستحقون المدح والذم. وقيل الاسف هو ~~الغيظ من المغتم إلا انه - ها هنا - بمعنى الغضب. ثم بين تعالى بماذا ~~انتقم منهم، فقال { فأغرقناهم أجمعين } ثم قال { فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين } فالسلف المتقدم على غيره قبل مجيء وقته، ومنه السلف في البيع. ~~والسلف نقيض الخلف. ومن قرأ - بضم السين واللام - فهو جمع سليف من الناس، ~~وهو المتقدم أمام القوم. وقيل: معناه { جعلناهم سلفا } متقدمين ليتعظ ~~بهم الآخرون. وقال قتادة: جعلناهم سلفا إلى النار ومثلا أي عظة للآخرين. ~~والمثل بيان عن أن حال الثاني كحال الأول بما قد صار فى الشهرة كالعلم، ~~فحال هؤلاء المشركين كحال من تقدم فى الاشراك بما يقتضي أن يجروا مجراهم ~~فى الاهلاك إن اقاموا على الطغيان. # ثم قال الله تعالى { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون } قيل: ~~المراد بذلك لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم فى قوله # إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # اعترض على النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك قوم من كفار قريش، فانزل ~~الله تعالى هذه الآية. ووجه الاحتجاج في شبه المسيح بآدم أن الذي قدر أن ~~ينشىء آدم من غير ذكر قادر على إنشاء المسيح من غير ذكر، فلا وجه ~~لاستنكاره من هذا الوجه. وقيل: إنه لما ذكر المسيح بالبراءة من الفاحشة ~~وانه كآدم في الخاصة، قالوا: هذا يقتضي ان نعبده كما عبده النصارى. وقيل: ~~انه لما نزل قوله # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # قالوا ms3152 قد رضينا أن يكون آلهتنا مع المسيح. وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وآله انه قال يوما لعلي عليه السلام # " لولا أني اخاف ان يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولا لا ~~تمر بملاء إلا اخذوا التراب من تحت قدميك " # انكر ذلك جماعة من المنافقين، وقالوا: لم يرض ان يضرب له مثلا إلا ~~بالمسيح، فانزل الله الآية. # وقوله { يصدون } بكسر الصاد وضمها لغتان. وقد قرىء بهما مثل يشد ويشد ~~وينم وينم من النميمة. وقيل: معنى يصدون - بكسر الصاد - يضجون أي يضجون ~~سرورا منهم بأنهم عبدوا الأوثان كما عبد النصارى المسيح ومن ضمها أراد ~~يعرضون. # ثم حكى عن الكفار انهم قالوا آلهتنا خير أم هو؟! قال السدي: يعنون أم ~~المسيح. وقال قتادة: يعنون أم محمد صلى الله عليه وآله وقيل: معنى سؤالهم ~~آلهتنا خير ام هو؟ انهم ألزموا مالا يلزم على ظن منهم وتوهم، كأنهم ~~قالوا: ومثلنا في ما نعبد مثل المسيح، فأيهما خير أعبادة آلهتنا أم عبادة ~~المسيح، على انه إن قال عبادة المسيح اقر بعبادة غير الله، وكذلك إن قال ~~عبادة الأوثان. وإن قال ليس فى عبادة المسيح خير، قصر به عن المنزلة التي ~~ليست لأحد من سائر العباد. وجوابهم عن ذلك إن اختصاص المسيح بضرب من ~~التشريف والانعام عليه لا يوجب العبادة له كما لا يوجب ذلك انه قد أنعم ~~على غيره النعمة. ووجه اتصال سؤالهم بما قبله انه معارضة لالهية الأوثان ~~بالهية المسيح كمعارضة إنشاء المسيح عن غير ذكر بانشاء آدم عليه السلام ~~من غير ذكر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ما ضربوه يعني المسيح مثلا ~~{ إلا جدلا } أي خصومة لك ودفعا لك عن الحق، لأن المجادلة لا تكون إلا ~~وأحد المجادلين مبطلا. والمناظرة قد تكون بين المحقين، لأنه قد يعارض ~~ليظهر له الحق. # ثم قال تعالى { بل هم قوم خصمون } أي جدلون فى دفع الحق بالباطل. # ثم وصف المسيح عليه السلام فقال { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } أي ليس ~~هو ms3153 سوى عبد خلقناه وانعمنا عليه { وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } قال السدي ~~وقتادة: يعني موعظة وعبرة لهم يعتبرون به ويتعظون به. ثم قال { ولو نشاء ~~لجعلنا منكم ملائكة } أي بدلا منكم معاشر بني آدم ملائكة في الارض { ~~يخلفون } بني آدم غير انه انشأ بني آدم لاسباغ النعمة عليهم. وقرأ قالون ~~عن نافع { آلهتنا } بهمزة واحدة بعدها مدة. الباقون بهمزتين على اصولهم، ~~غير انه لم يفصل احد بين الهمزتين بألف، وانما حققهما اهل الكوفة وروح. ~~ولين الباقون الثانية. وقال ابو عبد الله بن خالويه: هي ثلاث ألفات ~~الأولى للتوبيخ والتقرير بلفظ الاستفهام والثانية الف الجمع والثالثة ~~اصلية. والاصل { ءالهتنا } فصارت الهمزة الثانية مدة ثم دخلت الف ~~الاستفهام. ### || [43.61-65] # الضمير في قوله { وإنه لعلم للساعة } يحتمل أن يكون راجعا إلى عيسى ~~عليه السلام لأن ظهوره يعلم به مجيء الساعة، لانه من أشراطها، وهو قول ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقيل: إنه اذا نزل ~~المسيح رفع التكليف لئلا يكون رسولا الى اهل ذلك الزمان في ما يأمرهم به ~~عن الله وينهاهم عنه. وقيل: انه عليه السلام يعود غير مكلف فى دولة ~~المهدي وإن كان التكليف باقيا على اهل ذلك الزمان. وقال قوم: إن الضمير ~~يعود الى القرآن يعلمكم بقيامها ويخبركم عنها وعن احوالها. وهو قول ~~الحسن، والفائدة بالعلم بالساعة انه يجب التأهب لها من اجل انها تقوم ~~للجزاء لا محالة، وفى الشك فيها فتور فى العمل لها، ويجب لأجلها اجتناب ~~القبائح التي يستحق بها الذم والعقاب واجتناء المحاسن التي يستحق بها ~~المدح والثواب. وروي عن ابن عباس شاذا أنه من - العلم - بفتح العين ~~واللام بمعنى انه علامة ودلالة على الساعة وقربها. # ثم خاطب الأمة فقال { فلا تمترن بها } أي لا تشكن فيها. والمرية الشك ~~ويدل على ان المراد به جميع الامة قوله { وأتبعوني هذا صراط مستقيم } أي ~~ما أخبرتكم به من البعث والنشور والثواب والعقاب { صراط مستقيم } ثم ~~نهاهم فقال { ولا يصدنكم الشيطان } أي لا يمنعكم الشيطان عن اتباع ~~الطريق المستقيم ms3154 الذي بينه الذي يفضي بكم إلى الجنة، ولا يعدل بكم إلى ~~الطريق المؤدي إلى النار { إنه لكم عدو مبين } فالعداوة طلب المكروه ~~والمكيدة والايقاع فى كل مهلكة من أجل العداوة التي فى هلاك صاحبها شفاء ~~لما فى صدره منها. # ثم اخبر تعالى عن حال عيسى عليه السلام حين بعثه الله نبيا فقال { ولما ~~جاء عيسى بالبينات } يعني بالمعجزات. قال قتادة يعني بالانجيل { قال } ~~لهم { قد جئتكم بالحكمة } أي بالذي من عمل به من العباد نجا ومن خالفه ~~هلك. وقوله تعالى { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه }. قال مجاهد: يعني ~~من احكام التوراة وقال قوم: تقديره قد جئتكم بالانجيل، وبالبينات التي ~~يعجز عنها الخلق. والذي جاء به عيسى هو بعض ما اختلفوا فيه، وبين لهم ~~فيه. وقال قوم: البعض يراد به - ها هنا - الكل كأنه قال: ولأبين لكم جميع ~~ما تختلفون فيه. وقيل أراد به من أمر دينكم دون أمر دنياكم. والاختلاف ~~اصل كل عداوة. والوفاق أصل كل ولاية لأن الخلاف يوجب البغضة، ثم يقوى ~~بالكثرة حتى يصير عداوة، ثم قال لهم يعني عيسى عليه السلام { فاتقوا الله ~~} بأن تجتنبوا معاصيه وتفعلوا طاعاته { وأطيعون } في ما أدعوكم اليه من ~~العمل بطاعة الله. ثم قال لهم ايضا { إن الله } الذي تحق له العبادة { ~~هو ربي وربكم فاعبدوه } خالصا ولا تشركوا به معبودا آخر. ثم قال { هذا ~~صراط مستقيم } يفضي بكم إلى الجنة وثواب الله. # وقوله { فاختلف الأحزاب من بينهم } قال السدي يعني اليهود والنصارى. ~~وقال قتادة: يعني الفرق الذين تحزبوا فى أمر عيسى عليه السلام فقال الله ~~تعالى { فويل للذين ظلموا } نفوسهم بارتكاب معاصي الله { من عذاب يوم ~~أليم } وهو يوم القيامة. ### || [43.66-70] # يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه وموبخا لهم { هل ينظرون } أي هؤلاء ~~الكفار، ومعناه هل ينتظرون { إلا الساعة } يعني القيامة. وقيل: معناه هل ~~ينتظر بهم لأنهم لم يكونوا ينتظرونها، فاضاف اليهم مجازا. وقيل: سميت ~~القيامة الساعة لقرب أمرها، كأنها تكون في ساعة. ثم يحصل اهل الجنة فى ~~الجنة واهل النار ms3155 فى النار، وقيل: سميت بذلك لانها ابتداء أوقات الآخرة، ~~فهي ابتداء تجديد الساعات. # وقوله { بغتة } أي فجأة، وإنما كانت الساعة بغتة مع تقديم الانذار بها، ~~لانهم مع الانذار لا يدرون وقت مجيئها، كما لا يدري الانسان وقت الرعد ~~والزلازل، فتأتي بغتة وإن علم انها تكون. # ثم قال تعالى { الأخلاء } وهو جمع خليل { يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين } يعني من كانت خلته فى دار الدنيا فى غير طاعة الله بل كانت في ~~معصية الله، فان تلك الخلة تنقلب عليه عداوة، لان صاحبها يتبين فساد تلك ~~الخلة يوم القيامة وإنما كان كذلك، لان كل واحد من المتخالين فى غير طاعة ~~الله يزين لصاحبه خلاف الحق ويدعوه إلى ما يوبقه ويورثه سوء العاقبة بدل ~~ما كان يلزمه من النصيحة له فى الدعاء إلى ترك القبيح وفعل الحسن ثم ~~استثنى من جملة الأخلاء الذين اخبر عنهم أنهم يصيرون اعداءا { المتقين } ~~لأن من كانت مخالته في طاعة الله وعلى ما أمر الله به فانها تتأكد ذلك ~~اليوم ولا تنقلب عداوة. # ثم اخبر تعالى بما يقال للمؤمنين المطيعين من عباده فانه يناديهم فيقول ~~لهم { يا عبادي } وخصهم بأنهم عباده من حيث أطاعوه واجتنبوا معاصيه { لا ~~خوف عليكم اليوم } من العقاب { ولا أنتم تحزنون } من فوت الثواب. ثم وصف ~~عباده وميزهم من غيرهم فقال { الذين آمنوا بآياتنا } يعني الذين صدقوا ~~بحجج الله فاتبعوها { وكانوا مسلمين } أي مستسلمين لما امرهم الله به ~~منقادين له. # ثم بين انه يقال لهم { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم } اللاتي كن مؤمنات { ~~تحبرون } أي تسرون فيها، والحبور السرور الذي يظهر فى بشرة الوجه اثره، ~~وحبرته حسنة بما يظهر أثر السرور به. وقال قتادة وابن زيد: معنى { تحبرون ~~} تنعمون - قال السدي: معناه تكرمون، والمراد بالأزواج من كان مستحقا ~~للثواب ودخل الجنة. وقيل: المراد بالأزواج اللاتي يزوجهم الله بهن من ~~الحور العين فى الجنة. ### || [43.71-75] # قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم { ما تشتهيه } الانفس ب (هاء). ~~الباقون " تشتهي " بلا هاء. وحذف الهاء من الصلة ms3156 إذا كانت للمفعول حسن، ~~كقوله تعالى # أهذا الذي بعث الله رسولا # ومن أثبتها، فلأنه الأصل. # لما استثنى الله تعالى المتقين من جملة الاخلاء الذين تنقلب خلتهم عداوة ~~وأن خلتهم باقية وأنه يقال لهم ولأزواجهم إدخلوا الجنة محبورين، اخبر بما ~~لهم فيها من انواع اللذات، فقال { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } ~~وتقديره تنقل ألوان الطعام اليهم فى صحاف الذهب. ثم يؤتون باكواب الشراب ~~على جهة الاستمتاع فى جميع تلك الأحوال. والصحاف الجامات التي يؤكل فيها ~~الوان الأطعمة واحدها صحفة. والذي يطوف بذلك الوصف او الوصايف من الحور ~~العين الذين يخلقهم الله فى الجنة واكتفى بذكر الصحاف والاكواب عن ذكر ~~الطعام والشراب. وواحد الاكواب كوب وهو إناء على صورة الابريق لا أذن له ~~ولا خرطوم قال الأعشى: # صليفية طيبا طعمها # لها زبد بين كوب ودن # وهو كالكأس للشراب. وقال السدي: الصحاف القصاع. # وقوله تعالى { وفيها } يعني فى الجنة { ما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين } ~~وإنما اضاف الالتذاذ إلى الاعين وهو للسان لأن المناظر الحسنة سبب من ~~اسباب اللذة، فاضافتها إلى هذه الجهة احسن وأبلغ لما فيه من البيان مع ~~الايجاز، لأنه الموضع الذى يلتذ الانسان به عند رؤيته بعينه. # ثم قال { وأنتم فيها } يعني فى الجنة وفي هذه الأنواع من اللذات { ~~خالدون } أى مؤبدون. وقوله { وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ~~} قال الحسن: ورث الله تعالى الذين اطاعوه وقبلوا امره ونهيه منازل ~~الذين عصوه ولم يقبلوا أمره ونهيه. ويجوز ان يكون المراد لما كانت الجنة ~~جزاء على أعمالهم التي عملوها وعقيب ذلك عبر عن ذلك بأنهم أورثوها. ثم ~~بين ما لهم في الجنة ايضا فقال { لكم } معاشر المتقين { فيها } يعني في ~~الجنة { فاكهة كثيرة } أى ثمار عظيمة { منها تأكلون }. # ثم اخبر تعالى عن حال أهل النار والعصاة فقال { إن المجرمين } يعني ~~الذين عصوا الله { في عذاب جهنم } وعقابها { خالدون } أى دائمون { لا ~~يفتر عنهم العذاب } واصل الفتور ضعف الحرارة { وهم فيه } يعني في العذاب ~~{ مبلسون } أى يائسون من رحمة الله وفرجه ms3157 - وهو قول قتادة - والابلاس ~~اليأس من الرحمة من شدة الحيرة، يقال أبلس فلان إذا تجبر عند انقطاع ~~الحجة. ### || [43.76-80] # لما بين الله تعالى ما يفعله بالفساق والمجرمين من انواع العذاب بين انه ~~لم يظلمهم بذلك لانه تعالى غني عن ظلمهم عالم بقبح الظلم، ومن كان كذلك ~~لا يفعل القبيح، والظلم قبيح. وبين انهم هم الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم ~~المعاصي وفعل القبائح. ثم حكى تعالى ما ينادي به هؤلاء العصاة في حال ~~العذاب، فانهم ينادون مالكا خازن النار فيقولون { يا مالك ليقض علينا ~~ربك } أي ليميتنا حتى نتلخص من العذاب، فيقول مالك مجيبا لهم { إنكم ~~ماكثون } أى لابثون فيها. وقال ابن عباس والسدي: إنما يجيبهم مالك خازن ~~جهنم بذلك بعد الف سنة، وقال عبد الله بن عمر: بعد أربعين سنة. وقال نوف: ~~بعد مئة عام. # ثم اخبر تعالى إنه جاء الخلق بالحق في ما أخبر به من حال اهل الجنة واهل ~~النار. ولكن اكثركم معاشر الخلق كارهون للحق. وإنما لا يكره ذلك المؤمنون ~~منكم. # ثم قال { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } أي اجمعوا على التكذيب أي عزموا ~~عليه فانا مجمعون على الجزاء لهم بالتعذيب - وهو قول قتادة - ويكون ذلك ~~على وجه الأزدواج، لان العزم لا يجوز عليه تعالى، ومثله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # وقيل: معناه أم احكموا أمرا فى المخالفة، فانا محكمون أمرا فى ~~المجازاة. # ثم قال { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } أي يظن هؤلاء الكفار انا ~~لا نسمع سرهم ونجواهم أي ما يخفونه بينهم وما يعلنونه. ثم قال تعالى { ~~بلى } نسمع ذلك وندركه ومع ذلك { ورسلنا لديهم يكتبون } قال السدي ~~وقتادة: معناه إن رسلنا الذين هم الحفظة لديهم يكتبون ما يفعلونه ~~ويقولونه. # وقد روي إن سبب نزول هذه الآية ما هو معروف فى الكتب لا نطول بذكره ### || [43.81-85] # قيل فى معنى قوله { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } اقوال: # احدها - فانا أول الآنفين من عبادته، لأن من كان له ولد لا يكون إلا ~~جسما محدثا ومن ms3158 كان كذلك لا يستحق العبادة، لأنه لا يقدر على النعم ~~التي يستحق بها العبادة تقول: العرب عبدت فصمت قال الفرزدق: # واعبد ان يهجى كليب بدارم # وقال آخر: # ألا هذيت أم الوليد واصبحت # لما أبصرت في الرأس مني تعبد # الثاني - ما قاله ابن زيد وابن أسلم وقتادة: إن (ان) بمعنى (ما) وتقديره ~~ما كان للرحمن ولد فأنا اول العابدين لله. # الثالث - هو انه لو كان له ولد لعبدته على ذلك كما تقول لو دعت الحكمة ~~إلى عبادة غير الله لعبدته لكنها لا تدعوا إلى عبادة غيره، وكما تقول: لو ~~دل الدليل على أن له ولدا لقلت به، لكنه لا يدل، فهذا تحقيق نفي الولد ~~لانه تعليق محال بمحال. # الرابع - قال السدي: لو كان له ولد لكنت اول من عبده بأن له ولدا، لكن ~~لا ولد. وهذا قريب من الوجه (الثالث). # الخامس - إن كان لله ولد على قولكم، فأنا أول من وحده وعبده على ان لا ~~ولد له - ذهب اليه مجاهد - وإنما لم يجز على الله تعالى الولد لانه لا ~~يخلو من ان يضاف اليه الولد حقيقة او مجازا، وحقيقته أن يكون مخلوقا من ~~مائه او مولودا على فراشه، وذلك مستحيل عليه تعالى. ومجازه أن يضاف اليه ~~على وجه التبني وإنما يجوز فيمن يجوز عليه حقيقته، ألا ترى انه لا يقال ~~تبنى شاب شيخا لما لم يمكن أن يكون له ولد حقيقة، وانما جاز ان يضاف إلى ~~شيخ شاب على انه تبناه لما كان حقيقته مقدورة فيه، وكذلك لا يقال تبنى ~~انسان بهيمة لما كان يستحيل أن يكون مخلوقا من مائه او على فراشه، فلما ~~استحال حقيقته على الله تعالى استحال عليه مجازه ايضا. وإنما جاز أن ~~يقال روح الله، ولم يجز ان يقال ولد الله لأن روح الله بمعنى ملك الله ~~للروح، وإنما اضيف اليه تشريفا. وإن كانت الارواح كلها لله بمعنى انه ~~مالك لها. ولا يعرف مثل ذلك فى الولد. ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد ~~فقال { سبحان رب ms3159 السماوات والأرض } يعني الذي خلقهن { رب العرش } أي ~~خالقه ومدبره { عما يصفون } من اتخاذ الولد، لأن من قدر على خلق ذلك ~~وإنشائه مستغن عن اتخاذ الولد. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التهديد للكفار { فذرهم } أي ~~اتركهم { يخوضوا } فى الباطل { ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } ~~بمعنى يوعدون فيه بالعذاب الأبدي. # وقال تعالى { وهو الذي في السماء إله } أي يحق له العبادة فى السماء ~~ويحق له العبادة فى الأرض، وإنما كرر لفظة إله فى قوله { وفي الأرض إله } ~~لأحد امرين: # احدهما - للتأكيد ليتمكن المعنى فى النفس لعظمه فى باب الحق. # الثاني - إن المعنى هو فى السماء إله، يجب على الملائكة عبادته، وفي ~~الأرض اله يجب على الآدميين عبادته { وهو الحكيم } في جميع افعاله { ~~العليم } بجميع المعلومات { وتبارك } وهو مأخوذ من البرك وهو الثبوت، ~~ومعناه جل الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: معناه جل الذي عمت بركة ~~ذكره { الذي له ملك السماوات والأرض } أي الذى له التصرف فيهما بلا دافع ~~ولا منازع { وما بينهما وعنده علم الساعة } يعني علم يوم القيامة، لانه ~~لا يعلم وقته على التعيين غيره { وإليه ترجعون } يوم القيامة فيجازي كلا ~~على قدر عمله. # فمن قرأ بالتاء خاطب الخلق. ومن قرأ بالياء رد الكناية إلى الكفار ~~الذين تقدم ذكرهم. ### || [43.86-89] # قرأ عاصم وحمزة { وقيله } بكسر اللام على تقدير وعنده علم الساعة وعلم ~~قيله. والباقون بالنصب. وقال الاخفش: ردا على قوله { أم يحسبوا أنا لا ~~نسمع سرهم... وقيله } وهو نصب على المصدر. وقال قوم: معناه أم يحسبون انا ~~لا نسمع سرهم ولعلمهم وقيله، لأنه لما قال { وعنده علم الساعة } كان ~~تقديره ويعلم قيله، وقرأ قتادة { وقيله } بالرفع جعله ابتداء. # يقول الله تعالى مخبرا إن الذي يدعونه الكفار إلها ويوجهون عبادتهم ~~اليه من الأصنام والاوثان وغيرها لا يملكون من دون الله الشفاعة. وهي ~~مسألة الطالب العفو عن غيره وإسقاط الضرر عنه، لأن حقيقة الشفاعة ذلك. ~~وعند قوم يدخل فيها المسألة فى زيادة المنافع. ثم استثنى من ms3160 جملتهم من ~~شهد بالحق وهم عالمون بذلك وهم الملائكة وعيسى وعزير. وقيل: المعنى ولا ~~يشفع الملائكة وعيسى وعزير الا من شهد بالحق، وهو يعلم الحق - ذكره مجاهد ~~- وقال قوم { إلا من شهد بالحق } الملائكة وعيسى وعزير لهم عند الله ~~شهادة بالحق. وقيل: المعنى إلا من يشهد بأنه أهل العفو عنه { وهم يعلمون ~~} ذلك. وهؤلاء أصحاب الصغائر والذين تابوا من الكبائر. # ثم قال تعالى و { لئن سألتهم } يا محمد يعني هؤلاء الكفار { من خلقهم } ~~وأخرجهم من العدم إلى الوجود { ليقولن الله } لانهم يعلمون ضرورة أن ~~الاصنام لم تخلقهم. فقال الله تعالى معنفا لهم { فأني يؤفكون } مع علمهم ~~بأن الله هو خالقهم، فكيف ينقلبون عن عبادته إلى عبادة غيره. # وقوله { وقيله يا رب } من نصبه احتمل ان يكون بقوله { إلا من شهد بالحق ~~} وقال { وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } على وجه الانكار عليهم. ~~وقيل: المعنى أم يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم... وقيله. وقال الزجاج: ~~الاختيار { وعنده علم الساعة } ويعلم { قيله } ومن جر فعلى تقدير وعنده ~~علم الساعة وعلم قيله يا رب. وقيل: معنى { وقيله } أنه شكا محمد صلى الله ~~عليه وآله شكوة إلى ربه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فاصفح عنهم } ~~أي اعف عنهم. قال قتادة: وكان ذلك قبل أمره إياه بقتالهم { وقل سلام } ~~رفع على تقديره وهو عليكم سلام أي ما سلم به من شرهم وأذاهم. وقال الحسن: ~~يعني { وقل سلام } احلم عنهم ثم هددهم فقال { فسوف تعلمون } بالتاء على ~~وجه الخطاب. الباقون بالياء على الخبر عن الكفار الذين مضى ذكرهم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-6] # ست آيات في الكوفي وخمس فى الباقين. # قد بينا معنى (حم) في ما مضى وإختلاف الناس فيه وان أقوى الوجوه انه اسم ~~للسورة. وإنما كرر ذكر (حم) لانه ينبىء عن استفتاح السورة بذكر الكتاب ~~على وجه التعظيم إذ على ذلك جميع الحواميم، فهو اسم علم للسورة مضمن ~~بمعنى الصفة من وجهين: # احدهما - انها من الحروف العربية. والآخر أنه استفتحت بذكر ms3161 الكتاب على ~~طريق المدحة. # وقوله { والكتاب المبين } فالمراد بالكتاب القرآن، وجره بأنه قسم. وقال ~~قوم: تقديره ورب الكتاب المبين، وإنما أقسم به لينبىء عن تعظيمه. لان ~~القسم يؤكد الخبر بذكر المعظم منعقدا بما يوجب أنه حق كما أن تعظيمه حق. ~~وإنما وصف بأنه مبين وهو بيان مبالغة فى وصفه بأنه بمنزلة الناطق بالحكم ~~الذي فيه من غير أن يحتاج إلى استخراج الحكم من مبين غيره، لأنه يكون من ~~البيان ما لا يقوم بنفسه دون مبين حتى يظهر المعنى فيه. # وقوله { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } إخبار منه تعالى أنه انزل القرآن ~~في الليلة المباركة، وهي ليلة القدر - فى قول قتادة وابن زيد - وقال قوم: ~~هي ليلة النصف من شعبان. والأول أصح لقوله تعالى # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # وقيل هي فى كل شهر رمضان فيها تقسم الآجال والأرزاق وغيرهما من الألطاف ~~- فى قول الحسن - وقيل: انزل إلى السماء الدنيا فى ليلة القدر. ثم انزل ~~نجوما على النبي صلى الله عليه وآله وقيل ينزل فى ليلة القدر قدر ما ~~يحتاج اليه فى تلك السنة. وقيل المعنى إن ابتداء انزاله فى ليلة مباركة، ~~ووصفها. بأنها مباركة لان فيها يقسم الله تعالى نعمه على عباده من السنة ~~إلى السنة. والبركة نماء الخير، وضده الشؤم وهو نماء الشر، فالليلة التي ~~انزل فيها كتاب الله مباركة، فان الخير ينمى فيها على ما دبره الله لها ~~من علو الخير الذي قسمه فيها. # وقوله { إنا كنا منذرين } فالانذار الاعلام بموضع الخوف ليتقى وموضع ~~الأمن ليرتجى، فالله تعالى قد انذر العباد بأتم الانذار من طريق العقل ~~والسمع وقوله { فيها يفرق كل أمر حكيم } فحكيم - ههنا - بمعنى محكم، وهو ~~ما بيناه من انه تعالى يقسم فى هذه الليلة الآجال والارزاق وغيرها. # وقوله { أمرا من عندنا } يحتمل أن يكون نصبا على الحال، وتقديره ~~انزلناه آمرين. ويحتمل أن يكون على المصدر وتقديره يفرق كل أمر فرقا، ~~ووضع امرا موضعه. # وقوله { إنا كنا مرسلين } اخبار منه تعالى انه يرسل الرسل { رحمة ms3162 } أي ~~نعمة. ونصبه على المصدر واختار الأخفش النصب على الحال أي انزلناه آمرين ~~راحمين. ويجوز ان يكون نصبا على انه مفعول له أي انزلناه للرحمة. وسميت ~~النعمة رحمة، لانها بمنزلة ما يبعث على فعله رقة القلب على صاحبه ومع ~~داعي الحكمة إلى الاحسان اليه يؤكد أمره. # وقوله { إنه هو السميع العليم } معناه إنه يسمع ما يقوله خلقه من ~~المبطلين والمحقين فيجيب كلا منهم على ما يعلمه من مصلحته من إرساله ~~الرسل اليه وإنعامه عليه ### || [44.7-11] # قرأ اهل الكوفة إلا حفصا { رب السماوات } خفضا بدلا من قوله { رحمة من ~~ربك... رب السماوات } الباقون بالرفع على الاستئناف. ويجوز أن يكون خبر ~~(إن) في قوله { إنه هو السميع العليم }. # لما ذكر الله تعالى أنه - عز وجل - السميع العليم، وصف نفسه ايضا بأنه ~~الذي خلق السموات والأرض ودبرهما، ودبر ما فيهما { إن كنتم موقنين } بهذا ~~الخبر محققين له، وقيل: إن وجه الاحتجاج بذكر رب السموات والارض - ههنا ~~- أن الذي دبرهما على ما فيه مصالح العباد هو الذي دبر الخلق بارسال ~~الرسول رحمة منه بعباده على ما فيه مصالحهم. ومعنى { إن كنتم موقنين } أي ~~إن كنتم ممن يطلب اليقين، فهذا طريق اليقين يلج الصدور بالعلم، وهو حال ~~يجده الانسان من نفسه عند التعقل. ولهذا يقال: من وجد برد اليقين كان من ~~المتقين. ولذلك لا يوصف الله تعالى باليقين وإن وصف بأنه عالم وعليم. # ثم بين تعالى انه لا أحد يستحق العبادة سواه بقوله { لا إله إلا هو } ~~وانه { يحيي } الخلق بعد موتهم { ويميت } أي ويميتهم بعد احيائهم { ربكم ~~} الذى خلقكم ودبركم { ورب آبائكم } الذى خلقهم ودبرهم { الأولين } الذين ~~سبقوكم وتقدموكم. # ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال ليس هؤلاء بموقنين بما قلناه { بل هم في ~~شك } يعني بما أخبرناك به ووصفنا الله تعالى به { يلعبون } مع ذلك ~~ويسخرون. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فارتقب } قال قتادة: فانتظر { يوم ~~تأتي السماء بدخان مبين } والدخان الظلمة التي كانت تغشى أبصار المشركين ~~من قريش لشدة الجوع وحين ms3163 دعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله، فقال # " اللهم سنين كسنين يوسف " # - فى قول ابن مسعود والضحاك - وقال ابن عباس والحسن وهو المروي عن النبي ~~صلى الله عليه وآله إن الدخان آية من اشراط الساعة تدخل فى مسامع الكافر ~~والمنافق حتى يكون كالراس الحنيذ ونصيب المؤمن منه مثل الزكمة. و { يغشى ~~الناس } يعني الدخان يغشى الناس. ثم حكى تعالى بأن هؤلاء الكفار يقولون ~~عند ذلك { هذا عذاب أليم } أي مؤلم موجع. والغشى اللباس الذي يغمر الشيء، ~~لأن الانسان قد يلبس الازار ولا يغشيه. فاذا غمه كان قد غشاه. والغاشية ~~من الناس الجماعة يغشون، وغاشية السرج من ذلك، ومنه قوله # يغشى الليل النهار # والعذاب استمرار الألم ووصفه ب (أليم) مبالغة فى سببه، لأجل استمراره ~~وصار بالعرف عبارة عن العقاب، لان الألم الذي يفعل للعوض والاعتبار، كأنه ~~لا يعتد به لما يؤل اليه من النفع. ### || [44.12-16] # لما اخبر الله تعالى أن الدخان يغشى الناس عذابا لهم وعقابا للكفار، ~~وحكى أنهم يقولون هذا عذاب أليم، حكى ايضا انهم يقولون ويدعون { ربنا ~~اصرف عنا العذاب } الذي أنزلته من الدخان { إنا موقنون } بأنه لا إله ~~غيرك، وأن لا يستحق العبادة سواك. فقال تعالى { أنى لهم الذكرى } قال ابن ~~عباس معناه (كيف)؟ وقال غيره معناه من أين لهم الذكرى { وقد جاءهم رسول ~~مبين } وحثهم على ذلك فلم يقبلوا منه، وهذا زمان سقوط التكليف لكونهم ~~ملجئين فلا تقبل لهم توبة. # وقوله { ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون } قال مجاهد: المعنى ثم تولوا ~~عن محمد صلى الله عليه وآله وقالوا هو معلم يعلمه غيره، ونسبوه إلى ~~الجنون، وأنه مجنون. ثم قال تعالى { إنا كاشفوا العذاب قليلا } على وجه ~~التبكيت لهم على شدة عنادهم إنا لو كشفنا عنكم العذاب ورفعناه عنكم { ~~إنكم عائدون } فمن قال إن العذاب بالدخان عند رفع التكليف قال { إنكم ~~عائدون } فى العذاب، وهو قول قتادة ومن ذهب إلى انه فى الدنيا مع بقاء ~~التكليف، قال معناه { إنكم عائدون } في الضلال. وهو قول جماعة. # وقوله { يوم ms3164 نبطش البطشة الكبرى } فالبطش الأخذ بشدة وقع الألم، بطش به ~~يبطش بطشا، ومثله عرش يعرش ويعرش، وهو باطش، واكثر ما يكون بوقوع الضرب ~~المتتابع، فأجري افراغ الألم المتتابع مجراه و { البطشة الكبرى } قال ابن ~~مسعود ومجاهد وابو العالية، وروى عن ابن عباس وابي بن كعب والضحاك وابن ~~زيد: هو ما جرى عليهم يوم بدر - وفي رواية أخرى عن ابن عباس والحسن انه ~~يوم القيامة، وهو اختيار الجبائي. # وقوله { إنا منتقمون } اخبار منه تعالى أنه ينتقم من هؤلاء الكفار ~~بانزال العقوبة بهم، وقد فرق قوم بين النقمة والعقوبة: بأن النقمة ضد ~~النعمة، والعقوبة ضد المثوبة، فهي مضمنة بأنها بعد المعصية فى الصفة، ~~وليس كذلك النقمة وإنما تدل الحكمة على انها لا تقع من الحكيم إلا لأجل ~~المعصية. ### || [44.17-21] # أقسم تعالى انه فتن قبلهم يعني قبل كفار قوم النبي صلى الله عليه وآله { ~~قوم فرعون } أى اختبرناهم، وشددنا عليهم بأن كلفناهم، لأن الفتنة شدة ~~التعبد فى الأخذ بالسراء والضراء، وأصلها الاحراق بالنار لخلاص الذهب ~~من الغش، فهذه الشدة كشدة الاحراق للخلاص. وقيل: الفتنة معاملة المختبر ~~ليجازى بما يظهر دون ما يعلم مما لم يعلم { وجاءهم رسول كريم } أى حقيق ~~بالتكرم فى الدعاء إلى الله والبرهان الواضح والدليل القاهر حتى يسلكوا ~~طريق الهدى المؤدي إلى ثواب الجنة ويعدلوا عن طريق الردى المؤدي إلى ~~العقاب. وقيل: معناه كريم عند الله بما استحق بطاعته من الاكرام ~~والاجلال. # وقوله { أن أدوا إلي عباد الله } قال الحسن: هو مثل قوله # أن أرسل معنا بني إسرائيل # ف { عباد الله } منصوب ب { أدوا } وقيل: هو منصوب على النداء. أي يا ~~عباد الله أدوا ما أمركم به، فى قول الفراء { إني لكم رسول أمين } على ما ~~اؤديه اليكم وادعوكم اليه، { وأن لا تعلوا على الله } قال ابن عباس: ~~معناه أن لا تطغوا عليه بافتراء الكذب عليه. وقال قتادة: معناه ان لا ~~تبغوا عليه بكفر نعمه، وقيل معناه أن لا تتكبروا على الله بترك طاعته ~~وإتباع أمره. وقيل: معناه أن لا ms3165 تبغوا على أولياء الله بالبغي عليهم. ~~وقال الحسن: معناه لا تستكبروا عليه بترك طاعته { إني آتيكم بسلطان مبين ~~} أي بحجة واضحة لأن السلطان الحجة والمبين الظاهر الذي مع ظهوره يظهر ~~الحق، فكأنه اظهره. ثم قال لهم { وإني عذت بربي } الذي خلقني { وربكم } ~~الذي خلقكم { أن ترجمون } قال ابن عباس وابو صالح: الرجم الذي استعاذ منه ~~موسى هو الشتم، كقولهم: هو ساحر كذاب ونحوه، وقال قتادة: هو الرجم ~~بالحجارة. ثم قال لهم { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي لم تؤمنوا بي، ~~فاللام بمعنى الباء ومعناه وإن لم تصدقوني فى أني رسول الله اليكم وأن ما ~~ادعوكم اليه حق يجب عليكم العمل به فلا أقل من أن تعتزلون بصرف أذاكم ~~عني، لانكم إن لا تجاوزا الاحسان بالاحسان، فلا اساءة. وإنما دعاهم إلى ~~ترك ملابسته بسوء إن اصروا على الكفر ولم يقبلوا إلى الايمان لان هذا أمر ~~يدعو اليه العقل ببديهته ولا يحتاج إلى برهان. ### || [44.22-29] # قرأ ابو جعفر (فاكهين) بغير الف - ها هنا - وفى المطففين. وفي الطور ~~وافقه الداجوني وحفص فى المطففين. # حكى الله تعالى أن موسى حين يئس من قومه ان يؤمنوا به { دعا } الله { ~~ربه } فقال { إن هؤلاء قوم مجرمون } وقيل إنه دعا بما يقتضيه سوء افعالهم ~~وقبح إجرامهم وسوء معاملتهم له، فكأنه قال: اللهم عجل لهم بما يستحقونه ~~باجرامهم ومعاصيهم بما به يكونون نكالا لمن بعدهم، وما دعا بهذا الدعاء ~~إلا بعد إذن الله له فى الدعاء عليهم. # وقوله { فأسر بعبادي } الفاء وقعت موقع الجواب، وتقديره فدعا فأجيب بأن ~~قيل له { فأسر بعبادي } فهي عطف وقع موقع جواب الدعاء. وأمره الله تعالى ~~بأن يسير بأهله والمؤمنين به لئلا يروهم إذا خرجوا نهارا، واعلمه { إنكم ~~متبعون } أنه سيتبعهم فرعون وقومه ويخرجون خلفهم، وامره بأن { يترك البحر ~~رهوا } أي ساكنا على ما هو به من كثرته إذا قطعه، ولا يرده إلى ما كان ~~ويقال: عيش راه إذا كان خفضا وادعا. وقال قوم: معناه اترك البحر يبسا. ~~وقيل: طريقا يابسا. وقال ابن ms3166 الاعرابي: معناه واسعا ما بين الطاقات. ~~وقال خالد ابن خيبري: معناه رمثا أي سهلا ليس برمل ولا حزن. ذكره ~~الأزهري يقال: جاء الخيل رهوا أي متتابعة. وقال ابن الاعرابي الرهو من ~~الخيل والطير السراع. وقال العكلي: المرهي من الخيل الذي تراه كأنه لا ~~يسرع، وإذا طلب لا يدرك، ويقال: أعطاه سهوا رهوا أي كثيرا لا يحصى. ~~وإنما قيل ذلك، لأنه كان أمره أولا ان يضرب البحر بعصاه ليفلق فيه طرقا ~~لقومه ثم أمره بأن يتركه على الحالة الأولى ليغرق فيه فرعون وجنده، قال ~~الشاعر: # طيرا رأت بازيا نضح الدماء به # وأمة اخرجت رهوا إلى عيد # أي سكونا على كثرتهم. # ثم اخبره عن فرعون وقومه ب { إنهم جند مغرقون } أي سيغرقهم الله. وفي ~~الكلام حذف، لان تقديره ان موسى سار بقومه وتبعه فرعون وجنده وأن الله ~~أهلكهم وغرقهم. # ثم اخبر عن حالهم بأن قال { كم تركوا من جنات } يعني من بساتين لهم ~~تركوها لم تنفعهم حين نزل بهم عذاب الله { وعيون } جارية لم تدفع عنهم ~~عقاب الله { وزروع } جمع زرع { ومقام كريم } قيل: هو المجلس الشريف. ~~وقيل: مقام الملوك والامراء والحكماء. وقيل: المنازل الحسنة. وقال قتادة: ~~يعني مقام حسن بهج. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هي المناظر. وقيل: ~~المنابر. وقيل: المقام الكريم هو الذي يعطي اللذة، كما يعطي الرجل الكريم ~~الصلة { ونعمة كانوا فيها فاكهين } ، فالنعمة - بفتح النون - التنعيم - ~~وبكسرها - منفعة يستحق بها الشكر، وإن كانت مشقة، لأن التكليف نعمة وإن ~~كانت فيه مشقة. # ومعنى الآية انهم كانوا متمتعين. فالفاكة المتمتع بها بضروب اللذة، كما ~~يتمتع الآكل بضروب الفاكة، يقال: فكه يفكه فكها، فهو فاكه، وفكه وتفكه ~~يتفكه تفكها، فهو متفكه. # وقوله { كذلك وأورثناها قوما آخرين } فتوريثه النعمة إلى الثاني بعد ~~الأول بغير مشقة كما يصير الميراث إلى أهله على تلك الصفة، وتوريث العلم ~~شبه بذلك، لأن الأول تعب فى إستخراجه وتوطئة الدلالة المؤدية اليه، ووصل ~~إلى الثاني وهو رافه وادع، لم يكل لطول الفكر وشدة طالب العلم، فلما كانت ~~نعمة ms3167 قوم فرعون وصلت بعد هلاكهم إلى غيرهم، كان ذلك توريثا من الله لهم. ~~قال قتادة: يعني بقوم آخرين بني اسرائيل، لأن بني اسرائيل رجعوا إلى مصر ~~بعد هلاك فرعون على ما قيل، وكذلك قال فى موضع آخر # وأورثناها بني إسرائيل # وقوله { فما بكت عليهم السماء والأرض } قيل فى معناه ثلاثة اقوال: # احدها - قال الحسن فما بكى عليهم - حين اهلكهم الله - أهل السماء واهل ~~الأرض، لانهم مسخوط عليهم مغضوب عليهم بانزال الخزي بهم. # الثاني - إن التقدير ان السماء والارض لو كانتا ممن يبكى على أحد إذا ~~هلك لما بكتا على هؤلاء، لانهم ممن أهلكهم الله بالاستحقاق وانزل عليهم ~~رجزا بما كانوا يكفرون. والعرب تقول: إذا أرادت أن تعظم موت إنسان: ~~اظلمت الشمس وكسف القمر لفقده وبكت السماء والارض، وإنما يريدوا المبالغة ~~قال الشاعر: # الريح تبكي شجوها # والبرق يلمع فى الغمامه # وقال آخر: # والشمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمر # الثالث - انهم لم يبك عليهم ما يبكى على المؤمن إذا مات، مصلاه ومصعد ~~علمه - ذكره ابن عباس وابن جبير - ومعناه لم يكن لهم عمل صالح. وقال ~~السدي: لما قتل الحسين عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرة ~~أطرافها. وقال الحسن: ما بكى عليهم المؤمنون والملائكة، بل كانوا بهلاكهم ~~مسرورين. # وقوله { وما كانوا منظرين } أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا. ### || [44.30-36] # سبع آيات كوفي وست في ما عداه، عد الكوفيون { ليقولون } ولم يعده ~~الباقون. # اقسم الله تعالى أنه نجى أي خلص بني اسرائيل الذين آمنوا بموسى من ~~العذاب المهين الذي كان يفعله بهم فرعون وقومه لأنهم كانوا استعبدوهم، ~~وكانوا يكلفونهم المشاق ويحملوهم القذارات ويكلفونهم كنسها وتنظيفها وغير ~~ذلك، فخلصهم الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه ووفقهم للايمان بموسى. # ثم اخبر تعالى ان فرعون كان عاليا من المسرفين أي متجبرا متكبرا من ~~المسرفين في الأرض الذين يتجاوزون حد ما يجوز فعله إلى ما لا يجوز فعله ~~استكبارا وعلوا وعتوا، يقال: اسرف يسرف اسرافا فهو مسرف، ومثله ~~الافراط، وضده الاقتار، وإنما وصف المسرف بأنه ms3168 عال، وإن كان وصف عال قد ~~يكون صفة مدح، لانه قيده بأنه عال في الاسراف، لان العالي في الاحسان ~~ممدوح والعالي فى الاسراف مذموم، واطلاق صفة عال تعظيم، وإذا اطلق فالمدح ~~به أولى. # ثم اخبر تعالى مقسما بأنه اختارهم يعني موسى وقومه على علم على ~~العالمين، فالاختيار هو اختيار الشيء على غيره بالارادة له لتفضيله عليه. ~~ومثله الايثار، وليس فى مجرد الارادة تفضيل شيء على غيره، لانه قد يمكن ~~أن يريد شيئا من غير أن يخطر بباله ما هو فيه أولى منه فى العقل، فلا ~~يكون اختياره تفضيلا. وإما ان يريد الأولى ولا يدري انه أولى، فيختاره ~~عليه لجهله بأنه أولى او يختاره وهو يعلم انه غير أولى، ويختاره لحاجته ~~اليه من جهة تعجل النفع به، ومن اختار الادون فى الصلاح على الأصلح كان ~~منقوصا مذموما، لانه بمنزلة من اختار القبيح على الحسن. # وقيل: المعنى اخترناهم على عالمي زمانهم بدلالة قوله لأمة نبينا # كنتم خير أمة أخرجت للناس # وذلك يوجب انه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما اختارهم على من هو ~~فى وقتهم من العالمين. وقال قتادة، ومجاهد: على عالمي زمانهم. وإنما قال ~~{ اخترناهم على علم على العالمين } بما جعل فيهم من الأنبياء الكثيرين، ~~فهذه خاصة لهم ليست لغيرهم، لما فى العلوم من مصالح المكلفين بأنبيائهم. # ثم بين ما به اختارهم بأن قال { وآتيناهم } يعني أعطيناهم { من الآيات } ~~يعني الدلالات والمعجزات { ما فيه بلاء مبين } قال الحسن: يعني ما فيه ~~النعمة الظاهرة. قال الفراء: البلاء قد يكون بالعذاب، وقد يكون بالنعمة، ~~وهو ما فعل الله بهم من إهلاك فرعون وقومه، وتخليصهم منه وإظهار نعمه ~~عليهم شيئا بعد شيء. # ثم اخبر تعالى عن كفار قوم نبينا صلى الله عليه وآله فقال { إن هؤلاء ~~ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى } أي ليس هذا الا الموتة الاولى { وما ~~نحن } أي لسنا بعدها بمبعوثين ولا معادين { بمنشرين } ويقولون { فأتوا ~~بآبائنا } الذين ماتوا قبلنا واعيدوهم { إن كنتم صادقين } فى ان الله ~~تعالى يقدر ms3169 على اعادة الأموات واحيائهم لان من قدر على النشأة الثانية ~~قدر على اعادة الآباء، وهذا باطل لان النشأة الثانية انما وجبت للجزاء لا ~~للتكليف، فلا تلزم اعادة الآباء ولا تجب. ### || [44.37-40] # ان قيل: لم لم يجابوا عن شبهتهم فى الآية، ولم يبين لهم أن ذلك لا يلزم، ~~وما الوجه في جوابهم؟ { أهم خير أم قوم تبع } قلنا: من تجاهل فى الحجاج ~~الذي يجري مجرى الشغب الذي لا يعتقد بمثله مذهب لنفي الشبهة فيه، فانه ~~ينبغي أن يعدل عن مقابلته الى الوعظ له بما هو اعود عليه، فلذلك عدل ~~تعالى معهم الى هذا الوعيد الشديد، وقال { أهم } هؤلاء الكفار { خير أم ~~قوم تبع والذين من قبلهم } فانا { أهلكناهم } لما جحدوا الآيات وكفروا ~~بنعم الله وارتبكوا معاصيه فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك. وقيل: تبع ~~الحميري كان رجل من حمير سار بالجيوش الى الحيرة حتى حيرها، ثم أتى ~~سمرقند فهدمها، وكان يكتب باسم الذي ملك بحرا وبرا وضحا وريحا، ذكره ~~قتادة. وقال سعيد بن جبير وكعب الاخبار ذم الله قومه، ولم يذمه ونهى أن ~~يسب. وحكى الزجاج: ان تبعا كان مؤمنا، وان قومه كانوا كافرين. وقيل: ~~انه نظر الى كتاب على قبرين بناحية حمير (هذا قبر رضوي وقبر جي ابني تبع ~~لا يشركان بالله شيئا) وقيل: سمي تبعا، لانه تبع من كان قبله من ملوك ~~اليمن. والتبابعة اسم ملوك اليمن. # ثم قال تعالى { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين } أي لم ~~نخلق ذلك لا لغرض حكمي بل خلقناهم لغرض حكمي، وهو ان ننفع به المكلفين ~~ونعرضهم الثواب وننفع سائر الحيوان بالمنافع لهم فيها واللذات. وفي الآية ~~دلالة على من انكر البعث، لانه لو كان على ما توهموه انه لا يجر به الى ~~الجزاء في دار أخرى مع ما فيه من الألم لكان لعبا، لانه ابتدأ باختيار ~~ألم لا يجر به الى عوض. # ثم قال تعالى { وما خلقناهما } يعني السموات والارض { إلا بالحق } قال ~~الحسن معناه الا للحق الذى يصل اليه ms3170 فى دار الجزاء. وقيل فيه قولان ~~آخران: # احدهما - ما خلقناهما الا بداعي العلم الى خلقهما، والعلم لا يدعو الا ~~الى الصواب. # الثاني - وما خلقناهما الا على الحق الذى يستحق به الحمد خلاف الباطل ~~الذى يستحق به الذم. # ثم قال { ولكن أكثرهم لا يعلمون } بصحة ما قلناه لعدولهم عن النظر فيه، ~~والاستدلال على صحته. وفي ذلك دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ~~ضرورية، لانها لو كانت لما نفى تعالى علمهم بذلك. # ثم قال تعالى { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } يعني اليوم الذى يفصل فيه ~~بين المحق والمبطل بما يضطر كل واحد منهما الى حاله من حقه او باطله ~~فيشفي صدور المؤمنين ويقطع قلوب الكافرين بما يرون من ظهور الامر ~~وانكشافه، وهو يوم القيامة، وبين انه ميقات الخلق أجمعين وهو من له ثواب ~~وعوض او عليه عقاب يوصله اليه. ### || [44.41-50] # عشر آيات كوفي وبصري وتسع في ما عداه، عد الكوفيون والبصريون { الزقوم ~~} ووافقهم عليه الشاميون والمدني الأول. وعد أيضا العراقيون { يغلي في ~~البطون } ووافقهم عليه المكيون والمدني الأخير. # قرأ { يغلي } بالياء كثير وابن عامر وحفص عن عاصم. الباقون بالتاء. من ~~قرأ بالياء رده إلى المهل. ومن قرأ بالتاء رده إلى الشجرة. قال ابو علي: ~~من قرأ بالياء حمله على الطعام، لان الطعام هو الشجرة فى المعنى ألا ترى ~~انه خبر الشجرة والخبر هو المبتدأ بعينه إذا كان مفردا فى المعنى، ولا ~~يحمل على (المهل) لان المهل إنما ذكر ليشبه به في الذوق، لان التقدير إن ~~شجرة الزقوم طعام الأثيم تغلي في البطون كالمهل على الحميم. # لما ذكر الله تعالى أن يوم الفصل ميقات الخلق يحشرهم الله فيه ويفصل ~~بينهم بالحق أي يوم هو؟ فوصفه انه { يوم لا يغني فيه مولى عن مولى شيئا ~~} ، لأن الله تعالى أيأس من ذلك، لما علم فيه من صلاح العباد، ولولا ذلك ~~لجاز أن يغرى. والمعنى إنه ليس لهم من ينتصر لهم من عقاب الله تعالى، فلا ~~ينافي ذلك ما نقوله: من أنه يشفع النبي والأئمة ms3171 والمؤمنون فى إسقاط كثير ~~من عقاب المؤمنين، لأن الشفاعة لا تحصل إلا بأمر الله واذنه. والمراد في ~~الآية أنه ليس لهم من يغني عنهم من غير أن يأذن الله له فيه على وجه ~~الدفع عنه والنصر له، وبين ذلك بقوله { ولا هم ينصرون } والمولى - ههنا ~~- الصاحب الذي شأنه أن يتولى معونة صاحبه على أموره، فيدخل فى ذلك ابن ~~العم والحليف وغيره ممن هذه صفته وقد استثنا ما اشرنا اليه بقوله { إلا ~~من رحم الله } فان من يرحمه الله اما أن يسقط عقابه ابتداء او يأذن في ~~إسقاط عقابه بالشفاعة فيه. # ثم وصف نفسه بأنه القادر الذي لا يغلب ولا يقهر بدفع العقاب عمن يريد ~~فعله به { الرحيم } أي المنعم لمن يريد العفو عنه باسقاط عقابه. # ثم اخبر تعالى { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } الذي يستحق العقاب ~~بمعاصيه وعنى به - ههنا - أبو جهل، فالزقوم ما أكل بتكره شديد له، لانه ~~يخشو به فمه ويأكله بشره شديد، ولهذا حكي عن أبي جهل انه أتى بتمر وزبد، ~~فقال: نحن نتزقم هذا أي نملأ به أفواهنا فما يضرنا. # ثم شبه ذلك بأنه مثل المهل، وهو الشيء الذي يذاب فى النار حتى يشتد حره ~~كالفضة والرصاص وغيرهما مما يماع بالنار، وهو مهل، لأنه يمهل فى النار ~~حتى يذوب. وقال ابن عباس: المهل ما أذيب بالنار كالفضة، وهو قول ابن ~~مسعود وروي عن ابن عباس ايضا أن المهل دردي الزيت فى النار. # ثم وصف (المهل) بأنه { يغلي في البطون } من حرارته، كما يغلي الحميم وهو ~~الماء المغلي على النار، فالمهل يغلي في بطون أهل النار، كما يغلي الماء ~~بحر الايقاد والغلي إرتفاع المائع من الماء ونحوه بشدة الحرارة. والحميم ~~الحار ومنه أحم الله ذلك من لقاء أي ادناه وقربه لان ما حم فللاسراع وما ~~برد فللابطاء، ومنه حمم ريش الطائر إذا قرب خروجه. # ثم بين أنه تعالى يأمر الملائكة بأن يأخذوا الكافر وأن يعتلوه { إلى ~~سواء الجحيم } يعني إلى وسطه. والعتل زعزعة البدن بالجفاء والغلظة ~~للاهانة، ms3172 فمعنى " اعتلوه " اعملوا به هذا العمل، ومنه العتل، وهو الجافى ~~الغليظ يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا ساقه دفعا وسحبا. قال ~~الفرزدق: # ليس الكرام بنا حليك إباءهم # حتى ترد إلى عطية تعتل # و { سواء الجحيم } وسطه - في قول قتادة - وسمي وسط الشيء سواء، لاستواء ~~المسافة بينه وبين أطرافه المحيطة به، والسواء العدل كقولهم: هذا سواء ~~بيننا وبينكم أي عدل. # ثم بين تعالى أنه يأمرهم بأن يصبوا فوق رأس الكافر من عذاب الحميم. وهو ~~ما فسرناه. ثم يخاطبه فيقول له { ذق إنك أنت العزيز الكريم } على وجه ~~التهجين له بما كان يدعي له مما ليس به أي أنت كذلك عند نفسك وقومك. ~~ويجوز ان يكون على معنى النقيض، كأنه قيل: إنك انت الذليل المهين إلا أنه ~~قيل: على تلك الجهة للتبعيد منها على وجه الاستخفاف به. وقيل إن الآية ~~نزلت في أبي جهل، وقد كان قال: (أنا أعز من بها وأكرم) - ذكره قتادة - ~~وقيل: المعنى أنت الذي كنت تطلب العز فى قومك والكرم بمعصية الله. وقيل: ~~المعنى إنك انت العزيز في قومك، الكريم عليهم، فما أغنى عنك. # ثم قال { إن هذا } يعني العذاب { ما كنتم به تمترون } أي تشكون فيه في ~~دار الدنيا. وفى الآية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورة. # وقرأ الكسائي { ذق أنك } بفتح الهمزة بمعنى لأنك أنت العزيز أو بأنك ~~الباقون - بكسر الهمزة - على وجه الابتداء بالخبر عنه، ويكون التقدير ذق ~~العذاب. ثم ابتدأ إنك. وقرأ { فاعتلوه } - بضم التاء - ابن كثير ونافع ~~وابن عامر. الباقون بكسر التاء وهما لغتان على ما حكيناه. ### || [44.51-59] # قرأ ابن عامر ونافع { في مقام } بضم الميم، وهو موضع الاقامة. الباقون ~~بفتح الميم، وهو موضع القيام. # لما اخبر الله تعالى عن الكفار وما يفعله بهم من انواع العقاب، أخبر عن ~~حال المطيعين وما أعده لهم من الثواب، فقال { إن المتقين } يعني الذين ~~يجتنبون معاصيه لكونها قبائح، ويفعلون طاعاته لكونها طاعة { في مقام أمين ~~} أي موضع إقامة - فيمن ضم الميم - ومن فتحها يريد ms3173 أنهم فى موضع قيامهم، ~~ووصفه بأنهم في { مقام أمين } من كل ما يخاف، وليس هذا فى الدنيا، لانه ~~لا يخلو منها احد من موقف خوف من مرض او أذى او غير ذلك. # ثم بين ذلك المقام فقال { في جنات } يعني بساتين تجنها الأشجار { وعيون ~~} ماء نابعة فيها { يلبسون من سندس واستبرق } فالسندس الحرير - في قول ~~الحسن. والاستبرق الديباج الغليظ - في قول قتادة - وإنما رغبهم في ذلك ~~بحسب ما كانوا يعرفونه، وإن كان - ههنا - ما هو ارفع منها واحسن { ~~متقابلين } أي يقابل بعضهم بعضا بالمحبة، لا متدابرين بالبغضة. ثم قال ~~ومثل ما فعلنا بهم { كذلك وزوجناهم بحور عين } فالحور جمع حوراء من ~~الحور، وهو شدة البياض. وقال قتادة { بحور } أي ببيض، ومنه الحور لبياضه، ~~وحورته أي بيضته من حار يحور أي رجع إلى الحالة الأولى كما يرجع إلى حال ~~الأبيض، ومنه المحور " والعين " جمع عيناء وهي الواسعة العين الحسنة، ~~وكذلك لهم فى حكم الله. وقال الحسن: العيناء الشديدة السواد سواد العين، ~~الشديدة البياض بياضها { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين } أي يستدعون أي ~~ثمرة شاؤا غير خائفين فوتها. ثم قال { لا يذوقون فيها } يعني في الجنة { ~~الموت إلا الموتة الأولى } شبه الموت بالطعام الذي يذاق وينكر عند ~~المذاق. ثم نفى ذلك، وانه لا يكون ذلك فى الجنة، وإنما خصهم بأنهم لا ~~يذوقون الموت مع أن جميع الحيوان يوم القيامة لا يذوقون الموت، لما في ~~ذلك من البشارة لهم بانتهاء ذلك إلى الحياة الهنيئة فى الجنة، فأما من ~~يكون فيها هو كحال الموت في الشدة، فلا يطلق له هذه الصفة، لانه يموت ~~موتات كثيرة بما يلاقي ويقاسي من الشدة، واما غير المكلفين، فليس مما ~~يعقل، فتلحقه هذه البشارة وإن عم ذلك اهل الجنة. # وقوله { إلا الموتة الأولى } قيل ان (إلا) بمعنى (بعد) كأنه قال بعد ~~الموتة الاولى. وقيل: معنى (إلا) سوى كأنه قال: سوى الموتة الأولى. وقيل: ~~إنها بمعنى (لكن) وتقديره لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقال الجبائي: ~~هذا حكاية حال المؤمنين فى ms3174 الآخرة، فلما اخبرهم بذلك فى الدنيا، وهم لم ~~يذوقوا بعد الموت جاز أن يقال لا يذوقون الموت فى المستقبل إلا الموتة ~~الأولى يخرجون بها من دار التكليف، وهذا ضعيف، لان في ذلك خبر عن حكمهم ~~فى الجنة وأنهم لا يذوقون فيها الموت ثم استثنى من ذلك الموتة الأولى، ~~وكيف يرد إلى دار الدنيا؟! وحقيقة (إلا) إخراج بعض عن كل وحقيقة (بعد) ~~إخراج الثاني عن الوقت الاول. # وقوله { ووقاهم عذاب الجحيم } أي يصرف عنهم عذاب النار، وليس في ذلك ما ~~يدل على أن الفاسق الملي لا يعذب ويخرج من النار، من حيث أنه لا يكون قد ~~وقي النار، لانه يحتمل أمرين: # احدهما - ان يكون ذلك مخصوصا بمن لا يدخل النار ممن لا يستحقه او بمن ~~عفي عنه. # والثاني - ان يكون المراد { ووقاهم عذاب الجحيم } على وجه التأبيد او ~~على الوجه الذي يعذب عليه الكفار. # ثم بين أن ذلك فضل من الله، ونصبه على المصدر، وتقديره فضل فضلا منه ~~تعالى. واخبر بأن { ذلك هو الفوز العظيم } يعني الفلاح العظيم. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { إنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون } ~~يعنى باللغة العربية ليفقهوه ويتفكروا فيه، فيعلموا ان الامر على ما ~~قلناه. ثم أمره صلى الله عليه وآله فقال { فارتقب } أي انتظر يا محمد ~~مجيء ما وعدتك به { إنهم منتظرون } ايضا وهو قول قتادة، وإنما قال فيهم ~~{ إنهم منتظرون } لانهم في مثل حال المنتظر فى انه سيأتيه عاقبة حاله كما ~~يأتي المنتظر. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-5] # خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي، عد الكوفيون { حم } ولم يعده ~~الباقون. # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { لآيات } بالكسر فى الثلاث مواضع. الباقون ~~بالرفع فى الثاني. والثالث. من خفض التاء فعلى أنه في موضع نصب ردا على ~~(إن) وإنما كسرت التاء، لانها تاء جمع التأنيث. وقال المبرد: هذا بعد ~~الواو لانه عطف على عاملين على " إن " و " في " بحرف الواو، لانه يكون ~~عطف " وإختلاف " على (في) وعطف على (إن) بهذه الواو وحدها، فأما " آيات ms3175 " ~~الثانية فأجاز عطفها على الاولى، لان معها (فى) وتقديره إن فى خلقكم. قال ~~ابن خالويه ليس ذلك لحنا، لان من رفع أيضا فقد عطف على عاملين، فيكون ~~عطف جملة على جملة ويحتمل ان يكون عطف على موضع (إن) لان موضعها الرفع، ~~والاخفش كان يجيز العطف على عاملين، فيقول مررت بزيد فى الدار والحجرة ~~عمرو، ويحتج بقول الشاعر: # اكل امرىء تحسبين امرأ # ونار تأجج للحرب نارا # عطف على ما عملت فيه (كل) وما عملت فيه (تحسبين) وأجود من العطف على ~~عاملين أن يجعل (آيات) الثانية بدلا من الأول، فيكون غير عاطف على ~~عاملين، وتقديره إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين لآيات، كما تقول: ~~ضربت زيدا زيدا، فلا يحتاج إلى حرف العطف، ومن رفع آيات الثانية حملها ~~على الابتداء والخبر، وجعل الثالثة تكرير الثانية بالرفع، قال الزجاج: ~~لأنه يرفع (آيات) عطفا على ما قبلها، كما خفض (وإختلاف) عطفا على ما ~~قبلها. وقال ابو علي: وجه قراءة الكسائي أنه لم يحمل على موضع (إن) كما ~~حمله من رفع (آيات) فى الموضعين أو قطعه واستأنف، لكنه حمله على لفظ (إن) ~~دون موضعها، فحمل (آيات) في الموضعين على نصب (إن) في قوله { إن في ~~السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } ويكون على تقدير إن، وإن كانت محذوفة ~~من اللفظ ويجعلها فى حكم المثبت فيه، لان ذكره قد تقدم فى قوله { إن في ~~السماوات } وقوله { وفي خلقكم } فلما تقدم الجار في هذين الموضعين قدر فى ~~الاثبات فى اللفظ، وإن كان محذوفا منه كما قدر سيبويه فى قوله: # اكل امرىء تحسبن امرءا # [ونار تأجج للجر نارا] # وقيل (كل) في حكم الملفوظ به واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، وكذلك فعلت ~~العرب فى الجار ألا ترى أنهم لم يجيزوا (من تمرر أمرر) واجازوا (بمن تمرر ~~أمرر) و (على أيهم تنزل انزل) فحذف الجار حسن لتقدم ذكر الجار، وعلى هذا ~~قول الشاعر: # ان الكريم وأبيك يعتمل # إن لم يجد يوما على من يتكل # لما ذكر (على) و (إن) كانت زائدة - فى قول ms3176 سيبويه - حسن حذف الجار من ~~الصلة، ولو لم تذكر لم يجزه. # وحكي فى بعض القراءات عن أبي إنه قرأ فى المواضع الثلاث { لآيات في ~~خلقكم وما يبث من دابة لآيات } وكذلك الآخر فدخول اللام يدل على أن ~~الكلام محمول على (إن) وإذا كان محمولا عليها حسن النصب على قراءة حمزة ~~والكسائي وصار كل موضع من ذلك كأن (إن) مذكورة فيه بدلالة دخول اللام، ~~لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (إن) أو اسمها، وحكي أن أبيا قرأ { ~~لآيات } بالرفع مع إدخال اللام عليها، وهذا لا يجيزه اكثر النحويين ~~كالكسائي وغيره، كما لا يجوز في الدار لزيد، واجازه الفراء وانشد لحميد ~~بن ثور: # إن الخلافة بعدهم لذميمة # وخلائف طرف لمما أحقر # وحكى الفراء أنه يقول العرب (إن) لي عليك مالا وعلى أبيك مال بالرفع ~~والنصب، وحكى ابو علي: إنه يجوز أن يعمل الثاني على التأكيد للاول وكذلك ~~في الثالث، ولا يكون عطفا على عاملين، كما قال بعض شيوخنا في قوله # ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له # حمل الثاني على أنه تأكيد للاول. # قد ذكرنا في ما تقدم ان (حم) اسم للسورة، وانه أجود الأقوال. قال ~~الرماني: وفي تسمية السورة ب (حم) دلالة على ان هذا القرآن المعجز كله ~~من حروف المعجم، لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه، ومن اوصافه انه مفصل قد ~~فصلت كل سورة من اختها. ومن اوصافه أنه هدى ونور، فكأنه قيل: هذا اسمه ~~الدال عليه بأوصافه. ثم وصف تعالى الكتاب بأنه تنزيل من الله في مواضع من ~~السور لاستفتاحه بتعظيم شأنه على تصريف القول بما يقتضي ذلك فيه من ~~أضافته إلى الله تعالى من اكرم الوجوه وأجلها وما يتفق الوصف فيه يقتضى ~~انه كالأول في علو المنزلة وجلالته عند الله وإذا أفاد هذا المعنى ~~باقتضائه له لم يكن تكريرا، ويقول القائل: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني ~~اللهم عافني اللهم اوسع علي في رزقي فيأتى بما يؤذن أن تعظيمه لربه ~~منعقد بكل ما يدعو به. # وقوله ms3177 { من الله } يدل على ان ابتداءه منه تعالى { العزيز } ومعناه ~~القادر الذي لا يغالب { الحكيم } معناه العالم. وقد يكون بمعنى أن أفعاله ~~حكمة وصواب # ثم أخبر تعالى ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين الذين يصدقون بالله ~~ويقرون بتوحيده وصدق انبيائه وإنما اضاف الآيات إلى المؤمنين وإن كانت ~~ادلة للكافرين ايضا، لأن المؤمنين انتفعوا بها دون غيرهم من الكفار. ~~والآيات هي الدلالات والحجج. وفي السموات والارض دلالات على الحق من وجوه ~~كثيرة، منها أنه يدل بخلقها على ان لها خالقا، وانه قادر لا يعجزه شيء ~~وانه مخالف لها، فلا يشبهها وعلى انه عالم بما فيها من الاتقان ~~والانتظام. وفي استحالة تعلق القدرة بها دلالة على ان صانعها قديم غير ~~محدث وبوقوفها مع عظمها وثقل اجرامها بغير عمد ولا سند يدل على أن القادر ~~عليها قادر على الاتيان بما لا يتناهى ولا يشبه احد من القادرين وانه ~~خارج عن حد الطبيعة. # ثم بين تعالى ان في خلقنا آيات، والوجه في الدلالة في خلقنا ضروب كثيرة: ~~منها خلق النفس على ما هو به من وضع كل شيء موضعه لما يصلح له. وفي ذلك ~~دلالة على أن صانعه عالم لأنه فعل الحواس الخمس على البنية التي تصلح له ~~مما يختص كل واحد منها بادراك شيء بعينه، لا يشركه فيه الآخر، لان العين ~~لا تصلح إلا لادراك المبصرات وكذلك الفم يصلح للذوق، والأنف للشم، ~~والبشرة للمس، وكل شيء من ذلك يختص بما لا يشركه فيه الآخر وفى ذلك أوضح ~~دلالة على ان صانعها عالم بها، وأنه لا يشبهه شيء، ولو لم يكن إلا خلق ~~العقل الذي يهدي إلى كل أمر، ويتميز به العاقل من كل حيوان، ولا يشبهه ~~شيء في جلالته وعظم منزلته لكان فيه كفاية على جلالة صانعه وعظم خالقه. ~~وقيل: معنى اختلاف الليل والنهار تعاقبهما. وقيل: زيادتهما ونقصانهما، ~~وإنزال الماء من السماء من الغيث والمطر واحياء الأرض بالنبات بعد الجدب ~~والقحط فيثبت الله بذلك رزق الحيوان. # وقوله { وبث فيها من كل دابة } أي ms3178 فرق فيها من جميع الحيوان بأن خلقها ~~وأوجدها، وتصريف الرياح بأن يجعلها تارة جنوبا وتارة شمالا ومرة دبورا ~~ومرة صبا - في قول الحسن - وقال قتادة: يجعلها رحمة مرة وعذابا أخرى. ~~وقال الحسن: كثافة السماء مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء ~~فتق مسيرة خمسمائة عام وبين كل أرضين فتق مسيرة خمسمائة عام، وكثافة ~~الأرض مسيرة خمسمائة عام. ### || [45.6-10] # قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { تؤمنون } بالتاء على وجه الخطاب للكفار ~~على تقدير قل لهم يا محمد. الباقون بالياء على وجه الاخبار عنهم والتعجب ~~منهم. # لما اخبر الله تعالى عن القرآن بأنه تنزيل من الله وأن في السموات ~~والأرض آيات ودلالات لمن نظر فيها تدل على الحق وأن في أنفس الخلق وإنزال ~~الماء من السماء وإخراج النبات وبث انواع الحيوان أدلة لخلقه تدلهم على ~~توحيد الله وحكمته لمن انعم النظر فيها، بين ها هنا أن ما ذكره أدلة الله ~~التي نصبها لخلقه المكلفين لازاحة علتهم وانه يتلوها بمعنى يقرؤها على ~~نبيه محمد ليقرءها عليهم بالحق دون الباطل. والتلاوة الاتيان بالثانى في ~~أثر الأول في القراءة، فتلاوة الحروف بعضها بعضا يكون في الكتابة ~~والقراءة، وفلان يتلو فلانا أي يأتي بعده، وفلان يتلو القرآن أي يقرؤه، ~~والحق الذي تتلى به الآيات هو كلام مدلوله على ما هو به في جميع أنواعه. ~~والفرق بين حديث القرآن وآياته ان حديثه قصص تستخرج منه عبر تدل على الحق ~~من الباطل، والآيات هي الأدلة التي تفصل بين الصحيح والفاسد فهو مصروف في ~~الأمرين ليسلك الناظر فيه الطريقين، لما له في كل واحد منهما من الفائدة ~~في القطع بأحد الحالين في أمور الدين. # ثم قال على وجه التهجين لهم إن هؤلاء الكفار إن لم يصدقوا بما تلوناه ~~فبأي شيء بعده يؤمنون. # ثم قال مهددا لهم { ويل لكل أفاك أثيم } فالويل قيل: إنه واد سائل من ~~جهنم صديد أهلها. وقيل: إن الويل كلمة يتلقى بها الكفار والفساق تتضمن ~~استحقاقهم العقاب، والأفاك الكذاب ويطلق ذلك على من يكثر كذبه ms3179 او يعظم ~~كذبه وإن كان في خبر واحد، ككذب مسيلمة في ادعاه النبوة. والأثيم ذو ~~الاثم، وهو صاحب المعصية التي يستحق بها العقاب. # ثم وصف هذا الأفاك الاثيم، فقال { يسمع آيات الله } أي حججه { تتلى عليه ~~} أي تقرأ { ثم يصر } أي يقيم مصرا على كفره { مستكبرا } متجبرا عن ~~النظر في آيات الله لا ينظر فيها ولا يعتبر بها { كأن لم يسمعها } أصلا. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبشر من هذه صفته فقال { فبشره بعذاب ~~أليم } أي مؤلم موجع. ثم عاد تعالى إلى وصفه فقال { وإذا علم من آياتنا ~~شيئا } اتخذها هزوا أي إذا علم هذا الافاك الاثيم من حجج الله تعالى ~~وأدلته شيئا وسمعها { اتخذها هزوا } أي سخر منها وتلهى بها، كما فعل ~~ابو جهل حين سمع قوله # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # ثم قال أولئك يعني من هذه صفته { لهم عذاب مهين } أي مذل لهم. ثم قال { ~~من ورائهم جهنم } أي من بين أيديهم يعني يوم القيامة (جهنم) معدة لهم ~~وإنما قيل: لما بين ايديهم من ورائهم، والوراء هو الخلف، لانه يكون ~~مستقبل أوقاتهم بعد تقضيهم ومعناه ما توارى عنهم قد يكون قداما وخلفا ~~فهو لهذه العلة يصلح فيه الوجهان ثم قال تعالى { ولا يغني عنهم } إذا ~~جعلوا في جهنم ما كسبوه في دار الدنيا من جمع الاموال ولا شيئا يغني ~~عنهم أيضا { ما اتخذوا من دون الله أولياء } يتولونهم ويحبونهم لينصروهم ~~ويدفعوا عنهم { ولهم عذاب عظيم } ووصفه بأنه عظيم، لانه مؤبد نعوذ بالله ~~منه. ### || [45.11-15] # قرأ ابن كثير وحفص { من رجز أليم } بالرفع جعلاه صفة للعذاب. الباقون ~~بالخفض جعلوه صفة للرجز، فكأن قال: من رجز اليم، والرجز هو العذاب فلذلك ~~صح وصفه بأنه أليم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { لنجزي } قوما بالنون ~~على وجه الأخبار من الله عن نفسه بأنه يجازيهم، الباقون بالياء ردا إلى ~~{ الله } على الاخبار عنه. # معنى قوله { هذا هدى } أي هذا القرآن الذي تلوناه والكلام الذي ذكرناه { ~~هدى } أي دلالة موصلة ms3180 إلى الفرق بين ما يستحق به الثواب والعقاب، ويفرق ~~به بين الحق والباطل من امر الدين والدنيا. ثم قال تعالى { والذين كفروا ~~بآيات الله } وجحدوها { لهم عذاب } من عند الله جزاء على كفرهم { من رجز ~~أليم }. # ثم نبه تعالى خلقه على وجه الدلالة على توحيده، فقال { الله الذي سخر ~~لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره } ووجه الدلالة من تسخير البحر لتجري ~~الفلك فيه بأمره، لنبتغي بتسخيره من فضل الله، فهو محسن فى فعله يستحق ~~الشكر به على وجه لا يجوز لغيره، وإن احسن، لانه أعظم من كل نعمة. وبين ~~انه إنما فعل ذلك لكي يشكروه على نعمه. ثم قال { وسخر لكم } معاشر الخلق ~~{ ما في السماوات وما في الأرض جميعا } من شمس وقمر ونجم وهواء وغيث ~~وغير ذلك وجعل السماء سقفا مزينا وجوهرا كريما وسخر الأرض للاستقرار ~~عليها وما يخرج من الاقوات منها من ضروب النبات والثمار والبر فيها إلى ~~غير ذلك مما لا يحصى كثرة من ضروب نعمه مما لا يحاط به علما، وسهل ~~الوصول إلى الانتفاع به تفضلا { منه } على خلقه. ثم بين { إن في ذلك } ~~يعني فى ما بينه { لآيات } ودلالات { لقوم يتفكرون } فيه ويعتبرون به. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا ~~يرجون أيام الله } أي لا يخافون عذاب الله إذا أنالوكم الأذى والمكروه، ~~ولا يرجون ثوابه بالكف عنكم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب الله للمؤمنين، ~~إن الله يعرفهم عقاب سيآتهم بما عملوا من ذلك وغيره. ومعنى { يغفروا } ها ~~هنا يتركوا مجازاتهم على أذاهم ولا يكافوهم ليتولى الله مجازاتهم. وقال ~~ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك: هو من المنسوخ. وقال ابو صالح: نسخها ~~قوله # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # و (يغفروا) جواب أمر محذوف دل عليه الكلام، وتقديره: قل لهم اغفروا ~~يغفروا وصار (قل لهم) على هذا الوجه يغني عنه. وقال الفراء: معناه فى ~~الأصل حكاية بمنزلة الأمر كقولك: قل للذين آمنوا اغفروا، وإذا ظهر الأمر ~~مصرحا فهو مجزوم لأنه ms3181 أمر وإن كان على الخبر مثل قوله { قل للذين آمنوا ~~يغفروا } # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة # فهذا مجزوم تشبيها بالجزاء. # وقوله { ليجزي قوما بما كانوا يكسبون } يحتمل معنيين: # احدهما - قل لهم يغفروا لهم، فان الله يجازيهم يعني الكفار، فانهم اليه ~~يرجعون. # الثاني - ان يكون المعنى ليجزيهم الله يعني المؤمنين، ويعظم أجرهم على ~~احتمالهم وصبرهم ولن يفوتوه يعني الكافرين بل اليه مرجعهم. # ثم قال تعالى { من عمل صالحا } يعني طاعة وخيرا { فلنفسه } لان ثواب ~~ذلك عائد عليه { ومن أساء } بأن فعل المعصية { فعليها } أي على نفسه لان ~~عقاب معصيته يناله دون غيره. ثم قال { ثم إلى ربكم ترجعون } الذي خلقكم ~~ودبركم تردون يوم القيامة اليه أي إلى حيث لا يملك أحد الأمر والنهي ~~والضر والنفع غيره، فيجازي كل إنسان على قدر علمه. ### || [45.16-20] # هذا قسم به من الله تعالى بأنه أعطى بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة ~~وآتاهم الحكم، وهو العلم بالفصل بين الخصمين وبين المحق والمبطل، يقال: ~~حكم في الامر يحكم حكما، وحكمته فى أمري تحكيما، واحكم العمل إحكاما، ~~واستحكم الشيء استحكاما، وحاكمته إلى الحاكم محاكمة { ورزقناهم من ~~الطيبات } فالرزق العطاء الجاري على توقيت وتوظيف فى الحكم، وإنما قلنا ~~فى الحكم، لانه لو حكم بالعطاء الموقت فى الأوقات الدائرة على الاستمرار ~~لكان رازقا وإن أقتطعه ظالم عن ذلك العطاء. ثم قال { وفضلناهم على ~~العالمين } والتفضيل جعل الشيء أفضل من غيره باعطائه من الخير مالم يعط ~~غيره أو بالحكم لأنه افضل منه، فالله تعالى فضل بني إسرائيل بما أعطاهم ~~على عالمي زمانهم. قال الحسن: فضلهم الله على أهل زمانهم وقال قوم: فضلهم ~~بكثرة الأنبياء منهم على سائر الامم، وإن كانت أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله أفضل فى كثرة المطيعين لله، وكثرة العلماء منهم، كما تقول هذا أفضل ~~فى علم النحو، وذاك فى علم الفقه، فأمة محمد صلى الله عليه وآله افضل فى ~~علو منزلة نبيها عند الله على سائر الانبياء، وكثرة العلماء منهم ~~والعاملين بالحق لقوله تعالى # كنتم خير أمة ms3182 أخرجت للناس # فأولئك خالف اكثرهم أنبياءهم ووافق كثير من هؤلاء علماءهم واخذوا عنهم ~~واقتبسوا من نورهم، والفضل الخير الزائد على غيره وأمة محمد صلى الله ~~عليه وآله أفضل بفضل نبيها. # ثم قال { وآتيناهم } يعني اعطيناهم { بينات من الأمر } أي دلالات ~~وبراهين واضحات من الأمر ثم قال { فما اختلفوا } أي لم يختلفوا { إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } فالاختلاف اعتقاد كل واحد من النفيسين ~~ضد ما يعتقده الآخر إذا كان اختلافا فى المذهب، وقد يكون الاختلاف فى ~~الطريق بأن يذهب احدهما يمنة، والآخر يسرة، وقد يكون الاختلاف فى المعاني ~~بأن لا يسد احدهما مسد الآخر في ما يرجع إلى ذاته. وإختلاف بني إسرائيل ~~كان في ما يرجع إلى المذاهب. # وقوله { بغيا بينهم } نصب على المصدر، ويجوز ان يكون على انه مفعول له ~~أي اختلفوا للبغي وطلب الرياسة. ومعنى البغي الاستعلاء بالظلم، وهو خلاف ~~الاستعلاء بالحجة. والبغي يدعو إلى الاختلاف لما فيه من طلب الرفعة بما ~~لا يرجع إلى حقيقة ولا يسوغ فى الحكمة، وإنما كان ذلك طلبا للرياسة ~~والامتناع من الانقياد للحق بالانفة، ثم قال { إن ربك } يا محمد { يقضي ~~بينهم يوم القيامة } أي يحكم ويفصل بين المحق منهم والمبطل في ما كانوا ~~يختلفون في دار التكليف، وقيل: الحكم العلم بالفصل بين الناس فى الامور. # ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { ثم جعلناك } يا محمد { على ~~شريعة من الأمر } فالشريعة السنة التي من سلك طريقها أدته إلى البغية ~~كالشريعة التي هي طريق إلى الماء، وهي علامة منصوبة على الطريق إلى الجنة ~~كأداء هذا الى الوصول إلى الماء، فالشريعة العلامات المنصوبة من الأمر ~~والنهي المؤدية إلى الجنة، ثم قال { فاتبعها } يعني اعمل بهذه الشريعة { ~~ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون } الحق ولا يفصلون بينه وبين الباطل. # ثم اخبر النبي صلى الله عليه وآله فقال { إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا } يعني هؤلاء الكفار لا يغنون عنك شيئا { وإن الظالمين } نفوسهم { ~~بعضهم أولياء بعض } بفعل المعاصي { والله ولي ms3183 المتقين } الذين يجتنبون ~~معاصيه ويفعلون طاعاته. # ثم قال { هذا } يعني هذا الذي ذكرناه { بصائر للناس } أي ما يتبصرون به ~~واحدها بصيرة { وهدى } أي ودلالة واضحة { ورحمة } أي ونعمة من الله عليهم ~~{ لقوم يوقنون } بحقيقة ذلك. وإنما اضافه إلى المؤمنين لانهم الذين ~~انتفعوا به دون الكفار الذين لا يفكروا فيه. ### || [45.21-25] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { سواء } نصبا. الباقون بالرفع. وقرأ اهل ~~الكوفة إلا عاصما { غشوة } على التوحيد الباقون { غشاوة } على الجمع. من ~~رفع { سواء } جعله مبتدأ وما بعده خبرا عنه، ويكون الوقف على قوله { ~~وعملوا الصالحات } تاما. ويجعل الجملة فى موضع النصب، لأنها خبر ل ~~(جعل) ورفع (سواء) لانه اسم جنس لا يجري على ما قبله كما لا تجري الصفة ~~المشبهة بالمشبهة إذا كانت لسبب الاول كذلك نحو قولك: مررت بزيد خير منه ~~أبوه. فمثل هذا فى الحال والخبر والصفة سبيلة واحد إذا كانت لسبب الاول. ~~ومن نصب { محياهم ومماتهم } جعل (سواء) فى موضع (مستو) وعامله تلك ~~المعاملة، فجعل في موضع المفعول الثاني (أن نجعلهم) والهاء والميم ~~المفعول الاول، وإن جعلت { كالذين آمنوا } المفعول الثاني نصب (سواء) على ~~الحال وهو وقف حسن. ويرفع (محياهم) بمعنى استوى محياهم ومماتهم. ومن قرأ ~~{ غشوة } جعله كالرجفة والخطفة. ومن قرأ { غشاوة } جعله مصدرا مجهولا، ~~والفعلة المرة الواحدة، وقال قوم هما لغتان بمعنى واحد. وحكي الضم ايضا. ~~وقيل: في الضمير في قوله { سواء محياهم ومماتهم } قولان: # احدهما - إنه ضمير للكفار دون الذين آمنوا. # والثاني - انه ضمير للقبيلين. فمن جعل الضمير للكفار قال (سواء) على هذا ~~القول مرتفع بأنه خبر ابتداء متقدم وتقديره محياهم ومماتهم سواء أي ~~محياهم محيا سواء ومماتهم كذلك، فعلى هذا لا يجوز النصب في (سواء) لانه ~~إثبات الخبر بأن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله. ~~ومن قال الضمير يرجع إلى القبيلين قال يجوز ان ينتصب (سواء) على انه ~~مفعول ثان لانه ملتبس بالقبيلين جميعا، وليس كذلك الوجه الاول، لأنه ~~للكفار دون المؤمنين، فلا يلتبس بالمؤمن حيث كان للكفار ms3184 دونهم # يقول الله تعالى على وجه التوبيخ للكفار على معاصيهم بكفرهم بلفظ ~~الاستفهام { أم حسب } ومعنى (أم) يحتمل ان تكون الهمزة وتقديره أحسب ~~الذين اجترحوا السيئات، والحسبان هو الظن. وقد بيناه في ما مضى. ~~والأجتراح الاكتساب اجترح السيئة اجتراحا أي اكتسبها من الجراح، لأن له ~~تأثيرا كتأثير الجراح. ومثله الاقتراف، وهو مشتق من قرف القرحة. والسيئة ~~التي يسواء صاحبها، وهي الفعلة القبيحة التي يستحق بها الذم، والحسنة هي ~~التي يسر صاحبها بأستحقاق المدح بها عليها، ووصفها بهذا يفيد هذا المعنى. ~~وقال الرماني: القبيح ما ليس للقادر عليه ان يفعله. والحسن هو ما للقادر ~~عليه أن يفعله قال: وكل فعل وقع لا لأمر من الأمور، فهو لغو لا ينسب إلى ~~الحكمة ولا السفه. والجعل تصيير الشيء على صفة لم يكن عليها، وهو انقلاب ~~الشيء عما كان قادرا عليه. والمعنى أيظن هؤلاء الكفار المرتكبون للمعاصي ~~الذين اكتسبوا القبائح أن يحكم لهم بحكم المؤمنين المعترفين بتوحيد الله ~~المصدقين لرسله العاملين بطاعته؟!. # ثم اخبر عن الكفار فقال { سواء محياهم ومماتهم } أي هم متساون حال كونهم ~~أحياء وحال كونهم أمواتا، لأن الحي متى لم يفعل الطاعات فهو بمنزلة ~~الميت وقال مجاهد: المؤمن يموت على ايمانه ويبعث عليه. والكافر يموت على ~~كفره ويبعث عليه. ثم قال { ساء ما يحكمون } أي بئس الشيء الذي يحكمون به ~~في هذه القصة. وإنما قال { يحكمون } مع ان الحكم مأخوذ من الحكمة، وهي ~~حسنة لأن المراد على ما يدعون من الحكمة، كما قال # حجتهم داحضة عند ربهم # وقوله { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين }. # ثم قال تعالى { وخلق الله السماوات والأرض بالحق } أي للحق لم يخلقهما ~~عبثا، وانما خلقهما لمنافع خلقه بأن يكلفهم فيها ويعرضهم للثواب الجزيل ~~{ ولتجزى كل نفس بما كسبت } من ثواب طاعة او عقاب على معصية { وهم لا ~~يظلمون } أي لا يبخسون حقوقهم. # ثم قال { أفرأيت من اتخذ } يا محمد { إلهه هواه } وانما سمي الهوى إلها ~~من حيث أن العاصي يتبع هواه ويرتكب ms3185 ما يدعوه اليه ولم يريد انه يعبد هواه ~~أو يعتقد أنه يحق له العبادة، لأن ذلك لا يعتقده احد. قال الحسن: معناه ~~اتخذ إلهه بهواه، لأن الله يحب أن يعرف بحجة العقل لا بالهوى. وقال سعيد ~~بن جبير كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حينا من الدهر، فاذا وجدوا ما ~~هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر. وقال ابن عباس: معناه أفرايت من ~~اتخذ دينه ما يهواه لانه يتخذه بغير هدى من الله ولا برهان. وقوله { ~~وأضله الله على علم } معناه حكم الله بضلاله عالما بعدوله عن الحق. ~~ويحتمل ان يكون المعنى يعدل الله به عن طريق الجنة إلى طريق النار جزاء ~~على فعله، عالما بأنه يستحق ذلك { وختم على سمعه وقلبه } وقد فسرناه في ~~ما مضى. ومعناه أنه يجعل عليهما علامة تدل على كفره وضلاله واستحقاقه ~~للعقاب، لا أنه يفعل فيهما ما يمنع من فعل الايمان والطاعات { وجعل على ~~بصره غشاوة } شبهه بمن كان على عينه غشاوة تمنعه من الابصار، لان الكافر ~~إذا كان لا ينتفع بما يراه ولا يعتبر به، فكأنه لم يره، ثم قال { فمن ~~يهديه } إلى طريق الجنة او من يحكم بهدايته { من بعد الله } إن حكم الله ~~بخلافه { أفلا تذكرون } أي افلا تتفكرون فتعلمون ان الأمر على ما قلناه. # ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم { قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا } أي ليس ~~الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها فى دار الدنيا { نموت ونحيا } وقيل ~~في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - انه على التقديم والتأخير وتقديره ونحيا ونموت من غير رجوع ولا ~~بعث على ما تدعون. # والثاني - ان يكون المراد نموت ويحيا أولادنا كما يقال ما مات من خلف ~~ابنا مثل فلان # والثالث - ان يكون المعنى يموت بعضنا ويحيا بعضنا، كما قال تعالى # فاقتلوا أنفسكم # أي ليقتل بعضكم بعضا. ثم حكى انهم يقولون { وما يهلكنا إلا الدهر } ~~يعنون مرور الليل والنهار والشهور والاعوام # ثم اخبر تعالى فقال { وما لهم بذلك من علم } أي ليس لهم ms3186 بما يقولونه علم ~~{ إن هم إلا يظنون } أي وليس هم في ما يذكرونه إلا ظانين وإنما الأمر فيه ~~بخلافه. ثم قال تعالى { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي إذا قرئت ~~عليهم حججنا الظاهرة { ما كان حجتهم إلا أن قالوا } يعني لم يكن لهم فى ~~مقابلتها حجة إلا قولهم { ائتوا بآبائنا } الذين ماتوا وبادوا { إن كنتم ~~صادقين } فى أن الله يعيد الأموات ويبعثهم يوم القيامة. وإنما لم يجبهم ~~الله إلى ذلك، لانهم قالوا ذلك متعنتين مقترحين لا طالبين الحجة. ### || [45.26-30] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهم يا محمد { الله ~~يحييكم } فى دار الدنيا، لانه لا يقدر على الأحياء احد سواه تعالى لانه ~~قادر لنفسه { ثم يميتكم } بعد هذا { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } بأن ~~يبعثكم ويعيدكم أحياء، وإنما احتج بالاحياء فى دار الدنيا، لأن من قدر ~~على فعل الحياة في وقت قدر عليها في كل وقت. ومن عجز عنها في وقت وتعذرت ~~عليه مع كونه حيا ومع إرتفاع الموانع عجز عنها فى كل وقت. ثم بين أن يوم ~~القيامة { لا ريب فيه } أي لا شك فى كونه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~ما قلناه لعدولهم عن النظر الموجب للعلم بصحة ذلك. ثم قال تعالى { ولله ~~ملك السماوات والأرض ويوم تقوم } أي وله الملك يوم تقوم { الساعة يخسر ~~فيه المبطلون } ثواب الله. والمبطل هو من فعل الباطل وعدل عن الحق. # ثم اخبر تعالى عن حال يوم القيامة فقال { وترى كل أمة جاثية } فالامة ~~الجماعة التي على مقصد، واشتقاقه من أمه يؤمه أما إذا قصده، والأمم أمم ~~الانبياء { جاثية } وقال مجاهد والضحاك وابن زيد: معناه باركة مستوفرة ~~على ركبها والجثو البروك. والجثو البروك على طرف الاصابع، فهو ابلغ من ~~الجثو. # وقوله { كل أمة تدعى إلى كتابها } قيل معناه إلى كتابها الذي كان يستنسخ ~~لها ويثبت فيه أعمالها. وقال بعضهم: كتابها الذي انزل على رسولها - حكي ~~ذلك عن الجاحظ - والاول الوجه. # ثم حكى إنه يقال لهم { اليوم تجزون ما كنتم ms3187 تعملون } من طاعة او معصية ~~على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم قال تعالى { هذا كتابنا } ~~يعني الذي أستنسخ { ينطق عليكم بالحق } جعل ثبوت ما فيه وظهوره بمنزلة ~~النطق، وإنه ينطق بالحق دون الباطل. ثم قال تعالى { إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون } قال الحسن: نستنسخ ما حفظت عليكم الملائكة الحفظة. وقيل: ~~الحفظة تستنسخ ما هو مدون عندها من أحوال بني آدم الجزائية فى قول ابن ~~عباس - وروي عن علي عليه السلام أن الله ملائكة ينزلون فى كل يوم يكتبون ~~فيه أعمال بني آدم، ومعنى نستنسخ نستكتب الحفظة ما يستحقونه من ثواب ~~وعقاب ونلقي ما عداه مما أثبته الحفظة، لانهم يثبتون جميعه. # ثم قسم تعالى الخلق فقال { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي صدقوا ~~بواحدانيته وصدقوا رسله وعملوا الاعمال الصاحات { فيدخلهم ربهم في رحمته ~~} من الثواب والجنة. ثم بين ان { ذلك هو الفوز المبين } أي الفلاح ~~الظاهر. ### || [45.31-37] # قرأ حمزة وحده { والساعة لا ريب فيها } نصبا عطفا على " ان وعده " ~~وتقديره ان وعد الله حق وإن الساعة آتية. الباقون بالرفع على الاستئناف ~~او عطفا على موضع { إن }. # لما اخبر الله تعالى عن حال المؤمنين العاملين بطاعة الله وانه يدخلهم ~~الجنة أخبر عن حال الكفار، فقال { وأما الذين كفروا } أي جحدوا وحدانيتي ~~وكذبوا رسلي، يقال لهم { أفلم تكن آياتي } وحججي { تتلى عليكم } قال ~~الزجاج: جواب (إما) محذوف والفاء فى { أفلم } دلالة عليه بتقدير فيقال ~~لهم { أفلم } ومثله قوله # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم # وتقديره فيقال لهم اكفرتم بعد إيمانكم. وقال قوم: جواب " اما " الفاء فى ~~{ أفلم تكن آياتي } إلا أن الالف تقدمته، لان لها صدر الكلام. # وقوله { فاستكبرتم } فالاستكبار هو طلب التعظيم فى أعلى المراتب فهو صفة ~~ذم فى العباد وكذلك متكبر، لانها تقتضي التعظيم فى أعلى المراتب، ولا ~~يستحق التعظيم فى اعلى المراتب إلا من لا يجوز عليه صفة النقص بوجه من ~~الوجوه { وكنتم قوما مجرمين } أي عاصين، فالاجرام الأنقطاع إلى الفساد، ~~واصله قطع الفعل عما تدعو اليه ms3188 الحكمة. ثم حكى تعالى انه { وإذا قيل إن ~~وعد الله حق } أي ما وعدوا به من الثواب والعقاب كائن لامحة { والساعة لا ~~ريب فيها } أي لا شك فى حصولها { قلتم } معاشر الكفار { ما ندري ما ~~الساعة } أي لا نعرفها { إن نظن إلا ظنا } ليس نعلم ذلك { وما نحن ~~بمستيقنين } أى لسنا بمستيقنين ذلك. # ثم اخبر تعالى فقال { وبدا لهم سيئات ما عملوا } ومعناه ظهر لهم جزاء ~~معاصيهم التي عملوها فى دار التكليف من العقاب { وحاق بهم } أي حل بهم ~~جزاء { ما كانوا به يستهزؤن } باخبار الله واخبار نبيه { وقيل } لهم { ~~اليوم ننساكم } أى نترككم فى العقاب - فى قول ابن عباس - ونحرمكم ثواب ~~الجنة { كما نسيتم } أى كما تركتم التأهب ل { لقاء يومكم هذا } فلم ~~تعملوا الطاعات وارتكبتم المعاصي وقال مجاهد: كنسيانكم يومكم { ومأواكم ~~النار } أي مستقركم جهنم { وما لكم من ناصرين } يدفعون عنكم عذاب الله ~~ولا لكم من مستنقذ من عذاب الله. ثم بين تعالى لم فعل بهم ذلك بان قال { ~~ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا } يعني حججه وآياته { هزوا } أي ~~سخرية تسخرون منها { وغرتكم الحياة الدنيا } أي خدعتكم زينتها ومعناه ~~اغتررتم بها، { فاليوم لا تخرجون منها } يعني من النار. # وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { يخرجون } بفتح الياء وبضم الراء. الباقون ~~بضم الياء وفتح الراء. ومن فتح الياء، فلقوله # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها # ومن ضم فلقوله { ولا هم يستعتبون } وطابق بينهما ومعنى { ولا هم ~~يستعتبون } أي لا يطلب منهم العتبى والاعتذار، لان التكليف قد زال. # وقيل: معناه لا يقبل منهم العتبى. وقيل: الوجه فى ظهور أحوالهم وسيئاتهم ~~فى الآخرة التبكيت بها والتقريع بالتكذيب لما كان يمكنهم معرفته لظهور ~~حججه على خلقه. # ثم قال تعالى { فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين } أي ~~الشكر التام والمدحة التي لا يوازيها مدحة لله الذي خلق السموات والارض ~~ودبرهما وخلق العالمين { وله الكبرياء في السماوات والأرض } أي له ~~السلطان القاهر وله العظمة العالية التي هي فى أعلى ms3189 المراتب لا يستحقها ~~سواه { وهو العزيز } أي القادر الذي لا يغالب { الحكيم } فى جميع أفعاله. ~~وقيل: (عزيز) فى انتقامه من الكفار (حكيم) في ما يفعل بهم وبالمؤمنين من ~~الثواب. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-5] # خمس آيات فى الكوفي واربع في ما عداه عد الكوفي { حم } ولم يعده ~~الباقون. # وقد بينا معنى قوله { حم } وإختلاف العلماء فى ذلك، وبينا ايضا تأويل ~~قوله { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } فلا وجه لاعادته. وقيل: ~~الوجه في تكرير ذلك الابانة عن أن هذه السورة حالها حال السورة التي ~~قبلها فى أنه تعالى نزلها وشرفها وكرمها فى الاضافة إلى العزيز الحكيم. ~~والعزيز القادر الذي لا يغالب ولا يقهر. وقيل هو العزيز فى انتقامه من ~~أعدائه الحكيم فى افعاله. وقد يكون الحكيم بمعنى العالم بتصريف الأمور ~~الذي لا يوقعها الا على مقتضى العلم فى التدبير وهو صفة مدح، وضده ~~السفيه، وضد العزيز الذليل. # ثم قال تعالى مخبرا إنا { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق } ومعناه إنا لم نخلق السموات والارض وما بينهما إلا بالحق ومعناه ~~إنه لم توجد السموات والأرض وما بينهما من الاجناس إلا للحق وتعريض الخلق ~~لضروب النعم وتعريض المكلفين للثواب الجزيل ولم نخلقها عبثا ولا سدى بل ~~عرضناهم للثواب بفعل الطاعات وزجرناهم بالعقاب عن فعل المعاصي، وقدرنا ~~لهم اوقات نبعثهم اليها وأوقات نجازيهم فيها { وأجل مسمى } أى مذكور ~~للملائكة فى اللوح المحفوظ. # ثم قال { والذين كفروا } بوحدانية الله تعالى وجحدوا ربوبيته { عما ~~أنذروا } به معرضون وعما خوفوا العمل من خلافه بالعقاب { معرضون } أى ~~عادلون عن الفكر فيه والاعتبار به. # ثم قال { قل } يا محمد صلى الله عليه وآله لهؤلاء الكفار الذين يعبدون ~~الاصنام ويدعون مع الله إلها آخر { أرأيتم ما تدعون من دون الله } آلهة ~~وتوجهون عبادتكم اليها بأي شيء استحقوا ذلك { أروني ماذا خلقوا من الأرض ~~} فاستحقوا بخلق ذلك العبادة والشكر { أم لهم شرك في السماوات } أى في ~~خلقها، فانهم لا يقدرون على ادعاء ذلك. # ثم قال لهم { ائتوني بكتاب من ms3190 قبل هذا } يعني هاتوا بكتاب انزله الله ~~يدل على صحة قولكم قبل هذا القرآن { أو أثارة من علم } يعني شيء يستخرج ~~منه فيثار فيعلم به ما هو منفعة لكم - وهو قول الحسن - وقال مجاهد: معناه ~~او علما تأثرونه عن غيركم - ويؤدى أثره، وهما لغتان: اثره واثاره، ومنه ~~الحديث المأثور أى المرفوع - يدل على صحة ما تذهبون اليه. وقال ابو بكر ~~وابن عباس: معناه او بقية من علم يشهد بصحة قولكم وصدق دعواكم { إن كنتم ~~صادقين } في ما تذكرونه وتذهبون اليه. ويقال: اثر الشيء اثارة مثل قبح ~~قباحة وسمح سماحة، قال الراعي: # وذات أثارة اكلت عليه # يعني ذات بقية من شحم. ثم قال تعالى { ومن أضل } أى من اضل عن طريق ~~الصواب { ممن يدعوا من دون الله } أي يضرع اليه ويوجه عبادته إلى { من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة } مع ظهور الدلالة على توحيد الله ووضوح آثار ~~نعمه على خلقه { وهم } مع ذلك { عن دعائهم } إياهم { غافلون } أى ذاهبون ~~عن الفكر فيه، لانهم لا يعقلون ولا يفقهون. والغفلة ذهاب المعنى عن نفس ~~العاقل بمعنى يمتنع به إدراكه. وضده اليقظة، وهو حضور المعنى لنفس العاقل ~~بما يجد إدراكه، وانما كنى عن الاصنام بالواو والنون مع أنها لا تعقل لما ~~أضاف اليها ما يكون من العقلاء، كنى عنها بكناياتهم، كما قال # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # وقوله # كل في فلك يسبحون ### || [46.6-10] # لما قال تعالى إنه لا أحد أضل عن طريق الحق ممن يدعو من لا يستجيب له، ~~يعني الاصنام التي عبدوها وإنهم عن دعائهم غافلون ايضا، ذكر انه { إذا ~~حشر الناس } يوم القيامة وبعثهم الله للثواب والعقاب { كانوا لهم أعداء } ~~يعني هذه الاوثان التي عبدوها ينطقهم الله حتى يجحدوا أن يكونوا دعو إلى ~~عبادتها او شعرت بذكر من أمرها { وكانوا بعبادتهم كافرين } يعني يكفرون ~~بعبادة الكفار لهم ويجحدون ذلك. ثم وصفهم ايضا فقال { وإذا تتلى عليهم } ~~يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم { آياتنا } أى أدلتنا التي انزلناها من ~~القرآن ونصبناها لهم. والآية ms3191 الدلالة التى تدل على ما يتعجب منه، قال ~~الشاعر: # بآية يقدمون الخيل زورا # كأن على سنابكها مداما # ويروى مناكبها و { بينات } أى واضحات { قال الذين كفروا } بوحدانية الله ~~وجحدوا نعمه { للحق لما جاءهم } يعني القرآن، والمعجزات التي ظهرت على يد ~~النبي صلى الله عليه وآله { هذا سحر مبين } أى حيلة لطيفة ظاهرة، ومن ~~اعتقد ان السحر حيلة لطيفة لم يكفر بلا خلاف. ومن قال انه معجزة كان ~~كافرا، لانه لا يمكنه مع هذا القول ان يفرق بين النبي والمتنبي. # ثم قال { أم يقولون افتراه } أي بل يقولون اختلقه واخترعه فقال الله ~~تعالى له { قل } لهم { إن } كنت { افتريته } وأخترعته { فلا تملكون لي من ~~الله شيئا } أي ان كان الأمر على ما تقولون إني ساحر ومفتر لا يمكنكم أن ~~تمنعوا الله مني إذا أراد اهلاكي على افترائي عليه { هو أعلم بما تفيضون ~~فيه } يقال: أفاض القوم فى الحديث إذا مضوا فيه، وحديث مستفيض أي شائع، ~~من قولكم هذا سحر وافتراء، ثم قل لهم { كفى به } يعني بالله { شهيدا ~~بيني وبينكم } يشهد للمحق منا والمبطل { وهو الغفور } لذنوب عباده { ~~الرحيم } بكثرة نعمه عليهم. وفي ذلك حث لهم على المبادرة بالتوبة والرجوع ~~إلى طريق الحق، ثم قال { قل } يا محمد صلى الله عليه وآله { ما كنت بدعا ~~من الرسل } فالبدع الاول فى الأمر يقال: هو بدع من قوم أبداع قال عدي بن ~~زيد: # فلا أنا بدع من حوادث تعتري # رجالا عرت من بعد بؤس واسعد # قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه ما كنت بأول رسول بعث وقوله { وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم } قال الحسن: معناه لا أدري ما يأمرني الله ~~تعالى فيكم من حرب او سلم او تعجيل عقابكم او تأخيره. وقال قل لهم { إن ~~أتبع إلا ما يوحي إلي } أي لست اتبع فى أمركم من حرب او سلم او امر او ~~نهي إلا ما يوحي الله إلي ويأمرني به { وما أنا إلا نذير مبين } أي لست ~~إلا مخوفا من عقاب ms3192 الله ومحذرا من معاصيه ومرغبا فى طاعاته. # وقيل: إن اصحاب النبي صلى الله عليه وآله شكوا إليه ما يلقون من اهل مكة ~~من الأذى، فقال لهم # " إني رأيت فى المنام أني اهاجر إلى ارض ذات نخل وشجر " # ففرحوا بذلك، فلما تأخر ذلك، قالوا: يا رسول الله ما نرى ما بشرتنا به ~~فانزل الله الآية. وقوله { مبين } معناه مظهر لكم الحق فيه. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { أرأيتم إن كان من عند الله } يعني هذا ~~القرآن { وكفرتم به } يعني بالقرآن { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وعون بن مالك الاشجعي ~~صحابي، وابن زيد: نزلت الآية فى عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني ~~اسرائيل، فروي أن عبد الله بن سلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وقال: يا رسول الله سل اليهود عني فهم يقولون هو أعلمنا، فاذا قالوا ذلك ~~قلت لهم إن التوراة دالة على نبوتك وأن صفاتك فيها واضحة، فلما سألهم عن ~~ذلك، قالوا ذلك، فحينئذ اظهر ابن سلام إيمانه وأوقفهم على ذلك، فقالوا هو ~~شرنا وابن شرنا. وقال الفراء: هو رجل من اليهود. وقال مسروق: الشاهد من ~~بني إسرائيل هو موسى عليه السلام شهد على التوراة كما شهد النبي صلى الله ~~عليه وآله على القرآن، قال: لان السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة. # وقوله { فآمن واستكبرتم } عن الايمان وجواب { إن كان من عند الله } ~~محذوف. قال الزجاج: تقديره { فآمن واستكبرتم } فلا تؤمنون. وقال غيره ~~تقديره فآمن واستكبرتم إنما تهلكون. وقال الحسن: جوابه فمن أضل منكم. # ثم اخبر تعالى فقال { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ويحتمل أمرين: # احدهما - إنه لا يهديهم إلى الجنة لاستحقاقهم العقاب. # والثاني - إنه لا يحكم بهداهم لكونهم ضلالا ظالمين. ولا يجوز ان يكون ~~المراد لا يهديهم إلى طريق الحق، لأنه تعالى هدى جميع المكلفين بأن نصب ~~لهم الأدلة على الحق ودعاهم إلى اتباعه، ورغبهم فى فعله. وقد قال # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ms3193 على الهدى # فبين أنه هداهم إلى الحق وإن اختاروا هم الضلال. ### || [46.11-15] # قرأ ابن كثير - فى إحدى الروايتين عنه - ونافع وابو جعفر وابن عامر ~~ويعقوب { لتنذر } بالتاء على وجه الخطاب. ويجوز ان يكون مردودا إلى ~~اللسان وهو مؤنث. الباقون بالياء على وجه الاخبار عن الكتاب او القرآن. ~~وقرأ اهل الكوفة { إحسانا } بالف. الباقون { حسنا } بضم الحاء بلا ألف. ~~وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وابو عمرو { كرها } بفتح الكاف. الباقون ~~بضمها، وهما لغتان. وقرأ يعقوب { وفصله } بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ~~الف. الباقون { وفصاله } بكسر الفاء وإثبات ألف، وهما لغتان وباثبات ~~الالف كلام العرب. وفي الحديث # " لا رضاع بعد فصال " # وروى بعد # " فطام ". # اخبر الله تعالى عن الكفار الذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا نبيه محمد ~~صلى الله عليه وآله أنهم قالوا { للذين آمنوا } وصدقوا رسوله { لو كان } ~~هذا الذي يدعوننا هؤلاء المسلمون اليه: محمد ومن اتبعه { خيرا } أي ~~نفعا عاجلا أو آجلا يظهر لنا ذلك { ما سبقونا } يعني الكفار الذين آمنوا ~~به { إليه } أي إلى إتباعه لانا كنا بذلك أولى وبه احرى، وحكى ان اسلم ~~وغفار وجهينة ومزينة لما اسلموا قال بنو عامر ابن صعصعة وغطفان واسد ~~واشجع هذا القول، فحكاه الله. والسبق المصير إلى الشيء قبل غيره، وكذلك ~~السابق إلى الخير والتابع فيه، فقال الله تعالى { وإذ لم يهتدوا به } ~~يعني هؤلاء الكفار بهذا القرآن ولا استبصروا به ولا حصل لهم العلم بأنه ~~مرسل داع إلى الله { فسيقولون هذا إفك قديم } أي كذب متقدم حيث لم يهتدوا ~~به، وصفه بالقديم للمبالغة فى التقدم أي ليس أول من ادعى الكذب فى ذلك بل ~~قد تقدم اشباهه. والقديم فى عرف اللغة هو المتقدم الوجود، وفى عرف ~~المتكلمين هو الموجود الذي لا أول لوجوده. # ثم قال تعالى { ومن قبله } يعني من قبل القرآن { كتاب موسى } يعني ~~التوراة { إماما ورحمة } أي جعلناه إماما ورحمة وانزلناه إماما يهتدى ~~به ورحمة أي نعمة على الخلق. ثم قال { وهذا } يعني القرآن { كتاب مصدق } ~~لذلك الكتاب { لسانا ms3194 عربيا } نصبه على الحال، ويجوز ان يكون حالا من ~~هذا الكتاب ويجوز ان يكون حالا لما فى { مصدق } من الضمير. وقوله { لينذر ~~الذين ظلموا } أي ليخوفهم، ويعلمهم استحقاق العقاب على المعاصي واستحقاق ~~الثواب على الطاعات. فمن قرأ بالتاء جاز أن يكون خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وآله ويجوز ان يكون ردا على اللسان على ما قدمناه، وهو مؤنث. ومن ~~قرأ بالياء رده إلى الكتاب الذي هو القرآن. وقوله { وبشرى للمحسنين } ~~معناه ان يكون هذا القرآن بشارة لمن فعل الصالحات واختار الحسنات، ويجوز ~~في (بشرى) ان يكون رفعا عطفا على (مصدق) ويجوز ان يكون نصبا لوقوعه ~~موقع (وبشيرا) فيكون حالا، كما تقول: اتيتك لازورك وكرامة لك وقضاء ~~لحقك. # ثم اخبر تعالى { إن الذين قالوا } بلسانهم { ربنا الله } واعتقدوا ذلك ~~بقلوبهم { ثم استقاموا } على ذلك لم يعدلوا عنه { فلا خوف عليهم } من ~~العقاب فى الآخرة { ولا هم يحزنون } من أهوال القيامة. # ثم اخبر عنهم فقال { أولئك } يعني من تقدم ذكرهم { أصحاب الجنة } أي ~~الملازمون لها { خالدين فيها جزاء } لهم { بما كانوا يعلمون } فى الدنيا ~~من الطاعات. # ثم قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا } أي امرناه بأن يحسن ~~إلى والديه إحسانا. فمن قرأ بلا الف فالمعنى أن يحسن فعله معهما حسنا، ~~فالحسن والحسن. لغتان، يقال: حسن يحسن حسنا ومن قرأ { إحسانا } جعله ~~مصدر احسن { وكرها } بفتح الكاف المصدر وبضمها الاسم. وقيل هما لغتان. ~~وقوله { حملته أمه كرها ووضعته كرها } قال الحسن وقتادة ومجاهد: أي ~~بمشقة. ثم قال { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } نبه بذلك على ما يستحقه ~~الوالدان من الاحسان اليهما ومعاملتهما من حيث أنهما تكفلا به وربياه، ~~وانه { حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي بمشقة فى حال الولادة وارضعته ~~مدة الرضاع. ثم بين ان أقل مدة الحمل وكمال مدة الرضاع ثلاثون شهرا، ~~وأنهما تكفلا به حتى بلغ حد الكمال { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } ~~قيل اكثر الفصال واكثر مدة الرضاع اربعة وعشرون شهرا واقل مدة الحمل ستة ~~اشهر، والمعنى وصية بذلك ms3195 ليكون إذا بلغ اشده أي حال التكليف وحال ~~الاربعين، قال هذا القول علمه الله إياه. وقال قتادة وابن عباس: أشده ~~ثلاث وثلاثون سنة. وقال الشعبي: هو وقت بلوغ الحلم. وقال الحسن: اشده وقت ~~قيام الحجة عليه. ثم { قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي } فالايزاع المنع من الانصراف عن الشيء فالايزاع الشكر المنع من ~~الانصراف عنه باللطف، ومنه قولهم يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ~~ومنه قول الحسن: لا بد للسلطان من وزعة. قال النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت ألما تصح والشيب وازع # اي مانع. وقيل: إيزاع الشكر هو الهام الشكر وقيل الاعزاء بالشكر { وأن ~~أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين } ~~تمام ما علمه الله للانسان ووصاه ان يدعو به إذا بلغ اشده: أن يقول: إني ~~تائب إلى الله من المعاصي وإني من جملة المسلمين لأمر الله. ### || [46.16-20] # قرأ " نتقبل، ونتجاوز " بالنون فيهما حمزة والكسائي وخلف، على وجه ~~الاخبار من الله عن نفسه ولقوله { ووصينا } الباقون بالياء فيهما، على ما ~~لم يسم فاعله. وروى هشام " اتعداني " بنون مشددة. الباقون بنونين. وقرأ ~~ابن كثير وأهل البصرة وعاصم إلا الكسائي عن ابي بكر والحلواني عن هشام { ~~وليوفينهم } بالياء. الباقون بالنون. وقرأ ابن ذكوان وروح { أاذهبتم } ~~بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير وابو جعفر وهشام بتخفيف ~~الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالف ابو جعفر والحلواني عن هشام. ~~الباقون بهمزة واحده على الخبر. # لما اخبر تعالى بما أوصى به الانسان ان يعمله ويقوله عند بلوغ أشده ~~اخبره بعده بما يستحقه من الثواب إذا فعل ما أمره به تعالى فقال { أولئك ~~} يعني الذين فعلوا ما وصيناهم به من التائبين المسلمين هم { الذين نتقبل ~~عنهم أحسن ما عملوا } من قرأ بالنون اضاف الفعل إلى الله وانه أخبر عن ~~نفسه بأنه يفعل بهم. ومن قرأ بالياء والضم فيهما لم يذكر الفاعل لانه ~~معلوم أن المراد به أن الله الذي يتقبل الطاعات ms3196 ويجازي عليها. وقوله { ~~أحسن ما عملوا } يعني ما يستحق به الثواب من الواجبات والمندوبات، لأن ~~المباحات وإن كانت حسنة لا يستحق بها الثواب ولا توصف بأنها متقبلة، لانه ~~لا يتقبل إلا ما ذكرناه من واجب او ندب. # ثم قال { ونتجاوز عن سيئاتهم } التي اقترفوها فلا نؤاخذهم بها إذا تابوا ~~منها أو اردنا أن نتفضل عليهم باسقاطها، وقوله { في أصحاب الجنة } أي هم ~~فى اصحاب الجنة { وعد الصدق } أي وعدهم وعد الصدق لا الكذب، فهو نصب على ~~المصدر { الذي كانوا يوعدون } به فى دار الدنيا إذا اطاعوا الله. # ثم اخبر تعالى عن حال { الذي قال } أي الذي يقول { لوالديه أف لكما } ~~ومعناه أنه فى موضع ضجر منهما، وقيل: معناه نتنا وقذرا لكما، كما يقال ~~عند شم الرائحة الكريهة. وقال الحسن: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه ~~المكذب بالبعث وانه يتأفف بهما إذا دعواه إلى الاقرار بالبعث والنشور. ~~وقال قوم: نزلت الآية فى عبد الرحمن بن ابي بكر قبل ان يسلم. # ثم بين أنه يقول لهما { أتعدانني أن أخرج } من القبر وأحيا وابعث { وقد ~~خلت القرون من قبلي } أي مضت امم قبلي وماتوا فما أخرجوا ولا اعيدوا { ~~وهما } يعني والديه { يستغيثان الله } ويقولان له { ويلك آمن إن وعد الله ~~حق } والبعث والنشور والثواب والعقاب { فيقول } فى جوابهما { ما هذا إلا ~~أساطير الأولين } أي ليس هذا إلا أخبار الأولين وسطروها، وليس لها حقيقة، ~~فقال تعالى { أولئك الذين حق عليهم القول } باستحقاق العقاب وإدخالهم ~~النار { في أمم } أي مع أمم وجماعات { قد خلت من قبلهم من الجن والإنس } ~~على مثل حالهم ومثل اعتقادهم. # وقال قتادة: قال الحسن: الجن لا يموتون، قال قتادة: فقلت { أولئك الذين ~~حق عليهم القول.. } الآية تدل على خلافه، ويجوز ان يكون الحسن أراد انهم ~~لا يموتون فى دار الدنيا ويبقون إلى وقت قيام الساعة. ثم يميتهم الله كما ~~ان ذلك سبيل كل خلق من الملائكة. # ثم قال تعالى مخبرا عن حالهم { إنهم } يعني الذين وصفهم { كانوا قوما ~~خاسرين } فى أمورهم، لانهم ms3197 خسروا الثواب الدائم وحصل لهم العقاب المؤبد. ~~ثم قال { ولكل درجات مما عملوا } أي لكل مطيع درجات ثواب، وإن تفاضلوا فى ~~مقاديرها. # وقوله { وليوفيهم } من قرأ بالياء معناه ليوفيهم الله. ومن قرأ بالنون ~~فعلى وجه الاخبار من الله عن نفسه انه يوفيهم ثواب اعمالهم من الطاعات { ~~وهم لا يظلمون } أي من غير ان ينقص منه شيئا. # ثم قال تعالى { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } يعني يوم القيامة { ~~أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } أي يقال لهم على وجه التهجين والتوبيخ ~~{ أذهبتم طيباتكم } أي انفقتم ذلك فى ملاذ الدنيا، وفي معاصي الله، ولم ~~تستعملوها فى طاعاته. فمن خفف الهمزتين أراد بالف الاستفهام التوبيخ. ومن ~~لين الثانية كره الجمع بين الهمزتين. ومن قرأ على الخبر، فعلى تقدير يقال ~~لهم { أذهبتم } أو يكون حذف احدهما تخفيفا ويكون المحذوفة الاصلية، لان ~~همزة الاستفهام ادخلت لمعنى. # وقوله { واستمتعتم بها } يعني بالطيبات. ثم حكى ما يقال لهم بعد ذلك ~~فانه يقال لهم { فاليوم تجزون عذاب الهون } يعني عذاب الهوان - في قول ~~مجاهد { بما كنتم تستكبرون في الأرض } أي جزاء بما كنتم تطلبون التكبر ~~والتجبر على الناس { بغير الحق } أي بغير استحقاق { وبما كنتم تفسقون } ~~أي تخرجون من طاعة الله الى معاصيه. ### || [46.21-25] # قرأ عاصم وحمزة وخلف { لا يرى } بالياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله { ~~إلا مساكنهم } برفع النون. الباقون - بالتاء - ونصب النون. من ضم الياء ~~فعلى ما لم يسم فاعله. ومن فتح التاء، فعلى الخطاب، والمعنيان متقاربان. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { واذكر } يا محمد { أخا عاد ~~} يعني هودا عليه السلام { إذ أنذر قومه } أي خوفهم من الكفر بالله ~~وحذرهم معاصيه ودعاهم إلى طاعته { بالأحقاف } قال ابن عباس: هو واد بين ~~عمان ومهوة، وقال ابن اسحاق: الاحقاف الرمل في ما بين عمان إلى حضرموت. ~~وقال قتادة: الاحقاق رمال مشرفة على البحر بالشجر من اليمن، وقال الحسن: ~~الاحقاف أرض خلالها رمال. وقال الضحاك: جبل بالشام يسمى بذلك، قال ~~العجاج: # بات إلى ارطات حقف ms3198 أحقفا # أي رمل مشرف، وقال ابن زيد: الحقف الرمل يكون كهيئة الجبل. وقال المبرد: ~~الحقف هو كثيب المكثر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال العجاج: # سماوة الهلال حتى احقوقفا # وهو انحناؤه. وقوله { وقد خلت النذر } أي مضت الرسل { من بين يديه ومن ~~خلفه } أي قدامه ووراءه { ألا تعبدوا إلا الله } أي انذرهم وخوفهم بان لا ~~تعبدوا إلا الله. وقال لهم { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } يعني عذاب ~~يوم القيامة. # ثم حكى ما اجاب به قومه وانهم { قالوا أجئتنا } يا هود { لتأفكنا } أي ~~لتلفتنا وتصرفنا { عن } عبادة { آلهتنا } بالكذب والافك { فأتنا بما ~~تعدنا } من العذاب { إن كنت } صادقا { من الصادقين } فانا لا نصدقك في ~~ما تقوله، فقال هود لهم { إنما العلم عند الله } يريد العلم بوقت إنزال ~~العذاب بكم عند الله، وهو العالم به ولا أعلمه مفصلا { وأبلغكم ما أرسلت ~~به } أي أؤدي اليكم ما بعثت به اليكم من الدعاء إلى عبادة الله وإخلاص ~~القربة اليه، فلست اراكم تقبلون ذلك { ولكني أراكم قوما تجهلون } أي ~~تفعلون ما يفعله الجهال. # وقوله { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم } معناه فلما رأو العذاب ~~وشاهدوه أطل عليهم { قالوا هذا عارض } أي سحاب { ممطرنا } والعارض المار ~~بمعنى انه لا يلبث من خير أو شر، فلما رأو العارض ظنوا انه عارض خير ~~بالمطر، فقيل لهم ليس الأمر كما ظننتم { بل هو ما استعجلتم } أي هو عارض ~~من العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه مكذبين به، وقال (عارض) نكرة و ~~(ممطرنا) معرفة، وإنما وصفه به لان التقدير ممطر إيانا، كقولك: مررت برجل ~~مثلك أي مثل لك ثم فسره فقال " هو ريح فيه عذاب عظيم " أي مؤلم، وسمي ~~السحاب عارضا، لأخذه فى عرض السماء، وقال الاعشى: # يا من رأى عارضا قد بت أرمقه # كأنما البرق فى حافاته الشعل # وقيل: كانت الريح ترفع الظعينة بحملها حتى ترى كأنها جرادة - فى قول ~~عمرو بن ميمون - وقوله تعالى { تدمر كل شيء } أي تخرب وتلقي بعض الاشياء ~~على بعض حتى تهلك، قال جرير: # وكان لهم كبكر ms3199 ثمود لما رغا # ظهرا فدمرهم دمارا. # وقوله { فأصبحوا } يعني اهل الاحقاف { لا يرى إلا مساكنهم } وما عداها ~~قد هلك. فمن فتح التاء نصب النون من { مساكنهم } على وجه الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وآله. ومن ضم الياء ضم النون وتقديره فأصبحوا لا يرى شيء ~~فى مساكنهم وقرأ الحسن بالتاء والضم. وقال النحويون: القراءة بالياء ~~ضعيفة فى العربية، لأن العرب تذكر ما قبل (الا) فى الجحد، فتقول: ما قام ~~إلا اختك، لان المحذوف (أحد) وتقديره ما قام احد إلا اختك قامت. # ثم قال تعالى مثل ما أهلكنا اهل الاحقاف وجازيناهم بالعذاب { كذلك نجزي ~~القوم المجرمين } الذين سلكوا مسلكهم. ### || [46.26-30] # يقول الله تعالى على وجه القسم فى خبره أنه مكن هؤلاء الكفار الذين اخبر ~~عنهم بأنه اهلكهم انه مكنهم من الطاعات ومن جميع ما أمرهم به من انه ~~جعلهم قادرين متمكنين بنصب الدلالة على توحيده، ومكنهم من النظر فيها، ~~ورغبهم فى ذلك بما ضمن لهم من الثواب وزجرهم عما يستحق به العقاب، ولطف ~~لهم وازاح عللهم فى جميع ذلك، لان التمكين عبارة عن فعل جميع ما لا يتم ~~الفعل إلا معه، ثم قال { وجعلنا لهم سمعا } يسمعون به الادلة { وأبصارا ~~} يشاهدون بها الآيات { وأفئدة } يفكرون بها ويعتبرون بالنظر فيها { فما ~~أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء } أي لم ينفعهم جميع ~~ذلك، لانهم لم يعتبروا بها ولا فكروا فيها { إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~} وأدلته { وحاق بهم } أي حل بهم عذاب { ما كانوا به يستهزؤن } ويسخرون ~~منه. # وقوله { ما إن مكناكم فيه } قال ابن عباس وقتادة: معناه في ما لم نمكنكم ~~فيه. وقال المبرد: (ما) الاولى بمعنى (الذي) و (إن) بمعنى (ما) وتقديره ~~فى الذي ما مكناكم، والمراد بالآية وعيد كفار قريش وتهديدهم وأن الله قد ~~مكن قوم عاد بما لم يمكن هؤلاء منه، من عظيم القوة وشدة البطش والقدرة ~~على جميع ما يطلبونه، وأنهم مع تمكينهم لم ينفعهم ذلك لما نزل بهم عذاب ~~الله حين كفروا به وجحدوا ربوبيته ms3200 ولم يغنهم جميع ذلك. # ثم قال { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } يعني قوم هود وصالح، لأنهم ~~كانوا مجاورين لبلاد العرب وبلادهم حول بلادهم، فاذا أهلكهم الله بكفرهم ~~كان ينبغي أن يعتبروا بهم { وصرفنا الآيات } وتصريف الآيات تصييرها فى ~~الجهات وتصريف الشيء تصييره فى الجهات، وتصريف المعنى تصييره تارة مع هذا ~~الشيء وتارة مع ذلك، وتصريف الآيات تصييرها تارة فى الاعجاز وتارة فى ~~الاهلاك، وتارة فى التذكير بالنعم وتارة فى وصف الابرار، وتارة في وصف ~~الفجار، ليجتنب مثل فعلهم { لعلهم يرجعون } أي لكي يرجعوا إلى طاعته. # ثم قال { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة } ومعناه ~~فهلا نصرهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله من الاصنام، توبيخا لهم على ~~فعلهم واعلاما بأن من لا يقدر على نصرة أوليائه كيف تصح عبادته { ~~قربانا آلهة } أي يقربون اليهم قربانا وسموها آلهة. # ثم قال لم ينصرونهم { بل ضلوا عنهم } واخبر أن { ذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون } أي كذبهم الذي كذبوه، والذي كانوا يفترونه، ويخترعونه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر يامحمد { إذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن يستمعون القرآن فلما حضروه } يعني القرآن او النبي { قالوا } بعضهم ~~لبعض { أنصتوا فلما قضي } أي حين فرغ من تلاوته { ولوا إلى قومهم منذرين ~~} لهم مخوفين من معاصي الله. # وقال قوم: إن الله تعالى أمر نبيه ان يقرأ القرآن على الجن، وأمره بأن ~~يدعوهم إلى عبادته. وقال قوم: هم يسمعون من قبل نفوسهم لقراءة القرآن ~~فلما رجعوا { قالوا } لقومهم { يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى مصدقا لما بين يديه } يعني التوراة { يهدي إلى الحق } أي يرشد اليه ~~{ ويهدي إلى طريق مستقيم } من توحيد الله ومعرفة نبيه المؤدي إلى الجنة. ~~وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير: صرفوا اليه بالرجم بالشهب، فقالوا عند ذلك ~~إن هذا الأمر كبير. وقال قتادة: صرفوا اليه من جهة. وفي رواية عن ابن ~~عباس من نصيبين. وقيل: ان نصيبين من أرض اليمن. وقال رزين بن حبيش: كانوا ms3201 ~~تسعة نفر، وقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر. وقال قوم: صرفوا اليه ~~بالتوفيق. ### || [46.31-35] # قرأ يعقوب { يقدر } بالياء جعله فعلا مستقبلا. الباقون - بالباء - اسم ~~فاعل. # لما حكى الله تعالى أن نفرا من الجن استمعوا القرآن وتدبروه ورجعوا به ~~إلى قومهم مخوفين لهم من معاصي الله وأنهم قالوا إنا سمعنا كتابا يعني ~~القرآن انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يعني التوراة يهدي إلى الحق ~~وإلى طريق مستقيم، حكى انهم قالوا ايضا { يا قومنا أجيبوا داعي الله } ~~يعنون محمدا صلى الله عليه وآله إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الانداد دونه، ~~وقال قوم: يجوز ان يكون المراد كل من دعا إلى الله تعالى. والاجابة ~~موافقة الفعل للدعاء اليه بأنه عمل من أجله، ولهذا لا تكون موافقة الكافر ~~- وإن كان إذا دعا به - إجابة له إذ لم يعمل من أجل دعائه اليه، وإنما ~~عمل لأمر آخر. وعلى هذا قال بعضهم: إنه لا يجيب الله دعاء الكافر لان فيه ~~إجلالا له كما لا يعمل شيئا لأن فيه مفسدة. # فان قيل: لو ان الكافر دعا إلى حق هل تلزم اجابته؟ # قلنا: يجب العمل بما يدعو اليه، ولا تلزم إجابته، وإنما يجب العمل به، ~~لانه حق. وقيل: يجوز إجابته إذا لم يكن فيه مفسدة. # وقالوا لهم { آمنوا به } أي آمنوا بالله { يغفر لكم من ذنوبكم } (من) ~~زائدة، والمعنى يغفر لكم ذنوبكم { ويجركم من عذاب أليم } فالاجارة من ~~النار جعلهم فى جوار الأولياء المباعدين من النار. وفي الدعاء: اللهم ~~أجرني من النار واللهم اعذنى منها. # ثم قالوا ايضا { ومن لا يجب داعي الله } تاركا له إلى خلافه { فليس ~~بمعجز } أي بفائت { في الأرض وليس له من دونه أولياء } ينصرونهم ويدفعون ~~عنهم العذاب إذا نزل بهم، ويجوز ان يكون ذلك من كلام الله ابتداء. ثم قال ~~{ أولئك } يعني الذين لا يجيبون داعي الله { في ضلال } أي فى عدول عن ~~الحق { مبين }. # ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته على الاعادة والبعث { أولم يروا } أي ~~او لم يعلموا ms3202 { أن الله الذي خلق السماوات والأرض } وانشأهما { ولم يعي ~~بخلقهن } أي لم يصبه فى خلق ذلك إعياء ولا تعب { بقادر } فالباء زائدة ~~وموضعه رفع بأنه خبر (أن) ودخول الباء فى خبر (ان) جائز إذا كان اول ~~الكلام نفيا نحو ما ظننت أن زيدا بقائم ولو قلت: إن زيدا بقائم لا ~~يجوز، لانه إثبات { على أن يحيي الموتى } ثم قال { بلى } هو قادر عليه { ~~إنه على كل شيء قدير } ثم قال { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس ~~هذا بالحق } أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم أليس هذا الذي جزيتم به ~~حق لا ظلم فيه لانكم شاهدتموه الآن { قالوا بلى وربنا } فيحلفون على ذلك، ~~فيقال لهم عند ذلك { ذوقوا العذاب } جزاء { بما كنتم تكفرون } أي بما ~~كنتم تجحدون من نعمه وتنكرون من وحدانيته ثم قال لنبيه صلى الله عليه ~~وآله { فاصبر } يا محمد على أذى هؤلاء الكفار على ترك إجابتهم لك { كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل } قبلك على اممهم. # وقال قوم: أولوا العزم هم الذين يثبتون على عقد القيام بالواجب وإجتناب ~~المحارم، فعلى هذا الانبياء كلهم أولوا العزم، ومن قال ذلك جعل (من) ها ~~هنا للتبيين لا للتبعيض. ومن قال: إن أولى العزم طائفة من الرسل وهم قوم ~~مخصوصون قال (من) ها هنا للتبعيض وهو الظاهر فى روايات اصحابنا، وأقوال ~~المفسرين، ويريدون بأولي العزم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدم ~~من الانبياء، قالوا وهم خمسة أولهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم ~~محمد صلى الله عليه وآله. # ثم قال { ولا تستعجل لهم } العقاب { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } من يوم ~~القيامة لقرب مجيئه { لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } من قلة لبثهم فى ~~الدنيا. وقوله { بلاغ } قيل فى معناه قولان: # احدهما - ذلك اللبث بلاغ. والآخر - هذا القرآن بلاغ. # ثم قال { فهل يهلك } بهذا النوع من الاهلاك على وجه الاستحقاق { إلا ~~القوم الفاسقون } الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته ومن ولايته إلى ~~عداوته. ### | [47 - سورة ms3203 محمد] ### || [47.1-5] # خمس آيات كوفي وست في ما عداه. # قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم { والذين قتلوا } على ما لم يسم فاعله بضم ~~القاف وكسر التاء. الباقون { قاتلوا } بألف من المفاعلة. وقرىء شاذا { ~~قتلوا } بفتح القاف وتشديد التاء. من قرأ بألف كان أعم فائدة، لأنه يدخل ~~فيه من قتل. ومن قرأ بغير الف لم يدخل فى قراءته القاتل الذى لم يقتل ~~وكلاهما لم يضل الله أعمالهم، فهو اكثر فائدة. ومن قرأ بغير الف خص هذه ~~الآية بمن قتل. وقال: علم أن الله لم يضل اعمال من قاتل بدليل آخر ولأن ~~من قاتل لم يضل عمله بشرط ألا يحبط عند من قال بالاحباط، وليس من قتل ~~كذلك، لانه لا يضل الله أعمالهم على وجه بلا شرط، ولأنه لا يقتل إلا وقد ~~قاتل فصار معناهما واحد. # قال مجاهد عن ابن عباس إن قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } نزلت ~~فى أهله مكة. وقوله { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } فى الانصار. # يقول الله تعالى مخبرا بأن الذين جحدوا توحيد الله وعبدوا معه غيره ~~وكذبوا محمدا نبيه صلى الله عليه وآله فى الذي جاء به وصدوا من أراد ~~عبادة الله والاقرار بتوحيده وتصديق نبيه عن الدين، ومنعوه من الاسلام { ~~أظل أعمالهم } ومعناه حكم الله على أعمالهم بالضلال عن الحق والعدول من ~~الاستقامة وسماها بذلك لأنها عملت على غير هدى وغير رشاد. والصد عن سبيل ~~الله هو الصرف عن سبيل الله بالنهي عنه والمنع منه. والترغيب في خلافه، ~~وكل ذلك صد، فهؤلاء كفروا فى أنفسهم ودعوا غيرهم إلى مثل كفرهم، والضلال ~~الاهلاك حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، وليس في الآية ما يدل على القول ~~بصحة الاحباط إذا حملناها على ما قلناه. ومن قال بالتحابط بين المستحقين ~~لا بد ان يترك ظاهر الآية. # ثم قال { والذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني صدقوا بتوحيد الله ~~والاقرار بنبوة نبيه واضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات { وآمنوا بما نزل ~~على محمد } من القرآن والعبادات وغيرها { وهو الحق من ربهم } الذي ms3204 لا ~~مرية فيه { كفر الله عنهم سيئاتهم } وقوله { وهو الحق } يعني القرآن - ~~على ما قاله قوم - وقال آخرون إيمانهم بالله وبالنبي صلى الله عليه وآله ~~{ هو الحق من ربهم } أي بلطفه لهم فيه وحثه عليه وأمره به. ومعنى تكفير ~~السيئات هو الحكم باسقاط المستحق عليها من العقاب، فاخبر تعالى انه متى ~~فعل المكلف الايمان بالله والتصديق لنبيه أسقط عقاب معاصيه حتى يصير ~~بمنزلة ما لم يفعل. وقوله { وأصلح بالهم } قال قتادة: معناه وأصلح حالهم ~~في معائشهم وأمر دنياهم. وقال مجاهد: واصلح شأنهم، والبال لا يجمع، لأنه ~~ابهم أخواته من الحال والشأن. # ثم بين تعالى لم فعل ذلك ولم قسمهم هذين القسمين فقال { ذلك بأن الذين ~~كفروا } فعلنا ذلك بهم وحكمنا بابطال أعمالهم جزاء على انهم { اتبعوا ~~الباطل } والمعاصي، وفعلنا بالمؤمنين من تكفير سيئاتهم لانهم { اتبعوا ~~الحق } الذي أمر الله باتباعه. وقيل الباطل هو الشيطان - ههنا - والحق ~~هو القرآن، ويجوز ان يكون التقدير الامر ذلك، وحذف الابتداء. # ثم قال تعالى { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } أي هؤلاء الذين حكمنا ~~بهلاكهم وضلالهم بمنزلة من دعاه الباطل فاتبعه، والمؤمن بمنزلة من دعاه ~~الحق من الله فاتبعه ويكون التقدير يضرب الله للناس صفات أعمالهم بأن ~~بينها وبين ما يستحق عليها من ثواب وعقاب. # ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال { فإذا لقيتم } معاشر المؤمنين { الذين ~~كفروا } بالله وجحدوا ربوبيته من أهل دار الحرب { فضرب الرقاب } ومعناه ~~اضربوهم على الرقاب، وهي الاعناق { حتى إذا أثخنتموهم } أي اثقلتموهم ~~بالجراح وظفرتم بهم { فشدوا الوثاق } ومعناه احكموا وثاقهم فى الأمر. ثم ~~قال { فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } ومعناه اثقالها. # وقوله { فإما منا بعد } نصب على المصدر والتقدير إما أن تمنوا منا ~~وإما أن تفدوا فداء، وقال قتادة وابن جريج: الآية منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وقوله # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم # وقال ابن عباس والضحاك: الفداء منسوخ. وقال ابن عمر والحسن وعطا وعمر ~~ابن عبد العزيز: ليست منسوخة. وقال الحسن يكره أن ms3205 يفادى بالمال، ويقال ~~يفادي الرجل بالرجل، وقال قوم: ليست منسوخة، والامام مخير بين الفداء ~~والمن والقتل بدلالة الآيات الاخر { حتى تضع الحرب أوزارها } أي اثقالها، ~~وقال قتادة: حتى لا يكون مشرك. وقال الحسن: إن شاء الامام أن يستفد ~~الاسير من المشركين، فله ذلك بالسنة، والذي رواه اصحابنا ان الاسير إن ~~اخذ قبل انقضاء الحرب والقتال بأن تكون الحرب قائمة والقتال باق، فالامام ~~مخير بين أن يقتلهم أو يقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، ~~وليس له المن ولا الفداء. وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء ~~الحرب والقتال كان مخيرا بين المن والمفادات. إما بالمال او النفس، وبين ~~الاسترقاق، وضرب الرقاب، فان أسلموا فى الحالين سقط جميع ذلك وصار حكمه ~~حكم المسلم. # وقوله { ذلك } أي الذي حكمنا به هو الحق الذي يجب عليكم إتباعه { ولو ~~يشاء الله لانتصر منهم } وأهلكهم بانزال العذاب عليهم { ولكن ليبلوا ~~بعضكم ببعض } ويختبرهم ويتعبدهم بقتالهم إن لم يؤمنوا. # ثم اخبر تعالى أن { الذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم } قال ~~قتادة هم الذين قتلوا يوم احد. ومن قرأ { قاتلوا } أراد قاتلوا سواء ~~قتلوا او لم يقتلوا لن يهلك الله أعمالهم ولا يحكم بضلالهم وعدولهم عن ~~الحق. ثم قال { سيهديهم } يعني إلى طريق الجنة { ويصلح بالهم } أي شأنهم ~~او حالهم، وليس فى ذلك تكرار البال، لان المعنى يختلف، لان المراد بالاول ~~انه يصلح حالهم فى الدين والدنيا وبالثاني يصلح حالهم فى النعيم، فالاول ~~سبب النعيم، والثاني نفس النعيم. ### || [47.6-10] # لما خبر الله تعالى انه سيهدي المؤمنين إلى طريق الجنة، ويصلح حالهم ~~فيها، بين أنه ايضا { يدخلهم الجنة عرفها لهم } وقيل فى معنى { عرفها ~~لهم } قولان: # احدهما - بانه عرفها لهم بان وصفها على ما يسوق اليها، ليعملوا بما ~~يستوجبونها به من طاعة الله وإجتناب معاصيه. # والثاني - عرفها لهم بمعنى طيبها بضروب الملاذ، مشتقا من العرف، وهي ~~الرائحة الطيبة التي تتقبلها النفس تقبل ما تعرفه ولا تنكره. وقال ابو ~~سعيد الخدري وقتادة ومجاهد وابن زيد: ms3206 معناه انهم يعرفون منازلهم فيها كما ~~كانوا يعرفون منازلهم فى الدنيا. وقال الحسن: وصف الجنة فى الدنيا لهم، ~~فلما دخلوها عرفوها بصفتها. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا } بتوحيد الله وصدقوا ~~رسوله { إن تنصروا الله ينصركم } ومعناه إن تنصروا دينه بالدعاء اليه، ~~واضافه إلى نفسه تعظيما كما قال # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # وقيل معناه { تنصروا الله } تدفعوا عن نبيه { ينصركم } الله، أي يدفع ~~عنكم اعداءكم في الدنيا عاجلا، وعذاب النار آجلا { ويثبت أقدامكم } فى ~~حال الحرب. قيل: ويثبت أقدامكم يوم الحساب. # ثم قال { والذين كفروا } بنعم الله وجحدوا نبوة نبيه { فتعسا لهم } أي ~~خزيا لهم وويلا لهم، فالتعس الانحطاط والعثار عن منازل المؤمنين { وأضل ~~أعمالهم } أي أهلكها وحكم عليها بالضلال. وإنما كرر قوله { وأضل أعمالهم ~~} و { فأحبط أعمالهم } تأكيدا، ومبالغة فى الزجر عن الكفر والمعاصي وكرر ~~ذكر النعيم إذا ذكر المؤمنين مبالغة فى الترغيب فى الطاعات. وإنما عطف ~~قوله { وأضل } وهو (فعل) على قوله { فتعسا } وهو اسم، لأن المعنى اتعسهم ~~الله وأضل اعمالهم فلذلك حسن العطف. # ثم بين تعالى لم فعل ذلك، فقال فعلنا { ذلك } جزاء لهم على معاصيهم { ~~بأنهم كرهوا ما أنزل الله } من القرآن والاحكام وأمرهم بالانقياد لها، ~~فخالفوا ذلك { فأحبط أعمالهم } من أجل ذلك أي حكم ببطلانها، لأنها وقعت ~~على خلاف الوجه المأمور به. # ثم نبههم على الاستدلال على صحة ما دعاهم اليه من توحيده وإخلاص العبادة ~~له، فقال { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ~~حين أرسل الله اليهم الرسل فدعوهم إلى توحيده وإخلاص العبادة له، فلم ~~يقبلوا منهم وعصوهم وعملوا بخلافه، فأهلكهم الله جزاء على ذلك { ودمر ~~عليهم } مثل ما فعل بعاد وثمود وقوم لوط وأشباههم. ثم قال { وللكافرين } ~~بك يا محمد إن لم يقبلوا ما تدعوهم إليه { أمثالها } أي امثال تلك ~~العقوبات أي هم يستحقون مثلها، وإنما يؤخر عذابهم تفضلا منه. ### || [47.11-15] # ست آيات بصري، وخمس في ما عداه، عد البصريون { للشاربين } ولم يعده ~~الباقون. ms3207 # قرأ ابن كثير { أسن } على وزن (فعل). الباقون على وزن (فاعل) ومعناهما ~~واحد، لان المعنى من ماء غير متغير. # لما اخبر الله تعالى انه أهلك الامم الماضية بكفرهم وأن للكافرين ~~أمثالها بين أنه لم كان كذلك؟ فقال { ذلك } أي الذي فعلناه فى الفريقين { ~~بأن الله مولى الذين آمنوا } ينصرهم ويدفع عنهم لأن الله مولى كل مؤمن { ~~وأن الكافرين لا مولى لهم } ينصرهم من عذابه إذا نزل بهم ولا أحد يدفع ~~عنهم لا عاجلا ولا آجلا. # ثم اخبر تعالى انه { يدخل الذين آمنوا } بتوحيده وصدقوا نبيه { وعملوا ~~الصالحات } مضافة اليها { جنات } أي بساتين تجنها الاشجار { تجري من ~~تحتها الأنهار } وقيل: ان أنهار الجنة فى أخاديد من الارض، فلذلك قال من ~~تحتها. # ثم قال { والذين كفروا } بتوحيده وكذبوا رسله { يتمتعون } فى دار الدنيا ~~ويلتذون فيها { ويأكلون } المآكل فيها { كما تأكل الأنعام } أي مثل ما ~~تأكل الانعام والبهائم، لانهم لا يعتبرون ولا ينظرون ولا يفكرون ولا ~~يفعلون ما أوجبه الله عليهم، فهم بمنزلة البهائم. وقيل: إن المعنى بذلك ~~الاخبار عن خستهم فى أكلهم بأنهم يأكلون للشره والنهم، لانهم جهال. ثم ~~قال { والنار مثوى لهم } أى موضع مقامهم الذي يقيمون فيه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله مهددا لكفار قومه { وكأين من قرية هي ~~أشد قوة من قريتك } يعني مكة { التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } الآن ~~فما الذي يؤمن هؤلاء أن يفعل بهم مثل ذلك. ومعنى (وكأين) (وكم) والأصل ~~فيها (أي) قرية إلا أنها إذا لم تضف تؤنث. ثم قال على وجه التهجين للكفار ~~والتوبيخ لهم { أفمن كان على بينة من ربه } أي حجة واضحة. قال قتادة: ~~يعني محمدا صلى الله عليه وآله. وقال قوم: يعني به المؤمنين الذين عرفوا ~~الله تعالى وأخلصوا العبادة { كمن زين له سوء عمله } من المعاصي زينها ~~لهم الشيطان وأغواهم بها { واتبعوا أهواءهم } أي شهواتهم فى ذلك، وما ~~تدعوهم اليه طباعهم. # ثم اخبر تعالى عن وصف الجنة التي وعد المتقين بها، فقال { مثل الجنة } ~~أي وصف الجنة ms3208 { التي وعد المتقون } بها { فيها أنهار من ماء غير آسن } أي ~~غير متغير لطول المقام { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } لمثل ذلك { ~~وأنهار من خمر لذة للشاربين } يلتذون بشربها ولا يتأذون بها ولا بعاقبتها ~~{ وأنهار من عسل مصفى } من كل أذى { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ~~ربهم } تلحقهم أي لا يلحقهم فى الجنة توبيخ بشيء من معاصيهم، لان الله قد ~~تفضل بسترها عليهم فصارت بمنزلة ما لم يعمل بابطال حكمها. # وقوله { مثل الجنة } مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، وتقديره ما يتلى ~~عليكم مثل الجنة التي وعد المتقون، ولو جعل المثل مقحما جاء الخبر ~~المذكور عن الجنة كأنه قيل الجنة التي وعد المتقون فيها كذا وفيها كذا. # وقوله { كمن هو خالد في النار } أي يتساوى من له نعيم الجنة على ما ~~وصفناه ومن هو فى النار مؤبد!؟ ومع ذلك { سقوا ماء حميما } أي حارا { ~~فقطع أمعاءهم } من حرارتها، ولم يقل أمن هو فى الجنة لدلالة قوله { كمن ~~هو خالد } عليه. وقيل: معنى قوله { كمن هو خالد في النار وسقوا ماء ~~حميما فقطع أمعاءهم } أي هل يكون صفتهما وحالهما سواء؟!. ويتماثلان ~~فيه؟! فانه لا يكون ذلك أبدا. ### || [47.16-20] # قرأ ابن كثير فى احدى الروايتين { آنفا } على وزن (فعل) الباقون { ~~آنفا } بالمد على وزن (فاعل) قال ابو علي الفارسي: جعل ابن كثير ذلك مثل ~~(حاذر، وحذر. وفاكه، وفكه) والوجه الرواية الأخرى. # حكى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن من الكفار من إذا جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله واستمع لقراءة القرآن منه وسمع ما يؤديه إلى ~~الحق من الوحي وما يدعوه اليه، فلا يصغي اليه ولا ينتفع به حتى إذا خرج ~~من عنده لم يدر ما سمعه ولا فهمه، ويسألون أهل العلم الذين آتاهم الله ~~العلم والفهم من المؤمنين { ماذا قال آنفا } اي أي شيء قال الساعة؟ ~~وقيل: معناه قريبا مبتديا. وقيل: إنهم كانوا يتسمعون للخطبة يوم الجمعة ~~وهم المنافقون، والآنف الجائي باول المعنى ومنه الاستئناف، وهو استقبال ms3209 ~~الأمر بأول المعنى، ومنه الانف لأنه اول ما يبدو من صاحبه، ومنه الأنفة ~~رفع النفس عن أول الدخول فى الرتبة. وإنما قال { ومنهم من يستمع إليك } ~~فرده إلى لفظة (من) وهي موحدة. ثم قال { حتى إذا خرجوا } بلفظ الجمع برده ~~إلى المعنى، لان (من) يقع على الواحد والجماعة. # ثم قال تعالى { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } أي وسم قلوبهم وجعل ~~عليها علامة تدل على انهم كفار لا يؤمنون، وهو كالختم وإن صاحبه لا يؤمن ~~فطبع الله على قلوب هؤلاء الكفار ذما لهم على كفرهم أي لكونهم عادلين عن ~~الحق واخبر أنهم { اتبعوا } فى ذلك { أهواءهم } وهو شهوة نفوسهم وما مال ~~اليه طبعهم دون ما قامت عليه الحجة يقال: هوى يهوي هوى فهو هاو، واستهواه ~~هذا الأمر أي دعاه إلى الهوى. # ثم وصف تعالى المؤمنين فقال { والذين اهتدوا } إلى الحق، ووصلوا إلى ~~الهدى والايمان { زادهم هدى } فالضمير فى زادهم يحتمل ثلاثة اوجه: # احدها - زادهم الله هدى بما ينزل عليهم من الآيات والاحكام، فاذا اقروا ~~بها وعرفوها زادت معارفهم. # الثاني - زادهم ما قال النبي صلى الله عليه وآله هدى. # الثالث - زادهم استهزاء المنافقين إيمانا. # والوجه فى إضافة الزيادة فى الهدى إلى الله هو ما يفعله تعالى بهم من ~~الألطاف التي تقوي دواعيهم إلى التمسك بما عرفوه من الحق وتصرفهم عن ~~العدول إلى خلافه. ويكون ذلك تأكيدا لما عملوه من الحق وصارفا لهم عن ~~تقليد الرؤساء من غير حجة ولا دلالة. ثم قال { وآتاهم } على زيادة الهدى ~~{ تقواهم } أي خوفا من الله من معاصيه ومن ترك مفترضاته بما فعل بهم من ~~الالطاف فى ذلك. وقيل معناه { آتاهم } ثواب { تقواهم } ولا يجوز ان يكون ~~المراد خلق لهم تقواهم لانه يبطل أن يكون فعلهم. # ثم قال { فهل ينظرون إلا الساعة } أي ليس ينتظرون إلا القيامة { أن ~~تأتيهم بغتة } أي فجأة، فقوله { أن تأتيهم } بدل من الساعة، وتقديره إلا ~~الساعة إتيانها بغتة، فان حذف الساعة كان التقدير هل ينظرون إلا إتيانهم ~~الساعة بغتة. ثم قال ms3210 تعالى { فقد جاء أشراطها } أي علاماتها. وقيل: منها ~~إنشقاق القمر فى وقت النبي صلى الله عليه وآله ومنها مجيء محمد صلى الله ~~عليه وآله بالآيات لأنه آخر الأنبياء، فالاشراط العلامات واحدها شرط قال ~~جرير: # ترى شرط المعزى مهور نسائهم # وفي شرط المعزى لهن مهور # وأشرط فلان لنفسه إذا علمها بعلامة، وقال أوس بن حجر: # فاشرط فيها نفسه وهو مقصم # والقى باسباب له وتوكلا # والفاء في قوله { فقد جاء أشراطها } عطف جملة على جملة فيها معنى ~~الجزاء، والتقدير إن تأتهم بغتة، فقد جاء اشراطها. وقد قريء شاذا عن أبي ~~عمرو { إلا إن } والقراءة بفتح (أن) وقال المبرد: هذا لا يجوز لانه تعالى ~~أخبر انه لا تأتي الساعة إلا بغتة، فكيف تعلق بشرط. وقال تعالى { فأنى ~~لهم } أي من اين لهم { إذا جاءتهم } يعني الساعة { ذكراهم } أي ما يذكرهم ~~أعمالهم من خير او شر، فانه لا ينفعهم فى ذلك الوقت الايمان والطاعات ~~لزوال التكليف عنهم. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين { فاعلم } يا ~~محمد { أنه لا إله إلا الله } أي لا معبود يحق له العبادة إلا الله. وفي ~~ذلك دلالة على ان المعرفة بالله اكتساب، لأنها لو كانت ضرورية، لما أمر ~~بها { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } فالخطاب له والمراد به الأمة ~~لأنه صلى الله عليه وآله لا ذنب له يستغفر منه، ويجوز ان يكون ذلك على ~~وجه الانقطاع اليه تعالى. # ثم قال { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } أي الموضع الذي تتقلبون فيه وكيف ~~تتقلبون وموضع استقراركم، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم طاعة كانت او ~~معصية. وقيل: يعلم متقلبكم فى أسفاركم ومثواكم فى اوطانكم، وقيل: متقلبكم ~~فى أعمالكم ومثواكم فى نومكم. # ثم قال تعالى حكاية عن المؤمنين أنهم كانوا يقولون { لولا نزلت سورة } ~~أي هلا نزلت سورة لانهم كانوا يأنسون بنزول الوحي ويستوحشون من ابطائه ~~فقال الله تعالى حاكيا عن حالهم عند نزول السورة فقال { وإذا أنزلت سورة ~~محكمة } أي ليس فيها متشابه ولا تأويل { وذكر فيها القتال ms3211 } أي أوجب ~~عليهم القتال { رأيت الذين في قلوبهم مرض } أي نفاق وشك { ينظرون إليك ~~نظر المغشي عليه من الموت } لثقل ذلك عليهم وعظمه فى نفوسهم { فأولى لهم ~~} قال قتادة: هو وعيد، وكأنه قال العقاب اولى بهم، وهو ما يقتضيه قبح ~~أحوالهم. وروي عن ابن عباس، انه قال: قال الله تعالى { فأولى } ثم استأنف ~~فقال { لهم طاعة وقول معروف } يعني للمؤمنين فصارت أولى للذين فى قلوبهم ~~مرض. وقيل: المعنى { أولى لهم طاعة وقول معروف } من أن يجزعوا عن فرض ~~الجهاد عليهم. وقال الجبائي: معنى الكلام ينظرون اليك نظر المغشى عليه من ~~الموت فأولى لهم أن يعاقبوا { فلو صدقوا الله } فى ما أمرهم به { لكان ~~خيرا لهم } ودخل بين الكلامين { طاعة وقول معروف } وليس من قصته وإنما ~~هي من صفة المؤمن يأمره الله أن يطيعه، ويقول له قولا معروفا. وقرأ ابن ~~مسعود " سورة محدثة " وهو شاذ. ### || [47.21-25] # قرأ ابو عمرو { وأملي لهم } على ما لم يسم فاعله. الباقون { وأملى لهم } ~~بمعنى الشيطان أملى لهم ويجوز أن يريد ان الله أملى لهم كما قال # إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم # وقرأ يعقوب مثل أبي عمرو إلا انه أسكن الياء بمعنى الاخبار عن الله عن ~~نفسه وابو عمرو جعله لما لم يسم فاعله. وقرأ رويس { توليتم } بضم التاء ~~والواو وكسر اللام. الباقون بفتحهما. وقوله { طاعة وقول معروف } قيل فى ~~معناه قولان: # احدهما - قولوا أمرنا طاعة وقول معروف. قال مجاهد أمر الله بذلك ~~المنافقين. وقيل هو حكاية عنهم أنهم يقولون { طاعة وقول معروف } مثل فرض ~~الجهاد. لأنه يقتضيه قوله { فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم }. # الثاني - طاعة وقول معروف أمثل أي اولى بالحق من أقوال هؤلاء المنافقين ~~وقيل: طاعة وقول معروف خير لهم من جزعهم عند نزول فرض الجهاد - ذكره ~~الحسن - والطاعة موافقه الارادة الداعية إلى الفعل بطريق الترغيب فيه. ~~والقول المعروف هو القول الحسن، وسمي بذلك لأنه معروف صحته، وكذلك الأمر ~~بالمعروف أي المعروف أنه حق. والباطل منكر، لأنه تنكر صحته، فعلى هذا ~~المعنى ms3212 وقع الاعتراف والانكار. # وقوله { فإذا عزم الأمر } معناه إذا انعقد الأمر بالارادة انه يفعله ~~فاذا عقد على انه يفعل قيل عزم الأمر على طريق البلاغة. وقيل معنى عزم أي ~~جد الأمر { فلو صدقوا الله } يعني فى ما أمرهم به من القتال وامتثلوا ~~أمره { لكان خيرا لهم } لأنهم كانوا يصلون إلى نعيم الأبد. # ثم خاطبهم فقال { فهل عسيتم } يا معشر المنافقين أن توليتم. وقيل في ~~معناه قولان: # احدهما - { إن توليتم } الاحكام وجعلتم ولاة { أن تفسدوا } فى الارض ~~بأخذ الرشا. وقيل أن اعرضتم عن كتاب الله ان تعودوا إلى ما كنتم من أمر ~~الجاهلية أن يقتل بعضكم بعضا كما كنتم تفعلونه. # والثاني - ان توليتم الأمر أن يقطع بعضكم رحم بعض، ويقتل بعضكم بعضا ~~كما قتلت قريش بني هاشم، وقتل بعضهم بعضا. وقيل المعنى ان اعرضتم عن ~~كتاب الله والعمل بما فيه من وجوب القتال { أن تفسدوا في الأرض } بان ~~تعملوا فيها بالمعاصي { وتقطعوا أرحامكم } فلا تصلونها، فان الله تعالى ~~يعاقبكم عليه بعذاب الأبد ويلعنكم. # ثم قال { أولئك الذين لعنهم الله } أي أبعدهم الله عن رحمته { فأصمهم ~~وأعمى أبصارهم } أي سماهم عميا وصما، وحكم عليهم بذلك، لانهم بمنزلة ~~الصم والعمي من حيث لم يهتدوا إلى الحق ولا أبصروا الرشد، ولم يرد ~~الاصمام فى الجارحة والاعماء في العين، لانهم كانوا بخلافه صحيحي العين ~~صحيحي السمع. ثم قال موبخا لهم { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها } معناه أفلا يتدبرون القرآن بأن يتفكروا فيه ويعتبروا به أم على ~~قلوبهم قفل يمنعهم من ذلك تنبيها لهم على ان الأمر بخلافه. # وليس عليها ما يمنع من التدبر والتفكر والتدبر فى النظر فى موجب الأمر ~~وعاقبته، وعلى هذا دعاهم إلى تدبر القرآن. # وفى ذلك حجة على بطلان قول من يقول لا يجوز تفسير شيء. من ظاهر القرآن ~~إلا بخبر وسمع. # وفيه تنبيه على بطلان قول الجهال من اصحاب الحديث انه ينبغي ان يروى ~~الحديث على ما جاء وإن كان مختلا فى المعنى، لأن الله تعالى دعا إلى ~~التدبر ms3213 والفقه وذلك مناف للتاجل والتعامي. # ثم قال { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } أي رجعوا عن الحق والايمان { من ~~بعد ما تبين لهم الهدى } أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة. ~~وليس فى ذلك ما يدل على ان المؤمن على الحقيقة يجوز ان يرتد، لأنه لا ~~يمتنع ان يكون المراد من رجع عن إظهار الايمان بعد وضوح الأمر فيه وقيام ~~الحجة بصحته. ثم قال { الشيطان سول لهم } أي زين لهم ذلك. وقيل: معناه ~~أعطاهم سؤلهم من خطاياهم { وأملى لهم } أي أمهلهم الشيطان، وأملى لهم ~~بالاطماع والاغترار. وقيل: المعنى واملى الله لهم أي اخرهم فاغتروا بذلك. ~~ومن قرأ - على ما لم يسم فاعله - احتمل الامرين ايضا. # وقيل الآية نزلت فى اليهود، لأنهم عرفوا صفات النبي صلى الله عليه وآله ~~فى التوراة فلما جاءهم كفروا به. وقيل نزلت فى المنافقين حين صدوا عن ~~القتال معه من بعد ما علموا وجوبه فى القرآن، ### || [47.26-30] # قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر { إسرارهم } بكسر الهمزة على انه مصدر. ~~الباقون بفتحها على انه جمع سر. # لما اخبر الله تعالى عن حال المرتدين على اعقابهم والراجعين عن إظهار ~~الحق خلافه، بين لم فعلوا ذلك، فقال { ذلك بأنهم } يعني الشياطين { قالوا ~~للذين كرهوا ما أنزل الله } من القرآن وما أمرهم به من الأمر والنهي ~~والحلال والحرام وشبهوا عليهم ذلك ومالوا إلى خلافه. وقيل: هذا قول ~~اليهود للمنافقين { سنطيعكم في بعض الأمر } أي نفعل بعض ما تريدونه من ~~الميل اليكم وإعطاء شهواتكم. # ثم قال { والله يعلم إسرارهم } أي بواطنهم - فمن فتح الهمزة، ومن كسرها ~~- أراد يعلم ما يسرونه. ثم قال { فكيف إذا توفتهم الملائكة } والمعنى كيف ~~حالهم إذا توفتهم الملائكة وحذف تفخيما لشأن ما ينزل بهم { يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } على وجه العقوبة لهم فى القبر ويوم القيامة. # ثم بين تعالى لم يفعل الملائكة بهم ذلك، فقال { ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله } يعني المعاصي التى يكرهها الله ويعاقب عليها { وكرهوا رضوانه ~~} أي كرهوا سبب رضوانه من الايمان والطاعات والامتناع ms3214 من القبائح { فأحبط ~~أعمالهم } أي حكم بأنها باطلة محبطة لا يستحق عليها الثواب. # ثم قال { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } أي نفاق وشك يظنون { أن لن يخرج ~~الله أضغانهم } أي احقادهم مع المؤمنين ولا يظهرها ولا يبدي عوراتهم ~~للنبي صلى الله عليه وآله { ولو نشاء لأريناكهم } يعني المنافقين ~~بأعيانهم، ولو شئت لعرفتكهم حتى تعرفهم. ثم قال { فلعرفتهم بسيماهم } أي ~~بعلاماتهم التي نصبها الله لكم، يعرفهم بها يعني الامارات الدالة على سوء ~~نياتهم. ثم قال { ولتعرفنهم في لحن القول } أي فى فحوى أقوالهم ومتضمنها. ~~ومنه قوله صلى الله عليه وآله # " ولعل بعضكم ألحن بحجته " # أي أذهب بها فى الجهات لقوته على تصريف الكلام، واللحن الذهاب عن الصواب ~~فى الاعراب، واللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. ثم قال { والله يعلم ~~أعمالكم } الطاعات منها والمعاصي، فيجازيكم بحسبها. ### || [47.31-35] # قرأ ابو بكر عن عاصم { وليبلونكم حتى يعلم... ويبلو أخباركم } بالياء ~~فيهن ردا على اسم الله في قوله { والله يعلم أعمالكم } الباقون بالنون ~~على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ حمزة وابو بكر عن عاصم { إلى ~~السلم } بكسر السين. الباقون بفتحها، وهما لغتان على ما بيناه في ما تقدم ~~في الاسلام والمصالحة # يقول الله تعالى مقسما إنا نبلو هؤلاء الكفار، ومعناه نختبرهم بما ~~نكلفهم من الامور الشاقة، فالابتلا والاختبار واحد. وقوله { حتى نعلم ~~المجاهدين منكم } قيل في معناه قولان: # احدهما - حتى نعلم جهادكم موجودا لأن الغرض ان تفعلوا الجهاد فيثيبكم ~~على ذلك، لانكم لا تستحقون الثواب على ما يعلم الله انه يكون. # الثاني - حتى نعاملكم معاملة من كأنه يطلب ان يعلم. # وقيل: معناه حتى يعلم أوليائي المجاهدين منكم، وأضافه إلى نفسه تعظيما ~~لهم وتشريفا، كما قال # إن الذين يؤذون الله ورسوله # يعني يؤذن أولياء الله. وقيل: معناه حتى يتميز المعلوم في نفسه، لأنهم ~~إنما يتميزون بفعل الايمان. وقيل: المعنى حتى تعلموا أنتم، واضافه إلى ~~نفسه تحسنا كما أن الانسان العالم إذا خولف فى ان النار تحرق الحطب يحسن ~~ان يقول: نجمع بين النار ms3215 والحطب لنعلم هل تحرق ام لا، ولا يجوز ان يكون ~~المراد حتى نعلم بعد ان لم نكن عالمين، لانه تعالى عالم في ما لم يزل ~~بالأشياء كلها، ولو تجدد كونه عالما لاحتاج إلى علم محدث كالواحد منا ~~وذلك لا يجوز أن يكون غرضا بالتكليف، لكن يجوز ان يكون الغرض ظهور حق ~~الذم على الاساءة، وإنما جاز في وصف الله الابتلاء، لأن المعنى انه يعامل ~~معاملة المبتلي المختبر مظاهرة في العدل بالجزاء لها. والجهاد احتمال ~~المشقة في قتال المشركين واعداء دين الله. وافضل الأعمال علم الدين، ~~والجهاد في سبيل الله، لأن علم الدين به يصح العمل بالحق والدعاء اليه. ~~والجهاد داع إلى الحق مع المشقة فيه. والصابر هو الحابس نفسه عما لا يحل ~~له. وهي صفة مدح. ومع ذلك ففيها دليل على حاجة الموصوف بها، لأنه إنما ~~يحبس نفسه ويمنعها مما تشتهيه او تنازع اليه من القبيح { ونبلوا أخباركم ~~} أي نختبر اخباركم ونعلم المطيع من العاصي. # ثم اخبر تعالى { إن الذين كفروا } بوحدانيته وجحدوا نبوة نبيه { وصدوا } ~~أي منعوا غيرهم { عن } إتباع { سبيل الله } بالقهر تارة وبالاغراء أخرى { ~~وشاقوا الرسول } أي عاندوه وباعدوه بمعاداته { من بعد ما تبين لهم الهدى ~~} ووضح لهم سبيله { لن يضروا الله } بذلك { شيئا } وإنما ضروا نفوسهم { ~~وسيحبط أعمالهم } ويستحقون عليها العقاب. والهدى الدلالة المؤدية إلى ~~الحق. والهادي الدال على الحق # وفي الآية دلالة على أن هؤلاء الكفار كان قد تبين لهم الهدى فارتدوا عنه ~~او يكون ظهر لهم أمر النبي، فلم يقبلوه. # وقيل: تبين لهم الهدى، لأنهم كانوا قد عرفوا الايمان ورجعوا عنه. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا } بالله وصدقوا رسوله { ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } أي افعلوا الطاعات التي أمركم الله بها ~~وامركم بها رسوله { ولا تبطلوا أعمالكم } بأن توقعوها على خلاف الوجه ~~المأمور به فيبطل ثوابكم عليها وتستحقون العقاب. # ثم اخبر تعالى فقال { إن الذين كفروا } أي جحدوا وحدانية الله وكذبوا ~~رسوله { وصدوا عن سبيل الله } بالمنع والاغراء والدعاء إلى غيره { ثم ms3216 ~~ماتوا وهم كفار } أي فى حال كفرهم { فلن يغفر الله لهم } معاصيهم بل ~~يعاقبهم عليها. ثم قال { فلا تهنوا } أي لا تتوانوا. وقال مجاهد وابن ~~زيد: لا تضعفوا { وتدعوا إلى السلم } يعني المصالحة { وأنتم الأعلون } أي ~~وانتم القاهرون الغالبون - فى قول مجاهد - { والله معكم } اي ناصركم ~~والدافع عنكم فلا تميلوا مع ذلك إلى الصلح والمسالمة بل جاهدوا واصبروا ~~عليه. وقوله { ولن يتركم أعمالكم } أي لن ينقصكم اجور اعمالكم يقال: وتره ~~يتره وترا إذا أنقصه. وهو قول مجاهد. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد ~~والضحاك: لن يظلمكم واصله القطع، فمنه البتر القطع بالقتل. ومنه الوتر ~~المنقطع بانفراده عن غيره. وقوله { وتدعوا } يجوز ان يكون جرا عطفا على ~~{ تهنوا } أي لا تهنوا ولا تدعوا إلى السلم، ويجوز ان يكون فى موضع نصب ~~على الظرف ### || [47.36-38] # يقول الله تعالى مزهدا لخلقه فى الانعكاف على الدنيا، ومرغبا لهم في ~~التوفر على عمل الآخرة { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } وإنما زهدهم فى ~~الدنيا لكونها فانية ورغبهم فى الآخرة لكونها باقية، فمن اختار الفاني ~~على الباقي كان جاهلا ومنقوصا ومعنى { الحياة الدنيا لعب ولهو } أي ذات ~~لعب ولهو، لأن غالب أمر الناس فى الدنيا اللعب واللهو، وذلك عبث وغرور ~~وانصراف عن الحد الذي يدوم به السرور والحبور، وقيل: شبهت باللعب واللهو ~~لانقطاعها عن صاحبها بسرعة، فالتقدير على هذا إنما الحياة الدنيا كاللعب ~~واللهو فى سرعة الانقضاء، والآخرة كالحقيقة فى اللزوم والامتداد، ~~فاحداهما كالحقيقة، والأخرى كالمخرقة. ثم قال { وإن تؤمنوا } بوحدانيته ~~وتصديق رسوله { وتتقوا } معاصيه { يؤتكم أجوركم } على ذلك وثوابكم على ~~طاعتكم { ولا يسألكم أموالكم } أن تدفعوها اليه. وقيل { لا يسألكم ~~أموالكم } كلها وإن أوجب عليكم الزكاة في بعض أموالكم. وقيل المعنى { لا ~~يسألكم أموالكم } بل أمواله، لانه تعالى مالكها والمنعم بها. # ثم بين تعالى لم لا يسألهم أموالهم، فقال { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ~~ويخرج أضغانكم } فالاحفاء الالحاح فى المسألة حتى ينتهى إلى مثل الحفاء، ~~والمشي بغير حذاء، احفاه بالمسألة يحفيه إحفاء. وقيل الاحفاء طلب الجميع ~~{ تبخلوا ms3217 } أي تمنعونه. والبخل قال قوم: هو منع الواجب. وقال الرماني: ~~البخل منع النفع الذي هو أولى فى العقل، قال: ومن زعم أن البخل منع ~~الواجب عورض بأن البخل منع ما يستحق بمنعه الذم، لأن البخيل مذموم بلا ~~خلاف، وقد يمنع الواجب الصغير فلا يجوز وصفه بأنه بخيل { ويخرج أضغانكم } ~~لأن في سؤال الأموال بالاحفاء خروج الاضغان وهي الاحقاد التي فى القلوب ~~والعداوات الباطنة. وقيل (الاضغان) هي المشاق التي فى القلوب، ولذلك ذكر ~~الاخراج. وقيل: ويخرج الله المشقة التي في قلوبكم بسؤال أموالكم. وإنما ~~قدم المخاطب على الغائب فى قوله { أن يسألكموها } لأنه ابتداء بالاقرب مع ~~انه المفعول الاول، ويجوز مع الظاهر أن يسألها جماعتكم، لأنه غائب مع ~~غائب، فالمتصل أولى بأن يليه من المنفصل. # ثم قال { ها أنتم هؤلاء } وإنما كرر التنبيه فى موضعين للتوكيد، فقال { ~~ها أنتم هؤلاء } وقيل (ها) للتقريب، ودخل على المضمر لمشاكلة (اليهم) في ~~انه معرفة تصلح صيغته لكل مكنى عنه على جهة جماعة المخاطب، كما يصلح ~~(هؤلاء) لكل خاص مشار اليه، ولم يجز مع الظاهر لبعده من المبهم. وقال ~~بعضهم: العرب إذا زادت التقريب جعلت المكنى بين (ها) وبين (ذا)، فيقولون ~~ما أنت ذا قائما، لان التقريب جواب الكلام فربما اعادت (ها) مع (ذا) ~~وربما اجتزأت بالاولى وحذفت الثانية، ولا يقدمون (أنتم) على (ها) لأن ~~(ها) جواب، فلا يقرب بها بعد الكلمة. # وقوله { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } لينيلكم الجزيل من ثوابه وهو غني ~~عنكم وعن جميع خلقه { فمنكم من يبخل } فلا ينفق ماله فى سبيل الله. ثم ~~قال { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } أي عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه ~~لأن الله قد صرفه عن البخل بالنهي عنه والذم له. ثم قال { والله الغني } ~~الذي ليس بمحتاج لا اليكم ولا إلى احد { وأنتم الفقراء إليه وإن تتولوا } ~~أي ان تعرضوا عن أمره ونهيه ولا تقبلونهما، ولا تعملون بما فيهما { ~~يستبدل قوما غيركم } قال قوم يستبدل الله بهم من فى المعلوم أنهم يخلقون ms3218 ~~بعد، ويجوز أن يكونوا من الملائكة وقيل: هم قوم من اليمن، وهم الانصار. ~~وقيل: مثل سلمان واشباهه من ابناء فارس، ولم يجز الزجاج أن يستبدل ~~الملائكة، لانه لا يعبر بالقوم عن الملائكة، لا يكونوا أمثالكم، لأنهم ~~يكونون مؤمنين مطيعين، وأنتم كفار عاصون. وقال الطبري لا يكونوا أمثالكم ~~فى البخل والانفاق فى سبيل الله، ولما نزلت هذه الآية فرح النبي صلى الله ~~عليه وآله وقال: # " هي أحب إلي من الدنيا ". ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-5] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~} قال البلخي: الفتح يكون فى القتال وبالصلح، وباقامة الحجج، ويكون ~~المعنى { إنا فتحنا لك } بحجج الله وآياته { فتحا مبينا } لينصرك الله ~~بذلك على من ناواك. وقال قتادة: نزلت هذه الآية عند رجوع النبي صلى الله ~~عليه وآله من الحديبية، بشر فى ذلك الوقت بفتح مكة، وتقديره { إنا فتحنا ~~لك } مكة. وقال البلخي عن الشعبي فى وقت الحديبية بويع النبي صلى الله ~~عليه وآله بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ ~~الهدي محله. والحديبية بئر، فروي انها غارت فمج النبي صلى الله عليه وآله ~~فيها فظهر ماؤها حتى امتلاءت به. وقال قتادة: معنى { فتحنا } قضينا لك ~~بالنصر. وقيل: معناه اعلمناك علما ظاهرا في ما أنزلناه عليك من القرآن ~~واخبرناك به من الدين، وسمي العلم فتحا، كما قال # وعنده مفاتح الغيب # أي علم الغيب. وقال # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح # وقال الزجاج: معناه ارشدناك إلى الاسلام، وفتحنا لك الدين بدلالة قوله # ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات # وقال مجاهد { فتحنا لك فتحا مبينا } يعني نحره بالحديبية وحلقه. وقال ~~قتادة: معناه قضينا لك قضاء بينا. وفي الحديبية مضمض رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فى البئر وقد غارت فجاشت بالرواء. والفتح هو القضاء من قولهم: ~~اللهم أفتح لي. وقوله تعالى # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين # والفتح الفرج المزيل للهم. ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن ms3219 بيان ما يؤدي ~~إلى المطلوب، ومنه فتح عليه القراءة، لانه متعلق بالسهو، وينفتح بالذكر ~~والفتح المبين هو الظاهر، وكذلك جرى فتح مكة. # وقوله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } قيل جعل غفرانه جزاء ~~عن ثوابه على جهاده في فتح مكة. وقيل فى معناه اقوال: # احدها - ما تقدم من معاصيك قبل النبوة وما تأخر عنها. # الثاني - ما تقدم قبل الفتح وما تأخر عنه. # الثالث - ما قد وقع منك وما لم يقع على طريق الوعد بأنه يغفره له إذا ~~كان. # الرابع - ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر عنه. # وهذه الوجوه كلها لا تجوز عندنا، لأن الانبياء عليهم السلام لا يجوز ~~عليهم فعل شيء من القبيح لا قبل النبوة ولا بعدها، لا صغيرها ولا كبيرها ~~فلا يمكن حمل الآية على شيء مما قالوه، ولا صرفها إلى آدم لان الكلام فيه ~~كالكلام فى نبينا محمد صلى الله عليه وآله ومن حمل الآية على الصغائر ~~التي تقع محبطة فقوله فاسد، لأنا قد بينا أن شيئا من القبائح لا يجوز ~~عليهم بحال. # على ان الصغائر تقع مكفرة محبطة لا يثبت عقابها، فكيف يمتن الله تعالى ~~على النبي صلى الله عليه وآله أنه يغفرها له وهو تعالى لو آخذه بها لكان ~~ظالما وإنما يصح التمدح بما له المؤاخذة أو العفو عنه، فاذا غفر استحق ~~بذلك الشكر. وللاية وجهان من التأويل: # احدهما - ليغفر لك ما تقدم من ذنب امتك. ما تأخر بشفاعتك ولمكانك. وأضاف ~~الذنب إلى النبي وأراد به أمته، كما قال # واسأل القرية # يريد اهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وذلك جائز لقيام ~~الدلالة عليه، كما قال # وجاء ربك # والمراد وجاء أمر ربك. # الثاني - أراد يغفر ما اذنبه قومك اليك من صدهم لك عن الدخول إلى مكة في ~~سنة الحديبية، فازال الله ذلك وستر عليك تلك الوصمة بما فتح عليك من مكة ~~ودخلتها في ما بعد، ولذلك جعله جزاء على جهاده فى الدخول إلى مكة. والذنب ~~مصدر تارة يضاف إلى ms3220 الفاعل وتارة إلى المفعول، فيكون - ههنا - مضافا ~~إلى المفعول، والذنب وإن كان غير متعد إلى مفعول جاز ان يحمل على المصدر ~~الذي هو فى معناه، والصد متعد كما قال الشاعر: # جئني بمثل بني بدر لقومهم # او مثل اسرة منظور بن سيار # لما كان معنى جئني هات أعطني عطف او (مثل) على المعنى فنصبه، ومثله كثير ~~فى اللغة. # وقوله { ويتم نعمته عليك } فاتمام النعمة فعل ما يقتضيها من تبقيتها على ~~صاحبها والزيادة منها، فالله تعالى قد أنعم على النبي صلى الله عليه وآله ~~وتممها بنصره على اعدائه الرادين لها المكذبين بها حتى علا بالحجة والقهر ~~لكل من ناواه. وقيل يتم نعمته عليك بفتح مكة وخيبر والطائف. وقيل بخضوع ~~من تكبر وطاعة من تجبر. # وقوله { ويهديك صراطا مستقيما } أي يرشدك إلى الطريق الذي إذا سلكته ~~اداك إلى الجنة، لا يعدل بك إلى غيرها { وينصرك الله نصرا عزيزا } ~~فالنصر العزيز هو الذي يمنع من كل جبار عنيد وعات أثيم. وقد فعل الله ~~تعالى ذلك بنبيه محمد صلى الله عليه وآله فصار دينه أعز الاديان وسلطانه ~~أعظم السلطان. # وقوله { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } وهو ما يفعل الله ~~تعالى بهم من اللطف الذي يحصل لهم عنده بصيرة بالحق تسكن اليها نفوسهم ~~ويجدون الثقة بها بكثرة ما ينصب الله لهم من الأدلة الدالة على الحق فهذه ~~النعمة التامة للمؤمنين خاصة. فأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لاول عارض من ~~شبهة ترد عليهم، لانهم لا يجدون برد اليقين فى قلوبهم. وقيل: السكينة ما ~~تسكن اليه قلوبهم من التعظيم لله ورسوله والوفاء له. # وقوله { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } أي ليزدادوا معارف أخر بما أوجب ~~الله عليهم زيادة على المعرفة الحاصلة، فبين الله تعالى ما لنبيه عنده ~~وللمؤمنين ليزدادوا ثقة بوعده. # وقوله { ولله جنود السماوات والأرض } قيل: معناه انصار دينه ينتقم بهم ~~من اعدائه. وقيل: معناه إن جميع الجنود عبيده { وكان الله عليما } ~~بالاشياء قبل كونها وعالما بعد كونها { حكيما } فى افعاله لانها كلها ~~محكمة وصواب. # وقوله { ليدخل ms3221 المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } إنما لم ~~يدخل واو العطف فى (ليدخل) اعلاما بالتفصيل، كأنه قال إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا ليغفر لك الله، إنا فتحنا لك فتحا ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات أي بساتين تجري من تحت اشجارها الانهار { خالدين فيها } ~~أي مؤبدين لا يزول عنهم نعيمها { ويكفر عنهم سيئاتهم } أي عقاب معاصيهم ~~التي فعلوها فى دار الدنيا { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } أي الظفر، ~~والصلاح بما طلبوه من الثواب العظيم. ### || [48.6-10] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { دائرة السوء } بضم السين. الباقون بفتحها، وقد ~~فسرناه في ما تقدم. فالسوء المصدر والسوء الاسم. وقال قوم - بالفتح - ~~الفساد مثل قوله { وظننتم ظن السوء } لأنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه ~~وآله لا يعود إلى موضع ولادته أبدا. وقرأ ابن كثير وابو عمرو { ليؤمنوا ~~بالله ورسوله ويعزروه ويوقروه ويسبحوه } بالياء أربعهن، على وجه الاخبار ~~من الله عز وجل عن نفسه. # لما اخبر الله تعالى عن نفسه أنه يدخل المؤمنين والمؤمنات جنات، ووصفها ~~اخبر فى هذه الآية انه يعذب المنافقين والمنافقات وهم الذين يظهرون ~~الايمان ويبطنون الشرك. والنفاق إسرار الكفر وإظهار الايمان، فكل نفاق هو ~~إظهار خلاف الابطان. وأصله من نافقاء اليربوع، وهو أن يجعل لسربه بابين ~~يظهر أحدهما ويخفي الآخر، فاذا أتي من الظاهر خرج من الآخر، فالمنافق ~~يقوي الباطل على الحق بالظن له، وإلقاء خلافه لتضييعه الدليل المؤدي ~~اليه، { والمشركين والمشركات } وهم الذين يعبدون مع الله غيره، ويدخل فى ~~ذلك جميع الكفار. ثم وصفهم فقال { الظانين بالله } يعني الذين يظنون ~~بالله { ظن السوء } أي يتوهمون ان الله ينصرهم على رسوله، وذلك قبيح لا ~~يجوز وصف الله بذلك. ثم قال تعالى { عليهم دائرة السوء } فالدائرة هي ~~الراجعة بخير او شر قال حميد بن ثور: # ودائرات الدهر ان تدورا # ومن قرأ { دائرة السوء } بضم السين - أراد دائرة العذاب، ومن قرأ - ~~بالفتح - أراد ما عاد عليهم من قتل المؤمنين وغنمهم أموالهم، فهدا حسن. ~~وقيل { عليهم دائرة السوء } أي جزاء ظنهم السوء من ms3222 العذاب. ومن ضم اراد ~~الشر، ويقال: رجل سوء - بالفتح - أي رجل فساد. ثم قال { وغضب الله عليهم ~~} أي لعنه لهم وعذابه { ولعنهم } أي أبعدهم من رحمته. وقوله { وأعد لهم ~~جهنم } يجعلهم فيها. # ثم قال { وساءت مصيرا } أي ساءت جهنم مآلا ومرجعا، لما فيها من انواع ~~العقاب. # وقوله { ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } قد ~~فسرناه، وإنما أعيد ذكر { ولله جنود... } لأنه متصل بذكر المنافقين أي ~~وله الجنود التي يقدر على الانتقام منكم بها، وذكر أولا، لأنه متصل بذكر ~~المؤمنين أي له الجنود التي يقدر ان يغنيكم بها. والعزيز القادر الذي لا ~~يقهر. وقيل { هو العزيز } فى إنتقامه من أعدائه { الحكيم } فى جميع ~~أفعاله. ثم خاطب نبيه محمد صلى الله عليه وآله فقال { إنا أرسلناك } يا ~~محمد { شاهدا } يعني على أمتك بالبلاغ والدعاء إلى إخلاص عبادته. أو ~~شاهدا بما عملوه من طاعة ومعصية و { شاهدا } نصب على حال مقدر على ~~القول الأول، وعلى حال غير مقدرة على القول الثاني. { ومبشرا } نصب على ~~الحال الحاصلة. # والمعنى ومبشرا بالجنة لمن أطاع { ونذيرا } أي مخوفا من النار لمن ~~عصى - ذكره قتادة - ثم بين الغرض بالارسال، فقال: أرسلناك بهذه الصفة { ~~لتؤمنوا } ومن قرأ - بالياء - أي ليؤمنوا هؤلاء الكفار { بالله }. ومن ~~قرأ - بالتاء - وجه الخطاب إلى الخلق أي أرسلته اليكم { لتؤمنوا بالله } ~~فتوحدوه { ورسوله } فتصدقوه و { تعزروه } أي تنصروه، فالهاء راجعة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله وقال المبرد: معنى { تعزروه } تعظموه يقال: ~~غررت الرجل إذا كبرته بلسانك { وتوقروه } أي تعظموه يعني النبي صلى الله ~~عليه وآله - فى قول قتادة - وقال ابن عباس { تعزروه } من الاجلال { ~~وتوقروه } من الاعظام. # وقوله { وتسبحوه } يعني الله تعالى أى تنزهوه عما لا يليق به { بكرة ~~وأصيلا } أى بالغداة والعشي. وقيل معناه تصلوا له بالغدوات والعشيات. # وقوله { لتؤمنوا بالله ورسوله } فيه دلالة على بطلان قول المجبرة إن ~~الله تعالى يريد من الكفار الكفر، لأنه تعالى بين انه أراد من جميع ~~المكلفين الطاعة، ولم يرد أن يعصوا. # ثم قال { إن ms3223 الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } فالمراد بالبيعة ~~المذكورة - ههنا - بيعة الحديبية، وهي بيعة الرضوان - فى قول قتادة ~~ومجاهد - والمبايعة معاقدة على السمع والطاعة، كالمعاقدة فى البيع ~~والشراء بما قد مضي فلا يجوز الرجوع فيه. وقيل: إنها معاقدة على بيع ~~أنفسهم بالجنة للزومهم فى الحرب النصرة. # وقوله { يد الله فوق أيديهم } قيل فى معناه قولان: # احدهما - عقد الله فى هذه البيعة فوق عقدهم لأنهم بايعوا الله ببيعة ~~نبيه صلى الله عليه وآله # والآخر - قوة الله فى نصرة نبيه صلى الله عليه وآله فوق نصرتهم. # وقيل يد الله فى هدايتهم، فوق أيديهم بالطاعة. # وقوله { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } والنكث النقض للعقد الذي يلزم ~~الوفاء به، فبين تعالى أن من نقض هذه المبايعة، فانما ينكث على نفسه، لان ~~ما فى ذلك من استحقاق العقاب عائد عليه { ومن أوفى } يقال: اوفى بالعقد، ~~ووفى. وأوفى لغة الحجاز. وهي لغة القرآن { بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما } أي إذا اوفى بالبيعة ونصر دينه ونبيه آتاه الله فى ما بعد ~~أجرا عظيما وثوابا جزيلا. ومن ضم الهاء فى { عليه } وهو حفص، فلأنها ~~الأصل. ومن كسرها فللمجاورة للياء ### || [48.11-15] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { كلم الله } على الجمع. الباقون { كلام الله ~~} على التوحيد، لانه يدل على الكثير من حيث هو اسم جنس، قال ابو علي { ~~كلام الله } يقع على ما يفيد، والكلم يقع أيضا على الكلام، وعلى ما لا ~~يفيد والكلم جمع كلمة. # وقرأ حمزة والكسائي { ضرا } بالفتح. الباقون بالضم. فمن قرأ - بالفتح - ~~أراد المصدر. ومن قرأ بالضم أراد الاسم. وقيل بالفتح ضد النفع وبالضم سوء ~~الحال، كقوله # مسني الضر # ويقال: ضرني الشيء وأضرني، ولا يقال: أضربي، وضره يضره وضاره يضيره ~~بمعنى واحد. # هذا اخبار عن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله انه { سيقول لك } يا ~~محمد { المخلفون من الأعراب } قال ابن اسحاق ومجاهد: لما أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله الخروج إلى مكة عام الحديبية أحرم بعمرة ودعا الاعراب ~~الذين حول المدينة ms3224 إلى الخروج، فتثاقلوا: أسلم وغفار وجهينة ومزينة، ~~فاخبر الله تعالى بذلك. والمخلف هو المتروك فى المكان خلف الخارجين عن ~~البلد، وهو مشتق من المتخلف وضده المتقدم. تقول خلفته كما تقول قدمته ~~تقديما، وإنما تخلفوا لتثاقلهم عن الجهاد وإن اعتذروا بشغل الأموال ~~والاولاد. والاعراب الجماعة من عرب البادية، وعرب الحاضرة ليسوا بأعراب، ~~ففرقوا بينهما، وإن كان اللسان واحد. # وقوله { شغلتنا أموالنا وأهلونا } أخبار بما اعتلوا به، فالشغل قطع ~~العمل عن عمل، لا يمكن الجمع بينهما لتنافى أسبابهما كالكتابة والرمي عن ~~القوس والله لا يشغله شأن عن شأن لانه لا يعمل بآلة. وقوله { فاستغفر لنا ~~} حكاية ما قالوه للنبي وسألوه أن يستغفر لهم والاستغفار طلب المغفرة ~~بالدعاء مع التوبة عن المعاصي فهؤلاء سألوا الدعاء بالمغفرة، وفي قلوبهم ~~خلاف ما أظهروه بافواههم ففضحهم الله وهتك أستارهم، وأبدى ما نافقوا به ~~فى جهادهم، فقال { يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم }. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا } لا يقدر احد على دفعه { أو أراد بكم نفعا } لا يقدر احد ~~على إزالته { بل كان الله بما تعملون خبيرا } أي عالما نافعا لكم لا ~~يخفى عليه شيء منها، ثم قال له قل لهم { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } أي ظننتم انهم لا يرجعون ويقتلون ويصطلمون. ~~وهو قول قتادة { وزين ذلك في قلوبكم } زينه الشيطان ذلك وسوله لكم { ~~وظننتم ظن السوء } فى هلاك النبي والمؤمنين، وإن الله ينصر عليهم ~~المشركين { وكنتم قوما بورا } والبور الفاسد وهو معنى الجمع وترك جمعه ~~فى اللفظ لانه مصدر وصف به قال حسان: # لا ينفع الطول من نوك القلوب # وقد يهدي الا له سبيل المعشر # البور والبوار الهلاك وبارت السلعة إذا كسدت والبائر من الفاكهة مثل ~~الفاسدة. وقال قتادة { بورا } أي فاسدين. وقال مجاهد: هالكين. ثم قال ~~تعالى مهددا لهم { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } أي لم يصدق بهما { فإنا ~~أعتدنا للكافرين سعيرا } أي نارا تسعرهم ms3225 وتحرقهم. ثم قال { ولله ملك ~~السماوات والأرض } بأن يتصرف فيهما كما يشاء لا يعترض أحد عليه فيها { ~~يغفر لمن يشاء } معاصيه { ويعذب من يشاء } إذا استحق العقاب بارتكاب ~~القبائح { وكان الله غفورا رحيما } أي ساترا على عباده معاصيهم إذا ~~تابوا لا يفصحهم بها رحيما باسقاط عقابهم الذي استحقوها بالتوبة على وجه ~~الابتداء. # ثم قال تعالى { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } يعني ~~غنائم خيبر { ذرونا نتبعكم } أي اتركونا نجيء معكم، فقال الله تعالى { ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل } لهم يا محمد { لن تتبعونا كذلكم قال ~~الله من قبل } قال مجاهد وقتادة: يعني ما وعد به أهل الحديبية أن غنيمة ~~خيبر لهم خاصة، فارادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها فمنعهم الله من ذلك. ~~وقال ابن زيد: أراد بقوله { لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ~~} وهذا غلط لأن هذه الآية نزلت فى الذين تأخروا عن تبوك بعد خيبر وبعد ~~فتح مكة، فقال الله تعالى لهم { لن تخرجوا معي أبدا } لان النبي صلى ~~الله عليه وآله لم يخرج بعد ذلك فى قتال ولا غزو إلى أن قبضه الله تعالى. ~~ثم قال { كذلك قال الله من قبل } أي مثل ذلك حكم الله وقال ابن زيد: ~~غنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة لا يشركهم فيها أحد. ثم حكى ما قالوه ~~بأنهم { فسيقولون } عند ذلك ليس الأمر كذلك { بل تحسدوننا } فقال ليس ~~الأمر على ما قالوه { بل كانوا لا يفقهون } الحق وما يدعون اليه { إلا ~~قليلا } وقيل معناه لا يفقهون الحق إلا القليل منهم، وهم المعاندون. وقال ~~بعضهم لا يفقهون إلا فقها قليلا أو الاشياء قليلا. وإنما قالوا: ~~تحسدوننا، لان المسلمين لما توجهوا إلى خيبر وأخذوا غنائمها، قال ~~المخلفون { ذرونا نتبعكم } قالوا نعم على ان لا شيء لكم من الغنيمة، ~~فقالوا عند ذلك تحسدوننا، فقال تعالى { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا }. ### || [48.16-20] # قرأ اهل المدينة، وابن عامر { ندخله ونعذبه } بالنون على وجه الاخبار من ~~الله عن نفسه. الباقون - بالياء - ردا على اسم ms3226 الله. يقول الله تعالى ~~لنبيه { قل للمخلفين من الأعراب } أي لهؤلاء المخلفين الذين تخلفوا عنك ~~فى الخروج إلى الحديبية { ستدعون } فى ما بعد { إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون } قال ابن عباس: اولوا البأس الشديد أهل فارس. وقال ~~ابن أبي ليلى والحسن: هم الروم. وقال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: هم ~~هوازن بحنين. وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب، وكانوا بهذه ~~الصفة. # واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث ان أبا ~~بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا ~~قد حرموا القتال مع النبي صلى الله عليه وآله بدليل قوله { لن تخرجوا معي ~~أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا } وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين: # احدهما - أنه غلط فى التاريخ ووقت نزول الآية. # والثاني - أنه غلط فى التأويل، ونحن نبين فساد ذلك أجمع، ولنا فى الكلام ~~فى تأويل الآية وجهان: # احدهما - إنه تنازع فى اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي ~~صلى الله عليه وآله ويبين أن الداعي لهم في ما بعد كان النبي صلى الله ~~عليه وآله على ما حكيناه عن قتادة وسعيد ابن جبير فى ان الآية نزلت فى ~~اهل خبير، وكان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعي إلى ذلك. # والآخر - ان يسلم ان الداعي غيره، ونبين انه لم يكن أبا بكر ولا عمر بل ~~كان أمير المؤمنين عليه السلام. # فاما الوجه الاول فظاهر، لأن قوله { سيقول لك المخلفون } إلى قوله { ~~وكنتم قوما بورا } قد بينا انه أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية ~~باجماع المفسرين ثم قال { سيقول المخلفون إذا انطلقتم... } إلى آخر ~~الآية، فبين أن هؤلاء المخلفين سألوا ان يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم ~~الله من ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم { قل لن ~~تتبعونا... } إلى هذه القرية، لأن الله تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر ~~لمن شهد الحديبية وانه لا حظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا ms3227 هو معنى قوله { ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله } وقوله { كذلك قال الله من قبل } ثم قال { ~~قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو ~~يسلمون } وإنما أراد الرسول سيدعوهم في ما بعد إلى قتال قوم بهذه الصفة، ~~وقد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة. وقال قوم: أولي بأس شديد، كموقعه ~~حنين وتبوك وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهم غير النبي صلى الله ~~عليه وآله فأما قولهم إن معنى قوله { كذلكم قال الله من قبل } هو انه ~~أراد قوله { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } مملؤ بالغلط الفاحش فى ~~التاريخ، لانا قد بينا أن هذه الآية التي فى التوبة نزلت ب (تبوك) سنة ~~تسع. # وآية سورة الفتح نزلت سنة ست، فكيف تكون قبلها، وينبغي لمن تكلم فى ~~تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ ويراعي اسباب نزول الآية على ما روي، ~~ولا يقول على الآراء والشهوات. وتبين أيضا أن هؤلاء المخلفين غير أولئك، ~~وإن لم يرجع إلى تاريخ. ونقول قوله { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا ~~وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما } فلم يقطع على طاعة، ~~ولا على معصية بل ذكر الوعد والوعيد على ما يتعلق به من طاعة او معصية ~~وحكم المذكورين فيهم فى سورة التوبة، بخلافه لانه تعالى قال بعد قوله # إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين # إلى قوله # وهم كافرون # فاختلاف احكامهم يدل على اختلافهم، وقد حكينا عن سعيد بن جبير انه قال ~~هذه الآية نزلت فى هوازن يوم حنين. وقال الضحاك: هم ثقيف، وقال قتادة: هم ~~هوازن وثقيف، وأما الوجه الذي يسلم معه أن الداعي غير النبي صلى الله ~~عليه وآله فهو ان نقول الداعي أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه قاتل بعده ~~أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله بقتالهم، ~~وكانوا أولي بأس شديد، فان قالوا من قاتلهم علي عليه السلام كانوا ms3228 ~~مسلمين، وفى الآية قال تقاتلونهم او يسلمون! كيف تتناولهم الآية؟! # قلنا! أول ما نقوله: إنهم غير مسلمين عندنا، ولا عند جميع من خالفنا من ~~المعتزلة، لأن عندهم صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، ولا مسلم. وأما مذهبنا فى ~~تكفير من قاتل عليا عليه السلام معروف، وقد ذكرناه فى كتب الامامة لقوله ~~صلى الله عليه وآله # " حربك يا علي حربي " # وغير ذلك من الاخبار والادلة التي ذكرناها فى غير موضع واستوفينا ما ~~يتعلق بذلك فى كتاب الامامة، ويمكن على تسليم أن الداعي ابو بكر وعمر، أن ~~يقال: ليس فى الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على امامته، لانه قد يدعو ~~إلى الحق من ليس عليه، ويجب ذلك من حيث كان واجبا من أجل دعاء الداعي، ~~وابو بكر دعاهم إلى الدفاع عن الاسلام، وهذا واجب على كل واحد بلا دعاء ~~داع، ويمكن ان يكون المراد بقوله { ستدعون } دعاء الله لهم بايجاب القتال ~~عليهم، لانه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ودفعهم عن بيضة الاسلام، ~~وقد دعاهم إلى القتال ووجبت عليهم طاعته، والكلام فى هذه الآية كالتي ~~قبلها فى أنا إذا قلنا لا تدل على إمامة الرجلين، لا نكون طاعنين عليهما، ~~بل لا يمتنع أن يثبت فضلهما وإمامتهما بدليل غير الآية، لأن المحصلين من ~~العلماء يذهبون إلى امامتهما من جهة الاخبار لا من جهة الآية. # وقوله { تقاتلونهم أو يسلمون } بالرفع معناه إن احد الأمرين لا بد أن ~~يقع لا محالة، وتقديره أوهم يسلمون. وقرىء شاذا بالنصب، والوجه فيه حتى ~~يسلموا ولو نصبه، فقال او يسلموا لكان دالا على ان ترك القتال من أجل ~~الاسلام. # وقوله { ليس على الأعمى حرج.. } الآية، فالأعمى هو من لا يبصر بجارجة ~~العين. والاعرج الذي برجله آفة تمنعه من المشي مأخوذ من رفعها عند محاولة ~~المشي بغيرها، ومنه العروج الصعود إلى السماء، والمريض من به علة تمنعه ~~من الحركة من اضطراب فى البدن حتى يضعف وتحصل فيه آلام، بين الله تعالى ~~انه ليس على وجه هؤلاء الذين بهم هذه الآفات ms3229 من ضيق ولا حرج فى ترك ~~الحصول مع المؤمنين والحضور معهم فى الجهاد. قال قتادة: كل ذلك فى ~~الجهاد. ثم قال { ومن يطع الله ورسوله } فى ما أمره به ونهاه عنه { يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول } عن إتباعهما وامتثال أمرهما ~~ونهيهما { يعذبه } الله { عذابا أليما } فمن قرأ بالياء رده إلى الله. ~~ومن قرأ بالنون أراد الاخبار من الله عن نفسه. # وقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة } إخبار من ~~الله تعالى انه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي صلى الله عليه وآله ~~وكانوا مؤمنين فى الوقت الذي بايعوه { فعلم ما في قلوبهم } من إيمان ~~ونفاق فرضي عن المؤمنين وسخط على المنافقين. وقيل معناه فعلم ما في ~~قلوبهم من صدق النية في القتال وكراهتهم له، لانه بايعهم على القتال - ~~ذكره مقاتل - { فأنزل السكينة عليهم } يعني على المؤمنين، والسكينة الصبر ~~لقوة البصيرة { وأثابهم فتحا قريبا } قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني ~~فتح خيبر وقال قوم: فتح مكة { ومغانم كثيرة يأخذونها } فالغيمة ملك أموال ~~اهل الحرب من المشركين بالقهر والغلبة فى حكمه تعالى، وكان القتال من ~~أجلها. و (المغانم) ها هنا يراد به غنائم خيبر. # وقوله { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } يعني سائر الغنائم وقال قوم: ~~أراد بها ايضا غنائم خيبر. وقوله { فعجل لكم هذه } يعني الصلح وسميت ~~بيعة الرضوان لقول الله تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين } وقال ابن ~~عباس كان سبب بيعة الرضوان بالحديبية تأخر عثمان حين بعثه النبي صلى الله ~~عليه وآله إلى قريش أنهم قتلوه، فبايعهم على قتال قريش، وقال ابن عباس: ~~كانو ألفا وخمسمائة نفس. وقال جابر: كانوا ألفا وأربعمائة نفس، وقال ~~ابن أوفى ألفا وثلثمائة. والشجرة التي بايعوا تحتها هي السمرة. # واستدل بهذه الآية جماعة على فضل أبي بكر، فانه لا خلاف أنه كان من ~~المبايعين تحت الشجرة. وقد ذكر الله أنه رضي عنهم، وانه أنزل السكينة ~~عليهم وانه علم ما في قلوبهم من الايمان، واثابهم فتحا قريبا. # والكلام على ms3230 ذلك مبني على القول بالعموم، وفي أصحابنا من قال لا صيغة ~~للعموم ينفرد بها. وبه قال كثير من المخالفين، فمن قال بذلك كانت الآية ~~عنده مجملة لا يعلم المعنى بها، وقد بايع صلى الله عليه وآله جماعة من ~~المنافقين بلا خلاف، فلا بد من تخصيص الآية على كل حال. على انه تعالى ~~وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل فى جميع المبايعين، ~~فوجب أن يختص الرضا بمن جمع الصفات لأنه قال { فعلم ما في قلوبهم فأنزل ~~السكينة عليهم وأثابهم فتحا } ولا خلاف بين أهل النقل ان الفتح الذى كان ~~بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر. وإن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~عند ذلك قال: # " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا ~~غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده " # فدعا عليا فأعطاه الراية، وكان الفتح على يده، فوجب ان يكون هو المخصوص ~~بحكم الآية، ومن كان معه فى ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم. على ان ممن ~~بايع بيعة الرضوان طلحة والزبير، وقد وقع منهما من قتال علي عليه السلام ~~ما خرجا به عن الايمان وفسقا عند جميع المعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع ~~وقوع الرضاء فى تلك الحال من مواقعة المعصية في ما بعد، فما الذي يمنع من ~~مثل ذلك فى غيره. وليس إذا قلنا: أن الآية لا تختص بالرجلين، كان طعنا ~~عليهما بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع مؤمن معهما، فكان ذلك ~~أولى. # وقوله { ومغانم كثيرة تأخذونها } يعني ما غنتموه من خيبر من انواع ~~الغنائم { وكان الله عليما } بمصالح عباده { حكيما } فى جميع أفعاله. ~~ثم قال { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } يعني غنائم ~~خيبر. والباقي كل ما يغنمه المسلمون من دار الحرب { وكف أيدي الناس عنكم ~~} يعني أسدا وغطفان، فانهم كانوا مع خيبر فصالحهم النبي صلى الله عليه ~~وآله فكفوا عنه. وقيل: يعني اليهود كف ايديهم عنكم بالمدينة من قبل ~~الحديبية ومجيء ms3231 قريش، فلم يغلبوكم { ولتكون آية للمؤمنين } يستدلون بها ~~على صحة قولكم { ويهديكم } أي ويرشدكم { صراطا مستقيما } يفضي بكم إلى ~~الحق وما يؤدي إلى الثواب. والواو فى قوله { ولتكون } معناه إنا وعدناكم ~~الغنائم لكف أيدي الناس عنكم وليكون ذلك آية للمؤمنين إذ وقع الخبر على ~~ما أخبر به، لانه علم غيب لا يعلمه إلا الله. ### || [48.21-25] # قرأ ابو عمرو { بما يعملون بصيرا } بالياء على الخبر. الباقون بالتاء ~~على الخطاب # لما ذكر الله تعالى انه وعد المؤمنين مغانم كثيرة يأخذونها وانه عجل لهم ~~هذه منها، يعني غنائم خيبر وعدهم بالغنائم الأخر، فقال { وأخرى لم تقدروا ~~عليها } أي وغنيمة أخرى - عن ابن عباس والحسن - إنها فارس والروم. وقال ~~قتادة: هي مكة { قد أحاط الله بها } أي قدر الله عليها واحاط بها علما ~~فجعلهم بمنزلة ما قد أدير حولهم بما يمنع ان يفلت احد منهم { وكان الله ~~على كل شيء قديرا } أي ما يصح أن يكون مقدورا له، فهو قادر عليه. ثم ~~قال { ولو قاتلكم الذين كفروا } يعني من قريش يا معشر المؤمنين { لولوا ~~الأدبار } منهزمين بخذلانه إياهم ونصرة الله إياكم، ومعونته لكم - فى قول ~~قتادة - { ثم لا يجدون } يعني الكفار { وليا } يواليهم { ولا نصيرا } ~~يدفع عنهم. # وقوله { سنة الله التي قد خلت من قبل } معناه سنة الله جارية فى خذلانه ~~أهل الكفر ونصرة أهل الايمان في ما مضى من الامم السالفة، ونصره هو أمره ~~بالقتال { ولن تجد } يا محمد { لسنة الله تبديلا } أي لن تجد لسنة الله ~~ما يدفعها فالسنة الطريقة المستمرة في معنى ومن ذلك قوله صلى الله عليه ~~وآله # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. ومن سن سنة سيئة فعليه ~~اثمها واثم من عمل بها " # والتبديل رفع احد الشيئين وجعل الآخر مكانه، في ما حكم أن يستمر على ما ~~هو به ولو رفع الله حكما يأتي بخلافه لم يكن تبديلا لحكمه لأنه لا يرفع ~~شيئا إلا في الوقت الذي تقتضي الحكمة رفعه، وقال ابن عباس: كان المشركون ms3232 ~~بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأتى بهم رسول الله، فخلى ~~سبيلهم، وهو المراد بقوله { وهو الذي كف أيديهم عنك } بالرعب { وأيديكم ~~عنهم } بالنهي نزلت في أهل الحديبية واهل مكة، لا في أهل خيبر. وقيل لهم ~~ينهوا عن قتالهم، لانهم لا يستحقون القتل بكفرهم وصدهم لكن للابقاء على ~~المؤمنين الذين فى ايديهم { ببطن مكة من بعد أن اظفركم عليهم } يعني فتح ~~مكة { وكان الله بما تعملون بصيرا } يدبركم بحسب ما تقتضيه مصالحكم # وقوله { هم الذين كفروا } أي بوحدانية الله، وهم كفار قريش { وصدوكم عن ~~المسجد الحرام } في الحديبية، وصدوكم أن تعتمروا وتطوفوا بالبيت { والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله } أي المحل الذي يحل نحره فيه. والمعكوف المحبوس أي ~~منعوا الهدي ايضا ليذبح بمكة، لأن هدي العمرة لا يذبح إلا بمكة كما لا ~~يذبح هدي الحج إلا بمنى، ثم قال { ولولا رجال مؤمنون } بالله ومصدقون ~~بالنبي { ونساء مؤمنات } مثل ذلك بمكة - في قول قتادة - { لم تعلموهم } ~~أي لم تعلموا بايمانهم { أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم } أي ~~ينالكم أثم لاجلهم من غير علم منكم بذلك - في قول ابن زيد - وقال قوم: ~~معناه عنت. # وقال ابن اسحاق: هو غرم الدية في كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة ومن لم ~~يطق فصيام شهرين، وهو كفارة قتل الخطأ في الحرب. وجواب لولا محذوف، ~~وتقديره ولولا المؤمنون الذين لم تعلموهم لوطئتم رقاب المشركين بنصرنا ~~إياكم. والمعكوف الممنوع من الذهاب فى جهة بالاقامة في مكانه، ومنه ~~الاعتكاف، وهو الاقامة في المسجد للعبادة، وعكف على هذا الأمر يعكف ~~عكوفا إذا اقام عليه. وقوله { ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا } ~~أي لو تميز المؤمنون منهم، وقيل لو تفرقوا والمعنى واحد { لعذبنا الذين ~~كفروا منهم } يعني من أهل مكة { عذابا أليما } بالسيف والقتل والاليم ~~المؤلم، وكان النبي صلى الله عليه وآله: ساق سبعين بدنة في عام الحديبية، ~~ودخل في العام المقبل لعمرة القضاء في الشهر الذي صد فيه ونزل قوله # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص # ذكره ms3233 قتادة. ### || [48.26-29] # قرأ ابن كثير إلا ابن فليح { شطأه } بفتح الطاء ومثله ابن ذكوان. ~~الباقون باسكانها. وقرأ اهل الشام { فازره } مقصور، الباقون بالمد، وهما ~~لغتان من فعل الشيء وفعله غيره نحو كسبت مالا وكسبني غيرى، ونزحت البئر ~~ونزحتها ويقال: أزر النبت وآزره غيره. وقوله { إذ جعل } متعلق بقوله { ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية } يعني الأنفة. ثم فسر تلك الأنفة، فقال { حمية الجاهلية } الاولى ~~يعني عصبتهم لآلهتم من أن يعبدوا غيرها. وقال الزهري: هي انفتهم من ~~الاقرار لمحمد بالرسالة. والاستفتاح ب { بسم الله الرحمن الرحيم } على ~~عادته فى الفاتحة، حيث أراد ان يكتب كتاب العهد بينهم. ودخولهم مكة لاداء ~~العمرة. # ثم قال تعالى { فأنزل الله سكينته على رسوله } أي فعل به صلى الله عليه ~~وآله من اللطف والنعمة ما سكنت اليه نفسه وصبر على الدخول تحت ما أرادوه ~~منه { وعلى المؤمنين } أي ومثل ذلك فعل بالمؤمنين { وألزمهم كلمه التقوى ~~} قال ابن عباس وقتادة: كلمة التقوى قول: لا إلا إلا الله محمد رسول ~~الله. وقال مجاهد: هي كلمة الاخلاص { وكانوا أحق بها وأهلها } يعني ~~المؤمنين كانوا أهلها واحق بها. قال الفراء: ورأيتها فى مصحف الحارث بن ~~سويد التميمي من أصحاب عبد الله { وكانوا أهلها واحق بها } وهو تقديم ~~وتأخير، وكان مصحفه دفن أيام الحجاج. وقيل: ان التقدير كانوا أحق بنزول ~~السكينة عليهم وأهلا لها. وقيل: المعنى فكانوا أحق بمكة أن يدخلوها ~~وأهلها. وإنما قال { أحق } لأنه قد يكون حق أحق من حق غيره، لأن الحق ~~الذي هو طاعة يستحق به المدح أحق من الحق الذي هو مباح لا يستحق به ذلك { ~~وكان الله بكل شيء عليما } لما ذم الكفار تعالى بحمية الجاهلية ومدح ~~المؤمنين بالسكينة والزوم الكلمة الصادقة بين علمه ببواطن أمورهم وما ~~تنطوي عليه ضمائرهم إذ هو العالم بكل شيء من المعلومات. # وقوله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } قسم من ~~الله تعالى ان النبي صلى الله عليه وآله صادق ms3234 فى قوله انه رأى فى المنام ~~انه يدخل هو والمؤمنون المسجد الحرام، وانه لا بد من كون ذلك. وقوله { إن ~~شاء الله آمنين } قال قوم تقييد لدخول الجميع او البعض. وقال قوم: ليس ~~ذلك شرطا لأنه بشارة بالرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وطالبه ~~الصحابة بتأويلها وحققها. قوله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ثم ~~استؤنف على طريق الشرح والتأكيد { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله } ~~على الفاظ الدين، كأنه قيل بمشيئة الله، وليس ينكر أن يخرج مخرج الشرط ما ~~ليس فيه معنى الشرط، كما يخرج مخرج الأمر ما ليس فى معنى الأمر لقرينة ~~تصحب الكلام. # وقال البلخي: معنى { إن شاء الله } أي أمركم الله بها، لأن مشيئة الله ~~تعالى بفعل عباده هو أمره به. وقال قوم: هو تأديب لنا، كما قال # ولا تقولن لشيء... # الآية. # وقوله { آمنين } أي بلا خلاف عليكم { محلقين رؤسكم ومقصرين } أي منكم من ~~يحلق رأسه ومنكم من يقصر { لا تخافون } احدا فى ذلك، وكذلك جرى الأمر فى ~~عمرة القضاء وفي السنة الثانية للحديبية، و # " روي أن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وآله حيث قاضا اهل مكة يوم ~~الحديبية، وهم بالرجوع إلى المدينة: أليس وعدتنا يا رسول الله أن تدخل ~~المسجد الحرام محلقين ومقصرين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله صلى ~~الله عليه وآله " قلت لكم إنا ندخلها العلم "؟! فقال: لا، فقال صلى الله ~~عليه وآله " فانكم تدخلونها إن شاء الله " # فلما كان فى القابل فى ذي القعدة خرج النبي صلى الله عليه وآله لعمرة ~~القضاء، ودخل مكة مع أصحابه في ذي القعدة واعتمروا، وقام بمكة ثلاثة ~~ايام، ثم رجع إلى المدينة. # ثم قال { فعلم } يعني علم الله { وما لم تعلموا } انتم من المصلحة في ~~المقاضاة وإجابتهم إلى ذلك. وقيل المعنى فعلم النبي صلى الله عليه وآله ~~من دخولهم إلى سنة ما لم تعلموا معاشر المؤمنين. وقيل: فعلم ان بمكة ~~رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم { فجعل من دون ذلك ms3235 فتحا قريبا } ~~قال ابن زيد: يعني بذلك فتح خيبر. وقال الزهري: هو فتح الحديبية. # ثم قال تعالى { هو الذي أرسل رسوله } يعني محمدا صلى الله عليه وآله { ~~بالهدى } يعني الدليل الواضح، والحجة البينة { ودين الحق } يعني الاسلام ~~وإخلاص العبادة { ليظهره على الدين كله } قيل بالحجج والبراهين. وقيل: ~~لان الاسلام ظاهر على الاديان كلها. وقيل: إنه إذا خرج المهدي صار ~~الاسلام في جميع البشر، وتبطل الأديان كلها. # ثم قال { وكفى بالله شهيدا } بذلك من إظهار دين الحق على جميع الأديان. # ثم اخبر تعالى فقال { محمد رسول الله } صلى الله عليه وآله ارسله إلى ~~خلقه { والذين معه } من المؤمنين يعني المصدقين بوحدانية الله المعترفين ~~بنبوته الناصرين له { أشداء على الكفار } لانهم يقاتلونهم ويجاهدونهم ~~بنية صادقة { رحماء بينهم } أي يرحم بعضهم بعضا ويتحنن بعضهم على بعض { ~~تراهم ركعا سجدا } لقيامهم بالصلاة والاتيان بها، فهم بين راكع وساجد { ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا } اي يلتمسون بذلك زيادة نعيمهم من الله ~~ويطلبون مرضاته من طاعة وترك معصية { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } ~~قال ابن عباس: اثر صلاتهم يظهر في وجوههم. وقال الحسن. هو السمت الحسن. ~~وقال قوم: هو ما يظهر في وجوههم من السهر بالليل. # وقال مجاهد: معناه علامتهم في الدنيا من اثر الخشوع. وقيل: علامة نور ~~يجعلها الله في وجوههم يوم القيامة - في قول الحسن وابن عباس وقتادة ~~وعطية - و { ذلك مثلهم في التوراة } اي وصفهم، كأنه مثلهم في التوراة { ~~ومثلهم في الإنجيل } اي وصفهم الله في الانجيل { كمثل زرع أخرج شطأه } ~~يشبههم بالزرع الذي ينبت في حواليه بنات ويلحق به، فالشطأ فراخ الزرع ~~الذي ينبت فى جوانبه ومنه شاطيء النهر جانبه، يقال أشطأ الزرع، فهو مشطيء ~~إذا أفرخ فى جوانبه { فآزره } أي عاونه فشد فراخ الزرع لأصول النبت ~~وقواها يقال أزرت النبت وآزره غيره بالمد، ويقال أزر النبت وازرته مثل ~~رجع ورجعته وقال ابو الحسن: هما لغتان. وقال ابو عبيدة: أزره ساواه فصار ~~مثل الأم، وفاعل (آزر) الشطأ أي أزر الشطأ الزرع، ms3236 فصار في طوله { فاستغلظ ~~} أي صار غليظا باجتماع الفراخ مع الأصول { فاستوى } معه أي صار مثل ~~الأم { على سوقه } وهو جمع ساق وساق الشجرة حاملة الشجر، وهو عوده الذي ~~يقوم عليه، وهو قصبته. ومثله قوى المحبة بما يخرج منها، كما قوي النبي ~~صلى الله عليه وآله باصحابه. # وقوله { يعجب الزراع } يعني الذين زرعوا ذلك { ليغيظ بهم الكفار } قيل: ~~معناه ليغيظ بالنبي وأصحابه الكفار المشركين. ووجه ضرب هذا المثل بالزرع ~~الذي أخرج شطأه هو ان النبي صلى الله عليه وآله حين ناداهم إلى دينه كان ~~ضعيفا فأجابه الواحد بعد الواحد حتى كثر جمعه وقوي أمره كالزرع يبدو بعد ~~البذر ضعيفا فيقوى حالا بعد حال حتى يغلظ ساقه وفراخه، وكان هذا من أصح ~~مثل وأوضح بيان وقال البلخي: هو كقوله # كمثل غيث أعجب الكفار نباته # يريد بالكفار - ههنا - الزراع واحدهم كافر، لانه يغطي البذر، وكل شيء ~~غطيته فقد كفرته. ومنه قولهم: تكفر بالسلاح. وقيل: ليل كافر لأنه يستر ~~بظلمته كل شيء قال الشاعر: # في ليلة كفر النجوم غمامها # أي غطاها. ثم قال { وعد الله الذين آمنوا } يعني من عرف الله ووحده ~~وأخلص العبادة له وآمن بالنبي صلى الله عليه وآله وصدقه { وعملوا } مع ~~ذلك الاعمال { الصالحات منهم } قيل: انه بيان يخصهم بالوعد دون غيرهم. ~~وقيل يجوز ان يكون ذلك شرطا فيمن أقام على ذلك منهم، لان من خرج عن هذه ~~الأوصاف بالمعاصي فلا يتناوله هذا الوعد { مغفرة } أي سترا على ذنوبهم ~~الماضية { وأجرا } أي ثوابا { عظيما } يوم القيامة. # وقرأ ابن كثير وحده { على سؤقه } بالهمزة. الباقون بلا همزة، وهو الأصح. ~~قال ابو علي: من همز فعلى قولهم (أحب المؤفدين إلى موسى) واستعمال السوق ~~فى الزرع مجاز. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-5] # قرأ يعقوب { لا تقدموا } بفتح التاء والدال. الباقون بضم التاء وكسر ~~الدال من التقديم. وقيل: انهما لغتان. قدم وتقدم مثل عجل وتعجل وقال ابن ~~عباس والحسن: الآية { لا تقدموا } في الحكم أو في الأمر قبل كلامه صلى ~~الله عليه وآله - بفتح الدال ms3237 والتاء - وقال الحسن: ذبح قوم قبل صلاة ~~العيد يوم النحر، فأمروا باعادة ذبيحة اخرى. وقال الزجاج: المعنى لا ~~تقدموا أعمال الطاعة قبل الوقت الذي أمر الله والنبي صلى الله عليه وآله ~~به حتى قيل: لا يجوز تقدم الزكاة قبل وقتها. وقال قوم: كانوا إذا سألوا ~~عن شيء قالوا فيه قبل النبي صلى الله عليه وآله نهوا عن ذلك، والأولى حمل ~~الآية على عمومها فيقال: كل شيء إذا فعل كان خلافا لله ورسوله فهو تقدم ~~بين أيديهما فيجب المنع من جميع ذلك. # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين اعترفوا بتوحيده وإخلاص عبادته ~~وأقروا بنبوة نبيه محمد صلى الله عليه وآله ينهاهم أن يتقدموا بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وآله بأن يفعلوا خلاف ما أمر به او يقولوا في ~~الاحكام قبل ان يقول او يخالفوا أوقات العبادة، فان جميع ذلك تقدم بين ~~يديه، وأمرهم ان يتقوا الله بأن يجتنبوا معاصيه ويفعلوا طاعاته { إن الله ~~سميع } لما يقولونه { عليم } بما ينطوون عليه ويضمرونه. ثم أمرهم ثانيا ~~بأن قال { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } على وجه الاستخفاف به صلى ~~الله عليه وآله، فان مجاهد وقتادة قالا: جاء أعراب اجلاف من بني تميم، ~~فجعلوا ينادون من وراء الحجرات: يا محمد إخرج إلينا، ولو أن إنسانا رفع ~~صوته على صوت النبي صلى الله عليه وآله على وجه التعظيم له والاجابة ~~لقوله لم يكن مأثورما. وقد فسر ذلك بقوله { ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض } فان العادة جارية أن من كلم غيره ورفع صوته فوق صوته أن ذلك ~~على وجه الاستخفاف به، فلذلك نهاهم عنه. وجهر الصوت اشد من الهمس، ويكون ~~شديدا وضعيفا ووسطا. والجهر ظهور الصوت بقوة الاعتماد، ومنه الجهارة ~~فى المنطق. ويقال: نهارا جهارا، وجاهر بالأمر مجاهرة. ونقيض الجهر ~~الهمس. # ثم بين تعالى انهم متى فعلوا ذلك بان يرفعوا الصوت على صوت النبي صلى ~~الله عليه وآله على الوجه الذي قلناه أن يحبط اعمالهم، والتقدير لا ~~ترفعوا أصواتكم لأن لا تحبط ms3238 قال الزجاج: ويكون اللام لام العاقبة، ~~والمعنى يحبط ثواب ذلك العمل، لانهم لو أوقعوه على وجه الاستحقاق ~~لاستحقوا به الثواب، فلما فعلوه على خلاف ذلك استحقوا عليه العقاب، ~~وفاتهم ذلك الثواب فذاك إحباط أعمالهم، فلا يمكن أن يستدل بذلك على صحة ~~الاحباط فى الآية على ما يقوله أصحاب الوعيد، ولأنه تعالى علق الاحباط في ~~الآية بنفس العمل، وأكثر من خالفنا يعلقه بالمستحق على الأعمال، وذلك ~~خلاف الظاهر. # ثم مدح تعالى من كان بخلاف من يرفع الصوت بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وآله، فقال { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } اعظاما للنبي ~~وإجلالا له، والغض الحط من منزلة على وجه التصغير له بحالة، يقال: غض ~~فلان عن فلان إذا ضعف حاله عن حال من هو أرفع منه، وغض بصره إذا ضعف عن ~~حدة النظر، وغض صوته إذا ضعف عن الجهر، وقال جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # ثم قال { أولئك } يعني الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم { الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى } أي لاخلاص التقوى فعاملهم معاملة المختبر كما ~~يمتحن الذهب لا خلاص جيده. وقيل { امتحن الله قلوبهم للتقوى } اخلصها - ~~فى قول مجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه أولئك الذين علم الله التقوى فى ~~قلوبهم، لان الامتحان يراد به العلم، فعبر عن العلم بالامتحان. # ثم قال تعالى { لهم مغفرة } من الله لذنوبهم { وأجر عظيم } على افعالهم ~~وطاعاتهم # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله على وجه الذم لمن يرفع صوته من اجلاف ~~الاعراب على النبي صلى الله عليه وآله { إن الذين ينادونك } يا محمد { من ~~وراء الحجرات } وهي جمع حجرة وكل (فعلة) بضم الفاء يجمع بالالف والتاء، ~~لانه ليس بجمع سلامة محضة إذ ما يعقل من الذكر ألحق به، لانه اشرف ~~المعنيين، فهو احق بالتفصيل، قال الشاعر: # اما كان عباد كفيا لدارم # بلى ولأبيات بها الحجرات # أي بلى ولبني هاشم. وقرأ ابو جعفر الحجرات بفتح الجيم. قال المبرد: أبدل ~~من الضمة الفتحة استثقالا لتوالي ms3239 الضمتين، ومنهم من أسكن مثل (عضد وعضد) ~~وقال ابو عبيدة: جمع حجرة وغرفة يقال: حجرات وغرفات. # ثم قال { أكثرهم لا يعقلون } لانهم بمنزلة البهائم لا يعرفون مقدار ~~النبي صلى الله عليه وآله وما يستحقه من التوقير والتعظيم. وقيل: إن ~~الذين رفعوا أصواتهم على النبي صلى الله عليه وآله قوم من بني تميم. وفي ~~قراءة ابن مسعود (أكثرهم بنو تميم لا يعقلون). # ثم قال { ولو أنهم صبروا } فلم ينادوك { حتى تخرج إليهم } من منزلك { ~~لكان خيرا لهم } من أن ينادونك من وراء الحجرات { والله غفور رحيم } أي ~~ساتر لذنوبهم إن تابوا منها لان ذلك كفر لا يغفره الله إلى بالتوبة. ### || [49.6-10] # قوله { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } خطاب من الله - عز وجل ~~- للمؤمنين بأنه { إذا جاءكم فاسق } وهو الخارج من طاعة الله إلى معصيته ~~{ بنبأ } أي بخبر عظيم الشأن { فتبينوا } صدقه من كذبه ولا تبادروا إلى ~~العمل بمتضمنه { أن تصيبوا قوما بجهالة } لانه ربما كان كاذبا وخبره ~~كذبا، فيعمل به فلا يؤمن بذلك وقال ابن عباس ومجاهد ويزيد بن رومان ~~وقتادة وابن أبي ليلا: نزلت الآية في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط، لما ~~بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في صدقات بني المصطلق خرجوا يتلقونه ~~فرحا به وإكراما له، فظن أنهم هموا بقتله، فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله فقال: انهم منعوا صدقاتهم، وكان الأمر بخلافه. # وفي الآية دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم ولا العمل، لأن المعنى ~~إن جاءكم فاسق بالخبر الذي لا تأمنون أن يكون كذبا فتوقفوا فيه، وهذا ~~التعليل موجود فى خبر العدل، لان العدل على الظاهر يجوز أن يكون كاذبا ~~فى خبره، فالأمان غير حاصل في العمل بخبره. وفى الناس من استدل به على ~~وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان راويه عدلا، من حيث انه اوجب تعالى ~~التوقف فى خبر الفاسق، فدل على أن خبر العدل لا يجب التوقف فيه. وهذا ~~الذي ذكروه غير صحيح، لانه استدلال بدليل الخطاب ms3240 ودليل الخطاب ليس بدليل ~~عند جمهور العلماء. ولو كان صحيحا فليست الآية بأن يستدل بدليلها على ~~وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا بأولى من ان يستدل بتعليلها فى دفع ~~الأمان من أن يصاب بجهالة إذا عمل بها على ان خبر العدل مثله، على أنه لا ~~يجب العمل بخبر الواحد، وإن كان راويه عدلا. # فان قيل: هذا يؤدي إلى أن لا فائدة في إيجاب التوقف فى خبر الفاسق إذا ~~كان خبر العدل مثله فى الفائدة. # قلنا: والقول بوجوب العمل بخبر الواحد يوجب أنه لا فائدة فى تعليل الآية ~~فى خبر الفاسق الذي يشاركه العدل فيه، فاذا تقابلا سقط الاستدلال بها على ~~كل حال وبقي الأصل فى انه لا يجوز العمل بخبر الواحد إلا بدليل. # ومن قرأ { تبينوا } أراد تعرفوا صحة متضمن الخبر الذي يحتاج إلى العمل ~~عليه، ولا تقدموا عليه من غير دليل، يقال: تبين الأمر إذا ظهر، وتبين هو ~~نفسه بمعنى واحد، ويقال ايضا: تبينته إذا عرفته. ومن قرأ { فتثبتوا } - ~~بالتاء والثاء - أراد توقفوا فيه حتى يتبين لكم صحته. # وقوله { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } معناه متى عملتم بخبر الواحد ~~وبان لكم كذب راويه أصبحتم نادمين على ما فعلتموه. # ثم خاطبهم يعني المؤمنين فقال { واعلموا } معاشر المؤمنين { أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } ومعناه لو فعل ما تريدونه ~~في كثير من الأمور { لعنتم } أي اصابكم عنت ومكروه، يقال: أعنت الرجل إذا ~~حملت عليه عامدا لما يكره، يقال: اعنته فعنت، وسمي موافقته لما يريدونه ~~طاعة لهم مجازا لأن الطاعة يراعى فيها الرتبة، فلا يكون المطيع مطيعا ~~لمن دونه، وإنما يكون مطيعا لمن فوقه إذا فعل ما أمره به، ألا ترى انه ~~لا يقال فى الله تعالى: إنه مطيع لنا إذا فعل ما أردناه. ويقال فينا إذا ~~فعلنا ما أراده الله: انه مطيع. والنبي صلى الله عليه وآله فوقنا فلا ~~يكون مطيعا لنا، فاطلاق ذلك مجاز. # وقوله { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } بما وعد من استحقاق ms3241 الثواب عليه ~~{ وزينه في قلوبكم } بنصب الأدلة على صحته { وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان } بما وصفه من العقاب عليه - وهو قول الحسن - وفي الآية دلالة ~~على أن اضداد الايمان ثلاثة كفر وفسوق وعصيان. # ثم قال { أولئك } يعني الذين وصفهم الله بالايمان، وزين الايمان فى ~~قلوبهم وانه كره اليهم الفسوق وغيره { هم الراشدون } أي المهتدون إلى ~~طريق الحق الذين أصابوا الرشد. # ثم قال { فضلا من الله ونعمة } أي فعل الله ذلك بهم فضلا منه على خلقه ~~ونعمة مجددة، وهو نصب على المفعول له - فى قول الزجاج - { والله عليهم } ~~بالاشياء كلها { حكيم } فى جميع أفعاله. # ثم قال { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } يقتل بعضهم بعضا { فأصلحوا ~~بينهما } حتى يصطلحا، وقرأ يعقوب { بين أخوتكم } حمله على أنه جمع (أخ) ~~أخوة لأن الطائفة جمع. ومن قرأ على التثنية رده إلى لفظ الطائفتين، وقرأ ~~زيد ابن ثابت وابن سيرين وعاصم الجحدري { بين أخويكم } والمعاني متقاربة. # وقوله { وإن طائفتان من المؤمنين } لا يدل على أنهما إذا اقتتلا بقيا ~~على الايمان، ويطلق عليهما هذا الاسم، بل لا يمتنع ان يفسق احد الطائفتين ~~او يفسقا جميعا، وجرى ذلك مجرى ان تقول: وإن طائفة من المؤمنين ارتدت عن ~~الاسلام فاقتلوها. ثم قال { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء } أي فان بغت إحدى الطائفتين على الأخرى بأن تطلب ما لا ~~يجوز لها وتقابل الأخرى ظالمة لها متعدية عليها { فقاتلوا التي تبغي } ~~لأنها هي الظالمة المتعدية دون الاخرى { حتى تفيء إلى أمر الله } أي حتى ~~ترجع إلى أمر الله وتترك قتال الطائفة المؤمنة. ثم قال { فإن فاءت } أي ~~رجعت وتابت وأقلعت وأنابت إلى طاعة الله { فأصلحوا بينهما } يعني بينها ~~وبين الطائفة التى كانت على الايمان ولم تخرج عنه بالقول، فلا تميلوا على ~~واحدة منهما { وأقسطوا } أي اعدلوا { إن الله يحب المقسطين } يعني ~~العادلين، يقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار. # قال الله تعالى # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # وقيل: إن الآية نزلت فى قبيلتين من الانصار وقع ms3242 بينهما حرب وقتال - ذكره ~~الطبري -. # ثم اخبر تعالى { إنما المؤمنون } الذين يوحدون الله تعالى ويعملون ~~بطاعاته ويقرون بنبوة نبيه ويعملون بما جاء به { أخوة } يلزمهم نصرة ~~بعضهم بعضا { فأصلحوا بين أخويكم } يعني إذا رجعا جميعا إلى الحق وما ~~أمر الله به { وأتقوا الله } أي اجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعته واتقوه فى ~~مخالفتكم { لعلكم ترحمون } معناه لكي ترحمون لان (لعل) بمعنى الشك والشك ~~لا يجوز على الله تعالى، قال الزجاج: سموا المؤمنين إذا كانوا متفقين فى ~~دينهم بأنهم أخوة، لاتفاقهم فى الدين ورجوعهم إلى اصل النسب لانهم لآدم ~~وحواء. ### || [49.11-15] # قرا اهل البصرة { لا يألتكم } بالهمزة. الباقون { لا يلتكم } بلا همزة، ~~وهما لغتان، يقال: ألت يألت إذا أنقص، ولات يليت مثل ذلك. وفى المصحف بلا ~~الف وقال الشاعر: # وليلة ذات ندى سريت # ولم يلتني عن سراها ليت # ومعنى الآية لا ينقصكم من أعمالكم شيئا، ومنه قوله # وما ألتناهم من عملهم من شيء # أي ما نقصناهم. وقرأ يعقوب { ميتا } بالتشديد. الباقون بالتخفيف. ~~والتشديد الأصل، وهو مثل سيد وسيد. # يقول الله مخاطبا للمؤمنين الذين وحدوه وأخلصوا العبادة له وصدقوا نبيه ~~وقبلوا ما دعاهم الله اليه { لا يسخر قوم من قوم } ومعناه لا يهزأ به ~~ويتلهى منه، وقال مجاهد: لا يسخر غني من فقير لفقره بمعنى لا يهزأ به، ~~والسخرية بالاستهزاء ولو سخر المؤمن من الكافر احتقارا له لم يكن بذلك ~~مأثوما، فأما فى صفات الله، فلا يقال إلا مجازا كقوله # فإنا نسخر منكم كما تسخرون # معناه إنا نجازيكم جزاء السخرية. # ثم قال { عسى أن يكونوا خيرا منهم } لانه ربما كان الفقير المهين فى ~~ظاهر الحال خيرا عند الله وأجل منزلة واكثر ثوابا من الغني الحسن ~~الحال. وقال الجبائي: يجوز ان يكونوا خيرا منهم فى منافع الدنيا، وكثرة ~~الانتفاع بهم. وقوله { ولا نساء من نساء } أي ولا يسخر نساء من نساء على ~~هذا المعنى { عسى أن يكن خيرا منهن } ويقال: هذا خير من هذا بمعنى أنفع ~~منه في ما يقتضيه العقل، وكذلك كان نسب رسول ms3243 الله صلى الله عليه وآله خير ~~من نسب غيره، ثم قال { ولا تلمزوا أنفسكم } فاللمز هو الرمي بالعيب لمن ~~لا يجوز ان يؤذى بذكره، وهو المنهي عنه، فأما ذكر عيبه، فليس بلمز، وروي ~~انه صلى الله عليه وآله قال # " قولوا فى الفاسق ما فيه كي يحذره الناس " # وقال الحسن: فى صفة الحجاج أخرج الينا نباتا قصيرا قل ما عرفت فيها ~~إلا عنه فى سبيل الله ثم جعل يطبطب بشعيرات له، ويقول: يابا سعيد. ولو ~~كان مؤمنا لما قال فيه ذلك. وقال ابن عباس وقتادة: معناه لا يطعن بعضكم ~~على بعض كما قال # ولا تقتلوا أنفسكم # لان المؤمنين كنفس واحدة، فكأنه بقتله اخاه قاتل نفسه. # وقوله { ولا تنابزوا بالألقاب } قال ابو عبيدة: الانباز والالقاب واحد ~~فالنبز القذف باللقب، نهاهم الله أن يلقب بعضهم بعضا. وقال الضحاك: ~~معناه كل اسم او صفة يكرة الانسان أن يدعى به، فلا يدع به. وإنما يدعى ~~بأحب اسمائه اليه. وقوله { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } لا يدل على ان ~~المؤمن لا يكون فاسقا لأن الايمان والفسق لا يجتمعان، لأن ذلك يجري مجرى ~~ان يقال: بئس الحال الفسوق مع الشيب على ان الظاهر يقتضي ان الفسوق الذي ~~يتعقب الايمان بئس الاسم، وذلك لا يكون إلا كفرا، وهو بئس الاسم. # ثم قال { ومن لم يتب } يعني من معاصيه ويرجع إلى طاعة الله ومات مصرا { ~~فأولئك هم الظالمون } الذين ظلموا نفوسهم بأن فعلوا ما يستحقون به ~~العقاب. # ثم خاطبهم ايضا فقال { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا بوحدانيته { ~~اجتنبوا كثيرا من الظن } وإنما قال { كثيرا } لان فى جملته ما يجب ~~العمل عليه، ولا يجوز مخالفته. وقوله { إن بعض الظن أثم } فالظن الذي ~~يكون إثما إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل ~~عليه، فهذا ظن محرم لا يجوز فعله، فأما ما لا سبيل له إلى دفعه بالعلم ~~بدلا منه، فليس باثم، فلذلك كان بعض الظن أثم، دون جميعه، والظن المحمود ~~قد بينه الله ودل ms3244 عليه فى قوله # ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا # وقيل: يلزم المؤمن أن يحسن الظن به ولا يسيء الظن في شيء يجد له تأويله ~~جميلا، وإن كان ظاهره القبيح. ومتى فعل ذلك كان ظنه قبيحا. # وقوله { ولا تجسسوا } أي لا تتبعوا عثرات المؤمن - فى قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة - وقال ابو عبيدة التجسس والتجسس واحد وهو التبحث يقال: ~~رجل جاسوس، والجاسوس والناموس واحد. وقيل للمؤمن حق على المؤمن ينافي ~~التجسس عن مساوئه. وقيل: يجب على المؤمن أن يتجنب ذكره المستور عند الناس ~~بقبيح، لان عليهم أن يكذبوه ويردوا عليه، وإن كان صادقا عند الله، لان ~~الله ستره عن الناس، وإنما دعى الله تعالى المؤمن إلى حسن الظن فى بعضهم ~~ببعض للألفة والتناصر على الحق، ونهوا عن سوء الظن لما فى ذلك من التقاطع ~~والتدابر. # وقوله { ولا يغتب بعضكم بعضا } فالغيبة ذكر العيب بظهر الغيب على وجه ~~تمنع الحكمة منه. ويروى فى الخبر إذا ذكرت المؤمن بما فيه مما يكرهه ~~الله، فقد اغتبته وإذا ذكرته بما ليس فيه، فقد بهته. # وقوله { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه } معناه ان من دعي ~~إلى اكل لحم أخيه فعافته نفسه، فكرهته من جهة طبعه، فانه ينبغي إذا دعي ~~إلى عيب أخيه فعافته نفسه من جهة عقله، فينبغي أن يكرهه، لأن داعي العقل ~~أحق بأن يتبع من داعي الطبع لان داعي الطبع أعمى وداعي العقل بصير، ~~وكلاهما فى صفة الناصح، وهذا من أحسن ما يدل على ما ينبغي ان يجتنب من ~~الكلام. وفي الكلام حذف، وتقديره أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا ~~فيقولون: لا، بل عافته نفوسنا، فقيل لكم فكرهتموه، فحذف لدلالة الكلام ~~عليه. وقال الحسن: معناه فكما كرهتم لحمه ميتا فاكرهوا غيبته حيا، فهذا ~~هو تقدير الكلام. # وقوله { واتقوا الله } معطوف على هذا الفعل المقدر، ومثله # ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك # والمعنى ألم نشرح، قد شرحنا فحمل الثاني على معنى الأول، لأنه لا يجوز ~~ان يقول ألم وضعنا ms3245 عنك. # ثم قال { واتقوا الله } باجتناب معاصيه وفعل طاعاته { إن الله تواب } أي ~~قابل لتوبة من يتوب اليه { رحيم } بهم. # ثم قال { قالت الأعراب آمنا } قال قتادة: نزلت الآية فى اعراب مخصوصين ~~انهم قالوا { آمنا } أي صدقنا بالله وأقررنا بنبوتك يا محمد، وكانوا ~~بخلاف ذلك في بواطنهم، فقال الله تعالى لنبيه { قل } لهم { لن تؤمنوا } ~~على الحقيقة في الباطن { ولكن قولوا أسلمنا } أي استسلمنا خوفا من السبي ~~والقتل - وهو قول سعيد بن جبير وابن زيد - ثم بين فقال { ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } بل أنتم كفار فى الباطن. ثم قال لهم { وإن تطيعوا ~~الله ورسوله } وترجعوا إلى ما يأمرانكم به من طاعة الله والانتهاء عن ~~معاصيه { لا يلتكم من أعمالكم شيئا } أي لا ينقصكم من جزاء أعمالكم ~~شيئا { إن الله غفور رحيم } أي ساتر لذنوبهم إذا تابوا رحيم بهم فى قبول ~~توبتهم. # ثم وصف المؤمن على الحقيقة فقال { إنما المؤمنون } على الحقيقة { الذين ~~آمنوا بالله } وصدقوا وأخلصوا بتوحيده { ورسوله } أي واقروا بنبوة نبيه { ~~ثم لم يرتابوا } أي لم يشكوا فى شيء من أقوالهما { وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } ثم قال { أولئك هم الصادقون } فى أقوالهم دون من ~~يقول بلسانه ما ليس فى قلبه. # وقوله { يا أيها الناس } خطاب للخلق كافة من ولد آدم يقول لهم { إنا ~~خلقناكم } باجمعكم { من ذكر وأنثى } يعني آدم وحوا عليهما السلام وقال ~~مجاهد: خلق الله الولد من ماء الرجل وماء المرأة بدلالة الآية { وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل } فالشعوب النسب الأبعد، والقبائل الأقرب - في قول مجاهد ~~وقتادة - وقيل الشعوب أعم، والقبائل اخص. وقال قوم: الشعوب الأفخاذ ~~والقبائل اكثر منهم. والشعوب جمع شعب، وهو الحي العظيم، والقبائل مأخوذ ~~من قبائل الرأس، وقبائل الحقبة التي يضم بعضها إلى بعض، فاما الحي العظيم ~~المستقر بنفسه فهو شعب، قال ابن احمر: # من شعب همدان او سعد العشيرة او # خولان او مذحج جواله طربا # والقبائل جمع قبيلة، وقوله { لتعارفوا } معناه جعلكم كذلك لتعارفوا، ~~فيعرف بعضكم بعضا. ومن قرأ بالياء مشددة، أدغم ms3246 أحداهما فى الآخرى، ومن ~~خفف حذف أحداهما. ثم قال { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } لمعاصيه، واعملكم ~~بطاعته # قال البلخي: اختلف الناس فى فضيلة النسب، فانكرها قوم، واثبتها آخرون ~~والقول عندنا فى ذلك انه ليس احد أفضل من مؤمن تقي، فان الحسب والنسب ~~والشرف لا يغنيان فى الدين شيئا، لأن لهما فضلا كفضل الخز على الكرباس ~~والكتان على البهاري وكفضل الشيخ على الشاب. فان الطبائع مبنية والاجماع ~~واقع على أن شيخا وشابا لو استويا فى الفضل فى الدين لقدم الشيخ على ~~الشاب وزيد فى تعظيمه وتبجيله، وكذلك الأب والابن لو استويا فى الفضل فى ~~الدين لقدم الأب، وكذلك السيد وعبده. # وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء، وكذلك لو أن رجلين استويا فى الدين ~~ثم كان احدهما له قرابة برسول الله أو بالخيار الصالحين لوجب أن يقدم ~~المتصل برسول الله وبالصالح، ويزاد إكرامه فى تعظيمه وتبجيله، وكذلك إذا ~~استويا وكان في آباء احدهما أنبياء ثلاثة وأربعة، وكان في آباء الآخر نبي ~~واحد كان الأول مستحقا للتقديم، وكذلك لو كان لاحدهم أب نبي إلا انه من ~~الانبياء المتقدمين، وكان ابو الآخر هو النبي الذي بعث الينا كان الثاني ~~اعظم حقا وأحق بالتقديم، وكذلك لو كان احدهما له آباء معروفون بالفضل ~~والأخلاق الجميلة والأفعال الشريفة وبالوقار وبالنجدة والادب والعلم كانت ~~الطبايع مبنية على تقديمه على الآخر. فان قيل: الطبائع مبنية على تقديم ~~ذوي المال فيجب ان يكون الغنى وكثرة المال شرفا. قلنا: كذلك هو لا ننكر ~~هذا ولا ندفعه. فان قيل: إذا كان لأحدهما مال لا يبذل، والآخر قليل المال ~~يبذل قدر ما يملكه من الحقوق ويضعه فى مواضعه؟ قلنا الباذل أفضل من الذي ~~لا يبذل. وإنما تكلمنا فى الرجلين إذا استويا في خصالهما وفضل أحدهما ~~كثرة المال وكان واضعا له في موضعه باذلاله فى حقوقه وكذلك لو أن رجلا ~~كان ذا حسب وشرف في آبائه إلا انه كان فاسقا او سخيفا او وضيعا في ~~نفسه كان الذي لا حسب له وهو عفيف ms3247 نبيل افضل منه بالأوصاف التي لا تخفى. ~~وكان حسب ذلك السخيف مما يزيده وبالا، ومعنى الحسب أنه يحسب لنفسه آباء ~~أشرافا فضلا، وعمومة وأخوة - انتهى كلام البلخي -. # وقوله { إن الله عليم خبير } يعني بمن يعمل طاعاته ويتقي معاصيه { خبير ~~} بذلك لا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم وصف المؤمنين الذين تقدم ذكرهم فقال ~~{ أولئك هم الصادقون } على الحقيقة الذين يستحقون ثواب الله تعالى. ### || [49.16-18] # قرأ ابن كثير وحده { بما يعملون } بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء ~~على الخطاب. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهؤلاء الكفار { ~~أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل ~~شيء عليم } فالتعليم تعريض من لا يعلم حتى يعلم بافهام المعنى او خلق ~~العلم له في قلبه، فعلى هذا لا يجوز ان يعلم العالم لنفسه الذي يعلم ~~المعلومات كلها بنفسه، ولا يحتاج إلى من يعلمه ولا إلى علم يعلم به، كما ~~انه من يكون قديما بنفسه استغنى عن موجد يوجده، وإنما يحتاج إلى التعليم ~~من يجوز أن يعلم وألا يعلم، ومن يخفى عليه شيء دون شيء، ففي الآية دلالة ~~على ان العالم بكل وجه لا يجوز ان يعلم. والمعني بالآية هم الذين ذكرهم ~~في الآية الأولى وبين أنهم منافقون لقول الله لهم { أتعلمون الله بدينكم ~~} إنا آمنا بالله وبرسوله، وهو تعالى يعلم منكم خلاف ذلك من الكفر ~~والنفاق، فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به الانكار. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال { يمنون عليك أن أسلموا } فالمن ~~القطع بايصال النفع الموجب للحق، ومنه قوله # فلهم أجر غير ممنون # أي غير مقطوع، ومنه قولهم: المنة تكدر الصنيعة وقيل: إذا كفرت النعمة ~~حسنت المنة. ومن لا أحد إلا وهو محتاج اليه، فليس في منه تكدير النعمة، ~~لان الحاجة لازمة لامتناع أن يستغنى عنه بغيره. واكثر المفسرين على ان ~~الآية نزلت في المنافقين. وقال الحسن: نزلت في قوم من المسلمين قالوا: ~~أسلمنا يا رسول الله قبل ان يسلم بنو فلان، وقاتلنا معك ms3248 بني فلان. وقال ~~الفراء: نزلت في اعراب من بني أسد قدموا على النبي صلى الله عليه وآله ~~بعيالاتهم طمعا في الصدقة، وكانوا يقولون أعطنا، فانا أتيناك بالعيال ~~والاثقال وجاءتك العرب على ظهور رواحلها، فأنزل الله فيهم الآية. ثم قال ~~{ بل الله يمن عليكم } بانواع نعمه و { أن هداكم للإيمان } وارشدكم اليه ~~بما نصب لكم من الأدلة عليه ورغبكم فيه { إن كنتم صادقين } في إيمانكم ~~الذي تدعونه. ومتى كنتم صادقين يجب أن تعلموا ان المنة لله عليكم في ~~إيمانكم، لا لكم على الله ورسوله. # وموضع { أن أسلموا } نصب ب { يمنوا } وهو مفعول به. وقيل: موضعه الجر، ~~لأن تقديره بأن اسلموا. ثم قال إن الله يعلم غيب السموات والارض والله ~~بصير بما يعملون من طاعة ومعصية وإيمان وكفر في باطن او ظاهر لا يخفى ~~عليه شيء من ذلك. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-5] # لم يعد أحد (ق) آية، وكذلك نظائره مثل (ن) و (ص) لانه من المفرد، وكل ~~مفرد فانه لا يعد لعبده عن شبه الجملة. وأما المركب فما اشبه الجملة ~~ووافق رؤس الآي، فانه يعد مثل (طه) و (حم) و (ألم) وما أشبه ذلك. و (قاف) ~~قيل هو اسم للجبل المحيط بالأرض. وقيل: هو اسم من اسماء السورة ومفتاحها ~~على ما بيناه فى حروف المعجم. وهو الأقوى. وقيل: (ق) من قضى الأمر و (حم) ~~من حم أي دنا. # وقوله { والقرآن } قسم من الله تعالى بالقرآن. وجواب القسم محذوف، ~~وتقديره لحق الأمر الذي وعدتم به انكم لمبعوثون، تعجبوا فقالوا { أئذا ~~متنا وكنا ترابا }! وقيل: تقديره، ورب القرآن. واستدل بذلك على حدوثه، ~~وهو خلاف الظاهر. والمجيد العظيم الكرم. ووصف القرآن وبعثه بأنه مجيد ~~معناه انه عظيم القدر عالي الذكر. ويقال مجد الرجل ومجد مجدا وهما لغتان ~~إذا عظم كرمه وأمجد كرمت فعاله، والمجيد فى اسم الله تعالى العظيم الكرم، ~~ومجده خلقه: عظموه بكرمه، ورجل ماجد عظيم الكرم. وتماجد القوم تماجدا، ~~وذلك إذا تفاخروا باظهار مجدهم. والمجد مأخوذ من قولهم: مجدت الابل ~~مجودا، وذلك إذا ms3249 عظمت بطونها لكثرة أكلها من كلأ الربيع. وأمجد القوم ~~ابلهم وذلك في الربيع، كأنهم أصابوا أكلا عظيما كريما قال الشاعر: # رفعت مجد تميم باهلال لها # رفع الطراف على العلياء بالعمد # وقوله { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب } ~~اخبار منه تعالى عن حال الكافرين الذين بعث الله اليهم النبي صلى الله ~~عليه وآله من كفار قريش وغيرهم مخوفا لهم من معاصيه وترك طاعاته ~~باستحقاق العقاب على ذلك وانه تعالى سيبعثهم ويجازيهم على ذلك بعد الموت، ~~فقال الكافرون جوابا لهذا القول: هذا شيء عجيب، والتعجب يثير النفس ~~تعظيم الأمر الخارج عن العادة الذي لا يقع بسببه معرفة، يقال عجب عجبا ~~وتعجب تعجبا، فالذي يتعجب منه عجب. وقيل: العجب هو كل ما لا يعرف علته ~~ولا سببه، وأفحش العجب التعجب مما ليس بعجب على طريق الانكار للحق، لانه ~~يجتمع فيه سببا القبيح، فهؤلاء تعجبوا من مجيء النذير من الله تعالى ~~اليهم فقد فحشوا غاية التفحش، مع انه مما يعظم ضرر الجهل به. ثم قالوا ~~أيضا في الجواب عن ذلك ائذا متنا وخرجنا من كوننا أحياء وكنا ترابا ~~يبعثنا الله!؟ وحذف لدلالة الكلام عليه. ثم قالوا { ذلك رجع بعيد } أي ~~يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت، لان ذلك غير ممكن، فقال الله تعالى { قد ~~علمنا ما تنقص الأرض منهم } أي علمنا الذي تأكل الارض من لحومهم، لا يخفى ~~علينا شيء منه { وعندنا كتاب حفيظ } أي ممتنع الذهاب بالبلى والدروس، كل ~~ذلك ثابت فيه ولا يخفى منه شيء وهو اللوح المحفوظ ثم قال { بل كذبوا ~~بالحق لما جاءهم } يعني بالنبي والقرآن الذي جاء به دالا على صدقه، ~~وبالبعث والنشور، الذي أنذرهم به فهم في أمر مريج أي مختلط ملتبس واصله ~~ارسال الشيء مع غيره في المرج من قولهم: مرج الخيل الذكور مع الأناث وهو ~~مرج بالخيل أي المسرح الذي يمرج فيه، و { مرج البحرين } ارسلهما فى مرج { ~~يلتقيان } ولا يختلطان. # قوله { من مارج من نار } أي مرسل الشعاع بانتشاره. قال ms3250 ابو ذؤيب # فحالت فالتمست به حشاها # فخر كانه غصن مريج # أي قد التبس بكثرة تشعبه ومرجت عهودهم وأمرجوها أي خلطوها، ولم يفوا ~~بها. وقال ابو عبيدة: مرج أمر الناس إذا اختلط، قال ابو ذؤيب (فخر كأنه ~~خوط مريج) أي سهم مختلط الأمر باضطرابه، فهؤلاء الكفار حصلوا في أمر ~~مختلط ملتبس من أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا تارة هو مجنون ~~وأخرى هو كاهن وأخرى هو شاعر، فلم يثبتوا على شيء واحد، فلذلك كانوا في ~~أمر مريج. ### || [50.6-11] # لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم كذبوا بالحق الذي هو القرآن وجحدوا ~~البعث والنشور والثواب والعقاب، وتعجبوا من ذلك نبههم الله تعالى على ذلك ~~وبين لهم الطريق الذي إذا نظروا فيه علموا صحته، فقال { أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها } ومعناه أفلم يفكروا فى بناء هذه ~~السماء وعظمها، وحسن تزيينها فيعلموا أن لها بانيا بناها وصانعا صنعها ~~وانه لا بد أن يكون قادرا عليها، وانه لا يعجزه شيء، لأنه لا يقدر على ~~مثل ذلك إلا القادر لنفسه الذي لا يجوز عليه العجز ويعلمه، لانه عالم بما ~~يرون من إحكام الصنعة فيها وانه الذي لا يخفى عليه خافيه وقوله { وزيناها ~~} يعني حسنا صورتها بما خلقنا فيها من النجوم الثاقبة والشمس والقمر، ~~وانه { ما لها من فروج } أي ليس فيها فتوق يمكن السلوك فيها وإنما يسلكها ~~الملائكة بأن يفتح لها أبواب السماء إذا عرجت اليها. # ثم قال { والأرض مددناها } أي بسطناها، وتقديره ومددنا الارض مددناها، ~~كما قال # والقمر قدرناه # فيمن نصب ولو رفع كان جائزا، والنصب أحسن - ههنا - لكونه معطوفا على ~~بنيناها، فعطف الفعل على الفعل احسن. # ثم قال { وألقينا فيها رواسي } أي طرحنا جبالا تمنعها من الحركة ليتمكن ~~استقرار الحيوان عليها { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } قال ابن زيد: ~~البهيج الحسن المنظر والبهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية، كالزهرة ~~والاشجار الملتفة والرياض الخضرة في الأنواع المتشاكلة والمباري المصطفة ~~خلالها الأنهار الجارية. # وقوله { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } أي ms3251 فعلنا ذلك وخلقناه على ما وصفناه ~~ليتبصر به ويتفكر به كل مكلف كامل العقل يريد الرجوع إلى الله والانابة ~~اليه. # ثم قال { ونزلنا من السماء ماء مباركا } يعني مطرا وغيثا { فأنبتنا ~~به } بذلك الماء { جنات } أي بساتين فيها أشجار تجنها { وحب الحصيد } ~~يعني البر والشعير، وكل ما يحصد - فى قول قتادة - لان من شأنه ان يحصد، ~~والحب هو الحصيد، وإنما أضافه إلى نفسه، كما قال # لحق اليقين # وكما قالوا: مسجد الجامع وغير ذلك. وقوله { والنخل } عطف على (جنات) ~~فلذلك نصبه و { باسقات } أي عاليات يقال: بسقت النخلة بسوقا قال ابن ~~نوفل لابن هبيرة: # يا بن الذين بفضلهم # بسقت على قيس فزاره # وقال ابن عباس { باسقات } طوال النخل، وبه قال مجاهد وقتادة { لها طلع ~~نضيد } أي لهذه النخل التي وصفها بالعلو { طلع نضيد } نضد بعضه على بعض - ~~في قول مجاهد وقتادة - وقوله { رزقا للعباد } أي خلقنا ما ذكرنا من حب ~~الحصيد والطلع النضيد رزقا للعباد وغذاء لهم، وهو نصب على المصدر أي ~~رزقناهم رزقا، ويجوز أن يكون مفعولا له أي لرزق العباد والرزق هو ما ~~للحي الانتفاع به على وجه ليس لغيره منعه منه، والحرام ليس برزق، لان ~~الله تعالى منع منه بالنهي والحظر وكل رزق فهو من الله تعالى إما بأن ~~يفعله او يفعل سببه، لانه مما يريده. # وقد يرزق الواحد منا غيره، كما يقال: رزق السلطان الجند. # وقوله { وأحيينا به بلدة ميتا } أي احيينا بذلك الماء الذي انزلنا من ~~السماء بلدة ميتا أي جدبا قحطا، لا تنبت شيئا، فأنبتت وعاشت ثم قال { ~~كذلك الخروج } أي مثل ما أحيينا هذه الأرض الميتة بالماء، مثل ذلك نحيي ~~الموتى يوم القيامة فيخرجون من قبورهم لأن من قدر على أحدهما قدر على ~~الآخر، وإنما دخلت على القوم شبهة من حيث انهم رأوا العادة جارية باحياء ~~الارض الموات بنزول المطر عليها، ولم يروا إحياء الاموات، فظنوا انه ~~يخالف ذلك، ولو انعموا النظر لعلموا ان القادر على احدهما قادر على ~~الآخر. ### || [50.12-15] # يقول الله تعالى ms3252 لنبيه صلى الله عليه وآله تسلية له عن كفر قومه وتركهم ~~الايمان به ومهددا لكفار قومه أنه كما كذبوك يا محمد هؤلاء وجحدوا نبوتك ~~مثل ذلك كذب قبلهم من الأمم الماضية قوم نوح فأهلكهم الله واغرقهم واصحاب ~~الرس وهم اصحاب البئر الذين قتلوا نبيهم ورسوه فيها - في قول عكرمة - ~~وقال الضحاك: الرس بئر قتل فيها صاحب ياسين. وقيل: الرس بئر لم يطو بحجر ~~ولا غيره. قال الجعدي: # تنابلة يحفرون الرساسا # و { ثمود } هم قوم صالح حيث كذبوه ونحروا ناقة الله التي اخرجها آية له ~~من الجبل { وعاد } وهم قوم هود، فكذبوه فأهلكهم الله { وفرعون وأخوان لوط ~~} أي كذب فرعون موسى، وقوم لوط لوطا، وسماهم اخوته لكونهم من نسبه { ~~وأصحاب الأيكة } وهم قوم شعيب، والايكة الغيظة { وقوم تبع } روي في ~~الحديث لا تلعنوا تبعا، فانه كان اسلم، وإنما ذم الله قومه. # ثم اخبر تعالى عنهم كلهم فقال { كل كذب الرسل } المبعوثة اليهم، وجحدوا ~~نبوتهم { فحق وعيد } فاستحقوا بما وعدهم به من العقاب، فاذا كانت منازل ~~الأمم الخيالية إذا كذبوا الرسل الهلاك والدمار، وأنتم معاشر الكفار قد ~~سلكتم مسلكهم في التكذيب فحالكم كحالهم في استحقاق مثل ذلك. # ثم قال الله تعالى على وجه الانكار عليهم، بلفظ الاستفهام { أفعيينا ~~بالخلق الأول } قال الحسن الخلق الأول آدم وقد يكون ذلك المراد لاقرارهم ~~به وأنهم ولده يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه واعييت إذا تعبت، وكل ~~ذلك من التعب في الطلب. والمعنى إنا كما لم نعي بالخلق الأول لا نعيا ~~بخلقهم على وجه الاعادة، والعي عجز بانقلاب المعنى على النفس، ثم قال { ~~بل هم في لبس من خلق } فاللبس منع من إدراك المعنى بما هو كالستر له { من ~~خلق جديد } وهو القريب الانشاء، يقال: بناء جديد وثوب جديد، وخلق جديد ~~وأصله القريب العهد، بالقطع للبس لأنه من جددته أجده جدا إذا قطعته فهو ~~كفرت العهد بالقطع للبس. ### || [50.16-20] # يقول الله تعالى مقسما إنه خلق الانسان أي اخترعه وانشأه مقدرا. ~~والخلق الفعل الواقع على تقدير ms3253 وترتيب. والمعنى إنه يوجده على ما تقتضيه ~~الحكمة من غير زيادة ولا نقصان. وأخبر انه يعلم ما يوسوس به صدر الانسان. ~~فالوسوسة حديث النفس بالشيء فى خفى، ومنه قوله # فوسوس إليه الشيطان # ومنه الواسوس كثرة حديث النفس بالشيء من غير تحصيل قال رؤبة: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # ثم اخبر تعالى انه اقرب إلى الانسان من حبل الوريد. قال ابن عباس ~~ومجاهد: الوريد عرق فى الحلق وهما وريدان في العنق: من عن يمين وشمال، ~~وكأنه العرق الذي يرد اليه ما ينصب من الرأس، فسبحان الله الخلاق العليم ~~الذي احسن الخلق والتدبير، وجعل حبل الوريد العاتق، وهو يتصل من الحلق ~~إلى العاتق هذا العرق الممتد للانسان من ناحيتي حلقه إلى عاتقه، وهو ~~الموضع الذي يقع الرداء عليه لأنه يطلق الرداء من موضعه. قال رؤبة: # كان وريديه رشا خلب # أي ليف. وقال الحسن: الوريد الوتين: وهو عرق معلق به القلب، فالله تعالى ~~أقرب إلى المرء من قلبه. وقيل: المعنى ونحن أقرب اليه ممن كان بمنزلة حبل ~~الوريد في القرب فى أني أعلم به. وقيل: معناه اقرب اليه بما يدركه من حبل ~~الوريد لو كان مدركا. وقيل: ونحن أملك به من حبل الوريد فى الاستيلاء ~~عليه، وذلك أن حبل الوريد فى حيز غير حيزه. والله تعالى مدرك له بنفسه ~~ومالك له بنفسه. # وقوله { إذ يتلقى المتلقيان } { إذ } متعلقة بقوله { ونحن أقرب إليه } ~~حين يتلقى المتلقيان، يعني الملكين الموكلين بالانسان { عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد } أي عن يمينه وعن شماله. وإنما وحد { قعيد } لاحد وجهين: # احدهما - إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما قال الشاعر: # نحن بما عندنا وانت بما # عندك راض والرأى مختلف # أي نحن بما عندنا راضون، فتقدير الآية عن اليمين قعيد، وعن الشماء قعيد # الثاني - إنه يكون القعيد على لفظ الواحد، ويصلح للاثنين والجمع كالرسول ~~لانه من صفات المبالغة، وفيه معنى المصدر، كأنه قيل: ذو المراقبة. وقال ~~مجاهد: القعيد الرصيد. وقيل: عن اليمين ملك يكتب الحسنات، وعن الشمال ملك ~~يكتب ms3254 السيئات - فى قول الحسن ومجاهد - وقال الحسن: حتى إذا مات طويت ~~صحيفة عمله وقيل له يوم القيامة # إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # فقد عدل - والله - عليه من جعله حسيب نفسه. وقال الحسن: الحفظة أربعة: ~~ملكان بالنهار وملكان بالليل. # وقوله { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } أي لا يتكلم بشيء من القول ~~إلا وعنده حافظ يحفظ عليه، فالرقيب الحافظ والعتيد المعد للزوم الأمر. # وقوله { وجاءت سكرة الموت بالحق } قيل فى معناه قولان: # احدهما - جاءت السكرة بالحق من أمر الآخرة حتى عرفه صاحبه واضطر اليه # والآخر - وجاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت. # وروي ان أبا بكر وابن مسعود كانا يقرآن { وجاءت سكرة الحق بالموت } وهي ~~قراءة اهل البيت عليهم السلام و (سكرة الموت) غمرة الموت التي تأخذه عند ~~نزع روحه فيصير بمنزلة السكران. # وقوله { ذلك ما كنت منه تحيد } أي يقال له عند ذلك هذا الذى كنت منه ~~تهرب وتروغ. وقوله { ونفخ في الصور } قيل فيه وجهان: # احدهما - إنه جمع صورة ينفخ الله في الصور بأن يحييها يوم القيامة. # الثاني - ان الصور قرن ينفخ اسرافيل فيه النفخة الأولى فيموت الخلق، ~~والنفخة الثانية فيحيون يوم القيامة، وهو يوم الوعيد الذي وعد الله أن ~~يعاقب فيه من يكفر به ويعصى أمره، ويثيب من يؤمن به ويمتثل. ### || [50.21-25] # يقول الله تعالى إن يوم الوعيد الذي بينه تجيء كل نفس من المكلفين { ~~معها سائق } يسوقها { وشهيد } يشهد عليها، وهما ملكان احدهما يسوقه ويحثه ~~على السير، والآخر يشهد عليه بما يعلمه من حاله ويشاهده منه وكتبه عليه، ~~فهو يشهد بذلك على ما بينه الله ودبره. # وقوله { لقد كنت في غفلة } أي يقال له { لقد كنت في غفلة } أي في سهو ~~ونسيان { من هذا } اليوم، فالغفلة ذهاب المعنى عن النفس، وضده اليقظة. ~~وقوله { فكشفنا عنك غطاءك } أي أزلنا الغطاء عنك حتى ظهر لك الأمر، وإنما ~~تظهر الأمور فى الآخرة بما يخلق الله فيهم من العلوم الضرورية، فيصير ~~بمنزلة كشف الغطاء عما يرى، والمراد ms3255 به جميع المكلفين: برهم وفاجرهم، ~~لان معارب الجميع ضرورية، وقوله { فبصرك اليوم حديد } معناه إن عينك حادة ~~النظر لا يدخل عليها شك ولا شبهة. وقيل: المعنى فعلمك بما كنت فيه من ~~أحوال الدنيا نافذ ليس يراد به بصر العين، كما يقال: فلان بصير بالنحو أو ~~بالفقه. وقال الرماني: حديد مشتق من الحد، ومعناه منيع من الادخال فى ~~الشيء ما ليس منه والاخراج عنه ما هو منه، وذلك فى صفة رؤيته للاشياء فى ~~الآخرة. # وقوله { وقال قرينه } قال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني الملك الشهيد ~~عليه. وقال بعضهم: قرينه من الشياطين. والأول الوجه { هذا ما لدي عتيد } ~~أي معد محفوظ { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } إنما قيل: ألقيا، لأن ~~المأمور به إلقاء كل كافر في النار إثنان من الملائكة. وقيل: يجوز ان ~~يكون على لفظ الاثنين والمأمور واحد، لأنه بمنزلة إلقاء اثنين فى شدته، ~~كما قال الشاعر: # فان تزجراني يا بن عفان انزجر # وإن تدعاني احم عرضا ممنعا # والأول اظهر، وحكى الزجاج عن بعض النحويين: ان العرب تأمر الواحد بلفظ ~~الاثنين تقول: قوما، واقعدا، قال الحجاج: (يا حرسي إضربا عنقه) وإنما ~~قالوا ذلك، لأن اكثر ما يتكلم به العرب فيمن تأمر به بلفظ الاثنين نحو # خليلي مرا بي على أم جندب # وقوله: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وقال المبرد هذا فعل مبني للتأكيد، كأنه قال: ألق ألق، والعنيد الذاهب ~~عن الحق وسبيل الرشد { مناع للخير } الذي أمر الله به من بذل المال في ~~وجوهه من الزكاة وغيرها، لأنه صفة ذم تعم منع الخير الذي يجب بذله. ويدخل ~~فيه الأول على وجهه التبع { معتد } أي متجاوز للحق فى قوله وفعله { مريب ~~} أي آت من المنكر بما يشكك فى أمره. ### || [50.26-30] # قرأ نافع وابو بكر عن عاصم { يوم يقول } بالياء بمعنى يقول الله تعالى { ~~لجهنم } الباقون بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه و { يوم } متعلق ~~بقوله { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } وقيل: إنه متعلق ~~بمحذوف بتقدير ms3256 (إذكر) يا محمد يوم، وقوله { الذي جعل } موضعه الجر، لأنه ~~من صفة { كفار عنيد مناع للخير معتد مريب.. الذى جعل مع الله إلها آخر } ~~أى اتخذ مع الله معبودا آخر من الاصنام والاوثان، ووجه قرباته اليه. ~~والجعل تكوين الشيء على غير ما كان بقادر عليه فمن جعل مع الله إله آخر ~~فقد صير ذلك الشيء على غير ما كان عليه باعتقاده انه إله آخر مع الله ~~وذلك جعل منه عظيم وذهاب عن الصواب بعيد، فيقول الله للملكين الموكلين به ~~يوم القيامة { ألقياه } أى اطرحاه { في العذاب الشديد } والالقاء الرمي ~~بالشيء إلى جهة السفل، وقولهم: ألقى عليه مسألة بمعنى طرحها عليه مشبه ~~بذلك. واصل إللقاء المماسة، والالتقاء من هذا ففي الالقاء طلب مماسة ~~الشيء الارض بالرمي { قال قرينه ربنا ما اطغيته } قال ابن عباس: قرينه - ~~ههنا - شيطانه. وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. وسمي قرينه لأنه يقرن به ~~في العذاب، وهو غير قرينه الذى معه يشهد عليه، والقرين نظير الشيء من جهة ~~مصيره بازائه. # حكى الله عن شيطانه الذي أغواه انه يقول { ما أطغيته } فالاطغاء الاخراج ~~إلى الطغيان، وهو تجاوز الحد فى الفساد أطغاء وطغى يطغى طغيانا، فهو ~~طاغ. والاول مطغى. وقال الحسن: ما اطغيته باستكراه، وهو من دعاه إلى ~~الطغيان. والمعنى لم أجعله طاغيا { ولكن كان } هو بسوء اختياره { في ~~ضلال } عن الايمان { بعيد } عن إتباعه. ومثله قوله { وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } فيقول الله تعالى لهم { لا تختصموا ~~لدي } أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي { وقد قدمت إليكم بالوعيد } فى دار ~~التكليف، فلم تنزجروا وخالفتم امري { ما يبدل القول لدي } معناه إن الذي ~~قدمته اليكم فى الدنيا من أني أعاقب من جحدني وكذب برسلي وخالفني فى أمري ~~لا يبدل بغيره، ولا يكون خلافه { وما أنا بظلام للعبيد } أي لست بظالم ~~لاحد فى عقابي لمن استحقه بل هو الظلام لنفسه بارتكاب المعاصي التي استحق ~~بها ذلك. وإنما قال: بظلام للعبيد على وجه المبالغة ردا لقول ms3257 من أضاف ~~جميع الظلم اليه - تعالى الله عن ذلك -. # وقوله { يوم نقول لجهنم } من قرأ بالنون فعلى وجه الاخبار من الله عن ~~نفسه. ومن قرأ - بالياء - وهو نافع وابو بكر، فعلى تقدير يقول الله لجهنم ~~{ هل امتلأت } من كثرة من ألقي فيك من العصاة { فتقول } جهنم { هل من ~~مزيد } أي ما من مزيد؟ أي ليس يسعني اكثر من ذلك. # وقال قوم: هذا خطاب من الله لخزنة جهنم على وجه التقريع والتقرير لهم هل ~~امتلأت جهنم، فتقول الخزنة هل من مزيد؟ وقال قوم: وهو الأظهر إن الكلام ~~خرج مخرج المثل أي ان جهنم من سعتها وعظمها في ما يظهر من حالها بمنزلة ~~الناطقة التي إذا قيل لها هل امتلأت فتقول هل من مزيد أي لم امتلىء اي فى ~~سعه كثرة، ومثله قول الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني # والحوض لم يقل شيئا، وإنما أخبر عن امتلائها وانها لو كانت ممن تنطق ~~لقالت قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني. وكذلك القول فى الآية. وقال الحسن ~~وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء: معنى هل من مزيد ما من مزيد، وانه بمعنى لا ~~مزيد وانكروا أن يكون طلبا للزيادة، لقوله # لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين # وقال بعضهم: هذا ليس بمنكر من وجهين: # احدهما - أن يكون ذلك حكاية عن الحال التي قبل دخول جميع اهل النار فيها ~~ولم تمتلأ بعد وان امتلأت في ما بعد. # والآخر - ان يكون طلب الزيادة بشرط ان يزاد فى سعتها. وقال قوم: هل من ~~مزيد بمنزلة قول النبي صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة وقد قيل له ألا ~~تنزل دارك، فقال # " وهل ترك لنا عقيل من ربع " # لأنه كل قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة، وإنما أراد ان ~~يقول: لم يترك لنا دارا. وقال انس بن مالك: هل من مزيد طلبا للزيادة. ~~وقال مجاهد: هو بمعنى الكفاية. ### || [50.31-35] # لما حكى الله تعالى ما أعده للكافرين والعصاة من جهنم وعظم موضعها ~~وسعتها ms3258 أخبر عما اعده للمتقين المجتنبين لمعاصيه الفاعلين لطاعاته فقال { ~~وأزلفت الجنة للمتقين } والازلاف التقريب إلى الخير، ومنه الزلفة، ~~والزلفى. ويقولون: أزدلف اليه أي اقترب والمزدلفة قريب من الموقف. وهو ~~المشعر وجمع، ومنه قول الراجز: # ناج طواه الاين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # سماؤه الهلال حتى احقوقفا # والجنة التي وعد الله المتقين بها هي البستان الذي يجمع من اللذة ارفع ~~كل نوع فى الزينة من الابنية الفاخرة بالياقوت والزمرد وفاخر الجوهر، ومن ~~الانهار والاشجار وطيب الثمار ومن الأزواج الكرام والحور الحسان وكريم ~~الخدم من الولدان الذين هم زينة لكل ناظر ومتعة لكل مبصر، قد أمن اهلها ~~العلة وانواع الاذى من فضول الاطعمة والاشربة، نسال الله حسن الاستعداد ~~لها بالعمل الصالح المقرب منها الموجب لرضوان مالكها. # وقوله { غير بعيد } أي ليس ببعيد مجيء ذلك، لان كل آت قريب، ولذلك قال ~~الحسن: كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. # ثم قال { هذا ما توعدون } من قرأ بالتاء فعلى الخطاب أي هذا الذي ذكرناه ~~هو ما وعدتم به من الثواب { لكل أواب } أي رجاع إلى الله تائب اليه { ~~حفيظ } لما أمر الله به يتحفظ من الخروج إلى ما لا يجوز من سيئة تدنسه او ~~خطيئة تحط منه وتشينه. وقال ابن زيد: الأواب التواب، وهو من آب يؤب اوبا ~~إذا رجع. # وقوله { من خشي الرحمن بالغيب } فالخشية انزعاج القلب عند ذكر السيئة ~~وداعي الشهوة حتى يكون فى اعظم حال من طلبه سبع يفترسه او عدو يأتي على ~~نفسه او طعام مسموم يدعى إلى اكله هذه خشية الرحمن التي تنفعه والتي دعا ~~اليها ربه ومعنى { بالغيب } أي في باطنه وسريرته { وجاء بقلب منيب } أي ~~راجع إلى الله من اناب ينيب إنابة، وموضع (من) يحتمل وجهين من الاعراب: # احدهما - الجر على البدن من (كل) كأنه قيل لمن خشى. # والثاني - الرفع على الاستئناف كأنه قال { من خشي الرحمن بالغيب } يقال ~~لهم { ادخلوها بسلام } أي بأمان من كل مكروه ويحيون بذلك على وجه ~~الاكرام. # وقوله { ذلك يوم الخلود ms3259 } أي الوقت الذي يبقون فيه فى النعيم مؤبدين لا ~~إلى غاية. # وقوله { لهم ما يشاؤن فيها } أي ما يريدونه ويشتهونه يجعل لهم فيها { ~~ولدينا مزيد } من نعم الله الذي يعطيهم زيادة على مقدار استحقاقهم ~~بعملهم. ### || [50.36-40] # قرأ { وإدبار } بكسر الألف ابن كثير ونافع واهل الحجاز وحمزة على المصدر ~~من أدبر إدبارا، وتقديره وقت إدبار السجود. والمصادر تجعل ظرفا على ~~إرادة اضافة اسماء الزمان اليها وحذفها، كقولهم جئتك مقدم الحاج وخلوق ~~النجم ونحو ذلك يريدون فى ذلك كله وقت كذا وكذا فحذفوه. الباقون بفتح ~~الألف على انه جمع (دبر): # يقول الله تعالى مخبرا { وكم أهلكنا } ومعناه وكثيرا أهلكنا وذلك أن ~~(كم) تكون إستفهاما تارة فى معنى الخبر للتكثير وإنما خرجت عن الاستفهام ~~إلى التكثير لتكون نقيضة (رب) فى التقليل وكانت احق به، لانها (اسم) مع ~~إحتمالها للتقليل، فأما رب فى الكلام، فهي حرف يجري مجرى حرف النفي، لان ~~التقليل أقرب إلى النفي، وإنما وجب ل (كم) صدر الكلام فى الخبر إعلاما ~~بأنها خرجت عن الاستفهام مع انها نقيضة (رب) التي هي بمنزلة حروف النفي، ~~ودخلت (من) على مفسر (كم) فى الخبر بمنزلة عدد يفسر بالمضاف كقولك عشر ~~أثواب، وعشرة من الاثواب. فجاز حرف الاضافة كما جازت الاضافة، وليس كذلك ~~عشرون درهما، وجاز ان يفسر فى الخبر بالواحد وبالجمع: والقرن المقدار من ~~الزمان الذي يقترون بالبقاء فيه أهله على مجرى العادة. وقال قوم: هو مئة ~~وعشرون سنة. وقيل: ثمانون سنة وقال آخرون: هو سبعون سنة. وقال قوم: ~~أربعون سنة. وقيل ثلاثون سنة. وقيل: عشر سنين { هم أشد منهم بطشا } أى ~~الذين أهلكناهم مثل هؤلاء الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء واكثر عدة كقوم ~~عاد وغيرهم فلم يتعذر علينا ذلك، فما الذي يؤمن هؤلاء من مثل ذلك. # وقوله { فنقبوا في البلاد } أى فتحوا مسالك فى البلاد بشدة بطشهم ~~فالتنقيب التفتيح بما يصلح للسلوك من نقض البنية، ومنه النقب الفتح الذى ~~يصلح للمسلك وقد يفتح الله على العباد فى الرزق بأن يوسع عليهم فى ms3260 رزقهم، ~~ولا يصلح فيه النقب. وكل نقب فتح. وليس كل فتح نقبا، فالنقب نقض موضع ~~بما يصلح للسلوك. وقال مجاهد: نقبوا فى البلاد أى ضربوا فى الارض ضرب ~~جاعل المسالك بالنقب، قال امرؤ القيس: # لقد نقبت فى الافاق حتى # رضيت من الغنيمة بالآياب # وقوله { هل من محيص } أى هل من محيد، وهو الذهاب فى ناحية عن الأمر ~~للهرب منه، حاص يحيص حيصا فهو حايص مثل حاد يحيد حيدا فهو حايد والمعنى ~~إن أولئك الكفار الذين وصفهم بشدة البطش لما نزل بهم عذاب الله لم يكن ~~لهم مهرب ولا محيص عنه. وقيل هل من محيد من الموت، ومنجا من الهلاك. قال ~~الزجاج: هؤلاء الكفار طوفوا فى البلاد، فلم يجدوا مخلصا من الموت. # وقوله { إن في ذلك لذكرى } يعني في ما أخبرته وقصصته لك لذكرى أى ما ~~يتفكر فيه ويعتبر به { لمن كان له قلب } قيل معنى القلب - ها هنا - العقل ~~من قولهم اين ذهب قلبك، وفلان ذاهب القلب، وفلان قلبه معه، وإنما قال { ~~لمن كان له قلب } لان من لا يعيي الذكر لا يعتد بما له من القلب. # وقوله { أو ألقى السمع وهو شهيد } قال ابن عباس: معناه استمع ولم يشغل ~~قلبه بغير ما يستمع، فهو شهيد لما يسمع ويفقهه غير غافل عنه، وهو قول ~~مجاهد والضحاك وسفيان، يقال ألق إلي سمعك أى استمع. وقال قتادة: وهو شهيد ~~على صفة النبي صلى الله عليه وآله في الكتب السالفة، وهذا فى أهل الكتاب. ~~والأول اظهر. # ثم أقسم الله تعالى فقال { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام } وقد مضى تفسير مثله فى غير موضع { وما مسنا من لغوب } أى من ~~نصب وتعب - فى قول ابن عباس ومجاهد - واللغوب الاعياء. قال قتادة: أكذب ~~الله تعالى بذلك اليهود، فانهم قالوا: استراح الله يوم السبت، فهو عندهم ~~يوم الراحة. وقيل: إنما خلق الله السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام ~~مع قدرته على ان يخلقهما فى وقت، لان فى ذلك لطفا للملائكة حين ms3261 شاهدوه ~~يظهر حالا بعد حال وقيل: لأن فى الخبر بذلك لطفا للمكلفين في ما بعد إذا ~~تصوروا أن ذلك يوجد شيئا بعد شيء مع أدب النفس به فى ترك الاستعجال إذا ~~جرى فى فعل الله لضروب من التدبير. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { فاصبر } يا محمد { على ما يقولون } ~~من قولهم: هو ساحر، وكذاب، ومجنون، واحتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج { ~~وسبح بحمد ربك } أى نزهه عما لا يليق به { قبل طلوع الشمس } صلاة الفجر { ~~وقبل الغروب } صلاة العصر - في قول قتادة وابن زيد - { ومن الليل } يعني ~~صلاة الليل يدخل فيه صلاة المغرب والعتمة. وقال ابن زيد: هو صلاة العتمة ~~{ وأدبار السجود } الركعتان بعد المغرب - في قول الحسن بن علي عليهما ~~السلام ومجاهد والشعبي وابراهيم. وقال الحسن { وقبل الغروب } صلاة الظهر ~~والعصر. وقال الركعتان بعد المغرب تطوعا. وقيل: التسبيح بعد الصلاة - عن ~~ابن عباس ومجاهد - وقيل: النوافل - عن ابن زيد - وأصل التسبيح التنزيه ~~لله عن كل ما لا يجوز فى صفة، وسميت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح، ~~يقال: سبحان ربي العظيم، وروي ايضا أراد ب { أدبار السجود } الركعتان ~~بعد المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل طلوع الفجر. وروي فى الشواذ عن ~~أبي عمر وأنه قرأ { فنقبوا } بتخفيف القاف، وهي لغة في التشديد. ورجل ~~نقاب أى حاذق فظن عالم كان ابن عباس نقابا، والنقبة الحرب ونقب خف ~~البعير إذا انتقب وقرىء على لفظ الأمر وهو شاذ. ### || [50.41-45] # قرأ ابن كثير { يوم تشقق } مشددة الشين على معنى تتشقق وحذف احدى ~~التائين: والتشقق التفطير. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ~~والمراد به جميع المكلفين { واستمع } أي اصغ إلى النداء وتوقعه { يوم ~~ينادي المنادي } فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان، وكأن الناس يدعون فيقال ~~لهم: يا معشر الناس قوموا إلى الموقف للجزاء والحساب، وقيل: ينادي ~~المنادي من الصخرة التي فى بيت المقدس، فلذلك قال { من مكان قريب } ~~فيقول: يا أيها العظام البالية قومي لفصل القضاء وما اعد من الجزاء - فى ~~قول ms3262 قتادة - { من مكان قريب } أي يسمع الخلق كلهم على حد واحد، فلا يخفى ~~على احد لا قريب ولا بعيد # وقوله { يوم يسمعون الصيحة بالحق } فالصيحة المرة الواحدة من الصوت ~~الشديد ونقيضها الخدة تقول صاح يصيح صياحا وصيحة، فهو صائح، وتصايح ~~وتصايحوا فى الأمر تصايحا، وصيح تصييحا وصايحه مصايحة، وهذه الصيحة هي ~~النفخة الثانية للحشر إلى أرض الموقف { ذلك يوم الخروج }. # وقوله { إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير } اخبار منه تعالى عن نفسه ~~بأنه هو الذي يحيي الخلق بعد ان كانوا جمادا أمواتا. ثم يميتهم بعد أن ~~كانوا أحياء ثم يحييهم يوم القيامة وإلى الله يصيرون ويرجعون يوم القيامة ~~{ يوم تشقق الأرض عنهم سراعا } أي الينا المصير في اليوم الذي تشقق ~~الارض عن الأموات { سراعا } أي بسرعة لا تأخير فيها ثم قال { ذلك حشر ~~علينا يسير } أي سهل علينا غير شاق. والحشر الجمع بالسوق من كل جهة. # ثم قال { نحن أعلم بما يقولون } يعني هؤلاء الكفار من حجدهم نبوتك ~~وإنكارهم البعث والنشور، لا يخفى علينا من أمرهم شيء { وما أنت عليهم } ~~يا محمد { بجبار } قال الحسن: ما أنت عليهم برب تجازيهم بأعمالهم. وإنما ~~أنا المجازي لهم. وقيل: وما انت عليهم بفظ في دعائهم إلى توحيد الله ~~وإخلاص عبادته. والجبار العالي السلطان بأنه قادر على اذلال جميع العصاة ~~بحسب الاستحقاق وهذه الصفة لا تصح إلا لله تعالى وحده، فان وصف بها ~~الانسان كان ذما، لانه جعل لنفسه من المقدرة ما ليس لها، وانشد الفضل: # عصينا حرمة الجبار حتى # صبحنا الخوف الفا معلمينا # وقيل { وما أنت بجبار } أي لا تتجبر عليهم، قال الفراء: يجوز ان يكون لا ~~يجبرهم على الاسلام يقال: جبرته على الامر واجبرته بمعنى واحد. وقال ~~غيره: لم يسمع (فعال) من (أفعلت) إلا (دراك) من (أدركت) ويكون الجبار ~~العالي السلطان على كل سلطان باستحقاق، ويكون العالي السلطان بادعاء. # ثم قال { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } إنما خص بالتذكير من يخاف وعيد ~~الله، لانه الذي ينتفع به وإن كان تذكيره متوجها إلى ms3263 جميع المكلفين. قال ~~الزجاج: إنما قال الله للنبي صلى الله عليه وآله ذلك قبل ان يأمره ~~بالقتال. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-14] # روى عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وابن عباس (رحمة الله ~~عليه) ومجاهد ان { الذاريات } الرياح يقال: ذرت الريح التراب تذروه ~~ذروا، وهي ذارية إذا طيرته وأذرت تذري إذراء بمعنى واحد وسأل ابن الكوا ~~أمير المؤمنين عليه السلام وهو يخطب على المنبر ما { الذاريات ذروا } ~~قال: الرياح، قال ما { الحاملات وقرا } فقال السحاب. فقال ما { الجاريات ~~يسرا } قال السفن. والمعنى إنها تجري سهلا، فقال ما { المقسمات أمرا } ~~قال الملائكة. وهو قول ابن عباس ومجاهد والحسن، وهذا قسم من الله تعالى ~~بهذه الأشياء. وقال قوم: التقدير القسم برب هذه الاشياء لأنه لا يجوز ~~القسم إلا بالله. وقد روي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام أنه ~~لا يجوز القسم إلا بالله. والله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه. # وقيل: الوجه فى القسم بالذاريات تعظيم ما فيها من العبرة فى هبوبها تارة ~~وسكونها اخرى، وذلك يقتضي مسكنا لها ومحركا لا يشبه الاجسام، وفي ~~مجيئها وقت الحاجة لتنشئة السحاب وتذرية الطعام ما يقتضي مصرفا لها ~~قادرا عليها، وما في عصوفها تارة ولينها أخرى ما يقتضي قاهرا لها ولكل ~~شيء سواها. # والوجه في القسم بالحاملات وقرا، ما فيه من الآيات الدلالة على محمل ~~حملها الماء وأمسكه من غير عماد واغاث بمطره العباد واحيي البلاد وصرفه ~~في وقت الغنى عنه بما لو دام لصاروا إلى الهلاك، ولو انقطع اصلا، لاضربهم ~~جميعا. والوجه في القسم بالجاريات يسرا ما فيها من الدلائل وبتسخير ~~البحر الملح والعذب بجريانها وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق ولو ركد ~~لأهلك، وبما فى هداية النفوس إلى تدبير مصالحها وما في عظم النفع بها في ~~ما ينقل من بلد إلى بلد بها. # والوجه في القسم بالملائكة ما فيها من اللطف وعظم الفائدة وجلالة ~~المنزلة بتقسيم الأمور بأمر الله تعالى من دفع الآفة عن ذا واسلام ذاك ~~ومن ms3264 كتب حسنات ذا وسيئات ذاك، ومن قبض روح ذا وتأخير ذاك. ومن الدعاء ~~للمؤمنين ولعن الكافرين، ومن استدعائهم إلى طريق الهدى وطلب ما هو أولى ~~بصد داعي الشيطان والهوى عدو الانسان. # وقوله { إن ما توعدون لصادق } جواب القسم. ومعناه إن الذي وعدتم به من ~~الثواب والعقاب والجنة والنار وعد صدق لا بد من كونه { وإن الدين لواقع } ~~معناه إن الجزاء لكائن يوم القيامة، وهذا يفيد ان من استحق عقابا، فانه ~~يجازى به ويدخل في ذلك كل مستحق للعقاب، كأنه قال: إن جميع الجزاء واقع ~~بأهله يوم القيامة في الآخرة. ثم استأنف قسما آخر فقال { والسماء ذات ~~الحبك } فالحبك الطرائق التي تجري على الشيء كالطرائق التي ترى في ~~السماء. # وترى في الماء الصافي إذا مرت عليه الريح، وهو تكسر جار فيه. ويقال ~~للشعر الجعد حبك والواحد حبيك وحبيكة، والحبك أثر الصنعة في الشيء ~~واستوائه، حبكه يحبكه ويحبكه حبكا { والسماء ذات الحبك } أي ذات حسن ~~الطرائق، وحبك الماء طرائقه قال زهير: # مكلل باصول النجم تنسجه # ريح خريق لصافي مائه حبك # وتحبكت المرأة بنطاقها إذا شدته في وسطها، وذلك زينة لها، وحبك السيف ~~إذا قطع اللحم دون العظم وقال الحسن وسعيد بن جبير: ذات الحبك ذات الزينة ~~بالنجوم والصنعة وللطرائق الحسنة. وقيل: الحبك النسج الحسن، يقال: ثوب ~~محبوك. وقوله { إنكم لفي قول مختلف } معناه إنكم في الحق لفي قول مختلف، ~~لا يصح إلا واحد منه، وهو أمر النبي صلى الله عليه وآله وما دعا اليه، ~~وهو تكذيب فريق به وتصديق فريق. ودليل الحق ظاهر، وفائدته أن احد ~~الفريقين في هذا الاختلاف مبطل، لانه اختلاف تناقض فاطلبوا الحق منه ~~بدليله وإلا هلكتم. وقوله { يؤفك عنه من أفك } معناه يصرف عنه من صرف، ~~ومنه قوله # أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا # أي لتصرفنا، وتصدنا. وإنما قيل { يؤفك } عن الحق لأنه يمكن فيه ذلك من ~~غيره، ولا يمكن من نفسه، لان الحق يدعو إلى نفسه ولا يصرف عنها إلى ~~خلافه. # وقوله { قتل الخراصون } معناه لعن الكذابون، ومثله # قتل ms3265 الإنسان ما أكفره # والخراص الكذاب. وأصله الخرص وهو القطع من قولهم: خرص فلان كلامه ~~واخترصه إذا افتراه، لانه اقتطعه من غير أصل. والخرص جريد يشقق ويتخذ منه ~~الحصر قال الشاعر: # ترى قصد المران فيهم كأنه # تذرع خرصان بأيدي شواطب # والخرص حلقة القرط المنقطعة عن ملاصقة الاذن، والخريص الخليج من من ~~البحر، والخرص الخرز من العدد والكيل، ومنه خارص النخل، وهو خارزه وجمعه ~~خراص. وقوله { الذين هم في غمرة ساهون } صفة للخراصين وموضعه رفع وتقديره ~~في غمرة ساهون عن الحق كقوله # طبع الله على قلوبهم # والغمرة المرة من علو الشيء على ما هو فائض فيه، غمره الماء يغمره غمرا ~~وغمرة، فهو غامر له، والانسان مغمور، ويقال: غمره الشغل وغمره الموت ~~وغمره الحياء وغمره الجهل وأصل الغمرة من الغمر وهو السيد الكثير العطاء، ~~لانه يغمر بعطائه، والغمر الفرس الكثير الجري، لانه يغمر بحريه، والغمر ~~الذي لم يجرب الأمور والغمر الحقد والغمرة رائحة الزهومة في اليد، وغمار ~~الناس مجتمعهم، وغمرة المرأة ما تطلى به من الطيب وغيره مما يحسن اللون. ~~والغمر القدح الصغير، والغمر النبت الصغار، لانه تغمره الكبار والمعنى ان ~~هؤلاء الكفار لجهلهم بما يجب عليهم معرفته ساهون عما يلزمهم العلم به أي ~~غافلون عن الحق متعامون عنه { يسألون أيان يوم الدين } يعني يسأل هؤلاء ~~الكفار الذين وصفهم بالجهل والغمرة: متى يوم الجزاء؟! على وجه الانكار ~~لذلك لا على وجه الاستفادة لمعرفته، فاجيبوا بما يسوءهم من الحق الذي لا ~~محالة انه نازل بهم فقيل { يوم هم على النار يفتنون } أي يحرقون بالنار ~~ويعذبون فيها وأصل الفتنة تخليص الذهب باحراق الغش الذى فيه، فهؤلاء ~~يفتنون بالاحراق كما يفتن الذهب. # ومنه قوله # وفتناك فتونا # أى أخلصناك للحق، ورجل مفتون بالمرءة أى مخلص بحبها، وهي صفة ذم، { ~~وفتناهم } أى اختبرناهم بما يطلب به خلاصهم للحق. وقيل: يفتنون أى ~~يحرقون، كما يفتن الذهب في النار - في قول مجاهد والضحاك - وقوله { يوم ~~هم } يصلح أن يكون في موضع رفع، لانك أضفته إلى شيئين، ويصلح فيه النصب ~~على ms3266 الظرف والبناء، وكله على جواب { أيان } # وقوله { ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون } معناه انه يقال ~~للكفار الذين يعذبون بها هذا الذي كنتم به تستعجلون فى دار التكليف ~~إستبعادا له، فقد حصلتم الآن فيه وعرفتم صحته. ### || [51.15-23] # قرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم { لحق مثل } بالرفع على أنه صفة ~~للحق الباقون بالنصب، ويحتمل نصبه وجهين: # أحدهما - قول الجرمي أن يكون نصبا على الحال، كأنه قيل: حق مشبها ~~لنطقكم في الثبوت. # الثاني - قال المازني إن (مثل) مبني، لانه مبهم أضيف إلى مبني، كما قال ~~الشاعر: # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # حمامة في غصون ذات او قال # وقال: فجعل (مثل) مع (ما) كالأمر الواحد، كما قال # لا ريب فيه # وقولهم: خمسة عشر، فيكون على هذا (ما) زائدة وأضاف (مثل) إلى { إنكم ~~تنطقون } فبناه على الفتح حين أضافه إلى المبني، ولو كان مضافا إلى معرب ~~لم يجز البناء نحو: مثل زيد. وقيل: يجوز أن يكون نصبا على المصدر، وكأنه ~~قال إنه لحق حقا كنطقكم. # لما حكى الله تعالى حكم الكفار وما أعده لهم انواع العذاب، أخبر بما ~~أعده للمؤمنين المطيعين الذين يتقون معاصي الله خوفا من عقابه، ويفعلون ~~ما أوجبه عليهم فقال { إن المتقين في جنات وعيون } أي فى بساتين تجنها ~~الاشجار { وعيون } ماء تجري لهم في جنة الخلد، فهؤلاء ينعمون وأولئك ~~يعذبون { آخذين ما آتاهم ربهم } من كرامته وثوابه بمعنى آخذين ما أعطاهم ~~الله من ذلك ونصب { آخذين } على الحال { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } ~~يفعلون الطاعات وينعمون على غيرهم بضروب الاحسان، ثم وصفهم فقال { كانوا ~~} يعني المتقين الذين وعدهم بالجنات { قليلا من الليل ما يهجعون } فى دار ~~التكليف أي كان هجوعهم قليلا - في قول الزهري وإبراهيم - وقال الحسن: ~~(ما) صلة وتقديره كانوا قليلا يهجعون، وقال قتادة: لا ينامون عن العتمة ~~ينتظرونها لوقتها، كأنه قيل هجوعهم قليلا فى جنب يقظتهم للصلاة والعبادة. ~~وقال الضحاك: تقديره كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا، ثم ابتدأ فقال { ~~من الليل ما يهجعون ms3267 } وتكون (ما) بمعنى النفي والمعنى إنهم كانوا يحيوون ~~الليل بالقيام فى الصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك. ولا يجوز ان تكون (ما) ~~جحدا لانه لا يقدم عليها معمولها. والهجوع النوم - في قول قتادة وابن ~~عباس وإبراهيم والضحاك { وبالأسحار هم يستغفرون } أي يطلبون من الله ~~المغفرة والستر لذنوبهم فى قول الحسن وابن زيد - وقال مجاهد: معناه يصلون ~~فى السحر. وقوله { وفي أموالهم حق } وهو ما يلزمهم لزوم الديون من ~~الزكوات وغير ذلك أو ما التزموه من مكارم الاخلاق، فهو الذي رغب الله فيه ~~بقوله { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } فالسائل هو الذي يسأل الناس، ~~والمحروم هو المحارف - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - وقال قتادة ~~والزهري: المحروم هو المتعفف الذي لا يسأل. وقال إبراهيم: المحروم الذي ~~لا سهم له فى الغنيمة. # وقيل: المحروم الممنوع الرزق بترك السؤال أو إذهاب مال او سقوط سهم او ~~خراب ضيعة إذا صار فقيرا من هذه الجهة. وقال الشعبي: اعياني أن أعلم ما ~~المحروم. وفرق قوم بين الفقير والمحروم بأنه قد يحرمه الناس بترك ~~الاعطاء، وقد يحرم نفسه بترك السؤال، فاذا سأل لا يكون ممن حرم نفسه بترك ~~السؤال، وإنما حرمه الغير، وإذا لم يسأل فقد حرم نفسه وحرمه الناس. # وقوله { وفي الأرض آيات } أي دلالات واضحات وحجج نيرات { للموقنين } ~~الذين يتحققون بتوحيد الله، وإنما أضافها إلى الموقنين، لانهم الذين ~~نظروا فيها وحصل لهم العلم بموجبها وآيات الأرض جبالها ونباتها ومعادنها ~~وبحارها، ووقوفها بلا عمد لتصرف الخلق عليها. # وقوله { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } معناه وفى أنفسكم أفلا تتفكرون بأن ~~تروها مصرفة من حال إلى حال ومنتقلة من صفة إلى أخرى، فكنتم نطفا فصرتم ~~أحياء ثم كنتم أطفالا فصرتم شبابا، ثم صرتم كهولا وكنتم ضعفاء فصرتم ~~أقوياء، فهلا دلكم ذلك على ان لها صانعا صنعها ومدبرا دبرها يصرفها على ~~ما تقتضيه الحكمة ويدبرها بحسب ما توجبه المصلحة. وقيل: المعنى أفلا ~~تبصرون بقلوبكم نظر من كأنه يرى الحق بعينه. # وقوله { وفي السماء رزقكم } ينزله الله اليكم بأن يرسل عليكم ms3268 الغيث ~~والمطر فيخرج به من الأرض أنواع ما تقتاتونه وتلبسونه وتنتفعون به { وما ~~توعدون } به من العذاب ينزله الله عليكم إذا استحققتموه، وقال الضحاك: ~~وفى السماء رزقكم يعني المطر الذي هو سبب كل خير وهو من الرزق الذي قسمه ~~الله وكتبه للعبد فى السماء. وقال مجاهد: وما توعدون يعني من خير او شر، ~~وقيل وما توعدون الجنة، لانها في السماء الرابعة. # ثم قال تعالى { فورب السماء والأرض } قسما منه تعالى { إنه لحق } ومعناه ~~إن ما وعدتكم به من الثواب والعقاب والجنة والنار لا بد من كونه { مثل ما ~~تنطقون } أي مثل نطقكم الذي تنطقون به فكما لا تشكون في ما تنطقون، فكذلك ~~لا تشكوا في حصول ما وعدتكم به. وقيل الفرق بين قوله { حق مثل ما إنكم ~~تنطقون } وبين ما تنطقون مثل الفرق بين أحق منطقك وبين أحق إنك تنطق أي ~~أحق إنك ممن ينطق، ولم يثبت له نطقا. والأول قد أثبته إلا أنه قال: أحق ~~هو أم باطل، ذكره الفراء. ومعنى الآية أن هذا القرآن وأمر محمد صلى الله ~~عليه وآله وما توعدون به من أرزاقكم حق ككلامكم، كقول القائل: إنه لحق ~~مثل ما أنت ها هنا أي كما أنت ها هنا. وقال الفراء: وإنما جمع بين (ما) و ~~(إن) مع انه يكتفى باحدهما، كما يجمع بين اللائي والذين، وأحدهما يجزي عن ~~الآخر قال الشاعر: # من النفر اللائي والذين إذا هم # يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا # فجمع بين اللائي والذين، ولو أفرده ب (ما) لكان المنطق في نفسه حقا، ~~ولم يرد ذلك، وإنما أراد أنه لحق كما حق أن الآدمي ناطق، ألا ترى ان قولك ~~أحق منطقك معناه أحق هو أم كذب، وقولك أحق إنك تنطق معناه إن للانسان ~~النطق لا لغيره، فادخلت (أن) ليفرق بين المعنيين. قال وهذا أعجب الوجهين ~~إلي ### || [51.24-30] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { هل أتاك } يا محمد { حديث ~~ضيف إبراهيم المكرمين } قال الحسن: يعني المكرمين عند الله. وقيل: اكرمهم ~~إبراهيم برفع ms3269 مجالسهم في الاكرام والاعظام الذي يسر بالاحسان. والاجلال ~~هو الاعظام بالاحسان، وكذلك يلزم اعظام الله وإجلاله في جميع صفاته، ولا ~~يجوز مثل ذلك في الاكرام، ولكن الله يكرم أنبياءه والمؤمنين على طاعتهم. # وقوله { إذ دخلوا عليه } يعني حين دخلوا على إبراهيم { فقالوا } له { ~~سلاما } على وجه التحية له أي اسلم سلاما { فقال } لهم جوابا عن ذلك { ~~سلام } وقرىء سلم، فلما ارتاب عليه السلام بهم قال { قوم منكرون } أى ~~انتم قوم منكرون، والانكار بنفي صحة الأمن ونقيضه الاقرار، ومثله ~~الاعتراف. وإنما قال: منكرون، لأنه لم يكن يعرف مثلهم في أضيافه، وسماهم ~~الله أضيافيا، لأنهم جاؤه فى صفة الاضياف وعلى وجه مجيئهم. ومعنى ~~(سلاما) أي اسلم سلاما، وقوله { قال سلام } أي سلام لنا. وقوله { فراغ ~~إلى أهله } أي ذهب اليهم خفيا، فالروغ الذهاب فى خفى، راغ يروغ روغا ~~وروغانا، وراوغه مراوغة ورواغا، وأراغه على كذا إذا أراده عليه فى خفى ~~أنفا من رده. وقوله { فجاء بعجل سمين } فالعجل واحد البقر الصغير مأخوذ ~~من تعجيل أمره بقرب ميلاده، وسمي عجولا وجمعه عجاجيل. وقال قتادة: كان ~~عامة مال نبي الله إبراهيم عليه السلام البقر. والسمين الكثير الشحم على ~~اللحم، سمن يسمن سمنا، وسمنه تسمينا واسمنه اسمانا وتسمن تسمنا، ~~ونقيض السمن الهزال. وقوله { فقربه إليهم } أي ادناه لهم وقدمه بين ~~أيديهم وقال لهم: كلوه، فلما رآهم لا يأكلون عرض عليهم ف { قال ألا ~~تأكلون } وفي الكلام حذف، لان تقديره فقدمه اليهم فأمسكوا عن الاكل فقال ~~ألا تأكلون فلما أمتنعوا من الأكل { أوجس منهم خيفة } أي خاف منهم وظن ~~أنهم يريدون به سوء، فالايجاس الاحساس بالشيء خفيا، أوجس يوجس إيجاسا ~~وتوجس توجسا. ومنه قوله # فأوجس في نفسه خيفة موسى # فقالت حينئذ له الملائكة { لا تخف } يا إبراهيم فانا رسل الله وملائكته ~~أرسلنا الله إلى قوم لوط لنهلكهم. وقيل: إنهم دعوا الله فأحيا العجل له ~~فعلم إبراهيم عند ذلك انهم من الملائكة عليهم السلام { وبشروه } عند ذلك ~~{ بغلام عليم } أي يكون عالما إذا كبر وبلغ. قال مجاهد: ms3270 المبشر به ~~إسماعيل. وقال غيره: هو اسحاق، لانه من سارة، وهذه القصة لها لا لهاجر، ~~سمعت البشارة امرأته سارة { فأقبلت في صرة } يعني فى صيحة - فى قول ابن ~~عباس ومجاهد وسفيان - وقال مجاهد وسفيان أيضا فى رنة { فصكت وجهها } قال ~~ابن عباس لطمت وجهها. وقال السدي: ضربت وجهها تعجبا، وهو قول مجاهد ~~وسفيان، فالصك الضرب باعتماد شديد { وقالت عجوز عقيم } فالتقدير أنا عجوز ~~عقيم كيف ألد؟! والعقيم الممتنعة من الولادة لكبر او آفة. # وقال الحسن: العقيم العاقر. وأصل العقم الشدة مما جاء في الحديث # " يعقم أصلاب المشركين " # أى يشد، فلا يستطيعون السجود، وداء مقام إذا أعيا، أي اشتد حتى أيأس ان ~~يبرأ، ومعاقم الفرس مفاصله يشد بعضها إلى بعض، والعقم والعقمة ثياب معلمة ~~أي شدت بها الاعلام، وعقمت المرأة، فهي معقومة وعقيم، وقالوا عقمت ايضا ~~ورجل عقيم مثل المرأة من قوم عقيمين والريح العقيم التي لا تنشيء السحاب ~~للمطر، والملك عقيم يقطع الولاء لان الابن يقتل أباه على الملك، فقالت ~~الملائكة عند ذلك لها { كذلك } أي مثل ما بشرناك به { قال ربك } ما ~~بشرناك به فلا تشك فيه { إنه هو الحكيم } في أفعاله { العليم } بخفايا ~~الأمور لا يخفى عليه خافية والمعنى كما ان إخبارنا وبشارتنا لا شك فيه، ~~كذلك قال الله ما بشرناك به. ### || [51.31-37] # لما سمع إبراهيم عليه السلام بشرى الملائكة له بالغلام العليم، وعلم ~~أنهم ليسوا ببشر ولا أضياف { قال } لهم { فما خطبكم أيها المرسلون } أي ~~ما شأنكم. والخطب هو الأمر الجليل، فكأنه قال قد بعثتم لأمر جليل، فما ~~هو؟ ومنه الخطبة، لانها كلام بليغ لعقد أمر جليل تستفتح بالتحميد ~~والتمجيد. والخطاب أجل من الابلاغ. # وقوله { أيها } لا يثنى ولا يجمع لانه مبهم يقتضي البيان عنه ما بعده من ~~غير أن يلزم ما قبله، كما يلزم (الذي وهذا) كقولك مررت بالرجلين هذين، ~~فتبعه فى تثنيته، كما تبعه فى اعرابه. # فاجابته الملائكة فقالوا: { إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين } عاصين لله ~~كافرين لنعمه أستحقوا العقاب والهلاك { لنرسل عليهم حجارة من ms3271 طين مسمومة ~~عند ربك للمسرفين } فالمسرف المكثر من المعاصي، وهو صفة ذم، لأنه خروج عن ~~الحق. ونقيض الاسراف الاقتار، وهو التقصير عن بلوغ الحق. وليس فى الاكثار ~~من طاعة الله سرف، ولا في نعمه اقتار، لأنه سائغ على مقتضى الحكمة، ~~وإرسال الرسول إطلاقه بالأمر إلى المصير إلى من أرسل اليه، فالملائكة ~~أمروا بالمصير إلى قوم لوط لاهلاكهم وإرسال الحجارة إطلاقها. وليست برسل ~~ولكن مرسلة. والمسومة المعلمة بعلامات ظاهرة للحاسة، لان التسويم ~~كالسيماء في انه يرجع إلى العلامة الظاهرة من قولهم: عليه سيماء الخير. ~~ومنه قوله { يمددكم ربكم بخمسة الآف من الملائكة مسومين } والمجرم القاطع ~~للواجب بالباطل، فهؤلاء أجرموا بقطع الايمان بالكفر. وأصل الصفة القطع. ~~وقال ابن عباس: التسويم نقطة فى الحجر الأسود بيضاء، او نقطة سوداء فى ~~الحجر الابيض. وقيل: كان عليها أمثال الخواتيم وقوله { حجارة من طين } أي ~~أصلها الطين لا حجارة البرد التي أصلها الماء. والمسومة هي المعلمة ~~بعلامة يعرفها بها الملائكة أنها مما ينبغي أن يرمى بها الكفرة عند أمر ~~الله بذلك. وقيل: حجارة من طين كأنها آجر - فى قول ابن عباس - وقال ~~الحسن: مسومة بأنها من حجارة العذاب. وقيل: مسومة بأن جعل على كل حجر اسم ~~من يهلك به. # وقوله { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } أي اخرجنا من كان فى قرية ~~لوط من المؤمنين، نحو لوط وأهله وخلصناهم من العذاب والاهلاك. وقوله { ~~فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } يدل على ان الاسلام هو الايمان ~~والايمان هو التصديق بجميع ما اوجب الله التصديق به. والاسلام هو ~~الاستسلام لوجوب عمل الفرض الذي اوجبه الله والزمه. والمسلم هو المخلص ~~لعمل الفرض على ما أمر الله به، لان صفة (مسلم) كصفة مؤمن فى انها مدح. ~~والبيت الذي وجده فى تلك القرية من المؤمنين هم أتباع لوط ووجدان الضالة ~~هو إدراكها بعد طلبها، ووجدت الموجدة إدراك ما يوجب العتاب والائمة فى ~~القلب، ووجدت المال أجده أدركت ملكا لي كثيرا، ووجدت زيدا الصالح ~~بمعنى علمته، ووجدت الضالة وجدانا. # والبيت هو ms3272 البناء المهيأ للايواء اليه والمبيت فيه. # وقوله { وتركنا فيها آية } فالترك فى الاصل ضد الفعل ينافي الاخذ فى محل ~~القدرة عليه، والقدرة عليه قدرة على الأخذ. والمعنى فى الآية أبقينا فيها ~~آية، ومثله قوله # وتركهم في ظلمات # بمعنى لم ينفها مع انه قادر على نفيها، وفلان ترك السوق أي قطعها بأن ~~صار لا يمضي اليها. ومعنى { تركنا فيها آية } بمنزلة ما فعل ضد ما تنافيه ~~الآية. وقيل: إن الآية اقتلاع البلدان لا يقدر عليه إلا الله تعالى # وقوله { للذين يخافون العذاب الأليم } إنما خص الخائفين من العذاب ~~الأليم بالآية لأنهم الذين يعتبرون بها وينتفعون بها. ### || [51.38-45] # قرأ الكسائي { الصعقة } الباقون { الصاعقة } ، فالصعقة مصدر صعق يصعق ~~صعقا وصعقة واحدة. والصاعقة الاسم تقول: صاقعة وصاعقة مقدما ومؤخرا، ~~وصواعق وصواقع، وقيل: هما لغتان. # قوله { وفي موسى } عطف على قوله { وتركنا فيها آية } فكأنه قال: وتركنا ~~فى موسى آية حين أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة { فتولى ~~بركنه } قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: معناه بقوته. وقيل: معناه تولى بما ~~كان يتقوى به من جنده وملكه. والركن الجانب الذي يعتمد عليه. والمعنى ان ~~فرعون أعرض عن حجة موسى ولم ينظر فيها بقوته في نفسه { وقال ساحر } أي هو ~~ساحر { أو مجنون } فالسحر حيلة توهم المعجزة بحال خفية. واصله خفاء الأمر ~~فمنه السحر الوقت الذي يخفى فيه الشخص. والسحر الرئة لخفاء سببها فى ~~الترويح عن القلب بها. والسحارة لخفاء السبب فى تلون خيطها. والمجنون ~~الذي أصابته جنة فذهب عقله. وقال الزجاج (او) ههنا بمعنى الواو، ~~والتقدير ساحر ومجنون. وقال غيره: في ذلك دلالة على عظم جهل فرعون، لان ~~الساحر هو اللطيف الحيلة وذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل، فكيف ~~يوصف شخص واحد بهاتين الصفتين فقال الله تعالى مخبرا عن نفسه { فأخذناه ~~وجنوده فنبذناهم } يعني إنا نبذنا فرعون وجنوده { في أليم } أي طرحناه في ~~البحر كما يلقى الشيء في البر { وهو مليم } أي آت بما يلام عليه من الكفر ~~والجحود والعتو والتجبر والتكبر واحد. والملوم ms3273 الذي وقع به اللوم، ~~والمليم الذي أتى بما يلام عليه. # وقوله { وفي عاد } عطف ايضا على قوله { وتركنا فيها } أي وتركنا فى عاد ~~ايضا آية أي دلالة فيها عظة { إذ أرسلنا } أي اطلقنا { عليهم الريح ~~العقيم } وهي التي عقمت عن ان تأتي بخير من تنشئة سحاب او تلقيح شجرة او ~~تذرية طعام او نفع حيوان، فهي كالممنوعة من الولادة. وجمع الريح أرواح ~~ورياح، ومنه راح الرجل إلى منزله أي رجع كالريح، والراحة قطع العمل ~~المتعب. وقال ابن عباس: الريح العقيم التي لا تلقح الشجر ولا تنشىء ~~السحاب. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال # " نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور ". # وقوله { ما تذر من شيء أتت عليه } أى لم تترك هذه الريح شيئا تمر عليه ~~{ إلا جعلته كالرميم } وهو السحيق الذي انتفى رمه بانتفاء ملاءمة بعضه ~~لبعض، وأما رمه يرمه رما فهو رام له والشيء مرموم فهو المصلح بملاءمة ~~بعضه لبعض، وهو اصل الرميم الذي رمه بنقصه. وقيل: الرميم الذى ديس من ~~يابس النبات. وقيل: الرميم العظم البالي المنسحق. # وقوله { وفي ثمود إذ قيل لهم } أيضا عطف على قوله { وتركنا فيها آية.. ~~وفي ثمود } وهم قوم صالح لما كفروا وجحدوا نبوة صالح وعقروا ناقة الله ~~واستحقوا الاهلاك { قيل لهم تمتعوا حتى حين } أى انتفعوا فى اسباب اللذات ~~من المناظر الحسنة والروائح الطيبة والاصوات السجية وكل ما فيه منفعة على ~~هذه الصفة { حتى حين } أى إلى حين قدر الله ابقاءكم اليه. # وقيل: إلى حين آجالكم إن اطعتم الله - في قول الحسن - { فعتوا عن أمر ~~ربهم } فالعتو الامتناع عن الحق، وهو الجفاء عنه ترفعا عن إتباع الداعي ~~اليه { فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } أى ارسل الله اليهم الصاعقة التي ~~أهلكتهم واحرقتهم وهم يبصرونها { فما استطاعوا من قيام } أى لم يقدروا ~~على النهوض به { وما كانوا منتصرين } أى طالبين ناصرا يمنعهم من عذاب ~~الله - عز وجل - وقرأ الكسائي { الصعقة } بغير الف. وقد بيناه. ### || [51.46-55] # قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي { وقوم نوح } جرا عطفا ms3274 على قوله { وفي عاد ~~} وتقديره وفي قوم نوح آية. الباقون بالنصب على تقدير وأهلكنا قوم نوح، ~~ويحتمل ان يكون على تقدير فأخذت صاعقه العذاب قوم نوح، إذ العرب تسمى كل ~~عذاب مهلك صاقعة. الثالث على تقدير: واذكر قوم نوح، كقوله # وإبراهيم الذي وفى # والقوم الجماعة الذين من شأنهم أن يقوموا بالأمر، واضافتهم اليه تقتضي ~~انه منهم فى النسب. ولم يفرد ل (قوم) واحد. ثم بين لما أهلكهم فقال { ~~إنهم كانوا قوما فاسقين } خارجين من طاعة الله - عز وجل - إلى الكفر ~~بالله فاستحقوا لذلك الاهلاك. # وقوله { والسماء بنيناها بأيد } معناه بقوة - فى قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وابن زيد - والايدي القوة، ووجه اتصال قوله { والسماء بنيناها ~~بأيد } بما قبله وهو ان فى قوم نوح آية وفي السماء ايضا آية فهو متصل به ~~فى المعنى. # وقوله { وإنا لموسعون } قيل فى معناه ثلاثة أقوال: # احدها - قال الحسن: التوسعة فى الرزق بالمطر. الثاني - قال ابن زيد: ~~بقوة وإنا لموسعون السماء. الثالث - انا لقادرون على الاتساع باكثر من ~~اتساع السماء. والاتساع الاكثار من إذهاب الشيء فى الجهات بما يمكن أن ~~يكون اكثر مما فى غيره يقال أوسع يوسع ايساعا، فهو موسع. والله تعالى قد ~~اوسع السماء بما لا بناء اوسع منه وايساع الرحمة هو الاكثار منها بما ~~يعم. # وقوله { والأرض فرشناها } عطف على قوله { والسماء بنيناها } وتقديره ~~وبنينا السماء بنيناها وفرشنا الارض فرشناها أي بسطناها { فنعم الماهدون ~~} والماهد الموطىء للشيء المهيء لما يصلح الاستقرار عليه، مهد يمهد ~~مهدا، فهو ماهد، ومهد تمهيدا، مثل وطأ توطئة. # وقوله { ومن كل شيء خلقنا زوجين } معناه خلقنا من كل شيء اثنين مثل ~~الليل والنهار، والشمس والقمر والارض والسماء، والجن والانس - فى قول ~~الحسن ومجاهد - وقال ابن زيد { خلقنا زوجين } الذكر والانثى. وفى ذلك ~~تذكير بالعبرة فى تصريف الخلق والنعمة في المنفعة والمصلحة { لعلكم ~~تذكرون } معناه لتتذكروا وتفكروا فيه وتعتبروا به. # وقوله { ففروا إلى الله } أي فاهربوا إلى الله من عقابه إلى رحمته ~~باخلاص العبادة له. وقيل: معناه ففروا إلى ms3275 الله بترك جميع ما يشغلكم عن ~~طاعته ويقطعكم عما أمركم به { إني لكم منه نذير } مخوف من عقابه { مبين } ~~عما اوجب عليكم من طاعته. # ثم نهاهم فقال { ولا تجعلوا مع الله الها آخر } أي لا تعبدوا معه ~~معبودا آخر من الأصنام والاوثان { إني لكم منه نذير مبين } أي من الله ~~مخوف من عقابه مظهر ما اوجب عليكم وأمركم به. وقيل: الوجه في تكرار { إني ~~لكم منه نذير مبين } هو ان الثاني منعقد بغير ما انعقد به الاول اذ ~~تقديره اني لكم منه نذير مبين في الامتناع من جعل اله آخر معه، وتقدير ~~الاول اني لكم منه نذير مبين في ترك الفرار اليه بطاعته فهو كقولك: انذرك ~~أن تكفر بالله انذرك ان تتعرض لسخط الله، ويجوز أن يقول الله ولا تجعلوا ~~مع الله قديما آخر، كما قال { ولا تجعلوا مع الله إلها } لان جعلهم ذلك ~~باعتقادهم الها معه او اظهارهم انه مذهب لهم. # ولا يجوز ان يقول: لا تكونوا قدماء مع الله لانه نهي عما لا يمكن، وهو ~~محال، وكذلك لا يجوز ان يقول لا تصيروا قدماء ولا آلهة، لانه محال. ~~والنذير هو المخبر بما يحذر منه ويصرف عنه وهو يقتضي المبالغة. والمنذر ~~صفة جارية على الفعل تقول: انذر ينذر انذارا، فهو منذر، ونذره أي علم به ~~واستعد له والمبين الذي يأتي ببيان الحق من الباطل. # ثم قال مثل ما أتى هؤلاء الكفار نبي فكذبوه { كذلك ما أتى الذين من ~~قبلهم } من الامم { رسول إلا قالوا } هو { ساحر أو مجنون } فالساحر هو ~~الذي يحتال بالحيل اللطيفة. والمجنون الذي به جنون. وإنما قال الجهال ذلك ~~فى الرسل لان الاقدام عندهم على إنكار عبادة الاوثان لا يكفي فيه الشبهة ~~دون الجنة، فالمجنون المغطى على عقله بمالا يتوجه للادراك به، فكذلك شبه ~~حال قريش فى التكذيب بحال. الامم حتى قالوا: سحر او مجنون. وإنما جاز ~~منهم الاتفاق على تكذيب الرسل من غير تواص ولا تلاق، لان الشبهة الداعية ~~اليه واحدة. # وقوله { أتواصوا } فالتواصي هو ms3276 إيصاء بعض القوم إلى بعض بوصية، والوصية ~~التقدمة فى الأمر بالاشياء المهمة مع النهي عن المخالفة، كالوصية بقضاء ~~الدين ورد الوديعة والحج والصدقة وغير ذلك، فكأن هؤلاء الجهال قد تواصوا ~~بعبادة الأوثان بما هم عليه من الملازمة وشدة المحافظة وصورة الكلام صورة ~~الاستفهام والمراد به الانكار والتوبيخ. # وقوله { بل هم قوم طاغون } معناه لم يتواصوا بذلك لكنهم طاغون طغوا فى ~~معصية الله وخرجوا عن الحد. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { فتول عنهم } أي اعرض عنهم يا محمد - ~~فى قول مجاهد - { فما أنت بملوم } فى كفرهم وجحودهم بل اللائمة والذم ~~عليهم من حيث لا يقبلون ما تدعوهم اليه، وليس المراد أعرض عن تذكيرهم ~~ووعظهم، وإنما أراد أعرض عن مكافأتهم ومقابلتهم ومباراتهم وما أنت فى ذلك ~~بملوم { وذكر } بالموعظة { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } الذين يتعظون ~~بمواعظ الله ويستدلون بآياته. قال حسين بن صمصم. # أما بنو عبس فان هجينهم # ولى فوارسه وافلت اعورا ### || [51.56-60] # هذا اخبار من الله تعالى أنه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته، فاذا ~~عبدوه أستحقوا الثواب، واللام لام الغرض ولا يجوز أن يكون لام العاقبة ~~لحصول العلم بأن كثيرا من الخلق لا يعبدون الله. وفي الآية دلالة على ~~بطلان مذهب المجبره القائلين: بأن الله خلق كثيرا من خلقه للكفر به ~~والضلال عن دينه وخلقهم ليعاقبهم بالنيران، لأنه لا يجوز أن يكون في كلام ~~الله تعالى تناقض، ولا إختلاف وقوله # ولقد ذرأنا لجهنم # قد بينا في ما مضى أن اللام لام العاقبة. والمعنى إنه خلق الخلق كلهم ~~لعبادته وتصير عاقبة كثير منهم إلى جهنم بسوء اختيارهم من الكفر بالله ~~وإرتكاب معاصيه. # فان قيل: أليس قد خلق الله كثيرا من خلقه لطفا لغيرهم، فكيف يكون ~~خلقهم لعبادته؟!. # قلنا: ما خلقه الله تعالى على ضربين: مكلف، وغير مكلف، فما ليس بمكلف ~~خلقه للطف المكلفين، جمادا كان او حيوانا. وما هو مكلف خلقه لعبادته ~~وإن كان فى خلقه أيضا لطف للغير، وكأنه يكون خلقه للأمرين ويكون بمنزلة ~~ما خلقته إلا ليعبد ms3277 مع عبادة غيره لأن عبادة غيره مما هو غرض فى خلقه، ~~ولولا ذلك لم يكن في خلق النبي عليه لطف لغيره، فالتقدير ما خلقته إلا ~~لعبادته مع عبادة غيره به، وهو بمنزلة قول القائل ما أدبت ولدي إلا ليصلح ~~جميعهم أي بتأديبي له مع تأديب غيره الذي يدعوه إلى خلافه، وليس المعنى ~~ما خلقت كل مكلف إلا ليعبد هو فقط. # وفى الآية دلالة على انه تعالى لا يريد المباح، لانه ليس من العبادة. # وقوله { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } معناه نفي الايهام عن ~~خلقهم لعبادته ان يكون ذلك لفائدة تقع وتعود عليه تعالى، فبين انه لفائدة ~~النفع العائد على الخلق دونه تعالى لاستحالة النفع عليه ودفع المضار، ~~لانه غني بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وكل الناس محتاجون اليه. ومن زعم ان ~~التأويل ما اريد ان يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم، فقد ترك الظاهر من غير ~~ضرورة. وقال ابن عباس: معنى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الا ~~ليتقربوا لي بالعبودية طوعا وكرها. # ثم بين تعالى انه - جل وعز - هو الرزاق لعباده فقال { إن الله هو الرزاق ~~} والخلق لا يرزقونه { ذو القوة } صاحب القدرة { المتين } ومعناه انه ~~القوي الذي يستحيل عليه العجز والضعف، لانه ليس بقادر بقدرة، بل هو قادر ~~لنفسه، ولانه ليس بجسم، والجسم هو الذي يحلقه ضعف. ومن خفض { المتين } - ~~وهو يحيى ابن وثاب - جعله صفة للقوة، وذكره لانه ذهب إلى الحبل والشيء ~~المفتون يريد القوة، قال الشاعر: # لكل دهر قد لبست أثوبا # من ريطة واليمنية المعصبا # فذكر لان اليمنية ضرب من الثياب وصنف منها، ومن فسر (المتين) بالشديد ~~فقد غلط، لأن الشديد هو الملتف بما يصعب معه تفكيكه. ووصف القوة بأنها ~~أشد يؤذن بالمجاز، وانه بمعنى أعظم. # ثم اخبر تعالى بأن { للذين ظلموا } نفوسهم بارتكاب المعاصي { ذنوبا } ~~أي نصيبا وأصله الدلو الممتلىء ماء، كما قال الراجز: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فان ابيتم فلنا القليب # وقال علقمة: # وفي كل حي قد خبطت بنعمة # فحق لشاش ms3278 من نداك ذنوب # أي نصيب، وإنما قيل الدلو: ذنوب، لانها فى طرف الحبل، كأنها في الذنب. ~~وقيل: معناه لهم بلاء وويل. والذنوب الدلو العظيمة يؤنث ويذكر، وقوله { ~~مثل ذنوب أصحابهم } أي مثل نصيب اصحابهم من الكفار الذين تقدموهم { فلا ~~تستعجلون } قل لهم لا تستعجلون بانزال العذاب عليهم، فانهم لا يفوتون. # ثم قال { فويل للذين كفروا } وحدانيتي وجحدوا نبوة رسولي { من يومهم ~~الذي يوعدون } فيه بانزال العذاب بالعصاة وهو يوم القيامة، والويل كلمه ~~تقولها العرب لكل من وقع فى مهلكة. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-8] # سبع آيات حجازي وثمان في ما عداه، عد الكوفيون والشاميون { والطور } ~~ولم يعده الحجازيون. # الوجه فى القسم بالطور هو ما قدمناه فى قوله { والذاريات } وغير ذلك، ~~وهو أن الله تعالى له أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس للعباد ان يقسموا ~~إلا به. وقيل: الطور هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. وقال مجاهد: ~~الطور جبل. وقال المبرد: يقال لكل جبل طور. فاذا ادخلت عليه الألف واللام ~~كان معرفة لشيء بعينه. ومنه قوله # ورفعنا فوقهم الطور # وقيل: إنه سرياني { وكتاب مسطور } أي مكتوب - فى قول قتادة والضحاك - ~~قال رؤية: # إني واسطار سطرن سطرا # وقيل: الكتاب المسطور: هو الذي كتبه الله على خلقه من الملائكة في ~~السماء يقرؤن فيه ما كان ويكون. وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله فى اللوح ~~المحفوظ، وهو الرق المنشور. وقال الفراء: الكتاب المسطور صحائف الاعمال ~~فمن أخذ كتابه بيمينه، ومن أخذ كتابه بشماله. والسطر ترتيب الحروف. ~~والمسطور المرتب الحروف على وجه مخصوص، سطرته أسطره سطرا، فأنا ساطر ~~وذلك مسطور { في رق منشور } فالرق جلد رقيق يصلح للكتابة. وقال ابو ~~عبيدة: الرق هو الورق. وقيل: إنما ذكر الرق، لانه من أحسن ما يكتب عليه، ~~فذكر لهذه العلة، فاذا كتبت الحكمة في ما هو على هذه الصفة كان أبهى ~~وأولى. والمنشور المبسوط. وإنما قيل: منشور، لانه أبهى في العيون. # وقوله { والبيت المعمور } قيل: هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة، ~~تعمره الملائكة بما يكون منها ms3279 فيه من العبادة. وروي ذلك عن علي عليه ~~السلام وابن عباس ومجاهد. قال على عليه السلام يدخل كل يوم سبعون الف ملك ~~ثم لا يعودون فيه. وقال الحسن البيت المعمور: البيت الحرام. وقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام ومجاهد وقتادة وابن زيد { والسقف المرفوع } هو ~~السماء. وقوله { والبحر المسجور } فالبحر المجري الواسع العظيم من مجاري ~~الماء، واصله الاتساع. والبحيرة الناقة التي يوسع شق أذنها وتخلى في ~~المرع. وتبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه، والمسجور المملؤ. ومنه سجرت ~~التنور إذا ملأته نارا. وعين سجراء ممتلئة فيها حمرة كأنها احمرت مما هو ~~لها كسجار التنور. وقال مجاهد وابن زيد: البحر المسجور الموقد. وقال ~~قتادة: هو المملوء قال لبيد: # فتوسطا عرض السري وصدعا # مسجورة متجاوز أقدامها # وروي في الحديث ان البحر يسجر، فيكون نارا في جهنم. # وقوله { إن عذاب ربك لواقع } جواب القسم، أقسم الله تعالى بالاشياء التي ~~تقدم ذكرها ليتحقق عند العباد أن عذابه واقع لا محالة لمن وافى على الصفة ~~التي يستحق بها العقوبة، وأن لا يطمع أن ينفعه سؤال حميم او قريب منه قال ~~النمر ابن تولب العكلي: شاهدا فى المسجور: # إذا شاء طالع مسجورة # ترى حولها النبع والسما سما # وإنما هي بقعة مملوة شجرا. ### || [52.9-16] # ثمان آيات كوفي وشامي، وسبع في ما عداهما، عد الكوفيون والشاميون { دعا ~~} ولم يعده الباقون. # قوله { يوم تمور السماء مورا } يعني يوم القيامة، وهو متعلق بقوله { إن ~~عذاب ربك لواقع.. يوم تمور السماء مورا } والمور تردد الشيء بالذهاب ~~والمجيء كما يتردد الدخان ثم يضمحل، مار يمور مورا فهو مائر. وقيل: يمور ~~مورا بمعنى يدور دورا - فى قول مجاهد - وقال الضحاك: معناه يموج موجا ~~قال الاعشى انشده أبو عبيدة: # كان مشيتها من بيت جارتها # مور السحابة لا ريث ولا عجل # ورواه غيره مر السحابة { وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين } ~~الذين ينكرون اخبار الله تعالى فهؤلاء الجهال أنكروا ما اخبر به الانبياء ~~بأن نسبوه إلى الكذب { الذين هم في خوض يلعبون } فالخوض الدخول فى الماء ms3280 ~~بالقدم وشبه به الدخول فى الأمر بالقول، يقال خاض يخوض خوضا، فهو خائض. ~~وخوضه فى الشراب تخويضا، ومنه المخوض. واللعب طلب الفرح بمثل حال الصبي ~~فى إنتفاء العمل على مقتضى العقل، لعب لعبا فهو لاعب، ودخلت الفاء في { ~~فويل } لما فيه من معنى الجزاء، لان تقديره إذا كان كذا وكذا فويل، ومعنى ~~الآية إني سأعلمهم بكفرهم وتصير عاقبتهم العذاب. # وقوله { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } معناه يوم يدعون إلى نار جهنم ~~للعذاب فيها، دعه يدعه دعا إذا دفعه. ومثله صكه يصكه صكا، والداع ~~الدافع وقيل: الدع الدفع بانزعاج وإرهاق - في قول قتادة والضحاك -. # وقوله { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } أي يقال لهم على وجه التوبيخ: ~~هذه النار التي كنتم تكذبون بها في دار التكليف حين جحدتم الثواب والعقاب ~~والنشور. ويقال لهم على وجه الانكار عليهم { أفسحر هذا } قد غطى على ~~ابصاركم { أم أنتم لا تبصرون } ثم يقال لهم { اصلوها } يعني النار { ~~فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } كونكم في العقاب صبرتم أو لم تصبروا، ~~فانه لا يحيف عليكم { إنما تجزون ما كنتم } أي جزاء ما كنتم { تعملون } ~~في الدنيا من المعاصي والصلي لزوم النار المعذب بها صلى يصلي صليا، ومنه ~~الصلاة للزوم الدعاء فيها، ومنه: # صلى على دنها وارتسم # أي لزم، والمصلي الذي يجيء في اثر السابق على لزوم أثره والأصل لزوم ~~الشيء، والصبر حبس النفس على الأمر بالعمل فكأنه قال: احبسوا أنفسكم على ~~النار لتعاملوا بالحق او لا تحبسوا سواء عليكم في ان الجزاء لا محالة ~~واقع بكم ولا حق لكم. والجزاء مقابلة العمل بما يقتضيه في العقل من خير ~~او شر. والسواء والاستواء والاعتدال بمعنى واحد. والاستواء إمتناع كل ~~واحد من المقدارين من ان يكون زائدا على الآخر او ناقصا عنه، فالصبر ~~وترك الصبر لا ينفع واحد منهما في رفع العذاب عن أهل النار. ### || [52.17-20] # لما اخبر الله تعالى عن حال الكفار وما أعد لهم من أليم العقاب، اخبر ~~أيضا بما أعده للمؤمنين المتقين من أنواع ms3281 الثواب فقال { إن المتقين } ~~الذين يجتنبون معاصي الله خوفا من عقابه { في جنات } أي بساتين تجنها ~~الاشجار { ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم } أي متنعمين بما أعطاهم ربهم من ~~أنواع النعم وقال الزجاج: معنى { فاكهين } معجبين بما آتاهم. وقال ~~الفراء: مثل ذلك { وقاهم ربهم } أي منع عنهم عذاب الجحيم. والفاكه الكثير ~~الفاكهة، كقولهم لابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. والفكه المسرور بأحواله ~~كسرور آكل الفاكهة بفاكهته. # وقوله { متكئين على سرر مصفوقة } قيل متكئين على النمارق وهي الوسائد ~~إلا انه حذف ذكرها. والمعنى (عليه)، لأنه أصل الاتكاء، وتقديره متكئين ~~على النمارق الموضوعة على السرر، وهو جمع سرير. وقوله { مصفوقة } أي ~~مصطفة. وقوله { وزوجناهم بحور عين } فالحور البيض النقيات البياض في حسن ~~وكمال، والعين الواسعة الأعين في صفاء وبهاء، والمعنى قرنا هؤلاء المتقين ~~بالحور العين على وجه التنعيم لهم والتمتيع. ### || [52.21-25] # قرأ ابن كثير وأهل الكوفة { واتبعتهم } بالتاء { ذريتهم } على واحدة { ~~بهم ذريتهم } على واحدة ايضا. وقرأ نافع { واتبعتهم } بالتاء { ذريتهم } ~~على واحدة { بهم ذرياتهم } على الجمع. وقرأ ابن عامر { واتبعتهم ذرياتهم ~~} بالتاء على الجمع { بهم ذرياتهم } جماعة ايضا. وقرأ ابو عمرو { ~~أتبعناهم } بالنون { ذرياتهم } جماعة { ألحقنا بهم ذرياتهم } جماعة ~~ايضا. وقرأ ابن كثير وحده { وما ألتناهم } بفتح الألف وكسر اللام. ~~الباقون - بفتح الألف واللام - وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا لغوا فيها ~~ولا تأثيم } نصبا. الباقون بالرفع والتنوين. قال الزجاج: فمن رفع فعلى ~~ضربين: احدهما - على الابتداء و (فيها) الخبر، والثاني - أن تكون (لا) ~~بمعنى ليس رافعة وانشد سيبويه: # من فر عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح # ومن نصب بنى كقوله # لا ريب فيه # والاختيار عند النحويين إذا كررت (لا) الرفع. والنصب جائز حسن. # يقول الله تعالى { والذين آمنوا } بالله وأقروا بتوحيده وصدقوا رسله { ~~واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم } من قرأ بالنون معناه، ~~وألحقنا بهم ذرياتهم أي ألحق الله بهم ذرياتهم يعني حكم لهم بذلك. ومن ~~قرأ { واتبعتهم } نسب الاتباع إلى الذرية. والمعنى إنهم آمنوا كما آمنوا، ~~فمن جمعه ms3282 فلاختلاف اجناس الذرية، ومن وحد، فلانه يقع على القليل والكثير، ~~وإنما قرأ ابو عمرو { أتبعناهم } بالنون لقوله بعد ذلك { ألحقنا } وقال ~~البلخي: معنى الآية إن ثواب الذرية إذا عملوا مثل أعمال الاباء يثابون ~~مثل ثواب الاباء، لان الثواب على قدر الاعمال. ولما قال { واتبعناهم ~~ذرياتهم } بين أن ذلك يفعل بهم من غير ان ينقص من أجورهم، لئلا يتوهم انه ~~يلحقهم نقص أجر. وقال الزجاج: معنى الآية إن الابناء إذا كانوا مؤمنين ~~فكانت مراتب آبائهم فى الجنة أعلا من مراتبهم ألحق الابناء بالآباء، ولم ~~ينقص الآباء من أعمالهم، وكذلك إن كان اعمال الآباء انقص ألحق الآباء ~~بالابناء. والاتباع إلحاق الثاني بالاول فى معنى عليه الأول، لانه لو ~~ألحق به من غير أن يكون فى معنى هو عليه لم يكن إتباعا، وكان إلحاقا. ~~وإذا قيل: اتبعه بصره فهو الادراك، وإذا قيل: تبعه فهو يصرف البصر ~~بتصرفه. # وقوله { ألحقنا بهم ذرياتهم } قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: الحقوا ~~الأولاد بالاباء إذا آمنوا من أجل إيمان الأباء. وفى رواية أخرى عن ابن ~~عباس: أن التابعين الحقوا بدرجة آبائهم، وإن قصرت اعمالهم تكرمة لآبائهم ~~والاول هو الوجه. وإنما وجب بالايمان إلحاق الذرية بهم مع أنهم قد يكون ~~ليس لهم ذرية لانه إنما يستحق ذلك السرور على ما يصح ويجوز مع أنه إذا ~~اتبع الذرية على ما أمر الله به استحق الجزاء فيه، فان أبطلته الذرية عند ~~البلوغ بسوء عمل، وفي سروره فى أمر آخر كما أن اهل الجنة من سرورهم ما ~~ينزل باعدائهم فى النار، فلو عفى عنهم لوفوا سرورهم بأمر آخر. # وقوله { وما ألتناهم } معناه ما نقصناهم يقال: ألته يألته ألتا، وألاته ~~يلته إلاتة، ولاته يليته ثلاث لغات - ذكرها ابو عبيدة: إذا نقصه، فبين - ~~عز وجل - أنه لا يجوز عليه نقصان شيء من جزاء عمله، لانه لا يجوز عليه ~~الظلم لا قليله ولا كثيره ولا صغيره ولا كبيره، وقال ابن عباس ومجاهد ~~والربيع { وما ألتناهم } ما نقصناهم قال الشاعر: # ابلغ بني ثعل عني مغلغلة ms3283 # جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا # وقوله { كل امرىء بما كسب رهين } أي كل إنسان يعامل بما يستحقه ويجازى ~~بحسب ما عمله إن عمل طاعة أيثب عليها وإن عمل معصية عوقب بها لا يؤاخذ ~~احد بذنب غيره. والرهين والمرهون والمرتهن هو المحتبس على أمر يؤدى عنه ~~بحسب ما يجب فيه، فلما كان كل مكلف محتبسا على عمله، فان صح له اداؤه ~~على الواجب فيه تخلص، وإلا هلك، فلهذا قال { كل امرىء بما كسب رهين }. # قوله { وأمددناهم بفاكهة } فالامداد هو الاتيان بالشيء بعد الشيء يقال: ~~مد الجرح وأمد النهر، والفاكهة هي الثمار { ولحم مما يشتهون } أي ~~وامددناهم ايضا بلحم من الجنس الذي يشتهونه. # وقوله { يتنازعون فيها كأسا } أي يتعاطون كأس الخمر، قال الاخطل: # نازعتهم طيب الراح الشمول وقد # صاح الدجاج وحانت وقعة الساري # والكأس الأناء المملوء بالشراب، فان كان فارغا فلا يسمى كأسا - ذكره ~~الفراء - وقوله { لا لغو فيها ولا تأثيم } معناه لا يجري بينهم باطل ولا ~~ما يلغى فيه ولا ما فيه أثم كما يجري فى الدنيا عند شرب الخمر. وقوله { ~~ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } يعني فى صفائه وبياضه وحسن ~~منظره، والمكنون المصون. وقيل: ليس على الغلمان مشقة فى خدمة أهل الجنة، ~~بل لهم فى ذلك لذة، لأنه ليس هناك دار محنة. وقوله { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا عن حاله، وما هو فيه من انواع النعيم ~~فيسرون بذلك ويزداد فرحهم وقيل: يسأل بعضهم بعضا عما فعلوه في دار ~~الدنيا مما استحقوا به المصير إلى الثواب والكون فى الجنان بدلالة قوله { ~~إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين }. ### || [52.26-30] # قرأ نافع والكسائي { ندعوه أنه } بفتح الهمزة على تقدير بأنه او لأنه. ~~الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف. # لما حكى الله تعالى ان اهل الجنة يقبل بعضهم على بعض ويسأل بعضهم بعضا ~~عن احوالهم ذكر ما يقولونه فانهم يقولون { إنا كنا } فى دار الدنيا { في ~~أهلنا مشفقين } أي خائفين رقيقي القلب، فالاشفاق رقة القلب عما يكون من ms3284 ~~الخوف على الشيء، والشفقة نقيض الغلظة. واصله الضعف من قولهم: ثوب شفق أي ~~ضعيف النسج رديئه، ومنه الشفق، وهو الحمرة التي تكون عند غروب الشمس إلى ~~العشاء الآخرة، لانها حمرة ضعيفة. والأهل هو المختص بغيره من جهة ما هو ~~اولى به، وكلما كان أولى به فهو احق بأنه أهله، فمن ذلك اهل الجنة وأهل ~~النار. ومن ذلك اهل الجود والكرم، وفلان من اهل القرآن، ومن أهل العلم، ~~ومن أهل الكوفة. ومن هذا قيل: لزوجة الرجل: أهله، لانها مختصة به من جهة ~~هي أولى به من غيره. # فقوله { في أهلنا مشفقين } اي من يختص به ممن هو أولى بنا. # وقوله { فمن الله علينا } فالمن القطع عن المكاره إلى المحاب، يقال: من ~~على الاسير يمن منا إذا اطلقه واحسن اليه، وامتن عليه بصنيعه أي اقتطعه ~~عن شكره بتذكير نعمته والمنية قاطعة عن تصرف الحي # أجر غير ممنون # أي غير مقطوع. # وقوله { ووقانا عذاب السموم } الوقا: منع الشيء من المخوف بما يحول بينه ~~وبينه، ومنه الوقاية، ووقاه يقيه وقاء فهو واق، ووقاه توقية قال الراجز: # إذا الموقي مثل ما وقيت عذاب السموم # فالسموم الحر الذي يدخل فى مسام البدن بما يوجد ألمه، ومنه ريح السموم، ~~ومسام البدن الخروق الدقاق. # ثم قالوا { إنا كنا من قبل ندعوه } يعني فى دار التكليف ندعوه { أنه هو ~~البر الرحيم } أي ندعوه بهذا، فيمن فتح الهمزة، ومن كسرها أراد إنا كنا ~~ندعوه ونتضرع اليه، ثم ابتدأ فقال { إنه هو البر الرحيم } قال ابن عباس: ~~البر هو اللطيف وأصل الباب اللطف مع عظم الشأن، ومنه البر للطفها مع عظم ~~النفع بها، ومنه البر لأنه لطف النفع به مع عظم الشأن، ومنه البرية للطف ~~مسالكها مع عظم شأنها، والبر بالكسر الفاره، والبر بر الوالدين، وقولهم: ~~فلان لا يعرف هره من بره قيل فى معناه ثلاثة اشياء: # احدها - لا يعرف السنور من الفاره. # الثاني - لا يعرف من يبره ممن يكرهه. # الثالث - لا يعرف دعاء الغنم وهو برها من سوقها. # ثم قال ms3285 تعالى للنبي صلى الله عليه وآله { فذكر } يا محمد أي اعظ هؤلاء ~~المكلفين { فما أنت بنعمة ربك } قسم من الله تعالى بنعمته { بكاهن ولا ~~مجنون } على ما يرمونك به. # وقال البلخي: معناه ما أنت بنعمة الله عليك بكاهن، ولا يلزم ان يكون ~~الله تعالى لم ينعم على الكاهن، لأن الله تعالى قد عم على جميع خلقه ~~بالنعم وإن كان ما انعم به على النبي اكثر، وقد مكن الله الكاهن وسائر ~~الكفار من الايمان به، وذلك نعمة عليه. فالكاهن الذي يذكر انه يخبر عن ~~الجن على طريق العزائم، والكهانة صنعة الكاهن، والكاهن الموهم انه يعلم ~~الغيب بطريق خدمة الجن والمجنون المؤف بما يغطي على عقله حتى لا يدرك به ~~فى حال يقظة، وقد علموا أنه ليس بشاعر، كما علموا أنه ليس بمجنون، لكن ~~قالوا ذلك على جهة التكذيب عليه ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء ~~إلى التكذب على أعدائهم. # ثم قال { أم } ومعناه بل { يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } قال ~~مجاهد: ريب المنون حوادث الدهر. وقال ابن عباس وقتادة: الموت، والمنون ~~المنية، وريبها الحوادث التي تريب عند مجيئها وقال الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها # سيهلك عنها بعلها وشحيح ### || [52.31-40] # لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا فى النبي صلى الله عليه وآله ~~أنه كاهن ومجنون، وانه شاعر نتربص به ريب المنون أي نتوقع فيه حوادث ~~الدهر والهلاك، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهم يا ~~محمد { تربصوا فإني معكم من المتربصين } فالتربص هو الانتظار بالشيء ~~إنقلاب حال إلى خلافها. والمعنى إنكم إن تربصتم بي حوادث الدهر والهلاك، ~~فاني معكم من المنتظرين لمثل ذلك، فتربص الكفار بالنبي صلى الله عليه ~~وآله والمؤمنين قبيح، وتربص النبي والمؤمنين بالكفار وتوقعهم لهلاكهم ~~حسن، وقوله { فتربصوا } وإن كان بصيغة الأمر فالمراد به التهديد. # وقوله { أم تأمرهم أحلامهم بهذا } على طريق الانكار عليهم ان هذا الذي ~~يقولونه ويتربصون بك من الهلاك. أحلامهم أي عقولهم تأمرهم به، وتدعوهم ~~اليه والاحلام جمع الحلم، ms3286 وهو الامهال الذي يدعو إليه العقل والحكمة، ~~فالله تعالى حليم كريم، لانه يمهل العصاة بما تدعو اليه الحكمة، ويقال: ~~هذه أحلام قريش أي عقولهم. ثم قال تعالى ليس الأمر على ذلك { بل هم قوم ~~طاغون } والطاغي هو الطالب للارتفاع بالظلم لمن كان من العباد، ومنه قوله # إنا لما طغا الماء # لانه طلب الارتفاع كطلب الظالم للعباد فى الشدة، فحسن على جهة ~~الاستعارة. # وقوله { أم يقولون تقوله } معناه بل يقولون أفتراه واخترعه وافتعله، لان ~~التقول لا يكون إلا كذبا، لانه دخله معنى تكلف القول من غير حقيقة معنى ~~يرجع اليه، وكذلك كل من تكلف أمرا من غير اقتضاء العقل أن له فعله فهو ~~باطل. ثم قال { بل } هؤلاء الكفار { لا يصدقون } بنبوتك ولا بأن القرآن ~~انزل من عند الله. والآية ينبغي ان تكون خاصة فيمن علم الله انه لا يؤمن. # ثم قال على وجه التحدي لهم { فليأتوا بحديث مثله } يعني مثل القرآن وما ~~يقاربه { إن كانوا صادقين } فى انه شاعر وكاهن ومجنون وتقوله، لانه لا ~~يتعذر عليهم مثله. وقيل المثل الذي وقع التحدي به هو ما كان مثله فى أعلا ~~طبقة البلاغة من الكلام الذي ليس بشعر. واعلا طبقات البلاغة كلام قد جمع ~~خمسة أوجه: تعديل الحروف فى المخارج، وتعديل الحروف فى التجانس وتشاكل ~~المقاطع مما تقتضيه المعاني وتهذيب البيان بالايجاز فى موضعه والاطناب فى ~~موضعه، والاستعارة فى موضعها والحقيقة في موضعها. واجراء جميع ذلك فى ~~الحكم العقلية بالترغيب فى ما ينبغي ان يرغب فيه. والترهيب مما ينبغي ان ~~يرهب منه، والحجة التي يميز بها الحق من الباطل. والموعظة التي تليق ~~للعمل بالحق. # وقوله { أم خلقوا من غير شيء } معناه أخلقوا من غير خالق { أم هم ~~الخالقون } لنفوسهم فلا يأتمرون لامر الله ولا ينتهون عما نهاهم عنه. # وقيل: معنى { أخلقوا من غير شيء } أخلقوا لغير شيء أي أخلقوا باطلا لا ~~لغرض. وقيل: المعنى أخلقوا من غير أب ولا أم فلا يهلكون، كما أن السموات ~~والارض خلقتا من غير شيء، فاذا هم ms3287 أضعف من السماء الذي خلق لا من شيء، ~~فاذا كان ما خلق لا من شيء يهلك فما كان دونه بذلك أولى. وقوله { أم ~~خلقوا السماوات والأرض } واخترعوها فلذلك لا يقرون بالله أنه خالقهم. ثم ~~قال تعالى { بل لا يوقنون } بان لهم إلها يستحق العبادة وحده ولا يقرون ~~بانك نبي من جهة الله. # وقوله { أم عندهم خزائن ربك } معناه اعندهم خزائن نعمة ربك وخزائن الله ~~مقدوراته، لأنه يقدر من كل جنس على ما لا نهاية له فشبه ذلك بالخزائن ~~التي تجمع اشياء مختلفة. والمعنى كأنه قال: أعندهم خزائن رحمة ربك فقد ~~أمنوا أن تجيء الأمور على خلاف ما يحبون { أم هم المسيطرون } على الناس ~~فليس عليهم مسيطر ولا لهم ملزم ومقوم، فالمسيطر الملزم غيره امرا من ~~الامور قهرا، وهو مأخوذ من السطر يقال: سيطر يسيطر سيطرة، وهو (فيعل) من ~~السيطرة، ونظيره بيطر بيطرة. وقيل: المسيطر الملك القاهر. وقيل: هو ~~الجبار المتسلط، ومنه قوله # لست عليهم بمصيطر # يقولون: سيطر علي أي اتخذني خولا، وقال ابو عبيدة: المسيطرون الارباب، ~~والمسيطر والمبيقر والمبيطر والمهيمن والكميت اسماء جاءت مصغرة لا نظير ~~لها. وقرأ قتادة { بمسيطر } بفتح الطاء، بمعنى لست عليهم بمسلط. وقرأ ابن ~~كثير وابو عمرو وابن عامر والكسائي { المسيطرون } بالسين. الباقون بالصاد ~~إلا ان حمزة يشم الصاد زايا. # وقوله { أم لهم سلم يستمعون فيه } فالسلم مرتقى إلى العلو من مشيد ~~الدرجة مرتقى إلى علو من بناء مصمت. ويقال: جعلت فلانا سلما لحاجتي أي ~~سببا. وقال ابن مقبل: # لا يحرز المروء احجاء البلاد ولا # تبنى له فى السموات السلاليم # فكأنه قيل أم يستمعون الوحي من السماء، فقد وثقوا بما هو عليه وردوا ما ~~سواه { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } أي بحجه يظهر صحة قولهم. والاستماع ~~الاصغاء إلى الصوت، وإنما قيل لهم ذلك، لان كل من ادعى ما لم يعلم ببداهة ~~العقول فعليه إقامة الحجة. # وقوله { أله البنات ولكم البنون } معناه ألكم البنون ولله البنات، فصاحب ~~البنين أعلى كلمة من صاحب البنات، وهذا غاية التجهيل لهم والفضيحة ms3288 عليهم. # وقيل: لو جاز اتخاذ الأولاد عليه لم يكن يختار على البنين البنات فدل ~~بذلك على افراط جهلهم في ما وصفوا الله تعالى به من اتخاذ الملائكة بنات. # وقوله { أم تسألهم أجرا } أي ثوابا على اداء الرسالة اليهم بدعائك ~~إياهم إلى الله { فهم من مغرم مثقلون } فالمغرم إلزام الغرم - فى المال - ~~على طريق الابذال، والمغرم انفاق المال من غير إبذال. واصله المطالبة ~~بالحاح فمنه الغريم، لانه يطالب بالدين بالحاح، ومنه # إن عذابها كان غراما # أي ملحا دائما. والمغرم لانه يلزم من جهة المطالبة بالحاح لا يمكن ~~دفعه. والمثقل المحمول عليه ما يشق حمله لثقله. ### || [52.41-49] # قرأ عاصم وابن عامر { يصعقون } بضم الياء - على ما لم يسم فاعله - ~~الباقون بفتح الياء على اضافة الفعل اليهم، وهما لغتان. يقال: صعق فلان ~~فهو مصعوق وصعق فهو صاعق. وروي عن عاصم أيضا { يصعقون } بضم الياء وكسر ~~العين بمعنى يحصلون فى الصاعقة. وقيل: الصعق الهلاك بصيحة تصدع القلب. ~~وقيل: الصعق عند النفخة الاولى. قال قوم: إن قوله { أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون } جواب لقولهم ان كان امر الآخرة على ما تدعون حقا فلنا الجنة ~~كقولهم # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # ذكره الحسن. والغيب الذي لا يعلمه إلا الله هو ما لم يعلمه العاقل ضرورة ~~ولا عليه دلالة. والله تعالى عالم به، لانه يعلمه لنفسه، والعالم لنفسه ~~لا يخفى عليه شيء من وجه من الوجوه. # وقوله { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } فالكيد هو المكر. ~~وقيل: هو فعل ما يوجب الغيظ فى خفى يقال: كاده يكيده كيدا، فهو كائد، ~~والمفعول مكيد وكايده مكايدة مثل غايظة مغايظة. والكيد من الله هو ~~التدبير الذي يدبره لأوليائه على اعدائه ليقهروهم ويستعلوا عليهم بالقتل ~~والاسر. وقال الزجاج: معناه أيريدون بكفرهم وطغيانهم كيدا، فالله تعالى ~~يكيدهم بالعذاب فى الدنيا والآخرة. # وقوله { أم لهم إله غير الله } أي على حقيقية معنى الالهية وهو القادر ~~على ما تحق به العبادة فلذلك عبدوه؟! فانهم لا يقدرون على دعوى ذلك. ثم ms3289 ~~نزه نفسه فقال { سبحان الله عما يشركون } من ادعاء آلهة معه من الاصنام ~~والاوثان. # وقوله { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا } فالكسف جمع كسفة كقولك: سدر ~~وسدرة، وهو جواب قولهم # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # فقال الله تعالى لو سقط عليهم ما آمنوا ولقالوا { سحاب مركوم } والكسف ~~القطعة من الغيم بقدر ما يكسف ضوء الشمس. والكسف من السماء القطعة منها. ~~والسحاب الغيم سمي بذلك لانسحابه فى السماء، والمركوم الموضوع بعضه على ~~بعض. وكل الأمور المذكورة بعد (أم) إلزامات لعبدة الاوثان على مخالفة ~~القرآن، ثم قال تعالى للنبي صلى الله عليه وآله { فذرهم } أي اتركهم { ~~حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون } أي يهلكون فيه بوقوع الصاعقة عليهم. ~~وقيل: الصعقة هي النفخة الاولى التي يهلك عندها جميع الخلائق، ثم وصف ذلك ~~اليوم بأن قال { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي لا ينفعهم كيدهم ~~وحيلتهم ولا تدفع عنهم شيئا، لان جميعه يبطل { وهم لا ينصرون } بالدفاع ~~عنهم. والفرق بين الغنى بالشيء والغنى عنه أن الغنى عنه يوجب أن وجوده ~~وعدمه سواء فى أن الموصوف غني، وليس كذلك الغنى به، لانه يبطل ان يكون ~~الموصوف غنيا. والغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، وليس بهذه الصفة إلا ~~الله تعالى. # ومعنى { لا يغني عنهم } أي لا يصرف عنهم شيئا من الضرر الذي يقع إلى ~~نفع يصير بمنزلة الغنى لهم. # وقوله { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك } قال ابن عباس: هو عذاب القبر، ~~وبه قال البراء وقال مجاهد: هو الجوع فى الدنيا. وقال ابن زيد: هو مصائب ~~الدنيا. وقال قوم: هو عموم جميع ذلك. # ثم قال { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ومعناه إن اكثر هؤلاء الكفار لا ~~يعلمون صحة ما أمرناهم وأمرناك به لجحدهم نبوتك. # ثم قال تعالى للنبي صلى الله عليه وآله { واصبر } يا محمد { لحكم ربك } ~~الذي حكم به وألزمك التسليم له { فإنك بأعيننا } أي بمرئى منا ندركك، ولا ~~يخفى علينا شيء من أمرك، نحفظك لئلا يصلوا إلى شيء من مكروهك. وأمره ~~بالتنزيه ms3290 له عما لا يليق به فقال { وسبح بحمد ربك حين تقوم } قال ابو ~~الاحوص: معناه حين تقوم من نومك. وقال الضحاك: معناه إذا قمت إلى الصلاة ~~المفروضة، فقل سبحانك اللهم وبحمدك. وقال ابن زيد: معناه صل بحمد ربك حين ~~تقوم من نوم القائلة إلى صلاة الظهر. ثم قال { ومن الليل فسبحه وإدبار ~~النجوم } معناه من الليل يعني من المغرب والعشاء الآخرة { وإدبار النجوم ~~} قال الضحاك وابن زيد: هو صلاة الفجر قال ابن عباس وقتادة. هما الركعتان ~~قبل صلاة الفجر، وقال الحسن: هما الركعتان قبل صلاة الفجر تطوعا، ~~والنجوم هي الكواكب واحدها نجم، ويقال: نجم النبت ونجم القرن والسن إلا ~~انه إذا اطلق أفاد الكواكب. وقرأ { وإدبار النجوم } بفتح الهمزة زيد عن ~~يعقوب على انه جمع. الباقون - بكسرها - على المصدر. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-10] # قوله { والنجم } قسم من الله تعالى. وقد بينا أن الله تعالى له أن يقسم ~~بما يشاء من خلقه، وليس للعباد أن يحلفوا إلا به. وقال قوم: معناه ورب ~~النجم فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه، وفى معنى { النجم } ها هنا ~~ثلاثة أقوال: # احدها - قال مجاهد: المراد به الثريا إذا سقطت مع الفجر. # الثاني - في رواية أخرى عن مجاهد أن المراد به القرآن إذا نزل. # الثالث - قال الحسن: معناه جماعة النجوم. { إذا هوى } أي إذا سقط يوم ~~القيامة كقوله - عز وجل - # وإذا الكواكب انتثرت # وقيل: النجم على طريق الجنس، كما قال الراعى: # وباتت تعد النجم فى مستحيرة # سريع بأيدي الآكلين جمودها # (مستحيرة) شحمة مذابة صافية فى إهالة، لانها من شحم سمين. # وقوله { إذا هوى } قيل: معناه إذا هوى للمغيب ودل على ما فيه من العبرة ~~بتصريف من يملك طلوعه وغروبه، ولا يملك ذلك إلا الله تعالى. وقيل: كان ~~القرآن ينزل نجوما، وبين أول نزوله وأخره عشرون سنة - ذكره الفراء وغيره ~~- والنجم هو الخارج عن الشيء بخروج المنتشيء عنه. والهوى ميل الطباع إلى ~~ما فيه الاستمتاع، وهو مقصور وجمعه أهواء، والهواء الذي هو الجو ممدود ~~وجمعه أهوية. # وقوله { ما ms3291 ضل صاحبكم } يعني النبي صلى الله عليه وآله ما ضل عن الحق { ~~وما غوى } أي وما خاب عن إصابة الرشد، يقال: غوى يغوي غيا إذا خاب، وقال ~~الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي من يخب { وما ينطق عن الهوى } أي ليس ينطق عن الهوى أي بالهوى، يقال: ~~رميت بالقوس وعن القوس. والمعنى إنه لا يتكلم فى القرآن وما يؤديه اليكم ~~عن الهوى الذي هو ميل الطبع { إن هو إلا وحي يوحى } معناه ليس الذي يتلوه ~~عليكم من القرآن إلا وحي أوحاه الله اليه، فالوحي القاء المعنى إلى النفس ~~فى خفى إلا أنه صار كالعلم في ما يلقيه الملك إلا النبي صلى الله عليه ~~وآله من البشر عن الله تعالى، ومنه قوله # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعيشا # وقوله # وأوحى ربك إلى النحل # أي ألهمها مراشدها، وهو راجع إلى ما قلناه من إلقاء المعنى إلى النفس فى ~~خفى. # وقوله { علمه شديد القوى } فى نفسه وعلمه. والقوة هي القدرة. وقد تستعمل ~~القوة بمعنى الشدة التي هي صلابة العقد كقوى الحبل. # وقوله { ذو مرة } صفة لجبرائيل عليه السلام أي صاحب مرة، وهي القوة. ~~واصل المرة شدة الفتل، وهو ظاهر فى الحبل الذي يستمر به الفتل حتى ينتهي ~~إلى ما يصعب به الحل. ثم تجري المرة على القدرة، لانه يتمكن بها من ~~الفعل، كما يتمكن من الفعل بالآلة، فالمرة والقوة والشدة نظائر. # وقوله { فاستوى } معناه استولى بعظم القوة، فكأنه استوت له الامور ~~بالقوة على التدبير. ومنه قوله # استوى على العرش # أي استولى عليه بالسلطان والقهر. وقال ابن عباس وقتادة: معنى { ذو مرة } ~~ذو صحة بخلق حسن. وقال مجاهد وسفيان وابن زيد والربيع: ذو قوة، وهو ~~جبرائيل. والمرة واحدة المرر، ومنه قوله عليه السلام # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سوي " # وقيل { فاستوى } جبرائيل ومحمد عليهما السلام { بالأفق الأعلى } أي سماء ~~الدنيا عند المعراج. وقيل فى " هو " قولان: # احدهما - انه مبتدأ وخبره فى موضع الحال، ms3292 وتقديره ذو مرة فاستوى فى حال ~~كونه بالافق الاعلى. # الثاني - إنه معطوف على الضمير فى (استوى) وحسن ذلك كي لا يتكرر (هو) ~~وانشد الفراء: # ألم تر ان النبع تصلب عوده # ولا يستوي والخروع المتقصف # وقال الزجاج: لا يجوز عطف (هو) على الضمير من غير تأكيد إلا فى الشعر ~~وقال تعالى # أئذا كنا ترابا وآباؤنا # فرد الآباء على المضمر. وقال الربيع: واستوى يعني جبرائيل عليه السلام ~~(وهو) كناية عنه على هذا. وفي الوجه الأول (هو) كناية عن النبي صلى الله ~~عليه وآله. وقال قتادة: الافق الأعلى الذي يأتي منه النهار. وقيل: هو ~~مطلع الشمس { شديد القوى } فى أمر الله { ذو مرة } أي ذو قوة في جسمه. ~~وقيل: فاستوى جبرائيل على صورته التي خلقه الله، لان جبرائيل كان يظهر ~~قبل ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فى صورة رجل. # وقوله { ثم دنا فتدلى } قال الحسن وقتادة والربيع: يعني جبرائيل عليه ~~السلام وفيه تقديم وتأخير والتقدير ثم تدلى فدنا. وقال الزجاج: معنى دنا ~~وتدلى واحد، لأن المعنى إنه قرب وتدلى زاد فى القرب، كما يقال: دنا فلان ~~وقرب. والمعنى ثم دنا جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وآله، فتدلى اليه ~~من السماء { فكان قاب قوسين أو أدنى } معناه كان بينه وبين جبرائيل مقدار ~~قاب قوسين من القسى العربية أو أقرب بل أقرب منه. وقيل: معنى (او) في ~~الآية معنى (الواو) كقوله # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # ومعناه ويزيدون. وقيل: إنه رأى جبرائيل عليه السلام في صورته له ستمائة ~~جناح - فى قول ابن مسعود - ومعنى { قاب قوسين } قدر الوتر من القوس مرتين ~~{ أو أدنى } منه وأقرب. # وقوله { فأوحى إلى عبده ما أوحى } قيل اوحى جبرائيل إلى عبد الله محمد ~~ما أوحى. وقيل أوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى. ويحتمل ان تكون (ما) مع ~~ما بعدها بمنزلة المصدر والتقدير فأوحى إلى عبده وحيا. ويحتمل ان يكون ~~بمعنى الذي وتقديره فأوحى إلى عبده الذي أوحى اليه. والمعنى أوحى جبرائيل ~~إلى محمد ما أوحى اليه ms3293 ربه - وهو قول ابن زيد - # وقوله { ما كذب الفؤاد ما رأى } قال ابن عباس رأى ربه بقلبه وهو معنى ~~قوله { علمه } وإنما علم ذلك بالآيات التي رآها. # وقال ابن مسعود وعائشة وقتادة: رآى محمد جبرائيل على صورته. وقال الحسن: ~~يعني ما رأى من مقدورات الله تعالى وملكوته. وقال الحسن: عرج بروح محمد ~~صلى الله عليه وآله إلى السماء وجسده فى الأرض. وقال اكثر المفسرين - وهو ~~الظاهر من مذهب اصحابنا والمشهور في اخبارهم - أن الله تعالى صعد بجسمه ~~حيا سليما حتى رأى - ملكوت السموات وما ذكره الله - بعيني رأسه، ولم ~~يكن ذلك فى المنام بل كان فى اليقظة. وقد بيناه فى سورة بني إسرائيل. ### || [53.11-20] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما ويعقوب { أفتمرونه } بمعنى افتجحدونه، وهو ~~قول إبراهيم. وقرأ الباقون { أفتمارونه } بمعنى افتجادلونه فى انه رأى ~~ربه بقلبه أو آيات الله ومعجزاته. وقرأ ابن عامر - في رواية هشام - وأبي ~~جعفر { ما كذب } مشددة الدال الباقون بالتخفيف. وقرأ ابن كثير والأعشى ~~إلا ابن غالب { ومنآة } مهموزة ممدودة. الباقون { ومناة } مقصورة، وهما ~~لغتان. # يقول الله تعالى إنه لم يكذب فواد محمد ما رآه بعينه يعني لم يكذب محمد ~~بذلك بل صدق به والفؤاد القلب. وقال ابن عباس: يعني ما رأى بقلبه. وقال ~~الحسن: إنه رأى ربه بقلبه. وهذا يرجع إلى معنى العلم. ومعنى { ما كذب ~~الفؤاد } أي ما توهم أنه يرى شيئا وهو لا يراه من جهة تخيله لمعناه، ~~كالرائي للسراب بتوهمه ماء ويرى الماء من بعيد فيتوهمه سرابا. ومن شدد ~~أراد لم يكذب فؤاد محمد ما رأت عيناه من الآيات الباهرات فعداه. ومن خفف ~~فلأن في العرب من يعدي هذه اللفظة مخففة، فيقولون صدقني زيد وكذبني ~~خفيفا، وصدقني وكذبني ثقيلا وانشد: # وكذبتني وصدقتني # والمرؤ ينفعه كذابه # والفرق بين الرؤية في اليقظة وبين الرؤية في المنام أن رؤية الشيء في ~~اليقظة إدراكه بالبصر على الحقيقة، ورؤيته في المنام لصورة في القلب على ~~توهم الادراك بحاسة البصر من غير ان يكون كذلك. # وقوله { أفتمارونه } فمن ms3294 قرأ { أفتمرونه } أراد أفتجحدونه. ومن قرأ { ~~أفتمارونه } أراد أفتجادلونه وتخاصمونه مأخوذ من المراء وهو المجادلة { ~~على ما يرى } يعني على الشيء الذي يراه. # وقوله { ولقد رآه نزلة أخرى } قال عبد الله بن مسعود وعائشة ومجاهد ~~والربيع: رآى محمد صلى الله عليه وآله جبرائيل عليه السلام دفعة أخرى. ~~وروي أنه رآه فى صورته التي خلقه الله عليها مرتين. وقوله { عند سدرة ~~المنتهى } قيل: هي شجرة النبق وقيل لها: سدرة المنتهي فى السماء السادسة، ~~إليها ينتهي ما يعرج إلى السماء - في قول ابن مسعود والضحاك - وقيل: لانه ~~ينتهي اليها أرواح الشهداء. وقوله { عندها جنة المأوى } معناه عند سدرة ~~المنتهى جنة المقام وهي جنة الخلد، وهي في السماء السابعة. وقيل: إنه ~~يجتمع اليها أرواح الشهداء. وقال الحسن: جنة المأوى هي التي يصير اليها ~~أهل الجنة. # وقوله { إذ يغشى السدرة ما يغشى } معناه يغشى السدرة من النور والبهاء ~~والحسن والصفاء الذي يروق الابصار ما ليس لوصفه منتهى. وقال ابن مسعود ~~ومجاهد - وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه غشى السدرة فراش ~~الذهب. وقال الربيع: غشيها من النور نور الملائكة. وقوله { ما يغشى } ~~أبلغ لفظ فى هذا المعنى والغشيان لباس الشيء مما يعمه، يقال غشيه يغشاه ~~غشيانا. # وقوله { ما زاغ البصر } اي ما ذهب عن الحق المطلوب، والزيغ الذهاب عن ~~الحق المطلوب، يقال: زاغ بصره وقلبه يزيغ زيغا، ومنه قوله # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # ومنه قوله # فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه # والزيغ الميل عن الحق { وما طغى } معناه ما طغى البصر أي ما ذهب يمينا ~~وشمالا. وقيل: ما ارتفع كارتفاع الظالم عن الحق لمن يريده، والطاغي الذي ~~لا يلوي على شيء. والطغيان طلب الارتفاع بظلم العباد: طغى يطغي طغيانا. ~~والطاغي والباغي نظائر. وهم الطغاة والبغاة، والمعنى ما زاغ بصر محمد وما ~~طغى أي ما جاوز القصد ولا عدل فى رؤية جبرائيل، وقد ملأ الأفق. # وقوله { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } قسم من الله تعالى ان النبي صلى ms3295 ~~الله عليه وآله رأى من آيات الله ودلائله أكبرها جنة الخلد وهي فى السماء ~~السابعة وقيل: إنه يجتمع فيها أرواح الشهداء وهي الكبرى التي تصغر عندها ~~الآيات فى معنى صفتها. والاكبر هو الذي يصغر مقدار غيره عنده فى معنى ~~صفته. وقيل رأى رفرفا أخضر من رفارف الجنة قد سد الأفق - فى قول ابن ~~مسعود -. # وقوله { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } اسماء أصنام كانت ~~العرب تعبدها، والعزى كانت تعبدها غطفان، وهي شجرة سمرة عظيمة، واللات ~~صنم كانت ثقيف تعبدها، ومنات كانت صخرة عظيمة لهذيل وخزاعة كانوا ~~يعبدونها فقيل لهم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها وتعبدون معها ~~الملائكة وتزعمون ان الملائكة بنات الله، فوبخهم الله تعالى فقال { ~~أفرأيتم } هذه { اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } والمعنى أخبرونا عن ~~هذه الآلهة التي تدعونها من دون الله هل لها من هذه الآيات والصفات شيء. ### || [53.21-25] # قرأ اهل مكة { ضئزى } مهموز إلا ابن فليح. الباقون بلا همز. # يقول الله تعالى على وجه الانكار على كفار قريش الذين أضافوا إلى الله ~~تعالى الملائكة بأنهم بنات الله، فقال لهم: كيف يكون ذلك وانتم لو خيرتم ~~لاخترتم الذكر على الأنثى، فكيف تضيفون إليه تعالى ما لا ترضون لانفسكم، ~~فقد أخطأتم فى ذلك من وجهين: احدهما - أنكم أضفتم اليه ما يستحيل عليه ~~ولا يليق به، فهو قسم فاسد غير جائز. الثاني - أنكم اضفتم اليه ما لا ~~ترضون لانفسكم، فكيف ترضونه لله تعالى. وقيل: إنما فضل الذكر على الانثى ~~لان الذكر يصلح لما لا تصلح له الانثى. وينتفع به في ما لا ينتفع فيه ~~بالانثى، ولهذا لم يبعث الله نبيا من الأناث. # وقوله { تلك إذا قسمة ضيزى } أي تلك قسمة فاسدة غير جائزة بأن تجعلوا ~~لانفسكم الأفضل ولربكم الأدون، ولو كان ممن يجوز عليه الولد لما اختار ~~الأدون على الأفضل، كما قال # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء # فهذا على تقدير الجواز لا على صحة الجواز. والضيزة الجائرة الفاسدة ~~ووزنه (فعلى) إلا أنه كسر ms3296 أوله لتصح الياء من قبل انه ليس في كلام العرب ~~(فعلى) صفة، وصفة (فعلى) نحو (حبلى) يحمل على ما له نظير. وأما الاسم ~~فانه يجيء على (فعلى) كقوله # فإن الذكرى # وتقول العرب ضزته حقه أضيزه وضأزته - لغتان - إذا أنقضته حقه ومنعته، ~~ومنهم من يقول: ضزته - بضم الضاد - أضوزه، وانشد ابو عبيدة والاخفش: # فان تنأعنا ننتقصك وان تغب # فسهمك مضؤز وانفك راغم # ومنهم من يقول: ضيزى - بفتح الضاد - ومنه من يقول - ضأزى بالفتح والهمز، ~~ومنهم من يقول: ضؤزى - بضم الضاد والهمزة - وقال ابن عباس وقتادة { قسمه ~~ضيزى } جائرة. وقال سفيان: منقوصة. # ثم قال ان تسميتكم لهذه الاصنام بأنها آلهة وللملائكة بأنها بنات الله { ~~ما هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم } بذلك { ما أنزل الله بها من ~~سلطان } يعني من حجة ولا برهان إن يتبعون أي ليس يتبعون فى ذلك { إلا ~~الظن } الذي ليس بعلم { وما تهوى الأنفس } أي وما تميل اليه نفوسكم { ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى } عدل عن خطابهم إلى الاخبار عنهم بأنهم قد ~~جاءهم الهدى يعني الدلالة على الحق. # وقوله { أم للإنسان ما تمنى } قيل معناه: بل لمحمد صلى الله عليه وآله ~~ما تمنى من النبوة والكرامة. وقيل التقدير أللانسان ما تمنى؟! من غير ~~جزاء. لا، ليس الامر كذلك، { فلله الآخرة والأولى } يعطي من يشاء ويمنع ~~من يشاء. وقال الجبائي معناه ليس للانسان ما تمنى من نعيم الآخرة ونعيم ~~الدنيا، وإنما المالك لذلك الله تعالى المالك للسموات والارض، لا يعطي ~~الكفار ما يتمنونه، وإنما يعطي الثواب من يستحقه. ### || [53.26-30] # خمس آيات كوفي وأربع في ما عداه، عد الشاميون { فأعرض عن من تولى } ولم ~~يعده الباقون. وعد الكوفيون { من الحق شيئا } ولم يعده الباقون وعد الكل ~~{ الحياة الدنيا } إلا الشاميون، فانهم عدوا آخر الآية { اهتدى }. # يقول الله تعالى مخبرا بان كثيرا من ملائكة السموات { لا تغني شفاعتهم ~~} أي لا تنفع شفاعتهم فى غيرهم باسقاط العقاب عنهم { شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء } ان يشفعوا فيه ويطلق لهم ms3297 ذلك { ويرضى } ذلك، وقيل: ~~إن الغرض بذلك الانكار على عبدة الاوثان وقولهم: إنها تشفع لأن الملك إذا ~~لم تغن شفاعته شيئا فشفاعة من دونة أبعد من ذلك. وفي ذلك التحذير من ~~الاتكال على الشفاعة، لانه إذا لم يغن شفاعة الملائكة كان شفاعة غيرهم ~~أبعد من ذلك. ولا ينافي ما نذهب اليه من أن النبي صلى الله عليه وآله ~~والائمة والمؤمنين يشفعون في كثير من أصحاب المعاصي، فيسقط عقابهم لمكان ~~شفاعتهم، لان هؤلاء - عندنا - لا يشفعون إلا باذن من الله ورضاه، ومع ذلك ~~يجوز أن لا يشفعوا فيه فالزجر واقع موقعه. # ثم أخبر الله تعالى { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي لا يصدقون بالبعث ~~ولا بالثواب ولا بالعقاب { يسمون الملائكة تسمية الأنثى } قال الحسن ~~كانوا يسمون الملائكة بنات الله. ثم قال { وما لهم به من علم } أي بما ~~يقولونه ويسمونه { من علم } أي ليسوا عالمين بذلك { إن يتبعون إلا الظن } ~~أي ليس يتبعون في قولهم ذلك إلا الظن الذي يجوز أن يخطىء ويصيب، وليس ~~معهم شيء من العلم. # وقوله { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } معناه إن الظن لا يغني من ~~العلم لأنه لا بد من علم يحسن الفعل حتى يجوز أن يفعل، وإن كان الظن فى ~~بعض الاشياء علامة للحسن، فما أغنى عن العلم. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { فأعرض } يا محمد { عمن تولى عن ذكرنا ~~} ولم يقر بتوحيدنا وجحد نبوتك ومال إلى الدنيا ومنافعها { ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا } والتمتع فيها أي لا تقابلهم على أفعالهم واحتملهم، ولم ~~ينهه عن تذكيرهم ووعظهم. ثم قال { ذلك مبلغهم من العلم } ومعناه إن علمهم ~~انتهى إلى نفع الدنيا دون نفع الآخرة، وهو صغير حقير فى نفع الآخرة، ~~فطلبوا هذا وتركوا ذلك جهلا به. # ثم قال { إن ربك } يا محمد { هو أعلم } منك ومن جميع الخلق { بمن ضل عن ~~سبيله } أي بمن جار وعدل عن طريق الحق الذي هو سبيله { وهو أعلم بمن ~~اهتدى } اليها فيجازي كل واحد على حسب ms3298 ذلك إن عملوا طاعة أثابهم عليها ~~وإن عملوا معصية عاقبهم عليها. ### || [53.31-35] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { كبير الإثم } على لفظ الواحد. الباقون بلفظ ~~الجمع { كبائر } وقد بيناه في سورة { حم عسق }. # هذا اخبار من الله بأن له ملك { ما في السماوات } وملك { وما في الأرض } ~~من جميع الاجناس بالحق { ليجزى الذين اساؤا } أي يعاقبهم { بما عملوا } ~~من المعاصي { ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } أى يثيبهم على طاعاتهم بنعيم ~~الجنة والخلود فيها. ثم وصف الذين احسنوا فقال هم { الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم } أى عظائم الذنوب { والفواحش }. والمعاصي - عندنا - كلها كبائر ~~غير ان بعضها اكبر من بعض، فقد تكون المعصية كبيرة بالاضافة إلى ما ~~دونها، وقد تكون صغيرة بالاضافة إلى ما هو اكبر منها. والفواحش جمع فاحشة ~~وهي أقبح الذنوب وأفحشها، والاساءة مضرة يستحق بها الذم، ولا يستحق الذم ~~إلا مسيء، وذم من ليس بمسيء قبيح، كذم المحسن بالقبيح، والاحسان فعل ما ~~هو نفع فى نفسه أو هو سبب للنفع ليستحق به الحمد، ولا يستحق الحمد إلا ~~محسن. والكبير من الذنوب هو الذي يعظم به الزجر إلى حد لا يكفره إلا ~~التوبة منه - عند من لم يحسن إسقاط العقاب تفضلا - والصغير هو الذي يخف ~~فيه الزجر إلى حد يصح تكفيره من غير توبة - عند من قال بالصغائر - # وقوله { إلا اللمم } قال قوم: هو الهم بالمعصية من جهة مقاربتها في حديث ~~النفس بها من غير مواقعتها ولا عزم عليها، لان العزم على الكبير كبيرة. ~~ولكن يقرب من مكانها لشهوته لها غير عازم عليها. وقال قوم { إلا اللمم } ~~استثناء منقطع، لأنه ليس من الكبائر ولا الفواحش، كما قال الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس # إلا اليعافير وإلا العيس # واليعفور من الظباء الأحمر والاعيس الابيض. وقيل { اللمم } مقاربة الشيء ~~من غير دخول فيه، يقال: ألم بالشيء يلم إلماما إذا قاربه. وقيل { اللمم ~~} الصغير من الذنوب، كما قال # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم # ذهب اليه ابن عباس وابن مسعود. وقيل { اللمم } اتيان الشيء ms3299 من غير اقامة ~~عليه قال الحسن: هو إصابة الفاحشة من غير إقامة للمبادرة بالتوبة. # ثم أخبر عن نفسه تعالى بأنه واسع المغفرة للمذنبين بقوله { إن ربك } يا ~~محمد { واسع المغفرة هم أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض } يعني أنشأ أباكم ~~آدم من أديم الأرض. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به جميع الخلق، من ~~حيث خلقهم الله تعالى من الطبائع الاربع على حسب ما أجرى العادة من خلق ~~الاشياء عند ضرب من تركيبها، وخلق الحيوان عند تناول أغذية مخصوصة خلقها ~~الله من الأرض، فكأنه تعالى أنشأهم منها. # وقوله { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } أي هو أعلم بكم في هذه الأحوال ~~كلها لم يخف عليه من أحوالكم شيء منها. # ثم نهاهم تعالى فقال { فلا تزكوا أنفسكم } أي لا تعظموها ولا تمدحوها ~~بما ليس لها، فاني أعلم بها { هو أعلم بمن اتقى } معاصيه وفعل طاعاته ~~والفرق بينه وبين من خالفه. وقال قوم: نهاهم أن يزكوا انفسهم بفعل ~~الواجبات، وفعل المندوبات، وترك القبائح لانه اقرب إلى النسك والخشوع. ~~والأجنة جمع جنين. وهو الدفين فى الشيء قال الحارث: # ولا شمطاء لم تترك شفاها # لها من تسعة إلا جنينا # أي إلا دفينا فى قبره، ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { أفرأيت الذي ~~تولى وأعطى قليلا وأكدى } قال مجاهد: نزلت فى الوليد ابن المغيرة وكان ~~أعطى قليلا من ماله لمن يتحمل عنه العذاب فى الآخرة. ثم منع ما ضمن له. ~~وقيل: إن { الذي أعطى قليلا وأكدى } هو المنافق الذي يعطي قليلا فى ~~المعونة على الجهاد ثم يمنع وقال ابن عباس ومجاهد: معنى { وأكدى } قطع ~~العطاء، كما يقطع البئر الماء واشتقاق (اكدى) من كدية الركية، وهي صلابة ~~تمنع الماء إذا بلغ الحافر اليها يئس من الماء، فيقول بلغنا كديتها أي ~~صلابتها التي تويئس من الماء، يقال: اكدى يكدي إكداء إذا منع الخير، ~~وكديت اظفاره إذا غلظت، وكديت أصابعه إذا كلت، فلم تعمل شيئا، وكدى ~~النبت إذا قل ريعه، والاصل واحد. وقيل: الكدية صخرة يبلغ اليها ms3300 حافر ~~البئر فلا يمكنه الحفر. # وقوله { أعنده علم الغيب فهوى يرى } إنكار على من ذكره، وهو الذي تولى ~~واعطى قليلا من ماله ليتحمل عنه خطأه، فقال { أعنده علم الغيب فهو يرى } ~~أي يعلم صدق الذي وعده ليتحمل خطاياه؟! ### || [53.36-46] # لما وبخ الله تعالى الذي أعطى قليلا واكدى، وبين أنه ليس عنده علم الغيب ~~فيصدق من قال إنه يتحمل خطاياه، بين ان الذى وعده بذلك { أم لم ينبأ } أى ~~لم يخبر بما في صحف الانبياء ولم يعلم ذلك ف (أم) بمعنى (بل) وتقديره بل ~~لم ينبأ بما في صحف موسى والصحف جمع صحيفة والمراد - ههنا - مكتوب ~~الحكمة، لانها كتب الله. # وقوله { وإبراهيم } أى ولا فى صحف ابراهيم { الذي وفى } أى وفى بما يجب ~~عليه الله - عز وجل - واستحق أن يمدح بهذا المدح. وقال مجاهد { وإبراهيم ~~الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى } وقيل فى رسالة ربه في هذا أو في غيره ~~- ذكره سعيد بن جبير وقتادة وابن زيد - وهو أليق بالعموم. وقوله { الذي ~~وفى } قيل: استحق المدح بذبح ولده وإلقائه فى النار وتكذيبه فى الدعاء ~~إلى الله فوفى ما عليه فى جميع ذلك. وقوله { ألا تزر وازرة وزر أخرى } أي ~~بين الله تعالى فى صحف ابراهيم وموسى أن لا تزر وازرة وزر أخرى، ومعناه ~~أنه لا يؤاخذ احد بذنب غيره، يقال: وزر يزر إذا كسب وزرا، وهو الاثم، ~~فهو وازر. # وقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } معناه ليس له من الجزاء إلا جزاء ~~ما عمل دون ما عمله غيره، ومتى دعا إلى الايمان من أجاب اليه فهو محمود ~~عليه على طريق التبع كأنه من أجل عمله صار له الحمد على هذا، ولو لم يعمل ~~شيئا ما استحق شيئا لا ثوابا ولا عقابا. # وقوله { وأن سعيه سوف يرى } معناه إن ما يفعله الانسان ويسعى فيه لا بد ~~أن يرى فى ما بعد بمعنى أنه يجازى عليه من ثواب او عقاب، وبين ذلك بقوله ~~{ ثم يجزاه الجزاء الأوفى } أي يجازى على اعماله ms3301 الطاعات بأوفى ما يستحقه ~~من الثواب الدائم، والهاء في (يجزاه) عائدة على السعي. # وقوله { وأن إلى ربك المنتهى } معناه وأن إلى ثواب ربك وعقابه آخر ~~الأمور، والمنتهى هو المصير إلى وقت بعد الحال الأولى عن حال مثلها، ~~فللتكليف منتهى، وليس للجزاء في دار الآخرة منتهى. والمنتهى قطع العمل ~~إلى حال أخرى والمنتهى والآخر واحد. وقوله { وأنه هو أضحك وأبكى } قيل ~~اضحك بأن فعل سبب ذلك من السرور والحزن، كما يقال أضحكني فلان وأبكاني ~~اذا كان سبب ذلك بما يقع عنده ضحكي وبكائي، فعلى هذا الضحك والبكاء من ~~فعل الانسان. وقد قال الله تعالى # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # ولو لم يكن من فعلنا لما حسن ذلك. وقال تعالى # أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون # وقال # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # فنسب الضحك اليهم. وقال الحسن: الله تعالى هو الخالق للضحك والبكاء، ~~والضحك تفتح اسرار الوجه عن سرور وعجب في القلب، فاذا هجم على الانسان ~~منه ما لا يمكنه دفعه فهو من فعل الله الذي أضحك وابكى. والبكاء جريان ~~الدموع على الخد عن غم في القلب، وإنما يبكى الانسان عن فرح يمازجه تذكر ~~حزن، فكأنه عن رقة في القلب يغلب عليها الغم. # وقوله { وأنه هو أمات وأحيا } معناه انه تعالى الذي يخلق الموت فيميت به ~~الأحياء لا يقدر على الموت غيره، لانه لو قدر على الموت غيره لقدر على ~~الحياة، لأن القادر على الشيء قادر على ضده، ولا احد يقدر على الحياة إلا ~~الله. # وقوله { وأحيا } أي هو الذي يقدر على الحياة التي يحيي بها الحيوان لا ~~يقدر عليها غيره من جميع المحدثات. # ثم بين ايضا { أنه } الذي { خلق الزوجين الذكر } منهما { والأنثى من ~~نطفة } أي خلق الذكر والانثى من النطفة، وهي ماء الرجل والمرأة التي يخلق ~~منها الولد { إذا تمنى } يعني إذا خرج المني منهما وجعل في الرحم خلق ~~الله تعالى منها الولد إما ذكرا واما انثى، ومعنى تمنى أي تلقى على ~~تقدير في رحم الانثى، واصله التقدير يقولون: ms3302 منى يمني فهو مان إذا قدر ~~قال الشاعر: # حتى تقلاقي ما يمنى لك الماني # أى يقدر ومنه التمني تقدير المعنى للاستمتاع به. ### || [53.47-55] # قرأ اهل البصرة غير سهل { عاد الولى } مدغمة بلا همز، وعن نافع خلاف ~~فانه ادغم وترك الهزة إلا قالون، فانه همز، الباقون بالهمز والاظهار. من ~~أدغم القى حركة الهمزة على اللام، فانضمت ثم سكنها وحذف همزة الوصل، ~~ولقيتها النون فأدغمت في اللام، ونظير ذلك قول العرب: قم الان عنا، ~~يريدون ثم الآن عنا. وقولهم: صم الثنين أى صم الاثنين. الباقون تركوه على ~~حاله. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم { وثمود } بلا تنوين. الباقون بتنوين. قال ~~الفراء: وقوله # وآتينا ثمود الناقة # ترك صرفها لأنه ليس فيها الف. # لما بين الله تعالى انه هو الذى يخلق الذكر والانثى من النطفة إذا تمنى ~~ذكر { وأن عليه النشأة الأخرى } وهي البعثة يوم القيامة، والنشأة الصنعة ~~المخترعة خلاف المسببة، وهما نشأتان: الأولى في الدنيا، والثانية في ~~الآخرة. # ثم قال { وأنه هو أغنى وأقنى } ومعناه أغنى بالمال واقنى باصول الأموال. ~~وقال مجاهد: اقنى أي اخدم. وقال الزجاج: ومعناه اغنى بعد الفقر واقنى ~~بالمال الذى يقتنى. وقيل: معنى (اقنى) انه جعل له اصل مال، وهو القنية ~~التي جعلها الله للعبد، فاما (اغنى) فقد يكون بالعافية والقوة والمعرفة ~~قال الاعشى: # فاقنيت قوما واعمرتهم # واخربت من ارض قوم ديارا # اى جعل لهم قنية. واصل (اقنى) الاقتناء، وهو جعل الشيء للنفس على ~~اللزوم، فمنه القناة، لانها مما يقتنى ومن ذلك اقنى الانف، لانه كالقناة ~~في ارتفاع وسطه ودقة طريقه. والقنو العذق قبل ان يبلغ لأنه كالذى يقتنى ~~في اللزوم حتى يبلغ، والمقاناة المشاكلة في اللون. # وقوله { وأنه هو رب الشعرى } معناه وان الله الذى خلق الشعرى واخترعها. ~~والشعرى النجم الذى خلف الجوزاء وهو احد كوكبي ذراع الاسد وقم المرزم، ~~وكانوا يعبدونهما في الجاهلية - في قول مجاهد وقتادة - ثم قال { وأنه ~~أهلك عادا الأولى } قيل هو عاد بن ارم، وهم الذين اهلكهم الله بريح صرصر ~~عاتية. وعاد الآخرة أهلكوا ms3303 ببغي بعضهم على بعض، فتفاتوا بالقتل - ذكره ~~ابن اسحاق - وقال الحسن: الأولى أي قبلكم، وإنما فتحت (أن) فى المواضع ~~كلها، لانها عطف على قوله { أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي ~~وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى } وبكذا وكذا، فلما حذف الباء نصبه. وقوله ~~{ وثمود فما أبقى } نصب ب (اهلك) الذي قبله، وتقديره وأهلك ثمودا فما ~~ابقى، ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله { فما أبقى } لان (ما) لا يعمل ما ~~بعدها في ما قبلها، لا تقول: زيدا ما ضربت، لأنها من الحروف التي لها ~~صدر الكلام، كألف الأستفهام. # وقوله { وقوم نوح من قبل } معناه وأهلكنا قوم نوح من قبل قوم صالح { ~~إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } فالأظلم الأعظم ظلما، والأطغى الاعظم ~~طغيانا، فالظلم يتعاظم كما يتعاظم الضرر، وعظم الظلم بحسب عظم الزاجر ~~عنه. # وقيل: مكث نوح فى قومه يدعوهم إلى الله وكلما دعاهم فما يزدادون إلا ~~تتابعا فى الضلال وتواصيا بالتكذيب لأمر الله - فى قول قتادة - # وقوله { والمؤتفكة } يعني المنقلبة، وهي التي صار اعلاها أسفلها، ~~واسفلها اعلاها ائتفكت بهم تؤتفك ائتفاكا، ومنه الافك الكذب، لأنه قلب ~~المعنى عن وجهه. ومعنى { أهوى } نزل بها فى الهوى، ومنه الهوى: أهوى بيده ~~ليأخذ كذا، وهوى هواء إذا نزل فى الهواء، فأما إذا نزل فى سلم أو درجة، ~~فلا يقال: أهوى، ولا هوى. وقيل: قرية سدوم، قوم لوط، رفعها جبرائيل إلى ~~السماء ثم اهوى بها قالبا لها - فى قول مجاهد وقتادة - وقوله { فغشاها ~~ما غشى } يعني من الحجارة المسومة التي رموا بها من السماء - فى قول ~~قتادة وابن زيد - والمعنى فجللها من العذاب ما يعمها حتى أتى عليها (ما ~~غشى) وفيه تفخيم شأن العذاب الذي رماها به ونالها من جهة إبهامه فى قوله ~~{ ما غشى } كأنه قد جل الأمر عن أن يحتاج إلى تفصيل وصفه. # وقوله { فبأي آلاء ربك تتمارى } معناه بأي نعم ربك ترتاب يا بن آدم! - ~~ذكره قتادة - وإنما قيل بعد تعديد النعم { فبأي آلاء ربك تتمارى } لأن ~~النقم ms3304 التي عددت على من ذكر نعم من الله علينا لما لنا فى ذلك من اللطف ~~فى الانزجار عن القبيح مع أنه نالهم ما نالهم بكفرهم فبأي نعم ربك أيها ~~المخاطب تتمارى حتى تكون مقارنا لهم في سلوك بعض مسالكهم، أي فما بقيت ~~لك شبهة بعد تلك الأهوال في جحد نعمه. ### || [53.56-62] # قوله { هذا نذير } إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله - في قول ~~قتادة - وقال ابو مالك: هو إشارة إلى القرآن { من النذر الأولى } في صحف ~~إبراهيم وموسى. # يقول الله تعالى { هذا } يعني محمدا { نذير } أي مبين لما ينبغي أن ~~يحاذر منه وما ينبغي ان يرغب فيه بأحسن البيان، وهذه صفة رسل الله عليهم ~~السلام. والنبي أحسن الناس انذارا وأكرمهم إبلاغا لما امر الله بتبليغه ~~إلى أمته. وقوله { من النذر الأولى } من جملة الرسل الذين بعثهم الله، ~~وإن كان هو آخرهم، كما تقول: هو من بني آدم، وإن كان أحدهم. # وقوله { أزفت الآزفة } معناه دنت القيامة، وهي الدانية. قال النابغة ~~الذبياني # ازف الترحل غير ان ركابنا # لما تزل برحالنا وكأن قد # وقال كعب بن زهير: # بان الشباب وامسى الشيب قد أزفا # ولا ارى لشباب ذاهب خلفا # وإنما سميت القيامة آزفة، وهي الدانية، لان كل آت قريب، فالقيامة قد ~~قربت بالاضافة إلى ما مضى من المدة من لدن خلق الله الدنيا. وقوله { ليس ~~لها من دون الله كاشفة } معناه لا يقدر أن يقيمها إلا الله وحده، وليس ~~يجلي عنها ويكشف عنها سواه. وقيل كاشفة أي جامعة كاشفة أي نفس كاشفة، ~~ويجوز ان يكون مصدرا مثل العافية والعاقبة والواقية، فيكون المعنى ليس ~~لها من دون الله كشف أي ذهاب أي لا يقدر أحد غير الله على ردها. وقال ~~الحسن: هو مثل قوله # لا يجليها لوقتها إلا هو # وقيل: كاشفة بمعنى الانكشاف كقوله # ليس لوقعتها كاذبة # ومثله # ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم # أي خيانة. والسامد اللاهي، يقال دع عنك سمودك أي امرك، وكأنه المستمر في ~~اللهو، يقال: سمد ms3305 يسمد سمودا فهو سامد، وقال الشاعر: # قيل قم فانظر اليهم # ثم دع عنك السمودا # ويقال للجارية: اسمدي لنا أى غني. وقوله { فاسجدوا لله واعبدوا } أمر من ~~الله تعالى بالسجود له والصلاة وان يعبدوه خالصا مخلصا لا يشركون به ~~احدا في العبادة، فتعالى الله عن ذلك، وفي الآية دلالة على ان السجود - ~~ها هنا - فرض على ما يذهب اليه اصحابنا لان الأمر يقتضي الوجوب. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-5] # قرأ ابو جعفر { وكل أمر مستقر } بالجر صفة ل { أمر }. الباقون بالرفع ~~على انه خبر { كل }. # هذا اخبار من الله تعالى بدنو الساعة وقرب أوانها، فقوله { اقتربت } أي ~~دنت وقربت وفي { اقتربت } مبالغة، كما أن فى (اقتدر) مبالغة على القدرة، ~~لأن اصل (افتعل) طلب اعداد المعنى بالمبالغة نحو (اشتوى) إذا أتخذ شوى فى ~~المبالغة فى اتخاذه، وكذلك (اتخذ) من (اخذ). والساعة القيامة. وقال ~~الطبري: تقديره اقتربت الساعة التي يكون فيها القيامة. وجعل الله تعالى ~~من علامات دنوها انشقاق القمر المذكور معها، وفى الآية تقديم وتأخير، ~~وتقديره انشق القمر واقتربت الساعة. ومن أنكر إنشقاق القمر وأنه كان، ~~وحمل الآية على كونه في ما بعد - كالحسن البصري وغيره، واختارة البلخي - ~~فقد ترك ظاهر القرآن، لأن قوله " انشق " يفيد الماضي، وحمله على ~~الاستقبال مجاز. وقد روى إنشقاق القمر عبد الله بن مسعود وانس ابن مالك ~~وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم ومجاهد وإبراهيم، وقد أجمع ~~المسلمون عليه ولا يعتد بخلاف من خالف فيه لشذوذه، لان القول به أشتهر ~~بين الصحابه فلم ينكره أحد، فدل على صحته، وأنهم اجمعوا عليه فخلاف من ~~خالف فى ما بعد لا يلتفف اليه. ومن طعن فى إنشقاق القمر بأنه لو كان لم ~~يخف على أهل الافطار فقد أبعد لانه يجوز ان يحجبه الله عنهم بغيم، ولأنه ~~كان ليلا فيجوز ان يكون الناس كانوا نياما فلم يعلموا به، لأنه لم ~~يستمر لزمان طويل بل رجع فالتأم فى الحال، فالمعجزة تمت بذلك. # وقوله { وإن يروا آية } احتمل ان يكون اخبارا من ms3306 الله تعالى عن عناد ~~كفار قريش بأنهم متى رأوا معجزة باهرة وحجة واضحة أعرضوا عن تأملها ~~والانقياد لصحتها عنادا وحسدا، وقالوا هو { سحر مستمر } أي يشبه بعضه ~~بعضا. وقيل { سحر مستمر } من الأرض إلى السماء. وقال مجاهد وقتادة معناه ~~ذاهب مضمحل وقال قوم: معناه شديد من أمرار الحبل، وهو شده فتله. # وقوله { وكذبوا } يعني بالآية التي شاهدوها ولم يعترفوا بصحتها ولا ~~تصديق من ظهرت على يده { واتبعوا } فى ذلك { أهواءهم } يعني ما تميل ~~طبائعهم اليه، فالهوى رقة القلب بميل الطباع كرقة هواء الجو، تقول: هوى ~~هوي هوا، فهو هاو إذا مال طبعه إلى الشيء، وهو هوى النفس مقصور، فأما ~~هواء الجو فممدود ويجمع على أهوية. وهوى يهوي إذا انحدر في الهواء، ~~والمصدر الهوى. والاسم الهاوي. # وقوله { وكل أمر مستقر } معناه كل أمر من خير او شر مستقر ثابت حتى ~~يجازى به إما الجنة او النار - ذكره قتادة - ثم قال { ولقد جاءهم } يعني ~~هؤلاء الكفار { من الأنباء } يعني الاخبار العظيمة بكفر من تقدم من الامم ~~وإهلاكنا إياهم التي يتعظ بها { ما فيه مزدجر } يعني متعظ، وهو مفتعل من ~~الزجر إلا ان التاء ابدلت دالا لتوافق الراء بالجهر مع الدال لتعديل ~~الحروف فيتلاءم ولا يتنافر. # وقوله { حكمة بالغة } معناه نهاية فى الصواب، وغاية في الزجر بهؤلاء ~~الكفار وقوله { فما تغنى النذر } يجوز فى (ما) وجهان: # احدهما - الجحد، ويكون التقدير: لا يغني التخويف. # والثاني - ان تكون بمعنى (أي) وتقديره أى شيء يغني الانذار. والنذر جمع ~~نذير. وقال الجبائي: معناه إن الانبياء الذين بعثوا اليهم لا يغنون عنهم ~~شيئا من عذاب الآخرة الذى استحقوه بكفرهم، لانهم خالفوهم ولم يقبلوا ~~منهم. ### || [54.6-10] # قرأ { خشعا } على الجمع أهل العراق إلا عاصما، الباقون { خاشعا } على ~~وزن (فاعل) ونصبوه على الحال. ومن قرأ { خاشعا } بلفظ الواحد، فلتقدم ~~الفعل على الفاعل. وقرأ ابن كثير وحده (نكر) بسكون الكاف. الباقون ~~بالتثقيل وهما لغتان. وقال ابو علي النحوي: النكر أحد الحروف التي جاءت ~~على (فعل، وفعل) وهو صفة. وعلى ذلك حمله ms3307 سيبويه وأستشهد بالآية. ومثله ~~ناقة أحد ومشية سجح. ومن خفف جعله مثل رسل رسل وكتب وكتب، والضمة فى ~~تقدير الثبات. # لما حكى الله تعالى عن الكفار أنه ليس ينفع فى وعظهم وزجرهم الحكمة ~~البالغة، ولا يغني النذر أمر النبي بالاعراض عنهم وترك مقابلتهم على ~~سفههم. فقال { فتولى عنهم } أي اعرض عنهم { يوم يدع الداعي إلى شيء نكر } ~~قيل فى معناه أقوال: # احدها - قال الحسن فتولى عنهم إلى يوم يدعو الداعي. # والثاني - فتول عنهم وأذكر يوم يدع الداعي إلى شيء نكر، يعني لم يروا ~~مثله قط فينكرونه استعظاما له. # الثالث - ان المعنى فتول عنهم، فانهم يرون ما ينزل بهم من العذاب يوم ~~يدعو الداعي وهو يوم القيامة، فحذف الفاء من جواب الامر. والداعي هو الذي ~~يطلب من غيره فعلا. ونقيضه الصارف، وهو الطالب من غيره أن لا يفعل بمنزلة ~~الناطق بأن لا يفعل، تقول: دعا يدعو دعاء فهو داع وذاك مدعو. والنكر: هو ~~الذي تأباه من جهة نفور الطبع، وهو صفة على وزن فعل، ونظيره رجل جنب وارض ~~جرز، وهو من الانكار نقيض الاقرار، لان النفس لا تقر بقبوله، وإنما وصف ~~بأنه نكر لغلظه على النفس، وإنهم لم يروا مثله شدة وهؤلاء كأنهم ينكرونه ~~لما قبح في عقولهم. # وقوله { خاشعا أبصارهم } فمعنى الخاشع الخاضع، خشع يخشع خشوعا، فهو ~~خاشع، والجمع خشع، ويخشع الرجل إذا نسك، وخاشعا حال مقدمة. والعامل فيها ~~{ يخرجون } وقيل { خاشعا أبصارهم } لتقدم الصفة على الاسم، كما قال ~~الشاعر: # وشباب حسن أوجههم # من اياد بن نزار بن معد # وقال آخر: # ترى الفجاج بها الركبان معترضا # أعناق أبزلها مرخى لها الجدل # والجديل هو الزمام، ولم يقل مرخيات ولا معترضات { يخرجون من الأجداث } ~~يعني من القبور واجدها جدث وحدف أيضا لغة، واللحد جانب القبر وأصله ~~الميل عن الاستواء { كأنهم جراد منتشر } أي من جراد منتشر من كثرتهم # وقوله { مهطعين إلى الداعي } قال الفراء وابو عبيدة: مسرعين. وقال ~~قتادة: معناه عامدين بالاهطاع والاهطاع الاسراع فى المشي، يقال: اهطع ~~يهطع إهطاعا، فهو مهطع، ms3308 فهؤلاء الكفار يهطعون إلى الداعي بالالجاء ~~والاكراه والاذلال ووصفت الابصار بالخشوع، لان ذلة الذليل وعزة العزيز ~~تتبين فى نظره { يقول الكافرون هذا يوم عسر } حكاية ما يقوله الكفار يوم ~~القيامة بأنه يوم عسر شديد عليهم # ثم قال مثل ما كذبك يا محمد هؤلاء الكفار وجحدوا نبوتك { كذبت قبلهم قوم ~~نوح فكذبوا عبدنا } يعني نوحا عليه السلام { وقالوا مجنون } أي هو مجنون ~~قد غطي على عقله فزال بآفة تعتريه { وازدجر } قال ابن زيد: معناه زجر ~~بالشتم والرمي بالقبيح. وقال غيره: ازدجر بالوعيد، لانهم توعدوه بالقتل ~~في قوله # لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين # { فدعا } عند ذلك { ربه } فقال يا رب { أني مغلوب } قد غلبني هؤلاء ~~الكفار بالقهر لا بالحجة { فانتصر } منهم بالاهلاك والدمار نصرة لدينك ~~ونبيك. وقال مجاهد: معنى (ازدجر) استطار واستفز جنونا. ### || [54.11-16] # قرأ ابن عامر { ففتحنا } بالتشديد أي مرة بعد مرة وشيئا بعد شيء، لانه ~~كثر ودام لما فار التنور وانهمرت الارض والسماء بالماء. الباقون بالتخفيف ~~لانه يأتي على القليل والكثير، وفي الكلام حذف، وتقديره ان نوحا عليه ~~السلام لما دعا ربه فقال إني مغلوب فانتصر يا رب وأهلكهم فأجاب الله ~~دعاءه وفتح أبواب السماء بالماء، ومعناه أجرى الماء من السماء، فجريانه ~~إنما فتح عنه باب كان مانعا له، وذلك من صنع الله الذي لا يقدر عليه ~~سواه. وجاء ذلك على طريق البلاغة. والماء المنهمر هو المنصب الكثير قال ~~امرؤ القيس: # راح تمر به الصبا ثم انتحى # فيه شؤبوب جنوب منهمر # أي منصب مندفق، انهمر ينهمر إنهمارا، وفلان ينهمر في كلامه، كأنه يتدفق ~~فيه مع كثرته. # وقوله { وفجرنا الأرض عيونا } فالتفجير تشقيق الارض عن الماء، ومنه ~~انفجر العرق وأنفجر السكر، ومنه قوله # وفجرنا خلالهما نهرا # وعيون الماء واحدها عين، وهو ماء يفور من الأرض مستدير كاستدارة عين ~~الحيوان، والعين مشتركة بين عين الحيوان وعين الماء وعين الميزان وعين ~~الذهب وعين السحابة وعين الركبة { فالتقى الماء على أمر قد قدر } معناه ~~إن المياه كانت تجري من السماء ومن ms3309 الأرض على ما أمر الله به وأراده ~~وقدره. وإنما قال { فالتقى الماء } والمراد به ماء السماء وماء الارض، ~~ولم يثن، لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير { على أمر قد قدر } فيه ~~هلاك القوم فى اللوح المحفوظ. وقيل: معناه إنه كان قدر ماء السماء مثل ما ~~قدر ماء الارض. # ثم قال تعالى { وحملناه } يعني نوحا { على ذات ألواح ودسر } يعني ~~السفينة ذات ألواح مركبة بعضها إلى بعض، والدسر هي المسامير التي تشد بها ~~السفينة - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد - واحدها دسار ودسير، ودسرت ~~السفينة ادسرها دسيرا إذا شددتها بالمسامير او نحوها. وقيل: الدسر صدر ~~السفينة تدسر به الماء أي تدفع - عن الحسن - وقال مجاهد: الدسر أضلاع ~~السفينة. وقال الضحاك: الدسر طرفاها وأصلها. وقال الزجاج: الدسر المسامير ~~والشرط التي تشد بها الألواح. # وقوله { تجري بأعيننا } معناه تجري السفينة بمرأى منا، ونحن ندركها. ~~وقيل: أعين الماء التي أنبعناها. وقيل: تجري بأعين أوليائنا والموكلين ~~بها من الملائكة. # وقوله { جزاء لمن كان كفر } أي كفر به وهو نوح أي لكفرهم به، كأنه قال ~~غرقناهم لاجل كفرهم بنوح. وقيل: جزاء لنوح واصحابه أي نجيناه ومن آمن معه ~~لما صنع به، وكفر فيه بالله. # وقوله { ولقد تركناها آية } يعني السفينة تركناها دلالة باهرة { فهل من ~~مدكر } بها ومتعظ بسببها فيعلم أن الذي قدر على ذلك لا يكون من قبيل ~~الاجسام وانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. # وقال قتادة: أبقى الله تعالى سفينة نوح حتى ادركها أوائل هذه الأمة، ~~فكان ذلك آية (ومدكر) أصله متذكر، فقلبت التاء دالا لتواخي الدال بالجهر. ~~ثم أدغمت الذال فيها. وقيل: وجه كونها آية انها كانت تجري بين ماء الارض ~~وماء السماء، وكان قد غطاها على ماء أمره الله تعالى به. وقوله { فهل من ~~مدكر } قد بينا معناه. وقال قتادة: معناه فهل من طالب علم فيعان عليه. # وقوله { فكيف كان عذابي ونذر } تهديد للكفار وتنبيه لهم على عظم ما فعله ~~بأمثالهم من الكفار الجاحدين لتوحيده. وإنما كرر { فكيف كان ms3310 عذابي ونذر } ~~لأنه لما ذكر أنواع الانذار والعذاب انعقد التذكير لشيء شيء منه على ~~التفصيل، والنذر جمع نذير - في قول الحسن - قال: وتكذيب بعضهم تكذيب ~~لجميعهم. وقال الفراء: هو مصدر، ومنه # عذرا أو نذرا # مخففة ومثقلة و { إلى شيء نكر } ويقال: أنذره نذرا بمعنى إنذارا مثل ~~أنزله نزلا بمعنى إنزالا. ### || [54.17-21] # أقسم الله تعالى بأنه يسر القرآن للذكر، والتيسير للشيء هو تسهيله، ~~وأخذه بما ليس فيه كثير مشقة على النفس، فمن سهل له طريق العلم فهو حقيق ~~بالحظ الجزيل منه، لان التيسير أكبر داع اليه، وتسهيل القرآن للذكر خفة ~~ذلك على النفس لحسن البيان وظهر البرهان فى الحكم السنية والمعاني ~~الصحيحة الموثوق بها لمجيئها من الله تعالى، وإنما صار الذكر من اجل ما ~~يدعى اليه ويحث عليه، لأنه طريق العلم، لأن الساهي عن الشيء او عن دليله ~~لا يجوز أن يعلمه فى حال شهوة، فاذا تذكر الدلائل عليه والطريق المؤدية ~~اليه فقد تعرض لعلمه من الوجه الذي ينبغي له. # وقوله { فهل من مدكر } معناه فهل من متعظ معتبر بذلك ناظر فيه. # ثم قال { كذبت عاد } يعني بالرسول الذي بعثه اليهم، وهو هود عليه السلام ~~فاستحقوا الهلاك فاهلكهم الله { فكيف كان عذابي } لهم و { نذر } أي ~~وإنذاري إياهم. ثم بين كيفية إهلاكهم فقال { إنا أرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } وهي الشديدة الهبوب حتى يسمع في صوتها صرير، وهو مضاعف صر مثل ~~كب وكبكب ونهه ونهنهه، وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: كانت ريحا باردة. ~~وقال ابن زيد وسفيان: كانت شديدة. # وقوله { في يوم نحس } يعني يوم شؤم - في قول قتادة - { مستمر } أى استمر ~~بهم العذاب إلى نار جهنم - في قول قتادة - وقوله { تنزع الناس كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر } معناه تقتلع هذه الريح الناس ثم ترمي بهم على رؤسهم ~~فتدق رقابهم فيصيرون كأنهم أعجاز نخل، لان رؤسهم سقطت عن أبدانهم - في ~~قول مجاهد - وقيل: استمرت بهم الريح سبع ليال وثمانية أيام حتى اتت عليهم ~~شيئا بعد شيء. وقيل { تنزع الناس } من حفر حفروها ليمتنعوا ms3311 بها من ~~الريح. وقال الحسن: فيه اضمار تقديره تنزع أرواح الناس، واعجاز النخل ~~أسافله. والنخل يذكر ويؤنث، والمنقعر المنقلع من أصله، لان قعر الشيء ~~قراره المستقل منه، فلهذا قيل للمنقطع من أصله: منقعر، يقال: انعقر ~~إنعقارا، وقعره تقعيرا، وتقعر - في كلامه - تقعرا إذا تعمق. { فكيف ~~كان عذابي ونذر } تعظيم للعذاب النازل بهم. والانذار في الآية هو الذى ~~تقدم اليهم به. وفائدة الآية التحذير من مثل سببه لئلا يقع بالمحذر مثل ~~موجبه. ### || [54.22-30] # قرأ " ستعلمون " بالتاء اهل الشام وحمزة، على الخطاب، الباقون بالياء ~~على الغيبة، اللام فى قوله { ولقد } جواب القسم فالله تعالى أقسم بأنه ~~يسر القرآن للذكر، وقد بينا معناه. وقيل: الوجوه التي يسر الله بها ~~القرآن هو أنه ابان عن الحكم الذي يعمل عليه، والمواعظ التي يرتدع بها، ~~والمعاني التي يحتاج إلى التنبيه عليها والحجج التي تميز بها الحق من ~~الباطل. وإنما أعيد ذكر التيسير لينبىء عن انه يسر بهذا الوجه من الوجوه ~~كما يسر بالوجه الأول. وقد يسر بحسن التأليف للحفظ كما يسر بحسن البيان ~~عما يخاف للوعظ. وقال الزجاج: إن كتب الأنبياء كانوا يقرؤنها نظرا ولم ~~يحفظونها، والقرآن سهل الله تعالى عليهم حفظه فيحفظه الخلق الكثير، ~~والتيسير التمكين التام لأنه قد يمكن العمل بمشقه وبغير شقة، فالذي تنتفى ~~عنه المشقة للتمكين التام هو المسهل. وفائدة الآية تبيين ما ينبغي أن ~~يطلب العلم من جهته. وإنما كرر لأنه حث على ذلك بعد حث، وأنه ميسر بضروب ~~التيسير. # وقوله { كذبت ثمود بالنذر } إخبار من الله تعالى أن ثمود، وهم قوم صالح ~~كذبت بالانذار. ومن قال: النذر جمع نذير قال لأن تكذيب واحد من الرسل فى ~~إخلاص توحيد الله كتكذيب جميعهم، لانهم متفقون فى ذلك وإن اختلفت ~~شرائعهم. وفائدة الآية التحذير من مثل حالهم. # ثم حكى ما قالته ثمود فانهم { قالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } والمعنى ~~أنتبع بشرا منا واحدا انتبعه؟! ودخلت عليهم الشبهة، فظنوا أن الانبياء ~~ينبغي أن يكونوا جماعة، لان الاشياء ذووا نظائر تجري على حكم واحد، ~~وتركوا ms3312 النظر في أنه يجوز ان يصلح واحد من الخلق لتحمل النبوة وإن لم ~~يصلح له غيره، فصار بمنزلة مدع لا دليل معه على صحة دعواه عندهم. وفائدة ~~الآية تبيان شبهتهم الخسيسة الضعيفة وانهم حملوا أنفسهم على تكذيب الرسل ~~لاجلها. وجوابهم أن يقال لهم: لأنه لا يصلح له سواه من جهة معرفته بربه ~~وقيامه باداء رسالته وسلامة ظاهره وباطنه. # وقوله { إنا إذا لفي ضلال } معناه إن اتبعناه مع انه واحد منا إنا إذا ~~لفي ضلال عن الصواب { وسعر } أي وعناء - فى قول قتادة - والسعر جمع سعير ~~كأنهم فى ضلال وعذاب كعذاب السعير. وقال قوم: معناه وسعر جنون. واصله ~~التهاب الشيء وهو شدة انتشاره، يقال: ناقة مسعورة إذا كان لها جنون. وقال ~~الزجاج: يجوز أن يكون المراد وعذاب، ويجوز جنون. # وقوله { أألقي الذكر عليه من بيننا } استفهام من قوم صالح على وجه ~~الانكار والجحود والتعجب، ومعنى { أألقي الذكر } يعني الوحي { من بيننا } ~~لما رأوا أستواء حال الناس فى الظاهر لم يكن بعضهم أحق عندهم بانزال ~~الوحي عليه من بعض. # وقد وصفوا أنفسهم أن حاله مساوية لأحوالهم فجاء من هذا ألا يكون أحق ~~بالوحي الذي ينزل عليه منهم، واغفلوا أن الله اعلم بمصالح عباده ومن يصلح ~~للقيام برسالته ممن لا يصلح. # ثم حكى ما قالوه فى صالح، فانهم قالوا { بل هو كذاب } فى دعواه أنه نبي ~~أوحى الله اليه { أشر } أي بطر، فالأشر البطر الذي لا يبالي ما قال. ~~وقيل: هو المرح الطالب للفخر وعظم الشأن، يقال: أشر يأشر أشرا كقولك: ~~بطر يبطر بطرا وأشر واشر مثل حذر وحذر، وعجل وعجل وفطن وفطن ونحس ونحس. ~~فقال: الله تعالى على وجه التهديد لهم { ستعلمون غدا من الكذاب الأشر } ~~وقرأ ابو قلابة { الكذاب الأشر } وهذا ضعيف، لأنهم يقولون: هذا خير من ~~ذا وشر من ذا، ولا يقال: أشر، ولا أخير إلا فى لغة ردية. ومن قرأ { ~~ستعلمون } بالتاء على وجه الخطاب اليهم أي قل لهم، وهي قراءة ابن عامر ~~وحمزة وحفص عن عاصم. ومن قرأ ms3313 بالياء فعلى وجه الاخبار عن الغائب وهي ~~قراءة الباقين، لأن الكذاب الأشر يوم القيامة يعاقبه الله بعذاب النار، ~~فيعلم حينئذ أي الفريقين هم. وقرب الله تعالى القيامة كقرب غد من اليوم. ~~والفرق بين قوله { ستعلمون غدا من الكذاب } وبين قوله لو قال { ستعلمون ~~غدا الكذاب الأشر } أن الأول يفيد فريقين التبس الكذب بكل واحد منهما ~~فيأتي العلم مزيلا لذلك الالتباس وليس كذلك الثاني. # ثم بين تعالى أنه ارسل الناقة وبعثها بأن أنشأها معجز لصالح، لانه ~~أخرجها من الجبل الأصم يتبعها ولدها. وقوله { فتنة لهم } نصب { فتنة } ~~على انه مفعول له. ومعنى ذلك إبتلاء لهم ومحنة، لأنه تعالى نهاهم ان ~~ينالوها بسوء مع تضيق الشرب عليهم بأن لها شرب يوم ولهم شرب يوم آخر. ~~والشرب - بكسر الشين - الحظ من الماء - وبضم الشين - فعل الشارب. # ثم حكى تعالى ما قال لصالح فانه تعالى قال له { واصطبر } أي أصبر على ~~أذاهم { ونبئهم } أي اخبرهم { أن الماء قسمة بينهم } يوم للناقة ويوم لهم ~~{ كل شرب محتضر } أي كل قسم يحضره من هو له. وقيل المعنى نبئهم أي يوم ~~لهم وأي يوم لها إلا أنه غلب من يعقل، فقال نبئهم. وقيل: كانوا يحضرون ~~الماء إذا غابت الناقة ويشربونه وإذا حضرت أحضروا اللبن وتركوا الماء لها ~~- ذكره مجاهد - وقيل: كانت الناقة تحضر شربها وتغيب وقت شربهم. وكل فريق ~~يحضر وقت شربه. # وقوله { فنادوا صاحبهم } يعني الذي وافقوه على عقر الناقة، وهو أحمر ~~ثمود، والعرب تغلط فتقول: أحمر عاد. ويريدون بذلك ضرب المثل في الشؤم، ~~وإنما هو أحمر ثمود - ذكره الزجاج - وقال قوم: اسمه قدار بن سالف. # وقوله { فتعاطى فعقر } قال ابن عباس تعاطى تناول الناقة بيده فعقرها، ~~وقال معناه تعاطى عقرها فعقرها فأهلكهم الله تعالى عقوبة على ذلك { فيكف ~~كان عذابي ونذر }. ### || [54.31-40] # لما اخبر الله تعالى عن قوم صالح أنهم عقروا الناقة وأنه تعالى أهلكهم ~~بين كيف أهلكهم فقال { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة } وهي المرة من الصوت ~~بشدة عظيمة هلكوا كلهم بها، يقال: صاح ms3314 يصيح صياحا وصايحة ومصايحة وصيح ~~به تصييحا وإنها صيحة تخلع القلوب وتهدم الأبدان لعظمها وقوله { فكانوا ~~كهشيم المحتظر } أي صاروا كالهشيم، وهو المنقطع بالتكسير والترضيض، هشم ~~أنفه يهشمه إذا كسره ومنه الهاشمة وهي شجة مخصوصة. والهشم - ها هنا - يبس ~~الشجر المتفتت الذي يجمعه صاحب الحظيرة و { المحتظر } المبتني حظيرة على ~~بستانه أو غيره، تقول احتظر احتظارا، وهو من الحظر، وهو المنع من الفعل ~~بحايط أو غيره، وقد يكون الحظر بالنهي. وقرأ بفتح الظاء وهو المكان الذي ~~يحتظر فيه الهشيم. وقيل: هشيم المحتظر قال الضحاك: هو الحظيرة تتخذ للغنم ~~يبس فتصير رميما. وقيل: الهشيم حشيش يابس متفتت يجمعه المحتظر لمواشيه. ~~وقيل: الهشيم اليبس من الشجر أجمع الذي يفتت. وقوله { ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر } قد فسرناه وقال قتادة: فهل من طالب علم يتعلم؟ وفيها ~~دلالة على بطلان قول المجبرة، لانه ذكر انه يسر القرآن ليتذكر العباد به، ~~ولو كان الأمر على ما يقولون لكان ليتذكر القليل منهم دون سائرهم. # وقوله { كذبت قوم لوط بالنذر } اخبار منه تعالى أن قوم لوط كذبوا الرسل ~~بالانذار على ما فسرناه. وفائدة ذكر التحذير على ما بيناه من فعل مثله ~~لئلا ينزل بهم مثل ما نزل باولئك، وفي الكلام حذف وتقديره فأهلكناهم. ثم ~~بين كيف أهلكهم فقال { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } والحاصب الحجارة التي ~~يرمى بها القوم، حصبوا بها إذا رموا، ومنه الحصباء الارض ذات الحصى، لانه ~~يحصب بها وقيل: الحاصب سحاب رماهم بالحجارة وحصبهم بها قال الفرزدق: # مستقبلين رياح الشام تضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # ثم استثنى آل لوط، وتقديره إنا أرسلنا عليهم حاصبا أهلكناهم به { إلا ~~آل لوط } فانا { نجيناهم } وخلصناهم من العذاب { بسحر } أي بليل لا سحرا ~~بعينه، لان سحرا إذا اردت به سحر يومك لم تصرفه، وإذا أردت به سحرا من ~~الاسحار صرفته. # وقوله { نعمة من عندنا } قال الزجاج نصبه على انه مفعول له، ويجوز ان ~~يكون على المصدر، وتقديره أنعمنا بها عليهم نعمة. ثم قال { كذلك نجزي من ~~شكر ms3315 } أي مثل ما فعلنا بهم نفعل بمن يشكر الله على نعمه، والشكر هو ~~الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم للمنعم، ونقيضه كفر النعمة، ومثله ~~الحمد على النعمة. # ثم اخبر تعالى عن لوط بأنه أنذر قومه بطشة الله وهي الأخذ بالعذاب بشدة ~~فكذلك أخذ الله - عز وجل - آل لوط باشد العذاب بالائفاك ورمي الاحجار من ~~السماء. # وقوله { فتماروا بالنذر } أي تدافعوا على وجه الجدال بالباطل، يقال: ~~تمارى القوم تماريا وماراه مماراة ومراء، ومراه يمريه مريا إذا أستخرج ~~ما عنده من العلم بالمري. # وقوله { ولقد راودوه عن ضيفه } إخبار منه تعالى بأن قوم لوط حاولوا ضيفه ~~وراودوهم على الفساد، فالمراودة المحاولة، فكأن قوم لوط طالبوه بأن يخلي ~~بينهم وبين ضيفه لما يرونه من الفاحشة. والضيف المنضم إلى غيره على طلب ~~القرى، إذ كانوا أنوا لوطا على هذه الصفة إلى ان تبين أمرهم وانهم ~~ملائكة الله أرسلهم لاهلاكهم # وقوله { فطمسنا أعينهم } فالطمس محو الاثر بما يبطل معه إدراكه، طمس ~~يطمس طمسا وطمس الكتاب تطميسا وطمست الريح الاثار إذا دفنتها بما تسفي ~~عليها من التراب، قال كعب بن زهير: # من كل نضاخة الذفرى إذا عرفت # عرضتها طامس الاعلام مجهول # وقال الحسن وقتادة: عميت أبصارهم. وقال الضحاك: إنهم دخلوا البيت على ~~لوط، فلما لم يروهم سألوا عنهم وإنصرفوا. # وقوله { فذوقوا عذابي ونذر } معناه قالت لهم الملائكة ذوقوا عذاب الله ~~ونذره أي وما خوفكم به من عذابه. # ثم قال تعالى { ولقد صبحهم } يعني قوم لوط { بكرة } نصبه على الظرف فاذا ~~أردت بكرة يومك لم تصرفه. وإذا أردت بكرة من البكرات صرفته. ومثله غدوة ~~وغدواة. وقوله { عذاب مستقر } أي استقر بهم حتى هلكوا جميعا. وقوله { ~~فذوقوا عذابي ونذر } قيل: قالت لهم الملائكة ذلك. وقال قوم: القائل هو ~~الله تعالى قال لهم فى تلك الحال يعني عند طمس أعينهم. والائتفاك بهم ~~ورميهم بالحجارة { ذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر } وقد فسرناه وبينا الوجه فيه. ### || [54.41-46] # قرأ روح وزيد { سنهزم } بالنون على وجه الاخبار من ms3316 الله تعالى عن نفسه ~~الباقون بالياء على ما لم يسم فاعله. # اخبر الله تعالى عن آل فرعون انه جاءهم النذر. ويحتمل ان يكون جمع نذير، ~~وهو الرسول المخوف. ويحتمل ان يكون المراد به الانذار على ما بيناه ~~ومعناه إنه جاءهم التخويف من معاصي الله والوعيد عليها. # ثم اخبر تعالى عنهم بأنهم { كذبوا بآياتنا } يعني حججنا وبراهيننا { ~~كلها } وآل فرعون خاصته الذين كانوا ينضافون اليه بالقرابة. والموافقة فى ~~المذهب، ويقال: آل القرآن آل الله، لأنهم بمنزلة الآل فى الخاصة ~~والاضافة. والانذار الاعلام بموقع المخافة ليتقى. والنذر والانذار مثل ~~النكر والانكار. وهو جمع نذير وهم الرسل. والداعي إلى تكذيب الرسل الشبهة ~~الداخلة على العقلاء والتقليد والعادة السيئة وغير ذلك. # ثم اخبر تعالى انه اخذهم بالعذاب والاهلاك { أخذ عزيز مقتدر } وهو ~~القاهر الذي لا يقهر ولا ينال، مقتدر على جميع ما يريده لكثرة مقدوراته. # ثم قال { أكفاركم } يعني قريش وأهل مكة { خير من أولئكم } الكفار، ~~والمعنى إنهم ليسوا بخير من كفار قوم نوح وعاد وثمود. وقوله { أم لكم ~~براءة في الزبر } معناه ألكم براءة فى الكتب المنزلة من عذاب الله. # وقوله { أم يقولون نحن جميع منتصر } قال الزجاج: معناه أيقولون ذلك ~~إدلالا بقوتهم. ويحتمل أن يكون أرادوا نحن جميع أي يد واحدة على قتاله ~~وخصومته { منتصر } أي ندفعه عنا وينصر بعضنا بعضا فقال الله تعال مكذبا ~~لظنونهم { سيهزم الجمع } معناه إن جميعهم سيهزمون { ويولون الدبر } ولا ~~يثبتون لقتالك، وكان كذلك فكان موافقته لما أخبر به معجزا له لانه إخبار ~~بالغيب قبل كونه، وانهزم المشركون يوم بدر وقتلوا وسبوا على ما هو معروف. # ثم قال { بل الساعة } يعني القيامة { موعدهم } للجزاء لهم بأنواع العقاب ~~والنيران وقوله { والساعة أدهى وأمر } فالأدهى الاعظم فى الدهاء. والدهاء ~~عظم سبب الضرر مع شدة انزعاج النفس وهو من الداهية وجمعه دواه، والداهية ~~البلية التي ليس فى إزالتها حيلة، والمراد ما يجري عليهم من القتل والاسر ~~عاجلا لا يخلصهم من عذاب الآخرة بل عذاب الآخرة أدهى وأمر. والأمر الاشد ~~في ms3317 المرارة، وهي ضرب من الطعم به يكون الشيء مرا. ويحتمل الأمر الاشد في ~~استمرار البلاء، لان الاصل التمرر. وقيل مرارة لشدة مرورها وطلبها الخروج ~~بحدة. وقيل: الأمر الاشد مرارة من القتل والاسر. ### || [54.47-55] # هذا إخبار من الله تعالى بأن المجرمين الذين أرتكبوا معاصي الله وتركوا ~~طاعاته فى ضلال وسعر، ومعناه فى ضلال عن الحق وعدول عنه { وفي سعر } يعني ~~في عذاب النار تسعرهم ومعناه إنهم يصيرون اليه، وإنما جمع بين الضلال ~~والسعر، لانه لازم لهم ومنعقد بحالهم وإن كان الضلال بعصيانهم والسعر ~~بالعقاب على الضلال، وكأنهم قد حصلوا فيه بحصولهم في سببه الذي يستحق به. ~~وقيل معنى في ضلال يعني في ذهاب عن طريق الجنة والآخرة في نار مسعرة. # وقوله { يوم يسحبون } أي يوم يجرون فى النار على وجوههم { ذوقوا مس سقر ~~} أي يقال لهم مع ذلك ذوقوا مس سقر، وهو كقولهم وجدت مس الحمى وكيف ذقت ~~طعم للضرب. وقيل: إن سقر جهنم وقيل: هو باب من ابوابها، ولم يصرف للتعريف ~~والتأنيث. ولما وصف العقاب قال { إنا كل شيء خلقناه بقدر } أي العقاب على ~~مقدار الاستحقاق الذي تقتضيه الحكمة وكذلك غيره فى كل خصلة. وفي نصب (كل) ~~ثلاثة أوجه: # أحدها - على تقدير إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر. # الثاني - انه جاء على زيدا ضربته. # الثالث - على البدل الذي يشتمل عليه، كأنه قال { إن كل شيء خلقناه بقدر ~~} أي هو مقدر فى اللوح المحفوظ. وقوله { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ~~} فاللمح خطف البصر، والمعنى وما أمرنا إذا أردنا ان يكون شيئا إلا مرة ~~واحدة إنما نقول له كن فيكون أي هذه منزلته فى سرعته وإنطياعه. # ثم قال تعالى مخاطبا لكفار قريش وغيرهم { ولقد أهلكنا أشياعكم } يعني ~~اتباع مذهبكم فى كفرهم بعبادة الأوثان تتابعوا قرنا بعد قرن في الاهلاك ~~بعذاب الاستئصال. والشيعة أتباع القائد إلى أمر. وقيل: المعنى ولقد ~~أهلكنا اشياعكم ممن هو منكم كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله فهي لكل ~~أمة فهل من متعظ. وقال الحسن: هو على ms3318 الامم السالفة { فهل من مدكر } ~~معناه فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من ~~أعمال الكفار لئلا يقع به ما وقع بهم من الاهلاك. # وقوله { وكل شيء فعلوه في الزبر } يعني في الكتب التي كتبتها الحفظة. ~~وقال ابن زيد في الكتاب. وقال الضحاك في الكتب وقوله { وكل صغير، وكبير ~~مستطر } قال ابن عباس معناه إن جميع ذلك مكتوب مسطور في الكتاب المحفوظ، ~~لانه من أعظم العبرة في علم ما يكون قبل أن يكون على التفصيل، وبه قال ~~مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد. # ثم قال تعالى { إن المتقين } يعني الذين اتقوا معاصيه وفعلوا واجباته { ~~في جنات } يعني بساتين تجنها الأشجار { ونهر } أي انهار، فوضع نهرا في ~~موضع أنهار، لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير، والنهر المجرى الواسع ~~من مجاري الماء، وهو خلاف الجدول، لانه المجرى الصغير الشديد الجرى من ~~مجاري الماء { في مقعد صدق } معناه في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم { ~~عند مليك مقتدر } أي بالمكان الذي كرمه لأوليائه المليك المقتدر. وقيل: ~~فى مقعد صدق عند المليك المقتدر بما هو عليه من صدق دوام النعيم به. وقال ~~الفراء: معنى { في جنات ونهر } أي فى ضياء وسعة، ويقال: أنهر دمه إذا سال ~~وانهر بطنه إذا جاء بطنه مثل جرى النهر. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # ثلاث عشرة آية كوفى وشامي، وإثنتا عشرة آية بصري وإحدى عشرة آية فى ما ~~عداه، عد الكوفى والشامي { الرحمن } ولم يعده الباقون، وعدوا { خلق ~~الإنسان } إلا أهل المدينة فانهم عدوا { البيان } آخر الآية. وقرأ { الحب ~~ذا العصف } بالنصب شامي { والريحان } خفض كوفى غير عاصم، وعد الكوفيون { ~~الرحمن } آية مع أنه ليس بجملة، لأنه في تقدير الله الرحمن حتى تصح ~~الفاصلة وهو خبر مبتدأ محذوف نحو قوله { سورة أنزلناها } أي هذه ~~أنزلناها، ومعنى { الرحمن } هو الذي وسعت رحمته كل شيء، فلذلك لا يجوز أن ~~يوصف به إلا الله تعالى، فأما (راحم ورحيم) فيجوز ان يوصف به العباد. # وقوله { علم القرآن ms3319 } فالتعليم تبين ما به يصير من لم يعلم عالما. ~~والاعلام إيجاد ما به يصير عالما، وفى قوله { الرحمن علم القرآن } تذكير ~~بالنعمة فى ما علم من الحكم بالقرآن التي يحتاج اليها الناس فى دينهم ~~ليؤدوا ما يجب عليهم وينالوا الفضل بطاعة ربهم ويستوجبوا به الثواب ~~وينالوا الرضوان. # وقوله { خلق الإنسان } معناه إنه الذي اخترع الانسان وأخرجه من العدم ~~إلى الوجود، وقيل: المراد بالانسان - ها هنا - آدم عليه السلام. وقيل: ~~محمد صلى الله عليه وآله. وقيل: جميع الناس وهو الظاهر وهو الأعم في ~~الجميع. وقوله { علمه البيان } أى خلق فيه التمييز الذي بان به من سائر ~~الحيوان. وقيل: معناه علمه الكلام الذى يبين به عن مراده ويتميز به عن ~~سائر الحيوان، فالبيان هو الأدلة الموصلة إلى العلم. وقيل: البيان إظهار ~~المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره كتميز معنى رجل من معنى فرس، ومعنى ~~قادر من معنى عاجز، ومعنى عام من معنى خاص، ومعنى شيء من معنى هذا بعينه، ~~وفيه تنبيه على أنه تعالى خلق الانسان غير عالم، ثم علمه البيان، خلافا ~~لقول من يقول من الجهال: إن الانسان لم يزل عالما بالاشياء، وإنما يحتاج ~~فيه إلى تذكير، فكيف يكون عالما من لم يخلق بعد لولا الغباوة وقلة ~~التحصيل. # وقوله { والشمس والقمر بحسبان } أي يجريان بحسبان فاضمر يجريان وحذفه ~~لدلالة الكلام عليه، فيكون إرتفاع الشمس بالفعل المقدر. وقال قوم: إرتفعا ~~بتقديرهما بحسبان أي بحساب، والمعنى علمه البيان أن الشمس والقمر بحسبان ~~وقيل: المعنى أن أمرهما يجري فى الادوار على مقدار من الحساب على ما وضعه ~~حكيم عليم بتدبير صحيح، قد كان يمكن وضعهما على خلافه غير انه اختار ذلك ~~لاستغناء العباد بها فى وجوه المنافع وما فى ذلك من المصالح. وقال ابن ~~عباس وقتادة وابن زيد: بحسبان، ومنازل يجريان فيها ولا يعدوانها. وقيل: ~~إن القمر يقطع بروج السماء فى ثمانية وعشرين يوما، والشمس تقطع ذلك فى ~~ثلثمائة وخمسمة وستين يوما وشيء. # وقوله { بحسبان } خبر الشمس والقمر على قول من رفعهما بالابتداء ms3320 ~~(وحسبان) مصدر حسبته أحسبه حسبانا نحو السكران والكفران. وقيل: هو جمع ~~حساب كشهاب وشهبان. # وقوله { والنجم والشجر يسجدان } فالنجم من النبات ما طلع، يقال: نجم ~~ينجم إذا طلع، ونجم القرن والنبات إذا طلعا، وبه سمي نجم السماء، وهو ~~الكوكب لطلوعه. والنجم - ها هنا - النبت الطالع من الارض، وهو النبات ~~الذي ليس له ساق - فى قول ابن عباس وسعيد وسفيان - وقال مجاهد: هو نجم ~~السماء، وبه قال قتادة، والأول أقوى لمصاحبة الشجر. والشجر عند أهل اللغة ~~النبات الذي له ساق وورق وأغصان يبقى ساقه على دور الحول من الرمان ~~واكثره مما له ثمار تجنى على ما دبرها صانعها من الاتيان بها فى أبانها. # وقوله { يسجدان } إخبار من الله تعالى بانهما يسجدان، وسجودهما هو ما ~~فيهما من الآية الدالة على حدوثهما وعلى وجوب الخضوع لله تعالى والتذلل ~~له لما خلق فيها من الاقوات المختلفة فى النبات للناس وغيرهم من الحيوان ~~والاستمتاع بأصناف الثمار والفواكه والرياض اللذيذة، فلا شيء أدعى إلى ~~الخضوع والعبادة لمن أنعم بهذه النعمة الجليلة مما فيه مثل الذي ذكرنا فى ~~النجم والشجر. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: سجودهما ظلالهما الذي يلقيانه ~~بكرة وعشيا، فكل جسم له ظل فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث ~~الذي لا يقدر عليه إلا قادر لا يعجزه شيء. # وقوله { والسماء رفعها } أي رفع السماء رفعها فوق الأرض للاعتبار بها ~~والتفكر فيها، وأنه لا يقدر على رفعها غير القادر لنفسه الذي لا يعجزه ~~شيء ولا يماثله موجود. # وقوله { ووضع الميزان } فالميزان آلة التعديل فى النقصان والرجحان، ~~والوزن يعدل فى ذلك، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق، ~~فلذلك نبه على النعمة فيه والهداية اليه. # وقوله { إلا تطغوا في الميزان } نهي كأنه قال أي لا تطغوا، لأن (أن) ~~تكون بمعنى أي ويجوز ان تكون علة، وتقديره ووضع الميزان لأن لا تطغوا، ~~وإنما أعاد ذكر الميزان من غير أضمار لئلا يكون الثاني مضمنا بالأول، ~~وليكون قائما بنفسه في النهي عنه إذا قيل ألا تطغوا فى ms3321 الميزان. وقيل: ~~لأنه نزل في وقتين. والأول أحسن. وقيل: المراد بالميزان العدل لان ~~المعادلة موازنة الاسباب، والطغيان الافراط في مجاوزة الحد في العدل. ~~وقيل: لا تطغوا فيه لان ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم. وقال الزجاج: ~~تقديره فعلت ذلك لئلا تطغوا. ويحتمل ان يكون نهيا مفردا. ويجوز أن يكون ~~بمعنى (أي) مفسرة # وقوله { وأقيموا الوزن بالقسط } أمر من الله تعالى أن يقيموا الوزن إذا ~~أرادوا الاخذ أو الاعطاء { بالقسط } أي بالعدل { ولا تخسروا الميزان } ~~بمعنى لا تنقصوه. # والخسران نقصان أصل المال، وهو ذهاب ما كان من رأس المال: خسر يخسر ~~خسرا وخسرانا، وخسره تخسيرا، فهو خاسر ومخسر. قال الزجاج: قولهم: ~~أخسرت الميزان وخسرت، فعلى خسرت { لا تخسر } بفتح التاء، وقد قرأ به بعض ~~المتقدمين شاذا لا يؤخذ به. # وقوله { والأرض وضعها للأنام } ليستقروا عليها. وقال ابن عباس: الانام ~~كل شيء فيه روح. وقال الحسن: الانام الانس والجن. وقال قتادة: الانام ~~الخلق. ويجوز أن يكون الانام من ونم الذباب إذا صوت من نفسه، ويسمى كل ما ~~يصوت من نفسه أناما. وقلبت الواو من ونام همزة كقولهم: أناة من (وناة). # ثم بين وجه المنافع للخلق فوضع الارض { فيها فاكهة } وهي أنواع الثمار ~~التي تؤخذ من الشجر فيها أنواع الملاذ وفنون الامتاع، فسبحان الذي خلقه ~~لعباده وأجرى فيه ضروب الطعوم بلطفه، وكله يسقى بماء واحد في ارض واحدة ~~من شجرة يابسة تنقلب إلى حال الغضاضة والنضرة، ثم تحمل الثمرة الكريمة، ~~وكل ذلك بعين المعتبر وعلم المفكر. # وقوله { والنخل ذات الأكمام } اسم جنس يقع على القليل والكثير وواحده ~~نخلة، وهو يذكر ويؤنث، والاكمام جمع (كم) وهو وعاء ثمر النخل، تكمم في ~~وعائه إذا اشتمل عليه. وقيل: الأكمام ليف النخلة التي تكمم فيه - في قول ~~الحسن وقتادة - وقال ابن زيد: الأكمام الطلع الذي فيه ثمر النخلة. وقال ~~الزجاج: كم القميص من هذا، لانه يغطي اليد. # وقوله { والحب ذو العصف والريحان } قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: العصف ~~التبن. لان الرياح تعصفه أي تطيره بشدة ms3322 هبوبها ومنه الريح العاصف، قال ~~علقمة بن عبدة: # تسفي مذانب قد مالت عصيفتها # حدورها من أني الماء مطموم # وهو دقاق الزرع إذا يبس عصفته الريح. وقيل: العصف التبن. ويقال: له ~~العصيفة. والحب حب الحنطة والشعير ونحوهما، والريحان الرزق - في قول ابن ~~عباس ومجاهد والضحاك - وقال الحسن وابن زيد: الريحان هو الذي يشم. وفي ~~رواية اخرى عن ابن عباس والضحاك: إن الريحان الحب. والعرب تقول: خرجنا ~~نطلب ريحان الله أى رزقه ويقال: سبحانك وريحانك أى رزقك، قال النمر بن ~~تولب # سماء الاله وريحانه # وجنته وسماء درد # وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { والريحان } جرا على تقدير، وذو الريحان. ~~الباقون بالرفع عطفا على (الحب) وقرأ ابن عامر وحده { والحب ذا العصف ~~والريحان } بالنصب فيها كلها على تقدير، وخلق الحب ذا العصف وخلق الريحان ~~الباقون بالرفع على تقدير فيها الحب ذو العصف وفيها الريحان. # وقوله { فبأى آلاء ربكما تكذبان } قال ابن عباس والحسن وقتادة: معناه ~~فبأى نعمة من نعمه يا معشر الجن والانس تكذبان؟! وريحان أصله ريحان، ~~فخفف. وتلخيصه ريوحان على وزن فيعلان، فلما التقت الواو والياء والثاني ~~ساكن قلبوا الواو ياء وأدغموا ثم خففوا كراهية التشديد كما قالوا: هين ~~لين. ### || [55.14-21] # يقول الله تعالى إنه { خلق الإنسان } وأنشائه ويعني به آدم عليه السلام ~~{ من صلصال } وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة - فى قول قتادة - { ~~كالفخار } أي مثل الطين الذي طبخ بالنار حتى صار خزفا { وخلق الجان من ~~مارج من نار } فالمارج هو المختلط الأجزاء، قال الحسن أبليس ابو الجن، ~~وهو مخلوق من لهب النار، كما أن آدم ابو البشر مخلوق من طين. وصف الله ~~تعالى الانسان الذي هو آدم ابو البشر انه خلقه من صلصال. وفي موضع آخر # من طين لازب # وفي موضع آخر # من حمأ مسنون # وفى موضع آخر # خلقه من تراب # وإختلاف هذه الألفاظ لا تناقض فيها، لانها ترجع إلى أصل واحد وهو ~~التراب، فجعله طينا. ثم صار كالحمأ المسنون. ثم يبس فصار صلصالا ~~كالفخار. # وقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان ms3323 } معناه فبأى نعم ربكما يا معشر الجن ~~والانس تكذبان؟! وإنما كررت هذه الآية، لانه تقرير بالنعمة عند ذكرها على ~~التفصيل نعمة نعمة. كأنه قيل بأى هذه الآلاء تكذبان. ثم ذكرت آلاء أخر ~~فاقتضت من التذكير والتقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحد فى نفسها ~~وفى ما تقتضيه صفتها من حقيقتها التي تتفصل بها من غيرها. # وقوله { رب المشرقين ورب المغربين } تقديره هو رب المشرقين، فهو خبر ~~ابتداء، ولو قرىء بالخفض ردا على قوله { فبأى آلاء ربكما تكذبان } لكان ~~جائزا غير انه لم يقرأ به أحد. والمعنى انه الخالق لمشرق الشتاء ومشرق ~~الصيف، وهو عند غاية طول النهار فى الصيف وغاية قصره فى الشتاء { ورب ~~المغربين } مثل ذلك - وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد - والمشرق موضع شروق ~~الشمس، وهو طلوعها تقول: شرقت الشمس تشرق شروقا إذا طلعت واشرقت إذا ~~أضائت وصفت. والمغرب موضع غروب الشمس. والغروب مصيرها فى حد الغروب وهو ~~المغيب، غربت تغرب غروبا، ومنه الغريب وهو الصابر فى حد الغائب عن النفس ~~وأصله الحد ومنه الغروب مجاري الدموع لزوالها من حدها إلى الحد الآخر. ~~وقوله { فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي فبأي نعمة ربكما معاشر الجن والانس ~~تكذبان. وقد بينا الوجه فى تكراره. وواحد الآلاء ألى على وزن (معا) و ~~(ألا) على وزن (قفا) عن أبي عبيدة. # وقوله { مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان } معنى مرج أرسل - ~~فى قول ابن عباس. وقال الحسن وقتادة و (البحران) بحر فارس والروم. وقال ~~ابن عباس فى رواية أخرى هما بحر السماء وبحر الارض { يلتقيان } فى كل ~~عام. وقيل البحران الملح والعذب. وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند ~~التقائهما من غير أن يختلط جملتها { لا يبغيان } أي لا يبغي أحدهما على ~~الآخر بأن يقلبه إلى مثل حاله فى الملوحة والعذوبة. ومرج معناه أرسل ~~باذهاب الشيئين فصاعدا فى الارض، فمرج البحرين أرسلهما بالاجراء في ~~الارض يلتقيان، ولا يختلطان، ذلك تقدير العزيز العليم. والبرزخ الحاجز ~~بين الشيئين، ومنه البرزخ الحاجز بين الدنيا والآخرة. وقال ms3324 قتادة: البرزخ ~~الحاجز أن يبغي الملح على العذب أو العذب على الملح. وقال مجاهد: معناه ~~لا يبغيان لا يختلطان ومعناه لا يبغيان على الناس. والنعمة بتسخير الشمس ~~أنها تجري دائبة بمنافع الخلق فى الدنيا والدين، فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~معاشر الجن والانس. ### || [55.22-30] # قرأ { المنشئآت } بالكسر حمزة، ويحيى وقرأ { يخرج } بفتح الياء أهل ~~الكوفة، وابن كثير وابن عامر أسندوا الفعل إلى اللؤلؤ والمرجان. الباقون، ~~على ما لم يسم فاعله. وإنما أجازوا اسناد الفعل إلى الجوار واللؤلؤ ~~والمرجان، كما قالوا مات زيد ومرض عمرو وما أشبه ذلك في ما يضاف الفعل ~~اليه إذا وجد منه. وإن كان في الحقيقة لغيره، وكان المعنى المنشئات السير ~~فحذف المفعول وأضاف السير اليه إتساعا، لان سيرها إنما يكون بهبوب ~~الريح. وقال الزجاج: من فتح الشين أراد المرفوعات الشرع، وبالكسر ~~الحاملات الرافعات الشرع. # لما ذكر الله تعالى النعمة على الخلق بمرج البحرين اللذين يلتقيان، ~~وإنهما مع ذلك لا يبغيان، بين أيضا ما فيهما من النعمة، فقال يخرج منهما ~~يعني من البحرين اللؤلؤ والمرجان. فاللؤلؤ معروف، ويقع على الصغار ~~والكبار. والمرجان ضرب من الجوهر كالقضبان يخرج من البحر. وقال ابن عباس: ~~اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره. وبه قال الحسن وقتادة والضحاك، وسمي ~~المرجان بذلك لأنه حب من الجوهر كبير مختلط به مرجت أي خلطت. وإنما جاز ~~أن يقول يخرج منهما، وهو يخرج من الملح دون العذب، لان العذب والملح ~~يلتقيان فيكون العذب كاللقاح للملح، كما يقال يخرج الولد من الذكر ~~والانثى، وإنما تلده الانثى. وقال قوم: لا يخرج اللؤلؤ إلا من الموضع ~~الذي يلتقي فيه العذب والملح، وذلك معروف عند الغواصين. وقال الزجاج: ~~لانه إذا أخرجه من أحدهما فقد أخرجه من الآخر، لانه داخل فيهما وقال ابن ~~عباس: إذا جاء القطر من السماء تفتحت الاصداف فكان من ذلك القطر اللؤلؤ. ~~وقال قوم المعنى من جهتهما ولا يجب إنه من كل واحد منهما، والأول وجه ~~التأويل. # وقوله { وله الجوار المنشآت } والجوار جمع جارية وهي السفينة لانها تجري ~~في ms3325 الماء بأمر الله تعالى. والجارية المرأة الشابة، لأنه يجري فيها ماء ~~الشباب، والمنشئآت المبتدآت للسير برفع القلاع. وقال مجاهد: ما رفع له ~~القلاع، فهو منشأ وما لم يرفع قلاعه فليس بمنشأ، فجعل الانشاء برفع ~~القلاع. والاعلام الجبال واحدها علم سمي بذلك لارتفاعه كارتفاع الاعلام ~~المعروفة. وقال جرير: # إذا قطعن علما بعد علم # حتى تناهين بنا إلى حكم # وقيل كالاعلام في العظم. وقوله { كل من عليها فان } إخبار من الله تعالى ~~أن جميع من على وجه الارض من العقلاء يفنون ويخرجون من الوجود إلى العدم. ~~وإذا ثبت ذلك وكانت الجواهر لا تفنى إلا بفناء يضادها على الوجود، فاذا ~~وجد الفناء انتفت الجواهر كلها، لانها إختصاص له بجوهر دون جوهر، فالآية ~~دالة على عدم جميع الاجسام على ما قلناه، لانه إذا ثبت عدم العقلاء ~~بالآية ثبت عدم غيرهم، لانه لا يفرق من الأمة أحد بين الموضعين. # وقوله { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } معناه ويبقى ربك الظاهر ~~بأدلته كظهور الانسان بوجهه فالوجه يذكر على وجهين: # احدهما - بعض الشيء كوجه الانسان. # الثاني - بمعنى الشيء المعظم في الذكر كقولهم: هذا وجه الرأى، وهذا وجه ~~التدبير أي هو التدبير، وهو الرأي. والاكرام والاعظام بالاحسان، فالله ~~تعالى يستحق الاعظام بالاحسان الذي هو في أعلى مراتب الاحسان. ومعنى ذو ~~الجلال ذو العظمة بالاحسان. # وقوله { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن } معناه يسأل ~~الله تعالى من في السموات والارض من العقلاء حوائجهم، ويضرعون اليه. ثم ~~قال { كل يوم هو في شأن } فالشان معنى له عظم، وكذلك قال كل يوم هو في ~~شان، ويقال: لا يشغله شأن عن شأن. والمعنى إن كل يوم الله تعالى في شأن ~~من احياء قوم وإماتة آخرين، وعافية قوم ومرض غيرهم، ونجاة واهلاك ورزق ~~وحرمان وغير ذلك من الامور والنعمة. وقوله { كل من عليها فان } فى ~~التسوية بين الخلق في الفناء { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد فسرناه. ### || [55.31-36] # سبع آيات حجازى وست في ما عداه، عد الحجازيون { من نار } ولم ms3326 يعده ~~الباقون. # قرأ { شواظ } - بكسر الشين - أهل مكة. الباقون بضمها، وهما لغتان مثل ~~صوار وصوار. وقرأ { نحاس } بالجر أهل مكة والبصرة، غير يعقوب عطفا على ~~(نار). الباقون بالرفع عطفا على { شواظ } وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما { ~~سيفرغ } على تقدير سيفرغ الله لكم. الباقون - بالنون - على وجه الاخبار ~~من الله عن نفسه يعني قوله { سنفرغ لكم } من أبلغ الوعيد وأعظم التهديد. ~~وقيل في معناه قولان: # أحدهما - سنفرغ لكم من الوعيد وينقضي ويأتيكم المتوعد به فشبه ذلك بمن ~~فرغ من شيء وأخذ في غيره. # الثاني - إنا نستعمل عمل من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع فيه كما ~~يقول: القائل: سأتفرغ لك. والله تعالى لا يشغله شيء عن شيء، لانه من صفات ~~الاجسام، وهو من أبلغ الوعيد لأنه يقتضي أن يجازى بصغير ذنبه وكبيره إذا ~~كان مستحقا لسخط الله. والفراغ انتفاع القاطع عنه من القادر عليه. ~~والشغل والفراغ من صفات الاجسام التي تحلها الأعراض، وشغلها عن الاضداد ~~في تلك الحال ولذلك وجب ان يكون في صفة القديم تعالى مجازا. # وقوله { أيها الثقلان } خطاب للجن والانس، وإنما سميا ثقلين لعظم شأنهما ~~بالاضافة إلى ما في الارض من غيرهما، فهما أثقل وزنا لعظم الشأن بالعقل ~~والتمكين والتكليف لاداء الواجب في الحقوق، ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وآله # " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " # يريد عظيمي المقدار، فلذلك وصفهما بأنهما ثقلان. # وقوله { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض } قال الضحاك: ~~ان استطعتم أن تنفذوها ربين من العذاب يقال: لهم ذلك يوم القيامة. وقال ~~قوم: معناه إن استطعتم أن تنفذوها ربين من الموت فاهربوا فانه حيث كنتم ~~أدرككم الموت. وقال ابن عباس: معناه إن استطعتم أن تعلموا ما فى السموات ~~والارض فاعلموا أنه لا يمكنكم ذلك. # وقوله { لا تنفذون إلا بسلطان } معناه إلا بحجة وبيان. وقيل معناه: إلا ~~بملك وقهر، وليس لكم ذلك. وقال الزجاج: المعنى { فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان } أي حيثما كنتم شاهدين. ثم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده ms3327 ~~وواحد الاقطار قطر وهي الاطراف - في قول سفيان - فانفذوا في صورة الأمر ~~والمراد به التحدي. ثم قال { لا تنفذون إلا بسلطان } وهو القوة التي ~~يتسلط بها على الأمر { فبأي آلاء ربكما تكذبان } وقد فسرناه. وفائدة ~~الآية أن عجز الثقلين عن الهرب من الجزاء كعجزهم عن النفوذ من الاقطار، ~~وفي ذلك اليأس من رفع الجزاء بوجه من الوجوه، فلينظر امرء ما يختار لنفسه ~~مما يجازى به. # وقوله { يرسل عليكما شواظ من نار } فالشواظ لهب النار - في قول ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة - ومنه قول رؤبة: # إن لهم من وقعنا أيقاظا # ونار حرب تسعر الشواظا # والنحاس الصفر المذاب للعذاب - فى قول ابن عباس ومجاهد وسفيان وقتادة - ~~وفي رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد: النحاس الدخان قال النابغة الجعدي: # يضيء كضوء سراج السلي # ط لم يجعل الله فيها نحاسا # أي دخانا. والسليط دهن السمسم. وقال قوم: هو دهن السنام. وقال الفراء: ~~هو دهن الزيت. # وقوله { فلا تنتصران } أي لا تقدران على دفع ذلك عنكما، ووجه النعمة في ~~إرسال الشواظ من النار والنحاس على الثقلين هو ما لهم في ذلك من الزجر في ~~دار التكليف عن مواقعة القبيح، وذلك نعمة جزيلة، فلذلك قال { فبأي آلاء ~~ربكما } معاشر الجن والانس { تكذبان }. ### || [55.37-45] # ثمان آيات بصرى وتسع في ما عداه، عد الكل { يكذب بها المجرمين } ولم ~~يعده البصريون. # يقول الله تعالى { فإذا انشقت السماء } ومعناه إن ينفك بعضها عن بعض، ~~فالسماء تنشق يومئذ وتصير حمراء كالوردة. ثم تجرى كالدهان قال الفراء: ~~الوردة الفرس الوردة. وقال الزجاج: يتلون كما يتلون الدهان المختلفة أى ~~فكان كلون فرس ورده، وهو الكميت فيتلون في الشتاء لونه بخلاف لونه في ~~الصيف، وكذلك في الفصول فسبحان خالقها والمصرف لها كما يشاء. والوردة ~~واحدة الورد، وإنما تصير السماء كالوردة في الاحمرار ثم تجري كالدهان، ~~وهو جمع دهن كقولك قرط وقراط عند انقضاء الأمر وتناهي المدة. وقال الحسن: ~~هي كالدهان أى كالدهن الذى يصب بعضه على بعض بألوان مختلفة. وقيل: تمور ~~كالدهن صافية. وقال قتادة: ms3328 لونها حينئذ الحمرة كالدهان في صفاء الدهن ~~وإشراقه. وقال قوم: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير ~~حمراء ذائبة كالدهن. قال الجبائي: وروي أن السماء الدنيا من حديد وليس في ~~الآية ما يدل ما قاله، لاحتمال ذلك ما قاله المفسرون. والأقوال التي ~~ذكرناها. وقال الفراء: الدهان الأديم الأحمر ووجه النعمة في إنشقاق ~~السماء حتى وقع التقرير بها فى قوله { فبأى آلاء ربكما تكذبان } هو ما فى ~~الاخبار به من الزجر والتخويف بانشقاق السماء فوقع فى السبب ولا يصلح فى ~~المسبب أن يكون منفعة، ولكن لسبب النفع الذى هو الزجر فى دار الدنيا، ~~فلذلك وقع التقرير بقوله { فبأى آلاء ربكما تكذبان }. # وقوله { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان } معناه لا يسأل فى ذلك ~~الموطن لما يلحقه من الدهش والذهول الذى تحار له العقول، وإن وقعت ~~المسألة فى وقت غيره بدلالة قوله # وقفوهم إنهم مسؤلون # وقال قتادة: يكون المسائلة قبل ثم يختم على الافواه عند الجحد فتنطق ~~الجوارح. وقيل: معناه إن يومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ليعرف المذنب ~~من المؤمن المخلص، لان الله تعالى قد جعل عليهم علامة كسواد الوجوه وقبح ~~الخلق ولم يدخل فى ذلك سؤال المحاسبة للتوبيخ والتقريع، لأنه تعالى قال { ~~وقفوهم إنهم مسؤلون } وتقدير الاية فيومئذ لا يسأل أنس عن ذنبه ولا جان ~~عن ذنبه. وقيل: يجوز أن يكون المراد أنه لا يسأل احد من انس ولا جان عن ~~ذنب غيره، وإنما يسأل هو سؤال توبيخ عن فعل نفسه. # وقوله { يعرف المجرمون بسيماهم } معناه إن الله تعالى جعل للكفار ~~والعصاة علامات تعرفهم بها الملائكة والسيماء العلامة. ومنه قوله # سيماهم في وجوههم من أثر السجود # وهو مشتق من السوم وهو رفع الثمن عن مقداره، ومنه # مسومين # أي معلمين بعلامة والعلامة يرفع باظهارها لتقع المعرفة بها والمعرفة هي ~~العلم عند المتكلمين. # وقال بعض النحويين: إن متعلق المعرفة المفرد ومتعلق العلم الجملة كقولهم ~~عرفت زيدا وعلمت زيد قائما ولو جئت بقائم فى عرفت لكان ms3329 حالا ولم يخرج ~~عن معرفة زيد. # وقوله { فيؤخذ بالنواصي والأقدام } قال الحسن: يجمع بين ناصيته وقدمه ~~بالغل فيسحب إلى النار. والناصية شعر مقدم الرأس، ومنه ناصية الفرس ومنه ~~قوله تعالى # لنسفعا بالناصية # أي ليقترن بها ما سحقته النار إذلالا لها وأصله الاتصال من قول الشاعر: # فى يناصيها بلادقى # أي يتصل بها فالناصية متصلة بالرأس و (الاقدام) جمع قدم وهو العضو الذي ~~يقدمه صاحبه للوطيء به على الأرض. وقيل: يأخذهم الزبانية بنواصيهم ~~وأقدامهم فتسحبهم إلى النار أى تأخذهم تارة بذا، وتارة بذا. وقال الحسن ~~وقتادة يعرفون بأنهم سود الوجوه زرق العيون، كما قال تعالى # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # { فبأى آلاء ربكما تكذبان } وجه النعمة بذلك ما فيه من الزجر عن المعاصي ~~والترغيب فى الطاعات وذلك نعمة من الله على العباد فى الدين. # وقوله { هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون } معناه يقال لهم يوم القيامة ~~إذا شاهدوا جهنم { هذه جهنم } ويحتمل أن يكون المراد هذه جهنم التي ~~وصفتها هي التي يكذب بها المجرمون الكفار بنعم الله { يطوفون بينها وبين ~~حميم آن } قيل: يطوفون بين أطباقها فى عذاب النار، وبين الحميم آن. ~~والحميم الماء الحار. والآن الذي بلغ نهايته. والمراد - ها هنا - هو الذى ~~قد بلغ نهاية حره من آنى يأنى إنيا فهو آن، ومنه قوله # غير ناظرين إناه # يعني نضاجه وبلوغه غايته { فبأي آلاء ربكما تكذبان } والاخبار بذلك لطف ~~وزجر عن المعاصي فلذلك كانت نعمة اعتد بها وقرر بها. ### || [55.46-55] # لما وصف الله تعالى ما أعد للكفار من أنواع العذاب، بين بعد ذلك ما أعد ~~للمؤمنين والمتقين، فقال { ولمن خاف مقام ربه جنتان } والمعنى ولمن خاف ~~المقام الذي يقفه فيه ربه للمسائلة عما عمل في ما يجب عليه مما أمره به ~~أو نهاه عنه، فيكفه ذلك عما يدعوه هواه اليه يصبر صبر مؤثر للهدى على ~~طريق الردى. والمقام الموضع الذي يصلح للقيام فيه وبضم الميم الموضع الذي ~~يصلح للاقامة فيه. والجنتان اللتان وعد الله من وصفه بهما قيل هما جنتان: ~~إحداهما ms3330 داخل قصره والأخرى خارج قصره على ما طبع الله تعالى العباد عليه ~~من شهوة ذلك وجلالته فشوقوا إلى ما في طباعهم شهوة مثله. # ثم وصف الجنتين فقال { ذواتا أفنان } والافنان جمع (فن) وهو الغصن الفصن ~~الورق، ومنه قولهم: له فنون، وهذا فن آخر أي نوع آخر أي ضرب آخر، وفيه ~~فنون أي ضروب مختلفة، ويجوز أن يكون جمع فن. وقال ابن عباس: معناه ذواتا ~~ألوان. وقال عكرمة. ظل الاغصان على الحيطان. وقال الضحاك: ذواتا ألوان ~~يفضل بها على ما سواها { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد بيناه. # وقوله { فيهما عينان تجريان } اخبار منه تعالى أن فى الجنتين اللتتين ~~وعدتهما المؤمنين عينين من الماء تجريان بين أشجارها، فالجاري هو الذاهب ~~ذهاب الماء المنحدر، فكل ذاهب على هذه الصفة فهو جار، وصفت بالعين ~~لصفائها أو بأنها جارية لأنه أمتنع لها { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد ~~فسرناه. # وقوله { فيهما من كل فاكهة زوجان } معناه إن فى تلك الجنتين من كل ثمرة ~~نوعين وضربين متشاكلين كتشاكل الذكر والانثى، فلذلك سماهما (زوجين) وذلك ~~بالرطب واليابس من العنب والزبيب والتين والرطب واليابس، فكذلك سائر ~~الأنواع لا يقصر يابسه عن رطبه فى الفصل والطيب إلا أنه امتنع وأعذب بأن ~~يكون على هذا المنهاج. وقيل: فيهما من كل نوع من الفواكه ضربان ضرب معروف ~~وضرب من شكله غريب، وكل ذلك للاطراف والامتاع { فبأي آلاء ربكما تكذبان. ~~متكئين على فرش بطائنها من إستبرق } فالاتكاء الاستناد للتكرمة والامتناع ~~والمتكى هو ما يطرح للانسان فى مجالس الملوك للاكرام والاجلال إتكا يتكي ~~إتكاءا، فهو متكي، ومنه وكاة السقاء إذا شددته، ومنه قوله صلى الله عليه ~~وآله # " العين وكاء الجسد " # والاتكاء شدة التقوية للاكرام والامتاع. وهو نصب على الحال { على فرش } ~~وهو جمع فراش وهو الموطأ الممهد للنوم عليه بطائنها، وهو جمع بطانة وهي ~~باطن الظهار، فالبطانة من اسفله والظاهرة من أعلاه. # وقوله { وجنا الجنتين دان } فالجنى الثمرة التي قد أدركت فى الشجرة وصلح ~~أن تحبى غضه قال الشاعر: # هذا جناي وضياره فيه # إذ ms3331 كل جان يده إلى فيه # والاستبرق الغليظ من الديباج - فى قول عكرمة وابن اسحاق - وقيل: ان ~~ثمارها دانية لا يرد يده عنها بعد، ولا شوك - فى قول قتادة - وقيل: ~~الظواهر من سندس وهو الديباج الرقيق، والبطاين من أستبرق وهو الديباج ~~الغليظ. وقيل: الاستبرق المتاع الصيني من الحرير، وهو بين الغليظ ~~والرقيق. وقال الفراء: الاستبرق غليظ الديباج. وقوله { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } قد تكرر تفسيره. ### || [55.56-65] # قرأ الكسائي { لم يطمثهن } بكسر إحداهما وضم الأخرى الباقون بكسرهما ~~وهما لغتان، يقال: طمثت المرأة تطمث وتطمثت إذا حاضت. قال الزجاج وغيره: ~~في الآية دلالة على أن الجن تنكح. وقال الفراء: لم ينكحهن إنس ولا جان ~~نكاح تدمية أي لم يقتضهن، والطمث الدم. والضهير فى قوله { فيهن قاصرات ~~الطرف } عائد على الفرش التي بطائنها من استبرق، لأنه قد تقدم ذكره، وكان ~~أولى بالعود عليه، ولو لم يتقدم هذا الذكر لجاز أن يرجع إلى الجنان وإلى ~~الجنتين المذكورتين وغيرهما من الجنان لانه معلوم، لكن المذكور أولى، لأن ~~اقتضاءه له أشد، والقاصر المانع من ذهاب الشيء إلى جهة من الجهات، فالحور ~~قاصرات الطرف عن غير أزواجهن إلى أزواجهن. والطرف جفن العين، لأنه طرف ~~لها، فيطبق عليها تارة وينفتح تارة، ومنه الاطراف بالأمر لانه كالطرف ~~الذي يليك بحدوثه لك. وقوله { لم يطمثهن } قيل فى معناه قولان: # أحدهما - قال مجاهد وابن زيد وعكرمة: لم يمسسهن بجماع من قولهم: ما طمث ~~هذا البعير جمل قط أي ما مسه جمل. # الثاني - قال ابن عباس: لم يدمهن بنكاح من قولهم: امرأة طامث أي حائض ~~كأنه قال هن أبكار لم يقتضهن أحد قبلهم. والأصل المس، كأنه ما مسها دم ~~الحيض. وقيل: إنما نفى الجان، لأن للمؤمنين منهم لهم أزواجا من الحور، ~~وهو قول ضمرة بن حبيب، قال البلخي: المعنى إن ما يهب الله لمؤمني الجن من ~~الحور العين لم يطمثهن جان، وما يهب الله لمؤمني الانس لم يطمثهن إنس ~~قبلهم، على أن هذا مبالغة. وقال ضمرة بن حبيب فى: الآية دلالة على أن ms3332 ~~للجن ثوابا فالانسيات للانس والجنيات للجن { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~قد مضى تفسيره. # وقوله { كأنهن الياقوت والمرجان } قال الحسن: هن على صفاء الياقوت فى ~~بياض المرجان. وقيل: كالياقوت فى الحسن والصفاء والنور. وقال الحسن: ~~المرجان أشد اللؤلؤ بياضيا وهو صغاره { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد ~~بيناه. # وقوله { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } معناه ليس جزاء من فعل الاعمال ~~الحسنة وأنعم على غيره إلا أن ينعم عليه بالثواب ويحسن اليه { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } قد مضى بيانه. # وقوله { ومن دونهما جنتان } معناه إن من دون الجنتين اللتين ذكرنا { لمن ~~خاف مقام ربه } جنتين أخرتين دون الأولتين، وإنهما أقرب إلى قصره ومجالسه ~~فى قصره ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة على ما هو معروف فى ~~طبع البشرية من شهوة مثل ذلك. ومعنى (دون) مكان قريب من الشيء بالاضافة ~~إلى غيره، مما ليس له مثل قربه، وهو ظرف مكان، وإنما كان التنقل من جهة ~~إلى جهة أنفع، لأنه أبعد من الملل على ما طبع عليه البشر، لأن من الاشياء ~~ما لا يمل لغلبة محبته على النفس بالأمر اللازم، ومنها ما يمل لتطلع ~~النفس إلى غيره، ثم الرجوع اليه. # وقوله { مدهامتان } معناه خضراوتان تضرب خضرتهما إلى السواد من الري على ~~أتم ما يكون من الحسن، لأن الله شوق اليهما ووعد المطيعين فى خوف مقامه ~~بها، فناهيك بحسن صفتهما وما يقتضيه ذكرهما فى موضعهما. وقال ابن عباس ~~وابن الزبير وعطية وأبو صالح وقتادة: هما خضراوان من الري. وقال قوم: ~~الجنان الأربع { لمن خاف مقام ربه } ذهب اليه ابن عباس: وقال الحسن: إلا ~~وليان للسابقين والأخيرتان للتابعين. ### || [55.66-78] # قرأ اهل الشام { ذو الجلال } على الرفع، على أنه نعت ل { اسم }. ~~الباقون - بالخفض - على أنه نعت ل { ربك }. # وقوله { فيهما } يعني الجنتين اللتين وصفهما بأنهما { مدهامتان } { ~~عينان نضاختان } فعين الماء المكان الذي ينبع منه الماء، ومعنى { نضاختان ~~} فوارتان بالماء. وقيل: نضاختان بكل خير. والنضخ - بالخاء - أكثر من ~~النضح - بالحاء - لأن النضح غير المعجمة الرش وبالخاء ms3333 كالبرك والفوارة ~~التي ترمى بالماء صعداء، نضخ ينضخ نضخا فهو ناضخ. وفى نضاخة مبالغة، ~~ووجه الحكمة فى العين النضاخة أن النفس إذا رأت الماء يفور كان أمتع، ~~وذلك على ما جرت به العادة { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. # وقوله { فيهما فاكهة ونخل ورمان } أخبار منه تعالى أن فى الجنتين ~~المتقدم وصفهما { فاكهة } وهي الثمار { ونخل ورمان } وإنما افرد ذكر ~~النخل والرمان من الفاكهة، وإن كان من جملتها تنبيها على فضلهما وجلالة ~~النعمة بهما، كما أفرد ذكر جبرائيل وميكائيل فى قوله # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين # وقال قوم: ليسا من الفاكهة بدلا الآية. وليس له في ذلك حجة، لاحتمال ما ~~قلناه. قال يونس النحوي: النخل والرمان من أفضل الفاكهة، وإنما فضلا ~~لفضلهما، والنخل شجر الرطب والتمر. والرمان مشتق من رم يرم رما، لان من ~~شأنه أن يرم الفؤاد بجلائه له { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد مضى بيانه. # وقوله { فيهن خيرات حسان } قال ابو عبيدة: إمرأة خيرة ورجل خير، والجمع ~~خيرات. والرجال أخيار قال الشاعر: # ولقد طعنت مجامع الربلات # ربلات هند خيرة الملكات # وقال الزجاج: أصل (خيرات) خيرات، وخفف. وفى الخبر المرفوع إن المعنى ~~(خيرات الأخلاق حسان الوجوه) وإنما قيل للمرأة فى الجنة: خيرة، لانها مما ~~ينبغي أن تختار لفضلها فى أخلاقها وأفعالها، وهي مع ذلك حسنة الصورة، فقد ~~جمعت الأحوال التي تجل بها النعمة { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد بينا ~~معناه. # وقوله { حور مقصورات في الخيام } فالحور البيض الحسان البياض، ومنه ~~الدقيق الحواري لشدة بياضه، والعين الحورا اذا كانت شديدة بياض البياض، ~~وشديدة سواد، السواد، وبذلك يتم حسن العين. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد: ~~الحور: البيض. وقوله { مقصورات } أي قصرن على أزواجهن، فلا يردن بدلا ~~منهم - فى قول مجاهد والربيع - وقيل: معناه محبوسات فى الحجال - في قول ~~ابن عباس وأبي العالية ومحمد بن كعب والضحاك والحسن، وعلى وجه الصيانة ~~لهن والتكرمة لهن عن البذلة. وقال ابو عبيدة: مقصورات أي مخدرات و ~~(الخيام) جمع خيمة وهو ms3334 بيت من الثياب على الأعمدة، والاوتاد مما يتخذ ~~للاصحار، فاذا اصحر هؤلاء الحور، كانت لهن الخيام في تلك الحال وغيرها ~~مما ينفى الابتذال. # وقال الزجاج: يقال للهوارج الخيام وقال عبد الله: الخيام در مجوف على ~~هيئة البيت وقال ابن عباس: بيوت اللؤلؤ. وقيل: الخيمة درة مجوفة فرسخ في ~~فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب { فبأى آلاء ربكما تكذبان } قد مضى ~~بيانه. # وقوله { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان } قد مضى ~~تفسيره. قال البلخي في الآية دلالة على قول الحسن البصري: أن الحور العين ~~هو أزواجهم في الدنيا إذا كن مؤمنات مطيعات لان الله قال { لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان } وقال: من نصر الحسن أن المراد لم يطمثهن بعد النشأة ~~الثانية إنس قبلهم ولا جان. وإنما كرر قوله { لم يطمثهن } في الآية ~~للبيان على أن صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة القاصرات الطرف مع ~~تمكين التشويق بهذه الحال الجليلة التي رغب فيها كل نفس سليمة. # وقوله { متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان } { متكئين } نصب على الحال، ~~وقد فسرنا معناه. والرفارف جمع رفرف، وهي المجالس - في قول ابن عباس ~~وقتادة والضحاك - وقيل: الرفرف هي فصول المجالس للفرش. وقال الحسن: هي ~~المرافق، وقيل: الرفارف الوسائد. وقيل: الرفرفة الروضة. وأصله من رف ~~النبت يرف إذا صاد غضا نضرا. وقيل: لما في الأطراف رفرف، لانه كالنبت ~~الغض الذي يرف من غضاضته. والخضر جمع أخضر (والعبقري) الزرابي - في قول ~~ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة - وهي الطنافس. وقال مجاهد: هو الديباج: ~~وقال الحسن: هو البسط. وقيل (عبقر) اسم بلد ينسج به ضروب من الوشي الحسن، ~~قال زهير: # بخيل عليها جبة عبقرية # جديرون يوما ان يبالوا ويستعلوا # وقيل: الموشى من الديباج عبقري تشبيها بذلك، ومن قرأ { عباقري } فقط ~~غلط لانه لا يكون بعد الف الجمع أربعة احرف ولا ثلاثة إلا أن يكون الثاني ~~حرف لين نحو (قناديل). # وقوله { تبارك اسم ربك } معناه تعاظم وتعالى إسم ربك، لانه يستحق أن ~~يوصف بما ms3335 لا يوصف به أحد من كونه قديما وإلها، وقادرا لنفسه وعالما ~~حيا لنفسه وغير ذلك. # وقوله { ذي الجلال والإكرام } خفض، لانه بدل من قوله { ربك } ومعنى ~~الجلال العظمة والاكرام الاعظام بالاحسان والانعام. وقال الحسن: الاكرام ~~الذي يكرم به أهل دينه وولايته. ومن قرأ { ذو الجلال } بالرفع أراد ان ~~اسم الله فيه البركة، وإذا قرىء بالخفض دل على أن اسم الله غير الله، ~~لأنه لو كان اسمه هو الله لجرى مجرى ذكر وجهه إلا ترى أنه لما قال { ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ورفعه، لأنه أراد الله تعالى وها هنا ~~بخلافه. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-16] # ست عشرة آية كوفي، وسبع عشرة آية بصري وشامي، وثمان عشرة آية حجازى، عد ~~الكل { وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة } ولم يعده الكوفيون. وعد ~~الحجازيون والكوفيون { موضونة } ولم يعده الباقون. # { إذا } متعلقة بمحذوف، وتقديره إذكروا { إذا وقعت الواقعة } قال ~~المبرد: إذا وقعت معناه إذا تقع، وإنما وقع الماضي - ههنا - لأن (إذا) ~~للاستقبال ومعناه إذا ظهرت القيامة وحدثت. والوقوع ظهور الشيء بالحدوث، ~~وقع يقع وقوعا فهو واقع، والانثى واقعة (وإذا) تقع للجزاء { ليس لوقعتها ~~كاذبة } معناه قال الفراء ليس لها مردودة ولا رد. وقيل: ليس لوقعتها قضية ~~كاذبة فيها، لاخبار الله تعالى بها ودلالة العقل عليها، وقال قوم: معناه ~~ليس لها نفس كاذبة في الخبر بها. وقيل: الكاذبة - ههنا - مصدر مثل ~~العاقبة والعافية. وقال الضحاك: القيامة تقع بصيحة عند النفخة الثانية. # وقوله { خافضة رافعة } قيل: تخفيض قوما بالمعصية وترفع قوما بالطاعة، ~~لانها إنما وقعت للمجازاة، فالله تعالى يرفع أهل الثواب ويخفض أهل ~~العقاب، فهو مضاف إلى الواقعة على هذا المعنى. وقال الحسن: تخفض أقواما ~~إلى النار، وترفع أقواما إلى الجنة. والقراء: كلهم على رفع خافضة بتقدير ~~هي خافضة رافعة. وقرأه الترمذى في اختياره بالنصب على الحال، وتقديره إذا ~~وقعت الواقعة تقع خافضة رافعة على الحال. # وقوله { إذا رجت الأرض رجا } معناه زلزلت الارض زلزالا - في قول ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة - والزلزلة الحركة باضطراب وإهتزاز، ومنه قولهم: ارتج ms3336 ~~السهم عند خروجه عن القوس. وقيل: ترتج الأرض بمعنى أنه ينهدم كل بناء على ~~الارض. # وقوله { وبست الجبال بسا } معناه فتت فتا - في قول ابن عباس ومجاهد ~~وابي صالح والسدى - وهو كما يبس السويق أى يلت. والبسيس السويق او الدقيق ~~يلت ويتخذ زادا. وقال لص من غطفان: # لا تخبزا خبزا وبسا بسا # ولا تطيلا مناخ حبسا # وقال الزجاج: يجوز أن يكون معنى بست سيفت وأنشد: # وانبس حيات الكيثب الأهيل # وقوله { فكانت هباء منبثا } فالهباء غبار كالشعاع فى الرقة، وكثيرا ما ~~يخرج مع شعاع الشمس من الكوة النافذة، فسبحان الله القادر على أن يجعل ~~الجبال بهذه الصفة. والانبثات افتراق الاجزاء الكثيرة فى الجهات ~~المختلفة، فكل أجزاء أنفرشت بالتفرق فى الجهات فهي منبثة، وفى تفرق ~~الجبال على هذه الصفة عبرة ومعجزة لا يقدر عليها إلا الله تعالى. # وقوله { وكنتم أزواجا ثلاثة } معناه كنتم أصنافا ثلاثة، كل صنف يشاكل ~~ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ولذلك قيل على هذه المزاوجة: قد زاوج ~~بين الكلامين أي شاكل بينهما. # وقوله { فأصحاب الميمنة } يعني أصحاب اليمن والبركة والثواب من الله ~~تعالى. وقوله { ما أصحاب الميمنة } بصورة الاستفهام، والمراد تعظيم شأنهم ~~فى الخبر عن حالهم { وأصحاب المشأمة } معناه الشؤم والنكد وعقاب الابد. # وقوله { ما أصحاب المشأمة } على تعظيم شأنهم فى الشر وسوء الحال. وقيل: ~~أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة ~~الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وخبر (أصحاب الميمنة) ما أصحاب ~~الميمنة، كأنه قيل: أي شيء هم؟ وفيه تعجيب عن حالهم. وقيل: أصحاب اليمين ~~هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وأصحاب الشمال الذين يأخذون كتبهم ~~بشمالهم. # وقوله { والسابقون السابقون } معناه الذين سبقوا إلى اتباع الانبياء ~~فصاروا أئمة الهدى. وقيل: السابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمته، ~~والسابقون إلى الخير إنما كانوا أفضل لأنهم يقتدى بهم فى الخير ويسبقوا ~~إلى أعلى المراتب قبل من يجيء بعدهم فلهذا تميزوا من التابعين بما لا ~~يلحقونهم به ولو اجتهدوا كل الاجتهاد والسابقون الثاني يصلح ms3337 أن يكون ~~خبرا عن الاول، كأنه قال: والسابقون الأولون فى الخير، ويصلح أن يكون { ~~أولئك المقربون } وقوله { أولئك المقربون } معناه الذين قربوا من جزيل ~~ثواب الله وعظيم كرامته بالأمر الأكثر الذي لا يبلغه من دونهم فى الفضل. ~~والسابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله فى أعلا المراتب وأقربها إلى ~~مجالس كرامته بما يظهر لأهل المعرفة منزلة صاحبه فى جلالته ويصل بذلك ~~السرور إلى قلبه، وإنما قال { في جنات النعيم } مع أنه معلوم من صفة ~~المقربين، لئلا يتوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى، وإنما هم مقربون ~~من كرامة الله فى الجنة لأنها درجات ومنازل بعضها أرفع من بعض. والفرق ~~بين النعيم والنعمة أن النعمة تقتضي شكر المنعم من أنعم عليه نعمة ~~وانعاما، والنعيم من نعم نعيما كقولك أنتفع انتفاعا. # وقوله { ثلة من الأولين } فالثلة الجماعة. وأصله القطعة من قولهم: ثل ~~عرشه إذا قطع ملكه بهدم سريره. والثلة القطعة من الناس، وقال الزجاج: ~~الثل القطع، والثلة كالفرقة والقطعة. وهو خبر ابتداء محذوف، وتقديره: هم ~~ثلة من الأولين، وهم قليل من الاخرين. وقوله { وقليل من الآخرين } إنما ~~قال ذلك لأن الذين سبقوا إلى إجابة النبي صلى الله عليه وآله قليل من ~~كثير ممن سبق إلى النبيين. # وقوله { على سرر موضونة } فالموضونة المنسوجة المداخلة كصفة الدرع ~~المضاعفة قال الاعشى: # ومن نسج داود موضونة # تساق إلى الحي عيرا فعيرا # ومنه (وضين الناقة) وهي البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا ~~وقيل: موضونة مشبكة بالذهب والجوهر، وقال ابن عباس ومجاهد: موضونة بالذهب ~~وقال عكرمة: مشبكة بالدر، وقال ابن عباس - فى رواية أخرى - موضونة معناه ~~مظفورة، والوضين حبل منسوج من سيور. # وقوله { متكئين عليها متقابلين } معناه مستندين متحاذيين كل واحد بازاء ~~الآخر، وذلك أعظم فى باب السرور. والتقابل والتحاذي والتواجه واحد. ~~والمعنى إن بعضهم ينظر إلى بعض وينظر إلى وجه بعض لا ينظر فى قفاه، من ~~حسن عشرته وتهذيب أخلاقه. ### || [56.17-26] # عشر آيات كوفى ومدني الأخير، وتسع فيما عداه، عد المكي واسماعيل { ~~وأباريق } ولم ms3338 يعده الباقون. وعد المدني والكوفى { وحور عين } ولم يعده ~~الباقون. # قرأ ابو جعفر وأهل الكوفة إلا عاصما وخلفا { وحور عين } خفضا. ~~الباقون بالرفع. فمن رفع حمله على: ولهم حور عين. واختاروا الرفع لأن ~~الحور العين لا يطاف بهن، وإنما يطاف بالكأس، وعلى هذا يلزم أن يقرأ { ~~وفاكهة } رفعا وكذلك { ولحم طير } بالرفع لانهما لا يطاف بهما، فما ~~اعتذروا في ذلك فهو عذر من قرأ بالخفض. ومن خفض عطف على الاول لتشاكل ~~الكلام من غير اخلال بالمعنى إذ هو مفهوم. وقال الزجاج: ويكون تقديره ~~ينعمون بكذا وحور عين. وقال ابو على تقديره وفي مجاورة حور عين أو معانقة ~~حور عين، لأن الكلام الاول يدل عليه وقال الشاعر: # اذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # والمعنى وكحلن العيون فرده على قوله (وزججن) ومثله: # (متقلدا سيفا ورمحا) # اي وحاملا رمحا. وكان يجوز النصب على تقدير ويعطون حورا عينا كما قال ~~الشاعر: # جئني بمثل بني بدر لقومهم # او مثل اخوة منظور بن سيار # لما كان معنى جئني هات عطف او مثل على المعنى وقال الحسن الحور البيض. ~~وقال مجاهد يحار فيهن البصر. # لما ذكر الله تعالى ان السابقين إلى الخيرات والطاعات هم المقربون إلى ~~نعيم الجنة وثوابها، فانهم على سرر موضونة متقابلين، اخبر انه { يطوف ~~عليهم ولدان } يعني صبيان { مخلدون } فالطوف الزور بالتنقل في المكان، ~~ومنه الطائف الذي يطوف بالبلد على وجه الحرس. والولدان جمع وليد. ومخلدون ~~قال مجاهد معناه باقون لهم لا يموتون. وقال الحسن: معناه انهم على حالة ~~واحد لا يهرمون، يقال: رجل مخلد اي باق زمانا أسود اللحية لا يشيب وقال ~~الفراء: معناه مقرطون والخلد القرط. والاكواب جمع كوب وهي اباريق واسعة ~~الرؤوس بلا خراطيم - فى قول قتادة - قال الاعشى: # صليفية طيبا طعمها # لها زبد بين كوب ودن # والاباريق التي لها عرى وخراطيم واحدها إبريق و { كأس من معين } اي ~~يطوفون عليهم ايضا بكأس من خمر معين ظاهر للعيون جار { لا يصدعون عنها } ~~اي لا يلحقهم الصداع من شربها { ولا ms3339 ينزفون } اي لا تنزف عقولهم بمعنى لا ~~تذهب بالسكر - فى قول مجاهد وقتادة والضحاك - ومن قرأ { ينزفون } بالكسر، ~~وهو حمزة والكسائي وخلف، حمله على أنه لا تفنى خمرهم قال الأبرد: # لعمري لئن أنزفتم او صحوتم # لبئس الندامى كنتم آل أبجرا # وقوله { وفاكهة مما يتخيرون } أي ويطاف عليهم بفاكهة مما يختارونه ومما ~~يشتهونه، وينعمون بفاكهة مما يشتهونه. وقوله { ولحم طير مما يشتهون } أي ~~ويطاف عليهم او ينعمون بلحم طير مما يشتهون. وقوله { وحور عين } من رفعه ~~حمله على معنى ولهم فيها حور عين، لانهن لا يطاف بهن وإنما يطاف بالكأس. # ومن جر فعلى معنى وينعمون بحور عين او يحصلون فى معانقة حور عين. والحور ~~جمع حوراء والحور نقاء البياض من كل شائب يجري مجرى الوسخ. وقوله { ~~كأمثال اللؤلؤ } أي مثل هؤلاء الحور فى البياض والنقاء مثل اللؤلؤ { ~~المكنون } يعني الدر المصون عما يلحق به من دنس كأنه مأخوذ من أن الدرة ~~تبقى على حسنها اكثر مما يبقى غيرها لطبعها وصيانة الناس لها قال عمر بن ~~أبي ربيعة: # وهي زهراء مثل لؤلؤ الغواص # ميزت من جوهر مكنون # { جزاء } أي يفعل ذلك بهم جزاء ومكافأة على ما عملوه فى دار الدنيا من ~~الطاعات وأجتناب المعاصي ثم قال { لا يسمعون فيها لغوا } أي لا يسمع ~~المثابون في الجنة لغوا يعنى ما لا فائدة فيه من الكلام، لأن كل ما ~~يتكلمون به فيه فائدة { ولا تأثيما } ولا يجري فيها ما يؤثم فيه قائله من ~~قبيح القول { إلا قيلا سلاما سلاما } يعني لكن يسمعون قول بعضهم لبعض على ~~وجه التحية { سلاما سلاما } إنهم يتداعون بالسلام على حسن الآداب وكريم ~~الأخلاق الذي يوجب التواد، لان طباعهم قد هذبت على أتم الكمال. ونصب ~~(سلاما) على تقدير سلمك الله سلاما بدوام النعمة وحال الغبطة، وجاز ان ~~يعمل فيه سلام، لانه يدل عليه، كما يدل على قوله # والله أنبتكم من الأرض نباتا # ويصلح أن يكون سلاما نعتا لقوله { قيلا } ويصلح أن ينتصب ب (قيل) ~~فالوجوه الثلاثة محتملة. وقيل { إلا قيلا ms3340 سلاما سلاما } أي قولا يؤدي ~~إلى السلامة. ### || [56.27-40] # أربع عشرة آية كوفى وعدد اسماعيل وبصري، وخمس عشرة آية فيما عداه عد ~~المدني والمكي والبصري { وأصحاب اليمين } ولم يعده الباقون. وعد المدنيان ~~والمكي والكوفى والشامي " انشاء " ولم يعده الباقون. # قرأ اسماعيل وحمزة وخلف ويحيى { عربا } مخففة. الباقون مثقلة، وهما ~~لغتان. وروي عن علي عليه السلام انه قرأ { وطلع منضود } بالعين. والقراء ~~على الحاء وقال علي عليه السلام: هو كقوله # ونخل طلعها هضيم # وقال كالمتعجب: وما هو شأن الطلع؟! فقيل: له ألا تغيره؟ قال: القرآن لا ~~يهاج اليوم ولا يحول. # وقوله { وأصحاب اليمين } قيل فى معناه ثلاثة أقوال: # أولها - الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. # الثاني - الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. # الثالث - اصحاب اليمين والبركة. وقوله { ما أصحاب اليمين } معنا ومعنى { ~~ما أصحاب الميمنة } سواء وقد فسرناه. # وقوله { في سدر مخضود } فالسدر شجر النبق، والمخضود هو الذي لا شوك فيه ~~وخضد بكثرة جملته وذهاب شوكه - فى قول ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد ~~والضحاك - وأصل الخضد عطف العود اللين. فمن ها هنا قيل: لا شوك فيه، لان ~~الغالب على الرطب اللين أنه لا شوك له. # وقوله { وطلح منضود } قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وابن زيد: الطلح ~~شجر الموز. وقال ابو عبيدة: الطلح كل شجر عظيم كثير الشوك، وقال الحارثي: # بشرها دليلها وقالا # غدا ترين الطلح والجبالا # وقال الزجاج: الطلح شجر أم غيلان. وقد يكون على أحسن حال، والمنضود هو ~~الذي نضد بعضه على بعض من الموز - ذكره ابن عباس - وهو من نضدت المتاع ~~إذا عبيت بعضه على بعض. قيل: فقنوا الموز منضود بعضه على بعض { وظل ممدود ~~} معناه دائم لا تنسخه الشمس قال لبيد: # غلب البقاء وكنت غير مغلب # دهر طويل دائم ممدود # وروي في الخبر أن # " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة ". # وقوله { وماء مسكوب } أي مصبوب على الخمر يشرب بالمزاج. وقال قوم: يعني ~~مصبوب يشرب على ما يرى من حسنه وصفائه، ولا يحتاجون إلى تعب في استقائه. ms3341 # وقوله { وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي وثمار مختلفة كثيرة غير ~~قليلة. وقيل الوجه في تكرار ذكر الفاكهة البيان عن اختلاف صفاتها فذكرت ~~اولا بأنها مما يتخيرون، وذكرت - ههنا - بأنها كثيرة وبأنها لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة. ومعناه لا مقطوعة كما تنقطع فواكه الدنيا في الشتاء في اوقات ~~مخصوصة، ولا ممنوع بتعذر تناول او شوك يؤذي كما يكون ذلك في الدنيا. # وقوله { وفرش مرفوعة } أي عالية يقال: بناء مرفوع أي عال. وقيل: معناه ~~ونساء مرتفعات القدر فى عقولهن وحسنهن وكمالهن. # وقال الحسن: فرش مرفوعة بعضها فوق بعض، والفرش المهاد المهيأ للاضطجاع، ~~فرش يفرش فرشا فهو فارش والشيء مفروش، ومنه قوله { الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا } لانها تصلح للاستقرار عليها. # وقوله { إنا أنشأناهن إنشاء } معناه إن اخترعنا أزواجهم اختراعا، وهذا ~~يقوي قول من حمل الفرش على النساء. وقيل: المعنى انا أنشأناهن من البنية ~~{ فجعلناهن أبكارا } والبكر التي لم يفتضها الرجل، ولم تفتض وهي على ~~خلقتها الأولى من حال الانشاء. واصله الأول، ومنه بكرة أول النهار. ~~والابتكار عمل الشيء اولا. والباكورة أول ما يأتي من الفاكهة. والبكر من ~~الابل الفتى فى اول أمره وحداثة سنه. وقال الضحاك: ابكارا عذارى. وفى ~~الخبر المرفوع # " انهن كن عجائز رمضا فى الدنيا ". # وقوله { عربا أترابا } فالعرب العواشق لأزواجهن المنجبات اليهم - فى ~~قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة - وقال لبيد: # وفى الحدوج عروب غير فاحشة # ريا الروادف يعشى دونها البصر # والعرب جمع عروب على وزن (رسول، ورسل) وهي اللعوب مع زوجها انسا به ~~راغبة فيه، كأنس العربي بكلام العرب، فكأن لها فطنة العرب وإلفهم وعهدهم. ~~والاتراب جمع ترب وهو الوليدة التي تنشأ مع مثلها فى حال الصبى، وهو ~~مأخوذ من لعب الصبيان بالتراب أي هم كالصبيان الذين على سن واحد. قال عمر ~~ابن ابي ربيعة: # ابرزوها مثل المهاة تهادي # بين عشر كواعب أتراب # وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: الاتراب المستويات على سن واحد. ~~وقوله { لأصحاب اليمين } أي جميع ما تقدم ذكره لهم جزاء وثوابا على ~~طاعاتهم. ms3342 وقوله { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } فالثلة القطعة من ~~الجماعة، فكأنه قال جماعة من الأولين وجماعة من الآخرين. وإذا ذكر ~~بالتنكير كان على معنى البعض من الجملة، كما تقول رجال من جملة الرجال. ~~وفائدة الآية أنه ليس هذا لجميع الأولين والآخرين. وإنما هو لجماعة منهم. ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال # " إني لأرجو ان تكون أمتي شطر أهل الجنة " # ثم تلا قوله { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين } وقال الحسن: سابقوا من ~~مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قيل { وقليل من الآخرين } وفى التابعين وثلة ~~من الآخرين. ### || [56.41-50] # عشر آيات كوفي عند جميعهم. وأحدى عشر آية في المدني الأول. عد الكل { ~~وأصحاب الشمال } ولم يعده الكوفيون. وعد الكل { في سموم وحميم } ولم يعده ~~الكوفيون، وعد { المكنون } و { كانوا يقولون } ولم يعده الباقون. وعد ~~الكل إلا اسماعيل والشاميين { الأولين والآخرين } وعد اسماعيل والشاميون ~~{ لمجموعون } ولم يعده الباقون. # قيل في معنى قوله { وأصحاب الشمال } ثلاثة اقوال: # أحدها - إنهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى جهنم. # الثاني - هم الذين يأخذون كتبهم بشمالهم. # الثالث - الذين يلزمهم حال الشؤم والنكد. وكل هذا من أوصافهم. # وقوله { ما أصحاب الشمال } معناه معنى قوله { وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة } وقد فسرناه. # وقوله { في سموم وحميم } فالسموم الريح الحارة التي تدخل فى مسام البدن، ~~ومسام البدن خروقه، ومنه أخذ السم، لانه يسري في المسام. والحميم الحار ~~الشديد الحرارة من الماء، ومنه قوله # يصب من فوق رؤسهم الحميم # وحم ذلك أي ادناه كأنه حرر أمره حتى دنا. وقيل: في سمون جهنم وحميمها. # وقوله { وظل من يحموم } فاليحموم الاسود الشديد السواد باحتراق النار، ~~وهو (يفعول) من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار. وأسود يحموم أي ~~شديد السواد { وظل من يحموم } أي دخان شديد السواد - في قول ابن عباس ~~وابي مالك ومجاهد وقتادة وابن زيد - وقوله { لا بارد ولا كريم } معناه لا ~~بارد كبرد ظلال الشمس، لانه دخان جهنم، ولا كريم، لان كل ما انتفى عنه ~~الخير، فليس بكريم. ms3343 وقال قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر. # وقوله { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } قال ابن عباس: معناه إنهم كانوا في ~~الدنيا متنعمين. وقوله { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } قال قتادة ~~ومجاهد كانوا يقيمون على الذنب العظيم، ولا يتوبون منه، ولا يقلعون عنه. ~~وقال الحسن والضحاك وابن زيد: كانوا يقيمون على الشرك العظيم. وقيل: ~~اصرارهم على الحنث هو ما بينه الله تعالى في قوله # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت # والاصرار الاقامة على الامر من جهة العزم على فعله، فالاصرار على الذنب ~~نقيض التوبة منه، والحنث نقض العهد المؤكد بالحلف، فهؤلاء ينقضون العهود ~~التي يلزمهم الوفاء بها، ويقمون على ذلك غير تائبين منه، ووصف الذنب بأنه ~~عظيم أنه اكبر من غيره مما هو أصغر منه من الذنوب. # وقوله { وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو ~~آباؤنا الأولون }؟! حكاية من الله تعالى عما كان يقول هؤلاء الكفار من ~~انكارهم البعث والنشور والثواب والعقاب وأنهم كانوا يقولون مستبعدين ~~منكرين: أئذا متنا وخرجنا عن كوننا أحياء وصرنا ترابا وعظاما بالية أئنا ~~لمبعوثون؟! ولم يجمع ابن عامر بين الاستفهامين إلا ها هنا، أو يبعث واحد ~~من آبائنا الذين تقدموا قبلنا ويحشرون ويردون إلى كونهم أحياء إن هذا ~~لبعيد. والواو في قوله { أو آباؤنا } متحركة، لأنها واو العطف دخل عليها ~~ألف الاستفهام، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } أي قل لهم يا محمد إن ~~تقدمكم من آبائكم او غير آبائكم، والآخرين الذين يتأخرون عن زمانكم ~~يجمعهم الله ويبعثهم ويحشرهم إلى وقت يوم معلوم عند الله، وهو يوم ~~القيامة. ### || [56.51-61] # قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وسهل { شرب الهيم } بضم الشين. الباقون ~~بالفتح، وهما لغتان. وقرأ { نحن قدرنا } خفيفة ابن كثير. الباقون ~~بالتشديد وهما لغتان. يقال قدرت، وقدرت، وقد فرق بينهما فيما ذكره. # لما امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لمن انكر البعث ~~والنشور قل ms3344 لهم إنكم ومن تقدمكم وتأخر عنكم مبعوثون ومحشورون إلى يوم ~~القيامة بين ما لهم في ذلك اليوم فقال { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون } ~~يعني الذين ضللتم عن الدين وعن طريق الحق وحرمتم عن إتباع الصحيح ~~المكذبون الذين كذبتم بتوحيد الله واخلاص العبادة له وجحدتم نبوة نبيه { ~~لأكلون } يوم القيامة { من شجر من زقوم } فالزقوم ما يبتلع بتصعب، يقال: ~~تزقم هذا الطعام تزقما إذا ابتلعه بتصعب. وقيل: هو طعام خشن مر كريه ~~يعسر نزوله فى الحلق. # وقوله { فمالئون منها البطون } أي تملئون بطونكم من أكل هذا الزقوم ~~والشجر يؤنث ويذكر، فلذلك قال { منها } وكذلك الثمر يذكر ويؤنث، فالتذكير ~~على الجنس، والتأنيث على المبالغة. والبطون جمع بطن وهو خلاف الظهر، وهو ~~داخل الوعاء وخارجه ظهر، وبطن الأمر إذا غمض، ومنه الظهارة والبطانة، ~~وبطن الانسان، وبطن الارض، وبطن الكتاب. # وقوله { فشاربون عليه من الحميم } معناه إنكم تشربون على هذا الزقوم ~~الذي ملأتم بطونكم منه { من الحميم } وهو الماء الحار الشديد الحرارة { ~~فشاربون شرب الهيم } أي تشربون مثل ما تشرب الهيم، فمن فتح الشين أراد ~~المصدر ومن ضمه أراد الاسم، وقيل هما لغتان. وروى جعفر بن محمد أن النبي ~~صلى الله عليه وآله أمر بلالا ان ينادي بمنى إنها أيام اكل وشرب - بفتح ~~الشين - و (الهيم) الابل التي لا تروى من الماء لداء يصيبها، واحدها ~~(أهيم) والانثى (هيما) ومن العرب من يقول: هايم وهايمة، وتجمعه على هيم ~~كغايط وغيط. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: معناه شرب الابل ~~العطاشى التي لا تروى. وقيل: هو داء الهيام. وحكى الفراء: إن الهيم الرجل ~~الذي لا يروى من الماء يشرب ما يحصل فيه. # وقوله { هذا نزلهم يوم الدين } فالنزل الأمر الذي ينزل عليه صاحبه، ومنه ~~النزل وهو الجاري للانسان من الخير، وأهل الضلال قد نزلوا على أنواع ~~العذاب فى النار، وكل ما فصله الله تعالى من ذلك ففيه أتم الزجر واعظم ~~الردع. وقيل: معنى الآية هذا طعامهم وشرابهم يوم الجزاء. # وقوله { نحن خلقناكم } أي نحن انشأناكم وابتدأناكم ms3345 في النشأة الأولى { ~~فلولا تصدقون } أنكم تبعثون. ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ما ~~ذكرناه فقال { أفرأيتم ما تمنون } ومعناه الذي يخرج منكم من المني عند ~~الجماع، ويخلق منه الولد { أأنتم تخلقونه } وتنشئونه { أم نحن الخالقون } ~~فهم لا يمكنهم ادعاء إضافة ذلك إلى نفوسهم لعجزهم عن ذلك، فلا بد من ~~الاعتراف بأن الله هو الخالق لذلك، واذا ثبت انه قادر على خلق الولد من ~~النطفة وجب أن يكون قادرا على اعادته بعد موته لأنه مثله، وليس بأبعد ~~منه، يقال: أمنى يمني، ومنى يمني، بمعنى واحد، وكذلك أمذى، ومذى - في قول ~~الفراء. # وقوله تعالى { نحن قدرنا بينكم الموت } فالتقدير ترتيب الأمور على مقدار ~~فالله تعالى أجرى الموت بين العباد على مقدار ما تقتضيه الحكمة، فانما ~~أجراه الحكيم على ذلك المقدار. # وقوله { وما نحن بمسبوقين } أي لسنا بمسبوقين في تدبيرنا، لأن الأمور ~~كلها في مقدور الله وسلطانه على ما يصح ويجوز فيما مكن منه أو اعجز عنه. ~~وقال مجاهد: تقدير الموت بالتعجيل لقوم والتأخير لغيرهم. وقيل { نحن ~~قدرنا بينكم الموت } بأن كتبناه على مقدار، لا زيادة فيه ولا نقصان. ~~ويقال: قدرت الشيء مخففا، وقدرته مثقلا بمعنى واحد. # وقوله { على أن نبدل أمثالكم } فالتبديل جعل الشيء موضع غيره، فتبديل ~~الحكمة بالحكمة صواب وتبديل الحكمة بخلافها خطأ وسفه، فعلى هذا ينشيء ~~الله قوما بعد قوم، لأن المصلحة تقتضي ذلك، والحكمة توجب إنشاءهم في وقت ~~وإماتتهم في وقت آخر. وانشاؤهم بعد ذلك للحساب والثواب والعقاب. وقيل: إن ~~معنى { على أن نبدل } التبدل أي لنبدل أمثالكم، وبين (على) و (اللام) ~~فرق، لأنه يجوز أن يقال: عمله على قبحه، ولا يجوز عمله لقبحه. وتعليم ~~الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الثانية فيه تعليم القياس. # وقوله { وننشئكم فيما لا تعلمون } معناه فيما لا تعلمون من الهيآت ~~والصور المختلفة، لأن المؤمن يخلق على أحسن صورة، والكافر على أقبح صورة. ~~وقيل: هذا على النشأة الثانية يكونها الله في وقت لا يعلمه العباد، ولا ~~يعلمون كيفيته، كما علموا الانشاء الأول من ms3346 جهة التناسل. وقيل: معناه لو ~~أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم يعييننا ذلك، ولا سبقنا اليه ~~سابق. ويجوز أن يقال: أمثال متفقة، ولا يجوز أن يقال اجناس متفقة، لان ~~المثل ينفصل بالصورة كما ينفصل رجل عن رجل بالصورة، وما انفصل بالصورة ~~يجوز جمعه، لان الصورة قد منعت أن تجري على الكثير منه صفة التوحيد، فلا ~~يجوز أن يقال هؤلاء الرجال كلهم رجال واحد ويجوز هذا الماء كله ماء واحد، ~~وهذه المذاهب كلها مذهب واحد، ولا يجوز هؤلاء الأمثال كلهم أمثال واحد، ~~لأنهم ينفصلون بالصورة. وجرى مجرى المختلفة في انه لا يقع على صفة ~~التوحيد. ### || [56.62-70] # قرأ ابو بكر { أإنا لمغرمون } على الاستفهام. الباقون على الخبر. # يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين أنكروا النشأة الثانية، ومنبها ~~لهم على قدرته عليها، فقال { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } ~~وتفكرون وتعتبرون بأن من قدر عليها قدر على النشأة الثانية. والنشأة ~~المرة من الانشاء، كالضربة من الضرب، والانشاء إيجاد الشيء من غير سبب ~~يولده، ومثله الاختراع والابتداع. ثم نبههم على طريق غيره فقال { أفرأيتم ~~ما تحرثون } من الزرع { أأنتم تزرعونه } أي أأنتم تنبتونه وتجعلونه رزقا ~~{ أم نحن الزارعون } فان من قدر على إنبات الزرع من الحبة الحقيرة وجعلها ~~حبوبا كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه. وقوله { لو نشاء ~~لجعلناه } يعني ذات الزرع { حطاما } أي هشيما لا ينتفع به فى مطعم ولا ~~غذاء لفعلنا. وقوله { فظلتم تفكهون } معناه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة - ~~فى رواية عنه - تعجبون. وقال الحسن وقتادة - فى رواية - فظلتم تندمون أي ~~لو جعلناه حطاما لظلتم تندمون. والمعنى إنكم كنتم تتروحون إلى التندم، ~~كما تتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم، وأصله التفكه تناول ضروب ~~الفاكهة للأكل. # وقوله { إنا لمغرمون } المغرم الذي ذهب ما له بغير عوض عنه. وأصله ذهاب ~~المال بغير عوض، فمنه الغريم لذهاب ما له بالاحتباس على المدين من غير ~~عوض منه فى الاحتباس، والغارم الذي عليه الدين الذي يطالبه به الغريم. ~~ومنه قوله # إن ms3347 عذابها كان غراما # أي ملحا دائما كالحاح الغريم. وقال الحسن: هو من الغرم. وقال قتادة ~~معنى { لمغرمون } لمعذبون، قال الاعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن يع # ط جزيلا فانه لا يبالي # أي يكن عقابه عذابا ملحا كالحاح الغريم. وقال الراجز: # يوم النسار ويوم الجفار # كانا عذابا وكانا غراما # أي ملحا كالحاح الغريم، وحذف يقولون إنا لمغرمون، لدلالة الحكاية. ~~وقال: معنى لمغرمون محدودون عن الخط. وقال قتادة محارفون. وقال مجاهد - ~~فى رواية أخرى - إنا لمولع بنا. وفى رواية غيره عنه معناه إنا لملقون فى ~~الشر. ومن قرأ { أإنا لمغرمون } على الاستفهام حمل على أنهم يقرعون ~~ويقولون منكرين. أإنا لمغرمون؟! ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم مخبرون ~~بذلك عن انفسهم. ثم يستدركون فيقولون لا { بل نحن محرومون } مبخوسون ~~بحظوظنا محارفون بهلاك زرعنا. # ثم قال لهم منبها على دلالة اخرى فقال { أفرأيتم الماء الذي تشربون ~~أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون } والمعنى إنه تعالى امتن عليهم ~~بما انعم عليهم من انزال الماء العذب { من المزن } يعني السحاب ليشربوه ~~وينتفعوا به، فقال لهم { أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون } له ~~عليكم نعمة منا عليكم ورحمة بكم. ثم قال { لو نشاء جعلناه أجاجا } قال ~~الفراء: الأجاج المر الشديد المرارة من الماء. وقال قوم: الاجاج الذي ~~اشتدت ملوحته { فلولا تشكرون } أي فهلا تشكرون على هذه النعمة التي لا ~~يقدر عليها غير الله، وعلمتم بذلك ان من قدر على ذلك قدر على النشأة ~~الاخرى فانها لا تتعذر عليه كما لا يتعذر عليه هذه النعم. ### || [56.71-80] # قرأ اهل الكوفة إلا عاصما { بموقع } على التوحيد. الباقون { بمواقع } ~~على الجمع. # هذا تنبيه آخر من الله تعالى على قدرته على النشأة الثانية، وعلى وجه ~~الدلالة على ذلك وعلى اختصاصه بصفات لا يشركه فيها غيره، لانه قال { ~~أفرأيتم } معاشر العقلاء { النار التي تورون } فالنار مأخوذ من النور، ~~ومنه قول الحارث ابن حلزة: # فتنورت نارها من بعيد # بخزازي هيهات منك الصلاء # وجمع النور انوار، وجمع النار نيران، والنار على ضربين: ms3348 نار محرقة، ونار ~~غير محرقة. فالتي لا تحرق النار الكامنة بما هي مغمورة به كنار الشجر ~~ونار الحجر ونار الكيد. والتي تحرق هي النار الظاهرة فيما هي مجاورة له ~~مما من شأنه الاشتعال، وهي معروفة. ومعنى { تورون } تظهرون النار، ولا ~~يجوز الهمزة، لأنه من اورى يورى إيراء إذا قدح، فمعنى تورون تقدحون. وورى ~~الزند يوري، فهو وار إذا. أنقدحت منه النار، ووريت بك زنادي إذا اصابك ~~أمري كما يضيء القدح بالزناد # ثم قال { أأنتم أنشأتم شجرتها } يعني الشجرة التي تنقدح منها النار أي ~~انتم انبتموها وابتدأتموها { أم نحن المنشئون } لها، فلا يمكن أحد ان ~~يدعي ان الذي أنشأها غير الله تعالى والعرب تقدح بالزند والزندة، وهو خشب ~~معروف يحك بعضه ببعض فيخرج منه النار - ذكره الزجاج وغيره - وفى المثل ~~(كل شجرة فيها نار واستمجد المرخ والعفار) فان قيل: لم لا يكون نار الشجر ~~بطبع الشجر لا من قادر عليه. قيل: الطبع غير معقول، فلا يجوز أن يسند ~~اليه الأفعال، ولو جاز ذلك للزم فى جميع افعال الله، وذلك باطل ولو كان ~~معقولا لكان ذلك الطبع لا بد ان يكون فى الشجر والله تعالى الذي أنشأ ~~الشجرة وما فيها، فقد رجع الى قادر عليه وإن كان بواسطة، ولو جاز ان تكون ~~النار من غير قادر عليها لجاز أن يكون من عاجز، لأنه إذا امتنع الفعل ممن ~~ليس بقادر عليه منا، لأنه فعل، وكل فعل ممتنع ممن ليس بقادر عليه. # وقوله { نحن جعلناها } يعني تلك النار { تذكرة ومتاعا للمقوين } أي ~~جعلنا النار تذكرة للنار الكبرى، وهي نار جهنم، فيكون ذلك زجرا عن ~~المعاصي التي يستحق بها النار - فى قول مجاهد وقتادة - ويجوز ان يكون ~~المراد تذكرة يتذكر بها ويتفكر فيها ويعتبر بها، فيعلم انه تعالى قادر ~~على النشأة الثانية، كما قدر على إخراج النار من الشجر الرطب. وقوله { ~~ومتاعا للمقوين } يعني ينتفع بها المسافرون الذين نزلوا الأرض القي وهي ~~القفر، قال الراجز: # قي يناصيها بلاد قي # وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ms3349 للمقوين المسافرين، وقيل: هو من ~~أقوت الدار إذا خلت من أهلها قال الشاعر: # اقوى واقفر من نعم وغيرها # هوج الرياح بها فى الترب موار # وقد يكون المقوي الذي قويت خيله ونعمه فى هذا الموضع. # ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين ~~بأن { سبح بحمد ربك العظيم } أي نزه الله تعالى عما لا يليق به وأدعه ~~باسمه العظيم. # وقوله { فلا أقسم بمواقع النجوم } قال سعيد به جبير: (لا) صلة والتقدير ~~أقسم. وقال الفراء: هي نفي بمعنى ليس الأمر كما تقولون. ثم استؤنف { أقسم ~~} وقيل (لا) تزاد قبل القسم، كقولك لا والله لا افعل، ولا والله ما كلمت ~~زيدا وقال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامري # لا يدعي القوم اني أفر # بمعنى وابيك و (لا) زائدة و { مواقع النجوم } قال ابن عباس ومجاهد أي ~~القرآن، لانه أنزل نجوما. وقال مجاهد - فى رواية أخرى - وقتادة: يعني ~~مساقط نجوم السماء ومطالعها. وقال الحسن: معناه إنكدارها وهو إنتشارها ~~يوم القيامة، ومن قرأ { بموقع } فلأنه يقع على الكثير والقليل. ومن قرأ ~~على الجمع، فلاختلاف أجناسه. # وقوله { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } اخبار من الله تعالى بأن هذا القسم ~~الذي ذكره بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمه لانتفعتم بعلمه. ~~والقسم جملة من الكلام يؤكد بها الخبر بما يجعله فى قسم الصواب دون الخطأ ~~على طريقة بالله إنه لكذا. وقال ابو علي الجبائي: القسم فى كل ما ذكر فى ~~القرآن من المخلوقات إنما هو قسم بربه، وهذا ترك الظاهر من غير دليل، ~~لأنه قد يجوز ذلك على جهة التنبيه على ما فى الاشياء من العبرة والمنفعة. ~~وقد روي أنه لا ينبغي لأحد أن يقسم إلا بالله، ولله ان يقسم بما يشاء من ~~خلقه، فعلى هذا كل من اقسم بغير الله او بشي من صفاته من جميع المخلوقات ~~او الطلاق او العتاق لا يكون ذلك يمينا منعقدة، بل يكون كلاما لغوا. ~~والعظيم هو الذي يقصر عن مقداره غيره فيما يكون منه، وهو ms3350 على ضربين: ~~احدهما - عظيم الشخص، والآخر - عظيم الشأن. # وقوله { إنه لقرآن كريم } معناه إن الذي تلوناه عليكم لقرآن تفرقون به ~~بين الحق والباطل { كريم } فالكريم هو الذي من شأنه أن يعطي الخير ~~الكثير، فلما كان القرآن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالادلة التي تؤدي ~~إلى الحق فى الدين كان كريما على حقيقة معنى الكريم، لا على التشبيه ~~بطريق المجاز، والكريم فى صفات الله من الصفات النفسية التي يجوز فيها لم ~~يزل كريما، لأن حقيقته تقتضي ذلك من جهة ان الكريم الذي من شأنه ان يعطي ~~الخير الكثير، فلما كان القادر على التكرم هو الذي لا يمنعه مانع من شأنه ~~ان يعطي الخير الكثير صح أن يقال إنه لم يزل كريما. # وقوله { في كتاب مكنون } قيل: هو اللوح المحفوظ أثبت الله تعالى فيه ~~القرآن والمكنون المصون. # وقوله { لا يمسه إلا المطهرون } قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لا يمس ~~الكتاب الذي فى السماء إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة - فى قول ابن ~~عباس والحسن وسعيد بن جبير وجابر وابن زيد وأبي نهيد ومجاهد. وقيل { لا ~~يمسه إلا المطهرون } فى حكم الله. وقد استدل بهذه الآية على أنه لا يجوز ~~للجنب والحائض والمحدث أن يمسوا القرآن، وهو المكتوب فى الكتاب الذي فيه ~~القرآن أو اللوح. وقال قوم: إنه لا يجوز لهم ان يمسوا الكتاب الذي فيه، ~~ولا أطراف او راقه، وحملوا الضمير على انه راجع إلى الكتاب وهو كل كتاب ~~فيه القرآن. وعندنا إن الضمير راجع إلى القرآن. وإن قلنا إن الكتاب هو ~~اللوح المحفوظ، فلذلك وصفه بأنه مصون، ويبين ما قلناه قوله { تنزيل من رب ~~العالمين } يعني هذا القرآن تنزيل من رب العالمين أنزله الله الذي خلق ~~الخلائق ودبرهم على ما أراد. ### || [56.81-91] # إثنا عشرة آية شامي، واحدى عشرة فيما عداه، عد الشاميون { وروح وريحان } ~~ولم يعده الباقون. # قرأ يعقوب { فروح وريحان } بضم الراء. الباقون بفتحها، وهما لغتان. وقال ~~الزجاج: الروح بفتح الراء معناه الراحة وبالضم معناه حياة دائمة لا موت ms3351 ~~معها. # يقول الله تعالى مخاطبا للمكلفين على وجه التقريع لهم والتوبيخ بصورة ~~الاستفهام { أفبهذا الحديث } الذي حدثناكم به وأخبرناكم به من حوادث ~~الامور { أنتم مدهنون } قال ابن عباس: معنى مدهنون مكذبون. وقال مجاهد: ~~معناه تريدون أن تمالؤهم فيه وتركنوا اليهم لأنه جريان معهم فى باطلهم. ~~وقيل: معناه منافقون فى التصديق بهذا الحديث وسماه الله تعالى حديثا كما ~~قال # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # ومعناه معنى الحدوث شيئا بعد شيء ونقيض (حديث) قديم، والمدهن الذي يجري ~~فى الباطل على خلاف الظاهر، كالدهن فى سهولة ذلك عليه والاسراع فيه، أدهن ~~يدهن إدهانا وداهنه مداهنة مثل نافقه منافقة، وكل مدهن بصواب الحديث ~~مذموم. # وقوله { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } معناه وتجعلون حظكم من الخير الذي ~~هو كالرزق لكم إنكم تكذبون ويجوز شكر رزقكم، وقال ابن عباس: معناه ~~وتجعلون شكركم، وروي انه كان يقرأ كذلك. وقيل: حظكم من القرآن - الذي ~~رزقكم الله - التكذيب به - فى قول الحسن - وقيل: إنهم كانوا إذا أمطرو ~~وأخصبوا، قالوا مطرنا بنؤ كذا، فأنزل الله تعالى الآية تكذيبا لهم. ~~وكذلك قرأ المفضل عن عاصم { تكذبون } بفتح التاء خفيفا. # وقوله { فلولا إذا بلغت الحلقوم } قال الحسن: معناه هلا إذا بلغت هذه ~~النفس التي زعمتم أن الله لا يبعثها الحلقوم { وأنتم حينئذ تنظرون } أي ~~تنظرون ما ينزل بكم من امر الله قال الزجاج: قوله تعالى { وأنتم حينئذ } ~~خطاب لأهل الميت، وتقديره إذا بلغت الحلقوم وانتم معاشر اهله ترونه على ~~تلك الصورة. ويحتمل ان يكون المراد وأنتم حينئذ تبصرون على ضرب من ~~المجاز. وقوله { ونحن أقرب إليه منكم } معناه إن الله تعالى يراه من غير ~~مسافة بينه وبينه، فلا شيء اقرب اليه منه، واقرب من كل من يراه بمسافة ~~بينه وبينه { ولكن لا تبصرون } معناه ولكن لا تعلمون ذلك لجهلكم بالله ~~وبما يجوز عليه وما لا يجوز. ويحتمل أن يكون المراد ولكن لا تبصرون الله، ~~لأن الرؤية مستحيلة عليه. وقيل معناه: ولكن لا تبصرون الملائكة التي ~~تتولى قبض روحه. # وقوله { فلولا إن كنتم ms3352 غير مدينين } معناه هلا إن كنتم غير مجزيين بثواب ~~الله او عقابه على ما تدعونه من إنكار البعث والنشور { ترجعونها } أي ~~تردون هذه النفس إلى موضعها { إن كنتم صادقين } فى قولكم وإدعائكم. وحكى ~~الطبري عن بعض النحويين ان الكلام خرج متوجها إلى قوم أنكروا البعث، ~~وقالوا نحن نقدر على الامتناع من الموت، فقيل لهم: هلا رددتم النفس إذا ~~بلغت الحلقوم إن كنتم صادقين فيما تدعونه. # وقال الفراء: جواب (لولا) { ترجعونها } وهو جواب { فلولا إن كنتم غير ~~مدينين } اجيبا بجواب واحد، قال ومثله # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب # يعني إن الجواب والخبر فى هذا على قياس واحد، وإنما جاز ان يجاب معنيان ~~بجواب واحد، لان كل واحد منهما يوجب ذلك المعنى، والمعنى فلولا إذا بلغت ~~الحلقوم على ادعائهم انه لا يصح ان يكون القادر على إخراجها قادرا على ~~ردها يلزم ان يكون القادر على ردها غيره، وكذلك يلزم من قولهم إنه لا يصح ~~ان يقدر على ردها للجزاء ان يكون القادر غيره منهم ومن اشبهاههم. والرجع ~~جعل الشيء على الصفة التي كان عليها قبل، وهو إنقلابه إلى الحال الأولى، ~~ولو انقلب إلى غيرها لم يكن راجعا. ووجه إلزامهم على إنكار الجزاء ورجوع ~~النفس إلى الدنيا ان إنكار ان يكون القادر على النشأة الأولى قادرا على ~~النشأة الثانية كادعاء ان القادر على الثانية انما هو من لم يقدر على ~~الأولى، لأن إنكار الاول يقتضي ايجاب الثاني كانكار ان يكون زيد المتحرك ~~حركت نفسه فى اقتضاء ان غيره حركه. ومعنى { غير مدينين } غير مجزيين. ~~وقيل: معناه غير مملوكين، والدين الجزاء. ومنه قولهم: كما تدين تدان أي ~~تجزي تجزى والدين العمل الذي يستحق به الجزاء من قوله # إن الدين عند الله الإسلام # ومنه دين اليهود غير دين النصارى، وفلان يتدين أي يعمل ما يطلب به ~~الجزاء من الله تعالى، والعبد مدين، لانه تحت جزاء مولاه، وإنما يجوز ~~الانقلاب من صفة الى صفة ms3353 على ان يكون على احدهما بجعل جاعل ومن استحق صفة ~~النفس لا لمعنى ولا بالفاعل لا يجوز ان ينقلب عنها الى غيرها. # وقوله { فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم } اخبار من الله ~~تعالى بما يستحقه المكلفون لمن كان منهم سابقا الى الخيرات والى افعال ~~الطاعات فله روح وريحان، وهو الهوى الذي يلذ النفس ويزيل عنها الهم. ~~وقيل: الروح الراحة والريحان: الرزق - فى قول مجاهد وسعيد بن جبير - وقال ~~الحسن وقتادة: هو الريحان المشموم، وكل نبات طيب الريح، فهو ريحان، وقيل ~~الروح الفرح. وقيل: الروح النسيم الذي تستريح اليه النفس. واصل ريحان ~~روحان، لأنه من الواو إلا انه خفف، وأهمل التثقيل للزيادة التي لحقته من ~~الالف والنون - ذكره الزجاج - وقوله { وجنة نعيم } أي ولهذا المقرب مع ~~الروح والريحان { جنة نعيم } أي بستان ينعم فيها ويلتذ بأنواع الثمار ~~والفواكه فيها. # وقوله { وأما إن كان من أصحاب اليمين } وقد فسرنا معناه { فسلام لك من ~~أصحاب اليمين } دخلت كاف الخطاب كما يدخل فى ناهيك به شرفا، وحسبك به ~~كرما أي لا تطلب زيادة جلالة على جلالة، وكذلك سلام لك منهم أي لا تطلب ~~زيادة على سلامهم جلالة وعظم منزلة. # وقال قتادة: معناه فسلام لك ايها الانسان الذي من اصحاب اليمين من عذاب ~~الله وسلمت عليك ملائكة الله. وقال الفراء: وسلام لك إنك من اصحاب اليمين ~~فحذفت إنك. وقيل معناه سلمت مما تكره لانك من اصحاب اليمين. وقال الزجاج: ~~معناه وسلام لك إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وذكر اصحاب اليمين فى ~~اول السورة بأنهم { في سدر مخضود } وذكرهم فى أخرها بأنهم يبشرون ~~بالسلامة من كل ما يكرهون. وقيل: إنما كان التبرك باليمين، لان العمل ~~يتيسر بها، واما الشمال فيتعسر العمل بها من نحو الكتابة والتجارة ~~والاعمال الدقيقة. ### || [56.92-96] # لما اخبر الله تعالى ما للسابقين من انواع الثواب والنعيم، وبين ما ~~لأصحاب اليمين من الخيرات والثواب الجزيل، اخبر بما للكفار المكذبين بيوم ~~الدين المنكرين للبعث والنشور والجزاء بالثواب والعقاب، فقال { وأما ms3354 إن ~~كان } هذا الانسان المكلف { من المكذبين } بتوحيد الله الجاحدين لنبوة ~~نبيه الدافعين للبعث والنشور { الضالين } عن طريق الهدى العادلين عنه { ~~فنزل من حميم } أي نزلهم الذي أعد لهم من الطعام والشراب من ماء من حميم ~~{ وتصلية جحيم } أي احراق بنار جهنم، يقال صلاه الله تصلية إذا ألزمه ~~الاحتراق بها، وتقديره فله نزل من حميم. # وقوله { إن هذا لهو حق اليقين } أي هذا الذي اخبرتك به هو الحق الذي لا ~~شك فيه بل هو اليقين الذي لا شبهة فيه وحق اليقين إنما جاز اضافته إلى ~~نفسه، لانها إضافة لفظية جعلت بدلا من الصفة، لان المعنى إن هذا لهو حق ~~اليقين، كما قيل هذا نفس الحائط، بمعنى النفس الحايط، وجاز ذلك للايجاز ~~مع مناسبة الاضافة للصفة. واما قولهم { رجل سوء } فكقولك رجل سواء وفساد. ~~وقيل معنى حق اليقين حق الأمر اليقين. # وقوله { فسبح باسم ربك العظيم } أمر من الله تعالى لنبيه ان ينزه الله ~~تعالى عما لا يليق به ويذكره باسمه العظيم. وقيل: انه لما نزلت هذه الآية ~~قال النبي صلى الله عليه وآله # " " ضعوها فى ركوعكم " وقولوا " سبحان ربي العظيم " # والعظيم فى صفة الله معناه ان كل شيء سواه مقصر عن صفته بأنه قادر عالم ~~غني إذ هو قادر لا يعجزه شيء ولا يساويه شيء فى مقدوراته، وعالم لا يخفى ~~عليه شيء على كل وجوه التفصيل، وغني بنفسه عن كل شيء سواه لا يجوز عليه ~~الحاجة بوجه من الوجوه ولا على حال من الاحوال. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-5] # يقول الله تعالى مخبرا ان جميع ما في السموات والارض يسبح له. وقد بينا ~~فى غير موضع معنى التسبيح وانه التنزيه له عن الصفات التى لا تليق به. ~~فمن كان من العقلاء عارفا به فانه يسبحه لفظا ومعنى، وما ليس بعاقل من ~~سائر الحيوان والجمادات فتسبيحها ما فيها من الآية الدالة على وحدانيته ~~وعلى الصفات التي باين بها جميع خلقه، وما فيها من الحجج على أنه لا يشبه ~~خلقه وأن خلقه لا ms3355 يشبهه، ذلك بالتسبيح. وإنما كرر ذكر التسبيح فى غير ~~موضع من القرآن لانعقاده لمعان مختلفة لا ينوب بعضها مناب بعض، فمن ذلك ~~قوله # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # فهذا تسبيح بحمد الله وأما { سبح لله ما في السماوات والأرض } فهو تسبيح ~~بالله { العزيز الحكيم } فكل موضع ذكر فيه فلعقده بمعنى لا ينوب عنه غيره ~~منابه، وإن كان مخرج الكلام على الاطلاق { والعزيز الحكيم } معناه المنيع ~~بأنه قادر لا يعجزه شيء العليم بوجوه الصواب فى التدبير، ولا تطلق صفة { ~~العزيز الحكيم } إلا فيه تعالى، لانه على هذا المعنى. # وقوله { له ملك السماوات والأرض } اخبار بأن له التصرف فى جميع ما فى ~~السموات والارض وليس لاحد منعه منه ولا أن احدا ملكه ذلك وذاك هو الملك ~~الاعظم، لان كل ما عداه فما يملكه، فان الله هو الذي ملكه إياه، وله منعه ~~منه. # وقوله { يحيي ويميت } معناه يحيي الموات، لأنه يجعل النطفة وهي جماد ~~حيوانا ويحييها بعد موتها يوم القيامة، ويميت الاحياء إذا بلغوا آجالهم ~~التي قدرها لهم { وهو على كل شيء قدير } أي كل ما يصح ان يكون مقدورا ~~له، فهو قادر عليه. # وقوله { هو الأول والآخر } قيل فى معناه قولان: # احدهما - قال البلخي إنه كقول القائل: فلان اول هذا الأمر وآخره وظاهره ~~وباطنه أي عليه يدور الأمر وبه يتم. # الثاني - قال قوم: هو أول الموجودات لانه قديم سابق لجميع الموجودات وما ~~عداه محدث. والقديم يسبق المحدث بما لا يتناهى من تقدير الاوقات. والآخر ~~بعد فناء كل شيء، لانه تعالى يفني الأجسام كلها وما فيها من الاعراض، ~~ويبقى وحده ففي الآية دلالة على فناء الاجسام. # وقوله { الظاهر والباطن } قيل فى معناه قولان: # احدهما - انه العالم بما ظهر وما بطن. # الثاني - انه القاهر لما ظهر وما بطن من قوله تعالى # فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين # ومنه قوله # ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # وقيل: المعنى إنه الظاهر بادلته الباطن من أحساس خلقه { وهو بكل شيء ~~عليم } ما يصح ان يكون معلوما، ms3356 لانه عالم لنفسه. # ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال { هو الذي خلق السماوات والأرض } أي ~~اخترعهما وانشأهما { في ستة أيام } لما فى ذلك من اعتبار الملائكة بظهور ~~شيء بعد شيء من جهة ولما فى الاخبار به من المصلحة للمكلفين ولولا ذلك ~~لكان خلقها فى لحظة واحدة، لأنه قادر على ذلك من حيث هو قادر لنفسه. # وقوله { ثم استوى على العرش } أي استولى عليه بالتدبير قال البعيث. # ثم استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # وهو بشر بن مروان، لما ولاه اخوه عبد الملك بن مروان. وقيل: معناه ثم ~~عمد وقصد إلى خلق العرش، وقد بينا ذلك فيما تقدم. ثم قال { يعلم ما يلج ~~في الأرض } أي ما يدخل فى الارض ويستتر فيها، فالله عالم به لا يخفى عليه ~~منه شيء { وما يخرج منها } أي ويعلم ما يخرج من الارض من سائر النبات ~~والحيوان والجماد ولا يخفى عليه شيء { وما ينزل من السماء } أي ويعلم ما ~~ينزل من السماء من مطر وغير ذلك من انواع ما ينزل منها لا يخفى عليه شيء ~~منها { وما يعرج فيها } أي ويعلم ما يعرج في السماء من الملائكة وما يرفع ~~اليها من أعمال الخلق { وهو معكم } يعني بالعلم لا يخفى عليه حالكم وما ~~تعملونه { والله بما تعملون بصير } من خير وشر أي عالم به. # ثم قال { له ملك السماوات والأرض } أي له التصرف فيهما على وجه ليس لاحد ~~منعه منه { وإليه ترجع الأمور } يوم القيامة. والمعنى أن جميع من ملكه ~~شيئا في دار الدنيا يزول ملكه ولا يبقى ملك أحد، ويتفرد تعالى بالملك، ~~فذلك معنى قوله { وإليه ترجع الأمور } كما كان كذلك قبل أن يخلق الخلق. ### || [57.6-10] # قرأ ابو عمرو وحده { وقد أخذ ميثاقكم } بضم الألف، على ما لم يسم فاعله. ~~الباقون - بالفتح - بمعنى واخذ الله ميثاقكم، وقرأ ابن عامر ووحده { وكل ~~وعد الله الحسنى } بالرفع، وهي في مصاحفهم بلا الف جعله مبتدءا وخبرا ~~وعدى الفعل إلى ضميره، وتقديره: وكل وعده الله الحسنى، ms3357 كما قال الراجز: # قد اصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # أي لم اصنعه، فحذف الهاء. الباقون بالنصب على أنه مفعول { وعد الله } ~~وتقديره وعد الله كلا الحسنى، ويكون { الحسنى } في موضع نصب بأنه مفعول ~~ثان وهو الأقوى. # معنى قوله { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي إن ما ~~ينقص من الليل يزيده في النهار، وما ينقص من النهار يزيده في الليل حسب ~~ما قدره على علم من مصالح عباده. وقيل: إن معناه إن كل واحد منهما يتعقب ~~صاحبه { وهو عليم بذات الصدور } ومعناه هو عالم بأسرار خلقه وما يخفونه ~~في قلوبهم من الضمائر والاعتقادات لا يخفى عليه شيء منها. # ثم امر تعالى المكلفين فقال { آمنوا بالله } معاشر العقلاء وصدقوا نبيه ~~وأقروا بوحدانيته واخلاص العبادة له، وصدقوا رسوله، واعترفوا بنبوته { ~~وأنفقوا } في طاعة الله والوجوه التي أمركم الله بالانفاق فيها { مما ~~جعلكم مستخلفين فيه } قال الحسن: معناه ما استخلفكم فيه بوراثتكم اياه ~~عمن كان قبلكم. # ثم بين ما يكافيهم به اذا فعلوا ذلك، فقال { فالذين آمنوا منكم } بما ~~أمرتهم بالايمان به { وأنفقوا } مما دعوتهم الى الانفاق فيه { لهم مغفرة ~~} من الله لذنوبهم { وأجر كبير } أي وثواب عظيم. # ثم قال الله تعالى على وجه التوبيخ لهم { وما لكم } معاشر المكلفين { لا ~~تؤمنون بالله } وتعترفون بوحدانيته واخلاص العبادة له { والرسول يدعوكم } ~~إلى ذلك { لتؤمنوا بربكم } أي لتعترفوا به وتقروا بوحدانيته { وقد أخذ ~~ميثاقكم } معناه إنه لما ذكر تعالى دعاء الرسول الى الايمان بين انه قد ~~اخذ ميثاقكم ايضا به، ومعنى اخذ ميثاقكم انه نصب لكم الأدلة الدالة إلى ~~الايمان بالله ورسوله ورغبكم فيه وحثكم عليه وزهدكم في خلافه، ومعنى { إن ~~كنتم مؤمنين } اي إن كنتم مؤمنين بحق فالايمان قد ظهرت أعلامه ووضحت ~~براهينه: # ثم قال { هو الذي ينزل على عبده } يعني ان الله تعالى هو الذي ينزل على ~~محمد صلى الله عليه وآله { آيات بينات } أى حججا وادلة واضحة وبراهين ~~نيرة { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ومعناه فعل ms3358 بكم ذلك ليخرجكم من ~~الضلال الى الهدى - في قول مجاهد وغيره - وفي ذلك دلالة على بطلان قول ~~المجبرة: إن الله تعالى خلق كثيرا من خلقه ليكفروا به ويضلوا عن دينه. ~~وإنما اخرجهم من الضلال الى الهدى بما نصب لهم من الأدلة التي إذا نظروا ~~فيها افضى بهم الى الهدى والحق، فكأنه اخرجهم من الضلال، وإن كان الخروج ~~من الضلال الى الهدى من فعلهم، وسمى الدلالة نورا، لانه يبصر بها الحق ~~من الباطل، وكذلك العلم، لانه يدرك به الامور كما تدرك بالنور، فالقرآن ~~بيان الاحكام على تفصيلها ومراتبها. # وقوله { إن الله بكم لرؤف رحيم } اخبار منه تعالى أنه بخلقه رؤف رحيم. ~~والرأفة والرحمة من النظائر. # وقوله { وما لكم أن لا تنفقوا في سبيل الله } استبطأهم فى الانفاق فى ~~سبيل الله الذي رغبهم بالانفاق فيها. # وقوله { ولله ميراث السماوات والأرض } قد بينا أن جميع ما يملكونه فى ~~الدنيا يرجع الى الله، ويزول ملكهم عنه، فان أنفقوه كان ثواب ذلك باقيا ~~لهم. # وقوله { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل.. } بين الله تعالى ~~أن الانفاق قبل الفتح فى سبيل الله إذا انضم اليه الجهاد فى سبيله أكثر ~~ثوابا عند الله، والمراد بالفتح فتح مكة وفي الكلام حذف، لأن تقديره لا ~~يستوى هؤلاء مع الذين أنفقوا بعد الفتح، والكلام يدل عليه. وإنما امتنع ~~مساواة من انفق بعده لمن انفق قبله، لعظم العناية الذي لا يقوم غيره ~~مقامه فيه، فى الصلاح فى الدين وعظم الانتفاع به، كما لا يقوم دعاء غير ~~النبي صلى الله عليه وآله الى الحق مقام دعائه ولا يبلغه أبدا، وليس فى ~~الآية دلالة على فضل انسان بعينه ممن يدعى له الفضل، لأنه يحتاج أن يثبت ~~ان له الانفاق قبل الفتح، وذلك غير ثابت. ويثبت أن له القتال بعده. ولما ~~يثبت ذلك ايضا فكيف يستدل به على فضله. # فأما الفتح فقال الشعبي: أراد فتح الحديبية. وقال زيد بن اسلم، وقتادة: ~~أراد به فتح مكة. ثم سوى تعالى بين الكل فى ms3359 الوعد بالخير والجنة والثواب ~~فيها - وإن تفاضلوا فى مقاديره - فقال { وكلا وعد الله الحسنى } يعني ~~الجنة والثواب فيها { والله بما تعملون خبير } لا يخفى عليه شيء من ذلك ~~من انفاقكم وقتالكم وغير ذلك فيجازيكم بحسب ذلك. ### || [57.11-15] # خمس آيات كوفى وأربع فيما عداه، عد الكوفيون { من قبله العذاب } ولم ~~يعده الباقون قرأ ابن كثير { فيضعفه } بالتشديد وضم الفاء، وبه قرأ ابن ~~عامر إلا انه فتح الفاء. وقد مضى تفسيره في البقرة، وقرأ حمزة وحده { ~~للذين آمنوا انظرونا } بقطع الهمزة وكسر الظاء. الباقون بوصلها وضم ~~الظاء. وقرأ ابو جعفر وابن عامر ويعقوب وسهل { فاليوم لا تؤخذ } بالتاء ~~لتأنيث الفدية. الباقون - بالياء - لان التأنيث ليس بحقيقي. وقد فصل بين ~~الفعل والفاعل ب { منكم }. # قال الحسن: معنى قوله { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } هو التطوع ~~في جميع الدين. وقال غيره: معناه من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقا ~~كالقرض والقرض اخذ الشيء من المال باذن صاحبه بشرط ضمان رده، وأصله ~~القطع، فهو قطعه عن مالكه باذنه لانفاقه على رد مثله. والعرب تقول: لي ~~عندك قرض صدق وقرض سوء إذا فعل به خيرا او شرا قال الشاعر: # ونجزي سلامان بن مفرح قرضها # بما قدمت أيديهم وازلت # وقوله { فيضاعفه له } فالمضاعفة الزيادة على المقدار مثله او أمثاله، ~~وقد وعد الله بالحسنة عشر امثالها، والانفاق في سبيل الله حسنة فهو داخل ~~في هذا الوعد ومن شدد العين، فلان الله وعد بالحسنة عشر أمثالها. ومن ضم ~~الفاء جعله عطفا على من ذا الذي يقرض فيضاعفه او على تقدير فهو يضاعفه. ~~ومن نصب فلأنه جواب الاستفهام. # وقوله { وله أجر كريم } معناه إن له مع مضاعفة ما أنفقه اجرا زائدا ~~كريما، فالكريم الذي من شأنه ان يعطي الخير العظيم، فلما كان الأجر يعطي ~~النفع العظيم، كان الأجر كريما، لانه يوجد شرف النفع بما لا يلحقه ما ~~ليس بأجر. # وقوله { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ~~ف { يوم } يتعلق بقوله { لهم أجر كريم.. يوم ms3360 ترى } قال قتادة: معناه إنه ~~يسعى نورهم أي الضياء الذي يرونه { بين أيديهم وبأيمانهم } وقال الضحاك: ~~نورهم هداهم. قال { وبأيمانهم } كتبهم. وقيل { وبأيمانهم } معناه وعن ~~أيمانهم. وقيل: وفي أيمانهم. وقوله { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أي تجري تحت اشجارها الانهار، أي يقال لهم: الذي تبشرون به ~~اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار { خالدين فيها } أى مؤبدين لا يفنون. # ثم قال { ذلك هو الفوز العظيم } فعظم الفوز والفلاح يتضمن اجلال النعمة ~~والاكرام مع الحمد بالاحسان على طريق الدوام، فكل ما فعل من أجل الثواب ~~فالنعمة به أجل والاحسان به اعظم. # وقوله { يوم يقول المنافقون والمنافقات } يجوز أن يتعلق { يوم } بقوله { ~~ذلك هو الفوز العظيم.. يوم } أي في يوم، ويجوز ان يكون على تقدير واذكر ~~يوم يقول المنافقون والمنافقات { للذين آمنوا } ظاهرا وباطنا { انظرونا ~~} فمن قطع الهمزة اراد أخرونا ولا تعجلوا علينا واستأخروا نستضيء بنوركم. # ومن وصلها اراد ينظرون. وقيل: انظرني ايضا بمعنى انتظرني، قال عمرو ابن ~~أم كلثوم: # أبا هند فلا تعجل علينا # وانظرنا نخبرك اليقينا # ويقال: انظرني بمعنى اخرني. وقوله { نقتبس من نوركم } فالنور الضياء، ~~وهو ضد الظلمة، وبالنور يستضاء في البصر وفي الامور، وفي البصر نور وكذلك ~~في النار. ومعنى { نقتبس } نأخذ قبسا من نوركم، وهو جذوة منه فقالوا لهم ~~{ ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } أى ارجعوا إلى خلفكم فاطلبوا النور ~~فانه لا نور لكم عندنا، فاذا تأخروا ضرب الله بينهم بسور. ومن وصلها أراد ~~انتظرونا. # ثم اخبر تعالى فقال { فضرب بينهم } يعني بين المؤمنين وبين المنافقين { ~~بسور } والباء زائدة وهو المضروب بين الجنة والنار { له باب باطنه فيه ~~الرحمة } لأن فيه الجنة { وظاهره من قبله العذاب } يعني من قبل المنافقين ~~العذاب، لكون جهنم هناك. # ثم حكى الله تعالى أنهم { ينادونهم } يعني المنافقون فيقولون لهم { ألم ~~نكن معكم } في دار الدنيا ومخالطين لكم ومعاشرين، فيجيبهم المؤمنون ~~فيقولون { بلى } كنتم معنا { ولكنكم فتنتم أنفسكم } أى تعرضتم للفتنة ~~وتربصتم بالمؤمنين الدوائر { وارتبتم وغرتكم الأماني } أي شككتم فيما ~~اخبركم به رسولنا ms3361 وغركم ما كنتم تمنون حتى طمعتم في غير مطمع { حتى جاء ~~أمر بالله } في نصرة نببه والمؤمنين معه وغلبته إياكم { وغركم بالله ~~الغرور } يعني الشيطان وسمي بذلك لكثرة ما يغر الناس. ومن غر غيره مرة ~~واحدة فهو غار. وقرىء بالضم، وهو كل ما غر من متاع الدنيا - ذكره الزجاج ~~- والغرور بضم الغين المصدر. ثم يقول لهم الملائكة او المؤمنون { فاليوم ~~لا يؤخذ منكم فدية } أى ما تفدون به أنفسكم لا يقبل منكم { ولا } يؤخذ { ~~من الذين كفروا } الفداء { ومأواكم } أى مقركم وموضعكم الذى تأوون اليه { ~~النار هي مولاكم } أى هي اولى بكم { وبئس المصير } أى بئس المأوى والموضع ~~والمرجع اليه قال لبيد: # قعدت كلا الفرجين تحسب انه # مولى المخافة خلفها وأمامها # أى تحسب أن كليهما اولى بالمخافة. ### || [57.16-20] # قرأ { وما نزل من الحق } بتخفيف الزاي نافع وحفص عن عاصم، لانه يقع على ~~القليل والكثير، ويكون النزول مضافا إلى الحق. الباقون بالتشديد بمعنى ~~أن الله هو الذى نزل الحق شيئا بعد شيء. وقرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم ~~وابن زيد { المصدقين والمصدقات } بتخفيف الصاد يذهبون إلى التصديق الذى ~~هو خلاف التكذيب، ومعناه إن المؤمنين والمؤمنات. الباقون - بتشديد الصاد ~~- يذهبون أن الأصل المتصدقين، فادغمت التاء في الصاد لتقارب مخرجهما ~~وشدد. # ومعنى قوله { ألم يأن } ألم يحن { للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ~~} أى تخضع لسماع ذكر الله ويخافون عقابه، وينبغي ان يكون هذا متوجها إلى ~~طائفة مخصوصة لم يكن فيهم الخشوع التام حثوا على الرقة والرحمة. وأما من ~~كان ممن وصفه الله بالخشوع والرحمة والرقة فطبقة فوق هؤلاء المؤمنين، ~~ويقال أنى يأني أنا إذا حان، ومنه قوله # غير ناظرين إناه # أى منتهاه. والخشوع لين القلب للحق بالآنقياد له، ومثله الخضوع وضده ~~قسوة القلب. والحق ما دعا اليه العقل وهو الذى من عمل به نجا ومن عمل ~~بخلافه هلك، والحق مطلوب كل عاقل في نظره وإن اخطأ طريقه، والقسوة غلظ ~~القلب بالجفاء عن قبول الحق، قسا قلبه يقسو قسوة، فهو قاس. ms3362 # { وما نزل من الحق } من خفف اضاف النزول إلى الحق ومن شدد اراد ما نزله ~~الله من الحق { ولا يكونوا } أى وألا تكونوا { كالذين أوتوا الكتاب } من ~~اليهود والنصارى { من قبل } أى من قبلهم فيكون موضعه نصبا. ويحتمل ان ~~يكون مجزوما على النهي { فطال عليهم الأمد } يعني المدة والوقت، فان أهل ~~الكتاب لما طال عليهم مدة الجزاء على الطاعات { فقست قلوبهم } حتى عدلوا ~~عن الواجب وعملوا بالباطل. وقيل: معناه طال عليهم الأمد ما بين زمانهم ~~وزمن موسى. وقيل: طال عليهم الامد ما بين نبيهم وزمن موسى. وقيل طال أمد ~~الآخرة { فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } خارجون عن طاعة الله تعالى إلى ~~معصيته فلا تكونوا مثلهم فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم. # ثم قال { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } بالجدب والقحط فكذلك ~~يحيي الكافر بالهدى إلى الايمان بعد موته بالضلال بأن يلطف له ما يؤمن ~~عنده. # ثم قال { قد بينا لكم الآيات } يعني الحجج الواضحات والدلائل البينات { ~~لعلكم تعقلون } أى لكي تعقلوا وترجعوا إلى طاعته وتعملوا بما يأمركم به. # وقوله { إن المصدقين والمصدقات } من شدد أراد المتصدقين إلا انه ادغم ~~التاء في الصاد، ومن خفف اراد الذين صدقوا بالحق { وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا } أى انفقوا ما لهم في طاعة الله وسبيل مرضاته. ثم بين ما أعد لهم ~~من الجزاء فقال { يضاعف لهم } أي يجازون بأمثال ذلك. # ومن شدد العين اراد التكثير، لأن الله تعالى يعطي بالواحد عشرا إلى ~~سبعين إلى سبع مئة، ثم قال { ولهم أجر كريم } أي لهم جزاء وثواب مع إكرام ~~الله إياهم وإجلاله لهم. ثم قال { والذين آمنوا بالله ورسله } يعني الذين ~~صدقوا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وأقروا بنبوة رسله { أولئك هم ~~الصديقون } الذين صدقوا بالحق. ثم قال مستأنفا { والشهداء عند ربهم } ~~قال ابن عباس ومسروق وابو الضحى والضحاك: هو منفصل مما قبله مستأنف ~~والمراد بالشهداء الانبياء عليهم السلام ويجوز ان يكون معطوفا على ما ~~تقدم وتقديره أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء، ويكون ms3363 لهم أجرهم ~~ونورهم للجماعة من الصديقين والشهداء، فكانه قال: كل مؤمن شهيد على ما ~~رواه البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وعن عبد الله بن مسعود ~~ومجاهد، فيكون التقدير أولئك هم الصديقون عند ربهم والشهداء عند ربهم. # ثم قال { لهم أجرهم ونورهم } أي لهم ثواب طاعاتهم ونور إيمانهم الذي ~~يهتدون به إلى طريق الجنة. ثم قال { والذين كفروا } بالله وجحدوا توحيده ~~وكذبوا رسله { وكذبوا بآياتنا } يعني حججه وبيناته { أولئك أصحاب الجحيم ~~} يعني إنهم يلزمهم الله الجحيم فيبقون فيها دائمين. ثم زهد المؤمنين فى ~~الدنيا والسكون إلى لذاتها، فقال { اعلموا } معاشر العقلاء والمكلفين { ~~أنما الحياة الدنيا } يعني فى هذه الدنيا { لعب ولهو } لانه لا بقاء لذلك ~~ولا دوام وإنه يزول عن وشيك كما يزول اللعب واللهو { وزينة } تتزينون بها ~~فى الدنيا { وتفاخر بينكم } يفتخر بعضكم على بعض { وتكاثر في الأموال ~~والأولاد } أي كل واحد يقول مالي أكثر وأولادي اكثر. ثم شبه ذلك بأن قال ~~مثله فى ذلك { كمثل غيث } يعني مطرا { أعجب الكفار نباته } أي اعجب ~~الزراع ما نبت بذلك الغيث فالكفار الزراع. وقال الزجاج: ويحتمل ان يكون ~~المراد الكفار بالله لأنهم اشد إعجابا بالدنيا من غيرهم { ثم يهيج } أي ~~ييبس فيسمع له لما تدخله الريح صوت الهائج { فتراه مصفرا } وهو إذا قارب ~~اليبس { ثم يكون حطاما } أي هشيما بأن يهلكه الله مثل افعال الكافر ~~بذكل، فانها وإن كانت على ظاهر الحسن فان عاقبتها إلى هلاك ودمار مثل ~~الزرع الذي ذكره. ثم قال وله مع ذلك { وفي الآخرة } { عذاب شديد } من ~~عذاب النار للعصاة والكفار { ومغفرة من الله ورضوان } للمؤمنين المطيعين. ~~ثم قال { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } معناه العمل للحياة الدنيا ~~متاع الغرور وإنها كهذه الاشياء التي مثل بها فى الزوال والفناء، والغرور ~~- بضم الغين - ما يغر من متاع الدنيا وزينتها. ### || [57.21-25] # قرأ ابو عمرو { بما أتاكم } مقصور يعني بما جاءكم. الباقون بالمد يعني ~~بما اعطاكم وقرأ اهل المدينة واهل الشام { فإن الله الغني الحميد } بلا ms3364 ~~فصل لانهم وجدوا فى مصاحفهم كذلك، والباقون بأثبات { هو } وكذلك هو فى ~~مصاحفهم فمن اسقط (هو) جعل { الغني } خبر (ان) و { الحميد } نعته ومن زاد ~~(هو) احتمل شيئين: # احدهما - ان يجعل (هو) عمادا أو صلة زائدة. # والثاني - أن يجعله ابتداء، و { الغني } خبره، والجملة فى موضع خبر (إن) ~~مثل قوله # إن شانئك هو الأبتر # يقول الله تعالى آمرا للعقلاء المكلفين وحاثا لهم على الطاعات { ~~سابقوا إلى مغفرة من ربكم } والمسابقة طلب العامل التقدم فى عمله قبل عمل ~~غيره بالاجتهاد فيه فعلى كل مكلف الاجتهاد في تقديم طاعة الله على كل عمل ~~كما يجتهد المسابق لغيره والمسابقة إلى المغفرة بأن يتركوا المعاصي ~~ويفعلوا الطاعات # وقوله { وجنة } معناه سابقوا إلى جنة أي الى استحقاق ثواب جنة { عرضها ~~كعرض السماء والأرض } في السعة. وقال الحسن: ان الله تعالى يفني الجنة ~~ويعيدها على ما وصفه في طولها وعرضها، فبذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض ~~السماء والارض. وقال غيره إن الله تعالى قال { عرضها كعرض السماء } ~~الدنيا { والأرض } والجنة المخلوقة في السماء السابعة فلا تنافي بين ذلك، ~~وإذا كان العرض بهذه السعة فالطول اكثر منه او مثله. # قوله { أعدت } اشتقاقه من العدد والاعداد، وضع الشيء لما يكون في ~~المستقبل على ما يقتضيه من عدد الأمر الذي له، والمعنى أن هذه الجنه وضعت ~~وادخرت للذين آمنوا بالله ورسوله، فيوحدوا الله ويصدقوا رسله. ثم قال { ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } أي هذا الذي ذكره بأنه معد للمؤمن فضل من ~~الله يؤتيه من يشاء اي يعطيه من يشاء { والله ذو الفضل العظيم } فالفضل ~~والافضال والتفضل واحد وهو النفع الذى كان للقادر ان يفعله بغيره وله ان ~~لا يفعله. # ثم قال تعالى { ما أصاب من مصيبة } اى ليس يصيب احدا مصيبة { في الأرض ~~} فى ماله { ولا في أنفسكم إلا } وهو مثبت مذكور { في كتاب } يعني اللوح ~~المحفوظ { من قبل أن نبرأها } ، فالضمير راجع الى النفس كأنه قال: من قبل ~~ان نبرء النفس ويحتمل أن يكون راجعا الى المصائب ms3365 من الأمراض والفقر ~~والجدب والغم بالثكل. # ثم قال { إن ذلك } يعني اثبات ذلك على ما ذكره { على الله يسير } أى سهل ~~غير يسير. بين تعالى لم فعل ذلك فقال { لكيلا تأسوا } أى لا تحزنوا { على ~~ما فاتكم } من لذات الدنيا وزينتها { ولا تفرحوا بما آتاكم } منها على ~~وجه البطر والاشر، فمن قصر أراد بما جاءكم، ومن مد اراد بما اعطاكم. # ثم قال { والله لا يحب كل مختال } أى متجبر { فخور } على غيره على وجه ~~التكبر عليه، فان من هذه صفته لا يحبه الله. وفرح البطر مذموم. وفرح ~~الاغتباط بنعم الله محمود. كما قال تعالى { فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~} والتأسي تخفيف الحزن بالمشاركة فى حاله. ثم بين صفة المختال الفخور، ~~فقال { الذين يبخلون } بما اوجب الله عليهم من الحقوق فى أموالهم { ~~ويأمرون الناس بالبخل } ايضا. وقيل: نزلت فى اليهود الذين بخلوا بذكر ~~صفة النبي على ما وجدوه فى كتبهم وأمروا غيرهم بذلك. والبخل والبخل ~~لغتان، وقرىء بهما. وهو منع الواجب. # ثم قال { ومن يتول } يعني ومن يعرض عما ذكره الله وخالف { فإن الله هو ~~الغني الحميد } ومعناه إنه تعالى الغني عن جميع خلقه محمود فى جميع ~~افعاله، فمنع هؤلاء حقوق الله لا يضره، وإنما ضرر ذلك عليهم. # ثم اقسم تعالى فقال { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } يعني الدلائل والحجج ~~الواضحة { وأنزلنا معهم الكتاب } أي مكتوبا فيه ما يحتاج الخلق اليه ~~كالتوراة والانجيل والقرآن { والميزان } أي وانزلنا الميزان وهو ذو ~~الكفتين. وقيل: المراد به العدل { ليقوم الناس بالقسط } يعني بالعدل فى ~~الامور { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } إخبار من الله تعالى انه الذي ~~انزل الحديد. وروي ان الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان ~~والمطرقة والكليتين - من السماء، وهذا صحيح ولا بد منه، لان الواحد منا ~~لا يمكنه أن يفعل آلات من حديد وغيرها إلا بآلات قبلها، وينتهي إلى آلات ~~يتولى الله صنعها تعالى الله علوا كبيرا. # وقوله { فيه بأس شديد } أي يمتنع به ويحارب به { ومنافع للناس } أي وفيه ms3366 ~~منافع للناس كأدواتهم وآلاتهم وجميع ما يتخذ من الحديد من آلات ينتفع بها ~~كالسكين وغيرها { وليعلم الله من ينصره ورسله } أي فعلت ذلك لما لهم فيه ~~من النفع به، وليعلم الله من ينصره بنصرة موجودة، ومن يجاهد مع نبيه ~~جهادا موجودا { بالغيب } أي ينصر الله ورسله ظاهرا وباطنا { إن الله ~~قوي عزيز } أي قادر على ما يصح أن يكون مقدورا له لا يقدر احد على قهره ~~ولا على منعه. وقيل: فى جواب قوله { الذين يبخلون } قولان: # أحدهما - إنه محذوف كما حذف فى قوله # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # وتقديره الذين يبخلون فهم يستحقون العذاب والعقوبة. # وقيل: أيضا جوابه جواب قوله { ومن يتولى } فعطف بجزاءين على جزاء واحد، ~~وجعل جزاءيهما واحد، كما تقول: إن تقم وتحسن آتك إلا انه حذف الجواب ### || [57.26-29] # خمس آيات بصرى وأربع فيما عداه، عد البصريون { وآتيناه الإنجيل } ولم ~~يعده الباقون. # يقول الله تعالى مقسما إنه ارسل نوحا نبيا إلى قومه، وإبراهيم ايضا ~~أرسله إلى قومه وذكر انه تعالى جعل فى ذريتهما - يعني فى ذرية نوح ~~وإبراهيم أيضا بعد ما أرسلهما الى قومهما { النبوة والكتاب } لان ~~الانبياء كلهم من نسلهما. وعليهم أنزل الكتاب. # ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال { فمنهم مهتد } إلى طريق الحق واتباعه { ~~وكثير منهم فاسقون } أي خارجون عن طاعة الله إلى ذل معصيته. ثم اخبر ~~تعالى إنه قفى على آثار من ذكرهم برسل أخر إلى قوم آخرين. والتقفية جعل ~~الشيء فى أثر الشيء على الاستمرار فيه، ولهذا قيل لمقاطع الشعر قوافي إذا ~~كانت تتبع البيت على أثره مستمرة فى غيره على منهاجه، فكأنه قال: وأنفذنا ~~بعدهم بالرسل رسولا بعد رسولهم { وقفينا بعيسى ابن مريم } بعدهم { ~~وآتيناه } أي اعطينا عيسى ابن مريم { الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة } وقيل فى معناه قولان: # أحدهما - إنه جعل فى قلوبهم الرأفة والرحمة بالأمر به والترغيب فيه. ثم ~~أخبر انه رزق الرأفة والرحمة. قال ابو زيد: يقال رؤفت بالرجل ورأفت به ~~رأفة - بفتح الهمزة، وسكونها -. # الثاني ms3367 - إنه خلق فى قلوبهم الرأفة والرحمة. وإنما مدحهم على ذلك، لانهم ~~تعرضوا لهما. # وقوله { ورهبانية ابتدعوها } يعني ابتدعوا الرهبانية ابتدعوها وهي ~~الخصلة عن العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما فى لبسه أو إنفراده عن ~~الجماعة أو غير ذلك من الامور التي يظهر فيها نسك صاحبها. ومعنى الآية ~~ابتدعوا رهباينة لم تكتب عليهم. # ثم قال { ما كتبناها عليهم } الرهبانية { إلا ابتغاء رضوان الله } ~~فالثانية غير الأولى إلا انه لما اتفق الاسمان فيهما كنى عنهما بما تقدم، ~~وقام إعادة لفظهما مقامهما كما قال حسان: # أمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # فالتقدير ومن يمدحه. والابتداع ابتداء أمر لم يجد فيه على مثال. والبدعة ~~إحداث أمر على خلاف السنة. وقال قتادة: الرهبانية التي أبتدعوها رفض ~~النساء واتخاذ الصوامع. وقال قتادة وابن زيد: تقديره ورهبانية ما كتبناها ~~عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله { فما رعوها حق رعايتها } ~~وقال قوم: الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال - فى خبر ~~مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها، ~~وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله، وقيل: الرهبانية الانقطاع عن ~~الناس للانفراد بالعبادة. # وقوله { ما كتبناها عليهم } معناه ما فرضناها عليهم أي تلك الرهبانية ~~البتة. وقال الزجاج: معناه ما كتبناها عليهم البتة ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغاء رضوان الله، فيكون بدلا من (ها) التي يشتمل عليه المعنى - ذكره ~~الزجاج - وقيل: كان عليهم تتميمها كما على المبتدىء بصوم التطوع أن يتمه. # وقال الحسن: فرضها الله عليهم بعد ما أبتدعوها، وقوله { فما رعوها حق ~~رعايتها } معناه فما حفظوها حق حفظها. # ثم قال { فآتينا الذين آمنوا } معناه فأعطينا من آمن بالله ورسوله من ~~جملة المذكورين { أجرهم } أي ثوابهم على إيمانهم. ثم قال { وكثير منهم ~~فاسقون } أي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته والكفر به. # وقوله { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله } معناه يا أيها ~~الذين اعترفوا بتوحيد الله وصدقوا بموسى وعيسى وأعترفوا بنبوتهما اتقوا ~~الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وآله ms3368 - ذكره ابن عباس - { يؤتكم ~~كفلين من رحمته } قال ابن عباس: معناه يعطكم أجرين أجرا لايمانكم بمحمد ~~صلى الله عليه وآله وأجرا لايمانكم بمن تقدم من الرسل. وأصل الكفل الحظ ~~- فى قول الفراء - ومنه الكفل الذي يكتفل به الراكب، وهو كساء أو نحوه ~~يحويها على الابل إذا أراد أن يرتدف فيه فيحفظه من السقوط، ففيه حظ من ~~التحرز من الوقوع { ويجعل لكم نورا تمشون به } قال مجاهد: ويجعل لكم هدى ~~تهتدون به. وقال ابن عباس: النور القرآن، وفيه الادلة على كل حق وبيان ~~لكل خير، وبه يستحق الضياء الذي يمشي به يوم القيامة { ويغفر لكم } أي ~~يستر عليكم ذنوبكم { والله غفور رحيم } أي ستار عليكم ذنوبكم رحيم بكم ~~منعم عليكم # وقوله { لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله } معناه ~~ليعلم اهل الكتاب الذين يتشبهون بالمؤمنين منهم { أن لا يقدرون } أي انهم ~~لا يقدرون { على شيء من فضل الله } فى قول ابن عباس. و (ان) هي المخففة ~~من الثقيلة. وقيل: معناه ليعلم أهل الكتاب الذين حسدوا المؤمنين بما ~~وعدوا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، فيصرفوا النبوة عن محمد صلى ~~الله عليه وآله إلى من يحبونه و (لا) فى (لئلا) صلة وتوكيد، وقيل: إنما ~~تكون (لا) صلة فى كل كلام دخل فى أواخره جحد، وإن لم يكن مصرحا به نحو # ما منعك أن لا تسجد # وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون # وقوله # وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون # وقوله { وإن الفضل بيد الله } معناه ليعلموا أن الفضل بيد الله { يؤتيه ~~من يشاء } أي يعطيه من يحب { من عباده } ممن يعلم انه يصلح له. # ثم قال { والله ذو الفضل العظيم } معناه ذو تفضل على خلقه واحسان على ~~عباده عظيم لا يحصى كثرة ولا يعد. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-5] # قرأ المفضل عن عاصم { ما هن أمهاتهم } على الرفع على لغة بني تميم. ~~الباقون بنصب { أمهاتهم } على لغة أهل الحجاز، وهي لغة القرآن، كقوله # ما هذا ms3369 بشرا # وقرأ عاصم { يظاهرون } بضم الياء بألف. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو { ~~يظهرون } بغير الف مشددة الظاء والهاء. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { ~~يظاهرون } بتشديد الظاء والف، وفتح الياء. وقال ابو علي النحوي: ظاهر من ~~امرأته وظهر مثل ضاعف وضعف وتدخل التاء على كل واحد منهما، فيصير تظاهر ~~وتظهر، ويدخل حرف المضارعة، فيصير تتظاهر، ويتظهر. ثم يدغم التاء في ~~الظاء لمقاربتهما، فيصير يظاهرون ويظهرون - بفتح الياء - التي هي ~~للمضارعة، لانها للمطاوعة، كما تفتحها في (يتدحرج) الذي هو مطاوع ~~(دحرجته، فتدحرج) واختار عاصم أن المظاهرة من المضارعة، لان المفاعلة لا ~~يكون إلا من نفسين. والظهار يكون بين الرجل وامرأته. ومن قرأ { يظاهرون } ~~فأصله يتظاهرون فأدغم التاء في الظاء. # والظهار قول الرجل لامرأته: انت علي كظهر أمي، وكان أهل الجاهلية إذا ~~قال الرجل منهم هذا لامرأته بانت منه وطلقت. وفى الشرع لا تبين المرأة ~~إلا انه لا يجوز له وطؤها إلا بعد ان يكفر. وعندنا ان شروط الظهار هي ~~شروط الطلاق سواء من كون المرأة طاهرا طهرا لم يقربها فيه بجماع، ~~ويحضره شاهدين ويقصد التحريم فان اختل شيء من ذلك لم يقع به ظهار. ويقال ~~فيه ظاهر فلان من امرأته ظهارا ومظاهرة وإظهارا، فلان ظاهر وتظاهر ~~تظاهرا إلا انه ادغم واظهر إظهارا. وأصله تظهر تظهرا إلا انه ادغمت ~~التاء في الظاء. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس ابن الصامت - في ~~قول قتادة - وكان مجادلتها إياه مراجعتها في أمر زوجها. وقد كان ظاهر ~~منها، وهي تقول: كبرت سني ودق عظمي، وان اوسا تزوجني وانا شابة، فلما ~~علت سني يريد أن يطلقني. ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول بنت منه - ~~على ما رواه ابو العالية - وفي رواية غيره انه قال لها: ليس عندي في هذا ~~شيء، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أوس بن الصامت. وكانت ~~تحته بنت عم له، فقال لها: أنت علي كظهر أمي، فهو اول من ظاهر في ~~الاسلام. وقيل كان يقال ms3370 للمرأة خولة بنت خويلد. وكان الرجل في الجاهلية ~~إذا قال لامرأته: انت علي كظهر أمي حرمت عليه، فأنزل الله تعالى في قصة ~~الظهار آيات. ولا خلاف أن الحكم عام في جميع من يظاهر، وإن نزلت الآية ~~على سبب خاص. # فقال الله تعالى لنبيه { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } ~~فالجدال والمجادلة هي المخاصمة. # وقد يقال: للمراجعة والمقابلة للمعنى بما يخالفه مجادلة. واصل الجدال ~~الفتل. ومن قابل المعنى بخلافه طلبا للفائدة فليس بمجادل. فمجادلة ~~المرأة لرسول الله كان مراجعتها إياه في أمر زوجها، وذكرها أن كبرت سني ~~ودق عظمي، والنبي صلى الله عليه وآله يقول بنت منه - على ما رواه ابو ~~العالية - لأنه لم يكن نزل عليه في ذلك وحي ولا حكم. # وقوله { وتشتكى إلى الله } أي تظهر ما بها من المكروه، تقول: اللهم إنك ~~تعلم حالي فارحمني، فالاشتكاء إظهار ما بالانسان من المكروه. والشكاية ~~إظهار ما يصنعه به غيره من المكروه. # وقوله { والله يسمع تحاوركما } أي مراجعة بعضكما لبعض. والتحاور التراجع ~~وهو المحاورة، تقول: تحاورا تحاورا وحاور محاورة أي راجعه في الكلام، ~~قال عنترة: # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى # ولكان لو علم الكلام مكلمي # و { إن الله سميع بصير } أي على صفة يصح معها ان يسمع المسموعات إذا ~~وجدت، ويبصر المبصرات إذا وجدت. # ثم قال { الذين يظاهرون منكم من نسائهم } أي الذين يقولون لنسائهم: أنت ~~علي كظهر أمي، ومعناه إن ظهرك علي حرام كظهر أمي، فقال الله تعالى { ما ~~هن أمهاتهم } أي ليست أزواجهم امهاتهم على الحقيقة { إن أمهاتهم } أي ~~وليست امهاتهم في الحقيقة { إلا اللائي ولدنهم } من الأم وجداته. ثم اخبر ~~{ إنهم ليقولون } أي ان القائل لهذا يقول قولا { منكرا من القول } ~~قبيحا { وزورا } أي كذبا، لأنه اذا جعل ظهرها كظهر أمه وليست كذلك كان ~~كاذبا في قوله. # ثم قال تعالى { وإن الله لعفو غفور } أي رحيم بهم منعم عليهم متجاوز عن ~~ذنبهم. وفى ذلك دلالة على ان الله رحمها وغيرها من النساء لرغبتها فى ~~زوجها ms3371 بالتوسعة من جهة الكفارة التي تحل بها. # ثم بين تعالى ما يلزمه من الحكم، فقال { والذين يظاهرون من نسائهم } ~~يعني الذين يقولون هذا القول الذي حكيناه { ثم يعودون لما قالوا } ~~واختلفوا فى معنى العود، فقال قتادة العود هو العزم على وطئها. وقال قوم: ~~العود الامساك عزم او لم يعزم وقال الشافعي: هو أن يمسكها بالعقد، ولا ~~يتبع الظهار بطلاق. وحكى الطبري عن قوم انهم قالوا: فيه تقديم وتأخير ~~وتقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا فمن لم ~~يجد فصيام شهرين فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا. ~~وقال قوم: معناه ثم يعودون لنقض ما قالوا وإرتفاع حكمه. وقال قوم: لا تجب ~~عليه الكفارة حتى يعاود القول ثانية. وهو خلاف اكثر اهل العلم. # والذي هو مذهبنا أن العود المراد به إرادة الوطىء او نقض القول الذي ~~قاله، فانه لا يجوز له الوطىء إلا بعد الكفارة ولا يبطل حكم القول الأول ~~إلا بعد ان يكفر. # وقال الفراء: يحتمل ان يكون المراد ثم يعودون إلى ما قالوا، وفيما ~~قالوا، وفي نقض ما قالوا، أي يرجعون عما قالوا، ويجوز فى العربية أن ~~تقول: إن عاد لما فعل، تريد ان فعله مرة أخرى، ويجوز إن عاد لما فعل أي ~~نقض ما فعل، كما تقول: حلف ان يضربك بمعنى حلف ألا يضربك، وحلف ليضربنك. # وقوله { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } بيان لكيفية الكفارة، فان أول ~~ما يلزمه من الكفارة عتق رقبة فالتحرير هو ان يجعل الرقبة المملوكة حرة ~~بالعتق بأن يقول المالك انه حر. والرقبة ينبغي ان تكون مؤمنة سواء كانت ~~ذكرا او انثى صغيرة او كبيرة إذا كانت صحيحة الاعضاء. فان الاجماع واقع ~~على انه يقع الاجزاء بها، وقال الحسن وكثير من الفقهاء: إن كانت كافرة ~~أجزأت. وفيه خلاف وتفاصيل. ذكرناه فى كتب الفقه. وتحرير الرقبة واجب قبل ~~المجامعة لظاهر قوله { من قبل أن يتماسا } أي من قبل ان يجامعها فيتماسا. ~~وهو قول ابن عباس، فكان الحسن ms3372 لا يرى بأسا ان يغشى المظاهر دون الفرج. ~~وفى رواية اخرى عنه أنه يكره للمظاهر أن يقبل. والذي يقتضيه الظاهر ألا ~~يقربها بجماع على حال ولا بمماسة شهوة وقوله { ذلكم توعظون به } ان ~~تظاهروا ثم قال { والله بما تعملون خبير } أي عالم بما تفعلونه من خير ~~وشر، فيجازيكم بحسبه. # ثم قال { فمن لم يجد } يعني الرقبة وعجز عنها { فصيام شهرين متتابعين من ~~قبل أن يتماسا } والتتابع عند أكثر العلماء ان يوالي بين أيام الشهرين ~~الهلاليين او يصوم ستين يوما. وعندنا انه إذا صام شهرا ومن الآخر ولو ~~يوما، فقد تابع، فان فرق فيما بعد جاز. وعند قوم: ان يصوم شهرا ونصف ~~شهر لا يفطر فيما بينهما فان افطر لا لعذر استأنف. وان افطر لعذر من مرض ~~اختلفوا، فمنهم من قال يستأنف من عذر وغير عذر. وبه قال إبراهيم النخعي ~~ورواه جابر عن ابي جعفر عليه السلام وقال قوم: يبني، وبه قال سعيد بن ~~المسيب والحسن وعطاء والشعبي. واجمعوا على ان المرأة إذا افطرت للحيض فى ~~الشهرين المتتابعين فى كفارة قتل الخطأ او فطر يوم انها تبني فقاسوا عليه ~~الظهار. وروى اصحابنا انه اذا صام شهرا ومن الثاني بعضه ولو يوما ثم ~~افطر لغير عذر، فقد اخطأ إلا انه يبني على ما قدمناه. وإن افطر قبل ذلك ~~استأنف. ومتى بدأ بالصوم وصام بعضه ثم وجد العتق لا يلزمه العتق وإن رجع ~~كان افضل. وقال قوم: يلزمه الرجوع الى العتق. # ومتى جامع فى ليالي الصوم وجب عليه الاستئناف وبطل حكم التتابع، لانه ~~خلاف الظاهر. ومتى جامع قبل الكفارة لزمته كفارة ثانية عند اصحابنا، ~~وكلما وطأ لزمته كفارة بعدد الوطىء. # وقوله { فمن لم يستطع } يعني من لم يقدر على الصوم { فإطعام ستين ~~مسكينا } يعني - عندنا - لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر أعطاه مدا. # و # " روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه اعطى المظاهر نصف وسق ثلاثين ~~صاعا. وقال أطعم ستين مسكينا وراجعها " # وذلك انه كان فقيرا عاجزا عن جميع الكفارات. وقال ms3373 الحسن: اعانه رسول ~~الله صلى الله عليه وآله بخمسة عشر صاعا. والعدد مراعى، فان لم يجد ~~العدد كرر على الموجودين تمام الستين. # وإن جامعها قبل ان يتم الاطعام، فظاهر المذهب يقتضي انه يلزمه كفارة ~~اخرى، لأنه وطأ قبل الكفارة. وقال قوم: لا يلزمه. وقال آخرون: يستأنف ~~الكفارة # وقوله { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } معناه إنا شرعنا لكم ما ذكرناه فى ~~حكم الظهار لما علمناه من مصلحتكم لتؤمنوا بالله ورسوله، فتصدقوهما ~~وتقروا بتوحيد الله، وبنبوة نبيه. # ثم قال { وتلك حدود الله } يعني ما ذكرناه من حكم الظهار. # ثم قال { وللكافرين } أي للجاحدين لصحة ما قلناه { عذاب أليم } ومتى نوى ~~بلفظ الظهار الطلاق لم يقع به طلاق. وفيه خلاف بين الفقهاء، والاطعام لا ~~يجوز إلا للمسلمين دون اهل الذمة. وفيه خلاف. ومسائل الظهار وفروعها ~~ذكرناها فى كتب الفقه. # ثم قال { إن الذين يحادون الله ورسوله } والمحادة المخالفة فى الحدود أي ~~من خالف الله ورسوله فيما ذكراه من الحدود { كبتوا } أي اخذوا - فى قول ~~قتادة - وقال غيره: اذلوا. وقال الفراء: معناه اغيظوا واحزنوا يوم الخندق ~~{ كما كبت الذين من قبلهم } يعني من قاتل الانبياء من قبلهم. # ثم قال تعالى { وقد أنزلنا آيات بينات } اي حجج واضحات من القرآن وما ~~فيه من الادلة. ثم قال { وللكافرين } أي للجاحدين لما انزلناه من القرآن ~~والآيات { عذاب مهين } أي يهينهم ويخزيهم. ### || [58.6-10] # قرأ حمزة وحده { ويتنجون } بغير الف. الباقون { يتناجون } بألف. وقرأ ~~ابو جعفر { ما يكون } بالياء. الباقون بالتاء، لان تأنيث نجوى ليس بحقيقي # لما قال الله تعالى ان الكافرين لحدود الله لهم عذاب مهين، بين متى يكون ~~ذلك، فقال { يوم يبعثهم الله جميعا } أي يحشرهم الى ارض المحشر ويعيدهم ~~احياء { فينبئهم } أي يخبرهم ويعلمهم { بما عملوا } في دار الدنيا من ~~المعاصي وإرتكاب القبائح، ثم قال { أحصاه الله ونسوه } أي احصاه الله ~~عليهم واثبته في كتاب اعمالهم ونسوه هم { والله على كل شيء شهيد } ومعناه ~~انه يعلم الاشياء كلها من جميع وجوهها لا يخفى عليه شيء من ذلك ms3374 وإن كان ~~كثيرا من الاشياء لا يصح مشاهدتها ولا إدراكها، ومنه قوله # شهد الله أنه لا إله إلا هو # أي علم ذلك. # ثم بين فقال { ألم تر } ومعناه الم تعلم، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله والمراد به جميع المكلفين { أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض } من الموجودات لا يخفى عليه شيء منها، لانه عالم لنفسه يجب ان ~~يكون عالما بما يصح أن يكون معلوما. وقيل التقدير ألم تر ان الله يعلم ~~ما في السموات وما في الارض مما ترى من تدبيرهما من مسير الشمس والقمر ~~ومجيء الحر والبرد والزرع والثمار وسائر صنوف الاشجار على ما تقتضي ~~الحكمة عالما دبر ذلك وجعل كل شيء منه في وقته ولما يصلح له، وذلك يقتضي ~~انه عالم بكل نجوى، لأنه عالم لنفسه لا بحدوث علم. واذا ثبت انه عالم ~~لنفسه وجب ان يكون عالما بكل معلوم. # وقوله { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا } والمعنى انه عالم ~~بأحوالهم وجميع متصرفاتهم فرادى وعند الاجتماع، لا يخفى عليه شيء منها، ~~فكأنما هو معهم مشاهد لهم. وعلى هذا يقال: إن الله تعالى مع الانسان حيث ~~ما كان، لانه عالم لا يخفى عليه شيء من أمره حتى انه ظاهر له اتم الظهور ~~لمن شاهده ممن هو معه في المكان، وحسن هذا لما فيه من البيان، فأما ان ~~يكون معهم على طريق المجاورة فمحال، لأن ذلك من صفات الاجسام، والله ~~تعالى ليس بجسم. ويقولون: فلان رابع أربعة إذا كان احد اربعة ورابع ثلاثة ~~اذا جعل ثلاثة اربعة بكونه معهم. ويجوز على هذا ان يقال: رابع ثلاثة ولا ~~يجوز رابع أربعة، لانه ليس فيه معنى الفعل. ويجوز في (ثلاثة) الجر باضافة ~~النجوى اليها، ويجوز بأنها صفة النجوى. ويجوز النصب بأنها خبر (يكون). # وقوله { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } معناه يعلمهم بما عملوه من ~~المعاصي في الدنيا والاعمال، ويخبرهم ms3375 بها، لأن الله بكل شيء عليم، لا ~~يخفى عليه خافية. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع الأمة { ألم تر } ~~بمعنى الم تعلم { إلى الذين نهوا عن النجوى } قال مجاهد: كان النبي صلى ~~الله عليه وآله نهى اليهود عن النجوى بينهم لأنهم كانوا لا يتناجون إلا ~~بما يسوء المؤمنين. وقال الفراء: نزلت في المنافقين واليهود، ونهوا أن ~~يتناجوا اذا اجتمعوا مع المسلمين في موضع واحد. والنجوى هي الاسرار، ~~والنجوة الارتفاع من الارض، وهو الاصل، ومنه النجا الارتفاع في السير، ~~والنجاة الارتفاع من البلاء. # وقوله { ثم يعودون لما نهوا عنه } معناه يعودون فيتناجون ويخالفون نهي ~~النبي صلى الله عليه وآله { ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } ~~والتناجي والمناجاة تكون بين اثنين فصاعدا، ويقال: انتجوا بمعنى تناجوا، ~~كما يقال اختصموا وتخاصموا وكذلك انتجوا وتناجوا بمعنى. # وحجة حمزة قول النبي صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام # " ما انا انتجيته، ولكن الله انتجاه " # وحجة الباقين قوله { إذا تناجيتم } وكلاهما حسان. # قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فيغيظ ذلك المؤمنين. وقال ابن ~~زيد: كانوا يوهمون انه قد حدثت بلية على المسلمين من حرب او نحوه، فأخبر ~~الله عنهم انهم كانوا يتناجون بالاثم يعني بالمعاصي. والعدوان التعدى الى ~~غير الواجب وبمعصيت الرسول أي ما يعصون به الرسول النبي صلى الله عليه ~~وآله. # وقوله { وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله } قال قتادة ومجاهد - وهو ~~المروي عن عائشة - انه كانت تحيتهم السام عليكم يابا القاسم. وقال ابن ~~عباس: كان المنافقون يقولون ذلك. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وآله ~~يرده على من قال ذلك، فيقول: وعليك، وقال ابن زيد: السام الموت. وقال ~~الحسن: كانت اليهود تقول: السام عليكم أي انكم ستسأمون دينكم هذا أي ~~تملونه فتدعونه. ومن هذا سئمت الأمر اسأمه سأما وسأما. ومن قال: السام ~~الموت فهو سام الحياة بذهابها. # وقوله { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } قال كانوا ~~يقولون: إن كان نبيا صادقا هلا يعذبنا الله بما نقول ms3376 من النجوى وغيره. ~~فقال الله تعالى لهم { حسبهم جهنم } أي كافيهم جهنم { يصلونها } يوم ~~القيامة ويحترقون فيها { وبئس المصير } أي بئس المرجع والمآل لما فيها من ~~أنواع العقاب. # ثم امر المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم } انتم فيما ~~بينكم أي تشاورتم { فلا تتناجوا بالإثم } يعني بالمعاصي ولا ب { العدوان ~~} ولا ب { معصية الرسول } ومخالفته { وتناجوا بالبر والتقوى } أي بافعال ~~الخير والخوف من عذاب الله. ثم قال { واتقوا الله } باجتناب معاصيه { ~~الذي إليه تحشرون } يعني يوم القيامة. # ثم قال { إنما النجوى من الشيطان } يعني نجوى المنافقين والكفار بما ~~يسوء المؤمنين ويغمهم { من الشيطان } أي بدعاء الشيطان واغوائه يفعل ذلك ~~{ ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله } معناه إلا بعلم ~~الله وتمكينه إياهم لان تكليفهم إيمانهم بذلك، وقيل معناه إلا بفعل الله ~~الغم والحزن في قلوبهم لان الشيطان لا يقدر على فعل ذلك. ثم قال تعالى { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي يجب على المؤمنين ان يتوكلوا في جميع ~~امورهم عليه تعالى دون غيره. ### || [58.11-15] # قرأ عاصم وحده { تفسحوا في المجالس } على الجمع لاختلافها، الباقون فى { ~~المجلس } على التوحيد، لأنهم ذهبوا مذهب الجنس، لانه مصدر يدل على القليل ~~والكثير. لأنهم ارادوا مجلس النبي صلى الله عليه وآله فعلى هذا الوجه ~~الافراد. ومن جمع أراد كل جالس مجلسا أي موضع جلوس، وقرأ { انشزوا } بضم ~~الشين نافع وابن عامر وعاصم إلا حمادا ويحيى عن ابي بكر. الباقون بكسر ~~الشين وهما لغتان مثل (يعرشون ويعرشون، ويعكفون ويعكفون). # يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين وآمرا لهم بأنه إذا قيل لهم تفسحوا ~~فى المجلس بمعنى اتسعوا فيها، يقال: تفسح تفسحا وله فى هذا الأمر فسحة ~~أي متسع. والتفسح الاتساع فى المكان، وفسح له فى المجلس يفسح فسحا. ~~ومكان فسيح وفسح. والتفسيح والتوسع واحد. قال قتادة: كانوا يتنافسون فى ~~مجلس النبي صلى الله عليه وآله فقيل لهم تفسحوا وقال ابن عباس: أراد به ~~مجلس القتال { فافسحوا } أي وسعوا { يفسح الله لكم } أي يوسع عليكم ~~منازلكم فى ms3377 الجنة { وإذا قيل انشزوا فانشزوا } أي إذا قيل لكم ارتفعوا فى ~~المجلس فارتفعوا، والنشوز الارتفاع عن الشيء بالذهاب عنه. ومنه نشوز ~~المرأة عن زوجها، يقال: نشز ينشز نشوزا ونشزا. قال قتادة ومجاهد ~~والضحاك: معناه إذا قيل قوموا إلى صلاة او قتال عدو أو أمر بمعروف أي ~~تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقوموا. # وقوله { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } معناه ~~متى ما فعلتم ما أمرتم به رفع الله الذين آمنوا منكم، ورفع الذين أوتوا ~~العلم درجات، لأنهم احق بالرفعة. وفى ذلك دلالة على ان فعل العالم اكثر ~~ثوابا من فعل من ليس بعالم { والله بما تعملون } من التفسح والنشوز وغير ~~ذلك { خبير } أي عالم. # ثم خاطبهم ايضا فقال { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول } أي ~~شاورتموه { فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } قال الزجاج: كان سبب نزول الآية ~~ان الاغنياء كانوا يستخلون النبي صلى الله عليه وآله فيشاورونه بما ~~يريدون، والفقراء لا يتمكنون من النبي تمكنهم، ففرض الله عليهم الصدقة ~~قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك، وتعبدهم بأن لا يناجي احد رسول الله إلا بعد ~~ان يتصدق بشيء ما قل او كثر، فلم يفعل احد ذلك على ما روي، فاستقرض أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام دينارا وتصدق به، ثم ناجى النبي صلى الله عليه ~~وآله، فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بالآية التي بعدها. # وقوله { ذلك خير لكم وأطهر } أي ذلك التصديق بين يدي النبي صلى الله ~~عليه وآله خير لكم واطهر ومعناه إن فعل ذلك ادعى الى مجانبة المعاصي من ~~تركه. ثم قال قل لهم { فإن لم تجدوا } يعني ما تتصدقون به { فإن الله ~~غفور رحيم } يستر عليكم ترك ذلك ويرحمكم وينعم عليكم. # ثم قال ناسخا لهذا الحكم { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } ~~وظاهر هذا الكلام توبيخ على ترك الصدقة، وانهم تركوا ذلك اشفاقا وخوفا ~~على نقصان المال، فقال { فإذ لم تفعلوا } ذلك { وتاب الله عليكم } في ~~تقصيركم في فعل الصدقة { فأقيموا الصلاة ms3378 } التي اوجبها الله عليكم ~~واديموا فعلها وادوا شروطها { وآتوا الزكاة } التي افترضها عليكم { ~~وأطيعوا الله ورسوله } فيما أمركم به ونهاكم عنه { والله خبير بما تعملون ~~} أى عالم بما تعملونه من طاعة لله او معصية وحسن وقبيح، فيجازيكم بحسبه. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { ألم تر } يا محمد { إلى الذين تولوا ~~قوما غضب الله عليهم } والمراد به قوم من المنافقين، كانوا يوالون ~~اليهود ويغشون اليهم أسرارهم ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي صلى الله ~~عليه وآله والمؤمنين - وهو قول قتادة وابن زيد - ثم قال { ما هم منكم } ~~أى ليسوا مؤمنين { ولا منهم } أي ولا هم يهود، فيكونوا منهم بل هم قوم ~~منافقون. # ثم قال { ويحلفون } يعني هؤلاء المنافقون { على الكذب } يعني يقولون إنا ~~معكم ونحن نتوب، وليسوا كذلك { وهم يعلمون } انه كذلك. ثم بين تعالى ما ~~لهم من العقاب فقال { أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون } أي لأنهم كانوا يعملون المعاصي والقبائح. ### || [58.16-20] # خمس آيات عراقي وشامي، والمدني الاول، واربع آيات وبعض آية مكي والمدني ~~الآخر، عد العراقي والشامي والمدني الأول { في الأذلين } ولم يعده ~~الباقون. # لما ذكرالله تعالى المنافقين بأنهم تولوا قوما من اليهود الذين غضب ~~الله عليهم وذكر ما أعده لهم من العقاب، وذكر انهم يحلفون على الكذب مع ~~علمهم بأنهم كاذبون قال انهم { اتخذوا أيمانهم } التي يحلفون بها { جنة } ~~أي سترة وترسا يدفعون بها عن نفوسهم التهمة والظنة إذا ظهرت منهم ~~الريبة. والاتخاذ جعل الشيء عدة، كما يقال: اتخذ سلاحا، واتخذ كراعا ~~ورجالا واتخذ دارا لنفسه إذا اعدهما لنفسه، فهؤلاء جعلوا الأيمان عدة ~~ليدفعوا بها عن نفوسهم الظنة. والجنة السترة وأصله التستر ومنه الجنة ~~لاستتارهم عن العيون، والجنة لاستتارها بالشجر، والمجن الترس لستره صاحبه ~~عن ان يناله السلاح. # وقوله { فصدوا عن سبيل الله } أي صدوا نفوسهم وغيرهم عن سبيل الله التي ~~هي الحق والهدى. وقيل: فصدوا عن سبيل الله من قبلهم بكفرهم. ثم بين تعالى ~~ما لهم على ذلك فقال { فلهم عذاب ms3379 مهين } يهينهم ويذلهم والاهانه الاحتقار ~~يقال: اهانه يهينه إهانة، ومثله أذله يذله إذلالا واخزاه يخزيه إخزاء، ~~ونقيضه الاكرام، ثم قال { لن تغني عنهم أموالهم } التي جمعوها { ولا ~~أولادهم } الذين خلفوهم { من الله شيئا } يدفع عقابه عنهم، أغنى يغني ~~عنى اذا دفع عنه دفعا يستغنى عنه. ثم قال { أولئك } مع هذا كله { أصحاب ~~النار } أي الملازمون لها { وهم فيها خالدون } مؤبدون لا يخرجون عنها { ~~يوم يبعثهم الله جميعا } و { يوم } يتعلق ب { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا.. يوم يبعثهم الله جميعا } يعنى يوم القيامة { ~~فيحلفون له } أى يقسمون لله { كما يحلفون لكم } في الدنيا بأنهم كانوا ~~مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم وظنهم، لانهم كانوا يعتقدون أن ما هم عليه ~~هو الحق { ويحسبون أنهم على شيء } معناه يظنون أنهم على شيء في هذه ~~الأيمان. فقال الله تعالى { ألا إنهم هم الكاذبون } فيما يذكرونه من ~~الأيمان والمعنى إنهم لم يكونوا مؤمنين على الحقيقة، وإنما كان اعتقادهم ~~اعتقاد جهل. وقيل: معناه انهم { هم الكاذبون } في الدنيا. وقيل: معناه ~~ألا إنهم هم الخائبون، يقال كذب ظنه اذا خاب أمله. وقال قوم { ويحسبون ~~أنهم على شيء } يعنى في دار الدنيا، ولا يحسبون ذلك في الآخرة لانهم ~~يعلمون الحق اضطرارا، وهم ملجئون الى الافعال الحسنة وترك القبيح. # قال الرماني: وهذا غلط، لانه مخالف لظاهر القرآن بغير دليل، قال والصواب ~~ما قال الحسن في أن الآخرة مواطن يمكنون في بعضها من فعل القبيح، ولا ~~يمكنون في بعض، ويكون كذبهم ككذب الصبي الدهش الذى يلحقهم. # وقال قوم: ان قوله { ألا إنهم هم الكاذبون } اخبار عن حالهم في الدنيا ~~بأنهم كاذبون في الدنيا في قولهم: انا مؤمنون، وهم منافقون، لان الكذب لا ~~يجوز ان يقع منهم في الآخرة على وجه. # ثم قال تعالى { إن الذين يحادون الله ورسوله } أى يخالفونه في حدوده. ~~وقال مجاهد: معناه يشاقون الله ورسوله بأن يحصلوا في حد آخر عادلين عن ~~حدود الله. # وقوله { أولئك في الأذلين } اخبار منه تعالى ان الذين ms3380 يحادونه ويحادون ~~رسوله اولئك في الاحقرين المهانين عند الله. وقال الزجاج: معناه في ~~المغلوبين. # وقوله { استحوذ عليهم الشيطان } معناه استولى عليهم، فالاستحواذ ~~الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع. واصله من حاذه حوذا مثل جازه يجوزه ~~جوزا { فأنساهم ذكر الله } حتى لا يذكرون الله، ولا يخافونه ثم قال { ~~أولئك } يعنى الذين { استحوذ عليهم الشيطان } جنود الشيطان وحزبه. ثم قال ~~{ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم بدلها ~~النار وذلك هو الخسران المبين ### || [58.21-22] # آيتان وبعض آية في المكى والمدني الأخير، وآيتان فيما عداه، عد المكي ~~والمدني الأخير إلى { قوي عزيز } تمام التي قبلها. # قرأ الاعشى { عشيراتهم } على الجمع، الباقون { عشيرتهم } على الافراد. # قوله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } معناه إنه كتب في اللوح المحفوظ وما ~~كتبه فلا بد من ان يكون. وقال الحسن: ما أمر الله نبيا قط بحرب الا غلب ~~إما في الحال او فيما بعد. ويحتمل ان يكون المراد { كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي } بالحجج والبراهين، وان جاز ان يغلب في الحرب في بعض الأوقات. ~~والغلبة قهر المنازع حتى يصير في حكم الذليل للقاهر، وقد يقهر ما ليس ~~بمنازع، كقولهم قهر العمل حتى فرغ منه. والله تعالى غالب بمعنى انه قاهر ~~لمن نازع أولياءه. وقوله { إن الله قوي عزيز } اخبار منه تعالى انه قادر ~~لا يمكن احدا من قهره ولا غلبته لان مقدوراته لا نهاية لها ومن كان كذلك ~~لا يمكن قهره. والعزيز المنيع بكثرة مقدوراته. # وقوله { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله } معناه ان المؤمن لا يكون مؤمنا كامل الايمان والثواب يواد من ~~خالف حدود الله ويشاقه ويشاق رسوله ومعنى يواده يواليه، وان كان ذلك الذي ~~يواده أباه او ابنه او اخاه او عشيرته، فمن خالف ذلك ووالى من ذكرناه كان ~~فاسقا، لا يكون كافرا، وكل كافر فهو محاد لله ولرسوله. والموادة ~~الموالاة بالنصرة والمحبة، فهذا لا يجوز إلا للمؤمن بالله دون الكافر، ~~والفاسق المرتكب للكبائر، لانه يجب البراءة منهما، ms3381 وهي منافية للموالاة. ~~والآية نزلت في حاطب بن ابي بلتقة حين كتب إلى اهل مكة يشعرهم بأن النبي ~~صلى الله عليه وآله عزم على ان يأتي مكة بغتة يفتحها. وكان النبي صلى ~~الله عليه وآله أخفى ذلك، فلما عوتب على ذلك، قال أهلي بمكة احببت ان ~~يحوطوهم بيد تكون لي عندهم، فانزل الله تعالى فيه الآية. # ثم قال تعالى { أولئك } يعني الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر { كتب في ~~قلوبهم الإيمان } ومعناه انه جعله بحكمه، فكأنه مكتوب فيه. وقيل: معناه ~~إنه جعل فى قلوبهم سمة تدل من علمها أنهم من اهل الايمان. وقال الحسن: ~~معناه انه ثبت الايمان فى قلوبهم بما فعل بهم من الالطاف { وأيدهم بروح ~~منه } أي قواهم بنور البرهان والحجج حتى اهتدوا للحق وعملوا به، وقيل: ~~أيدهم بجبرائيل من أمر الله فى كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم { ~~ويدخلهم جنات } أي بساتين { تجري من تحتها الأنهار } أي من تحت أشجارها ~~الأنهار. وقيل: ان أنهارها أخاديد فى الارض، فلذلك قال { من تحتها ~~الأنهار }. والانهار جمع نهر { خالدين فيها } أي مؤبدين لا يفنون ولا ~~يخرجون منها، وهو نصب على الحال { رضى الله عنهم } باخلاص الطاعة منهم { ~~ورضوا عنه } بثواب الجنة. ثم قال { أولئك حزب الله } يعني جنده وأولياؤه، ~~ثم قال { ألا } وهي كلمة تنبيه { إن حزب الله } يعني جنوده واولياءه { هم ~~المفلحون } والمفلح هو المنجح بادراك ما طلب. وقال الزجاج: حزب الله هم ~~الذين اصطفاهم الله. وقرأ المفضل عن عاصم { كتب في قلوبهم الإيمان } على ~~ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح الكاف بمعنى إن الله كتب ذلك عليهم. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-5] # قرأ ابو عمرو وحده { يخربون بيوتهم } بالتشديد قال الفراء: وهي قراءة ~~ابي عبد الرحمن السلمي والحسن. الباقون بالتخفيف. قال قوم: معناهما واحد ~~مثل اكرمته وكرمته. وقال بعضهم: معنى التخفيف انهم ينتقلون عنها ~~فيعطلونها، وبالتشديد يهدمونها. # قد مضي تفسير { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ~~} فلا معنى لاعادته. # وقوله { هو الذي أخرج الذين كفروا ms3382 من ديارهم } معناه ان الذي وصفه بأنه ~~عزيز حكيم هو الله الذي أخرج الكفار من اليهود من ديارهم { لأول الحشر } ~~قال قتادة ومجاهد: هم بنو النضير، لما نزل النبي صلى الله عليه وآله ~~بالمدينة عاقده بنو النضير على ان لا يكونوا عليه ولا له. ثم نقضوا العهد ~~وأرادوا أن يطرحوه حجرا حين مضى النبي صلى الله عليه وآله اليهم يستعين ~~بهم فى تحمل بعض الديتين اللتين لزمتا صاحب النبي صلى الله عليه وآله حين ~~انقلب من بئر معونة فقتل نفسين، كان النبي صلى الله عليه وآله أجرهما، ~~ومالوا للمشركين على النبى صلى الله عليه وآله فأجلاهم الله عن ديارهم ~~على ان لهم الذرية وما حملت إبلهم والباقي لرسول الله فأجلاهم النبي صلى ~~الله عليه وآله على هذا عن ديارهم ومنازلهم، فمنهم من خرج إلى خيبر، ~~ومنهم من خرج إلى الشام. # وقوله تعالى { لأول الحشر } قال قوم: أول الحشر هو حشر اليهود من بني ~~النضير إلى ارض الشام، وثاني الحشر حشر الناس يوم القيامة إلى ارض الشام ~~أيضا. وقال البلخي: يريد أول الجلاء، لان بني النضير أول من أجلي عن ارض ~~العرب. والحشر جمع الناس من كل ناحية، ومنه الحاشر الذي يجمع الناس إلى ~~ديوان الخراج، والجمع حشار { ما ظننتم أن يخرجوا } أي لم تظنوا خروجهم ~~منها { وظنوا } هم { أنهم مانعتهم حصونهم من الله } أي حسبوا ان الحصون ~~التي هم فيها تمنعهم من عذاب الله وإنزاله بهم على يد نبيه، فجعل تعالى ~~امتناعهم من رسوله امتناعا منه. # وقوله تعالى { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } أي اتاهم أمر الله من ~~حيث لم يحتسبوا مجيئه منه { وقذف } أي ألقى { في قلوبهم الرعب } وهو ~~الخوف { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } معناه إنهم كانوا يهدمون ~~بيوتهم بأيديهم من داخل ليهربوا ويخرب المؤمنون من خارج - على ما ذكره ~~الحسن - ثم قال تعالى { فاعتبروا يا أولي الأبصار } معناه اتعظوا وفكروا ~~فلا تفعلوا كما فعل هؤلاء فيحل بكم ما حل بهم. والحصون جمع حصن، وهو ~~البناء العالي ms3383 المنيع، يقال: تحصن فلان إذا امتنع بدخوله الحصن. # ومن استدل بهذه الآية على صحة القياس فى الشريعة فقد أبعد. لان الاعتبار ~~ليس من القياس فى شيء، وإنما معناه الاتعاظ على ما بيناه، ولا يليق بهذا ~~الموضع قياس فى الشرع، لانه لو قال بعد قوله { يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين } فقيسوا الارز على الحنطة، لما كان كلاما صحيحا ولا ~~يليق بما تقدم. # وإنما يليق بما تقدم الاتعاظ والانزجار عن مثل افعال القوم من الكفر ~~بالله. # وقوله تعالى { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } معناه لولا ان الله كتب ~~فى اللوح المحفوظ بما سبق فى علمه انهم يجلون عن ديارهم يعني اليهود { ~~لعذبهم في الدنيا } بعذاب الاستئصال. والجلاء الانتقال عن الديار ~~والأوطان للبلاء. وقيل: هو الفرار عن الأوطان يقال: جلا القوم عن منازلهم ~~جلاء، وأجليتهم إجلاء. ثم قال { ولهم في الآخرة } مع الجلاء عن الاوطان ~~فى الدنيا { عذاب النار } يعذبون بها. ثم بين لم فعل بهم ذلك فقال { ذلك ~~} أي فعلنا بهم ذلك { بأنهم شاقوا الله ورسوله } وخالفوهما وعصوهما. ثم ~~توعد من يسلك مسلكهم فى المشاقة لله ورسوله، فقال { ومن يشاق الله ورسوله ~~فإن الله شديد العقاب } يعاقبهم على مشاقتهم باشد العقاب. # وقوله { ما قطعتم من لينة } فاللينة كل نخلة لينة سوى العجوة - فى قول ~~ابن عباس وقتادة - وهي لغة أهل المدينة. وقال بعضهم: إلا البرني والعجوة، ~~قال مجاهد وعمرو بن ميمون وابن زيد: كل نخلة لينة ولم يستثنوا. وقال ~~سفيان: اللينة كرام النخل. وأصل اللينة اللونة فقلبت الواو ياء للكسرة. ~~ويجمع ليانا، قال ذو الرمة: # طراق الخوافي مشرق فوق ريعة # ندى ليلة فى ريشه يترقرق # فكأنه قال لون من النخل أي ضرب منه. وقيل: يجوز أن تكون من اللبن للين ~~ثمرتها، وقوله { أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } أي قطعتموها ~~او تركتموها بحالها كل ذلك سائغ لكم، وهو بعلم الله وإذنه فى ذلك وأمره ~~به. وقوله { وليخزي الفاسقين } أي فعل ذلك ليذل به الكفار الفاسقين من ~~اليهود ويهينهم به لا ms3384 أنهم يفعلونه على وجه الفساد فى الارض، لأن فيما ~~فعلوه إذلال اهل الشرك وعز أهل الاسلام. ### || [59.6-10] # قرأ ابو جعفر { كيلا تكون } بالتاء { دولة } بالرفع أضاف الفعل إلى { ~~دولة }. الباقون بالياء { دولة } نصب أرادوا الفيء والمال. # قوله { وما أفاء الله على رسوله منهم } يعني من اليهود الذين أجلاهم من ~~بني النضير، وإن كان الحكم ساريا فى جميع الكفار إذا كان حكمهم، فالفيء ~~رد ما كان للمشركين على المسلمين بتمليك الله إياهم ذلك، على ما شرط ~~فيه، يقال: فاء بفيء فيئا إذا رجع وأفأته عليه إذا رددته عليه. وقال عمر ~~بن الخطاب ومعمر: مال الفيء هو مال الجزية والخراج. والفيء كل ما رجع من ~~أموال الكافرين إلى المؤمنين، سواء كان غنيمة او غير غنيمة، فالغنيمة ما ~~اخذ بالسيف، فأربعة أخماسه للمقاتلة وخمسه للذين ذكرهم الله فى قوله # واعلموا أنما غنمتم... # الآية. # وقال كثير من العلماء: ان الفيء المذكور فى هذه الآية هو الغنيمة. وقال ~~قوم: مال الفيء خلاف مال الصدقات، لأن مال الفيء اوسع، فانه يجوز ان يصرف ~~فى مصالح المسلمين، ومال الصدقات إنما هو فى الاصناف الثمانية. وقال قوم: ~~مال الفيء يأخذ منه الفقراء من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~باجماع الصحابة فى زمن عمر ابن الخطاب، ولم يخالفه فيه احد إلا الشافعي، ~~فانه قال: يأخذ منه الفقراء والاغنياء، وإنما ذكروا فى الآية لانهم منعوا ~~الصدقة، فبين الله أن لهم فى مال الفيء حقا. وقال عمر بن الخطاب: مال ~~بني النضير كان فيأ لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة { ولذي القربى } ~~قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وبني عبد المطلب. وقيل: ~~جعل ابو بكر وعمر سهمين: سهم رسوله وسهم قرابته من الاغنياء في سبيل ~~الله، وصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكره قتادة. والباقي في اهل ~~الحاجة من اطفال المسلمين الذين لا أبالهم، وابن السبيل المنقطع به من ~~المسافرين في غير معصية الله. وقال يزيد ابن رومان: الغنيمة ما أخذ من ms3385 ~~دار الحرب بالقتال عنوة. وقيل: كانت الغنائم في صدر الاسلام لهؤلاء ~~الاصناف. ثم نسخ بما ذكره في سورة الانفال: بالخمس. والباقي للمحاربين - ~~ذكره قتادة -. # والذي نذهب اليه أن مال الفيء غير مال الغنيمة، فالغنيمة كل ما اخذ من ~~دار الحرب بالسيف عنوة مما يمكن نقله إلى دار الاسلام، وما لا يمكن نقله ~~إلى دار الاسلام، فهو لجميع المسلمين ينظر فيه الامام ويصرف انتفاعه إلى ~~بيت المال لمصالح المسلمين. والفيء كل ما اخذ من الكفار بغير قتال او ~~انجلاء اهلها وكان ذلك للنبي صلى الله عليه وآله خاصة يضعه في المذكورين ~~في هذه الآية، وهو لمن قام مقامه من الأئمة الراشدين. # وقد بين الله تعالى ذلك. ومال بني النضير كان للنبي خاصة، وقد بينه الله ~~بقوله { وما أفاء الله } يعني ما رجعه الله ورده { على رسوله منهم } يعني ~~من بني النضير. ثم بين فقال { فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب } أي لم ~~توجفوا على ذلك بخيل ولا ركاب. والايجاف الايقاع، وهو تسيير الخيل ~~والركاب وهو من وجف يجف وجيفا، وهو تحرك باضطراب، فالايجاف الازعاج ~~للسير، والركاب الابل { ولكن الله يسلط رسله على من يشاء } من عباده حتى ~~يقهروهم ويأخذوا ما لهم { والله على كل شيء قدير }. # ثم قال مبينا من استحق ذلك، فقال { ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى } يعني بني النضير { فلله وللرسول ولذي القربى } يعني اهل بيت رسول ~~الله { واليتامى والمساكين وابن السبيل } من أهل بيت رسول الله لان ~~تقديره ولذي قرباه ويتامى أهل بيته، وابن سبيلهم، لان الألف واللام تعاقب ~~الضمير، وظاهره يقتضي أنه لهؤلاء سواء كانوا أغنياء او فقراء. ثم بين لم ~~فعل ذلك فقال { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } فالدولة - بضم الدال ~~- نقلة النعمة من قوم إلى قوم وبفتح الدال المرة من الاستيلاء والغلبة. ~~ثم قال { وما أتاكم الرسول فخذوه } أي ما اعطاكم رسوله من الفيء فخذوه ~~وارضوا به. وما أمركم به فافعلوه { وما نهاكم عنه فانتهوا } عنه فانه لا ~~يأمر ولا ms3386 ينهى إلا عن أمر الله. # ثم قال { واتقوا الله } فى ترك معاصيه وفعل طاعاته { إن الله شديد ~~العقاب } لمن عصاه وترك أوامره. # ثم قال { للفقراء } يعني الذين لا مال لهم { المهاجرين } الذين هاجروا ~~من مكة إلى المدينة او هاجروا من دار الحرب إلى دار الاسلام { الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم } الذي كان لهم بمكة فأخرجوا منها { يبتغون ~~فضلا } أي طالبين بذلك فضلا { من الله ورضوانا } فالجملة فى موضع الحال ~~{ وينصرون الله ورسوله } يعني ناصرين لدين الله ورسوله { أولئك هم ~~الصادقون } عند الله فى الحقيقة العظيموا المنزلة لديه. وقيل: تقدير ~~الآية { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } بل للفقراء المهاجرين. # ثم وصف الانصار فقال { والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم } أي جعلوا ~~ديارهم موضع مقامهم وآمنوا بالله من قبلهم نزلت فى الانصار، فانهم نزلوا ~~المدينة قبل نزول المهاجرين. وقيل ان كان من نزل بالمدينة قبل هجرة النبي ~~صلى الله عليه وآله فهو من الانصار. # وقوله { والإيمان من قبلهم } يعني إن الانصار آمنوا قبل هجرة المهاجرين ~~وإن كان فى المهاجرين من آمن قبل إيمان الانصار { يحبون من هاجر إليهم } ~~من اهل مكة { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } قال الحسن يعني ~~حسدا، قال الزجاج: معناه لا تجد الانصار فى نفوسهم حاجة مما يعطون ~~المهاجرين. وقال البلخي: لا يجدون حاجة فى نفوسهم مما يؤتون المهاجرين من ~~الفضل فى الدين، وقال الطبري: معناه لا يجدون فى نفوسهم حاجة فيما أعطي ~~المهاجرين من مال بني النضير، فان النبي خص به المهاجرين إلا رجلين من ~~الانصار: أباد دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف أعطاهما لفقرهما. # وإنما فعل النبي صلى الله عليه وآله ذلك لان مال بني النضير كان له ~~خاصة. والمهاجرين بهم حاجة خصهم بذلك. والانصار كانوا فى غنى فرضوا بذلك، ~~ومدحهم الله على ذلك - ذكره ابن زيد -. # وقوله { ويؤثرون على أنفسهم } أي يختارون على أنفسهم من يولونه من ما ~~لهم من المهاجرين { ولو كان بهم خصاصة } يعني حاجة. والخصاصة الحاجة التي ~~يختل بها ms3387 الحال. والخصاص الفرج التي يتخللها البصر، والواحد خصاص. قال ~~الراجز: # والناظرات من خصاص لمحا # وأصله الاختصاص بالانفراد بالامر والخصاص الانفراد عما يحتاج اليه ~~والخصوص الانفراد ببعض ما وضع له الاسم، والخص إنفراد كل قصبة من أختها ~~فى الاشراج، والخاصة إنفراد المعنى بما يقوله دون غيره. # وقوله { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } أي من منع شح نفسه. والشح ~~والبخل واحد. وفى أسماء الدين هو منع الواجب { فأولئك هم المفلحون } يعني ~~المنجحين الفائزين بثواب الله ونعيم جنته. # ثم قال { والذين جاءو من بعدهم } يعني بعد المهاجرين والانصار، وهم جميع ~~التابعين لهم إلى يوم القيامة - فى قول الحسن - وهو كل من أسلم بعد العصر ~~الأول. وقال الأصم: يعني من جاءك من المهاجرين أي بعد انقطاع الهجرة وبعد ~~إيمان الانصار { يقولون ربنا } الجملة فى موضع الحال، وتقديره قائلين { ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~} أي حقدا وغشا { للذين آمنوا } ويقولون { ربنا إنك رؤف رحيم } أي ~~متعطف على عبادك منعم عليهم. # وقسمة الغنيمة عندنا للفارس سهمان وللراجل سهم. وقال قوم: للفارس ثلاثة ~~أسهم وللراجل سهم إلا ما كان من الارض والاشجار، فانه للامام أن يقسمها ~~إن شاء، وله ان يجعلها أرض الخراج ويردها إلى من كانت في أيديهم قبل، على ~~هذا الوصف بحسب ما يرى، كما فعل عمر بأرض السواد. وقيل: إن النبي صلى ~~الله عليه وآله فتح مكة عنوة ولم يقسم أرضها بين المقاتلة. وقال قوم: ~~فتحها سلما. وقسم كثيرا من غنائم حنين في المؤلفة قلوبهم دون المقاتلة ~~حتى وقع من نفر من الانصار فى ذلك ما وقع، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله # " اما ترضون ان يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله " # ، فرضوا وسلموالله ورسوله في قصة مشهورة. ### || [59.11-15] # قرأ ابن كثير وابو عمرو { من وراء جدار } على التوحيد. الباقون { جدر } ~~على الجمع. # لما وصف الله تعالى المهاجرين الذين هاجروا من مكة وما لهم من الفضل، ~~وذكر الانصار وما لهم من جزيل الثواب، ms3388 وذكر التابعين باحسان وما يستحقونه ~~من النعيم في الجنان، ذكر المنافقين وما يستحقونه وما هم عليه من ~~الاوصاف. فقال { ألم تر } يا محمد { إلى الذين نافقوا } فأظهروا الايمان ~~وأبطنوا الكفر { يقولون لإخوانهم } في الكفر وهم { الذين كفروا من أهل ~~الكتاب } يعني يهود بني النضير { لئن أخرجتم } من بلادكم { لنخرجن معكم } ~~مساعدين لكم { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } يعني في قتالكم ومخاصمتكم { ~~ولئن قوتلتم } معاشر بني النضير { لننصرنكم } ولندفعن عنكم. فقال الله ~~تعالى { والله يشهد إنهم لكاذبون } فيما يقولونه في مساعدتهم والخروج ~~معهم والدفاع عنهم. وظاهره يدل على انهم لم يخبروا عن ظنهم، لانهم لو ~~اخبروا عن ظنهم وعن نيتهم لما كانوا كاذبين. ويحتمل: ان يكونوا كاذبين في ~~العزم ايضا بأن يقولوا إنهم عازمون ولا يكونوا كذلك. ثم قال تعالى { لئن ~~أخرجوا } يعني بني النضير { لا يخرجون معهم } يعني المنافقون الذين قالوا ~~لهم إنا نخرج معكم { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ~~} أي ينهزمون ويسلمونهم { ثم لا ينصرون } الجميع، وقال الزجاج: فيه ~~وجهان: # احدهما - إنهم لو تعاطوا نصرهم. # الثاني - ولئن نصرهم من بقي منهم لولوا الأدبار، فعلى هذا لا ينافي قوله ~~{ لا ينصرونهم } قوله { ولئن نصروهم }. # ثم خاطب المؤمنين، فقال { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } أي أنتم ~~أشد خوفا في قلوب هؤلاء المنافقين يخافونكم ما لا يخافون الله { ذلك ~~بأنهم قوم لا يفقهون } أي لانهم قوم لا يفقهون الحق ولا يعرفونه ولا ~~يعرفون معاني صفات الله، فالفقه العلم بمفهوم الكلام في ظاهره ومتضمنه ~~عند إدراكه، ويتفاضل أحوال الناس فيه. وقيل: إن المنافقين الذين نزلت ~~فيهم هذه الآية عبد الله بن ابي سلول وجماعة معه بعثوا إلى بني النضير ~~بهذه الرسالة - ذكره ابن عباس ومجاهد - # ثم عاد تعالى إلى ذكر الخبر عن أحوال بني النضير، فقال { لا يقاتلونكم } ~~معاشر المؤمنين { إلا في قرى محصنة } يعني ممتنعة جعل عليها حصون { أو من ~~وراء جدر } أى من وراء الحيطان، فالجدار الحائط. فمن قرأ على التوحيد ~~فلأنه اسم جنس يقع على ms3389 القليل والكثير، ومن قرأ على الجمع، فلاختلاف ~~الجدران. ثم قال { بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } معناه ~~عداوة بعض هؤلاء اليهود لبعض شديدة وقلوبهم شتى بمعاداة بعضهم لبعض أى ~~ظاهرهم على كلمة واحدة وهم متفرقون في الباطن { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ~~} يعنى ما فيه الرشد مما فيه الغي. # وقال مجاهد { وقلوبهم شتى } يعني المنافقين وأهل الكتاب، وإنما كان قلوب ~~من يعمل بخلاف العقل شتى لاختلاف دواعيهم وأهوائهم، وداعي الحق واحد، وهو ~~داعي العقل الذى يدعو إلى طاعة الله والاحسان في الفعل. # وقوله { كمثل الذين من قبلهم قريبا } معناه مثل هؤلاء كمثل الذين من ~~قبلهم يعني بني قينقاع - في قول ابن عباس - وقال مجاهد: هم مشركوا قريش ~~ببدر - { ذاقوا وبال أمرهم } من الشرك والكفر بالله فان عاقبة أمرهم كان ~~القتل او الجلاء وفي الآية دلالة على النبوة من جهة علم الغيب الذى لا ~~يعلمه إلا الله تعالى وقوله { ولئن نصروهم ليولن الأدبار } جاء على تقدير ~~المستقبل كما يجيء في الماضي ب (لو) لتبين خورهم وضعف قلوبهم، واللام في ~~قوله { لئن أخرجوا } و { لئن قوتلوا } و { لئن نصروهم } كلها لام القسم. ~~واللام في قوله { ليولن الأدبار } جواب القسم. ### || [59.16-20] # معنى قوله { كمثل الشيطان } أي مثل هؤلاء المنافقين فيما قالوا لليهود، ~~مثل قيل الشيطان { إذ قال للإنسان اكفر } واغواه به ودعاه اليه { فلما ~~كفر } يعني الانسان { قال } الشيطان { إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين } بمعنى أخاف عقابه. وإنما يقول الشيطان للانسان اكفر بأن يدعوه ~~اليه ويغويه به ويقول له: التوحيد ليس له حقيقة والشرك هو الحق ويأمره ~~بجحد النبوة، ويقول لا أصل لها. وإنما هي مخرقة. والبراءة قطع العلقة إلى ~~ما تقتضيه العداوة فهذه البراءة من الدين، وقد تكون البراءة قطع العلقة ~~بما يدفع المطالبة كبراءة الدين، وبراءة الطلاق، وبراءة الذمي إذا أخذت ~~منه الجزية. والاصل قطع العلقة التي يقع بها مطالبة فى نقيض الحكمة، ~~فالتقدير فى الآية إن مثل المنافقين فى وعدهم لبني النضير مثل الشيطان فى ~~وعده ms3390 للانسان بالغرور، فلما أحتاج اليه الانسان أسلمه للهلاك. وقيل: إن ~~ذلك فى إنسان بعينه كل من الرهبان فاغواه الشيطان بأن ينجيه من بلية وقع ~~فيها عند السلطان، فقال له: اسجد لي سجدة واحدة، فلما احتاج اليه أسلمه ~~حتى قتل - روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود - وقال مجاهد: هو عام فى جميع ~~الكفار، فقال الله تعالى { فكان عاقبتهما } يعني عاقبة الفريقين الداعي ~~والمدعو من الشيطان ومن أغواه والمنافقين واليهود { أنهما في النار } ~~معذبان فيها، والعاقبة نهاية العمل فى البادية، فعاقبة الطاعة الله تعالى ~~الجنة، وعاقبة معصيته النار { خالدين فيها } أي مؤبدين فيها معذبين ثم ~~قال { وذلك جزاء الظالمين } لانفسهم بارتكاب المعاصي. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } باجتناب ~~معاصيه وفعل طاعاته { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي تنظر وتفكر ما الذي ~~تقدمه من الافعال ليوم القيامة من طاعة او معصية { واتقوا الله } باجتناب ~~معاصيه وفعل طاعاته { إن الله خبير بما تعملون } أي عالم بأعمالكم لا ~~يخفى عليه شيء منها فيجازيكم بحسبها على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي ~~بالعقاب. وقيل معناه { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } فيما تقدم نفس ~~لغد { واتقوا الله } فيما يعلمه منكم، وليس ذلك بتكرار # ثم قال { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } أي كالذين تركوا ~~أداء حق الله فانهم نسوه فأنساهم أنفسهم بأن حرمهم حظوظهم من الخير ~~والثواب، وقال سفيان: نسوا حق الله فأنساهم حظ أنفسهم. وقيل: نسوا الله ~~بترك ذكره والشكر والتعظيم فأنساهم انفسهم بالعذاب الذي نسي به بعضهم ~~بعضا، كما قال تعالى # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم # أي يسلم بعضكم على بعض ثم اخبر عنهم فقال { أولئك هم الفاسقون } الذين ~~خرجوا من طاعته إلى معصيته. # وقوله { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } أي لا يتساويان، لان هؤلاء ~~مستحقون للنار وأولئك مستحقون لثواب الجنة، ثم قال { أصحاب الجنة هم ~~الفائزون } بثواب الله. ولا يدل على أن من معه إيمان وفسق لا يدخل الجنة، ~~لأنه تعالى قسم أصحاب الجنة وأصحاب النار ms3391 الذين يستحقون ثوابا بلا عقاب ~~او عقابا بلا ثواب، لانهما لا يتقاربان، ولم يذكر من يستحق الامرين. ~~وعندنا أن الفاسق المسلم يستحق الأمرين فليس هو داخلا فيه. ### || [59.21-24] # يقول الله تعالى معظما لشأن القرآن الذى انزله عليه مكبرا لحاله فى ~~جلالة موقعه بأنه لو أنزل القرآن على جبل لرئي الجبل خاشعا، والمراد به ~~المثل، وتقديره لو كان الجبل مما ينزل عليه القرآن ولو شعر به - مع غلظه ~~وجفاء طبعه وكبر جسمه - لخشع لمنزله تعظيما لشأنه ولتصدع من خشيته، ~~فالانسان أحق بهذا لو عقل الأحكام التي فيه. والتصدع التفرق بعد التلاؤم، ~~ومثله التفطر يقال: صدعه يصدعه صدعا فهو صادع وذاك مصدوع ومنه الصداع فى ~~الرأس وهو معروف، وتصدع تصدعا وانصدع إنصداعا فبين انه على وجه المثل ~~بقوله { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } ومعناه ليتفكروا، لان ~~(لعل) بمعنى الشك، والشك لا يجوز على الله. # وقوله { هو الله الذي لا إله إلا هو } معناه هو المستحق للعبادة الذي لا ~~تحق العبادة إلا له { عالم الغيب والشهادة } معناه عالم بما يشاهده ~~العباد، وعالم بما يغيب عنهم علمه. وقيل: معناه { عالم الغيب } ما لا يقع ~~عليه حس من المعدوم او الموجود الذي لا يدرك مما هو غائب عن الحواس ~~كأفعال القلوب وغيرها { والشهادة } أي وعالم بما يصح عليه الادراك ~~بالحواس. وقال الحسن: الغيب ما اخفاه العباد، والشهادة ما أعلنوه، ففي ~~الوصف بها بين كونه عالما بجميع المعلومات، لأنها لا تعدو هذين القسمين. # وقوله { هو الرحمن } يعني المنعم على جميع خلقه { الرحيم } بالمؤمنين، ~~ولا يوصف بالرحمن سوى الله تعالى. وأما الرحيم، فانه يوصف به غيره تعالى. ~~ثم اعاد قوله { هو الله الذي لا إله إلا هو الملك } يعني السيد المالك ~~لجميع الاشياء الذي له التصرف فيها على وجه ليس لأحد منعه منه { القدوس } ~~ومعناه المطهر فتطهر صفاته عن ان يدخل فيها صفة نقص { السلام } وهو الذي ~~يسلم عباده من ظلمه { المؤمن } الذي أمن العباد من ظلمه لهم إذ قال # لا يظلم مثقال ذرة # { المهيمن } قال ms3392 ابن عباس معناه الأمين. وقال قوم: معناه المؤمن إلا انه ~~أشد مبالغة فى الصفة، لانه جاء على الأصل فى المؤمن، فقلبت الهمزة هاء، ~~وفخم اللفظ به لتفخيم المعنى. وقال قتادة: معناه الشهيد كأنه شهيد على ~~إيمان من آمن به أو الشهيد على الأمن فى شهادته { العزيز } يعنى القادر ~~الذي لا يصح عليه القهر { الجبار } العظيم الشأن في الملك والسلطان، ولا ~~يستحق ان يوصف به على هذا الاطلاق إلا الله تعالى، فان وصف بها العبد، ~~فانما هو على وضع لفظة في غير موضعها، فهو ذم على هذا المعنى { المتكبر } ~~يعني في كل شيء. وقيل: معناه المستحق لصفات التعظيم. # وقوله { سبحان الله عما يشركون } تنزيه لله تعالى عن الشرك به كما يشرك ~~به المشركون من الاصنام وغيرها. # ثم قال { هو الله الخالق } يعني للاجسام والاعراض المخصوصة { البارىء } ~~المحدث المنشيء لجميع ذلك { المصور } الذى صور الاجسام على اختلافها من ~~الحيوان والجماد { له الأسماء الحسنى } نحو الله، الرحمن، الرحيم، ~~القادر، العالم، الحي وما اشبه ذلك. ثم قال { يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم } وقد مضى تفسيره. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة # " حين عزم النبي صلى الله عليه وآله على ان يدخل مكة بغتة، فسأل الله أن ~~يعمي اخبارهم على قريش ومنع احدا أن يخرج من المدينة إلى مكة فكتب حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يعلمهم بذلك، فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله بذلك، فدعا عليا عليه السلام والزبير، وقال لهما: اخرجا ~~حتى تلحقا جارية سوداء متوجهة إلى مكة معها كتاب، فخذاه منها، فخرجا حتى ~~لحقاها فسألاها عن الكتاب، فأنكرت ففتشاها، فلم يجدا معها شيئا، فقال ~~الزبير: ارجع بنا فليس معها شيء، فقال علي عليه السلام يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: خذ الكتاب منها، وتقول: ليس معي شيء!!! ثم اقبل ~~عليها، وسل سيفه. وقال: والله لئن لم تخرجي الكتاب لاضربن عنقك فقالت له ~~أعرض بوجهك عني، فلما أعرض ms3393 عنها أخرجت الكتاب من بين ضفيرتين لها، وسلمته ~~اليه، فلما عادا سلماه إلى النبي فأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن ~~ينادى بالصلاة جامعة فاجتمع الناس، فصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر ~~وخطب. ثم قال: (أما إني كنت سألت الله ان يعمي اخبارنا عن قريش حتى ندخل ~~مكة بغتة، وإن رجلا منكم كتب اليهم ينذرهم خبرنا، وهذا كتابه فليقم ~~صاحبه) فلم يقم أحد فأعاد ثانيا، فلم يقم احد، فأعاد ثلاثا، ثم قال: ~~فليقم وإلا فضحه الوحي، فقام حاطب، وهو يرعد، وقال يا رسول الله: والله ~~ما نافقت منذ اسلمت، فقال ما حملك على ذلك، فقال إن لي بمكة أهلا وليس لي ~~بها عشيرة، فأردت ان اتخذ بذلك عندهم يدا ان كانت الدائرة لهم، فقام عمر ~~بن الخطاب وقال: يا رسول الله مرني بأن أضرب عنقه، فانه نافق، فقال رسول ~~الله: إنه من أهل بدر، ولعل الله تعالى أطلع إطلاعة فغفر لهم " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يخاطب فيها المؤمنين وينهاهم أن يتخذوا ~~عدو الله من الكفار وعدو المؤمنين أولياء يوالونهم ويلقون اليهم بالمودة. ~~والباء زائدة وتقديره ويلقون اليهم المودة، وهي المحبة، كما قال الشاعر: # ولما زجت بالشرب هز لها العصا # شحيح له عند الازاء نهيم # أي زجت الشرب، ويجوز أن يكون المراد يلقون اليهم ما يريدون بالمودة { ~~وقد كفروا } يعنى الكفار الذين يلقون اليهم المودة { بما جاءكم } به ~~النبي صلى الله عليه وآله { من الحق } يعنى من التوحيد والاخلاص لله فى ~~العبادة والقرآن وشريعة الاسلام { يخرجون الرسول وإياكم } يعنى إخراجهم ~~لهم من مكة { أن تؤمنوا بالله ربكم } ومعناه كراهة ان تؤمنوا بالله وقال ~~قوم: اخرجوكم لايمانكم بالله ربكم الذي خلقكم { إن كنتم خرجتم جهادا في ~~سبيلي وابتغاء مرضائي } أي وطلبا لمرضاتي فلا تلقوا اليهم بالمؤدة ان ~~كنتم خرجتم مجاهدين فى سبيل الله وطالبين مرضاته. # قال الزجاج: وهو شرط جوابه متقدم وتقديره إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلي ~~وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. و (جهادا، وابتغاء) ~~منصوبان على ms3394 المفعول له. # وقوله { تسرون إليهم بالمودة } فتكاتبونهم باخبار النبي صلى الله عليه ~~وآله { وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } أي بسركم وعلانيتكم وظاهركم ~~وباطنكم، لا يخفى علي من ذلك شيء، فكيف تسرون بمودتكم إياهم مني. # وقوله { ومن يفعله منكم } يعنى من ألقى اليهم المودة والقى اليهم اخبار ~~النبي صلى الله عليه وآله منكم جماعة المؤمنين بعد هذا البيان { فقد ضل ~~سواء السبيل } أي قد عدل من الحق وجار عن طريق الرشد. وفي الآية دليل على ~~ان مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الايمان، لان حاطب بن أبي بلتعة رجل من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قد فعل ذلك، ولا يقول أحد انه أخرجه ~~ذلك من الايمان. ### || [60.2-3] # قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع { يفصل } بضم الياء وفتح الصاد وسكون ~~الفاء خفيفة. وقرأ ابن عامر - بضم الياء وفتح الياء وتشديد الصاد وفتحها ~~- على ما لم يسم فاعله، وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر ~~الصاد مشددة. وقرأ عاصم ويعقوب وسهل بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد ~~خفيفة: أربع قراءات، يقال: فصلت بين الشيء أفصله فصلا إذا ميزته، وفصلته ~~تفصيلا، بمعنى واحد. فمن قرأ بفتح الياء أراد إن الله يفصل بينهم ويميز ~~بعضهم عن بعض، ومن ضم الياء جعله لما لم يسم فاعله ومعلوم أن الله هو ~~المفصل بينهم. # وقوله { إن يثقفوكم } معناه إن يصادفوكم هؤلاء الكفار الذين تسرون اليهم ~~بالمودة، يقال: ثقفته أثقفه ثقفا فأنا ثاقف، ومنه سمي ثقيف، ومنه ~~المثاقفة، وهي طلب مصادفة العزة فى المسابقة، وما يجرى مجراها من ~~المصادفة بالشطب ونحوه و { يكونوا لكم أعداء } أي يعادونكم ولا ينفعكم ما ~~تلقون اليهم { ويبسطوا إليكم أيديهم } بما يقدرون عليه من الاذى والقتل، ~~ويبسطوا { ألسنتهم } ايضا { بالسوء } فيذكرونكم بكل ما تكرهونه وجميع ما ~~يقدرون عليه من السوء ويحثون على قتالكم { وودوا } مع هذا كله { لو ~~تكفرون } بالله كما كفروا وتجحدون كما جحدوا. # ثم قال { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } الذين جعلتموهم علة في القاء ~~المودة اليهم والافشاء اليهم ms3395 بسر النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة { ~~والله يفصل بينكم } ذلك اليوم ويميز بعضكم عن بعض إذا كانوا كفارا وكنتم ~~مؤمنين { والله على كل شيء قدير } لا يتعذر عليه تمييز بعضكم عن بعض ~~فيأمر بالمؤمنين إلى الجنة وبالكفار إلى النار ### || [60.4-5] # قرأ عاصم { أسوة } بضم الهمزة فى جميع القرآن. الباقون - بكسرها - وهما ~~لغتان. # يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين وحاثا لهم على ترك موالاة الكفار ~~ومبينا لهم ان ذلك غير جائز بأن قال { قد كانت لكم } فى ترك موالاة ~~الكفار وترك الركون إلى جنايتهم { أسوة حسنة } أي اقتداء حسن { في ~~إبراهيم } خليل الرحمن عليه السلام { والذين معه } قال ابن زيد: يعني ~~الانبياء. وقال غيره: يعنى الذين آمنوا معه { إذ قالوا } أي حين قالوا { ~~لقومهم } من الكفار الذين كانوا يعبدون الاصنام { إنا برءآؤا منكم } على ~~وزن فعلاء، ومثله ظريف وظرفاء وكريم وكرماء وفقير وفقراء الهمزة الأولى ~~لام الفعل والثانية المنقلبة من الف التأنيث والالف التي قبله الهمزة ~~زيادة مع علامة التأنيث، وهو جمع بريء وبراؤ منكم { ومما تعبدون من دون ~~الله } أي وبريئون من الاصنام التي تعبدونها، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية ~~ويكون المعنى وبريئون من عبادتكم للاصنام { كفرنا بكم } أي يقولون لهم: ~~جحدنا ما تعبدون من دون الله وكفرنا به { وبدأ بيننا } أي ظهر بيننا { ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } لا يكون بيننا وبينكم موالاة فى الدين { ~~حتى تؤمنوا بالله وحده } أي حتى تصدقوا بوحدانيته وإخلاص العبادة له. # وقوله { إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } استثناء لقول إبراهيم ~~لأبيه: لاستغفرن أي فلا تقتدوا به فيه. فان إبراهيم عليه السلام إنما ~~استغفر لأبيه على { موعدة وعدها إياه } لأن اباه كان وعده بالايمان، ~~فوعده إبراهيم بالاستغفار، فلما اظهر له الايمان استغفر له إبراهيم فى ~~الظاهر { فلما تبين له أنه عدو لله } وعرف ذلك من جهته # تبرأ منه # قال الحسن: إنما تبين ذلك عند موت أبيه، ولو لم يستثن ذلك لظن إنه يجوز ~~الاستغفار للكفار مطلقا من غير موعدة بالايمان منهم. وقيل: إن الاستثناء ms3396 ~~راجع إلى قوله { وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا } لأنه لما ~~كان استغفار إبراهيم لأبيه مخالفا لما تضمنته هذه الجملة وجب استثناؤه ~~وإلا توهم بظاهر الكلام انه عامل أباه من العداوة والبراءة بما عامل به ~~غيره. وقال البلخي: هذا استثناء منقطع. ومعناه لكن قول إبراهيم لأبيه ~~لاستغفرن لك كان لأجل موعدة أبيه بالايمان. ثم قال إبراهيم لأبيه { وما ~~أملك لك من الله من شيء } إذا اراد عقابك، فلا يمكن دفع ذلك عنك. # وقوله { ربنا } أي يقولون ربنا { عليك توكلنا } فالتوكل على الله تفويض ~~الأمور اليه ثقة بحسن تدبيره فى كل ما يدبره به { وإليك أنبنا } أي رجعنا ~~وتبنا اليك أي رجعنا إلى طاعتك { وإليك المصير } معناه واليك مرجع كل شيء ~~يوم القيامة، وقال ايضا وكانوا يقولون { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } ومعناه لا ترهم فينا ما يشمتون بجهلهم بنا. وقال مجاهد: معناه لا ~~تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك، فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما ~~اصابهم هذا { واغفر لنا ذنوبنا إنك أنت العزيز الحكيم } في جميع افعالك. ~~وفي ذلك تعليم انه ينبغي ان يدعو الانسان بهذا الدعاء. وقال الحسن: كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه صغيرة، وقال عمرو ابن عبيد، واصل دعاء إبراهيم ~~لأبيه بشرط الايمان بأنه إن آمن يستغفر له ### || [60.6-7] # إنما أعيد ذكر الاسوة في الآيتين، لان الثاني منعقد بغير ما انعقد به ~~الاول فان الثاني فيه بيان أنه كان أسوة في إبراهيم والذين معه، وهو ~~لرجاء ثواب الله وحسن المنقلب في اليوم والآخر، والاول فيه بيان ان ~~الاسوة في المعاداة للكفار بالله حسنة وإذا انعقد الثاني بغير ما انعقد ~~به الأول صارت الفائدة في الثاني خلاف الفائدة في الاول. # ووجه الجواب في قوله { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد } أي من يذهب ~~عما يحتاج اليه دون الداعي له، لان الداعي له غنى حميد، فجاء على ~~الايجاز. والحميد هو المستحق للحمد على إحسانه، والمحمود الذي قد حمد، ~~فان الله تعالى حميد محمود. # وقوله { عسى الله أن يجعل ms3397 بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة } بالاسلام ~~وقال ابن زيد: وكان ذلك حين أسلم كثير منهم. وقيل معنى { عسى الله أن ~~يجعل } أي ليجعل بينكم مودة، وقيل معناه كونوا على رجاء من ذلك وطمع فيه ~~وهو الوجه، لأنه الأصل في هذه اللفظة. ثم قال { والله قدير } أي قادر على ~~كل ما يصح ان يكون مقدورا له { والله غفور } لذنوب عباده ساتر لمعاصيهم ~~{ رحيم } بهم أي منعم عليهم. ### || [60.8-9] # قال الحسن: إن المسلمين استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله في أن يبروا ~~قرباتهم من المشركين، وكان ذلك قبل أن يؤمروا بالقتال لجميع المشركين، ~~فنزلت هذه الآية وقال قتادة: هي منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وبه قال ابن عباس: يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين { لا ينهاكم الله } ~~{ عن } مخالطة { الذين لم يقاتلوكم في الدين } من الكفار { ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم } وتحسنوا اليهم { وتقسطوا إليهم } معناه تعدلوا ~~إليهم { إن الله يحب المقسطين } يعني الذين يعدلون في الخلق. وقيل معناه ~~إن الله يحب الذين يقسطون قسطا من أموالهم على وجه البر. # وقوله { إن تبروهم } في موضع خفض، وتقديره: لا ينهاكم الله عن أن ~~تبروهم، وهو بدل من { الذين } بدل الاشتمال. وقال مجاهد: عنى بالذين لم ~~يقاتلوكم من آمن من أهل مكة ولم يهاجروا، وقال ابن الزبير: هو عام في كل ~~من كان بهذه الصفة، والذي عليه الاجماع والمفسرون بأن بر الرجل من شاء من ~~أهل دار الحرب قرابة كان او غير قرابة ليس بمحرم، وإنما الخلاف في ~~اعطائهم الزكاة والفطرة والكفارات، فعندنا لا يجوز. وفيه خلاف. وقال ~~الفراء الآية نزلت في جماعة كانوا عاقدوا النبي صلى الله عليه وآله ألا ~~يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ببرهم والوفاء ~~لهم إلى مدة اجلهم. ثم بين تعالى على من يتوجه النهي ببره وإحسانه فقال { ~~إنما ينهاكم الله عن } مبرة { الذين قاتلوكم في الدين } من اهل مكة ~~وغيرهم { وأخرجوكم من دياركم } يعنى منازلكم وأملاككم { وظاهروا على ~~إخراجكم } أي تعاونوا على ms3398 ذلك وتعاضدوا، والمظاهرة هي المعاونة ليظهر بها ~~على العدو بالغلبة. وقوله { أن تولوهم } اى ينهاكم عن ان تنصروهم ~~وتوادوهم وتحبونهم ثم قال { ومن يتولهم } أي ومن ينصرهم ويواليهم { ~~فأولئك هم الظالمون } لانفسهم، لانهم يستحقون بذلك العقاب والكون في ~~النار. ### || [60.10] # قرأ ابو عمرو واهل البصرة { ولا تمسكوا } بالتشديد. الباقون { تمسكوا } ~~خفيفة وهما لغتان. # يقولون امسكت به وتمسكت به. قيل كان سبب نزول هذه الآية إن النبي صلى ~~الله عليه وآله كان صالح قريشا يوم الحديبية على ان يرد عليهم من جاء ~~بغير أذن وليه، فلما هاجر النساء وقيل: هاجرت كلثم بنت أبي معيط فجاء ~~أخواها فسألا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يردها، فنهى الله تعالى ان ~~يرددن الى المشركين، ونسخ ذلك الحكم، ذكره عروة بن الزبير. # فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } بالله ورسوله { إذا جاءكم المؤمنات ~~} بالله ورسوله { مهاجرات } من دار الحرب إلى دار الاسلام { فامتحنوهن } ~~وقيل فى كيفية الامتحان أربعة اقوال: # قال ابن عباس: كانت امتحان رسول الله إياهن أن يحلفن بالله ما خرجت من ~~بغض زوج وبالله ما خرجت رغبة عن ارض، وبالله ما خرجت التماس دنيا وبالله ~~ما خرجت إلا حبا لله ورسوله - وفى رواية أخرى - عن ابن عباس قال: كان ~~امتحانا لهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وروي ~~عن عائشة انه كان امتحانهن بما فى الآية التي بعدها، { يا أيها النبي إذا ~~جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن.. } ، ~~الآية، وقال ابن عباس وقتادة: كان امتحانهن ما خرجن إلا للدين، ورغبة فى ~~الاسلام وحبا لله ورسوله كقول ابن عباس الأول. # ثم قال { الله أعلم بإيمانهن } لأنه يعلم باطنهن وظاهرهن وانتم لا ~~تعلمون باطنهن # ثم قال { فإن علمتموهن مؤمنات } يعني فى الظاهر { فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار } أي لا تردوهن اليهم { لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن } قال ابن ~~زيد: وفرق بينهما النبي صلى الله عليه وآله وإن لم يطلق المشرك. وقيل: إن ms3399 ~~النبي صلى الله عليه وآله كان شرط لهم رد الرجال دون النساء، فعلى هذا لا ~~نسخ فى الآية. ومن قال كان شرط رد النساء والرجال قال: نسخ الله حكم رد ~~النساء. # وقوله { وآتوهم ما أنفقوا } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: اعطوا ~~رجالهم ما انفقوا من الصداق. وقال الزهري: لولا الهدنة لم يرد إلى ~~المشركين صداقا كما كان يفعل قبل. وقيل نسخ رد المهور على الأزواج من ~~المشركين ثم قال { ولا جناح عليكم } معاشر المؤمنين { أن تنكحوهن } يعني ~~المهاجرات لانهن بالاسلام قد بن من أزواجهن { إذا آتيتموهن أجورهن } ~~يعني مهورهن التي يستحل بها فروجهن. # وقوله { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فالكوافر جمع كافرة، والعصمة سبب ~~تمنع به من المكروه وجمعه عصم. وفي ذلك دلالة على انه لا يجوز العقد على ~~الكافرة سواء كانت ذمية او حربية او عابدة وثن، وعلى كل حال، لانه عام فى ~~جميع ذلك وليس لاحد أن يخص الآية بعابدة الوثن لنزولها بسببهم، لان ~~المعتبر بعموم اللفظ لا بالسبب. # وقوله { واسألوا ما أنفقتم } يعني إذا صارت المرأة المسلمة إلى دار ~~الحرب عن دار الاسلام فاسألوهم عن ان يردوا عليكم مهرهن، كما يسئلونكم ~~مهر نسائهم إذا هاجرن اليكم، وهو قوله { وليسألوا ما أنفقوا } ثم قال { ~~ذلكم } يعني ما تقدم ذكره وشرحه { حكم الله يحكم بينكم والله عليم } ~~بجميع الاشياء { حكيم } فيما يفعله ويأمركم به. وقال الحسن: كان فى صدر ~~الاسلام تكون المسلمة تحت الكافر والكافرة تحت المسلم فنسخت هذه الآية ~~ذلك. والمفسرون على ان حكم هذه الآية منسوخ، وعندنا أن الآية غير منسوخة، ~~وفيها دلالة على المنع من تزوج المسلم اليهودية والنصرانية، لانهما ~~كافرتان والآية على عمومها فى المنع من التمسك بعصم الكوافر، ولا نخصها ~~إلا بدليل. ### || [60.11-13] # معنى قوله { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } أي إن أعجزكم ومضى ~~شيء من أزواجكم إلى كفار أهل مكة ومعنى شيء أحد، فكأنه قال وإن فاتكم احد ~~منكم { فعاقبتم } بمصير أزواج الكفار اليكم إما من جهة سبي او مجيئهن ms3400 ~~مؤمنات { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم } إلى الكفار { مثل ما أنفقوا } من ~~المهور كما عليهم أن يردوا عليكم مثل ما أنفقتم لمن ذهب من أزواجكم. قال ~~الزجاج: وقد قرىء { فعقبتم } بلا الف مشددا ومخففا، وجاء فى التفسير ~~فغنمتم ومعناه في اللغة فكانت العقبى لكم أي كانت لكم الغلبة حتى غنمتم، ~~قال { وعقبتم } مشددة أجودها في اللغة، ومخففة جيدة أيضا أي صارت لكم ~~عقبى، والتشديد أبلغ ومعنى { فعاقبتم } أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى ~~غنمتم أي ان مضت امرأة منكم إلى من لا عهد بينكم وبينه { فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } يعني فى مهورهن، وكذلك إن مضت الى من بينكم ~~وبينه عهد فنكث فى اعطاء المهر، فالذي ذهبت زوجته يعطى المهر من الغنيمة ~~ولا ينقص شيئا من حقه بل يعطى حقه كاملا بعد إخراج مهور النساء. وقال ~~الزهري: فآتوا الذين ذهبت أزواجهم من المؤمنين مثل ما أنفقوا من مال ~~الفيء. وقال ابن عباس من مال الغنيمة - وفي رواية عن الزهري - عليهم أن ~~يعطوهم من صداق من لحق بهم وقال قوم: يعطونهم من جميع هذه الاموال. وقال ~~قتادة: معنى الآية { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } الذين ليس ~~بينهم وبين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عهد { فعاقبتم } يعني ~~الغنيمة يقول: فاذا غنمتم فاعطوا زوجها صداقها الذي كان قد ساقه اليها من ~~الغنيمة ثم نسخ هذا الحكم فى براءة، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده. ثم قال { ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أى اجتنبوا معاصي الله الذى أنتم ~~مصدقون بثوابه وعقابه ومعترفون بنبوة نبيه. # وقوله { يا أيها النبي } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول الله له { ~~إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } ووجه بيعة النساء مع أنهن لسن من أهل النصرة ~~فى المحاربة هو أخذ العهد عليهن بما يصلح شأنهن في الدين للأنفس ~~والأزواج، فكان ذلك في صدر الاسلام لئلا ينفتق بهن فتق لما صيغ من ~~الاحكام، فبايعهن النبي صلى الله عليه وآله حسما لذلك وقيل: إنه كان ~~يبايعهن من ms3401 وراء الثوب. وروى أنه استدعى ماء فوضع يده فيه ثم أمر النساء ~~ان يضعن أيديهن فيه، فكان ذلك جاريا مجرى المصافحة بأخذ العهد { على أن ~~لا يشركن بالله شيئا } من الاصنام والاوثان { ولا يسرقن } لا من أزواجهن ~~ولا من غيرهم { ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن } على وجه من الوجوه لا ~~بالوأد، ولا بالاسقاط { ولا يأتين ببهتان } يعني بكذب { يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } أي لا يأتين بكذب يكذبنه فى مولود يوجد بين أيديهن ~~وأرجلهن. # وقال ابن عباس: لا يلحقن بأزواجهن غير اولادهم. وقال الفراء: كانت ~~المرأة تلتقط فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى. وقال ~~قوم: البهتان الذي نهوا عنه فى الآية قذف المحصنات والكذب على الناس ~~وإضافة الأولاد إلى الازواج على البطلان فى الحاضر والمستقبل من الزمان، ~~ولا يعصينك في معروف، فالمعروف نقيض المنكر، وهو ما دل العقل والسمع على ~~وجوبه او ندبه، وسمي معروفا لان العقل يعترف به من جهة عظم حسنه ووجوبه. ~~وقال زيد بن أسلم: فيما شرط ألا يعصينه فيه أن لا يلطمن ولا يشققن جيبا ~~ولا يدعون بالويل والثبور، كفعل أهل الجاهلية. وقال ابن عباس: فيما شرط ~~ألا يعصينه فيه النوح. # وقوله { فبايعهن } والمعنى إذا شرطت عليهن هذا الشروط ودخلن تحتها ~~فبايعهن على ذلك { واستغفر لهن الله } أي اطلب من الله ان يغفر لهن ~~ذنوبهن ويستر عليهن { إن الله غفور رحيم } أي صفوح عنهن منعم عليهن. وقال ~~الحسن: إذا جاءت المرأة اليوم من غير أهل العهد لم ترد إلى زوجها، ولم ~~تمتحن وهذه الآيه منسوخة. # ثم قال { يا أيها الذين آمنوا } يخاطب المؤمنين بالله ورسوله { لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم } أي لا توالوا اليهود، ولا من يجري مجراهم ~~من الكفار الذين غضب الله عليهم بأن يريد عقابهم { ولعنهم الله } ثم وصف ~~الكفار، فقال { قد يئسوا من الآخرة } جملة في موضع الحال أي باياسهم من ~~الآخرة، فان اليهود ييأسون من ثواب الجنة على ما يقوله المسلمون من الأكل ~~والشرب وغير ذلك من أنواع اللذات كما ms3402 يئس من لم يؤمن بالبعث والنشور أصلا ~~{ كما يئس الكفار من أصحاب القبور } قال الحسن الذين يئسوا من الآخرة أي ~~اليهود مع الاقامة على ما يغضب الله، كما يئس كفار العرب أن يرجع أهل ~~القبور أبدا، وقيل هم أعداء المؤمنين من قريش قد يئسوا من خير الآخرة، ~~كما يئس سائر الكفار من العرب من النشأة الثانية. وقيل { كما يئس الكفار ~~من أصحاب القبور } من حظ الآخرة. وقيل: قد يئسوا من ثواب الآخرة كما يئس ~~الكفار من النشأة الثانية ذكره ابن عباس، وقال مجاهد: قد يئسوا من ثواب ~~الآخرة كما يئس منه أصحاب القبور، لانهم قد ايقنوا بعذاب الله. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-5] # قد مضى تفسير { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم ~~} في أول الحشر، وقد مضى تفسيره في اول الحديد، وإنما أعيد - ههنا - ~~لانه استفتاح السوره بتعظيم الله من جهة ما سبح له بالآية التي فيه، كما ~~يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن ~~الاستفتاح به، لأن المقصد به حسب دلالته والفائدة في تعظيم ما ينبغي أن ~~يستفتي به على جهة التعظيم لله، والتيمن بذكره. # وقوله { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } قال الحسن: نزلت ~~في المنافقين، يقول الله لهم { لم تقولون } بألسنتكم ما لا تفعلونه، ~~فسماهم بالايمان على الظاهر. وقيل: نزلت في قوم كانوا يقولون إذا لقينا ~~العدو لم نفر، ولم نرجع عنهم ثم لم يفوا بما قالوا، وقال قتادة: نزلت في ~~قوم: قالوا: جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا. وقال ابن عباس ومجاهد: نزلت في ~~قوم قالوا: لو علمنا احب الاعمال إلى الله لسارعنا إليها، فلما نزل فرض ~~الجهاد تثاقلوا عنه، فبين الله ذلك. وقال قوم: هو جار مجرى قوله # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # فان القول الذي يجب الوفاء به هو القول الذي يعتقد بفعل البر على طريق ~~الوعد من غير طلب. # وقوله { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } إنما اطلق ذلك ms3403 مع ~~انه ليس كل قول يجب الوفاء به. لانه معلوم انه لا عيب بترك الوفاء فيما ~~ليس بواجب الوفاء به، وإن الذم إنما يستحق بترك ما هو واجب أو ما أوجبه ~~الانسان على نفسه بالنذر والعهد. والمقت البغض وهو ضد الحب، وهو على ~~ضربين: احدهما - يصرف عنه العقل. والآخر - يصرف عنه الطبع إلا انه جرى ~~على صيغة واحدة للبيان أن صارف العقل في التأكيد كصارف الطبع، كما أنه في ~~الحب على داعي العقل او داعي الطبع، وحذف الألف من { لم تقولون } لشدة ~~الاتصال، ووضع حرف الاعتلال، لانه حرف تغيير في موضع تغيير. # وقوله { مقتا } نصب على التمييز، وتقديره: كبر هذا القول أي عظم مقتا ~~عند الله، وهو أن تقولوا ما لا تفعلون. ويحتمل أن يكون تقديره كبر ان ~~تقولوا ما لا تفعلون مقتا عند الله. # قوله { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا } معناه إنه تعالى يحب ~~من يقاتل في سبيله ويجاهد أعداء دينه ويزيد ثوابهم ومنافعهم. وقوله { ~~صفا } أي يقاتلونهم مصطفين، وهو مصدر في موضع الحال. وقوله { كأنهم ~~بنيان مرصوص } قيل فى معناه قولان: # احدهما - كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه ولشدة اتصاله. # الثاني - كأنه حائط ممدود على رص البناء أي احكامه وإتصاله واستقامته ~~والمرصوص المتلائم الذى لا خلل فيه ومثل مرصوص شديد اللصوق في الاتصال ~~والثبوت # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وأذكر { إذ قال موسى لقومه يا قوم لم ~~تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم } لأنه مع العلم بنبوته لا يجوز ~~إيذاءه، وكانوا يؤذونه، فيقولون: هذا ساحر كذاب، ويرمونه بالبرص وغير ~~ذلك. # وقوله { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم } فالزيغ الذهاب عن الشيء باسراع ~~فيه والاظهر فيه الذهاب عن الحق، والمعنى إنهم لما ذهبوا عن طريق الحق، ~~ومالوا إلى طريق الباطل { أزاغ الله قلوبهم } بمعنى انه حكم عليها بالزيغ ~~والميل عن الحق، ولذلك قال { والله لا يهدى القوم الفاسقين } ومعناه لا ~~يحكم لهم بالهداية. وقيل: معناه فلما زاغوا عن الايمان أزاغ الله قلوبهم ~~عن الثواب، ولا يجوز ms3404 ان يكون المراد أزاغ الله قلوبهم عن الايمان لأن ~~الله لا يزيغ أحدا ولا يضله عن الايمان، وايضا فانه لا فائدة في الكلام ~~على ما قالوه، لانهم إذا زاغوا عن الايمان فقد حصلوا كفارا، فلا معنى ~~لقوله ازاغ الله ### || [61.6-9] # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف { متم نوره } مضافا. ~~وقرأ الباقون { متم نوره } منصوبا. والقراءتان متقاربتان إلا أن اسم ~~الفاعل إذا كان لما مضى لا يعمل ولا يجوز إلا الاضافة، وإذا كان للحال ~~والاستقبال جاز فيه التنوين والاضافة. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إذكر يا محمد { إذ قال عيسى ~~ابن مريم } لقومه الذين بعث اليهم { يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم ~~مصدقا } نصب على الحال { لما بين يدي من التوراة } إنما سماه لما بين ~~يديه وهو قد تقدمه وهو خلفه بمضيها لانها متقدمة. وهو متوجه اليها بالأخذ ~~بها، فلها جهتان: جهة المضي وجهة التقدم { ومبشرا برسول } عطف على قوله ~~{ مصدقا } وهو ايضا نصب على الحال { يأتي من بعدي اسمه أحمد } يعنى ~~نبينا محمد صلى الله عليه وآله. # وقوله { اسمه أحمد } فأحمد عبارة عن الشخص. والاسم قول، والقول لا يكون ~~الشخص. وخبر المبتدأ ينبغي ان يكون هو المبتدأ إذا كان مفردا. والوجه ~~فيه ان يقدر فيه (قول) فكأنه قال إسمه قول أحمد، كما تقول: الليلة ~~الهلال، وانت تريد الليلة طلوع الهلال فتحذف المضاف وتقيم المضاف اليه ~~مقامه. # وقوله { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين } قيل فيه قولان: # احدهما - إن محمدا لما جاء كفار قومه بالبينات أي المعجزات، قالوا هذا ~~سحر واضح بين. # وقال قوم: معناه فلما جاء عيسى قومه بالبينات والمعجزات قالوا له هذا ~~القول. ومن نسب الحق إلى السحر فقد جرى فى ذلك مجرى الجحد لنعم الله فى ~~أنه قد كفر، فان كان دون ذلك كان جاهلا وفاسقا، لو لم يكفر. والسحر حيلة ~~توهم امرا ليس له حقيقة كايهام انقلاب الحبل حية. # وقوله { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى ms3405 إلى الإسلام } ~~صورته صورة الاستفهام والمراد به التبكيت. ومعناه لا أحد أظلم لنفسه ممن ~~افترى على الله الكذب وخرص عليه، وهو يدعى إلى الاسلام يعني الاستسلام ~~لأمره والانقياد لطاعته، وهو متوجه إلى كفار قريش وسائر فى جميع الكفار. # ثم قال { والله لا يهدي القوم الظالمين } ومعناه لا يحكم بهداية القوم ~~الظالمين الذين هم الكفار. وقيل: معناه لا يهدي الكفار إلى الثواب، لانهم ~~كفار ظالمون لأنفسهم بفعل الكفر والمعاصي التي يستحق بها العقاب، وكل ~~كافر ظالم لانه أضر نفسه بفعل معصية استحق بها العقاب من الله تعالى، ~~فكفره ضرر قبيح. # ثم وصف الكافرين الذين عناهم بالآية فقال { يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفواههم } ومعناه إنهم يريدون إذهاب نور الاسلام والايمان بفاسد الكلام ~~الذي يجري مجرى تراكم الظلام. وقيل: معناه هم كمن أراد اطفاء نور الشمس ~~بفيه. # وقوله { والله متم نوره ولو كره الكافرون } معناه إن الله يتم نور ~~الاسلام ويبلغ غايته وإن كره ذلك الكفار الجاحدون لنعم الله. # ثم قال { هو الذي } يعني الله الذي اخبر عنه بأنه يتم نوره { أرسل رسوله ~~} يعني محمد صلى الله عليه وآله { بالهدى ودين الحق } من التوحيد وإخلاص ~~العبادة لله ودين الاسلام وما تعبد فيه الخلق { ليظهره على الدين كله } ~~بالحجج القاهرة والدلائل الباهرة { ولو كره المشركون } ذلك. وفى الآية ~~دلالة على صحة النبوة، لأنه تعالى قد أظهر دينه على الاديان كلها ~~بالاستعلاء والقهر، كما وعد فى حال القلة والضعف. ### || [61.10-14] # قرأ ابن عامر { تنجيكم من عذاب أليم } مشددة الجيم. الباقون بالتخفيف ~~وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابو جعفر { أنصارا لله } منونا. ~~الباقون بالاضافة لقولهم فى الجواب { نحن أنصار الله } وقرأ نافع وحده { ~~أنصاري إلى الله } بفتح الياء. الباقون باسكانها وهما جميعا جيدان. # يقول الله تعالى مخاطبا للمؤمنين { يا أيها الذين آمنوا } بالله ~~واعترفوا بتوحيده وإخلاص عبادته وصدقوا رسوله { هل أدلكم على تجارة } ~~صورته صورة العرض والمراد به الامر. والتجارة طلب الربح فى شراء المتاع. ~~وقيل لطلب الثواب بعمل الطاعة تجارة تشبيها بذلك، لما بينهما ms3406 من ~~المقاربة { تنجيكم } أي تخلصكم { من عذاب أليم } أي مؤلم، وهو عذاب ~~النار. ثم فسر تلك التجارة فقال { تؤمنون بالله ورسوله } أي تعترفون ~~بتوحيد الله وتخلصون العبادة له وتصدقون رسوله فيما يؤديه اليكم عن الله. ~~وإنما قال { تؤمنون } مع أنه قال { يا أيها الذين آمنوا } لان ذلك جار ~~مجرى قوله # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # وقد بيناه فيما مضى { وتجاهدون في سبيل الله } يعني قتال اعدائه الكفار ~~{ بأموالكم } فتنفقونها فى ذلك { وأنفسكم } فتحاربون بنفوسكم. ثم قال { ~~ذلكم خير لكم } أي ما ذكرته لكم ووصفته أنفع لكم وخير عاقبة إن علمتم ذلك ~~واعترفتم بصحته. وإنما قال { ذلكم خير لكم } مع أن تركه قبيح ومعصية لله، ~~لان المعنى ذلكم خير لكم من رفعه عنكم، لان ما أدى إلى الثواب خير من ~~رفعه إلى نعيم ليس بثواب من الله تعالى. والتكليف خير من رفعه إلى ~~الابتداء بالنعم لكل من عمل بموجبه، وقيل: إيمانكم بالله خير لكم من ~~تضييعه بالمشتهى من أفعالكم { إن كنتم تعلمون } مضار الاشياء ومنافعها ~~وإنما جاز { تؤمنون بالله } مع أنه محمول على التجارة وخبر عنها، ولا ~~يصلح أن يقال التجارة تؤمنون. وإنما يقال التجارة أن تؤمنوا بالله، لانه ~~على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ الفعل يدل على ~~مصدره وانعقاده بالتجارة فى المعنى لا في اللفظ. وفى ذلك توطئة لما بنى ~~على المعنى من الايجاز. والعرب تقول: هل لك فى خير تقدم إلى فلان، فتعوده ~~وأن تقدم اليه. # وقوله { يغفر لكم ذنوبكم } أي متى فعلتم ذلك ستر عليكم ذنوبكم، وجزمه ~~لانه جواب { تؤمنون } لأنه فى معنى آمنوا يغفر لكم. وقال الفراء: هو جواب ~~(هل) وإنما جاز جزم { يغفر لكم } لانه جواب الاستفهام. والمعنى هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم يعلمكم بها، فانكم إن عملتم بها يغفر لكم ~~ذنوبكم وكان ابو عمرو يدغم الراء فى اللام فى قوله { يغفر لكم } ولا يجوز ~~ذلك عند الخليل وسيبويه، لان فى الراء تكرار، ولذلك غلبت المستعلي فى ms3407 ~~طارد. # { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } عطف على قوله { يغفر لكم } ~~فلذلك جزمه { خالدين فيها } أي مؤبدين { ومساكن طيبة } أي ولهم فى الجنة ~~مساكن طيبة مستلذة { في جنات عدن } أي في بساتين إقامة مؤبدة. ثم قال { ~~ذلك الفوز العظيم } يعني الذي وصفه من النعيم هو الفلاح العظيم الذي لا ~~يوازيه نعمة. وقيل: الفوز النجاة من الهلاك الى النعيم. # وقوله { وأخرى تحبونها } معناه ولكم خصلة أخرى مع ثواب الآخرة { نصر من ~~الله } في الدنيا عليهم { وفتح قريب } لبلادهم. ثم قال { وبشر المؤمنين } ~~بذلك أي بما ذكرته من النعيم والنصر في الدنيا والفتح القريب. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله } ومعناه ~~كونوا أنصار دين الله الذي هو الاسلام بأن تدفعوا اعداءه عنه وعن دينه ~~الذي جاء به { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين } أى مثلكم مثل قول عيسى ~~للحواريين، وهم خاصته، وسمي خاصة الانبياء حواريين، لانهم أخلصوا من كل ~~عيب - في قول الزجاج - وقيل: سموا حواريين لبياض ثيابهم. وقال ابن عباس: ~~كانوا صيادين للسمك. وقال الضحاك: كانوا غسالين. # وقوله { من أنصاري إلى الله } يعني من أنصاري مع الله، و (إلى) تكون ~~بمعنى (مع) ومثله # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # يعني مع أموالكم. وقيل سمي النصارى نصارى لقولهم { نحن أنصار الله } ~~وقيل: لانهم كانوا من الناصرة وهي قرية في بلاد الروم، فأجابه الحواريون ~~بأن قالوا { نحن أنصار الله } وإنما قيل لهم { كونوا أنصار الله } مع أن ~~المراد به دين الله، تعظيما للدين وتشريفا له. كما يقال الكعبة بيت ~~الله، وحمزة اسد الله، وما أشبه ذلك { فآمنت طائفة من بني إسرائيل } يعني ~~صدقت بعيسى عليه السلام طائفة من بني اسرائيل { وكفرت } به { طائفة } ~~اخرى { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } أى قوينا المؤمنين على عدوهم { ~~فأصبحوا ظاهرين } أى غالبين لهم وقال ابراهيم: معناه أيد الذين آمنوا ~~بعيسى بمحمد، فاصبحوا ظاهرين عليهم. وقال مجاهد: بل أيدوا في زمانهم على ~~من كفر بعيسى عليه السلام وقال بعضهم الم يكن من المسيح ms3408 قتال. والتأويل ~~أنهم أصبحوا ظاهرين على مخالفيهم بالحجة. وقال قوم: كانت الحرب بعد ~~المسيح لما اختلف أصحابه اقتتلوا فظفر أهل الحق، وهذا ضعيف، لأنه لم يكن ~~من دينهم بعده القتال. وقال ابن عباس قاتلوا ليلا فاصبحوا ظاهرين. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-5] # لا خلاف بين القراء في هذه السورة إلا ما روي عن الأعمش انه قرأ { ~~الجمعة } بسكون الميم. الباقون بضمها. وقد بينا معنى قوله { يسبح لله ما ~~في السماوات وما في الأرض } وبينا وجه التكرار فيه. وإنما جاء - ها هنا - ~~على لفظ المضارعة. وقوله { الملك } يعني المالك للاشياء كلها ليس لاحد ~~منعه منها { القدوس } المستحق للتعظيم بتطهير صفاته من كل صفة نقص { ~~العزيز } معناه القادر الذي لا يقهر ولا يغلب { الحكيم } فى جميع افعاله. # وقوله { هو الذي بعث } يعني الله الذي وصفه بالصفات المذكورة هو الذي ~~أرسل { في الأميين } قال قتادة ومجاهد: الاميون العرب. وقال قوم: هم أهل ~~مكة، لانها تسمى أم القرى، والامي منسوب إلى انه ولد من أمه لا يحسن ~~الكتابة. ووجه النعمة فى جعل النبوة في أمي موافقة ما تقدمت البشارة به ~~في كتب الأنبياء السالفة، ولما فيه من انه أبعد من توهم الاستعانة على ما ~~أتى به من الحكمة. # وقوله { رسولا } مفعول { بعث } و { منهم } يعني من سميتهم الأميين ومن ~~جملتهم { يتلو عليهم } أي يقرأ عليهم " آياته " أي حججه وبيناته من ~~القرآن وغيرها " ويزكيهم " أي ويطهرهم من دنس الشرك بما يهد بهم إلى ~~الايمان فيجعلهم أزكياء. وإنما يجعلهم كذلك بأن يدعوهم إلى طاعة الله ~~التي يقع فيها الاجابة لانه لو دعاهم ولم يجيبوا لما قيل: إنه زكاهم، { ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة } قال قتادة: يعلمهم القرآن والسنة، والحكمة نعم ~~الكتاب والسنة، وكل ما أراده الله، فان الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه ~~فيما يخشى او يحبب من أمر الدين والدنيا { وإن كانوا من قبل } يعني من ~~قبل أن يبعث فيهم ويتلو عليهم القرآن { لفي ضلال مبين } أي في عدول عن ~~الحق جائرين عن الصراط المستقيم مبين أي ظاهر. ms3409 # وقوله { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال ابن زيد ومجاهد: هم كل من بعد ~~الصحابة إلى يوم القيامة، فان الله بعث النبي منهم وشريعته تلزمهم، وإن ~~لم يلحقوا بزمان الصحابة. { وآخرين } نصب على تقدير ويزكي آخرين منهم، ~~لما يلحقوا بهم. ويجوز ان يكون جرا، وتقديره هو الذي بعث في الأميين ~~وفي آخرين، { وهو العزيز } الذي لا يغالب { الحكيم } في جميع أفعاله وما ~~يأمر به. # وقوله { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } { ذلك } إشارة إلى بعث الرسول ~~بين الله تعالى ان إرساله الرسول { فضل } من { الله } ونعمة { يؤتيه } أي ~~يعطيه { من يشاء } بحسب ما يعلمه من صلاحه مبعثة، وتحمل أعباء الرسالة { ~~والله ذو الفضل العظيم } على عباده بما يفعل بهم من التفضل والاحسان ساعة ~~بعد ساعة. # وقوله { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها } معنا { مثل الذين ~~حملوا التوراة } يعني العمل بها وبما فيها، فحفظوها ودونوها في كتبهم ثم ~~لم يعملوا بما فيها { كمثل الحمار يحمل أسفارا } قال ابن عباس: الاسفار ~~الكتب واحدها سفر، لانها تكشف عن المعنى باظهار حاله، يقال: سفر الرجل عن ~~عمامته إذا كشف، وسفرت المرأة عن وجهها. # وهي سافرة، وإنما مثلهم بالحمار لأن الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ~~ظهره لا يدري بما فيها، ولا يحس بها كمثل من يحفظ الكتاب ولا يعمل به، ~~وعلى هذا من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عن ذلك اعراض من لا يحتاج ~~اليه كان هذا المثل لاحقا به. وإن من حفظه وهو طالب لمعناه وقد تقدم ~~حفظه فليس من أهل هذا المثل. # وقوله { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } معناه بئس القوم قوم ~~هذا مثلهم، وهم الذين كذبوا بحجج الله وبيناته. # ثم قال { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني الذين يظلمون نفوسهم ~~بارتكاب المعاصي لا يحكم بهدايتهم، ولا يرشدهم إلى طريق الجنة. ### || [62.6-11] # هذا أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله أن يخاطب اليهود، فيقول ~~لهم { إن زعمتم أنكم أولياء لله } فالزعم قول عن ظن او علم، ms3410 ولهذا صارت ~~من أخوات (ظن) فى الظن والعلم وعملت ذلك العمل من الاعراب قال الشاعر: # فان تزعميني كنت أجهل فيكم # فأني شريت الحلم بعدك بالجهل # والاولياء جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، فالله ~~ولي المؤمنين، لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم. والمؤمن ولي الله لهذه ~~العلة. ويجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له بنصرته عند حاجته، فقال الله ~~لهؤلاء اليهود: إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم انصار الله وأن الله ينصركم ~~{ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } فى ادعائكم أنكم أولياؤه دون الناس، ~~فالتمني هو قول القائل - لما كان - ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان. ~~وهو من صفات الكلام. وقال بعضهم: هو معنى فى النفس. # ثم اخبر تعالى عن حالهم وكذبهم واضطرابهم فى دعواهم، وانهم غير واثقين ~~بما يدعونه فقال { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } ومعناه لا ~~يتمنون الموت أبدا فيما بعد { بما قدمت أيديهم } مما لا يرجعون فيه إلى ~~ثقة من التكذيب بالنبي صلى الله عليه وآله والتحريف لصفته فى التوراة { ~~والله عليم بالظالمين } أي عالم بأحوالهم وافعالهم، لا يخفى عليه شيء ~~منها. # وفى الاية دليل على النبوة لأنه اخبر بأنهم لا يتمنون الموت ابدا، وما ~~تمنوه فكان ذلك اخبارا بالصدق قبل كون الشيء، وذلك لا يعلمه، إلا الله ~~تعالى. وفيها بطلان ما ادعوه من انهم أولياء الله. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { قل } لهم { إن الموت الذي تفرون منه ~~} أي تهربون منه { فإنه ملاقيكم } وإنما قال { فإنه } بالفاء، وسواء فروا ~~منه او لم يفروا منه فانه ملاقيهم، مبالغة فى الدلالة على أنه لا ينفع ~~الفرار منه لانه إذا كان الفرار منه بمنزلة السبب فى ملاقاته فلا معنى ~~للتعرض له لانه لا يباعد منه قال زهير: # ومن هاب اسباب المنايا ينلنه # ولو رام أن يرقى السماء بسلم # وهن ينلنه هابها او لم يهبها، ولكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية ~~كان لا معنى للهيبة، وقال قوم: تقديره قل إن الموت هو الذي تفرون ms3411 منه ~~فجعلوا { الذي } فى موضع الخبر لا صلة. ويكون { فإنه } مستأنف. # وقوله { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } معناه ثم ترجعون الى الله ~~تعالى يوم القيامة الذي يعلم سركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى ~~عليه شيء من أحوالكم { فينبئكم } أي يخبركم { بما كنتم تعملون } فى دار ~~الدنيا ويجازيكم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، ثم ~~خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله } معناه إذا سمعتم، أذان يوم الجمعة فامضوا إلى ~~الصلاة. # قال قتادة: معناه امضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين وبه قال ابن زيد ~~والضحاك. وقال الزجاج: المعنى فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع قال وقرأ ~~ابن مسعود { فامضوا } إلى ذكر الله ثم قال: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى ~~يقع ردائي عن كتفي. قال: وكذلك كان يقرأ # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى # يريد مضى فيه دون الاسراع. ومثله قوله # إن سعيكم لشتى # وفرض الجمعة لازم على جميع المكلفين إلا صاحب العذر: من سفر او مرض او ~~عمى او عرج او آفة وغير ذلك. وعند اجتماع شروط وهي: كون سلطان عادل او من ~~نصبه السلطان للصلاة، وتكامل العدد - عندنا - سبعة، وعند قوم اربعين. ~~وعند آخرين أربعة، وثلاثة. وقد بينا الخلاف فى ذلك فى (خلاف الفقهاء). # وظاهر الآية متوجه إلى المؤمنين وإنما يدخل فيه الفاسق على التغليب، كما ~~يغلب المذكر على المؤنث، هذا على قول من يقول إن الفاسق ليس بمؤمن. فأما ~~من قال: إنه مؤمن مع كونه فاسقا، فالآية متوجهة اليهم كلهم. وقال مجاهد ~~وسعيد ابن المسيب: المراد بالذكر موعظة الامام فى خطبته. وقال غيرهما: ~~يعني الصلاة التي فيها ذكر الله. # وقوله { وذروا البيع } معناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء. ~~قال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وقال الحسن: كل بيع تفوت ~~فيه الصلاة يوم الجمعة فانه بيع حرام، لا يجوز، وهو الذي يقتضيه ظاهر ~~مذهبنا، لان النهي يدل على فساد المنهي ms3412 عنه. ثم قال { ذلكم } يعني ما ~~ذكره من السعي الى الصلاة { خير لكم } فى دينكم وانفع لكم عاقبة { إن ~~كنتم تعلمون } صحة ما قلناه أي اعلموه. # وقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } أي إذا صليتم ~~الجمعة فانتشروا فى الأرض طلبا لرزق الله. وصورته صورة الأمر وهو إباحة ~~وإذن ورخصة - فى قول الحسن والضحاك وابن زيد وغيره - { وابتغوا من فضل ~~الله } أي اطلبوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء به { واذكروا الله ~~كثيرا } يا محمد على إحسانه وبالشكر على نعمه والتعظيم لصفاته { لعلكم ~~تفلحون } ومعناه لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم. # ثم اخبر تعالى عن حال جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وهو يخطب ~~وهم معه يصلي بهم، فقال { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } قال ~~جابر بن عبد الله والحسن: قدم عير لدحية الكلبي فيها طعام المدينة بعدما ~~أصابتهم مجاعة، فاستقبلوه باللهو والمزامير والطبول - فى قول جابر بن عبد ~~الله ومجاهد - وكانوا مع النبي صلى الله عليه وآله فى الصلاة فلما سمعوا ~~صوت الطبول والمزامير { انفضوا } أي تفرقوا إلى العير يبصرونه وتركوا ~~النبي صلى الله عليه وآله وحده قائما، فقال الله لنبيه صلى الله عليه ~~وآله { قل } لهم يا محمد { ما عند الله } من الثواب على سماع الخطبة ~~وحضور الموعظة { خير من اللهو ومن التجارة } وانفع واحمد عاقبة { والله ~~خير الرازقين } أى ليس يفوتهم بترك البيع شيء من رزق الله، والتقدير وإذا ~~رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك أى اليه، وإنما قيل { إليها } ~~لانها كانت أهم اليهم، ذكره الفراء. # وقيل: تقديره وإذا رأوا لهوا او تجارة انفضوا اليها، فرد الضمير الى ~~اقرب المذكورين، لأنه كان أهم اليهم، وكذلك قرأ ابن مسعود فى مصحفه. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-5] # قرأ { خشب } خفيفة ابن كثير وابو عمرو والكسائي. وقرأ الباقون { خشب } ~~مثقل. وقرأ نافع وروح وزيد { لووا رؤسهم } خفيفة. الباقون { لووا } ~~مشددة. # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله { إذا جاءك } يا محمد { ~~المنافقون } وهم الذين يظهرون الايمان ms3413 ويبطنون الكفر { قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله } أى اخبروا بأنهم يعتقدون إنك رسول الله. فقال الله تعالى ~~لنبيه { والله يعلم إنك لرسوله } على الحقيقة { والله يشهد أن المنافقين ~~لكاذبون } في قولهم إنهم يعتقدون إنك لرسول الله، وكان إكذابهم فى ~~اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكونوا فيما يرجع الى ألسنتهم، ~~لانهم شهدوا بها بألسنتم وهم صادقون في ذلك وفي ذلك دلالة على بطلان قول ~~من يقول إن المعرفة ضرورية. وكسرت (إن) لأجل اللام التي هي لام الابتداء ~~التي فى الخبر، لان لها صدر الكلام. وإنما زحلقت عن موضعها إلى موضع ~~الخبر لئلا تجمع بين حرفي تأكيد، وكانت احق بالتأخير، لانها غير عامة. ~~وإنما كان لها صدر الكلام، لانها نقلت الجملة إلى معنى التأكيد وكل حرف ~~نقل الجملة عن معنى إلى معنى كان له صدر الكلام، لئلا تختلط الجمل. # ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المنافقين فقال { اتخذوا أيمانهم جنة } أى سترة ~~يتسترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولا يسبوا ولا تؤخذ أموالهم. والجنة ~~السترة المتخذة لدفع الأذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح، فالجنة السترة، ~~والجنة البستان الذى يجنه الشجر. الجنه والجنون الذى يغطي على العقل. ~~واصل ذلك كله الستر { فصدوا عن سبيل الله } أى منعوا غيرهم عن اتباع سبيل ~~الحق. وقال الضحاك: أيمانهم حلفهم إنهم لمنكم. وقرئ { إيمانهم } بكسر ~~الهمزة بمعنى أنهم اتخذوا تصديقهم ظاهرا جنة، فقال تعالى { إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون } ومعناه بئس الذى يعملونه من اظهار الايمان مع إبطان الكفر ~~والصد عن السبيل. وقال زيد بن أرقم: نزلت الآية في عبد الله بن ابي بن ~~سلول، لما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن ~~رجعنا الى المدينة ليخرجن الاغر منها الاذل، فلما وقف على ذلك جحده وحلف ~~انه ما قاله حتى نزلت السورة. وقوله { ذلك بأنهم آمنوا } بألسنتهم عند ~~الاقرار ب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) { ثم كفروا } بقلوبهم لما ~~كذبوا بهذا وهو قول قتادة { فطبع على قلوبهم } أى ختم عليها بسمة ms3414 تميز ~~الملائكة بينهم وبين المؤمنين على الحقيقة { فهم لا يفقهون } ذلك بجحدهم ~~توحيد الله ونفاقهم وإنكارهم نبوة رسوله الذى دعاهم إلى الحق. # ثم قال: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } بحسن منظرهم وجميل زيهم { وإن ~~يقولوا } يعنى هؤلاء المنافقون { تسمع لقولهم } أى تصغى اليهم وتسمع ما ~~يقولون بحسن بيانهم وبلاغة لسانهم، فقال تعالى { كأنهم خشب مسندة } ~~فشبههم الله بالخشب المسندة، قيل: إنهم شبهو بخشب نخرة متأكله لا خير ~~فيها إلا أنها مسندة يحسب من يراها أنها صحيحة سليمة. # وخشب جمع خشبة مثل بدن وبدنة فيمن سكن. ومن ضم قال: مثل ثمرة وثمر. ثم ~~وصفهم بالخور والهلع فقال { يحسبون كل صحيحة عليهم } أي يظنون أنها ~~مهلكتهم، وأنهم المقصودون بها جبنا وخورا. ثم قال لنبيه صلى الله عليه ~~وآله { هم العدو } لك وللمؤمنين { فاحذرهم } وتوقهم { قاتلهم الله } ~~وقيل: معناه أخزاهم الله. وقيل: معناه أحلهم الله محل من يقاتله عدو قاهر ~~له، وهذا اشد ما يكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم وأبلغ ما يكون فى ~~البيان عن مكروههم { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق. وإنما قال { ~~فاحذرهم } لانهم كانوا ينقلون الاسرار إلى الكفار ويحيون من قدروا عليه ~~من أهل الكفر. # ثم اخبر تعالى فقال { وإذا قيل لهم } يعني لهؤلاء المنافقين { تعالوا } ~~أي هلموا { يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم } ومعناه أكثروا تحريكها ~~بالهز لها استهزاء بدعائهم الى ذلك. # فمن شدد أراد تكثير الفعل. وممن خفف فلانه يدل على القليل والكثير. ثم ~~قال: ورأيتهم يا محمد { يصدون } عن سبيل الحق { وهم مستكبرون } أي يطلبون ~~الكبر ويتجبرون عن إتباع الحق. ### || [63.6-11] # قرأ ابو عمرو وحده { وأكون } بالواو، الباقون { وأكن } وفى المصاحف بلا ~~واو فقيل لابي عمرو: لم سقطت من المصاحف؟. فقال كما كتبوا: { كلهن } وقرأ ~~يحيى عن أبي بكر { يعملون } بالياء، الباقون بالتاء. ومن قرأ بالياء فعلى ~~الخبر، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. # لما اخبر الله تعالى عن حال المنافقين، وانه { إذا قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله } حركوا رؤسهم استهزاء بهذا القول، فقال ms3415 الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وآله { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } ~~أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار { فلن يغفر الله لهم } لانهم ~~يبطنون الكفر وإن اظهروا الايمان، وبين انه تعالى { لا يهدي القوم ~~الفاسقين } الى طريق الجنة، فلهذا يجب ان ييأسوا من المغفرة بالاستغفار. # وقال الحسن: اخبر الله تعالى أنهم يموتون على النفاق، فلم يستغفر لهم ~~بعد. وقيل: المعنى لا يحكم الله بهدايتهم، وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وآله يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة وأن يكون باطن المستغفر ~~له مثل ظاهره، فبين بها أن ذلك لا ينفع مع ابطانهم الكفر والنفاق. # ثم حكى تعالى عنهم فقال { هم الذين يقولون } يعني بعضهم لبعض لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله صلى الله عليه وآله من المؤمنين المحتاجين { حتى ~~ينفضوا } عنه ومعناه حتى يتفرقوا عنه لفقرهم وحاجتهم. والانفضاض التفرق، ~~وفض الكتاب إذا فرقه ونشره، وسميت الفضة فضة لتفرقها فى اثمان الاشياء ~~المشتراة. # فقال الله تعالى { ولله خزائن السماوات والأرض } بمعنى له مقدوراته فى ~~السموات والارض، لان فيها كل ما يشاء إخراجه، وله خزائن السموات والارض ~~يخرج منهما ما يشاء. وهي داخلة فى مقدوراته، والخزانة - بكسر الخاء - ~~موضع يخبأ فيه الامتعة، وإذا كان لله خزائن السموات والارض، فلا يضرك يا ~~محمد ترك انفاقهم بل لا يضرون إلا أنفسهم دون اولياء الله والمؤمنين ~~الذين يسبب الله قوتهم ولو شاء الله تعالى لأغنى المؤمنين، ولكن فعل ما ~~هو اصلح لهم وتعبدهم بالصبر على ذلك لينالوا منزلة الثواب { ولكن ~~المنافقين لا يفقهون } ذلك على الحقيقة لجهلهم بعقاب الله تعالى. # ثم اخبر عنهم فقال { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز } يعنون ~~نفوسهم { منها الأذل } يعنون رسول الله والمؤمنين. وقيل: إن القائل لذلك ~~في غزوة المريسيع، كان عبد الله بن ابي بن سلول، فقال الله تعالى { ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين } دون المنافقين والكفار { ولكن المنافقين لا ~~يعلمون } ذلك فيظنون ان العزة لهم، وذلك بجهلهم بصفات الله وما يستحقه ~~أولياؤه ms3416 وما يعمل بهم. والاعز الأقدر على منع غيره وأصل الصفة المنع ~~فلذلك لم يكن أحد اعز من الله ولا أذل من المنافق. # ثم خاطب المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم } أي لا ~~تشغلكم أموالكم { ولا أولادكم عن ذكر الله } قال قوم: الذكر المأمور به ~~هو ذكر الله بالحمد والشكر والتعظيم بصفاته العليا واسمائه الحسنى، ~~ويقال: ألهيته عن الأمر اذا صرفته عنه بما يمنعه قال امرؤ القيس: # فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول # وقال قوم: ذكر الله جميع فرائضه ثم قال { ومن يفعل ذلك } أى من شغله ~~ماله او ولده عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } الذين خسروا ثواب الله ~~وحصل لهم عقابه. ثم أمرهم بأن ينفقوا مما رزقهم الله فيما تجب عليهم ~~النفقة فيه من الزكاة والجهاد والحج والكفارات وغير ذلك من الواجبات. وفي ~~ذلك دليل على ان الحرام ليس برزق من الله، لان الله لا يأمر بالمعصية ~~بالانفاق، ولأنه ينهى عن التصرف فيه بلا خلاف { من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول لولا أخرتني إلى أجل قريب } اى هلا. وقيل: معناه إنه يتمنى ~~أن يرد الى دار الدنيا، وانما جاز التمني ب { لولا } ، لأن اصلها ~~التقدير، والتمني تقدير الخير للاستمتاع { فاصدق } ومعناه فأتصدق، وانفق ~~في سبيل الله { وأكن من الصالحين } أى من الذين يعملون الأفعال الحسنة. ~~وفي ذلك دليل على ان المقدرة قبل الفعل، لانهم تمنوا ان يؤخروا ليعملوا ~~ما كانوا قادرين عليه متمكنين منه. ودليل على ان الله تعالى لا يخلق ~~الكفر والنفاق فيهم، لانه لو فعل ذلك كان لا معنى لتمني التأخير والرد بل ~~الواجب أن يطلبوا منه تعالى ان يكف عنهم الكفر ويخلق فيهم الايمان وقدرته ~~بدل الكفر وقدرته. # وقوله { فاصدق } انتصب بأنه جواب التمني بالفاء، وكل جواب بالفاء نصب، ~~إلا جواب الجزاء، فانه رفع على الاستئناف، لان الفاء في الجزاء وصلة الى ~~الجواب بالجملة من الابتداء والخبر. وانما نصب الجواب بالفاء للايذان بأن ~~الثاني يجب بالأول بدلالة الفاء ms3417 في الجواب، وليس يحتاج الى ذلك في الجزاء ~~من قبل ان حرف الجزاء يكفي في الدلالة. ومن قرأ { وأكن } فجزم عطف على ~~موضع الفاء، لانها في موضع جزم. ومن قرأ { وأكون } عطف على لفظ { فأصدق ~~}. # ثم قال { ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها } يعني الأجل المطلق الذى ~~حكم بأن الحي يموت عنده. والأجل المقيد هو الوقت المحكوم بأن العبد يموت ~~عنده ان لم يقتطع عنه او لم يزد عليه او لم ينقص منه على مايعلمه الله من ~~المصلحة. ثم قال { والله خبير } اى عالم { بما يعملون } فمن قرأ بالياء ~~أراد عالم بعملهم على لفظ الغيبة. ومن قرأ بالتاء أراد بعملكم على الخطاب ~~آى قل لهم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-5] # قد فسرنا معنى قوله { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } وأن ~~المراد بها ما فى خلق السموات والارض، وما فيهما من الادلة الدالة على ~~توحيده وصفاته التي باين بها خلقه، وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء ~~وأنه منزه عن القبائح وصفات النقص، فعبر عن ذلك بالتسبيح من حيث كان معنى ~~التسبيح التنزيه لله عما لا يليق به. # وقوله { له الملك } معناه انه المالك لجميع ذلك والمتصرف فيه بما شاء، ~~ولا أحد يمنعه منه، وله الحمد على جميع ذلك، لأن خلق ذلك أجمع للاحسان ~~إلى خلقه به والنفع لهم فاستحق بذلك الحمد والشكر { وهو على كل شيء قدير ~~} يعني مما يصح أن يكون مقدورا له، فلا يدخل فى ذلك مقدور العباد، لانه ~~يستحيل أن يكون مقدورا لله. # وقوله { هو الذي خلقكم } معناه هو الذي اخترعكم وأنشأكم بأن أخرجكم من ~~العدم إلى الوجود { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } معناه فمنكم من يختار الكفر ~~بسوء اختياره ومنكم مؤمن بحسن اختياره للايمان. وقال الحسن: فيه محذوف ~~وتقديره فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق. وقال غيره: ليس فيه حذف، لأن ~~الغرض ذكر الطرفين لا المنزلة بين المنزلتين كما أن قوله { خلقكم } خطاب ~~يتوجه إلى جميع الخلق. وإن كان منهم الاطفال والمجانين الذين لا ms3418 حكم لهم ~~بالايمان ولا بالكفر. وقال الزجاج: معناه { فمنكم كافر } بالله بأن الله ~~خلقه { ومنكم مؤمن } بذلك. # وقوله { والله بما تعملون بصير } معناه - ها هنا - أنه خلق الكافر، وهو ~~عالم بما يكون منه من الكفر، وكذلك خلق المؤمن وعلم بما يكون منه من ~~الايمان، وكل ذلك على وجه الاحسان فى الفعل الذي يستحق به الحمد والشكر. ~~ثم قال { خلق السماوات والأرض } بمعنى اخترعهما وانشأهما { بالحق } أي ~~للحق وهو انه خلق العقلاء تعريضا لهم للثواب العظيم، وما عداهم خلق ~~تبعا لهم لما فيه من اللطف، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل، ~~وأما على مذهب الجبر فلا. { وصوركم } متوجه الى البشر كلهم { فأحسن صوركم ~~} معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته، لان ~~فيهم من ليس بهذه الصفة. وقال قوم: لا بل هو من تقبل الطبع لأنه إذا قيل: ~~حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل الطبع، وسبيله كسبيل قوله # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # وإن كان فيهم المشوه الخلق لأن هذا عارض لا يعتد به فى هذا الوصف، والله ~~تعالى خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله. والصورة عبارة عن بنية ~~مخصوصة كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك. # ثم قال { وإليه المصير } يعني اليه المرجع يوم القيامة واليه المآل. # ثم قال { يعلم } يعني الله تعالى بعلم { ما في السماوات والأرض } من ~~الموجودات { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } أي ما تظهرونه وما تخفونه. ~~وقيل: ما يسره بعضكم إلى بعض وما تخفوه في صدوركم عن غيركم. والفرق بين ~~الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم لانه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى فى ~~نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص { والله عليم بذات الصدور } معناه وهو ~~عالم باسرار الصدور وبواطنها. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين فقال { ألم يأتكم نبؤ الذين ~~كفروا من قبل } يعني من قبل هؤلاء الكفار { فذاقوا وبال أمرهم } أي بما ~~سلطه الله عليهم بأن أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم { ولهم عذاب أليم } أي ms3419 ~~مؤلم يوم القيامة. ### || [64.6-10] # قرأ رويس عن يعقوب { نجمعكم } بالنون على الاخبار من الله عن نفسه. ~~الباقون بالياء على تقدير يوم يجمعكم الله. # { أبشر } لفظه لفظ الواحد والمراد به الجمع بدلالة قوله { يهدوننا } ~~لأنه على طريق الجنس الذي لا يجمع ولا يثنى. # لما قرر الله تعالى خلقه بأنهم جاءهم اخبار من مضى من الكفار وأن الله ~~تعالى أهلكهم بكفرهم، بين لم أهلكهم فقال { ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~} أي تجيئهم رسلهم من الله بالحجج الواضحات { فقالوا } لهم { أبشر ~~يهدوننا } وقد بينا أن لفظ { بشر } واحد والمراد به الجمع، ومعناه أخلق ~~مثلنا يهدوننا إلى الحق؟! متعجبين من ذلك مستهزئين به { فكفروا } بالله ~~وجحدوا رسله { وتولوا } أي اعرضوا عن القبول منهم { واستغنى الله } ~~ومعناه أن الله لم يدعهم الى عبادته لحاجته اليهم، لأن الله تعالى غني ~~عنهم وعن غيرهم، وإنما دعاهم لما يعود عليهم بالنفع حسب ما تقتضيه حكمته ~~فى تدبيرهم { والله غني } عن جميع خلقه { حميد } على جميع افعاله لانها ~~كلها إحسان. وقيل { حميد } يدل على أنه يجب على عباده أن يحمدوه. # ثم حكى ما يقول الكفار فقال { زعم الذين كفروا بالله } وجحدوا رسله فقال ~~المؤرج: { زعم } معناه كذب فى لغة حمير. وقال شريح { زعم } كنية الكذب ~~والحدة كنية الجهل { أن لن يبعثوا } أي لا يحشرهم الله فى المستقبل ~~للحساب والجزاء ف { قل } لهم يا محمد صلى الله عليه وآله { بلى وربي } ~~أي وحق ربي، على وجه القسم { لتبعثن } أي لتحشرن { ثم لتنبؤن } أي لتخبرن ~~{ بما عملتم } من طاعة ومعصية { وذلك على الله يسير } سهل لا يتعذر عليه ~~ذلك، وإن كثروا وعظموا فهو كالقليل الذي لا يشق على من يأخذه لخفة أمره، ~~ومثله قوله # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # واصله من تيسير الشيء بمروره على سهولة. # ثم قال { فآمنوا بالله } معاشر العقلاء { ورسوله } أي وآمنوا برسوله { ~~النور الذي أنزلنا } يعني القرآن، سماه نورا لما فيه من الادلة والحجج ~~الموصلة الى الحق فشبهه بالنور الذي يهتدى به على الطريق { والله ms3420 بما ~~تعملون خبير } أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه خافية منها. # وقوله { يوم يجمعكم } تقديره واذكروا يوم يجمعكم { ليوم الجمع } وهو يوم ~~القيامة. وقوله { ذلك يوم التغابن } والتغابن هو التفاوت فى اخذ الشيء ~~بدون القيمة، والذين اخذوا الدنيا بالاخرة بهذه الصفة فى أنهم اخذوا ~~الشيء بدون القبمة، فقد غبنوا أنفسهم بأخذ النعيم المنقطع بالدائم ~~واغبنهم الذين اشتروا الآخرة بترك الدنيا المنقطع اليها من هؤلاء الذين ~~تغابنوا عليها، وقال مجاهد وقتادة: يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار. # ثم قال { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } أي من يصدق بالله ويعترف ~~بوحدانيته وإخلاص العبادة له ويقر بنبوة نبيه ويضيف إلى ذلك افعال ~~الطاعات { يكفر عنه سيئآته } أي يكفر عنه سيئاته التي هي دونها، ويتفضل ~~عليه باسقاط عقاب ما دونها من المعاصي { ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } يعني بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار { خالدين فيها } أي ~~مؤبدين لا يفنى ما هم فيه من النعيم أبدا { ذلك الفوز العظيم } أي ~~النجاح الذي ليس وراءه شيء من عظمه. # ثم قال { والذين كفروا } بالله وجحدوا وحدانيته وأنكروا نبوة نبيه ~~وكذبوا بمعجزاته التي هي آيات الله { أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير } أي بئس المآل والمرجع. وقرأ (نكفر، وندخله) بالنون أهل المدينة ~~واهل الشام على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء على ~~تقدير يكفر الله عنهم ويدخلهم. ### || [64.11-15] # يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه انه ليس يصيبكم مصيبة إلا باذن الله. ~~والمصيبة المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبه. ومنه الصواب بأنه ~~أصابه الحق كالرمية فى اصابة البغية. وقيل: إنما عمم قوله { ما أصاب من ~~مصيبة إلا بإذن الله } وفى المصائب ما هو ظلم، والله لا يأذن فى الظلم، ~~لانه لا يحسن فى الحكمة، الا ترى انه ليس منها إلا ما أذن الله فى وقوعه ~~او التمكن منه وذلك أذن للملك الموكل به كأنه قبل له لا تمنع من وقوع هذه ~~المصيبة. وقد يكون ذلك بفعل التمكن من الله كأنه يأذن له ms3421 ان يكون. وقال ~~البلخي: معناه إلا بتخلية الله بينكم وبين من يريد فعلها. وقال قوم: هو ~~خاص فيما يفعله الله تعالى او يأمر به، ويجوز ايضا ان يكون المراد ~~بالأذن - ها هنا - العلم، فكأنه قال لا يصيبكم من مصيبة إلا والله تعالى ~~عالم بها. ثم قال { ومن يؤمن بالله } أي من يصدق بالله ويعترف بواحدانيته ~~{ يهد قلبه } أي يحكم بهدايته. ويجوز ان يكون المراد يشرح صدره للايمان. ~~وقيل: معناه يهدي قلبه بأن المصيبة باذن الله - ذكره ابن عباس وعلقمة - ~~قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى ويعلم أنها من عند الله، وقال ~~الفراء: هو أن يقول: إنا لله وإنا اليه راجعون، وقال غيره: معناه إذا ~~ابتلي صبر، وإذا انعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. # وقرأ ابو بكر { يهد قلبه } - بفتح الدال - بمعنى يسكن قلبه { والله بكل ~~شيء عليم } لا يخفى عليه شيء من ذلك. ثم أمرهم فقال { وأطيعوا الله } ~~فيما أمركم به { وأطيعوا الرسول } فيما أمركم به ونهاكم عنه { فإن توليتم ~~} أي فان أعرضتم عن القبول منه وتوليتم عن الحق فليس على رسولنا قهركم ~~الى الرد إلى الحق { فإنما على الرسول البلاغ المبين } الظاهر، وحذف ~~ايجازا ثم قال { الله } الذي يحق له العبادة { لا إله إلا هو وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } فالتوكل هو تفويض الامر الى الله بأنه يتولاه على ~~الحق فيه وقد أمر الله بالتوكل عليه فينبغي للمسلم أن يستشعر ذلك فى سائر ~~احواله وقال قوم: التوكل تفويض الأمر إلى مالكه لتدبره بالحق فيه. ~~والوكيل المالك للتدبير فيمن فوض الامر اليه فيه. # ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } قال ابن عباس: نزلت الآية فى قوم اسلموا ~~بمكة وأرادوا الهجرة فمنعوهم من ذلك، وقال عطاء بن بشار: نزلت فى قوم ~~أرادوا البر فمنعهم هؤلاء. وقال مجاهد: هي فى قوم إذا أرادوا طاعة الله ~~منعهم أزواجهم واولادهم فبين الله تعالى أن فى هؤلاء من هو عدو لكم فى ~~الدين فاحذروهم فيه. ms3422 # و (من) دخلت للتبعيض لأنه ليس حكم جميع الأزواج والأولاد هذا الحكم. ~~والعداوة المباعدة من الخير بالبغضة ونقيضها الولاية وهي المقاربة من ~~الخير بالمحبة. والاذن الاطلاق فى الفعل، تقول: يسمع بالاذن، فهذا أصله، ~~ثم قد يتسع فيه بما يقارب هذا المعنى. # ثم قال { وإن تعفوا } يعني تتركوا عقابهم { وتصفحوا } وتعرضوا عما كان ~~منهم { وتغفروا } أي تستروا ذنوبهم إذا تابوا واقلعوا عنها { فإن الله ~~غفور } أي ستار على خلقه { رحيم } بهم. # ثم قال { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } أي محنة وابتلاء. وقال قتادة: ~~يعني بلاء. والفتنة المحنة التي فيها مشقة تمنع النفس عما تدعو اليه ~~الشهوة { والله عنده أجر عظيم } أي ثواب جزيل على الصفح والعفو وغيرهما ~~من الطاعات. ### || [64.16-18] # هذا أمر من الله تعالى للمكلفين يأمرهم بأن يتقوه بأن يتركوا معاصيه ~~ويفعلوا طاعاته. فالاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو اليه الهوى. ~~يقال: اتقاه بالترس إذا امتنع منه بأن جعله حاجزا بينه وبينه. وقوله { ~~ما استطعتم } معناه اتقوه بحسب طاقتكم، فان الله تعالى لا يكلف نفسا ما ~~لا تطيقه، وإنما يكلفها ما تسعه له، ولا ينافي هذا قوله # اتقوا الله حق تقاته # لان كل واحد من الأمرين إنما هو إلزام ترك جميع معاصيه فمن ترك جميع ~~المعاصي فقد اتقى عقاب الله، لان من لم يفعل قبيحا ولا أخل بواجب فلا ~~عقاب عليه إلا أن في احد الكلامين تبيين أن التكليف لا يلزم العبد إلا ~~فيما يطيق. وهذا يقتضي أن اتقاءه فيما وقع من القبيح ليس بأن لا يكون وقع ~~وإنما هو بالندم عليه مع العزم على ترك معاودته. وكل أمر يأمر الله به ~~فلا بد من أن يكون مشروطا بالاستطاعة، فان كانت الاستطاعة غير باقية على ~~مذهب من يقول بذلك، فالامر بما يفعل في الثالث. وما بعده مشروط بأن يفعل ~~له إستطاعة قبل الفعل بوقت وإلا لا يكون مأمورا بالفعل، وإن كانت ثابتة ~~فالامر على صفة الاستطاعة، لانه لا يصح الشرط بالموجود، لان الشرط يحدث، ~~فليس يخلو من ان يكون على ms3423 شريطة وقوع القدرة او على صفة وجود القدرة وقال ~~قتادة قوله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } ناسخ لقوله { اتقوا الله حق ~~تقاته } كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية وما جرى مجراها مما يعظم ~~فيه المشقة وإن كانت معه القدرة على الحقيقة. وقال غيره: ليس بناسخ، ~~وإنما هو مبين لا مكان العمل بهما جميعا. وهو الصحيح، لأن تقديره: اتقوا ~~الله حق تقاته فيما استطعتم. # وقوله { واسمعوا } أي اصغوا إلى ما يأمركم الله به { وأطيعوا } فيما ~~آمركم به { وأنفقوا } فيما أمركم بالانفاق فيه من الزكاة والانفاق فى ~~سبيل الله وغير ذلك { خيرا لأنفسكم } انتصب { خيرا } بفعل محذوف يدل ~~عليه { أنفقوا } وتقديره وأنفقوا الانفاق خيرا لانفسكم، ومثله انتهوا ~~خيرا لكم، وهو كقولهم: وذاك أوسع لك لأنك إذا أمرته بشيء فهو مضمن بأن ~~يأتي خيرا له. # وقوله { ومن يوق شح نفسه } أي من منع ووقى شح نفسه. والشح منع الواجب فى ~~الشرع. وقيل: الشح منع النفع على مخالفة العقل لمشقة البذل، ومثله البخل ~~يقال: شح يشح شحا فهو شحيح وشحاح. وقال ابن مسعود: من الشح أن تعمد الى ~~مال غيرك فتأكله. # وقوله { فأولئك هم المفلحون } معنان إن من وقى شح نفسه وفعل ما اوجبه ~~الله عليه فهو من جملة المنجحين الفائزين بثواب الله. وقوله { إن تقرضوا ~~الله قرضا حسنا } والقرض أخذ قطعة من المال بتمليك الآخذ له على رد ~~مثله وأصله القطع: من قرض الشيء يقرضه قرضا إذا قطع منه قطعة. # وذكر القرض فى صفة الله تلطفا فى الاستدعاء إلى الانفاق فى سبيل الله، ~~وهو كالقرض فى مثله مع اضعافه ولا يجوز أن يملك الله - عز وجل - لانه ~~مالك للاشياء من غير تمليك ولأن المالك لا يملك ما هو مالكه. وقوله { ~~يضاعفه لكم } أي يضاعف ثوابه لكم بامثاله. ومن قرأ { يضعفه } بالتشديد، ~~فلان الله تعالى بذل بالواحد عشرة إلى سبعين وسبعمائة { ويغفر لكم } أي ~~ويستر عليكم ذنوبكم ولا يفضحكم بها { إن الله شكور حليم } أي يجازي على ~~الشكر { حليم } لا يعاجل العباد ms3424 بما يستحقونه من العقاب. وقوله { عالم ~~الغيب والشهادة } أي يعلم السر والعلانية وهو { العزيز } الذي لا يغالب { ~~الحكيم } ، في جميع افعاله و { الشكور } فى صفة الله مجاز ومعناه إنه ~~يعامل المطيع فى حسن الجزاء معاملة الشاكر و (الحلم) ترك المعاجلة ~~بالعقوبة لداعي الحكمة. و (الغيب) كون الشيء بحيث لا يشاهده العبد. و { ~~الغائب } نقيض الشاهد وهو { الحكيم } في جميع أفعاله. # وقرأ { يضعفه } بالتشديد ابن كثير وابن عامر. الباقون { يضاعفه } وقد ~~مضى تفسيره. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-5] # قرأ حفص عن عاصم ونافع { بالغ أمره } على الاضافة. الباقون { بالغ } ~~منون { أمره } منصوب. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وقيل: إنه إذا نون ~~معناه انه تعالى بالغ مراده، وإذا اضيف فمعناه أن امره تعالى يبلغ، فيكون ~~اضافة الى الفاعل. # يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه والمراد به أمته { يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء } ومعناه إذا أردتم طلاق النساء، كما قال # إذا قمتم إلى الصلاة # وروي عن ابن عباس انه قال: نزل القرآن باياك أعني واسمعي يا جارة، فيكون ~~الخطاب للنبي والمراد به الأمة من ذلك. وقال قوم: تقديره يا أيها النبي ~~قل لأمتك إذا طلقتم النساء، فعلى هذا القول: النبي يكون خارجا من الحكم. ~~وقال آخرون: هو على خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الاتباع، فعلى هذا حكم ~~النبي حكم أمته في هذا الحكم وأجمعت الأمة على أن حكم النبي حكم الامة في ~~الطلاق. والطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح ~~بأن يقول: أنت طالق يخاطبها او يقول هذه طالق ويشير اليها أو فلانة طالق ~~بنت فلان. وعندنا لا يقع الطلاق إلا بهذا اللفظ المخصوص، ولا يقع بشيء من ~~الكنايات طلاق أراد بها الطلاق أو لم يرد. وفيه خلاف ذكرناه فى الخلاف. ~~واما الفراق فقد يحصل بغير الطلاق، كالارتداد واللعان والخلع - عند كثير ~~من أصحابنا - وإن لم يسم ذلك طلاقا. وأما فسخ النكاح بالرد بالعيب. فقد ~~يحصل بأشياء ولا يسمى طلاقا. ومن شرط وقوع الطلاق - عندنا - أن تكون ~~المراة ms3425 طاهرا طهرا لم يقر بها فيه بجماع بمحضر من شاهدين، ويقصد به ~~ايقاع الطلاق، ويتلفظ بما قدمناه، فحينئذ يقع طلاقه تطليقة واحدة وهو ~~أملك برجوعها ما لم تخرج من العدة. فان خرجت قبل ان يراجعها كان كواحد من ~~الخطاب. ومتى تلفظ بثلاث تطليقات، فان كانت المرأة طاهرا مع باقي الشروط ~~وقعت واحدة. وخالف جميع الفقهاء فى ذلك. وقالوا: يقع الثلاث. ثم اختلفوا ~~فقال الشافعي، ومن وافقه: ويكون ذلك مسنونا. وقال اهل العراق: المسنون ~~ان يطلقها طلقة واحدة بلفظ واحد، ومتى اوقع ثنتين او ثلاثا وقع. وأما ~~غير المدخول بها فعند جميعهم يقع الثلاث، ولا عدة عليها، وعندنا لا يقع ~~إلا واحدة، وفى أصحابنا من يقول: من تلفظ بالثلاث لا يقع شيء، والاعتماد ~~على ما قلناه أولا، ومتى طلقها ثلاثا أو واحدة، وهي حائض وكان قد دخل ~~بها ولا يكون غائبا عنها شهرا فصاعدا لا يقع عندنا شيء اصلا. وقال ~~جميع الفقهاء: هو بدعة. وتبين المرأة بذلك. # وقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } معناه أن يطلقها وهي طاهر من غير جماع ~~ويستوفي باقى الشروط. # وقال ابن عباس: هو أن يطلقها طاهرا من غير جماع. وبه قال مجاهد والحسن ~~وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي، فعلى هذا متى طلقها فى الحيض فلا يقع ~~طلاقها، لانه خلاف المأمور به، وهو منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي ~~عنه وعند الفقهاء إنه يقع الطلاق، وإن كان بدعة. # ثم قال { وأحصوا العدة } فالعدة قعود المرأة عن الزواج حتى تنقضي المده ~~المرتبة فى الشريعة، وعدة المرأة على ضروب: # احدها - عدة التي لم تبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، وهي التي لم تبلغ تسع ~~سنين، فهذه لا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وفيهم من قال عدتها ~~بالشهور، وبه قال باقي الفقهاء. وعدة التي لا تحيض ومثلها تحيض ثلاثة ~~اشهر بلا خلاف. # وعدة التي تحيض ثلاثة أقراء وهي الاطهار - عندنا وعند كثير من الفقهاء - ~~وعند قوم انها الحيض. # وعدة التي ارتفع حيضها ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وقد حد ذلك ~~أصحابنا ms3426 بأن يكون سنها أقل من خمسين سنة. # وعدة الآيسة من المحيض ومثلها لا تحيض، فلا عدة عليها - عند اكثر ~~اصحابنا - وقال قوم: عدتها بالاشهر، وحد ذلك أصحابنا بأن يزيد سنها على ~~خمسين سنة، والقرشية حدوها بستين سنة فصاعدا. # وعدة الحامل وضع ما في بطنها إذا كانت عدة الطلاق، فان كانت عدة الوفاة ~~فأبعد الأجلين من وضع الحمل او مضي أربعة اشهر وعشرة أيام. وهو مذهب علي ~~عليه السلام وابن عباس. وقال الفقهاء عدة المتوفى عنها زوجها وضع ما في ~~بطنها. # وقوله { وأحصوا العدة } يعني مدة زمان العدة. # ثم قال { واتقوا الله ربكم } بان لا ترتكبوا المعاصي { لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن } يعني زمان العدة، لانه لا يجوز إخراجها من بيتها - ~~وعندنا وعند جميع الفقهاء - يجب عليه السكنى والنفقة والكسوة إذا كانت ~~المطلقة رجعية، فان كانت بائنا فلا نفقة لها ولا سكنى. وقال الشافعي: ~~فلا نفقة لها ولا سكنى إذا كانت بائنا. وقال أهل العراق: لها السكنى ~~والنفقة. # وقوله { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } من فتح الياء أراد فاحشة أظهرت. ~~ومن خفض الياء أراد بفاحشة ظاهرة. وقال عطاء والضحاك وقتادة: لا يجوز ان ~~تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا عند الفاحشة. وقال الحسن وعامر ~~والشعبي ومجاهد وابن زيد: الفاحشة - ها هنا - الزنا تخرج لاقامة الحد. ~~قال ابن عباس: الفاحشة النداء على أهلها، وهو المروي عن ابي جعفر وابي ~~عبد الله عليهما السلام وقال قتادة: الفاحشة هو النشوز. وقال ابن عمر: هو ~~خروجها قبل انقضاء العدة - وفي رواية عن ابن عباس - ان كل معصية لله ~~ظاهرة فهي فاحشة. # وقوله { وتلك حدود الله } يعني ما تقدم ذكره من كيفية الطلاق والعدة ~~وترك إخراجها عن بيتها إلا عند فاحشة حدود الله، فالحدود نهايات تمنع أن ~~يدخل في الشيء ما ليس منه او يخرج منه ما هو منه، فقد بين الله بالأمر ~~والنهي الحدود في الطاعات والمعصية بما ليس لأحد ان يدخل في شيء من ذلك ~~ما ليس منه او يخرج عنه ما ms3427 هو منه. # وقوله تعالى { ومن يتعد حدود الله } معناه من يجاوز حدود الله بأن يخرج ~~عن طاعته الى معصيته، فقد تعدى حدا من حدود الله وكذلك من دخل في معصية، ~~فقد خرج عن الطاعة. وليس كل من دخل في طاعة فقد خرج اليها عن معصية، ~~لأنها قد تكون نافلة. ثم بين تعالى فقال: ومن يجاوز حدود الله { فقد ظلم ~~نفسه } بأن فعل ما يستحق معه العقاب ويحرم معه الثواب # وقوله { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قال قوم: معناه لا تدري ~~لعل الله يغير رأي الزوج في محبة الطلاق، فتكون مطلقة على ما أمر الله به ~~ويملك الرجعة فيما بين الواحدة والثانية وما بين الثانية والثالثة. وقال ~~الضحاك والسدي وابن زيد { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } يعني الرجعة في ~~العدة. وقيل معناه { لعل الله يحدث بعد ذلك } شهوة المراجعة. # وقوله { فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف } معناه فاذا قاربن أجلهن الذي ~~هو الخروج عن عدتهن، لانه لا يجوز ان يكون المراد فاذا انقضى أجلهن، لانه ~~عند انقضاء اجلهن لا يملك رجعتها. وقد ملكت نفسها وقد بانت منه بواحدة، ~~ثم تتزوج من شاءت هو او غيره. وإنما المعنى إذا قاربن الخروج من عدتهن ~~فامسكوهن بأن تراجعوهن بمعروف بما يجب لها من النفقة والكسوة والمسكن ~~وحسن الصحبة { أو فارقوهن بمعروف } بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة. # وقوله { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فعند أصحابنا أن الاشهاد شرط في وقوع ~~الطلاق، لأن ظاهر الامر بذلك يقتضيه. والامر عندنا على الوجوب. وقال قوم: ~~إن ذلك راجع الى الرجعة، وتقديره واشهدوا على الامساك إن أمسكتم ذوي عدل ~~منكم وهو الرجعة - في قول ابن عباس. وقال الشافعي: الاشهاد على الرجعة ~~أولى. ويجوز عند اكثرهم بغير إشهاد، وإنما ذكر الله الاشهاد كما ذكر في ~~قوله # وأشهدوا إذا تبايعتم # وهو على الندب، وهذا ترك الظاهر ومتى حملنا الاشهاد على الفراق، وهو ~~الطلاق حملناه على ظاهره من الوجوب وجعلناه شرطا في وقوع الطلاق. ثم قال ~~{ وأقيموا الشهادة لله ms3428 } إذا طولبتم باقامتها { ذلكم } معاشر المكلفين { ~~يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } فالوعظ معنى يدعو الى الحق ~~بالترغيب والترهيب. وإنما اضاف الوعظ إلى من يؤمن بالله واليوم الآخر دون ~~غيره، لانه الذي ينتفع به دون الكافر الجاحد لذلك، فالطاعة الواجبة فيها ~~وعظ بالترغيب فيها باستحقاق الثواب وفي تركها بالعقاب. # والمندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح والثواب على فعلها والمعاصي فيها وعظ ~~بالزجر عنها والتخويف من فعلها باستحقاق العقاب والذم على فعلها والترغيب ~~في تركها بما يستحق على الاخلال به من الثواب. # ثم قال { ومن يتق الله } يعني باجتناب معاصيه { يجعل له مخرجا } من ~~عقابه { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أى من حيث لا يتوقعه ولا يظنه { ومن ~~يتوكل على الله } أى من اسند أمره الى الله ووثق بحكمه وسكن إلى رحمته { ~~فهو حسبه } أى كافيه جميع ذلك { إن الله بالغ أمره } أى يبلغ ما يريد ~~ويشاء من أمره وتدبيره { قد جعل الله لكل شيء قدرا } أى قدر الله لكل ~~شيء مقدارا واجلا، لا زيادة فيه ولا نقصان. # ثم بين كيفية العدد باختلاف احوال النساء، فقال { واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } يعني ان اليائسة من ~~المحيض إذا كانت ترتاب بنفسها ولا تدري أرتفع حيضها لكبر او عارض { ~~فعدتها ثلاثة أشهر } وهي التي قلنا اولا أن مثلها تحيض، لأنها لو كانت في ~~سن من لا تحيض لم يكن لريبتها معنى. وقال الزهري وعكرمة وقتادة { إن ~~ارتبتم } فلم تدروا: للكبر او لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة اشهر. وقال ~~قوم: ان ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة اشهر. وقوله { ~~واللائي لم يحضن } تقديره واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر، ~~وحذف لدلالة الكلام الأول عليه والكلام فيها كالكلام فى اليائسة. وقال ~~قتادة: اللائي يئسن الكبار، واللائي لم يحضن الصغار. # ثم قال { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } بين ان عدة الحامل من ~~الطلاق وضع الحمل الذي معها، فان وضعت عقيب الطلاق فقد ملكت نفسها. ويجوز ms3429 ~~لها أن تعقد لغيره على نفسها، غير أنه لا يجوز له وطؤها، لان نفاسها ~~كالحيض سواء، وإذا طهرت من نفاسها حل له ذلك، فان كانت حاملا باثنين ~~ووضعت واحدا لم تحل للازواج حتى تضع جميع الحمل، لقوله تعالى { أن يضعن ~~حملهن } فاما انقطاع الرجعة، فقد روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا ~~انقطعت عصمتها من الاول، ولا يجوز لها العقد بغيره حتى تضع الآخر. فاما ~~إذا توفى عنها زوجها، فعدتها - عندنا - أبعد الأجلين إن وضعت قبل الأربعة ~~أشهر وعشر استوفت اربعة اشهر وعشرة أيام، وإن مضى بها أربعة اشهر وعشر ~~ولم تضع انتظرت وضع الحمل. وقال ابن عباس: الآية فى المطلقة خاصة، كما ~~قلناه. وقال ابن مسعود وابي بن كعب وقتادة والسدي واكثر الفقهاء: إن حكم ~~المطلقة والمتوفى عنها زوجها واحد فى أنها متى وضعت حلت للازواج. والذي ~~اخترناه هو مذهب علي عليه السلام. # ثم قال { ومن يتق الله } باجتناب معاصيه { يجعل له من أمره يسرا } يعني ~~سهولة فى أموره ولا يعسر عليه أمره. # وقوله { ذلك أمر الله أنزله إليكم } يعني حكم الطلاق والرجعة والعدة ~~فيما أنزله الله وحكم به وأمركم بالعمل به. # ثم قال { ومن يتق الله } باجتناب معاصيه وفعل طاعاته { يكفر عنه سيئاته ~~} لتي هي دونها ويتفضل عليه باسقاط عقابها { ويعظم له أجرا } على ذلك ~~يعني ثوابه ونعيمه فى الجنة. ### || [65.6-10] # خمس آيات فى الكوفي والبصرى والمدني الأخير: وست آيات فى المدني الاول. ~~عدوا { يا أولي الألباب } رأس آية. # قرأ { من وجدكم } بكسر الواو، روح. الباقون بضمها، و هما لغتان. وحكى ~~الفراء - فتح الواو - لغة ولم يحك الكسر. وحكى الزجاج: الكسرة ولم يحك ~~بالفتحة. وقرأ ابن كثير { وكأين } خفيفة على وزن { كاهن } الباقون { كأين ~~} مشددة الياء، والأصل (أى) إلا انه حذف للتضعيف، كما يحذف من رب، وقدمت ~~الياء وأخرت الهمزة نحو شاك وشائك. ثم قلبت الياء ألفا، لانها فى موضع ~~حركة وقبلها فتحة نحو: رمي، وإنما احتمل هذا التغيير للعدول به عن معنى ~~الاستفهام إلى معنى { كم } فى التكثير ms3430 على وجه الابهام. وقال قوم: فى { ~~كأين } لغتان { كأين } مشددة الياء و (كاين) على وزن (قايل) وقد قرأ ~~بهما. وحكي ان أهل الحجاز يقولون: بكاين تبيع هذا الثوب. أي بكم تبيعه. # يقول: الله تعالى مخاطبا لمن طلق زوجته يأمره أن يسكنها حيث يسكنه، وقد ~~بينا أن السكنى والنفقة يجب للرجعية بلا خلاف. فاما البائنة فلا سكنى لها ~~ولا نفقة - عندنا - وهذا مذهب الحسن. وقد روت فاطمة بنت قيس عن النبي صلى ~~الله عليه وآله انه قال: # " لا نفقة للمبتوتة " # وقال الشافعي ومالك لها السكنى والنفقة وهو قول معاوية وابن مسعود وعمر ~~بن الخطاب. # وقوله { من وجدكم } قال السدي معناه من ملككم. وقال ابن زيد: هو إذا قال ~~صاحب المسكن لا أترك هذه فى بيتي فليس من وجده. ويجوز له حينئذ أن ينقلها ~~إلى غيره، والوجد ملك ما يجده المالك، وذلك أنه قد يملك المالك ما يغيب ~~عنه. وقد يملك ما هو حاضر له، فذلك وجده، يقال: وجدت فى المال وجدا ~~ووجدة، ووجدت الضالة وجدانا، ووجدت الرجل صالحا وجودا. # وقوله { ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } معناه لا تدخلوا الضرر عليهن ~~بالتقصير فى النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة لتضيقوا عليهن فى السكنى ~~والنفقة، وأمر بالسعة. والمضارة المعاملة بما يطلب به ايقاع الضرر ~~والمضارة المعاملة بما يطلب به إيقاع الضرر بصاحبه. وقد تكون المضارة من ~~واحد كما يقال: طارقت النعل، وعافاه الله، ويمكن أن يكون من كل واحد ~~منهما لصاحبه. والتضيق تقليل ما يحتاج إلى التصرف فيه عن مقدار الكفاية. ~~وقد يكون التضييق فى الرزق وفى المكان وفى الأمر. و { إن كن } يعني ~~النساء المطلقات { أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } أمر من الله ~~تعالى بالانفاق على الحامل المطلقة سواء كانت رجعية او مبتوتة، ولا خلاف ~~فى ذلك، وإنما يجب ان ينفق عليها بسبب ما فى بطنها، وإنما تسقط نفقتها ~~بالوضع. والحمل - بفتح الحاء - يكون على الظهر وفى البطن، ويقال للعدل - ~~الحمل - بكسر الحاء. # وقوله { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } أمر من الله ms3431 تعالى بأن الأم ~~المطلقة متى ولدت ورغبت فى رضاع ولدها، كان على الأب أجرة الرضاع أجرة ~~المثل، فان رضيت الاجنبية بشيء معلوم لاجرة الرضاع ورضيت بمثله الأم كانت ~~الأم أولى، وإن لم ترض الأم بذلك القدر كان للأب تسليمه الى الاجنبية، ~~وان كان الولد لا يقبل إلا لبن الأم أجبرت عليه. وإلا أدى الى هلاك ~~الولد. والرضاع سقي المرأة من لبنها للولد. ومنه قول النبي صلى الله عليه ~~وآله # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # يعني ان المرضعة تصير بمنزلة الام، وأمها بمنزلة الجدة واختها خالة، ~~وبنتها اختا وابنها اخا، وهكذا سائر المحرمات. # وقوله { واتمروا بينكم بمعروف } فالائتمار أمر كل واحد لصاحبه بفعل من ~~الافعال كالائتمار بالمعروف الذي يصطلحان عليه. # وقوله { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } خطاب للرجل ولزوجته المطلقة أنهما ~~متى اختلفا فى رضاع الصبي واجرته أرضعته امرأة اخرى فالتعاسر التمانع ~~يتعذر من الأمر كالتمانع بما يتعسر به رضاع الام، فمتى كان كذلك فالحكم ~~فيه أن ترضعه امرأة اخرى ثم امر تعالى فقال { لينفق ذو سعة من سعته... } ~~ومعناه ان كل انسان يجب عليه النفقة بحسب حاله فالغنى ينبغي ان يوسع فى ~~النفقة والفقير بحسب حاله. # وقوله { ومن قدر عليه زرقه } معناه من ضيق عليه، لأنه أتى على مقدار ~~البلغة التي تضيق عن غيره، فمن هذه صورته { فلينفق مما آتاه الله } على ~~حسب امكانه وطاقته { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } يعني إلا بقدر ما ~~أعطاها من الطاقة. وفي ذلك دلالة على انه تعالى لا يكلف أحدا ما لا يقدر ~~عليه ولا يطيفه. ثم قال { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي سيفعل الله بعد ~~شدة سهولة، فاليسر اتيان الأمر من غير مشقة، وهو سهولة الأمر، وضده ~~العسر، وهو صعوبة الأمر. # وقوله { وكأين من قرية } معناه و { كم من قرية } على التكثير، لانه يخبر ~~ب { كم } عن الكثرة { عتت عن أمر ربها } والعتو الخروج إلى فاحش الفساد. ~~والمعنى كم من أهل القرية كفروا بالله وتجبروا عن طاعته وخرجوا ms3432 بذلك الى ~~افحش الفساد { ورسله } معناه عتوا عن امر الله وامر رسوله { فحاسبناها ~~حسابا شديدا } فالحساب الاعمال مقابلة ما يستحق على الطاعة وبما يستحق ~~على المعصية والحساب الشديد مقابلة ذلك من غير تجاوز عن صغيرة ولا عفو عن ~~ذنب، وذلك أن الكافر يعاقب على كل صغيرة وكبيرة من حيث انه لا طاعة معه ~~تكفر معاصيه. وقوله { وعذبناها عذابا نكرا } معناه عذبنا أهل تلك ~~القرية العاتية عذابا نكرا، وهو الذي ينكره الطبع وتأباه النفوس ~~لصعوبته وشدته. # والأمر النكر الذي ينكره العقل. وقوله { فذاقت وبال أمرها } فالوبال ~~عاقبة السوء، أسند الفعل الى القرية، فلذلك أنث قوله { فذاقت } ولو قال: ~~{ عتوا، عن أمر ربهم، وعذبناهم فذاقوا } على المعنى كان جائزا. والوبال ~~ثقل العائد من الضر. وقيل: ان معنى نكر أنه متجاوز في الشدة لكل ما عرفوه ~~فى الدنيا من العقوبة { وكان عاقبة أمرها حسرا } أي وكان آخر أمر تلك ~~القرية العاتية خسرا أي هلاك أنفسهم، وأصله هلاك رأس المال. ثم بين ما ~~لهم في الآخرة، فقال { أعد الله لهم عذابا شديدا } من عذاب النار ~~يعاقبهم به على طريق التأبيد موجعا شديد الألم { فاتقوا الله } يا معاشر ~~العقلاء { يا أولوا الألباب الذين آمنوا } يعني المؤمنين منهم، وخصهم ~~بالذكر والخطاب، لانهم المنتفعون بذلك دون الكفار. وقوله تعالى { قد أنزل ~~الله إليكم ذكرا } قال قوم: أراد بالذكر القرآن لانه سماه ذكرا في قوله # إنا نحن نزلنا الذكر # ذهب اليه السدي وابن زيد، فعلى هذا تقديره انزل الله اليكم ذكرا وارسل ~~اليكم رسولا، وسماه ذكرا لانه يتذكر به ما يجب العمل به والانتهاء عنه. ~~وقيل إن معنى الذكر الشرف كأنه قال: أنزل الله اليكم شرفا. وقيل: المراد ~~بالذكر الرسول لقوله # فاسألوا أهل الذكر # ذهب اليه الحسن، فعلى هذا يكون { رسولا } بدلا منه، وتقديره أنزل الله ~~اليكم ذكرا هو رسوله. قال الزجاج: تقديره فأنزل الله اليك ان ذكر رسولا ~~هو جبرائيل عليه السلام. ### || [65.11-12] # قرئ { ندخله } مدني وشامي على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. ~~الباقون بالياء ms3433 بمعنى يدخل الله. والياء أشبه بما قبله. # قيل فى انتصاب قوله { رسولا } وجهان: # احدهما - أن يكون بدلا من ذكر، وهو بدلا الاشتمال، ويكون الذكر القرآن، ~~كأنه قال رسولا ذكرا. # الثاني - ان يكون الذكر بمعنى الشرف، فيكون الذكر هو الرسول، كما قال # وإنه لذكر لك ولقومك # وفيه وجه ثالث وهو أنه لما قال: انزل ذكرا دل على انه جعل رسولا، وكأنه ~~قيل وبعث رسولا كما قال الشاعر: # يا رب غير آيهن مع البلى # إلا رواكد جمرهن هباء # ومشجج اما سواء قذاله # فبدا وغيب ساره المغراء # لانه لما قال: إلا رواكد دل على ان بها رواكد فحمل مشجج على المعنى. ~~وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نصبا بذكر، كأنه قال ذكر رسول، بمعنى أن ~~ذكرا رسولا، يكون ذكر مصدر، والذي انزل جبرائيل لقوله # نزل به الروح الأمين # وقوله { يتلو عليكم } أي يقرأ عليكم آيات الله يعني دلائله وحججه مبينات ~~أي واضحات في من يفتح الياء ومن كسرها أراد انها تبيين الآيات والتلاوة. ~~من قولهم جاء فلان ثم تلاه فلان أي جاء بعده، ومنه قوله تعالى # ويتلوه شاهد منه # أي يأتي بعده، فالتلاوة جعل كلمة بعد كلمة على ما وضعت عليه من المرتبة ~~في اللغة. والقراءة جمع كلمة الى كلمة بما يسمع من الحروف المفصلة، وهو ~~قولهم قرأت النجوم إذا اجتمعت وظهرت، ويقولون: ما قرأت الناقة سلا قط أي ~~ما جمعت رحمها على ولد. والبيان هو الأدلة. وقيل: هو ما أبان المعنى ~~للنفس بما يفصل من غيره، وهو من قولهم: أبان العضو من غيره إذا قطعه منه. # وقوله { ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات } يعني ظلمات ~~الكفر إلى نور الايمان، وذلك يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى ~~بعث الانبياء ليكفر بهم قوم ويؤمن آخرون. وإنما خص { الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } بالاخراج، لانهم الذين خرجوا بدعائهم من الكفر إلى الايمان. ~~والنور - ها هنا - نور الحق الذي يهدي إلى الرشد والجنة، كما يهدي نور ~~الشمس إلى المواضع المقصودة والظلمة - ها هنا - الباطل الذي ms3434 يعود إلى ~~الغي، كما يعود الظلام من مر فيه من غير دليل الى الهلاك. # ثم قال { ومن يؤمن بالله } أي من يصدق بوحدانيته وإخلاص العبادة له { ~~ويعمل صالحا } أي يعمل الاعمال الصالحات { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } جزاء على ذلك وثوابا عليه { خالدين فيها } نصب على الحال { ~~أبدا } أي مؤبدين لا آخر لنعيمهم { قد أحسن الله لهم رزقا } أي اجزل ~~الله لهم ما ينتفعون به ولا يمنعون منه، فالرزق النفع الجاري فى الحكم، ~~فلما كان النفع للؤمنين فى الجنة جاريا فى حكم الله كان رزقا لهم منه. # وقوله { الله الذي خلق سبع سماوات } اخبار من الله تعالى انه الذي انشأ ~~سبع سموات { ومن الأرض مثلهن } أي وخلق من الارض مثلهن فى العدد لا في ~~الكيفية، لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض. والمثل ما سد مسد غيره ~~فيما يرجع الى ذاته. # وقوله { يتنزل الأمر بينهن } معناه يتنزل الأمر بالتدبير من الله بين ~~السموات وبين الارضين، بحياة بعض وموت بعض، وغنى إنسان وفقر غيره، وسلامة ~~حي وهلاك آخر، وتصريف الأمور على الحكمة لا يكون إلا من قادر عالم وهو ~~معنى قوله { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } فالقادر، هو من كان له ~~مقدور يصح منه إيقاعه على بعض الوجوه كما ان السامع هو من له مسموع موجود ~~والقدير عبارة عمن يجب أن يكون قادرا على ما يصح ان يكون مقدورا له ك ~~{ سميع } يفيد أنه على صفة يجب ان يسمع لأجلها ما يصح ان يكون مسموعا. # وقوله { وإن الله قد أحاط بكل شيء علما } معناه إن معلوماته متميزة له ~~بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته منه شيء، ومثله # ولا يحيطون به علما # أي إنه ليس بمنزلة ما يحضره العلم بمكانه، فيكون كأنه قد احاط به وقوله # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء # معناه ولا يحيطون بشيء من معلومه إلا بما شاء أن يضطرهم اليه أو يدلهم ~~عليه، فهو تذكير بالنعمة أي لا ينالون هذه المنزلة إلا بمشيئة، ms3435 ولولا ذلك ~~لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما شاء، لكن لما دخل التذكير بالنعمة ~~حسن من هذه الجهة وليس فى القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع، غير هذه - ~~ذكره الجبائي - وقوله { لتعلموا أن الله على كل شيء قدير } دليل على ~~بطلان مذهب المجبرة في أن الله أراد من قوم أن يجهلوا كونه على هذه ~~الصفة، لانه تعالى بين انه ذكر ما تقدم وصفه ليعلم المكلفون أجمعون { أن ~~الله على كل شيء قدير وان } تعالى قادر { قد أحاط بكل شيء علما } وعلى ~~مذهب المجبرة إن الله تعالى أراد من جماعة الكفار خلاف ذلك وأراد منهم ان ~~يجهلوه ويجهلوا صفاته وذلك خلاف الظاهر. وقوله { علما } نصب على المصدر ~~ودل عليه قوله تعالى { أحاط بكل شيء علما } كأنه قال: علم كل شيء علما. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # قرأ اهل الكوفة { تظاهرا } خفيفة. الباقون بالتشديد، يعني { تتظاهرا } ~~فأدغم. ومن خفف حذف أحداهما. وقرأ الكسائي وحده { عرف بعضه } خفيفا وهي ~~قراءة الحسن وابي عبد الرحمن، وكان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان ~~بالتشديد خطأه. وقرأ ابن كثير { جبريل } بفتح الجيم وكسر الراء من غير ~~همزة. وقرأ - بكسر الجيم والراء من غير همز - نافع وابو عمرو وابن عامر ~~وحفص عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مقصور على وزن (جحمرش) ~~أبو بكر عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء مهموزة بين الراء والياء على ~~وزن (خزعيل) حمزة والكسائي وقد بينا الوجه فى ذلك في سورة البقرة. قال ~~ابو علي: جبريل - بكسر الجيم - بلا همزة على وزن (قنديل) وبفتح الجيم ~~والراء والهمزة مع المد على وزن (عندليب) وبفتح الجيم والراء وكسر الهمزة ~~على وزن (جحمرش) وليس في العربية على وزن (قنديل) بفتح القاف غير أنه جاء ~~خارجا على أوزان العربية. # هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وعتاب له على تحريم ما ~~أباحه الله له وأحله له، ولا يدل على انه وقعت منه معصية، لان العتاب قد ~~يكون على أمر قد يكون ms3436 الأولى خلافه، كما يكون على ترك الواجب. # وقيل في سبب نزول قوله { يا أيها النبي } قولان: # احدهما - قال زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وابن زيد والضحاك: ان ~~النبي صلى الله عليه وآله حرم على نفسه مارية القبطية بيمين انه لا يقر ~~بها طلبا لمرضاة حفصة زوجته، لانها غارت عليه من أجلها، وقال الحسن: حرم ~~رسول الله أم ولده إبراهيم، وهي مارية القبطية على نفسه فأسر بذلك الى ~~زوجته حفصة فأفضت به إلى عائشة وكانت حفصة بنت عمر قد زارت عائشة، فحلا ~~بيتها، فوجه رسول الله الى مارية القبطية، وكانت معه وجاءت حفصة فأسر ~~اليها التحريم. # والقول الثاني - ما رواه عبد الله بن شداد بن الهلال: ان النبي صلى الله ~~عليه وآله كان شرب عند زينب شراب عسل كانت تصلحه له، فكان يطول مكثه ~~عندها فكره ذلك عائشة وحفصة، فقالت له إنا نشم منك ريح المغافير، وهي ~~بقلة متغيرة الرائحة - في قول المفسرين - وقال الزجاج: هي بقلة منتنة، ~~فحرم النبي صلى الله عليه وآله شراب العسل الذي كان يشربه عند زوجته زينب ~~بنت جحش. وقيل: ذكرت ذلك له حفصة، فحرمه النبي صلى الله عليه وآله على ~~نفسه. ومن قال: انها نزلت بسبب مارية قال: انه قال: هي علي حرام، فجعل ~~الله فيه كفارة يمين - ذكره ابن عباس والحسن - ومن قال: إن التحريم كان ~~فى شراب كان يعجبه قال: إنه حلف على انه لا يشربه فعاتبه الله على تحريم ~~ما أحل الله له. # والتحريم تبيين ان الشيء حرام لا يجوز، ونقيضه الحلال. والحرام هو ~~القبيح الممنوع بالنهي عنه، والحلال الحسن المطلق بالاذن فيه. وعندنا أنه ~~لا يلزم بقوله أنت علي حرام شيء، ووجوده كعدمه، وهو مذهب مسروق. وفيه ~~خلاف بين الفقهاء ذكرناه فى الخلاف. وإنما اوجب الله الكفارة، لانه صلى ~~الله عليه وآله كان حلف ألا بقرب جاريته أو لا يشرب الشراب المذكور، ~~فعاتبه الله على ذلك وأوجب عليه ان يكفر عن يمينه ويعود الى استباحة ما ~~كان يفعله. وبين أن ms3437 التحريم لا يحصل إلا بأمر الله ونهيه، وليس يصير ~~الشيء حراما بتحريم محرم، ولا باليمين على تركه، فلذلك قال { لم تحرم ما ~~أحل الله لك }. # وقوله { تبتغي مرضات أزواجك } معناه إنك تطلب رضاء أزواجك في تحريم ما ~~أحله الله لك. فالابتغاء الطلب، ومنه البغي طلب الاستعلاء بغير حق، ~~والبغية معتمد الطلب والبغي الفاجرة لطلبها الفاحشة. # وقوله { والله غفور رحيم } معناه ارجع الى الأولى والأليق، فان الله ~~يرجع للتائب الى التولي، لانه غفور رحيم. # وقوله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } أي قد قدر الله تعالى ما تحلون ~~به يمينكم إذا فعلتموه، وذلك يدل على انه صلى الله عليه وآله كان حلف دون ~~ان يكون قال: هي علي حرام، لان ذلك ليس بيمين - عند اكثر الفقهاء - وقال ~~الحسن: فرض الله تحلة اليمين في الكفارة للمؤمنين. فأما النبي صلى الله ~~عليه وآله فلا كفارة عليه، لان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر. وتحلة اليمين هو فعل ما يسقط تبعته في اليمين إما بكفارة او بتناول ~~شيء من المحلوف عليه، فمن حلف ألا يأكل من هذا الطعام، فمتي أكله حنث، ~~ولزمته كفارة، وينحل اليمين بها، ومن حلف أنه يأكل من هذا الطعام وأكل ~~منه شيئا قليلا فقد انحلت يمينه، فلذلك سمي تحلة اليمين. # وقوله { والله مولاكم } معناه الله ناصركم، وهو أولى بكم منكم بأنفسكم، ~~ومن كل احد { وهو العليم } بجميع الاشياء { الحكيم } فى جميع أفعاله. # وقوله { وإذ أسر النبي } معناه واذكروا حين أسر النبي { إلى بعض أزواجه ~~حديثا } فالاسرار القاه المعنى إلى نفس المحدث على وجه الاخفاء عن غيره، ~~يقال: أسر اليه كذا وكذا إسرارا والاسرار نقيض الاعلان. وقيل: إنه كان ~~أسر إلى حفصة ألا تخبر عائشة بكونه مع مارية فى يوم عائشة وقال إنه حرمها ~~على نفسه، فأطلعت عليه عائشة. وقيل: إنه كان يوم حفصة، فأطلعت عليه عائشة ~~فاستكتمها النبي فأخبرت حفصة بذلك فانتشر الخبر فعاتبهم الله على ذلك. ~~وقال الزجاج والفراء: أسر اليها بأنه سيلي الأمر بعده ms3438 أبو بكر وعمر ~~وعثمان فتباشروا بذلك فانتشر الخبر. # وروى أصحابنا انه أسر الى عائشة بما يكون بعده من قيام من يقوم بالأمر ~~ورفع علي عليه السلام عن مقامه فبشرت بذلك أباها فعاتبهم الله على ذلك. # وقوله { فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض } معناه ~~لما أخبرت التي اسر اليها الذي خبرها به الى غيرها وأعلم الله تعالى نبيه ~~ذلك واظهره له { عرف بعضه وأعرض عن بعض } فمن قرأ بالتخفيف قال الفراء: ~~معناه إنه عاتب على بعض ذلك وصفح عن الباقي. وروي انه طلق حفصة تطليقة ~~جزاء على ذلك ثم راجعها بأمر الله تعالى، وقيل: معنى قراءة من شدد أراد ~~انه صلى الله عليه وآله أعلمها جميع ذلك وعرفها إياه، فلما نبأها به يعني ~~لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله، زوجته بذلك وعرفها أنها افشت سره { ~~قالت } له فى الجواب { من أنبأك هذا } أي من اخبرك بهذا فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله { نبأني } أي اخبرني بذلك واعلمني { العليم } بجميع ~~المعلومات { الخبير } بسرائر الصدور الذي لا يخفى عليه شيء من أمور عباده ~~ظاهرا وباطنا. # ثم خاطبهما يعني عائشة وحفصة وقال قل لهما { إن تتوبا إلى الله } وترجعا ~~الى طاعته { فقد صغت قلوبكما } قال ابن عباس ومجاهد: معناه زاغت قلوبكما ~~إلى الاثم. وقال عمر بن الخطاب وجميع أهل التأويل: انه عنى عائشة وحفصة، ~~وقال بعضهم: معناه مالت قلوبكما الى ما كرهه الله من تحريم ما حرمه. ~~وقوله { فقد صغت قلوبكما } من صلة { إن تتوبا إلى الله } والجواب محذوف، ~~وتقديره إن تتوبا الى الله قبلت توبتكما، وقال قوم { فقد صغت قلوبكما } ~~جواب كقول القائل إن تتابع المجيء الي فلقد جفوتني وقطعتني دهرا أي يحق ~~لك ان تفعل ذلك، فقد صرمت فيما قبل. وإنما قال { قلوبكما } مع أن لهما ~~قلبين، لأن كلما تثبت الاضافة فيه معنى التثنية، فلفظ الجمع أحق به، لأنه ~~أمكن واخف باعراب الواحد وقلة الزائد. وذلك فى كل شيئين من شيئين، ويجوز ~~التثنية لأنها الاصل، كما ms3439 قال الراجز: # ظهراهما مثل ظهور الترسين # فجمع المذهبين. وقوله { وإن تظاهرا عليه } معناه وإن تعاونا على خلافه { ~~فإن الله هو مولاه } يعني الله الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته { وجبريل ~~} ايضا معين له وناصره { وصالح المؤمنين } قال الضحاك: يعنى خيار ~~المؤمنين. وقال قتادة: يعني أتقياء المؤمنين. وقال الزجاج: { صالح ~~المؤمنين } واحد فى موضع الجمع، وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: هو ~~صالحوا المؤمنين على الجمع، غير انه حذفت الواو للاضافة، وهذا غلط، لأن ~~النون سقطت للاضافة، فكان يجب ان يثبت الواو في الحظ، وفي المصاحف بلا ~~واو، # وروت الخاصة والعامة أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام وذلك يدل على انه أفضلهم، لان القائل إذا قال: فلان فارس قومه او ~~شجاع قبيلته او صالحهم، فانه يفهم من جميع ذلك انه افرسهم واشجعهم ~~واصلحهم. # وقوله { والملائكة بعد ذلك ظهير } معناه إن الملائكة بعد من ذكره معينون ~~له، فالظهير المعين الذي هو كالظهر له في القوة. # وقوله { عسى ربه إن طلقكن } معاشر نساء النبي { أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن } فمن خفف الدال، فلأنه يدل على القليل والكثير، ومن شدد أراد ان ~~الله يبدلهن اكثر منهن. ومعنى { خيرا منكن } أي افضل منكن وأصلح له. ثم ~~وصفهن تعالى فقال { مسلمات } وهن اللواتي يظهرن الاسلام والشهادتين ~~مستسلمات لما أمر الله به { مؤمنات } أي مصدقات بتوحيد الله واخلاص ~~العبادة له مقرات بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله وقيل: معناه مصدقات في ~~قولهن وفعلهن { قانتات } أي خاضعات متذللات لله تعالى. وقيل: معنى { ~~قانتات } راجعات الى الله بفعل ما يجب له - عز وجل - { عابدات } لله بما ~~تعبدهن به من العبادات متذللات له { سائحات } معناه ماضيات في طاعة الله. ~~وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: معنى سائحات صائمات. وقال زيد ابن اسلم: ~~معنى { سائحات } مهاجرات، وهو اختيار الجبائي وقيل: للصائم سائح، لانه ~~يستمر فى الامساك عن الطعام والشراب، كما يستمر السائح فى الارض { ثيبات ~~} وهن الراجعات من عند الأزواج بعد افتضاضهن مشتق من ثاب يثوب اذا رجع ms3440 { ~~وأبكارا } جمع بكر، وهي التي على أول حالها قبل الافتضاض. ### || [66.6-10] # قرأ { نصوحا } بضم النون حماد ويحيى الباقون بفتحها، وهما لغتان، وقال ~~قوم: من فتح النون جعله نعتا للتوبة وحمله على الكثرة. ومن ضمه جعله ~~مصدرا # هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين صدقوا بتوحيد الله واخلاص ~~العبادة له وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه وآله يأمرهم بأن يقوا أنفسهم ~~أي يمنعونها، ويمنعون أهليهم نارا، وانما يمنعون نفوسهم بأن يعملوا ~~الطاعات، ويمنعون أهليهم بأن يدعوهم اليها ويحثوهم على فعلها، وذلك يقتضي ~~أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي ان يكون للأقرب فالاقرب. وقال ~~مجاهد وقتادة: معنى { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } مروهم بطاعة الله ~~وانهوهم عن معصيته. # ثم وصف تعالى النار التي حذرهم منها فقال { وقودها الناس والحجارة } قيل ~~حطب تلك النار الناس والحجارة كوقود الكبريت وهو اشد ما يكون من العذاب { ~~عليها ملائكة غلاظ } في الاخلاق وإن كانوا رقاق الاجسام، لان الظاهر من ~~حال الملك انه روحاني فخروجه عن الروحانية كخروجه عن صورة الملائكة { ~~شداد } في القوى { لا يعصون الله ما أمرهم } به. وفي ذلك دلالة على ان ~~الملائكة المؤكلين بالنار وبعقاب العصاة معصومون عن فعل القبيح لا ~~يخالفون الله في أمره ويمتثلون كل ما يأمرهم به، وعمومه يقتضي انهم لا ~~يعصونه في صغيرة ولا كبيرة. وقال الرماني: لا يجوز أن يعصي الملك في ~~صغيرة ولا كبيرة لتمسكه بما يدعو اليه العقل دون الطبع. وكل من تمسك بما ~~يدعو اليه العقل دون الطبع، فانه لا يقع منه قبيح. وقد اختارهم الله على ~~ما في المعلوم منهم وقيل: هم غلاظ شداد يعذبون على قدر قواهم بأنواع ~~العذاب. وقال الجبائي قوله { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } ~~يعني - في دار الدنيا - لان الآخرة ليست دار تكليف. وإنما هي دار جزاء. ~~وإنما أمرهم الله بتعذيب اهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ~~ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة. # ثم حكى ما يقال للكفار ms3441 يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول { يا ~~أيها الذين كفروا } نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا ~~يستحقها، وكذبوا أنبيائي ورسلي { لا تعتذروا اليوم } فان اليوم دار جزاء ~~لا دار توبة واعتذار { إنما تجزون } على قدر { ما كنتم تعملون } في ~~الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم، وعلى المعاصي بالعقاب ودخول ~~النار، وانتم مستحقون لذلك. # ثم عاد إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال { يا أيها الذين آمنوا ~~توبوا إلى الله } من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته { توبة نصوحا } أي توبة ~~خالصة لوجه الله. فمن قرأ - بضم النون - وهو أبو بكر عن عاصم أراد ~~المصدر، ومن فتح النون جعله صفة للتوبة ونعتا لها. # والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الانسان نفسه باخلاص الندم مع العزم ~~على ألا يعود إلى مثله في القبح. وقوله { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم ~~} معناه متى تبتم توبة نصوحا كفر الله عنكم سيئاتكم، وغفر لكم فان { عسى ~~} من الله واجبة { ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار } مضافا إلى ~~تكفير السيئآت والعفو عنها { يوم لا يخزي الله النبي } ولا يخزي { الذين ~~آمنوا معه } أي لا يذلهم ولا يعاقبهم بل يعزهم بادخال الجنة. # ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين معه فقال { يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم } قال ابن عباس: معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى ~~{ يقولون ربنا } في موضع الحال، وتقديره قائلين { ربنا أتمم لنا نورنا } ~~قال: يقول ذلك المؤمنون حين يطفئ نور المنافقين ويبقون فى الظلمة فيسأل ~~المؤمنون حينئذ إتمام نورهم { واغفر لنا } أي استر علينا معاصينا ولا ~~تهلكنا بها { إنك على كل شيء قدير } لا يعجزك شيء. # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال { يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين } قيل: معناه جاهد الكفار بالقتال والحرب، والمنافقين بالقول ~~الذي يردع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود، فلذلك سماه ~~جهادا. وفي قراءة اهل البيت { جاهد الكفار بالمنافقين } لأنه صلى الله ~~عليه وآله كان يجاهد الكفار وفي عسكره جماعة ms3442 من المنافقين يقاتلون معه. ~~وقوله { واغلظ عليهم } أي اشدد عليهم. قال الحسن: اكثر من كان يصيب ~~الحدود فى ذلك الزمان المنافقون. فأمر الله أن يغلظ عليهم فى إقامة ~~الحدود. ثم قال { ومأواهم } يعني مأوى الكفار والمنافقين ومستقرهم { جهنم ~~وبئس المصير } لما فيها من أنواع العقاب. # وقوله { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا صالحين } قال ابن عباس: كانت امرأة نوح وأمرأة لوط ~~منافقتين { فخانتاهما } قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة، تقول للناس ~~انه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما لهما، وما ~~زنت امرأة نبي قط، لما فى ذلك من التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، ~~فمن نسب أحدا من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطاء عظيما، وليس ذلك ~~قولا لمحصل. ثم قال { فلم يغنيا عنهما } أي لم يغن نوح ولوط عن المرأتين ~~{ من الله شيئا } أي لم ينجياهما من عقاب الله وعذابه { وقيل } لهما يوم ~~القيامة { ادخلا النار مع الداخلين } من الكفار. وقال الفراء: هذا مثل ~~ضربه الله تعالى لعائشة وحفصة، وبين انه لا يغنيهما ولا ينفعهما مكانهما ~~من رسول الله إن لم يطيعا الله ورسوله، ويمتثلا أمرهما، كما لم ينفع ~~امرأة نوح وامرأة لوط كونهما تحت نبيين. وفي ذلك زجر لهما عن المعاصي ~~وامر لهما أن يكونا كآسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران فى طاعتهما لله ~~تعالى وإمتثال أمره ونهيه. ### || [66.11-12] # قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم ونافع فى رواية خارجة { وكتبه } على الجمع. ~~الباقون " وكتابه " على واحد، لانه إسم جنس يقع على القليل والكثير. ~~والفائدة في هذه الآية، وفي الآية التي قبلها: أن احدا لا ينفعه إلا ~~عمله ولا يؤخذ بجرم غيره، ولا يثاب على طاعة غيره، وإن كان خصيصا به ~~وملازما له. وتبين ان امرأة نوح وامرأة لوط لم ينفعهما قربهما من نبيين ~~واختصاصهما والتصاقهما بهما، لما كانتا كافرتين عاصيتين لله تعالى بل ~~عاقبهما الله بالنار بكفرهما وسوء أفعالهما. # وبين في هذه الآية أن ms3443 كفر فرعون لم يتعد إلى زوجته لما كانت مؤمنة ~~طائعة لله تعالى خائفة من عقابه، بل نجاها الله من عقابه وأدخلها الجنة ~~على إيمانها وطاعتها، فضرب المثل الاول للكفار لما كانت المرأتان ~~كافرتين، وضرب المثل الثاني للمؤمنين، لما كانت امرأة فرعون مؤمنة، فقال ~~{ وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون } واسمها آسية. والمثل قول ~~سائر يشبه فيه حال الثاني بالاول. فهذه الآية فيها قول فيه تشبيه حال ~~المؤمنة التي زوجها كافر بحال امرأة فرعون في انه لا يضرها كفره مع قربها ~~منه، كما أن امرأة نوح وأمرأة لوط، لم ينفعهما نبوتهما وإيمانهما حين ~~كانتا كافرتين. # وقوله { إذ قالت } أي حين قالت امرأة فرعون داعية الله { رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني } أي وخلصني { من فرعون وعمله } يعني من مثل سوء ~~عمله { ونجني من القوم الظالمين } يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله ~~واستحقوا لذلك العقاب. وإنما دعت بالخلاص من عمل الكفار بأن سألت الله ~~تعالى أن يلطف لها في التمسك بالايمان، وألا تعتر بتمكين الله لفرعون ~~وكفار قومه وطول سلامته وسوابغ نعمته عليهم والانس به لطول مخالطته ~~وصحبته، فربما أفتنت من هذه الوجوه، فدعت بهذا ليلطف الله لها في ذلك ~~وتبقى على التمسك بالايمان. # وقوله { ومريم ابنت عمران } يحتمل ان يكون عطفا على قوله { امرأة فرعون ~~} فلذلك نصبه. والعامل { وضرب } فكأنه قال: وضرب مثلا مريم ابنت عمران، ~~ويحتمل ان يكون نصبا على تقدير واذكر أيضا مريم بنت عمران { التي أحصنت ~~فرجها } فاحصان الفرج منعه من دنس المعصية يقال: أحصن يحصن إحصانا، ومنه ~~الحصن الحصين، لأنه بناء منيع، والفرس الحصان الذي يمنع من ركوبه إلا ~~مقتدرا على تلك الحال، وامرأة حصان - بفتح الحاء - لأنها تمنع من لمس ~~الحرام. # وقوله { فنفخنا فيه من روحنا } قال قتادة معناه فنفخنا في جيبها من ~~روحنا وقال الفراء: كل شق فهو فرج فاحصنت فرجها منعت جيب درعها من ~~جبرائيل عليه السلام والظاهر انه أراد الفرج الذي يكنى عنه. وقوله { فيه ~~} يعني في الفرج، فلذلك ذكر ms3444 في الانبياء { فيها } لأنه رده إلى التي ~~أحصنت فرجها. # وقيل: إن جبرائيل عليه السلام نفخ في فرجها، فخلق الله - عز وجل - فيه ~~المسيح { وصدقت بكلمات ربها } يعني بما تكلم الله به، وأوحاه إلى انبيائه ~~وملائكته { وكتبه } أي وصدقت بكتبه التي أنزلها على انبيائه. فمن قرأ { ~~وكتبه } جمع لانها كتب مختلفة. ومن وحد ذهب إلى الجنس، وهو يدل على ~~القليل والكثير { وكانت من القانتين } وإنما لم يقل من القانتات لتغليب ~~المذكر على المؤنث، فكأنه قال من القوم القانتين، فالقانت المقيم على ~~طاعة الله. وقيل: معناه الداعي لله فى كل حال، وقال الحسن: رفع الله آسية ~~إمرأة فرعون إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها إلى يوم القيامة، ~~فنجاها الله أكرم النجاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال # " حسبك من نساء العالمين أربع: مريم ابنت عمران، وآسية إمرأة فرعون، ~~وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله " # وروي أن فرعون امر أن تسمر آسية بأربع مسامير ويرفع فوقها حجر الرخام، ~~فان رجعت عن قولها وإلا أرسل عليها الحجر فأراها الله منزلها من الجنة، ~~فاختارت الجنة فنزع الله روحها، فلما ارسل الحجر وقع على جسد ميت. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-5] # قرأ حمزة والكسائي { من تفوت } بتشديد الواو بلا ألف. الباقون { تفاوت ~~} على وزن تفاعل. ومعناهما واحد. وهو مثل: تصعر وتصاعر، وتعهد وتعاهد. ~~والتفاوت إختلاف التناقض، وهو تباعد ما بين الشيئين فى الصحة. والتباين ~~امتناع كل واحد من المعنيين ان يصح مع الآخر. # يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وعلو شأنه { تبارك الذي بيده الملك } ~~فمعنى تبارك بأنه الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وأصل الصفة من الثبوت من ~~البرك وهو ثبوت الطائر على الماء. ومنه البركة ثبوت الخير بنمائه. وقيل: ~~معناه تعاظم بالحق من لم يزل ولا يزال، وهو راجع إلى معنى الثابت الدائم. ~~وقيل: المعنى تبارك من ثبوت الاشياء به إذ لولاه لبطل كل شيء لانه لا يصح ~~شيء سواه إلا مقدوره او مقدور مقدوره، الذي هو ms3445 القدرة، لان الله تعالى ~~هو الخالق لها. وقيل: إن معناه تبارك لان جميع البركات منه، إلا ان هذا ~~المعنى مضمن فى الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به تعالى باستحقاق ~~التعظيم. # وقوله { الذي بيده الملك } معناه الذي يجب كونه قادرا وانه السلطان ~~العظيم الذي كل ملك له، ليس من ملك إلا داخل فيه لان الله تعالى مالك ~~الملوك، وممكنهم منها. والملك هو إتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. # وقوله { وهو على كل شيء قدير } معناه إن الذي بيده الملك والسلطان ~~القادر على كل شيء يصح ان يكون مقدورا له وهو أخص من قولنا: وهو بكل شيء ~~عليم، لأنه تعالى يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما فى نفسه، ولا يوصف ~~بكونه قادرا إلا على ما يصح ان يكون مقدورا له، لان مقدور القدرة لا ~~يصح أن يكون مقدورا له، وكذلك ما تقضى وقته مما لا يبقى لا يصح ان يكون ~~مقدورا فى نفسه. # ثم وصف تعالى نفسه فقال { الذي خلق الموت والحياة } أي خلق الموت للتعبد ~~بالصبر عليه، والحياة للتعبد بالشكر عليها. وقيل: وجه خلق الموت والحياة ~~للابتلاء هو ما فيها من الاعتبار المؤدي إلى تثبيت قادر على الاضداد مع ~~التحذير فى كل حال من مجيء الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، ومع ~~التسوية بين الغني والفقير والملك والسوقة فى الموت بما يقتضي قاهرا ~~للجميع قد عمهم بحسن التدبير فقد أذل الله ابن آدم بالموت ليكون أبعد من ~~الطغيان فى حال التمكين من العصيان. وفى كون الموت معنى خلاف بين ~~الشيخين: أبي، وأبي هاشم. # وقوله { ليبلوكم } معناه ليعاملكم معاملة المختبر بالامر والنهي فيجازي ~~كل عامل على قدر عمله، الابتلاء الاختبار. وقال الفراء والزجاج: في ~~الكلام اضمار وتقديره ليبلوكم فيعلم أيكم، لأن حروف الاستفهام لا تشغل ~~إلا بفعل يتعلق بالجملة على تقدير المفرد كقولك: علمت أزيد في الدار أم ~~عمرو، وتقديره وقد علمت ان احدهما في الدار (وعرفت، ونظرت) بمنزلة (علمت) ~~في هذا، لانها توافقها في (عرفت انه في الدار) ms3446 و (نظرت بقلبي انه في ~~الدار) ومثله # سلهم أيهم بذلك زعيم # أي سؤال من يطلب ان يعلم ايهم بذلك زعيم، ولو قلت اضرب ايهم ذهب لم يكن ~~إلا نصبا، لانه بمعنى الذي. والقديم تعالى وإن كان عالما بالاشياء قبل ~~كونها، فانما يبتلي الخلق ويختبرهم اختبار من يطلب العلم، حتى يجازي على ~~الفعل بحسبه، ولما كان لم يحسن الثواب والعقاب والتعظيم والاجلال إلا بعد ~~وجود الطاعة والمعصية لم يكن بد من التكليف، والأمر والنهي فأجرى عليه ~~الاختبار مجازا. # وقوله { وهو العزيز } في انتقامه من اعدائه والكافرين لنعمه، لا يقدر ~~أحد على مغالبته ومقاهرته، غفور لمن تاب اليه، او إن يريد التفضل باسقاط ~~عقابه ولا يصح التكليف إلا مع الترغيب والترغيب، لأن التمكين من الحسن ~~والقبيح يقتضي ذلك، والتكليف تحميل المشقة في الأمر والنهي. # ثم عاد إلى صفات نفسه فقال { الذي خلق سبع سماوات طباقا } أي انشأ ~~واخترع سبع سموات واحدة فوق الأخرى { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ~~يعني من اختلاف وتناقض، وذلك يدل على ان ما فيه تفاوت من الكفر والمعاصي ~~ليس من خلق الله، لانه نفى نفيا عاما أن يكون فيما خلقه تفاوت. وتفاوت ~~وتفوت مثل تصاعر وتصعر. # ثم نبه تعالى العاقل على صحة ما قاله من انه ليس فى خلق الله تفاوت. ~~فقال { فارجع البصر } أي فرد البصر وأدرها فى خلق الله من السموات { هل ~~ترى من فطور } أي من شقوق وصدوع يقال: فطره يفطره، فهو فاطر إذا شقه ومنه ~~قوله # تكاد السماوات يتفطرن منه # أى يتصدعن. وقال ابن عباس: معناه هل ترى من وهن، وقال قتادة: من خلل. ~~وقال سفيان: من شقوق. ثم أكد ذلك بقوله { ثم ارجع البصر كرتين } أي دفعة ~~ثانية، لان من نظر فى الشيء كرة بعد أخرى بان له ما لم يكن باينا له. # ثم بين انه إذا فعل ذلك وتردد بصره فى خلق الله انقلب اليه بصره ورجع ~~اليه خاسئا يعني ذليلا صاغرا - فى قول ابن عباس - وذلك كذلة من طلب ms3447 ~~شيئا لم يجده وأبعد عنه { وهو حسير } قال قتادة: معناه كال معي، ~~فالحسير الكليل، كما يحسر البعير. # ثم أقسم الله تعالى بقوله { ولقد زينا السماء الدنيا... } لان لام { لقد ~~} هي التي يتلقى بها القسم بأنه زين السماء أي حسنها وجملها أي السماء ~~الدنيا بالمصابيح، يعني الكواكب وسميت النجوم مصابيح لاضاءتها، وكذلك ~~الصبح. والمصباح السراج وواحد المصابيح مصباح. قال قتادة: خلق الله تعالى ~~النجوم لثلاث خصال: احدها زينة السماء. # وثانيها رجوما للشياطين. وثالثها علامات يهتدى بها، فعلى هذا يكون ~~تقديره وجعلنا فيها. وقوله { واعتدنا لهم عذاب السعير } معناه إنا جعلنا ~~الكواكب رجما للشياطين أعتدنا لهم وادخرنا لأجلهم عذاب السعير يعني ~~النار المسعرة، فالسعير النار المسعرة المشتعلة. وقيل: ينفصل من الكواكب ~~شهاب بأن يكون رجوما للشياطين، فأما الكوكب نفسه، فليس يزول إلى أن يريد ~~الله فناءه، ففي هذه الآيات بيان ما يجب من تعظيم الله تعالى لم يزل ولا ~~يزال، وأن له الملك الكبير، وانه على كل شيء قدير. وفيها بيان ما يجب ~~اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله فللابتلاء، بما يصح معه التكليف للعمل ~~الذي يوجب الثواب جزاء على الاحسان مع رحمة من تاب بالغفران وشدة ~~الانتقام ممن أقام على معصيته. وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما ~~خلقه الله محكم لا تفاوت فيه، لأنه على ما تقتضيه الحكمة فى المتعة ~~والعبرة وما يصح به الزجر من السيئة. وفيها بيان ما يجب اعتقاده مما ~~اقتضت الحكمة فيه التلاؤم من غير فطور، ولا عدول عن الصواب من أمر ~~السموات والافلاك والنجوم، وما خلق فيها من المصابيح زينة لها ورجوما ~~للشياطين مع ان عاقبتهم إلى عذاب السعير. ### || [67.6-11] # قرأ ابو جعفر والكسائي { فسحقا } بضم الحاء مثقل. الباقون بالتخفيف، ~~وهما لغتان. # لما ذكر الله تعالى ما أعد للشياطين من عذاب السعير، ذكر عقيبه وعيد ~~الكفار وما أعد لهم لاتصال ذلك بوعيد النار، فقال { وللذين كفروا } يعني ~~بتوحيد الله وإخلاص عبادته وجحدوا نبوة رسله وما جاءوا به { عذاب جهنم } ~~ثم قال { وبئس ms3448 المصير } أي بئس المآل والمرجع. وإنما وصفه ب { بئس } وهي ~~من صفات الذم، والعقاب حسن، لما في ذلك من الضرر الذى يجب على كل عاقل أن ~~يتقيه بغاية الجهد واستفراغ الوسع ومع هذا ليس يخفى المراد فى ذلك على ~~أحد. ولا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به الفاعل، لأنه لا يوصف به الفاعل ~~إلا على وجه الذم، لانه لا يقال: بئس الرجل إلا لمن كان مستحقا للذم من ~~حيث أن القادر قادر على الضدين. # ووجه الحكمة في فعل العقاب ما فيه من الزجر المتقدم للمكلف، ولا يمكن ان ~~يكون مزجورا إلا به ولولاه لكان مغرى بالقبيح. # ثم قال تعالى { إذا ألقوا فيها } ومعناه إذا طرح الكفار فى النار { ~~سمعوا لها } يعني للنار { شهيقا } وصوتا فظيعا بنفس كالنزع، فاذا اشتد ~~لهيب النار سمع لها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود، قال رؤبة: # حشرج فى الجوف سحيلا او شهق # حتى يقال ناهق وما نهق # وقال ابو العالية: الشهيق فى الصدر، والزفير فى الحلق وقوله { وهي تفور ~~} أي ترتفع، فالفور ارتفاع الشيء بالغليان، يقال: فارت القدر تفور فورا ~~ومنه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان. وفار الدم فورانا، وفار ~~الماء يفور فورا. # وقوله { تكاد تميز من الغيظ } أي تكاد النار تتفرق وتنقطع من شدتها، ~~وسمى شدتها والتهابها غيظا لأن المغتاظ هو المتقطع بما يجد من الألم ~~الباعث على الايقاع لغيره، فحال جهنم كحال المغتاظ، فالتميز التفرق ~~والتمييز التفريق. وقال ابن عباس { تميز } أي تفرق، وهو قول الضحاك وابن ~~زيد. # وقوله { كلما ألقي فيها فوج } يعني كلما طرح فى النار فوج من الكفار { ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير } يعني تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار ~~على وجه التبكيت لهم فى صيغة الاستفهام: ألم يجئكم مخوف من جهة الله ~~يخوفكم عذاب هذه النار؟! فيقولون فى جوابهم { بلى قد جاءنا نذير } أي ~~مخوف معلم { فكذبنا } ولم نصدقه ولم نقبل منه { وقلنا ما أنزل الله من ~~شيء } مما تدعوننا اليه وتحذروننا منه فتقول لهم الملائكة { إن أنتم إلا ~~في ms3449 ضلال كبير } أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم. { وقالوا } أيضا يعني ~~الكفار { لو كنا نسمع } من النذر ما جاؤنا به { او نعقل } ما دعونا اليه ~~وعملنا به { ما كنا في أصحاب السعير } فقال الله تعالى { فاعترفوا بذنبهم ~~} يعني أقر اهل النار بمعاصيهم في ذلك الوقت الذي لم ينفعهم الاعتراف. # فالاعتراف هو الاقرار بالشيء عن معرفة، وذلك ان الاقرار مشتق من قر ~~الشيء يقر قرا إذا ثبت، فالمقر في المعنى مثبت له والاعتراف مأخوذ من ~~المعرفة. فقال الله تعالى { فسحقا لأصحاب السعير } أي بعدا لهم عن ~~الخير وعن ثواب الله ونعمه، فكأنه قال اسحقهم الله سحقا او ألزمهم الله ~~سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير لفظه، كما قال الله تعالى # والله أنبتكم من الأرض نباتا # وتقديره فأسحقهم الله إسحاقا لأنه مأخوذ منه فأما سحقته سحقا فمعناه ~~باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه بما صار اليه كالغبار. وليس لأحد أن ~~يقول: ما وجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به؟! وذلك أنهم قد ~~علموا انهم قد حصلوا على الفضيحة اعترفوا او لم يعترفوا وانهم سواء عليهم ~~أجزعوا أم صبروا، فليس يدعوهم إلى أحد الأمرين إلا بمثل ما يدعوهم إلى ~~الآخر في أنه لا فرج فيه، فلا يصلح أن يقال لم جزعوا إلا بمثل ما يصلح أن ~~يقال لم صبروا، وكذلك لم اعترفوا بمنزلة لم لم يعترفوا على ما بيناه، ~~والذنب مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومتى جمع فلاختلاف جنسه، كما يقال غطاء ~~الناس واغطيتهم. ### || [67.12-15] # لما وصف الله تعالى الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب، ذكر المؤمنين ~~وما أعده لهم من جزيل الثواب، فقال { إن الذين يخشون ربهم } أي يخافون ~~عذاب ربهم باتقاء معاصيه وفعل طاعاته { بالغيب } أي على وجه الاستسرار ~~بذلك لان الخشية متى كانت بالغيب على ما قلناه كانت بعيدة من النفاق، ~~وخالصة لوجه الله. وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب، ~~والخشية في الظاهر وترك المعاصي لا يستحق بها الثواب وإنما لا يستحق ~~عليها العقاب. ms3450 وإنما الخشية في الغيب أفضل لا محالة. # وقوله { لهم مغفرة وأجر كبير } أي لمن خشي الله واتقاه بالغيب ستر الله ~~على معاصيه ولهم ثواب كبير لا فناء له. وقيل: معنى { يخشون ربهم بالغيب } ~~أي يخافونه، وهم لا يرونه. وقيل { بالغيب } أي في سرهم وباطنهم، ومن علم ~~ضمائر الصدور علم إسرار القائل إلى غيره. وقال الحسن: معناه يخشون ربهم ~~بالآخرة لانها غيب يؤمنون به، وكل من خشي ربه بالغيب خشيه بالشهادة، وليس ~~كل من خشيه بالشهادة يخشى بالغيب. # ثم قال مهددا للعصاة { وأسروا قولكم أو اجهروا به } ومعناه إن شئتم ~~أظهروه وإن شئتم ابطنوه فانه عالم بذلك ل { إنه عليم بذات الصدور } فمن ~~علم ضمائر الصدور علم إسرار القول. # وقوله { ألا يعلم من خلق } معناه من خلق الصدور يعلم ما في الصدور ويجوز ~~ان يكون المراد ألا يعلم من خلق الاشياء ما في الصدور. وقيل تقديره ألا ~~يعلم سر العبد من خلقه يعني من خلق العبد، ويجوز أن يكون المراد ألا يعلم ~~سر من خلق، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. ولا يجوز أن يكون ~~المراد ألا يعلم من خلق افعال القلوب، لأنه لو أراد ذلك لقال ألا يعلم ما ~~خلق، لانه لا يعبر عما لا يعقل ب { من } ولا يدل ذلك على أن الواحد منا ~~لا يخلق أفعاله من حيث أنه لا يعلم الضمائر، وإنا بينا أن المراد ألا ~~يعلم من خلق الصدور أي خلق الاشياء والواحد منا لا يخلق ذلك فلا يجب أن ~~يكون عالما بالضمائر. # وقوله { وهو اللطيف الخبير } معناه هو اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بلطف ~~التدبير، فلطيف التدبير هو الذي يدبر تدبيرا نافذا لا يخفو عن شيء ~~يدبره به { الخبير } معناه العالم بهم وبأعمالهم. # ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومعددا لأنواع نعمه عليهم { هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا } يعني سهلا سهلها لكم تعملون فيها ما تشتهون { فامشوا ~~في مناكبها } قال مجاهد: مناكبها طرقها وفجاجها. وقال ابن عباس وقتادة: ~~مناكبها جبالها { وكلوا من رزقه } صورته ms3451 صورة الأمر والمراد به الاباحة ~~والأذن، أذن الله تعالى أن يأكلوا مما خلقه لهم وجعله لهم رزقا على ~~الوجه الذي أباحه لهم { وإليه النشور } أي إلى الله المرجع يوم القيامة ~~واليه المآل والمصير فيجازي كل واحد حسب عمله. وفي ذلك تهديد. ### || [67.16-21] # قرأ ابن كثير { وإليه النشور وأمنتم } بواو في الوصل قلبا لهمزة ~~الاستفهام واوا لضم ما قبلها. وقرأ اهل الكوفة واهل الشام بهمزتين على ~~أصولهم. الباقون بتحقيق الأولى وتخفيف الثانية. # يقول الله تعالى مهددا للمكلفين وزاجرا لهم عن إرتكاب معاصيه والجحد ~~لربوبيته على لفظ الاستفهام والمراد به تفخيم الامر وتعظيم التبكيت { ~~أأمنتم من في السماء } فالأمن هو اطمينان النفس إلى السلامة من الخوف، ~~والأمن علم بسلامة النفس من الضرر يقال أمن يأمن أمنا وأمنه يؤمنه ~~إيمانا وأمانا، والمعنى أأمن من فى السماء سلطانه وامره ونهيه، كما قال # وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم # أي وهو الله في السموات وفي الأرض معلومه، لا يخفى عليه شيء منه. وقيل: ~~ايضا يجوز ان يكون المراد { أأمنتم من في السماء } يعني الملك الكائن فى ~~السماء { أن يخسف بكم الأرض } بأمر الله، فاذا هي تمور أي تردد، فالمور ~~هو التردد في الذهاب والمجيء، يقال: مار يمور مورا فهو مائر، ومثله ماج ~~يموج موجا. # وقوله { أأمنتم من السماء أن يرسل عليكم حاصبا } فالحاصب الحجارة التي ~~يرمى بها كالحصباء، حصبه بالحصباء يحصبه حصبا إذا رماه بها. ويقال للذى ~~يرمى به حاصب أي ذو حصب كأن الحجر هو الذي يحصب. وقيل: تقديره آمنوا قبل ~~ان يرسل عليكم حاصبا، كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء. # وقوله { فستعلمون كيف نذير } فيه تهديد أي ستعرفون كيف تخويفي وترهيبي ~~إن عصيتموني إذا صرتم إلى عذاب النار. ثم قال مقسما { ولقد كذب الذين من ~~قبلهم } أي جحد من قبل هؤلاء الكفار من الأمم وحدانيتي واشركوا بي غيري ~~في العبادة وكذبوا رسلي { فأهلكتهم } واستأصلتهم { فكيف كان نكير } أي ~~ألم اهلكهم بضروب النقمات والمثلاث. # ثم قال منبها لهم على ms3452 توحيده { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات } أي ~~مصطفاة فوق رؤسهم في الجو باسطات أجنحتهم { ويقبضن } أي يضربن بها. أى من ~~الطير ما يضرب بجناحيه فيدف، ومنه الصفيف والدفيف { ما يمسكهن إلا الرحمن ~~} أى ليس يمنعهن من السقوط إلى الارض إلا الرحمن الذى خلق لهم الالات ~~التي يصفون بها ويدفون، وما خلق فيها من القدرة على ذلك، ولولا ذلك لسقطت ~~إلى الارض. وقيل معنى ما يمسكهن إلا الرحمن بتوطئة الهواء لها، ولولا ذلك ~~لسقطت، وفي ذلك أكبر دلالة، وأوضح عبرة بأن من سخر الهواء هذا التسخير هو ~~على كل شيء قدير. والصف وضع الاشياء المتوالية على خط مستقيم، والقبض جمع ~~الشيء من حال البسط. والامساك اللزوم المانع من السقوط. # وقوله { إنه بكل شيء بصير } اخبار منه تعالى انه عالم بجميع الاشياء لا ~~يخفى عليه شيء منها { بصير } بما للخلق من النفع والضر. # ثم قال { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن } أى من لكم ~~معاشر الكفار يدفع عنكم عذاب الله إذا حل بكم { إن الكافرون إلا في غرور ~~} معناه ليس الكافرون بالله العابدون للأوثان إلا في غرور أى يتوهمون أن ~~ذلك أنفع لهم والأمر على خلاف ذلك من المكروه. # ثم قال { أم من هذا الذى يرزقكم إن أمسك } الله { رزقه } بأن يزيله ~~ويمنعه منكم، فينزل عليكم رزقه { بل لجوا في عتو ونفور } فاللجاج تقحم ~~الامر كثيرا ردا للصارف عنه، يقال لجج في الأمر يلج لجاجا، وقد لاجه ~~ملاجة ولجج فلان في الحرب فهو يلج تلجيجا. ولما كان لهؤلاء المشركين ~~صوارف كثيرة من عبادة الأوثان وهم يتقحمون على ذلك العصيان كانوا قد لجوا ~~في عتوهم. والعتو الطغيان وهو الخروج الى فاحش الفساد، يقال: عتا يعتو ~~عتوا فهوعات وجمعه عتاة. والنفور الخروج عن الشيء هربا من الشعور ~~بضرره، ونقيض النفور القبول وقال الجبائي: قوله { أمن هذا الذي } إلى ~~قوله { إن أمسك رزقه } تعريف حجة عرفها الله لعباده فعرفوا وأقروا بها، ~~ولم يردوا لها جوابا فقال الله { بل لجوا في ms3453 عتو ونفور }. ### || [67.22-26] # قوله { أفمن يمشي.... } مثل ضربه الله قال ابن عباس: هو مثل ضربه الله ~~عز وجل للكافر وشبهه بمن يمشى مكبا على وجهه. والمؤمن شبهه بمن يمشي ~~سويا على صراط مستقيم. وقال قتادة: الكافر يحشر يوم القيامة يمشي على ~~وجهه مكبا، والمؤمن يمشى على صراط مستقيم. # وفى الآية دلالة على وجوب النظر فى الدين، لأنه تعالى ضرب المثل بالناظر ~~في ما يسلكه حتى خلص إلى الطريق المستقيم فمدحه بهذا وذم التارك للنظر ~~مكبا على وجهه لا يثق بسلامة طريقه، يقال: اكب يكب اكبابا فهو مكب ~~في ما لا يتعدى قال الاعشى: # مكبا على روقيه يحفر عرقها # على ظهر عريان الطريقة أهيما # فاذا تعدى قيل: كببت فلانا على وجهه، وأكبه الله لوجهه. ثم قال تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وآله { قل } لهؤلاء الكفار إن الله تعالى { هو الذي ~~أنشأكم } بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود واخترعكم { وجعل لكم السمع ~~والأبصار } تسمعون بالسمع المسموعات وتبصرون بالبصر المبصرات { والأفئدة ~~} يعني القلوب تعقلون فيها أي بما فيها من المعلوم تعلمون بها وتميزون ~~بها، فهذه نعم من الله تعالى يجب عليكم أن تشكروها وتحمدوا الله عليها ~~فانتم { قليلا ما تشكرون } أي قليلا شكركم، ويجوز أن يكون المعنى إنكم ~~تشكرون قليلا. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { هو } الله تعالى { الذي ذرأكم في الأرض } ~~أي خلقكم أولا وأوجدكم { وإليه تحشرون } أي تبعثون اليه يوم القيامة ~~فيجازيكم على أعمالكم على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم حكى ~~تعالى ما كان يقوله الكفار فانهم كانوا { يقولون } مستهزئين مكذبين بأنه ~~من عند الله { متى هذا الوعد } الذي تعدوننا به من العذاب والهلاك { إن ~~كنتم صادقين } معاشر المؤمنين والمسلمين، فقال الله تعالى { قل } لهم يا ~~محمد { إنما العلم عند الله } يعني علم وقت قيام الساعة على اليقين عند ~~الله لم يطلع عليه احدا من البشر، كما قال # إن الله عنده علم الساعة # { وإنما أنا نذير } لكم مخبر مخوف من عقاب الله تعالى { مبين } ما لكم ~~فيه من الصلاح ms3454 والنجاة من العقاب. والنذير هو الدال على موضع المخافة فكل ~~من دعا إلى حق إما رغبة أو رهبة فهو نذير إلا انه صار علما في صفات ~~الانبياء عليهم السلام. ### || [67.27-30] # قرأ يعقوب { تدعون } خفيفة. الباقون بالتشديد. وقرأ الكسائي { فسيعلمون ~~من هو } بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء على الخطاب، أي قل لهم. # لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم استبطؤا عذاب الله واهلاكه لهم ~~مستهزئين بذلك، فقالوا متي هذا الوعد، قال الله تعالى حاكيا عنهم إذا ~~رأوا ما يوعدون به { فلما رأوه زلفة } قال الحسن: معناه معاينة. وقال ~~مجاهد: يعني قريبا. والزلفة المنزلة القريبة والاصل فيه القرب، يقال: ~~أزدلف اليه أزدلافا إذا تقرب اليه، ومنه (مزدلفة) لانها منزلة قريبة من ~~مكة، وجمع زلفة زلف، قال العجاج: # ناج طواه الاين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا # سماوة الهلال حتى احقوقفا # وقوله { سيئت وجوه الذين كفروا } أي ظهر فيها ما يفهم من الكآبة والحزن ~~تقول: ساء يسوء سوأ، ومنه السوائي، ومنه أساء يسيء إساءة، فهو مسيء إذا ~~فعل قبيحا يؤدي إلى الغم { وقيل هذا الذي كنتم به تدعون } أي ويقال ~~لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب { هذا الذي كنتم به تدعون } أي تطلبون ~~به خلاف ما وعدتم به على طريق التكذيب بالوعد: كأنه قيل هذا الذى كنتم به ~~تكذبون في إدعائكم انه باطل. والادعاء الاخبار بما يوعد اليه القائل دون ~~المعنى، فاذا ظهر دليله خرج من الادعاء لانه حينئذ يدعو إليه المعنى، ~~وكذلك الاخبار بما يدعو إلى نفسه في الفعل ليس بدعوى، قال الزجاج: { ~~تدعون } يجوز ان يكون يريد يفعلون من الدعاء، ويجوز أن يكون من الدعوى، ~~قال الفراء: والتشديد والتخفيف واحد مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { قل } لهم يا محمد { أرأيتم إن أهلكني ~~الله ومن معي } بان يميتنا { أو رحمنا } بتأخير آجالنا ما الذى ينفعكم من ~~ذلك في رفع العذاب الذى استحققتموه من الله فلا تعللوا في ذلك بما لا ~~يغني عنكم شيئا. وقيل إن الكفار ms3455 كانوا يتمنون موت النبي وموت أصحابه ~~فقيل لهم { أرأيتم إن أهلكني الله } باماتتي وإماتة اصحابي فما الذى ~~ينفعكم ذلك في النجاة من عذاب أليم. وقل لهم { فمن } الذي { يجير ~~الكافرين من عذاب أليم } حتى لا يعذبوا ولا يعاقبوا، فلا يمكنهم الاحالة ~~على من يجيرهم من الله ويخلصهم من عذابه. # ثم قال { قل } لهم على وجه الانكار عليهم والتوبيخ لهم على فعلهم { هو ~~الرحمن } يعني الله تعالى هو الذي عمت نعمه جميع الخلائق واستحق الوصف ~~بالرحمن { آمنا به } أي صدقنا بوحدانيته { وعليه توكلنا } أى اعتمدنا ~~عليه وفوضنا أمورنا اليه، فالتوكل الاعتماد على تفضل الله وحسن تدبيره ~~وقل لهم { فستعلمون } معاشر الكفار { من } الذى { هو في ضلال مبين } أى ~~بين. ومن قرأ بالياء معناه فسيعلم الكفار ذلك. # ثم قال { قل } لهم يا محمد { أرأيتم } معاشر الكفار { إن أصبح ماؤكم ~~غورا } أى غائرا وصف الغائر بالغور الذى هو المصدر مبالغة، يقال ماء ~~غور، وماآن غور، ومياه غور كما يقال: هؤلاء زور فلان وضيفه، لانه مصدر - ~~فى قول الفراء وغيره - { فمن يأتيكم بماء معين } معناه من الذى يجيئكم ~~بماء معين إذا غارت مياهكم. قال قوم: الماء المعين الذى تراه العيون. ~~وقال قتادة والضحاك: هو الجارى، فالاول مفعول من العين، كمبيع من البيع، ~~والثاني من الامعان فى الجرى، ووزنه (فعيل) كأنه قال ممعن في الجرى ~~والظهور، وقال الحسن أصله من العيون. قال الجبائي قوله { قل أرايتم إن ~~أصبح ماؤكم غورا } تعريف حجة الله لعباده عرفوها وأقروا بها ولم يردوا ~~لها جوابا. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-16] # قرأ الكسائي وابو بكر عن عاصم { ن والقلم } بالاخفاء. الباقون بالاظهار. ~~والاظهار اقوى، لان النية بها الوقف إذ هي حرف هجاء. ويجوز ادغام النون ~~الثانية في الواو المقارنة على قياس (من واقد) ولم يقرأ به احد. وقرأ { ~~آن كان ذا مال } بهمزة واحدة ممدودة يعقوب وابو جعفر وابن عامر - ~~وبهمزتين - حمزة وابو بكر، الباقون بهمزة واحدة. واختلفوا في معنى (ن) فى ~~هذا الموضع. فقال قوم: هو اسم من أسماء السورة ms3456 مثل (حم، والم وص، وق) وما ~~اشبه ذلك. وهو الذى قلنا إنه اقوى الأقوال. وقال ابن عباس - فى رواية عنه ~~- إن النون الحوت الذى عليه الارضون. وفي رواية أخرى عنه إن النون ~~الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~انه قال: # " (نون) لوح من نور " # وقال قوم: تقديره ورب نون والقلم. والقلم آلة مبرية للكتابة. والمقلمة ~~وعاء القلم، وجمعه أقلام، ومنه قلامة الظفر، لانه يؤخذ منه كالأخذ بالقط. ~~وانجر القلم بالقسم. وقوله { وما يسطرون } (ما) في موضع جر بالعطف على { ~~والقلم } وكان القسم بالقلم وما يسطر بالقلم، ويجوز ان تكون (ما) مصدرية، ~~وتقديره: ن والقلم وسطركم، فيكون القسم بالكتابة، وعلى الأول بالمكتوب ~~والسطر الكتابة، وهو وضع الحروف على خط مستقيم: سطر يسطر سطرا إذا كتب، ~~وأسطر إذا كتب. وجمع السطر سطور واسطار، قال رؤبة: # اني وأسطار سطرن سطرا # والمسطرة آلة التسطير. وقوله { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } هو المحلوف ~~عليه، وهو جواب القسم، ومعناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك، كما تقول ما ~~انت بنعمة ربك بجاهل، وجاز تقديم معمولها بعد الباء، لأنها زائدة مؤكدة ~~في ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وتقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، وإنما ~~قال { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } مع ان الجنة قد تكون نعمة، لأن الجنة لا ~~تكون نعمة من حيث هي جنة، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في ~~الدين. والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك ~~بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح، ~~وأصله الستر من قوله # جن عليه الليل # إذا ستره. وقيل إن قوله { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } جواب لقول المشركين ~~حين قالوا # يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # فقال الله تعالى { ما أنت بنعمة ربك بمجنون }. # وقوله { وإن لك } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول له { وإن لك } يا ~~محمد { لأجرا } أى ثوابا من الله ms3457 على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها { ~~غير ممنون } أى غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه منا إذا قطعه، ويقال: ~~ضعفت منتي عن السفر، ورجل منين أى ضعيف، ويجوز ان يكون المراد به إنه غير ~~مكدر بالمن الذى يقطع عن لزوم الشكر، من قولهم: المنة تكدر الصنيعة. # وقال الحسن: معناه لا يمن عليك بأجرك. ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله ~~فقال { وإنك } يا محمد { لعلى خلق عظيم } قال الحسن: على دين عظيم، وهو ~~الاسلام. وقيل أدب القرآن. وقال المؤرج: معناه على دين عظيم بلغة قريش. ~~وقالت عائشة: كانت خلق النبي صلى الله عليه وآله ما تضمنه العشر الاول من ~~سورة { المؤمنون } ، فالخلق المرور فى الفعل على عادة، فالخلق الكريم ~~الصبر على الحق وسعة البذل، وتدبير الأمور على مقتضى العقل. وفي ذلك ~~الرفق والأناة والحلم والمداراة. ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس ~~وراء مدحه مدح. وقيل: وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على ~~جواب القسم. # وقوله { فستبصر ويبصرون } معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون، ~~يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى { بأيكم ~~المفتون } وقيل فى معناه قولان: # احدهما - باي فرقكم المفتون بما يجري مجرى الجنون. # والثاني - ان يكون معنى { بأيكم المفتون } كما يقال: ليس له معقول أي ~~عقل وتقديره ستعلم ويعلمون بمن منكم الجنون، وقيل: معنى الباء (فى) وكأنه ~~قال فى أيكم الجنون المفتون المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون، وذلك كما ~~يبتلى بشدة الهوى المجنون. فيقال: فتن فلان بفلانة، وعلى هذا المعنى قال ~~ابن عباس: بايكم المجنون وقال قتادة: معناه أيكم اولى بالشيطان جعل الباء ~~زائدة كما قال الراجز: # نحن بنو جعدة اصحاب الفلج # نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج # ومعناه ونرجوا الفرج. وقال مجاهد: معناه أيكم المفتون كأنه قال فى أيكم ~~المفتون. ثم قال { إن ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله } الذي هو ~~سبيل الحق أى بمن عدل عنها وجار عن السلوك فيها { وهو أعلم بالمهتدين } ~~أى بمن اهتدى اليها وعمل بموجبها. ms3458 ثم نهى النبي صلى الله عليه وآله فقال ~~له { فلا تطع المكذبين } بتوحيد الله والجاحدين لنبوتك ولا توافق ما ~~يريدونه. وقوله { ودوا لو تدهن فيدهنون } قال ابن عباس: معناه ودوا لو ~~تكفر فيكفرون، وهو قول الضحاك، وفى رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه ود ~~هؤلاء الكفار لو تلين في دينك، فيلينون في دينهم، فشبه التليين في الدين ~~بتليين الدهن. وقيل: معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الأوثان فيما لونك. ~~والادهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة. وهو مثل ~~النفاق. ورفع { فيدهنون } بالعطف على قوله { لو تدهن } ولم يجعله جواب ~~التمني. # ثم قال له صلى الله عليه وآله { ولا تطع } يا محمد { كل حلاف } أى من ~~يقسم كثيرا بالكذب { مهين } يعني مكثار في الشر - في قول الحسن وقتادة - ~~والمهين الوضيع باكثاره من القبيح، ومن عرف بأنه يحلف على الكذب، فهو ~~مهين. # وقال البلخي: المهين الفاجر - في هذا الموضع -. # وقوله { هماز مشاء بنميم } أى وقاع في الناس بما ليس له أن يعيبهم به. ~~والاصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من حروف المعجم، وهي همزة ~~تخرج من الصدر بشدة اعتماد، وقال ابن عباس: الهماز المغتاب. وقوله { مشاء ~~بنميم } فالنميم التضريب بين الناس بنقل الكلام يغلظ لقلوب بعضهم على بعض ~~ومنه النمام المشموم، لأنه يججد ريحه كالمخبر عن نفسه، والنميم والنميمة ~~مصدران. وهو نقل الاحاديث بالتضريب: نم ينم نميما ونميمة { مناع للخير } ~~أى يمنع خيره ونفعه، فلا ينتفع أحد به { معتد } قال قتادة: معناه متجاوز ~~للحد فى المعاملة { أثيم } أي آثم فهو (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الذي فعل ~~ما يأثم به { عتل بعد ذلك } فالعتل الجافي الغليظ. ومنه قوله # خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم # أي اذهبوا به بعنف وغلظة يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا زعزعه بغلظ ~~وجفاء. وقال ذو الاصبع: # والدهر يغدو معتلا جذعا # وقيل: العتل الفاحش اللئيم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ذلك. و " ~~الزنيم " الدعي وهو الملصق بالقوم، وليس منهم. وأصله الزنمة وهي ms3459 الهينة ~~التي تتحرك تحت حلق الجدى وقال حسان: # وانت زنيم نيط فى آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # و (بعد) ها هنا معناه (مع) وقال آخر # زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # ويقال للتيس: زنيم له زنمتان، والزنيم الدعي - عن ابن عباس - وقيل: هو ~~الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. # وقوله { أن كان ذا مال وبنين } من قرأ على الاستفهام، وهو حمزة وابو بكر ~~عن عاصم أراد، ألان كان ذا مال وبنين؟! على وجه التوبيخ له { إذا تتلى ~~عليه آياتنا قال أساطير الأولين } ويحتمل ان يكون المراد لأن كان ذا مال ~~وبنين يطاع. وقيل: كان له ألف دينار وعشرة بنين { إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين } أي أحاديث الأولين التي سطرت وكتبت لا أصل لها ~~وواحد الاساطير أسطورة - فى قول الزجاج. وقرأ حمزة وابو بكر عن عاصم { ~~أأن كان ذا مال وبنين } بهمزتين. وقرأ ابن عامر بهمزة ممدودة. الباقون ~~بهمزة واحدة. وقد فسرناه. فقال الله تعالى مهددا له ومتوعدا { سنسمه ~~على الخرطوم } أي سنعلم على أنفه علامة يعرف بها الملائكة انه من أهل ~~النار، فالسمة العلامة المفرقة بالرؤية بين الأشياء المختلطة، كسمة الخيل ~~إذا أرسلت فى المروج، وسمه يسمه وسما وسمة، فهو موسوم. والخرطوم الانف، ~~وهو الناتئ فى الوجه الذي يقع به الشم. ومنه خرطوم الفيل، وخرطمه إذا قطع ~~أنفه وجعله خراطيم. وقال ابن عباس: معنى { سنسمه على الخرطوم } نحطمه ~~بالسيف فى القتال، كما فعل بهم يوم بدر. وقال قتادة: معناه سنعلمه بشيء ~~يبقى على الابد. وقال بعضهم معناه: سنسود وجهه فعبر عن الوجه بالخرطوم، ~~لانه فيه. # وقيل: نزلت هذه الآيات فى الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: نزلت فى ~~الأخنس بن شريق الثقفي، كانت به زنمة يعرف بها - ذكره ابن عباس - ### || [68.17-25] # يقول الله تعالى { إنا بلوناهم } يعني هؤلاء الكفار أي اختبرناهم { كما ~~بلونا أصحاب الجنة } يعني البستان { إذ أقسموا } أي حين اقسموا فيما ~~بينهم { ليصرمنها مصبحين } ووجه الكلام إنا بلونا أهل ms3460 مكة بالجدب والقحط، ~~كما بلونا اصحاب الجنة بهلاك الثمار التي كانت فيها حين دعا النبي صلى ~~الله عليه وآله عليهم، فقال # " اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فالبلوى المحنة بشدة التعبد على ما يقتضيه الحال فى صحة التكليف. والصرم ~~قطع ثمر النخل: صرم النخلة يصرمها صرما، فهو صارم، ومنه الصريمة القطيعة ~~عن حال المودة. وهم عشرة أولاد كانوا لرجل من بني إسرائيل، وكان يأخذ من ~~بستانه كفاية سنته ويتصدق بالباقي، فقال أولاده: ليس يكفينا، وحلفوا أنهم ~~يصرمون بستانهم ليلا وابى عليهم ابوهم، فأقسموا أنهم ليصرمون ثمر نخل ~~البستان إذا اصبحوا، ولم يستثنوا، ومعناه لم يقولوا إن شاء الله فقول ~~القائل: لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء ومعناه إن شاء الله منعي او ~~تمكين ما نعي، فقال الله تعالى { فطاف عليها } يعني على تلك الجنة { طائف ~~من ربك } أي طرقها طارق من أمر الله، فالطائف الطارق ليلا، فاذا قيل أطاف ~~به صلح فى الليل والنهار، وانشد الفراء: # اطفت به نهارا غير ليلى # والهي ربها طلب الرخال # الرخال أولاد الضان واحدها رخل وفى الانثى رخلة { وهم نائمون } أي فى ~~حال نومهم { فأصبحت } يعني الجنة { كالصريم } أي كالليل الأسود - فى قول ~~ابن عباس - وانشد ابو عمرو بن العلا: # ألا بكرت وعاذلني تلوم # تجهلني وما انكشف الصريم # وقال: # تطاول ليلك الجون البهيم # فيما ينجاب عن صبح صريم # إذا ما قلت اقشع او تناهى # جرت من كل ناحية غيوم # وقال قوم: الصريم هو المصروم، وقال سعيد بن جبير: الصريم أرض معروفة ~~باليمين لا نبات فيها تدعى صروان، وإنما قيل لليل صروم، لانه يقطع بظلمته ~~عن التصرف في الامور. وقيل: إنما فعل الله بهم ذلك لانهم منعوا الحقوق ~~اللازمة من ثمار هذه الجنة. والصرم قطع الثمر. والصريم المصروم جميع ~~ثماره. # وقوله { فتنادوا مصبحين } اخبار عن حالهم أنهم لما اصبحوا نادى بعضهم ~~بعضا يا فلان يا فلان، والتنادي دعاء بعض الناس بعضا بطريقة يا فلان ~~وأصله من الندى بالقصر، لأن النداء الدعاء ms3461 بندى الصوت الذي يمتد على ~~طريقة يا فلان، لان الصوت إنما يمتد للانسان بندى حلقه. والنادي مجلس ~~الرفد وهو الندي { أن اغدوا على حرثكم } أى نادى بعضهم بعضا بأن اغدوا، ~~او قالوا: { اغدوا على حرثكم } والحرث الزرع الذي قد حرثت له الأرض، حرث ~~يحرث حرثا والحراث الذى يحرث الأرض، ومنه الحارث، ومنه الحرث، كناية عن ~~الجماع. # ويقال: احترث لأهله إذا اكتسب بطلب الرزق، كما يطلب الحراث { إن كنتم ~~صارمين } أى قاطعين لثماركم، فالصارم قاطع ثمر الشجر على الاستئصال. ~~واكثر ما يستعمل ذلك في النخل، ويجوز في الشجر، وأصله القطع. وقد تصرم ~~النهار إذا مضى قطعة قطعة حتى انقضى. وقيل: معناه إن كنتم حاصدين زرعكم. ~~ثم قال { فانطلقوا } أى ذهبوا، وهم { يتخافتون } فالتخافت التقابل في ~~اخفاء الحركة، وأصله الخفاة من خفت فلان يخفت إذا اخفى نفسه ومعناه - ها ~~هنا - يتسارون بينهم { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } في - قول قتادة ~~- وقوله { وغدوا على حرد } فالحرد القصد، حرد يحرد حردا فهو حارد. قال ~~الشاعر: # اقبل سيل جاء من أمر الله # يحرد حرد الجنة المغلة # أى يقصد، وقال الحسن: معناه على جهة من الفاقة. وقال مجاهد: معناه على ~~جد من أمرهم، وهو قول قتادة وابن زيد: وقال سفيان: معناه على حنق، وذلك ~~من قول الأشهب بن رميلة: # اسود شرى لاقت اسود خفية # فساقوا على حرد دماء الاساود # أي على غضب. وقيل: معناه على منع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها، ~~وحاردت الناقة إذا منعت لبنها. والأصل القصد. # وقوله { قادرين } معناه مقدرين انهم يصرمون ثمارهم، ويجوز ان يكون ~~المراد وغدوا على حرد قادرين عند انفسهم على صرام جنتهم. ### || [68.26-33] # يقول الله تعالى مخبرا إن أولئك الكفار بنعم الله لما نادى بعضهم بعضا ~~وانطلقوا إلى صرم ثمارهم وتساروا ألا يدخل عليهم مسكين يطلب منهم { فلما ~~رأوها } أي حين جاؤا وجدوا البستان كالليل الأسود قالوا أهلكه الله وطرقه ~~طارق من أمر الله فاهلكه، فلما رأوا تلك الجنة على تلك الصورة { قالوا ~~إنا لضالون } أي اعترفوا ms3462 بأنهم قد عدلوا عن طريق الحق وجازوا عن سبيل ~~الواجب وذهبوا عن طريق الرشاد. ثم استدركوا فقالوا { بل نحن محرومون } ما ~~كان لنا فى جنتنا، وتقديره إنا لضالون عن الحق فى أمرنا فلذلك عوقبنا ~~بذهاب ثمرها، والضلال الذهاب عن طريق الرشاد إلى طريق الهلاك بالفساد. ~~والحرمان منع الخير الذي كان ينال لولا ما حدث من سبب الانقطاع، يقال: ~~حرمه يحرمه حرمانا فهو محروم فى خلاف المرزوق. وقال قتادة: معنى قوله { ~~إنا لضالون } أي اخطأنا الطريق ما هذه جنتنا، فقال بعضهم لبعض { بل نحن ~~محرومون } وقوله { قال أوسطهم } معناه قال أعدلهم قولا - فى قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك - والاوسط الكائن بين الاكبر والاصغر. ~~والمراد ها هنا بين الاكبر والاصغر فى الخروج عن القصد { ألم أقل لكم } ~~على وجه التهجين لهم أما قلت لكم { لولا تسبحون } أى هلا تستثنون، ~~والتسبيح التنزيه لله عما لا يجوز عليه من صفة، وهو التنزيه عن كل صفة ذم ~~ونقص، فلذلك جاز أن يسمى الاستثناء بأن يشاء الله تسبيحا. وقيل معناه ~~لولا تصلون. # ثم حكى انهم { قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين } ومعناه إنهم اعترفوا ~~أن الله لم يظلمهم وانهم ظلموا انفسهم فى عزمهم على حرمان المساكين من ~~حصتهم عند الصرام من غير استثناء، فحرموا قطعها والانتفاع بها، # ثم قال { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } أي يلوم بعضهم بعضا ويذم ~~بعضهم بعضا. ثم { قالوا يا ويلنا } والويل غلظ المكروه الشاق على النفس، ~~والويس دونه. والويح وسط بينهما، وإنما نودي بالويل بيانا عن حال الشدة، ~~كأنه يقول يا ويل تعال فانه من أحيانك { إنا كنا طاغين } أي علونا فى ~~الظلم وتجاوزنا الحد فيه، فالطغيان العلو في الظلم والداعي اليه طلب ~~الارتفاع بغير استحقاق بالقهر والاعتصاب. وقيل: الطاغي المتجاوز للحد في ~~الفساد وقال عمرو بن عبيد: يجوز أن يكون ذلك منهم توبة وإيمانا، ويجوز ~~أن يكون ذلك على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة. ثم قالوا { عسى ~~ربنا أن يبدلنا خيرا منها } أي لما تابوا ms3463 ورجعوا إلى الله قالوا لعل ~~الله تعالى يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت { إنا إلى ربنا ~~راغبون } أي نرغب اليه ونسأله ونتوب اليه مما فعلناه. فالتبديل تثبيت شيء ~~مكان غيره مما ينافيه، بدله تبديلا فهو مبدل. ومثله التغير إلا أن ~~التبديل لا يكون إلا في شيئين والتغير قد يكون للشيء الواحد. # وقرئ بالتشديد والتخفيف، فالتخفيف من الابدال، والتشديد من التبديل ~~ومعناهما واحد. # وقوله { كذلك العذاب } معناه مثل ما فعلنا بهؤلاء هذا العذاب عاجلا في ~~دار الدنيا، ثم قال { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } إن هناك ~~عقابا وعذابا. وخير من كذا أي اعظم نفعا منه وأحسن في العقل، ومثله ~~الاصلح والاولى والأجل، والاكبر هو الذي يصغر مقدار غير منه بالاضافة ~~اليه. وقد يكون أكبر شأنا واكبر شخصا. ### || [68.34-40] # لما اخبر الله تعالى ما حل بالكفار، وما هو معد لهم في الآخرة أخبر بما ~~للمؤمنين من أهل الطاعات، فقال { إن للمتقين } يعني للذين أمنوا عقاب ~~الله باتقاء معاصيه وفعل طاعاته { عند ربهم جنات النعيم } أي بساتين ~~يتنعمون فيها ويتلذذون بها. ثم قال على وجه الانكار على الكفار وانه لا ~~يسوى بينهم وبين المؤمنين فقال { أفنجعل المسلمين } الذين أسلموا لله ~~وانقادوا لطاعته وامتثلوا ما أمرهم به { كالمجرمين } أى مثل من عصاه وخرج ~~عن طاعته وارتكب ما نهاه عنه؟! فهذا لا يكون أبدا. وقوله { ما لكم كيف ~~تحكمون } تهجين لهم وتوبيخ. ومعناه أعلى حال الصواب أم على حال الخطاء؟ ~~وعلى حال الرشاد أم الغي، فعلى أي حال تحكمون في الاحوال التي تدعون إلى ~~الفعل أحال الباطل أم حال الحق؟ وقوله { أم لكم كتاب فيه تدرسون } معناه ~~ألكم كتاب تدرسون فيه خلاف ما قد قامت عليكم الحجة به فأنتم متمسكون به ~~ولا تلتفتون إلى خلافه؟! وليس الأمر على ذلك فاذ قد عدمتم الثقة بما أنتم ~~عليه، وفي هذا عليكم أكبر الحجة وأوكد الموعظة، لأن الكتاب الذي تقوم به ~~الحجة حتى لا يجوز خلافه إلى أن تقوم الساعة هو الذي تشهد له المعجزة ms3464 من ~~غير اجازة نسخ له في حال ثانية، وهو القرآن الذي فيه معنى الاعجاز من غير ~~نسح له فيما بعد في باقى الزمان. # وقوله { إن لكم فيه لما تخيرون } يحتمل امرين: # احدهما - أن يكون تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم ما تخيرون إلا ~~انه حذفت الباء وكسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، # الثاني - ان يكون ذلك خرج مخرج التوبيخ، وتقديره وإن لكم لما تخيرون عند ~~أنفسكم، والأمر بخلاف ظنكم،، لانه لا يجوز ان يكون ذلك خبرا مطلقا. # وقوله { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون } ~~كسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، والحكم خبر بمعنى يفصل الأمر على جهة ~~القهر والمنع وأصله المنع من قول الشاعر: # ابني حنيفة احكموا سفهاءكم # إني اخاف عليكم ان اغضبا # أي امنعوهم. ومنه الحكمة، لانها معرفة تمنع الفساد يصرفها عنه بما يذم ~~به. والحكمة في الفعل المنعة من الفساد منه، ومنه حكمة الدابة لمنعها ~~إياها من الفساد. # وقوله { سلهم أيهم بذلك زعيم } قال ابن عباس وقتادة: زعيم أي كفيل ~~والزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر. والمعنى سلهم أيهم زعيم ضامن ~~يدعي علينا ان لهم علينا أيمانا بالغة؟ فلا يمكنهم ادعاء ذلك. ### || [68.41-45] # قوله { أم لهم شركاء } توبيخ لهؤلاء الكفار وإنكار عليهم إتخاذ إله مع ~~الله وتوجيه عبادتهم اليه، فقال { أم لهم شركاء } في العبادة مع الله { ~~فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين } أي شركاؤهم الذين تفوم بهم الحجة، ~~فلا سبيل لهم إلى ذلك فالحجة لازمة عليهم لأن كل دعوى لم يمكن صاحبها أن ~~يقيم البينة عليها فيلزمه أن يقيمها بغيره. والشريك عبارة عمن يختص بمعنى ~~هو له ولغيره من غير إنفراد به. وإنما قلنا من غير إنفراد به لنفرق بين ~~ما هو له ولغيره هو له ايضا كالغفران هو لهذا التائب ولتائب آخر، ولهذا ~~التائب مطلقا، فليس فيه شريك، وكذلك هذا العبد هو ملك لله تعالى، ولهذا ~~المولى، وهو لله على الاطلاق، فليس في هذا شركة وإنما قيل الشركاء في ~~الدعوى، ms3465 لانها مما لو انفرد بعضهم عن ان يدعيها لم يدعها الآخر، كأنهم ~~تعاونوا عليها، فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى في الآية أم لهم شركاء ~~يدعون مثل ما يدعيه هؤلاء الكفار، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين أي ~~شركاءهم الذين تقوم بهم الحجة، ولا سبيل لهم إلى ذلك فهو لازم عليهم. # وقوله { يوم يكشف عن ساق } قال الزجاج: هو متعلق بقوله { فليأتوا ~~بشركائهم.. يوم يكشف عن ساق } وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وقتادة والضحاك: معنا يوم يبدو عن الامر الشديد كالقطيع من هول يوم ~~القيامة. والساق ساق الانسان وساق الشجرة لما يقوم عليه بدنها وكل نبت له ~~ساق فهو شجر قال الشاعر: # للفتى عقل يعيش به # حيث يهدي ساقه قدمه # فالمعنى يوم يشتد الامر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى ان يقوم على ساق، وقد ~~كثر في كلام العرب حتي صار كالمثل فيقولون: قامت الحرب على ساق وكشفت عن ~~ساق قال [زهير بن جذيمة]. # فاذا شمرت لك عن ساقها # فويها ربيع ولا تسأم # وقال جد ابي طرفة: # كشفت لهم عن ساقها # وبدا من الشر الصراح # وقال آخر: # قد شمرت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # والقوس فيها وتر غرد # وقوله { ويدعون إلى السجود } قيل: معناه إنه يقال لهم على وجه التوبيخ: ~~اسجدوا { فلا يستطيعون } وقيل: معناه إن شدة الامر وصعوبة الحال تدعوهم ~~إلى السجود، وإن كانوا لا ينتفعون به. ثم قال { خاشعة أبصارهم } أي ذليلة ~~ابصارهم لا يرفعون نظرهم عن الارض ذلة ومهانة { ترهقهم ذلة } معناه ~~تغشاهم ذلة يقال: رهقه يرهقه رهقا، فهو راهق إذا غشيه، ورهقه الفارس إذا ~~أدركه، وراهق الغلام إذا أدرك. # وقوله { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } يعني دعاهم الله تعالى ~~إلى السجود والخضوع له في دار الدنيا وزمان التكليف، فلم يفعلوا، فلا ~~ينفعهم السجود فى ذلك الوقت. # وقوله { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } تهديد، ومعناه ذرني والمكذبين أي ~~اوكل أمرهم إلي كما يقول القائل: دعني وإياه. # وقوله { سنستدرجهم من حيث لا ms3466 يعلمون } معناه سآخذهم إلى العقاب حالا بعد ~~حال. # وقوله { واملي لهم } أي واطيل آجالهم وأؤخرها { إن كيدي متين } أي قوي، ~~فكانه قال سنستدرج أعمالهم إلى عقابهم وإن أطلناها لهم نستخرج ما عندهم ~~قليلا قليلا. وأصله من الدرجة، لان الراقي ينزل منها مرقاة مرقاة فأشبه ~~هذا. ووجه الحكمة فى ذلك أنهم لو عرفوا الوقت الذي يؤخذون فيه لكانوا ~~آمنين إلى ذلك الوقت، وصاروا مغربين بالقبيح، والله تعالى لا يفعل ذلك. ### || [68.46-52] # قرأ نافع وحده { يزلقونك } بفتح الياء من زلقت. الباقون بضمها من أزلقت، ~~وهما لغتان: زلقت، وأزلقت. قال الفراء: يقولون: زلقت شعره وأزلقته إذا ~~حلقته. والمعنى ليرمون بك ويلقونك. # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله على وجه التوبيخ للكفار ~~{ أم تسألهم } اي هل تسألهم { أجرا } يعني ثوابا وجزاء على دعائك إياهم ~~إلى الله وتخويفك إياهم من المعاصي وأمرك إياهم بطاعة الله { فهم من مغرم ~~} أي هم من لزوم ذلك { مثقلون } أي محملون، فالأجر القسط من الخير الذي ~~يستحق بالعمل. والمغرم ما يلزم من الدين الذي يلج فى اقتضائه. وأصله ~~اللزوم بالالحاح، ومنه قوله # إن عذابها كان غراما # أي لازما ملحا قال الشاعر: # يوم الجفار ويوم النسار # كانا عذابا وكانا غراما # وقولهم دفع مغرم أي دفع الاقتضاء بالالحاح، والغرم ما يلزم بالاقتضاء ~~على وجه الالحاح فقط. والمثقل المحمل للثقل وهو ما فيه مشقة على النفس ~~كالمشقة بالحمل الثقيل على الظهر، يقال: هو مثقل بالدين، ومثقل بالعيال ~~ومثقل بما عليه من الحقوق اللازمة والأمور الواجبة. # وقوله { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } معناه هل عندهم علم أختصوا به لا ~~يعلمه غيرهم، فهم يكتبونه ويتوارثونه بصحة ما يدعونه فينبغي ان يبرزوه. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { فاصبر لحكم ربك } الذي حكم عليك ~~بالصبر وأمهلهم إلى وقت آجالهم { ولا تكن كصاحب الحوت } يعني ولا تكن فى ~~استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا ~~تخرج من بين ظهراني قومك قبل ان يأذن الله لك فى ذلك ms3467 كما فعل يونس { إذ ~~نادى وهو مكظوم } قال ابن عباس ومجاهد: معناه مغموم، كأن الغم قد حبسه عن ~~الانبساط فى أمره، والمكظوم المحبوس عن التصرف في الامور، ومنه كظمت رأس ~~القربة إذا شددت رأسها، وكظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو اليه. وقال ~~قتادة: لا تكن مثله فى العجلة والمغاضبة، حتى نادى يونس وهو ممنوع بقعطه ~~عن شفاء غيظه، والذى نادى به { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين } فجعله الله من الصالحين، بما بين لعباده من صلاحه، ويجوز بما ~~لطف له حتى صلح فى كل ما امره الله به. وفي الكلام حذف، وتقديره: ولا تكن ~~كصاحب الحوت فى استعجاله الخروج من بين قومه انتظارا لنزول العذاب بهم، ~~فلما رفع الله عنهم العذاب مضى على وجهه، فعاتبه على ذلك وحبسه فى بطن ~~الحوت، فلجأ إلى الله تعالى. وقوله { إذ نادى } متعلق بتقدير: إذكر يا ~~محمد حاله إذ نادى. ولا يجوز ان يكون متعلقا بقوله { ولا تكن كصاحب ~~الحوت } حين نادى، لان الله لا ينهى نبيه أن يقول مثل ما قال يونس من ~~الدعاء. # وقوله { لولا أن تداركه نعمة من ربه } معناه لولا أن الله رحم يونس ~~ولحقته نعمة من جهته { لنبذ بالعراء } أي لطرح بالصحراء الواسعة { وهو ~~مذموم } قالوا هي الارض العارية من النبات والأبنية وكل حال ساترة. وقال ~~الفراء: الفضاء من الأرض العاري، قال الشاعر وهو قيس بن جعدة: # ورفعت رجلا لا أخاف عثارها # ونبذت بالبلد العراء ثيابي # وقوله { وهو مذموم } قال ابن عباس: وهو مليم أي أتى بما يلام عليه، ولكن ~~الله تعالى تداركه برحمة من عنده، فطرح بالعراء وهو غير مذموم. وقوله { ~~فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } معناه اختار الله يونسا فجعله من جملة ~~الصالحين المطيعين لله التاركين لمعاصيه. # وقوله { وإن يكاد الذين كفروا } قال النحويون: { إن } هذه المخففة عن ~~الثقيلة، لانها لو كانت للشرط لجزم (يكد) وتقديره، وإن يكاد الذين كفروا ~~أي قارب الذين كفروا { ليزلقونك بأبصارهم } أي يرمون بك عند نظرهم غيظا ~~عليك ms3468 قال الشاعر: # يتلاحظون إذا التقوا في محفل # نظرا يزيل مواقع الاقدام # ويكاد يصرعه بحدة نظره. وقيل كان الرجل إذا أراد ان يصيب صاحبه بالعين ~~تجوع ثلاثة أيام ثم نظره فيصرعه بذلك، والمفسرون كلهم على ان المراد ~~بازلاقهم له بأبصارهم من الاصابة بالعين. وقال الجبائي منكرا لذلك: إن ~~هذا ليس بصحيح، لان هذا من نظر العداوة وذلك عندهم من نظر المحبة على أن ~~إصابة العين ليس بصحيح. قال الرماني: وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا ~~يمتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، فلا وجه ~~للامتناع من ذلك، وعليه اجماع المفسرين، وهو المعروف بين العقلاء ~~والمسلمين وغيرهم، فينبغي ان يكون مجوزا. وروي أن اسماء بنت عميس قالت: ~~يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن بني جعفر يصيبهم العين، فأسترقي لهم، ~~قال: نعم، فلو كان شيء سابق القدر سبقة العين. # وقيل: إنهم كانوا يقولون ما اظهر حججه، وما افصح كلامه، وما ابلغ خطابه، ~~يريدون بذلك ان يعينوه به، قال البلخي: المعنى إنهم كانوا ينظرون اليه ~~نظر عداوة وتوعد، ونظر من يهم به، كما يقول القائل: يكاد يصرعني بشدة ~~نظره قال الشاعر: # يتعارضون إذا التقوا فى موطن # نظرا يزيل مواضع الاقدام # أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالبغضاء والعداوة، ونظر يزيل ~~الاقدام عن مواضعها أي يكاد يزيل. # وقوله { لما سمعوا الذكر } يعني القرآن { ويقولون } مع ذلك { إنه لمجنون ~~} قد غلب على عقله، قالوا ذلك فيه مع علمهم بوقارة عقله تكذبا عليه ~~ومعاندة له، فقال الله تعالى ردا عليهم { وما هو } أي ليس هذا القرآن { ~~إلا ذكر للعالمين } أي شرف إلى ان تقوم الساعة. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-10] # قرأ اهل البصرة والكسائي { ومن قبله } بكسر القاف. الباقون بفتحها. قال ~~ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم: إن الحاقة اسم من اسماء ~~القيامة وسميت بذلك لانها الساعة التي يحق فيها الجزاء على الاعمال: ~~الضلال والهدى. وقال الفراء: تقول العرب الحقة متى هربت والحقة والحاقة، ~~كل ذلك بمعنى واحد. ms3469 والعامل في { الحاقة } أحد شيئين: # احدهما - الابتداء، والخبر { ما الحاقة } كأنه قال: الحاقة أى شيء هي. # الثاني - أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل هذه الحاقة، ثم قيل أى شيء ~~الحاقة، تفخيما لشأنها، وتقديره هذه سورة الحاقة وقوله { ما أدراك ما ~~الحاقة } قال سفيان: يقال للمعلوم ما أدراك، ولما ليس بمعلوم: وما يدريك ~~فى جميع القرآن. وإنما قال لمن يعلمها: ما أدراك لأنه إنما يعلمها ~~بالصفة، فعلى ذلك قال تفخيما لشأنها أى كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها ~~وترى ما فيها من الأهوال. # وقوله { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } اخبار من الله تعالى أن ثمود - وهم ~~قوم صالح - وعادا - وهم قوم هود - كذبوا بيوم القيامة فأنكروا البعث ~~والنشور والثواب والعقاب. قال ابن عباس وقتادة: القارعة إسم من اسماء ~~القيامة، وسميت القارعة، لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير ~~المؤمنون إلى الأمن. وإنما حسن أن يوضع القارعة موضع الكنية لتذكر بهذه ~~الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة، وإلا كان يكفي ان يقول: كذبت ثمود ~~وعاد بها. وقوله الحاقة، والطامة والصاخة، اسماء يوم القيامة. والوقف على ~~الحاقة حسن وأتم منه { ما الحاقة } و { ما أدراك } كل ما فى القرآن بلفظ ~~الماضي، فقد أدراه صلى الله عليه وآله، وما كان بلفظ يدريه، فلم يعلمه، ~~يقال: دريت الشيء دراية أى علمته، ودريت الصيد أى ختلته ودرأته دفعته. # ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم، فقال { فاما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ~~فالطاغية مصدر مثل العاقبة، والمعنى فأهلكوا بطغيانهم - فى قول ابي عبيدة ~~- وقيل: معناه أهلكوا بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها فى الشدة، أهلك الله ~~تعالى بها اهل الفساد. وقد مضى فيما تقدم أن الله أهلك ثمود بالصيحة ~~العظيمة التي اصبحوا بها جاثمين أى ميتين هالكين. قال الزجاج: تقديره ~~فأهلكوا بالرجفة الطاغية. # ثم اخبر تعالى عن كيفية هلاك عاد، فقال { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } ~~فالريح عبارة عن الهواء إذا كانت فيها حركة باعتماد ظاهرة فاذا سكن لا ~~يسمى ريحا واشتقاقه من راح يروح روحا إذا رجع إلى منزله. ms3470 والصرصر الريح ~~الشديدة الصوت بما يسمع لها من الصرير فى شدة حركتها، يقال: صر وصرصر، ~~كأنه مضاعف منه فالصرصر الشديد العصوف المجاوزة لحدها المعروف وقال ~~قتادة: صرصر باردة فكأنه يصطل الاسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها، ~~ويقال: صرصر وصلصل إذا تكرر الصوت، وهو مضاعف صر وصل - فى قول الزجاج -. # وقوله { عاتية } قيل عتت تلك الرياح على خزانها فى شدة الهبوب. والعاتي ~~الخارج الى غلظ الأمر الذى يدعو اليه قساوة القلب، يقال: عتا يعتو عتوا ~~فهو عات والريح عاتية تشبيها بحال العاتي في الشدة. # وقوله { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام } اخبار منه تعالى انه ~~أهلكهم بهذه الريح في مدة سبع ليال، وثمانية أيام، لما في ذلك من الارهاب ~~والتخويف، وما يتعلق به من المصلحة لغيرهم في التكليف. # وقوله { حسوما } أى قاطعة قطع عذاب الاستئصال، واصله القطع حسم طمعه من ~~كذا إذا قطعه، حسم يحسم حسما إذا قطع، وانحسم الشر إذا انقطع. وقال عبد ~~الله بن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى { حسوما } تباعا متوالية ~~مأخوذا من حسم الداء بمتابعة الكي عليه، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى ~~استأصلهم. وقيل { حسوما } قطوعا لم يتق منهم أحد، ونصب { حسوما } على ~~المصدر أي يحسمهم حسوما. # ثم قال { فترى القوم فيها } أي تشاهد القوم الهلكى فى تلك الايام ~~والليالي صرعى مطرحين { كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي كأنهم أصول نخل نخرة ~~- فى قول قتادة - وقال السدي: الخاوي الفارغ. # وقوله { فهل ترى لهم من باقية } أي من نفس باقية، وقيل: معناه فهل ترى ~~لهم من بقاء، فالباقية بمعنى المصدر مثل العافية والطاغية. ومعناه فهل ~~ترى لهم من بقية. # وقوله { وجاء فرعون ومن قبله } أي جاء فرعون ومن معه من قومه، على قراءة ~~من قرأ { قبله } بكسر القاف وفتح الباء، ومن قرأ بفتح القاف وسكون الباء ~~أراد والذين قبله من الكفار { والمؤتفكات } يعني وجاء اهل القرى ~~المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها - فى قول قتادة - وهي قرى قوم لوط { ~~بالخاطئة } أى بالافعال الخاطئة أو بالنفس الخاطئة، وقيل بالخاطئة أى ms3471 ~~اخطأت الحق إلى الباطل والفساد { فعصوا رسول ربهم فأخذهم } الله على ~~كفرهم وعصيانهم { أخذة رابية } أى زائدة فى الشدة من ربا يربو إذا زاد، ~~وقرأ ابو عمرو، والكسائي، وابو بكر عن عاصم { ومن قبله } بكسر القاف وفتح ~~الباء. الباقون بفتح القاف وسكون الباء. وحجة أبي عمرو أن فى قراءة أبي { ~~جاء فرعون ومن معه }. وقرأ ابو موسى { ومن تلقاه }. وأراد الباقون انه ~~جاء فرعون ومن قبل فرعون من الكفار. ### || [69.11-18] # قرأ { لا يخفى } بالياء أهل الكوفة، لان تأنيث { خافية } ليس بحقيقي. ~~وقد فصل بينها وبين الفعل فاصل. الباقون بالتاء على لفظ التأنيث. ~~والتقدير لا يخفى عليه شيء منكم نفس خافية. # يقول الله تعالى مخبرا عما فعل بقوم نوح وفرعون وقومه على وجه الامتنان ~~على خلقه بما فعل بهم من الهلاك الذي فيه زجر لغيرهم عن الكفر وإرتكاب ~~المعاصي { إنا لما طغى الماء } ومعناه لما تجاوز الماء الحد المعروف فى ~~العظم حتى غرقت الأرض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته، وذلك فى زمن نوح ~~عليه السلام وغرق فرعون وقومه بانطباق البحر عليهم، وقال ابن عباس ~~ومجاهد: معنى طغى الماء كثر، وغرق الله - عز وجل - قوم نوح. وقال قتادة: ~~ارتفع على كل شيء خمس عشرة ذراعا. وقوله { حملناكم في الجارية } أي ~~حملنا أباكم نوحا ومن كان معه من ولده المؤمنين فى السفينة، فالجارية ~~السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء، ومنه قوله # وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام # والجارية المرأة الشابة تسمى بذلك، لانها يجري فيها ماء الشباب. والحمل ~~امساك الشيء بالوضع على غيره، تقول حملته حملا، والحمل - بفتح الحاء - ما ~~كان في البطن او الشجر - وبكسر الحاء - ما كان على الظهر. ووجه التذكرة ~~بذلك أن نجاة من فيها وتغريق من سواهم يقتضي أنه من مدبر مختار وفي امر ~~لم تجربه عادة، فيلتبس انه من فعل الطبيعة. ثم بين تعالى الغرض بما فعله ~~فقال { لنجعلها } يعني السفينة { لكم تذكرة } تتذكرون بها أنعم الله ~~وتشكرونه عليها وتتفكرون فيها { وتعيها أذن واعية ms3472 } أي وتحفظها اذن ~~حافظة، يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال: وعي قلبه ~~العلم يعيه وعيا، وقال الشاعر: # إذا لم تكن واعيا حافظا # فجمعك للكتب لا ينفع # فمعنى { واعية } ممسكة ما يحصل فيها. وقال ابن عباس: حافظة. وقيل قابلة ~~سامعة. وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله # " اللهم اجعلها اذن علي عليه السلام " # ورواه الطبري باسناده عن مكحول. ثم قال علي عليه السلام (فما سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا فنسيته) وروى الحلواني عن ابن كثير { ~~وتعيها } بسكون العين جعله مثل فخذ وفخذ. الباقون بكسرها، لأنه مضارع وعى ~~يعي. واصله يوعي فحذفت الواو لوقوعها بين فتحة وكسرة، ومعنى الآية تحفظها ~~كل أذن ليكون عظة لمن يأتي بعدهم. روى الطبري باسناده عن عكرمة عن بريدة ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي عليه السلام # " يا علي إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك " # وقوله { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } فهي النفخة الأولى التي يصعق ~~لها من في السموات ومن في الأرض { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة } ~~قال: ابن زيد: ضرب بعضها على بعض حتى صارتا غبارا. وقيل: معناه بسطتا ~~بسطة واحدة، ومنه الدكان، ويقال: اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره. ~~وقيل: المعنى حملت الارض والجبال فصك بعضها على بعض حتى تندك، وإنما قيل: ~~فدكتا لأنه جعل الجبال جملة والارض جملة. ومثله # أن السماوات والأرض كانتا رتقا # لان السموات جملة واحدة. # ثم قال { فيومئذ } أي يوم تدك السموات والارض وتنفخ النفخة الواحدة { ~~وقعت الواقعة } يعني القيامة وسميت واقعة لشدة وقعتها بما ليس لغيرها مثل ~~تلك الشدة. # ثم قال { وانشقت السماء } أي انفرج بعضها عن بعض، يقال: انشق الشيء ينشق ~~انشقاقا، وتشقق تشققا إذا تفطر واشتق منه كذا إشتقاقا، ومنه اشتقاق ~~الصفة من المصدر، لان معناه وحروفه فيها دون صورته، فهي مأخوذة منه على ~~هذا الوجه. # وقوله { فهي يومئذ واهية } أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها ولا ms3473 ينظر أهول ~~من رؤية السماء في هذه الهيأة، يقال: وهى الشيء يهي وهيا، فهو واه أي لا ~~يستمسك لضعفه بنقض بنيته. وقيل: هو تغير السماء بعد صلابتها بمنزلة الصوف ~~في الوهي والضعف، وقيل: السماء مكان الملائكة، فاذا وهت صارت في نواحيها. ~~وقوله { والملك على أرجائها } فالارجاء النواحي واحدها رجا، مقصور وتثنى ~~رجوان بالواو، والرجا جانب البئر قال الشاعر: # فلا ترمي بي الرجوان اني # أقل القوم من يغني مكاني # وهو من رجوت، لان الجانب يرجى فيه السلامة مع خوف السقوط، والملائكة ذلك ~~اليوم على جوانب السماء تنتظر ما تؤمر به في اهل النار من السوق اليها، ~~وفي اهل الجنة من التحية والتكرمة فيها. # وقوله { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } يعني فوق الخلائق { يومئذ } ~~يعني يوم القيامة { ثمانية } من الملائكة. وقيل: على أرجائها، لأن الناس ~~إذا رأوا جهنم بدروا هاربين فتردهم الملائكة - في قول الضحاك - وقال ~~الحسن وقتادة وسفيان { على أرجائها } يعني نواحيها. وقال ابن عباس { يحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. ~~وروي فى خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه يحمل العرش ثمانية ~~أملاك، وهو قول ابن زيد، والمعنى في حمل العرش بثمانية أملاك. هو الاخبار ~~بأنه عظيم محتاج أن يحمله من كل زاوية ملكان، لا يفي به لعظمه أقل من ~~ذلك، وبهذا يتصور عظمه فى النفس. # وقوله { يومئذ تعرضون } يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين { لا ~~يخفى منكم خافية } فروى فى خبر مرفوع - ذكره ابن مسعود وقتادة - ان الخلق ~~يعرضون ثلاث عرضات اثنتان فيها معاذير وجدال، والثالثة تطاير الصحف فى ~~الايدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما ~~لم يعلمه بل هو عالم بجميع ما كان منهم، لانه عالم لنفسه لكن ليظهر ذلك ~~لخلقه. ### || [69.19-24] # قال الفراء: نزلت هذه الآية فى أبي سلمة بن عبد الأسود، وكان مؤمنا، ~~وكان أخوه الأسود بن عبد الاسود كافرا، نزلت فيه الآية التي بعدها. # قسم الله تعالى حال ms3474 المكلفين يوم القيامة، فقال { فأما من أوتي } أي ~~اعطي { كتابه } الذي فيه أعماله { بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا } قال ابن ~~زيد: يقول المكلف تعالوا اقرأوا { كتابيه } ليعلمهم انه ليس فيه إلا ~~الطاعات، فلا يستحيون أن ينظر فيها غيرهم، واهل الحجاز يقولون: ها يا ~~رجل، وللاثنين هاؤما، وللجمع هاءموا، وللمرأة هاء - بهمزة - وليس بعدها ~~ياء، وللمرأتين هاؤما، وللجماعة هاؤن يا نسوة. وتميم وقيس يقولون: ها يا ~~رجل مثل قول أهل الحجاز، وللاثنين هاءا، وللثلاثة هاءوا، وللمرأة هائي، ~~وربما قالوا: هاء يا هذه، وللثلاثة هان. وبعض العرب يجعل مكان الهمزة ~~كافا، فيقول: هاك بغير همزة، ويؤمر بها ولا ينهى و (هاء) بمنزلة خذ ~~وتناول. ووقف الكسائي على { هاؤم } وابتدأ { اقرءوا واكتابيه }. # ويقول أيضا { إني ظننت أني ملاق حسابيه } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ~~معناه إني علمت، وإنما حسن هذا فيما يلزم العمل فيما يلزم العمل به لتأكد ~~امره بالظن، كما يلزم بالعلم مع مقاومة الظن للعلم بالقوة فى النفس إلا ~~أن العلم معه قوة ينتهي إلى الثقة الثابتة بسكون النفس. والمعنى اني كنت ~~متيقنا فى دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة، واعلم أني اجازى على ~~الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، وأعمل بما يجب علي من الطاعات ~~واجتناب المعاصي. # ثم اخبر تعالى عن حال من أعطي كتابه بيمينه فقال { فهو في عيشة راضية } ~~أي فى عيشة مرضية تقول: عاش يعيش عيشا وعيشة، وهي الحالة التي تستمر بها ~~الحياة ومنه المعاش الذي يطلب التصرف له بعائد النفع عليه، وراضية معناه ~~مرضية. ف (فاعلة) بمعنى (مفعولة) لأنه فى معنى ذات رضا، كما قيل: لابن ~~وتامر، أي ذو لبن وذو تمر. قال النابغة: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل اقاسيه بطيء الكواكب # أي ذو نصب، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت، لانها بمنزلة الطالبة كما أن ~~الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهى. وقيل: هو كقولهم: ليل نائم وسر كاتم وماء ~~دافق، على وجه المبالغة فى الصفة من غير التباس في المعنى: فعلى هذا جاء ~~عيشة راضية ولا يجوز على ms3475 هذا القياس زيد ضارب بمعنى مضروب لانه يلتبس به. # وقوله { في جنة عالية } أي بستان أجنه الشجر مرتفعة، فالعلو الجهة ~~المقابلة لجهة السفل. والعلو والسفل متضمن بالاضافة فيكون الغلو سفلا إذا ~~أضفته إلى ما فوقه، ويكون علوا إذا اضيف إلى ما تحته، # وقوله { قطوفها دانية } أي اخذ ثمرها، فالقطف اخذ الثمرة بسرعة من ~~موضعها من الشجر، وهو قطوفها، كأنه قال دانية المتناول، قطف يقطف قطفا ~~فهو قاطف، وقطف تقطيفا. # والدنو القرب، دنا يدنو دنوا فهو دان، وتدانيا تدانيا وأحدهما أدنى ~~الينا من الآخر. وقال قتادة: معناه قطوفها دانية لا يرد أيديهم عن ثمرها ~~بعد ولا شوك. # ثم حكى تعالى ما يقال لهم فانه يقال لهم { كلوا واشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم } وصورته صورة الأمر والمراد به الاباحة، كما قال # وإذا حللتم فاصطادوا # وقال قوم: انه أمر على الحقيقة، لان الله يريد من أهل الجنة الأكل ~~والشرب لما لهم في ذلك من زيادة السرور إذا علموا ذلك. وإنما لا يريد ذلك ~~في الدنيا، لانه عبث لا فائدة فيه. # وقوله { هنيئا } معناه مريئا ليس فيه ما يؤذي، فليس يحتاج فيه الى ~~اخراج فضل لغائط ولا بول. # وقوله { بما أسلفتم } أي جزاء على ما عملتموه من الطاعة { في الأيام ~~الخالية } أي الماضية في دار التكليف. ### || [69.25-37] # لما حكى الله تعالى قصة أهل الجنة وشرح أحوالهم، حكى - ها هنا - قصة أهل ~~النار وشرح أحوالهم، فقال { وأما من أوتي كتابه } يعني من أعطي كتابه ~~الذي فيه أعماله مثبتة { بشماله } وإنما يعطي الله هؤلاء كتابهم بشمالهم، ~~لانه جعل ذلك إمارة للملائكة والخلائق على أن صاحبه من أهل النار، فهو ~~إذا اعطي كتابه في شماله يقول عند ذلك متمنيا متحسرا على ما فرط { يا ~~ليتني لم أوت كتابيه.... } أى ليتني لم اعط هذا الكتاب، والتمني هو قول ~~القائل لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان: فهو من صفات ~~الكلام. وقال قوم: هو معنى في النفس فهؤلاء الذين يعطون كتابهم بشمالهم ~~يتمنون أن لم يعطوا كتابهم ms3476 أصلا، ولم يعلموا ما لهم وما عليهم، لان ~~اعمالهم كلها معاصي، وهم يستحقون العقاب لا غير فلذلك يتمنون أن لا ~~يعرفوا حسابهم، والحساب اخراج الكثير مما تضمن معنى العدة، وهو محتمل ~~الزيادة والنقصان، والتمني في قول الكفار معناه التحسر والتندم وإن خرج ~~مخرج التمني. # ثم حكى تعالى أنهم لعظم ما دفعوا اليه من العقاب والاهوال ينتدمون ~~ويتحسرون ويتمنون أن لو كانت القاضية بدلا مما هم فيه. قال الفراء: معناه ~~ليت الموتة الأولى التي متناها لم نجئ بعدها. والقاضية الفاصلة بالامانة، ~~يقال: قضى فلان إذا مات، واصله فصل الأمر، ومنه قضية الحاكم، وجمعها ~~قضايا، ومنه قضاء الله وهو الاخبار بأنه يكون على القطع، والهاء في { يا ~~ليتها } كناية عن الحالة التي هم فيها، وقيل كناية عن الموتة. قال قتادة: ~~يعني الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء اكره منه. # ثم حكى انه يقول { ما أغنى عني ماليه } ومعناه ما كفاني في صرف المكروه ~~ولا صرف عني شيئا من عقاب الله تعالى يقال: أغنى يغني غنى واغناء، قال ~~ابن زيد: معناه ما نفعني ملكي الذى كان لي في الدنيا. # وقوله { هلك عني سلطانيه } قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هلك عني حجتي. ~~وقال الحسن: قد جعل الله لكل إنسان سلطانا على نفسه ودينه وعيشه. وقال ~~قوم: معناه هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا ~~عليه لا أمر لي ولا نهي، فالهلاك ذهاب الشيء بحيث لا يقع عليه احساس، هلك ~~يهلك هلوكا، فهو هالك، قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا ~~توصل، لانها ادخلت للوقف، وقد حذفها قوم. وفي ذلك مخالفة المصحف، فلا احب ~~حذفها. قال: ولا احب ان اصل وأثبت الهاء، فان هذه رؤس الآي فالوجه الوقف ~~عندها، وكذلك قوله { وما أدراك ما هيه } وقد وصل بلاهاء الكسائي. الباقون ~~بالهاء في الحالين. # ثم حكى ما يقول الله تعالى للملائكة ويأمرهم به، فانه يقول لهم { خذوه } ~~يعني الكفار الذى أعطي كتابه بشماله { فغلوه } أى اوثقوه بالغل، وهو ms3477 أن ~~يشد احدى يديه او رجليه إلى عنقه بجامعة { ثم الجحيم صلوه } فالجحيم هي ~~النار الغليظة لأن النار قد تكون ضعيفة كنار السراج ونار القدح، وقد تكون ~~قوية كنار الحريق فلا يقال لنار السراج: جحيم، وهو اسم علم على نار جهنم ~~التي أعدها الله للكفار والعصاة، والتصلية إلزام النار، ومنه الاصطلاء ~~وهو القعود عند النار للدفا، واصله لزوم الأمر، فمنه المصلي الذي فى أثر ~~السابق ومنه قول الشاعر: # وصلى على دنها وارتسم # أي لزم الدعاء لهاء. وقوله { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } ~~تقديره: ثم اسلكوه فى سلسلة طولها سبعون ذراعا فاسلكوه فيها، فالسلسلة ~~حلق منتظمة كل واحدة منها فى الأخرى، ومنه يقال: سلسل كلامه إذا عقده ~~شيئا بعد شيء، وتسلسل إذا استمر شيئا قبل شيء على الولاء والانتظام. ~~والذرع اخذ قدر الذراع مرة او أكثر، ذرع الرجل الثوب يذرعه ذرعا، فهو ~~ذراع، والثوب مذروع، مأخوذ من الذراع وهو العضو الذي يكون فى طرف الكف ~~من الانسان. وقيل: اسلكوه في السلسلة، لأنه يأخذ عنقه فيها، ثم يجر بها. ~~وقال الضحاك: إنها تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقيل: المعنى ثم اسلك ~~السلسلة فيه فقلب كما يقال: ادخلت القلنسوة في رأسي، وإنما أدخل رأسه ~~فيها، وكما قال الاعشي: # [غضوب من السوط زيافة] # إذا ما أرتدى بالسراه الاكم # وإنما السراة ترتدي بالاكم، ولكنه قلب، فهو يجري مجرى التقديم والتأخير ~~اتساعا في اللغة من غير اخلال بالمعنى. ويقولون أيضا: ادخلت الخاتم في ~~يدي، والخف في رجلي، وإنما تدخل اليد والرجل في الخاتم والخف، فقلب. # ثم بين تعالى لم فعل به ذلك؟ وعلى أي شيء استحقه، فقال { إنه كان لا ~~يؤمن بالله } أى لم يكن يوحد الله في دار التكليف ولم يصدق بالله { ~~العظيم } في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره { ولا يحض على طعام المسكين ~~} أى لا يحث على ذلك مما يجب عليه من الزكاة والكفارات والنذور. # ثم قال تعالى { فليس له } يعني للكافر { اليوم ها هنا } يعني يوم ~~القيامة { حميم } وهو ms3478 القريب الذى يحمي لغضب صاحبه { ولا طعام الأمن ~~غسلين } يعنى من صديد أهل النار وما يجري منهم، فالطعام هو ما هيئ للأكل، ~~فلذلك لا يسمى التراب طعاما للانسان، والخشب طعام الأرضة، وليس من طعام ~~أكثر الحيوان. فلما هيئ الصديد لأكل أهل النار كان ذلك طعاما لهم. ~~والغسلين هو الصديد الذى يتغسل بسيلانه من ابدان أهل النار. ووزنه ~~(فعلين) من الغسل وقال ابن عباس: هو صديد أهل النار. وقيل: اهل النار ~~طبقات منهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، لانه قال في موضع ~~آخر # ليس لهم طعام إلا من ضريع # وقال قطرب: يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، فعبر عنه بعبارتين، وقال ~~قوم: يجوز ان يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع ولا شراب الا من ~~غسلين، فسماه طعاما كما قال الشاعر: # علفتها تبنا وماء باردا # ثم قال تعالى { لا يأكله } أي لا يأكل هذا الغسلين { إلا الخاطئون } وهم ~~الجائرون عن طريق الحق عامدين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد ~~يكون من غير تعمد لما وقع به من ترك اصابة المطلوب، وخطئ يخطىء خطأ فهو ~~خاطئ قال امرؤ القيس: # يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا # القائلين الملك الحلا حلا # فهؤلاء الكفار قد جاروا عن طريق الحق وضلوا عن الصراط المستقيم وتبعوا ~~الضلال فى الدين. ### || [69.38-52] # قرأ { قليلا ما يؤمنون، ويذكرون } بالياء فيهما مكي شامي ويعقوب، وسهل ~~على الخبر عن الكفار. الباقون بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. # وقيل في قوله { فلا أقسم } ثلاثة اقوال: # احدها - قال الفراء: انه رد لكلام قائل، فكأنه قال: ليس الأمر على ما ~~يقال أقسم إنه { لقول رسول كريم }. # والثاني - قال قوم (لا) صلة مؤكدة وتقديره فأقسم. # الثالث - قال قوم: إنها نفي للقسم، ومعناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح ~~الحق في انه { لقول رسول كريم } وفى هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من ~~القسم. وقيل: هو كقول القائل: لا والله لأفعل ذاك، ولا والله لأفعلن ذاك. ~~وقال قتادة: أقسم تعالى بالاشياء كلها ما ms3479 يرى وما لا يرى، وقال الجبائي: ~~إنما أراد إنه لا يقسم بالاشياء المخلوقات ما يرى وما لا يرى، وإنما يقسم ~~بربها، لأن القسم لا يجوز إلا بالله. وقوله { إنه لقول رسول كريم } جواب ~~القسم، قال الجبائي: هو قول الله على الحقيقة، وإنما الملك وجبرائيل ~~والرسول يحكون ذلك، وإنما أسنده إليهم من حيث أن ما يسمع منهم كلامهم ~~ولما كان حكاية كلام الله قيل: هو كلام الله على الحقيقة فى العرف، وقرئ ~~{ إنه من قول رسول كريم } جواب القسم. وقال الحسن: فالرسول الكريم محمد ~~صلى الله عليه وآله الذى أتى بهذا القرآن. وقال غيره: هو جبرائيل عليه ~~السلام والاول اظهر، والكريم الخليق بالخير الواسع من قبله، يقال: كرم ~~يكرم كرما فهو كريم، وضده لؤم يلؤم لؤما، فهو لئيم. # ولما اقسم تعالى أن هذا القرآن هو قول رسول كريم نفى بعده أن يكون قول ~~شاعر فقال { وما هو بقول شاعر } فالشاعر هو المبتدئ بانشاء الشعر، ولا ~~يكون حاكي الشعر شاعرا، كما يكون حاكي الكلام متكلما، لانه يحكي شعرا ~~انشأه غيره، وإنما نزه الله تعالى نبيه عن الشعر ومنعه منه، لان الغالب ~~من حال الشاعر أنه يدعو إلى الهوى، والرسول بأني بالحكمة التي يدعو اليها ~~العقل للحاجة إلى العمل عليها والاهتداء بها، مع انه بين أن القرآن صنف ~~من الكلام خارج عن الانواع المعتادة، وذلك أدل على إعجازه لبعده عما جرت ~~به العادة فى تأليف الكلام قال قتادة: طهر الله نبيه من الشعر والكهانة ~~وعصمه منهما. # وقوله تعالى { قليلا ما تؤمنون } معناه قليلا بما ذكرناه إيمانكم (وما) ~~مصدرية وقال قوم (ما) صلة، وتقديره قليلا تؤمنون بما ذكرناه أي لستم ~~تؤمنون به. # وقوله { ولا بقول كاهن } فالكاهن هو الذي يسجع فى كلامه على ضرب من ~~التكلف لتشاكل المقاطع، وهو ضد ما توجبه الحكمة فى الكلام، لانها تقتضي ~~أن يتبع اللفظ المعنى، لانه إنما يحتاج إلى الكلام للبيان به عن المعنى، ~~وإنما البلاغة فى الفواصل التي يتبع اللفظ فيها المعنى، فتشاكل المقاطع ~~على ثلاثة أضرب: ms3480 فواصل بلاغة، وسجع كهانة، وقواف تتبع الزنة، والكاهن ~~الذي يزعم ان له خدمة من الجن تأتيه بضرب من الوحي. # وقوله { قليلا ما تذكرون } أي تتفكرون قليلا فيما ذكرناه، فلذلك لا ~~تعلمون صحة ما قلناه، ولو انعمتم النظر لعلمتم صحته. # ثم قال { تنزيل من رب العالمين } أي هو تنزيل نزله الله رب العالمين على ~~رسوله. # وقوله { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } اخبار من الله تعالى على وجه ~~القسم أن هذا الرسول الذي حكى بأن القرآن نزل عليه من عند الله وهو محمد ~~صلى الله عليه وآله لو تقول على الله فى بعض كلامه، ومعناه لو كذب علينا ~~فى بعض ما لم يؤمر به، فالتقول تكلف القول من غير رجوع إلى حق، والتقول ~~والتكذب والتزيد بمعنى واحد { لأخذنا منه باليمين } جواب القسم، ومعناه ~~أحد وجهين: # احدهما - لاخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الاذلال، كما يقول السلطان ~~يا غلام خذ بيده فانه على وجه الاهانة، قال الحسن: معناه لقطعنا يده ~~اليمين. # والثاني - لاخذنا منه بالقوة كما قال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # وقوله { لقطعنا منه الوتين } قال ابن عباس وسعيد بن جبير: الوتين نياط ~~القلب. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: هو عرق فى القلب متصل بالظهر إذا قطع ~~مات الانسان، قال الشماخ بن ضرار الثعلبي: # إذا بلغتني وحملت رحلي # عرابة فأشر فى ندم الوتين # وقوله { فما منكم من أحد عنه حاجزين } معناه ليس أحد يمنع غيره من عقاب ~~الله بأن يكون حائلا بينه وبينه، فالحاجز هو الحائل بين الشيئين. وإنما ~~قال { حاجزين } بلفظ الجمع، لان (أحدا) يراد به الجمع وإن كان بصيغة ~~الواحد. ثم قال { وإنه لتذكرة للمتقين } قسم من الله تعالى أن هذا القرآن ~~تذكرة وعظة للمتقين، وهو قول قتادة، وإنما اضافه إلى المتقين، لانهم ~~المنتفعون به، فالتذكرة العلامة التي يذكر بها المعنى، ذكره تذكرة، فهو ~~مذكر، كقولك جزاه تجزية وجزاه تجزية، فالمتقى يتذكر القرآن بأن يعمل عليه ~~في أمر دينه في اعتقاد او عمل به فيتميز الجائز ms3481 مما لا يجوز، والواجب مما ~~ليس بواجب، والصحيح مما لا يصح. # وقوله { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } عطف على جواب القسم، ومعناه ~~التحذير من التكذيب بالحق وأنه ينبغي أن يتذكر أن الله تعالى يعلمه ~~ويجازي عليه. وقوله { وإنه لحسرة على الكافرين } معناه إن هذا القرآن ~~حسرة على الكافرين يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا، فالحسرة الغم ~~من أجل ما انحسر وقته كيف فات العمل الذي كان ينبغي فيه أن يفعل، فيحسر ~~السرور عن النفس إلى الغم بانحساره. # وقيل: إن التكذيب به حسرة على الكافرين. # ثم اقسم تعالى فقال { وإنه } يعني القرآن الذي انزله والاخبار بما اخبر ~~به وذكره { لحق اليقين } ومعناه الحق اليقين، وإنما اضافه إلى نفسه، ~~والحق هو اليقين، كما قيل مسجد الجامع ودار الآخرة وبارحة الاولى ويوم ~~الخميس وما اشبه ذلك، فيضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلف لفظه كما اختلف ~~الحق واليقين. والحق هو الذي معتقده على ما اعتقده، واليقين هو الذي لا ~~شبهة فيه. # ثم قال لنبيه { فسبح } يا محمد والمراد به جميع المكلفين ومعناه نزه ~~الله تعالى { باسم ربك العظيم } ومعناه نزهه عما لا يجوز عليه من صفات ~~خلقه و { العظيم } هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه بما يستحق من ~~أوصافه. وروي انه لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله: # " اجعلوها في ركوعكم ". ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-10] # قرأ اهل المدينة وأهل الشام { سال } بغير همز وهو يحتمل أمرين: # احدهما - ان يكون من السيل تقول: سال يسيل سيلا فهو سائل، وسايل واد في ~~جهنم، كما قال { أعوذ برب الفلق } والفلق جب في جهنم. واجمعوا على همزة { ~~سائل } لانه ولو كان من { سال } بغير همز، فالياء تبدل همزة إذا وقعت بعد ~~الالف مثل البائع والسائر من (باع، وسار). # والثاني - بمعنى سأل بالهمزة، لانها لغة يقولون سلت أسال، وهما يتسالان ~~قال الشاعر: # سالت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما سالت ولم تصب # فهي لغة أخرى، وليست مخففة من الهمزة الباقون بالهمز ms3482 من السؤال الذي هو ~~الطلب. وقرأ الكسائي وحده { يعرج } بالياء، لان تأنيث الملائكة ليس ~~بحقيقي، الباقون - بالتاء. وقرأ ابن كثير - في رواية البزي - وعاصم في ~~رواية البرجمي عن ابي بكر { ولا يسأل } بضم الياء. الباقون بفتح الياء ~~اسندوا السؤال إلى الحميم. # حكى الله تعالى انه { سأل سائل بعذاب واقع } قال الفراء: الداعي بالعذاب ~~هو النضر بن كلدة أسر يوم بدر وقتل صبرا، هو وعقبة بن أبي معيط. وقال: ~~تقديره سأل سائل بعذاب { واقع للكافرين } قال ابن: خالويه قال النحويون: ~~إن الباء بمعنى (عن) وتقديره: سأل سائل عن عذاب واقع وانشد: # دع المعمر لا تسأل بمصرعه # واسأل بمصقله البكري ما فعلا # أي لا تسأل عن مصرعه، وهذا الذي سأل العذاب الواقع إنما تجاسر عليه لما ~~كذب بالحق ليوهم أنه ليس فيه ضرر، ولم يعلم انه لازم له من الله. وقال ~~مجاهد: سؤاله فى قوله # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء # وقال الحسن: سأل المشركون، فقالوا: لمن هذا العذاب الذي يذكره محمد؟ ~~فجاء جوابهم بأنه { للكافرين ليس له دافع } وقيل: معناه دعا داع بعذاب ~~للكافرين، وذلك الداعي هو النبي صلى الله عليه وآله، واللام فى قوله { ~~للكافرين } قيل في معناها قولان: # أحدهما - إنها بمعنى (على) وتقديره سأل سائل بعذاب واقع على الكافرين، ~~ذهب اليه الضحاك. # والثاني - إنها بمعنى (عن) أي ليس له دافع عن الكافرين، وإنما ذكر وعيد ~~الكافر - ها هنا - مع ذكره فى غير هذا الموضع، لأن فيه معنى الجواب لمن ~~سأل العذاب الواقع، فقيل له: ليس لعذاب الكافرين دافع، فاعمل على هذا، ~~وتقدم نظيره وتأخر، والدافع هو الصارف للشيء عن غيره باعتماد يزيله، عنه ~~دفعه عن كذا يدفعه دفعا، فهو دافع وذاك مدفوع. # وقوله { من الله ذي المعارج } يعني مصاعد الملائكة. وقيل: معناه ذي ~~الفواضل العالية، فيكون وصفا لله تعالى، وتقديره من الله ذي المعالي ~~التي هي الدرجات التي يعطيها أولياءه من الانبياء والمؤمنين فى الجنة، ~~لانه يعطيهم درجات رفيعة ومنازل شريفة، والمعارج ms3483 مواضع العروج، واحدها ~~معرج، عرج يعرج عروجا والعروج الصعود مرتبة بعد مرتبة، ومنه الأعرج ~~لارتفاع احدى رجليه عن الأخرى وقال قتادة: معنى ذي المعارج ذي الفواضل ~~والنعم، لأنها على مراتب. # وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معالي الدرجات التي يعطيها الله ~~تعالى اولياءه فى الجنة. وقال الحسن: معناه ذي المراقي إلى السماء. والذي ~~اقتضى ذكر المعارج البيان عن العقاب الذي يجب ان يخافه، على خلاف هذا ~~الجاهل الذي سأل العذاب الواقع على من كفر نعمته. # وقوله { تعرج الملائكة } معناه تصعد الملائكة { والروح } أي يصعد الروح ~~أيضا معهم { اليه } والمعنى تعرج الملائكة والروح الذي هو جبرائيل إلى ~~الموضع الذي يعطيهم الله فيه الثواب في الآخرة { في يوم كان مقداره خمسين ~~ألف سنة } لعلو درجاتهم، وإنما قال { إليه } لانه هناك يعطيهم الثواب، ~~كما قال فى قصة إبراهيم # إني ذاهب إلى ربي # أى الموضع الذى وعدني ربي، وكذلك الموضع الذى وعدهم الله بالثواب فيه. ~~وقيل: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ~~الف سنة، وذلك من اسفل الأرضين السبع الى فوق السماوات السبع - ذكره ~~مجاهد - وقوله # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون # فهو لما بين السماء الدنيا والارض في الصعود والنزول الف سنة: خمسمائة ~~صعودا وخمسمائة نزولا - ذكره مجاهد - ايضا. وقيل: المعنى ان يوم ~~القيامة يفعل فيه من الامور ما لو فعل في الدنيا كان مقداره خمسين الف ~~سنة. وقال قوم: المعنى إنه من شدته وهو له وعظم العذاب فيه على الكافرين ~~كانه خمسون الف سنة، كما يقول القائل: ما يومنا إلا شهر أي في شدته، وعلى ~~هذا قول امرء القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجل # بصبح وما الإصباح منك بأمثل # ويا لك من ليل كأن نجومه # بكل مغار الفتل شدت بيذبل # ويؤكد هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت هذه الآية ~~قيل له ما أطول هذا اليوم؟! فقال رسول ms3484 الله صلى الله عليه وآله # " والذي بعثني بالحق نبيا إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من ~~صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " # وقال الضحاك وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون { يوما ~~} من صلة { واقع } فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره ~~خمسين الف سنة وذلك العذاب يقع يوم القيامة. وقال الحسن: تعرج الملائكة ~~بأعمال بني آدم في الغمام، كما قال # ويوم تشقق السماء بالغمام # وقال الزجاج: سماه يوما، لأن الملائكة تعرجه في مقدار يوم واحد. ### || [70.11-25] # قرأ { نزاعة } - بالنصب - حفص عن عاصم على الحال. الباقون بالضم جعلوه ~~بدلا من (لظى) و (لظى) اسم من اسماء جهنم معرفة، و { نزاعة } نكرة فلذلك ~~نصبه حفص على الحال ومن جعلها بدلا من (لظى) وتقديره كلا إنها لظى، كلا ~~إنها نزاعة للشوى، وضعف أبو علي نصبه على الحال، قال: لانه ليس في الكلام ~~ما يعمل فى الحال، ولظى اسم معرفة لا يمكن أن يكون بمعنى التلظي، فلا ~~يعمل فيه الاعلى وجه ضعيف بأن يقال: مع انها معرفة فمعناها بمعنى التلظي. ~~قال والاجود أن ينصب بفعل آخر، وتقديره أعني نزاعة. # لما وصف الله تعالى القيامة وأهوالها، واخبر أن الحميم لا يسأل حميا ~~لشغله بنفسه، قال { يبصرونهم } قال ابن عباس وقتادة: يعرف الكفار بعضهم ~~بعضا، ثم يفر بعضهم عن بعض، وقال مجاهد: يعرفهم المؤمنون، وقال قوم: ~~يعرف اتباع الضلال رؤساءهم، وقول ابن عباس أظهر، لأنه عقيب ذكر الكفار. ~~وقال هو كناية ينبغي ان يرجع اليهم. # وقوله { يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه } أى يتمنى العاصي، ~~فالمودة مشتركة بين التمنى وبين المحبة تقول: وددت الشيء إذا تمنيته ~~ووددته إذا احببته أود فيهما جميعا، وصفة ودود من المحبة. وقوله { لو ~~يفتدي } ، فالافتداء افتداء الضرر عن الشيء يبدل منه، فهؤلاء تمنوا ~~سلامتهم من العذاب النازل بهم باسلام كل كريم عليهم. والفرق بين { يود لو ~~يفتدي } و { يود أن يفتدي } أن (لو) تدل على التمني من جهة أنها لتقدير ~~المعنى، وليس ms3485 كذلك (أن) لانها لاستقبال الفعل و (لو) للماضي، فلما كان ~~الاعتماد على تصور المعنى صار في حكم الواقع، فلو قال قائل: حسبت أن يقوم ~~زيد، لما دل على التمنى، ولو قال حسبت لو يقوم زيد لدل على التمني فبان ~~الفرق بينهما. # وقوله { ببنيه } يعني بأولاده الذكور { وصاحبته } يعني زوجته { وأخيه } ~~يعني ابن أبيه وأمه { وفصيلته التي تؤويه } فالفصيلة هي المنقطعة عن جملة ~~القبيلة برجوعها إلى ابوة خاصة، وهي الجماعة التي ترجع إلى أبوة خاصة عن ~~ابوة عامة { ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه } أى يتمنى هذا الكافر بان ~~يتخلص من بعذاب الله بأن يفتدى بهؤلاء كلهم، فقال الله تعالى { كلا } أى ~~ليس ينجيه من عقاب الله شيء وقال الزجاج { كلا } ردع وتنبيه أى لا ينجيه ~~احد من هؤلاء فارتدعوا. # وقوله { إنها لظى } فلظى اسم من اسماء جهنم مأخوذ من التوقد، ومنه قوله # فأنذرتكم نارا تلظى # وموضع { لظى } رفع، لأنها خبر (ان) و { نزاعة للشوى } خبر آخر - على قول ~~من رفع - ومن نصب جعله حالا، ويجوز أن تكون الهاء في { إنها } عمادا، و ~~{ لظى } ابتداء وخبرها { نزاعة } إذا رفع، قال الزجاج: ويجوز أن يكون ~~كقولهم: هذا حلو حامض، وتقديره النار لظى، وهي انزاعة ايضا. # ومعنى نزاعة كثيرة النزع وهو اقتلاع عن شدة. والاقتلاع أخذ بشدة اعتماد، ~~والشوى جلدة الرأس. والشوى الكوارع والاطراف، والشوى ماعدا المقتل من كل ~~حيوان، يقال: رمى فأشوى إذا اصاب غير المقتل، ورمى فأصمى إذا اصاب ~~المقتل، ومنه الشوي، لان النار تأخذ الجلدة والاطراف بالتغير. والشوى ~~الخسيس من المال. وقيل: ان جهنم تنزع جلدة الرأس واطراف البدن، والشوى ~~جمع شواة قال الاعشى: # قالت قتيلة ماله # قد حللت شيبا شواته # وقال ابن عباس: نزاعة للشوى للجلد وأم الراس. وقال ابو صالح: لحم الساق، ~~وقال قتادة: الهام والاطراف. وقال الفراء: كل ما كان غير مقتل فهو شوى. ~~وقال ابو عمر الدوري: كان الكسائي لا يقف على (كلا) فى شيء من القرآن إلا ~~على هذين فى هذه السورة. وقال ابن خالويه: ms3486 أعلم أن فى القرآن ثلاثا ~~وثلاثين موضعا { كلا } فليس فى النصف الأول منه شيء، فمن وقف عليه جعله ~~رد للكلام. ومن لم يقف جعله بمعنى حقا، قال الشاعر: # يقلن لقد بكيت فقلت كلا # وهل تبكي من الطرب الجليد # فالطرب خفة تصيب الانسان لشدة الخوف قال الشاعر: # وأراني طربا فى أثرهم # طرب الواله أو كالمختبل # وقال فى السرور: # اطربا وأنت قنسري # والدهر بالانسان دواري # يقول أطربا وأنت شيخ. وقوله تعالى { تدعو من أدبر وتولى } قيل فى معناه ~~قولان: # احدهما - إنه لا يفوت هذه النار كافر، فكأنها تدعوه فيجيبها كرها. # والثاني - ان يخرج لسان من النار فيتناوله كأنها داعية بأخذها، وهو ~~كقوله # تكاد تميز من الغيظ # وقال الفراء: وغيره: إن النار تدعو الكافر والفاسق، فتقول إلي الي، ~~وهذا يجوز إذا فعل الله تعالى فيها الكلام، ويضاف اليها مجازا. وقال ~~قتادة: تدعو من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقال مجاهد: من تولى عن الحق ~~وقيل: معناه تدعو زبانيتها من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقوله { وجمع ~~فأوعى } معناه عمل فجمع المال فى الدنيا وأدبر عن الحق وتولى، فالنار ~~تدعوه بما يظهر فيها من انه أولى بها. وقال مجاهد { جمع } المال { فأوعى ~~} ولم يخرج حق الله منه، فكأنه جعله فى وعاء على منع الحقوق منه. # وقوله { إن الإنسان خلق هلوعا } اخبار منه تعالى بان الانسان خلق ~~هلوعا والهلوع هو الشديد الحرص، الشديد الجزع من الضجر - فى قول ابن ~~عباس وعكرمة - وقيل: معناه خلق ضعيفا عن الصبر على الجزع والهلع، لانه ~~لم يكن في ابتداء خلقه يهلع ولا يجزع ولا يشعر بذلك حال الطفولية، وإنما ~~جاز ان يخلق الانسان على هذه الصفة المذمومة، لانها تجري مجرى خلق سهوه ~~القبيح ليجتنب المشتهى، لان المحنة في التكليف لا تتم إلا بمنازعة النفس ~~إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى، كما لا يتم إلا بتعريف ~~الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الآخر { إذا مسه الشر ~~جزوعا } لو كان منقطعا عن الاول لكان مرفوعا، والجزع ظهور ms3487 الفزع بحال ~~تنبئ عنه { وإذا مسه الخير منوعا } معناه إذا نال الانسان الخير والسعة ~~فى الدنيا منع حق الله فيه من الزكاة وغيرها مما فرض الله عليه، فالمس ~~الملاقاة من غير فعل، ويقال: مسه يمسه، وتماسا إذا التقيا من غير فعل، ~~وماسه مماسة. # والمنع هو القطع عن الفعل بما لا يمكن وقوعه معه، وهو على وجهين: احدهما ~~- منع القادر ان يفعل. والآخر - منع صاحب الحق أن يعطى حقه. والبخل منع ~~الحق صاحبه. # لما وصف الله تعالى الانسان بالصفات المذمومة اسنثنى من جملتهم من لا ~~يستحق الذم، لان الانسان عبر به عن الناس، فهو لعموم الجنس، كما قال # إن الإنسان لفي خسر إلا الذين # وكذلك - ها هنا - قال { إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون } ~~ومعناه الذين يستمرون على اداء الصلاة التي أوجبها الله عليهم لا يخلون ~~بها ولا يتركونها. وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن ذلك فى النوافل ~~يديمون عليها وقوله # والذين هم على صلواتهم يحافظون # فى الفرائض والواجبات { والذين في أموالهم حق معلوم } فالحق وضع الشيء ~~في موضعه على ما يقتضيه العقل والشرع من قولهم: حق الشيء يحق حقا، وحقه ~~كقولك تحققه. والمال عبارة في الشرع عن مقدار معين من العين أو الورق ~~يتعلق به وجوب الزكاة واكثر ما يستعمل في اللغة في المواشي من الابل ~~والبقر والغنم. وقال ابن عباس: الحق المعلوم هو البر الذي يخرج في صدقة ~~أو صلة رحم. وقال قتادة: هو الزكاة المفروضة { للسائل والمحروم } والسائل ~~هو الذي يسأل ويطلب. والمحروم، قال ابن عباس: هو المحارف وقال الحسن: هو ~~الذي حرم أن يعطى الصدقة بتركه المسألة. وقيل: هو الذي قد حرم الرزق وهو ~~لا يسأل الناس. # وقوله { عذاب يومئذ } قرئ بالفتح والكسر من { يومئذ } فمن كسر الميم ~~فعلى أصل الاضافة، لان الذي أضيف اليه الاول مخفوض أيضا بالاضافة فهذا ~~مضاف إلى مضاف. ومن فتح فلأنه مضاف إلى غير متمكن مضاف إلى (إذ) و (إذ) ~~مبهمة ومعناه يوم إذ يكون كذا ويكون كذا فلما كانت ms3488 مبهمة وأضيف اليها بني ~~المضاف اليها على الفتح وانشد: # لم يمنع الشرب منها غير ان نطقت # حمامة في غصون ذات او قال # لما اضاف (غير) إلى (ان) بناها على الفتح، وهي في موضع رفع، وروي (غير ~~أن) نطقت بالرفع. ### || [70.26-35] # قرأ { شهاداتهم } على الجمع حفص ويعقوب وعياش وسهل، لاختلاف الشهادات. ~~الباقون { بشهادتهم } على التوحيد، لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. ~~وقرأ ابن كثير وحده { لأمانتهم } على التوحيد، لانه اسم جنس. الباقون على ~~الجمع لاختلاف الأمانات. # عطف الله تعالى على صفات المؤمنين وزاد في مدحهم، فقال { والذين يصدقون ~~بيوم الدين } أي يؤمنون بأن يوم الجزاء والحساب يوم القيامة حق، ولا ~~يشكون في ذلك، والتصديق الاقرار بأن الخبر صادق، فلما كان المؤمنون قد ~~أقروا ان كل من اخبر بصحة يوم الدين فهو صادق، كانوا مصدقين به، فأما ~~المصدق بيوم الدين تقليدا، فمن الناس من قال: هو ناج. ومنهم من قال: لا ~~يطلق عليه مصدق بيوم الدين، لأنها صفة مدح، وذلك أنه من أخلص هذا المعنى ~~على جهة الطاعة لله تعالى به استحق المدح والثواب، والمقلد عاص بتقليده، ~~لانه لا يرجع فيه إلى حجة، # وقوله { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } فالاشفاق رقة القلب عن تحمل ما ~~يخاف من الأمر، فاذا قسا قلب الانسان بطل الاشفاق، وكذلك إذا أمن كحال ~~أهل الجنة إذ قد صاروا إلى غاية الصفة بحصول المعارف الضرورية. وقيل: من ~~اشفق من عذاب الله لم يتعد له حدا ولم يضيع له فرضا. # وقوله { إن عذاب ربهم غير مأمون } اخبار منه تعالى بأن عذاب الله لا ~~يوثق بأنه لا يكون، بل المعلوم أنه كائن لا محالة. والمعنى إن عذاب الله ~~غير مأمون على العصاة، يقال: فلان مأمون على النفس والسر والمال، وكل ما ~~يخاف انه لا يكون، ونقيضه غير مأمون. # وقوله { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ~~ومعناه إنهم يمنعون فروجهم على كل وجه وسبب إلا على الازواج وملك الايمان ~~فكأنه قال: لا يبذلون الفروج ms3489 إلا على الازواج أو ملك الايمان، فلذلك جاز ~~ان يقول { حافظون إلا على أزواجهم } وهم حافظون لها على الازواج، فانما ~~دخلت { إلا } للمعنى الذي قلناه، وقال الزجاج تقديره: إلا من أزواجهم ف ~~{ على } بمعنى (من) او تحمله على المعنى، وتقديره فانهم غير ملومين على ~~أزواجهم ويلامون على غير أزواجهم، وقال الفراء: لا يجوز أن تقول: ضربت من ~~القوم إلا زيدا، وانت تريد إلا أني لم اضرب زيدا. والوجه فى الآية أن ~~نحملها على المعنى، وتقديره والذين هم لفروجهم حافظون، فلا يلامون إلا ~~على غير أزواجهم. ومثله أن يقول القائل: أصنع ما شئت إلا على قتل النفس، ~~فانك غير معذب، فمعناه إلا إنك معذب في قتل النفس. # وقوله { فإنهم غير ملومين } أي لا يلامون هؤلاء إذا لم يحفظوا فروجهم من ~~الازواج، وما ملكت أيمانهم من الاماء على ما أباحه الله لهم. # ثم قال { فمن ابتغى وراء ذلك } ومعناه فمن طلب وراء ما أباحه الله له من ~~الفروج إما بعقد الزوجية أو بملك اليمين { فأولئك هم العادون } الذين ~~تعدوا حدود الله وخرجوا عما أباحه الله لهم فالابتغاء الطلب ومعنى { وراء ~~ذلك } ما خرج عن حده من أي جهة كان، وقد يكون وراءه بمعنى خلفه نقيض ~~أمامه إلا أنه - ها هنا - الخارج عن حده كخروج ما كان خلفه. والعادي ~~الخارج عن الحق، يقال: عدا فلان فهو عاد إذا اعتدى، وعدا فى مشيه يعدو ~~عدوا إذا أسرع فيه، وهو الاصل. والعادي الظالم بالاسراع إلى الظلم. # وقوله { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } فالامانة المعاقدة ~~بالطمأنينة على حفظ ما تدعو اليه الحكمة. وقيل: الأمانة معاقدة بالثقة ~~على ما تدعو اليه الحكمة. وقد عظم الله أمر الامانة بقوله # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان # ومن وحد لفظ الامانة، فلانها للجنس تقع على القليل والكثير، ومن جمع ~~أراد اختلاف ضروبها. وقال قوم: المراد بالأمانة الايمان وما أخذه الله ~~على عباده من التصديق بما أوجب عليهم والعمل بما يجب عليهم العمل ms3490 به، ~~ويدخل فى ذلك الايمان وغيره، وقوله { راعون } معناه حافظون. # وقوله { والذين هم بشهاداتهم قائمون } مدح للمؤمنين بأنهم يقيمون ~~الشهادة التي يلزمهم إقامتها. ومن وحد لفظ الشهادة، فكما قلناه فى ~~الامانة سواء، والشهادة الاخبار بالشيء على أنه على ما شاهده، وذلك أنه ~~يكون عن مشاهدة للخبر به، وقد يكون عن مشاهدة ما يدعو اليه. # وقوله { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وصف لهم بأنهم يحافظون على ~~صلاتهم فلا يضيعونها وقيل إنهم يحافظون على مواقيتها فلا يتركونها حتى ~~تفوت ثم قال { أولئك } يعني المؤمنين الذين وصفهم بالصفات المتقدمة { في ~~جنات } أي بساتين يجنها الشجر { مكرمون } أي معظمون مبجلون بما يفعل بهم ~~من الثواب والاكرام وهو الاعظام على الاحسان، والاكرام قد يكون بالاحسان، ~~وقد يكون بكبر الشأن فى صفة العالم القادر الغني الذي لا يجوز عليه صفات ~~النقص، فالاعظام بالاحسان وبكبر الشأن في أعلى المراتب لله تعالى لا ~~يستحقه سواه. ### || [70.36-44] # قرأ { نصب } بضمتين أهل الشام، وحفص عن عاصم، وسهل، على انه جمع { نصب } ~~مثل رهن ورهن - فى قول ابي عبيدة - وقال غيره: هما لغتان، مثل ضعف ~~وضعف. الباقون بفتح النون خفيفة. والنصب الصنم الذي كانوا يعبدونه، سمي ~~بذلك. وقيل: النصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل: معناه إلى علم ~~يسبقون اليه قد نصب لهم. وقرأ الاعشى { يخرجون } بضم الياء. الباقون ~~بفتحها أضافوا الخروج اليهم. # يقول الله تعالى على وجه الانكار على الكفار { فما للذين كفروا } ومعناه ~~أى شيء للذين كفروا بتوحيد الله وجحدوا نبوتك { قبلك مهطعين } أى نحوك ~~مسرعين - في قول ابي عبيدة - وقال الحسن: معناه منطلقين. وقال قتادة: ~~عامدين وقال ابن زيد: معناه لا يطرقون أى شاخصون. وجميع ذلك بمعنى ~~الاسراع الى الشيء، فمرة بتشوقه ومرة بقصده ومرة بشخوصه. وقال الزجاج: ~~المهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله، وذلك من نظر العدو، وإنما أنكر ~~عليهم الاسراع اليه لانهم أسرعوا اليه ليأخذوا الحديث منه ثم يتفرقون ~~عزين بالتكذيب عليه - ذكره الحسن - وقيل: أسرعوا اليه شخوص المتعجب منه. ~~وقيل: أسرعوا اليه لطلب عيب ms3491 له. وقيل: معناه فما للذين كفروا مسرعين فى ~~نيل الجنة مع الاقامة على الكفر والاشراك بالله فى العبادة. # وقوله { عن اليمين وعن الشمال عزين } قال ابن عباس: عن اليمين والشمال ~~معرضين يستهزؤن، ومعنى { عزين } جماعات فى تفرقة نحو الكراريس واحدهم ~~عزة، وجمع بالواو والنون، لأنه عوض مما حذف منه، ومثله سنة وسنون. وأصل ~~عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وكل واحدة من هذه الجماعة ~~مضافة إلى الاخرى، وقال الراعي: # أخليفة الرحمن إن عشيرتي # أمسى سوامهم عزين فلولا # وقوله { أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم } فمن ضم الياء، وهم أكثر ~~القراء جعل الفعل لما لم يسم فاعله. وفتح الحسن الياء لانهم إذا أدخلوا ~~فقد دخلوا. ومعنى الآية الانكار عليهم قولهم: إن دخل أصحاب محمد الجنة، ~~فانا ندخلها قبلهم لا محالة، فقيل وأي شيء لكم عند الله يوجب هذا؟ ولم ~~تحتقرون هؤلاء؟ وقد خلقناهم جميعا مما يعلمون أي من تراب. # وقوله { كلا إنا خلقناهم مما يعلمون } قال الحسن: خلقناهم من النطفة، ~~وقال قتادة: إنما خلقت من قذر يا بن آدم فاتق الله. وقال الزجاج: أي من ~~تراب، ثم من نطفة، فأي شيء لهم يدخلون به الجنة، وهم لك على العداوة، ~~وهذا حجاج لأن خلقهم من ماء مهين يقتضى أنهم خلقوا للعبادة، فجعل فى ~~خلقهم من هذا عبرة، ولولا ذلك لابتدأهم فى نعيم الجنة، ولم يكن لتنقلهم ~~فى الصور والاحوال معنى فى الحكمة، وقال بعضهم: المعنى خلقناهم من الذين ~~يعلمون أو من الخلق أو الجنس الذي يعلمون ويفقهون، وتلزمهم الحجة، ولم ~~يخلقهم من الجنس الذى لا يفقه كالبهائم والطير، وإنما قال { مما يعلمون } ~~فجمع، لأنه قال قبل ذلك { خلقناهم } فجمع { يعلمون } ووجه أخر وهو أنه ~~خلقهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والتكليف للطاعات تعريضا ~~للثواب، كما يقول القائل: غضبت عليك مما تعلم أى من أجل ما تعلم قال ~~الاعشى: # أأزمعت من آل ليلى ابتكارا # وشطت على ذى هوى أن تزاوا # على انه لم يزمع من عندهم، ms3492 وإنما أزمع من أجلهم للمصير اليهم. # وقوله { فلا أقسم برب المشارق والمغارب } قسم من الله تعالى برب المطالع ~~والمغارب، و (لا) مفخمة وقد بينا القول فى ذلك. وقال ابن عباس: الشمس لها ~~ثلثمائة وستون مطلعا كل يوم مطلع لا تعود اليه إلا إلى قابل. وقوله { ~~إنا لقادرون } جواب القسم وفيه إخبار من الله تعالى بأنه قاد { على أن ~~نبدل } بالكفار { خيرا منهم } فالتبديل تصبير الشيء موضع غيره، بدله ~~تبديلا وأبدله إبدالا، والبدل الكائن فى موضع غيره. وقوله { وما نحن ~~بمسبوقين } عطف على جواب القسم، ومعناه إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن ~~يتقدموا على وجه يمنع من لحاق العذاب بهم فلم يكونوا سابقين، ولا العقاب ~~مسبوقا منهم، فالسبق نقدم الشيء في وقت قبل وقت غيره. والتقدير وما نحن ~~بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم، وكأنه لوفاتهم عقابنا لكنا قد سبقنا، وما ~~نحن بمسبوقين. وقيل: معناه وما أهل سلطاننا بمسبوقين. وقيل: وما نحن ~~بمغلوبين بالفوت. ثم قال على وجه التهديد لهم بلفظ الامر للنبي صلى الله ~~عليه وآله { فذرهم } أي اتركهم { يخوضوا ويلعبوا } فان وبال ذلك عائد ~~عليهم والعقاب المستحق على كفرهم حال بهم، واللعب عمل للترويج عن النفس ~~بما هو حقير في العقل، كلعب الصبيان ومن جرى مجراهم من ناقصي العقل، ولا ~~يجوز من الحكيم أن يفعل اللعب لغيره، لانه عمل وضيع في الحكمة { حتى ~~يلاقوا يومهم الذي يوعدون } ومعناه حتى يروا اليوم الذي يوعدون فيه ~~بالعقاب على المعاصي والثواب على الطاعات # ثم بين صفة ذلك اليوم، فقال { يوم يخرجون من الأجداث } يعني من القبور ~~وأحدها جدث وجدث. ونصب { سراعا } على الحال، ومعناه مسرعين { كأنهم إلى ~~نصب يوفضون } شبههم في اسراعهم من قبورهم إلى أرض المحشر بمن نصب له علم ~~أو صنم يستبقون اليه، والايفاض الاسراع أوفض يوفض ايفاضا إذا أسرع قال ~~رؤبة. # يمشي بنا الجد على أوفاض # إى على عجلة. والنصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل اسم الصنم نصب ~~وجمعه نصب مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وأنشد الفراء في ms3493 الايفاض: # لأنعتن نعامة ميفاضا # خرجاء ظلت تطلب الافاضا # فخرجاء ذات لو نبن، ويقال للقميص المرقع برقعة حمراء أخرج، لانه خرج عن ~~لونه، والافاض طلب ملجأ يلجأ اليه، وقال بشر بن ابي حازم: # أهاجك نصب أم بعينك منصب # وقال الاعشي: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # لعافية والله ربك فاعبدا # وقوله { خاشعة أبصارهم } أى ذليلة خاضعة { ترهقهم ذلة } أى يغشاهم ~~ويركبهم ذل وصغار وخزي لما يرون نفوسهم مستحقة للعقاب واللعن من الله. # ثم قال تعالى { ذلك هو اليوم الذي كانوا يوعدون } به في دار التكليف فلا ~~يصدقون به ويجحدونه، وقد شاهدوه في تلك الحال. # وقوله { إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم } لا يدل على أنه تعالى ~~قادر على ان يبدل بالكفار من هو خيرا منه ولم يخلقهم، فيكون قد أخل ~~بالاصلح لأنه اخبر عن انه قادر على خير منهم وقد خلق قوما آمنوا بالنبي ~~صلى الله عليه وآله وبذلوا نفوسهم وأموالهم. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-6] # قرأ { أن اعبدوا الله } بكسر النون عاصم وحمزة وابو عمرو، على اصل ~~التقاء الساكنين. الباقون بالضم اتباعا للضمة على الباء فى { اعبدوا ~~الله } وقرأ الفراء { دعائي } ممدودا إلا شبلا عن ابن كثير، فانه قصر، ~~وفتح الياء مثل عصاي، قال ابو علي: فتح الياء وإسكانها حسنان، فاما قصر ~~الكلمة فلم اسمعها، ويجوز أن تكون لغة. # يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه { إنا أرسلنا نوحا } أي بعثنا نوحا ~~نبيا { إلى قومه أن أنذر قومك } أي بأن انذر قومك، فموضع (أن) نصب بسقوط ~~الباء. وقال قوم: موضعه الجر لقوة حذفها مع (أن). وقال آخرون: يجوز أن ~~تكون (أن) بمعنى أي المفسره، فلا يكون لها موضع من الاعراب. وقرأ ابن ~~مسعود { أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر } بلا (أن) لأن معنى الارسال معنى ~~القول فكأنه قال: قلنا له: أنذر قومك. والانذار التخويف بالاعلام بموضع ~~المخافة ليتقى. ونوح عليه السلام قد انذر قومه بموضع المخافة وهي عبادة ~~غير الله، وإنتهاك محارمه، وأعلمهم وجوب طاعته وإخلاص عبادته. وقوله { من ~~قبل أن يأتيهم عذاب ms3494 أليم } معناه اعلمهم وجوب عبادة الله وخوفهم خلافه من ~~قبل أن ينزل عليهم العذاب المؤلم، فانه إذا نزل بهم العذاب لم ينتفعوا ~~بالانذار ولا تنفعهم عبادة الله حينئذ، لأنهم يكونون ملجئين إلى ذلك. ~~وقال الحسن: أمره بأن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. # ثم حكى أن نوحا عليه السلام امتثل ما أمره الله به و { قال } لقومه { ~~يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه } أي مخوفكم عبادة غير ~~الله او أحذركم معصية الله مظهر ذلك لكم { واتقوه } بترك معاصيه { ~~وأطيعون } فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة الله، وتمسككم بطاعتي ~~لطف لكم فى التمسك بعبادة الله، واتقاء معاصيه، فلذلك وجب عليكم ما ~~أدعوكم اليه على وجه الطاعة، وطاعة الله واجبة عليكم لمكن النعمة السابغة ~~عليكم التي لا يوازيها نعمة منعم. # ثم بين لهم ما يستحقون على طاعة الله وطاعة رسوله فقال متى فعلتم ذلك { ~~يغفر لكم من ذنوبكم } ودخلت (من) زائدة وقيل (من) معناها (عن) والتقدير ~~يصفح لكم عن ذنوبكم، وتكون عامة. وقيل: إنها دخلت للتبعيض، ومعناها يغفر ~~لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي تضاف اليهم، فلما كانت ذنوبهم ~~التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها مطلقا - لما في ذلك من الاغراء ~~بالقبيح - قيدت هذا التقييد. وقيل: معناها { يغفر لكم من ذنوبكم } بحسب ~~ما تكون التوبة متعلقة بها، فهذا على التبعيض إن لم يقلعوا إلا عن البعض. ~~وهذا على مذهب من يقول: تصح التوبة من قبيح مع المقام على قبيح آخر يعلم ~~قبحه. # وقال الزجاج: دخلت (من) لتخص الذنوب من سائر الاشياء، لا لتبعيض الذنوب. # وأكثر النحويين وأكثر القراء على إظهار الراء عند اللام في { يغفر لكم } ~~وأختار ابو عمرو الادغام، لان إذهاب التكرير لا يخل، لان الثاني مثل ~~الأول. وإنما يخل إذهاب ماله حس في المسموع، كالذي لحروف الصفير وبحروف ~~المد واللين # وقوله { ويؤخركم إلى أجل مسمى } عطف على الجزاء فلذلك جزمه، والمعنى ~~إنكم إن اطعتم الله ورسوله غفر لكم ذنوبكم وأخركم إلى الاجل المسمى عنده. ms3495 ~~وفي الآية دليل على الأجلين، لان الوعد بالأجل المسمى مشروط بالعبادة ~~والتقوى، فلما لم يقع اقتطعوا بعذاب الاستئصال قبل الأجل الاقصى بأجل ~~أدنى. وكل ذلك مفهوم هذا الكلام. وقيل تقديره إن الاجل الاقصى لهم إن ~~آمنوا، وليس لهم إن لم يؤمنوا، كما أن الحنة لهم إن آمنوا وليست لهم إن ~~لم يؤمنوا. # ثم اخبر { إن أجل الله } الأقصى اذا جاء لا يؤخر { لو كنتم تعلمون } صحة ~~ذلك وتؤمنون به، ويجوز ذلك أن يكون اخبارا من الله عن نفسه، ويجوز ان ~~يكون حكاية عن نوح أنه قال ذلك لقومه. # ثم حكى تعالى ما قال نوح لله تعالى فانه قال يا { رب إني دعوت قومي ~~ليلا ونهارا } الى عبادتك وخلع الانداد من دونك والى الاقرار بنبوتي { ~~فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } أي لم يزدادوا بدعائي الا فرارا عن قبوله ~~وبعدا عن استماعه، وانما سمي كفرهم عند دعائه زيادة فى الكفر، لأنهم ~~كانوا على كفر بالله وضلال عن حقه، ثم دعاهم نوح إلى الاقرار به وحثهم ~~على الاقلاع عن الشرك، فلم يقبلوا، فكفروا بذلك، فكان ذلك زيادة فى ~~الكفر، لأن الزيادة اضافة شيء إلى مقدار بعد حصوله منفردا، ولو حصلا ~~ابتداء في وقت واحد لم يكن أحدهما زيادة على الآخر، ولكن قد يكون زيادة ~~على العطية. قيل: وإنما جاز أن يكون الدعاء الى الحق يزيد الناس فرارا ~~منه للجهل الغالب على النفس، فتارة يدعو الى الفرار مما نافره، وتارة ~~يدعو الى الفساد الذي يلائمه ويشاكله فمن ها هنا لم يمتنع وقوع مثل هذا، ~~والفرار ابتعاد عن الشيء رغبة عنه او خوفا منه، فلما كانوا يتباعدون عن ~~سماع دعائه رغبة عنه كانوا قد فروا منه. ### || [71.7-14] # لما حكى الله تعالى عن نوح أنه قال يا رب اني دعوت قومي الى طاعتك ليلا ~~ونهارا فلم يزدادوا عند دعائي إلا بعدا عن القبول قال { وإني كلما ~~دعوتهم } إلى اخلاص عبادتك { لتغفر لهم } معاصيهم جزاء على ذلك { جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم } لئلا يسمعوا كلامي ودعائي { واستغشوا ثيابهم ms3496 } أي ~~طلبوا ما يستترون به من الثياب ويختفون به لئلا يرونه. وقال الزجاج: ~~معناه إنهم كانوا يسدون آذانهم ويغطون وجوههم لئلا يسمعوا كلامه. ~~فالاستغشاء طلب الغشى، فلما طلبوا التغشي بثيابهم فرارا من الداعي لهم، ~~كانوا قد استغشوا { وأصروا } أي اقاموا على كفرهم ومعاصيهم عازمين على ~~فعل مثله، فالاصرار الاقامة على الأمر بالعزيمة عليه فلما كانوا مقيمين ~~على الكفر بالعزم عليه كانوا مصرين. وقيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه ~~إلى نوح، فيقول لأبنه: احذر هذا لا يغوينك، فان ابي قد ذهب بي اليه وأنا ~~مثلك، فحذرني كما حذرتك، ذكره قتادة. وقوله { واستكبروا استكبارا } أي ~~طلبوا بامتناعهم من القبول مني واخلاص عبادتك تجبرا في الارض وعلوا ~~فيها. ثم حكى أنه قال { ثم إني دعوتهم جهارا } أي اعلانا { ثم إني ~~أعلنت لهم } أي أظهرت الدعاء لهم الى عبادتك تارة { وأسررت لهم } أي ~~وأخفيت لهم الدعاء الى مثل ذلك كرة أخرى { فقلت } لهم { واستغفروا ربكم } ~~أي اطلبوا المغفرة على كفركم ومعاصيكم من الله تعالى { إنه كان غفارا } ~~لكل من طلب منه المغفرة ويغفر فيما بعد لمن يطلب منه ذلك ومتى فعلتم ذلك ~~واطعمتوه ورجعتم عن كفركم ومعاصيكم { يرسل } الله تعالى { السماء عليكم ~~مدرارا } أي كثيرة الدرور بالغيث والمطر، وقيل: إنهم كانوا قحطوا ~~وأجدبوا وهلكت اولادهم ومواشيهم، فلذلك رغبهم فى ترك ذلك بالرجوع الى ~~الله، والدرور تجلب الشيء حالا بعد حال على الاتصال يقال: در درا ~~ودرورا فهو دار، والمطر الكثير الدرور مدرارا. وقيل: ان عمر لما خرج ~~يستسقي لم يزد على الاستغفار وتلا هذه الآية. وقوله { ويمددكم بأموال ~~وبنين } عطف على الجزاء. وتقديره إنكم متى اطعتموه وعبدتموه مخلصين أرسل ~~عليكم المطر مدرارا وأمدكم بأموال وبنين، فالامداد إلحاق الثاني بالاول ~~على النظام حالا بعد حال، يقال: أمده بكذا يمده امدادا، ومد النهر وأمده ~~نهر آخر. والاموال جمع المال، وهو عند العرب النعم. والبنون جمع إبن، وهو ~~الذكر من الولد { ويجعل لكم جنات } أى بساتين تجنها الأشجار { ويجعل لكم ~~أنهارا } وهو جمع نهر وهو المجرى ms3497 الواسع للماء دون سعة البحر وفوق ~~الجدول في الاتساع لان الجدول النهر الصغير يرى شدة جريه لضيقه ويخفى في ~~النهر ضربا من الخفاء لسعته # ثم قال لهم على وجه التبكيت { ما لكم } معاشر الكفار { لا ترجون لله ~~وقارا } أي عظمة - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - والمراد - ههنا - ~~سعة مقدوراته تعالى، وأصل الوقار ثبوت ما به يكون الشيء عظيما من الحكم ~~والعلم الذي يمتنع معه الخرق، ومنه قره في السمع ووعاه في القلب إذا ثبت ~~في السمع وحفظه القلب. # وقيل: معنى ترجون تخافون. قال أبو ذؤيب: # اذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وخالفها في بيت نوب عوامل # أي لم يخف، وكأنه قال: مالكم لا ترجون لله عاقبة عظيمة من الثواب ~~بالخلود في النعيم أو تخافون عاقبة عصيانه بالدخول في عذاب النار { وقد ~~خلقكم أطوارا } فالاطوار انتقال الأحوال حالا بعد حال. وقيل: معناه ~~صبيا ثم شابا ثم شيخا ثم غير عاقل ثم عاقلا وضعيفا ثم قويا. وقال: ~~ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقيل: ~~معناه على ألوان مختلفة بيضاء وسوداء وشقراء وصفراء. ### || [71.15-20] # يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه المكلفين، ومنبها لهم على توحيده وإخلاص ~~عبادته { ألم تروا } ومعناه ألم تعلموا { كيف خلق الله سبع سماوات } أي ~~اخترع سبع سموات { طباقا } أي واحدة فوق الأخرى فالطباق مصدر طابقت ~~مطابقة وطباقا. والطباق منزلة فوق منزلة. ونصب { طباقا } على احد ~~وجهين: # احدهما - على الفعل وتقديره وجعلهن طباقا. # والآخر - جعله نعتا ل { سبع }. وجعل { القمر فيهن نورا } روي أن ~~الشمس يضيء ظهرها لما يليها من السموات، ويضيء وجهها لاهل الارض، وكذلك ~~القمر. والمعنى وجعل الشمس والقمر نورا فى السموات والارض. وقال قوم: ~~معنى { فيهن } معهن، وحروف الصفات بعضها يقوم مقام بعض. وقال قوم: معناه ~~فى حيزهن، وإن كان فى واحدة منها، كما يقول القائل: إن فى هذه الدور ~~لبئرا وإن كان فى واحدة منها، وكذلك يقولون: هذا المسجد فى سبع قبائل ~~وإن كان فى احداها. والجعل حصول الشيء على ms3498 المعى بقادر عليه. وقد يكون ~~ذلك بحدوث نفسه. وقد يكون بحدوث غيره له. والجعل على أربعة اوجه: # اولها - أحداث النفس، كجعل البناء والنساجة وغير ذلك. # والثاني - بقلبه، كجعل الطين خزفا. # والثالث - بالحكم كجعله كافرا أو مؤمنا # والرابع - بالدعاء إلى الفعل كجعله صادقا وداعيا. # والنور جسم شعاعي فيه ضياء كنور الشمس، ونور القمر، ونور النار، ونور ~~النجوم، وشبه بذلك نور الهدى الى الحق، فالله تعالى جعل القمر ضياء فى ~~السموات السبع - فى قول عبد الله بن عمر - وقيل: جعله نورا فى ناحيتهن { ~~وجعل الشمس سراجا } فالسراج جسم يركبه النور للاستصباح به، فلما كانت ~~الشمس قد جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا، وهي سراج العالم كما ~~أن المصباح سراج هذا الانسان. # وقوله { والله أنبتكم من الأرض نباتا } فالانبات إخراج النبات من الارض ~~حالا بعد حال. والنبات هو الخارج بالنمو حالا بعد حال، والتقدير في { ~~أنبتكم نباتا } أي فنبتم نباتا، لان أنبت يدل على نبت، من جهة انه ~~متضمن به. # وقوله { ثم يعيدكم فيها } فالاعادة النشأة الثانية، فالقادر على النشأة ~~الأولى قادر على الثانية، لانه باق قادر على اختراعه من غير سبب يولده. ~~والمعنى إن الله يردكم في الأرض بأن يميتكم فتصيروا ترابا كما كنتم أول ~~مرة { ويخرجكم إخراجا } منها يوم القيامة كما قال # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى # ثم قال # والله جعل لكم الأرض بساطا # أي مبسوطة يمكنكم المشي عليها والاستقرار فيها. وبين أنه إنما جعلها، ~~كذلك { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } فالفجاج جمع (فج) وهي الطريقة المتسعة ~~المتفرقة، وقيل: طرقا مختلفة - ذكره ابن عباس - والفج المسلك بين جبلين، ~~ومنه الفج الذي لم يستحكم أمره، كالطريق بين جبلين. وإنما عدد تعالى هذه ~~الضروب من النعم امتنانا على خلقه وتنبيها لهم على استحقاقه للعبادة ~~الخالصة من كل شرك، ودلالة لهم على انه عالم بمصالح خلقه، ومدبر لهم على ~~ما تقتضيه الحكمة، فيجب أن يشكروه على هذه النعمة ولا يقابلونها بالكفر ~~والجحود. ### || [71.21-28] # قرأ { ما له وولده } بالفتح نافع وعاصم وابن ms3499 عامر. والباقون بضم الواو ~~وسكون اللام، وهما لغتان مثل حزن وحزن ونخل ونخل وعدم وعدم. وقال قوم: ~~الولد - بالضم - جمع ولد مثل رهن ورهن وعرب وعرب وعجم وعجم. وقرأ نافع { ~~ودا } بضم الواو. الباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو اسم الصنم. وقال ~~قوم: بالضم المحبة، وبالفتح الصنم. والسواع - ها هنا - صنم، وفى غير هذا ~~الساعة من الليل. ومثله السعواء. وقرأ ابو عمرو { خطاياهم } على جمع ~~التكسير. الباقون { خطيئاتهم } على جمع السلامة. # حكى الله تعالى عن نوح أنه { قال } داعيا الله { يا رب إنهم } يعني قومه ~~{ عصوني } فيما آمرهم به وأنهاهم عنه، فالمعصية مخالفة المراد إلى ~~المكروه المزجور عنه. ومخالفة ما أراده الحكيم تكون على وجهين: # احدهما - على المأذون فيه من غير أن يريده. # والآخر - إلى المكروه المزجور عنه، فهو بالأول مقصر عن ما هو الأولى ~~فعله. وبالثاني عاص. # وقوله { واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } تمام الحكاية عن ~~نوح أنه وصف به قومه بأنهم عصوه فيما دعاهم اليه واتبعوا الذي لم يزده ~~ماله وولده إلا خسارا يعني هلاكا، فالخسار الهلاك بذهاب رأس المال ففيه ~~معنى الهلاك وليس كذلك الخسران، لانه محتمل للقليل الذي لا يجحفه ذهابه ~~والكثير الذي يجحف وأما الخسار ففيه معنى ذهاب الكثير، ولهذا بني على صفة ~~الهلاك. # وقوله { ومكروا مكرا كبارا } فالمكر الفتل بالحيلة الخفية إلى خلاف ~~الجهة الموافقة بما فيها من المضرة، مكر يمكر مكرا، فهو ماكر، والشيء ~~ممكور به، قال ذو الرمة: # عجزاء ممكورة خمصانة قلق # عنها الوشاح وتم الجسم والقصب # أي ملتفة مفتولة. والكبار الكبير - فى قول مجاهد وابن زيد - يقولون عجيب ~~وعجاب بالتخفيف والتشديد. ومثله جميل وجمال وجمال وحسن وحسان. { وقالوا } ~~يعني الكفار بعضهم لبعض { لا تذرن آلهتكم } أي لا تتركوا عبادة أصنامكم { ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا } وهما صنمان لهم كانوا يعبدونهما، فكانت { ود ~~} لكلب { وسواع } لهمدان " ويغوث " لمذحج " ويعوق " لكنانة " ونسرا " ~~لحمير - في قول قتادة -. # وقوله { قد أضلوا كثيرا } معناه ضل بهم خلق كثير. وقيل: معناه إن ~~عبادتهم أضلت خلقا ms3500 عن الثواب لمن استحق العقاب، وأضلهم بالذم والتحسر عن ~~حال أهل الفلاح، وإنما جمع الاصنام بالواو لما أسند اليها ما يسند إلى ~~العالم من استحقاق العبادة، ولم يصرفوا (يغوث) و (يعوق) لأنه على لفظ ~~المضارع من الأفعال، وهي معرفة، وقد نونهما الأعمش، واخراجهما مخرج ~~النكرات أي صنما من الاصنام. # ثم قال نوح { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ومعناه إلا عذابا وسمي ~~العذاب ضلالا كقوله # إن المجرمين في ضلال وسعر # وقيل: كانت هذه الاصنام المذكورة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب فيما ~~بعد - في قول ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد - ولا يجوز في صفة الحكيم ~~الاضلال عن الايمان. # وقوله { مما خطاياهم } (ما) صلة وتقديره من خطاياهم بمعنى من أجل ما ~~ارتكبوه من الخطايا والكفر { أغرقوا } على وجه العقوبة { فأدخلوا } بعد ~~ذلك { نارا } ليعاقبوا فيها { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } أي ~~من يدفع عنهم ما نزل بهم من العقاب المستحق على كفرهم. # ثم حكى ما قال نوح أيضا فانه قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } قال قتادة: ما دعا عليهم إلا بعد ما أنزل عليه # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # فلذلك قال { إنك } يا رب { إن تذرهم } يعني تتركهم ولا تهلكهم { يضلوا ~~عبادك } عن الدين بالاغواء عنه والدعاء إلى خلافه { ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } وإلا فلم يعلم نوح الغيب، وإنما قال ذلك بعد أن اعلمه الله ذلك ~~وإنما جاز أن يقول { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } فيسيمهم بالكفر ~~والفجور قبل أن يعملوه، لانه على وجه الحكاية والاخبار بما يكون منهم لو ~~وجدوا لا على وجه الذم لهم، لاقتضاء العقل على أنه لا يذم على الكفر من ~~لم يكن منه كفر، فكأنه قال ولا يلدوا إلا من إذا بلغ كفر، و { الديار } ~~فيعال من الدوران، أي ولا تذر على الارض منهم أحدا يدور في الأرض ~~بالذهاب والمجيء قال الشاعر: # وما نبالي إذا ما كنت جارتنا # ألا يجاورنا إلاك ديار # أي إلا ياك، ms3501 فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة. وقال الزجاج: تقول ما في ~~الدار أحد، ولا بها ديار، وأصله ديوار (فيعال) فقلبت الواو ياء. وأدغمت ~~احداهما في الاخرى. والفاجر من فعل الفجور، وهي الكبيرة التي يستحق بها ~~الذم. و (الكفار) من اكثر من فعل الكفر لانه لفظ مبالغة. وكافر يحتمل ~~القليل والكثير. # ثم حكى ان نوحا سأل الله تعالى فقال { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل ~~بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات } قيل المراد بالبيت مسجده. وقيل أراد ~~سفينته. وذلك على وجه الانقطاع اليه تعالى، لانه لا يفعل معصية يستحق بها ~~العقاب. فأما والداه والمؤمنون والمؤمنات الذين استغفر لهم فيجوز أن يكون ~~منهم معاص يحتاج أن يستغفرها لهم. # وقوله { ولا تزد الظالمين إلا تبارا } فالتبار الهلاك والعقاب، وكل من ~~أهلك فقد تبر، ولذلك سمي كل شيء مكسر تبرا، ويجوز أن يكون معناه لا ~~تزدهم إلا ضالا أي عذابا على كفرهم. وقال البلخي: لا تزدهم إلا منعا من ~~الطاعات عقوبة لهم على كفرهم، فانهم إذا ضلوا استحقوا منع الألطاف التي ~~يفعل بالمؤمنين فيطيعون عندها، ويمتثلون أمر الله، ولا يجوز أن يفعل بهم ~~الضلال عن الحق، لانه سفه فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-10] # قال الفراء: قرأ حوبة بن عابد { قل أحي إلي } أراد وحي الي مثل وعد ~~فقلبت الواو همزة، كما قلبها فى قوله # وإذا الرسل أقتت # وأصله وقتت. والعرب تقول: وحيت اليه، واوحيت بمعنى واحد وومأت اليه ~~وأومات، قال الراجز: # وحى لها القرار فاستقرت # وقرأ ابن كثير وابو عمرو { قل أوحي إلي أنه استمع } و { أن لو استقاموا ~~} { وأن المساجد لله } و { أنه لما قام عبد الله } أربعة أحرف - بفتح ~~الالف - والباقي من أول السورة الى ها هنا بكسر الالف. وقرأ نافع وعاصم ~~فى رواية أبي بكر كذلك، إلا قوله { وأنه لما قام عبد الله } فانه قرأ ~~بالكسر. الباقون بفتح جميع ذلك إلا ما جاء بعد (قول) او (فاء جزاء) فانهم ~~يكسرونه. من فتح جميع ذلك جعله عطفا علي { أوحي إلي ms3502 أنه } وأنه. ومن ~~كسر عطف على قوله { إنا } وإنا. قال قوم: ومن نصب فعلى تقدير آمنا به ~~وبكذا فعطف عليه. قال الزجاج: إن عطف على الهاء كان ضعيفا، لان عطف ~~المظهر على المضمر ضعيف، ومن جعله مفعول { آمنا } فنصبه به كأنه قال: ~~آمنا بكذا وكذا، وأسقط الباء فنصب على المعنى، لأن معنى { آمن } صدق، ~~فكأنه قال: صدقنا بكذا وكذا، وحذف الجار. ومن كسر من هؤلاء بعد القول أو ~~فاء الجزاء، فلأنه لا يقع بعد القول والفاء إلا ما هو ابتداء، أو ما هو ~~فى حكم الابتداء. ومن كسر جميع ذلك جعله مستأنفا، ولم يوقع { آمنا } ~~عليه، وما نصب من ذلك جعله مفعولا بايقاع فعل عليه. فأما قوله { أوحي إلي ~~أنه استمع } فمفعول { أوحي } لا غير بلا خلاف. وقرأ ابو جعفر { أن لن ~~تقول الإنس } على معنى تكذب. الباقون بتخفيف الواو من القول. # يقول الله تعالى آمرا لمحمد نبيه صلى الله عليه وآله { قل } يا محمد ~~لقومك ومن بعثت اليه { أوحي إلي } فالايحاء القاء المعنى إلى النفس خفيا ~~كالالهام، وانزال الملائكة به لخفائه عن الناس إلا على النبي الذي انزل ~~اليه كالايماء الذي يفهم به المعنى. والمراد - ها هنا - انزال الملك به ~~عليه. ثم بين ما أوحي اليه فقال { انه استمع نفر من الجن } فالاستماع طلب ~~سماع الصوت بالاصغاء اليه، وهو تطلب لفهم المعنى، وتطلب ليستدل به على ~~صاحبه. وقيل: ان الجن لما منعوا من استراق السمع طافوا فى الارض، ~~فاستمعوا القرآن، فآمنوا به، فانزل بذلك الوحي على النبي صلى الله عليه ~~اله ذكره ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم. والنفر الجماعة. والجن جيل ~~رقاق الاجسام خفية على صور مخصوصة بخلاف صورة الملائكة والناس. وقيل: ~~العقلاء من الحيوان ثلاثة اصناف: الملائكة، والناس، والجن. والملك مخلوق ~~من النور، والانس من الطين والجن من النار. # ثم ذكر انه قالت الجن بعضها لبعض { إنا سمعنا قرآنا عجبا } والعجب هو ~~كل شيء لا يعرف سببه. وقيل: هو ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه ~~عن ms3503 العادة فى مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه عن العادة فى الكلام، ~~وخفي سببه عن الأنام كان عجبا. # وقوله { يهدي إلى الرشد } حكاية ما قالت الجن ووصفت به القرآن، فانهم ~~قالوا: هذا القرآن يهدي إلى ما فيه الرشاد والحق { فآمنا به } أي صدقنا ~~بأنه من عند الله { ولن نشرك } فيما بعد { بربنا أحدا } فنوجه العبادة ~~اليه بل نخلص العبادة له تعالى { وأنه تعالى جد ربنا } من كسر الهمزة ~~عطفه على قوله { إنا سمعنا } وحكى أنهم قالوا (إنه) ويجوز أن يكون استأنف ~~الاخبار عنهم، ومن فتح فعلى تقدير فآمنا بأنه تعالى جد ربنا، ومعناه ~~تعالى عظمة ربنا، لانقطاع كل شيء عظمة عنها لعلوها عليه. ومنه الجد ابو ~~الأب، والجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه. والجد ضد الهزل لانقطاعه عن السخف، ~~ومنه الجديد لأنه حديث عهد بالقطع فى غالب الأمر. وقال الحسن - فى رواية ~~- ومجاهد وقتادة: معناه تعالى جلالته وعظمته. وفى رواية اخرى عن الحسن: ~~تعالى غني ربنا، وكل ذلك يرجع الى معنى وصفه بأنه عظيم غني. ويقال: جد ~~فلان فى قومه إذا عظم فيهم. وروي عن أحدهما عليهم السلام انه قال: ليس ~~لله جد وإنما قالت ذلك الجن بجهلها فحكاه كما قالت. وقال الحسن: ان الله ~~تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الانس والجن، وانه لم يرسل ~~رسولا قط من الجن ولا من أهل البادية، ولا من النساء، لقوله # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى # وقوله { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } على ما قال قوم من الكفار. # وقوله { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } من كسر استأنف. ومن نصب ~~عطف على قوله { وأنه تعالى جد ربنا } ونصب ذلك بتقدير آمنا، وقدر للباقي ~~فعلا يليق به، ويمكن أن يعمل فيه، كما قال الشاعر: # إذا ما الغانيات برزن يوما # وزججن الحواجب والعيونا # على تقدير: وكحلن العيون، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا ب { سفيههم } ~~ابليس و (الشطط) السرف فى ظلم النفس والخروج عن الحق، فاعترفوا بأن ابليس ms3504 ~~كان يخرج عن الحد بما يغري به الخلق ويدعوهم إلى الضلال. # وقوله { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } اخبار عن ~~اعترافهم بأنهم ظنوا أن لا يقول أحد من الجن والانس كذبا على الله فى ~~اتخاذ الشريك معه والصاحبة والولد، وأن ما يقولونه من ذلك صدق حتى سمعنا ~~القرآن وتبينا الحق به. # وقوله { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } قال البلخي: قال ~~قوم: المعنى إنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الانس من أجل الجن، ~~لأن الرجال لا يكون إلا فى الناس دون الجن. # ومن قال بالأول قال فى الجن رجال مثل ما فى الانس. وقال الحسن وقتادة ~~ومجاهد: كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره قال: أعوذ بعزيز هذا ~~الوادي من شر سفهاء قومه. ومعنى { يعوذون } يستجيرون، وهذا اخبار من الله ~~تعالى عن نفسه دون الحكاية عن الجن. والعياذ الاعتصام وهو الامتناع ~~بالشيء من لحاق الشر. والرجال جمع رجل وهو الذكر البالغ من الذكران. ~~والانسان يقع على الذكر والمرأة، والصغير والكبير ثم ينفصل كل واحد بصفة ~~تخصه وتميزه من غيره. # وقوله { فزادوهم رهقا } أي اثما الى اثمهم الذي كانوا عليه من الكفر ~~والمعاصي - فى قول ابن عباس وقتادة - وقال مجاهد: يعني طغيانا. وقال ~~الربيع وابن زيد: يعني فرقا. وقيل سفها. قال الزجاج: يجوز ان يكون الجن ~~زادوا الانس، ويجوز أن يكون الانس زادوا الجن رهقا. والرهق لحاق الاثم، ~~وأصله اللحوق. ومنه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الاعشى: # لا شيء ينفعني من دون رؤيتها # هل يشتفى وامق ما لم يصب رهقا # أي لم يعش اثما. ثم حكى تعالى { وأنهم ظنوا كما ظننتم } معاشر الانس { ~~أن لن يبعث الله أحدا } أي لا يحشره يوم القيامة ولا يحاسبه. وقال ~~الحسن: ظن المشركون من الجن، كما ظن المشركون من الانس { أن لن يبعث الله ~~أحدا } لجحدهم بالبعث والنشور، واستبعدوا ذلك مع اعترافهم بالنشأة ~~الأولى، لانهم رأوا إمارة مستمرة في النشأة الأولى، ولم ms3505 يروها في النشأة ~~الثانية، ولم ينعموا النظر فيعلموا أن من قدر على النشأة الأولى يقدر على ~~النشأة الاخرى. # وقال قتادة: ظنوا أن لا يبعث الله احدا رسولا. # ثم حكى ان الجن قالت { إنا لمسنا السماء } أي مسسناها بايدينا. وقال ~~الجبائي: معناه إنا طلبنا الصعود الى السماء، فعبر عن ذلك باللمس مجازا، ~~وانما جاز من الجن تطلب الصعود مع علمهم بأنهم يرمون بالشهب لتجويزهم أن ~~يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، او اعتقدوا أن ذلك ~~غير صحيح، ولم يصدقوا من أخبرهم بأنهم رموا حين أرادوا الصعود { فوجدناها ~~ملئت حرسا شديدا وشهبا } نصب { حرسا } على التمييز و { شديدا } نعته ~~و { شهبا } عطف على { حرسا } فهو نصب ايضا على التمييز. وتقديره ملئت ~~من الحرس. والشهب جمع شهاب، وهو نور يمتد من السماء من النجم كالنار. ~~قال الله تعالى # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين # والحرس جمع حارس. وقيل: إن السماء لم تحرس قط إلا لنبوة أو عقوبة عاجلة ~~عامة. # ثم حكى أنهم قالوا ايضا { إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا } أي لم يكن فيما مضى منع من الصعود فى المواضع ~~التي يسمع منها صوت الملائكة وكلامهم، ويسمع ذلك، فالآن من يستمع منا ذلك ~~يجد له شهابا يرمى به ويرصد و { شهابا } نصب على أنه مفعول به و { ~~رصدا } نعته. # ثم حكى انهم قالوا { وإنا لا ندري } بما ظهر من هذه الآية العجيبة { أشر ~~أريد بمن في الأرض } من الخلق أي اهلاكا لهم بكفرهم وعقوبة على معاصيهم ~~{ أم أراد بهم ربهم رشدا } وهداية إلى الحق بأن بعث نبيا، فان ذلك خاف ~~عنا وقال قوم: إنا الشهب لم تكن قبل النبي صلى الله عليه وآله وإنما رموا ~~به عند بعثه صلى الله عليه وآله وقال آخرون: الشهب معلوم أنها كانت فيما ~~مضى من الزمان، ولكن كثرت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وعمت لا أنها ~~لم تكن أصلا. قال البلخي: الشهب كانت ms3506 لا محالة غير انه لم تكن تمتنع بها ~~الجن عن صعود السماء، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله منع الجن من ~~الصعود. ### || [72.11-20] # قرأ اهل الكوفة ويعقوب وسهل { يسلكه } بالياء بمعنى يسلكه الله. الباقون ~~بالنون على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه بنون العظمة. وقرأ ابو جعفر ~~وعاصم وحمزة { قل إنما أدعوا ربي } بلفظ الامر. الباقون { قال } على فعل ~~ماض. وقرأ هشام بن عماد عن ابن عامر { لبدا } بضم اللام. الباقون بكسر ~~اللام. واللبد واللبد بمعنى واحد، وجمع اللبدة لبد، مثل ظلمة وظلم. ~~ويقال: لا بد ولبد، مثل راكع وركع. # يقول الله تعالى في تمام الحكاية عما قالته الجن الذين آمنوا عند سماع ~~القرآن فانهم قالوا { وإنا منا الصالحون } وهم الذين عملوا الصالحات وسمي ~~صالحا، لأنه عمل ما يصلح به حاله في دينه. وأما المصلح فهو فاعل الصلاح ~~الذي يقوم به أمر من الأمور، ولهذا وصف تعالى بأنه مصلح، ولم يجز وصفه ~~بأنه صالح. والصلاح يتعاظم استحقاق المدح عليه والثواب كما يختلف استحقاق ~~الشكر بالنعم، ففي النعم ما يستحق به العبادة وفيها ما لا يستحق به ذلك ~~وإن استحق به الشكر، فلذلك قال { ومنادون ذلك } والمعنى ان منا الصالحين ~~في مراتب عالية ومنادون ذلك في الرتبة. # وقوله { كنا طرائق قددا } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني على مذاهب ~~مختلفة: مسلم، وكافر، وصالح، ودون الصالح. والطرائق جمع طريقة وهي الجهة ~~المستمرة مرتبة بعد مرتبة. والمعنى فيها إنا كنا في طرق مختلفة. والقدد ~~جمع قدة. وهي المستمرة بالقد في جهة واحدة. والقدد مضمن بجعل جاعل، وهو ~~القاد، وليس كذلك الطريقة في تضمن الصفة، وإنما هي كالمذهب الذي يمكن ~~فيه على استمرار الى حيث انتهى اليه. والمعنى إنا كنا على طرائق متباينة ~~كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض. # وقوله { وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض } فالظن - ها هنا - بمعنى ~~العلم والمعنى اعترافهم بأن علموا أنه لا يفوت الله شيء يذهب في الارض، ~~ولا إذا هرب منه ms3507 بسائر ضروب الهرب، واعترفوا ايضا فقالوا { وإنا لما ~~سمعنا الهدى } يعنون القرآن الذي فيه هدى كل حي { آمنا به } أي صدقناه. ~~ثم قالوا { فمن يؤمن بربه } أي من يصدق بتوحيد الله وعرفه على صفاته { ~~فلا يخاف بخسا } أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب { ولا رهقا } أي ولا ~~يخاف ظلما، فالرهق لحاق السرف فى الامر، وكأنه قال لا يخاف نقصا قليلا ~~ولا كثيرا، وذلك أن اجره وثوابه موفر على أتم ما يكون فيه. وقال ابن ~~عباس: معناه لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة فى سيئاته، وهو قول الحسن ~~وقتادة وابن زيد، والتقدير فمن يؤمن بربه فانه لا يخاف # ثم قالوا ايضا { وإنا منا المسلمون } يعني الذين استسلموا لما أمرهم ~~الله به، وانقادوا له { ومنا القاسطون } يعني الجائرون عن طريق الحق. # والقاسط الجائر عن طريق الحق { فمن أسلم } أي استسلم لأمر الله { فأولئك ~~تحروا رشدا } أي طلبوا الهدى إلى الحق، { وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا } أي استحقوا بذلك أن يكونوا وقود النار يوم القيامة يحرقون بها. ~~وقوله { وأن لو استقاموا على الطريقة } اخبار من الله تعالى عن نفسه. ~~وقيل (ان) يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، فيكون محمولا على الوحي، ~~فكانه قال { أوحي إلي أن لو استقاموا } وفصل لو بينها وبين الفعل، كما ~~فصل (السين) و (لا) فى قوله # علم أن سيكون منكم مرضى # قوله # أن لا يرجع إليهم # ويحتمل أن تكون (لو) بمنزلة اللام في قوله # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم # فيسقط مرة ويلحق أخرى، لان (لو) بمنزلة فعل الشرط، فكما لحقت اللام ~~زائدة قبل (إن) الداخلة على الشرط قبل فعل الشرط، كذلك لحقت (أن) هذه قبل ~~(لو) ومعنى { وأن لو استقاموا } أحد أمرين: # احدهما - لو استقاموا على طريقة الهدى بدلالة قوله # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم # وقوله # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ~~ولكن ms3508 كذبوا # الثاني - لو استقاموا على طريقة الكفر بدلالة قوله # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة # وقيل: انه دخلت (ان) في { وأن لو استقاموا } لانه جواب القسم. ويجوز أن ~~يحذف، كما قال الشاعر: # فأقسم لو شيء أتانا رسوله # سواك ولكن لم نجد لك مدفعا # وقال آخر: # اما والله إن لو كنت حرا # وما بالحر انت ولا العتيق # والاستقامة الاستمرار في جهة العلو. والمستقيم من الكلام المستمر على ~~طريقة الصواب. وهو نقيض المحال. والاستقامة على طريق الحق التي يدعو ~~اليها العقل طاعة الله. والمعنى - ههنا - في قول أكثر المفسرين: إنه لو ~~استقام العقلاء على طريقة الهدى استمروا عليها وعملوا بموجبها لجازاهم ~~على ذلك بأن اسقاهم ماء غدقا، يعني كثيرا. والغدق بفتح الدال المصدر، ~~وبكسرها اسم الفاعل، وفي ذلك ترغيب فى الهدى. قال الفراء: معناه وأن لو ~~استقاموا على طريقة الكفر لفعلنا بهم ما ذكرناه تغليظا للمحنة فى ~~التكليف، ولذلك قال { لنفتنهم فيه } أي نختبرهم بذلك ونبلوهم به. وغدق ~~المكان يغدق غدقا إذا كثر فيه الماء والندى، وهو غدق - فى قول الزجاج - ~~وقوله { لنفتنهم فيه } معناه لنختبرهم ونعاملهم معاملة المختبر فى شدة ~~التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم اليه، على ما تقتضيه الحكمة فى ~~ذلك والفتنة المحنة الشديدة، والمثوبة على قدر المشقة فى الصبر عما تدعوا ~~اليه الشهوة. # ثم قال تعالى مهددا لهم ومتوعدا { ومن يعرض عن ذكر ربه } والمعنى من ~~يعدل عن الفكر فيما يؤديه الى معرفة الله وتوحيده واخلاص عبادته، فالذكر ~~حضور المعنى الدال على المذكور للنفس، وضده السهو، ومثله حضور المعنى ~~بالقلب. # والفكر في وجوه السؤال عن المعنى طلب للذكر له. والفكر فى البرهان طلب ~~للعلم بصحة المعنى المذكور وأنه حق ونقيضه باطل. وقوله { يسلكه عذبا ~~صعدا } اى متصعدا في العظم. وقيل: متصعدا قد غمره وأطبق عليه. ومعناه ~~عذبا أشهد العذاب من قوله # سأرهقه صعودا # فاما قول العرب: تنفس الصعداء على وزن (فعلاء) أكثر كلامهم، ومنه قيل ~~تنفس صعدا على وزن غرب ms3509 والصعود العقبة الشاقة. وقال الفراء: الصعود صخرة ~~ملساء في النار ويكلف الصعود عليها، فكلما بلغ رأسها أحد هوى الى أسفلها ~~وقوعا. # وقوله { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } عطف عند جميع ~~المفسرين على قوله { أوحي } كأنه قال: أوحي الي أن المساجد لله، وقال ~~الخليل: التقدير، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا مثل قوله { ~~وإن هذه أمتكم } وتقديره: ولأن هذه أمتكم # أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون # والمعنى الاخبار منه تعالى بأن لا يذكر مع الله في المساجد - وهي ~~المواضع التي وضعت للصلاة - أحد على وجه الاشتراك في عبادته، كما يدعوا ~~النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة. وقال الحسن: من السنة إذا دخل ~~المسجد أن يقول: لا إله الا الله، لا أدعو مع الله أحدا. وقيل: معناه ~~إنه يجب أن يدعوه بالوحدانية. وقال الفراء والزجاج: المساجد مواضع السجود ~~من الانسان: الجبهة، واليدان، والرجلان وزاد أصحابنا عيني الركبتين. ~~والمعنى إنه لا ينبغي أن يسجد بهذه الاعضاء لأحد سوى الله تعالى. # وقوله { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } معناه ~~إنه لما قام محمد صلى الله عليه وآله يدعو الله، فيقول: لا إله الا الله ~~كادوا يكونون عليه جماعات متكاثفات بعضها فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته ~~باخلاص الالهية. وقال ابن عباس والضحاك: معناه إن الجن كادوا يركبونه ~~حرصا على سماع القرآن منه. وقال الحسن وقتادة: معناه تلبدت الانس والجن ~~على هذ الامر ليطفئوه فابي الله الا أن ينصره ويظهره على من ناواه، كما ~~قال # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون # وقال ابن عباس: هذا من قول الجن، لما رجعوا الى قومهم أخبروهم بما رأوا ~~من طاعة أصحاب رسول الله وإئتمامهم به في الركوع والسجود، وهو قول سعيد ~~بن جبير: واللبد القطع المتكاثفة على الشيء واحدها لبد، ومنه اللبد ~~لتكاثف صفوفه بعضه على بعض. ولبد رأسه إذا ألصق بعض شعره ببعض قال عبد ~~مناف بن ربع: # صابوا بستة أبيات واربعة # حتى كأن ms3510 عليهم جابيا لبدا # فالجابي الجراد الذي يجبي كل شيء يأكله. # ثم حكى ان النبي صلى الله عليه وآله قال { إنما أدعوا ربي } ومن قرأ { ~~قل } فمعناه إن الله أمره بأن يقول: إنما أدعو ربي وحده ولا أشرك به ~~أحدا من الاصنام والاوثان. والمعنيان متقاربات، لأن الله تعالى إذا أمره ~~بأن يقول فانه يقول لا محالة فقد حصل الامران. ### || [72.21-28] # قرأ { ليعلم } بضم الياء يعقوب. الباقون بفتح الياء. أمر الله تعالى ~~نبيه محمد صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين { إني لا أملك لكم ضرا ~~ولا رشدا } ومعناه إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم ولا إيصال الخير ~~اليكم، وانما يقدر على ذلك الله تعالى. وانما أقدر على أن ادعوكم الى ~~الخير وأهديكم الى طريق الرشاد، فان قبلتم نلتم الثواب والنفع، وان ~~رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب، ثم قال ايضا { قل } لهم يا محمد { ~~إني لن يجيرني من الله أحد } أي لا يقدر أن يجير على الله حتى يدفع عنه ~~ما يريده به من العقاب { ولن أجد } أيضا انا { من دنه } أي من دون الله ~~{ ملتحدا } يعنى ملتجأ ألجأ اليه أطلب به السلامة مما يريد الله تعالى ~~فعله من العذاب والألم. وأضافه الى نفسه، والمراد به أمته، لانه لا يفعل ~~قبيحا فيخاف العقاب. والمعنى ليس من دون الله ملتحد أى ملجأ. # وقوله { الإبلاغ من الله ورسالاته } معناه لكن املك البلاغ من الله الذي ~~هو بلاغ الحق لكل من ذهب عنه وأعرض عن اتباعه بأن أرشده الى الأدلة التي ~~نصبها الله له وأمر بالدعاء إليها سائر عباده المكلفين، كما أمر أنبياءه ~~بتبليغ رسالاته، فيكون التقدير لا أملك إلا بلاغا من الله ورسالاته. ~~وقيل يجوز ان يكون المراد لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالاته، ~~فيكون نصب البلاغ على اضمار فعل من الجزاء، كقولك إن لا قياما فقعودا ~~وان لاعطاء فردا جميلا فتكون (لا) منفصلة من (إن) وتقديره إن لا أبلغ ~~بلاغا من الله ورسالاته. # ثم قال { ومن يعص الله ورسوله ms3511 } بأن خالف ما أمراه به وارتكب ما نهياه ~~عنه { فإن له نار جهنم } جزاء على ذلك { خالدين فيها أبدا } أي مقيمين ~~فيها على وجه التأبيد والقراء على كسر { فإن } على الابتداء. وروي عن ~~طلحة بن مصروف انه فتح على تقدير فجزاءه أن له. وقال ابن خالويه: سألت ~~ابن مجاهد عن ذلك، فقال: هو لحن. وقال بعض أهل النظر: زعم ابو عبيدة: ان ~~ما كان من قول الجن فهو مكسور نسقا على قوله { إنا سمعنا } ومن فتح فعلى ~~قوله { قل أوحي إلي } وهو اختيار ابن خالويه. # وقوله { حتى إذا رأوا ما يوعدون } يعني ما يوعدون به من العقاب على ~~المعاصي { فسيعلمون } عند ذلك { من أضعف ناصرا } يدفع عنه عقاب الله ومن ~~{ أقل عددا } يستنصر بهم آلكفار أم المؤمنون؟. وقيل معناه أجند الله أم ~~الذين عبده المشركون؟ وإنما قال { من أضعف ناصرا } ولا ناصر لهم فى ~~الآخرة، لأنه جاء على جواب من توهم انه إن كانت لهم أخوة فناصرهم أقوى ~~وعددهم اكثر. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { قل إن أدري } أي قل لهم لست اعلم { ~~أقريب ما توعدون } به من العقاب { أم يجعل له ربي أمدا } أي غاية ينتهي ~~اليها بعينها أم يؤخره الله تعالى إلى مدة لا يعلمها بعينها إلا الله ~~تعالى الذي هو { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } ثم قال { إلا من ~~ارتضى من رسول } فانه ربما أطلعه على ما غاب عن غيره من الخلائق بأن يوحي ~~اليهم بما شاء من الغيب - ذكره قتادة - { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا } ومعناه إن الله إذا نزل الملك بالوحي ارسل معه رصدا يحفظون ~~الملك من أن يأتي احد من الجن ويسمع الوحي، ونصب { رصدا } على المفعول، ~~كأنه قال يجعل رصدا يسلك من بين يديه ومن خلفه { ليعلم أن قد أبلغوا } ~~معناه ليظهر المعلوم من التبليغ. وقال قتادة: معناه ليعلم محمد أن الرسل ~~قبله قد ابلغوا رسالات ربهم. وقال سعيد بن جبير: ليعلم الرسل أن قد ~~ابلغوا ms3512 رسالات ربهم على احاطة بهم وتحصين لما بلغوا من رسالاته. وقال ~~الزجاج: ليعلم الله أن قد ابلغوا. # وقوله { وأحاط بما لديهم } معناه انه يعلم ما عندهم فيحيط بما لديهم ~~فيصير فى معلومه بمنزلة ما احيط به { وأحصى كل شيء عددا } معناه انه ~~يعلم الاشياء مفصلة بمنزلة من يحصيها ليعلمها كذلك. وقال الزجاج: نصب { ~~عددا } يحتمل شيئين: # احدهما - واحصى كل شيء في حال العدد، فيكون العدد بمعنى المعدود، كما ~~يقال: للمنقوص نقص، فلا يخفى عليه شيء من الاشياء، لا سقوط ورقة، ولا حبة ~~في ظلمات الارض. # والثاني - ان يكون بمعنى المصدر، وتقديره وأحصى كل شيء احصاء. وقال ~~الجبائي معنى { ليعلم أن قد أبلغوا } أي ليبلغوا { رسالات ربهم } فعبر عن ~~المعلوم بالعلم كما يقال: ما علم الله مني ذلك أي ما فعلته، لأنه لو فعله ~~لعلم الله ذلك { وأحصى كل شيء عددا } معناه انه لا شيء يعلمه عالم او ~~يذكره ذاكر إلا وهو تعالى عالم به ومحص له. والاحصاء فعل، وليس هو بمنزلة ~~العلم، فلا يجوز ان يقال احصى ما لا يتناهى كما يجوز ان يقال: علم ما لا ~~يتناهى، لان الاحصاء مثل المحصي لا يكون إلا فعلا متناهيا، فاذا لم يجز ~~ان يفعل ما لا يتناهى لم يجز ان يقال يحصي ما لا يتناهى. والفرق بينهما ~~واضح. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-10] # قرأ ابن عامر وابوعمرو (وطاء) بكسر الواو والمد جعله مصدرا ل (واطأ) ~~يواطئ مواطأة، ووطاء. ومعناه إن ناشئة الليل وعمل ناشئة الليل يواطئ لسمع ~~القلب اكثر مما يواطئ ساعات النهار، لان البال افرغ للانقطاع عن كثير مما ~~يشغل بالنهار. الباقون - بفتح الواو - مقصورة، وروي عن الزهري - بكسر ~~الواو - مقصورة، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: # " اللهم اشدد وطاءك على مضر " # ، وقرأ { رب المشرق } بالجر كوفي غير حفص ويعقوب بدلا من (ربك). الباقون ~~بالرفع على الاستئناف، فيكون رفعا بالابتداء وخبره (لا إله إلا هو) ويجوز ~~أن يكون خبر الابتداء بتقدير هو رب المشرق. # هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله ms3513 عليه وآله وقيل: إن المؤمنين ~~داخلون فيه على وجه لتبع. يقول الله له { يا أيها المزمل } ومعناه الملتف ~~في ثيابه، يقال تزمل في ثيابه، فهو متزمل إذا التف. والاصل (متزمل) فأدغم ~~التاء في الزاي لان الزاي قريبة المخرج من التاء، وهو ابدى في المسموع من ~~التاء. وقال قتادة: معناه المتزمل بثيابه، وقال عكرمة: المتزمل بعباء ~~النبوة، وكل شئ لفف، فقد تزمل، قال امرء القيس: # كأن ابانا في أفانين ودقه # كبير اناس في بجاد مزمل # يعني كبير اناس مزمل في بجاد وهو الكساء، وجره على المجاورة للبجاد. # وقوله { قم الليل إلا قليلا } أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه ~~وآله بقيام الليل إلا القليل منه، وقال الحسن: إن الله فرض على النبي ~~والمؤمنين أن يقوموا ثلث الليل فما زاد، فقاموه حتى تورمت أقدامهم، ثم ~~نسخ تخفيفا عنهم. وقال غيره: هو نفل لم ينسخ، لانه لو كان فرضا لما كان ~~مخيرا في مقداره - ذكره الجبائي - وإنما بين تخفيف النفل. وقال قوم: ~~المرغب فيه قيام ثلث الليل او نصف الليل او الليل كله إلا القليل. ولم ~~يرغب بالآية في قيام جميعه لانه تعالى قال { إلا قليلا نصفه أو انقص منه ~~قليلا أو زد عليه } يعني على النصف. وقال الزجاج { نصفه } بدل من { ~~الليل } كقولك ضربت زيدا رأسه. والمعنى: قم نصف الليل إلا قليلا او انقص ~~منه قليلا. والمعنى قم نصف الليل او انقص من نصف الليل أو زد على نصف ~~الليل، وذلك قبل ان يتعبد بالخمس صلوات. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: ~~كان بين أول السورة وآخرها - الذي نزل فيه التخفيف - سنة. وقال سعيد بن ~~جبير: عشر سنين. وقال الحسن وعكرمة: نسخت الثانية بالأولى. والاولى أن ~~يكون على ظاهره، ويكون جميع ذلك على ظاهره مرغبا في جميع ذلك إلا أنه ~~ليس بفرض وإن كانت سنة مؤكدة. # والنصف أحد قسمي الشيء المساوى للآخر فى المقدار. والقليل من الشيء ~~الناقص عن قسمه الآخر، وكلما كان أنقص كان أحق باطلاق الصفة، وما لا يعتد ~~به ms3514 من النقصان لا يطلق عليه. # { ورتل القرآن ترتيلا } أمر من الله تعالى له بأن يرتل القرآن والترتيل ~~ترتيب الحروف على حقها فى تلاوتها، وتثبت فيها، والحدر هو الاسراع فيها ~~وكلاهما حسنان إلا أن الترتيل - ها هنا - هو المرغب فيه. وقال مجاهد: ~~معناه ترسل فيه ترسلا. وقال الزجاج: معناه بينه تبيينا أي بين جميع ~~الحروف، وذلك لا يتم بأن يعجل فى القراءة. # وقوله { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } اخبار من الله تعالى لنبيه أنه ~~سيطرح عليه قولا ثقيلا. وقال الحسن وقتادة: إنه يثقل العمل به لمشقة فيه. ~~وقال ابن زيد: معناه العمل به ثقيل فى الميزان والأجر، ليس بشاق. وقيل: ~~معناه قول عظيم الشأن، كما تقول هذا الكلام رزين، وهذا قول له وزن إذا ~~كان واقعا موقعه. # وقوله { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ } قال مجاهد: ناشئة الليل التهجد في ~~الليل. وقال الحسن وقتادة: هو ما كان بعد العشاء الآخرة، وعن ابي جعفر ~~وابي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: هو القيام آخر الليل إلى صلاة ~~الليل. وقال قوم: ناشئة الليل ابتداء عمل الليل شيئا بعد شيء إلى آخره. ~~والناشئة الظاهرة بحدوث شيء بعد شيء، واضافته إلى الليل توجب انه من عمل ~~الليل الذي يصلح أن ينشأ فيه. # وقوله { هي أشد وطأ } من قرأ - بالفتح - مقصورا، قال معناه: لقوة الفكر ~~فيه أمكن موقعا. وقيل: هو أشد من عمل النهار، وقال مجاهد: معناه واطأ ~~اللسان القلب مواطأة ووطاء والوطاء المهاد المذلل للتقلب عليه، فكذلك عمل ~~الليل الذي هو أصلح له فيه تمهيد للتصرف فى الدلائل وضروب الحكم ووجوه ~~المعاني. # وقوله { وأقوم قيلا } أي أشد استقامة وصوابا لفراغ البال، وانقطاع ما ~~يشغل القلب. والمعنى إن عمل الليل أشد ثباتا من عمل النهار، وأثبت فى ~~القلب من عمل النهار، والأقوم الأخلص استقامة، لأنه القول يشمل المعنى ~~على ما فيه استقامة وفيه اضطراب. وقد يقل ذلك ويكثر، وهو فى القول ظاهر ~~كما هو في الخط، ففيه الحرف المقوم وفيه الحرف المضطرب. وقال ابن زيد: ~~معناه ms3515 أقوم قراءة لفراغه من شغل الدنيا، وقال أنس: معناه أصوب. وقال ~~مجاهد: معناه اثبت. # وقوله { إن لك في النهار سبحا طويلا } قال قتادة: معناه إن لك يا محمد ~~في النهار متصرفا ومنقلبا أي ما تقضي فيه حوائجك. وقرأ يحيى ابن معمر ~~بالخاء، وكذلك الضحاك، ومعناه التوسعة. يقال اسبخت القطن إذا وسعته ~~للندف: ويقال لما تطاير من القطن وتفرق عند الندف سبائخ، والسبح المر ~~السهل في الشيء، كالمر في الماء، والسبح في عمل النهار هو المر في العمل ~~الذي يحتاج فيه إلى الضياء. # وأما عمل الليل فلا يحتاج فيه إلى ضياء لتمكن ذلك العمل كالفكر في وجوه ~~البرهان وتلاوة القرآن. وقال الجبائي في نوادره { لك في النهار سبحا } ~~أي نوما، وقال الزجاج: معناه إن فاتك شيء بالليل فلك في النهار فراغ ~~تقضيه. # ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله { واذكر اسم ربك } يعني اسماء الله ~~الحسنى التي تعبد بالدعاء بها { وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع اليه ~~انقطاعا، فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله، ومنه مريم البتول وفاطمة ~~البتول، لانقطاع مريم الى عبادة الله، وانقطاع فاطمة عن القرين، ومنه قول ~~الشاعر: # كأن لها في الارض نسيا تقصه # إذا ماغدت وإن تكلمك تبلت # أي بقطع كلامها رويدا رويدا، وقيل: الانقطاع إلى الله تأميل الخير من ~~جهته دون غيره، وجاء المصدر على غير الفعل، كما قال # أنبتكم من الأرض نباتا # وقيل: تقديره تبتل نفسك اليه تبتيلا، فوقع المصدر موقع مقاربه. وقوله { ~~رب المشرق والمغرب } من رفع فعلى انه خبر مبتدإ محذوف، وتقديره: هو رب ~~المشرق، ومن جر جعله بدلا من قوله { ربك } وتقديره إذكر اسم رب المشرق ~~وهو مطلع الشمس موضع طلوعها ورب المغرب، يعني موضع غروبها، وهو المتصرف ~~فيها والمدبر لما بينهما { لا إله إلا هو } أي لا أحد تحق له العبادة ~~سواه { فاتخذه وكيلا } أي حفيظا للقيام بامرك فالوكيل الحفيظ بأمر غيره. ~~وقيل: معناه اتخذه كافلا لما وعدك به. # ثم قال { واصبر } يا محمد { على ما يقول } هؤلاء الكفار من أذاك وما ~~يشغل ms3516 قلبك { واهجرهم هجرا جميلا } فالهجر الجميل اظهار الجفوة من غير ~~ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة. ### || [73.11-19] # لما امر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله بالصبر على اذى قومه، وأن ~~يهجرهم هجرا جميلا قال على وجه التهديد للكفار { وذرني } يا محمد { ~~والمكذبين } الذين يكذبونك فيما تدعوهم اليه من التوحيد وإخلاص العبادة ~~والاعتراف بالبعث والنشور، والثواب والجزاء، كما يقول القائل: دعني وإياه ~~إذا أراد أن يهدده، يقال: يذر بمعنى يترك، ويدع، ولا يستعمل ماضيه، ولا ~~ماضي (يدع) ولا يقال: وذر، ولا ودع، استغناء بقولهم ترك عن ذلك، لان ~~الابتداء بالواو عندهم مكروه، ولذلك أبدلوا منها الهمزة في قولهم { أقتت ~~} والاصل (وقتت)، وقالوا { تخمة } والاصل (وخمة) وكذلك كل ما يصرف منه ~~مما فى أوله واو إلا قولهم: وادع من الدعة فلم يستغنوا عنه بتارك. # وقوله { أولي النعمة } معناه ذوي النعمة أي اصحاب النعمة، والنعمة - ~~بفتح النون - لين الملمس وضدها الخشونة، ومعناه { وذرني والمكذبين } أي ~~ارض بعقاب المكذبين لست تحتاج إلى اكثر من ذلك كما يقال: دعني وإياه، ~~فانه يكفيه ما ينزل به من غير تقصير مما يقع به، وهذا تهدد شديد. # وقوله { ومهلهم قليلا } أي اخرهم فى المدة قليلا فالتمهيل التأخير فى ~~المدة، وقد يكون التأخير فى المكان، فلا يسمى تمهيلا، فاذا كان في المدة ~~فهو تمهيل كما ان التأخير في الاجل تأجيل آخر. # وقوله { إن لدينا أنكالا } أي قيودا - في قول مجاهد وقتادة - واحدها ~~نكل { وجحيما } أي نارا عظيمة، وجحيم اسم من اسماء جهنم { وطعاما ذا ~~غصة } قال ابن عباس: معناه ذا غصة بشوك يأخذ الحلق، فلا يدخل ولا يخرج. ~~وقيل: معناه يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه { وعذابا أليما } أي ~~عقابا موجعا مؤلما. ثم بين متى يكون ذلك فقال { يوم ترجف الأرض } أي ~~اعتدنا هذه الانواع من العذاب في يوم ترجف الارض أي تتحرك باضطراب شديد { ~~والجبال } أي وترجف الجبال معها أيضا { وكانت الجبال كثيبا مهيلا } ~~قال ابن عباس: تصير الجبال رملا سائلا متناثرا، فالكثيب الرمل المجتمع ~~الكثير، ومهيل ms3517 مفعول من هلت الرمل اهيله وذلك إذا حرك اسفله فسال أعلاه، ~~ويقال: مهيول كما يقال مكيل ومكيول، وانهال الرمل انهيالا و { الغصة } ~~تردد اللقمة في الفم لا يسيغها الذي يروم أكلها قال الشاعر: # لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري # يقال غص بريقه يغص غصصا، وفي قلبه غصة من كذا، وهي كاللذغة التي لا ~~يسيغ معها الطعام ولا الشراب. # وقوله { إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم } اخبار من الله تعالى ~~وخطاب للمكلفين في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده بأنه أرسل ~~اليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده { شاهدا عليكم } بقبولهم ~~إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا { كما أرسلنا } أي ارسلناه اليكم مثل ما ~~أرسلنا { إلى فرعون رسولا } يعني موسى ابن عمران عليه السلام. # ثم اخبر عن فرعون فقال { فعصى فرعون الرسول } يعني موسى، فلم يقبل منه ~~ما أمره به ودعاه اليه { فأخذناه أخذا وبيلا } أي اخذا ثقيلا شديدا ~~عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله، وكل ثقيل وبيل، ومنه: كلأ مستوبل أي ~~متوخم لا يستمرء لثقله، ومنه الوبل، والوابل، وهو المطر العظيم القطر، ~~ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة: # فمرت كهاة ذات خيف جلالة # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد # الوبيل - ها هنا - الغليظ من العصى و (كهاة) ناقة مسنة و (الخيف) جلد ~~الضرع و (يلندد) شديد الخصومة. # قوله { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا } أي إن كفرتم ~~بالله وجحدتم نعمه، وكذبتم رسوله، وإنما جعل الولدان، وهم الأولاد الصغار ~~شيبا لشدته، وعظم أهواله، كما يقال: قد حدث أمر تشيب منه النواصي. وقيل: ~~{ يوما يجعل الولدان شيبا } على وجه المثل، والشيب جمع أشيب، يقال: شاب ~~الانسان يشيب شيبا إذا ابيض شعره. ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضا ~~فقال { السماء منفطر به } أي متصدع بشدة ذلك اليوم، وإنما لم يقل منفطرة، ~~لانه جرى على طريق النسبة أي ذات انفطار، ولم يجر على طريق (فاعلة) كما ~~قالوا للمرأة: مطفل أي ذات ms3518 طفل. وقال الزجاج: تقديره السماء منفطر باليوم ~~مثقلة به. وقال الحسن: معناه السماء مثقل به. وقال غيره: السماء مثقلة ~~بذلك اليوم من شدته. وقال قوم: معناه متشقق بالأمر الذي يجعل الولدان ~~شيبا. والسماء يؤنث ويذكر، فمن ذكر أراد السقف. # وقوله { كان وعده مفعولا } معناه إن ما وعد الله به فلا بد من كونه، ~~فلذلك عبر عنه بلفظ الماضي فكأنه قد وجد. ثم قال { إن هذه تذكرة } أي هذه ~~القصة التي ذكرناها وبيناها { تذكرة } أي عظة لمن انصف من نفسه وفكر ~~فيها، فالتذكرة التبصرة، وهي الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه. # وقوله { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } معناه إن من شاء من المكلفين ~~اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا، لانه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل الى ~~الثواب. والله تعالى قد دعاه إلى ما يوصله اليه ورغبه فيه، وبعث رسولا ~~يدعوه ايضا اليه. وإن لم يفعل فبسوء اختياره انصرف عنه. ### || [73.20] # قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر { ونصفه وثلثه } بكسر الفاء والثاء بمعنى ~~إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه أي وادنى من ~~نصفه وأدنى من ثلثه. الباقون بالنصب بمعنى أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~وتقوم نصف وثلثه. والثلث يخفف ويثقل، لغتان، ومثله ربع وعشر. وقال ابو ~~عبيدة: الاختيار الخفض فى { ثلثه ونصفه } لانه قال { علم أن لن تحصوه } ~~وكيف يقدرون على أن يقوموا نصفه أو ثلثه، وهم لا يحصونه، وقال غيره: ليس ~~المعنى على ما قال. وإنما المعنى علم أن لن يطيقوه، يعني قيام الليل، ~~فخفف الله ذلك، قال والاختيار النصب، لانها أوضح فى النظر، لانه قال ~~لنبيه صلى الله عليه وآله { قم الليل إلا قليلا } ثم نقله عن الليل كله ~~إلا شيئا يسيرا ينام فيه، وهو الثلث. والثلث يسير عند الثلثين. ثم قال ~~{ نصفه } أي قم نصفه { أو انقص منه قليلا } أي قم نصفه، واكتفى بالفعل ~~الأول من الثاني، لانه دليل عليه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث { أو ms3519 ~~زد } هكذا إلى الثلثين جعله موسعا عليه. وفى الناس من قال: هذه الآية ~~ناسخة لما ذكره في أول السورة من الأمر الحتم بقيام الليل إلا قليلا أو ~~نصفه او انقص منه. وقال آخرون: إنما نسخ ما كان فرضا إلى ان صار نفلا. # وقد قلنا: ان الأمر في أول السورة على وجه الندب، فكذلك - ها هنا - فلا ~~وجه للتنافي حتى ينسخ بعضها ببعض يقول الله تعالى لنبيه ان ربك يا محمد ~~ليعلم انك تقوم اقل من ثلثي الليل واقل من نصفه ومن ثلثه فيمن جر ذلك، ~~ومن نصب فمعناه إنك تقوم أقل من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه وتقوم طائفة ~~من الذين معك على الايمان { والله يقدر الليل والنهار } لتعملوا فيه ~~بالصواب على ما يأمركم به { علم أن لن تحصوه } قال الحسن: معناه علم أن ~~لن تطيقوه { فتاب عليكم } أي لم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع ~~التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب. وقوله { فاقرءوا ما تيسر من القرآن ~~علم أن سيكون منكم مرضى } فتاب عليكم بما رغبتم فيه وذلك يقتضي التخفيف ~~عنكم { وآخرون يضربون في الأرض } أي ومنكم قوم آخرون يضربون أي يسافرون ~~فى الأرض ومنكم قوم { آخرون يقاتلون في سبيل الله } وكل ذلك يقتضي ~~التخفيف عنكم { فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ~~ومعناه اقيموا الصلاة بحدودها التي أوجبها الله عليكم واستمروا عليها ~~وأعطوا ما وجب عليكم من الزكوة المفروضة { وأقرضوا الله قرضا حسنا } أي ~~وانفقوا فى سبيل الله والجهات التي أمركم بها وندبكم إلى النفقة فيها، ~~وسمي ذلك { قرضا } تلطفا فى القول، لان الله تعالى من حيث أنه يجازيهم ~~على ذلك بالثواب، فكأنه استقرض منهم ليرد عوضه وإنما قال { حسنا } أي ~~على وجه لا يكون فيه وجه من وجوه القبح. # ثم قال { وما تقدموا لأنفسكم من خير } أي ما فعلتم من الطاعات { تجدوه } ~~أي تجدوا ثوابه وجزاءه { عند الله } وقوله { هو خيرا وأعظم أجرا } أي ~~تجدوه خيرا لكم، وهو أفضل واعظم ثوابا، وهو عطف على ms3520 { خير }. ثم قال { ~~واستغفروا الله } على معاصيكم معاشر المكلفين { إن الله غفور } أي ستار ~~لذنوبكم صفوح لاجرامكم إذا تبتم واقلعتم ورجعتم اليه { رحيم } بكم منعم ~~عليكم. وقال ابن زيد: القرض في الآية النوافل سوى الزكاة. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-10] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له { يا ~~أيها المدثر } واصله المتدثر بثيابه، فادغمت التاء في الدال، لانها من ~~مخرجها مع أن الدال اقوى بالجهر فيها، يقال: تدثر تدثرا ودثره تدثيرا، ~~ودثر الرسم يدثر دثورا إذا محي أثره، فكأنه قال: يا ايها الطالب صرف ~~الأذى بالدثار اطلبه بالانذار. # وقوله { قم فأنذر } أمر من الله تعالى له أن يقوم وينذر قومه، والانذار ~~الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فلما كان لا مخافة أشد من الخوف من عقاب ~~الله كان الانذار منه اجل الانذار، وتقديره قم إلى الكفار فانذر من ~~النار. # وقوله { وربك } منصوب ب { كبر } والتكبير وصف الاكبر على اعتقاد معناه ~~كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله اكبر، والتكبير نقيض التصغير، ومثله ~~التعظيم. والكبير الشأن هو المختص باتساع المقدور والمعلوم من غير مانع ~~من الجود. فالله تعالى قادر لا يعجزه شيء، وعالم لا يخفى عليه شيء لا ~~يمنعه من الجود على عباده شيء، فهو اكبر من كل كبير بما لا يساويه شيء، ~~واختصاصه بالمقدور والمعلوم بأنه ما صح من مقدور او معلوم فهو قادر عليه ~~عالم به فهو لنفسه كبير واكبر من كل كبير سواه. # وقوله { وثيابك فطهر } أي وطهر ثيابك فهو منصوب به. والطهارة النظافة ~~بانتفاء النجاسة، لأن النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة، وقد ~~تكون بانتفاء النجاسة. فالطهارة في الآية هو القسم الأخير. وقال ابن عباس ~~{ وثيابك فطهر } معناه من لبسها على معصيته، كما قال سلامة بن غيلان ~~الثقفي - انشده ابن عباس: # وإني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست ولا من غدة أتقنع # وقال الزجاج: معناه لم أكن غادرا، قال يقال: للغادر دنس الثياب أي لم ~~أعص قط وقيل: معناه شمر ثيابك - وفي رواية ms3521 عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة - ~~ان معناه وثيابك فطهر من الذنوب. وقال ابن سيرين وابن زيد: اغسلها ~~بالماء. وقيل معناه شمر ثيابك، وقيل: معناه وثيابك فطهر للصلاة فيها. # وقوله { والرجز } منصوب بقوله { فاهجر } وقال الحسن: كل معصية رجز وقال ~~ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: معناه فاهجر الاصنام. وقال ابراهيم ~~والضحاك: الرجز الاثم. وقال الكسائي: الرجز - بكسر الراء - العذاب، ~~وبفتحها الصنم والوثن. وقالوا: المعنى اهجر ما يؤدي إلى العذاب، ولم يفرق ~~احد بينهما. وبالضم قرأ حفص ويعقوب وسهل. الباقون بالكسر إما لانهما ~~لغتان مثل الذكر والذكر او بما قاله الكسائي. وقال قوم: الرجز بالضم ~~الصنم. وقال: كان الرجز صنمين: أساف ونائلة، نهى الله تعالى عن تعظيمهما. # وقوله { ولا تمنن تستكثر } قال ابن عباس وابراهيم والضحاك وقتادة ~~ومجاهد: معناه لا تعط عطية لتعطى أكثر منها، وقال الحسن والربيع وانس: ~~معناه لا تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها، فينفصل ذلك عند الله. # وقال ابن زيد: معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا ~~به الأجر من الناس، وقال ابن مجاهد: معناه لا تضعف فى عملك مستكثرا ~~لطاعتك، وقال قوم: معناه لا تمنن على الناس بما تنعم به عليهم على سبيل ~~الاستكثار لذلك. وقال جماعة من النحويين: إن { تستكثر } فى موضع الحال ~~ولذلك رفع. وأجاز الفراء الجزم على أن يكون جوابا للنهي، والرفع هو ~~الوجه. والمن ذكر النعمة بما يكدرها، ويقطع حق الشكر بها، يقال: من ~~بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك، فأما من على الاسير إذا أطلقه، فهو قطع ~~أسباب الاعتقال عنه. ويقال: لمن أنعم على وجه المن، لأنه بهذه المنزلة، ~~وأصله القطع من قوله # فلهم أجر غير ممنون # أى غير مقطوع. والاستكثار طلب الكثرة يقال: استكثر فلان من المال ~~والعلم، والمراد - ها هنا - هو طلب ذكر الاستكثار للعطية. # وقوله { ولربك فاصبر } قال ابراهيم: من أجل ربك فاصبر على عطيتك. وقال ~~مجاهد: لاجل الله فاصبر على أذى المشركين. وقيل: معناه { ولربك فاصبر } ~~على ما أمرك به من أداء الرسالة وتعليم الدين، ms3522 وما ينالك من الاذى ~~والتكذيب، فاحتمله لتنال الفوز من الله بالنعيم والصبر الذى هو طاعة الله ~~هو الصبر على الضرر الذى يدعو اليه العقل، لان ما يدعو اليه العقل فخالق ~~العقل يريده، لأنه بمنزلة دعاء الأمر الى الفعل، والسبب الذى يتقوى به ~~على الصبر هو التمسك بداعي العقل دون داعي الطبع، لان العقل يدعو ~~بالترغيب فيما ينبغي أن يرغب فيه. والطبع داعي الهوى يدعو إلى خلاف ما في ~~العقل. # وقوله { فإذا نقر في الناقور } معناه إذا نفخ فى الصور، وهو كهيأة البوق ~~- فى قول مجاهد - وقيل: ان ذلك فى اول النفختين، وهو أول الشدة الهائلة ~~العامة، والناقور على وزن (فاعول) من النقر، كقولك: هاضوم من الهضم ~~وحاطوم من الحطم، وهو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به. # وقوله { فذلك يومئذ } يعني اليوم الذي ينفر فيه فى الناقور { يوم عسير } ~~أى يوم شديد عسر { على الكافرين } لنعم الله الجاحدين لآياته { غير يسير ~~} فاليسير القليل الكلفة، ومنه اليسار وهو كثرة المال لقلة الكلفة به فى ~~الانفاق، ومنه تيسر الامر لسهولته وقلة الكلفة فيه. وقال الزجاج: قوله { ~~يوم عسير } مرتفع بقوله { فذلك } والمعنى فذلك يوم عسير يوم النفخ فى ~~الصور، ويومئذ يجوز أن يكون نصبا على معنى فذلك يوم عسير فى يوم ينفخ فى ~~الصور، ويجوز الرفع، وإنما بني على الفتح لاضافته إلى (إذ) لأن (إذ) غير ~~متمكنة. ### || [74.11-25] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التهديد للكافر الذى ~~وصفه { ذرني ومن خلقت وحيدا } ومعناه دعني وإياه فاني كاف فى عقابه كما ~~تقول العرب: دعني وإياه لا أن الله تعالى يجوز عليه المنع حتى يقول: ذرني ~~وإياه. ولكن المعنى ما قلناه. وقوله { وحيدا } قال الزجاج: يحتمل ان ~~يكون من صفة الخالق، ويحتمل أن يكون من صفة المخلوق، فاذا حملناه على صفة ~~الخالق كان معناه دعني ومن خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه ~~وجعلته على الاوصاف التي ذكرتها، وإذا حمل على صفه المخلوق، كان معناه ~~ومن خلقته فى ms3523 بطن أمه وحده لا شيء له ثم جعلت له كذا وكذا - ذكره مجاهد ~~وقتادة - وقوله { وجعلت له مالا ممدودا } أى مالا كثيرا له مدد يأتي ~~شيئا بعد شيء، فوصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى. وقال مجاهد وسعيد بن ~~جبير: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة المخزومي. وقالا: كان ماله الف ~~دينار. وقال سفيان: كان ماله أربعة آلاف دينار. وقال النعمان بن سالم: ~~كان أبرص. وقال عطاء عن عمر: كان غلة شهر شهر. وقال مجاهد: كان بنوه عشرة ~~{ وبنين شهودا } أي واولادا ذكورا معه يستمتع بمشاهدتهم، وينتفع ~~بحضورهم. وقيل كان بنوه لا يغيبون عنه لغنائهم عن ركوب السفر فى التجارة ~~بخلاف من هو غائب عنهم. # وقوله { ومهدت له تمهيدا } أي سهلت له التصرف فى الأمور تسهيلا وقد ~~يكون التسهيل من المصيبة ليخف الحزن بها، وقد يكون لما يتصرف فيه من ~~المبالغة. وقوله { ثم يطمع أن أزيد } أي لم يشكرني على هذه النعم، وهو مع ~~ذلك يطمع ان أزيد فى إنعامه. والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل نظائر. # ثم قال تعالى على وجه الردع والزجر " كلا " كأنه قال: ارتدع عن هذا ~~وانزجر كما ان (صه) بمنزلة اسكت (ومه) بمنزلة اكفف. وإنما هي أصوات سمي ~~الفعل بها، فكأنه قال: انزجر، فليس الأمر على ما تتوهم. # ثم بين لم كان كذلك فقال { إنه كان لآياتنا } أي إنما لم أفعل به ذلك، ~~لانه لحجتنا وأدلتنا { عنيدا } أي معاندا، فالعنيد الذاهب عن الشيء على ~~طريق العداوة له، يقال عند العرق يعند عنودا، فهو عاند إذا نفر، وهو من ~~هذا، والمعاندة منافرة المضادة، وكذلك العناد، وهذا الكافر يذهب عن آيات ~~الله ذهاب نافر عنها. وقيل معنى { عنيد } عنود أي جحود بتكذيب المعاندة - ~~فى قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه معاند، وبعير عنود أي نافر قال ~~الشاعر: # إذا نزلت فاجعلوني وسطا # إني كبير لا أطيق العندا # أي نفرا، وقوله { سأرهقه صعودا } فالارهاق الاعجال بالعنف والصعود ~~العقبة التي يصعب صعودها، وهي الكؤد والكدود فى ارتقائها ونقيض الصعود ~~الهبوط، وقيل: صعود جبل ms3524 من نار فى جهنم يؤخذون بارتقائه، فاذا وضع يديه ~~ذابت، فاذا رفعها عادت وكذلك رجلاه، فى خبر مرفوع. # وقيل: صعود جبل فى جهنم من نار يضرب بالمقامع حتى يصعد عليه، ثم يضرب ~~حتى ينزل ذلك دأبه ابدا. # ثم قال { إنه فكر } أى فكر فكرا يحتال به للباطل، لانه لو فكر على وجه ~~طلب الرشاد لم يكن مذموما بل كان ممدوحا، ولذلك مدح الله قوما فقال # إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون # أى على وجه طلب الحق. وقوله { وقدر } أي قدر فقال: إن قلنا شاعر كذبتنا ~~العرب باعتبار ما أتى به، وإن قلنا كاهن لم يصدقونا، لان كلامه لا يشبه ~~كلام الكهان، فنقول ساحر يأثر ما أتى به عن غيره من السحرة. فقال الله ~~تعالى { فقتل } أى لعن { كيف قدر } هذا. ثم كرر تعالى فقال { ثم قتل كيف ~~قدر } أى عوقب بعقاب آخر كيف قدر من ابطال الحق تقديرا آخر. وقيل: لعن ~~بما يجري مجرى القتل، ومثله # قتل الخراصون # وقال الحسن: هو شتم من الله لهذا الكافر. # وقوله { ثم نظر } نظر من ينكر الحق ويدفعه، ولو نظر طلبا للحق كان ~~ممدوحا وكان نظره صحيحا. وقوله { ثم عبس } أى قبض وجهه تكرها للحق، ~~يقال: عبس يعبس عبوسا، فهو عابس وعباس فالعبوس والتكليح والتقطيب نظائر ~~فى اللغة، وضده الطلاقة والبشاشة. وقوله { وبسر } فالبسور بدو التكره ~~الذى يظهر فى الوجه وأصله من قولهم: بسر بالأمر إذا عجل به قبل حينه، ~~ومنه البسر لتعجيل حاله قبل الارطاب قال توبة: # وقد رابني منها صدود رأيته # وإعراضها عن حاجتي وبسورها # فكأنه قيل: قبض وجهه وبدى التكره فيه. وقوله { ثم أدبر } فالادبار الأخذ ~~فى جهة الدبر خلاف جهة الاقبال، فذلك ادبار وهذا إقبال، يقال: دبر يدبر ~~دبورا وأدبر إدبارا، وتدبر نظر في عاقبة الأمر، ودبره أى عمله على ~~إحكام العاقبة وكل مأخوذ من جهة الخلف مدبر. # وقوله { واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر } أى طلب كبرا ليس له، ولو ~~طلب كبرا هو له لم يكن مذموما، وفي ms3525 صفات الله تعالى # الجبار المتكبر # لان له الكبرياء، وهو كبير الشأن في أعلى المراتب لاختصاصه باتساع ~~مقدوراته والمعلوم في أعلى المراتب. وقيل: ان الوليد قال في القرآن: ~~والله ليعلو وما يعلا وما هو بشعر ولا كهانة، ولكنه سحر يؤثر من قول ~~البشر، والسحر حيلة يخفى سببها فيوهم الشيء على خلاف ما هو به وذلك منفي ~~عن كل ما يشاهد ويعلم انه قد خرج عن العادة مما لا يمكن عليه معارضة، ولو ~~كان القرآن من قول البشر لامكنهم أن يأتوا بمثله، كما لو كان قلب العصا ~~حية من فعل ساحر لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله. ثم قال يعني الوليد { إن ~~هذا إلا قول البشر } أى ليس هذا إلا قول البشر وليس من كلام الله عنادا ~~منه وبهتانا. ### || [74.26-35] # قرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم { إذ أدبر } باسكان الذال وقطع الهمزة من { ~~أدبر } الباقون بفتح الذال والالف معها " دبر " بغير الف. وقرأ ابن مسعود ~~بزيادة الف، ومن قال (دبر، وأدبر) فهما لغتان. قيل: هو مثل قبل واقبل ~~والاختيار عندهم { أدبر } لقوله { إذا أسفر } ولم يقل إذا سفر، لان ابن ~~عباس، قال لعكرمة: حين دبر الليل، لان العرب تقول: دبر فهو دابر، وحجة ~~نافع وحمزة قول النبي صلى الله عليه وآله # " إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصيام " # ثم قال ابو عبيدة: أدبر ولى، ودبرني جاء خلفي. # لما حكى الله تعالى صفات الكافر الذى ذكره، وهو الوليد بن المغيرة، وانه ~~فكر وقدر إلى ان قال: هذا القرآن سحر مأثور، وهو قول البشر، قال الله ~~تعالى مهددا له ومتوعدا { سأصليه سقر } أى ألزمه جهنم، والاصلاء إلزام ~~موضع النار أصلاه يصليه إصلاه واصطلى فهو يصطلي اصطلاء، وصلاه يصليه، ~~واصله اللزوم. وسقر اسم من اسماء جهنم، ولم يصرف للتعريف والتأنيث وأصله ~~من سقرته الشمس تستقره سقرا إذا آلمت دماغه. وقد سميت النار سقر لشدة ~~إيلامها، ومنه الصقر بالسين والصاد، لأن شدته فى نفسه كشدة الألم فى أذى ~~صيده. # وقوله ms3526 { وما أدراك ما سقر } إعظاما للنار وتهويلا لها أي ولم يعلمك ~~الله سقر على كنهها وصفتها، ثم وصف بعض صفاتها فقال { لا تبقي ولا تذر } ~~وقال مجاهد: معناه لا تبقي من فيها حيا، ولا تذره ميتا. وقال غيره: لا ~~تبقي احدا من أهلها إلا تناولته، ولا تذره من العذاب. والابقاء ترك شيء ~~مما اخذ، يقال أبقى شيئا يبقيه ابقاء، وأبقاه الله أي اطال مدته. ~~والباقي هو المستمر الوجود. # وقوله { لواحة للبشر } أي مغيرة لجلد الانسان الذي هو البشرة - فى قول ~~مجاهد - وقال المؤرج: لواحة بمعنى حراقة، وبه قال الفراء. وقال غيرهما: ~~معناه تلوح لجميع الخلق حتى يروها، كما قال # وبرزت الجحيم لمن يرى # لانه لا يجوز أن يصفها بأنها تسود البشرة مع قوله { إنها لا تبقي ولا ~~تذر } والتلويح تغير اللون إلى الأحمر والتلويح بالنار تغير بشرة أهلها ~~إلى الاحمرار، يقال: لوحته الشمس تلوحه تلويحا فهي لواحة على المبالغة فى ~~كثرة التلويح، والبشر جمع بشرة، وهي ظاهر الجلدة، ومنه سمي الانسان ~~بشرا، لأنه ظاهر الجلدة، بتعريه من الوبر والريش والشعر الذي يكون فى ~~غيره من الحيوان فى غالب أمره. # وقوله { عليها تسعة عشر } أي على سقر تسعة عشر من الملائكة. وإنما خص ~~بهذه العدة لتوافق صحة الخبر لما جاء به الانبياء قبله صلى الله عليه ~~وآله، ويكون في ذلك مصلحة للمكلفين. # وقد بين ذلك بقوله { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~} أي لم نجعل من يتولى تدبير النار إلا من الملائكة ولم نجعلهم على هذه ~~العدة { إلا فتنة } ومحنة وتشديدا فى التكليف { للذين كفروا } نعم الله ~~وجحدوا ربوبيته ليلزمهم النظر في ذلك، فلما كانت هذه العدة التي جعلت ~~عليها الملائكة يظهر عندها ما كان في نفس الكافر مما يقتضيه كفره، كان ~~فتنة له، لان الفتنة هي المحنة التي تخرج ما في النفس من خير او شر ~~باظهار حاله كاظهار الحكاية للمحكي. والملك عبارة عما كان على خلاف صورة ~~الجن والانس من المكلفين. وقال قوم: لا يكون ملكا ms3527 إلا رسولا لانه من ~~الرسالة، كما قال الهذلي: # الكني اليها وخير الرسو # ل أعلمهم بنواحي الخبر # واصله ملأك بالهمز كما قال الشاعر: # فلست لا نسي ولكن بملأك # تنزل من جو السماء يصوب # والملك عظيم الخلق شديد البطش كريم النفس. والاصل نفسه منشرحة بالطاعة ~~إنشراح الكريم بالجود، وأصله من النور، ووجه دلالة هذه العدة من الملائكة ~~على نبوة النبي صلى الله عليه وآله هو انه اذا كان الله - عز وجل - قد ~~اخبر به في الكتب المتقدمة ولم يكن محمد صلى الله عليه وآله ممن قرأها ~~ولا تعلمها من أحد من الناس دل على أن الله أعلمه وانزل عليه به وحيا ~~أبانه به من جميع الخلق ليدل على صدقه مع انه احد الاشياء التي أخبر بها ~~على هذه الصفة { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } والتقدير ليعلم أهل الكتاب ~~يقينا ان محمدا صادق من حيث اخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لكتبهم ~~ولا تعلم منهم { ويزداد الذين آمنوا إيمانا } أي ويزداد بذلك ايضا ~~المؤمنون الذين عرفوا الله إيمانا مضافا الى ايمانهم. ووجه المحنة على ~~الكفار بتكليفهم ان يستدلوا حتى يعرفوا ان الله تعالى قادر ان يقوي هذه ~~العدة من الملائكة بما يفي بتعذيب أهل النار على ما هم عليه من الكثرة { ~~ولا يرتاب } أى لا يشك { الذين أوتوا الكتاب } في خبره ولا يرتاب أيضا { ~~المؤمنون } في خبره. # وقوله { وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون } ومعناه لئلا يقول الذين ~~في قلوبهم شك ونفاق { ماذا أراد الله بهذا مثلا } اي أي شيء اراد الله ~~بهذا مثلا، وقيل اللام في قوله { وليقول الذين في قلوبهم مرض } لام ~~العاقبة كما قال # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # فقال الله تعالى { كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } أى مثل ما فضح ~~الله هؤلاء الكفار وذمهم مثل ذلك يضل من يشاء من الكفار. والاضلال - ها ~~هنا - اظهار فضيحة الكفار بما يوجب الذم، ومعناه الحكم عليهم بالضلال عن ~~الحق، والاخبار بأنهم يستحقون اللعن بتكذيبهم النبي صلى ms3528 الله عليه وآله، ~~وما انزل عليه. # ونقيضه الهداية أي ويحكم بهداية المؤمنين إلى الحق ومصيرهم الى الطاعة، ~~وتصديقهم بالحق عند نزوله وقبولهم له. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: عدة ~~الملائكة الموكلين بالنار فى التوراة والانجيل تسعة عشر. # ثم اخبر تعالى فقال { وما يعلم جنود ربك إلا هو } أي لا يعلم جنود الله ~~إلا الله. ثم قال { وما هي إلا ذكرى للبشر } قيل معناه إن النار فى ~~الدنيا تذكير بالنار فى الآخرة. وقال قتادة ومجاهد: النار الموصوفة بهذه ~~الصفة ذكرى للبشر وعظة لهم. وقال البلخي: إلا ذكرى للبشر أي الجنود ذكرى ~~أي عظة للبشر، لان الله تعالى لا يحتاج الى ناصر ومعين. # ثم قال { كلا والقمر } أي حقا ثم اقسم بالقمر { والليل إذ أدبر } قيل ~~معناه إذا ولى يقال: دبر وادبر، وقد قرئ بهما. وقيل: إنما دبر الليل بان ~~جاء بعده النهار وآخره. وتقول العرب: قبح الله ما قبل منك وما دبر { ~~والصبح إذا أسفر } أي اضاء وأنار - في قول قتادة - وهو قسم آخر. وقال ~~قوم: التقدير ورب هذه الاشياء، لان اليمين لا يكون إلا بالله. وقال قوم: ~~معنى قوله { والصبح إذا أسفر } أي كشف عن الظلام وأنار الاشخاص. وقوله { ~~إنها لإحدى الكبر } جواب القسم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: ~~معناه إن النار لأحدى الكبر. وقال قوم: ان هذه الآية لاحدى الكبر. والكبر ~~جمع الكبرى، وهي العظمى وروي عن ابن كثير أنه { قرأ إنها لحدى الكبر } لا ~~يهمزه ولا يكسر يسقط الهمزة تخفيفا، كقولهم في زيد الاحمر زيد لحمر. وفي ~~أصحاب الايكة اصحاب ليكة. والاختيار قطع الألف، لأن العرب اذا حذفت مثل ~~هذا نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، واللام قبل هذه الهمزة متحركة، ~~واللام في الاحمر لام التعريف ساكنة. ### || [74.36-56] # قرأ نافع وابن عامر وابو جعفر { مستنفرة } بفتح الفاء. الباقون بكسرها ~~ومعناهما متقارب، لان من فتح الفاء أراد أنه نفرها غيرها، ومن كسر الفاء ~~اراد أنها نافرة، وانشد الفراء: # امسك حمارك إنه مستنفر # في أثر أحمرة عمدن لغرب # والنفور ms3529 الذهاب عن المخوف بانزعاج، نفر عن الشيء ينفر نفورا فهو نافر، ~~والتنافر خلاف التلاؤم، واستنفر طلب النفور { ومستنفرة } طالبة للنفور. ~~وقرأ نافع ويعقوب { وما تذكرون } بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على ~~الخبر # لما اخبر الله تعالى ان الآية التي ذكرها لأحدى الكبر، بين أنه بعث ~~النبي { نذيرا للبشر } أي منذرا مخوفا معلما مواضع المخافة، والنذير ~~الحكيم بالتحذير عما ينبغي ان يحذر منه، فكل نبي نذير، لأنه حكيم بتحذيره ~~عقاب الله تعالى على معاصيه. { ونذيرا } نصب على الحال. وقال الحسن: إنه ~~وصف النار وقال ابن زيد: هو وصف النبي. وقال أبو رزين: هو من صفة الله ~~تعالى، فمن قال: هو للنبي قال كأنه قيل: قم نذيرا. وقوله { لمن شاء منكم ~~أن يتقدم أو يتأخر } معناه إن هذا الانذار متوجه إلى من يمكنه ان يتقي ~~عذاب النار بأن يجتنب معاصيه ويفعل طاعاته، فيقدر على التقدم والتأخر في ~~أمره بخلاف ما يقوله المجبرة الذين يقولون بتكليف ما لا يطاق لمنع ~~القدرة. وقال قتادة: معناه لمن شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر ~~عنها بمعصيته. والمشيئة هي الارادة. # وقوله { كل نفس بما كسبت رهينة } معناه إن كل نفس مكلفة مطالبة بما ~~عملته وكسبته من طاعة او معصية، فالرهن أخذ الشيء بأمر على أن لا يرد إلا ~~بالخروج منه رهنه يرهنه رهنا قال زهير: # وفارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا # وكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له. قال الرماني: في ذلك ~~دلالة على القائلين باستحقاق الذم، لانه عم الارتهان بالكسب في هذا ~~الموضع، وهم يزعمون انه يرتهن بأن لم يفعل ما وجب عليه من غير كسب شيء ~~منه، فكانت الآية حجة على فساد مذهبهم. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان ~~الذي في الظاهر ان الانسان رهن بما كسبت يداه. ولم يقل: ولا يرهن إلا بما ~~كسب له إلا من جهة دليل الخطاب الذي هو فاسد عند اكثر الاصوليين، على ان ~~الكسب هو ما يجتلب به نفع ms3530 او يدفع به ضرر، ويدخل في ذلك الفعل، وألا ~~يفعل، فلا تعلق في الآية. # ولما ذكر تعالى أن { كل نفس بما كسبت رهينة } استثنى من جملة النفوس ~~فقال { إلا أصحاب اليمين } والاستثناء منقطع، لان اصحاب اليمين ليسوا من ~~الضلال الذين هم رهن بما كسبوه، وتقديره لكن أصحاب اليمين { في جنات } أي ~~بساتين آجنها الشجر، واصحاب اليمين هم كل من لم يكن من الضالين. # وقال الحسن: هم اصحاب الجنة. وقال قوم: هم الذين ليس لهم شيء من الذنوب. ~~وقال قوم: هم اطفال المؤمنين. وقوله { يتساءلون } اى يسأل بعضهم بعضا { ~~عن المجرمين } العصاه في طاعة الله، فيقولولن لهم { ما سلككم في سقر } أي ~~ما أدخلكم في جهنم فالمجرم هو القاطع بالخروج عن أمر الله ونهيه الى ~~إرتكاب الكبائر من القبيح، والجارم القاطع. والسلوك الدخول. وسقر اسم من ~~اسماء جهنم. ثم حكى ما يجيبهم به اصحاب النار فانهم يقولون لهم: ادخلنا ~~في النال لانا { لم نك من المصلين } أي لم نك نصلي ما أوجب علينا من ~~الصلاة المفروضه على ما قررها الشرع، وفي ذلك دلالة على ان الاخلال ~~بالواجب يستحق به الذم والعقاب، لانهم لم يقولوا انا فعلنا تركا للصلاة ~~بل علقوا استحقاقهم للعقاب بالاخلال بالصلاة وفيها دلالة على أن الكفار ~~مخاطبون بالعبادة. لان ذلك حكاية عن الكفار بدلالة قوله في آخر الآية { ~~وكنا نكذب بيوم الدين }. # وقوله { ولم نك نطعم المسكين } أي لم نكن نخرج الزكوات التي وجبت علينا، ~~والكفارات التي يلزمنا دفعها الى المساكين. وهم الفقراء، فالمسكين الذي ~~سكنته الحاجة الى ما في ايدي الناس عن حال النشط. وحال الفقير اشد من حال ~~المسكين. قال الله تعالى # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # فسماهم الله مساكين مع أن لهم مركبا في البحر قال الشاعر: # أنا الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # { وكنا نخوض مع الخائضين } قال قتادة: معناه كلما غوى غاويا لدخول في ~~الباطل غوينا معه أي كنا نلوث انفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل ~~بالخوض ms3531 فلما كان هؤلاء يخرجون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول ~~كانوا خائضين معهم { وكنا } مع ذلك { نكذب بيوم الدين } اي كنا نجحد يوم ~~الجزاء وهو يوم القيامة، فالتكذيب تنزيل الخبر على انه كذب باعتقاد ذلك ~~فيه أو الحكم به، فهؤلاء اعتقدوا ان الخبر يكون يوم الدين كذب. والدين ~~الجزاء، وهو الايصال إلى كل من له شيء او عليه شيء ما يستحقه، فلذلك يوم ~~الدين، وهو يوم الجزاء وهو يوم أخذ المستحق بالعدل. وقوله { حتى أتانا ~~اليقين } معناه حتى جاءنا العلم واليقين الذي يوجد برد الثقة به فى الصدر ~~أو دليله، يقال: وجد فلان برد اليقين وثلج فى صدره، ولذلك لا يوصف الله ~~تعالى بأنه متيقن، فقال الله تعالى لهم { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ~~الذين يشفعون لهم، لأن عذاب الكفر لا يسقطه الله بالشفاعة، بالاجماع. ثم ~~قال { فما لهم عن التذكرة } أي أي شيء لهم؟ ولم أعرضوا وتولوا عن النبوة ~~والرشد؟! ولم يتعظوا به إلى ان صاروا الى جهة الضلال على وجه الانكار ~~عليهم. # ثم شبههم، فقال { كأنهم حمر مستنفرة } أي مثلهم فى النفور عما تدعوهم ~~اليه من الحق واعراضهم، مثل الحمر إذا نفرت ومرت على وجهها إذا { فرت من ~~قسورة } وهو السبع يعني الاسد، يقال نفر، واستنفر، مثل علامتنه واستعلاه ~~وسمع إعرابي رجلا يقرأ { كأنهم حمر مستنفرة } فقال: طلبها قسورة، فقيل ~~له: ويحك إن فى القرآن { فرت من قسورة } قال { مستنفرة } إذا، فالفرار ~~الذهاب عن الشيء خوفا منه، فر يفر فرا وفرارا، فهو فار إذا هرب والفار ~~الهارب. # والهرب نقيض الطلب، واصل الفرار الانكشاف عن الشيء، ومنه فر الفرس يفره ~~فرا إذا كشف عن سنه. والقسورة الاسد. وقيل: هو الرامي للصيد. وأصله ~~الأخذ بالشدة من قسره يقسره قسرا أي قهره. وقال ابن عباس: القسورة ~~الرماة وقال سعيد بن جبير: هم القناص. وفى رواية أخرى عن ابن عباس: جماعة ~~الرجال وقال ابو هريرة: هو الاسد. وهو قول زيد بن اسلم، وفى رواية عن ابن ~~عباس وابي زيد: القسور بغير ms3532 هاء تأنيث، # وقوله { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة } اخبار من الله ~~تعالى بأنهم ليسوا كالحمر المستنفرة الفارة من القسورة، بل لأن كل رجل ~~منهم يريد أن يعطى صحفا منشرة. قال الحسن وقتادة ومجاهد: انهم يريدون ~~صحفا منشرة اي كتبا تنزل من السماء كتابا إلى فلان وكتابا الى فلان: ~~أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله. وقيل: إنهم قالوا كانت بنو إسرائيل ~~إذا اذنب منهم مدنب أنزل الله كتابا أن فلانا أذنب فما بالنا لا ينزل ~~علينا مثل ذلك إن كنت صادقا به؟ والصحف جمع صحيفة، وهي الورقة التي من ~~شأنها ان تقلب من جهة إلى جهة، لما فيها من الكتابة، وتجمع الصحيفة صحفا ~~وصحائف، ومنه مصحف ومصاحف. والنشر بسط ما كان مطويا او ملتفا من غير ~~التحام. وقيل: معناه إنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من ~~العقوبة واسباغ النعمة حتى يؤمنوا وإلا أقاموا على أمرهم. وقيل: تفسيره ~~ما ذكره الله تعالى فى قوله # ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه # فقال الله تعالى { كلا } أي حقا ليس الأمر على ما قالوه { بل لا يخافون ~~} هؤلاء الكفار { الآخرة } بجحدهم صحته. ثم قال { إنه تذكرة } يعني ~~القرآن تبصرة وموعظة لمن عمل به واتعظ بما فيه، وهو قول قتادة. ثم قال { ~~فمن شاء ذكره } أي من شاء أن يتعظ بما فيه وهو يتذكر به، فعل، لأنه قادر ~~عليه. ثم قال { وما يذكرون إلا أن يشاء الله } من قرأ بالتاء، فعلى ~~الخطاب، ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم. ومعناه ليس يتذكرون ولا ~~يتعظون بالقرآن إلا ان يشاء الله، ومعناه إلا والله شاءه له، لأنه طاعة ~~والله يريد الطاعات من خلقه. وقوله { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } معناه ~~هو اهل ان يتقى عقابه، واهل ان يعمل بما يؤدي الى مغفرته. وقيل: معناه هو ~~اهل ان يغفر المعاصي إذا تاب المذنب من معاصيه. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-10] # قرأ { برق } بفتح الراء اهل المدينة وأبان عن عاصم، الباقون بكسر الراء ~~وقرأ ms3533 القواس عن ابن كثير { لأقسم } باثبات القسم جعل اللام لام تأكيد، ~~واقسم، والاختيار لمن قصد هذا { لأقسمن } وقد روي ذلك عن الحسن، قال: لان ~~الله تعالى اقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال مقاتل: لم ~~يقسم الله تعالى بالقيامة إلا فى هذه السورة فقط. الباقون { لا أقسم } ~~التقدير بنفي اليمين فى اللفظ واختلف في ذلك النحويون فقال ابو عبيدة ~~والكسائي (لا) صلة والتقدير اقسم. وقال قوم (لا) تزيدها العرب لا إبتداء، ~~لكن (لا) ها هنا رد لقوم انكروا البعث وكفروا بالتنزيل. فقال الله { لا } ~~أي ليس كما تقولون. ثم قال { أقسم بيوم القيامة } قال ابن خالويه: (لا) ~~تنقسم اربعين قسما ذكرته في كل مفرد. # قوله { لا أقسم } معناه اقسم و (لا) صلة في قول سعيد بن جبير. وقال ابن ~~عباس (لا) تأكيد كقولك: لا والله. بلى والله ما كان كذا، فكأنه قال لا، ~~اقسم بيوم القيامة ما الأمر على ما توهموه. والقسم تأكيد الخبر بما جعله ~~في حيز المتحقق. والمعنى اقسم بيوم القيامة ويوم القيامة هو النشأة ~~الاخيرة التي تقوم فيها الناس من قبورهم للمجازاة، وبذلك سميت القيامة، ~~ويومها يوم عظيم، على خطر عظيم جسيم. # وقوله { ولا أقسم بالنفس اللوامة } قسم ثان، ومعناه معنى الاول. وقال ~~الحسن: أقسم تعالى بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، بل نفى ان يقسم ~~بها. قال الرماني: وهذا يضعف، لانه يخرج عن تشاكل الكلام. وقيل: ان جواب ~~القسم محذوف، وتقديره ما الامر على ما تتوهمون. وقال قوم: جواب القسم ~~قوله { بلى قادرين }. # واللوامة الكثيرة اللوم لقلة رضاها بالأمر وتمييز ما يرضى مما لا يرضى، ~~وما يلام عليه مما لا يلام عليه. وقال ابن عباس: اللوامة من اللوم. وقال ~~مجاهد: تلوم على ما مضى وفات. وقال قتادة: اللوامة الفاجرة، كأنه قال ذات ~~اللوام الكثير. وقال سعيد بن جبير: هي التي تلوم على الخير والشر وقيل: ~~معناه لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها. وقال ~~الحسن: اللوامة هي التي تلوم نفسها على ms3534 ما ضيعت من حق الله يوم القيامة، ~~وهي نفس الكافر. وقيل: معناها أنها تلوم نفسها في الآخرة على الشر لم ~~عملته وعلى الخير هلا استكثرت منه. # وقوله { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } صورته صورة الاستفهام ومعناه ~~الانكار على من أنكر البعث والنشور، فقال الله له ايظن الانسان الكافر أن ~~لن نجمع عظامه ونعيده إلى ما كان أولا عليه. ثم قال: ليس الأمر على ما ~~ظنه { بلى قادرين على أن نسوي بنانه } قال ابن عباس: يجعل بنانه كالخف ~~والحافر فيتناول المأكول بفيه، ولكننا مننا عليه. # وقال قتادة كخف البعير او حافر الدابة. ونصب { قادرين } على أحد وجهين: # احدهما - على تقدير بلى نجمعها قادرين. # والآخر - بلى نقدر قادرين إلا أنه لم يظهر { نقدر } لدلالة { قادرين } ~~عليه، فاستغني به. وقيل: معناه بلى قادرين على ان نسوي بنانه حتى نعيده ~~على ما كان عليه خلقا سويا. # وقوله { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } اخبار منه ان الانسان يفجر أمامه ~~ومعناه يمضي أمامه راكبا رأسه في هواه - في قول مجاهد - أي فهذا الذي ~~يحمله على الاعراض عن مقدورات ربه، فلذلك لا يقر بالبعث والنشور. وقال ~~الزجاج: إنه يسوف بالتوبة ويقدم الاعمال السيئة. قال: ويجوز أن يكون ~~المراد ليكفر بما قدامه من البعث بدلالة قوله { يسأل أيان يوم القيامة } ~~فهو يفجر أمامه بأن يكذب بما قدامه من البعث. وقوله { يسأل أيان يوم ~~القيامة } معناه ان الذي يفجر أمامه يسأل متى يكون يوم القيامة؟ فمعنى { ~~أيان } (متى) إلا ان السؤال ب (متى) اكثر من السؤال ب { أيان } ، فلذلك ~~حسن ان يفسر بها لما دخلها من الابهام الذي يحتاج فيه الى بيان ما يتصل ~~بها من الكلام. والسؤال على ضربين: سؤال تعجيز، وسؤال طلب للتبيين. # وقوله { فإذا برق البصر } فالبرق اللمعان بالشعاع الذي لا يلبث، لانه ~~مأخوذ من البرق، يقال: برق يبرق برقا، وإنما قيل { برق البصر } لان ذلك ~~يلحقه عند شدة الأمر، والبارقة الذين تلمع سيوفهم إذا جردوها كالبرق، ~~وانشد ابو عبيدة للكلابي: # لما اتاني ابن عمير ms3535 راغبا # اعطيته عيسا صهابا فبرق # بكسر الراء وانشد الفراء: # نعاني حنانة طوبا له # يسف يبسا من العشرق # فنفسك فانع ولا تنعني # وداو الكلوم ولا تبرق # بالفتح، أي لا تفزع من هول الجراح، و (حنانة) اسم رجل و (طوبا) له نعجة، ~~وقال ابن خالويه: من كسر قال: لان { برق } بالفتح لا يكون إلا في الضوء ~~يقال برق البرق إذا لمع، وبرق الحنظل، فاما برق بالكسر، فمعناه تحير، ~~والذي قاله اهل اللغة إنهما لغتان، وتقول العرب، لكل داخل: برقة أي دهشة. ~~وقال الزجاج: برق إذا فزع وبرق اذا حار. # وقوله { وخسف القمر } أي ذهب نوره بغيبة النور عن البصر، وخسف وكسف ~~بمعنى كأنه يذهب نوره فى خسف من الارض فلا يرى. # وقوله { وجمع الشمس والقمر } أي جمعا فى ذهاب نورهما بما يراه الانسان ~~والجمع جعل احد الشيئين مع الآخر. والجمع على ثلاثة اقسام: جمع فى ~~المكان، وجمع فى الزمان، وجمع الاعراض فى المحل. وجمع الشيئين في حكم او ~~صفة مجاز، # وقوله { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } اخبار من الله تعالى بأن ~~الانسان يقول فى ذلك الوقت: اين المهرب؟ والفرار بفتح الفاء. وروي عن ابن ~~عباس { أين المفر } بكسر الفاء، قال الزجاج: المفر بفتح الفاء مصدر، ~~وبالكسر مكان الفرار. وهذا سؤال تعجيز عن وجود مفر يهرب اليه من عذاب ~~الله فى ذلك اليوم. وقيل فيه معنى جواب هذا السائل، كأنه قيل يوم القيامة ~~إذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر. والمفر مصدر. ويجوز فيه ~~الكسر، ومثله مدب ومدب وقال البصريون: الكسر لمكان الفرار. وقال الفراء ~~الفتح والكسر لغتان. ### || [75.11-25] # قرأ { كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة } بالياء فيهما ابن كثير وابو ~~عمرو وابن عامر على وجه الاخبار عنهم. الباقون بالتاء على وجه الخطاب ~~لهم، # لما حكى الله تعالى عن الكافر انه يقول يوم القيامة { أين المفر } ~~والمهرب حكى ما يقال له، فانه يقال له { كلا لا وزر } أي لا ملجأ. والوزر ~~الملجأ من جبل يتحصن به او غيره من الحصون المنيعة. ومنه ms3536 الوزير المعين ~~الذي يلجأ اليه فى الامور، يقال وزرت الحائط إذا قويته بأساس يعتمد عليه. ~~وقال ابن عباس ومجاهد: لا وزر، معناه لا ملجأ. وقال الحسن: لا جبل، لان ~~العرب إذا دهمتهم الخيل بغتة، قالوا: الوزر، يعنون الجبل، قال ابن ~~الدمينة: # لعمرك ما للفتى من وزر # من الموت ينجو به والكبر # وقال الضحاك: معناه لا حصن. وقيل معناه لا منجا ينجو اليه، وهو مثل ~~الملجأ. ثم قال تعالى { إلى ربك يومئذ المستقر } أي المرجع الذي يقر فيه. ~~ومثله المأوى والمثوى، وخلافه المرتحل. والمستقر على وجهين: مستقر إلى ~~أمد، ومستقر على الابد. # وقوله { ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أي يخبر بجميع ما عمله، وما ~~تركه من الطاعات والمعاصي، فالنبأ الخبر بما يعظم شأنه، وحسن في هذا ~~الموضع لان ما جرى مجرى اللغو والمباح لا يعتد به فى هذا الباب. وإنما ~~الذي يعظم شأنه من عمل الطاعة والمعصية هو ما يستحق عليه الجزاء. فأما ما ~~وجوده كعدمه، فلا اعتبار به. والتقديم ترتيب الشيء قبل غيره. وضده ~~التأخير وهو ترتيب الشيء بعد غيره، ويكون التقديم والتأخير فى الزمان، ~~وفى المكان، وفى المرتبة، كتقديم المخبر عنه في المرتبة، وهو مؤخر فى ~~الذكر، كقولك: فى الدار زيد، وكذلك الضمير فى (غلامه ضرب زيد) وهو مقدم ~~فى اللفظ ومؤخر فى المرتبة. وقال ابن عباس: ينبأ بما قدم من المعصية ~~وأخر من الطاعة. وقال مجاهد: يعني بأول عمله وآخره. وقال ابن زيد: ما ~~أخذ وترك. وفي رواية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود: بما قدم قبل موته، ~~وما اخر من سنة يعمل بها بعد موته، وقيل ما قدم وأخر جميع أعماله التي ~~يستحق بها الجزاء. # وقوله { بل الإنسان على نفسه بصيرة } أي شاهد على نفسه بما تقوم به ~~الحجة - ذكره ابن عباس - كما يقال: فلان حجة على نفسه. وقد قال تعالى # اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # وقال الزجاج: معناه بل الانسان تشهد عليه جوارحه كما قال # يوم تشهد عليهم # والهاء فى { بصيرة } مثل ms3537 الهاء فى (علامة) للمبالغة. وقيل شهادة نفسه ~~عليه اولى من اعتذاره. وقيل تقديره بل الانسان على نفسه من نفسه بصيرة: ~~جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة ولو اعتذر كان شاهدا عليه من يكذب عذره. # وقوله { ولو ألقى معاذيره } معناه ولو اقام الاعتذار عند الناس، وفى دار ~~التكليف واستسر بالمعاصي بارخاء الستر. وقال ابن عباس: معناه ولو اعتذر. ~~وقال السدي: معناه ولو ارخى الستور وأغلق الأبواب. وقال الزجاج: معناه لو ~~أتى بكل حجة عنده. والمعاذير التنصل من الذنوب بذكر العذر، واحدها معذرة ~~من قوله # لا ينفع الظالمين معذرتهم # وقيل: المعاذير ذكر مواقع تقطع عن الفعل المطلوب. والعذر منع يقطع عن ~~الفعل بالأمر الذي يشق. والاعتذار الاجتهاد فى تثبيت العذر. # وقوله { لا تحرك به لسانك لتعجل به } قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والضحاك: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك ~~لسانه لحبه إياه، فنهاه الله عن ذلك. والتحريك تغيير الشيء من مكان إلى ~~مكان او من جهة الى جهة بفعل الحركة فيه، والحركة ما به يتحرك المتحرك. ~~والمتحرك هو المنتقل من جهة الى غيرها. واللسان آلة الكلام. والعجلة طلب ~~عمل الشيء قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه. ونقيضه الابطاء، والسرعة عمل ~~الشيء فى أول وقته الذي هو له، وضده الاناة. # وقوله { إن علينا جمعه وقرآنه } قال ابن عباس والضحاك: معناه ان علينا ~~جمعه فى صدرك، وقراءته عليك حتى يمكنك تلاوته. وقال قتادة: معناه إن ~~علينا جمعه فى صدرك وتأليفه على ما نزل عليك. وقال ابن عباس - فى رواية ~~اخرى - إن معناه إن علينا بيانه من حلاله وحرامه بذكره لك. وقال قتادة: ~~معناه نذكر احكامه ونبين لك معناه إذا حفظته. وقال البلخي: الذي أختاره ~~انه لم يرد القرآن وإنما اراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة، لان ما ~~قبله وبعده يدل على ذلك، وليس فيه شيء يدل على انه القرآن، ولا على شيء ~~من أحكام الدنيا، وفى ذلك تقريع للعبد وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة. ~~والقرآن من ms3538 الضم والتأليف، قال عمرو بن كلثوم: # ذراعي عيطل أدماء بكر # هجان اللون لم تقرأ جنينا # أي لم تضم رحما على ولد. وقوله { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } قال ابن ~~عباس: معناه إذا قرأناه أي تلوناه فاتبع قراءته بقرائتك، وقال قتادة ~~والضحاك: معناه بأن يعمل بما فيه من الاحكام والحلال والحرام. وقيل: ~~معناه فاذا قرأه جبرائيل عليك فاتبع قراءته. والاتباع مراجعة الثاني ~~للاول في ما يقتضيه، ومثله الاقتداء والاحتذاء والائتمام، ونقيضه الخلاف. ~~والبيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به من غيره بان الشيء يبين إذا ظهر ~~وأبانه غيره أي اظهره بيانا وإبانة، ونقيض البيان الاخفاء والاغماض. ~~وقال قتادة { ثم إن علينا بيانه } معناه إنا نبين لك معناه إذا حفظته. # وقوله { كلا بل تحبون العاجلة } معناه الاخبار من الله تعالى أن الكفار ~~يريدون المنافع العاجلة ويركنون اليها ويريدونها { وتذرون الآخرة } أي ~~وتتركون عمل الآخرة الذي يستحق به الثواب، وتفعلون ما يستحق به العقاب من ~~المعاصي والمحارم. # ثم قسم تعالى اهل الآخرة فقال { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } أي ~~مشرقة مضيئة، فالنضرة الصورة الحسنة التي تملأ القلب سرورا عند الرؤية ~~نضر وجهه ينضر نضرة ونضارة فهو ناضر. والنضرة مثل البهجة والطلاقة، وضده ~~العبوس والبسور، فوجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة بما جعل ~~الله عليها من النور علامة للخلق، والملائكة على انهم مؤمنون مستحقون ~~الثواب. وقوله { إلى ربها ناظرة } معناه منتظرة نعمة ربها وثوابه ان يصل ~~اليهم. وقيل { ناضرة } أي مشرفة { إلى } ثواب ربها { ناظرة } وليس فى ذلك ~~تنغيص لان الانتظار إنما يكون فيه تنغيص إذا كان لا يوثق بوصوله الى ~~المنتظر أو هو محتاج اليه فى الحال. والمؤمنون بخلاف ذلك، لانهم فى الحال ~~مستغنون منعمون، وهم ايضا واثقون انهم يصلون الى الثواب المنتظر. والنظر ~~هو تقليب الحدقة الصحية نحو المرئي طلبا للرؤية ويكون النظر بمعنى ~~الانتظار، كما قال تعالى # وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة # أى منتظرة وقال الشاعر: # وجوه يوم بدر ناظرات # الى الرحمن تأتي بالفلاح # أى منتظرة للرحمة التي تنزل عليهم، وقد ms3539 يقول القائل: انما عيني ممدودة ~~الى الله، والى فلان، وانظر اليه أى انتظر خيره ونفعه وأؤمل ذلك من جهته، ~~وقوله # ولا ينظر إليهم يوم القيامة # معناه لا ينيلهم رحمته. ويكون النظر بمعنى المقابلة، ومنه المناظرة في ~~الجدل، ومنه نظر الرحمة أى قابله بالرحمة، ويقال: دور بني فلان تتناظر أى ~~تتقابل، وهو ينظر الى فلان أى يؤمله وينتظر خيره، وليس النظر بمعنى ~~الرؤية اصلا، بدلالة انهم يقولون: نظرت الى الهلال فلم أره فلو كان بمعنى ~~الرؤية لكان متناقضا، ولانهم يجعلون الرؤية غاية للنظر يقولون: ما زلت ~~أنظر اليه حتى رأيته، ولا يجعل الشيء غاية لنفسه لا يقال: ما زلت أراه ~~حتى رأيته، ويعلم الناظر ناظرا ضرورة، ولا يعلم كونه رائيا بل يسأل بعد ~~ذلك هل رأيت أم لا؟ ودخل " إلى " فى الآية لا يدل على ان المراد بالنظر ~~الرؤية، ولا تعليقه بالوجوه يدل على ذلك، لانا أنشدنا البيت، وفيه تعليق ~~النظر بالوجه وتعديه بحرف (الى) والمراد به الانتظار، وقال جميل بن معمر: # وإذا نظرت اليك من ملك # والبحر دونك جدتني نعماء # والمراد به الانتظار والتأميل، وايضا، فانه فى مقابلة قوله في صفة اهل ~~النار { تظن أن يفعل بها فاقرة } فالمؤمنون يؤمنون بتجديد الكرامة ~~وينتظرون الثواب، والكفار يظنون الفاقرة، وكله راجع الى فعل القلب، ولو ~~سلمنا أن النظر يعد الرؤية لجاز أن يكون المراد أنها رؤية ثواب ربها، لأن ~~الثواب الذي هو انواع اللذات من المأكول والمشروب والمنكوح تصح رؤيته، ~~ويجوز ايضا أن يكون إلى واحد إلآ لاء وفى واحدها لغات (ألا) مثل قفا، و ~~(ألى) مثل معى و (إلى) مثل حدى و (ألى) مثل حسى، فاذا اضيف الى غيره سقط ~~التنوين، ولا يكون (الى) حرفا فى الآية وكل ذلك يبطل قول من أجاز الرؤية ~~على الله تعالى. # وليس لأحد ان يقول: إن الوجه الأخير يخالف الاجماع، أعني اجماع ~~المفسرين، وذلك لأنا لا نسلم لهم ذلك، بل قد قال مجاهد وابو صالح والحسن ~~وسعيد بن جبير والضحاك: إن المراد نظر الثواب. وروي ms3540 مثله عن علي عليه ~~السلام، وقد فرق اهل اللغة بين نظر الغضبان ونظر الراضي، يقولون: نظر ~~غضبان، ونظر راض، ونظر عداوة ونظر مودة، قال الشاعر: # تخبرني العينان ما الصدر كاتم # ولا حن بالبعضاء والنظر الشزر # والرؤية ليست كذلك فانهم لا يضيفونها، فدل على أن النظر غير الرؤية، ~~والمرئي هو المدرك، والرؤية هي الادراك بالبصر، والرائي هو المدرك، ولا ~~تصح الرؤية وهي الادراك إلا على الاجسام او الجوهر او الألوان. ومن شرط ~~المرئي أن يكون هو او محله مقابلا او في حكم المقابل، وذلك يستحيل عليه ~~تعالى، فكيف تجيز الرؤية عليه تعالى؟!!! # ثم ذكر القسم الآخر فقال { وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } ~~يعني وجوه اهل الكفر. والبسور ظهور حال الغم فى الوجه معجلا قبل الاخبار ~~عنه ومثله العبوس إلا انه ليس فيه معنى التعجيل. والفاقرة الكاسرة لفقار ~~الظهر بشدة ومثل الفاقرة الداهية والآبدة. وقال الحسن: ناظرة بهجة حسنة. ~~وقال مجاهد: مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مجاهد وقتادة: معنى باسرة ~~كاشرة كالحة. وقال مجاهد: الفاقرة الداهية. وقال ابن زيد الآبدة بدخول ~~النار. ### || [75.26-40] # قرأ ابن عامر وحفص ورويس { من مني يمنى } بالياء على التذكير ردوه إلى ~~المني. الباقون بالتاء حملا على النطفة. # يقول الله تعالى { كلا إذا بلغت } يعني النفس أو الروح، ولم يذكر لدلالة ~~الكلام عليه كما قال # ما ترك على ظهرها # يعني على ظهر الأرض. وإنما لم يذكر لعلم المخاطب به، و { التراقي } جمع ~~ترقوة وهي مقدم الحلق من أعلى الصدر، تترقى اليه النفس عند الموت، واليها ~~يترقى البخار من الجوف، وهناك تقع الحشرجة، وقوله { وقيل من راق } فالراق ~~طالب الشفاء يقال: رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء باسماء الله الجليلة ~~وآيات كتابه العظيمة. وأما العوذة فهي رفع البلية بكلمات الله تعالى. ~~وقال ابو قلابة والضحاك وابن زيد وقتادة: معنى { راق } طبيب شاف. أي اهله ~~يطلبون له من يطببه ويشفيه ويداويه فلا يجدونه. وقال ابن عباس وابو ~~الجوزاء: معناه قالت الملائكة: من يرقا بروحه أملائكة ms3541 الرحمة أم ملائكة ~~العقاب. وقال الضحاك: أهل الدنيا يجهزون البدن، وأهل الآخرة يجهزون ~~الروح. # وقوله { وظن أنه الفراق } معناه علم عند ذلك انه فراق الدنيا والاهل ~~والمال والولد. والفراق بعاد الالاف وهو ضد الوصال يقال: فارقه يفارقه ~~فراقا. وقد صار علما على تفرق الاحباب وتشتت الالاف. # وقوله { والتفت الساق بالساق } قال ابن عباس ومجاهد: معناه التفت شدة ~~أمر الآخرة بأمر الدنيا. وقال الحسن: التفت حال الموت بحال الحياة. وقال ~~الشعبي وابو مالك: التفت ساقا الانسان عند الموت - وفي رواية أخرى عن ~~الحسن - انه قال: إلتفات الساقين في الكفن. وقيل: ساق الدنيا بساق ~~الآخرة. وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع. وقال الحسن: معناه التفت شدة ~~أمر الدنيا بشدة أمر الآخرة. وقيل: معناه اشتداد الأمر عند نزع النفس حتى ~~التفت ساق على ساق عند تلك الحال، يقولون: قامت الحرب على ساق عند شدة ~~الأمر قال الشاعر: # فاذا شمرت لك عن ساقها # فويها ربيع ولا تسأم # وقوله { إلى ربك يومئذ المساق } معناه إن الخلائق يساقون إلى المحشر ~~الذي لا يملك فيه الأمر والنهي غير الله. والمساق مصدر مثل السوق. # وقوله { فلا صدق ولا صلى } قال الحسن: معناه لم يتصدق ولم يصل { ولكن ~~كذب } بالله { وتولى } عن طاعته. وقال قوم { فلا صدق } بربه { ولا صلى } ~~وقال قتادة: معناه فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله { ولكن كذب } به { ~~وتولى } عن طاعته. وقال قوم: معناه { فلا صدق } بتوحيد الله، ولا نبيه بل ~~كذب به. والصدقة العطية للفقراء والزكاة الصدقة الواجبة على المال المعلق ~~بنصاب مخصوص. والصلاة عبادة أولها التكبير وآخرها التسليم، وفيها قراءة ~~وأركان مخصوصة. والتولي هو الاعراض عن الشيء، فلما كان هذا الجاهل معرضا ~~عن الحق بتركه الى خلافه من الباطل لزمه الذم بهذا الوصف. # وقوله { ثم ذهب إلى أهله يتمطى } فالتمطي تمدد البدن من الكسل إما كسل ~~مرض او كسل تثاقل عن الامر. والذم بكسل التثاقل عن الداعي الى الحق. وقال ~~مجاهد وقتادة: معنى يتمطى بتختر. وقيل: الأصل فى يتمطى يلوي مطاه، ms3542 ~~والمطاء الظهر، ونهي عن مشية المطيطيا، وذلك ان يلقي الرجل بدنه مع ~~التكفي فى مشيه. وقيل: نزلت الآية في أبي جهل بن هشام بن المغيرة ~~المخزومي. # وقوله { أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى } قال قتادة: هو وعيد على وعيد. ~~وقيل معنى { أولى لك } وليك الشر يا أبا جهل، وقيل: معناه الذم اولى لك ~~من تركه إلا انه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك. وصار من ~~المتروك المحذوف الذي لا يجوز اظهاره. وقيل أولى لك، فاولى لك على الاول ~~والذم لك على الثاني والثالث. والأولى في العقل هو الاحق بالقرب من داعي ~~العقل، كأنه أحق بوليه. # ثم قال على وجه الوعيد والتهديد للكفار { أيحسب الإنسان } ومعناه أيظن ~~الانسان الكافر بالبعث والنشور الجاحد لنعم الله { أن يترك سدى } ومعناه ~~أن يترك مهملا عن الأمر والنهي، فالسدى همل من غير أمر يؤخذ به، ويكون ~~فيه تقويم له، واصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره واجمل به في دنياه ~~وآخرته. وقال ابن عباس ومجاهد: معنى { أن يترك سدى } أي هملا لا يؤمر ولا ~~ينهى. وقيل: أيحسب الانسان أن يترك مهملا فلا يؤمر ولا ينهى مع كمال عقله ~~وقدرته. # ثم قال على وجه التنبيه على أن الله خلقه للتكليف والعبادة، وعلى انه ~~قادر على اعادته واحيائه بعد موته { ألم يك نطفة من مني يمنى } فالمني ~~نطفة الذكر التي يجيئ منها الولد { ثم كان علقة } أي قطعة من الدم ~~المنعقد جامدة لا تجري فخلق الله منها هذا الانسان الذي هو في احسن ~~تقويم، فسبحان من قدر على ذلك. وقوله { فخلق فسوى } أي خلق من العلقة خلق ~~سويا شق له السمع والبصر. وقال الفراء: معنى { فسوى } فسواه { فجعل منه } ~~من ذلك المني { الزوجين الذكر والأنثى } فمن قدر على ذلك لا يقدر على ان ~~يحيي الموتى بعد ان كانوا أحياء؟! بلى والله قادر على ذلك، لان جعل ~~النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظما وكسو العظم لحما ثم ~~إنشاؤه خلقا آخر حيا ms3543 سليما مركبا فيه الحواس الخمس كل واحدة منها ~~يصلح لما لا يصلح له الاخرى، وخلق الذكر والانثى اللذين يصح منهما ~~التناسل على ما قدره الله أعجب وابدع من اعادة الميت إلى ما كان من كونه ~~حيا، فمن قدر على الأول أولى بأن يكون قادرا على الثاني، فالاحياء ~~ايجاد الحياة، والاماتة ايجاد الموت عند من قال أن الموت معنى، ومن قال: ~~ليس بمعنى، قال: هو نقض بنية الحي على وجه الاختراع. # وقوله { فجعل منه } قيل يعني من الانسان { الزوجين الذكر والأنثى } وقيل ~~من المني { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } وقال قتادة: كان رسول ~~الله صلى الله عليه واله إذا ختم السورة، يقول: # " سبحانك الله بلى " # ، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام. # وفي الآية دلالة على صحة القياس العقلي، وهو أن من قدر على احياء ~~الانسان قادر على احيائه بعد الاماتة، وقال الفراء: يجوز في العربية يحيي ~~الموتى بالادغام بأن ينقل الحركة الى الحاء وتدغم احدى اليائين في الاخرى ~~وانشد: # وكأنها بين النساء سبيكة # تمشي بسدة بيتها بتعي ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-10] # قرأ { سلاسلا } منونا نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم اتباعا للمصحف ~~ولتشاكل ما جاوره من رأس الآية. الباقون بغير تنوين، لان مثل هذا الجمع ~~لا ينصرف في معرفة ولا في نكرة، لأنه على (فعائل) بعد الفه حرفان. # يقول الله تعالى { هل أتى على الإنسان } قال الزجاج: معناه ألم يأت على ~~الانسان { حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } يعني قد كان شيئا إلا ~~انه لم يكن مذكورا، لانه كان ترابا وطينا الى أن نفخ فيه الروح. وقال ~~قوم { هل } يحتمل معناه أمرين: احدهما - أن يكون بمعنى (قد أتى) والثاني ~~أن يكون معناها اتى على الانسان، والاغلب عليها الاستفهام والاصل فيها ~~معنى (قد) لتجرى على نظائرها بمعنى ضمن معنى الالف واصله من ذلك قول ~~الشاعر: # أم هل كبير بكى لم تقض عبرته # أثر الأحبة يوم البين مشكوم # والمعنى بالانسان - ها هنا - آدم - فى قول الحسن ms3544 - والمعنى قد أتى على ~~آدم { حين من الدهر } وبه قال قتادة وسفيان. وقيل: ان آدم لما خلق الله ~~جثته بقي أربعين سنة لم تلج فيه الروح كان شيئا، ولم يكن مذكورا، فلما ~~نفخ فيه الروح وبلغ إلى ساقه كاد ينهض للقيام، فلما بلغ عينيه ورأى ثمار ~~الجنة بادر اليها ليأخذها فلذلك قال الله تعالى # خلق الإنسان من عجل # وقال غيره: هو واقع على كل إنسان، والانسان في اللغة حيوان على صورة ~~الانسانية، وقد تكون الصورة الانسانية، ولا إنسان، وقد يكون حيوان ولا ~~إنسان، فاذا حصل المعنيان صح إنسان لا محالة. والانسان حيوان منتصب ~~القامة على صورة تنفصل من كل بهيمة. و (الحين) مدة من الزمان، وقد يقع ~~على القليل والكثير. قال الله سبحانه # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # أي وقت تمسون ووقت تصبحون. وقال { تؤتي أكلها كل حين } يعني كل ستة ~~أشهر، وقال قوم: كل سنة. وقال - ها هنا { هل أتى على الإنسان حين } أي ~~مدة طويلة. والدهر مرور الليل والنهار وجمعه أدهر ودهور، والفرق بين ~~الدهر والوقت أن الوقت مضمن بجعل جاعل، لان الله جعل لكل صلاة مفروضة ~~وقتا، وجعل للصيام وقتا معينا، وقد يجعل الانسان لنفسه وقتا يدرس فيه ~~ما يحتاج إلى درسه ووقتا مخصوصا لغذائه. # وقوله { لم يكن شيئا مذكورا } أي لم يكن ممن ذكره ذاكر، لأنه كان ~~معدوما غير موجود، وفي الآية دلالة على أن المعدوم لا يسمى شيئا، وإنما ~~سمى زلزلة الساعة شيئا مجازا. والمعنى إنها إذا وجدت كانت شيئا ~~عظيما. # وقوله { إنا خلقنا الإنسان من نطفة } اخبار من الله تعالى أنه خلق ~~الانسان سوى آدم وحواء من نطفة، وهو ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منهما ~~الولد، فالنطفة الماء القليل في أناء كان او غير إناء قال الشاعر: # وما النفس إلا نطفة بقرارة # إذا لم تكدر صار صفوا غديرها # وقوله { أمشاج } قال ابن عباس أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال ~~الحسن والربيع بن أنس ومجاهد مثل ذلك. وقال قتادة: معنى أمشاج أطوار ~~طورا ms3545 نطفة وطورا مضغة وطورا عظما إلى أن صار إنسانا ليختبره بهذه ~~الصفات. وقال مجاهد: معناه ألوان النطفة. وقال عبد الله: عروق النطفة ~~وواحد الامشاج مشيج، وهو الخلط، وسمى النطفة بذلك، لأنه جعل فيها اخلاطا ~~من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. ~~ثم عداها له، ثم بناه البنية الحيوانية المعدلة الاخلاط. ثم جعل فيها ~~الحياة ثم شق له السمع والبصر فتبارك الله رب العالمين، وذلك قوله { ~~فجعلناه سميعا بصيرا }. # وقوله { نبتليه } أي نختبره بما نكلفه من الافعال الشاقة لننظر ما طاعته ~~وما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك، ويقال مشجت هذا بهذا إذا خلطته به، وهو ~~ممشوج به ومشيج أي مخلوط به قال رؤبة: # يطرحن كل معجل نشاج # لم تكس جلدا فى دم أمشاج # وقال ابو ذؤيب: # كأن الريش والفوقين منه # خلاف النصل سيط به مشيج # وقوله { إنا هديناه السبيل } معناه انا أرشدناه إلى سبيل الحق وبيناه له ~~ودللناه عليه. وقال الفراء: معناه هديناه إلى السبيل أو للسبيل. والمعنى ~~واحد. وقوله { إما شاكرا وإما كفورا } قال الفراء: معناه إن شكر وإن ~~كفر على الجزاء ويجوز أن يكون مثل قوله # إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # والمعنى اما يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى والاعتراف بنعمه فيصيب ~~الحق، واما أن يكفر نعمه ويجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب، وليس المعنى ~~انه مخير فى ذلك، وإنما خرج ذلك مخرج التهديد، كما قال # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # بدلالة قوله { إنا أعتدنا للظالمين نارا } وإنما المراد البيان عن انه ~~قادر عليهما فايهما اختار جوزي بحسبه. # وفي الآية دلالة على انه تعالى قد هدى جميع خلقه المكلفين، لأن قوله { ~~إنا هديناه السبيل } عام في جملتهم وذلك يبطل قول المجبرة: إن الله لم ~~يهد الكافر بنصب الدلالة له على طريق الحق واجتناب الباطل، وليس كل من ~~ترك الشكر كان كافرا، لانه قد يترك فى بعض الاحوال على سبيل التطوع، لان ~~الشكر قد يكون تطوعا كما يكون واجبا، وإنما لم يذكر الله الفاسق، لانه ~~اقتصر ms3546 على اعظم الحالين وألحق الأدون على التبع، ويجوز أن يدخل فى ~~الجملة، ولا يفرد، فليس للخوارج أن يتعلقوا بذلك فى انه ليس بين الكفر ~~والايمان واسطة. ثم بين انه تعالى إنما ذكره على وجه التهديد بقوله { إنا ~~أعتدنا للكافرين } أي ادخرنا لهم جزاء على كفرهم ومعاصيهم وعقوبة لهم { ~~سلاسل وأغلالا وسعيرا } يعذبهم بها ويعاقبهم فيها، والسلاسل جمع سلسلة ~~والاغلال جمع غل، والسعير هي النار المسعرة الملهبة. # ولما اخبر بما للكافرين من العقوبات على كفرهم، ذكر ايضا ما للمؤمنين ~~على إيمانهم فقال { إن الأبرار } وهو جمع البر، وهو المطيع لله المحسن فى ~~أفعاله { يشربون من كأس } والكاس اناء الشراب إذا كان فيه، ولا يسمى ~~كأسا إذا لم يكن فيه شراب - ذكره الزجاج - قال الشاعر: # صددت الكأس عنا أم عمرو # وكان الكأس مجراها اليمينا # وقوله { كان مزاجها كافورا } قيل ما يشم من ريحها لا من جهة طعمها. ~~وقوله { عينا يشرب بها عباد الله } قوله { عينا } نصب على البدل من { ~~كافورا } ويجوز أن يكون على تقدير ويشربون عينا، ويجوز أن يكون نصبا ~~على الحال من { مزاجها } وقال الزجاج: معناه من عين. وقال الفراء: شربها ~~وشرب منها سواء فى المعنى كما يقولون: تكلمت بكلام حسن وكلاما حسنا. ~~وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك وقيل: تقديره يشربون بها وأنشد ~~الفراء: # شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج # متى لجج. أي من لجج. وعين الماء حفيرة في الأرض ينبع منها، وهذه العين ~~المذكورة فى أرض الجنة في كونها فوارة بالماء متعة لاهلها. ثم يفجر فيجري ~~لهم إلى حيث شاؤا منها. قال مجاهد: معناه إنهم يقودونها حيث شاؤا ~~والتفجير تشقيق الأرض بجري الماء ومنه انفجار الصبح، وهو انشقاقه من ~~الضوء، ومنه الفجور، وهو الخروج من شق الالتئام إلى الفساد. وعباد الله ~~المراد به المؤمنون المستحقون للثواب. # ثم وصف هؤلاء المؤمنين فقال { يوفون بالنذر ويخافون } ويجوز أن يكون ذلك ~~في موضع الحال، فكأنه قال يشرب بها عباد الله الموفون بالنذر الخائفون { ~~يوما كان شره مستطيرا } فالمستطير ms3547 الظاهر. والتقدير القائلون إنما ~~نطعمكم القائلون إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا فمطريرا، ويجوز ان يكون ~~على الاستئناف، وتقديره هم الذين يوفون بالنذر وكذلك في ما بعد، فالوفاء ~~بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فالوفاء إمضاء العقد على الأمر الذي يدعو ~~اليه العقل، ومنه قوله # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # أي الصحيحة، لانه لا يلزم أحدا أن يفي بعقد فاسد، وكل عقد صحيح يجب ~~الوفاء به، يقال أوفى بالعقد، ووفى به، فأوفى لغة أهل الحجاز وهي لغة ~~القرآن، و (وفى) لغة أهل تميم واهل نجد، وقد بينا فيما مضى شواهده. ~~والنذر عقد على فعل على وجه البر بوقوع أمر يخاف ألا يقع، نذر ينذر نذرا ~~فهو ناذر، وقال عنترة: # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين إذا لم ألقهما دمي # أي يقولان: لئن لقينا عنترة لنقتلنه، ومنه الانذار وهو الاعلام بموضع ~~المخافة ليعقد على التحرز منها. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه ~~قال # " لا نذر في معصية " # وعند الفقهاء إن كفارة النذر مثل كفارة اليمين. # والذي رواه أصحابنا إن كفارة النذر مثل كفارة الظهار، فان لم يقدر عليه ~~كان عليه كفارة اليمين. والمعنى انه إذا فات الوقت الذي نذر فيه صار ~~بمنزلة الحنث. # وقوله { ويخافون يوما } من صفة المؤمنين { كان شره مستطيرا } أي ~~منتشرا فاشيا ذاهبا فى الجهات بلغ أقصى المبالغ، قال الاعشى: # فبانت وقد أورثت فى الفؤا # د صدعا على نأيها مستطيرا # والمراد بالشر - ها هنا - أهوال القيامة وشدائدها. # وقوله { ويطعمون الطعام على حبه } قال مجاهد: معناه على شهوتهم له، ~~ويحتمل أن يكون المراد على محبتهم لله { مسكينا } أي يطعمونه فقيرا { ~~ويتيما } وهو الذي لا والد له من الاطفال { وأسيرا } والاسير هو ~~المأخوذ من أهل دار الحرب - فى قول قتادة - وقال مجاهد: وهو المحبوس. ~~وقوله { إنما نطعمكم لوجه الله } اخبار عما يقوله المؤمنون بأنا إنما ~~نطعمكم معاشر الفقراء واليتامى والاسرى لوجه الله، ومعناه لله، وذكر ~~الوجه لذكره بأشرف الذكر تعظيما له، ومنه قوله { فأينما تولوا فثم وجه ms3548 ~~الله } وقيل: معناه فثم جهة الله التي ولاكم اليها ومنه قوله # ويبقى وجه ربك # أي ويبقى الله. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: علم الله ما في قلوبهم فأثنى ~~عليهم من غير أن يتكلموا به { لا نريد منكم جزاء } أي لا نطلب بهذا ~~الاطعام مكافأة عاجلة { ولا شكورا } أي لا نطلب أن تشكرونا عليه عند ~~الخلائق بل فعلناه لله { إنا نخاف من ربنا } أي من عقابه { يوما عبوسا ~~} أي مكفهرا عابسا { قمطريرا } أي شديدا، والقمطرير الشديد فى الشر. ~~وقد اقمطر اليوم اقمطرارا، وذلك أشد الايام وأطوله فى البلاء والشر، ~~ويوم قمطرير وقماطير كأنه قد التف شر بعضه على بعض، قال الشاعر: # بني عمنا هل تذكرون بلاءنا # عليكم إذا ما كان يوم قماطر # وقد روت الخاصة والعامة أن هذه الآيات نزلت فى علي عليه السلام وفاطمة ~~والحسن والحسين عليهم السلام، فانهم آثروا المسكين واليتيم والاسير ثلاث ~~ليال على إفطارهم وطووا عليهم السلام، ولم يفطروا على شيء من الطعام ~~فأثنى الله عليهم هذا الثناء الحسن، وأنزل فيهم هذه السورة وكفاك بذلك ~~فضيلة جزيلة تتلى الى يوم القيامة، وهذا يدل على أن السورة مدنية. ### || [76.11-20] # قرأ الشعبي وعبيد بن عمير { قدروها } بضم القاف. الباقون بفتحها. من فتح ~~القاف قال معناه قدروها فى أنفسهم، فجاءت كما قدروا، ومن ضم أراد ان ذلك ~~قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك. قرأ نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم ~~(قواريرا قواريرا) بالتنوين فيهما. وقرأ بغير تنوين ولا الف فى الوقف ~~حمزة وابن عامر، وقرأ الاولى بالتنوين والثانية بغير تنوين ابن كثير. ~~وقرأ ابو عمرو فيهما بغير تنوين إلا انه يقف عليه بالألف. من نون الأولى ~~اتبع المصحف، ولانه رأس آية، ثم كرهوا أن يخالفوا بينهما فنونوا الثانية، ~~وكذلك قرأ الكسائي # ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # صرفهما لئلا يخالف بينهما مع قربهما، ومن لم يصرفهما فعلى موجب العربية، ~~لانه جمع على (فواعيل) بعد ألفه حرفان. ومن صرف الاولى فلأنها رأس آية ~~ولم يصرف الثانية على أصل ms3549 العربية. # لما اخبر الله تعالى عن المؤمنين الذين وصفهم فى الآيات الأولى وما ~~اوفوا به من النذر فى إطعامهم لوجه الله ما اطعموه وإيثارهم على نفوسهم ~~المسكين واليتيم والاسير وإنهم فعلوا ذلك لوجه الله خالصا، ومخافة من ~~عذاب يوم القيامة، اخبر بما أعد لهم من الجزاء على ذلك، فقال { فوقاهم ~~الله شر ذلك اليوم } أي كفاهم الله ومنع عنهم أهوال يوم القيامة وشدائده، ~~فالوقاء المنع من الأذى يقال: وقاه يقيه وقاء، فهو واق، ووقاه توقية قال ~~رؤبة. # إن الموقي مثل ما وقيت # ومنه اتقاه اتقاء وتوقاه توقيا، والشر ظهور الضر، وأصله الظهور من ~~قولهم: # وحتى أشرت بالأكف المصاحف # أي اظهرت، ومنه شررت الثوب إذا اظهرته للشمس او الريح، ومنه شرار النار ~~لظهوره بتطايره وانتشاره، وقيل: الشر الضر والقبيح، ويستعار فى غيره، ~~وليس ما يوجب هذا. والمراد - ها هنا - أهوال يوم القيامة وشدائده فالوقاء ~~المنع من الأذى يقال: وقاه يقيه وقاء فهو واق ووقاه توقية وقوله { ولقاهم ~~نضرة وسرورا } معنى لقاهم استقبلهم به، والنضرة حسن الألوان، ومنه نبت ~~نضر وناضر ونضر والنضار الذهب. وقيل: ناضرة ناعمة. وقيل: حسنة الصورة. ~~والسرور اعتقاد وصول المنافع اليه فى المستقبل. وقال قوم: هو لذة في ~~القلب بحسب متعلقه بما فيه النفع، سره يسره سرورا وكل سرور فلا بد له من ~~متعلق، كالسرور بالمال والولد والسرور بالا كرام والاجلال، والسرور ~~بالشكر والحمد، والسرور بالثواب. # وقوله { وجزاهم بما صبروا } أي كافاهم واثابهم على صبرهم على محن الدنيا ~~وشدائدها وتحمل مشاق التكليف { جنة } أي بستانا أجنه الشجر { وحريرا } ~~يلبسونه. وقوله { متكئين } نصب على الحال { فيها } يعني في الجنة { على ~~الأرائك } وهي الحجال فيها الاسرة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - ~~واحدها اريكة وهي الحجلة سرير عليه شبه القبة. # وقال الزجاج: الاريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها، وقد شوق الله ~~تعالى إلى تلك الحال وهي غاية الرفاهية والامتاع { لا يرون فيها } يعني ~~في الجنة { شمسا } يتأذون بحرها { ولا زمهريرا } يتأذون ببرده، ~~فالزمهرير اشد ما يكون من ms3550 البرد، وقال مجاهد: الزمهرير البرد الشديد # وقوله { ودانية عليهم ظلالها } يعني افياء اشجار تلك الجنة قريبة منهم، ~~ونصب { دانية } بالعطف على { متكئين } ويجوز ان يكون عطفا على موضع { لا ~~يرون فيها شمسا } فان موضعها النصب على الحال، ويجوز على المدح كقولهم ~~عند فلان جارية جميلة وشابة طرية. وقوله { وذللت قطوفها تذليلا } معناه ~~إن قام ارتفعت بقدرة الله وإن قعد نزلت حتى ينالها وإن اضطجع نزلت حتى ~~ينالها - ذكره مجاهد - وقيل: معناه لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. # وقوله { ويطاف عليهم } يعني على هؤلاء المؤمنين الذين وصفهم الله { ~~بآنية من فضة وأكواب } وهو جمع كوب وهو إناء الشراب من غير عروة. وقال ~~مجاهد: الاكواب الأقداح. وقال ابن عباس ومجاهد: هي صغار القوارير وهي ~~فضة، فلذلك قال { كانت قواريرا } وقيل: الاكواب الأباريق التي ليس لها ~~خراطيم. وقيل: الاكواب من فضة فى صفاء القوارير لا تمنع الرؤية. وقوله { ~~قوارير من فضة } أي هي من فضة. وقوله { قدروها تقديرا } معناه إنها على ~~قدر ما يشتهون من غير زيادة ولا نقصان حتى تستوفي الكمال، ويجوز ان ~~يكونوا قدروها قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا جنسه لشبه التمنى، ~~وقال الحسن: على قدرهم، والتقدير وضع المعنى على المقدار الذي يتخيل فيه ~~المساواة للاعتبار بالمعاني العقلية بقدر عرف التقدير على طريقة لو كان ~~كذا لكان كذا، وإذا كان كذا كان كذا، وبهذا يظهر القياس يميز به ما يلزم ~~على الأصل مما لا يلزم، والطوف الدور بالنقل من واحد إلى واحد. وقد يكون ~~الدور بالطبع من غير تنقل من واحد إلى آخر، فلا يكون طوافا، طاف يطوف ~~طوفا، واطاف بها إطافة وتطوف تطوفا واطوف اطوافا # وقوله { ويسقون فيها } يعني فى الجنة { كأسا } وهي الآنية إذا كان فيها ~~شراب { كان مزاجها زنجبيلا } فالزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعام يلذع ~~اللسان يربى بالعسل يستدفع به المضار إذا مزج به الشراب فاق فى الالذاذ. ~~والعرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر: # كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها واريا مشورا # قيل: ms3551 إن هذا الشراب فى برد الكافور وذكاء المسك ولذع الزنجبيل، كما قال ~~فى صفة القوارير إنها فى صفاء الفضة وجوهرها يرى ما وراءها كالقوارير. ~~وقيل: الكافور والزنجبيل من اسماء العين التي يسقون منها وقوله { عينا } ~~نصب على انه بدل من الزنجبيل { فيها تسمى سلسبيلا } فالسلسبيل الشراب ~~السهل اللذيذ، وقيل: سلسبيل معناه منقاد ماؤها حيث شاؤا - عن قتادة - ~~وقيل شديد الحربة. # وقيل: يتسلسله. وقيل: سمي سلسبيلا من لزوم الطيب والالذاذ بها، وانشد ~~يونس: # صفراء من نبع يسمى سهمها # من طول ما صرع الصيود الصيب # فرفع الصيب على صفة السهم. وقيل: اسم العين معرفة إلا أنه نون لأنه رأس ~~آية. ثم قال { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } قال قتادة: لا يموتون. وقال ~~الحسن: خلدوا على هيئة الوصفاء، فلا يشبون أبدا. وقيل: مخلدون مستورون ~~بلغة حمير قال بعض شعرائهم: # ومخلدات باللجين كأنما # اعجازهن اقاوز الكثبان # وكأنه يرجع الى بقاء الحسن { إذا رأيتهم } يعني إذا رأيت هؤلاء الولدان ~~{ حسبتهم لؤلؤا منثورا } أي من كثرتهم وحسنهم، فكأنهم اللؤلؤ المنثور - ~~ذكره قتادة - وقوله { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } تقديره ~~وإذا رأيت الأشياء ثم رأيت نعيما لأهل الجنة عظيما وملكا كبيرا. قال ~~سفيان: من الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم واستقبالهم لهم بالتحية. ~~وقوله { وإذا رأيت ثم } ف " ثم " يريد به الجنة. والعامل فيه معنى " ~~رأيت " وتقديره وإذا رأيت ببصرك ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. وقال ~~الفراء: وإذا رأيت ما ثم رأيت نعيما. وانكره الزجاج وقال (ما) موصولة ~~يتم على تفسيره، ولا يجوز اسقاط الموصول مع بقاء الصلة، ولكن (رأيت) متعد ~~فى المعنى إلى (ثم). ### || [76.21-31] # قرأ { عاليهم } باسكان الياء أهل المدينة وحمزة وعاصم - فى رواية حفص ~~وأبان والمفضل - جعلوه اسما لا ظرفا كما تقول: فوقك واسع ومنزلك باب ~~البرد، بأن يجعل الباب هو المنزل، وكذلك يجعل الثياب هي العالي. الباقون ~~بالنصب على الظرف، لانه ظرف مكان. وهو الاحسن، لان الثاني غير الأول. ~~وإنما يجوز فى مثل ما كان آخر الكلام هو الأول كقولهم: أمامك صدرك، وفوقك ms3552 ~~رأسك، فان قلت فوقك السقف وأمامك الأسد بالنصب لا غير. وقرأ نافع وحفص عن ~~عاصم { خضر واستبرق } بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بالجر فيهما. ~~وقرأ ابن كثير وعاصم - فى رواية أبي بكر { خضر } جرا { واستبرق } رفعا. ~~وقرأ ابن عامر وابو عمرو { خضر } رفعا و { استبرق } جرا، من رفعهما جعل ~~{ خضر } نعتا للثياب، وعطف عليه { واستبرق } ومن جرهما جعل { خضر } من ~~نعت { سندس } وعطف عليه { استبرق } وتقديره عاليهم ثياب استبرق. ومن رفع ~~الأول جعله من نعت الثياب وجر الثاني على انه عطف على { سندس } كأن عليهم ~~ثياب سندس. ومن جعل { خضر } نعتا ل { سندس } ، فلانه اسم جنس يقع على ~~الجميع، فلذلك قال { خضر } ومن جعله نعتا للثياب فعلى اللفظ. وقرأ ابن ~~كثير وابو عمرو { وما يشاؤن } بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون ~~بالتاء على الخطاب. # لما قال الله تعالى على وجه التعظيم لشأن المؤمنين الذين وصفهم وعظم ما ~~اعطوا من أنواع النعيم والولدان وأنواع الشراب وغير ذلك مما وصف، ووصف ~~ذلك بأنه ملك كبير قال { عاليهم } وقيل معناه عالي حجالهم السندس. وفى ~~نصب { عاليهم } قولان: قال الفراء: هو نصب على الظرف كقولك: فوقهم، وحكى ~~إن العرب تقول: قومك داخل الدار. وانكر الزجاج ذلك، وقال نصبه لا يجوز ~~إلا على الحال من الضمير فى { عاليهم } أو من ضمير الولدان في { رأيتهم } ~~وإنما أنكر ذلك لأنه ليس باسم مكان كقولك هو خارج الدار وداخل الدار، ~~وهذا لا يجوز على الظرف عند سيبويه، وما حكاه الفراء شاذ لا يعول عليه. ~~ومن أسكن الياء أراد رفعه على الابتداء وخبره { ثياب سندس } والسندس ~~الديباج الرقيق الفاخر الحسن وهو (فعلل) مثل برثن. وقوله { خضر } فمن جر ~~جعله صفة ل { سندس } خضر ووصف { سندس } بخضر وهو لفظ جمع، لان سندسا ~~اسم جنس يقع على الكثير والقليل. ومن رفعه جعله نعتا ل { ثياب } كأنه ~~قال: ثياب خضر من سندس. وقوله " واستبرق " من رفعه عطفه على " ثياب سندس ~~" فكأنه قال عاليهم ثياب سندس، وعاليهم استبرق. ومن جره عطفه على " سندس ms3553 ~~" فكأنه قال: عاليهم ثياب سندس وثياب استبرق. # والاستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق، فهم يتصرفون فى فاخر اللباس كما ~~يتصرفون فى لذيذ الطعام والشراب. # وقيل الاستبرق له غلظ الصفاقة لا غلظ السلك كغلظ الديبقي، وإن كان رقيق ~~السلك. # وقوله { وحلوا أساور من فضة } فالتحلية الزينة بما كان من الذهب والفضة ~~والتحلية تكون للانسان وغير الانسان كحلية السيف وحلية المركب والفضاضة ~~الشفافة هي التي يرى ما وراءها كما يرى البلورة، وهي أفضل من الدر ~~والياقوت، وهما افضل من الذهب فتلك الفضة افضل من الذهب، والفضة والذهب ~~فى الدنيا هما أثمن الاشياء، وإن كان قد ثمن بغيرهما شاذا. وقيل: يحلون ~~الذهب تارة وتارة الفضة ليجمعوا محاسن الحلية، كماقال تعالى # يحلون فيها من أساور من ذهب # والفضة وإن كانت دنية فى الدنيا، فهي فى غاية الحسن خاصة إذا كانت ~~بالصفة التي ذكرها والغرض فى الآخرة ما يكثر الالتذاذ والسرور به لا ~~باكثر الثمن، لانه ليست هناك أثمان. وفى الناس من ترك صرف { استبرق } وهو ~~غلط، لأن الاعجمي إذا عرب فى حال تنكيره انصرف، ودليله الاستبرق وهما مما ~~يحكى عن ابن محيص. # وقوله { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } قيل معناه يسقون شرابا طهورا ليس ~~كالذي يخالطه الانجاس من أنهار الدنيا. وإن قل ذلك وكان مغمورا. وقيل ~~انه ليس كشراب الدنيا الذي قد نجسه الفساد الذي فيه، وهو السكر الداعي ~~إلى القبائح، فقد طهره الله فى الجنة من ذلك لتخلص به اللذة، كما قال # من خمر لذة للشاربين # وقيل: شرابا طهورا لا ينقلب إلى البول بل يفيض من أعراضهم كرشح المسك ~~ذكره ابراهيم التيمي. # وقوله { إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا } اخبار من الله تعالى ~~انه يقال للمؤمنين إذا فعل بهم ما تقدم من انواع اللذات وفنون الثواب: إن ~~هذا كان لكم جزاء على طاعاتكم واجتناب معاصيكم فى دار التكليف، وإن سعيكم ~~فى مرضات الله وقيامكم بما أمركم الله به كان مشكورا أي جوزيتم عليه، ~~فكأنه شكر لكم فعلكم. # ثم اخبر تعالى عن نفسه ms3554 فقال { إنا نحن نزلنا عليك } يا محمد { القرآن ~~تنزيلا } فيه شرف وتعظيم لك. ثم أمره بالصبر على ما أمره من تحمل اعباء ~~الرسالة فقال { فاصبر } يا محمد { لحكم ربك ولا تطع منهم } يعني من قومه ~~الذين بعث اليهم { آثما أو كفورا } وهو نهي عن الجمع والتفريق أي لا ~~تطع آثما ولا كفورا، كما يقول القائل: لا تفعل معصية صغيرة او كبيرة أي ~~لا تفعلهما ولا واحدة منهما. # ثم امره بان يذكر الله بما يستحقه من الصفات والاسماء الحسنى، فقال { ~~واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } والبكرة الغداة والاصيل العشي، وهو اصل ~~الليل وجمعه آصال. # وقوله { ومن الليل فاسجد } دخلت (من) للتبعيض بمعنى فاسجد له فى بعض ~~الليل، لانه لم يأمره بقيام جميع الليل، كما قال # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه # والسجود وضع الجبهة على الارض على وجه الخضوع وأصله الانخفاض كما قال ~~الشاعر: # ترى الاكم فيها سجدا للحوافر # والسجود من العبادة التي اكد الله الأمر بها لما فيها من صلاح العباد. ~~ثم قال { وسبحه ليلا طويلا } أي نزهه عما لا يليق به فى الليل الطويل. ~~ثم قال { إن هؤلاء } يعني الكفار والذين يجحدون نبوتك { يحبون العاجلة } ~~أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة فى دار الدنيا من إرتكاب شهواتهم. ~~والعاجلة المقدمة قبل الكرة الثانية { ويذرون } أي ويتركون { وراءهم } أي ~~خلفهم { يوما ثقيلا } أي هو ثقيل على اهل النار أمره، وإن خف على اهل ~~الجنة للبشارة التي لهم فيه. والثقيل ما فيه اعتمادات لازمة إلى جهة ~~السفل على جهة يشق حمله. وقد يكون ثقيلا على انسان خفيفا على غيره بحسب ~~قدرته، فيوم القيامة مشبه بهذا. وقيل: معنى { وراءهم } أي خلف ظهورهم ~~العمل للاخرة. وقيل { وراءهم } أمامهم الآخرة، وكلاهما محتمل، والاول ~~أظهر. # ثم قال تعالى { نحن خلقناهم } أي نحن الذين اخترعنا هؤلاء الخلائق { ~~وشددنا أسرهم } قال ابن عباس الأسر الخلق، وهو من قولهم: أسر هذا الرجل ~~فأحسن اسره أي خلق فأحسن خلقه أي شد بعضه إلى بعض أحسن الشد، ms3555 وقال ابو ~~هريرة: الاسر المفاصل. وقال ابن زيد: الاسر القوة. وقولهم: خذ بأسره أي ~~بشده قبل ان يحل، ثم كثر حتى جاء بمعنى خذ جميعه قال الاخطل: # من كل مجتلب شديد أسره # سلس القياد تخاله مختالا # واصل الاسر الشد، ومنه قتب مأسور أي مشدود، ومنه الاسير، لانهم كانوا ~~يشدونه بالقيد، وجاء فى التفسير وشددنا مفاصلهم. ثم قال { وإذا شئنا ~~بدلنا أمثالهم تبديلا } معناه إذا شئنا أهلكنا هؤلاء وأمثالهم وجئنا بقوم ~~آخرين بدلهم نخلفهم ونوجدهم. # وقوله { إن هذه تذكرة } قال قتادة: معناه إن هذه السورة تذكرة، والتذكرة ~~دلالة تخص بها المعاني الحكمية، وكل موعظة تدعو إلى مكارم الاخلاق ومحاسن ~~الافعال تذكرة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } أي اتخذ إلى رضا ربه ~~طريقا بأن يعمل بطاعته وينتهي عن معصيته، وذلك يدل على انه قادر على ذلك ~~قبل ان يفعله بخلاف ما يقوله المجبرة. # وقوله { وما تشاؤن إلا أن يشاء الله } أي وليس تشاؤن شيئا من العمل ~~بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم الى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده لأنه يريد ~~من عباده أن يطيعوه، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي ~~والمباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح، لان ذلك صفة ~~نقص ويتعالى الله عن ذلك. وقد قال الله تعالى # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # والمعصية والكفر من اعظم العسر فكيف يكون الله تعالى مشيئا له وهل ذلك ~~إلا تناقض ظاهر؟! # وقوله { إن الله كان عليما حكيما } اخبار بأنه - عز وجل - كان عالما ~~بجميع المعلومات وبما يفعله عباده من الطاعة والمعصية { حكيما } فى جميع ~~ما يفعله ويأمر به. ثم قال { يدخل من يشاء في رحمته } من الجنة وثوابها ~~اذا أطاعوه في عمل ما رغبهم فيه { والظالمين أعد لهم عذابا أليما } نصب ~~{ الظالمين } على تقدير وعاقب الظالمين باعداد العذاب الأليم أي أعد ~~للظالمين اعد لهم، وحذف لدلالة الثاني عليه ولا يظهر ذلك، لان تفسيره ~~يغني عن إظهاره. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # قرأ { عذرا } مثقل ابو ms3556 جعفر والبرجمي وقرأ { أو نذرا } خفيف أهل ~~الكوفة غير ابي بكر وأبي عمرو. من ثقل الأول فلأن الثاني مثقل، ومن خفف ~~الثاني فلأن الأول مخفف. والعذر بالتخفيف والنذر بمعنى الاعذار والانذار. ~~ومن ثقل { نذرا } أراد جمع نذير. والعذر والمعذرة والتعذير بمعنى قال ~~ابو علي النحوي: النذر بالتثقيل والنذير مثل النكر والنكير جميعا ~~مصدران، ويجوز فى النذر أمران: احدهما - ان يكون معناه المنذر. والثاني - ~~أن يكون مصدرا. وقرأ ابو عمرو وحده " وقتت " بالواو على الأصل، وافقه ~~ابو جعفر فى ذلك إلا انه خفف الواو. الباقون " أقتت " بالهمزة أبدلوها من ~~الواو كراهة الضمة على الواو، كما قالوا فى (وحد) وقال الشاعر: # يحل أخيذه ويقال ثعل # بمثل تمول منه افتقار # هذا قسم من الله تعالى بالمرسلات، كما اقسم بصاد وقاف ويس وغير ذلك وقال ~~قوم: تقديره ورب المرسلات، لانه لا يجوز القسم إلا بالله. وقال ابن مسعود ~~وابن عباس ومجاهد وقتادة وابو صالح: المرسلات - ها هنا - الرياح، وفى ~~رواية اخرى عن ابن مسعود وأبي صالح إنها الملائكة. وقال قوم { والمرسلات ~~عرفا } الانبياء جاءت بالمعروف. والارسال نقيض الامساك ومثله الاطلاق ~~ونقيضه التقييد والارسال ايضا إنفاذ الرسول. وقوله { عرفا } أي متتابعة ~~كعرف الفرس. وقيل: معروفا إرسالها. وإرسال الرياح اجراء بعضها فى أثر بعض ~~{ فالعاصفات عصفا } يعني الرياح الهابة بشدة. والعصوف مرور الريح بشدة، ~~عصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا إذا اشتدت هبوبها، فعصوف الريح شدة ~~هبوبها. وقوله { والناشرات نشرا } قال ابن مسعود ومجاهد وقتادة وابو ~~صالح: هي الرياح، لانها تنشر السحاب للغيث، كما تلحقه للمطر. وقال ابو ~~صالح - في رواية - هي الملائكة تنشر الكتب عن الله. وفي رواية اخرى عن ~~ابي صالح إنها الأمطار لانها تنشر النبات. وقيل الرياح تنشر السحاب في ~~الهواء. # وقوله { فالفارقات فرقا } قال ابن عباس وابو صالح: هي التي تفرق بين ~~الحق والباطل، وهي الملائكة وقال قتادة: هي آيات القرآن. وقال الحسن: هي ~~آي القرآن تفرق بين الهدى والضلال { فالملقيات ذكرا } قال ابن عباس ~~وقتادة هم الملائكة. والالقاء طرح الشيء على غيره، ms3557 والالقاء ايقاع الشيء ~~على غيره، فالذكر يلقى بالبيان والافهام وهو من صفة الملائكة فيما تلقيه ~~إلى الانبياء، ومن صفة الانبياء فيما تلقيه إلى الامم، ومن صفة العلماء ~~فيما تلقيه إلى المتعلمين وقيل لما جمعت الاوصاف للرياح لاختلاف فوائدها. ~~وقال بعضهم { والمرسلات عرفا } الانبياء جاءت بالمعروف { فالعاصفات ~~عصفا } الرياح { والناشرات نشرا } الامطار نشرت النبات { فالفارقات ~~فرقا } آي القرآن { فالملقيات ذكرا } الملائكة تلقي كتاب الله تعالى ~~إلى الانبياء. # وقوله { عذرا أو نذرا } يحتمل نصبه وجهين: # احدهما - على انه مفعول له أي للاعذار والانذار. # والثاني - مفعول به أي ذكرت العذر والنذر. واختار ابو علي أن يكون بدلا ~~من قوله { ذكرا } وقيل معناه اعذارا من الله وانذارا الى خلقه ما ~~القته الملائكة من الذكر إلى أنبيائه والعذر أمر في امر ظهوره دفع اللوم ~~بأنه لم يكن يستحق لاجل تلك الحال مع وقوع خلاف المراد. فالعقاب على ~~القبيح بعد الانذار يوجب العذر في وقوعه. وإن كان بخلاف مراد العبد الذي ~~استحقه. قال الحسن { عذرا } معناه يعتذر به الى عباده في العقاب أنه لم ~~يكن الا على وجه الحكمة. والنذر والانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ~~ليتقى. ومن خفف { عذرا } كره توالى الضمتين. # وقوله { إنما توعدون لواقع } جواب القسم ومعناه إن الذي وعدكم الله به ~~من البعث والنشور والثواب والعقاب: كائن لا محالة. وقيل: الفرق بين ~~الواقع والكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثا تشبيها بالحائط الواقع، ~~لانه من أبين الاشياء في الحدوث، والكائن أعم منه لانه بمنزلة الموجود ~~الثابت يكون حادثا وغير حادث. # وقوله { فإذا النجوم طمست } معناه محيت آثارها وذهب نورها. والطمس محو ~~الاثر الدال على الشيء فالطمس على النجوم كالطمس على الكتاب، لانه يذهب ~~نورها والعلامات التي كانت تعرف بها { وإذا السماء فرجت } أي شققت وصدعت ~~{ وإذا الجبال نسفت } نسف الجبال إذهابها حتى لا يبقى لها في الارض أثر، ~~والنسف تحريك الشيء بما يخرج ترابه وما اختلط به مما ليس منه، ومنه سمي ~~المنسف ونسف الحبوب كلها تجري على هذا الوجه، وقوله { نسفت } من ms3558 قولهم: ~~أنسفت الشيء اذا اخذته بسرعة. # وقوله { وإذا الرسل أقتت } أي أعلمت وقت الثواب ووقت العقاب، فالتوقيت ~~تقدير الوقت لوقوع الفعل، ولما كانت الرسل عليهم السلام قد قدر أرسالها ~~لاوقات معلومة بحسب صلاح العباد فيها كانت قد وقتت لتلك الأوقات بمعنى ~~اعلمت وقت الثواب ووقت العقاب. وقال مجاهد وابراهيم وابن زيد: أقتت ~~بالاجتماع لوقتها يوم القيامة قال تعالى # يوم يجمع الله الرسل # والمواقيت الآجال ومثله # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج # وقيل: معنى اقتت اجلت لوقت ثوابها، وهو يوم الفصل. وقيل: معناه أجلت ~~فيما بينها وبين أمتها { ليوم الفصل } ثم بين تعالى فقال { لأي يوم أجلت ~~} أي أخرت إلى اجل فالتأجيل التأخير الى أجل، فالرسل قد أجلت بموعودها ~~الى يوم الفصل، وهو يوم القيامة وسمي يوم الفصل، لانه يفصل فيه بين حال ~~المهتدي والضال بما يعلم الله لاحدهما من حال الثواب بالاجلال والاكرام، ~~وللاخر من حال العقاب بالاستخفاف والهوان بما لا يخفى على انسان. وقيل: ~~الوجه فى تأجيل الموعود إلى يوم الفصل تحديد الامر للجزاء على جميع ~~العباد فيه بوقوع اليأس من الرد إلى دار التكليف، لان في تصور هذا ما ~~يتأكد به الدعاء الى الطاعة والانزجار عن المعصية. # وقوله { ويل يومئذ للمكذبين } تهديد ووعيد لمن جحد يوم القيامة وكذب ~~بالثواب والعقاب، وإنما خص الوعيد في الذكر بالمكذبين لأن التكذيب بالحق ~~يتبعه كل شيء، فخصال المعاصي تابعة له وإن لم يذكر معه، مع أن التكذيب قد ~~يكون في القول والفعل المخالف للحق، ومنه قولهم: حمل فما كذب حتى لقي ~~العدو فهزمه. ### || [77.16-28] # قرأ أهل المدينة والكسائي { فقدرنا } مشددة. الباقون بالتخفيف وهما ~~لغتان. ومن اختار التخفيف فلقوله { فنعم القادرون }. # يقول الله تعالى على وجه التهديد للكفار { ألم نهلك الأولين } يعني قوم ~~نوح وعاد وثمود، والآخرون قوم لوط وابراهيم إلى فرعون ومن معه من الجنود ~~أهلكهم الله تعالى بأنواع الهلاك جزاء على كفرهم لنعم الله وجحدهم ~~لتوحيده واخلاص عبادته. # وقوله { ثم نتبعهم الآخرين } إنما رفعه عطفا على موضع { ألم } كأنه ms3559 ~~قال: لكنا نهلك الاولين ثم نتبعهم الاخرين. وقال المبرد تقديره ثم نحن ~~نتبعهم لا يجوز غيره. لان قوله { ألم نهلك } ماض، وقوله { ثم نتبعهم } ~~مستقبل فلا يكون عطفا على الاول ولا على موضعه. والاهلاك إبطال الشيء ~~بتصييره الى حيث لا يدرى اين هو إما باعدامه او باخفاء مكانه. وقد يكون ~~الاهلاك بالاماتة، وقد يكون بالنقل إلى حال الجمادية. والاول هو الكائن ~~قبل غيره. والثاني هو الكائن بعد غيره. والاول قبل كل شيء هو الله تعالى ~~الذي لم يزل. { والأولين } فى الآية هم الذين تقدموا على أهل العصر ~~الثاني، والاخر الكائن بعد الاول من غير بقية منه، وبهذا ينفصل عن ~~الثاني، لأن الثاني قد يكون بعد بقية من الشيء ثالثا ورابعا وخامسا ~~إلى حيث انتهى، فاذا صار الى الآخر فليس بعده شيء كالكتاب الذي هو أجزاء ~~كثيرة # وقوله { كذلك نفعل بالمجرمين } أي مثل ما فعلنا بأولئك نفعل مثله ~~بالعصاة ثم قال { ويل يومئذ } يعني يوم الجزاء والثواب والعقاب { ~~للمكذبين } فانهم يجازون بأليم العقاب. والاتباع الحاق الثاني بالأول ~~بدعائه اليه، والتبع الحاق الثاني بالاول باقتضائه له، تبع تبعا فهو ~~تابع وأتبع اتباعا. # وقوله { ألم نخلقكم من ماء مهين } والمهين القليل الغناء، ومثله الحقير ~~الذليل وفى خلق الانسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة والعقل والتميز ~~من ماء مهين أعظم الاعتبار وأبين الحجة على ان له مدبرا وصانعا وخالقا ~~خلقه وصنعه فمن جحده كان كالمكابر لما هو من دلائل العقول. # ثم قال الله تعالى مبينا انه جعل ذلك الماء المهين الحقير { في قرار ~~مكين } فالقرار المكان الذي يمكن أن يطول فيه مكث الشيء، ومنه قولهم: قر ~~فى المكان إذا ثبت على طول المكث فيه يقر قرارا، ولا قرار لفلان فى هذا ~~المكان أي لا ثبات له. # وقوله { إلى قدر معلوم } فالقدر المقدار المعلوم الذي لا زيادة فيه ولا ~~نقصان وكأنه قال إلى مقدار من الوقت المعلوم، والقدر مصدر من قولهم: قدر ~~يقدر قدرا وقدر يقدر - بالتخفيف، والتشديد - إلا أن التشديد للتكثير. ~~وقوله { فقدرنا ms3560 فنعم القادرون } معناه فى قول من خفف فقدرنا من القدرة، ~~فنعم القادرون على تدبيره. ومن شدد أراد فقدرنا، فنعم المقدرون لاحوال ~~النطفة ونقلها من حال الى حال حتى صارت إلى حال الانسان. # والعرب تقول: قدر عليه الموت وقدر: بالتخفيف والتشديد. ومن شدد وقرأ ~~القادرون جمع بين اللغتين كما قال الاعشى: # وانكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # وقوله { ألم نجعل الأرض كفاتا } نصب { كفاتا } على الحال، وتقديره ألم ~~نجعل الأرض لكم ولهم كفاتا، والكفات الضمام فقد جعل الله الارض للعباد ~~تكفتهم { أحياء وأمواتا } أي تضمهم فى الحالين كفت الشيء يكفته كفتا ~~وكفاتا إذا ضمه وقيل { كفاتا } وعاء وهذا كفته أي وعاؤه، ويقال كفيته ~~أيضا، وقال الشعبي ومجاهد: فظهرها للاحياء وبطنها للأموات، وهو قول ~~قتادة ونصب أحياء وامواتا على الحال، ويجوز على المفعول به، قال ابو ~~عبيدة وغيره { كفاتا } أي اوعية يقال: هذا النحى كفت هذا وكفيته. # وقوله { أحياء وأمواتا } أي منه ما ينبت، ومنه ما لا ينبت. # وقوله { وجعلنا فيها رواسي شامخات } أي وجعلنا فى الأرض جبالا ثابتة ~~عالية، فالشامخات العاليات، شمخ يشمخ شمخا، فهو شامخ، ومنه شمخ بأنفه ~~إذا رفعه كبرا، وجبل شامخ وشاهق وبازخ كله بمعنى واحد والرواسي الثوابت. # وقوله { وأسقيناكم ماء فراتا } أي وجعلنا لكم شرابا من الماء الفرات، ~~وهو العذب وهو صفة يقال: ماء فرات وماء زلال وماء غدق وماء نمير كله من ~~العذوبة والطيب، وبه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر: # إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا # وإن شهد أجدى فضله وجداوله # وقال ابن عباس أصول الانهار العذبة أربعة: جيحان ومنه دجلة، وسيحان نهر ~~بلخ، وفرات الكوفة، ونيل مصر. وقوله { ويل يومئذ للمكذبين } قد فسرناه. ### || [77.29-40] # قرأ رويس { انطلقوا إلى ظل } على فتح اللام بلفظ الماضي. وقرأ اهل ~~الكوفة إلا أبا بكر { جمالة } وضم الجيم يعقوب. الباقون { جمالات } من ~~قرأ { جمالة } على لفظ الواحد قال معناه الجمع لقوله { صفر } ومن قرأ { ~~جمالات } بكسر الجيم قال: جمالة وجمالات جميعا جمعان، كأنه جمع ms3561 الجمع ~~مثل: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، والهاء فى قوله { كأنه } كناية عن ~~الشرر. # وهذا حكاية ما يقول الله تعالى للكفار المكذبين بيوم الدين يوم القيامة ~~فانه يقول لهم { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } من العقاب على الكفر ~~ودخول النار جزاء على المعاصي، فكنتم تجحدون ذلك وتكذبون به ولا تعترفون ~~بصحته، فامضوا اليوم اليه. فالانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير ~~مكث الاعتقال، وهو من الاطلاق خلاف التقييد، والانتقال من حال إلى حال، ~~ومن اعتقاد إلى اعتقاد لا يسمى انطلاقا. ثم ذكر الموضع الذي أمرهم ~~بالانطلاق اليه، فقال { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } قيل: معناه يتشعب ~~من النار ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فيحيط ~~بالكافر. وقال مجاهد وقتادة { ظل } دخان من جهنم ينقسم ثلاث شعب كما قال ~~تعالى # أحاط بهم سرادقها # أي من الدخان الآخذ بالانفاس { لا ظليل } معناه غير مانع من الاذى يستر ~~عنه، فالظليل المانع من الاذى بستره عنه، ومثله الكنين، فالظليل من ~~الظلة، وهي السترة، والكنين من الكن، فظل هذا الدخان لا يغني الكفار من ~~حر النار شيئا. وبين ذلك بقوله { ولا يغني من اللهب } والاغناء إيجاد ~~الكفاية بما يكون وجود غيره وعدمه سواء يقال: أغنى عنه أي كفى في الدفع ~~عنه. واللهب إرتفاع الشرر، وهو اضطرام النار، إلتهب يلتهب إلتهابا ~~وألهبتها إلهابا ولهبا. # وقوله { إنها } يعني النار { ترمي بشرر } وهي قطع تطاير من النار في ~~الجهات وأصله الظهور من شررت الثوب إذا اظهرته للشمس والشرر يظهر متبددا ~~من النار. وقوله { كالقصر } أي ذلك الشرر كالقصر أي مثله في عظمه، وهو ~~يتطاير على الكافرين من كل جهة - نعوذ بالله منه - والقصر واحد القصور من ~~البنيان - في قول ابن عباس ومجاهد - وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة ~~والضحاك: القصر أصول الشجر واحدته قصرة مثل جمرة وجمر، والعرب تشبه الابل ~~بالقصور، قال الاخطل: # كأنه برج رومي يشيده # لز بجص وآجر وأحجار # والقصر في معنى الجمع إلا انه على طريق الجنس. ثم ms3562 شبه القصر بالجمال، ~~فقال { كأنه جمالات صفر } قال الحسن وقتادة: كأنها انيق سود، لما يعتري ~~سوادها من الصفرة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: قلوس السفن، وفي ~~رواية أخرى عن ابن عباس: هي قطع النحاس. # قال الزجاج " جمالات " بالضم جمع جمالة وهو القلس من قلوس البحر، ويجوز ~~أن يكون جمع (جمل) وجمالات، كما قيل (رحال) جمع (رحل) ومن كسر فعلى انه ~~جمع جمالة، وجمالة جمع جمل مثل حجر وحجارة، وذكر وذكارة. وقرئ في الشواذ ~~" كالقصر " بفتح الصاد جمع كأنها أعناق الابل " وجمالات " جمع جمل كرجل ~~ورجالات، وبيت وبيوتات، ويجوز أن يكون جمع جمالة. وقرأ حمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم " جملة " بغير الألف على التوحيد لانه لفظ جنس يقع على ~~القليل والكثير. الباقون جمالات بألف، مكسور الجيم. # وقوله { ويل يومئذ للمكذبين } قد فسرناه ثم قال تعالى { هذا يوم لا ~~ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون } اخبار من الله تعالى أن ذلك اليوم لا ~~ينطق الكفار. وقيل في معناه قولان: # احدهما - ان ذلك اليوم مواطن، فموطن لا ينطقون، لانهم مبلسون من هول ما ~~يرونه، وموطن يطلق فيه عن ألسنتهم فينطقون، فلذلك حكى عنهم أنهم # قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج ~~من سبيل # وقد يقال هذا يوم لا ينطقون إذا لم ينطقوا في بعضه كما يقال: كان كذا ~~يوم قدم فلان وإن كان قدم في بعضه، لان المعنى مفهوم. # والثاني - انهم ينطقون بنطق لا ينتفعون به، وكأنهم لم ينطقوا، واضاف ~~الزمان إلى الأفعال كقولك أتيتك يوم قدم زيد، وآتيك يوم يخرج عمرو، وأجاز ~~النحويون هذا يوم لا ينطقون بالنصب على انه يشير إلى الجزاء، ولا يشير ~~إلى اليوم # وقوله { ولا يؤذن لهم } فالاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن ~~فهذا أصله وقد كثر استعماله حتى صار كل دليل ظهر به أن للقادر أن يفعل ~~كذا فهو أذن له، وكل ما اطلق الله فيه بأي دليل كان، فقد أذن فيه. # وقوله تعالى { فيعتذرون } فالاعتذار الانتفاء من خلاف المراد بالمانع ms3563 من ~~المراد، وليس لاحد عذر في معصية الله، لانه تعالى لا يكلف نفسا ما لا ~~يطاق. وقد يكون له عذر في معصية غيره، لانه قد يكلف خلاف الصواب وقد يكلف ~~ما لا يمكن لعارض من الاسباب. # وقوله { فيعتذرون } رفع عطفا على قوله { لا يؤذن } قال الفراء: تقديره ~~لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد يجوز في مثله النصب على جواب النفي، ومعنى ~~الآية لا يؤذن لهم في الاعتذار فكيف يعتذرون. # وقوله { هذا يوم الفصل } يعني يفصل بين الخلائق بالحكم لكل أحد بما له ~~وعليه. والفصل قطع علق الأمور بتوفية الحقوق، وهذا الفصل الذي هو فصل ~~القضاء يكون ذلك في الآخرة على ظاهر الأمر وباطنه، وأما فى الدنيا، فهو ~~على ظاهر الأمر، لان الحاكم لا يعرف البواطن. # وقوله { جمعناكم والأولين } معناه إن الله يجمع فيه الخلائق فى يوم واحد ~~فى صعيد واحد، والجمع جعل الشيء مع غيره إما فى مكان واحد أو محل واحد أو ~~فى يوم واحد أو وقت واحد، أو يجعل مع غيره فى حكم واحد أو معنى واحد كجمع ~~الجماد والحيوان فى معنى الحدوث. # وقوله { فإن كان لكم كيد فكيدون } معناه توبيخ من الله تعالى وتقريع ~~للكفار واظهار عجزهم عن الدفع عن أنفسهم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم، وإنما ~~هو على أنكم كنتم فى دار الدنيا تعملون ما يغضبني، فالان عجزتم عن ذلك ~~وحصلتم على وبال ما عملتم. وقيل: المعنى إن كان لكم حيلة تحتالونها فى ~~التخلص فاحتالوا. والكيد الحيلة و { ويل يومئذ للمكذبين } قد مضى تفسيره. ### || [77.41-50] # لما ذكر الله تعالى الكفار وما أعد لهم من ضروب العقاب وانواع العذاب ~~ترهيبا وتزهيدا فى مثله، ذكر المؤمنين المتقين للمعاصي وبين ما أعده ~~لهم من أنواع النعيم وضروب اللذات فقال { إن المتقين } ومعناه الذين ~~اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وطلبوا ثوابه بفعل طاعاته { في ظلال } ~~وهو جمع ظل، وهو الحجاب العالي المانع من كل أذى، فلأهل الجنة حجاب من كل ~~أذى لان هواء الجنة مناف لكل أذى، فهم من طيبه على ms3564 خلاصة. وقيل فى ظلال ~~من قصور الجنة وأشجارها { وعيون } وهي ينابيع الماء التي تجري فى ظل ~~الاشجار. وقيل: ان تلك العيون جارية فى غير أخدود، لأن ذلك امتع بما يرى ~~من حسنه وصفائه على كنهه من غير ملابسة شيء له، وليس هناك شيء إلا على ~~أحسن صفاته، لان الله تعالى قد شوق اليه أشد التشويق ورغب فيه أتم ~~الترغيب { وفواكه } وهي جمع فاكهة، وهي ثمار الاشجار التي من شأنها أن ~~تؤكل، وقد يكون من الثمر ما ليس كذلك كالثمر المر، فانه ليس من الفاكهة. # وقوله { مما يشتهون } يعني لهم فاكهة من جنس ما يشتهونه. # ثم قال تعالى { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون } صورته صورة الأمر ~~والمراد به الاباحة. وقال قوم: هو أمر على الحقيقة، لان الله تعالى يريد ~~منهم الأكل والشرب فى الجنة، وإنهم إذا علموا ذلك زاد فى سرورهم، فلا ~~تكون إرادته لذلك عبثا، والهنيء هو الذي لا أذى فيه فيما بعد. وقيل: ~~الهنيء النفع الخالص من شائب الأذى. والشهوة معنى فى القلب إذا صادفت ~~المشتهى كان لذة، وضده النفار إذا صادفه كان ألما، وجاء الكلام على ~~التقابل للكافرين من قوله { في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب ~~} مقابل أهل الجنة فى ظلال قصور الجنة واشجارها. # وقوله { إنا كذلك نجزي المحسنين } اخبار منه تعالى أنه كما جازى هؤلاء ~~المتقين بما ذكره من النعيم مثل ذلك يجازي كل محسن عامل بطاعة الله. وفى ~~ذلك دلالة على أن كل احسان خالص للعبد فله به الثواب والحمد، وانه طاعة ~~لله، وإن ما ليس باحسان من فعل خارج عن هذا الحكم. وقوله { ويل يومئذ ~~للمكذبين } قد مضى تفسيره. # ثم عاد الى خطاب الكفار فقال لهم على وجه التهديد والوعيد { كلوا ~~وتمتعوا } فى دار الدنيا وتلذذوا بما تريدون وانتفعوا بما تشتهون { ~~قليلا } لان أيام الدنيا قليلة، فالتمتع الحصول فى أحوال تلذ، تمتع ~~تمتعا واستمتع استمتاعا وأمتعه غيره امتاعا والتمتع والتلذذ واحد ~~ونقيضه التألم. # وقوله { إنكم مجرمون } اخبار منه تعالى ms3565 للكفار بأنكم وإن تمتعتم قليلا ~~في الدنيا فانكم عصاة وكفار ومآلكم الى النار وعذابها. # والاجرام فعل ما يقطع المدح ويحصل بدله الذم، يقال: أجرم إجراما واجترم ~~اجتراما وتجرم عليه أي تطلب له الجرم { ويل يومئذ للمكذبين } بينا ~~معناه. # وقوله { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } فالركوع هو الانخفاض على وجه ~~الخضوع، ويعبر به عن نفس الصلاة ويقال: قد ركعت وبقي على ركوع أي صلاة ~~والمراد به - ها هنا - الصلاة، والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا دعوا إلى ~~الصلاة لا يصلون لجهلهم بما في الصلاة من الخير والبركة. وقيل: انه يقال ~~لهم ذلك في الآخرة كما قال { يدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ذكره ابن ~~عباس. وقال قتادة، يقال لهم ذلك في الدنيا، فان الصلاة من الله بمكان. ~~وقال مجاهد: عنى بالركوع - هنا - الصلاة وقوله { ويل يومئذ للمكذبين } قد ~~فسرناه، فكأنه قيل لهم يجب عليكم الركوع بالخضوع لله فاركعوا فأخبر عنهم ~~أنهم لا يركعون تكذيبا بهذا الخبر، فلذلك قال عقيب ذلك { ويل يومئذ ~~للمكذبين } وإلا فقوله { اركعوا } أمر من الله تعالى، ولا يقال فيمن أمر ~~بالشيء فلم يفعل انه كذب، وقيل: إن ما تكرر في هذه السورة من قول { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ليس على وجه التكرار في المعنى، لان معناه ويل للمكذبين ~~بما ذكره قبله من الاخبار، وقيل يريد أنه كذب بالمخبر الذي يليه، وهو وجه ~~القول الثاني والثالث والرابع إلى آخر السورة، على هذا المنهاج من أنه ~~يلزمه الويل بالتكذيب بالذي يليه والذي قبله على التفصيل لا على الاجمال ~~في أنه لا يلزمه حتى يكذب بالجميع. وقوله { فبأي حديث بعده يؤمنون } ~~معناه إنه اذا أتى القرآن باظهر البرهان وكفروا به فليس ممن يفلح ~~بالايمان بكلام غيره، لان من لم يؤمن بما فيه المعجزة الظاهرة والآية ~~الباهرة لايؤمن بغيره. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-16] # وقف يعقوب على { عم } بالهاء. الباقون بلا هاء. # وقرأ ابن عامر { كلا ستعلمون } بالتاء على الخطاب فيهما أي قل لهم ~~ستعلمون عاقبة أمركم. الباقون - بالياء - على الغيبة، وهو الأقوى لقوله ms3566 { ~~عم يتساءلون } وقوله { الذي هم فيه مختلفون } ولم يقل أنتم، وإن كانت ~~التاء جائزة لان العرب تنتقل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة. # قيل فى سبب نزول هذه الآية: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا ~~حدث قريشا وعرفهم أخبار الامم السالفة ووعظهم كانوا يهزؤن بذلك، فنهاه ~~الله تعالى أن يحدثهم فقال # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء # إلى قوله # حتى يخوضوا في حديث غيره # فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدث اصحابه فاذا أقبل واحد من ~~المشركين أمسك فاجتمعوا على بكرة أبيهم وقالوا: والله يا محمد إن حديثك ~~عجب، وكنا نشتهي أن نسمع كلامك وحديثك، فقال إن ربي نهاني أن أحدثكم، ~~فأنزل الله تعالى { عم يتساءلون عن النبأ العظيم } وقوله { عم يتساءلون } ~~أصله عن ما، فحذفت الألف لاتصالها بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لتدل ~~على شدة الاتصال مع تخفيف المركب فى الكلام، فحذف حرف الاعتلال وأدغمت ~~النون فى الميم لقربها منها من غير أخلال، وصورته صورة الاستفهام والمراد ~~تفخيم القصة والانكار والتهديد. وقوله { يتساءلون } معناه عن ماذا يسأل ~~بعضهم بعضا، فالتساؤل سؤال احد النفيسين للآخر، تساءلا تساؤلا وسأله ~~مسألة، والسؤال طلب الاخبار بصيغة مخصوصة فى الكلام، وكل ما يزجر العقل ~~عنه بما فيه من الداعي الى الفساد لا يجوز السؤال عنه كسؤال الجدل لدفع ~~الحق ونصرة الباطل، وكالسؤال الذي يقتضي فاحش الجواب، لأنه كالامر ~~بالقبيح. والنبأ معناه الخبر العظيم الشأن كمعنى الخبر عن التوحيد فى صفة ~~الاله وصفة الرسول، والخبر عما يجوز عليه وما لا يجوز. وقال مجاهد: النبأ ~~العظيم الشأن القرآن، وقال قتادة وابن زيد: هو السؤال عن البعث بعد ~~الموت، لأنهم كانوا يجمعون على التكذيب بالقرآن { الذي هم فيه مختلفون } ~~قال قتادة: معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب، فقال الله سبحانه مهددا ~~لهم ومتوعدا { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } ومعنى { كلا } ردع وزجر، ~~كأنه قال أرتدعوا وانزجروا ليس الأمر كما ظننتم. وقال قوم: ms3567 معناه حقا ~~سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم. وقال الضحاك: معناه كلا سيعلم ~~الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. وقال قوم: كلا ~~سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في ~~جهنم من العذاب، فلا يكون تكرارا. والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين ~~إلى نقيض ما ذهب اليه الآخر، يقال: اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى ~~كذا، وذهب الآخر إلى كذا. # ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال { ألم نجعل الأرض مهادا } ~~أي وطاء، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية. وقال قتادة: المهاد ~~البساط ومهد الارض تمهيدا مثل وطأه توطئة، لأن ذلك لا يقدر عليه غير ~~الله، لانه الذي يسكن الأرض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها ~~والتصرف فيها { والجبال أوتادا } أي وجعلنا الجبال أوتادا للارض لئلا ~~تميد بهم، فالجبال جمع جبل، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكا للارض ~~عن أن تميد بثقله، فعلى ذلك دبره الله، وذكر العباد به وما فيه من العبرة ~~بعظمة من يقدر عليه. والوتد المسمار إلا أنه اغلظ منه، لذلك يقال: مسامير ~~العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة، ولو غلظت صارت ~~أوتادا فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للارض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها ~~عن أن تميد باهلها. # وقوله { وجعلناكم أزواجا } أي اشكالا كل واحد يشاكل الآخر. وقيل: معناه ~~ذكرا وأنثى حتى يصح منكم التناسل. # وقوله { وجعلنا نومكم سباتا } أي نعاسا في أوله تطلب النفس الراحة به. ~~وقيل: معناه جعلنا نومكم راحة. وقيل: معناه جعلنا نومكم طويلا ممتدا ~~تعظم به راحة أبدانكم ويكثر به انتفاعكم، ومنه سبت من الدهر أي مدة طويلة ~~منه. وقال ابو عبيدة: معناه جعلنا نومكم سباتا ليس بموت، ورجل مسبوت فيه ~~روح، والسبات قطع العمل للراحة، ومنه سبت أنفه إذا قطعه، ومنه يوم السبت ~~أي يوم قطع العمل للراحة على ما جرت به العادة في شرع موسى، وصار علما ~~على اليوم الذي بعد الجمعة بلا فصل. # وقوله { وجعلنا ms3568 الليل لباسا } فاللباس غطاء ساتر مماس لما ستر، فالليل ~~ساتر للاشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة قال الشاعر: # فلما لبسن الليل أوجن نصبت # له من حذا آذانها وهي جنح # { وجعلنا النهار معاشا } أي متصرفا للعيش والعيش الانعاش الذي تبقى ~~معه الحياة على حال الصحة عاش يعيش عيشا والنهار اتساع الضياء المنبث في ~~الافاق وأصله من انهر الدم إذا وسع مجراه، ومنه النهر وهو المجرى الواسع ~~من مجاري الماء، ومنه الانتهار الاتساع في الاغلاظ، وفى خلق النهار تمكين ~~من التصرف للمعاش وفي ذلك أعظم النعمة واكبر الاحسان. # وقوله { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } يعني سبع سموات. والبناء جعل الطاق ~~الأعلى على الأدنى، فالسماء مبنية كهيئة القبة مزينة بالكواكب المضيئة، ~~فسبحان الذي زينها وخلقها وبناها على هذه الصفة لعباده. وإنما جعلها سبع ~~سموات لما في ذلك من الاعتبار للملائكة، ولما فى تصور الطبقات من عظم ~~القدرة، وهول تلك الامور، وما فيه من تمكين البناء حتى وقفت سماء فوق ~~سماء، فسبحان من يمسكها بما هو قادر عليها ومدبر لها. # وقوله { وجعلنا سراجا وهاجا } يعني الشمس جعلها الله سراجا للعالم ~~يستضيئون به، فالنعمة عامة لجميع الخلق. والوهاج الوقاد، وهو المشتعل ~~بالنور العظيم وقال مجاهد وقتادة: يعني وهاجا متلألئا. # وقوله { وأنزلنا من المعصرات } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني ~~الرياح، كأنها تعصر السحاب. وقيل هي السحاب تتحلب بالمطر. وقوله { ماء ~~ثجاجا } فالثجاج الدفاع فى انصبابه كثج دماء البدن، يقال ثججت دمه أثجه ~~ثجا، وقد ثج الدم يثج ثجوجا { لنخرج به حبا ونباتا } أي نخرج بذلك ~~الماء حبا وهو كل ما تضمنه الزرع الذي يحصد. والنبات الكلأ من الحشيش ~~والزرع { وجنات الفافا } أي بساتين ملتفة بالشجر يخرجها الله تعالى ~~لعباده بالمطر. وإنما قال { جنات } لأن الشجر يجنها أي يسترها و " ~~الألفاف " الاخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها (لف) يقال: شجر ~~ملتف وأشجار ملتفة. والمعاني الملففة المتداخلة باستتار بعضها ببعض حتى ~~لا تبين إلا فى خفى. وقيل: واحده لف ولفف. وقيل: فى واحده شجرة لفا، ms3569 وشجر ~~لف. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: ألفافا ملتفة. والتقدير فيه ويخرج به ~~شجر جنات الفافا ملتفة إلا انه حذف لدلالة الكلام عليه. ### || [78.17-30] # قرأ { وفتحت } بالتخفيف أهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي. الباقون ~~بالتشديد. وقرأ حمزة وروح { لبثين فيها } بغير الف مثل (مزجين، وفرهين) ~~الباقون { لابثين } بألف على اسم الفاعل، وهو الأجود، لأنه من (لبث) فهو ~~(لابث) وحجة حمزة أنه مثل (طمع) و (طامع). واللبث البطئ. وقرأ أهل الكوفة ~~إلا عاصما عن المفضل " غساقا " مشددة. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. ~~فالغساق صديد أهل النار - فى قول ابراهيم وقتادة وعكرمة وعطية - وقال أبو ~~عبيدة: الغساق ماء وهو من الغسل أي سيال. وقال غيره: هو البارد. وقيل: ~~المنتن. # يقول الله تعالى { إن يوم الفصل } يعني يوم الدين وهو يوم القيامة الذي ~~يفصل الله فيه بالحكم بين الخلائق { كان ميقاتا } أي جعله الله وقتا ~~للحساب والجزاء فالميقات منتهى المقدار المضروب لوقت حدوث أمر من الأمور، ~~وهو مأخوذ من الوقت، كما أن الميعاد من الوعد، والميزان من الوزن ~~والمقدار من القدر. والمفتاح من الفتح. # وقوله { يوم ينفخ في الصور } فالنفخ إخراج ريح الجوف من الفم، ومنه نفخ ~~الزق، والنفخ فى البوق، ونفخ الروح فى البدن يشبه بذلك، لانها تجري فيه ~~كما تجري الريح، يجري مجرى الريح فى الشيء، والصور قرن ينفخ فيه فى حديث ~~مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله وقال الحسن: هو جمع صورة. وبه قال ~~قتادة. ومعناه: إذكر يوم ينفخ فى الصور { فتأتون أفواجا } فالفوج جماعة ~~من جماعة. والأفواج جماعات من جماعات، فالناس يأتون على تلك الصفة الى أن ~~يتكاملوا فى أرض القيامة. وكل فريق يأتي مع شكله. وقيل تأتي كل أمة مع ~~نبيها، فلذلك جاؤا أفواجا أي زمرا. # وقوله { وفتحت السماء فكانت أبوابا } معناه وشققت السماء، فكانت كقطع ~~الأبواب. وقيل: صار فيها طرق ولم يكن كذلك قبل. # وقوله { وسيرت الجبال فكانت سرابا } معناه زيلت الجبال عن أماكنها ~~وأذهب بها حتى صارت كالسراب. # وقوله { إن جهنم كانت مرصادا } إخبار منه تعالى بأن ms3570 جهنم تكون يومئذ ~~مرصادا. والمرصاد هو المعد لأمر على ارتقابه الوقوع فيه، وهو مفعال من ~~الرصد. وقيل: المعنى ذات ارتقاب لاهلها تراصدهم بنكالها. والرصد عمل ما ~~يترقب به الاختطاف. # وقوله { للطاغين } يعني جهنم للذين طغوا في معصية الله وتجاوزوا الحد " ~~مآبا " أي مرجعا، وهو الموضوع الذي يرجع اليه، فكأن المجرم قد كان ~~باجرامه فيها ثم رجع اليها، ويجوز أن يكون كالمنزل الذي يرجع اليه. # وقوله { لابثين فيها أحقابا } أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة، وواحد ~~الاحقاب حقب من قوله # أو أمضي حقبا # أي دهرا طويلا. وقيل واحده حقب، وواحد الحقب حقبة، كما قال الشاعر: # وكنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # وإنما قال { لابثين فيها أحقابا } مع انهم مخلدون مؤبدون: لا انقضاء ~~لها إلا انه حذف للعلم بحال أهل النار من الكفار باجماع الامة عليه { ~~لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ~~} ثم يعذبون بعد ذلك بضرب آخر كالزقوم والزمهرير ونحوه من أصناف العذاب، ~~ومن قرأ " لبثين " بلا الف استشهد فى تعدي (فعل) بقول الشاعر: # ومسحل سح عضاده سحج # بسراتها ندب له وكلوم # وقال ابن عباس: الحقب ثمانون سنة. وقال الحسن: سبعون سنة. وقال قوم: هو ~~اكثر من ذلك. # وقوله { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } قال ابو عبيدة: البرد ها هنا ~~النوم قال الكندي: # فيصدني عنها وعن قبلتها البرد # أي النوم، فكأنهم لا ينامون من شدة ما هم فيه من العذاب، ولا يجدون ~~شرابا يشربوه { إلاحميما وغساقا } فالحميم الحار الشديد الحرارة ~~والغساق صديد أهل النار - فى قول إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة - يقال: ~~غسقت القرحة غسقا إذا سال صديدها، وكذلك الجروح، ومنه قوله # ومن شر غاسق إذا وقب # والغاسق الليل إذا لبس الاشياء بظلمته. كأنه يسيل عليه بظلامه، وقال ~~الحسن: الجنة والنار مخلوقتان فى الايام الستة الأول، وهي الجنة التي ~~سكنها آدم، وهي الجنة التي يسكنها المتقون في الآخرة. ثم يفنيها الله ~~لهلاك الخلائق. ثم يعيدها، فلا يفنيها أبدا. وقال قوم: هما مخلوقتان، ms3571 ~~ولا يفنيهما الله. وقال آخرون: هما غير مخلوقتين والجنة التي كان فيها ~~آدم جنة أخرى ليست جنة الخلد. # وقوله { جزاء وفاقا } قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة: معناه وافق ~~الجزاء أعمالهم، فالوفاق الجاري على المقدار، فالجزاء وفاق لانه جار على ~~مقدار الاعمال في الاستحقاق، وذلك أنه يستحق على الكفر أعظم مما يستحق ~~على الفسق الذي ليس بكفر. ويستحق على الفسق أعظم مما يستحق على الذنب ~~الصغير. # وقوله { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي لا يرجون المجازاة على الأعمال ~~ولا يتوقعونه - وهو قول الحسن وقتادة - وقيل: معناه إنهم كانوا: لا يرجون ~~حسن الجزاء في الحساب لتكذيبهم فالرجاء التوقع لوقوع أمر يخاف ألا يكون، ~~فهؤلاء كان يجب عليهم أن يتوقعوا الحساب على يقين أنه يكون، فلم يفعلوا ~~الواجب في هذا، ولا قاربوه لاعتقادهم أنه لا يكون فاللوم أعظم لهم ~~والتقريع لهم أشد. وقيل: معنى لا يرجون لا يخافون كما قال الهذلي: # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # وحالفها في بيت نوب عوامل # وقوله { وكذبوا بآياتنا كذابا } معناه جحدوا بآيات الله وحججه، ولم ~~يصدقوا بها. وإنما جاء المصدر على فعال للمبالغة مع اجرائه على نظيره ~~الذي يطرد قبل آخره الف نحو الانطلاق والاقتدار والاستخراج والقتال ~~والكرام، والمصدر الجاري على فعل التفعيل نحو التكذيب والتحسين والتقديم، ~~وقد خرج التفعيل عن النظير لما تضمن من معنى التكثير، كما خرج التفاعل ~~والمفاعلة للزيادة على أقل الفعل، فانه من اثنين. # ومثل كداب، حملته حمالا وحرقته حراقا. # وقوله { وكل شيء أحصيناه كتابا } معناه وأحصينا كل شيء أحصيناه فى ~~كتاب، فلما حذف حرف الجر نصبه، وقيل: إنما نصبه لان فى احصيناه معنى ~~كتبناه، فكأنه قال كتبناه كتابا، ومثل كذبته كذابا قصيته قصاء قال ~~الشاعر: # لقد طال ما تبطتني عن صحابتي # وعن جوح قصاؤها من شقائيا # والوجه فى إحصاء الاشياء فى الكتاب ما فيه من الاعتبار للملائكة بموافقة ~~ما يحدث لما تقدم به الاثبات مع أن تصور ذلك يقتضي الاستكثار من الخير ~~والاجتهاد فيه، كما يقتضي إذا قيل للانسان ما ms3572 تعمله فانه يكتب لك وعليك. # وقوله { فذوقوا } أي يقال لهؤلاء الكفار ذوقوا ما كنتم فيه من العذاب { ~~فلن نزيدكم إلا عذابا } لان كل عذاب يأتي بعد الوقت الاول فهو زائد ~~عليه. ### || [78.31-40] # أحدى عشرة آية في البصري وعشر آيات عند الباقين. # قرأ { ولا كذابا } خفيفا الكسائي { رب السماوات } بالرفع محارب وابو ~~بكر، و { الرحمن } جرا عن عاصم وابن عامر ويعقوب وسهل. # لما ذكر الله تعالى حال الكفار وما أعده لهم من أنواع العقاب ذكر ما ~~للمؤمنين المتقين لمعاصي الله تعالى، فقال { إن للمتقين } الذين يتقون ~~عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته { مفازا } ، وهو موضع الفوز بخلوص ~~الملاذ. وأصل الفوز النجاة إلى حال السلامة والسرور، ومنه قيل للمهلكة ~~مفازة على وجه التفاؤل، لانه قيل منجاة وقيل مفازا منجى إلى مبرة. ثم ~~بين ذلك فقال { حدائق وأعنابا } فالحدائق جمع حديقة، وهي البستان ~~المحوط، ومنه أحدق به حائطه. والحديقة الجنة المحوطة، ومنه أحدق القوم ~~بفلان إذا أطافوا به، وسميت الحدقة حدقة لما يحيط بها من جفنها والاعناب ~~جمع عنب، وهو ثمر الكرم قبل أن يجف فاذا جف فهو الزبيب، ونظيره الرطب ثمر ~~النخل قبل أن يصير تمرا فاذا صار تمرا زال عنه اسم الرطب. # وقوله { وكواعب أترابا } قال ابن عباس: الكواعب النواهد، والكاعب ~~الجارية قد نهد ثدياها، يقال: كعب ثدي الجارية ونهد إذا ابتدأ بخروج حسن. ~~والاتراب جمع ترب، وهي التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب ~~بالتراب فكأنه قيل هم على سن واحدة. قال قتادة: أترابا يعني فى سن ~~واحدة. # وقوله { وكأسا دهاقا } فالكأس الاناء إذا كان فيه شراب. وقيل الكاس ~~أناء الخمر الذي يشرب منه، قال الشاعر: # يلذه بكأسه الدهاق # فان لم يكن فيه الخمر لم يسم كأسا، والدهاق ملأى بشدة الضغط، والدهق ~~شدة الضغط فى الكأس ملأى مترعة ليس فيها فرجة ليستوفي حال اللذة. وقال ~~قتادة: دهاقا مترعة. وقال مجاهد: معناه متتابعة على شاربها مأخوذ من ~~متابعة الشد في الدهن. # وقوله { لا يسمعون فيها لغوا } أي لا يسمعون ms3573 فى الجنة كلاما لا فائدة ~~فيه { ولا كذابا } أي ولا تكذيب بعضهم لبعض. ومن قرأ { كذابا } ~~بالتخفيف أراد مصدر كاذبه مكاذبة، وكذابا قال الشاعر: # فصدقتني وكذبتني # والمرء ينفعه كذابه # وقال الفراء: قال اعرابي فى طريق مكة: يا رب القصار أحب اليك أم الحلق ~~يريد أقصر شعري أم احلق. # وقوله { جزاء من ربك عطاء حسابا } أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا ~~جزاء على تصديقهم بالله ونبيه، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو ~~المعصية. # وقوله { عطاء حسابا } أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من النبيين ~~والصديقين والشهداء الصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين، وعند الله المزيد. ~~وقيل: معناه عطاء كافيا من قولهم: أعطاني ما أحسبني أي كفاني، وحسبك أي ~~اكتف، وحسبي الله أي كفاني الله. وقال الحسن: معناه إنه أعطاهم ذلك ~~محاسبة. # وقوله { رب السماوات والأرض } من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ. وقوله ~~{ الرحمن } خبره، ومن جره رده على قوله { من ربك } رب السموات، وجعل { ~~الرحمن } جرا بأنه نعته. ومن رفع الرحمن وجر الأول قطعه عن الاول ~~وتقديره: هو الرحمن. والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو ~~الله رب السموات والارض ومدبرهما، ومدبر ما بينهما، والمصرف لهما على ما ~~يريده { لا يملكون منه خطابا } ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن ~~لهم فيه، كما قال # لا يشفعون إلا لمن ارتضى # وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال. والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة ~~مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك على طريقة أنت وبك. ~~والاضمار على ثلاثة أضرب: إضمار المتكلم، وإضمار المخاطب وإضمار الغائب. # وقوله { يوم يقوم الروح والملائكة } معناه إذكر يوم يقوم الروح، قال ~~الضحاك والشعبي: الروح هو جبرائيل عليه السلام وقال ابن مسعود وابن عباس: ~~هو ملك من أعظم الملائكة خلقا، وهو المروي في أخبارنا. وقال الحسن ~~وقتادة: الروح بنو آدم. وقال ابن عباس: أرواح بني آدم مع الملائكة فيما ~~بين النفختين قبل رد الأرواح إلى الاجساد. # وقوله { والملائكة صفا لا يتكلمون } أي مصطفين لا ms3574 يتكلم احد بشيء { إلا ~~من أذن له الرحمن } أي أذن الله له في الكلام { وقال صوابا } والصواب ~~موافقة الغرض الحكمي كأنه إصابة ذلك الغرض الذي تدعو اليه الحكمة. ونقيضه ~~الخطأ، وهو مخالفة الغرض الحكمي ولما كانت الحكمة قد تدعو إلى أمر بأوكد ~~مما تدعو إلى أمر، كدعائها إلى الفعل الأصلح، والفعل الأدون، صح ان صوابا ~~أصوب من صواب. # ثم قال { ذلك اليوم } يعني اليوم الذي وصفه وأخبر عنه هو { الحق } الذى ~~لا شك في كونه وحصوله. # وقوله { فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا } فيه دلالة على أن العباد قادرون ~~على اتخاذ المآب وتركه. وإنما قال { فمن شاء اتخذ } لانه قادر عليه ومزاح ~~العلة فيه. والمآب المرجع، وهو (مفعل) من آب يؤب أوبا. وقال سفيان: معناه ~~مرجعا. قال عبيد: # وكل ذى غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # وقوله { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } معناه الاخبار من الله تعالى أنه ~~خوف عباده وأعلمهم المواضع التي ينبغي أن يحذروها. ثم بين ما يكون بعد ~~ذلك فقال { يوم ينظر المرؤ ما قدمت يداه } ومعناه ينتظر جزاء ما قدمه، ~~فان قدم طاعة انتظر الثواب، وإن قدم معصية انتظر العقاب { ويقول الكافر } ~~في ذلك اليوم { يا ليتني كنت ترابا } أى يتمنى أن لو كان ترابا لا يعاد ~~ولا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم، لأنه ليس معه شيء يرجوه من الثواب. ~~وقيل: ان الله يحشر البهائم وينتصف للجماء من القرناء فاذا انصف بينها ~~جعلها ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك لو كان مثل أولئك ترابا. وقيل: هو ~~مثل قوله # يا ليتني لم أوت كتابيه ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # قرأ أهل الكوفة إلا حفصا " عظاما ناخرة " بألف، الباقون " نخرة " بلا ~~ألف من قرأ " ناخرة " اتبع رؤس الآي نحو (الساهرة، والحافرة) ومن قرأ ~~نخرة - بلا ألف - قال لأنه الاكثر في كلام العرب، ولما روي عن علي عليه ~~السلام انه قرأ " نخرة " وقال النحويون: هما لغتان مثل باخل وبخل، وطامع ~~وطمع. وقال الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة. # وقوله { والنازعات } قسم من ms3575 الله تعالى بهذه الأشياء التي عددها. وقال ~~قوم: تقديره ورب النازعات وما ذكر بعدها، لأنه لا يجوز اليمين إلا بالله ~~تعالى. وهو ترك الظاهر. وقد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما ~~السلام أن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا ~~به. وإنما كان كذلك، لانه من باب المصالح التي يجوز أن تختلف به ~~العبادات، وإنما جاز أن يقسم هو تعالى بما شاء من خلقه، للتنبيه على موضع ~~العبرة فيه إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به. ومعنى { النازعات } ~~الملائكة تنزع الأرواح من الأبدان، فالنازعات الجاذبات الشيء من أعماق ما ~~هو فيه. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم أي تنزع من أفق السماء إلى أفق ~~آخر. وقال عطاء: هي القسى تنزع بالسهم. وقال السدي: هي النفوس تنزع ~~بالخروج من البدن. # وقوله { غرقا } معناه إغراقا أي ابعادا في النزع. # وقوله { والناشطات نشطا } قيل: هي الخارجات من بلد إلى بلد بعيد ~~الاقطار ينشط كما ينشط الوحش بالخروج من بلد إلى بلد. والهموم تنشط ~~بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال، قال هيبان بن قحافة: # أمست همومي تنشط المناشطا # الشام طورا ثم طورا واسطا # وقال ابن عباس: هي الملائكة أي تنشط بأمر الله إلى حيث كان. وقال قوم: ~~هو ملك الموت ينشط روحه من خلقه، وقال قوم: هي النجوم تنشط من المشرق إلى ~~المغرب. وقال عطاء: هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد قال رؤية: # تنشط منها كل معلاه الوهق # يعني بقر الوحش. قال الفراء: تنشط نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد ~~البعير. قال ابن خالويه، واكثر ما سمعته أنشطته بالألف، قالوا: كأنه انشط ~~من عقال. فاذا شددت الحبل في يد البعير قلت: نشطته وإذا حللته قلت ~~أنشطته. وقوله { والسابحات سبحا } معناه المارات بغوص معظمها في المائع ~~وقد يكون ذلك فى الماء وقد يكون فيما جرى مجراه، وذلك كسبح دود الخل، وقد ~~يكون السبح في الهواء تشبيها بالماء. وقال مجاهد: السابحات الملائكة، ~~لأنها تسبح ms3576 في نزولها بأمر الله كما يقال: الفرس يسبح في جريه إذا أسرع. ~~وقال قتادة: هي النجوم أي تسبح في فلكها. # وقال عطاء: هي السفن. وقال قوم: هو ملك الموت يقبض روح المؤمن وحده سهلا ~~سرحا كالسابح في الماء. # وقوله { فالسابقات سبقا } يعني الكائنات قبل غيرها على معنى صفة من ~~الصفات. وقال مجاهد: هي الملائكة، لأنها سبقت إلى طاعة الله. وقال قوم: ~~لانها تسبق الشياطين إلى الوحي. وقال عطاء: هي الخيل السابقة. وقيل: هي ~~النجوم - ذكره قتادة - أي يسبق بعضها بعضا في السير. # وقوله { فالمدبرات أمرا } قال ابن عباس وقتادة وعطاء بن السائب: هي ~~الملائكة تدبر الاشياء. وقيل: تدبير الملائكة في ما وكلت به من الرياح ~~والامطار ونحو ذلك من الامور. وجواب القسم محذوف، كأنه قال: ليبعثن ~~للجزاء والحساب ثم بين أي وقت يكون الجزاء والثواب والعقاب، فقال { يوم ~~ترجف الراجفة } فالرجف حركة الشيء من تحت غيره بترديد واضطراب، وهي ~~الزلزلة العظيمة رجف يرجف رجفا ورجفا ورجوفا، وأرجفوا إذا أزعجوا الناس ~~باضطراب الأمور، كما ينزعج الذي يرجف ما تحته، ومنه الرجفة وهي الزعزعة ~~الشديدة من تحت ما كان من الحيوان. وقيل: ان الارض مع الجبال تتزعزع. # وقوله { تتبعها الرادفة } ومعناه تتبع الراجفة الرادفة أي تجيء بعدها، ~~وهي الكائنة بعد الاول في موضع الردف من الراكب، ردفهم الأمر ردفا فهو ~~رادف، وارتدف الراكب إذا اتخذ رديفا، وقال الحسن وقتادة: هما النفختان: ~~أما الاولى فتميت الاحياء، وأما الثانية فتحي الموتى باذن الله. # وقوله { قلوب يومئذ واجفة } أي كائنة على الانزعاج والاضطراب، وجفت تجف ~~وجفا ووجيفا وأوجف فى السير إذا أزعج الركاب فيه. وقال ابن عباس: معنى ~~{ واجفة } أي خائفة. # وقوله { أبصارها خاشعة } أي خاضعة ذليلة من هول ذلك اليوم قال الشاعر: # لما اتى خبر الزبير تهدمت # سور المدينة والجبال الخشع # وقوله { يقولون أإنا لمرددون في الحافرة } حكاية عما قاله الكافرون ~~المنكرون للبعث والنشور، فانهم ينكرون النشر ويتعجبون من ذلك، ويقولون ~~على وجه الانكار أئنا لمردودون في الحافرة. وقيل: حافرة بمعنى محفورة، ~~مثل # ماء ms3577 دافق # بمعنى مدفوق. وقال ابن عباس والسدي: الحافرة الحياة الثانية. وقيل: ~~الحافرة الأرض المحفورة. أي نرد في قبورنا بعد موتنا احياء؟! قال الشاعر: # احافرة على صلع وشيب # معاذ الله من جهل وعار # فالحافرة الكائنة على حفر أول الكرة يقال: رجع في حافرته إذا رجع من حيث ~~جاء، وذلك كرجوع القهقرى، فردوا في الحافرة أى ردوا كما كانوا أول مرة، ~~ويقال: رجع فلان على حافرته أى من حين جاء. وقولهم: النقد عند الحافرة ~~معناه إذا قال بعتك رجعت عليه بالثمن. وقال قوم: معناه النقد عند حافر ~~الدابة. # وقوله { فإنما هي زجرة واحدة } أى النفخة الثانية { فإذا هم بالساهرة } ~~أى على وجه الأرض، فالعرب تسمي وجه الارض من الفلاة ساهرة أى ذات سهر ~~لانه يسهر فيها خوفا قال أمية بن أبي الصلت: # وفيها لحم ساهرة وبحر # وما فاهوا به لهم مقيم # وقال آخر: # فانما قصرك ترب الساهره # ثم تعود بعدها فى الحافره # من بعد ما كانت عظاما ناخره # وقال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك: الساهرة وجه الارض. وقال قوم " ~~بالساهرة " أى من بطن الأرض إلى ظهرها. وقالوا أيضا منكرين للبعث { أئذا ~~كنا عظاما نخرة } نرد ونبعث. والعظام جمع عظم، وهي مأخوذة من العظم وذلك ~~لعظم صلابتها وعظمها في نفسها. والنخرة البالية بما حدث فيها من التغيير ~~وإختلال البنية، جذع نخر إذا كان بهذه الصفة، وإذا لم تختل بنيته لم يكن ~~نخرا وإن بلي بالوهن والضعف وقيل: ناخرة مجوفة ينخر الرياح فيها بالمرور ~~في جوفها وقيل: ناخرة ونخرة سواء، مثل ناخل ونخل، ونخرة أوضح في المعني، ~~وناخرة اشكل برؤس الآى. وقيل: نخرة بالية مجوفة بالبلى. # ثم حكى ايضا ما قالوه، فانهم { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } فالكرة ~~المرة من المر وهي الواحدة من الكر، كر يكر كرة، وهي كالضربة الواحدة ~~من الضرب. والخاسر الذاهب رأس ماله فتلك الكرة كأنه قد ذهب رأس المال ~~منها، فكذلك الخسران. وإنما قالوا { كرة خاسرة } أى لا يجيء منها شيء ~~كالخسران الذى لا يجيء منه فائدة. وكأنهم قالوا: هو ms3578 كالخسران بذهاب رأس ~~المال، فلا يجيء به تجارة، فكذلك لا يجيء بتلك الكرة حياة. وقيل معنا { ~~تلك إذا كرة خاسرة } على ما تعدنا من العذاب. وقال الحسن: معناه كاذبة ~~ليست كائنة. ### || [79.15-25] # قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع { طوى إذهب } غير منونة. الباقون { طوى ~~إذهب } منونة. وقرأ نافع " تزكى " مشددة الزاي بمعنى تتزكى، فادغم التاء ~~في الزاي. الباقون خفيفة الزاي، فحذفت احدى التاءين. قال ابو عمرو: يقال: ~~تزكى مشددا إذا أردت تتصدق، ولم يدع موسى فرعون إلى ان يتصدق، وهو كافر. ~~وإنما قال له هل لك ان تصير زاكيا، قال: فالتخفيف هو الاختيار. ومن نون ~~" طوى " جعله اسم واد، ومن لم ينون جعله اسم الارض، لانه معدول من (طاو). ~~ومن كسر الطاء قال: قدس مرتين، وتبين فيه البركة مرتين، مثل ثنى وعدى. # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له { وهل ~~أتاك } يا محمد { حديث موسى } فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به التقرير { ~~إذ ناداه ربه } أى حين ناداه الله { بالواد المقدس طوى } فالنداء الدعاء ~~على طريقة يا فلان، والندا مد الصوت بندائه، فمعنى { ناداه } قال له يا ~~موسى. ثم أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي و { الوادي المقدس } يعني المطهر ~~و { طوى } قال مجاهد وقتادة: واد، وقيل طوى التقديس. وقرأ الحسن " طوى " ~~بكسر الطاء. وقيل طوي بالبركة والتقديس بندائه مرتين، قال طرفة بن العبد: # أعاذل إن اللوم في غير كنهه # علي طوى من غيك المتردد # أى اللوم المكرر، و " طوى " غير مصروف، لانه اسم البقعة من الوادي وهو ~~معرفة، ويجوز أن يكون معدولا من (طاوى) في قول الزجاج. # وقوله { إذهب إلى فرعون إنه طغى } اخبار من الله - عز وجل - عن حال ~~فرعون بأنه طغى، ومعناه تجاوز الحد فى الاستعلاء، والتمرد والفساد، يقال ~~طغى يطغى طغيانا فهو طاغ، ونظيره البغي، بغى على الناس يبغي بغيا فهو ~~باغ وهم البغاة والطغاة، ونظير الطغيان العدوان، وهو المجاوزة لحد ~~الصغيرة، وكل من طغى فقد عتا واعتدى. # ثم ذكر ما أمره ms3579 أن يقول له بأن قال { فقل هل لك إلى أن تزكى } أي ادعوه ~~إلى الله وطريق الجنة، و " قل " على وجه التلطف فى الكلام { هل لك إلى أن ~~تزكى } وتطهر من المعاصي، فالتزكي طلب الطالب أن يصير زاكيا، تزكي يتزكى ~~تزكيا، والزاكي النامي فى الخير، والزكاء النماء فى الخير، ولو نمى فى ~~الشر لم يكن زاكيا { وأهديك إلى ربك فتخشى } معناه وأهديك الى طريق الحق ~~الذي إذا سلكته وصلت إلى رضى الله وثوابه، فالهداية الدالة على طريق ~~الرشد من الغي. وقد يكون دلالة على معنى ليس برشد ولا غي كالدلالة على ~~الحركة فقط. وقوله { فتخشى } فالخشية توقع المضرة من غير قطع بها لا ~~محالة، والخشية والخوف والتقية نظائر، يقال: خشي يخشى خشية، فهو خاش، ~~وذاك مخشي. # وفى الكلام حذف وتقديره فأتاه فدعاه { فأراه الآية الكبرى } وقوله { ~~فكذب وعصى } حكايه عن فرعون أنه كذب موسى في ما دعاه اليه وجحد نبوته ~~وعصاه في ما أمره به من طاعة الله { ثم أدبر يسعى } أي ولى فرعون الدبر ~~بعد ذلك، فالادبار تولية الدبر، ونقيضه الاقبال وأقبل فلان إذا استقامت ~~له الأمور على المثل أي هو كالمقبل إلى الخير، وأدبر فلان إذا اضطربت ~~عليه حاله، ففرعون ولى الدبر ليطلب ما يكسر به حجة موسى عليه السلام فى ~~الآية الكبرى، وهي المعجزة العظيمة، فما ازداد إلا غواية، لأنه لا يقاوم ~~الضلال الحق. # وقوله { ثم أدبر يسعى } فالسعي الاسراع فى المشي، وفي إدباره يسعى فى ~~هذه الحال دليل على خوفه. وقيل: إنه لما رأى العصا انقلبت حية في عظمها ~~خاف منه، فادبر يسعى. # وقوله { فحشر فنادى } فالحشر الجمع من كل جهة، وقد يكون الجمع بضم جزء ~~إلى جزء، فلا يكون حشرا، فاذا جمع الناس من كل جهة، فذلك الحشر، ولهذا ~~سمي يوم الحشر. والحاشر الذي يجمع الناس من كل جهة الى الخراج، وإنما طلب ~~السحرة، فلما اجتمعوا ناداهم فقال لهم { أنا ربكم الأعلى } فالأعلى ~~المختص بعلو معنى صفته على غيره مما لا يناله بكيد وينال هو ms3580 به، ومن هنا ~~خرج بالغلو الى التعظيم، ولم يكن مثل ذلك فى جهة من الجهات، وكأنه قال: ~~أنا الذي أنال بالضرر من شئت ولا ينالني غيري. وكذب - لعنه الله - إنما ~~هذه صفة الذي خلقه وخلق جميع الخلق، ومعنى { نادى } ها هنا قال: يامعشر ~~الناس أنا ربكم الأعلى، إذ نادى بهذا القول. وقيل: كلمته الاولى # ما علمت لكم من إله غيري # وقوله الآخر هذا { أنا ربكم الأعلى } ذكره ابن عباس ومجاهد والشعبي ~~والضحاك. # ثم حكى تعالى ما عامله به من العقاب فقال { فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى } فالنكال عقاب بنكل من الاقدام على سببه بشدته، نكل به تنكيلا ~~إذا شوه به في عقابه بما يكون زاجرا لغيره عن مثل حذيه أشد الزجر الذي ~~يزعج النفس. وقال الحسن وقتادة: معناه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقال ~~مجاهد: أول عمله وآخره وقال بعضهم: نكاله فعلته الأولى، وهو قوله { ما ~~علمت لكم من إله غيري } وفعلته الأخيرة هو قوله { أنا ربكم الأعلى } وقال ~~قوم: معناه نكال الدنيا بالغرق ونكال الآخرة ما صار اليه بعد الموت من ~~العقاب. وقال الحسن { الآية الكبرى } اليد البيضاء. وقال غيره: قلب العصا ~~حية. ### || [79.26-33] # يقول الله تعالى بعد ما ذكر ما تقدم من قصة موسى وفرعون وما فعله الله ~~بقوم فرعون من الاهلاك والدمار { إن في ذلك لعبرة } يعني فيما قصه واخبر ~~به دلالة يمكن أن يعتبر بها العامل العاقل، فيعرف الحق ويميز بينه وبين ~~الباطل، يقال: اعتبرته اعتبارا وعبرة، ومنه العبارة لانه يعبر بالمعنى ~~فيها الى نفس المخاطب للافهام، ومنه عبور النهر وتعبير الرؤيا باخراج ما ~~فيها بعبورها المعنى إلى النفس السائلة عنها. # وقوله { لمن يخشى } إنما خص من يخشى بالعبرة، لانه الذي يعتبر بها ~~وينتفع بالنظر فيها دون الكافر الذي لا يخشى عذاب الله، كما قال # هدى للمتقين # ثم خاطب الكفار الجاحدين بالله تعالى على وجه التبكيت لهم والتوبيخ { ~~أأنتم أشد خلقا } ومعناه أانتم اشد أمرا بصغر حالكم { أم السماء } في ~~عظم جرمها وشأنها في وقوفها وسائر نجومها ms3581 وافلاكها. قال بعض النحويين { ~~بناها } من صلة السماء. والمعنى أم التي بناها. وقال آخرون { السماء } ~~ليس مما يوصل، ولكن المعنى أأنتم اشد خلقا أم السماء اشد خلقا. ثم بين ~~كيف خلقها فقال { بناها } والله تعالى لا يكبر عليه خلق شيء اشد من خلق ~~غيره، وإنما أراد انتم أشد خلقا عندكم وفى ظنكم مع صغركم أم السماء مع ~~عظمها وشدة إحكامها؟ وبين انه تعالى بنى السماء و { رفع سمكها } يعني ~~ارتفاعها، فالسمك مقابل للعمق، وهو ذهاب الجسم بالتأليف فى جهة العلو، ~~وبالعكس منه العمق. والطول ذهاب الجسم في جهة الطول. والعرض ذهابه فى جهة ~~العرض، وهو بالاضافة الى ما يضاف اليه. # وقوله { فسواها } فالتسوية جعل أحد الشيئين على مقدار الآخر على نفسه او ~~في حكمه، وكل ما جعل في حقه على ترتيبه مع غيره فقد سوي، فلما كان كل شيء ~~من السماء مجعولا فى صفة على ترتيبه مع غيره كانت قد سويت على هذا الوجه. # وقوله { وأغطش ليلها } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: ~~معناه اظلم ليلها. وقال ابو عبيدة: كل أغطش لا يبصر. وقال: ليلها اضاف ~~الظلام الى السماء لان فيها ينشأ الظلام والضياء بغروف الشمس وطلوعها على ~~ما دبرها الله. وقوله { وأخرج ضحاها } قال مجاهد والضحاك أخرج نورها. # وقوله { والأرض بعد ذلك دحاها } قال مجاهد والسدي: معناه دحاها مع ذلك، ~~كما قال { عتل بعد ذلك } أي مع ذلك. وقال ابن عباس: ان الله دحا الأرض ~~بعد السماء، وإن كانت الارض خلقت قبل السماء، ومعنا دحاها بسطحها دحا ~~يدحو دحوا ودحيت ادحي دحيا لغتان، قال أمية بن أبي الصلت: # دار دحاها ثم أعمر بابها # واقام بالأخرى التي هي أمجد # وقال اوس بن حجر: # ينفي الحصا عن جديد الارض مبترك # كأنه فاحص أو لاعب داح # وقوله { أخرج منها } يعني من الارض { ماءها } يعني المياه التي تخرج من ~~الارض وفيها منافع جميع الحيوان، وبه قوام حياتهم كما قال # وجعلنا من الماء كل شيء حي # { ومرعاها } أي واخرج المرعى من الارض، ms3582 وهو النبات الذي يصلح أن ترعاه ~~الماشية، فهي ترعاه بأن تأكله فى موضعه، رعت ترعى رعيا ومرعى، وسمي ~~النبات الذي يصلح أن يرعى به. # وقوله { والجبال أرساها } أي واثبت الجبال في الارض. والارساء الاثبات ~~بالثقل. فالسفينة ترسو أي تثبت بثقلها فلا تزول عن مكانها، وربما ارست ~~بالبحر بما يطرح لها. فأما الجبال فانها أوتاد الارض، وأرسيت بثقلها، وفى ~~جعلها على الصفة التي هي عليها اعظم العبرة. # وقوله { متاعا لكم ولأنعامكم } أي خلقنا ما ذكرناه من الارض وما يخرج ~~منها من المياه والمراعي نفعا ومتعة تنتفعون بها معاشر الناس وينتفع بها ~~أنعامكم: الابل والبقر والغنم، ففى الاشياء التي عددها اعظم دلالة واوضح ~~حجة على توحيد الله، لأن الارض مع ثقلها الذي من شأنه ان يذهب سفلا هي ~~واقفة بامساك الله تعالى، وهي على الماء. ومن شأن الماء أن يجري في ~~المنحدر، وهي وافقة بامساك الله تعالى فقد خرجت عن طبع الثقيل، وذلك لا ~~يقدر عليه غير القادر لنفسه الذي يخترع الاشياء إختراعا، دون القادر ~~بقدرة الذى لا يقدر أن يفعل فى غيره إلا على وجه التولية بأن يعتمد عليه، ~~فدل ذلك على ان الفاعل لهذه الاشياء لا يشبه الاشياء ولا تشبهه. وفى ~~اخراج الماء من الارض عبر لا تحصى كثرة بما فيه من المنفعة، وما له من ~~المادة على موضع الحاجة، وسد الخلة مع ما فيه من المنفعة والتوفيق فى ~~السير الى المكان البعيد بالسهولة، كل ذلك من الله تعالى به على خلقه ~~وأنعم به عليهم. # وقوله { متاعا } نصب على المفعول له، وتقديره اخرج منها ماءها ومرعاها ~~للامتاع لكم لان معنى أخرج منها ماءها ومرعاها امتع بذلك. ### || [79.34-46] # قرأ ابو جعفر وعياش عن أبي عمرو { إنما أنت منذر من يخشاها } بالتنوين. ~~الباقون على الاضافة. والمعنى واحد. فمن نون جعل " من " فى موضع النصب. ~~وإنما اختار ذلك، لانه جعله { منذرا } في الحال. ومن اضافه استخف ذلك ~~كما استخف في قوله # عارضا مستقبل أوديتهم # والتنوين مقدر، لان المعنى إنه منذر فى الحال، وفيما ms3583 بعد. ومن اضاف ~~جعلها في موضع جر. والمنذر النبي صلى الله عليه وآله قال الله تعالى # إنما أنت منذر ولكل قوم هاد # قال قوم: المنذر النبي صلى الله عليه وآله والهادي علي عليه السلام. ~~وقيل { لكل قوم هاد } داع يدعوهم الى الحق. # يقول الله تعالى مهددا للمكلفين من خلقه { فإذا جاءت الطامة الكبرى } ~~قال ابن عباس: الطامة القيامة. وقال الحسن: الطامة هي النفخة الثانية. ~~وقيل: هى الصيحة التي تطم على كل شيء، وهى الصيحة التي يقع معها البعث ~~والحساب والعقاب والثواب وقيل هى الطامة الغامرة الهائلة، وفى المثل: ما ~~من طامة إلا وفوقها طامة قال الفراء: يقال: تطم على كل شيء يطم. وقال ~~قوم: الطامة الغامرة، لما يتدفق بغلظها وكثرتها. وقيل: هى الغاشية ~~المجللة التي تدفق الشيء بالغلظ، ثم بين متى مجيئها فقال { يوم يتذكر ~~الإنسان ما سعى } ومعناه تجيء الطامة فى يوم يتذكر الانسان ما عمله في ~~دار التكليف من خير او شر وسعى فيه، ويعلم ما يستحقه من ثواب وعقاب { ~~وبرزت الجحيم لمن يرى } أي لمن يراها ويبصرها شاهدا، فالتبريز اظهار ~~الشيء بمثل التكشيف الذي يقضي اليه بالاحساس، ويقال: فلان مبرز فى الفضل ~~إذا ظهر به اتم الظهور، وبارز قرنه أي ظهر اليه من بين الجماعة. # ثم قسم احوال الخلق فى ذلك اليوم من العصاة والمطيعين، فقال { فأما من ~~طغى } بأن تجاوز الحد الذي حده الله، وارتكب المعاصي والطغيان والعصيان ~~بمجاوزة الحد فيه الى الافراط فيه، فكل كافر طاغ بافراطه في ظلم نفسه، ~~وظلم النفس كظلم غيرها فى التعاظم، وقوله { وآثر الحياة الدنيا } معناه ~~اختار منافع الحياة الدنيا بارتكاب المعاصي وترك ما وجب عليه، فالايثار ~~إرادة الشيء على طريقة التفضيل له على غيره، ومثله الاختيار، لانه يختاره ~~على انه خير من غيره، فمن آثر الأدنى على الاولى فهو منقوص بالحاجة، كما ~~ان من آثر القبيح على الحسن كان منقوصا. وقيل: المعنى من آثر نعيم ~~الحياة الدنيا على نعيم الآخرة والحياة حياتان: حياة الدنيا وهى المنقطعة ~~الفانية، وحياة الآخرة، ms3584 وهى الدائمة، فمن آثر الباقي الدائم على الفاني ~~المنقطع كان حسن الاختيار، ومن آثر الفاني على الباقي كان سيء الاختيار ~~مقبحا. # ثم بين تعالى ما له في الآخرة فقال { فإن الجحيم هي المأوى } اي النار ~~مثواه ومستقره وموضع مقامه. # ثم ذكر من هو بضد ذلك فقال { وأما من خاف مقام ربه } ومعناه من خاف مقام ~~مسألة ربه عما يجب فعله أو تركه وعمل بموجب ذلك بأن فعل الطاعة وأمتنع من ~~المعصية { ونهى نفسه عن الهوى } وما تدعو اليه شهواته، فالهوى اريحية في ~~النفس تدعو إلى ما لا يجوز فى العقل، فاتباع الهوى مذموم، وليس يجوز أن ~~يعمل شيئا لداعي الهوى وإن عمل لداعي العقل على موافقة الهوى لم يضره. ~~وقيل: هم قوم صغرت الدنيا فى عينهم حين رأوا الآخرة - ذكره قتادة - وقيل: ~~الزهد في الدنيا، والرغبة في الاخرة هو التمسك بطاعة الله وأجتناب ~~معصيته. # ثم بين تعالى ما له في مقابلة ذلك من الثواب فقال { فإن الجنة هي المأوى ~~} أي هي مقره ومأواه، فالالف واللام تعاقب الضمير كقولهم مررت بحسن الوجه ~~أي حسن وجهه. وقال الزجاج: تقديره هي المأوى له ولا يكون بدلا من الهاء ~~كما لا يكون بدلا من الكاف في قولك غض الطرف، قال: وقال الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا سعدا بلغت ولا كلابا # ويروى (فلا كعبا) والجنة البستان الذى يجنه الشجر فجنة الخلد بهذه ~~الصفة على ما فيها من القصور والابنية الحسنة التي قد جمعت كل تحفة وطرفة ~~مما تشتهي الانفس وتلذ الاعين، من غير أذى ملحق بحال في عاجل ولا آجل. ~~وروي أن قصورها مبنية بفاخر الجوهر من الياقوت والزبرجد، ومنه ما هو ~~بلبنة من فضة ولبنة من ذهب، فتعظيم الله لها وتشويقه اليها يدل على أنها ~~على اجل حال تشتهي فيها مع أنه لا يتعاظم في مقدور الله - عز وجل -. # ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله، فقال { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها } أى متى يكون قيامها على ما وصفها ف { أيان } بمعنى ms3585 (متى) الا ~~أن (متى) أكثر استعمالا في السؤال عن الزمان ونظيرها (أين) في السؤال عن ~~المكان. ولذلك فسرت { أيان } ب (متى) والارساء الثبوت من قولهم: رست ~~السفينة ترسو رسوا فهي راسية إذا ثبتت ومنه. قوله { أرساها } ويجوز أن ~~يكون المراد بالمرسى المصدر. ويجوز أن يكون وقت الارساء والمعنى متى ثبت ~~أمرها بقيامها. # وقوله { فيم أنت من ذكراها } أى انه ليس عندك علم متى تكون، وإنما عندك ~~علم أنها تكون - ذكره الحسن - وقال غيره: هي حكاية قولهم، أى قد اكثرت من ~~ذكرها، فمتى تكون؟. وقوله { إلى ربك منتهاها } أى قل لهم إلى الله تعالى ~~إجراؤها، فالمنتهى موضع بلوغ الشيء، وكأنه قيل: إلى ربك منتهى أمرها ~~باقامتها لان منتهى أمرها بذكرها ووصفها والاقرار بها إلى الرسول ~~باقامتها، ومنتهى أمرها اقامتها إلى الله تعالى لا يقدر عليه إلا الله ~~تعالى. # وقيل: المعنى إلى ربك منتهى علمها أى لا يعلم إلا هو متى وقت قيامها - ~~ذكره الحسن -. # وقوله { إنما أنت منذر من يخشاها } خطاب من الله للنبي صلى الله عليه ~~وآله بأنه إنما يخوف من يخاف ذلك اليوم وهو يوم القيامة، وإنما خص ~~الانذار بمن يخشى، لانه لما كان المنتفع بالانذار من يخشى فكأنه خص ~~بالانذار. والكافر لما لم ينتفع بذلك فكأنه لم ينذر أصلا. # ثم بين تعالى سرعة مجيئها وقرب حضورها فقال { كأنهم يوم يرونها لم ~~يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } وقال قتادة: معناه إنهم إذا رأوا الآخرة صغرت ~~الدنيا فى أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحاها ~~يعني ضحى العشية. وأضيف الضحى إلى العشية، وضحوة الضحى اليوم الذي يكون ~~فيه، فاذا قلت أتيتك صباحا ومساء، فالمعنى أتيتك العشية أو غداتها، قال ~~الفراء: وانشدني بعض بني عقيل: # نحن صبحنا عامرا في دارها # عشية الهلال أو سرارها # قبل اصفرار الشمس واحمرارها # أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية فهذا أشد من ذلك، ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-10] # قرأ عاصم وحده { فتنفعه الذكرى } بالنصب على أنه جواب (لعل) فجرى مجرى ~~جواب ms3586 الأمر والنهي، لان (لعل) للترجمي فهي غير واجبة، كما أن الامر غير ~~واجب في حصول ما تضمنه. الباقون بالرفع عطفا على { يذكر }. وقرأ نافع ~~وابن كثير { تصدى } مشددة الصاد على أن معناه تتصدى فأدغم، أحدى التائين ~~في الصاد لقرب مخرجهما. الباقون { تصدى } بتخفيف الصاد باسقاط أحدى ~~التائين. # وقرأ ابن ابي بزة وابن فليح عن ابن كثير { تلهى } بتشديد اللام بمعنى ~~تتلهى، فأدغم احدى التائين في اللام. الباقون بتخفيف اللام وحذف احدى ~~التائين يقول الله تعالى { عبس وتولى } ومعناه قبض وجهه وأعرض، فالعبوس ~~تقبض الوجه عن تكره، والعبوس البسور وهو التقطيب وعبس فلان في وجه فلان ~~مثل كلح، ومنه اشتق اسم عباس، ومعنى { تولى } أعرض وذهب بوجهه عنه فصرفه ~~عن ان يليه يقال: تولى عنه بمعنى أعرض عنه، وتولاه بخلاف تولى عنه، فان ~~تولاه بمعنى عقد على نصرته، وتولى عنه أعرض. # وقوله { أن جاءه الأعمى } معناه عبس لأن جاءه الاعمى، وقال ابن خالويه: ~~تقديره إذ جاءه الاعمى، المراد به عبد الله بن أم مكتوم - في قول ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد - وقال الفراء: كانت أم مكتوم أم ~~ابيه. وقال غيره: كانت أمه. وقال ابن خالويه ابوه يكنى أبا السرج. ~~واختلفوا فيمن وصفه الله تعالى بذلك، فقال كثير من المفسرين وأهل الحشو: ~~إن المراد به النبي صلى الله عليه وآله قالوا وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وآله كان معه جماعة من أشراف قومه ورؤسائهم قد خلا بهم فاقبل ابن أم ~~مكتوم ليسلم فأعرض النبي صلى الله عليه وآله عنه كراهية أن تكره القوم ~~إقباله عليه فعاتبه الله على ذلك. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان مسلما، ~~وإنما كان يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وهو لا يعلم أن رسول الله ~~مشغول بكلام قوم، فيقول يا رسول الله. # وهذا فاسد، لان النبي صلى الله عليه وآله قد أجل الله قدره عن هذه ~~الصفات، وكيف يصفه بالعبوس والتقطيب، وقد وصفه بأنه # لعلى خلق عظيم # وقال # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ms3587 من حولك # وكيف يعرض عمن تقدم وصفه مع قوله تعالى # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه # ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله وحسن أخلاقه وما خصه الله تعالى به من ~~مكارم الاخلاق وحسن الصحبة حتى قيل إنه لم يكن يصافح احدا قط فينزع يده ~~من يده، حتى يكون ذلك الذي ينزع يده من يده. فمن هذه صفته كيف يقطب في ~~وجه أعمى جاء يطلب الاسلام، على أن الانبياء عليهم السلام منزهون عن مثل ~~هذه الاخلاق وعما هو دونها لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم والاصغاء ~~إلى دعائهم، ولا يجوز مثل هذا على الانبياء من عرف مقدارهم وتبين نعتهم. # وقال قوم: إن هذه الآيات نزلت في رجل من بني أمية كان واقفا مع النبي ~~صلى الله عليه وآله، فلما اقبل ابن أم مكتوم تنفر منه، وجمع نفسه وعبس في ~~وجهه وأعرض بوجهه عنه فحكى الله تعالى ذلك وانكره معاتبة على ذلك. # وقوله { وما يدريك } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وتقديره { قل } يا ~~محمد { وما يدريك لعله يزكى } وإنما اضاف العبوس إلى النبي صلى الله عليه ~~وآله من أضاف { وما يدريك } أنه رآه متوجها اليه ظن انه عتب له دون أن ~~يكون متوجها اليه على أن يقول لمن فعل ذلك ويوبخه عليه. ومعنى قوله { ~~يزكى } أي يتزكى بالعمل الصالح، فأدغم التاء في الزاي، كما أدغمت في ~~الذال في قوله { يذكر } ومعناه يتذكر، ولا يجوز إدغام الزاي في التاء، ~~لأنها من حروف الصفير، وهي الصاد والسين والزاي. # وقوله { أو يذكر } معناه أو يتذكر ما أمره الله تعالى به، ويفكر فيما ~~أمره بالفكر فيه. وقد حث الله تعالى على التذكير في غير موضع من القرآن ~~فقال # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # وقال # إنما يتذكر أولو الألباب # وينبغي للانسان أن يستكثر من ذكر ما يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل. # ثم بين انه متى يذكر { فتنفعه الذكرى } أي الفكر فيما أمره الله به من ~~القرآن وغيره من الادلة. ms3588 # وقوله { أما من استغنى } معناه أما من كان غنيا أو وجدته موسرا، ~~فالاستغناء الاكتفاء بالأمر فيما ينفي الضرر وقد يكتفى الاناء فى ملئه ~~بما فيه، فلا يستغني استغناء فى الحقيقة. وقوله { فأنت له تصدى } فالتصدى ~~هو التعرض للشيء كتعرض العطشان للماء. وأصله الصدى، وهو العطش. ورجل ~~صديان أي عطشان والصدى الصوت الذي يرده الجبل أو الحمام ونحوهما، قال ~~مجاهد: المراد ب { من استغنى } عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة. وقال ~~سفيان: نزلت في العباس، فقال الله تعالى { وما عليك ألا يزكى } أي قل له ~~وما عليك ألا يتزكى، فالتزكي هو التطهر من الذنوب، واصله الزكاء وهو ~~النماء، فلما كان الخير ينمي للانسان بالتطهر من الذنوب كان تزكيا. # ثم قال { وأما من جاءك يسعى وهو يخشى } يعني عبد الله بن أم مكتوم جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وآله، وهو يخشى معصية الله والكفر، والخشية هي ~~الحذر من مواقعة المعصية خوفا من عقاب الله تعالى { فأنت عنه تلهى } أي ~~تعرض عنه فالتلهي عن الشيء هو التروح بالاعراض عنه والتلهي به التروح ~~والاقبال عليه ومنه قولهم إذا استأثر الله بشيء فاله عنه أي اتركه وأعرض ~~عنه. ### || [80.11-23] # يقول الله تعالى { كلا } أي ليس الأمر ينبغي أن يكون على هذا، وقوله { ~~إنها تذكرة } أي كلا إن السورة تذكرة { فمن شاء ذكره } أي التنزيل أو ~~الوعظ. وقال قوم: الهاء عماد، والمبتدأ محذوف وتقديره إنها هي تذكرة. ~~والتذكرة حضور الموعظة ففيها أعظم الفائدة وفي الغفلة اكبر الآفة. # والفرق بين التذكرة والمعرفة أن التذكرة ضد الغفلة والمعرفة تضاد الجهل ~~والسهو، فكلاهما يتعاقبان على حال الذكر دون السهو، كتعاقب العلم وأضداده ~~على حال الذكر دون السهو، والذكر معظم، لانه طريق إلى العلم بالحق من ~~الباطل والصحيح من الفاسد. وقيل: إن قوله { كلا } دال على أنه ليس له ان ~~يفعل ذلك في ما يستأنف. فاما الماضي فلم يدل على انه معصية، لأنه لم ~~يتقدم النهي عنه. # وقوله { فمن شاء ذكره } دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن القدرة ms3589 مع ~~الفعل، وأن المؤمن لا قدرة له على الكفر، وأن الكافر لا يقدر على ~~الايمان، لأنه تعالى بين أن من شاء ان يذكره ذكره، لانه قادر عليه. # وقوله { في صحف مكرمة } أي ما ذكرناه تذكرة في صحف مكرمة أي معظمة ~~مبجلة، ووصفت الصحف بأنها مكرمة تعظيما لما تضمنته على الحكمة. وقوله { ~~مرفوعة مطهرة } أي مصونة عن ان تنالها أيدي الكفار الانجاس. وقال الحسن: ~~مطهرة من كل دنس. وقوله { مرفوعة مطهرة } أي رفعها الله عن دنس الانجاس ~~ونزهها عن ذلك. وقوله { بأيدي سفرة } قيل السفرة ملائكة موكلون بالاسفار ~~من كتب الله. والسفرة الكتبة لاسفار الحكمة، واحدهم سافر، كقولك كاتب ~~وكتبة، وواحد الاسفار سفر. وأصله الكشف من الأمر، سفرت المرأة إذا كشفت ~~عن وجهها، فالكاتب يسفر بالكتاب عما في النفس. وقال ابن عباس: السفرة ~~الكتبة، وفي رواية أخرى عنه إنها الملائكة. وقال قتادة: هم القراء: وقيل: ~~هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، وسفير القوم الذي يسفر ~~بينهم في الصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، قال الشاعر: # ولم أدع السفارة بين قومي # وما أمشي بغش إن مشيت # واسفر الصبح إذا أضاء. وقوله { كرام بررة } من صفة السفرة، وصفهم الله ~~بأنهم كرام، وهو جمع كريم، وهو الذي من شأنه أن يأتي بالخير من جهته ~~مهنا من غير شائب يكدره. وهي صفة مدح، ومنه أخذت الكرمة لشرف ثمرتها، ~~والكرم يتعاظم، فالنبي أكرم ممن ليس بنبي، والمؤمن اكرم ممن ليس بمؤمن. و ~~{ البررة } جمع بار، تقول بر فلان فلانا يبره فهو بار إذا أحسن اليه ~~ونفعه. والبر فعل النفع اجتلابا للمودة. والبار فاعل البر، وجمعه بررة ~~مثل كاتب وكتبة. وأصله اتساع النفع منه، ومنه البر سمي به تفاؤلا باتساع ~~النفع به، ومنه البر لاتساع النفع به. # ورجل بر، وامرأة برة والجمع بررة، ولا يجمع الا على هذا استغنا به. # وقوله { قتل الإنسان ما أكفره } معناه لعن الانسان، قال مجاهد: وهو ~~الكافر. وقيل: معناه إنه حل محل من يدعى عليه بالقتل في ماله بقبح ms3590 الفعل، ~~فيخرجه مخرج الدعاء عليه ولا يقال: إن الله دعا عليه بالقتل لقبح اللفظ ~~بذلك لما يوهم من تمني المدعو به. ومعنى { ما أكفره } أي شيء اكفره؟! على ~~وجه التقريع له والتوبيخ. وقيل معناه النفي، وتقديره ما أجحده لنعم الله ~~مع ظهورها { من أي شيء خلقه } تعجيبا له، لأنه يعلم أن الله خلقه من ~~نطفة، ثم بين تعالى مماذا خلقه فقال { من نطفة خلقه فقدره } فالتقدير جعل ~~الشيء على مقدار غيره، فلما كان الانسان قد جعل على مقدار ما تقتضيه ~~الحكمة فى أمره من غير زيادة ولا نقصان كان قد قدر أحسن التقدير، ودبر ~~أحسن التدبير { ثم السبيل يسره } أي سهل له سبيل الخير فى دينه ودنياه ~~بأن بينه له وأرشده اليه ورغبه فيه، فهو يكفر هذا كله ويجحده ويضيع حق ~~الله عليه في ذلك من الشكر وإخلاص العبادة. وقال ابن عباس وقتادة والسدي: ~~يسر خروجه من بطن أمه. وقال مجاهد: سهل له طريق الخير والشر، كقوله # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # وقال الحسن: سبيل الخير، وقال ابن زيد: سبيل الثواب، وقال الحسن { يسره ~~} معناه بصره طريق الهدى والضلال. وقيل يسر خروجه من بطن أمه، فانه كان ~~رأسه الى رأس أمه ورجلاه إلى رجليها، فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه ~~منها. وقالوا: يسرى ويسراة جمعوه على (فعلة) وأجروه مجرى (فاعل) من ~~الصحيح. # وقوله { ثم أماته فأقبره } فالاماتة أحداث الموت. وفي الناس من قال: ~~الاماتة عرض يضاد الحياة مضادة المعاقبة على الحال الواحدة، وهي حال ~~تعديل البنية الحيوانية، وذلك أن ما لا يصح أن تحله حياة لا يصح أن يحله ~~موت. وقال قوم: الموت عبارة عن نقض البنية الحيوانية أو فعل ما ينافي ما ~~تحتاج اليه الحياة من الرطوبات والمعاني. وقوله { فأقبره } الاقبار جعل ~~القبر لدفن الميت فيه، يقال: أقبره إقبارا، والقبر الحفر المهيأ للدفن ~~فيه، ويقال: أقبرني فلانا أي جعلني اقبره فالمقبر هو الله تعالى يأمر ~~عباده أن يقبروا الناس إذا ماتوا، والقابر الدافن للميت بيده قال الاعشى: ms3591 # لو اسندت ميتا الى نحرها # عاش ولم ينقل الى قابر # حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر # وقوله { ثم إذا شاء أنشره } فالانشار الاحياء للتصرف بعد الموت كنشر ~~الثوب بعد الطي انشر الله الموتى فنشروا كقولهم احياهم فحيوا، والمشيئة ~~هي الارادة والمعنى إذا شاء الله تعالى أن يحيي الميت احياه - وهو قول ~~الحسن - للجزاء بالثواب والعقاب. # وقوله { كلا لما يقض ما أمره } معناه كلا لما لم يقض ما عليه مما أمره ~~الله به، لأنه قد أمره بأشياء واجبة فلم يفعلها: من إخلاص عبادته وشكره ~~بحسب مقتضى نعمه. وقال مجاهد: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه. ### || [80.24-32] # قرأ اهل الكوفة { أنا صببنا } بفتح الألف على البدل من { طعامه } أو على ~~انه خبر مبتدإ محذوف. الباقون بالكسر على الاستئناف. # يقول الله تعالى لخلقه منبها لهم على قدرته على احياء الخلق بعد موتهم ~~ونشرهم ومجازاتهم بأن أمره ان ينظر إلى طعامه الذي يأكله ويتقوته، ويفكر ~~كيف يخلقه الله ويوصله اليه ويمكنه من الانتفاع به. وبين كيفية ذلك فقال ~~{ إنا صببنا الماء صبا } أي انزلنا الغيث إنزالا { ثم شققنا الأرض شقا ~~} فالشق قطع الشيء طولا ومثله الصدع والفرج والفطر، ومن ذلك شق الارض وشق ~~الخشبة وشق الشعرة فأما قطع الليطة، وقطع الشجر، فعلى خلاف ذلك، فبين ~~تعالى أنه يشق الارض ويخرج منها ما أنبته من أنواع النبات. ومن فتح { أنا ~~} على البدل، فعلى انه بدل اشتمال، ويكون موضعه جرا فتقديره فلينظر إلى ~~أنا صببنا. وقال آخرون: موضعه نصب، لان الأصل ب { أنا } و (لأنا) فلما ~~أسقط الخافض نصب على المعنى، فتقديره فلينظر الانسان إلى حدوث طعامه او ~~نبات طعامه، لانه موضع الاعتبار. وقال المبرد: تقديره فلينظر الانسان إلى ~~طعامه، لأنا صببنا فأخرجنا أي لهذه العلة كان طعامه، لان قوله { إنا ~~صببنا } ليس من الطعام فى شيء، وقال ابو علي: وهو بدل الاشتمال، لان ما ~~ذكره يشتمل على الطعام فهو بمنزلة قوله # قتل أصحاب الأخدود النار # وقوله { فأنبتنا فيها حبا ms3592 وعنبا وقضبا وزيتونا... } فالانبات إخراج ~~النامي حالا بعد حال، يقال أنبته الله انباتا فنبت نباتا، ففاعل النبات ~~والانبات واحد إلا أن الانبات يؤخذ منه صفة المنبت، والنبات يؤخذ منه ~~النابت. وليس النبات فاعلا لكنه الصائر على تلك الصفة بتصيير غيره، غير ~~انه لما أسند الفعل اليه اشتق له منه اسم الفاعل. والحب جمع الحبة مثل ~~الشعير والحنطة والسمسم والدخن والارز وغير ذلك، وكذلك يسمى حب اللؤلؤ ~~تشبيها بذلك فى تدويره. والقضب الرطبة - فى قول الضحاك، والفراء - وأهل ~~مكة يسمون القث قضبا. وأصله فيما يقطع رطبا من قولهم: قضبته وأقضبته ~~قضبا إذا قطعته رطبا، ومنه القضيب والمقتضب. والزيتون معروف. وإنما ~~ذكره الله تعالى لعظم النفع به والدهن الذي يكون منه { ونخلا } أي ~~وانبتنا من الارض نخلا وهو شجر الرطب والتمر { وحدائق غلبا } فالحديقة ~~البستان المحوط وجمعه حدائق، ومنه أحدق به القوم إذا أحاطوا به، ومنه ~~الحدقة لما احاط بها من جفنها. والغلب جمع أغلب وغلبا، وهي الغلاظ بعظم ~~الاشجار، وشجرة غلباء إذا كانت غليظة قال الفرزدق: # عوى فاثار اغلب ضيغميا # فويل ابن المراغة ما استثارا # وقوله { وفاكهة وأبا } يعني ثمر الاشجار التي فيها النفع والالذاذ، ~~يقال تفكه بكذا إذا استعمله للاستمتاع به والفاكهة تكون رطبة ويابسة. # والأب المرعى من الحشيش وسائر النبات الذي ترعاه الانعام والدواب، ويقال ~~أبا إلى سيفه فاستله كقولك هب اليه وبدر اليه، فيكون كبدور المرعى ~~بالخروج قال الشاعر: # جدنا قيس ونجد دارنا # ولنا الأب بها والمكرع # وقوله { متاعا لكم ولأنعامكم } فالمتاع كل شيء فيه الذاذ الامساس من ~~مأكل او منظر أو مشمم أو ملمس، وأصله المصدر من قولهم: امتعته امتاعا ~~ومتاعا ومتع النهار إذا ارتفع، لأن ارتفاعه يستمتع به. فبين تعالى انه ~~خلق ما خلق وانبت ما انبت من الارض لامتاع الخلق به من المكلفين وأنعامهم ~~التي ينتفعون بها. والانعام الماشية بنعمة المشي من الابل والبقر والغنم ~~بخلاف الحافر بشدة وطئه بحافره من الخيل والبغال والحمير. ### || [80.33-42] # قوله { فإذا جاءت الصاخة } قال ابن عباس: هي القيامة. وقيل: ms3593 هي النفخة ~~الثانية التي يحيا عندها الناس. وقال الحسن: الصاخة هي التي يصيخ لها ~~الخلق، وهي النفخة الثانية. والصاخة هي الصاكة بشدة صوتها الآذان فتصمها، ~~صخ يصخ صيخا، فهو صاخ. وقد قلبها المضاعف باكراهه التضعيف، فقال: أصاخ ~~يصيخ اصاخة قال الشاعر: # يصيخ للنبأة أسماعه # إصاخة الناشد للمنشد # ومثله تظنيت، والاصل تظننت. ثم بين شدة أهوال ذلك اليوم فقال { يوم يفر ~~المرء من أخيه و } من { أمه وأبيه و } من { صاحبته } التي هي زوجته فى ~~الدنيا { وبنيه } يعني أولاده الذكور نفر من هؤلاء حذرا من مظلمة تكون ~~عليه. وقيل: لئلا يرى ما ينزل به من الهوان والذل والعقاب. وقيل: نفر منه ~~ضجرا به لعظم ما هو فيه. وقيل: لأنه لا يمكنه ان ينفعه بشيء ولا ينتفع ~~منه بشيء # وقوله { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } فالمراد به الذكر من الناس ~~وتأنيثه امرأة، فالمعنى إن كل انسان مكلف مشغول بنفسه لا يلتفت إلى غيره، ~~من صعوبة الأمر وشدة أهواله. والشأن الأمر العظيم، يقال: لفلان شأن من ~~الشأن أي له أمر عظيم، وأصله الواحد من شؤن الرأس، وهو موضع الوصل من ~~متقابلاته التي بها قوام أمره. ومعنى { يغنيه } أي يكفيه من زيادة عليه ~~أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الامر الذي قد اكتنفه وملأ صدره، ~~فصار كالغني عن الشيء فى أمر نفسه لا تنازع اليه. # ثم قسم تعالى احوال العصاة والمؤمنين، فقال { وجوه يومئذ مسفرة } أي ~~مكشوفة مضيئة، فالاسفار الكشف عن ضياء من قولهم: أسفر الصبح إذا أضاء، ~~وسفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها، ومنه السفر، لأنه يكشف عن أمور تظهر به، ~~قال توبة الحميري. # وكنت إذا فاجأت ليلى تبرقعت # فقد رابني منها الغداة سفورها # أي كشفها قناعها. وقوله { ضاحكة مستبشرة } أي من فرحها بما اعددنا لها ~~من الثواب تكون ضاحكة مسرورة. والضحك الاستبشار وإن إضيف إلى الوجه، ~~فالمراد به أصحاب الوجوه، فأما الاسفار والاشراف فيجوز ان يكون للوجوه ~~خاصة بما جعل الله فيها من النور، لتفرق الملائكة بين المؤمنين ms3594 والكفار. # ثم قال { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } أي يكون على تلك الوجوه ~~غبار وجمعه غبرة { ترهقها } أي تغشاها " قترة " وهي ظلمة الدخان، ومنه ~~قترة الصائد موضعه الذي يدخن فيه للتدفي به. # ثم اخبر أن من كان على وجهه الغبرة التي تغشاها القترة { هم الكفرة } ~~جمع كافر { الفجرة } جمع فاجر، كما أن كاتبا يجمع كتبة، وساحرا يجمع ~~سحرة. وليس فى ذلك ما يدل على مذهب الخوارج من ان من ليس بمؤمن لا بد أن ~~يكون كافرا من حيث أن الله قسم الوجوه هذين القسمين. # وذلك انه تعالى ذكر قسمين من الوجوه متقابلين، وجوه المؤمنين ووجوه ~~الكفار، ولم يذكر وجوه الفساق من أهل الملة. ويجوز ان يكون ثم صفة اخرى ~~بخلاف ما لهذين، بان يكون عليها غبرة لا يغشاها قترة او يكون عليها ~~صفرة، ولو دل ذلك على ما قالوه لوجب أن يدل قوله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # على أن كل من لا يبيض وجهه من المؤمنين يجب ان يكون مرتدا، لانه تعالى ~~قال لهم # أكفرتم بعد إيمانكم # والخوارج لا تقول ذلك، لان من المعلوم ان - ها هنا - كفارا فى الأصل ~~ليسوا مرتدين عن الايمان. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # قرأ ابن كثير واهل البصرة { سجرت } خفيفة الجيم. الباقون بتشديدها وقرأ ~~اهل المدينة وابن عامر وحفص عن عاصم { نشرت } خفيفة الشين. الباقون ~~بالتشديد. وقرأ نافع وباقي أهل المدينة وابن عامر فى رواية ابن ذكوان ~~وعاصم إلا يحيى ورويس { سعرت } بتشديد العين. الباقون بتخفيفها. وقرأ ابو ~~جعفر { قتلت } مشددة التاء، الباقون بتخفيفها. # يقول الله تعالى مخبرا عن وقت حضور القيامة وحصول شدائدها { إذا الشمس ~~كورت } فاللفظ وإن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال، لأنه إذا اخبر تعالى ~~بشيء فلا بد من كونه، فكأنه واقع. والفعل الماضي يكون بمعنى المستقبل فى ~~الشرط والجزاء، وفى أفعال الله، وفى الدعاء إذا تكرر كقولك حفظك الله ~~وأطال بقاءك. # ومعنى { كورت } - فى قول ابن عباس وابي بن كعب ومجاهد وقتادة والضحاك - ~~ذهب نورها. وقال الربيع بن خيثم: ms3595 معناه رمي بها، والتكوير تلفيف على جهة ~~الاستدارة ومنه كور العمامة، كور يكور تكويرا، ومنه الكارة، ويقال: كورت ~~العمامة على رأسي اكورها كورا وكورتها تكويرا. ويقال: طعنه فكوره أى ~~رمى به، ذكره الازهرى، ومنه قولهم: اعوذ بالله من الحور بعد الكور أى من ~~النقصان بعد الزيادة فالشمس تكور بأن يجمع نورها حتى يصير كالكارة ~~الملقاة فيذهب ضوءها ويجدد الله - عز وجل - للعباد ضياء غيرها. # وقوله { وإذا النجوم انكدرت } فالنجوم جمع نجم، وهو الكوكب وجمعه كواكب. ~~ومنه نجم النبت إذا طلع ينجم نجما فهو ناجم، وكذلك نجم القرن، ونجم ~~السن. والانكدار انقلاب الشيء حتى يصير الأعلى الاسفل بما لو كان ماء ~~لتكدر. وقيل: اصل الانكدار الانصباب. قال العجاج: # ابصر خربان فضاء فانكدر # وقال مجاهد والربيع بن خيثم وقتادة وابو صالح وابن زيد: انكدرت معناه ~~تناثرت. وقوله { وإذا الجبال سيرت } فمعنى تسيير الجبال تصييرها هباء ~~وسرابا وقوله { وإذا العشار عطلت } فالعشار جمع عشراء، وهي الناقة التي ~~قد أنى عليها عشرة اشهر من حملها، وهو مأخوذ من العشرة. والناقة إذا وضعت ~~لتمام ففي سنة، وقال الفراء: العشار لقح الابل التي عطلها أهلها ~~لاشتغالهم بأنفسهم. وقال الجبائي: معناه ان السحاب يعطل ما يكون فيها من ~~المياه التى ينزلها الله على عباده فى الدنيا. وحكى الازهري عن ابي عمرو ~~انه قال: العشار الحساب. قال الازهرى: وهذا لا اعرفه فى اللغة. والمعنى ~~إن هذه الحوامل التى يتنافس اهلها فيها قد اهملت. # وقوله { وإذا الوحوش حشرت } قال عكرمة: حشرها موتها. وغيره قال: معناه ~~تغيرت الأمور بأن صارت الوحوش التى تشرد في البلاد تجتمع مع الناس وذلك ~~ان الله تعالى يحشر الوحوش ليوصل اليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام ~~التي دخلت عليها، وينتصف لبعضها من بعض، فاذا عوضها الله تعالى، فمن قال: ~~العوض دائم قال تبقى منعمة على الأبد. # ومن قال: العوض يستحق منقطعا اختلفوا فمنهم من قال: يديمها الله تفضلا ~~لئلا يدخل على العوض غم بانقطاعه. ومنهم من قال: إذا فعل بها ما تستحقه ~~من الاعواض ms3596 جعلها ترابا. # وقوله { وإذا البحار سجرت } معناه ملئت نارا كما يسجر التنور، وأصل ~~السجر الملأ قال لبيد: # فتوسطا عرض السري وصدعا # مسجورة متجاوز أقدامها # أي مملوءة، ومنه # البحر المسجور # قال ابن عباس وأبي بن كعب: سجرت اوقدت، فصارت نارا. وقال شمر بن عطية: ~~صارت بمنزلة التنور المسجور وقال الحسن والضحاك: معناه ملئت حتى فاضت على ~~الأرضين فتنسقها حتى تكون لجج البحار ورؤس الجبال بمنزلة واحدة، وقيل: ~~معنى { سجرت } جعل ماؤها شرابا يعذب به أهل النار. وقال الفراء: معناه ~~افضي بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف، ~~فلأنه يدل على القليل والكثير. # وقوله { وإذا النفوس زوجت } معناه ضم كل واحد منها إلى شكله، والنفس قد ~~يعبر به عن الانسان ويعبر به عن الروح، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس ~~ومجاهد وقتادة: كل إنسان بشكله من أهل النار وأهل الجنة. وقال عكرمة ~~والشعبي: معنى زوجت ردت الأرواح إلى الاجساد. وقيل: معناه يقرن الغاوي ~~بمن أغواه من شيطان أو إنسان. # وقوله { وإذا الموؤدة سئلت } فالموؤدة المقتولة بدفنها حية، فكانت العرب ~~تئد البنات خوف الاملاق، وأدها يئدها وأدا، فهي موؤدة أي مدفونة حية، ~~وعلى هذا جاء قوله # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق # وقال قتادة: # " جاء قيس ابن عاصم التميمي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: اني ~~وأدت ثماني بنات فى الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وآله " فاعتق عن ~~كل واحدة رقبة " قال اني صاحب أبل. قال " فاهد إلى من شئت عن كل واحدة ~~بدنة " # وقيل موؤدة للثقل الذي عليها من التراب وقوله # ولا يؤوده حفظهما # أي لا يثقله، قال الفرزدق: # ومنا الذي منع الوائدا # ت وأحيا الوئيد فلم يوأد # وإنما يسأل عن الموؤدة على وجه التوبيخ لقاتلهما، وهو أبلغ من سؤاله، ~~لان هذا مما لا يصلح إلا بذنب، فاي ذنب كان لك، فاذا ظهر انه لا ذنب لها ~~جاءت الطامة الكبرى على قاتلها، لانه رجع الأمر اليه بحجة يقر بها. وقال ~~قوم: تقديره سئلت قتلها بأي ذنب ms3597 قتلت، فالكناية عنها أظهر. وروي فى ~~الشواذ، وهو المروي عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنهم قرءوا { وإذا ~~المؤودة سألت بأي ذنب قتلت } جعلوها هي السائلة عن سبب قتلها لا المسئولة ~~وهو المروي فى اخبارنا # وقوله { وإذا الصحف نشرت } فالنشر بسط المطوي، والنشر للصحف والثياب ~~ونحوها. والصحف جمع صحيفة وهي الصحيفة التى فيها اعمال الخلق من طاعة ~~ومعصية، فتنشر عليه ليقف كل انسان على ما يستحقه. ### || [81.15-29] # قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي ورويس " بظنين " بالظاء أي ليس على ~~الغيب بمتهم، والغيب هو القرآن، وما تضمنه من الاحكام وغير ذلك من اخباره ~~عن الله. الباقون - بالضاد - بمعنى انه ليس بخيلا لا يمنع أحدا من ~~تعليمه ولا يكتمه دونه. وفى المصحف بالضاد. # قوله { فلا أقسم بالخنس } معناه إقسم و (لا) صلة. وقد بينا نظائره فيما ~~مضى. و { الخنس } جمع خانس، وهو الغائب عن طلوع، خنست الوحشية فى الكناس ~~إذا غابت فيه بعد طلوع. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الخنس ~~النجوم لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل. وقيل: تخنس في مغيبها بعد ~~طلوعها، وبه قال الحسن ومجاهد. وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير والضحاك: هي ~~الظباء. وقيل: القسم بالنجوم الخنس بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة. ~~وقوله " الجوار الكنس " معناه النجوم التى تجري فى مسيرها ثم تغيب فى ~~مغاربها على ما دبره تعالى فيها ففي طلوعها، ثم جريها فى مسيرها، ثم ~~غيبتها فى مواقفها من الآية العظيمة والدلالة الباهرة المؤدية إلى معرفته ~~تعالى ما لا يخفى على متأمل معرفته وعظيم شأنه، فالجارية النجوم السيارة، ~~والجارية السفن فى البحار، والجارية المرأة الشابة. # وقوله { الكنس } نعت ل { الجوار } وهو جمع (كانس) وهي الغيب فى مثل ~~الكناس، وهو كناس الوحشية بيت تتخذه من الشجرة تختفي فيه، قال طرفة: # كأن كناسي ضالة مكنفانها # واطرقسي تحت صلب مؤيد # وقوله { والليل إذا عسعس } قسم آخر، ومعنى { عسعس } أدبر بظلامه - فى ~~قول أمير المؤمنين علي عليه السلام وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن ~~زيد - وقال الحسن ومجاهد في رواية ms3598 والفضل بن عطية: أقبل بظلامه، وتقول ~~العرب: عسعس الليل إذا أدبر بظلامه. قال علقمة بن قرط: # حتى إذا الصبح لها تنفسا # وانجاب عنها ليلها وعسعسا # وقيل: عسعس دنا من أوله واظلم، والعس طلب الشيء بالليل، عس يعس عسا، ~~ومنه أخذ العسس. وقال صاحب العين: العس نقض الليل عن أهل الريبة والعس ~~قدح عظيم من خشب أو غيره، وكأن أصله امتلاء الشيء بما فيه، فقدح اللبن من ~~شأنه أن يمتلئ به، ويمتلىء الليل بما فيه من الظلام، وعسعس أدبر بامتلاء ~~ظلامه. وقال الحسن { والليل إذا عسعس } معناه إذا أظلم والصبح إذا تنفس ~~إذا أسفر. # وقوله { والصبح إذا تنفس } قسم آخر بالصبح إذا أضاء وامتد ضوءه يقال: ~~تنفس الصبح وتنفس النهار إذا امتد بضوئه، والتنفس امتداد هواء الجوف ~~بالخروج من الفم والأنف يقال: تنفس الصعداء. # وقوله { إنه لقول رسول كريم } جواب الاقسام التى مضت، ومعنى { إنه لقول ~~} يعني القرآن { رسول كريم } وهو جبرائيل عليه السلام - فى قول قتادة ~~والحسن - بمعنى إنه سمعه من جبرائيل، ولم يقله من قبل نفسه. # وقال: يجوز أن يراد به محمد صلى الله عليه وآله فانه أتى به من عند ~~الله. وقوله { ذي قوة } معناه قوي على أمر الله. وقيل: معناه قوي في نفسه ~~- في قول من قال: عنى به جبرائيل - لان من قوته قلبه قريات لوط بقوادم ~~اجنحته. # وقوله { عند ذي العرش } معناه عند الله صاحب العرش { مكين } أى متمكن ~~عنده، وفي الكلام تعظيم للرسول بأنه كريم، وأنه مكين عند ذي العرش العظيم ~~وأن الله تعالى أكد ذلك اتم التأكيد. وقوله { مطاع ثم أمين } من قال ~~المراد بالرسول جبرائيل، قال معناه إنه مطاع في الملائكة، أمين على وحي ~~الله. ومن قال: عنى به الرسول صلى الله عليه وآله قال: معناه إنه يجب أن ~~يطاع وأن من أطاعه فيما يدعوه اليه كان فائزا بخير الدنيا والآخرة. ~~ويرجو بطاعته الثواب ويأمن من العقاب، وإنه صلى الله عليه وآله كان يدعى ~~الأمين قبل البعث فالامين هو الحقيق بأن يؤتمن من ms3599 حيث لا يخون، ولا يقول ~~الزور، ويعمل بالحق في الامور. # ثم خاطب تعالى جماعة الكفار فقال { وما صاحبكم بمجنون } أي ليس صاحبكم ~~الذي يدعوكم إلى الله وإخلاص عبادته بمؤف العقل على ما ترمونه به من ~~الجنون. والمجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الامور على ما هي به للافة ~~الغامرة له، فبغمور الآفة يتميز من النائم، لان النوم ليس بآفة ولا عاهة. # وقوله { ولقد رآه بالأفق المبين } معناه إن النبي صلى الله عليه وآله ~~رأى جبرائيل عليه السلام على صورته التى خلقه الله عليها بالافق المبين، ~~فالافق ناحية من السماء يقال: هو كالنجم في الافق، وفلان ينظر في أفق ~~السماء. وقوله { مبين } أي هو ظاهر انه في أفاق السماء من غير تخيل لا ~~يرجع إلى يقين. وقال الحسن وقتادة: الافق المبين حيث تطلع الشمس. وقوله { ~~وما هو على الغيب بضنين } قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابراهيم والضحاك:، ~~معناه ليس على وحي الله وما يخبر به من الاخبار بمتهم أي ليس ممن ينبغي ~~أن يظن به الريبة، لان أحواله ناطقة بالصدق والامانة. ومن قرأ بالضاد ~~معناه ليس ببخيل على الغيب. # وقوله { وما هو بقول شيطان رجيم } معناه أنه ليس هذا القرآن قولا لشيطان ~~رجيم، قال الحسن: معناه رجمه الله باللعنة. وقيل رجيم بالشهب طردا من ~~السماء، فهو (فعيل) بمعنى (مفعول). وقوله { فأين تذهبون } معناه أين ~~تذهبون عن الحق الذي قد ظهر أمره وبدت أعلامه الى الضلال الذي فيه البوار ~~والهلاك، وهو استبطاء لهم فى القعود عن النبي صلى الله عليه وآله، والعمل ~~بما يوجبه القرآن، فالذهاب هو المصير عن شيء الى شيء بالنفوذ فى الأمر. # قال بعض بني عقيل: # تصيح بنا حنفية إذ رأتنا # وأي الارض نذهب بالصباح # يعني إلى أي الارض، وقيل معناه فأي طريق يسلكون أبين من الطريق الذي ~~بينه لكم { إن هو إلا ذكر للعالمين } يمكنكم أن تتوصلوا به إلى الحق. ~~والذكر ضد السهو وعليه يتضاد العلم وأضداده، لأن الذاكر لا يخلو من أن ~~يكون عالما او ms3600 جاهلا مقلدا أو شاكا، ولا يصح شيء من ذلك مع السهو الذي ~~يضاد الذكر. وقال الرماني: الذكر إدراك النفس الذى يضاد للمعنى بما يضاد ~~السهو. و " العالمين " جمع عالم. وقد فسرناه فى ما مضى. # وقوله { لمن شاء منكم أن يستقيم } على أمر الله ووعظ. وقوله { وما تشاؤن ~~إلا أن يشاء الله رب العالمين } قيل في معناه ثلاثة اقوال: # احدها - وما تشاؤن من الاستقامة إلا وقد شاءها الله، لانه قد جرى ذكرها ~~فرجعت الكناية اليها، ولا يجوز أن يشاء العبد الاستقامة إلا وقد شاءها ~~الله، لانه أمر بها ورغب فيها أتم الترغيب، ومن ترغيبه فيه إرادته له. # والثاني - وما تشاؤن شيئا إلا أن يشاء الله تمكينكم منه، لان الكلام ~~يقتضي الاقتدار على تمكينهم إذا شاء ومنعهم إذا شاء. # الثالث - وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ان يلطف لكم فى الاستقامة لما في ~~الكلام من معنى النعمة. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال شيبتني (هود) وأخواتها ~~(الواقعة) و { إذا الشمس كورت } وهو جميع ما وعظ الله به عباده. # فان قيل: اليس ان أنسا لما سئل هل اختضب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~قال ما شأنه الشيب، فقال: أو شين هو يا أبا حمزة. فقال كلكم يكرهه؟ # قيل عنه جوابان احدهما - أنه روي أن عليا عليه السلام لما غسل رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وجد فى لحيته شعرات بيضاء، وما لا يظهر إلا بعد ~~التفتيش لا يكون شيبا. الثاني - أنه أراد لو كان أمر يشيب منه إنسان ~~لشبت من قراءة ما فى هذه السورة، وما فيها من الوعيد كما قال # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى # وإنما أراد عظم الأهوال على ما بيناه. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-12] # قرأ أهل الكوفة { فعدلك } خفيفا. الباقون مشددا. وقرأ ابو جعفر { بل ~~يكذبون } بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب. وادغم حمزة ~~والكسائي اللام فى التاء ووافقهم الحلواني عن هشام. ms3601 # هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين من عباده، وفيه تهديد ووعيد فانه يقول ~~{ إذا السماء انفطرت } يعني انشقت، فالانفطار انقطاع الشيء من الجهات مثل ~~تفطر، ومنه الفطير قطع العجين قبل بلوغه بما هو مناف لاستوائه، فطره ~~يفطره اذا أوجده بما هو لقطع ما يصد عنه. والانفطار والانشقاق والانصداع ~~واحد. # وقوله { وإذا الكواكب انتثرت } معناه إذا النجوم تساقطت وتواقعت، ~~فالانتثار تساقط الشيء من الجهات يقال: انتثر ينتثر انتثارا ونثره ينثره ~~نثرا، واستنثر استنثارا والنثر من الكلام خلاف النظم { وإذا البحار ~~فجرت } أي خرق بعض مواضع الماء إلى بعض يقال فجر الانهار يفجرها تفجيرا، ~~ومنه الفجر لانفجاره بالضياء، ومنه الفجور لانخراق صاحبه بالخروج إلى ~~كثير من الذنوب. وقال قتادة: معنى فجرت أى تفجر عذبها فى مالحها، ومالحها ~~فى عذبها. # وقوله { وإذا القبور بعثرت } معناه بحثرت يقال: بعثر فلان حوضه وبحثره ~~بمعنى واحد إذا جعل اسفله أعلاه، والبحثرة إثارة الشيء بقلب باطنه إلى ~~ظاهره. وقل ابن عباس: بعثرت بحثت. # وقوله { علمت نفس ما قدمت وأخرت } جواب الشرط فى قوله { إذا السماء ~~انفطرت } وما بعده من الشروط. ومعنى { ما قدمت وأخرت } ما اخذت وتركت مما ~~يستحق به الجزاء. وقيل: معناه كل ما يستحق به الجزاء مما كان في اول عمره ~~او آخره. وقيل: معناه ما قدمت من عملها وما أخرت من سنة سنتها يعمل بها - ~~ذكره القرطي - وقال ابن عباس وقتادة: معناه ما قدمت من طاعة أو تركت وقيل ~~ما قدمت بعمله. # وقوله { يا أيها الإنسان } خطاب لجميع الناس من المكلفين يقول الله لهم ~~لكل واحد منهم { ما غرك بربك الكريم } أي أي شيء غرك بخالقك حتى عصيته ~~فيما أمرك به ونهاك عنه، فالغرور ظهور أمر يتوهم به جهل الامان من ~~المحذور تقول: غر يغر غرورا واغتره يغتره اغترارا قال الحارث ابن حلزة: # لم يغروكم غرورا ولكن # رفع الآل جمعهم والضحاء # والكريم القادر على التكرم من غير مانع، ومن هذه صفته لا يجوز الاغترار ~~به، لأن تكرمه على ما تقتضيه الحكمة من مجازاة المحسن ms3602 باحسانه والمسيء ~~باساءته. قال قتادة: غر الشيطان غرورا، وقيل: غره بجهله الوجه فى طول ~~الامهال، وقوله { الذي خلقك فسواك } نعت ل { ربك } ، وهو فى موضع الجر. ~~وقوله { فسواك } التسوية التعديل، والمراد - ها هنا - تسوية الله تعالى ~~آلته من اليدين والرجلين والعينين ونحو ذلك { فعد لك } فى المزاج على ~~وجه يصح معه وجود الحياة. # ومن خفف الدال أراد صرفك إلى أي صورة شاء من حسن أو قبح، ومن ثقل أراد ~~جعلك معدل الخلق معتدلا. واختار الفراء التشديد، لأن (في) مع التعديل ~~أحسن و (الى) مع العدل. # قوله { في أي صورة ما شاء ركبك } فالصورة البنية التى تميل بالتأليف ~~الى ممايلة الحكاية. وهي من صاره يصوره صورا إذا ماله، ومنه قوله # فصرهن إليك # أى املهن اليك، ولو كانت بنية من غير ممايلة لم يكن صورة. وقال مجاهد: ~~معناه { في أي صورة ما شاء ركبك } من شبه أب او أم او خال او عم. وقال ~~قوم: معناه فى أي صورة ما شاء ركبك من ذكر او أنثى وجسيم او نحيف وطويل ~~او قصير ومستحسن أو مستقبح، ومن قال: الانسان غير هذه الجملة أستدل بقوله ~~{ في أي صورة ما شاء ركبك } قالوا لانه بين أنه يركب القابل فى أى صورة ~~شاء، فدل على أنه غير الصورة. وقد بينا القول فى تأويل ذلك، على أن عندهم ~~أن ذلك الحي لا يصح عليه التركب والله تعالى بين أنه يركبه كيف شاء، وفي ~~أي صورة شاء وذلك خلاف مذهبهم. # ثم قال { كلا بل تكذبون بالدين } ومعنى { كلا } الردع والزجر أي ارتدعوا ~~وانزجروا، وقيل: معناه حقا بل تكذبون معاشر الكفار بالدين الذي هو ~~الجزاء من الثواب والعقاب لانكاركم البعث والنشور - ذكره مجاهد وقتادة - ~~وقيل: بل تكذبون بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله ثم قال ~~مهددا لهم { وإن عليكم لحافظين } يعني من الملائكة يحفظون عليكم ما ~~تعملون من الطاعة والمعصية. ثم وصفهم فقال { كراما كاتبين يعلمون ما ~~تفعلون } أي لا يخفى عليهم شيء من الذي تعملونه ms3603 فيثبتون ذلك كله. وقيل: ~~إن الملائكة تعلم ما يفعله العبد إما باضطرار كما تعلم أنه يقصد إلى ~~خطابنا وأمرنا ونهينا وإما باستدلال إذا رآه وقد ظهر منه الامور التي لا ~~تكون إلا عن علم وقصد من نحو التحري فى الوزن والكيل، ورد الوديعة وقضاء ~~الدين مما يتعمد فيه أهل الحقوق دون غيرهم، وقال الحسن: يعلمون ما تفعلون ~~من الظاهر دون الباطن. وقيل: بل هو على ظاهر العموم لان الله تعالى ~~يعلمهم إياه. ### || [82.13-19] # قرأ ابن كثير وأهل البصرة { يوم لا تملك } برفع الميم. الباقون بالنصب ~~على الظرف، ويجوز أن ينصبه باضمار فعل أى نقول يوم لا تملك، ومن رفع ~~استأنف ويجوز أن يجعله بدلا مما قبله. وقيل: ان { يوم } إذا أضيف إلى فعل ~~مضارع رفع وإذا اضيف إلى فعل ماض نصب، نحو قولهم: يوم يفعل، ويوم فعل، ~~وقال ابو علي: من رفع جعله خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو يوم: ومن نصب ~~فعلى أن يكون الخبر على الجزاء، فكأنه قال الجزاء يوم لا تملك نفس. # يقول الله تعالى مخبرا { إن الأبرار لفي نعيم } وهم الذين يفعلون ~~الطاعات التي يستحقون بها الجنة والثواب بأنواع اللذات جزاء على طاعاتهم، ~~واخبر أيضا { وإن الفجار } وهم الذين خرجوا عن طاعة الله إلى معصيته ~~والمراد به - ها هنا - الكفار { لفي جحيم } جزاء على كفرهم ومعاصيهم { ~~يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين } يعني لا يكونون غائبين عن ~~الجحيم بل يكونون مؤبدين فيها، وليس يدل ذلك على أن فساق أهل الملة لا ~~يخرجون من النار، لأنا بينا أن الآية مخصوصة بالكفار من حيث بينا فى غير ~~موضع أن معهم ثوابا دائما على إيمانهم لم ينحبط لبطلان القول بالتحابط، ~~فاذا لا بد من إخراجهم من النار ليوفوا ثوابهم. وقوله { يصلونها يوم ~~الدين } معناه إن الفجار يصلون في الجحيم يو م الجزاء على الاعمال. وسمي ~~الاسلام دينا لانه يستحق به الجزاء لان أصل الدين الجزاء، ودين اليهودية ~~وغيرها يستحق بها العقاب. ومعنى قوله { يصلونها } يلزمونها بكونهم فيها ~~ومنه المصطلي ms3604 الملازم للنار متدفيا بها، صلى يصلي صلا واصطلى يصطلي ~~اصطلاء. # وقوله { وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين } تعظيم ليوم ~~الجزاء بلفظ الاستفهام، والغرض فيه التنبيه على عظم حاله وما يستحق به من ~~ثواب وعقاب ليعمل العباد بما يؤديهم إلى الثواب والجنة والنجاة من ~~العقاب، وعظم يوم الدين لشدة الحاجة إلى نعيم الجنة، والنجاة من النار ~~ومن جملة العصاة، فلا يوم أعظم من ذلك. # ثم فسر تعالى ذلك وبينه بعد أن عظمه فقال { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~} ومعناه لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما يملك كثير من ~~الناس ذلك في الدنيا، فان الامر في ذلك اليوم لله وحده لم يملك أحدا ~~شيئا من الأمور كما ملكهم اشياء كثيرة في دار الدنيا. وقيل: معناه إنه ~~لا يمكن أحدا أن يجازي احدا إلا بالحق بأمر الله تعالى. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # { ويل } كلمة موضوعة للوعيد والتهديد، ويقال ذلك لمن وقع في هلاك وعقاب. ~~وقيل: إن ويلا واد في جهنم قعره سبعون سنة. وقيل { ويل } دعاء عليهم. ~~وقال ابن عباس: كان أهل المدينة من أخبث الناس كيلا إلى أن انزل الله ~~تعالى { ويل للمطففين } فاحسنوا الكيل، فهدد الله تعالى بهذا الخطاب كل ~~من بخس غيره حقه ونقصه ماله من مكيل او موزون، فالمطفف المقلل حق صاحبه ~~بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. والطفيف النزر القليل، وهو مأخوذ من طف ~~الشيء وهو جانبه، والتطفيف التنقيص على وجه الخيانة في الكيل أو الوزن، ~~وأما التنقيص في ما يرجع إلى مقدار الحق فلا يكون تطفيفا، ولفظة ~~(المطفف) صفة ذم لا تطلق على من طفف شيئا يسيرا إلى أن يصير إلى حال ~~تتفاحش، وفي الناس من قال: لا يطلق حتى يطفف أقل ما يجب فيه القطع في ~~السرقة، لانه المقطوع على أنه كبيرة. # وقوله { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } فالاكتيال الاخذ بالكيل ~~ونظيره الاتزان وهو الاخذ بالوزن، والاعتداد الاخذ بالعدد، يقال: اكتان ~~يكتال اكتيالا، وكاله ms3605 يكيله كيلا وكايله مكايلة وتكايل تكايلا، وإنما ذكر ~~في الذم { إذا اكتالوا على الناس يستوفون } ليبين منزلتهم في تعدي الحق ~~بأنهم لم ينقصوا الناس عن طريق مسامحة يعاملون الناس بمثل ذلك بل على محض ~~الظلم في البخس ويقال: اكتالوا ما عليهم بمعنى اخذوا ما عليهم، واكتالوا ~~منهم أى استوفوا منهم. وقيل: على الناس، فكنى عنهم. وقوله { وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون } كان عيسى ابن عمر يجعل (هم) فصلا في موضع رفع بمعنى ~~الفاعل. والباقون يجعلونه في موضع نصب، وهو الصحيح، وهو قول اكثر ~~المفسرين. وأهل الحجاز يقولون: وزنتك حقك وكلتك طعامك. وغيرهم يقولون: ~~كالوا لهم ووزنوا لهم، وفي الكتاب { كالوهم أو وزنوهم } بلا الف. ومن قال ~~تقديره: كالوا لهم أو وزنوا لهم، قال حذف (لهم) للايجاز من غير اخلال ~~بالمعنى، ويقال أخسر وخسر لغتان إذا نقص الحق. # وقوله { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } تبكيت للكافر ولكل ظالم ~~وباخس حق غيره في صورة الاستفهام. و (الظن) ها هنا بمعنى العلم، وتقديره ~~ألا يعلم انه يبعث يوم القيامة ويجازى على افعاله من طاعة او معصية ~~فيجازى بحسبها في اليوم الذى وصفه بأنه يوم عظيم. ويحتمل أن يكون المراد ~~بالظن الحسبان ايضا من ظن الجزاء والبعث وقوي في نفسه ذلك، وإن لم يكن ~~عالما يجب عليه أن يتحرز ويجتنب المعاصي خوفا من العقاب الذى يجوزه ~~ويظنه، كما أن من ظن العطب في سلوك طريق وجب أن يتجنب السلوك فيه. قال ~~البلخي: قال قوم: المعنى افما يوقنون انهم مبعوثون، جعله خطابا للمؤمنين ~~المصدقين بالبعث. # ثم زاد في صفة يوم القيامة الذي وصفه بأنه يوم عظيم وبينه فقال { يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين } أي يوم يبعثون يوم تقوم الناس من قبورهم ~~ويجتمعون في ارض المحشر، وإنما يقومون من قبورهم الى ارض المحشر لجزاء رب ~~العالمين، وحذف ذلك للدلالة عليه، ويحتمل { يوم يقوم } ثلاث أوجه: النصب ~~على ذلك اليوم يقوم او مبعوثون يوم يقوم. والرفع على الاستئناف، والجر ~~على البدل من { ليوم عظيم } وقال ms3606 قتادة: يقومون مقدار ثلثمائة سنة ويقصر ~~على المؤمنين حتى يكون كأحدى صلاة المكتوبة، وروي في الخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وآله ان أحدهم ليغيب في رشجه الى انصاف أذنيه. ### || [83.7-17] # روى حفص عن عاصم والمسيبي إلا هبة (بل ران) باظهار اللام. الباقون ~~بالادغام. وأمال اهل الكوفة إلا الأعشى والبرجمي { ران }. # قيل فى اصل قوله { كلا } قولان: # احدهما - إنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت للردع والزجر، وجرى ذلك ~~مجرى الاصوات من نحو (صه، ومه) وما اشبههما. # والثاني - أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على (لا) وشددت للمبالغة فى الزجر ~~مع الايذان بتركيب اللفظ. # ومعنى الآية ارتدعوا أيها الكفار والعصاة وانزجروا عن المعاصي معاشر ~~الكفار، ليس الامر على ما تظنون بل { إن كتاب الفجار } يعني كتابهم الذي ~~نبتت أعمالهم من المعاصي والفجور { لفي سجين } قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة: يعني في الارض السابعة السفلى، وهو قول الضحاك. وقال مجاهد: تحت ~~صخرة فى الارض السابعة السفلى، وروي فى الخبر أن { سجين } جب فى جهنم. ~~وقال ابو عبيدة: سجين شديد، وأنشد: # ضربا تواصى به الأبطال سجينا # يعني شديدا، فكأنه كشدة السجن، ويكون معناه شديد عذابه. وقيل: السجين ~~هو السجن على التخليد فيه، فهو (فعيل) من سجنته أسجنه سجنا، وفيه ~~مبالغة، كما يقال: شريب من الشرب، وسكير من السكر، وشرير من الشر. وقيل: ~~الوجه في جعل كتاب الفجار في سجبن أن تخليده فيه يقوم مقام التقريع وإن ~~عقابهم لا يفنى ولا يبيد كما لا يفنى كتاب سيئاتهم ولا يبيد، ثم قال على ~~وجه التعظيم والتفخيم و { ما أدراك ما سجين } أي تفصيله لا تعلمه وإن ~~علمته مجملا. ثم قال مفسرا لذلك { كتاب مرقوم } فالرقم طبع الخط بما فيه ~~علامة لأمر يقال: رقمه يرقمه رقما فهو راقم والشيء مرقوم ومنه رقمت ~~الثوب بعلامة لئلا يختلط. والمعنى إن هذا الكتاب الذي هو في السجن كتاب ~~قد كتب فيه جميع أفعاله من المعاصي والكفر. # ثم قال { ويل يومئذ للمكذبين } فهو تهديد لمن كذب بيوم الجزاء ولم يصدق ms3607 ~~بصحة الخبر بكونه، ثم فسر من عنى من المكذبين، فقال { الذين يكذبون بيوم ~~الدين } يعني يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، لان من كذب بالباطل وجحده لا ~~يتوجه اليه الوعيد بل هو ممدوح فلو أطلق كان فيه إبهام. ثم قال { وما ~~يكذب به } أي ليس يكذب بيوم الجزاء { إلا كل معتد أثيم } فالمعتدي ~~المتجاوز الحق إلى الباطل، يقال: اعتدى اعتداء، فهو معتد. والعادي الخارج ~~عن الحق، عدا يعدو عدوانا وأصله مجاوزة الحد ومن ذلك العداوة وهي مجاوزة ~~الحد فى الابغاض، والعدو مجاوزة الحد فى اسراع المشي، والاثيم مكتسب ~~القبيح أثم يأثم إثما فهو آثم واثيم وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى الاثم، ~~وتأثم من فعل كذا كقولك تحرج منه للاثم به وقال قتادة: اثيم في مريته، ثم ~~وصف المعتدي الأثيم، فقال { إذا تتلى عليه آياتنا } أي اذا قرئت عليه حجج ~~الله من القرآن وما فيه من الادلة { قال أساطير الأولين } فواحد الاساطير ~~أسطورة مثل أحدوثه وأحاديث. # وقيل: معناه أباطيل الأولين. وقيل: معناه هذا ما سطره الأولون أي كتبوه، ~~ولا أصل له. ثم قال تعالى { كلا بل ران على قلوبهم } معناه ليس الامر على ~~ما قالوه بل غلب على قلوبهم يقال منه: رانت الخمر على عقله ترين رينا ~~إذا سكر فغلبت على عقله، فالرين غلبة السكر على القلب. قال ابو زبيد ~~الطائي: # ثم لما رأوه رانت به الخمر # وإن لا يرينه بالقاء يرينه # أي مخافة يسكر، فهي لا تبقيه وقال الراجز: # لم تروحني نكرت ورين بي # ورين بالسافي الذي أمسى معي # وقال الحسن: وقتادة: الرين الذنب على الذنب حتى يموت القلب. وقال ابن ~~زيد: غلبت الذنوب على القلوب، فلا يخلص اليها خير العلوم. وقيل: معنى " ~~ران " غطى وعشى. وقوله { ما كانوا يكسبون } (ما) في موضع رفع، لأنها ~~الفاعلة لران وما يكسبون يعني من المعاصي، لان الطاعات وان كسبوها فما ~~رانت على قلوبهم قال البلخي: وفي ذلك دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل ~~في تفسير الطبع والختم والاضلال، لانه تعالى اخبر انهم الذين ms3608 يجعلون ~~الرين على قلوبهم. # ثم قال { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } قال الحسن وقتادة: هم ~~محجوبون عن احسانه. وقيل: عن كرامته. وقيل: لممنوعون. وأصل الحجب المنع. ~~ومنه قولهم: الاخوة تحجب الأم عن الثلث الى السدس. # ثم بين تعالى ما يفعل بهم فقال { ثم إنهم لصالوا الجحيم } ومعناه لازموا ~~الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها يقال: صلى بالنار يصلي صليا، فهو صال ~~والمصطلي الملازم للنار للتدفي بها. # ثم حكى انه يقال لهم على وجه التقريع والتبكيت: هذا الذي فعل بكم من ~~العقاب { هو الذي كنتم به تكذبون } في دار التكليف، وانما سمي مثل هذا ~~الخطاب تقريعا لأنه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم، فكل خبر على ~~هذا الوصف فهو تقريع وتوبيخ. ### || [83.18-28] # قرأ الكسائي وحده { خاتمه مسك } بألف قبل التاء. الباقون { ختامه مسك } ~~فالختام مصدر، والخاتم صفة، ونظيره: رجل كريم الطابع والطباع قال ~~الفرزدق: # فبتن خبابتي مصرعات # وبت افض اغلاق الختام # وقرأ ابو جعفر ويعقوب { تعرف } بضم التاء وفتح الراء { نضرة } بالرفع ~~على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتح التاء وكسر الراء ونصب { نضرة }. # لما ذكر الله تعالى الفجار وما أعده لهم من أنواع العقاب وأليم العذاب ~~ذكر الأبرار وهو جمع بر مثل جبل واجبال. والابرار الذين فعلوا الطاعات ~~واجتنبوا المعاصي، واخبر { إن كتاب الأبرار لفي عليين } أي مراتب عالية ~~محفوفة بالجلالة، فقد عظمها الله تعالى بما يدل على عظم شأنها في النعمة، ~~وجمعت بالواو والنون تشبيها بمن يعقل في الفضل وعظم الشأن. وقال ابن ~~عباس: العليون الجنة. وقال كعب وقتادة ومجاهد والضحاك: أرواح المؤمنين في ~~السماء السابعة، وقال الضحاك - في رواية - عليون سدرة المنتهى، وهي التي ~~اليها ينتهي كل شيء من أمر الله تعالى. وقيل: عليون علو على علو مضاعف، ~~ولهذا جمع بالواو والنون تفخيما لشأنه قال الشاعر: # فأصبحت المذاهب قد أذاعت # به الاعصار بعد الوابلينا # يريد مطرا بعد مطر غير محدود العدد، وكذلك تفخيم شأن العد الذي ليس على ~~الواحد، نحو ثلاثين إلى تسعين، وجرت العشرون ms3609 عليه. وقيل: عليون أعلى ~~الأمكنة. وقال الحسن: معنى فى عليين في السماء. وقال الجبائي: معناه فى ~~جملة الملائكة العليين، فلذلك جمع بالواو والنون. # ثم قال تعالى على وجه التعظيم لشأن هذه المنازل وتفخيم أمرها { وما ~~أدراك ما عليون } لان تفصيلها لا يمكن العلم بها إلا بالمشاهدة دون علم ~~الجملة. ثم قال { كتاب مرقوم } أي الكتاب الذي ثبت فيه طاعتهم { مرقوم } ~~أي مكتوب فيه جميع طاعاتهم بما تقر به أعينهم وتوجب سرورهم بضد الكتاب ~~الذي للفجار، لان فيه ما يسؤهم ويسخن أعينهم { يشهده المقربون } أي يشهد ~~هذا الكتاب الملائكة المقربون أي يشاهدون جوائزهم ويرونها. ومعنى ~~المقربون - ها هنا - هم الذين قربوا إلى كرامة الله فى أجل المراتب. # ثم اخبر تعالى { إن الأبرار } وهم أهل البر الذين فعلوه لوجهه خالصا من ~~وجوه القبح، فالبر النفع الذي يستحق به الشكر والحمد يقال: بر فلان ~~بوالده فهو بار به وبر به، وجمعه أبرار { لفي نعيم } أي ويحصلون فى ملاذ ~~وأنواع من الفنع { على الأرائك ينظرون } قال ابن عباس: الارائك الاسرة. ~~وقال مجاهد: هي من اللؤلئ والياقوت، واحدها أريكة، وهو سرير فى حجلة ~~ينظرون إلى ما أعطاهم الله من الملك والكرامة، والحجلة كالقبة على ~~الاسرة، ثم قال { تعرف في وجوههم نضرة النعيم } أي تتبين في وجوههم إشراق ~~النعمة والسرور بها. # وقوله { يسقون من رحيق } فالرحيق الخمر الصافية الخالصة من كل غش. قال ~~الخليل: هي أفضل الخمر وأجودها قال حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم # بردا يصفق بالرحيق السلسل # وقوله { مختوم } قيل إن هذا الخمر مختوم في الآنية بالمسك، وهو غير الذي ~~يجري في الانهار. وقوله { ختامه مسك } قيل في معناه قولان: # أحدهما - ان مقطعه مسك بأن يوجد ريح المسك عند خاتمة شربه - ذكره ابن ~~عباس والحسن وقتادة والضحاك. # والثاني - أنه ختم اناؤه بالمسك بدل الطين الذي يختم بمثله الشراب في ~~الدنيا - ذكره مجاهد وابن زيد - ومن قرأ { خاتمه } مسك أراد آخر شرابه ~~مسك ويفتح التاء في { خاتمه } لان العرب تقول: خاتم وخاتم وخاتام وخيتام. ~~ومن ms3610 قرأ { ختامه } أراد شرابهم مختوم بالمسك. والمسك معروف، وهو أجل ~~الطيب سمي مسكا، لأنه يمسك النفس لطيب ريحه والمسك - بالفتح - الجلد ~~لامساكه ما فيه { وفي ذلك } يعني في ذلك النعيم الذي وصفه الله { ~~فليتنافس المتنافسون } فالتنافس تمني كل واحد من النفسين مثل الشيء ~~النفيس الذي للنفس الاخرى أن يكون له تنافسوا في الشيء تنافسا ونافسه ~~فيه منافسة، والجليل الذي ينفس بمثله نفيس، ونفس عليه بالأمر ينفس نفاسة ~~إذا ضن به لجلالته. # وقوله { ومزاجه } أي مزاج ذلك الشراب الذى وصفه { من تسنيم } فالمزاج ~~خلط المائع بالمائع كما يمزج الماء الحار بالبارد، والشراب بالماء. يقال ~~أمزجه مزجا وامتزج امتزاجا ومازجه ممازجة وتمازجا تمازجا. والتسنيم عين ~~الماء يجري من علو إلى سفل يتسنم عليهم من الغرف، واشتقاقه من السنام، ~~وقال عكرمة: من تشريف، ويقال: سنام البعير لعلوه من بدنه. # وقوله { عينا يشرب بها المقربون } قيل في نصب { عين } وجوه: # أولها - أن { تسنيم } معرفة و { عينا } قطع منها، أو حال. # الثاني - أن يكون { تسنيم } مصدرا فيجري مجرى # أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما # الثالث - على تقدير أعني عينا، مدحا. # الرابع - يسقون عينا، والباء زائدة، يقال: شربت عينا وشربت بالعين وقد ~~فسرناه في { هل أتى }. ### || [83.29-36] # قرأ حفص { فكهين } بغير الف بمعنى فرحين مرحين. الباقون " فاكهين " بألف ~~بمعنى لاهين، وهو بمنزلة طامع وطمع، فالفاكه الطالب ما يتفكه به من نوادر ~~الأمور والفاكه الناعم المعجب بحاله والتفكه التمتع بالمأكول من غير أخذه ~~للقوت. وقرأ ابو عمرو - في رواية هارون - وحمزة والكسائي { هل ثوب } ~~بالادغام، لقرب مخرج اللام من الثاء، الباقون واليزيدي عن ابي عمرو ~~بالاظهار. # قيل إن هذه الآية نزلت في جماعة من كفار قريش كانوا يعيرون جماعة من ~~المسلمين الذين سبقوا إلى الايمان، ويهزؤن منهم، فقال الله تعالى مخبرا ~~بأن المجرمين كانوا من الذين آمنوا بالله ووحدوه وأخلصوا له العبادة ~~وصدقوا أنبياءه { يضحكون } على وجه الاستهزاء بهم والسخرية منهم { وإذا ~~مروا بهم } يعني إذا مر بهم المؤمنون وجازوا عليهم غمز بعضهم بعضا عليهم ~~على ms3611 وجه التعجب منهم والسخرية { وإذا انقلبوا إلى أهلهم } يعني الكفار ~~إذا انقلبوا إلى اهلهم واصحابهم { انقلبوا فاكهين } أي لاهين. ومن قرأ { ~~فكهين } أراد مرجين " معجبين " بحالهم { وإذا رأوهم } يعني الكفار إذا ~~رأوا المؤمنين في دار الدنيا { قالوا } يعني بعضهم لبعض { إن هؤلاء } ~~وأشاروا به إلى المؤمنين { لضالون } عن طريق الحق وعادلون عن الاستقامة، ~~فقال الله تعالى { وما أرسلوا عليهم حافظين } أي لم يرسل هؤلاء الكفار ~~حافظين على المؤمنين، فيحفظون ما هم عليهم، والمراد بذلك الذم لهم بعيب ~~المؤمنين بالضلال من غير أن كلفوا منعهم من المراد وأن ينطقوا في ذلك ~~بالصواب، فضلوا بالخطأ في نسبهم إياهم إلى الضلال، فكانوا ألوم منهم لو ~~اخطئوا فيه، وقد كلفوا الاجتهاد. # ثم قال { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } معناه إن يوم القيامة ~~الذي يجازي الله تعالى كل احد على عمله فيجازي المؤمن بالثواب والنعيم، ~~ويجازي الكافر بالعذاب والجحيم، ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار، ~~كما كان الكفار يضحكون من المؤمنين في الدنيا، وقيل الوجه في ضحك أهل ~~الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله تعالى وأعداءهم جعل لهم ~~سرورا في تعذيبهم ولو كان العفو قد وقع عنهم لم يجز أن يجعل السرور في ~~ذلك، لانه مضمن بالعداوة وقد زالت بالعفو. # وقوله { على الأرائك ينظرون } معناه إن المؤمنين على سرر في الحجال ~~واحدها أريكة ينتظرون ما يفعله الله بهم من الثواب والنعيم في كل حال، ~~وما ينزل بالكفار من اليم العقاب وشديد النكال. # ثم قال { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } وقيل في معناه قولان: # احدهما - هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكر بما كانوا يفعلون. # الثاني - ينظرون هل جوزي الكفار، فيكون موضعه نصبا ب { ينظرون } ~~والاول استئناف لا موضع له. وإنما قال " هل ثوب " لأن الثواب في أصل ~~اللغة الجزاء الذي يرجع على العامل بعمله، وإن كان الجزاء بالنعيم على ~~الاعمال في العرف، يقال: ثاب الماء يثوب ثوبا إذا رجع، وثاب اليه عقله ~~إذا رجع. ومنه التثاؤب. وقال ms3612 قوم: يقول المؤمنون بعضهم لبعض: هل جوزي ~~الكفار ما كانوا يفعلون سرورا بما ينزل بهم. ويجوز أن يكون ذلك من قول ~~الله أو قول الملائكة للمؤمنين تنبيها لهم على أنه جوزي الكفار على ~~كفرهم وسخريتهم بالمؤمنين وهزئهم، بأنواع العذاب ليزدادوا بذلك سرورا ~~إلى سرورهم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-9] # يقول الله تعالى لنبيه وهو متوجه إلى جميع المكلفين على وجه الوعيد لهم ~~والتخويف من عقابه والتنبيه لهم على قرب أو ان مجيئه { إذا السماء انشقت ~~} وتقديره إذكر إذا السماء انشقت، ومعناه إذا انفطرت السماء وتصدعت ~~وانفرجت، فالانشقاق افتراق إمتداد عن إلتئام، فكل انشقاق افتراق وليس كل ~~افتراق انشقاقا وقيل: الانشقاق الانفطار، والانصداع الانفراج. # وقوله { وأذنت لربها وحقت } قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: ~~معناه سمعت وأطاعت أي كأنها سمعت بأذن وأطاعت بانقياد لتدبير الله. تقول ~~العرب أذن لك هذا الامر إذنا بمعنى أسمع لك قال عدي بن زيد: # أيها القلب تعلل بددن # إن همي فى سماع وأذن # وقال آخر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بسوء عندهم اذنوا # أي سمعوا وقال عدي بن زيد: # فى سماع يأذن الشيخ له # وحديث مثل ما ذي مشار # وقيل إن معنى و { حقت } حق لها أن تأذن بالانقياد لامر ربها، يقال: حق ~~له أن يكون على هذا الأمر بمعنى جعل ذلك حقا. # وقوله { وإذا الأرض مدت } روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: # " تمد الارض يوم القيامة مثل الأديم " # ومعنى { مدت } بسطت إن الله تعالى يأمر بأن تمد مد الأديم العكاظي حتى ~~يزيد فى سعتها. وقيل معناه إنها تبسط باندكاك جبالها وآكامها حتى تصير ~~كالصحيفة الملساء. # وقوله { وألقت ما فيها وتخلت } معناه القت ما فيها من المعادن وغيرها، ~~وتخلت منها، وذلك مما يؤذن بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما فى بطنها عند ~~الشدة وقال قتادة ومجاهد: أخرجت الأرض أثقالها. وقوله { وأذنت لربها وحقت ~~} قد فسرناه وليس هذا على وجه التكرار، لأن الأول فى صفة السماء والثاني ~~فى صفة الارض فليس ms3613 بتكرار وهذا كله من أشراط الساعة وجلائل الامور التى ~~تكون فيها. وجواب { إذا السماء انشقت } محذوف وتقديره إذا كانت هذه ~~الاشياء التى ذكرها وعددها رأى الانسان ما قدم من خير او شر، وقيل جوابه ~~فى { إنك كادح } قال ابن خالويه الفاء مقدرة والتقدير إذا السماء انشقت ~~إلى قوله { وحقت } فيا أيها الانسان إنك كادح. وقال البلخي: الواو زائدة ~~وجواب قوله { وأذنت لربها } { وحقت } وهو كقوله { حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها } والأول هو الوجه. # وقوله { يا أيها الإنسان } خطاب لجميع المكلفين من البشر من ولد آدم ~~يقول الله لهم ولكل واحد منهم { يا أيها الإنسان إنك كادح } والكدح السعي ~~الشديد فى الامر يقال: كدح الانسان فى أمره يكدح، وفيه كدوح وخدوش أي ~~آثار من شدة السعي فى الامر، ومعنى { كادح إلى ربك كدحا } ايها الانسان ~~إنك فى امرك بشدة ومشقة إلى أن تلقى جزاء عملك من ربك، فانت لا تخلو فى ~~الدنيا من مشقة، فلا تعمل لها، واعمل لغيرها فيما تصير به إلى الراحة من ~~الكدح، فالغني والفقير كل واحد منهما يكدح ما يقتضيه حاله. # وقوله { فملاقيه } تفخيم لشأن الامر الذي يلقى من جهته، فجعل لذلك لقاء ~~جزائه، لقاءه وهذا من المعاني العجيبة والحكمة البالغة والهاء فى { ~~فملاقيه } يحتمل أمرين: أن تكون كناية عن الله، وتقديره فملاقي ربك أي ~~تلاقى جزاء ربك، ويحتمل أن تكون كناية عن الكدح، وتقديره فملاقي كدحك ~~الذي هو عملك. وقال تميم بن مقبل: # وما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت واخرى ابتغى العيش اكدح # أي ادؤب وأسعى فى طلب العيش. ثم قسم تعالى أحوال الخلق يوم القيامة فقال ~~{ فأما من أوتي كتابه بيمينه } يعني من أعطي كتابه الذي فيه ثبت أعماله ~~من طاعة او معصية بيده اليمنى { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } أي يواقف على ~~ما عمل من الحسنات وماله عليها من الثواب، وما حط عنه من الاوزار إما ~~بالتوبة أو المغفرة، فالحساب اليسير التجاوز عن السيئات، والاحتساب ~~بالحسنات. ومن نوقش بالحساب هلك، روي عن النبي صلى الله ms3614 عليه وآله، # وقوله { وينقلب إلى أهله مسرورا } أي فرحا مستبشرا. وقيل المراد ~~بالأهل - ها هنا - هم الذين أعد الله لهم من الحور العين، ويجوز أن يكون ~~المراد أقاربه إذا كانوا من أهل الجنة والسرور هو الاعتقاد أو العلم ~~بوصول نفع اليه في المستقبل أو دفع ضرر عنه وقال قوم: هو معنى فى القلب ~~يلتذ لأجله بنيل المشتهى يقال: سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل يسر ~~سرورا. ### || [84.10-15] # قرأ نافع وابن عامر وابن كثير والكسائي { يصلى } بضم الياء وفتح الصاد ~~وتشديد اللام. الباقون بفتح الياء وإسكان الصاد خفيفة. وأماله أهل الكوفة ~~إلا عاصما. # لما ذكر الله تعالى حكم من يعطى كتابه بيمينه من المؤمنين وأهل الطاعات ~~وما أعد لهم من أنواع النعيم وإنقلابه إلى أهله مسرورا، ذكر حكم الكفار ~~الذين يعطون كتاب أعمالهم وراء ظهورهم، وروي أنه يخرج شماله من ظهره، ~~ويعطي كتابه فيه. والوجه فى ذلك ما قدمناه من كون ذلك امارة للملاكة ~~والخلائق أنه من أهل النار كما أن إعطاء الكتاب باليمين علامة على أنه من ~~أهل الجنة. # ثم حكى ما يحل به فقال { فسوف يدعو ثبورا } فالثبور الهلاك أي يقول ~~واهلاكاه. والمثبور الهالك. وقيل: إنه يقول واثبوراه. وقال الضحاك يدعو ~~بالهلاك. وأصل الثبور الهلاك يقال: ثبره الله يثبره ثبرا إذا أهلكه. ~~ومثبر الناقة الموضع الذى تطرح ولدها فيه، لانها تشفي به على الهلاك، ~~وثبر البحر إذا جزر لهلاكه بانقطاع مائه، يقال: تثابرت الرجال فى الحرب ~~إذا تواثبت، لاشفائها على الهلاك بالمواثبة. والمثابر على الشيء المواظب ~~عليه لحمله نفسه على الهلاك بشدة المواظبة. وثبير جبل معروف والمثبرة ~~تراب شبيه بالنورة إذا وصل عرق النخل اليه وقف، لانه يهلكه، وإنما يقول: ~~واويلاه والهفاه واهلاكاه، لأنه ينزل به من المكروه لأجله مثل ما ينزل ~~بالمتفجع عليه. # وقوله { ويصلى سعيرا } معناه إن من هذه صفته يلزم الكون فى السعير، وهي ~~النار المتوقدة على وجه التأبيد. # وقوله { إنه كان في أهله مسرورا } معناه إنه اقتطعه السرور بأهله عما ~~يلزمه أن ms3615 يقدمه. فهو ذم له بهذا المعنى، ولو لم يكن إلا السرور بأهله لم ~~يذم عليه وقيل: معناه إنه كان فى أهله مسرورا بمعاصي الله ثم اخبر عنه { ~~إنه ظن } في دار التكليف { أن لن يحور } أى لن يبعثه الله للجزاء، ولا ~~يرجع حيا بعد أن يصير ميتا يقال: حار يحور حورا إذا رجع، وتقول: كلمته ~~فما أحار جوابا أى ما رد جوابا. وفى المثل (نعوذ بالله من الحور بعد ~~الكور) أى من الرجوع إلى النقصان بعد التمام، وحوره إذا رده إلى البياض ~~والمحور البكرة، لانه يدور حتى يرجع إلى مكانه، والمعنى إنه ظن ان لن ~~يرجع إلى حال الحياة فى الآخرة، فلذلك كان يرتكب المآثم وينتهك المحارم. ~~فقال الله ردا عليه ليس الأمر على ما ظنه { بلى } إنه يرجع حيا ويجازى ~~على أفعاله. # وقوله { إنه كان به بصيرا } معناه إنه يخبر عن أنه لن يجوز، بلى ويقطع ~~الله عليه بأنه يجوز على انه بصير به وبجميع الامور. ### || [84.16-25] # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء من { لتركبن } ومعناه لتركبن ~~أنت يا محمد. الباقون بضم الباء على أن يكون خطابا للجميع. # يقول الله تعالى مقسما بالشفق، وقد بينا أن (لا) صلة في مثل هذا، ~~والتقدير أقسم، وقد بينا أن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس ~~لاحد أن يقسم إلا بالله. وقال بعضهم: أقسم برب الشفق، والشفق هو الحمرة ~~التي تبقى عند المغرب في الافق، وقال الحسن وقتادة: الشفق الحمرة بين ~~المغرب والعشاء الآخرة. وقال قوم: هو البياض. والصحيح أن الشفق هو الحمرة ~~الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس وأصله الشفق في العمل، وهو الرقة على ~~خلل فيه، وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه. واشفق إذا رق بالخوف من ~~وقوعه. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: علي ثوب كأنه الشفق يريد حمرة. ~~والاعتبار بالشفق أنه علامة لوقت بعينه لا يختلف اقتضى اثبات عالم به. # وقوله { والليل وما وسق } قسم آخر بالليل وإتساقه. وقيل: معنى وسق جمع ~~إلى ms3616 مسكنه ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه، يقال: وسقته أسقه وسقا إذا ~~جمعته، وطعام موسوق أى مجموع في الغرائر والاوعية. والوسق الطعام المجتمع ~~وقدره ستون صاعا. # وقوله { والقمر إذا اتسق } قسم آخر بالقمر واتساقه أى اجتماعه على تمام ~~وهو افتعال من الوسق، فاذا تم نور القمر واستمر في ضيائه، فذلك الاتساق ~~له. وقال قتادة: معناه إذا استدار. وقال مجاهد: إذا استوى. # وقوله { لتركبن طبقا عن طبق } جواب القسم، ومعناه منزلة عن منزلة وطبقة ~~عن طبقة وذلك أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد ~~دعاه إلى فساد فوقه، لان كل شيء يحن الى شكله. وقيل: معنى { طبقا عن طبق ~~} جزاء عن عمل. وقيل: معناه شدة عن شدة. وقيل: طبقات السماء بعروج ~~الارواح. وقيل: معناه حالا عن حال من أحياء وإماتة، ثم أحياء. وقيل: ~~معناه لتصيرن الى الآخرة عن الدنيا. وقال ابو عبيدة: معناه لتركبن سنة ~~الاولين ومن كان قبلكم. ثم قال على وجه التبكيت لهم والتفريع { فما لهم ~~لا يؤمنون } أى أى شيء لهم لأجله لا يصدقون بالله واليوم الآخر ولا ~~يعترفون بالثواب والعقاب. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون أى ما وجه ~~الارتياب الذى يصرفهم عن الايمان. # وقوله { وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } عطف على قوله { لا يؤمنون } ~~والمعنى ما الذى يصرفهم عن الايمان وعن السجود لله والخضوع له والاعتراف ~~بوحدانيته إذا بلي عليهم القرآن الذى أنزلته على محمد صلى الله عليه وآله ~~الذى يلين القلب للعمل من الوعظ والوعد والوعيد يميز به بين الحق ~~والباطل، وهو مع ذلك معتذر عليهم الاتيان بمثله، فهو معجز له صلى الله ~~عليه وآله. # ثم قال تعالى { بل الذين كفروا يكذبون } معناه إن الذى يمنعهم من السجود ~~عند تلاوة القرآن تكذيبهم جهلا بما عليهم وعدولا عن الحق. وفي ذلك ~~التحذير من الجهل والحث على طلب العلم. وقيل: معناه ما لهم لا يؤمنون، ~~ولا بد من الجزاء على الاعمال ثم قال: تكذيبهم عن جهل منهم يصرفهم عن ~~ذلك. ms3617 # وقوله { والله أعلم بما يوعون } قال قتادة ومجاهد: معناه بما يوعون في ~~صدورهم وإنما قال: يوعون، لأنهم يحملون الآثام في قلوبهم، فشبه ذلك ~~بالوعاء، يقال: أوعيت المتاع ووعيت العلم، قال الفراء: الاصل جعل الشيء ~~في وعاء، والقلوب شبه أوعية لما يحصل فيها من معرفة او جهل. # ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله { فبشرهم } يا محمد جزاء على كفرهم { ~~بعذاب أليم } أي مؤلم. ثم استثنى من جملة من يخاطبه فقال { إلا الذين ~~آمنوا } بالله { وعملوا } الاعمال { الصالحات لهم أجرا غير ممنون } أي ~~غير منقوص، فى قول ابن عباس وقال غيره: غير مقطوع، وقيل: غير منغص بالمن ~~الذى يؤذي. وإنما قيل له: من، لانه قطع له عن شكر النعمة. قال الزجاج: ~~تقول العرب: مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد: # لمعفر قهد تنازع شلوه # غبس كواسب ما يمن طعامها # أى ما ينقص، وقيل ما يكدر، وكان ابن مجاهد ومحمد بن القاسم الانبارى ~~يقفان على قوله { فبشرهم بعذاب أليم } ويبتدؤن بقوله { إلا الذين آمنوا } ~~قال ابن خالويه: فسألتهما عن ذلك فقالا: الاستثناء منقطع ومعناه (لكن). ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-10] # قوله: { والسماء ذات البروج } قسم من الله تعالى بالسماء، ومنهم من قال ~~تقديره برب السماء. وقد بينا ما فى ذلك فى غير موضع. ثم وصف السماء بأنها ~~ذات البروج. فالبروج المنازل العالية. والمراد - ها هنا - منازل الشمس ~~والقمر - في قول المفسرين - ومثل ذلك قوله # ولو كنتم في بروج مشيدة # أى فى منازل عالية. وقيل: السماء اثنى عشر برجا يسير القمر فى كل برج ~~منها يومين وثلثا، فذلك ثمانية وعشرون منزلا. ثم يستتر ليلتين، ومسير ~~الشمس فى كل برج منها شهر. وقيل: البروج النجوم التي هي منازل الشمس ~~والقمر. # وقوله { واليوم الموعود } قسم آخر بهذا اليوم. وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وآله انه اليوم الذى يجازى فيه ويفصل فيه القضاء، وهو يوم القيامة - ~~وهو قول الحسن وقتادة وابن زيذ -. # قوله { وشاهد ومشهود } قسم آخر بالشاهد والمشهود، فالشاهد النبي صلى ~~الله عليه وآله والمشهود يوم ms3618 القيامة - في قول الحسن بن علي عليه السلام ~~وتلا قوله # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # وقال # ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود # وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، وفي رواية اخرى عن ابن عباس إن ~~الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقال قتادة: الشاهد يوم الجمعة، ~~والمشهود يوم عرفة. وقال الجبائي: الشاهد هم الذين يشهدون على الخلائق، ~~والمشهود هم الذين يشهدون عليهم، قال: ويجوز أن يكون المراد المدركين ~~والمدركات. وجواب القسم محذوف، وتقديره الأمر حق فى الجزاء على الاعمال. ~~وقيل الجواب قوله { قتل أصحاب الأخدود } وقال الأخفش: يجوز أن يكون على ~~التقديم والتأخير، وتقديره { قتل أصحاب الأخدود.. والسماء ذات البروج } ~~وقوله { قتل أصحاب الأخدود } معناه لعن. وقيل لعنوا بتحريقهم فى الدنيا ~~قبل الآخرة. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون المعنى بذلك القاتلين، ويحتمل ~~أن يكون المقتولين، فاذا حمل على القاتلين، فمعناه لعنوا بما فعلوه من ~~قتل المؤمنين وإن حمل على المقتولين، فالمعنى انهم قتلوا بالاحراق ~~بالنار. وذكر الله هؤلاء. المؤمنين بحسن بصيرتهم فى الصبر على دينهم حتى ~~أحرقوا بالنار، لا يعطون التقية بالرجوع عن الايمان. والاخدود هو الشق ~~العظيم في الارض، ومنه ما روي في معجزة النبي صلى الله عليه وآله أن ~~الشجرة دعاها النبي صلى الله عليه وآله فجعلت تخد الأرض خدا، حتى اتته. ~~ومنه الخد لمجاري الدموع. والمخدة لوضع الخد عليها، وتخدد لحمه إذا صار ~~فيه طرائق كالشقوق. # وقوله { النار ذات الوقود } فجر النار على البدل من الاخدود، وهو بدل ~~الاشتمال، ووصفها بأنها ذات الوقود، فالوقود - بفتح الواو - ما يشعل من ~~الحطب وغيره - وبضم الواو - الايقاد. # وإنما وصفها بأنها ذات الوقود مع ان كل نار ذات وقود لامرين: # أحدهما - انه قد يكون نار ليست ذات وقود كنار الحجر ونار الكبد. # والثاني - انه أراد بذلك وقودا مخصوصا، لانه معروف، فكأنه أراد الوقود ~~بأبدان الناس، كما قال # وقودها الناس والحجارة # وقوله { إذ هم عليها قعود } أي حين هم قعود عليها أي ms3619 بالقرب منها، وقال ~~الربيع بن أنس: الكفار الذين كانوا قعودا على النار خرج لسان منها ~~فأحرقهم عن آخرهم. وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام (أنهم كانوا من ~~المجوس) وقال الضحاك: كانوا من بني إسرائيل. وقيل: كانوا من اليمين. ~~ومعناه هم عليها قعود حين كان أولئك الكفار قعودا عند النار. والقعود ~~جمع قاعد كقولك: شاهد وشهود، وراكع وركوع، والقعود أيضا مصدر قعد يقعد ~~قعودا. # وقوله { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } أي حضور على مشاهدتهم لهم، ~~فكل حاضر على ما شاهده إما بسمع أو بصر، فهو شاهد. والمشاهد هو المدرك ~~بحاسة. # وقوله { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } معناه انه ~~لم ينقم هؤلاء الكفار من أولئك المؤمنين الذين أحرقوهم بالنار إلا ~~لايمانهم بالله تعالى القاهر الذى لا يقهر { الحميد } فى جميع أفعاله، ~~فالنقمة ايجاب مضرة على حال مذمومة. ونقيض النقمة النعمة، فهؤلاء الجهال ~~نقموا حال الايمان، لانهم جعلوها بجهلهم حالا مذمومة قال الشاعر: # ما نقموا من بني أمية # إلا أنهم يحلمون إن غضبوا # والداعي لهم إلى ان ينقموا من الايمان الجهل والخلاف، لأن ما سبقوا اليه ~~من الجهل يدعوهم إلى عداوة من خالفهم وسخف آرائهم، وإن ذلك يفسد عليهم ~~ملكهم. ويصرف الوجوه عنهم. # وقوله { الذي له ملك السماوات والأرض } صفة { العزيز الحميد } والمعنى ~~إن هؤلاء الكفار نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله تعالى العزيز، ومعناه ~~القاهر الذي لا يغالب الحميد ومعناه المستحق للحمد على جميع أفعاله { ~~الذي له ملك السماوات والأرض } ومعناه له التصرف فى السموات والارض ولا ~~اعتراض لاحد عليه. ثم قال { والله على كل شيء شهيد } أي عالم بجميعه لا ~~يخفى عليه شيء من ذلك. # وقوله { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } قال ابن عباس وقتادة ~~والضحاك: حرقوهم بالنار { ثم لم يتوبوا } إنما شرط عدم التوبة، لانهم لو ~~تابوا لما توجه اليهم الوعيد، وإن لم يتوبوا توجه اليهم الوعيد بقوله { ~~فلهم عذاب جهنم } يعني في الآخرة { ولهم عذاب الحريق } في الدنيا - في ~~قول الربيع - قال الفراء: لما ms3620 خددوا للمؤمنين الاخاديد وطرحوا فيها ~~النار وطرحوا فيها المؤمنين أرتفعت النار عليهم، فاحرقتهم فرق الاخاديد ~~ونجا المؤمنون. # وقال قوم { إن الذين فتنوا المؤمنين } جواب القسم في أول السورة، وهذا ~~غير صحيح، لان الكلام قد طال وانقطع بالاخبار ما بينها، وقال الزجاج: لهم ~~عذاب بكفرهم، وعذاب باحراقهم المؤمنين. ### || [85.11-22] # قرأ حمزة والكسائي إلا قتيبة وخلف { المجيد } بالخفض جعلوه نعتا للعرش. ~~الباقون بالرفع على أنه نعت لله تعالى، وقرأ نافع " محفوظ " بالرفع. ~~الباقون بالخفض نعتا للوح. ومن رفع جعله نعتا للقرآن. # اخبر الله تعالى عن صفة المؤمنين، فقال { إن الذين آمنوا } أي صدقوا ~~بتوحيد الله واخلاص عبادته { وعملوا الصالحات } من الاعمال، واجتنبوا ~~القبائح { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار } أى لهم بساتين تجري من تحت ~~أشجارها الانهار { ذلك الفوز الكبير } فالفوز النجاة بالنفع الخالص، ~~وأصله النجاة، وقيل للمهلكة مفازة تفاؤلا كأنه قيل: منجاة، وفاز فلان ~~بكذا أى خلص له نفعه، يفوز فوزا. ولا يقال إلا في تعظيم النفع الذى صار ~~له، وإنما ذكر الكبير - ها هنا - لان النعيم لهؤلاء العاملين كبير ~~بالاضافة إلى نعيم من لا عمل له ممن يدخل الجنة، لما فيه من الاجلال ~~والاكرام والمدح والاعظام. وقيل: الفوز الحظ الواقع من الخير. # ثم قال متوعدا ومتهددا للكفار والعصاة { إن بطش ربك لشديد } يا محمد ~~والبطش الاخذ بالعنف، بطش به يبطش بطشا ويبطش ايضا، فهو باطش، وإذا وصف ~~بالشدة فقد تضاعف مكروهه وتزايد إيلامه. وقوله { إنه هو يبدئ ويعيد } قال ~~ابن عباس: معناه إنه يبدأ العذاب ويعيده لاقتضاء ما قبله ذلك. وقال الحسن ~~والضحاك وابن زيد: يبدأ الخلق ويعيده لان الاظهر فى وصفه تعالى بأنه ~~المبدئ المعيد العموم في كل مخلوق { وهو الغفور } يعني الستار على خلقه ~~معاصيهم { الودود } أى واد لهم ومحب لمنافع خلقه { ذوالعرش المجيد } ~~ومعناه صاحب العرش، العظيم المجيد وقال ابن عباس: معناه الكريم. وقرأ اهل ~~الكوفة إلا عاصما المجيد بالجر جعلوه نعتا للعرش. ومعناه ذو العرش ~~الرفيع. الباقون بالرفع جعلوه نعتا للغفور أى هو الغفور الودود المجيد ms3621 ~~ذو العرش، قال المبرد: يجوز أن يكون نعتا لقوله { إن بطش ربك.... المجيد ~~} فيكون قد فصل بينهما، وفيه بعد لانه قال { لشديد } وقال { أنه هو يبدئ ~~ويعيد، وهو الغفور الودود ذو العرش } وفصل بهذا كله، يقال: مجدت الابل ~~تمجد مجودا إذا رعيتها فرعت وشبعت. ولا فعل لك، او أمجدتها أمجدها ~~إمجادا إذا اشبعتها من العلف وملأت بطونها ولا فعل لها في ذلك، وفي ~~المثل في كل شجر نار واستمجد المرح والغفار. ومعناه كثر ناره لانه ليس في ~~الشجر أكثر نارا من الغفار. # وقوله تعالى { فعال لما يريد } معناه ما يشاؤه ويريده من أفعال نفسه ~~يفعله لا يمنعه من ذلك مانع ولا يعترض عليه معترض، ولا يجوز أن يكون ~~المراد إنه فعال لكل ما يريد لان ذلك يقتضي انه فعال لكل ما يريد أن ~~يفعله العباد، وذلك انه يستحيل أن يفعل ما يريد أن يفعله العباد، لأن في ~~ذلك ابطال الامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب، إذ لا يأمرهم ~~أن يفعلوا ما قد فعله، ولا ينهاهم عنه، ولانه قد أراد من الكفار أن ~~يؤمنوا، لانه قد أمرهم بالايمان وما فعل إيمانهم وقد قال الله تعالى # وما الله يريد ظلما للعالمين # ولو فعل ظلمهم لكان قد أراد ظلمهم. وقوله { هل أتاك حديث الجنود فرعون ~~وثمود } معناه تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر، فانك تنتفع به، وهذا من ~~الايجاز الحسن والتفخيم الذي لا يقوم مقامه التصريح لما يذهب الوهم فى ~~أمرهم كل مذهب ويطلب الاعتبار كل مطلب. # وقوله { بل الذين كفروا في تكذيب } معناه بل هؤلاء الكفار الذين كفروا ~~كذبوا بالبعث والنشور فاعرضوا عما يوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، واقبلوا ~~على ما يوجبه الكفر والتكذيب من التأكيد، ولم يعلموا أن { الله من ورائهم ~~محيط } يقدر أن ينزل بهم ما انزل بفرعون. وقيل المعنى { هل أتاك حديث ~~الجنود } وما كان منهم إلى انبيائهم فاصبر كما صبر الرسل قبلك { بل الذين ~~كفروا في تكذيب } ايثارا منهم لأهوائهم واتباعا لسنن آبائهم. # وقوله { والله من ورائهم محيط } أي ms3622 هم مقدور عليهم كما يكون فيما احاط ~~الله بهم، وهذا من بلاغة القرآن. # وقوله { بل هو قرآن مجيد } أي كريم فالمجيد الكريم العظيم الكريم بما ~~يعطي من الخير، فلما كان القرآن يعطي المعاني الجليلة والدلائل النفيسة ~~كان كريما مجيدا بما يعطي من ذلك، لان جميعه حكم. وقيل: الحكم على ~~ثلاثة أوجه لا رابع لها: معنى يعمل عليه فيما يخشى ويتقى، وموعظة تلين ~~القلب للعمل بالحق، وحجة تؤدي إلى تمييز الحق من الباطل فى علم دين أو ~~دنيا، وعلم الدين أشرفهما وجميع ذلك موجود فى القرآن. # وقوله { في لوح محفوظ } عن التغيير والتبديل والنقصان والزيادة. وقال ~~مجاهد: المحفوظ أم الكتاب، وقيل: انه اللوح المحفوظ الذي كتب الله جميع ~~ما كان ويكون فيه - ذكره أنس بن مالك - أي كأنه بما ضمن الله من حفظه في ~~لوح محفوظ ومن رفع { محفوظ } جعله صفة القرآن. ومن قرأه بالخفض جعله صفة ~~اللوح. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-10] # قرأ { لما } بالتشديد عاصم وحمزة وابن عامر بمعنى { إلا } وقد جاء { لما ~~} مشددا بمعنى (إلا) في موضعين: إن، والقسم، كقولهم سئلتك لما فعلت ~~بمعنى إلا فعلت قال قوم: تقديره لمما، فحذفت إحدى الميمات كراهة اجتماع ~~الأمثال. وقرأ الباقون بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مؤكدة. وتقديره لعليها ~~حافظ، واللام لام الابتداء التي يدخل في خبر (إن) و (أن) مخففة من ~~الثقيلة. # هذا قسم من الله تعالى بالسماء وبالطارق، وقد بينا القول فيه فالطارق هو ~~الذي يجيء ليلا وقد فسره الله تعالى وبينه بأنه { النجم الثاقب } فالنجم ~~هو الكوكب قال الحسن: المراد بالنجم جميع النجوم. وقال ابن زيد: هو زحل. # وقوله { وما أدراك } معناه أنه لم تدر حتى أعلمتك، وكل ما يعلمه الانسان ~~فالله أعلمه بالضرورة أو بالدليل. قال قتادة: طروق النجم ظهورها بالليل ~~وخفاؤها بالنهار. # وقوله { والطارق } تبيين عن معنى وصفه بالطارق. وقوله { النجم الثاقب } ~~تبيين عن ماهيته نفسه يقال: طرقني فلان إذا أتاني ليلا وأصل الطرق الدق، ~~ومنه المطرقة، لأنه يدق بها، والطريق لان المارة تدقه بارجلها، والطارق ~~لأنه يحتاج ms3623 إلى الدق للتنبيه، والنجم هو الكوكب الطالع فى السماء، يقال ~~لكل طالع ناجم تشبيها به، ونجم النجم إذا طلع، وكذلك السن والقرن. ويوصف ~~بالطالع والغارب، لأنه إذا طلع من المشرق غاب رقيبه من المغرب، والثاقب ~~المضيء المنير، وثقوبه توقده وتنوره، تقول العرب: اثقب نارك أي اشعلها ~~حتى تضيء. وثقب لسانها بخروج الشعاع منها والثاقب أيضا العالي الشديد ~~العلو، تقول: العرب للطائر اذا ارتفع ارتفاعا شديدا قد ثقب. كله كأنه ~~ثقب الجو الأعلى. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: الثاقب المضيء. وقال ابن ~~زيد: هو العالي وهو زحل. # وقوله { إن كل نفس لما عليها حافظ } جواب القسم و (إن) ها هنا المخففة ~~من الثقيلة التي يتلقى بها القسم، والمعنى إن كل نفس لعليها حافظ - فيمن ~~خفف - ومن شدد قال: (ان) بمعنى (ما) وتقديره ليس كل نفس إلا عليها حافظ. ~~وقال قتادة: حافظ من الملائكة يحفظون عمله ورزقه وأجله، فالحافظ المانع ~~من هلاك الشيء حفظه يحفظه حفظا واحتفظ به احتفاظا فأما أحفظه فمعناه ~~أغضبه، وتحفظ من الامر إذا أمتنع بحفظ نفسه منه وحافظ عليه إذا واظب عليه ~~بالحفظ. # وقوله { فلينظر الإنسان مم خلق } أمر من الله تعالى للمكلفين من الناس ~~أن يفكروا ويعتبروا مماذا خلقهم الله. ثم بين تعالى مماذا خلقهم فقال { ~~خلق من ماء دافق } فالدفق هو صب الماء الكثير باعتماد قوي، ومثله الدفع، ~~فالماء الذي يكون منه الولد يكون دفقا وهي النطفة التي يخلق الله منها ~~الولد إنسانا أو غيره، وماء دافق معناه مدفوق، ومثله شر كاتم، وعيشة ~~راضية. # ثم بين ذلك من أي موضع يخرج هذا الماء، فقال { يخرج من بين الصلب ~~والترائب } فالصلب هو الظهر، والترائب جمع تريبة وهو موضع القلادة من صدر ~~المرأة - في قول ابن عباس - وهو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب. قال ~~المثقب. # ومن ذهب يشن إلى تريب # كلون العاج ليس بذي غصون # وقال آخر: # والزعفران على ترائبها # شرقا به اللبات والنحر # وقيل: إن نطفة الرجل تخرج من ظهره، ونطفة المرأة من صدرها، فاذا غلب ماء ms3624 ~~الرجل خرج الولد إلى شبه أهل بيت أبيه وإذا غلب ماء المرأة خرج إلى شبه ~~أهل بيت أمه. # وقوله { إنه على رجعه لقادر } قال عكرمة ومجاهد: معناه إنه تعالى على رد ~~الماء فى الصلب قادر. وقال الضحاك: إنه على رد الانسان ماء كما كان قادر، ~~والرجع الماء وأنشد ابو عبيدة للمنخل فى صفة سيف: # ابيض كالرجع رسوب إذا # ما ثلخ فى محتفل يختلي # ومعنى الآية إن الذي ابتدأ الخلق من ماء دافق أخرجه من بين الصلب ~~والترائب حيا قادر على اعادته { يوم تبلى السرائر } لان الاعادة أهون من ~~ابتداء النشأة، وقال الحسن وقتادة معناه أنه على رجع الانسان بالاحياء ~~بعد الممات قادر. وقوله { يوم تبلى السرائر } معناه تختبر باظهارها ~~وإظهار موجبها لان الابتلاء والاختبار والاعتبار كله إنما هو باظهار موجب ~~المعنى، ففي الطاعة الحمد والثواب وفى المعصية الذم والعقاب، وواحد ~~السرائر سريرة وهي الطوية فى النفس، وهو اسرار المعنى فى النفس، وقد يكون ~~الاسرار من واحد بعينه مع إطلاع غيره عليه فلا يكون سريرة. وقيل: إن الله ~~يفضح العاصي بما كان يستر من معاصيه ويجل المؤمن باظهار ما كان يسره من ~~طاعته ليكرمه الناس بذلك ويجلوه. # ثم بين تعالى أنه لا قدرة لهذا الانسان الذي يعيده الله - على معاصيه - ~~ويعاقبه على دفع ذلك عن نفسه ولا ناصر له يدفعه فالقدرة هي القوة بعينها. ### || [86.11-17] # هذا قسم من الله تعالى بالسماء ذات الرجع. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والضحاك: ذات المطر. وقال ابن زيد: يعني شمسها وقمرها ونجومها تغيب ثم ~~تطلع. وقيل: رجع السماء إعطاؤها الخير يكون من جهتها حالا بعد حال على ~~مرور الازمان رجعه يرجعه رجعا إذا أعطاه مرة بعد مرة. وقيل: الرجع الماء ~~الكثير تردده بالرياح التي تمر عليه قال المنخل فى صفة سيف: # أبيض كالرجع رسوب إذا # ما ثاخ فى محتفل يختلى # وقال الفراء: تبتدئ بالمطر ثم ترجع به فى كل عام. وقوله { والأرض ذات ~~الصدع } قسم آخر بالارض ذات الصدع. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن ms3625 ~~زيد: ذات الصدع انشقاقها بالنبات لضروب الزروع والاشجار: صدع يصدع صدعا ~~وتصدع الشيء تصدعا وانصدع إنصداعا وصدعه تصديعا. # وقوله { إنه لقول فصل } جواب القسم، ومعناه ان ما ذكره من اعادة الخلق ~~وإنشائهم النشأة الثانية قول فصل أي هو قول يفصل الحق من الباطل. ومثله ~~فصل القضاء، وكل معنى فانه يحتاج فيه إلى فصل حقه من باطله. ثم قال { وما ~~هو بالهزل } أي مع أنه فصل ليس بهزل والهزل نقيض الجد ومثله اللهو واللعب ~~والعبث يقال: هزل يهزل هزلا. # ثم اخبر تعالى عن الكفار فقال { إنهم يكيدون كيدا } أي يحتالون فى رفع ~~الحجج وإنكار الآيات ويفعلون ما يوجب الغيظ يقال: كاده يكيده كيدا ~~وكايده مكايدة وتكايد القوم تكايدا أي يحتالون فى رفع الحجج وإنكار ~~الآيات، فقال تعالى { وأكيد كيدا } أي أجازيهم على كيدهم، وسمي الجزاء ~~على الكيد باسمه لازدواج الكلام. وقيل: المعنى أنهم يحتالون لهلاك النبي ~~وأصحابه، وأنا أسبب لهم النصر والغلبة وأقوي دواعيهم إلى القتال، فسمى ~~ذلك كيدا من حيث يخفى عليهم ذلك. # وقوله { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله ~~بأن يمهلهم قليلا وأجرى المصدر على غير لفظه كما قال # أنبتكم من الأرض نباتا # و { رويدا } معناه إمهالا يقال: أرودته اروادا وتصغيره رويد. وقال ~~قتادة: معناه قليلا، والمعنى لا تعجل على طلب هلاكهم بل اصبر عليهم ~~قليلا، فان الله يهلكهم لا محالة بالقتل والذل فى الدنيا وما ينزل عليهم ~~في الآخرة من أنواع العقاب، وإن ما وعدتك لا يبعد عنهم. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-10] # قرأ الكسائي وحده { قدر فهدى } خفيفا. الباقون بالتشديد وهما لغتان على ~~ما فسرناه فيما مضى. # هذا امر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله ويدخل في ذلك جميع امته ~~يأمرهم بأن يسبحوا الله، ومعناه ان ينزهوه عن كل ما لا يليق به من الصفات ~~المذمومة والافعال القبيحة والاخلال بالواجبات، لان التسبيح هو التنزيه ~~لله عما لا يجوز عليه كوصفه بأنه لا إله إلا هو، فينفي ما لا يجوز في ~~صفته من ms3626 شريك في عبادته مع الاقرار بأنه لا إله إلا هو وحده. وقال ابن ~~عباس وقتادة: معنا { سبح... } قل سبحان ربي الأعلى، وروي أنه لما نزلت ~~هذه السورة، قال النبي صلى الله عليه وآله # " ضعوا هذا في سجودكم " # وقيل: معناه أن نزه إسم ربك بأن لا تسمي به سواه. وقيل: معناه نزه ربك ~~عما يصفه به المشركون وأراد بالاسم المسمى، وقيل معناه صل باسم ربك ~~الأعلى. وقيل: ذكر الاسم والمراد به تعظيم المسمى، كما قال الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # والاعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه. وصفة الأعلى منقولة إلى ~~معنى الاقدر حتى لو بطل معنى علو المكان لم يبطل أن يفهم بحقيقتها او هي ~~غير مضمنة بغيرها ولم ينقل إلى صفة الارفع وإنما يعرف في رفعة المكان. # وقوله { الذي خلق فسوى } نعت لقوله { ربك } وموضعه الجر ومعناه الذى خلق ~~الخلق فسوى بينهم فى باب الاحكام. وقيل: معنا فسوى أي عدل خلقهم، ~~فالتسوية الجمع بين الشيئين بما هما فيه { والذي قدر فهدى } فالتقدير ~~تنزيل الشيء على مقدار غيره، فالله تعالى خلق الخلق وقدرهم على ما اقتضته ~~الحكمة { فهدى } معناه أرشدهم إلى طريق الرشد من الغي، وهدى كل حيوان إلى ~~ما فيه منفعته ومضرته حتى انه تعالى هدى الطفل إلى ثدي أمه وميزه من ~~غيره، واعطى الفرخ حتى طلب الرزق من أبيه وأمه. والعصفور على صغره يطلب ~~مثل ذلك بهداية الله تعالى له إلى ذلك { والذي أخرج المرعى } معناه الذي ~~أنبت الحشيش من الارض لمنافع جميع الحيوان { فجعله غثاء أحوى } فالغثاء ~~ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات. والاحوى الأسود، ~~والحوة السوداء قال ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثات وفي أنيابها شنب # وقيل: أحوى معناه يضرب إلى السواد وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير ~~وتقديره الذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء، وقيل: الغثاء الهشيم اليابس ~~المتفتت اسود من احتراقه بعد خضرته ونعمته، قال ذو الرمة: # فرخاء حواء ms3627 أشراطية وكفت # فيها الذهاب وحفتها البراعيم # وقوله { سنقرئك فلا تنسى } معناه سنأخذ عليك قراءة القرآن، فلا تنسى ~~ذلك، فالاقراء اخذ القراءة على القاري بالاستماع لتقويم الزلل، والقراءة ~~التلاوة والقاري التالي، والنسيان ذهاب المعنى عن النفس بعد ان كان ~~حاضرا لها، ونقيضه الذكر، ومثله السهو، يقال: نسي ينسى نسيانا فهو ناس، ~~والشيء منسي. # والتذكير لما نسي والتنبيه لما غفل. وقيل { فلا تنسى إلا ما شاء الله } ~~أي ما شاء نسيانه مما لا يكلفك القيام بأدائه، لان التكليف مضمن بالذكر. ~~وقيل: إلا ما شاء الله كالاستثناء في الأيمان، وإن لم يقع مشيئة النسيان ~~وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر انزاله. وقال الفراء: لم يشأ الله ~~أن ينسى شيئا فهو كقوله { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك } ولا يشاء. ويقول القائل: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت وإلا ~~أن اشاء أن امنعك، والنية ألا يمنعه، ومثله الاستثناء في الأيمان. # وقوله { إنه يعلم الجهر وما يخفى } معناه إن الله تعالى يعلم السر ~~والعلانية، فالجهر رفع الصوت ونقيضه الهمس، وهو ضعف الصوت أي يحفظ عليك ~~ما جهرت به وما أخفيته مما تريد أن تعيه، جهر بالقراءة يجهر جهرا. ومنه ~~قوله # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها # قوله { ونيسرك لليسرى } أي نسهل لك العمل المؤدي الى الجنة فاليسرى ~~عبارة عن الجنة هنا، واليسرى الكبرى في تسهيل الخير بها واليسرى الفعلى ~~من اليسر، وهو سهولة عمل الخير. وقوله { فذكر } أمر للنبي صلى الله عليه ~~وآله أن يذكر الخلق ويعظهم { إن نفعت الذكرى } وإنما قال ذلك، وهى تنفع ~~لا محالة في عمل الايمان والامتناع من العصيان، كما يقال: سله إن نفع ~~السؤال أي فيما يجوز عندك، وقيل: معناه ذكرهم ما بعثتك به قبلوا أو لم ~~يقبلوا، فان إزاحة علتهم تقتضي اعلامهم وتذكيرهم وإن لم يقبلوا. وقوله { ~~سيذكر من يخشى } معناه سيتعظ وينتفع بدعائك وذكرك من يخاف الله ويخشى ~~عقابه: لان من لا يخافه لا ينتفع بها. ### || [87.11-19] # قرأ ابو عمرو وحمزة ms3628 { بل يؤثرون } بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون ~~بالتاء على الخطاب للمواجهين، وأدغم اللام فى التاء حمزة والكسائي إلا ~~قتيبة والحلواني عن هشام فى كل موضع. # لما أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله بالتذكرة وبين انه ينتفع ~~بها من يخاف عقابه ذكر - ها هنا - أنه يتجنبها أي يتجنب الذكرى الاشقى، ~~فالتجنب المصير في جانب عن الشيء بما ينافي كونه، فهذا الشقي تجنب الذكرى ~~بأن صار بمعزل عنها بما ينافي كونها، فالشقوة حالة تؤدي إلى شدة العقاب ~~ونقيضها السعادة، شقي يشقى شقوة وشقاء وأشقاه الله يشقيه اشقاء عاقبه ~~عقابا بكفره وسوء عمله. # ثم بين ان هذا الشقي هو { الذي يصلى النار الكبرى } يعني نار جهنم، ~~ووصفها بالكبرى لان الحاجة إلى اتقائها أشد وذلك من كبر الشأن إذ الكبير ~~الشأن هو المختص بشدة الحاجة اليه أولى باتقائه، فكلما كان اكبر شأنا ~~فالحاجة اليه أشد. وقال الحسن: النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار ~~الدنيا، وقال الفراء: النار الكبرى التي في الطبقة السفلى من جهنم. # وقوله { ثم لا يموت فيها ولا يحيى } معناه إن هذا الشقي لا يموت في ~~النار فيتخلص من العذاب، ولا يحيى حياة له فيها لذة، بل هو في ألوان ~~العذاب وفنون العقاف. وقيل: لا يجد روح الحياة. وقوله { قد أفلح من تزكى ~~} معناه قد فاز من تزكى يعني صار زاكيا بأن عمل الطاعات - في قول ابن ~~عباس والحسن - وقال ابو الاحوص وقتادة: يعني من زكى ماله { وذكر اسم ربه ~~} على كل حال { وصلى } على ما أمره الله به. ثم خاطب الخلق فقال { بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا } أي تختارون الحياة الدنيا على الآخرة بأن تعملوا ~~الدنيا ولا تعملوا للاخرة، وذلك على وجهين: احدهما - يجوز للرخصة. والآخر ~~- محظور معصية لله. # ثم قال تعالى { والآخرة خير وأبقى } أي منافع الآخرة من الثواب وغيره ~~خير من منافع الدنيا وأبقى، لانها باقية وهذه فانية منقطعة. # وقوله { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } يعني ما ذكره الله ~~وفصله من حكم المؤمن ms3629 والكافر وما أعد الله لكل واحد من الفريقين مذكور فى ~~كتب الأولين فى الصحف المنزلة على إبراهيم والتوراة المنزلة على موسى. ~~وقيل من قوله { قد أفلح من تزكى } إلى آخر السورة هو المذكور فيها، وقيل ~~" من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " فهو ممدوح فى الصحف الأولى، كما هو ممدوح ~~فى القرآن. وقيل: كتب الله كلها أنزلت فى شهر رمضان فأما القرآن فانه ~~أنزل لاربع عشرة منه. وفى ذلك دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه ~~كتاب بخلاف قول من ينكر نبوته ويزعم أنه لم ينزل عليه كتاب، ولا يكون نبي ~~إلا ومعه كتاب، حكي ذلك عن النصارى أنهم قالوا: لم يكن ابراهيم نبيا، ~~وإنما كان رجلا صالحا. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-10] # قرأ اهل البصرة وأبو بكر عن عاصم { تصلى } بضم التاء على ما لم يسم ~~فاعله يعني تصلى الوجوه { نارا حامية } الباقون بفتح التاء على أن تكون ~~الوجوه هي الفاعلة # هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله يقول له هل أتاك يا ~~محمد ومعناه قد أتاك { حديث الغاشية } قال ابن عباس والحسن وقتادة: ~~الغاشية يوم القيامة تغشى الناس بالاهوال. وقال سعيد بن جبير: الغاشية ~~النار تغشى وجوه الكفار بالعذاب والشواظ. والغاشية المجللة لجميع الجملة، ~~غشيت تغشى غشيانا فهي غاشية، وأغشاها غيرها إغشاء إذا جعلها تغشى. ~~وغشاها تغشية، وتغشى بها تغشيا. # وقوله { وجوه يومئذ خاشعة } معناه إن وجوه العصاة والكفار في ذلك ذليلة ~~خاضعة من ذل المعاصي التي فعلتها في دار الدنيا. والمراد بالوجوه أصحاب ~~الوجوه وإنما ذكر الوجوه، لأن الذل والخضوع يظهر فيها. # وقوله { عاملة ناصبة } قال الحسن وقتادة: معناه لم تعمل لله في الدنيا، ~~فاعمالها في النار. وقال قوم: معناه عاملة ناصبة في دار الدنيا بما ~~يؤديها إلى النار، وهو مما اتصلت صفتهم في الدنيا بصفتهم في الآخرة. ~~ومعنى الناصبة والنصبة التعبة وهي التي اضعفها الانتصاب للعمل يقال: نصب ~~الرجل ينصب نصبا إذا تعب في العمل # ثم بين تعالى ما يعمل بمن وصفه من ذوي ms3630 الوجوه، فقال { تصلى نارا حامية ~~}. أي تلزم الاحراق بالنار الحامية التي في غاية الحرارة و { تسقى } ~~أيضا { من عين آنية } قال ابن عباس وقتادة: آنية بالغة النهاية في شدة ~~الحر. # وقوله { ليس لهم طعام إلا من ضريع } فالضريع نبات تأكله الابل يضر ولا ~~ينفع كما وصفه الله { لا يسمن ولا يغني من جوع } وإنما يشتبه الامر عليهم ~~فيتوهموا انه كغيره من النبت الذى ينفع، لان المضارعة المشابهة، ومنه أخذ ~~الضرع وقيل: الضريع الشرق. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو سم. وقال ~~الحسن: لا أدري ما الضريع لم أسمع من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله فيه ~~شيئا. وقال قوم: ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم يذلهم. وقيل: من ضريع يضرع ~~آكله في الاعفاء منه لخشونته وشدة كراهته. # ثم بين وجوه المطيعين المؤمنين الذين عملوا الطاعات فقال { وجوه يومئذ ~~ناعمة } أي منعمة في أنواع اللذات { لسعيها راضية } بما أداها اليه من ~~الثواب والجزاء والكرامة جزاء لطاعاته التى عملها في الدنيا. وقوله { في ~~جنة عالية } أي في بستان أجنه الشجر على الشرف والجلالة وعلو المكان ~~والمنزلة، بمعنى أنها مشرفة على غيرها من البساتين وهي انزه ما يكون. ### || [88.11-20] # قرأ { لا يسمع } بالياء المضمومة { فيها لاغية } رفعا على ما لم يسم ~~فاعله لان التأنيث ليس بحقيقي وقد فصل بينهما ب { فيها } ابن كثير وأبو ~~عمرو وريس. وقرأ نافع وحده { لا تسمع } بالتاء مضمومة { لاغية } مرفوعة، ~~لان اللفظ لفظ التأنيث. الباقون بفتح التاء على الخطاب { لاغية } منصوبة، ~~لانها مفعول بها. # لما ذكر الله تعالى ان المؤمنين يحصلون في جنة عالية في الشرف والمكان ~~بين انه { لا يسمع فيها } في تلك الجنة { لاغية } وهي كلمة لا فائدة فيها ~~قال الشاعر: # عن اللغا ورفث التكلم # واللغو واللغا بمنزلة واحدة، ولغى يلغي، ولغا يلغو، والغاه الغاء. وقيل ~~{ لاغية } بمعنى ذات لغو، كقولهم نابل ودارع أي ذو نبل ودرع، وتامر ذو ~~تمر قال الحطيئة: # وغررتني وزعمت إنك # لابن باليصف تامر # وقيل: إنها المصدر مثل العاقبة. ويجوز أن يكون نعتا، ms3631 وتقديره لا يسمع ~~فيها كلمة لاغية والأول أصح، لقوله # لا لغو فيها ولا تأثيم # وإنما نفى اللاغية عن الجنة، لان في سماع ما لا فائدة فيه ثقلا على ~~النفس. ثم بين أن فيها أيضا أي في تلك الجنة عينا من الماء جارية، لان ~~في العين الجارية متعة ليس في الواقف. وقوله { فيها سرر مرفوعة } ليرى ~~المؤمن بجلوسه عليها جميع ما حوله من الملك. وقوله { وأكواب موضوعة } أي ~~على حافة العين الجارية، كلما أراد شربها وجدها مملوءة، فالاكواب جمع ~~كوب، وهي الأباريق التى ليس لها خراطيم، فهي للشراب من الذهب والفضة ~~والجوهر يتمتعون بالنظر اليها بين أيديهم ويشربون بها ما يشتهون من لذيذ ~~الشراب، وهي كأفخر الاكواز التى توضع بين يدي الملوك. وقيل: الاكواب ~~كالأباريق لاعرى لها ولا خراطيم وهي آنية تتخذ للشراب فاخرة حسنة الصورة. ~~وقوله { ونمارق مصفوفة } قال قتادة: النمارق الوسائد واحدها نمرقة وهي ~~الوسادة، وهي تصلح للراحة، ورفع المنزلة. وقوله { وزرابي مبثوثة } ~~فالزرابي البسط الفاخرة واحدهما زربية. وقيل قد سمع (نمرقة) بضم النون ~~والراء وكسرهما ثم نبه تعالى على الادلة التي يستدل بها على توحيده ووجوب ~~إخلاص العبادة له فقال { أفلا ينظرون } أي أفلا يتفكرون بنظرهم { إلى ~~الإبل كيف خلقت } ويعتبرون بما خلقه الله عليه من عجيب الخلق، ومع عظمه ~~وقوته يذلله الصبي الصغير فينقاد له بتسخير الله ويبركه ويحمل عليه ثم ~~يقوم، وليس ذلك فى شيء من الحيوان، بتسخير الله لعباده ونعمته به على ~~خلقه { وإلى السماء } أى وينظرون إلى السماء { كيف رفعت } رفعها فوق ~~الارض وجعل بينهما هذا الفضاء الذي به قوام الخلق وحياتهم. ثم ما خلقه ~~فيه من عجائب الخلق من النجوم والشمس والقمر والليل والنهار الذى بجميع ~~ذلك ينتفع الخلق وبه يتم عيشهم ونفعهم { وإلى الجبال كيف نصبت } أي ~~ويفكرون فى خلق الله تعالى الجبال اوتاد الارض ومسكه لها ولولاها لمادت ~~الارض بأهلها، ولما صح من الخلق التصرف عليها { وإلى الأرض كيف سطحت } أى ~~وينظرون إلى الارض كيف بسطها الله وسطحها ووسعها ولولا ذلك ms3632 لما صح ~~الانتفاع بها والاستقرار عليها، وهذه نعم من الله تعالى على خلقه لا ~~يوازيها نعمة منعم، ولا يقاربها إحسان محسن فيجب أن يقابل ذلك باعظم ~~الشكر. ### || [88.21-26] # قرأ ابو عمرو والكسائي بمسيطر بالسين باختلاف عنهما. الباقون بالصاد إلا ~~حمزة، فانه اشم الصاد زايا. # لما بين الله تعالى الدلالة على وحدانيته ونبه على الاستدلال بها، قال ~~لنبيه محمد صلى الله عليه واله { فذكر } يا محمد { إنما أنت مذكر } ~~فالتذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم، والنفع بالتذكير ~~عظيم، لأنه طريق للعلم بالامور التي نحتاج اليها وملين القلب للعمل بها، ~~ومذكر يعني بنعم الله تعالى عندهم وما يجب عليهم فى مقابلتها من الشكر ~~والعبادة فقد أوضح الله تعالى طريق الحجج فى الدين وأكده غاية التأكيد ~~بما لا يسع فيه التقليد بقوله { إنما أنت مذكر } وقوله # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # وقوله # إن في ذلك لآية لقوم يعقلون # و # لآية لقوم يتفكرون # و # لآية لقوم يذكرون # و # لآيات لأولي الألباب # وقوله # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # وقوله # وجادلهم بالتي هي أحسن # ومحاجة إبراهيم عليه السلام للكافر بربه وقوله # فاعتبروا يا أولى الأبصار # وقوله # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها # وقوله { لست عليهم بمسيطر } فالمسيطر المسلط على غيره بالقهر له يقال ~~تسيطر فلان على فلان، وسيطر إذا تسلط، وعلى وزن مسيطر مبيطر. وقال ابو ~~عبيدة: لا ثالث لهما من كلام العرب، وقيل: كان هذا قبل فرض الجهاد، ثم ~~نسخ، ويجوز أن يكون غير منسوخ، لان الجهاد ليس باكراه القلوب. # وقوله { إلا من تولى وكفر } قيل فى هذا الاستثناء قولان: # احدهما - انه منقطع وتقديره، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب ~~الاكبر # الثاني - إلا من تولى فانك مسلط عليه بالجهاد، فالله يعذبه العذاب ~~الاكبر. # وقال الحسن المعنى: إلامن تولى وكفر، فكله إلى الله. وقيل معناه إلا من ~~تولى وكفر فلست له بمذكر، لأنه لا يقبل منك، فكذلك لست تذكره. # وقوله { إن إلينا إيابهم } فالاياب الرجوع، آب يؤب أوبا وإيابا وتأوب ~~تأوبا ms3633 وأوب يؤوب تأويبا، ويقال: أيب إيابا على (فيعل، فيعالا) من ~~الأوب وعلى هذا قرئ في الشواذ { أيابهم } بالتشديد، قال عبيد: # وكل ذي غيبة يؤوب # وغائب الموت لا يؤوب # والمعنى ان مرجع الخلق يوم القيامة إلى الله فيحاسبهم ويجازي كل واحد ~~منهم على قدر عمله، فحساب الكفار مقدار ما لهم وعليهم من استحقاق العقاب، ~~وحساب المؤمن بيان ما له وعليه حتى يظهر استحقاق الثواب. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-14] # قرأ حمزة والكسائي وخلف { والوتر } بكسر الواو. الباقون بفتحها وهما ~~لغتان. قال ابو عبيدة: الشفع الزكا والوتر الخسا. وقرأ نافع وابو عمرو { ~~يسري } بياء فى الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بياء فى الوصل والوقف، ~~وكذلك { بالوادي } الباقون بغير ياء فى وصل ولا وقف. من أثبت الياء، ~~فلأنها الأصل ومن حذفها، فلأنها رأس آية والفواصل تحذف منها الياآت. # هذا قسم من الله تعالى بالفجر وليال عشر، وقسم منه بالشفع والوتر والليل ~~إذا يسري، وجواب القسم قوله { إن ربك لبالمرصاد } و { الفجر } شق عمود ~~الصبح فجره الله لعباده يفجره فجرا إذا أظهره في أفق المشرق مبشرا ~~بادبار الليل المظلم وإقبال النهار المضيء، والفجر فجران: احدهما ~~المستطيل، وهو الذي يصعد طولا كذنب السرحان ولا حكم له في الشرع، والآخر ~~هو المستطير، وهو الذي ينشر في افق السماء، وهو الذي يحرم عنده الأكل ~~والشرب لمن أراد الصوم في شهر رمضان، وهو ابتداء اليوم. وقال عكرمة ~~والحسن: الفجر فجر الصبح. # وقوله { وليال عشر } قال ابن عباس والحسن وعبد الله بن الزبير ومجاهد ~~ومسروق والضحاك وابن زيد: وهي العشر الأول من ذي الحجة شرفها الله تعالى ~~ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير واتقاء الشر على طاعة الله في تعظيم ما ~~عظم وتصغير ما صغره، وينالون بحسن الطاعة الجزاء بالجنة. وقال قوم: هي ~~العشر من أول محرم، والاول هو المعتمد. # وقوله { والشفع والوتر } قال ابن عباس وكثير من أهل العلم: الشفع الخلق ~~بما له من الشكل والمثل، والوتر الخالق الفرد الذي لا مثل له، وقال ~~الحسن: الشفع الزوج، والوتر ms3634 الفرد من العدد، كأنه تنبيه على ما في العدد ~~من العبرة بما يضبط لأنه من المقادير التى يقع بها التعديل. وقال ابن ~~عباس وعكرمة والضحاك: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفه، ووجه ذلك أن يوم ~~النحر مشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفه بالموقف وفي رواية أخرى عن ~~ابن عباس ومجاهد ومسروق وابي صالح:، أن الشفع الخلق، والوتر الله تعالى. ~~وقال ابن زيد: الشفع والوتر كله من الخلق. فقال عمران بن حصين: الصلاة ~~فيها شفع وفيها وتر، وقال ابن الزبير: الشفع: اليومان الأولان من يوم ~~النحر والوتر اليوم الثالث. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: الوتر آدم ~~والشفع زوجته. قال ابو عبيدة: يقال أوترت ووترت. # وقوله { والليل إذا يسري } معناه يسير ظلاما حتى ينقضي بالضياء المبتدئ ~~ففي تسييره على المقادير المرتبة، ومجيئه بالضياء عند تقضيه في الفصول ~~أدل دليل على أن فاعله يختص بالعز والاقتدار الذي يجل عن الأشباه ~~والامثال. # وقوله { هل في ذلك قسم لذي حجر } أى لذي عقل - في قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والحسن - وقيل العقل الحجر، لانه يعقل عن المقبحات ويزجر عن ~~فعلها، يقال: حجر يحجر حجرا إذا منع من الشيء بالتضييق، ومنه حجر الرجل ~~الذي يحجر على ما فيه، ومنه الحجر لامتناعه بصلابته. # وقوله { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد } خطاب من الله تعالى ~~للنبي صلى الله عليه وآله، وتنبيه للكفار على ما فعل بالامم الماضية لما ~~كفروا بوحدانية الله، واعلام لهم كيفية إهلاكهم. وقيل: عاد الأولى عاد ~~ابن آرم. وقيل: إن { إرم } بلد منه الاسكندرية - في قول القرطي - وقال ~~المعري: هو دمشق. وقال مجاهد: هم أمة من الامم. وقال قتادة: هم قبيلة من ~~عاد. وقوله { ذات العماد } قال ابن عباس ومجاهد: ذات الطول من قولهم: رجل ~~معمد إذا كان طويلا. وقيل ذات عمد للابيات ينتقلون من مكان إلى مكان، ~~للانتجاع - ذكره قتادة - وقال ابن زيد: ذات العماد في إحكام البنيان. ~~وقال الضحاك: معناه ذات القوى الشداد. وقال الحسن: العماد الابنية ~~العظام. ms3635 وقيل: ان { إرم } هو سام بن نوح، وترك صرفه لأنه أعجمي معرفة. # وقوله { التى لم يخلق مثلها في البلاد } يعني في عظم أجسامهم وشدة قوتهم # وقوله { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } موضع { ثمود } جر بالعطف على ~~قوله { بعاد } أى وثمود ولم يجره لانه أعجمى معرفة، ومعنى { جابوا الصخر ~~} أى قطعوا الصخر من الجبال بشدة قوتهم، يقال: جاب يجوب إذا قطع قال ~~النابغة: # اتاك ابو ليلي يجوب به الدجى # دجى الليل جواب الغلاة غشمشم # قال مجاهد: قطعوا الجبال بيوتا كما قال # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # وقوله { وفرعون ذي الأوتاد } قال ابن عباس: معناه ذي الجنود الذين كانوا ~~يشدون أمره. وقال مجاهد: كان يوتد الأوتاد فى ايدى الناس. وقال قتادة: ~~ملاعب كان يلعب له فيها، ويضرب تحتها بالاوتاد. وقيل: ذى الاوتاد لكثرة ~~الاوتاد التي كانوا يتخذونها للمضارب ولكثرة جموعهم، وكان فيهم أكثر منه ~~فى غيرهم، وقيل: إن فرعون كان إذا غضب على الرجل مده بين أربعة أوتاد حتى ~~يموت. # وقوله { الذين طغوا في البلاد } معناه إن هؤلاء الذين ذكرناهم تجاوزوا ~~فى الظلم الحد فى البلاد، وخرجوا عن حد القلة وفسر ذلك بقوله { فأكثروا ~~فيها الفساد } يعني اكثروا فى البلاد الفساد، ثم بين ما فعل بهم عاجلا ~~فقال { فصب عليهم ربك } يا محمد صلى الله عليه وآله { سوط عذاب } أى قسط ~~عذاب كالعذاب بالسوط الذى يعرف إلا أنه اعظم، ويجوز أن يكون عنى قست عذاب ~~يخالط اللحوم والدماء كما يخالط بالسوط من قولهم: ساطه يسوطه سوطا فهو ~~سائط قال الشاعر: # أحارث إنا لو تساط دماؤنا # تزايلن حتى لا يمس دم دما # وقيل: المعنى إنه جعل سوطه الذى ضربهم به انه صب عليهم العذاب. وقوله { ~~إن ربك لبالمرصاد } معناه إن ربك يا محمد لا يفوته شيء من اعمال العباد ~~كما لا يفوت من بالمرصاد. والمرصاد مفعال من رصده يرصده رصدا، فهو راصد ~~إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه، وقيل لأمير المؤمنين عليه ~~السلام اين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والارض؟ ms3636 فقال: { أين } سؤال عن ~~مكان، وكان الله ولا مكان. وقيل لا عرابي: أين ربك يا اعرابي؟! قال ~~بالمرصاد. وقال ابن عباس معناه إنه يسمع ويرى أعمال العباد. وقال الحسن ~~والضحاك: لبالمرصاد بانصاف المظلوم من الظالم، ومعناه لا يجوزه ظلم ظالم ~~حتى ينصف المظلوم منه. ### || [89.15-30] # قرأ ابن عامر وابو جعفر { فقدر } مشدد الدال. وقرأ ابو عمرو واهل البصرة ~~{ بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث } ~~ثلاثتهن بالياء. الباقون ثلاثتهن بالتاء. والاول على وجه الخبر عن الذين ~~تقدم ذكرهم من الكفار. والثاني على وجه الخطاب، وتقديره قل لهم يا محمد ~~صلى الله عليه وآله. وقرأ اهل الكوفة { تحاضون } بالتاء والالف. الباقون ~~بغير الف والياء فى جميع ذلك مفتوحة يقال: حضضته وحثثته و { تحاضون } مثل ~~فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين إثنين فأكثر وقرأ الكسائي ويعقوب { ~~فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد } على ما لم يسم فاعله، ~~والفعل مسند إلى { أحد } ، والمعنى لا يعذب عذابه أحد فداء له من العذاب، ~~لانه المستحق له، فلا يؤخذ بذنب غيره. الباقون بكسر الذال { ولا يوثق } ~~بكسر الثاء وتأويله لا يعذب عذاب الله أحد، ولا يوثق وثاقه احد وهو قول ~~الحسن وقتادة. # لما توعد الله تعالى الكفار وجميع العصاة بما قدمه من الوعيد على ~~المعاصي وأخبرهم بما فعل بالامم الماضية جزاء على كفرهم. وحكى أنه ~~لبالمرصاد لكل عاص قسم أحوال الخلق من البشر، فقال { فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه } أى اختبره والابتلاء هو إظهار ما في العبد من خير أو شر من ~~الشدة والرخاء والغنى والفقر حسب ما تقتضيه المصلحة، فان عمل بداعي العقل ~~ظهر الخير، وإن عمل بداعي الطبع ظهر الشر. ومثل الابتلاء الامتحان ~~والاختبار. # وقوله { فأكرمه ونعمه } معناه أعطاه الخير وأنعم عليه به، والاكرام ~~إعطاء الخير للنفع به على ما تقتضيه الحكمة إلا أنه كثر فيما يستحق ~~بالاحسان، ونقيض الاكرام الهوان { فيقول } العبد عند ذلك { ربي أكرمني } ~~أي أنعم علي وأحسن الي. ومن أثبت الياء، فلأنها ms3637 الأصل ومن حذفها فلأنها ~~رأس آية، واجتزأ بكسرة النون الدالة على حذفها. # ثم قال { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } أي اختبره بعد ذلك بأن ~~يضيق عليه رزقه قدر البلغة والاصل القدر، وهو كون الشيء على مقدار، ومنه ~~تقدير الشيء طلب قدره من مقدار غيره { فيقول } العبد عند ذلك { ربي ~~أهانني } فقال الله تعالى ردا لتوهم من ظن أن الاكرام بالغنى والاهانة ~~بالفقر بأن قال { كلا } ليس الامر على ما توهمه. وإنما الاكرام فى ~~الحقيقة بالطاعة، والاهانة بالمعصية، وقوله { كلا } معناه ليس الأمر على ~~ما ظن هذا الانسان الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر - ذكره قتادة ~~- ثم بين ما يستحق به الهوان بقوله { بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على ~~طعام المسكين } أي الهوان لهذا، لا لما توهمتم، تقول: حضضته بمعنى حثثته ~~و { تحاضون } بمعنى تحضون فاعلته وفعلته إلا أن المفاعلة بين اثنين ~~فأكثر. # وقال الفراء: لا تحاضون بمعنى لا تحافضون، واصله تتحاضون، فحذف إحدى ~~التائين. # وقوله { وتأكلون التراث، أكلا لما } أي جمعا، يقال لممت ما على الخوان ~~ألمه لما إذا أكلته اجمع، والتراث الميراث. وقيل: هو من يأكل نصيبه ~~ونصيب صاحبه. وقوله { وتحبون المال حبا جما } قال ابن عباس ومجاهد وابن ~~زيد: معناه كثيرا شديدا يقال: جم الماء فى الحوض إذا أجتمع وكثر قال ~~زهير: # فلما وردن الماء زرقا جماعه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # وقوله { كلا إذا دكت الأرض دكا دكا } معناه التهديد والوعيد الشديد أي ~~حقا إذا دكت الارض بأن جعلت مثل الدكة مستوية لا خلل فيها ولا تلول، كما ~~قال # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # وهو يوم القيامة، فالدك حط المرتفع بالبسط، يقال اندك سنام البعير إذا ~~انفرش في ظهره وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه فكذلك ~~الارض إذا دكت استوت في فراشها فذهبت دورها، وقصورها وسائر أبنيتها حتى ~~تصير كالصحراء الملساء بها. قال ابن عباس: يوم القيامة تمد الارض مدا ~~كالأديم. # وقوله { وجاء ربك والملك صفا صفا } معناه وجاء أمر الله ms3638 أو عذاب الله ~~وقيل: معناه وجاء جلائل آياته، فجعل مجيء جلائل الآيات مجيئا له تفخيما ~~لشأنها وقال الحسن: معناه وجاء قضاء الله، كما يقول القائل: جاءتنا الروم ~~أي سيرتهم. وقال بعضهم: معنى { جاء } ظهر بضرورة المعرفة، كما توصف الآية ~~إذا وقعت ضرورة تقوم مقام الرؤية. # وقوله { والملك صفا صفا } معناه كصفوف الناس فى الصلاة يأتي الصف ~~الاول ثم الصف الثاني ثم الثالث على هذا الترتيب، لان ذلك أشكل بحال ~~الاستواء من التشويش والتخليط بالتعديل فى الامور، والتقويم أولى. # وقوله { وجيء يومئذ بجهنم } أي احضرت جهنم ليعاقب بها المستحقون لها ~~ويرى أهل الموقف هو لها، وعظم منظرها. وقوله { يتذكر الإنسان } اخبار منه ~~تعالى بأن الانسان يتذكر ما فرط فيه فى دار التكليف من ترك الواجب وفعل ~~القبيح ويندم عليه. ثم قال تعالى { وأنى له الذكرى } ومعناه من اين له ~~الذكرى التي كان أمر بها فى دار الدنيا، فانها تقوده إلى طريق الاستواء ~~وتبصره الضلال من الهدى، فكأنه قال وأنى له الذكرى التي ينتفع بها، كما ~~لو قيل يتندم وأنى له الندم. # ثم حكى ما يقول الكافر المفرط الجائي على نفسه ويتمناه، فانه يقول { يا ~~ليتني قدمت لحياتي } أي يتمنى انه كان عمل الصالحات لحياته بعد موته أو ~~عمل للحياة التي تدوم له، فكان أولى بي من التمسك بحياة زائلة. ثم قال { ~~فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } معناه فى قراءة من كسر الذال إخبار من الله ~~تعالى أنه لا يعذب عذاب الله أحد فى ذلك اليوم. ومن فتح الذال قال: ~~المعنى لا يعذب عذاب الجائي الكافر الذي لم يقدم لحياته أحد من الناس ~~لانا علمنا أن إبليس أشد عذابا من غيره بحسب إجرامه وإذا أطلق الكلام ~~لقيام الدلالة على ذلك قيل معناه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لأنه المستحق ~~للعذاب ولا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره. # وقوله { ولا يوثق وثاقه } أي لا يشد بالسلاسل والاغلال { أحد } على ~~المعنيين اللذين ذكرناهما. # وقوله { يا أيتها النفس المطمئنة } قال ابن زيد عن أبيه: إن النفس ms3639 ~~المطمئنة التى فعلت طاعة الله وتجنبت معاصيه تبشر عند الموت ويوم البعث ~~بالثواب والنعيم. وقيل: ان المطمئنة بالمعرفة لله وبالايمان به - فى قول ~~مجاهد - وقيل: المطمئنة بالبشارة بالجنة. وقال الفراء: تقديره يا أيتها ~~النفس المطمئنة بالايمان والمصدقة بالثواب والبعث { ارجعي } تقول لهم ~~الملائكة إذا اعطوهم كتبهم بايمانهم { ارجعي إلى ربك } أي إلى ما اعده ~~الله لك من الثواب، وقد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول يريدون ارجعوا من ~~الدنيا إلى هذا المرجع. # ثم بين ما يقال لها وتبشر به بأنه يقال لها { ارجعي إلى ربك } أي إلى ~~الموضع الذي يختص الله تعالى بالامر والنهي به دون خلقه { راضية } بثواب ~~الله وجزيل عطائه { مرضية } الافعال من الطاعات، وإنه يقال لها { ادخلي ~~في عبادي } الذين رضيت عنهم ورضيت أفعالهم { وادخلي جنتي } التى وعدتكم ~~بها وأعددت نعيمكم فيها، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ادخلي فى عبدي بمعنى ~~فى جسم عبدي، قال ابن خالويه: هي قراءة حسنة. قال المبرد: تقديره يا ~~ايتها الروح ارجعي إلى ربك فادخلي في عبادي فى كل واحد من عبادي تدخل فيه ~~روحه. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-10] # قرأ ابو جعفر { لبدا } بتشديد الباء. الباقون بالتخفيف، # قوله { لا أقسم } معناه أقسم، ولا صلة، كما قال الشاعر: # ولا ألوم البيض ان لا تسخرا # أي ان تسخر. وقيل: هي ردا لكلام على طريق الجواب، لمن قد ظهر منه ~~الخلاف أى ليس الامر على ما يتوهم. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. فاذا ~~أثبت انه اقسم، فلا ينافي قوله { وهذا البلد الأمين } لأن هذا قسم آخر ~~مثله. وإنما يكون مناقضة لو أراد نفي القسم بقوله { لا أقسم } فأما إذا ~~كان الامر على ما بيناه فلا تنافي بينهما. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~وابن زيد: يعني بالبلد مكة. # وقوله { وأنت حل بهذا البلد } فمعناه في قول ابن عباس أنه حلال لك به ~~قتل من رأيت حين أمر بالقتال، فقتل ابن حنظل صبرا، وهو آخذ باستار ~~الكعبة ولم يحل لأحد بعده. وبه قال مجاهد وابن ms3640 زيد والضحاك. وقال عطاء: ~~لم يحل إلا لنبيكم ساعة من النهار. وقال الحسن: معناه وأنت فيه محسن وأنا ~~عنك راض. وقيل: معناه أنت حل بهذا البلد أي انت فيه مقيم، وهو محلل. ~~والمعنى بذلك التنبيه على شرف البلد بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى ~~تعظيم الله وإخلاص عبادته المبشر بالثواب والمنذر بالعقاب، ويقال: رجل حل ~~أي حلال وقالوا: حل معناه حال. أي ساكن. # وقوله { ووالد وما ولد } قسم آخر بالوالد وما ولد، قال ابن عباس وعكرمة: ~~المعني بذلك كل والد وما ولد يعني العاقل. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ~~والضحاك وسفيان وابو صالح: يعني آدم وولده. وقال ابو عمران الحوبي: يعني ~~به إبراهيم عليه السلام وولده. # وقوله { لقد خلقنا الإنسان في كبد } جواب القسم، ومعنى كبد قال ابن عباس ~~والحسن: فى شدة. وقال قتادة: معناه يكابد الدنيا والآخرة. قال مجاهد وابو ~~صالح وإبراهيم النخعي وعبد الله بن شداد: معناه في إنتصاب قامة، فكأنه في ~~شدة قوام مخصوص بذلك من سائر الحيوان، قال لبيد: # يا عين هلا بكيت أربد إذ # قمنا وقام الخصوم في كبد # أي في شدة نصب، فالكبد في اللغة شدة الأمر يقال: تكبد اللبن إذا غلظ ~~واشتد، ومنه الكبد، كأنه دم يغلظ ويشتد، وتكبد الدم إذا صار كالكبد، ~~والانسان مخلوق في شدة أمر بكونه في الرحم. ثم في القماط والرباط. ثم على ~~خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف، فينبغي له أن يعلم ان الدنيا دار كد ~~ومشقة، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة. # وقوله { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } معناه أيظن هذا الانسان أن لن يقدر ~~على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى وارتكب معاصيه فبئس الظن ذلك. وقيل: ~~إنها نزلت في رجل يقال له أبو الاسدين كان من القوة بحيث يقف على أديم ~~عكاظي فيجري العسرة من تحته، فتنقطع ولا يبرح من عليه فقال الله تعالى { ~~أيحسب } لشدته وقوته { أن لن يقدر عليه أحد } ثم حكى ما يقول هذا الانسان ~~من قوله { أهلكت مالا لبدا ms3641 } قال الحسن: معناه يقول أهلكت مالا كثيرا، ~~فمن يحاسبني عليه، حميق ألم يعلم ان الله قادر على محاسبته، اللبد الكثير ~~الذي قد تراكب بعضه على بعض، ومنه تلبد القطن والصوف إذا تراكب بعضه على ~~بعض، وكذلك الشعر ومنه اللبد ومن قرأ { لبدا } بتشديد الباء، فهو جمع ~~لابد. # وقوله { أيحسب أن لم يره أحد } ايظن هذا الانسان انه لم يبصره أحد ~~فيطالبه من اين كسب هذا المال، وفي أي شيء أنفقه - ذكره قتادة - وقيل: ~~معنا ايظن أن لم يره أحد في انفاقه، لانه كاذب. وقال الحسن: يقول: أنفقت ~~مالا كثيرا فمن يحاسبني عليه. وقيل الآيه نزلت في رجل من بني جمح يكنى ~~أبا الاسدين، وكان قويا شديدا. # ثم نبهه تعالى على وجوه النعمة التى أنعم بها عليه ليستدل بها على ~~توحيده وخلع الأنداد دونه بقوله { ألم نجعل له عينين } ليبصر بهما { ~~ولسانا وشفتين } لينطق بهما { وهديناه النجدين } ليستدل بهما. وفي ذلك ~~دليل واضح على أنه صادر من مختار لهذه الافعال التي فعلها بهذه الوجوه، ~~فأحكمها لهذه الامور، فالمحكم المتقن لا يكون إلا من عالم، وتعليقه ~~بالمعاني لا يكون إلا من مختار، لانه لا يعلق الفعل بالمعاني إلا في ~~الارادة. وقال ابن مسعود: وابن عباس: معنى هديناه النجدين: نجد الخير ~~والشر، وبه قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة، وفي رواية عن ابن عباس ~~أنهما الثديان، والنجدان الطريقان للخير والشر. وأصل النجد للعلو ونجد ~~بلد سمي نجد العلوة عن انجفاض تهامة، وكل عال من الارض نجد، والجمع نجود، ~~ورجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا، لاستعلائه على قوته، واستنجدت ~~فلانا فانجدني أي استعنته على خصمي فأعانني، والنجد الكرب والغم، ~~والنجاد ما على العاتق من حمالة السيف، وشبه طريق الخير والشر بالطريقين ~~العاليين لظهوره فيهما. ### || [90.11-20] # قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي { فك رقبة أو إطعم في يوم ذي مسغبة } ~~بغير الف على انه فعل ماض. الباقون { فك رقبة } على الاضافة ويكون ~~الاضافة إلى مفعول { أو إطعام } فوجه الأول قوله { فلا اقتحم العقبة فك ms3642 ~~رقبة } الثاني أنه على جواب و { ما أدراك ما العقبة } فيكون الجواب ~~بالاسم وتلخيصه هلا اقتحم العقبة ولا يجوز الصراط إلا من كان بهذه الصفة ~~يفك رقبة او يطعم يتيما فى يوم ذي مسغبة مجاعة، فلا اقتحم بمعنى لم، كما ~~قال # فلا صدق ولا صلى # ومعناه لم يصدق ولم يصل، وإنما لم يكرر (لا) لان معنا { ثم كان من الذين ~~آمنوا } يدل على انه لم يقتحم ولم يؤمن، وقرأ ابو عمرو وحمزة وحفص وخلف { ~~مؤصدة } بالهمز. الباقون بغير همز وهما لغتان، يقال: أصدت الباب اوصده ~~إيصادا فهو مؤصد بالهمز، وأوصدته فهو موصد بغير همز. والوصيد الباب من ~~أوصدت. # لما نبه الله تعالى الانسان على وحدانيته وإخلاص عبادته بقوله { ألم ~~نجعل له عينين ولسانا وشفتين } وما فيهما من الدلالة على قدرته وعلمه ~~وانه هدى الانسان طريق الخير والشر ورغبه فى اتباع الخير وزجره عن إتباع ~~الشر، قال حاثا له على فعل الخير بقوله { فلا اقتحم العقبة } قال الحسن: ~~عقبة - والله شديدة - مجاهدة الانسان نفسه وهواه وعدوه والشيطان، ولم ~~يكرر (لا) في اللفظ، وهي بمنزلة المكرر في المعنى كأنه قال: أفلا اقتحم ~~العقبة وحذف الاستفهام، والمراد به التنبيه، والاقتحام الدخول على الشدة ~~يقال اقتحم اقتحاما، واقحم إقحاما وتقحم تقحما وقحم تقحيما ونظيره ~~الادخال والايلاج. والمعنى هلا دخل في البر على صعوبة كصعوبة اقتحام ~~العقبة، والعقبة الطريقة التى ترتقى على صعوبة ويحتاج فيها إلى معاقبة ~~الشدة بالتضييق والمخاطرة، وقيل: العقبة النتئة الضيقة في رأس الجبل ~~يتعاقبها الناس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر التى ذكرها الله تعالى. ~~وعاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. وقال قتادة: فلا اقتحم ~~العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله. وقال أبو عبيدة: معناه ~~فلم يقتحم في الدنيا. # ثم فسر العقبة فقال { وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي ~~مسغبة } وتقديره إقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة والفك حدث، فلا ~~يكون خبرا عن جثة. قال ابو علي و (لا) إذا كانت ms3643 بمعنى (لم) لم يلزم ~~تكرارها. # ثم بين تعالى ما به يكون اقتحام العقبة فقال { فك رقبة } فالفك فرق يزيل ~~المنع، ويمكن معه أمر لم يكن ممكنا قبل، كفك القيد والغل، لانه يزول به ~~المنع، ويمكن به تصرف في الارض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها وبين ~~حال الرق بايجاب الحرية وإبطال العبودية. # وقوله { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغبا ~~إذا جاع، فهو ساغب قال جرير: # تعلل وهي ساغبة بنيها # بأنفاس من الشبم القراح # وقوله { يتيما } نصب ب { إطعام } في قراءة من نون نصبه بالمصدر. ومن ~~قرأ على الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، واليتيم الصبي ~~الذي قد مات ابوه وأمه، والاغلب في اليتيم من الأب في الناس. وقوله { ذا ~~مقربة } معناه ذا قرابة، ولا يقال: فلان قرابتي وإنما يقال ذو قرابتي، ~~لانه مصدر، كما قال الشاعر: # يبكى الغريب عليه حين يعرفه # وذو قرابته في الناس مسرور # وقوله { أو مسكينا } عطف على يتيما. و { ذا متربة } معناه ذا حاجة ~~شديدة من قولهم: ترب الرجل إذا افتقر - في قول ابن عباس - أيضا ومجاهد، ~~يقال: أترب الرجل إذا استغنى، وترب إذا افتقر. # وقوله { ثم كان من الذين آمنوا } معناه كان الانسان من جملة المؤمنين ~~إذا فعل ذلك وعقد الايمان، ثم أقام على إيمانه { وتواصوا } أي وصى بعضهم ~~بعضا { بالصبر } على الشدائد والمحن والمصائب { وتواصوا } أيضا { ~~بالمرحمة } أي وصى بعضهم بعضا بأن يرحموا الفقراء وذوي المسكنة. # وقوله { أولئك أصحاب الميمنة } معناه إنهم متى فعلوا ذلك كانوا أصحاب ~~الميمنة الذين يعطون كتابهم بأيمانهم أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، ~~والميمنة اليمن والبركة، والمرحمة حال الرحمة. # وقوله { والذين كفروا بآياتنا } معناه إن الذين يجحدون نعم الله ويكذبون ~~أنبياءه { هم أصحاب المشأمة } أي ذات الشمال فيؤخذ بهم الى النار، ويعطون ~~كتابهم بشمالهم، واشتقاقه من الشؤم خلاف البركة { عليهم نار مؤصدة } قال ~~ابن عباس ومجاهد والضحاك: معناه عليهم نار مطبقة. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # قرأ ابن كثير وابن ms3644 عامر وعاصم { وضحاها } بفتح أواخر هذه السورة. وقرأ ~~الكسائي بامالة ذلك كله. وقرأ ابو عمرو ونافع جميع ذلك بين الكسر والفتح. ~~وقرأ حمزة { وضحها } كسرا وفتح { تلاها } و { طحاها } فمن فتح، فلأنه ~~الأصل، والامالة تخفيف. وبين بين تخفيف يشعر بالأصل. فأما حمزة فأمال ~~بنات الياء. وفخم بنات الواو. # هذا قسم من الله تعالى بالشمس وضحاها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما ~~شاء من خلقه تنبيها على عظم شأنه وكثرة الانتفاع به، فلما كانت الشمس قد ~~عظم الانتفاع بها وقوام العالم من الحيوان والنبات بطلوعها وغروبها، جاز ~~القسم بها، ولما فيها من العبرة بنشىء الضوء حتى تقوى تلك القوة العظيمة ~~باذن الله. # وقوله { وضحا } يعني ضحاها الشمس، وهو صدر وقت طلوعها، وضحى النهار صدر ~~وقت كونه، قال الشاعر: # أعجلها اقدحي الضحاء ضحى # وهي تناصي ذوائب السلم # وأضحى يفعل كذا إذا فعله فى وقت الضحى، ويقال: ضحى بكبش أو غيره إذا ~~ذبحه في وقت الضحى من ايام الاضحى. ثم كثر حتي قيل لو ذبحه آخر النهار. # وقوله { والقمر إذا تلاها } قسم آخر بالقمر وتلوه الشمس ووجه الدلالة من ~~جهة تلو القمر للشمس من جهة المعاقبة على أمور مرتبة فى النقصان ~~والزيادة، لانه لا يزال ضوء الشمس ينقص إذا غاب جرمها، ويقوى ضوء القمر ~~حتى يتكامل كذلك دائبين، تسخيرا من الله للعباد بما ليس فى وسعهم أن ~~يجروه على شيء من ذلك المنهاج. وقال ابن زيد: القمر إذا اتبع الشمس فى ~~النصف الاول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر بالطلوع، وفى آخر الشهر ~~يتلوها فى الغروب وقال الحسن { والشمس وضحاها } أي يضيء نورها { والقمر ~~إذا تلاها } يعني ليلة الهلال. وقيل: تلاها فى الضوء. # وقوله { والنهار إذا جلاها } قسم آخر بالنهار إذا جلاها يعني الشمس ~~بضوءها المبين بجرمها. وقيل معناه إذا جلا الظلمة، فالهاء كناية عن ~~الظلمة، ولم يتقدم لها ذكر لانه معروف غير ملتبس { والليل إذا يغشاها } ~~قسم آخر بالليل إذا يغشاها يعني الشمس بظلمته عند سقوط الشمس. # وقوله { والسماء ms3645 وما بناها } قال قتادة: معناه والسماء وبنائها جعل (ما) ~~مع ما بعدها بمنزلة المصدر. وقال مجاهد والحسن: معنى والسماء وما بناها ~~والسماء ومن بنى السماء وهو الله تعالى. وقوله { والأرض وما طحاها } قسم ~~آخر بالارض ما طحاها، ويحتمل ذلك وجهين: # احدهما - ان يكون المعنى والارض وطحوها. # والثاني - والارض ومن طحاها، وهو الله تعالى ومعنى طحاها بسطها حتى ~~أمكن التصرف عليها. وقال مجاهد والحسن: طحاها ودحاها واحد، بمعنى بسطها ~~يقال طحى يطحو طحوا ودحا يدحو دحوا وطحا بك همك. # ومعناه انبسط بك إلى مذهب بعيد، فهو يطحو بك طحوا قال علقمة: # طحا بك قلب فى الحسان طروب # ويقال: القوم يطحي بعضهم بعضا عن الشيء أي يدفع دفعا شديد الانبساط ~~والطواحي النسور تنبسط حول القتلى، وأصل الطحو البسط الواسع. وقوله { ~~ونفس وما سواها } قسم آخر بالنفس وما سواها، وهو محتمل ايضا لامرين: ~~احدهما - ونفس وتسويتها، والثاني - ونفس ومن سواها، وهو الله تعالى. وقال ~~الحسن يعني بالنفس آدم ومن سواها الله تعالى. وقيل: ان (ما) فى هذه ~~الآيات بمعنى (من) كما قال # فانكحوا ما طاب لكم # وإنما أراد (من) وقال ابو عمرو بن العلا: هي بمعنى الذي، وأهل مكة ~~يقولون إذا سمعوا صوت الرعد: سبحان ما سبحت له بمعنى سبحان من سبحت له. # وقوله { فألهمها فجورها وتقواها } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ~~وسفيان: معناه عرفها طريق الفجور والتقوى ورغبها فى التقوى وزهدها فى ~~الفجور. وقال قوم: خذلها حتى اختارت الفجور وألهمها تقواها بأن وفقها ~~لها. وقوله { قد أفلح من زكاها } جواب القسم واللام مقدرة، وتقديره لقد ~~أفلح من زكاها أي من زكى نفسه بالصدقة، وقد خاب من دساها وأخفى عن ~~المتصدق، والمعنى قد أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح أو اجتناب المعصية - ~~وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال قوم: معناه قد أفلح من زكى الله ~~نفسه، وقد خاب من دساها نفسه وقوله { وقد خاب من دساها } معناه قد خاب أي ~~خسر من دس نفسه فى معاصي الله منهمكا فى القبائح التي ms3646 نهاه الله عنها. ~~وقيل: معناه دساها بالبخل، لان البخيل يخفى نفسه ومنزله لئلا يطلب نائله، ~~ودسا نفسه نقيض زكاها بالعمل الصالح، وكذلك دساها بالعمل الفاسد حتى ~~صيرها فى محاق وخسران. ويقال دسا فلان يدسو دسوا ودسوة فهو داس نقيض زكا ~~يزكو زكا فهو زاك. وقيل معنى دساها أي دسها بمعنى حملها ووضع منها ~~بمعصية. وأبدل من أحدى السينين ياء، كما قالوا تظنيت بمعنى تظننت قال ~~الشاعر: # تقضي البازي إذا الباري كسر # بمعنى تقضض. ### || [91.11-15] # قرأ اهل المدينة وابن عامر { فلا يخاف } بالفاء وكذلك هي فى مصاحف أهل ~~المدينة وأهل الشام. الباقون بالواو، وكذلك فى مصاحفهم. # يقول الله تعالى مخبرا عن ثمود وهم قوم صالح { كذبت ثمود بطغواها } قال ~~ابن عباس: يعني بعذابها أي بعذاب الطاغية فأتاها ما كذبت به. وقال مجاهد: ~~بمعصيتها - وهو قول ابن زيد - وهو وجه التأويل، والطغوى والطغيان مجاوزة ~~الحد فى الفساد وبلوغ غايته، تقول: طغى يطغي إذا جاوز الحد، ومنه قوله # لما طغى الماء # أي لما تجاوز المقدار على ما جرت به العادة وكثر. وقوله { إذا انبعث ~~أشقاها } أى كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود، وقيل اسمه قدار بن سالف. # وقال قوم: عقر الناقة هو تكذيبهم. وقيل: لا، بل هو غيره. وقيل: كانوا ~~أقروا بأن لها شربا ولهم شرب غير مصدقين بأنه حق. والشقاء شدة الحال فى ~~مقاساة الآلام، فالاشقا هو الاعظم شقاء، ونقيض الشقاء السعادة، ونقيض ~~السعود النحوس يقال: شقي يشقى شقاء، فهو شقي نقيض سعيد، واشقاه الله ~~اشقاء. # وقوله { فقال لهم رسول الله } يعني صالحا، فانه قال لهم: ناقة الله ~~وتقديره فاحذروا ناقة الله، فهو نصب على الاغراء كما تقول: الأسد الاسد، ~~أي احذره { وسقياها } فالسقاء الحظ من الماء. وهو النصيب منه، كما قال ~~تعالى # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # والسقي التعريض للشرب. # وقوله { فكذبوه } أي كذب قوم صالح صالحا ولم يلتفتوا إلى قوله، { ~~فعقروها } يعني الناقة. فالعقر قطع اللحم بما يسيل الدم عقره يعقره عقرا ~~فهو عاقر، ومنه عقر الحوض وهو أصله، ms3647 والعقر نقض الشيء عن أصل بنية ~~الحيوان، وعاقر الناقة أحمر ثمود، وهم يروه وكلهم رضوا بفعله. فعمهم ~~البلاء بأن عاقبهم الله تعالى لرضاهم بفعله. وقوله { فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها } معناه أهلكهم الله تعالى عقوبة على ذنوبهم من تكذيب صالح ~~وعقر الناقة. وقيل: معنى دمدم عليهم دمر عليهم. وقيل: معناه أطبق عليهم ~~بالعذاب يقال دمدمت على الشيء إذا ضيقت عليه، وناقة مدمدمة قد ألبسها ~~الشحم، فاذا كررت الاطباق قلت دمدمت. وقيل { دمدم عليهم } أي غضب عليهم، ~~فالدمدمة ترديد الحال المتكرهة، وهي مضاعفة ما فيه المشقة، فضاعف الله ~~تعالى على ثمود العذاب بما ارتكبوا من الطغيان. # وقوله { فسواها } أي جعل بعضها على مقدار بعض فى الاندكاك واللصوق ~~بالارض، فالتسوية تصيير الشيء على مقدار غيره. # وقوله { ولا يخاف عقابها } قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه لا ~~يخاف الله تعالى تبعة الدمدمة. وقال الضحاك: معناه لم يخف الذي عقرها ~~عقباها والعقبى والعاقبة واحد، وهو ما أدى اليه الحال الأولى، قال ابو ~~علي: من قرأ بالفاء فللعطف على قوله { فكذبوه فعقروها } فلا يخاف كأنه ~~تبع تكذيبهم عقرهم أي لم يخافوا. ومن قرأ (ولا) بالواو جعل الجملة فى ~~موضع الحال، وتقديره فسواها غير خائف عقباها أي غير خائف أن يتعقب عليه ~~فى شيء مما فعله. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-13] # هذا قسم من الله تعالى بالليل إذا غشيه الظلام، فاظلم وادلهم وغشى ~~الأنام لما فى ذلك من الهول المحرك للنفس بالاستعظام. # ثم اقسم بالنهار إذا تجلى، ومعناه إذا أنار وظهر للابصار لما فى ذلك من ~~الاعتبار. وقيل التقدير والليل إذا يغشى النهار، فيذهب بضوئه { والنهار ~~إذا تجلى } أي جلى الليل، فأذهب ظلمته، ذكره الحسن. والغشي إلباس الشيء ~~ما يغمر ويستر جملته، وإنما كرر ذكرهما فى السورتين لعظم شأنهما، وجلالة ~~موقعهما فى باب الدلالة على توحيد الله - ذكره قتادة -. # وقوله { وما خلق الذكر والأنثى } للتناسل بينهما. ويحتمل أن يكون المراد ~~ومن خلق الذكر والانثى، وفى قراءة عبد الله { والذي خلق الذكر والأنثى } ~~لان (ما) بمعني الذي، ms3648 وهو الله، فيكون القسم بالله. وعلى الأول يكون ~~القسم بخلق الله. وقيل: المراد بالذكر والانثى آدم وحواء عليهما السلام. # وقوله { إن سعيكم لشتى } جواب للقسم، ومعناه إن سعيكم لمختلف، فسعي ~~المؤمن خلاف سعي الكافر. ومعنى " شتى " أي متفرق على تباعد ما بين ~~الشيئين جدا، ومنه شتان أي بعد ما بينهما جدا كبعد ما بين الثرى ~~والثريا. ويقال: تشتت أمر القوم وشتتهم ريب الزمان. # وقوله { فأما من أعطى واتقى } معناه من أعطى حق الله واتقى محارم الله - ~~ذكره قتادة - { وصدق بالحسنى } قال ابن عباس وعكرمة: وصدق بالخلف. وقال ~~الضحاك: صدق بتوحيد الله، وقال مجاهد والحسن: يعني صدق بالجنة. وقال ~~قتادة: بوعد الله، والحسنى النعمة العظمى بحسن موقعها عند صاحبها، وهذه ~~صفة الجنة التي أعدها الله تعالى للمتقين وحرمها من كذب بها. # وقوله { فسنيسره لليسرى } معناه يسهل عليه الأمر، فالتيسير تصيير الأمر ~~سهلا. ومثله التسهيل والتخفيف، ونقيض التيسير التعسير وهو تصير الامر ~~صعبا. واليسير نقيض العسير، يقال: أيسر إذا كثر ماله ويوسر ايسارا. ~~وتقديره فسنيسره للحال اليسرى، فلذلك أنث فحال اليسير اليسرى، وحال ~~العسير العسرى. والتيسير لليسرى يكون بأن يصيرهم إلى الجنة، والتيسير ~~للعسرى بأن يصيرهم إلى النار. ويجوز أن يكون المراد بالتمكين من سلوك ~~طريق الجنة، والتمكين من سلوك طريق النار. ومعناه إنا لسنا نمنع المكلفين ~~من سلوك أحد الطريقين ولا نضطرهم اليه، وإنما نمكنهم بالاقرار عليهما ~~ورفع المنع، والترغيب فى احداهما، والتزهيد فى الاخرى. فان احسن الاختيار ~~اختار ما يؤديه إلى الجنة. وإن أساء فاختار ما يؤد به إلى النار فمن قبل ~~نفسه أتى. # وقوله { وأما من بخل واستغنى } يعني به من منع حق الله الذي أوجب عليه ~~من الزكاة والحقوق الواجبة في ماله، واستغنى بذلك وكثر ماله، فسنيسره ~~للعسرى يعني طريق النار. وقد بينا كيفية تيسير الله لذلك من التمكين أو ~~التصيير فلا حاجة لاعادته. # والعسرى البلية العظمى بما تؤدي اليه، ونقيضها اليسرى، وهو مأخوذ من ~~العسر واليسر، فحال العسر العسرى وحال اليسر اليسرى، ومذكره الأيسر، ~~والأمر الأعسر. وقال ms3649 الفراء: المعنى فسنيسره للعود إلى الصالح من الاعمال ~~ونيسره من الاعمال للعسرى على مزاوجة الكلام. والأولى أن تكون الآيتان ~~على عمومهما فى كل من يعطي حق الله، وكل من يمنع حقه، لانه ليس - ها هنا ~~- دليل قاطع على أن المختص بها إنسان بعينه، وقد روي أنها نزلت فى أبي ~~الدحداح الانصاري، وسمرة بن حبيب، ورووا فى ذلك قصة معروفة. وروي فى ~~غيره. # وقوله { وما يغنى عنه ماله إذا تردى } معناه أي شيء يغني عن هذا الذي ~~بخل بماله، ولم يخرج حق الله منه " إذا تردى " يعني فى نار جهنم - فى قول ~~قتادة وابي صالح - وهو المروي عن ابي جعفر عليه السلام. وقال مجاهد: ~~معناه إذا مات. وقال قوم: معناه { إذا تردى } فى القبر أي شيء يغنيه. ~~وقيل { إذا تردى } فى النار فما الذي يغنيه. # وقوله { إن علينا للهدى } قال قتادة معناه إن علينا لبيان الطاعة من ~~المعصية وقيل فى قوله { إن علينا للهدى } دلالة على وجوب هدى المكلفين ~~إلى الدين، وانه لا يجوز إضلالهم منه. وقوله { وإن لنا للآخرة } معناه ~~الاخبار من الله بأن له دار الآخرة والجزاء فيها على الأعمال، والامر ~~والنهي ليس لاحد سواه، لان دار الدنيا قد ملك فيها أقواما التصرف، وقوله ~~{ والأولى } معناه وإن لنا الأولى ايضا يعني دار الدنيا. فانه الذي خلق ~~الخلق فيها، وهو الذي مكنهم من التصرف فيها وهو الذى ملكهم ما ملكهم، فهي ~~ايضا ماله على كل حال. ### || [92.14-21] # قوله { فأنذرتكم نارا تلظى } وعيد من الله تعالى للمكلفين. تقول خوفتكم ~~المعاصي التي تؤديكم إلى نار تلظى. # وقرأ ابن كثير { نارا تلظى } بتشديد التاء ادغم احدى التاءين فى ~~الأخرى، لان الأصل تتلظى. وقيل: انه ادغم نون التنوين فى التاء. الباقون ~~بالتخفيف فحذفوا احدى التاءين. والتلظي تلهب النار بشدة الايقاد تلظت ~~النار تتلظى تلظيا ولظى اسم من اسماء جهنم. # وقوله { لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب } وقصر عما أمرته كما تقول: لقي ~~فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع - ذكره الفراء - فكأنه كذب في الطاعة ms3650 أى ~~لم يتحقق. وقال المفسرون فيها قولان: # احدهما - الانذار بنار هذه صفتها، وهي درك مخصوص من أدراك جهنم فهي تختص ~~هذا المتوعد الذى كذب بآيات الله وجحد توحيده { وتولى } عنها بأن لم ينظر ~~فيها أو رجع عنها بعد أن كان نظر فيها فصار مرتدا. والثاني محذوف لما ~~صحبه من دليل الآي الاخر، كأنه قال ومن جرى مجراه ممن عصى فعلى هذا لا ~~متعلق للخوارج في أن مرتكب الكبيرة كافر. # وقوله { وسيجنبها الأتقى } معناه سيبعد من هذه النار من كان اتقى الله ~~باجتناب معاصيه { الذي يؤتي ماله } أي يعطي ماله { يتزكى } يطلب بذلك ~~طهارة نفسه، فالتجنب تصيير الشيء في جانب عن غيره، فالاتقى يصير في جانب ~~الجنة عن جانب النار يقال: جنبه الشر تجنيبا وتجنب تجنبا وجانبه ~~مجانبة، ورجل جنب، وقد اجنب إذا أصابه ما يجانب به الصلاة حتى يغتسل. # وقوله { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } معناه ليس ذلك ليد سلفت تكافي ~~عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من العباد، وقوله { إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى } معناه بل إنما فعل ذلك طلب رضوان الله، وذكر الوجه طلبا لشرف ~~الذكر. والمعنى إلا ابتغاء ثواب الله وطلب رضوانه. وقوله { ولسوف يرضى } ~~معناه إن هذا العبد الذي فعل ما فعله لوجه الله سوف يرضى بما يعطيه الله ~~على ذلك من الثواب وجزيل النعيم يوم القيامة. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # روي أن عروة ابن الزبير قرأ { ما ودعك ربك } بالتخفيف من قولهم: ودع يدع ~~أي ترك يترك، وهو قليل، لان سيبويه قال: استغنوا ب (ترك) عن (ودع) فلم ~~يستعملوه. والباقون بالتشديد. # هذا قسم من الله تعالى بالضحى، وهو صدر النهار، وهو الضحى المعروف - في ~~قول قتادة - وقال الفراء: هو النهار كله من قولهم: ضحى فلان للشمس إذا ~~ظهر لها. وفي التنزيل # وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى # وقوله { والليل إذا سجى } قسم آخر، وقال الحسن: معنى { سجى } غشي ~~بظلامه. وقال قتادة: معنى { سجى } سكن وهذا من قولهم: بحر ساج أي ساكن، ~~وبه قال الضحاك، ms3651 يقال: سجا يسجو سجوا إذا هدئ وسكن، وطرف ساج قال ~~الاعشى: # فما ذنبنا ان جاش بحر ابن عمكم # وبحرك ساج لا يواري الدعا مصا # وقال الراجز: # يا حبذا القمراء والليل الساج # وطرق مثل ملاء النساج # وقوله { ما ودعك ربك وما قلى } جواب القسم. وقيل: إنه لما تأخر عنه ~~الوحي خمس عشرة ليلة، قال قوم من المشركين: ودع الله محمدا وقلاه، فانزل ~~الله تعالى هذه السورة تكذيبا لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وآله، ~~لأنه كان اغتم بانقطاع الوحي عنه - ذكره ابن عباس وقتادة والضحاك - ومعنى ~~{ ما ودعك } ما قطع الوحي عنك، ومعنى { قلى } أبغض - في قول ابن عباس ~~والحسن وابن زيد - والقالي المبغض يقال: قلاه يقلاه قلا إذا ابغضه. ~~والعقل دال على انه لا يجوز ان يقلا الله احدا من أنبيائه، والتقدير ما ~~قلاك، فحذف الكاف لدلالة الكلام عليه، ولأن رؤس الآي بالياء، فلم يخالف ~~بينها، ومثله (فآوى، وفهدى، وفأغنى) لأن الكاف في جميع ذلك محذوفة، ولما ~~قلناه. # وقوله { وللآخرة خير لك من الأولى } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول ~~الله تعالى له إن ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الأولى يعني ~~من الدنيا، والكون فيها لكونها فانية. قال ابن عباس: له في الجنة ألف قصر ~~من اللؤلؤ ترابه المسك، وفيه من كل ما يشتهي على اعم الوصف. # وقوله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وعد من الله له أن يعطيه من النعيم ~~والثواب وفنون النعم ما يرضى النبي صلى الله عليه وآله به ويؤثره. # ثم عدد عليه النعمة في دار الدنيا فقال { ألم يجدك يتيما فآوى } ومعناه ~~تقريره على نعم الله عليه حين مات أبوه وبقي يتيما فآواه بأن سخر له عبد ~~المطلب أولا، ولما مات عبد المطلب آواه إلى ابي طالب، وسخره للاشفاق عليه ~~والحنين على حفظه ومراعاته. # وقوله { ووجدك ضالا فهدى } قيل فى معناه أقوال: # احدها - وجدك لا تعرف الحق فهداك اليه بأن نصب لك الادلة وارشدك اليها ~~حتى عرفت الحق، وذلك من نعم الله. # وثانيها ms3652 - وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة والشريعة، فهداك اليها # وثالثها - وجدك فى قوم ضلال أي فكأنك واحد منهم. # ورابعها - وجدك مضلولا عنك فهدى الخلق إلى الاقرار بنبوتك والاعتراف ~~بصدقك فوجدك ضالا بمعنى مضلول كما قيل ماء دافق بمعنى مدفوق، وسر كاتم ~~بمعنى مكتوم. # وخامسها - أنه لما هاجر إلى المدينة ضل فى الطريق، وضل دليله فأرشدهم ~~الله الى الطريق الواضح حتى وصلوا فاذا قيل: السورة مكية أمكن أن يقال: ~~المراد بذلك الاستقبال والاعلام له أنه يكون هذا على وجه البشارة له به، ~~ولم يكن فعلا له معصية، لانه ليس ذهابا عما كلف. # وقوله { ووجدك عائلا فأغنى } فالعائل الفقير، وهو ذو العيلة من غير جدة ~~عال يعيل عيلة إذا كثر عياله وافتقر قال الشاعر: # وما يدرى الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # أي متى يفتقر. وقيل ان ذكر النعم من المنعم يحسن على وجهين: # احدهما - التذكير للشكر وطلب الزيادة منها فهذا جود وكرم. # والاخر - عند كفر المنعم عليه، فهذا التذكير على الوجه الاول. # وقوله { فأما اليتيم فلا تقهر } أي لا تقهره لظلمه بأخذ ماله فكذلك من ~~لا ناصر له لا تغلظ فى أمره، والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وهو نهي لجميع المكلفين وقيل: معناه لا تقهره على ماله. # وقوله { وأما السائل فلا تنهر } فالانتهار هو الصياح فى وجه السائل ~~الطالب للرفد، يقال: نهره وانتهره بمعنى واحد، وهو متوجه إلى جميع ~~المكلفين. # وقوله { وأما بنعمة ربك فحدث } معناه اذكر نعم الله واظهرها وتحدث بها. ~~وقد قيل: من شكر النعمة الحديث بها. # فان قيل: فى هذا ونظائره مما عدده الله على خلقه من النعم وامتنانه ~~عليهم كيف يمنن الله تعالى على خلقه بالنعم وذلك من فعل النجل، لان ~~الواحد منا لو من على غيره بما يسدي اليه كان مقبحا؟! # قبل: إنما يقبح الامتنان إذا كان الغرض الازراء بالنعم عليه والتفضيل ~~به، فاما إذا كان الغرض تعريف النعمة وتعديدها وإعلامه وجوهها ليقابلها ~~بالشكر فيستحق به الثواب والمدح، فانه ms3653 نعمة اخرى وتفضل آخر يستحق به ~~الشكر فبطل ما قالوه. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # روى اصحابنا ان ألم نشرح من الضحى سورة واحدة لتعلق بعضها ببعض ولم ~~يفصلوا بينهما ب { بسم الله الرحمن الرحيم } وأوجبوا قراءتهما فى ~~الفرائض فى ركعة وألا يفصل بينهما. ومثله قالوا فى سورة { ألم ترك كيف } ~~و { الإيلاف } وفى المصحف هما سورتان فصل بينهما ببسم الله. # والمعني بهذه الآيات تعداد نعم الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله ~~فى الامتنان بها عليه فقال { ألم نشرح لك صدرك } فالشرح فتح الشيء باذهاب ~~ما يصد عن إدراكه فالله تعالى قد فتح صدر نبيه باذهاب الشواغل التي تصد ~~عن إدراك الحق وتعظيمه بما يجب له. ومنه قول القائل: أشرح صدري لهذا ~~الأمر. وشرح فلان كتاب كذا، ومنه تشريح اللحم إذا فتحه ورققه، ومنه قوله ~~{ أفمن شرح الله صدره للإسلام } وقال البلخي: كان النبي صلى الله عليه ~~وآله ضاق صدره بمغاضبة الجن والانس له فآتاه الله من آياته ووعده ما اتسع ~~قلبه لكل ما حمله الله وأمره به. وقال الجبائي: شرح الله صدره بأن فعل له ~~لطفا بسنن منه إلى ما كلفه الله وسهل عليه، وكان ذلك ثوابا على طاعاته ~~لا يجوز فعله بالكفار. وعكسه ضيق الصدر كما قيل فى قوله # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون # والصدر الموضع الارفع الذي فيه القلب، ومنه أخذ صدر المجلس تشبيها بصدر ~~الانسان. وصدرته بكذا إذا جعلته في أول كلامك. والصدر لأن الاوامر تصدر ~~عنه. وصادره إذا اخذ ما يصدر عنه والاصل الانصراف عن الشيء. # وقوله { ووضعنا عنك وزرك } قال الحسن: يعني بالوزر الذي كان عليه في ~~الجاهلية قبل النبوة. وقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: يعني ذنبك. ~~قالوا: وإنما وصفت ذنوب الانبياء بهذا الثقل مع انها صغائر مكفرة لشدة ~~اغتمامهم بها وتحسرهم على وقوعها مع ندمهم عليها. وهذان التأويلان ms3654 لا ~~يصحان على مذهبنا، لان الانبياء عليهم السلام لا يفعلون شيئا من القبائح ~~لا قبل النبوة ولا بعدها ولا صغيرة ولا كبيرة، فاذا ثبت هذا، فمعنى ~~الآية هو أن الله تعالى لما بعث نبيه وأوحى اليه وانتشر أمره وظهر حكمه ~~كان ما كان من كفار قومه وتتبعهم لاصحابه باذاهم له وتعرضهم إياهم ما كان ~~يغمه ويسؤه ويضيق صدره ويثقل عليه، فازال الله ذلك بأن أعلى كلمته وأظهر ~~دعوته وقهر عدوه وانجز وعده ونصره على قومه، فكان ذلك من اعظم المنن ~~وأجزل النعم. # فاذا قيل: السورة مكية، وكان ما ذكرتموه بعد الهجرة؟! # قيل: ليس يمنع أن يكون الله أخبره بأن ذلك سيكون فيما بعد ليبشره به ~~ويسليه عما هو عليه فجاء بلفظ الماضي وأراد الاستقبال، كما قال # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # وكما قال # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك # والوزر الثفل في اللغه، ومنه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك. وإنما ~~سميت الذنوب أوزارا لما فيها من العقاب العظيم. # وقوله { الذي أنقض ظهرك } نعت للوزر، ووصفه بأنه انقض ظهره بمعنى أثقله، ~~والانقاض الاثقال الذي ينتقض به ما حمل عليه. أنقض ينقض انقاضا والنقض ~~والهدم واحد، ونقض المذهب إبطاله بما يفسده. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ~~وابن زيد: معنى انقض أثقل، وبعير نقض سفر إذا أثقله السفر. # وقوله { ورفعنا لك ذكرك } قال الحسن ومجاهد وقتادة: معناه إني لا اذكر ~~إلا ذكرت معي يعني ب (لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله). # وقوله { فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } يدل على أن التأويل في ~~قوله { ووضعنا عنك وزرك } ما قلناه، لأن الله بشره أنه يكون مع العسر ~~يسرا وروي عن ابن عباس أنه قال: لن يغلب عسر واحد يسرين، لأنه حمل العسر ~~في الآيتين على انه واحد لكونها بالالف واللام، واليسر منكر في تثنية ~~الفائدة، والثاني غير الاول، والعسر صعوبة الامر وشدته، واليسر سهولته. # ثم قال له { فإذا فرغت فانصب } قال ابن عباس: معناه فاذا فرغت من ms3655 فرضك ~~فانصب الى ما رغبك الله فيه من العمل. وقال قتادة: معناه فاذا فرغت من ~~صلاتك فانصب الى ربك في الدعاء. وقال مجاهد: معناه فاذا فرغت من أمر ~~دنياك فانصب الى عبادة ربك. ومعنى { فانصب } ناصب يقال: ناله هم ناصب أي ~~ذو نصب. ويقال: أنصبني الهم فهو منصب قال الشاعر: # تعناك هم من أميمة منصب # وقال النابغة: # كليني لهم يا اميمه ناصب # أي فيه نصب كقوله # عيشة راضية # أي ذات رضى. والخطاب وإن كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~فالمراد به جميع المكلفين من أمته، والفراغ انتفاء كون الشيء المضاد لكون ~~غيره في المحل. ونقيضه الشغل، وهو كون الشيء المضاد في المحل ومنه أخذ ~~شغل الافعال، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه يشغله شيء عن شيء، لانه تعالى ~~يخترع ما شاء من الافعال. # وقوله { وإلى ربك فارغب } حث له على الرغبة في الطلب من الله تعالى دون ~~غيره. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # هذا قسم من الله تعالى بالتين والزيتون، وقال الحسن ومجاهد وعكرمة ~~وقتادة: هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر. وقال ابن زيد: التين ~~مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس. قال الفراء: سمعت رجلا من أهل الشام، ~~وكان صاحب تفسير، قال: التين جبال ما بين حلوان إلى همدان، والزيتون الذي ~~يعصر { وطور سينين } هو قسم آخر، وقال مجاهد وقتادة { الطور } جبل. و { ~~سينين } معناه مبارك، فكأنه قيل: جبل فيه الخير الكثير، لانه أضافه إضافة ~~تعريف. وقال الحسن: طور سينين هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ~~عليه السلام، فهو عظيم الشأن. وقيل: سينين بمعنى حسن، لأنه كثير النبات ~~والشجر - في قول عكرمة - # وقوله { وهذا البلد الأمين } قسم آخر، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن ~~زيد وابراهيم: البلد الأمين مكة، والامين بمعنى آمن، كما قال الله تعالى # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا # قال الشاعر: # ألم تعلمي يا اسم ويحك انني # حلفت يمينا لا أخون أميني # يريد أمني، وقوله { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } جواب القسم قال ms3656 ~~ابن عباس: خلق الله تعالى الانسان فى أحسن تقويم منتصب القامة وسائر ~~الحيوان منكب. وقال الفراء: معناه إنا لنبلغ بالآدمى أحسن تقويمه، وهو ~~اعتداله واستواء شبابه، وهو أحسن ما يكون. وقال الحسن ومجاهد وقتادة: ~~معناه فى أحسن صورة والتقويم تصبير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه من ~~التأليف والتعديل، قومه تقويما فاستقام، وتقوم. # وقوله { ثم رددناه أسفل سافلين } قال ابن عباس وابراهيم وقتادة: معناه ~~إلى ارذل العمر، وقال الحسن ومجاهد وابن زيد: ثم رددناه إلى النار فى ~~أقبح صورة ثم استثنى من جملتهم { إلا الذين آمنوا } بالله تعالى واخلصوا ~~العبادة له { وعملوا الصالحات } أي وأضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات، ~~وبين أن من هذه صفته { لهم أجر } أي ثواب على طاعاتهم { غير ممنون } أي ~~غير منقوص. وقيل غير مقطوع، وقال مجاهد: غير محسوب، وقيل غير مكدر بما ~~يوذي ويغم. # وقوله { فما يكذبك بعد بالدين } معناه أي شيء يكذبك أيها الانسان بعد ~~هذه الحجج بالدين الذي هو الجزاء. وقال قتادة: معناه فمن يكذبك أيها ~~الانسان بعدها بالدين الذي هو الجزاء والحساب، وهو قول الحسن وعكرمة. # وقوله { أليس الله بأحكم الحاكمين } تقرير للانسان على الاعتراف بأنه ~~تعالى أحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا، لانه لا خلل فيه ولا اضطراب يخرج ~~عما تقتضيه الحكمة وفى ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة فى أن الله يخلق ~~الظلم والفساد. والحكم الخبر بما فيه فائدة بما تدعو اليه الحكمة، فاذا ~~قيل: حكم جائر فهو بمنزلة حجة داحضة مجازا بمعنى أنه حكم عند صاحبه كما ~~أنها حجة عنده. وليست حجة فى الحقيقة. وقيل: المعنى أي شيء يكذبك بالدين: ~~ويحملك على جحد الجزاء يوم القيامة وأنا أحكم الحاكمين. وروي عن ابن عباس ~~أنه كان إذا قرأ { أليس الله بأحكم الحاكمين } قال: سبحانك اللهم بلى. ~~وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال # " إذا قرأ احدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها فليقل: بلى ". ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-10] # روي عن عائشة ومجاهد وعطاء وابن سيار: ان أول آية نزلت ms3657 قوله { اقرأ باسم ~~ربك الذي خلق } وهو قول أكثر المفسرين. وقال قوم: أول ما نزل قوله { يا ~~أيها المدثر } وقد ذكرناه فيما مضى. # هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقرأ باسم ربه الذي ~~خلق الخلق، وأن يدعوه بأسمائه الحسنى. وفى تعظيم الاسم تعظيم المسمى، لأن ~~الاسم وصف ليذكر به المسمى بما لا سبيل إلى تعظيمه إلا بمعناه، فلهذا لا ~~يعظم اسم الله حق تعظيمه إلا من هو عارف به ومعتقد لعبادة ربه، فهو معتقد ~~بتعظيم المسمى لا وجه له يعتد به إلا تعظيم المسمى، ولهذا قال الله تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى # وقال # فسبح باسم ربك # وقال الله تعالى # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # والباء زائدة، وتقديره اقرأ إسم ربك. # وقوله { الذي خلق } فى موضع جر، نعت ل { ربك } الذي خلق الخلائق ~~وأخرجهم من العدم إلى الوجود. وقوله { خلق الإنسان من علق } تخصيص لبعض ~~ما ذكره بقوله { الذي خلق } لانه يشتمل على الانسان وغيره، وإنما أفرد ~~الانسان بالذكر تشريفا له وتنبيها على ما خصه الله به من سائر الحيوان، ~~وبين أنه مع ذلك خلقه الله من علق، وهو القطعة الجامدة من الدم، وإنما ~~قال { علق } وهو جمع علقة لأن المراد بالانسان الجمع، لأنه إسم جنس، وسمي ~~به قطع العدم التي تعلق لرطوبتها بما تمر به، فاذا جفت لا تسمى علقا، ~~وواحدها { علقة } مثل شجرة وشجر. وعلق فى معنى الجمع، لان الانسان جمع ~~على طريق الجنس، والنطفة تستحيل فى الرحم علقة ثم مضغة ويسمى ضرب من ~~الدود الأسود العلق، لأنه يعلق على الشفتين لداء يصيبها فيمتص الدم. وفي ~~خلق الانسان من علق دليل على ما يصح أن ينقلب اليه الجوهر. # وقوله { اقرأ وربك الأكرم } معناه اقرأ القرآن وربك الاكرم ومعنى ~~الأكرم: الأعظم كرما وفى صفة الله تعالى معناه الأعظم كرما بما لا ~~يبلغه كرم، الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه، لأنه يعطي من النعم ما ~~لا ms3658 يقدر على مثله غيره، فكل نعمة من جهته تعالى، إما بأن اخترعها أو ~~سببها وسهل الطريق اليها. # وقوله { الذي علم بالقلم } { الذي } فى موضع رفع، لانه نعت لقوله { ~~وربك } والمعنى إنه تعالى امتن على خلقه بما علمهم من كيفية الكتابة ~~بالقلم، لما فى ذلك من كثرة الانتفاع لخلقه، فقد نوه الله بذكر القلم إذ ~~ذكره فى كتابه، وقد وصف بعض الشعراء القلم فقال: # لعاب الافاعي القاتلات لعابه # وأري الجنا اشتارته أيد عواسل # وقوله { علم الإنسان ما لم يعلم } امتنان من الله تعالى على خلقه بأن ~~علمهم ما لم يكونوا عالمين به إما بخلق العلوم فى قلوبهم من الضروريات أو ~~بنصب الأدلة لهم على الوصول اليها فيما لم يعلموه ضرورة، وذلك من أعظم ~~نعم الله تعالى على خلقه، وفي ذلك دلالة على انه تعالى عالم لان العلم لا ~~يقع إلا من عالم. # وقوله { كلا } ردع وزجر وتقديره ارتدعوا وانزجروا معاشر المكلفين، ثم ~~اخبر { إن الإنسان ليطغى } ويحتمل أن يكون بمعنى حقا على وجه القسم بأن ~~الانسان ليطغى أي ليجاوز الحد فى العصيان والخروج عن الطاعة { أن رآه ~~استغنى } أي إذا كثر ماله واستغنى بطر وطغى، وخرج عن الحد المحدود له، ~~ويجوز أن يقال: زيد رآه استغنى من الرؤية بمعنى العلم، ولا يجوز من رؤية ~~العين، زيد { رآه } حتى تقول رأى نفسه، لان الذي يحتاج إلى خبر جاز فيه ~~الضمير المتصل لطول الكلام بلزوم المفعول الثاني. وقرأ ابو عمرو { رآه } ~~بفتح الراء وكسر الهمزة. وقرأ نافع وحفص عن عاصم بالفتح فيهما. الباقون ~~بفتح الراء وبعد الهمزة الف على وزن (وعاه) على أمالة الفتحة، وابو عمرو ~~يميل الالف. # ثم قال على وجه التهديد لهم { إن إلى ربك الرجعى } فالرجعي والمرجع ~~والرجوع واحد أي مصيرهم ومرجعهم إلى الله فيجازيهم الله على أفعالهم على ~~الطاعات بالثواب، وعلى المعاصي بالعقاب. # وقوله { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } تقرير للنبي صلى الله عليه ~~وآله وإعلام له ما يفعله بمن ينهاه عن الصلاة. وقيل: إن الآيات نزلت فى ms3659 ~~أبي جهل بن هشام، والمراد بالعبد فى الآية النبي صلى الله عليه وآله فان ~~أبا جهل كان ينهى النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة وكان النبي صلى ~~الله عليه وآله لما قال ابو جهل: ألم انهك عن الصلاة انتهره واغلظ له، ~~فقال أبو جهل، أنا اكثر أهل هذا الوادي ناديا - ذكره ابن عباس وقتادة - ~~والمعنى أرأيت يا محمد صلى الله عليه وآله من فعل ما ذكرناه من منع ~~الصلاة، وينهى المصلين عنها؟ ماذا يكون جزاؤه؟ وما يكون حاله عند الله؟ ~~وما الذى يستحقه من العقاب؟ ### || [96.11-19] # لما قال للنبي صلى الله عليه وآله { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } ~~بين ما ينبغي أن يقال له فانه يقال له { أرايت إن كان } هذا الذي صلى { ~~على الهدى } والطريقة الصحيحة { أو أمر بالتقوى } أي بأن يتقي معاصي الله ~~كيف يكون حال من ينهاه عن الصلاة ويزجره عنها؟! ثم قال للنبي صلى الله ~~عليه وآله { أرأيت إن كذب وتولى } بما يقال له وأعرض عن قبوله. والاصغاء ~~اليه { ألم يعلم بأن الله يرى } أي يعلم ما يفعله ويدرك ما يصنعه، فالهدى ~~البيان عن الطريق المؤدي إلى الغرض الحكمي يقال: هداه إلى الحق في الدين ~~يهديه هدى، والعمل بالبيان عن طريق الرشد هدى، وكذلك باللطف فيه. والتقوى ~~تجنب ما يؤدي إلى الردى، اتقاه اتقاء وتقوى والاصل وقيا. فابدلت الواو ~~تاء، والياء واوا، لأن التاء أحسن أولا من الواو مع مناسبتها بالقرب ~~وإمتناع المخرج، والتقدير أرايت الذي فعل هذا الفعل ما الذى يستحق بذلك ~~من الله من العقاب. ثم قال على وجه التهديد { كلا لئن لم ينته } عن هذا ~~الفعل والقول { لنسفعا بالناصية } أي لنغيرن بها إلى حال تشويه، يقال: ~~سفعته النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تشويه، وقيل: هو أن يجر ~~بناصيته إلى النار، والناصية شعر مقدم الرأس. وهو من ناصى يناصي مناصاة ~~إذا واصل قال الراجز: # قي يناصيها بلاد قي # فالناصية متصلة بشعر الرأس. وقوله { ناصية } بدل من { الناصية } بدل ~~النكرة من ms3660 المعرفة ووصفها بأنها { كاذبة خاطئة } ومنعاه أن صاحبها كاذب ~~فى اقواله خاطئ في أفعاله وأضاف الفعل اليها لما ذكر الخبر بها، وقوله { ~~فليدع ناديه } وعيد للذي قال: أنا اكثر هذا الوادي ناديا بأن قيل له { ~~فليدع ناديه } إذا حل عقاب الله به. وقال ابو عبيدة: تقديره، فليدع أهل ~~ناديه، كقوله # واسأل القرية # والنادى الفناء ومنه قوله # وتأتون في ناديكم المنكر # ثم قال { سندع } نحن { الزبانية } يعني الملائكة الموكلين بالنار - في ~~قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك - وقال ابو عبيدة: واحد الزبانية ~~زبينة، وقال الكسائي واحدهم زبني. وقال الاخفش: واحدهم زابن. وقيل: ~~زبنية. ويجوز أن يكون اسما للجمع مثل ابابيل، والزبن الدفع، والناقة ~~تزبن الحالب أى تركضه برجلها، وقال الشاعر: # ومستعجب مما يرى من أناتنا # ولوزبنته الحرب لم يترمرم # ثم قال { كلا } أى ارتدع وانزجر { فلا تطعه } أى لا تطع هذا الكافر، ~~فانه ليس الامر على ما يظن هذا الكافر وهو أبو جهل الذى نزلت الآيات فيه ~~{ واسجد } لله تعالى وأطعه { واقترب } من ثوابه بطاعته. وقيل: معناه تقرب ~~اليه بطاعته دون الرياء والسمعة. والسجود - هنا - فرض وهو من العزائم، ~~وهي أربعة مواضع: ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك. وما ~~عداها في جميع القرآن مسنون ليس بمفروض. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قرأ الكسائي وخلف { مطلع الفجر } بكسر اللام على معنى وقت طلوعه. ~~الباقون بالفتح على المصدر، وروي عن ابن عباس انه قرأ { من كل أمرئ } ~~بمعنى من الملائكة. الباقون { من كل أمر } بمعنى الواحد من الامور. # يقول الله تعالى مخبرا انه أنزل القرآن فى ليلة القدر، فالهاء كناية عن ~~القرآن، وإنما كنى عما لم يجر له ذكر، لأنه معلوم لا يشتبه الحال فيه. ~~وقال ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة ~~القدر. وقال الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله فى ليلة القدر، وليلة القدر هي ~~الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون فى السنة بأجمعها من كل أمر - ~~فى قول الحسن ms3661 ومجاهد - يقال: قدر الله هذا الأمر يقدره قدرا إذا جعله ~~على مقدار ما تدعو اليه الحكمة. وقيل: فسر الله تعالى ليلة القدر بقوله # فيها يفرق كل أمر حكيم # وقيل: سميت ليلة القدر لعظم شأنها وجلالة موقعها من قولهم: فلان له قدر ~~والأول أظهر، وليلة القدر فى العشر الأواخر من شهر رمضان بلا خلاف، وهي ~~ليلة الافراد بلا خلاف. وقال اصحابنا: هي احدى الليلتين إما ليلة احدى ~~وعشرين او ثلاث وعشرين، وجوز قوم: أن يكون سائر ليالي الافراد إحدى ~~وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين وتسع وعشرين، وجوزوا ~~ايضا تقديهما فى سنة وتأخيرها فى أخرى، وإنما لم تعين هذه الليلة ليتوفر ~~العباد على العمل فى سائر الليالي. والقدر كون الشيء على مساواة غيره من ~~غير زيادة ولا نقصان، ففي ليلة القدر تجدد الأمور على مقاديرها جعلها ~~الله فى الآجال والارزاق والمواهب التي يجعلها الله للعباد، ويقع فيها ~~غفران السيئات ويعظم منزلة الحسنات على ما لا يقع فى ليلة من الليالي، ~~فينبغي للعاقل أن يرغب فيما رغبه الله بالمبادرة إلى ما أمر به على ما ~~شرط فيه. والاوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون من الخير الجزيل ~~والنفع الكثير فيها دون غيرها فلما جعل الله تعالى الخير الكثير يقسم فى ~~ليلة القدر بما جعله الله فيها من هذا المعنى، ولذلك قال { وما أدراك ما ~~ليلة القدر } تعظيما لشأنها وتفخيما، وانك يا محمد لا تعلم حقيقة ذلك. # ثم بين تعالى ذلك فقال { ليلة القدر خير من ألف شهر } والمعنى إن الثواب ~~على الطاعة فيها خير يفضل على ثواب كل طاعة تفعل في الف شهر ليس فيها ~~ليلة القدر. وقيل إن الله يتفضل على خلقه في هذه الليلة وينعم عليهم بما ~~لا يفعل في الف شهر ليس فيها ليلة القدر وبما لا يكون مثله في الف شهر ~~وكانت افضل من الف شهر ليس فيها ليلة القدر. # والشهر في الشرع عبارة عن ما بين هلالين من الأيام، وسمي شهرا لاشتهارة ~~بالهلال. وقد يكون ms3662 الشهر ثلاثين ويكون تسعة وعشرين إذا كانت هلالية، فان ~~لم تكن هلالية فهي ثلاثون. وقوله { تنزل الملائكة والروح فيها } معناه ~~تنزل الملائكة والروح الذي هو جبرائيل بكل أمر في ليلة القدر إلى سماه ~~الدنيا حتى يعلمه أهل سماء الدنيا، فيكون لطفا لهم وحتى يتصوره العباد ~~ينزل بأمر الله اليها، فتنصرف آمالهم إلى ما يكون منها فيقوى رجاؤهم بما ~~يتجدد من تفضل الله فيها. وقيل: إن نزولها بالسلامة والخير والبركة إلى ~~تلك الساعة { بإذن ربهم من كل أمر } أي ما ينزلون به كله بأمر الله، ~~ويكون الوقف - ها هنا - تاما على ما قرأ به القراء المشهورون، وعلى ما ~~حكيناه عن ابن عباس وهو قول عكرمة والضحاك: لا يكون تاما. # وقوله { سلام هي حتى مطلع الفجر } قل هو سلام الملائكة عليهم السلام ~~بعضهم على بعض إلى طلوع الفجر. وقيل: معناه سلام هي من الشر حتى مطلع ~~الفجر - ذكره قتادة - وقيل إن فضل الصلاة فيها والعبادات على الف شهر ~~يراد بها الى وقت طلوع الفجر، وليست كسائر الليالي التي فضلت بالعبادة في ~~بعضها على بعض والمطلع الطلوع، والمطلع موضع الطلوع، وجر { مطلع } ب ~~(حتي) لانها إذا كانت بمعنى الغاية خفضت الاسم باضمار (إلى) ونصبت الفعل ~~باضمار (إلى أن) كقولك: دخلت الكوفة حتى مسجدها، أي حتى انتهيت إلى ~~مسجدها، والفعل كقولك: أسير حتى ادخلها، بمعنى إلى ان أدخلها. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # قرأ نافع وابن عامر - في رواية ابن ذكوان { خير البرئية } و { شر ~~البرئية } مهموزتان الباقون بغير همز. من همز جعله من { برأ الله الخلق ~~يبرؤهم } ومنه البارئ ومن لم يهمز يجوز أن يكون خفف. ويجوز أن يكون من ~~البري الذى هو التراب، كما يقال: بغاك من سار إلى القوم البرئ، وروى أبو ~~نشيط من طريق القرطي { لمن خشي ربه } بضم الهاء من غير اشباع. الباقون ~~بضم الهاء، ووصلها بواو في اللفظ. # يقول الله تعالى { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين ~~حتى تأتيهم البينة } قال الحسن وقتادة معناه لم يكونوا ms3663 منتهين عن كفرهم ~~حتى تأتيهم البينة. وقال قوم: معناه لم يكونوا منفكين من كفرهم أي ~~زائلين. وقيل: معناه لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله حتى تأتيهم ~~البينة التى تقوم بها الحجة عليهم وقال الفراء: منعاه لم يكونوا منفكين ~~من حجج الله بصفتهم للنبي صلى الله عليه وآله أنه فى كتابهم وقيل معناه ~~لم يكونوا زائلين من الدنيا، والانفكاك على وجهين: على لا يزال ولا بد ~~لها من خبر وحرف الجحد. ويكون على الانفصال فلا يحتاج إلى خبر ولا حرف ~~جحد، كقولك انفك الشيء من الشيء قال ذو الرمة: # قلايص ما تنفك إلا مناخة # على الخسف أو يرمى بها بلدا قفرا # فجعله الفراء من (انفك الشيء من الشيء) وجعله غيره من { ما يزال } إلا ~~أنه ضرورة. والانفكاك إنفصال عن شدة اجتماع. واكثر ما يستعمل ذلك فى ~~النفي كما أن (ما زال) كذلك تقول: ما انفك من هذا الأمر أي ما انفصل منه ~~لشدة ملابسته له. والمعني أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب يعني اليهود ~~والنصارى ومن المشركين يعني عباد الاصنام لا يفارقون الكفر إلى أن تأتيهم ~~البينة يعني الحجج الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، وهي من ~~البينونة. وفصل الشيء من غيره فالنبي صلى الله عليه وآله حجة وبينة، ~~وإقامة الشهادة العادلة بينة، وكل برهان ودلالة فهو بينة، # وقوله { رسول من الله } هو بيان تلك البينة، بينها بأنه رسول من قبل ~~الله يتلو عليهم صحفا مطهرة، يعني فى السماء لا يمسها إلا الملائكة ~~المطهرون من الانجاس # وقوله { فيها كتب قيمة } معناه في تلك الصحف كتب جمع كتاب { قيمة } ~~فالقيمة المستمرة في جهة الصواب، فهو على وزن (فيعلة) من قام الأمر يقوم ~~به إذا أجراه في جهة الاستقامة. وقال قتادة: صحفا مطهرة يعني من الباطل ~~وهو القرآن يذكره بأحسن الذكر ويثني عليه بأحسن الثناء. # وقوله { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جائتهم البينة } ~~اخبار من الله تعالى أن هؤلاء الكفار لم يختلفوا في نبوة النبي صلى الله ms3664 ~~عليه وآله لانهم مجمعين على نبوته بما وجدوه في كتبهم من صفاته، فلما ~~أتاهم بالبينة الظاهرة والمعجزة القاهرة، تفرقوا واختلفوا، فآمن بعضهم ~~وكفر بعضهم. # وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن الكفار خلقوا كفارا فى بطون ~~إمهاتهم، لأنه تعالى بين أنهم لم يختلفوا فى ذلك قبل مجيء معجزاته ~~وأدلته، ولا يلزم على ذلك أن يكون مجيء الآيات مفسدة من حيث وقع الفساد ~~عندها، لانه ليس حد المفسدة ما يقع عنده الفساد، بل حده ما يقع عنده ~~الفساد ولولاه لم يقع، من غير أن يكون تمكينا، وها هنا المعجزات تمكين ~~فلم يكن مفسدة. # ثم قال تعالى { وما أمروا } أي لم يأمرهم الله تعالى { إلا ليعبدوا الله ~~} وحده ولا يشركوا بعبادته غيره { مخلصين له الدين } لا يخلطون بعبادته ~~عبادة سواه. وقوله { حنفاء } جمع حنيف، وهو المائل إلى الحق، والحنفية ~~الشريعة المائلة إلى الحق، وأصله الميل، ومن ذلك الاحنف: المائل القدم ~~إلى جهة القدم الاخرى. وقيل: أصله الاستقامة، وإنما قيل للمائل القدم ~~أحنف على وجه التفاؤل، وقوله { ويقيموا الصلاة } أي يدوموا عليها ويقوموا ~~بحددوها { ويؤتوا الزكاة } المفروضة من أموالهم. ثم قال { وذلك دين ~~القيمة } أي ذلك الذي تقدم ذكره دين القيمة وتقديره ذلك دين الملة القيمة ~~والشريعة القيمة. # وقوله { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } دليل على فساد مذهب المجبرة: ان ~~الله خلق الكفار ليكفروا به، لانه صرح ها هنا أنه خلقهم ليعبدوه. وليس فى ~~الآية دلالة على أن أفعال الجوارح من الايمان، ولا من الدين، لأنه يجوز ~~أن يكون المراد { وذلك } إشارة إلى الدين، وتقديره والدين بذلك هو دين ~~القيمة، لأن من لا يعتقد جميع ذلك ويؤمن بجميع ما يجب عليه فليس بمسلم. ~~وقد تقدم قوله { مخلصين له الدين } ثم قال { وذلك } يعني وذلك الدين { ~~دين القيمة } وليس يلزم أن يكون راجعا إلى جميع ما تقدم، كما لا يلزم ~~على مذهبهم فى قوله # ومن يفعل ذلك يلق أثاما # أن يكون راجعا إلى الشرك، وقتل النفس والزنا، بل عندهم يرجع إلى كل ms3665 ~~واحد من ذلك، فكذلك - ها هنا - وقد أستوفينا ما يتعلق بذلك في كتاب ~~الاصول. # وفي الآية دلالة على وجوب النية في الطهارة، لأنه بين تعالى أنه أمرهم ~~بالعبادة على الاخلاص، ولا يمكن ذلك إلا بالنية والقربة، والطهارة عبادة ~~لقوله صلى الله عليه وآله # " الوضوء شطر الايمان " # وما هو شطر الايمان لا يكون إلا عبادة. # ثم اخبر تعالى عن حال الكفار والمشركين فقال { إن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين } يعني من جحد توحيد الله وأنكر نبوة نبيه وأشرك معه ~~إلها آخر في العبادة { في نار جهنم } معاقبين فيها جزاء على كفرهم { ~~خالدين فيها } أي مؤبدين لا يفنى عقابهم. # ثم قال { أولئك هم شر البرية } أي شر الخليقة، والبرية (فعيلة) من برأ ~~الله الخلق إلا أنه ترك فيهما الهمز، ومن همز فعلى الاصل. ويجوز أن يكون ~~(فعيلة) من البري وهو التراب. # ثم أخبر عن حال المؤمنين فقال { إن الذين آمنوا } بالله وأقروا بتوحيده ~~واعترفوا بنبوة نبيه { وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } أي هم ~~أحسنهم حالة. وإنما أطلق بأنهم خير البرية، لان البرية هم الخلق، ولا ~~يخلوا أن لا يكونوا مكلفين، فالمؤمن خير منهم لا محالة. وإن كانوا ~~مكلفين: فاما أن يكونوا مؤمنين أو كافرين أو مستضعفين، فالمؤمن خيرهم ~~أيضا لامحالة بما معه من الثواب. # وقوله { جزاءهم عند ربهم } يعني جزاء إيمانهم وطاعاتهم عند الله يوفيهم ~~الله يوم القيامة. ثم فسر ذلك الجزاء فقال { جنات عدن } أي بساتين إقامة ~~{ خالدين فيها } أى مؤبدين فيها { أبدا رضي الله عنهم } أي رضي أفعالهم ~~{ ورضوا عنه } بما فعل بهم من الثواب. والرضا هو الارادة، إلا أنها لا ~~تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتعقبها كراهية، فتسمى حينئذ رضا، ~~فأما الارادة لما يقع في الحال او فيما يفعل بعد، فلا تسمى رضا، فرضى ~~الله عن العباد إرادته منهم الطاعات التي فعلوها، ورضاهم عنه إرادتهم ~~الثواب الذى فعله بهم، ثم قال { ذلك لمن خشي ربه } أي ذلك الرضا والثواب ~~والخلود في الجنة لمن خاف الله ms3666 فترك معاصيه وفعل طاعاته. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # قرأ عاصم في رواية أبان عنه { خيرا يره وشرا يره } بضم الياء فيهما ~~بمعنى انه يريه غيره. الباقون بفتح الياء بمعنى أنه يراه ويبصره. وقرأ ~~ابن عامر - في رواية هشام - وابن عامر والكسائي عن أبي بكر - بسكون الهاء ~~- في قوله { خيرا يره، وشرا يره } الباقون بالاشباع فيهما. قال ابو ~~علي: الاشباع هو الأصل، وهو الوجه، كما تقول: اكرمهو، وضربهو. وإنما يجوز ~~إسكانها في الشعر. وقد حكى ابو الحسن أنها لغة رديئة فمن سكن فعلى هذه ~~اللغة. وقرأ ابو جعفر من طريق ابن العلاف وروح - بضم الياء - من غير صلة ~~بواو فيهما وقد بينا الوجه فيه. # يقول الله تعالى مخوفا لعباده أهوال يوم القيامة ومنذرا لهم بالآيات ~~الباهرة بأن قال { إذا زلزلت الأرض زالزالها } فالزلزلة شدة الاضطراب بما ~~يهدم البنيان زلزل يزلزل زلزالا، فكأنه مكرر (زل، يزل) للتكثير والتعظيم، ~~والزلزال - بكسر الزاي - المصدر، وبالفتح الاسم. وقال الحسن: زلزلت ورجت ~~ورجفت بمعنى واحد # وقوله { وأخرجت الأرض أثقالها } قال ابن عباس ومجاهد: معناه أخرجت ~~موتاها، وأثقال الارض ما فيها مدفون من الموتى وغيرها، فان الأرض تلفظ ~~بكل ما فيها عند انقضاء أمر الدنيا، وتجديد أمر الآخرة. # وقوله { وقال الإنسان مالها } معناه يقول الانسان: أي شيء اصارها إلى ~~هذه الحالة التي ترى بها، يقول الانسان ذلك متعجبا من عظم شأنها وأنه ~~لأمر عظيم لفظت بما فيها، وتخلت من جميع الامور التي استودعها. وقوله { ~~يومئذ تحدث أخبارها } قيل معناه يظهر بالدليل الذي يجعله الله فيها ما ~~يقوم مقام اخبارها بأن أمر الدنيا قد انقضى وأمر الآخرة قد أتى، وانه لا ~~بد من الجزاء وأن الفوز لمن اتقى وأن النار لمن عصى. وقيل: معناه تحدث ~~أخبارها بمن عصا عليها إما بأن يقلبها حيوانا قادرا على الكلام فتتكلم ~~بذلك أو يحدث الله تعالى الكلام فيها، ونسبه اليها مجازا او يظهر فيها ~~ما يقوم مقام الكلام فعبر عنه بالكلام، كما قال الشاعر: # امتلأ الحوض وقال قطني # مهلا رويدا قد ملأت ms3667 بطني # وقال آخر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة # ويقولون عيناك تشهد لسهرك، وغير ذلك مما قد مضى نظائره. وقال ابن مسعود: ~~الارض تتكلم يومئذ، فتقول أمرني الله بهذا. وقوله { بأن ربك أوحى لها } ~~معناه إن الارض تحدث بهذا، فتقول: إن ربك يا محمد أوحى اليها. قال ~~العجاج: # وحى لها القرار فاستقرت # أي أوحى اليها بمعنى القى اليها من جهة تخفى يقال: أوحى ووحى بمعنى ~~واحد، ثم قال تعالى { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } اخبار من ~~الله تعالى بأن ذلك اليوم يصدر الناس أشتاتا أي مختلفين { ليروا أعمالهم ~~} أي ليجازوا على أعمالهم او ليريهم الله جزاء أعمالهم. # وقيل: معنى رؤية الأعمال المعرفة بها عند تلك الحال، وهي رؤية القلب، ~~ويجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى ليروا صحائف أعمالهم يقرؤن ~~ما فيها لقوله { وقالوا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها } وقيل ليروا جزاء اعمالهم حسب ما قدمناه. وقيل يرى الكافر حسناته ~~فيتحسر عليها، لانها محبطة، ويرى المحسن سيئاته مكفرة وحسناته مثبتة # ثم قال تعالى على وجه الوعيد { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } قال ابو عبيدة: مثقال ذرة شرا يره أي يرى ما يستحق ~~عليه من العقاب، ويمكن أن يستدل بذلك على بطلان الاحباط، لان عموم الآية ~~يدل أنه لا يفعل شيئا من طاعة أو معصية إلا ويجازى عليها وعلى مذهب ~~القائلين بالاحباط بخلاف ذلك، فان ما يقع محبطا لا يجازى عليه ولا يدل ~~على أنه لا يجوز أن يعفى عن مرتكب كبيرة، لأن الآية مخصوصة بلا خلاف، ~~لأنه ان تاب عفى عنه وقد شرطوا أن لا يكون معصية صغيرة، فاذا شرطوا ~~الامرين جاز أن نخص من يعفو الله عنه. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # قوله { والعاديات ضبحا } قسم من الله تعالى بالعاديات. قال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وعطاء: يعني الخيل تضبح ضبحا، فضبحا نصب على المصدر. ~~وقال عبد الله بن مسعود: يعني الابل، فعلى قول ابن عباس أراد ضبح ms3668 الخيل ~~فى الجهاد والحرب. وقال ابن مسعود: أراد ضبح الابل فى طريق الحج. وروي عن ~~علي عليه السلام أن المراد به الابل، لانه لم يكن يومئذ خيل للمسلمين. ~~والضبح فى الخيل اظهر عند أهل اللغة. وروي عن علي عليه السلام أن الضبح ~~فى الخيل الحمحمة عند العدو وقيل الضبح شدة النفس عند العدو. وضبحت الخيل ~~تضبح ضبحا وضباحا. وقال أبو عبيدة: ضبح وضبع بمعنى واحد أي تمد أضباعها ~~فى السير. # وقوله { فالموريات قدحا } معناه المظهرات بسنابكها النار قدحا، يقال: ~~أورى القادح النار يوري ايراء إذا قدح قدحا، وتسمى تلك النار نار ~~الحباحب لضعفها، قال النابغة: # تجذ السلوقي المضاعف نسبحه # ويوقدن بالصفاح نار الحباحب # وهو رجل بخيل كانت نارة ضعيفة لئلا براها الاضياف. وقال قتادة والضحاك ~~وعطاء { فالموريات قدحا } الخيل حين توري النار بسنابكها، وقال ابن ~~عباس: هم الذين يورون النار بعد إنصرافهم من الحرب، وقال مجاهد: يعني ~~ابطال الرجال. وقال عكرمة: الاسنة. # وقوله { فالمغيرات صبحا } قال ابن عباس: يعني الخيل فى سبيل الله. ~~وقيل: إنما ذكر { صبحا } لانهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتوهم ~~صبحا، وقيل: إنهم لعزهم أغاروا نهارا. وقيل إنما أقسم بالمغيرات صبحا ~~لعظم شأنها في الغارة على أعداء الله من المشركين ومعناه أمر الغارة ~~عظيم، وإنما القسم تنبيه على عظم الشأن وتأكيد للاخبار. # وقوله { فأثرن به نقعا } إخبار منه تعالى أن هذه الخيل تثير الغبار ~~بعدوها وسمي الغبار النقع، لانه يغوص فيه صاحبه كما يغوص فى الماء يقال: ~~نقعه ينقعه نقعا، فهو ناقع، واستنقع إستنقاعا وانتقع انتقاعا. وقال ~~قتادة: النقع الغبار. وقيل: الهاء في قوله " به " عائد إلى معلوم أي ~~بالمكان أو بالوادي # وقوله { فوسطن به جمعا } قال قتادة: يعني وسطن بذلك المكان جمع العدو. ~~وقال مجاهد: يعني جمع الفريقين. وقوله { إن الإنسان لربه لكنود } جواب ~~القسم ومعناه - فى قول ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد وابن زيد - لكفور، ~~فالكنود الكفور ومنه الارض الكنود التي لا تنبت شيئا، وأصله منع الحق ~~والخير، قال الاعشى: # احدث لها تحدث لوصلك ms3669 إنها # كند لوصل الزائر المعتاد # وقيل: إنها سميت كند لقطعها إياها عن سماك. # وقوله { وإنه على ذلك لشهيد } قال الحسن: معناه إن حسن الانسان على ذلك ~~لشاهد. وقال قتادة: تقديره وإن الله على ذلك لشهيد. وقوله { وإنه لحب ~~الخير لشديد } قيل تقديره وإنه لشديد الحب للخير. # وقيل: معناه وإنه لشديد الحب للمال، فهو يظلم الناس بمنعه. وقال الحسن: ~~لشديد معناه لشحيح يمنع منه حق الله. وقال المبرد والربيع: معناه من أجل ~~حب الخير الذي هو المال أو الملك لبخيل ثم قال على وجه التنكير على ~~الانسان والوعيد له { أفلا يعلم } يعني الانسان الذي وصفه { إذا بعثر ما ~~في القبور } معناه اثير ما فى القبور وأخرج، ومثله بحثر. وقوله { وحصل ما ~~في الصدور } قال سفيان: معناه ميز الحق من الباطل. وقال غيره: معناه جمع ~~وأبرز. # وقوله { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } اخبار من الله تعالى واعلام لخلقه أن ~~الذي خلقهم ودبرهم في ذلك اليوم بهم لعالم خبير بأحوالهم لا يخفى عليه ~~شيء من ذلك. # وكان سبب نزول هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وآله بعث سرية إلى ~~حيين من كنانة واستعمل عليهم أحد النقباء: المنذر بن عمرو الانصاري، ~~فغابت عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يعلم لها مخبر فانزل الله تعالى ~~السورة وأخبر بحال القوم. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # قرأ حمزة ويعقوب { ما هي } بحذف الهاء فى الوصل، الباقون باثباتها، ولم ~~يختلفوا فى الوقف أنه بالهاء. ومعنى { القارعة } البلية التي تقرع القلب ~~بشدة المخافة تقول: قرع يقرع قرعا وهو الصوت بشدة اعتماد، ومنه انشقت ~~القرعة، وتقارع القوم في القتال إذا تضاربوا بالسيوف، وقرع رأسه إذا ضرب ~~في أعلى الشعر حتى يذهبه، والقرعة كالضرب بالفال. وقال وكيع: القارعة، ~~والواقعة، والحاقة القيامة. # وقوله { وما أدراك ما القارعة } تعظيم لشأنها، وتفخيم لامرها وتهويل ~~لشدتها. ومعناه وأي شيء القارعة ومعناه إنك يا محمد صلى الله عليه وآله ~~لا تعلم كبر وصفها وحقيقة أمرها على التفصيل وإنما تعلمها على طريق ~~الجملة، ثم وصفها الله ms3670 تعالى فقال { يوم تكون الناس كالفراش المبثوث ~~وتكون الجبال كالعهن المنفوش } والمعنى إن القارعة التى وصفها وذكرها ~~تقرع القلوب يوم تكون الناس بهذه الصفة. والفراش الجراد الذي ينفرش ~~ويركب بعضه بعضا، وهو غوغاء الجراد - فى قول الفراء - وقال ابو عبيدة: ~~هو طير يتفرش وليس بذباب، ولا بعوض. وقال قتادة: الفراش هو هذا الطير ~~الذي يتساقط فى النار والسراج. والمبثوث المتفرق فى الجهات، كأنه محمول ~~على الذهاب فيها، يقال: بثه يبثه إذا فرقه، وأبثثته الحديث إذا ألفيته ~~اليه، كأنك فرقته بأن جعلته عند اثنين. # وقوله { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } فالعهن الصوف الالوان - في قول ~~أبي عبيدة - قال زهير: # كأن فتات العهن فى كل منزل # نزلن به حب الفنا لم يحطم # ويقال: عهن وعهنة. وقيل: إن الخلائق لعظم ما يرونة من الاهوال ويغشاهم ~~من العذاب يهيم كل فريق على وجهه، ويذهب في غير جهة صاحبه. # وقوله { فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية } قال الفراء الموازين ~~والاوزان واحد، يقولون: هل لك في درهم بميزان درهمك، ووزن درهمك. وقال ~~الحسن: فى الآخرة ميزان له كفتان. وهو قول الجبائي واكثر المفسرين. ثم ~~اختلفوا فمنهم من قال: يجعل الله تعالى في احدى الكفتين نورا علامة ~~للطاعات وفي الآخرى ظلمة علامة للمعاصي فأيهما رجح على الآخر حكم لصاحبه ~~به. وقال آخرون: إنما يوزن صحف الاعمال فما فيها الطاعات تجعل فى كفة وما ~~فيها المعاصي فى كفة أخرى فايهما رجح حكم لصاحبه به. وقال قوم: الميزان ~~عبارة عن العدل ومقابلة الطاعات بالمعاصي، فايهما كان اكثر حكم له به ~~وعبر عن ذلك بالثقل مجازا لان الاعمال أعراض لا يصح وزنها ولا وصفها ~~بالثقل والخفة، قال الشاعر: # لقد كنت قبل لقائكم ذا مرة # عندي لكل مخاصم ميزانه # يريدون كلامه في معارضته، فبين الله تعالى أن من كانت طاعته أكثر كان ~~ثوابه أعظم، فيكون صاحبها { في عيشة راضية } أي مرضية، ففاعل - ها هنا - ~~بمعنى المفعول، لان معناه ذو رضا كقولهم (نابل) أي ذو نبل، قال النابغة: # كليني لهم يا ms3671 أميمة ناصب # وليل اقاسيه بطيء الكواكب # أي ذو نصب وقال آخر: # وغررتني وزعمت أنك # لابن بالصيف تامر # أى ذو لبن وذ وتمر. # وقال مجاهد { ثقلت موازينه } على جهة الميل، ثم بين من كانت معاصيه أكثر ~~وقلت طاعاته { فأمه هاوية } أى مأواه هاوية يعني، جهنم، وإنما سماها { ~~أمه } لانه يأوى اليها كما يأوى الولد إلى أمه، وسميت هاوية - لما قال ~~قتادة وابو صالح - من أن العاصي يهوي إلى أم رأسه في النار. # ثم قال على وجه التفخيم والتعظيم لامرها { وما أدراك } يا محمد صلى الله ~~عليه وآله { ما هيه } أى انك تعلمها على الجملة ولا تعلم تفصيلها وأنواع ~~ما فيها من العقاب. والهاء في قوله { ما هيه } للسكت إلا أنه اجري الوصل ~~معها مجرى الوقف، ويجوز فيها الحذف، ثم فسر الله تعالى فقال { نار حامية ~~} أى هي نار حامية شديدة الحرارة. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قرأ ابن عامر { آلهاكم } ممدودا، وروي عن الكسائي - بهمزتين - والمراد ~~به الانكار وقرأ ابن عامر والكسائي { لترون } مضمومة التاء { ثم لترونها ~~} مفتوحة التاء. الباقون بالفتح فيهما. قال أبو علي: وجه الضم أنهم ~~يحشرون اليها فيرونها فى حشرهم إليها فيرونها، ولذلك قرأ الثانية بالفتح، ~~كأنه أراد لترونها. ومن فتح فعلى انهم يرونها. وقوله { ثم لترونها } مثل ~~الأول فى أنه من إبصار العين. وقيل: إن هذه السورة نزلت فى حيين من قريش، ~~وهما بنو أسهم وبنو عبد مناف، تفاخروا حتى ذكروا الأموات، فقال الله ~~تعالى مخاطبا لهم { ألهاكم التكاثر } فالالهاء الصرف إلى اللهو واللهو ~~الانصراف إلى ما يدعو اليه الهوى، يقال: لها يلهو لهوا، ولهى عن الشيء، ~~يلهي لهيا، ومنه قوله (إذا استأثر الله بشيء فاله عنه) والتكاثر التفاخر ~~بكثرة المناقب، يقال: تكاثروا إذا تعادوا ما لهم من كثرة المناقب، ~~والمتفاخر متكبر لأنه تطاول بغير حق. فالتكاثر التباهي بكثرة المال ~~والعدد. وقيل: ما زالوا يتباهون بالعز والكثرة حتى صاروا من أهل القبور ~~وماتوا - ذكره قتادة -. # وقوله { حتى زرتم المقابر } فالزيارة إتيان الموضع، كاتيان المأوى فى ~~الالفة على غير ms3672 اقامة، زاره يزوره زيارة، ومنه زور تزويرا إذا شبه الخط ~~فى ما يوهم أنه خط فلان وليس به، والمزورة من ذلك اشتقت. وقيل فى معناه ~~قولان: احدهما حتى ذكرتم الأموات. وقال الحسن: معناه حتى متم. # وقوله { كلا سوف تعلمون، ثم كلا } معناه ارتدعو وانزجروا { سوف تعلمون } ~~فى القبر { ثم كلا سوف تعلمون } بعد الموت - روي ذلك عن علي عليه السلام ~~- وقيل إنه يدل على عذاب القبر. # وقوله { كلا لو تعلمون علم اليقين } نصب { علم اليقين } على المصدر، ~~ومعناه ارتدعوا وانزجروا، لو تعلمون علم اليقين، وهو الذي يثلج الصدر بعد ~~اضطراب الشك ولهذا لا يوصف الله بأنه متيقن. # وقوله { لترون الجحيم } يعني قبل دخولهم اليها فى الموقف. # وقوله { ثم لترونها } بعد الدخول اليها. # وقوله { عين اليقين } كقولهم هذا محض اليقين. والمعنى إنكم لو تحققتم ~~وتيقنتم أنكم ترون الجحيم وأنكم إذا عصيتم وكفرتم عوقبتم، لشغلكم هذا عن ~~طلب التكاثر فى الاموال فى الدنيا، ولا يجوز همز واو " لترون " لأنها واو ~~الجمع ومثله، واو " لتبلون " لا تهمز. وقوله { ثم لتسئلن } يعني معاشر ~~المكلفين { يومئذ عن النعيم } قال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل ~~النار. وقال سعيد بن جبير وقتادة: النعيم فى المأكل والمشرب وغيرهما من ~~الملاذ. وقال عبد الله بن مسعود ومجاهد: النعيم الصحة. وقال قوم: يسألهم ~~الله عن كل نعمة. والفرق بين النعيم والنعمة أن النعمة كالانعام فى ~~التضمين لمعنى منعم، أنعم انعاما ونعمة، وكلاهما يوجب الشكر. والنعيم ~~ليس كذلك، لانه من نعم نعيما فلو عمل ذلك بنفسه لكان نعيما لا يوجب ~~شكرا. والنعمة - بفتح النون - من نعم - بضم العين - إذا لان. وقيل ~~المعنى { لتسألن يومئذ عن النعيم } عن ولاية علي عليه السلام. وقيل: عن ~~شرب الماء البارد. وقيل عن الأمن والصحة. وقيل عن النورة فى الحمام. وروي ~~ذلك عن عمر بن الخطاب. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # هذا قسم من الله تعالى بالعصر. قال ابن عباس: المراد بالعصر - ها هنا - ~~الدهر. وهو قول الكلبي. وقال الحسن وقتادة: هو العشي، وكلاهما فيه ms3673 العبرة ~~من جهة مرور الليل والنهار. وأصل العصر عصر الثواب ونحوه، وهو فتله ~~لاخراج مائه، فمنه عصر الدهر، لانه الوقت الذي يمكن فتل الامور كفتل ~~الثوب. قال العجاج: # عصرا وحضنا عيشة المعذلجا # أي الناعم، وقال في العشي: # يروح بنا عمر وقد قصر العصر # وفي الروحة الاولى الغنيمة والاجر # وبه سميت العصر، لانها تعصر بالتأخير، والعصارة ما يعتصر من العنب ~~وغيره، و " المعصرات " السحائب التي تنعصر بالمطر. والاعصار غبار كالعمود ~~يصعد إلى السماء. والعصر الالتجاء إلى الملجأ. والعصر الجارية التي قد ~~دنا بلوغها لأنه عصر شبابها، وانعصار ماء الشباب منها. والاعتصار استخراج ~~المال من الانسان، لانه ينحلب كما ينحلب ما يعصر. والعصران الغداة ~~والعشي، والعصران الليل والنهار. قال الشاعر: # ولن يلبث العصران يوم وليلة # إذا طلبا ان يدركا ما تيمما # وقوله { إن الإنسان لفي خسر } جواب القسم. وفيه اخبار من الله أن ~~الانسان يعنى الكافر { لفي خسر } أي لفي نقصان بارتكاب المعاصي وكفره ~~بالله والخسر هلاك رأس المال للانسان وبارتكاب المعاصي في هلاك نفسه ~~خسران، وهو اكبر من رأس ماله. # وقوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } استثناء من جملة الناس ~~المؤمنين المصدقين بتوحيد الله باخلاص عبادته العاملين بالطاعات { ~~وتواصوا بالحق } أي تواصي بعضهم بعضا بأتباع الحق وإجتناب الباطل { ~~وتواصوا بالصبر } تواصي بعضهم بعضا بالصبر على تحمل المشاق في طاعة ~~الله. وقال الحسن وقتادة: الصبر على طاعة الله. والصبر حبس النفس عما ~~تنازع اليه من الأمر حتى يكون الداعي إلى الفعل. وقد أمر الله تعالى ~~بالصبر والتواضع. والحق ما دعا اليه العقل. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # قرأ حمزة والكسائي وخلف وابن عامر وابو جعفر وروح { جمع } بالتشديد على ~~التكثير. الباقون بالتخفيف، لأنه يقع على القليل والكثير. ومن شدد أراد ~~جمعه من وجوه شتى شيئا بعد شيء { وعدده } أي جعله عدة. ومن قرأ مخففا ~~أراد جمع مالا وعددا أي وقوما ذوي عدد أنصارا. وقرأ أهل الكوفة إلا ~~حفصا { عمد } بضمتين جعلوه جمع عمود وعمد، مثل قدوم وقدم، وزبون وزبن. ~~الباقون بفتح العين والميم، ms3674 لأنهم قد قالوا فى جمع عمود عمد، كما قالوا ~~فى جمع أديم أدم. وفى جمع أهاب أهب. # هذا وعيد من الله تعالى وتهديد { لكل همزة لمزة } فالهمزة الكثير الطعن ~~على غيره بغير حق، العائب له بما ليس فيه عيب لجهله وسفهه وشدة إقدامه ~~على مكاره غيره، يقال: همز الناس يهمزهم همزا، وهو همزة. ومثله ضحكة أي ~~كثير الضحك وعيبة أي كثير العيب. فكذلك همزة كثير الهمز بالطعن. ومنه ~~الهمزة فى الكلام لانها تخرج كالطعنة بقوة اعتماد. وقال ابن عباس: الهمزة ~~الطعان. واللمزة المغتاب وقال زياد الاعجم: # تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا # وإن تغيبت فانت الهامز اللمز # وقال ابن عباس: الهمزة اللمزة المشاء بالنميمة، المفرق بين الاحبة ~~الباغي المبرئ العيب بالمكابرة. وقيل: نزلت فى مشرك بعينه كان يعيب الناس ~~ويلمزهم - ذكره ابن عبا س - وقال قوم: نزلت فى الوليد بن المغيرة. وقال ~~السدي: نزلت هذه السورة فى الاخنس ابن شريق، وكان يهمز النبي صلى الله ~~عليه وآله ويلمزه. وقيل: نزلت فى جميل بن عامر الجهني. وقال مجاهد وورقاء ~~وابن عباس: ليست خاصة لاحد بل هي عامة. # وقوله { الذي جمع مالا وعدده } نعت للهمزة الذي تقدم ذكره فى أنه يجمع ~~المال ويحبه، ولا يخرج حق الله منه. # وقوله { يحسب أن ماله أخلده } معناه يظن هذا الذي جمع المال، ولا يخرج ~~حق الله منه أنه سيخلده. وقوله { أخلده } يخلده، كما قيل أهلك إذا حدث به ~~سبب الهلاك من غير أن يقع هلاكه بعد. وإنما ذلك بمعنى أوجب إخلاده وهلاكه ~~وقيل: ليس المراد أنه يظن أنه لا يموت، ولكن يجب أنه يبقى من ماله إلى أن ~~يموت. وقيل: معناه إنه يعمل عمل من يحسب أن ماله أخلده. وقال الحسن: ~~معناه يحسب أن ماله أخلده حتى يفنيه. # وقوله { كلا لينبذن في الحطمة } معناه ليقذفن وليطرحن من وصفناه بجمع ~~المال ومنع حق الله في الحطمة. ثم قال { وما أدراك ما الحطمة } تفخيما ~~لها. ثم فسرها فقال { نار الله الموقدة } أي هي نار الله الموقدة. ~~والحطمة الكثيرة ms3675 الحطم أي الاكل، ورجل حطمة، وحطم الشيء إذا كسره وأذهبه، ~~وتحطم إذا تكسر وأصله الكسر المهلك. # وقوله { التي تطلع على الأفئدة } معناه يبلغ ألمها ووجعها الأفئدة، ~~تقول: اطلعت على أرض كذا إذا بلغتها، وقوله { إنها } يعني النار { عليهم ~~} يعني الكفار { مؤصدة } أي مطبقة، يقال اصدت الباب أوصده إذا اطبقته، ~~وأوصدته إيصادا لغتان. ومنه قوله # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # وابو عمرو يهمز { مؤصدة } إذا لين الهمز، لئلا يخرج من لغة إلى لغة ~~أخرى. # وقوله { في عمد ممددة } فالعمد جمع عمود، وقيل: جمع عماد، كقولك: أهاب ~~وأهب، ويجوز عمد، والعمود عمود مستدير مستطيل قوي على شدة الاعتماد. وقال ~~ابن مسعود: معناه إن النار مطبقة بعمد ممددة. وقال ابن عباس: فى عمد ~~مغللبن بها. وقال قتادة: فى عمد يعذبون بها. وقيل: الاطباق بالعمد ~~الممددة ليتأكد يأسهم من الخروج منها. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ويتوجه إلى جميع ~~المكلفين من قومه، يقول لهم على وجه التنبيه على عظم الآية التي اظهرها ~~والمعجزة التي فعلها، منبها بذلك على توحيده ووجوب إخلاص العبادة له، ~~فقال { ألم تر } ومعناه ألم تعلم، فالرؤية - ها هنا - بمعنى العلم، لأن ~~رؤية البصر لا تتعلق بما قد تقضى وعدم، كأنه قال: ألم تعلم { كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل } الذين قصدوا هدم البيت وهلاك أهله، فاهلكهم الله تعالى، ~~وكان الذي قصد لهدم البيت ابرهة ابن الصباح، وهو المعروف بابرهة الاشرم، ~~ويكنى أبا يكسوم. وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره، فولى إلى أهله فكل ما ~~نزل منزلا تساقط منه عضو فلما وصل اليهم أخبرهم الخبر ثم هلك، وكان ابرهة ~~رجلا من اليمن ملكته الحبشة عليهم، وكان سبب قصده إياها لتخريبها أنه بنى ~~كنيسة عظيمة أراد ان يحج اليها بدل الكعبة. وقال الحسن: كان السبب فى ذلك ~~أن العرب هدمت كنيسة للحبشة، وهم نصارى، فأراد تخريب الكعبة في مقابلة ~~ذلك، فاقبل في جمع كثيف معه أفيلة، فجعل الله كيدهم في تضليل عما قصدوا ms3676 ~~له من تخريب الكعبة { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } فمعنى أبابيل جماعات في ~~تفرقة زمرة وزمرة لا واحد لها - في قول ابي عبيدة والفراء - كما لا واحد ~~للعباديد والشماطيط. وزعم ابو جعفر الرواسي أنه يسمع في واحدها أبالة. ~~وقال الكسائي: سمعت النحويين يقولون واحده (أبول) مثل (عجول) وقال ~~بعضهم: (ابيل) وقال ابن عباس معنى أبابيل يتبع بعضها بعضا. وقال قتادة: ~~معنى أبابيل كثيرة متتابعة. وقيل: إنها كانت سود الجرية تحمل في مناقيرها ~~واكفها الحجارة - في قول عبيد بن عمير - وقيل: كان مع كل طائر ثلاثة ~~أحجار إثنان في رجليه وواحد في منقاره، وقال موسى بن أبي عائشة: كانت ~~الحجارة اكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. وقيل كان الحجر يقع على رأس ~~الرجل فيخرج من دبره. # وقيل: إن المعروف بأبرهة الأشرم الذي ملكته الحبشة كان يكنى أبا يكسوم ~~وقيل: إنه لم يسلم من قومه غيره فولى إلى أهله وكلما نزل منزلا تساقط منه ~~عضو فلما وصل اليهم اخبرهم الخبر ثم هلك. # وقيل كان الفيل إذا وجهوه نحو مكة وقف ولم يسر، وإذا وجهوه إلى جهة ~~غيرها سار إنذارا من الله لهم وموعظة، وكان هذا من أعظم المعجزات في ذلك ~~الوقت أظهره الله تعالى ليدل به على وجوب معرفته وإخلاص عبادته. وقال ~~قوم: إنه كان معجزة لنبي كان في ذلك الزمان، ويجوز أن يكون ذلك خالد بن ~~سنان. # وقيل انه كان ذلك توطيئا لنبوة نبينا صلى الله عليه وآله، لانه كان ولد ~~في عام الفيل. # وقوله { ترميهم بحجارة } أى تقذفهم بحجارة { من سجيل } قال ابو عبيدة كل ~~شديد سجيل. قال ابن مقبل: # ضربا تواصى به الابطال سجيلا # وقيل هي حجارة من الجحيم وهي (سجين) ثم ابدلت النون لاما، كما قالوا في ~~أصيلان اصيلال. وقيل: معنى من { سجيل } أي من طين مطبوخ كالآجر. وقيل: هو ~~(سنل وكل) بلغة الفرس. فأعرب، وكذلك روي عن ابن عباس # وقوله { فجعلهم كعصف مأكول } فالعصف ورق الزرع - في قول ابي عبيدة - وهو ~~عصيفة، لان الريح تعصفه أي تذهب به ms3677 يمينا وشمالا. وقيل: معنى { كعصف ~~مأكول } أي مأكول الثمرة كما يقال: فلان حسن أي حسن الوجه، فاجري مأكول ~~على العصف من أجل اكل ثمرته، لأن المعنى معلوم للايجاز. وقال قتادة: ~~العصف التبن، ومعنى مأكول قد أكلت بعضه المواشي وكسرت بعضه. وقال الزجاج: ~~معنى مأكول وقع فيه الاكال. وقيل العصف التبن بلغة بني حنيفة، وبلسان ~~قريش النحالة. # وقصة أصحاب الفيل من الأدلة الواضحة والحجج اللائحة على الملحدين، ومن ~~أنكر الصانع، لأنه لا يمكن نسب ذلك إلى طبيعة ولا موجب كما تأولوا ~~الزلازل والرياح والخسوف وغير ذلك مما أهلك الله به الامم، لأنه ليس في ~~الطبيعة إقبال طير بأحجار وتقصد اقواما دون غيرهم حتى تهلكهم بما ترميهم ~~به، ولا تعدى إلى غيرهم، بل ذلك من أوضح الأدلة على انه من فعل الله ~~تعالى، وليس لأحد أن يضعف ذلك وينكر الخبر به، لأن النبي صلى الله عليه ~~وآله لما قرأ على أهل مكة هذه السورة، كانوا قرببي عهد بالفيل، فلو لم ~~يكن كذلك ولم يكن له اصل لأنكروه، فكيف وهم ارخوا به كما أرخوا بنيان ~~الكعبة وموت قصي وغيره، وقد نظم الشعراء في قصة الفيل الشعر ونقلته ~~الرواة، فلا يمكن جحد ذلك، لانه مكابرة. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قرأ ابن عامر { لالاف قريش } بقصرها، ولم يجعل بعد هذه الهمزة ياء على ~~وزن (لعلاف)، { إيلافهم } بياء بعد الهمزة خلاف لفظ الأول. الباقون { ~~لإيلاف قريش إيلافهم } جميعا بهمزة بعدها ياء. وقرأ ابو جعفر وابن فليح ~~{ إلا فهم } بهمزة بلا ياء بعدها مثل (علافهم) ورواه ابو الحسن حماد - ~~بهمزتين مكسورتين - بعدها ياء. الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة مثل ~~(عيلافهم) قال الأزهري: الايلاف الاجارة بالحفارة يقال: أولف يولف وألف ~~يؤلف إذا أجار الابل بالحفارة. والفت المكان ألفة والفا وألفته إيلافا ~~بمعنى واحد. وقد قدمنا القول فيما رواه أصحابنا أن { ألم تر كيف } و { ~~لإيلاف } سورة واحدة، مثل (الضحى وألم نشرح) فعلى هذا العامل فى { لإيلاف ~~} قوله { فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش } وهو قول الحسن. ومن قال: هما ms3678 ~~سورتان لم يجز ذلك، فقال العامل فيها، قوله { فليعبدوا } فكأنه قال لذلك ~~الانعام { فليعبدوا } ومثله في تقديم القول فيه قوله # أفغير الله تأمروني # لان تأمروني إعتراض على هذا التفسير، وإنما جاز أن يعمل ما بعد الفاء ~~فيما قبله لأنها زائدة غير عاطفة، كقولك زيدا فاضرب، وتريد فاضربه، فهي ~~على شبه الجواب الذي يجوز فيه تقديم المعمول كقولك زيدا: إن يأتني زيدا ~~اكرمه. ولو كانت عطفا لم يجز التقديم، كما لا يجوز في الواو، ولا (ثم). ~~وقيل العامل فيه (اعجبوا) لايلاف قريش إلا انه حذف لدلالة الكلم عليه. ~~وقيل هو على { ألم تر كيف فعل ربك... لإيلاف قريش } أي فعل ذلك لايلافهم ~~والايلاف أصحاب الالف بحسن التدبير والتلطف، يقال: ألف يألف الفا، والفه ~~يؤلفه إيلافا إذا جعله يألف، وائتلف القوم ائتلافا وتآلفوا تآلفا ~~وألفهم تأليفا. والايلاف نقيض الايحاش، ونظيره الايناس. والف الشيء ~~لزومه على عادة في سكون النفس اليه. # وقوله { رحلة الشتاء والصيف } قال ابن زيد والكلبي: كانت لهم رحلتان ~~رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن في التجارة. والرحلة حال ~~السير على الراحلة وهي الناقة القوية على السفر، ومنه الحديث المروي # " الناس كابل مئة لا يوجد فيها راحلة " # والرحل متاع السفر والارتحال احتمال الرحل للمسير في السفر. والشتاء ~~أوان شدة البرد. والصيف زمان شدة الحر. وفصول السنة أربع: ربيع، وصيف ~~وخريف، وشتاء. # وقوله { فليعبدوا رب هذا البيت } أمر من الله تعالى للمكلفين أن يوجهوا ~~عبادتهم إلى الله رب البيت الحرام دون غيره من الاصنام { الذي أطعمهم من ~~جوع } بما أعطاهم من الأموال وسبب لهم من الارزاق بالسعي في التجارة في ~~رحلة الشتاء ورحلة الصيف { وآمنهم من خوف } الغارة بالحرم الذي جبل قلوب ~~العرب على تعظيمه. وقيل { آمنهم } من الجذام. قال سفيان بن عيينة: كان ~~لنا إمام بالكوفة يقرأ { ألم تر، ولإيلاف } ولا يفرق بينهما. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # قوله { أرأيت } خطاب للنبي صلى الله عليه وآله على وجه التعجيب له من ~~الكافر { الذي يكذب بالدين } وذهابه عن الايمان به ms3679 مع وضوح الأمر فيه ~~وقيام الدلالة على صحته والمراد بالدين الجزاء من الثواب والعقاب، ~~فالتكذيب بالجزاء من أضر شيء على صاحبه، لانه يعدم به أكثر الدواعي إلى ~~الخير، والصوارف عن الشر، فهو يتهالك فى الاسراع إلى الشر الذي يدعوه ~~اليه طبعه لا يخاف عاقبة الضرر فيه. # وقوله { فذلك الذي يدع اليتيم } وصف الذي يكذب بالدين، فبين أن من صفته ~~أنه يدع اليتيم، ومعناه يدفعه عنفا، وذلك لانه لا يؤمن بالجزاء عليه، ~~فليس له رادع عنه، كما لمن يقر بأنه يكافئ عليه، دعه يدعه دعا إذا دفعه ~~دفعا شديدا، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة { يدع اليتيم } معناه يدفعه ~~عن حقه. وقوله { ولا يحض على طعام المسكين } معناه ولا يحث على طعام ~~المسكين بخلا به، لأنه لو كان لا يحض عليه عجزا عنه لم يذم به، وكذلك لو ~~لم يحض عليه من غير قبيح كان منه لم يذم عليه، لأن الذم لا يستحق إلا بما ~~له صفة الوجوب إذ أخل به أو القبيح إذا فعله على وجه مخصوص. # وقوله { فويل للمصلين } تهديد لمن يصلي على وجه الرياء والسمعة. وإنما ~~أطلق مع انه رأس آية يقتضي تمام الجملة، لأنه معرف بما يدل على انه أراد ~~من يصلي على جهة الرياء والنفاق. ثم بين ذلك بقوله { الذين هم عن صلاتهم ~~ساهون } قال ابن عباس ومسروق: معناه يؤخرونها عن وقتها، وقال قتادة: ~~معناه غافلون. وقال مجاهد: لاهون كأنهم يسهون للهوهم عنها واللهو يوجب ~~تأخيرها عن وقتها لانه قال عن صلاتهم. وقيل: ساهون فيها { الذين هم يراؤن ~~} معناه إنه يراؤن بصلاتهم الناس دون أن يتقربوا بها إلى الله. وإنما ذم ~~السهو فى الصلاة مع انه ليس من فعل العبد بل هو من فعل الله، لان الذم ~~توجه فى الحقيقة على التعرض للسهو بدخوله فيها على وجه الرياء وقلبه ~~مشغول بغيرها، لا يرى لها منزلة تقتضي صرف الهم اليها. # وقوله { ويمنعون الماعون } قال ابو عبيدة: كل ما فيه منفعة، فهو ~~الماعون، وقال الاعشى: # باجود منه بماعونه # إذا ms3680 ما سماؤهم لم تغم # وقال الراعي: # قوم على الإسلام لما يمنعوا # ماعونهم ويضيعوا التنزيلا # وقال اعرابي فى ناقة: إنها تعطيك الماعون أي تنقاد لك، والماعون أصله ~~القلة من قولهم: المعن القليل قال الشاعر: # فان هلاك مالك غير معن # أي غير قليل، فالماعون القليل القيمة مما فيه منفعة من آلة البيت نحو ~~الفاس والمقدحة والابرة والدلو - وهو قول ابن مسعود وابن عباس وإبراهيم ~~وابي مالك وسعيد ابن جبير - وسئل عكرمة فقيل له: من منع ذلك فالويل له؟ ~~قال: لا، ولكن من جمع ذلك بأن صلى ساهيا مرائيا ومنع هذا. # وقوله { فويل للمصلين } وهو يعني المنافقين، فدل على أن السورة مدنية ~~لانه لم يكن بمكة نفاق، ويقال: معن الوادي إذا جرت مياهه قليلا قليلا. ~~والماء المعين الجاري قليلا قليلا. وأمعن في الامر إذا أبعد فيه قليلا ~~قليلا. وروي عن علي عليه السلام أنه قال: الماعون الزكاة، وهو قول ابن ~~عمر والحسن وقتادة والضحاك وقال الشاعر: # بمج صبيره الماعون صبا # فالصبير السحاب. وقال أنس بن مالك: الحمد لله الذي لم يجعلها في صلاتهم ~~وإنما جعلها عن صلاتهم، فتأولها من تركها متعمدا. والمراد بالصلاة هنا ~~الفرض. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # هذا خطاب من الله لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه تعداد نعمه عليه. ~~يقول { إنا أعطيناك الكوثر } فالاعطاء إخراج الشيء إلى آخذ له، وهو على ~~وجهين: اعطاء تمليك واعطاء غير تمليك. فاعطاء الكوثر إعطاء تمليك، كاعطاء ~~الاجر، وأصله التناول من عطا يعطوا إذا تناول. و { الكوثر } الشيء الذي ~~من شأنه الكثرة، والكوثر الخير الكثير. وهو (فوعل) من الكثرة، قال عطاء: ~~هو حوض النبي صلى الله عليه وآله الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة. وقال ~~ابن عباس: هو الخير الكثير. وروي عن عائشة: أن الكوثر نهر في الجنة ~~جانباه قباب الدر والياقوت، وقال الحسن: الكوثر القرآن. وقال ابن عمر: ~~هو نهر يجري في الجنة على الدر والياقوت وقوله { فصل لربك } أمر من الله ~~تعالى لنبيه ويدخل معه جميع المكلفين يأمرهم بالصلاة وأن ينحروا وقال ms3681 ابن ~~عباس وأنس بن مالك ومجاهد وعطاء: معنى وانحر انحر البدن متقربا إلى الله ~~بنحرها خلافا لمن نحرها للاوثان. وقيل: معناه { فصل لربك } صلاة العيد { ~~وانحر } البدن والاضاحي. وقيل: معناه صل لربك الصلاة المكتوبة واستقبل ~~القبلة بنحرك. تقول العرب: منازلنا نتناحر هذا ينحر هذا أي مستقبلة، ~~وانشد بعضهم: # ابا حكم ها انت عم مجالد # وسيد أهل الابطح المتناحر # وروي عن علي عليه السلام أن معناه ضع نئك هو الأبتر } يعني الذي انقطع ~~عنه كل خير. وقيل: إنه أراد به انه لا ولد له على الحقيقة، وأن من اليمنى ~~على اليسرى حذاء النحر - وهذه الرواية غير صحيحة - والمروي عن ابي جعفر ~~وأبي عبد الله عليهما السلام أن معناه وانحر البدن والاضاحي. # وقوله { إن شانئك هو الأبتر } فالشانئ المبغض تقول: شنئته اشنؤه شناء ~~إذا أبغضته، وقال ابن عباس: معناه عدوك، وهو قول سعيد بن جبير، وقال: هو ~~العاص بن وائل السهمي، فانه قال فى النبي صلى الله عليه وآله إنه أبتر لا ~~عقب له، فقال الله تعالى { إن شاينسب اليه ليس بولد له، والابتر هو ~~المنقطع عن الخير. وقيل: هو الذي لا عقب له - ذكره مجاهد - وقال قتادة: ~~معناه الاقل الاذل بانقطاعه عن الخير. وقيل: قوله { إن شانئك هو الأبتر } ~~جواب لقول قريش انه أبتر لا ولد له ذكر إذا مات قام مقامه يدعو اليه، وقد ~~انقطع أمره. فقيل: إن شانئك هو الابتر الذي ينقطع ما هو عليه من كفره ~~بموته، فكان الامر كما اخبر به، وقيل: الحمار الابتر المقطوع الذنب، فشبه ~~به. وقيل: فى السورة تشاكل المقاطع للفواصل وسهولة مخارج الحروف بحسن ~~التأليف وتقابل المعاني بما هو أولى لان قوله { فصل لربك } احسن من صل ~~لنا، لانه يجب أن يذكر في الصلاة بصفة الربوبية { وانحر } ها هنا أحسن من ~~قوله (وانسكه) لانه على بر يعم بعد بر يخص. و { الأبتر } احسن من ~~(الاخس) لانه أدل على الكناية في النفس، فهذه الحروف القليلة قد جمعت ~~المحاسن الكثيرة. ومالها في النفس من المنزلة ms3682 اكثر بالفخامة والجزالة ~~وعظم الفائدة التي يعمل عليها وينتهى اليها. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي { ولي دين } ساكنة الياء. الباقون بفتحها ~~من فتح الياء فلخفة الفتحة ومن أسكنها فانه كره الحركة على حرف العلة. ~~وقرأ { ديني } بياء في الحالين يعقوب. الباقون بلا ياء فيهما. من أثبت ~~الياء، فلانها الاصل. ومن حذفها اجتزأ بالكسرة الدالة عليها. وقيل: إن ~~هذه السورة نزلت جوابا لقول جماعة من المشركين دعوا النبي صلى الله عليه ~~واله إلى أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا هم إلهه سنة. وفيهم نزل قوله # أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون # هذا قول ابن عباس. وقيل: إنهم قالوا: نشركك فى أمرنا، فان كان الذي فى ~~أيدينا خيرا كنت قد أخذت بحظ منه، وإن كان الذي فى يدك خيرا قد أخذنا ~~بحظ منه. وقيل: إن الذي قال ذلك الوليد ابن المغيرة والعاص ابن وائل ~~والاسود ابن المطلب وأمية ابن خلف. وقيل: إنهم قالوا: نتداول العبادة ~~ليزول ما بيننا من البغضاء والعداوة، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه ~~وآله أن يقول لهم { لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } ومعناه ~~لا أعبد ما تعبدون لفساد عبادة الأوثان، ولا أنتم عابدون ما أعبد لجهلكم ~~بوجوب اخلاص العبادة لله، لان العقل يقتضي أنه صلى الله عليه وآله لهذا ~~امتنع وامتنعوا، وإنما كرر ذكر العبادة لتصريفها فى الفوائد المختلفة وقد ~~نفى عبادة المؤمن للوثن كيف تصرفت الحال فى ماض أو حاضر أو مستقبل ~~لقبحها، ونفي عبادة الكافر لله مع إقامته على الجهل بوجوب إخلاص العبادة ~~له. وقيل: فى وجه التكرير فى السورة أن ظاهر ذلك وإن كان تكريرا، فليس ~~فى الحقيقة تكريرا أصلا، ولا تكرير فى اللفظ إلا فى موضع واحد سنبينه ~~بعد بيان المعنى إن شاء الله، وذلك أن قوما من المشركين سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله مناقلة العبادة سنة يعبدون فيها ما يعبده صلى الله ~~عليه وآله وسنة يعبد هو ما يعبدون لزوال العادة بوقوع العبادة ms3683 على هذه ~~الجهلة فجاء الكلام على طريق الجواب لانكار ما سألوا، فقيل { لا أعبد ما ~~تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد } وهذا نفي منه لما يعبدون في الاستقبال ~~ثم قال { ولا أنا عابد ما عبدتم } على نفي العبادة لما عبدوا في الماضي، ~~وهذا واضح في أنه لا تكرير في لفظه ولا معناه. وقوله { ولا أنتم عابدون ~~ما أعبد } فعلى التكرير في اللفظ دون المعنى من قبل أن التقابل يوجب أن ~~معناه ولا أنتم عابدون ما عبدت إلا انه عدل بلفظه إلى اعبد للاشعار أن ما ~~عبدت هو ما أعبد، واستغني بما يوجبه التقابل من معنى عبدت عن الافصاح به. # وعدل عن لفظه لتضمين معنى آخر فيه، وكان ذلك اكثر في الفائدة وأولى ~~بالحكمة، لانه دل على (عبدت) دلالة التصريح باللفظ # فان قيل فهلا قال: ما عبدت ليتقابل اللفظ، كما تقابل المعنى؟ قيل: هو في ~~حكم التقابل في اللفظ من حيث هو دال عليه إلا انه عدل عن الافصاح به ~~للاشعار بأن معبوده واحد كيف تصرفت الحال، وكان هذا أبعد في الايهام أن ~~معبوده فيما مضى غير معبوده فيما يستقبل. وقد يجوز في الماضي والمستقبل ~~ان يقع أحدهما موقع الآخر إذا كان في الكلام ما يدل عليه، كما قال # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار # على معنى ينادون، ومنه قولهم: يدعوهم ابن رسول الله فلا يجيبونه، ~~ويدعوهم ابن زياد إلى الباطل فيسرعون اليه. # فان قيل: فهلا دل على اختلاف المعنى باختلاف اللفظ إذ هو الاصل في حسن ~~البيان؟ قيل: إن التقابل في ذلك قد صير اللفظ في حكم المختلف، لأنه مقيد ~~به، ودلالة المقيد خلاف دلالة المطلق نحو: زيد قائم بالتدبير على خلاف ~~معنى زيد قائم. # فان قيل: فهلا دل على ذلك من أصول مختلفة إذ هو أدل على خلاف المعنى ~~بصريح الجهة؟ قيل: إنه لما أريد نفي العبادة على تصريف الأحوال صرف لفظ ~~العبادة لتصريف المعنى، ولم يصلح فيه أصول مختلفة، لئلا يوهم النفي نفي ~~معنى غير تصريف عبادة الله على ms3684 الوجوه والاسباب كلها، وكان تصريف لفظ ~~العبادة لتصريف معناها أحق وأولى من تصريف معناها في غير لفظها لما فيه ~~من التشاكل المنافي للتنافر، ولفظة { الكافرون } في السورة مخصوصة بمن ~~علم الله من حاله أنه يموت على كفره. ولا يجوز ان يكون المراد العموم ~~لأنا علمنا دخول كثير ممن كان على الكفر ثم دخل في الاسلام، وقيل: ان ~~الالف واللام في الاية للمعهود، لأن (أيا) لا يوصف إلا بالجنس، فخرج ~~اللفظ على الجنس من حيث هو صفة ل (أي) ولكن (أيا) للمخاطبين من الكفار ~~بأعيانهم فآل الى معنى المعهود في انه يرجع إلى جماعة بعينها، ونحوه يا ~~أيها الرجال ادخلوا الدار، فلم تأمر جميع الرجال، ولكن أمرت الذي أشرت ~~اليهم باقبالك عليهم. وقيل: يجوز أن تكون الآية عامة، والتقدير ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد بالشرط الذي ذكرتموه من أني أعبد إلهكم، لان هذا الشرط لا ~~يكون ابدا، ولكن يجوز أن يؤمنوا فيما بعد بغير هذا الشرط. # فان قيل: ما فائدة الكلام؟ # قيل الانكار لما لا يجوز من مناقلة العبادة على ما توهمه قوم من الكفار ~~لتقوم الحجة به من جهة السمع كما كانت من جهة العقل مع الاعجاز الذي فيه. ~~فان قال قائل: من أي وجه تضمن الاعجاز؟ قيل: له من جهة الاخبار بما يكون ~~في مستقبل الأوقات مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي الله إلى من يشاء من ~~العباد، فوافق المخبر بما تقدم به الخبر، وفي ذلك أكبر الفائدة وأوضح ~~الدلالة. # فان قيل: ما معنى { لكم دينكم ولي دين }؟. # قيل معناه لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبك بجزاء دينهم وبالا ~~وعقابا كما حسبك بجزاء دينه نعيما وثوابا. # فان قيل: لم لا ذكرت الحجة في أن ما يدعون اليه لا يجوز. # قيل له: تقبيحا لها من حيث أخرجت مخرج مقالة يكفي العلم بفسادها، ~~حكايتها مع الاستغناء بما في العقول عن الدلالة على بطلانها. # فان قيل: فهلا أنكر عليهم من طريق أن كل ما دعوا اليه لا يجوز للايجاز؟ # قيل: ms3685 لانه إنكار متصل على حد ما يسألوا ولو أنكر انكارا مجملا لم يبين ~~به تفصيل ما سألوه إلا بأن يحكى على انفراده. ثم يحمل الانكار به فحينئذ ~~يفهم منه معنى المفصل. # فان قيل: فهلا بين ذكرهم بصفة غير منكر؟ # قيل: قد بين ذلك بعلم التعريف له إلا أنه بصفات الذم التي فيها معنى ~~الزجر وهي دالة على احوالهم فيما دعوا له من الباطل، وتقحموا من أحوال ~~الجاهل. # فان قيل: فلم قال { لكم دينكم ولي دين } مع ما يقتضي ظاهره التسليم؟ # قيل: مظاهرة في الانكار، كما قال تعالى # اعملوا ما شئتم # لما صاحبه من الدليل على التمكين وشدة الوعيد بالقبح لانه إذا اخرج ~~الكلام مخرج التسليم للامر دل على أن الضرر لا يلحق إلا المسلم اليه، ~~فكأنه قيل له: اهلك نفسك إن كان ذلك خيرا لك. # فان قال: فلم قيل: ولا انتم عابدون ما أعبد، ولم يقل من أعبد؟ # قيل له: لانه مقابل لقوله { ولا أنا عابد ما عبدتم } من الاصنام، ولا ~~يصلح ها هنا إلا (ما) دون (من) لأنه يعني ولا أنا عابد ما عبدتم من ~~الاصنام ثم حمل الثاني على الاول للتقابل حتى لا يتنافر. وقيل: ان معناه ~~ولا أنا عابد عبادتكم ولا انتم عابدون عبادتي، لان عبادته متوجهة إلى ~~الله، وعبادتهم متوجهة إلى الاصنام ف (ما) ها هنا مع ما بعدها بمنزلة ~~المصدر. # فان قيل: فلم انكر ما لا يجوز فى الحكمة بألين النكير مع خروجه إلى أفحش ~~القبح؟ # قيل: ليس ذلك بألين النكير فى المعنى وإن خرج لفظه ذلك المخرج، لأنه ~~إنما عومل تلك المعاملة ليجعل فى حيز ما يكفي فيه التنبيه، حتى يظهر انه ~~أقبح قبيح وهذا ضرب من البلاغة عجيب يفهمه كل عاقل له أدنى فطنة. ويعلم ~~موضعه فى الحكم # فان قيل: ما الدليل على ان تأويل السورة ما ذكرتم دون غيره من التأويلات # قيل: الدليل على ان ذلك الكلام إذا احتمل وجهين فصاعدا فى اللغة، وأحد ~~الوجهين يجوز، والآخر لا يجوز، وجب ان يكون ms3686 تأويله ما يجوز عليه تعالى ~~ويليق به دون ما لا يليق به ولا يجوز عليه، تعالى الله. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # هذا وعد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله بالنصر بالفتح قبل وقوع ~~الأمر. وقال الحسن ومجاهد: وعده الله فتح مكة ونصرته على كفار قريش، ~~فيجيء النصر وقوعه على التوقع له، والنصر المعونة على العدو للظهور عليه، ~~لان المعونة قد تكون بالمال على نوائب الزمان، وقد تكون على العدو، وهي ~~النصر دون المعونة الأخرى. والفتح الفرج الذي يمكن معه الدخول فى الامر ~~بملك العدو الناصب للحرب، وقد يكون الفرج بالفرق فقط، فلا يكون الفتح ~~بذهاب العدو الذي صار علما على هذا المعنى. # وقوله تعالى { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا } يعني فى طاعة ~~الله وطاعتك: من الاسلام وإلتزام الاحكام واعتقاد صحته وتوطين النفس على ~~العمل به. وأصل الدين الجزاء. ثم يعبر به عن الطاعة التي يستحق بها ~~الجزاء، كما قال # في دين الملك # أي فى طاعته. والفوج جماعة من جماعة، والافواج جماعات من جماعات. وهكذا ~~كان الناس يدخلون فى الدين جماعة بعد جماعة، من جملة القبيلة حتى يتكامل ~~اسلام الجميع. # وقوله { فسبح بحمد ربك واستغفره } امر من الله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وآله بأن ينزهه عما لا يليق به من صفات النقص، وأن يستغفره. ووجه ~~وجوب ذلك بالنصر والفتح، أن النعمة به تقتضي القيام بحق النعمة المنافى ~~للمصيبة. فكأنه قال قد حدث أمر يقتضي الاستغفار مما جدده الله لك ~~فاستغفره بالتوبة يقبل ذلك منك، ومخرجه مخرج الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله وهو تعليم لجميع أمته. ومعنى { فسبح بحمد ربك } نزهه عما لا يجوز ~~عليه مع شكرك إياه. وقيل معناه: صل شكرا له على ما جدد لك من نعمة. ~~والاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينافي الاصرار، وقد يكون على وجه ~~التسبيح، والانقطاع إلى الله. # وقوله { إنه كان توابا } معناه إنه يقبل توبة من بقي كما قبل توبة من ~~مضى. والتواب فى صفة الله الكثير ms3687 القبول للتوبة، وفى صفة العباد الكثير ~~الفعل للتوبة. وقال قتادة: عاش النبي صلى الله عليه وآله بعد هذا سنتين ~~ثم توفي صلى الله عليه وآله. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # قرأ عاصم { حمالة الحطب } نصبا على الذم. الباقون بالرفع على أنه خبر ~~الابتداء، ويجوز أن يكون ارتفع { امرأته } على أنه فاعل { سيصلي } فكأنه ~~قال سيصلى أبو لهب وامرأته نارا ذات لهب. وقرأ ابن كثير { يدا أبي لهب } ~~ساكنة الهاء على التخفيف، كما قالوا فى نهر: نهر. الباقون بالتثقيل. # وروي أن أبا لهب كان قد عزم على أن يرمي النبي صلى الله عليه وآله بحجر ~~فمنعه الله من ذلك، وقال تبت يداه للمنع الذي وقع به. ثم قال " وتب " ~~بالعقاب الذي ينزل به فيما بعد، وقيل فى قوله { تبت يدا أبي لهب } أنه ~~الدعاء عليه نحو قوله # قاتلهم الله أنى يؤفكون # فاما قوله { وتب } فانه خبر محض، كأنه قال: وقد تب. وقيل: إنه جواب لقول ~~أبي لهب: تبا لهذا من دين، حين نادى النبي صلى الله عليه وآله بني عبد ~~المطلب، فلما اجتمعوا له قال لهم: إن الله بعثني إلى الناس عاما وإليكم ~~خاصا، وأن اعرض عليكم ما إن قبلتموه ملكتم به العرب والعجم. قالوا وما ~~ذلك يا محمد صلى الله عليه وآله قال: # " أن تقولوا لا إله إلا الله وأني رسول الله " # فقال أبو لهب تبا لهذا من دين. فأنزل الله تعالى قوله { تبت يدا أبي ~~لهب } والتباب الخسران المؤدي إلى الهلاك تبه يتب تبا، والتباب الهلاك. ~~وفى { تبت يدا } مع أنه إخبار ذم لابي لهب لعنة الله. وإنما قال: تبت ~~يداه ولم يقل: تب، مع انه هو الهالك فى الحقيقة لأنه جار مجرى قوله كسبت ~~يداه، لأن اكثر العمل لما كان باليدين أضيف ذلك اليهما على معنى الخسران ~~الذي أدى اليه العمل بهما. # وقوله { ما أغني عنه ماله وما كسب } معناه ما نفعه ماله ولا الذي كسبه ~~من الاموال، ولا دفع عنه عقاب الله حين نزل به، فالاغناء عنه الدفع ms3688 عنه، ~~فأما الاغناء بالمال ونحوه فهو دفع وقوع المضار به. # وقوله { سيصلى نارا ذات لهب } خبر من الله تعالى أن أبا لهب سيصلى ~~نارا ذات لهب، وهي نار جهنم المتلهبة. وفى ذلك دلالة على صدق النبي صلى ~~الله عليه وآله، لأنه اخبر بأنه يموت على كفره، وكان الأمر على ذلك. # وقوله { وامرأته حمالة الحطب } قال ابن عباس والضحاك وابن زيد: إن امرأة ~~ابي لهب كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبي صلى الله عليه وآله إذا ~~خرج إلى الصلاة وقال عكرمة ومجاهد وقتادة: إنما وصفت بحمالة الحطب، لأنها ~~كانت تمشي بالنميمة وقيل: حمالة الحطب فى النار. وفى ذلك دلالة أيضا ~~قاطعة على أنها تموت على الكفر. وامرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب اخت ابي ~~سفيان عمة معاوية،. # وقوله { في جيدها حبل من مسد } فالمسد حبل من ليف، وجمعه أمساد وإنما ~~وصفت بهذه الصفة تخسيسا لها وتحقيرا والجيد العنق، قال ذو الرمة: # فعيناك عيناها ولونك لونها # وجيدك إلا انه غير عاطل # وقال ابو عبيدة: المسد حبل يكون من ضروب، قال الراجز: # ومسد امر عن أيانق # صهب عناق ذات منح زاهق # والمسد الليف لان من شأنه أن يفتل للحبل. وأصل المسد المحور من حديد، ~~لانه يدور بالفتل. وقال قوم: هو اليف المفتل. # فان قيل: ما الذي كان يجب على أبي لهب حين سمع هذه السورة؟ أكان يجب ~~عليه ان يؤمن؟ فلو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله بأنه سيصلى نارا ذات ~~لهب، وإن لم يجب عليه الايمان فذلك خلاف الاجماع؟!! # قيل: خبر الله مشروط بأنه سيصلي نارا ذات لهب إن لم يؤمن، ويجب عليه أن ~~يعلم ذلك، وهذا أبين الاجوبة واظهرها. والله أعلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قرأ ابو عمرو - فى رواية هارون عنه - { أحد الله الصمد } بغير تنوين فى ~~الوصل. وقرأ فى رواية نصر عن أبيه واحمد بن موسى عنه بالتنوين، وجه ترك ~~التنوين أنه ينوى به الوقف، لأنه رأس آية مع انه قد يحذف التنوين لالتقاء ~~الساكنين، والوجه تحريكه، ms3689 قال الشاعر: # فالفتيه غير مستعتب # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وقرأ { كفؤا } بسكون الفاء - مهموزا - حمزة ونافع على خلاف عن نافع. ~~الباقون بضم الفاء مهموزا. وإنما قال فى أوائل هذه السور { قل } وهي ~~أوامر من الله تعالى، لان المعنى قال لي جبرائيل { قل هو الله أحد } فحكى ~~النبي صلى الله عليه وآله ما قيل له. وقيل لسورة الاخلاص وقل يا ايها ~~الكافرون (المقشقشتان) ومعناهما المبرئتان من الكفر والنفاق، كما يقشقش ~~الهناء الجرب. # وهذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لجميع ~~المكلفين { هو الله } الذي نحق له العبادة { أحد } ومعناه واحد، فقوله { ~~هو } كناية عن اسم الرب، لانهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله احد. وقال ~~الكسائي { هو } عماد، وقوله { الله } ابتداء، وخبره { أحد } وانكر الفراء ~~أن يكون العماد مستأنفا، واصل { أحد } وحد فقلبت الواو همزة، كما قيل: ~~وناه وأناه، لان الواو مكروهة اولا، وقد جاء وحد على الاصل قال الشاعر: # كأن رجلي وقد زال النهار بنا # بذي الجليل على مستأنس وحد # وحقيقة الوحد شيء لا ينقسم فى نفسه أو معنى صفته، فاذا أطلق احد من غير ~~تقدم موصوف، فهو احد نفسه، فاذا جرى على موصوف، فهو احد فى معنى صفته، ~~فاذا قيل: الجزء الذي لا يتجزأ واحد، فهو واحد فى معنى صفته، وإذا وصف ~~تعالى بأنه احد، فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره: من كونه ~~قديما وقادرا لنفسه وعالما وحيا وموجودا كذلك، وأنه تحق له العبادة ~~لا تجوز لأحد سواه. ولا يجوز أن يكون { أحد } هذه هي التي تقع فى النفي، ~~لأنها اعم العام على الجملة أحد، والتفصيل، فلا يصلح ذلك في الايجاب، ~~كقولك ما فى الدار احد أي ما فيها واحد فقط ولا اكثر، ويستحيل هذا فى ~~الايجاب، وفى قوله { الله أحد } دليل فساد مذهب المجسمة، لأن الجسم ليس ~~ب { أحد } إذ هو اجزاء كثيرة، وقد دل الله بهذا القول على أنه احد، فصح ~~انه ليس بجسم. # وقوله { الله الصمد } معناه الذي ms3690 تحق له العبادة هو الموصوف بأنه { ~~الصمد } وقيل: فى معناه قولان: # احدهما - قال ابن عباس وشقيق وابو وائل: إنه السيد المعظم، كما قال ~~الاسدي: # الابكر الناعي بخيري بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وقال الزبرقان: # ولا رهينة إلا السيد الصمد # الثاني - ان معناه الذي يصمد اليه فى الحوائج ليس فوقه أحد، يقال: صمدت ~~اليه أصمد إذا قصدت اليه إلا أن فى الصفة معنى التعظيم كيف تصرفت الحال. ~~ومن قال: الصمد بمعنى المصمت، فقد جهل الله، لأن المصمت هو المتضاغط ~~الاجزاء وهو الذي لا جوف له وهذا تشبيه وكفر بالله تعالى. # وقوله { لم يلد } نفي منه تعالى لكونه والد إله ولد. # وقوله { ولم يولد } نفي لكونه مولود إله والد، لأن ذلك من صفات الاجسام ~~وفيه رد على من قال: إن عزيز والمسيح أبناء الله تعالى، وإن الملائكة ~~بنات الله. وقوله { ولم يكن له كفوا أحد } نفي من الله تعالى أن يكون له ~~مثل أو شبيه او نظير، والكفو والكفاء والكفي واحد، وهو المثل والنظير، ~~قال النابغة: # لا تقذفني بركن لا كفاء له # ولو تأثفك الاعداء بالرفد # و { أحد } مرفوع لأنه اسم (كان) و { كفوا } نصب، لانه نعت نكرة متقدمة، ~~كما تقول: عندي ظريفا غلام، تريد عندي غلام ظريف، فلما قدمت النعت على ~~المنعوت نصبته على الحال - فى قول البصريين - وعلى الظرف فى قول الكوفيين ~~- والتقدير في الآية ولم يكن له كفوا، وأخص منه ولم يكن أحد كفوا له، ~~وإنما قدم الظرف الملغى مع أن تأخير الملغى أحسن في الكلام لانه أفضل ~~بذكر الأنبه الأعرف، كما يتقدم الظرف الذي هو خبر وموضعه التأخير لهذه ~~العلة في مثل قولهم: لزيد مال وله عبد. # ولا حي من الاحياء إلا وله مثل إلا الله تعالى، فلذلك قال { ولم يكن له ~~كفوا أحد } وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقف عند آخر كل آية من ~~هذه السورة، وكذلك كان يقرأ ابن مجاهد في الصلاة ابتداء. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # روى قتيبة إمالة { حاسد ms3691 }. # هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ومتوجه إلى جميع ~~الخلق المكلفين بان يستعيذوا من شر ما خلق، فالفلق الصبح - في قول ابن ~~عباس والحسن وسعيد ابن جبير وجابر ومجاهد وقتادة وابن زيد - وفي رواية عن ~~ابن عباس: إن الفلق الخلق. وقال قوم من أهل اللغة: الفلق الخلق، لأنه ~~مفلوق. ومنه # فالق الإصباح # و # فالق الحب والنوى # وقيل للداهية فلقة، لانها تفلق الظهر وأصل الفلق الفرق الواسع من قولهم: ~~فلق رأسه بالسيف يفلقه فلقا إذا فرقه فرقا واسعا. ويقال: أبين من فلق ~~الصبح، لأن عموده ينفلق بالضياء عن وفرق الصبح الظلام. وقيل له فجر ~~لانفجاره بذهاب ظلامه. # وقوله { من شر ما خلق } عام في جميع ما خلقه الله فأنه ينبغى أن يستعاذ ~~من شره ممن يجوز أن يحصل منه الشر، وقيل: المراد من شر الاشياء التي ~~خلقها مثل السباع والهوام والشياطين وغير ذلك. # وقوله { ومن شر غاسق إذا وقب } قال ابن عباس والحسن ومجاهد: من شر الليل ~~إذا دخل بظلامه، وقيل: الغاسق كل هاجم بضرر كائنا ما كان، فالغاسق في ~~اللغة هو الهاجم بضرره، وهو هنا الليل، لانه يخرج السباع من آجامها ~~والهوام من مكامنها، وأصله الجريان بالضرر من قولهم: غسقت القرحة إذا جرى ~~صديدها. والغساق صديد أهل النار لسيلانه بالعذاب، وغسقت عينه غسقانا إذا ~~جرى دمعها بالضرر في الخلق. والليل غاسق لجريانه بالضرر في اخراج السباع ~~وقال كعب: الغسق بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ~~ومعنى { وقب } دخل، وقب يقب وقوبا إذا دخل. ومنه الوقبة النقرة، لأنه ~~يدخل فيها. # وقوله { ومن شر النفاثات في العقد } قال الحسن وقتادة: يعني السحرة ~~الذين كل ما عقدوا عقدا نفثوا فيه، وهو شبيه بالنفخ، فأما الثفل فنفخ ~~بريق، فهذا الفرق بين النفث والتفل، قال الفرزدق: # هما نفثا في في من فمويهما # على النابح العاوي أشد رجام # وقيل في شر النفاثات قولان: أحدهما - إيهامهم أنهم يمرضون ويعافون، ~~ويجوز ذلك مما يخيل رأي الانسان من ms3692 غير حقيقة لما يدعون من الحيلة ~~بالاطعمة الضارة والامور المفسدة. الثاني - أنه بضرب من خدمة الجن يمتحن ~~الله تعالى بتخليتهم بعض الناس دون بعض. ولا يجوز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وآله سحر على ما رواه القصاص الجهال، لأن من يوصف بأنه مسحور، فقد ~~خبل عقله. وقد أنكر الله تعالى ذلك فى قوله # وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # ولكن قد يجوز أن يكون بعض اليهود اجتهد في ذلك فلم يقدر عليه، فأطلع ~~الله نبيه على ما فعله حتى استخرج ما فعلوه من التمويه، وكان دلالة على ~~صدقه ومعجزة له. # وقوله { ومن شر حاسد إذا حسد } فالحاسد هو الذي يتمنى زوال النعمة عن ~~صاحبها، وإن لم يردها لنفسه. والغبطة أن يريد من النعمة لنفسه مثل ما ~~لصاحبه وأن لم يرد زوالها عنه، فالغبطة محمودة والحسد مذموم. وفي السورة ~~ما يستدفع به الشرور باذن الله على تلاوة ذلك بالاخلاص فيه، والاتباع ~~لأمر الله. وكان النبي صلى الله عليه وآله كثيرا ما يعوذ به الحسن ~~والحسين وبهاتين السورتين. وقيل إن اللواتي سحرن النبي صلى الله عليه ~~وآله بنات لبيد بن أعصم اليهودي، سحرنه في أحدى عشرة عقدة، فأنزل الله ~~تعالى السورتين، وهما أحدى عشرة آية فحل بكل آية عقدة. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # كان الكسائي فى رواية أبي عمير يميل { الناس } لكسرة السين، وهو حسن ~~الباقون يتركون الامالة، وهو الأصل. # هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ويدخل فيه ~~المكلفون، يأمرهم أن يستعيذوا { برب الناس } وخالقهم الذي هو { ملك الناس ~~} ومدبرهم وإلههم { من شر الوسواس } وأن يقولوا هذا القول الذي هو { أعوذ ~~برب الناس... } إلى آخرها و { رب الناس } هو الذي خلقهم ودبرهم على حسب ~~ما اقتضته الحكمة وقوله { ملك الناس } إنما خص بأنه ملك الناس مع أنه ملك ~~الخلق أجمعين لبيان أن مدبر جميع الناس قادر أن يعيذهم من شر ما استعاذوا ~~منه مع أنه أحق بالتعظيم من ملوك الناس. # والفرق بين { ملك } و { مالك ms3693 } حتى جازا جميعا فى فاتحة الكتاب ولم يجز ~~- ها هنا - إلا ملك، لأن صفة ملك تدل على تدبير من يشعر بالتدبير، وليس ~~كذلك مالك، لأنه يجوز أن يقال: مالك الثوب، ولا يجوز ملك الثوب، ويجوز أن ~~يقال: ملك الروم، ولا يجوز مالك الروم، فجرت - في فاتحة الكتاب - على ~~معنى الملك فى يوم الجزاء، ومالك الجزاء، وجرت فى سورة الناس على { ملك } ~~تدبير من يعقل التدبير، فكأن هذا أحسن وأولى. # وقوله { إله الناس } معناه أنه الذي يجب على الناس أن يعبدوه، لأنه الذي ~~تحق له العبادة دون غيره { من شر الوسواس } حديث النفس بما هو كالصوت ~~الخفي وأصله الصوت الخفي من قول الاعشى: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # وقال روبة: # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا وقد أون تأوين العقق # والوسوسة كالهمهمة ومنه قولهم: فلان موسوس إذا غلبت عليه الوسوسة لما ~~يعتريه من المرة. وسوس يوسوس وسواسا ووسوسة وتوسوس توسوسا. وفى معنى ~~قوله { من شر الوسواس } ثلاثة أقوال: # احدها - من شر الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، فأمر بالتعوذ من شر ~~الجن والانس. # الثاني - من شر ذي الوسواس وهو الشيطان، كما قال في الاثر: انه يوسوس ~~فاذا ذكر العبد ربه خنس، فيكون قوله { من الجنة والناس } بيان انه منهم، ~~كما قال # إلا ابليس كان من الجن # فأما { والناس } فعطف عليه كأنه قيل من الشيطان الذي هذه صفته والناس ~~الذين هذه صفتهم. الثالث - من شر ذي الوسواس الخناس على العموم، ثم يفسر ~~بقوله - عز وجل - من { الجنة والناس } كما يقال: نعوذ بالله من كل مارد: ~~من الجن والانس وقوله { الخناس } معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور، خنس ~~يخنس خنوسا، ومنه قوله # فلا أقسم بالخنس # أي بالنجوم التي تخفى بعدما تظهر بتصريف الحكيم الذي أجراها على حق حسن ~~التدبير، ومنه الخنس في الانف لخفائه بانخفاضه عندما يظهر بنتوئه. # قال مجاهد: إذا ذكر العبد ربه خنس، فاذا غفل وسوس اليه وقوله { الذي ~~يوسوس في صدور الناس } قيل: ان الشيطان يعتري ms3694 الانسان بكلام خفي بفعله ~~يصل مفهومه إلى قلبه من غير سماع صوته، كانسان يتكلم من وراء حجاب بكلام ~~يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع الصوت، وهذه حالة معقولة تقع عليها ~~الوسوسة وأما الانسان فانما يوسوس غيره بأن يدعوه إلى الفساد ويحسن ذلك ~~ويغويه به ويسوفه التوبة ويمنيه العفو. وقوله { من الجنة والناس } بيان ~~لمن يكون منه الوسوسة وقد بين الله تعالى أنه يكون من قبيل الجن ومن قبيل ~~الانس. والناس أصله من الاناس، فحذفت الهمزة التي هي فاء ويدل على ذلك ~~الانس والاناس. واما في تحقيره نويس، فان الالف لما كانت ثانية زائدة ~~اشبهت الف فاعل فلما قلبت واوا شبهة بألف فاعل كذلك جازت الامالة في ~~المواضع التي اميل الاسم فيها لذلك، ومن سأل عن قوله { قل أعوذ برب. وقل ~~يا أيها الكافرون. وسبح اسم ربك } وما اشبه ذلك من الاوامر المتوجهة إلى ~~النبي صلى الله عليه وآله فقال: كيف جاز من النبي صلى الله عليه وآله أن ~~يقول: قل للأمة؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يقول الانسان لغلامه قل لزيد كذا ~~فيقول غلامه لزيد: قل كذا. وهذا خلاف الغرض. # قلنا عنه جوابان: # احدهما - ان الامر وإن كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~فالمراد به أمته معه، فكانه خاطب الجميع بان يقولوا ذلك وأن يسبحوا وغير ~~ذلك، فلا سؤال على هذا. # والثاني - ان الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يفعل الذي ~~أمره وامره أيضا بتلاوة كلامه، فلما كان قوله { قل، وسبح } من كلام الله ~~وجب عليه أن يتلوه على وجهه ولو كان مأمورا بالفعل دون التلاوة لما وجب ~~أن يأتي بلفظة { قل } في هذه المواضع كلها وجميع أي القرآن في البصري ست ~~آلاف ومئتان وأربع آيات. # وفي المدني الاول ست آلاف ومئتان وسبع عشرة آية. # وفي الكوفي ست آلاف ومئتان وست وثلاثون آية. # وفي المدني الاخير ست آلاف ومئتان واربع عشرة آية. # وجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة لا خلاف في ذلك. # وبالمدينة ms3695 تسع وعشرون سورة لا خلاف في ذلك. # فذلك مئة وأربع عشرة سورة. # وعلى ما رويناه على أصحابنا وعن جماعة متقدمين مئة واثنتا عشرة سورة. # وعدد جميع كلمات القرآن تسع وسبعون ألفا ومئتان وسبع وسبعون كلمة. ~~ويقال سبع وثمانون كلمة. ويقال تسع وثلاثون كلمة. # وجميع حروفه ثلثمائة الف حرف وثلاثة وعشرون الفا وخمسة عشر الفا. # وعدد نقطه مئة الف وست وخمسون الفا وإحدي وثمانون نقطة. ms3696