######OpenITI# #META# bkid: 127657 #META# bk: الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري #META# المؤلف: جمال الدين أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد ابن عبد البر النمري القرطبي المالكي (المتوفى: 463 ه) #META# قرأه وعلق عليه: عبد الخالق بن محمد ماضي #META# تقديم: محمد بن عمر بن سالم بازمول #META# الناشر: وقف السلام الخيري، الرياض - المملكة العربية السعودية #META# الطبعة: الأولى، 1425 ه - 2004 م #META# أصل الكتاب: رسالة ماجستير بجامعة الجزائر كلية العلوم الإسلامية تخصص أصول الفقه 1422 ه #META# عدد الأجزاء: 1 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن عبد البر #META# authinf: ابن عبد البر (368 - 463 ه = 978 - 1071 م). يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر. • من كبار حفاظ الحديث، مؤرخ، أديب، بحاثة. يقال له حافظ المغرب. • ولد بقرطبة. ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها. وولي قضاء لشبونة وشنترين. وتوفي بشاطبة. من كتبه:. • «الدرر في اختصار المغازي والسير - ط». • «العقل والعقلاء». • «الاستيعاب - ط» مجلدان، في تراجم الصحابة،. • «جامع بيان العلم وفضله - ط». • «المدخل» في القراآت. • «بهجة المجالس وأنس المجالس - خ» في المحاضرات، أربعة أجزاء، طبعت قطعة منه، واختصره ابن ليون وسماه «بغية المؤانس من بهجة المجالس - خ» اقتنيته. • «الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء - ط» ترجم به مالكا وأبا حنيفة والشافعي. • «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والاسانيد» كبير جدا، منه أجزاء مخطوطة [طبع]. • «الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار - خ» رأيت السفر السابع منه، في الرباط (558 ز / جلاوي) طبع قسم منه، وهو اختصار «التمهيد» [طبع]. • «القصد والأمم - ط» في الأنساب، صغير. • «الإنباه على قبائل الرواه - ط» رسالة طبعت مع القصد والأمم. • «التقصي لحديث الموطأ، أو تجريد التمهيد - ط». • «الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف - ط». • «الكافي في الفقه - خ» في القرويين بفاس. وطبع في بيروت (1978) في مجلدين. • «نزهة المستمتعين وروضة الخائفين - خ». • «ذكر التعريف بجماعة من الفقهاء أصحاب مالك - خ» عليه خطوط وسماعات، في خزانة فيض الله، باستنبول، الرقم 2169 (كما في مذكرات الميمني - خ) وانظر فهرس المخطوطات المصورة: القسم الثاني من الجزء الثاني 40. • ورأيت في خزانة الرباط (143 أوقاف) ثلاث مخطوطات من تأليفه، في مجلد قديم متن. - أولها «في من عرف من الصحابة بكنيته». - والثاني «المعروفون بالكنى من حملة العلم». - والثالث «من لم يذكر له اسم سوى كنيته، من رجال الحديث» وهذا الاخير ناقص قليلا من آخره لعل النقص ورقة واحدة (1). __________. (1) بغية الملتمس 474 ووفيات الأعيان 2: 348 وآداب اللغة 3: 66 والصلة 616 والبعثة المصرية 20 و 628: 1. Brock S. والكتبخانة 4: 213 والآصفية 4: 236 و 231 Huart وجمهرة الأنساب 285 ومعجم المطبوعات 159 و 223، 76 Princeton وشرحا ألفية العراقي 1: 119 والمغرب في حلى المغرب 2: 407 والديباج 357 وسماه " يوسف بن عمر ابن عبد البر ". نقلا عن: «الأعلام» للزركلي [بزيادات بين معكوفات] #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 127657 #META# over: 1 #META# seal: E45CE6A6 #META# oauth: 76 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، أبو عمر #META# higrid: 463 #META# ad: 463 #META# aseal: 2BA202A7 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/127657 #META#Header#End# ### | CHECK [خطبة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر # الحمد لله الكبير المتعال، المنفرد بالعز والكمال، خلق الخلق على غير ~~مثال، بعث الرسل، ونهج السبل، وختم أنبياءه بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~أرسله بالحق والهدى كاشفا للحيرة والعمى، أنزل عليه كتابه الناطق بكلامه ~~الصادق ليبين للناس ما يتقون، وما بهم إليه الحاجة مما يعلم - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلى آله أجمعين، والحمد لله رب العالمين. # أما بعد: # رعاك الله وكلأك، وزاد في توفيقك وتقواك؛ فإنه وردني كتابك الكريم، تضمن ~~عن النطق عن محبتك، وجميل طويل ودك، من تحرصك على العلم، والازدياد من ~~الفهم، وكريم العناية والاجتهاد والدراية، والجري في ميدان الطلب إلى ~~الغاية، وسألت الله تعالى المزيد من الذي عندك، وإحسانه إليك، وحسن عونه ~~على ما يرضاه، ويزلف إليه ويقرب منه، وإليه أبتهل لا شريك له، في أن يهب ~~لنا ولك علما نافعا، وأن يجيرنا من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع؛ وذكرت في ~~كتابك أن علماء زمانك، وفقهاء مصرك أغفلوا حديث الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، ونبذوه وراءهم ظهريا، وقرؤوا ظاهره ولم يعلموا باطنه، وتركوا ~~الأصول وعولوا على الفروع، إلى سائر ما أوردته من الإطراء الذي نحن عنه في ~~غنى، وذكره عنى؛ وذكرت أنه استعجم عليك من الجامع الصحيح للبخاري PageV01P091 # - رحمه الله تعالى - أحاديث استغلقت عليك معانيها، ورجوتني لكشف المعمي ~~عنك فيها، وسألتني شرحها وبسطها بما حضرني، وألفاني كتابك عليل اللحم ~~والقلب، قليل النشاط، مشغول الفكر؛ ولكني مع ذلك لم أر أن أخليك من الجواب ~~بما أمكن وحضر، (على الاختصار) (¬1)، وترك التطويل، وحذف الاحتجاج والدليل؛ ~~فذكرت أحاديثك في كتابي هذا على حسب ما كتبت به، وجئت بلفظك في سؤالك على ~~حسب ما أوردته، وجاوبت عن ذلك بما حضرني خطه، ويسر لي ذكره؛ مستجيرا بالله ~~من الزلل في القول والعمل، ومستقصرا لنفسي، وباكيا عليها إذ الأيام أحوجت ~~إليها، ولعمري إنه لموضع البكاء؛ لإغفال أهل الطلب ما كان عليه سلفهم، من ~~طلب السنن ومعانيها، وجمع الأصول وحفظها، والعناية بكتاب الله عز ms01 وجل، ~~والتفهم والتفقه فيه، وفي سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإضرابهم عن ~~ذلك كله، إلى ما قد حلا على قلوبهم مما يجتلبون به دنياهم، وفقنا الله ~~تعالى وإياهم لما يرضي به عنا، وألهمنا الصبر، وأعاننا عليه من الأيام ~~القليلة المعدودة الفانية، وجعلنا من الطائفة الظاهرة بالحق التي لا يضرها ~~ما ناوأها إلى أن تقوم الساعة، آمين برحمته. # وهذا حين أصير إلما ذكر الأحاديث والقول فيها بعون الله تعالى، وهو حسبي ~~ونعم الوكيل. PageV01P092 ### | CHECK 1 - الحديث الأول: حديث أبي شريح الخزاعي في تحريم مكة # أولها: حديث أبي شريح (¬1) # إذ قال لعمرو بن سعيد (¬2)، وهو يبعث البعوث إلى مكة: إيذن لي أيها ~~الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم ~~الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ~~ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ~~ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة ~~من نهار، ثم قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب"، ~~فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن ~~الحرم لا يعيذ PageV01P093 # عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة (¬1) (¬2). # فقلت: ما معنى قوله: "ولم يحرمها الناس"، وقوله: "قد عادت حرمتها اليوم ~~كحرمتها بالأمس"، وهو - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل ~~الفواسق؟ # فالجواب وبالله العون: # إن قوله: "ولم يحرمها الناس" إخبار أن الله عز وجل حرمها، قال الله عز ~~وجل: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} [النمل: 91]، فلا سبيل ~~إلى استحلاله لمن اتقاه إلا بإذن من الله الذي له ملك السموات والأرض، يمحو ~~ما يشاء ويثبت، ويحل PageV01P094 # ويحرم، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت، ابتلاء واختبارا، لا بداء (¬1) كما ~~قالت اليهود لعنها الله، ولكن لمصالح العباد ms02 واختبارهم، ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا، وأيهم ألزم لما أمر به ونهي عنه، لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن ~~الله الذي حرم مكة - تبارك اسمه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~أذن فيه من القتال، ثم أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنها عادت إلى حالها، ~~وبه عرفنا تحريمها أولا وآخرا، ولا علم في مثل هذا إلا ما قرع السمع؛ لأنه ~~لا مدخل للعقل في الشرع، ولم تختلف فرق الإسلام على اختلافها في كثير من ~~الدين والأحكام أن النسخ في مثل هذا جاء به من الأمر والنهي، وأن البداء لا ~~يضيفه إلى الله وإلى رسوله إلا كافر، وأغني عن القول في ذلك، وقد روي عن ~~ابن عباس وغيره - رضي الله عنهم - (¬2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV01P095 # نحو حديث أبي شريح هذا "إن الله حرم مكة"، وقوله: "لم تحل لأحد قبلي، ولا ~~تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار"، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا: "إن هذا بلد حرام، حرمه الله يوم ~~خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل القتال ~~فيه لأحد قبلي، ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار" (¬1)، ~~والأحاديث في هذا كثيرة، وقد روى ابن عمر وابن عباس وأبو بكرة وعمرو ابن ~~الأحوص وجابر وغيرهم - رضي الله عنهم -، بألفاظ متقاربة ومعني واحد: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبهم في حجة الوداع وقال: "أليس هذا ~~البلد الحرام؟ "، قالوا: نعم، "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ~~كحرمة يومكم هذا، في PageV01P096 # شهركم هذا، في بلدكم هذا" (¬1)، وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح: "إن الله ~~حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، ~~ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم ~~القيامة ... "، وذكر الحديث (¬2). # وفي قوله: "ولم ms03 يحرمها الناس" أيضا دليل واضح على أن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها (يعني: ~~المدينة) " (¬3)، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك عن عمرو بن أبي عمرو ~~عن أنس (¬4)، وعمرو بن أبي عمرو PageV01P097 # من شيوخ مالك، وليس بذاك القوي عند بعضهم (¬1)، ومعناه عندي، والله أعلم: ~~أن إبراهيم عليه السلام أعلم بتحريم مكة، وعلم أنها حرام بإخباره، فكأنه ~~حرمها، إذ لم يعرف تحريمها أولا في زمانه إلا على لسانه، كما أضاف عز وجل ~~توفي النفوس مرة إليه بقوله PageV01P098 # تعالى: {الله يتوفى الأنفس} [الزمر: 42]، ومرة إلى ملك الموت بقوله: ~~{الذين تتوفاهم الملائكة} [النحل: 32] , وجائز أن يضاف الشيء إلى من له فيه ~~سبب في كلام العرب، ويحتمل أن يكون معناه: أن إبراهيم منع من الصيد بمكة ~~والقتال فيها، ونحو ذلك، وإني أمنع من مثل ذلك في المدينة، و"التحريم" في ~~كلام العرب: "المنع". # تقول العرب: حرمت عليك داري، أي: منعتك من دخولها، وقال الله تعالى: ~~{وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص: 12]، وموسي صغير لا تلحقه عبادة، ~~وإنما أراد: منعناه قبول المراضع، وكما يدل - أيضا - أن الله حرم وليس ~~إبراهيم الذي حرمها، كما روي عمرو عن أنس قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت القائل لمكة خير (¬1) من المدينة؟ ~~فقال له: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول حرم الله شيئا ~~(¬2)، ولم يقل له: لا تقل حرم الله وحرم إبراهيم. # وفي حديث مالك وغيره عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة" (¬3)، وهذا أولى من ~~رواية من روي: "أن PageV01P099 # إبراهيم حرم مكة"، وقد ثبت بالآثار الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أن الله حرمها ولم يحرمها الناس، وإنها بلد حرام حرمه الله يوم خلق ~~السموات والأرض" (¬1)، وهذا مشهور صحيح عند أهل الأثر وجماعة أهل السير، ~~فلا وجه لما خالفه من الرواية ms04 على أنها ليست بالقوية، ولو صحت لكان معناها ~~ما ذكرنا، والله أعلم. # وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس"، ~~تعظيم منه لحرمتها، وفيه - والله أعلم - دليل على أن ما حرم الله في كتابه ~~نصا متلوا أو خبرا عن الله صحيحا كان أقوى من تحريم الأنبياء عليهم السلام ~~المأمور بطاعتهم والاقتداء بهم، وهذا موضع اختلف فيه العلماء قديما وحديثا، ~~فقوم ذهبوا إلى هذا، وهو مذهب أصحابنا المالكيين، وقوم ذهبوا إلى أن ما حرم ~~الرسول وحرم الله سواء، ولكل واحد من الفريقين حجج يطول ذكرها (¬2)، PageV01P100 # وقد أجمعوا أن صيد المدينة لا جزاء له ولا فدية، وهو تحريم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأن صيد مكة يجزي؛ لأنه من نص كتاب الله عز وجل، وهذا ~~مما يحتج به لأصحابنا، وبالله توفيقنا. # وفيه - أيضا - دليل على أن الأنبياء لهم أن يحرموا بما أراهم الله وأذن ~~لهم فيه، والله أعلم. # وأما قولك: ما معنى قوله عليه السلام: "قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها ~~بالأمس"، وهو عليه السلام قد أمر بقتل ابن خطل، وقتل الفواسق، فمعناه عندي ~~والله أعلم: أن ابن خطل لما وجب سفك دمه لما كان قد ارتكبه من الارتداد ~~وقتل من قتل من المسلمين لم تنفعه مكة وحرمتها في ما قد لزمه، وهو قول أكثر ~~الفقهاء، وسنذكر اختلافهم في ذلك عند تمام القول في هذا الباب إن شاء الله تعالى. # ويحتمل أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بقتل ابن خطل ~~وغيره إلا في الوقت الذي أحل له فيها القتال، وقال أهل العلم بالسير: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كان يعهد إلى أمرائه من المسلمين حين ~~أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر ~~سماهم أن يقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد ابن ~~أبي سرح العامري، كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~ارتد ولحق بمكة في قصة ms05 طويلة (¬1)، وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن ~~غالب، كان مسلما فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا، وبعث معه ~~رجلا من الأنصار، فقتل الأنصاري وارتد ولحق بمكة (¬2)، PageV01P101 # وكانت القينتان (فرتني) (¬1) وصاحبتها تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهما معه فاستعاذ ~~ابن خطل بالكعبة، وتعلق بأستارها فلم ينفعه ذلك شيئا لما كان قد سبق فيه من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقتله في ذلك اليوم، [ومنهم: سعيد بن ~~حريث المخزومي، وابو برزة الأسلمي، و] (¬2) الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد ~~قصي (¬3)، كان بمنى يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومقيس بن صبابة ~~(¬4) لقتله الأنصاري الذي قتل PageV01P102 # أخاه خطأ بعد أن أخذ ديته، وعكرمة بن أبي جهل، فقتل عبد الله بن خطل ~~والحويرث ومقيس، وهرب عكرمة إلى اليمن، وفر العامري إلى عثمان، وكان أخاه ~~من الرضاعة، واستأمن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه، وقتلت ~~إحدى القينتين، وهربت الأخرى، وهذا كله - والله أعلم - إنما كان في تلك ~~الساعة التي أذن فيها بالقتال، ولم يكن ساعة من ساعات النهار المعهودات ~~الإثني عشر، والله أعلم، [وإنما أراد - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "ساعة ~~من نهار" - والله أعلم - لتقليل مر الوقت والزمن كما قال الله عز وجل: {ومن ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك} [آل عمران: 75] إنما أراد عز وجل أن منهم من يؤتمن على الكثير، فيفي ~~ويؤدي أمانته، ومنهم من يؤتمن على اليسير فلا يفي ولا يؤدي أمانته، ولم يرد ~~القنطار بعينه ولا الدينار بعينه، وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ساعة من نهار" يدل على أنه كان بعض النهار، لم يكن يوما تاما والله أعلم؛ ~~لأن "من" أكثر ما تدخل للتبعيض في مثل هذا (¬1). PageV01P103 # وظاهر قوله: "قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" يدل على أن الساعة ~~التي أحل فيها القتال لم تكن أكثر من يوم، وليس ms06 في قتل ابن خطل وغيره ما ~~يشكل، ولا ما يحتاج إلى القول لمن فهم؛ لأن الوقت الذي أحلت له كان ذلك منه ~~فيه، والله أعلم، هذا ممكن لا يدفع إمكانه، أو يكون ابن خطل إنما أمر بقتله ~~لما استوجبه من القتل، فلا يكون ذلك داخلا في استحلال مكة والحرم؛ لأن ~~الحرم لا يعيذ من وجب عليه القتل عند أكثر أهل العلم (¬1)، وأي الوجهين كان ~~فليس في قتل ابن خطل وأصحابه ما يدفع قوله: "قد عادت حرمتها كما كانت"، ~~فتدبر هذا تجده كذلك إن شاء الله تعالى. PageV01P104 # ولخالد بن الوليد في فتح مكة وقتل قوم بها قصة قد ذكرها أهل السير (¬1) ~~وجاءت بها الأحاديث، ليس بنا حاجة إلى ذكرها. # وهذا الحديث الذي سألت عنه ذكره البخاري عن قتيبة بن سعيد عن الليث عن ~~سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد، وذكر الحديث. # وعمرو بن سعيد هذا - فيما أظن والله أعلم - هو عمرو بن سعيد بن العاص ~~المعروف بالأشدق (¬2)، وقد روي هذا الحديث (عبد الملك) (¬3) بن هشام عن ~~زياد البكائي عن ابن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح ~~الخزاعي، قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير ~~جئته، فقلت له: ما هذا؟ PageV01P105 # وذكر الحديث بكماله (¬1)، فجعل مكان عمرو بن سعيد: عمرو بن الزبير، كما ترى. # ورواه يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بإسناده فقال فيه: لما بعث عمرو ~~ابن سعيد البعث إلى ابن الزبير دخلت عليه، وذكر الحديث. # فوافق الليث على قوله: "عمرو بن سعيد"، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. # وأما قوله في الحديث: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها ~~دما، ولا يعضد بها شجرة" فمعناه والله أعلم: أنه لا يحل لأحد فيها قتال أحد ~~بتأويل يخالفه فيه منازعه، وعلى هذا المعنى كان مخرج الحديث من أبي شريح، ~~ومن شهد القصة والتنزيل كان أعلم بالتأويل. # واختلف أهل العلم في هذا المعنى (¬2): PageV01P106 # * فقال ms07 بعضهم: لا يجوز قتل من خرج متأولا بمكة خاصة، وقتاله في غيرها ~~جائز، إذا قام الدليل لمقاتله على بغيه، وأن الباغي يقاتل حتي يفيء إلى أمر ~~الله، ولا يقاتل بمكة على حال إذا كان له وجه يحتمل التأويل، قالوا: ومكة ~~مخصوصة بهذا الحكم، كما أنها خصت بأن لا يعضد شجرها، ولا يستحل صيدها، ولا ~~تحل لقطتها إلا لمنشد (¬1)، وعلى ملتقط اللقطة منها إنشادها أبدا ليس ~~للاقطها غير ذلك، وفي سائر البلدان يجوز له التصرف فيها بعد العام على حكم ~~اللقطة (¬2)، قالوا: وقد خصت PageV01P107 # - أيضا - بأن لا يحمل فيها سلاح، وذكروا حديث معقل بن عبيد الله عن أبي ~~الزبير عن جابر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل ~~لأحد أن يحمل بمكة سلاحا" (¬1). # * وقال آخرون: مكة وغيرها سواء، إلا في الصيد والشجر. # * وقال آخرون: مكة وغيرها سواء، إلا في الصيد والشجر واللقطة على ما ~~وصفنا من حكمها. # * وقال آخرون: مكة وغيرها سواء، إلا في الصيد والشجر، وبيوتها لا تكرى، ~~ولا يجوز أخذ الكراء فيها (¬2). # ولكل واحد منهم آثار يحتجون، ومعان يذهبون إليها يطول ذكرها، ولو تعرضنا ~~لذكرها لخرجنا عن حكم ما له قصدنا. # ومعلوم أن قوله عليه السلام: "لا يحل لأحد أن يسفك بها دما" أراد الدم ~~الحرام، وليس هذا اللفظ على ظاهره؛ لأن الدم الحرام لا يحل بمكة ولا ~~بغيرها، ولكنه من كلام PageV01P108 # العرب؛ لأن من كلامهم أن يكون المسكوت عنه في معنى المذكور، ويكون ~~بخلافه، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} ~~[الإسراء: 31]، وكذلك قوله عز وجل: {ولا تكونوا أول كافر به} [البقرة: 41]، ~~ولا يحل الكفر بالقرآن على حال من الأحوال، وكذلك قوله: "لا يحل لأحد أن ~~يسفك بها دما حراما"، وكذلك غيرها إذا كان الدم حراما، وقد أجمعوا أنه يجوز ~~بها سفك دماء الدواجن كلها غير الصيد، وأما اختلاف العلماء فيمن وجب عليه ~~حد أو قصاص فهرب إلى الحرم ودخله واستجار به، فإن طائفة منهم قالت: من قتل ~~في غير ms08 الحرم، ثم جاء إلى الحرم ودخله، لم يقم عليه الحد في الحرم (¬1)، ~~لقول الله عز وجل: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97]، قالوا: ومن قتل في ~~الحرم قتل في الحرم (¬2)، وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن طاووس قال: من أحدث ~~في الحرم حدثا أقمت عليه حده، ومن أحدث حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ~~ودخله لم يتعرض، ولكنه لا يأوى، ولا يبايع، ولا يكلم حتي يخرج من الحرم، ~~فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد لما أحدث (¬3). PageV01P109 # قال عطاء قال ابن عمر: لو آوي قاتل عمر بن الخطاب في الحرم ما هجته (¬1). # وقال مجاهد في قوله عز وجل: {ومن دخله كان آمنا} عزيمة لا يخاف فيه أحد دخله. # وأما قتادة وغيره فقالوا: كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم فلو سرق في ~~الحرم قطع، ولو قتل قتل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا (¬2). # قال أبو عمر: على هذا القول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والأثر، ~~وهو الصحيح عندنا في النظر؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالقصاص وإقامة الحدود ~~أمرا مطلقا عاما، لم يخص به موضعا من موضع، ولا خصه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا أجمعت الأمة على خصوصه، ولا قامت بخصوصه حجة لا مدفع لها (¬3). # وقد اختلف الفقهاء في تغليظ الدية على من قتل في الحرم، فأكثرهم على أن ~~القتل في الحل والحرم سواء فيما يجب فيه من الدية والقود، وإلى هذا ذهب ~~مالك والعراقيون، وهو أحد قولي الشافعي، وقول الفقهاء السبعة، حاشا القاسم ~~بن محمد، فإنه روي عنه وعن سالم أنه من قتل خطأ في الحرم زيد عليه في الدية ~~ثلث الدية، وهو PageV01P110 # قول عثمان بن عفان (¬1)، وخالفه في ذلك علي، وكان الشافعي يري التغليظ في ~~قتل الخطإ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام، وذي الرحم على ~~حسب سنة دية العمد المغلظة، وهذا أشهر عن الشافعي من القول الأول (¬2) ~~(¬3)، ومن الحجة على من ذهب هذا المذهب قوله عز وجل في قاتل الخطإ: ms09 {فدية ~~مسلمة إلى أهله} [النساء: 92]، ولم يخص موضعا من موضع، وفرض النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الديات ولم يخص موضعا من موضع، ولا فرق بين الحل والحرم، ~~والله أعلم (¬4). # * * * PageV01P111 ### | CHECK 2 - الحديث الثاني: حديث عمرو بن أمية الضمري في المسح على العمامة والخفين # الحديث الثاني # حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر ابن عمرو بن ~~أمية عن أبيه (¬1) قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح علي ~~عمامته وخفيه" (¬2). # تابعه معمر (¬3)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو: "رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - " (¬4) # قلت: وأسنده الأوزاعي، ولم يسنده معمر في متابعته؛ لأنه لم يذكر جعفرا ~~(بين) أبي سلمة و (بين) عمرو بن أمية (¬5)، هكذا في كتابك، فقلت: ما PageV01P112 # معنى إدخال البخاري هذه المتابعة وهي غير مسندة؟ # فالجواب: # إن إدخال البخاري متابعة معمر للأوزاعي، إنما ذلك لأنه تابعه عن يحيى ابن ~~أبي كثير في هذا الحديث على ذكر المسح على العمامة فيه (¬1)، وإن كان معمر ~~لم يذكر إسناد جعفر بن عمرو، وذكره الأوزاعي، وقد روى هذا الحديث عبد ~~الرزاق عن معمر بإسناده هذا عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عمرو بن ~~أمية الضمري قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على خفيه" (¬2)، ~~ولم يزد، ولم يذكر المسح على العمامة، وعبد الرزاق من أثبت الناس في معمر، ~~وقد صنف كتابا جليلا (¬3) ذكر فيه باب المسح على العمامة، ولم يذكر فيه هذا ~~الحديث، وذكره في باب المسح على الخفين هكذا، لم يذكر PageV01P113 # فيه المسح على العمامة، والبخاري لا يدفع صدقه، وإنما كان عنده حديث معمر ~~من غير رواية عبد الرزاق (¬1)، أو حدثه عن عبد الرزاق بما ذكر من وثق به ~~ممن لم يتفق مع ما جاء به، وحسبك ما ذكره في مصنفه على أن المصنف عندهم ~~لمعمر (¬2)، وليس في حديث عمرو بن أمية المسح على العمامة، والله المستعان. # ولم يراع البخاري في متابعة معمر الإسناد، إنما راعي المسح على العمامة؛ ms10 ~~لأنه موضع الاختلاف فيما قد جعله بابا وأصلا في كتابه. # فأما قولك: "ولم يسنده معمر"، فقد أسنده، وذكر فيه عن عمرو: "رأيت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - "، وهذا في لفظ حديثه في كتابك، والذي صنع معمر فيه ~~إسقاط جعفر ابن عمرو من إسناده، وكذلك رواه جماعة لم يذكروا جعفر [1]، (3) ~~من رواة الأوزاعي وغيره، [و] (¬3) ممن رواه عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي ~~كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية، لم يذكروا جعفرا: الوليد بن مسلم ~~(¬4)، وأيوب PageV01P114 # ابن سويد (¬1)، ومحمد بن كثير (¬2)، وذكروا فيه المسح على العمامة، وكان ~~الوليد ابن مسلم ربما لم يذكر ذلك. # وقد روى هذا الحديث يونس بن يزيد عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن ~~عمرو بن أمية: "أنه رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح علي الخفين"، لم ~~يذكر العمامة، ولا ذكر جعفرا. # ولم يذكر في هذا الحديث جعفر بن عمرو من رواة الأوزاعي - فيما علمت - إلا ~~أبو المغيرة عبد الله بن داود الخريبي (¬3)، وربما قصر الخريبي عن ذكر ~~العمامة فيه. # وروى هذا الحديث جماعة عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، ولم يذكروا ~~المسح على العمامة، وكذلك رواه جماعة عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، لم ~~يذكروا فيه المسح على العمامة فربما (¬4) لا يزيد في هذا الحديث عن جعفر بن ~~عمرو، عن أبيه على قوله. # وقد روي هذا الحديث عن أبي سلمة عن المغيرة (¬5)، وعن أبي سلمة عن PageV01P115 # أبي هريرة (¬1)، وليس في واحد منهما ذكر المسح على العمامة، وربما كان ~~حديث أبي سلمة عن أبي هريرة حديثا آخر، ولكن من علله جعله واحدا، والاضطراب ~~في حديث عمرو ابن أمية في المسح على العمامة عظيم، وهو حديث لا يثبت عند ~~أكثر أهل العلم بالحديث (¬2)، لم يخرجه أبو داود، ولا أحمد بن شعيب (¬3). # وقد ذكر النسائي في المسح على العمامة أبوابا من حديث المغيرة وبلال، ولم ~~يذكر حديث عمرو بن أمية، وأبو داود فلم يصح عنده في المسح على العمامة شيء ~~ألبتة ms11 (¬4)، وللبخاري انفرادات في أحاديث يخرجها، وأحاديث يذكرها لا يتابعه ~~أحد عليها، والكمال لذي العزة والجلال. # * * * PageV01P116 ### | CHECK 3 - الحديث الثالث: حديث الفأرة تقع في السمن # الحديث الثالث # حديث الفأرة تقع في السمن، ذكره في باب: النجاسات (تقع) (¬1) في الماء ~~والسمن (¬2). # وقولك: عرفني عن هذا الباب وغيره؛ كيف أصل أهل المدينة في الماء؟ ولخص لي ~~فيه وجه الصواب، فقد أشكل هذا الأصل. # فالجواب: # إن حديث الفأرة التي وقعت في السمن الجامد، فقال رسول الله: "خذوها وما ~~حولها فألقوه"، إلى ها هنا انتهى حديث أكثر أصحاب ابن شهاب الذي رووه عنه ~~عن (عبيد الله) (¬3) عن ابن عباس عن ميمونة، وقد رواه معمر بهذا الإسناد، ~~ورواه - أيضا - بإسناد آخر عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ~~(¬4)، فعند معمر فيه عن PageV01P117 # الزهري حديثان، أحدهما حديث (عبيد) الله (¬1) عن ابن عباس، والآخر حديث ~~سعيد عن أبي هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها ~~وألقوه؛ PageV01P118 # وإن كان مائعا فلا تقربوه". # هذه رواية عبد الرزاق [عن معمر] (¬1) عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواه عبد الواحد بن زياد عن معمر بهذا ~~الإسناد، وقال فيه: "وإن كان مائعا فاستصبحوا به" (¬2). # واختلف العلماء في الاستصباح (¬3) بالزيت والمائع تقع فيه الميتة وفي ~~بيعه (¬4)، ولم يختلفوا في أكل ما وقعت فيه الميتة من المائعات غير الماء ~~وشربه ذلك أنه لا يجوزه إلا من شذ عنهم (¬5)، وقد ذكرنا حكم الزيت يقع فيه ~~الميتة، وما في ذلك للعلماء من الأقوال PageV01P119 # والآثار في كتاب "التمهيد" (¬1). # وأما الذي سألت عنه، كيف أصل أهل المدينة؟ وأحببت تلخيص ذلك وإظهار وجه ~~الصواب فيه. # فالجواب عن ذلك؛ أن أصل أهل المدينة في الماء كتاب الله عز وجل وسنن ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -: # * أما الكتاب، فقول الله تبارك وتعالى اسمه: {وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا} [الفرقان: 48]، فسمى الله الماء طهورا، و"الطهور": هو "المطهر ~~لغيره"، مثل الضروب والقتول، وهو الذي يكثر الضرب والقتل والفعل في غيره، ms12 ~~وقد يكون - أيضا - بمعنى "طاهر" مثل: صابر وشاكر وصبور وشكور وضارب وقاتل، ~~والمعنيان جميعا في الماء صحيحان، والماء القراح الصافي، كماء السماء وماء ~~البحار والأنهار والعيون والآبار، إذا لم يخالطه شيء فهو طاهر مطهر؛ وهذا ~~ما لا خلاف فيه بين المسلمين. # والماء الذي وصفنا طاهر مطهر بإجماع، فلا وجه للإكثار فيه، قال الله عز ~~وجل: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} [المؤمنون: 18]، وقد ~~تقدم أن الماء النازل من السماء طهور. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬2). PageV01P120 # • وأجمعوا أن الماء الطاهر - كثيرا كان أو قليلا - إذا خالطته النجاسة ~~فغلبت عليه، أو ظهرت فيه بريح أو لون أو طعم؛ أنها قد أفسدته، وأنه قد حرم ~~كما حرمت النجاسة، وخرج من حكم الطهارة. # • وكذلك أجمعوا أن الماء المستبحر الكثير إذا دخلت فيه النجاسة فلم تظهر ~~فيه بلون ولا طعم ولا ريح ولا أثر أن ذلك الماء الطاهر مطهر كما كان، سواء ~~في الحكم طهارته. # فإن كان الماء قليلا أوكان غير مستبحر، وحلت فيه النجاسة، فلم يظهر فيها ~~لون ولا طعم ولا ريح؛ فهذا موضع كثر فيه النزاع والاختلاف قديما وحديثا ~~(¬1)، واختلفت فيه الآثار - أيضا - وأصل أهل المدينة فيه؛ وهو - أيضا - ~~مذهب أهل البصرة، وإليه ذهب اكثر أهل النظر، وهو الذي اختاره أكثر أصحابنا ~~(المالكيين) (¬2) من البغداديين؛ أن ذلك الماء طاهر مطهر قليلا كان أو ~~كثيرا؛ لأن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه، ولو نجسه غير ما يغلب عليه ~~(لما) (¬3) صحت به طهارته لأحد أبدا، ولو كان القليل منه PageV01P121 # يفسده قليل النجاسة ما صح الاستنجاء بالماء لأحد. # والحجة في هذا المذهب (سنة) (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ في ~~صبه على بول الأعرابي ذنوبا من ماء حين بال في المسجد عنده (¬2)، وهو أصح ~~الأحاديث كلها المنقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الماء من جهة ~~الإسناد والمعنى، وفيه دليل واضح (على أن كل الماء من النجاسات) (¬3) ~~والحكم للماء لا للنجاسة، ولا مراعاة لما ms13 خالطه ومازجه إذا كان الماء ~~غالبا؛ لأن هذا حكم ما جعله الله طهورا مطهرا لغيره، ومعلوم أن البول (إذ) ~~(¬4) أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصب عليه قد مازج، ولكن لما ~~كان الماء غالبا كان مطهرا للبول، وكان الحكم له ولم يكن للبول المستهلك ~~فيه حكم لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (ولا فرق عندنا بين حلول ~~النجاسة على الماء وبين حلوله عليها) (¬5)، ولم أر للذين فرقوا بينهما من ~~الشافعيين حجة يعجز الخصم عن معارضتها؛ وليس شيء من المائعات مجل هذا المحل ~~غير الماء، فاعلمه. # والماء عندنا لا يفسده إلا ما غلب عليه من النجاسات المحرمات أو ظهر فيه ~~منها، وهذا مذهب مالك بن أنس وأهل المدينة وأكثرهم، وهي رواية المدنيين من PageV01P122 # أصحاب مالك عن مالك، وكذلك حكاه أبو المصعب (¬1) عن مالك وأهل المدينة. # وأما المصريون من أصحاب مالك؛ يفسده عندهم قليل النجاسة، وإن كثر لا ~~يفسده إلا ما غلب عليه من النجاسة أو ظهرت فيه بطعم أو ريح أو لون، ولم ~~يحدوا بين القليل والكثير حدا (¬2)، وهذا مذهب الشافعي سواء، إلا أنه حد في ~~ذلك حدا لحديث القلتين؛ وروى ابن القاسم (¬3) عن مالك في الجنب يغتسل في ~~الحوض الذي يسقى فيه PageV01P123 # الدواب؛ ولم يكن غسل ما به من الأذى؟ فقال: "قد أفسد الماء ونجسه" (¬1). # وسئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة، وهي حياض كبار؛ يغتسل فيها ~~الجنب ولم يغسل ما به من الأذى؟ فقال: "أكره للجنب أن يغتسل في الماء ~~الدائم؛ ولا يضر الماء ذلك إذا كان كثيرا" (¬2). # فقد تبين بما ذكره ابن القاسم عنه ما أضفنا فيه عنهم. # وقد سئل ابن القاسم عن إناء الوضوء يسقط فيه مثل رؤوس الإبر من البول؟ ~~فأجاب: "فإنه قد نجس" (¬3)، وإلى هذا ذهب جماعة أصحاب مالك من أهل المغرب ~~ومصر إلا عبد الله بن وهب، فإنه قال: "فيما روى المدنيون عن مالك؛ إن الماء ~~قليله وكثيره لا ينجس إلا بما غلب عليه أو ظهر فيه"، على حسب ما وصفنا. ms14 # وقد روي عن أصحابنا في البئر تقع فيه النجاسة الميتة روايات مضطربة؛ ~~أكثرها على أن البئر يفسد (ماءها) (¬4) الميتة تقع فيه. # وكان إسماعيل بن إسحاق (¬5) يقول: "إن كل ما روي عن ابن القاسم وغيره PageV01P124 # (من) (¬1) مثل تلك الروايات، فإنما هي على طريق التنزه والاستحباب"، وأما ~~الأصل عندنا كما ذكرنا. # ولقد سأل أحمد بن المعذل (¬2) (عبد) (¬3) الملك (¬4) عن البئر تقع فيه ~~الميتة؟ فقال: "ينزح منها عشرون، ثلاثون، أربعون دلوا"، قال أحمد: ثم قال: ~~أفلا سألتني عن قولي هذا؟ فقلت: لقد هممت أن أسألك حتى بدا شيء فقال: "إنما ~~قلت هذا لك لئلا تظن أن في هذا حدا أو شيئا واجبا، وإنما هو لتطييب النفس ~~عليه، والماء على طهارته حتى PageV01P125 # يتيقن فيه النجاسة". # وهذا قول صحيح في النظر والأثر. # وقد أتينا على هذا المعنى وتقصي القول فيه بالآثار المرفوعة وغيرها عن ~~علماء المدينة وسلفهم، وبالحجج الواضحة في كتاب "التمهيد" (¬1)، وبالله ~~التوفيق. # حدثني محمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن معاوية (¬2) قال: أبنا أحمد بن ~~شعيب قال: ثنا قتيبة بن سعيد قال: نا حماد عن ثابت عن أنس: "أن أعرابيا بال ~~في المسحد، فقام إليه بعض القوم؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~دعوه، فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه" (¬3). # وهذا حديث ثابت صحيح، وقال يحيى بن معين: "أثبت الناس في أنس ثابت ~~البناني، وأثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة" (¬4). # وقد روي من وجوه كثيرة من حديث أنس وحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فمن ادعى أن طهارة الأرض لها حكم منفرد فعليه إقامة الدليل، ~~ولن يجد إلى ذلك سبيلا. PageV01P126 ### | CHECK 4 - الحديث الرابع: حديث أم عطية قالت: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا" # الحديث الرابع # حديث أم عطية قالت: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئا" (¬1). # وثبت أن مالكا يقول ولم يختلف قوله في ذلك: "إن الصفرة والكدرة حيض في ~~أيام الحيض وفي غير أيامه"؟ # فالجواب عن ذلك: # إن مالكا - رحمه الله - لم يختلف قوله: "إن الصفرة والكدرة ms15 حيض في أيام ~~الحيض وبإثره"، واختلف قوله في ذلك في غير أيام الحيض؛ والقول الأول أشهر ~~عنه (¬2). PageV01P127 # وأما حديث أم عطية، فحديث انفرد به أهل البصرة، وأجيب أن الأحاديث عنده ~~لم يلزمه عمل (¬1)؛ لأن العمل إنما يلزم المقبول من الشهادات والأخبار، على ~~أن خبر أم عطية [غير] (¬2) لازم العمل به على كل حال؛ لأنها لم تضف[ه] (¬3) ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أخبرت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - استفتي عن ذلك فأجاب بما قالته، ولا فيه أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - علم ذلك. # وقد خالفتها عائشة أم المؤمنين وأسماء - رضي الله عنهن - (فكانتا) (¬4) ~~لا تصليان حتى تريا البياض (¬5)، والنظر يشهد لهذا القول؛ لأن المرأة إذا ~~كانت حائضا بيقين ثم PageV01P128 # انقطع عنها الدم وبقيت الصفرة والكدرة، ومعلوم أنها من بقايا الدم، ~~فالواجب ألا تخرج من حكم الحيض المتيقن إلا بيقين الطهارة، ولا يقين إلا ~~بالنقاء، وكل دم يظهر من الرحم فالواجب أن يترك له الصلاة، ومن أنصف بان له ~~أن الصفرة والكدرة من الدم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "فإذا أقبلت ~~الحيضة فاتركي الصلاة" (¬1)، وقد يجوز أن يكون أمامها صفرة وغير صفرة. # وابتداء الحيض ضعيف ثم يقوى بعد، وهذا عند النساء معروف، والكلام في هذا ~~واضح؛ فلا وجه فيه للإطالة. # وقال عبد الله بن غانم (¬2): قلت لمالك: إنا لم نكد نرى الصفرة والكدرة ~~شيئا؛ PageV01P129 # ولا نرى ذلك إلا في الدم العبيط (¬1)؟ فقال مالك: "وهل الصفرة والكدرة ~~إلا دم"، ثم قال: "إن هذا البلد إنما كان العمل فيه بالنبوة، وإن غيرهم ~~إنما العمل فيهم بأمر الملوك". # وقد اختلف العلماء في الصفرة والكدرة قديما وحديثا اختلافا كثيرا (¬2)، ~~والصواب ما قلت لك - إن شاء الله تعالى - وعليه أكثر الفقهاء بالحجاز ~~والعراق؛ وبالله العصمة والتوفيق. PageV01P130 ### | CHECK 5 - الحديث الخامس: حديث عائشة - رضي الله عنها -: أنها استعارت من أسماء قلادة # الحديث الخامس # حديث عائشة - رضي الله عنها -: "أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث ~~رسول الله - صلى الله عليه ms16 وسلم - رجلا فوجدها فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ~~ماء، فصلوا، (فشكوا) (¬1) ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل ~~الله آية التيمم" (¬2). # هكذا ذكرت الحديث في كتابك؛ فقلت: فكأن البخاري - رحمه الله - جوز الصلاة ~~عند العذر وامتناع التيمم بغير تيمم؟ # فالجواب # إن هذا الباب قد اختلف فيه العلماء قديما، وتنازع فيه فقهاء الأمصار، ~~فذهب منهم قوم إلى أن المحبوسين في المصر، والمهدم عليهم، والمصلوبين، وكل ~~من لا يقدر على الوضوء بالماء وعلى التيمم بالأرض أو التراب؛ أنه لا يصلي ~~حتى يمكنه الوضوء أو التيمم، ولو أقام ما شاء الله أن يقيم، وإذا انطلق صلى ~~كل صلاة لم يكن صلاها من أجل ذلك (¬3). PageV01P131 # وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور" (¬1)، فمن لم يمكنه الطهور، ولم يكن له إلى الصلاة ~~سبيل [لا يصلي] (¬2)، وممن PageV01P132 # ذهب إلى هذا من أصحابنا أشهب (¬1)، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي والثوري ~~وزفر، وهو أحد قولي الشافعي. # وذهب منهم آخرون إلى أن من كانت حاله ما وصفنا صلى كيف أمكنه بغير طهور؛ ~~إذا لم يمكنه الطهور، وأعاد بعد ذلك إذا قدر على الطهور بالماء أو التيمم ~~عند عدم الماء، وممن ذهب إلى هذا أيضا من أصحابنا عبد الرحمن بن القاسم ~~(¬2) وهو قول أبي يوسف ومحمد والليث بن سعد، وهو أحد قولي الشافعي - أيضا - ~~وكل هؤلاء قال: "إن من كانت حاله ما وصفنا وصلى على ذلك لم يكن له بد من ~~الإعادة إذا قدر على الطهور". # وليس في حديث عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بالإعادة ~~عند وجود الماء. # وقد زعم بعض العلماء أن الانفصال من ذلك بأن التيمم لم يكن مشروعا حينئذ ~~لأنه نزل لغد؟ # وهذا عندي لا وجه له؛ لأنهم كانت طهارتهم طهارة واحدة، حينئذ فصلوا ~~دونها، وكذلك من عدم الطهارة بالماء وعدم البدل منها، وهي الطهارة بالصعيد، ~~ولم يقدر على شيء من ذلك كله؛ كان حكمه كذلك والله أعلم. PageV01P133 # وقد ذهب بعض ms17 المتأخرين من الفقهاء (¬1) أن من كانت حاله تلك على ظاهر ~~حديث عائشة هذا [لا يصلي] (¬2) والفقهاء على خلافه كلهم، وفي المسألة نظر؛ ~~لأنه يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" ~~لمن قدر على الطهور، كما أنه لا يقبل صلاة عريان وهو قادر على ثوب يستره ~~فتركه عامدا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يقبل الله صلاة ~~حائض حتى تختمر" (¬3). # والمسألة إذا تعادلت فيها الأدلة واستوت فيها الحجج؛ فالوجه في هذا ~~للعلماء التخيير بالفتوى، ولكل من نزلت [به] (¬4) الاحتياط، والاحتياط في ~~هذه المسألة أن PageV01P134 # يصلي، ثم يعيد إذا قدر على الطهارة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، ~~ليؤدي فرضه بيقين، ويخرج من الاختلاف، ويدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، ومن ~~ترك الشبهات استبرأ لدينه وعرضه؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -. # وقد روى ابن دينار عن معن عن مالك، فيمن كتفه الوالي، وحبسه، فمنعه من ~~الصلاة حتى خرج الوقت؟ : "ليس عليه إعادة" (¬1). # وهذه رواية منكرة، وقياسه على المغمى عليه لا وجه له. # وروى ابن القاسم عن مالك في هذا وفي المهدم عليه البيت: "أنهم يعيدون إذا ~~خرجوا؛ لأنهم كانت معهم عقولهم"، وهذا هو الصحيح عندنا وعليه القياس. # * * * PageV01P135 ### | CHECK 6 - الحديث السادس: حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين # الحديث السادس # حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر ~~والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" (¬1). PageV01P136 # فالجواب: # إن الكلام في هذا الحديث يطول، وقد ذكرنا في كتابنا "التمهيد" وفي ~~"الاستذكار" - أيضا - ولكن نذكر منه هاهنا جملا كافية إن شاء الله تعالى، فنقول: # إن هذا الحديث ليس على ظاهره إن صح معبره (¬1)؛ لأن هناك آثارا كثيرة ~~تدفعه، فأما إسناده وصحته من جهة النقل فلا مقال فيه لأحد. PageV01P137 # فمما يوهن هذا الحديث أن ظاهره يوجب قصر الصلاة فرضا وعائشة التي جاءت به ~~- رضي الله عنها - عملت بخلافه، وعملها بخلافه مشهور عنها، ولا تحذر ms18 تعمل ~~بخلافه إلا لأنه عندها وهم رجعت عنه، أو لمعنى يزيله عن ظاهره؛ لأنه خبر لا ~~يجوز فيه النسخ، لاستحالة نسخ الأخبار، وإنما ينسخ الأمر والنهي. # وإما لكثرة الرجوع عنه (إقرارا) (¬1) بالوهم والنسيان، فمن هاهنا رفع ~~العلماء جواز النسخ على ما كان مخرجه مخرج الخبر في الكتاب والسنة، فقف على ~~هذا الأصل. # ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة: "أنها كانت تتم في ~~السفر" (¬2). # فإن قال قائل: إن عائشة - رضي الله عنها - إنما أتمت في السفر لأنها أم ~~المؤمنين؛ فحيث نزلت فهي عند بيتها وكأنه منزلها؟ # قيل له: هذا تأويل فاسد لا وجه له، ولا يجوز مثله أد يتأول على عائشة - ~~رضي الله عنها - لما فيه من خلاف السنة والإجماع؛ لأنه لو كان نزولها حيث ~~نزلت منزلا لها لأنهم بنوها لما جاز لها القصر أصلا لأنها في منزلها. # وقد أجمع المسلمون أن القصر كان لها مباحا في سفرها، وأكثرهم يقول: لا ~~ينبغي ترك القصر، ولو كان ذلك كذلك ما قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو أبو المؤمنين، وبه صارت PageV01P138 # عائشة أم المؤمنين؛ ألا ترى في قراءة أبي بن كعب - رحمه الله -: "النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" (¬1). # وقد كان للمؤمنين أمهات عدة (يسافرن) (¬2) في الحج والعمرة وغيرها، فما ~~بلغنا عن واحدة منهن أنها تأولت هذا التأويل. # وقد تأولت طائفة على عائشة - رحمها الله - تأويلا أضعف من هذا، لا يليق ~~منا قبوله ولا ذكره، ولا يليق بنا مثله. # والذي يجوز أن يتأول عليها ما قد وافقها فيه غيرها، فقد أتم الصلاة في ~~السفر جماعة من السلف الصالح منهم عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص (¬3) ~~وغيرهما. PageV01P139 # وقد تؤول على عثمان في إتمامه تأويلات لم يرو شيء منها عنه، وإنما هي ~~ظنون وتوجيهات، والله أعلم (¬1). # وقد عاب ابن مسعود على عثمان بالإتمام في سفره ثم أدام عثمان الصلاة، وفي ~~ذلك الوقت يصلي ابن مسعود خلفه وأتم معه، فقيل له: أنت تعيبه بالإتمام وتتم ms19 ~~معه؟ فقال: "الخلاف شر" (¬2). # فلو كان القصر عند ابن مسعود فرضا لم يتم معه ولم يصل خلفه، ولكنه كان ~~عنده والله أعلم - سنة ورخصة، فكره خلاف إمامه فيما قد أبيح له، ومثل قصة ~~ابن مسعود هذه حديث سلمان. PageV01P140 # وذكر عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ابن أبي ليلى الكندي عن ~~سلمان: "أنه كان مع قوم في السفر فحضرت الصلاة، فقالوا له: صل، فقال: إنا ~~لا نؤمكم ولا ننكح نساءكم، وأبى، فتقدم رجل من القوم فصلى أربع ركعات؛ فلما ~~سلم قال سلمان: ما لنا وللمربعة؟ إنما كان يكفينا نصف المربعة، ونحن إلى ~~الرخصة أحوج" (¬1)، فلم يعد سلمان الصلاة، وأخبر أن القصر رخصة فتدبر. # ومما يقدح في حديث عائشة إتمامها في السفر، ومثله - أيضا - إجماع الفقهاء ~~على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم وأدرك معه ركعة تامة أنه يصلي أربعا، ~~ولو كان فرض المسافر ركعتين لم ينتقل إلى أربع مع إمامه، كما أن المقيم إذا ~~صلى به المسافر لا ينتقل فرضه للائتمام بإمامه، بل يتم صلاته بعد سلام ~~إمامه المسافر كما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[و] (¬2) عمر ~~بعده، حيث قالا بمكة - كل واحد منهما في وقته لمن صلى معهما من المقيمين ~~وهما مسافران: "أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر" (¬3)، ولم يبلغنا أن أحدا من ~~علماء المسلمين نهى PageV01P141 # المسافر إذا أقيمت عليه في الحضر الصلاة في المسجد عن الدخول معهم. # وهذا كله يدلك على أن القصر ليس بفرض عندهم، وإنما هو سنة وإباحة، وحدثت ~~عائشة أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمنها حديث عمر بن الخطاب ~~أن يعلى ابن أمية قال له: "ما لنا نقصر الصلاة في السفر ونحن آمنون، وقد ~~قال الله: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم}، ونحن نجد أمنا؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تلك ~~صدقة تصدق الله بها عليكم، ms20 فاقبلوا صدقته"" (¬1). # وهذا يدل على أن القصر رحمة وتوسعة وسنة مسنونة. # ومنها حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة: "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صام في السفر وأفطر، وأتم الصلاة وقصر" (¬2). PageV01P142 # وحديث طلحة [بن] (¬1) عمرو عن عطاء عن عائشة قالت: "كلا الأمرين قد فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قد صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر" (¬2). # ومنها - أيضا - حديث أنس بن مالك الأنصاري: " [إنا معاشر] (¬3) أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا، ويصوم ~~بعضنا ويفطر بعضنا، فلا يعيب أحد منا على صاحبه" (¬4). PageV01P143 # وقد ذكرنا هذه الآثار وغيرها في كتاب "التمهيد" باب ابن شهاب عن رجل من ~~آل خالد بن (أسيد) (¬1)، فاقتصرنا ها هنا على المتون دون الأسانيد بشرط ~~الاختصار والفرار من الإكثار. # ومنها - أيضا - حديث عمرو بن أمية الضمري (¬2) وحديث الجرشي (¬3)، ومنها ~~حديث أنس بن مالك القشيري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ~~الله قد وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (¬4)، وظاهر قوله: "وضع" أن ذلك ~~فيما قد كان وجب PageV01P144 # فوضع منه أو فيه. # هذا التأويل دليل على أن الصلاة لم تفرض ركعتين ركعتين كما قالت عائشة. # وقد قال بأن الصلاة فرضت أربعا أربعا (حين) فرضت، وصلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في السفر ركعتين جماعة من أهل العلماء، منهم ابن عباس ~~ونافع بن جبير بن مطعم والحسن البصري؛ كلهم يزعم أن الصلاة أول ما فرضت ~~أربعا، وذلك اليوم الذي أصبح فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ليلة ~~أسري به، أتاه جبريل فصلى به عند البيت الصلوات، بدأ بالظهر وختم بالصبح في ~~يومين أربع ركعات أربع ركعات إلا المغرب والصبح. # ولا يختلف أهل السير بالأثر أن الصلاة لم تفرض إلا بالإسراء، وأن جبريل ~~نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيحة تلك الليلة وقت الظهر، فصلى به ~~على هيئة صلاتنا اليوم، وهذا كله من قولهم يدفع حديث عائشة أو يصرفه عن ظاهره. # وقد ذكرنا ما ms21 للعلماء في هذا الباب من الآثار والأقوال مستقصى في كتاب ~~"التمهيد" (¬1). # وهذا الذي ذكرت لك مذهب مالك بن أنس وأكثر أصحابه وأهل المدينة. PageV01P145 # حكى أبو الفرج القاضي (¬1) عن أبي المصعب الزهري عن مالك قال: "القصر في ~~السفر للنساء والرجال سنة". # ثم قال أبو الفرج: "فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك مع ما ~~ذكره أبو المصعب عنه أن القصر عنده سنة لا فرض". # ومما يدل على ذلك من مذهبه أنه لا يرى الإعادة على من أتم في السفر إلا ~~في الخوف (¬2). # قال أبو عمر: أصل القصر في السفر مع الخوف خرج مخرج الإباحة والرخصة ~~لقوله - عز وجل -: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}، ثم سن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - القصر في السفر أمنا، فهو على ذلك الأصل، والله أعلم. # وقد روينا عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - والقاسم بن محمد أنهما ~~قالا [بذلك] (¬3). # [حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر قالا حدثنا قاسم، (¬4) ابن أصبغ PageV01P146 # قال: ثنا عبد الله بن روح المدائني قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أبنا مالك ~~بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء قال: "قلت لابن عمر: أصلي في السفر ركعتين ~~والله تعالى يقول: {إن خفتم}، ونحن نجد الزاد والمزاد، فقال: كذلك سن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ". # حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: [ثنا عبد الله ابن ~~روح المدائني، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ] (¬1) ثنا مالك بن مغول عن أبي ~~حنظلة قال: "سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتين، قلت: فأين قوله: ~~{إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ونحن آمنون؟ فقال: سنه محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - " (¬2). # وروى قتادة عن صفوان بن (محرز) (¬3) أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة ~~السفر؟ فقال: "ركعتان، سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - " (¬4). PageV01P147 # وروى ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكير (¬1) بن الأشج عن القاسم بن محمد أن ~~رجلا قال له: "عجبت من عائشة حين ms22 كانت تصلي أربعا في السفر ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين؟ ! فقال له القاسم: عليك بسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فإن من الناس من لا يعاب" (¬2). # ومثل هذا حديث عبد الله بن عمر - أيضا - إذ سأله أمية بن عبد الله ابن ~~خالد ابن أسيد فقال له: "إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا ~~نجد صلاة السفر؟ فقال له عبد الله بن عمر: يا ابن أخي؛ إن الله بعث إلينا ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - ولا نعلم شيئا، وإنما نفعل كما رأيناه يفعل" ~~(¬3). PageV01P148 # ولم يقل ابن عمر للسائل قالت عائشة: إن الصلاة في السفر والحضر هكذا فرضت. # فإن قال قائل: إن عمر بن الخطاب قد قال: "صلاة المسافر ركعتان تمام غير ~~قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - " (¬1). PageV01P149 # وفي هذا دليل على أنها لا قصر فيها وإنما هكذا فرضت؟ # قيل له: لا دليل فيه على ما ذكرت؛ لأن عمر هو الذي روى عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن القصر صدقة تصدق الله بها على عباده، يعني: توسعة ~~ورخصة ورحمة. # ومعنى حديث عمر - والله أعلم - إن صح عنه: "إن صلاة السفر ركعتان تمام ~~غير قصر"، يعني: إن ذلك تمام في الأجر غير نقص منه، وتمام في أداء فريضة ~~غير نقص منها (¬1) بها كمن صلى أربعا في الحضر سواء؛ كل قد أدى فرضه وكتب ~~له أجره، هذا ما لا يدفع احتماله، والله أعلم. # على (أنه) (¬2) حديث كوفي، وقد اختلف في إسناده. PageV01P150 # فإن قال: إن ابن عباس يقول: "فرضت الصلاة في الحضر أربعا، وفي السفر ~~ركعتين، وفي الخوف ركعة" (¬1)، وفي هذا دليل على أن صلاة السفر هكذا فرضت ~~ركعتين، وهو فرضها؟ # قيل له: حديث ابن عباس هكذا يعارض حديث عائشة؛ لأنه يقول: إنها فرضت في ~~الحضر أربعا، وعائشة تقول: فرضت في السفر والحضر ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر. # وقد يكون معنى قول ابن عباس: "فرضت" يعني: قدرت، والمقر حكمها، كما يقال: ~~فرض القاضي ms23 نفقة اليتيم والزوجة كذا وكذا، بمعنى قدرها وحكم بها، لا أنه ~~أوجبها، ومن أصحابنا وغيرهم من جعل قصر الصلاة في السفر فرضا، والذي اختاره ~~أبو الفرج أنها سنة لرواية أبي المصعب ذلك عن مالك فلا معنى للاشتغال ~~بجعلها في حيز الفروض، واحتج بالإجماع على جواز إتمامها خلف المقيم؛ قال: ~~ولو كان القصر مفروضا لما جاز للمسافر أن يتم في حال سفره خلف مقيم ولا ~~غيره، كما أن الإتمام لها لو كان على (المسافر) (¬2) مفروضا لم يجز له ~~الاقتصار على صلاة المسافر، وهذا المعنى قد ذكرناه فيما سلف من هذا الباب. # واحتج أبو الفرج - أيضا - بحديث أنس: "سافرنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فمنا الصائم ومنا المفطر ومنا المقصر، فلم يعب واحد منا على ~~صاحبه" (¬3). PageV01P151 # قال أبو عمر: وهذا حديث انفرد به العمي (¬1) وليس بالقوي، والصواب عندي ~~في هذا الباب أن قصر الصلاة في السفر من السنن المؤكدة التي لا ينبغي تركها ~~ولا الرغبة عنها، وأن الفضل في إتيانها، وبالله التوفيق. # ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: "لا أعلم أحدا من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أتم الصلاة في السفر إلا سعد بن أبي وقاص"، ~~قال: وكانت عائشة توفي الصلاة في السفر وتصوم، قال: وسافر سعد بن أبي وقاص ~~ونفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم سعد الصلاة وصام، وقصر ~~القوم وأفطروا، فقالوا لسعد: كيف نفطر ونقصر الصلاة وأنت تتمها وتصوم؟ ~~فقال: دونكم أمركم، فإني أعلم بشأني. # قال عطاء: فلم يحرمه عليهم سعد، ولم ينههم عنه، قال ابن جريج: فقلت ~~لعطاء: فأي ذلك أحب إليك؟ قال: قصرها، وكل ذلك قد فعل الصالحون" (¬2). # والاختيار عن الثوري عن عاصم عن أبي قلابة أنه كان يقول: "إن صليت في ~~السفر أربعا فقد صلاها من لا بأس به، وإن صليت ركعتين فقد صلاها من لا بأس ~~به" (¬3). PageV01P152 # قال أبو عمر: وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصر أولى وأفضل ~~إن شاء الله تعالى. # حدثني ms24 سعيد بن نصر قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ثنا ابن وضاح قال: ثنا أبو ~~بكر بن أبي شيبة قال: ثنا ابن علية عن علي بن زيد عن أبي نضرة قال: "مر ~~عمران بن حصين في مجلسنا، فقال: غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم يصل إلا ركعتين حتى رجع إلى المدينة، وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني ~~عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، ثم يقول لأهل البلد: "صلوا أربعا، فإئا ~~سفر"، واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي إلا ركعتين" (¬1). # فصل: # ثم سألت كيف كان الإسراء: أبروحه أو بجسده؟ # فالجواب: # إن الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى ثم إلى السماء كان وهو مستيقظ غير نائم، أسري به على حاله ~~بجسده - صلى الله عليه وسلم -، هذا هو الصحيح عندنا (¬2)، ومما يدلك على ~~ذلك PageV01P153 # [ما ذكره] (¬1) أهل السير: "أن أبا جهل وكفار قريش أنكروا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ما ادعاه في إتيانه تلك الليلة بيت المقدس من مكة، ~~وذهبوا إلى أبي بكر، فقالوا: يا أبا بكر؛ هل لك في صاحبك يزعم أنه قد جاء ~~هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة؟ قال: فقال أبو بكر: إنكم ~~تكذبون عليه، فقالوا: بل هو ذاك في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر: ~~والله لئن قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، والله إنه ليخبرني الخبر ~~ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا ~~أعجب مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا نبي الله؛ أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ ~~فقال: نعم؛ قال: يا نبي الله؛ صفه لي، فإني قد جئته؟ قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: فرفع لي حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف ms25 ~~منه شيئا قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا ~~انتهى قال لأبي بكر: "وأنت يا أبا بكر الصديق"، فيومئذ سماه الصديق" (¬2). PageV01P154 # ففي هذا الخبر، وهو مشهور مأثور ما يدلك على أن الإسراء لم يكن بروحه في ~~منامه، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لو قال لهم: إني رأيت البارحة في ~~المنام أني أتيت بيت المقدس، ما أنكر ذلك عليه أحد؛ لأن الرؤيا لا ينكر ذلك ~~منها مؤمن ولا كافر، لكن يدفعها ويجعلها من الطبائع، ولا يقول فيها بقول ~~أهل الإسلام، والرؤيا وعبارتها في الجاهلية معلوم عندهم. PageV01P155 # ومما يدلك - أيضا - على ذلك قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في هذا ~~الخبر لقريش حين قالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أتى بيت المقدس، فقال: إنكم ~~تكذبون عليه، وممكن عنده الرؤيا أكثر من ذلك من بلوغ خراسان وأقصى الأرض ~~والصعود إلى الهواء ورؤية الله تبارك وتعالى وغير ذلك مما يراه الكفار في ~~الرؤيا (¬1). # وأبو بكر - رضي الله عنه - كان من أبصر الناس بالرؤيا وأحسنهم لها ~~تعبيرا، فهذا كله يدلك على أنها لم تكن رؤيا، وإنما أسري به كما ذكرنا. # وأما قوله عز وجل: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك} [الإسراء: 60] فمختلف ~~في تأويلها اختلافا كثيرا يطول ذكره؛ وإنكار عائشة - رضي الله عنها - ~~الإسراء بجسده لا يصح عنها، ولا يثبت قولها: "ما (فقد) (¬2) جسد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولكن PageV01P156 # أسري بروحه" (¬1). # وقد قال بعضهم عنها: "ما فقدت جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~تلك الليلة"، وهذا من الكذب الواضح؛ لأن عائشة لم تكن وقت الإسراء معه، ~~وإنما ضمها بعد ذلك بسنين كثيرة بالمدينة، ولو كانت رؤيا ما كان في ذلك شيء ~~يقدح في الديانة ولا في الشريعة لأن رؤيا الأنبياء - عليهم السلام - وحي ~~صحيح بدليل الكتاب والسنة؛ قال الله - عز وجل - حكاية عن إبراهيم - عليهم ~~السلام - في ابنه لما بلغ معه السعي؛ {قال يابني إني أرى في المنام أني ~~أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ms26 ما تؤمر} [الصافات: 102]، ، وكان ~~الوحي يأتيه نائما ويقظانا، وكذلك كان يأتي الأنبياء قبله أيقاظا ونياما. PageV01P157 # قال - صلى الله عليه وسلم -: "تنام عيناي ولا ينام قلبي، وتنام عيناي ~~وقلبي يقظان، وإنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا" (¬1). # وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة؛ كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح" (¬2). # والذي عليه جمهور أهل الفقه و (الأكثرون) (¬3) أن الإسراء به كان وهو ~~يقظان أسري بجسده وروحه على هيئته وحاله، فرأى ما رأى، ما كذب الفؤاد ما ~~رأى - صلى الله عليه وسلم - وشرف وكرم. # * * * PageV01P158 ### | CHECK 7 - الحديث السابع: حديث لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول # الحديث السابع # عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ~~بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا" (¬1). # وقلت: ما معنى: "شرقوا أو غربوا"؟ # فالجواب: # إن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان بموضع (تكون) (¬2) القبلة ~~منه في ناحية الجنوب، فمن قبلته في ناحية الجنوب؛ قيل له: "شرق أو غرب"، ~~وكذلك من كانت القبلة منه في ناحية الشمال أيضا، لئلا يستقبل القبلة ولا ~~يستدبرها، ومحال أن يقال لمن كانت القبلة منه إلى مطلع الشمس أو مغربها: ~~"لا تستقبل القبلة، ولكن شرق أو غرب"؛ لأن هذا كان يقتضى الأمر بالشيء ~~والنهي عنه في حالة واحدة، وهذا محال، والكلام في هذا ليس PageV01P159 # يكاد يحتاج إليه، وهذا الحديث من حديث "الموطأ" (¬1) وقد ذكرناه في ~~كتابنا (¬2)، وذكرنا ما للعلماء فيه من المعاني والفقه، والله المعين لا ~~شريك له. # * * * PageV01P160 ### | CHECK 8 - الحديث الثامن: حديث تحويل القبلة في قباء # الحديث الثامن # حديث ابن عمر: "بينما الناس بقباء في الصلاة إذ جاءهم آت، فاخبرهم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل ~~القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (¬1). # وقلت: وكأنه لم ير عليهم إعادة ما كانوا صلوا قبل أن يستديروا إلى ~~الكعبة؟ (¬2). # فالجواب: # إن هذا ms27 حديث صحيح، وهو أصل فيمن فعل ما أمر به ثم طرأ عليه ما يدخل عليه ~~فيه أنه لا ينقض فعله، وهو أصلنا فيمن طلب الماء واجتهد ولم يجده فتيمم؛ ~~وأحرم بالصلاة ثم طرأ عليه الماء؛ أنه يتمادى ولا شيء عليه؛ لأنه فعل مما ~~أمر به، ولم يكن عليه غير ذلك (¬3). PageV01P161 # وكذلك من اجتهد في طلب القبلة يمنة ويسرة أنه يميل إليها ويتمادى في ~~صلاته، لأنه لم يكن عليه أكثر مما فعل، وكذلك إذا استدبرها أيضا ثم بان له ~~ذلك في صلاته استدار وبنى؛ وفي هذا اختلاف، والصحيح أنه لا فرق بين التشريق ~~والتغريب وبين الاستدبار، وحديث ابن عمر كان بالمدينة، ومن استقبل بيت ~~المقدس بالمدينة استدبر الكعبة، والصحابة - رضي الله عنه - استداروا في ذلك ~~وبنوا، فلا وجه لما خالف ذلك. # وأما الإعادة على من صلى إلى غير القبلة مجتهدا فغير واجبة عند أكثر ~~العلماء، ومن قال بوجوبها في الوقت فهو مسقطها أيضا لكنه يستحب الإعادة؛ ~~لأن الإعادة لو كانت واجبة ما أسقطها خروج الوقت، وأما من صلى إلى غير ~~القبلة متعمدا أو غير مجتهد؛ فالإعادة عليه عند العلماء أبدا، لانه ترك ~~فرضا من فروض الصلاة عامدا فلا صلاة له، وهذا الحديث أصل في معان كثيرة من ~~الفقه (¬1). PageV01P162 ### | CHECK 9 - الحديث التاسع: حديث أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا [الإقامة] # الحديث التاسع # حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: "أمر بلال أن ~~يشفع الأذان ويوتر الإقامة"، قال إسماعيل: فذكرته لأيوب فقال له: إلا ~~[الإقامة] (¬1). # وقلت: ما معنى استثناء هذه اللفظة؟ وإن كانت من الحديث أم لا؟ وما معنى ~~ترك مالك - رحمه الله - تكرار قوله: "قد قامت الصلاة"؟ PageV01P163 # فالجواب: # إن هذه اللفظة صحيحة رواها حماد بن زيد (¬1) وإسماعيل، وهما أثبت أصحاب ~~أيوب (¬2)، رويا عنه عن أبي قلابة عن أنس قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان ~~ويوتر الإقامة [إلا الإقامة] (¬3) "، هكذا رواية أيوب لهذا الحديث، وهو ~~أثبت من كل [من] (¬4) روى هذا الحديث لا يقاس به ms28 خالد ولا غيره (¬5)، ~~وزيادة مثله مقبولة عند الجميع. # وأما قوله: "إلا الإقامة" (فلا) (¬6) يختلف العلماء من أهل الفقه والأثر ~~ممن يقول بهذا الحديث وبما في معناه من الأحاديث أن معنى قوله: "قد قامت ~~الصلاة" تثنى مرتين. # والناس في هذا على وجهين؛ طائفة تقول بإفراد الإقامة إلا قوله: "قد قامت ~~الصلاة" فإنهم يثبتونها مرتين [ل]هذا (¬7) الحديث وغيره (¬8)، منهم الشافعي ~~والأوزاعي PageV01P164 # وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى النيسابوري صاحب مالك وأبو ثور، وهو مذهب ~~الحسن البصري ومكحول والزهري، وعلى هذا ولد أبي محذورة ومؤذنوا مكة إلى ~~اليوم كما ذكروا كلهم؛ يقول: قد قامت الصلاة مرتين وتفرد دون سائر الإقامة ~~(¬1)، واختلف في تربيعه في الأذان، وأما التهليل المختوم به في الأذان ~~والإقامة فلا خلاف أنه لا يثنى في أذان ولا إقامة. # وطائفة أخرى تقول: "قد قامت الصلاة" مرتين؛ لأنها (تثني) (¬2) الأذان كله إلا # التكبير، فإنها تربعه والإقامة تثنيها كلها من أولها إلى آخرها حاشى ~~التهليل؛ وهذا قول الكوفيين (¬3). PageV01P165 # وقال مالك: لا يقول المؤذنون "قد قامت الصلاة" إلا مرة واحدة، وذكروا أن ~~ولد سعد القرظ مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر يؤذنون ~~بالمدينة حتى الآن، يقولون: "قد قامت الصلاة" مرة واحدة، وأهل الحجاز ~~والشام على تثنية الأذان ووتر الإقامة إلا مالكا، فإنه يقول "قد قامت ~~الصلاة" مرة واحدة (¬1)، وغيره يقولها مرتين. # وقد كان الشافعي يقول ببغداد "قد قامت الصلاة" في الإقامة مرة واحدة؛ ~~ذكره الزعفراني عنه، وقال: إن بني محذورة يقولونها مرتين؛ ثم رجع بمصر إلى ~~قولها مرتين (¬2). # ومن حجة من قال "قد قامت الصلاة" مرتين - أيضا - ما رواه شعبة عن أبي ~~جعفر مؤذن مسجد العريان قال: سمعت أبا المثنى مسلم بن المثنى (¬3) يقول: ~~سمعت ابن عمر يقول: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: "قد قامت الصلاة ~~"مرتين" (¬4). # هذا قاطع في موضع الخلاف، فأما ترك مالك - رضي الله عنه - لتكرير "قد ~~قامت الصلاة" مرتين لأن الأذان والإقامة عنده ms29 مما لا يحتاج فيه إلى أخبار ~~الخاصة العدول، لأنه مما يقع PageV01P166 # في اليوم والليلة خمس مرات، وليست من الأشياء التي تقع نوادر يحتاج فيها ~~إلى نقل الخاصة الآحاد العدول. # والأذان والإقامة عنده مأخوذان عن العمل المتواتر بدار الهجرة والسنة ~~(¬1)، وأصل مالك في الأخبار ألا يقبل ما عارضه مثل هذا وشبهه (¬2). # ولعمري؛ لقد تدفع (كثير) (¬3) من أخبار الخاصة بأضعف من هذا العمل، على PageV01P167 # أن خبر أبي قلابة عن أنس انفرد به - أيضا - أهل البصرة، وقد يجوز أن لا ~~يسمع مالك به، ولا يسمع برواية أيوب وزيادته (¬1)، وإن قال: كان سمعه وعله. # فالجواب عندي على أصله ما ذكرت لك، والله أعلم. # * * * PageV01P168 ### | CHECK 10 - الحديث العاشر: حديث "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" # الحديث العاشر # حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما رجع من الأحزاب: ~~"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركهم العصر في الطريق، ~~فقال بعضهم: لا نصليها حتى نأتيها، وقال بعضهم: نصليها، [لم يرد] (¬1) منا ~~ذلك (¬2)، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب واحدا منهم" ~~(¬3). PageV01P169 # وقلت: إدخال البخاري هذا الحديث، ينقض بعضهم به قول الشافعي: إن الطالب ~~لا يصلي صلاة الخوف إلا صلاة كاملة؛ لأن الله - عز وجل - لم يشترط أن تصلى ~~صلاة الخوف إلا مع مقاتلته، خوف الفتنة؛ لأن الخوف يرتفع عن الطالب، وقلت: ~~فانظر رحمك الله: إن كان هذا الحديث الذي أدخل البخاري حجة على الشافعي أم ~~لا؟ لأنه اعترض معترض فقال: أما الذين صلوا في الطريق فأتموا: والذين صلوا ~~في بني قريظة بعد فوات الوقت، فلا خوف عليهم؟ # هذا كله لفظ كتابك. # فالجواب: # إن حديث ابن عمر هذا ليس فيه شيء مما ذكرت، فلا يقتضي معنى من المعاني ~~التي إليها أشرت، وإنما فيه إباحة الاجتهاد على الأصول (¬1)، وجواز فعل ~~المجتهد إذا PageV01P170 # كان الاجتهاد منه على أصل صحيح؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن ~~يصلوا العصر في بني قريظة واستعجالا منه لهم وحبا لإدراك الناس من ms30 اليهود ~~الناقضين لعهده؛ المعينين على الأحزاب، وقد كان عند أصحابه أنه لا يجوز ~~تأخير الصلاة عن وقتها حتى يفوت، فلما أدركتهم الصلاة وخشوا فوتها، من خشي ~~ذاك منهم بدر إلى أدائها على أصله في فرض وقتها واحتمال قول رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عنده مثل ذكر الآية (¬1)، قد يجوز أن يكون - صلى الله ~~عليه وسلم - لو روجع بالسؤال، فقيل له: أرأيت لو خشينا فوت العصر أنصلي أم ~~نتم؟ (¬2) كان يقول: لا تفرطوا في صلاتكم، فإني طمعت لكم أن تدركوا بني ~~قريظة في بقية من الوقت، وكان قولي ما قلته استعجالا لكم وهذا وجه احتمال. # والطائفة التي أخرت الصلاة حتى تأتي بني قريظة، استعملت ظاهر لفظه، ووقفت ~~عنده، فعذرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم باجتهادهم، كما عذر ~~الله - عز وجل - داود وسليمان، إذ حكما في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~(¬3)، فأثنى على سلمان أن فهمها، وعذر داود ولم يذمه لاجتهاده، وهذا ~~الاجتهاد عند العلماء على الأصول؛ لأن ظاهر لفظه - صلى الله عليه وسلم - ~~أصله مما كانوا عليه من معرفة الوقت، فافهم هذا ترشد إن شاء الله تعالى. PageV01P171 # وأما قولك: (إدخال) (¬1) البخاري هذا الباب ينقض به قول الشافعي إن ~~الطالب لا يصلي صلاة الخوف (¬2)، فهذا قول من لا علم له بالآثار ولا بمقصد ~~المصنفين لها؛ وما بقي في هذا الحديث مما يدل على أن القوم كانوا مبتدئين ~~للعدو أو مما يدل على أن القوم قصروا الصلاة أو أتموا أو ما فيه ما يكون ~~حجة على من قال: إن الطالب لا يصلي صلاة الخوف، أو على من قال: إنه يصليها، ~~ما فيه شيء يدل على شيء مما ذكرت، ولم يكن أحد من بني قريظة (¬3) هاربا ~~فيتبع، وإنما كانوا في حصونهم لم يبرحوا منه، وكانوا قد أعانوا أبا سفيان ~~والأحزاب بالرأي والسلاح، ونقضوا العهد (¬4)، وقد رامهم أبو سفيان وقريش أن ~~يخرجوا فيقاتلوا معهم، فأبوا عليهم، إلا أن يعطوهم رهنا يكون بأيديهم ~~وثيقة، قالوا: فإنا نخشى إن ضرستكم (¬5) الحرب، PageV01P172 # واشتد عليكم ms31 القتال أن تنشمروا (¬1) إلى بلادكم وتتركونا والرجل في ~~بلادنا ولا طاقة لنا، فأبت قريش وغطفان أن يعطوهم رهنا (¬2) وحرك الله ~~بينهم وبعث عليهم الريح الشديدة في ليال شديدة البرد، فجعلت تكفؤ قدورهم، ~~وتطرح أبنيتهم حتى فروا ليلا (¬3)، فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأيقن بفرارهم، انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة هو والمسلمون ~~ووضعوا السلاح (¬4)، فلما كان الظهر، أتى جبريل - عليه السلام - رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو في صفة دحية بن خليفة الكلبي، قال الزهري: ~~معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة ديباج، فقال لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "قد وضعت السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل: ما وضعت ~~الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب PageV01P173 # القوم، إن الله يأمرك يا محمد، بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم، ~~فمزلزل عليهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا، وأذن: من كان ~~سامعا ومطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة" (¬1)، واستعمل على المدينة ~~ابن أم مكتوم (¬2)، وقدم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها ~~الناس، فهل في هذا الحديث، أو حديث ابن عباس في شيء من الآثار؛ أن القوم ~~كانوا ذلك الوقت طالبين العدو وكان بين أيديهم وهل فيها ما يدل على أن ~~المسافة بين المدينة وبين قريظة يجب فيها التقصير في ذلك الحديث، أو في ~~غيره ذكر؛ و (هل) (¬3) دعوى ذلك من مدعيه إلا تظننا وتخرصا؟ ولا يجوز القول ~~في دين الله إلا باليقين. # وأما قولك، أو قول من حكيت قوله: "وأما اذين صلوا في الطريق وأتموا"؛ فمن ~~هذا الذي نقل إليكم أنهم أتموا أو قصروا، وأن الآخرين أمنوا الخوف؛ وما ~~أدري ما الخوف الذي أمنوا منه؟ لأنه لم يذكر في خبر، وهذا علم لا يدرى إلا ~~بخبر، والله المستعان. # وأما الشافعي - رحمه الله - فقوله: "إنه لا يجوز لأحد أن يصلي صلاة الخوف ~~إلا أن يعاين عدوا قريبا غير مأمون أن يحمل عليه "في كلام طويل له في كتابه ms32 ~~(¬4)، وقال في صفة الخوف الذي للرجل أن يصلي فيه راجلا وراكبا، للقبلة ~~وغيرها: "إطلال العدو على العسكر، فيتراءون ويتقاربون حتى ينالهم الرمي في ~~غير حصن، وربما نالهم الطعن والضرب. PageV01P174 # فإذا كان هذا صفة صلاة شدة الخوف، وإن كانوا يستقبلون بالعدو والعدد ~~قليل، يقوم بكل طائفة منه من يليها ولم يحط العدو بهم؛ صلوا صلاة غير شدة ~~الخوف، قال: ولا بأس في شدة الخوف بالطعنة والضربة الخفيفة، وإن تابع الطعن ~~أو الضرب، لم تجزه صلاته" (¬1)، هذا كله قول الشافعي. # وقال الثوري: إذا كنت خائفا وكنت راكبا أو قائما أو (ماشيا) (¬2) أو حيث ~~كان وجهك، تجعل السجود أخفض من الركوع، وذلك عند المسايفة كقول مالك وسائر ~~الفقهاء، وذلك متقارب كله لا يختلف معناه، إلا الأوزاعي؛ فإنه أجاز للطالب ~~أن يصلي راكبا على ظهره، ورواه عن شرحبيل بن حسنة، والفقهاء على خلافه في ~~ذلك، وظاهر القرآن لا يطلق الصلاة راكبا وراجلا إلا مع شدة الخوف، وكذلك ~~السنة (¬3). PageV01P175 # روى ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفة صلاة الخوف وحكمها، ~~وقالوا في الحديث: "وإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبلي ~~القبلة وغير مستقبليها" (¬1)، فلم يطلق هذه الصلاة للخائف إلا في حال شدة ~~الخوف، هذه حال لا يصلى فيها جماعة لحال شدة الخوف، وفي النظر معلوم أن ~~الطالب غير خائف، فكيف يصلي صلاة الخوف؟ وهل يجوز صلاة الخوف لغير خائف؟ ~~هذا ما لا يفهم في لسان ولا سنة ولا بيان، والله المستعان. # فإن قال قائل: إن عبد الله بن أنيس (¬2) صلى وهو طالب؛ يومئ برأسه حين ~~بعثه PageV01P176 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قتل الهذلي الذي كان أجمع لغزو ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ (¬1). # قيل له: لم تتدبر حديث عبد الله بن أنيس، ولو تدبرته لعلمت أنه كان ~~خائفا، لأنه قد كان اجتمع به وعاينه، حين صنع ذلك، ولفظ حديثه: " فأقبلت ~~نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة (¬2) تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا ~~أمشي نحوه". # ألا ترى إلى ms33 قوله: "فخشيت"، وهو الخوف الصحيح؟ على أنه ليس في هذا الحديث ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوز ذلك له ولا كرهه ولا علم به، ~~وفيما ذكرناه مقنع لمن وفق لفهمه. PageV01P177 ### | CHECK 11 - الحديث الحادي عشر: حديث ابن عباس إذ بات عند ميمونة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى، فذكر ثلاث عشرة ركعة، الحديث # الحديث الحادي عشر (¬1) # حديث ابن عباس إذ بات عند ميمونة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فصلى، فذكر ثلاث عشرة ركعة (¬2)، قلت: وروت عائشة إحدى عشرة ركعة، فيها ~~الوتر وركعتا الفجر (¬3)، وسألت التعريف بالصحيح من هذا؟ PageV01P178 # فالجواب: # إنها آثار ثابتة كلها من جهة النقل، نقلها مالك وغيره من الثقات، وليس ~~منها شيء متعارض، ولا يخلو الأمر فيها من أحد وجهين؛ إما أن تكون الركعتان ~~الزائدتان على الإحدى عشرة ركعتي الفجر على ما في حديث عائشة، فيكون حديث ~~عائشة مفسرا لما أجمله ابن عباس، وتكون الزيادة على ذلك مقبولة، كما يقبل ~~الأثر المنفرد، وإما أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ثلاث ~~عشرة ركعة مرات وإحدى عشرة مرة، وكان يصلي كذا، كذا أبدا، فيكون ذلك دليلا ~~على ما عليه جماعة الفقهاء من أن صلاة الليل ليست مقدرة محدودة بعدد معلوم ~~(¬1)، وأن للمرء أن يزيد فيها وينقص، والصلاة كما قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث أبي ذر: "خير موضوع؛ فمن شاء استكثر، ومن شاء PageV01P179 # استقل" (¬1). # وكذلك أعمال البر كلها. # وأي الأمرين كان فليس فيه حكم، وإنما هي إباحة وفعل خير. # وفى أحاديث عائشة - رضي الله عنها - في صلاة الليل للنقلة من الحجازيين ~~والعراقيين اختلاف واضطراب، وللعلماء فيها مذاهب (¬2). PageV01P180 # وكل حديث لها في ذلك ليس فيه جلوس في اثنتين ولا سلام، فهو مجمل يقضي عنه ~~حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى"، ~~وقوله: "مثنى" يقتضي الجلوس والسلام في كل ركعتين (¬1)، إن شاء الله تعالى، ~~وبه التوفيق. PageV01P181 ### | CHECK 12 - الحديث الثاني عشر: حديث طلحة قال: ms34 "صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قال: لتعلموا أنما هي سنة" # الحديث الثاني عشر # حديث طلحة قال: "صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قال: ~~لتعلموا أنما هي سنة" (¬1). # قلت: وروى البخاري عن عوف بن مالك قال: "صليت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على جنازة رجل من الأنصار، فكان مما حفظت: اللهم اغفر له، الله ~~ارحمه، PageV01P182 # إلى آخر الدعاء ... " (¬1)، ولم يذكر فاتحة الكتاب؟ # فالجواب: # إن طلحة؛ هذا الذي روى عن ابن عباس، أحد الثقات الأثبات الأشراف، وهو ~~طلحة بن عبد الله بن عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف، يكني أبا محمد، من ~~علماء أهل المدينة، وكان من سروات قريش وأجوادهم، وكان قد ولي المدينة، ~~فكان سعيد ابن المسيب يقول إذا ذكره: "ما ولينا مثله"، توفي سنة سبع ~~وتسعين. # وإسناد حديثه هذا أصح من إسناد حديث عوف بن مالك، ولو كان حديث عوف بن ~~مالك ثابتا (¬2) ما كان فيه شيء يعارض حديث ابن عباس هذا. # لأن عوفا إنما قال: فكان ما حفظت من دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خاصة دون القراءة التي هي محفوظة على كل لسان عنده، أو يكون لم يسمع من ~~ذلك إلا ما ذكر، وليس من قال: لم أسمع ولم أحضر ولم أعلم، بشاهد؛ لأن ~~الشاهد من أثبت لا من نفى. # وليس يعارض قول المثبت بقول النافي، وقد أخبر ابن عباس أن قراءة فاتحة ~~الكتاب على الجنازة سنة، وقال هذا القول ليثبت الحجة فيها. PageV01P183 # ولفظ ما أوردته من حديث ابن عباس في سؤالك ناقص، وإنما الحديث: "أن ابن ~~عباس قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب فجهر بها، ثم لما انصرف قال: إنما جهرت ~~بها لتعلموا أن قراءتها سنة" (¬1). # وإنما كان يكون حديث عوف معارضا لما قال ابن عباس، لو قال عوف: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا تقرؤوا على الجنازة بفاتحة الكتاب"، ~~فحينئذ كان يصح التعارض، فيطلب الدليل على الناسخ منهما من المنسوخ، على ms35 أن ~~كل من قال بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة من الفقهاء لا يمنع ولا يدفع أن ~~يدعى للميت مع قراءتها بما في حديث عوف بن مالك من الدعاء، وبأكثر وبأقل، ~~وكلهم يستعمل حديث عوف بن مالك، ومثله في ذلك ولا يأباه؛ مع قراءة فاتحة ~~الكتاب. # والذين يقولون بقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، يختلفون على قولين، ~~فطائفة منهم تقول بقراءة فاتحة الكتاب عقيب كل تكبيرة وتدعو بإثرها؛ لأن ~~التكبيرة في الصلاة مقام ركعة في غيرها؛ روي ذلك عن أبي هريرة (¬2) والمسور ~~بن مخرمة. # وبعض المحدثين يرفع حديثهما أيضا؛ وهو قول الحسن بن علي والحسن البصري ~~(¬3)، ومحمد بن سيرين، وشهر بن حوشب، وفرقة من أهل الظاهر. PageV01P184 # وقال آخرون: لا يقرأ عليها بفاتحة الكتاب إلا مرة واحدة عقيب التكبيرة ~~الأولى، وهذا قول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وداود بن علي، وروي ذلك عن ~~ابن عباس من وجوه، وعن ابن مسعود وعثمان بن حنيف وابن الزبير و (عبيد) (¬1) ~~ابن عمير وأبي أمامة بن سهل بن حنيف. # وقراءة فاتحة الكتاب على الجنازة مشهور معلوم بالمدينة، والاختلاف في هذه ~~المسألة بالمدينة معروف (¬2)، وممن قال: ليس في الصلاة على الجنازة قراءة، ~~وإنما هو دعاء، مالك وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي ذلك عن ابن ~~عمر (¬3) وفضالة ابن عبيد، وقد روي - أيضا - عن أبي هريرة خلاف الرواية ~~الأولى، وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والشعبي ~~والحكم وحماد. # وروي - أيضا - عن ابن سيرين خلاف الرواية الأولى (¬4)، ومن طريق النظر ~~أنها PageV01P185 # كسائر الصلوات؛ لأنها لا ركوع فيها ولا سجود ولا تشهد، فغير نكير أن تكون ~~خارجة من عموم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ ~~بفاتحة الكتاب"، لكنهم قد أجمعوا على أنها لا تصلى على غير طهارة، ولا إلى ~~غير القبلة، إلا الشعبي وحده، فإنه شذ عن العلماء في هذه المسألة وأجازها ~~بغير وضوء ولا تيمم، وقال: "إنما هو دعاء" (¬1)، ومسائل الخلاف يطول الكلام ~~فيها، فلا وجه للتعريض بذلك، وفيما ms36 أتينا به بيان ما سألت عنه إن شاء الله تعالى. # * * * PageV01P186 ### | CHECK 13 - الحديث الثالث عشر: حديث قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الميت إذا دفن أنه يسمع خفق النعال ... الحديث # والحديث الثالث عشر # حديث قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الميت إذا دفن أنه ~~يسمع خفق النعال إذا ولوا عنه مدبرين (¬1). # وذكرت قول عائشة حين ذكر لها حديث أهل القليب أنها نزعت بقول الله تعالى: ~~{وما أنت بمسمع من في القبور} (¬2). PageV01P187 # فالجواب: # إن حديث قتادة عن أنس هذا صحيح، ومعناه؛ أن الميت ترد إليه روحه فيساءل ~~في قبره عن ربه وعن دينه ونبيه، ويأتيه الملكان الفتانان اللذان يفتن الله ~~بهما المرتابين ويثبت المؤمنين، وإذا ردت عليه روحه؛ لم ينكر عليه سماع ~~المنصرفين من دفنه وهذا لم نقله من جهة قياس ولا إعمال نظر، وإنما قلناه ~~اتباعا للآثار المتواترات المنقولة على ألسنة الجماعات الثقات الذين تناءت ~~أوطانهم وبعدت ديارهم، واختلفت أهواؤهم كلهم ينقل في فتنه القبر آثارا ~~صحيحة من جهة النقل لا يدفعها إلا مبتدع (¬1)، PageV01P188 # (راد) (¬1) للسنن، وليس من أئمة المسلمين وفقهائهم وحملة الآثار منهم من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم أحد ينكر فتنة القبر. # فلا وجه للاشتغال بأقاويل أهل البدع والأهواء المضلة، وقد روي عن جماعة ~~من المفسرين العالمين بتأويل القرآن من الصحابة والتابعين، أنهم أولوا في ~~عذاب القبر آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله عز وجل: {سنعذبهم مرتين ثم ~~يردون إلى عذاب عظيم} [التوبة: 101] (¬2)، قالوا: المرتان: القتل (¬3) ~~وعذاب القبر (¬4)، قال بعضهم: PageV01P189 # الجوع وعذاب القبر (¬1). # ومنها قوله عز وجل: {فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}، قالوا: ~~العيش الضنك عذاب القبر (¬2). # ومنها قوله عز وجل: {يثبت الله (¬3) الذين آمنوا بالقول الثابت (¬4) في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة}؛ قالوا: أنزلت هذه في عذاب القبر (¬5). # وقد روي من حديث البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك حديث ~~مرفوع بمثل ذلك (¬6). # وأما الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عذاب القبر فلا ms37 تكاد ~~تحصى بعدد تواترا واشتهارا وصحة، وكذلك هي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان ~~كثيرة شهيرة يجب الاستناد PageV01P190 # إليها (¬1)؛ لأنه لا يجوز على جماعتهم الغلط في تأويل قول الله عز وجل: ~~{أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11]. # وكل من تكلم في تفسير القرآن من السلف في هذه الآية وغيرها يقر بفتنة ~~القبر ويؤمن بها ويرى الآثار فيها (¬2) وهم أهل العلم بالقرآن ولسان العرب ~~ومراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬3). PageV01P191 # وأما حديث القليب، فهو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس ~~عنه: "أنه وقف على كفار قريش؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن ~~عتبة، وأبي جهل بن هشام، وأشياعهم، وهم أهل القليب، فناداهم بأسمائهم: هل ~~وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا"، فقال له أصحابه: يا ~~رسول الله؛ أتنادي قوما قد جيفوا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع منهم لما أقول، ~~ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا" (¬1). # فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنهم سمعوه، وقد يحتمل أن يكون وقوفه عليهم ~~ونداؤه إياهم كان في الوقت الذي ترد فيه الروح في القبر إلى من يساءل عن ~~ربه ودينه، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن المنافق هو في الدرك الأسفل ~~من النار يساءل عن ذلك، فغير نكير أن يساءل عن ذلك أو PageV01P192 # بعضه أو ما يشبهه من جحد بآيات الله واستمعتها نفسه من كفار قريش وغيرهم، ~~وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اليهود تعذب في قبورها (¬1) ~~وسائر الكفار في القياس مثلهم (¬2). PageV01P193 # وقد يمكن أن يكون أثر أهل القليب خصوصا بهم، خصوا برد أفهامهم إليهم ~~ففهموا عنه عليه السلام، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنتم بأسمع ~~منهم"، وهو عليه السلام لا يقول إلا حقا، وليكن هذا لمن يكون على مذهب من ~~يقول: إن الأرواح على أفنية القبور ولم يكن لهم قبر إلا القليب، فكانت ~~أرواحهم تسمع ذلك، وإن لم ترد إلى أجسادهم، ألا ترى إلى سلامه - صلى الله ~~عليه وسلم - على أهل المقبرة؛ وقوله ms38 - صلى الله عليه وسلم -: "السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين" (¬1). # ويمكن أن يكون معناه ما لا ندركه نحن، ولم نؤت من نوع هذا العلم إلا ~~قليلا على إبانة من الله عز وجل، فإن ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا تضرب (¬2) له الأمثال، ولا يدخل عليه المقاييس، فلا يؤمن عبد يجد ~~حرجا في نفسه من قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو العالم بمراد ~~الله عز وجل، وبه علمنا ما علمنا، وإنما بعث إلى أمته وهي لا تعلم شيئا؛ ~~جزاه الله عنها بأفضل ما جزى نبيا عن أمته. # وقد أنكر أهل العلم المناظرة في مثل هذا مما قد صح به الأثر، واشتهر به ~~الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقالوا: لا شيء في هذا إلا ~~التسليم؛ وأباحوا كلهم المناظرة فيما تحته عمل من الأحكام التي شرع فيها ~~القياس والتمثيل. # وأما قول الله عز وجل: {وما أنت بمسمع من في القبور}، فليمس فيه - والله ~~أعلم - ما يدفع شيئا مما ذكرنا، ويجوز أن يكون معناه؛ وما أنت بمستجيب لك ~~من في القبور، PageV01P194 # وكذلك هؤلاء لا يستجيبون، وأنهم كهم في عدم الاستجابة ولا عليك أن يجيبوا ~~إنما عليك أن تسمعهم وتبلغهم، إنما أنت نذير، فهذا معنى قوله والله أعلم: ~~{وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير} (¬1). # ومعلوم أن هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار، وقد علمنا أنه يسمع الكفار ~~بدعائه إياهم إلى الإيمان ولم يعدم منهم السمع، ولو عدموا السمع لارتفع ~~عنهم PageV01P195 # التكليف، إنما عدمت منهم الاستجابة، فمعنى قوله والله أعلم: {وما أنت ~~بمسمع من في القبور}: وما أنت بمستجيب لك من في القبور، ومثل هذا قوله عز ~~وجل: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى [يبعثهم الله] (¬1)} , وقوله: {ممن ~~يدعو من دون الله من لا يستجيب له}. # وقد يكون "سمع" بمعنى أجاب، كقوله: سمع الله دعاءك، وسمع الله لمن حمده، ~~يريدون أجاب الله دعاءك وحمدك - والله أعلم بما أراد بقوله ذلك - وهذا خارج ~~على أصول السنة ولسان ms39 العرب، وبمثل هذا أباح العلماء تأويل القرآن، وهذا ~~الذي حضرني من الجواب فيما سألت عنه، فإن أنكرت شيئا من قولي، وبان لك ~~إنكاره، فلا تعجل حتى تخاطبني بما ظهر إليك ليقع عليه جوابي، ويقر الحق ~~مقره، وبالله العصمة والتوفيق لا شريك له. # * * * PageV01P196 ### | CHECK 14 - الحديث الرابع عشر: حديث ترك الصلاة على شهداء أحد، وحديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - على شهداء أحد بعد ثماني سنين # الحديث الرابع عشر # سؤالك عن ترك الصلاة على الشهداء (¬1)، وعن صلاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على شهداء أحد بعد ثماني سنين (¬2). PageV01P197 # فالجواب: # عن ذلك أن الصلاة على الشهيد غير مجمع عليها ولا على تركها، وقد اختلفت ~~الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، واختلف علماء المسلمين ~~فيه، فروى جابر وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه لم (يصل) على ~~قتلى أحد" (¬1)، وبذلك قال مالك بن أنس والليث بن سعد PageV01P198 # والشافعي وجماعة، وروى ابن عباس (¬1) وابن الزبير (¬2) أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلى على حمزة وعلى سائر شهداء أحد"، وبذلك قال فقهاء ~~العراقيين والشاميين. # وروى عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خرج يوما فصلى ~~على أهل أحد صلاته على الميت" (¬3). # وهذا عندي - والله أعلم - يحتمل أن يكون خرج إليهم فدعا لهم بالرحمة ~~والمغفرة كما يدعى للميت، والصلاة في اللغة الدعاء، وليس في دعائه لهم ما ~~يحتاج إلى القول؛ لأنه لعله أمر بذلك كما أمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ~~(¬4)، وسواء دعا لهم بعد ثماني سنين أو ثمانين سنة، فقد خرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى البقيع فصلى على أهله، وذكر أنه بذلك أمر، ومعنى ~~ذلك عندنا - أيضا - أنه دعا لهم، فإن ظن ظان أن صلاته على شهداء أحد من أجل ~~أنه لم يصل عليهم، وهذا لا يظنه عالم، وقد صح عنه صلاته - صلى الله عليه ~~وسلم - على أهل البقيع، والاختلاف بين أهل العلم قديما وحديثا في الصلاة ~~على (الشهداء) (¬5) أشهر وأعرف من الاختلاف في غسلهم، ms40 فإن الآثار في ترك ~~غسلهم لم PageV01P199 # تضطرب ولا تختلف، وإن كان سعيد بن المسيب والحسن البصري وعبيد الله ابن ~~الحسن العنبري قد قالوا: إن الشهداء كلهم من قتله منهم العدو ومن قتل في ~~المعترك من أنواع الشهداء كلهم يغسلون ويصلى عليهم (¬1)، وقال سائر العلماء ~~من التابعين وفقهاء الأمصار وأهل الآثار أنهم لا يغسلون، واختلفوا في ~~الصلاة عليهم على حسب ما ذكرت لك ومسائل الخلاف يتسع فيها القول؛ لأن لكل ~~وجها لم يذهب إليه إلا بعد اجتهاده (¬2)، والله الموفق للصواب. # * * * PageV01P200 ### | CHECK 15 - الحديث الخامس عشر: حديث الصبي الذي قتله الخضر # الحديث الخامس عشر # سؤالك عن الصبي الذي قتله الخضر (¬1) أكان قد بلغ الحلم أم لم يبلغ أو ~~كان ممن اجترح الذنوب أم لا؟ وما يجب أن يعتقد في أطفال المشركين، هكذا في ~~كتابك عن الصبي الدي قتله الخضر. # فالجواب: # إنه لو صح أنه كان صبيا حين قتله الخضر عليه السلام لصح أنه كان ممن لم ~~يبلغ الحلم، لأن اسم الصبي لا يقع على من احتلم، والصبي عند أهل اللغة ~~المولود ما دام رضيعا، فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين ويصير يافعا إلى ~~عشر سنين ثم يصير حزورا، وإلى خمس عشرة منه (¬2). # فالغلام الذي قتله الخضر قد سماه الله غلاما ولم يسمه صبيا ولا حزورا ولا ~~رجلا؛ وهذا الاسم حقيقته عند أهل اللغة ما ذكرت لك، وإذا كان ذلك كذلك ~~ارتفع PageV01P201 # عنه اكتساب الاثم، واجتراح السيئات. # وأما قول موسى عليه السلام: {قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس} [الكهف: 74] ~~فإنه لما كان عنده ممن لم يجترح السيئات ولا يجري عليه كتابتها لصغره سماه ~~زاكيا، فأعلمه الخضر بعلم من علم الله لم يكن عنده. # والذي عليه أهل العلم بتأويل القرآن والسنة، أن الغلام الذي قتله الخضر ~~كان (ممن) (¬1) لم يبلغ حد التكليف على ما قاله أهل اللغة في الغلام أنه ~~كان طبع كافرا أو خلق كافرا شقيا في بطن أمه على ما روى ابن مسعود وأنس ~~وأبو هريرة وغيرهم عن النبي - صلى الله ms41 عليه وسلم -: "إن الشقي من شقي في ~~بطن أمه" (¬2). # وقد روى سليمان (¬3) عن رقبة بن مصقلة عن [أبي] (¬4) إسحاق (¬5) PageV01P202 # عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا ~~وكفرا" (¬1). # ورقبة بن مصقلة ثقة (¬2)، وغيره في الإسناد يستغنى عن ذكره. # وهذا الحديث مطابق للآثار المتواترة في أن: "الشقي من شقي في بطن أمه" (¬3). # وروى سفيان وشعبة وأبو عوانة وأبو معاوية وعبد الواحد بن زياد وجماعة ~~يطول ذكرهم كلهم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: "إن خلق أحدكم أو ~~خلق ابن آدم يمكث في بطن أمه أربعين يوما، ثم يصير علقة أربعين يوما، ثم ~~يصير مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله إليه ملكا، فيقول: يا رب أذكر أم ~~أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ فيوحي ويكتب الملك، حتى إن أحدكم ~~ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا PageV01P203 # يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد باع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيعمل ~~بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون ~~بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيغلب عليه الكتاب الذي سبق فيعمل بعمل ~~أهل الجنة فيدخل الجنة" (¬1). # حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: ~~حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا يحيى بن أبي (بكير) (¬2) قال: ثنا زهير ~~قال: ثنا عبد الله بن عطاء أن عكرمة بن خالد حدثه أن أبا الطفيل حدثه أنه ~~سمع عبد الله ابن مسعود يقول: "إن الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من ~~وعظ بغيره، فخرجت من عنده أتعجب مما سمعته منه حتى دخلت على (سريحة) (¬3) ~~حذيفة ابن أسيد الغفاري فتعجبت عنده، فقال: مم تعجب؟ فقلت: سمعت أخاك عبد ~~الله ابن مسعود يقول: "إن الشقي من ms42 شقي في بطن أمه وإن السعيد من وعظ ~~بغيره"، قال: PageV01P204 # ومن أي ذاك تعجب؟ فقلت: أيشقى أحد بغير عمل؟ فأهوى إلى أذنيه وقال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذني هاتين يقول: "إن النطفة تمكث في ~~الرحم أربعين ليلة، ثم (يتصور) (¬1) عليها الملك - قال زهير: حسبته قال: ~~الذي يخلقها - فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ يا رب سوي أو غير سوي؟ فيجعله ~~الله سويا أو غير سوي، فيقول: يا رب؛ ما أجله؟ ما خلقه؟ ما رزقه؟ " (¬2). # قال أبو عمر: والعلماء مجمعون إلا طائفة شذت أن أولاد المسلمين في الجنة ~~وإن كانوا لم يبلغوا الحلم، فعلمنا بالإجماع أن من مات من أولاد المسلمين ~~قبل أن يبلغ التكليف كان ممن سعد في بطن أمه ولم يشق، ففي هذا بيان وتلخيص ~~لجملة تلك الأحاديث (¬3). PageV01P205 # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من نقل الآحاد العدول معنى ما ~~أجمعوا عليه؛ من ذلك روى شعبة عن معاوية بن قرة بن إياس المزني عن أبيه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن رجلا من الأنصار مات له ابن صغير فوجد ~~عليه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يسرك ألا تأتي بابا ~~من أبواب الجنة إلا وجدته يستفتح لك؟ "، فقال أو فقيل له: يا رسول الله؛ ~~أله خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: "بل للمسلمين عامة" (¬1). # وقد أجمع جمهور العلماء على القول بهذا الحديث، وكفى بهذا حجة. # وأما حديث طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ~~قالت: "أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي من صبيان الأعراب ليصلي ~~عليه، فقالت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا ولم يدركه ذنب، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق ~~الجنة، وخلق لها أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم ~~في أصلاب آبائهم، الله أعلم بما كانوا عاملين"" (¬2). PageV01P206 # فحديث منكر، وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به ms43 (¬1)، وأكثر الناس على حديث ~~شعبة عن معاوية بن قرة، إلا طائفة تفرط في الخير والقول به، تجعل الأطفال ~~كلهم في المشيئة ما سبق لهم في بطون أمهاتهم. # وهذا قول في أطفال المسلمين مهجور ولم يعدوه خلافا. # وأما أطفال المشركين فاختلفت الآثار في ذلك عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واختلف العلماء في ذلك - أيضا - باختلافها، والذي عليه جمهور أهل ~~السنة وعامتهم في أطفال المشركين، PageV01P207 # الوقوف عن القطع عليهم بجنة أو بنار (¬1)؛ لأن ابن شهاب روى عن عطاء بن ~~يزيد الليثي عن أبي هريرة سمعه يقول: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذراري المشركين؟ فقال: PageV01P208 # "الله أعلم بما كانوا عاملين" (¬1). # وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مثله، (رواه) (¬2) شعبة وغيره عنه (¬3). # وروى الثوري عن أبي نضرة العبدي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مثله (¬4). # وجائز عند أكثر الجماعة وأهل السنة وممكن تعذيب الله الأطفال في الآخرة ~~بالنار كما يؤلمهم في الدنيا بالآلام والأسقام إن كان سبق لهم ذلك عند أخذ ~~الميثاق عليهم، وكتب عليهم في بطون أمهاتهم بدرك الشقاء لهم حينئذ، والله ~~عز وجل غير ظالم لهم، ولا لغيرهم؛ لأن الظالم إنما يكون من أزال الشيء عن ~~موضعه، بأن يخالف ما أمر به أو نهي عنه، وقد جل الله تعالى عن أن يؤمر أو ~~ينهى، والكلام في هذا طويل جدا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خلق الله تعالى آدم، ~~ثم أخذ الخلق من ظهره، PageV01P209 # فقال: هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي" (¬1)، وروي هذا من ~~وجوه كثيرة بمعنى واحد. # (وأخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثني أحمد بن خالد قال: ~~ثنا علي بن عبد العزيز؛ [و] أخبرنا قاسم بن محمد (¬2) قال: ثنا خالد بن ~~سعيد قال: ثنا أحمد بن عمرو قال: ثنا محمد بن سنجر قالا جميعا) (¬3): ثنا ~~حجاج بن منهال قال: ثنا حماد بن سلمة ms44 قال: ثنا علي بن (زيد) (¬4) عن أبي ~~نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~صلاة العصر إلى مغربات الشمس؛ حفظها من حفظها، ونسيها من نسيها، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد؛ فإن الدنيا حلوة خضرة, PageV01P210 # وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، ألا فاتقوا الدنيا واتقوا ~~النساء، ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمنا، فيحيى ~~مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد مؤمنا ~~ويحيى مؤمنا ويموت كافرا. . ." (¬1)، وذكر باقي الحديث. # وهذه الآثار كلها في معنى حديث غلام الخضر أنه طبع كافرا، والآثار في هذا ~~الباب كثيرة جدا لا يحملها الكتاب. # وقالت طائفة من أهل العلم: إن أطفال المشركين في النار، واحتجوا بحديث ~~الشعبي عن علقمة بن قيس عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: أتينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنا PageV01P211 # وأخي، فقلنا: يا رسول الله؛ إن أمنا كانت تقري الضيف وتصل الرحم وتفعل، ~~وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافع أختنا؟ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتم الوائدة والموءودة، فإنهما جميعا من أهل ~~النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام، فتسلم فيعفو الله عنها" (¬1). # وهذا عندنا يحتمل أن يكون خرج قوله - صلى الله عليه وسلم - في عين لا ~~يتعدى (¬2)، واحتجت هذه الطائفة - أيضا - بحديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أهل الديار من المشركين فيسبون، ~~فيصاب من ذراريهم ونسائهم؟ فقال: "هم منهم"، وبعضهم يقول في هذا الحديث: ~~"هم من آبائهم" (¬3). # وهذا - أيضا - عندنا على أحكام الدنيا، وعلى ذلك خرج السؤال. # والجواب - والله أعلم - أنه لا قود على من قتل من أطفالهم ولا دية ولا كفارة. # وقالت طائفة من أهل العلم أيضا: أطفال المشركين في الجنة، واحتجوا بآثار، ~~منها: ما رواه ياسين بن معاذ الزيات - وليس بالقوي (¬4) - عن الزهري عن ~~عروة عن PageV01P212 # عائشة قالت: سألت خديجة النبي - صلى الله عليه ms45 وسلم - عن أولاد المشركين؟ ~~فقال: "هم مع آبائهم"، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا ~~عاملين"، ثم سألته بعدما استحكم الإسلام؟ فنزلت: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164]، فقال: "هم على الفطرة، وقال: هم على الفطرة، وقال: هم في ~~الجنة" (¬1). # واحتجوا - أيضا - بالحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~حديث أبي هريرة وغيره: "كل مولود يولد على الفطرة" (¬2)، قالوا: والفطرة ~~عندنا الإسلام، واحتجوا - أيضا - بحديث عياض بن حمار عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "قال الله سبحانه وتعالى: إني خلقت PageV01P213 # عبادي حنفاء" (¬1)، في حديث طويل ذكره، واحتجوا - أيضا - بحديث أبي رجاء ~~العطاردي عن سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث الرؤيا - ~~الحديث الطويل - وقوله: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ~~عليه السلام، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة"، قال: ~~فقيل: يا رسول الله؛ فأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "وأولاد المشركين". # وفي رواية أخرى عن أبي رجاء العطاردي في هذا الحديث: "والشيخ في أصل ~~الشجرة إبراهيم، والصبيان حوله أولاد الناس" (¬2). # وهذا الحديث محتمل للتأويل أيضا، ليس فيه حجة قاطعة، وبالله التوفيق. # وقد استوعبنا القول في معاني هذا الباب كله، وما تفرق [أهل] (¬3) الإسلام ~~فيه في "التمهيد" (¬4) [وذكرنا فيه] (¬5) ما جاء من الآثار، والحمد لله. # واحتجوا - أيضا - بقول الله عز وجل: {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: ~~38]، وقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]، وقوله: {إنما ~~تجزون ما كنتم PageV01P214 # تعملون} [التحريم: 7]. # قالوا: ومن لم يعمل ولم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء ولم يجز بما لم يعمل. # واحتجوا - أيضا - بالإجماع في رفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في ~~دار الدنيا؛ # قالوا: فالآخرة بذلك أولى، وقالوا: وإذا لم يكونوا في النار بدليل القرآن ~~والسنة؛ لم يكن لهم بد من الجنة؛ لأنه لا دار هناك للقرار إلا الجنة ~~والنار، وقد روى يزيد بن هرمز عن ابن عباس في جوابه لنجدة الحروري، حين كتب ~~إليه يسأله ms46 عن مسائل منها: قتل أولاد المشركين؟ فكتب إليه ابن عباس: "إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقتل أولاد المشركين، وأنت فلا ~~تقتلهم إلا أن تكون تعلم منهم مثل ما علم الخضر من الغلام حين قتله" (¬1)، ~~والكلام في هذا الباب يتسع، وقد طولت فيه الفرق، والله الموفق للصواب. PageV01P215 ### | CHECK 16 - الحديث السادس عشر: حديث أبي (جمرة) إذ سأل ابن عباس عما استيسر من الهدي # الحديث السادس عشر # حديث أبي (جمرة) (¬1) عن ابن عباس إذ سأله عما استيسر من الهدي فقال: ~~"جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم" (¬2). # وحديث علي: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشركه في هديه" (¬3). # قلت: وترك أهل العلم بأجمعهم هذا المعنى، وقالوا: ما استيسر من الهدي؛ ~~شاة (¬4)، قلت: وقد ذكر مالك في "موطئه" ما يوافق قول ابن عباس، PageV01P216 # وهو حديث أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة" (¬1). # فالجواب: # إن حديث ابن عباس وقوله هذا صحيح مستعمل عند جمهور أهل العلم، وليس ~~بمتروك عند جميعهم كما ظننت، بل لا يتركه إلا أقلهم، اللهم إن كنت أدرت ~~ظاهر قوله: "أو شرك في دم"، فتوهمت أن الشاة يجوز فيها الاشتراك؛ لأنه يقع ~~عليها اسم دم، فإن كنت ظننت هذا؛ فهو كما ذكرت، لا يقوله أحد من علماء ~~المسلمين (¬2) - (أي: من) (¬3) وجب عليه دم أنه تجزئه بعض شاة - وإنما أجاز ~~العلماء الاشتراك في البدنة PageV01P217 # والبقرة دون الشاة لكل من لزمه ما استيسر من الهدي لمتعة أو قران أو غير ~~ذلك مما يدخل في الحج؛ لأن البدنة والبقرة تعدل عنهم سبع شياه، وممن أجاز ~~ذلك من أهل العلم؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل ~~وأبو ثور وداود ابن علي (¬1) وعامة الفقهاء، وروى منصور عن ربعي قال: "كان ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: البقرة عن سبعة" (¬2). # وروى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أناس من أصحاب محمد - صلى الله ms47 عليه ~~وسلم - قالوا: "البقرة عن سبعة" (¬3). # وعن علي وابن مسعود قالا: "البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة" (¬4)، وأكثر ~~العلماء على هذا. PageV01P218 # وقد روى ابن عباس والمسور بن مخرمة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نحر يوم الحديبية؛ البدنة عن عشرة" (¬1)، وهذا حديث غير مستعمل عند الجميع ~~(¬2). PageV01P219 # وقد أجمع العلماء أن البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة، وكذلك البدنة (¬1)، ~~وفي إجماعهم على ذلك دليل أن الحديث وهم أو منسوخ، وإنما قلت ذلك - إن هذا ~~إجماع - لأن المسألة على قولين؛ أحدهما نفي الاشتراك في البدنة والبقرة ~~أصلا، والثاني إجازة الاشتراك فيها عن سبعة لا زيادة، وكلا القولين ينفي ~~الاشتراك فيما فوق السبعة، وقد كان زفر بن الهذيل يقول: "إن كان الهدي ~~الواجب على سبعة أنفس وكان من باب واحد، مثل أن يكونوا كلهم وجب عليهم دم ~~مستيسر عن متعة أو غيرها من وجه واحد جاز لهم الاشتراك في البقرة والبدنة ~~إذا كانوا سبعة فأدنى؛ قال: وإن اختلف الوجه منه وجب عليهم الدم، [و] (¬2) ~~لم يجزهم ذلك" (¬3)، وكان أبو ثور يقول: "إن شاركهم ذمي أو من لا يريد ~~الهدي، وأراد حصته من اللحم أجزأ من أراد منهم PageV01P220 # الهدي سبعة ويأخذ الباقون حصتهم من اللحم"، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد: "إن كان منهم ذمي أو من لا يريد الهدي فلا يجزهم عن الهدي" (¬1). # وأما مالك رحمه الله فإنه كان يجيز الاشتراك في هدي التطوع، روى ذلك ابن ~~وهب وغيره عنه، ومن حجته في ذلك: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أشرك عليا في هديه" (¬2)، وكان تطوعا؛ لأنه كان عنده مفردا في حجته - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا يجيز مالك الاشتراك في الهدي الواجب ولا الضحايا إلا ~~أن يتطوع الرجل فيضحي عن نفسه وعن أهل بيته بشاة واحدة، فيجوز ذلك؛ لأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تطوع ببعض ضحاياه عنه وعن أمته (¬3). # وقال ابن شهاب عن عمرة وعروة عن عائشة: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نحر عن نسائه ms48 بقرة واحدة في حجة الوداع بينهن" (¬4)، وروى الأوزاعي ~~عن يحيى بن أبي كثير PageV01P221 # عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله (¬1). # وأنكر مالك الاشتراك في الهدي الواجب والضحايا ومن وجب عليه ما استيسر من ~~الهدي لم يجزه عنده دم منفرد من دماء الأزواج الثمانية أقله شاة منفردة، ~~ولم يكن عنده حديث أبي الزبير معمولا به؛ لأن الآثار اضطربت في نحر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حصره العدو يومئذ فنحر، والنحر ~~عند مالك على المحصر بعدو مستحب وليس بواجب، وأكثر العلماء يوجبونه، وبيان ~~مذاهبهم في ذلك في "التمهيد" (¬2). # ولو رأى مالك رحمه الله أهل بلده يعملون بحديث جابر ما تركه؛ لأنه قد كان ~~عرفه PageV01P222 # ورواه، ومالك يذهب إلى أن الخبر إذا عمل بعض أهل بلده به وأفتوا بخلافه ~~وفشا ذلك عندهم جاز له تركه، وغيره يخالفه في هذا الأصل، والله الموفق ~~للصواب. # وأبو الزبير حافظ متقن ليس به بأس، وجمهور العلماء على الاحتجاج بحديثه ~~وقبوله، ومن جرحه منهم لم يأت في جرحه بحجة (¬1)، والله المستعان. # وقد روى عطاء عن جابر (¬2) مثل رواية أبي الزبير سواء، وروى جعفر بن محمد ~~عن أبيه عن جابر: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشرك عليا في هديه ~~في حجة الوداع"، والحمد لله رب العالمين. PageV01P223 ### | CHECK 17 - الحديث السابع عشر: حديث عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلم من يهودي طعاما إلى أجل وارتهن منه درعا من حديد # الحديث السابع عشر # حديث الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم الرهن في السلم، فقال: حدثني ~~الأسود عن عائشة: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلم من يهودي طعاما ~~إلى أجل وارتهن منه درعا من حديد" (¬1). # وقلت: هل يجوز الرهن (¬2) في السلم (¬3)؟ قلت: وكأنه إذا أحدث في السلم ~~الرهن لا يعرف بما رهن أبرأس المال أو بالمسلم فيه، وإن أخده برأس المال، ~~فرأس PageV01P224 # المال غير الدين، إنما دينه ما أسلم فيه [و] ms49 (¬1) رأس المال لا يجب الطلب ~~به، وإن أخذه بالمسلم فيه فكأنه اقتضاه قبل أجله؟ هذا نص ما ورد في كتابك. # فالجواب: # إن الذي نزع به إبراهيم من حديثه عن الأسود عن عائشة حين سئل عن الرهن في ~~السلم، وجه صحيح قبلة من نظره (¬2)؛ لأن الرهن إذا جاز بالسنة في الدين ~~الثابت من ثمن في طعام أو غيره، فكذلك يحوز في السلم لأنه دين ثابت في ~~الذمة مضمون، كثمن سلعة مبيعة سواء، والقرآن قد أطلق المداينات وعمها، ولم ~~يخص سلما من غير سلم، فأباح فيها الرهن والوثيقة بما أمكن من الإشهاد ~~وغيره؛ قال الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282]. # وقد روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أشهد أن السلف المضمون إلى ~~أجل معلوم بكيل معلوم ووزن معلوم، (أحله) (¬3) الله عز وجل وأذن فيه، PageV01P225 # أما تقرءون: {ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ~~" (¬1). # قال أبو عمر: الرهن والكفيل في السلم جائز عندنا بظاهر القرآن والسنة ~~والقياس على إجماع العلماء على إجازته في الدين المضمون من غير السلم، وهذا ~~كله قول مالك والشافعي و (أبي) (¬2) حنيفة وأصحابهم؛ والرهن عند مالك ~~والشافعي بالمسلم فيه (¬3)، لا برأس المال وبالمسلم فيه فأيهما شاء، قالوا؛ ~~لأن رأس المال كبعض السلم وقد يدخل السلم دواخل فلا يجب إلا رأس المال. # وقال مالك رحمه الله: "يجوز الرهن والكفيل في السلم"، قال: "ولم يبلغني ~~عن أحد أنه كرهه إلا الحسن، وليس به بأس". # قال أبو عمر: ممن أجاز الرهن والكفيل في السلم مجاهد وعطاء (¬4) PageV01P226 # وعمرو بن دينار (¬1) والشعبي (¬2)، وقد روي عن الحسن إجازته (¬3)، وروي ~~عنه كراهته (¬4)، PageV01P227 # وكذلك النخعي اختلف عنه فيه أيضا على حسب ذلك، فروي عنه الوجهان جميعا ~~(¬1)، وكذلك اختلف عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - في ذلك أيضا، ~~فروى خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه كره الرهن والكفيل في السلم. # وروى الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ms50 ابن عباس أنه كان لا يرى ~~بأسا بالرهن والكفيل في السلم (¬2). # وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عمر: أنه كان يجيزه (¬3). PageV01P228 # وروى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~قال: ذلك الربا المضمون (¬1). # وكرهه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (¬2) لم يختلف عنه فيما علمت. # وروى ابن جريج وسفيان بن عيينة عن زياد بن سعيد عن عبد الله بن يزيد عن ~~أبي عياض أن عليا كره الرهن في السلم (¬3). # وروي عن سعيد بن جبير (¬4) وعكرمة مثل ذلك أيضا من كراهته، وهو قول ~~الأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثور، وقد أخبرنا بالصحيح عندنا بما اختلفوا ~~فيه؛ وهو جائز على ما ذكرنا بدليل الكتاب والسنة والقياس على الإجماع (¬5). PageV01P229 # وقد أمر الله عز وجل عند التنازع بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولم يجعل في الاختلاف والتفرق حجة، بل ذم ذلك ومدح ~~الإجماع وتواعد من اتبع غير سبيل المؤمنين أن: {نوله ما تولى ونصله جهنم} ~~الآية، فما أجمعوا عليه فحق، وما اختلفوا فيه فواجب النظر فيه ورده إلى ~~أشبه الأشياء به من الكتاب والسنة والأصول الصحيحة، وبالله التوفيق. # وأما قولك: "إن أخذ الرهن بالمسلم فيه فكأنه اقتضاه قبل أجله"، فقول ~~ضعيف؛ لأن الرهن وثيقة، وليس في الاستيثاق شيء من معنى الاقتضاء لأنه لو ~~شاء أن يتبع الرهن في سلمه قبل حلول أجله لم يكن ذلك له (¬1)، ولو كان ~~الرهن كالقضاء لم يصح بالدين المؤجل أبدا، والرهن أشبه بالإشهاد منه ~~بالاقتضاء، ولذلك جعله الله بدلا من الكتاب والإشهاد بقوله: {ولم تجدوا ~~كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283]، والله أسأل السداد والرشاد. PageV01P230 ### | CHECK 18 - الحديث الثامن عشر: حديث أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها ... الحديث # الحديث الثامن عشر # حديث أبي هريرة: "أن امرأتين من هذيل (¬1) رمت إحداهما الأخرى فطرحت ~~جنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه بغرة عبد أو أمة، ثم إن ~~المرأة التي قضى ms51 عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" (¬2). PageV01P231 # وقلت: وكان ضرب المرأة صاحبتها بالعمود يشبه العمد وطريقه طريق العمد، ~~وقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بالدية على عاقلة (¬1) المرأة، ~~والعاقلة لا تحمل العمد، وإنما تحمل الخطأ؛ وقلت: فكيف وجه خروج هذا ~~الحديث؟ وكيف أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - على عاقلة دية العمد؟ # فالجواب، وبالله عوني وهو حسبي: # إن حديث أبي هريرة هذا فيه ما ذكرت، وهو حديث قد ذكره مالك في "موطئه" عن ~~ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، وعن ~~ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة مسندا (¬2)، ولم يذكر مالك حكم الدية ~~وسكت عن ذلك، وإنما ساق فيه قصة الجنين وحكمه لا غير، وما أظن مالكا - ~~والله أعلم -[ما] (¬3) روى من PageV01P232 # طريق "موطئه" قصة قتل المرأة مع جنينها، وحكم دمها إلا لما بلغه فيه من ~~الاضطراب، فقد اختلفت الرواية في هذا المعنى من الحديث اختلافا كثيرا (¬1)، ~~ولما وجد العمل بالمدينة من نفي شبه العمد (¬2)، والله أعلم. # وإن منهم جماعة ينفون ذلك (¬3)، وهذا الحديث والقصة كلها مدارها على PageV01P233 # حمل بن مالك بن النابغة، رجل من الأعراب من هذيل (¬1)، ولكنه قد روى ~~حديثه هذا معه جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فممن ~~رواه: أبو هريرة (¬2) والمغيرة ابن شعبة (¬3) وابن عباس (¬4) وجابر وغيرهم ~~- رضي الله عنهم -. # فأما حديث أبي هريرة فاختلف فيه على ابن شهاب، وقد ذكرنا ما صنع فيه مالك ~~وذكرنا من تابعه على ذلك في كتاب "التمهيد" (¬5)، وأحسنهم سياقة هنا يونس ~~بن يزيد. PageV01P234 # روى ابن وهب وابن المبارك عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن المسيب ~~وأبي سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فضربت إحداهما الأخرى ~~بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقضى أن دية جنينها عبدا أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلة القاتلة، ms52 ~~فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله؛ أغرم من لا شرب ولا أكل ~~ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك (يطل) (¬1)، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن هذا من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع (¬2). # فاحتج من أثبت شبه العمد بحديث أبي هريرة هذا. # وعن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله (¬3)، وروايات رويت في ~~ذلك أيضا عن حمل PageV01P235 # ابن مالك بن النابغة المذكور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك (¬1). # واحتجوا - أيضا - بحديث خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة بن جوشن (¬2) عن ~~عقبة بن أوس السدوسي عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~عبد الله بن عمرو ابن العاص، هكذا قال حماد بن زيد وغيره: أن رسول الله خطب ~~يوم فتح مكة، فقال في خطبته: "ألا إن قتل الخطإ بالسوط والعصا والحجر فيه ~~دية مغلظة؛ مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها" (¬3). PageV01P236 # وقد روى إسماعيل بن مسلم والحسن بن عمارة عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ~~ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله بمعناه: "من ضرب بعصا أو ~~حجر فديته مغلظة في أسنان الإبل" (¬1). PageV01P237 # قالوا: فقد ثبت بهذه الأحاديث أن شبه العمد ما ليس بعمد محض ولا خطأ محض، ~~وممن قال بإثبات شبه العمد من الفقهاء؛ الشافعي وأبو حنيفة والثوري وعثمان ~~البتي وأصحابهم، وابن شبرمة وابن أبي ليلى والأوزاعي والطبري وأهل الحديث ~~وجماعة فقهاء العراقيين والشاميين وجمهور التابعين. # وقال أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهم: الدية في ذلك على العاقلة، وقال ابن ~~شبرمة والبتي والأوزاعي: هي في مال الجاني مغلظة (¬1). # واختلفوا في كيفية شبه العمد، فجملة قول أبي حنيفة أنه إذا قتله بحديدة ~~أو بلفظة قضيب أو بالنار فهو عمد، وفيه القصاص (¬2)، وما سوى ذلك من العمد ~~لا قصاص فيه، وفيه الدية مغلظة على العاقلة وعلى القاتل الكفارة، وجملة قول ~~أبي يوسف ومحمد أن شبه العمد ما لا يقتل، كاللطمة الواحدة، والضربة الواحدة ~~بالسوط والوكز، ms53 و [لو كرر] (¬3) ذلك حتى صار جملته مما يقتل؛ كان عمدا، ~~وفيه القصاص بالسيف، وكذلك إذا غرقه في ماء بحيث لا يمكنه الخلاص منه، وهو ~~قول عثمان البتي، إلا أنه يجعل دية شبه العمد [في ماله] (¬4) [وقال الثوري: ~~شبه العمد] (¬5) أن يضربه بعصا أو PageV01P238 # حجر أو ببندقة (¬1) فيموت، ففيه الدية مغلظة ولا قود فيه، والعمد ما كان ~~بسلاح، وفيه القود، هذه رواية الأشجعي عنه. # وروى عنه الفضل بن دكين قال: لو أخذ (¬2) عودا أو عظما فجرح به بطن حي ~~(2) فهو شبه عمد، وليس فيه قود (¬3). # وقال الأوزاعي: "إن ضربه بعصا أو سوط ضربة واحدة فمات فذلك شبه العمد، ~~ففيه الدية مغلظة في ماله، وإن (ثنى) (4) بالعصا ثم مات مكانه من الضربة ~~الثانية فعليه القصاص"، [وقال الحسن بن صالح] (¬4) وإن لم يمت من الثانية ~~مكانه ثم مات بعد فهو شبه العمد؛ لا قصاص فيه. # وقال المزني عن الشافعي: إذا عمد رجل بسيف أو حجر أو سنان رمح أو بشيء له ~~حد (يخرق) (¬5) الجلد واللحم إذا ضربه به أو رمى به، فضرب به إنسانا فجرحه ~~جرحا كبيرا أو صغيرا فمات منه فعليه القود، وكذلك إن شدخه بحجر أو تابع ~~عليه الخنق، أو والى عليه بالسوط حتى يموت أو طبق عليه بيتا بغير طعام ولا ~~شراب مدة الأغلب أن يموت في مثلها؛ أو ضربه بسوط في شدة حر أو برد ونحو ذلك ~~مما الأغلب أنه يموت منه، فعليه القود، وإن ضربه بما لا يجرح بحده أو ألقاه ~~في بحر PageV01P239 # قريب البر وهو يحسن العوم أو ما يغلب أنه لا يموت منه فمات فلا قود عليه، ~~وفيه الدية على العاقلة مغلظة (¬1). # وشبه العمد عند الشافعي رحمه الله في الجراح وفي النفس جميعا، وعند أبي ~~حنيفة لا يكون شبه العمد [إلا في النفس] (¬2). # و[قوم] (¬3) أنكروه؛ منهم مالك والليث وجماعة من أهل المدينة، قال مالك ~~رحمه الله: "شبه العمد باطل، إنما هو عمد أو خطأ، ومن ضرب (أحدا) (¬4) بعصا ~~أو رماه بحجر فهو عمد، وفيه القصاص، ms54 فإن انصرف عنه وهو حي ثم مات كانت فيه ~~القسامة (¬5) " (¬6). PageV01P240 # وقال الليث: "كل ما عمد به إنسان إنسانا فضربه به فمات المضروب، ففيه ~~القصاص، ولو ضربه بأصبعه" (¬1). # ومن الحجة لقائل هذه المقالة: أن القرآن إنما نطق بالعمد والخطأ، ~~والأحاديث في شبه العمد مضطربة، فأما الحديث المأثور في المرأة الهذلية ~~التي رمت صاحبتها بحجر أو بمسطح فقتلتها وجنينها فقد روي على نحو ما ذهبنا ~~إليه، وعلى خلاف ما تقدم، روى أبو عاصم النبيل (¬2) وحجاج بن محمد عن ابن ~~جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس: "أن عمر بن الخطاب ~~أنشد الناس ما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين، فقام ~~حمل بن مالك بن النابغة، فقال: إني بين امرأتين؛ وإن إحداهما ضربت الأخرى ~~بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين ~~بغرة، وقضى في المرأة أن تقتل مكانها" (¬3). PageV01P241 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P242 # أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: ثنا محمد بن بكر بن داسة ~~التمار بالبصرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا محمد بن مسعود قال: ثنا أبو ~~عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع طاووسا عن ابن عباس عن ~~عمر: أنه سأل عن قصة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فقام حمل بن ~~مالك بن النابغة فقال: "كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ~~فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرة ~~وأن تقتل". # وذكر الطحاوي (¬1) أن حجاج بن محمد الأعور تابع أبا عاصم على روايته هذه ~~عن ابن جريج بإسنادها ومتنها، وذكر في المرأة أن تقتل مكانها. # ففي هذا الحديث أنه قضى في المرأة بالقتل لا بالدية، فلا وجه لإثبات شبه ~~العمد بما قد اختلف فيه ولم يثبت، والأحكام لا تستقر إلا بما ثبت ولم ~~يعارضه ما ينقضه. # فإن قيل: إن الحميدي روى هذا الحديث عن هشام بن سليمان المخزومي عن ابن ~~جريج بإسناده (¬2)، [و] (¬3) أن ابن عيينة رواه عن ms55 عمرو عن طاووس مرسلا ~~(¬4)، ولم يذكر قتل المرأة، وإن ذكر قتل المرأة غلط من أبي عاصم؟ # قيل له: تابعه حجاج بن محمد مع معرفته بابن جريج، ولو تفرد بها أبو عاصم PageV01P243 # وجب أن تقبل (¬1) لأنها زيادة على ما قصر عنه ابن عيينة وهشام بن سليمان ~~عن ابن جريج؛ لأنهم لم يذكروا قتل المرأة، ولا ديتها، وقد ذكر أبو عاصم ~~وحجاج ما حذفه ابن عيينة (¬2)، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أسعى شبه العمد، وقال: "يعمد أحدكم فيضرب أخاه بالعصا، ثم يقول: لا قود ~~علي، لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدت منه" (¬3). # وللذين أثبتوا شبه العمد اعتراض في حديث حمل بن مالك بن النابغة هذا، ~~قالوا: إن كان ابن عيينة لم يذكر فيه قتل المرأة، فإن محمد بن مسلم الطائفي ~~وحماد بن زيد (¬4) ومحمد بن أبي جحادة (رووا) (¬5) هذا الحديث عن عمرو بن ~~دينار عن ابن طاووس (¬6) أن عمر، هكذا مرسلا، كما رواه ابن عيينة، وقالوا ~~فيه: "وقضى في المرأة بالدية". PageV01P244 # قالوا: فقد ثبت شبه [العمد] (¬1) في خبر حمل بن مالك - أيضا - كما ثبت من ~~رواية أبي هريرة وجابر وغيرهما. # قالوا: وأكثر أحوال خبر حمل بن مالك بن النابغة أن تجعل الرواية فيه ~~معارضة فيسقط، وخبر أبي هريرة وجابر لم يختلف عنهما فيه أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "قضى على عاقلة القاتلة بالدية". # قالوا: وقد روى شعبة وغيره عن قتادة عن أبي المليح الهذلي (¬2) عن حمل ~~ابن مالك بن النابغة هذه القصة في الجنين والمرأة، وذكر أنه جعل دية المرأة ~~على عاقلة قاتلتها، ولم يختلف في ذلك عن قتادة (¬3). # قالوا: وقد روى خبر ابن عباس سماك عن عكرمة عن ابن عباس، فذكر أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "قضى بعقل المقتولة على العاقلة، وقضى في ~~الجنين بغرة" (¬4). PageV01P245 # فهذا يقضي على خبر طاووس المختلف. # قالوا: وقد روي عن علي أنه أثبت شبه العمد، وروى شريك وغيره عن أبي إسحاق ~~(¬1) عن عاصم بن ضمرة عن علي ms56 - رضي الله عنه - قال: "شبه العمد بالعصا ~~والحجر، وليس فيه قود" (¬2). # وأما حديث جابر فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال: ثنا قاسم بن أصبغ قال: ~~ثنا بكر بن حماد قال: ثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد - يعني: ابن زياد - ~~قال: ثنا مجالد (¬3) عن الشعبي عن جابر: أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما ~~الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~"دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ أهلها (¬4) وولدها"، فقال: عاقلة ~~القاتلة ميراثها لنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ميراثها PageV01P246 # لزوجها وولدها" (¬1)، قال: وكانت حبلى وألقت جنينها فجاءت عاقلة القاتلة ~~أن تضمنهم، فقالوا: يا رسول الله؛ لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا سجع الجاهلية، فقضى في الجنين بغرة ~~عبد أو أمة" (¬2). # وقد ذكرنا في كتاب "التمهيد" (¬3) كثيرا من آثار هذا الباب عن جماعة من ~~الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما حديث المغيرة بن شعبة فذكر فيه جرير عن منصور عن إبراهيم عن عبيد ~~ابن (نضيلة) (¬4) عن المغيرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~دية المقتولة على عصبة القاتلة و (غرة) (¬5) لما في بطنها" (¬6). # قال أبو داود: "هكذا رواه الحكم عن مجاهد عن المغيرة" (¬7). PageV01P247 # وقلت أنا: وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن منصور بإسناده ومعناه سواء، ~~وكذلك رواه - أيضا - سليمان التيمي عن منصور بإسناده مثله، وأما شعبة فرواه ~~عن منصور بإسناده، وقال فيه: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في ~~الجنين بغرة وجعلها على عاقلة المرأة" (¬1)، ففي حديثه هذا؛ أن دية الجنين ~~جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على العاقلة، ولم يذكر شعبة في ~~حديثه هذا دية المرأة ولا قتلها، ويمكن أن تكون الدية المجعولة على العاقلة ~~في حديث الهذليين دية الجنين دون غيرها والله أعلم. # فلا يكون فيه على مالك حجة، وأما الرواية التي شهد محمد بن مسلمة للمغيرة ~~في هذا الحديث فإنما هي في ذكر الجنين ms57 لا غير (¬2)، وقد ذكرنا الاختلاف في ~~دية الجنين على من تجب والحجة لكل قول منها في "التمهيد"، وبالله العون ~~والتوفيق. PageV01P248 ### | CHECK 19 - الحديث التاسع عشر: حديث ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم # الحديث التاسع عشر # حديث ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: "مره ~~فليراجعها، ثم ليمسكها بعد حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ~~وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (¬1). # قلت: وروى يونس بن جبير (¬2) عن ابن عمر أنه قال: "مره: فليراجعها، قلت: ~~أتحتسب بها؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق؟ " (¬3) قلت: فهذا مشكل جدا. # هذا لفظ كتابك. PageV01P249 # فالجواب: # إني لا أدري ما أشكل عليك من ذلك، وليس فيه سؤال عن معنى، والمعاني فيه ~~كثيرة، وقد ذكرتها في كتاب "التمهيد" مستوعبة (¬1) فتأملها يغنيك ذلك إن ~~شاء الله تعالى. # وأما قول ابن عمر لأبي غلاب يونس بن جبير: "أرأيت إن عجز واستحمق؟ " ~~فمعناه عند أهل العلم: الإنكار عليه في قوله: "أتحتسب؟ "، فكأنه قال: وهل ~~في (¬2) PageV01P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P251 ### | CHECK 20 - الحديث العشرون: ساقط من الأصل # الحديث العشرون (¬1) # عليه وسلم. . . . (¬2) في يمينه أن لا يحسن إلى أهله أعظم إثما من أن ~~يحنث نفسه، ويكفر عن يمينه ويحسن إليهم، فينبغي لمن حلف على أهله في يمين ~~ليس في الحنث فيها إتيان محظور أن يكفر عن يمينه، ويأتي ما حلف أن لا يأتيه ~~من ذلك، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم ~~لأهلي" (¬3)، وكما لا ينبغي أن يحلف المرء أن لا يبر ولا يتقي ولا يصلح بين ~~الناس. PageV01P252 ### | CHECK 21 - الحديث الحادي والعشرون: حديث عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رأيتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير ... # الحديث الحادي والعشرون # هي المسألة التي ms58 ختمت بها كتابك وزعمت أنها من معضلات المسائل، وقلت: إنا ~~تنازعنا في رؤيا الأنبياء عليهم السلام إن كانت كلها وحيا، وهل يجوز فيها ~~الضغث؟ وقلت: احتج من جوز الضغث فيها بحديث عائشة - رضي الله عنها - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيتك في المنام يجيء بك الملك في ~~سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، وأكشف الثوب، وأقول: إن يكن هذا من عند ~~الله يمضه" (¬1). # فقال المعترض: كيف يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن يكن هذا من ~~عند الله يمضه" وهو يعلم أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام كلها وحي، وأنها من ~~عند الله. # واحتج - أيضا - بحديث نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح في ~~سفره حتى طلعت الشمس (¬2). PageV01P253 # واحتج برؤيا يوسف عليه السلام: {هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا} [يوسف: 100]، قال: فلو كانت رؤيا الأنبياء كلها حقا ما قال: {قد جعلها ~~ربي حقا}. # قلت: واحتج عليه من خالفه ولم يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الضغث في رؤياه بقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: "رؤيا الأنبياء وحي" ~~(¬1)، ويقوله: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ~~ما تؤمر} [الصافات: 102]، واحتج - أيضا - بقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي" (¬2). # قال: ولو كان هو وغيره سواء (¬3). # فأفتنا بالصواب مأجورا إن شاء الله تعالى. # فالجواب: # إن الصحيح عندنا في هذه المسألة ما قاله ابن عباس: "رؤيا الأنبياء حق"؛ ~~لأنه قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ~~تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا" (¬4)، وما نزع به ابن عباس من كتاب الله قوله ~~تعالى: {ياأبت افعل ما تؤمر}، فجعله مأمورا PageV01P254 # من ربه بما أراه في منامه. # وفي الحديث المأثور في الذبيح: أن إبليس لما اعترض إبراهيم في مسيره ~~بابنه إلى الذبح قال له إبراهيم: "إن ربي أمرني بذلك" (¬1)، فهذا كله يعضد ~~قول ابن عباس: "رؤيا الأنبياء وحي". # ولا أعلم لابن عباس في ms59 ذلك من الصحابة مخالفا. # وأما ما نزع به المخالف من حديث عائشة: "إن يكن هذا من عند الله يمضه"، ~~فالجواب عن ذلك؛ أن تلك الرؤيا كانت بمكة قبل المبعث (¬2)، ومن قول يوسف ~~عليه السلام: PageV01P255 # {قد جعلها ربي حقا} فلا حجة له فيما نزع به من ذلك بما ظنه من تأويلها ~~وقد كان يوسف رآها وهو غلام، وأما احتجاجه بنوم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في سفره عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، فجهل وعي وغباوة؛ لأنه ليس من هذا ~~الباب في شيء، وإنما هو من باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني أنسى كما ~~تنسون" (¬1)، وفي حديث آخر: "إني لأنسى لأسن" (¬2) - شك المحدث - وكان نومه ~~في سفره ذلك ليقع بيانه في أن الناسي PageV01P256 # لا يسقط عنه من الصلاة ما فرض عليه، وإن النائم وإن كان القلم عنه مرفوعا ~~فإن فرض الصلاة غير ساقط عنه، وليس منه ذلك عملا وقولا، كما سكت عن السائل ~~عن وقت الصلاة فأراه العمل أول وقتها وآخره كما قال: "صلوا كما رأيتموني ~~أصلي" (¬1)، وقال في حجته: "خذوا عني مناسككم" (¬2)، ليقع البيان منه عملا ~~كما كان يقع منه قولا، قال الله عز وجل مخاطبا له صلوات الله وسلامه عليه: ~~{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]. PageV01P257 # فهذا باب ليس من الباب الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم؛ الموفق للصواب، ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأزواجه، وأصحابه ~~صلاة دائمة بلا انقضاء ولا نهاية، الحمد لله رب العالمين، حمدا يوافي نعمه، ~~ويكافئ مزيده (¬1). PageV01P258 ms60